{"page_id":7584802,"book_id":8507,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"الدكتور\rحسن إسماعيل عبد الرازق\rرئيس قسم البلاغة بكلية اللغة العربية\rجامعة الأزهر - بالزقازيق\r\rدلائل الإعجاز\rبين أبي سعيد السيرافي وعبد القاهر الجرجاني\r\rالطبعة الأولى\r١٤١١ هـ - ١٩٩١ م\rحقوق الطبع محفوظة للمؤلف\r\rدار الطباعة المحمدية ٣ درب الأتراك بالأزهر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584803,"book_id":8507,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":2,"body":"الدكتور\rحسن إسماعيل عبد الرازق\rرئيس قسم البلاغة بكلية اللغة العربية\rجامعة الأزهر - بالزقازيق\r\rدلائل الإعجاز\rبين أبي سعيد السيرافي وعبد القاهر الجرجاني\r\rالطبعة الأولى\r١٤١١ هـ - ١٩٩١ م\rحقوق الطبع محفوظة للمؤلف\r\rدار الطباعة المحمدية ٣ درب الأتراك بالأزهر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584804,"book_id":8507,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":3,"body":"[مقدمة]\r﷽\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد:\rفقد عرف أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي المتوفي سنة ٣٦٨ هـ، بإنه إمام في النحو؛ وعلوم أخرى؛ كاللغة، والشعر، والعروض، والقوافي، والقرآن، والفرائض والحديث، والكلام، والحساب، والهندسة، ولكن شهرته بالنحو كانت أكثر، فقد كان قرين أبى على الفارسي، ونظيره في النحو والصرف.\rغير أن لأبي سعيد السيرافي كتاباً في صنعة البلاغة والشعر؛ ولكنه لم يصل إلينا؛ ولم ندر ما فيه؛ كما أن مناظرة قد جرت بينه، وبين متى بن يونس القنائى المنطقي في المفاضلة بين النحو والمنطق؛ ونقلها تلميذه أبو حيان التوحيدي في \"الإمتاع والمؤانسة\" و \" المقابسات\" كما نقلها ياقوت في \" معجم الأدباء\"؛ وفيها ظهرت بذور نظريتي \" النظم\" و \" البيان\" اللتين أدار عليهما الإمام عبد القاهر الجرجانى كتابه: \" دلائل الإعجاز\" ومن النظريتين تفرعت مسائل البلاغة العربية، وتنوعت إلى علومها الثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع، ودارت حولها مباحث البلاغيين؛ من شروح وتعليقات، ومتون وتلخيصات إلى يومنا هذا.\rومن هنا يكون أبو سعيد السيرافي إماماً في البلاغة بلا جدال.\rوإذا كان الوزير: أبو الفتح، الفضل بن جعفر بن الفرات، الذي جرت المناظرة بمجلسه قد قال لأبى سعيد السيرافي بعد الانتهاء من مناظرته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584805,"book_id":8507,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":4,"body":"\" ولقد حكت طرازاً، لا يبليه الزمان، ولا يتطرق إليه الحدثان\" فإن هذا الطراز الذي قصده، إنما هو نظرية النظم التي تفرعت عنها علوم البلاغة فيما بعد.\rومع هذا فإنك تجد البلاغيين والنقاد في العصر الحديث يكادون يجمعون على أن عبد القاهر هو صاحب نظرية النظم؛ وإن كان منهم من حاول الخروج على هذا الإجماع، بأن عبد القاهر قد استقاها من القاضي عبد الجبار الأسد أبادى قاضى قضاه الدولة البوبهية والمتوفي سنة ٤١٥ هـ، ومنهم من صرح بأن أبا سعيد قد سبق عبد القاهر إلى تلك النظرية؛ دون أن يدخل في تفاصيل هذا الأمر.\rولما قرأت مناظرة أبى سعيد، وأمعنت النظر فيها، وفى دلائل الإعجاز، وقارنت ما جاء في \" المناظرة\" بما جاء في \" الدلائل\" تبين لي ما هو أكثر من ذلك بكثير؛ وهو: أن رد أبى سعيد السيرافي على متى بن يونس - في المناظرة التي جرت بينهما -كان هو الأساس الذي بنى عليه عبد القاهرة الجرجانى كتابه: \" دلائل الإعجاز؛ بل إن ما قاله أبو سعيد السيرافي - في تلك المناظرة - يعد \" متناً\" وضعه عبد القاهر أمامه، وجعل كتابه شرحاً لهذا \" المتن\"؛ والدليل على ذلك ما يلي:\rأولاً: أن الأفكار التي وردت في \" الدلائل\" هي نفس الأفكار التي وردت في المناظرة.\rثانياً: ان تلك الأفكار قد جاءت في \" الدلائل\" مرتبة على حسب ترتيبها في المناظرة.\rثالثاُ: أن عبد القاهر - في الدلائل - لم يكد يأتي بأفكار جديدة لم تكن في المناظرة. وإنما قام الكتاب كله على نظرية \" النظم\" وشرحها؛ وإقامة الدليل على صحتها بما قرأه في كتب النقاد السابقين؛ كالوساطة للقاضي على بن عبد العزيز الجرجاني، والصناعتين؛ لأبى هلال العسكري، ونقد الشعر؛ لأبى الفرج قدامة بن جعفر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584806,"book_id":8507,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":5,"body":"رابعاً: أن طريقة الكتاب هي طريقة المناظرة؛ وليست طريقة كتاب تعد أفكاره، وتنظم، كالذي نجده في أسرار البلاغة؛ ولهذا فإنه يكثر من قوله: (فإن قلتم: كذا) (قلنا: كذا).\rوهذا هو السر في أنه يقول في أوائل \"الدلائل\"، \" وليس يتأتى لي أن أعلمك من أول الأمر - في ذلك - آخره، وان أسمى لك الفصول التي في نيتي ان احررها بمشيئة الله ﷿ حتى تكون على علم بها قبل موردها عليك، فاعمل على ان ههنا فصولا، يجئ بعضها في إثر بعض (١).\rومن الغريب حقاً: أن لا يذكر الإمام عبد القاهر مصدر فكرته - في الدلائل -، وهو: مناظرة أبى سعيد السيرافي بل إنه لم يجر ذكرا لأبى سعيد السيرافي، في الدلائل الإعجاز!\rهذا: في الوقت الذي يذكر فيه أبا على الفارسي - وقد كان قرين أبى سعيد السيرافي ونظيره في النحو والصرف - ثلاث مرات في دلائل الإعجاز، وهي: قوله: \" ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو على في الإغفال\" (٢) وقوله: \" قال الشيخ أبو على في \" الشيرازيات\" (٣)، وقوله: \" أنشد الشيخ أبو على في التذكرة\" (٤).\rفهو - كما ترى لا يكتفى بذكر \" الشيخ أبى على \" بل إنه يحدد الكتاب الذي أخذ منه، كالإغفال، والشيرازيات والتذكرة!\rوالأغرب من هذا: أن عبد القاهر قد رفض رأياً لأبى سعيد السيرافي - وهو يؤلف الدلائل - ولم يشر إليه إمعانا منه في إخفاء ذكره! ، وذلك عند شرح سيبوبه لقول الخنساء:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584807,"book_id":8507,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":6,"body":"ترعى إذا نسيت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار\rفجعل الإقبال والإدبار مجازاً على سعة الكلام، كقولك: نهارك صائم، وليلك قائم حيث يقول أبو سعيد السيرافي: في شرحه للكتاب: \" يقدرون مثل هذا على تقديرين:\rأحدهما: أن يقدروا مضافاً إلى المصدر ويحذفونه كما يحذفون في \"واسال القرية\".\rوالوجه الثاني: أن يكون المصدر في موضع اسم الفاعل؛ وكان الزجاج يأبى إلا الوجه الأول؛ ومما يقوى الثاني: أنك تقول: رجل ضخم وعبل؛ فتجعلهما في موضع اسم الفاعل، وليسا بمصدرين لضخم، وعبل\" وعلى كلام أبى سعيد السيرافي: فالمجاز: مجاز حذف، أو مجاز مرسل علاقته التعلق بالاشتقاق (١).\rولكن عبد القاهر يرفض الوجهين كليهما؛ وينظم البيت في سلك ما أسماه بالمجاز الحكمي؛ قائلاً: إن الخنساء لم ترد بالإقبال والإدبار غير معناهما؛ فتكون قد تجوزت في نفس الكلمة؛ وإنما تجوزت في أن جعلتها؛ لكثرة ما تقبل وتدبر، ولغلبة ذاك عليها، واتصاله بها، وأنه لم يكن لها حال غيرهما؛ كأنهما قد تجسمت من الإقبال والإدبار؛ وإنما يكون المجاز في نفس الكلمة لو أنها قد استعارت الإقبال، والإدبار لمعنى غير معناهما الذي وضعا له في اللغة؛ ومعلوم: أن ليست الاستعارة مما أرادته في شيء ثم يقول: \" وأعلم أن ليس بالوجه: أن يعد هذا - على الإطلاق - معد ما حذف منه المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ مثل؛ قول الله ﷿: \" وإن كنا نراهم يذكرونه حيث يذكرون المضاف المحذوف من نحو الآية .. في سبيل ما يحذف من اللفظ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584808,"book_id":8507,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":7,"body":"ويراد في المعنى؛ وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء؛ لأنا إذا جعلنا المعنى فيه كالمعنى إذا نحن قلنا: فإنما هي ذات إقبال وإدبار؛ أفسدنا الشعر على أنفسنا، وخرجنا إلى شيء مغسول وإلى كلام عاهى مرذول .. \".\rفالوجه: أن يكون تقدير المضاف في هذا: على أنه لو كان الكلام قد جيء به على ظاهره، ولم يقصد به إلى الذي ذكرنا من المبالغة والاتساع، وان تجعل الناقة كأنها صارت بجملتها إقبالاً وإدباراً حتى كأنها قد تجسمت منهما. لكل حقه حينئذ أن يجاه فيه بلفظ الذات؛ فيقال، إنما هي ذات إقبال وإدبار؛ فأما أن يكون الشعر الآن موضوعاً على إرادة ذلك، وعلى تنزيله منزلة المنطوق به؛ فما لا مساغ له عند من كان صحيح المعرفة؛ نسابة للمعاني\" (١)\rفما الذي جعل عبد القاهر الجرجاني يذكر أبا على الفارسي في الدلائل - ثلاث مرات؛ بل ويذكر كتبه التي تقل منها؛ وهي: \" الإغفال\" و \" الشيرازيات\" و \" التذكرة\" ولا يذكر أبا سعيد السيرافي؛ مع أن الفكرة التي قامت عليها\" الدلائل\" نابعة من مناظرته؟ !\rربما كان ذلك راجعاً إلى ما يلي:\rأولا: أن عبد القاهر قد أراد أن تسلم له نظرية النظم؛ فتذكر له، ويذكر بها، فلا تنسب إلى أبى سعيد السيرافي؛ ولا يذكر بها وقد كان لعبد القاهر ما أراد؛ فما من بلاغي، أو ناقد أدبي يذكر التظلم إلا ويذكر عبد القاهر أو يذكر عبد القاهر إلا ويذكر النظم!\rثانياً: أن عبد القاهر نفسه قد شرح كتاب \"الإيضاح\" في النحو؛ لأبى على الفارسي، في ثلاثين جزءاً؛ ثم اختصره في ثلاثة مجلدات؛ وأسماه: \" المقتصد\".\rثالثاً: أنه كان بين أبى سعيد السيرافي، وبين أبى على الفارسي ما بين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584809,"book_id":8507,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":8,"body":"العلماء من تنافس وتحاسد؛ وقد كان عبد القاهر من تابعي مدرسة أبى على الفارسي في النحو، إذ يذكر أبو حيان التوحيدي أن أبا على الفارسي قد اشتري شرح أبى سعيد السيرافي، في الأهواز عند توجيه إلى بغداد .. وأن هذا حديث شهور؛ وإن كان أصحابه يأبون الإقرار به؛ إلا من زعم أنه أراد النقض عليه، وإظهار الخطأ فيه (١)؛ كما انه يذكر - أيضاً - أن أبا على الفارسي كان غائباً عن المجلس الذي جرت فيه المناظرة بين أبى سعيد السيرافي ومتى بن يونس، فلما حدث بما كان، أصبح يكتم الحسد لأبى سعيد؛ على ما فاز به؛ من هذا الحديث المشهور، والثناء المذكور - على حد تعبيره (٢).\rولهذا: فإنني قد رأيت أنه من الإنصاف للحقيقة أن أكتب هذه الصفحات؛ مرجعاً الفضل إلى أهله، ومبيناً المنابع الحقيقة التي استقى منها عبد القاهر الجرجانى أفكار كتابه: \" دلائل الإعجاز\" بعد ان ظلت تلك المنابع قروناً عديدة في زوايا الإهمال، وخبايا النسيان! ؛ واجباً من الله تعالى أن يوفقني فيما إليه قصدت من المشاركة في الحفاظ على تراث اللغة العربية الفصحى؛ لغة القرآن الكريم، وما توفيقي إلا بالله؛ عليه توكلت وإليه أنيب؟ .\rأ. د. حسن إسماعيل عبد الرازق\rرئيس قسم البلاغة بكلية اللغة العربية بالزقازيق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584810,"book_id":8507,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":9,"body":"دليل الكتاب\rأولاً: التمهيد.\r(أ) أبو سعيد السيرافي، ومتى بن يونس.\r(ب) القاضي عبد الجبار، وعبد القاهر الجرجاني.\r(ج) \" دلائل الإعجاز\" قبل عبد القاهر.\rثانياً: \" دلائل الإعجاز\" بين السيرافي، والجرجاني.\rالقسم الأول: منابع\" الدلائل\" في مناظرة أبى سعيد:\r١ - الفارق الزمني بين (أسرار البلاغة) و (دلائل الإعجاز)\r٢ - الدافع إلى تصنيف \" الدلائل\".\r٣ - مناظرة أبى سعيد السيرافي.\r٤ - الأفكار التي تضمنتها المناظرة.\rالقسم الثاني: الأسس التي قامت عليها \" الدلائل\"\r١ - الطائفة التي زهدت في علم النحو.\r٢ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم.\r٣ - \" المدخل إلى دلائل الإعجاز\".\r٤ - خطوات عملية النظم.\r٥ - تشبيه النظم بالنسج.\rالقسم الثالث: إثبات النظرية لأبى سعيد السيرافى:\r(أ) \" دلائل الإعجاز\" شرح لمناظرة أبى سعيد السيرافي.\r(ب) الرد على من يثبت النظرية لعبد الجبار.\r(جـ) حصيلة هذا البحث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584811,"book_id":8507,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":10,"body":"التمهيد\rأولاً:\r(أ) السيرافي، ومتى بن يونس والمناظرة بينهما.\r(ب) عبد الجبار، وعبد القاهر، وما يشبه المناظرة بينهما.\r(جـ) \"دلائل الاعجاز\" قبل عبد القاهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584812,"book_id":8507,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":11,"body":"(أ) أبو سعيد السيرافي ومتى بن يونس\rأما أبو سعيد السيرافي:\rفهو: أبوسعيد، الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي النحوي، وهو إمام في النحو واللغة والشعر والعروض والقوافي، والفرائض والحديث والفقه والكلام والحساب والهندسة.\rوقد ولد بسيرافي سنة ٢٨٠ هـ بفارس على ساحل البحر مما يلي كرمان، وبها بدأ طلبه للعلم، ثم خرج منها إلى عمان وتفقه بها، وأقام بعسكر مكرم؛ ثم انتقل إلى بغداد، وأقام بها حتى توفى سنة ٣٦٨ هـ (١).\rوقد كان - وهو في بغداد - مقصد الأمراء والعظماء في الأمصار المختلفة؛ يبعثون إليه يسألونه عما أشكال عليهم؛ إذ كتب إليه نوح بن نصر الساماني سنة ٣٤٠ هـ كتاباً خاطبه فيه بالإمام، وسأله عن مسائل تزيد على أربعمائة؛ أغلبها ألفاظ لغوية، وأمثال يسأله فيها عن صحة نسبتها إلى العرب.\rوكتب إليه الوزير البلعمي كتاباً خاطبه فيه بإمام المسلمين؛ سأله فيه عن مسائل في القرآن الكريم؛ وكتب إليه المرزبان بن محمد ملك الديلم من أذربيجان كتاباً خاطبه فيه بشخص الإسلام؛ سأله فيه عن مائة وعشرين مساله: أكثرها في القرآن وأحاديث.\rوكتب إليه ابن حنزاية؛ الوزير المصري كتاباً خاطبه فيه بالشيخ الجليل، سأله فيه عن ثلاثمائة كلمة، من فنون الحديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584813,"book_id":8507,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":12,"body":"وكتب إليه أبو جعفر ملك سجستاني كتاباً؛ خاطبه فيه بالشيخ الفرد وسأله فيه عن سبعين مسألة في القرآن الكريم، ومائة كلمة في العربية، وثلاثمائة بيت من الشعر، وأربعين مسألة في الأحكام، وثلاثين مسألة في الأصول على طريق المتكلمين؛ فأجاب عنها كلها، وتقع الأسئلة والأجوبة في نحو ألف وخمسمائة ورقة (١).\rوكان أبو سعيد قد ولى القضاء في بغداد على الجانب الشرقي، ثم على الجانبين؛ وأفتى في جامع الرصافة، خمسين سنة على مذهب أبى حنيفة، فما عثر له على زلة، ولا وجد له خطأ، مع دين وافر؛ وأمانة تامة (٢)، وكان يميل إلى الاعتزال، وكان بينه وبين أبى الفرج الأصفهاني ما جرت العادة بمثله بين الفضلاء من التنافس (٣).\rوكان ورعا، زاهدا، لا يأكل إلا من كسب يده؛ فكان لا يخرج إلى مجلس الحكم، ولا إلى مجلس التدريس حتى ينسخ عشر ورقات، يأخذ أجرتها عشرة دراهم، تكون كفاية مؤونته.\rوكان أبو سعيد حسن الخط، طلب إليه أن يعمل في ديوان الإنشاء، فأبى وقال: هذا أمر يحتاج إلى دربة، وأنا منها عار، وسياسة وأنا فيها غريب (٤).\r\rومن تلاميذه: أبو حيان التوحيدي الذي حكى عنه مناظرة جرت بينه وبين متى بن يونس في مجلس الوزير أبى الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات في المفاضلة بين النحو والمنطق، أدعى فيها متى أن المنطق لازم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584814,"book_id":8507,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":13,"body":"للنحوي، بينما المنطقي ليس بحاجة إلى النحو، ولكن أبا سعيد ما زال ينتقل به من فن إلى فن ومن مساله إلى أخرى حتى أثبت له حاجة المنطقي إلى النحو، لا حاجة النحوي ألي المنطق، وذلك من خلال رده المفحم عليه، وما زال به حتى تفوض المجلس، وأهله يتعجبون من رباطة جأش أبى سعيد وتصرف لسانه وتهلل وجهه، وتتابع فوائده، ثم قال له الوزير:\rعين الله عليك أيها الشيخ، فقد فديت أكباداً، وأقرر عيوناً، وبيضت وجوها، وحكت طرازاً، لا تبلية الأزمان، ولا تطرقه الحدثان.\rوكان نظير أبو سعيد، وقرينه - في النحو والصرف - أبو على الفارسي - وهو من أعلام الدولة البويهيميه، وولد بفارس، وأتى بغداد سنة ٣٠٧ هـ، وأقام بها يشتغل بالعلم، ثم رحل إلى حلب، وأقام عند سيف الدولة، في حلبته. وله مه المتنبي مناظرات، ثم انتقل إلى فارس وصحب عضد الدولة، وعلت منزلته عنده وألف له أبو على كتاب\" الاتضاح\" و \" التكملة\" في النحو، ورحل إلى بلاد كثيرة، وكان يدون ما يجرى له من مناظرات في كل بلد، في كتاب، كالحليبات، والبغداديات، والشيرازيات، وهكذا، وقد وازن أبو حيان التوحيدي بين أستاذه أبى على السيرافي، وبين أبى على الفارسي ففضل أبا سعيد، لسعة عليه، وتقواه، وقال: إن أبا على كان يشرب ويتخالع، ويفارق هدى أهل العلم (١).\r\rومن مؤلفات أبى سعيد السيرافي: كتاب صنعة البلاغة والشعر، - ولم يصل إلينا - وكتاب: \" شرح كتاب سيبوبه، في ثلاثة آلاف ورقة بخطة، في السلمانى، وما عمل مثله أحد، وكتاب: \" المدخل إلى سيبويه\" وكتاب: \" شواهد كتاب سيبويه\" وكتاب\" الوقف والابتداء، وكتاب ألفات القطع والوصل، وكتاب أخبار النحويين البصريين، وكتاب\" مقصورة ابن دريد\" وكتاب \" جزيرة العرب\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584815,"book_id":8507,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":14,"body":"ويذكر أبو حيان التوحيدي: أن أبا على الفارسي قد اشترى شرح أبى سعيد في الاهواز، في توجهه إلى بغداد لاحقا بالخدمة الموسومة به، والندامة الموقفة عليه بألقي درهم، وأن هذا حديث مشهور، وإن كان أصحابه بأبون الإقرار به، إلا من زعم أنه أراد النفض عليه، وإظهار الخطأ فيه (١).\rومما يؤيد تفوق أبى سعيد على أبى على الفارسي، تلك المناظرة التي أثبت فيها حاجة المنطقي إلى النحو دون حاجة النحوي إلى المنطق، مما جعل الوزير أبا الفتح، الفضل بن الفرات بقول له: ما بعد هذا البيان من مزيد، ولقد جل علم النحو عندي بهذا الاعتبار، وهذا الاسفار، وقد كان أبو على غائباً عن المجلس فلما حدث بما كان أصبح يكتم الحسد لأبى سعيد على ما فاز به من هذا الخبر المشهور، والثناء المذكور - على حد تعبير أبى حيان التوحيدي (٢).\rكما أن هناك مقارنة بين أبى الحسن الرماني، وأبى على الفارسي، وأبى سعيد السيرافي، في النحو لبعض أهل الأدب، ذكرها ابن الأنباري في \" نزهة الألباء\" (٣).\rيقول فيها: كنا نحضر عند ثلاثة مشايخ من النحويين، فمنهم من لا نفهم من كلامه شيئاً، ًمنهم: من نفهم بعض كلامه دون البعض، ومنهم من نفهم جميه كلامه، فأما من لا نفهم من كلامه شيئا: فأبو الحسن الرماني، وأما من نفهم بعض كلامه، دون البعض: فأبو على الفارسي، وأما من نفهم جميع كلامه: فأبو سعيد السيرافي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584816,"book_id":8507,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":15,"body":"وأما متى بن يونس:\rفهو: أبو بشر متى بن يونس، أو يونان القنائى، نسبة إلى ديرقنا\" وهو - كما يقول ياقوت - على بعد ستة عشر فرسخا من بغداد، وقد مات ببغداد سنة ٣٢٨ هـ.\rوقد كان ذا منزلة علمية مرموقة، فقد انتهت إليه رياسة المنطقيين في عصره - كما يقول صاحب الفهرست ويضيف إلى هذا قوله: \" وفسر الكتب الأربعة في المنطق بأسرها، وعليها يعود الناس في القراءة، ومن كتبه: كتاب تفسير الثلاثة مقالات الأواخر من تفسير ثامسطيوس وكتاب نقل كتاب \"البرهان\" وكتاب: نقل كتاب السكون والفساد بتفسير الإسكندر، وكتاب: نقل \"الشعر\" وكتاب نقل اعتبار الحكم وتعقب المواضع لثامسطيوس، وكتاب نقل كتاب تفسير الإسكندر لكتاب السماء، وأصلحه أبو زكريا يحيى عدى، وكتاب مقالة في مقدمات صدر بها كتاب أنا لوطيقا، وكتاب المقابيس الشرطية:\r\rومن أساتذته: أبو يحيى المروزي، وقويرى ودوفيل (أوروفيل) وبفتيامين، وأبو أحمد بن كرفيب.\rأما أبو يحيي فقد كان - كما يقول صاحب الفهرست - فاضلا، ولكنه سربانيا، وجميع ماله في المنطق وغيره، بالسربانية، وأما قويرى فهو: \" ممن أخذ عنه علم المنطق وكان مفسراً، وكتبه مطروحة مجفوه\" لأن عبارته كانت عقلية غلقه\". وأما أبو أحمد بن كريب.\rفقد كان من جلة المتكلمين، ويذهب مذهب الفلاسفة الطبيعيين .. وكان في نهاية الفضل والمعرفة والاضطلاع بالعلوم القديمة. وأما روفيل وبنيامين، فيظهر أنهما كانا سريانيين، ولهذا لم يترجم لهما صاحب الفهرست.\r(٢ - دلائل الاعجاز)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584817,"book_id":8507,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":16,"body":"فأساتذة منى بو يونس\" لم يكن منهم رجل واحد متمكن من ثقافته العربية؛ وهذه حقيقة لابد أن يظهر أثرها في أسلوب (١) \"؛ فأسلوبه كان ضعيفا ركيكا؛ يدل على عدم تمكنه من اللغة العربية. والمناظرة التي جرت بينه وبين أبى سعيد السيرافي النحوي في مجلس الوزير أبى الفتح الفضل بن الفرات، وسجلها أبو حيان التوحيدي في كتابيه\" الإمتاع والمؤانسة\" و\" القابسات\" خير شاهد على هذا، فقد ذكر متى بن يونس في تلك المناظرة، أنه لا يحتاج من اللغة العربية إلا إلى معرفة الاسم والفعل والحرف.\rوقد جرى بين عبد القاهر الجرجاني وبين المعتزلة الذين يقللون من شأن النحو، ويجعلون مزية الفصاحة من حسين الألفاظ، وعلى رأسهم عبد الجبار الآسد أبادى - ما يشبه المناظرة، ولهذا وجد عبد القاهر نفسه أمام قوم لهم شغب، وجدال، ومناظرة، ويعدون - في زمان أبى سعيد السيرافي.\rولهذا فإنه قد استعان بتلك المناظرة، في الرد على عبد الجبار وبقية المعتزلة، متتبعا كل فكرة، فيها بالشرح والتفسير، والتحليل، وإقامة الحجة على صحتها، مستعينا في ذلك بأقوال النحاة كابى على الفارسي، وسيبويه، وابن جنى، وأقوال النقاد، كالقاضي على بن عبد العزيز الجرجاني، وأبى الفرج قدامة بن جعفر، فكان كتابه: \" دلائل الإعجاز\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584818,"book_id":8507,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":17,"body":"(ب) عبد الجبار: وعبد القاهر\rأما عبد الجبار، فهو أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار ابن أحمد بن الخليل بن عبد الله الهمذانى الأسد أبادى، اتصل بالصاحب ابن عباد، وولى قضاء الرى، وأثرى ثراء واسعا واقتنى المال والعقار.\r\rوكان سبب توليه القضاء: أن الصاحب إسماعيل بن عباد، أشهر وزراء بنى بوية في العراق وفارس وخراسان، والمتوفى سنة ٣٨٥ هـ كان لا يرى توليه القضاء في دولته الشيعية ألا لمن كان معروفا بالاعتزال، وكان عبد الجبار قد بدأ يعرف بإمام المعتزلة في عصره، فأتصل به الصاحب واستدعاه إلى الرى، وكتب له عهدا بتوليته رئاسة القضاء في الرى وقزوين، وغيرهما من الأعمال التي كانت لفخر الدولة سنة ٣٦٧ هـ. ثم أضاف إليه بعد ذلك في عهد أخر إقليمى جرجان.\rوطبرستان بعد فتحهما.\r\rغير أنه عزل عن القضاء عقب وفاة الصاحب بن عباد، لأنه - كما يقولون - كان قليل الوفاء للصاحب الذي قدمه وأعلى منزلته في دولة بنى بويه؛ فقد رفض القاضي عبد الجبار أن يصلى على صاحبه وقال: إنه لا يرى الترحم عليه، لأنه مات من غير التوبة حتى لا يكون حكمه الخلود في النار، فنقم عليه فخر الدولة لذلك وقبض عليه، وعزله من منصبه، وصادر أمواله.\rوكان وقد سمع الحديث من أبى الحسن إبراهيم بن سلمة القطان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584819,"book_id":8507,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":18,"body":"المتوفى سنة ٣٤٥ هـ، وعبد الرحمن بن حمدان الجلاب المتوفى سنة ٣٤٦ هـ، وعبد الرحمن بن جعفر فارس المتوفى سنة ٣٤٦ هـ، والزبير بن عبد الواحد الأسد أبادى المتوفى سنة ٣٤٧ هـ، وغيرهم، كما درس التفسير، وأصول الفقه، والحديث وغيرهما وانتهت إليه الرياسة للمعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافع، وصار الاعتماد على كتبه التي نسخت كتب من تقدمه من المشايخ - على حد تعبير الحاكم.\rولم يتهاون القاضي عبد الجبار - وهو يؤلف أو يملى - على مذهب المعتزلة - في إقامة الدليل على بطلان مذهب خصومه من الأشاعرة وغيرهم، بل إنه فيما يتصل بالأشاعرة إمامهم أبى الحسن الأشعري ﵀ كان يشتد في القسوة عليهم في كثير من الأحيان ولهذا فإنك تراه يقول في كتابه\" شرح الأصول الخمسة - عند كلامه عن كيفية استحقاقه تعالى للصفات: \" ثم نبغ الأشعري، وأطلق القول بأنه تعالى يستحق هذه الصفات لمعان قديمة، لوقاحته وقلة مبالاته بالإسلام، والمسلين، كما أنه شنع عليه كثيراً، وقال في اسمه: ابن أبى بشر المخذول (١)!\r\rومن تلاميذه: أبو رشيد النيسايورى، وأبو يوسف القزوبنى، والشريف المرتضى، وأبو الحسين البصري، محمد بن على بن الطيب، وأبو القاسم البستى، وغيرهم.\r\rومن آثاره:\r١ - الأمالي في الحديث (المسمى نظم الفوائد وتقريب المراد للرائد)\r٢ - تثبيت دلائل نبوة سيدنا محمد.\r٣ - تنزيه القرآن عن المطاعن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584820,"book_id":8507,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":19,"body":"٤ - الخلاف بين الشيخين.\r٥ - رسالة في علم الكمياء.\r٦ - شرح الأصول الخمسة.\r٧ - فضل الاعتزال، وطبقات المعتزلة.\r٨ - متشابه القران.\r٩ - المحيط بالتكليف.\r١٠ - المغنى في أبواب التوحيد والعدل.\r\rويلاحظ أن القاضي عبد الجبار، قد كانت له منزلة رفيعة في دولة بويه، لأنه كان قاضى القضاة بها، وأن كتبه في الاعتزال - قد نسخت كل الكتب السابقة لها، وأن المعتزلة كانت لهم في تلك الدولة منزلة لم تصل إليها منزلة الأشاعرة، بل إن الأشاعرة لم يكن لهم بها أي شأن.\rكما أن عبد الجيار، لم يكن من بين مؤلفاته مؤلف واحد في النحو وإن كان قد برع في غيره من العلوم كالفقه والحديث والكلام، ومع هذا فإنه قد تناول التفسير. وتأويل القرآن، مما جعله غير موفق في تأويله للقرآن الكريم، فقد كان منهجه في التأويل معتمداً على العقل واللغة؛ ولم يتوخ في تأويله (معاني النحو) لتظهر له دقائق النظم، وخصائصه، ولطائفه.\rوهذا ما حفز عبد القاهر على أن يتجرد للرد على المعتزلة في شخص عبد الجبار الأسد أبادى: ومبيناً أن هؤلاء القوم لو أنهم إذ تركوا هذا الشأن (أي علم النحو) تركوه جملة، وإذ زعموا أن قدر المفتقر إليه القليل منه اقتصروا على ذلك القليل فلم يأخذوا أنفسهم بالفتوى فيه، والتصرف فيما لم يتعلموا، ولم يخوضوا في التفسير، ولم يتعاطوا التأويل لكان البلاء واحداً. ولكنهم لم يفعلوا، فجلبوا من الداء ما أعى الطبيب وحير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584821,"book_id":8507,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":20,"body":"اللبيب.، وأن قولهم بأن المزية في الفصاحة للفظ لا للمعنى أساس البلاء، لأنه صدر عن قوم لهم نباهة وصيت، وعلو منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن، فتداولته ونشرته وفشا وظهر، وكثر الناقلون له، والمشيدون بذكره، فصار ترك النظر فيه سنة والتقليد ديناً.\r\rوأما عبد القاهر: فيذكر المؤرخون أنه: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، وأنه من أصل فارسي، ولا يزيدون على سلسلة نسبه جدا آخر جده محمد (١).\rولكنك تقرأ في \" تتمة اليتيمة\" للثعالبي المتوفى سنة ٤٢٩ هـ، أنه أبو بكر عبد القاهر بن محمد بن الحسن، مسقطاً ذكر أبيه عبد الرحمن ومضيفاً له جداً آخر وهو: الحسن (٢).\rوعلى هذا فهو: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الفارسي الأصل الجرجاني المولد.\rوقد وضعنا الثعالبي بصنيعه هذا، أمام هذا التساؤل: هل عبد القاهر بن محمد بن الحسن الذي ذكره الثعالبي هو نفسه إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني؟ وإذا كان هو نفسه فلماذا أسقط ذكر أبيه\" عبد الرحمن\" من نسبه؟\rأما أن عبد القاهر الذي ذكره الثعالبي هو إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني فيؤيده أمران:\rأولهما: أن الشعر الذي أورده الثعالبي لعبد القاهر، تبدو عليه مسحة أسلوب عبد القاهر، الذي نقرأه في الأسرار، والدلائل، فقد أورد الثعالبي له قوله في ابن حسنيل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584822,"book_id":8507,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":21,"body":"أجاب ردى\" وطبع الشعر\" لم تجب ... إذ كان ما قلته في غاية العجب\rيشتم منه نسيم المسك قارئه ... ويتحلى كوكب العلياء والحسب\rأبدى الأنام من الأشعار رغوتها ... وأنت أخرجت منها زبدة الحقب\rوقد وردت عبارة \" طبع الشعر\" التي في أول الأبيات في أسرار البلاغة ثلاث مرات (١).\rوالآخر: هو أن الثعالبي لم يأت بترجمة أخرى لعبد القاهر في تتمة اليتيمة مع أنها قد صنفت في سنة ٤٢٨ هـ وكان \"الأسرار\" قد صنف في سنة ٤٢٢ - كما سيأتي - وكان عبد القاهر قد اشتهر في جرجان، فكان - كما يقول الباخرزي -قد اتفقت على إمامته الألسنه، وتجملت بمكانه وزمانه الأمكنة والأزمنة وأثنى عليه طيب العناصر، وثنيت به عقود الخناصر، فهو فرد في علمه الغزير، لا بل هو العلم في الأئمة المشاهير\" (٢).\r\rوأما لماذا أسقط الثعالبي ذكر أبيه (عبد الرحمن) فإننا نرجع أن يكون ذلك لأمور هي كما يلي:\rأولاً: أنه ربما يكون عدم ذكر أبيه قد أسقط سهوا من الناسخ.\r\rثانياً: أن الثعالبي كان من الكتاب المشغوفين بالصنعة اللفظية والاستكثار من ألوان البديع، في زمان عبد القاهر، وقد شنع عبد القاهر - في مقدمة الأسرار - على الكتاب من أهل زمانه الذين يشغفون بالصناعة اللفظية، إذ يقول: \" وقد تجد - في كلام المتأخرين الآن - كلاماً حمل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584823,"book_id":8507,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":22,"body":"صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ماله اسم في البديع إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليبين، ويخيل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياه، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواه (١).\rثانيا أنه لم يكن في استطاعته مجاراة النقاد من البلاغيين في صناعة النقد؛ فلم يذكرهم في كتابه هذا بأي تقدير؛ ولهذا فإنه لم يذكر لعبد القاهر سوى الأبيات الثلاثة السابقة دون تعريف بمكانة صاحبها؛ كما أنه صنع نفس الصنيع مع أبى هلال العسكري؛ إذ يقول عنه: \" ابن هلال العسكري (٢) \"، ولم يورد غير بيتين من الشعر.\rويرجع أن عبد القاهر قد ولد في أوائل القرن الخامس الهجري، وقد نشأ ولوعا بالعلم، محبا للآداب، متأثرا بأستاذين هما: أبو الحسين محمد بن الحسن بن عبد الوارث الفارسي النحوي نزيل جرجان المتوفي سنة ٤٢١ هـ وأبو الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني المتوفي سنة ٣٩٢ هـ.\rفعلى الرغم من أن عبد القاهر لم يخرج من جرجان في طلب العلم، فإن الله تعالى أرسل إليه أبا الحسين هذا، الذي كان قد أخذ العلم عن خاله أبى على الفارسي صاحب كتاب (الإيضاح) في النحو، ولعل أبا الحسين قرأ كتاب خاله لتلميذه، فقد رأينا عبد القاهر يعنى بهذا الكتاب عناية بالغة فيضع عليه شرحا كبيرا يبلغ ثلاثين مجلدا، ويسميه: \" المغنى\" ثم يختصر هذا الشرح في نحو ثلاثة مجلدات، ويسمى هذا الشرح الصغير \" بالمقتصد\".\rوأما أبو الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني، فقد كان أديبا ممتازاً، واشتهر بكتابه\" الوساطة بين المتنبي وخصومه\" وقد قال ياقوت عنه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584824,"book_id":8507,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":23,"body":"\"وكان الشيخ عبد القاهر الجرجاني قد قرأ عليه، واغترف من بحره، وكان إذا ذكره في كتبه تبخبخ به وشمخ بأنفه بالانتماء إليه\" ولكن يبدو أن أخذ عبد القاهر عن القاضي كان أخذا عن كتبه، لا عن شخصه (١)، وذلك لأن الفارق الزمني بين القاضي الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ وولادة عبد القاهر التي يرجع أنها كانت في أوائل القرن الخامس الهجري لا يسمح لعبد القاهر بالأخذ عن القاضي الجرجاني مشافهة، أضف إلى هذا أن عبد القاهر، إذا تحدث عن القاضي الجرجاني ذكره بصفته، او بكنيته، أو بهما معا، كأن يقول\" وعليه يدل كلام القاضي في الوساطة\" أو يقول: \" قال الشيخ أبو الحسن\" أو يقول: \" قال القاضي أبو الحسن - رحمة الله -\" ولكنه إذا تحدث عن أستاذه أبى الحسين بن عبد الوارث النحوي قال: \" قال شيخنا ﵀\" فعبارة: \" قال شيخنا\" تدل على أنه قد قرأ عليه، وقد كرر التعيين بقوله\" شيخنا\" في الأسرار والدلائل كليمهما، ولو كان له شيخ سوى ابن عبد الوارث لحدد المقصود منه. على أن عبد القاهر نفسه قد علق على قوله - في الدلائل -: \" قال شيخنا -رحمة الله -\" بقوله: \" يعني الشيخ أبا الحسن الفارسي ابن أخت الشيخ أبى على الفارسي (٢).\rوإلى جانب هذين الأستاذين تتلمذ عبد القاهر على الكتب يقرؤها بفكر واع، وعقل مستنير، إذ نراه ينقل عن سيبويه، والجاحظ، والسيرافي، وأبى على الفارسي، وابن قتيبة، وقدامة، والآمدى، والقاضي الجرجاني، وأبى هلال العسكري، وأبى أحمد العسكري، وابن سنان الخفاجي، وعبد الرحمن بن عيسى الهمذاني، والمرزباني، والزجاج، وأبى الحسين إسحق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب، وعبد الجبار الأسد أبادى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584825,"book_id":8507,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":24,"body":"وقد كان شافعي المذهب متكلما على طريقة الأشعري، بيد أن المادة التي غلبت عليه هي: النحو، فقد كان يلقب بالنحوي.\rوتصدر بجرجان، وذاع صيته في الافاق، وشدت إليه الرحال، وقصده التلاميذ من جميع الجهات، وظل مقيماً بجرجان، يفيد الراحلين إليه، والوافدين عليه إلى أن توفى بها سنة ٤٧١ هـ.\rومع علمه الغزير، ونتاجه الوفير، فإنه لم يكن سعيداً في حياته، فقد كان فقيراً عليه في الرزق، يعيش على هبات بعض الأثرياء الذين ألف لهم كتبه (١)، كما أنه كان أشعرياً، وكان الأشاعرة يلعنون من فوق المنابر فقد كانت الأشعرية في زمانه تهمة يهمل صاحبها وينبذ من أجلها، حتى إن ياقوتا قال عن بديع الزمان الهمذاني إنه كان متهماً بمذهب الأشعرية (٢) \" وقد حسن الوزير عميد الملك السكندري، وزير السلاجفة للسلطان طغرل بك أن يلعن الأشاعرة من فوق المنابر فلعنوا حتى جاء نظام الملك أبو على الحسن بن على وزير السلاجفة، فأزال لعنهم في سنة ٤٥٨ هـ وظهر ذلك على نفسية عبد القاهر في مقدمة \" دلائل الاعجاز\" (٣).\r\rومن آثار عبد القاهر.\r١ - أسرار البلاغة: ويبدو فيه الارتباط الوثيق بينه وبين \" الوساطة\" للقاضي الجرجاني، لأنه بين فيه المعايير النقدية التي على أساسها يتفاضل الشعراء، وقد صنفه فيما نعتقد سنة ٤٢٢ هـ.\r٢ - \" المختار من دواوين\" المتنبي، والبحتري، وأبى تمام\" وقد جمع تلك المختارات على ما يبدو - وهو يؤلف أسرار البلاغة؛ لأن أكثر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584826,"book_id":8507,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":25,"body":"ما استشهد به من شعر في الأسرار - كان من أشعار هؤلاء الشعراء الثلاثة؛ إذ كان كلما عثر على أبيات تعجبه دونها؛ حتى تجمع له قدر لا بأس به من الأشعار التي دونها في كتابه هذا.\r٣ - شرح مبسوط لكتاب \" الإيضاح\" في النحو لأبى على الفارسي في ثلاثين مجلداً أسماه \" المغنى\" ويبدو أنه ألفه في ثلاثين عاما؛ بدأت سنة ٤٢٣ هـ وانتهت في سنه ٤٥٣ هـ.\r٤ - ملخص لهذا الشرح أسماه \" المقتصد\" في ثلاثة أجزاء؛ وقد أتمه عبد القاهر في شهر رمضان سنة ٤٥٤ هـ وكتبه بخطه؛ وقرأه عليه من أوله إلى آخره قراءة ضبط وتحصيل: أحمد بن محمد الشجري.\r٥ - كتاب \" التكملة\" في النحو؛ وربما كان يضيف به مسائل لم ترد في الإيضاح.\r٦ - كتاب أسماه \" الإيجاز\" اختصر به الإيضاح.\r٧ - \" العوامل المائة\" في النحو.\r٨ - كتاب\" الجمل\" وهو شرح للعوامل المائة.\r٩ - \" التلخيص\" وهو شرح لكتاب الجمل.\r١٠ - \" العمدة\" في التصريف.\r١١ - كتاب في العروض.\r١٢ - كتاب \" شرح الفاتحة\" في مجلد.\r١٣، ١٤ - شرحان على إعجاز القرآن؛ لأبى عبد الله محمد بن زيد الواسطي المتوفى في سنة ست وثلاثمائة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584827,"book_id":8507,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":26,"body":"١٥ - \"الرسالة الشافية\" في الإعجاز؛ وفيها يحاول أن يثبت أن القرآن الكريم معجز؛ دون أن يتعرض لأدلة الإعجاز.\r١٦ - \"دلائل الإعجاز\" وهو موضوع حديثنا في هذا الكتاب؛ وقد ألفه بعد سنة ٤٥٤ هـ.\r١٧ - مسائل منثورة أثبتها في مجلد؛ وهو\" كالتذكرة\" له لم يستوف القول حق الاستيفاء في تلك المسائل التي سطرها - كما يقول الوزير القفطي في \"إنباه الرواة\" فقد تحدث عن \"إعجاز القرآن\" الذي يرجع أنه هو \"دلائل الإعجاز\" و \" التذكرة\" قائلاً: \" ومع هذا كله فإن كلامه وغوصه جواهر هذا النوع يدل على تبحره وكثرة اطلاعه\" (١).\rوقد رجعنا في بحث آخر أن تكون الفصول الأخيرة من الدلائل بتحقيق السيد محمد رشيد رضا، قد زادها عبد القاهر في فترات لاحقة في أواخر حياته، وكذلك أثبت الأستاذ الجليل محمود محمد شاكر، أن تلك الفصول لم تجئ مع الكتاب في نسخة أخرى، مما يدل على أنها زيدت بعد الانتهاء من الدلائل وكان عبد القاهر عازماً على أن يرتبها في الكتاب مرة أخرى، ولكن الأجل لم يمهله (٢).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584828,"book_id":8507,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":27,"body":"(جـ) دلائل الإعجاز\rقبل عبد القاهر الجرجاني\rالدلائل: جمع دلالة؛ وهو ما يستدل به على الشيء؛ والإعجاز: الفوت والسبق؛ وأعجز الشيء فلاناً: فاته؛ ولم يدركه.\r\"دلائل الإعجاز\"؛ هي أدلة إعجاز القرآن الكريم؛ أي إعجازه للخلق جميعاً؛ فقد تحدى العرب قاطبة - وفيهم الخطباء المصاقع، والشعراء المفلقون - أن يأتوا بسورة من مثله؛ فعجزوا عنه؛ وانقطعوا دونه.\rوقد جعلها عبد القاهر عنوناً لكتابه الذي رد به على المعتزلة، واستقاها من فهمه لمناظرة أبى سعيد السيرافي وجرت على لسانه، وهو يرد عليهم في هذا الكتاب؛ إذ قال لهم: \" ومن ثم لا يجوز لنا، أن نعتد في شأننا هذا بأن يكون المتكلم قد استعمل من اللغتين في الشيء ما يقال إنه أفصحهما، وبإن يكون قد تحفظ مما تخطى فيه العامة، ولا بأن يكون قد استعمل الغريب؛ لأن العلم بجميع ذلك، لا يعدو أن يكون علما باللغة وبأنفس الكلم المفردة، ومما طريقه الحفظ؛ دون ما يستعان عليه بالنظر، ويوصل إليه بإعمال الفكر. ولئن كانت العامة وأشباه العامة، لا يكادون يعرفون الفصاحة غير ذلك؛ فإن من ضعف النحيرة إخطار مثله في الفكر، وإجراءه في الذكر. وأنت تزعم أنك ناظر في\" دلائل الإعجاز\"؛ أي في أدلة إعجاز القرآن.\rفدلائل إعجاز القرآن، ليست في اختيار الكلمات؛ من حيث أفصحها في الاستعمال، ولا في البعد من اللحن، ولا في الاستعمال الغريب؛ وإنما هي في النظم الذي تضمن دقائق وأسراراً، طريق العلم بها الروية والفكر، والطائف مشتقاها النقل؛ وهي السبب في أن عرضت المزية في الكلام،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584829,"book_id":8507,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":28,"body":"ووجب أن يفضل بعضه بعضاً، وأن يبعد الشأو في ذلك، وتمتد الغاية، ويعلو المرتقى، ويعز المطلب حتى ينتهي الأمر إلى الإعجاز، وإلى أن يخرج عن طرق البشر.\rفعبد القاهر - إذن - يقصد بدلائل الإعجاز: خصائص النظم، وفروقه، ودقائقه ولطائفه.\rومن أشهر الطوائف التي اهتمت بدراسة إعجاز القرآن: طائفتان هما: طائفة الأشاعرة، وطائفة المعتزلة.\rأما الطائفة الأولى: وهي طائفة الأشاعرة، فقد كانت ترى أن إعجاز القرآن الكريم في نظمه، وقد مثل هذه الطائفة: أبو الحسن الأشعري، والخطابي، والباقلاني، وانضم إليهم الجاحظ الذي انشق على شيخه النظام القائل بالصرفة، أي أن العرب كان في مقدورهم الإتيان بمثل القرآن، ولكن الله تعالى صرفهم عن ذلك.\rوأما الطائفة الأخرى، وهي طائفة المعتزلة، فقد كانت ترى أن إعجاز القرآن الكريم في فصاحته، وأن المزية في الفصاحة للفظ، لا للمعنى وقد مثل هذه الطائفة: أبو على الجبائي، وابنه أبو هاشم، والرماني، وعبد الجبار، وابن سنان الخفاجي القائل بالصرفة.\rوقد كان السبب في أن جعل الأشاعرة النظم أساساً لمعرفة إعجاز القرآن، هو\rأنهم رأوا أن القرآن الكريم عندما تحدى العرب، وعجزوا عن معارضته قالو، - تارة - أنه شعر، وتارة أخرى أنه سحر.\rأما قولهم: إنه شعر فلأنهم رأوه منظوماً، ولكنه نظم مخصوص، فلا هو بالشعر، ولا هو بالنثر.\rوأما قولهم: أنه سحر، فلأنهم قد وجدو له وقعاً في قلوبهم، لم يستطيعوا مغالبته، وتأثيراً في نفوسهم، لم يقدروا على الإفلات منه!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584830,"book_id":8507,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":29,"body":"فقد جاء في حديث أبى ذر - رضى الله عنه - في سب إسلامه - أنه قال: قال لي أخي أنيس: إن لي حاجة ألي مكة، قال: فانطلق فراث، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلا يقول: أن الله تعالى أرسله.\rفقلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، ساحر، كاهن، قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء، فقال: تالله لقد وضعت قوله على أقراء الشعراء، فلم يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت الكهنة فما هو بقولهم، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون!\rفالقرآن الكريم ليس شعراً - وإن كان له نظم عجيب، ونغم غريب، وليس سحراً - وإن كان يأسر القلوب، ويجذب النفوس، ويعمل فيها عمل السحر! ، فقد قال تعالى فيه: \" إنه لقول رسول كريم وماهوا بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (١) \".\rولعل السر - أيضاً - في أن جعل المعتزلة الفصاحة أساساً لمعرفة إعجاز القرآن وأن مزيتها في اللفظ لا في المعنى هو أنهم وجدوا العرب يقولون في القرآن - عندما تحداهم وعجزوا - إنه سحر، وذلك لصلة الصور البيانية التي تنتسب المزية فيها عادة إلى اللفظ، وإن كان المراد بها ما تحدثه الألفاظ، من تلك الصور، كالتشبيه والتمثيل\" والاستعارة\" والكتابة، بالتأثير في النفوس، وما تحدثه تلك الصور من الأخذ بمجامع القلوب.\rوقد ألف أبو عثمان عمرو بن الجاحظ كتاباً في (نظم القرآن) ولكنه ضاع من يد الزمن، فلم يصل إلينا، بيد أن الجاحظ قد وصفه في مقدمة كتابه (الحيوان) بأنه في الاحتياج لنظم القرآن وغريب تأليفه، وبديع تركيبه\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584831,"book_id":8507,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":30,"body":"ويبدو - أيضاً - أنه كما يقول عنه في موضع آخر: \"لم يدع فيه لرافضي، ولا لحديثي، ولا لحشوي، ولا لكافر مياد ولا لمنافق مقموع ولا لأصحاب النظام، ولمن نجم بعد النظام، عن يزعم أن القرآن حق، وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل، وليس ببرهان، ولا دلالة\" (١).\rفقد عرض فيه - إذن - لإعجاز القرآن، والمذاهب المختلفة فيه، وناقشها، وفصل القول في أن إعجاز القرآن إنما يرجع إلى نظمه، وغريب تأليفه، وبديع تركيبه.\rولعله - أيضاً - كان يذهب- في إطلاق كلمة النظم - إلى ما وراء نظم الكلمات، وترتيبها، واختلاف أوضاعها في التعبير عن معانيها، على الأصل الذي بني عليه عبد القاهر كلامه، فكان يطلقها على نظم الحروف، وتلاؤم مزجها، وانسجام أجراسها، وكان يذهب إلى أن الكلام -في ذلك- على طبقات، فمنه المتناهي في الثقل المفرط، كقول الشاعر:\rوقبر حربٍ بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر\rوقول محمد بن يسير:\rلا أذيل الآمال بعدك إني ... بعدها بالآمال جد بخيل\rكم لها موقف بباب صديق ... رجعت من نداه بالتعطيل\rلم يضرها - والحمد لله - شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول","footnotes":"(١) رسائل الجاحظ ١٣٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584832,"book_id":8507,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":31,"body":"قال الجاحظ: فتفقد النصف الأخير من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض.\rومنه ما هو أخف منه، كقول أبي تمام.\rكريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي وإذا مالمته، لمنه وحدي\rومنه ما يكون فيه بعض الكلفة على اللسان، إلا أنه لا يبلغ أن يعاب به صاحبه، ويشهر أمره في ذلك ويحفظ عليه، وأن الكلام إذا سلم من ذلك، وصفا من شويه، وكان الفصيح المشاد به، والمشار إليه، وأن الصفاء - أيضاً - يكون على مراتب، يعلو بعضها بعضا، وأن له غاية، إذا انتهى إليها كان\rالإعجاز\" (١).\rغير أن الباقلائي قد ذكر في مقدمة كتابه (إعجاز القرآن) أن الجاحظ لم يزد في كتابه هذا على ما قاله المتكلمون قبله، مما يبعد القول بأن الجاحظ قد أراد من النظم ما أراد عبد القاهر الجرجاني من بعده، وأنه إنما أراد به تلاؤم الألفاظ، وبعدها عما يثقل على اللسان، كالذي ذكره الرماني، وجعله وجها من وجوه البلاغة.\rوهذا الرأي هو الذي أشار إليه الرماني، وجعله وجها من وجوه البلاغة، وأسماه التلاؤم، \" غير أن عبد القاهر، لا يرى أن الإعجاز، في مثل هذا النوع من الفصاحة، لأنه يؤدى إلى أن لا يكون للمعاني ذكروها في حدود البلاغة، من وضوح الدلالة، وصواب الإشارة، وتصحيح الأقسام، وحسن الترتيب والنظام، والإبداع في طريق التشبيه","footnotes":"(١) الجاحظ حياته وآثاره ٣٢٤ والدلائل ٤٥ والموسوعات ١٣٢١ والبيان والتبيين ١/ ٤٨، ٤٩ (دار الفكر للجميع).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584833,"book_id":8507,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":32,"body":"والتمثيل، والإجمال والتفصيل، ووضع الفصل والوصل موضعهما وتوفية الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير شروطهما -مدخل فيما له كان القرآن معجزاً، حتى يدعى أنه لم يكن معجزاً من حيث هو بليغ، ولا من حيث هو قول فصل، وكلام شريف النظم بديع التأليف، وذلك لأنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف\".\rولكن الذي كان يشبه عبد القاهر -في محاولته إبراز المعنى الحقيقي المنظم، وبيان المزايا التي فاق بها نظم القرآن كل نظم - عير أنه لم يتوصل إلى ما توصل إليه عبد القاهر من أمر النظم - هو: أبو سليمان: حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي، المتوفى سنة ٣٨٥ هـ، فقد ألف رسالة في (بيان إعجاز القرآن).\rوفي هذه الرسالة: يذكر أن الناس قديماً وحديثاً، قد ذهبوا - في هذا الموضوع - كل مذهب، ولكنهم لم يصدروا عن رأى، لتعذر وجه الإعجاز، ولعدم وقوفهم على الوسيلة التي تدلهم عليه.\rفقد ذهب قوم إلى أن القرآن معجز بالصرفة، أي إن العرب كان في استطاعتهم الإتيان بمثل القرآن، ولكن الله تعالى صرفهم، وسلب منهم القدرة على أن يأتوا بمثله، ولكن الخطابي يرفض هذا الرأي، لأن الله تعالى لو أراد ذلك لبطلت المعجزة، إذ كيف يطلب منهم شيئاً، ووسيلته غير موجودة؟ !\rوذهبت طائفة أخرى إلى أن القرآن الكريم معجز لتضمنه الإخبار عما سيحدث في المستقبل، وقد تحقق ما أخبر به، وارتضى الخطابي هذا الوجه، على أن يكون نوعاً من أنواع الإعجاز، لا على أن يكون الإعجاز كله.\rوقال قوم: إن القرآن معجز ببلاغته، ولكنهم لم يستطيعوا تحديدها، ولا تصورها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584834,"book_id":8507,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":33,"body":"ويمضى الخطابي في بيان رأى هؤلاء القوم فيقول: \"قالوا: وقد يخفى سببه عند البحث، ويظهر أثره في النفس حتى يلتبس عن ذوى العلم والمعرفة، قالوا: وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع، وهشاشة في النفس، لا توجد مثلها لغيره منه، والكلامان فصيحان، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة\" (١).\rوهذا الرأي النقدي هو رأي القاضي على بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٢ الذي حاول أن يثبت أن مزية الكلام راجعة إلى نظمه، لا إلى جزالته وقوته، ولا إلى ما فيه من تنسيق وتزويق، ولكنه لا يستطيع أن يبين لنا أسباب تلك المزية - كما بينها عبد القاهر من بعده - إذ هو لا يستطيع أن يفصح لنا عن تلك الأسباب بأكثر من أن هذا أمر تستخبر به النفوس المهذبة، وتستشهد عليه الأذهان المثقفة، بل إنه يجهر بأنك لا تستطيع أن تذكر لهذه المزية سبباً، بل ويقيم الدليل على هذا من الأمور الحسية المشاهدة، فيقول: وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفى أوصاف الكمال وتذهب في الأنفس كل مذهب، وتقف من التمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن والتئام الخلقة، تناصف الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب ثم لا تعلم - وإن قاسيت واعتبرت ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً، ولما خصت به مقتضياً ..\rولو قيل لك: كيف صارت هذه الصورة -وهي مقصورة عن الأولى في الإحكام والصفة وفي الترتيب والصنعة، وفيما يجمع أوصاف الجمال","footnotes":"(١) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ٢٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584835,"book_id":8507,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":34,"body":"وينتظم أسباب الاختيار أحلى وأرشق، وأحظى وأوقع؟ لأقمت السائل مقام المتعنت المتجانف، ورددته رد المستبهم الجاهل، ولكان أقصى ما في وسعك، وغاية ما عندك أن تقول: موقعه في القلب ألطف، وهو بالطبع أليق (١).\rفهؤلاء القوم يشعرون بتفوق القرآن الكريم على سائر أنواع الكلام ببلاغته، ولكنهم لا يستطيعون معرفة السبب لهذا التفوق، إذ قد يخفى السبب، ولكن يظهر أثره في النفس، وقد نجد النفس عذوبة لكلام لا نجدها عند غيره، وكلاهما فصيح! والطبع السليم هو الحكم في الفصل بين الفاضل والمفضول.\rولكن الخطابي يرفض هذا الرأي - أيضاً - ويبحث عن هذا السبب، فيجدان أجناس الكلام مختلفة ومراتبها - في التبيان ميفاوتة، ودرجاتها - في البلاغة - غير متساوية.\rفالكلام هنا: البليغ الرصين الجزل، والفصيح القريب السهل، والجاثر الطلق الرسل، وتلك هي أقسام الكلام الفاضل المحمود، أما الكلام الهجين المذموم، فلا يوجد في القرآن الكريم منه شيء.\rفالقسم الأول: هو أعلى طبقات الكلام، وأرفعه.\rوالقسم الثاني هو: أوسطه وأقصده.\rوالقسم الثالث هو: أدناه وأقربه.\rوقد نالت بلاغة القرآن الكريم من كل قسم من هذه الأقسام قدراً، وأخذت من كل نوع شعبة فانتظم بامتزاجها نمط من الكلام يجمع بين","footnotes":"(١) الوساطة ٤١٢","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584836,"book_id":8507,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":35,"body":"صفتي الفخامة والعذوبة، وهما صفتان، كأن بينها تضاد، لأن الجزالة والمتانة تعالجان نوعا من الوعورة\" ولكن العذوبة ناتجة عن السهولة، فاجتماع الصفتين - مع تباينهما - في نظم القرآن، فضيلة خص بها القرآن الكريم، يسرها الله بلطيف قدرته، ليكون آية بينه لنبيه ﷺ ودلالة على صحة دعوته.\rويمضي الخطابي مبينا أسرار عجز البشر عن الإتيان بمثل القرآن الكريم، والتي تتلخص فيما يلي:\r١ - أن علم البشر لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية، وبألفاظها، التي هي ظروف للمعاني، وحوامل لها.\r٢ - أن إفهامهم لا تدرك جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ.\r٣ - أن معرفتهم لا تكمل لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلاف الألفاظ والمعاني، وارتباط بعضها ببعض، لأن الكلام يقوم على ثلاثة أمور هي:\r(أ) لفظ حامل للمعاني.\r(ب) معنى قائم باللفظ.\r(ج) رباط لهما ناظم.\rوالقرآن الكريم - إذا تأملته - وجدت هذه الأمور الثلاثة - وهي اللفظ، والمعنى، وائتلافهما بالنظم - في غاية الشرف والفضيلة، فلا تجد أفصح، ولا أجزل، ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى أحسن تأليفاً، وأشد نلاؤحاً، وتشاكلا من نظمه (١).","footnotes":"(١) ثلاث رسائل ٢٧","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584837,"book_id":8507,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":36,"body":"وفي القسم التطبيقي من رسالته يذكر الخطابي أن عماد البلاغة إنما هو في وضع الألفاظ في مواضعها الخاصة بها، فلكل لفظ موضعه الأشكل به، فإذا ما أزيل عن مكانه وحل محله غيره، فإما أن يتبدل المعنى فيفسد الكلام، وإما أن يذهب الرونق الذي تسقط معه البلاغة.\rويرجع السر - في هذا - إلى أن في الكلام ألفاظاً متقاربة في معانيها، فيظن أنها متساوية في أداء المعنى وتحقيق الغرض، وبيان المراد من الخطاب، والواقع أن لكل لفظة خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن كانا يشتركان في بعضها (١).\rوإذا كانت هذه هي حال الألفاظ، فإن المعاني التي تحملها تحتاج إلى أكثر منها معاناة وأشد، لأنها نتاج العقول، وولائد الإفهام، وبنات الأفكار.\rوأما رسوم النظم فإن الحاجة فيها إلى الثقافة والحذق أكثر، لأنها لجام الألفاظ، وزمام المعاني وبه تنتظم أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه ببعض، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان (٢).\rوأنت تلاحظ أن الخطابي يرى أن النظم يحدث صورة في النفس يتشكل بها البيان، فالنظم أساس لصور البيان، وهذا ما تأثر به - من بعده - أبو هلال العسكري، وابن سنان، وعبد القاهر الجرجاني.\rكما أنك تلاحظ أن الخطابي لم يرتض القول بأن الإعجاز قد يخفى سببه عند البحث، ويظهر أثره في النفس وبحث عن هذا السبب فوجده في النظم، وبمعنى أدق في الرابط بين اللفظ والمعنى، ولكنه قد وقف عند","footnotes":"(١) بيان إعجاز القرآن ٣٢، ٣٣ (ط ١٩٥٣).\r(٢) ثلاث رسائل ٣٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584838,"book_id":8507,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":37,"body":"هذا الحد، فلم يعرف أن هذا الرابط، إنما هو في معاني النحو بين الكلم.\rوأما أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ؛ فقد ألف كتابه (إعجاز القرآن) وذكر في مقدمته أن الجاحظ قد صنف في (نظم القرآن) كتاباً، لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى، وأن سائلا سأله أن يذكر جملة من القول جامعة تسقط الشبهات، وتزيل الشكوى التي تعرض للجهال، وتنتهي إلى ما يخطر لهم. ويعرض لإفهامهم من الطعن في وجه المعجزة؛ فأجابه إلى ذلك، وألف هذا الكتاب.\r\rوقد بين -في هذا الكتاب- أن الأشاعرة -وغيرهم- ذكروا من وجوه الإعجاز ثلاثة هي:\rأولها: ما تضمنه القرآن من الأخبار عن الغيوب؛ وذلك مما لا يقدر عليه البشر؛ ولا سبيل إليه.\rوثانيها: أنه أخبر عما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير؛ من خلق آدم إلى مبعثه ﷺ مع أنه كان أمياً؛ لا يقرأ ولا يكتب؛ ولم يكن يعرف شيئاً من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم.\rوثالثها: أنه بديع النظم عجيب التأليف؛ متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه.\rثم ذكر أن الذي أطلقه العلماء في هذا الوجه الأخير هو على الجملة؛ أما هو فقد كشف الجملة التي أطلقوها وفصلها؛ بأن الذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584839,"book_id":8507,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":38,"body":"١ - أن نظم القرآن -على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه- خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد.\r٢ - أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة على هذا الطول، وعلى هذا القدر.\r٣ - أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه، لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه فيها ويشتمل عليها؛ وإنما هو على حد واحد، في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف لا تفاوت فيه؛ بينما يتفاوت كلام الفصحاء تفاوتاً بيناً.\r٤ - أن نظم القرآن قد وقع موقعاً في البلاغة يخرج عن عادة كلام الجن كما يخرج عن عادة كلام الأنس فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه كقصورنا.\r٥ - أن الذي ينقسم إليه الخطاب؛ من البسط والاقتصار؛ والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التي في كلامهم، موجود في القرآن، وكل ذلك مما يتجاوز كلامهم المعتاد في الفصاحة، والإبداع، والبلاغة.\r٦ - أن المعاني التي تضمنها، في أصل وضع الشريعة والأحكام والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضاً، في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر ويمتنع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584840,"book_id":8507,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":39,"body":"٧ - أن الكلام يتبين فضله، ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام. أو تقذف بين شعر، فتأخذها الأسماع، وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها بادياً .. وأنت ترى الكلمة من القرآن؛ يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير؛ وهي غرة جميعه. وواسطة عقده، والمنادى على نفسه بتميزه، وتخصصه برونقه وجماله، واعتراضه في حسنه وجماله.\r٨ - أن الحروف التي بنى عليها كلام العرب تسعة وعشرون جرفاً، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمانية وعشرون سورة، وجملة ما ذكر من هذه الحروف -في أوائل السور من حروف المعجم- تصف الجملة، وهو: أربعة عشر حرفاً، ليدل بذلك المذكور على غيره، ولعرفوا، أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم.\r٩ - أنه سهله ويسره، فهو خارج عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة، وجعله قريباً إلى الإفهام ... وهو -مع ذلك- ممتنع المطلب عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوه في موقعه أن يقدر عليه، أو يظفر به.\rأما كيفية الوقوف على إعجاز القرآن: فهي: أن إعجاز القرآن لا يخفى على العربي البليغ، الذي قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها.\rوأما من لم يبلغ، في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام ووجوه اللغة فهو كالأعجمي في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن، إلا بأن يعلم أن العرب قد عجزوا عنه، وإذا عجز هؤلاء، فهو عنه أعجز!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584841,"book_id":8507,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":40,"body":"وهكذا ترى أن الباقلاني قد حاول جاهداً، أن يتبين معنى النظم، وأن يصل إلى أسراره. فلم يجيء إلا بكلام عام، لم يصل به إلى الدلائل الحقيقية للإعجاز، وهي خصائص النظم وفروقه، المتمثلة في تتبع معاني النحو فيما بين الكلم.\rعلى أن هناك من النقاد من أسهم برأيه. في قضية الإعجاز، وأن القرآن الكريم معجز بنظمه الفريد، الذي لا يستطيع الخلق أن يأتوا بمثله، وساهم في إبراز نظرية النظم -وإن لم يصل إلى ما وصل إليه عبد القاهر من بعده- وهو، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري، المتوفى سنة ٣٩٥ هـ.\rفقد بين في مقدمة كتابه (الصناعتين) أن الإنسان إذا أغفل علم البلاغة، وأخل بمعرفة الفصاحة، لم يقع علمه بإعجاز القرآن، من جهة ما خصه الله به من حسن التأليف، وبراعة التركيب وما شحنه به من الإيجاز البديع، والاختصار اللطيف، وضمنه من الحلاوة، وجلله من رونق الطلاوة، مع سهولة كلمة وجزالتها وعذوبتها وسهولتها، إلى غير ذلك من محاسنه التي عجز الخلق عنها. وتحيرت عقولهم فيها، وإنما يعرف إعجازه من جهة عجز العرب عنه،\rوأنه يقبح بالفقيه المؤتم به، والقارئ المهتدى بهديه، والمتكلم المشار إليه في حسن مناظرته، وتمام آلته ومجادلته، وشدة شكيمته في لحاجه، والعربي الخالص، والقرشي الصريخ أن لا يعرف إعجاز كتاب الله تعالى، إلا من الجهة التي يعرفه منها الزنجي، والنبطي، وأن يستدل عليه بما استدل به الجاهل الغبي.\rوأن علم البلاغة ينبغي أن يقدم التماسه على سائر العلوم الأخرى، بعد توحيد الله تعالى، لأن المعرفة بصحة النبوة تتلو المعرفة بالله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584842,"book_id":8507,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":41,"body":"وقد فرق أبو هلال، بين الفصاحة والبلاغة بما لا يخرج عما قاله ابن سنان -في التفريق بينهما- من بعده من أن الفصاحة وصف للألفاظ، وأن البلاغة وصف للألفاظ مع المعاني.\r\rثم جعل المعاني على ضربين:\r(أ) ضرب يبتدعه صاحب الصناعة، من غير أن يكون له إمام يقتدي به فيه، أو رسوم قائمة، في مثلة مماثلة يعمل عليها.\r(ب) والآخر: هو ما يحتذى به على مثال تقدم، ورسم سلف.\rومن هنا وجد ابن سنان ما عرفه باسم الاختذاء، ورد عليه عبد القاهر بأنه لم يفهم معناه؛ وشرح المقصود بالاحتذاء عند العرب في صفحات عديدة من آخر دلائل الإعجاز.\rوقد بين أبو هلال، أن توخي الصواب في تلك المعاني -سواء أكانت مبتدعة، أم محتذاة- أحسن من توخي الأمور التي ترجع إلى الألفاظ، وأن تلك المعاني التي يتوخاها الشاعر أو الأديب، إنما هي الصورة المقبولة، والعبارة المستحسنة.\rوبهذا يكون أبو هلال قد اقترب كثيراً مما أراده عبد القاهر بعده، من (توخي معاني النحو) التي التقطها من مناظرة أبي سعيد السيرافي!\rوليس ببعيد أن يكون أبو هلال قد عثر على (توخي الصواب في المعاني) من مناظرة أبي سعيد قبل عبد القاهر، غير أنه لم يذكر كلمة (النحو)، لأن النحو لم يكن من صناعته كما كان من صناعة عبد القاهر الذي ألف فيه (العوامل المائة) التي أعانته على تطبيق نظرية النظم وهي (توخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584843,"book_id":8507,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":42,"body":"وربما كان أبو هلال قد أعتقد أن السيرافي إنما أضاف المعاني إلى النحو، لمجرد الرد على متى بن يونس الذي كان يرى أن (النحو) لا جدوى منه، وأن السيرافي كان يقصد المعاني فحسب.\rومما يدلك على أن أبا هلال، قد قرأ مناظرة أبي سعيد السيرافي. أنه أجاب على أسئلة وجهها أبو سعيد، إلى متى بن يونس -في المناظرة الشهيرة بينهما- ولم يجب عليها متى، فتركها أبو سعيد دون إجابة، وهذه الأسئلة هي:\r(من الكلام ما هو مستقيم حسن، ومنه ما هو مستقيم محال، ومنه ما هو مستقيم قبيح، ومنه ما هو محال كذب، ومنه ما هو خطأ، فسر هذه الجملة (١)).\rوقد أجاب أبو هلال على هذه الأسئلة (في الصناعتين) مطبقاً لها على المعاني التي يجب أن يتوخاها الشاعر أو الأديب قائلاً: \"والمعاني -بعد ذلك- على وجوه: منها: ما هو مستقيم حسن نحو قولك، (قد رأيت زيداً) ومنها: ما هو مستقيم قبيح، نحو قولك: (قد زيداً رأيت) وإنما قبح لأنك أفسدت النظام بالتقديم والتأخير، ومنها ما هو مستقيم النظم وهو كذب، مثل قولك: (حملت الجبل) و (شربت ماء البحر) ومنها: ما هو محال، كقولك: (سآتيك أمس)، (وأتيتك غداً) وكل محال فاسد، وليس كل فاسد محالاً، ألا ترى أن قولك (قام زَيدٍ) فاسد، وليس محالاً، والمحال: مالا يجوز كونه ألبته، كقولك: (الدنيا في بيضة) وأما قولك: (حملت الجبل) وأشباهه، فكذب، وليس بمحال، إن جاز أن يزيد الله في قدرتك فتحمله.","footnotes":"(١) ستأتي المناظرة كلها في هذا البحث.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584844,"book_id":8507,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":43,"body":"ويجوز أن يكون الكلام الواحد كذباً محالاً؛ وهو قولك: رأيت قائماً قاعداً)، (ومررت بيقظان نائم) فتصل كذباً بمحال؛ فصار الذي هو الكذب هو المحال بالجمع بينهما، وإن كان لكل واحد منهما معنى على حدة؛ وذلك لما عقد بعضها ببعض حتى صار كلاماً واحداً.\rومنها: الغلط؛ وهو: أن تقول: (ضربني زيد) وأنت تريد: (ضربت زيداً) فغلطت فإن تعمدت ذلك كان كذباً (١) \"\rويبدو أن أبا هلال قد ركز -من عبارة السيرافي- على قوله لمتى ابن يونس: (وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل)، ولهذا فإنه ذكر وجوه الكلام التي ذكرها أبو سعيد في سؤاله لمتى بن يونس: وفهم منها وجوه المعاني التي منها المستقيم الحسن، والمستقيم المحال، والمستقيم القبيح والمحال الكذب، والخطأ؛ وأعرض صفحاً عن صحيح الكلام من سقيمه الذي يعرف بالنظم والإعراب. وعن معاني النحو التي هي منقسمة بين حركات الألفاظ -كما عبر عنها أبو سعيد-\rولهذا فإنه ركز -في نظريته- على توخي صواب المعنى، و (صحة اللفظ) و (المعرفة بوجوه الاستعمال) وأن المطلوب من كل هذا هو: (توخي الصورة المقبولة والعبارة المستحسنة).\rعلى أن قدامة بن جعفر كان حاضراً مجلس الوزير أبي الفتح الفضل ابن الفرات، وسمع مناظرة أبي سعيد. ولا ندرى أكان قد ألف كتابه \"نقد الشعر\" أم لا؟ وهو الذي يقول فيه \"إن المعاني كلها معرضة للشاعر\" إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيها","footnotes":"(١) الصناعتين ٦٨ وقد استعان أبو هلال على تلك الإجابة بما قرأه في الكتاب لسيبويه ١/ ٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584845,"book_id":8507,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":44,"body":"كالصورة، كما يوجد في كل صناعة، من أنه لابد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصور فيها، مثل الخشب للنجارة، والفضة للصباغة، وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى كان من الرفعة والضعة .. أن يتوخي البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة\" (١).\rوالمعاني التي تحدث عنها قدامة هي المعاني الغفل التي تحدث عنها عبد القاهر -في الدلائل- وقال إن سبيلها سبيل أشكال الحلي كالخاتم والشنف والسوار، فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلا ساذجاً، لم يعمل صانعه فيه شيئاً، أكثر من أن يأتي بما يقع عليه اسم الخاتم إن كان خاتماً، والشنف إن كان شنفاً، وأن يكون مصنوعاً بديعاً، قد أغرب صانعه فيه، كذلك سبيل المعاني أن ترى الواحد منها غفلا ساذجاً عامياً موجوداً في كلام الناس كلهم ثم تراه نفسه وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة، وإحداث الصور في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع الحاذق حتى يغرب في الصنعة ويدق في العمل، ويبدع في الصياغة ... \" (٢).\rكما أن عبارة قدامة: (أن يتوخى -الشاعر- البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة) كان أصلاً لعبارة أبي هلال: (توخي صواب المعنى) التي سبقت عبارة عبد القاهر: (توخي معاني النحو).\rوهكذا تجد أن الذين بحثوا في إعجاز القرآن قبل عبد القاهر، وأرجعوا دلائل الإعجاز إلى نظمه وهم الأشاعرة ومعهم الجاحظ من المعتزلة- لم يتوصلوا، إلى أسرار لنظم:\rفالجاحظ قد رأى أنها في تلاؤم الكلام، حتى كأنه قد سبك سبكاً،","footnotes":"(١) نقد الشعر ١٤\r(٢) الدلائل ٣٢٤","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584846,"book_id":8507,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":45,"body":"والباقلاني قد قال كلاماً عاماً، لا يشفى غليلا، في معرفة معنى النظم، والخطابي -وإن أشبه عبد القاهر في محاولته الجادة، في الإفصاح عن معنى النظم- إلا أنه لم يستطع الوصول إلى أسراره، بأكثر من أن الكلام ينقسم إلى لفظ حامل للمعنى، ومعنى محمول للفظ، ورباط بينهما ناظم، وأبو هلال العسكري، وإن كان قد أرجع إعجاز القرآن إلى بلاغته، إلا أن نظريته في البلاغة قد انحصرت في (توخي صواب المعنى، وصحة اللفظ، والمعرفة بوجوه الاستعمال) للوصول إلى (الصورة المقبولة، والعبارة المستحسة) مبتعداً بذلك عن (توخي معاني النحو فيما بين الكلم).\r\rأما المعتزلة: - وهم الذين كانوا يرجعون دلائل الإعجاز، إلى جزالته للفظ وحسن المعنى -فقد مثلهم- كما أسلفنا- قبل عبد القاهر: أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، والرماني، وعبد الجبار:\rأما أبو هاشم الحبائي، فقد أشار إلى رأيه عبد الجبار، بقوله: \"قال شيخنا أبو هاشم إنما يكون الكلام فصيحاً، لجزالته، وحسن معناه، ولابد من اعتبار الأمرين، لأنه لو كان جزل اللفظ، ركيك المعنى، لم يعد فصيحاً، فإذن يجب أن يكون جامعاً لهذين الأمرين، وليست فصاحة الكلام بأن يكون له نظم مخصوص، لأن الخطيب عندهم قد يكون أفصح من الشاعر، والنظم مختلف -إذا أريد بالنظم اختلاف الطريقة- وقد يكون النظم واحداً وتقد المزيه في الفصاحة، فالمعتبر ما ذكرناه، لأنه الذي يتبين في كل نظم، وكل طريقة، وإنما يختص النظم بأن يقع لبعض الفصحاء، يسبق إليه، ثم يساويه فيه غيره من الفصحاء، فيساويه في ذلك النظم، ومن يفضل عليه يفضله في ذلك النظم\" (١).","footnotes":"(١) البلاغة تطور وتاريخ ١١٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584847,"book_id":8507,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":46,"body":"ومن قراءتك لكلام أبي هاشم تجد أنه لا يرجع الإعجاز إلى النظم، وإنما يرجعه إلى جزالة اللفظ، وحسن المعنى، وأنه يقصد بالنظم: طريقة الكلام، كالشعر، أو النثر، أو الرسالة، أو الخطبة، بدليل قوله: وقد يكون النظم واحداً، وتكون المزية في الفصاحة، لأن النظم بالمعنى الذي يراه عبد القاهر، لا يمكن أن يتفق فيه اثنان، ولو فضل أديب صاحبه فيه، لدل ذلك على اختلاف النظم، وأن أحدهما قد توصل في نظمه إلى ما لم يتوصل إليه الآخر، واهتدى إلى خصائص لم يهتد إليها صاحبه.\rوأما أبو الحسن على بن عيسى الرماني المتوفى سنة ٣٨٦ هـ، فقد ألف رسالة أسماها \"النكت في إعجاز القرآن\" عندما سأله سائل أن يذكر النكت في إعجاز القرآن الكريم، دون التطويل بالحجاج فأجاب بأن وجوه الإعجاز تظهر من سبع جهات:\r١ - ترك المعارضة مع توفر الدواعي، وشدة الحاجة.\r٢ - التحدي للكافة.\r٣ - الصرفة.\r٤ - البلاغة.\r٥ - الأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة.\r٦ - نقض العادة.\r٧ - قياسه بكل معجز.\rويهتم الرماني بالبلاغة، فيذكر أنها على ثلاث طبقات:\r(أ) منها ما هو في أعلى طبقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584848,"book_id":8507,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":47,"body":"(ب) ومنها ما هو في أدنى طبقة.\r(جـ) ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة.\rفما كان في أعلاها طبقة فهو معجز، وهو بلاغة القرآن، وما كان منها دون ذلك فهو ممكن، كبلاغة البلغاء من الناس.\rوالبلاغة عنده -هي: إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ وأعلاها طبقة في الحسن: بلاغة القرآن، وأعلى طبقات البلاغة: للقرآن خاصة، وأعلى طبقات البلاغة معجز للعرب والمعجم كإعجاز الشعر المفحم، فهذا معجز للمفحم خاصة، كما أن ذلك معجز للكافة.\rوالبلاغة -عنده أيضاً- عشرة أقسام هي: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان\" (١).\rفبلاغة الكلام شاملة للألفاظ والمعاني على حد سواء، والإعجاز ليس في بلاغته فحسب، بل الإعجاز شامل المصرفة، والبلاغة وغيرهما مما ذكره في رسالته.\rوأما عبد الجبار الأسد أبادى، قاضي قضاة الدولة البويهية والمتوفى سنة ٤١٥ هـ، فقد أعد في كتابه: (المغني في أبواب التوحيد والعدل) جزءاً خاصاً بإعجاز القرآن الكريم.\rفيقول بعد أن أورد كلام شيخه أبي هاشم الجبائي: \"إن العادة لم تجر","footnotes":"(١) ثلاث رسائل ٧٥، ٧٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584849,"book_id":8507,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":48,"body":"بأن يختصر واحد بنظم دون غيره، فصارت الطرق التي عليها يقع نظم الكلام الفصيح معتادة، كما أن قدر الفصاحة معتاد، فلابد من مزية فيهما، ولذلك لا يصح عندنا - (يقصد المعتزلة في عصره) أن يكون اختصاص القرآن بطريقة في النظم دون الفصاحة، التي هي جزالة اللفظ، وحسن المعنى، ومتى قال القائل: إني وإن اعتبرت طريقة النظم، فلابد من اعتبار المزيه في الفصاحة، فقد عاد إلى ما أوردناه\".\rوهو بهذا يرد فكرة النظم، مشيراً إلى أن أصحابه، من المعتزلة يرفضون أن تكون أساساً في الإعجاز.\rوقد شعر عبد الجبار بقصور فكرة شيخه أبي هاشم، فحاول إتمامها، مراعيا تراكيب الكلام فيها، فقال: \"إعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولابد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضم، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع، لأنه إما أن تعتبر فيه الكلمة، أو حركاتها، أو موقعها، ولابد من هذا الاعتبار في كل كلمة، ثم لابد من اعتبار مثله في الكلمات، إذا أنضم بعضها إلى بعض، لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها، وحركاتها، وموقعها، فعلى هذا الوجه الذي ذكرناه، إنما تظهر مزية الفصاحة بهذه الوجوه دون ما عداها، وإن قال (قائل): قد قلتم: إن في جملة ما يدخل في الفصاحة حسن المعنى، فهلا أعتبرتموه؟ .\rقيل له: إن المعاني -وإن كان لابد منها- فلا تظهر فيها المزية، ولذلك نجد المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر، والمعنى متفق، على أنا نعلم أن المعاني لا يقع فيها تزايد، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عنده هو \"الألفاظ التي يعبر بها عنها، فإذا صحت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584850,"book_id":8507,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":49,"body":"هذه الجملة، فالذي تظهر به المزية ليس إلا الإبدال (أي الاختيار) الذي به تختص الكلمات، أو التقدم والتأخر، الذي يختص الموقع، أو الحركات التي تختص الإعراب، فبذلك تقع المباينة (بين الكلام) (١).\rوأنت تشعر من هذا الكلام، أن عبد الجبار يكاد يعبر عن نظرية النظم التي وجدها عبد القاهر في معاني النحو، ولكنه وقف دونها، فلم يصل إليها!\rكما أنك ترى من كلامه: أنه مازال يعطي المزية للألفاظ، لا للمعاني، مستدلا، على ذلك بأن المعاني لا تتزايد، وإنما تتزايد الألفاظ التي يعبر بها عن المعاني.\rكما أنك تشعر - أيضاً - بأن المعاني التي يقصدها عبد الجبار، غير المعاني التي يقصدها عبد القاهر، فالمعاني التي يقصدها عبد الجبار هي الأغراض والمقاصد التي يعبر عنها بالألفاظ، كالكرم والشجاعة، ونحوهما، والمعاني التي يقصدها عبد القاهر هي: معاني النحو؛ وهي الخصائص والمزايا، والفروق التي تحدث بالنظم من التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، والحذف، والذكر، وغيرها من المعاني التي يتوخاها الشاعر، أو الأديب على حسب الأغراض التي يقصدها.\rولما كانت الفصاحة -عند أبي هاشم- تتمثل في جزالة اللفظ، وحسن المعنى، وكانت المزية من حيز الألفاظ، لا من حيز المعاني، وجاء عبد الجبار فذكر أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، وكان هذا المعنى الأخير، هو المقصود عند البلاغيين، فقد تأثر بهما أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجى","footnotes":"(١) البلاغة تطور وتاريخ ١١٦، ١١٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584851,"book_id":8507,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":50,"body":"المتوفى سنة ٤٦٦ هـ فألف كتابه (سر الفصاحة) وفرق فيه بين الفصاحة والبلاغة، جاعلا الفصاحة للألفاظ، والبلاغة للألفاظ مع المعاني.\rولعل هذا الصنيع من ابن سنان -بالتفريق بين الفصاحة والبلاغة- هو الذي جعل عبد القاهر -في الدلائل- لا يرى مانعاً من التفريق بينهما، في مجال رده شبهة: أن يدعى أن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي، وتعديل مزاج الحروف حتى تتلاقى في النطق حروف تثقل على اللسان ... ويزعم أن الكلام إذا سلم من ذلك وصفاً من شوبه كان الفصيح المشاد به، والمشار إليه، وأن الصفاء - أيضاً - يكون على مراتب يعلو بعضها بعضاً، وأن له غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز، وأن الذي يبطل هذه الشبهة -إن ذهب إليها ذاهب- أنا إن قصرنا صفة الفصاحة على كون اللفظ كذلك وجعلناه المراد بها، لزمنا أن نخرج الفصاحة من حيز البلاغة، ومن أن تكون نظيرة لها. وإذا فعلنا ذلك لم نخل من أحد أمرين: إما أن نجعله العمدة في المفاضلة بين العبارتين، وإما أن نجعله أحد ما نفاضل به، ووجها من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام، فإن أخذنا بالأول، لزمنا أن نقصر الفضيلة عليه حتى لا يكون الإعجاز إلا به، وفي ذلك ما لا يخفى من الشناعة ... وإن أخذنا بالثاني، لم يكن لهذا الخلاف ضرر علينا، لأنه ليس بأكثر من أن نعمد إلى الفصاحة، فنخرجها من خير البلاغة والبيان، وأن تكون نظيرة لهما\" (١).\rوهنا يبرز سؤال، هو لماذا لا يكون ابن سنان هو الذي تأثر برأي عبد القاهر -وقد كانا متعاصرين- فأدى تردده بين فصل الفصاحة عن البلاغة وعدم فصلهما، إلى أن يبادر ابن سنان بفصلهما بعد أن قرأ ما كتبه عبد القاهر، في دلائل الإعجاز؟ .","footnotes":"(١) الدلائل ٤٦، ٤٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584852,"book_id":8507,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":51,"body":"وللإجابة على هذا السؤال نقول: إن مرحلة التردد -وإن كانت في العادة تسبق مرحلة الحسم- إلا أن ثمة أموراً، ترجح ما رأيناه من تأثر عبد القاهر بما كتبه ابن سنان، نجملها فيما يلي:\rأولاً: أن ابن سنان قد فرغ من كتابه (سر الفصاحة) في الثاني من شعبان سنة ٤٥٤ هـ وهو نفس التاريخ الذي انتهى فيه عبد القاهر من تأليف كتابه (المقتصد) في النحو، إذ فرغ منه في شهر رمضان سنة ٤٥٤ هـ، وهو الكتاب الذي يعد ملخصاً لشرح كتاب الإيضاح لأبي على الفارسي، والذي أسماه عبد القاهر: \"المغنى\" في ثلاثين جزءاً، وهذا الجهد الكبير من عبد القاهر، يقدر أن يكون قد أخذ منه ما يزيد على ثلاثين عاماً، والراجح أن عبد القاهر قد ألف الدلائل بعد هذا التاريخ، لأنه -كما يقول المحققون- قد ألفه في أخريات حياته.\rثانياً: أن ابن سنان فرق بين الفصاحة والبلاغة، بأن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفاً للألفاظ مع المعاني، فلا يقال: - في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها- بليغة، وإن قيل فيها: فصيحة، وكل كلام بليغ فصيح وليس كل فصيح بليغاً (١)، ويفهم من قوله: \"إن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، أنه يمكنك أن تقول: \"كلمة فصيحة\" ولا يمكنك أن تقول \"معنى فصيح\" وكذلك يمكنك أن تقول \"كلام فصيح\" ولا يمكنك أن تقول \"كلام فصيح المعنى\" ولهذا فإن عبد القاهر، يرد -في الدلائل- على شبهة قد تعرض لقائل يقول: إذا كان اللفظ بمعزل على المزية التي تنازعنا فيها، وكانت مقصورة على المعنى فكيف كانت الفصاحة من صفات اللفظ البته؟ وكيف","footnotes":"(١) سر الفصاحة ٥٠","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584853,"book_id":8507,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":52,"body":"امتنع أن يوصف بها المعنى، فيقال: \"معنى فصيح\" و \"كلام فصيح المعنى\"؟ ، فيقال -في الرد عليه-: إنما اختصت الفصاحة باللفظ، وكانت من صفته، من حيث كانت عبارة عن كون اللفظ على وصف -إذا كان عليه- دل على المزية التي نحن في حديثها (١).\rثالثاً: أن \"سر الفصاحة\" لو كان قد صنف بعد الدلائل -وفي الدلائل هجوم قوى على من يجعلون الفصاحة في ضم الكلمات بعضها إلى بعض، دون الإشارة إلى تتبع معاني النحو، وأنها في جزالة اللفظ وحسن المعنى، منا بعين بذلك عبد الجبار -وقد كان ابن سنان من هؤلاء- لتجرد ابن سنان المواد على عبد القاهر، مشيراً إلى معاني النحو التي رددها عبد القاهر -في الدلائل- ما يقرب من ستين مرة، ولكن \"سر الفصاحة\" لا يبدو فيه أي رد على عبد القاهر، بل وليس فيه ذكر لعبارة \"معاني النحو\" أصلاً، مما يدل على أن عبد القاهر، هو الذي تأثر بابن سنان في فصله بين الفصاحة والبلاغة، مجوزاً، أن يفصل أحدهما على الآخر وأن تجعل اسماً مشتركاً بينهما.\rرابعاً: أن ابن سنان -في سر الفصاحة- رد على أبي على الجباني- الذي يرى أن قارئ القرآن، لم يأت بمثله \"لأنه لو كان القارئ، لا يسمع منه ما فعله دون كلام الله تعالى، لبطل التحدي، وخرج من أن يكون معجزاً، لأنه لو كانت الحكاية غير المحكى -وهي مثله- لكان كل من فعل القرآن \"أي قرأه\" قد أتى بمثله على الحقيقة، والتحدي يضمن أنهم لا يأتون بمثله على الحقيقة\" رد ابن سنان على هذا: بأن التحدي إنما وقع بفعل مثل القرآن على الابتداء، دون الاجتذاء، والتالي","footnotes":"(١) الدلائل ٥٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584854,"book_id":8507,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":53,"body":"للقرآن، قد أتى بمثله محتذياً، فلا يكون بذلك معارضاً، وعلى هذا - أيضاً - كان يقع التحدي من العرب بعضهم بعضاً، بالأشعار على سبيل الابتداء (١).\rثم يقول ابن سنان: وقد اعتمد أبو الهذيل -وأبو علي أيضاً- على قوله تبارك تعالى: \"وإن احد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله\" ولا خلاف بين الأمة أن المسموع في المحاريب كلام الله تعالى على الحقيقة، والجواب عن هذا، أن إضافة الكلام إلى المتكلم -إن كان الأصل فيها أن يكون من فعله- فقد صار بالتعارف يضاف إليه إذا وردت مثل صورة كلامه، ولهذا يقولون فيما نسمعه الآن: هذه قصيدة امرئ القيس -وإن كان الفاعل لذلك غيره- وقد صار هذا بالتعارف حقيقة، حتى يقدم أحد على أن يقول: ما سمعت شعر امرئ القيس على الحقيقة، وقد تخطى ذلك إلى أن صاروا يشيرون إلى ما في الدفتر، ويقولون: هذا علم فلان، وهذا كلام فلان، لما كان مثل هذه الصورة\" (٢).\rوقد تضمن رداً ابن سنان: أن التحدي يقع ابتداء، والقارئ للقرآن يأتي بمثله محتذباً وأن العرب كانت تتحدى بعضها بالأشعار، وأن قارئ الشعر -كشعر امرئ القيس وغيره من الشعراء، يسمى محتذياً-.\rوقد أفرد عبد القاهر -في آخر الدلائل- سبع صفحات للرد على هذا الرأي تضمنت ما يلي:","footnotes":"(١) سر الفصاحة ٣٨.\r(٢) نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584855,"book_id":8507,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":54,"body":"أولاً: أن الاحتذاء عند الشعراء، وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه هو: أن يبتدئ الشاعر معنى لع غرض أسلوباً -والأسلوب: الضرب من النظم والطريقة فيه- فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب؛ فيجي به في شعره؛ فيشبه بمن يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها فيقال: قد احتذى على مثاله.\rثانياً: أن العرب لا يجعلون الشاعر محتذياً، إلا بما يجعلونه به آخذاً من غيره ومسترقاً أما أن يجعل إنشاد الشعر وقراءته احتذاء فما لا يعلمونه.\rثالثاً: أنه لو عمد عامد إلى بيت شعر، فوضع مكان كل لفظة لفظاً في معناه كأن يقول -في قوله-:\rدع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي\rذر المآثر، لا تذهب لمطلبها ... واجلس، فإنك أنت الآكل اللابس\rلم يجعلوا ذلك احتذاء، ولم يؤهلوا صاحبه لأن يسموه محتذياً، ولكن يسمونه هذا الصنيع (سلخاً) ويرذلونه، ويسخفون المتعاطى له، فمن أين يجوز لنا أن نقول: في صبي يقرأ قصيدة امرئ القيس: إنه احتذاء في قوله:\rفقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل\rرابعاً: أنه لو كان منشد الشعر محتذياً، لكن يكون قائل شعر (أي شاعراً) كما أن الذي يحذوا النعل بالنعل يكون قاطع نعل (١).","footnotes":"(١) الدئل ٣٦، ٣٦١، ٣٦٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584856,"book_id":8507,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":55,"body":"ولم يكتف عبد القاهر بهذا، بل إنه قد ختم رده بتقرير، قال: إنه يصلح لأن يحفظ للمناظرة وهو:\r(ينبغي أن يقال لمن يزعم أن المنشد إذا أنشد شعر امرئ القيس قد أتى بمثله على سبيل الاحتذاء: أخبرنا عنك: لماذا زعمت أن المنشد قد أتى بمثل ما قاله امرؤ القيس؟ أم لأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها؟ أم لأنه راعي النسق الذي راعاه في النطق بها؟ ، فإن قلت: إن ذلك لأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها، أحلت، لأنه إنما يصح أن يقال في الثاني: أنه أتى بمثل ما أتى به الأول، إذا كان الأول قد سبق إلى شيء، فأخذه ابتداء، وذلك في الألفاظ محال، إذ ليس يمكن أن يقال: إنه لم ينطق بهذه الألفاظ التي هي في قوله: (قفانيك من ذكرى حبيب ومنزل) قيل امرئ القيس أحد. وإن قلت: إن ذلك لأنه قد راعي في نطقه بهذه الألفاظ النسق الذي راعاه امرؤ القيس، قيل: إن كنت لهذا قضيت في المنشد، أنه قد أتى بمثل شعره، فأخبرنا عنك، إذا قلت: إن التحدي وقع في القرآن إلى أن يؤتي بمثله على جهة الابتداء، ما تعنى به؟ أتعني أنه يأتي في ألفاظ غير ألفاظ القرآن بمثل الترتيب والنسق الذي تراه في ألفاظ القرآن؟ فإن قال: ذلك أعني، قيل له: أعلمت أنه لا يكون الإتيان بالأشياء بعضها في إثر بعض على التوالي نسقاً وترتيباً، حتى تكون الأشياء مختلفة في أنفسها، ثم يكون الذي يجيء بها مضموماً بعضها إلى بعض غرض فيها ومقصود لا يتم ذلك الغرض وذاك المقصود إلا بأن يتخير لها مواضع، فيجعل هذا أولاً، وذاك ثانياً، فإن هذا ما لا شبهة فيه على عاقل وإذا كان الأمر كذلك لزمك أن تبين الغرض الذي اقتضى أن تكون ألفاظ القرآن منسوقة النسق الذي تراه ولا مخلص له من هذه المطالبة، لأنه إذا أبى أن يكون المقتضى والموجب الذي تراه من النسق المعاني، وجعله قد وجب لأمر يرجع إلى اللفظ، لم نجد شيئاً يحيل الإعجاز، في وجوبه عليه ألبتة، اللهم إلا أن يجعل الإعجاز في الوزن، ويزعم أن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584857,"book_id":8507,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":56,"body":"النسق الذي تراه في ألفاظ القرآن الكريم إنما كان معجزاً من أجل أن كان قد حدث عنه ضرب من الوزن يعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله، وإذا قال ذلك لم يمكنه أن يقول: إن التحدي وقع إلى أن يأتوا بمثله في فصاحته وبلاغته، لأن الوزن ليس هو من الفصاحة والبلاغة في شيء، إذ لو كان له مدخل فيهما، لكان يجب في كل قصيدتين اتفقتا في الوزن، أن تتفقا في الفصاحة والبلاغة، فإن دعا بعض الناس طول الإلف لما سمع، من أن الإعجاز في اللفظ إلى أن يجعله في مجرد الوزن، كان قد دخل في أمر شنيع، وهو أنه يكون قد جعل القرآن معجزاً، لا من حيث هو كلام، ولا بما به كان لكلام فضل على كلام، فليس بالوزن ما كان الكلام كلاماً، ولا به كان كلام خيراً من كلام\" (١).\rوبهذا الرد من عبد القاهر -في دلائل الإعجاز- على ابن سنان في (سر الفصاحة) يثبت لنا، بما لا يدع مجالاً لأدنى شك، أن عبد القاهر قد ألف \"الدلائل\" بعد سنة ٤٥٤ هـ، وهي السنة التي انتهى فيها ابن سنان من تأليف كتابه \"سر الفصاحة\".\rعلى أن ابن سنان نفسه كان متأثراً بما كتبه أبو هلال العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ هـ في كتاب (الصناعتين) فقد استقى منه طريقة الفصل بين الفصاحة والبلاغة، كما استقى منه فكرة الابتداع، والاحتذاء، وإن لم يكن قد فهم الاحتذاء على حقيقته.","footnotes":"(١) الدلائل ٣٦٣، ٣٦٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584858,"book_id":8507,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":57,"body":"ثانياً: \"دلائل الإعجاز\" بين السيرافي والجرجاني\rالقسم الأول:\rمنابع الدلائل في مناظرة أبي سعيد\r١ - الفارق الزمني بين \"الأسرار\" و \"الدلائل\".\r٢ - الدافع إلى تصنيف \"الدلائل\".\r٣ - مناظرة أبي سعيد السيرافي.\r٤ - الأفكار التي تضمنتها المناظرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584859,"book_id":8507,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":58,"body":"١ - الفارق الزمني بين \"الأسرار\" و \"البلاغة\"\rلقد ظل التاريخ الذي ألف فيه كل من \"أسرار البلاغة\" و \"دلائل الإعجاز\" لعبد القاهر الجرجاني قروناً عديدة، وأزماناً متطاولة طي الغيب، يحيط به الضباب، وتججبه الغيوم؛ ولا يحاول واحد من البلاغيين أو من النقاد، أن يكشف هذا الضباب \"ويزيل تلك الغيوم، بل ظلت الغالبية العظمى منهم تدرس الكتابين معاً، وتتناول أفكارهما، وكأنهما كتاب واحد، أو أنهما على أقل تقدير قد ألفا في وقت واحد.\rولكن القليلين منهم قد حاولوا أن يستنبطوا شواهد من الكتابين تقوم على معرفة أسبقية أحدهما على الآخر، ثم انقسموا إلى فريقين: فريق يقول بأسبقية الدلائل على الأسرار، وفريق يقول بأسبقية الأسرار على الدلائل، وقد أيد كل من الفريقين رأيه بما استنبطه من شواهد.\rولن نعرج على أدلة هذا الفريق أو ذاك، لأن هذا البحث الذي بين يديك الآن قد تجاوز مرحلة أسبقية أحد الكتابيين على الآخر، إلى مرحلة التعرف على التاريخ الذي ألف فيه كل من الكتابين على حدة.\rوقد كتبت بحثاً مطولاً في إثبات هذا التاريخ، ولكنني أقتصر منه على ما يلي:\r\rأولاً: الملابسات التي أحاطت بتأليف الكتابين:\r١ - الشواهد أو الأمثلة التي جلبها عبد القاهر -في الأسرار- من كتاب \"يتيمة الدهر\" الثعالبي؛ الذي كان معاصراً لعبد القاهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584860,"book_id":8507,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":59,"body":"٢ - تاريخ وفاة شيخه أبي الحسين بن عبد الوارث وهو سنة ٤٢١ هـ، لأن عبد القاهر إذا ذكره في الأسرار قال عنه ﵀.\r٣ - تاريخ الإنتهاء من كتاب المغنى في النحو، والمقتصد الذي اختصر به المغنى في سنة ٤٥٤ هـ، وقد أمضى في هذا العمل أكثر من ثلاثين عاماً.\r٤ - تاريخ لعن الأشاعرة من فوق المنابر، لأن في الدلائل إشارة إلى هذا الزمن الذي انتهى سنة ٤٥٨ هـ.\r٥ - تاريخ انتهاء ابن سنان الخفاجى من كتابه (سر الفصاحة) وهو سنة ٤٥٤ هـ، لأن عبد القاهر يرد على ابن سنان في كيفية فهمه للإحتذاء، الذي ذكره في هذا الكتاب.\r\rثانياً: التاريخ الحقيقي لتأليف كل من الكتابين:\rباختصار شديد نقول: إن الكتاب صورة لعصره. أو مرآة لزمنه:\r١ - فأسرار البلاغة: قد نقل فيه عبد القاهر ما يقرب من ستين شاهداً من الشعر، من كتاب \"يتيمة الدهر\" للثعالبي المتوفى سنة ٤٢٩ هـ، والذي انتهى منه في سنة ٤٠٣ هـ، وليس في أسرار البلاغة شيء من كتاب \"تتمة اليتيمة\" الذي يعطى الجزء الخامس لليتيمة، والذي صنفه الثعالبي في سنة ٤٢٨ هـ.\rومعنى ذلك أن عبد القاهر قد ألف الأسرار قبل سنة ٤٢٨ هـ، ولكنه يقول عن شيخه -في الأسرار- ﵀ مما يدل عل أنه قد ألف الأسرار بعد وفاة شيخه، وقد كانت وفاة شيخه أبي الحسين بن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584861,"book_id":8507,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":60,"body":"محمد بن الحسين بن عبد الوارث النحوي سنة ٤٢١ هـ -كما ذكر ياقوت- فقد ألف الأسرار- إذن بعد سنة ٤٢١ هـ.\rفإذا ما عرفنا أن عبد القاهر قد أتم كتابه \"المقتصد\" في النحو سنة ٤٥٤ هـ، وأن هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء، وهو بدوره تلخيص لكتاب قبله هو \"المغنى\" الذي شرح به عبد القاهر \"الإيضاح\" لأبي علي الفارسي في ثلاثين جزءاً وأن كتاب \"المقتصد\"، لكونه تلخيصاً للمغنى قد أخذ منه سنة واحدة، وأن المغنى قد أخذ منه ثلاثين عاماً، فإنه يكون قد بدأ تصنيف المغنى في سنة ٤٢٣ هـ، وتكون سنة ٤٢٢ هـ -وهي السنة التي تلت وفاة شيخه أبي الحسين- هي السنة التي صنفت فيها \"أسرار البلاغة\".\r٢ - وأما \"دلائل الإعجاز\": فإن عبد القاهر -في مقدمته- يشكو من أنه يصنفه في زمان ليس للعلماء فيه إلا الشر والأذى، وقد كان عبد القاهر أشعرياً، وكان الأشاعرة في عهد الوزير \"عميد الملك\" -أي من سنة ٤٣٣ هـ إلى سنة ٤٥٥ هـ -يلعنون من فوق المنابر، إلى أن أزال ذلك \"نظام الملك\" وأنشأ المدارس النظامية في أنحاء البلاد سنة ٤٥٨ هـ، فمدحه عبد القاهر بقصيدة منها:\rلو جاود الغيث غدا ... بالجود منه أجدرا\rأو قيس عرف عرفه ... بالمسك كان أعطرا\rذو شيم، لو أنها ... ... في الماء ما تغيرا ...\rوهمة لو أنها ....... ... النجم، ما تغورا ..\rلو مس عوداً يابساً ... أورق ثم أثمرا ....\rوقال فيه الحسين بن جعفر بن محمد الفارسي:\rأحيا البلاد بعدله، وأسهامهم ... من ظله في الروح والريحان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584862,"book_id":8507,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":61,"body":"وبنى القبات بأرض فارس مغرماً ... بحماية اللاجى، وفك المعاني\rفالناس في أمن بعز ظلاله ... والشاة في ورد مع السرحان\rولحب دين الله يكرم أهله ... ويخصهم بالعدل والإحسان\rومعنى ذلك أن عبد القاهر قد ألف الدلائل بعد سنة ٤٥٤ هـ، وهي السنة التي انتهى فيها من التأليف في النحو؛ بإتمام كتابه \"المقتصد\" وقبل سنة ٤٥٨ هـ؛ وهي السنة التي أزال فيها \"نظام الملك\" لعن الأشاعرة من فوق المنابر؛ وأنشأ المدارس النظامية لتدريس المذهب السني بها.\rأضف إلى هذا: أن عبد القاهر قد رد على ابن سنان في فهمه للاحتذاء كتابه (سر الفصاحة) وقد ألف ابن سنان كتابه هذا سنة ٤٦٤ هـ؛ أي أن عبد القاهر قد ألف \"الدلائل\" بعد سنة ٤٥٤ بالتأكيد.\r٣ - فالفارق الزمني بين \"الأسرار\" و \"الدلائلي\" هو من سنة ٤٢٢ هـ -وهي سنة تأليف \"الأسرار\"- إلى سنة ٤٥٥ هـ- وهي سنة تأليف \"الدلائل\"؛ أي بداية التأليف فيها؛ وهذا الفارق الزمني مقداره: واحد وثلاثون عاماً.\rوهذا تفسير لقول عبد القاهر -في الدلائل-: \"وهذه مسألة كنت قد عملتها قديماً .. \" (١) وقوله: \"ومن ذلك: أنك ترى من العلماء من قد تأول في الشيء تأويلاً، وقضى فيه بأمر؛ فتعتقده إتباعا له،","footnotes":"(١) الدلائل ٢٣٥ والأسرار ٣٣٦","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584863,"book_id":8507,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":62,"body":"وتبقى على ذلك الاعتقاد الزمان الطويل، ثم يلوح لك ما تعلم به أن الأمر على خلاف ما قدر .. \" (١).\rوقوله: \"وإنك لتنظر في البيت دهراً طويلاً، وتفسره؛ ثم يبدو لك فيه أمر خفي ... \" (٢).\rفالمقصود بقول عبد القاهر: قديماً\" و \"الزمان الطويل\" و \"الدهر الطويل\" هو ذلك الفارق الزمني الذي ذكرته وهو: واحد وثلاثون عاماً.\rوقد بحثت عن معنى قولهم: \"قديماً\" فوجدت: أن القديم عند العرب هو: زمان مجهول المبدأ؛ لطول العهد به -كما يفهم من قول أبي سعيد السيرافي، في كتاب: \"الإمتاع والمؤانسة\" (١/ ٢٥)؛ وهذا المعنى منطبق تماماً على الفارق الزمني الذي رأيته بين الكتابين.\r٤ - وإذا كان \"أسرار البلاغة\" لم يعلق به أثر من آثار كتاب \"تتمة اليتيمة\"، لأنه صنف قبلها؛ فإن كتاب \"دلائل الإعجاز\" لأنه صنف بعدها -به أثران منها؛ وهما:\r(أ) قول عبد القاهر -في الدلائل- \"فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ زينة المعاني، وحلية عليها؛ أو يجعلون المعاني كالجواري، والألفاظ كالمعارض لها ... (الدلائل ١٧١، ١٧٢)\rفهو إشارة: إلى ما قاله الثعالبي -في تتمة اليتيمة- عن أبي محمد","footnotes":"(١) الدلائل ٤٢٥ والأسرار ٢٥٢ (هـ- ريتر).\r(٢) الأسرار ٢٦١ والدلائل ٤٢٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584864,"book_id":8507,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":63,"body":"عبد الله بن محمد: \"وجرى في طريق المفلقين المبدعين، وكسا المعاني البديعة الخفية، معارض الألفاظ الرشيقة الجلية ... \" (تتمة اليتيمة ١٣٧).\r(ب) قول عبد القاهر -في الدلائل-: \"ومن الصفات التي تجدهم يجرونها على اللفظ قولهم: \"يدخل في الأذن بلا إذن\" (الدلائل ١٧٤) (١):\rولقد كان لهذا الفارق الزمني الكبير -وهو واحد وثلاثون عاماً- بين الأسرار، والدلائل، أثر كبير ف تطور أفكار عبد القاهر بين الأسرار والدلائل؛ فقد كانت الملابسات التي صاحبت تأليف كل من الكتابين مختلفة عن الملابسات التي صاحبت تأليف الآخر؛ وقد اعتمد في الدلائل على كتب لم تتح له وهو يؤلف الأسرار؛ كنقد الشعر؛ لقدامة بن جعفر، ومناظرة أبي سعيد السيرافي، التي أوردها أبو حيان التوحيدي في كتابيه: الإمتاع والمؤانسة، والمقابسات.\rوإذا كان أبو سعيد السيرافي، قد غمط حفه من البلاغيين؛ لأنهم لم يعترفوا، له بالفضل في إبراز نظرية النظم التي أداروا عليها كتبهم؛ فإن قدامة بن جعفر؛ الذي كان معاصراً، لأبي سعيد، وحضر مناظرته في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن الفرات، لم يكن أسعد حظاً منه؛ فقد ظل كتابه، نقد الشعر مورداً، لكل من أطلع عليه من البلاغيين؛ دون أن يشير إليه أحد، وقد نقل منه عبد القاهر \"المعاني العقل\" التي رددها في الدلائل. وقال: إن البصير بشأن البلاغة","footnotes":"(١) نقد الشعر ١٤، والدلائل ٣٢٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584865,"book_id":8507,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":64,"body":"وإحداث الصور فيها، يعمد إليها؛ فيصنع فيها ما يصنع الصانع الحاذق؛ كما نقل منه \"الإرداف\" الذي أعطاه في الدلائل اسم الكناية؛ وكذلك \"التمثيل على حد الاستعارة؛ ولم يشر إليه، كما لم يشر إلى أبي سعيد السيرافي، الذي بنى الدلائل على مناظرته!\rيقول الدكتور طه حسين عن قدامة وكتابه \"نقد الشعر\": \"وقد استغل كتابه (نقد الشعر) كل مؤلف جاء بعده، دون أن يقول كلمة واحدة، يقر له فيها بالفضل\" (١).\rوههنا أمران على درجة كبيرة من الأهمية، يظهر أن تطور أفكار عبد القاهر من الأسرار إلى الدلائل ولهما صلة وثيقة بمناظرة أبي سعيد السيرافي، \"ونقد الشعر\" لقدامة، وهما:\rأولاً: أن نظرية النظم لم تكن في الأسرار -إلا ضربا خاصا من التأليف، يعمد فيه إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب، وهذا الاختصاص في الترتيب، يقع في الألفاظ مرتباً على المعاني المرتبة في النفس، وقد وقفت عند هذا الحد الذي لم تتجاوزه إلى: (معاني النحو) بل إن مصطلحات (النظم) و (معاني النحو) بل و (الفصاحة) و (البلاغة) تكاد لا توجد أصلاً في أسرار البلاغة -إذا استثنينا عنوان الكتاب!\rولهذا فإن الأبيات التي شرحها عبد القاهر -في الأسرار- قبل أن يعرف أن النظم هو توخي معاني النحو، قد أعادها -في الدلائل- ليطبق عليها (توخي معاني النحو فيما بين الكلمة)\rثانياً: أن نظرية البيان -في الأسرار- كان ينقصا، إحدى","footnotes":"(١) نقد النثر ١٧ (ط دار الكتب ١٩٣٣)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584866,"book_id":8507,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":65,"body":"صور البيان الكبرى، وهي (الكناية) فلما اطلع عبد القاهر على مناظرة أبي سعيد، ونقد الشعر لقدامة، أخذ الأرداف الذي شرحه قدامة، وأزاح عنه رداء الإرداف، وألبسه ثوب الكناية، لتكمل بها نظرية البيان.\rكما أنه -في الأسرار- كان يعد الأمثال من قبيل التشبيه التمثيلي، ولكنه -في الدلائل- جعلها من قبيل التمثيل على حد الاستعارة، وهو الذي أسماه البلاغيون من بعده: الاستعارة التمثيلية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584867,"book_id":8507,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":66,"body":"٢ - الدافع إلى تصنيف الدلائل\rكان عبد القاهر الجرجاني أشعرياً، وكان عبد الجبار الأسد أيادي المتوفى سنة ٤١٥ هـ معتزلياً، بل إنه كان رأس المعتزلة في زمانه، وكان أبو الحسن الأشعري مؤسس مذهب الأشاعرة قد كتب تفسيراً مطولاً، ينقض فيه تفسير أستاذه، أبي علي الجبائي إمام المعتزلة في عصره، ويرد عليه، أسماه: \"تفسير القرآن، والرد على من خالف البيان، من أهل الإفك والبهتان، وقال فيه: \"ورأيت الجبائي ألف في تفسير القرآن، كتاباً، أوله على خلاف ما أنزل الله ﷿ وعلى لغة أهل قريته المعروفة يجي، وليس من أهل اللسان الذي نزل به القرآن. وما روى في كتابه جرفاً واحداً عن أحد من المفسرين، وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه، ولولا أن استغوى بكتابه كثيراً من العوام، واستزل به عن الحق كثيراً من الطعام لم يكن لتشاغلي به وجه (١).\rوقد سار القاضي عبد الجبار على نهج أستاذه، أبي علي الجبائي في تفسير القرآن الكريم، وصب جام غضبه على أبي الحسن الأشعري، فقال فيما قال -حين عرض لرأي أبي الحسن الأشعري في استحقاقه- تعالى الصفات: \"ثم نبغ أبو الحسن الأشعري، وأطلق القول بأنه -تعالى يستحق هذه الصفات، لمعان قديمه، لوقا حته، وقلة مبالاته بالإسلام والمسلمين، مما جعل عبد القاهر الجرجاني يتصف لشيخه أبي الحسن الأشعري، فقال فيما قال -عن الجبائي: -","footnotes":"(١) متشابه القرآن عبد الجبار ص ٣٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584868,"book_id":8507,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":67,"body":"\"فمن ضلالات الجبائي: أنه سمي الله ﷿ مطيعاً لعبده إذا فعل مراد العبد، وكان سبب ذلك أنه قال- يوماً- لشيخنا أبي لحسن الأشعري ﵀: ما معنى الطاعة عندك؟ فقال: موافقة الأمر؛ وسأله عن قوله فيها: فقال الجبائي: حقيقة الطاعة عندي: موافقة الإرادة، وكل من فعل مراد غيره، فقد أطاعه، فقال شيخنا أبو الحسن ﵀ ايلزمك على هذا الأصل وأن يكون الله -تعالى- مطيعاً لعبده إذا فعل مراده، فالتزم ذلك، فقال له شيخنا ﵀ خالفت إجماع المسلمين، وكفرت برب العالمين، ولو جاز أن يكون الله -تعالى- مطيعاً لعبده، لجاز أن يكون خاضعاً له -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-\" (١).\rوقد ألف عبد الجبار كتابيه: \"تنرية القرآن عن المطاعن\" \"ومتشابه القرآن\"، كما ألف تفسيراً كاملاً للقرآن الكريم، يقع في مائة جزء، كما ألف كتابه \"المغنى في أبواب التوحيد والعدل\".\rويعد كتابه: \"متشابه القرآن\" من أهم كتب المعتزلة التي تكشف عن منهجهم في تفسير القرآن، ويعتمد هذا المنهج على أمرين هما: العقل، واللغة، أي: الدليل العقلي، والدليل اللغوي:\rأما الدليل العقلي: فإنه يتلخص في وجوب معرفة الله تعالى بدليل العقل -أولاً- وأنه- تعالى- حكيم، لا يختار فعل القبيح، لأن هذه المعرفة يمكن معها القول بأنه -تعالى- صادق في إخباره وكلامه، وأنه لا يجرى المعجز على الكذابين، وبالتالي فإنه يمكن الاستدلال بالقرآن على ما يدل عليه.\rوأما الدليل اللغوي: فإنه يتمثل في الاستعانة باللغة -على التأويل- سواء في ذلك المفردات، وقواعد النحو والإعراب، والعناية بالنظم","footnotes":"(١) الملل والنحل للشهر ستاني ١/ ٧٨ (هامش).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584869,"book_id":8507,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":68,"body":"القرآني، وضرورة بقاء الصلة اللغوية والمعتوية قائمة بين الآية أو الآيات.\rوفي الجزء الخاص بإعجاز القرآن الكريم من كتابه \"المغنى في أبواب التوحيد والعدل\" عقد فصلين قصيرين، عرض في أولهما رأي أستاذه أبي هاشم الجبائي في الفصاحة التي بها يفضل بعض الكلام بعضاً؛ معقباً عليه.\rوأما ثانيهما: فقد عرض فيه رأيه الخاص في الفصاحة، فقال: \"أعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولابد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضم، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع، وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع، لأنه إما أن تعتبر فيه الكلمة أو حركاتها، أو موقعها، ولابد من هذا الاعتبار، في كل كلمة إذا انضم بعضها إلى بعض، لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها، وحركاتها، وموقعها\".\rويلاحظ أن هذا الكلام منطق على ما جاء في كلام أبي سعيد السيرافي، عند حديثه عن نظم الكلام، غير أن عبد الجبار لم يمسك بخيط النظم الأساسي، وهو: (معاني النحو)، ولهذا فإنه لم يوفق في طريقة عرضها، وشرحها، كما عرضها وشرحها عبد القاهر من بعده، فمضى يذكر أن مزيه الكلام ترجع إلى لفظه لا إلى معناه، قائلاً:\r\"فإن قال (قائل): قد قلتم: إن في جملة ما يدخل في الفصاحة: حسن المعنى، فلا اعتبرتموه؟ قيل له: إن المعاني -وإن كان لابد منها- فلا تظهر فيها المزية ... ولذلك نجد المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر والمعنى متفق ... على أنا نعلم أن المعاني لا يقع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584870,"book_id":8507,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":69,"body":"فيها تزايد، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عنده: الألفاظ التي يعبر بها عنها فإذ صحت هذه الجملة، فالذي تظهر به المزية ليس إلا الإبدال (أي لاختيار) الذي به تختص الكلمات أو التقدم والتأخر الذي يختص الموقع أو الحركات التي تختص الإعراب، فبذلك تقع المباينة (بين كلام وكلام).\rفعبد الجبار -وإن كان قد تحدث عن إعجاز القرآن- فإنه لم يتحدث عن دلائل إعجازه، لأنه قصر في فهم نظرية النظم التي وردت في مناظرة أبي سعيد من وجهين:\rأولهما: أنه لم يستطيع الإمساك بالخيط الأساسي المنظم وهو (معاني النحو فيما بين الكلم) لأنه لم يكن نحوياً، فلم يستطع عرض النظرية، أو شرحها أو تطبيقها.\rوالآخر: أنه قد أرجع مزية الكلام إلى لفظه، لا إلى معناه، لأن المعاني لا تتزايد وإنما تتزايد الألفاظ. وبهذا فإنه لم يستطع الوصول إلى دقائق النظم وأسراره وخصائصه.\rومع أن عبد الجبار قد قصر في فهم نظرية النظم، ولم يستطع الوصول إلى مرجع المزية فيه، إلا أنه قد شايعه الكثيرون ممن يشايعون المعتزلة ويؤازرونهم، ويثيرون الجدل والشغب في جرجان، ويظهرون الزهد في علم النحو، ويحقرون من شأنه، ويجهرون بأن قضيلة الكلام المفظة لا لمعناه بل ويفسرون القرآن دون أن يكون لهم شأن يذكر في فهم قواعد النحو ودقائقه، وخفاياه.\rولهذا فإن عبد القاهر الجرجاني قد أراد أن يحق الحق، ويبطل الباطل ويكشف الطريق الحقيقي عن دلائل الإعجاز، ويرد الاعتبار للأشاعرة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584871,"book_id":8507,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":70,"body":"الذين أهينوا في شخص إمامهم أبي الحسن الأشعري، وأصبحوا يلعنون من فوق المنابر!\rوكما أن أبا الحسن الأشعري قد رد أباطيل أبي علي الجبائي في تفسيره للقرآن الكريم، فإن عبد القاهر الجرجاني قد أراد أن يرد أضاليل القاضي عبد الجبار في فهمه لمعنى النظم الذي به يتم فهم معاني القرآن الكريم يقول عبد القاهر -مشيراً إلى القاضي عبد الجبار وأشياعه ممن أعجبوا بطريقة المعتزلة في تفسير القرآن بالعقل واللغة، دون الاعتماد على معاني النحو فيما بين الكلم، ويزهدون في علم النحو، ويحقرون من شأنه -: \"ولو أن القدر المفتقر إليه القليل منه، اقتصروا على ذلك القليل، فلم يأخذوا أنفسهم بالقتوى فيه، والتصرف فيما لم يتعلموا منه، ولم يخوضوا في التفسير، ولم يتعاطوا التأويل، لكان البلاء واحدا، ولكانوا إذا لم يبنوا لم يهدموا، وإذا لم يصلحوا لم يكونوا سببا للفساد، ولكنهم لم يفعلوا فجلبوا من الداء ما أعي الطبيب وحيز اللبيب، وانتهى التخليط بما أتوه فيه إلى حد يئس من تلافيه، فلم يبق المعارف الذي يكره الشغب إلا المتعجب والسكوت، وما الآفة العظمى إلا واحدة، وهي، أن يجيء من الإنسان أن يجرى في لفظه ويمشي له أن يكثر في غير تحصيل، وأن يحسن البناء على غير أساس، وأن يقول الشيء لم يقتله علماً\".\rثم يشير عبد القاهر إلى الزمان الذي كان يؤلف فيه (الدلائل) -وهو زمان لعن الأشاعرة من فوق المنابر- قائلاً: \"ثم إنا وإن كنا في زمان هو على ما هو عليه، من إحالة الأمور عن جهاتها، وتحويل الأشياء عن حالاتها، ونقل النفوس عن طباعها \"وقلب الخلائق المحمودة إلى أضدادها، ودهر ليس للفضل وأهله لديه إلا الشر صرفاً والغيط بحتاً وإلا ما يدهس عقولهم، ويسلبهم معقولهم: حتى صار أعجز الناس رأياً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584872,"book_id":8507,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":71,"body":"عند الجميع من كانت له همة في أن يستفيد علماً، أو يزداد فهماً، أو يكتسب فضلاً، أو يجعل له ذلك بحال شغلاً -فإن الإلف من طباع الكريم، وإذا كان من حق الصديق عليك- ولاسيما إذا تقادمت صحبته، وصحت صداقته- أن لا تجفوه بأن تنكبك الأيام، وتضجرك النوائب، وتحرجك محن الزمان فتتناساه جملة، وتطويه طياً، فالعلم الذي هو صديق لا يحولا عن العهد، ولا يدخل في الود، وصاحب لا يصح عليه النكث والغدر \"ولا يظن به الخيانة والمكر، أولى منه بذلك وأجدر، وحقه عليك أكبر.\rثم إن التوق إلى أن تقر الأمور قرارها، وتوضع الأشياء مواضعها والنزاع إلى بيان ما يشكل وحل ما ينعقد، والكشف عما يخفى، وتلخيص الصفة حتى يزداد السامع ثقة بالحجة، واستظهاراً على الشبهة، واستبانة للدليل، وتبيناً للسبيل، شيء في سوس العقل، وفي طباع النفس إذا كانت نفساً\" (١).\rوهنا عكف عبد القاهر الجرجاني على مناظرة أبي سعيد السيرافي التي عقدت بينه، وبين متى بن يونس المنطقي في مجلس أبي الفتح الفضل بن جعفر ابن الفرات وزير بني بويه في سنة ٣٢٦ هـ، وأخذ في تأملها، واستنباط ما وراء أفكارها، فكرة، فكرة، ليرد على المعتزلة بكتابه: \"دلائل الإعجاز\":","footnotes":"(١) الدلائل ٢٧، ٢٨ (ط السيد محمد رشيد رضا)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584873,"book_id":8507,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":72,"body":"٣ - مناظرة أبي سعيد السيرافي\rومتى بن يونس حول المنطق والنحو\rقال أبو حيان التوحيدي في كتابه \"الإمتاع والمؤانسة\":\rلما أنعقد المجلس سنة ست وعشرين وثلاثمائة؛ قال الوزير ابن الفرات للجماعة -وفيهم الخالدي، وابن الأخشاد، والكتبي، وابن أبي بشر، وابن رباح، وابن كعب، وأبو عمر وقدامة بن جعفر، والزهري، وعلي بن عيسى الجراح، وابن فراس، وابن رشيد، وابن عبد العزيز الهاشمي، وابن يحيى العلوي، ورسول ابن طفج من مصر، والمرزباني صاحب آل سلمان-: ألا ينتدب منكم إنسان لمناظرة متى في حديث المنطق فإنه يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين، إلا بما حويناه من المنطق، وملكناه من القيام به، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده؛ فاطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه؟ ! .\rفأحجم القوم، وأطرقوا؛ قال ابن الفرات: والله إن فيكم لمن يفي بكلامه، ومناظرته، وكسر ما يذهب إليه! ، وإني لاعدكم في العلم بحاراً، والمدين وأهله أنصاراً، والحق وطلابه مناراً \"فما هذا لترامز والتنامز اللذان تجلون عنهما؟ فرفع أبو سعيد السيرافي رأسه، فقال: أعذر أيها الوزير، فإن العلم المصون في الصدر غير العلم المعروض في هذا المجلس على الأسماع المصيخة، والعيون المحدقة والعقول الحادة، والألباب الناقدة، لأن هذا يستصحبه الهيبة، والهيبة مكسرة ويجتلب الحياء، والحياء مغلبة، وليس البراز في معركة خاصة كالمصاع في بقعة عامة فقال ابن الفرات: أنت لها يا أبا سعيد، فاعتذارك عن غيرك يوجب عليك الأنصار لنفسك، والانتصار في نفسك راجع إلى الجماعة بفضلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584874,"book_id":8507,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":73,"body":"فقال أبو سعيد، مخالفة الوزير فيما رسمه هجنة، والاحتجاز عن رأيه إخلاد إلى التقصير، ونعوذ بالله من زلة القدم، وإياه نسأل حسن المعونة في الحرب والسلم، ثم واجه متى، فقال:\rحدثني عن المنطق ما تعني به؟ فإنا إذا فهمنا مرادك فيه كان كلا منا معك في قبول صوابه ورد خطئه على سنن مرضى وطريقة معروفة.\rقال متى: أعني به: أنه آله من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سيقمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجمان من النقصان، والشائل من الجانح.\rفقال أبو سعيد: أخطأت، لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف، والإعراب المعروف -إذا كنا نتكلم بالعربية- وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل، -إذا كنا نبحث بالعقل، وهبك عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن، فمن لك بمعرفة الموزون، أيما هو؟ حديد، أو ذهب، أو شبه، أو رصاص؟ فأراك بعد معرفة الوزن فقيراً إلى معرفة جوهر الموزون، وإلى معرفة قيمته، وسائر صفاته التي يطول عدها، فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك وفي تحقيقه كان اجتهادك إلا نفعاً يسيراً من وجه واحد، وبقيت عليك وجوه فأنت كما قال الأول:\rحفظت شيئاً وغابت عنك أشياء\rوبعد: فقد ذهب عنك شيء هاهنا: ليس كل ما في الدنيا يوزن، بل فيها ما يوزن، وفيها ما يكال وفيها ما يذرع، وفيها ما يمسح، وفيها ما يحزر، وهذا -وإن كان في الأجسام المرئية- فإنه على ذلك - أيضاً - في المعقولات المقررة. والإحساسات ظلال العقول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584875,"book_id":8507,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":74,"body":"تحكيها بالتقريب والتبعيد، مع الشبه المحفوظ، والمماثلة الظاهرة.\rودع هذا: إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها، واصطلاحهم عليها، وما يتعارفون هبها من رسومها وصفاتها، فمن أين يلزم الترك، والهند، والفرس، والعرب، أن ينظروا فيه، ويتخذوه قاضياً وحكما لهم وعليهم، ما شهد لهم به قبلوه، وما أنكره رفضوه؟ .\rقال متى: إنما لزم ذلك، لأن المنطق بحث عن الأغراض المعقولة والمعاني المدركة، وتصفح للخواطر السانحة، والسوانح الهاجسة، والناس في المعقولات سواء، ألا ترى أن أربعة وأربعة ثمانية، سواء عند جميع الأمم، وكذلك ما أشببهه؟\rقال أبو سعيد: لو كانت المطلوبات بالفعل، والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها المختلفة، وطرائقها المتباينة إلى هذه المرتبة البينة، في أربعة وأربعة، وأنهما ثمانية، زال الاختلاف، وحصل الاتفاق، ولكن ليس، الأمر هكذا، ولقد موهت بهذا المثال، ولكم عادة بمثل هذا التمويه!\rولكن -مع هذا- أيضاً-: إذا كانت الأغراض المعقولة، والمعاني المدركة، لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء، والأفعال، والحروف أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟ ، قال: نعم.\rقال: أخطأت \"قل في هذا الموضع: بلي، قال: بلى، أفا أقلدك في مثل هذا.\rقال: أنت -إذن- لست تدعونا إلى علم المنطق، إنما تدعو إلى تعلم اللغة اليونانية، وأنت لا تعرف لغة يونان، فكيف صرت تدعونا إلى لغة لا تفي بها؟ ! وقد عفت منذ زمان طويل، وباد أهلها وانقرض القوم الذين كانوا يتفاوضون بها، ويتفاهمون أغراضهم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584876,"book_id":8507,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":75,"body":"بتصاريفها، على أنك تنقل من السريانية، فما تقول في معان متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانية، ثم من هذه إلى لغة أخرى غريبة؟ !\rقال متى: يونان -وإن بادت مع لغتها- فإن الترجمة حفظت الأغراض، وأدت المعاني، وأخلصت الحقائق.\rفقال أبو سعيد: إذا سلمنا لك أن الترجمة صدقت وما كذبت، وقومت وما حرفت، ووزنتا وما جزفت، وأنها ما التاثت، ولا حافت ولا نقصت ولا زادت، ولا قدمت ولا أخرت، ولا أخلت بمعنى الخاص والعام، ولا بأخص الخاص، ولا بأعم العام -وإن كان هذا لا يكون وليس هو في طبائع اللغات، ولا في مقادير المعاني، فكأنك تقول: لا حجة إلا عقول يونان، ولا برهان إلا ما وضعوه، ولا حقيقة إلا ما أبرزوه!\rقال متى: لا، ولكنهم من بين الأمم -أصحاب عناية بالحكمة، والبحث عن ظاهر هذا العالم وباطنه، وعن كل ما يتصل به وينفصل عنه وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر، وانتشر ما انتشر، وفشا ما فشا، ونشأ ما نشأ من أنواع العلم، وأصناف الصنائع، ولم نجد هذا لغيرهم.\rقال أبو سعيد: أخطأت وتعصبت، وملت مع الهوى، فإن علم العالم مبثوث في العالم بين جميع من في العالم، ولهذا قال القائل:\rالعلم في العالم مبثوث ... ونحوه العاقل محثوث\rوكذلك الصناعات مفضوضة على جميع من على جدد الأرض، ولهذا غلب علم في مكان دون على، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة، وهذا ما صح، والزيادة عليه مشعلة، ومع هذا: فإنما كان يصح قولك، وتسلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584877,"book_id":8507,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":76,"body":"دعواك لو كانت يونان معروفة من بين جميع الأمم بالعصمة الغالبة، والفطنة الظاهرة، والبنية المخالفة، وأنهم لو أرادوا أن يخطئوا لما قدروا ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا، وأن السكينة نزلت عليهم، والحق تكفل بهم، والفضائل لصقت بأصولهم، وفروعهم، والرذائل بعدت من جواهرهم وعروقهم، وهذا جبل ممن يظنه بهم، وعناد ممن يدعيه لهم، بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء، ويخطئون في أشياء، ويعلمون أشياء، ويجهلون أشياء، ويصدقون في أمور، ويكذبون في أمور، ويحسنون في أحوال، ويسيئون في أحوال، وليس واضع المنطق يونان بأسرها إنما هو رجل منهم، وقد أخذ عمن قبله، كما أخذ عنه من بعده، وليس هو حجة على هذا الخلق الكثير، والجم الغفير، وله مخالفون منهم ومن غيرهم، ومع هذا، فالاختلاف في الرأي والنظر والبحث والمسألة والجواب سنخ وطبيعة، فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء يرفع به هذا الخلاف أو يحلحله، أو يؤثر فيه؟ هيهات هذا محال! ، ولقد بقى العالم بعد منطقه على ما كان عليه قبل منطقه، فامسح وجهك بالسلوة عن شيء لا يستطاع، لأنه منعقد بالفطرة والطباع، وأنت لو فرغت بالك، وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي تحاورنا بها، وتجاربنا فيها، وتدارس أصحابك بمفهوم أهلها، وتشرح كتب يونان بعادة أصحابها، لعلمت أنك غني عن معاني يونان، كما أنك غني عن لغة يونان.\rوها هنا مسألة تقول: إن الناس عقولهم مختلفة، وأنصباؤهم متفاوته قال: نعم، قال: وهذا الاختلاف والتفاوت وبالطبيعة. أو بالاكتساب؟ قال: بالطبيعة، قال: فكيف يجوز أن يكون ها هنا شيء يرتفع به هذا الاختلاف الطبيعي والتفاوت الأصلي؟ !","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584878,"book_id":8507,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":77,"body":"قال متى: هذا قد مر في جملة كلامك آنفاً، قال أبو سعيد: فهل وصلته بجواب قاطع وبيان ناصع؟ ، ودع هذا، أسألك عن حرف واحد، وهو دائراً في كلام العرب ومعانيه متميزة عند أهل العقل، فاستخرج أنت معانيه من ناحية منطق أرسططا ليس الذي تدل به، وتباهي بتفخيمه، وهو: الواو: ما أحكامه؟ وكيف مواقعه؟ وهل هو على وجه أو وجوه؟ فهمت متى، وقال: هذا نحو، والنحو لم أنظر فيه، لأنه لا حاجة بالمنطقي إليه، وبالنحوي حاجة شديدة إلى المنطق، لأن المنطق يبحث عن المعنى، والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مر المنطقي باللفظ فبالعرض وإن عثر النحوي بالمعنى فبالعرض، والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى.\rفقال أبو سعيد: أخطأت [لأن النحو والمنطق] واللغة واللفظ، والإفصاح والإعراب، والإبانة، والحديث، والإخبار، والاستخبار والعرض والتمني، والنهي والحض، والدعاء والنداء، والطلب، كلها من واد واحد، بالمشاكلة والمماثلة، ألا ترى أن رجلاً لو قال: (نطق زيد بالحق ولكن ما تكلم بالحق، وتكلم بالفحش، ولكن ما قال الفحش، وأعرب عن نفسه، ولكن ما أفصح وأيان المراد، ولكن ما أوضح، أو فاه بحاجته ولكن ما لفظ، أو أخبر ولكن ما أنبأ لكن في جميع هذا محرفاً، ومناقضاً، وواضعاً للكلام في غير حقه، ومستعملا اللفظ على غير شهادة من عقله وعقل غيره، والنحو منطق، ولكنه مسلوخ من العربية، والمنطق نحو، ولكنه مفهوم باللغة، وإنما الخلاف بين اللفظ والمعنى أن اللفظ طبيعي، والمعنى عقلي ولهذا كان اللفظ باثداً على الزمان لأن الزمان يقفوا أثر الطبيعة بأثر آخر من الطبيعة ولهذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584879,"book_id":8507,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":78,"body":"كان المعنى ثابتاً على الزمان؛ لأن مستملى المعنى عقلي؛ والعقل إلهي؛ ومادة اللفظ طينية، وكل طيتي متهافت. وقد بقيت أنت بلا اسم لصناعتك التي تنتحلها، وآلتك التي تزهى بها، إلا أن تستعير من العربية لها أسماً فتعار، ويسلم لك ذلك بمقدار، وإذا لم يكن لك بد من قليل هذه اللغة من أجل الترجمة، فلابد لك أيضاً من كثيرها من أجل تحقيق الترجمة، واجتلاب الثقة، والتوقى من الخلة اللاحقة.\rفقال متى: يكفيني من لغتكم هذه: الاسم، والفعل، والحرف، فإني أتبلغ بهذا القدر إلى أغراض قد هذبتها لي يونان.\rقال أبو سعيد: أخطأت، لأنك في هذا الأسم والفعل والحرف فقير إلى رصفها، وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلاً، وكذلك أنت محتاج -بعد هذا إلى حركات هذه الأسماء، والأفعال والحروف، فإن الخطأ والتحريف في الحركات، كالخطأ والفساد في المتحركات.\rوهذا باب، أنت وأصحابك ورهطك عنه في غفلة، على أن هاهنا سراً ما علق بك ولا أسفر لعقلك، وهو: أن تعلم أن لغة من اللغات لا تطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها، في أسمائها، وأفعالها، وحروفها، وتأليفها، وتقديمها، وتأخيرها، واستعارتها وتحقيقها، وتشديدها وتخفيفها، وسعتها وضيقها ونظمها ونثرها، وسجعها ووزنها وميلها، وغير ذلك مما يطول ذكره، وما أظن أحداً يدفع هذا الحكم، أو يشك في صوابه، ممن يرجع إلى مسكة من عقل، أو نصيب من إنصاف فمن أين يجب أن تثق بشيء ترجم لك على هذا الوصف؟ ! ، بل أنت إلى تعرف اللغة العربية أحوج منك إلى تعرف المعاني اليونانية، على أن المعاني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584880,"book_id":8507,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":79,"body":"لا تكون يونانية، ولا هندية، كما أن اللغات تكون فارسية وعربية، وتركية، ومع هذا: فإنك تزعم أن المعاني حاصلة بالعقل والفحص والفكر، فلم يبق إلا أحكام اللغة، فلم تزري على العربية وأنت تشرح كتب أرسططا ليس بها مع جهلك بحقيقتها؟\rوحدثني عن قائل قال لك: حالي -في معرفة الحقائق والتصفح لها، والبحث عنها -حال قوم كانوا قبل وأضع المنطق، أنظر كما نظروا، وأتدبر كما تدبروا، لأن اللغة قد عرفتها بالمنشأ والوراثة، والمعاني نقرت عنها بالنظر والرأي والاعنقاب والاجتهاد، ما تقول له؟\rأتقول: إنه لا يصح له هذا الحكم، ولا يستتب هذا الأمر، لأنه لا يعرف هذه الموجودات من الطريق التي عرفتها أنت؟ ، ولعلك تفرح بتقليده لك -وإن كان على باطل- أكثر مما تفرح باستبداده- وإن كان على حق- وهذا هو الجهل المبين، والحكم المشين.\rومع هذا: فحدثني عن الواو ما حكمه؟ فإني أريد أن أبين أن تفخيمك للمنطق لا يغنى عنك شيئاً. وأنت تجهل حرفاً واحداً في اللغة التي تدعو بها إلى حكمة يونان، ومن جهل حرفاً أمكن أن يجهل حروفاً، ومن جهل حروفاً جاز أن يجهل اللغة بكمالها، فإن كان لا يجهلها كلها ولكن يجهل بعضها فلعله يجهل ما يحتاج إليه، ولا ينفعه فيه علم ما لا يحتاج إليه، وهذه رتبة العامة، أو رتبة من هو فوق العامة بقدر يسير. فلم يتأبى على هذا ويتكبر، ويتوهم أنه من الخاصة، وخاصة الخاصة، وأنه يعرف سر الكلام، وغامض الحكمة وخفي القياس، وصحيح البرهان؟ .\rوإنما سألتك عن معاني حرف واحد، فكيف لو نثرت عليك الحروف كلها؟ وطالبتك بمعانيها ومواضعها التي لها بالحق، والتي لها بالتجوز؟ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584881,"book_id":8507,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":80,"body":"سمعتكم تقولون: إن \"في\" لا يعرف النحويون مواقعها، وإنما يقولون: هي \"للوعاء\"، كما يقولون: \"إن الباء للإلصاق\" وإن \"في\" تقال على وجوه: يقال: \"الشيء في الإناء\" و \"الإناء في المكان\" و \"السائس في السياسة، والسياسة في السائس\".\rأترى أن هذا التشقيق هو من عقول يونان، ومن ناحية لغتها؟ ولا يجوز أن يعقل هذا يعقول الهند والترك والعرب؟ فهذا جهل من كل من يدعيه، وخطل من القول الذي أفاض فيه! ، النحوي إذا قال \"في\" الوعاء، فقد أفصح في الجملة عن المعنى الصحيح، وكنى -مع ذلك- عن الوجوه التي تظهر بالتفصيل، ومثل هذا كثير وهو كاف في موضع التكنية.\rفقال ابن الفرات: أيها الشيخ الموفق، أجبه بالبيان عن مواقع \"الواو\" حتى تكون أشد في إفحامه، وحقق عند الجماعة ما هو عاجز عنه، ومع هذا فهو مشنع به.\rفقال أبو سعيد: الواو وجوه ومواقع: منها معنى العطف في قولك: \"أكرمت زيداً وعمراً\".\rومنها: القسم في قولك: \"والله لقد كان كذا وكذا\" ومنها: الاستئناف، في قولك: خرجت وزيد قائم\"، لأن الكلام بعده ابتداء وخبر، ومنها: معنى رب التي هي للتقليل، نحو قولهم: \"وقائم الأعماق خاوي المخترق\" ومنها: أن تكون أصلية في الاسم، كقولك: واصل وافد، وفي الفعل كذلك، كقولك: وجل يوجل، ومنها: أن تكون مقحمة، نحو قول الله ﷿؛ \"فلما أسلما وتله الجبين وناديناه\" أي: ناديناه، ومثله قول الشاعر:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584882,"book_id":8507,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":81,"body":"فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى\rالمعنى: انتحى بنا، ومنها: معنى الحال في قوله ﷿: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ [المائدة: ١١٠] أي يكلم الناس في حال كهولته، ومنها: أن تكون بمعنى حرف الجر، كقولك: استوى الماء والخشبة، أي: مع الخشبة.\rفقال ابن الفرات لمتى: يا أبا بشر، أكان هذا في منطقك؟\rثم قال أبو سعيد: دع هذا، هاهنا مسألة علاقتها بالمعنى العقلي أكثر من علاقتها بالشكل اللفظي، ما تقول في قول القائل: \"زيد أفضل الأخوة\"؟ قال صحيح، قال: فما تقول إن قال: زيد أفضل إخوته\"؟ قال: صحيح، قال: فما الفرق بينهما مع الصحة؟ فبلح، وجنح، وغص بريقه.\rفقال أبو سعيد: أفتيت على غير بصيرة، ولا استبانة: المسألة الأولى جوابك عنها صحيح - وإن كنت غافلاً عن وجه صحتها، والمسألة الثانية جوابك عنها غير صحيح - وإن كنت - أيضاً - ذاهلاً عن وجه بطلانها.\rفقال متى: بين لي ما هذا النهجين؟\rقال أبو سعيد: إذا حضرت الحلقة استفدت، ليس هذا مكان التدريس، هو مجلس إزالة التلبيس، مع من عادته التمويه والتشبيه، والجماعة تعلم أنك أخطأت، فلم تدعى أن النحوي إنما ينظر في اللفظ دون المعنى، والمنطقي ينظر في المعنى لا في اللفظ؟ هذا كان يصح لو أن المنطقي كان يسكت ويحيل فكره في المعاني، ويرتب ما يريد بالوهم السائح والخاطر العارض والحدس الطارئ، فأما وهو يربغ أو يبرر ما صح له بالاعتبار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584883,"book_id":8507,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":82,"body":"والتصفح إلى المتعلم والمناظر، فلا بد له من اللفظ الذي يشتمل على مراده ويكون طباقاً لغرضه، وموافقاً لقصده.\rقال ابن الفرات لأبي سعيد: تمم لنا كلامك في شرح المسألة حتى تكون الفائدة ظاهرة لأهل المجلس، والتبكيت عاملاً في نفس أبي بشر.\rفقال: ما أكره من إيضاح الجواب عن هذه المسألة إلا ملل الوزير، فإن الكلام إذا طال مل.\rفقال ابن الفرات: ما رغبت في كلامك وبيني وبين الملل علاقة، فأما الجماعة فحرصها على ذلك ظاهر.\rقال أبو سعيد: إذا قلت \"زيد أفضل إخوته\" لم يجز، وإذا قلت: \"زيد أفضل الإخوة\" جاز، والفصل بينهما: أن إخوة زيدهم غير زيد. وزيد خارج عن جملتهم، والدليل على ذلك: أنه لو سأل سائل فقال: \"من إخوة زيد؟ \" لم يجز أن تقول، زيد وعمرو وبكر وخالد. وإنما تقول: بكر وعمر وخالد، ولا يدخل زيد في جملتهم، فإذا كان زيد خارجاً عن إخوته صار غيرهم فلم يجز أن نقول: أفضل إخوته، كما لم يجز أن تقول: \"إن حمارك أفره البغال\"، لأن الحمير غير البغال، كما أن زيداً غير إخوته، فإذا قلت: \"زيد خير الإخوة\" جاز. لأنه أحد الإخوة، والاسم يقع عليه وعلى غيره، فهو بعض الإخوة، ألا ترى أنه لو قيل: من الإخوة؟ عددته فيهم، فقلت: \"زيد وعمرو وبكر وخالد\" فيكون بمنزلة قولك: حمارك أفره الحمير، لأنه داخل تحت الاسم الواقع على الحمير، فلما كان على ما وصفنا، جاز أن يضاف إلى واحد منكور يدل الجنس، فتقول: \"زيد أفضل رجل\" و\"حمارك أفره حمار\"، فيدل (رجل) على الجنس كما دل الرجال، وكما في \"عشرين درهماً، ومائة درهم\"،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584884,"book_id":8507,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":83,"body":"فقال ابن الفرات وما بعد هذا البيان مزيد، ولقد جل علم النحو عندي، بهذا الاعتبار، وهذا الأسفار.\rفقال أبو سعيد: معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، ونوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ من ذلك.\rوإن ذاع شيء عن هذا النعت، فإنه لا يخلو أن يكون سائغاً بالاستعمال النادر، والتأويل البعيد، أو مردوداً، لخروجه عن عادة القوم الجارية على فطرتهم.\rفأما ما يتعلق باختلاف لغات القبائل، فذلك شيء مسلم لهم، ومأخوذ عنهم.\rوكل ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطرد على الأصل المعروف من غير تحريف.\rوإنما دخل العجب على المنطقين، لظنهم أن المعاني لا تعرف ولا تستوضح إلا بطريقتهم ونظرهم وتكلفهم، فترجموا لغة هم فيها ضعفاء ناقصون، وجعلوا تلك الترجمة صناعة، وادعوا على النحويين أنهم مع اللفظ، لا مع المعنى.\rثم أقبل أبو سعيد على متى فقال: أما تعرف يا أبا بشر أن الكلام اسم واقع على أشياء قد ائتلفت بمراتب؟ وتقول بالمثل: هذا ثوب، والثوب اسم يقع على أشياء بها صار ثوباً، لأنه نسج بعد أن غزل، فسداته لا تكفي دون لحمته، ولحمته لا تكفي دون سداته، ثم تأليفه كنسجه، وبلاغته كقصارته، ورقة سلكه كرقة لفظه وغلظ غزله،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584885,"book_id":8507,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":84,"body":"ككثافة حروفه، ومجموع هذا كله ثوب، ولكن بعد تقدمه كل ما يحتاج إليه فيه.\rقال ابن الفرات: سله يا أبا سعيد عن مسألة أخرى، فإن هذا كلما توالى عليه بان انقطاعه، وانخفض ارتفاعه في المنطق الذي ينصره والحق الذي لا يبصره.\rقال أبو سعيد: ما تقول في رجل يقول: (لهذا على درهم غير قيراط) ولهذا الآخر على درهم غير قيراط) قال: ما لي علم بهذا النمط، قال: لست نازعاً عنك حتى يصح عند الحاضرين أنك صاحب مخرقة وزرق، هاهنا ما هو أخف من هذا.\rقال رجل لصاحبه: (بكم الثوبان المصبوغان)؟ وقال آخر: (بكم ثوبان مصبوغان؟ وقال آخر: (بكم ثوبان مصبوغين؟ ) بين هذه المعاني التي تضمنها لفظ لفظ.\rقال متى: لو نثرت أنا - أيضاً - عليك من مسائل المنطق أشياء لكان حالك كحالي.\rقال أبو سعيد: أخطأت، لأنك إذا سألتني عن شيء أنظر فيه، فإن كان له علاقة بالمعنى، وصح لفظه على العادة الجارية أجبت، ثم لا أبالي أن يكون موافقاً أو مخالفاً، وإن كان غير متعلق بالمعنى رددته عليك، وإن كان متصلاً باللفظ ولكن على وضع لكم في الفساد على ما حشوتم به كتبكم رددته أيضاً، لأنه لا سبيل إلى إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها.\rما وجدنا لكم إلا ما استعرتم من لغة العرب كالسبب، والآلة، والسلب والإيجاب، والموضوع والمحمول، والكون والفساد، والمهمل والمحصور، وأمثلة لا تنفع ولا تجدي، وهي إلى العي أقرب، وفي الفهاهة أذهب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584886,"book_id":8507,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":85,"body":"ثم أنتم هؤلاء في منطقكم على نقص ظاهر، لأنك لا تفون بالكتب، ولا هي مشروحة، فتدعون الشعر، ولا تعرفونه، وتذكر الخطابة وأنتم عنها في منقطع الثراب، وقد سمعت قائلكم يقول: الحاجة ماسة إلى (كتاب البرهان)، فإن كان كما قال، فلم قطع الزمان بما قبله من الكتب؟ وإن كانت الحاجة قد مست إلى ما قبل البرهان، فهي - أيضاً - ماسة إلى ما بعد البرهان، وإلا فلم صنف ما لا يحتاج إليه ويستغنى عنه؟ ، هذا كله تخليط، وزرق، وتهويل ورعد وبرق.\rوإنما بودكم أن تشغلوا جاهلاً، وتستذلوا عزيزاً: وغايتكم أن تهولوا بالجنس والنوع، والخاصة، والفصل، والعرض، والشخص، وتقولوا: الهلية، الأينية، والماهية والكيفية، والكمية والذاتية، والعرضية والجوهرية والهيولية والصورية والأيسية والليسية والنفسية! ثم تتطاولون فتقولون: \"جئنا بالسحر\" في قولنا: \"لا\" في شيء من \"ب\" و\"ج\" في بعض \"ب\" ف \"لا\" في بعض \"ج\" و\"لا\" في كل \"ب\" و\"ج\" في كل \"ب\" فإذن \"لا\" في كل \"ج\" هذا بطريق الخلف وهذا بطريق الاختصاص.\rوهذه كلها خرافات وترهات، ومغالق وشبكات!\rومن جاد عقله، وحسن تمييزه، ولطف نظره، وثقب رأيه، وأنارت نفسه استغنى عن هذا كله - بعون الله وفضله - وجودة العقل، وحسن التمييز، ولطف النظر، وثقوب الرأي، وإنارة النفس من منائح الله الهنية، ومواهبه السنية يختص بها من يشاء من عباده، وما أعرف لاستطالتكم بالمنطق وجهاً، وهذا الناشئ أبو العباس قد نقض عليكم وتتبع طريقتكم، وبين خطأكم، وأبرز ضعفكم، ولم تقدروا إلى اليوم أن تردوا عليه كلمة واحدة مما قال وما زدتم على قولكم: لم يعرف غرضنا، ولا وقف على مرادنا، وإنما تكلم على وهم، وهذا منكم تحاجز، ونكول ورضى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584887,"book_id":8507,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":86,"body":"بالعجز وكاول، وكل ما ذكرتم في الموجودات فعليكم فيه اعتراض، هذا قولكم في (يفعل وينفعل) لم يستوضحوا فيها مراتبهما ومواقعهما، ولم تقفوا على مقاسمهما، لأنكم قنعتم بوقوع الفعل من (يفعل) وقبول الفعل من (ينفعل) ومن وراء ذلك غايات خفيت عليكم، ومعارف ذهبت عنكم، وهذا حالكم في الإضافة.\rفأما البدل ووجوهه، والمعرفة وأقسامها، والفكرة ومراتبها، وغير ذلك مما يطول ذكره، فليس لكم فيه مقال ولا مجال.\rوأنت إذا قلت لإنسان: (كن منطقياً) فإنما تريد: كن عقلياً أو عاقلاً أو أعقل ما تقول، لأن أصحابك يزعمون أن المنطق هو العقل، وهذا قول مدخول، لأن النطق على وجوه. أنتم عنها في سهو.\rوإذا قال لك آخر: \"كن نحوياً لغوياً فصيحاً\" فإنما يريد: أفهم عن نفسك ما تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك.\rوقدر اللفظ على المعنى فلا يفضل عنه، وقدر المعنى على اللفظ فلا ينقص منه، هذا: إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به، فأما إذا حاولت فرش المعنى وبسط المراد، فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة، وبين المعاني بالبلاغة، أعني: لوح منها لشيء حتى لا تصاب إلا بالبحث عنها والشوق إليها، لأن المطلوب إذا ظفر به على هذا الوجه ﷿، وكرم وعلا، واشرح منها شيئاً حتى لا يمكن أن يمترى فيه، أو يتعب في فهمه، أو يعرج عنه لاغتماضه، فهذا المذهب يكون جامعاً (لحقائق الأشباه، ولأشباه الحقائق) وهذا باب إن استقصيته خرج عن نمط ما نحن عليه في هذا المجلس، على أني لا أدري، أيؤثر فيك ما أقول أولاً؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584888,"book_id":8507,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":87,"body":"ثم قال: حدثنا، هل فصلتم قط بالمنطق بين مختلفين؟ أو رفعتم الخلاف بين اثنين؟ ، أتراك بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أن الله ثالث ثلاثة؟ ! وأن الواحد أكثر من واحد، وأن الذي هو أكثر من واحد هو واحد؟ ! وأن الشرع ما تذهب إليه والحق ما تقوله؟ هيهات! هاهنا أمور ترتفع عن دعوى أصحابك وهذيانهم، وتدق عن عقولهم وأذهانهم.\rودع هذا: هاهنا مسألة قد أوقعت خلافاً، فارفع ذلك الخلاف بمنطقك: قال قائل: (لفلان من الحائط إلى الحائط) ما الحكم فيه؟ وما قدر المشهود به لفلان؟ فقد قال ناس: له الحائطان معاً، وما بينهما، وقال آخرون له النصف من كل منهما وقال آخرون: له أحدهما، هات الآن آيتك الباهرة، ومعجزتك القاهرة، وأني لك بهما، وهذا قد بان بغير نظرك ونظر أصحابك؟ !\rودع هذا أيضاً: قال قائل: (من الكلام ما هو مستقيم حسن، ومنه ما هو مستقيم محال، ومنه ما هو مستقيم قبيح، ومنه ما هو محال كذب، ومنه ما هو خطأ) فسره هذه الجملة، واعترض عليه عالم آخر، فاحكم أنت بين هذا القائل والمعترض وأرنا قوة صناعتك التي تميز بها بين الخطأ والصواب، وبين الحق والباطل، فإن قلت: كيف أحكم بين اثنين أحدهما قد سمعت مقالته، والآخر لم أحصل اعتراضه؟ قبل لك: استخرج بنظرك الاعتراض إن كان ما قاله محتملاً له، ثم أوضح الحق منهما، لأن الأصل مسموع لك، حاصل عندك، وما يصح به أو يرد عليه يجب أن يظهر منك، فلا تتعاسر علينا، فإن هذا لا يخفى على أحد من الجماعة.\rفقد بان الآن أن مركب اللفظ لا يحوز مبسوط العقل، والمعاني معقولة، ولها اتصال شديد وبساطة تامة، وليس في قوة اللفظ من أي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584889,"book_id":8507,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":88,"body":"لغة كان أن يملك ذلك المبسوط ويحيط به، وينصب عليه سوراً، ولا يدع شيئاً من داخله أن يخرج ولا شيئاً من خارجه أن يدخل، خوفاً من الاختلاط الجالب للفساد، أعني أن ذلك يخلط الحق بالباطل، ويشبه الباطل بالحق. وهذا الذي وقع الصحيح منه في الأول قبل وضع المنطق، وقد عاد ذلك الصحيح في الثاني بعد المنطق.\rوأنت لو عرفت تصرف العلماء والفقهاء في مسائلهم، ووقفت على غورهم في نظرهم وغوصهم في استنباطهم، وحسن تأويلهم لما يرد عليهم، وسعة تشقيقهم للوجوه المحتملة، والكنايات المفيدة، والجهات القريبة والبعيدة لحقرت نفسك، وازدريت أصحابك ولكان ما ذهبوا إليه، وتابعوا عليه أقل في عينك من السها عند القمر، ومن الحصا عند الجبل.\rأليس الكندي - وهو علم في أصحابك - يقول - في جواب مسألة:\r(هذا من باب عد) فعد الوجوه بحسب الاستطاعة على طريق الإمكان من ناحية الوهم بلا ترتيب، حتى وضعوا له مسائل من هذا الشكل وغالطوه بها وأروه أنها من الفلسفة الداخلة، فذهب عليه ذلك الوضع فاعتقد فيه أنه صحيح وهو مريض العقل، فاسد المزاج، حائل الغريزة، مشوش اللب!\rقالوا له: أخبرنا عن اصطكاك الأجرام، وتضاغط الأركان، هل يدخل في باب وجوب الإمكان؟ أو يخرج من باب الفقدان إلى ما يخفى عن الأذهان؟\rوقالوا له أيضاً: ما نسبة الحركات الطبيعية إلى الصور الهيولانية؟ وهل هي ملابسة للكيان في حدود النظر والبيان أو مزايلة له مزايلة على غاية الأحكام؟\rوقالوا له: ما تأثير فقدان الوجدان في عدم الإمكان عند امتناع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584890,"book_id":8507,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":89,"body":"الواجب من وجوبه في ظاهر ما لا وجوب له لاستحالته في إمكان أصله؟ وعلى هذا فقد حفظ جوابه عن جميع هذا على غاية الركاكة والضعف والفساد والفسالة والسخف ولولا التوقي من التطويل لسردت ذلك كله، ولقد مر بي في خطه: التفاوت في تلاشي الأشياء غير محاط به لأنه يلاقي الاختلاف في الأصول والاتفاق في الفروع، وكل ما يكون على هذا النهج فالنكرة تزاحم عليه المعرفة، والمعرفة تناقض النكرة.\rعلى أن النكرة والمعرفة من باب الألبسة العارية من ملابس الأسر أو الإلهية، لا من باب الإلهية العارضة في أحوال البشرية.\rولقد حدثنا أصحابنا الصائبون عنه بما يضحك الثكلى، ويشمت العدو ويغص الصديق وما ورث هذا كله إلا من بركات يونان وفوائد الفلسفة والمنطق، ونسأل الله عصمة وتوفيقاً تهتدي بهما إلى القول الراجح إلى التحصيل، والفعل الجاري على التعديل، إنه سميع مجيب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584891,"book_id":8507,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":90,"body":"٤ - الأفكار التي تضمنتها المناظرة\rتقوم المناظرة على دعوى من أبي بشر متى بن يونس وأنصاره من المناطقة الذين اطلعوا على الثقافة اليونانية، والمنطق اليوناني - بعد ترجمة كتابي الشعر والخطابة لأرسطو، وعدد من كتب المنطق اليوناني.\r\rوهذه الدعوة تقوم على ما يأتي:\r١ - أن المنطق كاف للإنسان، في معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والشك من اليقين، فلا حاجة له إلى تعلم علم النحو بمسائله، وفروعه، وعويص قضاياه، ويكفي المنطقي من علم النحو: معرفة الاسم والفعل، والحرف.\r٢ - أن المنطقي ليس في حاجة إلى علم النحو بينما النحوي في حاجة ماسة إلى المنطق.\r٣ - أن المنطقي يبحث في المعنى، والنحوي يبحث في اللفظ، فالمناطقة مع المعاني، والنحويون مع الألفاظ، والمعنى أشرف من اللفظ\r\rويقوم رد أبي سعيد السيرفي على ما يلي:\r١ - أن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف، لأنه لا يعرف بميزان المنطق بل بمعيار النظم والإعراب، لأن الإعراب هو مفتاح مغاليق الكلام، فتعرف به حقائق المعاني، ومعادنها، وجواهرها. لأن الأمر ليس مقصوراً على الوزن الظاهري في الأجسام المرئية، لأنه يكون - أيضاً - في المعقولات الخفية، إذ الإحساسات ظلال العقول، تحكيها بالتقريب والتبعيد مع الشبه المحفوظ، والمماتلة الظاهرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584892,"book_id":8507,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":91,"body":"٢ - وإذا كان المنطق يبحث عن الأغراض المعقولة، والمعاني المدركة، فإنها لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء، والأفعال، والحروف، فلا بد من معرفة اللغة، فأنت لو فرغت بالك، وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي تجاورنا بها، وتجارينا فيها، وتدارس أصحابك بمفهوم أهلها، وتشرح كتب يونان بعامة أصحابها، لعلمت أنك غني عن معاني يونان، كما أنك غني عن لغة يونان.\r٣ - إذا كنت محتاجاً، إلى قليل هذه اللغة من أجل الترجمة، فلا بد لك - أيضاً - من كثيرها. لتحقيق الترجمة والوثوق منها، والوقاية من الخلل الذي يمكن أن يلحق بها.\r٤ - وإذا كنت محتاجاً من اللغة العربية إلى الاسم والفعل والحرف فأنت محتاج إلى رصفها، وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها، وأنت محتاج - بعد هذا - إلى حركات هذه الأسماء، والأفعال، والحروف، لأن الخطأ في الحركات، كالخطأ في المتحركات، كما أنك محتاج إلى معرفة مواقع الحروف حقيقية كانت أو مجازية.\r٥ - معرفة المعاني ليست قاصرة على علم المنطق، بل أنها - أيضاً تعرف بعلم النحو، و (معاني النحو) منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ من ذلك، وهذه المعاني تعرف من خلال معرفة النظم، وإنما دخل العجب على المنطقيين، لظنهم أن المعاني لا تعرف إلا بطريقتهم، فترجموا لغة هم فيها ضعفاء \"وجعلوا تلك الترجمة صناعة وادعوا على النحويين أنهم مع اللفظ لا مع المعنى.\r٦ - فنظم الكلام اسم واقع على أشياء قد ائتلفت بمراتب، وهو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584893,"book_id":8507,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":92,"body":"كنسج الثوب. إذ تقول: هذا ثوب والثوب اسم واقع على أشياء. بها صار ثوباً. لأنه نسج بعد أن غزل، وسداته لا تكفي دون لحمته، ولحمته لا تكفي دون سداته. ثم تأليفه كنسجه. وبلاغته كقصارته، ورقة سلكه كرقة لفظه، وغلظ غزله ككثافة حروفه، ومجموع هذا كله: ثوب، ولكن بعد تقدمه كل ما يحتاج إليه فيه.\r٧ - أنتم في منطقكم على نقص ظاهر، لأنكم لا تحيطون بما في الكتب، فتدعون \"الشعر\"، ولا تعرفونه وتذكرون \"الخطابة\" ولا تعرفون منها شيئاً، ثم تتطلعون إلى معرفة كتاب (البرهان) في المنطق لأرسطو؛ مع أنه لا حاجة تدعو إليه، لأنه يمكن الاستغناء عنه، ولكنكم تريدون بذلك شغل جاهل؛ واستذلال عزيز، والتهويل بمصطلحات المنطق مع أن من جاء عقله، وحسن تمييزه، ولطف نظرة \"وثقب رأيه. وأتارت نفسه استغنى عن هذا كله بعون الله وفضله.\rفهذا الناشئ أبو العباس قد نقض عليكم، وتتبع طريقتكم، وبين خطأكم، وأبرز ضعفكم، ولم تقدروا، إلى اليوم أن تردوا عليه كلمة واحدة مما قال.\r٨ - أنت إذا قلت لإنسان: (كن منطقياً) فإنما تريد منه: كن عقلياً أو عاقلاً، أو أعقل ما تقول، لأنكم تزعمون أن المنطق هو العقل، وهذا خطأ لأن النطق على وجوه أنتم عنها ساهون، فإذا قال لك آخر: (كن نحوياً، لغوياً، فصيحاً) فإنما يقصد: أفهم عن نفسك ما تقول، ثم حاول أن يفهم عنك غيرك.\rفإذا أردت الإخبار عن حقائق الأشياء، فقدر اللفظ على المعنى، فلا يزيد عليه، وقدر المعنى على اللفظ، فلا ينقص عنه.\rوإذا أردت أشباه الحقائق والاتساع بالمعنى: فأجل اللفظ بالروادف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584894,"book_id":8507,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":93,"body":"الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة؛ وبين المعاني بالبلاغة وتتلخص هذه النظرية في عبارة قصيرة في البيان هي: (حقائق الأشباه، وأشباه الحقائق)، وهذا باب إن استقصيته خرج بنا عن نمط ما نحن عليه في هذا المجلس.\r٩ - هل فصلتم - قط - بالمنطق بين مختلفين؟ أو رفعتم الخلاف بين اثنين؟ وهل بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أن الله ثالث ثلاثة؟ ! وأن الواحد أكثر من واحد؟ ! وأن الذي أكثر من واحد هو واحد؟ ! وأن الشرع هو ما تذهب إليه؟ والحق ما تقوله؟ هيهات!\r١٠ - إنك لو عرفت تصرف العلماء والفقهاء - في مسائلهم - ووقفت على غورهم في نظرهم وغوصهم في استنباطهم، وحسن تأويلهم لما يرد عليهم، وسعة تشقيقهم للوجوه المحتملة، والكنايات المفيدة، والجهات القريبة والبعيدة، لحقرت نفسك، وازدريت أصحابك.\rفالكندي - وهو علم في أصحابك - قد وضعوا له مسائل غالطوه بها، وأروه أنها من باب الفلسفة الداخلة، فذهب عليه ذلك الوضع، فاعتقد أنه صحيح، وهو مريض العقل، فاسد المزاج، حائل الغريزة، مشوش اللب!\rعلى أننا - إذا ما تتبعنا الأفكار التي قامت عليها \"المناظرة\" والأفكار التي قام عليها \"الدلائل\" لوجدنا أفكار الدلائل قد رتبت على حسب ترتيب أفكار المناظرة، على النحو التالي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584895,"book_id":8507,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":94,"body":"١ - كان أبو سعيد يرد على المناطقة الذين ادعوا على النحويين أنهم مع اللفظ، لا مع المعنى، وأن علم النحو لا جدوى منه. ... ١ - وبدأ عبد القاهر - في الدلائل - بالرد على من زهد في علم النحو من المعتزلة الذين حاولوا تفسير القرآن وتأويله. مع ادعائهم أن المزية في الفصاحة ترجع إلى اللفظ لا إلى المعنى.\r٢ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالإعراب، فهو كالمعيار.\r٢ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف، فهو كالميزان. ... ٣ - المدخل إلى الدلائل هو أن الكلام ينقسم إلى: اسم، فعل، وحرف.\r٣ - المناطقة محتاجون إلى اللغة المكونة من الاسم والفعل والحرف. ... ٤ - عملية النظم تتم بانتقاء الألفاظ ثم ترتيبها في النطق على حسب ترتيبها في النفس.\r٤ - احتياجهم إلى رصفها وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أبنائها. ... ٥ - النظم هو توخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام.\r٥ - إنما دخل العجب على المنطقيين لظنهم أن المعاني لا تعرف إلا عن طريق المنطق مع أن معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير وتوخي الصواب في ذلك وتجنب الخطأ من ذلك. ... ٦ - تشبيه النظم بالنسج، ... ٦ - معاني النحو كالأصباغ\r(٧ - دلائل الإعجاز)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584896,"book_id":8507,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":95,"body":"ففيه تخير وإعمال فكر، إذ الكلام كالثوب، والنظم كالنسج، والمعاني كالسدى، والألفاظ كاللحمة ورقة اللفظ كرقة سلكة وغلظه ككثافة غزله، وبلاغته كقصارته. ... التي تعمل منها الصور والنقوش في الثوب بالتخير والتدبر فيها وفي مواقعها ومقاريرها، وكيفية مزجه لها.\r٧ - نظرية البيان هي حقائق الأشباه، وأشباه الحقائق). ... ٨ - قال أبو سعيد لمتى بن يونس: (أترك بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أن الله ثالث ثلاثة؟ ! ). ... ٧ - نظرية البيان هي (المعنى ومعنى المعنى).\r٨ - قد تزل قدم المفسر - إذا لم يكن على دراية بعلم النحو - لأن من الآيات ما يحتمل أكثر من تأويل كما في قوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١].\r\rوبقية \"دلائل لإعجاز\" تطبيق لنظرية النظم، وتأكيد على صحتها، بالأدلة تلو الأخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584897,"book_id":8507,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":96,"body":"القسم الثاني: الأسس التي قامت عليها \"الدلائل\"\r١ - الطائفة التي زهدت في علم النحو.\r٢ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم.\r٣ - \"المدخل\" إلى \"دلائل الإعجاز\".\r٤ - خطوات عملية النظم ....\r٥ - تشبيه النظم بالنسج ...","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584898,"book_id":8507,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":97,"body":"١ - الطائفة التي زهدت في \"علم النحو\"\rفي القرن الرابع الهجري - وهو القرن الذي عاش فيه أبو سعيد السيرافي - كان المنطق اليوناني قد ترجم إلى اللغة العربية، على يد حنين ابن إسحق، والكندي المتفلسف، ومتى بن يونس المنطقي، كما ترجم كتابا: \"الشعر\"، و\"الخطابة\" لأرسطو، فتعلقت طائفة من المثقفين العرب بمنطق اليونان، وأعجبت به، وحاولت تطبيق كل من النقد العربي والبلاغة العربية على قواعد المنطق اليوناني، وأصول البلاغة اليونانية، وتمثل ذلك في كتابي: \"نقد الشعر\" لقدامة بن جعفر، المتوفي سنة ٣٣٧ هـ و\"البرهان في وجوه البيان\" لأبي الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان ابن وهب، الذي كان معاصراً لقدامة، بل إن تلك الطائفة قد حاولت - أيضاً - تطبيق المنطق اليوناني على الشعر العربي مما جعل البحتري يشكو منهم قائلاً:\rكلفتمونا حدود منطقكم ... والشعر يغني عن صدقه كذبه\rولم يكن ذو القروح يلهج ... بالمنطق، ما نوعه وما سببه\rوالشعر لمح، تكفي إشارته ... وليس بالهذر طولت خطبه\rيقول عبد القاهر - في التعليق على البيت الأول -: أراد كلفتمونا أن نجري مقاييس الشعر على حدود المنطق ونأخذ نفوسنا فيه بالقول المحقق، حتى لا ندعي إلا ما يقوم عليه من العقل برهان يقطع به (١) ... \".\rويبدو أن هذه الطائفة كانت تزهد الناس في النحو، وقواعده، ومسائله، وخلافاته، بل وحاولت أن تزهدهم - أيضاً - في الشعر،","footnotes":"(١) أسرار البلاغة ٢٤٩ (ط هـ ريتر).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584899,"book_id":8507,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":98,"body":"زاعمة أن معرفة الصدق من الكذب، والحق من الباطل، والشك من اليقين والصدق من الكذب، إنما تكون بالمنطق، وأما النحو فهو إنما يبحث في اللفظ، لا في المعنى وأنه يكفي القليل منه، ولهذا شبهوه بالملح، فقالوا: النحو في الكلام، كالملح في الطعام، ويكفي منه معرفة الاسم، والفعل، والحرف، وتصحيح الكلام من الخطأ اللغوي، ومعرفة المرفوع منه والمنصوب، والمجرور، وهكذا، دون الدخول في متاهات النحويين وخلافاتهم، مما دعا الوزير ابن الفرات أن يعقد مناظرة بين متى بن يونس القنائي المنطقي، وبين أبي سعيد السيرافي النحوي في المفاضلة بين النحو والمنطق.\rوقد قال متى بن يونس لأبي سعيد السيرافي:\r(النحو لم أنظر فيه، لأنه لا حاجة بالمنطقي إليه، وبالنحوي حاجة شديدة إلى المنطق، لأن المنطق ببحث عن المعنى، والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مر المنطقي باللفظ فبالعرض، وإن عثر النحوي بالمعنى فبالعرض، والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى).\rولعل السر في أن المنطقبين كانوا يعتقدون أن النحويين مع اللفظ لا مع المعنى هو: أن اليونانيين كانوا يطلقون على المشتغلين بعلم الألفاظ نحويين؛ ففي لسان العرب في مادة (نحا): قال الأزهري:\r\"ثبت عن أهل يونان - فيما يذكر المترجمون العارفون بلسانهم ولغتهم - أنهم يسمون علم الألفاظ والعناية بالبحث عنه: نحواً، ويقولون: كان فلان من النحويين، فصار ذلك اعتقاداً لهم متعارفاً بينهم وقالوا: إن النحويين مع اللفظ، لا مع المعنى.\rولهذا ندب عبد القاهر نفسه لإتمام رسالة أبي سعيد السيرافي، للرد على تلك الطائفة في مستهل كتابه \"دلائل الإعجاز\" وحمل على من ألف منهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584900,"book_id":8507,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":99,"body":"في علم البيان، ولم يعرف ما يشتمل عليه (البيان) من خواص، ودقائق، ولطائف - وهو يقصد أبا الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب، صاحب كتاب \"البرهان\" في وجوه البيان - وإن لم يصرح باسمه - وكتابه هذا هو الذي قال عنه الدكتور طه حسين: إنه محاولة من الفكر اليوناني أن يشرع للأدب العربي، ومحاولته هذه المرة توصف - في وقت واحد - بأنها جريئة جداً، واسعة النطاق جداً، مبتكرة جداً\" (١).\rوالكتاب لا يعد بالمعنى الحقيقي كتاباً في البلاغة، لأنه لم يتعمق في دراسة البلاغة، أو البيان، لأنه يذكر أن وجوه البيان أربعة هي بيان الأشياء بذواتها - وإن لم تبن بلغاتها، والبيان الذي يحصل في القلب عند إعمال الفكر واللب، والبيان باللسان، والبيان بالكتاب، وفي البيان بالعبارة - وهو البيان باللسان - يقول: إن اللغة التي نزل بها القرآن، وجاء بها عن رسول الله ﷺ البيان - وجوه، وأقسام، ومعان، وأحكام: منها ما هو عام للسان العرب وغيرهم، ومنها ما هو خاص لهم دون غيرهم، ويجمع ذلك في الأصل - الخبر، والطلب، ويذكر من الطلب، الاستفهام والنداء، والدعاء، والتمني، ثم يأخذ في شرح كل منها شرحاً منطقياً، إلى أن يقول: ولم نستقصها لئلا يطول الكتاب بها، وهي في كتب المنطقيين مشروحة، فمن أراد علمها، فليطلبها هناك إن شاء\" (٢).\rثم يذكر أن العرب لهم استعمالات أخرى من الاشتقاق، والتشبيب، واللحن، والرمز، والوحي، والاستعارة والأمثال، واللغز، والحذف والصرف، والمبالغة، والقطع والعطف، والتقديم والتأخير، والاختراع، ويقول: \"ونحن نذكرها بوجيز القول ليعرفها الناظر في هذا الكتاب\".","footnotes":"(١) نقد النثر ٣٠.\r(٢) البرهان في وجوه البيان ٩٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584901,"book_id":8507,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":100,"body":"ولهذا يقول عنه عبد القاهر - وإن لم يصرح باسم الكتاب ولا باسم صاحبه - \"إلا أنك لن ترى على ذلك نوعاً من العلم قد لقى من الضيم ما لقبه (علم البيان) ومنى من الحيف بما منى به، ودخل على الناس من الغلط في معناه ما دخل عليهم فيه، فقد سبقت إلى نفوسهم اعتقادات فاسدة، وظنون ردية، وركبهم فيه جهل عظيم، وخطأ فاحش: ترى كثيراً منهم لا يرى له معنى أكثر مما يرى للإشارة بالرأس، والعين، وما تجده للخط والعقد، يقول: إنما هو خبر، واستخبار، وأمر ونهي، ولكل من ذلك لفظ قد وضع له، وجعل دليلاً عليه، فكل من عرف أوضاع لغة من اللغات عربية كانت أو فارسية، وعرف المغزى من كل لفظه، ثم ساعده اللسان على النطق بها وعلى تأدية أجراسها وحروفها، فهو بين في تلك اللغة كامل الأداء، وهو لا يدري أن للنظم دقائق وأسراراً، طريق العلم بها الروية والفكر، ولطائف مستقاها العقل، وأنها السبب في أن عرضت المزية في الكلام، ووجب أن يفضل بعضه بعضاً. ولما لم تعرف تلك الطائفة هذه الدقائق والنواحي واللطائف، لم تحاول معرفتها، وساء اعتقادها في الشعر، مع أنه معدنها، وعليه المعول فيها، وفي علم النحو الذي هو كالناسب لها الذي يرجعها إلى أصولها، ويبين فاضلها من مفضولها \"فجعلت تظهر الزهد في كل واحد من النوعين، وتطرح كلا من الصنفين وترى التشاغل عنهما أولى من الاشتغال بهما، والإعراض عن تدبرهما أصوب من الإقبال على تعلمهما.\rأما الشعر: فإنه في رأيها - ليس فيه كثير طائل، وأنه ليس بشيء تمس الحاجة إليه في صلاح دين أو دنيا. وأما النحو: فإنه ضرب من التكلف، وباب من التعسف، وشيء لا يستند إلى أصل، ولا يعتمد على عقل، فما زاد منه على معرفة الرفع والنصب، وما يتصل بذلك مما نجده في المبادئ فهو فضل لا يجدي نفعاً، ولا تحصل منه على فائدة، فهو - في الكلام - كالملح في الطعام، وتلك آراء لو علموا مغبتها، وما تقود إليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584902,"book_id":8507,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":101,"body":"لتعوذوا بالله منها، لأنهم بإيثارهم الجهل بمعرفة لطائف النظم وخصائصه ودقائقه على العلم بها، في معنى الصاد عن سبيل الله والمبتغى إطفاء نور الله تعالى.\rوذلك لأن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت هي: أن كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر، ومحال أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب، وعنوان الأدب، والذي لا يشك أنه كان ميدان القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان، وتنازعوا فيها قصب الرهان، ثم بحث عن العلل التي بها كان التباين في الفضل وزاد بعض الشعر على بعض، والصاد عن ذلك صاد عن أن تعرف حجة الله تعالى.\rويبدو أن تلك الطائفة التي كانت تقلل من شأن النحو - بل والشعر أيضاً - والتي كانت متمثلة في الكندي المتفلسف، وقدامة بن جعفر، وأبي الحسين بن وهب، ومتى بن يونس، قد كان لها أشباع وأتباع ظلوا إلى عصر عبد القاهر الجرجاني في مدينة جرجان يثيرون الجدل والشغب حول جدوى علم النحو، ولم يكتفوا بهذا، بل تطاولوا على كتاب الله تعالى، وتناولوه بالتفسير، دون علم منهم ببلاغته التي أعجزت فصحاء العرب وبلغاءهم، مما دعا عبد القاهر الجرجاني أن يقوم بإتمام رسالة أبي سعيد السيرافي، في الدفاع عن النحو، وكانت فرصته - بإفادته من رد أبي سعيد السيرافي على متى بن يونس - في إظهار فكرة النظم، وإبرازها إلى نظرية واضحة المعالم، بينة السمات وفي إظهار فكرة (البيان) - حقائق الأشباه، وأشباه الحقائق - (المعنى ومعنى المعنى)، وكلا النظريتين يبرز دلائل إعجاز القرآن، بعد أن كانت كلمة (النظم) تدور على ألسنة العلماء، دون أن يستطيعوا الولوج إلى أسرارها الكامنة فيها، وبعد أن كانت كلمة البيان تجري على ألسنتهم دون أن يحددوا معانيها المقصودة منها.\rولهذا يظهر عبد القاهر سر إقدامه على تأليف كتابه \"دلائل الإعجاز\"، مبيناً أن تلك الطائفة التي صفرت من أمر النحو وحفرت من شأنه هي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584903,"book_id":8507,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":102,"body":"التي دفعته بصنيعها هذا، إلى الإقدام على تأليف كتابه هذا، بعد أن ترك التأليف في علم البلاغة أكثر من ثلاثين عاماً، مع أنه في زمان ليس للعلماء فيه إلا الشر والأذى (أي في زمان لعن الأشاعرة من فوق المنابر، وقد كان عبد القاهر أشعرياً)، فلو أن هؤلاء القوم، إذ تركوا النحو، قد تركوه جملة، وإذ زعموا أن قدر المفتقر إليه القليل منه، اقتصروا على ذلك القليل، فلم يأخذوا أنفسهم بالفتوى فيه، والتصرف فيما لم يتعلموا منه. ولم يخوضوا في التفسير. ولم يتعاطوا التأويل، لكان البلاد واحداً، ولكانوا، إذا لم يبنوا لم يهدموا، وإذا لم يصلحوا، لم يكونوا سبباً للفساد، ولكنهم لم يفعلوا، فجلبوا من الداء ما أعيي الطبيب، وحير اللبيب، وانتهى التخليط بما أتوه فيه إلى حد يئس من تلافيه، فلم يبق للعارف الذي يكره الشغب إلا التعجب والسكوت، ثم يمضي قائلاً: \"ثم إنا - وإن كنا في زمان على ما هو عليه من إحالة الأمور عن جهاتها، وتحويل الأشياء عن حالاتها، ونقل النفوس عن طباعها، وقلب الخلائق المحمودة إلى أضدادها، ودهر ليس فيه للفضل وأهله إلا لشر صرفاً، والغيظ بحثاً، وإلا ما يدهش عقولهم، ويسلبهم معقولهم، حتى صار أعجز الناس رأياً عند الجميع من كانت له همة في أن يستفيد علماً، أو يزداد فهماً أو يكتسب فضلاً، أو يجعل له ذلك بحال شغلاً - فإن الألف من طباع الكريم.\rوإذا كان من حق الصديق عليك - ولا سيما إذا تقادمت صحبته وصحت صداقته - أن لا تجفوه بأن تنكبك الأيام، وتضجرك النوائب، وتحرجك محن الزمان فتتناساه جملة، وتطويه طياً، فالعلم الذي هو صديق لا يحول عن العهد، ولا يدخل في الود \"وصاحب لا يصح عليه النكث والغدر، ولا يظن به الخيانة والمكر، أولى منه بذلك وأجدر، وحقه عليك أكبر.\rثم إن التوق إلى أن تقر الأمور في قرارها وتوضع الأشياء في مواضعها، والنزاع إلى بيان ما يشكل، وحل ما ينعقد، والكشف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584904,"book_id":8507,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":103,"body":"عما يخفى، وتلخيص الصفة، حتى يزاد السامع ثقة بالحجة، واستظهاراً على الشبهة، واستبانة للدليل، وتبيناً للسبيل، شيء في سوس العقل وفي طباع النفس، إذا كان نفساً (١) \".\r\rويؤخذ مما سبق ما يلي:\rأولاً: أن الطائفة التي كانت تزهد في علم النحو هي تلك الطائفة التي كان يمثلها قديماً - في عهد السيرافي - متى بن يونس المنطقي والكندي المتفلسف، وقدامة بن جعفر \"وأبو الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب، كما كان يمثلها حديثاً - في عهد عبد القاهر - أتباع تلك الطائفة وإشباعها، ممن كانوا يعيشون في جرجان، ويحقرون النحو. ويزهدون فيه، ثم يتعاطون التفسير، ويتناولون كتاب الله بالتأويل، دون أن يكون عندهم علم بدقائق النظم ولطائفه وخصائصه، وهم: المعتزلة: الذين كان يمثلهم القاضي عبد الجبار الأسد أبادي، قاضي قضاة الدولة البويهية والمتوفي سنة ٤١٥ هـ.\rثانياً: أن تلك الطائفة كانت تدعى أن النحويين مع اللفظ، لا مع المعنى، وقد جاء ذلك على لسان متى بن يونس في قوله: \"لان المنطق يبحث عن المعنى، والنحو يبحث عن اللفظ\"، كما جاء ذلك على لسان أبي سعيد السيرافي في رده عليه بقوله \"فلم تدعى أن النحوي إنما ينظر في اللفظ دون المعنى\"؟ والمنطقي ينظر في المعنى دون اللفظ؟ وقوله: \"وادعوا على النحويين أنهم مع اللفظ لا مع المعنى\"، وهي التي عناها عبد القاهر بقوله: \"وأما النحو فظنته ضرباً من التكلف، وباباً من التعسف وشيئاً لا يستند إلى أصل، ولا يعتمد فيه على عقل\" (٢).","footnotes":"(١) الدلائل ٢٧، ٢٨ (السيد محمد رشيد رضا).\r(٢) الدلائل ص ٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584905,"book_id":8507,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":104,"body":"ثالثاً: أن تلك الطائفة كانت تقول بأن القليل من النحو كاف، ولا يتحتم على المرء أن يدخل في مسائل النحويين وخلافاتهم.\rوقد جاء ذلك على لسان متى بن يونس في مناظرته لأبي سعيد السيرافي إذ يقول: (يكفيني من لغتكم هذه: الاسم، والفعل والحرف، فإني أتبلغ بهذا القدر إلى أغراض قد هذبتها لي يونان)، كما جاء على لسان أبي سعيد في قوله: (وإذا لم يكن لك بد من قليل هذه اللغة من أجل الترجمة فلا بد لك - أيضاً - من كثيرها، من أجل تحقيق الترجمة، واجتلاب الثقة، والتوقي من الخلة اللاحقة) (١) وهي التي عناها عبد القاهر بأنها تقول: \"إن ما زاد (من النحو) على معرفة الرفع والنصب وما يتصل بذلك مما نجده في المبادئ، فهو فضل، لا يجدي نفعاً، ولا تحصل منه على فائدة وضربوا له المثل بالملح - كما عرفت\" (٢).\rرابعاً: أن تلك الطائفة - في عهد عبد القاهر - كانت طائفة المعتزلة الذين كان يمثلهم، القاضي عبد الجبار الأسد أبادي، لأنها هي التي كانت تتناول تفسير القرآن، وتتعاطى تأويله معتمدة على العقل، واللغة، دون إلمام كامل بعلم النحو، ومسائله، وقضاياه.\rوالدليل على ذلك ما يلي:\r١ - أن عبد القاهر يقول: (وذلك أنهم قالوا: إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة، فقولهم: (بالضم) لا يصح أن يراد به النطق باللفظة بعد اللفظة من غير اتصال يكون بين معنيهما لأنه لو جاز أن يكون لمجرد ضم اللفظ إلى اللفظ تأثير في الفصاحة، لكان ينبغي، إذا قيل (ضحك خرج) أن يحدث من ضم","footnotes":"(١) الامتاع والمؤانسة ١/ ١١٤، ١١٥.\r(٢) الدلائل ٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584906,"book_id":8507,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":105,"body":"(خرج) إلى (ضحك) فصاحة، وإذا بطل ذلك، لم يبق إلا أن يكون المعنى في ضم الكلمة إلى الكلمة هو: توخي معاني النحو فيما بينهما، وقولهم على طريقة مخصوصة، يوجب ذلك أيضاً، وذلك أنه لا يكون للطريقة إذا أنت أردت مجرد اللفظ - معنى، وهذا سبيل كل ما قالوه، إذا أنت تأملته، تراهم - في الجميع - قد دفعوا، إلى جعل المزية في معاني النحو وأحكامه، من حيث لم يشعروا\" (١).\rفقول عبد القاهر: قالوا: إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة، إشارة واضحة إلى قول عبد الجبار: \"أعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة\" (٢).\r٢ - أن عبد القاهر يقول في الدلائل: \"ومما تجدهم يعتمدونه\" ويرجعون إليه قولهم: إن المعاني لا تتزايد، وإنما تتزايد الألفاظ، وهذا كلام - إذا تأملته - لم تجد له معنى يصح عليه غير أن تجعل تزايد الألفاظ عبارة عن المزايا التي تحدث من توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، لأن التزايد في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ونطق لسان محال.\rثم أنا نعلم أن المزية المطلوبة في هذا الباب - مزية فيما طريقة الفكر والنظر من غير شبهة، ومحال أن يكون للفظ صفة تستنبط بالفكر، ويستعان عليها بالروية، اللهم إلا أن تريد تأليف النغم، وليس ذلك مما نحن فيه بسبيل (٣).","footnotes":"(١) الدلائل ١، ٣، ٢، ٣.\r(٢) المغني في أبواب التوحيد والعدل ١٦/ ١٩٧.\r(٣) الدلائل ٣٠٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584907,"book_id":8507,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":106,"body":"فقول عبد القاهر: (قولهم، إن المعاني لا تتزايد وإنما تتزايد الألفاظ) إشارة واضحة - أيضاً - إلى قول القاضي عبد الجبار: (فإن قال قائل: فقد قلتم: إن في جملة ما يدخل في الفصاحة حسن المعنى، فهلا اعتبرتموه؟ قيل له: إن المعاني - وإن كان لا بد منها - فلا تظهر فيها المزية، ولذلك نجد المعبرين عن المعنى الواحد، يكون أحدهما أفصح من الآخر والمعنى متفق، على أن المعاني لا يقع فيها تزايد، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عنده الألفاظ التي يعبر بها عنها) (١).\r٣ - أن قول عبد الجبار: (ولذلك نجد المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر، والمعنى متفق) (٢) في مجال محاولته إثباب المزية - في الفصاحة - للألفاظ، قد أشار إليه عبد القاهر، في فصل من الدلائل مطول، ورأى أن هذا القول هو أصل الفساد، ومعظم الآفة، والذي صار حجازاً بين القوم وبين التأمل\".\rوذلك هو قولهم: إن العقلاء قد اتفقوا على أنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحاً، والآخر غير فصيح، وذلك كما قالوا - يقتضي أن يكون للفظ نصيب في المزية، لأنها لو كانت مقصورة على المعنى، لكان محالاً أن يجعل لأحد اللفظين فضل على الآخر مع أن المعبر عنه واحد\".\rثم تأكيدهم له بأنه: لولا أن الأمر كذلك لكان ينبغي أن لا يكون للبيت من الشعر فضل على تفسير المفسر له، لأنه إن كان اللفظ إنما يشرف","footnotes":"(١) المغنى في أبواب التوحيد والعدل ١٦/ ١٩٧.\r(٢) نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584908,"book_id":8507,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":107,"body":"من أجل معناه، فإن لفظ المفسر يأتي على المعنى ويؤديه لا محالة - وإذا لزم ذلك في تفسير البيت من الشعر، لزم مثله في الآية من القرآن الكريم!\rويجيب عبد القاهر: بأن القول بأنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين يحتمل أمرين:\rأحدهما: أن تريد باللفظين كلمتين معناهما واحد في اللغة، مثل: \"الليث\" و\"الأسد\" ومثل: \"شحط\" و\"بعد\" وغير ذلك مما وضع اللفظان فيه لمعنى.\rوالثاني. أن تريد: كلامين، فإن أردت الأول: فقد خرجت عن المسألة، لأن كلامنا نحن (في فصاحة) تحدث من بعد التأليف، دون الفصاحة التي توصف بها اللفظة مفردة، فعليك أن تعلم: أن سبيل المعاني سبيل أشكال الحلي، كالخاتم، والشنف، والسوار؛ فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلاً ساذجاً، لم يعمل فيه صانعه شيئاً، وأن يكون مصنوعاً بديعاً، قد أغرب صانعه فيه، كذلك سبيل المعاني. أن ترى الواحد منها غفلاً ساذجاً، عامياً، موجوداً في كلام الناس كلهم، ثم تراه نفسه، وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصور في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع الصنع الحاذق، حتى يغرب في الصنعة ويدق في العمل، ويبدع في الصياغة، وذلك: كأن تقول في قول الناس: (الطبع لا يتغير) و (لست تستطيع أن تخرج الإنسان عما جبل عليه) فترى معنى غفلاً عامياً معروفاً، في كل جيل وأمه، فإذا نظرت إليه في قول أبي الطيب:\rيراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584909,"book_id":8507,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":108,"body":"وجدته قد خرج في أحسن صورة؛ وتراه قد تحول جوهرة، بعد أن كان خرزة، وصار أعجب شيء بعد أن لم يكن شيئاً.\rفقول العقلاء: إنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحاً، والآخر غير فصيح، يريدون به: أنه يصح أن تكون ههنا عبارتان: أصل المعنى فيهما واحد، ثم يكون لأحدهما - في تحسين ذلك المعنى، وتزيينه، وإحداث خصوصية فيه - تأثير لا يكون للأخرى (١).\r٤ - أن ذلك القول - وهو أن المزية في الفصاحة ترجع إلى اللفظ، لا إلى المعنى قد صدر عن قوم لهم نباهة، وصيت وعلو منزلة في أنواع من العلوم، غير ذلك العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته، وفشا، وظهر، وكثر الناقلون له، والمشيدون بذكره، فصار ترك النظر فيه سنة، والتقليد ديناً، وهذا القول. منطبق على القاضي عبد الجبار، وأتباعه من المعتزلة، من النباهة، والصيت، وعلو المنزلة، فقد كان القاضي عبد الجبار، قد انتهت إليه الرئاسة في المعتزلة حتى صار شيخها، وعالمها غير مدافع، وصار الاعتماد على كتبه التي نسخت كتب من تقدمه (٢).\rبل إن عبد القاهر نفسه يشير إشارة واضحة إلى هؤلاء القوم - أي المعتزلة ورئيسهم القاضي عبد الجبار - بأنهم هم الذين سلموا بأن الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات وأنها إنما تكون فيها؛ إذا انضم بعضها إلى بعض قائلاً: (وكيف لا يكون في إسار الأخذة ومحولاً بينه وبين الفكرة ومن يسلم أن الفصاحة لا تكون في إفراد الكلمات، وأنها إنما","footnotes":"(١) الدلائل ٣٢٣، ٣٢٤، ٣٢٥.\r(٢) متشابه القرآن ١٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584910,"book_id":8507,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":109,"body":"تكون فيها إذا انضم بعضها إلى بعض، ثم لا يعلم أن ذلك يقتضي أن تكون وصفاً لها من أجل معانيها، لا من أجل نفسها، ومن حيث هي ألفاظ ونطق لسان؛ ذلك لأنه ليس من عاقل يفتح عين قلبه، إلا وهو يعلم ضرورة، أن المعنى في ضم بعضها إلى بعض (هو) تعليق بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، لا أن ينطق ببعضها في إثر بعض، من غير أن يكون فيما بينهما تعلق، ويعلم - كذلك، ضرورة - إذا فكر - أن التعلق يكون فيما بين معانيها، لا فيما بينها أنفسها (١).","footnotes":"(١) الدلائل ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٩\r(٨ - دلائل الإعجاز)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584911,"book_id":8507,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":110,"body":"٢ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم\rعرفت أن المناطقة ومن شايعهم ممن أعجبوا بالمنطق اليوناني، والفلسفة اليونانية، قد اعتقدوا أن المنطق كاف في معرفة الحق من الباطل، والشك من اليقين، والصدق من الكذب \"وأنه لا جدوى من التعمق في علم النحو، بل يكفي منه معرفة القليل؛ مما لا يتعدى صحة الكلام؛ من الرفع، والنصب: والجر، وهكذا، وأن متى بن يونس المنطقي قد ذكر هذا، أمام أبي سعيد السيرافي، وأن أبا سعيد السيرافي قد أفحمه، وأسكته في المناظرة الشهيرة التي جرت بينهما في مجلس الوزير أبي الفتح، الفضل بن جعفر بن الفرات، وزير المقتدر الخليفة العباسي وقد تركز الحديث في تلك المناظرة حول ما يعرف به صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه هل هو المنطق أو النحو؟\rوقد رأى متى بن يونس أن المنطق هو الذي يعرف به هذا وشبهه بالميزان، الذي يعرف به الرجحان من النقصان والشائل من الجانح.\rولكن أبا سعيد السيرافي قد خطأه في هذا، ورأى أن صحيح الكلام من سقيمه إنما يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف، إذا كنا نتكلم باللغة العربية، وأن فاسد المعنى من صالحه، إنما يعرف بالعقل، إذا كنا نبحث بالعقل.\rواستمع إلى ما قاله كل منهما في تلك المناظرة حول هذا المعنى:\rقال أبو سعيد السيرافي: (حدثني عن المنطق، ما تعني به؟ فإنا إذا فهمنا مرادك فيه، كان كلامنا معك: في قبول صوابه، ورد خطئه على سنن مرضى، وطريقة معروفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584912,"book_id":8507,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":111,"body":"قال متى: أعني به أنه آلة من آلات الكلام؛ يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح.\rفقال أبو سعيد: أخطأت؛ لأن صحيح الكلام من سقيمه، يعرف بالنظم المألوف، والإعراب المعروف - إذا كنا نتكلم بالعربية - وفاسد المعنى من صالحه بالعقل، إذا كنا نبحث بالعقل).\rوقد وردت في هذا الجزء من المناظرة المعاني التالية:\r١ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم، والإعراب.\r٢ - النظم والإعراب كالميزان، يعرف بهما الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح.\r٣ - فاسد المعنى من صالحه، يعرف بالعقل.\rوقد رد عبد القاهر الجرجاني، على تلك الطائفة، في أول الدلائل - مكملاً رسالة أبي سعيد السيرافي، بأن زهدهم في النحو واحتقارهم له، وإصغارهم أمره، وتهاونهم به، يشبه أن يكون صداً عن كتاب الله تعالى، وعن معرفة معانيه، وهم - مع ذلك - لا يجدون بداً من أن يعترفوا بالحاجة إليه، لأن الألفاظ مغلقة على معانيها، والإعراب مفتاحها والأغراض كامنة فيها، وهو المستخرج لها، فهو المعيار الذي لا يتبين نقضان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه:\rيقول عند القاهر - في أول الدلائل - وهو يرد على تلك الطائفة مكملاً رسالة أبي سعيد السيرافي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584913,"book_id":8507,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":112,"body":"\"وأما زهدهم في النحو واحتقارهم له، وإصغارهم أمره، وتهاونهم به، فصنيعهم في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدم، وأشبه بأن يكون صداً عن كتاب الله تعالى، وعن معرفة معانيه، ذلك لأنهم لا يجدون بداً من أن يعترفوا بالحاجة إليه فيه، إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها، حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها وأن الأغراض كامنة فيها، حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه، ولا ينكر ذلك إلا من ينكر حسه، وإلا من غالط - في الحقائق - نفسه، وإذا كان الأمر كذلك، فليت شعري ما عذر من تهاون به وزهد فيه، ولم ير أن يستسقيه من مصبه، ويأخذه من معدنه، ورضي لنفسه بالنقص، والكمال لها معرض، وآثر الغبينة. وهو يجد إلى الربح سبيلاً (١).\rثم يقول \" ... فدعوا ذلك. وانظروا في الذي اعترفتم بصحته، وبالحاجة إليه (وهو علم النحو) وهل حصلتموه على وجهه؟ وهل أحطتم بحقائقه؟ وهل وفيتم كل باب منه حقه وأحكمتوه إحكاماً يؤمنكم الخطأ فيه إذا أنتم خضتم في التفسير، وتعاطيتم علم التأويل، ووازنتم بين بعض الأقوال وبعض، وأردتم أن تعرفوا الصحيح من السقيم، وعدتم في ذلك وبدأتم، وزدتم ونقصتم؟ ، وهل رأيتم إذ قد عرفتم صورة المبتدأ والخبر، وأن إعرابهما الرفع، أن تتجاوزوا ذلك إلى أن تنظروا في أقسام خبره؛ فتعلموا أنه يكون مفرداً، وجملة، وأن المفرد ينقسم إلى ما يحتمل ضميراً له، وإلى ما لا يحتمل الضمير.\rوهكذا ينبغي أن تعرض عليهم الأبواب واحداً واحداً، ويسألوا","footnotes":"(١) الدلائل ٢٣، ٢٤ (محمد رشيد رضا).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584914,"book_id":8507,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":113,"body":"عنها باباً، باباً ثم يقال، ليس إلا أحد الأمرين: إما أن تقتحموا التي لا يرضاها العاقل، فتنكروا أن يكون بكم حاجة في كتاب الله تعالى، وفي خبر رسول الله ﷺ وفي معرفة الكلام جملة .. وإما أن تعلموا أنكم قد أخطأتم حين أصغرتم هذا العلم، وظننتم ما ظننتم فيه؛ فترجعوا، إلى الحق، وتسلموا الفضل لأهله\" (١).\rوقد وردت المعاني التالية - في رد عبد القاهر على تلك الطائفة:\r١ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالإعراب.\r٢ - الألفاظ مغلقة على معانيها، والإعراب هو الذي يفتحها، والأغراض كامنة فيها، والإعراب هو المستخرج لها.\r٣ - الإعراب - في نظر عبد القاهر - هو المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه.\rوأنت تلاحظ الصلة الوثيقة بين كل من كلام أبي سعيد السيرافي، وكلام عبد القاهر الجرجاني، فقد عبر أبو سعيد السيرافي عن الإعراب بالميزان، وعبر عنه عبد القاهر، بالمعيار، والمعيار هو الميزان، كما عبر عنه - أيضاً - بالمقياس، وقد اتفقا على أن الإعراب يعرف به صحيح الكلام من سقيمه، كما يعرف به النقصان من الرجحان.\rكما أنك تلاحظ: أن الموضع الذي ورد فيه كلام أبي سعيد، هو أول المناظرة، وأن الموضع الذي ورد فيه كلام عبد القاهر هو: أول الدلائل، وكأن عبد القاهر، قد أراد أن يسير في كتابه هذا سير المناظر؛ فوضع نفسه موضع أبي سعيد السيرافي، وبدأ بأول شيء جاء على لسان متى بن","footnotes":"(١) الدلائل ٢٥، ٢٦، ٢٧ (السيد محمد رشيد رضا).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584915,"book_id":8507,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":114,"body":"يونس وامتد إلى أتباعه المنطقين من بعده، وهو: أن المنطق يعرف به صحيح الكلام من سقيمه؛ وبين لهم أن صحيح الكلام من سقيمه إنما يعرف بالإعراب، إذ هو المعيار الذي يتبين به النقصان من الرجحان، والمقياس الذي يتبين به الصحيح من السقيم.\rولهذا كان تأليف \"الدلائل\" غير تأليف \"الأسرار\" ففي الأسرار يتبع عبد القاهر المنهج الموضوعي الذي يرتب الأفكار في خطة يقدمها بين يدي بحثه، ثم يبحثها بحثاً متأنياً هادئاً، ولكنه في الدلائل يجرى على سنن المنظرة؛ فيكثر من قوله: (فإن قلتم كذا) (قلنا كذا) بأسلوب يتوقد حماساً وغيرة على فكرته التي آمن بها: وهي أن النظم هو تنبع معاني النحو فيما بين الكلم، على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام.\rوهكذا تجد أنك قد عثرت على أول خيط يربط بين \"دلائل الإعجاز\" ومناظرة أبي سعيد السيرافي - وإن كان عبد القاهر لم يذكر أبا سعيد السيرافي ضمن من أفاد منهم، حتى لا يعرف فضل أبي سعيد على عبد القاهر، وحتى تسلم له النظرية، ويذكر - وحده - بالفضل!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584916,"book_id":8507,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":115,"body":"٣ - المدخل إلى دلائل الإعجاز\rألف عبد القاهر الجرجاني \"كتيباً\" صغيراً في عدة صفحات بعد أن انتهى من تأليف كتابه \"دلائل الإعجاز\"؛ وأسماه: \"المدخل إلى دلائل الإعجاز\"؛ وواضح من تسميته: أنه أراد به أن يهيئ القارئ لكي يفهم دلائل الإعجاز؛ وأن يعطيه فكرة موجزة عن نظرية النظم التي أدار عليها هذا الكتاب، وهو صنيع تأثر فيه - أيضاً - بأبي سعيد السيرافي؛ فقد ألف السيرافي كتاباً أسماه: (المدخل إلى كتاب سيبويه).\rولما كان \"المدخل إلى دلائل الإعجاز\" قائماً على إعطاء القارئ فكرة موجزة عن نظرية النظم التي وجدها في مناظرة أبي سعيد؛ فقد وجد في المناظرة - أيضاً - مفاتيح تلك النظرية؛ وهي أن اللغة مكونة من الاسم، والفعل، والحرف وأن المتكلم بها محتاج إلى رصفها، وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها؛ وذلك عندما قال يونس بن متى لأبي سعيد السيرافي: (يكفيني من لغتكم هذه، الاسم، والفعل، والحرف .. ورد عليه أبو سعيد بقوله: (أخطأت؛ لأنك في هذا الاسم، والفعل، والحرف \"ففير إلى رصفها، وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها، وكذلك أنت محتاج - بعد هذا - إلى حركات هذه الأسماء، والأفعال، والحروف، فإن الخطأ والتحريف في الحركات، كالخطأ والفساد في المتحركات).\rفهم عبد القاهر من هذا الكلام: أن المتكلم إذا أراد أن ينظم كلاماً - وهو مكون من الاسم، والفعل، والحرف - فلا بد له","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584917,"book_id":8507,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":116,"body":"من تعليق الكلم بعضها ببعض، مع ملاحظة صحة الكلام من ناحية الإعراب، بحيث يكون الاسم مثلاً: واقعاً مبتدأ، أو خبراً أو فاعلاً، أو مفعولاً، فيلاحظ حركة الرفع والنصب، ويكون الفعل محتاجاً إلى فاعل، أو فاعل ومفعول، أو يكون متعلقاً بما قبله، بأن يكون خبراً، أو صفة، أو حالاً ويكون الحرف - كذلك - متعلقاً بما قبله وما بعده، بأن يكون رابطاً بين اسمين أو فعلين، وهكذا.\rفلا بد من أن تكون هناك علاقات تربط بين الاسم والفعل والحرف. في رصف اللغة وبنائها على حسب ترتيبها الواقع في غرائز أهلها، لأنه إذا لم توجد مثل هذه العلاقات، لا يكون بناء، ولا رصف على حسب الترتيب الواقع في النفس.\rومن هنا وجد عبد القاهر الفرصة لتطوير فكرة كتابه \"العوامل المائة\" في النحو والذي كان قد ألفه قبل الدلائل وكان عوناً له على إيضاح نظرية النظم القائمة على توخي معاني النحو فيما بين الكلم:\rوقد حاول عبد القاهر - من خلال \"دلائل الإعجاز\" - أن يتدرج بقارئه لإفهامه معنى تعلق الكلم بعضها ببعض على النحو التالي:\rأولاً: أن معنى ضم الكلم بعضها إلى بعض لا يعني أن ينطق بعضها في إثر بعض من غير أن يكون فيما بينها تعلق بل فلا بد من تعليق بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض.\rثانياً: أن التعلق يكون فيما بين معاني الكلم، لا فيما بينها أنفسها، ولهذا انقسمت الكلم إلى قسمين: مؤتلف \"وهو الاسم مع الاسم والاسم مع الفعل. وغير مؤتلف وهو: ما عدا ذلك، كالفعل مع الفعل، والحرف مع الحرف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584918,"book_id":8507,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":117,"body":"ثالثاً: أن العلاقات بين معاني الكلم - حين يضم بعضها إلى بعض - هي معاني النحو، لأنه \"لا يتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم أفراداً ومجردة من معاني النحو، فلا يقوم في وهم، ولا يصح في عقل أن يتفكر متفكر، في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسم، ولا أن يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد إعمال فعل فيه، وجعله فاعلاً له، أو مفعولاً، أو يريد منه حكماً سوى ذلك من الأحكام مثل: أن يريد جعله مبتدأ، أو خبراً، أو صفة، أو حالاً، أو ما شاكل ذلك.\rولهذا فإنك إذا عمدت إلى أي كلام، وأزلت عنه تلك العلاقات، لم يصبح كلاماً، كما إذا قلت في (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)، (من نبك قفاً، حبيب، ذكرى، منزل) فإنه يخرج من كمال البيان إلى محال الهذيان!\rرابعاً: أننا إذا تأملنا وجدنا الذي يكون في الألفاظ، من تقديم شيء منها على شيء إنما يقع في النفس أنه نسق مخصوص، إذا اعتبرنا ما توخى فيها من معاني النحو، لأنك لو فرضت في قوله: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) أن لا يكون (نبك) جواباً للأمر، ولا يكون معدى بمن إلى (ذكرى) ولا يكون (ذكرى) مضافة إلى (حبيب) ولا يكون (منزل) معطوفاً بالواو على حبيب، لخرج ما ترى فيه من التقديم والتأخير عن أن يكون نسقاً، لأنه إنما يكون تقديم الشيء على الشيء ونسقاً، وترتيباً، إذا كان ذلك التقديم قد كان لموجب أوجب أن يقدم هذا، ويؤخر ذاك.\rخامساً: أنه لا يتصور أن يقع منك قصد، إلى معنى كلمة دون أن تريد تعليقها بمعنى كلمة أخرى، لأنه من المعلوم. أنك لا تقصد أن تعلم السامع معاني الكلم المفردة التي تكلمه بها، فلا تقول. (خرج زيد) لتعلمه معنى (خرج) في اللغة ومعنى (زيد) فيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584919,"book_id":8507,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":118,"body":"وليس معنى هذا، أن الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم المفردة أصلاً، وإنما يريد: أنه لا يتعلق بها مجردة من معاني النحو، لأنك إذا فكرت في الفعلين، أو الاسمين، تريد أن تخبر بأحدهما عن الشيء، أيهما أولى أن تخبر به عنه، وأشبه بغرضك؟ مثل: أن تنظر أيهما أمدح أو أذم، وفكرت في الشيئين، تريد أن تشبه الشيء بأحدهما: أيهما أشبه به، كنت قد فكرت في معاني أنفس الكلم، إلا أن فكرك ذلك لم يكن إلا من بعد أن توخيت فيها من معاني النحو وهو: أن أردت جعل الاسم الذي فكرت فيه خبراً عن شيء أردت فيه مدحاً، أو ذماً. أو تشبيهاً أو غير ذلك من الأغراض، ولم تجئ إلى فعل، أو اسم، ففكرت فيه فرداً، ومن غير أن لك قصداً أن تجعله خبراً، أو غير خبر.\rولهذا: لم يكن الفعل وحده دون الاسم، ولا الاسم وحده دون اسم آخر، أو فعل كلاماً، وكنت لو قلت: خرج، ولم تأت باسم. ولا قدرت فيه ضمير الشيء، أو قلت: زيد، ولم تأت بفعل ولا سم آخر، ولم تضمره في نفسك، كان ذلك وصوتاً تصوته سواء.\rقال عبد القاهر - مفسراً معنى النظم - ومتأثراً بفكرة أبي سعيد السيرافي، في كيفية نظم الاسم، والفعل، والحرف:\r\"معلوم أن ليس النظم سوى تعلق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض.\rوالكلم ثلاث: اسم، وفعل، وحرف، وللتعلق فيما بينها طرق معلومة وهو لا يعدو ثلاثة أقسام تعلق اسم باسم، وتعلق اسم بفعل، وتعلق حرف بهما.\rثم ذكو كيفية التعلق في كل قسم من هذه الأقسام، إلى أن قال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584920,"book_id":8507,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":119,"body":"ومختصر الأمر: أنه لا يكون كلام من جزء واحد، وأنه لا بد من مسند، ومسند إليه، وكذلك السبيل في الحرف رأيته يدخل في جملة، كإن وأخواتها: ألا ترى أنك إذا قلت. (كأن) يقتضي مشبهاً، ومشبهاً به، كقولك: كأن زيداً الأسد. وكذلك إذا قلت: (لو) و (لولا) وجدتهما يقتضيان جملتين تكون الثانية جواباً للأولى؟\rثم هو لا يتركنا إلا بعد أن يبين أن تلك الطرق والوجوه في تعلق الكلم بعضها ببعض: إنما هي معاني النحو وأحكامه.\rو(معاني النحو) هي التي أطلقها أبو سعيد السيرافي، وقال: إنها بين حركات اللفظ وسكناته وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك وتجنب الخطأ من ذلك:\rوكلام أبي سعيد يفهم منه أن حركات اللفظ تشمل: الاسم والفعل ومن عبارة: \"وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها\" يأتي: الحرف، ولهذا قسم عبد القاهر في \"المذخل\" الكلام إلى اسم، وفعل، وحرف، ثم بين وجوه التعلق فيما بينها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584921,"book_id":8507,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":120,"body":"٤ - خطوات عملية النظم\rعندما قال أبو سعيد السيرافي لمتى بن يونس - وقد قال له: يكفيني من لغتكم هذه: الاسم والفعل والحرف -: \"أخطأت، لأنك في هذا الاسم، والفعل، والحرف فقير إلى رصفها \"أي الأسماء والأفعال، والحروف\" وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها\" كان يقصد أن ترتيب الألفاظ ترتيب من نوع خاص بحيث لا يكون ترتيباً ظاهرياً، أو شكلياً، وإنما يكون ترتيباً تراعي فيه العلاقات النحوية، على حسب ترتيبها في طبائع أهلها، أو في نفوسهم، ومعنى هذا: أن عملية الترتيب كانت تتم في طبائع القوم، أو غرائزهم، أو نفوسهم، ثم تأتي عملية الترتيب في النطق على هذا الترتيب الواقع في النفس.\rوقد قرأ عبد القاهر الجرجاني هذا القول - وهو الألمعي الذكي الفذ الذي تكشف له خبايا المعاني من خلال قراءته لكتب السابقين - فرأى هو الآخر: أن عملية النظم إنما هي في ترتيب الألفاظ في النطق على حسب ترتيب المعاني في النفس.\rولم يشأ أبو سعيد السيرافي أن يترك هذا المعنى الذي ألمح إليه؛ أي رصف الألفاظ وبناؤها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها، دون أن يؤكده مرة أخرى، عندما قال لمتى بن يونس: \"وإذا قال لك آخر، كن نحوياً، لغوياً، فصيحاً، فإنما يريد، افهم عن نفسك ما تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك\"، لأنه لا معنى لأن يفهم الإنسان عن نفسه ما يقول، إلا أن يريد قوله في نفسه أولاً، فإن كان ما قاله في نفسه مفهوماً ويمكن أن يفهمه الآخرون فإنه حينئذ يحاول أن يفهم غيره ممن يريد الإفضاء بحديث إليهم.\rكما أنه لا معنى لقوله \"ثم رم أن يفهم عنك غيرك، إلا أن يرتب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584922,"book_id":8507,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":121,"body":"ألفاظه في النطق على حسب ترتيب معانيها في نفسه، وهو يفضي بحديثه إلى غيره.\rعلى أن عملية النظم هذه، لا بد أن تسبقها مقدمات تجعل من النظم عملية نحوية، لغوية، تجعل المعنى في ذهن السامع واضحاً جلياً، مؤدياً للغرض من إنشائه، مبيناً عن الأغراض، والمقاصد، والمعاني التي يقصدها الشعراء والأدباء، على حد سواء؛ فما معنى أن تكون نحوياً، لغوياً، فصيحاً؟\rولئن كان أبو سعيد السيرافي قد أجمل في عبارته السالفة (أفهم عن نفسك ما تقول ثم رم أن يفهم عنك غيرك) فإن تفصيل ذلك يمكن أن يفهم من السؤال الذي افترض، أبو سعيد أن سائلاً قد سأله.\rذلك لأن معنى قوله \"نحوياً\" أن تجري في كلامك على حسب قواعد النحو، وبمعنى آخر: هو: أن تتوخى معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام.\rومعنى قوله: \"لغوياً فصيحاً\" أن تنتقي الكلمات الخالية من عيوب اللفظ، بأن تكون مألوفة الاستعمال خفيفة على النطق، ملائمة للمعنى الذي جاءت من أجله مشاكلة في معانيها لمعاني جاراتها مؤانسة لأخواتها، دالة على المعاني، والمقاصد والأعراض التي اجتلبت من أجل الإفصاح عنها، والإبانة عن خفاياها.\rولهذا فإن عبد القاهر قد تدرج بعملية النظم كما تدرج أبو سعيد السيرافي، وسار بها على هذ النحو:\rأولاً: لا تفاضيل بين كلمة وأخرى في الدلالة على المعنى قبل دخولهما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584923,"book_id":8507,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":122,"body":"في نظم الكلام، ولهذا فإنه يجب أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، وقبل أن تصبر إلى الصورة التي بها يكون الكلام خبراً، أو إنشاء، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها بضم كلمة، وبناء لفظة على أخرى، لأنه لا يتصور أن يكون لإحدى اللفظتين تفاضل في الدلالة، قبل دخولها في التأليف، بأن تكون كلمة أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها - على ما وسمت به - كأن يقال: إن (رجلاً) - مثلاً - أدل على معناه من (فرس) على ما سمي به، ولا أن يتصور في الاسمين الموضوعين لشيء واحد أن يكون أحدهما أحسن نبأ عنه، وأبين كشفاً عن صورته من الآخر، كما أنه لا يقع في الوهم أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم بأكثر من أن تكون إحداهما مألوفة مستعملة، والأخرى غريبة، أو أن تكون هذه أخف نطقاً من تلك.\rولهذا فإنك لا تجد أحداً يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها.\rفلا تفاضل بين كلمة وأخرى - في الدلالة على المعنى - قبل دخولهما في التأليف، لأن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلمة مفردة، وإنما تثبت لها الفضيلة والمزية إذا لامعت معانيها معاني التي تليها.\rوالدليل على ذلك: أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر.\r\rثانياً: ترتيب الألفاظ في النطق على حسب ترتيب المعاني في النفس:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584924,"book_id":8507,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":123,"body":"هناك فرق بين نظم الحروف، ونظم الكمات، لأن نظم الحروف هو: تواليها في النطق فقط، دون أن يكون هناك معنى اقتضى هذا النظم، ولا أن يكون ناظمها قد تحرى رسماً من العقل في نظمها، أما نظم الكلمات: فإن الأمر فيها ليس كذلك، لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني، وترتيبها في النفس، فهو نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس معناه ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق! فإذا ما عرفت الفرق بين نظم الحروف، ونظم الكلمات على هذا النحو، عرفت أن ليس الغرض بنظم الكلمات، أن توالت ألفاظها في النطق، ولكن أن تناسقت وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل.\rثم ينبه عبد القاهر إلى أن الثمرة التي يخرج بها من هذا الفصل تتمثل فيما يلي:\r١ - لا يتصور أن تعرف للفظ موضعاً من غير أن تعرف معناه، كما أنه لا يتصور أن تتوخى في الألفاظ، من حيث هي ألفاظ ترتيباً ونظماً.\r٢ - عليك أن تتوخى الترتيب في المعاني، وأن تعمل فكرك هناك، فإذا ما تم لك ذلك أتبعتها الألفاظ، وقفوت بها آثارها.\r٣ - إذا ما فرغت من ترتيب المعاني في نفسك، وجدت الألفاظ مرتبة على حذوها في نطقك، ولم تحتج إلى أن تستأنف فكراً في ترتيبها، لأن الألفاظ خدم للمعاني، وتابعة لها، ولاحقة بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584925,"book_id":8507,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":124,"body":"٤ - العلم بمواقع: المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق.\r\rثالثاً: لا نظم في الكلم حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض:\rوهذه المرحلة الثالثة من مراحل عملية بناء النظم في فكر المتكلم - وهي وضع اللبنات الأساسية لعملية النظم، - يبدأ بها الإمام عبد القاهر في بيان كيفية بناء النظم على أساس من قواعد النحو المعروفة.\rفإذا كنت قد نظرت في الكلمات، واخترتها اختياراً موفقاً، بحيث تكون ملائمة لمعانيها التي هي بها أخص. وأعملت فكرك ورويتك في المعاني التي تريدها لنظم كلامك، فرتبتها في نفسك ترتيباً موفقاً، فترتبت لك ألفاظها على حسب ترتيبها في نفسك، فما عليك إلا أن تربط هذه الألفاظ برباط النظم، وما هو إلا أن تعلق بعضها ببعض، وتبنى بعضها على بعض.\rومعنى هذا: أن تعمد إلى اسم، فتجعله فاعلاً لفعل، أو مفعولاً له، أو تعمد إلى اسمين، فتجعل أحدهما خبراً عن الآخر، أو تتبع الاسم اسماً، على أن يكون صفة للأول، أو توكيداً له، أو بدلاً منه، أو تجئ باسم بعد تمام كلامك، على أن يكون صفة، أو حالاً، أو تمييزاً، أو تتوخى في كلام هو لإثبات معنى، أن يصير نفياً، أو استفهاماً، أو تمنياً، فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك.\rأو تريد في فعلين، أن تجعل أحدهما شرطاً في الآخر، فتجئ بهما بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك الحرف. وعلى هذا القياس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584926,"book_id":8507,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":125,"body":"رابعاً: المزية في النظم للمعنى وليست للفظ\rويشمر عبد القاهر عن شاهد الجد في الرد على من يرجعون المزية إلى الألفاظ، مبطلاً حججهم، ومزيلاً شبهاتهم، فيقول: إنه إذا ما ادعى أحد بأن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي، وتعديل مزاج الحروف حتى لا تتلاقى حروف في النطق تثقل على اللسان زاعماً: أن الكلام في ذلك طبقات: فمنه المتناهي في الثقل، ومنه ما هو أخف منه، ومنه ما فيه بعض الكلفة على اللسان، إلا أنه لا يبلغ ما يعاب من الكلام، وأن الكلام إذا خلا منه، وصفاً مما يشوبه، كان الفصيح المشاد به، وأن الصفاء أيضاً يكون على مراتب، يعلو بعضها بعضاً وأن له غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز، فإن الذي يبطل هذه الشبهة - إن ذهب إليها ذاهب - أننا إذا قصر ناصفة الفصاحة على هذه الصفات، لزم أن تخرج الفصاحة من حيز البلاغة.\rوإذا فعلنا ذلك، لم نخل من أحد أمرين؛ إما أن تجعلها العمدة في المفاضلة بين العبارتين، وإما أن نجعلها أحد ما تفاضل به، ووجهاً من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام.\rفإن أخذنا بالأول: لزمنا أن نقصر الفضيلة عليها حتى لا يكون إعجاز إلا بها. وفي ذلك من الفساد ما لا يخفى، لأنه يؤدي إلى إخراج البلاغة من حيز الإعجاز؛ لأن ذلك يخرج المعاني التي ذكروها في حدود البلاغة من\r١ - وضوح الدلالة وصواب الإشارة.\r٢ - تصحيح الأقسام.\r٣ - حسن الترتيب والنظام.\r٤ - الإبداع في طريقة التشبيه والتمثيل.\r٥ - الإجمال ثم التفصيل.\r٦ - وضع الفصل والوصل موضعهما.\r(٩ - دلائل الإعجاز)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584927,"book_id":8507,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":126,"body":"٧ - الحذف. ... ٨ - التأكيد.\r٩ - التقديم والتأخير.\rلأنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف.\rوإن جعلنا الفصاحة أحد ما تفاضل به، ووجهاً من الوجوه التي تقتضي المفاضلة بين كلام وكلام، لم يكن لهذا الخلاف ضرر، لأنه ليس بأكثر من أن نعمد إلى الفصاحة، فنخرجها من حيز البلاغة والبيان، وأن تكون نظيرة لهما، أو تجعلها اسماً مشتركاً، يقع تارة لما يقع له تلك، وتارة أخرى لما يرجع إلى اللفظ مما يثقل على اللسان، وليس واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده.\rويمضي عبد القاهر في الرد على من يرجعون المزية في النظم للألفاظ - وهم المتكلمون من أمثال القاضي عبد الجبار الأسد أبادي - مبطلاً حججهم، ومزيلاً شبهاتهم، حتى يصل إلى أن المزية في النظم إنما هي للمعنى، وليس للفظ، حتى يتفرغ لتفصيل أمر المزية، وبيان الجهات التي تعرض منها.\r\rخامساً: ثمرة النظم هي تصوير المعنى \"نظرية البيان\":\rوتصوير المعنى إما أن يكون عن طريق إفادة الألفاظ لمعانيها الأول وإما أن يكون عن طريق إفادة الألفاظ لمعان أخرى غير المعاني التي وضعت لها في أول وضعها، وهي التي يسميها عبد القاهر المعاني الثواني.\rفثمرة النظم هي تصوير المعنى، سواء أكان هذا المعنى حقيقة، أو مجازاً، أو كناية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584928,"book_id":8507,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":127,"body":"وقد تدرج عبد القاهر للوصول إلى تلك الثمرة عن طريق المبادئ الخمسة التي أسلفنا هالك، لأنها الفائدة المرجوة من النظم.\rولعلك على ذكر مما قاله أبو سعيد السيرافي، في هذا المعنى، وأنه قد تدرج - أيضاً - إلى تصوير المعنى، سواء أكان هذا المعنى هو المعنى الحقيقي، أو المعنى المجازي، أو الكنائي.\rواستمع إلى ما قاله أبو سعيد السيرافي في هذا المعنى، لنرى، كيف أن عبد القاهر قد جارى أبا سعيد في طريقة فهمه لمعنى النظم، وكيف أنه تدرج في تقديمها بما لم يخرج عن طريقة السيرافي:\rيقول أبو سعيد السيرافي:\r(وإذا قال لك آخر: \"كن نحوياً، لغوياً، فصيحاً\"، فإنما يريد: افهم عن نفسك ما تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك وقدر اللفظ على المعنى، فلا يفضل عنه، وقدر المعنى على اللفظ، فلا ينقص منه، هذا: إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به، فأما إذا حاولت فرش المعنى، وبسط المراد، فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة والاستعارات الممتعة).\rوأبو سعيد يقصد بقوله: (وقدر اللفظ على المعنى، فلا يفضل عنه، وقدر المعنى على اللفظ، فلا ينقص عنه، هذا إذا كنت على تحقيق شيء على ما هو به) أنك إذا أردت الأخبار عن حقيقة الشيء، فأجعل المعنى على قدر اللفظ واللفظ على قدر المعنى، وهو ما يعبر عنه عبد القاهر، بالمعنى، أو بالحقيقة.\rكما أن أبا سعيد السيرافي يقصد بقوله: (فأما إذا حاولت فرش المعنى، وبسط المراد، فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584929,"book_id":8507,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":128,"body":"والاستعارات الممتعة) أنك إذا جاوزت الحقيقة إلى غيرها من الكناية والمجاز، فليكن ذلك عن طريق الإرداف، (أي الكناية) والتمثيل، والاستعارة.\r\rفالروادف الموضحة هي ما سماه قدامة باسم \"الإرداف\" - وقد كان حاضراً تلك المناظرة، ومستمعاً لما قاله أبو سعيد السيرافي - ولكننا لا ندري أكان قدامة قد ألف - قبل ذلك - نقد الشعر، وجواهر الألفاظ أم أنه ألفهما بعد تلك المناظرة، وفيهما تجد تعريف كل من الإرداف، والتمثيل.\r\rوعلى أية حال: فإن الروادف الموضحة هي التي سماها قدامة باسم الإرداف، ثم سماها عبد القاهر باسم الكناية، وعرفه قدامة بأنه: أن يريد الشاعر دلالة على معنى من المعاني، فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه، وتابع له، فإن دل على التابع أبان عن المتبوع، كقوله.\rبعيدة مهوى الفرط إما لنوفل ... أبوها وإما عيد شمس هاشم\r\rوالأشباه المقربة: هي ما سماه قدامة باسم التمثيل وعرفه بأنه: أن يريد الشاعر إشارة إلى معنى، فيضع كلاماً يدل على معنى آخر، وذلك المعنى الآخر، والكلام منبئان عما أراد أن يشير إليه، مثال ذلك: قول الرماح بن ميادة:\rألم تك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني بعدها في شمالكا\rفعدل عن أن يقول: إنه كان عنده مقدماً، فلا يؤخره أو مقرباً فلا يبعده، أو مجتبى، فلا يجتنبه، إلى أن قال: إنه كان في يمنى يديه، فلا يجعله في اليسرى ذهاباً نحو الأمر الذي قصد الإشارة إليه بلفظ ومعنى يجريان مجرى المثل له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584930,"book_id":8507,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":129,"body":"والاستعارة الممتعة: هي ما قصده البلاغيون بقولهم: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة، بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، كقولك سلمت على أسد، وأنت رجلاً شجاعاً.\rوقد جرى عبد القاهر على هذا المنوال، فبعد أن تدرج بالقارئ إلى فهم عملية النظم أراد أن يبين أن تصوير المعنى إنما هو الهدف من النظم، وأن هذا التصوير يتألق في أروع صوره إذا جاء عن طريق الصور البيانية الأخاذة، كالكناية، والمجاز.\rوقد ضمن ذلك فصلاً - من دلائل الإعجاز -، جعله فصلاً في (اللفظ يطلق والمراد به غير ظاهره)، وافتتحه، مبيناً أن لهذا الضرب من الكلام تفتناً، واتساعاً، لا ينتهيان، إلا أنه على اتساعه، وتفننه يدور في الأمر الأعم على موضوعين: هما: الكناية، والمجاز.\r\rفأما الكناية: فهي أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره بلفظه الموضوع له في اللغة، بل يجئ إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود، فيومئ إليه، ويجعله دليلاً عليه (وبقوله: بل يجئ إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود يأتي دليل على أنه يقصد بالكناية: الإرداف عند قدامة، بدليل أنه مثل بما مثل به قدامة، وهو قولهم في المرأة: (نؤوم الضحى).\rوقد مثل عبد القاهر للكناية بقولهم: (هو طويل النجاد) يريدون أنه طويل القامة، وقولهم: (كثير رماد القدر) يريدون أنه كثير النوال، وقولهم - في المرأة -: (تؤوم الضحى) والمراد أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها.\rفقد أرادوا في ذلك كله - كما ترى - معنى ثم لم يذكروه بلفظه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584931,"book_id":8507,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":130,"body":"الخاص به، ولكمهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يردفه في الوجود، وأن يكون إذا كان؛ أفلا ترى أن القامة إذا طالت طال النجاد، وإذا كثر القرى كثر رماد القدر، وإذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها أمرها ردف ذلك أن تنام إلى الضحى؟\r\rوأما المجاز: فقد ذكر أن السابقين قد عولوا فيه على حديث النقل، فذكروا: أن كل لفظ نقل عن موضوعه مجاز. وقد ذكرت ما هو الصحيح من ذلك في موضع آخر (يقصد أسرار البلاغة، وفيه دليل على تأخر الدلائل عن الأسرار).\rغير أنه ذكر هنا ما هو الأشهر منه، والأظهر، وأن الاسم والشهرة فيه (أي المجاز) لشيئين اثنين هما: (الاستعارة) و (التمثيل).\r(وهنا أدرك عبد القاهر أن من التمثيل ما يكون مجازاً، بعد أن كان في الأسرار يجعله من قبيل التشبيه محذوف الأداة والوجه) فقال هنا: \"وإنما يكون التمثيل مجازاً إذا جاء على حد الاستعارة\".\r\rوأما الاستعارة: فهي أن تريد فتشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره، وتجئ إلى اسم المشبه به، فتعيره المشبه به، وتجربه عليه، فإذا أردت أن تقول: (رأيت رجلاً هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه، تركت ذلك كله، وقلت: (رأيت أسداً)، وهذه الاستعارة هي التي سماها المتأخرون الاستعارة التصريحية.\rوهناك ضرب آخر من الاستعارة، وهو ما كان كقول لبيد:\rوغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584932,"book_id":8507,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":131,"body":"حيث جعل للشمال يداً، وهذا الضرب هو ما سمي عند المتأخرين باسم الاستعارة المكنية.\r\rوأما التمثيل - وهو الذي يكون مجازاً نجيئك به على حد الاستعارة - فمثاله قولك للرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه: (أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى) والأصل في هذا: أراك في ترددك كمن يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، ثم اختصر الكلام وجعل كأنه يقدم الرجل ويؤخرها على الحقيقة، كما كان الأصل في قوله: (رأيت أسداً) (رأيت رجلاً كالأسد) ثم جعل كأنه الأسد على الحقيقة.\rوكذلك تقول للزجل يعمل غير معمل: (أراك تنفخ في غير فحم) و (تخط على الماء) فتجد ظاهر الأمر، كأنه ينفخ ويخط، والمعنى على أنك في فعلك كمن يفعل ذلك.\rونقول للرجل - يعمل الحيلة حتى بميل صاحبه إلى الشيء قد كان يأباه، ويمتنع منه - (ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد) فتجعله بظاهر اللفظ، كأنه كان منه فتل في ذروة وغارب، والمعنى على أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقاً يشبه حاله فيه حال الرجل يجئ إلى البعير الصعب، فيحكه ويفتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يسكن ويستأنس.\rونظير ذلك قولهم: (فلان يقرد فلاناً) يعني: أنه يتلطف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذه ذلك فيسكن ويثبت في مكانه حتى يتمكن من أخذه.\rوهكذا: كل كلام رأيتهم نحواً فيه التمثيل، ثم لم يفصحوا بذلك وأخرجوا اللفظ مخرجه إذا لم يريدوا تمثيلاً (١).","footnotes":"(١) الدلائل ٤٦، ٤٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584933,"book_id":8507,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":132,"body":"وهكذا تجد أن عبد القاهر قد أفاد من أبي سعيد السيرافي، فأبو سعيد في عبارته الموجزة جداً، أشار إلى المقدمات التي قدم بها عبد القاهر لعملية النظم، وتلك الإشارة هي قوله: كن نحوياً، لغوياً، فصيحاً، أي جارياً في أسلوبك على قواعد النحو ومقتضيات الإعراب، مختاراً لألفاظك مما تداوله الأدباء والشعراء بحيث تكون خالصة مما يستثقل على اللسان، وما يستكره في السمع، واضعاً لها في مواضعها المناسبة لها، بحيث تدل على الغرض المقصود منها أوضح دلالة.\rوقول أبي سعيد السيرافي: (افهم عن نفسك ما تقول) يعني أن تدير الكلام في نفسك أولاً، بحيث تفهم ما تقول وتطئن إلى صحته وحسنه، وقوله: (ثم رم أن يفهم عنك غيرك) أن تجري الألفاظ مرتبة على حسب ترتيب معانيها في نفسك فيفهم عنك غيرك ما تقول.\rوتلك هي عملية النظم التي قدم لها عبد القاهر بمقدماته الخمس.\rوقد ستنتج عبد القاهر - أيضاً - من عبارته السابقة الموجزة: (فأما إذا حاولت فرش المعنى، وبسط المراد، فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة) فصلاً في دلائل الإعجاز، جاء يعقب مقدماته التي قدم بها للنظم، كما جاءت - أيضاً - في مناظرة أبي سعيد بعقب مقدماته التي أشار إليها في عبارته الموجزة السالفة الذكر، هذا الفصل قد هيأ له عبد القاهر تهيئة عظمت من شأنه، وفخمت من أمره، وهو (فصل في اللفظ يطلق والمراد به غير ظاهره) وهو ما قصده أبو سعيد السيرافي بقوله بعد أن قال: \"هذا إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به\": (فأما إذا حاولت فرش المعنى، وبسط المراد) فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة)، وقد أسلفناك ما قاله عبد القاهر، منتفعاً بما قاله أبو سعيد السيرافي وقدامة بن جعفر، وقد كان قدامة بن جعفر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584934,"book_id":8507,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":133,"body":"حاضراً مجلس ابن الفرات مستمعاً للمناظرة التي كانت بين متى بن يونس، وأبي سعيد السيرافي سنة ٣٢٦ هـ.\rوقد كنت منذ ما يقرب من عشر سنوات - وأنا أكتب (نظرية البيان بين عبد القاهر والمتأخرين) - معتقداً أن الذي ألهم عبد القاهر هذا الفصل، ومن ثم نظريته في البيان هو قدامة بن جعفر في نقد الشعر، وجواهر الألفاظ، وقلت: إن قدامة جعل التمثيل بعقب الأرداف (أي الكناية) لأن إطاراً واحداً يضمهما، وهو: أن طريق الدلالة فيهما واحد أي تكون من طريق (معنى المعنى) - على حد تعبير عبد القاهر وأن عبد القاهر قد أضاف إليهما الاستعارة، لأنها قمة المجاز.\rوالآن: وبعد أن تتبعت مناظرة أبي سعيد، كلمة كلمة، وجملة جملة، وعبارة عبارة لكي أتبين الصلة بين نظريتي النظم والبيان - في الدلائل - وبين تلك المناظرة، وجدت الحلقة المفقودة التي بها تبينت صور البيان التي تمثلها عبد القاهر لنظريته، وهذه الحلقة تتمثل في فهم عبارة أبي سعيد عن (معنى المعنى) أو عن المجاز والكناية، وتلك العبارة هي: (أجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة).\rفقد أجال عبد القاهر تلك العبارة في ذهنه، ووجدانها تنطبق على ما أسماه: اللفظ يطلق والمراد غير ظاهره، وأن هذا يدور في الأمر الأعم على شيئين: الكناية (أن الإرداف) والمجاز، وأن المجاز يشمل الاستعارة، والتمثيل - إذا جاء على حد الاستعارة -.\rوبهذا انحصرت صور البيان - في الدلائل - في ثلاث صور هي: الكناية (أي الإرداف) والاستعارة، والتمثيل.\rفالكناية - في مناظرة أبي سعيد السيرافي - هي ما عبر عنه باسم:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584935,"book_id":8507,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":134,"body":"\"الروادف الموضحة\" والاستعارة في تلك المناظرة. هي ما عبر عنه باسم: \"الاستعارات الممتعة\" والتمثيل فيها هو ما عبر عنه باسم: \"الأشباه المقربة\".\rوذلك لأن عبد القاهر قد وجد نظريته من خلال تلك الصور الثلاث وهي الموجودة فعلاً، ومتجاورة في عبارة أبي سعيد السيرافي، ولكن قدامة لم يأت بالاستعارة مقترنة بصورتي: الإرداف والتمثيل، بل لم تجي - أصلاً - في نقد الشعر، وجاءت منفردة بعيدة عن الإرداف والتمثيل في جواهر الألفاظ، وذلك مما يرجح أن نظرية البيان قد استقاها عبد القاهر مباشرة من مناظرة أبي سعيد السيرافي، ولكنه قد اعتمد في شرح معنى الإرداف والتمثيل، على ما جاء في نقد الشعر، وجواهر الألفاظ، لقدامة بن جعفر.\r\rسادساً: نظرية النظم\rأسلفنا لك عبارة أبي سعيد السيرافي التي أجمل فيها نظرية النظم التي قرأها عبد القاهر بإمعان، ووقع منها على ضالته التي كان ينشدها من زمن بعيد، لأن العلماء من قبله كانوا يرددون مصطلح النظم ولا يعرفون له معنى، كما أنهم كانوا يرجعون إعجاز القرآن الكريم إلى نظمه، ويفاضلون بين نظم ونظم، ولكن لم يستطيعوا الكشف عن الخصائص، والدقائق، واللطائف التي تنشأ عن النظم، لأنهم - أصلاً - لم يعرفوا معنى النظم.\rوقد جعل أبو سعيد السيرافي محور النظم على (معاني النحو) المنقسمة بين:\r(أ) حركات اللفظ وسكناته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584936,"book_id":8507,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":135,"body":"(ب) وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها.\r(جـ) تأليف الكلام بالتقديم والتأخير.\rمنبهاً إلى أنه يجب أن نتوخى الصواب في ذلك، وتتجنب الخطأ من ذلك.\rولم ينس أن ينبه إلى أن كل نظرية لا بد لها من شواذ، تدور بين الندرة المستساغة والتأويل البعيد، أورد ما لم يجئ على عادة القوم، وحتى ما يتعلق باختلاف اللغات فهو مسلم لهم ومأخوذ عنهم.\rوأن كل ذلك يعرف بالتتبع والرواية، والسماع، والقياس.\rوهي نظرية - كما نرى - تكاد تكون شاملة لعلم البلاغة، كما تصوره عبد القاهر والمتأخرون من بعده.\rوإليك ما قاله أبو سعيد ليكون أمامك، تستشف منه ملامح نظرية النظم التي تصورها وهو يرد على متى بن يونس الذي كان يزعم أن النحويين مع اللفظ، لا مع المعنى، وأن النحو لا جدوى منه، ويكفي منه معرفة القليل الذين يبين صحة الإعراب، وكفى:\r(قال أبو سعيد: معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ من ذلك.\rوإن زاغ شيء عن هذا النعت، فإنه لا يخلو أن يكون سائغاً بالاستعمال النادر، والتأويل البعيد، أو مردوداً، لخروجه عن عادة القوم الجارية على فطرتهم.\rفأما ما يتعلق باختلاف لغات القبائل، فذلك شيء مسلم لهم، ومأخوذ عنهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584937,"book_id":8507,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":136,"body":"وكل ذلك محصور بالتتبع، والرواية، والسماع، والقياس المطرد على الأصل المعروف من غير تحريف) ثم قال:\r(وإنما دخل العجب على المنطقين، لظنهم أن المعاني لا تعرف، ولا تستوضح إلا بطريقهم ونظرهم وتكلفهم، فترجموا لغة هم فيها ضعفاء ناقصون، وجعلوا تلك الترجمة صناعة، وادعوا على النحويين، أنهم مع اللفظ، لا مع المعنى).\rوفي تلك العبادة التي ذيل بها أبو سعيد السيرافي حديثه عن نظريته في النظم، كما تصورها، بيان للسب الذي من أجله اخترع عبارة (معاني النحو) اختراعاً، لأنها - على حد علمنا - لم تؤثر عن أحد من العلماء قبله، فالتقطها عبد القاهر - من بعده - فجعلها - كما جعلها السيرافي - أيضاً - محور النظم، وقطب الدائرة فيه، وكررها في الدلائل ما يقرب من ستين مرة، وهذا السبب هو: أن المنطقيين كانوا يتوهمون أن (المعاني) لا يمكن معرفتها وتوضيحها، إلا بطريقتهم ونظرهم وتكلفهم، فأراد أن يبين لهم أن المعاني، كما تعرف بقواعد المنطق، فإنها تعرف - أيضاً - بقواعد علم النحو، فأطلق على المعاني المستفادة من تتبع أحكامه وقوانينه: (معاني النحو).\rولهذا صاغ عبد القاهر نظرية النظم، على هذا القول: (تتبع - أو توخي - معاني النحو فيما بين الكلم، على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام).\rوأنت تشعر - معي - بأن عبد القاهر، قد أخذ من مناظرة أبي سعيد شطر النظرية فحسب، وهو: (تتبع أو توخى - معاني النحو فيما بين الكلم)، أما شطرها الآخر، وهو: (على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام) فليس مما قاله أبو سعيد، في مناظرته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584938,"book_id":8507,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":137,"body":"ومن الطريف أن أبا حيان التوحيدي الذي روى مناظرة أبي سعيد السيرافي، كان قد تتلمذ على أستاذين أحدهما: منطقي - وهو أبو سليمان المنطقي - والآخر: نحوي، وهو: أبو سعيد السيرافي النحوي، وأنه قد أورد لأبي سليمان المنطقي نظرية في النظم، لم ترد فيها (معاني النحو)، بينما أورد مناظرة أبي سعيد التي تجد بها نظرية النظم قائمة على (معاني النحو) - كما ترى -.\rوقد جاءت النظريتان في كتابة \"الإمتاع والمؤانسة\" وقد وردت نظرية أبي سليمان المنطقي على النحو التالي:\r\"المعاني المعقولة بسيطة (أي: بسوطة) في بحبوحة النفس، لا يحوم عليها شيء قبل الفكر، فإذا لقيها الفكر بالذهن الوثيق، والفهم الدقيق، ألقى ذلك إلى العبارة \"والعبارة حينئذ تتركب بين وزن هو: النظم للشعر، وبين وزن هو: سياقة الحديث وكل هذا راجع إلى نسبة صحيحة أو فاسدة، وصورة حسنة أو قبيحة، وتأليف مقبول، أو ممجوج، وذوق حلو أو مر، وطريق سهل أو وعر، واقتضاب مفضل، أو مردود، واحتجاج قاطع أو مقطوع، وبرهان مسفر أو مظلم، ومتناول قريب أو بعيد، ومسموع مألوف أو غريب\" (١).\rوهذه النظرية تقوم على: أن المعاني المعقولة في النفس تخرج إلى العبارة بالفكر، فتتركب بين وزني: الشعر والنثر، وأن المدار فيها على (صحة المعنى) و (حسن الصورة) و (سلامة التأليف)، وليس فيها - كما ترى - أثر المعاني النحو، ولهذا لم يعرج عليها عبد القاهر، مع أنهما موجودان في كتاب واحد! .\rوقد أردف عبد القاهر - في الدلائل - شطر النظرية، بفصل آخر","footnotes":"(١) الإمتاع والمؤانسة ٢/ ١٣٨، ١٣٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584939,"book_id":8507,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":138,"body":"بعنوان: (فصل في أن هذه المزايا في النظم بحست المعاني والأغراض التي تؤم) مكملا شطرها الآخر؛ وقال فيه:\r\" .. وإذ قد عرفت أن مدار النظم على (معاني النحو) وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه؛ فأعلم أن الفروق والوجوه كثيرة، ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم أعلم أن ليست المزية بواجبة لها في أنفسها، ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض لها بسبب المعاني، والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض.\rوإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش، فكما أنك قد ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها، ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها. إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر، في توخيهما معاني النحو، ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم\" (١).\rوقد كدت أثبت لعبد القاهر هذا الفضل، وأن إتمام النظرية لكان من بنات أفكاره، وذلك قبل أن أتأكد من أن (سر الفصاحة) لابن سنان الخفاجي الذي انتهى منه في الثاني من شعبان سنة ٤٥٤ هـ قد ألف قبل (دلائل الإعجاز) فلما ثبت لدى ما يؤكد لي أسبقية (سر الفصاحة) على (دلائل الإعجاز) (٢) أمعنت النظر فيه لكي أنبين مواطن الأخذ منه \"للدلائل\"، فوجدت أن الشطر الآخر من نظرية النظم، وهو قول","footnotes":"(١) الدلائل ٦٩، ٧٠.\r(٢) مضى ذلك في هذا البحث.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584940,"book_id":8507,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":139,"body":"عبد القاهر: (على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام) مأخوذ من من كتاب (سر الفصاحة) لابن سنان، وهو يتحدث عن (الكلام في الألفاظ المؤلفة).\rوكان هو - أيضاً - يتحدث عن نظرية النظم، ولكن بطريقة المعتزلة، التي تفرض أن النظم المخصوص لا يشتمل على معاني النحو، ويقدم لهذه النظرية، - متأثراً بما كتبه أبو هلال العسكري في الصناعتين - بأن كل صناعة، إنما تكمل بخمسة أشياء: الموضوع، والصانع، والصورة، والآلة، والغرض، فيقول\" إن كل صناعة من الصناعات، كما لها بخمسة أشياء - على ما ذكره الحكماء -:\rالموضوع: وهو الخشب في صناعة النجارة، والصانع، وهو النجار والصورة، وهو: التربيع المخصوص؛ إن كان المصنوع كوسيا، والآلة، مثل: المنشار، والقدوم، وما يجري مجراها، والغرض: وهو: أن يقصد - على هذا المثال - الجلوس فوق ما يصنعه\" (١).\rوما دام تأليف الكلام صناعة، فإنه يطبق النظم على هذه النظرية، بأن الموضوع. هو الكلام المؤلف، والصانع هو: الشاعر، أو الأديب، والصورة هي الفصل للأديب، والبيت، للشاعر، والآلة هي: الطبع، وأما الغرض فبحسب الكلام، فيقول:\r\"وإذا كان الأمر على هذا، ولا تمكن المنازعة فيه، وكان تأليف الكلام المخصوص صناعة، وجب أن نعتبر فيها هذه الأقسام، فنقول:\rإن الموضوع هو: الكلام المؤلف من الأصوات على ما قدمت.","footnotes":"(١) سر الفصاحة ٨٢، ٨٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584941,"book_id":8507,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":140,"body":"وأما الصانع المؤلف فهو الذي ينظم الكلام بعضه مع بعض، كالشاعر، والكاتب، وغيرهما.\rوأما الصورة: فهي كالفصل للكاتب، والبيت للشاعر وما جرى مجراهما.\rوأما الآلة: فأقرب ما قيل فيها: طبع هذا الناظم، والعلوم التي اكتسبها بعد ذلك، ولهذا لا يمكن أحداً أن يعلم الشعر من لا طبع له - وإن جهد في ذلك - لآن الآلة التي يتوصل بها غير مقدورة لمخلوق، ويمكن تعلم سائر الصناعات لوجود كل ما يحتاج إليه من آلاتها.\rوأما الغرض: \"بحسب الكلام المؤلف، فإن كان مدحاً، كان الغرض به قولاً ينبئ عن حال الممدوح وإن كان هجوا، فبالضد، وعلى هذا القياس كل ما يؤلف، وإذا تأملته وجدته كذلك\" (١).\rوواضح من الفقرة الأخيرة من كلام ابن سنان، ومن ترتيبه للأمور التي تقوم عليها عملية النظم: أنه يجعل الغرض ثمرة نهائية للنظم، لأنك إنما تنظم كلاماً في المدح - مثلاً - لتنبئ به عن عظم الممدوح، أو في الهجاء، لتنبئ به عن حقارة المهجو، وهكذا ...\rوهذا المعنى يفيد: أنك: تتوخى معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام، فإن كان الغرض هو الأخبار عن رفعة الممدوح - مثلاً - ذكرت المسند إليه لتعظيمه، وإن أردت الإخبار عن حقارته حذفته، لتصون لسانك عن ذكره، وهكذا.\rوحقاً، إن ابن سنان يقول: (الغرض بحسب الكلام) بينما يقول عبد القاهر: (الكلام بحسب الغرض) وذلك لأن نظرة كل منها إلى النظم","footnotes":"(١) سر الفصاحة ٨٣، ٨٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584942,"book_id":8507,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":141,"body":"كانت مختلفة عن نظرة الآخر إليه، فنظرة ابن سنان إلى النظم كانت نظرة الناقد، الذي يبحث في الكلام عن الغرض منه، ليستطيع الحكم عليه بالجودة أو الرداءة؛ بينما كانت نظرة عبد القاهر إلى النظم، نظرة الناظم، الذي ينظم الكلام على حسب الأغراض.\rوعلى أية حال: فقد أحسن عبد القاهر استغلال فكرة ابن سنان أيما إحسان! .\rثم شرح عبد القاهر ما يقصده من تتبع - أو توخي - معاني النحو فيما بين الكلم: بأن النظم ليس إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه، وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت؛ فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك؛ فلا تخل بشيء منها؛ كأن تنظر في أوجه الخبر، والشرط، والجزاء، والحال، والحروف التي تشترك في معنى، ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية. وفي الجمل التي ترد، فتعرف فيها موضع الفصل من موضع الوصل، وتتصرف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار والإظهار والإضمارـ، فتضع كل ذلك في مكانه، وموقعه، وتستعمله استعمالاً صحيحاً موفقاً.\rوهكذا نجد أن عبد القاهر، قد أخذ عن أبي سعيد السيرافي شطر (نظرية النظم) وأتم شطرها الآخر مما وجده في (سر الفصاحة) لابن سنان الخفاجى، ثم أخذ في إقامة الدليل على صحتها بما يلي:\rأولاً: أنك لا تجد كلاماً يرجع صوابه - إن كان صواباً - وخطؤه - إن كان خطأ - إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي له.\r(١٠ - دلائل الإعجاز)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584943,"book_id":8507,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":142,"body":"فأنت لا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم، أو فساده، أو وصف بمزية وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد، وتلك المزية وذلك الفضل، إلى معاني النحو وأحكامه ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه.\rثانياً: أن النقاد السابقين - كالقاضي الجرجاني وأبي هلال العسكري - قد كشفوا عن وجه النظم، حيث ذكروا فساده في نحو قول الفرزدق:\rوما مثله في الناس إلا مملكاً ... ... أبو أمه حى أبوه يقاربه\rوفي نظائره، مما تواصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف، فليس يخالف أحد في أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطى الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وصنع في تقديم، أو تأخير، أو حذف، وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، ومالا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم.\rثالثاً: إذ ثبت أن فساد النظم، واختلاله هو: ألا يعمل بقوانين علم النحو، ثبت أن سبب صحته هو: أن يعمل عليها، ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم، ثبت أن الحكم كذلك في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه. وإذا ثبت جميع ذلك ثبت أن ليس هو شيئاً غير توخى معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم.\rوهكذا تجد أن عبد القاهر قد أخذ نظرية النظم من مناظرة أبي سعيد السيرافي، وأتمها بما قرأه في (سر الفصاحة) لابن سنان الخفاجي، ورأى أن مهمته - في الدلائل - هي: إثبات صحتها بالدليل المنطقي - كما رأيت - وكأنها نظرية هندسية تؤدي معطياتها إلى نتائج حتمية، لا يخالف فيها أحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584944,"book_id":8507,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":143,"body":"ومن الطريف أن عبد القاهر - وهو يؤلف الأسرار، ولم يكن قد أطلع على مناظرة أبي سعيد التي ألهمته (معاني النحو) - قد قارن بين بيت الفرزدق الذي يضرب به المثل في التعقيد، وبين الأشعار التي أثنوا عليها فلم يستنتج منها ما توصل إليه في الدلائل، من أن النظم هو: توخي معاني النحو فيما بين الكلم، وذلك حيث يقول: \"فخذ إليك الآن بيت الفرزدق الذي يضرب به المثل في تعسف اللفظ:\rوما مثله في الناس إلا مملكاً ... أبو أمه حي أبوه يقاربه\rفأنظر: أيتصور أن يكون ذمك للغظه من حيث أنك أنكرت شيئاً من حروفه، أو صادفت وحشيا غريباً، أو سوقياً ضعيفاً، أم ليس إلا لأنه لم يرتب الألفاظ في الذكر، على موجب ترتب المعاني في الفكر .. ؟\rوإذا وجدت ذلك أمراً بيناً لا يعارضك فيه شك، ولا يملكك منه امتراء، فانظر إلى الأشعار التي أثنوا عليها من جهة الألفاظ، ووصفوها بالسلاسة، ونسبوها إلى الدمائه، وقالوا كأنها الماء جريانا، والهواء لطفاً، والرياض حسناً، وكأنهم النسيم، وكأنها الرحيق مزاجها التسنيم، وكأنها الديباج الخسرواني في مرامي الأبصار، ووشى أن ص ١٤٣ منشوراً على أذرع التجار، كقوله:\rولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح\rوشدت على دعم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادى الذي هو رائح\rأخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسألت بأعناق المطى الأباطع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584945,"book_id":8507,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":144,"body":"ثم راجع فكرتك، وأشحذ بصيرتك. وأحسن التأمل، ودع عنك التجوز في الرأي ثم انظر: هل تجد لاستحسانهم، وحمدهم وثنائهم ومدحهم منصرفاً، إلا إلى استعارة وقعت موقعها، وأصابت غرضها وحسن ترتيب تكامل معه البيان، حتى وصل المعنى إلى القلب، مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقر في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن؛ وإلا إلى سلامة الكلام من الحشو غير المفيد، والفضل الذي هو كالزيادة في التحديد .... ؟ \".\rفعبد القاهر - هنا - وهو يؤلف الأسرار، لم يستنتج من مقارنته تلك إلا أن فضيلة الكلام إنما هي في ترتيب الألفاظ في الذكر، على حسب ترتيبها في الفكر، مما يدلك على أنه لم يكن قد اطلع على مناظرة أبي سعيد، التي فيها أن النظم إنما هو: توخي معاني النحو فيما بين الكلم.\rبل إن الحقيقة التي لم يلحظها كثير من البلاغيين هي أن (أسرار البلاغة) يخلو تماماً من كلمتي: (النظم) و (معاني النحو)! !\rوهما الكلمتان اللتان أدار عليهما عبد القاهر الجرجاني (دلائل الإعجاز) وكرر كلا منهما أكثر من خمسين مرة!\rوليس هذا فحسب، بل إنك عندما تقرأ \"الدلائل\" تحس بأن مهمته فيها تكاد تكون منصبة على إثبات صحة نظرية النظم، وأنها ليست إلا تتبع - أو توخي - معاني النحو فيما بين الكلم.\rومن الطريف أيضاً أن أبا هلال العسكري - وهو الذي سبق عبد القاهر في قراءة مناظرة أبي سعيد السيرافي - قد صنع ما يقرب من صنيع عبد القاهر - في المقارنة بين نصوص توصف بحسن النظم، وأخرى توصف بسوء النظم؛ ولكنه لم يتوصف إلى ما توصل إليه عبد القاهر؛","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584946,"book_id":8507,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":145,"body":"لأنه - كما أسلفنا - قد أخطأ طريق المعاني المقصودة في النظم وهي (معاني النحو) إذ تركها متجهاً إلى (توخي صواب المعنى).\rومما قاله في هذا المعنى (١):\rوحسن الرصف (أي النظم): أن توضع الألفاظ موضعها، وتمكن في أماكنها؛ ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير، والحذف والزيادة، إلا حذفاً، لا يفسد الكلام؛ ولا يعمى المعنى، ويضم لفظة منها إلى شكلها، وتضاف إلى لفقها.\rوسوء الرصف (أي النظم): تقديم ما ينبغي تأخيره منها، وصرفها عن وجوهها، وتغيير صيغتها ومخالفة الاستعمال في نظمها.\rثم قال: فمن سوء النظم: المعاطلة؛ ومثل لها يقول الفرزدق:\rوما مثله في الناس إلا مملكا ... ... أبو أمه حى أبوه يقاربه\rومن الكلام المستوى النظم الملتئم الرصف: قول بعض العرب:\rأيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف\rفتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف\rومن الملاحظ - أيضاً - أن أبا هلال قد استخدم كلمة (الرصف) مكان كلمة (النظم) في قوله: (حسن الرصف) و (سوء الرصف)","footnotes":"(١) الصناعتين ١٥٣، ١٥٤، ١٥٧ (ط محمد علي صبيح).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584947,"book_id":8507,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":146,"body":"و (الملتئم الرصف) لتأثره بما قاله أبو سعيد السيرافي، في مناظرته، إذ قال أمتى بن يونس عن اللغة العربية -: (إنك في هذا الاسم، والفعل، والحرف، فقير إلى رصفها وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها).\rومن قبل أبي هلال رأى القاضي الجرجاني أن صحة النظم في العمل بقوانين النحو (١)، وأن فساده في عدم العمل بها (٢)، ولكنه لم يستنتج ما توصل إليه عبد القاهر، وهو أن النظم هو تتبع - أو توخي - معاني النحو فيما بين الكلم، بل إن عبارة (معاني النحو) لم ترد أصلاً في وساطته بين المتنبي وخصومه.\rوقد حاول أن يضع لنفسه نظرية في النقد، لا تخرج عن نظرية النظم، وتعتمد هذه النظرية على أن الكلام أصوات، محلها من الأسماع، محل النواظر من الأبصار، فللكلام صور عقلية تشبه الصور الحسية \"وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الكمال، وتذهب في الأنفس كل مذهب ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن، والتئام الخلقة، وتناصف الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم - وإن قاسيت واعتبرت ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً، ولما خصمت به مقتضياً كذلك الكلام منتوره ومنظومه ومجمله ومفصله:","footnotes":"(١) الوساطة ١٩١، ١٩٢.\r(٢) الوساطة ٧٩، ٩٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584948,"book_id":8507,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":147,"body":"(ا) فالمحكم الوثيق، والجزل القوي، والمنمق الموشح، الذي قد هذب كل التهذيب، وثقف غاية التثقيف وجهد فيه الفكر، وأتعب لأجله الخاطر، لا يلقى قبولاً من القلب إلا بنفسه، وجوهره، ومكانه، وموقعه ولا عبرة بالتزويق والتنميق بأنواع البديع.\r(ب) والمختل المعيب، والفاسد المضطرب، له وجهان:\rأحدهما: ظاهر يشترك الناس في معرفته، ويقل التفاضل في العلم به، وهو ما كان اختلاله وفساده من باب اللحن والخطأ من ناحية الإعراب، واللغة، وأظهر من هذا: ما عرض له ذلك من قبل الوزن، والذوق.\rوالآخر: غامض، يوصل إلى بعض بالرواية، ويوقف على بعضه بالدراية، ويحتاج في كثير منه إلى دقة الفطنة، وصفاء القريحة، ولطف الفكر وبعد الغوص.\r(جـ) وملاك ذلك كله، وتمامه الجامع له، والزمام عليه، الطبع، وإدمان الرياضة، فإنهما أمران، ما اجتمعا في شخص، فقصرا في إيصال صاحبهما عن غايته، ورضيا له بدون نهايته.\r(د) أقل الناس حظا بمعرفة النقد هو: من اعتمد على سلامة الوزن، وإقامة الإعراب، وأداء اللغة ثم الاهتمام بتزيين الكلام بأنواع البديع.\rوأما العارف بحقيقة النقد، فهو الذي يعتمد - في نقده - على صحة الترتيب، وسلامة النظم وحسن التأليف، وقوة النسج، ويقابل بين الألفاظ ومعانيها ويسير ما بينهما من نسب، ويمتحن ما يجتمعان فيه من سبب.\rعلى أن هناك من الأسباب ما يجعلنا نعتقد بأن القاضي الجرجاني قد قرأ مناظرة أبي سعيد السيرافي، بل وأفاد منها - في وساطته - وهي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584949,"book_id":8507,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":148,"body":"١ - أن أبا سعيد السيرافي قد رأى أن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم، وقد قامت نظرية القاضي الجرجاني - في النقد - على هذا الأساس - كما رأيت -\r٢ - أن أبا سعيد قد رأى أن فاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل، وكذلك رأى القاضي الجرجاني في نقده للشعر - في وساطته - كأن يقول: \"وهذا المعنى فاسد (١) \" بعد أن يورد بيتاً فاسد المعنى.\r٣ - أن القاضي الجرجاني قد أفاد، من قول أبي سعيد السيرافي - في مناظرته - إنك إذا قلت: \"زيد أفضل إخوته\" لم يجز \"وإن قلت: \"زيد أفضل الإخوة\" جاز، والفرق بينهما: أن إخوة زيدهم غير زيد، وزيد خارج عن جملتهم، فسلم يجز أن تقول: \"أفضل إخوته\"، كما لم يجز أن تقول: \"إن حمارك أفره البغال\"، لأن الحمير غير البغال، كما أن زيداً، غير إخوته\".\rأفاد القاضي الجرجاني من هذا الكلام - وهو يرد على من أنكر على أبي الطيب قوله:\rفالغيث أبخل من سعى\rفزعم أن \"من\" لا تكون إلا لمن يعقل، وأفعل\" لا يجري إلا على البعض من تلك الجملة، تقول \"زيد أفضل من الناس\"، فلابد أن يكون زيد من الناس؛ ولو قلت: \"أفضل الحمير\" لم يصح، وكذلك لو قلت: \"أفضل ما يقضم الشعير، ويرعى الكلأ\" لم يجز، قال فمن سعى لا يقع إلا على عاقل والغيث ليس من هذه الجملة\".\rويرد القاضي الجرجاني على هذا المعترض، بأن هذا الاعتراض،","footnotes":"(١) الوساطة ٧٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584950,"book_id":8507,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":149,"body":"يدل على تقصير شديد في العلم بكلام العرب، لأن العرب إذا وصفت الشيء بصفة غيره، استعارت له ألفاظه، وأجرته في العبارة مجراه - وإن كان لو انفر \"اتفرد عنه بصفته، وتميز دونه بعبارته\" (١).\rوهو بهذا يؤكد ما يراه، من أنه لا غنى للنحوي من الإلمام بمعاني العرب، وطرق استعمالاتهم لها، كما أنه لا غنى للمعنوي عن الإلمام بقواعد النحو، وكيفية تطبيقها على كلامهم.\rولعلك قد لاحظت أن القاضي الجرجاني قد أشار إلى طائفتين:\rالأولى: وهم أقل الناس حظاً بمعرفة النقد، ولا يعتمدون إلا على سلامة الوزن، وإقامة الإعراب، وأداء اللغة، والاهتمام بتزيين الكلام.\rوالثانية: وهم العارفون بحقيقة النقد، ويعتمدون في نقدهم على صحة الترتيب، وسلامة النظم وحسن التأليف، وقوة النسج، مع معرفتهم بما بين الألفاظ من نسب، أو أسباب.\rوأن عبد القاهر قد أشار إلى هاتين الطائفتين من النقاد - في أول الدلائل -، إذ قال عن الطائفة الأولى: \"ترى الواحد منهم يسمع الفصاحة، والبلاغة، والبراعة، فلا يعرف لها معنى سوى الأطناب في القول، وأن يكون المتكلم جهير الصوت. وأن يستعمل اللفظ الغريب، والكلمة الوحشية، فإن استظهر للأمر وبالغ في النظر، فأن لا لديلحن، فيرفع في موضع النصب، أو يخطئ فيجئ باللفظة على غير ما هي عليه في الوضع اللغوي، وعلى خلاف ما ثبتت به الرواية عن العرب، وجملة الأمر، أنه لا يرى النقص يدخل على صاحبه - في ذلك - إلا من جهة نقصه في علم اللغة.","footnotes":"(١) الوساطة ٤٣٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584951,"book_id":8507,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":150,"body":"وقال عن الطائفة الثانية: إنها تستخرج دقائق وأسراراً، طريق العلم بها الروية والفكر، ولطائف مستقاها العقل، وخصائص معان انفردوا بها، وهدوا إليها، ودلوا عليها، وكشف لهم عنها ورفعت الحجب بينهم وبينها، وأنها السبب في أن عرضت المزية في الكلام، ووجب أن يفضل بعضه بعضاً (١).","footnotes":"(١) الدلائل ٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584952,"book_id":8507,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":151,"body":"٥ - تشبيه النظم بالنسج\rفي مناظرة أبي سعيد السيرافي: (ثم أقبل أبو سعيد على متى، فقال أما تعرف يا أبا بشر، أن الكلام اسم واقع على أشياء، قد ائتلفت بمراتب؟ وتقول بالمثل: هذا ثوب؛ والثوب اسم يقع على أشياء بها صادر ثوباً، لأنه نسج بعد أن غزل، فسداته لا تكفي دون لحمته، ولحمته لاتكفي دون سداته، ثم تأليفه كنسجه، وبلاغته كقصارته، ورقة سلكه كرقة لفظه، وغلظ غزله ككثافة حروفه، ومجموع هذا كله ثوب، ولكن بعد تقدمة كل ما يحتاج إليه فيه).\rوتلك العبارة قد جاءت عقب العبارة السابقة عليها، على لسان أبي سعيد السيرافي، والتي أجمل بها نظرية النظم، وكأن أبا سعيد أراد أن يبين لمتى بن يونس أن النظم ليس عملاً لفظياً صرفاً، ولا نحوياً خالصاً، وإنما هو عمل معتمد على المعنى بقدر ما هو معتمد على اللفظ، فلا اللفظ يصلح دون المعنى: ولا المعنى يصلح دون اللفظ، وتأليفه يحتاج إلى أعمال الفكر، وحسن الاختيار، للمعاني المناسبة للأغراض التي يقصدها الشاعر أو الأديب.\rوكذلك صنع عبد القاهر الجرجاني؛ فبعد أن أكمل النظرية بما وجده في (سر الفصاحة) لابن سنان، من أن توخى معاني النحو ليس مقصوداً في ذاته، ولا المزايا الناشئة عنه مطلوبة لذاتها، وإنما المقصود هو أن تأتي هذه المزايا، من توخى معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي تكون مقصد للشاعر أو الأديب أقول: بعد أن أكمل عبد القاهر النظرية، صنع صنيع أبي سعيد السيرافي، فأتى بمثيل للنظم من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584953,"book_id":8507,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":152,"body":"الألوان التي تعمل بها الصور، والنقوش في الثوب، فقال: وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة، والنقش فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة، والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها، ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها، إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو، ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم\" (١).\rولم يقف عبد القاهر عند هذا الحد، في الانتفاع بفكرة السيرافي، في تشبيهه الكلام بالثوب، والنظم بالنسج، والمعنى بالسدى، واللفظ باللحمة، ورقة اللفظ برقة السلك، وغلظه، بغلظه وإنما انتفع بها في كل موضع احتاج فيه إلى تقريب عملية النظم من القارئ:\r١ - ففي الرد على من عرف الفصاحة، والبلاغة، والبراعة من العلماء. ولم يسبر غوزها، ولم يصل إلى كنهها، وحقيقة معناها، ولم يزد على: أن المعول عليه هو: أن ههنا نظماً وترتيباً، وتأليفاً وتركيباً، وصياغة وتصويراً ونسجاً وتحبيراً، وأن سبيل هذه المعاني في الكلام الذي هي مجاز فيه سبيلها في الأشياء التي هي حقيقة فيها، وأنه كما يفضل - هناك - النظم النظم، والتأليف التأليف، والنسج النسج والصياغة الصياغة، ثم يعظم الفضل، وتكثر المزية، حتى يفوق الشيء نظيره، والمجانس له درجات كثيرة، وحتى تتفاوت القيم التفاوت الشديد، كذلك يفضل الكلام بعضه بعضاً، ويتقدم الشيء الشيء ثم يزداد فضله ذلك ويترقى منزلة بعد منزلة، ويعلو مرقباً بعد مرقب، وتستأنف له غاية بعد غاية،","footnotes":"(١) الدلائل ٧٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584954,"book_id":8507,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":153,"body":"حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع، وتحسر الظنون، وتسقط القوى، وتستوي الأقدام في العجز.\rيرد عبد القاهر على هذا القائل بقوله: مازدتم على أن قستم قياساً، فقلتم نظم ونظم، وترتيب وترتيب ونسج ونسج، ثم ينيتم عليه: أنه ينبغي أن تظهر المزية في هذه المعاني ههنا حسب ظهورها هناك، وأن يعظم الأمر في ذلك كما عظم ثم؛ وهذا صحيح كما قلتم، ولكن: بقى أن تعلمونا مكان المزية في الكلام وتصفوها لنا، وتذكروها ذكراً، كما ينص الشيء ويعين، ويكشف وجهه ويبين، ولا يكفي أن تقولوا، إنه خصوصية في كيفية النظم، وطريقة مخصوصة في نسق الكلم بعضها على بعض، حتى تصفوا تلك الخصوصية وتبينوها، وتذكروا لها أمثلة، وتقولوا: مثل كيت، وكيت، كما يذكر لك من تستوصفه عمل الديباج المنقش ما تعلم به وجه دقة الصنعة، أو يعمله بين يديك، حتى ترى عياناً، كيف تذهب تلك الخيوط وتجئ، وماذا يذهب منها طولاً، وماذا يذهب منها عرضاً، وبم يبدأ، وبم يثنى، وبم يثلث، وتبصر من الحساب الدقيق ومن عجيب تصرف اليد ما تعلم منه مكان الحذق، وموضع الأستاذية\" (١).\r٢ - كما يرد على القاضي عبد الجبار، الذي عرف الفصاحة بأنها خصوصية في نظم الكلم، وضم بعضها إلى بعض على طريق مخصوصة - بأن هذا القول منه - في تعريف الفصاحة - لو كان كافياً - في معرفتها - ومغنياً في العلم بها، لكفى مثله في معرفة الصناعات كلها، فكان يكفي - في معرفة نسج الديباج الكثير التصاوير - أن تعلم: أنه ترتيب للغزل على وجه مخصوص، وضم لطاقات الإبريسم، بعضها إلى بعض على طرق شتى، وذلك ما لا يقوله عاقل.","footnotes":"(١) الدلائل ٣٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584955,"book_id":8507,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":154,"body":"ولهذا فإنه لا يكفي - في علم الفصاحة - أن تنصب لها قياساً ما: وأن تصفها وصفاً مجملاً، وتقول فيها قولاً مرسلاً؛ بل لا تكون من معرفتها شيء حتى تفصل القول وتحضل، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم، وتعدها واحدة واحدة. وتسميها شيئاً شيئاً، وتكون معرفتك معرفة الصنع الحاذق الذي يعلم كل خيط من الإبريسم الذي في الديباج، وكل قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطع، وكل آجرة من الآجر الذي في البناء البديع (١).\r٣ - وفي محاولته الوصول إلى حقيقة معنى المعارضة، وأن قياسهم الكلام في معنى المعارضة على الأعمال الصناعية لم يكن دقيقاً يقول: \"إنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة - على الأعمال الصناعية، كنسج الديباج، وصوغ الشنف والسوار، وأنواع ما يصاغ وكل ما هو صنعة وعمل يد، بعد أن يبلغ مبلغاً يقع التفاضل فيه، ثم يعظم حتى يزيد فيه الصانع على الصانع زيادة يكون له بها صيت، ويدخل في حد ما يعجز عنه الأكثرون. ثم يقول: \"إن هذا القياس - وإن كان قياساً ظاهراً معلوماً، وكالشيء المركوز في الطباع حتى ترى العامة فيه كالخاصة - إلا أن فيه أمراً يجب العلم به، وهو أنه من الممكن أن يتصور أن يبدأ هذا فيعمل ويبدع في نقشه وتصويره. فيجئ آخر، ويعمل ديباجا آخر مثله في نقشه وهيئته، وجملة صفته حتى لا يفصل الرائي بينهما، ولم يقع لمن لم يعرف القصة. ولم يخبر الحال إلا أنهما صنعة رجل واحد، وخارجان من تحت يد واحدة. ولكن: ليس من الممكن أن تتصور مثل ذلك في الكلام، لأنه لا سبيل إلى أن تجئ إلى معنى","footnotes":"(١) الدلائل ٣١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584956,"book_id":8507,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":155,"body":"بيت من الشعر، أو فصل من النثر، فتؤديه بعينه، وعلى خاصيته وصنعته بعبارة أخرى حتى يكون المفهوم من هذه هو المفهوم من تلك لا يخالفه في صفة، ولا وجه، ولا أمر من الأمور.\rولهذا كان قولهم: قد أتى بالمعنى بعينه، وأخذ معنى كلامه، فأداه على وجهه تسامح منهم. والمراد: أنه أدى الغرض، لا أنه أدى المعنى بعينه.\rوكذلك قولهم - في قوله تعالى: \"ولكم في القصاص حياة\" وقول الناس: (قتل البعض إحياء للجميع): إنهما عبارتان معبرهما واحد، ولا يمكن الأخذ بظاهره، إذ ليس المفهوم من أحد الكلامين هو المفهوم من الآخر\" (١).\rوقد سبق أبو هلال العسكري، وابن سنان الخفاجى إلى بيان الفروق بين قوله تعالى: \"ولكم في القصاص حياة\" وقول العرب: (القتل أنفى للقتل\" فأفاد عبد القاهر منهما\" (٢).\r٤ - وقد اكتشف عبد القاهر بذكائه. والمعينة أن تشبيه الكلام بالثوب، والنظم بالنسج - وإن كان شائعاً بين النقاد - إلا أنه ليس مؤدياً للغرض المنشود لهم كما ينبغي الأداء، لأنه قد يكون لنظم معنى\" ويمكن تأويله تأويلا آخر فيؤدي معنى آخر، دون أن يتغير النظم، ولكنك إذا أردت من النسج صورة أخرى فلابد أن تغير النسج:","footnotes":"(١) الدلائل ٢٠١، ٢٠٢.\r(٢) الصناعتين ١٦٨: وسر الفصاحة) ٢٠٠، ٢٠١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584957,"book_id":8507,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":156,"body":"\"ففي الناس من إذا رأى أنه يجري في القياس وضرب المثل أن تشبه الكلم - في ضم بعضها إلى بعض - ورأى أن الذي ينسج الديباج، ويعمل النقش والوشى، لا يصنع بالابريسم الذي ينسح منه شيئاً غير أنه يضم بعضه إلى بعض، ويتخير للإصباغ المختلفة المواقع التي يعلم أنه إذا أوقعها فيها حدث له في نسجه ما يريد من النقش والصورة - جرى في ظنه أن حال الكلم - في ضم بعضها إلى بعض، وفي تخير المواقع لها - وحال خيوط الأبريسم سواء. ورأيت كلامه كلام من لا يعلم أنه لا يكون الضم فيها ضما، ولا الموقع موقعا. حتى يكون قد توخى فيها معاني النحو، وأنك إن عمدت إلى ألفاظ \"فجعلت تتبع بعضها بعضاً، من غير أن تتوخى فيها معاني النحو، لم تكن قد صنعت شيئاً تدعى به مؤلفاً وتشبه معه بمن عمل نسجا، أو صنع على الجملة صنيعا، ولم يتصور أن تكون قد تخيرت لها المواقع.\rويستدل عبد القاهر على صحة مقولته هذه باستدلال لطيف، وهو: أنه قد يتصور أن يعمد عامد إلى نظم كلام بعينه، فيزيله عن الصورة التي أرادها الناظم له أو يفسدها عليه من غير أن يحول منه لفظاً عن موضعه أو يبدله بغيره، دون أن يغير شيئاً من صاهر أمره.\rومثال ذلك أنك إن قدرت في بيت أبي تمام:\rلعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عوامل\rأن \"لعاب الأفاعي\" مبتدأ \"ولعابه\" خبر - كما يوهمه الظاهر - أفسدت عليه كلامه، وأبطلت الصورة التي أرادها فيه، وذلك لأن غرض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584958,"book_id":8507,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":157,"body":"الشاعر هو: أن يشبه مداده بأرى الجنى، بمعنى أنه إذا كتب في العطايا والصلات أوصل به إلى النفوس ما تحلو مذاقته عندها، وأدخل السرور واللذة عليها، وهذا المعنى إنما يكون، إذا كان (لعابه) مبتدأ، و (لعاب الأفاعي) خبراً، فأما تقديرك: أن يكون (لعاب الأفاعي) مبتدأ، و (لعابه) خبراً، وذلك يخرج عن غرض أبي تمام، إذ ليس غرضه أن يشبه (لعاب الأفاعي) بالمداد، وأن يشبه الأري به، ولو كان حال الكلم في ضم بعضها إلى بعض كحال غزل الإبريسم، لكان ينبغي أن لا تتغير الصورة الحاصلة من نظم كلم، إلا بعد أن تزال عن مواقعها، كما لا تتغير الصورة الحادثة عن ضم غزل الإبريسم بعضه إلى بعض إلا بعد أن تزال الجيوط عن مواضعها (١).\rوقد فرع عبد القاهر على ذلك فتراض الافترضاً آخر، في قولهم: (عتابك السيف)، منبهاً إلى ما يلي:\rأولاً: أنه لا يجوز أن يكون سبيل قوله: (لعاب الأفاعي القاتلات لعابه) سبيل قولهم: (عتابك السيف)، لأن المعنى - في بيت أبي تمام - على أنك تشبه شيئاً بشيء، لجامع بينهما وليس المعنى في قولهم: (عتابك السيف) على أنك تشبه عتابه بالسيف، ولكن على أن تزعم أنه يجعل السيف بدلاً من العتاب.\rثانياً: إذا أردت من قولهم: (عتابك السيف) - وهو ليس مرادهم - التشبيه، كنت قد أردت أنه عاتب عتاباً خشناً مؤلماً.\rثالثاً: إذا قلت: (السيف عتابك) خرجت بهذا القول إلى معنى ثالث، وهو: أن تزعم أن عتابه قد بلغ - في إيلامه وشدة تأثيره - مبلغاً، صار له السيف كأنه ليس بسيف.","footnotes":"(١) الدلائل ٢٨٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584959,"book_id":8507,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":158,"body":"رابعاً: أنه ليس من كلام يعمد واضعه فيه إلى معرفتين، فيجعلهما مبتدأ وخبراً، ثم يقدم الخبر، إلا أشكل الأمر عليك فيه، فلا تعلم أن المقدم خبر حتى ترجع إلى المعنى، وتحسن التدبر، وذلك كبيت الحماسة:\rبنونا بنو أبنائنا، وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد\rفقدم خبر المبتدأ وهو معرفة، وإنما دل على أنه يتوى التأخير: المعنى.\rخامساً: أن الفائدة تعظم في هذا الضرب من الكلام، إذا أنت أحسنت النظر فيما ذكر، من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة، من غير أن تغير من لفظه شيئاً، أو تحول كلمة عن مكانها إلى مكان آخر.\rسادساً: أن هذا الضرب من الكلام هو الذي وسع مجال التأويل والتفسير، حتى صاروا يتأولون في الكلام الواحد تأويلين أو أكثر، ويفسرون البيت الواحد عدة تفاسير.\rسابعاً: أنه هو الطريق المزلة الذي ورد كثيراً من الناس، فأوقعهم في الهلاك، لعدم معرفتهم بعلم النحو، فانكشف عوارهم، وافتضح أمر الذي أظهر الغنى عنه عندما تعرض لتفسير كلام الله تعالى (١).","footnotes":"(١) الدلائل ٢٨٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584960,"book_id":8507,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":159,"body":"القسم الثالث: إثبات النظرية لأبي سعيد السيرافي\r(أ) \"دلائل الإعجاز\". شرح لمناطرة أبي سعيد.\r(ب) الرد على من يثبت النظرية لعبد الجبار.\r(جـ) حصيلة هذا البحث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584961,"book_id":8507,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":160,"body":"(أ) دلائل الإعجاز شرح لمناظرة السيرافي\rويمكننا أن نصوغ رد أبي سعيد السيرافي على متى بن يونس، في عبارات مترابطة على النحو التالي:\rإذا كنتم محتاجون إلى معرفة صحيح الكلام من سقيمه، فإنه يعرف بالنظم والإعراب؛ لأن الإعراب كالميزان؛ يعرف به الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح.\rفأنتم محتاجون للغة العربية من أجل الترجمة؛ واللغة العربية مكونة من الإسم، والفعل، والحرف فأنتم محتاجون - أيضاً - إلى رصفها، وبنائها؛ على الترتيب الواقع في غرائز أهلها؛ وحينئذ ستجدون من ذلك الرصف وهذا البناء، معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ من ذلك.\rوالنظم كالنسج، ففيه تخير، وإعمال فكر؛ إذ الكلام كالثوب، والنظم كالنسج، والمعاني كالسدى، والألفاظ كاللحمة، ورقة اللفظ كرقة الخيوط، وغلظة ككثافة غزله، وبلاغته كقصارته بمعنى تبييضه وتزيينه، ونقشه.\rفمعنى قول القائل: كن نحوياً، لغوياً، فصيحاً: أفهم عن نفسك ما تقول؛ ثم رم أن يفهم عنك غيرك، وقدر اللفظ على المعنى فلا يفضل عنه، وقدر المعنى على اللفظ، فلا ينقص عنه، إذا كنت تريد الحقيقة، أما إذا أردت مجازاً، أو كناية، فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة، وبين المعاني بالبلاغة، أي لوح منها لشيء حتى لا تصاب إلا بالبحث عنها، والشوق إليها، لأن المعنى إذا ظفر به على هذا الوجه عز وجلا، وكرم وغلا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584962,"book_id":8507,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":161,"body":"فهذا المذهب باختصار هو (حقائق الأشباه، وأشباه الحقائق).\rوهكذا: فإنك بالنحو ستصل إلى المعاني التي لا تستطيع الوصول إليها بعلم المنطق، فالمنطق لم يفصل بين مختلفين، ولم يرفع الخلاف بين اثنين فهل قوة المنطق هي التي جعلتك تعتقد أن الله ثالث ثلاثة؟ وأن ما تقولونه صحيح؟ هيهات!\rكما أنه يمكننا - أيضاً -: أن نصوغ رد عبد القاهر على المعتزلة على النحو التالي:\rإن زهدكم في علم النحو، وإصغاركم أمره، واحتقاركم له، أشبه أن يكون صداً عن كتاب الله تعالى، لأن الألفاظ مغلقة على معانيها، والإعراب هو الذي يفتحها، فهو المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح كلام من سقيمه حتى يعرض عليه، فسلامة النظم تبينها سلامة الإعراب، وعميلة النظم تتم على أساس النظر في الكلم، التي تتكون من الأسماء، والأفعال، والحروف، وانتقائها، ثم ترتيبها في النطق على حسب ترتيبها في النفس.\rفإذا كنت قد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم، وتفخيم أمره، والتنويه به، فاعلم أن النظم ليس إلا أن تضع كلامك الموضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه، وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخل بشيء منها.\rوباختصار شديد: النظم هو: (توخي معاني النحو فيما بين الكلم) وليست معاني النحو واجبة لها في ذاتها، وإنما بحسب الأغراض التي يساق لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، كالأصباغ التي تعمل منها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584963,"book_id":8507,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":162,"body":"الصور والنقوش في الثواب بالتخير والتدبر فيها وفي مواقعها، ومقاديرها وكيفية مزجها.\rوهذا الكلام المنظوم على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومداد هذا الأمر على: الكناية، والاستعارة، والتمثيل.\rوههنا عبارة مختصرة، وهيي أن تقول: (المعنى، ومعنى المعنى).\rوإذا كانوا قد شبهوا النظم بالنسج فإن ذلك التشبيه إنما هو بحسب الظاهر، وإلا فإنك قد تتأول في العبارة معنى يصح معه التقدير الإعرابي دون أن يتغير النظم، ولكنك إذا أردت قصداً آخر على قصدك الأول من النسج فإنه لا بد من أن تفك خيوطه، وتنسجه من جديد.\rولهذا فإن المفسر لكلام الله تعالى، قد تزل قدمه إذا لم يكن على علم بقواعد النحو، لأن من الآيات ما يحتمل أكثر من تأويل، كما في الآية الكريمة: \"ولا تقولوا ثلاثة\" فقد ذهبوا في رفع (ثلاثة) إلى أنها خبر مبتدأ محذوف، وقالوا: إن التقدير: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة، وليس ذلك بمستقيم، لأنه - والعياذ بالله - شبه الإثبات أن ههنا آلهة، على أنه يمكن أن تقدر المعنى هكذا: ولا تقولوا: الله والمسيح وأمه ثلاثة أي لا تعبدهما كما نعبد الله، يبين ذلك قوله تعالى: \"لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584964,"book_id":8507,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":163,"body":"(ب) الرد على من يثبت النظرية \"لعبد الجبار\".\rعلى أن من فضلاء لنقاد في العصر الحديث من يرى أن نظرية النظم إنما هي من ابتكار القاضي عبد الجبار، وأن دلائل الإعجاز يعد تفسيراً مفصلاً لما أجمله عبد الجبار.\rوأن قول عبد القاهر: إنهم قالوا، - يريد عبد الجبار -: إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة، فتراهم - في الجميع - قد دفعوا، إلى جعل المزية في معاني للنحو وأحكامه من حيث لم يشعروا\" يعد مبالغة منه في أن ذلك سقط من عبد الجبار، دون أن يشعر به، قائلاً: \"وهل يضع أي مبتكر لنظرية نظريته الجديدة دون شعور بها؟ \".\rوقد تضمن هذا الرأي أمرين:\rأولهما: أن عبد الجبار، قد ابتكر نظرية النظم، ولم يسبق إليها.\rوثانيهما: أنه كان يعلم أن المزية في معاني النحو وأحكامه، وأن ما قاله كان متضمناً لهذا المعنى، ولكنه لم يفصح عنه، ولم يكن ما قاله عن الفصاحة سقطاً منه.\rأما أن عبد الجبار قد ابتكر نظرية النظم فذلك ما فنده هذا البحث من أن عبد القاهر قد تتبع أفكار أبي سعيد السيرافي فكرة فكرة، وشرحها في دلائل الإعجاز، ليكون كتابه بذلك امتداد الرد أبي سعيد السيرافي على من يدعون أن النحو لا جدوى منه، من المناطقة والمتكلمين والمعتزلة الذين يزهدون في علم النحو، ويعتمدون في تأويلهم لكتاب الله تعالى على العقل، واللغة، وشيئاً قليلاً من المعرفة بصحة الإعراب وبعد الكلام من اللحن، فحسب، أما الاعتماد على تتبع معاني النحو، فذلك ما لم يروه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584965,"book_id":8507,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":164,"body":"وقد رأيت - أيضاً - أن أفكار الدلائل قد جاءت مرتبة على حسب ترتيب أفكار مناظرة أبي سعيد السيرافي؛ مما يدل على أن مناظرة أبي سعيد كانت المنطلق الرئيسي لعبد القاهر في الدلائل.\rوأما أن عبد الجبار، كان يعلم أن المزية في معاني النحو وأحكامه، وأن ما قاله كان متضمناً لها، وأن ما قاله لم يكن سقطاً منه، فإننا نوره الرد عليه فيما يلي:\rأولاً: أن عبارة (معاني النحو) التي أخذها عبد القاهر الجرجاني من مناظرة أبي سعيد السيرافي، لم ترد على لسان عبد الجبار ولو مرة واحدة في الفصلين اللذين شرح بهما معنى الفصاحة، بينما وردت في (دلائل الإعجاز) ما يقرب من ستين مرة، مما يدل على أن عبد الجبار قد أهملها، ولم يضعها في اعتباره.\rثانياً: أنه لو كان عبد الجبار قد وضع في اعتباره توخي معاني النحو فيما بين الكلم، لشرح ذلك لطائفة المعتزلة، وقد كان إمامهم، ورثهم الذي اعتمدوا على كتبه، بحيث تسحت كتبه كتب من تقدمه من المعتزلة (١)، ولو كان قد اشرح لهم ذلك لما أنكروه وجادلوا فيه، وكثر منهم الجدال والشغب (٢).\rثالثاً: أن القاضي عبد الجبار، كان يعتمد في تأويله لكتاب الله تعالى على شيئين رئيسيين هما: العقل واللغة.\rويبدو أن من بين اعتماده على اللغة صحة الإعراب، ولكنه لم يتعد هذا القدر إلى توخي معاني النحو فيما بين الكلم، مما يظهر منه أنه يزهد في","footnotes":"(١) متشابه القرآن ١٥.\r(٢) دلائل الإعجاز ٢٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584966,"book_id":8507,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":165,"body":"التعمق في علم النحو؛ وهذا ما جعل العامة وأشباه العامة لا يكادون يعرفون الفصاحة إلا أنها العلم باللغة، وبأنفس الكلم، وبما طريقه طريق الحفظ، وأن أظهر شيء في معنى الفصاحة - عندهم - هو: تقويم الإعراب والتحفظ من اللحن، وبهذا الفهم الخاطئ لمعن الفصاحة أقبل المعتزلة على تأويل كلام الله تعالى وتفسيره، ولهذا فإن عبد القاهر، قد جأر بالشكوى من تصرفهم هذا، مبينا ما يقصد من صحة الإعراب، ومن قواعد النحو في الفصاحة على النحو التالي:\r١ - أن هؤلاء القوم (يقصد المعتزلة) إذ تركوا هذا الشأن (أي علم النحو) تركوه جملة، وإذ زعموا أن قدر المفتقر إلا لقليل منه، اقتصروا على ذلك القليل فلم يأخذوا أنفسهم بالفتوى فيه والتصرف فيما لم يتعلموا منه، ولم يخوضوا في التفسير، ولم يتعاطوا التأويل، لكان البلاء واحداً، ولكانوا إذا لم يبنوا لم يهدموا وإذا لم يصلحوا، لم يكونوا سبباً للفساد، ولكنهم لم يفعلوا، فجلبوا من الداء ما أعيي الطبيب، وحير اللبيب، وانتهى التخليط بما أتوه فيه إلى حد يئس من تلافيه فلم يبق للعارف الذي يكره الشغب إلا التعجب، والسكوت.\rوما الآفة العظمى إلا واحدة، وهي أن يجئ من الإنسان أن يجري في لفظه ويمشي له أن يكثر في غير تحصيل، وأن يحسن البناء على غ ير أساس، وأن يقول الشيء لم يقتله علما (١).\r٢ - أن المقصود في الفصاحة ليس العلم بالإعراب، ولكن العلم بالوصف الموجب للإعراب؛ كالعلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز، كما في قوله تعالى: \"فما ربحت تجارتهم\" وكما في","footnotes":"(١) الدلائل ٢٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584967,"book_id":8507,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":166,"body":"قول الفرزدق: (سقتها خروق في المسامع) وغير ذلك مما يجعل الشيء فيه فاعلاً على تأويل يدق، ومن طريق تلطف.\rومن ثم فإنه لا يجوز أن نعتد في شأننا هذا بأن يكون المتكلم قد استعمل من اللغتين في الشيء ما يقال إنه أفصحهما، وبأن يكون قد تحفظ مما تخطئ فيه العامة، ولا بأن يكون قد استعمل الغريب؛ لأن العلم بجميع ذلك لا يعدو أن يكون علماً باللغة، وبأنفس الكلم المفردة، وبما طريقه طريق الحفظ دون ما يستعان عليه بالنظر، ويوصل إليه بإعمال الفكر.\rولئن كانت العامة وأشباه العامة لا يكادون يعرفون الفصاحة غير ذلك، فإن من ضعف النحيزة إخطار مثله في الفكر، وإجراؤه في الذكر، وأنت تزعم أنك ناظر في دلائل الإعجاز (١).\r٣ - أنك كلما نظرت وجدت سبب الفساد واحداً، وهو ظنهم الذي ظنوه في اللفظ وجعلهم الأوصاف التي تجري عليه كلها، أوصافاً له في نفسه، ومن حيث هو لفظ، وتركهم أن يميزوا بين ما كان وصفاً له في نفسه، وبين ما كانوا قد أكسبوه إي من أجل أمر عرض في معناه.\rولما كان هذا دأبهم، ثم رأوا الناس وأظهر شيء عندهم في معنى الفصاحة، تقويم الإعراب والتحفظ من اللحن، لم يشكوا أنه ينبغي أن يعتد به في جملة المزايا التي يفاضل بها بين كلام وكلام في الفصاحة وذهب عنهم أن ليس هو من الفصاحة التي يعنينا أمرها في شيء، وأن كلامنا في فصاحة تجب للفظ، لا من أجل شيء يدخل في النطق، ولكن من أجل لطائف تدرك بالفهم (٢).","footnotes":"(١) الدلائل ٢٠٣، ٣٠٣.\r(٢) الدلائل ٣٠٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584968,"book_id":8507,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":167,"body":"وجملة الأمر: أنك لا ترى ظناً هو أنأى بصاحبه عن أن يصح له كلام، أو يستمر له نظام، أو تثبت له قدم، أو ينطق منه إلا بالمحال فم، من ظنهم هذا الذي حام بهم حول اللفظ وجعلهم لا يعدونه، ولا يرون للمزية مكاناً دونه.\r٤ - أنهم (أي المعتزلة وعلى رأسهم القاضي عبد الجبار) لما جهلوا شأن الصورة، وأن من شأن المعاني أن تختلف عليها الصور، وتحدث فيها خواص ومزايا من بعد أن لا تكون، وضعوا لأنفسهم أساساً، وبنوا على قاعدة، فقالوا: إنه ليس إلا المعنى واللفظ ولا ثالث لهما، وإنه إذا كان كذلك، وجب إذا كان لأحد الكلامين فضيلة، لا تكون للآخر، ثم كان الغرض من أحدهما هو الغرض من صاحبه، أن يكون مرجع تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصة، وأن لا يكون لها مرجع إلى المعنى، من حيث أن ذلك - زعموا - يؤدي إلى التناقض، وأن يكون معناهما متغايراً وغير متغاير معاً، ولهذا حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى اللفظ على ظاهره، وأبوا، أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها نسبتهم الفضيلة إلى اللفظ، مثل قولهم: لفظ متمكن، غير قلق ولا ناب به موضعه، فيعلموا أنهم لم يوجبوا للفظ ما أوجبوه من الفضيلة، وهم يعنون نطق اللسان وأجراس الحروف، ولكن جعلوا - كالمواضعة فيما بينهم - أن يقولوا: اللفظ، وهم يريدون الصورة التي تحدث في المعنى، والخاصية التي حدثت فيه (١).\rويلاحظ أن الذي قال عبارة: (لا يوجد في الكلام إلا اللفظ والمعنى ولا ثالث لهما) هو: أبو هاشم الجبائي أستاذ عبد الجبار، وأوردها عبد الجبار عند حديثه عن إعجاز القرآن (٢).","footnotes":"(١) الدلائل ص ٣٦٨.\r(٢) البلاغة تطور وتاريخ ١١٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584969,"book_id":8507,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":168,"body":"٥ - أنه إذا ثبت أن ليس النظم شيئاً غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، ثبت أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن، إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه، ولم يعلم أنها معدنه ومعانه وموضعه ومكانه، وأنه لا مستنبط له سواها، وأن لا وجه لطلبه فيما عداها - غاز نفسه بالكذب من الطمع، ومسلم لها إلى الخدع، وأنه إن أبى أن يكون فيها، كان قد أبى أن يكون القرآن معجزاً بنظمه، ولزمه أن يثبت شيئاً آخر يكون القرآن به معجزاً. وأن يلحق بأصحاب الصرفة، فيدفع الإعجاز من أصله، وهذا تقرير لا يدفعه إلا معاند بعد الرجوع عن باطل قد اعتقده عجزاً، والثبات عليه بعد لزوم الحجة جلداً، ومن وضع نفسه في هذه المنزلة كان قد باعدها من الإنسانية (١).\rرابعاً: أن المعتزلة - وعلى رأسهم عبد الجبار - كانوا يرفضون فكرة النظم، ولا يعدونها مرجعاً لإعجاز القرآن الكريم، بينما كان الأشاعرة يرجعون إعجاز القرآن إلى نظمه، ولهذا قال عبد الجبار - وهو يرجع الإعجاز إلى الفصاحة. وهي: جزالة اللفظ، وحسن المعنى - على حد تعبيره -: \"إن العادة لم تجر إن يختص واحد بنظم دون غيره، فصارت الطرق التي عليها يقع نظم الكلام الفصيح معتادة، كما أن قدر الفصاحة معتاد، فلابد من مزية فيهما، ولذلك لا يصح عندنا (يريد المعتزلة) أن يكون اختصاص القرآن بطريقة في النظم، دون الفصاحة التي هي: جزالة اللفظ وحسن المعنى، ومتى قال القائل: إني وإن اعتبرت طريقة النظم، فلابد من اعتبار المزية في الفصاحة، فقد عاد إلى ما أوردناه\" (٢).\rخامساً: أن عبد الجبار لم يكن نحوياً، ولم يؤثر عنه أنه قد اشتغل","footnotes":"(١) الدلائل ٤٠٤، ٤٠٥.\r(٢) البلاغة تطور وتاريخ ١١٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584970,"book_id":8507,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":169,"body":"بعلم النحو، والكتب التي وصلتنا عنه، ليس من بينها كتاب واحد في النحو.\rسادساً: أننا إذا تصفحنا كتابه: \"متشابه القرآن\" وهو أهم ما وصلنا من كتب القاضي عبد الجبار في التفسير وهو - أيضاً - من أهم كتب المعتزلة في الكشف عن منهجهم في تفسير القرآن - لا نجد فيه إشارة منه إلى العلاقات النحوية فيما بين الكلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584971,"book_id":8507,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":170,"body":"(جـ) حصيلة هذا البحث\rفي القرن الرابع الهجري، كانت قد ترجمت إلى العربية كتب كثيرة مشتملة على المنطق اليوناني، والفلسفة اليونانية، كما كان قد ترجم إلى العربية كل من كتابي: \"الشعر\" و\"الخطابة\" لأرسطو على يدي حنين بن إسحاق، ومتى بن يونس، فتأثر كثير من المثقفين العرب بهذا المنطق، واعتقدوا أن الاشتغال به أجدى من الاشتغال بالنحو العربي، لأن المنطق كاف في معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب والشك من اليقين، مما دعا الكثيرين منهم إلى الزهد في النحو، بل وفي الشعر أيضاً، بدعوى أنه لا جدوى منهما، مما دعا الوزير أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، وزير بني بويه، أن يعقد مناظرة بين أبي سعيد السيرافي النحوي، ومتى ابن يونس المنطقي حول جدوى علم النحو، وفيما: أفحم أبو سعيد متى ابن يونس، بأن صحيح الكلام من سقيمه، إنما يعرف بالنظم والإعراب، وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل فالمنطقي في حاجة إلى النحو، دون حاجة النحوي إلى المنطق، وما دام محتاجاً إلى قليل اللغة العربية فهو محتاج إلى كثيرها وما دام محتاجاً إلى كثيرها، وهي مكونة من الأسماء، والأفعال، والحروف، فهو محتاج إلى رصفها، وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها، فاستخراج المعاني ليس قاصراً على علم المنطق، وإنما تستخرج بالنحو أيضاً و\"معاني النحو\" منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ من ذلك، فإذا قال لك قائل: كن نحوياً لغوياً، فصيحاً، فهو إنما يريد: أفهم عن نفسك، ثم رم أن يفهم عنك غيرك، وقدر اللفظ على المعنى، إذا كنت تريد الحقيقة فإذا تجاوزتها إلى الاتساع في المعنى، فأجل اللفظ بالروادف الوضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة، وما نظم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584972,"book_id":8507,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":171,"body":"الكلام إلا كنسج الثوب؛ ففيه إعمال للفكر، وإنعام للنظر؛ ولولا أن المنطق قاصر عن إدراك الغايات التي يصل إليها نظم الكلام؛ لما ضللت، وأعتقدت أن الله ثالث ثلاثة! .\rوفي هذا الكلام ما فيه من إفحام لمن زهدوا في علم النحو، وبعث لنظريتي النظم والبيان!\rوفي القرن الخامس الهجري كانت طائفتا الأشاعرة - ويمثلهما عبد القاهر الجرجاني - والمعتزلة - ويمثلها عبد الجبار - قد اختلفت حول إعجاز القرآن، فالمعتزلة يرون أن القرآن معجز بفصاحته، وأن المزية في الفصاحة راجعة إلى اللفظ، لا إلى المعنى، وتناولوا القرآن الكريم بالتفسير والتأويل من غير أن يكونوا ملمين بعلم النحو، ولا بقواعده، والأشاعرة: يرون أن القرآن معجز بنظمه، وأن المزية ليست في اللفظ وحده، ولا في المعنى وحده، وإنما هي في الصورة الناشئة عن دقائق النظم، وخصائصه، وفروقه، وكثر الجدل والشغب حول هذا الخلاف من جانب المعتزلة، مما دعا عبد القاهر الجرجاني، إلى أن يقوم بالرد عليهم في كتابه \"دلائل الإعجاز\".\rوليست دلائل الإعجاز، أي أدلته، إلا تلك الفروق، والخصائص والمزايا التي يحدثها النظم في الصور الناشئة عنه، وهي تلك النظرية التي استمد عبد القاهر فكرتها من مناظرة أبي سعيد السيرافي، بدليل أن الأفكار التي اشتملت عليها \"الدلائل\" هي نفس الأفكار التي اشتملت عليها المناظرة، كما أن ترتيب تلك الأفكار - في الدلائل - جار على نفس ترتيبها في المناظرة، وأن عبد القاهر لم يكد يأتي بفكرة أخرى في \"الدلائل\" غير تلك الأفكار التي استمدها من مناظرة أبي سعيد السيرافي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584973,"book_id":8507,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":172,"body":"وقبل عبد القاهر: حاول البلاغيون الوصول إلى المعنى الحقيقي للنظم، ولكنهم أخفقوا، فالجاحظ لم يزد على من تقدمه في فهم معنى \"النظم\"، والباقلاني: لم يزد على: أن القرآن معجز ببلاغته، والخطابي: قد حاول محاولة جادة، لم يصل فيها إلا إلى أن الكلام ينقسم إلى: لفظ حامل للمعنى، ومعنى محمول للفظ، ورباط بينهما ناظم.\rوجاء السيرافي بمناظرته، فكانت محل اهتمام من معاصريه، فقدامة بن جعفر: قد أخذ منها: (توخى الإجادة في الصورة المبينة للمعنى) واستوحى \"الإرداف\" و\"التمثيل\"، فعرفهما، ومثل لهما.\rوالقاضي الجرجاني: فهم منها معنى النظم، ولكنه لم يستطع التعبير عن مزاياه؛ غير أنه قد وضع نظرية في النقد تقوم على صحة المعنى، وسلامة التأليف، وقوة النسج، وأن أقل الناس معرفة بصناعة النقد هو: من اعتمد على سلامة الوزن، وإقامة الإعراب، وأداء اللغة والاهتمام بتزيين الكلام بأنواع البديع.\rوأبو هلال العسكري: قد أخطأ طريق المعاني المقصوده من النظم، وهي: (معاني النحو) فتركها متجهاً إلى: (توخي صواب المعنى) وإن أشار إلى ضرورة (حسن الرصف)، بأن توضع الألفاظ في مواضعها، وتمكن في أماكنها، دون تقديم، أو تأخير، أو حذف، أو زيادة، إلا حذفاً، لا يفسد الكلام.\rأما عبد القاهر الجرجاني: فقد كان نحوياً، أصيلاً، شرح الإيضاح - في النحو - لأبي علي الفارسي في ثلاثين جزءاً هي كتابه: \"المغني\" وألف (العوامل المائة) في النحو؛ ولهذا فإنه قد وقع على ضالته عندما وجد في مناظرة أبي سعيد السيرافي عبارة: (معاني النحو)، فالتقطها،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584974,"book_id":8507,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":173,"body":"لتكون تطويراً لنظرية العوامل المائة، وبهذا: صاغ نظرية النظم على أنها: (توخي معاني النحو فيما بين الكلم) وأتمها بما وجده في (سر الفصاحة) لابن سنان الخفاجي، الذي كان متأثراً فيه بأبي هلال العسكري، وهو أن كل صناعة لابد فيها من: الموضوع، والصانع، والصورة، والآلة، والغرض، وما دام تأليف الكلام صناعة، فلابد فيه من تلك الأمور الخمسة، وذكر المقصود بكل منها، إلى أن قال: (وأما الغرض فبحسب الغرض - في نظر الناظم -، وبهذا صارت النظرية عنده هكذا: (توخى معاني النحو فيما بين الكلم، على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام).\rوقد أخذ عبد القاهر، في إقامة الأدلة والبراهين على إثبات أن النظم هو (توخي معاني النحو فيما بين الكلم) بما قرأه في وساطة القاضي الجرجاني بين المتنبي وخصومه، والصناعتين لأبي هلال العسكري، من أن النقاد قد وصفوا الكلام الذي لا يجري على قوانين النحو، بسوء النظم، وأنه ما دام الأمر كذلك، فالكلام الذي يجري على قوانين النحو يكون سليم النظم، فالنظم السليم ليس إلا أن تتوخى معاني النحو فيما بين الكلم، بل إنه استشهد على ذلك بكلام المعتزلة أنفسهم، كأبي هاشم الجبائي، وعبد الجبار، وابن سنان الخفاجي، الذي لم يفهم معنى \"الاحتذاء\" - في سر الفصاحة - فرد عليه عبد القاهر في سبع صفحات من آخر الدلائل، مما لم يدع لأحد مجالاً لأدنى شك، في أن عبد القاهر قد ألف \"الدلائل\" بعد (سر الفصاحة) الذي انتهى منه ابن سنان في الثاني من شعبان سنة ٤٥٤ هـ، وبهذا يكون \"الدلائل\" قد ألف بعد سنة ٤٥٤ هـ، بكل تأكيد! .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584975,"book_id":8507,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":174,"body":"وقد جاءت أفكار الدلائل مرتبة على حسب ترتيب أفكار مناظرة أبي سعيد، مما يدلك على أنه كان قد وضع المناظرة بين يديه، وهو يكتب الدلائل، وأخذ في شرحها فكرة تلو الأخرى، وهذا هو السر في أنه يقول في أول الدلائل: \"وليس يتأتى لي أن أعلمك من أول الأمر - في ذلك - آخره، وأن أسمى لك الفصول التي في نيتي أن حررها - بمشيئة الله ﷿ حتى تكون علم علم بها قبل موردها عليك، فاعمل على أن ههنا فصولاً، يجيئ بعضها في إثر بعض .. \" (١).\rكما أن هذا هو السر - أيضاً - الذي لم يدركه كثير من البلاغيين الذين قالوا: إن أفكار الدلائل قد جاءت غير مرتبة، وأن عبد القاهر، قد خلط بين مسائل علمي المعاني، والبيان، لأنهم لم يعرفوا الفارق الزمني بين الكتابين - وهو واحد وثلاثون عاماً - وأن عبد القاهر قد تطور بأفكاره إلى أن وصلت في الدلائل قمة نضجها، وأن الدلائل قد رتب ترتيب مناظرة أبي سعيد التي جعلت النظم أساساً للبلاغة، ومن النظم تفرغت نظرية البيان (حقائق الأشباه وأشباه الحقائق) - على حد تعبير أبي سعيد السيرافي - أو (المعنى ومعنى المعنى) - على حد تعبير عبد القاهر -، لا على ترتيب المتأخرين من البلاغيين، الذين قدروا فصل البيان عن المعاني وجعلوا البلاغة علوماً ثلاثة هي المعاني والبيان والبديع، وهي في الحقيقة علم واحد هو: النظم، لأن الصور البيانية، أو البديعية، لابد فيها من أن تنظم قبل أن تكون بياناً أو بديعاً!\rوليس أدل على أن (الدلائل) قد رتب ترتيب (المناظرة) من أننا قد أسلفنا لك أفكار الدلائل بإزاء أفكار المناظرة، فلم تخرج فكرة واحدة عن الفكرة التي بإزائها، وقد صغنا - فيما أسلفنا - أيضاً -","footnotes":"(١) الدلائل ٣٤ (السيد محمد رشيد رضا).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584976,"book_id":8507,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":175,"body":"رد أبي سعيد على متى بن يونسـ، في عبارات قليلة مترابطة فيما يشبه \"المتن\"، ثم صغنا بعقبها رد عبد القاهر على المعتزلة الذين كان يمثلهم أبو هاشم الجبائي، وعبد الجبار، وابن سنان، في عبارات أخرى قليلة مترابطة، فيما يشبه الشرح لهذا المتن!\rوإن شئت المزيد - وبعبارة أوجز من تلك التي أسلفناها - فإليك رد أبي سعيد في عبارة موجزة ورد عبد القاهر - في عبارة أخرى موجزة - لترى كيف أن كلام أبي سعيد قد بدأ ببيان الحاجة إلى النحو، وانتهى بأن اتباع متى بن يونس للمنطق لم يحمه من أن يعتقد أن الله ثالث ثلاثة، وأن رد عبد القاهر قد بدأ ببيان الحاجة إلى النحو، وانتهى بأن الجهل به يؤدي بصاحبه إذا تناول تفسير القرآن أو تأويله إلى أن تزل قدمه في تأويل مثل قوله تعالى: \"ولا تقولوا: ثلاثة\".\rفكأن أبا سعيد قال لمتى بن يونس: إنه لا غنى لك عن النحو، لأنه مفتاح نظم الكلام، وبه تدرك المعاني الكامنة في النفس، إذ ليس بالمنطق وحدة تعرف المعاني، ومعاني النحو نعرفها من توخيها بين الكلم إذ معنى أن تكون نحوياً لغوياً فصيحاً: أن تقدر اللفظ على المعنى إذا أردت الحقيقة، وإن أردت اتساع المعنى، فعليك بالروادف، والأشباه والاستعارات، وبذلك تعرف نظرية أخرى في الكلام وهي: نظرية البيان التي يشتمل عليها النظم الذي يشبه النسج للثوب؛ في أن كلا منهما يحتاج إلى إعمال الفكر، وإمعان النظر؛ ولأنك قد حدت عن طريق النحو فإن المنطق لم يمنعك من أن تعتقد أن الله ثالث ثلاثة!\rوكأن عبد القاهر يقول: إنه لا غنى لكم على النحو، لأنه أساس معرفة النظم الذي به كان إعجاز القرآن، وما النظم إلا (توخي معاني النحو فيما بين الكلم) لأن النقاد - في نقدهم - أثبتوا صحة هذه المقولة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584977,"book_id":8507,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":176,"body":"وإذا ثبت ذلك ثبت أن الصاد عنه صاد عن الجهة التي يطلب منها إعجاز القرآن والصاد عن هذا صاد عن سبيل الله تعالى!\rوالكلام المنظوم على ضربين: ضرب أنت تقصد منه نفس المعنى الموضوع له في اللغة، وضرب آخر أنت لا تقصد منه هذا المعنى، ولكن تقصد منه معنى آخر يدلك عليه هذا المعنى، وهنا تظهر نظرية البيان (المعنى، ومعنى المعنى)، ومدار معنى المعنى على: الكناية، والمجاز، أي الاستعارة؛ والتمثيل، إذ جاء على حد الاستعارة، وما الكناية، والاستعارة، والتمثيل إلا داخلة تحت النظم، فمنها يحدث، وبه تكون.\rومع أن النقاد قد شبهوا النظم بالنسج، فإن هذا التشبيه ليس دقيقاً، لأنه قد تحدث تأويلات نحوية في النص لا يتغير معها النظم، بخلاف نسج الثوب ونحوه، وبهذا تزل قدم المفسرين للقرآن الذين لم يسبروا غور النحو، ويعرفوا مسائله، في تأويل مثل قوله تعالى: \"ولا تقولوا: ثلاثة\".\rوبهذا يثبت لك أن نظرية النظم، إنما هي لأبي سعيد السيرافي، وليست لغيره.\rوأما قول بعض الفضلاء من النقاد، بأن عبد الجبار هو الذي ابتكر النظرية، وأنه كان يعلم بأن المزية في (معاني النحو) وأحكامه: فإننا نرد عليه بما يلي:\rأما القول بأن عبد الجبار هو مبتكر النظرية: فإن هذا البحث الذي أثبت أن أفكار الدلائل هي نفس أفكار المناظرة، وأنها جاءت مرتبة حسب ترتيبها فيها، وأن عبد القاهر لم يكد يأتي بفكرة جديدة أخرى في الدلائل غير تلك التي أخذها من المناظرة، دليل على أن عبارة (معاني النحو) التي ابتكرها أبو سعيد السيرافي ابتكاراً، ولم يسبق إليها أحد من قبله، كانت هي المنطلق الذي بني عليه عبد القاهر نظرية النظم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584978,"book_id":8507,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":177,"body":"وأما أن عبد الجبار كان يعلم بأن المزية في (معاني النحو) وأحكامه، فإننا رد عليه بما يلي:\r١ - أن عبارة (معاني النحو) - وهي محور النظرية - لم ترد على لسان عبد الجبار، ولو مرة واحدة في الفصلين اللذين شرح بهما معنى الفصاحة.\r٢ - أن المعتزلة، من تلاميذ عبد الجبار - قد كثر منهم الجدل والشغب، منكرين أن تكون مزية الفصاحة في توخي معاني النحو وأحكامه، ولو كان عبد الجبار معتقداً أن الفصاحة قائمة على أساس توخي معاني النحو، لشرح ذلك لتلاميذه، فلم يجادلوا أو يعاندوا، ويكثر منهم الجدل والشغب.\r٣ - أن عبد الجبار كان يعتمد - في تأويل كتاب الله تعالى - على العقل واللغة، لا على توخي معاني النحو فيما بين الكلم.\r٤ - أن المعتزلة - وعلى رأسهم عبد الجبار - كانوا يرفضون أن يكون النظم أساساً في إعجاز القرآن الكريم.\r٥ - أن عبد الجبار لم يكن نحوياً، ولم يشتغل بالنحو، ولم يؤثر عنه مؤلفات فيه.\r٦ - أننا إذا تصفحنا كتابه: \"متشابه القرآن\" الذي يعد من أهم كتب المعتزلة - في الكشف عن منهجهم في التفسير - لا نجد فيه إشارة إلى العلاقات النحوية فيما بين الكلم،\rوبعد: فإنه يمكننا الآن أن نخرج من هذا البحث، بحقائق على درجة كبيرة من الأهمية في تاريخ البحث البلاغي، وهي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584979,"book_id":8507,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":178,"body":"أولاً: أن مناظرة أبي سعيد السيرافي، كانت أساساً بني عليه البلاغيون نظريتي المعاني والبيان، إذ قرأها كل من قدامة بن جعفر - الذي سمعها في وقتها، لأنه كان حاضراً مجلسها - والقاضي على بن عبد العزيز الجرجاني\" وأبي هلال العسكري، والقاضي عبد الجبار الأسد أبادي وعبد القاهر الجرجاني، وقد أخذ كل منهم - على قدر استعداده، وثقافته، وذكائه - من تلك المناظرة.\rفقد أخذ منها قدامة بن جعفر: أن المعاني هي مادة صناعة الكلام - بعد أن كان قد رأى من قبل، أن الألفاظ هي مادتها في كتابه (الخراج وصناعة الكتابة). كما يقول ابن سفان الخفاجى في سر الفصاحة - وأن على الشاعر أن (يتوخى الإجادة في تصوير المعنى) واستلهم منها - أيضاً -: (الإرداف) و (التمثيل) فعرفهما، ومثل لهما.\rوالقاضي الجرجاني قد بنى نظريته في النقد على أساس (صحة المعاني، وسلامة النظم، وحسن التأليف، وقوة النسج) فمدح أشعاراً بحسن النظم وجودة التأليف وذم أشعاراً أخرى بسوء النظم، وهلهلة النسج.\rوأبو هلال العسكري: أخذ منها: (توخى صواب المعنى، وصحة اللفظ، والمعرفة بوجوه الاستعمال).\rوأخذ منها عبد الجبار: أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر فيه بالضم على طريقة مخصوصة، مع مراعاة اختيار الكلمة، وموقعها، وإعرابها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584980,"book_id":8507,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":179,"body":"وأما عبد القاهر، فقد أمسك منها بخيط النظم، وهو (معاني النحو) فعرف النظرية بأنها: (توخي معاني النحو فيما بين الكلم .. على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام).\r\rثانياً: أن عبد القاهر - في الدلائل - قد رد على ابن سنان ما رآه - في سر الفصاحة - من أن منشد الشعر أو قارئ الشعر، كشعر امرئ القيس مثلاً - يكون قد أتى بمثله، ولكن على سبيل الاحتذاء، لا على سبيل الابتداء، لأن ابن سنان لم يفهم معنى الاحتذاء على حقيقته، فكان مثله - على حد تعبير عبد القاهر - \"مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء\" (١).\rوقد رد عبد القاهر على ابن سفان بما أسلفناه لك في صلب هذا البحث (٢).\rوبهذا يثبت لنا أن عبد القاهر قد ألف الدلائل بعد (سر الفصاحة) وقد كان الانتهاء من سر الفصاحة في الثاني من شعبان سنة ٤٥٤ هـ، فقد ألف عبد القاهر \"الدلائل\" بعد سنة ٤٥٤ هـ بالتأكيد.\r\rثالثاً: أن مصلحات (النظم) أو (الفصاحة) و (البلاغة) لا تكاد تجد لها أثراً في \"أسرار البلاغة\" إذا استثنينا عنوان الكتاب!\rأما سر عدم وجود مصطلح النظم في الأسرار. على الرغم من تكراره في الدلائل ما يزيد على ثلاثين مرة فهو أن نظرية النظم لم تكن قد اكتملت في ذهن عبد القاهر، وهو يكتب الأسرار، وقبل أن يقرأ","footnotes":"(١) الدلائل ٣٦٠.\r(٢) ص ٢٢، ٢٣، ٢٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584981,"book_id":8507,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":180,"body":"مناظرة أبي سعيد السيرافي. ويعرف أنها: (توخي معاني النحو فيما بين الكلم) بل إنها كانت في ذهنه عبارة عن ترتيب الألفاظ في النطق على حسب ترتيبها في النفس، وكفى، أي إنها كانت فكرة، لا ترقى إلى أن تسمى نظرية وكذلك كانت نظرية البيان لأنها كان ينقصها إحدى صور البيان الكبرى، وهي: الكناية!\rوقد سبق أن عرفت أن الفارق الزمني بين الأسرار والدلائل هو: واحد وثلاثون عاماً، إذ ألف الأسرار في ٤٢٢ هـ، وألف الدلائل بعد سنة ٤٥٤ هـ.\r\rوأما سر عدم وجود مصطلحي: (الفصاحة) و (البلاغة) - في الأسرار - على الرغم من تكرار كل منهما - في الدلائل - أكثر من ثلاثين مرة، فهو - في رأيي - أن عبد القاهر - في الأسرار - لم يكن يتحدث عن \"علم البلاغة\" ولا عن \"علم الفصاحة\"، وإنما كان يتحدث عن نقد الأساليب العربية على أسس بلاغية، إذ الأسرار - كما كان يريده عبد القاهر - بيان للمعايير التي على أساسها يتفاضل الأدباء والشعراء، في شعرهم ونثرهم.\rفلما ألف ابن سنان كتابه (سر الفصاحة في ٤٥٤ هـ، مبيناً فيه ملامح كل من الفصاحة والبلاغة، بل ومفرقاً بينهما، أراد عبد القاهر أن يذكر أن مصطلحات: (الفصاحة) و (البلاغة) و (البيان) و (البراعة) إنما هي روافد متفرعة عن نظرية تشملها جميعها، وهي (نظرية النظم) التي هي المحور الذي تدور حوله سائر المصطلحات الأخرى، وأنه منذ خدم العلم، وهو ينظر فيما قاله العلماء في معنى كل منها، وفي بيان المغزى من تلك العبارات، وتفسير المراد بها، فيجد بعض ذلك كالرمز والإيماء، والإشارة في خفاء، وبعضه كالتنبيه على مكان المخبئ ليطلب .. مع أنهم لم يعرفوا مكان المزية في الكلام، ولا يكفي - في معرفة (علم الفصاحة)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584982,"book_id":8507,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":181,"body":"أن تنصب لها قياساً ما، وأن تصفها وصفاً مجملاً، وتقول فيها قولاً مرسلاً بل لا تكون من معرفتها في شيء حتى تفصل القول وتحصل، وتضع يدك على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم، وتعدها واحدة واحدة، وتسميها شيئاً شيئاً\" (١).\r\rرابعاً: أن عبد القاهر - وهو يكتب الدلائل - قد أفاد من شرح أبي سعيد السيرافي (٢) لكتاب سيبويه، ورفض رأياً لأبي سعيد، ولكنه لم يشر إليه إمعاناً في إخفاء اسمه، حتى لا يظهر أخذه لنظرية النظم من مناظرته واعتماده عليها في إبراز أفكاره التي رد بها على المعتزلة، وقد كان أبو سعيد يعتنق الاعتزال (٣).\rوبعد:\r\"الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله\"\rوصل اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم،\r\rحسن إسماعيل عبد الرازق\rرئيس قسم البلاغة بكلية اللغة العربية\rبالزقازيق\rفي: ٢٧ من رجب ١٤١١ هـ\rالموافق: ١٢/ ٢/ ١٩٩١ م.","footnotes":"(١) الدلائل ٣٠، ٣١، ٣٢.\r(٢) تاريخ علوم البلاغة ٥٤، ٥٥ والكتاب لسيبويه ١/ ١٦٩.\r(٣) المدارس النحوية ١٤٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584983,"book_id":8507,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":182,"body":"المراجع والمصادر\r١ - البرهان في وجوه البيان؛ لأبي الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب (تحقيق د. حفني شرف).\r٢ - بيان إعجاز القرآن للخطابي.\r٣ - البيان والتبيين؛ للجاحظ.\r٤ - البلاغة تطور وتاريخ؛ للدكتور. شوقي ضيف.\r٥ - تاريخ علوم البلاغة للأستاذ أحمد مصطفى المراغي.\r٦ - ثلاث رسائل في إعجاز القرآن.\r٧ - الجاحظ؛ حياته وآثاره للدكتور طه الحاجري.\r٨ - جواهر الألفاظ؛ لقدامة بن جعفر.\r٩ - دلائل الإعجاز؛ لعبد القاهر الجرجاني (تعليق السيد محمد رشيد رضا- المعرفة- بيروت).\r١٠ - دلائل الإعجاز؛ لعبد القاهر الجرجاني (تعليق: أبي فهر محمود محمد شاكر- مكتبة الخانجي).\r١١ - رسائل الجاحظ.\r١٢ - سر الفصاحة؛ لابن سنان الخفاجى (شرح وتصحيح عبد المتعال الصعيدي ط: صبيح ١٩٦٩ م).\r١٣ - أسرار البلاغة؛ لعبد القاهر الجرجاني (ط. هربتر).\r١٤ - الشعر؛ لأرسطو: (تحقيق وترجمة د. شكري عياد، داد الكاتب العربي للطباعة والنشر ١٩٦٧ م).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584984,"book_id":8507,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":183,"body":"١٥ - الصناعتين؛ لأبي هلال العسكري.\r١٦ - ظهر الإسلام؛ لأحمد أمين.\r١٧ - المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار، الجزء السادس عشر.\r١٨ - الكتاب؛ لسيبويه.\r١٩ - الامتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي (تصحيح الأستاذ أحمد أمين، ط: بيروت).\r٢٠ - الملل والنحل، للشهر ستاني (مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع).\r٢١ - نزهة الألباء، في طبقات الأدباء، لابن الأنباري (جمعية إحياء مآثر علماء العرب).\r٢٢ - نقد الشعر، لأبي الفرج قدامة بن جعفر، (تحقيق كمال مصطفى ط: الخانجي) ١٩٦٢.\r٢٣ - نقد النثر، المنسوب خطأ إلى قدامة بن جعفر (ط: دار الكتب المصرية ١٩٣٣ م تحقيق د. طه حسين وعبد الحميد العبادي).\r٢٤ - الوساطة بين المتنبي وخصومه، للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني (دار القلم- بيروت).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}