{"page_id":1595763,"book_id":1590,"shamela_page_id":1,"part":"1","page_num":1,"sequence_num":1,"body":"شرح صحيح البخاري [١]\rإن لطلب العلم أهمية عظيمة، فبالعلم نعبد الله ﷿ على بصيرة، ونقوم بتبليغ دينه للناس، وتبصيرهم بأوامر الله تعالى وضرورة الإتيان بها، وتعريفهم بالمناهي الشرعية وضرورة اجتنابها، ويختص العلم الشرعي بأهمية عظمى ألا وهي الذود عن الكتاب والسنة، ورد أهل الأهواء والبدع ودحر باطلهم، وكشف عوارهم، وفضحهم على رءوس الأشهاد؛ ليقفوا عند حدهم، ويعرفوا قدرهم، ولقد ظهر في عصرنا من يطعن في السنة النبوية الصحيحة، وما ذلك إلا لأننا لم نعد نهتم بطلب العلم الشرعي، فبدون العلماء لن نستطيع أن نرد على هؤلاء الأفاكين، حيث إنهم يلبسون على الناس ويأتون بشبه قد تنطلي على كثير ممن ينتسب إلى الصحوة فضلاً عن العامة الذين لا يعلمون من الدين إلا قليلاً، فكان لابد من وجود العلماء الربانيين من أجل حماية هذا الدين، وإظهاره للناس نقياً كما أوصله إلينا سلفنا الصالح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595764,"book_id":1590,"shamela_page_id":2,"part":"1","page_num":2,"sequence_num":2,"body":"أهمية طلب العلم\rإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rاللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.\rفهذا هو المجلس الأول بحمد الله تعالى في شرح كتاب العلم من صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى.\rوقبل أن نبدأ في شرح الكتاب هناك مقدمة ضرورية، وهي: لماذا نتعلم العلم؟ ولماذا نهتم بكتب الحديث؟ هناك في هذا العصر ردة عن السنة والأصالة، وهي متمثلة في جيش من العلمانيين، الذين أقطع وأقسم غير حانث -إن شاء الله- أنه لو بُعث رسول الله ﷺ الآن لقاتلوه، مثلما قاتلت قريش رسول الله ﷺ، ولما سلموا بالوحي الذي جاء به.\rهؤلاء دخلوا مع المسلمين في معركة كمثل الجيش الذي إذا أراد أن يزحف على موقع أطلق قنابل الدخان؛ حتى يعكر الجو، ثم يزحف من تحت هذا الدخان إلى المواقع التي يريد غزوها.\rهذا الجيش من العلمانيين أطلق سحب الدخان على السنة، وأتى بكل نقيصة أجاب عنها العلماء إجابات وافية، وأطلقوها شبهات على أقوام لا يعرفون شيئاً عن السنة، فانطلت كثير من هذه الشبهات على كثير من المسلمين بكل أسف! بل وعلى الذين ينتسبون إلى هذه الصحوة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595765,"book_id":1590,"shamela_page_id":3,"part":"1","page_num":3,"sequence_num":3,"body":"تلبيسات أهل الأهواء والبدع وردود العلماء عليهم\rأذكر عندما كانت صحيفة النور تُصدر مقالات لغلام بيطري جاهل، فقد كان يكتبها تحت عنوان: \"تذكير الأصحاب بتحريم النقاب\" ونحن نعلم أن أكثر الناس مغرم بالعناوين، يحفظون العناونين وينسون المضامين، لذلك كان هذا الكاتب المخذول ناجحاً باختيار العنوان لما يريد هو، لمّا قال: \"تذكير الأصحاب بتحريم النقاب\" الناس نسوا ما قاله هذا الكاتب المغبون وحفظوا العنوان، والإنسان كلما عنون بعنوان يدل على المضمون كان موفقاً، وإلا فالعناوين المبهمة لا تؤدي الغرض.\rفمثلاً السيوطي ﵀ له كتاب اسمه: \" إسدال الكساء على النساء \" فلو سألتك دون أن تطلع على الكتاب: ما هو موضوع الكتاب؟ ستقول لي: حجاب المرأة المسلمة والجلباب أليس كذلك؟ لكن السيوطي يتكلم عن قضية مختلفة تماماً وهي: هل النساء يرين الله ﷿ في الجنة كالرجال أم لا؟ مثلاً: من العلماء المعاصرين الشيخ الجزائري عندما كتب: \" إلى التصوف يا عباد الله \" كان هدفه أن يشتري المتصوفون هذا الكتاب، بحيث يظن الصوفي أن كتاب: إلى التصوف يا عباد الله دعوة إلى التصوف؛ فيأخذ الكتاب ويفاجأ بأنه يهدم التصوف.\rفنحن نقول: هذه الطريقة في العنونة غير دقيقة وغير صحيحة لماذا؟ لأن المتصوف الغالي في التصوف إذا أخذ الكتاب وقرأ فيه خلاف ما يعتقد رماه، وبالمقابل سيرغب عن هذا الكتاب كثير من الذين ينبغي أن يتحصنوا ضد التصوف، فلا تزال العناوين أنساب الكتب.\rفلما عنون هذا الكاتب لمقالاته التي نشرها فيما بعد بهذا العنوان: \"تذكير الأصحاب بتحريم النقاب\" رد عليه كثير من المشايخ، وأتوا على بنيانه من القواعد، فعندها تألم الرجل وانزعج؛ لأن الذين ردوا عليه أو هاجموه لم يقرءوا الكتاب، وقال: ينبغي أن تقرءوا الكتاب ثم تردوا علي.\rنحن نقول: من وضع الحكم في العنوان، لا يقرأ كتابه؛ لأنه طالما وضع حكم المسألة في العنوان، حيث قال: بتحريم النقاب، انتهى، ومثال ذلك: لو أنك رأيت غلافاً عند قاعة الكتب مكتوباً عليه: \"غاية المنى في تحريم الزواج واستحباب الزنا\" -مثلاً- بهذا العنوان، هل أنت محتاج لأن تقرأ صفحات هذا الكتاب؟ لا.\rلأن من المعلوم استحباب الزواج وتحريم الزنا لا العكس، إذاً: فلا حاجة إلى قراءة مثل هذا الكتاب.\rفي إبان نشر هذه المقالات السابقة التي بعنوان: تحريم النقاب.\rتكلم الكاتب عن مفهوم المخالفة في مقالاته، وتبين لنا أن الرجل جاهل -فعلاً- بالأصول، مع كثرة استخدامه لكلمة الأصول، ففي كل سطرين يقول لك: كما هو مقرر في الأصول، وهذا القناع ليتقي به ضربات الناس، ويموه على الجهلة في أنه ينطلق من أصول ثابتة.\rإن العلماء عندما تكلموا في مسألة النقاب احتجوا بقوله ﷺ: (لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين) ومعروف أن الحكم إذا قيد كان الحكم للقيد، ومثل قوله: قال ﷺ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح) فتقييد الولد بالصلاح يثبت الوصف للصلاح وينتفي عما عداه.\rفهذا يعني أن الولد الفاسد لا ينفع والده، طالما قيد الحكم بوصف: (ولد صالح) ولو قال: (ولد) وسكت، ولم يقيده بوصف لدخل فيه كل ولد، سواء كان صالحاً أو فاسقاً أو فاسداً.\rإلخ، لكنه طالما قيد الوصف بالصلاح فثبت الحكم لهذا القيد وانتفى عما عداه.\rفإذا قال النبي ﵊: (لا تنتقب المرأة المحرمة) فالنهي إنما هو وصف للمحرمة، وينتفي عما عداه، مثل المرأة الحلال التي لم تحرم، فهذا يسميه العلماء أخذ الحكم من مفهوم المخالفة.\rفأنت تعلم أن الكلام له ظاهر وباطن، فظاهر الكلام: هو الذي يوضع الكلام من أجله، ولك أن تسميه (منطوقاً) ، وباطن الكلام: هو عكس الظاهر.\rفمثلاً: قال الله ﷿: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] فإن جاءك عدل بنبأ فليس عليك أن تتبين، إذاً: مفهوم الكلام أن الفاسق نتبين من خبره، وعكس الكلام -بطنه- إن العدل لا نتبين منه، بل نأخذ منه الكلام بدون تبين.\rفالرجل قال: إنكم تحتجون بمفهوم المخالفة كما في قوله ﷺ: (لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين) وقلتم: المرأة غير المحرمة تنتقب وتلبس الفقازين.\rإذاً سأورد عليكم إشكالات، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] فيمكن أكله ضعفاً واحداً في مفهوم المخالفة؟ أليس كذلك؟ وقال أيضاً: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] إذاً: يجوز أن يكون هناك رفث وفسوق وجدال في غير الحج.\rأراد أن يبين أن مفهوم المخالفة لا يحتج به، ونحن لا ننسى أن مفهوم المخالفة ليس متفقاً على حجيته، لكن الراجح أنه يحتج به.\rوجاء صاحبي إلي -وهو من أهل التحري- عندما قرأ المقالة التي كان فيها مفهوم المخالفة لذلك الكاتب، جاء وقال لي: الرجل اليوم كتب مقالة قوية جداً، وأتى بأدلة قوية على أن مفهوم المخالفة لا يعمل به.\rوالأدلة القوية هي كالتالي: قوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] .\rوأيضاً قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] .\rوأيضاً قوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] فقيل: إن لم يردن تحصناً فلهم أن يكرهوهن على البغاء؟! فهذا هو بطن الكلام.\rالمشكلة أن ينطلي هذا الكلام على شاب من شباب الصحوة، مع أن الكاتب فاسق بميزان العلماء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595766,"book_id":1590,"shamela_page_id":4,"part":"1","page_num":4,"sequence_num":4,"body":"معنى قاعدة: إذا خرج الكلام مخرج الغالب فلا مفهوم له\rإن العلماء يقولون: إذا خرج الكلام مخرج الغالب فلا مفهوم له.\rوهذه هي القاعدة التي جهلها هذا البيطري، وهذه القاعدة تعني: أن العرب كانوا يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة بالفعل، كان هذا واقعهم وغالب فعلهم، فنزل الكلام تنبيهاً على غالب الفعل.\rإذاً: مفهوم المخالفة غير مطلوب وليس محصوراً، فمفهوم المخالفة في هذه الحالة غير مقصود ألبتة، إنما خرج الكلام على غالب فعل الناس، فإذا كان الكلام قد خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، مثل هذه الآية: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] فلا يقولن قائل: إذاً الربا القليل يجوز والكثير المضاعف لا يجوز.\rنقول له: لا، العرب كانوا يأكلون الربا مضاعفاً، فقال لهم: لا تأكلوا الربا مضاعفاً، نزل الكلام على فعلهم، إذاً: مفهوم المخالفة هنا غير مقصود، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور:٣٣] كان هذا هو فعلهم وواقعهم بالفعل، فقال لهم: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] .\rومثله قوله ﷺ: (لا تصوم امرأة وزوجها شاهد بغير إذنه غير رمضان) فكلمة \"شاهد\" خرجت مخرج الغالب لماذا؟ لأن الزوج إنما يحتاج الزوجة وهو شاهد حاضر، لكن إذا كان الرجل مسافراً فلماذا يمنعها من الصيام؟ فلما كان غالب حاجة الرجل للمرأة إذا كان شاهداً حاضراً، قيل لها: لا تصومي ما دام زوجك شاهداً، فخرج القيد مخرج الغالب وإلا إذا سافر الرجل وقال لامرأته: لا تصومي وأنا غائب؛ فإنه لا يحل لها الصيام لو نص على ذلك.\rوقال ﵊ أيضاً: (إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح) وكلمة \"باتت\" تدل على الليل، وحتى تصبح يؤكد أن المسألة بالليل، لأن داعي هذا الفعل لا يكون إلا ليلاً عادةً، فجاء النص وجاء الكلام عليه، وإلا فإن المرأة إذا طلبها زوجها نهاراً فأبت وهجرت فراشه لعنتها الملائكة أيضاً، إنما نص ﵊ على الليل؛ لأن الداعي لهذا الفعل لا يكون إلا ليلاً.\rإذاً: هذا معنى أن الكلام يخرج مخرج الغالب، فإذا خرج الكلام مخرج الغالب فلا مفهوم له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595767,"book_id":1590,"shamela_page_id":5,"part":"1","page_num":5,"sequence_num":5,"body":"دور العلماء في الذود عن السنة\rفِلَم شباب الصحوة ومن كنا نظن أن فيه التحري ينساق وراء مثل هذه الشبهات التي تشبه الدخان في الهواء؟! هؤلاء العلمانيون يثيرون مثل هذه الشبهات على السنة سنداً ومتناً، ويتسترون بها من أجل هدم الدين.\rإذاً: نحن في أمس الحاجة إلى ثلة من العلماء، يذودون عن حياض السنة، وإنما كان الهجوم على السنة لأكثر من سبب: أولاً: لأن القرآن لا يستطيع أحدٌ أن يطعن في لفظه، ولا يدعي فيه نقصاناً أبداً، والقرآن له جلالة ومكانة عظيمة عند الناس، فأي واحد يقترب من القرآن يدفعونه بشدة.\rثانياً: لأن القرآن نقل بالتواتر، بل بأعلى درجات التواتر العام، نقله الجيل عن الجيل عن الجيل، والسنة أكثر أحاديثها آحاد يرويها الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة ممن لم يبلغوا حد التواتر.\rثم وضع الكذابون من الأحاديث ما لا يعلمه إلا الله، فشككوا الناس في السنة، وما أدراك قد يكون هذا مما وضعه الكذابون وأنت لا تدري؟ فاختلط الغث بالسمين، وأكثر الناس لا يعلمون جهود المحدثين في هذا الباب، فينطلي عليهم مثل هذا القول.\rثم يحتجون بأن الناس غير معصومين في النقل، فيمكن أن يخطئوا، ويأتي بأحاديث في البخاري ومسلم فعلاً أخطأ الرواة فيها، فيقول لك: مثلما أخطئوا هنا فلم لا يخطئون في هذه اللفظة؟ مع أنها تخالف المعقول والمنقول، والمتواتر، والقواعد العامة.\rوأكثر الناس لا علم له بهذا الواقع؛ فتنطلي عليه مثل هذه الشبهات.\rاعلم أن السنة واسعة جداً، لأنها هي الأدلة التفصيلية، وهي البيان لكتاب الله ﷿، فإن لم يكن هناك جيش يدفع عن حديث النبي ﵊ فلن يبقي في أيدي الناس شيء من السنة.\rإن العلماء هم بمثابة الجهاز المناعي لهذه الأمة، فأخطر مرض معلن حتى الآن هو مرض (الإيدز) ، ومرض (الإيدز) يصيب الجهاز المناعي، الذي معناه: أن أي مرض مهما كان دقيقاً وتافهاً يمكن أن يقتل الإنسان إذا أصيب الجهاز المناعي لديه.\rفالعلماء هم الجهاز المناعي لهذه الأمة، وبقاء هذه الأمة حية حتى الآن مع ضعفها وكثرة أعدائها معجزة، وهذا دليل على أن الله ﷿ هو الذي يكلؤها بحفظه ورعايته، لكن لابد أن نقوم بما أوجب الله علينا من حفظ الدين، ولا يكون ذلك إلا بتعلم العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595768,"book_id":1590,"shamela_page_id":6,"part":"1","page_num":6,"sequence_num":6,"body":"كتب البيطري المبتدع واغترار الجهلة به والرد عليه\rإن هذا الغلام البيطري له كتب -وكل كتبه عليها علامات الخذلان- فأول كتاب له: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب) ، وثاني كتاب: (شرح الصدر بنفي عذاب القبر) ، انظر إلى الاسم، جعله مثل: غاية المنى في تحريم الزواج واستحباب الزنا، فسماه: (شرح الصدر بنفي عذاب القبر) .\rوثالثة الأثافي: كتاب: \"تبصير الأمة بحقيقة السنة\"، ذهب فيه إلى أن السنة لا تثبت إلا من حيث الجملة، يعني: أن هناك شيئاً اسمه السنة فقط، واتهم أبا هريرة ﵁ بالكذب مثل أسلافه من الروافض، مثل: محمود أبو رية وغيره، ثم لما جاء الدور على البخاري شيخ المحدثين، قال: إن البخاري لم يكن يدري شيئاً في الحديث فهذا افتراء واضح!! فأنت لو قلت مثلاً: سيبويه لا يعرف أن الفاعل مرفوع لحصبوك الناس بالحجارة، وهو -أي: سيبويه - مؤسس العلم هذا، كذلك الإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث! وأستاذ الدنيا، تقول: لا يعرف شيئاً، البخاري الذي إذا ذكر الحديث ذكر البخاري، كما يقول ابن طاعن -عندما يذكر عنده البخاري -: كذا الكبش البطاح.\rالكبش البطاح هو الذي إذا خبط واحداً في رأسه قد يميته، بمعنى أنه لا يثبت له أحد في باب المناظرة، مثل الكبش لا يُغلب.\rفهذا الجاهل ساء فهمه لأحاديث في البخاري؛ لأنه لم يطالع أقوال العلماء، ولا جثا بركبتيه بين يدي العلماء، فلو أنه رجع إلى العلماء فإنهم قد قرروا معانيها، ولكنه بسبب بعده عن العلماء أتى بالغرائب والعجائب الدالة على جهله.\rفهو من أجل أن تمر مثل هذه السموم على الجهال قام في آخر صفحة من كتابه وكتب (النياشين) التي له، وأتى بصورته على الجلدة من الخلف ثم قام بكتب الشهادات التي حصل عليها، قائلاً: أولاً: تخرج معيداً في كلية الطب البيطري.\rثانياً: حضَّر (الماجستير) .\rثالثاً: أخذ (الدكتوراه) ومعلوم أن أي شخص يبدأ في الجامعة لابد أن يمر بهذه المراحل، هو قام بتعديد شهاداته؛ لأن أكثر الناس يغتر بمثل هذه (النياشين) حتى ولو كانت في غير تخصصه.\rإذاً: المفروض أن هذا الرجل لا ينفع إلا للزريبة، فمن الذي أدخله في وسط العلم الشرعي؟ لماذا ترك الزريبة ودخل في وسط العلم الشرعي لماذا؟! عندما يقال: إنه كان معيداً في الطب البيطري، وماجستير في الطب البيطري،.\rدكتوراه في الطب البيطري، فهو إلى الآن في الطب البيطري، فلماذا يخوض في مسائل العلم الشرعي بدون تأهيل مع أن تخصصه في الطب البيطري؟! ثم بعد ذلك يقول: عُين بقرار وزاري عضواً في اللجنة الثلاثية للسموم، وجعل هذا القرار بين قوسين، ولا أدري ما هي العلاقة بينه وبين العلم الشرعي؟ وكذلك الذي حصل على الماجستير في الفلسفة، ما هي علاقته بالعلم الشرعي؟ نحن كنا ننتظر أن يقول: عندي (ماجستير) في الشريعة، و (دكتوراه) في الشريعة، و (دبلوم) في الشريعة، الشيء الوحيد الذي أخذه حسب قوله هو دبلوم في القراءات لكن أكثر الناس بسبب جهلهم بالعلوم الشرعية يغتر بكثرة (النياشين) ويغتر بصاحبها، وأذكر لكم قصة صاحب القط الذي وجده، فمر به فرأه شخص فقال له: ما هذا السنور؟ والثاني قال له: ما هذا الهر؟ والثالث قال له: ما هذا القط؟ والخامس.\r؟ فقال: كل هذه الأسماء لهذا القط، إذاً: ثمنه سيكون باهضاً، فدخل السوق وعرضه للبيع، فأصاب درهماً واحداً فرماه ضجراً، وقال: قاتلك الله ما أكثر أسماءك وأقل غَنَاءَك! فهذا الشخص أيضاً كذلك، ما أكثر نياشينه وما أجهله في هذا العلم! لكن كما قلت: أكثر الناس أسير العناوين، فقد تمر على لافتة فيها: دكتور زميل الجراحين في بريطانيا، والنمسا وو.\rو.\r، خمسة أو ستة أسطر، يقول الناس: إذاً عنده خبرة، وفي الحقيقية لا يوجد معه إلا دبلوم.\rعندما تقرأ مثل هذا كله وتقرأ اعتراضات هؤلاء على بعض الأحاديث تنشد قول الشاعر: أمور يضحك السفهاء منها ويبكي من عواقبها اللبيب الإنسان المسلم الغيور يبكي غربة العلم والعلماء، لو كانت هناك لجنة لكبار العلماء ما ظهر أمثال هؤلاء أبداً، فهذه جمعية الرفق بالحيوان لها صلاحيات أكبر من مجلس كبار العلماء، وهذه حقيقة!!.\rفهذا الدكتور أحمد شفيق -جراح الجهاز الهضمي، وهو في مجال الطب أحد المهرة المعروفين- لما قال: إنه اخترع دواء للروماتيز، وعالج بعض المرضى، لكن دون أن يمرر الدواء على لجنات وهيئات عالمية، لم تمنعه شهرته الطبية، ولا مكانه العلمي، ولا كثرة أبحاثه، من أن يوقفوه عن العمل، وأوقفوه عن ممارسة العمليات، وأغلقوا له العيادة، وقدم للمحاكمة لماذا؟ قالوا: إن أرواح الناس ليست لعبة، كيف يخترع دواء ويعالج به المرضى من غير أن يأخذ تصريحاً عالمياً به، إذاً هذا تعريض لأرواح الناس للخطر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595769,"book_id":1590,"shamela_page_id":7,"part":"1","page_num":7,"sequence_num":7,"body":"اعتراض البيطري المبتدع على البخاري والرد عليه\rإن هذا الرجل يكذب ويقول: إن البخاري لا يدري شيئاً عن الحديث، ويطعن في الأحاديث الصحيحة، ألا يعد تعريضاً للدين للخطر؟ يقول: هذا الأفاك: إن المأساة العظمى في أمتنا أنهم يأخذون الدين تبعاً لشهرة الرجال، ولتذهب المبادئ العقلية إلى الجحيم هل هذا كلام؟! نقول له: إذاً: ما هذه المبادئ العقلية التي عندك؟ قال: إن في البخاري ومسلم أكثر من أربعين حديثاً مكذوباً عن النبي ﷺ.\rإذاً ما هي الأحاديث المكذوبة؟ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم -قال- إلا بحقها) قال: هذا الحديث مخالف للقرآن.\rإذاً أين المخالفة؟ قال: قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فلماذا يقاتل الناس طالما لا إكراه في الدين؟ وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] إذاً ربنا قال: فمن شاء، فترك هنا حرية الاختيار للنفس، فلماذا يقاتلهم؟ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩] قال لك: أفأنت تكره، فكيف يحل القتال؟ إن مثل هذا الكلام يمكن أن ينطلي على كثير من الناس وقد لا يجد جواباً أبداً، ويقف محتاراً، لكن من كان عنده أثارة من عِلمٍ عَلِمَ تهافت مثل هذا الاعتراض، وأنه لا يرقى إلى باب الدليل، وإنما هي شبهة تزال بالبيان وليست دليلاً.\rفالناس ثلاثة: مشرك صرف، أو مسلم، ومنافق.\rالناس المقصودون في الحديث إما الثلاثة وإما واحد من الثلاثة فقوله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) انتهى، فإذا أسلم الرجل هل يبقى مندرجاً تحت هذا الحديث؟ لا.\rفإذا نافق وقال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وكان يبطن الكفر، هل يبقى مندرجاً تحت هذا الحديث؟ لا.\rإذاً من الذي يبقي؟ إنهم المشركون، إذاً الناس في هذا الحديث هم المشركون، وتظل لفظة الناس هنا لفظة عامة، أريد بها الخصوص، لفظ عام مخصوص، كما قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] الناس في هذه الآية كل الناس أم المسلمون فقط؟ مع أن لفظة \"الناس\" لفظ عام ومحلى بالألف واللام فيفيد العموم، ومع ذلك فالكل يعلم أن المقصود في هذه الأية هم المسلمون دون غيرهم؛ لقوله ﷺ: (ألا لا يحج البيت بعد العام مشرك) إذاً يمكن أن يكون اللفظ لفظاً عاماً ويكون معناه خاصاً، ويمكن أن يكون لفظاً عاماً ومعناه عاماً، كقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] فجميعاً من صيغ العموم، وهنا أيضاً لفظة \"الناس\" محلاة بالألف واللام وهي من صيغ العموم، فهي عامة في السياق، فتفيد استغراق البشرية كلها.\rإذاً: إذا قسمنا الناس إلى هذه الأقسام الثلاثة، وعرفنا أن القتال غير متوجه لمن آمن، وأيضاً غير متوجه لمن نافق، إذاً يبقى هذا الخطاب موجهاً إلى المشركين، وقد جاءت رواية النسائي قال: قال ﷺ: (أمرت أن أقاتل المشركين) هل هناك إشكال في هذا الحديث؟ فهذا مسلك أهل العلم في الجمع بين النصوص، وقد نص أهل العلم على ذلك، وهو كلام موجود في الكتب، لكن هذا الشخص مغبون، إذ حاد عن كلام العلماء، وعارض السنة بكتاب الله ﷿، والإمام أحمد يقول: (إن من علامات الزيغ أن تعارض السنة بظاهر القرآن) ، هذه من علامات الزيغ، مثل الجماعة الذين ردوا حديث: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) بقوله ﵎: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] .\rفقالوا: إذا بكى أهل ميت على ميتهم.\rفلماذا الميت يعذب ببكاء أهله عليه؟ والبخاري ﵀ قد بين ولفت النظر إلى أنه لا تعارض بين الآية والحديث، فقال: (باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه -ووضع قيداً- إذا كان ذلك من سنته) .\rإذاً زال التعارض، هذا غير الآية التي قال الله فيها: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٣] يعني: سيتحمل ذنوبه وذنوب غيره أيضاً لماذا ذنبه؟ لأنه أذنب، ولماذا ذنب غيره؟ لأنه أضله، فهذا مناسب.\rإذاً: قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] لا تعارض بينها وبين قول النبي ﵊: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) لأن البخاري قال: (إذا كان ذلك من سنته) يعني: وصى بذلك، كأن يقول: إذا أنا مت فالطموا الخدود وشقوا الثياب، من أجل أن يعلم الناس أني غال عندكم، ولي مكانة لديكم.\rإذاً: في هذه الحالة يعذب؛ لأنه وصى بذلك.\rإما إذا قال لهم: لا تفعلوا، وأنا بريء مما تفعلون، وقد تبرأ من فعلهم وهو حي، فهذا مهما فعلوا من معصية فإنه لا يعذب بها؛ لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، فهذا كلام مستقيم وكلام جميل، وهكذا تلتحم الآيات مع الأحاديث، لأن السنة جاءت بياناً للقرآن، ولا تعارض بينهما، والمبين لا يعارض المجمل، إنما جاء المبين ليبين إبهام المجمل.\rفلمّا يثيرون النقع والغبار، ويظهرون تعارضاً ما بين السنة والقرآن، وبعد تكون النتيجة الآتية، وهي قول القائل: القرآن قطعي، والسنة ظنية، فإذا تعارض القطعي مع الظني يقدم القطعي.\rوحديث آخر يقصد به التجني على البخاري وأنه لا يفقه، كما في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (قال سليمان ﵇: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، كلهن يلدن فارساً يقاتل في سبيل الله.\rفقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فنسي؛ فلم تلد منهن إلا واحدة، ولدت نصف إنسان.\rقال ﵊: والذي نفسي بيده، لو استثنى -أي: لو قال: إن شاء الله- لولدت كل امرأة فارساً يقاتل في سبيل الله، ولكان دركاً لحاجته) .\rهل يوجد فيه إشكال؟ هل أحد منكم أحس أن فيه إشكال؟ هذا المغبون أخرج منه عدة إشكالات: الإشكال الأول: قال: كيف يجوز لنبي من أنبياء الله أن يشترط على الله؟ أين الاشتراط؟ قال: اشتراطه بأن تلد النساء ذكوراً لا إناثاً؛ وأن يكونوا: مائة فارس يقاتلون في سبيل الله، وما أدراه فقد يلدن إناثاً، والإناث لا تقاتل.\rإذاً: هذا اشتراط على الله ولا يمكن أن يشترط نبي على الله.\rالإشكال الثاني: -يقول هذا المغبون- هل يعقل أن هناك نبياً من الأنبياء يأتي ويقول أمام الناس: أنا سأفعل الليلة هذه كذا وكذا وكذا، والكلام هذا ينافي الحياء، ولا يمكن أن تقوله الأنبياء؛ لأنهم الذين علمونا الحياء.\rإذاً: الحديث الذي رواه البخاري هذا مكذوب.\rويقول هذا المغبون: هناك نقطة مهمة جداً وهي: كيف يستطيع أن يأتي مائة امرأة في ليلة واحدة؟ وهل عنده طاقة لأن يأتي عليهن كلهن؟! انظروا إلى هذا العنين، يستكثر هذا الشيء، على نبي مؤيد من الله، ونبينا محمد ﵊ كما قال أنس ﵁: (أوتي قوة أربعين رجلاً) وعندما يكون النبي مؤيداً من قبل الله فما المشكلة في هذا؟ وبعد ذلك يقول: إن يوماً واحداً لا يكفي لهذا العمل، فانظر يا أخي إلى هذا المغبون فإنه يضطرنا أحياناً أن نتكلم كلاماً صريحاً للرد على مثل هذه الفرية النكراء.\rإذاً لا بد أن يكون رأس مال العالم كبيراً سواءً كان في الفقه أو الحديث أو التفسير أو اللغة وغيرها من العلوم.\rليستطيع أن يجمع الأدلة من هنا وهنا ليرد بها على المبتدعة.\rفهذا ابن القيم ﵀ يقول: في سورة يوسف ألف فائدة.\rوعندما قام بالرد على الجهميين، قال: أما شبهتهم الأولى فالرد عليها من مائة وخمسين وجهاً، وبدأ يسردها وجهاً وجهاً إلى آخرها -الجهمية عندهم شبه كثيرة- فيا ترى على أي وجه من هذه الوجوه سترد إذا لم ينفع الوجه الأول فالثاني أو الثالث أو الخامس، فهذا عالم رأس ماله كبير، فتراه عالماً بالشعر والحديث وكلام الفقهاء.\r، ومثل هذا العالم مثل صاحب رأس مال كبير، لو أحب أن يعمل مصانع، وأن يفتح معارض ويأتي ببضاعة تغطي السوق، أما صاحب رأس المال الضعيف فلا يستطيع؛ لأن رأس ماله ضعيف.\rوكذلك العالم أو طالب العالم، عندما يكون الواحد رأس ماله ضعيفاً تجد حججه متهاوية وغير مقنعة، ولكن انظر إلى شيخ الإسلام كيف أنه ألف الكتب في الشريعة، ورد بها على المبتدعة وناظر هذا، وأفحم هذا، بينما الذي رأس ماله من العلم قليل، تراه يجلس على مكتبه لم يعمل شيئاً، تمر عليه السنوات ولا يستطيع أن يحرر مسألةً شرعية هل ينفع هذا؟ نقول: أين كوادرنا المتميزة؟ لو بحثنا عن الكوادر المتميزة في القاهرة الكبرى لما وجدنا فيها عشرة، وأقصد بالكادر المتميز أن يقف أمام المخالفين ولا يستطيع أحد منهم أن يكسره.\rوالسؤال لماذا نطلب العلم؟ نطلب العلم لأننا في معركة الذود عن السنة والدفاع عنها، عندما يأتي شخص ويقول لك: إن صحيح البخاري فيه حديث موضوع هل تستطيع أن ترد عليه؟ لا تستطيع، فكل الذي تقدر أن تقوله: إن العلماء أجمعوا على صحة صحيح البخاري، لا تعرف أن ترد إلا هكذا، وأن البخاري قال: إنه انتقى أصح الصحيح ووضعه في كتابه.\rهو هذا فقط الذي تستطيع أن تفعله، ولو كان ماكراً فإنه سيقول لك: يا سيدي! إن الدارقطني تعقب البخاري وعارضه في أحاديث، وأبا حاتم الرازي أيضاً عارض البخاري في أحاديث كذا وكذا وكذا، بل ابن حجر العسقلاني الذي هو شارح لصحيح البخاري -ولا يوجد أحد شرح البخاري مثله- انتقد فيه بعض الأحاديث وأنه وقع ف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595770,"book_id":1590,"shamela_page_id":8,"part":"1","page_num":8,"sequence_num":8,"body":"موقف الغزالي المعاصر من أهل الحديث والرد عليه\rعلماء الحديث لهم منة في أعناق المسلمين، لكن بكل أسف فقد ظهر في زمننا من يغمط حق أهل الحديث.\rويتهمهم بالغباوة، وأنهم لا يفقهون شيئاً في الحديث إلا نقل الأسانيد فقط، حتى قال صاحب كتاب: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، قال: إن المحدثين والفقهاء مثل البنَّاء والمناول.\rالذي يقوم بإيصال اللبن أو الطوب إلى البناء.\rيقول: المحدث هو العامل الذي يناول اللبن أو الطوب للفقهاء، والفقهاء هم الذين يبنون، هكذا يقول.\rهل هذا قدر المحدثين؟ وهل هذا جهد المحدثين؟ هذه المجالس عقدناها لنبين أن أفضل الفقهاء هم المحدثون، وسنبين ذلك بالبرهان لا بالدعوى، وأن أهل الحديث شامة لا يستطيع الفقيه أن ينتفع بالسنة إلا من طريقهم؛ لأن العلماء اتفقوا أنه لا يؤخذ حكم شرعي من حديث ضعيف.\rحسن الفقيه الصرف الذي ليس له علاقة بالتصحيح والتضعيف، فالمحدث يؤخذ علمه في الحديث، والفقيه يؤخذ علمه في الفقه، والمفسر يؤخذ علمه في التفسير، واللغوي والرجل النحوي يؤخذ علمه في النحو، إذاً الفقيه قبل أن يأخذ الحكم الشرعي من الدليل يسأل المحدث، أَثَبَتَ هذا الحديث فنأخذ الحكم منه أم لا؟ إذا قال المحدث: نعم إن الحديث صحيح، هنا يبدأ الفقيه بالاستدلال بالحديث، واستنباط الأحكام منه.\rإذاً: دور المحدثين أسبق من دور الفقهاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595771,"book_id":1590,"shamela_page_id":9,"part":"1","page_num":9,"sequence_num":9,"body":"البخاري وكتابه الصحيح ومكانتهما\rأنت في البيت عندك صحيح البخاري مطبوع في مجلد، هل تعلم كم ظل سنوات يؤلف البخاري ﵀ هذا الكتاب؟ لقد بقي سبع عشرة سنة، هذا الإمام الذي كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث يمر فيها كالسهم كما يقرأ أحدنا: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص:١] ، ثلاثمائة ألف حديث لا يختلط عليه فيها إسناد في إسناد ولا رجل مكان رجل، ولا متن مكان متن أبداً، يذكرون في ترجمته أن أبا زرعة الرازي، وأبا حاتم الرازي كانا يجلسان بين يديه كما يجلس الصبي بين يدي شيخه، والبخاري يمر في العلل مرور السهم.\rفهذا الإمام الذي كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث يصنف كتابه في قرابة عشرين عاماً، أما في وقتنا الحاضر ففي كل ثلاث أو أربع ليال يخرج لأحدنا كتاب، وتراه يطبع جزءاً وراء جزءٍ وراء جزءٍ، ورحم الله الشيخ المطيري كان يقول: عندهم إسهاب في التأليف، لقد ظهر التحقيق من ثلاثين سنة، قلما تعرف اسم محقق جليل، كان المحققون قلة، أمثال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، والشيخ أحمد شاكر، والشيخ محمود شاكر، والشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وعبد السلام هارون، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي الجداوي، ومحمد إبراهيم زايد، كانوا مجموعة يقومون بتحقيق الكتب، فقلما كنت تجد اسماً جديداً لماذا؟ لأنه لم يكن في ذلك الوقت شهادات علمية، كما هو الآن، فقد ملأت الشهادات الدنيا، وأصبح الوصول إلى الفائدة قريب المنال، لكن في عصرنا هذا كل سنة ويظهر أبو عبد الله الأثري، أبو عبد الرحمن الأثري، حتى إن الشيخ الألباني قال في الأثري: إنه موضة العصر، تجد عشرات المحققين الذين أنت لا تعرف في أي مجال هم، ولا تعرف قدرهم من العلم، ولا تعرف هل زكاهم العلماء أم لا، يلعبون بالتراث، ويسرقون جهود الناس، وأي رجل -يعني مثلاً- درس كتب الشيخ الألباني يعلم أن أكثر هؤلاء المحققين يسرقون تخاريج الألباني، وتجده يقوم بتغيير بعض تخريج الألباني قليلاً، إذا كان الألباني يأتي بالتخريج في صفحة فهذا يختصره في نصف صفحة، ويقدم قولاً ويؤخر قولاً، أو يغير في الطبعة وهكذا، مثل أن يقوم الألباني يجعل البيهقي بعد أحمد أو أحمد بعد البيهقي يأتي هذا المحقق ويقدم ويرتب من أجل أن لا ينكشف أمره، لكن أهل الصنعة يعلمون أن هذا مسروق.\rلقد ظهر كثير جداً من هؤلاء الناس الذين يسرقون الكتب، والعلماء المتقدمون لم يكونوا ليفعلوا ذلك.\rمرَّ محمد بن أبي حاتم الوراق مع شخص من أهل العراق، وأنت تعرف أن أهل العراق كانوا ينتقصون الأفاضل، فسمع رجلاً يقول: إن البخاري لا يحسن أن يصلي؛ فتوجع من هذه الكلمة فنقلها إلى البخاري، قال له: سمعت رجلاً بالعراق يقول: إن البخاري لا يحسن يصلي؟ فقال البخاري: لو شئت لسردت لك عشرة آلاف حديث في الصلاة قبل أن أقوم من مجلسي هذا.\rإذاً: الذي يحفظ عشرة آلاف حديث في الصلاة لا يحسن الصلاة كيف هذا؟! فالإمام البخاري صنف كتابه على أوسع القواعد العلمية المعروفة عند أهل الحديث، فنحن إذا علمنا كيف صنف البخاري ﵀ كتابه، ثم كيف وضع أهل الحديث الموازين لنقد الرواية، وقبول الأخبار؛ لعلمنا عظمة المحدثين، ومدى قدر جميلهم على هذه الأمة، فأهل الحديث هم الذين تركوا أولادهم، وتركوا ديارهم، وتركوا ملذاتهم وشهواتهم من أجل تصحيح لفظة واحدة، فكيف بحفظ السنة كلها؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595772,"book_id":1590,"shamela_page_id":10,"part":"1","page_num":10,"sequence_num":10,"body":"صور من تثبت أهل الحديث عند سماع الأحاديث والحكم عليها\r.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595773,"book_id":1590,"shamela_page_id":11,"part":"1","page_num":11,"sequence_num":11,"body":"قصة شعبة بن الحجاج في التثبت\rهنا قصة ذكرها ابن حبان في مقدمة كتاب: المجروحين من طريق أبي الحارث الوراق، يقول وهو متروك؛ لكن القصة وردت من طريق الطيالسي -أي: أبو داود الطيالسي، عن شعبة، ونبه عليها أبو الحجاج المزي في كتاب: تحفة الأشراف القصة الثالثة، يقول أبو الحارث الوراق: جلسنا بباب شعبة نتذاكر السنة، فقلت: حدثنا إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر الجهني، أن النبي ﷺ قال: (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ فتحت له أبوب الجنة الثمانية) أبو الحارث أكمل الحديث من هنا وشعبة لم يكن قد خرج من باب الدار، فسمعه وهو يقول هذا الحديث، فلطمه شعبة ودخل الدار.\rوكان مع شعبة عبد الله بن إدريس، فخرج شعبة وأبو الحارث يبكي، فقال عبد الله بن إدريس لـ شعبة: إنك قسوت على الرجل؛ قال: إنه مجنون، إنه لا يدري ما يحدث، أنا سألت أبا إسحاق عن هذا الحديث، وسرد شعبة قصته مع هذا الحديث، كان شعبة حافظاً لأحاديث كثيرة جداً، لقد بذل شعبة جهوداً عظيمة من أجل تصحيح كثير من الأحاديث من ضمنها القصة التي حكيتها هذه، قال شعبة: أنا سألت أبا إسحاق السبيعي عن هذا الحديث، قلت له: سمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء؟ لماذا شعبة سأل أبا إسحاق؟ لأن أبا إسحاق كان يدلس تدليس الإسناد.\rوأنا أبين لك خطورة المسألة، ولقد طاف شعبة الدنيا وراء هذا الحديث؛ خشية أن يكون أبا إسحاق دلسه، ما معنى دلسه؟ تعريف الدلس في اللغة هو: اختلاط النور بالظلام، فتدليس الإسناد عرفه العلماء بقولهم: هو أن يروي الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه كيف ذلك؟ مثلاً: أنا محدث من المحدثين في زمن الإمام أحمد وأنتم تلامذة، فأقول: حدثني وكيع، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن علقمة -مثلاً- أو عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، أو أنا مثلاً من طبقة الإمام أحمد، قلت: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس، إسناد صغير لكي يسهل الفهم، سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس، إسناد ذهبي، أنا الآن سأكون سفيان، فأنت عندما تروي هذا الحديث عني ستقول: حدثنا سفيان -هذا واحد- قال: عن الزهري -هذا الثاني عن أنس هذا الثالث- إذاً أنت بينك وبين الرسول كم؟ ثلاثة، أنت تلميذي، وأخذت مني، وثبت لقاؤك لي، وبعد ذلك حصل لك ظرف فغبت عن المجلس في هذا اليوم، وأنا حدثت في المجلس الذي غبت عنه عشرة أو خمسة عشر حديثاً، وأنا لا أكرر الأحاديث التي أقولها، فأنت عندما ما ترجع من السفر سألت زملاءك: ماذا أخذتم؟ فقالوا لك: والله نحن أخذنا عشرة أو خمسة عشر حديثاً.\rإذاً: أنت عندما تريد أن تروي تلك الأحاديث هل ترويها عني أم عن زملائك؟ عن زملائك؛ لأنك لم تحضر، فلو قمت ورويتها عني ولم تسمعها مني بهذا الفعل صرت مدلساً، فإن قلت: حدثني فقد كذبت، وإن قلت: عن فقد دلست.\rإذاً: لكي تروي هذه الأحاديث لابد أن تقول: حدثنا فلان عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أنس، إذاً: كم بينك وبين الرسول ﷺ كم؟ أنت الآن نزلت درجة، كان بينك وبين الرسول ﵊ ثلاثة، الآن أصبح بينك وبينه أربعة، والعلو في الإسناد هو أن تقلل الوسائط بينك وبين النبي ﷺ، وكان علو الإسناد هو الدافع لبعض المحدثين على تدليس الإسناد؛ لأنه صعب عليه بعد ما بينه وبين النبي ﷺ، فيلجأ إلى التدليس وهو أن يسقط صاحبه ويرويه عن شيخه الذي لم يسمع منه تلك الأحاديث.\rإذاً: نرجع لتعريف التدليس، قال لك: هو أن يروي الراوي -الذي هو صاحبنا - عن شيخه الذي سمع منه وثبت لقاؤه به، وهو من تلاميذه ما لم يسمعه منه؛ لأنه كان غائباً، فهذا اسمه: تدليس الإسناد، وهذا أكثر أنواع التدليس دوراناً في الأسانيد.\rاعلم أن أصل كلمة: (عن) فيها شوب اتصال، يعني لها وجهان، وجه يفيد الانقطاع، ووجه آخر يفيد الاتصال، لكن لو قلت: حدثني ابن تيمية هل ينفع؟ لا.\rولا يلتبس على أحد أن هذا الكلام كذب؟ لأن ابن تيمية مات سنة (٧٢٨هـ) ونحن الآن في القرن الخامس عشر، لكن لو قلت: عن ابن تيمية أنه قال: لا يقدر أحد يدافعني، أو يرد عليَّ، لماذا؟ لأني ذكرته عنه ولم أروه، وقد أقول لك: أنا لم أسمعه منه ولم أحدث به على أني سمعته منه وإنما ذكرته عنه بلفظة (عن) .\rإذاً: لفظة (عن) واسعة، فالمدلس يدخل بلفظة (عن) على المحدثين، لا تستطيع أن تقول له: أنت كذاب.\rفسيقول لك: أنا لم أقل: (حدثني) ، ولهذا الذي يدلس لا يقول: (حدثني) أبداً، ولو قالها كذبوه، ويقولون إنه كذاب، ويسقطونه مباشرة، لكن نقول: عنه: روى الحديث فلان وهو مدلس وقد عنعنه.\rلفظة (عنعنه) أي: رواه بلفظة (عن) .\rالمهم أن أبا إسحاق السبيعي كان ممن يدلس تدليس الإسناد، وشعبة بن الحجاج كان يكره التدليس جداً، وكان يقول: (التدليس أخو الكذب) وكان يقول: (لأن أشرب من بول حمار حتى أروي ظمئي أحب إلي من أن أدلس) وكان يقول: (لئن أزني أحب إلي من أن أدلس) قول شعبة هذا يقصد به التنفير عن التدليس، والتشنيع على من يفعله، كقول الله ﵎: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] هذه الآية ليس فيها حرية الكفر، وكقول النبي ﷺ: (أشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور) يعني: لو ذهب هذا وأشهد الصديق هل ينفع أن يشهد؟ لا ينفع.\rوكقول إبراهيم النخعي للذي جاء يسأله عن العقيقة؟ قال: عق ولو بعصفور.\rمع أن العلماء اتفقوا أن العقيقة لا تحل لا بالعصفور ولا بالبط ولا بالوز، وإنما تكون من الأزواج الثمانية، من كل ما يخرج من الأنعام.\rالمهم أن شعبة كان شديد النكير على المدلسين، فـ أبو إسحاق كان مدلساً، فكان شعبة لا يمكن أن يقبل من أبي إسحاق أي حديث إلا بعد أن يسأله، أنت سمعت هذا من شيخك؟ شعبة بعد أن سمع هذا الحديث من أبي إسحاق قال له: أسمعته من عبد الله بن عطاء؟ فغضب أبو إسحاق وأبى أن يجيب؛ إذاً: فقد دلس أبو إسحاق، فكان في مجلس أبي إسحاق السبيعي مسعر بن كدام، ومسعر بن كدام أحد الأئمة الثقات الكبار الحفاظ، كان أبو حاتم الرازي يقول: مسعر المصحف.\rماذا يعني المصحف؟ يعني: أنه لا يوجد عنده خطأ في الحديث من قوة حفظه وإتقانه، كالمصحف لا يوجد زيادة ولا نقصان، كذا قال: مسعر كالمصحف.\rفـ مسعر بن كدام لما رأى أبا إسحاق فد غضب بسبب إصرار شعبة على أنه سمع أو لم يسمع، قال مسعر: يا شعبة! إن عبد الله بن عطاء حي بمكة، فاذهب إليه، وشعبة كان في البصرة، ومعلوم أنه سيركب الجمال أو الحمير، وكأنه يقول له: إذا كنت تريد أن تتأكد، فاذهب إلى مكة واسأل عبد الله بن عطاء عن هذا الحديث.\rقال شعبة: فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث.\rالمهم أنه خرج من البصرة وذهب إلى مكة فلقي عبد الله بن عطاء، وكان رجلاً شاباً، قال له: حديث الوضوء.\rهل سمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا.\r-إذاً أبو إسحاق السبيعي دلس في الإسناد-.\rقال له: لا.\rإنما حدثنيه سعد بن إبراهيم، وسعد بن إبراهيم هذا مدني، من أهل المدينة، قال شعبة: فلقيت مالكاً في الحج فقلت له: أحج سعد بن إبراهيم؟ قال: لم يحج العام.\rقال: فقضيت نسكي وتحللت، وانحدرت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم، قلت له: حديث الوضوء أسمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا.\rولكن حدثني به زياد بن مهران، من عندكم خرج -من البصرة -.\rفخرجت وذهبت إلى زياد وأنا كثير الشعر وسخ الثياب، فقلت: حديث الوضوء، أسمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا.\rوقال لـ شعبة: ليس من حاجتك.\rقال: لا بد.\rمعنى ذلك أنه لن ينفعك، أنت صاحب البضاعة الجيدة والأسانيد المتينة، فهذا لن ينفعك، قال: لا بد، قال: لا أحدثك حتى تذهب إلى الحمام فتغتسل وتغسل ثيابك وتأتيني.\rقال: فدخلت الحمام واغتسلت، وغسلت ثيابي وأتيت، فقلت له: حديث الوضوء، أسمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا.\rوإنما حدثني به شهر بن حوشب، فقال له: شهر عن من؟ قال: عن أبي ريحانة، عن عقبة بن عامر.\rإذاً كم صاروا؟ أربعة، عرفت التدليس ماذا يعمل؟ وشعبة ط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595774,"book_id":1590,"shamela_page_id":12,"part":"1","page_num":12,"sequence_num":12,"body":"تحمل الصعاب من أجل تحصيل العلم\rيقول ابن أبي حاتم الرازي: دخلنا مصر فظللنا سبعة أشهر ما ذقنا فيها مرقاً -يعني لم يأكلوا لحماً سبعة أشهر- نهارنا نطوف على الشيوخ، وليلنا ننسخ فنصحح.\rيقول: في يوم من الأيام ذهبنا إلى درس شيخ فقالوا لنا: مريض؛ قلنا: فرصة نأكل، قال: فاشترينا سمكةً عظيمة كبيرة، وكان موعد درس الشيخ الذي بعده قد دخل، فتركوا السمكة في البيت وذهبوا ليحضروا درس الشيخ، ومرت ثلاثة أيام لم يستطيعوا أن يطبخوا السمكة هذه، وذلك بسبب أنهم لم يجدوا وقتاً لطباختها، لاشتغالهم بالدروس والنسخ والتصحيح، قال أبو حاتم: حتى خشينا أن تفسد فأكلناها نيئة، ولقد كانت رحلاتهم طويلة.\rأبو حاتم الرازي يقول: إنه دخل من الري إلى نيسابور، إلى خراسان، إلى القدس، إلى الشام، إلى مصر، وقال: إنه عد كم مشى على رجله إلى سبعة آلاف فرسخ، قال: ثم تركت العد.\rابن معين جعل نفسه حارساً على حديث الرسول ﵊، أوقف حياته لهذه المهمة العظيمة، وهي حماية حديث النبي ﷺ.\rفلو أن شخصاً حضر مجلساً للأعمش فنام قليلاً والشيخ قد حدث بحديث أو اثنين أو ثلاثة، ثم قام من نومه فسمعها من زملائه فجعل يحدث بها عن الأعمش، فهذا تدليس الإسناد، إذاً يحيى بن معين يأتي إلى أحاديث ذلك الرجل الذي نام عن بعضها ويقول: إنه لم يسمعها من الأعمش وإنما سمعها ممن سمع الأعمش، وقام بروايتها عن الأعمش إذا: هو مدلس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595775,"book_id":1590,"shamela_page_id":13,"part":"1","page_num":13,"sequence_num":13,"body":"تعظيم علماء السلف بعضهم لبعض\rكان الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين رفيقين في الطلب، أحبة في الله، وكان أحمد يعظم يحيى بن معين، وكان يحيى بن معين يعظم أحمد، فيا ليت طلبة العلم يعظم بعضهم بعضاً، ويحب بعضهم بعضاً، فلم يكن أحمد بن حنبل ينادي أبداً يحيى بن معين باسمه أبداً على الإطلاق، ولا يحيى ينادي أحمد بن حنبل باسمه أبداً، إنما كان يناديه بالكنية، مرة عرض على الإمام أحمد إسناد فيه رجل، لم يكن الإمام عارفاً للرجل، هل هو كذاب، أو ثقة، أو مغفل؟! فقال: ليت أن أبا زكريا كان موجوداً.\rفقال له شخص: وماذا تفعل به؟ قال: ويحك، إنه يحسن هذا الشأن.\rالإمام أحمد يشهد لـ يحيى بن معين بمعرفة الرجال، مع أن الإمام أحمد إمام كبير مقدم في معرفة الرجال، وفي الحكم على الرواة، ولكنه لم يهضم حق أبي زكريا يحيى بن معين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595776,"book_id":1590,"shamela_page_id":14,"part":"1","page_num":14,"sequence_num":14,"body":"جهود يحيى بن معين في تمييز حديث أبان عن ثابت\rمرة جاء الإمام أحمد ومر على يحيى بن معين فوجده يكتب أحاديث، وكان يحيى كلما اقترب منه شخص طوى الصحيفة، فلما جاء الإمام أحمد قال: ماذا تكتب يا أبا زكريا؟ قال: أكتب صحيفة أبان عن أنس.\rأبان بن أبي عياش هذا متروك الحديث، وكان شعبة من أشد المنكرين عليه، وكان يتكلم فيه كلاماً قوياً، فـ أبان بن أبي عياش لما تكلم فيه شعبة ترك الناس حديثة.\rفذهب أبان إلى حماد بن زيد، فقال له: أخبر شعبة أن يترك الكلام عليّ، فوجد حماد بن زيد وهو راجع من الصلاة فوجد شعبة راكباً البغلة فمسك بخطام البغلة، وقال: يا أبا بسطام.\r-هذه هي كنية شعبة: أبو بسطام، الضخم، الذي حدث عن الضخام.\rالذي قال فيه: حدثنا الضخم عن الضخام - شعبة الخير أبو بسطام - قال له: يا أبا بسطام! ألا تكف عن أبان؟ قال له: لا.\rثم إن حماد بن زيد أصر على شعبة بترك الكلام في أبان، فقال له شعبة: اتركني ثلاثة أيام أستخير الله فيه.\rوبعد ثلاثة أيام قابل حماد بن زيد فقال له: لا أستطيع السكوت عنه، إنه يكذب على رسول الله، ولم يسكت عنه ﵀.\rالمهم أن أبان بن أبي عياش هذا له صحيفة عن أنس كلها خاطئة، وكل الأحاديث التي فيها مضروب عليها، وقديماً كان النساخون يدخلون الحروف في بعضها، ولم يكن عندهم وقت لكي يفصلوا بين الكلمات، فهم يكتبون الكلام متشابكاً مع الذي قبله، ولا يعرف هذا إلاّ الذي عانى المخطوطات وعالجها، بالذات العلماء القدامى.\rفـ ثابت وأبان الإثنان عند كتابة القدامى يشبه بعضهم بعضاً فحصل الالتباس عند البعض، أما ثابت عن أنس - ثابت بن أسلم البناني - فإن ثابتاً من ألمع الرواة عن أنس، وهو ثقة ثبت حافظ جليل القدر، لازم أنساً أربعين سنة، فعندما يأتي حديث ثابت عن أنس فهو صحيح.\rأما حديث أبان عن أنس فقد مر أنه مضروب عليه، فجعل أبان مكان ثابت أدى إلى خلط واعتقاد أن أحاديث أبان صحيحة ولذلك قام ابن معين وحفظ صحيفة أبان كلها، فإذا جاء رجل فحرف أبان واستبدلها بـ ثابت، وحاول أن يمرر علينا الحديث، نقول له: كذبت، بل هذا عن أبان، عن أنس، وليس عن ثابت، عن أنس.\rوالعجب أنهم كانوا يحفظون حتى المتن؛ ليدافعوا عن حديث النبي ﵊، فلهم في ذلك أعاجيب! فقد أفنوا أعمارهم في وضع كتب وقواعد هذا العلم، فجزاهم الله عنا خير الجزاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595777,"book_id":1590,"shamela_page_id":15,"part":"1","page_num":15,"sequence_num":15,"body":"تجرؤ امرأة في عصرنا على السنة والرد عليها\rمن العجب أن امرأة ظهرت على شاشات التلفاز وقالت: إن العلماء الثقاة قالوا: إنه لم يصح عن النبي ﷺ إلا سبعة عشر حديثاً فقط.\rانظر إلى الكذب، وإلى هضم جهود علماء الحديث وإخراجهم لهذا الكم الهائل من الأحاديث الصحيحة.\rومع ذلك فهذه المرأة لم تحاكم، لقد بلغ الهوان بنا لدرجة أن امرأة تتكلم في علم الحديث، مع أن علم الحديث هو علم الذكران من العالمين، لا يوجد امرأة ناقدة، ولها معرفة بعلم الرجال والسند -يعني: تعرف الصحيح من الضعيف- فأكثر ما تحرزه المرأة أنها تحمل رواية كتاب، بمعنى أنها تروي الكتاب بسندها، لكن تتكلم في الأسانيد وتقول: هذا صحيح، وفلان ثقة، وفلان كذاب فهذا ليس من اختصاص المرأة.\rفهذا العلم -علم الأحاديث ونقد الأسانيد والتذوق والملكة وغيرها- إنما هو علم الذكران من العالمين.\rوإنه لمن الهوان أن تتكلم امرأة وتقول: إنه لم يصح عن النبي ﷺ إلا سبعة عشر حديثاً، وباقي الأحاديث لا ندري من أين جاءوا بها؟! إن هذه الدروس التي نلقيها عليكم القصد منها هو: بيان منهج المحدثين في قبول الأخبار وذلك عن طريق الإسناد.\rسنقرأ الإسناد -إسناد البخاري - قراءة صحيحة، ثم نذكر نصائح الإسناد، والصنعة الحديثية التي استخدمها البخاري في صحيحه، ونقف أيضاً على بعض النكات التربوية الموجودة في الإسناد.\rومن مميزات هذه الطريقة أنها تنمي ملكة الاستنباط عند طالب العلم، وهي أفضل من طريقة دراسة الفقه على طريقة الكتب الفقهية المعاصرة.\rومن مميزاتها كذلك: أن دراسة السنة تجعل انتماءك لصاحب الكلام قوياً، فعندما تدرس مختصر من المختصرات الفقهية يصير أصلاً عندك لا تستطيع أن تخالفه ولا تخالف أصوله، أما إذا درست كلام رسول الله مباشرة فيكون انتماؤك ودليلك ووجهتك حديث رسول الله ﷺ، وليس قول أحد من العلماء.\rبقيت نصيحة أخيرة أوجهها لطلبة العلم أقول فيها: أيها الطالب: كلما حركت ذهنك وأنفقت وقتك في فضول الكلام، وفضول العلم، ذهب عليك لب العلم، فلا تشتغل إلا بالعلم.\rلا تقل: الشيخ الفلاني يفهم، والشيخ العلاني لا يفهم، والشيخ الفلاني صفته كذا، فإذا نصبت نفسك حكماً بين المشايخ فلن تحصل علماً أبداً ولن تفلح، انشغل بالعلم، وبعد أن تصير لك ملكة، ويصير لك شأن، ويكبر معك الإنصاف تكلم إذا شئت.\rومن أعظم ما سنحصله من هذه الدروس في علم الحديث: أن نتخلق بخلق أهل الحديث في واقعنا، وأكبر فائدة نستفيدها من علم الحديث أن نكون دقيقين في النقل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595778,"book_id":1590,"shamela_page_id":16,"part":"2","page_num":1,"sequence_num":16,"body":"شرح صحيح البخاري [٢]\rبدأ الإمام البخاري كتاب العلم من الصحيح بباب فضل العلم، لكي يشوق الناس لطلب العلم، فهو شرف لصاحبه يرفعه في الدنيا، وإن حسن قصده فهو ممن يرقى في درجات الآخرة، وقد جاء في الحديث: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595779,"book_id":1590,"shamela_page_id":17,"part":"2","page_num":2,"sequence_num":17,"body":"العلم ومكانته في الإسلام\rإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثه بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.\rرتب الإمام البخاري ﵀ صحيحه ترتيباً يدل على عمق فقهه وعلمه، فافتتح كتابه الصحيح بكتاب بدء الوحي، وختم كتابه بكتاب التوحيد، فكأنه يريد أن يقول: من أراد أن يخرج من الدنيا على التوحيد فعليه بالوحي.\rوما بين بدء الوحي وكتاب التوحيد الإسلام كله، والوحي قرآن وسنة، وكانت السنة توحى إلى النبي ﷺ مثلما يوحى القرآن، لكن السنة من لفظ النبي ﷺ، وهو لا ينطق عن هوى نفسه ﵊، قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:٢٤] .\rفالخروج من الدنيا على التوحيد يكون بالوحيين، والفرق التي ضلت السبيل إلى الله، إنما سلكت سبيلاً آخر غير الوحي الذي هو السنة، وحتى الوحي الذي هو كتاب الله ﷿ ما استضاءوا فيه بقول الذين نزلَ القرآن وهم شهود، وهم الصحابة، وهم الصحابة، وفي الحديث أن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وهؤلاء ما اختلفوا في الأحكام الفرعية، كالوضوء، وعدد غسلات الأيدي، والمسح على الرأس، والبيوع والأنكحة، وإنما اختلفوا في الإيمان والتوحيد.\rفبدأ هؤلاء يضعون متاريس يتقون بها ضربات أهل السنة القائمة على ساق الحجة والمحجة، وبدءوا يؤصلون من عندهم أصولاً يردون بها الأحاديث، فيقولون مثلاً: إن خبر الواحد لا يعمل به في العقيدة، وهذا أصل فاسد، لكنهم أصلوه، لماذا؟ حتى يتقوا به الأحاديث التي هي حجة عليهم، فأهملوا شطر الوحي، فالسنة بيان للقرآن، ومعلوم أن المرء لا ينتفع بالقرآن إلا إذا أخذ بالسنة، فنفى هؤلاء السنة، وكان من جراء نفيها أنهم لم يوالوا أصحاب النبي ﵊.\rفالإمام البخاري بدأ صحيحه بكتاب بدء الوحي، وثنى بكتاب الإيمان، ليقول لك: إن الإيمان لا يصح إلا إذا كان مؤيداً بالوحي، فهل يعقل أن أصحاب النبي ﵊ الذين نقلوا تفاصيل هذا الدين عنه نقلاً لا يعلم لأصحاب نبي قط نقل عشر معشاره، حيث نقلوا هذا الدين بهذه الدقة، بتفاصيل دقيقة، بل نقلوا حتى اهتزاز لحيته ﵊ في الصلاة.\rفأهم المطالب كلها معرفة الله ﷿، فهل يتصور أن هؤلاء الصحابة ماتوا ولم يفهموا هذا الباب؟ إن المبتدعة جميعاً يقولون: نعم.\rماتوا ولم يعرفوا هذا الباب.\rولو جمعنا المسائل الفقهية التي اختلف الصحابة فيها لكانت بالألوف، وحسبك كتاب: الإجازة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، لـ بدر الدين الزركشي ﵀، وهذا الكتاب أورد فيه مصنفه ما استدركته عائشة، وتعقبته على الصحابة ﵃ -يعني الاعتراض منها على الصحابة- فجمع كتاباً.\rفلو أردت أن تجمع كتاباً لكل صحابي اعترض على الباقين لطال الأمر، ومع اختلافهم في المسائل الشرعية لا نعلمهم قط اختلفوا في مسائل الإيمان، إلا في مسائل يسيرة ومحكمة، وكان يراجع بعضهم بعضاً في النقل في المسائل الفقهية، لكن في المسائل الاعتقادية لا، وهذا من أكبر الأدلة على أنهم لم يختلفوا في مسائل الإيمان، أو في مسائل التوحيد.\rفالرسول ﵊ لما قال: (إن الأمة ستختلف على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا وحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي) .\rفترتيب الإمام البخاري لكتابه ترتيب يدل بعضه على بعض، الأول: بدء الوحي، حتى إذا أراد أحد أن يدخل الدين يدخله من بوابة الوحي؛ لأنك إذا اختلفت معي بعقلك واختلفت معك بعقلي، فلا بد أن يكون هناك عقل سابق يحكم بيننا، فإذا اختلفنا نحن الاثنان فلا بد أن يكون هناك حكم.\rفمن الذي يحكم بيننا؟ لابد أن يكون هناك عقل كبير؛ نرجع ونتفق عليه، ولا يكون ذلك إلا النبي ﵊، فرجعنا في الأخير إلى تحكيم النبي ﵊ بيننا، وكلامه موجود، فإذا اختلفنا في مسألة من مسائل الإيمان رجعنا إليه، ونظرنا إلى السنة العملية للصحابة، هل اختلفوا في هذا الباب أم لا؟ فإذا لم يختلفوا فلا يتأتى الخلاف، لا يحل لنا أن نختلف، أما إذا اختلفوا فيسعنا كما وسعهم.\rفإذاً أول باب ندخله هو باب بدء الوحي، ثم أهم المطالب جميعاً الإيمان، فلا يكون الإيمان إلا بالوحي، ثم ذكر ثالثاً: كتاب العلم؛ لأن كل الأحكام الشرعية التكليفية لا تكون إلا بعلم.\rوالإنسان يستغرب عندما يخرج ليشتري جهازاً كهربائياً، ويعطى رسالة لتشغيل الجهاز وهو (الكتلوج) ، واتفق الناس جميعاً على ضرورة الرجوع إلى مثل هذا الكتاب، لفهم هذه الآلة التافهة، فيستغرب المرء أن أقواماً لا يرجعون إلى الكتاب على الإطلاق، ولكن يدخل ليعبد الله ﷿ كيفما يريد، ولا ينظر إلى مثل هذا الكتاب، والله ﷿ يقول: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩] اسأل عن الرحمن من يعرفه، لا تسأل عنه الجهلة الذين لا يعرفونه، لكن اسأل عن الرحمن من يعرفه، وهذا فيه دلالة على ضرورة العلم والتعلم، وأن المسائل الاعتقادية كلها لابد أن تؤخذ من مشكاة النبوة، فلا تؤخذ من عقل، لأن الوحي هو الشاهد، ثم أتى ثالثاً بكتاب العلم بعد كتاب الإيمان وقبل كتاب الطهارة، وهذا يدل على أن كل تصرفاتك تفتقر إلى العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595780,"book_id":1590,"shamela_page_id":18,"part":"2","page_num":3,"sequence_num":18,"body":"التشويق إلى العلم بذكر فضائله\rبدأ الإمام البخاري الكتاب بداية معتادة، فبدأه بعقد باب لفضل العلم، وذلك فيه نوع من التشويق، فقبل أن تَأْمُرَ بالشيء اذكر فضله، وهذا من سداد الحكمة، فالنبي ﵊ لما رغب الصحابة في الجهاد بين لهم منزلة الشهيد، ومنزلة من يقتل في سبيل الله، فتحمسوا، لماذا؟ لأن الله ﷿ لما خلق الإنسان خلقه باحثاً عن الهدف، لا يعمل عملاً مجرداً من الهدف، وإنما يعمل العمل لشيء أو لهدف، وفي الحديث الصحيح: (أن رجلاً قال للنبي ﷺ -وكان النبي قد سأله، ماذا تقول عندما تسجد في صلاتك- فقال: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، لكني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، فقال: حولها ندندن) يعني كل هذا الكلام الذي تسمعه ولا تستطيع أن تفهمه، كله من أجل أن يدخلنا الله الجنة، ويعيذنا من النار، كل كلامنا منحصر في هذه الكلمة التي قلتها أنت: نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار.\rونصب الله الجنة والنار للناس، فنصب الجنة ترغيباً، لذلك أخطأ من يظن أن العمل لأجل الجنة فاسد، وهذا عند بعض غلاة الصوفية، ويذكرون العبارة المشهورة -التي تعرفونها جميعاً إن شاء الله- عن رابعة العدوية: اللهم إن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني من جنتك، وإن كنت أعبدك خوفاً من نارك فأحرقني بنارك، وإن كنت أعبدك طمعاً في وجهك فلا تحرمني من وجهك.\rهذا الكلام فيه مغالطة، لأنها لا يمكن أن ترى الله إلا في الجنة، فالله لا يرى إلا بعد دخول الجنة، فعندما أقول: اللهم ارزقني الجنة فأعظم ما في الجنة هي رؤية الله ﷿، فكأني أقول: يا رب! امنحني رؤيتك، لكن أن أقول: إن سألتك طمعاً في جنتك فاحرمني من جنتك، فكيف، والنبي ﷺ كثيراً ما سأل الله الجنة واستعاذ به ﵎ من النار؟! فالإنسان مخلوق ليعمل ويبحث عن الأجر، فإذا علم أنه لا يؤجر فترت همته، والنبي ﵊ قال: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها) ، فالإنسان عندما يغرس النخلة لن يأكل منها، وإنما ليأكل منها أولاده وأحفاده كما أكل هو من غرس أجداده، إذاً ما غرس الفسيلة إلا لهدف، فترغيباً من النبي ﷺ في غرس هذه الفسيلة قال: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها) وتقدير الكلام: فلا يقل: لمن أغرسها وقد قامت الساعة ولن ينتفع بها أحد؟! فحري أن يتركها ولا يغرسها، فكأنه قال له: خالف طبعك واغرسها مع أنك لن تجد من ورائها ثمرة دنيوية.\rوالرجل الذي جاء للنبي ﷺ وفي يده تمرات فقال: (مالي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ فقال: لك الجنة، فقال: إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات، وألقى بها وقاتل حتى قتل) .\rفسأله ما يكون لي؟ فقال له: أن تدخل الجنة، فقال: لا يحول بيني وبين الجنة إلا أن آكل هذا التمر، إذاً هي حياة طويلة، وهي ثانية أو ثانيتان، أو دقيقة أو دقيقتان، إذاً الحياة طويلة في هذه الدنيا، فرمى بالتمرات وقاتل حتى قتل.\rفتخيل لو أن الجواب: ليس لك شيء، كان من الممكن أن يأخذ جراب تمر ثم يقعد ويأكل، وعلى ماذا سيستعجل؟! وطالما أن المسألة لا أجر فيها ولا حافز.\rفلماذا لا ينعم بالحياة؟! كالرجل الذي جاء إلى عبد الله بن الزبير لما كان يتقاتل هو وعبد الملك بن مروان على الخلافة، فقال له: أنا بطل مغوار وفارس معروف، لكن كم تعطيني من الأجر؟ فقال: أعطيك كذا وكذا، قال له: إذاً هات! فقال له: هذا عندما تقاتل وتبلي بلاء حسناً! فتولى عنه الرجل وقال: أراك تأخذ روحي نقداً وتعطيني دراهمك نسيئة.\rيعني تأخذ روحي مقدماً بينما دراهمك تعطينيها مؤخراً، فهو يريد أولاً أن ينعم بهذا المال قبل أن يموت، فلما علم أنه قد يقتل ولا يأخذ الأجر فترت همته وتولى.\rولهذا خلق الإنسان باحثاً عن الأجر، فإذا أردت أن ترغب إنساناً ما في شيء ما فعليك أن ترغبه، وتبين له أجر عمله، لأن هذا أدعى لأن يقدم، ولذلك تجد القطاع الخاص ناجحاً، والقطاع العام فاسداً، لماذا؟ لأن القطاع الخاص يربط الأجور بالإنتاج، بينما القطاع العام، لا.\rفالموظف يذهب لينام ثم يأخذ العلاوة ويأخذ المرتب والحوافز، بينما القطاع الخاص يقول لك: القطعة بجنيه مثلاً، فيحث العامل على أن لا يجلس فارغاً، فيقول: لماذا أجلس ولا أعمل؟ وكلما عمل كسب، فنجح، والشركات التي تعطي أجوراً عالية عندها مبدعون، لأنها تعطيهم الأجر وزيادة، وهذا نوع من الحافز.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595781,"book_id":1590,"shamela_page_id":19,"part":"2","page_num":4,"sequence_num":19,"body":"الصبر وأهميته في تبليغ العلم\rفلذلك الإمام البخاري ﵀ بدأ كتاب العلم بذكر باب فضل العلم؛ لأن العلم واسع ومضن وشاق ليس بسهل، وتحرير محل النزاع في كثير من المسائل يحتاج إلى صبر بالغ، فتبليغ العلم للناس، والصبر على أذاهم ومخالفاتهم، وعلى بلادة المجتمع أحياناً، كل هذا يحتاج إلى صبر.\rوتبليغ العلم مع كثرة المناوئين لك، وكثرة الأسفار والترحال، كل هذا يحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى مجهود كبير، فلا يدخل فيه إلا من يعلم قدره.\rوالإمام علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس بأهله، وكفى بالجهل عاراً أن يتبرأ منه من هو فيه) ، يعني لو قابلت أبا جهل في الطريق فقلت له: يا جاهل! لاحمر وجهه من الغيظ، مع أن أبا جهل ليس جاهلاً فحسب، وإنما هو أب للجهل، ومع ذلك يستنكر أن تصفه بالجهل، فالوصف بالجهل مر، كل الناس تدعي العلم في أي فن من فنون الدنيا، حتى لو لم تكن متحققة من هذا العلم، لماذا؟ لأن العلم شرف، فالعلم يرفع صاحبه، يرفع صاحبه حتى في علوم الدنيا، لما يلبس الشخص لباس أهل العلم، ويطلبه كل الناس فإنه يشعر بالعز من كثرة الطالبين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595782,"book_id":1590,"shamela_page_id":20,"part":"2","page_num":5,"sequence_num":20,"body":"بالعلم تصح النيات\rهناك حديث عن النبي ﷺ جامع رائع، يبين فضل العلم، وهو الحديث الذي رواه الترمذي وصححه، وابن ماجة، وأحمد في مسنده من حديث أبي كبشة الأنماري ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله علماً ومالاً فهو يتقي الله فيه، يصل به رحمه، ويرعى لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله، فهو ونيته، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يخبط في ماله، لا يرعى لله فيه حقه، ولا يصل به رحمه، فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله، فهو ونيته فهما في الوزر سواء) .\rفالناس اثنان، واثنان تبع لهما، فالثاني تبع للأول، والرابع تبع للثالث.\rالرجل الأول: آتاه الله علماً ومالاً، وهناك نكتة في قوله ﵊: (إنما الدنيا لأربعة نفر) فذكر الدنيا ليصبر الناس على طلب العلم، بعض الناس يبدأ في العلم بنية فاسدة، كأن يتمنى أن يكون شيخاً كبيراً وعالماً جليلاً ومفتي الديار، وهذه النية ما لم يبتغ بها الآخرة فهي نية فاسدة.\rفأقل قدر من طلب الدنيا يعكر عمل الآخرة، ونمثل لهذه المسألة بإناء فيه قطعة من الطين الرقراق، ثم صببت الماء في هذا الإناء، فكيف سيصير شكل الماء، سيصير كله بشكل الطين، برغم أن حجم الماء كثير بالنسبة لحجم الطينة الموضوعة في الإناء، إلا أن هذا عكر ذاك كله، فأقل قدر من الدنيا يعكر عمل الآخرة، لذلك الإخلاص لله ضروري ومهم.\rالنبي ﵊ استفاد من مال أبي بكر ﵁، وقال ﵊: (إنه ليس أحد أمنّ علي في صحبته وماله من أبي بكر، وقال له: لك يد علي لا يجزيك بها إلا الله) .\rومع ذلك لما أراد أن يهاجر ﵊ كما في صحيح البخاري، وأخبر أبا بكر أنه سيهاجر اشترى أبو بكر راحلتين وحبسهما يطعمهما ويعلفهما استعداداً للهجرة، فلما آن أوان الهجرة وجاء أبو بكر بالراحلتين فأعطى راحلة للنبي ﷺ، قال له النبي عليه الصلاة، والسلام: (بالثمن) فلماذا قال له ﵊ بالثمن وهو قد أخذ منه كثيراً قبل ذلك ولم يعطه الثمن؟ وكم واساه أبو بكر ﵁ بماله، لأن الهجرة لله فلا يريد أن يعكرها بشيء من الدنيا، قال له: (لا أخذ الراحلة إلا بثمنها) ، تجريداً للقصد.\rوكذلك لما دخل النبي ﵊ المدينة فوجد قطعة أرض لغلامين يتيمين من الأنصار، فقال: (ثامنوني بحائطكم يا بني النجار) يعني: بيعوه مني بالثمن، فقالوا: لا والله لا نأخذ ثمنه إلا من الله ﷿، ومع ذلك أعطاهم النبي ﷺ الثمن، لأن هذا بيت الله.\rفأقل قدر من الدنيا يعكر الآخرة، فالإنسان في بداية طلبه العلم يتمنى أن يكون مفتياً وإماماً وفقيهاً ومحدثاً، وكل هذا يعكر فضله، لكن قد يدخل المرء بوابة العلم بهذه النية الفاسدة، ثم يطلب العلم فتصلح نيته بعد ذلك مع طلب العلم.\rفالنبي ﵊ يقول: (إنما الدنيا لأربعة نفر) أي من طلب الدنيا بالعلم نال الدنيا، والعلماء سلاطين غير متوجين، والعامة تخضع لهم أكثر من خضوعهم للسلطان؛ لأن العلماء يملكون سلطان الحجة الذي يخضع القلب له، بينما السلاطين لا يملكون إلا سلطان اليد؛ الذي لا يخضع البشر إلا له.\rلأنه قد تجد الرجل يكابر العالم وقلبه خاضع لسلطان الحجة الذي ذكره العالم، إذاً العالم يسيطر على القلب؛ لأجل هذا كان سلطانه أقوى، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] فهو جاحد، لكن في حقيقة أمره مستيقن وخاضع لها قلبه، فالعالم يملك قلوب الناس، ومن هنا تأتي قوته.\rفمن أراد الدنيا فعليه بالعلم، وهذا نوع من الترغيب، فكأنه يقال لك: إذا طلبت العلم فعجزت عن تصحيح نيتك، وأحسست أن الدنيا متقدمة فلا تنصرف عن العلم، رجاء أن يصلح الله حالك.\rبعض الناس يقول لك: أنا لم أستطع، أحس أني أريد أن أكون فقيهاً، فخلطه بين الرياء والدعوة يصرفه عن العلم، فنقول له: اصبر، وهذا من دليل نصح النبي ﵊.\rإن العابد يزهد الناس في الدنيا والناس لا تستغني عنها فقلما يطيعونه، لكن العالم يحبب الناس في الله، فتهون الدنيا عليهم، وهذا هو الفرق، فإذا قلت لإنسان: اترك الدنيا وأت ورائي، لا يسمع منك هذا الكلام، ليس لأنه لئيم، أو لأنه غير مؤمن، ولكن لو بينت له أن التقلل من الدنيا طاعة لكان أحرى وأجدر، ولذلك ما أحسن نصيحة أصحاب قارون له، قالوا: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] .\rيعني عندما نقول لك: اتبعنا، فأنا لا أقول لك اترك ما أنت فيه من الأبهة، فإذا كان هناك رجل غني جداً، وعنده كل رفاهيات الحياة، وأراد أن يلتزم كيف تريده أن ينخلع من كل هذا، أتريد أن يكون مثل أبي ذر مثلاً، وتقص عليه قصة أبي ذر؟ لماذا لا تقص عليه قصة عبد الرحمن بن عوف؟ وإذا صعدت قليلاً فتقص عليه قصة سليمان ﵇.\rوانظر إلى سفيان بن عيينة ﵀ عندما قال له سائل: أيهما أحب إليك قول مطرف بن عبد الله بن الشخير: لأن أعافى فأشكر خيراً لي من أن أبتلى فأصبر، أم قول أخيه أبي العلاء: اللهم إني رضيت لنفسي ما رضيته لي، فسكت سفيان ساعة ثم قال: قول مطرف أحب إلي، لماذا؟ قال: إني قرأت كتاب الله ﷿ فرأيت وصف سليمان مع ما كان فيه من النعمة: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠] ورأيت وصف أيوب مع ما كان فيه من البلاء: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] فقام الشكر مقام الصبر وبقيت العافية، فلأن أعافى فأشكر خير من أن أبتلى فأصبر، إذا كانت الدرجة عند الله واحدة.\rفسليمان ﵇ قام بحق الله في شكر النعم، فإذا كان هذا الرجل الذي تدعوه عنده مال وقلت له: اترك المال لا يتبعك؛ لأنه يشق عليه ذلك، هناك بعض الناس يقول: أنا أخشى الفقر وأخافه، ولا أتخيل أنني أعيش فقيراً، فمثل هذا لا نقول له: اترك مالك ونظل نحبب هذا الشيء إليه، لا.\rفهذا قارون لو أن كل أغنياء العالم الآن جمعوا ما عندهم من المال، لكان ما يمتلكونه شيئاً يسيراً بالنسبة لما يمتلكه قارون، انظر إلى عظم حجم الأموال التي كان يمتلكها قارون، ولك أن تتخيل إذا علمت أن العصبة أولي القوة يحملون مفاتيح الخزائن فقط.\rفإذا كان هناك شخص غني وعنده كل هذا المال مثل قارون، وفي نفس الوقت وضيع، فلا يمكن أن يترك هذا المال، وعلامة أنه وضيع قول الله ﷿: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص:٧٦] يعني شخص من قوم، أي: ليس له قيمة، ليس له كنية، ليس له أي قيمه في المجتمع، ثم صعد هذا الصعود الهائل وصار غنياً هذا الغنى.\rفعندما يكون وضيعاً وغنياً ثم أحب أن يلتزم أو يقترب، فمن الخطأ الجسيم أن تقول له: اترك مالك واتبعني! ولكن قل له: تمتع بكل المباحات وأخرج حق الله من المال، واعطف على ابن السبيل والأرملة والمسكين، وكل كما تحب وتريد، قال: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] .\rفالنبي ﷺ عندما يقول: (إنما الدنيا لأربعة نفر) هناك بعض الناس يدخل العلم بهذه النية، فنقول له: لا تضطرب، ولا يحرمنك فساد نيتك أول الأمر على ترك طلب العلم، لكن اطلب العلم، واطرق بابه، وستصحح نيتك بعد ذلك كلما أضفت شيئاً إليك قرآناً أو سنة، كل هذا تتعلم منه شيئاً فشيئاً، فتصحح نيتك بعد ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595783,"book_id":1590,"shamela_page_id":21,"part":"2","page_num":6,"sequence_num":21,"body":"ثمرات العلم\rكما قال ابن جريج ﵀: طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له، وشبيه به قول عبد الله بن وهب ﵀ -فقد كانوا صرحاء، وما كان يضرهم أن يهضموا حق أنفسهم- قال: نذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أن أصوم يوماً، فكنت أغتاب وأصوم، فلم يجد نفعاً من ذلك فقطع الصوم، فقال: فنذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم، فمن حبي للدراهم تركت الغيبة، فكل يوم يخسر درهماً، ودرهماً، ودرهماً، فقال لك: لا.\rيجب أن أتوقف عن الغيبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595784,"book_id":1590,"shamela_page_id":22,"part":"2","page_num":7,"sequence_num":22,"body":"من ثمرات العلم: معرفة الإنسان قدر نفسه\rوما ضره أن يعترف هذا الاعتراف، وهذا من ثمرة العلم، فثمرة العلم أن تعرف قدر نفسك، مهما زكاك الناس ومدحوك، فأنت أدرى بقدر نفسك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595785,"book_id":1590,"shamela_page_id":23,"part":"2","page_num":8,"sequence_num":23,"body":"معرفة الله ﷿ وصلة الرحم من ثمرات العلم\rفقوله ﵊: (إنما الدنيا -فيه إشارة إلى هذا المعنى الذي جليناه- لأربعة نفر) فكلنا واحد من هؤلاء الأربعة، وليس هناك واحد منا يخرج أبداً عن هؤلاء الأربعة.\rالأول: رجل آتاه الله العلم والمال، فثمرة العلم أنه يعرف لله فيه حقه، ويصل به رحمه، فالعلم هو الذي عمل هذا كله، بدليل أن الرجل الثاني الذي عنده مال فقط وهو جاهل قال عنه ﵊: (فهو يخبط بماله لا يرعى لله فيه حقه) .\rفالرجل الذي عنده العلم والمال استطاع أن يوظف المال بالعلم، وهذا معنى قول النبي ﷺ: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن أو الحكمة أو العلم فهو يعلمها الناس، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق) لا حسد، الحسد هنا: الغبطة، أن تتمنى لنفسك ما لأخيك، بغير أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك؛ لأن العبد إذا حسد الحسد المذموم فإن الضرر يعود إليه، إذ: ﴿لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣] .\rفمعنى لا حسد: أي لا غبطة، وإن كان القصد لا حسد أي: الحسد المذموم.\r(رجل آتاه الله علماً أو قرآناً فهو يعلمه الناس، ورجل آتاه الله مالاً -فجعل المال تابعاً للعلم- فسلطه على هلكته في الحق) وانظر هنا إلى تعبير الحديث، سلط المال على هلكته، يعني أهلك المال بسرعة، وليس ينفق ببطء، وإنما يهلك المال، ووضع القيد وهو أنه لا يكون إلا بالعلم، يعني لو أنك جئت في رمضان فعملت موائد إفطار، وتقول: أنا شرطي أن هؤلاء الجماعة يأكلون مثل أكلي أنا في البيت، وتشرف على هذه الموائد، وتتأكد أنها على ما يرام، وتهلك مالك في هذا الشرط، والله طيب لا يقبل إلا طيباً.\rفهذا الخير لا يكون إلا بفضل العلم، فالرجل الأول آتاه الله علماً ومالاً، فعرف كيف يوظف ماله بالعلم الذي عنده، والرجل الثاني: آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو أن لي مثل فلان، فأعانه العلم على تصحيح نيته، والرجل الثالث: آتاه الله مالاً، ولم يؤته علماً فهو يخبط فيه خبط عشواء، فهذا لم يستطع أن يوظف ماله؛ لأنه جاهل، والرجل الرابع: جاهل ولا مال له، فهذا خسر الدنيا والآخرة بنيته الخبيثة.\rوهذه قصة فيها أن الجاهل لا يميز بين الطيب والخبيث: أن رجلاً -مثل الذي يسمع الكلمة ويأخذ بشرها- جاء إلى راعي غنم، وقال: يا راعي الغنم أعطني شاة، فقال صاحب الغنم لهذا الرجل: انزل وخُذْ لك أسمن شاه فدخل فأخذ بأذن كلب الغنم وقال: هذه أسمن شاة.\rفقال ﵊: (فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله فهو ونيته) هو ونيته: معناه قول النبي ﵊: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) .\rفهو ونيته: إن كانت لله ورسوله فهي لله ولرسوله، وإن كانت للدنيا فهي للدنيا،.\r(فهما في الأجر سواء) إذاً: كيف يكونان في الأجر سواءً، ولم يستويا في العطاء؟ فالرجل الأول تعدى خيره بخصلتين: عنده علم وعنده مال، والرجل الثاني تعدى خيره إلى الناس بخصلة واحدة، وهي نيته، فكيف يستويان؟ قال العلماء: قوله ﵊: (فهما في الأجر سواء) يعني قريباً من السواء، أتينا بمثال تقريبي لهذا الحديث، فهذا أبو حاتم الرازي ﵀ قال له ابنه: إنك تقول على الراوي مرة: ثقة، وتقول مرة: لا بأس به، فقال له: من قلت فيه: لا بأس به فهو ثقة، إذاًَ ما هو الفرق، لماذا لا تقول: ثقة فقط؟ يعني مثلاً في التقديرات الجامعية عندنا الامتياز، عندنا جيد جداً، وجيد، ومقبول، وضعيف، وعندنا راسب، فالمائة بالمائة امتياز، والتسعين بالمائة امتياز وهل يستويان؟ لا يستويان، لكنهما في نفس التقدير، فهذا القول الأول.\rوالقول الثاني وهو الأصح: هما في الأجر سواء، والرجل الثاني ما امتنع عن الإنفاق باختياره حتى يؤاخذه الله ﷿ بما كسبت يمينه، هو فقير، وهذا ليس باختياره، والله يعامل هذه الأمة بالفضل، وليس بالعدل، فمناسب لتمام فضله وكرمه وتفضله على عباده أن يرفع الرجل بغير كسب منه، تفضلاً منه على عبده.\rوالإمام البخاري ﵀ التقط هذا المعنى في باب من أبواب الصحيح سماه: باب من أدرك من العصر ركعة، أي: قبل أن تغرب الشمس، وروى فيه حديث أبي هريرة الصريح في المسألة: (من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة) ثم ذكر بعد ذلك حديثاً لـ أبي موسى الأشعري، وحديثاً لـ عبد الله بن عمر والحديثان فحواهما واحدة، يقول الحديث: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس) .\rمثال ذلك: رجل صاحب عمل استأجر أجراء يعملون له من أول النهار إلى آخر النهار بمبلغ معين، كأن يعملوا من الصبح إلى المغرب بعشرين جنيهاً فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا وقالوا: لا حاجة لنا في هذه الأجرة، فقال لهم: يا جماعة أنا اشترطت في البداية أن تعملوا من الصبح إلى الليل، وإذا أكملتم أعطيتكم الأجر، قالوا: لا حاجة لنا في هذه الأجرة، فقال: ننظر آخرين! فاستأجر أجراء فقالوا لهم: تعملون من الظهر إلى المغرب بعشرين جنيهاً، فعملوا من الظهر إلى العصر وعجزوا، فاستأجر أجراء من العصر إلى المغرب وقال لهم: بأربعين جنيهاً، فلما قال لهم: بأربعين جنيهاً، اعترض العمال السابقون وقالوا له: ماذا تصنع؟ نحن كنا أكثر عملاً منهم، وهم أكثر أجراً منا! فقال كما في الرواية الثانية من حديث ابن عمر قال: (أعطاهم قيراطاً قيراطاً وأعطانا قيراطين قيراطين) وفي رواية أخرى قال: (فعجزوا وقالوا: لا حاجة لنا في هذه) .\rوالجمع بين الحديثين: أنهم لما عجزوا وقالوا: لا حاجة لنا في أجرك، أمر الله ﷿ بإعطاء أهل التوراة أجرهم قيراطاً، وأعطى أهل الإنجيل أجرهم قيراطاً، وأعطى المسلمين أجرهم قيراطين، فضل الله يؤتيه من يشاء.\rوبهذا نكون قد جمعنا بين الحديثين ولا تناقض، ففي الحديث الأول أعطاهم قيراطاً قيراطاً، والحديث الثاني قال: فعجزوا وقالوا: لا حاجة لنا في أجرك.\rالمهم فلما أخذ كل واحد منهم أجره، جاء السابقون فقالوا: (أي ربنا! نحن أكثر عملاً منهم وهم أكثر أجراً منا! قال: هل ظلمتكم من أجوركم شيئاً؟ قالوا: لا.\rقال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء) مالي أعطيه من أشاء من عبيدي وأنا ما ظلمتكم.\rفلماذا وضع الإمام البخاري هذين الحديثين، وما علاقة هذين الحديثين بباب من أدرك ركعة من العصر؟ فلو أن هناك شخصاً يصلي العصر ولم يبق على أذان المغرب إلا دقيقة واحدة، فأدرك ركعة من العصر وأذن المغرب بعد أن أتمَّ ركعة واحدة، إذاً سيصلي ثلاث ركعات في غير الوقت، فالعدل أن يثاب على ركعة، وثلاث يذهبن عليه، لكن الله عامله بالفضل، فوهب له الثلاث التي وقعت في غير الوقت بركعة وقعت في الوقت، إذاً عامله بالفضل أم لا؟ نعم.\rعامله بالفضل، فـ البخاري ﵀ بعد أن ذكر دليل المسألة، ذكر الحديثين من باب التعليل.\rأن الله إنما عاملنا بفضله ﵎ قال: (فذلك فضلي أوتيه من أشاء) .\rوفي هذا دليل على أن الإنسان يسعى في الشر بسرعة الريح كما في الحديث: (فهو يخبط في ماله لا يرعى لله فيه حقه، ولا يصل به رحمه) ، فهذا بأخبث المنازل، فالذين لم يستضيئوا بنور العلم كما قال القائل: لم يحصل على دنيا ولا على آخرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595786,"book_id":1590,"shamela_page_id":24,"part":"2","page_num":9,"sequence_num":24,"body":"الجهل وأثره السيئ على الإنسان\rالعامي أيها الأخوة الكرام! لا مذهب له إلا هواه، مثل الجماعة الذين تمنوا مال قارون، فوقفوا على الطرقات ينظرون إلى قارون ويقولون: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] لكنهم قالوا عندما ابتلعته الأرض: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص:٨٢] .\rهناك أحد الصحفيين كان ذاهباً ليشاهد مباراة نهائيات كأس العالم بين ألمانيا وهولندا في هولندا، ولم يذهب قبل أن تقلع الطائرة بنصف ساعة أو بساعة، ولكن ذهب في وقت قصير، المهم وهو ذاهب في آخر لحظة، انفجر إطار السيارة، فما أن نزل وغيّر إطار السيارة ودخل المطار حتى قالوا له: إن الطائرة قد أقلعت، ولكن اجلس وشاهد المباراة في التلفاز.\rوفي صباح اليوم التالي أخذ الجريدة ليتصفحها فقرأ خبر الطائرة التي كان سيسافر فيها، وأنها قد اصطدمت بأحد الجبال، ومات كل الذين فيها.\rفقال: الحمد لله إذ لم أكن معهم، فهو لم يدر ماذا سيحدث، ولا يعرف أين الخير، فلعل الخير أقرب لك من شراك نعلك، والشر كذلك، فالعوام لا يتحققون من شيء، ولكن يريد الشيء إذا جاء على هواه ومذهبه.\rفهذه فوائد البنوك، لجان الفتاوى في العالم، في السعودية، وقطر، والإمارات، والمغرب، ومصر، كل اللجان العلمية أجمعت على أن ربا البنوك حرام، ثم يأتي مفت ويقول: لا، بل هي حلال، فتعجب العوام: حلال؟! نجعلها في رقبة العالم.\rأنت أيها العامي خالفت مذهبك؛ لأن مذهب العوام أن يزنوا الحق بالكيلو.\rلما كنا مثلاً نتابع السنة في أول الطلب، فكان أول ما نتعرف على سنة نذهب لننشر هذه السنن بديارنا وفي الأرياف، تجدهم يقولون لنا: كل الناس هؤلاء على باطل وأنتم على حق! فكانوا يستدلون على الحق بالكثرة.\rإذاً: ليس من الحكمة أن نقول لهم: كل هؤلاء على باطل ونحن على حق! لا تأتي المسائل هكذا؛ لأنه يعتقد أنه على صواب، وهو في الأصل يمشي على هواه، ولكن نبين لهم الحق بحكمة.\rهذا يذكرني بالثعلب الذي أتى حائطاً لشخص وهذا الشخص كان قد نصب فخاً للثعلب، وكان الثعلب ماكراً، عندما رأى الحديد والأسلاك حول الحائط، حاول أن يدخل رأسه فما استطاع، والعنب أصفر وحلو! قال الثعلب -يخاطب صاحب العنب-: يا يوسف أفندي العنب هذا طعمه مر.\rقال: هكذا الثعلب يتمرد، يقول ذلك؛ لأنه لم يصل إليه ولم يستطع أن يأتي به فيقول: هو مر، الحمد لله أني ما أكلته.\rفالعوام مثل هذا الثعلب، إذا لم يستطع أن يصل إلى الحرام، قال: الحمد لله أني ما أكلته.\rولذلك العامي مذهبه ما ناسب هواه، فهذا: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١] ، لا معه الدنيا يتمتع، ولا عقد النية عقداً صحيحاً مثل أحد الرجلين العالمين: العالم الأول، أو العالم الثاني بسب جهله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595787,"book_id":1590,"shamela_page_id":25,"part":"2","page_num":10,"sequence_num":25,"body":"بالعلم يرفع الله الناس به درجات\rإذاً هذا الحديث -أيها الإخوة الكرام- يبين لنا فضل العلم، وأن الله ﵎ يرفع الناس درجات، والدرجة -كما ورد في بعض الأحاديث- كما بين السماء والأرض، يرفع الناس درجات في العلم، كم من ضعيف متضعف أعزه الله بالعلم!.\rوالإمام مسلم ﵀ روى في صحيحه من حديث نافع بن عبد الحارث، وكان عاملاً لـ عمر على مكة (أن عمر لقيه بعسفان: قال له: من تركت -يعني: عاملاً بمكة-؟ قال: تركت عليها مولى لنا يقال له: ابن أبزى.\rقال: تركت مولى يؤم أبناء المهاجرين والأنصار؟! قال: يا أمير المؤمنين! أما إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض.\rفقال عمر ﵁: إني سمعت النبي ﵌ يقول: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) فكم من ضعيف متضعف أعزه الله بالعلم! فهذا الأعمش ﵀ لقب بـ الأعمش لعمش كان في عينه، حتى ذكروا من سيرته أن امرأته نشزت عليه يوم من الأيام، فقال لتلميذ من تلاميذه: تعال من وراء الستار وقل لها: أنت في ماذا أغاظك الشيخ؟ من حسن حظك أنك تعيشين معه باستمرار، بينما نحن نتمنى أن نقعد معه ساعة.\rفقال: قل لها هاتين الكلمتين ربما يحن قلبها عليّ.\rفـ الأعمش هذا قعد هو وصاحبه فبدأ صاحبه يثني عليه ويقول: إنه الأستاذ الكبير، الذي كلنا نعظمه ونجله ونكرمه، وقال كلام بهذا المعنى، ثم قال: حتى والله إنه لا يعيبه إلا أنه أعمش.\rفـ الأعمش قام عليه وقال: قاتلك الله! وهل نشوزها عليّ إلا بسبب هذا؟! كان الأعمش ﵀ يقول: لو كنت بقالاً لاستقذرتموني، لكن رفعه الله بالعلم درجات، حيث يعتبر من ثقات الأئمة الكبار، وكان قاسياً مع الطلبة، ومع قسوته كانوا يتهافتون عليه.\rمن الرواة عن الأعمش: شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، انظر إلى تلامذته الجبال الرواسي هؤلاء! هذا شرف للأعمش أن يكون تلامذته هؤلاء وأمثالهم.\rيقول الحافظ ابن حجر في (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) في ترجمة ابن تيمية يقول: ولو لم يكن لهذا الإمام من فضل إلا تلميذه ابن قيم الجوزية، صاحب المصنفات العديدة، التي انتفع بها الموافق والمخالف؛ لكان دليلاً على إمامة هذا الرجل.\rيكفي أنه أخرج ابن القيم، وهو شبيه جداً بشيخه ابن تيمية، لكنه أفهم الناس في علل النفوس، حيث كانت المسألة واضحة عنده، مع أنه يغرف من بحر ابن تيمية.\rفـ الأعمش هذا الإمام الكبير، الذي يقول: لو كنت بقالاً لاستقذرتموني، تلامذته على هذا النمط العالي: سفيان الثوري، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وإسرائيل بن يونس، وهمام بن يحيى، وهشيم بن بشير كلهم علماء عظام، فكان الأعمش قاسياً معهم.\rذكر الخطيب البغدادي في كتاب: (شرف أصحاب الحديث) : أنه ربى كلباً لأصحاب الحديث، لأنهم يدخلون عليه كل حين وحين، لا يستطيع أن يأخذ راحته أبداً، يأتون من الآفاق: اقرأ علينا، أسمعنا فربى لهم كلباً، فكان إذا سمع وقع أرجلهم تقترب من الدار يرسل عليهم الكلب، ولك أن تتصور الموقف عندما يأتي شعبة وسفيان الثوري وغيرهما كلهم يجرون أمام الكلب! الشيخ يدخل من هنا وهم يلحقونه من هنا، ولا يملون على الإطلاق، فجاءوا يوماً إليه واقتربوا من الباب على حذر ولم يخرج الكلب، فهجموا على الدار ودخلوا عليه، فلما رآهم بكى، قالوا: ما يبكيك يا أبا محمد؟! قال: مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.\rالذي هو الكلب.\rفـ الأعمش كان عسر الرواية، وكان يهينهم، ومع ذلك كانوا يأتون إليه، لو لم يكن لديه علم لم يكن أحد ينظر إليه، فالذي رفعه إلى هذا القدر وصار إماماً في علم الحديث وغيره من العلوم هو العلم.\rمرة يذكر الخطيب -أيضاً- يقول: إن الأعمش كان عسر الرواية فقيه، وكان قريباً من العمى فلا يرى إلا يسيراً جداً، فمرة كانوا يشيعون جنازة شخص ما ليدفنوها، فخرج الأعمش معهم، فلقيه أحد الطلبة وأمسك بيده وقال له: أصحبك يا أبا محمد، وهذا الطالب طالب لئيم، صار مع الأعمش وأخذ ينحرف به قليلاً قليلاً قليلاً إلى أن صار الناس يمشون في جهة وهما يمشيان في جهة أخرى، والأعمش شبه أعمى لا يعرف أين يمشي، المهم بعد مسافة قال التلميذ: يا أبا محمد أتدري أين أنت؟ قال له: لا.\rقال: أنت في جبانة كذا وكذا -وهي بعيدة جداً عن البلد- والله لا أردك إلى البلد حتى تملأ الألواح بالحديث، أنا جاهز بمائة ورقة وأريد أن أملأها.\rفـ الأعمش اغتاظ منه، واضطر أن يحدثه، وقعد يمليه: حدثني فلان وفلان وفلان حتى ملأ الألواح، ثم رجع بـ الأعمش إلى البلد وهو مغتاظ عليه، لكنه ينتظر حتى يدخل البلد، أول ما دخلا البلد التلميذ قابل أحد أصدقائه فأعطاه الألواح سراً، وقال له: هذه أمانة عندك، وسأمر عليك في وقت لاحق حتى آخذها.\rثم أوصل الأعمش إلى البيت، فأول ما قال له: وصلت إلى البيت يا أبا محمد، قام فأمسك بيده مباشرةً، وقال: خذوا الألواح من السارق.\rفقال: قد مضت الألواح يا أبا محمد.\rفلما تأكد أن الألواح ذهبت ولن تعود، قال: كل ما حدثتك كذب!! قال التلميذ: أنت أعلم بالله من أن تكذب.\rوللأعمش جولات، فلو استطردنا فيه وفي سيرته سيطول بنا الوقت كثيراً، ولكن القصد من الكلام أن الأعمش ﵀ كان أعمش العينين ويقول: لو كنت بقالاً لاستقذرتموني، فانظر إليه كيف رفعه الله ﷿! هذا هو النسب الحقيقي إنه العلم.\rهل تعرفون شيئاً عن الأئمة الكبار، وعن بلادهم غير الإمام أحمد مثلاً وأبي حاتم الرازي؟ لا، مثلاً الإمام البخاري هل تعرف شيئاً عن أولاده؟ لا تعرف أولاده، ما الذي رفع هذا الإمام، مع أنه لم يكن بأعظم الناس في حياته، كان له قرناء، وكان هناك من هو أفضل منه، ومع ذلك صار ذكره عبر القرون، وسار مسير الشمس، لدرجة أن هناك بعض الناس لما يغلط مثلاً في القرآن وينتقد يقول: لم نغلط في البخاري، يعني كأن البخاري أعظم من كتاب الله.\rمرة حكى لي بعض المشايخ يقول: ذات مرة دخل شخص ليصلي المغرب، فكان يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] قال: (إلهكم التكاثر) قيل له: ما هذا؟ قال: يا أخي! وهل غلطنا في صحيح البخاري! قال له: يا أخي هذا قرآن!! يعني هؤلاء العوام عندهم البخاري شيء لا أحد يقترب منه لماذا؟ ما الذي أعطى البخاري هذه الهيبة الكبيرة جداً من الإجلال والتوقير والاحترام، وأن كل ما في صحيح البخاري صحيح، مع أن العلماء لهم كلام في بعض ألفاظه؟: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة:٤] لكن بلا شك أن النسب الحقيقي هو العلم، مصنفاته هي أبناؤه، عندما يمن عليك ربنا سبحانه بالعلم والخير وتؤلف وتكتب، إياك أن تصنع كالموجة التي حصلت من عشر سنين، ولا زالت مستمرة حتى الآن: شباب لا ناقة لهم ولا جمل في العلم، اتبعوا سياسة نسخ الكتاب، ليس عنده علم، لكن يتعاقد بالملزمة، الملزمة بمائتي جنيه، والناقل الجاهل يقيس بالشبر، فكل شبر بثمن.\rمثلاً شعبة: شخص لم ينقل ترجمة شعبة من الترغيب والترهيب.\rأنت تنقل ترجمة شعبة عشر ورقات، تنقلها لمن؟ إذا كان من أهل العلم فليس بحاجة إليها، وإذا كانوا ليسوا من أهل العلم ليسوا بحاجة إليها أيضاً؛ لأنه لا يعلم ما هو المكتوب في الكتاب، هل رأيت الفرخ، هو (كتكوت منفوخ) عمره أكثر من أربعين يوماً وتستدل على هذا (الكتكوت) بصوته: صو صو، إنما الديك البلدي حجمه صغير جداً ويصل صوته إلى سابع دار! فأنت تبدأ وتقرأ فيه بلا علم، ولا تستفيد منه، وأيضاً تدفع مالاً، إذا كان مائة صفحة ستدفع فيها مثلاً خمسة جنيهات، وإذا كان ثلاثمائة صفحة تدفع خمسين جنيهاً.\rقديماً كان المحققون معروفون أمثال: أحمد شاكر، محمود شاكر، محيي الدين عبد الحميد، محمد فؤاد عبد الباقي، محمد أبو الفضل إبراهيم، علي البنجاوي، إبراهيم زايد رحمة الله عليهم، ويحفظ الله من عاش منهم.\rهؤلاء كانوا محققين وآخرين معهم، الآن -على رأي الشيخ الألباني ﵀ يقول لك: فلان الأثري موضة العصر، موضة العصر الأثري، أبو الفضل الأثري وهكذا.\rهل تعلم الأثري هذا من هو؟ ماذا عنده من علم؟ ما هي كتبه؟ لا تعرف.\rنحن نقول لطلبة العلم: لا تستعجل، الكتاب مثل ابنك، مثل ولدك بالضبط، لأنك ستأخذ صيتك وسمعتك منه، اتعب عليه، الولد الذي أنت تربيه اتعب عليه يجلب لك الثناء والرحمة، يقول لك: الله يرحمك ويرحم والديك، والولد الشقي يجلب على أبيه اللعنة في الدنيا والآخرة أيضاً.\rفاجعل الكتاب ابنك، والعلم نسبك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595788,"book_id":1590,"shamela_page_id":26,"part":"2","page_num":11,"sequence_num":26,"body":"نصوص تدل على فضل العلم\rالعلم فضائله كثيرة، ذكر الإمام ابن القيم ﵀ في كتاب: (مفتاح دار السعادة) فضل العلم من وجوه كثيرة جداً، فمن أراد ذلك فليطالع، لكن أذكر فقط نبذ عن فضل العلم تليق بالمقام وبالكتاب.\rالإمام البخاري ﵀ قال: باب فضل العلم.\rبدأ به من باب التشويق حتى تصبر على طلب العلم.\rقال: وقول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١] ، وقوله ﷿: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤] : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] ، تلاحظ أن هناك فرقاً: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وليس: أوتوا الإيمان: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ فخص العلم بالإيتاء لماذا؟ لأن العلم مواهب، ولأن الإيمان لازم لكل رجل، ولا ينجو في الآخرة إلا به، فجعله كاللازم له: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة:١١] يصلح أن يكون مؤمناً وجاهلاً ليس عنده علم؛ لأنه لا ينجو عند الله ﷿ إلا إذا كان مؤمناً، فإيمانه هو الذي ينجيه.\rويعوض النقص الذي عنده في العلم من أهل العلم، فإذا احتاج إلى الاستدلال يمكن أن يسأل العلماء، وبذلك يكون أتم المراد، فجملة: (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) دلالة على أن العلم يكتسب: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨] ، ولهذا تجد أن المؤرخين في كتب السير يختلفون أحياناً، وربما كثيراً في مواليد العلماء، لكنهم لا يختلفون في وفياتهم، يقول لك: قيل: ولد سنة كذا، وقيل: سنة كذا وقيل: في شهر كذا لماذا؟ لأنهم يوم ولد لم يكن له ذكر، لم يكونوا يعلمون بأنه سيصير عالماً على السنة أو البدعة.\rفلما ولد لم يكن له صيت ولا ذكر، لكنه يوم مات كان كالشمس، فدوَّن الناس يوم وفاته، بل ساعة وفاته، بل ما حدث في وفاته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595789,"book_id":1590,"shamela_page_id":27,"part":"2","page_num":12,"sequence_num":27,"body":"حسن خاتمة أهل العلم\rمثل ما نقل الخطيب البغدادي وابن البناء وغيرهما، نقلوا عن أبي زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم ﵀، هذا إمام حبيب إلى القلب، لما تقرأ سيرته تحس أن فيه غبطة وحلماً، فهو شبيه بالإمام أحمد.\rيذكر أن محمد بن مسلم بن وارة، وأبو حاتم الرازي دخلا على أبي زرعة وهو في النزع -أي: في الموت- فـ محمد بن مسلم يقول لـ أبي حاتم: دعنا ندخل نلقنه الشهادة، فقال أبو حاتم: إني لأستحيي من الله أن ألقن أبا زرعة ذلك.\rفهو رجل سخر حياته كلها لنصرة هذا الدين ونصرة السنة، يرحل في الفيافي، يحمله ليلاً ويحطه نهاراً، يفترش الغبراء، ويلتحف السماء، وكم تحمل الجوع والعطش والتعب من أجل الحصول على العلم؟! فهذا الرجل أنفق حياته كلها لهذا الدين فأستحيي أن ألقنه.\rقال له: حسن دعنا نفكر في فكرة نلقنه بها الشهادتين.\rقال له: نعم.\rقال له: تقعد عنده وتذكره بحديث: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) ونأتي بالطرق، وحدثني فلان عن فلان، وعلان عن علان، فأول ما نذكره بهذا لعله يقول: لا إله إلا الله.\rفنكون نحن بهذا قمنا بحق الصحبة.\rفلابد من النظر في المسألة هذه، أخوك لما يطلب معك العلم له حق عليك كبير: حق الصحبة، وتتمنى له أنه يخرج من الدنيا على التوحيد، فهما لكي يقوما بحق الصحبة لابد أن يلقناه الشهادة، فكانا يريان هذا مستحيلاً لماذا؟ لجلالة أبي زرعة.\rالمهم دخلا عليه فقام محمد بن مسلم وقال: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن.\rونسي الحديث.\rفقال أبو حاتم: وحدثني فلان عن فلان و.\rوألبس عليه أيضاً، لم يستطع أن يكمله، قال أبو زرعة -وأشار-: أقيموني.\rوكان عندهم هذا من الأدب عند الحديث، لم يكن ليقل الحديث وهو نائم، وقد أخذوا هذا الأدب من النصوص، فكلما كانوا يتعلمون شيئاً يعملون به، والنبي ﷺ عندما دخل على عبادة وهو مريض، قال: (ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! الشهيد من مات في سبيل الله) .\rقال عبادة: وكنت مريضاً فقلت: أقيموني.\rفأقاموني فقلت: الشهيد من مات في سبيل الله.\rثم نام.\rهذا الفعل من الأدب فهو لا يتحدث بشيء من العلم وهو نائم، لا، وإنما يقوم أولاً ثم يتحدث وبعد ذلك ينام.\rفـ أبو زرعة أشار -أن: أقيموني- فأقاموه فقال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان.\rوأتى بالسند بأكمله، عن معاذ أن النبي ﷺ قال: (من كان أخر كلامه لا إله إلا الله ... ) وخرجت روحه مع الهاء، القصة وردت بسند صحيح، يرحم الله أبا رزعة.\rلا يخيب الله ﷿ سعي من سعى إليه، وأنفق حياته على دينه، هل تظن أن لا إله إلا الله تقال بسهولة؟! هي عند الموت أثقل من الجبال، يقولون له: قل لا إله إلا الله.\rلكن صار أصماً، ما سمعها، ما عبَّد نفسه لله، وما عمل بها في حياته، فكيف يقولها؟! يا إخوة: العمل يخف مع طول الممارسة.\rمثلاً: عامل العمارة الذي يحمل قطعة الطوب على كتفه ويصعد إلى الدور العاشر، فأنت ربما كنت أقوى منه وأصلب منه، طيب احمل هذه الطوبة واصعد بها إلى الدور الخامس، لا تستطيع، فما هو الذي جعل هذا قادراً على الصعود، هل هو من أول شهر أو أول أسبوع كان هكذا؟ لا، لم يصل إلى هذا الجلد إلا بعد سنين من العمل.\rفالمسائل مع طول الممارسة تسهل عليك، فأنت عندما تمارس لا إله إلا الله في حياتك فإنك تنجو بها، وكل شيء في حياتك تتمثل فيه حكم الله، حتى يصير ملكةً عندك، ممارستك للا إله إلا الله في حياتك؛ يسهل عليك أن تقولها إذا مت، أما أن تنحي لا إله إلا الله جانباً ثم تريد أن تنطق بها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١] .\rفـ أبو زرعة ﵀ كما قالت الروايات: إن روحه خرجت مع آخر كلمة قالها: (لا إله إلا الله) وهو يقول: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) فخرجت روحه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595790,"book_id":1590,"shamela_page_id":28,"part":"2","page_num":13,"sequence_num":28,"body":"الحصول على العلم يكون بالاكتساب\rوكنا قد قلنا: إن العلم يكتسب، يولد الرجل جاهلاً ثم يتعلم ويملأ الأرض علماً، وهذا فضل من الله ﵎، هو الذي يؤتيه من يشاء من عباده.\rحينئذٍِ نقول: إن العلم بالتعلم، بخلاف الحلم فإنه لا يتعلم ولا يكتسب؛ لأن النبي ﷺ عندما دخل عليه وفد عبد القيس وفيهم الأشج، فلما دخل سلم وجلس حيث انتهى به المجلس، قال: (يا أشج: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة) .\rوفي مسند الإمام أحمد، سأله قال: (يا رسول الله! أهذان الخلقان جبلني الله عليهما؟ قال: نعم.\rقال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب) .\rفالحلم لا يعلَّم ولا يكتسب، أما العلم فإنه يكتسب، يولد المرء جاهلاً فيكون عالماً.\rفكأنه يقال لك: لا تيأس، الصفة المكتسبة هذه -التي هي العلم- يمكن أن تكون كالصفة الجبلية فيك، ولذلك قرن الحلم بالعلم إشارة إلى هذا.\rوالدليل الآخر الذي ذكره البخاري ﵀ قال: قال الله ﷿: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤] ، والله ﵎ لا يأمر نبيه ﷺ بالازدياد إلا من شيء هو يحبه وقد اصطفاه له، أمره أن يتقلل من الدنيا وأمره أن يستزيد من العلم، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤] .\rنسأل الله ﵎ أن يعلمنا وإياكم ما جهلنا، وأن ينفعنا بما علمنا.\rوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595791,"book_id":1590,"shamela_page_id":29,"part":"3","page_num":1,"sequence_num":29,"body":"شرح صحيح البخاري [٣]\rللعلم أهمية عظيمة، لذلك ترى الذين يعرفون فضله ومكانته يسارعون في الانتساب إليه.\rولكن الحصول على العلم من غير أدب وبال على صاحبه، ولننظر في هذا إلى أدب النبي ﷺ، فهو القدوة والأسوة، فقد كان متواضعاً مع الصغير والكبير، والعبد والحر، والرجل والمرأة، وقد اقتدى به أصحابه رضوان الله عليهم، فكانوا مثالاً رائعاً في الأدب معه ﷺ، وكذلك مع بعضهم البعض، ولذلك بورك لهم في علمهم وعملهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595792,"book_id":1590,"shamela_page_id":30,"part":"3","page_num":2,"sequence_num":30,"body":"ضرورة تعلم الأدب قبل تعلم العلم\rإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rاللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.\rقال الإمام البخاري ﵀: باب من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث، ثم أجاب السائل حدثنا محمد بن سنان، قال: حدثنا فليح (ح) ، وحدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، قال: حدثني أبي، قال: حدثني: هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: (بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال؛ فكره ما قال.\rوقال بعضهم: بل لم يسمع.\rحتى إذا قضى حديثه، قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله.\rقال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة.\rقال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) .\rهذا هو الباب الثاني من كتاب العلم للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وقد افتتح هذا الكتاب بقوله: (باب فضل العلم) فلنتصور أنك بعدما سمعت الأحاديث والآيات في فضل العلم أن تكون تمتعت بذلك، ورغبت أن تكون إما متعلماً على سبيل النجاة، أو أن تكون عالماً، ولكل قسم من هذين القسمين عُدة، فالمتعلم على سبيل النجاة يسمع ويعمل، أما المتعلم ليُعلم فإنه يسمع ليعمل ثم يعلم.\rفبعد أن علمت فضل العلم والعلماء، وأن العلم يتبارى الناس في الانتساب إليه، وإن لم يكونوا من أهله؛ لأنه شرف (كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس بأهله، وكفى بالجهل عاراً أن يتبرأ منه من هو فيه) ، فبعدما علمت فضل العلم والعلماء، ومنزلة العلم والعلماء، نتصور أنك ستقبل وتنضم إلى قافلة العلماء، فحينئذ عقد الإمام البخاري ﵀ الباب الثاني على اعتبار أنك تريد أن تنضم إلى سفينة العلماء، فقال: باب من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه، فأتم الحديث ثم أجاب السائل.\rذكر البخاري ﵀ طرفاً من أدب طالب العلم، إذن الباب الذي ينبغي عليك أن تضع فيه أول خطوة، هو باب الأدب، العلم بلا أدب وبال على صاحبه، لا تدخل العلم إلا من باب الأدب، بينما كان النبي ﵊ يحدث الناس، جاء أعرابي فقطع عليه حديثه، فهل هذا أدب؟ يعني هل يجوز لك أن تقطع على الشيخ كلامه لتسأل أم تنتظر؟ الإمام البخاري عندما ذكر هذا الحديث إنما ذكره كنموذج؛ ليقول: إن أول شيء ينبغي أن يتحلى به طالب العلم هو يتعلم الأدب.\rفإذا كان السائل جافياً -مثل هذا الأعرابي- فهل لك أن تعرض عنه أم تقدر حال السائل؟ فدلنا بذلك على أن طالب العلم ينبغي أن يتحلى بآداب، كما أن الشيخ ينبغي أن يتحلى بآداب.\rوقيل: إنه لا يصلح للقيادة من لم يتعلم الجندية، جندي يسمع ويطيع، فإذا صار قائداً كان قائداً ناجحاً، لذلك نقول لطلاب العلم: إذا لم تتعلم الأدب في مطلع طلبك للعلم لا يمكن أن تورثه، وتكون أول جانٍ عليه؛ لأن هذه المسألة سلف ودين.\rفلذلك سنقف على نتف مما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم من الآداب، وما ينبغي أن يتحلى به الشيخ -أيضاً- من الآداب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595793,"book_id":1590,"shamela_page_id":31,"part":"3","page_num":3,"sequence_num":31,"body":"وجوب محافظة العالم على هيبته ليصل علمه للناس\rذكر الخطيب البغدادي عن بعض العلماء أنه قال: علم بلا أدب كنار بلا حطب.\rوهذا معناه: أن الأدب هو وقود العلم، ومعناه أيضاً: أن العلم لا يصل إلا بأدب.\rوخلاصة الكلام: العلم لا يصل إلا بحكمة.\rمثلاً: كان هناك طالب من طلاب العلم، وكان طالباً نبيهاً، لكنه في صباح كل يوم جمعة يجمع الطلبة ويلعب معهم كرة نقول: لماذا تلعبون الكرة؟ يقولون: لكي نقوي عضلاتنا، ولنا نية صالحة في الموضوع.\rلكن ليعلم أنهم عندما يلعبون الكرة أنهم ينسون الالتزام، وينسون كل شيء، وأخلاقهم تضيق، وما إلى ذلك من سلبيات مترتبة على لعب الكرة.\rالمهم صاحبنا طالب العلم هذا راوغ الأول والثاني والثالث، وسدد الكرة على المرمى، ومضى مسرعاً ويقول: جول! جول! فقال له أحد الطلبة: والله يا شيخ أنت كذاب.\rإذاً: عندما يقول له: والله يا شيخ أنت كذاب، وهذا الشيخ يقعد على الكرسي ويعلم هؤلاء الطلبة، هل يصل هذا العلم إلى الطلبة؟ هذا العلم لا يصل إلا بحشمة، الحشمة التي هي الوقار، وهي رصيد الإنسان عند الناس، ولا يصل المرء إلى هذه الحشمة إلا بعد أن تثبت قدمه في الخدمة، لا يمكن أن الناس يسوِّدونك، ولا يضعونك في الأفئدة إلا إذا ثبت أنك خدوم، وأنك إنسان أصيل، وهذا لا يعرف إلا بعد سنين من الخدمة، فالإنسان لابد أن يراعي ويحافظ على مكانته وهيبته، الإنسان المتعلم الذي يريد أن يعلم له عُدة لا بد أن يعتد بها.\rتجد أحياناً بعض الناس العوام -مثل العمدة في الأرياف- بالرغم أنه غير متعلم، وليس عنده علم شرعي، إلا أنه إذا جلس، فالكل يصدر عن رأيه، والكل يحترمه لماذا؟ لأنه إنسان عنده حشمة.\rفالحشمة: هي الهيبة -هيبة العالم- ولذلك ينبغي على العالم ألا يكثر من الاختلاط بالعوام، لابد أن يكون بنيه وبينهم شيء من الحاجز، لا أقول: يتكبر عليهم -عياذاً بالله- وإنما شيء من الحاجز.\rكان هناك أحد الدعاة المشهورين، وكان هناك رجل معين يتمنى -وهذا الرجل كنت على علاقة به- أن يمس يد هذا العالم بيده، ومرت الأيام، وكان رجلاً صاحب تجارة، المهم: توصل عن طريق أحد الناس من الوصول إلى هذا العالم في بيته، وأخذ معه بعض المواد الغذائية وذهب إليه، فلما رأى العالم هذا قال له: ما هذا؟ قال: لابد أن تقبل الهدية، لا تكسر خاطري.\rبعد ذلك أول ما يراه يسلم عليه، ويجلسه معه وغير ذلك ثم تكرر ذلك مرة ومرتين وثلاثاً، حتى صار هذا الرجل نديماً لهذا العالم في مجالسه.\rوهذا العالم كان رجلاً خفيف الظل، صاحب نكتة، ومجالسه لا تمل منها أبداً.\rفبدأ هذا الرجل يرى شيئاً آخر ما كان يتخيله، يعني بعض الناس سأل بعض علمائنا الكبار وهو الشيخ الألباني حفظه الله، قال له: أنت تضحك؟ وهل أولادك ممكن يتكلمون معك؟ تدرون لماذا سأل هذا السؤال؟ لأنه لم ير الشيخ إلا وهو يقرر المسائل، ويرد على المبتدعة، ولا يضحك إلا نادراً، لذلك سأل سؤالاً عجيباً.\rبعض الناس يتخيل أن العالم الذي شغل وقته بالعلم ونشره ليس عنده وقت أن يتبسط، بمعنى أن بعض الجلوس يتصور أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مثلاً، هذا الرجل الذي عقد لواء الحرب على كل المبتدعة، وغزاهم في عقر دارهم، وما خرج أبداً مهزوماً من غزوة، قد يتخيل أن هذا الرجل ليس عنده وقت للضحك، أو للمزاح، أو وقت للفكاهة مع أصحابه، لماذا؟ ألأجل الصرامة التي عهدتها من كتاباته، والمناظرات التي كان يعقدها للرد على المبتدعة وغيرهم؟! المقصود: أن بعض الناس يتخيل أن حياة العالم مختلفة؛ لأن بينه وبين هذا العالم حاجز فذلك الرجل استطاع أن يخترق هذا الحاجز، وبدأ يزول الحاجز، الجدار الذي كان ينبغي أن تضع عليه كل يوم لبنة، احذر أن يكون جدارك منخفضاً، أي: كن خدوماً، وانزل في وسط الناس لكن بحكمة.\rوصل الأمر في آخر المطاف أن هذا الرجل -الذي كان يتمنى أن يلمس يد هذا العالم- قام وعقد لواء الحرب على هذا العالم وفضحه بأشياء، مع أنها أشياء مباحة، وكانت مشكلة كبيرة.\rالمقصود أن العالم ينبغي أن يكون كامل الحشمة، وذلك بأن يترفع عن كثير من المباحات، ولا شك أن ذلك سيكلفه كثيراً.\rفهذا الإمام البخاري ﵀ كان لا يبيع ولا يشتري بنفسه، إنما يشتري له آخر، ويبيع له آخر.\rلماذا؟ لأن البيع والشراء فيه نوع من المساومات والمجادلات، فمثل هذه المساومات والمجادلات قد تضع من حشمة هذا العالم، وحتى يتقي أيضاً المظالم، فلا يظلم صاحب السلعة، وذلك بأن يكون أحسن لساناً منه فيأخذ السلعة بأقل، أو يأخذ من ربح البائع إلخ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595794,"book_id":1590,"shamela_page_id":32,"part":"3","page_num":4,"sequence_num":32,"body":"نماذج من أدب السلف مع مشايخهم وأقرانهم\rالإمام أحمد بن حنبل ﵀، عندما ذهب إلى عبد الرزاق بن همام الصنعاني في اليمن جلس عند قدميه، فأمره عبد الرزاق أن يرتفع فيجلس بجانبه، قال: لا، لا أجلس إلا عند قدميك، هكذا أمرنا أن نصنع مع علمائنا.\rوما وضع هذا من قدر الإمام أحمد ﵀، وفعلها الإمام أحمد تأدباً، فتأسينا به بعد آلاف السنين، وكذلك فعل الإمام أحمد مع خلف الأحمر لما ذهب ليقرأ عليه، فقد جلس عند قدميه.\rهناك حكاية لطيفة عن الأدب مع الأقران -وهي صحيحة- رواها ابن أبي حاتم في مقدمة كتاب: (الجرح والتعديل) وهي مختصرة، ولكنها مذكورة بكاملها في كتاب: علوم الحديث للحاكم، وشعب الإيمان للبيهقي، وكتاب: الإرشاد للخليلي، وكتاب: فضل التهليل لـ ابن البناء، وتاريخ دمشق لـ ابن عساكر، وتاريخ بغداد، هذه القصة -وهي قصة عجيبة وصحيحة- يحكيها محمد بن مسلم بن وارة الرازي.\rقال: قلت لـ أبي حاتم الرازي: هلم بنا ندخل على أبي زرعة - عبيد الله بن عبد الكريم الرازي - نلقنه، وكان أبو زرعة في سياق الموت يعني: في النزع الأخير- قال: قلت له: إن من حقوق الصحبة، أن نكون معه إلى آخر يوم في الدنيا، إلى آخر لحظة، ونكون أوفياء بأن نلقنه الشهادة.\rفقال أبو حاتم: إني لأستحيي أن ألقن أبا زرعة -يعني مثل: أبي زرعة الرازي الذي أفنى حياته في جمع حديث النبي ﵊، وكان رجلاً عاملاً بعلمه- مثل هذا أنا أستحيي أن ألقنه.\rقال له: إذاً تعال نحاول معه بأي طريقة، كأن ندعي أننا نتذاكر حديثاً مثل حديث: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) ، كما كنا نتذاكر من قبل، أنت تقول إسناداً، وأنا أقول إسناداً، حينها عندما يسمع أبو زرعة هذا الحديث سيذكر إن كان ناسياً وينطق بالشهادة، قال له:حسن! فذهبا فدخلا عليه، فقال محمد بن مسلم بن وارة: حدثنا أبو عاصم النبيل - الضحاك بن مخلد - قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، وسكت، نسي الإسناد من هيبة أبي زرعة! فهابه الرجلان، وهؤلاء أقران، هل تعرف أن أبا حاتم وأبا زرعة كانا أولاد خال، ومحمد بن مسلم الرازي أعلى منهما في الطبقة والإسناد، كما سيظهر حتى من هذا الحديث.\rفـ محمد بن مسلم قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، وسكت، فقال أبو حاتم: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر.\rولم يستطع أن يكمل، ووقف هو أيضاً، لم يستطع أن يكمل أبو حاتم الحديث.\rفـ أبو زرعة قال: أقعداني فأقعداه فقال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي عريش، عن كثير بن مرة، عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ... ) وخرجت روحه مع الهاء.\rلم يقل: (دخل الجنة) وفي رواية أخرى أنه قال: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) ومات.\rفانظر إلى هذا الأدب العجيب! حتى مع الأقران، مع أنه عادة أن تحصل الخلافات بين الأقران وهي مسألة واردة؛ فالحسد والغبطة عادة ما تكون بين الأقران، لكن هؤلاء لما طلبوا العلم دخلوه من باب الأدب، يكفي أن تشتغل بعيبك.\rوأنا أرى أن هذه الدروس مهمة؛ لأن الطلبة في زمننا هذا اشتغل بعضهم بالكلام على بعض، بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإظهار كلام المبتدعة، وغير ذلك من الدعاوي، وهذه مزلة أقدام.\rوكما قيل: لا تحملن كلمة لأخيك على الشر وأنت تجد لها في الخير محملاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595795,"book_id":1590,"shamela_page_id":33,"part":"3","page_num":5,"sequence_num":33,"body":"أهمية الرفق والصفح في الدعوة إلى الله تعالى\rكان الحسن البصري يقول: إذا بلغك عن أخيك ما تكره فابحث عن عذر، فإن لم تجد له عذراً فقل: لعل له عذراً.\rإذا لم تجد له عذراً، فمطلوب منك أن تستغفر له، ويجب أن تتمتع بقدر من التغابي، لا أقول الغباء؛ فإن العلم لا يصلح لغبي، لا يتعلم غبي ولا عصبي، لكن ينبغي أن تتمتع بقدر كبير من التغابي قيل لأعرابي: من العاقل؟ قال الفطن المتغافل.\rإذاً تتغافل، أنت تعرف أن هذا الإنسان فعل فعلاً ويريد أن يخرج من سخطك بعذر، فلو لم تكن صاحب حشمة ولم تعذره لما خرج من سخطك، هو يحسن نفسه أمامك؛ لأنه ما زال يحترمك، ما زلت كبير القدر عنده، فلا تضع قدرك، طالما أنه حريص على أن يواري سوأته عنك، فأتح له الفرصة، وافتح له طريق.\rوالنبي ﵊ قال: (ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) قال نحو هذا الكلام لـ عائشة ﵂ لما كانت تسرع بالجمل، قال: (يا عائشة! عليك بالرفق) حتى مع الدواب.\rوأنا أقول لك مثلاً: تخيل أنك تدق مسماراً في هذا حائط، وأنت رجل لديك عضلات قوية، وضربت المسمار ضربة قوية، ماذا سيحدث؟ سيرتد عليك، لكن لو ضربت عليه بهدوء، سيثبت ويستقيم معك.\rهناك ناس كثيرون مثل هذا المسمار لا يأتي إلا بالدق، لا يأتي بالذوق أبداً، فأنت كن حليماً، وكن رفيقاً، ينبغي أن يتخلق الداعية بالحلم، فلست جهة محاسبة، أنت جهة إصلاح.\rوأيضاً نقول لإخواننا الذين يتعلمون -لا أقصد إخواننا الدعاة؛ لأنهم أفضل مني، ولا أنصحهم ولا أعيبهم، هم يعرفون ذلك، لكن إخواني الذين يريدون أن يترقوا بالعلم-: عليكم بالرفق، أخي! عليك بالرفق لكي تصل إلى مطلوبك، إياك وأنت تطلب العلم أن تفكر أن تكون إدارياً، الإداري مكروه، حتى وإن كان محقاً فيما يفعل، لكنه مكروه، لو تعامل الإداري الداعية بأسلوب الدعاة أفسد الإدارة لماذا؟ لأن الإدارة تحتاج إلى حزم، كل شخص يأتي ويقول: يا إداري سهّل لي المسألة الفلانية، وأدخلني إلى المكان الفلاني، وأنا سآتي لك بفلان واسطة.\rلو أنه قبل كل شفاعة تصل إليه ضاعت الإدارة، إذن تحتاج الإدارة إلى حزم، فالداعية لا تصلح له الإدارة، أي إنسان يدخل في الإدارة لا بد أن تؤثر في سلوكه وتعامله مع الناس، وتؤثر في دعوته إن كان داعية.\rوعندكم عبرة بالأيام، انظروا! أي داعية دخل في الإدارة فلابد أن يخسر دعوته مباشرة، الداعية يحتاج إلى أن يعين إخوانه، يخالطهم ويصبر على أذاهم، ويسامح من آذاه، لكن الإداري مهما بسط وشرح عذره للناس لا يخرج من الملامة أبداً، إذاً لابد أن تكون داعية صرفاً، يعني: لا تشتغل بالإدارة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595796,"book_id":1590,"shamela_page_id":34,"part":"3","page_num":6,"sequence_num":34,"body":"الإخلاص أول أدب ينبغي أن يتحلى به طالب العلم\rباب الأدب أوسع الأبواب التي يلج منها طالب العلم، فأنت كطالب علم لا بد أن تلتزم بآداب: أول الآداب التي ينبغي أن يتخلق بها طالب العلم هو: أن يحسن نيته في طلب العلم (الإخلاص) لابد أن تعلم أنك لا تتعلم لتكون فقيهاً أو ليشار إليك.\rلكن هناك مسألة واقعية، وهي عقبة تصرف كثيراً من الطلبة في بدء الطريق -عن العلم- هذه المسألة هي: أنك تجد طالب العلم يتمنى أن يكون مشهوراً، ويتمنى أن يكون معروفاً، فبعض الذين يدركهم الورع ينصرفون تماماً عن طريق التعلم؛ خشية الرياء.\rأنا أقول: لا، اصبر، اصبر قليلاً، قال ابن جريج لـ عبد الملك بن عبد العزيز -وهو من أوائل من صنف الكتب، وهو من طبقة الإمام مالك ﵀ قال: طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له؛ لأن عقد النية من أصعب ما يواجه الإنسان، عقد النية مسألة عسيرة! طالب العلم في مبدأ أمره وهو لا زال طالباً صغيراً، ليس عنده علم، فيعجز عن استحضار النية لقلة علمه، فلا يزال يواصل في الطلب، ويواصل ويواصل، فكلما تعلم شيئاً من العلم استفاد منه؛ فيحسن عقد النية في آخر الأمر، لكن هذا الذي ينصرف عن طلب العلم بحجة الخوف من الرياء، هو ليس عنده علم حتى يجرد النية له، فأنت اصبر على نفسك، ولا تتهم نفسك من أول الأمر.\rوقد جاء في الأثر: (من أدمن طرق الباب ولجه) طالما أنك تطرق سيفتح لك، فإذا تصورنا أن هناك إنساناً بداخل البيت، فطرقت الباب مرة أو مرتين وكان نائماً لا يفتح لك، لكن إذا ظللت تطرق وتدمن الطرق سيفتح لك، والعلم هكذا، لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وهذا من عزة العلم، مثل القرآن، فإنه لا يبقى في صدر المهمل، فأنت تتركه يتفلَّت منك؛ لأنه عزيز الجانب، يتركك في الحال، ويتفلت منك في ضحوة من نهار، فإذا لم يجد الترحاب والاهتمام والرعاية، وتبقى مهتماً به فإنه يدعك، كذلك العلم؛ لأنه عزيز أيضاً، لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك.\rفأنت في بدء الطريق لا تستطيع أن تجرد نيتك، فعليك أن تصبر على نفسك، وكلما تعلمت شيئاً من العلم أضفته لعلومك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595797,"book_id":1590,"shamela_page_id":35,"part":"3","page_num":7,"sequence_num":35,"body":"حسن القصد في طلب العلم من عوامل الدفاع عن الدين\rحسن القصد خاصةً في هذا الزمان الذي خلا من العلماء الربانيين إلا ما ندر، أنت ستحمل هم هذه الأمة، وهمتك تكون على قدر همك، فكلما عظم همك عظمت همتك، أنت تمضي في هذا الزمان، الزمان الذي حصل فيه مسخ، ولا زالوا مجدين في هذا المسخ، من الذي يقف ويدافع عن أصول هذا الدين؟! لا أقول: فروعه، ها أنتم قد قرأتم وسمعتم في الجمعة الماضية عن مقالة الولد الصحفي، الذي كتب عن محاكمة فرعون، قصة اخترعها يقول فيها: إن هناك شخصاً مصرياً اسمه فلان الفلاني، سمع الناس كلها تقول: إن فرعون كافر، فاستغرب الرجل! فرعون كافر! الفراعنة أجدادنا، فقال: لابد أن أقوم وأدافع عن فرعون هذا، مقام وقدم طلباً للمحكمة فيه: أنه يريد أن يدافع عن فرعون، وفي الأخير يقول: إن فرعون مسلم، فرعون الذي ادعى الربوبية هذا مسلم! كيف صار مسلماً؟ قال: لأنه قال كلمة: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠] ، فعندما قال: لا إله إلا الله أصبح مسلماً، والنبي ﷺ يقول: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) .\rحسن! فما آلآنَ﴾ [يونس:٩١] ؟ يعني: آلآن تبت لما عاينت الهلاك والعذاب ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] ، قال: (كنت) للماضي، لكن فرعون تاب الآن، فما علينا بماضيه؛ لأن الإنسان إذا تاب فإن التوبة تجب ما قبلها.\rإذاً: (كنت) هذه للماضي، هو هذا ماضيه وختم له به، وليس له مستقبل.\rيعني: أنت لما تقرأ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٦] إذاً (كان) يعني في الماضي.\rقلنا: فرعون عندما قال: و ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ، ما قولك فيه؟ قال: الجماعة هؤلاء -يقصد العلماء- لا يفهمون معنى كلمة (رب) ، الرب تعني: الراعي والمهتم بالرعية.\rحسن قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات:٢٥] هذه الآية وغيرها أين تذهب بها؟ وقوله:: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] وقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر:٤٦] هنا وقف في قراءة، وهذا واضح، فكيف تتأول هذه الآية؟! فذلك الشخص يريد أن يثبت أننا فراعنة، وأننا لا ننتمي إلى الإسلام، وإنما ننتمي إلى الفرعونية.\rوهذه القصة وردت في صفحة كاملة.\rوالصفحة الكاملة تكلف ثلاثمائة ألف، يعني هناك خسارة ثلاثمائة ألف ليُنشر مثل هذا الكفر، وقد أهدر الله ﷿ كل اعتبار لفرعون كما في القرآن، هذه مسألة من المعلوم من الدين بالضرورة، وهي: أن فرعون من الكافرين، عندما تصل الجرأة برجل فيقول: إن فرعون مسلم؛ لأنه لا يوجد من يحاكمه، ولا من يراجعه، بالعكس لقد أخذ أجراً على هذا الكفر الذي نشره، ويذهب إلى بيته آمناً، ولا توجد حتى لجنة تحاوره، وكذلك علماء الأزهر لم يواجهوه، وإلا كان المفروض في اليوم الثاني أن تنزل لجنة من الأزهر تطالب بمحاكمته، وتوقفه عند حده، لكن حتى الآن ليس هناك رد في الجرائد عن مثل هذا الكفر، وهذا تكذيب لرب العالمين، عندما يأتي شخص يقول: إن فرعون مسلم، هذا تكذيب صريح لرب العالمين، وقد امتلأ القرآن بتكفير فرعون.\rهؤلاء عندما كتبوا كفرهم ولم يحاكموا؛ أغرى ذلك غيرهم ليسلك نفس الدرب؛ لأن هذا الأنوك سبقه أنوك آخر، ليس له من العلم نصيب؛ إنه توفيق الحكيم -حيث لا توفيق ولا حكمة- الرجل هذا ألَّف رواية اسمها (الشهيد) ، يقول فيها: إن إبليس مظلوم، وإن ربنا ﷾ لم يعطه الفرصة ليدافع عن نفسه، وذلك أنه أول ما قال: (أنا خير منه) ، قال له: (اخرج منها فإنك رجيم) .\rهذا الوقح يخاطب الله ﷿ فيقول: اعطه فرصه، دعه يدافع عن نفسه ثم يقول -على لسان إبليس مخاطباً رب العالمين- يقول: يا رب! أنا الذي وحدتك، والملائكة أشركوا.\rكيف ذلك؟ قال: أنا رفضت أن أسجد إلا لك، وهم سجدوا لبشر، والسجود للبشر كفر.\rأنا لا أستبعد يا إخواننا! أن يخرج آخر أنوك يقول: إن رب العالمين مشرك.\rكيف ذلك؟ سيقول لك: إن ربنا أقسم بالشمس وضحاها والتين والزيتون، ولا يجوز الحلف إلا بالله! يا أخي! لا تستغرب، لا تستغرب مثل هذا، ما كان يخطر على بال إنسان أن يخرج واحد يقول شخص: إن إبليس مظلوم؛ لأن رب العالمين لم يعطه الفرصة ليدافع عن نفسه والله ما كان يخطر على البال على الإطلاق أن يصل هذا الكفر المجرد إلى هذا الحد، وتنشر الرواية، وبعد ذلك يصوغها في أسلوب هزلي لكي تلتبس على علماء الشريعة، يقول فيها: إن إبليس أراد أن يتوب، قال: يا جماعة دلوني على الذي يقبل توبتي؟ قالوا له: عليك بأكبر رأس، من هو؟ إنه شيخ الأزهر، مرشد الأزهر هو أكبر رأس، شيخ الإسلام في البلد، قل له: أنا أريد أن أتوب.\rفجاء إبليس إلى شيخ الأزهر، قال له: القرآن مليءٌ بأن الإنسان إذا أراد أن يتوب فله ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥] : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا﴾ [الزمر:٥٣] وأنا الآن اكتشفت أنني كنت مخطئاً وأريد أن أتوب، فاقبل توبتي.\rفأخذ شيخ الأزهر يلعب بلحيته، يعني أن الحجة التي أتى بها إبليس كانت قوية، لم يستطع أن يأتي برد، فالرجل لعب بلحيته؛ لأنه ألزمه الحجة.\rقال شيخ الأزهر لإبليس: هل تبت؟ قال: نعم.\rقال له: إن نصف القرآن يلعنك، وأنا لو قبلت توبتك فإني سأبطل القرآن.\rلا أقبل توبتك؛ لأني في هذه الأرض أدافع عن القرآن، لا يمكن نلغي نصف القرآن من أجل أن نقبل توبتك، قال له: لكن أنا أريد أن أتوب، لو أن شخصاً من بني آدم أراد أن يتوب هل ستقول له: لا؟! أنا أريد أن أتوب، وهذا نص القرآن الذي تقرأه، والذي تدافع عنه: إن أي شخص يريد أن يتوب فله ذلك.\rقال: حينئذ سكت شيخ الأزهر قليلاً وقال: المسألة هذه أعلى من اختصاصي، أنا كل اختصاصي أن أرفع من مكانة الأزهر، وألمع الأزهر فقط، أما المسألة هذه فتحتاج إلى شخص أكبر مني قليلاً.\rإذاً: لمن أذهب؟ قال له: اذهب إلى جبريل.\rيا إخوان! الرواية مكتوبة وتباع! فذهب إبليس وصعد إلى جبريل، وقال له: أريد أن أتوب، فقال جبريل: لا، هذه المسألة ليست من اختصاصي، هذه لا يفصل فيها إلا رب العالمين، عليك برب العالمين، فإن بابه مفتوح، فذهب إبليس إلى رب العالمين فلعنه، فطفق نازلاً وهو يصرخ صرخة -انظر إلى الكفر المجرد! - تجاوبت لها السماوات والأرض والأشجار والأفلاك والأحجار والرمال والبحار والأنهار ويقول: أنا شهيد، أنا شهيد، أنا شهيد.\rيعني: أنا مظلوم! فهو عندما رده رب العالمين نزل وهو يقول: أنا مظلوم، فكل الكون تجاوب معه؛ لأنه مظلوم هل يصلح يا إخواننا مثل هذا الكلام؟! نحن نعاني من محنة لا يعلمها إلا الله.\rلا يعلمها إلا الله.\rونحتاج فيها كتيبة من العلماء في كل حي، لا أقول كتيبة من العلماء في البلد، بل في كل حي، الأمر جد وليس بهزل، فهذا الكفر الذي يظهر يومياً على صفحات الجرائد، ناهيك عن رسومات (الكاريكاتير) التي تستهزئ بالله ورسوله، رسم رجل هنا (كاريكاتير) فنقله شخص في جريدة كويتية وآخر نقله في الجريدة فعوقب الذي في الكويت بستة أشهر في السجن، والذي رسم (الكاريكاتير) في هذا البيلد لم يعاقبه أحد، وجاء في جريدة في صفحة النكت أن مدرساً سأل تلميذه فقال: لماذا أخرج الله آدم من الجنة؟ فقال له الطالب: لأنه ما دفع الإيجار! هل يجوز هذا الكلام؟!!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595798,"book_id":1590,"shamela_page_id":36,"part":"3","page_num":8,"sequence_num":36,"body":"أهمية معرفة مسائل الخلاف وأنواعها\rطلبة العلم لا ينبغي لهم أن يرد بعضهم على بعض، ويهجر بعضهم بعضاً، ويصطادون أخطاء بعض، وكل هذه الأفعال يفعلونها تحت مظلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووتحت مظلة لا بد من الرد على المبتدعة وغير ذلك.\rأقول: هذا أمر جيد، أنا لا أستهين ولا أقلل من هذا الدور، لكن يجب أن لا تلبس علينا الأمور، لا بد أن ندرس مسائل الاختلاف دراسة واعية، ونعرف الاختلاف الذي يسوغ فيه التفرد، والاختلاف الذي هو اختلاف التناقض، ونعرف اختلاف التنوع الذي يسعني الخلاف فيه معك، وأن تكون أخي برغم هذا الخلاف.\rذكر الذهبي في: سير أعلام النبلاء في ترجمة الشافعي ﵀: أنه اختلف في مسألة ما مع تلميذ له -وهو يونس بن عبد الأعلى - وتفرقا، قال يونس: فجاء الشافعي فطرق بابي، ثم أخذ بيدي فقال: يا أبا موسى! ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟ قال الذهبي: ما أكمل عقل هذا الإمام! فلا زال النظراء يختلفون، حتى الصحابة اختلفوا، لكن ما تفرقوا، هناك فرق، لأنهم كانوا يعلمون الاختلاف السائغ، والاختلاف الذي لا يسوغ، وهذا لا يكون إلا إذا درسنا الآداب -آداب طالب العلم-.\rفالإنسان إذا تأدب وتعلم؛ فإن علمه يصل إلى الناس، بخلاف الإنسان غير المؤدب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595799,"book_id":1590,"shamela_page_id":37,"part":"3","page_num":9,"sequence_num":37,"body":"نماذج من رجوع علماء السلف عن الخطأ والاعتراف به\rذكر أبو بكر بن العربي في كتاب: أحكام القرآن -وهو كتاب ممتع- ذكر حكاية عن شيخه محمد بن القاسم العثماني، قال: دخلت مرة مصر وذهبت لأحضر مجلس أبي الفضل الجوهري، فسمعته يقول: (طلق رسول الله ﷺ، وظاهر وآلى) ، قال: وانفض المجلس فتبعته، قال: وعليَّ شارة الغربة، أي: علامة السعر.\rوهي الثياب الرثة؛ لأجل هذا استغرب الصحابة شكل جبريل ﵇ في حديث الإسلام والإيمان والإحسان، رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، ولا يعرفه منا أحد! هذا معناه أن ثيابه نظيفة، ولا يزال شعره مرجلاً.\rقال: فتبعته، حتى إذا خف المجلس قال: أُراك غريباً.\rقلت: نعم.\rقال: لك حاجة؟ قلت: نعم.\rقال: أفرجوا له.\rفاختلى به، فقال له محمد بن قاسم: حضرت مجلسك متبركاً بك، فسمعتك تقول: طلق رسول الله ﷺ وصدقت، وسمعتك تقول: وآلى رسول الله ﷺ، وصدقت، وسمعتك تقول: وظاهر رسول الله ﷺ، وهذا لم يكن؛ لأن الظهار منكر من القول وزور، ما كان ليقوله رسول الله ﷺ.\rقال: فضمني إليه، وقبل رأسي، وقال: أنا تائب من هذا القول، جزاك الله خيراً.\rلا يمكن أن يفعل هذا إلا عالم مؤدب، تمرس على الأدب وهو طالب، فورث العلم والأدب وهو شيخ، قال: فلما كان من الغد بكرت إلى المسجد، فإذا الجامع غاص بأهله -مليء- قال: فدخلت، فلما رآني، استقبلني وقال: أهلاً بمعلمي! قال: فتطاولت الأعناق إلي.\r-إذا كان شيخهم محترماً جداً إلى هذا الحد، فشيخ شيخهم كيف يكون؟ - قال: فتطاولت الأعناق إليَّ، ورفعوني، فتصبب بدني عرقاً من الحياء، ولم أعرف بأي موضع أنا من الأرض، قال: فحملوني إليه وقال أبو الفضل الجوهري: أنا معلمكم وهذا معلمي، إنني قلت لكم بالأمس: (إن النبي ﷺ طلق وآلى وظاهر) وإن هذا الشاب جاءني وقال: كذا وكذا، وأنا راجع عن قولي.\rلأنك عندما تنسب نفسك إلى النقص غير أن تنسب نبيك إلى النقص، وليس لكي تدافع عن نفسك وعن وجهة نظرك تتهم الرسول ﷺ، لا، أنت تعرف الحديث الذي رواه الشيخان في صحيحيهما، حديث الخوارج: (أن النبي ﷺ كان يقسم غنائم حنين، فجاء ذو الخويصرة، فقال: يا محمد! اعدل، فإنك لم تعدل.\rقال: ويحك، لقد خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل) هي هذه الرواية التي قام المحققون بضبطها هكذا، وليس (لقد خبتُ وخسرتُ) شيخ الإسلام ابن تيمية: إن من ظن في نبيه أنه لا يعدل كفر.\rإساءة الظن بالنبي كفر، فلقد خبت وخسرت إن ظننت أني لا أعدل وأنا رسول رب العالمين، يقول لك: لأن الأسماء قد تكون كثيراً على خلاف القياس؛ ولذلك ينبغي أن تتلقى من أفواه الشيوخ، الأسماء بالذات لا تجري على القياس إنما تتلقى بالسمع.\rفمثلاً: الأنباري صحح فهمه الدارقطني فَقَبِلَ، قال الدارقطني: فأعظمته وأكبرته أن يحمل عنه خطأ، فلم يذهب للشيخ مباشرة؛ لأن الشيخ جليل، كبير! والدارقطني مازال شاباً، يحضر مجالسه، قال: فأعلمت مستمليه.\rفقلت: إنه يقول كذا، أي أن الاسم الفلاني ضبطه الشيخ خطأً، فالمستملي أبلغ أبا بكر الأنباري، فقال: إنني أخطأت في ضبط الاسم الفلاني، وقد أوقفنا هذا الشاب على الصواب.\rقال: فعظم في عيني.\rوهذا الشافعي يقول: ما ألقيت الحجة على أحد فقبلها إلا هبته، وزاد في عيني، وما ردها أحد إلا سقط من عيني! نحن قلنا: باب الأدب باب مهم، لا ينتفع الناس بعلم إلا إذا كان المبلغ تعلم الأدب.\rومن تمام الأدب أن تعرف قدر نفسك وتعرف قدر غيرك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595800,"book_id":1590,"shamela_page_id":38,"part":"3","page_num":10,"sequence_num":38,"body":"عدم بذل العلم إلا لمن يستحقه\rهذا سفيان بن عيينة كان ماشياً، فلقيه غلام فقال: يا سفيان! يا سفيان! حدثني.\rقال يا غلام! من جهل أقدار الرجال فهو لنفسه أجهل.\rولذلك كان بعض العلماء لا يعطي طالب العلم مناه من الفائدة؛ ليس كتماً للعلم، ولكن اختباراً لأدبه.\rجاء رجل إلى يحيى بن معين، وقال: يا أبا زكريا! أنا مستعجل، أنا على سفر، حدثني حديثاً أذكرك به.\rقال: اذكرني إذ طلبت مني فلم أفعل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595801,"book_id":1590,"shamela_page_id":39,"part":"3","page_num":11,"sequence_num":39,"body":"اختبار يحيى بن معين لشيخه أبي نعيم\rوالفضل بن دكين ﵀ أبو نعيم - وهو من كبار مشايخ البخاري في الطبقة الأولى، البخاري شيوخه على ثلاث طبقات، أعلى طبقة في شيوخ البخاري منهم: أبو نعيم الفضل بن دكين، و: مكي بن إبراهيم، وحمزة بن عبد الله الأنصاري، وعبيد الله بن موسى،\rأبو عاصم النبيل، ومحمد بن موسى السرياغي.\r، وطائفة من هؤلاء العلماء الكبار، هم كبار مشايخ البخاري.\rفـ الفضل بن دكين هذا -وهو من مشايخ أحمد أيضاً- كان يجلس ويحدث، وكان يجلس عن يمينه أحمد بن حنبل وعن شماله ابن معين، ففي يوم من الأيام أحب يحيى بن معين أن يختبر شيخه الفضل، فكتب جملة أحاديث في ورقة بها عشرة إلى عشرين حديثاً من أحاديث الفضل، ولكن وضع فيها ما ليس من حديثه؛ ليختبر حفظه؛ لأنه طالما لم يميز حديثه من حديث غيره إذاً ساء حفظه، فهو يريد أن يتأكد هل شيخه لا زال حافظاً ضابطاً أم لا، فعمل المسألة هذه واستشار الإمام أحمد فقال: ما رأيك هل نعمل هذا مع الشيخ لنختبره، ونعرض عليه الأحاديث؟ فقال الإمام: لا تفعل، إنه كفء -هذا رجل حافظ- قال ابن معين: لابد أن أفعلها، لكن لم يعطه الورقة بنفسه، وإنما أعطى الورقة لـ أحمد بن منصور الرمادي، وهو أحد الأئمة الثقات، وكان يحضر في مجلس مثل الذي يكون فيه مثل هؤلاء الطلبة.\rقال فلما خف المجلس ناوله الرمادي الورقة، قال: فجعل الفضل ينظر فيها، ثم سكت قليلاً، ثم قال: أما هذا - يعني أحمد بن حنبل - فآدب من أن يفعل ذلك، وأما أنت فلا تجرؤ على أن تفعل ذلك، وليس هذا إلا من عمل هذا.\rقال وأخرج رجله فرفسه، فأسقطه من على الدرج، وقال: علي تعمل الأشياء هذه؟! وقام مغضباً، فقام يحيى بن معين وقبل جبهته، وقال: جزاك الله عن الإسلام خيراً، مثلك يحدث، إنما أردت أن أجربك، والله لرفستك أحب إلي من رحلتي.\rفـ ابن معين ما قام بعد أن رفسه أمام الطلبة ويقبل جبهة شيخه إلا لأنه تعلم الأدب، لكنهم اهتموا بباب خطير من أبواب العلم، وهو باب الحكم على الرواة، فكان بعض الشيوخ يقسو على الطلبة، ليس كتماناً للعلم، ولكن ليظهر أدب الطالب، فأنت عندما ترده يرجع إليك منكسراً، هذا هو الذي يتعلم، لكن إذا قال: لماذا تفعل هذا معي؟! مثل هذا لا ينفع أن تعطيه العلم، هذا لا يصلح أن يحمل علماً، فيتضرر منه أناس كثيرون إذا حمل أمثاله العلم، لكن لابد قبل أن تعطي العلم، ومفاتيح العلم، للطالب لابد أن تعرف أنه أهل أن يحمل هذا.\rأبو العباس السهران له جزء من عوالي حديثه الذي سماه: البيتوتة، كان أبو العباس السهران إذا جاءه من يريد أخذ جزئه وروايته عنه، لم يجبه إلى طلبه إلا إذا بات على بابه في الطل إلى الصباح، وفي الصباح إن رأى عليه علامات الرضا والاغتباط مكنه من رواية هذا الجزء، لكن إذا انقبض؛ إذاً هذا الطالب ليس بمؤدب، ولا يستحق أن يمكن من رواية هذا الجزء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595802,"book_id":1590,"shamela_page_id":40,"part":"3","page_num":12,"sequence_num":40,"body":"صور من تأديب علماء السلف لتلاميذهم\rالإمام الكبير العلم أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش ﵀، كان مشهوراً بالشدة والقسوة على الطلبة، حتى إن الخطيب البغدادي روى عنه حكايات عجيبة في شرح أصحاب الحديث.\rيقول: إن الأعمش ما كان يحب أحداً يجلس بجانبه وهو يحدث، فجاء طالب من الطلبة الغرباء، لا يعرف أن الشيخ يكره ذلك، فجلس بجانبه، فأحس به، وكان الأعمش كفيفاً، فلما أحس به جعل الأعمش يتفل عليه طيلة الجلسة، وهم يقولون لهذا الطالب: اسكت -يشيرون له-؛ لأنه لو تكلم فإن الأعمش سيقطع الحديث في الحال.\rوهذا عبد الله بن نمير وعبد الرحمن بن مهدي، كان الواحد منهما إذا رأى طالباً يبري القلم في المسجد أخذ نعله ومشى.\rوكذلك إذا رأى طالباً يهمر -أي: يجري- أخذ نعله وخرج، ويحرم الطلبة كلهم، وبينهم أناس قدموا من أماكن بعيدة، ما ذنب الطالب الذي قدم من مكان بعيد؟ لأن هذه مسألة أدب.\rوإذا كانوا في مجلس وكيع كأنّ على رءوسهم الطير، هذا كله ليس تحكماً على رقاب الطلبة، وإنما هو نوع من التأديب، كما صح عن مجاهد بن جبر ﵀، قال: لا يتعلم اثنان: مستحٍ، ومتكبر.\rالطالب الذي جاء وقد لبس ثوب العز، ابن فلان الفلاني، أو ابن علان العلاني لا، وأنت آت اخلع الرداء على باب المسجد، وادخل هنا بزي التلميذ وسمت التلميذ، لست ابن فلان في هذا المجلس.\rوكيع بن الجراح هو: الجراح بن مليح الرؤاسي، كان على بيت المال، وهو الذي يعطي الأعطيات للعلماء، فذهب ذات يوم للأعمش، فقال له: ما اسمك؟ قال: اسمي وكيع! ابن من؟ قال: ابن الجراح.\rقال: ابن مليح؟ قال: نعم.\rقال: ماذا تريد؟ قال: أريد الحديث.\rقال: اذهب فأتني بعطاء من أبيك وأحدثك بعشرة أحاديث.\rمباشرةً انطلق وكيع وذهب إلى أبيه، فأعطاه نصف العطاء، فجاء فنظر الأعمش فعرف الحيلة، فحدثه بخمسة أحاديث، قال له: والخمسة؟ قال: تعملها عليّ؟ -وما علم أن الأعمش مجرب، قد شهد الوقائع، رجل أصبح سيد الوقائع، يعني رجل له حروب كثيرة، رجل مجرب- لا أحدثك إلا إذا أتيتني بعطائي كله.\rهذا نوع من التأديب، فاستفاد وكيع من الأعمش كثيراً.\rفمرةً شتمه رجل -شتم وكيعاً - فدخل وكيع داره وعفر وجهه بالتراب، وخرج إلى الرجل فقال له: (زد وكيعاً بذنبه فلولاه ما سلطت عليه، انظروا! ينسب نفسه إلى النقص وإلى التقصير.\rلا يفعل هذا إلا رجل ورث الأدب.\rوسبه رجل أيضاً، فقيل لـ وكيع: ألا تجيبه؟ قال: ولِمَ تعلمنا العلم إذاً؟! لا بد أن يكون هناك فرق بينك وبين السفيه، ونحن نشبه الرجل الذي يحمل العلم، والرجل الفارغ من العلم، بالسيارة الفارغة والسيارة الملآنة: السيارة الفارغة تسرع وقد تخبط أي شيء أمامها من سرعتها، لكن عندما تكون مليئة وتمشي ببطءٍ وتؤدة، كذلك الإنسان الذي لا يحمل العلم كثير الضوضاء، يتكلم كثيراً، كثير الشغب، بخلاف العالم، فهو يقول: لم تعلمنا العلم إذاً؟! لابد أن يكون هناك فرق.\rوالعرب كانت تقول: (لا تجاري السفيه بسفه مثله، فإن هذا يعني أنك رضيت أمره فحذوت مثاله) .\rوقد أحسن من قال: يقابلني السفيه بكل حمق فأرفض أن أكون له مجيباً يزيد سفاهة فأزيد حلماً كعود زاده الإحراق طيباً هل أنت تشم البخور إلا عندما تضرم فيه النار؟! عندما تضرم النار في عود البخور تعرف أنه طيبٌ، كذلك الحلم لا يظهر إلا بمثل هذا.\rفالإمام الأعمش رحمة الله عليه كان شديداً، وورث منه هذه الشدة أبو بكر بن عياش، فقد كان عسراً جداً في التحديث، فجاءوا فقالوا: يا أستاذ! ألا حدثتنا بحديث؟ قال: ولا نصف حديث.\rقالوا: حدثنا بنصف حديث.\rقال: اختاروا السند أو المتن.\rما هذا؟! فأرادوا أن يختبروه، فقالوا: أنت عندنا إسناد، نريد متناً ننتفع به.\rفقال: كان إبراهيم النخعي يدحرج الدلو.\rإذاً: ما الذي استفدناه؟! حتى المتن شح عليهم به، شح عليهم بمتن مفيد، وكان ممكن يقولون له: هات السند؟ فهو يرى أنه بفعله هذا يؤدب الطلبة.\rهذا يذكرني بأحد المحدثين وكان لا يزال شاباً صغيراً، ذهب يسمع من العلماء، فعادة العلماء أنهم إذا رووا حديثاً واحداً بأسانيد كثيرة، أن المحدث يذكر المتن في أول إسناد، ومن ثم يحيل على المتن السابق، يعني لا يكرر، مثلما فعل الإمام مسلم في أول حديث في صحيحه، عندما روى الحديث بإسناد نظيف، وبعد ذلك أورد أسانيد في بعض رجالها مقال، ويقول: بنحو حديثهم، بمثل حديثهم يعني كأنه يريد أن يقول: إن الكلام متشابه.\rفالمهم أن الطالب هذا أيضاً كتب متناً واحداً وكتب لهذا المتن عشرين أو ثلاثين سنداً بنحوه، بمثله، فقالوا له: يا أخي اجعل لنا مجلساً وحدثنا فيه من العلم النافع.\rففتح كتابه، وكان المتن في الصفحة الأولى، ففتح الصفحة الثانية التي فيها الأسانيد وجعل يقول: حدثنا فلان عن فلان عن فلان بمثله، بنحوه، بنحو ما قال، بمثل ما قال، قالوا له: ما هو الذي بنحو ما قال؟ أين المتن؟ أين الكلام؟ قال: كما سمعنا نحدثكم، هل أنا أحرف الكلام أم ماذا؟ أنا سمعت هكذا، الشيخ قال: بنحوه؛ إذاً بنحوه، بمثله، وهو إنما قال: بنحوه، بمثله للحديث الأول، يعني كان المفروض أنه يقرأ المتن الأول.\rفالقصد: أن الشيوخ كانوا يشددون على الطلبة، وكانوا يطردونهم أحياناً إن رأوا المصلحة في ذلك، كل هذا ليس إذلالاً لهم، ولكن لكسر الكبر الذي يأتي من الطالب.\rيقول عيسى بن يونس: ما رأيت مجلساً الفقير أعز فيه إلا في مجلس الأعمش، وكان يحتقر الأغنياء على فقره وحاجته، وما كان يطمع أبداً فيما عندهم؛ لأن الأمر كما قيل لأهل البصرة: بما ساد فيكم الحسن - الحسن البصري -؟ قالوا: احتجنا لعلمه، واستغنى عن دنيانا.\rهذا هو هذا الفرق.\rإذاً أول شيء -وهو من أهم المطالب وأهم الآداب-: أن تعرف لماذا تطلب العلم؟ كثير من إخواننا حتى هذه الساعة صار له عشر سنين، أو خمسة عشر سنة، أو عشرين سنة يقرأ في الكتب، ومع ذلك لا يستطيع أن يحرر مسألة خلافية حتى الآن، لماذا؟ لأنه لم يحدد ما الذي يريده من العلم.\rعدة المتعلم على سبيل النجاة بخلاف عدة الذي يتعلم ليعلم، هذا له عدة وهذا له عدة، تعقد النية وتجرد القصد لله ﵎، ثم تلج العلم من باب الأدب، ظن بنفسك شراً، وأن إخوانك أفضل منك، وأنك لما تقدم إخوانك عليك يكون خيراً لك، ولو نازعك أحد في الدنيا فاتركها له، فإنها تأتيك أوفر ما كانت، وجرب، لا تنازع أحداً في الصدارة أبداً، ستأتيك؛ لأن الله ﷿ هو الذي يهب المكانات، سبحان من لا يعلم أقدار خلقه إلا هو: (رب أشعث أغبر، ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره) وأن عبداً كان يمشي على الأرض بقدميه، وهو سعد بن معاذ، اهتز له عرش الرحمن يوم مات، فكم قدر هذا العبد الذي يهتز له عرش الرحمن ﵎؟ فأنت لا تدري ما منزلتك، إذاً تواضع، أخصب الأراضي التي تستوعب الماء، وتزرع أكثر من الأرض المرتفعة؛ لأن الأرض المرتفعة لا يصعد إليها ماء، كذلك الإنسان المرتفع المتكبر، الذي له سنام عال لا ينال العلم، لكن كلما تكون منخفضاً بالذات للعلم، فإن هذا يكون أفضل لك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595803,"book_id":1590,"shamela_page_id":41,"part":"3","page_num":13,"sequence_num":41,"body":"الصبر على جفوة الشيخ والتماس العذر له\rأنت عندما تطلب العلم يجب أن تصبر على جفوة شيخك؛ لأنك أنت ربما تأتيه وهو مكدر الخاطر.\rذات مرة أتى إلي شخص وقال لي: انظر! أنا تركت مجلسك وصار لي سنتان، أظن أنه من حقي أن تعطيني من صبرك ومن وقتك.\rقلت له: أنت تركتني منذ سنتين لكن غيرك لم يتركني، يعني أنا مشغول بصفة مستمرة، وأنت ممن انقطع.\rفقد يكون الإنسان مكدر الخاطر، بالذات إذا كان رجلاً يحمل هم الدعوة، ونشر الدين، ومشاكل الناس؛ لأن مشاكل الناس تترك نكتة سوداء على القلب.\rيعني تخيل مثلاً لما يأتيك أن شخصاً زنى بابنته! رجل متهتك، سافل، وآخر تزوج عشر نساء، هذا الذي زنى بابنته هرب واختفى، لا يعرفون أين هو، فكبرت البنت والتزمت، وتقدم لها خطاب كثيرون وكانت ترفض، وبعد رفضها لكل خاطب تنطلق في نوبة من البكاء، وكان أخوها أيضاً ملتزم وهو لا يعلم بما حصل، فسألها، لماذا ترفضين كل من يتقدم لخطبتك فلم تفصح عن السبب، وبعد حوالي سنة من هذه المسألة صارحت أخاها بما حصل لها وقالت: ماذا يقال عني لو أني قبلت أن أتزوج بهذا الإنسان؟ فيأتي هذا الأخ ويسأل: هل يجوز ترقيع غشاء البكارة؛ لكي ننقذ هذه البنت، ولا يساء الظن بها؟ فقيل له: لا، لا يجوز؛ لأنه إن صح أنك تريد أن تستر بنتاً، لكنك خدعت رجلاً يريد بكراً، وهما متقاسمان في الحقوق، لا يجوز لك لكي تنقذها أنك تأخذ حق الرجل المتقدم.\rفأنت كداعية وعالم لما تعرض عليك مثل هذه المسائل يحصل عندك نوع من الاكتئاب، فعندما تكون مكتئباً ويرد عليك عشرات أمثال هذا، وهذا أكل حق هذا، وهذا كذا، مع مخططات أعدائنا الخارجية، كل هذا يجعل الإنسان مكتئباً أو شبه مكتئب، فأنت لما تأتي للشيخ وهو مكتئب، وأنت تظن أنه متفرغ لك؛ فصدك أو ردك، كان من الواجب عليك أن تعذره.\rقبل أن أغادر هذه المسألة، أيضاً نذكر الفتوى في مسألة البنت هذه، فكان الجواب وقتها أني قلت: ممكن أن تكذب في طريقة إزالته، كأن تقول مثلاً: قفزت من على جدار، وهي تعمل ألعاب كذا، ممكن تأتي بشهادة على ذلك، صحيح أن هذا كذب، ولكنه أهون بكثير من أن ترقع غشاء البكارة؛ لأنه قلما تعرض هذه المسألة على إنسان فيستريح، سيرتاب دائماً.\rفالقصد أن الإنسان قد يكون مهموماً، فأنت إذا جئت فرأيت جفوة من شيخك فينبغي عليك أن تصبر، إذا ردك مرة وثانية وثالثة ورابعة، فينبغي عليك أن تصبر أيضاً، ولا تعتقد أن الشيخ يقصد إذلالك، لا، يعني احمل فعله على الخير.\rإذاً: عندنا حسن القصد واللين، وعندنا الصبر على جفوة الشيخ، وعندنا أن توطئ أكنافك لرفيقك، فهذه ثلاثة آداب من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595804,"book_id":1590,"shamela_page_id":42,"part":"3","page_num":14,"sequence_num":42,"body":"النبي ﷺ يعطي كل ذي حق حقه في المعاملة\rرجل أعرابي جاف، جاء إلى النبي ﷺ وهو يخطب، الأعراب لبعدهم ولجفائهم لم يكن النبي ﷺ يؤاخذهم مثلما يؤاخذ أهل الحضر، ولذلك في حديث أنس أنه قال: (كنا نهينا أن نسأل النبي ﷺ، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل العاقل من أهل البادية يسأله ونحن نسمع) .\rلماذا؟ لأن أهل البادية رفعت عنهم المؤاخذة في ذلك؛ لأنه رجل بعيد عن العلم، بينما الصحابة الذين تأدبوا في المدينة ما عذرهم؟ قيل لهم: (ذروني ما تركتكم) النبي ﵊ فعل فعلاً لم تجر عادة بمثله، لذلك افترق الصحابة إلى فريقين، لم يكن من عادته ﷺ أن يواجه الناس بشيء فيكرهونه، مثل سؤال الأعرابي، متى الساعة؟ لم يرد عليه وهو واقف، وهذه ليست من عادته ﵊، فقد كان إذا سأله إنسان أقبل عليه، فلما خالف عادته اختلف الصحابة، فقال بعضهم: لم يسمع؛ لأنه لو سمع لأقبل عليه كما تعودنا منه؛ لأنه لا يعرض عن أحد لاسيما إذا جاء سائلاً في دين الله ﷾، وقال آخرون: بل سمع، ولكن كره ما قال.\rفهذا يدلنا على أن عادة النبي ﵊ أنه لا يقابل أحداً بما يكره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595805,"book_id":1590,"shamela_page_id":43,"part":"3","page_num":15,"sequence_num":43,"body":"معاملة النبي ﷺ لأصحابه\r(جاء عبد الله بن عمرو يلبس ثوباً أحمر، فلما رآه النبي ﷺ تغير وجهه، فعلم عبد الله بن عمرو ما سبب تغير وجه النبي ﷺ، فذهب إلى البيت فوجدهم يسجروا التنور فخلع ثوبه وقذفه في التنور) طالما الرسول كرهه، فلا خير فيه، انظر امتثال الصحابة لأمر النبي ﷺ! وهذا ابن عمر جاءه سائل يسأله عن الغراب، هل يجوز أكل الغراب؟ قال: من يأكل الغراب وقد سماه رسول الله ﷺ: فاسقاً؟ فلما قذف بهذا الثوب في التنور، ورجع بثياب أخرى، فلما أقبل؛ أقبل عليه النبي ﷺ وقال: (ما فعلت بالثوب؟ قال: سجرت به التنور.\rقال: فهلا أعطيته بعض أهلك) لو أنت أعطيته للمرأة فلا بأس، الثوب الأحمر الخالص يجوز للنساء أن يلبسنه.\rوهناك حديث صحيح أيضاً، أظنه عن جابر بن سمرة قال: (رأيت على النبي ﷺ حلة حمراء، ما رأيت أجمل منها قط) فهذا محمول على أن غالب اللون كان أحمر، وليس هو اللون الأحمر الخالص.\rفكان النبي ﷺ يعامل أصحابه الملازمين له غير معاملة الأعراب الذين يأتون من بعيد؛ لأنهم لم يتأدبوا ولم يعرفوا؛ فلذلك -لأنه لم تجر عادة النبي ﵊ بمعاملة الأعراب- انقسم الصحابة إلى فريقين: الفريق الأول قال: لم يسمع؛ لأنه لو سمع لأقبل عليه على عادته وحسن خلقه.\rوالفريق الآخر قال: بل سمع، ولكن كره أن يسأل المرء عن الساعة.\rوكان النبي ﷺ إذا سئل عن الساعة، بحيث لو فتشت خلف هذا السؤال لتعرف من السائل لوجدت السائل أعرابياً، كل الذين قالوا: متى الساعة؟ أعراب، ولم يسأله أحد من الصحابة القريبين من النبي ﵊.\rفإذا جاءك أحد وسأل هذا السؤال لا تقل له: هذا ليس من اختصاصك، لا تقل هذا الكلام، ولكن صحح له السؤال بطريقة لطيفة.\r(جاءه أعرابي قال: متى الساعة؟ فقال: وما أعددت لها) انظر! إلى هذا التصحيح الجميل، والأسلوب الرائع، كأنه قال له: يعني إذا عرفت أن الساعة غداً أو بعده أو السنة القادمة، ما الذي يفيدك؟ أي: لا يفيدك إلا ما أعددته للساعة.\rفصحح له السؤال.\rوهذا من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المفتي، عليه يتفرس في وجه السائل، عندما يسمع منه السؤال يقول له: هل تقصد كذا؟ يقول له: لا.\rإذاً: هل تقصد كذا؟ يقول له: لا.\rإذاً سؤالك غلط، ماذا تريد أن تقول؟ يقول: أنا أريد أن أسأل عن كذا وكذا، فيقول: إذاً السؤال يكون هكذا.\rفتصحح له السؤال قبل أن تجيب.\rوهذه الخصلة لا أعلم للشيخ الألباني حفظه الله نظيراً فيها، فإنه يظل ربع ساعة يصحح السؤال للسائل، حتى يعلم قصده؛ لأن المفتي طبيب وليس موظفاً يجيب فقط.\rفالنبي ﵊ لما يقول له الأعرابي: (متى الساعة؟ -هل السؤال هذا يفيده؟ لا.\rفصرفه إلى ما يفيده- قال: وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير عمل إلا أنني أحب الله ورسوله.\rفقال: المرء مع من أحب) .\rانظر إلى الأعرابي العاقل! الذي كان أنس والصحابة يتمنونه، ومثل الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ هذا السؤال، لما قال له: (متى الساعة؟ قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة.\rقال: وكيف إضاعتها؟ ... ) الحديث هذا يدل على أنه عاقل؛ لأن الحكم المعلل يخترق القلب أكثر من الحكم غير المعلل، كما سنوضحه إن شاء الله في موضعه.\rالمقصود من هذا: أن النبي ﷺ كان يعامل الأعراب معاملة، وكان يعامل أصحابه الملازمين له معاملة أخرى، ويعتبر هذا من آداب الشيوخ حيث يفرق ما بين الغريب وما بين الحضري.\rأسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595806,"book_id":1590,"shamela_page_id":44,"part":"3","page_num":16,"sequence_num":44,"body":"معاملة النبي ﷺ للأعراب\rفي الحديث الذي تعرفونه، حديث أبي هريرة وحديث أنس (أن رجلاً أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ في المسجد والصحابة جلوس فقال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم أحداً معنا) .\rكان على هذا الإنسان لو كان عنده شيء من الأدب أن يقول: اللهم ارحمني ومحمداً والجلوس، ولا ترحم الذين خارج المسجد.\rطالما لم يسمعوا، لكن الذي يسمع مثل هذا! ماذا تريد؟ أتريد أن تدخله جهنم وبئس المصير؟ وهو يسمع بأذنه، لكن هو أعرابي يتصرف على تربيته، وهذا الأعرابي كان يخالط كان يخالط الدواب والأنعام والأرض الصلبة، فحياته كلها هكذا، ليس فيها مراعاة لشعور الناس.\rفقال ﵊: لقد حجرت واسعاً) أي: ضيقت ما وسعه الله، وكان السبب في مقولة الأعرابي أنه دخل ذات يوم مسجد النبي ﷺ، فبال في ناحية منه، فهم الصحابة به -لو أن رجلاً دخل هذا المسجد بنعله سيقتلونه ضرباً، بينما ذلك بال في المسجد فهموا به- قال: (لا تزرموه، دعوه، -لا تقطعوا عليه بوله -لأن علاج المسألة سهل- وأريقوا على بوله ذنوباً من ماء) لأن الأرض تشرب الماء كما تشرب البول: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) الأرض أصبحت طاهرة وانتهى الأمر، لكن هذا رجل أعرابي ربما لا يأتي بعد ذلك قط، تظل الذكرى الطيبة الحسنة هذه عنده، وهي المعاملة الحسنة من النبي ﷺ.\rوأنا أحكي لكم حكاية: مرة شخص من أطراف الأردن سمع بالشيخ الألباني، وقرأ بعض كتبه فانبهر بكتب الشيخ، والشيخ ﵀ آتاه الله ﷿ حسن التصنيف، فيعرضها عرضاً متكاملاً وسليماً، حتى لو أنه تبنى قضية من القضايا وكانت خطأً في نفس الأمر تقتنع بها، وذلك من حسن عرضه، فلما قرأ ذلك الرجل كتبه انبهر بهذا الأداء الذي قل نظيره في هذا الزمان، قال: أنا لا أعرف أحداً قط من أهل العصر له مثل ما للشيخ الألباني من حسن التصنيف، إلا الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله، عنده أيضاً حسن عرض المعلومة.\rفلما قرأ وانبهر قال: أين هذا الشيخ؟ قالوا: هو في الأردن، فتعجب الرجل: أيكون في الأردن وأنا لا أدري؟! المهم: سأل عنه ورحل إليه، وكان الشيخ يصلي الجمعة في مسجد صلاح الدين، ومن ثم يخرج وينتظر بجانب السيارة حتى تأتي زوجته، أول ما تأتي الزوجة يركب ويمشي مباشرةً فكان طلبته كلهم يلتفون حوله، هذا يسأل سؤالاً وهذا يسأل سؤالاً.\rالمهم هذا الطالب عندما رأى الشيخ انبهر، والشيخ حفظه الله عليه نظرة أهل الحديث، على وجهه نور، فظل يملي عينيه منه، ويظن أن الوصول إليه سهل ويسير، فلما وصل إلى الشيخ كانت قد وصلت زوجة الشيخ، والشيخ يفتح باب السيارة لكي يركب، فقال له ذلك الرجل: يا شيخ! أنا أتيتك من بلاد بعيدة، وجئت أطلب العلم.\rفلم يرد عليه، وأغلق الباب وانطلق! المسألة هذه حولت هذا الطالب مائة وثمانين درجة إلى الوراء، وقعد يقول لنفسه: هل هذا من أخلاق العلماء؟ ولم يعذره، لماذا يا جماعة؟ لأنه ما تعلم الأدب، صحيح أنه قرأ وحصل علماً، لكن ليس عنده أدب، فأخذ هذه الصورة، وطفق كلما ذكر عنده الألباني يذكر له الواقعة هذه.\rلأجل هذا إذا كنت شيخاً وسع من صدرك للغرباء، أكثر من أهل الدار؛ لأن أهل الدار يكونون معك باستمرار، بخلاف الرجل الغريب، فإنه قد لا يعود مرة أخرى.\rفهذا الأعرابي جاء للنبي ﷺ ورأى معاملة النبي ﷺ ودفاعه عنه: (لا تزرموه، دعوه، وأريقوا على بوله ذنوباً من ماء) في حديث ابن عباس -الذي في مسند أبي يعلى في هذا الحديث (أن النبي ﷺ قال للأعرابي: ما حملك على أن بلت في مسجدنا؟ أولست برجل مسلم؟ فقال: والذي بعثك بالحق ما ظننته وهذه الصعدات إلا شيئاً واحداً) أنا أظن أن الأرض كلها سواء، فما ظننت أن للمسجد أحكاماً تباين أحكام الصعدات، فهذا الرجل لما خالف لم يخالف عامداً إنما خالف جاهلاً.\rإخواننا الذين ينكرون على الجاهل أشد الإنكار، كما لو كان الرجل عالماً فخالف عن علم.\rلماذا الناس تنكر بهذه الشدة وبهذا الحماس؟ هذا رجل جاهل، إذاً علِّمه؛ فلذلك النبي ﵊ كانت سيرته مع الأعراب تباين سيرته مع أصحابه الملازمين له","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595807,"book_id":1590,"shamela_page_id":45,"part":"4","page_num":1,"sequence_num":45,"body":"شرح صحيح البخاري [٤]\rللإسناد في الأحاديث أهمية عظيمة، وفوائد جليلة، فبه تحفظ السنة، ويميز بين الصحيح وغيره، وبه نعرف أهل التدليس، وقد قال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.\rوهذا يظهر جلياً في دين اليهود والنصارى؛ فإنهم لما ضيعوا الإسناد ضاع دينهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595808,"book_id":1590,"shamela_page_id":46,"part":"4","page_num":2,"sequence_num":46,"body":"الإسناد وأهميته في معرفة السنة\rإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rاللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.\rقال الإمام البخاري ﵀: (باب من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل) حدثنا محمد بن سنان، قال: حدثنا فليح (، ح) وحدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، قال: حدثني أبي، قال: حدثني هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: (بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال له: متى الساعة؟ فمر رسول الله ﷺ يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال؛ فكره ما قال.\rوقال بعضهم: بل لم يسمع.\rحتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: هأنا يا رسول الله.\rقال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة.\rقال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) .\rهذا الحديث رواه الإمام البخاري أيضاً في موضع آخر من صحيحه في كتاب الرقاق، لكنه أورده مختصراً، وأورده من طريق محمد بن سنان -بهذا الإسناد الذي ذكره في هذا الموضع- أن النبي ﷺ قال: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة.\rقال: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) .\rوكذلك روى هذا الحديث من أئمة الحديث: الإمام أحمد ﵀، قال: حدثنا يونس وسريج، قالا: حدثنا فليح.\rبهذا الإسناد الذي أورده البخاري في صحيحه.\rويونس هذا هو ابن محمد المؤدب، وسريج هو ابن النعمان.\rوأخرجه الحسن بن سفيان في مسنده قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثنا فليح وساق الحديث بهذا الإسناد.\rوأخرجه أيضاً الإمام البيهقي في سننه الكبرى، في كتاب آداب القاضي، من طريق أحمد بن علي الخزاز قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: حدثنا فليح.\rوساق هذا الإسناد.\rوأخيراً رواه ابن حبان ﵀ في صحيحه من طريق محمد بن المثنى قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا فليح بن سليمان.\rبهذا الإسناد الذي أورده البخاري في صحيحه.\rإذاً: الرواة عن فليح بن سليمان: ابنه محمد بن فليح، ومحمد بن سنان عند البخاري، ويونس بن محمد وسريج بن النعمان عند أحمد، وعثمان بن عمر عند ابن حبان، هؤلاء خمسة يروون هذا الحديث عن فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁.\rوللحديث ألفاظ منها: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله) و (إذا أسند الأمر) كما في رواية محمد بن سنان، ورواية سريج بن النعمان ((إذا أسند الأمر إلى غير أهله) ، وفي مسند الإمام أحمد (إذا توسد الأمرَ غير أهله فانتظر الساعة) وهذه الألفاظ لها دلالات سنقف عليها بعد إن شاء الله.\rكنا في الدرس الماضي ذكرنا أن الإمام البخاري ﵀ عقد هذا الباب كمثال لأدب الطالب، ولما ينبغي أن يكون عليه الشيخ، وذكرنا نتفاً من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، والتي ينبغي أن يتحلى بها الشيخ، وسنكمل بقية الآداب إن شاء الله عندما نأتي على حديث ابن عمر لما سأل النبي ﷺ عن الشجرة التي هي كالمؤمن ولا يسقط ورقها، قالوا: في هذا الحديث جملة وفيرة من الآداب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595809,"book_id":1590,"shamela_page_id":47,"part":"4","page_num":3,"sequence_num":47,"body":"دور علماء السلف في كشف الأحاديث الموضوعة\rقيل لـ عبد الله بن المبارك: الأحاديث الموضوعة ماذا نفعل فيها؟ قال: تعيش لها الجهابذة.\rوكان العلماء يعدون العدة لأمثال هؤلاء الذين كذبوا في الأسانيد وألفوا أسانيد من عندهم، فالله ﵎ يوجد من العلماء من يكشف مثل هذا الخطل؛ لأن فيه جناية عظيمة على السنة.\rيحيى بن معين ﵀ ذات يوم في ركن يكتب صحيفة أبان بن أبي عياش، عن أنس، فرآه أحمد بن حنبل، وكان يحيى إذا اقترب منه شخص وهو يكتب الصحيفة طواها، فلما جاء أحمد بن حنبل -وكان صديقاً لـ يحيى بن معين - قال: ماذا تكتب يا أبا زكريا؟ قال: أكتب صحيفة أبان عن أنس.\rكان لبعض الرواة صحف بإسناد واحد للكذابين وغيرهم، أبان مثلاً عن أنس بن مالك وغيره، يروي أربعين حديثاً، أو خمسين حديثاً، أو مائة حديث، وتظل هذه اسمها صحيفة فلان، وتروى بإسناد واحد، مثل صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فكل واحد يأخذها عن عمرو هي صحيفة عمرو، فإسناد كل صحيفة لا يتغير.\rفقال: هذه صحيفة أبان بن أبي عياش عن أنس.\rوأبان بن أبي عياش متروك في الحديث، وكان شعبة شديد الحمل عليه، وكان يكذبه، حتى إن أبان وسَّط حماد بن زيد وآخرين كـ سليمان بن حرب في أن يكلموا شعبة بن الحجاج أن يكف عنه؛ لأن العالم مثل شعبة مثلاً إذا جرح شخصاً فقد يقضي عليه، لأن كلامه كان له قيمة كبيرة، وكذلك غيره من علماء ذلك الزمان.\rفيقول يحيى بن معين: هذه صحيفة أبان عن أنس، أكتبها ثم أحفظها، فإذا جاء كذاب فجعلها ثابتاً عن أنس، أقول: كذبت، بل هي أبان، عن أنس.\rتأمل في الكتابة (ثابت وأبان) قريبة من بعضها، فيمكن أن يحصل فيها تصحيف، فربما أن واحداً من لصوص الأسانيد، قد يسرق حديثاً ويركب له أسانيد متعددة، فيأتي فيضع ثابتاً بدلاً عن أبان، مع أن ثابت بن أسلم البناني من أوثق الناس عن أنس، فقد لازم أنس بن مالك أربعين سنة، وهو من أثبت الناس في أنس.\rفلما تضع ثابتاً مكان أبان، إذاً الحديث صار صحيحاً من حيث السند، هذا في الظاهر، فمن عناية يحيى بن معين أن يحفظ الكذب، حتى إذا جاء سارق أو مصحِّف فجعل بدل أبان ثابتاً، يقول له: كذبت، بل هذا أبان عن أنس، وليس ثابت عن أنس هذا كله لصيانة حديث النبي ﵌.\rفكان الإسناد له قيمة كبيرة، والإسناد كما قلت: هو المستند الذي تقدمه، الذي يدل على صحة الكلام من ضعفه، ونحن الآن نحكم على الأحاديث أنها صحيحة أو ضعيفة أو حسنة.\rإلخ بالأسانيد، نجمع الأسانيد ونجمع الطرق وننظر في المتابعات والمخالفات.\rإلخ، ونستضيء بكلام العلماء المتقدمين، وكلام العلماء المتأخرين، ونخرج في النهاية بنتيجة أن هذا الحديث صحيح، أو أن هذا الحديث ضعيف كل هذا بسبب الإسناد، وإلا لو ذهب الإسناد فإننا لن نستطيع أن نحكم على الكلام، حتى نعرف نقلة هذا الكلام.\rحتى الذين كانوا يتسولون في القديم، كانوا يتسولون الأسانيد أيضاً، مثل ما ذكر ابن الجوزي: أن رجلاً متسولاً كان يستجدي العطاء من الناس، فأبوا أن يعطوه، فقال لهم: ما أعطيتموني! لأخزينكم سائر اليوم، ثم أخذ من كيسه إسناداً عن يزيد بن هارون بإسناده النظيف عن فلان عن جمع من الصحابة أن النبي ﷺ قال: (إذا سأل السائل فلم يعطه الناس فكبر عليهم أربعاً) ، فلما سمع الناس منه هذا الحديث خافوا، فسارعوا إلى إعطائه، فأخذ المال ومضى، وجاء يزيد بن هارون فسألوه: هل حدثت بالحديث الفلاني؟ قال: كذب عدو الله، ما سمعت به إلا الساعة.\rإذاً هو يعرف أن الإسناد له وقع عند الناس فألف هذا الإسناد.\rحتى في الخلافات المذهبية والخلافات الفقهية، كل طائفة كانت تفتري من الكذب على النبي ﵊ المتون التي تؤيد ظاهر ما تذهب إليه.\rمثلاً: كان هناك خلاف بين الحنفية والشافعية في كثير من العصور، وكان خلافاً شديداً وحاداً، حتى وصل الأمر ببعض المتأخرين من الأحناف أنه أفتى بأنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بشافعية.\rلماذا؟ قال: لأن الشافعي يستثني في إيمانه، والاستثناء في الإيمان شك، والشك في الإيمان كفر.\rأي أن الشافعي يجوز أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، والإيمان عند الحنفية تصديق، والتصديق لا يتصور فيه استثناء، فلابد أن يكون التصديق جازماً، فقال الحنفي: إن هذا شك في الإيمان فيصير كفراً وقد حدثت بسبب هذه المسألة مشاكل كثيرة.\rفجاء أحد متأخري الحنفية، وكان يسمى: بمفتي الثقلين -مفتي الإنس والجن- فقال: أنزلوها منزلة نساء أهل الكتاب! أي أنزلوا المرأة التي تتمذهب بالمذهب الشافعي منزلة النصرانية أو اليهودية، فكما أنه يجوز لك أن تتزوج بنصرانية أو يهودية؛ يجوز لك أن تتزوج شافعية.\rإذاً: كان الخلاف شديداً، وقد ألف بعض الناس -انتصاراً لـ أبي حنيفة ﵀ حديثاً، يقول بلسانه عن النبي ﷺ: (أبو حنيفة سراج أمتي، ويكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس، أضر على أمتي من إبليس) ، ومحمد بن إدريس هذا هو الشافعي ﵀.\rالعجيب في المسألة: أن البدر العيني ﵀ في تاريخه، يميل إلى أن لهذا الحديث أصلاً عن النبي ﵊، مع أنه كذب محض، لا ينبغي للمرء أن يتردد في تكذيب هذا الراوي، وفي الحكم ببطلان هذا المتن بشقيه: بالبشارة بـ أبي حنيفة، وبالافتراء على الشافعي،كلاهما كذب على النبي ﵊.\rومما يذكر في باب وضع الأحاديث: أنه كان هناك شخص كان له ابن في الكتَّاب، فضربه المعلم، فجاء الولد إلى أبيه وهو يبكي، وأبوه كان متخصصاً في الكذب، فقال لولده: لماذا تبكي يا ولدي؟ قال: ضربني المعلم.\rقال: لأخزينه، ثم اختلق حديثاً قال فيه: حدثني عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (شراركم معلموكم) ، ولكن مع ذلك فإن العلماء الكبار الجهابذة كانوا لهذه الأسانيد المكذوبة بالمرصاد، فقلما يكذب رجل على النبي ﵊ إلا ويكشف ذلك أهل الحديث.\rقال عبد الله بن المبارك ﵀: ما هم رجل أن يكذب على النبي ﷺ في البحر إلا فضحه الله في البر.\rونحن نقول هذا الكلام لأن له علاقة وثيقة بالمتن الآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595810,"book_id":1590,"shamela_page_id":48,"part":"4","page_num":4,"sequence_num":48,"body":"اهتمام العلماء الأوائل بالإسناد\rنفهم من سرد هذه الأسانيد كيف كان العلماء يهتمون بالإسناد، ولا يقبلون من المتحدث حديثاً إلا إذا أسنده، ويا ليتنا نراعي مثل هذا؛ إذاً لسكت من لا يعلم! كثير من الناس يتكلمون جزافاً، ولأنهم تعودوا أن الجماهير لا يسألونهم، فإنهم يتكلمون، حتى إن بعض الخطباء أو المحاضرين يأتي فيتكلم بأي كلام، بدون تحضير للدرس ولا إعداد، وهذا خطأ، بل ينبغي للمحاضر أن يحترم عقول الجالسين، وأن يتعب في تحضير الدروس والخطب، وينبغي عليه أن يعتقد أن في الجالسين من هو أفهم منه، وليس معنى أنه تصدر وجلس على كرسي الوعظ، أو كرسي التدريس، ليس معنى ذلك أفضل من كل الجالسين.\rإن هذا الفعل فيه غبن لحق الآخرين، وغمط لحق نفسه، فلا ينبغي له أن يجهل قدر نفسه.\rفلو أن كل متكلم يعلم أن الجماهير لا تقبل منه الكلام على علاته؛ إذاً لبحث في أسانيده، كما كان السلف الأوائل، فقد سمع محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ﵀ إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة سمعه يحدث بأحاديث ليس لها أسانيد، فقال: ما هذا يا ابن أبي فروة! تحدثنا بأحاديث لا خطم لها ولا أزمة؟! فالإسناد بالنسبة للكلام مثل الخطام بالنسبة للبعير، ولأجل هذا -لأن الإسناد كان له وقع في النفوس- كان كثير من الناس يستخدم الإسناد حتى ولو كان مخترعاً، لكنه كان يعلم أن الإسناد له قيمة في نفس محدثه.\rروى الخطيب البغدادي ﵀ في كتاب: التطفيل -وهو كتاب عن أخبار المتطفلين- حكاية لطيفة عن أبي عمر نصر بن علي الجهضمي -وهو أحد أئمة الحديث واللغة- قال أبو عمر: كان لي جار طفيلي من أحسن الناس منظراً، وأجملهم ملبساً، وأعجبهم منطقاً، وما من وليمة أُدعى إليها إلا ويتبعني، فيكرمه الناس لأجلي، يظنون أنه معي -فغاظ هذا الأمر نصر بن علي - قال: فقلت في نفسي يوماً: لو دعاني جعفر بن القاسم -أمير البصرة - وتبعني هذا لأفضحنه اليوم، قال: فما هو إلا أن طرق الباب، ففتحت الباب فإذا برسول جعفر بن القاسم يقول: أجب الأمير.\rوكان عنده ختان لابنه.\rقال: فما هو إلا أن لبست ثيابي وخرجت فإذا بالرجل واقف على الباب، قال: فتبعني ودخل، فلما جلسنا على المائدة قلت: حدثنا درست بن زياد، حدثنا أبان بن طارق، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (من دخل بيت غيره من غير دعوة دخل مغيراً وخرج سارقاً) ، ففهم الطفيلي أن الكلام عليه، فقال له: أنفت لك يا أبا عمر، فما من واحد من هؤلاء الجلوس إلا يظن أنك تعنيه دون صاحبه، ثم تتحدث بمثل هذا على مائدة سيد من أطعم الطعام، ثم إنك تحدث عن درست وهو ضعيف، عن أبان بن طارق وهو متروك الحديث، ونسيت ما حدثناه أبو عاصم النبيل انظر إلى الطفيلي هذا! أبو عاصم -الذي هو الضحاك بن مخلد الشيباني - من أوثق الناس، وهو من كبار شيوخ البخاري.\rيقول: ونسيت ما حدثناه أبو عاصم النبيل، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي ﷺ قال: (طعام الواحد كافي الاثنين، وطعام الاثنين كافي الأربعة، وطعام الأربعة كافي الثمانية) ، وهذا متن صحيح وسند صحيح؟!! قال نصر: فأفحمني، ولم أجد له جواباً، وخرجنا من المائدة، فقال لي: ومن ظن ممن يلاقي الحروب بأن لا يصاب فقد ظن عجزا أي: إذا كنت تريد أن تدخل في حرب، وتريد أن تخرج وأنت سليم منها، فقد ظننت عجزاً، قال: وفارقني ولزم جانب الطريق الآخر.\rفانظر إلى هذا الطفيلي صار ناقداً! يقول: درست ضعيف، وأبان متروك، وبعد ذلك يروي حديثاً بإسناد نظيف، ومتن صحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595811,"book_id":1590,"shamela_page_id":49,"part":"4","page_num":5,"sequence_num":49,"body":"بالإسناد نعرف الذين يكذبون في الحديث\rلقد كان العلماء لعنايتهم بالأسانيد يكتشفون الذين يكذبون في الأسانيد، ولله در عبد الله بن المبارك ﵀! فقد قال: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.\rفلولا أننا نحقق ونسأل كل إنسان عن مستنده؛ لقال من شاء ما شاء.\rوهنا أذكر شيئاً اسميه: محنة جسيمة في الواقع، لكن لا يشعر بها أكثر الناس، وهي: ضياع فن التراجم في هذا العصر.\rلو أن إنساناً سئل عن شيوخه فادعى جماعة من الشيوخ، وقال مثلاً: شيوخي مائة: ثلاثون في الحديث، وثلاثون في الفقه، وعشرة في القراءات، وعشرة في النحو، وعشرة في الصرف فهل تستطيع أن تكذبه؟ حتى لو قلت له: إذاً سم لي شيوخك في الحديث مثلاً؟ فسيقول: علي، إبراهيم إلخ، وهل تقدر أن تأتي بهم؟ وهل تعرف أين هم في الكرة الأرضية؟! فلما كان هناك عناية بفن التراجم لم يستطيع أحد أن يكذب لأنه إذا قال أحد: أنا قرأت العلم الفلاني على فلان، ينظر في كتب العلماء الذين ترجموا لأهل ذلك العصر: هل هذا الرجل له وجود أصلاً أم لا؟ هل هذا الرجل كان متيناً في مادته أم لا؟ أما في وقتنا فإنه يستطيع أي إنسان أن يدعي لنفسه ما يشاء ولا يستطيع أحد أن يكذبه.\rوبعض الناس الآن قد يكونون أئمة بعد ثلاثمائة عام، فمثلاً: لو أني قلت: حدثني أبو لمعة،فالكل يعرف أن أبا لمعة هو أستاذ الكذب في العصر الحديث، ولأنه لم يؤرخ أحد لـ أبي لمعة، ولم يقل أحد أنه كذاب، فقد يكون أبو لمعة هذا إماماً بعد خمسمائة سنة؛ لأنه لا حس ولا خبر عنه.\rفهذا الفن -فن التراجم- فيه صيانة لعلم العلماء، وقطع للمدعين، وقد كان قديماً إذا ألف أحد سنداً من الأسانيد يكتشف مباشرةً.\rيذكر العلماء قصة حدثت لـ يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، والقصة معروفة، وإن كان قد طعن فيها بعض العلماء كـ ابن الجوزي -كما أظن- يقولون: إن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين دخلا مسجداً من مساجد الكوفة، فإذا رجل من الفسطاط يحدث عن الأسماء اللامعة، يقول: حدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، قالا: حدثنا فلان عن فلان عن فلان.\rوساق سنداًً من الأسانيد، أن النبي ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله؛ خلق الله له بكل كلمة طائراً، كل طائر له سبعون ألف رأس، كل رأس فيه سبعون ألف منقار، كل منقار فيه سبعون ألف لسان، كل لسان يستغفر الله لهذا الرجل بسبعين ألف لغة) ، ترتيبة عجيبة! وكان يحيى بن معين يصلي في ناحية المسجد، فسمع هذا الكلام فما صبر، فذهب إلى الرجل، وبعد أن أكمل هذا القاص هذه الحكاية رمى له كل واحد من الحاضرين بدرهم أو أي شيء، فناداه يحيى بن معين، فجاء الرجل متوهماً لنوال -أي: لعطاء، ظن أنه سيعطيه شيئاً- فقال له يحيى: اجلس، فجلس، فقال: من حدثك بهذا؟ قال: حدثني يحيى بن معين وأحمد بن حنبل.\rفقال له: أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط.\rوكان الرجل ذكياً، فقال له: قد كنت أسمع أن يحيى بن معين أحمق، فما تحققته إلا الساعة -عرفت أنه أحمق في هذا الوقت- أو تظنان أن ليس في الدنيا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين غيركما؟ لقد حدثت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل، وسبعة عشر يحيى بن معين.\rيخلق الله من الشبه سبعة عشر! نحن عندنا يخلق الله من الشبه أربعين بحكم العصر، فكلما نتقدم ونقترب من الساعة يزداد العدد.\rفوضع أحمد فمه في كمه، يكتم الضحك، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما.\rفهذا إذاً رجل يعرف أن الإسناد له شأن عند الجماهير، فأتى بسندٍ من الأسانيد، لكن كان هناك من العلماء من يقوم لأمثال هؤلاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595812,"book_id":1590,"shamela_page_id":50,"part":"4","page_num":6,"sequence_num":50,"body":"حرص علماء السلف من المحدثين على علو السند\rسنقف الآن على بعض الفوائد الإسنادية في هذا الحديث: فالإمام البخاري روى هذا الحديث من طريقين له عن فليح بن سليمان: طريق عال، وطريق نازل.\rوأشرف أنواع العلو الذي كان يحرص عليه المحدثون هو: تقليل عدد الوسائط بينك وبين النبي ﷺ، فإن النبي ﵊ هو المصباح، وكلما اقتربت من ضوء المصباح؛ كلما يكون أشرف لك، فلذلك كان المحدثون يحرصون على الأسانيد العالية، ويبذلون حر المال في سبيل تحصيل هذه الأسانيد.\rوقد سئل يحيى بن معين أبو زكريا إمام الجرح والتعديل ﵀، وهو في مرض موته فقيل له: ما تشتهي؟ قال: بيت خال وإسناد عال.\rوكانوا -كما قلت- يحرصون على هذا النوع من العلو، وهو تقليل الوسائط بينهم وبين النبي ﵊.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595813,"book_id":1590,"shamela_page_id":51,"part":"4","page_num":7,"sequence_num":51,"body":"إحراز العلو أحد الأسباب الحاملة على التدليس\rوإحراز العلو هو أحد الأسباب الحاملة للمدلس على أن يدلس؛ لاسيما في تدليس الإسناد، وقد تكلمنا عن تدليس الإسناد فيما مضى، ولكن لا بأس أن أذكر به حتى أبين أن الحامل للمدلس على إسقاط من حدثه إذا كان نازلاً هو محبة العلو في الإسناد.\rوتدليس الإسناد: هو أن يروي الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه.\rلنفترض أننا في هذا المسجد في مجلس حديث ومجلس إسناد، وأنا أحدثكم بالحديث، وهناك طالب دائماً يحضر هذه الدروس، ولكن لأمر ما سافره أو تغيب، ففاته مجلس من هذه المجالس، وقد حدثت في هذا المجلس بعدة أحاديث، وهذا الطالب لو أراد أن يحدث بهذه الأحاديث التي فاتته فلا بد أن يسمعها من رفيق له عني، أي: من شخص حضر هذا المجلس يحدثه عني، إذاً هو قد نزل درجة، فإنه كان يقول: حدثني فلان مباشرة، لكنه أصبح بسبب هذا التغيب عن المجلس يقول: حدثني فلان عن فلان، وبهذا يكون قد نزل في الإسناد درجة.\rهذا هو النزول الذي كان المحدثون يحرصون على تلافيه، فالمدلس يقول: بدلاً من أن أروي عن زميلي عن شيخي، أسقط زميلي وأروي عن شيخي مباشرة، ولكنه لا يستطيع أن يرويه عن شيخه بلفظة التحديث، كأن يقول: حدثني فلان؛ لأنه سيكون كذاباً، لكنه يأتي بلفظة لها وجهان: وجه اتصال، ووجه انقطاع، وهي لفظة (عن) ، ولذلك فإن من يقرأ في كتب المحدثين يجدهم يقولون: فيه فلان وهو مدلس، وقد عنعنه.\r(عنعنه) أي: رواه بصيغة (عن) ؛ لأن صيغة (عن) فيها معنى الاتصال، ومعنى الانقطاع، فلو أنك قلت: عن رسول الله ﷺ أنه قال؛ لما كذبك أحد، لكن لو قلت: حدثني رسول الله.\rفلفظة التحديث لا تحتمل أبداً إلا اللقاء المباشر، والسماع المباشر، أما لفظة (عن) فإنها تحتمل وجهين، فقد تقول: عن فلان، مع عدم اللقاء، ومع ذلك لا يكذبك أحد.\rفلذلك المدلس يسقط الواسطة بينه وبين شيخه، ويرتقي بلفظة (عن) .\rإذاً: أحد الأسباب الحاملة للمدلس على التدليس هو: العلو، فيسقط الواسطة مر ويعلو بلفظة (عن) إلى شيخه.\rفالإمام البخاري ﵀ روى هذا الحديث بإسناد عال وإسناد نازل، والراوي المشترك بين الإسنادين -أول راو مشترك بين الإسنادين- محمد بن فليح.\rإذاً فقد قال في الإسناد الأول: حدثنا محمد بن سنان، قال: حدثنا فليح.\rإذاً بينه وبين فليح راو واحد وسيط.\rالإسناد الثاني: قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثني محمد بن فليح، قال: حدثني أبي فليح.\rفقد نزل في هذا الإسناد.\rإذاً: في الإسناد الأول بينه وبين فليح راو واحد، والإسناد الثاني بينه وبين فليح راويان، والإمام البخاري حول الإسناد بلفظ التحويل، وهو حرف (ح) التي هي عملية الاختزال في هذا العصر، ومعناها: أن الإمام حول الإسناد للاختصار، ولو أن البخاري ﵀ لم يستخدم هذه اللفظة، لكان سيروي الحديث هكذا: يقول: حدثنا محمد بن سنان، قال: حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، ويسوق المتن، ثم يرجع ويقول: وحدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثني محمد بن فليح، قال: حدثني أبي، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، ويسوق المتن.\rوهذا تطويل، فحتى لا يكرر الإسناد مرة أخرى يأتي من عند الراوي المشترك في الإسنادين ويضع لفظة (ح) فكأنه يقول: سأحول الرواية إلى إسناد آخر، هذا معنى لفظة (ح) التي هي التحويل، أي سيحول الحديث إلى إسناد آخر عنده عن شيخه، والقصد من هذا التحويل: الاختصار.\rوالإمام مسلم يستخدم هذا التحويل أكثر من البخاري، فإن البخاري قليلاً ما يحول الإسناد.\rهذه نكتة إسنادية -أو لطيفة إسنادية- في حديث اليوم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595814,"book_id":1590,"shamela_page_id":52,"part":"4","page_num":8,"sequence_num":52,"body":"اعتراض أهل البدع على النصوص الشرعية وضرورة مواجهتهم\rيقول النبي ﷺ في هذا الحديث: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) ، لقد تحقق معنى هذا الحديث في هذا الزمان، فهناك هجمة شرسة على أصحاب الحديث، حتى دخل في هذه الهجمة الشرسة النسوان -وكلمة (النسوان) لغة عربية فصحى- فامرأة تقول: إنه لم يصح عن النبي ﷺ إلا سبعة عشر حديثاً فقط.\rانظروا إلى هذه المرأة! وهي معلمة، تقول: لم يصح إلا سبعة عشر حديثاً! وتقول: لا أدري من أين أتى البخاري بكل هذه الأحاديث؟! هذا والله هو الهوان! أن يسمح لامرأة تتكلم بهذا الكلام، في بلد تعج بعلماء الشرع، والمرأة تقول هذا الكلام ولا تحاسب سبحان الله! لا توجد نقابة للعلماء هناك نقابة للحيوانات، تدافع عن الحيوانات، وتنتزع حقوقاً للحيوانات! وهناك نقابة للأطباء، وهناك نقابة للصيادلة، وهناك نقابة للمهندسين، والنقابات هذه إنما أقاموها لحفظ حقوق الطائفة التي تنتمي إليها، والدفاع عنها، والذب عن حقوقها.\rبينما قد يأتي إنسان ويتكلم في دين الله ﷿ بغير علم ولا أحد يرده.\r(إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) ، فلو عمل أحد طبيباً وقبضوا عليه وهو ليس طبيباً، فسيحملوه قضية في الحال، والقوانين جاهزة، لكن لو ضبطوا شخصاً يفتي دون أن يكون لديه رخصة إفتاء -التي هي قسيمة الإثبات بأنه مفتٍ- فهذا أمر سهل ولا توجد قوانين تردعه، يقولون: يا أخي! الدين لله الدين هذا للكل نعم، الدين للكل كاعتقاد، ولكن كعلم لا الدين كعقيدة للكل نعم، ولكن كعلم له رجال، فلا يجوز لإنسان أن يفتي إلا إذا كان مؤهلاً، فإن الفتوى كما يقول ابن القيم -في كتابه: إعلام الموقعين عن رب العالمين-: إن المفتي يوقع عن رب العالمين.\rلو أن إنساناً زور توقيع رئيس الجمهورية مثلاً، أو المحافظ، أو المدير، وعرف أنه مزور لهذا التوقيع، لعوقب عقوبة شديدة.\rفأنت إذا قلت: هذا حلال وهذا حرام، أليس هذا توقيع؟ كأنك توقع عن الله.\rوإذا قلت: هذا حرام، وهذا حلال.\rفإن هذا إذن منك بحل هذا، أو بحرمة ذاك أليس هذا توقيعاً؟! إذاً الذي لم يستوف أدوات وشروط الفتوى ثم يفتي؛ فهو مزور، وينبغي أن يعاقب أشد العقوبة؛ لأنه مزور.\rوالآن كل من هب ودب يتكلم حتى في غير تخصصه إن علم الحديث هو علم الذكران من العالمين، علم مصطلح الحديث لا يذلل لامرأة قط، مهما فعلت وبذلت لماذا؟ لأن فطرة المرأة وخلقتها تمنع من أن تكون ناقدة، وعلى مدار تاريخنا الطويل ما رأينا امرأة قط ناقدة، إنما رأينا نساء راويات، تأخذ كتاباً لترويه، مثل: بيبي بنت عبد الصمد الهرثمية، لها جزء عن ابن أبي شريح عن شيوخه، وكريمة بنت أحمد المروزية، لها رواية في صحيح البخاري، والحافظ ابن حجر اعتمدها، وهي من أوثق الروايات، كذلك أمة الله مريم الحنبلية لها مسند صغير، إذاً المرأة تروي بإسنادها، لكنها تنظر ولا تنقد، فإن هذا علم تفرد به الرجال.\rهناك امرأة صحفية كتبت كتاباً هو عبارة عن جملة مقالات، ثم نزلت هذه المقالات في كتاب، والكتاب هذا يباع بلا حرج، على الأرصفة وفي المكاتب، وعنوان هذا الكتاب: (هل النساء أكثر أهل النار؟) ، وواضح من خلال عنوان الكتاب أنها تعترض على كون النساء أكثر أهل النار، فحتى هذه الأشياء تريد النساء أن تقتسمها باسم حقوق المرأة، وباسم الدفاع عن حقوق المرأة.\rفهل النساء أكثر أهل النار؟ قالت: إن هناك حديثاً رواه راو اسمه البخاري سبحان الله! تقول: رواه إنه راو اسمه البخاري، روى حديثاً عن النبي ﵊ أنه جاء النساء يوم عيد فذكرهن ووعظهن وقال: (يا معشر النساء! تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار.\rفقامت امرأة فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير- تكفرن الإحسان- فقالت: نكفر بالله؟ قال: لا، تكفرن العشير، ولو أحسن الرجل إليكن الدهر، ثم رأيتن منه يوماً سوءاً، لقلتن: ما رأينا منك خيراً قط) ، فتقول: إن هذا الحديث رواه راو اسمه البخاري، وتقول: وابن الجوزي يقول: إن صحة السند لا تستلزم صحة المتن المروي به، فقد يكون السند صحيحاً لكن المتن ضعيف، ونحن نرى أن هذا السند -وإن كان صحيحاً- لكن المتن معلول وغير معقول لماذا غير معقول؟ قالت: أولاً: إن الرسول ﵊ الذي علمنا الذوق والأخلاق الحسنة، يأتي إلى النساء في يوم عيد، فبدلاً من أن يقول لهن: كل سنة وأنتن طيبات، ومن العائدات، يقول لهن: أنتن في جهنم وبئس المصير! هل يعقل أن أحداً يقول هذا الكلام؟! رسول الأخلاق والمعاملة يقول هذا الكلام وفي يوم عيد؟! فانظر يا أخي! من تكلم في غير فنه أتى بمثل هذه العجائب! عندما تأتي امرأة وتتكلم في علم الحديث، وتأخذ كلام علماء أهل الحديث ولا تستطيع أن تصرفه؛ النتيجة أن تأتي بمثل هذه الدواهي.\rصحيح أن من علماء الحديث من قال: إن صحة السند لا تستلزم منه صحة المتن المروي به؛ لأن هناك بعض لصوص الأسانيد يركب إسناداً نظيفاً لمتن غير صحيح، مثلاً: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، هذا إسناد مُذَهّبٌ، وهناك أسانيد يسمونها: سلسلة الذهب، من ضمن سلاسل الذهب أن يروي الإمام مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فأنت إذا رأيت مالكاً عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (لو علمتم ما في الجرجير لزرعتموه تحت السرير) ، أو (المؤمن حلو يحب الحلاوة) ، أو (ربيع أمتي في العنب والبطيخ) ، وهذه كلها أحاديث موضوعة أو (المؤمن كيس فطن) ، فإن هناك من يعتقد أن هذا حديث، وهو كذب على النبي ﵊.\rفلما ترى إسناداً كالشمس، ومتناً كالظلمة، إذاً: هناك نوع من التباين والذي سببه المتن، فإن الإمام مالكاً عن نافع عن ابن عمر لا يأتي إلا بمتن نظيف وفيه معان، فهناك بعض لصوص الأسانيد يركب إسناداً من عنده على متن هو مؤلفه، ولذلك قال العلماء: إن صحة السند لا تستلزم منه صحة المتن؛ لاحتمال أن يكون هناك أحد ركب سنداً صحيحاً على متن موضوع.\rلكن لا ينبغي أن يحكم بهذا إلا إمام كبير متمرس، اختلط الحديث بشحمه ولحمه، حتى صار له فيه ملكة، وهذا لا يستطيعه إلا الأئمة الكبار، مثل: البخاري، وأحمد، وابن معين، وأبو عاصم النبيل، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وأمثال هؤلاء الكبار الذين اختلط الحديث بدمائهم حتى صارت عندهم ملكة.\rيسأل أبو حاتم الرازي عن حديث يرويه الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وساق متناً، فيقول أبو حاتم الرازي: هذا لا يشبه أحاديث الأعمش، هذا يشبه أحاديث عمر بن الحصين.\rوعمر بن الحصين هذا كذاب.\rفلكل راو أحاديثه التي أصبح لها طعماً، وأول ما يسمع الحديث يقول: هذا ليس حديث فلان.\rانظر إلى أين وصل بهم الاهتمام والملكة إلى درجة أن يعرف سمت أحاديث الأعمش، فإن لها سمتاً معيناً لا تخرج عنه! يقول: ثم إنه بعد سنين دخل أحد البلاد، فإذا به يقع على هذا الحديث يرويه الأعمش، عن عمر بن الحصين، وإذا الأعمش قد دلس عمر وأسقطه من الإسناد، إذاً: صدق ظنه، فلا يحكم في هذا الباب إلا هؤلاء العلماء.\rإذاً: هذا هو معنى قولهم: صحة السند لا تستلزم صحة المتن لكن هذا للأئمة الكبار، الذين عندهم ملكة، إما من بعدهم فلا يستطيع أن يحكم على متن من المتون إلا إذا وقف على الإسناد.\rإن الذي أغرى هذه المرأة وأمثالها أن يتكلموا في مثل هذه العلوم: هو هوان علماء الشريعة على أنفسهم وعلى الناس، وأن الجاهل يتكلم ويُخرج من دين الله ما هو فيه، ويُدخل في دين الله ما ليس منه، ولا يتحرك العلماء؛ بل بالعكس: فقد وجد ممن ينتسبون إلى الشريعة من فعل هذا، فهذا الختان مثلاً -ختان الإناث- هل من المعقول أن يأتي إنسان ينتسب إلى الشريعة ويقول: إن الختان عادة جاهلية، ولا أصل له في الشريعة؟! مع أنه يدرس في باب الطهارة في كتب الأزهر: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) ، وأن الختان من سنن الفطرة، ويدرس للطلبة من يوم أن أنشئ الأزهر إلى هذا الزمان، وفجأة يخرج هذا ويقول -مهما كان قدره-: إن الختان لا أصل له في الدين! هذا اتهام لكل العلماء الذين درسوا الناس على أنه من الشريعة، أنهم كانوا يكذبون على الناس.\rويخرج أحدهم ويكتب مقالاً: أن أحاديث الختان ضعيفة، مع أن هذا الرجل لا يعرف شيئاً قط في علم الحديث، ويقول: ينبغي علينا أن نحترم التخصص، وأهل التخصص في مسألة الختان هم الأطباء.\rفإذا كنت تحترم التخصص مع الأطباء، فلم لا تحترم التخصص مع علماء الحديث؟ وهل لك في النقد وفي تصحيح الحديث وتضعيفه ملكة؟ وهل تفهم شيئاً في علم الحديث، وتعرف شروط قبول الحديث الصحيح؟ لماذا تكلمت من تلقاء نفسك وقلت: إن أحاديث الختان ضعيفة، وأنت لست من علماء الحديث؟! وانتزعت التخصص من علماء الحديث ووضعته تحت قدمك، أما الأطباء فقشر رمان في المسألة؟! والذي يجهر بهذا بعض من ينتسبون إلى التدريس في كليات شرعية، فهذا هو الذي شجع هذا المرأة على فعل مثل هذا وزيادة! إن ختان الإناث واجب، وليس هناك دليل على استحبابه، والأصل في الأدلة أنها عامة للرجال والنساء معاً، حتى يقوم دليل بتخصيص الرجال أو بتخصيص النساء، فالأصل في الأدلة العموم، فإذا قال النبي ﷺ حديثاً،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595815,"book_id":1590,"shamela_page_id":53,"part":"4","page_num":9,"sequence_num":53,"body":"رواية العلماء الأوائل عن آبائهم\rونعود مرة أخرى ونقول: إن الاهتمام بالأسانيد مسألة تفصيلية، فليس المقصود منها الأسانيد لذاتها؛ بل المقصود أن نعيد النظر في حياتنا كلها، وأن كل شيء لابد أن يكون له أصل، كما لو نظرنا هنا في هذا الحديث فوجدنا أن أصل الحديث هو الإسناد.\rومن الأشياء التي أريد أن أنبه عليها في هذا الإسناد أيضاً: قول محمد بن فليح: حدثني أبي.\rأين هؤلاء الآباء؟ لقد انقرضوا، فلم نعد نسمع طالب علم يقول: حدثني أبي، أو وجدت في مكتبة أبي، أو قال لي جدي، مثلما كان في الأزمنة السابقة، فهذا الإمام أحمد بن حنبل أولاده علماء: عبد الله، وصالح، وأبو حاتم الرازي ابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم، وزهير بن حرب ابنه أحمد بن أبي خيثمة صاحب التاريخ الشهير، وهكذا كان هناك أولاد يقول أحدهم: حدثني أبي، وسألت أبي.\rإن ضياع مثل هذا النمط من حياتنا له أسباب كثيرة، من أهم هذه الأسباب: غياب العلماء الربانيين الذين يتدينون بعلمهم إننا نريد أن ننطلق في نصر هذا الدين مثلما ينطلق أهل الدنيا في صناعاتهم وفي تجاراتهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595816,"book_id":1590,"shamela_page_id":54,"part":"4","page_num":10,"sequence_num":54,"body":"نماذج معاصرة سخرت جهودها لخدمة هذا الدين\rهذه قصة لا أنساها أبداً، وكلما تذكرتها زادتني حماساً وانتماءً، وهي قصة حديثة: فقد كنت في مكة، والتقيت بعد أن خرجت من بيتي بمجموعة من العلماء من بخارستان، تقريباً خمسة عشر أستاذاً ومدرساً، ولهم شيخ يقترب من التسعين إن لم يكن تجاوزها رجل عليه سمت وله وقار، وقلما يتكلم، وتلامذته يتكلمون بلغة عربية جيدة، فتكلموا عن الشيوعيين، وكيف كانوا يقتلون علماء المسلمين، وتكلمنا في هذه المسألة فترة، فسألت أحد التلاميذ وقلت له: اسأل هذا الشيخ كيف نجا من مذابح الشيوعيين؟ فإن عمره تسعون سنة ومع ذلك لم يذبح ولم يقتل من قبل الشيوعيين، فسأله هذا السؤال، فتكلم الرجل وقال: إنه فرض على نفسه الحبس الاختياري أكثر من ستين عاماً، فقد كان تحت جنح الظلام يتسلل إلى قرية من القرى، ويدخل بيتاً من البيوت، ويجلس في هذا البيت ثلاثة أو أربعة شهور، أو أكثر أو أقل، المهم أنه لا يخرج من هذه القرية إلا بعد أن يعلم أطفال القرية القرآن والحديث، والآباء يخرجون الأبناء إليه في سرية تامة، ويظل الفترة التي يظن أنه قد قضى حاجته من هذا البلد، ثم إذا انتهى يخرج تحت جنح الليل إلى قرية أخرى.\rوهكذا ظل الرجل ستين سنة باختياره محبوساً، وهو يدرس القرآن والسنة، ورضي لنفسه هذا الحبس الاختياري! نحن نهيب بإخواننا أن يكون عندهم مثل هذه العاطفة لهذا الدين، لنتحرك بهذه العاطفة أنت لا تحتاج أن يقول لك أحد: اخدم دينك، فإنك متى احتجت أن يقول لك أحد: اخدم دينك؛ إذاً فابك على نفسك، ولهذا تجد الإسلام ينطلق إليك بتلقائية رجل يحرم نفسه من الدنيا ومن ملذاتها الدنيا، ويفرض على نفسه الحبس الاختياري ليعلم الناس القرآن، وأطول مدة قضاها في بلد هي خمس سنين، ظل في بيت من بيوت البلدة يخدم الكتاب والسنة، ويعلم الناس القرآن والحديث.\rنحن نحتاج إلى مثل هذا الانتماء، إن صدق الانتماء هو الذي يعطيك قوة النفس، ولا يمكن أن ترتقي هذه الأمة إلا إذا وجدنا رجالاً يحتسبون ويضحون بملذاتهم وشهواتهم، من أجل أن ينصر هذا الدين في زمن الغربة، قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595817,"book_id":1590,"shamela_page_id":55,"part":"4","page_num":11,"sequence_num":55,"body":"تأثر الآباء بالهزائم التي منيت بها الأمة\rآباؤنا جيل شهد كل الهزائم التي منيت بها أمتنا المعاصرة، فهؤلاء الآباء الذين شهدوا هذه الهزائم المتوالية حتى فقدوا الثقة في ذواتهم، فصاروا أقزاماً، مهما حاولت أن ترفعه فإنه قزم من الداخل، لا يصدق أن له قيمة، وهذا أقوله على سبيل الإجمال، فلا أقضي على الجيل كله، لكن أقول هذا وأذكره إجمالاًً.\rفهؤلاء الآباء الذين ورثوا هذه الهزائم -مع قلة العلم- حاولوا أن يورثوا هذا الضعف إلى أبنائهم، فكلما أراد الولد أن يتحرك ليسمع درساً مثلاً -مثل هذا الدرس- وعنده همة عالية، ويريد أن يخدم هذه الأمة، ويريد أن يقوم بالأمانة ولا يلقى الله خائناً لهذه الأمة، يريد أن يفعل شيئاً، فإذا به أمام صخرة عظيمة وهي أبوه، الذي يقول له: وهل أنت ستصلح الكل؟ أو يقول له: نريد أن نأكل العيش، أو يقول: (الحيطان لها آذان) ، هذه العبارات المتكررة التي يحاول الأب أن يغرسها في ابنه، وإذا التزم الولد بهذه النصائح فإنه يعتبر ولداً باراً وفاهماً وذكياً، وإذا خرج هذا الولد وتجاوب مع كلام العلماء وحضر الدروس، وكانت عنده همة عالية ونصر دينه، حدثت المشاكل، وبسبب هذا الأمر حدثت مشاكل كثيرة في البيوت بين الآباء والأبناء.\rفأمثال ذلك الجيل الذي ظهر فيه الأدباء الذين استهزئوا بالله ورسوله، وظهر فيهم الصحفيون الذين استهزئوا بالله ورسوله، عن طريق القصص التي تكتب، والتي تدعو إلى الدعارة، وتدعو إلى الانحلال، مثل قصص إحسان عبد القدوس، وقصص وليد منصور، وقصص توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وكل هؤلاء الذين شكلوا عقلية هذا الجيل، هؤلاء الأدباء هم الذين شكلوا عقلية هذا الجيل.\rوأحيل القراء إلى كتاب يؤرخ تاريخاً صادقاً لهذه الحقبة، وهو من أمتع الكتب التي سوف تقرؤها، وهو كتاب: (أباطيل وأسمار) للشيخ أبي فهر محمود شاكر ﵀، هذا الرجل من أفضل المقاتلين عن الدين، الذين قاتلوا وغزوا وانتصروا، وكتاب آخر اسمه: (الطريق إلى ثقافتنا) أيضاً للشيخ محمود شاكر؛ لتعلم هذا البلاء الذي عاشت فيه الأمة ما مبدؤه، فقد أرخ تاريخاً صادقاً بقلمه الرشيق، والشيخ محمود شاكر هو من أفضل من كتب في هذا المجال، وكأن كلماته حبات لؤلؤ منظومات! أحياناً كنت أقرأ له عبارة فأنفجر ضاحكاً؛ من شدة سخريته بهؤلاء المنحرفين، فأنا أحيل القراء، وألح عليهم أن يقرءوا هذا الكتاب؛ لما قرر حقيقة هؤلاء الأدباء، ووصف ذلك الجيل وصفاً دقيقاًَ، ينبغي على الذي تهمه هذه الأمة وينظر في عللها أن ينظر في هذا المرض الضارب بجذوره من أيام محمد علي، الذي يسمونه: باني مصر الحديثة، وستعلم إذا قرأت كتاب: (الطريق إلى ثقافتنا) مدى جناية هذا الرجل على مصر؛ عندما حاول أن يستقل بمصر عن الخلافة العثمانية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595818,"book_id":1590,"shamela_page_id":56,"part":"4","page_num":12,"sequence_num":56,"body":"معاملة النبي ﷺ للناس على حسب أحوالهم\rكان الرسول ﵊ -كما في هذا الحديث- يحدث أصحابه، فجاءه أعرابي وهو يتكلم فقال: (يا رسول الله! متى الساعة؟) فمر رسول الله ﷺ يحدث، فقال بعض الصحابة: سمع ما قال؛ فكره ما قال.\rوقال بعضهم: بل لم يسمع) ، فلماذا انقسم الصحابة إلى فريقين؟ كل راعى شيئاً لحظه في النبي ﷺ، فالذين قالوا: سمع ما قال فكره ما قال، كانوا يعلمون أن النبي ﷺ إذا كره شيئاً أعرض عنه، وظهر على وجهه، فإنه عندما جاءه عبد الله بن عمرو وهو يلبس حلة حمراء فأعرض عنه لقد كانت كل حياة الصحابة واهتمامهم بالنبي ﵊، وكانت عيونهم (الكاميرا المسجلة) كل شيء يرمقونه حتى اضطراب لحيته، يقول الصحابي (كنا نعرف قراءة النبي ﷺ في الظهر باضطراب لحيته) ويقول مثلاً أبو حميد الساعدي (قلت: لأرمقن صلاة النبي ﷺ سائر اليوم) ، ويقول صحابي آخر: (أتيت النبي ﷺ والقمر في ليلة إضحيان -ليلة أربعة عشر- فجعلت أنظر إلى القمر مرة وإلى وجهه مرة، فكان في عيني أحلى من القمر) وهذا كلام شخص محب، ويقول جابر بن سمرة (أتيت النبي ﷺ في ليلة قمراء وعليه حلة حمراء، ما رأيت قط أجمل منها) ، ويقول أنس بن مالك: (ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول ﷺ .\rالمهم أن الرسول ﵊ كان كل حياتهم، وكان محور ارتكاز عندهم.\rفكان النبي ﵊ إذا كره شيئاً ظهر على وجهه، وأعرض إعراضاً لطيفاً، فالصحابة الذين قالوا هذا، رأوا أنه كثيراً ما كان يعرض عن بعض أصحابه إذا ارتكب شيئاً، فلا يحتاج إلى كلام.\rوالذين قالوا: بل لم يسمع؛ بنوا ذلك على أن النبي ﷺ ما كان يواجه أحداً بما يكره أبداً.\rجاء في صحيح مسلم: (كان في المدينة بنت مصابة بمرض التخلف، وكانت تأخذ بيد رسول الله ﷺ فتطوف به المدينة فلا يمتنع منها، ولا ينزع يده منها) ، هذه أشياء لها دلالة، وإن كان بعض الناس قد يعتبرها مواقف صغيرة لكن لها دلالة (وكان النبي ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها) ، وكان رفيقاً، كثير احتمال الأذى، لاسيما مع الأعراب، فما كان يعرض عن الأعرابي، حتى ولو قال قولاً جاهلياً، إنما كان يعرض عن أصحابه الذين يعيشون معه في المدينة، وهكذا ينبغي على الشيخ أن يفرق في معاملته بين أهل البلد وبين الغرباء، فيعطي الغرباء من حقه ومن وقته؛ لأنهم غرباء، ولأن هذا الغريب لا يعلم ما قد ينبه عليه الشيخ أكثر من مرة، لكن يعلمه أهل البلد.\rجاء في الصحيح أن أنس بن مالك ﵁ قال: (نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ في القرآن، وكان يعجبنا أن يأتي الرجل العاقل من البادية فيسأل ونحن نسمع) ، فلو أن شخصاً من أهل المدينة سأل النبي ﷺ سؤالاً بعد النهي؛ لكان له أن يعزره، أما هذا الأعرابي فلم يشهد النهي، فقد جاء من بعيد، وسأل النبي ﵊؛ فما كان يعنفه، إنما كان يتلطف معه، وهذا هو مستند الذين قالوا: بل لم يسمع؛ لأنه كان يعامل الأعراب معاملة خاصة غير معاملة أهل الحضر.\rوفي الحقيقة هناك أدلة تبين هذا، أذكر بعضاً منها: في سنن أبي داود والنسائي من حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري (أن النبي ﷺ رأى قعوداً لرجل من الأعراب -والقعود: جمل صغير السن- فقال: بعني جملك.\rقال: بكم؟ فقال: بكذا.\rفقال: إذاً.\rاشتريت منك الجمل، وسأعطيك الثمن عندما نرجع إلى المدينة.\rوجاء صحابي من الصحابة لم يعلم أن النبي ﵊ اشترى الجمل، فأعجبه الجمل، فقال للأعرابي: أتبيع الجمل؟ قال: بكم؟ قال: بكذا.\rوذكر ثمناً أعلى من ثمن النبي ﵊، فعلم النبي ﵊ أن الأعرابي باع الجمل، فقال: يا أعرابي! أولم تبعني الجمل؟ فقال: ما بعتك شيئاً.\rقال: كلا يا أعرابي! بل بعتني.\rقال الأعرابي: هلم شهيداً يشهد أنني بعتك.\rوالصحابة يلوذون برسول الله ﷺ، ويقولون للأعرابي: ويحك! إن رسول الله ﷺ لا يقول إلا حقاً.\rوهو يقول: هلم شهيداً يشهد أنني بعتك.\rوحينئذٍ انبرى خزيمة بن ثابت الأنصاري وقال: أنا أشهد أنك بعته الجمل.\rفقال النبي ﷺ: بم يا خزيمة؟ قال: بتصديقك) ، أي: أنك لا تكذب، ولو لم أكن حاضراً لهذه الصفقة وهذا البيع فأنت قد اشتريت الجمل، والأعرابي قد باعك الجمل، (بتصديقك) ، فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين؛ لأجل هذا الأمر، وهذا من خصوصيات خزيمة بن ثابت الأنصاري ﵁.\rوالنبي ﵊ لم يكفر هذا الأعرابي، ولم يقل له: كذبت رسولك فكفرت، فاغتسل إذاً، وجدد الإسلام، وانطق بالشهادتين؛ لأنه راعى هذه المسألة، فكان النبي ﵊ كثير الاحتمال.\rوهذا أعرابي يقول: (يا رسول الله! ثيابنا في الجنة ننسجها بأيدينا أم تتفتق عنها ثمار الجنة؟ فضحك الصحابة، فقال ﵊: أتضحكون من جاهل يسأل عالماً؟) ، لماذا تضحكون؟ الرجل يسأل: ماذا سوف نلبس في الجنة؟ هل سنخيط ملابسنا، أم سنجد الملابس جاهزة؟ وهذا يدل على أن الصحابة كثيراً ما كانوا يسألون عن الجنة وما فيها، وقد جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (استأذن رجل ربه في الزرع -أي: أن يزرع في الجنة- فقال الله ﷿: دونك يا ابن آدم! فإنه لا يشبعك شيء.\rفرمى البذرة وفي طرفة عين رأى الثمرة والشجرة الكبيرة، فقال الرجل: والله يا رسول الله! لا تجده إلا أنصارياً) ؛ لأن الأنصار هم الذين يحبون أن يزرعوا.\rإن الجنة لا أحد يعرفها، وهي منتهى الآمال، وكلنا نعمل لكي ندخل الجنة، وأعظم نعيم في الجنة هو رؤية الله ﷿، ونحن عندما نطلب من الله ﷿ الجنة إنما نطلب أن نرى رب العالمين ﵎ هناك، فكان الصحابة يسألون عن الجنة، فسأل هذا الرجل عن ملابسه: كيف سنلبس؟ وكيف سنخيطها؟! فضحك الصحابة من هذا السؤال، فقال ﷺ: (مم تضحكون؟! من جاهل يسأل عالماً، نعم يا أعرابي، تتفتق عنها ثمار الجنة) ، تفتح الثمرة فتجد جلابية جاهزة وعلى مقاسك، والجنة -كما يقول بعض العلماء، وقد استندوا إلى آثار صحيحة موقوفة لها حكم الرفع- لا يسأل الإنسان فيها، وإنما بمجرد أن يتمنى يجد حاجته ماثلة إمامه؛ لأن السؤال ذل، وأهل الجنة معافون من هذا كله، إنما إذا خطر على باله أنه يأكل رماناً فإنه يجد الرمان أمامه يخطر على باله أنه يأكل فاكهة، أو حماماً، أو أي شيء من لحوم الجنة وفواكهها، فإنه يجد ذلك الشيء أمامه في الحال.\rفالنبي ﵊ كان كثير الرفق بهؤلاء الأعراب، وكان الصحابة يعلمون ذلك، فقالوا: بل لم يسمع لماذا؟ راعوا حال النبي ﵊، وفي هذا ينبغي مراعاة قرائن الأحوال، فإن الصحابة حكموا بما علموه من النبي ﵊، ومسألة اعتبار القرائن في الحكم مسألة ضرورية جداً، فإن الصحابة في حكمهم لما انقسموا إلى فريقين كلٌ راعى القرينة التي حضرته، ورآها على النبي ﵌.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595819,"book_id":1590,"shamela_page_id":57,"part":"4","page_num":13,"sequence_num":57,"body":"في لفظة (إذا أسند الأمر ... )\rيقول أبو هريرة ﵁: حتى إذا قضى حديثه قال: (أين أراه السائل عن الساعة؟) (أين أراه) هكذا على الشك، وليس: (أين السائل عن الساعة؟) وهذا الشك هو من محمد بن فليح؛ لأن كل الذين رووا هذا الحديث عن فليح بن سليمان وهم خمسة: محمد بن سنان، ومحمد بن فليح، ويونس بن محمد، وسريج بن النعمان، وعثمان بن عمر، لم يذكروا هذا الشك في روايته، بل قالو جزماً: (أين السائل عن الساعة؟) -باستثناء محمد بن فليح - ولو كان هذا الاختلاف من فليح بن سليمان لاتفقوا عليه فيه، أما وقد اختلفوا فيه؛ فنحن ننظر إذاً إلى اختلاف الرواة واختلافهم في مثل هذا.\rاتفق أربعة من الرواة عن فليح بن سليمان على الجزم وترك الشك، ولم يشك فيها -في هذه اللفظة- إلا محمد بن فليح، ولذلك جعل العلماء -ومنهم الحافظ ابن حجر - الشك فيها من محمد بن فليح، قال: (حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ -أو أين السائل عن الساعة؟ - قال: ها أنا يا رسول الله.\rقال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) .\rوكان رجلاً عاقلاً، فسأل سؤالاً آخر كشف الأمر وجلاه، فقال: (وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) ، ووقع في صحيح ابن حبان: (إذا اشتد الأمر فانتظر الساعة) ، وأنا أظن أن هذا خطأ وفيه تصحيف، فلو كان (إذا اشتد الأمر) إجابة على السؤال الأول لكان له وجه: متى الساعة؟ فيقول: (إذا اشتد الأمر فانتظر الساعة) ، و (اشتد الأمر) أي: زادت الفتن، فهذا الجواب يمكن أن يكون صحيحاً، لكنه قال: (كيف إضاعتها؟) فقال: (إذا اشتد الأمر فانتظر الساعة) ، فهذا الجواب لا يكون جواباً كافياً لهذا السؤال، وكأن الكتاب وقع فيه تصحيف وخطأ، وكلمة (اشتد) هذه يكون أصلها (أُسند) ، وهي نفس الحروف مع اختلاف النقط؛ لأنه إذا أسند الأمر إلى غير أهله فوقع تصحيف فـ (أسند) صارت (أشتد) ، وسقط من الرواية (إلى غير أهله) ليتفق ذلك مع بقية الروايات.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.\rوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595820,"book_id":1590,"shamela_page_id":58,"part":"5","page_num":1,"sequence_num":58,"body":"شرح صحيح البخاري [٥]\rللساعة علامات، ومن علاماتها إسناد الأمر إلى غير أهله، وما هذه الطعون والسهام الموجهة نحو السنة النبوية، والتشكيك فيها، إلا دليلاً على قرب الساعة، وإن من واجبنا نحو ديننا هو إعداد العدة للدفاع عنه، وعدم الاستسلام أمام هذه الموجات العاتية، فهؤلاء المنحرفون لم يقعوا في الفروع بل تعدوا إلى الأصول، وذلك لضعفنا، فإنه عندما كان الصحابة حراساً لهذا الدين لم يقترب أمثال هؤلاء من الفروع، فضلاً عن الأصول، وما ذلك إلا لقوة الحراسة، واليقظة العالية والمستمرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595821,"book_id":1590,"shamela_page_id":59,"part":"5","page_num":2,"sequence_num":59,"body":"من علامات الساعة إسناد الأمر إلى غير أهله\rإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.\rقال الإمام البخاري ﵀: باب من سُئِلَ علماً وهو مشتغل بحديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل.\rحدثنا محمد بن سنان، قال: حدثنا فليح ح وحدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، قال: حدثني أبي، قال: حدثني هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: (بينما النبي ﵌ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها، قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) .\rوذكرنا قبل ذلك أن الإمام البخاري ﵀ ذكر هذا الحديث مختصراً في كتاب الرقاق، من طريق محمد بن سنان، وقد وصلنا إلى آخر جملة في هذا الحديث وهي الجملة التي علل بها رسول الله ﷺ إضاعة الأمانة، قال: (إذا وسد الأمر) وفي رواية أخرى: (إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) .\rقالوا: يضيِّع الدنيا والآخرة رجلان: نصف طبيب، ونصف عالم، نصف طبيب يهلك الأبدان، ونصف عالم يضيع الأديان، فكيف إذا لم يوجد هذا النصف أيضاً؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595822,"book_id":1590,"shamela_page_id":60,"part":"5","page_num":3,"sequence_num":60,"body":"حقيقة القرآنيين وردود العلماء عليهم\rإن الفتنة التي تطل برأسها الآن، هي: فتنة القرآنيين الذين لا يثبتون السنة، إلا من حيث الجملة، أي: أن هناك سنة والنبي ﵊ تكلم بأحاديث، لكن ليس على سبيل التفصيل، فينكرون الأشياء التي كانت معلومة ومستقرة عند أسلافنا، وهم الذين يقولون: حسبنا القرآن، وقد تولى علماء السنة أهل الحديث الرد عليهم، وغزوهم في معاقلهم، وذلك عندما كان العلماء متوافرين، فقد كانوا يغزون معاقل هؤلاء، ويرجعون مظفرين، لكن الآن لا يوجد لدينا طائفة الفرسان الذين يهاجمون، أو الذين تحققوا من علم السنة جملة وتفصيلاً.\rالآن يأتي رجل ويخرج علينا برأي سقيم، ويرد عليه كل العلماء، يقول: إن الله ﵎ قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] ، وقد أجمع أهل العلم على أن أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، والقرآن لم يحدد يوم عرفات، ويكون في الحج زحام شديد، حيث يحج اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة ملايين، فهذا يؤدي أحياناً إلى الموت من شدة الزحام، فإذا كان الحج يبتدئ من شوال، والإنسان المتمتع مثلاً إذا أراد الحج من عامه وأتى بالعمرة التي هي بين يدي الحج في أول شوال فيتحلل وينتظر إلى يوم التروية، ثم يهل بالحج، فما بين عمرته وما بين إهلاله بالحج شهران وثمانية أيام، وهذا يعتبر داخل في الحج، فما هو المانع إذا كان القرآن لم يحدد لنا يوم عرفة أن نقدمه، طالما أن شهر شوال من أشهر الحج، لماذا لا يكون فيه يوم عرفة وعيد؟! بحيث نقول: إن على أهل شرق آسيا أن يحجوا في شوال، وعلى دول المغرب والشرق الأوسط أن يحجوا مثلاً في ذي القعدة، وبلاد الأعاجم في ذي الحجة وهكذا، فيصبح عندنا سبعون يوم عرفة، وسبعون عيداً، طالما أن القرآن لم يحدد يوم عرفة.\rهذا رأي رجل حقير جداً، ومع ذلك يشغل الرأي العام، وينبري له أكبر الرءوس العلمية في الكلية الشرعية، هذا ما ينبغي أن يرد عليه أصلاً، ولا ينبغي أن تصبح المسألة قضية، فإن كون المسألة تصبح قضية فهذه هي الخطورة في الموضوع، لأن القضية كلها ساقطة ليس لها قيمة على الإطلاق، أفكلما نعق ناعق يقف كل هؤلاء العلماء طابوراً ليردوا عليه؟! ويقولون: لا تتعصبوا، يجب أن تفتحوا صدوركم للرأي والرأي الآخر! حتى لو كان كفراً!! وهذه امرأة شمطاء تجاوزت سبعين سنة، قالت: لقد كسبنا الجولة الأولى، وهي أنه تم إصدار قانون بمنع ختان الإناث، تقول: وأنا الآن أطالب بمنع ختان الرجال، انظر يا أخي إلى قلة الحياء! هذه المرأة هي التي تطالب بمنع ختان الرجال!! ويقوم العلماء بالرد عليها، ويشغلون الناس بمثل هذه الآراء التافهة الساقطة، مثل ما تفعل المخابرات الأمريكية عندما تحب أن تعمل مصيبة في العالم، تخترع قصة وهمية، ويقوم أفحل العلماء الذين لا يشك أحد في مصداقيتهم من أهل علمهم ويتكلم فيها، مثل: الأطباق الطائرة، أو رجل طويل نازل على طبق ونازل على البحر الميت.\rوقال شهود عيان ورأينا وسمعنا وكلمنا وكلمناهم ويقول عالمهم: هذه ظاهرة علمية حقيقية، ونحن نصدق هؤلاء في كل ما يقولون، وإذا اعترض أحد منا على هذا الكلام، قالوا: أنت لا تصدق شيئاً، وهذا ليس من تخصصك.\rنقول: وأنت الذي اعتمدت على شهرتك أنكرت الشفاعة، وقلت: إن الأحاديث التي وردت عن النبي ﷺ كلها مكذوبة، وأنت لا تفقه شيئاً في علم الحديث، ولا في قبول الروايات ولا ردها، ولا تعرف كيف يقبل العلماء الحديث وكيف يصححونه؟! فلماذا تعديت على تخصص هؤلاء، وجزمت بأن كل ما ورد في السنة أو السيرة من الأحاديث التي تتحدث عن شفاعة رسول الله ﷺ للعصاة يوم القيامة غير صحيحة، وهي عند أهل العلم ثابتة ولا يشك فيها أحد؟! لماذا لم تحترم التخصص وتأتي البيوت من أبوابها؟ مثلما تأتي البيوت من أبوابها في عالم الحيوان، وعالم الإيمان وعالم النبات وغيرها، وتقول: إن العالم الفلاني قال كذا، والعالم العلاني قال كذا، ولا تتجاوز اختصاص هؤلاء، فهلا عرجت على واحد من أهل الاختصاص في معرفة الحديث الصحيح والضعيف، وقلت: إن العالم الفلاني قال: إن الحديث ضعيف، وكنت قادراً على أن تثبت حجتك؟! لماذا لا يهاجم هؤلاء الذين يتكلمون في غير فنهم، ويهاجم العلماء إذا تكلم أحد منهم في فنه؟! فتنة القرآنيين بدأت تطل من جديد، وهم الذين يقتصرون على القرآن وحده، وكل حديث يخالف ظواهر الآيات حسب مفهومهم فهو حديث مكذوب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595823,"book_id":1590,"shamela_page_id":61,"part":"5","page_num":4,"sequence_num":61,"body":"طعن أهل البدع في صحيح البخاري والرد عليهم\rيقول أحدهم -ممن اشتهر بتكذيب الأحاديث-: لماذا رد البخاري خمسمائة وستة وتسعين ألف حديث، فرده هذا يوحي بأن هناك علة؟ (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) ، فالجهل يكون هو الحاكم، فإذا حكم الجهل زاد الشر، ومعلوم أن من علامات قيام الساعة ازدياد الشر، قال أنس ﵁: (ما من يوم يمر إلا والذي بعده شر منه إلى يوم القيامة) .\rوقد رد الحافظ ابن حجر على الكرماني في مسألة في علم الحديث، والكرماني كان متوسط الفهم في علم الحديث، ولم يكن من أهل العلم الكبار، فـ الكرماني تكلم بكلمة أخطأ فيها، فقال الحافظ ابن حجر بعد أن ساق كلامه ورد عليه، قال: ومن تكلم في غير فنه أتى بمثل هذه العجائب.\rفعندما يقول هذا الرجل: لماذا رد البخاري خمسمائة وستة وتسعين ألف حديث؟ هل هذه الرواية أصلاً صحيحة عن البخاري؟ لا، الذي صح عن البخاري أنه قال: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح، أي: أن جملة ما كان يحفظه البخاري ثلاثمائة ألف، وكلمة: (غير صحيح) قد تحتمل ما هو أدنى من الصحيح، مثل: الحسن، والإمام البخاري ﵀ تكلم بمصطلح الحديث الحسن كثيراً، ومنه أخذ تلميذه الإمام الترمذي هذا المصطلح، وجعل له حداً، كما في (العلل الصغير) المطبوع في آخر سننه.\rفالإمام البخاري عندما يقول: أحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح، يصح أن نقول: إن الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمنكرة والباطلة أكثر من خمسمائة ألف وقد تزيد، لكن الشأن فيما اختاره البخاري في صحيحه.\rإذا كان الإمام البخاري عنده ملكة في تمييز خمسمائة وستة وتسعين ألف حديث غير صحيح، فمعناه أنه صار إماماً ناقداً، فإذا قال: أنا ألفت كتاباً وسميته: (الجامع الصحيح) ، أفيتصور أن يورد في هذا الكتاب الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمنكرة؟! على هذا المفهوم يكون هذا الرجل إما أنه غاش للمسلمين، أو أنه أوهمهم بأنه سيورد الأحاديث الصحيحة ولم يفعل، وإما أنه جاهل لا يدري الفرق ما بين الحديث الصحيح والحديث الضعيف والمنكر.\rليس علينا بما أنكره البخاري، إنما نقول: لماذا تعديتم على صحيح البخاري، وقلتم: إن فيه أحاديث مكذوبة، وفيه إسرائيليات؟ ثم يقول: إن أبا حنيفة ﵀ كان يحفظ سبعة عشر حديثاً، فإذا كان أبو حنيفة الإمام الكبير الذي مدار الفقه عليه، محفوظه أقل من عشرين حديثاً، فأين هذه الألوف المؤلفة حتى لا يعلمها أبو حنيفة؟ إذاً: كل الأحاديث هذه مكذوبة ومنكرة، بدليل أنها لو كانت هذه الأحاديث صحيحة لكان عند أبي حنيفة أحاديث كثيرة لمجاله الفقهي، وما من مسألة إلا ونحن نحتاج فيها إلى دليل جذري.\rيذكرني هذا بما ذكره أهل الأدب عن خالد بن صفوان الخطيب البليغ المشهور، أنه دخل الحمام يوماً فرآه رجل في الحمام وكان ابنه يغتسل في الحمام، وأبوه منتظر له خلف الباب، فلما رأى الوالد خالداً، قال لابنه رافعاً صوته: يا بني! ابدأ بيداك ورجلاك، ثم التفت إلى خالد كالمتباهي، وقال: يا أبا صفوان هذا كلام قد ذهب أهله، فقال له: هذا كلام لم يخلق الله له أهلاً قط.\rفعلم هؤلاء بالحديث وقبول الروايات مثل علم هذا الرجل باللغة العربية.\rوهذه الأحاديث السبعة عشر التي ينسبونها لـ أبي حنيفة ﵀ ليست هكذا، إنما القصة: أن علماء الحديث في المدينة كان بينهم وبين مدرسة الكوفة وعلى رأسها أبي حنيفة مشاكل، وأن أهل الكوفة من منظور أهل الحجاز لم يكونوا يهتمون بالأحاديث، ولم يرحلوا في طلبها، ولذلك تكلموا في حفظ أبي حنيفة، فقال البخاري ومسلم وابن معين في رواية، وأحمد بن حنبل وأبو حاتم الرازي وأبو زرعة الرازي وابن عدي والدارقطني: إن أبا حنيفة سيء الحفظ، ولذلك خلت الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، وابن حبان ومستدرك الحاكم والبيهقي من ذكر أبي حنيفة، ومن رواية أبي حنيفة، على اعتبار أنه سيء الحفظ عندهم.\rوالعلماء من الأحناف أتوا بروايات أخرى عن الأئمة الثقات مثل: ابن معين، وابن المبارك وغيرهم تقول: بأن أبا حنيفة من أحفظ الناس ومن أوثق الناس إلى آخره، حتى قال ابن حبان في المجروحين: إن كل ما لـ أبي حنيفة في الدنيا سبعة عشر حديثاً، ما من حديث إلا قلب إسناده أو متنه، مع قلة ما روى.\rفالإمام البخاري لو قلنا: إنه أنكر هذا العدد الكبير من الأحاديث ما علينا من هذا العدد، كل الذي نتكلم عنه صحيح البخاري، لماذا تعديتم على صحيح البخاري وقلتم: إن هناك أحاديث مكذوبة؟ إنما كان ذلك لأنكم لم تفهموها، يا ليتكم قرأتم شروح العلماء الذين شرحوا صحيح البخاري، مع أن لصحيح البخاري أكثر من ثلاثمائة شرح وتعليق، وكذلك صحيح مسلم له قرابة مائة شرح وتعليق.\rيقول السيوطي: وانتقدوا عليهما يسيرا فكم ترى نحوهما نصيرا وليس في الكتب أصح منهما بعد القرآن ولهذا قدما إجماع من العلماء، أنه ليس بعد القرآن أصح من هذين الكتابين، وأن الإمامين لاسيما البخاري ﵀ وضع كتابه على أتقن القواعد العلمية، وشرط البخاري شديد، ومسلم لما رد على علي بن المديني في مقدمة صحيحه وشن الغارة عليه بسبب ضيق شرطه، أما البخاري ﵀ فما كان يقبل من الحديث إلا ما ثبت لديه -ولو في إسناد واحد- من أن هذا التلميذ لقي شيخه ولو مرة واحدة، وبلغ من ضيق شرط البخاري أنه أهمل قبول رواية أهل البلد الواحد، ما لم يقف على إسناد فيه أن فلاناً قال: حدثني فلان، فالذي يبني كتابه على هذا الشرط الضيق الشديد كيف ينتقدونه هؤلاء الجهلة؟ وكل المسألة أن ظواهر بعض الأحاديث تتعارض عندهم مع ظواهر بعض الآيات، فيقولون: حسبنا كتاب الله، ولو ردوه إلى أهل العلم لعلموا الوجه الصحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595824,"book_id":1590,"shamela_page_id":62,"part":"5","page_num":5,"sequence_num":62,"body":"عدم معارضة السنة للقرآن وتبيينها له\rنقل ابن عبد البر ﵀ في كتاب: التمهيد عن الإمام أحمد، قال: إن الذين يعارضون الأحاديث بظاهر القرآن عملهم منكر، لا ينبغي أن تعترض على الأحاديث بظاهر القرآن؛ لأن القرآن حمال ذو وجوه، والسنة بينت القرآن، فينبغي أن يؤخذ بالمبيِّن، وهذا معنى قول يحيى بن أبي كثير ﵀: إن السنة قاضية على كتاب الله، وهذا أيضاً كلام الإمام الدارمي، وابن عبد البر، وجماعة من السلف.\rسئل الإمام أحمد هل تذهب إلى أن السنة قاضية على كتاب الله؟ فقال: ما أجسر أن أقوله، إنما السنة مبينة لكتاب الله، إذاً: المسألة لفظية فقط، كأن الإمام أحمد كره هذا اللفظ الذي يتصور منه تقديم السنة على القرآن، فلأجل هذا تحاشى الإمام أحمد تحاشى إطلاق اللفظ، وأتى بلفظ يفهم منه المعنى تماماً، وهو أن السنة مبينة للقرآن.\rومعنى أن السنة قاضية على القرآن أنه إذا اختلف اثنان فيتحاكمان إلى القاضي أليس كذلك؟ كل واحد يدلي بما عنده من دليل، فيقول القاضي: الحق مع فلان، فإذاً: القاضي قضى لفلان بعدما ثبتت حجته وظهرت واستبانت، كذلك السنة.\rخذ مثالاً: قال الله ﵎: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] ، قال الشافعي ﵀: هذه الآية حجة لمن ذهب إلى جواز إتيان المرأة في دبرها، ولكن صح عندنا حديثان في منع إتيان المرأة في دبرها فالسنة قضت على أحد المعنيين في كتاب الله، وهذا معنى أن السنة قاضية على كتاب الله.\rأي: أن هناك لفظة في القرآن تحتمل معنيين، فتأتي السنة فتقضي بين المعنيين، وتقول: المعنى الأول هو المراد، والثاني غير المراد، فتكون السنة قد قامت بدور القاضي بين المعاني، فلذلك صارت قاضية على كتاب الله لا أنها مقدمة على كتاب الله.\rمثال آخر: قول الله ﵎: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] ، فذهب علي بن أبي طالب وابن مسعود ﵄ وغيرهما من الصحابة، وتابعهما جماهير أهل الكوفة، إلى أن القرء حيض، وذهبت عائشة وأبو هريرة وابن عمر وغيرهم وتابعهم جماهير أهل المدينة، وكذلك الشافعي إلى أن القرء طهر، واللغة العربية تمتاز بهذا الباب الذي هو كلمات الأضداد، فبعض الكلمات تحمل معنى وعكسه، والذي يبين المقصود هو السياق.\rمثل كلمة: ظن، فالظن معناه الشك، وقد يكون معناه اليقين، كقوله ﵎: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٤٥-٤٦] فالآية في سياق المدح لهم، فلا يتصور أن الظن شك؛ لأن الشاك في لقاء الله كافر، فالظن بمعنى اليقين الذي لا شك فيه، وكقوله ﵎: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] ، وقوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢] ، وقوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس:٣٦] .\rكذلك كلمة: وراء، قد تعني: أمام، وقد تعني خلف، أما أنها تعني خلف فعلى بابها، أما (أمام) فكقوله تعالى في قصة الخضر: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩] أي: أمامهم، لأنه لو كان وراءهم لتجاوزوه، فما هي الحاجة إلى خرق السفينة، فهذه اللفظة تحمل عكس معنى اللفظ الأصلي.\rفمن كلمات الأضداد كلمة: قرء، يعني: طهر، وحيض، فأهل الكوفة قالوا: حيض، والدليل على ذلك أن المرأة التي جاءت إلى النبي ﷺ تشتكي نزول الدم منها بصورة مستمرة، وقال لها النبي ﵊: (دعي الصلاة أيام أقراءك) ، أي: اتركي الصلاة في أيام أقراءك، فهذا يدل على أن القرء حيض، فالسنة هنا قضت لأحد المعنيين على الآخر، وهذا هو معنى السنة قاضية في كتاب الله، وهي مبينة.\rوتصوروا أيها الإخوة! إذا ضاع البيان فهل يستفاد من النص المجمل؟ فهؤلاء يأتون على أحاديث لا يفهمونها على وجهها، فيقولون: هذه مكذوبة، وهذه موضوعة.\rنقول: إن الحكم على الحديث بالوضع، أو بالنكارة، أو البطلان، أو الشذوذ، أو الصحة، أو الحسن، إنما يخضع أولاً للإسناد، قال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.\rنتمنى أن تكون هناك نهضة عملية في علم الحديث، لا يظل الحديث في الدفاتر، لكن يجب أن نمارس علم الحديث على الواقع.\rلأننا لو مارسنا علم الحديث على الواقع لتقلص كثير من القيل والقال، كل إنسان يكتب كلمة نسأله عن دليله، ثم نسأله من سبقه إلى هذا القول من أهل العلم؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595825,"book_id":1590,"shamela_page_id":63,"part":"5","page_num":6,"sequence_num":63,"body":"وقفة مع كتاب (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) للغزالي\rأحد المشايخ صنف كتاباً -وكان آخر كتاب صنفه غفر الله له- وهو: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، جنى فيه على السنة جناية كبيرة وأخطأ، ولو قلت: كذب لما جاوزت الحقيقة؛ لأن الكتاب طبع قرابة خمسة عشر مرة في حياته -وأنا اطلعت على الطبعة الرابعة عشرة- فما تراجع عن حرف واحد، رغم أنه ظهر سبعة عشر رداً على كتابه؛ لأن فيه الكثير من الكذب على أئمة الفتوى.\rمثلاً: مسالة دية المرأة على النصف من دية الرجل، فيقول معترضاً: من الذي جعل دم المرأة أرخص من دم الرجل؟! بل دية المرأة مثل دية الرجل، فنقول: إن الذي جعل ميراثها مثل نصف ميراث الرجل، وشهادتها نصف شهادة الرجل، هو الذي جعل دمها على النصف من دم الرجل، لاسيما وقد ورد الحديث والإجماع، وقال: إن القول بأن دية المرأة نصف دية الرجل كذب على الفقهاء، فالجماعة الذين ردوا عليه نقلوا له من كتب أهل العلم من كتاب: الأم للشافعي، والمغني لـ ابن قدامة، ونقلوا له من: السنن الكبرى للبيهقي، ونقلوا له من كتاب: التمهيد لـ ابن عبد البر، ومن كتاب: الإجماع لـ ابن المنذر، ومن كتاب: مراتب الإجماع لـ ابن حزم، نقلوا إجماع الأمة، وأنه لم يخالف في هذا إلا رجلان فقط من المعتزلة وهما: الأصم وابن علية، وهذا كلام ابن قدامة في المغني.\rأظن أن هذا كان كافياً لكي يرجع عن قوله في الطبعة الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو العاشرة.\rلكن لم يرجع وبقي الكلام كما هو، إذاً: المسألة ليست مسألة دليل، وليست مسألة تأصيل علمي، إنما المسألة مسألة انتصار لرأي خطير، وانتقاص لجانب الفقهاء.\rيقول في رد الروايات: إن رد الروايات لا يخضع للإسناد، وهذا على خلاف اتفاق أهل العلم جميعاً، في أن الحديث إنما يحكم عليه صحة وضعفاً أولاً بالنظر إلى سنده، إنما الذي إذا سمع المتن أنكره أو صححه هم أهل العلم الكبار، الذين كانوا يحفظون الآلاف من الأسانيد، إذا سمع المتن يعرف أن هذا المتن صحيح، وأن له أسانيد صحيحة، لكنه لم يذكرها، كـ أبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، والإمام البخاري، ومسلم، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج وأمثال هؤلاء العلماء.\rفالاعتداء على صحيح البخاري، القصد منه إهدار بقية السنة، إذا كان هذا أصح كتاب عندنا، ويأتي هؤلاء الجهلة ويخرجون منه أربعمائة حديث ويدّعون أنها موضوعة ومكذوبة، كل أحاديث الشفاعة أنكروها، لأنها تخالف قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤] وهذا إنكار منهم أنه يوجد شفيع ودليلهم: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤] فقط! نقول: وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، أين ذهبت؟ وقوله: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف:٨٦] ، فالقرآن أثبت أن هناك شفعاء بإذنه ﵎، والنبي ﷺ أخبر أنه سيشفع، وأن المؤمنين سيشفعون، وأن الرجل قد يشفع لأهل بيته، وهذا كما ورد في الأحاديث الصحيحة، فأي نكير على هذا، وهو لا يعارض القرآن.\rإن ظاهرة توسيد الأمر إلى غير أهله الآن قائمة على قدم وساق، ولذلك قال النبي ﷺ: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) ، ينبغي علينا نحن أن نقوم بواجبنا تجاه ديننا، أين كتيبة الدفاع عن السنة؟ كان أولى الناس بالدفاع عن السنة الأساتذة الموجودين في أقسام الحديث، وفي كليات أصول الدين، أين دورهم في الرد على هؤلاء؟! لأجل هذا أيها الإخوان! أنا أهيب بكم وأدعوكم إلى دراسة علم السنة، وأن أي أحد يغار على دينه، يجب أن ينتدب نفسه للدفاع عن سنة النبي ﷺ، الحراسة عندنا ضعيفة جداً، الحراس عندنا نائمون، لا يقومون بواجبهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595826,"book_id":1590,"shamela_page_id":64,"part":"5","page_num":7,"sequence_num":64,"body":"دفاع الصحابة عن السنة النبوية\rكان قديماً لا يستطيع رجلٌ مع وجود الحراس من أصحاب النبي ﷺ أن يعتدي على فرع من فروع الدين، فضلاً عن أن يفكر في الاعتداء على أصل من أصول الإسلام، بسبب الحراسة القوية لدين الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595827,"book_id":1590,"shamela_page_id":65,"part":"5","page_num":8,"sequence_num":65,"body":"نماذج من دفاع الصحابة عن الدين\rفي سنن الدارمي: أن أبا موسى الأشعري لما كان في الكوفة رأى قوماً يسبحون بالحصى فأنكر ذلك، -الآن عندما تنكر السبحة يقولون لك: هناك أناس لا يصلون وهناك أناس زنادقة وملحدون، وأنت تتكلم على السبحة، هؤلاء بالنسبة لأولئك ﵃، فانظر إلى تفاوت الهمم، هؤلاء يدورون ما بين بدعة وردة، ينظرون للمبتدع ويقولون: ﵁ بالنسبة للمرتد، وحراس الحدود عندما تكون نظرته هكذا سقطت الحراسة ودخل العدو، نقول: لا يجوز للحارس أن يتساهل مع عدوه وإن كان نملة، فإن معظم النار من مستصغر الشرر- وانطلق أبو موسى الأشعري إلى عبد الله بن مسعود في صلاة الفجر، فوجد تلاميذ عبد الله بن مسعود على الباب، قال: أما خرج أبو عبد الرحمن؟ قالوا: لم يخرج بعد، فجلس معهم حتى خرج ابن مسعود فاكتنفوه، فقال أبو موسى الأشعري: يا أبا عبد الرحمن لقد رأيت شيئاً آنفاً أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيراً، قال: ماذا رأيت؟ قال: إن عشت فستراه، رأيت قوماً حلقاً حلقاً وأمام كل حلقة حصى، وأحدهم يقول: سبحوا مائة، كبروا مائة، هللوا مائة، فيعدون التسبيح والتكبير والتهليل، فقال ابن مسعود: يا أبا موسى! هلا أنكرت عليهم، وقلت لهم: عدوا سيئاتكم وأنا ضامن أنه لن يضيع من حسناتكم شيء، قال: انتظار أمرك أو انتظار رأيك.\rفانطلق عبد الله بن مسعود ودخل المسجد، فإذا الأمر كما وصف أبو موسى، فوقف على حلقة من هذه الحلق، وقال: ما أسرع هلكتكم يا أمة محمد، ها هو محمد ﷺ آنيته لم تكسر، وثيابه لم تبلى، حتى فعلتم شيئاً ما فعله ولا أصحابه، والله إما إنكم لعلى ملة أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلال، قالوا: يا أبا عبد الرحمن والله ما نريد إلا الخير، نحن نذكر الله، وأظن أن هذا محمود عند طوائف كثيرة، ومع ذلك أنكره عبد الله بن مسعود، وما غره هذا الظاهر من الخير؛ لأنه مخالف لما كان عليه النبي ﵊.\rوذلك مثل فعل عبد الله بن عمر فيما رواه مسلم في مطلع صحيحه من حديث يحيى بن يعمر، قال: خرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول معبد الجهني في القدر، فظهر لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفناه، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقصون العلم، ويكثرون الصلاة، والصيام، والقيام، ويعتزلون والنساء.\r-وذكر من شأنهم ما ذكر- غير أنهم يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف، لم يقل له عبد الله بن عمر: بارك الله فيهم، وهؤلاء أناس يقرءون القرآن، ويطلبون العلم، لكن عليهم أن يغيروا هذه الصفة، لا، بل أهدر عبد الله بن عمر كل هذا الذي سمعه، وقال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وهم برآء مني، فطالما أننا اختلفنا في الأصول فلا لقاء.\rفـ عبد الله بن مسعود لم يغتر بظاهر هذه الحلقة في المسجد، وهم يذكرون الله، ويسبحونه، ويهللونه، ويحمدونه، فعندما قالوا له: والله يا أبا عبد الرحمن ما نريد إلا الخير، قال: كم من مريد للخير لا يبلغه، إن رسول الله ﷺ حدثنا عن أناس يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وايم الله لعل أكثرهم منكم، والله إما إنكم لعلى ملة أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة.\rقال يحيى بن يعمر: فلقد رأيت عامة هؤلاء يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج.\rوفي معجم الطبراني الكبير بسند صحيح عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: عرست في زمان أبي ودعا أبي الناس، فجاء أبو أيوب الأنصاري، فلما جاء ووقف على الباب رأى ستائر على الجدر، فوقف ولم يدخل، وقال لأبي: أأنتم تسترون الجدر، قال سالم: فخفض أبي رأسه واستحيا، وقال: غلبنا النساء يا أبا أيوب، قال: لئن غلبن النساء أحداً لا يغلبنك، والله لا طعمت لكم طعاماً سائر اليوم، ورجع.\rالصحابة ما كانوا يفوتون شيئاً من هذا، بل كانوا حراساً أمناء، لذلك ظل الدين نقياً، وخمد ذكر أهل البدع في أيامهم، فنحن في أمّس الحاجة إلى هذا الطراز من الحراس، الذين لا يسمحون بفوات مثل هذه القضايا، مهما انتقدوا من الآخرين: أنتم متشددون! أنتم تهتمون بسفاسف الأمور! أنتم تركتم المسائل الخطيرة! فمسألة إسناد الأمر إلى غير أهله فيها هلاك في الدنيا وضياع الدين، وهي من علامات الآخرة.\r(إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) ، وما أسند الأمر إلى رجل غير مؤهل إلا بسبب غياب الرجل المؤهل؛ كما قال سفيان الثوري: لا تحيا بدعة إلا على أنقاض سنة.\rإذاً: الذين تخلفوا عن حراسة الدين هم السبب، وإلا لا يمكن لقيادة أخرى أن تتبوأ مكانها؛ لأن هناك معركة فاصلة بيننا وبين هؤلاء العلمانيين، الذين كانوا يتسمون قبل ذلك بالقرآنيين، وليس لهم من القرآن شيء.\rقيل لـ يحيى بن معين: ما تقول في الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ: (ما حدثتكم من حديث فاعرضوه على القرآن، فما وافق القرآن فخذوه، وما عارضه فردوه) ؟ فقال ابن معين فوراً: لقد عرضناه على القرآن فوجدناه كذباً، فقيل: كيف؟ قال: لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595828,"book_id":1590,"shamela_page_id":66,"part":"5","page_num":9,"sequence_num":66,"body":"ذكاء الإمام البخاري وفقهه في التبويب\rفي الباب الثالث قال الإمام البخاري ﵀: باب من رفع صوته بالعلم.\rانظر إلى ذكاء الإمام البخاري وفقهه في التبويب، فأول باب قال: باب فضل العلم، والباب الثاني قال: باب من سئل علماً وهو مشتغل بالحديث فأتم الحديث ثم أجاب السائل، والباب الثالث قال: من رفع صوته بالعلم.\rأول باب فضل العلم، عندما علمت فضل العلم والعلماء، تاقت نفسك أن تكون من هؤلاء، فبدأت تأخذ خطواتك الأولى لطلب العلم، فقال لك الإمام: قف، فإنه قبل أن تطلب العلم لا بد أن تتأدب بآداب طالب العلم حتى تستفيد منه، فإن الأصل ليس تحصيل المسائل إنما هو العمل بالعلم، فذكر طرفاً من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، كما ذكرناه في المجالس الماضية، فأنت عندما تكون قد تأدبت بآداب طالب العلم، وتعلمت العلم، فلابد عليك من تبليغ العلم، وهذا هو معنى قول الإمام: باب من رفع صوته بالعلم؛ لأن رفع الصوت مظنة وصوله إلى أكبر عدد، فالرفع هنا معناه: الانتشار، معناه: التعليم، وليس معناه: أن ترفع صوتك فقط، إنما قصد الإمام البخاري تبليغ العلم، والتبليغ يكون عن طريق رفع الصوت.\rقال الإمام البخاري ﵀: حدثنا أبو النعمان عارم بن الفضل، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: (تخلف النبي ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار.\rمرتين أو ثلاثاً) .\rالإمام البخاري روى هذا الحديث مرتين في كتاب العلم في هذا الباب، وفي باب من كرر القول ثلاثاً ليفهم، ورواه مرة في كتاب الوضوء، باب غسل القدمين ولا يكتفى بالمسح.\rفرواه هنا عن شيخه أبي النعمان عارم بن الفضل، ورواه في كتاب العلم أيضاً عن شيخه مسدد بن مسرهد، ورواه في كتاب الوضوء عن شيخه أبي سلمة التبوذكي، ثلاثتهم قال: حدثنا أبو عوانة، واسمه: وضاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر، واسمه: جعفر بن إياس، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.\rأول ما أذكره في هذا الإسناد هو قوله: حدثنا أبو النعمان عارم بن الفضل: وعارم هذا لقب لشيخ البخاري، واسمه: محمد بن الفضل السدوسي وكنيته أبو النعمان، ولقبه وعارم، وعارم: من العرامة، أي: الشدة والصلابة والشراسة، وكان محمد بن يحيى الذهلي شيخ البخاري إذا حدث عن محمد بن الفضل يقول: حدثنا عارم وكان بعيداً من العرامة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595829,"book_id":1590,"shamela_page_id":67,"part":"5","page_num":10,"sequence_num":67,"body":"حكم الألقاب في الإسلام\rنقف هنا في بحث حول ألقاب المحدثين التي تحمل معنى مذموماً، فهناك بعض الناس أنكر هذا وعده من الغيبة المحرمة، وقال: لا ينبغي أن يلقب الرجل إلا بلقب مستحسن، أو لقب هو يقره، أما أنه ينكره فلا؛ فإن هذا غيبة محرمة، فهل يا ترى ألقاب المحدثين أو ألقاب العلماء أو سائر الناس التي تحمل معنى مذموماً هل هي محرمة؟ وهل تعد من الغيبة أم لا؟ الجواب: أن هذا لا يعد من الغيبة، وقد استثنى العلماء أجناساً لم يعدوها غيبة محرمة، وإنما ساروا مع القصد، ونظم أحد العلماء هذه الأجناس الستة في قوله: القدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر ومجاهر فسقاً ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر (متظلم) : لو أن جارك ظلمك أو غيره ظلمك فذهبت إلى القاضي، فقلت: إن هذا الرجل فعل بي كذا وكذا، وكشف ظلمه للقاضي مع أن هذا الظالم يكره أن يعرفه الناس، فإن هذا لا يعد من الغيبة المحرمة، حتى وإن كرهه صاحبه؛ لأن النبي ﵊ (سئل عن الغيبة، قال: ذكرك أخاك بما يكره، فقال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) ، فهو إن قال الحقيقة فهو مغتاب، وإن قال غير الحقيقة فهو مفترٍ، وهذا الذي ظلمك وذهبت إلى القاضي وقلت فيه ما قلت مما يكرهه صاحبه، أليس فيه ما قلت؟ بلى هو فيه، أليس النبي ﵊ قضى أن هذا غيبة؟ بلى قضى أن هذا غيبة، لكن العلماء قالوا: لابد إذا أردت أن تحكم بشيء أن تجمع شتات الأدلة ثم تصدر الحكم، لا تأخذ حديثاً واحداً أو آية واحدة وتبني عليها الحكم.\rالسنة مبيّنة والنبي ﵊ قد يقول الشيء الجزئي يرد به على شخص، مثلما جاءه رجل وسأله عن الإسلام؟ فقال: (أن تطعم الطعام، وتفشي السلام، وتصلي بالليل والناس نيام) فهل هذا هو الإسلام؟! أم أن هذا من الإسلام؟! مع أن الرجل سأل عن الإسلام، الجواب هنا خرج عن جزئية يسيرة في الإسلام، فالنبي ﵊ يجيب الرجل على مقتضى حاله.\rإذا كان هناك شخص ضرب أباه، وجاء إليك -وأنت تعلم حاله مع أبيه- وقال: دلني على عمل إن فعلته دخلت الجنة؟ فقل له: لا تضرب أباك وأحسن إليه تدخل الجنة، نزل الكلام على مقتضى حال السائل، والنبي ﵊ كان كثيراً ما يجيب على مقتضى حال المخاطب، وهذا مما تعلمناه من هدي النبي ﵊.\rقال الرسول ﵊: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته) ، لكن نحن لدينا أدلة تخصص هذا، فالرسول ﵊ كما في الصحيحين من حديث عائشة: (استأذن عليه رجل، فقال: بئس أخو العشيرة) ، لو سمع الرجل هذا الكلام هل سيغضب؟! لاسيما أن هذا الكلام لا يندمل جرحه، من جرحه الله ورسوله لا يستطيع أحد قط أن يرفع له قائمة.\r(كان النبي ﵊ مع جماعة من الصحابة وهم يرمون، فقال: ارموا وأنا مع بني فلان، فالآخرون توقفوا، فقال: ما لكم؟ قالوا: كيف نرمي وأنت مع بني فلان؟! فقال: ارموا وأنا معكم جميعاً) .\r(فلما دخل الرجل بسط النبي ﷺ له في الكلام وألانه له، فـ عائشة ﵂ رأت وسمعت، فلما انصرف الرجل، قالت: يا رسول الله! قلت ما قلت وفعلت ما فعلت، قال: يا عائشة! إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس اتقاء فحشه) .\rفالمسألة إذاً مدارها على النية، فمن قصد بكلامه التنقيص والتحقير، فهذه هي الغيبة المحرمة، أما من قصد أن يدفع ظلماً عنه، أو يعرف بغير قصد التنقيص فلا يكون ذلك داخلاً في الغيبة المحرمة.\rالرسول ﵊ وهو يبني المسجد قال لـ عمار: (ويحك يـ ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية) ولا شك أن الإنسان إذا نسب إلى أمه فسوف يغضب، ولكن هذا من باب التشريف، وليس من باب التعيير، فلو كان من باب التعيير لكان حراماً، أما إذا كان من باب التشريف والتعريف فيجوز ذلك، ولا يكون غيبة محرمة، وعلى هذا تحمل جميع الألقاب التي ظاهرها الذم.\rمثل: الأعرج عبد الرحمن بن هرمز، وهو من أشهر الرواة عن أبي هريرة، وكذلك عاصم بن سليمان الأحول، وكان أحول فعلاً، سليمان بن مهران الأعمش، كان في عينيه عمش، وكان يقول: لو كنت بقالاً لاستقذرتموني، ولكن الله رفعه بالعلم، وغندر لقب لـ محمد بن جعفر الذي لقبه به ابن جريج، وغندر بلغة أهل الحجاز المشاغب، وكذلك صالح جزرة واشتهر بين الحفاظ بـ جزرة؛ لأنه كان في درس من الدروس فسأله الشيخ إلى أي حديث وصلنا؟ فقال: إلى حديث الجزرة، وهو حديث الخرزة، فصار جزرة لقباً عليه.\rفكل الألقاب التي خرجت على سبيل التعريف لا يعد قائله مغتاباً، أما إذا كان على سبيل الانتقاص فهذا حرام، لحديث عائشة ﵂ لما قالت للنبي ﵊ في صفية: (حسبك من صفية أنها قصيرة، قال لها: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) ، ويقول النبي ﵊: (ما أحب أن يكون لي كذا وكذا وأني حاكيت إنساناً) حرم بهذا أن يحاكي المرء غيره في الكلام.\rمع أن النبي ﷺ في حديث آخر رواه ابن ماجة مختصراً، ورواه البخاري في الأدب المفرد عن ابن مسعود: (أن النبي ﷺ كان يحكي نبياً من الأنبياء أدمى الناس وجهه) قال ابن مسعود: (وجعل يحكي النبي) أي: يمثله، وهو يمسح الدم ويتقي الناس، فلا بأس أن يحكي إذا لم يقصد التنقيص.\rإذاً: هذا هو الضابط ما بين الغيبة المحرمة وما بين القول، سواء كان تظلماً، أو كان إنسان يعرف، أو كان إنسان يستشكل على نحو ما سأذكره تفصيلاً بعد ذلك إن شاء الله تعالى.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.\rوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595830,"book_id":1590,"shamela_page_id":68,"part":"6","page_num":1,"sequence_num":68,"body":"شرح صحيح البخاري [٦]\rاهتم علماء الحديث في القديم بعلم مصطلح الحديث، وذلك لما له من الأهمية البالغة في معرفة الصحيح من الضعيف، ولأنه بدراسة هذا الفن نستطيع أن نواجه أعداء السنة النبوية، الذين يدبرون المؤامرة تلو المؤامرة للإطاحة بالسنة، وتشكيك المسلمين بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595831,"book_id":1590,"shamela_page_id":69,"part":"6","page_num":2,"sequence_num":69,"body":"الفوائد الإسنادية والحديثية\rإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rاللهم صل على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد قال الإمام البخاري ﵀: باب من رفع صوته بالعلم: حدثنا أبو النعمان عارم بن الفضل، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: (تخلف عنا النبي ﷺ في سفرةٍ سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: ويلٌ للأعقاب من النار.\rمرتين أو ثلاثاً) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595832,"book_id":1590,"shamela_page_id":70,"part":"6","page_num":3,"sequence_num":70,"body":"ذكر الألقاب للتعريف لا يعد من الغيبة\rوكنا ذكرنا في المجلس الماضي كلاماً حول هذا اللقب الذي هو لشيخ البخاري ﵀؛ في هذا الحديث وهو محمد بن الفضل، ولقبه عارم، وكنيته أبو النعمان، وهذا اللقب عارم فيه معنى الشدة وسوء الخلق، ولذلك كان محمد بن يحيى الذهلي ﵀ -وهو من صغار شيوخ البخاري؛ إذ إن شيوخ البخاري على خمسة أقسام، آخر قسم من هؤلاء منهم: محمد بن يحيى الذهلي ﵀، واتفق البخاري معه في كثيرٍ من شيوخه- فكان محمد بن يحيى الذهلي إذا حدَّث عن عارم يقول: حدثنا عارم، وكان بعيداً عن العرامة؛ حتى لا يتوهم المستمع أن لقب عارم فيه شيءٌ من سوء الخلق.\rوذكرنا أيضاً في المجلس الماضي أن هذا لا يعد من الغيبة المحرمة.\rالقدح ليس بغيبةٍ في ستةٍ متظلمٍِ ومعرِّفٍ ومحذرِ ومجاهرٍ فسقاً ومُسْتَفتٍ ومَن طلب الإعانة في إزالة منكر فالمتظلم لو ذكر سوءَة ظالمه لا يعد مغتاباً، وكذلك ما فعله أهل الكوفة مع سعد بن أبي وقاص، لما شكوه إلى عمر بن الخطاب، وكما حدث كثيراً في زمن النبي ﷺ، إذا جاء رجلٌ يشكو آخر، منهم: أبو بكر الصديق لما شكا عمر بن الخطاب ﵁ للنبي ﷺ، كما في الصحيحين: (أنه حدث بين أبي بكر وعمر شيءٌ، وكان أبو بكر عنده حدة، فقال لـ عمر: اغفر لي، فقال عمر: لا أغفر لك، فتفرقا وبحث أبو بكر ﵁ عن النبي ﷺ حتى ظفر به وقد رفع شيئاً من ثيابه، فلما رآه النبي ﷺ قال: أما صاحبكم فقد غامر، فلما جاء أبو بكر قال: يا رسول الله! حدث بيني وبين عمر شيءٌ فقلت: له اغفر لي، قال: لا أغفر لك، فقال النبي ﷺ: يغفر الله لك يا أبا بكر ذكر ذلك ثلاث مرات، ثم إن عمر ندم، فذهب إلى أبي بكر في بيته فلم يجده، فجعل يبحث عنه حتى جاء مجلس النبي ﷺ، فلما رآه ﵊ احمرَّ وجهه وظهر عليه الغضب، وقال: جئتكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، ومنعتموني فواساني بماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي، قال الراوي: فما أوذي بعدها) .\rوهكذا مسألة الخصومات كانت كثيرة في زمان النبي ﷺ، ومع ذلك لم يعقب النبي ﵊ على المتظلم ولم يقل له: هذه غيبة محرمة، ولا يجوز لك.\rفأي إنسان متظلم يجوز له أن يذهب إلى القاضي، أو يذهب إلى جهة التقاضي، فيقول: فلان ظلمني أو فلانٌ كذا، أو نحو هذه العبارات، فلا يعد هذا من الغيبة المحرمة.\rوالمعرِّف كما ذكرنا في لقب عارم؛ لأننا عرفناه بذلك، وكذلك الأعمى والأعرج، وسليمان الأحول، وعاصم الأحول، وكذلك من وصف بعاهة فيه، ومن نسب إلى غير أبيه، مثل: إسماعيل بن علية مثلاً؛ كل هذا لا يُعَد من الغيبة المحرمة، طالما أن اللقب أو النسبة خرجت مخرج التعريف له لا التنقيص من شأنه.\rالقدح ليس بغيبة في ستة متظلمٍ ومعرفٍ ومحذرٍ ومجاهرٍ فسقاً ومُسْتَفتٍ ومَن طلب الإعانة في إزالة منكر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595833,"book_id":1590,"shamela_page_id":71,"part":"6","page_num":4,"sequence_num":71,"body":"التحذير من أهل البدع لا يعد من الغيبة\rوهناك شخص من أهل البدع، وأنا أقول لك: لا تقرأ له، ولا تسمع له؛ لأنه مبتدع، وهذا المبتدع له مخالفات كثيرة منها: إنكار الشفاعة، فخالف العالمين جميعاً، ووقف لسوء حظه وحده، لا نصير له على الإطلاق، وكلامه الأخير ومقالاته الأخيرة يضرب بعضها ببعض، هو يقول: مَن الذي يشفع من دون الله؟ هو يتصور أن ربنا ﷾ عندما قال: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] بأن النبي ﷺ سيقول: أنا سأخرج هؤلاء من النار، هو يتصور هكذا، فنَقَضَ كلامه، ثم قال: وإن كان جميع المفسرين يقولون كذا وكذا، لكني أقول اجتهاداً والله أعلم، فلما يكون جماهير المفسرين في ناحية، وهو في ناحية، فأي إنسان عاقل سيصدقه حتى نفسه؛ لأن الكبار الذين هم معدن الفتوى والعلم، كان الواحد منهم -كالإمام أحمد أو غيره- إذا سئل عن مسألةٍ يقول: أنا لا أستطيع أن أقول فيها بشيء، ويتوقف، أما هذا المبتدع فإنه مالَ إلى قول المعتزلة، وتبنى قول الخوارج، وخالف أهل السنة جميعاً، فأنا عندما أقول لك: لا تقرأ لهذا الرجل، إنه مبتدع، ومخرف وليس من أصحاب العلم، ومن باب النصيحة نقول له: اجث بركبك في مجالس العلم، فإن آنس أهل العلم منك فهماً، فقالوا لك: تكلم، فتكلم، وإن لم يزكك منهم أحد؛ فخيرٌ لك أن تلقى الله وأنت ساكت، لأنك إن لقيت الله ﷿ بقولٍ مخالفٍ يحاسبك، والغريب في هذا الجريء أنك تجده يقول: والبخاري سيحاسبه الله عن هذه الروايات التي جاء بها! سبحان الله! فلما يكون الإنسان مبتدعاً مثلاً، فلابد أن نقول: لا تقرأ لهذا الإنسان؛ لأنه جاهل ومخرف ولا يفقه شيئاً، ولا يعلم شيئاً، ولا نعلم أحداً من أهل العلم زكاه، فهذا ليس بغيبة؛ لأن الرد على المخالف أصل من أصول الإسلام.\rفالمحذر الذي يحذر ويكون محقاً في تحذيره لا يقال له: اغتبتَ العلماء، ويجري في هذا المجرى كلام أهل الجرح والتعديل على الرواة، كالإمام يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، وابن عدي، والفلاس عمرو بن علي، أي واحد من هؤلاء يقول: هذا ضعيف، هذا مغفل، هذا سيئ الحفظ، هذا كذاب، هذا مختلق، كل هذا لا يعد من الغيبة المحرمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595834,"book_id":1590,"shamela_page_id":72,"part":"6","page_num":5,"sequence_num":72,"body":"اعتراض بعض الناس على علماء الجرح والتعديل والرد عليهم\rبعض الناس اعترض على كلام علماء الجرح والتعديل في الرواة، وأنفذ شاعرُهم يقول في أبياتٍ له، سأذكر البداية في هذه الأبيات، يقول: أرى الخير في الدنيا يقل كثيره وينقص نقصاً والحديث يزيدُ فلو كان خيراً كان كالخير كله ولكن شيطان الحديث مريدُ ولـ ابن معين في الرجال مقالةٌ سيُسأل عنها والمليك شهيدُ فإن يكُ حقاً فهو في الأصل غيبةٌ وإن يكُ زوراً فالقصاص شديدُ فهو يريد أن يقول: إن كلام علماء الجرح والتعديل في فلان، الذي هو نقد الرواة لا يصلح سواءً كان حقاً أو باطلاً، فإن كان حقاً فهو غيبة؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن الغيبة، قال: (ذكرُك أخاك بما يكره) ، وأي مصيبة أعظم من أن يُتَكَلَّم في رجل صناعته الحديث وبضاعته الحديث؟ أنت تعرف أن جرح أهل العلم لا يندمل، يظل ينزف دائماً، فلا يتعرضن أحد لأهل العلم، قديماً كان الرواة يخافون من يحيى بن معين؛ لأنه كان معروفاً بالكلام في الرواة، حتى إن شيخاً من أهل مصر ذهب إلى بغداد، ونزل في (فندق) ، فأهل بغداد لما عرفوا أنه وصل بدءوا يتوافدون عليه، أولاً: راوي هذه القصة من أهل بغداد قال: طرقت عليه الباب، فقال: مَن؟ قلت: فلان، قال: ادخل، فلما دخلت قلت: أمْلِ عليَّ، فجعل يملي عليَّ وهو مضطجع والكتاب في يده، فطرق الباب طارق، قال: من؟ قال: أحمد بن حنبل فدخل، والشيخ على هيئته يملي، ودق الباب آخر، قال: من؟ قال: فلان، ادخل فدخل، حتى طرق الباب طارقٌ، فقال: مَن؟ قال: يحيى بن معين، قال: فرأيت يديه ترجفان، وسقط الكتاب من يده، فـ يحيى بن معين لما يتكلم في الراوي كلمة فإن الراوي يسقط رأس ماله، تخيل شخصاً بضاعته الحديث فقط، فإذا جاء شخص كـ يحيى بن معين، أو أحمد بن حنبل، أو الدارقطني وقال: كذاب، أو قال: مغفل، أو متروك، أو سيئ الحفظ، إذاً ذهبت بضاعته.\rفهذا الشاعر يقول: إن يحيى بن معين له في الرجال مقالة، فإن يكُ محقاً فهو مغتاب، وإن يكُ زوراً فالقصاص شديد.\rعلماء المسلمين كلهم على خلاف هذا القول، فلقد سئل يحيى بن سعيد القطان، ومالك، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو زرعة الرازي: هل الكلام في الرواة يعد من الغيبة؟ فأجمعوا أن لا.\rفهذا معنى ومحذرِ، فإنه يدخل فيه أيضاً كلام أهل العلم في أهل البدع، وفي أهل المعاصي، فكل هذا لا يعد من الغيبة المحرمة، بل هو واجب لابد أن تقوم الأمة به.\rقوله: ومجاهرٍ فسقاً، أي رجل يجاهر بالفسق، فقلت: احذروا فلاناً، فهذا يدخل في معنى التحذير، ولا يعد من الغيبة المحرمة، ولو كان ذلك يسوء المتكلَّمُ فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595835,"book_id":1590,"shamela_page_id":73,"part":"6","page_num":6,"sequence_num":73,"body":"ذكر الأشخاص عند الاستفتاء لا يعد من الغيبة\rقول: ومستفتٍ، مثل شخص جاء يستفتي عن فتوى كما روى الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: (جاءت امرأة أبي سفيان - هند - إلى النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، فهل لي أن آخذ من ماله بغير إذنه؟ فقال لها: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) ، فلا شك أن أبا سفيان إذا علم أن هنداً جاءت وشكته، بل ووصفته بالشح الذي هو أشد البخل لغضب، فأعظم البخل هو: الشح، فكما ذكر الجاحظ وغيره، أن ثلاثةً من البخلاء تناظروا: أينا أبخل؟ فقال الأول: أما أنا فأبخل بمالي على نفسي.\rوقال الثاني: وأنا أبخل بمال الناس على نفسي.\rوقال الثالث: وأنا أبخل بمال الناس على الناس.\rقالا: لا جرم، أنت أبخلنا.\rيعني: استكثر المال فيه وهو ماله.\rفلو أن أبا سفيان علم أن هنداً شكته ووصفته بالشح عند النبي ﷺ لغضب، ولقال: كيف تفعلين مثل هذا؟ ولم يقل لها النبي ﷺ: كيف تصفينه بالشح، وأن هذا يغضبه، فسكت ﵊، وسكوته إقرار؛ لأنه لا يسكت على باطل أبداً.\rقال لها: (خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف) .\rفالفتوى: المستفتي سواءً كان رجلاً أو امرأة قد يذكر مساوئ مَن يستفتي عن حاله أو عنه، فهذا جائزٌ لا شيء فيه، ولا يعد من الغيبة المحرمة.\rالقدح ليس بغيبة في ستةٍ متظلمٍ ومعرِّفٍ ومحذرِ ومجاهرٍ فسقاً ومستفتٍ ومَن طلب الإعانة في إزالة منكرِ قوله: ومن طلب الإعانة في إزالة منكر، مثل أن يأتيك آتٍ ويقول: تعال إلى المكان الفلاني أو البيت الفلان؛ فإن فيه أناساً يشربون الخمر، أو يأتون الزنا، أو يفعلون كذا وكذا، وتسميهم بأسمائهم، فلا بأس بذلك، كل هذا يستثنى من الغيبة المحرمة.\rإذاً: ما نقابله في الكتب من وصف بعض الرواة بأوصافٍ لا تليق، لكنها جرت مجرى التعريف بهم، فكل هذا لا يعد من الغيبة المحرمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595836,"book_id":1590,"shamela_page_id":74,"part":"6","page_num":7,"sequence_num":74,"body":"أهمية علم المصطلح في الرد على المبتدعة\rهذا الحديث كما ذكرنا رواه البخاري في كتاب العلم عن شيخه عارم بن الفضل، وقد رواه البخاري أيضاً في موضعين آخرين من صحيحه، الموضع الأول سيأتينا في كتاب العلم أيضاً، الذي هو: باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه) .\rروى هذا الحديث بعينه من طريق شيخه مسدد بن مسرهد، قال: حدثنا أبو عوانة، وساق الإسناد بمثل رواية عارم هنا، ثم رواه في كتاب الوضوء، قال: باب غسل الرجلين، قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا أبو عوانة وساق الإسناد بمثل رواية عارم هنا، وموسى شيخ البخاري هو: موسى بن إسماعيل التبوذكي أبو سلمة، وهو من كبار شيوخ البخاري، وقال يحيى بن معين: ما هبتُ أحداً قط هيبتي للتبوذكي، وهذه شهادة من بين فكي أسد، فـ ابن معين كلهم كانوا يخافون منه، فعندما يخاف يحيى بن معين من واحد أو يهابه، فكيف تكون جلالته، موسى بن إسماعيل التبوذكي هذا من الثقات ومن كبار شيوخ الإمام البخاري.\rإذاً: هذا الحديث يرويه ثلاثة من الرواة عن أبي عوانة، هذا التصرف له دلالة، وأرجو أن تعيروني الأسماع، ولا تتضجروا إذا تكلمنا في علم المصطلح، وأنا أعلم أن كثيراً من الجلوس يحب ذلك، لكن قد يكون من الجلوس من لا يشاركهم هذه المحبة، لكن نحن في زمان صارت دراسة مصطلح الحديث متعيِّنة؛ بسبب طعن الجهلة بالسنة، حتى يتعلم الطلبة كيف نقل العلماء سنة النبي ﷺ، وأنه لم تحظ أمةٌ من الأمم من عناية أهلها بسنة نبيها، والمحافظة عليها، كما حدث لهذه الأمة.\rوهذا المغبون قليل الحظ، الذي أشرنا إليه في مطلع الكلام لا يفرق بين السيرة والحديث، يقول لك: لا فرق بين كتب السيرة وكتب الحديث.\rوبعض الطلبة أرسل لي قصاصات من أوراق يذكر فيها: أنه يوجد شخص آخر نشر كتاباً وأنكر أن يكون آدم أبا البشر، وأنه يقول: إن حديث احتجاج آدم وموسى حديث ضعيف، وهذه الأحاديث كلها أحاديث آحاد، ولا يؤخذ بها في العقيدة، وأنا في الحقيقة لن أتكلم عن هذا الكتاب حتى يأتيني وأنظر في كلام صاحبه.\rلكن الملاحظ أن هناك هجمة شرسة من كل مكان على السنة وفي وقت واحد.\rبل حدثني من أثق به من الشيوخ، ولم أر هذه المقالة النكراء، أن امرأة شمطاء من فلول المتحللين وكانت واحدة من زعمائهم، كتبت مقالة تقول: لِمَ لَمْ يكن الله أنثى؟ وهذه المقالة نشرت في صحيفة، وقد جاءني أحد الإخوة وقال: ما رأيك لو ترد على المقالة؟ وتخيّل لما تصل الجرأة بهذه المرأة لتكتب هذه المقالة، -وهي قطعاً كافرة- فكيف يمرر هذا العنوان من الرقابة؟! الذي مرَّر هذا ليس عنده دين، هو مثلها في الكفر، وتنظر كل يوم سخائم في الجرائد والمجلات، وكلها عبارة عن سهام موجهة إلى صرح السنة النبوية.\rوالإخوة الرسميون المهتمون بالسنة لم يتكلموا حتى الآن، ولم يردوا حتى الآن؛ لكن الله ﷿ سيحول بينهم وبين ما يريدون، وأن مَن هو أعتى منهم سقط تحت النعال وبقيت السنة شامخة، فنحن على يقين من هذا، فالحمد لله تعالى نحن على يقين أننا لن نهزم في الجولة إن شاء الله؛ لكن الغريب المريب: هو ردُّ فعل الجماهير، ورد الفعل الرسمي على مثل هذا الخبَث، الذي يؤذي العيون والأسماع كل يوم، وكله موجه إلى صرح السنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595837,"book_id":1590,"shamela_page_id":75,"part":"6","page_num":8,"sequence_num":75,"body":"نشر السنة من أهم العوامل لقمع المبتدعة\rنحن نفشي علوم السنة بين الناس، ونعلمهم كيف نُقِل إلينا هذا الحديث؛ لأن هذا المغبون الخاسر الذي يتكلم عن أحاديث الشفاعة، يقول: وأما البخاري فسوف يحاسبه الله عن الروايات التي أوردها، والأباطيل والأكاذيب التي أثبتها ونسبها إلى رسول الله ﷺ! أهذا الكلام يقال للبخاري؟! يقال للبخاري: إنك لا تعرف المكذوب من الضعيف من الصحيح، وسوف يحاسبك الله عن هذا الكذب على الرسول ﷺ، ولا عجب! فقد قال قديماً فرعون عن موسى ﵇: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] ، هذا موسى يظهر في الأرض الفساد؟! رَمَتْني بدائها وانسلَّتْ.\rفلما يقال للبخاري: أنت رجل جاهل، إذ راجت عليك الأكاذيب، وأنت لم تميز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة من الموضوعة، وأثبتَّ الكذب على النبي ﷺ، وسوف يحاسبك الله.\rفلما يقال هذا الكلام عن البخاري، الذي يعتبر قمة في الحديث عندنا، فإذا أردنا أن نزن علماء الدنيا فسنضع الإمام البخاري ﵀ في القمة، وصحيحه له من البركة ما ليس لكتاب في الدنيا بعد القرآن.\rفسبحان الله! الناس حظوظ وأرزاق، والإخلاص يرفع صاحبه.\rهذا الإمام البخاري الأعجمي، كيف صار إمام الدنيا وصار أشهر من شيوخه رحمة الله عليه؟! وكان ابن صاعد إذا ذُكر البخاري قال: ذاك الكبش النطاح؛ يعني الذي لا يقف أحدٌ معه في الحلبة، إذا نطح أسقط من يناطحه في الحال، يعني: صاحب حجة بيِّنة دامغة.\rفلما يقال عن البخاري الذي هو قمة من قممنا: إن هذا الرجل ما كان يدري الصحيح من الضعيف، وينسب الأكاذيب إلى النبي ﵊.\rفأقول: إن دراسة السنة صارت متعينة على شباب المسلمين ممن لهم كفاءة، حتى يردوا ويدفعوا عنها أمثال هؤلاء الحمقى.\rالإمام البخاري ﵀ أخرج هذا الحديث عن شيخه عارم، فـ عارم بن الفضل تكلم بعض العلماء فيه، وقالوا: إنه اختلط، وساء حفظه، وأرَّخوا سنة عشرين ومائتين كحدٍ فاصل بين ما حدَّث به قبل الاختلاط، وبين ما حدث به بعد الاختلاط، وهذا مِن الجهود المغمورة التي قام بها علماء الحديث، التي لا تعرفها الجماهير، هؤلاء العلماء لهم جميلٌ في عنق الأمة لم تؤده الأمة لهم، لا بالثناء ولا بالشكر، بل خرج مَن قال: إن المحدثين ليسوا فقهاء، وإن المحدثين مع الفقهاء مثل البنّاء والمناول، وقال: إن الفقيه هو البناء الذي يأخذ اللَّبِنَة ويضعها بجانب اللَّبِنَة، ويزن بالخيط، فهذا هو الفقيه، أما المحدث فهو الذي يناول البناء الطوبة: خذ يا بناء، يعني أن المحدث هذا لا يفقه شيئاً!! كل دوره أن يأخذ الحديث ويقول: تفضل خذ الحديث يا فقيه، أهؤلاء هم المحدثون؟!! فنقول لهم:! البخاري ها هو محدث، وإن أردت أن تدرس الفقه، وتستمتع بالفقه فاقرأ تراجم الإمام البخاري، وكذلك سائر الأئمة الستة، والإمام أحمد كان من ضمن المحدثين، والإمام الشافعي ﵀ كان يقول لـ أحمد: يا أحمد إذا صح الحديث عن النبي ﷺ كوفياً كان أو حجازياً أو شامياً، أو بصرياً فأعلمني به حتى أذهب إليه.\rقال الذهبي: ولم يقل: أو مصرياً؛ لأنه كان أعلم بأحاديث أهل مصر من أحمد، ولما تقرأ كتاب: الرسالة، وتقرأ كتاب: الأم ترى الشافعي في كل جزئية فقهية يحتج بالحديث، والإمام مالك ﵀ إذا ذُكِر الحديث فـ مالك النجم.\rفكلهم أهل حديث، ومنَّ الله عليهم بالفقه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595838,"book_id":1590,"shamela_page_id":76,"part":"6","page_num":9,"sequence_num":76,"body":"رواية المختلط يحكم عليها بالمتابعة\rغالب المحدثين فقهاء، وغالب الفقهاء ليسوا محدثين.\rإذاً المحدثون كل راوٍ تكلموا فيه رفضوا مروياته، مثل عارم بن الفضل الذي قالوا فيه: إنه اختلط، واختلط بمعنى تغيَّر حفظه، مثال الاختلاط: رجل يدخل على أبيه -هل يلتبس الابن على الأب؟! - فلما يدخل عليه يقول له: أين أبوك؟! هل أبوك بخير؟! ما رأيتُه منذ مدة؟! أهو مسافر أم ماذا؟! فلما يقول هذا الشخص هذا الكلام يكون قد اختلط، فسقط تمييزه، هذا معنى الاختلاط عند المحدثين، أنه يتكلم بكلام غريب مثل المثال الذي ضربته الآن.\rفالمحدثون يقومون بضبط تاريخ اليوم الذي اختلط فيه؛ لأنه شيخ، وكل يوم له مجلس ويقول: حدثنا، وأخبرنا، فهم يريدون أن يميزوا ما بين أحاديثه وقت الاختلاط، وأحاديثه قبل الاختلاط؛ لأنه لما اختلط سيدخل الأسانيد في بعضها، والمتون في بعضها، وهذا دين وشرع يجب المحافظة عليه.\rفحينئذٍ لابد من تمييز الوقت الذي اختلط فيه.\rفـ عارم اختلط سنة (٢٢٠هـ) فـ أبو حاتم الرازي يقول: من سمع منه قبل سنة (٢٢٠هـ) فسماعه جيد، وسمع منه أبو زرعة الرازي سنة (٢٢٢هـ) ، إذاً: سمع منه في الاختلاط أم لا؟ فإذا رأينا في الأسانيد حدثنا أبو زرعة الرازي، قال: حدثنا عارم نقف، ونبحث هل عارم هذا حفظ هذا الحديث، أم كان من جملة ما اختلط فيه؟! إذاً: ربما تقول: وأنا ما أدراني هل اختلط أم لم يختلط، هذا موضوع بعيد؟! نقول لك: يُعْرَف ذلك بما يسميه أهل الحديث بالمتابعة.\rما هي المتابعة؟ المتابعة معناها: الموافقة.\rمثل هذا الإسناد.\rوأنا أرى يا إخواننا أنكم تساهلتم في طلب العلم، كيف ذلك؟! تأتون إلى الدروس بدون دفاتر وبدون أقلام، وبدون كتب.\rأقول: إن من حق العلم علينا أننا نأتي بالكتاب وبالأقلام، ونقيد الفوائد بالكتابة، وكما قال الأول: أيها الطالب علماً ائتِ حماد بن زيد فاستفد حلماً وعلماً ثم قيده بقيد أي معلومة لا تقيدها تفر منك في أسرع وقت، ومهما حاولت الإتيان بها فلن تستطيع.\rفمن حق العلم أنك تأتي إلى مجلس العلم بسمت طالب العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595839,"book_id":1590,"shamela_page_id":77,"part":"6","page_num":10,"sequence_num":77,"body":"كيفية المتابعة ومعناها\rنذكر إسناداً ونأتي بأئمة مشاهير لندلك على كيفية المتابعة: نقول: أحمد بن حنبل قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس، هذا إسناد رباعي لماذا؟ لأنه مكون من أربع طبقات.\rأحمد بن حنبل قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس، هؤلاء أربعة، كل واحد من هؤلاء الرجال نسميه طبقة، فإذا أسقطنا هنا الإمام أحمد أصبحوا ثلاثة، سفيان بن عيينة، والزهري، وأنس.\rفلو روى هذا الحديث عن سفيان، عن الزهري، عن أنس رجلٌ آخر غير الإمام أحمد، مثل: قتيبة بن سعيد، أو مسدد بن مسرهد، أو عارم مثلاً، أو محمد بن أبي عمر العدني، أو أحمد بن منيع، أو أبي ربيع الزهراني، أو أحمد بن عبدة الضبي، كل هؤلاء من أقران الإمام أحمد بن حنبل، فلو روى واحدٌ مثل: قتيبة بن سعيد أبي رجاء فقال: حدثنا سفيان عن الزهري عن أنس، فنحن نقول: إن قتيبة تابع أحمد بن حنبل على رواية هذا الحديث، أي وافقه على ذكر الحديث بالسند والمتن.\rيعني: نفترض أننا الآن في زمان الرواية، فأنا رويت حديثاً عن الشيخ الألباني، والشيخ الألباني يرويه عن الشيخ ابن باز، والشيخ ابن باز يرويه عن الشيخ أحمد شاكر، ولنفترض أنه كلام للشيخ أحمد شاكر، فأنا قلت: حدثنا أبو عبد الرحمن ناصر الدين الألباني، قال: حدثنا الشيخ ابن باز قال: حدثنا أحمد شاكر.\r، ثم يروي هذا الكلام الشيخ سيد سابق فيقول: حدثنا أبو عبد الرحمن الألباني، قال: حدثنا ابن باز، قال: حدثنا أحمد شاكر.\r، فيكون الشيخ سيد تابعني وأنا تابعته، كلانا تابع الآخر على رواية الإسناد والمتن، هذا يسميه علماء الحديث متابعةً تامة، أن يروي جماعةٌ حديثاً عن شيخ مشترك بينهم، مثل المثال الذي ضربناه، أحمد بن حنبل، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس، ففي طبقة أحمد ذكرنا جماعة من الرواة: قتيبة بن سعيد، وأحمد بن منيع، ومحمد بن أبي عمر العدني، وأبي ربيع الزهراني، ومسدد بن مسرهد كل هؤلاء لو قالوا: حدثنا ابن عيينة، فيكون كل واحد منهم تابع الآخر.\rإذاً عرفنا ما معنى المتابعة!! تعني: الموافقة، وهي موافقة أهل الطبقة لبعضهم، أحمد بن حنبل طبقة، سفيان بن عيينة طبقة، الزهري طبقة، أنس طبقة.\rفالرواي المُتَكَلَّم فيه لما يروي حديثاً، ونحن نريد أن نعرف هل غلط الراوي في هذا الحديث أم لا، ماذا نعمل؟ ننظر إلى أهل طبقته، هل وافقه الثقات منهم على هذا الحديث، أم هو لوحده أتى به، ولا أحد معه؟ فإذا كان هذا الراوي المُتَكَلَّم فيه تابعه الثقات الكبار، دل ذلك على أنه حفظه، بدليل أن هذا الحديث وُجِد عند العلماء الكبار من أهل طبقته، ومن أصحاب شيخه الذي هو ابن عيينة مثلاً.\rأما إذا كان هذا الراوي المُتَكَلَّم في حفظه انفرد بهذا الحديث ولم يوافقه أحد، نسأله ونقوم بمحاكمته، هو روى عن سفيان بن عيينة حديثاً، فنقول له: تعال! أنت لست معروفاً بحفظ، ولا مشهوراً بطلب علم، وكلما قالوا لك: حدِّثنا، تقعد فتحدث بما في رأسك، ولا تأتي بالمعلومة إلا بعد ما تتلكأ وتظل ساكتاً برهة، قل لي إذاً: هذا الحديث كيف أتيت به عن سفيان؟ وأين أصحاب سفيان الكبار الذين جلسوا معه ولازموه ليل نهار، حتى يخصك أنت لوحدك بهذا الحديث؟ ماذا يعني هذا؟ فأصحاب سفيان الكبار الذين جلسوا معه ليل نهار، كلهم لا يعلمون شيئاً عن هذا الكلام، وأنت رغم أنكن لست معروفاً بحفظ ولا بفقه ولا بمجالسة طويلة، ولا ولا فتأتي بهذا الحديث عن سفيان؟! هذا منكر، نحن لا نقبله منك.\rإذاً: الراوي لَمَّا يُتَكَلَّم فيه، ننظر هل تابعه أحد من أهل طبقته أم لا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595840,"book_id":1590,"shamela_page_id":78,"part":"6","page_num":11,"sequence_num":78,"body":"كلام أهل العلم في عارم بن الفضل\rنأتي على عارم بن الفضل المُتَكَلَّم فيه، برغم أن أبا حاتم الرازي زكاه، وتزكية أبي حاتم الرازي مثل المسمار في الساج، كما يقول الدارقطني والدارقطني لا يقصد أبا حاتم، فـ الدارقطني له عبارة هكذا، عندما يحب أن يوثق أحداً يقول: وأوثق الناس ولا أحد يشبهه، هو مثل المسمار في الساج، والساج نوع من الخشب انظر لما تأتي بمطرقة ومسمار كبير وتدقه في الساج، هل تستطيع أن تخرجه؟ لن تستطيع إخراجه.\rفيريد أن يقول لك: إنه ثبت كثبات المسمار في الساج.\rوعلماء الجرح والتعديل لهم عبارات كهذه، فـ أبو حاتم الرازي إذا سئل عن راوٍ وقال: بين يدي عدل، يعني على شفيرها، وهذا جرح من أبي حاتم الرازي.\rوسنأتي على شيء من كلام العلماء، في الجرح والتعديل في مكانه إن شاء الله.\rأبو حاتم الرازي الذي تعتبر تزكيته مثل المسمار في الساج، يقول الذهبي: إذا وثق أبو حاتم رجلاً فشد يديك به، فإنه لا يوثق إلا صحيح الحديث؛ لأن أبا حاتم الرازي من طبقة المتشددين من أئمة الجرح والتعديل، يعني إذا وثَّق رجلاً فهنيئاً له، لماذا؟ لأنه كان يجرح الراوي في الغلطة والغلطتين، والمفروض أن يفوتها له، يعني: لو أن شخصاً حفظ مائة ألف حديث وغلط في حديث يقوم أبو حاتم -ولا يعطي له فرصة- ويبين غلط هذا المحدث، ويشدد النكير عليه، وأنه سيئ الحفظ وغير ذلك.\rفلما يكون الشخص متشدداً مثل أبي حاتم ويقول: إن عارم بن الفضل ليس بأقل من عفان بن مسلم.\rوكان سماك بن حرب يقدمه على حماد بن زيد، فزكى أبو حاتم الرازي عارماً، لكن تكلم فيه العلماء بسبب اختلاطه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595841,"book_id":1590,"shamela_page_id":79,"part":"6","page_num":12,"sequence_num":79,"body":"الرد على من يقول: إن بعض رواة الصحيح متكلم فيهم\rورب قائل يقول: ها هو البخاري الذي ما فتئتم تقولون: إنه لا يخرِّج في صحيحه إلا أصح الصحيح، مِن الرواة الذين هم في القمة، فها هو أحد رواته مُتَكَلَّمٌ فيه! كيف خرَّج له البخاري وقد تَكَلَّم فيه أهل العلم؟ نقول له: أولاً: الإمام البخاري لما روى هذا الحديث رواه من طريق شيخين آخرين هما في القمة، إذاً: هاذان الاثنان تابعا عارم بن الفضل أم لا؟ نعم تابعاه.\rانتهى الإشكال! إذا كنت غضبان من عارم فاجعله جانباً، بقي الحديث الصحيح من الطريق الصحيح؛ لكن هذا يدل على أن عارماً حفظه، ولم يخلط فيه، بدلالة متابعة مسدد بن مسرهد، ومتابعة موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي، كلاهما روى هذا الحديث عن أبي عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.\rفمن الأشياء التي يدفع بها العلماء ضعف الراوي أو الكلام فيه: المتابعات الصحيحة.\rهذا أولاً.\rثانياً: نفترض أن البخاري روى لـ عارم ولم يوجد له متابعة في صحيح البخاري، فما ردك؟ نقول: ننظر إلى هذا الحديث خارج صحيح البخاري، فسوف نجد متابعة لهذا الراوي خارج الصحيح، من الثقات، فيكون لا عتب على البخاري؛ لأن هذا الراوي توبع خارج الصحيح.\rإذاً نفترض أن هذا الراوي ليس له متابعة داخل الصحيح، ولا خارج الصحيح، والعلماء تكلموا فيه، فما جوابك عن البخاري؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595842,"book_id":1590,"shamela_page_id":80,"part":"6","page_num":13,"sequence_num":80,"body":"اعتراض أبي زرعة على بعض رواة مسلم وجواب الإمام مسلم عليه\rأقول: يبقى الجواب الذي أجاب به الإمام مسلم ﵀ عن نفس هذا الاعتراض، الذي وجهه إليه سعيد بن عمرو البرذعي وهو أحد الملازمين لإمام الجرح والتعديل عبيد الله بن عبد الكريم، الذي هو أبو زرعة الرازي.\rالخطيب البغدادي روى في تاريخه عن سعيد بن عمرو البرذعي قال: شهدت أبا زرعة الرازي وعرض عليه كتاب: الصحيح لـ مسلم -هل تعرف أن أبا زرعة الرازي، وأبا حاتم الرازي، والإمام مسلماً، والإمام البخاري أقران -يعني: أقران في كل من الطلب والزمن- فـ سعيد بن عمرو البرذعي جالس عند أبي زرعة الرازي فجاءه رجل وقال له: هذا الكتاب لـ مسلم بن الحجاج ألفه وسماه: الصحيح، وثَمَّ عالم اسمه: الفضل الصائغ أيضاً صنف في ذلك الوقت كتاباً سماه: الصحيح، فقيل لـ أبي زرعة: فما رأيك في هذا الصنيع؟ قال: فرأيت أبا زرعة يستنكر ذلك ويقول: هؤلاء قومٌ أرادوا رئاسة لأنفسهم قبل أوانها، فصنفوا كتباً يتتوقون بها -يتتوقون بها يعني: أنفسهم تتوق إلى شيء- ثم بدأ أبو زرعة الرازي يقلب صفحات صحيح مسلم وإذا حديث لـ أسباط بن نصر، فقال أبو زرعة: أسباط بن نصر يُروَى له في الصحيح؟! ثم قلَّب ورقتين أو ثلاثاً أو أربعاً وإذا به يجد قطن بن نسير وهو من شيوخ مسلم، قال: وقطن يُخَرَّج له في الصحيح؟! هذا أهم من الأول، ثم قلَّب ورقتين أو ثلاثاً وإذا به يجد أحمد بن عيسى المصري، قال: وعيسى المصري؟! ما رأيت أهل مصر يشكون في أنه.\rوأشار إلى لسانه.\rماذا يعني هذا؟ يعني: أن أهل مصر يقولون: إن أحمد بن عيسى يكذب، فكيف يروي أحمد بن عيسى في الصحيح؟! ثم قال: يترك ابن عجلان ونظراءَه ويمهد الطريق لأهل البدع علينا، حتى إذا لم يروِ الحديث قالوا: ليس بالصحيح؟! قال: ورأيته يعظِّم ذلك ويستنكره.\rقال سعيد بن عمرو البرذعي: فلما رجعتُ إلى مسلم حكيتُ له اعتراض أبي زرعة.\rفانظر ماذا سيقول الإمام مسلم، هذه الإجابة التي ينبغي أن لا نغفلها، ونحن ننظر إلى الأسانيد التي في الصحيحين، وفي بعضها كلام.\rقال مسلم: إن ما قلته من الاعتراض صحيح، وأنا أقر به.\rإذاً: مسلم يعلم أن هؤلاء الرواة مُتَكَلَّم فيهم، ومع ذلك خَرَّج لهم.\rإذاً: ما عُذْرُك أيها الإمام؟ قال: إن الحديث قد يكون معروفاً بنزولٍ من رواية الثقات، وهو معلومٌ عند أهل العلم، فوقع لي من طريق هؤلاء عالياً، فخرَّجته رجاء العلو، والحديث معروفٌ أصلُه عند أهل العلم من روايات الثقات.\rما معنى هذا الكلام؟ هناك في الحديث: العلو والنزول، وأشرف أنواع العلو: هو: تقليل عدد الوسائط، بأن تصل إلى النبي ﷺ بإسنادٍ (نظيفٍ) وبِعددٍ قليل.\rيعني مثلاً: عُدَّ معي: أحمد بن حنبل قال: حدَّثنا سفيان بن عيينة -ما شاء الله! حُفَّاظ- عن الزهري عن أنس، فهذا إسناد رباعي.\rحسن كم هؤلاء؟! أربعة.\rولو قلنا: سفيان بن عيينة قال: حدثنا الزهري، عن أنس: كم بين سفيان وبين الرسول ﷺ؟ اثنان.\rوكم بين أحمد وبين الرسول ﷺ؟ ثلاثة.\rفأيهما أعلى سنداً: سفيان أم أحمد؟ سفيان لماذا؟ لأن عدد الوسائط بينه وبين الرسول ﷺ أقل، وهكذا، كلما كان الإسناد ثلاثياً كان أعلى، أو رباعياً كان أنزل، أما لو كان خماسياً فالرباعي أعلى منه، وهكذا.\rفأعلى سند في البخاري بينه وبين النبي ﷺ ثلاثة، يسمونه العلماء: ثلاثيات البخاري.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595843,"book_id":1590,"shamela_page_id":81,"part":"6","page_num":14,"sequence_num":81,"body":"علو الإسناد وأهميته عند علماء الحديث\rفأشرف أنواع العلو أن تصل إلى النبي ﷺ بإسنادٍ نظيف، يقل فيه عدد الوسائط بينك وبينه ﷺ، لأنه ﷺ مثل المصباح، كلما اقتربت إلى المصباح ازداد الضوء، وكلما ابتعدت عنه قل هذا الضوء، وإن ابتعدت كثيراً أوغلت في الظلمة، لهذا كان العلماء يتهافتون على العلو.\rالإمام البخاري أرفع الأسانيد من جهة العلو عنده: بينه وبين النبي ﷺ ثلاثة، حتى يصل إلى خمسة، فيكون بينه وبين النبي ﷺ خمسة، فأنت مثلاً لو قُدِّر أن يكون لك سند إلى البخاري، فتعد الوسائط التي بينك وبين البخاري، ثم بعد البخاري وشيوخه إلى النبي ﷺ، وتنظر كم بينك وبين النبي ﵊.\rالسندي كان يقول: لمثلي فليسعَ! بيني وبين البخاري تسعة، وهذا كان أعلى سند موجود في الدنيا، والبخاري كذلك بينه وبين النبي ﷺ ثلاثة رواة، فيكون بـ البخاري أربعة، فالأربعة مع التسعة يصبحون ثلاثة عشر راوياً فقط، إذاً: السندي متأخر، لما يكون بينه وبين النبي ﷺ ثلاثة عشر راوياً فقط فهذا أعلى إسناد، في سنن النسائي، والنسائي كما تعرفون من طبقة البخاري، يعني: أدرك أغلب مشايخ البخاري وتسعون بالمائة من مشايخ البخاري أدركهم الإمام النسائي وروى عنهم، بين النسائي في هذا الحديث وبين النبي ﷺ ثمانية، فأنزل سند موجود في سنن النسائي: بين النسائي وبين النبي ﷺ ثمانية.\rفالقصد أن الإمام مسلم لرغبته في العلو يقول: رب حديثٍ يكون الراوي المُتَكَلَّم فيه -لو أنني أخذت الإسناد من طريقه إلى النبي ﷺ بيني وبين النبي ﷺ خمسة، أو أربعة، فإذا أردتُ أن آخذه من طريق غيره من الثقات نزلتُ درجة أو درجتين.\rفيكون بينه وبين النبي ﷺ إما ستة أو سبعة، أو أكثر.\rفيقول: لا.\rأنا علمتُ أن هذا الراوي المُتَكَلَّم فيه لم يغلط في هذا الحديث بدلالة المتابعات من الثقات، والحديث معروفٌ لدى أهل العلم جميعاً أنه صحيح، وأن الثقات رووه، وأنا ثبت لديَّ أن هذا الراوي وإن تُكُلِّمَ فيه لكنه لم يغلط في هذا الحديث، فرغبةً مني في أن أعلو بسندي، اخترت هذا الطريق، وتركتُ الطريق الآخر لنزوله، واكتفاءً بشهرته عند أهل العلم.\rفالإمام مسلم قال: إن هذا هو عذري في التخريج لمن أخرجت عنه وهو مُتَكَلَّمٌ فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595844,"book_id":1590,"shamela_page_id":82,"part":"6","page_num":15,"sequence_num":82,"body":"احتياط البخاري ومسلم في الرواية عن المتكلم فيهم\rومع ذلك فقد احتاط البخاري قبل مسلم -وهو شيخه-، ومسلم على وجه الخصوص؛ لأن الصناعة الحديثية في صحيح مسلم أكثر منها في صحيح البخاري.\rفاحتاط مسلم في رواية مَن تُكُلِّمَ فيه، وبالذات هؤلاء الثلاثة الذين اعترض عليهم أبو زرعة الرازي، فـ أسباط بن نصر ليس من شيوخ مسلم، ولكنه من شيوخ شيوخه، يروي عنه بواسطة، ولم يرو مسلم لـ أسباط إلا حديثاً واحداً فقط في الصحيح، وهو الحديث الذي يرويه أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: (صلى رسول الله ﷺ الصلاة الأولى، ثم استقبله صبيان فجعل يمسح خَدَّي أحدِهم، فلما مسح خَدِّي وجدتُ لكفه برداً وليناً كأنها خرجت من جؤنة عطار) هذا هو الحديث الوحيد الذي أخرجه مسلم لـ أسباط بن نصر.\rأما أحمد بن عيسى المصري الذي تكلم فيه أبو زرعة الرازي وأشار إلى لسانه، كان الخطيب البغدادي يقول فيه: لم أجد حجةً لمن ترك حديث أحمد بن عيسى المصري.\rوأحمد بن عيسى المصري له في صحيح مسلم اثنان وثلاثون حديثاً تقريباً، لم يرو له مسلم منفرداً في صحيحه، إلا ثلاثة أحاديث، توبع عليها جميعاً، والمتابعون كلهم من خارج مصر، إذاً: لم يتفرد أصلاً بها.\rوبقية الأحاديث كان مسلم يقرن ما بين رواية أحمد بن عيسى وغيرِه، فكثيراً ما يقول: حدثنا أبو الطاهر -الذي هو أحمد بن عمرو بن السرح - وأحمد بن عيسى، أو يقول: حدثنا حرملة بن يحيى، وأحمد بن عيسى، أو عمرو بن سواد وأحمد بن عيسى، يعني: أن مسلماً يروي لـ أحمد بن عيسى مقروناً بغيره، فقد احتاط، والأحاديث التي أخرجها وانفرد بها أحمد توبع عليها في الكتب الأخرى، في السنن وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم وغيرها.\rبقي قطن بن نسير لم يرو له مسلم في صحيحه إلا حديثين: الأول متابعةً، والآخر مقروناً بغيره.\rفي المتابعات أخرج الحديث الذي رواه أنس، لما نزل قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] : (اعتزل ثابت بن قيس وكان رجلاًَ جهوري الصوت -صوتُه عالٍ-، وقال: أنا من أهل النار؛ لأنني كنت أرفع صوتي على صوت النبي، فافتقده النبي ﷺ أياماً، فسأل عنه سعد بن معاذ، قال: يا أبا عمرو! ما فعل ثابت، أشتكى؟ -أي: أهو مريض؟ - فقال: يا رسول الله! أنا جاره وما علمته يشتكي، ثم انطلق إليه يسأل عنه، فإذا هو معتزلٌ في داره لا يخرج، قال: ما لك، قال: أنا من أهل النار؛ لأنني كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ، فرجع سعد إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال: قل له: أنت من أهل الجنة) .\rفهذا الحديث رواه الإمام مسلم ﵀ أولاً بسندٍ (نظيف) ، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، هذا السند الذي افتتح به مسلم هذا الحديث في صدر الباب، سند كالشمس، صحيحٌ أن حماد بن سلمة مُتَكَلَّمٌ فيه بكلام يسير، لكنه كان أوثق الناس في ثابت البناني، إذا سمعتَ حماد بن سلمة، عن ثابت البناني فاعلم أنه لا غبار عليه؛ لأن حماداً كان أوثق الناس، من الممكن أن يُضَعَّف في بعض الشيوخ الآخرين؛ لكن في ثابت لا.\rبعد أن أورد الإمام مسلم هذا الحديث بهذا السند (النظيف) : أبو بكر بن أبي شيبة، عن الحسن بن موسى الأشيب، عن حماد بن سلمة، عن ثابت بن أسلم البناني، عن أنس بن مالك قال: الحديث.\rوحدثنا قطن بن نسير، أليس قطن هذا هو الذي اعترض عليه أبو زرعة؟! الإمام مسلم أخَّرَ رواية قطن ولم يقدمها؛ لأن مسلماً في البداية إنما يعتمد على سندٍ متين، ثم يجيء بعد ذلك بأسانيد قد يكون في بعضها مقال، يريد أن يقول لك: لو اعترضتَ على السند الثاني هذا، فأنا اعتمادي على السند الأول، وبه يثبت الحديث، إنما أوردتُ هذه الأسانيد ليكون نوعاً من التقوية، أي أنه نور على نور.\rفبعد أن أشرتُ أن الإسناد أولاً جاء بسند (نظيف) ، جاءَ برواية قطن، قال: حدثنا قطن بن نسير، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابت بن أسلم البناني، عن أنس بن مالك.\rفانظر إلى السند الأول: حماد بن سلمة، عن ثابت.\rوهنا: جعفر بن سليمان، عن ثابت.\rفهذان اثنان عن ثابت.\rثالثاً: ثم رواه مسلم بعد ذلك عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت.\rرابعاً: ثم رواه عن سليمان التيمي عن ثابت.\rإذاً: هؤلاء أربعة يروونه عن ثابت بن أسلم البناني.\rفـ مسلم روى هذا عن قطن بن نسير متأخراً في المتابعات، فيكون مسلم بهذا قد احتاط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595845,"book_id":1590,"shamela_page_id":83,"part":"6","page_num":16,"sequence_num":83,"body":"تقدم البخاري ومسلم في علم الحديث\rفلا تعترض على البخاري ولا على مسلم؛ لأن هذين الإمامين اتفق أهل العلم على تقدمهما في صناعة الحديث، والمعروف أن كل صنعة لها أهلها.\rفلما يقال -مثلاً-: اتفق سيبويه والكسائي -مع اختلاف المدرستين- على شيء في اللغة، فمثله وأعظم منه في الحديث إذا قيل: اتفق عليه البخاري ومسلم.\rفلما يتفق أهل الصنعة على شيء يقال: فلان هذا مقدم، فلا تعترض عليه إذا ظهر لك اختياره.\rفـ البخاري وإن كان الراوي مُتَكَلَّمٌ فيه، إلا أنه انتقى من أحاديثه ما لم يغلط فيه.\rإذاً: لا تأت وتقول له: كيف أخرجتَ له والعلماء تكلموا فيه؟ فسيقول لك: أنا أعرف أنهم تكلموا فيه؛ لكن هذا الذي أخرجتُه له مما لم يغلط فيه.\rوسأورد لكم مثالاً -واعذروني على إتياني بمثال كهذا- لو كان هناك قفص (طماطم) أو قفص (مانجو) وفيه -مثلاً- ستون أو سبعون حبة، منها ثلاثون أو أربعون حبة معطوبة، فماذا ستعمل؟ تنتقي من هذا القفص الحبات السليمة.\rفأنا يمكنني أن أقول لك: هذا القفص كانت فيه حبات معطوبة.\rستقول: أنا أعلم أن فيه حبات معطوبة، ولكن هل أتركُه كلَّه؟ أنا انتقيت ما لم يدركه العَطَب.\rكذلك علماء الحديث، إذا كان الراوي متكلماً فيه، فالمعروف أن هذا الرجل لم يغلط في كل أحاديثه، إنما غلط في بعض أحاديثه، فأنا بما لي من الخبرة والعلم والدربة والممارسة عرفتُ أن هذا الراوي أخطأ في عشرة أحاديث، أو عشرين حديثاً، أو مائة حديث، أو ألف حديث، والباقي لم يغلط فيها، فأخذت ما لم يغلط فيه وخرَّجته عندي، أي ملامة عليَّ في ذلك؟ فالإمامان البخاري ومسلم عملا هكذا.\rمن أجل هذا لا تنظر في أسانيد الصحيحين، فإن أسانيد الصحيحين صحيحة، إلا بعض أحرف قام الدليل على الغلط فيها، وأهل العلم يعتذرون عن البخاري وعن مسلم بحيث إذا صادفنا شيء من ذلك ذكرناه؛ لكن لا يختلف اثنان في تقدم البخاري ﵀، فإذا أخرج البخاري لراوٍ مُتَكَلَّمٍ فيه حديثاً، فهو قد انتقى من حديثه ما لم ينكروه عليه، ويكفي أن نعطي مثلاً بأول حديث في صحيح البخاري الذي قال فيه: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم التيمي، قال: سمعت علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ -وفي رواية للبخاري: على المنبر- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أيها الناس! إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى ... ) إلى آخر الحديث المشهور.\rفهذا الإسناد (نظيف) و (مذهَّب) ، ما عدا محمد بن إبراهيم التيمي، سئل عنه الإمام أحمد فقال: له مناكير.\rفرب واحد يقول لك: إذاً ما دام له مناكير، فكيف خرَّج له الشيخان؟ نقول: الإمام أحمد قال: له مناكير، ولم يقل: كل أحاديثه مناكير، أو هو منكر الحديث، بل قال: له مناكير.\rفهذا الحديث مما اتفق أهل العلم جميعاً على أن محمد بن إبراهيم التيمي حفظه، وأنه لم يغلط فيه، فلا يقول قائل: هذا الحديث -وإن كان في الصحيحين- في إسناده محمد بن إبراهيم التيمي، وقد قال أحمد: له مناكير، فإنه يسقط.\rإذاً: أي إسناد في الصحيحين فيه راوٍ مُتَكَلَّمٌ فيه، اعلم أن هذا مما انتقاه صاحب الكتاب، وأن هذا ليس من جملة ما غلط فيه هذا الراوي.\rإذاً: عندنا ثلاثة رواة عند البخاري يروون هذا الحديث عن أبي عوانة، وثمة آخرون من الثقات يروون هذا الحديث عن أبي عوانة، فهذا الحديث يرويه مسلم في صحيحه أيضاً من طريق شيخيه أبي كامل الجحدري فضيل بن حسين وشيبان بن فروخ، قالا -هذان الاثنان-: حدثنا أبو عوانة.\rقلنا: البخاري في هذا الموضع قال: حدثنا عارم، أليس كذلك؟! وفي كتاب العلم سيأتي بعد ذلك، قال: حدثنا مسدد، وفي كتاب الوضوء قال: حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي أبو سلمة، فهؤلاء ثلاثة قالوا: حدثنا أبو عوانة.\rفكم واحد في البخاري؟ ثلاثة.\rإذاً: هؤلاء ثلاثة في البخاري.\rومسلم روى هذا الحديث من طريق شيبان بن فروخ، وأبي كامل الجحدري فضيل بن حسين، قالا: حدثنا أبو عوانة.\rفكم شخصاً رواه عن أبي عوانة؟ خمسة.\rوأحمد قال في المسند: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا أبو عوانة.\rفكم صاروا؟ صاروا ستة.\rوالطحاوي في: شرح معاني الآثار يرويه من طريق أبي داود الطيالسي.\rفصار هؤلاء سبعة.\rوعندنا أبو عوانة يرويه من طريق معلى بن أسد، قال: حدثنا أبو عوانة.\rكم صار العدد؟ ثمانية.\rفهذه الأسماء كلها متابعات.\rإذاً: هذه الطبقة هي طبقة شيخ البخاري، انظر كم واحداً روى الحديث! كلهم يأخذ الحديث عن نفس الشيخ وبنفس السند إلى النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595846,"book_id":1590,"shamela_page_id":84,"part":"6","page_num":17,"sequence_num":84,"body":"معنى الحاء الموجودة في بعض الإسناد\rونريد أن ننبه هنا إلى سبب وجود حرف (الحاء) في الإسناد، فهذه (الحاء) : هي حرف تحويل، يعني: الإمام يريد أن يقول لك: أنا سأحول الحديث إلى شيخٍ آخر لي، يعني: بعدما يروي الحديث بسنده عن شيخه، مثل أول حديث في صحيح مسلم الذي افتتح به كتابه، قال: حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا وكيع، عن كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، ثم قال: (ح) ثم قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري وهذا حديثه، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر.\rفشيخه الأول هو زهير بن حرب أبو خيثمة، وهو هنا كأنما قال: أنا سأحول الإسناد إلى شيخٍ آخر، يعني أن حديثي يسنده إسنادان.\rوأحياناً يحول إلى ثلاثة أو أربعة.\rفحرف (ح) أول ما تراها في الأسانيد اعرف أنها حرف تحويل، أي: هو لتحويل الإسناد، وتجدونه بكثرة في صحيح مسلم، وتجدونه بقلة في صحيح البخاري.\rثم أخيراً ما يرويه الطحاوي في شرح معاني الآثار عن سهل بن بكار، عن أبي عوانة، فهؤلاء تسعة يروون الحديث عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595847,"book_id":1590,"shamela_page_id":85,"part":"6","page_num":18,"sequence_num":85,"body":"اهتمام البخاري بالفقه ومسلم بالصناعة الحديثية\rوالبخاري لم يتصد لبيان الأسانيد، إنما كان همه الأكبر المتن والفقه، أما مسلم فقد تفنن في الصناعة الحديثية، يعني: لما تقرأ: صحيح مسلم وأنت فاهم، فإنك تهز رأسك هكذا، وتقول: يا الله! ما هذه البراعة والإتقان؟! هذا عندما تمر على صحيح مسلم تحس بالصنعة.\rوتفعل نفس الفعل لما تقرأ كتاب: التاريخ الكبير للإمام البخاري.\rفالتاريخ الكبير للإمام البخاري كتاب معجزة، ويكفي أن إسحاق بن راهويه شيخ البخاري لما صنف البخاري هذا الكتاب، مِن كثرة إعجابه بالكتاب دخل على عبد الله بن طاهر الأمير وقال: أيها الأمير! ألا أريك سحراً؟! ألا أريك عجباً؟! وأراه هذا الكتاب.\rوربما أن عبد الله بن طاهر لم يفهم منه كلمة واحدة؛ لكن إسحاق بن راهويه بمجرد إطلاعه على الكتاب دخل على عبد الله بن طاهر -مع أن البخاري تلميذه، انظر إلى إنصاف أئمة الزمن الماضي! انظر إلى التواضع، شيخ يشيد بكتاب تلميذه، ويقول: ألا أريك سحراً؟! ألا أريك عجباً؟! فأراه الكتاب.\rفـ البخاري في الصحيح، وفي كتاب التاريخ يتعامل مع أناس يفهمون، لا تصلح كتب البخاري لغبي، فالغبي لا تنفعه قراءة صحيح البخاري، ولا يمسكه بيده، فهذا يُرِيْحُ نفسَه، ويبحث له عن كتاب متوسط يفهمه.\rالبخاري يقول الكلمة مرة واحدة فقط، مثلاً: المشهور عن البخاري أنه يقول في مسألة ثبوت اللقاء: أنه لا يحدث اتصال راوٍ من راوٍ إلا إذا ثبت سماعه ولو مرةً واحدة، ولو في إسنادٍ واحد، فـ البخاري ينظر هل يوجد راوٍ معين مختلف في سماعه من شيخه، حينها يأتي بعشرة أو خمسة عشر سنداً وراء بعض، فالعلماء أول ما يقرءون الأسانيد بترتيبها، يقولون: هل البخاري يثبت السماع أو ينفيه؟! فـ البخاري له مذهب في ترتيب الأسانيد، وأهل العلم يعرفون هذا المذهب وهو أنه يريد بهذه الأسانيد إثبات السماع.\rفـ البخاري ﵀ لم يكن يتصدى في الصحيح لمسألة الأسانيد.\rبينما مسلم هو الذي تصدى وتفنن، وأظهر براعته وفَهمه العالي لمسألة الإسناد في الصحيح، ولم يتصدَّ لاستنباط الأحكام العملية من الأدلة التفصيلية، ولذلك لم يبوب مسلم صحيحَه، كل التبويب الذي تراه في صحيح مسلم ليس من مسلم.\rوهذا التبويب هو تبويب النووي ﵀، لكن مسلماً رتب الكتب، قال: كتاب الإيمان، كتاب الصلاة، كتاب الطهارة، كتاب الزكاة، فترتيب الكتب من مسلم، أما الأبواب فإنه لم يبوب هذه الأحاديث مثل البخاري، فالبخاري اعتنى بالتبويب، يقول: باب كذا؛ لأن البخاري أودع فقهه في تراجم كتابه، فلذلك لا تجد الصنعة الحديثية المثالية في صحيح البخاري، فإذا أردت الصنعة الحديثية المثالية فاقرأ صحيح مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595848,"book_id":1590,"shamela_page_id":86,"part":"6","page_num":19,"sequence_num":86,"body":"قصة إعتاق أبي عوانة من الرق\rإذاً: هذا الحديث رواه ثمانية مع عارم بن الفضل أبي النعمان، كلهم قالوا: حدثنا وأبو عوانة؛ أبو عوانة هذا اسمه: وضاح بن عبد الله اليشكري، ثقة ثبت، إلا أنه كان أحياناً يحدث من حفظه فيهم، وكان أبو عوانة مملوكاً من سبي جرجان، ومالكه كان اسمه: يزيد بن عطاء، وكان ضعيف الحديث، أما أبو عوانة فكان في القمة بالنسبة لمولاه، وكان أبو عوانة هذا القائم على التجارة الخاصة بـ يزيد بن عطاء، ففي يوم من الأيام جاء إلى أبي عوانة شحاذ -أي: متسول- فقال له: أعطني درهمين، وسوف أنفعك، قال له: كيف تنفعني؟ قال: ستعلم، فأعطاه الدرهمين، فذهب هذا الشحاذ وطاف على رؤساء البصرة -لقد كان يزيد بن عطاء رجل له أبهة، وغني، ومن الأكابر، ومعروف في البصرة- فهذا الشحاذ طاف على كل رؤساء البصرة وقال لهم: ألا تذهبون إلى يزيد بن عطاء لتهنئوه وتشكروه؛ لأنه أعتق أبا عوانة، ومعلوم أن هذا لم يحصل، ففوجئ يزيد بن عطاء أن هذا الجمع كلهم جاءوا وقالوا له: هنيئاً لك، لقد أحسنت حيث أعتقت أبا عوانة، فأَنِف الرجل أن يردهم، فكلهم جاءوا ليسلموا عليه، ويهنئوه على فعله، أيعقل بعد هذا أن يقول لهم: أنا لم أفعل؟ فأنف، وأعتق أبا عوانة.\rفأحياناً قد يوضع الإنسان في مثل هذا الموقف فيحرج.\rفهذا يزيد بن عطاء عندما جاء إليه أهل البصرة ليهنئوه بأنه قام بإعتاق أبي عوانة لم يجد بداً من إعتاقه، مع أن يزيد بن عطاء خيَّر أبا عوانة بين أن يعتقه وبين أن يكتب الحديث، فاختار كتابة الحديث مع الرق.\rكم من ضعيفٍ متضعفٍ أعزه الله بالعلم.\rفهذا يزيد بن عطاء لا أحد يعرفه؛ لكن أبا عوانة في القمة.\rفكم من ضعيفٍ متضعفٍ أعزه الله بالعلم، (إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع آخرين) .\rوأبو بشر شيخ أبي عوانة في هذا الحديث، هو جعفر بن إياس وهو ثقة، وكثير من العلماء تكلموا في بعض حفظه، لكن رواية أبي عوانة عنه صحيحة، ويوسف بن ماهك ثقة أيضاً، وعبد الله بن عمرو بن العاص صحابيٌ جليل معروف.\rبهذا نكون قد وقفنا على عتبة المتن.\rيعني: تكلمنا عن الإسناد ووقفنا على عتبة المتن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595849,"book_id":1590,"shamela_page_id":87,"part":"6","page_num":20,"sequence_num":87,"body":"متابعة شعبة لأبي عوانة\rبقي في هذا الإسناد شيءٌ وهو أن أبا عوانة لم يتفرد بهذا الحديث، فتابَعَه شعبة بن الحجاج أبو بسطام الضخم، الذي يحدث عن الضخام، فـ شعبة هذا لو عرفته تحبه جداً، هو وسفيان الثوري.\rالمعذرة! فأنا لما أتكلم عن العلماء أتكلم كلام محب لهم؛ لأن حياتي معهم، أنا أقضي مع هؤلاء أكثر مما أقضي مع أولادي وأهلي، فأنا أحياناً أقضي مع هؤلاء أربع عشرة ساعة في اليوم، أقرأ في تراجمهم وسيرهم، وأبحث عن أخبارهم، وأتتبع رواياتهم، حتى صار عندي شغف بالغ، فبمجرد أن يمر علي اسم الواحد من هؤلاء أشعر بالأنس مباشرة، فمثلاً: شعبة، أو سفيان، أو أبو عوانة، أو سفيان بن عيينة، أو حماد بن زيد، أو حماد بن سلمة، كل هؤلاء أشعر بأنس معهم، كأنهم أهلي.\rفـ شعبة بن الحجاج أبو بسطام رحمة الله عليه روى هذا الحديث عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو.\rوقد أخرج هذه المتابعة الإمام أحمد بن حنبل، قال: حدثنا محمد بن جعفر الملقب بـ غُنْدَر، وأول ما ترى اسم غُنْدَر في الإسناد فهو محمد بن جعفر، وغُنْدَر من الألقاب التي يصلح أن توضع كمثال على الألفاظ، ونحن نتكلم عن الرجولة، ومحمد بن جعفر، الذي لقبه بـ غندر هو ابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز، فقد كان محمد بن جعفر يعمل (دوشةً) وضوضاء دائماً، فكان يقول له: اسكت يا غندر، (غُنْدَر) بلغة أهل الحجاز أي المشاغب، فأهل الحديث كانوا ينادونه بهذا اللقب مباشرةً، مثل صالح جزرة، فـ صالح هذا لا يوجد مثله في الحفظ والإتقان؛ لكنه معروف بلقبه جزرة؛ لماذا؟ لأنه مرةً كان أحد شيوخه يحدث بحديث الخرزة، ثم قال لهم: أين وقفنا؟ فـ صالح صحَّفها فبدل أن يقول: خرزة قال: جزرة، فضج المجلس بالضحك، وصار من يومها جزرة، وتلقفوها، فعندما يقال: حدثنا جزرة فاعرف أنه صالح مباشرة.\rفـ غندرمحمد بن جعفر روى هذا الحديث عن شعبة، وغُنْدَر هذا لازم شعبة عشرين سنة، فهنيئاً لشخص يقعد مع شعبة عشرين سنة! وثابت بن أسلم البناني لازم أنس بن مالك أربعين سنة، وحامد بن يحيى البلخي أفنى عمره في مجالسة ابن عيينة، والإمام مسلم لزم البخاري خمس سنوات.\rفالإمام أحمد روى هذه المتابعة في مسنده عن شعبة بن الحجاج، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو فقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة وساق هذا الإسناد.\rورواه أيضاً النضر بن شميل إمام العربية، وإمام الحديث، قال: حدثنا شعبة، وساق هذا الإسناد أيضاً.\rوهذه المتابعة أخرجها أبو عوانة في مستخرجه على مسلم، وأظن أنها معلقة، وأرجو أن لا أكون واهماً؛ لأني عندما أقول: أخرجه أبو عوانة المفروض أن يكون بسنده المتصل، فكأن الذي في ذهني أن أبا عوانة أخرجها معلقةً في مستخرجه على مسلم.\rبقي طريقٌ آخر وهو طريق أبي يحيى واسمه الإصبع، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ويروي هذا الحديث هلال بن يسار، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد أخرج هذه الرواية الإمام مسلم في صحيحه، وكذلك أخرجها أبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي وأحمد وابن خزيمة والطحاوي في معاني الآثار، وآخرون، كلهم من طرقٍ عن هلال بن يسار، عن أبي يحيى المعرقد واسمه: الإصبع، عن عبد الله بن عمرو بن العاص (أن النبي ﷺ أدرك أصحابه يتوضئون وأعقابهم تلوح.\rفقال: ويل للأعقاب من النار، اسبغوا الوضوء) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595850,"book_id":1590,"shamela_page_id":88,"part":"7","page_num":1,"sequence_num":88,"body":"شرح صحيح البخاري [٧]\rافتتح الإمام البخاري كتاب العلم من صحيحه بباب فضل العلم حتى يكون محفزاً ومشوقاً إلى طلب العلم، وقد بين فيه آداب طالب العلم، فإنه لا علم بلا أدب، بل لابد أن يتأدب الطالب بأدب العلم، لكي يبلَّغ هذا العلم الذي تعلمه, وينتفع به حق الانتفاع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595851,"book_id":1590,"shamela_page_id":89,"part":"7","page_num":2,"sequence_num":89,"body":"المعلقات في الصحيحين وحكمها\rإن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.\rاللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.\rقال الإمام البخاري ﵀: (باب قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا) .\rوقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ، وهو الصادق المصدوق.\rوقال شقيق: عن عبد الله: سمعت النبي ﷺ كلمة.\rوقال حذيفة: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين.\rوقال أبو العالية، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: فيما يرويه عن ربه.\rوقال أنس: عن النبي ﷺ يروي عن ربه ﷿.\rوقال أبو هريرة: عن النبي ﷺ: يرويه عن ربكم ﷿.\rفالإمام البخاري ﵀ بعدما ذكر فضل العلم، وذكر بعضاً من آداب طالب العلم، ثم ذكر الباب الثالث: من رفع صوته بالعلم، فأول باب عقده في هذا الكتاب -كتاب العلم- هو فضل العلم، حتى يكون كالحافز للطالب أن يطلب العلم.\rتكلمنا أنه بعد أن ذكر ما يشوق لطلب العلم، قام فنبهه إلى أن العلم له آداب وله سياسة، وهو ما يسميه العلماء: بأدب الطلب، ويقول العلماء: سياسة العلم أشد من العلم، وهي تعني: الحكمة في طريقة الأداء.\rفبعد أن يتأدب بأدب طالب العلم فينبغي عليه أن يبلغ هذا العلم الذي درسه.\rوأشار البخاري ﵀ بالباب الثالث (باب من رفع صوته بالعلم) لأن رفع الصوت مظنة وصول الكلام إلى أكثر عدد، ومعناه: توصيل العلم إلى الناس مع التأدب بأدب العلم.\rفي مرحلة الأداء، وفي مرحلة التلقي يسمع طالب العلم، فإذا أراد أن يؤدي العلم ويبلغه فبأي صيغةٍ يؤديه؟ الإمام البخاري عقد الباب الرابع لأجل هذا.\rقال: باب قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا.\rثم ذكر البخاري عدة معلقات في هذا الباب، الحديث المعلق أشرنا قبل ذلك إلى تعريفه وإلى صورته، فقلنا: إن الحديث المعلق هو ما حذف منه راوٍ أو أكثر، حتى لو شمل الإسناد كله، بشرط: أن يكون الحذف من مبدأ سنده ووصل إلى منتهاه، فالعلماء يسمونه: الحديث المعلق، وهو: ما حذف راوٍ أو أكثر من مصدر إسناده بشرط التوالي في الحذف.\rفالإسناد له طرفان: طرف علوي، وطرف سفلي.\rأو طرف أعلى، وطرف أدنى.\rفإذا كان السند متصلاً من أوله إلى آخره، فيسمى السند متصلاً.\rفلو قسمنا الإسناد إلى طبقات، والطبقات إلى مدة زمنية، فنقول مثلاً: قال البخاري: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس أن النبي ﷺ قال: ... وساق حديثاً بهذا الإسناد، إذاً البخاري في إسناده هذا أحمد، وسفيان بن عيينة، والزهري، وأنس، فيكون إسناداً رباعياً، أي: بين البخاري وبين النبي ﷺ أربعة، فهذا الإسناد متصل، فكل من أحمد، وسفيان، والزهري، وأنس، يمثل طبقة وكل طبقة تمثل مرحلةً زمنية.\rفالحديث المعلق: أن يحذف راوٍ من أوله، وقد يصل الحذف إلى الصحابي، وقد يصل إلى التابعي فقط، وقد لا يحذف إلا واحد من أول السند، هذا هو المعلق.\rفإسناد البخاري الذي يقول فيه: حدثنا أحمد بن حنبل لو أنه قام بحذف ذكر الإمام أحمد من الإسناد.\rوقال البخاري: وقال سفيان بن عيينة: إذاً حذف من؟ حذف أحمد من الإسناد، إذاً سنحذف المدة الزمنية من الإسناد فيكون الإسناد معلقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595852,"book_id":1590,"shamela_page_id":90,"part":"7","page_num":3,"sequence_num":90,"body":"كثرة إيراد البخاري للمعلقات في صحيحه وغرضه من ذلك\rالإمام البخاري ﵀ يعلق كثيراً في صحيحه، بخلاف مسلم، فالأحاديث المقطوعة الإسناد في صحيح مسلم في أربعة عشر موضعاً تقريباً، بينما في صحيح البخاري في عشرات المواضع، أو في مئات المواضع.\rالبخاري ﵀ عندما يعلق الحديث، هو بذلك يريد أن يمهد للحديث المرفوع، الذي أورده موصولاً في هذا الباب.\rإن البخاري تصدى لاستنباط الأحكام الجزئية من الأدلة التفصيلية، بخلاف الإمام مسلم؛ الإمام مسلم صنف صحيحه على الكتب، ولم يصنفه على الأبواب، فلم يقل: باب كذا، باب كذا.\rلا، مسلم لم يفعل هذا، إنما بوّبه جماعة، وأشهر من بوب صحيح مسلم وانتشر تبويبه، هو الإمام النووي ﵀، أي: أن التبويب الموجود في صحيح مسلم ليس من صنع مسلم، وإنما من صنع النووي، إنما مسلم -كما قلنا- قسم صحيحه إلى كتب فقط، مثل: كتاب الإيمان، كتاب الصلاة، كتاب الطهارة، كتاب الحج، كتاب الغسل، كتاب التيمم،.\rإلخ.\rالبخاري ﵀ قسم صحيحه إلى كتب، وقسم الكتب إلى أبواب، وتصدى لاستنباط الأحكام الجزئية من الأحاديث، فإذا استنبط الإمام البخاري ﵀ حكماً من الأحكام فإنه يبوب له، ثم يأتي بالأحاديث المعلقة، أو الآثار المعلقة بين يدي الحديث المسند في هذا الباب؛ يمهد لفكرته ورأيه.\rونستفيد من هذا ما قاله الإمام أحمد: (لا تقولن بقولٍ ليس لك فيه إمام) عندما تحب أن تتبنى قولاً من الأقوال، فاحذر أن تقول قولاً لم يكن قد قاله غيرك من العلماء، لاسيما في هذه الأزمان المتأخرة؛ لأنك عندما تأتي بقول لم يقل به أحد غيرك على الإطلاق، وتزعم أنه الحق، فمعنى هذا باختصار: أن كل من سبقك ضل طريق الحق، وأنت وحدك الذي عرفته، هذا معنى: لا تقل قولاً ليس لك فيه إمام.\rفالإمام البخاري كان إذا تبنى قولاً من الأقوال فإنه يذكر من سبقه -لا أقول: على سبيل الاستيعاب، فـ البخاري لم يستوعب أقوال من سبقه- ولكن يذكر بعض أقوال من سبقه في هذا القول، لكنه يحذف إسناده؛ حتى لا يعظم حجم الكتاب، وإلا فـ البخاري عنده أسانيد المعلقات كلها، لكنه صنف كتابه وسماه \"الجامع المختصر الصحيح\" فلو ذكر أسانيده إلى الصحابة أو إلى التابعين أو إلى من دون التابعين لعظم حجم الكتاب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595853,"book_id":1590,"shamela_page_id":91,"part":"7","page_num":4,"sequence_num":91,"body":"صيغتا التعليق عند البخاري\rفلذلك هو يعلق بطريقتين: إما أن يعلق بصيغة الجزم، أو بصيغة التمريض.\rصيغة الجزم: أن يكون الفعل الذي استخدمه البخاري في نسبة القول إلى قائله مبنياً للمعلوم، كأن يقول: قَال، وذَكر، وحَكَى.\rصيغة التمريض: أن يكون الفعل مبنياً للمجهول: قِيلَ، حُكِي، ذُكِر.\rفـ البخاري ﵀ في هذا الباب، أتى بالأحاديث والآثار المعلقة بصيغة الجزم.\rقال العلماء: كل معلقات البخاري التي جزم فيها بنسبة القول إلى قائله صحيحة.\rالجزء الثاني، وهو: ما علقه بصيغة التمريض، فبعض الناس يقول: إن البخاري إذا مرّض القول، فهذا قد يكون ضعيفاً.\rوهذا ليس بشرط، فمعلقات البخاري بعضها ضعيفة، لكنها قليلةٌ جداً، في موضع أو موضعين في كتابه كله، وشخص يقول: هل صحيح البخاري بهذا يكون فيه أحاديث ضعيفة؟ نقول: لا؛ لأن صحيح البخاري هو الأحاديث المسندة، أما الأحاديث المعلقة فليست على شرط البخاري، لأجل هذا إذا روى البخاري في صحيحه بياناً معلقاً وحدثت به فلابد أن تقيد العزو إلى البخاري بالتعليق، مثلاً: لو قال البخاري: قال الحسن البصري: (صلوا وعليه بدعته) كما في باب إمامة المفتون والمبتدع.\rفهذا الحديث معلق في البخاري، أنت تريد أن تنسب هذا الكلام إلى البخاري، فلا تقل: رواه البخاري وتسكت؛ لأن هذه خطيئة عند العلماء، بل لا بد أن تقول: رواه البخاري معلقاً.\rلابد أن تذكر كلمة: (معلقاً) ، لماذا؟ لأن المعلقات ليست كلها على شرط البخاري، فمنها ما هو على شرط البخاري، ومنها ما ليس على شرط البخاري، ولكنها لا تدخل من جملة الكتاب؛ لأن صحيح البخاري هو جملة الأحاديث المسندة التي أسندها البخاري إسناداً متصلاً قال فيها: حدثنا فلان عن فلان إلى آخر السند.\rوكذلك الإمام مسلم له مقدمة مهد بها لصحيحه، وهذه المقدمة ليست على شرط مسلم، فإذا أورد مسلم الحديث في هذه المقدمة، وأردت أن تعزو الحديث إلى مسلم، فلا بد أن تقول: أخرجه مسلم في المقدمة، ولا تقل: أخرجه مسلم، وتسكت، لماذا؟ لأن في هذه المقدمة أحاديث ليست على شرط مسلم.\rإذاً: علمنا أن البخاري ﵀ يأتي بالمعلقات ليمهد لأحاديث الباب، ويمهد لفكرته ورأيه في المسألة كما فعل هنا، وكما فعل في بداية أبواب كتابه.\rفأنت الآن مني، وتريد أن تؤدي القول عني إلى الناس، فكيف تنقل القول عني؟ هل تقول: حدثني، أم تقول: أخبرني، أم تقول: أنبأني، أم تقول: سمعت، أم تقول: قال لي؟ أي صيغة من هذه الصيغ تستخدمها إذا نقلت الكلام عني إلى الناس؟ أنت الآن في وقت التحمل -التحمل: هو أن تسمع مني وتحفظ، للتحمل والأداء بعد ذلك- كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [الجمعة:٥] حمل، يعني: أخذ العلم فحمله.\rأنت الآن تلميذ، بعد مدة قد تصير شيخاً، ولك تلاميذ، فإذا أردت أن تنقل العلم عن شيوخك إلى الناس بعدما صرت شيخاً، فماذا أنت قائل في النقل؟ بأي صيغة من الصيغ تنقل هذا العلم؟ أتقول: حدثني، أم أخبرني؟! فـ البخاري ﵀ عقد هذا الباب لأجل أن يقول لك: بعد أن سمعت فضل العلم، وتأدبت بآداب طالب العلم، وتحملت العلم وأخذته عن الشيوخ، إذاً حان وقت الأداء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595854,"book_id":1590,"shamela_page_id":92,"part":"7","page_num":5,"sequence_num":92,"body":"الفرق عند البخاري بين (قال فلان) وبين (وقال لنا فلان)\rفقال: وقال لنا الحميدي.\rأول ما تسمع: وقال لنا هنا القائل شيخه، بخلاف ما إذا قال البخاري: وقال، ولم يذكر كلمة: لنا، البخاري يقول: (قال) ويستخدمها في المعلقات، كما في الحديث الذي بعده، وقال ابن مسعود، وهل البخاري سمع من ابن مسعود؟ لا.\rالبخاري ﵀ إذا قال: (قال لنا) فإنها تساوي حدثنا؛ لأنه في مواضع من التاريخ الكبير، يقول: وقال لنا فلان.\rويكون روى هذا الحديث في صحيحه، أو في خارج صحيحه (كالأدب المفرد أو خلق أفعال العباد أو غيرهما) ، فيقول في التاريخ الكبير: قال لي، أو قال لنا، ويقول في غيره: حدثنا، وهذا الحديث بعينه هو الذي ذكره في التاريخ الكبير.\rوالحميدي هو عبد الله بن الزبير، وافتتح البخاري صحيحه بالرواية عن الحميدي، كما في حديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى ... ) رواه عن الحميدي، عن شيخه سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب ﵁.\rوسنَّد البخاري هذا الإسناد بالتحديث، قال: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، حدثنا محمد بن إبراهيم التيمي، سمعت علقمة، سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى ... ) .\rوالحميدي صاحب المسند المشهور، له مسند مطبوع في مجلدين، وكان من ألزم الناس للإمام سفيان بن عيينة، وأيضاً كان من ألزم الناس للشافعي، وكان من أصحابه الكبار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595855,"book_id":1590,"shamela_page_id":93,"part":"7","page_num":6,"sequence_num":93,"body":"أقوال العلماء في صيغ التحديث (حدثنا، أخبرنا، أنبأنا، سمعت ... )\rقال: وقال لنا الحميدي: كان عند ابن عيينة (حدثنا) و (أخبرنا) و (أنبأنا) و (سمعت) كل هذه الصيغ لا فرق بينها وبين بعضها الإمام سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي -.\r﵀ كما قال الشافعي: لولا سفيان ومالك لذهب علم أهل الحجاز.\rفـ سفيان بن عيينة إمام ثقة ثبت، وهو الوحيد في الدنيا من بين المدلسين الذين تستوي عنعنته مع تصريحه بالسماع، وإلا فالمدلس لابد أن يقول: حدثني، أو أنبأني، أو سمعت التي تفيد أنه سمع ذلك من شيخه مباشرةً.\rولو عنعن المدلس الإسناد ردوا عليه حديثه، ولم يقبلوه إلا أن يصرح بالتحديث، إلا سفيان بن عيينة، فهذا هو الوحيد الذي تستوي عنعنته مع تصريحه بالسماع، كما صرح بذلك ابن حبان في مقدمة صحيحه عند كلامه عن المدلسين.\rوكتب ابن حبان: أن ليس في الدنيا من له هذه الخصيصة إلا سفيان بن عيينة،وقال: إنه كان لا يحدث إلا عن ثقة مثل نفسه، ولا نعلم هذا لأحدٍ إلا لـ سفيان بن عيينة ﵀.\rفلما نقل الإمام البخاري هذا الكلام عن سفيان بن عيينة، علمنا أنه مراد البخاري من الصياغة، إذاً كأن البخاري يذهب إلى رأي سفيان بن عيينة أنه لا فرق بين هذه الصيغ جميعاً.\rوهذا هو أصل الوضع اللغوي في الكلمة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤] ، فذكر التحديث وذكر الإخبار بمعنى واحد، وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] وهذا في الإنباء والإخبار، فالتحديث والإنباء والإخبار وإثبات السماع كله بمعنى واحد، وهذا على أصل الوضع اللغوي.\rوإلى هذا القول ذهب إمام أهل المدينة في زمانه، وهو محمد بن شهاب الزهري ﵀، وذهب إليه مالك وابن عيينة كما سمعتم الآن، ويحيى بن سعيد القطان، وذهب إليه أكثر أهل الحجاز وأكثر أهل الكوفة، وهو الذي اختاره ابن الحاجب في مختصره، في كل هذه الصيغ، ونقل الحاكم أبو عبد الله صاحب: المستدرك عن الأئمة الأربعة: أنهم يقولون بذلك.\rوذهب آخرون إلى التفصيل ما بين أن يأخذ التلميذ من الشيخ مشافهة، أو أن يقرأ التلميذ على الشيخ، فقالوا: إذا جاءت اللفظة مطلقةً فهذا يدل على أن الشيخ هو الذي قرأ، مثل لو قال التلميذ: حدثنا فلان، أو أخبرنا، أو أنبأنا هكذا بإطلاق؛ فهذا يدل على أن الشيخ هو الذي قرأ.\rفإذا قُرئ على الشيخ فينبغي أن يغير اللفظة، فيقول: حدثنا فلان بقراءة فلان عليه، أو أنبأنا أو أخبرنا بقراءة فلان عليه، وإلى هذا الرأي ذهب الإمام إسحاق بن راهويه، والإمام النسائي، وابن حبان.\rابن حبان لا يقول: حدثنا، إنما يقول: أخبرنا، والنسائي أيضاً، إنما يستخدم لفظة الإخبار، وقلما يستخدم لفظة التحديث كأن يقول: حدثنا أو حدثني، وقلما يستخدم لفظة الإنباء، كأن يقول: أنبأنا أو أنبأني، إنما المشهور عند النسائي أنه كان يختار لفظة الإخبار.\rومنهم من قال: إذا قال: حدثنا، يكون هذا من لفظ الشيخ، وإذا قال: أخبرنا، فتكون قراءة على الشيخ، وهذا مذهب ابن جريج، والأوزاعي، واختاره الشافعي، وابن وهب، ﵏، وعليه أكثر أهل المشرق.\rوالذين جاءوا بعدهم كان لهم تفصيل أكثر، قالوا: إذا قال: حدثنا فيكون سمعه التلميذ مع جماعة، وإذا قال: حدثني، يكون سمعه التلميذ وحده من الشيخ، وهكذا في أخبرنا وأخبرني، وأنبأنا وأنبأني، وسمعنا وسمعت.\rإلخ.\rوهذه كلها مسائل اصطلاحية ولا مشاحة في الاصطلاح، ولكن ينبغي بعدما استقر عمل العلماء على هذا أن يراعي المتأخرون اصطلاح المتقدمين فيها، لماذا؟ لأنه صار حقيقة عرفية عندهم، فينبغي عليهم أن لا يتجاوزوها، فالذي على المتأخرين أن يراعوا هذا، وليس على سبيل الوجوب.\rوللطحاوي - أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة المشهورة، وهو من تلاميذ الإمام النسائي - جزء اسمه: (جزء التسوية بين حدثنا وأخبرنا) أي أن الطحاوي يذهب إلى هذا المذهب الذي ذهب إليه الإمام البخاري ﵀، وسبقه إلى ذلك الزهري، ومالك، وابن عيينة، كما بينا ذلك.\rقلنا: الإمام البخاري ﵀ له معلقات في صحيحه، وكما قلنا: ليس كل معلقات البخاري على شرطه، بل بعضها على شرطه، وبعضها ليس على شرطه، فعلق البخاري جملةً من الأحاديث التي وصلها في صحيحه كما يأتي ذكره الآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595856,"book_id":1590,"shamela_page_id":94,"part":"7","page_num":7,"sequence_num":94,"body":"لم ترد صيغة السماع في البخاري عن ابن مسعود في المرفوع بل في المعلق\rالإمام البخاري روى هذا الحديث في كتاب الجنائز من طريق حفص بن غياث، ورواه في كتاب التفسير من طريق أبي حمزة السكري محمد بن ميمون، ورواه في كتاب الأيمان والنذور من طريق عبد الواحد بن زياد، كلهم يروونه من طريق الأعمش سليمان بن مهران، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، وساق حديثاً.\rقال ابن مسعود -الكلام هذا كله في صحيح البخاري -: (قال رسول الله ﷺ: كلمة وقلت: كلمة) .\rولم يقع في صحيح البخاري الكلمة (سمعت) ، التي أراد البخاري أن يحتج بها، البخاري قال في الحديث المعلق: (وقال شقيق عن عبد الله: سمعت) إنما في صحيح البخاري لم يقع كلمة (سمعت) عندما وقع بدلها كلمة (قال) ، ابن مسعود قال: (قال رسول الله ﷺ كلمة وقلت كلمة قال رسول الله ﷺ: من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار، وقلت أنا -أي: ابن مسعود -: من مات وهو لا يدعو لله نداً دخل الجنة) هناك فرق ما بين قوله وما بين قول النبي ﷺ، وابن مسعود إنما بنى كلامه على كلام رسول الله ﷺ، النبي ﷺ قال: (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار) معلوم أن من مات وهو لا يدعو لله نداً دخل الجنة، وقد ورد هذا صريحاً بنص النبي ﷺ، من حديث جابر بن عبد الله كما في صحيح مسلم: (من مات لا يشرك بالله دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله دخل النار) وكما قلنا: إن ابن مسعود إنما بنى كلامه على كلام رسول الله ﷺ.\rومثله عروة بن الزبير لما روى حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ: (من نبل المرأة تيسير أمرها وقلة صداقها.\rقال عروة: وأنا أقول من عندي: ومن شؤمها تعسير أمرها وكثرة صداقها) إنما بنى كلامه على كلام رسول الله ﷺ.\rوكذلك روى هذا الحديث مسلم من طريق وكيع، ومن طريق عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود و، مسلم دقيق فرق بين (سمعت) و (قال) ، وقد روى هذا الحديث من طريق شيخه محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا وكيع بن الجراح، وأبي -أبوه عبد الله بن نمير - كلاهما -أي: وكيع وعبد الله بن نمير - عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، وساق الحديث.\rانظر إلى التفريق! قال مسلم: وقال ابن نمير: قال ابن مسعود: سمعت النبي ﷺ.\rأما وكيع فقال: قال ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ.\rإذاً فرق مسلم.\rإذاً كلمة (سمعت) هذه لم تقع في صحيح البخاري، إنما وقعت في صحيح مسلم، من رواية عبد الله بن نمير، عن الأعمش فقط.\rإذاً رواه عن الأعمش حفص بن غياث، وأبو حمزة السكري، وعبد الواحد بن زياد و، وكيع بن الجراح وأبو معاوية.\rوآخرون، كلهم يقول: قال رسول الله ﷺ، إلا ابن نمير رواه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ، وهذا هو الذي أراده البخاري في التعبير الذي أوردنا، أنه يكفي كلمة: (سمعت) .\rفهذه الرواية قرأها مسلم كما قلتُ لكم، من طريق شيخه محمد بن عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن نمير، عن الأعمش.\rوروى هذه الكلمة أيضاً ابن خزيمة في كتاب: التوحيد، قال: حدثنا أبو سعيد الأشج قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن ابن مسعود قال: سمعت النبي ﷺ فذكر كلمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595857,"book_id":1590,"shamela_page_id":95,"part":"7","page_num":8,"sequence_num":95,"body":"استدلال البخاري على صيغة التحديث\rفقال البخاري: وقال ابن مسعود: حدثنا -وهذا هو الشاهد (حدثنا) فهو يذكر الصيغ- رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق.\rوهذا التعليق وصله الإمام البخاري في أربعة مواضع من صحيحه، فحديث ابن مسعود: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار.\rوإن الرجل يعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) .\rفهذا الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب بدء الخلق، في باب ذكر الملائكة، من طريق أبي الأحوص، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، وأبو الأحوص هذا اسمه: سلام بن سليم.\rثم رواه بعد ذلك في كتاب الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، من طريق شيخه عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا زيد بن وهب، قال: سمعت ابن مسعود يقول: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق) .\rثم افتتح الإمام البخاري بهذا الحديث كتاب القدر، ورواه من طريق شيخه أبي الوليد هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا شعبة، قال: أنبأني سليمان الأعمش -وهو سليمان بن مهران الأعمش، ولكن غلب لقبه على اسمه- عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق) وكلمة (حدثنا) موجودة في جميع طرق الحديث.\rثم -أخيراً- رواه الإمام البخاري في كتاب التوحيد في باب: ((وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ)) ورواه من طريق شيخه آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، وساق الحديث.\rإذاً: البخاري علق هذا الحديث مع أنه وصله في صحيحه في أربعة مواضع كما ذكرنا الآن، وهذا الحديث أخرجه أيضاً الإمام مسلم من طريق وكيع بن الجراح، وأبي معاوية، وأبي الأحوص وشعبة بن الحجاج، وآخرين كلهم يروي هذا الحديث من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود ﵁.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595858,"book_id":1590,"shamela_page_id":96,"part":"7","page_num":9,"sequence_num":96,"body":"استدلال البخاري على صيغة السماع\rقال البخاري: وقال شقيق: عن عبد الله سمعت النبي ﷺ كلمة.\rشقيق هو ابن سلمة، وكنيته أبو وائل الكوفي، أسدي، وهو مشهور بكنيته أكثر من اسمه.\r(عن عبد الله) ابن من؟ وعبد الله هنا صحابي، إذا قال الكوفي: عن عبد الله فهو ابن مسعود، وإذا قال المصري: عن عبد الله فهو ابن عمرو بن العاص، وإذا قال المدني: عن عبد الله فهو ابن عمر؛ لأن أحياناً يأتي الصحابي عبد الله، فإذا أردت أن تعلم من هو عبد الله الصحابي هذا، فانظر إلى الراوي عنه، فإن كان كوفياً فهو ابن مسعود، وإن كان مصرياً فهو عبد الله بن عمرو بن العاص، وإن كان مدنياً فهو عبد الله بن عمر بن الخطاب.\rفهذا شقيق بن سلمة أدرك النبي ﷺ ولكنه لم يره، فهو من المخضرمين، والمخضرمين هم: الذين أدركوا الجاهلية والإسلام.\rفقول البخاري: وقال شقيق: عن عبد الله: سمعت.\r، يريد البخاري أن يقول: كل هذا موصولٌ عند أهل العلم فإن عبد الله بن مسعود مرة يقول: حدثنا، ومرة يقول: سمعت، ولم يقل أحدٌ من أهل العلم: إن هناك فرقاً بين سمعت وحدثني، أي أن البخاري يريد أن يقول: حدثنا، وسمعت، بمعنى واحد.\rلكن لم يقع هذا اللفظ (سمعت) في صحيح البخاري، إنما أورد المعلقات بالصيغ.\rالبخاري يشير بهذا إلى حديثٍ أخرجه هو في عدة مواضع من صحيحه، فأخرجه في كتاب الجنائز من طريق حفص بن غياث، وأخرجه في كتاب التفسير من طريق أبي حمزة السكري - أبو حمزة السكري اسمه: محمد بن ميمون، وإنما قيل له: (السكري) ليس لأنه كان مريضاً (بالسكري) .\rلا؛ سمي السكري لحلاوة كلامه، كان كلامه جميلاً، فقيل له: السكري لأجل ذلك، كما ذكر المزي وغيره في ترجمته، وهو مذكور -أظن- في: حلية الأولياء في ترجمة أبي حمزة.\rيقول: ما بلغني عن جاري أنه مرض قط إلا قوّمت نفقته في مرضه، وتصدقت بها أن الله عافاني مما ابتلاه به.\rمثلاً: كان إذا مرض جاره نظر كم أنفق على نفسه في ذلك المرض من علاج وأدوية.\rإلخ فيخرج ذلك المبلغ صدقة شكراً لله ﷿ أن عافاه مما ابتلى به جاره.\rوالعلماء لهم كلام في التداوي: هل هو واجب أم مستحب أم مباح؟ الصحيح أنه ليس بواجب، أي أن الإنسان إذا مرض فترك التداوي اتكالاً على الله ﵎ -والله هو الذي يرفع العلة- فهذا جائز لا إشكال فيه؛ وذلك لأن أبا بكر ﵁ ترك التداوي في مرضه.\rلكن إذا كانت هذه العلة تصده عن القيام بحق العبودية، فيجب عليه أن يتداوى، مثلاً: إذا لم يتداو فإنه لا يستطيع أن يصلي، وقال له أهل الطب: إنه إذا تداوى فإنه يشفى بإذن الله، فحينئذ يجب في حقه التداوي، إنما يترك التداوي لمن قوي قلبه وقوي توكله، والنبي ﷺ يقول كما في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) فتركوا الاسترقاء، وتركوا التداوي اتكالاً على الله ﵎.\rوقد ثبت عن أبي بن كعب ﵁ أنه لما سمع أحاديث في فضل الحمى، وأنها حظ المؤمن من النار؛ دعا على نفسه بالحمى، لكنه اشترط أن لا تصده عن جماعة أو جهاد يقول الرواي: فكنا نضع أيدينا على جبهته فنرى أثر الحمى، ومات بها ﵁، لماذا اشترط أن لا تصده عن جهاد أو عن جماعة؟ لأن حضور الجماعة وحضور الجهاد أفضل بكثير من أن يبتلى المرء بالحمى ويتخلف عن الجماعة والجهاد.\rفـ أبو حمزة السكري ذكروا في ترجمته أيضاً: أنه بلغه أن جاره يبيع داره، والجار لما جاءه المشتري قال: أبيعك الدار بأربعة آلاف.\rفقال المشتري: ولم؟ قال: ألفان ثمن الدار، وألفان ثمن جوار أبي حمزة! فلما بلغ أبا حمزة قوله: ذهب إليه، وقال له: لا تبع الدار، وأعطاه أربعة آلاف على أن لا يبيع داره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595859,"book_id":1590,"shamela_page_id":97,"part":"7","page_num":10,"sequence_num":97,"body":"التنبيه على وجود تقديم وتأخير في حديث ابن مسعود\rبقي أن أنبه على شيء، وهو أن أبا معاوية وهو من أوثق الرواة عن الأعمش، واسمه: محمد بن خازم الضرير، روى هذا الحديث، فخالف عامة أصحاب الأعمش في متنه.\rابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من مات يشرك بالله دخل النار) هذا وعد أم وعيد؟ وعيد.\rقال ابن مسعود: (فقلت أنا: ومن مات لا يشرك بالله دخل الجنة) ، فهذا وعد أم وعيد؟ هذا وعد.\rإذاً: الحديث شقان: وعيدٌ ووعد.\rالوعيد من كلام النبي ﵊، والوعد من كلام ابن مسعود، أبو معاوية قلب الحديث فجعل الوعد من كلام النبي ﷺ، والوعيد من كلام ابن مسعود، وخالف عامة الرواة عن الأعمش في ذلك، وغلطه أهل العلم.\rوإن كان عندما نقول: أبو معاوية، عن الأعمش فحديثه صحيح، وهو موافق لحديث جابر بن عبد الله الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: (ومن مات لا يشرك بالله دخل الجنة) ، لكن نقول: إن قلب هذا المتن شاذٌ من رواية الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، وإن صحت رواية غيره من الصحابة، إذاً عامة الرواة عن الأعمش جعلوا الوعد من كلام ابن مسعود، وجعلوا الوعيد من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله سلم.\rوأيضاً ذكر لفظة السماع سيار أبو الحكم العنزي ورواها عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁، قال: (خصلتان: إحداهما سمعتها من رسول الله ﷺ، والأخرى أقولها) وساق الحديث أيضاً، فجعل الوعد من كلام ابن مسعود، وجعل الوعيد من كلام رسول الله ﷺ، وهذه الرواية رواها ابن خزيمة في كتاب التوحيد.\rوروى أيضاً لفظة: (سمعت) مغيرة بن مقسم الضبي عن أبي وائل عن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﷺ وساق الحديث، هذه الرواية في صحيح ابن حبان.\rوروى الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا هشيم -وهو ابن بشير - قال: أنبأنا سيار والمغيرة.\rإذاً ابن خزيمة روى رواية سيار، وابن حبان روى رواية المغيرة، وأحمد جمعهما في رواية واحدة، قال: حدثنا هشيم -وهو ابن بشير - قال: أنبأنا سيار أبو الحكم، ومغيرة بن مقسم الضبي كلاهما عن أبي وائل.\rفذكر لفظة السماع.\rوأيضاً روى لفظة: (سمعت) عاصم بن بهدلة، - بهدلة هذه أمه، كان اسمها: بهدلة، وعاصم هذا هو صاحب القراءة المشهورة، رواية عاصم التي أخذها عنه حفص وشعبة، ولكن شعبة الذي أخذ القراءة عن عاصم ليس هو شعبة بن الحجاج الإمام العلم المشهور المحدث.\rلا، هذا هو شعبة بن عياش أبو بكر المقرئ أخذ الرواية عن عاصم، ولكن الحق أن حفص بن سليمان كان أشهر الرواة عن عاصم بن أبي النجود أو عاصم بن بهدلة.\rفـ عاصم روى هذا الحديث عن أبي وائل شقيق بن سلمة، وفي مسند الإمام أحمد أورد رواية عاصم من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل الكوفي، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﵌.\rكل هذه الأحاديث التي في صحيح البخاري، اتفق مسلم مع البخاري في رواية أغلبها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595860,"book_id":1590,"shamela_page_id":98,"part":"7","page_num":11,"sequence_num":98,"body":"استدلال البخاري على صيغة القول\rقال البخاري: وقال حذيفة: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين.\rأيضاً حذيفة قال: حدثنا.\rفـ البخاري يقول: حدثنا وسمعت وأنبأنا.\rكلها سواء، وأن الصحابة كانوا يضعون صيغ الإخبار مكان بعضها، ولم ينكر أحدٌ على أحد، قلت: إن البخاري لما ساق هذا كله يريد أن يدلل على أن كل هذه الصيغ تقوم بعضها مكان بعض، وأنها متساوية وتؤدي نفس الغرض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595861,"book_id":1590,"shamela_page_id":99,"part":"7","page_num":12,"sequence_num":99,"body":"وصل البخاري لحديث حذيفة والفوائد المستنبطة منه\rفقال: وقال حذيفة: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين.\rهذه معلقات علقها البخاري ﵀، إذاً أين إسناد البخاري؟ نقول: حديث حذيفة وصله البخاري في الموضع الفلاني، أو وصله فلان في الموضع الفلاني.\rالبخاري روى هذا الحديث مسنداً في كتاب الإخلاص، وفي كتاب الفتن، قال في الموضعين: حدثني محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، حدثنا حذيفة بن اليمان، قال: (حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة)) الجذر: هو أصل الشيء، والأمانة في هذا الحديث: هي الإيمان، الذي يستلزم العمل بمقتضاه، والمقتضى هو جملة التكاليف الشرعية، وبما أنك رضيت بالله رباً، وبمحمدٍ ﷺ نبياً، وبالإسلام ديناً، فبمقتضى هذا التقرير، إذ مطلوب منك أن تلتزم بالتكاليف الشرعية.\rإذاً عندما نقول: الإيمان هو أصل ومقتضى.\rوهو المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] فالإيمان نزل في جذر قلوب الرجال، أي: في أصل قلوبهم؛ ثم عملوا من القرآن، ثم علموا من السنة، فأيهما تقدم الآخر: الإيمان أم العلم؟ الإيمان.\rفهذا هو الفرق الذي ألمح إليه عبد الله بن عمر، وجندب بن عبد الله البجلي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وآخرون من الصحابة، قالوا: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً، ويأتي أقوامٌ يتعلمون القرآن، ثم يتعلمون الإيمان، يشربونه شرب الماء) كلام عبد الله بن عمر: يشربونه شرب الماء، كم من واحد حافظ للقرآن من أوله إلى آخره، ولا يفقه منه شيئاً، وهذا كثير.\rقوله: يشربونه شرب الماء، بمعنى: أنهم أقاموا حروفه وضيعوا حدوده، تجد الواحد منهم يقول لك: أنت لم تفخم الحرف الفلاني، وأنت رققت في غير موضع الترقيق، وأنت أتيت بصلة كبرى وهي صغرى، يفتي في كل هذه الأشياء، هذا أقام حروفه، نعم، لكن ما أقام حدوده الشرعية التي أناطها الله بهم.\rإذاً: هناك فرق بين الصحابة وبين من أتى بعدهم.\rثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه حفظ سورة البقرة في عشر سنوات.\rلماذا؟ لأنه كما روى أبو عبد الرحمن السلمي - أبو عبد الرحمن السلمي هذا أخذ القراءة عن عبد الله بن مسعود، وعن عثمان بن عفان ﵄، وظل يقرئ القرآن أربعين سنة، والذي جعله يمكث يقرئ الناس القرآن أربعين سنة حديث: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) .\rقال أبو عبد الرحمن: فهذا الذي أقعدني من خلافة عثمان إلى زمن الحجاج بن يوسف الثقفي.\rأربعون عاماً وهو جالس يقرئ الناس القرآن- قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا من كانوا يقرئوننا، قالوا: (كنا نأخذ العشر آيات فلا نتجاوزها إلى غيرها حتى نعمل بما فيها، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً) .\rفالفرق ما بين الصحابة والذين جاءوا بعد ذلك: أن الإيمان سبق القرآن -أعني سبق تعلم العلم- فازدادوا بالقرآن والسنة إيماناً وتسليماً بالله ورسوله.\rفإذا قيل: قال رسول الله؛ سلَّم في الحال، لماذا؟ لأن عنده إيماناً سابقاً؛ لكن اجعل العلم هو الأول قبل الإيمان، ما النتيجة؟ أنه كلما جاءه أمر من القرآن أو السنة فإنه يعترض عليه، لماذا؟ لأنه لا يوجد إيمان.\rقال حذيفة ﵁: (حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها -أي: عن رفع الإيمان من القلب- قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت) الوكت: هو ما يخلفه الجرح على الجلد من لون داكن أسود.\r: (ثم ينام النومة فتقبض فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجل -ثم بين حذيفة ﵁ معنى: المجل، قال: كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبراً) يعني عندما تأتي بجمر تدحرجه على رجلك أو يدك، فإنه سيصير له أثر، يكون عبارة عن انتفاخ مائي.\r(كجمر دحرجته على رجلك فنفط -أي: علا وبرز- فتراه منتبراً وليس فيه شيء -أي: منتفخاً، وهو مأخوذ منه المنبر، لأن الخطيب يصعد عليه فيبرز- ويصبح الناس يتبايعون -أي: يبيع أحدهما ويشتري الآخر، المقصود بالتبايع هنا البيع والشراء- فلا يكاد أحدٌ يؤدي الأمانة) لماذا؟ لأن هذه فرع عن الإيمان الموجود في القلب، كل التكاليف إنما هي فرعٌ عن الإيمان الموجود في القلب.\rفالإنسان الخائن ليس عنده إيمان.\rولذلك النبي ﷺ يقول -كما في حديث عياض بن حمار الذي رواه مسلم وأحمد - قال في نهاية الحديث: (وأهل النار خمسة: فذكر منهم: ورجلٌ لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك -إنسان خائن- وقال: ورجلٌ خائن لا يخفى له طمعٌ وإن دق إلا خانه) النبي ﷺ قال: (وأهل النار خمسة) فذكر منهم هذا.\rلماذا؟ لأنه ليس عنده إيمان، لو كان عنده إيمان لما خان الناس، وخادعهم.\rفيقول حذيفة -بعدما تنزع الأمانة المرة الثانية-: (ويصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً) .\rيقول لك: في بني فلان رجل أمين! كلمة: (رجل أمين) هذه تدل على فساد الزمان.\r(قال: للرجل: ما أعقله! ما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان.\rولقد أتى عليّ زمان ولا أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلماً رده عليّ الإسلام، وإن كان نصرانياً رده عليّ ساعيه) .\rقوله: (رده علي الإسلام) يعني الإيمان، مثلاً: أنا بعت واشتريت معك، وحدث أثناء البيع والشراء خطأ في الحساب، فالبائع الذي اشتريت منه رأى أن زدته على قيمة سلعته عن طريق الخطأ، فالإسلام والإيمان الذي في قلبه يجعله يردها إليّ، من الذي جعله يرجعها لي؟ الإيمان والإسلام الذي معه.\rوقوله: (ولئن كان نصرانياً رده عليّ ساعيه) أي: أذهب إلى الرجل الذي هو المسئول عنه وأقول له: أنا لي كذا عند فلان، إذاً أرجع لي حقي.\rوهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري أيضاً مختصراً حتى قوله: روى أوله: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم يعلمونه من القرآن، ثم يعلمونه من السنة) وساق الحديث إلى هذا، ورواه من طريق شيخه علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595862,"book_id":1590,"shamela_page_id":100,"part":"7","page_num":13,"sequence_num":100,"body":"كيفية معرفة الرواة عند تشابه أسمائهم\rالبخاري روى هذا الحديث -كما سبق وذكرت- في كتاب الإخلاص وفي كتاب الفتن- قال: حدثني محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان عن الأعمش.\rسفيان من في هذا الحديث؟ وفي أخبار الآحاد قال: وحدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان.\rسفيان الأول -في السند الأول- هو سفيان الثوري؛ لأن محمد بن كثير مشهورٌ بالرواية عن الثوري دون ابن عيينة، وسفيان في السند الثاني هو ابن عيينة وليس الثوري.\rوعندما نرى في الإسناد (سفيان) -ونريد أن نعرف من هو، هل هو سفيان الثوري، أو ابن عيينة؟ - ننظر إلى الرواة عنه، فإن كان الرواة عنه كباراً -أي: من طبقة عالية- فهو سفيان الثوري مثل إذا كان الراوي عنه أبو نعيم الفضل بن دكين أو عبيد الله بن معاذ العنبري أو محمد بن يوسف الفريابي مثلاً، أو الضحاك بن مخلد الشيباني، أو محمد بن كثير العبدي إذا رأينا كل هؤلاء يروون ويقولون: سفيان فهو الثوري، وهذا على الغالب الأعم.\rلكن إذا قال القائل: حدثنا سفيان، مثل: أحمد بن حنبل، أو علي بن المديني، أو مسدد بن مسرهد، أو أبو الربيع الزهراني أو سليمان بن داود أو قتيبة بن سعيد، أو عمرو بن علي الفلاس مثلاً، أو أحمد بن منيع، أو كل هؤلاء، فيكون الراوي هو سفيان بن عيينة؛ لأن كل هؤلاء لم يدركوا الثوري لماذا؟ لأن ابن عيينة تلميذ الثوري، أخذ عن الثوري.\rفنحن إذا أردنا أن نحدد الرواة نسند الراوة، ننظر إلى الرواة عنهم، الذين هم غير منسوبين إلى أسانيد مثل (حماد) ، هل هو حماد بن سلمة، أو حماد بن زيد؟ سفيان بن عيينة أو الثوري ننظر في الرواة عنهما.\rوروى مسلم ﵀ هذا الحديث من طريق وكيع بن الجراح وأبي معاوية وعبد الله بن نمير، وعيسى بن يونس كلهم عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة بن اليمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595863,"book_id":1590,"shamela_page_id":101,"part":"7","page_num":14,"sequence_num":101,"body":"استدلال البخاري على العنعنة\rثم ذكر البخاري تعليقاً آخر، فقال: وقال أبو العالية: عن ابن عباس، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿.\rفهذه صيغة من الصيغ السالفة؛ لأن البخاري يقول: باب قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا، لم يكن هناك (عن) ، البخاري أتى بهذا التعبير: وقال أبو العالية: عن ابن عباس عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه.\rكل هذه عنعنة، والبخاري إنما يتكلم عن صيغة السماع، ومع ذلك فهو ذكر العنعنة هنا.\rوحديث أبي العالية هذا وصله البخاري في كتاب التوحيد، فقال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة عن قتادة.\rثم حول الإسناد، قال: (ح) -تحويلة سند- ثم قال: وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: (لا ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى) ونسبه إلى أبيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595864,"book_id":1590,"shamela_page_id":102,"part":"7","page_num":15,"sequence_num":102,"body":"اختلاف الرواة في حديث ابن عباس (لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)\rنبين هنا طريقة من طرق المحدثين: البخاري روى الحديث من طريق شيخين له، عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎، روى الحديث من طريق شعبة عن قتادة، ومن طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\rفلما نظرنا في رواية شعبة وحده وجدنا أن شعبة ما رفع الحديث إلى النبي ﷺ إلى ربه، إنما وقف بالحديث عند النبي ﷺ وصار القول (لا ينبغي لرجلٍ أن يقول: أنا خير من يونس.\rإلخ) صار من قول النبي ﷺ، لا من قول رب العزة ﵎.\rفـ البخاري روى هذا الحديث في كتاب الأنبياء، وكذلك أبو داود، قال البخاري وأبو داود: حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: وساق الحديث.\rمن الذي قال؟ النبي ﵊، والبخاري في هذا الموضع من كتاب التوحيد جعله عن النبي ﷺ عن رب العزة ﵎.\rفهل هذا الحديث قدسي أو حديث نبوي؟ أما رواية شعبة التي رأيتها في كل الكتب التي عندي فما تجاوز فيها شعبة النبي ﷺ، أي: أن البخاري رواه -كما قلت لكم- في كتاب حديث الأنبياء، وأبو داود، كلاهما من طريق حفص بن عمر عن شعبة عن قتادة.\rفجعلاه من قول النبي ﷺ.\rثم رواه البخاري من حديث شيخه محمد بن بشار، قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، ومسلم أيضاً قال: حدثنا محمد بن بشار، لكن زاد مسلم: ومحمد بن المثنى، قالا -كلاهما-: حدثنا غندر - غندر من هو؟ محمد بن جعفر - قال: حدثنا شعبة بهذا الإسناد، فجعله من قول النبي ﷺ.\rورواه أحمد في مسنده، قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة.\rوجعله من قول النبي ﷺ.\rورواه أيضاً عن شعبة أبو داود الطيالسي في مسنده، وعفان بن مسلم عند أحمد وابن أبي شيبة وابن حبان، وعمرو بن مخزوم عند الطبراني في المعجم الكبير وآخرون، كلهم يروي هذا الحديث عن شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (ما ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى) .\rإذاً رواية شعبة إنما وصل بها إلى النبي ﷺ، ولم يرفعها إلى رب العزة ﵎.\rإذاً فمن الذي رفع الرواية عن النبي ﷺ إلى رب العزة؟ الرجل الثاني عن قتادة الذي هو سعيد بن أبي عروبة.\rإذاً البخاري لما روى الروايتين حمل رواية سعيد على رواية شعبة، وأسند البخاري إسنادين مع بعض، ولم يبين لفظ من الذي رفع الحديث من النبي ﷺ إلى رب العزة ﵎، نحن نعرف الألفاظ اللفظ الفلاني عن فلان إذا اختبرنا طرقه في الكتب الأخرى، فلما نظرنا إلى رواية شعبة عن قتادة، لأن البخاري حول الإسناد من بعدها، فقال: وقال لي خليفة، هو خليفة بن خياط صاحب التاريخ والمسند، ولقبه شباب، ذاك اسمه ولقبه شباب، أول ما تقرأ كلمة شباب إذاً هو خليفة بن خياط عند البخاري.\rقال البخاري: وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي العالية عن ابن عباس عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه.\rإذاً رَفْعُ الحديث من النبي ﷺ إلى رب العزة إنما هو في رواية سعيد بن أبي عروبة دون الروايات السابقة.\rوقد يقول قائل: عندما ينفرد سعيد بن أبي عروبة بهذه الرواية، فلعل هذا من اختلاطه، فنقول: إن رواية يزيد عن سعيد قبل الاختلاط، والبخاري يتحرى في هذا الباب، يزيد بن زريع من قدماء أصحاب سعيد بن أبي عروبة.\rإذاً: ما هو محل الشاهد هنا؟ رواية أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، عن رب العزة.\rإذاً هل يشك أحدٌ في ثبوت رواية النبي ﷺ عن ربه، إذا صح الإسناد إليه؟! لا.\rفكأن البخاري أراد أن يقول: إن العنعنة إذا ثبت السماع والاتصال تكون كسمعت وحدثنا وأخبرنا، أنه لا يشك أحدٌ أن العنعنة من رسول الله ﷺ عن ربه ﵎ قائمةٌ مقام السماع، فإذا كانت العنعنة بين الراوي وشيخه بمثل هذه القوة، فحينئذٍ نحكم بالاتصال.\rالإمام البخاري مختلف مع مسلم في مسألة اشتراط اللقاء، وعنعنة المعاصر، هل تحمل على السماع أم لا؟ البخاري قال: لا تحمل على السماع حتى يثبت في سندٍ من الأسانيد أنه قال: حدثنا.\rمثلاً: أنت تروي عن الشيخ الألباني ﵀، إذا ثبت لدينا أنك لقيت الألباني ولو مرة، وثبت لك إسناد أنك أنت قلت: حدثني محمد ناصر الدين الألباني.\rكل كلام منك عن الألباني بعد هذا سنأخذه؛ لأنه ثبت لدينا أنك لقيته يقيناً.\rوالإمام مسلم يقول بالمعاصرة -إذا كانوا يعيشون في وقت واحد- وجائزٌ ممكن.\rفقرن الإمام مسلم الجواز بالإمكان؛ لأنه ممكن المعاصرة ولا يمكن اللقاء.\rفالإمام مسلم قال: وجائزٌ ممكن، فكأن مسلماً أراد معاصرةً بينة، وليست معاصرة مطلقة كما فهم عنه بعض العلماء، إن نقطة التعاصر كأنه أراد معاصرة بينة، كرواية مصريٍ عن مصري، وحجازي عن حجازي، وشامي عن شامي، وكوفي عن كوفي، وبصري عن بصري.\rوهكذا، فاحتمال اللقاء قوي جداً، إذ يتعذر أن يكون هناك طالبٌ للعلم، ويكون هناك شيخ مشهور، ومع ذلك لا يذهب هذا التلميذ ولا يلتقي مع هذا الشيخ أبداً، هذه مسألة متعذرة للعالم، قد نقول: مصري مع كوفي لا يلتقيان مع بعض وإن كانا متعاصرين.\rفالإمام البخاري يريد أن يقول: إن العنعنة إذا احتف بها ما يثبت اللقاء حملت على الاتصال، ولذلك أورد العنعنة هنا وألحقها بصيغ السماع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595865,"book_id":1590,"shamela_page_id":103,"part":"7","page_num":16,"sequence_num":103,"body":"إيراد البخاري لحديثين معلقين يدلان على العنعنة ووصلهما\rبقي لنا حديثان معلقان: قال أنس: عن النبي ﷺ يروي عن ربه ﷿.\rوقال أبو هريرة: عن النبي ﷺ يرويه عن ربكم ﷿.\rأما التعليق الذي هو عن أنس ﵁ فوصله البخاري أيضاً في كتاب التوحيد، في نفس الموضع الذي روى فيه حديث أبي العالية عن ابن عباس، والحديث الذي عناه البخاري هو حديث النبي ﷺ يرويه عن ربه ﵎: (إذا تقرب العبد إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني مشياً أتيته هرولة) ، وهذا الحديث انفرد به البخاري عن مسلم من حديث أنس ﵁.\rأما حديث أبي هريرة ﵁ -هذا التعليق عن أبي هريرة - فوصله البخاري في نفس الباب في كتاب التوحيد، وهو (باب ذكر النبي ﷺ، وروايته عن ربه ﵎ وأورد نفس الحديث الذي هو (إذا تقرب العبد مني شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً أو بوعاً) .\rوقد ذكر البخاري هذا التعليق في كتاب التوحيد، واتفق معه الإمام مسلم في رواية هذا الحديث، أما حديث أنس فقد انفرد به البخاري.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.\rوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595866,"book_id":1590,"shamela_page_id":104,"part":"8","page_num":1,"sequence_num":104,"body":"شرح صحيح البخاري [٨]\rسنَّ رسول الله ﷺ للعلماء خاصة وللأمة عامة كيفية طرح الأسئلة لمن يرأسونهم، وما ذلك إلا لاستخراج الكفاءات، لاهتمام بأصحابها، ورعايتهم حتى ينتفع الناس بهم، وسنّ لنا رسول الله ﷺ مراعاة القرائن عند الحكم على الآخرين، وعدم إهمالها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595867,"book_id":1590,"shamela_page_id":105,"part":"8","page_num":2,"sequence_num":105,"body":"الفوائد الحديثية المستنبطة من حديث ابن عمر\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rاللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.\rقال الإمام البخاري ﵀: حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: (إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها، وإنها مِثْلُ المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة) .\rالإمام البخاري ﵀ يحتج بهذا الحديث على إثبات أن صيغ السماع واحدة، وفي أول الباب قال: باب قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا أو أنبأنا) وذكر عدة معلقات ذكرنا من وصلها في المرة الماضية، فالإمام البخاري ﵀ قال بعد أن ذكر الباب السابق: (وقال لنا الحميدي: -الذي هو عبد الله بن الزبير - كان عند ابن عيينة: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت شيئاً واحداً) .\rفلما ابتدأ الإمام بذكر كلام ابن عيينة في ذلك، علمنا أنه يذهب هذا المذهب وهو: أن الراوي إذا تحمل من شيخه كلاماً فنقله عنه بأي صيغة من صيغ السماع، كأن يقول: حدثني أو حدثنا، أخبرني أخبرنا، أنبأني أنبأنا، سمعت، أن هذه الصيغ كلها بمعنى واحد، ولا فرق بينها، وقد تكلمنا في المرة الماضية عن مذاهب أهل العلم في التفريق.\rف البخاري ﵀ يأتي بحديث ابن عمر المسند، ليؤيد به وجهة نظره، فأورد في هذا الحديث من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار لفظ التحديث، النبي ﵊ قال: (فحدثوني ما هي؟) .\rلا يتم الانتصار لرأي البخاري إلا بجمع طرق الحديث، فقد وقع في هذا الحديث أن النبي ﷺ أو أن الرواة نقلوا عنه أنه قال مرة: حدثوني، ومرة: أنبئوني، ومرة: أخبروني، وأبو جعفر الطحاوي ﵀ ألَّف في هذه المسألة جزءاً سماه: جزء التسوية بين حدثنا وأخبرنا، وأورد فيه هذا الحديث محتجاً به لمذهب البخاري.\rفالرسول ﵊ قال: (حدثوني أنبئوني أخبروني) وقد وقع لفظ حدثوني وأخبروني في الصحيح، وعند الإسماعيلي في: المستخرج على صحيح البخاري أتى بلفظ: أنبئوني، وكلها من حديث عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595868,"book_id":1590,"shamela_page_id":106,"part":"8","page_num":3,"sequence_num":106,"body":"متابعة الرواة لعبد الله بن دينار\rبقي أن نأتي بمتابعات لمن؟ للتابعي الذي هو عبد الله بن دينار، فقد تابَع عبد الله بن دينار جماعة أيضاً منهم، الإمام نافع وهو مولى ابن عمر ومن أوثق الناس عن ابن عمر، حتى إن بعض أهل العلم كان يفضله في ابن عمر على سالم بن عبد الله بن عمر ولكن الصواب أن سالماً أوثق من نافع، وقد اختلف سالم ونافع في أربعة أحاديث فقط، كان الظفر فيها لـ سالم، رجَّح أهل العلم رواية سالم بن عبد الله بن عمر على نافع، فانظر مع كثرة ما روى نافع عن ابن عمر لم يخالف سالماً إلا في أربعة أحاديث فقط، ونافع لا نطنب في ذكر ثقته وفضله.\rسنأتي بمتابعات لـ عبد الله بن دينار: فأول متابع له هو نافع، وهذه المتابعة عن نافع أخرجها الإمام البخاري ومسلم، كلاهما من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة.\rوأخرجه البخاري وابن جرير وابن مندة في كتاب الإيمان والرامهرمزي في كتاب: الأمثال من طريق يحيى بن سعيد القطان، فعندنا اثنان: الأول: أبو أسامة حماد بن أسامة، والثاني: هو يحيى بن سعيد القطان.\rوأخرجه البزار، أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار صاحب: المسند الكبير الجليل المسمى: البحر الزخار، الذي طُبع منه تسعة مجلدات، وتوفي محققه الدكتور محفوظ الرحمن زين الله رحمة الله عليه -أظن أنه يقصد قبل أن يتم تحقيقه- وكان من خيار من عرفتهم خلقاً وديناً ﵀ فطبع تسعة مجلدات من هذا المسند العظيم الكبير، مسند البزار.\rوأخرجه الخطيب البغدادي في كتابه: الفقيه والمتفقه من طريق البزار، والبزار من طريق وهيب بن خالد، وابن جرير من طريق إسماعيل بن زكريا، أربعتهم قالوا: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر.\rالمتابعة الثانية لـ إسماعيل بن جعفر عن محارب بن دثار عن ابن عمر وهذه المتابعة أخرجها الإمام البخاري في صحيحه وأحمد وابن مندة في كتاب: الإيمان، كلهم من طريق شعبة بن الحجاج، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمر.\rالمتابعة الثالثة لـ عبد الله بن دينار هي لـ حفص بن عاصم، عن ابن عمر، وهذه المتابعة أخرجها الإمام البخاري أيضاً، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، عن شعبة، حدثنا خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، ثم المتابعة الرابعة لرجل لم يُسَم، وهذه المتابعة أخرجها ابن جرير في كتاب: التفسير.\rفهذه جملة المتابعات التي وقفت عليها ل عبد الله بن دينار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595869,"book_id":1590,"shamela_page_id":107,"part":"8","page_num":4,"sequence_num":107,"body":"عدم وجود متابعة للصحابي ابن عمر\rوأخيراً يبقى معنا ابن عمر، نقول: ليس لـ ابن عمر متابع في هذا السياق.\rأتينا بالمتابعات كلها لكل طبقة من طبقات الإسناد حتى وصلنا إلى ابن عمر، فلم يرو هذا الحديث بهذا السياق إلا ابن عمر، وإنما وافقه أبو هريرة على شطر من الحديث وهو قوله: (مثل المؤمن كمثل النخلة) ، لكن لم يذكر بقية الحديث.\rإذاً ابن عمر تفرد بهذا السياق، وبذلك جزم البزار بأن ابن عمر تفرد بهذا السياق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595870,"book_id":1590,"shamela_page_id":108,"part":"8","page_num":5,"sequence_num":108,"body":"متابعة الرواة لشيخ شيخ البخاري\rهذا الحديث يرويه إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄، وقد تابَع إسماعيل بن جعفر جماعة آخرون، أنا كتبتهم لكم، منهم الإمام مالك، عن عبد الله بن دينار، ف مالك تابع إسماعيل بن جعفر، ومتابعة الإمام مالك أخرجها الإمام البخاري في كتاب العلم، وستأتي هذه الرواية، قال: حدثنا إسماعيل شيخ البخاري، الذي هو إسماعيل بن أبي أُويس، وأخرجه الترمذي من طريق معن بن عيسى، وهو أحد أصحاب مالك، وأخرجه أحمد في مسنده قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو، وأخرجه ابن مندة في كتاب: الإيمان، وابن عبد البر في كتاب: جامع بيان العلم وفضله، كلاهما من طريق القعنبي، كلهم قالوا: حدثنا مالك بهذا الإسناد، عندك مالك وإسماعيل عن عبد الله بن دينار، هذه موافقة.\rفالآن عندنا الإمام البخاري روى متابعة مالك التي رواها عن عبد الله بن دينار، في كتاب العلم قال: حدثنا إسماعيل ابن أبي أويس، ورواها الترمذي من طريق معن بن عيسى، صارا اثنين: إسماعيل بن أبي أويس ومعن بن عيسى، ورواها أحمد في مسنده قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو، فصاروا ثلاثة ورواها ابن مندة في كتاب: الإيمان، وابن عبد البر في: جامع العلم، من طريق القعنبي، ما اسم القعنبي؟ عبد الله بن مسلمة القعنبي، هؤلاء الأربعة قالوا جميعاً: حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، وساقوا الحديث بمثله سواء.\rإذاً عندنا ابن أبي أويس ومعن وعبد الملك بن عمرو والقعنبي، هذه اسمها متابعات ماذا؟ تامة، عن من؟ عن مالك.\rهؤلاء الأربعة عندما يروون عن مالك عن عبد الله بن دينار، فهم تابع بعضهم بعضاً متابعة تامة.\rفلو أردنا أن نرجع للإسناد الذي قلناه قبل قليل فسنقول: علي بن حُجْر، ويحيى بن أيوب المقابري، وقتيبة بن سعيد، الثلاثة هؤلاء يروون الحديث عن إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، والأربعة الآخرون رووا الحديث عن مالك عن عبد الله بن دينار، إذاً الثلاثة هؤلاء تابعوا الأربعة عن مالك متابعة ناقصة؛ لأنه اختلف الشيخ، الثلاثة الأوَل شيخهم من؟ إسماعيل بن جعفر، والأربعة الآخرون شيخهم مالك، ثم مالك وإسماعيل بن جعفر شيخهم من؟ عبد الله بن دينار.\rإذاً الثلاثة الأوَل شيخهم يختلف عن شيخ الأربعة الآخرين، الثلاثة الأُوَل شيخهم إسماعيل بن جعفر، والأربعة الآخرون شيخهم مالك، واتفقوا في شيخ الشيخ الذي هو عبد الله بن دينار، فإذاً مالك تابَع إسماعيل متابعة تامة، والأربعة هؤلاء تابعوا الثلاثة هؤلاء متابعة ناقصة.\rوالمتابعة الثانية لـ إسماعيل بن جعفر تابَعه سفيان بن سعيد الثوري، وهذه المتابعة أخرجها الإمام عبد بن حميد في كتاب: المنتخب من المسند، عبد بن حميد كما نعرف له: المسند، وله: التفسير، ولكن المسند كله لم نظفر به ولا نعلم عنه شيئاً، إنما وصلنا المنتخب من هذا المسند، والتفسير أيضاً غير موجود، لكن بالنسبة للتفسير رأيت مختصراً أو منتخباً من تفسير عبد بن حميد مكتوباً على حاشية تفسير ابن أبي حاتم، كأن الناسخ انتخب من تفسير عبد بن حميد آثاراً وأحاديث، وكتبها على حاشية تفسير ابن أبي حاتم.\rعبد بن حميد روى هذه المتابعة أي: متابعة سفيان الثوري في كتاب: المنتخب من المسند، قال عبد بن حميد: حدثنا عمر بن سعد - وعمر بن سعد مشهور بكنيته أكثر من اسمه، كنيته أبو داود الحفري - قال: حدثنا سفيان، نحن نعرف أنه سفيان الثوري وليس سفيان بن عيينة بالنظر إلى الراوي عن سفيان، وقد قلت قبل ذلك: كيف نميز بين رواية السفيانين؟ قلنا: ننظر إلى أصحابه، فإذا رأينا أصحاب سفيان كباراً فهو الثوري، وإذا وجدناهم صغاراً فهو ابن عيينة، يعني: إذا نظرنا في الراوي عن سفيان فوجدنا مثلاً أن الراوي عنه: أبو داود الحفري أو عبيد الله بن موسى أو أبو نعيم الفضل بن دكين، أو أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، أو يحيى بن سعيد القطان، أو محمد بن يوسف الفريابي أو وكيع بن الجراح أو عبد الرحمن بن مهدي أو يزيد بن هارون، كل هؤلاء حين يقولون: حدثنا سفيان، في الغالب هو سفيان الثوري.\rإنما إذا رأينا الذي يقول: حدثنا سفيان مثل: أحمد بن حنبل، أو الحميدي، أو قتيبة بن سعيد، أو علي بن المديني، أو أحمد بن منيع، أو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، أو محمد بن حاتم كل هؤلاء إذا قالوا: حدثنا سفيان، فهو ابن عيينة.\rوالمجموعة الذين سميناهم قبل ذلك إذا قالوا: حدثنا سفيان فهو من؟ الثوري.\rنحن نعرف كيف نميز بين الاثنين بمعرفة الطبقات، وقد روى هذا الحديث أيضاً سفيان بن عيينة، قال: حدثنا عبد الله بن دينار، إذاً روى السفيانان هذا الحديث عن ابن دينار، وهذه المتابعة ل سفيان بن عيينة رواها الإمام الحميدي في مسنده مختصرة جداً، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عبد الله بن دينار وساق الإسناد بمثله سواء.\rأنا أحس أنني أثقل عليكم، أليس كذلك؟! ولكن إن شاء الله مع تتابع الدروس؛ ستصبح هذه المسائل واضحة بالنسبة لكم، لماذا؟ لأننا نعطيكم المفاتيح، فحتى تستطيع أن تدافع عن السنة وتكون فارساً حقاً، وكيف إذا جاء شخص يطعن في البخاري، وتستطيع أن ترد عليه؟ فلا بد أن تعرف كيف صنف البخاري كتابه! وكيف رتب كتابه، وكيف تتم المتابعات! وهل هذا اختلاف تضاد أم اختلاف تنوع؟! إذا فهمت هذه المسائل فإنه لا يستطيع أحد أن يغلبك.\rوعلم الحديث علم غريب، فلا تغرك مئات الكتب والأجزاء التي تظهر الآن، كل هؤلاء الذين خرجوا فلان وفلان وفلان لا يمتون إلى علم الحديث إلا بصلة ضعيفة، علم الحديث لم يكن مجرد أن تقول: أخرجه فلان وفلان وفلان وما شابه ذلك، لا.\rعلم الحديث هو علم النقد ومعرفة العلل.\rإذا عرف الشخص والطرق، وعرف كيف يميز الأحاديث المضطربة عن غيرها، واستطاع أن يرجِّح ترجيح العلماء، فهذا هو الذي نال شرف خدمة حديث الرسول ﷺ.\rويروي أيضاً هذا الحديث عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، كل هؤلاء طبقة واحدة أي: إسماعيل بن جعفر، ومالك، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، هؤلاء أربعة إلى الآن تابع كل منهما أصحابه في الرواية عن من؟ عن عبد الله بن دينار.\rهذه المتابعة ل عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون أخرجها الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا هاشم - هاشم هو ابن القاسم، كنيته أبو النضر - والإمام أحمد مرة يقول: حدثنا أبو النضر، ومرة يقول: حدثنا هاشم، وكلاهما واحد، وحجين بن المثنى، فكم عندنا؟ اثنان: هاشم بن القاسم وحجين بن المثنى.\rوأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره من طريق يحيى بن حماد، يعني: ثلاثة، الثلاثة هؤلاء قالوا: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر.\rالمتابعة الرابعة أو الخامسة: يرويها عبد العزيز بن مسلم القسملي، وهذه المتابعة أخرجها ابن حبان في صحيحه من طريق أبي عمر الضرير، وأخرجها ابن جرير الطبري من طريق عاصم بن علي قالا: -الذين هم أبو عمر الضرير وعاصم بن علي - قالا: حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر.\rالمتابعة السادسة: هي لـ موسى بن عبيدة الربذي، وهذا يُضعَّف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595871,"book_id":1590,"shamela_page_id":109,"part":"8","page_num":6,"sequence_num":109,"body":"متابعة الرواة لمشايخ البخاري\rثم رواه مسلم ﵀ قال: حدثنا علي بن حُجْر، ها هو مسلم والنسائي وابن خزيمة في حديث علي بن حُجْر ثلاثتهم قالوا: حدثنا علي بن حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر بذات الإسناد، يعني عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فسيكون الإمام مسلم والنسائي وابن خزيمة، كل واحد منهم تابع صاحبيه في الرواية عن علي بن حُجْر.\rحسناً! علي بن حُجْر تابع من؟ تابع قتيبة أنا واضع الطبقات مرتبة) علي بن حُجْر تابع قتيبة بن سعيد، فيكون علي بن حُجْر تابع قتيبة متابعة تامة، لماذا؟ لأن علي بن حُجْر وقتيبة رووا عن نفس الشيخ وأخذوا الإسناد فصاعداً إلى منتهاه.\rإذا رجعنا هكذا سنقول أن النسائي تابع البخاري متابعة ناقصة، لأنهم اختلفوا في الشيخ واتفقوا في شيخ الشيخ، أليس كذلك؟! إذاً النسائي تابع البخاري لكن اختلفا في الشيخ، النسائي يرويه عن علي بن حُجْر، والبخاري يرويه عن قتيبة، ثم اتفقا في شيخ الشيخ فصاعداً إلى الصحابي انتهينا، فهذه الأشياء تعتبر متابعات، لكن هناك متابعة تامة، ومتابعة ناقصة.\rنحن قلنا: إن هناك أربعة رووا هذا الحديث عن علي بن حُجْر.\rمسلم في صحيحه، والنسائي في كتاب التفسير من السنن الكبرى، وابن خزيمة في كتاب اسمه: حديث علي بن حُجْر عن إسماعيل بن جعفر، يعني: هذا الحديث في صحيح ابن خزيمة، وابن خزيمة ذكره في أكثر من كتاب.\rفهذا الحديث وقع في هذا الكتاب لـ ابن خزيمة، هؤلاء الثلاثة يروون الحديث عن علي بن حُجْر بالإسناد.\rثم رواه مسلم ﵀، وابن حبان في صحيحه من طريق يحيى بن أيوب المقابري، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر وساق الإسناد بمثله سواء، إذاً يحيى بن أيوب تابع من؟ تابع علي بن حُجْر، وتابع قتيبة بن سعيد، إذاً صار هناك ثلاثة من الرواة يروون هذا الحديث عن إسماعيل بن جعفر، هذه كلها اسمها: متابعات تامة، والمعروف أن المتابعات التامة من أقوى أنواع المتابعات.\rالمتابعة التامة: أن يتفق الراوي مع أخيه في الرواية عن نفس الشيخ بشرط أن يتفق الإسناد إلى منتهاه.\rلكن لو نفترض أن مسلماً يروي الحديث عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن نافع، عن ابن عمر.\rوالبخاري روى عن قتيبة عن إسماعيل عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر.\rهنا اتفقوا في الشيخ وشيخه واختلفوا في الراوي عن ابن عمر، هذه اسمها: متابعة ناقصة، وتسمى مخالفة.\rنوضح المسألة أكثر.\rمسألة المتابعات والمخالفات هذه مسألة دقيقة، وهي روح علم الحديث، ولا يُعلم الطالب إذا كان فاهماً لها في علم الحديث أم لا إلا إذا علم وجوه الترجيح، ليس معنى ذلك أن يأتي إلى الحديث ويخرِّجه من مائة مصدر عن رواة كلهم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة!! أي شخص يستطيع أن يفعل ذلك؛ لأن الفهارس سهلت المسألة، ولأن كل كتاب له فهارس، وكذلك كتب أطراف الحديث سهلت المسألة.\rفمهما خرَّج الطالب وقال لك: عن فلان وعِلان، فإنه لا يفهم شيئاً في علم الحديث، إلا إذا دخل في باب المعلل والشاذ واستطاع أن يفصل بينهما، واستطاع أن يميز الأسانيد من بعضها ويرجِّح كترجيح أهل الحديث.\rإذاً مسألة المتابعات والمخالفات مسألة مهمة، مثلاً هذا الحديث يرويه ابن عمر ويرويه عن ابن عمر، عبد الله بن دينار، وعنه إسماعيل بن جعفر.\rوسنزيد هنا مثلاً قتيبة وعلي بن حُجْر، أول إسناد عن قتيبة يروي الحديث عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ونفترض أن علي بن حُجْر يروي الإسناد عن إسماعيل بن جعفر عن نافع عن ابن عمر.\rمن الراوي المشترك؟ إسماعيل، ننظر فوق إسماعيل بن جعفر، كم شيوخه واحد أم اثنان؟ اثنان، الأول: عبد الله بن دينار، والثاني: نافع وهذان الاثنان يرويان عن ابن عمر، يعني: هذان الاثنان رجعا إلى واحد، بهذا نعرف أن هناك اختلافاً في الإسناد، هذا الاختلاف قادح أم غير قادح؟ ننزل تحت الراوي المشترك، ننظر من الذي رواه على هذا الوجه، ومن الذي رواه على هذا الوجه؟! إذاً الخطوة الأولى ننظر في هذا الراوي المشترك، إذا وجدنا شيوخه أكثر من شيخ؛ نعرف أن هناك اختلاف في الإسناد، الاختلاف هذا قد يكون قادحاً وقد يكون غير قادح.\rبمعنى: أن هناك اختلافَ تضادٍ، واختلافَ تنوعٍ، اختلاف التضاد هو الذي لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، ولا ينفع فيه غير الترجيح، واختلاف التنوع يُحمل على الوجهين، وأن إسماعيل سمعه مرة من عبد الله بن دينار، وسمعه مرة من نافع، إنما اختلاف التضاد لا بد أن يكون واحداً أو اثنين، الأول صحيح والثاني ضعيف.\rاختلاف التضاد لا يصلح فيه إلا الترجيح، إنما اختلاف التنوع يحمل على الوجهين معاً، يعني: كلاهما صحيح.\rلكن نحن إذا أردنا أن نعرف هل هو اختلاف تضاد أو تنوع ماذا نفعل؟ ننظر من الذي روى الوجه الأول عن إسماعيل، ومن الذي روى الوجه الثاني عن إسماعيل، نظرنا فوجدنا أن قتيبة بن سعيد -وهو من هو ثقة وجلالة وحفظاً- هو الذي روى الوجه الأول عن إسماعيل، وأن علي بن حُجْر هو كـ قتيبة في الثقة والجلالة والحفظ، هو الذي روى الوجه الثاني عن إسماعيل، إذاً العلماء هنا ماذا يقولون؟ يقولون: صح الطريقان جميعاً.\rلأنك أنت عندما تروي الحديث عن راوٍ مهما تعددت طرقه وهو ثقة ثبت، فإن العلماء يقولون: لأن يُحْمل هذا على التنوع أولى لثقة الذين رووا الوجهين جميعاً، إذاً هذه تسمى: مخالفة، لكن مخالفة غير قادحة.\rوهذا في الصحيحين كثير، إذاً لا تقل: إنه حصل اختلاف، لا، الذي سيرجح لك المسألة ويحل لك الإشكال هم الرواة الذي رووا الوجهين عن الراوي المشترك، الذي هو إسماعيل بن جعفر، ننظر إلى قدر كل واحد منهما من حيث الضبط والإتقان والعدالة والحفظ.\rإذاً كل هذه اسمها ماذا؟ اسمها: متابعات تامة، فالحديث الذي نقوم بشرحه الآن يرويه الإمام البخاري عن قتيبة بن سعيد، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، ومسلم وافقه في الرواية عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر بهذا الإسناد، ثم رواه مسلم وابن خزيمة والنسائي والبغوي عن علي بن حُجْر عن إسماعيل بن جعفر بسنده سواء، ثم رواه مسلم وابن حبان عن يحيى بن أيوب المقابري قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، وساق الإسناد بمثله سواء، فهذه كلها اسمها ماذا؟ متابعات تامة، التي هي عن إسماعيل بن جعفر، إذا رجعنا للوراء فإننا قلنا: إن هناك متابعات تامة ومتابعات ناقصة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595872,"book_id":1590,"shamela_page_id":110,"part":"8","page_num":7,"sequence_num":110,"body":"متابعة أئمة الحديث للإمام البخاري\rوهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر وساق الإسناد كـ البخاري.\rفـ مسلم تابع البخاري، والمتابعة التامة: أن يتفق اثنان على الرواية عن شيخ واحد بالإسناد فصاعداً إلى الصحابي.\rهذه يسميها العلماء: المتابعة التامة، أي: أن البخاري هنا يروي الحديث عن قتيبة بن سعيد، وهو إمام ثقة كبير، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.\rومسلم روى هذا الحديث عن نفس الشيخ الذي هو قتيبة، فـ مسلم تابع البخاري على نفس الرواية، إذاً الاثنان يتفقان في الرواية عن نفس الشيخ بذات الإسناد فصاعداً إلى رسول الله ﷺ.\rوأخرجه الإمام مسلم والنسائي في كتاب التفسير، وابن خزيمة من حديث علي بن حُجْر، والبغوي في كتاب: شرح السنة، من طريق أحمد بن علي الإسفراييني، قال أربعتهم: حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، من هم الأربعة؟ هم مسلم والنسائي وابن خزيمة، ومن؟ البغوي؟ لو قلنا: نعم، لصارت غلطة؛ لأن هذا أبا الحسين البغوي متأخر، ألم أقل: والبغوي من طريق أحمد بن علي الإسفراييني.\rإذاً الأربعة هم مسلم، والنسائي، وابن خزيمة، وأحمد بن علي الإسفراييني، أليس كذلك؟ أنا قلت: البغوي من طريق أحمد بن علي الإسفراييني، قال هؤلاء الأربعة: حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر.\rأين المتابعة التامة والمتابعة الناقصة؟! البخاري ﵀ يقول: حدثنا قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.\rمسلم يقول: حدثنا قتيبة، فاتفق البخاري مع مسلم في رواية هذا الحديث عن نفس الشيخ بذات الإسناد فصاعداً إلى عبد الله بن عمر، فهكذا يكون مسلم تابَعَ البخاري، والبخاري تابَعَ مسلماً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595873,"book_id":1590,"shamela_page_id":111,"part":"8","page_num":8,"sequence_num":111,"body":"مكانة الإمام البخاري وكتابه الصحيح عند الأمة\rثم قال البخاري: باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم، قال: حدثنا خالد بن مخلد الذي هو القطواني، تعرفون من روى حديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) ، والذهبي ذكر هذا الحديث في ترجمة خالد بن مخلد القطواني في كتاب: ميزان الاعتدال، وللذهبي كلام معروف في هذه المسألة، قال: حدثنا خالد بن مخلد -وهو من كبار شيوخ البخاري على لين في حفظه، لكن كما قلنا قبل ذلك: إن البخاري إذا أخرج عن راوٍ متكلّم فيه، فإنه إنما انتقى من حديثه ما لم ينكروه عليه، انتبه لهذه المسألة؛ لأنه قد يأتي شخص يقول لك مثلاً: إن هذا الراوي تكلموا فيه وهو في البخاري، وأنتم ترددون أن البخاري لا يروي إلا أصح الصحيح وما إلى ذلك، وأن رواة البخاري هم أوثق الرواة، كيف ترد عليه؟ الرواة الذين روى لهم البخاري وتكلم بعض أهل العلم فيهم، فإن البخاري ينتقي من أحاديثهم ما لم ينكر أهل العلم على هذا الراوي هذا الحديث، إذاً لا تتعرض للحديث الذي في صحيح البخاري، حتى وإن كان أحد رواته قد تكلم فيه أهل العلم، يعني: لا نعامل البخاري ك الطبراني لأن الطبراني في معاجمه يورد الأحاديث الغريبة دون انتقاء، أما البخاري فإن له انتقاء واختياراً، والاختيار هذا لا يُهدر أبداً؛ لأنه من أقوى المرجحات، فكلما كان الإمام أفهم وأعلم وأذكى وشهد له الكل فإن ترجيحه له قيمة، وهذا متفق عليه بين أهل الدنيا جميعاً في كل الصناعات، يعني: عندما يكون هناك طبيب متخصص في مرض معين، وممارس عمله خلال خمسين سنة، واختلف هو وممارس للطب مدة عام فقط، الذي خبرته خمسون سنة هل يتساوى مع هذا الذي خبرته سنة؟ لا، لا يستويان أبداً.\rوالقاعدة الأغلبية تقول: إننا نرجح كلام الذي له خمسون سنة على الذي له سنة واحدة، وأقول القاعدة الأغلبية لماذا؟ لاحتمال أن يصيب هذا أحياناً، لكن الغالب لا يصيب إلا الممارس لمهنته لمدة طويلة، اتفق العلماء جميعاً على جلالة البخاري، وأنه ذو بصرٍ ثاقب، وهذا ليس فيه أدنى استرابة في أن البخاري في القمة.\rوهذا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد -وهو من الأئمة الفحول في معرفة العلل- كان إذا ذكر البخاري يقول: ذاك الكبش النطاح! يعني: أنه لا يغلبه أحد إذا واجهه، والإمام مسلم ﵀ في الحكاية المشهورة التي أوردها ابن حجر العسقلاني أكثر من مرة: لما سأل مسلم البخاري -ومسلم معروف أنه من تلاميذ البخاري، تتلمذ عليه خمس سنوات- عن حديث كفارة المجلس، البخاري قال: هذا حديث مليح وله علة، فارتعد مسلم وتغير وجهه، وقال: أخبرنيها، فلما أخبره الإمام البخاري بهذه العلة، قال له مسلم: دعني أقبل قدميك يا أستاذ الأستاذين، وطبيب الحديث في علله، أشهد أنه لا يبْغضك إلا حاسد.\rفعندما يكون الإمام بهذه الجلالة يكون ترجيحه واختياره له قيمة.\rالذين يتكلمون على البخاري لو وجدوا في زمانه لما صلحوا أن يصبوا على البخاري وضوءه، لماذا؟ لأنهم أقل من ذلك.\rالبخاري كان يحضر مجلسه مائة ألف وليس في وجهه شعر، لم يكن نمت له لحية بعد، فصحيح البخاري ليس ملكاً للبخاري، لقد قُرئ مئات الألوف من المرات على مئات الألوف من العلماء عبر القرون، واتفق الكل على هذا الكتاب، ولم يعارضه معارض مع الحاجة إلى معارضة مثله، ونحن نخرج له عيوباً ونقول له: أنت مخطئ في هذه وفي هذه وفي هذه فعندما يقرأ الكتاب على مئات الآلاف عبر القرون، فالكتاب لم يعد ملك البخاري، إنما صار ملك الأمة جميعها، كأن عقول الأمة جميعاً نقحت كتاب البخاري، وكل عالم من هؤلاء العلماء نظر في كتاب البخاري، حتى قال ابن خزيمة -وابن خزيمة من طبقة البخاري وإن كان توفي بعده- قال: نظرت في هذه الكتب فلم أر أجود من كتاب محمد بن إسماعيل، الذي هو البخاري، وقال: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل، وحسبك هذه الشهادات! والأئمة كلهم كما قلت لكم: البخاري عندهم محل اتفاق، إذاً البخاري عندما يروي عن شيخ له، أو عن راوٍ في السند تكلم بعض أهل العلم فيه، فاعلم أن البخاري انتقى من حديث هذا المتكلم ما لم ينكره أهل العلم عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595874,"book_id":1590,"shamela_page_id":112,"part":"8","page_num":9,"sequence_num":112,"body":"طرح الأسئلة لكشف المواهب هدي نبوي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595875,"book_id":1590,"shamela_page_id":113,"part":"8","page_num":10,"sequence_num":113,"body":"سؤال النبي ﷺ لأصحابه لأبي ذر عن حق الله على العباد\rوكان ﷺ كثيراً ما يلقي مثل هذه الأسئلة، مثل الحديث المتفق عليه من حديث معاذ بن جبل، ومن حديث أنس بن مالك، فـ أنس يرويه مرة عن معاذ، ومرة يرويه عن النبي ﷺ.\r(أن النبي ﷺ كان يركب حماراً يقال له: عفير، وأردف معاذ بن جبل خلفه، ثم قال: يا معاذ! فقال: لبيك رسول الله وسعديك، فتركه، ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ بن جبل! فقلت: لبيك يا رسول الله! وسعديك! فسار ساعة ولم يتكلم، ثم قال: يا معاذ! قلت: لبيك رسول الله وسعديك! قال: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم) .\rوهذا السؤال لو سئل أي واحد منا لأجاب في الحال؛ لأن السؤال سهل: حق الله على العباد ماذا؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، لكن الصحابة ﵃ ما كانوا ليتقدموا بالقول على رسول الله ﷺ، ولأنه ﷺ قد يجيب بجواب أطول وأكمل وأفضل، فهو يتركه ليجيب، قال: (أتدري ما حق الله على العباد، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ قال: الله ورسوله أعلم) .\rهذا نظير الحديث الذي سيأتينا أيضاً (أن النبي ﷺ سأل أصحابه يوم النحر، قال: أي شهر هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم) ، ما الذي جعلهم لا يتكلمون؟ في بعض الروايات قالوا: (فظننا أنه سيسميه بغير اسمه) ؛ لأنهم ظنوا أن الرسول ﷺ لا يسأل عن حاجة بديهية، كونهم يعرفون أنهم في ذي الحجة، انظر: الفطنة والذكاء.\rولأن السؤال خرج عن أصله، وهو لا يقصد الجواب المباشر، يعني أنا لو قلت لكم: أين نحن جالسون الآن؟ لو أساء رجل الظن وقال: لعل الأخ هذا غير منتبه أم ماذا؟ أو اختلط؟، طالما ونحن ندرس في علم الحديث، سيقول: ألسنا جالسين في المسجد؟!! ، هل هذا مما يتوه المرء فيه عندما أسأل أين نحن جالسون؟ وأنا أعرف أننا في المسجد، يجب أن تعلم أني أقصد بهذا السؤال شيئاً غير مباشر، لا أريد الإجابة المباشرة التي نعرفها جميعاً، هذا هو ما فهمه الصحابة.\r(أي شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس ذا الحجة -لاحظ أنه لم يغير شيئاً- قالوا: بلى، قال: فأي بلد هذا؟ -كان بإمكانهم أن يقولوا: البلد الحرام؛ لأنه لم يغير شيئاً في الإجابة الأولى- قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس البلد الحرام؟ قالوا: بلى، قال: فأي يوم هذا؟ -أظن كان لهم أن يقولوا: يوم النحر؛ لأنها الإجابة الثالثة، أليس كذلك- قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس يوم النحر؟ قالوا: بلى -لاحظ الرسول ﷺ ماذا سيقول الآن؟! - قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) الثلاث القضايا التي أراد النبي ﷺ أن ينبه عليها كانت مهدرة في الجاهلية.\rكما في قصة المغيرة بن شعبة مع نفر من بعض قبائل العرب قبل أن يسلم، فلما شربوا الخمر قام وذبحهم كلهم، وأخذ أموالهم، وفر إلى رسول الله ﷺ مسلماً، فقال: (يا رسول الله! قد أسلمت، والمال هذا حكايته كذا وكذا، وذبحتهم وأخذت أموالهم وأتيت، وخذ المال، فقال ﵊: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيءٍ) ، لأنه أُخذ غدراً.\rومسألة قتل النفوس وقتل الرجال والنساء فإن العرب قبل الإسلام كانوا يفعلونه، فمسألة الدماء والأموال والأعراض كانت مسألة غير مستقرة عند العرب، ولم يكن لها قيمة، لكنهم كانوا يعظمون الشهر الحرام والبلد الحرام ويوم النحر، فالنبي ﷺ أراد أن يقرب لهم المعنى، ووجه لهم الأسئلة بالطريقة التي سمعتموها، يعني: إذا كنتم تعظمون المكان والشهر واليوم وتحرمونها فكذلك الدماء والأموال والأعراض، حرام عليكم كحرمة تلك الأشياء.\rفالنبي ﷺ كان ما بين الفينة والفينة يختبر أصحابه، يقول لـ معاذ: (يا معاذ بن جبل أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595876,"book_id":1590,"shamela_page_id":114,"part":"8","page_num":11,"sequence_num":114,"body":"سؤال النبي ﷺ لأصحابه عن الشجرة التي تشبه المؤمن\rقال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان وهو ابن بلال - قال: حدثنا عبد الله بن دينار -يعني: سليمان هذا متابع لـ إسماعيل بن جعفر، ومالك، وابن عيينة، والثوري، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وعبد العزيز بن مسلم القسملي، وموسى بن عبيدة الربذي - قال القطواني: حدثنا سليمان، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: (إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها وإنها مِثلُ المسلم، حدثوني ما هي؟ قال: فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، ثم قالوا: حدِّثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة) .\rابن عمر نظر إلى أسنان القوم فوجد الكبار أمثال: أبي بكر، وعمر، فحمله هذا الحياء على أن لا يتكلم، يستفاد من هذا أن على الشيخ أن يطرح المسألة على الطلبة بقصد استخراج الكفاءات والمواهب، كما قال عبد الله بن المعتز: كما أن الشمس لا يخفى ضوءها وإن كان دونها سحاب، فكذلك لا تخفى غريزة عقل الغلام وإن غلفت بالحداثة.\rحديث السن ممكن يكون ذكياً، ابن الأبار في معجم أصحاب أبي علي الصفدي يقول: ذات مرة كنا جالسين نستمع لمسند البزار، وكان هناك أب جاء بابنه، قال: لا أشك أنه دون خمس سنوات، فقرءوا حديثاً من مسند البزار، قال: (إن أحدهم ليشتهي اللحم فيخر الطير بين يديه مشوياً) في الدنيا قد ترغب في أكل اللحم، ولكن لا تقدر عليه، أما في الآخرة فإذا رغبت في أكل شيءٍ معين، فإنك تجده أمامك مشوياً على طبق.\rهذا الولد الصغير ابن أربع أو خمس سنوات، أول ما سمع الحديث: (إن أحدهم ليشتهي اللحم فيخر بين يديه مشوياً) ، قال الطفل: على طبق؟! انظر إلى هذا الطفل الذكي يقول: هل الديك هذا سينزل هكذا على الأرض، أم سينزل على رغيف خبز أو شيء، الجالسون اندهشوا من ذكاء الولد، قالوا: كيف علم أن اللحم يحتاج إلى خبز وهو ابن ثلاث أو أربع سنوات؟! ممكن تظهر نباهة الولد، فالشيخ والأستاذ والمربون يستغلون الصغار وتربيتهم تربية حسنة، وينمون فيهم الذكاء والفطنة، وذلك بالاستفادة من فعل النبي ﷺ مع أصحابه، وبسبب إهمال هذه المسألة ضاعت كثير من الكفاءات.\rولكن ليس معنى أن هذا الصبي حين استخرج فائدة أن أكبره قبل أوانه، يقول بعض السلف: إذا تكلم الغلام مع الشيوخ فاغسل يديك منه.\rلقد كان سفيان بن عيينة الإمام الكبير قاعداً في الحلقة، فدخل شاب صغير لابساً عمامة ويحمل القرطاس، فمنظره لا بأس به، لكن العمامة كبيرة عليه قليلاً، نعم هو لابس عمامة، لكن نحن ما تعودنا أبداً نرى ولداً عمره خمس سنين لابساً عمامه، فمنظره كان ملفتاً، فالذين كانوا جالسين مع سفيان بن عيينة ضحكوا منه، فقرأ سفيان: ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤] ، ثم التفت إلى أحمد بن النضر -وهو الذي يحكي الحكاية- ثم قال: (يا ابن النضر لو رأيتني وطولي خمسة أشبار، أكمامي قصار، وثيابي صغار، ووجهي كالدينار، آتي علماء الأمصار، كـ الزهري وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، مقلمتي كالموزة! فإذا دخلت قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير) ، ممكن يكون صغير السن، لكن لا يصح أن طوله خمسة أشبار وتجعله يصعد على المنبر، وتقول له: اخطب لنا الجمعة، لا ينفع هذا الكلام، أنت هكذا حرقته، ولأنه لم يتعلم أدب الطلب، لابد أولاً أن يتعلم أدب الطلب، وبعد ذلك تعلمه العلم.\rالمسألة ليست مسألة لسان منطلق، المسألة مسألة قدوة، أنت حين تأخذ العلم من الشيخ لا تأخذ كلاماً فقط، إنما تأخذ سمتاً، وعادة لا يكاد المرء يخضع لصغير السن، عبد الله بن المبارك كان يقول: عالِم الشباب محقور! يعني: لو أن الشيخ الألباني حفظه الله أتى وجلس مكاني هكذا، أنت ممكن ما تسمع ولا كلمة، وذلك بسبب كثرة كونك لأول مرة تنظر في وجهه وتتأمل فيه، وتلاحظ سمته وكلامه، وصدق لهجته وهو يتكلم، وبسبب المهابة التي عليه، فيشغلك مراقبة سمته عن متابعة لسانه، فإذاً العلم ليس مجرد لسان ينطلق، ولا شخص يتكلم، العلم سمت ولسان، فلا يرجى خير الصبي الصغير عندما يجلس في وسط الشيوخ ويتكلم، ولسانه طويل فهذا لا يصح.\rفالرسول ﵊ كما قلنا: سن للشيوخ الذين يمشون على دربه، والذين ينصرون سنته، أن يختبروا طلابهم، طلاب العلم ما بين الفينة والفينة، بأن يلقي مسألة ما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595877,"book_id":1590,"shamela_page_id":115,"part":"8","page_num":12,"sequence_num":115,"body":"من الأقوال الشنيعة للمعتزلة في مسألة حق العباد على الله\rمسألة حق العباد على الله لابد أن نبينها؛ لأن المعتزلة لهم كلامٌ قبيح في هذه المسألة، يقولون: يجب على الله أن يفعل الأصلح لعبده! لاحظ سخافة العبارة: (يجب على الله أن يفعل الأصلح لعبده) .\rليس لأحد على الله حق أصلاً إلا بمقتضى الوعد.\rالله ﷾ وعد من أطاعه أن يدخله الجنة، فصار حقاً له بوعد الله، إذ أنه لا يخلف الميعاد، بهذا فقط.\rمقتضى كلامهم إنما ليس للعباد حق على الله ﵎ ابتداءً، ولذلك يجب على الله أن يفعل الأصلح لعباده، هذه الكلمة هي التي أخرجت أبا الحسن الأشعري من مذهب المعتزلة، فمرةً كان يناقش أبا علي الجبائي وكان زوج أمه، فافترضوا مسألة الإخوة الثلاثة: أن هناك إخوة ثلاثة الأول: عاش وعمل الصالحات فأدخله الله الجنة في منزلة معينة، والثاني: مات صغيراً، فأدخله الله الجنة في منزلة تحت منزلة أخيه، والثالث: عاش وعمل بالمعاصي فأدخله الله النار، فالصغير يقول لربنا: يا رب! ارفعني إلى منزلة أخي، قال: إن أخاك عمل من الصالحات ما لم تعمل أنت فلَزِم أن يكون أعلى منك، قال: يا رب! أنت قبضتني صغيراً -ما ذنبي!! - ولو تركتني لآمنت وعملت الصالحات، وصرت بمنزلة أخي، فقال له: لو تركتك فكبرت لكفرت، فرحمتك وراعيت مصلحتك وقبضتك صغيراً، حينئذٍ صاح الذي في النار، وقال: يا رب! فلم تركتني كبرت؟ ولم لم تقبضني صغيراً؟ فإنه ليس من مصلحتي أن أدخل النار.\rفلما ألقى أبو الحسن الأشعري هذه المسألة على أبي علي الجبائي لم يستطع جواباً وانقطع، قال: وقف حمار الشيخ! وتركه وخرج إلى أبي محمد البربهاري، الذي كان إمام الحنابلة في بغداد في ذلك الوقت وكان له قصة عجيبة وهي: أن الخليفة في بغداد مرة كان جالساً في قصره فسمع رجة كالزلزال، ففزع وسأل عن ذلك، قالوا: لا شيء، إلا أن أبا محمد البربهاري عطس وأصحابه يقولون له: يرحمك الله، فيرحمك الله هذه خرجت كالرعد ففزع منها الخليفة، مما جعل الخليفة يقول: لا يساكنني في البلد، وأخرجه إلى خارجها.\rف أبو محمد البربهاري كان ذا جلالة عظيمة في بغداد، وهو الذي كان يقف لـ أبي الحسن الأشعري عندما كان إمام الاعتزال فـ أبو الحسن لما رجع ودخل على أبي محمد البربهاري، وقال له: أنا تبت ورجعت إلى مذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فلم يقبل منه البربهاري مع كثرة ما فعل بأهل السنة، فخرج أبو الحسن الأشعري من عنده وصنف آخر كتبه، على ما يذكر أهل العلم وهو كتاب: الإبانة.\rفالمقصود أنه لا حق للعباد على الله إلا بمقتضى وعد الله إياهم، أنه من عمل الصالحات يدخل الجنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595878,"book_id":1590,"shamela_page_id":116,"part":"8","page_num":13,"sequence_num":116,"body":"سؤال النبي ﷺ لأُبي بن كعب عن أعظم آية في القرآن\rوكذلك أيضاً من جملة ما كان النبي ﷺ يسأل أصحابه (أنه سأل أبي بن كعب عن أعظم آية في القرآن، حتى كرره عليه ثلاث مرات، فقال أبي: هي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فضرب النبي ﷺ بيده على صدره، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر) ، يعني: هنيئاً لك العلم، إذاً من الفوائد التي يجنيها الطالب هو الثناء الكثير عليه، فأول فائدة نستفيدها من هذا الحديث هي: أن يتفقد الشيخ تلاميذه بأن يطرح عليهم المسألة، حتى يستخرج الكفاءات فيرعاها، ولا شك أن الطالب إذا تربى على عين شيخه أفضل من أن يترعرع في غيابه، قال ابن عباس ﵄ ل سعيد بن جبير: قم فتكلم، فقال: يا أبا العباس! أأتكلم بين يديك؟! قال: نعم تخطئ فأسددك.\rأتعرف ما هي محنة اليتيم؟ أنه لا يجد من يسدده كأبيه، ولا يرعاه كأبيه، ولا يحنو عليه كأبيه، ولا يخاف عليه كأبيه، والولد إذا تربى في كنف أبيه يكون رجلاً.\rلاحظ إبراهيم ﵇ لما أخذ إسماعيل وقص عليه الرؤيا: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] نستفيد من هذا أن الوالد عندما يطرح المسألة على ابنه يكبِّر عقله.\rأنت بطرح الأسئلة على ابنك تستطيع أن تعرف أن عقله ينمو أم لا، فمثلاً أحياناً الولد يقول لك: نريد أن نفتح دكان حلاوة، بدلاً من أن نشتري من عند الناس نأكل من دكاننا، بمعنى نأكل مجاناً، فكثير من الأولاد يقولون هكذا، فأنت عليك أن تتفقد عقل الولد وإلى أي مرحلة معينة وصل، لكن كثيراً من الآباء يترك ابنه هكذا، عقله يكبر، ينقص، ليس له علاقه بالمسألة هذه، هو يطعمه ويلبسه، يعامله معاملة البغل، ينمِّي جسمه ويربيه فقط، ويترك عقله بلا رعاية ولا اهتمام.\rاطرح عليه مسائل وقل له مثلاً: ما رأيك في يوم العيد أعطيك عشرة جنيهات، ماذا تعمل بها؟ يقول: أشتري بها بالونات وأفجرها، بعض الآباء عندما يسمع جواب ولده، فإنه يشتمه ويوبخه، وليس بعيداً أن يضربه ويشبهه بكذا وكذا، لا يا أخي! هو تفكيره وصل إلى هذا الحد، ولكن أنت بإمكانك أن تطرح له قضية، تقول له مثلاً: افترض أننا جالسان هنا، وشخص فتح الباب ومعه سكيناً ويريد أن يعمل فينا كذا وكذا، ماذا نعمل؟ ما بين الفينة والفينة تطرح عليه قضية، حتى تعرف إذا كان عقل ولدك يكبر أم أن عقله واقف كما هو، لو وجدت الولد ميوله عدوانية فهنا لا بد أن توجهه إلى الصواب، كثير من الآباء أو الأمهات يقول لهم الولد: ضربوني في المدرسة، فيكون ردهم له: وأنت أليس لديك يدان؟ الذي يضربك اضربه، يعلمون الولد الحقد، لا، هذا خطأ، فأنت لا بد أن تعلمه أن يكون مسالماً، قل له: اتق الله، فالمسألة هذه تَكْبُر معه.\rفالقصد أنه لا يرعى الولد أبداً بهذا الصبر إلا أبوه، لذلك كانت محنة اليتيم محنة كبيرة، وكان كافل اليتيم مع النبي ﷺ هكذا، بعض الناس يظن أن كافل اليتيم هو أن يعطيه عشرة جنيهات أو عشرين جنيهاً وانتهى، لا، لا يكون كافلاً حتى يكون حفيظاً، لا بد أن يكون حفيظاً.\rفالقصد أن الإنسان إذا تربى على عين شيخه، أو على عين أبيه، فهذا فرق كبير بينه وبين الذي يتربى هكذا.\rفإذاً أول الفوائد مسألة الاختبار حتى نستخرج الكفاءات.\rوفي رواية مجاهد عن ابن عمر قال: (كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ إذ أُتي بجُمّارٍ فقال: من الشجر شجرة بركتها كالمسلم، قال: فأريت أنها النخلة) للجمّار.\rفلاحظ الذكاء! أول ما رأى الجمّار في يده وقال: (من الشجر شجرة بركتها كالمسلم) ، فربط ما بين الجمّار وبين النخلة، وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للمُلْغِز أي: المختبر أن لا يعمي ويغلق الباب على الملغز له، يعني: لا تغلق عليه كل الأبواب، يلزم أن تفتح له باباً يفهم منه السؤال، القصد ليس التعجيز والاختبار، القصد أنك تدربه، فإن لم تفتح له باباً لا يستطيع أن يصل إلى الصواب، فينبغي أن يلتفت المرء إلى قرائن الأحوال حتى يعلق الحكم الصحيح على القرينة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595879,"book_id":1590,"shamela_page_id":117,"part":"8","page_num":14,"sequence_num":117,"body":"كيفية الحكم على الإنسان بالظاهر وأهمية القرائن في ذلك\rأنا قلت في خطبة الجمعة كلاماً مجملاً، وهذه المناسبة لتفصيله، مسألة رعاية قرائن الأحوال حتى للحكم، قلت: إن الذين يتكلمون في السنة والصحابة غير معصومين، وفي قلوبهم غش، فمعروف أن أعمال القلوب لا يطلع عليها إلا الله، نحن كبشر لا يجوز لنا أن نقول: فلان في قلبه كذا، أو مخلص أو غير مخلص، أو غاش للمسلمين، أو في قلبه مرض، هذا لا يجوز، لكن يجوز لنا أن نحكم بهذا إذا رأينا من القرائن الظاهرة ما تدل على ما في القلب.\rحديث مالك بن الدخشن، أو الدخشن أو الدخشن كلها صحيحة، عندما قال عتبان بن مالك للنبي ﷺ: (إنه قد ضعف بصري فتعال صل في بيتي حتى أتخذه مسجداً، فقال: سأفعل إن شاء الله، فجاء النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ إلى بيت عتبان بن مالك، فدخل فلم يجلس، فقال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ قال: في هذا الموضع، فوقف النبي ﷺ يصلي، فالصحابة يكلموا بعضهم فقال قائل: أين مالك بن الدخشن؟ قال آخر مجيباً: ذاك منافق، ودَعَوا عليه، وقالوا: لو يدعو عليه رسول الله ﷺ فيهلك، ونخلَص منه، ذاك منافق لا نرى وده إلا للمنافقين، ولا نصحه ولا وجهه إلا للمنافقين، فلما قضى النبي ﷺ صلاته فقال لهم: لا تقل له ذلك: ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله؟ -انتبه لهذا الكلام- ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، إنما نرى وجهه ونصيحته للمنافقين) ، من الذي قال: (يبتغي بها وجه الله) ؟ هل لامهم وأنكر عليهم وقال لهم: لماذا قلتم إنه منافق؟ لا.\rعذَرهم ولم يعنِّفهم، فدل ذلك على صحة نظرهم، وأن الرجل إذا كان وده للمنافقين، ويمشي دائماً مع المنافقين، وكذلك لو أن شخصاً يبيع الخمر في محل، وتجد شخصاً دائماً معه في المحل، ويقول له: إن المحل لا بد أن تعيد ترتيبه وتصليحه فأنا سأحضر لك أفضل أصحاب المِهَن، وسأحضر لك البضاعة بأرخص الأسعار، ويجلس يضحك معه، وطوال اليوم في المحل، أهذا الرجل جيد؟ ولا أحد منا سيقول: إن هذا الرجل مخلص أبداً.\rإذاً النبي ﷺ وحده؛ لأنه رسول الله ويعلم بالوحي، ولذلك قال: (إنه يقول لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله) ، ولم يعنّف الصحابة؛ لأنهم علقوا الحكم على ما ظهر من حال مالك بن الدخشن، إن وده للمنافقين، ووجهه ونصيحته للمنافقين، ونحن لا نحكم إلا بالظاهر، فالذي ظهر لنا أنه مع المنافقين، لا يمكن أن يكون هناك شخص في قلبه إخلاص لله ورسوله، وهو يلقي بالود إلى أهل النفاق أبداً، إلا أن يكون جاهلاً إن هذا منافق.\rأما أن يعلم أنه منافق ويذهب يلقي له بالمودة والمساعدة والكلام ويصاحبه ليل نهار، فهذا لا يكون مخلصاً، ولا يكون محباً للمؤمنين.\rإذاً الذي حكم على ما في قلب مالك بن الدخشن هو رسول الله ﷺ، لكنه ما أنكر على الصحابة، لماذا؟ لأنهم علقوا الحكم على ما ظهر من الأمارة والقرينة.\rإذاً رعاية القرائن والأحوال من المسائل المهمة، ويجوز لنا أن نعلق الحكم على ما يظهر من القرينة، ومثل حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه، وأن أبا هريرة ﵁ قال: (كنا قعوداً حول رسول الله ﷺ معنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا، فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار، فدرت به أجد له باباً فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة -والربيع الجدول- فاحتفزت كما يحتفز الثعلب فدخلت على رسول الله ﷺ، فقال: أبو هريرة! فقلت: نعم يا رسول الله! قال: ما شأنك؟ قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقطع دوننا ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، فقال: يا أبا هريرة! وأعطاني نعليه، قال: اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله ﷺ بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لأستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بكاءً، وركبني عمر فإذا هو على أثرى، فقال لي رسول الله عليه وسلم: ما لك يا أبا هريرة؟ قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لأستي، قال: ارجع، فقال له رسول الله ﷺ: يا عمر! ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: نعم، قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون، قال رسول الله ﷺ: فخلهم) .\rأبو عوانة صاحب: المستدرك على صحيح مسلم، يرى أن هذه خاصة بـ عمر بن الخطاب، لأن أبا هريرة لم يلق إلا عمر، إذاً كأن هذه بشارة أن عمر قلبه مستيقن بالإيمان، فهذه قرينة، إذاً القرينة أنه لم يلق إلا عمر فعلق الحكم عليه.\rوكذلك ما رواه أبو داود (أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ خرج، فكان هناك جماعة جلوس على الباب فقاموا، فقال لهم: اجلسوا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سره أن يتمثل الرجال له قياماً فليتبوأ مقعده من النار) ، فكلمة: سرّه، أليس السرور أمر قلبي؟ فكيف نحكم إذاً على سرّه أو ضرّه؟ ننظر لقرائن الأحوال، مثل أن يدخل الفصل أستاذ، فإذا بالطلاب قيام، وإذا بقي طالب لم يقم، وقال له: تعال يا قليل الأدب! وهات ولي أمرك، وأعطاه لفت نظر، وما إلى ذلك، أهذا غضِبَ أم لا؟ أهذا يسره أن يتمثل الرجال له قياماً أم لا؟ فهو لما غضِب أن طالباً لم يقم له ساغ لنا أن نعلق الحكم بهذه القرينة أن قلبه يُسر بذلك، لا يعني أننا مطلعون على أعمال القلوب، لا، لا نحكم على ما في القلب، ولكن نلاحظ قرائن الأحوال ويسوغ لنا أن نعلق الحكم بالقرينة.\rلا يأتي شخص ويقول: إن أبا هريرة كان يكذب على رسول الله ﷺ وإذا أطعمته -كما يقول الشيعة- يكذب لك، والمسألة هذه أظهرها محمود أبو رية، والطيب صالح أبو بكر، وأحمد صبحي منصور، وهؤلاء هم الطابور الخامس، هذا الذي ابتلي المسلمون به، يقول لك: إن أبا هريرة هذا كان رجلاً مزاحاً، وغير ذلك من الافتراءات، هل يقول هذا رجل في قلبه حب للصحابة؟! أنا أذكر لك كلام الإمام مالك ﵀ لما بلغه أن جماعة يطعنون في الصحابة قال: هؤلاء قصدوا أن يطعنوا في رسول الله ﷺ، لكنهم لم يجرءوا على ذلك، فطعنوا في أصحابه، حتى يقول الناس: هو رجل سوء، لأنه لو كان رجلاً خيراً لقيّض الله له رجال خير.\rإذاً كأن الذي يتكلم في الصحابة أراد رسول الله لكن لا يستطيع أن يقول الذي في قلبه، الذي يتضور غيظاً على الصحابة كالرجل الذي كتب: الصحابة في مجتمع يثرب، ويتكلم عن الصحابة والجنس وغير ذلك من الكلام التافه، وأن حياة الصحابة كانت كلها نساء!! كل أحاديثهم: هل تزوجت فلانة؟! ما رأيت فلانة أو عِلاّنة؟! وأن حياتهم كلها كانت جنابة! حتى إن الرسول ﷺ اضطر -لاحظ الكلام- أن يسمح لهم أن يمروا في المسجد جنباً، لماذا؟ لأنهم جُنب باستمرار، فتخيل هذا الشخص المأفون عندما يقول هذا الكلام على الجيل الذي مُكِّن له بإذن الله، وصنع دولة في عشر سنوات فقط، عشر سنوات فقط!! لا نعلمها لأي جيل من لدن آدم ﵇ حتى الآن، هل علمتم جيلاً في عشر سنوات كَوَّن دولة، وصاروا يرعبون فارس والروم؟! هذا هو جيل الصحابة، فتخيل عندما يأتي شخص ويتكلم بهذا الأسلوب عن الصحابة، معنى ذلك أن هذا الرجل في قلبه غِلٌ، كيف نعرف أن في قلبه غلاً؟ هل فتحنا قلبه وعرفناه؟ لا، نظرنا إلى كلامه: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] يتغامزون بالمؤمنين ويستهزئون بهم، فهذه قرينة يسوغ لنا أن نعلق الحكم عليها، وأن نحكم على ما في صدر هؤلاء المستهزئين.\rفلما جيء لرسول الله ﷺ بالجمّار، ف ابن عمر فهمها وظن أنها النخلة، وبهذا تتم هذه الفائدة، وهي أنه ينبغي على الطالب أن يراعي القرائن، يعني مثلاً: إذا دخل فوجد وجه شيخه متهيِّجاً على غير العادة، فلا يتصرف وكأن شيخه مبتهج ومسرور، ويظل يسأله فيُضجِّره، لا.\rلم تجر عادته أن يتغير وجهه، ولا أن يستقبلك إلا بالبشر فتغيرت عادته يوماً ما، فينبغي أن يلاحظوا مثل هذه القرائن حتى لا يقعون في هذا.\rلاحظ حديث بريدة بن الحصيب في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ صلى يوم الفتح الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله! فعلت شيئاً ما كنت تفعله قبل ذلك، فقال ﷺ: عمداً فعلته يا عمر) فلما خالف النبي ﷺ جاري عادته، لفت ذلك نظر عمر بن الخطاب، فسأله، فلربما كان هن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595880,"book_id":1590,"shamela_page_id":118,"part":"9","page_num":1,"sequence_num":118,"body":"شرح صحيح البخاري [٩]\rكان النبي ﷺ يتعاهد أصحابه بالأسئلة، ليختبر ما عندهم من العلم، فيثني على المصيب، ويصوب المخطئ، وهذا الأسلوب النبوي الراقي ما هو إلا لون من ألوان التعليم والتهذيب، ولقد استفاد الصحابة الكرام من هذا الأسلوب النبوي، وسارع كل واحد منهم إلى إبراز كفاءته أمام النبي ﷺ، لعله يحظى بدعوة من النبي ﷺ، تكون سبباً في نجاته في الدنيا والآخرة، إذاً على العلماء والقادة والآباء أن يقتدوا بالنبي ﷺ في استعمال مثل هذه الأساليب في تربية من يحكمونهم، ويتعاهدونهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595881,"book_id":1590,"shamela_page_id":119,"part":"9","page_num":2,"sequence_num":119,"body":"اهتمام النبي ﷺ بأصحابه وتعاهده إياهم\rإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rاللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.\rقال البخاري ﵀: (باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم) حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: (إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها، وإنها مَثَلُ المسلم، حدثوني ما هي؟ قال: فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، ثم قالوا: حدِّثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة) .\rوسليمان في هذا الحديث هو سليمان بن بلال.\rقال الإمام البخاري: (باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم) .\rيستفاد من هذا الحديث أن هذا لونٌ من ألوان التعليم والتهذيب، وكان النبي ﷺ يُعنى بتربية أصحابه تربية علمية أدبية، وكما أشرت إلى هذا المعنى قبل ذلك: أن التربية الأدبية في غاية الأهمية، إذ لا يحصل العلم إلا بأدب.\rوالآن تجد أن التربية الكمِّية غطت على التربية النوعية.\rهذا الكم الكبير الهائل الذي يتبع هذه الصحوة المباركة، مع الأسف لا يصحبه كبير أدب، وقد كان الصحابة ﵃ يتعلمون الأدب من النظر إلى سمت النبي ﷺ، وكان ﵊ يتعاهدهم في ذلك، وكان يترك لهم الفرصة أن يناظر بعضهم بعضاً أمامه، ثم هو يصوِّب أو يسكت، فسكوته دالٌ على استقامة الأمر على الجهتين، أو إذا أخطأ أحدهم كان يعقِّب عليه.\rفمثلاً في حديث أبي هريرة الذي رواه الشيخان وابن حبان وغيرهم، قال ﷺ: (تسلف رجلٌ من رجلٍ ألف دينار، فقال: ائتني بكفيلٍ قال: كفى بالله كفيلاً، فقال: ائتني بشهيد.\rقال: كفى بالله شهيداً، قال: صدقت، فأعطاه الألف دينار، يتاجر بها في البحر على أجل -يعني مدة زمنية-، فلما حان موعد الوفاء، وجاء الرجل المدين بالألف دينار حتى يؤديها إلى صاحبه، وكان بينهما بحراً، فحيل بينهما، ثم إن الرجل وضع الألف دينارٍ في خشبة وقذف بها في البحر، وذلك لما عجز أن يصل إلى صاحبه، وقال: ربّ جعلتك كفيلاً ووكيلاً فأوصل هذا الدَّين إلى صاحبه، ورمى بالخشبة في البحر، وصاحبه على الشاطئ الآخر ينتظر أي مركب، فلما لم يجد ووجد خشبةً تتأرجح أمامه في البحر قال: آخذها استدفئ بها أنا وعيالي، فأخذها وانطلق إلى داره، فلما وصل إلى الدار ضربها بقدومٍ، فإذا بالصرة تنزل من الخشبة، ففتحها فإذا برسالة من المدين إلى صاحبه: إنني عجزت عن الوصول إليك.\rوبعد ذلك انتظر الرجل مركباً حتى وجدها، فركب وذهب إلى صاحبه بألف دينارٍ أخرى، فقال: ما منعني أن آتي إليك في الموعد إلا أنني لم أجد مركباً، وهذا أول مركبٍ أجده، قال: هل أرسلت إلي شيئاً، قال: أقول لك هذا أول مركب، فقال: ارجع راشداً فقد أدى الله عنك -وفي رواية ابن حبان - قال: فقد أدى عنك وكيلك) .\rالشاهد من الحديث قال أبو هريرة: (قد رأيتنا تتعالى أصواتنا عند رسول الله ﷺ أيهما آمن من صاحبه) ، هم يتناظرون فيما بينهم من أكثر إيماناً من الآخر؟ هل هو الذي رمى بالألف دينارٍ في البحر، وهي ليست وسيلة معهودة لإيصال المال، لاسيما في بحر أمواجه كالجبال، رمى خشبة في بحرٍ لجي، يعني: كان معهوداً بالأمواج أن تبتلع هذه الخشبة، لكن قوة قلبه ويقينه جعلته يرمي بالألف دينار في البحر فهل هو أقوى إيماناً أم صاحبه الذي أعطاه الألف دينار بلا مستند لمجرد أنه قال: كفى بالله وكيلا، كفى بالله شهيداً، فعظّم أمر الله ﷿، وعظم اسمه، وأعطى الألف دينار بلا مستند، وقال له: صدقت.\rأيهما آمن؟ أهذا الذي أعطى بلا مستند، لمجرد أنه قال: كفى بالله كفيلا، أم الذي رمى بالألف دينارٍ في البحر؟ لم أقف في طريق من طرق الحديث على تصوير النبي ﷺ أيهما آمن من صاحبه: هذا أو ذاك؟ لكن الشاهد أن الصحابة كانوا يتناظرون في وجود النبي ﵊، وكان هو يصوّب، كمثل حديث: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) .\rفجماعة قالوا: لا، لا بد أن نصلي الصلاة على وقتها، وقال الآخرون: لا نصلي العصر إلا في بني قريظة، فلما رجعوا، وقصوا ذلك على النبي ﷺ، تبسم ولم يخطّئ أو لم يعاتب أحداً من الفريقين جميعاً، فدل ذلك على أن كلا الفريقين مأجور -يعني: يدور ما بين أجرين، وما بين أجرٍ واحد- فالرسول ﵊ إنما طرح المسألة كما ذكرنا في الدرس الماضي؛ ليختبر ما عندهم من العلم.\rلماذا؟ لأنه قد يكتشف موهبة، كما يقول عبد الله بن المعتز: كما أن الشمس لا يخفى ضوءها، وإن كان تحتها سحاب، كذلك الصبي لا تخفى غريزة عقله وإن كانت مغمورةً بأطمار الحداثة.\rيعني هو حدث وصغير، لكنه قد يكون ذكياً عاقلاً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595882,"book_id":1590,"shamela_page_id":120,"part":"9","page_num":3,"sequence_num":120,"body":"الحياء من الإيمان\rفي الحديث السابق عبد الله بن عمر ﵄ برغم صغر سنة، يقول: كنت عاشر عشرة فيهم أبو بكر وعمر.\rفلما سأل النبي ﷺ السؤال؛ قال: فنظرت فإذا أنا أصغر القوم.\rأي: هاب أن يتكلم وفي القوم أبو بكر وعمر، وهذا الحياء أصله محمود، وأصل الحياء محمود: لأن الحياء غريزة تمنع صاحبها من مقارفة القبائح، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ رأى رجلاً يعاتب أخاه في الحياء حتى كأنه قال له: إنه أضر بك.\rلماذا؟ من شدة حيائه.\rيمنعه ذلك أن يستوفي حقه من الناس، وبعض الناس عنده جرأة، يقول: يا أخي! المبلغ الذي علي لك دعه لي، أنت تملك مالاً كثيراً فدع لي المبلغ هذا، اعتبره هدية، فيُحرِجه، فيسكت ولا يستطيع أن يتكلم، فمن كثرة الناس الذين يتعاملون بهذه الطريقة ضاعت الحقوق، وبعض الناس يقول لك: قال ﷺ: (ما أخذ بوجه الحياء فهو حرام) ، والحرام أن يروي هذا الحديث؛ لأنه كذب ولا يصح عن النبي ﵊، فهذا الرجل من كثرة حيائه ضاعت حقوقه، فصاحبه يعاتبه، يقول له: لا تستحي؛ لأنه أضر بك، فقال النبي ﷺ: (دعه فإن الحياء من الإيمان) ، أي: دعه على هذا الخلق الحسن المحمود؛ فإن الحياء من الإيمان، لماذا من الإيمان؟ لأن النبي ﵊ قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) ، -وفي رواية البخاري -: (بضع وستون) ، وبضعٌ وسبعون أقوى وأصح، بضع وسبعون شبعة، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ، أي ما بين أعلى وأدنى، فنص على الحياء للدلالة على أهميته وخطورته، وإنما اختصّه بالذكر دون سائر الشعب لأهميته البالغة.\rوالإنسان إذا استحيا حتى ضاع حقه من كثرة الحياء؛ لا يمكن أن يقارف حدود الله أبداً، إذا وصل حياءه إلى هذا الحد، الذي يضر به، ويمنعه من استيفاء حقوقه، فهذا لا يجرؤ على مقارفة ما حرم الله ﷾ فاتركه.\rوأنا أعرف شخصاً كان شديد الحياء، وكان رجلاً عنده أرض كثيرة، وكان يزرع قطناً، فوجد شخصاً يسرق القطن، ويجمعه في كيس، وصاحب القطن هذا كان يمشي في مصرف في الأرض، والآخر ما زال يسرق من أرضه، فلما رآه، جلس في المصرف حتى ينتهي السارق من تعبئة الكيس ويذهب، يعني: أنه استحيا منه بالرغم أنه سارق، لماذا؟ لا يريد أن يوقعه في الحرج.\rهذه فضيلة، الرجل سُرِق القطن من أرضه ومع ذلك استحيا، لكن هذه فضيلة برغم ضياع هذا القطن.\rكلما تدرب شخصاً على أنه يكون قليل الحياء، شيئاً فشيئاً فشيئاً يعتدى على حقوق الناس، ويكون بلا حياء مثل الذي يقول: المال الذي عندي لك اجعله لي هدية.\rفلا يزال يقل حياؤه حتى يتجرأ على حدود الله.\rأما صاحب الحياء فاتركه؛ لأنه في هذه الحالة سيكون بينه وبين حدود الله ﷿ مسافةٌ طويلة، فأصل الحياء محمود.\rوجاء في حديث أبي سعيد في الصحيحين: (كان النبي أشد حياءً من العذراء في خدرها) ، وما قال قط: لا.\rأبداً، يعني في حياته المباركة هذه ما قال: لا.\rأبداً، لأي واحد يطلب منه أي طلب، حتى إنه ذات مرة أعطى رجل النبي ﷺ بُردة، فآخر أول ما رأى البردة قال: أعطنيها يا رسول الله؟! فأعطاها إياه فلاموه، قالوا: أنت تعلم أنه لا يقول: لا، أبداً، وأنت تعلم حاجته إليها، فكيف طابت نفسك أن تأخذ منه ما هو محتاج إليه، وأنت تعلم أنه لا يقول: لا؟ فقال: والله ما رغبت فيها لألبسها، ولكن أردت أن أُكفَّن فيها.\rفهذا أيضاً يلتقي مع حديث ابن عمر الذي يُعَاتب فيه صاحبه فيقول له: إنه أضر بك الحياء.\rكذلك النبي ﷺ كان محتاجاً إلى البردة، ومع ذلك لما قال: أعطنيها يا رسول الله: فأعطاها إياه.\rإذاً: الحياء أصله محمود؛ لكن هناك نوعٌ من الحياء لا يُحمد، وهو: الحياء في العلم وفي الفقه؛ بحيث يفوت عليك الحكم الشرعي، فأنت عندما تسأل إنما تسأل عن مراد الله تعالى، وكلما فعلت مراد الله فعلت محبوباً إلى الله ﷾، وكلما استحييت ضيعت على نفسك أن تتقرب إلى ربك، فالذنب إنما هو بسبب تفويت محبوب الله ﵎؛ فهذا النوع من الحياء لا يُحمد، ولذلك صح عن مجاهد بن جبر ﵀، أنه قال: لا يتعلم اثنان، مستحيٍ ومتكبر.\rفالمستحيي لا يريد أن يظهر بين إخوانه أنه قليل الفهم، يقال لهم وهو معهم هل أنتم فاهمين؟ فيقولون: فاهمون جداً، وتراه يهز رأسه للدلالة على أنه فاهم ومنشرح مع أنه قد يكون غير فاهم، فهذا ضيع على نفسه فرصة الفهم، لماذا؟ بسبب الحياء، والمستكبر أيضاً لا يتعلم، يقول لك: ابن من هذا الذي يريد أن آتي إليه؟ أنا ابن فلان، وأبي فلان، وعندي المال الفلاني، وعندي العمارة الفلانية، وجد جدي كان المفتي، فيزدري أهل العلم.\rوكم في الزوايا خبايا! وكم في الناس بقايا! كم من ضعيف متضعِّف أعزه الله بالعلم! فأنت لا تعرف أقدار الناس، فسبحان من لا يعلم أقدار خلقه إلا هو!!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595883,"book_id":1590,"shamela_page_id":121,"part":"9","page_num":4,"sequence_num":121,"body":"حرمة احتقار الناس\rالشافعي ﵀ لما دخل بغداد، دخل الرصافة -مدينة في العراق- وكان الشافعي في العراق مشهوراً قبل أن يأتي إلى مصر، فعندما دخل الرصافة هذه فلم يُفطن إليه، والإمام الشافعي لم يكن من الذين يعتنون بهيئته ولبسه، بينما كان الإمام مالك صاحب هِندام، والشافعي لم يكن كذلك.\rالمهم: أن الشافعي دخل المسجد وكان غريباً، فما دعاه أحد، والكل يصلي ويخرج، وتركوه، فأنشد بيتين من الشعر يعزي نفسه بها فقال: علي ثيابٌ لو يباع جميعها بفلس لكان الفلس منهن أكثرا وفيهن نفسٌ لو يقاس ببعضها نفوس الورى كانت أجل وأكبرا فأنت لا تنظر إلى هذه الأطمار البالية، فقد يكون بداخل هذه الأطمار نفس نفيسة وثمينة وغالية، فإياك أن تزدري أحداً بنظرك، وتخترقه هكذا بنظرك فتتصور أنه لا يعرف شيئاً! لا، قد يكون هذا من الصنف الذي لو أقسم على الله لأبرّه، فلا يمنعنك الكبر والحياء أن تستفيد من كل إنسان.\rأقص عليكم تجربة حدثت لي.\rكنت حين لا يكون عندي خطبة جمعة، وأذهب أبحث عن أي مسجد أصلي فيه، وأصلي، ولكن كنت أصلي بنفس ناقد، فأدخل لكي أسمع بأُذُن ناقد لا بأُذُن مستفيد، فأقول: لا يعجبني هذا الرجل، الخطبة لم تعجبني اليوم، إنه لا يعرف أن يتكلم، فكان هناك رجل خطيب في كل مرة يقابلني يقص لي الخطبة التي خطبها، وقد أكون مستعجلاً وهو يوقفني لأسمعه، ويمنعني الحياء أن أقول له: إنني مشغول، فكنت أقف متبرماً منه، وحين أراه أعرف أنني لن أعود اليوم، لماذا؟ سيسرد لي الخطبة التي فاتت، وممكن يقول لي: فهرس الخطبة القادمة كذا وكذا، فالمهم كنت أذهب إلى المساجد، ومساجد متنوعة، وكنت كلما ذهبت إلى مسجد أجد ذلك الرجل أمامي فيراني فأعرف أني لن أستطيع أن أفلت منه، فقلت لنفسي في ذات يوم: لماذا لا أقف واستفيد منه؟ لماذا أنا متململ دائماً ولا أريد أن أسمع؟ وفي يوم من الأيام قابلني في المسجد، فقلت في نفسي: سأقف وأستفيد وأَسمع.\rوالله إن الكلام المختصر الذي قاله كتبت منه حوالي أربع خطب، فقد فتّح لي أبواباً من العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595884,"book_id":1590,"shamela_page_id":122,"part":"9","page_num":5,"sequence_num":122,"body":"مواصفات جيل التمكين\rإذا كنا نبحث عن التمكين، فلابد أن نبني جيلاً بعمل بالإسلام ويطبقه في الواقع، ولابد له من مواصفات، لكن ماهي مواصفات جيل التمكين؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595885,"book_id":1590,"shamela_page_id":123,"part":"9","page_num":6,"sequence_num":123,"body":"من أجل جيل يسعى إلى التمكين\rإن جيل التمكين يدور على ثلاثة أركان: الأب، والأم، والولد.\rوسنذكر مواصفات الأب الذي يمكن أن ينشئ ولداً محترماً، والأم التي تنجب ولداً محترماً، والولد المحترم هذا له مواصفات.\rفمن ضمن الأمور التي أتكلم عنها: استشارة إبراهيم ﵇ لولده، فهذا خلق من الأخلاق التي ينبغي أن يربي الأبُ ابنه عليها، وهو أن يستشيره وهو صغير، (يعامله معاملة الكبار) ، لا أنه مجرد أن يأتي ليتكلم يقول له: اسكت أنت صغير ولا تفهم شيئاً، بهذا يظل ابنك لا يفهم شيئاً حتى ينهي الجامعة، وما زال لا يفهم شيئاً، فيكون الولد هذا ليس لديه ثقة في نفسه، لأنه لا يعرف من أبيه إلا أنه لا يفهم شيئاً، فهو قد يحصل له أزمة وانتكاسة في أنه فعلاً لا يفهم شيئاً.\rيا أخي! اجعل منه كبيراً، هذا ابنك، إذا أصاب لا بد أنك تشيد به وتقول له: أحسنت يا ولدي لقد أصبت، وإذا أخطأ تقول له: أنت لو كنت عملت هكذا لما أخطأت، إذاً: لا بد أن تربي ابنك.\rفهذا إبراهيم ﵇، يقول لابنه إسماعيل ﵇: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] ، ما رأيك في هذا الموضوع؟ يأخذ رأيه في الموضوع مع أن المسألة لا تقدم ولا تؤخر، لأنه سيذبحه، فكانت إجابة إسماعيل ﵇ عالية جداً ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] ، كلمة: تؤمر، تدل على أن إبراهيم له آمر.\rيعني: المسألة لم تأت من تلقاء نفسه، لأن هذا ابنه الوحيد فبعد ما بلغ معه السعي -يعني: الكسب والمشي- كان إسماعيل ﵇ صغيراً، ومعلوم أن الولد في هذا السن يشفق عليه والده جداً، وإذا كان الأب يحب ابنه، فأحسن سن يحب فيها الأب ابنه حين يبدأ الولد يكلمه ويتعلق به.\rوهذا مذكور في قصة إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ﴾ [الصافات:١٠٣-١٠٥] ، لاحظ ما قال له: (صدّقت) إلا بعدما شرع في الأسباب، ﴿أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ، وأحضر السكينة وبدأ يذبح.\rأي: باشر العمل فيكون التصديق عملاً، وهذه فتحت ذهني إلى دليل في الرد على المرجئة، الذين يقولون: إن الإيمان قولٌ بلا عمل، وأن الإيمان هو التصديق، فنحن نقول: إن التصديق لا بد أن يكون معه عمل، لأنه قال له: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ [الصافات:١٠٥] هو آمن أولاً ثم بدأ يتخذ الأسباب: (تله للجبين، وأحضر السكين، وبدأ يذبح) فهذا عمل بعد الإيمان، وتسليمه لله فيما قضى ولو كان مراً عليه هذا عمل، وقد سبقه إيمان.\rإذاً: هذا هو التصديق.\rفبدأت أستفيد منه، وكلما دخلت أصلي الجمعة وأسمعه يخطب، فلا أجعل سماعي له نقداً، بل للاستفادة.\rلذلك الشيخ حين يسمح للتلاميذ بالمناظرة أمامه؛ يعرف من هو أقوى ومن هو أقوم، ومن الذي استطاع أن يناظر مناظرة صحيحة بأن يؤصل بحيث يأتي بالقاعدة، ثم يأتي بالفرع للقاعدة، وكثير من الناس يبدأ بالفرع، ولذلك لا يستطيعون أن يصلوا إلى القاعدة، وقديماً حين كانت جماعة التكفير في أول مدها، عندما كنا نتناظر معهم يكون أول سؤال نبدأ به في المناظرة: ما رأيك في الحكام؟ مع أن مسألة الحكام فرع، وكان الأولى أن نبدأ بالأصل: ما هو الكفر وما هو الإيمان وما هو الإسلام؟ لأن هذا هو الأصل الذي سنرد إليه الفرع، ونحن أصلاً مختلفون في الفرع، فإذا اختلفنا فإلى أي أصلٍ سنرد هذا الفرع؟ فلا بد من وضع أصلٍ ابتداءً، وإذا اختلفنا في الأصول، فكل واحد يبقى كما هو؛ لأننا لن نلتقي في فرع أبداً، إذا اختلفنا في الأصل فغير ممكن أن نلتقي في فرع.\rفنحن عندما نتناظر يجب أن نعمل بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، هو يقول: نعم نعمل بالكتاب والسنة، ثم لا يكون فهمه للكتاب والسنة موافقاً للسلف، يقول: كيف تلزموننا بفهم السلف الصالح، وأبو حنيفة يقول: كيف أسلم لأقوام لو كنت بينهم لناظرتهم ولعارضتهم؟! فنحن رجال، وهم رجال.\rوإذا اختلفنا في هذا الضابط الثالث، فكل واحد يرجع من حيث أتى؛ لأن كثيراً من النصوص لا نفهمها إلا بفهم السلف الصالح، وتواترهم على هذا الفهم.\rولا يستقيم الظل والعود أعوج، فالعود هو الأصل، والظل فرعٌ عن هذا الأصل.\rإذاً: من الأشياء الذي ينبغي أن يعتني بها الشيخ: مسألة النظر إلى التلاميذ، ولأنه قد يرى تلميذاً عنده حياء، وهذا الحياء لا يبلغه، فيقوم ويجرِّئُه في باب المناظرة، ويعرفه أن هذا النوع من الحياء ليس بمحمود، فإن الحياء الذي يجعلك لا تعرف مراد الله ﵎ ليس بمحمود.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595886,"book_id":1590,"shamela_page_id":124,"part":"9","page_num":7,"sequence_num":124,"body":"الحياء وطلب العلم\rيقول البخاري ﵀ في الصحيح: (باب ما لا يستحيا منه في الفقه في الدين) ، وذكر حديث أم سليم، لما قالت: (يا رسول الله! هل على المرأة من غسل إن هي احتلمت؟ قال:: (نعم إذا رأت الماء) ، وفي رواية أخرى: قالت عائشة: (فضحت النساء يا أم سليم، أوتحتلم المرأة؟) ، وقد أخذ بعض العلماء من هذا أن أزواج النبي ﷺ كن لا يحتلمن؛ لأنهن تحت النبي ﵊، والاحتلام من الشيطان، قالوا: إنها عندما قالت: (أوتحتلم المرأة؟) دلالة على أنها لا تحتلم، ولا تعرف الاحتلام، وإلا لما أنكرت عليها ولما قالت لها: (فضحت النساء يا أم سليم) ، فقالت أم سليم: (حتى أعلم أفي حلال أنا أم في حرام) .\rوالمرأة التي جاءت إلى النبي ﷺ تسأله عن غسلها من المحيض، قال: (خذي فرصة ممسكةً فتطهري بها) ، (الفرصة الممسكة) : قطعة من القطن فيها مسك، فقالت: المرأة: كيف أتطهر بها يا رسول الله؟ فقال: (سبحان الله! تطهري بها) ، تقول له: كيف أتطهر بها يا رسول الله؟! ففطنت عائشة ﵂ للمسألة، قالت: (فأخذتها فعلمتها) .\rالمقصود: أن الحياء المذموم هو الذي يصدك عن معرفة أحكام الله ﵎، أما فيما دون ذلك، فإن الحياء محمود وقد حدث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: (الحياء كله خير) ، فقال بشير بن كعب: يا أبا نجيد! إننا نقرأ في الكتب أن منه ضعفاً، فغضب عمران غضباً شديداً، وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن كتبك، وأبى أن يحدثهم، فما زالوا يقولون: يا أبا نجيد! ، إنه طيب الهوى، إنه كذا وكذا، حتى سكن ورضي.\rفي بعض الروايات فقال: إن منه وقاراً وإن منه حكمة، فغضب عمران.\rفإذا كان الحياء منه وقارا ومنه حكمة؛ فما الذي يُغضِب عمران في المسألة؟ القول الذي ورد في الطريق الآخر: إن منه ضعفاً.\rوالحياء فعلاً منه ضعف، كالرجل الذي يستحيي حتى تضيع حقوقه، فهذا نوع من الضعف، إذاً ما الذي أغضب عمران ﵁؟ أغضبه أن هذا المتكلم جعل هذا معارضةً لكلام النبي ﷺ، هذا هو الذي أغضب عمران ﵁.\rالنبي ﷺ يقول: (الحياء كله خير،) و (كل) من صيغ العموم، ومن أقوى صيغ العموم، فإذا جاء أحد وقال: إن منه ضعفاً.\rفكأنه يستدرك على النبي ﵊، الذي قال: كله.\rفقال هذا: ليس كله، بل منه ضعف، فهذا هو الذي أغضب عمران، أنه جعل قول الناس في مقابل قول رسول الله ﷺ، مهما كان كلامه صحيحا.\rإذاً: (الحياء كله خير) ، أما قوله: وإن منه ضعفاً، فإنه يمكن أن يكون منه ضعف ولكن ليس في مقابل الحديث، فقد يكون منه ضعف في حالة ما إذا كان هناك رجل يستحيي أن يسأل عن حكم الله ﷿ في مسألة من المسائل، حتى يضيع عليه هذا الحكم، فهذا ضعف بلا شك، وهذا هو النوع المذموم من الحياء، فـ عبد الله بن عمر ﵄ لما نظر إلى أسنان الناس استحيا، فقال لأبيه عمر بعد ذلك: (وقع في نفسي أنها النخلة، فلما نظرت إلى أسنان القوم استحييت، قال: أما لو قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا) أو (أحب إلي من حمر النعم) ، كما عند ابن حبان.\rقول عمر: (أما لو قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا) لأن ابنه عبد الله لو تكلم بهذا مع صغر سنه في مجلس النبي ﷺ، ربما حصّل دعوةً صالحة، وربما قال النبي ﷺ: زادك الله فهماً، وكانت هذه شهادة من النبي ﵊، وهي شهادة عظيمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595887,"book_id":1590,"shamela_page_id":125,"part":"9","page_num":8,"sequence_num":125,"body":"استماع النبي ﷺ لرؤيا الصحابة وتفسيره لها\rوابن عمر نفسه سعى لمثلها، كما عند البخاري وغيره عن ابن عمر قال: (كنت شاباً عزباً أبيت في المسجد على عهد النبي ﷺ، فكان الناس يرون رؤى فيقصونها على النبي ﷺ، فيؤولها لهم) ، وكما حصل لـ عبد الله بن سلام، قال قيس بن عباد: (كنت في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر، فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا، فقال: سبحان الله! ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء، فنصب فيها وفي رأسها عروة، وفي أسفلها منصف -والمنصف الرصيف- فقيل: ارقه، فرقيت حتى أخذت بالعروة، فقصصتها على رسول الله ﷺ فقال: يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى ... ) .\rفهي بشارة عظيمة، ولما رأى نفسه على فسطاط (خيمة) في مكان مزروع أو نحوه، فقال له النبي ﷺ: (أنت تموت على الإسلام) ، فيا لها من بشارة من النبي ﵊ يقولها لـ عبد الله بن سلام! وانظر إلى ورع الصحابة وخوفهم، فرغم أنه قال له: (أنت على الإسلام حتى تموت) ، إلا أنه كان خائفاً جداً أن لا يدخل الجنة، فقد كان عبد الله بن سلام غنياً، وكان عنده أعبد، أي: خدم كثير، فرأوه مرةً في السوق يحمل شيئاً على كتفه، فقالوا له: أنت لديك خدم كثير وأعبد، فلماذا تحمل هكذا؟ قال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر) ، فكأنه وجد في نفسه شيئاً، فقام يحمل على ظهره.\rإذاً: نحن محتاجون ما بين الفينة والأخرى أن نفعل كما فعل هذا الصحابي الجليل، وأن نتواضع، فـ عبد الله بن سلام عندما حدّث نفسه بشيء قام وحمل الكيس على أكتافه، مع أن النبي ﷺ قال له: (أنت تموت على الإسلام) .\rوكان عبد الله بن عمر يسمع مثل هذه الشهادات النبوية ويتمنى أن تكون هناك له بشارة.\rففي يوم من الأيام قال: لو كان فيَّ خير لرأيت رؤيا، فنام في تلك الليلة ورأى رؤيا، لكنها مزعجة، رأى أن ملكين يأخذانه إلى النار، وسحباه وأوقفاه على شفير النار، قال: فإذا هي مطويةٌ كالبئر، وفيها أناس عرفتهم معلقون من أرجلهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فجاء ملكٌ فأخذني منهما وقال: لم ترع -أي لا تخف-.\rفاستيقظ عند هذا القدر من الرؤيا، فاستحيا أن يقصها على النبي ﷺ، فقصها على أخته حفصة أم المؤمنين ﵂، فقصتها حفصة على النبي ﵊، فقال ﵊: (عبد الله رجل صالح) ، جاءه ما يريد، وفي اللفظ الآخر قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل) ، فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً.\rمع أن النبي ﷺ قال: (لو كان يقوم من الليل) ، يعني: أي قدر من الليل يقومه.\rفلا تحرم نفسك أن تظفر بأجر القائمين ولو بركعتين ولو بالمعوذتين، وقد يتعذّر شخص ويقول: إن قيام الليل طويل، وأنا عندي عمل، وأستيقظ في الصباح مبكراً.\rلا يا أخي!! لا تحرم نفسك، وقد تخسر العون الإلهي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595888,"book_id":1590,"shamela_page_id":126,"part":"9","page_num":9,"sequence_num":126,"body":"توجيه النبي ﷺ لابنته إلى ما ينفعها\rالنبي ﵊ لما جاءته فاطمة ﵂، وكانت فاطمة ﵂ تدق النوى، أما نساؤنا في هذه الأيام فتقول: اشتروا غسالة آلية.\rوكذا، ولا ينقصهن إلا أن نأتي لهن بتمثال آلي يقطِّع (الكوسة) ويطبخ لهن وغير ذلك، ويأتي الواحد من خارج المنزل ومع ذلك يجد الأكل غير جاهز ماذا تعمل طوال النهار وعندها كل شيء؟! ومع ذلك تشتكي، وتقول: أنا متعبة، وأعمل طوال النهار! فهذه فاطمة ﵂ والتي هي ريحانة رسول الله ﷺ، والمرأة الوفية المجدة المطيعة، كانت تدق النوى لفرس علي، وفم الفرس يستغرق ثلاثة كيلو في اللقمة الواحدة، فكم ستدق لكي يأكل الفرس؟ ستدق عشرة إلى خمسة عشر كيلو، وهذا يحتاج إلى جهد، حتى إن يديها تشققت من كثرة دق النوى، واستعمال الرحا، فلما جاء عبيد من البحرين، قال لها علي بن أبي طالب: لقد وصل أعْبُد من البحرين، فذهبي إلى أبيك، وقولي له: نريد خادماً.\rوقد كان النبي ﷺ يحبها جداً جداً، ولذلك قال: (إن فاطمة بضعة مني، يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها) ، فلما ذهبت إلى النبي ﷺ وطلبت منه خادماً ثم أوصاها هي وعلي فقال لهما: (ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين) .\rفالمؤمن عندما يأوي إلى فراشه بعد تعب النهار ويقول هذه الأذكار، فإن الله ﷿ يذهب التعب عن بدنه ويقوم وهو نشيط، والإنسان عندما يعمل بنفسه أفضل من أن يأمر غيره وإن كان مطيعاً؛ لأن الحاجة إلى الناس ذل، فمهما كان من تأمره مطيعاً، فإن هذا لونٌ من ألوان الذل، فأنت عندما تباشر حاجتك بنفسك وأنت مستغن عن الناس أفضل، وهو خيرٌ لك من خادم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595889,"book_id":1590,"shamela_page_id":127,"part":"9","page_num":10,"sequence_num":127,"body":"حرص عمر على ثناء النبي ﷺ\rفالقصد من هذا: أن عبد الله بن عمر ﵄ كان حريصاً على أن يصل إلى هذه المرتبة، أن يأخذ شهادة من النبي ﵊، فالنبي ﷺ ما أمره أن يقوم الليل كله، إنما قال: (لو كان يقوم من الليل) ، أي: بعض الليل، فـ عبد الله ﵁ كان لا ينام من الليل إلا قليلاً.\rفلا تحرم نفسك أي عمل من أعمال البر، مثل قيام الليل، فقيام الليل عمل مبارك، ولو بركعتين، ولو بالمعوذتين، وحين يصير قيام الليل سجيةً لك، فستطيل قيام الليل دون مشقة، فقد تقرأ في الركعتين ربعاً، وقد تصلي أربع ركعات أو أكثر، حتى يصير أمراً مألوفاً عندك.\rوعمر بن الخطاب ﵁ تمنى أن تظهر نجابة ابنه أمام النبي ﵊؛ لعله يظفر بدعوةٍ من رسول الله ﵌.\rوقول عمر ﵁: (لو كنت قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا) ، فيه إشارةٌ إلى أن الآباء يحبون لأبنائهم أكثر مما يحبونه لأنفسهم، وهذه مسألة واضحة عند الناس، ومعلوم أن الأب دائماً يتمنى لابنه الأفضل والأحسن والأجمل.\rفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، في الحديث الذي أوله: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة) ، فمن ضمن هؤلاء الثلاثة: (وبينا صبي يرضع من أمه فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة) ، قديماً لم يكن هناك سيارات، فالرجل كان يركب فرساً، وتحيط به قليل من الحمير عند الزفة، فهذا الذي له شارة أي: رجل له مكانه وقدر عند الناس، فقالت الأم: (اللهم اجعل ابني مثل هذا) ، فترك الولد ثديها وقال: (اللهم لا تجعلني مثله) ، ثم أقبل على الثدي يرضع.\rقال أبو هريرة: (كأني أنظر إلى النبي ﷺ يمص إصبعه) ، وضع النبي ﷺ إصبعه هكذا في فمه ورضع، مع أن الصحابة كانوا يعرفون كيف يرضع الولد، لكن النبي ﷺ برغم وضوح الصورة إلا أنه أراد أن يمثلها حتى لو كان أمراً بدهياً، فإن هذا يساعد على استحضار المعنى، حتى لو كنت عالماً.\rفالنبي ﵊ أخذ أصبعه يمصه كما يمص الصبي، فقالت الأم: (مه) ، أي: ما الذي تقوله يا بني؟ (ثم مروا بجارية وهم يضربونها ويقولون: زنيت سرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها ... ) .\rإلى آخر الحديث.\rفالقصد من هذا الاستطراد: أن هذا الغلام الذي أنطقه الله ﵎، علَّم أمه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595890,"book_id":1590,"shamela_page_id":128,"part":"9","page_num":11,"sequence_num":128,"body":"غالب الآباء عقبة أمام التزام الأبناء ونصيحتهم\rلذلك نقول للآباء دائماً: لا تجبر ولدك على الابتعاد عن طريق الله ﷿، فإن كثيراً من الشباب يشتكي أن أباه يجبره على أن يقبل عملاً في المكان الفلاني، والعمل فيه حرام، ومع ذلك يجبره أبوه أن يدخل في ذلك العمل، هذا أب يضيع ابنه، مع أن المفروض أن الأب يحرص على نجاة ولده.\rوسأذكر شيئاً مما حدث لي، حتى أقوي قلب الذي تورط في مثل ما كنت سأتورط فيه قبل ذلك.\rعندما تخرجت من كلية الألسن، وضغط عليَّ الأهل أن أعمل مرشداً سياحياً، لأن المرشد السياحي في تلك الأيام كان مرتبه كبيراً، قد يصل إلى أربعة ألاف جنيه، وهذا كان سنة تسعة وسبعين، أيام كان الجنية اسمه: (لحلوح) ، والأربعة الآلاف تساوي أربعين ألفاً هذه الأيام؛ لأن المكتب يعطيك تسعمائة جنيه، ثم المجموعة التي ترافقها وتحدثهم عن (خفرع) و (خوفوا) ، وخاصة عندما تكون ظريفاً وخفيفاً، فإنهم يعطونك من تلقاء أنفسهم، كل واحد يعطيك عدداً من الدولارات، والرجل الذي هو رأسهم يشكرك في آخر الجولة، ويقول لك: خذ هذا المبلغ شكراً منا على الجهود التي بذلتها معنا، وعلى حسب المجموعة التي تذهب معهم، فإن كانوا ذا مال كثير، فسيكون حظك جيداً، ثم بعد ذلك تأخذهم إلى خان الخليلي -حيث الخيانة! ٍ- وتحصل على خمسة وعشرين في المائة من المبيعات أو أكثر؛ لأن القارورة العطر التي بخمسة عشر جنيهاً يتم بيعها بثلاثمائة جنيه، بحجة أن (خوفوا) كان يتعطر بها، و (منقرع) كان يحبها، وأنت تتحدث وتوافقهم أن (خوفوا) مثلاً كان يتعطر بها، وهؤلاء أناس جاءوا ليتسلوا، فمسألة الحقائق والكلام هذا لا تهمهم.\rفتصور عندما يشترون بأربعة آلاف أو بخمسة آلاف جنيه، وأنت معك خمسة وعشرون في المائة، فكل هذا حين يُجَمَع يصير مبلغاً كبيراً محترماً.\rفهي مرة واحدة فقط التي ذهبتها، وأول ما رأيت ذلك المنظر تركت العمل مباشرة، فقال الأهل: هذه كارثة؛ لأننا علمناك ونريدك أن تؤدي الدَّين الذي عليك، وتصرف على إخوانك الصغار، وتبني كذا، فكيف تأتي أنت بعد أن سُهِّلت أمورك وتتخلى عن العمل، هذه قلة وفاء، وكان المفروض أن تقوم بالدور.\rوما إلى ذلك، لكنهم لم يستطيعوا، وكنت دائماً أدعو الله ﵎ أن يجبرني ويرفع خسيستي، ويعلي كعبي، ويوسع عليَّ في الدنيا؛ حتى أريهم أن الذي يعتمد على الله لا يخيبه، فالدعاء هذا كان دائماً على لساني، وكنت أقوله بحرارة؛ لأنه كان هناك ضغوط كثيرة، وكان هناك كارثة قبل هذه الكارثة، فقد كنت أعمل في الكلية معيداً وفُصِلت، ثم مذيعاً في الإذاعة، ثم تركتها، ثم في الإرشاد السياحي، ثم تركته فشل ذريع، وعلى حسب كلامهم: ما تدخل في مكان إلا وتثبت فشلك فيه، وجاءت قاصمة الظهر -كما يقول العلماء- وهي أنني عُيِّنت في آخر الأمر في وظيفة القوى العاملة، عيِّنت مترجماً فورياً في مكتب محافظ كفر الشيخ.\rأنور السادات في سبعة وسبعين أعطي المحافظون سلطة رئيس الجمهورية في التعاقد مع الدول، ضرباً للروتين؛ لأن المحافظ الآن عندما يريد أن يعمل حاجة فإنه يرفع تلك الحاجة إلى مجلس الوزراء، كأنه يريد الآلات الفلانية من البلد الفلانية، ومجلس الوزراء سيبُت في المسألة إلخ.\rفقالوا: حتى نضرب هذا الروتين، كل محافظة لها ميزانيتها، والمحافظ يعتبر مثل رئيس الجمهورية فيما يتعلق بالميزانية الخاصة بالمحافظة، فهم يحتاجون إلى مترجم لكل لغة من اللغات الحية في مكتب كل محافظ، فما ذهبت إلى هناك حتى قُضي الأمر، وقد كنت اشتغلت في هذا المجال الذي أنا أشتغل فيه الآن، وما استطعت تركه، فقد كنت مجبراً، وأحببت هذا الطريق جداً وصرت مثل المسحور، لا أستطيع أن أتراجع ولا خطوة، ثم أكرمني ربي ﷾، ووسّع علي في الدنيا توسعة أسأل الله أن يعينني على شكره ﵎ وعلى حمده.\rلقد تركت أشياء كان بالإمكان بعد عشرين سنة في المهنة أن أكون الآن رئيس شبكة الإذاعة مثلاً، أو أن أكون وزيراً للإعلام، أو غير ذلك، ومع ذلك منَّ الله ﷿ عليَّ وله الحمد في الأولى والآخرة، فأنا عندما أذكر هذا تحدثاً بنعمة الله ﵎، وحتى أقوي قلوب الآباء، وأقوي الأبناء على أن يتخذوا القرار في أن يختاروا ما يرضي الله ﵎، وإن أَغضب أهل الأرض جميعاً، وسينصرك الله ويعلي كعبك، ويرفع قدرك.\rفيا أيها الآباء! لا ينبغي لكم إن كنتم تحبون أبناءكم أن تحيدوا بأبنائكم عن طريق الله سبحانه وتعال؛ لأن على الآباء بما أنهم مفطورون على محبة الولد، أن يحبوا لأبنائهم أكثر مما يحبونه لأنفسهم.\rفنحن نرجع الآباء إلى هذا الأصل، في كون الأبوين يحبان الابن أكثر من محبتهما لأنفسهما، فهل من تمام هذه المحبة أن يدخله النار؟ أو أن يعرضه لسخط الله ﷿؟ لا فطالما أنك تحب ابنك فلا تعرضه لسخط الله، واعلم أنك لن تزيد من قدرك، ولن تخرج مما قدره الله لك، فليكن قلبك قوياً، وضع في حسابك أنك لن تموت إلا وقد استوفيت رزقك وأجلك، فنريد أن نترجم هذا الكلام النظري إلى واقع عملي، أول ما ينشرح صدرك لهذا الكلام ترى الدنيا على حقيقتها، ولا يضرك ما فاتك منها.\rعمر بن الخطاب ﵁ لما استحيا ابنه عبد الله بن عمر عن أن يقول هذا في حضرة النبي ﵊، تمنى أن يقولها ويخسر الدنيا كلها انظر إلى حقارة الدنيا! هي في نظر عمر لا تساوي إجابة مسألة أمام النبي ﷺ، ولو خير عمر ﵁ بين أن تكون الدنيا جميعاً في كفّه، وبين أن يجيب عبد الله بن عمر أمام النبي ﷺ فيدعو له بالبركة أو يثني عليه في كفة؛ لاختار أن يجيب ابنه، لأن الصحابة كانت حياتهم كلها إيمانية، أعينهم دائماً تطل على الآخرة، ليس عندهم النظر الموجود عند المسلمين الآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1595891,"book_id":1590,"shamela_page_id":129,"part":"9","page_num":12,"sequence_num":129,"body":"حقارة الدنيا وعظمة الجنة\rيقول النبي ﵊: (لموضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها) ، وحين تضع العصا على الأرض كم ستأخذ مساحة؟! إذاً الدنيا وما فيها لا تساوي موضع سوط في الجنة.\rفموضع سوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، انظر إلى حقارة الدنيا! وسأخبرك بشيء آخر أيضاً ليس عن موضع السوط، بل عن آخر رجل يخرج من النار ويدخل الجنة يكون له ملك في الجنة كالدنيا عشر مرات هذا بعدما يأخذ جزاءه نظير تفريطه في الدنيا، ثم يخرج من النار فيقول الله ﷾: ادخل الجنة، فيأتي ليدخلها فيقول: يا رب! وجدتها ملأى، لا يوجد فيها مكان.\rوفي الحديث الصحيح أن الله ﷿ بعدما يعطي لكل واحد ملكه في الجنة، والجنة ما يزال فيها أماكن شاغرة، فينشئ لها خلقاً لكي يملئوها -كما في الصحيحين- فيأتي هذا الرجل ليدخل فيرجع ويقول: رب! وجدتها ملأى، فيقول له: أيرضيك أن يكون لك مُلْك مَلِكٍ من أهل الدنيا؟ فيقول: رب رضيت.\rفيقول له: ادخل الجنة ولك عشرة أمثاله) .\rوفي الصحيحين أيضاً أنه لما قال له: ادخل الجنة ولك مثل الدنيا، قال: أتستهزئ بي وأنت رب العالمي؟! فضحك النبي ﵊، فقال النبي ﷺ لأصحابه: (ألا تسألوني ممّ ضحكت؟ قالوا: ممَّ ضحكت؟ قال: من ضحك ربي حين قال له: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ فيقول: ما أستهزئ بك ولكني على ما أشاء قادر، ادخل الجنة ولك عشرة أمثالها) ، فإذا كان آخر واحد سيدخل الجنة، له عشرة أمثال الدنيا فكم يساوي من الأسواط؟!!! أظن أن العملية واضحة جداً، تخيل عندما يكون موضع سوطٍ في الجنة خيراً من الدنيا وما فيها، وأقل واحد له ملك في الجنة مثل الدنيا عشر مرات.\rفأنت تقول لابنك: ادخل السياحة والفنادق لكي نتمتع ونعيش!! لقد أضررت بولدك؛ إذ عرضته لعذاب الله ﷾، إذاً: من الأصول المعروفة أن الوالد يتمنى لابنه أكثر مما يتمنى لنفسه، والوالد الذي يدفع ابنه إلى معاصي الله ﷾ يكره ابنه ولا يحبه، وقد ضرب الله ﷿ مثلاً لأمثال هؤلاء، قال تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١] ، الأب الذي يحب أولاده وارتشى لأجلهم، وركب الحرام لأجلهم، في ذلك الوقت يريد أن يدخلهم النار مكانه: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وإذا لم يَكْتَفِ بهم: ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ [المعارج:١١-١٢] ، يقول: خذو زوجتي وأخي، وإذا لم يكونوا كافين: ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ﴾ [المعارج:١٣] ، يدخل أهله كلهم النار فداءً له، وإذا كان هؤلاء غير كافين: ﴿وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المعارج:١٤] ، يريد أن يدخل أهل الأرض كلهم النار فداءً له، لكن الله ﷿ قال له: ﴿كَلَّا﴾ [المعارج:١٥] ، انتهى الأمر.\rفـ عمر بن الخطاب ﵁ لأن نظرته إلى الآخرة، والموازين عنده منضبطة، يقول: لو أن الدنيا كلها في كفة وإجابتك أمام النبي ﷺ في كفة لاخترت إجابتك على الدنيا.\rقال: (أما لو قلتها، لكان أحب إلي من كذا وكذا) وكلمة (كذا وكذا) تعني كل شيء تتخيله، فهذا درسٌ نتعلمه.\rوانظر إلى تعظيم أمر الله ورسوله وتعظيم الآخرة عند عبد الله بن عمر، لماذا؟ لأن أباه عمر بن الخطاب، فهو قدوته بعد رسول الله ﷺ.\rرأيت مرة في المصيف شخصاً متجهاً إلى المسجد ليصلي الجمعة بسروال قصير، وهو يقول لابنه: انظر يا بني إلى كرم ربنا، حيث جعل الجمعة ركعتين لأجل هذا الحر أأنت تصلي الجمعة في الشتاء أربع ركعات؟ إن هذا الرجل لا يعرف شيئاً، فإذا كان هذا هو حال الأب، فماذا سيكون حال ابنه؟! وأب آخر يقول لابنه: نحن آخر مرة صلينا الجمعة متى؟ فقال: يوم الأربعاء! وهو يسأله بجدية، فإذا كان الأب هكذا، فكيف سيكون الابن؟! لذلك نحن عندما نقول: لا بد من جيل التمكين، فلا بد أن يكون الأب ملتزماً، لا يتعدى حدود الله، أما الذي يتعدى حدود الله، فإنه لم يشكر المنعم عليه، وتجده مع ذلك مجداً في مخالفته إن هذا رجل خسيس؛ لأنه مخالف لأمر ربه، ومع ذلك يمهله الله ويعذره، ويمد له الحبل أيضاً، وكلما مد له الحبل اغتر فأتى أبواباً من العصيان لم يفعلها قبل ذلك.\rوأنت تعرف الإنسان الوفي من الخسيس، وذلك عندما تنظر إليه كيف هو مع طاعة الله ﷿، مهما كان ظريفاً في الدنيا، ومهما كان إنساناً جيداً، فانتبه أول ما تأتي المماحكة بينك وبينه سيضعك تحت رجليه، فهو إنسان جيد ومبتسم وظريف لأنه لا يوجد بينكم مماحكات، إذاً العاصي لربه ﵎ يجب أن تحذر منه، فأنت لست أغلى من الله ﵎ عنده.\rإذاً: الأب لا بد أن يورِّث ولداً يشرِّفه، فيكون الأب دائماً مهتماً بالآخرة.\rجاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ أمر عائشة ﵂ في يوم الأضحى أن توزع لحم الشاة، وعائشة ﵂ كانت سخية، فوزعت الشاة كلها ما عدا الذراع، فلما دخل النبي ﷺ عليها، سألها هل وزّعت الشاة أم لا؟ فقالت: نعم يا رسول الله! وزعتها ولم يبق إلا ذراعها، فقال: (بل بقيت كلها إلا ذراعها) .\rلاحظ كيف كان نظر النبي ﷺ مصوباً نحو الآخرة، وذلك عندما قال: (بل بقيت كلها إلا ذراعها) .\rفنقول للآباء: إذا كنت فعلاً تحب ابنك، وتتمنى أن يكون أحسن منك، فانظر إلى والدك: هل علّمك محبة الله ورسوله؟ ستجد في الغالب أن الوالد مقصِّر؛ بسبب النظام الشمولي الذي كان موجوداً.\rإذاً: لو أنك تحب ولدك حقاً اجعله عبداً لله ﵎، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.\rوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}