{"page_id":442135,"book_id":387,"shamela_page_id":1,"part":"15","page_num":285,"sequence_num":1,"body":"الرسالة الحادية عشرة\rتنزيه الإمام الشافعي عن مطاعن الكوثري","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442136,"book_id":387,"shamela_page_id":2,"part":"15","page_num":287,"sequence_num":2,"body":"﷽\rالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.\rأما بعد، فإني لما وقفت على كتاب (تأنيب الخطيب) للأستاذ العلامة محمد زاهد الكوثري، ورأيته تعدّى ما يوافقه عليه أهلُ العلم؛ من توقير الإمام أبي حنيفة وحُسْن الذبّ عنه، إلى الطعن في غيره من أئمة الفقه والحديث= جمعتُ كتابًا في ردّ الباطل من مطاعن الكوثري سميته (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل). ثم اقتضبتُ منه نموذجًا سمّيته (طليعة التنكيل)، وقد طُبعت الطليعة بمصر. والآن بدا لي أن أفرد ما يتعلّق برَدِّ مزاعم الكوثري التي حاول بها الغضّ من الإمام الشافعي، وهذا هو.\rالإمام الشافعي هو [محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبديزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، القرشي المطَّلبي الشافعي أبو عبد الله] (¬١).","footnotes":"(¬١) ترك المصنف بعد قوله: \"الشافعي هو\" بياضًا، فلعل هناك أوراقًا أراد المؤلف أن يلحقها بهذا الموضع لم تكن قد تحرّرت مادتها، أو ألحقها لكنها لم تبق في موضعها وضاعت ضمن ما ضاع (كما مرّ شرحه في المقدمة)؛ فأكملتُ اسمه وجرّ نسبه من \"التنكيل\": (رقم ١٨٩) وتركتُ باقي بحث المصنف مع الكوثري في محاولة طعنه في نَسَب الإمام الشافعي، فقد أطال فيه المصنف بما لا مزيد عليه هناك: (١/ ٦٨٨ - ٧٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442137,"book_id":387,"shamela_page_id":3,"part":"15","page_num":288,"sequence_num":3,"body":"[الجواب عن مطاعن الكوثري على الإمام الشافعي في اللغة]\r[ص ١] قال الأستاذ (¬١): \"وقوله في تفسير الفِهْر في قول عمر: (كأنهم اليهود قد خرجوا من فِهْرهم): البيت المبني بالحجارة الكبار، مع أنه موضع عبادتهم أو اجتماعهم ودرسهم مطلقًا، سواء كان في بنيان أو صحراء\".\rأقول: عليه في هذا أمور:\rالأول: لم يذكر ما يثبت التفسير المذكور عن الشافعي.\rالثاني: أن الأثر منسوب إلى عليّ كما في \"نهاية ابن الأثير\" (¬٢) لا إلى عمر، ولفظه في \"النهاية\": \"خرجوا من فهورهم\".\rالثالث: قوله: \"مطلقًا، سواء كان في بنيان (¬٣) أو صحراء\". لم أجدها في كتب اللغة ولا الغريب، ولا يلزم من إطلاقهم أن يكون مطلقًا في نفس الأمر. راجع \"مفردات الراغب\" يتبين لك كثرة الكلمات التي أطلقوها وحقّها أن تقيّد.\rالرابع: قول الأثر نفسه: \"خرجوا من فهورهم\" ظاهر في التقييد.","footnotes":"(¬١) \"تأنيب الخطيب\" (ص ٤٩ - ط الكليات الأزهرية). وهذا سادس الكلمات التي ذكرها الكوثري في محاولته الطعن في فصاحة الشافعي، وليس في المخطوط الذي بين أيدينا الجواب عن المواضع الخمسة قبله وهي في \"التنكيل\": (١/ ٧٠١ - ٧٠٣). فلعلها سقطت من النسخة كما سقط ما يتعلّق بالنسب كما مرّ قريبًا.\r(¬٢) (٣/ ٤٨٢).\r(¬٣) الأصل: \"بناء\" سبق قلم، وقد سبق نقل الكلمة على الصواب من نصّ الكوثري في الصفحة السابقة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442138,"book_id":387,"shamela_page_id":4,"part":"15","page_num":289,"sequence_num":4,"body":"الخامس: قد اختلفوا في تفسير الفهر، وفي \"القاموس\" (¬١): \"مدراس اليهود تجتمع إليه في عيدهم، أو هو يوم يأكلون فيه ويشربون\"، فلماذا لا يجعل قول القائل: \"البيت المبني بالحجارة الكبار\" قولًا آخر ــ إن صحّ ــ عمن يُعتدّ به كالشافعي.\rالسادس: الكلمة نبطية أو عبرانية كما في \"النهاية\". والغلط في تفسير الكلمة الأعجمية لا ينافي فصاحة العربي، فقد قال قائلهم:\r\"لم تدر ما نسج اليَرَنْدَج قبلها\" (¬٢)\rفزعم أن اليَرَنْدَج شيء يُنسج، وإنما هو الجلد الأسود.\rوقال الآخر:\r\"ولم تذق من البقول الفستقا\" (¬٣)\rفزعم أن الفستق بقلة. ولهذا نظائر معروفة، والله أعلم.\r\rقال الأستاذ: \"ووصف الماء بالمالح مع أن الماء لا يوصف به، وفي القرآن: ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣، فاطر: ١٢]، [ص ٢] وأما المالح فيوصف به نحو السمك\".","footnotes":"(¬١) (ص ٥٨٩).\r(¬٢) صدر بيت عجزه:\r* ودراس أعوص دارسٍ متجدّد*\rلعمرو بن أحمر الباهلي. انظر \"الشعر والشعراء\" (١/ ٣٥٩) و\"الجمهرة\" (ص ١٣٢٨). وفي بعض المصادر: \"متخدّد\".\r(¬٣) عجز بيت صدره:\r* برّيّة لم تأكل المرقَّقا *\rلأبي نُخيلة الراجز. انظر \"الشعر والشعراء\": (٢/ ٦٠٢)، و\"الجمهرة\" (ص ١٣٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442139,"book_id":387,"shamela_page_id":5,"part":"15","page_num":290,"sequence_num":5,"body":"أقول: المعروف عن الأصمعي ومن تبعه أن لا يقال \"مالح\" لا في الماء ولا في السمك ونحوه. وذكر ابن السِّيد في \"الاقتضاب\" (ص ١١٦) ذلك، ثم نقضه بعدَّة حُجَج أثبت بها أنه يقال: \"سمك مالح\" و\"شجر مالح\"، ثمّ قال: \"وحكى عليّ بن حمزة عن بعض اللغويين أنه يقال: ماء ملح، فإذا وصف الشيء بما فيه من الملوحة قلت: سمك مالح، وبقلة مالحة، قال: ولا يقال: ماء مالح؛ لأن الماء هو الملح بعينه. وهذا قول غير معروف، وهو مع ذلك مخالف للقياس؛ لأن صفة الماء بأنه مالح أقرب إلى القياس من وصف السمك؛ لأنهم قالوا: مَلُح الماءُ وأمْلَح، فأسندوا إليه الفعل كما يُسند إلى الفاعل، ولم يقل أحد: ملح السمك، إنما قالوا: ملَحْتُ السمكَ، إذا جعلتَ فيها الملح\". ثم قال: \"وأنشد أبو زياد الأعرابي قال: أنشدني أعرابيٌّ فصيح:\rصَبَّحن قوًّا والحمامُ واقعُ ... وماءُ قوٍّ مالحٌ وناقع (¬١) \"\rوفي \"اللسان\" (¬٢) عن ابن الأعرابي: \"ماء أجاج ... وهو الماء المالح\". وعن الجوهري: \"ولا يقال: مالح، قال أبو الدُّقَيش: ماء مالح ومِلْح\". ثم قال: \"قال ابن برّي: قد جاء المالح في أشعار الفصحاء ... وقال عمر بن أبي ربيعة:\rولو تَفَلت في البحر والبحرُ مالح ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا\rقال ابن برّي: وجدت هذا البيت المنسوب إلى عمر بن أبي ربيعة في شعر أبي عيينة محمد (¬٣) ابن أبي صُفرة .... \".","footnotes":"(¬١) البيت في \"مقاييس اللغة\": (٥/ ٣٤٧)، و\"اللسان\": (٢/ ٥٩٩).\r(¬٢) (٢/ ٥٩٩).\r(¬٣) كذا في \"اللسان\" وصوابه: \"أبي عيينة بن محمد\". انظر التعليق على \"التنكيل\": (١/ ٦٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442140,"book_id":387,"shamela_page_id":6,"part":"15","page_num":291,"sequence_num":6,"body":"أقول: والحاصل أن قولهم: \"ماء مالح\" ثابت عن العرب الفصحاء نصًّا، وثابت قياسًا، لكن أكثر ما يقولون: \"ملح\"، ولما غلب على ألسنة الناس في عصر الشافعي \"مالح\" أتى بها الشافعيُّ في كتبه؛ لأنه كان يتحرَّى التقريب إلى فهم الناس كما يأتي عن الربيع (¬١).\r\r[ص ٣] قال الأستاذ: \"وقوله: ثوب نسوي لفظة عامية\".\rأقول: هذا أيضًا لم يذكر ما يثبته عن الشافعي، ولم أجده في مظانه، ومع ذلك فإن كان نسبةً إلى (النساء) ففي \"القاموس\" و\"شرحه\" (¬٢): \"قال سيبويه في النسبة إلى نساء: نِسْوي\". وإن كان نسبة إلى بلد (نسا) فقد قال ياقوت (¬٣): \"والنسبة الصحيحة إليها: نَسائي وقيل: نَسَويّ أيضًا، وكان من الواجب كسر النون\". كذا قال، ونسويّ هو القياس كما لا يخفى.\r\rقال الأستاذ: \"وقوله: العَفْريت ــ بالفتح ــ مما لم يقله أحد\".\rأقول: ولا قاله الشافعي، ولو قاله لعددناها لغةً لبعض العرب.\r\rقال: \"وقوله: أشْلَيت الكلبَ، بمعنى زجرته، خطأ صوابه أن ذلك بمعنى أغريته كما قال ثعلب وغيره\".\rأقول: لم يكفِ هذا المعترض الأنْوَك (¬٤) أنْ كذَب على الشافعي حتى كذَب على ثعلب وغيره أيضًا، والموجود في كتب الشافعي استعمال","footnotes":"(¬١) وانظر: \"التنكيل\": (١/ ٤٠٨).\r(¬٢) \"تاج العروس\": (٢٠/ ٢٣٨).\r(¬٣) \"معجم البلدان\": (٥/ ٢٨٢).\r(¬٤) أي: الأحمق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442141,"book_id":387,"shamela_page_id":7,"part":"15","page_num":292,"sequence_num":7,"body":"الإشلاء بمعنى الإغراء، وثعلب إنما زعم أنه بمعنى أن تدعوه إليك، فأما الإغراء فإنما يقال: آسدته\". وصحح غيرُه استعمال \"أشليته\" بمعنى أغريته وبمعنى دعوته.\rأقول: وقد يكون أصله بمعنى الدعاء فيشمل ما إذا دَعَوتَه إليك وكان نائمًا مثلًا، وما إذا دَعَوتَه ليحمل على الصيد، فالأول هو الدعاء والثاني يتضمّن الإغراء والثالث يتضمّن الزجر، والقرينة تبيّن المراد. والذي في كلام الشافعي الإغراء كما في قول الشاعر:\rقَصَدْنا أبا عمرو فأشلى كلابَه ... علينا فكِدْنا بين بيتيه نؤكل (¬١)\r\rقال (¬٢) الأستاذ: \"وقوله في (مختصر المزني): وليست الأذنان من الوجه فيغسلان. والصواب: فيغسلا\".\rأقول: عليه في هذا أمور:\rالأول: أن النصب في مثل هذا إما ممتنع وإما مرجوح، وفي \"الهمع\" (٢/ ١٢): \"وإن تقدمت جملة اسمية نحو: ما زيد قادم فيحدثنا، فأكثر النحويين على أنه لا يجوز النصب؛ لأن الاسمية لا تدل على المصدر. وذهب طائفة إلى جوازه، وقال أبو حيان: الصحيح الجواز بشرط أن يقوم مقام الفعل ظرف أو مجرور .... \".","footnotes":"(¬١) البيت لزياد الأعجم. انظر \"مقاييس اللغة\": (٣/ ٢١٠)، و\"الصحاح\": (٦/ ٢٣٩٥).\r(¬٢) من هنا إلى قوله \" ... يجزمون بها\" كتبه المؤلف في ورقة مفردة لتلحق في مكانها، لكنها ضلَّت طريقها فوضعت في آخر النسخة، وجُلد المخطوط فاستقرت الورقة في المكان الخطأ!","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442142,"book_id":387,"shamela_page_id":8,"part":"15","page_num":293,"sequence_num":8,"body":"فإن قيل: بأنّ \"ليس\" فعل. قلتُ: هي فعل جامد فلا دلالة فيها على المصدر، فأما دلالتها على النفي فهي كدلالة حرف النفي، بل قال جماعة: إن النصب بعد الفاء مطلقًا ليس بواجب.\rوقال الرضي في \"شرح الكافية\" (٢/ ٢٤٥): \"وقد يبقى ما بعد فاء السببية على رفعه قليلًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]. وقوله (¬١):\r* ألم تسأل الرَّبْعَ القواء فينطق *\rوقوله (¬٢):\r* لم تَدْرِ ما جزعٌ عليك فتجزعُ *\rجاء جميع هذا على الأصل، ومعنى الرفع فيه كمعنى النصب لو نصب .... جاز لك أن لا تصرف في المواضع المذكورة إلى النصب اعتمادًا على ظهور المعنى ... \".\rومع هذا فقد جاء إهمال \"أن\" مضمرة وظاهرة، وعدّ ابنُ هشام (¬٣) من الأوّل قول الله ﷿: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]، وقوله:","footnotes":"(¬١) صدر بيت عجزه:\r* وهل تُخبرَنْك اليومَ بيداءُ سَلْمق *\rانظر \"اللسان\": (١/ ٣٠٠)، و\"خزانة الأدب\": (٨/ ٥٢٧).\r(¬٢) عجز بيت صدره:\r* فلقد تركتِ صغيرةً مرحومةً *\rمن قصيدة لمويلك المزموم. انظر \"الحماسة\": (١/ ٤٣٩) لأبي تمام.\r(¬٣) في \"مغني اللبيب\": (٢/ ٨٣٩ و ١/ ٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442143,"book_id":387,"shamela_page_id":9,"part":"15","page_num":294,"sequence_num":9,"body":"﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]. ومن الثاني قراءة ابن محيصن: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\rوفي \"الهمع\" (٢/ ٣): \"قال الرؤاسي من الكوفيين: فصحاء العرب ينصبون بـ\"أنْ\" وأخواتها الفعلَ، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها\".\r[ص ٤] الثاني: أن المزني لم يسق عبارات الشافعي بنصها، فقد قال أول \"المختصر\" (¬١): \"اختصرت هذا الكتاب مِنْ عِلْم محمد بن إدريس الشافعي ﵀ ومن معنى قوله؛ لأقرّبه على من أراده\". وربما صرح بنسبة بعض ما ينقله عن الشافعي إلى بعض كتب الشافعي المطبوعة في \"الأم\" فإذا قابلنا العبارتين وجدناهما مختلفتين. فقول المعترض: \"وقوله ... \" يعني الشافعي جهل أو مجازفة.\rالثالث: أن النساخ لم يزالوا من قديم الزمان يخطئون ويزيدون وينقصون؛ فنسبة عدم حذف النون إلى المزني يتوقّف على وجودها في النسخة التي بخطه (¬٢).\rالرابع: قول المعترض: \"يغسلا\" لحن عند النحويين، والصواب \"تغسلا\"؛ لأن الأذن أنثى، وقد قالوا في قول الشاعر (¬٣):","footnotes":"(¬١) (ص ١).\r(¬٢) زاد في التنكيل: \"أو على نص ثقة سمع منه أنه قالها\".\r(¬٣) هو عامر بن جُوين الطائي. وصدره:\r\r* فلا مزنة ودَقَت وَدْقها *\rوالبيت في \"الكامل\" للمبرد: (٢/ ٨٤١)، وانظر هامشه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442144,"book_id":387,"shamela_page_id":10,"part":"15","page_num":295,"sequence_num":10,"body":"* ولا أرضَ أبْقَلَ إبقالَها *\rوقول الآخر (¬١):\rإن السماحة والشجاعة ضُمِّنا ... قبرًا بمرو على الطريق الواضح\rإنه ضرورة شعرية مع تأويل الأرض بالمكان، والسماحة والشجاعة بالجود والبأس مثلًا، [ص ٥] ولا ضرورة في النثر، ولا يسوغ التأويل بعد النص على التأنيث في قوله: \"ليست\" وكذلك مع التصريح بالتأنيث لا يتّجه الحمل على مذهب الكوفيين من جواز نحو: الشمسُ غَرَب.\rفإن زعم أنها كذلك في \"مختصر المزني\": \"فيغسلان\" وأن المعترض لم يخف عليه ما ذكرنا لكنه سامَحَ في ذلك لاحتمال أن يكون التصحيف من النسّاخ.\rقلنا: فكذلك إثبات النون على فرض أنه لحن.\rثم قال الأستاذ: \"ولفظ الشافعي إثبات النون، وحَذْفها من تصرّف الطابع، وأمانته في العلم كأمانته ... \".\rأقول: قوله: \"ولفظ الشافعي\" مجازفة كما مرّ. وقوله: \"وحذفها من تصرف الطابع\" مجازفة من وجهين:\rالأول: أن الأستاذ لم يراجع الأصول القَلَمية المطبوع عنها وإلا لصرّح بذلك، وهبه راجعها فقد يكون إسقاط النون من تصرّف ناسخ المسودة ولم","footnotes":"(¬١) هو زياد الأعجم من قصيدة في رثاء المغيرة بن المهلب. انظر \"الأغاني\": (١٥/ ٣٧١) و\"الشعر والشعراء\": (١/ ٤٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442145,"book_id":387,"shamela_page_id":11,"part":"15","page_num":296,"sequence_num":11,"body":"يتضح ذلك عند المقابلة على الأصول، كما يقع مثل ذلك كثيرًا.\rالوجه الثاني: أن الذي في خاتمة طبع \"الأم\" أن القائم بالتصحيح مصححو دار الطباعة: نصر (¬١) بن محمد العادلي، ومحمد البلبيسي، ومحمود حسن زناتي. ولعل مع هؤلاء غيرهم. ولم يذكر لصاحب العزة أحمد بك الحسيني إلا أن الطبع على نفقته. ومع هذا كله فلم يزل المصححون للكتب ــ والأستاذ منهم ــ يصلحون ما يتبيّن لهم أنه خطأ في الإعراب، حملًا على أن ذلك من النسّاخ كما عُرِف من عادتهم حتى في كتاب الله ﷿.\rوجرت عادة المصحّحين في مصر على مثل ذلك الإصلاح بدون تنبيه في الحواشي على ما كان في الأصل أو بعض الأصول، ولو تُتُبِّعتْ [ص ٦] الأصولُ القَلَمية التي طُبِعت عنها الكتب التي صَحّحها الأستاذ لوُجِد فيها من ذلك شيء كثير إن لم يوجد فيها ما يثبت المحذور حقًّا.\rوأول ما نقله في \"التأنيب\" عن \"تاريخ الخطيب\" قوله ص ١٥: \"رأى أبو حنيفة أنس بن مالك ... \". وكلمة \"أبو حنيفة\" ليست في التاريخ. ونقل ص ٣٧ عبارة عن التاريخ حذف منها كلمة \"بن محمد\" وزاد كلمة \"قال\". ونقل ص ٣٨ عن التاريخ عبارة فحذف منها كلمة \"مؤمن\". وليس مقصودي الاعتراض في هذه الأمثلة على الأستاذ؛ فإن هذه الأمور وأمثالها لا يسلم منها الإنسان، ولعله قد وقع لي أمثالها أو أشدّ منها!\rعلى أنه قد وقع للأستاذ ما يمسّ الأمانة مسًّا واضحًا، ومرّ أمثلة من","footnotes":"(¬١) في \"التنكيل\": \"نصري\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442146,"book_id":387,"shamela_page_id":12,"part":"15","page_num":297,"sequence_num":12,"body":"ذلك في \"الطليعة\" (¬١)، ومع ذلك كابر في \"الترحيب\" (¬٢) مكابرةً مكشوفة، كما ترى ذلك في مواضعه من هذا الكتاب (¬٣).\rواغتياظ الأستاذ من السيد الحسيني لطبعه بعض كتب الشافعية يُنبئ عن هوًى مُطْبق وغلوٍّ مفرط.\rوقد وقفتُ على \"مُنية الألمعي\" للعلامة قاسم بن قُطلوبغا الحنفي ومقدمة الأستاذ عليها، وتصفّحت ما فصَّله قاسم من الأغلاط الكثيرة التي كانت في نسخة الزيلعي، ومع ذلك أصلحها أحباب الكوثري في الطبع بدون تنبيه، فاعتذر الأستاذ في المقدمة بقوله: \"وفي عداد تعقبات العلامة الحافظ قاسم أمور قد ينتبه إليها الفَطِن بنفسه لظهور أنها من قبيل سَبْق القلم، فيوجد بعض ما هو من هذا القبيل على الصحة في النسخة المطبوعة؛ لأن الانتباه إلى الصواب مِن فضل الله سبحانه؛ وفضل الله لا يكون وقفًا على أحد\".\rفترى الأستاذ يناقش طابع كتاب الشافعي في حرف واحد، ويعدّ فعله خيانة، أما تصرّف أحباب الكوثري الكثير ... (¬٤) في كتاب الزيلعي بدون تنبيه فيعدّه من فضل الله عليهم. ولا ريب أن الأستاذ يرى فضل الله ﷿ عليه أعظم من فضله على أولئك المتقدمين بدرجات كثيرة، فكم نراه يتصرّف في الكتب التي يطبعها مستندًا إلى أن ذلك من فضل الله ﷿ عليه!","footnotes":"(¬١) انظر (ص ٥ - وما بعدها).\r(¬٢) (ص ٣١٨ وما بعدها - مع التأنيب).\r(¬٣) يعني \"التنكيل\" وذلك باعتبار هذه الرسالة كانت جزءًا من التنكيل ثم أفردها المؤلف.\r(¬٤) كلمة غير واضحة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442147,"book_id":387,"shamela_page_id":13,"part":"15","page_num":298,"sequence_num":13,"body":"قال الأستاذ (¬١): \"وقوله: الواو للترتيب، والباء للتبعيض، مما لا يعرفه أحد من أئمة اللسان، بل الأولى للجمع مطلقًا، والثانية للإلصاق\".\rأقول: هذه مجازفة قبيحة، أما في الواو فمن وجهين:\rالأول: زعم أن الشافعي قال: \"الواو للترتيب\" ولم يقل الشافعيُّ هذا قطّ ولا ما يؤدّي معناه. فأما إيجابه ترتيب الوضوء فهذه عبارته كما في \"الأم\" (¬٢): \"قال الله ﷿: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] قال: وتوضأ رسول الله ﵌ كما أمره الله ﷿، وبدأ بما بدأ الله تعالى به، قال: فأشبه ــ والله تعالى أعلم ــ أن يكون على المتوضئ شيئان: أن يبدأ بما بدأ الله ثم رسوله ﵊ منه ... فمن بدأ بيده قبل وجهه [ص ٧] ... كان عليه عندي أن يعيد ... وإنما قلت: يعيد، كما قلتُ وقال غيري في قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فبدأ رسول الله ﵌ بالصفا وقال: \"نبدأ بما بدأ الله به\" (¬٣). ولم أعلم خلافًا أنه لو بدأ بالمروة ألغى طوافًا حتى يكون بدؤه بالصفا. وكما قلنا في الجمار: إن بدأ بالآخرة قبل الأولى أعاد حتى تكون بعدها، وإن بدأ بالطواف بالصفا والمروة قبل الطواف بالبيت أعاد، فكان الوضوء في هذا المعنى أوكد من بعضه عندي، والله أعلم\".","footnotes":"(¬١) (ص ٥٠).\r(¬٢) (٢/ ٦٥).\r(¬٣) أخرجه مسلم (١٢١٨) بلفظ: \"أبدأ بما ... \".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442148,"book_id":387,"shamela_page_id":14,"part":"15","page_num":299,"sequence_num":14,"body":"فلم يزعم الشافعي أن الواو للترتيب ولكنه نظر إلى قاعدة التقديم والتأخير وإلى البيان الفعلي من النبي ﵌ مع ... (¬١) ظنية على ذلك، فقد تقرّر في علوم البلاغة أن تقديم ما لا يقتضي التركيب تقديمه يحتاج في الكلام البليغ إلى نكتة، والقرآن أبلغ الكلام، فتقديمه في آية الوضوء الوجهَ على ما عداه، واليدين على الباقي، والرأسَ على الرجلين لا بدّ له من نكتة.\rويرى الشافعي أنه إذا كان المجموع عبادة واحدة فأظهر النُّكت هي أنه ينبغي الترتيب كذلك، واحتج على هذا بحديث: \"نبدأ بما بدأ الله به\" ودلالته على ذلك ظاهرة، وعلى هذا فهذه هي النكتة الظاهرة في مثل هذا فلا يُعدَل عنها إلا بدليل.\rالوجه الثاني: زَعْم المعترض أنه لا يعرف أحدٌ من أئمة اللسان أنَّ الواوَ للترتيب فيه مجازفة؛ فقد نُقِل القولُ بأنها للترتيب عن قُطْرب والربعي والفرّاء وثعلب وأبى عمر الزاهد (¬٢) وهشام. ذكر ذلك ابنُ هشام في \"المغني\" (¬٣) وذكر معهم الشافعي، فردّه الأمير بقوله \"لا يكفي في [ص ٨] هذه النسبة مجرّد قوله بالترتيب في الوضوء لأن له دليلًا آخر\".\rوأقول: يمتنع أن يخفى على الأئمة المذكورين ما جاء في الكلام البليغ وفي كلام الفصحاء مما يبطل أن تكون الواو للترتيب بمنزلة (الفاء وثم)، فيظهر أنهم إنما أرادوا أن الظاهر معها في الكلام البليغ هو الترتيب، ومرجع","footnotes":"(¬١) كلمة غير محررة في الأصل.\r(¬٢) تحرف في \"التنكيل\" إلى \"الزاهي\".\r(¬٣) (ص ٤٦٤ - دار الفكر).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442149,"book_id":387,"shamela_page_id":15,"part":"15","page_num":300,"sequence_num":15,"body":"ذلك في التحقيق إلى قاعدة التقديم والتأخير كما مرّ إيضاحه، وعلى هذا فلا قائل بأنها للترتيب، ولا مُنكر من أئمة اللغة لقاعدة التقديم والتأخير. وبهذا يرتفع الخلاف البتة، والله الموفق.\rوأما الباء فمن وجهين أيضًا:\rالأول: زعم أن الشافعي قال: \"الباء للتبعيض\" ولم يقل الشافعي هذا، وهذه عبارته في \"الأم\" (١/ ٢٢) (¬١): \" ... كان معقولًا في الآية أن مَن مسح مِن رأسه شيئًا فقد مسح برأسه، ولم تحتمل الآية إلا هذا، وهذا أظهر معانيها، أو مسح الرأس كله، ودلّت السنةُ على أنه ليس على المرء مسح الرأس كله ... \".\rوهذا قد يأتي على كون الباء للإلصاق، فقد مثّل له أهلُ العربية بقولهم: \"أمسكت بزيد\". ولا يخفى أن معناه إلصاق اليد ببعض بدنه.\rلكن انظر إلى ما زعَمَه بعض الحنفية: أن التقدير \"وامسحوا أيديكم برؤوسكم\"، ففيه نظر من جهات: منها أن تقدير \"أيديكم\" لا حجة عليه، فلماذا لا يكون المقدَّر عامًّا، فيصدق بمسح أيِّ شيء كان بالرأس، ومن ذلك طرف الإصبع، وبذلك يتحقَّق قول الشافعي.\rومنها: أن الباء في \"مسحت ذا بكذا\" باء الآلة كما لا يخفى، وهي تعطي أن الآلة غير مقصودة لذاتها وإنما المقصود غيرها، وذلك كقولك: مسحتُ يدي بالمنديل، [ص ٩] فيلزم من ذلك أن يكون المقصود فيما لو كان التقدير: \"وامسحوا أيديكم برؤوسكم\"، هو تنشيف الأيدي؛ فعلى هذا يكون تنشيفها","footnotes":"(¬١) (٢/ ٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442150,"book_id":387,"shamela_page_id":16,"part":"15","page_num":301,"sequence_num":16,"body":"بعد غسلها فرضًا. غايةُ الأمر أن النصّ على الآلة الخاصة وهي الرأس يدلّ على تعيّنها فيدل أنها مقصودة أيضًا، وهذا لا ينفعهم؛ لأن الفرض حينئذٍ يكون هو تنشيف اليد بالرأس، فلا بد من تحقق ما يحصل به تنشيف اليد بالرأس. ثم إذا أمكن تنشيفها بقدر إصبع من الرأس كفى، كما لو نشّف يده بقَدْر إصبع من المنديل، بأن يمرّ بعض اليد على ذاك القدر ثم بعض آخر وهكذا.\rوقد اضطرب الحنفيةُ في تطبيق مذهبهم على الآية اضطرابًا شديدًا راجع \"روح المعاني\" (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\rالوجه الثاني: قول المعترض: إن القول بأن الباء قد تجيء للتبعيض لا يعرفه أحدٌ من أئمة العربية؛ مردود فقد قال ابن هشام في \"المغني\" (¬١): \"أثبت ذلك الأصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك، قيل: والكوفيون\".\rفتدبّر ما تقدّم ثمّ فكِّر في سير هؤلاء القوم في الطعن في فصاحة الشافعي تجده من جهةٍ أحثّ سير وأنصبه وأتعبه، ومن جهةٍ أخرى كالإنسان الذي يقف في مكان لا يجاوزه ولكن يرفع رجليه ويضعهما كهيئة الماشي بأقصى ما يمكنه من السرعة، فينصب نفسَه (¬٢) أشدّ النصب وهو لم يقطع من الأرض مقدار أصبع واحد!\rوقدِّر ما يصيب هذا (¬٣) الخائب من الحسرة إذا كان يتوهَّم أنه يسير ويقطع الأرض ينضو إلى مطلوبه، ثمّ لمّا بلغ به الإعياء كلّ مبلغ وخارت","footnotes":"(¬١) (ص ١٤٢).\r(¬٢) تكررت في الأصل.\r(¬٣) هذه الكلمات الثلاث غير محررة في الأصل، وهذا ما استظهرته.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442151,"book_id":387,"shamela_page_id":17,"part":"15","page_num":302,"sequence_num":17,"body":"قواه وسقط على الأرض سُئل عن حاله وتبيّن له أنه لم يقطع من الأرض مقدار أصبع! ! ثم انظر ألا يكون هذا أوضح حجة على فصاحة الشافعي؟\rوالعلماء يعرفون أن في لغة العرب اتساعًا تضيق عنه قواعد النحو أو تكاد، حتى إن في القرآن مواضع يصعب تطبيقها على تلك القواعد، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، وقوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]، وقوله: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، وقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وغير هذا، حتى ألَّف بعض أهل العلم في مشكل إعراب القرآن خاصة. ولولا العلم اليقيني بأنه يستحيل أن يكون في القرآن لحن لَجَزم كثير من المتقيّدين بقواعد النّحاة بأن كثيرًا من تلك المواضع لحن.\rبل قد روي عن بعض المتقدمين أنه زعم أن الكاتب أخطأ! وأُجيب عن ذلك بما هو معروف (¬١). ومما يُجاب به عن ذلك: أن القائل بأنه خطأ غَفَل عن تقدير معنويّ يصحّ به ذلك اللفظ، أو جَهِل لغة قبيلة من العرب غير قبيلته، ثم ظن أن القائل له: \"هي في المصحف كذا\" إنما عنى مصحفًا خاصًّا لا المصحف الإمام، أو لم يكن قد بلغه العناية التي قِيمَ بها في المصحف الإمام. ولا مانع أن يخفى التواتر عن رجل، كما يقال: إنه خفي على ابن مسعود في شأن المعوّذتين (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر \"جامع البيان\": (٧/ ٦٨٤ و ١٧/ ٢٤٠) للطبري.\r(¬٢) أخرجه البخاري (٤٩٧٧)، وأحمد (٢١١٨١ و ٢١١٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442152,"book_id":387,"shamela_page_id":18,"part":"15","page_num":303,"sequence_num":18,"body":"والمقصود هنا أن في القرآن مواضع كثيرة تشكل فصاحتها على كثير من الناس، فما الظنّ بعربيّ فصيح نُقِل عنه كلام كثير جدًّا؟! فإذا تدبّرت هذا ثم تدبّرت ما تقدّم وأنعمتَ النظر اتضح لك حالُ الشافعي في فصاحته.\rثم اسمع الآن بعض الثناء عليه بالفصاحة، فمما ذكره الحافظ ابن حجر في \"توالي التأسيس\" (¬١) ــ ومن عادته أن لا يجزم إلا بما كان ثابتًا ــ: \"قال زكريّا الساجي: حدثنا جعفر بن أحمد قال: قال أحمد بن حنبل: كلام الشافعي في اللغة حُجّة\".\r\"قال داود بن عليّ إمام أهل الظاهر في \"مناقب الشافعي\" له: قال لي إسحاق بن راهويه: ذهبت أنا وأحمد بن حنبل إلى الشافعي بمكة فسألته عن أشياء، فوجدته فصيحًا حسن الأدب، فلما فارقناه أعلمني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان أعلم الناس في زمانه بمعاني القرآن، وأنه قد أوتي فيه فهمًا ... \" (¬٢).\r[ص ١٠] \"وقال ابن أبي حاتم عن الربيع قال: قال ابن هشام (صاحب السيرة وهو من أهل العلم بالعربية): الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة. قال ابن أبي حاتم: وحُدِّثتُ عن أبي عبيد القاسم بن سلام نحوه. وقال أيضًا: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي عربي النفس واللسان. قال: وكتب إليَّ عبد الله بن أحمد قال: قال أبي: كان الشافعي من أفصح الناس. وقال الساجي: سمعت","footnotes":"(¬١) كذا أثبت المؤلف اسم الكتاب كما هو في طبعته الأولى، وصواب اسمه \"توالي التأنيس\" بالنون كما نص عليه تلميذه السخاوي في \"الجواهر والدرر\": (٢/ ٦٨٢). والنص فيه (ص ٨٥ - ط. دار الكتب).\r(¬٢) انظر \"توالي التأنيس\" (ص ٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442153,"book_id":387,"shamela_page_id":19,"part":"15","page_num":304,"sequence_num":19,"body":"جعفر بن محمد الخوارزمي يحدِّث عن أبي عثمان المازني عن الأصمعي قال: قرأتُ شِعر الشَّنْفَرى على الشافعي بمكة. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي: قلنا لعمّي: على مَن قرأت شعرَ هذيل؟ قال: على رجل من آل المطلب يقال له: محمد بن إدريس\" (¬١).\r\"وقال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي: تصفحنا أخبار الناس فلم نجد بعد الصدر الأول من هذه الأمة أوضح شأنًا، ولا أبين بيانًا، ولا أفصح لسانًا من الشافعي، مع قرابته من رسول الله ﵌\" (¬٢).\r\"وقال الحاكم: سمعت محمد بن عبد الله الفقيه: سألت أبا عمر غلام ثعلب عن حروف أُخِذَت على الشافعي، مثل قوله: \"ماء مالح\". ومثل قول: \"انبغى أن يكون كذا وكذا\"؟ فقال لي: كلام الشافعي صحيح. وقد سمعت أبا العباس ثعلبًا يقول: يأخذون على الشافعي، وهو من بيت اللغة يجب أن يؤخذ عنه\" (¬٣).\r\"وقال الآبري: أخبرنا أبو نعيم الإستراباذي: سمعت الربيع بن سليمان يقول مرارًا: لو رأيتَ الشافعيّ وحسن بيانه وفصاحته لعجبت منه، ولو أنه ألَّف هذه الكتب على عربيّته التي كان يتكلّم بها معنا في المناظرة لم يُقْدَر على قراءة كتبه لفصاحته وغرائب ألفاظه، غير أنه كان في تأليفه يجتهد أن يوضّح للعوام\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) هذه الأخبار في \"توالي التأنيس\" (ص ٩٦ - ٩٧).\r(¬٢) المصدر السابق (ص ١٠١).\r(¬٣) المصدر السابق (ص ١٠٣).\r(¬٤) المصدر السابق (ص ١٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442154,"book_id":387,"shamela_page_id":20,"part":"15","page_num":305,"sequence_num":20,"body":"[ص ١١] فصل\r[زَعْم الكوثري: تتلمذ الشافعي على محمد بن الحسن]\rيحاول الأستاذ أن يثبت أن الشافعي تلميذ محمد بن الحسن، ولا أرى حاجة إلى الكلام معه في كلِّ عبارة، ولكني ألخص هذا البحث فأقول:\rثبت بالروايات الجيّدة أن الشافعي شرع في طلب العلم وسِنّه نحو عشر سنين، وذلك نحو سنة ١٦٠، فأخذ عن علماء مكة والمدينة، وخرج مرة أو أكثر إلى اليمن، وأقام بالبادية مدّة، وكان فيمن أخذ عنه من الفقهاء بمكة مَن كان على طريقة أهل العراق كسعيد بن سالم القدّاح. وكان الشافعيّ يبحث مع مَن يقدم مكة من علماء الآفاق. وفي \"توالي التأسيس\" (ص ٥٨) (¬١): \"قال زكريا الساجي: حدثنا الزعفراني قال: حجّ بشر المريسي [الحنفي] سنة إلى مكة، ثم قدِم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلًا ما رأيت مثله سائلًا ولا مجيبًا ــ يعني الشافعي ــ. قال: فقدِم الشافعيُّ علينا بعد ذلك فاجتمع إليه الناس، فجئت إلى بِشر فسألته فقال: إنه قد تغيّر عما كان عليه ... \".\rوفيها (ص ٥٦) (¬٢) \"وأخرج الآبري من طريق الزعفراني قال: كنا نحضر مجلس بشر المريسي فكنّا لا نقدر على مناظرته، فقدم الشافعي فأعطانا كتاب الشاهد واليمين، فدرسته في ليلتين، ثم تقدّمت إلى حَلْقة بشرٍ فناظرته فيه فقطعته، فقال: ليس هذا من كيسك، هذا من كلام رجل رأيته بمكة معه نصف عقل أهل الدنيا\".","footnotes":"(¬١) (ص ٩١).\r(¬٢) (ص ٨١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442155,"book_id":387,"shamela_page_id":21,"part":"15","page_num":306,"sequence_num":21,"body":"فواضح أن اجتماع بشر بالشافعي كان قبل ورود الشافعي بغداد لأول مرة وإلا لِمَ احتاج إلى أن يقول \"بالحجاز رجلًا\" أو \"كلام رجل رأيته بمكة\" بل كان يسميه لأنهم قد عرفوه.\rوالمقصود أن الشافعي بقي نحو عشرين سنة في طلب العلم وكتابته والمناظرة فيه بمكة والمدينة وما [ص ١٢] حولهما، ثم تولى بعض الولايات باليمن وكان يقضي ويفتي. وفي \"توالي التأسيس\" (ص ٧٨) (¬١): \"قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إدريس ورّاق الحميدي، حدثنا الحميدي قال: قال الشافعي: .... ثم وليت نجران وبها بنو الحارث بن عبد المدان وموالي ثقيف .... وتظلّم عندي ناس كثير، فجمعتهم وقلت: اجمعوا لي سبعة يكون مَن عدّلوه عدلًا ومَن جرّحوه مجروحًا، ففعلوا .... حتى أتيت على جميع الظلامات، فلما انتهيت جعلت أحكم وأسجّل .... حتى حُمِلت إلى العراق، وكان محمد بن الحسن جيّد المنزلة عند الخليفة، فاختلفتُ إليه، وقلت: هو أولى من جهة الفقه، فلزمته، وكتبت عنه، وعرفتُ أقاويلهم، وكان إذا قام ناظرتُ أصحابَه، فقال لي: بلغني أنك تُناظر فناظرني في الشاهد واليمين، فامتنعتُ، فألحّ عليّ، فتكلّمت معه، فرُفع ذلك إلى الرشيد، فأعجبه ووصلني\".\rوقد ذكر الأستاذ طرفًا من هذه الحكاية ص ١٨٤ وثبّتها ثم حمّلها ما لا تطيقه، فمِن جملة ما قاله: \"وبها يعلم أيضًا أن محمد بن الحسن بعد أن درّب الشافعي على الأخذ والردّ هكذا رفع حديثه إلى الرشيد\". ولا أثر للتدريب في هذه الرواية ولا غيرها، وإنما حقيقة الأمر أن الشافعي جالس محمد بن","footnotes":"(¬١) (ص ١٢٧ - ١٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442156,"book_id":387,"shamela_page_id":22,"part":"15","page_num":307,"sequence_num":22,"body":"الحسن ليأخذ عنه كتب أهل الرأي سماعًا ليعرف أقوالهم، ومغزاه في ذلك أمران:\rالأول: مغزى كلّ عالم متديّن، وهو أن يعرف أقوالهم وما يحتجّون به، حتى إذا بان له في بعض المسائل حجةٌ لم يكن قد وقف عليها أو خللٌ في حجة كان من قبل يحتجّ بها أخذ بذلك. وهذا لا يستأنف عنه المجتهد المتديّن، فإن غالب حجج الفقه ظنّيات لا يأمن المجتهد أن يكون [ص ١٣] أخطأ في كثير مما قد قاله وأن يكون عند غيره ما ليس عنده.\rالمغزى الثاني: ما صرّح به في بعض الروايات أنه أراد أن يعرف أقاويلهم وما يحتجون به؛ ليتمكّن من الردّ عليهم فيما يراه خطأً ومناظرتهم فيه؛ فإن عِماد المناظرة أن يحتجّ على المخالف بأقواله فيبين له تناقضه. وهذا النوع لا تكاد تخلو عنه مناظرة من مناظرات الشافعي معهم، ولو لم يعرف أقاويلهم ما أمكنه ذلك. فلا نزاع أن الشافعي سمع تلك الكتب من محمد، والشافعيُّ باقٍ على مذهبه لم يقلّد محمدًا ولا تابعه متابعة التلميذ المطلق لأستاذه، بل كان محمد إذا قام ناظر الشافعيُّ أصحابَ محمد، يقرّر الشافعيُّ مذهبه؛ ليبيّن لأصحاب محمد أنه الصواب.\rوتأبّيه من مناظرة محمد أوّلًا من كمال عقله ووفور أدبه؛ لأنه كان هو المحتاج إلى سماع تلك الكتب من محمد، ويخاف أن يتكدّر محمدٌ فيتعسّر على الشافعي في تلك الكتب.\rوفي \"توالي التأسيس\" (ص ٥٥) (¬١) من طريق الربيع قال: \"قال لي","footnotes":"(¬١) (ص ٧٨ - ٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442157,"book_id":387,"shamela_page_id":23,"part":"15","page_num":308,"sequence_num":23,"body":"الشافعي: سألت محمد بن الحسن كتابًا فدافعني به، فكتبت إليه:\rقل لمن (¬١) لم تر عيـ ... ـنا مَن رآه مثلَه\rومَن كأنّ مَن رآ ... هـ قد رأى مَن قبله\rالعلمُ ينهى أهلَه ... أن يمنعوه أهلَه\rلعلّه يبذله ... لأهله لعلّه\rقال: فحمل محمدٌ الكتابَ في كُمّه وجاءني به معتذرًا من حينه\".\r[ص ١٤] وقول الأستاذ: \"رفع حديثه إلى الرشيد\" بناه على أن كلمة \"رفع\" في الحكاية مبنيّة للفاعل، والذي تدلّ عليه الروايات الأخرى أنها مبنيّة للمفعول وأن الرافع غير محمد.\rومما بناه الأستاذ على تلك الحكاية قوله: \"فبهذه الرواية يعلم أن ما في \"الأم\" من محادثات للشافعي مع بعض الناس في مسائل ليس مناظرة للشافعي مع محمد بن الحسن بل مع بعض أصحابه، على خلاف ما توهّمه بعضهم\".\rأقول: من مكارم أخلاق الشافعي وكمال عقله وصدق إخلاصه أن غالب ما يسوقه من المناظرات لا يسمّي مَن ناظره؛ لأن المقصود إنما هو تقرير الحقّ ودفع الشبهات وتعليم طرق النظر. وتسميةُ المناظر يُتوهّم فيها حظّ النفس، كأنه يقول: ناظرتُ فلانًا المشهورَ فقطعته. وفيها غضٌّ ما مِن المناظر فيما يبينه من خطائه واحتجاجه بما ليس بحجة.\rوالواقع أن المناظرات التي في \"الأم\" منها ما هو مع محمد بن الحسن، ومنها ما هو مع بعض أصحابه في حياته أو بعد وفاته، وربما صرّح الشافعي","footnotes":"(¬١) كتب المؤلف بعدها علامة استفهام بين هلالين (؟ )، ولعله استشكل وزن البيت.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442158,"book_id":387,"shamela_page_id":24,"part":"15","page_num":309,"sequence_num":24,"body":"باسم محمد بن الحسن لفائدة. فقد صرّح الشافعي باسم محمد بن الحسن وأن المناظرة كانت معه في مواضع من كتابه \"الرد على محمد بن الحسن\" كما تراه في \"الأم\" (ج ٧ ص ٢٧٨ سطر ١ وص ٢٨٣ سطر ٢٤ وص ٣٠١ سطر ١٥) (¬١). وذلك أنّ الكتاب معنون بـ \"الردّ على محمد بن الحسن\" فربما رأى الشافعيّ أن الحاجة تدعو إلى التصريح بأن المناظرة معه توكيدًا للحجة؛ لئلا يقول قائل: إنما تردّ عليه بعد موته، فلعلّه لو كان حيًّا لعرفَ كيف يجيب.\r[ص ١٥] وربما بدأ الشافعيّ المناظرةَ مع غير مسمّى ثم احتاج في أثنائها فسمّى محمد بن الحسن، كما تراه في \"الأم\" (ج ٣ ص ١٠٦) (¬٢) ساق المناظرة مِن غير مسمّى ثم قال في آخر الصفحة: \"وقلت لمحمد بن الحسن: أنت أخبرتني عن أبي يوسف عن عطاء بن السائب .... \" صرّح به هنا ليتصل إسنادُ ذاك الخبر بالرجال المعروفين، ثم ذكره بعد ذلك في أثناء المناظرة (ص ١٠٧ سطر ١٦) (¬٣)؛ لأنه قد عُرِف سابقًا فلم يبق معنًى لإبهامه، وانظر (ج ٧ ص ٨٢). وربما لم يسمّه ولكن يكني عنه بما يظهر أنه محمد بن الحسن كما في (ج ١ ص ٢٣١ وج ٤ ص ٥ وج ٧ ص ٧٩) (¬٤). وربما يكون في السياق ما يدل أنه محمد بن الحسن كما في (ج ١ ص ٥٦","footnotes":"(¬١) (٩/ ٨٦ و ٩٢ و ٩٦ و ١٠٦ - ١٠٩).\r(¬٢) (٤/ ٢٥٢).\r(¬٣) (٤/ ٢٥٣).\r(¬٤) هذه المواضع وما بعدها يصعب تحديد الصفحة (من الطبعة الجديدة)؛ لأن المؤلف لم ينقل نصًّا معينًا يمكن البحث عنه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442159,"book_id":387,"shamela_page_id":25,"part":"15","page_num":310,"sequence_num":25,"body":"وج ٣ ص ١٨٩ وج ٤ ص ١٧ وج ٥ ص ١١٩).\rهذا ومناظرة الشافعي لمحمد بن الحسن في الشاهد واليمين معروفة في تلك الرواية وغيرها، ومع ذلك ذكر الشافعي في \"الأم\" (¬١) المناظرةَ في هذه المسألة ولم يصرّح باسم محمد بن الحسن.\rفالتحقيق أن المناظرات التي في \"الأم\" منها ما هو مع محمد بن الحسن، ومنها ما هو مع غيره، فمنها ما يُعرف أنه مع محمد كما مرّ، ومنها ما يعرف أنه مع غيره كما في (ج ٣ ص ١٩٥ وص ٢٧٥) (¬٢)، ومنها ما هو على الاحتمال.\rولا يلزم من تمنّع الشافعي أوّلًا من مناظرة محمد ألا يكون ناظره بعد ذلك مرارًا، فإن محمدًا اغتبط بمناظرةِ الشافعيِّ، وعرفَ الشافعيُّ إنصافَ محمد فكثرت المباحثةُ بينهما.\rوفي \"توالي التأسيس\" (ص ٧١) (¬٣) من طريق \"أبي حسان الحسن بن عثمان الزيادي قال: كنت في دهليز محمد بن الحسن فخرج محمد راكبًا، فنظر فرأى الشافعي قد جاء، فثنى رجله ونزل وقال لغلامه: اذهب فاعتذر، فقال له الشافعي: لنا وقت غير هذا [ص ١٦]، قال: لا، وأخذ بيده فدخلا الدار. قال أبو حسان: وما رأيت محمدًا يعظم أحدًا إعظام الشافعي\".","footnotes":"(¬١) (٨/ ١٥ وما بعدها).\r(¬٢) انظر الحاشية رقم (٤) ص ٣٠٩.\r(¬٣) (ص ١٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442160,"book_id":387,"shamela_page_id":26,"part":"15","page_num":311,"sequence_num":26,"body":"ومن تدبّر مناظرات الشافعي لمحمد وجدها مناظرة الأكفاء، وعلم منها أن الشافعي كان حينئذ مجتهدًا، وأن محمدًا كان مع مكانته من العلم والسنّ والمنزلة من الدولة وكثرة الأتْباع على غاية من الإنصاف في البحث والنظر وإن لم يرجع في كثير من ذلك أو أكثره عن قوله.\rوكان الشافعي على وفور أدبه وحُسْن معاشرته لمحمد وغيره لا يقصّر في إظهار حجته؛ ومن اللطائف في ذلك ما تراه في \"الأم\" (ج ٦ ص ١٦٠) (¬١) ذكر الشافعيُّ مناظرته مع بعض الناس إلى أن قال: \"وكانت حجته في أن لا تُقتل المرأةُ على الردّة= شيئًا رواه عن عاصم عن أبي رزين","footnotes":"(¬١) (٧/ ٤١٧). وقال في \"التنكيل\": (١/ ٧٢٠): \"ومن براعة الشافعي الفائقة ومهارته الخارقة: أنه يجمع في مناظراته بين لطف الأدب وحسن العشرة واستيفاء الحق حتى في التشنيع، ساق في كتاب \"اختلاف الحديث\" بابًا تراه في هامش \"الأم\" (ج ٧/ص ١٠٥ - ١٢٥) في أحكام الماء وفيه ذكر القلتين وغير ذلك الأحاديث ومناظرة مع مَن لم يسمّه، لكن يتبين بالسياق أنها مع محمد بن الحسن إلى أن قال (ص ١١٥): \"وقلت له: ما علمتكم اتبعتم في الماء سنةً ولا إجماعًا ولا قياسًا، ولقد قلتم فيه أقاويل لعله لو قيل لعاقل: تخاطأ، فقال ما قُلْتُم لكان قد أحسن التخاطؤ\"! ثم ذكر الأحاديث وسأله: أثابتة هي؟ فاعترف بثبوتها فقال (ص ١١٦): \"فقلت له: لقد خالفتها كلها وقلت قولًا اخترعته مخالفًا للأخبار خارجًا من القياس، قال: وما هو؟ قلت: اذكر القَدْرَ ... قال: الذي إذا حرك أدناه لم يضطرب أقصاه\" فأجابه، ثم ساق الكلام إلى أن قال (ص ١٢٠): \"قلت ... إني لأحسبكم لو قال هذا غيركم لبلغتم به أن تقولوا: القلم عنه مرفوع! فقال: لقد سمعت أبا يوسف يقول: قول الحجازيين في الماء أحسن من قولنا، وقولنا فيه خطأ\"، ثم ساق إلى أن قال: (ص ١٢١ - ١٢٢): \"فقال: ما أحسن قولكم في الماء؟ قلت: أفترجع إلى الحسن؟ فما علمته رجع ... \".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442161,"book_id":387,"shamela_page_id":27,"part":"15","page_num":312,"sequence_num":27,"body":"عن ابن عباس ﵄ في المرأة ترتدّ عن الإسلام: تُحبَس ولا تُقتل.\rوكلّمني بعض من يذهب هذا المذهب وبحضرتنا جماعة من أهل العلم بالحديث، فسألناهم عن هذا الحديث، فما علمتُ واحدًا منهم سكت عن أن قال: هذا خطأ، والذي روى هذا ليس ممن يُثبت أهلُ العلم حديثَه، فقلت له: قد سمعت ما قال هؤلاء الذين لا شكّ في علمهم بحديثك، وقد روى بعضهم عن أبي بكر أنه قتل نِسوة ارتددن عن الإسلام فكيف لم تصرْ إليه؟ قال: إني إنما ذهبت في ترك قتل النساء إلى القياس ... \".\rفكأنّ الشافعي كان متوقعًا البحث في ذاك المجلس في حكم المرتدّة، وعَلِم أن مناظره سيحتجّ بحديث أبي حنيفة عن عاصم، وكره الشافعيّ أن يقول هو في أبي حنيفة ما يسوء القوم، فأحضر الشافعيُّ معه مَن لا نزاع في معرفتهم بالحديث ورُواته؛ حتى إذا جاء ذاك الحديث سألهم ليكون الغضُّ [ص ١٧] من أبي حنيفة منهم، فتقوم حجةُ الشافعي، ويسلم بما يتوقّاه من سوء العشرة.\rوأعجب من هذا أن الشافعي حاول الجري على هذه الطريقة بعد أن فارق القومَ ومضت على ذلك مدة، فأثبت الحكايةَ في كتابه على ما مرّ لم يعرض فيها تسمية أبي حنيفة، بل حاول أن يعمِّيه حتى كأنه لا شأن له بذلك الحديث ولا بكلام أولئك الذين حضروا من أهل المعرفة بالحديث.\rوقد ذكر البيهقي في \"السنن\" (٨/ ٢٠٣) حكاية الشافعي، فقال صاحبُ \"الجوهر النقي\": \"أبو رزين صحابي، وعاصم وإن تكلّم فيه بعضهم، قال الدارقطني: في حفظه شيء، وقال ابن سعد: ثقة إلا أنه كثير الخطأ في حديثه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442162,"book_id":387,"shamela_page_id":28,"part":"15","page_num":313,"sequence_num":28,"body":"فإن ضعّفوا هذا الأثرَ لأجله فالأمر فيه قريب فقد وثّقه جماعةٌ، خرّج له في \"الصحيحين\" مقرونًا بغيره، وخرّج له الحاكم في \"المستدرك\" وابن حبان في \"صحيحه\". وإن ضعّف لأجل أبي حنيفة فهو وإن تكلّم فيه بعضُهم فقد وثّقه كثيرون وأخرج له ابن حبان في صحيحه ... \" (¬١).\rولا يشك عالمٌ أن قول الجماعة: \"الذي روى هذا ليس ممن يُثبتُ أهلُ العلمِ حديثَه\" لا يصلح أن يُراد به عاصم، فإن حال عاصم عندهم أعلى من ذلك، وقد قال أحمد وأبو زُرعة: \"ثقة\"، فأما أبو حنيفة فالكلام في روايته وخاصة لهذا الحديث معروف، ومنزلته عند ابن حبان تُعرف مما قاله في \"الضعفاء\" (¬٢). وقد نقل الأستاذ بعضه كما يأتي في ترجمة محمد بن حبان (¬٣).\rومع هذه المجاملة الشريفة من الشافعي وأنه قائل تلك الكلمة التي يبالغ بعض الناس فيقول: تكاد تكون هي رأس مال الحنفية: \"الناسُ عيال في الفقه على أبي حنيفة\"، وعَرْضه أقوال أهل الرأي مع أقوال فقهاء أهل الحديث جنبًا لجنب وكانت قبله مهجورة، حتى إن ابن المبارك ذكر شيئًا (¬٤) في كتبه فلم يزل به الناس حتى جاء عنه أنه قال في أواخر عمره: \"لأن عشت لأخرجنّ أبا حنيفة من كتبي\" (¬٥). وحتى تذاكر أهلُ العلم في مسألةٍ فقال","footnotes":"(¬١) وقد أطال المؤلف في \"التنكيل\": (١/ ٧٣٤) في نقد ابن التركماني.\r(¬٢) \"الضعفاء والمجروحون\": (٣/ ٦١ - ٧٣).\r(¬٣) من \"التنكيل\": (١/ ٧٤٥)، وانظر \"التأنيب\" (ص ١٤٥).\r(¬٤) غير محررة في الأصل ولعلها ما أثبت.\r(¬٥) \"تاريخ بغداد\": (١٣/ ٤٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442163,"book_id":387,"shamela_page_id":29,"part":"15","page_num":314,"sequence_num":29,"body":"أبو عبيد: \"قال أبو حنيفة\"، فأنكر عليه الأسود بن سالم أشدّ الإنكار، كما ترى في ترجمة الأسود (¬١).\rأقول: إنه مع هذا كان جزاء الشافعي في ذلك كله من الأستاذ ما ترى بعضه في هذه الترجمة، حتى إنه حاول الطعن في نَسَبِه المجمع عليه؟ !\rوحَسْبكمُ هذا التفاوتُ بيننا ... وكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ (¬٢)\rدع كثرة المؤلفين في مناقب أبي حنيفة من الشافعية! فأما الخطيب فإنما سرد أقوال الناس [ص ١٨] في الغضِّ كما ساق ما روي في المناقب، وذاك واجبه من جهة أنه مؤرّخ ومحدّث، ومع ذلك فأعرض سائر الشافعية عما نقله الخطيب، بل منهم مَن عارضه، ومنهم من ردّ عليه كما حكاه الأستاذ. ولما تعرّض للردّ عليه الملك عيسى ومأجوره ابن قُزْغلي ــ وفي ردّهما ما فيه من التهافت ــ لم يعرض لهما أحدٌ من الشافعية بل استمروا على مجاملتهم التي قد تبلغ في بعضهم أن تكون إدهانًا واضحًا!\rوكذلك لما أشيع ذلك الكتيب المجهولُ مؤلِّفُه \"كتاب التعليم\" ــ وفيه ما فيه من الطعن في الشافعي وغيره ــ مرّ به الشافعيةُ مرور الكرام، وأقصى ما كان منهم أنْ ذَكَر بعضُهم أن مؤلفه مجهول.\rوكأنّ الأستاذ اغترّ بتلك المجاملة والإدهان فظنّها استكانة لا حَراك بعدها؛ فجاء بما جاء به، ولم يدر أن للصبر حدًّا، وأن للحق أنصارًا، وأن وراء الأكمة رجالًا!","footnotes":"(¬١) من \"التنكيل\" رقم (٥٤).\r(¬٢) البيت للحيص بيص في \"ديوانه\": (٣/ ٤٠٤) ضمن أبيات.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442164,"book_id":387,"shamela_page_id":30,"part":"15","page_num":315,"sequence_num":30,"body":"وعلى كلِّ حال فلسنا نطالب الأستاذ ولا غيره بالتغاضي عن عيبٍ للشافعيِّ إن وجدوه، ولا على أن يذكروا ما فيه شُبهة ونظر، وإنما نلوم على الاختلاق ومحاولة تقوية ما لا شكّ في أنه اختلاق، والله الهادي.\rفصل\rقال الأستاذ ص ١٨٧: \"وكان (الحسن بن زياد) يأبى الخوض في القياس في مورد النص، كما فعل مع بعض المشاغبين في مسألة القهقهة في الصلاة\".\rأقول: الحكاية في ترجمة الحسن من \"لسان الميزان\" (¬١). وعُذْر الأستاذ بارد، فقد كان يمكن الحسنَ أن يجيب بما عنده من النص ويقول: \"لا قياس مع النص\". والحقّ أن الحسن أعْرَف من الأستاذ بالمناظرة؛ فرأى أنه إذا أجاب بما ذُكِر وَرَدَ عليه ما لا قِبَل له به، فعمل بقولهم: إن الفرار بقراب أكْيَس (¬٢).\rوقد ذكر الحنفية أن أبا يوسف كان يتبرّم بمناظرة الحسن بن زياد، فقال أبو يوسف يومًا لأصحابه: إذا جاء الحسن فابدأوه بالسؤال، فجاء الحسن فقال: السلام عليكم، ما تقول يا أبا يوسف في كذا؟ وذَكَر مسألةً.\rفهذا يدلّ أن الحسن كان ضعيف الاستحضار، ولكنه كان يتحفّظ في بيته بعض المسائل ويراجع وينظر، ويستكثر من الأسئلة والمعارضات،","footnotes":"(¬١) (٣/ ٤٨ - ٤٩).\r(¬٢) انظر \"الصحاح\": (١/ ٢٠٠)، و\"تاج العروس\": (٢/ ٣١٠). و\"بقراب\" ضُبطت بضم القاف وكسرها. والمعنى: أن نفرّ ونحن بقربٍ من السلامة أكيس من أن نتورط بثباتنا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442165,"book_id":387,"shamela_page_id":31,"part":"15","page_num":316,"sequence_num":31,"body":"وعلِم أبو يوسف هذا فأحبّ أن يسألوا الحسنَ عن مسألة لم يكن قد استعدّ لها فيضعف الحسن، فخاف الحسن من ذلك فبَدَرَهم.\r[ص ١٩] فصل\rقال الأستاذ ص ١٦٥: \"ومن الغريب أنه إذا روى ألف راو عن ابن معين أن الشافعي ليس بثقة مثلًا، تعدّ هذه الرواية عنه كاذبة، بخلاف ما إذا كانت الرواية عنه في أبي حنيفة أو أحد أصحابه\".\rأقول: قد كان على الأستاذ أن يذكر ثلاث روايات أو روايتين على الأقل ويقابل بينها وبين الروايات في حقّ أبي حنيفة. والكلمة المذكورة \"ليس بثقة\" تُذْكَر عن محمد بن وضّاح الأندلسي عن ابن معين. قال ابن عبد البر في كتاب العلم (¬١) كما في \"مختصره\" ص ٢٠١: \"ومما نقم على ابن معين وعيب به أيضًا قوله في الشافعي: إنه ليس بثقة، وقيل لأحمد بن حنبل: إن يحيى بن معين يتكلّم في الشافعي، فقال أحمد: من أين يعرف يحيى الشافعيَّ؟ هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف (¬٢) ما يقول الشافعي ــ أو نحو هذا ــ ومن جَهِل شيئًا عاداه!\rقال أبو عمر: صدق أحمد بن حنبل ﵀ أن ابن معين كان لا يعرف ما يقول الشافعي، وقد حُكي عن ابن معين أنه سئل عن مسألة من التيمّم فلم يعرفها. ولقد أحسن أكثم بن صيفي في قوله: ويل لعالمِ أمرٍ مِن","footnotes":"(¬١) \"جامع بيان العلم\": (٢/ ١١١٤ - ١١١٥).\r(¬٢) كتب المؤلف: \"ولا يقول (؟ ولا يعرف) \" إشارة إلى وقوع خطأ في المختصر، وهو على الصواب في الأصل كما أصلحه المؤلف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442166,"book_id":387,"shamela_page_id":32,"part":"15","page_num":317,"sequence_num":32,"body":"جاهله، مَن جَهِل شيئًا عاداه، ومن أحبَّ شيئًا استعبده.\rوعن أحمد بن زهير قال: سئل يحىي بن معين وأنا حاضر عن رجل خَيَّر امرأته فاختارت نفسها، فقال: سل عن هذا أهلَ العلم.\rوقد كان عبد الله الأمير بن عبد الرحمن بن محمد الناصر يقول: إن ابن وضّاح كَذَب على ابن معين في حكايته عنه أنه سأله عن الشافعي فقال: \"ليس بثقة\". وزعم عبد الله أنه رأى أصل ابن وضّاح الذي كتبه بالمشرق وفيه: سألت يحيى بن معين عن الشافعي؟ فقال: هو ثقة. قال: وكان ابن وضَّاح يقول: ليس بثقة [ص ٢٠] فكان عبد الله الأمير يحمل على ابن وضّاح في ذلك. وكان خالد بن سعد يقول: إنما سأله ابنُ وضّاح عن إبراهيم بن محمد الشافعي، ولم يسأله عن محمد بن إدريس الشافعي الفقيه.\rوهذا كلُّه عندي تخرُّص وتكلُّم على الهوى، وقد صحّ عن ابن معين من طرق أنه كان يتكلم في الشافعي على ما قدّمتُ لك حتى نهاه أحمد بن حنبل، وقال له: لم تر عيناك قط مثل الشافعي\" (¬١).\rوفي \"تهذيب التهذيب\" (¬٢): \"قال ابن عبد البر في كتاب \"جامع بيان العلم\": كان الأمير عبد الله بن الناصر يقول: رأيتُ أصلَ محمد بن وضّاح الذي كتبه بالمشرق وفيه: سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال: ثقة. وقال الحاكم: تتبّعنا التواريخ وسواد الحكايات عن يحيى بن معين فلم نجد في رواية واحد منهم طعنًا على الشافعيّ، ولعل من حكى عنه غير ذلك قليل","footnotes":"(¬١) هنا ينتهي كلام ابن عبد البر. وفي (ط) زيادة: \"ونبَّهه على موضعه من العلم\" بعد قوله: \"نهاه أحمد بن حنبل\".\r(¬٢) (٩/ ٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442167,"book_id":387,"shamela_page_id":33,"part":"15","page_num":318,"sequence_num":33,"body":"المبالاة بالوضع على يحيى والله أعلم\".\rوفي ترجمة محمد بن وضّاح من \"لسان الميزان\" (¬١): \"وقال ابن عبد البر: كان الأمير عبد الله ... قال عبد الله: قد رأيتُ أصلَ ابن وضّاح الذي كتبه بالمشرق، وفيه: سألتُ يحيى بن معين عن الشافعي؟ فقال: دَعْنا، لو كان الكذب حلالًا لمنعَتْه مروءتُه أن يكذب\".\rوفي الترجمة قبل ذلك: \"قال ابن الفَرَضي .... وكان (ابن وضّاح) عالمًا بالحديث زاهدًا عابدًا، وكان أحمد بن خالد لا يقدّم أحدًا عليه، وكان يعظّمه جدًّا ويصف فضله وورعه، غير أنه كان يكثر الردّ للحديث فيقول: ليس هذا \"من كلام النبي ﵌\"، وهو ثابت من كلامه، وله خطأ كثير يُحْفَظ عنه، وأشياء كان [ص ٢١] يغلط فيها، وكان لا علم عنده بالفقه ولا بالعربية\".\rأقول: فحاشا ابن وضّاح أن يُتَّهم بالكذب، فأما أن يخطئ ويغلط فمحتمل، إذ قد وُصف بذلك كما رأيت. ويُستدل على خطائه هنا بأمور:\rالأول: ما تقدّم أنه رُئي في أصله، والأصل أولى بالصحة من الحفظ، ولاسيَّما إذا كان الراوي معروفًا بالخطأ والغلط.\rالثاني: تفرّده بهذه الكلمة عن ابن معين مع كثرة أصحاب ابن معين الملازمين له، الذين هم أحرص على سؤال ابن معين ونَقْل كلامه من ابن وضَّاح، كابن أبي خيثمة، وعباس الدوري، وعثمان الدارمي، وإسحاق الأزرق، وأحمد بن سعيد بن أبي مريم، والغلابي وأضرابهم.","footnotes":"(¬١) (٧/ ٥٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442168,"book_id":387,"shamela_page_id":34,"part":"15","page_num":319,"sequence_num":34,"body":"فأما الحكاية التي قدَّمها ابن عبد البر وفيها: \"أن يحيى بن معين يتكلَّم في الشافعي\" فإن صحّت هذه الحكاية فهذه كلمة مجملة، يحتمل أن يُراد بها ما ليس بجرح، فإنّ مَن قال في رجلٍ قولًا يغضّ به منه فقد تكلّم فيه وإن لم يكن ذلك جرحًا.\rوقد ذكر ابن عبد البر كما في مختصر كتاب \"العلم\" (ص ١٩٣) (¬١): أن ابن معين سُئل عن الشافعي فقال: \"ما أحبّ حديثَه ولا ذِكْرَه\". فهذا تكلُّم في الشافعي وليس بجرح. ولم أقف لابن معين على كلمة ظاهرة في الجرح تشهد لما رُوي عن ابن وضّاح. وقد تقدَّم عن الحاكم نفي ذلك البتة.\rالأمر الثالث: أنه لم يأت عن غير ابن معين من الأئمة طعن في الشافعي، وقد قال ابن عبد البر (ص ١٩٣) (¬٢) عَقِب الكلمة المارّة قريبًا: \"لم يتابع يحيى بن معين أحدٌ في قوله في الشافعي\".\rوالذين أحسنوا الثناء عليه ووثّقوه كثير ممن هو أكبر من ابن معين، ومن أقرانه، وممن دونه، حتى قال أبو زُرعة الرازي: \"ما عند الشافعي حديث غلط فيه\". [ص ٢٢] وقال أبو داود: \"ليس للشافعي حديث أخطأ فيه\". وقال النسائي: \"كان الشافعي عندنا أحد العلماء، ثقةً مأمونًا\". أما ثناء أحمد عليه وتبجيله فمشهور.\rوبالنظر إلى اشتهار الشافعي وانتشار علمه وكثرة مخالفيه وحُسَّاده= لو كان هناك ما يقتضي أن يقال فيه: \"ليس بثقة\" أو ما يَقْرُب من ذلك لما تفرّد بها","footnotes":"(¬١) \"جامع بيان العلم\": (٢/ ١٠٨٣).\r(¬٢) المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442169,"book_id":387,"shamela_page_id":35,"part":"15","page_num":320,"sequence_num":35,"body":"ابن معين لو صحّت عنه.\rالأمر الرابع: أنه بالنظر إلى ما ذُكِر لو كان ابن معين قال تلك الكلمة أو نحوها؛ لكَثُر تناقل الناس لها، ولم ينفرد بها رجل من أهل الأندلس.\rالأمر الخامس: في ترجمة الشافعي من \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٣٣٠): \"قال ابن معين: ليس به بأس\". وفي ترجمته من \"تهذيب التهذيب\" (¬١): \"قال الزعفراني عن يحيى بن معين: لو كان الكذب له مطلقًا لكانت مروءتُه تمنعه أن يكذب\".\rفهذه الأمور تجعلنا نشكّ في صحة تلك الكلمة عن ابن معين، ولو جاءت عن ابن معين كلمة في غير الشافعي واتفق فيها نحو هذا لشكّكنا فيها أيضًا، فأما أن تعتدل الروايتان في القوّة فنصدِّق إحداهما ونكذِّب الأخرى اتباعًا للهوى، فنرجو أن لا يكون ذلك منّا، فكيف أن نكذِّب روايةَ ألفٍ ونصدّق روايةَ واحد كما زعمه الأستاذ؟ !\rفإن قيل: دع تلك الرواية، فقد تعدّدت الروايات في غضّ ابن معين من الشافعي في الجملة، وذلك يدلّ على لينٍ ما في الشافعي.\rقلت: أما في ظنّ ابن معين فنعم، وأما في نفس الأمر فلا. وقد تقدّم قول أحمد ردًّا على ابن معين: \"من أين يعرف يحيى الشافعيَّ، هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف [ص ٢٣] ما يقول الشافعي\" أو كما قال.\rوتقدَّم ما قاله ابن عبد البر عَقِب ذلك، وهذا يُشعر بأنّ ابن معين استنكر بعضَ أقوال الشافعي، وقد جاء أنه استنكر تسمية الشافعي مَنْ حارب عليًّا","footnotes":"(¬١) (٩/ ٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442170,"book_id":387,"shamela_page_id":36,"part":"15","page_num":321,"sequence_num":36,"body":"عليه السلام بُغاة، وفيهم أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير، كأن يحيى عدّ ذلك تشيّعًا، فردّ عليه أحمد، وبيَّن أنَّ الشافعي لم يزد على اتباع القرآن. قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].\rهكذا أحفظ معنى هذه الحكاية ولم أهتد عند كتابة هذا إلى موضعها (¬١). وقد يكون عَرَض ليحيى ما أورثه نُفرةً طبيعية عن الشافعي؛ فكان يبدر منه ما فيه خشونة.\rوقد أشار أحمد على إسحاق بن راهويه بمجالسة الشافعي، فقال إسحاق: ما أصنع به؟ سِنّهُ قريب من سِنّنا، أترك ابن عُيينة والمقرئ؟ \" كما في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢/٢٠٢).\rوفي \"الانتقاء\" (ص ٧٥) (¬٢): عن صالح بن أحمد بن حنبل: \"لقيني يحيى بن معين فقال لي: أما يستحي أبوك مما يفعل؟ فقلت: وما يفعل؟ قال: رأيته مع الشافعي، والشافعي راكب وهو راجل، ورأيته قد أخذَ بركابه. فقلت ذلك لأبي، فقال لي: قل له إذا لقيته: إن أردت أن تتفقّه فتعال فخُذ بركابه الآخر\".\rوفي \"توالي التأسيس\" (ص ٥٧) (¬٣) نحو ذلك مختصرًا، ثم قال:","footnotes":"(¬١) ذكر معنى هذه الحكاية شيخ الإسلام ابن تيمية في \"الفتاوى\": (٤/ ٤٣٨)، فلعل المؤلف قرأها فيه. ولم أجدها في مصدر آخر.\r(¬٢) (ص ١٢٦).\r(¬٣) (ص ٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442171,"book_id":387,"shamela_page_id":37,"part":"15","page_num":322,"sequence_num":37,"body":"\"وأخرج ابن عدي من وجه آخر: أن الشافعيَّ لما قدم بغداد لزمه أحمد مع بغلته، فأخلى الحلقة التي كان يجتمع فيها مع يحيى بن معين وأقرانه، فذكر نحوه\".\rفكان ابن معين يرى العلمَ كلَّ العلم هو [ص ٢٤] جمع الأحاديث وتتبّعها، ثم النظر فيما يصحّ وما لا يصح، والبحث عن الخطأ والعلل وأحوال الرجال، ونحو ذلك مما يتعلق بالرواية. وكان يجتمع هو وأحمد وأقرانهما لذلك، وكان سنّ الشافعي قريبًا من سنهم، وليس بالمكثر من الحديث، بل كلّ من أحمد ويحيى أكثر منه حديثًا وأعلم بالرواة منه. فلم ير ابن معين لانقطاع أحمد إلى الشافعي ولزومه له معنى. فأما الفقه فلم يكن يحيى يبالي به؛ فإنه كان في نفسه يأخذ بما يتّضح له من السنة، ويقلّد في الباقي، ولا يبحث مع أحدٍ ولا يناظر، ولا يهمه اختلاف الناس شيئًا.\rوكان أحمد على خلاف ذلك، فإنه كان يتفقّه ويرى وجوب الاجتهاد، ويسوؤه ردّ بعض الناس للسنة. وكان هو وكثير من أهل الحديث ينكرون على أهل الرأي ولا يستطيعون مناظرتهم، فكان أهل الرأي يسخرون من أهل الحديث ويستضعفونهم ويرمونهم بالجهل والغباوة ويستطيلون عليهم.\rوفي كتاب ابن أبي حاتم (٣/ ٢/٢٠٣) و\"توالي التأسيس\" (ص ٥٦) (¬١) عن أحمد: \"كانت أقضيتنا ــ أصحاب الحديث ــ في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تُنْزَع حتى رأينا الشافعي ... \".","footnotes":"(¬١) (ص ٨٣ - ٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442172,"book_id":387,"shamela_page_id":38,"part":"15","page_num":323,"sequence_num":38,"body":"وكان الشافعي قد تمكّن من العلم بالكتاب والسنة، وعرف طرق الاجتهاد، وعرف كلامَ أهل الرأي وأقوالَهم، مع ما أوتيه من العقل والفهم وقوّة العارضة، والتمكُّن من مناظرة أهل الرأي والاستعلاء عليهم؛ فوجد به أحمد ضالّته المنشودة، ولم يكن لابن معينٍ شأن في ذلك، فاختلف نظرُ الشيخين ــ أحمد وابن معين ــ فكان ابن معين يرى أن أحمد يضيّع أوقاته فيما لا يعني ويترك [ص ٢٥] ما هو العلم حقًّا ــ في رأي ابن معين ــ وهو ما كانوا يجتمعون عليه من قبل من علوم الرواية، فلذلك كان ابن معين يلوم أحمد فيبالغ كما مرّ وأحمد لا يُصغي إليه.\rولما كان السبب في هذا هو الشافعي، تولّدت في نفس ابن معين شِبْه نُفرةٍ عن الشافعي. وقد يكون انضمّ إلى ذلك أن الشافعي كان يشعر في نفسه بفضله على أهل الحديث لما تقدّم، ويرى أن يحيى لا شأن له بالفقه، فلم يختلف الشافعيُّ إلى يحيى، ولا اعتنى بتبجيله واسترضائه، وقد كان يحيى تعوّد من المشايخ الذين يَرِدون بغداد مراعاة جانبه، والإبلاغ في ملاطفته (¬١)، فكان ذنب الشافعي إلى ابن معين أنه سلبه صاحبَه ورفيقَه وأنيسَه وصديقَه الذي كان لا يكاد يفارقه حَضَرًا وسفرًا منذ شرعا في طلب الحديث [ص ٢٦]؛ وبذلك فوّت عليه ما كان يجده في الاجتماع والمذاكرة من فائدة ولذَّة، وأنه مع ذلك لم يهَبْه ولم يعرف له حقًّا كما اعتاده من سائر المشايخ الذين هم أكبر من الشافعي سنًّا وأقدم سماعًا، وفيهم مَن هو أكثر حديثًا.","footnotes":"(¬١) ذكر المؤلف أمثلة من ذلك من \"تهذيب التهذيب\"، ثم ضرب عليها. انظر \"التهذيب\": (١١/ ٢٨٠ - ٢٨٨) في ترجمة يحيى بن معين، و (١٠/ ٣٣٤) في ترجمة موسى بن إسماعيل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442173,"book_id":387,"shamela_page_id":39,"part":"15","page_num":324,"sequence_num":39,"body":"أضف إلى ذلك ما كان أحمد يستقبل به عتاب ابن معين كقوله: \"إن أردتَ الفقهَ فتعال فالزم ذَنب هذه البغلة\". وغير ذلك من الكلمات التي مِن شأنها أن تزيد في حَنَقِه (¬١).\rفإن قيل: فإذا كان هناك نُفرة كما وصفتَ، فماذا عليكم من أن تصح تلك الكلمة عن ابن معين، فتجيبوا عنها بنحو ما أُجيب عن كلام النسائي في أحمد بن صالح، بل قد يكون الجواب عن هذه أظهر؛ لأنه قد رُوي عن ابن معين نفسه ما يخالفها، بل يمكنكم أن تقولوا: تلك الكلمة جرح غير مفسَّر فلا يُعتَدّ بها في مقابل توثيق الجمهور.\rقلت: الأمرُ كما وصفتَ، ولكن الباعث على الشكّ في صحّتها أن هناك أمورًا تخدش في ذلك كما تقدّم، وأن القول بصحتها يقتضي التشنيع على ابن معين عند أهل العلم لمخالفته الجمهور بلا حجة ولا شبهة، حتى حَمَل ذلك ابن عبد البر المالكي على أن يقول ما تقدّم في حق ابن معين (¬٢).\rوإذا كان الغضّ من ابن معين بغير حق واضح فدَفْعه عنه أوجب علينا من دفع مثله عن الشافعي؛ لأن الطعن في ابن معين أضرّ على السُّنَّة وأرْوَج للبدعة؛ فإنه يفتح لأهل البدع البابَ إلى ردِّ كثير من الأحاديث والآثار الصحيحة، وتقوية كثير من الموضوعات والواهيات والضعاف؛ يقول أحدهم في الراوي: إنما وثَّقه أو إنما صرّح بجرحه ابنُ معين، وقد طعنتم فيه.","footnotes":"(¬١) زاد في \"التنكيل\": (١/ ٧٢٥): \"وقد كان الشافعيّ حَسَن الظنّ بإبراهيم بن أبي يحيى يكثر الرواية عنه، وابن معين والجمهور يكذّبون ابنَ أبي يحيى\".\r(¬٢) (ص ٣٢ - ٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442174,"book_id":387,"shamela_page_id":40,"part":"15","page_num":325,"sequence_num":40,"body":"[ص ٢٧] فصلٌ\rقال الأستاذ ص ١٣٥ ــ بعد أن ذكر ما رُوي عن الشافعي أنه قال: أبو حنيفة يضع أوَّل المسألة خطأ ثم يقيس الكتابَ كلَّه عليها ــ: \"ولأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل، ففي (كتاب الوقف) أخذ بقول شريح القاضي وجعله أصلًا، ففرَّع عليه المسائل، فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة حتى ردَّها صاحباه، وهكذا فَعَل في (كتاب المزارعة)، حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي، فجعله أصلًا ففرّع عليه الفروع.\rولكن ما هو من هذا القبيل من مسائل (؟) (¬١) أبي حنيفة ربما لا يبلغ في العدّ عدد أصابع اليد الواحدة، في حين أنّ ما عند ذلك العائب من هذا القبيل بحيث يَحارُ منه كبار الفقهاء من أهل مذهبه، فتجدهم مضطربين فيما يختارون في المذهب بين قديم المسائل وجديدها، وبين الأجوبة الشَّفْعية المروية عن الإمام التي يقال فيها: (فيها قولان)، فيَشْكُون من عدم مشي الفروع على الأصول، وعدم الاطراد في التأصيل والتفريع، مما ليس هذا موضع شرحه وله محلّ آخر\".\rأقول: الكتاب من كتب الفقه، مثل (كتاب الوقف)، قد يتفرّع عنه آلاف المسائل كما لا يخفى. ولا أعلم للشافعي كتابًا واحدًا يكون من ذاك القبيل الذي يوجد لأبي حنيفة. فأما المسائل فالكتب في فقه أبي حنيفة التي ليست من ذاك القبيل لا يُحْصَى ما فيها من المسائل المضطَرب فيها.\rهذه مسألة من أول مسائل الطهارة، وهي تحديد الماء الكثير الذي [ص ٢٨] لا ينجس بوقوع نجاسة فيه لم تُغيّره، نَقَل الحنفيةُ عن أئمتهم: أنه ما","footnotes":"(¬١) علامة الاستفهام من المؤلف، ولعلها إشارة منه إلى إيهام الكوثري أن المنتقَد على أبي حنيفة مجرّد مسائل وليس أبوابًا كما هو الواقع.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442175,"book_id":387,"shamela_page_id":41,"part":"15","page_num":326,"sequence_num":41,"body":"إذا وُضِعت النجاسةُ في أحد طرفيه لم تخلص إلى الآخر، وأنَّ المرجع في ذلك إلى ظنِّ المبتلى، ولا يخفى أن المبتلى المسكين يضطرب نظره؛ لأنه يشعر بالفرق بين ما إذا كانت النجاسة قليلة وما إذا كانت كثيرة، وبين ما إذا (¬١) كانت مما يذوب أو ينتشر كالدّهن، وما إذا لم تكن كذلك. وهكذا يرى أن الحال يختلف باختلاف عمق الماء، ثم يرى أنَّ الماء لو كان بحيث يظنّ أن النجاسة إذا وقعت في أحد طرفيه لم تخلص إلى الطرف الآخر، هل له أن يتوضأ من موقعها أو مما قرب منه؟ إلى غير ذلك.\rونقلوا عن أئمتهم أيضًا أن الكثير ما إذا حُرِّك أحدُ جانبيه لم يتحرّك الآخر. واضطربوا في تعيين الحركة؛ أحَرَكة المتوضّئ أم حركة المغتسِل؟ مع أن كلًّا منهما غير منضبطة. ثم عادوا فقالوا: إن الاضطراب إنما هو ضابط للخلوص، فلم يخلّصوا المبتلَى المسكين من ملاحظة الخلوص بما مرّ فيه. ثم عادوا فأطبقوا أو أكثرهم على التحديد بعشرٍ في عشر، وذكروا أنّ محمدًا كان يقول به ثم رجع عنه، ولكنه أيسر لهم من القولين الأوّلين.\rثم عادوا فقالوا: إنما ذلك ضابط للخلوص، فنكسوا المبتلَى على رأسه؛ لأنه يرى أنَّ هذا الضابط ليس من الشارع حتى يسوغ أن يُقْصَر النظر عليه ولا يُلتفت إلى المعنى، بل ولا من الإمام ولا أحد أصحابه. وقولُ أحدِ أصحابه به ثم رجوعه عنه يزيده وهنًا؛ لأنه لولا أنه بان له فساده لما رجع عنه.\rومع ذلك اضطربوا في تقدير العمق، فقيل: أن يكون [ص ٢٩] الماء بحيث لا ينحسر بالاغتراف، وهذا لا يخلو عن تردّد. وقيل: أربع أصابع","footnotes":"(¬١) الأصل: \"إذ\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442176,"book_id":387,"shamela_page_id":42,"part":"15","page_num":327,"sequence_num":42,"body":"مفتوحة. وقيل: ما بلغ الكعب، وقيل: شبر، وقيل: ذراع، وقيل: ذراعان. إلى غير ذلك. راجع كتبهم المطوّلة.\rومَن طالع كتب الحنفية وكتب الشافعية عَرَف أن المسائل المضطربة عند الحنفية أكثر جدًّا منها عند الشافعية.\rفأما قديم المسائل وجديدها فهي معروفة عند الشافعية، والمذهب هو الجديد باتفاقٍ منهم، وإنما هناك بضع عشرة مسألة عُرف للشافعي فيها قول قديم وقول جديد، ثم جاء في الجديد ما أوجب ترجيح القديم، وذلك كامتداد وقت المغرب إلى دخول وقت العشاء، كان الشافعي يقول به قديمًا؛ لأنه قول جمهور أهل العلم، ثم وقف عنه في الجديد لحديث صلاة جبريل، فقال بعدم الامتداد إلّا أن يصحّ الحديثُ الآخر، وهو حديث الشّفَق، فصحّ الحديثُ عند أصحابه فقالوا به.\r\rوأما المسائل التي يقول الشافعي: \"فيها قولان\" ولا يرجّح، فقد ذكروا أنّ ذلك اتفق في ستّ عشرة مسألة، فهذه يؤخذ الترجيح فيها مِن عَرْضها على أصول الشافعي، وما من إمام إلا وتوجد مسائل لا تحصى لم ينصّ عليها؛ لأن الفروع أكثر من أن يُحاط بها. وتركه الترجيح فيها لا يزيد عن تركه ذكرها رأسًا، ثم يستنبط أصحابه الحكمَ فيها من أصوله، فهكذا يستنبطون الترجيح.\rفإن قيل: لكن تركه الترجيح فيها مع ذكره لها يدلّ على عجزه.\rقلت: أما العجز عند نصّه عليها فلا بأس به؛ إذ ليس من شَرْط المجتهد أن لا تعرض له مسألة إلّا عَرَف الحكمَ فيها فورًا، فرُبّ مسألة تُعَنِّي المجتهدَ أيّامًا أو أشهرًا أو أكثر، ورُبّ مسألة لا تزال مشكلة عنده. هذا عمر بن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442177,"book_id":387,"shamela_page_id":43,"part":"15","page_num":328,"sequence_num":43,"body":"الخطاب أشكلت عليه مسائل حتى [ص ٣٠] أوصى بأنه لا يقول فيها شيئًا.\rوأما العجز المطلق فهذا غير لازم، فلو أن الشافعيَّ صبَر نفسَه وداوم النظر في تلك المسائل لكان الظاهر أن يتبيَّن الراجح فيها، ولكن لم يكن هناك ما يدعوه إلى ذلك؛ إما لأن تلك المسائل لم يتفق وقوعُها حينئذٍ فليزم الشافعي أن يعمل أو يفتي أو يقضي فيها، وإمّا لغير ذلك. ودلالة عدم ترجيحه فيها على ديانته وورعه لا تخفى.\rوقد جاء عن حفص بن غِياث أنه قال: \"كنت أجلس إلى أبي حنيفة فأسمعه يُسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيفتي فيها بخمسة أقاويل، فلما رأيتُ ذلك تركته وأقبلتُ على الحديث\" (¬١).\rوأجاب عنه الأستاذ ص ١١٩ بقوله: \"يوجد بين الأئمة من يُروى عنه عدة أجوبة في مسألة واحدة؛ كالروايات الستّ عن مالك في المسح على الخفّين، وكالأجوبة المشفّعة في \"الأم\" للشافعي ... وأما مذهب أبي حنيفة فلا تجد في مسائل ظاهر الرواية إلا قولًا واحدًا منه في كل مسألة. وأما كتب النوادر فحكم مسائلها في جنب مسائل ظاهر الرواية كحكم القراءات الشاذّة ... على أن قيمة روايات النوادر تقدّر بأحوال رواتها\".\rكذا قال! وعليه في هذا ما لا يخفى. أما الروايات الستّ عن مالك فليست كلها في درجة واحدة، فالراجح منها واحدة، وباقيها كروايات النوادر عند الحنفية. وأما الأجوبة المشفّعة فقد مرّ الكلامُ فيها. وأما الروايات عن أحمد ففيها راجح ومرجوح، فالراجح بمنزلة ظاهر الرواية عند الحنفية، وليس في ذلك ما يدلّ على أن مالكًا أو الشافعي أو أحمد كان يقول","footnotes":"(¬١) أخرجه الخطيب في \"تاريخه\": (١٣/ ٤٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442178,"book_id":387,"shamela_page_id":44,"part":"15","page_num":329,"sequence_num":44,"body":"في اليوم الواحد في المسألة الواحدة خمسة أقاويل؛ يجزم بهذا ثم يجزم بهذا وهكذا ولا ما يقرب من ذلك، بل لا أراه اتفق لواحد منهما مثل ذلك في قولين فكيف خمسة؟\rوالاضطراب في اليوم الواحد يشعر بما لا يشعر به أن يقول العالم قولًا ثم يرجع عنه بعد سنة ــ مثلًا ــ فتدبّر.\r[ص ٣١] وقول الأستاذ: \"إنه لا يوجد في كتب ظاهر الرواية إلا قول واحد لأبي حنيفة في كل مسألة\" مجازفة! وهذه كتبهم موجودة بأيدي الناس. وعلى فرض صحة ذلك فإنما وجهه: أنّ مؤلفي تلك الكتب نقلوا آخر أقواله أو أقواها عندهم؛ ولهذا رجّحت كتبهم لا لضعف الكتب الأخرى مطلقًا.\rفأما قوله: \"إن الشافعية يَشْكُون من عدم مشي الفروع على الأصول\"، فلا أدري مَن هو الذي شكا ذلك من الشافعية؟ ولا شكّ أنّ في الفروع ما يصعب على بعض المتفقّهة تطبيقه على الأصول، ولكن عامة هذا في الفروع التي لم ينص عليها الإمام، والإمامُ غير مسؤول عن ذلك. فأما الفروع التي نصّ عليها فلا يكاد يوجد فيها ذلك إلا أن يكون قليلًا. لكن طالع كتب الحنفية وتأمل العجب العُجاب من ذلك، بل طالع مناظرات الشافعي مع أئمتهم ليتبين لك كثرة تناقضهم.\rهذا مع أن أصول الفقه عند الشافعية حرّة غالبًا؛ ولهذا لا تكاد تجد في كتبهم الأصولية محاولة تطبيق الفروع عليها، فأما أصول الفقه عند الحنفية فمبنية على الفروع، فكم من فرع شاذٍّ حاولوا أن يخترعوا أصلًا يردونه إليه؛ ولهذا يكثر التناقض في أصولهم نفسها بينا تراهم يردُّون كثيرًا من الأحاديث","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442179,"book_id":387,"shamela_page_id":45,"part":"15","page_num":330,"sequence_num":45,"body":"الصحيحة المشهورة لمخالفتها القياس ــ زعموا ــ إذا بهم يدَّعون أن الحديث الضعيف مقدّم عند أبي حنيفة على القياس، إلى غير ذلك مما يطول.\rهذا كلام استجراني إليه الأستاذ وأنا كاره، والذي لا أشكّ فيه أن في كلِّ مذهب من المذاهب فروعًا غير مرضيّة بل وأصولًا ضعيفة، وأنّ فرض الله ﷿ على العالم أن يتفقّد ذلك تفقّدَ محترِسٍ من هواه مؤثرٍ لعبادة الله، والله المستعان والمسؤول منه الهداية والتوفيق (¬١).\rفصل\rذكر الأستاذ ص ١٣٧ قول ابن أبي حاتم عن ابن عبد الحكم: \"قال لي محمد بن إدريس الشافعي: نظرتُ في كتبٍ لأصحاب أبي حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة، فعددتُ فيها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسنة\". قال ابن أبي حاتم: \"لأن الأصل كان خطأً فصارت الفروع ماضية على الخطأ\".\rقال الأستاذ: \" .... بل أفرضُ أن متن الرواية مما أسرّ به الشافعي إلى محمد بن عبد الحكم على خلاف ما تواتر عن الشافعي أنه قال: الناس كلهم عيال في الفقه على أبي حنيفة، وأنه حَمَل من محمد بن الحسن حِمْل جمل من علمه، وأنه أمنّ الناس عليه في الفقه ... وعلى فرض أن أحد أصحاب أبي حنيفة أخطأ في غالب مسائل كُتيّب، فماذا على أبي حنيفة من ذلك؟ والشافعيُّ نفسُه رجع عما حواه (كتاب الحجة) كله المعروف بالقديم، وأمر بغسله والإعراض عنه ... ولولا أن الشافعي رأى قديمه كلَّه مخالفًا للكتاب والسنة لما رجع هذا","footnotes":"(¬١) كتب في أسفل الصفحة بقلم الرصاص: \"يلخص هنا ما يأتي ص ١٠٦\". ولقد لخصه المؤلف في ظهر ص ٣١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442180,"book_id":387,"shamela_page_id":46,"part":"15","page_num":331,"sequence_num":46,"body":"الرجوع ولا شدّد هذا التشدّد ... وذلك العالم المفروض خطاؤه لم يعترف بعدُ بالخطأ اعترافَ الشافعيّ بخطئه في القديم ... وها هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ... ألَّف كتابًا سماه: \"ما خالف فيه الشافعي كتاب الله وسنة رسوله ... \" فهل نصدّقه فيما يقول بالنظر إلى مبالغة ابن خزيمة في الثناء عليه حيث يقول: \"ليس تحت قبّة السماء أحد أعلم باختلاف الصحابة والتابعين واتفاقهم من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم\". ولو كان أصل الحكاية: نظرتُ في كتابٍ لأبي حنيفة لاستقام المعنى، على تقدير التغاضي .... \".\rأقول: أما فرض (¬١) أن تلك الحكاية مما أسرّ به الشافعيُّ إلى ابن عبد الحكم؛ فلا معنى للإسرار، فلم يكن الشافعي يخاف من الحنفية وقد هاجمهم وصادمهم في مقرّ ملكهم بغداد في حياة محمد بن الحسن وبعده، حتى كادت قُواهم تضمحلّ، لولا أنهم لجأوا إلى قوة الدولة كما هو معروف في التاريخ، ومرّت الإشارة إلى طَرَف منه في ترجمة محمد بن سعد العوفي (¬٢)، فبقوّة الدولة ثم بتعصّب الدول التي جاءت بعد ذلك، وبتعصّب الأعاجم، وباختلاق المناقب الغالية، كما مرّ بعضُ أمثلته في ترجمة محمد بن سعيد البورقي (¬٣) انتشر مذهب أبي حنيفة. فالملوك والأمراء يرون مذهب أبي حنيفة أقرب إلى أهوائهم لتحليل بعض المسكر وغيره، ولاسيَّما مع ما فيه من الحِيَل التي كان يتقرّب بها القُضاة إلى الأمراء، حتى","footnotes":"(¬١) هنا أشار المؤلف بعلامة (=) إلى أن تكملة الكلام في (ص ١٠٨)، وما أحال إليه الشيخ كان قد ضرب عليه هناك، لكنه وضع أمامه علامة (=) إشارة إلى نقله في هذا الموضع.\r(¬٢) من \"التنكيل\": (١/ ٧٥٥ - ٧٥٩) وليس فيها ما أشار إليه المؤلف.\r(¬٣) من \"التنكيل\": (٢/ ٧٥٩ - ٧٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442181,"book_id":387,"shamela_page_id":47,"part":"15","page_num":332,"sequence_num":47,"body":"قيل في أبي جعفر الطحاوي ما قيل، كما ذكره ابن النديم في \"الفهرست\" (¬١) وغيره.\rثم الأعاجم من ملوك وأمراء وغيرهم يميلون إلى أبي حنيفة؛ للموافقة في الجنسية، كما أن من أسباب غلوّ الفارسيين في الحسين بن علي وابنه عليّ ﵈ [ص ١٠٩] ما قيل: إن أمّ علي بن الحسين هي ابنة كسرى ملك الفرس، والأستاذ نفسه يشهدُ عليه مَن هو مِن أخصِّ أصحابه وهو الحسام القدسي بشدّة التعصّب لقومه الشراكسة! (¬٢).\rوقول الأستاذ: \"على خلاف ما تواتر عن الشافعي ... \" مجازفة لعلّ الأستاذ لا يستطيع إثبات صحة تلك الكلمات عن الشافعي فضلًا عن تواترها، ولاسيّما مع تكلُّم الأستاذ في الربيع، ومع ذلك فلا منافاة بين تلك الكلمات وبين ما رواه ابن عبد الحكم. وقد أشار ابن أبي حاتم ثم الخطيب إلى أن مراد الشافعي بتلك الكتب بعضَ ما أشار إليه في الرواية الثانية واعترف به الأستاذ؛ ك (كتاب الوقف) و (كتاب المزارعة) وغيرهما.\rوما زعمه الأستاذ في الكتاب القديم للشافعي علَّق عليه في الحاشية ما (¬٣) فيه: \" ... قال البيهقي: رأيت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي بإسناده عن البويطي قال: سمعت الشافعيّ ﵁ يقول: لا أجعل في حلٍّ من روى عني كتابي البغدادي. وهو قديمه، ويروي الراعي الأندلسي في \"الانتصار\": أمر الشافعيُّ بغسل قديمِه كلِّه\".","footnotes":"(¬١) (ص ٢٦٠).\r(¬٢) وانظر \"التنكيل\": (١/ ٧٩٠).\r(¬٣) كذا في الأصل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442182,"book_id":387,"shamela_page_id":48,"part":"15","page_num":333,"sequence_num":48,"body":"وهذا لا يكفي في إثبات ذلك؛ إذ لم يبيّن فيه سند الساجي وسند الراعي. وعلى فرض صحة ذلك فلا يَفْهم منه عاقلٌ أن الشافعيَّ رجع عن قديمه كله؛ لأن في القديم مسائل مقطوعًا بها، ومسائل مجمعًا عليها، ومسائل ناظر الشافعيُّ الحنفيّةَ فيها، ثم حكى في الجديد مناظرته لهم، فغايةُ الأمر أنه رجع عن عددٍ من المسائل كانت مفرَّقةً في الأبواب، وألَّف في مصر كتبَه وهذّبها؛ فصارت حاويةً لما كان في (كتاب الحجة)، مع تهذيب وتنقيح، وخالية عن تلك الفروع التي رجع عنها الشافعي، فإذا رأى أنه بعد ذلك لم يبق لكتابه القديم حاجة للاستغناء عنه بالكتب الجديدة المهذَّبة المنقَّحة، فليس في ذلك ما يعادل ما أنكره الشافعي على أبي حنيفة ولا يقاربه.\rفقول الأستاذ: \"ولولا أن الشافعي رأى قديمَه [ص ١١٠] كلَّه مخالفًا للكتاب والسنة لما رجع هذا الرجوع\" مِن أقبح المجازفات التي تقدح في عقل صاحبها فضلًا عن علمه وتديّنه، والأستاذ مع ذلك يكثر من قوله: \"نسأل الله السلامة. نسأل الله العافية\" ونحو ذلك!\rفأما ما ادّعاه الشافعي من مخالفة نحو ثلثي تلك الكتب للكتاب والسنة، فقد اعترف بذلك أصحاب أبي حنيفة، ومنهم الأستاذ كما تقدَّم في ذِكر (كتاب الوقف) و (كتاب المزارعة) وغيرهما.\rوأما تأليف ابن عبد الحكم كتابًا فيما خالف فيه الشافعيُّ الكتابَ والسنة، فليس لنا ولا للأستاذ تصويب ابن عبد الحكم ولا تخطئته حتى نعرف ما هي المسائل التي ذكرها، فإن اكتفينا بالإجمال كان الظاهر أنه أصاب في بعضها وأخطأ في بعضها، وليس الشافعي بمعصوم عن الخطأ،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442183,"book_id":387,"shamela_page_id":49,"part":"15","page_num":334,"sequence_num":49,"body":"ولا ابن عبد الحكم بمحجوب عن الصواب؛ فإن قَصَرْنا النظرَ على حالِ الرجلين إجمالًا فالشافعي أولى بالصواب.\rوالعلم بالاتفاق والاختلاف في أقاويل الصحابة والتابعين لا يستلزم العلم بمعاني النصوص ودقائق الفقه. وابن عبد الحكم وإن ترك مذهب الشافعي لعدم ظَفَرِه برئاسة أصحابه فقد كان يُعْظِم الثناءَ عليه، ومن ذلك قوله: \"وإن كان أحدٌ من أهل العلم حجة فالشافعي حجة في كل شيء\". كما في ترجمة الشافعي من \"تهذيب التهذيب\" (¬١). وذكر ابن خزيمة أنه لا يعرف عن النبي ﵌ سنةً لم يودعها الشافعي كتابه كما في \"تعجيل المنفعة\" (ص ٥) (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) (٩/ ٣٠).\r(¬٢) (١/ ٢٣٩ - ط البشائر).\r(¬٣) هنا انتهى النقل من (ص ١٠٨ ــ ١١٠) الذي أحال عليه الشيخ في ظهر ص ٣١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442184,"book_id":387,"shamela_page_id":50,"part":"15","page_num":335,"sequence_num":50,"body":"[ص ٣٢] فصل\r[النظر في مطاعن الكوثري على الإمام الشافعي في حواشي \"الانتقاء\"]\rجرت عادة الأستاذ فيما يوكَلُ إليه من تصحيح الكتب التي يُراد طبعها أن يعلّق عليها آراءه بل مقاصده، فيأتي بدواهي! والواجب على ملتزمي الطبع أن لا يمكّنوه من ذلك بعد أن علموا غُلوَّه، فإنَّ فَرْض المصحّح إنما هو تصحيح الألفاظ، فإن كان ولابدّ من تعرّضه للمعاني فليقتصر على ما لا اختلاف فيه بين أهل العلم، لا أن يسعى في تأييد مذهبه وانتقاص غيره. فإن كان لملتزم الطبع هوًى في ذلك فعلى الأقل يقتصر على ما لا يشكّ في تحقيقه.\rوقد حَرَصت في كتابتي هذا النقد على أن لا أراجع الكتب التي علّق عليها الأستاذ خوفًا من التطويل، وإن كنت أعلم أنني لو راجعتها لظفرتُ بعِدّة مناقضات للأستاذ، لكن دعت الحاجة إلى مراجعة \"الانتقاء\" لابن عبد البر، فرأيتُ الأستاذ قد علَّق عليه على عادته، فأحببتُ أن أشير إلى تعاليق الأستاذ عليه وبيان حالها.\rفمن ذلك: أن ابن عبد البر بدأ بمناقب مالك ثم الشافعي ثم ذكر أبا حنيفة، فذكر الأستاذ (ص ٩) (¬١) أن ابن عبد البر اقتصر على هؤلاء كما","footnotes":"(¬١) (ص ٣٤) من الطبعة التي حققها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀، ومما يؤسف له أنه قد أبقى جميع تعليقات الكوثري ورمز لها بـ (ز)، وعلّل إبقاءها بقوله في المقدمة (ص ٢٢): \"استمرارًا لطيّب عَرفها وزاكي نفعها\"! مع أنه يعلم أن ناشرها الأول الحسام القدسي أوقف الكوثري عن التعليق ص ٨٨ من الكتاب معللًا ذلك بأنه \"اطلع على دِخلة في علمه وعمله\" ولم يشر لذلك أبو غدة! وكان المأمول أن يُبقي المفيدَ من التعليقات ــ إن كان ــ، ويطوي البساط على باقيها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442185,"book_id":387,"shamela_page_id":51,"part":"15","page_num":336,"sequence_num":51,"body":"اقتصر عليهم أبو داود في أثرٍ روي عنه (¬١).\rومقصود الأستاذ هنا إخراج أحمد من الفقهاء! فهذه إحدى عقاربه! ولم يكن له في ذكر ذلك حاجة. وقد ذكرتُ في ترجمة أحمد (¬٢) ما فيه كفاية.\rثم ثنّى الأستاذ بزعم أن ابن عبد البر إنما اختار ذاك الترتيب؛ لأنه يفضّل البلدان كذلك، فيفضّل المدينة على مكة، ومكة على الكوفة، ولولا ذلك لقدّم التابعي ــ يعني أبا حنيفة ــ. ثم قال الأستاذ: \"ومراتبهم [ص ٣٣] في الفقه الإسلامي مما يستغني عنه التنويه\" يزعم أن أبا حنيفة أعلاهم مرتبةً.\rوأقول: لا يخفى أن ابن عبد البر إن كان رأى أنّ المدينة أفضل من مكة فإنما ذاك من جهة العلم؛ لأن النبي ﵌ كان معظم أيام التشريع بالمدينة وبها قُبِض. وكان عامة علماء الصحابة بالمدينة، فكان أهلها أعلم من أهل مكة.\rثم لا يخفى أن ابن عبد البر مالكيّ، فمالكٌ عنده أعلاهم مرتبةً في العلم، وقد أكّد ذلك في \"الانتقاء\" بأنه لم يذكر في ترجمة مالك والشافعي شيئًا عِيبا به، إلا أن يعرض له عارض فيدفعه، وقال (ص ١٥) (¬٣): \"رواية هؤلاء الأئمة الجِلّة عن مالك وهو حيّ دليل على جلالة قدره، ورفيع مكانه، في علمه ودينه وحفظه وإتقانه\".","footnotes":"(¬١) الأثر هو: \"رحم الله مالكًا كان إمامًا، رحم الله الشافعي كان إمامًا، رحم الله أبا حنيفة كان إمامًا\" أخرجه ابن عبد البر في \"الانتقاء\" (ص ٦٧).\r(¬٢) من \"التنكيل\" رقم (٣٢).\r(¬٣) (ص ٤٤ - ٤٥ ط المحققة).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442186,"book_id":387,"shamela_page_id":52,"part":"15","page_num":337,"sequence_num":52,"body":"وقال في مقدمة ترجمة الشافعي: \"ونقتصر ... على ما يكفي ويدلّ ويشهد بتقدّمه في علم الحلال والحرام، وإمامته عند جمهور أهل الإسلام\" (¬١).\rوقال في مقدمة ترجمة أبي حنيفة: \"وأذكر ... بعضَ ما حضرني ذِكره من أخبار أبي حنيفة وفضائله، وذِكْر بعض من أثنى عليه وحَمِده، ونبدأ بما (¬٢) طُعِن فيه عليه، لردِّه بما أصَّله لنفسه في الفقه، وردّ بذلك أخبار الآحاد الثقات ... وكان مع ذلك أيضًا لا يرى الطاعات وأعمال البر من الإيمان ... وقد أثنى عليه قوم كثير لفهمه ويقظته وحُسن قياسه وورعه ومجانبته السلاطين، فنذكر في هذا الكتاب عيونًا من المعنيين جميعًا ... \" (¬٣).\rوذَكَر المطاعن من ص ١٤٧ إلى ص ١٥٢ (¬٤). وبذلك علمت منازلهم عند ابن عبد البر. فلو سكت الأستاذ لكان خيرًا له.\rوقال ابن عبد البر (ص ١٢) (¬٥): \"روى عنه ــ يعني مالكًا ــ من الأئمة سوى هؤلاء [ص ٣٤] أبو حنيفة\". فعلّق الأستاذ على ذلك تعليقًا طويلًا؛ بيَّن أولًا أنه لم يثبت رواية أبي حنيفة عن مالك، ثم قال: \"نعم ثبت نظر مالك في كتب أبي حنيفة وانتفاعه بها ... \" وأطال في ذلك وذَكَر روايات فيها نظر، ودَفَع روايات تذكُر انتفاعَ أبي حنيفة بعلم مالك، وبعضها قويّ فلا أطيل بمناقشته.","footnotes":"(¬١) (ص ١١٥).\r(¬٢) كذا في الطبعة القديمة، وفي المحققة: \"ونُبَذًا مما\" وهو الصواب.\r(¬٣) (ص ١٨٤). ووقع فيها بدل \"وردّ بذلك أخبار الآحاد\": \"وردّ بذلك كثيرًا من ... \".\r(¬٤) في المحققة (ص ٢٧١ - ٢٩٨).\r(¬٥) (ص ٤١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442187,"book_id":387,"shamela_page_id":53,"part":"15","page_num":338,"sequence_num":53,"body":"وذكر ابن عبد البر (ص ٢٤) (¬١) محاورة الشافعي ومحمد بن الحسن فعلّق عليها الأستاذ ما يعلم ما فيه مما قدّمته في ترجمة الخطيب (¬٢).\rوذكر ابن عبد البر (ص ٢٧ ــ ٢٨) (¬٣) قولَ ابن وهب: \"لولا أني أدركت مالكًا والليث بن سعد لضللت\". فعلّق عليها الأستاذ بنقل رواية أخرى فيها: \"يعني لاختلاف الأحاديث\" ثم قال: \"كما يقع لكثير من الرواة البعيدين عن الفقه غير المميزين ما قارن العمل به عما سواه\".\rومقصوده بهذا: الإشارة إلى أن الأحاديث الصحيحة التي ردّها أبو حنيفة أو لم يطلع عليها مِن هذا القبيل الذي لا يُعْتَدّ به. وقد ذكرنا في الفقهيّات طرفًا (¬٤) من الكلام معه في بعض تلك الأحاديث.\rوذكر ابن عبد البر (ص ٢٩) (¬٥) ما جاء عن عبد الرحمن بن مهدي أنه سُئل: مَن أعلم، مالك أو أبو حنيفة؟ فقال: مالك أعلم من أستاذ أبي حنيفة ... \" فعلّق عليها الأستاذ: \"هذا على حسب معياره وتقديره، وهو الذي استعصى عليه وجه الجواب لما اعترضوا عليه حين صلى بعد أن احتجم من غير إحداث وضوء ... وإن كان لا ينكر فضل هذا الديلمي في الرواية والكلام في الحديث ورجاله، ولكن لكل علم رجال وميزان\".","footnotes":"(¬١) (ص ٥٦).\r(¬٢) من \"التنكيل\" رقم (٢٦).\r(¬٣) (ص ٦٠ - ٦١).\r(¬٤) كانت العبارة: \"وقد تقدم في الباب الثالث طرف\". فأصلحها إلى ما هو مثبت ونسي أن يضرب على \"الثالث\" وأن يصلح \"طرف\" لتكون مفعولًا.\r(¬٥) (ص ٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442188,"book_id":387,"shamela_page_id":54,"part":"15","page_num":339,"sequence_num":54,"body":"والحكاية التي ذكرها هي في \"الانتقاء\" نفسه (ص ٧٢) (¬١) وليس فيها أنه استعصى عليه الجواب وإنما فيه أنهم \"عابوه وأنكروا عليه، وكان سبب كتابه إلى الشافعي بذلك [ص ٣٥] فوجّه (إليه الشافعي) بالرّسالة\". فيظهر أن ابن مهدي أجابهم ولكن لما رأى أنه قد يَرِد عليه من المسائل ما يحتاج إلى مناظرة أهل الرأي فيه ــ وكان الشافعي قد اشتهر بتفوّقه عليهم ــ أحبَّ ابنُ مهدي أن يستفيد ببعض ما يكتبه الشافعي. ومن البعيد أن يكتب ابنُ مهدي إلى الشافعي يسأله عن تلك المسألة، فيكتب إليه الشافعيُّ برسالته في أصول العلم.\rوقول الأستاذ: \"هذا الديلمي\" مِن بالغِ أدبه!\rوذكر ابن عبد البر (ص ٣٤ ــ ٣٥) (¬٢) من طريق \"عبد الله بن أحمد قال: نا أبي قال: نا سُريج بن النعمان، قال: نا عبد الله بن نافع، قال: كان مالك بن أنس يقول: الإيمان قول وعمل، ويقول: القرآن كلام الله، ويقول: مَن قال: \"القرآن مخلوق\" يوجع ضربًا ويُحْبَس حتى يتوب. وكان مالك يقول: الله في السماء وعِلْمه في كلّ مكان لا يخلو منه شيء\". فعلَّق عليه الأستاذ: \"ابن نافع وسُريج في حفظهما وضبطهما على ما تعرف، ولم يروِ أحدٌ من أصحاب مالك عنه مثل هذا، بل المتواتر عنه عدم الخوض ... ويأتي عنه أيضًا بسنده ما ذكر هنا بدون زيادة ــ وكان مالك يقول: الله في السماء إلخ، فآثار الافتعال ظاهرة على هذه الزيادة، على أنّ هذه الرواية مما شذّ به عبد الله بن أحمد عن أبيه، وقول أبيه في ابن نافع الصائغ معروف، وكم فيما يُنْسَب إلى عبد الله ما يضرب به عرض الحائط، ويَرُوج على من لا ينظر إلى ما يدخل في روايات المكثرين عن آبائهم\".","footnotes":"(¬١) (ص ١٢٢ - ١٢٣).\r(¬٢) (ص ٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442189,"book_id":387,"shamela_page_id":55,"part":"15","page_num":340,"sequence_num":55,"body":"أقول: أما عبد الله بن نافع فقال أبو طالب عن أحمد: \"لم يكن صاحب حديث، كان ضعيفًا فيه\". وقال أبو داود عن أحمد: \"كان عبد الله بن نافع أعلم الناس برأي مالك وحديثه، وكان يحفظ حديثَ مالك كلَّه [ص ٣٦] ثم دخله بأَخَرةٍ شكّ\". قال أبو داود: \"وكان عبد الله عالمًا بمالك، وكان صاحب فقه، وكان ربّما أدلّ على مالك\". قال: \"وسمعت أحمد بن صالح يقول: كان أعلم الناس بمالك وحديثه\". وقال ابنُ معين ــ لما سُئل: مَن الثّبْت في مالك؟ ــ فذكرهم ثم قال: وعبد الله بن نافع ثبت فيه\". وذكر البخاري وأبو حاتم وابن حبان لِينَ حفظه وصحَّة كتابه. ويتلخّص من كلامهم أنه ثقة ثبت في روايته عن مالك، فأما روايته عن غيره فما كان من كتابه فصحيح، وما كان من حفظه ففيه لِيْن.\rفأما قول أحمد: \"ثم دخله بأخرةٍ شكّ\". فالظاهر أن هذا لا يضره هنا، فإن عبد الله توفي سنة ٢٠٤، وسُريج كبير يروي عن فُلَيح بن سليمان المتوفى سنة ١٦٨، مع أنّ الشكّ لا ينافي الضبط، فإنه يبيّن فيما يشكّ فيه أنه شكّ، ولم يشكّ ابن نافع في هذه الرواية.\rوأما سُريج فقال ابن معين والعجلي وأبو داود وابن سعد: \"ثقة\"، زاد أبو داود: \"حدثنا عنه أحمد بن حنبل، غَلِط في أحاديث\". والمُكْثِر إذا غلط في أحاديث فحكمه أن يحتجّ به فيما لم يتبيَّن غلطه فيه.\rوقال الحاكم عن الدارقطني: \"ثقة مأمون\".\rوأما عبد الله بن أحمد فقد مرّت ترجمته (¬١)، وهو ثقة فاضل وإن رَغِم الجهميةُ.","footnotes":"(¬١) من \"التنكيل\": (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442190,"book_id":387,"shamela_page_id":56,"part":"15","page_num":341,"sequence_num":56,"body":"وأما أنه لم يرو أحدٌ من أصحاب مالك عنه مثل هذا، فلم أتتبّع ذلك، ولا أثق بمجازفة الأستاذ! وهب أن الأمر كذلك فلا ضير، فإن عبد الله بن نافع كان أعلمهم بمالك وألْزَمهم له ومِن أثبَتهم فيه.\rوأما أن المتواتر عنه عدم الخوض، فذاك فيما يَدِقّ، فأما أن الله في السماء وعلمه في كلّ مكان، أي أنه يعلم كلّ شيء، فهذا صريح الفطرة والعقل، صريح في القرآن والسنن الصحاح.\rوأما قول: \"ويأتي عنه أيضًا بسنده ما ذُكر هنا بدون زيادة ... \". فالذي جاء بعد ذلك هو: \"جعفر بن محمد الصائغ يقول: سمعت [ص ٣٧] سُريج بن النعمان يقول: سمعتُ عبد الله بن نافع الصائغ يقول: كان مالك بن أنس يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص\" (¬١). وهذه رواية مختصرة؛ لأن الرواية الأولى جمعت عِدّة أقوال كما رأيت، فاقتصر الرواي في هذه على بعض تلك الأقوال؛ لأن الحال كان يقتضيه وحده. ومثل هذا كثير من صنيعهم، وقد قدمتُ بعض الكلام في ذلك في ترجمة الخطيب (¬٢).\rأما قول الأستاذ: \"فآثار الافتعال ظاهرة على هذه الزيادة\". فمِن أماني الأستاذ!\rوعلق الأستاذ (ص ٥٩) (¬٣) كلامًا في مسألة القضاء بالشاهد واليمين وقد بسطتها في الفقهيات (¬٤).","footnotes":"(¬١) \"الانتقاء\" (ص ٧٣).\r(¬٢) في \"التنكيل\" رقم (٢٦).\r(¬٣) (ص ١٠٧).\r(¬٤) من \"التنكيل\": (٢/ ٢٣٩ وما بعدها).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442191,"book_id":387,"shamela_page_id":57,"part":"15","page_num":342,"sequence_num":57,"body":"ثم علّق الأستاذ على ترجمة الشافعي فبدأ (ص ٦٦) (¬١) بما يتعلّق بنسب الشافعي، وقد مرّ (¬٢).\rوعلّق على (ص ٦٧) (¬٣) عند ذِكْر أن الشافعي قَدِم بغداد سنة ١٩٥ ثم سنة ١٩٨ فقال: \"وقَدِم العراق قبلها في عهد طلبه للعلم حين حُمِل مع بعض العلوية من اليمن سنة ١٨٤، وإذ ذاك تلقى الفقه عن محمد ... \". وقد تقدّم (¬٤) الكلامُ فيه في هذا، وأثبتنا أن الشافعي في قَدْمته الأولى كان مجتهدًا، وأشرنا إلى بعض مناظراته مع محمد في \"الأم\" (¬٥). وفي ذلك ما يكفي لكشف تَعْمِية الأستاذ.\rوعلّق على (ص ٦٩ وص ٧٤) (¬٦) ما له فيه غرض لا حاجة بنا إلى التشاغُل به.\rوعلَّق على (ص ٧٦ ــ ٧٧) (¬٧) عند ذِكْر ثناء أحمد على الشافعي: \"وأما ما يرويه أبو الحسين بن أبي يعلى في \"طبقاته\" في ترجمة أبي بكر المرّوذي أنه قال: قلت لأحمد: أترى أن يكتب الرجلُ كتبَ الشافعي؟ قال: لا. قلت: أترى أن","footnotes":"(¬١) (ص ١١٦).\r(¬٢) مبحث نسب الشافعي سقط من أول النسخة كما سبق الإشارة إليه، وانظر المبحث في \"التنكيل\": (١/ ٦٨٨ - ٧٠١).\r(¬٣) (ص ١١٧).\r(¬٤) (ص ٢١ وما بعدها).\r(¬٥) (ص ٢٤ - ٢٦).\r(¬٦) (ص ١١٩ - ١٢٥).\r(¬٧) (ص ١٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442192,"book_id":387,"shamela_page_id":58,"part":"15","page_num":343,"sequence_num":58,"body":"يكتب \"الرسالة\"؟ قال: لا تسألني عن شيء مُحْدَث، قلت: كتَبْتَها؟ قال: معاذ الله لا نكتب كلامَ [ص ٣٨] مالك ولا سفيان ولا الشافعي ولا إسحاق بن راهويه ولا أبي عبيد.\rوما يروونه عنه أيضًا أنه سُئل عن \"موطأ مالك\" و\"جامع سفيان\" أيهما أحبّ إليك؟ قال: لا هذا ولا ذاك. وما يرويه أبو موسى المديني في \"النُّصح الجلي\" بطريق الحسين بن عبد الله عن الأثرم عن أحمد أنه قال: كنت أجالسه ــ يعني الشافعي ــ هنا كثيرًا، فلما قدم مصر تغيّر وجاء بالتأويل والرأي. ونحوها= فأخبار تالفة اختلقها الحشويةُ على لسانه لصرف وجوه الأمة عن أئمة الفقه، كما فعلوا مثل ذلك مع أبي حنيفة ... \".\rأقول: الذي يسمّيهم الأستاذ \"حشوية\" ويريد بهم الحنابلة؛ فيهم ثقات أفاضل وفيهم غير ذلك، فإذا كان رجال هذه الحكايات مِن ثقاتهم فإننا نقبلها على الرأس والعين، ونقول: قد ثبت عن أحمد أنه كان يكره كتابة كلامه وكلام غيره، ويرى للعالم أن يكتب السننَ والآثارَ، وينظر في كلام العلماء يستعينُ به على الفهم، فقد لا يكون أحمد كتب شيئًا من كتب الشافعي وإن كان قد سمعَ بعضَها وطالعَ بعضها، وكذلك كُتُب غيره. وقد يكون أحمد يفرّق بين الناس، فلم يَرَ للمرّوذي أن يكتب كتب الشافعي ورخَّصَ لغيره.\rوأما قوله في \"الموطأ\" و\"جامع سفيان\" فإنما أراد به ما فيهما من المسائل. فأما الأحاديث والآثار فقد كتبها أحمدُ نفسُه وأثبتها في \"مسنده\" و\"زهده\".\rوأما الرواية الثالثة وفيها: \"فلما قَدِم مصر تغيّر وجاء بالتأويل والرأي\". فالحسين بن عبد الله إن كان هو ورّاق داود فقد ضعّفه الدارقطني ورُمي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442193,"book_id":387,"shamela_page_id":59,"part":"15","page_num":344,"sequence_num":59,"body":"بسرقة الحديث، وإن كان غيره فمجهول كما ذكره ابن حجر في \"لسان الميزان\" (ج ٢ رقم ١٣١٧) (¬١).\rوهب أنّ الحكاية صحّت فقد كان أحمد يكره الكلام في المسائل التي لم تقع، فلا يمتنع أن يكره توسّع الشافعي فيها في كتبه المصرية، ولعله لم يعجبه رجوع الشافعي عن بعض مسائله البغدادية. وليس في ذلك ما ينافي استمراره على ولاء الشافعي والثناء عليه كما ثبت من وجوه كثيرة، وإنما مقصوده بهذا القول ــ إن كان قاله ــ التحذير من تقليد الشافعي [ص ٣٩] والإعراض عن الكتاب والسنة، والشافعيُّ نفسُه على هذا، وإنما ألّف تلك الكتب لينتفع الناسُ بها في تعلّم طريق النظر. وهذا المزني يقول في أول \"مختصره\" (¬٢): \"اختصرتُ هذا الكتاب من عِلْم محمد بن إدريس الشافعي ﵀، ومن معنى قوله؛ لأقرِّبه على من أراده مع إعْلامِيه نَهْيَه عن تقليده غيره؛ لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه\".\rوللأستاذ في هذا التعليق أغراض:\rالأول: الطمع في التخلّص مما رواه ثقات الحنابلة في الكلام في أبي حنيفة وأصحابه.\rالثاني: الطمع في التخلّص مما رووه في العقائد.\rالثالث: أن يفتن بين الشافعية والحنابلة.\rالرابع: أن يحكي شيئًا يرى فيه غضًّا من الشافعي.","footnotes":"(¬١) (٣/ ١٧٥ - ١٧٦).\r(¬٢) (ص ١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442194,"book_id":387,"shamela_page_id":60,"part":"15","page_num":345,"sequence_num":60,"body":"فلينظر الأستاذ كيف خاب أملُه وبان فَشَلُه!\rوذكر ابنُ عبد البر (ص ٧٨) (¬١) ذمَّ الشافعي النظرَ في الكلام، فعلّق عليه الأستاذ: \"يعني نظر مثل مخاطبه في مثل كلام حفص الفَرْد، بقرينة السباق والسياق، جمعًا بين الأقوال المرويّة عن الشافعي. ولم يزل السلف ينهون العوام عن الخوض في الكلام لاسيّما في كلام أهل البدعة، ولكلّ علمٍ رجال\".\rأقول: هذا من تحريف الكَلِم عن مواضعه، والشافعيُّ وغيره من الأئمة ينهون عن النظر في الكلام مطلقًا، وليس من الكلام إظهار ما تعرفه الفِطَر السليمة والعقول المستقيمة، وجاءت به نصوصُ الكتاب والسنة وآثار السلف، بدون تعمّق في اللازم، ولازم اللازم، وهلمَّ جرًّا.\rوالأستاذ يحاول أن يجعلَ أئمة السنة سلفًا وخَلَفًا عامَّةً جُهّالًا في العقائد، ويجعلَ الجَعْدَ بن درهم [ص ٤٠]، والجهمَ بن صفوان في أكثر أقواله، وأبا حنيفة فيما يقال, وأتباعه دُعاة المحنة في عهد المأمون، وأتباعَهم كابن الثلجي والأشعري ــ قبل أن يرجع ــ والماتريدي وأتباعَهم هم فرسان الكلام، وهم العلماء بالله، حتى أراه يجعلهم أعلم بذلك من أصحاب النبي ﵌.\rوقد كاد الأستاذ يصرِّح بهذا في بعض تعاليقه، وقد توغّل بعض أئمته إلى أبعد من هذا مما يلزمهم، وهو معروف في محلّه.\rوقد قال موسى بن سيار الأسواري في أوائل القرن الثاني: \"إن أصحاب رسول الله ﵌ كانوا أعرابًا جُفاةً فجئنا نحن","footnotes":"(¬١) (ص ١٣١ - ١٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442195,"book_id":387,"shamela_page_id":61,"part":"15","page_num":346,"sequence_num":61,"body":"أبناء فارس فلخّصنا هذا الدين\" كما في \"لسان الميزان\": (٦/ ١٣٦) (¬١). وكأني بالأستاذ يقف على هذه المقالة فيقول في نفسه: \"صدق\"!\rوذكر ابن عبد البر (ص ٧٩) (¬٢) عن الشافعي: ما في أهل الأهواء أشْهَد بالزور من الرافضة. فقال الأستاذ: \"وهم الخطّابية الذين يستجيزون الكذب على المخالف، وعَدَت عدواها بعض الحمقى من الرواة\". يشير إلى ما افتراه ابن السبكي على الحنابلة (¬٣).\rوذكر ابن عبد البر (ص ٨١) (¬٤) عن الشافعي قوله: \"الإيمان قول وعمل وعقد، ويزيد وينقص\". وفي السند عبيد الله بن عمر البغدادي، فعلّق عليه الأستاذ: \" ... يرمى بالرواية عمن لم يلحق ... ليس في موضع التعويل فيما ينفرد به\".\rوقد اعتمد الأستاذ ما رواه عبيد الله هذا في أن محمد بن الحسن هو الذي خلّص الشافعي من القتل لمّا حُمل إلى بغداد!\rوذكر ابن عبد البر في (ص ٨٠ ــ ٨١) (¬٥) بعضَ ما يُروى عن الشافعي مما يدلّ على تصديقه بالقدر والرؤية، ثم قال: \"هذا هو الصحيح عنه [ص ٤١] وقد روى عنه بعضُ أهلِ الكلام خلافَ ذلك ولا يصح عنه\".","footnotes":"(¬١) (٨/ ٢٣٢).\r(¬٢) (ص ١٣٣).\r(¬٣) كتب المؤلف بعده: \"وقد تقدم الكلام فيه في الباب الثاني\" ثم ضرب عليه. وكلام ابن السبكي في \"طبقات الشافعية\": (٢/ ١١٩ و ٤/ ٣٤).\r(¬٤) (ص ١٣٤).\r(¬٥) (ص ١٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442196,"book_id":387,"shamela_page_id":62,"part":"15","page_num":347,"sequence_num":62,"body":"فقال الأستاذ: \"لعله يريد القاضي عبد الجبار الهَمَذاني، حيث قال في \"طبقات المعتزلة\": إن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني أخذ المذهب عن عَمرو بن عبيد. ولا نزاع في كون إبراهيم معتزليًّا. ومسلم بن خالد الزنجي أخذ المذهب عن غيلان بن مسلم الدمشقي، وكان الشافعي تلميذًا لإبراهيم بن أبي يحيى ولمسلم بن خالد، فاجتمع للشافعي رجلان من أهل الحق من القائلين بالعدل والتوحيد: إبراهيم ومسلم. ا? . إلى آخر ما ينقله الرازي عنه.\rوصِلَته بحفص الفرد وبِشر بن غياث وإبراهيم بن عُليّة صِلَةُ ردٍّ عليهم. وأما أخْذ أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى الشافعي عنه ببغداد، وكونه أول من خَلَفه هناك، فلا عَتْب به عليه، فكم من تلميذ حاد عن طريقة أستاذه. وما يُروى عن المزني في القرآن فغير ثابت عنه ... وأما التمسّك بأنه لم يُمتحَن غير البويطي مِن أصحابه في القرآن فأوهن (¬١) من بيت العنكبوت، فإن موافقتهم إنما كانت (¬٢) في اللفظ ولا تثريب في ذلك عليهم\".\rأقول: ظاهر هذا الكلام لا بأس به، ولكن قد عوّدنا الأستاذ أنه إنما يحوم حول أغراضه، فلا لوم علينا إذا قلنا: قد يكون للأستاذ في هذا الكلام أغراض:\rمنها: أن يرى الناسُ أنه كما نُسِبت المذاهبُ المستشنعةُ إلى أبي حنيفة فقد نُسبت إلى الشافعي.\rومنها: أن يخيّل للقارئ بجمع هذه الأمور صحّة نِسبة البدعة إلى الشافعي.","footnotes":"(¬١) الأصل: \"فأوهى\" والمثبت من كتاب الكوثري.\r(¬٢) في تعليق الكوثري: \"ما كانت إلا\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442197,"book_id":387,"shamela_page_id":63,"part":"15","page_num":348,"sequence_num":63,"body":"ومنها: أن يباعد الشافعيَّ وأصحابَه عن فضيلة القول بخلق القرآن؛ فإنها في زَعْم الأستاذ فضيلة! !\rثم أقول: أما إبراهيم بن أبي يحيى فَقَدريّ، وإنما أخذ الشافعيُّ عنه أحاديث وآثارًا. ولم يزل أهل العلم يروون عن [ص ٤٢] القدريّة. وقد ثبتت براءةُ الشافعي من القدر بعدَّة كلمات منقولة عنه، ولم يُنقل عنه خلافها. وقد جالسه أحمد بن حنبل وغيره فلم يروا من اعتقاده إلا ما يسرّهم.\rوأما مسلم بن خالد فلم يثبت عنه القول بالقَدَر.\rوأما بِشر المريسي فضالّ مُضلّ، واتفق للشافعي الاجتماع به، فكان يذاكره في الفقه ويعذله في الكلام وينصحه في تركه، فلم يقبل، فهجره الشافعي.\rوأما ابن عُليّة فكان الشافعي مهاجرًا له.\rوأما حفص الفَرْد فتعرّض للشافعي مرة أو مرتين فكفّره الشافعي.\rوقد اجتمع الشافعي ببعض من يغلو في الرأي ويردّ السنن، فناظرهم عدة مناظرات، كما تراه في \"الرسالة\" و\"الأم\" و\"اختلاف الحديث\" فكَسَر الله تعالى به شوكَتَهم، ولم يتعلّق به شيء من أوضارهم.\rوأما أبو عبد الرحمن البغدادي فأخذ عن الشافعي الفقه، ثم مال إلى الدنيا في أيام المأمون فوافق الجهمية، والشافعيُّ بريٌّ من بدعته.\rوأما المحنة بخلق القرآن فقد صَبَر لها خليفةُ الشافعي، وهو أبو يعقوب البُوَيطي حتى مات في قيوده. فإن كان دُعاة المحنة اكتفوا به لكونه رئيس الجماعة فلم يعرضوا لغيره من أصحاب الشافعي فذاك، وإن كانوا عَرَضوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":442198,"book_id":387,"shamela_page_id":64,"part":"15","page_num":349,"sequence_num":64,"body":"لهم، فاتقوا بإظهار القول كما اتقى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيره فعذرهم ظاهر.\rوعلّق الأستاذ (ص ٨٥ ــ ٨٧) (¬١) في مسألة القضاء بشاهد ويمين، وقد بسطناها في الفقهيَّات (¬٢)، وذكر الأستاذ أشياء قد أجاب عنها الشافعي بما لا مزيد عليه.\rوعلق الأستاذ على (ص ٨٨) (¬٣) كلامًا في ابن جهضم الذي روى ابن عبد البر من طريقه رؤيا فيها بشارة للشافعي، وههنا استيقظ الحسام القدسي القائم بطبع الكتاب لعقارب الأستاذ فأوقفه عن التعليق ــ أحوجَ ما كان إليه وأحْرَصَ ما كان عليه ــ كما نبّه على ذلك في المقدمة إذ قال: \"كان الشيخ محمد زاهد الكوثري يصحّح الكتاب ويعلّق [ص ٤٣] عليه، ثم أوقفتُ ذلك في الصفحة ٨٨ لما اطلعتُ عليه مِن دِخْلَة في علمه وعمله ... \".\rفلقد أحسن القُدسيّ إلى العلم وأهله وإلى نفسه ومكتبته وإليّ خاصةً؛ إذ كفاني مُؤْنة الردّ على تخرّصات الأستاذ. وههنا أخْتِم ترجمةَ الإمام الشافعي، فأما فضائله ومناقبه فمعروفة.","footnotes":"(¬١) (ص ١٤١).\r(¬٢) من \"التنكيل\": (٢/ ٢٣٩ وما بعدها).\r(¬٣) (ص ١٤٢).","hints":null,"services_raw":null}