{"page_id":4764945,"book_id":5316,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":null,"sequence_num":1,"body":"الرد على الكاتب المفتون\r\rتأليف\rالفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري\rغفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين\r\rدار اللواء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764946,"book_id":5316,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":2,"body":"﷽","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764947,"book_id":5316,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":3,"body":"حقوق الطبع محفوظة للمؤلف\rالطبعة الأولى\r١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م\r\rالمملكة العربية السعودية - الرياض ١١٤٦١\rدار اللواء: ص. ب: ٢٨٥٦ شارع الملك فيصل\rهاتف: ٤٠٢٨٠٨٤ - ٤٠٥١٧٥٤ - برقياً: نشر دار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764948,"book_id":5316,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":4,"body":"«القسم الأول»","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764949,"book_id":5316,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":5,"body":"﷽\rالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, أرسله الله رحمة للعالمين, وحجة على المعاندين, وأمره بجهاد الكفار والمنافقين, وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً.\rأما بعد فقد رأيت مقالاً سيئاً لبعض المفتونين ببعض البدع المحدثة في الإسلام, وقد نشرته جريدة الندوة في عددها ٧٨٤٥ الصادر في اليوم الثاني من شهر ربيع الثاني سنة ١٤٠٥ هـ وقد تهجم الكاتب على خطباء المساجد وأنكر عليهم ما صرحوا به في خطبهم من إنكار الولائم التي يصنعها أهل الميت للعزاء, وتهجم أيضاً على الخطيب في المسجد الحرام وأنكر عليه ما صرح به من إنكار الاحتفال بالمولد النبوي, وقد قيل: «من أمن العقوبة أساء الأدب» , وبعد إيراد المقال السيء بنصه أذكر ما فيه من الأخطاء الكثيرة إن شاء الله تعالى.\rقال صاحب المقال: «خطب الجمعة وحوادث الساعة»:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764950,"book_id":5316,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":6,"body":"ما بال خطباء المساجد عندنا يريدون أن يحجروا واسعاً ويتدخلوا حتى في خصوصيات الناس ويفتون بأن الولائم التي تقام للعزاء محرمة ومخالفة لسنة رسول الله, لماذا؟ وهل هذه الولائم أصبحت من الدين حتى تكون بدعة؟ وهل نجحنا في محاربة الرذائل والمفاسد في المجتمع الإسلامي وواجب علينا الكلام في هذه الأمور التي لا تمت إلى الدين أو العبادة من قريب أو بعيد.\rأيها الناس إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن وليتنا نستطيع أن نطهر مجتمعنا من الحرام ونقنع الناس باجتنابه بدلاً من إكثار الممنوعات والمحرمات حتى نطفشهم وندفعهم للتمرد وعدم تصديقنا في أن كل شيء حرام حتى المأدبة التي يقيمها أهل الميت في اليوم الثالث من الوفاة حيث يجلسون لاستقبال المعزين والمعزيات ويطعمون الفقير والفقيرات.\rماذا في ذلك؟ وهل كل ما لم يفعله الرسول وأصحابه حرام أو العكس هو الصحيح؟ أي إن الأصل في كل الأعمال هو الحل إلا ما ورد نص بالتحريم له, وأين النص الصريح في تحريم المآدب في المآتم؟.\rكذلك شغل خطيب المسجد الحرام جمعتين بالكلام عن الاحتفال بالمولد النبوي وتحريمه وتجريمه, وكان المفروض أن يتحدث عن أحداث الساعة, عن المجاعة التي تفتك بالمسلمين في عدد من بلادهم, عن حث إخوانهم المصلين على إغاثتهم قبل أن يسعفهم التبشير الصليبي والإغراء الصهيوني كما فعل بعض خطباء المساجد.\rأيها الناس ارحمونا من هذا الكلام الممل من كثرة التكرار وعظونا وبصرونا بالمفاسد والمحرمات الحقيقية وأنفذوا بكلامكم إلى أعماق نفوسنا بالحكمة والموعظة الحسنة واتركوا الكلام عن الموائد والمآتم إلا عما هو محرم فيها قطعاً لا مجال فيه للتأويل أو الحل, فقد كان من الملاحظ أنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764951,"book_id":5316,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":7,"body":"لم يبدأ الخطيب في الكلام عن مآدب المآتم وتحريمها حتى نهض المصلون وتركوا المسجد رغبة عن السماع لمثل هذا الكلام. انتهى كلامه.\rوالجواب: أن يقال هذا الكلام كله خطأ من أوله إلى آخره لأنه يتضمن الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف, ويتضمن أيضاً رؤية المعروف منكراً ورؤية المنكر معروفاً, وهذا من مصداق ما جاء في الحديث الذي رواه رزين عن علي ﵁ مرفوعاً, وفيه: «كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف» قالوا: يا رسول الله وإن ذلك لكائن قال: «نعم وأشد, كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً» قالوا: يا رسول الله وإن ذلك لكائن قال: «نعم». وروى أبو يعلى والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً». وروى ابن وضاح عن ضمام بن إسماعيل المعافري عن غير واحد من أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال: «كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً».\rوروى ابن وضاح أيضاً عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «يأتي على الناس زمان تكون السنة فيه بدعة والبدعة سنة والمعروف منكراً والمنكر معروفاً» , وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً, وهي تنطبق على صاحب المقال وعلى أمثاله من المفتونين بالبدع. وما أكثرهم في زماننا لا كثرهم الله.\rفأما قول الكاتب ما بال خطباء المساجد عندنا يريدون أن يحجروا واسعاً ويتدخلوا حتى في خصوصيات الناس ويفتون بأن الولائم التي تقام للعزاء محرمة ومخالفة لسنة رسول الله, لماذا؟\rفجوابه من وجوه, أحدها أن يقال: إن الخطباء الذين أشار إليهم الكاتب لم يحجروا شيئاً من الأمور الجائزة وهي التي لم يرد الشرع المطهر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764952,"book_id":5316,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":8,"body":"بالمنع منها. وإنما حجروا البدع والمحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها, وقد جاء في ذلك أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ , منها ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم الذهبي وقال ابن عبد البر في كتابه: «جامع بيان العلم وفضله» حديث عرباض بن سارية في الخلفاء الراشدين حديث ثابت صحيح انتهى كلامه.\rولم يذكر عن النبي ﷺ أنه أمر أمته بإقامة الولائم للعزاء, ولا أنه فعل ذلك, ولا أن أحداً من أصحابه فعل ذلك فأقره عليه, وكذلك لم يذكر عن أحد من الخلفاء الراشدين أنه أقام وليمة للعزاء أو أنه أمر بذلك أو أن أحداً فعل ذلك في زمانهم فأقروه عليه, وعلى هذا فإن إقامة الولائم للعزاء يكون من المحدثات التي حذّر منها رسول الله ﷺ وأخبر أنها بدعة وضلالة.\rومنها ما رواه الإمام أحمد أيضاً ومسلم وابن ماجه والدارمي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وقد رواه النسائي بإسناد جيد ولفظه «إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764953,"book_id":5316,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":9,"body":"بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار».\rومنها ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما هما اثنتان الكلام والهدي فأحسن الكلام كلام الله وأحسن الهدي هدي محمد ألا وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقد رواه ابن وضاح وابن عبد البر وغيرهما موقوفاً على عبد الله بن مسعود ﵁, وعلى تقدير صحة وقفه فله حكم الرفع لأنه لا يقال بالرأي وإنما يقال عن توقيف كما قد جاء ذلك في حديث جابر ﵁.\rوفي حديثي جابر وابن مسعود ﵄ دليل على المنع من إقامة الولائم للعزاء لأن ذلك لم يكن من هدي رسول الله ﷺ وما لم يكن من هديه فهو من المحدثات التي هي من شر الأمور ومن البدع والضلالات وقد حذّر النبي ﷺ من المحدثات غاية التحذير كما تقدم النص على ذلك في الأحاديث المذكورة.\rومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوماً به: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».\rقال النووي في شرح مسلم قال أهل العربية الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به, قال: وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات. وقال أيضاً: وهذا الحديث مما ينبغي حفظه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764954,"book_id":5316,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":10,"body":"واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به انتهى.\rوقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه. ثم ذكر قول النووي: إن هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك, قال وقال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع. قال الحافظ: وفيه رد المحدثات وأن النهي يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها.\rقلت: ومن الأعمال المردودة إقامة الولائم للعزاء لأن ذلك لم يكن من أمر النبي ﷺ ولا من عمل الصحابة ﵃ ولا من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان إنما هو من المحدثات التي حذّر منها رسول الله ﷺ وأخبر أنها بدعة وضلالة. وما كان كذلك فهو مردود بقول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وبقوله أيضاً: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».\rوقد كان هدي رسول الله ﷺ مع أهل الميت مخالفاً لهدي أهل البدع فإنه كان يأمر أن يصنع الطعام لأهل الميت لشغلهم بالمصيبة عن صنع الطعام. قال عبد الله بن جعفر ﵄ لما جاء نعي جعفر قال النبي ﷺ: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد جاءهم ما يشغلهم» رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم والذهبي. وقد ترجم أبو داود على هذا الحديث بقوله: «باب صنعة الطعام لأهل الميت» وترجم عليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764955,"book_id":5316,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":11,"body":"الترمذي بقوله: «باب ما جاء في الطعام يصنع لأهل الميت» وترجم عليه ابن ماجه بقوله: «باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت» وترجم عليه البيهقي بقوله: «باب ما يهيأ لأهل الميت من الطعام» وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أسماء بنت عميس ﵂ نحو حديث ابنها عبد الله بن جعفر ﵄ ولفظه أن رسول الله ﷺ قال لأهله: لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لها طعاماً فإنه قد شغلوا بأمر صاحبهم».\rفهذا هو المشروع مع أهل الميت. فأما الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للذين يأتون إليهم للعزاء فهو من النياحة. قال ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن طلحة - يعني ابن مصرف - قال قدم جرير على عمر فقال: هل يناح قِبَلكم على الميت؟ قال: لا, قال: فهل تجتمع النساء عندكم على الميت ويطعم الطعام؟ قال: نعم, فقال: تلك النياحة. وروى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة» وقد رواه ابن ماجه بإسنادين صحيحين أحدهما على شرط البخاري والآخر على شرط مسلم. وبوّب عليه بقوله: «باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام». وروى ابن أبي شيبة عن وكيع بن الجراح عن سفيان عن هلال بن خباب عن أبي البختري قال: الطعام على الميت من أمر الجاهلية والنوح من أمر الجاهلية. وقد ذكره عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن هلال بن خباب عن أبي البختري. وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن فضالة بن حصين عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير قال: ثلاث عن أمر الجاهلية بيتوتة المرأة عند أهل المصيبة ليست منهم والنياحة ونحر الجزور عند المصيبة. وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن ليث عن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764956,"book_id":5316,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":12,"body":"سعيد بن جبير قال: ثلاث من عمل الجاهلية النياحة والطعام على الميت وبيتوتة المرأة عند أهل الميت ليست منهم. وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن معن بن عيسى عن ثابت بن قيس قال: أدركت عمر بن عبد العزيز يمنع أهل الميت الجماعات يقول: ترزون وتغرمون.\rقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وأما صنعة أهل الميت طعاماً يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع وإنما هو بدعة انتهى.\rونقل العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في «عون المعبود» قول ابن الهمام: في «فتح القدير» شرح الهداية. يستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم يومهم وليلتهم, ويكره اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل البيت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة انتهى. قال أبو الطيب ويؤيده حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: «كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة» أخرجه ابن ماجه: وبوّب «باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام» وهذا الحديث سنده صحيح ورجاله على شرط مسلم قاله السندي. وقال أيضاً: قوله كنا نرى. هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير من النبي ﷺ , وعلى الثاني فحكمه الرفع وعلى التقديرين فهو حجة, وبالجملة فهذا عكس الوارد, إذ الوارد أن يصنع الناس الطعام لأهل الميت.\rفاجتماع الناس في بيتهم حتى يتكلفوا لأجلهم الطعام قلب لذلك. وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الضيافة لأهل الميت قلب للمعقول لأن الضيافة حقاً أن تكون للسرور لا للحزن انتهى. وقوله: أن الضيافة لأهل الميت. معناه من أهل الميت وهي إقامتهم الولائم للعزاء.\rوقد نقل المباركفوري في «تحفة الأحوذي» قول ابن الهمام يكره","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764957,"book_id":5316,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":13,"body":"اتخاذ الضيافة من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة. قال: وقال القاري واصطناع أهل الميت الطعام لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة, بل صح عن جرير ﵁ «كنا نعده من النياحة» وهو ظاهر في التحريم انتهى.\rونقل النووي في الروضة وشرح المهذب عن صاحب الشامل أنه قال: وأما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمعهم الناس عليه فلم ينقل فيه شيء. قال: وهو بدعة غير مستحبة. قال النووي في الروضة وهو كما قال انتهى واستدل في «شرح المهذب» على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله ﵁ الذي تقدم ذكره وقال: رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه بإسناد صحيح.\rونقل الشيخ محمد الشربيني الخطيب في «مغني المحتاج. إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» عن ابن الصباغ وغيره أنهم قالوا: أما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمع الناس عليه فبدعة غير مستحب, ثم استدل على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله ﵁ الذي تقدم ذكره.\rوقال شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة بن شهاب الدين الرملي في كتابه «نهاية المحتاج. إلى شرح المنهاج» ويكره كما في الأنوار وغيره أخذاً من كلام الرافعي والمصنف - يعني النووي - أنه بدعة لأهله صنع طعام يجمعون الناس عليه قبل الدفن وبعده لقول جرير: «كنا نعد ذلك من النياحة» انتهى.\rوقال ابن الحاج في «المدخل»: وأما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمع الناس عليه فلم ينقل فيه شيء وهو بدعة غير مستحب. قال: وقد سئل مالك ﵀ عن جمع الناس على العقيقة فأنكر ذلك وقال: تشبه بالولائم. قال ابن الحاج: فإذا كان هذا قوله في العقيقة فما بالك به في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764958,"book_id":5316,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":14,"body":"الطعام الذي اعتاد بعضهم عمله في بيت الميت وجمع الناس عليه. قال وقال أزهر بن عبد الله: من صنع طعاماً لرياء وسمعة ولم يستجب الله لمن دعا له ولم يخلف الله عليه نفقة ما أنفق. قال ابن الحاج: وإذا كان هذا في وليمة العرس والختان فما بالك بما اعتاده بعضهم في هذا الزمان من أهل الميت يعملون الطعام ثلاث ليال ويجمعون الناس عليه عكس ما حكي عن السلف ﵃. فليحذر من فعل ذلك فإنه بدعة مكروهة انتهى.\rوكلام العلماء في المنع من إقامة الولائم في المآتم وتصريحهم بأن ذلك من البدع كثير جداً, وفيما ذكرته ههنا كفاية لمن أراد الله به خيراً, ومن يضلل الله فلا هادي له.\rوفيما ذكرته من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من المحدثات والأمر بردها. وما رواه ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: في اجتماع النساء على الميت وإطعام الطعام تلك النياحة. وما رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه ذكر عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يعدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة. وما رواه ابن أبي شيبة عن أبي البختري وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز أنهم أنكروا الاجتماع إلى أهل الميت وإطعام الطعام, كل هذا فيه رد على الكاتب الذي تهجم على خطباء المساجد وأنكر عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من البدع والمحدثات, ومنها إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بالمولد النبوي, وفيما ذكرته أيضاً عن العلماء من الذم لإقامة الولائم في المآتم وتصريحهم أن ذلك بدعة مستقبحة وأنه من قلب المعقول. فيه أبلغ رد على الكاتب الذي بذل جهده في تقرير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764959,"book_id":5316,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":15,"body":"بدعة المآتم والذب عنها.\rوبالجملة فالخطباء قد أحسنوا غاية الإحسان في نصيحتهم المسلمين وتوجيههم إلى الخير وتحذيرهم من البدع وأنواع المنكرات.\r\rوأما صاحب المقال فإنه قد أساء إلى نفسه وإلى غيره من الناس, فأما إساءته إلى نفسه فهو أنه قد وضعها في صف الذين أخبر الله عنهم أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف, وأما إساءته إلى الغير فهو أنه قد حسّن لهم بدعة المآتم والمولد ودعاهم بكتابته التي نشرها في جريدة الندوة إلى ارتكاب ما حذر منه رسول الله ﷺ من المحدثات التي قد أمر بردها ووصفها بالضلالة وأخبر أنها من شر الأمور وأنها في النار, فلا يأمن الكاتب أن يكون له نصيب من قول الله تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يرزون﴾ وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد قرر النووي في شرح مسلم أن الإثم يكون لمن دعا إلى الضلالة سواء كان هو والذي ابتدأها أم كان مسبوقاً إليها.\rالوجه الثاني: أن يقال: أنه يجب التدخل في خصوصيات الناس وفي عمومياتهم إذا تركوا شيئاً مما أمر الله به أو أمر به رسول الله ﷺ أو ارتكبوا شيئاً مما نهى الله عنه أو نهى عنه رسول الله ﷺ. ومن ذلك فعل البدع والمحدثات لأن رسول الله ﷺ قد حذّر منها أشد التحذير. والدليل على وجوب التدخل في مخالفة الأوامر وارتكاب النواهي قول الله تعالى: ﴿ولتكن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764960,"book_id":5316,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":16,"body":"منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾. وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطيع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى مسلم أيضاً عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» والآيات والأحاديث في الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعيد الشديد على ترك ذلك كثيرة جداً. وقد ذكرت طرفاً منها في كتابي المسمى بـ «القول المحرر, في الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر» فلتراجع هناك.\rوالتدخل في خصوصيات الناس وعمومياتهم إذا تركوا شيئاً من الواجبات أو ارتكبوا شيئاً من المنهيات من أهم أمور الدين ومن النصيحة الواجبة على كل مسلم لإخوانه المسلمين لما جاء في الحديث الصحيح عن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال «الدين النصيحة» قلنا لمن قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. وفي الباب عن أبي هريرة وابن عمر وجرير وحكيم بن أبي يزيد عن أبيه وثوبان وابن عباس ﵃ عن النبي ﷺ نحو حديث تميم الداري ﵁. وقد ذكرت هذه الأحاديث بألفاظها في كتابي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764961,"book_id":5316,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":17,"body":"المسمى بـ «القول المحرر, في الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر» فلتراجع هناك.\rوإذا علم هذا فليعلم أيضاً أنه يجب النهي عن إقامة الولائم للمآتم لأن إقامتها من البدع المستقبحة ومن النياحة المحرمة. وليس النهي عن البدع والنياحة من التدخل فيما لا يجوز التدخل فيه من خصوصيات الناس كما قد توهم ذلك صاحب المقال الباطل, وإنما هو من النهي عن المنكر. والنهي عن المنكر واجب بحسب القدرة.\rالوجه الثالث: أن يقال: إن خطباء المساجد الذين أفتوا بتحريم الولائم التي تقام للعزاء وقالوا إنها مخالفة لسنة رسول الله ﷺ قد أصابوا فيما أفتوا به وفي قولهم إنها مخالفة للسنة. وحجتهم ما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يحذر أمته عن محدثات الأمور ويقول: «إن شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وما جاء عنه أيضاً أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد ذكرت هذه الأحاديث في الوجه الأول فلتراجع.\rومن حججهم أيضاً ما ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة» وقد تقدم قول السندي إن هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير من النبي ﷺ. قال وعلى التقديرين فهو حجة. وتقدم أيضاً قول القاري إن قول جرير ﵁ ظاهر في التحريم. وتقدم أيضاً قول عمر ﵁ إن اجتماع النساء على الميت وإطعام الطعام من النياحة, وقد قال النبي ﷺ: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄, وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال وفي الباب عن الفضل بن العباس وأبي ذر وأبي هريرة انتهى. ولفظه عند ابن حبان: «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به». وروى الإمام أحمد أيضاً وأبو داود وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن أبي ذر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به». قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين. وقال الذهبي في تلخيصه على شرط مسلم, وروى الإمام أحمد أيضاً وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال, قال رسول الله ﷺ: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه». وروى الإمام أحمد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764962,"book_id":5316,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":18,"body":"أيضاً والترمذي وابن ماجه والبخاري في التاريخ والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» قال الترمذي: هذا حديث حسن وصححه الحاكم والذهبي.\rوفي هذه الأحاديث دليل على المنع من الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام لأن عمر ﵁ قد عد ذلك من النياحة وقد أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى جعل الحق على لسانه وقلبه وأخبر أيضاً أنه يقول بالحق وأمر أمته بالاقتداء به وبأبي بكر ﵄. وفي هذا مع ما تقدم ذكره من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وما ذكره جرير بن عبد الله ﵁ عن الصحابة ﵃ أبلغ رد على استنكار صاحب المقال الباطل للفتوى بتحريم ولائم العزاء واستنكاره للقول بأنها مخالفة للسنة, وقوله: لماذا؟.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764963,"book_id":5316,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":19,"body":"وأما قوله: وهل هذه الولائم أصبحت من الدين حتى تكون بدعة؟.\rفجوابه من وجهين أحدهما: أن يقال: لو كانت ولائم المآتم من الدين لما كانت من البدع ولكنها ليست من الدين فكانت من البدع التي ورد التحذير منها والأمر بردها في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ , وقد تقدم ذكرها قريباً فلتراجع.\rالوجه الثاني: أن يقال: إن الصحابة ﵃ كانوا يعدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة. وقد تقدم ذلك في قول عمر وجرير بن عبد الله ﵄, والنياحة من أمر الجاهلية كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ومسلم عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلة لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة» وإذا كانت الولائم في المآتم من أمر الجاهلية فلا يقول بجوازها ونفي البدعة عنها إلا أحد رجلين, إما جاهل لا يعرف الفرق بين أمور الإسلام وأمور الجاهلية, وإما معاند لا يبالي بمخالفة الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, ولا يبالي برد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من المحدثات والأمر بردها.\rوأما قوله: وهل نجحنا في محاربة الرذائل والمفاسد في المجتمع الإسلامي وواجب علينا الكلام في هذه الأمور التي لا تمت إلى الدين أو العبادة من قريب أو بعيد.\rفجوابه من وجوه أحدها: أن يقال: إن محاربة البدع أهم من محاربة الرذائل والمفاسد الخُلُقية لأن البدع أحب إلى إبليس من المعاصي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764964,"book_id":5316,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":20,"body":"وقد روى أبو الفرج ابن الجوزي بإسناده إلى سفيان الثوري أنه قال: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية, المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها» , وأيضاً فإن البدع بريد الشرك وهي تؤول إليه. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: المبتدع يؤول إلى الشرك ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما قال تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم انتهى. وقال السدي في تفسير هذه الآية استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.\rقلت: وهذا هو المطابق لحال أهل البدع فإنه استنصحوا الذين يدعونهم إلى البدع ويرغبونهم فيها ونبذوا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وراء ظهورهم.\rومن هذا الباب ما يفعله المفتونون بإقامة الولائم في المآتم فإنهم قد استنصحوا أدعياء العلم الذين يفتون بجواز إقامتها وحضورها ويحسّنون ذلك للعوام ولا يبالون بمخالفة أمر النبي ﷺ برد المحدثات ولا يبالون بما ثبت عنه من التحذير منها والمبالغة في ذمها ووصفها بالصفات الذميمة.\rالوجه الثاني: أن يقال: إنه يجب على العلماء محاربة البدع والتحذير منها ومحاربة الرذائل والمفاسد وجميع المنكرات والتحذير منها, ولا يكتفى بمحاربة أحدها عن محاربة غيره ولكن يبدأ بالأهم فالأهم منها, فيبدأ بالنهي والتحذير من أشدها خطراً على الدين وهي البدع التي تمحو السنن وتهدم الإسلام كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764965,"book_id":5316,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":21,"body":"غضيف بن الحارث الثمالي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها» وهذا يدل على شؤم البدع وعظم مضرتها على الإسلام فيجب التحذير منها والإنكار على من يذب عنها ويحسّنها للناس.\rالوجه الثالث: أن يقال: إن صاحب المقال قد اعترف أن إقامة الولائم في المآتم من الأمور التي لا تمت إلى الدين أو العبادة من قريب أو بعيد, ويجاب بأن ما كان كذلك فهو من المحدثات, والمحدثات كلها شر وضلالة كما تقدم النص على ذلك فيما رواه العرباض بن سارية وجابر بن عبد الله وابن مسعود ﵃ عن النبي ﷺ, ولا يجوز إقرار المحدثات ولا العمل بشيء منها, بل يجب ردها لقول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». ويجب أيضاً التحذير منها لأن النبي ﷺ قد حذّر منها وأخبر أنها شر وضلالة. وأيضاً فإن إقامة الولائم في المآتم من النياحة بإجماع الصحابة ﵃ كما تقدم التصريح بذلك في حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁, وقد صرح بذلك أيضاً عمر بن الخطاب ﵁ فيما رواه ابن أبي شيبة عنه وتقدم ذكره, والنياحة من الأمور التي لا تمت إلى الدين أو العبادة من قريب أو بعيد وإنما هي من أمور الجاهلية وقد جاء الإسلام بتحريمها ولعن فاعلها, وما كان بهذه المثابة فإنه لا يجوز إقراره, بل يجب رده ومحاربته, ومن قال بجوازه فقد أخطأ خطأ كبيراً وشاق الرسول ﷺ واتبع غير سبيل المؤمنين. وقال الله تعالى: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764966,"book_id":5316,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":22,"body":"وأما قوله إن الحلال بيّن والحرام بيّن.\rفجوابه أن يقال: إن من الحرام البيّن إقامة الولائم في المآتم لأنه من المحدثات التي ليس عليها أمر النبي ﷺ ولم يكن ذلك من سنة الخلفاء الراشدين ولا من عمل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. بل كانوا يعدونه من النياحة كما تقدم فيما رواه ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب ﵁ وفيما رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁. وقال أبو البختري إنه من أمر الجاهلية وقال سعيد بن جبير إنه من عمل الجاهلية. وكان عمر بن عبد العزيز يمنع منه وهو من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين. وفي هذا أوضح البيان أن إقامة الولائم في المآتم من الحرام البيّن. ولا يخفى هذا إلا على إنسان لا يميّز بين الحلال والحرام.\rوأما قوله وليتنا نستطيع أن نطهر مجتمعنا من الحرام ونقنع الناس باجتنابه بدلاً من إكثار الممنوعات والمحرمات حتى نطفشهم وندفعهم للتمرد وعدم تصديقنا في أن كل شيء حرام حتى المأدبة التي يقيمها أهل الميت في اليوم الثالث من الوفاة حيث يجلسون لاستقبال المعزين والمعزيات ويطعمون الفقير والفقيرات. ماذا في ذلك.\rفجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن إقامة الولائم في المآتم من الأمور التي يجب منعها والتحذير منها لأن هذا العمل محدث في الإسلام وهو من النياحة كما تقدم بيانه. وما كان من المحدثات والنياحة فهو حرام يجب تطهير المجتمع منه.\rالوجه الثاني: أن يقال إن تطهير المجتمع من البدع أهم من تطهيره من جمع الأموال من الحرام لأن البدع بريد الشرك وهي تؤول إليه. وما كان بهذه المثابة فتطهير المجتمع منه أهم من تطهيره من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764967,"book_id":5316,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":23,"body":"المعاصي التي هي دون ذلك. وقد ذكرت قريباً قول سفيان الثوري إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. ومع هذا فإنه يجب السعي في تطهير المجتمع من البدع ومن ملابسة الأمور المحرمة واكتساب الأموال المحرمة وغير ذلك من المنكرات الظاهرة لأن النبي ﷺ أمر أمته بتغيير المنكرات الظاهرة بحسب القدرة ولم يفرق بينها.\rالوجه الثالث: أن يقال مما يدل على أهمية تطهير المجتمع من البدع والمحدثات أن رسول الله ﷺ كان يحذر منها في خطبته. والظاهر من حديث جابر بن عبد الله ﵄ الذي تقدم ذكره في أول الكتاب أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك في كل جمعة.\rالوجه الرابع: أن يقال إنه يجب على العلماء تحذير الناس من المحدثات وإعلامهم بما فيها من الشر والضلالة. وذلك من التأسي برسول الله ﷺ فإنه كان يحذر أمته من المحدثات في خطبته يوم الجمعة ويبين لهم أنها شر الأمور وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. فعلى الخطباء أن يقتدوا برسول الله ﷺ في التحذير من المحدثات وبيان ما فيها من الشر والضلالة وإن لم تحصل القناعة بذلك من بعض الناس لأن الله تعالى قال بنبيه محمد ﷺ: ﴿فذكّر إنما أنت مذكّر. لست عليهم بمصيطر﴾ وقال تعالى: ﴿فذكّر إن نفعت الذكرى. سيذكر من يخشى. ويتجنبها الأشقى﴾ وقال تعالى: ﴿وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ وقال تعالى: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ﴾ وقال تعالى: ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء﴾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764968,"book_id":5316,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":24,"body":"إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى. وعلى هذا فالخطباء الذين أشار إليهم الكاتب لهم أسوة بنبيهم ﷺ في تذكير الناس وحثهم على التقوى ونهيهم عن البدع والمحدثات وتحذيرهم منها ومن سائر المنكرات وليس عليهم أن يقنعوا الناس بما يأمرون به وما ينهون عنه فإن ذلك ليس في قدرتهم. وإنما الهداية والإضلال بيد الله تعالى فهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وله الحجة البالغة والحكمة التامة.\rولا ينبغي الالتفات إلى ما يحصل لبعض الناس من النفور والتضايق من سماع النهي والتحذير عما وجدوا عليه آباءهم وأشياخهم من البدع والمحدثات كما قد حصل ذلك لصاحب المقال الباطل. هدانا الله وإياه إلى الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان. وأعاذنا جميعاً من نزغات الشيطان وتضليله. بل ينبغي بذل النصيحة للمسلمين ودعوتهم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتعليمهم ما يجهلونه من أمور الدين, فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها.\rالوجه الخامس: أن يقال إن الخطباء الذين أشار صاحب المقال الباطل إلى أنهم قد أكثروا من الممنوعات والمحرمات لم يبتدعوا شيئاً من الممنوعات والمحرمات ويأتوا بذلك من عند أنفسهم. وإنما كانوا يمنعون ويحرمون الأمور التي قد دل الكتاب والسنة على تحريمها والمنع منها, فتجدهم إذا نهوا عن شيء من العقائد أو الأقوال أو الأفعال يأتون بالأدلة الدالة على المنع مما نهوا عنه, وعلى هذا فلا لوم على الخطباء الذين ينهون عن البدع ويحذرون منها وإنما اللوم على من لامهم واعترض عليهم.\rالوجه السادس: أن يقال إنه لا يتضايق من سماع النهي عن المحدثات والتحذير منها ويتمرد عن قبول ما جاء عن النبي - صلى الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764969,"book_id":5316,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":25,"body":"عليه وسلم - من النهي عنها والأمر بردها إلا من كان في قلبه مرض من أمراض الشبهات والفتن. فهؤلاء هم الذي يغتاظون من سماع النهي عن المحدثات التي قد نشأوا على اعتيادها ووجدوا آباءهم وأشياخهم عليها. وهم الذين يصدون ويعرضون عن قبول الحق ولا يصدقون بتحريم البدع ولا يعبأون بالأحاديث الواردة في التحذير منها والأمر بردها. وينبغي لهؤلاء أن يتدبروا قول الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾.\rالوجه السابع: أن يقال إنه ليس أحد من الخطباء الذين أشار إليهم الكاتب في كلامه الباطل يقول إن كل شيء حرام وإنما هذا من تمويه الكاتب وتلبيسه على الجهال ودندنته حول التشويه لسمعة الخطباء الذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجاهدون أهل الباطل ويحذرون الناس مما كان رسول الله ﷺ يحذر أمته منه. فجزى الله الخطباء الناصحين خير الجزاء وأعظم لهم الأجر والثواب.\rالوجه الثامن: أن يقال أن الخطباء الذين أشار إليهم الكاتب إنما كانوا يحرمون ما قامت الأدلة الشرعية على تحريمه, ومنه إقامة الولائم في المآتم لأن هذا العمل مخالف لأمر النبي ﷺ بصنعة الطعام لأهل البيت, ولأنه من النياحة في قول عمر بن الخطاب ﵁ وقد أجمع الصحابة ﵁ على عده من النياحة كما تقدم في حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁, والنياحة حرام وهي من أمور الجاهلية. وقد قال رسول الله ﷺ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود. وقد ذكرت هذا الحديث","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764970,"book_id":5316,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":26,"body":"وغيره من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من المحدثات في أول الكتاب فلتراجع.\rالوجه التاسع: أن يقال إن الله تعالى لم يشرع لأهل الميت أن يطعموا الفقراء في أيام العزاء ولم يأمر بذلك رسول الله ﷺ ولم يفعله ولم يأذن فيه. ولم يكن ذلك من سنة الخلفاء الراشدين. ولم يذكر عن غيرهم من الصحابة أنهم فعلوا ذلك, ولو كان خيراً لكانوا أسبق إليه من غيرهم. وقد قال رسول الله ﷺ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وعلى هذا فمن خص إطعام الفقراء بأيام العزاء فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله, ومن أحب أن يطعم الفقراء ويتصدق عليهم فله مندوحة عن أيام المصائب والأحزان, ولا يجوز أن يجعل إطعام الفقراء وسيلة إلى إحياء بدعة المآتم لأن هذه الوسيلة من الحيل, والحيل لا تبيح المحرم.\rوقد سئل شيخ الإسلام أبو العباس أبو تيمية رحمه الله تعالى عن إطعام أهل الميت لمن هو مستحق؟ فأجاب بقوله: وأما صنعة أهل الميت طعاماً يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع وإنما هو بدعة, ثم استدل على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ الذي تقدم ذكره. قال وإنما المستحب إذا مات الميت أن يصنع لأهله طعام واستدل على ذلك بحديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄ الذي تقدم ذكره.\rوأما قول الكاتب: ماذا في ذلك؟.\rفجوابه أن يقال فيه: أنه مخالف لهدي رسول الله ﷺ وسنته في صنعة الطعام لأهل الميت, ومخالف لإجماع الصحابة ﵃ على عد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764971,"book_id":5316,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":27,"body":"النياحة, وما كان بهذه المثابة فإنه غير جائز. وفيه أيضاً أنه من المحدثات والأعمال التي ليس عليه أمر النبي ﷺ , والمحدثات كلها شر وضلالة بنص رسول الله ﷺ , وقد أمر النبي ﷺ برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره, وقد قال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ وقال تعالى: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ وقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو قول الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾.\rوأما قوله وهل كل ما لم يفعله الرسول وأصحابه حرام أم العكس هو الصحيح, أي إن الأصل في كل الأعمال هو الحل إلا ما ورد نص بالتحريم له. وأين النص الصريح في تحريم المآدب في المآتم.\rفجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى مربوطة بالأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ. فمن عمل عملاً ليس عليه أمر النبي ﷺ فعمله مردود لقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂, وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي هذا الحديث نص صريح على رد الأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ. ومنها إقامة الولائم في المآتم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764972,"book_id":5316,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":28,"body":"لأن النبي ﷺ لم يشرع ذلك لأمته, ولأنه مخالف للسنة في بعث الطعام إلى أهل الميت. وما خالف السنة فهو مردود بنص حديث عائشة ﵂. وفي هذا النص أبلغ رد على ما لفقه صاحب المقال الباطل من التمويه والتلبيس على ضعفاء البصيرة.\rالوجه الثاني: أن رسول الله ﷺ أمر أمته أن يأخذوا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ونهاهم عن محدثات الأمور وحذرهم منها بأبلغ التحذير وأخبرهم أن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وأن شر الأمور محدثاتها. وفي هذه النصوص أبلغ رد على من أباح بدعة الولائم في المآتم وعلى من أباح غيرها من المحدثات.\rالوجه الثالث: أن يقال إن الصحابة ﵃ قد عدوا الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. وهذا إجماع منهم على تحريم إقامة المآدب في المآتم لأن النياحة من أمر الجاهلية وهي حرام وملعون فاعلها, وإجماع الصحابة ﵃ حجة على كل مبطل. ومن خالف إجماعهم فقد تعرض للوعيد الشديد الذي ذكره الله في قوله: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾. وقد وصف رسول الله ﷺ الفرقة الناجية من أمته بأنهم من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه. وقد كان هدي رسول الله ﷺ وإجماع أصحابه على خلاف ما يفعله أهل البدع من إقامة الولائم في المآتم:\rوكل خير في اتباع من سَلَف ... وكل شيء في ابتداع من خَلَف\r\rالوجه الرابع: أن يقال إنه لا يتم الإيمان لأحد حتى يحقق الشهادة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764973,"book_id":5316,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":29,"body":"بالرسالة وذلك بتحكيم رسول الله ﷺ في مواضع الاختلاف والتمسك بسنته ولزوم متابعته وتقديم هديه على هدي غيره.\rوقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» قال النووي في الأربعين له, حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. ثم قال في الكلام على هذا الحديث. يعني أن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به ﷺ , وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ فليس لأحد مع الله ﷿ ورسوله ﷺ أمر ولا هوى انتهى.\rوقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في بعض فتاويه: العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام مبني على أصلين أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له.\rوالثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ لا نعبده بالأهواء والبدع, فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله ﷺ من واجب ومستحب ولا يعبده بالأمور المبتدعة انتهى.\rوقال شيخ الإسلام أيضاً ولا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة. وقال أيضاً من طلب بعبادته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله, ومن خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمداً رسول الله وإنما يحقق هذين الأصلين من لم يعبد إلا الله ولم يخرج عن شريعة رسول الله ﷺ التي بلغها عن الله انتهى المقصود من كلامه ﵀.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764974,"book_id":5316,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":30,"body":"وإذا عرض المسلم الخالي من اتباع الهوى إقامة الولائم في المآتم على ما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة وجده مخالفاً لذلك كله, فهو مخالف لسنة رسول الله ﷺ في بعث الطعام إلى أهل الميت, ومخالف لأقواله ﷺ في التحذير من المحدثات ومبالغته في ذمها والتنفير منها والأمر بردها, ومخالف لإجماع الصحابة على أن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة. والنياحة من أمر الجاهلية وقد قال رسول الله ﷺ: «هدينا مخالف لهديهم» يعني المشركين, رواه الحاكم في مستدركه عن حديث المسور بن مخرمة ﵄ وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه, وما كان بهذه المثابة فإنه لا يتوقف عن القول بتحريمه إلا من هو جاهل بحدود الشريعة المحمدية.\rوأما قوله كذلك شغل خطيب المسجد الحرام جمعتين بالكلام عن الاحتفال بالمولد النبوي وتحريمه وتجريمه.\rفجوابه من وجهين أحدهما: أن يقال إن خطيب المسجد الحرام قد أحسن فيما فعله من النهي عن بدعة المولد والتحذير منها لأنها ليست من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين ولم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم بإحسان, وإنما هي من المحدثات التي أحدثها الجهال بعد القرون الثلاثة المفضلة. وقد قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد ذكرت كلام العلماء على هذا الحديث في أول الكتاب فليراجع فإنه مهم جداً , وليراجع أيضاً ما تقدم من حديث العرباض بن سارية وجابر بن عبد الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764975,"book_id":5316,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":31,"body":"وعبد الله بن مسعود ﵃ عن النبي ﷺ ففي هذه الأحاديث الثلاثة أبلغ تحذير من المحدثات والنص على أن شر الأمور محدثاتها وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وفيها مع حديث عائشة ﵂ الذي فيه الأمر برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ أبلغ رد على الكاتب الذي اعترض على خطيب المسجد الحرام وتضايق من نهيه عن بدعة المولد وتحذيره من مخالفة الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.\rالوجه الثاني: أنه يقال إن خطيب المسجد الحرام لم يبتدع شيئاً من عند نفسه وإنما كان مقتدياً بالنبي ﷺ ومتبعاً للأحاديث الثابتة عنه في التحذير من المحدثات والمبالغة في ذمها, وعلى هذا فلا لوم على خطيب المسجد الحرام وإنما اللوم على من لامه واعتراض عليه وتضايق من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وعمله بسنة رسول الله ﷺ في خطبته.\rوأما قوله: وكان المفروض أن يتحدث عن أحداث الساعة. عن المجاعة التي تفتك بالمسلمين في عدد من بلادهم. عن حث إخوانهم المصلين على إغاثتهم قبل أن يسعفهم التبشير الصليبي والإغراء الصهيوني كما فعل بعض خطباء المساجد.\rفجوابه أن يقال: إن التحذير من البدع أهم من التحدث عن المجاعة وأحداث الساعة لأن البدع تفتك بالدين. وأما المجاعة فإنها تفتك بالأبدان. وما كان يفتك بالدين فالتحذير منه أهم مما يفتك بالأبدان لأن المصيبة في الدين أعظم من المصيبة في الأبدان, وقد تكون المصيبة في الدين سبباً لدخول النار وحرمان الجنة. وأما المصيبة في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764976,"book_id":5316,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":32,"body":"الأبدان فإنها مع الإيمان والصبر والرضا بقضاء الله وقدره قد تكون سبباً لتكفير السيئات والفوز بالجنة والنجاة من النار. وقد قال الله تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾.\rومما يدل على أهمية التحذير من البدع أن رسول الله ﷺ أخبر أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة. والمراد بالجماعة أهل السنة المتمسكون بما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. وقد جاء وصف الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين فرقة بأنهم الذين كانوا على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵁. رواه الترمذي ومحمد بن نصر المروزي وابن وضاح والحاكم والآجري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وروى الطبراني في الصغير نحوه عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعاً. وروى الطبراني أيضاً والآجري نحو ذلك عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك ﵃. وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً.\rوروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه﴾ قال: «تبيضّ وجوه أهل السنة والجماعة وتسودّ وجوه أهل البدعة والضلالة» وقد ذكر هذا الأثر البغوي وابن الجوزي والقرطبي وابن كثير في تفاسيرهم. وذكره غيرهم من المفسرين, وله حكم المرفوع لأنه فيه إخباراً عن أمر من أمور الآخرة وذلك لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف. وفيه دليل على شؤم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764977,"book_id":5316,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":33,"body":"البدع وسوء عاقبتها. وحيث كانت البدع بهذه المثابة فالتحذير منها أهم من التحدث عن المجاعة وأحداث الساعة, وإذا حصل الجمع بين التحذير من البدع وبين التحدث عن المجاعة وأحداث الساعة وحث الأغنياء على الصدقة وبذل المعونة للمحتاجين من المسلمين فهو حسن جداً. وقد فعل ذلك خطباء المسجد الحرام وفعله غيرهم من الخطباء.\rوأما قوله أيها الناس ارحمونا من هذا الكلام الممل من كثرة التكرار وعظونا وبصرونا بالمفاسد والمحرمات الحقيقية وانفذوا بكلامكم إلى أعماق نفوسنا بالحكمة والموعظة الحسنة واتركوا الكلام عن الموائد والمآتم إلا عما هو محرم فيها قطعاً لا مجال فيه للتأويل.\rفجوابه من وجوه أحدها: أن يقال من أعظم الرحمة بالناس نهيهم عن البدع التي تفتك بالدين وتكون ضرراً على أصحابها في الدار الآخرة, وهي مع ذلك تزاحم السنن التي شرعها الله تعالى على لسان رسوله ﷺ وتكون سبباً في رفعها والحلول في محلها.\rومن هذه البدع إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بالمولد النبوي. فأما إقامة الولائم في المآتم فهو من النياحة بإجماع الصحابة ﵃. وما كان عن النياحة فهو محرم قطعاً ولا مجال فيه للتأويل, وأما الاحتفال بالمولد النبوي فهو من الزيادة على الأعياد المشروعة للمسلمين. والزيادة على ما شرعه الله ورسوله ﷺ محرمة قطعاً ولا مجال في ذلك للتأويل لأن الله تعالى يقول: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم﴾ فهذه الآية الكريمة شاملة لجميع المحدثات التي شرعها الشيطان وأولياؤه للجهال. ومنها إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بالمولد النبوي لأن كلاً منهما من المحدثات التي لم يأذن الله بها ولم تكن من سنة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764978,"book_id":5316,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":34,"body":"رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين ولا من عمل الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان.\rالوجه الثاني: أن يقال إن أرحم الناس بالناس عامة وبالمؤمنين خاصة رسول الله ﷺ قال الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ وقال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ وكان ﷺ مع اتصافه بالرحمة للمؤمنين يكثر تكرار التحذير من المحدثات في خطبه ويصفها بالشر والضلالة ويقول إنها في النار كما في حديث جابر بن عبد الله ﵄ الذي تقدم ذكره. ويظهر من سياقه أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك في كل جمعة. وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ كما هو منصوص عليه في حديث جابر الذي تقدم ذكره. ونحوه في حديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره. وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ وعلى هذا فلا لوم على الخطباء الذين يقتدون برسول الله ﷺ ويعملون بسنته في تكرار التحذير من المحدثات وإنما اللوم على من لامهم في ذلك وضجر من نصيحتهم للمسلمين وتحذيرهم مما يضرهم في دينهم ويكون وبالاً عليهم في الدار الآخرة.\rالوجه الثالث: أن يقال إن الصحابة ﵃ كانوا أعظم الناس تمسكاً بالسنة واتباعاً لهدي رسول الله ﷺ. ولم يذكر عن أحد منهم أنه كان يملّ من كثرة تكرار النبي ﷺ للتحذير من المحدثات في خطبه. وخير الأمور ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. ومن رغب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764979,"book_id":5316,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":35,"body":"عما كان عليه الصحابة ﵃ من الإصغاء إلى النصيحة والتحذير من المحدثات وعدم الملل من كثرة التكرار لذلك فلا خير فيه.\rالوجه الرابع: أن يقال من أعظم المفاسد والمحرمات الحقيقية إظهار البدع بين المسلمين لأن إظهارها يدعو العوام إلى قبولها والافتتان بها وذلك من أعظم ما يفتك بالدين. وأعظم من ذلك مفسدة وفتكاً في الدين تحسين البدع للعوام والذب عنها بالكتابة في الصحف والكتب التي لا خير فيها. ولا يخفى ما في هذا الفعل الذميم من معارضة أقوال رسول الله ﷺ في التحذير من البدع والمبالغة في ذمها والأمر بردها. من هذا الباب بدعة الاحتفال بالمولد النبوي وبدعة إقامة الولائم في المآتم. فقد افتتن بهما كثير من المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام. وافتتن بهما أيضاً كثير من الكتّاب والأدعياء في العلم ومن لا بصيرة لهم في الدين وبذلوا جهدهم في تحسين هاتين البدعتين والذب عنهما ومعارضة من ينهى عنهما ويحذّر منهما. وهذا من الدعاء إلى الضلالة. ومن كان سبباً في إضلال الناس فله نصيب من أوزار الذين يضلون بسببه لقول الله تعالى: ﴿ليحلموا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون﴾ وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\rالوجه الخامس: أن يقال إن رسول الله ﷺ كان أعظم الداعين إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة. وكان يكثر أن يقول في خطبته: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764980,"book_id":5316,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":36,"body":"محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وكان يقول: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وفي هذين الحديثين دليل على أن التحذير من البدع والمبالغة في ذمها من أعظم الحكمة وأبلغ الموعظة الحسنة, وعلى هذا فلا لوم على الخطباء الذين يقتدون برسول الله ﷺ ويتمسكون بسنته وهديه, وإنما اللوم على من لامهم واعترض عليهم وطلب منهم أن يأتوا بحكمة وموعظة ليست من الحكم والمواعظ المأثورة عن النبي ﷺ.\rالوجه السادس: أن يقال إن النهي عن موائد المآتم والاحتفال بالمولد النبوي واجب من واجبات الشرع لأنهما من المحدثات, والمحدثات كلها شر وضلالة بالنص الثابت عن رسول الله ﷺ وكلها في النار كما هو منصوص عليه في حديث جابر الذي تقدم ذكره في أول الكتاب, وما كان بهذه المثابة فهو من المنكرات التي يجب النهي عنها عملاً بما أمر الله به في كتابه وأمر به رسوله ﷺ , فأما ترك الكلام عن الموائد في المآتم الذي قد دعا إليه صاحب المقال الباطل فهو في الحقيقة من المداهنة والسكوت عن إنكار المنكر ولا يجوز فعل ذلك ولا الدعاء إليه لأن الله تعالى قد لعن بني إسرائيل وذمهم على المداهنة والسكوت عن إنكار المنكر فقال تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا كانوا يعتدون, كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ وإنما قص الله علينا ما فعله بنو إسرائيل من ترك التناهي عن المنكر وأنه لعنهم على ذلك وذمهم على المداهنة لنعتبر بذلك ولا نفعل كما فعلوا فيصيبنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764981,"book_id":5316,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":37,"body":"مثل ما أصابهم, والسعيد من وعظ بغيره, والشقي من كان عبرة وعظة للناس.\rوأما قوله: فقد كان من الملاحظ أنه لم يبدأ الخطيب في الكلام عن مآدب المآتم وتحريمها حتى نهض المصلون تركوا المسجد رغبة عن السماع لمثل هذا الكلام.\rفجوابه: أن يقال لا يخفى ما في هذا الكلام من المجازفة التي يكذبها الواقع, فإن كان الكاتب قد أراد المسجد الحرام وأن المصلين فيه قد نهضوا وتركوا المسجد الحرام رغبة عن سماع الكلام في مآدب المآتم فهذا لا يقوله إلا إنسان قد فقد شعوره, وإن كان قد أراد غيره من المساجد فوقوع ذلك بعيد جداً, بل يبعد أن يقع ذلك من جزء قليل من المصلين فضلاً عن الجميع, ولو وقع نهوض المصلين من بعض المساجد أو نهوض بعضهم منها وتركهم الصلاة فيها رغبة عن سماع الكلام في مآدب المآتم لكان لذلك نبأ عند الناس ولسارع أهل الصحف إلى ذكره, وفي انفراد الكاتب بذكر ذلك دليل على أنه لا صحة لهذه الخبر. فأما وقوع ذلك من أفراد قليلين من المفتونين بإقامة المآدب في المآتم فهو غير مستبعد ولكن لا عبرة بأفعال الجهال والمفتونين بالبدع.\rوقد ورد التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان وذلك فيما رواه مسلم عن أبي الشعثاء - واسمه سليم بن أسود - قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فاتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ» وفي رواية له عن أبي الشعثاء قال: سمعت أبا هريرة ورأى رجلاً يجتاز المسجد خارجاً بعد الأذان فقال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764982,"book_id":5316,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":38,"body":"«أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ» وقد رواه الإمام أحمد وأهل السنن بنحوه وقال الترمذي حديث حسن صحيح, وزاد أحمد في رواية له من طريق شريك عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ «إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي» قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي: في رواية شريك التي روى أحمد فائدة جليلة وهي التصريح برفع الحديث إلى النبي ﷺ لأن قول الصحابي, من فعل كذا فقد عصى الرسول ونحو ذلك مما اختلف في أنه مرفوع أو موقوف والصحيح الراجح أنه مرفوع انتهى. وقد ترجم النسائي على هذا الحديث بقوله: «التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان» قال الترمذي وفي الباب عن عثمان, قلت حديث عثمان ﵁ قد رواه ابن ماجه في سننه بإسناد ضعيف ولفظه, قال رسول الله ﷺ: «من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق» وروى مالك في الموطأ أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: «يقال لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء إلا أحد يريد الرجوع إليه إلا منافق».\rقال ابن عبد البر هذا لا يقال مثله من جهة الرأي ولا يكون إلا توقيفاً وقد صح مرفوعاً عن أبي هريرة برجال الصحيح, وروى الدارمي في سننه عن أبي المغيرة حدثنا الأوزاعي حدثنا عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب يودعه بحج أو عمرة فقال له: لا تبرح حتى تصلي فإن رسول الله ﷺ قال: «لا يخرج بعد النداء من المسجد إلا منافق إلا رجل أخرجته حاجة وهو يريد الرجعة إلى المسجد» فقال: إن أصحابي بالحرة قال: فخرج قال: فلم يزل سعيد يولع بذكره حتى أخبر أنه وقع من راحلته فانكسرت فخذه. وهذا مرسل صحيح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764983,"book_id":5316,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":39,"body":"الإسناد إلى سعيد بن المسيب وهو يؤيد حديث عثمان ﵁ ويشهد له.\rقال الترمذي: في الكلام على حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه عنه أبو الشعثاء, وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر: أن يكون على غير وضوء أو أمر لا بد منه انتهى وقال النووي في شرح مسلم: فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر انتهى وقال العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي: في: «عون المعبود» قال الحافظ: وفيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان, وهذا محمول على من خرج بغير ضرورة وأما إذا كان الخروج من المسجد للضرورة فهو جائز وذلك مثل أن يكون محدثاً أو جنباً أو كان حاقناً أو حصل به رعاف أو نحو ذلك أو كان إماماً بمسجد آخر انتهى.\r\rوإذا علم ما تقدم ذكره من التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان إلا من حاجة وضرورة فليعلم أيضاً أن الله تعالى قد ذم الذين يعرضون عن سماع المواعظ والتذكير وشبههم بالحمر التي قد فرت من الصيادين أو من الأسد فقال تعالى: ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين, كأنهم حمرٌ, مستنفرة, فرت من قسورة﴾ فليحذر العاقل الناصح لنفسه أن يكون من هؤلاء المذمومين أو أن يتشبه بهم فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر ﵄ وصححه ابن حبان وغيره, وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764984,"book_id":5316,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":40,"body":"فصل\rوإذا عُلِم أن الصحابة ﵃ كانوا يَعُدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة, وعُلِم أيضاً أن النياحة من أمر الجاهلية كما هو منصوص عليه في حديث أبي مالك الأشعري الذي تقدم ذكره, وعُلِم أيضاً ما تقدم عن أبي البختري أنه قال: الطعام على الميت من أمر الجاهلية, وما تقدم عن سعيد بن جبير أنه قال إنه من أمر الجاهلية وعملهم, فليُعْلم أنه لا يجوز التشبه بأهل الجاهلية ولا العمل بشيء من أمورهم وسننهم لقول النبي ﷺ: «هدينا مخالف لهديهم» يعني المشركين, رواه الحاكم في مستدركه من حديث محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة ﵄ وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقد رواه الشافعي في مسنده من حديث محمد بن قيس بن مخرمة مرسلاً, ولفظه «هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك».\rوقد ورد التشديد في التشبه بأهل الجاهلية وغيرهم من أعداء الله تعالى والتشديد في ابتغاء سنة الجاهلية في الإسلام, فأما التشديد في التشبه بهم فقد رواه الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» صححه ابن حبان. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية إسناده جيد وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن. قال شيخ الإسلام وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث, قال وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ انتهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764985,"book_id":5316,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":41,"body":"وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا» قال ابن مفلح في قوله: «ليس منا» هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم انتهى.\r\rوأما التشديد في ابتغاء سنة الجاهلية في الإسلام فقد رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة ملحد في الحرم ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية ومطّلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه».\rقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أخبر ﷺ أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة. وذلك لأن الفساد إما في الدين وإما في الدنيا, فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير الحق, ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الذي هو الكفر, وأما فساد الدين فنوعان: نوع يتعلق بالعمل, ونوع يتعلق بمحل العمل فأما المتعلق بالعمل فهو ابتغاء سنة الجاهلية, وأما المتعلق بمحل العمل فالإلحاد في الحرم لأن أعظم محال العمل هو الحرم, وانتهاك حرمة المحل المكاني أعظم من انتهاك حرمة المحل الزماني - إلى أن قال -: والمقصود أن من هؤلاء الثلاثة من ابتغى في الإسلام سنة الجاهلية, فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في هذا الحديث, والسنة الجاهلية كل عادة كانوا عليها, فإن السنة هي العادة وهي الطريق التي تتكرر لتتسع لأنواع الناس مما يعدونه عبادة أو لا يعدونه عبادة, قال تعالى: ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض﴾ وقال النبي ﷺ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» والاتباع هو الاقتفاء والاستنان, فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع سنة جاهلية,","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764986,"book_id":5316,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":42,"body":"وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء كان من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم انتهى.\rوفي حديث ابن عباس ﵄ أبلغ رد على الكاتب الذي أجاز إقامة الولائم في المآتم وجد واجتهد في الدفاع عن هذه البدعة والاعتراض على الخطباء الذين ينهون عنها ويبينون للناس أنها مخالفة لهدي رسول الله ﷺ وما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان, ويبينون للناس أيضاً أن هذه البدعة من النياحة وأمور الجاهلية, وفي الحديث أيضاً دليل على أن إقامة الولائم في المآتم بغيض إلى الله تعالى لأنه من سنن الجاهلية, ومن عمل بهذه السنة الجاهلية فهو من أبغض الناس إلى الله تعالى, فينبغي لصاحب المقال أن ينتبه من غفلته ويراجع الحق فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل, والرجوع إلى الحق نُبْلٌ وفضيلة, وأما التمادي في الباطل فإنه نقص ورذيلة ﴿ومن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه﴾ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\r١٦/ ٥/ ١٤٠٥ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764987,"book_id":5316,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":43,"body":"«القسم الثاني»","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764988,"book_id":5316,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":44,"body":"﷽\rالحمد لله وكفى, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد المصطفى, وعلى آله وأصحابه أهل الصدق والوفاء, وعلى من تبعهم بإحسان ولطريقهم اقتفى.\rأما بعد فإني بعد كتابة الرد على المقال الباطل المنشور في عدد ٧٨٤٥ من جريدة الندوة وقفت على كلام للمردود عليه يؤيد به كلامه الأول في الذب عن بدعة الاحتفال بالمولد النبوي وبدعة إقامة الولائم في المآتم. ويرد على أحد العلماء الناصحين الذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحذرون الناس من البدع والمخالفات ويبينون لهم الحق الذي يجب الأخذ به, وقد صدّر الكاتب مقاله الأخير بقول الله تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾. ولم يبدأ فيه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا بالحمد لله, فكان لذلك مقاله أبتر أجذم أقطع, وهذه الأوصاف الذميمة هي اللائقة بالمقال الذي ينصر صاحبه البدع والمحدثات ويجادل بالباطل في تقريرها والذب عنها. وقد روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كل أمر ذي بالٍ لا يفتح بذكر الله ﷿ فهو أبتر أو قال أقطع» ورواه أبو داود ولفظه «كل كلام لا يبدأ فيه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764989,"book_id":5316,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":45,"body":"بالحمد لله فهو أجذم» ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه «كل أمر ذي بالٍ لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع» ورواه ابن ماجه بنحوه. قال السندي: الحديث قد حسنه ابن الصلاح والنووي, وروى الطبراني في الكبير عن كعب بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كل أمر ذي بالٍ لا يبدأ فيه بالحمد لله أجذم أو أقطع» قال الخطابي قوله: «أجذم» معناه المنقطع الأبتر الذي لا نظام فيه انتهى.\rوأما الآية التي صدّر بها الكاتب مقاله الباطل فإنما هي واردة في الرد على المشركين الذين يدعون مع الله آلهة أخرى لا تخلق ولا ترزق ولا تملك لعابديها نفعاً ولا ضراً, وما جاء من الآيات في تقريع المشركين والرد عليهم فإنه لا ينبغي إيراده في الرد على آحاد المسلمين فضلاً عن العلماء الناصحين الذين لا يألون جهداً في الدعوة إلى الله تعالى والتحذير مما يدعو إلى سخطه وأليم عقابه, فالرد على هؤلاء بالآية النازلة في تقريع المشركين والرد عليهم وتحديهم خطأ وسوء أدب.\rوبعد فإن البراهين على المنع من إقامة الولائم في المآتم ومن الاحتفال بليلة المولد النبوي واتخاذها عيداً كثيرة في الكتاب والسنة, وأنا أذكر منها ما تيسر إن شاء الله تعالى.\r\rالبرهان الأول: قول الله تعالى في أول سورة الأعراف: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون﴾ قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب من رب كل شيء ومليكه ﴿ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ أي لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره انتهى.\rوإذا علم أن الله تعالى أمر عباده باتباع ما أنزله في كتابه ونهاهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764990,"book_id":5316,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":46,"body":"عن اتباع الأولياء من دونه فليعلم أيضاً أن إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً من اتباع الأولياء الذين ابتدعوا هاتين البدعتين فيجب المنع منهما عملاً بالآية الكريمة.\rوفي الآية أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من ادعى جواز العمل بهاتين البدعتين وغيرهما من المحدثات التي ليس عليها أمر النبي ﷺ.\r\rالبرهان الثاني: قول الله تعالى في سورة الحشر: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾.\rقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي مهما أمركم به فافعلوا ومهما نهاكم عنه فاجتنبوا فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر انتهى. وقال البغوي: هو عام في كل ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه انتهى.\rولم يُؤْثَر عن النبي ﷺ أنه أمر أمته بإقامة الولائم في المآتم ولا باتخاذ ليلة المولد عيداً, فكان العمل بهاتين البدعتين من قبيل المحدثات التي كان النبي ﷺ ينهى عنها ويبالغ في التحذير منها, وعلى هذا ففي الآية الكريمة أوضح دليل على المنع من إقامة الولائم في المآتم ومن اتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً, وفيها أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أضرابه من أنصار البدع.\r\rالبرهان الثالث: قول الله تعالى في سورة النور: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ أي عن أمر رسول الله ﷺ وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته, فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله فما وافق ذلك قُبل وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائناً من كان انتهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764991,"book_id":5316,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":47,"body":"وفي الآية الكريمة تهديد شديد ووعيد أكيد لمن خالف الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ , وسواء كان ذلك بزيادة على الأمر المشروع أو بنقص منه, ومن هذا الباب ما أحدثه الجهال من إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً, فكل من هاتين البدعتين داخل فيما حذّر الله منه في الآية الكريمة لأن النبي ﷺ لم يفعلها ولم يأمر بهما ولم يأذن فيهما ولم يقر أحداً على فعلهما فكانتا من قبيل ما أمر النبي ﷺ برده حيث يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».\rوفي الآية الكريمة أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى غيره من المخالفين للأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ.\r\rالبرهان الرابع: أن الله تعالى أمر عباده بالإيمان بالرسول ﷺ في آيات كثيرة من القرآن وحثهم على اتباعه فقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ وقال تعالى في سورة الأعراف ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون, قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾. فأما الآية من سورة آل عمران فقد علق الله ﵎ فيها محبته للعباد ومغفرته لذنوبهم على اتباع رسوله محمد ﷺ وذلك لا يحصل إلا بالتمسك بسنته واجتناب ما نهى عنه وترك ما أحدثه المبتدعون من بعده, وأما الآية الأولى من سورة الأعراف فقد علق ﵎ فيها الفلاح - وهو الفوز بالجنة -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764992,"book_id":5316,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":48,"body":"على الإيمان بالرسول ﷺ وتعزيزه ونصره واتباع النور الذي أنزل معه وهو القرآن العظيم, وتعزيزه ﷺ هو توقيره وتعظيمه, وإنما كون ذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه والتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين واجتناب ما أحدثه أهل البدع والضلالة من أنواع المحدثات التي ليس عليها أمر النبي ﷺ.\rوأما الآية الثانية من سورة الأعراف فقد أمر الله ﵎ فيها بالإيمان به وبرسوله ﷺ وعلق الهداية على اتباع الرسول ﷺ ففيها وفي الآيتين قبلها أوضح دليل على المنع من إقامة الولائم في المآتم ومن اتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً لأنهما من المحدثات وليسا من الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ فلهذا كان العمل بهما خارجاً عن اتباع الرسول ﷺ. وكل ما خرج عن اتباع الرسول ﷺ فهو ضلالة كما هو منصوص عليه في حديث جابر الذي سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.\rوفي الآيات الثلاث أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين بإقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً لأن كلاً من هاتين البدعتين خارج عن اتباع رسول الله ﷺ وداخل فيما حذر منه من محدثات الأمور.\r\rالبرهان الخامس: قول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد على كل من ابتدع بدعة يزيد بها في الدين ما ليس منه. وعلى الذين يعملون بالبدع ويجعلون منها سنناً وأعياداً يضاهئون بها السنن والأعياد المشروعة للمسلمين وعلى المفتونين الذين يؤيدون العمل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764993,"book_id":5316,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":49,"body":"بالبدع ويعارضون العلماء الناصحين الذين ينهون عنها ويحذرون منها.\rومن هذه البدع إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً في كل عام. فقد افتتن كثير من الجهال بهاتين البدعتين واتخذوا كلاً منهما سنة يحافظون عليها أعظم مما يحافظون على الفرائض والسنن المأثورة عن النبي ﷺ. وقد ذكر الشاطبي في كتاب «الاعتصام» ما رواه ابن حبيب عن ابن الماجشون قال: سمعت مالكاً يقول: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً» وذكره الشاطبي في موضع آخر من كتاب «الاعتصام» ولفظه قال: «من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الرسالة» وذكر بقيته بمثل ما تقدم انتهى.\rوفي الآية الكريمة أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين بإقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً واستحسان هاتين البدعتين. ولا شك أن هذا من الاستدراك على الدين الذي أكمله الله لعباده ورضيه لهم وأتم عليهم النعمة به, وما أعظم ذلك وأشد خطره.\rوبالجملة فإن الآية من سورة المائدة تقضي على البدع كلها وترد على من تعلق بها أو بشيء منها, وعلى من أفتى بجوازها أو جواز شيء منها, وعلى من استحسن شيئاً من البدع وزعم أنها نافعة ومفيدة, وقد قال الشاطبي في كتاب: «الاعتصام» إن المستحسن للبدع يلزمه أن يكون الشرع عنده لم يكمل بَعْدُ فلا يكون لقوله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ معنى يعتبر به عندهم انتهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764994,"book_id":5316,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":50,"body":"ويلزم على استحسان إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بليلة المولد النبوي واتخاذها عيداً لوازم سيئة جداً, أحدها مضاهاة السنن المشروعة للمسلمين بالبدع والمحدثات التي كان رسول الله ﷺ يحذر منها ويصفها بالشر والضلالة.\rالثاني: الاستدراك على الشريعة الكاملة وذلك بالتقرب إلى الله تعالى بعملين ليسا من الشريعة المحمدية وجعلهما بمنزلة الأعمال التي ورد الترغيب فيها والحث عليهما في الشرع المطهر.\rالثالث: تكذيب ما أخبر الله به من إكمال الدين وإتمام النعمة, وهذا التكذيب وإن لم يكن واقعاً بلسان المقال من المفتونين ببدعتي المآتم والمولد فهو واقع منهم بلسان الحال كما تشهد بذلك أعمالهم في كل من البدعتين ومحافظتهم عليهما كما يحافظ أهل السنة والجماعة على السنن وفضائل الأعمال.\rالرابع: أن يكون النبي ﷺ وأصحابه قد تركوا العمل ببعض الأمور المستحبة النافعة المفيدة, وهذا مما يجب تنزيه النبي ﷺ وأصحابه عنه, إذ لو كان في إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً أدنى شيء من الخير لكانوا أسبق إليه من غيرهم.\rالخامس: أن يكون العاملون ببدعتي المأتم والمولد قد حصل لهم من الخير والأعمال النافعة ما لم يحصل مثله للنبي ﷺ وأصحابه ﵃, وهذا لا يقوله مسلم.\r\rالبرهان السادس: أن الله تعالى ذم الذين يعملون بالمحدثات التي لم يأذن الله بها ووصفهم بالظلم وتوعدهم بأشد الوعيد فقال تعالى: ﴿أم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764995,"book_id":5316,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":51,"body":"لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم﴾ وهذه الآية وإن كانت نازلة في توبيخ المشركين على العمل بالدين الذي لم يأذن الله به فهي تتناول بعمومها من تشبه بهم من المسلمين الذين يعملون بالمحدثات التي لم يأذن الله بها, ومنها إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً لأن الله تعالى لم يأذن بهاتين البدعتين لا في كتابه ولا على لسان رسوله محمد ﷺ , وما لم يأذن الله به فهو مردود والعاملون به متعرضون للوعيد الشديد.\rوفي الآية الكريمة أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين بما لم يأذن الله به من إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً.\r\rالبرهان السابع: أن الله تعالى ذم الذين يقلدون آباءهم ويتبعون ما وجدوهم عليه من الدين الذي لم يأذن الله به فقال تعالى: ﴿بل قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون, وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ والمراد بالأمة ههنا الدين, وما جاء في الآيتين من ذم المشركين على تقليدهم لآبائهم واتباع ما وجدوهم عليه من الدين الذي لم يأذن الله به فهو متناول بعمومه لكل من تشبه بهم من المسلمين الذين يعملون بالمحدثات التي وجدوا آباءهم وشيوخهم يعملون بها, ومنها إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً.\rوفي الآيتين أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من الذين يعملون بالمحدثات التي وجدوا آباءهم وشيوخهم يعملون بها, وإذا نهوا عن تقليد الآباء والشيوخ فيما لم يأذن به الله غضبوا وجدوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764996,"book_id":5316,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":52,"body":"واجتهدوا في معارضة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر, وهؤلاء يخشى عليهم أن يكونوا من الذين قال الله فيهم: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾.\r\rالبرهان الثامن: قول الله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون﴾ قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية ما ملخصه, اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف, في تفسير الصراط وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد وهو المتابعة لله وللرسول, فروي أنه كتاب الله, وقيل هو الإسلام, وقيل الحق, وقيل هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده, قال ابن كثير: وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة فإن من اتبع النبي ﷺ واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن وهو كتاب الله وحبله المتين وصراطه المستقيم, فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضاً. ثم ذكر ما رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله ﷺ انتهى.\rوأما السبل فهي الطرق الخارجة عن الصراط المستقيم مثل اليهودية والنصرانية وسائر الملل والأهواء والنحل المخالفة لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, وقد روى ابن جرير عن أبان بن عثمان أن رجلاً قال لابن مسعود ﵁: ما الصراط المستقيم؟ قال: «تركنا محمد ﷺ في أدناه وطرفه في الجنة وعن يمينه جواد وعن يساره جواد وثَمَّ رجال يدعون من مَرَّ بهم فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار ومن أخذ على الصراط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764997,"book_id":5316,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":53,"body":"انتهى به إلى الجنة, ثم قرأ ابن مسعود ﵁ ﴿وإن هذا صراطي مستقيماً﴾» الآية.\rوروى الإمام أحمد وابن جرير وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطً ثم قال: «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾» وفي رواية لأحمد أنه قال: «هذه سبل متفرقة».\rوروى الإمام أحمد أيضاً وابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ نحو حديث ابن مسعود ﵁.\rقال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ يقول لا تتبعوا الضلالات, رواه ابن جرير, وروى أيضاً عن مجاهد أنه قال في قوله ﴿ولا تتبعوا السبل﴾ قال: البدع والشبهات.\rوإذا علم أن الصراط المستقيم هو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وأن البدع كلها من السبل التي نهى الله عن اتباعها فليعلم أيضاً أن كلاً من إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً داخل في عموم ما نهى الله عنه في الآية الكريمة لأن هاتين البدعتين ليستا من الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه, فهما إذاً من السبل التي نهى الله عن اتباعها ومن المحدثات التي حذر النبي ﷺ منها وأمر بردها, وسيأتي بيان ذلك في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764998,"book_id":5316,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":54,"body":"وفي الآية الكريمة أبلغ رد على صاحب المقال الذي قد بذل جهده في تأييد بدعتي المأتم والمولد والدفاع عنهما.\r\rالبرهان التاسع: قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿فردوه إلى الله والرسول﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله ﷿ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق, وماذا بعد الحق إلا الضلال, ولهذا قال تعالى: ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿إن كنت تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر. وقوله: ﴿ذلك خير﴾ أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرجوع إليهما في فصل النزاع خيرا ﴿وأحسن تأويلاً﴾ أي أحسن عاقبة ومآلاً كما قاله السدي وغير واحد انتهى.\rوقال البغوي في تفسيره قوله ﷿: ﴿فإن تنازعتم﴾ أي اختلفتم ﴿في شيء﴾ من أمر دينكم, والتنازع اختلاف الآراء ﴿فردوه إلى الله والرسول﴾ أي إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حياً وبعد وفاته إلى سنته, والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد انتهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4764999,"book_id":5316,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":55,"body":"وروى ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿فردوه إلى الله والرسول﴾ قال: إلى الله إلى كتابه وإلى الرسول إلى سنة نبيه, وروى أيضاً عن ميمون بن مهران وقتادة نحو ذلك.\rوإذا عرض المسلم الخالي من اتباع الهوى إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وجد كلاً من هاتين البدعتين مخالفاً للكتاب والسنة, فأما مخالفتهما للكتاب فإن الله تعالى قد أمر عباده باتباع ما أنزله في كتابه ونهاهم عن اتباعهم الأولياء من دونه فقال تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ الآية, وليست بدعة المأتم وبدعة المولد مما أنزله الله في كتابه وإنما هما من المحدثات بعد القرون الثلاثة المفضلة فيكون النهي في الآية الكريمة شاملاً لهما, وقد تقدم بيان ذلك في البرهان الأول, وجميع البراهين التي تقدم ذكرها تدل على أنهما داخلتان في عموم ما نهى الله عن اتباعه.\rوأما مخالفتهما للسنة فإن رسول الله ﷺ قد أمر أمته بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وحذرهم من محدثات الأمور وبالغ في التحذير منها وأخبرهم أنها شر الأمور وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وأمرهم برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره, وكلٌّ من إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً داخل فيما حذر النبي ﷺ منه وأمر برده ومن توقف في هذا فلا يخلو من أحد أمرين, إما الجهل بدخول بدعتي المأتم والمولد في عمومات الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من المحدثات والأمر بردها, وإما المكابرة في رد الأحاديث الواردة في ذم البدع والتحذير منها من أجل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765000,"book_id":5316,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":56,"body":"مخالفتها لهوى المكابرين وما وجدوا عليه آباءهم وشيوخهم, وما أشد الخطر في كلّ من الأمرين, وما أكثر أهل الجهل والمكابرة والعناد والجدال بالباطل في زماننا, هدانا الله وإياهم سواء السبيل.\rوفي الآية من سورة النساء أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد, وفيها أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من تعلق بشيء من المحدثات.\r\rالبرهان العاشر: قول الله تعالى في سورة الشورى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ الآية, وهذه الآية الكريمة شبيهة بالآية المذكورة قبلها لأن كلاً من الآيتين تدل على أنه يجب رد الأشياء المختلف فيها إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله محمد ﷺ , قال ابن كثير في الكلام على قوله تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ أي مهما اختلفتم فيه من الأمور, وهذا عام في جميع الأشياء ﴿فحكمه إلى الله﴾ أي هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه ﷺ كقوله جل وعلا ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ انتهى.\rوفي الآية الكريمة دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات, والحكم في جميع المحدثات المنع لقول الله تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ ولقول النبي ﷺ: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾.\rوفي الآية أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من تعلق بشيء من البدع.\r\rالبرهان الحادي عشر: قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765001,"book_id":5316,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":57,"body":"حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ فأقسم ﵎ بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكّم الرسول ﷺ في جميع الأمور ويقابل حكمه بالرضى والتسليم والانقياد ظاهراً وباطناً بحيث لا يجد في نفسه حرجاً من حكمه, وقد حكم رسول الله ﷺ برد المحدثات ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار.\rومن المحدثات إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً فهما بلا شك داخلتان فيما أمر النبي ﷺ برده ووصفه بالشر والضلالة وأخبر أنه في النار.\rوفي الآية الكريمة أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد, وفيها أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين بالبدع.\r\rالبرهان الثاني عشر: قول الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً﴾ وهذه الآية الكريمة شبيهة بالآية المذكورة قبلها لأن كلاً من الآيتين تدل على أنه يجب تحكيم الكتاب والسنة في جميع الأمور والأخذ بما جاء فيهما وأنه لا يجوز الخروج عما قضاه الله ورسوله ﷺ وأن من اختار في شيء من أموره ما فيه مخالفة لما قضاه الله ورسوله فقد عصى الله ورسوله وضل ضلالاً مبيناً. قال ابن كثير في تفسيره: هذه الآية عامة في جميع الأمور وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد ههنا ولا رأي ولا قول كما قال ﵎: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ انتهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765002,"book_id":5316,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":58,"body":"وفي الآية الكريمة دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات المخالفة لما قضاه الله في كتابه وما قضاه رسول الله ﷺ في الأحاديث الثابتة عنه, فأما قضاء الله تعالى فهو مذكور في البراهين التي تقدم ذكرها وفيما سيأتي من البراهين, وأما قضاء رسول الله ﷺ فسيأتي ذكره في البرهان السادس عشر وما بعده من البراهين إن شاء الله تعالى.\rوفي الآية أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد المجتهدين في الذب عنهما والجدال في تقريرهما بالباطل.\r\rالبرهان الثالث عشر: قول الله تعالى في سورة النور: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾ وهذه الآية شبيهة بالآية المذكورة قبلها لأن كلاً من الآيتين تدل على أنه يجب تحكيم الكتاب والسنة في جميع الأمور ومقابلة ما جاء فيهما من الأوامر والنواهي بالسمع والطاعة وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي.\rوفي الآية الكريمة أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات التي لم يأذن الله بها ولم يأمر بها رسول الله ﷺ ولم تكن من فعله ولا من فعل أصحابه ﵃, وما كان بهذه المثابة فهو داخل في عموم ما نهى الله عنه في قوله: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون﴾ وداخل في عموم قوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ وداخل في قول النبي ﷺ: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وفي قوله أيضاً:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765003,"book_id":5316,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":59,"body":"«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» فهذا من حكم الله وحكم رسوله الذي أمر ﵎ أن يقابل بالسمع والطاعة.\rوفي الآية أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من أعرض عما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ولم يذعن لحكم الكتاب والسنة.\r\rالبرهان الرابع عشر: أن الله تعالى أمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ في نحو من ثلاثين آية من القرآن, ونهى عن معصيته ومعصية رسوله ﷺ في آيات كثيرة أيضاً, ومن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ الأخذ بما أمر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ.\rوفي كل آية من الآيات التي جاء فيها الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من المحدثات التي لم يأذن الله بها ولم تكن من الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, وكذلك الآيات التي جاء فيها النهي عن معصية الله تعالى ومعصية رسوله ﷺ فكل آية منها تدل على المنع من بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من المحدثات في الإسلام لأن الله تعالى قد أمر عباده باتباع ما أنزله في كتابه ونهاهم عن اتباع الأولياء من دونه فدخل في عموم الآية الكريمة كل بدعة أحدثت في الإسلام ومنها إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً. ولأن النبي ﷺ قد حذر أمته من المحدثات على وجه العموم وبالغ في التحذير منها وأمر بردها بدون استثناء شيء منها فدخل في عموم الأحاديث الواردة في ذلك كل بدعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765004,"book_id":5316,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":60,"body":"أحدثت في الإسلام ومنه إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً وهذا واضح لا يخفى إلا على بليد ولا يرده إلا مكابر قد أعماه اتباع الهوى والتعصب للمحدثات التي وجد آباءه وشيوخه يعملون بها.\rوفي كل آية من الآيات التي تقدمت الإشارة إليها أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المتعصبين لبدعتي المأتم والمولد.\r\rالبرهان الخامس عشر: قول الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ وفي هذه الآية الكريمة دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات التي ليس عليها أمر رسول الله ﷺ ولم يكن العمل بهما من سبيل الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان, وإنما أحدث الجاهلون العمل بهما بعد القرون الثلاثة المفضلة بعدة قرون, وقد حذر النبي ﷺ من المحدثات وبالغ في التحذير منها وأمر بردها كما سيأتي بيان ذلك في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ , وما كان بهذه المثابة فالعمل به من المشاقة للرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين.\rوفي الآية أيضاً أبلغ رد على الذين يعملون بالبدع ويتعصبون لها ويجادلون بالباطل في تقريرها والدفاع عنها. ولا شك أن هذه الأعمال السيئة من المشاقة للرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين, ومن شاق الرسول ﷺ واتبع غير سبيل المؤمنين فهو على خطر عظيم لأن الله تعالى قد توعد فاعل ذلك بأن يوليه ما تولى وأن يصليه جهنم, فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من التعرض لهذا الوعيد الشديد, وليحرص كل الحرص على متابعة الرسول ﷺ والتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين والعض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765005,"book_id":5316,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":61,"body":"عليها بالنواجذ ولزوم الأمر الذي كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فإنهم كانوا أسبق الأمة إلى كل خير, وأبعدهم عن المخالفة لهدي رسول الله ﷺ. ولو كان في إقامة الولائم في المآتم واتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً أدنى شيء من الخير لكان الصحابة أسبق إليه من جهلة المتأخرين, ولكنه كان شراً محضاً فعصمهم الله منه.\rوقد روى الإمام أحمد في كتاب «الزهد» عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «عليكم بالسمت الأول» وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب «السنة» عنه ﵁ أنه قال: «إنكم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول»\rوروى الإمام أحمد ومحمد بن نصر عنه ﵁ أنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة» وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «من كان مستناً فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة أبرها قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة» وقد روى ابن عبد البر ورزين العبدي نحو هذا عن عبد الله بن مسعود ﵁.\rوقد جاء التحذير من مشاقة الله ورسوله ﷺ ومحادتهما في آيات كثيرة من القرآن, وفي كل آية من تلك الآيات دليل على المنع من بدعتي المآتم والمولد وغيرهما من المحدثات التي لم يأذن الله بها, وفي كل آية منها مع الآية التي تقدم ذكرها أبلغ رد على صاحب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765006,"book_id":5316,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":62,"body":"المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد المتعصبين للجدال عنهما بالباطل.\r\rالبرهان السادس عشر: قول النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة». رواه الإمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث العرباض بن سارية ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم والذهبي, وقال ابن عبد البر في كتابه: «جامع بيان العلم وفضله» حديث عرباض بن سارية في الخلفاء الراشدين حديث ثابت صحيح.\rوفي هذا الحديث التحذير من المحدثات والنص على أن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة, وفيه أوضح دليل على المنع من الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للناس, وعلى المنع من اتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً لأن هاتين البدعتين ليستا من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين وإنما هما من المحدثات التي أحدثها أهل الجهل والضلالة.\rوفي الحديث أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد.\rالبرهان السابع عشر قول النبي ﷺ في خطبته: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه والدارمي من حديث جابر بن عبد الله ﵄, وقد رواه النسائي بإسناد جيد ولفظه «إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765007,"book_id":5316,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":63,"body":"محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار».\rوفي هذا الحديث النص على أن المحدثات شر الأمور وأن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة وأن كل ضلالة في النار, وفي هذا أبلغ تحذير من قبول البدع والعمل بها, وفي الحديث أيضاً أوضح دليل على المنع من الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للناس. وعلى المنع من الاحتفال بليلة المولد النبوي واتخاذها عيداً لأن هاتين البدعتين ليستا مما أمر الله به في كتابه ولا من هدي رسول الله ﷺ وإنما هما من المحدثات, والمحدثات كلها شر وضلالة وكلها في النار. ومعناه أن العمل بالمحدثات يؤدي بأصحابه إلى النار, ويدل على ذلك قول النبي ﷺ: «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة» قالوا من هي يا رسول الله قال: «ما أنا عليه وأصحابي» وسيأتي ذكر هذا الحديث قريباً إن شاء الله تعالى.\rوفي حديث جابر ﵁ أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد.\r\rالبرهان الثامن عشر: ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما هما اثنتان الكلام والهدي فأحسن الكلام كلام الله وأحسن الهدي هدي محمد, ألا وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقد رواه ابن وضاح وابن عبد البر وغيرهما موقوفاً على عبد الله بن مسعود ﵁, وعلى تقدير صحة وقفه فله حكم الرفع لأنه لا يقال بالرأي وإنما يقال عن توقيف كما قد جاء ذلك في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765008,"book_id":5316,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":64,"body":"حديث جابر الذي تقدم ذكره, وتقدم بعضه في حديث العرباض بن سارية ﵁.\rوفي هذا الحديث أوضح دليل على المنع من الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للناس, وعلى المنع من الاحتفال بليلة المولد النبوي واتخاذها عيداً لأن هاتين البدعتين ليستا مما جاء في كلام الله وليستا من هدي رسول الله ﷺ وإنما هما من المحدثات التي هي شر وضلالة, وفي الحديث أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد.\r\rالبرهان التاسع عشر: قوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂, وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوماً به «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» قال النووي في شرح مسلم قال أهل العربية الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به, قال: وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات. وقال أيضاً: وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به انتهى.\rوقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه, ثم ذكر قول النووي إن هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك, قال: وقال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع. قال الحافظ: وفيه رد المحدثات وأن النهي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765009,"book_id":5316,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":65,"body":"يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها انتهى.\rوفي الحديث أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات التي ليس عليها أمر النبي ﷺ. وما كان بهذه المثابة فإنه يجب رده عملاً بأمر النبي ﷺ بذلك.\rوفي الحديث أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد.\r\rالبرهان العشرون: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» قال النووي في كتاب: «الأربعين» له حديث صحيح رويناه في كتاب «الحجة» بإسناد صحيح. قال الحافظ ابن رجب في كتابه: «جامع العلوم والحكم» يريد بصاحب كتاب «الحجة» الشيخ أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي. قال: وقد خرج هذا الحديث الحافظ أبو نعيم في كتاب «الأربعين» وشرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار وجياد الآثار مما أجمع الناقلون على عدالة ناقليه وخرجته الأئمة في مسانيدهم, ثم خرجه عن الطبراني, قال ورواه الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم الأصبهاني انتهى.\rقال النووي في الكلام على هذا الحديث يعني أن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به ﷺ , وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ فليس لأحد مع الله ﷿ ورسوله ﷺ أمر ولا هوى انتهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765010,"book_id":5316,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":66,"body":"وفي هذا الحديث أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات التي لا مستند لها من كتاب ولا سنة, وإنما يستند المتفونون بهما على مجرد الأهواء وما تستحسنه عقولهم من الأعمال التي قد وجدوا آباءهم وشيوخهم يعملون بها.\rوفي الحديث أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد.\r\rالبرهان الحادي والعشرون: قول النبي ﷺ: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم في مستدركه من حديث العرباض بن سارية ﵁. ورواه ابن ماجه أيضاً من حديث أبي الدرداء ﵁ ولفظه «وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء» قال أبو الدرداء: صدق والله رسول الله ﷺ تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء.\rوفي هذين الحديثين أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات في الإسلام وليستا من المحجة البيضاء التي ترك عليها رسول الله ﷺ أمته.\rوفي الحديثين أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد.\r\rالبرهان الثاني والعشرون: قول النبي ﷺ: «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بيّن لكم» رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي ذر ﵁, قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765011,"book_id":5316,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":67,"body":"وفي هذا الحديث دليل على المنع من إقامة الولائم في المآتم ومن اتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً لأنه لو كان في هاتين البدعتين شيء من الفضائل التي تقرّب من الجنة وتباعد من النار لبيّن ذلك النبي ﷺ لأمته لأنه لا خير إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه, ومن استحسن هاتين البدعتين وزعم أن فيهما شيئاً من الفضائل التي تقرب من الجنة وتباعد من النار فإنه يلزم على قوله أن يكون النبي ﷺ قد قصّر في البيان لأمته وكتم عنهم ما فيه خير لهم في معادهم, وهذا قول سوء لا يصدر إلا من إنسان مشكوك فيه إسلامه.\rوفي الحديث أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من استحسن بدعتي المأتم والمولد وزعم أن فيهما فضائل ترجى بركتها ونفعها في الدار الآخرة لأن هذا القول الباطل يتضمن الاستدراك على النبي ﷺ. وليس الاستدراك عليه أمراً هيناً وإنما هو من الأمور المنافية للإيمان لأن الله تعالى يقول: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ وقد أمر النبي ﷺ أمته بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وأمرهم أن يعضوا عليها بالنواجذ وأخبرهم أن خير الهدي هديه وأن شر الأمور محدثاتها وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار, وحذرهم من المحدثات وبالغ في التحذير منها وأمر بردها وأخبر أنه لا يؤمن أحد حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به ﷺ. فهذا من أقضيته التي أمر الله تعالى بتحكيمه فيها وأن لا يكون في النفوس حرج منها وأن تقابل بالقبول والتسليم, وفي كل جملة من هذه الأقضية العظيمة أبلغ رد على الذين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765012,"book_id":5316,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":68,"body":"يستدركون على النبي ﷺ باستحسانهم لبدعتي المأتم والمولد وزعمهم أن فيهما فضائل ترجى بركتها ونفعها في الدار الآخرة.\r\rالبرهان الثالث والعشرون: قول النبي ﷺ: «إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة» قالوا من هي يا رسول الله قال: «ما أنا عليه وأصحابي» رواه الترمذي ومحمد بن وضاح ومحمد بن نصر والحاكم والآجري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وقال الترمذي حديث حسن غريب, وروى الطبراني في الصغير نحوه من حديث أنس ﵁. وروى الطبراني أيضاً والآجري عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها على الضلالة إلا السواد الأعظم» قالوا: يا رسول الله ما السواد الأعظم؟ قال ﷺ: «من كان على ما أنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765013,"book_id":5316,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":69,"body":"عليه وأصحابي» وهذا الحديث ضعيف الإسناد ولكنه يتقوى بما تقدم قبله من حديثي عبد الله بن عمرو وأنس بن مالك ﵄. وتفسير السواد الأعظم في هذا الحديث بأنهم الذين كانوا على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ يدفع ما قد يتوهمه بعض الناس من أن السواد الأعظم يراد به معظم المنتسبين إلى الإسلام وجمهورهم نظراً منهم إلى ظاهر اللفظ.\rوقد جاء وصف الفرقة الناجية في بعض الأحاديث بأنهم الجماعة وجاء وصفهم في بعضها بأنهم السواد الأعظم, ولفظ الجماعة والسواد الأعظم مجمل وقد بينه ﷺ بقوله: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي» فهذا اللفظ المفصل يفسر اللفظ المجمل في غيره ويبين معناه, وقد روى العسكري عن سليم بن قيس العامري قال: سأل ابن الكواء علياً ﵁ عن السنة والبدعة وعن الجماعة والفرقة فقال: «يا ابن الكواء حفظت المسألة فافهم الجواب: السنة والله سنة محمد ﷺ , والبدعة ما فارقها, والجماعة والله مجامعة أهل الحق وإن قلّوا, والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا» وقال عمرو بن ميمون سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة» ثم قال: تدري ما الجماعة قلت: لا قال: «إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة, الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك» وفي رواية عنه أنه قال لعمرو بن ميمون: «إن جمهور الناس فارقوا الجماعة وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى قال نعيم بن حماد: يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ. رواه البيهقي في كتاب «المدخل» ونقله أبو شامة في كتاب «الباعث على إنكار البدع والحوادث» وابن القيم في كتاب «الإغاثة».\rوإذا علم تعيين الفرقة الناجية من هذه الأمة وأنهم الذي كانوا على منهج رسول الله ﷺ وما كان عليه هو وأصحابه ﵃ وأن هذه الفرقة الناجية هم الجماعة والسواد الأعظم وإن كانوا أقل المنتسبين إلى الإسلام, فليعلم أيضاً أن العمل ببدعتي المأتم والمولد خارج عما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وأنه من المحدثات التي أحدثت في الإسلام بعد زمان رسول الله ﷺ وزمان أصحابه ﵃ بقرون كثيرة, وما كان كذلك فلا يجوز العمل به بل يجب رده لقول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765014,"book_id":5316,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":70,"body":"رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد تقدم هذا الحديث فليراجع.\rوفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي جاء فيه تعيين الفرقة الناجية من هذه الأمة أبلغ رد على صاحب المقال وعلى أمثاله من المتعصبين للعمل بما لم يعمل به رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃.\r\rالبرهان الرابع والعشرون: قول النبي ﷺ: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة ملحد في الحرم ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية ومطّلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه» رواه البخاري من حديث ابن عباس ﵄.\rوفي هذا الحديث الصحيح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من سنن الجاهلية, والعمل بسنن الجاهلية بغيض إلى الله تعالى, والعامل بسننهم من أبغض الناس إلى الله تعالى. فأما الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للناس فهو من النياحة كما سيأتي بيان ذلك في حديثي عمر بن الخطاب وجرير بن عبد الله البجلي ﵄, والنياحة من أمور الجاهلية كما سيأتي النص على ذلك في حديث أبي مالك الأشعري ﵁, ويأتي أيضاً قول أبي البختري وسعيد بن جبير في ذلك إن شاء الله تعالى, وأما الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً فهو مبني على التشبه بالنصارى فإنهم كانوا يحتفلون بمولد المسيح ويتخذونه عيداً, وقد نهى رسول الله ﷺ عن التشبه بالنصارى وغيرهم من المشركين وشدد في ذلك كما سيأتي في حديثي عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃.\rوفي الحديث أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765015,"book_id":5316,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":71,"body":"المتعصبين لبدعتي المأتم والمولد. وفي تعصبهم لهاتين البدعتين بالباطل دليل على قلة مبالاتهم ببغض الله تعالى لمن يبتغي سنن الجاهلية ويعمل بأعمالهم السيئة.\r\rالبرهان الخامس والعشرون: قول النبي ﷺ: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وابن أبن شيبة من حديث ابن عمر ﵄ وصححه أحمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد, وقد ذكر البخاري بعضه في صحيحه معلقاً فقال في: «باب ما قيل في الرماح» من «كتاب الجهاد» ويذكر عن ابن عمر عن النبي ﷺ: «جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري» وروى أبو داود منه قوله: «من تشبه بقوم فهو منهم» وإسناده إسناد أحمد وابن أبي شيبة. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية إسناده جيد. قال: وقد احتج أحمد وغيره بهذا الحديث. قال: وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ وقال أيضاً: قوله ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقاً انتهى. وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاوس مرسلاً أن النبي ﷺ قال: «إن الله بعثني بالسيف بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالفني ومن تشبه بقوم فهو منهم» وهذا المرسل الصحيح يشهد للحديث الموصول عن ابن عمر ﵄ ويؤيده, وقال سعيد بن منصور في سننه قال إسماعيل بن عياش عن أبي عمير الصوري عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765016,"book_id":5316,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":72,"body":"بعثني بسيفي بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالفني ومن تشبه بقوم فهو منهم» وهذا المرسل يشهد أيضاً للحديث الموصول عن ابن عمر ﵄.\rوفي حديث ابن عمر ﵄ دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد من وجهين أحدهما أن الله تعالى جعل الذلة والصغار على من خالف أمر النبي ﷺ. ويدخل في ذلك من خالف الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. ومن ذلك العمل بالمحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ , ومنها إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً لأن النبي ﷺ قد نهى عن المحدثات على وجه العموم وحذر منها غاية التحذير ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار وأمر بردها وهذا يشمل بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من المحدثات في الإسلام, فمن عمل بشيء منها ولم يُبَالِ بنهي النبي ﷺ عنها وتحذيره منها وأمره بردها فله نصيب من الذلة والصغار بقدر مخالفته لأمر النبي ﷺ وارتكابه لنهيه. وقد يعجل ذلك للمخالف وقد يؤجل, فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من جميع الأقوال والأعمال التي قد تضره في العاجل أو في الآجل وتكون سبباً لعقوبته في الدنيا والآخرة.\rالوجه الثاني: أن العمل ببدعتي المأتم والمولد فيه تشبه بأهل الجاهلية من المشركين والنصارى. وقد تقدم بيان ما فيهما من التشبه بهم في البرهان الرابع والعشرين, وفي حديث ابن عمر ﵄ أبلغ تحذير من التشبه بأعداء الله تعالى, وفيه أيضاً أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من أمور أهل الجاهلية وسننهم, وفيه أيضاً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765017,"book_id":5316,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":73,"body":"أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد.\r\rالبرهان السادس والعشرون: ما رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا» قال الترمذي: هذا حديث إسناده ضعيف, قلت وما تقدم من حديث ابن عمر ﵄ وما أرسله طاوس والحسن يشهد له ويقويه ففي كل من هذه الأحاديث التشديد في التشبه بأعداء الله تعالى, ويشهد له أيضاً ما سيأتي في حديث المسور بن مخرمة ﵄. قال ابن مفلح في قوله: «ليس منا» هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم انتهى. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى التشبه بالكفار منهي عنه بالإجماع انتهى.\rوفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وما حكاه شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية من الإجماع على النهي عن التشبه بالكفار أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لما فيهما من التشبه بأهل الجاهلية من المشركين والنصارى واتباع سننهم وذلك حرام, وقد تقدم تقرير ذلك في البرهان الرابع والعشرين والبرهان الخامس والعشرين.\rوفي الحديث أيضاً وما ذكر معه من الإجماع أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد.\r\rالبرهان السابع والعشرون: قول النبي ﷺ: «هدينا مخالف لهديهم» يعني المشركين. رواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن جرير عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة ﵄ وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765018,"book_id":5316,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":74,"body":"تلخيصه, وقد رواه البيهقي في سننه من طريق الحاكم, ورواه الشافعي في مسنده من حديث ابن جرير عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلاً. قال: خطب رسول الله ﷺ - فذكر الحديث وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك».\rوفي هذا الحديث دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات في الإسلام وقد قال رسول الله ﷺ: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقد تقدم هذا الحديث في البرهان السادس عشر والبرهانين بعده, والبدع والضلالات كلها مخالفة لهدي رسول الله ﷺ الذي هو خير الهدي, وما خالف هديه فهو مردود لقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وقد ذكرت في البرهان الرابع والعشرين أن بدعة المأتم من النياحة, والنياحة من أمر الجاهلية, وأما بدعة المولد فهي مأخوذة من عمل النصارى في مولد المسيح, وما كان من سنن المشركين والنصارى فالعمل به حرام لقول النبي ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم».\rوفي الحديث أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد.\r\rالبرهان الثامن والعشرون: ما ثبت عن النبي ﷺ في عدة أحاديث أنه حصر الأعياد الزمانية في سبعة أيام وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة, فمن هذه الأحاديث ما رواه مالك في الموطأ والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبيد بن السباق أن رسول الله - صلى الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765019,"book_id":5316,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":75,"body":"عليه وسلم - قال: في جمعة من الجمع: «يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيداً فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك» وقد رواه ابن ماجه والطبراني من حديث صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عبيد بن السباق عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره بنحوه, قال في الزوائد. في إسناده صالح بن الأخضر لينه الجمهور وباقي رجاله ثقات, قلت وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: «معاشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله لكم عيداً فاغتسلوا وعليكم بالسواك» رواه الطبراني في الأوسط والصغير, قال الهيثمي: ورجاله ثقات. ولبعضه شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده» رواه الإمام أحمد والبخاري في الكنى وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه وصححه. وقال أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد إسناده صحيح, والأحاديث التي جاء فيها النص على أن يوم الجمعة عيد من أعياد المسلمين كثيرة وقد تركت ذكرها خشية الإطالة, وفيما ذكرته ههنا كفاية إن شاء الله تعالى.\rومما جاء في عيدي الفطر والأضحى ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: «ما هذان اليومان» قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ قد أبدلكم بهما خيراً منها يوم الأضحى ويوم الفطر» قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765020,"book_id":5316,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":76,"body":"ومما جاء في عيد الأضحى أيضاً وفي يوم عرفة وأيام التشريق ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم ي مستدركه عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن يوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق هن عيدنا أهل الإسلام وهن أيام أكل وشرب» قال الترمذي حديث حسن صحيح وقال: الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه.\rفهذه أعياد المسلمين الزمانية, وأما أعيادهم المكانية فهي منحصرة في مواضع الحج ومشاعره, فالكعبة والمسجد الحرام والصفا والمروة وموضع السعي بينهما عيد للحجاج والمعتمرين. وعرفات ومزدلفة ومنى أعياد للحجاج في أيام الحج, فمن اتخذ عيداً مكانياً سوى مواضع الحج والعمرة أو اتخذ عيداً زمانياً سوى السبعة الأيام التي تقدم ذكرها في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ فقد ابتدع في الدين وتشبه بالنصارى والمشركين واستدرك على الشريعة الكاملة وخالف الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين, وما أعظم ذلك وأشد خطره لأن الله تعالى يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ وما أكثر المخالفين للأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وخصوصاً في ابتداع الأعياد المكانية والزمانية, فأما الأعياد المكانية فكثيرة جداً, وقد افتتن بها جمهور المنتسبين إلى الإسلام وذلك باتخاذهم القبور مساجد وأعياداً يجتمعون عندها ويشدوه الرحال إليها من الأماكن القريبة والبعيدة ويفعلون عندها من منكرات الأقوال والأفعال ما لا يحصيه إلا الله تعالى, وقد عاد كثير منها شراً من اللات والعزى وغيرهما من أوثان أهل الجاهلية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765021,"book_id":5316,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":77,"body":"وأما الأعياد الزمانية فكثيرة جداً, ومن أعظمها فتنة وأكثرها انتشاراً في الأقطار الإسلامية بدعة الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً مضاهياً لعيد الفطر وعيد الأضحى, وقد افتتن بهذه البدعة كثير من المنتسبين إلى العلم فضلاً عن العوام, وقد تلاعب الشيطان ببعض المنتسبين إلى العلم وزين لهم اللغو في هذه البدعة والتعصب لها والدفاع عنها بالشبه والأباطيل الملفقة, وزاد اللغو والجراءة الهوجاء ببعضهم فزعموا أن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعاً وزعموا أيضاً أنه مشروع في الإسلام, وهذا من الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ , وزعموا أيضاً أن الاحتفال سنة حسنة محمودة مباركة, وهذا من الاستدراك على الشريعة الكاملة فقد قال الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ وهذه الآية الكريمة من آخر القرآن نزولاً لأنها أنزلت على النبي ﷺ في حجة الوداع وهو واقف بعرفة, ولم يكن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ يفعلون بدعة المولد ولم يكن لها ذكر في زمانهم, وإنما أحدثت بعد زمان النبي ﷺ بنحو من ستمائة سنة, وما كان بهذه المثابة فهو خارج عن الدين الذي أكمله الله لهذه الأمة, وخارج عن النعمة التي أتمها عليهم, وخارج عن دين الإسلام الذي رضيه لهم, وغايته أن يكون من الاستدراك على النبي ﷺ لأن الله تعالى قد شرع على لسانه سبعة أعياد زمانية فجاء المفتونون بالمولد النبوي فجعلوه عيداً يحتفلون به أعظم مما يحتلفون بالأعياد المشروعة للمسلمين, وهذا عين المشاقة لله ولرسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765022,"book_id":5316,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":78,"body":"وفي الأحاديث الدالة على تعيين الأعياد المشروعة للمسلمين وحصرها في سبعة أيام أوضح دليل على المنع من الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً, وكذلك غيره من الأعياد المبتدعة في الإسلام مثل ليلة المعراج وليلة النصف من شعبان وما يجعل لميلاد بعض الصالحين أو من يظن صلاحهم. وكذلك ما يجعل لثورة المنازعين للملوك والرؤساء وانتصار بعضهم على بعض - ويسمونه اليوم الوطني - وكذلك ما يجعل لولاية بعض الملوك - ويسمونه عيد الجلوس - إلى غير ذلك من الأعياد المبتدعة في الإسلام فكلها أعياد باطلة مردودة لقول النبي ﷺ: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» ولقوله أيضاً: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود.\rوفي الأحاديث التي تقدم ذكرها أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعة المولد النبوي المجادلين بالباطل في تقرير هذه البدعة والدفاع عنها.\r\rالبرهان التاسع والعشرون: ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن طلحة - يعني ابن مصرف - قال قدم جرير على عمر فقال: هل يناح قِبَلكم على الميت قال: لا. قال: فهل تجتمع النساء عندكم على الميت ويطعم الطعام قال: نعم فقال: تلك النياحة.\rوفي هذا الأثر دليل على المنع من إقامة الولائم في المآتم لأن عمر ﵁ قد عدّ ذلك من النياحة وقد قال: رسول الله ﷺ: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ وقال: الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب, قال: وفي الباب عن الفضل بن العباس وأبي ذر وأبي هريرة انتهى ولفظه عند ابن حبان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765023,"book_id":5316,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":79,"body":"«إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به» وروى الإمام أحمد أيضاً وأبو داود وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن أبي ذر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وقال الذهبي في تلخيصه: على شرط مسلم. وروى الإمام أحمد أيضاً وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» وروى الإمام أحمد أيضاً والترمذي وابن ماجه والبخاري في التاريخ والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» قال الترمذي هذا حديث حسن وصححه الحاكم والذهبي.\rوفي قول عمر ﵁ أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعة المأتم لأن عمر ﵁ قد عدّ الاجتماع إلى أهل الميت وإطعامهم الطعام من النياحة. والنياحة من أمر الجاهلية من كبائر الإثم كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى, ولا يقول بجوازها إلا أحد رجلين إما جاهل بحدود الشرع وإما مكابر لا يبالي بنهي النبي ﷺ عن النياحة وما جاء عنه من التشديد فيها والنص على أنها من أمر الجاهلية.\r\rالبرهان الثلاثون: ما رواه الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة» وقد رواه ابن ماجه بإسنادين صحيحين أحدهما على شرط البخاري والآخر على شرط مسلم, وبوّب عليه بقوله: «باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765024,"book_id":5316,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":80,"body":"الطعام» قال السندي قوله: «كنا نرى, هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير من النبي ﷺ , وعلى الثاني فحكمه الرفع وعلى التقديرين فهو حجة» انتهى.\rوفي هذا الأثر دليل على المنع من إقامة الولائم في المآتم لإجماع الصحابة ﵃ على أن ذلك من النياحة, والنياحة حرام لأنها من أمر الجاهلية, والدليل على أنها من أمر الجاهلية قول النبي ﷺ: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة» رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي مالك الأشعري ﵁, وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن وكيع بن الجراح عن سفيان عن هلال بن خباب عن أبي البختري قال: «الطعام على الميت من أمر الجاهلية والنوح من أمر الجاهلية» وقد ذكره عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن هلال بن خباب عن أبي البختري, وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن فضالة بن حصين عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير قال: «ثلاث من أمر الجاهلية بيتوتة المرأة عند أهل المصيبة ليست منهم والنياحة ونحر الجزور عند المصيبة» وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن ليث عن سعيد بن جبير قال: «ثلاث من عمل الجاهلية النياحة والطعام على الميت وبيتوتة المرأة عند أهل الميت ليست منهم».\rوإذا علم أن إقامة الولائم في المآتم من أمر الجاهلية فليعلم أيضاً أن التشبه بأهل الجاهلية حرام شديد التحريم. والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» وقوله أيضاً: «ليس منا من تشبه بغيرنا» وقوله أيضاً: «هدينا مخالف لهديهم» يعني المشركين, وقد ذكرت هذه الأحاديث قريباً فلتراجع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765025,"book_id":5316,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":81,"body":"وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للناس بدعة. وقال بعضهم أنها بدعة مستقبحة, واقتصر بعضهم على القول بأن ذلك مكروه, والظاهر أنهم أرادوا بالكراهة كراهة التحريم لأنهم عللوا المنع من ذلك بأنه من النياحة واستدلوا على ذلك بحديث جرير بن عبد الله البجلي الذي تقدم ذكره, والنياحة من الكبائر, والكبائر كلها محرمة. وقد منع الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من بدعة المأتم, قال ابن أبي شيبة: حدثنا معن بن عيسى عن ثابت بن قيس قال: أدركت عمر بن عبد العزيز يمنع أهل الميت الجماعات يقول ترزون وتغرمون, وقد قال محمد بن سيرين وغيره من أكابر التابعين أن عمر بن عبد العزيز من أئمة الهدى, وقد تقدم قول ابن ماجه في سننه: «باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام» ثم أورد في الباب حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁, وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: وأما صنعة أهل الميت طعاماً يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع وإنما هو بدعة انتهى, ونقل العلّامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في كتابه «عون المعبود» قول ابن الهمام في «فتح القدير»: شرح الهداية, يستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم يومهم وليلتهم, ويكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة انتهى قال أبو الطيب: ويؤيده حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: «كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة» أخرجه ابن ماجه.\rوبوّب «باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام» وهذا الحديث سنده صحيح ورجاله على شرط مسلم قاله السندي, وقال أيضاً قوله: «كنا نرى» هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765026,"book_id":5316,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":82,"body":"النبي ﷺ , وعلى الثاني فحكمه الرفع, وعلى التقديرين فهو حجة, وبالجملة فهذا عكس الوارد, إذ الوارد أن يصنع الناس الطعام لأهل الميت, فاجتماع الناس في بيتهم حتى يتكلفوا لأجلهم الطعام قلبٌ لذلك, وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الضيافة لأهل الميت قلبٌ للمعقول لأن الضيافة حقاً أن تكون للسرور لا للحزن انتهى. وقوله إن الضيافة لأهل الميت, معناه من أهل الميت وهي إقامتهم الولائم للعزاء.\rوقد نقل المباركفوري في كتابه «تحفة الأحوذي» قول ابن الهمام يكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستحقة, قال: وقال القاري واصطناع أهل الميت الطعام لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة, بل صح عن جرير ﵁ «كنا نعده من النياحة» وهو ظاهر في التحريم انتهى.\rونقل النووي في الروضة وشرح المهذب عن صاحب الشامل أنه قال: وأما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمعهم الناس عليه فلم ينقل فيه شيء, قال وهو بدعة غير مستحبة. قال النووي وهو كما قال انتهى.\rواستدل في «شرح المهذب» على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله ﵁ الذي تقدم ذكره, وقال: رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه بإسناده صحيح.\rونقل الشيخ محمد الشربيني الخطيب في «مغني المحتاج, إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» عن ابن الصباغ وغيره أنهم قالوا: أما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمع الناس عليه فبدعة غير مستحب, ثم استدل على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله ﵁ الذي تقدم ذكره.\rوقال شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة بن شهاب الدين الرملي في كتابه: «نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج» ويكره كما في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765027,"book_id":5316,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":83,"body":"الأنوار وغيره أخذاً من كلام الرافعي والمصنف - يعني النووي - أنه بدعة لأهله صنع طعام يجمعون الناس عليه قبل الدفن وبعده لقول جرير: «كنا نعدّ ذلك من النياحة» انتهى.\rوقال ابن الحاج في «المدخل»: وأما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمع الناس عليه فلم ينقل فيه شيء وهو بدعة غير مستحب, قال وقد سئل مالك ﵀ عن جمع الناس على العقيقة فأنكر ذلك وقال: تشبه بالولائم, قال ابن الحاج: فإذا كان هذا قوله في العقيقة فما بالك به في الطعام الذي اعتاد بعضهم عمله في بيت الميت وجمع الناس عليه, قال: وقال أزهر بن عبد الله من صنع طعاماً لرياء وسمعة لم يستجب الله لمن دعا له ولم يخلف الله عليه نفقة ما أنفق, قال ابن الحاج: وإذا كان هذا في وليمة العرس والختان فما بالك بما اعتاده بعضهم في هذا الزمان من أن أهل الميت يعملون الطعام ثلاث ليالٍ ويجمعون الناس عليه عكس ما حكي عن السلف ﵃, فليحذر من فعل ذلك فإنه بدعة مكروهة انتهى.\rوقول صاحب الشامل وابن الحاج: إن إصلاح أهل الميت للطعام وجمعهم الناس عليه لم ينقل فيه شيء, وإن أرادا أنه لم ينقل شيء يدل على جواز ذلك فنعم هو كذلك فإنه لم ينقل شيء يدل على جوازه, وإن أرادا أنه لم ينقل شيء يدل على المنع منه فيقال بل قد ورد عن عمر ﵁ أنه عده من النياحة وتقدم ذكر ذلك عنه, وتقدم أيضاً عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنهم كانوا يعدونه من النياحة, وهذا حكاية إجماع من الصحابة ﵃ على عده من النياحة, والنياحة حرام وكبيرة من الكبائر, وجميع الآيات والأحاديث التي تقدم ذكرها في البراهين السبعة والعشرين تدل على المنع منه, وقد تقدم بيان ذلك في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765028,"book_id":5316,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":84,"body":"الكلام على كل برهان منها فليراجع.\rوفي الأثر عن جرير ﵁ أنهم كانوا يعدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة, وما ذكر بعده عن أبي البختري وسعيد بن جبير أنهما قالا في إقامة الولائم في المآتم: إنه من أمر الجاهلية, وما ذكر أيضاً عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يمنع من ذلك, وما ذكر أيضاً من أقوال العلماء في عد ذلك من البدع, وقول بعضهم إنها بدعة مستقبحة وأنها من قلب المعقول, كل ذلك فيه أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعة المأتم.\rوفي كل برهان من البراهين التي تقدم ذكرها أبلغ رد على تحدي صاحب المقال الباطل على الإتيان ببرهان يدل على المنع من بدعتي المأتم والمولد فكيف وقد اجتمع من البراهين الدالة على المنع من بدعتي المأتم والمولد سبعة وعشرون برهاناً من الكتاب والسنة, وجاء في المنع من بدعة المولد زيادة برهان من السنة, وفي المنع من بدعة المأتم زيادة برهانين من قول عمر ﵁ أن ذلك من النياحة, وما ذكره جرير بن عبد الله ﵁ عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يعدون ذلك من النياحة, وبهذا تصير البراهين على المنع من بدعة المولد ثمانية وعشرين برهاناً, وعلى المنع من بدعة المأتم تسعة وعشرين برهاناً, ولا يخفى على طالب العلم أنه يكفي للمنع من كل واحدة من البدعتين برهان واحد فكيف وقد اجتمع على المنع من كل منهما عدد كثير من البراهين. فليتق الله صاحب المقال الباطل وليتأمل الآيات والأحاديث التي ذكرتها حق التأمل وليراجع الحق فإن الرجوع إلى الحق نبل وفضيلة كما أن التمادي في الباطل والإصرار عليه نقص ورذيلة ومن خفت عليه دلالة البراهين المذكورة على المنع من بدعتي المأتم والمولد أو خفي عليه شيء منها فليعلم أنه إنما أتي من سوء فهمه للآيات والأحاديث. وليعرف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765029,"book_id":5316,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":85,"body":"قدر نفسه ولا يتطاول على الذين هم أعلم بالكتاب والسنة منه, ومن ظهرت له دلالتها على المنع من البدع ولم يقتنع بذلك فلا شك أنه مكابر محاد لله ولرسوله ومتبع غير سبيل المؤمنين.\r\rفصل\rقال صاحب المقال الباطل: إني لم آت في كلمتي ما يخالف العقيدة الصحيحة.\rوالجواب: أن يقال إن صاحب المقال الباطل قد خالف الأدلة الدالة على المنع من بدعتي المأتم والمولد وهي كثيرة جداً في الكتاب والسنة, وقد ذكرت منها ثلاثين دليلاً فيما تقدم. ومن خالف أدلة الكتاب والسنة ونبذها وراء ظهره ولم يعبأ بها فلا شك أنه قد خالف العقيدة الصحيحة, وهي طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ وتحكيم الكتاب والسنة في محل النزاع قال الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ وقال تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً﴾ وقال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾. وقد كان رسول الله ﷺ يحذر في خطبه من محدثات الأمور ويبالغ في التحذير منها ويصفها بالشر والضلالة ويقول إنها في النار ويأمر بردها, وكل من بدعتي المأتم والمولد من محدثاتها الأمور الداخلة في عموم ما حذر منه رسول الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765030,"book_id":5316,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":86,"body":"- ﷺ وأمر برده, فمن امتثل أمر الرسول ﷺ باجتناب المحدثات وامتثل أمره بردها فقد استقام على العقيدة الصحيحة. ومن خالف أمره وارتكب نهيه ولم يبال بتحذيره من المحدثات فهو مخالف للعقيدة الصحيحة شاء أم أبى.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل إنه سيظل يطالب خطباء المساجد وخطيب المسجد الحرام بالذات بأن يتركوا الأمور الخلافية وأن يعظوا ويأمروا وينهوا ويخاطبوا الناس عن المنكرات المجمع عليها ويدعوهم إلى الخيرات. منعاً للبلبلة وتشويش الأذهان وإعطاء فكرة سيئة عن الإسلام, ثم أورد قول النبي ﷺ: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه».\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن خطباء المساجد وخطيب المسجد الحرام بالذات لم ينهوا الناس عن الأمور الخلافية كما قد زعم ذلك صاحب المقال الباطل وإنما كانوا ينهون الناس عما هو مخالف لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ من البدع ومنكرات الأقوال والأفعال, ومن رزقه الله السلامة من تقليد الآباء والشيوخ فيما يفعلونه من العادات المبتدعة التي وجدوا آبائهم وشيوخهم يعملون بها لم يخف عليه أن خطباء المساجد وخطيب المسجد الحرام بالذات لم يخرجوا عن الطريق المستقيم وإنما كانوا ينهون الناس عن الأمور المحرمة التي لا خلاف في تحريمها, وأما من أعماه التقليد للآباء والشيوخ فإنه لا بد أن يرى الحق في صورة الباطل أو على الأقل في صورة الأمور الخلافية, وأن يرى الباطل في صورة الحق كما هو الواقع من أهل اللغو في بدعتي المأتم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765031,"book_id":5316,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":87,"body":"والمولد, وقد دعاهم الغلو في هاتين البدعتين إلى التعصب لهما والدفاع عنهما بالشبه الملفقة والجدال بالباطل.\rالوجه الثاني: أن يقال كل ما خالف الكتاب والسنة فهو من المنكرات بالإجماع قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ ولا يخفى على طالب العلم أن رسول الله ﷺ لم يأمر ببدعتي المأتم والمولد ولم يفعلهما ولم يقر أحداً على فعلهما, ولا يخفى أيضاً أنهما إنما أحدثتا بعد زمان رسول الله ﷺ بمدة طويلة, وكل أمر ليس عليه أمر رسول الله ﷺ فهو مردود على صاحبه كائناً من كان, وفاعله متعرض للوعيد الشديد المذكور في الآية الكريمة من سورة النور.\rالوجه الثالث: أن يقال إن البلبلة وتشويش الأذهان وإعطاء الفكرة السيئة عن الإسلام هي في الحقيقة واقعة من المصرِّين على فعل الأمور المبتدعة المخالفة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم, وهؤلاء المخالفون للكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ﵃ لم يكتفوا بالإصرار على فعل البدع بل ضموا إلى ذلك الدفاع عنها بالشبه والأباطيل والحجج الداحضة, وهذا عين المشاقة لله ولرسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين. وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾.\rفأما خطباء المساجد الذين ينهون الناس عن البدع التي قد دل الكتاب والسنة على المنع منها ويأمرون الناس بلزوم الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ﵃ فهؤلاء قد أحسنوا غاية الإحسان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765032,"book_id":5316,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":88,"body":"وقاموا بما يجب عليهم من النصيحة للمسلمين ودعوتهم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيم عن المنكر, ومن لام هؤلاء على ما قاموا به من جهاد أهل البدع هو الملوم على الحقيقة.\rالوجه الرابع: أن يقال كل ما خالف الكتاب والسنة فهو من الحرام البيّن وليس من الأمور المشتبهة, ومن ذلك العمل ببدعتي المأتم والمولد لأن بدعة المأتم من النياحة, والنياحة من الكبائر, والكبائر كلها من الحرام البينّ, وأما بدعة المولد فإنها من الزيادة على الأعياد التي شرعها الله تعالى على لسان نبيه محمد ﷺ , والزيادة على الأمر المشرع من الحرام البينّ لأنها تستلزم الاستدراك على الشريعة الكاملة وذلك من أعظم الأشياء حرمة وأشدها خطراً, ومن زاد على الأمر المشروع فقد تعرض للوعيد الشديد لأن الله تعالى يقول: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم﴾ فوصف الزائدين على الأمور المشروعة بالظلم وتوعدهم بالعذاب الأليم, فليحذر المصرُّون على بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من البدع من هذا الوعيد الشديد.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل في الأول من تعليقاته الخاطئة, إن الاحتفال بالمولد النبوي أو تقديم الطعام في المآتم ليس من شعائر الدين ولا أتصور أن أحداً يعتبرها عبادة أو سنة أو عملاً دينياً يثاب فاعله ويعاقب تاركه.\rوالجواب: أن يقال قد اعترف صاحب المقال الباطل أن بدعتي المولد والمأتم ليستا من شعائر الدين, وهذا الاعتراف يتضمن الاعتراف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765033,"book_id":5316,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":89,"body":"بأنهما من البدع, والبدع كلها شر وضلالة وكلها في النار كما جاء ذلك في الحديث الثابت عن النبي ﷺ , وقد كان النبي ﷺ يحذر من البدع غاية التحذير ويأمر بردها على وجه العموم, وقد تقدمت الأحاديث بذلك فلتراجع.\rوأما قوله ولا أتصور أن أحداً يعتبرها عبادة أو سنة أو عملاً دينياً يثاب فاعله ويعاقب تاركه.\rفجوابه: أن يقال قد زعم بعض المفتونين ببدعة المولد أن الاحتفال به مطلوب شرعاً وأنه مشروع في الإسلام وأنها بدعة حسنة محمودة, وزعم بعضهم أنه سنة مباركة, ونقل عن السيوطي أنه قال: إن عمل المولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها, وقد رددت على هذه الأقوال الباطلة في كتابي المسمى «الرد القوي, على الرفاعي والمجهول وابن علوي, وبيان أخطائهم في المولد النبوي» فليراجع الكتاب فإن فيه رداً على صاحب المقال الباطل وعلى غيره من المفتونين ببدعة المولد النبوي.\rوأما بدعة المأتم فقد قال صاحب المقال الباطل في مقاله الأول المنشور في جريدة الندوة الصادرة في اليوم الثاني من شهر ربيع الثاني سنة ١٤٠٥ هـ وهو المقال الذي قد رددت عليه في القسم الأول من هذا الكتاب, قال فيه عن أهل الميت الذين يقيمون المأدبة في المأتم أنهم يطعمون الفقير والفقيرات, وفي كلامه هذا رد على قوله أنه لا يتصور أن أحداً يعتبرها عبادة أو سنة أو عملاً دينياً يثاب فاعله فإن إطعام الفقراء عبادة وعمل ديني يثاب فاعله ولكنه لم يشرع لأهل الميت في أيام المصيبة وإنما المشروع في حقهم أن يصنع لهم الطعام لقول النبي ﷺ لما جاء نعي جعفر: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنه قد جاءهم ما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765034,"book_id":5316,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":90,"body":"يشغلهم» رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن جعفر ﵄ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضاً الحاكم والذهبي. وروى الإمام أحمد وابن ماجه أيضاً عن أسماء بنت عميس ﵂ نحو حديث ابنها عبد الله بن جعفر ﵄.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل إن ما يمكن أن يجري ضمن الاحتفال بالمولد أو المآتم من قراءة للقرآن أو ذكر لله أو صلاة على رسوله بالطريقة المشروعة فتلك هي العبادة التي يجب أن تكون وفق ما شرع الله.\rوالجواب: أن يقال إن الله تعالى لم يأمر بالاحتفال بالمولد النبوي ولا بالمآتم ولم يأمر بذلك رسول الله ﷺ ولم يفعله ولم يقر أحداً على فعله ولم يفعل ذلك الصحابة ﵃, ولم يرد في الشريعة الكاملة ما يدل على تخصيص ليلة المولد النبوي وأيام المصائب بقراءة القرآن وذكر الله تعالى والصلاة على النبي ﷺ , وعلى هذا فمن خصص ليلة المولد أو أيام المصائب بأعمال ليس عليها أمر النبي ﷺ فأعماله مردودة لقول النبي ﷺ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي هذا الحديث الصحيح أبلغ رد على قول صاحب المقال إن ما يمكن أن يجري ضمن الاحتفال بالمولد أو المآتم من قراءة للقرآن أو ذكر لله أو صلاة على رسوله أنها عبادة يجب أن تكون وفق ما شرع الله.\rوأيضاً فإن النبي ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765035,"book_id":5316,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":91,"body":"ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» ولم يكن من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين تخصيص ليلة المولد النبوي وأيام المصائب بقراءة القرآن وذكر الله تعالى والصلاة على رسوله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين فهو من الأعمال المحدثة التي يجب ردها عملاً بالحديث الصحيح.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل والبدعة المنكرة كما عرّفها فقهاء الإسلام: «هي كل طريقة مخترعة في الدين تضاهي الشريعة» وحفلات المولد أو المآتم ليست من الدين أبداً, ومقارنة صنع الطعام في المآتم بالنياحة مقارنة غير صحيحة.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن صاحب المقال الباطل قد اعترف أن حفلات المولد والمآتم ليست من الدين أبداً, ويلزم على هذا الاعتراف منه أن يعترف أنها حفلات محدثة في الإسلام, وإن لم يعترف بهذا فكلامه متناقض. والكلام المتناقض مطروح ومردود على قائله.\rالوجه الثاني: أن أقول قد ذكرت فيما تقدم أن الله تعالى شرع لهذه الأمة سبعة أعياد زمانية على لسان نبيه محمد ﷺ وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة, وقد أحدث الناس أعياداً زمانية لم يأمر الله بها ولا رسوله ﷺ ولم يعمل بها أحد من الصحابة ﵃, ومنها الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً مضاهياً للأعياد المشروعة. بل إن كثيراً من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765036,"book_id":5316,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":92,"body":"الجهال في مشارق الأرض ومغاربها يحتفلون بالمولد النبوي أعظم مما يحتفلون بعيد الفطر وعيد الأضحى. وذلك من إضلال الشيطان لهم وتعظيمه لبدعة المولد في نفوسهم كما أخبر الله عنه أنه قال: ﴿ولأضلنهم﴾ وقد بلغ من إضلال الشيطان لبعض المفتونين ببدعة المولد أن جعلوها من الدين, فزعم بعضهم أن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعاً وأنه مشروع في الإسلام, وزعموا أيضاً أنها بدعة حسنة محمودة, وزعموا أيضاً أنها سنة مباركة, وزعموا أيضاً أنها من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها. وقد ذكرت هذه الأقوال الباطلة مع الرد عليها في كتابي المسمى بـ «الرد القوي» , على الرفاعي والمجهول وابن علوي. وبيان أخطائهم في المولد النبوي» فلتراجع هناك, ولا يخفى ما في هذه الأقوال الباطلة من المعارضة لأمر النبي ﷺ برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره وعدم المبالاة بنهي النبي ﷺ عن المحدثات ومبالغته في التحذير منها وقد قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾.\rالوجه الثالث: أن يقال لا يخفى ما في الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام للناس من المضاهاة لحفلات النكاح التي شرعها الله تعالى على لسان نبيه محمد ﷺ ,وشتان ما بين أيام الفرح والسرور وأيام المصائب والأحزان, وقد ذكرت فيما تقدم قريباً عن ابن الهمام أنه قال في اتخاذ الضيافة من أهل الميت أنها بدعة مستقبحة, وذكرت أيضاً ما ذكره صاحب «عون المعبود» عن كثير من الفقهاء أنهم قالوا إن الضيافة من أهل الميت قلبٌ للمعقول وعللوا ذلك بأن الضيافة إنما تكون للسرور لا للحزن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765037,"book_id":5316,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":93,"body":"وأما قول صاحب المقال الباطل إن مقارنة صنع الطعام في المآتم بالنياحة مقارنة غير صحيحة.\rفجوابه: أن يقال هذا قول باطل مردود بما رواه ابن أ [ي شيبة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يعد الاجتماع إلى أهل الميت وإطعام الطعام من النياحة, ومردود أيضاً بما رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة» وهذا حكاية إجماع من الصحابة ﵃ على عدّ الحفلات التي تقام في المآتم من النياحة, وقد قال النبي ﷺ: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» وفي رواية «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به» وقال ﷺ: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وقد ذكرت هذه الأحاديث قريباً فلتراجع.\rوإذا علم هذا فليلعم أيضاً أن اطّراح قول الخليفة الراشد الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه وعدم المبالاة به ليس بالأمر الهيّن, وكذلك اطّراح ما حكاه جرير بن عبد الله ﵁ عن الصحابة ﵃ ليس بالأمر الهيّن, ويلزم على اطّراح قول عمر ﵁ اطّراح قول النبي ﷺ: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» واطّراح قوله أيضاً: «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به» وما لزم عليه اطّراح قول النبي ﷺ فهو قول سوء يجب رده على قائله والتحذير من الاغترار به, وكذلك اطّراح قول عمر ﵁ وما ذكره جرير بن عبد الله ﵁ عن الصحابة ﵃ لا شك أنه قول سوء يجب رده على قائله والتحذير من الاغترار به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765038,"book_id":5316,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":94,"body":"وبعد فهل يقول رجل له عقل ودين في قول عمر ﵁ حيث عدّ الاجتماع إلى أهل الميت وإطعام الطعام من النياحة إن هذه مقارنة غير صحيحة, وهل يقول رجل له عقل ودين في قول جرير بن عبد الله البجلي ﵁: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة» إنها مقارنة غير صحيحة, كلّا إن الذي له عقل ودين لا يستسيغ تخطئة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ولا تخطئة غيره من الصحابة ﵃ ولا يستجيز ذلك, ومن المعلوم الذي لا يشك فيه عاقل له علم ومعرفة بالصحابة ﵃ أنهم كانوا أعلم الأمة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وبما هو موافق لهدي رسول الله ﷺ وما هو مخالف له, وعلى هذا فمن خالف إجماعهم على عد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة فإنه يخشى عليه من الوعيد الذي توعد الله به من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل, ثانيا: أن الصفة التي تنطبق على حفلات المولد أو الطعام في المآتم أنها عادات اجتماعية كحفلات الزواج والأعياد والتكريم والقدوم من السفر وتخضع مقاييسها والحكم عليها على ضوء ما يجري فيها فإن جرى فيها حرام فهي حرام, وإن خلت من المعاصي وجرى فيها خير فإنها تكون خيراً, وهذا ما قاله كثير من العلماء.\rوالجواب: عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن الاحتفال بالمولد قد جعله الجهال عيداً مضاهياً للأعياد التي شرعها الله تعالى على لسان رسوله محمد ﷺ وهو من المحدثات والأعمال التي ليس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765039,"book_id":5316,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":95,"body":"عليها أمر النبي ﷺ , أي أنه ﷺ لم يحتفل بمولده ولم يأمر بالاحتفال به ولم يقر أحداً على الاحتفال به, بل إنه لم يكن يفعل في زمانه وزمان أصحابه ﵃ وإنما حدث الاحتفال به بعد زمان رسول الله ﷺ بنحو من ستمائة سنة, وفي الاحتفال بالمولد النبوي مشابهة تامة للنصارى فإنهم كانوا يحتفلون بمولد المسيح ويعظمونه, وما كان بهذه المثابة فهو داخل في عموم ما حذر منه رسول الله ﷺ وأمر برده حيث قال في حديث العرباض بن سارية ﵁: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقال في حديث جابر بن عبد الله ﵄: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وقال في حديث عائشة ﵂: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود.\rوأما الطعام الذي يصنعه أهل الميت للناس فهو من المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ , وفيه مضاهاة لما شرعه الله تعالى على لسان رسوله محمد ﷺ من عمل الولائم في النكاح, وفيه أيضاً مخالفة لسنة رسول الله ﷺ مع أهل الميت فإنه ﷺ قد أمر أهله أن يصنعوا الطعام لأهل الميت ولم يأمر أهل الميت أن يصنعوا الطعام للناس. ففي صنعهم الطعام للناس مخالفة لهدي رسول الله ﷺ الذي هو خير الهدي وأحسنه. وفيه أيضاً قلبٌ للمعقول, فإن المعقول أن يصنع الطعام لأهل الميت للتخفيف عنهم من حرّ المصيبة, وفيه أيضاً مشابهة أهل الجاهلية في سننهم وأفعالهم, وقد تقدم قول أبي البختري","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765040,"book_id":5316,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":96,"body":"وسعيد بن جبير أن الطعام على الميت من أمر الجاهلية. وهو أيضاً من النياحة كما نص على ذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁. وذكره جرير بن عبد الله البجلي ﵁ عن الصحابة ﵃. وما كان بهذه المثابة فهو داخل في عموم ما حذر منه رسول الله ﷺ وأمر برده.\rالوجه الثاني: أن يقال إن الحكم في جميع الأمور مردود إلى الكتاب والسنة لا إلى آراء الناس واستحساناتهم ومقاييسهم وعاداتهم التي وجدوا عليها آباءهم وشيوخهم الذين ليسوا من ذوي البصائر في الدين. وقد تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة على المنع من بدعتي المولد والمأتم من غير اشتراط أن يجري فيهما شيء حرام. وقد تقدم بيان ذلك في الكلام على البراهين التي تقدم ذكرها, وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو مردود على قائله كائناً من كان.\rالوجه الثالث: أن يقال إن الحكم على بدعتي المولد والمأتم بالمنع ليس مرتبطاً بما يجري فيهما من حرام كما قد زعم ذلك صاحب المقال الباطل, والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ حذر أمته من المحدثات على وجه العموم وأمر بردها من غير تفصيل بين ما يجري فيه شيء من المحرم وما لا يجري فيه شيء من ذلك, ولو كان التفصيل شيئاً لازماً لبنيه رسول الله ﷺ لأمته لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. وإذا جرى في بدعة من البدع شيء من المحرمات فلا شك أن المنع منها يكون أكد مما لم يجر فيه شيء محرم.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل وأي خير أكرم وأفضل من ذكر الله,","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765041,"book_id":5316,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":97,"body":"ألم يقل الصادق المصدق: «لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده».\rوالجواب: أن يقال إن ذكر الله تعالى مرغب فيه في كل وقت قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾ وقد ورد الترغيب في الإكثار منه في الأوقات الفاضلة كشهر رمضان وعشر ذي الحجة. فأما ليلة المولد النبوي وأيام المصائب فسبيلها سبيل سائر الليالي والأيام التي ليست بفاضلة. إذ لم يرد عن النبي ﷺ أنه كان يخصها بشيء من العبادات والأذكار دون سائر الليالي والأيام.\r\rوالعبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع, فلا يجوز لأحد أن يخرج عن المنهج الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. بل الواجب على كل أحد أن يسلك سبيلهم ويقتفي أثرهم في كل شيء من أمور الدين فقد جاء عن النبي ﷺ أنه سئل عن الفرقة الناجية من هذه الأمة فقال: «ما أنا عليه وأصحابي» رواه الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وقال الترمذي حديث حسن غريب. وروى الطبراني نحوه من حديث أنس ﵁.\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل: وهكذا فإن الاحتفال بالمولد النبوي أو خلافه أو إطعام الطعام في المآتم لا علاقة له بالدين ولا العبادة ولا الشريعة ولا البدعة.\rوالجواب: عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن الدين والعبادة والشريعة ترجع إلى مسمى واحد لأن الدين هو العبادة التي جاء الأمر بها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765042,"book_id":5316,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":98,"body":"في الكتاب أو السنة وهو الشريعة التي شرعها الله تعالى على لسان رسوله محمد ﷺ فالتفريق بين الدين والعبادة والشريعة من أجل اختلاف أسمائها تفريق لا داعي له ولا حاصل تحته.\rالوجه الثاني: أن يقال إن الاحتفال بالمولد النبوي وإطعام الطعام في المآتم ليسا من الدين الذي أكمله الله لعباده, وما كان كذلك فلا بد أن يكون داخلاً في مسمى المحدثات التي قد نهى عنها رسول الله ﷺ وبالغ في التحذير منها وأمر بردها بدون استثناء شيء منها. وقد جاء النص عنه ﷺ في ثلاثة أحاديث صحيحة أنه قال: «وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وجاء النص عنه أيضاً أنه قال: «وشر الأمور محدثاتها» وجاء النص عنه أيضاً أنه قال: «وكل ضلالة في النار» وقد تقدم ذكر هذه النصوص قريباً فلتراجع (١). وهذه النصوص الثابتة عن النبي ﷺ عامة لجميع الأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ وهي كثيرة جداً عند المفتونين بالبدع, ومنها الاحتفال بالمولد النبوي وإطعام الطعام في المآتم.\rالوجه الثالث: أن يقال من زعم أن الاحتفال بالمولد النبوي وإطعام الطعام في المآتم لا علاقة لهما بالبدعة فلا شك أنه قد خالف النص الثابت عن النبي ﷺ أنه قال: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وقوله أيضاً: «وشر الأمور محدثاتها» وما خالف النصوص الثابتة عن النبي ﷺ فهو قول سوء يجب رده على قائله. وقد توعد الله تعالى من خالف أمر النبي ﷺ بأشد الوعيد فقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون","footnotes":"(١) ص: ٦٥ - ٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765043,"book_id":5316,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":99,"body":"عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.\rالوجه الرابع: أن يقال إن الاحتفال بالمولد النبوي قد جعله الجهال عيداً مضاهياً لعيدي الفطر والأضحى وغيرهما من الأعياد المشروعة للمسلمين. وما كان زائداً على الأعياد المشروعة ومضاهياً لها فلا يقول عاقل له حظ من العلم إنه لا علاقة له بالبدعة, وأما إطعام الطعام في المآتم فهو من النياحة بنص الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به» وقال فيه أيضاً: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وجاء في حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة» وهذا حكاية إجماع من الصحابة ﵃ على عد إطعام الطعام في المآتم من النياحة, وعلى هذا فلا يقول عاقل له حظ من العلم إنه لا علاقة لهذا العمل بالبدعة.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل: وهكذا أيضا فإن الاستدلال بآية ﴿شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ وحديث: ﴿من أحدث في أمرنا هذا فهو رد﴾ لا يصح الاستدلال بهما في موضوعنا بحال من الأحوال.\rوقد قال صاحب المقال الباطل في التعليق الأول ما نصه, إنني اعتبر كل الأحاديث والآيات الواردة في الرد عليَّ أو التي رددها خطيب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765044,"book_id":5316,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":100,"body":"الجمعة بالمسجد الحرام وكلها حول الابتداع في الدين خارجة عن موضوعنا ومقحمة عليه.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: لا يخفى على من له حظ من العلم والفهم ما في كلام المردود عليه من المكابرة في إنكار الاستدلال بالآية والحديث المذكورين على المنع من بدعتي المولد والمأتم, وما فيه أيضاً من المكابرة في قوله: إن كل الأحاديث والآيات الواردة حول الابتداع في الدين خارجة عن موضوعه ومقحمة عليه, أي إنها على حد زعمه لا تدل على المنع من بدعتي المولد والمأتم, ولا يخفى ما في كلامه أيضاً من المعارضة لقول النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» فهذا الحديث الصحيح يبطل قول المردود عليه ويجتثه من أصله لأنه يدل على أن كل ما خرج عن سنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين من الأعياد والاحتفالات فهو من المحدثات والبدع والضلالات التي يجب ردها, ومن ذلك الاحتفال بالمولد النبوي وإطعام الطعام في المآتم فيجب المنع من هاتين البدعتين لأنهما خارجتان عن سنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين, ولا يستطيع صاحب المقال الباطل ولا غيره من المفتونين بالبدع أن يدخلوهما في سنة رسول الله ﷺ ولا في سنة الخلفاء الراشدين المهديين.\rالوجه الثاني أن يقال إن الاستدلال بقول الله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ وقول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» يأتي على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765045,"book_id":5316,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":101,"body":"البدع كلها, ومنها الاحتفال بالمولد النبوي وبدعة إطعام الطعام في المأتم لأن كلاً من هاتين البدعتين قد أحدثت بعد زمان رسول الله ﷺ وليستا من الأفعال التي كان عليها أمر رسول الله ﷺ , وقد ذكرت قريباً قول النووي في الكلام على قول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أنه صريح في رد كل البدع والمخترعات وأنه ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به, وذكرت أيضاً قول الحافظ ابن حجر أن فيه رد المحدثات وأن النهي يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها, وإذا تعارض قول النووي وابن حجر وقول صاحب المقال الباطل وأمثاله من المفتونين بالبدع فلا شك أن قوله وأقوال أمثاله في تقرير البدع وتأييدها بالشبه هو المطّرح المردود.\rالوجه الثالث: أن يقال ما زعمه صاحب المقال من أنه لا يصح الاستدلال بالآية والحديث في موضوعه - أي إنه لا يصح الاستدلال بهما على المنع من بدعتي المولد والمأتم على حد زعمه - وكذلك قوله إن كل الأحاديث والآيات الواردة حول الابتداع في الدين خارجة عن موضوعه ومقحمة عليه - أي إنه ليس فيها دليل على المنع من بدعتي المولد والمأتم على حد زعمه - وهذا القول منه مبني على مجرد الدعوى التي لا تستند إلى دليل من كتاب ولا سنة, وما ليس عليه دليل فحقه الرد والاطّراح ولا عبرة به.\rالوجه الرابع: أن يقال إن المحققين من العلماء قد أنكروا الاحتفال بالمولد النبوي وصرحوا أنه بدعة ولا يجوز فعله, وقد ذكرت أقوالهم في ذلك في كتابي المسمى بـ «الرد القويم, على الرفاعي والمجهول وابن علوي, وبيان أخطائهم في المولد النبوي» فليراجع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765046,"book_id":5316,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":102,"body":"هناك, وأما الاحتفال بالمأتم وإطعام الطعام فيه فهو مخالف لهدي رسول الله ﷺ حيث أنه قد أمر أهله أن يصنعوا طعاماً لأهل الميت ولم يأمر أهل الميت أن يصنعوا الطعام للناس, وقد أنكر المحققون من العلماء صناعة الطعام من أهل الميت وصرحوا أنه بدعة وقال بعضهم: إنه بدعة مستقبحة, ونص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على أنه من النياحة وقال جرير بن عبد الله البجلي ﵁ إنهم كانوا يعدونه من النياحة, وقال أبو البختري وسعيد بن جبير إنه من أمر الجاهلية, وقد ذكرت كلام العلماء فيه قريباً فليراجع ففيه وفيما ذكره العلماء في المنع من بدعة المولد أبلغ رد على زعم المردود عليه أن الآيات والأحاديث الواردة حول الابتداع في الدين خارجة عن موضوعه ومقحمة عليه.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل ثالثاً: لا أجد في حديث «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم ما يشغلهم» أية دلالة على تحريم صنع الطعام من آل جعفر لأنفسهم ولضيوفهم من المعزين والمواسين, ولا يعني أهل الميت أصلاً ولا يخاطبهم, بل هو مجرد حث لغيرهم من الأقارب والجيران على مكرمة من مكارم الأخلاق لمساعدة من نزلت بهم مصيبة الموت وهي سنة في حق الأقارب والجيران وليست في حق الأولين ولا ذنب للآخرين, فإذا لم يقدم أحد من الأقارب والجيران الطعام لأهل الميت ماذا يصنعون, هل يظلون وضيوفهم من المعزين والمواسين جياعاً, أم يصنعون طعاماً, وإذا فعلوا وأكلوا وأكل الناس معهم سيكونون آثمين, وما هو الدليل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765047,"book_id":5316,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":103,"body":"والجواب: أن يقال أما صنع أهل الميت الطعام لأنفسهم فلم يأت عن النبي ﷺ دليل يدل على المنع منه. وأما الاجتماع عند أهل الميت وصنعهم الطعام للناس فهو من المحدثات التي ليس عليها أمر النبي ﷺ ولم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم بإحسان. وكل عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو مردود لقول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂, وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوماً به «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» , وقد تقدم قول عمر ﵁ أن الاجتماع إلى أهل الميت وإطعام الطعام من النياحة. وتقدم أيضاً قول جرير بن عبد الله البجلي ﵁: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة» وتقدم أيضاً قول أبي البختري وسعيد بن جبير أنه من أمر الجاهلية, وفي هذا مع ما ذكرت قبله من الحديث الصحيح وقول عمر وجرير بن عبد الله ﵄ أوضح دليل على المنع من بدعة المأتم, ومن لم يفقه هذا الدليل الواضح فليستعذ بالله من الطبع على القلب.\r\rفصل\rوأما قول صاحب المقال الباطل: أما دليلنا على الجواز فإنه ما رواه أبو داود في سننه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فلما رجع استقبله داعي امرأته - أي زوجة الميت - فأجاب ونحن معه فجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا. وفي هذا الحديث دلالة صريحة على جواز ما يصنعه أهل الميت من طعام ودعوة الناس إليه سواء بقصد طلب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765048,"book_id":5316,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":104,"body":"الثواب للميت أو إكراماً للضيف.\rفالجواب عنه من وجوه أحدها: أن يقال إن الكاتب قد حَرَّفَ كلمة في الحديث وزاد فيه جملة أفسدت اللفظ وغَيَّرت المعنى, فأما الكلمة التي وقع فيها التحريف فهي قوله: «داعي امرأته» والذي في سنن أبي داود «داعي امرأة» بالتنكير لا بالإضافة, وقد وقع هذا التحريف في «مشكاة المصابيح» , ولعله وقع من بعض النساخ بعد المؤلف, وأما الجملة التي أفسدت اللفظ وغيّرت المعنى فهي قوله - أي زوجة الميت - وقد سبقه إلى هذه الزيادة التي قد غيّرت المعنى على القارئ حيث قال في شرح المشكاة - أي زوجة المتوفى -وسأذكر لفظ الحديث عند أبي داود وغيره ليتضح خطأ صاحب المقال الباطل ومن سبقه إلى التحريف في الحديث والتفسير الباطل في بيان المراد بالمرأة.\rالوجه الثاني: أن يقال قد جاء في حديث جيد الإسناد أن الميت الذي خرج النبي ﷺ معه كان من الأنصار, وجاء فيه وفي أحاديث أخر ما يدل على أنه أبو الدحداح الذي تصدق بحديقته وقال النبي ﷺ في حقه: «كم من عذق مدلى في الجنة لأبي الدحداح» وأما المرأة التي دعت النبي ﷺ وأصحابه إلى الطعام فهي امرأة من قريش وهي أخت سعد وعامر ابني أبي وقاص ﵄ وعنها. فأما الدليل على أن الميت من الأنصار فقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن محمد بن فضيل عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار وأنا غلام مع أبي فجلس رسول الله ﷺ على حفيرة القبر فجعل يوصي الحافر ويقول: «أوسع من قبل الرأس وأوسع من قبل الرجلين لرب عذق له في الجنة» وروى الإمام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765049,"book_id":5316,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":105,"body":"أحمد أيضاً عن محمد بن جعفر عن شعبة وحجاج عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة ﵁ قال صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح, قال حجاج أبي الدحداح ثم أتى بفرس عري فعقله رجل فركبه فجعل يتوقص به ونحن نتبعه نسعى خلفه قال: فقال رجل من القوم إن النبي ﷺ قال: «كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لأبي الدحداح» قال حجاج في حديثه قال رجل معنا: عند جابر بن سمرة في المجلس قال رسول الله ﷺ: «كم من عذق مدلى لأبي الدحداح في الجنة» وقد رواه مسلم والطبراني في الكبير بنحوه, وفي رواية للطبراني عن جابر بن سمرة ﵁ قال صلينا على ابن الدحداح رجل من الأنصار فلما فرغنا أتى رجل رسول الله ﷺ بفرس حصان فركبه حين رجع من الجنازة.\rوروى البيهقي في سننه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ بجنازة وأنا غلام مع أبي فجلس على حفرة القبر وجعل يومي إلى الحفار ويقول: «أوسع من قبل الرأس أوسع من قبل الرجلين ورب عذق له في الجنة».\rوقد ذكر ابن سعد في: «الطبقات الكبرى» جملة من نساء الأنصار اللاتي بايعن رسول الله ﷺ وذكر منهن أمامة بنت محرث بن زيد بن ثعلبة, قال: وأمها سلمى بنت أبي الدحداحة صاحب العذق المذلل في الجنة, ويستفاد من قول ابن سعد أن البشارة بالعذق المذلل في الجنة إنما وردت في حق أبي الدحداح ولم ترد في حق غيره, وقد علم مما تقدم من الأحاديث أن أبا الدحداح هو الميت الذي جاء ذكره في حديث عاصم بن كليب الذي رواه أبو داود وغيره.\rوأما الدليل على أن المرأة التي دعت النبي ﷺ وأصحابه إلى الطعام حين رجع من الجنازة كانت من قريش فقد رواه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765050,"book_id":5316,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":106,"body":"الإمام أحمد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن زائدة عن عاصم بن كليب عن أبيه أن رجلاً من الأنصار أخبره قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فلما رجعنا لقينا داعي امرأة من قريش فقال: يا رسول الله إن فلانة تدعوك ومن معك إلى طعام فانصرف فانصرفنا معه فجلسنا مجالس الغلمان من آبائهم بين أيديهم ثم جيء بالطعام فوضع رسول الله ﷺ يده ووضع القوم أيديهم ففطن له القوم وهو يلوك لقمته لا يجيزها فرفعوا أيديهم وغفلوا عنا ثم ذكروا فأخذوا بأيدينا فجعل الرجل يضرب اللقمة بيده حتى تسقط ثم أمسكوا بأيدينا ينظرون ما يصنع رسول الله ﷺ فلفظها فألقاها فقال: «أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها» فقامت المرأة فقالت يا رسول الله: إنه كان في نفسي أن أجمعك ومن معك على طعام فأرسلت إلى البقيع فلم أجد شاة تباع وكان عامر بن أبي وقاص ابتاع شاة أمس من البقيع فأرسلت إليه أن ابتغي لي شاة فلم توجد فذكر لي أنك اشتريت شاة فأرسل بها إليَّ فلم يجده الرسول ووجد أهله فدفعوها إلى رسولي فقال رسول الله ﷺ: «اطعموها الأسارى» إسناده صحيح رجاله كلهم من رجال الصحيح سوى كليب بن شهاب الجرمي والد عاصم وهو ثقة وثقه أبو زرعة وابن سعد وقال رأيتهم يستحسنون حديثه ويحتجون به, وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال: يقال إن له صحبة, وقد روى له أهل السنن والبخاري في جزء رفع اليدين.\rوقال أبو داود في الباب الثالث من «كتاب البيع»: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا ابن إدريس أخبرنا عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر: «أوسع من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765051,"book_id":5316,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":107,"body":"قبل رجليه أوسع من قبل رأسه فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله ﷺ يلوك لقمة في فمه ثم قال: «أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها» فأرسلت المرأة قالت: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم أجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إليَّ بها بثمنها فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليَّ بها فقال رسول الله ﷺ: «أطعميه الأسارى» وقد رواه البيهقي في «دلائل النبوة» من طريق أبي داود بمثل روايته. ورواه الدارقطني في سننه من طريق ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار فذكر أوله بنحو رواية أبي داود وقال فيه فلما انصرف تلقاه داعي امرأة من قريش فقال: إن فلانة تدعوك وأصحابك وذكر بقيته بنحو رواية أحمد, ورواه الدارقطني أيضاً حدثنا علي بن محمد بن عبيد حدثنا ابن أبي خيثمة حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب عن أبيه قال حدثني رجل من الأنصار قال خرجت مع أبي وأنا غلام مع رسول الله ﷺ , ثم ذكر نحوه وقال فيه قالت: فبعثت إلى أخي عامر بن أبي وقاص وقد اشترى شاة من البقيع فلم يكن أخي ثمَّ فدفع أهله الشاة إليَّ.\rإسناده صحيح, أما علي بن محمد بن عبيد فقال فيه الخطيب البغدادي: كان ثقة أميناً حافظاً عارفاً, ونقل الخطيب عن طلحة بن محمد بن جعفر أنه قال فيه الحافظ الثقة, وترجم له الذهبي في «تذكرة الحفاظ» وقال فيه الحافظ الإمام وذكر قول الخطيب فيه وأقره وأما ابن أبي خيثمة فهو أحمد بن زهير بن حرب قال فيه الخطيب البغدادي كان ثقة عالماً متقناً حافظاً بصيراً بأيام الناس راوية للأدب. قال: وذكره الدارقطني فقال: ثقة مأمون, وترجم له الذهبي في «تذكرة الحفاظ»","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765052,"book_id":5316,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":108,"body":"وقال فيه الحافظ الحجة الإمام, وذكر قول الخطيب فيه وأقره, وأما موسى بن إسماعيل التبوذكي وعبد الواحد بن زياد فهما من رجال الصحيحين, وأما عاصم بن كليب فقد روى له مسلم وأهل السنن, وأبوه تقدم الكلام في توثيقه.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه المسمى بـ «الإصابة» روينا في الجزء الثاني من حديث أبي العباس بن مكرم بإسناده عن عاصم بن كليب عن أبيه حدثني رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة وأنا غلام مع أبي يومئذ - فذكر الحديث في قصة المرأة التي أضافتهم بالشاة وأن النبي ﷺ أخذ لقمة فلاكها ولم يسغها فقالت المرأة: أرسلت إلى البقيع فلم أجد شاة تباع وكان أخي عامر بن أبي وقاص عنده شاة فدفعها أهلها إلى رسولي وهو غائب, الحديث.\rوقد تبين من سياق هذه الأحاديث أن الميت الذي خرج النبي ﷺ معه وأخبر أن له عذقاً في الجنة هو أبو الدحداح الأنصاري وأن المرأة التي دعت النبي ﷺ وأصحابه إلى الطعام كانت قرشية وهي أخت سعد وعامر ابني أبي وقاص ولم تكن أم الدحداح التي هي زوجة الميت, ففي هذا أبلغ رد على من زعم أن صاحبة الطعام زوجة الميت والله أعلم.\rالوجه الثالث: أن صاحب المقال الباطل قد اختصر الحديث اختصاراً أخلَّ به وأوهم أن رسول الله ﷺ ومن معه أكلوا طعام المرأة, وليس الأمر كذلك لأن رسول الله ﷺ لفظ اللقمة من فيه من حين ابتدأوا في الأكل فرفع القوم أيديهم وأخذوا بأيدي غلمانهم عن الطعام وألقوا ما كان معهم ثم إن رسول الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765053,"book_id":5316,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":109,"body":"- ﷺ أمر المرأة أن تطعمه الأسارى. وقد تقدم بيان ذلك في حديث عاصم بن كليب.\r\rفصل\rوزعم صاحب المقال الباطل أن رسول الله ﷺ لم يقل لمخالفه أنت جاهل أو إنك تقول بغير علم.\rوالجواب أن يقال إن رسول الله ﷺ قد قال لأبي ذر الغفاري ﵁ لما عَيَّر رجلاً بأمه: «إنك امرؤ فيك جاهلية» وعاب الذين أفتوا بغير علم وشدد في الإنكار عليهم, فأما حديث أبي ذر ﵁ فقد رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي ذر ﵁ قال: كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرني للنبي ﷺ فقال لي: «أساببت فلاناً» قلت: نعم, قال: «أفنلت من أمه» قلت: نعم, قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية» قلت: على حين ساعتي هذه من كبر السن قال: «نعم» هذا لفظ البخاري في «كتاب الأدب» من صحيحه. وفي رواية لمسلم قلت: يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه قال: «يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية» وفي رواية له أخرى بعد قوله: «إنك امرؤ فيك جاهلية» قال: قلت على حال ساعتي من الكبر قال: «نعم على حال ساعتك من الكبر».\rوفي قوله ﷺ لأبي ذر ﵁: «إنك امرؤ فيك جاهلية ما هو أبلغ وأنكى من القول أنت جاهل. وفي الحديث دليل على أنه يجوز وصف المخالف للسنة بصفة الجهل».\rوأما إنكار النبي ﷺ على الذي أفتوا بغير علم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765054,"book_id":5316,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":110,"body":"ووصفه إياهم بالعي الذي هو الجهل وعدم العلم فقد رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي من حديث جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في مستدركه والدارقطني والبيهقي في سننيهما من حديث ابن عباس ﵄ مختصراً وصححه الحاكم والذهبي.\rقال ابن الأثير في «النهاية» وابن منظور في «لسان العرب»: العي الجهل قال أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في «عون المعبود» والمعنى أن الجهل داء وشفاؤه السؤال والتعلم, وقال الخطابي في هذا الحديث من العلم أنه عابهم بالفتوى بغير علم وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم وجعلهم في الإثم قتلة له انتهى. وفي هذين الحديثين وحديث أبي ذر ﵁ أبلغ رد على صاحب المقال الباطل الذي قد بذل وسعه في معارضة العلماء الذي يحذرون من بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من أنواع البدع والمخالفات.\r\rفصل\rوزعم صاحب المقال الباطل أن المنافقين لم يحرموا من بر النبي ﷺ وعطفه. قال: ولم يسلط عليهم لسانه وقسوته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765055,"book_id":5316,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":111,"body":"والجواب عن هذا من وجهين أحدهما: أن يقال إن النبي ﷺ لم يكن يبر المنافقين ويعطف عليهم كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل, وإنما كان يعاملهم بما أمره الله به من جهادهم والغلظة عليهم, قال الله تعالى في سورة التوبة وسورة التحريم: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ قال عطاء نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح. ذكره البغوي في تفسيره. قال: واختلفوا في صفة جهاد المنافقين, قال ابن مسعود: بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه, وقال: لا تلق المنافقين إلا بوجه مكفهر وقال ابن عباس: باللسان وترك الرفق وقال الضحاك: بتغليظ الكلام وقال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم, قال ابن كثير: وقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال لأنه تارة يؤاخذهم بهذا وتارة بهذا بحسب الأحوال انتهى. وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر والتغليظ. وقد روى الإمام أحمد والطبراني عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن فيكم منافقين فمن سميت فليقم, ثم قال: قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان حتى سمى ستة وثلاثين رجلاً ثم قال: إن فيكم أو منكم فاتقوا الله» وفي رواية الطبراني: «فسلوا الله العافية» قال فمر عمر على رجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه قال مالك: قال فحدثه بما قال رسول الله ﷺ فقال بعداً لك سائر اليوم. وفي هذا الحديث ما مع تقدم ذكره من الآية الكريمة وأقوال المفسرين من الصحابة والتابعين أبلغ رد على من زعم أن رسول الله ﷺ كان يبر المنافقين ويعطف عليهم.\rوقد فضح الله المنافقين في سورة براءة وغيرها من السور ونهى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765056,"book_id":5316,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":112,"body":"رسوله ﷺ عن الاستغفار لهم والصلاة عليهم والقيام على قبورهم, قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس ﵄: سورة التوبة, قال التوبة هي الفاضحة ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحداً منهم إلا ذكر فيها, رواه البخاري ومسلم.\rوما كان رسول الله ﷺ ليبر ويعطف على أناس قد حذره الله منهم في قوله تعالى: ﴿هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنّى يؤفكون﴾ وقال فيهم: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ وقال فيهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون, ها أنتم أولآء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنّا وإذا خلو عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور, إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط﴾.\rفإن احتج المفتون على ما زعمه من بر المنافقين والعطف عليهم بما ورد في قصة عبد الله بن أبي بن سلول حين مات وأن رسول الله ﷺ أمر به أن يخرج من قبره وأنه نفث عليه من ريقه وألبسه قميصه وصلى عليه.\rفالجواب: أن يقال ليس في قصة عبد الله بن أبي ما يتعلق به أهل الباطل لأن رسول الله ﷺ إنما فعل مع عبد الله بن أبي ما فعل إكراماً لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي لأن عبد الله بن عبد الله كان من فضلاء الصحابة وخيارهم. وقد استأذن رسول الله - صلى الله عليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765057,"book_id":5316,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":113,"body":"وسلم - في قتل أبيه فلم يأذن له, وقال لأبيه أنت الذليل ورسول الله ﷺ هو العزيز, ولما مات أبوه جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنك إن لم تأته لم نزل نعيّر بهذا فأتاه رسول الله ﷺ فوجده قد أدخل في حفرته فأمر به فأخرج منها وتفل عليه من ريقه وألبسه قميصه, وكان هذا قبل أن ينهاه ربه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم ثم إن الله تعالى أنزل عليه: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره﴾ فكان بعد نزول هذه الآية لا يصلي على أحد من المنافقين ولا يقوم على قبره, وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد على من زعم أن رسول الله ﷺ كان يبر المنافقين ويعطف عليهم.\rالوجه الثاني: أن يقال إن رسول الله ﷺ لم يكن موصوفاً بالقسوة كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل, وإنما كان موصوفاً باللين والرأفة والرحمة للمؤمنين وبالشدة والغلظة على الكافرين والمنافقين, قال الله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ وقال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ وفي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاصي فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً﴾ وحرزاً للأميين وأنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل لست بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح به","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765058,"book_id":5316,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":114,"body":"أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً, قال عطاء لقيت كعباً فسألته فما اختلفا في حرف إلا إن كعباً يقول بلغته أعيناً عمومى وآذاناً صمومى وقلوباً غلوفى, هذا لفظ أحمد.\rفهذه صفة رسول الله ﷺ مع المؤمنين. وأما مع الكافرين والمنافقين فقد أمره الله بالشدة والغلظة عليهم فقال تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ وقال تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ وقال تعالى: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾.\rوفيما ذكرته من الآيات وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ أبلغ رد على من وصف رسول الله ﷺ بالقسوة.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل ألم يقل بعض العلماء إن البدع ليست كلها سيئة, وقالوا إن هناك بدعة سيئة وبدعة حسنة حتى في الدين.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال وهل يظن صاحب المقال الباطل أن أقوال بعض العلماء في تحسين بعض البدع يجب الأخذ بها ولا تجوز مخالفتها وأنها تجرى مجرى النصوص من الكتاب والسنة, كلّا بل إن الكتاب والسنة هما الميزان الذي توزن به أقوال الناس وأعمالهم, فما وافقهما فهو مقبول, وما خالفهما فهو مردود على صاحبه كائناً من كان, وإذا عرضنا أقوال القائلين بتحسين بعض البدع على الكتاب والسنة وجدناها مخالفة للنصوص الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من البدع على وجه العموم والأمر باجتنابها بدون استثناء منها. وما خالف أقوال الرسول ﷺ فهو مخالف لكتاب الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765059,"book_id":5316,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":115,"body":"لأن الله تعالى قال في صفة رسوله ﷺ: ﴿وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى﴾ وقال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ وقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ وقال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ وفي هذه الآيات أبلغ رد على من عمل بشيء من البدع وعلى من استحسن شيئاً منها ولم يلتفت إلى النصوص الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير منها والأمر بردها.\rالوجه الثاني: أن يقال ما ذكره صاحب المقال الباطل عن بعض العلماء في تحسين بعض البدع فهو قول باطل مردود بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من البدع والأمر باجتنابها بدون استثناء شيء منها, فالأول من النصوص قوله ﷺ: ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث العرباض بن سارية ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم والذهبي, وقال ابن عبد البر في كتابه «جامع البيان العلم وفضله»: حديث عرباض بن سارية في الخلفاء الراشدين حديث ثابت صحيح. وفي هذا الحديث النص على أن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة, وفي هذا أبلغ تحذير من البدع على وجه العموم, وفيه أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من زعم أن البدع ليست كلها سيئة وأن هناك بدعة حسنة حتى في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765060,"book_id":5316,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":116,"body":"الدين, وقد قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في الكلام على حديث العرباض بن سارية ﵁, قوله ﷺ: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين وهو شبيه بقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذاما ليس منه فهو رد» فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة, والدين بريء منه, وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة انتهى.\rالثاني: من النصوص قوله ﷺ في خطبته: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه والدارمي من حديث جابر بن عبد الله ﵄, وقد رواه النسائي بإسناد جيد ولفظه «إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» ففي هذا الحديث النص على أن الأمور شر محدثاتها وأن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة وأن كل ضلالة في النار, وفي هذا النص أبلغ تحذير من البدع على وجه العموم, وفيه أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من زعم أن البدع ليست كلها سيئة وأن هناك بدعة حسنة حتى في الدين, وقد روى ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ نحو حديث جابر ﵁, ورواه ابن وضاح وابن عبد البر وغيرهما موقوفاً على ابن مسعود ﵁, وعلى تقدير صحة وقفه فله حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف, وحديث جابر يشهد له ويقويه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765061,"book_id":5316,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":117,"body":"الثالث: من النصوص قوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه رد» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂, وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوما به «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» , قال النووي في شرح مسلم: قال أهل العربية الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به. قال: وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات. وقال أيضاً وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به انتهى.\rوقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه, ثم ذكر قول النووي أن هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك, قال: وقال الطرقي هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع, قال الحافظ: وفيه رد المحدثات وأن النهي يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها انتهى.\rقلت: وفي النص على رد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ أبلغ تحذير من البدع على وجه العموم, وفيه أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من زعم أن البدع ليست كلها سيئة وأن هناك بدعة حسنة حتى في الدين.\rالوجه الثالث: أن القول بتحسين بعض البدع حتى في الدين يستلزم الاستدراك على الشريعة المحمدية, وما استلزم الاستدراك على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765062,"book_id":5316,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":118,"body":"الشريعة الكاملة فهو قول سوء يجب رده على قائله, وقد قال الشاطبي في كتاب «الاعتصام» إن المستحسن للبدع يلزمه أن يكون الشرع عنده لم يكمل بَعْدُ فلا يكون لقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ معنى يعتبر به عندهم انتهى. وذكر الشاطبي أيضاً ما رواه ابن حبيب عن ابن الماجشون قال: سمعت مالكاً يقول: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً» وذكره الشاطبي في موضع آخر من كتاب «الاعتصام» ولفظه قال: «من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الرسالة» وذكر بقيته بمثل ما تقدم انتهى.\rالوجه الرابع أن القول بتحسين بعض البدع حتى في الدين يستلزم رد النصوص الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من البدع والأمر بردها, وما استلزم الرد للنصوص الثابتة عن النبي ﷺ فهو قول سوء يجب رده على قائله.\rالوجه الخامس: أن القول بتحسين بعض البدع حتى في الدين يفتح باب التشريع في الدين والعمل بما لم يأذن به الله, وقد ذم الله تعالى من فعل ذلك وتوعدهم بأشد الوعيد فقال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم﴾ وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد على من استحسن شيئاً من البدع وعلى من زعم أن البدع ليست كلها سيئة وأن هناك بدعة حسنة حتى في الدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765063,"book_id":5316,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":119,"body":"فصل\rوقال صاحب المقال الباطل: ألم يرد على لسان أحد الصحابة رضوان الله عليهم «نعمت البدعة هذه, ألم يُحْدِث سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ جمع الناس في صلاة التراويح وجعلها عشرين ركعة ولم يكن ذلك موجوداً في عهد الرسول ولا عهد أبي بكر وهل قام الصحابة وهم مثله في العلم والفقه والمقام من رسول الله وهاجموه وقالوا له لماذا تشرع لنا من الدين ما لم يأذن به الله, وصلاة التهجد في رمضان فقط وفي جماعة هل شرعها الرسول هكذا أو هل فعلها أصحابه.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال أما اجتماع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فليس ببدعة ولم يُحْدِثه عمر ﵁ كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل, وإنما هو سنة سنها رسول الله ﷺ فقد صلى بالناس جماعة في شهر رمضان ثلاث ليال ثم ترك ذلك مخافة أن تفرض صلاة الليل على أمته فيعجزوا عنها, وقد جاء في ذلك عدة أحاديث. منها ما رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم واللفظ له وأبو داود والنسائي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدثون بذلك فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته فأصبح الناس يذكرون ذلك فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فطفق رجال منهم يقولون الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر فلما قضى الفجر أقبل على الناس ثم تشهد فقال: «أما بعد فإنه لم يخف عليَّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765064,"book_id":5316,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":120,"body":"شأنكم الليلة ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها» وفي رواية لهم وذلك في رمضان.\rومنها ما رواه الإمام أحمد أيضاً وأهل السنن عن أبي ذر ﵁ قال: صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل ثم لم يقم بنا الليلة الرابعة وقام بنا الليلة تليها حتى ذهب نحو من شطر الليل قال: فقلنا يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه قال: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» ثم لم يقم بنا السادسة وقام بنا السابعة قال: وبعث إلى أهله واجتمع الناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح, قال: قلت وما الفلاح قال السحور, هذا لفظ أحمد وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\rوفي قوله ﷺ: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» دليل على أن الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان سنة وليس ببدعة.\rومنها ما رواه الإمام أحمد والنسائي أيضاً بإسناد جيد عن نعيم بن زياد أبي طلحة الأنماري قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ على منبر حمص يقول: قمنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان ليلة ثلاث عشرين إلى ثلث الليل ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل ثم قمنا معه ليلة سبعة وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح وكانوا يسمونه السحور.\rوإذا علم ما جاء في هذه الأحاديث من صلاة النبي ﷺ بالناس ثلاث ليال في رمضان, وما جاء في حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل إذا قام مع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765065,"book_id":5316,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":121,"body":"الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» فليعلم أيضاً أن ما فعله عمر ﵁ من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان هو السنة لأمرين أحدهما أن النبي ﷺ قد صلى بالناس ثلاث ليال في رمضان ثم قطع ذلك خشية أن يفرض القيام على أمته, وما فعله النبي ﷺ فهو سنة وليس ببدعة.\rالأمر الثاني: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» وفي رواية الترمذي «كتب له قيام ليلة» ونحوه في رواية للنسائي, وهذا الحديث ظاهر في الترغيب في صلاة القيام في رمضان مع الجماعة وإكمال الصلاة مع الإمام. وفي هذا أوضح دليل على سنية الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان. وفي الحديث أيضاً مع ما جاء في الأحاديث الثلاثة من صلاة النبي ﷺ بالناس ثلاث ليال في قيام رمضان أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى غيره من الذين يزعمون أن عمر ﵁ هو الذي أحدث جمع الناس في صلاة التراويح وأن ذلك لم يكن موجوداً في عهد الرسول ﷺ.\rومما يرد به عليهم أيضاً حيث جابر بن عبد الله ﵄ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج إلينا فلم نزل فيه حتى أصبحنا ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله اجتمعنا في المسجد ورجونا أن تصلي بنا فقال: «إني خشيت أو كرهت أن يكتب عليكم» رواه أبو يعلى ومحمد بن نصر وابن خزيمة في صحيحه والطبراني في الصغير.\rومما يرد به عليهم أيضاً ما رواه البيهقي في سننه عن ثعلبة ابن أبي مالك القرظي قال: خرج رسول الله ﷺ -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765066,"book_id":5316,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":122,"body":"ذات ليلة في رمضان فرأى ناساً في ناحية المسجد يصلون فقال: «ما يصنع هؤلاء» قال قائل: يا رسول الله هؤلاء ناس ليس معهم قرآن وأبي بن كعب يقرأ وهم معه يصلون بصلاته قال: «قد أحسنوا أو قد أصابوا» ولم يكره ذلك لهم, قال البيهقي: هذا مرسل حسن, وقد روي موصولاً بإسناد ضعيف من حديث أبي هريرة ﵁, رواه أبو داود والبيهقي في سننيهما ومحمد بن نصر المروزي في «قيام الليل» وروى محمد بن نصر أيضاً وأبو يعلى والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء أبي بن كعب ﵁ في رمضان فقال: يا رسول الله كان مني الليلة شيء قال: «وما ذاك يا أُبي» قال: نسوة داري قلن إنا لا نقرأ القرآن فنصلي خلفك بصلاتك فصليت بهن ثمان ركعات والوتر فسكت عنه وكان شبه الرضا. قال الهيثمي رواه أبو يعلى والطبراني بنحوه في الأوسط وإسناده حسن.\rوهذا الحديث والحديث قبله يعضدهما المرسل الحسن الذي رواه البيهقي ويشهد لكل من الأحاديث الثلاثة ما تقدم في حديث عائشة وأبي ذر والنعمان بن بشير ﵃ أن رسول الله ﷺ صلى بالناس ثلاث ليال في رمضان, ويشهد لها أيضاً حديث جابر الذي صححه ابن خزيمة, ويشهد لها أيضاً قوله ﷺ في حديث أبي ذر ﵁: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته».\rالوجه الثاني: أن يقال على سبيل الفرض والتقدير لو أن عمر ﵁ هو الذي أحدث جمع الناس في صلاة التراويح ولم يكن مسبوقاً بفعل النبي ﷺ وقوله وتقريره لكان صنيعه في جمع الناس على إمام واحد سنة يعمل بها كما يعمل بالسنن الثابتة عن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765067,"book_id":5316,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":123,"body":"النبي ﷺ. والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» فهذا النص الصحيح يدل على أن ما فعله عمر ﵁ من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فهو سنة وليس ببدعة.\rويدل على ذلك أيضاً ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» قال الترمذي: هذا حديث حسن وصححه الحاكم والذهبي, وروى الترمذي والحاكم أيضاً عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.\rويدل على ذلك أيضاً ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب, قال وفي الباب عن الفضل بن العباس وأبي ذر وأبي هريرة انتهى, ولفظه عند ابن حبان «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به» وروى الإمام أحمد أيضاً وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» وروى الإمام أحمد أيضاً وأبو داود وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن أبي ذر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به» قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين. وقال الذهبي على شرط مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765068,"book_id":5316,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":124,"body":"وقد أجمع الصحابة ﵃ وفيهم من الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵄ على إقرار ما فعله عمر ﵁ من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان, والصحابة ﵃ لا يجتمعون على شيء من البدع وإنما يجتمعون على السنة, وقد ذكر الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب «قيام الليل» عن أبي إسحاق الهمداني قال: خرج علي بن أبي طالب ﵁ في أول ليلة من رمضان والقناديل تزهر في المساجد وكتاب الله يتلى فجعل ينادي نَوَّر الله لك يا ابن الخطاب في قبرك كما نوّرت مساجد الله بالقرآن.\rوقد قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى سَنَّ رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها, من عمل بها مهتد ومن انتصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا, رواه أبو بكر الخطيب من طريق الزهري عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى, وقد ذكره الشاطبي في كتاب «الاعتصام» فقال: ومن كلامه الذي عني به وبحفظه العلماء, وكان يعجب مالكاً جداً - فذكر كلام عمر الذي رواه الخطيب ثم قال -: وبحق ما كان يعجبهم فإنه كلام مختصر جمع أصولاً حسنة من السنة, منها قوله ليس لأحد تغييرها ولا تبديها ولا النظر في شيء خالفها, قطعٌ لمادة الابتداع جملة, وقوله من عمل بها مهتد - إلى آخر الكلام - مدحٌ لمتبع السنة وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك وهو قول الله سبحانه: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. ومنها ما سنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765069,"book_id":5316,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":125,"body":"ولاة الأمر من بعد النبي ﷺ فهو سنة, لا بدعة فيه البتة, وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ نص عليه على الخصوص فقد جاء ما يدل عليه في الجملة وذلك نص حديث العرباض بن سارية ﵁ حيث قال فيه: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور» فقرن ﵇ كما ترى - سنة الخلفاء الراشدين بسنته وأن من اتباع سنته اتباع سننهم وأن المحدثات خلاف ذلك ليست منها في شيء لأنهم ﵃ فيما سنوه إما متبعون لسنة نبيهم ﵇ نفسها. وإما متبعون لما فهموا من سنته ﷺ في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله, لا زائد على ذلك.\rومن الأصول المضمنة في أثر عمر بن عبد العزيز أن سنة ولاة الأمر وعملهم تفسير لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ لقوله: «الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة في دين الله» وهو أصل مقرر في غير هذا الموضع. فقد جمع كلام عمر بن عبد العزيز ﵀ أصولاً حسنة وفوائد مهمة انتهى كلام الشاطبي رحمه الله تعالى.\rالوجه الثالث: أن يقال إنما سمى عمر ﵁ ما فعله من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان بدعة من أجل أن النبي ﷺ لم يستمر على فعله ولأنه لم يكن يفعل في زمان أبي بكر ﵁ فلهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ فيه ما قال، وقد صرح الشاطبي في كتاب «الاعتصام» أن عمر بن الخطاب ﵁ إنما سمى قيام الناس في ليالي رمضان بدعة على المجاز.\rوقال في موضع آخر من كتاب «الاعتصام» وأما قسم المندوب فليس من البدع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765070,"book_id":5316,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":126,"body":"بحال وتبيين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثّل لها بصلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد فقد قام بها رسول الله ﷺ في المسجد واجتمع الناس خلفه - ثم ذكر الشاطبي حديث أبي ذر ﵁ في قيام النبي ﷺ بالناس ثلاث ليال في العشر الأواخر من رمضان وذكر أيضاً حديث عائشة ﵂ في ذلك وفيه أنهم لما اجتمعوا في الليلة الثالثة أو الرابعة لم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فلما أصبح قال: «قد رأيت صنيعكم فلم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن يفرض عليكم» وقد ذكرت هذين الحديثين في الوجه الأول وذكرت معهما حديث النعمان بن بشير ﵄, بنحو حديث أبي ذر ﵁ ثم قال الشاطبي بعد ذكره لحديث عائشة ﵂ فتأملوا ففي هذا الحديث ما يدل على كونها سنة فإن قيامه أولاً بها دليل على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان, وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقاً لأن زمانه كان زمان وحي وتشريع فيمكن أن يوحى إذا عمل به الناس بالإلزام, فلما زالت علة التشريع بموت رسول الله ﷺ رجع الأمر إلى أصله وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له, وإنما لم يقم ذلك أبو بكر ﵁ لأحد أمرين, إما لأنه رأى أن قيام الناس آخر الليل وما هم عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل, ذكره الطرطوشي, وإما لضيق زمانه ﵁ عن النظر في هذه الفروع مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح, فلما تمهد الإسلام في زمن عمر ﵁ ورأى الناس في المسجد أوزاعاً - كما جاء في الخبر - قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل, فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل, ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره, والأمة لا تجتمع على ضلالة,","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765071,"book_id":5316,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":127,"body":"وقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي.\rفإن قيل فقد سماها عمر ﵁ بدعة وحسنها بقوله: «نعمت البدعة هذه» وإذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع.\rفالجواب إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله ﷺ واتفق أنها لم تقع في زمان أبي بكر ﵁, لا أنها بدعة في المعنى, فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي. وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه انتهى.\rوقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم» فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة بل هي سنة بقول رسول الله ﷺ وفعله فإنه قال: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه» ولا صلاتها جماعة بدعة, بل هي سنة في الشريعة, بل قد صلاها رسول الله ﷺ في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين بل ثلاثاً وصلاها أيضاً في العشر الأواخر في جماعة مرات وقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح, رواه أهل السنن, وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد, وفي قوله هذا ترغيب في قيام شهر رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة, وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده ﷺ ويقرهم, وإقرارها سنة منه ﷺ انتهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765072,"book_id":5316,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":128,"body":"وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه «جامع العلوم والحكم» قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: «نعمت البدعة هذه» وروي عنه أنه قال: «إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة» ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليه, فمنها أن النبي ﷺ كان يحث على قيام رمضان ويرغب فيه وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحداناً, وهو ﷺ صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك معللاً بأنه خشي أن يكتب فيعجزوا عن القيام وهذا قد أُمِنَ بعده ﷺ , وروي عنه ﷺ أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر, ومنها أنه ﷺ أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين. وهذا قد صار من سنة الخلفاء الراشدين فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلي ﵃ انتهى.\rالوجه الرابع: أن يقال إن صلاة الليل في رمضان وفي غيره ليس للركعات فيها عدد معين لا يزاد عليه ولا ينقص منه, فأقلها ركعة وأكثرها لا حد له. ولا ينكر على من زاد في عدد الركعات ولا على من اقتصر على القليل منها, والأفضل في هذا ما كان موافقاً لفعل النبي ﷺ , وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي في الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر. وجاء في بعض الروايات في الصحيحين أنه كان يصلي ثلاث عشر ركعة سوى ركعتي الفجر.\rواختلفت الرواية في عدد الركعات التي كان الصحابة رضي الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765073,"book_id":5316,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":129,"body":"عنهم يقومون بها في رمضان. فروى مالك في الموطأ والبيهقي من طريقه عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد ﵁ أنه قال أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس إحدى عشرة ركعة, قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن يحيى بن سعيد القطان عن محمد بن يوسف - وهو ابن عبد الله بن يزيد الكندي المدني الأعرج - أن السائب أخبره أن عمر جمع الناس على أبيّ وتميم فكانا يصليان إحدى عشرة ركعة يقرآن بالمئين يعني في رمضان. إسناده صحيح على شرط الشيخين.\rوروى مالك في الموطأ والبيهقي من طريقه عن يزيد بن رومان أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب ﵁ في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. في إسناده انقطاع لأن يزيد بن رومان لم يدرك عمر ﵁, وروى البيهقي بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد ﵁ قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة. قال: وكانوا يقرءون بالمئين وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان ﵁ من شدة القيام. قال البيهقي: ويمكن الجمع بين الروايتين فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى قيام رمضان لم يوقت النبي ﷺ فيه عدداً معيناً بل كان هو ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة, لكن كان يطيل الركعات فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة ثم يوتر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765074,"book_id":5316,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":130,"body":"بثلاث وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة. ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث, وهذا كله سائغ فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن, والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين فإن كان فيهم احتمال لطول القيام فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبي ﷺ يصلي لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل. وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين, وإن كان بأربعين وغيرها جاز ذلك, ولا يكره شيء من ذلك, وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره, ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ انتهى.\rالوجه الخامس أن يقال: من استحسن بدعتي المأتم والمولد أو غيرهما من المحدثات في الإسلام واستدل على جواز ما استحسنه منها بفعل عمر بن الخطاب ﵁ حين جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فإنه لا يخلو من أحد أمرين, إما كثافة الجهل بحيث لا يعرف الفرق بين المحدثات التي حذر النبي ﷺ منها وأمر بردها ونص على أنها شر وضلالة وأنها في النار. وبين فعل الخليفة الراشد الذي أمر النبي ﷺ بالاقتداء به وأخبر أن الله جعل الحق على لسانه وقلبه وقرن سنته بسنته وأمر الأمة بالتمسك بها والعض عليها بالنواجذ, ومن كان بهذه المثابة من الجهل فإنه لا يجوز له الخوض فيما لا علم له به لأن الله تعالى قد نهى عن ذلك بقوله: ﴿ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً﴾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765075,"book_id":5316,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":131,"body":"الأمر الثاني: أن يكون عالماً بدخول بدعتي المأتم والمولد في عموم المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها ولكنه قد وجد أهله وشيوخه وأهل بلده يعملون بهاتين البدعتين ويستحسنونهما وقد تربى على ما وجد عليه أهله وشيوخه وأهل بلده من البدع وأَلِفَها وأحبها فهو لذلك يتعصب لها ويبذل غاية وسعه في الدفاع عنها وينكر على العلماء والخطباء الذين يحذرون منها ويستدلون على المنع منها بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك, وهذا هو الظاهر من حال صاحب المقال الباطل وأشباه له كثيرين من أهل بلده وغير بلده, وما أشد الخطر في هذا لأن الله تعالى يقول: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ وقال تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ وقال تعالى: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون﴾ وقال تعالى مشدداً على الذين يخالفون أمر الرسول ﷺ: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآية: أتدري ما الفتنة؟. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك, ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ وفيما ذكرته من الآيات أبلغ تحذير من رد الحق واتباع الهوى ومخالفة ما جاء عن النبي ﷺ , والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:\rيقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن\rوأبلغ من هذا قول الله تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765076,"book_id":5316,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":132,"body":"نقيض له شيطاناً فهو له قرين, وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون﴾.\rقال ابن القيم رحمه الله تعالى في «بدائع الفوائد» حَذَارِ حَذَارِ من أمرين لهما عواقب سوء, أحدهما رد الحق لمخالفة هواك فإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأساً ولا تقبله إلا إذا برزَ في قالب هواك. قال تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلبت أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك. والثاني التهاون بالأمر إذا حضر وقته فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك. قال تعالى: ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخرج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين﴾ فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فلتهنه السلامة انتهى.\rالوجه السادس: أن يقال من قاس بدعتي المأتم والمولد أو غيرهما من المحدثات في الإسلام على فعل عمر ﵁ حين جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فقياسه من أفسد القياس وهو من جنس قياس الذين قالوا: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ وهل يستجيز مسلم له عقل ودين أن يقول إن بدعتي المأتم والمولد أو غيرهما من المحدثات في الإسلام من جنس سنة الخليفة الراشد الذي وضع الله الحق على لسانه وقلبه وأمر النبي ﷺ بالاقتداء به والتمسك بسنته والعض عليها بالنواجذ, كلا إن المسلم الذي له عقل ودين لا يستجيز هذا القول الباطل والقياس الفاسد. وإنما يستجيز ذلك من أعماه التقليد لأهل البدع وأصمه, وقد قال الله تعالى: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765077,"book_id":5316,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":133,"body":"تعمى القلوب التي في الصدور﴾ وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «حبك الشيء يعمي ويصم».\rالوجه السابع: أن يقال إن صاحب المقال الباطل قد أخطأ خطأ كبيراً وزل زلة شنيعة في هذه الجملة السيئة من كلامه وذلك أنه صرح في مقاله السيء أن عمر ﵁ أحدث جمع الناس في صلاة التراويح وأنه بذلك قد شرع في الدين ما لم يأذن به الله وأن الصحابة ﵃ تركوا الإنكار عليه فلم يقوموا عليه ولم يهاجموه ويقولوا له: لماذا تشرع لنا من الدين ما لم يأذن به الله؟ وما أعظم هذه الجراءة على أمير المؤمنين. وما أعظم إلحاقه بأهل البدع والمحدثات والذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله, ولكن الأمر في الكاتب كما قيل: «من أمن العقوبة أساء الأدب». وأي أدب أسوأ من الطعن على أمير المؤمنين الخليفة الراشد الذي أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى قد وضع الحق على لسانه وقلبه وأمر النبي ﷺ أمته بالاقتداء به وقرن سنته بسنته وأمر الأمة بالتمسك بها والعض عليها بالنواجذ, ومع هذا فإن صاحب المقال الباطل لم يحترمه ولم يحترم أقوال الرسول صلى الله ﷺ ونصوصه الدالة على تعظيم عمر ﵁ وتفضيله على سائر الصحابة بعد أبي بكر ﵁, والله المسئول أن يقيض للكاتب ولأشباهه من ذوي الجراءة على رد الحق وتقرير الباطل والتهجم على الخليفة الراشد وانتهاك حرمته من يأخذ على أيديهم عن هذه الإساءة ويأطرهم على الحق.\rالوجه الثامن: أن يقال إن هذه الجملة السيئة من كلام الكاتب قد اشتملت على تقرير قاعدتين خبيثتين, إحداهما التسوية بين المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها وأخبر أنها شر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765078,"book_id":5316,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":134,"body":"وضلالة, وبين سنة الخليفة الراشد في جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان, والثانية تهوين أمر المحدثات في المآتم والمولد وغيرها من البدع ومعارضة الناهين عنها, وقد قال رسول الله ﷺ: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\rالوجه التاسع: أن يقال إن كلام الكاتب قد تضمن الطعن على الصحابة ﵄ ورميهم بالمداهنة في ترك الإنكار على عمر ﵁ ما زعم الكاتب أنه قد أحدثه وشرعه من الدين مما لم يأذن به الله, وذلك حين جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان, والصحابة ﵃ عموماً وعمر ﵁ على وجه الخصوص منزهون عن هذا الإفك والبهتان, فأما عمر ﵁ فإنه لم يحدث في قيام الليل شيئاً لم يسبقه به رسول الله ﷺ ويسنه لأمته بالقول منه والفعل والتقرير كما سبق بيان ذلك في الوجه الأول. ولم يشرع عمر ﵁ من الدين شيئاً لم يأذن به الله, حاشاه من هذا الإفك المبين, وأما الصحابة ﵃ فإنهم منزهون عن المداهنة والسكوت عن إنكار المنكرات وخصوصاً الإحداث في الدين والزيادة في شرع الله, ومن ظن بهم المداهنة والسكوت عن إنكار المنكر فقد ظن بهم ظن السوء.\rوقد روي من عدة طرق أن عمر ﵁ نهى الناس عن المغالاة في مهور النساء والزيادة فيها على أربعمائة درهم فقالت له امرأة ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً من ذهب﴾ - وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود ﵁ فقال عمر ﵁: «إن امرأة خاصمت عمر فخصمته» وفي رواية أنه قال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765079,"book_id":5316,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":135,"body":"«امرأة أصابت ورجل أخطأ» وفي رواية أنه قال: «كل الناس أفقه من عمر» وروى الإمام أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي وائل قال: جلست إلى شيبة بن عثمان فقال: جلس عمر بن الخطاب في مجلسك هذا فقال: لقد هممت أن لا أدع في الكعبة صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين الناس قال: قلت ليس ذلك لك قد سبقك صاحباك لم يفعلا ذلك فقال هما المرءآن يقتدي بهما, هذه إحدى الروايتين عند أحمد وإسناده صحيح على شرط الشيخين ونحوه في رواية البخاري والرواية الأخرى عند أحمد. وفي رواية أبي داود عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن شيبة - يعني ابن عثمان - قال: قعد عمر بن الخطاب ﵁ في مقعدك الذي أنت فيه فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة قال: قلت ما أنت بفاعل قال: بلى لأفعلن قال: قلت ما أنت بفاعل قال لِمَ قلت: لأن رسول الله ﷺ قد رأى مكانه وأبو بكر ﵁ وهما أحوج منك إلى المال فلم يخرجاه فقام فخرج.\rوروى محمد بن سعد في «الطبقات» عن عبيد الله بن عباس قال: كان للعباس ﵁ ميزاب على طريق عمر ﵁ فلبس عمر ﵁ ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان فلما وافى الميزاب صب فيه ماء فيه من دم الفرخين فأصاب عمر ﵁ فأمر عمر ﵁ بقلعه ثم رجع عمر ﵁ فطرح ثيابه ولبس غيرها ثم جاء فصلى بالناس فأتاه العباس فقال: والله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁ للعباس ﵁: فأنا أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله ﷺ ففعل ذلك العباس ﵁.\rوفي هذه الآثار بيان ما كان عليه عمر ﵁ من مزيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765080,"book_id":5316,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":136,"body":"الإذعان للحق إذا بلغه ذلك عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ , وما كان عليه أيضا من المسارعة إلى الاقتداء برسول الله ﷺ والتمسك بسنته, وفيها أيضاً بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من بيان الحق لعمر ﵁ فضلاً عن غيره من الناس وأنهم كانوا لا يداهنون أحداً في بيان الحق والرد على من خالفه. وفيها أيضاً أبلغ رد على من رمى الصحابة ﵃ بالمداهنة والسكوت عن بيان الحق والإنكار على من خالفه.\rوإذا علم هذا فهل يقول مسلم له عقل إن عمر ﵁ قد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وأنه قد أحدث في قيام الليل حدثاً لم يسبقه إليه رسول الله ﷺ , كلا لا يقول ذلك مسلم عاقل وإنما يقوله من يتشبه بالروافض في الطعن على الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ والانتهاك لحرمته, وكذلك لا يقول مسلم عاقل إن الصحابة ﵃ داهنوا عمر ﵁ ولم ينكروا ما زعم الكاتب أنه أحدثه وشرعه في الدين, وإنما يقول ذلك أعداء الصحابة ومن يتشبه بأعدائهم من أهل البدع الذين قد ملئت قلوبهم غيظاً على أهل السنة الذين ينكرون البدع ويحذرون منها.\rالوجه العاشر: أن يقال إن الصحابة ﵃ قد أجمعوا على إقرار ما أمر به عمر ﵁ من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان وعملوا بذلك في عهده وعهد الخليفتين الراشدين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵄. وعمل بذلك المسلمون في عهد الصحابة وبعد عهدهم إلى زماننا, ولم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃ أنه أنكر صنيع عمر ﵁ لأنهم كانوا يعلمون أنه لم يبتدع في الدين شيئاً لم يكن مسبوقاً إليه, وإنما كان متبعاً لفعل رسول الله ﷺ حين صلى بالناس ثلاث ليال في رمضان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765081,"book_id":5316,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":137,"body":"ثم ترك ذلك خشية أن تفرض صلاة الليل على أمته فيعجزوا عنها. وكانوا يعلمون أيضاً أن عمر ﵁ كان عاملاً بقول رسول الله ﷺ: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» ومن كان متبعاً لفعل رسول الله ﷺ وعاملاً بقوله وتقريره فهو محسن غاية الإحسان, وما على المحسنين من سبيل.\rالوجه الحادي عشر: أن يقال إن صاحب المقال الباطل قد انتقص عمر ﵁ وبخسه حقه وذلك في زعمه أن الصحابة ﵃ كانوا مثل عمر ﵁ في العلم والفقه والمقام من رسول الله ﷺ , وهذا قول باطل مردود على قائله, فإنه ليس بعد أبي بكر الصديق ﵁ أحد يداني عمر ﵁ في العلم والفقه والمقام من رسول الله ﷺ فضلاً عن أن يكون فيهم من يماثله, والأدلة على ذلك كثيرة جداً, فأما تفوقه في العلم فقد جاء فيه أحاديث كثيرة, منها قول النبي ﷺ: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رواه ابن عمر وأبو ذر وأبو هريرة والفضل بن العباس ﵃ عن النبي ﷺ , وقد تقدم تخريج هذه الأحاديث في الوجه الثاني فلتراجع هناك, وجاء في حديث ابن عمر ﵄ عند أحمد والترمذي وابن حبان قال ابن عمر ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر بن الخطاب إلا نزل القرآن على نحو مما قال عمر ﵁.\rومنها قوله ﷺ: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر» رواه الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي هريرة ﵁ وهذا لفظ البخاري, وروى الإمام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765082,"book_id":5316,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":138,"body":"أحمد أيضاً ومسلم والترمذي نحوه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ وقال الترمذي حديث صحيح. قال ابن وهب تفسير «محدثون» ملهمون, ذكره مسلم في صحيحه بعد إيراده لحديث عائشة ﵂, وقال الترمذي حدثني بعض أصحاب سفيان قال: قال سفيان بن عيينة «محدثون» يعني مفهمون.\rومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب» قال: من حوله فما أولت ذلك يا رسول الله قال: «العلم» وقد رواه الطبراني في الكبير ولفظه أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت أني أعطيت عساً مملوءاً لبناً فشربت حتى تملأت حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم ففضلت فضلة فأعطيتها عمر بن الخطاب فأولوها» قالوا يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملأك منه ففضلت فضلة فأعطيتها عمر بن الخطاب فقال: «أصبتم» قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه وقال صحيح على شرط الشيخين: ووافقه الذهبي في تلخيصه. وما جاء في هذا الحديث والأحاديث قبله فكله من خصائص عمر ﵁ دون غيره من الصحابة ﵃.\rومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن زيد بن وهب قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود ﵁ «إن عمر كان أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله» قال الهيثمي رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765083,"book_id":5316,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":139,"body":"ومنها ما رواه الطبراني في الكبير أيضاً من طريق أسد بن موسى حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود ﵁ «لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علمه بعلمهم» قال وكيع قال الأعمش: فأنكرت ذلك فأتيت إبراهيم فذكرته له فقال: وما أنكرت من ذلك فو الله لقد قال عبد الله أفضل من ذلك قال: «إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر» قال الهيثمي رواه الطبراني بأسانيد ورجال هذا رجال الصحيح غير أسد بن موسى وهو ثقة وقد روى الحاكم في مستدركه رواية أبي وائل عن عبد الله وقال على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.\rومنها ما رواه الطبراني في الأوسط عن علي ﵁ أنه قال: «إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر ما كنا نبعد أصحاب محمد ﷺ أن السكينة تنطق على لسان عمر» قال الهيثمي إسناده حسن, وروى الطبراني أيضاً في الكبير عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر» قال الهيثمي إسناده حسن, وروى الطبراني أيضاً عن طارق بن شهاب ﵁ قال: «كنا نتحدث أن السكينة تنزل على لسان عمر» قال الهيثمي رجاله ثقات. وروى الطبراني أيضاً في الكبير من طريق عاصم - وهو ابن أبي النجود - عن زر عن عبد الله - وهو ابن مسعود ﵁ أنه قال: «إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر - فذكر الحديث وفيه - وأيم الله إني لأحسب بين عينيه ملكاً يسدده ويرشده» قال الهيثمي رواه الطبراني من طرق وفي بعضها عاصم بن أبي النجود وهو حسن الحديث وبقية رجالها رجال الصحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765084,"book_id":5316,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":140,"body":"وفيما ذكرته من الأحاديث والآثار أبلغ رد على من زعم أن الصحابة ﵃ كانوا مثل عمر ﵁ في العلم والفقه.\rوأما تفوق عمر ﵁ على الصحابة سوى أبي بكر الصديق في المقام من رسول الله ﷺ وعلو المنزلة عنده فقد جاء فيه أحاديث كثيرة. منها ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ جلوساً فقال: «إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي» وأشار إلى أبي بكر وعمر. وقد رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه «إني لا أرى مقامي فيكم إلا قليلاً فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» ورواه الحاكم في مستدركه مختصراً وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه, وقال الحاكم هذا حديث من أجل ما روي في فضائل الشيخين - يعني أبا بكر وعمر ﵄.\rومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك قال: «عائشة» قلت: من الرجال قال: «أبوها» قلت: ثم مَنْ قال: «عمر» فعد رجالاً, زاد البخاري في رواية له فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم.\rومنها ما رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة أي أصحاب رسول الله ﷺ كان أحب إلى رسول الله قالت: أبو بكر قلت: ثم مَنْ قالت: عمر قلت: ثم مَنْ قالت: أبو عبيدة بن الجراح قلت: ثم مَنْ قال: فسكتت. هذا لفظ الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح, وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765085,"book_id":5316,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":141,"body":"ومنها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عمر ﵁ قال: استأذنت رسول الله ﷺ في العمرة فأذن لي وقال: «لا تنسنا يا أُخَيَّ من دعائك» فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. هذا لفظ أبي داود, وفي رواية له أنه قال: «أشركنا يا أُخَيَّ في دعائك» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح, وفي رواية لأحمد أنه قال: «يا أُخَيَّ أشركنا في صالح دعائك ولا تنسنا» فقال عمر: ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس لقوله «يا أُخَيَّ».\rومنها ما رواه الترمذي والحاكم عن عبد الله بن حنطب ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ فنظر إلى أبي بكر وعمر ﵄ فقال: «هذان السمع والبصر» هذا لفظ الحاكم وقال صحيح الإسناد وقال الذهبي حسن.\rومنها ما في مستدرك الحاكم أيضاً عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ قال أبو بكر وعمر ﵄. قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.\rومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال: «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث» فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلم فقال: «فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثَمَّ «وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلب حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئب: هذا استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري» فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم قال: «فإني أومن بهذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765086,"book_id":5316,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":142,"body":"أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثَمَّ هذا لفظ البخاري في «كتاب أحاديث الأنبياء» وقد رواه الترمذي مفرقاً في موضعين من مناقب أبي بكر وعمر ﵄ وقال في كل منهما حسن صحيح.\rومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه عن ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال: فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفتّ إليه فإذا هو عليّ فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله ﷺ يقول: «جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما.\rوقد روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند عن أبي معمر عن ابن أبي حازم قال: جاء رجل إلى علي بن حسين فقال: ما كان منزلة أبي بكر وعمر من النبي ﷺ فقال: منزلتهما الساعة.\rوروى أبو نعيم في الحلية من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء أو عن زيد بن وهب أن سويد بن غفلة دخل على علي بن أبي طالب ﵁ في إمارته فقال: يا أمير المؤمنين إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر ﵄ بغير الذي هما أهل له من الإسلام فنهض إلى المنبر وهو قابض على يدي فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقي مارق فحبهما قربة وبغضهما مروق, ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ﷺ ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765087,"book_id":5316,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":143,"body":"المسلمين فأنا بريء ممن يذكرهما وعليه معاقب.\rوروى الترمذي عن محمد بن سيرين أنه قال: ما أظن رجلاً ينتقص أبا بكر وعمر يحب النبي ﷺ. قال الترمذي حديث حسن غريب.\rوفيما ذكرته من الأحاديث والآثار أبلغ رد على من انتقص الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ وبخسه حقه من علو المنزلة في العلم والفقه والمقام من رسول الله ﷺ، والأحاديث في فضائل عمر ﵁ وخصائصه التي اختص بها دون غيره من الصحابة ﵃ كثيرة جداً, ومن أعظمها وأشرفها أن القرآن قد نزل بموافقته في أسرى بدر وفي تحريم الخمر وفي اتخاذ مقام إبراهيم مصلى وفي الحجاب وفي قوله للنبي ﷺ حين آلى من نسائه, إن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو وبكر والمؤمنون معك فنزلت هذه الآية: ﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾. ومنها أن الشيطان كان يخاف من عمر ﵁ وإذا سلك عمر ﵁ فجّاً سلك الشيطان فجّاً غير فجّه, ومنها أنه كان أشد هذه الأمة في دين الله. ومنها أنه عُرِض على النبي ﷺ في المنام وعليه قميص يجره وأوّل النبي ﷺ ذلك بالدين, ومنها قول النبي ﷺ: «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب» إلى غير ذلك من المناقب الجليلة والخصال الحميدة التي قد امتاز بها عمر ﵁ دون غيره, وفيها أبلغ رد على من انتقصه وبخسه حقه.\rومن أشرف الخصال الحميدة التي قد امتاز بها عمر ﵁ على جميع الخلفاء والملوك بعده أنه كان مضرب المثل في العدل وحسن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765088,"book_id":5316,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":144,"body":"السيرة والأخذ بالحزم في جميع أموره فليس أحد ممن بعده يماثله في هذه الخصال الحميدة.\rومن أعظم الخصائص التي اختص بها هو وأبو بكر الصديق ﵄ دون سائر الأمة دفنهما مع رسول الله ﷺ , وكفى بهذه المجاورة شرفاً لهما. وقد تقدم قول علي بن الحسين أن منزلة أبي بكر وعمر ﵄ من النبي ﷺ منزلتهما الساعة, وفي هذا رد على من انتقص عمر ﵁ وبخسه حقه من علو المنزلة والمقام من رسول الله ﷺ.\rوأما قول صاحب المقال الباطل: وصلاة التهجد في رمضان فقط وفي جماعة هل شرعها الرسول هكذا أو هل فعلها أصحابه؟.\rفجوابه أن أقول: قد ذكرت الأحاديث الثابتة في صلاة النبي ﷺ بالناس جماعة في ثلاث ليال من ليالي رمضان ثم إنه ترك الصلاة بهم وعلل ذلك بأنه خشي أن تفرض عليهم صلاة الليل فيعجزوا عنها, وذكرت أيضاً قول النبي ﷺ: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» وذكرت أيضاً ما رواه البيهقي وغيره أن رسول الله ﷺ رأى ناساً في ناحية المسجد يصلون مع أبي بن كعب ﵁ فقال: «قد أحسنوا أو قد أصابوا» ولم يكره ذلك لهم, فهذا يدل على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان, وفي كل من فعل النبي ﷺ وقوله وتقريره دليل مستقل على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان. وباجتماع هذه الأمور يزداد الأمر في المشروعية تأكيداً وحثّاً على العمل بهذه السنة.\rومن الأدلة أيضاً على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان قول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765089,"book_id":5316,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":145,"body":"النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وقوله ﷺ: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وقوله ﷺ: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر يقول به» وقد ذكرت هذه الأحاديث والأحاديث التي قبلها في الوجه الأول والوجه الثاني فلتراجع. فكل حديث منها يدل بمفرده على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان, ويدل على ذلك أيضاً إجماع الصحابة ﵃ على الصلاة جماعة في قيام رمضان, وفيهم الخلفاء الراشدون عمر وعثمان وعلي ﵃. وإجماع الصحابة ﵃ حجة قاطعة, وفي اجتماع هذه الأدلة أبلغ رد على من أنكر مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان.\rوإذا علم هذا فليعلم أيضاً أنه لا ينكر مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان إلا أحد رجلين, إما جاهل لا علم له بشيء من الأحاديث الدالة على المشروعية وإما رجل يتعامى عن الحق ويجادل بالباطل في معارضة الحق ورده ويحاول التلبيس على ضعفاء البصيرة. وهذه الصفة الذميمة تنطبق على صاحب المقال الباطل وعلى أشباه له في بلده وغير بلده.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل: ألم يحدث عمر إيقاع الطلاق الثلاث في مجلس واحد وبلفظ واحد ثلاثاً بعد أن كان يعتبر طلقة واحدة في عهد الرسول وأبي بكر.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن إلزام عمر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765090,"book_id":5316,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":146,"body":"رضي الله عنه بالطلاق الثلاث لا يعد من المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها وإنما هو من السنن التي يجب الأخذ بها لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ».\rوأيضاً فإن النبي ﷺ قد قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» ومن الاقتداء بعمر ﵁ العمل بأمره في الإلزام بالطلاق الثلاث.\rوأيضاً فإن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر يقول به» ومن الحق الذي جعله الله على لسان عمر ﵁ إلزامه بالطلاق الثلاث, وفي كل من هذه الأحاديث أبلغ رد على من اعترض على عمر ﵁ وجعل سنته من قبيل المحدثات في الإسلام.\rوأيضاً فإن الصحابة ﵄ قد وافقوا عمر ﵁ على الإلزام بالطلاق الثلاث وفيهم من الخلفاء الراشدين المهديين عثمان وعلي ﵄. والصحابة ﵃ لا يجتمعون على شيء من البدع والضلالة, وفي اتفاقهم على العمل بما أمر به عمر ﵁ أبلغ رد على من اعترض على عمر ﵁ وجعل سنته من قبيل البدع.\rالوجه الثاني: أن يقال إن ابن حزم قد قرر في كتابه «المحلى» أن الطلاق الثلاث المجموعة سنة وليست بدعة, واستدل على ذلك بأدلة كثيرة من القرآن والسنة ورد على من قال: إن الثلاث المجموعة ترد إلى واحدة فليراجع كلامه في ذلك في «كتاب الطلاق» من كتاب «المحلى»","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765091,"book_id":5316,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":147,"body":"وعلى ما قرره ابن حزم يكون إلزام عمر ﵁ بالطلاق الثلاث إلزاماً بسنة ماضية قبله.\rالوجه الثالث أن يقال من أكبر الخطأ قياس بدعتي المأتم والمولد على سنة عمر ﵁ في الإلزام بالطلاق الثلاث. وهذا القياس الفاسد من جنس قياس الذين قالوا: (إنما البيع مثل الربا) وهو مردود بقول النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وبقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد تقدم تخريج هذين الحديثين في البرهان السادس عشر والبرهان التاسع عشر فليراجع هناك.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل: ومكبرات الصوت في الأذان والإقامة وقراءة الإمام أليست كل هذه من محدثات الأمور الحسنة أم أنها ضلالة يجب منعها وتحريمها وإدخالها تحت طائلة «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».\rوالجواب أن يقال إن مكبرات الصوت لا تدخل في حد البدعة لأنها إنما تكبر الصوت فقط وليس فيها زيادة في ألفاظ الأذان ولا الإقامة ولا القراءة. وعلى هذا فإدخالها في حد البدعة خطأ ظاهر, ومن هذا الباب ركوب الطائرات والسيارات في السفر إلى الحج والعمرة, وكذلك وضع الساعات في المساجد لمعرفة أوقات الصلوات فكل هذا من الأمور المباحة ومن النعم التي أنعم الله بها على عباده وليست داخلة في حد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765092,"book_id":5316,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":148,"body":"البدعة, ومن زعم أنها من البدع الداخلة تحت عموم النهي فلا شك أنه مصاب في عقله.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل: ولقد تساءلت في كلمتي السابقة, وهل كل ما لم يفعله الرسول ولا أصحابه حرام علينا أم أن الأصل في الأعمال هو الحل إلا ما جاء به نص بتحريمه أو النهي عنه, وأزيد على ذلك الآن بأن فقهاء الإسلام لم يتركوا هذا الموضوع بل درسوه وناقشوه وانتهوا إلى أن ترك الرسول لعمل لا يدل على تحريمه واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ ولم يقل ما تركه فانتهوا, وهذا هو الفهم الصحيح لنصوص القرآن والحديث.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن النبي ﷺ قد وضع لأمته قاعدة عظيمة تعرض عليها الأعمال فيعرف ما يجوز منها وما لا يجوز فقال ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقال ﷺ أيضاً: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود.\rوقد تقدم تخريج هذين الحديثين والكلام عليهما قريباً (١) مع الرد على ما نقله الكاتب عن بعض العلماء أنه قال: إن البدع ليست كلها سيئة فليراجع هنا.\rوعلى هذه القاعدة العظيمة مدار الأعمال كلها. فما كان منها","footnotes":"(١) ص: ١١٨ - ١٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765093,"book_id":5316,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":149,"body":"موافقاً لسنة الرسول ﷺ أو سنة الخلفاء الراشدين المهديين فهو من الأعمال التي يجب التمسك بها والعض عليها بالنواجذ, وما لم يكن منها من سنة الرسول ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين فهو من المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها وأخبر أنها شر وضلالة. وفي هذه القاعدة العظيمة أبلغ رد على قول الكاتب إن الأصل في الأعمال هو الحل إلا ما جاء نص بتحريمه أو النهي عنه.\rالوجه الثاني: أن يقال قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» وقد تقدم تخريج هذا الحديث في البرهان العشرين فليراجع هناك, وقد ذكرت في الكلام عليه قول النووي إن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به ﷺ , وفي هذا الحديث أبلغ رد على قول الكاتب إن الأصل في الأعمال هو الحل إلا ما جاء نص بتحريمه أو النهي عنه.\rالوجه الثالث: أن يقال إن القاعدة التي تقدم ذكرها موافقة غاية الموافقة لقول الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ فكل ما كان من سنة الرسول ﷺ أو من سنة الخلفاء الراشدين المهديين فهو مما أمر الله بأخذه لأن رسول الله ﷺ قد أمر أمته بالتمسك به والعض عليه بالنواجذ, وما كان من محدثات الأمور فهو مما نهى الله عنه لأن رسول ﷺ قد حذر أمته من محدثات الأمور على وجه العموم وأمر بردها ونص على أنها شر وضلالة وأنها في النار.\rالوجه الرابع: أن يقال إن في تحذير النبي ﷺ من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765094,"book_id":5316,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":150,"body":"محدثات الأمور وأمره بردها نصاً جلياً على النهي عنها والمنع منها, وهذا النص لا يخفى على من له أدنى علم وفهم للأحاديث النبوية, وإنما يخفى على البليد الذي لا نصيب له من العلم والفهم.\rالوجه الخامس: أن يقال ما زعم الكاتب أنه الفهم الصحيح لنصوص القرآن والحديث فهو مبني منه على التخرص واتباع الظن, وكيف يكون فهم الكتاب صحيحاً مع مخالفته للقاعدة الشرعية التي تقدم ذكرها في الوجه الأول ومحاولته لتأييد بدعتي المأتم والمولد والجدال عنهما بالباطل واطراح ما ثبت عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين, فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه حصر أعياد المسلمين الزمانية في سبعة أيام ولم يجعل المولد منها ولا معها, وثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعن غيره من الصحابة ﵃ أنهم عدوا الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة وقال أبو البختري وسعيد بن جبير: إن ذلك من أمر الجاهلية, وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في البرهان الثامن والعشرين والبرهان التاسع والعشرين والبرهان الثلاثين فلتراجع ففيها أبلغ رد على الكاتب وعلى محاولته تأييد بدعتي المولد والمأتم والدفاع عنهما بفهمه الخاطئ.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل: ولو أننا زعمنا أن كل ما لم يفعله الرسول ولا أصحابه حرام نكون نحن الذين شرعنا في الدين ما لم يأذن به الله ودخلنا تحت مظلة ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾ وخاصة في غير الدين كالاحتفال بالمولد النبوي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765095,"book_id":5316,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":151,"body":"وحفلات المآتم, ألم يقل الرسول مرة إثر نقاش بينه وبين أصحابه «أنتم أدرى بأمور دنياكم» أو كما قال.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن النبي ﷺ قد أمر أمته أن يتمسكوا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده وحذرهم من محدثات الأمور وأمرهم بردها ونص على أنها شر وضلالة, وقد تقدم تخريج هذه الأحاديث الصحيحة في البرهان السادس عشر والبراهين الثلاثة بعده (١) فلتراجع ففيها أوضح دليل على أن جميع الأعمال التي ليست من سنة النبي ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين ولم يكن عليها أمر النبي ﷺ وأصحابه ﵃ فهي من البدع التي يجب ردها والمنع منها. وعلى هذا فإن المنكرين لمحدثات الأمور لا ينطبق عليهم القول بأنهم قد شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله كما قد توهم ذلك صاحب المقال الباطل, ولا ينطبق عليهم ما جاء في قول الله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾ وإنما ينطبق ذلك على أهل البدع فهم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله, وهم الذين افتروا الكذب بما ابتدعوه واستحسنوه من الأعمال التي لم يأمر الله بها ولا رسوله ﷺ. ويشاركهم في أعمالهم السيئة وصفاتهم الذميمة كل من سعى في تأييد البدع وأمور أهل الجاهلية وبذل جهده في إظهار العمل بها في بلاد المسلمين كما قد فعل ذلك الكاتب المفتون بالبدع وأشباه له كثيرون في بلده وغير بلده.\rالوجه الثاني: أن يقال إن الكاتب المفتون قد زعم أن إنكار الاحتفال بالمولد النبوي وحفلات المآتم والقول بتحريمها من الشرع في","footnotes":"(١) ص: ٦٥ - ٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765096,"book_id":5316,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":152,"body":"الدين بما لم يأذن به الله ومما يدخل في قول الله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾ وهذا من قلب الحقيقة وعكس القضية, وإنه لينطبق على الكاتب قول الله تعالى: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون﴾. ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن عموم الأحاديث الواردة في التحذير من البدع والأمر بردها يشمل الاحتفال بالمولد النبوي وحفلات المآتم بطريق الأولى لأن الاحتفال بالمولد النبوي قد جعله الجهال عيداً مضاهياً للأعياد المشروعة للمسلمين, بل إنهم يحتفلون بالمولد أعظم مما يحتفلون بالأعياد المشروعة للمسلمين, وأما حفلات المآتم فإنها من أمور أهل الجاهلية وقد قال النبي ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» وهي أيضاً من النياحة كما جاء ذلك في النص الثابت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وعن غيره من الصحابة ﵃. وقد تقدم ذلك في حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ فليراجع (١) وليراجع كلام العلماء في ذم حفلات المآتم وقول بعضهم إنها بدعة مستقبحة وأنها قلب للمعقول لأن الضيافة إنما تكون للسرور لا للحزن, وما كان بهذه الصفة الذميمة فإنه لا يشك المسلم العاقل في تحريمه.\rالوجه الثالث: أن يقال إن قول النبي ﷺ: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» إنما هو وارد في تأبير النخل وذلك من الأمور الدنيوية التي ليس لها تعلق بشيء من أمور الدين وليست داخلة في المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها,","footnotes":"(١) ص: ٨١ - ٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765097,"book_id":5316,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":153,"body":"وهذا بخلاف الاحتفال بالمولد النبوي وحفلات المآتم فإنهما من المحدثات التي ورد التحذير منها والأمر بردها. فأما الاحتفال بالمولد النبوي فإن الجهال قد اتخذوه عيداً وقربة يتقربون بها إلى الله تعالى, وقد زعم بعض الجهال من الكتّاب المنتسبين إلى العلم - وهم بعيدون غاية البعد عن العلم الموروث عن النبي ﷺ - أن الاحتفال بالمولد النبوي سنة حسنة محمودة, وزعموا أيضاً أنها سنة مباركة, وزعموا أيضاً أن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعاً, وزعموا أيضاً أنه مشروع في الإسلام, وزعموا أيضاً أنه يثبت الأفئدة, وكل هذا موجود في كتب لهم منشورة. وقد رددت على هذه المجازفات والأباطيل التي هي من الزيادة في الدين والشرع فيه بما لم يأذن الله به في كتابي المسمى بـ «الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي» فليراجع الرد عليها هناك.\rوما ذكرته هنا من مجازفات الجهال وأقوالهم الباطلة في تعظيم الاحتفال بالمولد واتخاذه ديناً فيه أبلغ رد على ما في كلام الكاتب المفتون من التمويه على الجهال وإيهامهم أنه لا محذور في الاحتفال بالمولد النبوي وأن القول فيه من جنس القول في تأبير النخل.\rوأما حفلات المآتم فقد ذكرت في الوجه الثاني أنها من أمور أهل الجاهلية ومن النياحة التي هي من كبائر الإثم, وما كان بهذه المثابة فقياسه على تأبير النخل من أفسد القياس, ومن أجاز العمل بالنياحة وأمور أهل الجاهلية فلا شك أنه مصاب في دينه وعقله.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل: ما هي ماهية الاحتفال بالمولد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765098,"book_id":5316,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":154,"body":"النبوي؟ وماذا يجري فيه؟. إنه اجتماع في ليلة مباركة على أمة محمد, اجتماع نستشعر الحب الإلهي ونتعرض لنفحات الرب, يجتمعون يقرءون القرآن ثم يتلون شيئاً من سيرة الرسول الكريم ومعجزاته ويذكرون الله ويصلون على رسوله ثم يأكلون ويشربون الطيبات من الرزق ثم يخرجون وقد امتلأت نفوسهم بمزيد من الحب لله ولرسوله.\rهذا هو الاحتفال الصحيح بالمولد النبوي ولا شيء سواه.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال على سبيل الفرض والتقدير لو أن الاحتفال بالمولد النبوي كان خالياً من منكرات الأقوال والأفعال وكان على وفق الماهية التي ذكرها الكاتب لكان المنع منه متعيناً لأنه لم يكن من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين وإنما هو من المحدثات, وقد حذّر النبي ﷺ من المحدثات وأمر بردها ونص على أنها شر وضلالة فقال ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقال ﷺ في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وقال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد تقدم تخريج هذه الأحاديث في البرهان السادس عشر والبراهين الثلاثة بعده فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الكاتب خاصة وعلى جميع الذين يحتفلون بالمولد النبوي ويتخذونه عيداً","footnotes":"(١) ص: ٦٥ - ٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765099,"book_id":5316,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":155,"body":"ولا يبالون بما هو ثابت عن النبي ﷺ من النهي عن المحدثات ووصفها بالشر والضلالة والأمر بردها, والنصوص الثابتة عن النبي ﷺ في هذا قد جاءت على وجه العموم فيدخل في عمومها الاحتفال بالمولد النبوي وغيره من البدع. ولا فرق في ذلك بين بدعة وبدعة, ومن ادعى خروج الاحتفال بالمولد النبوي من عموم الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من البدع والأمر بردها فهو مطالب بأن يأتي بنص من الكتاب أو السنة يدل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي وخروجه من عموم المنع من البدع. ولن يجد إلى النص سبيلاً.\rالوجه الثاني: أن يقال إن الله تعالى قد شرع للمسلمين سبعة أعياد زمانية وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة. فمن زاد عليها عيداً ثامناً فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وخالف السنة التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان, وكل من ابتدع في الدين فبدعته مردودة كائنة ما كانت, ومن هذا الباب ما يفعله الجهال من الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً يعظمونه أشد من تعظيمهم للأعياد المشروعة للمسلمين ويفرحون به أعظم من فرحهم بالأعياد المشروعة للمسلمين, وهذا من تلاعب الشيطان بهم وتعظيمه للبدع في نفوسهم.\rالوجه الثالث: أن يقال إن ماهية الاحتفال بالمولد النبوي ليس لها حد محدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه, بل إنها تختلف اختلافاً كثيراً على حسب العوائد في الأقطار التي ينتسب أهلها إلى الإسلام فكل من استحسن منكراً من الأقوال أو الأفعال أدخله في ماهية الاحتفال بالمولد.\rوأنا أذكر ها هنا بعض المنكرات التي قد أضفيت إلى ماهية الاحتفال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765100,"book_id":5316,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":156,"body":"بالمولد النبوي, فمن ذلك القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ , وقد ذكر ابن علوي في صفحة ٢٧ من رسالته التي سماها: «حول الاحتفال بالمولد النبوي» أن هذا القيام قد استحسنه من استحسنه من أهل العلم. ونقل عن البرزنجي ما ذكره عن بعضهم من استحسان القيام وأن أهل العلم والفضل والتقى قد سنوه, ثم قال ابن علوي في آخر صفحة ٢٨ إن من لم يقم قد يفسر موقفه ذلك بسوء الأدب أو قلة الذوق أو جمود الإحساس. وذكر أيضاً في صفحة ٢٩ أن استحسان القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ قد جرى عليه العمل في سائر الأقطار والأمصار واستحسنه العلماء شرقاً وغرباً انتهى ملخصاً من كلامه, وقد رددت على هذه الأقوال الباطلة في كتابي المسمى بـ «الرد القوي. على الرفاعي والمجهول وابن علوي» فليراجع ذلك في آخر الكتاب المذكور, وهذه السنة من سنن الضلالة التي يكون على المبتدي بها وزرها ووزر من عمل بها بعده, ويكون الوزر أيضاً على من يدعو إليها ويحسنها للجهال كابن علوي وأشباهه من أنصار البدع, وقد ذكرت في «الرد القوي» ما ثبت عن النبي ﷺ من كراهيته للقيام له ونهيه عنه وقوله إن ذلك من فعل الأعاجم, وإذا كان النبي ﷺ قد كره القيام له ونهى عنه وأخبر أنه من فعل الأعاجم فكيف بالقيام عند ذكر ولادته, فهذا أولى بالنهي والمنع لجمعه بين البدعة المستهجنة والتشبه بالأعاجم.\rومن ماهية الاحتفال بالمولد النبوي أيضاً ما ذكره أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه «المدخل» أنهم يستعملون فيه الأغاني ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر والشبابه وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع, وذكر أيضاً أنه يفعل فيه أنواع من المنكرات من الغناء والرقص","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765101,"book_id":5316,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":157,"body":"واستعمال آلات اللهو والطرب واختلاط الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات.\rومن ماهيته أيضاً ما ذكره محمد بن عبد السلام خضر الشقيري في كتابه المسمى بـ «السنن والمبتدعات» أنه تنفق فيه الأموال الباهظة التي تعلق بها التعاليق وتنصب بها السرادقات وتضرب بها الصواريخ ويكون فيها اجتماع الرقاصين والرقاصات والمومسات والطبالين والزمارين واللصوص والنشالين والحاوي والقرداتي وذوي العمائم الحمراء والخضراء والصفراء والسوداء. أهل الإلحاد في أسماء الله والشخير والنخير والصفير بالغابة والدق بالبارات والكاسات والشهيق والنعيق بأح أح يا ابن المره أم أم إن إن سابينها يا رسول الله يا صاحب الفرح المدا آد يا عم يا عم, اللع اللع, كالقرود.\rقال محمد بن عبد السلام ما فائدة هذا كله؟ فائدته سخرية الإفرنج بنا وبديننا وأخذ صور هذه الجماعات لأهل أوربا فيفهمون أن محمداً ﷺ - حاشاه حاشاه - كان كذلك هو وأصحابه.\rقال: وكيف سكت العلماء على هذا البلاء والشر؟ , بل وأقروه! , ولماذا سكتت الحكومة الإسلامية على هذه المخازي وهذه النفقات التي ترفع البلاد إلى أعلى عليين, فإما أن يزيلوا هذا المنكر وإما وصمتهم بالجهالة انتهى باختصار.\rفهذا ما ذكره العالم بماهية الاحتفال بالمولد النبوي في بلاده التي هي من أكبر البلاد التي ينتسب أهلها إلى الإسلام, فأما الماهية التي ذكرها صاحب المقال الباطل فقد يكون الاقتصار عليها نادراً عند المفتونين بالاحتفال بالمولد النبوي, ومع هذا فهي من البدع الداخلة في عموم الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765102,"book_id":5316,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":158,"body":"البدع والأمر بردها, وقد قال أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه «المدخل»: المولد إذا خلا من السماع وعمل طعاماً فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان فهو بدعة بنفس نيته فقط إذ أن ذلك زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين, واتباع السلف أولى, بل أوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه لأنهم أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله ﷺ وتعظيماً له ولسنته ﷺ ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك, ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم انتهى.\rوقال تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني - وهو من متأخري المالكية - في كتابه المسمى بـ «المورود, في الكلام على عمل المولد» أما بعد فإنه تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد هل له أصل في الشرع أو هو بدعة وحدث في الدين وقصدوا الجواب عن ذلك فقلت: وبالله التوفيق, لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ولم ينقل عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين, بل هو بدعة أحدثها البطالون وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون. بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجباً أو مندوباً أو مباحاً أو مكروهاً أو محرماً. وليس بواجب إجماعاً ولا مندوباً لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه, وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا العلماء المتدينون فيما علمت. وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت, ولا جائز أن يكون مباحاً لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو حراماً, وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين, والتفرقة بين حالين.\rأحدهما: أن يعمله رجل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765103,"book_id":5316,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":159,"body":"من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئاً من الآثام, وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام, والثاني: أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه, لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات, إما مختلطات بهم أو مشرفات والرقص بالتثني والانعطاف والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف, وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد, وهذا لا يختلف في تحريمه اثنان انتهى المقصود من كلامه والأولى أن يقال في الحالة الأولى بالتحريم لأن رسول الله ﷺ وصف البدع بالشر والضلالة على وجه العموم وأخبر أنها في النار وحذر منها غاية التحذير وأمر بردها من غير تفريق بين بدعة وبدعة, وفي هذا أوضح دليل على تحريم البدع كلها سواء كان معها شيء آخر من المنكرات أو لم يكن. وإذا كان معها شيء آخر من المنكرات كان ذلك أشد لتحريمها وكان الزجر عنها آكد والمنع منها أوجب.\rوقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في جواب له في صفحة ٢٩٨ من المجلد الخامس والعشرين من مجموع الفتاوى. وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال إنها ليلة المولد أو بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة أو أول جمعة من رجب أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها انتهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765104,"book_id":5316,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":160,"body":"وقال شيخ الإسلام أبو العباس أيضاً في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم»: لما ذكر اتخاذ مولد النبي ﷺ عيداً. قال: إن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع, ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف ﵃ أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيما له منا, وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطناً وظاهراً ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان انتهى.\rوسئل رشيد رضا عن قراءة القصص المسماة بالموالد هل هي سنة أم بدعة ومن أول من فعل ذلك, فأجاب بقوله: هذه الموالد بدعة بلا نزاع, وأول من ابتدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي أحد ملوك الشراكسة بمصر انتهى وهذا الجواب مذكور في صفحة ١١١ من الجزء السابع عشر من المنار. وهو أيضاً في صفحة ١٢٤٢ - ١٢٤٣ من المجلد الرابع من فتاوى رشيد رضا.\rولرشيد رضا جواب آخر عن بدعة المولد وهو مذكور في صفحة ٦٦٤ - ٦٦٨ من الجزء التاسع والعشرين من المنار وهو أيضاً في صفحة ٢١١٢ - ٢١١٥ من المجلد الخامس من فتاوى رشيد رضا. قال فيه سئل الحافظ ابن حجر عن الاحتفال بالمولد النبوي هل هو بدعة أم له أصل. فأجاب بقوله أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها. فمن جرد عمله في المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة ومن لا فلا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765105,"book_id":5316,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":161,"body":"قال رشيد رضا وأقول إن الحافظ رحمه الله تعالى حجة في النقل فقد كان أحفظ حفاظ السنة والآثار ولكنه لم يؤت ما أوتي الأئمة المجتهدون من قوة الاستنباط فحسبنا من فتواه ما تعلق بالنقل وهو أن عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من سلف الأمة الصالح من أهل القرون الثلاثة التي هي خير القرون بشهادة الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله, ومن زعم بأنه يأتي في هذا الدين بخير مما جاء به رسول الله ﷺ وجرى عليه ناقلو سنته بالعمل فقد زعم أنه ﷺ لم يؤد رسالة ربه كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى, وقد أحسن صاحب عقيدة الجوهرة في قوله:\rوكل خير في اتباع من سَلَف ... وكل شر في ابتداع من خَلَف\rوأما قول الحافظ من عمل فيه المحاسن وتجنب ضدها كان عمله بدعة حسنة ومن لا فلا, ففيه نظر, ويعني بالمحاسن قراءة القرآن وشيء من سيرة النبي ﷺ في بدء أمره من ولادته وتربيته وبعثته, والصدقات - وهي مشروعة لا تعد من البدع - وإنما البدعة فيها جعل هذا الاجتماع المخصوص بالهيئة المخصوصة والوقت المخصوص وجعله من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص الشارع بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنن أنه من أعمال القرب المطلوبة شرعاً. وهو بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله تعالى وزيادة فيه تعد من شرع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم انتهى المقصود من كلامه.\rوذكر أيضاً أن الحفلات المولدية تشتمل على بدع ومفاسد أخرى كالكذب على رسول الله ﷺ في سيرته وأقواله وأفعاله كما هو المعهود في أكثر القصص المولدية التي اعتيد التغني بها في هذه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765106,"book_id":5316,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":162,"body":"الحفلات. قال: وأما القيام عند ذكر وضع أمه له ﷺ وإنشاد بعض الشعر أو الأغاني في ذلك فهو من جملة هذه البدع وقد صرح بذلك الفقيه ابن حجر المكي الشافعي انتهى باختصار.\rفليتأمل الكاتب ما نقلته عن العلماء العارفين بماهية الاحتفال بالمولد النبوي وتصريحهم بأنه بدعة ولو كان مقصوراً على الاجتماع على أكل الطعام, وليتق الله تعالى ولا يكن داعياً إلى الشر والضلال وعوناً للشيطان على نشر البدع وإظهارها بين المسلمين, ولا ينس قول الله تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون﴾ وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\rالوجه الرابع أن يقال لو كان في الاحتفال بالمولد النبوي أدنى شيء من الخير لبينه رسول الله ﷺ لأمته فإنه لا خير إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه وقد قال ﷺ: «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيّن لكم» رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي ذر ﵁, وقال ﷺ: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنه بعدي إلا هالك» رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم من حديث العرباض بن سارية ﵁.\rالوجه الخامس أن يقال إن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ كانوا أحرص الناس على فعل الخير وأشدهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765107,"book_id":5316,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":163,"body":"مسارعة إلى الأعمال التي تستجلب بها محبة الله تعالى ويتعرض بها لنفحاته, ومع هذا فلم يكونوا يحتفلون بليلة المولد ولا يخصونها بشيء من الأعمال دون سائر الليالي, ولو كان في الاحتفال بالمولد شيء من الخير لسبقوا إليه وقد قال ﷺ: «من رغب عن سنتي فليس مني» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي من حديث أنس بن مالك ﵁. وسئل رسول الله ﷺ عن الفرقة الناجية من هذه الأمة فقال: «ما أنا عليه وأصحابي» رواه الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وقال الترمذي: حديث حسن غريب.\rوفي هذين الحديثين أوضح دليل على أنه لا يجوز الاحتفال بالمولد النبوي لأنه لم يكن من سنة رسول الله ﷺ ولم يفعله الصحابة ﵃.\rالوجه السادس: أن يقال ما زعمه الكاتب من استشعار الحب الإلهي والتعرض لنفحات الرب في الاحتفال بالمولد النبوي وأنهم يخرجون من احتفالهم بالمولد وقد امتلأت نفوسهم بمزيد من الحب لله ولرسوله, فكل ذلك من تزيين الشيطان لهم وتلاعبه بعقولهم ليرغبهم في العمل بالبدعة ويهوّن عندهم أمرها ويدعوهم إلى عدم المبالاة بتحذير النبي ﷺ من البدع وأمره بردها.\rالوجه السابع أن يقال من عجيب أمر الكاتب زعمه أنه يستشعر الحب الإلهي ويتعرض لنفحات الرب في حين عمله ببدعة المولد, وما علم المسكين أن العمل بالبدع من أعظم الأسباب التي تبعد عن الله تعالى وتستجلب بها الفتنة والعذاب الأليم قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765108,"book_id":5316,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":164,"body":"الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآية. أتدري ما الفتنة؟ , الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فلا وربك لا يؤمن حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾.\rوإذا علم هذا فليعلم أيضاً أن محبة الله تعالى والتعرض لنفحاته إنما تنال بطاعته وطاعة رسوله ﷺ وذلك بالعمل بما أمر الله به ورسوله ﷺ واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ وتحقيق المتابعة للرسول ﷺ وتحكيمه في كل ما تنازع الناس فيه والتمسك بسنته وتقديم هديه على هدي غيره وعلى أهواء النفوس وشهواتها.\rوليس الاحتفال بالمولد النبوي من هدي رسول الله ﷺ ولا من عمل أصحابه ولا من عمل التابعين لهم بإحسان, وإنما هو من هدي بعض الملوك وسننهم. وأول من أحدثه سلطان إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين, ذكر ذلك السيوطي في رسالته التي سماها «حسن المقصد, في عمل المولد» وكانت وفاة كوكبري في سنة ثلاثين وستمائة, وقال رشيد رضا إن أول من ابتدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي أحد ملوك الشراكسة بمصر.\rوالمقصود هنا التحذير من الاحتفال بالمولد النبوي لأنه من المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ ووصفها بالشر والضلالة وأمر بردها والتحذير أيضاً من الاغترار بمزاعم الكاتب وحججه الداحضة في الدفاع عن بدعة المولد والمجادلة عنها بالباطل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765109,"book_id":5316,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":165,"body":"فصل\rثم إن صاحب المقال الباطل لم يقتصر على تحسين بدعتي المولد والمأتم والاحتفال بهما بل ذهب يطالب بتوسيع نطاق البدع ويدعو إلى الاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في التاريخ فقال: إن الاحتفالات ينبغي أن لا تقتصر على المولد النبوي فقط بل وفي كل يوم من أيام الإسلام الخالدة كيوم الهجرة ويوم الإسراء والمعراج ويوم بدر ويوم أحد ويوم فتح مكة وكل يوم كان له أثر طيب على المسيرة الإسلامية, فما أحوجنا إلى أيام إجازة بهذه المناسبات كما يفعل غيرنا من الأمم المتحضرة.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا أحرص الناس على فعل الخير, ومع هذا فإنهم لم يكونوا يحتفلون بشيء من الأيام التي دعا الكاتب المفتون إلى الاحتفال بها, ولو كان في الاحتفال بها أو بشيء منها أدنى شيء من الخير لكان النبي ﷺ وأصحابه أسبق إليه ممن كان بعدهم, وقد قال رسول الله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وهذا الحديث الصحيح يدل دلالة واضحة على أنه لا يجوز الاحتفال بشيء من الأيام التي ذكرها الكاتب لأن الاحتفال بها بدعة وضلالة, وأي خير يرجى من البدع والضلالة, ومن لم يتسع له ما اتسع لرسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ فلا وسع الله عليه.\rالوجه الثاني: أن يقال إن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765110,"book_id":5316,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":166,"body":"من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.\rقال النووي في شرح مسلم سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه انتهى.\rوإذا علم هذا فليعلم أيضاً أن دعاء الكاتب إلى الاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام دعاء صريح إلى الضلالة لأن الاحتفال بها مخالف لهدي رسول الله ﷺ وموافق لهدي الأمم التي زعم الكاتب أنها متحضرة - وهم طوائف الإفرنج وغيرهم من أمم الكفر والضلال الذين كانوا يشرعون لأنفسهم ولأتباعهم كل ما استحسنوه من الاحتفالات بالأيام التي كان لها ذكر في تاريخهم وقد حاول الكاتب أن يحذو حذوهم في شرع ما لم يأذن الله به من الاحتفالات والأعياد المخالفة لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان, وسوف لا يتم للكاتب مقصوده من البدع إن شاء الله تعالى لأن ولاة الأمور في الحرمين الشريفين وفي جميع الجزيرة العربية ليسوا من أهل البدع ولا ممن يؤيد البدع وأهل البدع, وإنما هم من أهل السنة والجماعة, وأهل السنة والجماعة لا يستجيزون إحداث الاحتفالات والأعياد التي لم يكن عليها الأمر في عهد رسول الله ﷺ وعهد أصحابه ﵃.\rالوجه الثالث: أن يقال أن الكاتب قد عظّم شأن أمم الكفر والضلال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق, وذلك حين وصفهم بأنهم أمم متحضرة,","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765111,"book_id":5316,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":167,"body":"ومفهوم كلامه يدل دلالة ظاهرة على أنه يرى أن المسلمين متصفون بالبداوة. وما ذاك إلا أنهم قد وقفوا عند حدود الشريعة ولم يجاوروها إلى العمل بالاستحسان وما تدعو إليه أهواء النفوس وشهواتها من الاحتفالات التي لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان. ولو أن الكاتب تأمل أحوال الذين زعم أنهم أمم متحضرة لتبين له أن حضارتهم ومدنيتهم يرجع حاصلها إلى التوسع في استحلال المحرمات وإعطاء النفوس حظها مما تميل إليه من الشهوات واللذات, فليس لهم دين يردعهم عن المحرمات وعن الشرع في الدين بما لم يأذن به الله, وليس لهم من المروءة والشيم ما يمنعهم عن تعاطي الأمور التي تدنس وتشين عند ذوي الأحلام والنهى.\rالوجه الرابع: أن يقال إن الكاتب لما لم يجد ما يستند إليه في دعائه إلى توسيع نطاق البدع - وذلك بالاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام - ذهب يدعو إلى تقليد أمم الكفر والضلال والاستنان بسننهم ليطبق بذلك قول النبي ﷺ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم».\rوإذا كان الكاتب لا يرى بأساً بالاقتداء بأمم الكفر والضلال ولا يبالي بمخالفة قول النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله أيضاً: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» فلا شك أنه مصاب في دينه وعقله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765112,"book_id":5316,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":168,"body":"فصل\rوقال صاحب المقال الباطل: لقد أثبتت التجربة أن مثل هذه الاحتفالات بفضل ما يتردد فيها من ذكر الله والصلاة على رسول الله تؤثر في القلوب وتحيي الموات فيها وتجدد صلة الإنسان بالله وتجذب إلى الطاعة وتنفر من المعصية بصورة أبلغ وأعمق أثراً وأنفذ إلى قرارة النفس من كثير من الخطب والمواعظ الباردة التي يرسلها بعض الخطباء والوعاظ في المساجد وغير المساجد. وكيف لا يكون ذلك حقيقاً والله ﷾ يقول: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ ورسوله الكريم ﵊ يقول: «روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلّت عميت».\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إنه لا يجوز من الاحتفالات إلا ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ وهي الأعياد السبعة التي جاء في الأحاديث الصحيحة أنها أعياد المسلمين. وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق (١) , فأما يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر فإنه يشترك في الاحتفال بها جميع المسلمين, وأما يوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة فإن الاحتفال بها خاص بالحجاج, فهذه الأيام السبعة هي الأيام التي يحتفل بها المسلمون وليس لهم أعياد سواها, وعلى هذا فمن أحدث في الإسلام عيداً يحتفل به سوى هذه الأعياد المذكورة فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وخالف الأمر الذي كان عليه","footnotes":"(١) تراجع ص: ٧٧ - ٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765113,"book_id":5316,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":169,"body":"رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.\rالوجه الثاني: أن يقال إن العبادات مبناها على الشرع والاتباع, لا على الرأي والاستحسان والابتداع, قال ابن مسعود ﵁: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد في الزهد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب السنة, وروى محمد بن نصر أيضاً عنه ﵁ أنه قال: «إنكم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول». وروى الإمام أحمد في الزهد عنه ﵁ أنه قال: «عليكم بالسمت الأول».\rوالدليل على أن العبادات مبناها على التوقيف ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله ﷺ في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) ففي هذه الأحاديث الصحيحة مع ما تقدم عن ابن مسعود ﵁ أبلغ رد على من يريد التوسع في البدع والاحتفالات التي لم تكن من هدي رسول الله ﷺ ولا من عمل أصحابه ﵃.","footnotes":"(١) تراجع هذه الأحاديث في ص: ٦٥ - ٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765114,"book_id":5316,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":170,"body":"الوجه الثالث أن يقال: إن التجربة التي ذكرها الكاتب ليست حجة شرعية على جواز التوسع في البدع والاحتفالات التي لم تكن من هدي رسول الله ﷺ ولا من عمل أصحابه ﵃, وإنما هي في الحقيقة من تزيين الشيطان للكاتب وتلاعبه بعقله وعقول أشباهه من الذين لم يهتدوا بهدي رسول الله ﷺ ولم ينتهوا عما نهى عنه من البدع والإحداث في الدين.\rوقد أنكر ابن مسعود وأبو موسى الأشعري ﵄ على جماعة من التابعين كانوا يجلسون في المسجد حلقاً ويكبرون الله ويهللونه ويسبحونه ويعدّون التكبير والتهليل والتسبيح بالحصى وعدَّ ابن مسعود ﵁ أفعالهم هذه من البدع وإن كانت في الظاهر من أفعال الخير التي تؤثر في القلوب. وقد رويت القصة في ذلك من عدة طرق, منها ما رواه الطبراني في الكبير عن عمرو بن سلمة قال: كنا قعوداً على باب ابن مسعود ﵁ بين المغرب والعشاء فأتى أبو موسى ﵁ فقال: اخرج إلينا أبا عبد الرحمن فخرج ابن مسعود ﵁ فقال أبا موسى ما جاء بك هذه الساعة قال: لا والله إلا أني رأيت أمراً ذعرني وإنه لخير ولقد ذعرني وإنه لخير قوم جلوس في المسجد ورجل يقول سبحوا كذا وكذا, احمدوا كذا وكذا, قال: فانطلق عبد الله وانطلقنا معهم حتى أتاهم فقال: «ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء وأزواجه شواب وأبنيته لم تغير, أحصوا سيئاتكم فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم».\rومنها ما رواه الدارمي عن عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ﵁ قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765115,"book_id":5316,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":171,"body":"الأشعري ﵁ فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بَعْدُ قلنا: لا فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعاً فقال له أبو موسى يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيراً, قال: فما هو فقال: إن عشت فستراه قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة فيقول هللوا مائة فيهللون مائة ويقول سبحوا مائة فيسبحون مائة, قال: فماذا قلت لهم؟. قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك أو انتظار أمرك, قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء, ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: «ما هذا الذي أراكم تصنعون؟. قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح, قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة» قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: «وكم من مريد للخير لن يصيبه».\rومنها ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد والطبراني وأبو نعيم في الحلية وأبو الفرج ابن الجوزي واللفظ له عن أبي البختري قال: أخبر رجل عبد الله بن مسعود ﵁ أن قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول كبروا الله كذا وكذا وسبحوا الله كذا وكذا واحمدوا الله كذا وكذا, قال: عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فائتني فأخبرني بمجلسهم فجلس فلما سمع ما يقولون قام فأتي ابن مسعود ﵁ وكان رجلاً حديداً فقال: «أنا عبد الله بن مسعود","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765116,"book_id":5316,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":172,"body":"والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علماً, عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً» وفي رواية الطبراني فأمرهم أن يتفرقوا.\rومنها ما رواه ابن وضاح أن عبد الله بن مسعود ﵁ حدث أن ناساً يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوّم كل رجل منهم كومة من حصى فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول: «لقد أحدثتم بدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علماً».\rوإنما أنكر ابن مسعود وأبو موسى ﵄ على الذين يتحلقون في المسجد للذكر ويعدون التكبير والتهليل والتسبيح بالحصى لأن فعلهم هذا ليس من الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ ولهذا عدّ ابن مسعود ﵁ فعلهم من البدع الظلماء والهلكة والضلالة وقال لهم: إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة, ولم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد. وإذا كان ابن مسعود وأبو موسى قد أنكرا ما فعله هؤلاء من التحلق للذكر وعدّ التكبير والتهليل والتسبيح بالحصى فكيف بالذين يقيمون بدعة المولد كل عام ويحتفلون بهذه البدعة التي ليس لها أصل في الشريعة, وإنما هي من المحدثات والأعمال التي حذّر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها؟ وكيف بالذين يحتفلون بالمآتم ويجتمعون فيها على أكل الطعام الذي يصنعه أهل الميت وهو من النياحة والبدعة المستقبحة؟.\rفهؤلاء أولى بالإنكار من الذين أنكر عليهم ابن مسعود وأبو موسى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765117,"book_id":5316,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":173,"body":"رضي الله عنهما وأولى أن تعد أفعالهم واحتفالاتهم من البدع الظلماء والهلكة والضلالة.\rوأعظم من هؤلاء جرماً من لم يكتف بالاحتفال ببدعتي المولد والمأتم, بل ذهب يطالب بتوسيع نطاق البدع والاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام. فهل يأمن هذا الذي يدعو إلى الضلالة أن يكون له نصيب وافر من قول الله تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون﴾ وقول النبي ﷺ: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً».\rولو أن الكاتب تأملَ ما جاء عن ابن مسعود وأبي موسى ﵄ من إنكار الأمر الذي لم يكن عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وإن كان ظاهره الخير, وتأملَ أيضاً قول الذين أنكر عليهم ابن مسعود ﵁. والله ما أردنا إلا الخير وجواب ابن مسعود ﵁ لهم بقوله: «وكم من مريد للخير لن يصيبه» وتأملَ أيضاً قول ابن مسعود ﵁ لهم: «عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً» لو أنه تأمل هذا كله لكان حرياً أن يظهر له الخطأ في إصراره على تأييد البدع والمحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها, وفي مطالبته بتوسيع نطاق البدع والاحتفال بالأيام التي لم يكن النبي ﷺ يحتفل بشيء منها ولم يحتفل بها الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان. وإن أصر على رأيه الفاسد ولم تسمح نفسه بالرجوع إلى الحق ولزوم الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ فلا يأمن أن يكون له نصيب وافر من قول الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765118,"book_id":5316,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":174,"body":"﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾.\rالوجه الرابع أن يقال على سبيل الفرض والتقدير لو أن التجربة التي ذكرها الكاتب كانت مؤثرة في قلبه وقلوب أشباهه من المفتونين بالاحتفالات المحدثة وأن هذه الاحتفالات تحيي الموات في قلوبهم وتجدد صلتهم بالله وتجذبهم إلى الطاعة وتنفرهم عن المعصية لما كان لهم أن يحتفلوا بما لم يحتفل به رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, بل الواجب عليهم وعلى غيرهم من الناس أن يتأسوا برسول الله ﷺ في الاحتفالات وفي جميع الأعمال ولا يبتدعوا شيئاً لم يكن عليه الأمر في زمان رسول الله ﷺ وزمان أصحابه ﵃ وإن كانوا يرون أن فيه خيراً لهم لأنه ليس شيء من الأعمال يبتغى فيه الخير إلا وقد سبق إليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. فالخير كل الخير في سلوك سبيلهم, والشر كل الشر في سلوك السبل المضلة وهي سبل الأهواء والضلالة والشهوات التي تفضي بسالكيها إلى النار.\rالوجه الخامس: أن أقول إن الخطب والمواعظ التي يلقيها الخطباء في المسجد الحرام والمسجد النبوي وغيرهما من المساجد التي قد سمعتُ الخطب فيها ليست على الوصف الذي وصفها به الكاتب هدانا الله وإياه, وإنما هي خطب بليغة جداً لاشتمالها على الدعوة إلى الله تعالى وإخلاص العمل له وتجريد المتابعة للرسول ﷺ والتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. وتشتمل أيضاً على التذكير بالمعاد والجزاء على الأعمال, وتشتمل أيضاً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من البدع والأهواء المضلة ومن فتن الشهوات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765119,"book_id":5316,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":175,"body":"والشبهات, وتشتمل أيضاً على الحث على بر الوالدين وصلة الرحم وعلى التآخي في الله تعالى والتعاون على البر والتقوى واجتناب التعاون على الإثم والعدوان, وتشتمل أيضاً على النهي عن المحرمات في المآكل والمشارب والملابس والفروج, إلى غير ذلك مما تشتمل عليه خطبهم من الحكم البليغة والوصايا النافعة فجزاهم الله عن أعمالهم الطيبة ونصائحهم النافعة خير الجزاء وكثّر في المسلمين من أمثالهم.\rفأما وصف الكاتب لخطبهم ومواعظهم بالبرودة فهو من قلب الحقائق وعكس القضايا, وقد قيل في المثل المشهور: «لا تعدم الحسناء ذاماً» وقال الشاعر:\rحسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم\rكضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لدميم\rالوجه السادس أن يقال: إن التذكير الذي ينتفع به المؤمنون يكون بطرق كثيرة, ومن أعظمها نفعاً تذكير الخطباء الناصحين في خطبهم في أيام الجمع والأعياد خاصة. وفي غير ذلك من المناسبات التي تدعو إلى الخطب والتذكير بالقرآن وبما هو ثابت عن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة. وهذه هي طريقة الخطباء في المسجد الحرام والمسجد النبوي وغيرهما من المساجد التي قد سمعتُ الخطب فيها, وهي طريقة موروثة عن النبي ﷺ فإنه كان يذكّر أصحابه في أيام الجمع والأعياد خاصة وفي غيرها من المناسبات, بل وفي كثير من مجالسه النافعة, يذكرهم بالقرآن وبما أوحاه الله إليه من الحكمة والموعظة الحسنة ويعلمهم ما ينفعهم في الدين والدنيا والآخرة ويحذرهم مما يضرهم في الدين والدنيا والآخرة, فلا خير إلا وقد دل أمته عليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765120,"book_id":5316,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":176,"body":"ورغبهم فيه ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه, فصلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين.\rفأما حفلات المولد والمآتم وغيرها من الحفلات المحدثة وما يكون فيها من التذكير إن كان له وجود فيها فليس ذلك من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين ولا من عمل الصحابة ﵃, وإنما هي من المحدثات وقد حذر النبي ﷺ من المحدثات على وجه العموم وأمر بردها. وقال ﷺ: «من رغب عن سنتي فليس مني» وفي هذا أبلغ رد على الكاتب وعلى أشباهه من المفتونين بالبدع.\rالوجه السابع أن يقال إن الحديث الذي أورده الكاتب جازماً بأن رسول الله ﷺ قد قاله حديث ضعيف جداً ولفظه: «روحوا القلوب ساعة فساعة» رواه أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب مرسلاً. ومراسيل ابن شهاب من أضعف المراسيل, والمراسيل لا تصلح للاحتجاج ولا تجوز روايتها على الجزم برفعها إلى النبي ﷺ , وأما قوله: «فإن القلوب إذا كلّت عميت» فهذه الجملة ليست في حديث ابن شهاب ولا أدري من أين جاء بها الكاتب ولعله أتى بها من كيسه.\rولو فرضنا صحة الحديث فليس فيه ما يدل على جواز الاحتفال بالمولد والمآتم ولا على جواز توسيع نطاق البدع والاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في الإسلام, فليس في إيراده ما يتعلق به الكاتب بوجه من الوجوه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765121,"book_id":5316,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":177,"body":"فصل\rوقال صاحب المقال الباطل: أجل إن مجالس الذكر أقوى أثراً في الوعظ والإرشاد والاتجاه إلى الله وطاعته واجتناب معاصيه من كلام بعض الخطباء والوعاظ والمنفرين الذين لا يحسنون أساليب الدعوة إلى الله ولا يعرفون من الدين إلا هذا شرك وهذا بدعة.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن رسول الله ﷺ لم يكن يحتفل بمولده ولا بالمآتم ولا بشيء من الأيام التي وقعت في زمانه وكان لها أثر عظيم في تاريخ الإسلام ولم يكن يجعلها مجالس للذكر والوعظ والإرشاد. وكذلك الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة ﵃ فإنهم لم يكونوا يفعلون شيئاً من ذلك, ولو كان فيما ذكره الكاتب أدنى شيء من الخير والإصلاح لكان رسول الله ﷺ وأصحابه أسبق إليه من غيرهم وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ فإن كان الكاتب يرجو الله واليوم الآخر فليتأس برسول الله ﷺ ولا يخالف الأمر الذي كان عليه هو وأصحابه ﵃ فيصيبه الوعيد الذي توعد الله به المخالفين لأمر الرسول ﷺ فقد قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ فلا يأمن الكاتب أن يكون من المعنيين بهذه الآية وهو لا يشعر.\rوأيضاً فإن رسول الله ﷺ قد قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» فلا يأمن الكاتب المفتون بالمحدثات التي ليست من سنة رسول الله ﷺ أن يكون ممن انتفى منه رسول الله ﷺ وهو لا يشعر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765122,"book_id":5316,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":178,"body":"الوجه الثاني أن يقال إن مجالس الاحتفال بالمولد والمآتم وغيرها من الاحتفالات المحدثة والتي يطالب الكاتب بإحداثها ليست من مجالس الذكر كما قد زعم ذلك الكاتب, وإنما هي من مجالس البدع والضلالة لدخولها في عموم ما حذر منه رسول الله ﷺ ووصفه بالشر والضلالة وأمر برده. وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في البرهان السادس عشر والبراهين الثلاثة بعده فلتراجع ففيها أبلغ رد على الكاتب المفتون بالتمويه وقلب الحقائق.\rالوجه الثالث أن يقال إن الكاتب المفتون قد كرر الاعتراض على الخطباء والوعاظ الناصحين من أجل أنهم كانوا يأتون في خطبهم ومواعظهم بما يشق على قلبه الذي قد أصيب بمرض البدع وعدم المبالاة بمخالفة الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, وقد كرر أيضاً الذم لخطبهم البليغة, فتارة يقول ارحمونا عن هذا الكلام الممل - ويعني بالكلام الممل نهيهم عن الاحتفال بالمولد النبوي وقولهم إنه من المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ. وتارة يقول اتركوا الكلام عن الموائد والمآتم. وما علم الكاتب أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قد نص على أن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة, وعلى هذا إجماع الصحابة ﵃ ذكره عنهم جرير بن عبد الله البجلي ﵁, وتارة يقول ما بال خطباء المساجد عندنا يريدون أن يتحجروا واسعاً ويتدخلوا في خصوصيات الناس ويفتون بأن الولائم التي تقام للعزاء محرمة ومخالفة لسنة رسول الله, وقد تعامى الكاتب عن تحذير النبي ﷺ عن المحدثات على وجه العموم ووصفها بالشر والضلالة والأمر بردها. وتعامى أيضاً عن إجماع الصحابة ﵃ على أن ولائم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765123,"book_id":5316,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":179,"body":"العزاء من النياحة, وتارة يقول إن خطيب المسجد الحرام قد شغل جمعتين بالكلام عن الاحتفال بالمولد النبوي وتحريمه وتجريمه, وما علم الكاتب أن النهي عن هذه البدعة مستند إلى تحذير النبي ﷺ عن المحدثات وأمره بردها. وما علم أيضاً أن هذه البدعة قد افتتن بها الجم الغفير من المنتسبين إلى الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وأن النهي عنها يعد عند أهل العلم من أعظم النصيحة للمسلمين, وتارة يقول إنه من الملاحظ أنه لم يبدأ الخطيب في الكلام عن مآدب المآتم وتحريمها حتى نهض المصلون وتركوا المسجد رغبة عن سماع مثل هذا الكلام.\rوما علم الكاتب أنه لا يخرج من المسجد بعد الأذان وهو لا يريد الرجوع إليه إلا منافق, وما علم أيضاً أن الله تعالى قد شبه المعرضين عن سماع التذكرة بالحمر المستنفرة. وتارة يصف الخطب البليغة والمواعظ الحسنة التي يلقيها بعض الخطباء والوعاظ الناصحين بأنها خطب ومواعظ باردة, وتارة يقول في مجالس الاحتفال ببدعتي المولد والمأتم وغيرهما من البدع أنها مجالس ذكر وأنها أقوى أثراً في الوعظ والإرشاد والاتجاه إلى الله وطاعته واجتناب معاصيه من كلام بعض الخطباء والوعاظ المنفرين الذين لا يحسنون أساليب الدعوة إلى الله ولا يعرفون من الدين إلا هذا شرك وهذا بدعة, كذا قال الكاتب في وصف الخطباء والوعاظ الناصحين أنهم منفرون وأنهم لا يحسنون أساليب الدعوة إلى الله تعالى, وكل ما قاله فيهم وفي خطبهم فهو مردود عليه لأنه من المجازفات التي لا تستند إلى شيء من الحقائق, بل إنها في الواقع من قلب الحقائق وعكس القضايا, وإنه لينطبق على الكاتب قول الشاعر:\rومن يك ذا فم مُرٍّ مريض ... يجد مُرّاً به الماء الزلالا\r\rوقول الآخر:\rلا يضر البحر أمسى زاخراً ... أنْ رمى فيه غلام بحجر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765124,"book_id":5316,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":180,"body":"وهكذا يقال في الكاتب المفتون إن المرض الذي في قلبه من حب بدعتي المولد والمأتم وغيرهما من المحدثات وحب الاحتفال بها قد حال بينه وبين قبول النصائح والمواعظ البليغة التي يلقيها الخطباء الناصحون في الحرمين الشريفين وجعله يتهجم على الخطباء وينفر من خطبهم ويذمها. ولا يخلو في هذا من أحد أمرين إما أنه لا فرق عنده بين الخطباء الناصحين وغير الناصحين. ولا فرق عنده بين الخطب البليغة وغير البليغة. وإما المكابرة لقصد إدحاض الحق ونصر البدع التي قد افتتن بها. وهذا هو الأقرب الأحرى بالكاتب وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ فلا يأمن الكاتب أن يكون له نصيب وافر مما جاء في هذه الآية الكريمة.\rالوجه الرابع أن يقال: إن اعتراض الكاتب على الخطباء في قولهم في بعض الأشياء هذا شرك وهذا بدعة اعتراض في غير محله لأن الخطباء إذا حكموا على بعض الأشياء بأنها شرك أو بدعة ذكروا الدليل على ذلك من الكتاب أو السنة ومن احتج لقوله بالكتاب أو السنة فليس للاعتراض عليه سبيل.\rأقلوا عليهم لا أبا لأبيكمو ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا\r\rوأيضاً فإن النهي عن الشرك والبدع أهم من النهي عما سوى ذلك من المحرمات, وقد كان رسول الله ﷺ ينهى عن الشرك والبدع ويحذر منها غاية التحذير في خطبه وغير خطبه, وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ فمن اعترض على الخطباء الذين يتأسون بالنبي ﷺ في النهي عن الشرك والبدع فلا شك أنه مصاب في دينه وعقله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765125,"book_id":5316,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":181,"body":"فصل\rوقال صاحب المقال الباطل: ومن ناحية وطنية - لا دخل للدين فيها - ما الذي يمنع أن نحتفل نحن أبناء هذه المملكة بذكرى اليوم الذي توحدت فيه هذه المملكة بعد شتاتٍ عبر القرون, وهو ما يطلق عليه اليوم الوطني, لماذا لا يكون يوم عطلة رسمية للمدارس والدوائر والمتاجر والشركات والمؤسسات. نبعد فيه عن مشاغل الحياة ومتاعب العمل ونخرج إلى الحدائق والمنتزهات والمساجد - فكل ميسر لما خلق له - نصلي ونلهو ونلعب ونستشعر الراحة والهدوء, هل نسمع من يقول لنا بأننا بهذا نشرع في الدين ما لم يأذن به الله, هل سترددون علينا المقولة المملة: أننا بهذا أوجدنا عيداً غير مشروع, فالأعياد في الإسلام عيدين (١) فقط لا ثالث لهما: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾. ما الذي يمنع أن نحتفل بهذا اليوم الذي وحّد فيه الملك عبد العزيز ﵀ هذه البلاد, إنه في نظري - دون تملق أو نفاق - عمل بطولي ويوم مجيد, وكل من قرأ تاريخ نجد والحجاز وعسير وتهامة والقصيم والأحساء وحائل قبل هذا التوحيد وماذا كانت تعاني شعوب هذه المناطق من حكامها وأمرائها ونزاعاتهم وقتل بعضهم البعض في سبيل الاستيلاء على السلطة وانتشار المجاعات بسبب الحروب بينهم والنهب والسب والأحقاد والثارات ..\rكل من قرأ ذلك وعرفه لا يسعه إلا أن يشاركني الرأي ويرى معي أنه يوم من الأيام المجيدة التي يجب أن نحتفل بها سنوياً ونتجه فيها بالحمد والثناء على الله أولاً, والدعاء لبطلها","footnotes":"(١) قوله عيدين. كذا جاء في مقال المردود عليه, وهو لحن, والصواب أن يقال عيدان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765126,"book_id":5316,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":182,"body":"بالخير وحسن الجزاء ثانياً, ولا بأس من أن نقيم الولائم ونعقد اللقاءات نستعيد التاريخ وندرس الأسباب التي هيأت للملك عبد العزيز ﵀ وأحسن إليه - تحقيق هذه الوحدة والتي تثبت أن في مقدمتها تقوى الله وحسن النية ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ وإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن هذه الجملة التي ذكر فيها الكاتب بعض ما للملك عبد العزيز رحمه الله تعالى من المآثر الحميدة إنما أوردها تمهيداً لما يحاول الحصول عليه من الاحتفال باليوم الوطني واتخاذه عيداً سنوياً يصلي فيه ويلهو ويلعب ويقيم الولائم ويعقد اللقاءات ويضاهي ما شرعه الله للمسلمين من الأعياد السنوية ويتخذ من ذلك طريقاً إلى المطالبة بالاحتفال بالمولد النبوي وولائم المآتم جهاراً, خلاف ما هم عليه الآن من كتمان هذه الاحتفالات المبتدعة وعملها في السر دون العلانية, وسوف لا تتم للكاتب مقاصده السيئة إن شاء الله تعالى لما ذكرته قريباً أن ولاة الأمور في الحرمين الشريفين وفي جميع الجزيرة العربية ليسوا من أهل البدع ولا ممن يؤيد البدع وأهل البدع, وإنما هم من أهل السنة والجماعة, وأهل السنة والجماعة لا يستجيزون إحداث الاحتفالات والأعياد التي لم يكن عليها الأمر في عهد رسول الله ﷺ وعهد أصحابه ﵃, ولا تستفزهم المحاولات السيئة من أهل البدع وأعوان الشيطان الذين يحاولون توسيع نطاق البدع وإظهارها في البلاد الإسلامية.\rالوجه الثاني أن يقال: لو كان الاحتفال باليوم الوطني جائزا لكان الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى أول من يحتفل به, ولكنه رحمه الله تعالى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765127,"book_id":5316,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":183,"body":"كان حريصاً على متابعة الرسول ﷺ والعمل بما كان عليه هو وأصحابه ﵃, والبعد عن المحدثات التي تخالف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, وكان رحمه الله تعالى شديداً على أهل البدع قامعاً لهم, فما سمعتُ عن أحد من المفتونين بالمولد النبوي وإقامة الولائم في المآتم أنه تجرأ في زمانه على معارضة الخطباء في الحرمين الشريفين ونشر المقالات في الصحف وغير الصحف في ذمهم وذم خطبهم والازدراء بها, ولا أن أحداً في زمانه حاول توسيع نطاق البدع والاحتفال بالأمور التي لم يحتفل بها رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ كيوم الهجرة ويوم الإسراء والمعراج ويوم بدر ويوم أحد ويوم فتح مكة, ولو كان الاحتفال بهذه الأيام جائزاً لما أهمله رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃, والله المسئول المرجو الإجابة أن يوفق ولاة أمور المسلمين للأخذ على أيدي الظالمين عامة وعلى يد الظالم للخطباء في الحرمين الشريفين خاصة وأن يأطروهم على الحق أطراً, ولا يتركوا لهم مجالاً في ذم الخطباء الناصحين وذم خطبهم من أجل ما يكون فيها من ذم الاحتفال بالمولد النبوي وولائم المآتم وغيرها من أنواع البدع والمنكرات, وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد المسيء - وفي رواية على يد الظالم - ولتأطرنه على الحق أطراً أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض أو ليلعنكم كما لعنهم» أي كما لعن بني إسرائيل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم.\rالوجه الثالث أن يقال: أما قول الكاتب عن الناحية الوطنية التي ذكرها أنه لا دخل للدين فيها وأنه لا مانع من الاحتفال بذكرى اليوم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765128,"book_id":5316,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":184,"body":"الوطني واتخاذه عيداً سنوياً فهو قول باطل مردود بما هو ثابت عن النبي ﷺ من الحث على التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وتحذيره من محدثات الأمور وأمره بردها والنص على أن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار, وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على من زعم أن الناحية الوطنية لا دخل للدين فيها وأنه لا مانع من الاحتفال بذكرى اليوم الوطني واتخاذه عيداً سنوياً, وقد ذكرت في أول الكتاب (٢) قول النووي في الكلام على قول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أن هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات, وقال أيضاً: هذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به, وذكرت أيضاً ما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن الطرقي أنه قال هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع. قال الحافظ: وفيه رد المحدثات وأن النهي يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها انتهى.\rوفي هذه القاعدة العظيمة أبلغ رد على الكاتب الذي يحاول أن يحدث في المسلمين عيداً سنوياً لم يأذن به الله ولم يكن من سنة رسول الله ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين ولا من عمل الصحابة والتابعين لهم بإحسان, وقد وصف النبي ﷺ","footnotes":"(١) ص: ٦٥ - ٦٧.\r(٢) ص: ٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765129,"book_id":5316,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":185,"body":"الفرقة الناجية من هذه الأمة بأنهم من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه ﵃, ولم يكن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ يحتفلون بالمولد النبوي ولا بشيء من الأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام ولم يجعلوا لها أعياداً وطنية سنوية, وإنما كانوا يحتفلون بصلاة الجمعة وبيوم الفطر ويوم النحر, وكانوا يحتفلون بيوم عرفة وأيام التشريق إذا كانوا مع الحجاج, وقد قال رسول الله ﷺ: «من رغب عن سنتي فليس مني» متفق عليه من حديث أنس بن مالك ﵁.\rالوجه الرابع أن يقال: أن اللهو واللعب إنما يكون في حين الطفولة لأن الأطفال ضعيفة عقولهم فلا يرون باللهو واللعب بأساً ولا يستقبح ذلك منهم, فأما ذووا اللحى الذين قد دخلوا في سن الكهولة وكثر الشيب في رءوسهم ولحاهم فإن ميلهم إلى اللهو واللعب قبيح جداً لما في ذلك من التشبه بالأطفال الذين لم يبلغوا سن التكليف, ومن استحسن اللهو واللعب من ذوي اللحى فذلك دليل على ضعف عقله وأن عقله لم يزل على حالته في حين الطفولة وقد قال الله تعالى: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا﴾ فلا يأمن الكاتب أن يكون له نصيب من هذا الذم, ويستثنى من اللهو ما أذن فيه رسول الله ﷺ من المسابقة على الخيل والإبل والأقدام والمصارعة وتعليم السباحة وما جاء في حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثاً رميه عن قوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق» رواه الإمام أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي. وهذا المستثنى يجوز للرجال الكبار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765130,"book_id":5316,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":186,"body":"ولا يستقبح فعله منهم, وما سواه مما لم يرخص فيه الشارع فهو خفة ورعونة ولا يجوز فعله, قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ سائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو وسائر ضروب اللعب مما لا يستعان به في حق شرعي كله حرام, وللخطابي في هذا المعنى كلام نحو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.\rالوجه الخامس أن يقال: إن الله تعالى لم يخلق بني آدم ليلهو ويلعبوا في الحدائق والمنتزهات وإنما خلقهم لعبادتهم قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ فمن آثر اللهو واللعب على العبادة فقد خالف أمر الله تعالى وتعرض لعقوبته.\rالوجه السادس أن يقال: من اتخذ يوما من الأيام يحتفل به سنويا فقد اتخذه عيداً وإن سماه باسم اليوم الوطني أو غير ذلك من الأسماء المستحدثة فاسم العيد لازم له لأن العيد إنما سمي بهذا الاسم لعوده في وقته من الأسبوع أو الشهر أو السنة. قال ابن دريد في «جمهرة اللغة»: العيد كل يوم مجمع واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه, وقال آخرون: بل سمي عيداً لأنهم قد اعتادوه وإذا جمعوا قالوا أعياد. وقال ابن منظور في «لسان العرب»: العيد كل يوم فيه جمع, ثم ذكر نحو ما ذكره ابن دريد من الاشتقاق. ونقل عن ابن الأعرابي أنه قال: سمي العيد عيداً لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد, وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم»: العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما بعَوْد السنة أو بعَوْد الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك انتهى.\rوإذا علم هذا فليعلم أيضاً أن رسول الله ﷺ قد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765131,"book_id":5316,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":187,"body":"حصر الأعياد الزمانية في سبعة أيام وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة, وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في أول الكتاب فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الكاتب الذي لم يقتنع بالأعياد المشروعة للمسلمين, بل ذهب يطالب بالاحتفال باليوم الوطني وبالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام, وهو وإن كان قد سماها احتفالات فهي في الحقيقة أعياد يُضَاهى بها أعياد المسلمين, ولا شك أن إحداث الأعياد الزائدة على الأعياد المشروعة للمسلمين يدخل في عموم قول الله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ والأدلة على ذلك كثيرة, منها قول النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثةٍ بدعة وكل بدعة ضلالة» وإذا كان الاحتفال باليوم الوطني وبالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام خارجاً عن سنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فلا بُدَّ أن يكون داخلاً في عموم ما حذر منه رسول الله ﷺ ونص على أنه بدعة وضلالة.\rومنها قول النبي ﷺ في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وفي رواية «وكل ضلالة في النار» وإذا كان الاحتفال باليوم الوطني وبالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام خارجاً عن هدي رسول الله ﷺ فلا بُدَّ أن يكون داخلاً في عموم المحدثات التي ذمها رسول الله ﷺ ونص على أنها بدعة وضلالة وأنها في النار.","footnotes":"(١) ص: ٧٧ - ٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765132,"book_id":5316,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":188,"body":"ومنها قول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وإذا كان الاحتفال باليوم الوطني وبالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام خارجاً عن أمر النبي ﷺ فلا بُدَّ أن يكون داخلاً في المحدثات والأعمال التي أمر النبي ﷺ بردها.\rومنها قول النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» وإذا كان الاحتفال باليوم الوطني وبالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام خارجاً عما جاء به رسول الله ﷺ فلا بد أن يكون مستنداً إلى اتباع الهوى وذلك ينافي الإيمان كما يدل عليه صريح النص من هذا الحديث. وقد قال الله تعالى: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ وفي هذه الآية دليل على أن اتباع الهوى ضلال وظلم وسبب للحرمان من الهداية, فليحذر الكاتب أن يكون له نصيب مما جاء في هذه الآية الكريمة وهو لا يشعر.\rوالأحاديث المذكورة في هذا الوجه ثابتة عن النبي ﷺ (١) وهي بعض من الأحاديث التي يحتج بها الخطباء وغيرهم من العلماء على المنع من الاحتفال بالمولد النبوي وأيام المآتم وغيرها من البدع, وهي من أوضح البراهين على المنع من الاحتفال باليوم الوطني والأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام فليتأملها الكاتب حق التأمل فعسى الله أن يزيل الختم عن قلبه وسمعه فيراجع الحق وينصره عوضاً عن نصره لبدعتي المولد والمأتم وجداله بالباطل عنهما ومطالبته بإحداث","footnotes":"(١) تراجع ص: ٦٥ - ٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765133,"book_id":5316,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":189,"body":"أعياد لليوم الوطني والأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام, وينبغي له أن يربأ بنفسه عن الاتصاف بصفات المنافقين الذين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويبغضون ما جاء به رسول الله ﷺ إذا كان مخالفاً لأهوائهم ويصدون عنه صدوداً ويحصل لهم النفور والتضايق من إيراد الأحاديث الدالة على المنع من الاحتفال بالمولد النبوي والمآتم, ويظهرون الملل من سماع النهي عن هذه البدع وعن غيرها من البدع التي يطالب الكاتب بإحداثها.\rالوجه السابع أن يقال: إن الأعياد الزمانية للمسلمين ليست عيدين فقط لا ثالث لهما كما قد زعم ذلك الكاتب, وإنما هي سبعة أعياد وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة, وقد جاءت النصوص بذلك في عدة أحاديث صحيحة تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على من زعم أن أعياد المسلمين عيدان فقط لا ثالث لهما.\rالوجه الثامن أن يقال: إن الخطباء وغيرهم من العلماء الذين ينكرون الاحتفال بالمولد النبوي والمآتم لم يحرموا زينة الله التي أخرج لعباده ولم يحرموا الطيبات من الرزق, وإنما حرموا الاحتفال بالبدع والأعياد التي لم يأذن بها الله ولم تكن من سنة رسول الله ﷺ ولا من عمل الصحابة رضي اله عنهم. وعلى هذا فإيراد الكاتب للآية الكريمة من سورة الأعراف في معرض الاعتراض على الخطباء وغيرهم من العلماء الذين ينهون عن البدع والمخالفات وينكرون الاحتفال بالمولد النبوي وإقامة الولائم في المآتم إيراد لا محل له وإنما هو في الحقيقة","footnotes":"(١) ص: ٧٧ - ٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765134,"book_id":5316,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":190,"body":"من تأويل الآية على غير تأويلها. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي من حديث ابن عباس ﵄ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح, وفي رواية له, «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي هذا حديث حسن, قال: وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم انتهى.\rوإذا علم هذا فقد ذكر المفسرون أن الآية من سورة الأعراف نزلت رداً على المشركين الذين يحرمون لبس الثياب في الطواف ويحرمون اللحم والدس في أيام الحج ويحرمون البحائر والسوائب والوصائل والحوامي. قال ابن عباس ﵄: «كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون فأنزل الله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ فأمروا بالثياب» رواه الطبراني.\rفليتأمل الكاتب ما جاء من الوعيد الشديد على القول في القرآن بغير علم, وليتأمل أيضاً ما قاله المفسرون في المراد بالآية الكريمة, ولا يأمن أن يكون له نصيب مما ذم الله به الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.\rالوجه التاسع أن يقال: إن الكاتب قد أطلق القول بأن الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى هو الذي وَحَّد البلاد العربية. وهذا الإطلاق خطأ كبير لأن الذي وَحَّد البلاد العربية على الحقيقة هو الله وحده لا شريك له, وقد يسر ﵎ أسباب توحيدها على يدي الملك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765135,"book_id":5316,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":191,"body":"عبد العزيز رحمه الله تعالى, وهذا لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة, وقد قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ فأضاف ﵎ الفتح إلى نفسه ولم يضفه إلى الرسول ﷺ مع أنه قد باشر أسباب الفتح ويسر الله ذلك على يديه وجعله بداية لدخول الناس في دين الله أفواجاً حتى استوسقت الجزيرة العربية إيماناً وتوحدت تحت راية الإسلام قبل موت رسول الله ﷺ , ولم ينقل عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم من أهل العلم أنهم أضافوا توحيد الجزيرة العربية إلى رسول الله ﷺ لعلمهم أن الذي وحدها هو الله تعالى فيضاف توحيدها إليه لا إلى الذي قد باشر الأسباب في توحيدها وهو الرسول ﷺ , وهكذا يقال فيما يسره الله تعالى من توحيد الجزيرة العربية في زماننا على يدي الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى فيضاف توحيدها إلى الله تعالى وتضاف مباشرة الأسباب في توحيدها إلى الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى وكفى بهذا شرفاً له وفخراً.\rوما حصل لأهل الجزيرة العربية بعد توحيدها من الائتلاف والأمن الشامل والطمأنينة ورغد العيش فكله من فضل الله ونعمته وقد قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين, وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم﴾ وقال تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ وقال تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ وفي هذه الآيات دليل على أنه تجب إضافة النعم إلى المنعم المتفضل بها على عباده وهو الله وحده لا شريك له, فينبغي للمؤمنين أن يكثروا من حمدا الله وشكره والثناء عليه على ما يسره من توحيد الجزيرة العربية بعد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765136,"book_id":5316,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":192,"body":"التفرق والاختلاف بين أهلها, وما منّ به عليهم من الائتلاف والأمن الشامل والطمأنينة ورغد العيش, وينبغي أيضاً أن يكثروا من الدعاء بالرحمة والمغفرة للملك الذي جعله الله سبباً في حصول هذه النعم العظيمة.\rالوجه العاشر أن يقال: إن الكاتب قد اقتصر على ذكر اليسير من مآثر الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى وهو السعي في توحيد الجزيرة العربية وإزالة ما كان بين أهلها من النزاع والقتال والنهب والسلب والأحقاد والثارات حتى يسر الله ذلك له وأتمه على يديه, ولا شك أن هذه أعمال جليلة ينبغي أن يشكر الساعي فيها, وقد أعرض الكاتب عن ذكر المآثر التي لها علاقة بالدين فلم يذكر منها شيئاً. وهي مآثر هامة جداً, فمنها هدم القباب والأبنية التي كانت على بعض القبور في الحرمين الشريفين وفي غير ذلك من بلاد الحجاز وما يليه من اليمن. وقطع الأشجار التي قد افتتن بها بعض الجهال وإزالة ما كان يفعل عندها وعند بعض القبور والأحجار من الشرك ووسائل الشرك, ومنها إزالة البدع التي كانت تفعل في الحرمين الشريفين وفي غيرهما من البلاد المجاورة لهما. ومن أعظمها شراً بدع الصوفية وما يكون منهم من التلاعب بذكر الله تعالى واتخاذه هزواً وسخرية, ومنها بدعة الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً ومنها بدعة الاحتفال بالمآتم وإقامة الولائم فيها, ومنها تفرق المصلين في صلاة الجماعة على أربعة أئمة, كل أهل مذهب لهم إمام منهم, إلى غير ذلك من البدع التي قد يسر الله إزالتها على يد الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى. ومما يسر الله تعالى على يديه أيضاً إزالة المنكرات الظاهرة والحث على المحافظة على الصلوات الخمس في جماعة وإبطال الضرائب التي كانت تؤخذ من الحجاج وإقامة الحدود على الوجه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765137,"book_id":5316,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":193,"body":"المشروع, إلى غير ذلك مما يسره الله تعالى وأتمه على يديه, وله ولأبنائه من الأعمال الجليلة في الحرمين الشريفين خاصة وفي غيرهما من بلاد المملكة العربية عامة ما يشق إحصاؤه ولا يتسع المقام لذكره.\rفرحم الله الأموات منهم وسدد الأحياء ووفقهم للعمل بما يحبه ويرضاه وجنبهم كل ما يسخط ويدعو إلى غضبه وأليم عقابه, وحماهم من الفتن وحفظهم من كيد الأعداء من المشركين وأهل النفاق والشقاق ونصر بهم دينه وأعلى كلمته, إنه ولي ذلك والقادر عليه.\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل: يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بأن اعتراضي على ما قاله خطيب المسجد الحرام باطل لأن ما قاله يعتبر من الأمر بالمعروف.\rوأنا أتساءل, هل من الأمر بالمعروف أن يعلن من فوق منبر المسجد الحرام ويسمعه المسلمون في كل مكان بأن الاحتفال بالمولد النبوي تشبه باليهود والنصارى, وأن الذين يقيمون هذه الحفلات إما جهلة مقلدون أو مرتزقة فساق وإما دعاة ضلال. وهو وغيره يعلم أن أكثرية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وفيهم علماء وفقهاء وأئمة يقيمون هذا الاحتفال لا كعبادة ولا على أنها عمل ديني بل مجرد إحياء لذكرى وتعبير عن الحب واجتماع على ذكر. وأين الباطل؟. اعتراضي على هذا العمل أم هو هذا القول نفسه, ألا يعتبر هذا سباً بل قذفاً لأكثرية المسلمين.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: لا يخفى ما في هذه الجملة السوداء من إساءة الأدب على الشيخ ابن باز وعلى خطيب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765138,"book_id":5316,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":194,"body":"المسجد الحرام وعلى ولي الأمر الذي رضي بهذا الخطيب وجعله في هذا المنصب الهام, وقد قيل في المثل المشهور: «من أمن العقوبة أساء الأدب». فأما إساءته إلى الشيخ ابن باز فهو قوله في آخر هذه الجملة «وأين الباطل؟. اعتراضي على هذا العمل أم هو هذا القول نفسه» فجعل الكاتب قول الخطيب في المسجد الحرام في ذم الاحتفال بالمولد النبوي وتأييد الشيخ له هو الباطل, وهذا من قلب الحقيقة لأن كلام الخطيب والشيخ صحيح ولا ينكره إلا مكابر لا يبالي بإنكار الحقائق, وأما كلام الكاتب فهو الباطل في الحقيقة لأنه مبني على التلبيس على ضعفاء البصيرة والجدال بالباطل لإدحاض الحق, ولما فيه أيضاً من المعارضة للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ أنه كان يأمر أمته بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ويحذرهم من محدثات الأمور ويأمرهم بردها ويصفها بالشر والضلالة ويخبرهم أنها في النار, وما عارض أقوال النبي ﷺ فهو باطل مردود على قائله كائناً من كان لأنه لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ.\rوأما إساءته إلى خطيب المسجد الحرام فهو ظاهر من جراءته على ذم خطبه البليغة والاعتراض على ما يكون فيها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذم البدع والتحذير منها ومن جميع المحدثات في الإسلام.\rوأما إساءته الأدب مع ولي الأمر حفظه الله. فهو ظاهر من جراءته على نشر أباطيله في جريدة الندوة وغيرها وعدم مبالاته بما يسوء ولي الأمر وجميع أهل السنة والجماعة من إظهار البدع والمجاهرة بنصرها والدفاع عنها بالشبه والأباطيل, أما علم الكاتب أن ولي الأمر وفقه الله تعالى كان يحذو حذو والده الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى في المنع من إظهار البدع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765139,"book_id":5316,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":195,"body":"وقمع أهلها ومن يريد إظهارها في مملكته. أما علم الكاتب أن الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى قد منع من الاحتفال بالمولد النبوي وولائم المآتم وغيرها من المحدثات في الإسلام من حين استولى على بلاد الحجاز, وإنما فعل ذلك امتثالاً لما ثبت عن النبي ﷺ من التحذير من البدع على وجه العموم والأمر بردها. ولم يبلغني عن أحد من علماء مكة ولا من كتابها أنه اعترض على أمر الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى بمنع الاحتفال بالمولد النبوي والمآتم. بل كانوا يحترمون أمره غاية الاحترام ويحترمون العلماء والخطباء في زمانه غاية الاحترام ويعاملونهم بما يليق بهم من التوقير والإكرام. وهذا بخلاف ما كان عليه الكاتب وأشباه له من أهل بلده من عدم احترامهم لولي الأمر وعدم احترامهم لأكبر العلماء في المملكة العربية ولخطباء المسجد الحرام, وفي عدم احترامهم لهؤلاء دليل على عدم احترامهم لولي الأمر الذي قد وثق بعلمهم وجعلهم في المناصب الدينية الهامة.\rالوجه الثاني أن يقال: لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً. مبني على التشبه بالنصارى في احتفالهم بمولد المسيح واتخاذه عيداً, وقد قال بعض المفتونين بالاحتفال بالمولد النبوي: إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيداً أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر, وهذا تصريح من هذا القائل بأن المقصود بالاحتفال بالمولد النبوي هو المضاهاة للنصارى والتشبه بهم في الاحتفال بمولد المسيح واتخاذه عيداً, وهذا مصداق ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم» قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: «فمن» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁, وقد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765140,"book_id":5316,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":196,"body":"روي نحوه عن عدد كثير من الصحابة ﵃ وقد ذكرت جملة من أحاديثهم في أول كتابي المسمى بـ «الإيضاح والتبيين, لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين» فلتراجع هناك.\rوأما ما فيه من التشبه باليهود فهو أن علماء السوء كانوا يحسّنون للجهال بدعة المولد ويرغبونهم في الاحتفال بها فيطيعهم الجهال ويعملون بهذه البدعة التي لم يأذن الله بها ولم يأمر بها رسول الله ﷺ ولم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان, وهذا شبيه بما أخبر الله به عن اليهود والنصارى أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله, وقد روى الترمذي وابن جرير عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وسمعته يقرأ: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه» قال ابن الجوزي في تفسيره فعلى هذا المعنى أنهم جعلوهم كالأرباب وإن لم يقولوا إنهم أرباب. وقال القرطبي في تفسيره قال أهل المعاني جعلوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كل شيء انتهى. وفي رواية لابن جرير أن عدي بن حاتم ﵁ قال: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه» قال: قلت بلى قال: «فتلك عبادتهم». وروى ابن جرير أيضاً عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «لم يأمروهم أن يسجدوا لهم ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم فسمّاهم الله بذلك أرباباً» وروى ابن جرير أيضاً عن حذيفة ﵁ أنه قال: «لم يعبدوهم ولكنهم أطاعوهم في المعاصي» وروى ابن جرير أيضاً عن الحسن: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً﴾ قال في الطاعة, وروى ابن جرير أيضاً عن الربيع بن أنس قال: قلت لأبي العالية كيف كانت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765141,"book_id":5316,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":197,"body":"الربوبية التي كانت في بني إسرائيل قال: قالوا ما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.\rومن هذا الباب طاعة الجهال لعلماء السوء في إقامة بدعة المولد النبوي والاحتفال بها واتخاذها عيداً وعدم المبالاة بتحذير النبي ﷺ من المحدثات على وجه العموم والتشديد فيها والأمر بردها فصاروا بهذا متشبهين باليهود والنصارى في طاعة العلماء في معصية الله تعالى ومعصية رسوله ﷺ.\rوإذا علم أن الاحتفال بالمولد النبوي مبني على التشبه بالنصارى حيث كانوا يحتفلون بمولد المسيح ويتخذونه عيداً, فليعلم أيضاً أن التشبه بالنصارى وغيرهم من المشركين حرام شديد التحريم لقول النبي ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر ﵄. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية إسناده جيد وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن, قال شيخ الإسلام وقد احتج أحمد وغيره بهذا الحديث, قال وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾. وقال شيخ الإسلام أيضاً قوله ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقاً انتهى.\rوروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى» قال ابن مفلح في قوله: «ليس منا» هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم انتهى وقال ابن عقيل: النهي عن التشبه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765142,"book_id":5316,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":198,"body":"بالعجم للتحريم. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: التشبه بالكفار منهي عنه بالإجماع انتهى.\rوإذا كان التشبه بالنصارى وغيرهم من أعداء الله تعالى حراماً شديد التحريم فإعلان النهي عن ذلك في الكتب والمقالات والخطب وغيرها واجب على حسب القدرة لأن الله تعالى قد حث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آيات كثيرة من القرآن ورغّب في ذلك ووعد عليه الأجر العظيم, وحث على ذلك رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة جداً ورغب فيه وشدد في تركه مع القدرة, وقد قال الله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ قال الغزالي: أفهمت الآية أن من هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خرج من المؤمنين, وقال القرطبي: جعله الله فرقاً بين المؤمنين والمنافقين, وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وروى مسلم أيضاً عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» وما أخبر به رسول الله ﷺ عن الخلوف أنهم يفعلون ما لا يؤمرون فهو مطابق لحال أهل البدع الذين يفعلون ما لم يؤمروا به من الأعمال التي لم تكن من سنة رسول الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765143,"book_id":5316,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":199,"body":"- ﷺ ولا من سنة الخلفاء الراشدين ولا من عمل غيرهم من الصحابة ولا من عمل التابعين لهم بإحسان.\rومن هذه الأعمال المنكرة ما أحدثه الجهال من الاحتفال بليلة المولد النبوي واتخاذها عيداً يعتادونه في كل عام ويضاهون به الأعياد التي شرعها الله للمسلمين, ولا شك أن جهاد هؤلاء واجب بحسب القدرة وأن النهي عن هذه البدعة وإعلان الإنكار لها من فوق المنابر حسن جداً, ولا ينكر النهي عن هذه البدعة وإعلان الإنكار لها من فوق المنابر إلا من كان في قلبه كراهية لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ بإنكار المنكرات الظاهرة وتغييرها, ومن كان بهذه الصفة فإنه يخشى عليه أن يكون داخلاً في عموم قول الله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون﴾.\rالوجه الثالث أن يقال: من أقام بدعة المولد واحتفل بها فإنه لا يخلو من أحد أمرين. إما أن يكون جاهلاً لا يدري أن رسول الله ﷺ قد حذر أمته من المحدثات على وجه العموم وأمرهم برد الأعمال التي ليس عليها أمره, وهذا هو الغالب على المفتونين ببدعة المولد في كثير من الأقطار التي ينتسب أهلها إلى الإسلام وقد قال الله تعالى: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً﴾ وقد تقدم ما ذكره الشقيري وغيره عنهم من الأفعال الهمجية فليراجع ذلك (١). وإما أن يكون مكابراً لا يبالي بمخالفة الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ولا يرى بأساً بالعمل بالبدع والمحدثات التي حذر منها رسول الله","footnotes":"(١) ص: ١٥٩ - ١٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765144,"book_id":5316,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":200,"body":"- ﷺ وأمر بردها. وهذا هو الغالب على علماء السوء وأئمة الضلال الذين يقيمون بدعة المولد ويبالغون في الاحتفال بها وينشرون الكتب والمقالات الباطلة في تحسينها والترغيب في إقامتها والاحتفال بها, ويبذلون جهدهم في الرد والإنكار على من ينكر هذه البدعة وينهى عنها. وهذا من المشاقة للرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين.\rوقد كان رسول الله ﷺ يتخوف على أمته من هذا الضرب الرديء كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي قال: إني لجالس تحت منبر عمر ﵁ وهو يخطب الناس فقال في خطبته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان» وروى الإمام أحمد أيضاً في الزهد عن الأحنف بن قيس عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنت عنده جالساً فقال: «إن هلكة هذه الأمة على يدي كل منافق عليم» وروى الطبراني في الكبير والبزار عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم باللسان» قال المنذري: رواته محتج بهم في الصحيح وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وروى الطبراني أيضاً في الكبير عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أخاف على أمتي ثلاثاً» وذكر منها جدال منافق بالقرآن. وروى البيهقي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث» وذكر منها جدال منافق بالقرآن, وروى الطبراني في الصغير عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني أخاف عليكم ثلاثاً وهي كائنات» وذكر منها جدال منافق بالقرآن. وروى الدارمي في سننه وأبو نعيم في الحلية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765145,"book_id":5316,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":201,"body":"عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر ﵁ هل تعرف ما يهدم الإسلام قال: قلت لا.\rقال: «يهدمه زلة عالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين» وروى الإمام أحمد في الزهد عن أبي الدرداء ﵁ قال: «إنما أخشى عليكم زلة عالم وجدال المنافق بالقرآن» وروى أبو نعيم في الحلية عن عمرو بن عوف المزني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني أخاف على أمتي من بعدي ثلاثة أعمال» قالوا: وما هي يا رسول الله؟. قال: «زلة عالم وحكم جائر وهوى متبع».\rقلت: واتباع الهوى هو الغالب على علماء السوء وأئمة الضلالة وأعداء السنة وأهلها من الكتّاب في الصحف والمجلات والمؤلفين في تحسين البدع والترغيب فيها. وهو من المهلكات كما في الحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث مهلكات» فذكر الحديث وفيه: «فأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه» وروى البزار والبيهقي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ مثله. وقد قال الله تعالى: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ فليحذر الكاتب المفتون وأشباهه مما جاء في هذه الآية والحديثين قبلها ولا يأمنوا أن يكون لهم نصيب وافر من الهلاك والضلال والظلم وحرمان الهداية.\rوأما قول الكاتب إن أكثرية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يقيمون هذا الاحتفال, لا كعبادة, ولا على أنها عمل ديني.\rفجوابه أن يقال: قد زعم بعض المفتونين ببدعة المولد أن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعاً, وزعم أيضاً أنها بدعة حسنة محمودة,","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765146,"book_id":5316,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":202,"body":"وزعم أيضاً أنها سنة مباركة. ونقل عن السيوطي أنه قال: إن عمل المولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها. وزعم أيضاً هو ومتبوعه في الضلال أن الاجتماع لعمل المولد أمر مشروع في الإسلام وقاساه على أعمال الحج, وقد ذكرت هذه الأقوال الباطلة ورددت عليها في كتابي المسمى بـ «الرد القوي, على الرفاعي والمجهول وابن علوي. وبيان أخطائهم في المولد النبوي» فلتراجع هناك, وفي هذه الأقوال الباطلة رد على ما تجاهله الكاتب من حال دعاة الضلال الذين يقيمون بدعة المولد ويحسنونها للجهال ويرغبونهم في إقامتها بما يزعمونه من مشروعيتها وأنها بدعة حسنة محمودة وسنة مباركة يثاب عليها صاحبها وقد ذكر أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه «المدخل» عن المفتونين ببدعة المولد أنهم يعتقدون أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر, وفي هذا رد على تمويه الكاتب وقلبه للحقيقة. وقد ذكر رشيد رضا في فتاويه نحو ما ذكره ابن الحاج عنهم وأنهم يجعلونه من قبيل شعائر الإسلام بحيث يظن العوام أنه من القرب المطلوبة شرعاً.\rوأما قوله: إن الاحتفال بالمولد مجرد إحياء لذكرى وتعبير عن الحب واجتماع على ذكر.\rفجوابه أن يقال لو كان في الاحتفال بالمولد النبوي أدنى شيء من الخير لكان الصحابة أسبق إليه من غيرهم ولكان النبي ﷺ يبين ذلك لأمته ويدلهم عليه. وقد قال ﷺ في صفة الفرقة الناجية من فرق هذه الأمة أنهم الذين كانوا على ما كان عليه هو وأصحابه, فالخير كل الخير في اتباع سنة رسول الله ﷺ والسير على طريقة أصحابه ﵃. والشر كل الشر في مخالفة السنة وما كان عليه الصحابة ﵃ وإحداث الاحتفالات والأعمال التي لم يكونوا يعملونها ولم تذكر عن أحد في زمانهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765147,"book_id":5316,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":203,"body":"وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أن إحياء الذكرى للنبي ﷺ لا يكون في ليلة المولد وحدها كما يفعله المتفونون بالاحتفال بالمولد النبوي, وإنما يكون في سائر الأوقات. وذلك بالإكثار من قراءة القرآن والتدبر لما جاء فيه من تعظيم الرب ﵎ لنبيه محمد ﷺ وإظهار شرفه على سائر الخلق. وقد ذكرت جملة من الآيات الواردة في تعظيمه ﷺ في كتابي المسمى بـ «الرد القوي» فلتراجع هناك. وكذلك الإكثار من دراسة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ففي ذلك أعظم إحياء لذكره ﷺ.\rوأما التعبير عن الحب للنبي ﷺ فإنما يكون ذلك بالإيمان به واتباع أوامره واجتناب نواهيه والتمسك بسنته ونشر ما دعا إليه, والبعد عما ابتدعه المبتدعون من بعده, وقد قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» وقد تقدم هذا الحديث في البرهان العشرين فليراجع. ومن ادّعى محبة النبي ﷺ وهو مرتكب لما نهى عنه من المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره فهو كاذب في دعواه.\rوأما الاجتماع على الذكر في ليلة المولد خاصة فهو من المحدثات لأن النبي ﷺ لم يكن يفعل ذلك ولم يفعله أصحابه ﵃. ولو كان خيراً لسبقوا إليه. والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع, وقد قال رسول الله ﷺ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود. وفي هذا الحديث أبلغ رد للمحدثات التي أحدثها المفتون بالمولد النبوي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765148,"book_id":5316,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":204,"body":"وأما قوله وأين الباطل؟ اعتراضي على هذا العمل أم هو هذا القول نفسه.\rفجوابه أن يقال إن الإنسان إذا عميت بصيرته فإن الشيطان يتلاعب به ويصده عن الصراط المستقيم ويزين له قلب الحقائق ويريه الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق. وهكذا كانت حال الكاتب المفتون حيث كان يرى أن من الباطل إعلان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فوق المنبر في المسجد الحرام وأن التحذير من البدع والتشبه بأعداء الله من الباطل. وما يدري الكاتب المفتون أن الباطل في الحقيقة هو اعتراضه على الخطباء الناصحين الذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحذرون الناس من البدع والمحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها, ويحذرونهم أيضاً من التشبه بالنصارى الذين يحتفلون بمولد المسيح ويتخذونه عيداً, وإنه لينطبق على الكاتب قول الشاعر:\rيقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن\r\rوأما قوله ألا يعتبر هذا سباً بل قذفاً لأكثرية المسلمين.\rفجوابه أن يقال: إن إعلان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ ليس من السب والقذف للمسلمين كما قد توهم ذلك الكاتب المفتون, وإنما هو من النصيحة التي حث عليها رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة حيث قال: «الدين النصيحة» قلنا لمن قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث تميم الداري ﵁, وروى الإمام أحمد أيضاً والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765149,"book_id":5316,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":205,"body":"قال: قال رسول الله ﷺ: «الدين النصيحة» ثلاث مرار. قالوا: يا رسول الله لمن قال: «لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح, قال: وفي الباب عن ابن عمر وتميم الداري وجرير وحكيم بن أبي يزيد عن أبيه وثوبان ﵃.\rقلت وفي الباب أيضاً عن ابن عباس ﵄. وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول كتابي المسمى بـ «القول المحرر, في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» فلتراجع هناك.\rوقد كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وقال أيضاً: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقال أيضاً: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وقال أيضاً: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقال أيضاً: «من تشبه بقوم فهو منهم» وقال أيضاً: «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى» وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع.\rوقد اشتملت هذه الأحاديث على ذم البدع والمحدثات والتحذير منها والأمر بردها وعلى ذم التشبه باليهود والنصارى وغيرهم من أعداء الله تعالى والتشديد في ذلك, ودلت بمضمونها على ذم المخالفين للسنة والعاملين بالبدع والمحدثات والمتشبهين بأعداء الله تعالى, وقد قابل الصحابة والتابعون لهم بإحسان أقوال نبيهم ﷺ -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765150,"book_id":5316,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":206,"body":"بالقبول والتسليم, ولم يذكر عن أحد من المسلمين أنه قال في شيء من أقوال رسول الله ﷺ إن فيها سباً وقذفاً لأكثرية المسلمين, بل اعتبروا ذلك من النصيحة والتحذير من الشر وأهله. وللخطباء في المسجد الحرام وغيره أسوة حسنة في نبيهم ﷺ , ومن لامهم أو عابهم على الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من البدع والحفلات المحدثة والتشبه بالنصارى في الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً فهو الملوم والمعيب في الحقيقة.\r\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل: وليت خطيبنا المحترم وقف عند هذا الحد من القول, بل يستطرد «أضف إلى ذلك ما يجري فيه - أي الاحتفال بالمولد - من المنكرات والشرك بالله من دعاء الرسول وطلب الحاجات وما يحصل فيه من الاختلاط والإسراف ورفع الصوت بلغو القول» فهل من الأمر بالمعروف إلقاء التهم جزافاً وإرسال الكلام على عواهنه وإطلاق ذلك كله على جميع الاحتفالات بالمولد النبوي. هل ممن الأمر بالمعروف اتهام جميع من يحضرون الاحتفال بالمولد النبوي وهم ملايين المسلمين في جميع أقطار الدنيا وليس العالم الإسلامي وحده فالجاليات المسلمة في أوربا وأمريكا تقيم الاحتفالات في ذكرى المولد النبوي - اتهام كل هؤلاء بالشرك - وما أعظمها تهمة - والابتداع والجهل والارتزاق والاختلاط وإتيان المنكرات.\rوالجواب أن يقال أولاً: إن الخطيب في المسجد الحرام لم يكن أول من تصدى لإنكار ما يجري في الاحتفال بالمولد النبوي من أنواع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765151,"book_id":5316,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":207,"body":"المنكرات. بل قد سبقه إلى ذلك غير واحد من العلماء الغيورين حيث أنكروا ما يجري في بدعة المولد من المنكرات والأفعال الهمجية, فمن ذلك قول أبي عبد الله ابن الحاج في كتابه «المدخل» إن المولد قد احتوى على بدع ومحرمات جمة, فمن ذلك استعمالهم الأغاني ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر والشبابة وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع ومضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشتغلون ببدع ومحرمات, وذكر أيضاً ما يفعل في بدعة المولد من أنواع المنكرات من الغناء والرقص واستعمال آلات اللهو والطرب واختلاط الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات التي ذكرها عنهم وبالغ في ذمها والتحذير منها.\rومن ذلك قول تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني في كتابه المسمى بـ «المورد, في الكلام على عمل المولد» قال لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ولم ينقل عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين, بل هو بدعة أحدثها البطالون, وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون. ثم قال: إنه إذا انضاف إلى ذلك شيء من الغناء بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات إما مختلطات بهم أو مشرفات والرقص بالتثني والانعطاف والاستغراق في اللهو, وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتطريب في الإنشاد فهذا لا يختلف في تحريمه اثنان انتهى.\rومن ذلك قول رشيد رضا في بعض فتاويه إن هذه الموالد بدعة بلا نزاع. وقال في جواب له آخر إن البدعة في عمل المولد جعل هذا الاجتماع المخصوص بالهيئة المخصوصة والوقت المخصوص وجعله من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص الشارع بحيث يظن العوام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765152,"book_id":5316,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":208,"body":"والجاهلون بالسنن أنه من أعمال القرب المطلوبة شرعاً, وهو بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله تعالى وزيادة فيه تعد من شرع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم. فكيف إذا وصل الجهل بالناس إلى تكفير تاركه كأنه من قواعد العقائد المعلومة من الدين بالضرورة, أليس يعد في هذه الحال وبين هؤلاء الجهال من أكبر كبائر البدع التي قد تقوم الأدلة على كونها من الكفر بشرطه. فإن الزيادة في ضروريات الدين القطعية وشعائره كالنقص منه يخرجه عن كونه هو الدين الذي جاء به خاتم النبيين عن الله تعالى القائل فيه: ﴿اليوم أكلمت لكم دينكم﴾ فهو تشريع ظاهر مخالف لنص إكمال الدين وناقض له. ويقتضي أن مسلمي الصدر الأول كان دينهم ناقصاً أو كفاراً, وقد ورد أن أبا بكر وعمر وابن عباس ﵃ قد تركوا التضحية في عيد النحر لئلا يظن الناس أنها واجبة. أفلا يجب بالأولى ترك حضور هذه الحفلات المولدية وإن خلت من القبائح واشتملت على المحاسن لئلا يظن العوام أنها من الفرائض التي يأثم تاركها أو يكفر كما يقول بعض مبتدعة العلويين الجاهلين. فكيف إذا كانت مشتملة على بدع ومفاسد أخرى كالكذب على رسول الله ﷺ في سيرته وأقواله وأفعاله كما هو المعهود في أكثر القصص المولدية التي اعتيد التغني بها في هذه الحفلات, وأما القيام عند ذكر وضع أمه له ﷺ فهو من جملة هذه البدع, وقد صرح بذلك الفقيه ابن حجر المكي الشافعي الذي يعتمد هؤلاء العلويون على كتبه في دينهم انتهى.\rومن ذلك قول محمد بن عبد السلام خضر الشقيري في كتابه المسمى بـ «السنن والمبتدعات» «فصل في شهر ربيع الأول وبدعة المولد فيه» لا يختص هذا الشهر بصلاة ولا ذكر ولا عبادة ولا نفقة ولا صدقة ولا هو موسم من مواسم الإسلام كالجمع والأعياد التي رسمها لنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765153,"book_id":5316,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":209,"body":"الشارع صلوات الله وتسليماته عليه وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين, ففي هذا الشهر ولد ﷺ وفيه توفي فلما يفرحون بميلاده ولا يحزنون لوفاته. فاتخاذ مولده موسماً والاحتفال به بدعة منكرة ضلالة لم يرد بها شرع ولا عقل. ولو كان في هذا خير فكيف يغفل عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة وأتباعهم. ولا شك أنه ما أحدثه إلا المتصوفون الأكالون البطالون أصحاب البدع. وتبع الناس بعضهم بعضاً فيه إلا من عصمه الله ووفقه لفهم حقائق دين الإسلام. ثم أي فائدة تعود وأي ثواب في هذه الأموال الباهظة التي تعلق بها هذه التعاليق وتنصب بها هذه السرادقات وتضرب بها الصواريخ. وأي رضا لله في اجتماع الرقاصين والرقاصات والمومسات والطبالين والزمارين واللصوص والنشالين والحاوي والقرداتي. وأي خبر في اجتماع ذوي العمائم الحمراء والخضراء والصفراء والسوداء أهل الإلحاد في أسماء الله والشخير والنخير والصفير بالغابة والدق بالبارات والكاسات والشهيق والنعيق بأح أح يا ابن المره أم أم ان ان سابينها يا رسول الله يا صاحب الفرح المدا آد يا عم يا عم اللع اللع كالقرود.\rما فائدة هذا كله؟ فائدته سخرية الإفرنج بنا وبديننا وأخذ صور هذه الجماعات لأهل أوربا فيفهمون أن محمداً ﷺ - حاشاه حاشاه - كان كذلك هو وأصحابه, فإنا لله وإنا إليه راجعون, ثم هو خراب ودمار فوق ما فيه الناس من فقر وجوع وجهل وأمراض. فلماذا لا تنفق هذه الأموال الطائلة في تأسيس مصانع يعمل فيها الألوف من العاطلين, أو لماذا لا تنفق هذه النفقات الباهظة في إيجاد آلات حربية يقاوم بها أعداء الإسلام والأوطان, وكيف سكت العلماء على هذا البلاء والشر, وبل وأقروه. ولماذا سكتت الحكومة الإسلامية على هذه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765154,"book_id":5316,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":210,"body":"المخازي وهذه النفقات التي ترفع البلاد إلى أعلى عليين, فإما أن يزيلوا هذا المنكر وإما وصمتهم بالجهالة انتهى.\rفليتأمل الكاتب المفتون ما ذكره العلماء من المنكرات التي تفعل في بدعة المولد النبوي وليقارن بينه وبين ما ذكره عن الخطيب في المسجد الحرام, فإن كان الخطيب قد ألقى التهم جزافاً وأرسل الكلام على عواهنه كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل فإن العلماء الذين ذكرت أقوالهم قد قالوا أعظم مما قاله الخطيب فليبدأ الكاتب بعيبهم والإنحاء باللائمة عليهم قبل الخطيب, ولينظر إلى ما ذكره رشيد رضا عنهم من الكذب على رسول الله ﷺ في سيرته وأقواله وأفعاله, وما ذكره الشقيري عنهم من الإلحاد في أسماء الله ودعاء رسول الله وقولهم فيه يا صاحب الفرح والمداآد, إلى غير ذلك مما ذكره عنهم, وكذلك ما ذكره ابن الحاج والفاكهاني عنهم فهو أعظم بكثير مما ذكره الخطيب عنهم, وكلهم قد أحسنوا في إنكار المنكرات التي تفعل في بدعة المولد النبوي وجاهدوا الخلوف الذين أخبر النبي ﷺ أنهم يفعلون ما لا يؤمرون. ثم قال ﷺ: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» رواه مسلم من حديث ابن مسعود ﵁.\rويقال ثانياً إن كثيراً من المفتونين ببدعة المولد قد اعتادوا التغني في احتفالهم بالمولد بقصيدة البردة التي نظمها البوصيري في مدح النبي ﷺ ودعائه وطلب الشفاعة منه والالتجاء إليه واللياذ به عند الشدائد والحوادث. ولا ينفي اشتمالها على الشرك ودعاء الرسول ﷺ وصرف ما هو من خصائص الربوبية والألوهية له إلا جاهل لا يعرف الحق من الباطل. أو متجاهل متبع للهوى قد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765155,"book_id":5316,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":211,"body":"أعمى الله بصيرته. وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في رده على البكري أربعة أبيات من البردة وأنكر على قائلها وقال فيه: ومنهم - أي من المبالغين في الغلو في الرسول ﷺ - من يقول أسقط الربوبية وقل في الرسول ما شئت.\rدع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم\rفإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم\rوانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت منم\rلو ناسبت قدره آياته عِظَماً ... أحيا اسمه عين يدعى دارس الرمم\rانتهى ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى, ولا يخفى على من نوّر الله قلبه بنور العلم والإيمان أن قصيدة البردة مشتملة على الشرك بالله تعالى ودعاء الرسول ﷺ والالتحاء إليه واللياذ به عند الشدائد وسؤاله ما لا يقدر عليه إلا الله. وقد زعم الناظم أن من جوده الدنيا وضرتها - أي الآخرة - وأن من علومه علم اللوح والقلم. وهذا الغلو والإطراء مردود بقول الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء﴾ وقوله تعالى: ﴿قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً. قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً﴾ وقوله تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾ وقوله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً.\rوروى الإمام أحمد والبخاري والدارمي عن ابن عباس ﵄ أنه سمع عمر ﵁ يقول على المنبر سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله» وروى الإمام أحمد أيضاً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765156,"book_id":5316,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":212,"body":"بأسانيد حسنة عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً قال للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت فقال له النبي ﷺ: «أجعلتني لله عَدْلاً, بل ما شاء الله وحده» وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت ﵁ قال كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق فقال النبي ﷺ: «إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله» وروى أبو داود بإسناد صحيح عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه ﵁ قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا فقال: «السيد الله ﵎» قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طوْلاً فقال: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان» وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً قال يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا ويا خيرنا وابن خيرنا فقال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس عليكم بتقواكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿» وفي رواية: «قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان» وفي رواية: «ولا يستجرينكم الشيطان» وفي رواية قال: «والله ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله ﷿».\rفهذا كله من حماية النبي ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك بالله تعالى.\rوإذا كان النبي ﷺ قد نهى عن إطرائه والغلو فيه وقال: «إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» وأنكر على الذي قال له ما شاء الله وشئت وقال: «أجعلتني لله نداً» وأنكر على الذين طلبوا منه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765157,"book_id":5316,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":213,"body":"الإغاثة من المنافق. وأنكر على الذين قالوا له أنت سيدنا. فكيف بالذين قد تجاوزوا الحد في إطرائه والغلو فيه. حيث كانوا يتغنون في احتفالهم بالمولد النبوي بقصيدة البردة التي قد اشتملت على الإطراء للنبي ﷺ والغلو الشديد فيه وصرف ما هو من خصائص الربوبية والألوهية له. حيث زعم قائلها والمتغنون بها أنه ليس لهم من يلوذون به عند حلول الحادث العام سوى النبي ﷺ. وزعموا أن من جوده الدنيا والآخرة. وزعموا أنه يعلم ما في اللوح - أي المحفوظ الذي قد استأثر الله بعلم ما فيه - وزعموا أنه يعلم ما جرى به القلم - أي قلم القضاء والتقدير - وزعموا أنه إن لم يأخذ بأيديهم يوم القيامة فستزل أقدامهم. إلى غير ذلك مما اشتملت عليه قصيدة البردة من الإطراء والغلو الشديد. ومع هذا فكثير من الجهال وعلماء السوء والضلال قد افتتنوا بها وأكثروا من التغني بها وبما يشبهها من القصائد المشتملة على الغلو والإطراء للنبي ﷺ ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله إياها حيث قال ﷺ: «أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿» ومن رضي بما اشتملت عليه قصيدة البردة وما شابهها من القصائد المشتملة على اللغو والإطراء للنبي ﷺ ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله إياها فهو شريك لقائليها لأن الراضي بالذنب كفاعله.\rفليتق الله صاحب المقال الباطل. ولا يجعل الخطيب في المسجد الحرام هدفاً لشغبه وجداله بالباطل. ولا ينس أنه سيقف بين يدي الله تعالى يوم القيامة ويسئل عن تجانفه بالإثم على الخطيب الذي قد بذل جهده في الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة للمسلمين وتحذيرهم من الشرك والغلو والإطراء للنبي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765158,"book_id":5316,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":214,"body":"- ﷺ وتحذيرهم من البدع التي حذر منها رسول الله ﷺ وأمر بردها. وليحذر الكاتب أن يكون ممن عناهم الله بقوله: ﴿وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾ وقوله تعالى: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾.\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل. وهل من لغو القول ترديد الصلاة على رسول الله وإنشاد بعض الشعر في مدحه بدون غلو ولا دعاء له. وقد سمع مثل ذلك رسول الله وفي مسجده من شعراء العرب يوم ذاك كحسان بن ثابت وكعب بن زهير ولم ينكره بل خلع بردته وكساها للشاعر الذي مدحه.\rوالجواب: عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن رسول الله ﷺ إنما أمر أمته بالإكثار من الصلاة عليه في يوم الجمعة. ولم يأمرهم بالاجتماع لترديد الصلاة عليه في ذلك اليوم ولا في غيره من الأيام, وكذلك لم يأمرهم بالاجتماع وترديد الصلاة عليه في ليلة مولده ولم يفعل ذلك ولم يفعله أحد في زمانه ولم يفعله أحد من الخلفاء الراشدين المهديين ولا غيرهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ولو كان للاجتماع في ليلة المولد النبوي وترديد الصلاة على النبي ﷺ في تلك الليلة مزية وزيادة فضل على سائر الليالي لبين ذلك رسول الله - صلى الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765159,"book_id":5316,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":215,"body":"عليه وسلم - لأمته وندبهم إلى فعله ورغبهم فيه ولكان يفعله هو وأصحابه ﵃ لأنهم كانوا أسبق إلى الخير وأحرص عليه ممن كان بعدهم. وقد قال ﷺ: «من رغب عن سنتي فليس مني» وقال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود. وقد تقدم قول النووي (١) إن هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات.\rقلت: وهذا الحديث العظيم يهدم كل ما لفقه الكاتب وغيره من المفتونين بالمولد النبوي. وبه يرد كل ما يفعل في ليلة المولد من الاجتماع وقراءة قصة مولد النبي ﷺ وترديد الصلاة عليه في تلك الليلة خاصة وإنشاد الأشعار في مدحه وإطرائه والقيام عند ذكر وضع أمه له وغير ذلك من أنواع البدع التي تفعل في تلك الليلة. فكل هذا مردود بالحديث الذي تقدم ذكره.\rالوجه الثاني: أن يقال إن العبادات مبناها على التوقيف فليس لأحد أن يزيد في الدين شيئاً لم يأذن به الله لأن الله تعالى قد أكمل الدين لهذه الأمة فقال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ فمن زاد في الدين شيئاً لم يأذن به الله فزيادته مردودة لأن الله تعالى أمر المؤمنين باتباع ما أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ونهاهم عن اتباع ما سوى ذلك فقال تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون﴾ وهذه الآية الكريمة تدل على المنع من","footnotes":"(١) ص: ٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765160,"book_id":5316,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":216,"body":"الاحتفال بالمولد النبوي وعلى المنع مما يخصه المفتونون به من الأعمال التي لم يأمر الله بها في تلك الليلة ولم يأمر بها رسول الله ﷺ.\rالوجه الثالث: أن يقال إن رسول الله ﷺ لم يخصص ليلة مولده لاستماع الأشعار التي قيلت في مدحه وإنما كان الشعراء ينشدون أشعارهم بحضرته عند وقوع الفتوح والظفر بالأعداء والظهور عليهم. وكذلك كانوا ينشدون عند المناسبات التي تدعو إلى الإنشاد بحضرته ﷺ كما فعل حسان بن ثابت ﵁ حين قدم وفد بني تميم على رسول الله ﷺ وأنشد شاعرهم مفتخراً بمآثر قومه فأمر رسول الله ﷺ حسان بن ثابت ﵁ أن يجيبه فأجابه حسان ﵁ وأسكته. وكان إنشاد كعب بن زهير ﵁ لقصيدته المشهورة حين قدم على رسول الله ﷺ وبايعه على الإسلام. وعلى هذا فليس في إنشاد حسان ﵁ وغيره من الشعراء عند المناسبات وسماع النبي ﷺ لإنشادهم ما يتعلق به صاحب المقال الباطل في تأييد بدعة المولد. وكذلك إنشاد كعب بن زهير ﵁ لقصيدته بين يدي رسول الله ﷺ حين قدومه عليه ومبايعته له على الإسلام ليس فيه ما يتعلق به الكاتب بوجه من الوجوه.\rالوجه الرابع: أن يقال إذا كان رسول الله ﷺ قد أنكر على من قال له ما شاء الله وشئت وقال: «أجعلتني لله عدلاً بل ما شاء الله وحده» فكيف لو سمع الذين يتغنون بقول صاحب البردة:\rيا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم\rفإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765161,"book_id":5316,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":217,"body":"إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ... فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم\r\rلا شك أنه سيجاهد هؤلاء الذين بالغوا في إطرائه وصرفوا له ما هو من خصائص الربوبية والألوهية كما كان يجاهد سلفهم الذين اتخذوا من دون الله أنداداً يتعلقون بهم في قضاء الحاجات وتفريج الشدائد والكربات.\rالوجه الخامس: أن يقال إن حسان بن ثابت وكعب بن زهير وغيرهما من الصحابة ﵃ كانت أشعارهم التي أنشدوها عند رسول الله ﷺ خالية من الغلو والإطراء فضلاً عما هو أعظم من ذلك من الشرك الذي تقدم ذكره في أبيات البردة. وعلى هذا فأي شيء يوجب الإنكار من النبي ﷺ على المنشدين من أصحابه بحضرته. ولو كان للكاتب أدنى شيء من الفهم لما خفي عليه ذلك.\rالوجه السادس: أن يقال يظهر من كلام الكاتب أنه لا يرى فرقاً بين أشعار الصحابة التي قد أنشدت بحضرة النبي ﷺ وبين الأشعار التي يتغنى بها كثير من المفتونين ببدعة المولد كالبردة وما أشبهها من القصائد التي لا تخلو من الغلو والإطراء, وبعضها لا يخلو من الشرك بالله. ولهذا ذكر سماع النبي ﷺ من شعراء العرب كحسان وكعب بن زهير مستشهداً بذلك على جواز ما يتغنى به الجاهلون في بدعة المولد, وهذا من القياس الفاسد. وما أعظم الفرق بين قول حسان بن ثابت ﵁:\rتعاليت رب الناس عن قول من دعا ... سواك إلهاً أنت أعلى وأمجد\rلك الخلق والنعماء والأمر كله ... فإياك نستهدي وإياك نعبد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765162,"book_id":5316,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":218,"body":"وبين قول صاحب البردة:\rيا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم\r\rإلى آخر الأبيات التي تقدم ذكرها في الوجه الرابع وفيها الشرك الصريح وأما قول حسان فهو توحيد خالص.\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل. وهل رأى حضرة الخطيب ذلك بعينيه وشاهده أم نقله إليه ناقل مفتر. ألم يتذكر قول الله ﵎ وهو يرسل هذه التهم من أقدس مكان - ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ فهل تبين حضرة الخطيب قبل أن يتهم ويؤذي المؤمنين في عقائدهم وأسماعهم. وهو معترف في خطبته أن الاحتفال بالمولد النبوي قد انتشر وضرب أطنابه في أقطار كثيرة في العالم. ألم يتذكر - وهو من حفظة القرآن - قول الله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً﴾ ألم يتعلم من شيخه وشيخنا وشيخ الإسلام ابن تيمية أسلوب الوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف إذ يقول ﵀: «أما اتخاذ المواسم غير الشرعية كبعض ليالي من شهر ربيع الأول التي يقال إن فيها ليلة المولد فهي من البدع التي لم يستحبها السلف الصالح ولم يفعلوها - إلى أن قال - وأما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات».\rهذا هو أسلوب العلماء وأدب الإسلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا شرك ولا ضلال ولا كفر وإنما عدم استحسان ثم تمييز بين من يحتفل بالمولد كعبادة أو يمارس فيه أعمالاً منكرة وبين من يحتفل دون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765163,"book_id":5316,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":219,"body":"شيء من ذلك. ونحن مع شيخ الإسلام في كل ما قاله وهو الحق الذين ندين له لأنه فصّل وأوضح ولم يتهم المحتفلين بالمولد بالشرك والضلال والارتزاق والجهل إلخ السباب الذي كاله خطيبنا الكريم من فوق المنبر. وسباب المؤمن فسوق كما في الحديث.\rوالجواب: عن هذا من وجوه أحدها: بيان ما في كلام الكاتب من الأخطاء اللفظية التي تغير المعنى. فمن ذلك قوله في موضعين. ألم يتذكر قول الله تعالى, والصواب أن يقال ألا يَذَكَّر قول الله تعالى لأن المقام مقام تنبيه وحث للمخاطب على التذكر لما جاء في الآيتين. وليس المقام مقام تقرير على أنه قد تذكر ما جاء فيهما. ومن ذلك قوله: ألم يتعلم من شيخه. والصواب أن يقال ألا تعلم من شيخه. ومن ذلك قوله في الآية من سورة الأحزاب: ﴿إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات﴾. والصواب في الآية ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات﴾. ومن ذلك قوله وهو الحق الذي ندين له, والصواب أن يقال ندين به.\rالوجه الثاني: أن يقال قد تقدم ما ذكره ابن الحاج والفاكهاني ورشيد رضا والشقيري عن المفتونين ببدعة المولده فليتأمله الكاتب حق التأمل ولاسيما ما ذكره الشقيري عنهم فإنه أعظم بكثير مما ذكره خطيب المسجد الحرام عنهم, وفيما ذكره هؤلاء العلماء أبلغ رد على قول الكاتب إن خطيب المسجد الحرام يرسل التهم من أقدس مكان ويؤذي المؤمنين في عقائدهم وأسماعهم وأنه يكيل السباب من فوق المنبر.\rالوجه الثالث: أن يقال إنه لا يتأذى بالكلام في ذم الاحتفال بالمولد وذم ما يكون فيه من منكرات الأقوال والأفعال إلا أصحاب القلوب المريضة الذين قد ألفوا البدع وأشربوا في قلوبهم حبها وحب من يدعو إليها ويرغب فيها وبغض من يذمها ويحذر منها. فأما أهل السنة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765164,"book_id":5316,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":220,"body":"والجماعة فإنه يسرهم ما يلقيه الخطباء في المسجد الحرام وغيره من الدعوة إلى الخير والنصيحة للمسلمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من البدع على وجه العموم ومن بدعة المولد النبوي على وجه الخصوص لأن هذه البدعة قد استطار شرها وعظم الافتتان بها عند كثير من المنتسبين إلى العمل. فضلاً عن العوام, وللخطباء أسوة حسنة في رسول الله ﷺ فإنه كان يحذر في خطبه من البدع ويصفها بالشر والضلالة ويقول إن كل ضلالة في النار. وكان يأمر برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره, وقد قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته «من رغب عن سنتي فليس مني» فليتأمل الكاتب هذا الحديث حق التأمل. وليختر لنفسه ما يناسبه من أحد الأمرين اللذين لا بدّ له من أحدهما. إما مقابلة هذا الحديث وما في معناه بالقبول والتسليم وترك البدع والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ. وإما مقابلته ومقابلة ما في معناه من الأحاديث بالاستثقال وقلة المبالاة بتحذير النبي ﷺ من البدع وأمره بردها.\rولا ينس الكاتب قول الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ وقوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو قول الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾.\rالوجه الرابع: أن يقال إن الكاتب قد نقل عن شيخ الإسلام ابن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765165,"book_id":5316,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":221,"body":"تيمية رحمه الله تعالى أنه قال. أما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات. ثم قال الكاتب ونحن مع شيخ الإسلام في كل ما قاله وهو الحق الذي ندين له انتهى. وبناء على هذا القول من الكاتب فإني أذكره بما تقدم في كلام ابن الحاج والفاكهاني ورشيد رضا والشقيري, ففيما ذكروه كفاية في بيان المنكرات التي يحتوي عليها الاحتفال بالمولد النبوي, وقد ذكر رشيد رضا أنهم قد جعلوا الاحتفال بالمولد النبوي من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص من الشارع, وقال أيضاً إنه تشريع ظاهر مخالف لنص إكمال الدين وناقض له. وقال أيضاً إن الحفلات المولدية مشتملة على بدع ومفاسد أخرى كالكذب على رسول الله ﷺ في سيرته وأقواله وأفعاله كما هو المعهود في أكثر القصص المولدية التي اعتيد التغني بها في هذه الحفلات. وذكر الشقيري عنهم من الهمجية ومنكرات الأقوال والأفعال ما تشمئز منه قلوب أهل الإيمان. فليراجع الكاتب كل ما ذكروه (١) وليحقق قوله إنه مع شيخ الإسلام في كل ما قاله وأنه الحق الذي يدين به, ولا ينسى قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾.\rالوجه الخامس: أن يقال إن الكاتب قد زعم أنه مع شيخ الإسلام ابن تيمية في كل ما قاله وأنه الحق الذي يدين به. وهذا في الحقيقة حِبْر على ورق وقول قد خالفه العمل من الكاتب لأنه قد جدّ واجتهد في تأييد بدعة المولد وبذل ما في وسعه في معارضة الذين يذمون هذه البدعة وينهون عنها.","footnotes":"(١) ٢٠٨ - ٢١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765166,"book_id":5316,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":222,"body":"فإن قال الكاتب إن الاحتفال بالمولد النبوي خالٍ من المنكرات وأنه مجرد إحياء لذكرى وتعبير عن الحب واجتماع على ذكر كما قد صرح بذلك فيما تقدم من كلامه (١).\rفالجواب: أن يقال أولاً إن نفس الاحتفال بالمولد النبوي يعد من المنكرات وإن لم يقترن به شيء آخر منها. والدليل على أنه من المنكرات قول الله تعالى في صفة رسوله محمد ﷺ: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾ وحيث أن النبي ﷺ لم يأمر أمته بالاحتفال بليلة مولده فإن الاحتفال بها يخرج من مسمى المعروف ويدخل في مسمى المنكر. ويدل على ذلك قول النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وحيث أن النبي ﷺ لم يحتفل بليلة مولده ولم يحتفل بها أحد من الخلفاء الراشدين فإن الاحتفال بها يكون من البدع التي حذر منها رسول الله ﷺ ووصفها بالضلالة وأخبر في حديث آخر أنها من شر الأمور وأنها في النار وأمر بردها على وجه العموم. وفي هذا أوضح دليل على أن الاحتفال بالمولد النبوي داخل في مسمى المنكرات التي أخبر الله تعالى أن رسوله ﷺ كان ينهى أمته عنها. وما وصفه الرسول ﷺ بالشر والضلالة وأخبر أنه في النار وأمر برده فهو من المنكرات وإن لم يقترن به شيء آخر منها.\rويقال ثانياً: إن خلو الاحتفال بالمولد النبوي من المنكرات نادر والنادر لا حكم له وإنما الحكم للغالب, والغالب على الاحتفالات","footnotes":"(١) ص: ١٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765167,"book_id":5316,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":223,"body":"المولدية أنها لا تخلو من المنكرات. وقد تقدم ما ذكره ابن الحاج والفاكهاني ورشيد رضا والشقيري عن الاحتفالات المولدية وما يكون فيها من منكرات الأقوال والأفعال. فليراجع الكاتب ما ذكروه إن كان كما زعم أنه مع شيخ الإسلام ابن تيمية في كل ما قاله وأنه الحق الذي يدين به, وإن اتهم الكاتب هؤلاء العلماء المعروفين بسعة الإطلاع فيما ذكروه عن الاحتفال المولدية كما اتهم خطيب المسجد الحرام فيما ذكره عنها مما هو معلوم بالاستفاضة عند كثير من علماء أهل السنة فليسافر إلى البلاد المجاورة للبلاد العربية وخصوصاً البلاد المجاورة لها من ناحية المغرب وما يتصل بها من البلاد التي ينتسب أهلها إلى الإسلام وليحضر احتفالهم بالمولد النبوي حتى يرى بعينيه ويسمع بأذنيه ما يذعره إن كان في قلبه إيمان. أو ما يعجبه إن كان من ذوي القلوب المريضة.\rوإن قال الكاتب إن الاحتفال بالمولد النبوي لا يقصد به العبادة ولا أنه عمل ديني كما قد زعم ذلك فيما تقدم من كلامه (١). فليراجع ما ذكره رشيد رضا عنهم (٢) أنهم قد جعلوه من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص من الشارع, وقوله أيضاً أنه تشريع ظاهر مخالف لنص إكمال الدين وناقض له. ومن له معرفة برشيد رضا وما له من سعة الاطلاع والمعرفة بما يكون من الاحتفالات المولدية من البدع وأنواع المنكرات لا يشك في صحة ما ذكره عن المحتفلين بالمولد النبوي وأنهم قد اتخذوا الاحتفال به عبادة وعملاً دينياً.\rثم إني أحيل الكاتب إلى ما ذكره زميله في الافتتان ببدعة المولد النبوي فإنه قد زعم في مواضع عديدة من كتابه المسمى بـ «الذخائر","footnotes":"(١) ص: ١٩٧.\r(٢) ص: ٢١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765168,"book_id":5316,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":224,"body":"المحمدية» أن عمل المولد مطلوب شرعاً. وذلك في صفحة ٢٦٩ وصفحة ٢٧٠ - ٢٧١ وصفحة ٢٧٢ وصفحة ٢٧٤. وزعم في صفحة ٢٧٣ أنه مشروع في الإسلام وقاسه على أعمال الحج وزعم في صفحة ٢٧١ أن الاجتماع للمولد سنة. وقال آخر من المفتونين ببدعة المولد والمقلدين لصاحب «الذخائر» في مقال له منشور في جريدة السياسة الكويتية في سنة ١٤٠٢ هـ إن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعاً. وزعم أيضاً أنه سنة مباركة. وزعم أيضاً أن الاجتماع لعمل المولد أمر مشروع في الإسلام وقاسه على أعمال الحج.\rوإذا كان الأمر قد وصل بالمفتونين بالاحتفال بالمولد إلى اتخاذه عبادة وجعله من شعائر الإسلام ومن السنن والأعمال المطلوبة شرعاً, فما بال الكاتب يتعامى عن ذلك ويستعمل التمويه في كلامه ويقول: إن أكثرية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يقيمون الاحتفال بالمولد لا كعبادة ولا على أنه عمل ديني. أما علم أن العبادة تطلق على كل من الواجبات والمسنونات والمستحبات, فإن كل مع شيخ الإسلام ابن تيمية في كل ما قاله وأنه الحق الذي يدين به فلينكر على صاحب «الذخائر» ما زعمه من سنية الاحتفال بالمولد وأنه مطلوب شرعاً, ولينكر على الكويتي المقلد لصاحب «الذخائر» ما زعمه من سنية الاحتفال بالمولد وقوله إنه سنة مباركة وأنه أمر مشروع في الإسلام, ولينكر على كل من سار على هذه الطريقة السيئة. وإن لم يفعل فليكف أذاه عن خطيب المسجد الحرام وغيره من علماء أهل السنة. ولا ينس قول الله تعالى: ﴿كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾.\rالوجه السادس أن يقال: إن النهي عن الاحتفال ببدعة المولد والتحذير مما يكون فيه من منكرات الأقوال والأفعال ليس من السب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765169,"book_id":5316,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":225,"body":"المحرم كما قد توهم ذلك الكاتب المفتون, وذلك لأن الخطيب في المسجد الحرام وغيره من خطباء أهل السنة لم يذكروا أناساً بأعيانهم وإنما كان كلامهم مجملاً وموجهاً إلى كل من خالف السنة وارتكب ما نهى الله ورسوله ﷺ عنه من البدع والمنكرات الأقوال والأعمال, وقد كان رسول الله ﷺ يقول في خطبه: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا. أو يفعلون كذا وكذا». ولو كان هذا من السب المحرم والأذية للمؤمنين في عقائدهم وأسماعهم لكان رسول الله ﷺ أبعد الناس عنه, وللخطيب في المسجد الحرام وغيره من خطباء أهل السنة أسوة حسنة في رسول الله ﷺ.\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل: إن الإسلام دين اليسر والرفق, وتعاليمه في ذلك واضحة وصريحة ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» «يسروا ولا تعسروا» ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ وإساءة بعض المسلمين في استعمال اليسر والرفق والسماحة لا ينبغي أن يقابل بالتشديد والتعسير والقسوة على جميع المسلمين والتضييق عليهم وتحويل حياتهم إلى جحيم. ولا يسع أن يكون ذلك حجة يمحى بها كلمات اليسر والرفق من قاموس الإسلام بحجة سد الذرائع.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن إيراد الكاتب للآيتين والحديثين ظاهر في أنه أراد بذلك في الاستدلال على أنه ينبغي التسامح في الاحتفال بالمولد النبوي وأن ذلك من التيسير ورفع الحرج المذكورين في الآيتين والحديث وأنه أيضاً من الرفق والسماحة, وأن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765170,"book_id":5316,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":226,"body":"النهي عنه من التعسير والحرج والتشديد والقسوة على جميع المسلمين والتضييق عليهم وتحويل حياتهم إلى جحيم. وهذا الاستدلال خطأ ظاهر وهو من القول على الله وعلى رسوله ﷺ بغير علم وذلك من أعظم المحرمات.\rيوضح ذلك الوجه الثاني وهو أن المراد باليسر ورفع الحرج استعمال الرخص التي رخص فيها الشارع عند الحاجة, قال ابن كثير في الكلام على قول الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً. فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعاً وفي السفر تقصر إلى اثنتين وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة كما ورد به الحديث. وتصلى رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها, والقيام فيها يسقط لعذر المرض فيصليها المريض جالساً فإن لم يستطع فعلى جنبه. إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات انتهى. وقال البغوي معناه أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجاً بعضها بالتوبة وبعضها برد المظالم والقصاص وبعضها بأنواع الكفارات فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلاً إلى الخلاص من العقاب فيه. وقيل من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا التبس ذلك عليكم وسع الله عليكم حتى تتيقنوا. وقال مقاتل: يعني الرخص عند الضرورات كقصر الصلاة في السفر والتيمم عند فقد الماء وأكل الميتة عند الضرورة والإفطار بالسفر والمرض والصلاة قاعداً عند العجز عن القيام, وهو قول الكلبي, وروي عن ابن عباس أنه قال الحرج ما كان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765171,"book_id":5316,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":227,"body":"على بني إسرائيل من الأعمال التي كانت عليهم وضعها الله عن هذه الأمة انتهى.\rوقال القرطبي في تفسيره: اختلف العلماء في الحرج الذي رفعه الله تعالى فقال عكرمة: هو ما أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع وما ملكت يمينك. وقيل المراد قصر الصلاة والإفطار للمسافر وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعديم الذي لا يجد ما ينفق في غزوه والغريم ومن له والدان, وحط الإصر الذي كان على بني إسرائيل. وروي عن ابن عباس والحسن البصري أنه هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم, وكذلك الفطر والأضحى. وقد روى الأئمة أنه ﵇ سُئل يوم النحر عن أشياء فما يُسئل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها: «افعل ولا حرج» انتهى.\rوأما قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ فالمراد به إباحة الفطر في المرض والسفر كما يدل على ذلك سياق الآية الكريمة. وقد روى ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس ﵄ ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ قال: «اليسر الإفطار في السفر والعسر الصيام في السفر» وروى أيضاً عن الضحاك بن مزاحم مثله. وروى أيضاً عن مجاهد قال هو الإفطار في السفر وجعل عدة من أيام أخر. وقال البغوي قوله تعالى: ﴿يريدُ الله بكم اليسر﴾ بإباحة الفطر في المرض والسفر.\rوأما قول النبي ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» فليس فيه ما يدل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي بوجه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765172,"book_id":5316,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":228,"body":"من الوجوه لأن رسول الله ﷺ لم يأمر به قط, وقد نهى عن محدثات الأمور على وجه العموم وأمر بردها على وجه العموم. والاحتفال بالمولد من المحدثات فيجب اجتنابه عملاً بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق على صحته: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم».\rقال النووي في شرح مسلم: قوله ﷺ: «فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» هذا من قواعد الإسلام المهمة ومن جوامع الكلم التي أعطيها ﷺ ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن وإذا وجب إزالة المنكرات أو فطرة جماعة ممن تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك وأمكنه البعض فعل الممكن وإذا وجد ما يستر بعض عورته أو حفظ بعض الفاتحة أتى بالممكن وأشباه هذا غير منحصرة وهي مشهورة في كتب الفقه, وهذا الحديث موافق لقول الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وأما قوله ﷺ: «وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» فهو على إطلاقه فإن وجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة أو شرب الخمر عند الإكراه أو التلفظ بكلمة الكفر إذا أكره ونحو ذلك فهذا ليس منهياً عنه في هذا الحال انتهى.\rوقال النووي أيضاً في «شرح الأربعين» قوله ﷺ: «وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» أي اجتنبوه جملة واحدة لا تفعلوه ولا شيئاً منه انتهى. وقال ابن رجب في كتابه المسمى «جامع العلوم والحكم» قوله ﷺ: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765173,"book_id":5316,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":229,"body":"أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» قال بعض العلماء هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه والأمر قيد بحسب الاستطاعة. وروي هذا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى انتهى.\rوأما قوله ﷺ: «يسروا ولا تعسروا» فالمراد به التيسير وعدم التعسير في الأمور الواجبة وهو مثل قوله ﷺ: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» قال الطبري فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في «كتاب الأدب» من «فتح الباري» المراد بالأمر بالتيسير فيما كان من النوافل مما كان شاقاً لئلا يفضي بصاحبه إلى الملل فيتركه أصلاً أو يعجب بعمله فيحبط وفيما رخص فيه من الفرائض كصلاة الفرض قاعداً للعاجز والفطر في الفرض لمن سافر فيشق عليه انتهى.\rوفيما ذكرته عن العلماء في بيان المراد من الآيتين والحديثين أبلغ رد على الكاتب الذي قد حمل كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ على غير المراد منهما وخالف أقوال المفسرين وغيرهم من أكابر العلماء في ذلك. فليتأمل الكاتب أقوالهم حق التأمل لعل الله ينور بصيرته ويوفقه لاتباع الحق واطراح الباطل, وليتأمل أيضاً قول النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله ﷺ: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» وليقابل الحديثين بالقبول والتسليم وليعلم أنه لا غضاضة عليه في الرجوع إلى الحق والاعتراف بالخطأ فقد اعترف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بخطئه على رءوس الأشهاد وقال وهو على المنبر «أصابت امرأة وأخطأ عمر» وذلك حين نهى الناس عن المغالاة في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765174,"book_id":5316,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":230,"body":"مهور النساء فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهم قنطاراً من ذهب﴾ وكذلك هي في قراءة عبد الله ابن مسعود فقال عمر: «إن امرأة خاصمت عمر فخصمته» رواه أبو يعلى وابن المنذر وغيرهما من طرق عن عمر ﵁. وقد عد العلماء رجوع عمر إلى الحق واعترافه بخطئه على رءوس الأشهاد من مناقبه. وللكاتب أسوة حسنة في أمير المؤمنين عمر ﵁.\rالوجه الثالث: قال القرطبي في تفسيره قال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع, وأما السلّابة والسراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين انتهى.\rقلت: ومن هذا الباب العمل ببدعة المولد وغيرها من محدثات الأمور لأن رسول الله ﷺ حذر منها ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار وأمر بردها. وما كان بهذه المثابة ففي العمل به حرج شديد لما يترتب على ذلك من مخالفة أمر رسول الله ﷺ وارتكاب نهيه.\rالوجه الرابع أن يقال: إن التسامح إنما يكون في الأمور الدنيوية وما لا يخل بالدين, فأما الشرك والبدع والمعاصي فلا يجوز التسامح فيها, بل يجب إنكار ما ظهر منها وتغييره بحسب القدرة لقول النبي ﷺ: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, وروى مسلم أيضاً عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765175,"book_id":5316,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":231,"body":"بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» وفي هذين الحديثين أبلغ رد على من حاول التيسير ورفع الحرج عن الذين يعملون بدعة المولد ولم يبال بتحذير النبي ﷺ من البدع وأمره بردها ولا بقوله ﷺ: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه».\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل: وإذا كان في برامج الاحتفال بالمولد النبوي مخالفات أو منكرات فلماذا لا نحاول تنقية الاحتفالات من هذه المخالفات ونضع برامج جديدة سليمة لأمثال هذه الاحتفالات ونقيم نموذجاً ندعو الناس إليه ويحقق لهم ما يصبون إليه من لحظات روحية لا يمارس فيها إلا كلّ مشروع مباح من الذكر والدعاء واستذكار لأخلاق الرسول وأعماله وآدابه وسيرته. لماذا لا يشارك التلفزيون بتقديم هذه الحفلات النموذجية ليتخذها الناس قدوة ويتعلمون منها ويقيمون مثلها أو يكتفون بالجلوس إلى التلفزيون فليس كل الناس يريدون المسلسلات والمسرحيات, وليكن التلفزيون مشتركاً بين من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة محدثة في الإسلام بعد القرون الثلاثة المفضلة. والبدع كلها من المنكرات ولو لم يقترن بها شيء آخر من منكرات الأقوال أو الأفعال, وقد صرح كثير من أكابر العلماء بأن عمل المولد بدعة, وقد ذكرت أقوالهم في كتابي المسمى بـ «الرد القوي» فلتراجع هناك, وقال رشيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765176,"book_id":5316,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":232,"body":"رضا: هذه الموالد بدعة بلا نزاع. وقال ابن الحاج إنه بدعة وإن خلا من المفاسد.\rقلت وكثير من المفتونين ببدعة المولد يعترفون بأنها بدعة ولكنهم يقولون إنها بدعة حسنة, وليس على استحسانهم لها دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من عمل الصحابة ﵃, وإنما استحسنوها متابعة لأهوائهم وما وجدو عليه آباءهم وشيوخهم ومن يعظمونهم من أهل بلادهم وغير بلادهم.\rومن زعم أن الاحتفال بالمولد النبوي إذا كان خالياً من المفاسد ومنكرات الأقوال والأفعال فليس ببدعة فلا يخلو من أحد أمرين, إما كثافة الجهل بما تدل عليه عمومات الأحاديث التي سيأتي ذكرها, وإما المكابرة والاستهانة بقول النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله ﷺ في خطبته يوم الجمعة: «إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وليست المخالفة لأقوال الرسول ﷺ وقلة المبالاة بها من الأمور اليسيرة وإنما هي من الأمور الخطيرة لأن الله تعالى قد حذر من مخالفة أمر الرسول ﷺ وتوعد على ذلك بالوعيد الشديد ونفى الإيمان عن فاعله فقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765177,"book_id":5316,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":233,"body":"فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾.\rالوجه الثاني أن يقال: إن الكاتب المفتون بالبدع لم يقتصر على تحسين بدعة المولد النبوي. بل ذهبت به الجراءة السيئة إلى التخطيط لإعلان هذه البدعة ووضع البرامج الجديدة لها ولأمثالها من الاحتفالات المبتدعة وإقامة نموذج منها يدعو الناس إليه ويزين لهم ما توهّم أنه من اللحظات الروحية وهو في الحقيقة مخالف لهدي رسول الله ﷺ وسنته وما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان, ويدعو أيضاً إلى مشاركة التلفزيون بتقديم الحفلات المبتدعة, وهذا في الحقيقة من الدعاء إلى الضلالة وإلى إحياء البدع التي قد أزيلت على يد الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى منذ أن استولى على البلاد التي تقام فيها بدعة المولد وغيرها من البدع, وسوف لا يتم للكاتب تخطيطه السيء ومحاولته لإظهار البدع في البلاد العربية إن شاء الله تعالى لأن ولاة الأمور في الجزيرة العربية ليسوا من أهل البدع ولا ممن يؤيد البدع وأهلها, وإنما هم من أهل السنة, وأهل السنة لا يستجيزون العمل بالبدع والأعمال التي لم يكن عليها الأمر في عهد رسول الله ﷺ وعهد أصحابه ﵃.\rالوجه الثالث أن يقال: إن الدعاء إلى إحياء البدع وإظهارها بين المسلمين صريح في المشاقة للرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين لأن رسول الله ﷺ قد حذر من البدع غاية التحذير ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار وأمر بردها على وجه العموم ولم يستثن شيئاً منها وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765178,"book_id":5316,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":234,"body":"الوجه الرابع أن يقال: إن كلام الكاتب في تحسين بدعة المولد والتخطيط لإعلانها ووضع البرامج الجديدة لها ولأمثالها من الاحتفالات المبتدعة ودعوة الناس إلى ذلك ظاهر في عدم اكتراثه بما يترتب على ذلك من حمل أوزاره كاملة ومن أوزار الذين يضلون بسببه قال الله تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون﴾. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال النووي سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه.\rالوجه الخامس: أن يقال من كان يصبو إلى استذكار أخلاق الرسول وأعماله وآدابه وسيرته فليضع له حلقة في المسجد لدرس ذلك على الدوام أو في كثير من الأيام ولا يجعل ذلك خاصاً بليلة المولد لأن ذلك لم يشرع فيها. فتخصيصها بذلك من البدع.\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل: لقد جربنا المنع والحرب لهذه الحفلات أكثر من نصف قرن فلم نفلح, فلنجرب التصحيح والتنظيم والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة فذلك في نظرنا أجدى وأنجح.\rوالجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن رسول الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765179,"book_id":5316,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":235,"body":"- ﷺ قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي مسعود البدري ﵁. والمعنى على أحد الأقوال أن من لا يمنعه الحياء يقول ويفعل ما يشاء ولا يبالي. وهكذا كانت حال الكاتب المفتون بالبدع حيث ألقى عنه جلباب الحياء وطالب بإعادة الحفلات المبتدعة التي قد منع منها الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى من حين استولى على البلاد التي كانت تفعل فيها. وإنما منع منها الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى عملاً بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من البدع والأمر بردها. فجزى الله الملك عبد العزيز خير الجزاء على هذا العمل الطيب وعلى غيره من أفعاله الحسنة التي من أهمها نصر السنة وأهلها وقمع البدع وأهلها, والله المسئول أن يوفق ولاة الأمر من أبنائه للأخذ على أيدي المسيئين الذين يريدون إظهار البدع في البلاد المقدسة بعد المنع منها وتطهير البلاد من أدناسها.\rالوجه الثاني: أن يقال: إن السعي لإحياء البدع وإظهارها بعد المنع منها يُعَدّ من السعي في الأرض بالفساد وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ قال القرطبي في تفسير هذه الآية إنه سبحانه نهى عن كل فساد قَلَّ أو كثر بعد إصلاح قَلَّ أو كثر فهو على العموم على الصحيح انتهى. وقال البغوي لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله. وهذا معنى قول الحسن والسدي والضحاك والكلبي. وذكر ابن الجوزي في تفسير الآية أقوالاً أحدها لا تفسدوا بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765180,"book_id":5316,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":236,"body":"الوجه الثالث: أن يقال: إن التخطيط لإعلان بدعة المولد ووضع البرامج الجديدة لها ولأمثالها من الاحتفالات المبتدعة ليس فيه تصحيح ولا تنظيم يعود بالخير والفلاح والنجاح كما قد توهم ذلك الكاتب المفتون بالبدع. وإنما هو من التخطيط والتلبيس على العوام وأشباههم من ضعفاء البصيرة, وهو أيضاً من الأعمال التي تعود بالمضرة على الدين وأهله كما جاء بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن غضيف بن الحارث الثمالي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة» وهذا يدل على شؤم البدع وعظم مضرتها على الدين وأهله وذلك لما يقع بسببها من رفع السنن عن المسلمين. وروى أبو الفرج ابن الجوزي بإسناده إلى سفيان الثوري أنه قال: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها» وما كان بهذه المثابة فلا شك أنه من الشر ومن أسباب الخسران المبين. ويدل على ذلك قول النبي ﷺ في خطبته يوم الجمعة: «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وما كان متصفاً بهذه الصفات الذميمة التي نص عليها رسول الله ﷺ فلا يقول عاقل إنه أجدى للفلاح والنجاح وأنه طريق إلى الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وإنما يقوله من زُين له سوء عمله فرآه حسناً.\rالوجه الرابع: أن يقال: إن الفلاح والنجاح إنما يحصل لمن كان متبعاً للرسول ﷺ ومتمسكاً بسنته وتاركاً لما حذر منه من البدع والضلالات وما نهى عنه من المعاصي والمخالفات. وقد وعد الله تعالى على متابعة الرسول ﷺ كل خير وتوعد من شاقه وخالف أمره بالوعيد الشديد فقال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ وقال تعالى: ﴿وأطيعوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765181,"book_id":5316,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":237,"body":"الرسول لعلكم ترحمون﴾ وقال تعالى: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ وقال تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ وقال تعالى: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ وقال تعالى متوعداً لمن شاق الرسول ﷺ وخالف أمره: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ وقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ فلا يأمن الكاتب أن يكون له نصيب وافر مما جاء في هاتين الآيتين لأنه قد تعرض لذلك بأفعاله السيئة حيث أنه قد جدّ واجتهد في تحسين بدعة المولد والدعاء إليها والجدال عنها بالباطل. ولم يقتصر على هذه الأفعال السيئة بل جاوزها إلى التخطيط لإظهارها وإظهار غيرها من الاحتفالات المبتدعة ورأى في نظره أن ذلك أجدى له وأنجح من محاربتها والمنع منها, ولا يخفى ما في أقواله وتخطيطاته السيئة من صريح المعارضة لأقوال رسول الله ﷺ التي حذر فيها من البدع ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار وأمر بردها بدون استثناء شيء منها, فليتق الله صاحب المقال الباطل ولا يكن عوناً للشيطان على الدعاء إلى البدع وتحسينها للجهال ومن لا بصيرة لهم في الدين ولا ينس قول الله تعالى: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾.\rفصل\rوقال صاحب المقال الباطل: وأخيراً فإن الإسلام أو أدب الإسلام وخلق الإسلام وكل تعاليم الإسلام تفرض علينا فرضاً ألا نرسل الخطباء والوعاظ والدعاة بغير زاد من توجيهات الإسلام وآدابه,","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765182,"book_id":5316,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":238,"body":"ومن يفعل ذلك سيسأله الله عن أمة محمد كيف يوسد أمراً من أمورها إلى غيره أهله.\rوالجواب أن يقال: إن صاحب المقال الباطل لم يقتصر على تحسين بدعة المولد والدعاء إليها وإلى غيرها من الاحتفالات المبتدعة والمطالبة بإعادتها بعد المنع منها وتطهير البلاد المقدسة من أدناسها. بل إنه ذهب يعرّض بالخطباء في المسجد الحرام والوعاظ والدعاة فيه بأنهم قد أُرسلوا بغير زاد من توجيهات الإسلام وآدابه. ويعرّض أيضاً بولاة الأمر بأنهم قد وَسَّدوا الأمر في الخطابة والوعظ والدعوة إلى غير أهله, ويفهم من فحوى كلامه في هذه الجملة الأخيرة أنه قد أراد بها الاعتراض على الملك حفظه الله تعالى بأنه قد ولّى الخطابة في المسجد الحرام لمن لا يرضى بهم الكاتب ولا يصلحون في نظره للخطابة لأنهم ينكرون الاحتفال بالمولد النبوي وينكرون إقامة الولائم في المآتم وينكرون جميع الاحتفالات المبتدعة التي قد فُتن بها الكاتب وأشباهه من ذوي القلوب المريضة بحب البدع, وهذا هو السبب الذي من أجله شن الكاتب الحملة على الخطباء في المسجد الحرام وبذل جهده في معارضتهم وتأنيبهم على الصدع بالحق وترك المداهنة له ولأشباهه من أهل البدع.\rوقد وصف خطبهم ومواعظهم بالبرودة والأوصاف التي هي أليق به وبكلامه, فهل يظن الكاتب أنه أعلى نظراً من الملك الذي اختارهم للخطابة في المسجد الحرام بعدما تحقق صلاحيتهم لهذا المنصب الهام الذي لا يتولاه إلا ذوو التحصيل من العلم وتوجيهات الإسلام وآدابه, وقد شهد لهم أهل العدل والإنصاف من أهل العلم بالتفوق في الخطابة والوعظ والدعوة إلى الله تعالى وبذل النصيحة للمسلمين وأمرهم بالمعروف ونهيم عن المنكر وتحذيرهم من المحدثات التي قد حذر منها رسول الله - صلى الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4765183,"book_id":5316,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":239,"body":"عليه وسلم - ووصفها بالشر والضلالة وأمر بردها, فجزى الله الملك على اختياره لهؤلاء الخطباء الناصحين خير الجزاء ووفقه للأخذ على أيدي المسيئين إليهم.\rوقبل الختام ندعو للكاتب ولمن كان على شاكلته أن يلهمهم الله رشدهم ويردهم إلى الحق والصواب. ونسأله تعالى أن يعيذنا جميعاً من اتباع خطوات الشيطان وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ولا يجعله ملتبساً علينا فنضل, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\r٥/ ٦/ ١٤٠٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}