{"page_id":1167347,"book_id":1216,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":1,"body":"مقدمة\r﷽\rالحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\rفقد اعتنى المسلمون في جميع تخصصاتهم بالقرآن الكريم أشد عناية، كيف لا وهو المصدر الأول من مصادر التشريع، وهو دستور هذه الأمة، وقد تنوعت أوجه العناية به، ومن تلك العناية ما قام به العلماء من جميع المذاهب بجمع أحكامه الفقهية بمؤلفات خاصة، مبسوطة ومتوسطة ومختصرة، وقد شرفني المولى الكريم بتأليف (بلوغ المرام من آيات الأحكام)، وقصدت به السير في ترتيب أبوابه ترتيب الحافظ ابن حجر في كتابه بلوغ المرام من أدلة الأحكام، وقد بدى لي خدمة القرآن وأحكامه ببيان مآخذ تلك الأحكام المستنبطة من آيات الأحكام الواردة في مؤلفي بلوغ المرام، وكتبت هذه التعليقة أرجو من الله أن تلقى قبولاً، وتكون نافعة في بابها، وأسميتها: (فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام).\rثم إن المقصود بالمآخذ هنا: هي الأصول التي أخذت منها أحكام المسائل الجزئية، وهي تشمل القواعد الأصولية، والفقهية، والمقاصدية، وجُلُّ تلك المآخذ الواردة في هذا المؤلف محصورة في القواعد الأصولية، لضرورة إظهارها، وأهمية مكانها في الاستنباط، فإن كل فقه لم يبن على الأصول فليس بفقه.\rوالحديث عن أهمية معرفة مآخذ الأحكام مما يطول ذكره، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، ودونك بعض ما قاله المحققون الأوائل في ذلك:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167348,"book_id":1216,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":2,"body":"قال ابن السبكي في طبقاته: «فإن المرء إذا لم يعرف علم الخلاف والمآخذ لا يكون فقيهاً إلى أن يلج الجمل في سم الخياط، وإنَّما يكون رجلا ناقلا مخبطا حامل فقه إلى غيره لا قدرة له على تخريج حادث بموجود» (¬١).\rوقال في مقدمة الأشباه والنظائر: «حق على طالب التحقيق، ومن يتشوف إلى المقام الأعلى في التصور والتصديق أن يحكم قواعد الأحكام ليرجع إليها عند الغموض، وينهض بعبء الاجتهاد أتمَّ نهوض، ثُمَّ يؤكدها بالاستكثار من حفظ الفروع؛ لترسخ في الذهن مثمرة عليه بفوائد غير مقطوع فضلها ولا ممنوع» (¬٢).\rوقال الزنجاني في مقدمة كتابه تخريج الفروع على الأصول: «ثم لا يخفى عليك أن الفروع إنما تبنى على الأصول، وأن من لا يفهم كيفية الاستنباط، ولا يهتدي إلى وجه الارتباط بين أحكام الفروع وأدلتها التي هي أصول الفقه، لا يتسع له المجال، ولا يمكنه التفريع عليها بحال» (¬٣).\rوقال الإسنوي في مقدمة كتابه التمهيد: «ثمَّ إني استخرت الله تعالى في تأليف كتاب يشتمل على غالب مسائله، وعلى المقصود منه، وهو كيفية استخراج الفروع منها .... وحينئذ يعرف الناظر في ذلك مأخذ ما نص عليه أصحابنا وأصلوه، وأجملوه أو فصلوه، ويتنبه به على استخراج ما أهملوه، ويكون سلاحاً وعدة للمفتين، وعمدة للمدرسين» (¬٤).\rويقول القرافي في الذخيرة: « … وبيَّنت مذهب مالك ﵀ في أصول الفقه؛ ليظهر علو شرفه في اختياره في الأصول كما ظهر في الفروع، ويطَّلع على موافقته لأصله أو","footnotes":"(¬١) طبقات الشافعية (١/ ٣١٩).\r(¬٢) الأشباه والنظائر (١/ ١٠).\r(¬٣) تخريج الفروع على الأصول (٢٤).\r(¬٤) التمهيد (٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167349,"book_id":1216,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":3,"body":"مخالفته له، لمعارض أرجح منه فيطلبه حتى يطَّلع على مدركه، ويطلع المخالفين في المناظرات على أصله» (¬١).\rوقال الغزالي في المنخول: «ولا مطمع في الإحاطة بالفرع وتقريره والاطلاع على حقيقته إلا بعد تمهيد الأصل وإتقانه، إذ مثار التخبط في الفروع ينتج عن التخبط في الأصول» (¬٢).\rوإني لأرجو أن تتحقق لطالب العلم المطَّلع على هذا المؤلف أمورٌ منها:\r(١) تنمية الملكة الفقهية، والتدرب على الاستنباط والترجيح، وتفريع المسائل وبنائها على الأدلة.\r(٢) الكشف عن الأسس العلمية، والمناهج المختلفة في الاستنباط، التي أدت إلى اختلاف العلماء.\r(٣) ربط الجزئيات الكثيرة بمآخذها، مما يساعد على فهم وحفظ المسائل الفقهية.","footnotes":"(¬١) الذخيرة (١/ ٣٩).\r(¬٢) المنخول (٥٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167350,"book_id":1216,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":4,"body":"كتاب الطهارة\rقسم العلماء كتب الأحكام إلى كتب وأبواب، أمّا الكتاب فهو كالجنس، والباب كالنوع، فكتاب الطهارة جنس، أنواعه باب المياه، باب الأنية، باب إزالة النجاسة وبيانها، باب الوضوء، باب المسح على الخفين، باب نواقض الوضوء، باب الغسل وحكم الجنب، باب التّيمم، باب الحيض، وهناك أنواع أخرى لم تذكر لعدم وقوفي على آيات أحكام تندرج تحتها.\rوالكتاب والطهارة في الأصل مصدران أضيفا وجعلا اسمًا لمسائل من مسائل الفقه تشتمل على مسائل خاصة. وأهم مسائل الفقه هي الصّلاة، ولما كانت الطهارة شرطا من شروطها بدأ بها، وحقها إدراجها تحت شروط الصلاة في كتاب الصّلاة، ولكن قدموها لكونها هي مفتاح الصلاة، كما أن مسائلها كثيرة.\rوالطهارة اسم مصدر، أي: طهّر تطهيرًا وطهارة، مثل كلّم تكليمًا وكلامًا.\rوحقيقة الطهارة: استعمال المطهرين - أي الماء والتراب - أو أحدهما على الصّفة المشروعة في إزالة النجس، أو رفع الخبث. ولما كان الماء هو المأمور بالتطهر به أصالة قدمه فقال:\r\rباب المياه\rالباب لغة: ما يدخل ويخرج منه قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة: ٢٣]، ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وهو هنا مجاز، شبّه الدخول إلى الخوض في مسائل مخصوصة بالدخول في الأماكن المحسوسة، ثم أثبتت لها الباب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167351,"book_id":1216,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":5,"body":"والمياه: جمع ماء، وأصله موه؛ ولذا ظهرت الهاء في جمعه، وهو جنس يقع على القليل والكثير؛ إلّا أنّه جمع لاختلاف أنواعه باعتبار حكم الشّرع؛ فإنّ فيه ما ينهى عنه، وفيه ما يُكره.\rقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] و [المائدة: ٦].\rاستدل بالآية الكريمة على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: من شروط التّيمم - كما سيأتي - عدم وجود الماء، ويدخل فيه كل ما يطلق عليه ماء.\rمأخذ الحكم: ورود لفظ (ماء) في الآية نكرةً في سياق نفي، وهو يعم لغة كل ماء، والماء اسم جنسٍ، فيكون عمومه في الجنس، فيدخل فيه كل ماء قليلًا كان أو كثيرًا، وسواء كان ماءً من سماءٍ أو نهرٍ، أو عين عذب أو ملح.\rقال الطّحاوي: «فإنّما أباح التّيمم عند عدم كل جزء من الماء؛ لأنّه لفظ منكر يتناول كل جزء منه سواء كان مخالطًا لغيره، أو منفردًا بنفسه، ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التّمر ماء، فلما كان كذلك وجب أن لا يجوز التيمم مع وجوده بالظّاهر» (¬١).\r• الحكم الثاني: ذهب جمهور أهل العلم إلى تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس.\rومن العلماء من جعل القسمة ثنائية: طهور، ونجس، استدلالًا بالآية، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (¬٢) وعلى هذا التقسيم سارت الفتيا عند كثير","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٢/ ٤٨٤).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٥)، (١٩/ ٢٣٦)، الإنصاف (١/ ٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167352,"book_id":1216,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":6,"body":"من علماء هذا البلد، كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ العثيمين -رحمهما الله- (¬١).\rووجه التقسيم ومأخذ الحكم من الآية: كون لفظ الماء جاء نكرة في سياق نفي فعمَّ كل ما يطلق عليه ماء، ويحمل اللفظ على إطلاقه، ولا يقيد إلا بالشرع، فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورا.\rيقول شيخ الإسلام: «إنّ الشّارع علق الطهارة بمسمى الماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهرا وطهورا» (¬٢).\rوقال أيضاً: «فهذا التّقسيم مخالف للكتاب والسّنة، وإنما قال الله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا أن كل ما يقع عليه اسم ماء فهو طاهر طهور» (¬٣).\rفمأخذه ﵀ وقاعدته هي: أن الاسم الذي أطلقه الشرع لا يقيَّد إلا بالشرع.\rوقد نصَّ على ذلك فقال: «والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع ﷺ ويقيد ما قيده» (¬٤).\rتنبيه: إلى أن تقسيم الماء إلى قسمين أو إلى أكثر هو بالنظر لمطلق الماء، أما الماء المطلق فلا يصدق إلا على الماء الطهور فقط.\rفمطلق الشيء يراد به حقيقة الماهية فلا يقيد، أما الشيء المطلق فهو لبيان الماهية بقيد الإطلاق، وهو يفيد التجرد عن جميع القيود، وعليه فالعلاقة بينهما","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (١٠/ ١٤)، الشرح الممتع (١/ ٥٤).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٥).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٦).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167353,"book_id":1216,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":7,"body":"علاقة عموم وخصوص مطلق، فمطلق الشيء أعم، فمطلق الماء أعم، والماء المطلق أخص مطلقا فهو فرد من أفراد (¬١).\r• الحكم الثالث: استدل بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ من قال بطهوريّة الماء المتغير بالدواء، شريطة أن يبقى اطلاق اسم الماء عليه (¬٢).\rمأخذ الحكم: المأخذ السابق، أو القول إن لفظة ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق النّفي، فتعمّ كل ما يطلق عليه ماء، والماء المتغير بالدواء يطلق عليه اسم الماء، فلم يسلبه الدواء المخالط اسم الماء، وعليه لا يجوز العدول عنه إلى التيمم.\rقال القرطبي: «فأما غير الجنس وهو المتغير فلا يدخل فيه، كما لا يدخل فيه ماء الباقلاء ولا ماء الورد» (¬٣).\rوكلام القرطبي يشير إلى الفرق بين الماء غير المطلق، أي: الذي يطلق عليه اسم الماء ولكن بالإضافة، كماء الورد وماء الباقلاء، وبين المائعات الّتي لا يطلق عليها اسم الماء مطلقًا إلّا من حيث السيولة فقط، مثل: النّبيذ، والقهوة، والشّاي، واللّبن … ، وسواء كان ماء تغير بمخالطة طاهر، أو طبخ فيه طاهر. فالأخير لا يجوز التّطهر به على خلاف في النّبيذ.\rقال ابن قدامة: «فصل: فأمّا غير النّبيذ من المائعات، غير الماء، كالخل، والمرق، واللبن، فلا خلاف بين أهل العلم، فيما نعلم، أنه لا يجوز بها وضوء ولا غسل» (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: المنثور في القواعد للزركشي (٣/ ١٨١)، التحبير للمرداوي (٢/ ٦٠٥).\r(¬٢) ينظر: فقه النوزال في العبادات للمشيقح (٢٠).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٣٠).\r(¬٤) المغني (١/ ١٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167354,"book_id":1216,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":8,"body":"تنبيه: هذا الحكم مبني على أن الماء إذا خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه؛ فإنّه يبقى على طهوريته، ما لم يسلبه اسم الماء المطلق، وهذا مذهب الحنفية، ورجحه كثير من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رأي الشيخين عبد العزيز بن باز وابن عثيمين -رحمهما الله- كما سبق.\r• الحكم الرابع: استدل بالآية على من قال بأن المياه المتغيرة بصدأ الأنابيب والخزانات باقية على طهوريتها، ولا يجوز التيمم مع وجود هذا الماء، ولا يؤثر تغير الصدأ فيها؛ لعدم القدرة عن الانفكاك عنه، ولا يمكن التحرز ولا صون الماء منه (¬١).\rمأخذ الحكم: ما سبق من كون لفظ ﴿مَاءً﴾ في الآية نكرة في سياق النفي فتعمّ كل ماءٍ، وهذا ماء فلا يجوز التيمم مع وجوده.\rومأخذ آخر: عموم النكرة في سياق الامتنان الواردة في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].\r• الحكم الخامس: استدل بالآية من قال بطهورية مياه الصرف الصحي بعد تنقيتها، وعدم جواز التيمم مع وجودها (¬٢).\rومأخذ الحكم: ما سبق من كون لفظ ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق نفي، تعمّ كل ما يتعلق عليه ماء، ومياه الصّرف الصّحيّ بعد تنقيها يطلق عليها ماء، فيكون المتيمم","footnotes":"(¬١) ينظر: فقه النوزال في العبادات للمشيقح (٢٠ - ٢١).\r(¬٢) ينظر: قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الحادية عشرة (٢٥٨)، ورجحه مجلس هيئة كبار العلماء في قراره رقم (٦٤)، وفتاوى اللجنة الدائمة (٥/ ٨٠ - ١٠٠)، وأبحاث الهيئة (٦/ ٢١٦)، ومجلة البحوث الإسلامية (٤٩/ ٣٥٩ - ٣٦١)، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز (١٠/ ٤٠٤)، والشرح الممتع (١/ ٤٧)، وفقه النوازل للمشيقح (٥٧)، والفقه الميسر (٩/ ٧)،.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167355,"book_id":1216,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":9,"body":"واجدًا، ولا يجوز له العدول عنه إلى التيمم عند وجوده.\rوناقش البعض: صحة المأخذ السابق، بأنّ مياه الصّرف الصّحي لا يطلق عليها اسم الماء إلّا بالإضافة.\rيقول الدكتور عبد الله بن بكر أبوزيد: وماء الصرف الصحي بعد تنقيته ليس ماءً مطلقاً باقياً على أصل خلقته بل مقيداً بوصف التنقية المشعر بالاستقذار والاستخباث (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]\rوقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]\rاستدل بالآية الكريمة على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: مشروعية الطهارة بالماء.\rقال السيوطي عن الآية الأولى: «هذا أصل الطّهارة بالماء في الأحداث والنّجاسات» (¬٢).\rمأخذ الحكم: ورود لفظ ﴿مَاءً﴾ في الآيتين منكرًا، والآيتان في سياق امتنان فيعم كل ماء نزل من السماء كالمطر، والثلج، والبرد، ونحو ذلك.\rواللام في قوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ لام التّعليل، والباء في قوله: ﴿به﴾ للسّببية.\rفامتن المولى ﷾ على عباده بإنزال الماء لأجل أن يتطهروا بسببه، وهذا يؤيد أنّ معنى ﴿طَهُورًا﴾ في الآية الثانية: الّذي يفعل به التّطهير، أو خبرٌ عن التطهير به، فهو طاهر بنفسه ومطهر لغيره بالإجماع.","footnotes":"(¬١) فقه القضايا المعاصرة في العبادات (١١٧) رسالة دكتوراه غير منشورة.\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٧٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167356,"book_id":1216,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":10,"body":"قال ابن عاشور: «ووصف الماء بالطّهور، يقتضي أنّه مطهر لغيره؛ إذ العدول عن صيغة فاعل إلى صيغة فعول لزيادة معنى في الوصف، فاقتضاؤه في هذه الآية أنّه مطهر لغيره اقتضاء التزامي؛ ليكون مستكملا وصف الطهارة القاصرة والمتعدية» (¬١).\rفالآيتان: «معناهما واحد، وإن اختلفت تراكيب الصّيغ، لكن الألفاظ غير مقصودة لذاتها، بل لإظهار المعنى» قاله الطّوفي (¬٢).\rتنبيه: قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ إشارة إلى أنقى ماء، وأطهره، إذا لم يختلط به شيء يكدره أو يقذره، والمعنى: أنّ الماء النازل من السماء هو بالغ نهاية الطهارة في جنسه من المياه.\rوقد كان ماء المطر معظم شراب العرب المخاطبين حينئذ، ولذلك يقال لهم: بنو ماء السّماء، وفي البخاري في قصّة سارة: (تلك أمكم يا بني ماء السماء) (¬٣).\rقال الحافظ ابن حجر: «كأنّه خاطب بذلك العرب؛ لكثرة ملازمتهم للفلوات التي بها مواقع القطر؛ لأجل رعي دوابهم» (¬٤).\rمما يدل على أنه لا مفهوم له مخالف، أي إن ماء غير السماء مطهر أيضاً.\rفائدة: اختلف العلماء هل جميع المياه مصدرها من ماء السّماء؟\rفمنهم من ذهب إلى ذلك مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ","footnotes":"(¬١) التحرير والتنوير (١٩/ ٤٧ - ٤٨).\r(¬٢) شرح مختصر الروضة (١/ ١٢٤).\r(¬٣) أخرجه البخاري كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ برقم (٣١٧٩)، ومسلم كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ، برقم (٢٣٧١).\r(¬٤) فتح الباري (٦/ ٣٩٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167357,"book_id":1216,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":11,"body":"فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]\rوقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١].\rذكر السيوطي أنه قد استدل بالآيتين من قال إنّ المياه كلها من السّماء وأنّه لا ماء من الأرض (¬١).\rوذهب آخرون إلى خلاف ما سبق. قال القرطبي: «توقف جماعة في ماء البحر، لأنه ليس بمنزل من السماء» (¬٢).\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ليس في القرآن أن جميع ما ينبع يكون من ماء السماء ولا هذا أيضا معلوما بالاعتبار، فإنّ الماء قد ينبع من بطون الجبال، ويكون فيها أبخرة يخلق منها الماء، والأبخرة وغيرها من الأهوية قد تستحيل، كما إذا أخذ إناء فوضع فيه ثلج فإنه يبقى ما أحاط به ماء وهو هواء استحال ماء وليس ذلك من ماء السماء فعلم أنه ممكن أن يكون في الأرض ماء ليس من السماء فلا يجزم بأنّ جميع المياه من ماء السماء وإن كان غالبها من ماء السماء» (¬٣).\rوسواء كان ماء الأرض من السماء أو لا، قفد اتفق العلماء على طهورية كل ماء سواء نزل من السماء أو نبع من الأرض.\rقال ابن رشد: «وأجمع العلماء على أنّ جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها، إلّا ماء البحر، فإنّ فيه خلافًا في الصّدر الأوّل شاذا» (¬٤).\rفقد حكي عن ابن عمر كراهية الوضوء به، وأكثر صحابة رسول الله ﷺ على","footnotes":"(¬١) انظر: الإكليل (٣/ ١١٥١).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٥٣).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٦).\r(¬٤) بداية المجتهد (١/ ٢٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167358,"book_id":1216,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":12,"body":"خلافه، وكذا العلماء (¬١).\rوالكراهية لا تنافي الجواز؛ لذا قال ابن عبد البر: «وقد أجمع العلماء وجماعة أئمة الفتيا من الفقهاء: أن البحر طهور، وأنّ الوضوء جائز به» (¬٢).\r• الحكم الثاني: اختلف العلماء في أقسام المياه.\rفذهب الجمهور إلى تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس.\rومأخذ الحكم: أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ يدل على أنّ الطّاهر غير الطّهور، وإلّا لزم التّأكيد، والتأسيس أولى (¬٣).\rومن العلماء من جعل الماء قسمين:\rومأخذ الحكم: القول بأن الأسماء التي أطلقها الشّارع تبقى على إطلاقها، فأطلق الماء فكل طاهر منه فهو طهور، ولم يفرق بينهما.\rقال شيخ الإسلام: «إنّ الشّارع علق الطهارة بمسمى الماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهرا وطهورا … » (¬٤).\rوقال أيضا: «لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره ولا بما يشق الاحتراز","footnotes":"(¬١) قال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٤٤٧): «قال ابن عمر ﵁: إنه لا يجوز الوضوء به؛ لأنه ماء النار، أو لأنه طين جهنم، وكأنهم يشيرون إلى أنه ماء عذاب، فلا يكون ماء قربة».\r(¬٢) التمهيد (١٦/ ٢٢١)، وانظر الاستذكار (١/ ١٥٩)، وقد حكي عن ابن عمر كراهية الوضوء به، وأكثر صحابة رسول الله ﷺ على خلافه، قال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٤٤٧): «قال ابن عمر ﵁: إنه لا يجوز الوضوء به؛ لأنه ماء النار، أو لأنه طين جهنم، وكأنهم يشيرون إلى أنه ماء عذاب، فلا يكون ماء قربة».\r(¬٣) انظر: مغني المحتاج للشربيني (١/ ٢٩).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167359,"book_id":1216,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":13,"body":"عنه؛ ولا بما لا يشق الاحتراز عنه، فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورا … وهذا القول هو الصّواب» (¬١).\rتنبيه: هذا المأخذ كان سببًا في اختلاف العلماء في مسائل كثيرة متعلقة بالمياه، وذلك لأن في خفاء تناول اسم الماء المطلق لبعض المياه ولا سيما بسبب مخالطة الماء لغيره خلافاً في كثير من المسائل، بمعنى هل كان اسم الماء المطلق يتناوله فيصح الطهارة به أو لا؟\rقلت: ويكاد يكون هذا المأخذ هو أصل هذا الباب؛ لكثرة ما يتفرع عليه،\rومن ذلك.\r(١) أن الماء لا تفسده النّجاسة الحالّة فيه قليلا كان أو كثيرا، إلا أن تظهر فيه النّجاسة وتغيّر منه طعما أو ريحا أو لونا. قال القرطبي: «وهو الصّحيح في النّظر وجيد الأثر» (¬٢).\rوأورد في مسألة مستقلة أخرى الخلاف في الفرق بين ورود النّجاسة على الماء، وورود الماء على النّجاسة، ثم قال: «والماء لا يخلو تغيّره بنجاسة أو بغير نجاسة، فإن كان بنجاسة وتغير، فقد أجمع العلماء على أنّه غير طاهر ولا مطهر، وكذلك أجمعوا أنّه إذا تغير بغير نجاسة أنّه طاهرٌ على أصله. وقال الجمهور: إنّه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربة وحمأة. وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه، ولا التباس» (¬٣).\r(٢) أنّ الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه، أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه لا يمكن الاحتراز عنه، فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٥).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٤٢).\r(¬٣) المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167360,"book_id":1216,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":14,"body":"به، لعدم الاحتراز منه والانفكاك عنه، وأن هذا التَّغيُر لا يسلبه اسم الماء (¬١).\r(٣) ما نقله القرطبي عن علمائهم بأنّه يكره «سؤر النّصراني وسائر الكفار، والمدمن الخمر، وما أكل الجيف، كالكلاب وغيرها. ومن توضأ بسؤرهم فلا شيء عليه حتى يستيقن النّجاسة» (¬٢).\rثم ذكر في مسألة أخرى الخلاف في سؤر الكلب.\r(٤) ما مات في الماء مما لا دم له، فلا يضرّ الماء إن لم يغيّر ريحه، فإن أنتن لم يتوضأ به. وكذلك ما كان له دم سائل من دواب الماء، كالحوت والضفدع، لم يفسد ذلك الماء موته فيه، إلا أن تتغير رائحته، فإن تغيرت رائحته وأنتن لم يجز التطهر به ولا الوضوء منه. قال القرطبي: «وليس بنجس عند مالك»، ثم قال: «وأمّا ما له نفسٌ سائلة، فمات في الماء ونزح مكانه ولم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر، سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا عند المدنيين» (¬٣)، يعني من أصحاب مالك، ثم ذكر الخلاف فيه.\r• الحكم الثالث: المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها.\rومأخذ الحكم: ما سبق من أن اسم الماء يتناولها فيصح التطهر بها.\rتنبيه: المخالط للماء على ثلاثة أضرب:\rضربٌ يوافقه في صفتيه جميعًا - أي كونه طاهراً ومطهراً - فإذا خالطه فغيَّره لم يسلبه وصفا منهما لموافقته لهما وهو التراب.","footnotes":"(¬١) انظر: المغني (١/ ٢٢)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٦).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٤٤).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167361,"book_id":1216,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":15,"body":"والضرب الثاني: يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة، دون التّطهير فإذا خالطه فغيَّره سلبه ما خالفه فيه وهو التطهير، كماء الورد وسائر الطاهرات.\rوالضرب الثالث: يخالفه في الصّفتين جميعًا، فإذا خالطه فغيَّره سلبه الصّفتين جميعًا لمخالفته له فيهما وهو النجس.\r• الحكم الرابع: الماء المستعمل طاهر، إذا كانت أعضاء المتوضئ به طاهرة، وهل يكون مطهراً لغيره؟، من العلماء من قال إنَّه مطهر لغيره.\rمأخذ الحكم: أنّه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء، فهو ماء مطلق، أي أنه يندرج تحت اسم الماء المطلق، فيصح التطهر به.\rوقيل: بل هو مطلق لا عام، فلا يصح التطهر به.\rمأخذ الحكم: ذكر القرافي في فروقه مدركاً وصفه بأنّه وجه قوي حسن، ومدرك جميل، فقال: «وأن قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ مطلق في التطهير لا عامّ فيه، بل عامّ في المكلفين، إذا تطهّرنا بالماء مرّة حصل موجب اللفظ، فبقيت المرّة الثانية منه غير منطوق بها، فتبقى على الأصل غير معتبرة، فإنّ الأصل في الأشياء عدم الاعتبار في التّطهير؛ إذ الأصل أن لا يعتبر في التطهير وغيره إلّا ما وردت الشّريعة به» (¬١).\rوقال ابن العربي: «مسألة الماء المستعمل إنما تنبني على أصل آخر، وهو أن الآلة إذا أدّي بها فرض، هل يؤدى بها فرض آخر أم لا؟ فمنع ذلك المخالف قياسًا على الرقبة إذا أدّى بها فرض عتق، لم يصلح أن يتكرر في أداء فرض آخر، وهذا باطل من القول، فإنّ العتق إذا أتى على الرّق أتلفه فلا يبقى محل لأداء الفرض بعتق آخر. ونظيره من الماء ما تلف على الأعضاء فإنه لا يصح أن يؤدى به فرض آخر؛","footnotes":"(¬١) الفروق (٢/ ١١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167362,"book_id":1216,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":16,"body":"لتلف عينه حسًّا كما تلف الرّق في الرّقبة بالعتق حكما، وهذا نفيس فتأملوه» (¬١).\r• الحكم الخامس: جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة.\rاستدل بالآية على جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة (¬٢).\rمأخذ الحكم هو: ما سبق من كون لفظة ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق نفي، تعمّ كل ما يتعلق عليه ماء، ومياه الصّرف الصّحيّ بعد تنقيها يطلق عليها ماء، فيكون المتيمم واجدًا، ولا يجوز له العدول عنه إلى التيمم عند وجوده.\rوناقش البعض: صحة الاستنباط السابق، بأنّ مياه الصّرف الصّحي لا يطلق عليها اسم الماء إلّا بالإضافة.\rيقول الدكتور عبد الله بن بكر أبوزيد: وماء الصرف الصحي بعد تنقيته ليس ماءً مطلقاً باقياً على أصل خلقته بل مقيداً بوصف التنقية المشعر بالاستقذار والاستخباث (¬٣).\rوقد حرم ﷾ الخبيث بقوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ولفظ (حرم) وما تصرف منه يفيد التحريم، وهي هنا إخبار عن الحكم شرعي، ومياه الصرف الصحي وإن حصل لها تنقية فإن علة الاستخباث والاستقذار باقية باعتبار أصلها، وكونه ماءً خارجاً ومعتصرًا من البول والغائط.","footnotes":"(¬١) المصدر السابق، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٤٣٨).\r(¬٢) صدر به قرار المجمع الفقهي، وهيئة كبار العلماء في المملكة قرارها رقم (٦٤). ينظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي (٩١ - ٩٣، ٢٥٨)، فتاوى اللجنة الدائمة (٥/ ٨٠)، ومجلة البحوث الإسلامية (٤٩/ ٣٥٩ - ٣٦١)، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (١٠/ ٤٠٤).\r(¬٣) فقه القضايا المعاصرة في العبادات (١١٧) رسالة دكتوراه غير منشورة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167363,"book_id":1216,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":17,"body":"وقد ذكر الشيخ الدكتور بكر أبو زيد عضو المجمع في علة تحريمه ما سبق وقال: ( .... فتحصل أن مياه المجاري قبل التنقية معلة بأمور:\rالأول: الفضلات النجسة باللون والطعم والرائحة.\rالثاني: فضلات الأمراض المعدية، وكثافة الأدواء والجراثيم (البكتيريا).\rالثالث: علة الاستخباث والاستقذار لما تتحول إليه باعتبار أصلها، ولما يتولد عنها في ذات المجاري من الدواب والحشرات المستقذرة طبعاً وشرعاً.\rولذا صار النظر بعد التنقية في مدى زوال تلكم العلل، وعليه:\rفإن استحالتها من النجاسة بزوال طعمها ولونها وريحها لا يعني ذلك زوال ما فيها من العلل والجراثيم الضارة. والجهات الزراعية توالي الإعلام بعدم سقي ما يؤكل نتاجه من الخضار بدون طبخ فكيف بشربها مباشرة. ومن مقاصد الإسلام المحافظة على الأجسام؛ ولذا لايورد ممرض على مصح، والمنع لاستصلاح الأبدان كالمنع لاستصلاح الأديان.\rولو زالت هذه العلل لبقيت علة الاستقذار والاستخباث باعتبار الأصل لماء يعتصر من البول والغائط فيستعمل في الشرعيات والعادات على قدم التساوي … إلخ) (¬١).\rونوقش: بأن العبرة في التحليل والتحريم للنصوص وليس لما تحسنه أو تقبحه النفوس.\rوقال شيخ الإسلام ﵀: (من قال من العلماء أنه حَرَّم على جميع المسلمين ما تستخبثه العرب وأحل لهم ما تستطيبه، فجمهور العلماء على خلاف هذا","footnotes":"(¬١) قرارات المجمع ص (٩١ - ٩٣)، وفقه القضايا المعاصرة في العبادات د. عبد الله أبوزيد (١١١) رسالة دكتواره غير منشورة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167364,"book_id":1216,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":18,"body":"القول .... وما كان عليه الصحابة والتابعون: أن التحليل والتحريم لا يتعلق باستطابة العرب ولا باستخباثهم، بل كانوا يستطيبون أشياء حرمها الله: كالدم، والميتة، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وأكيلة السبع، وما أهل به لغير الله، وكانوا بل خيارهم يكرهون أشياء لم يحرمها الله حتى لحم الضب كان النبي ﷺ يكرهه، وقال: (لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) (¬١)، وقال مع هذا: (أنه ليس بمحرم)، وأُكل على مائدته وهو ينظر وقال فيه: (لا آكله ولا أحرمه) (¬٢).\rوقال جمهور العلماء: الطيبات التى أحلها الله ما كان نافعاً لآكلهِ في دينه، والخبيث ما كان ضاراً له في دينه) (¬٣).\r\rباب الآنية\rالأنية: جمع إناء، وهو معروف، وإنّما بُوِّب لها؛ لأنّ الشّارع قد نهى عن بعضها فتعلقت بها الأحكام.\rقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]\rقوله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ لفظ «التّحريم» من الألفاظ الصّريحة الدّالة على المنع والّتي لا تحتمل معنى آخر، ولا يختلف في أن المراد بها في القرآن خاصّة هو الحظر والمنع، والمحظور: ما يذم فاعله، ويمدح تاركه.\rوالميتة هي: ما فارقه الرّوح من غير ذكاة مما يذبح، وما ليس بمأكولٍ فذكاته كموته، كالسّباع وغيرها.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب الضب، برقم (٥٢١٧)، ومسلم برقم (١٩٤٥)، (١٩٤٦).\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب الضب، برقم (٥٢١٦).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167365,"book_id":1216,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":19,"body":"استدل العلماء بالآية الكريمة على تحريم استعمال جلد الميتة في الأواني، وبالآية على جواز ذلك.\rمأخذ من حرم استعمال جلد الميتة: التحريم الوارد بصيغة العموم ﴿الْمَيْتَةُ﴾، فهو مفرد محلى بأل، أو داخل على اسم جنس فيعم أجزاء الميتة من لحم أو جلد، ويعم الأكل والاستعمال.\rووجه ذلك: أن الحكم المضاف للأعيان - كإضافة التحريم هنا إلى عين الميتة - لا يصح، لأن الأعيان أنفسها لا توصف بحظر ولا إباحة؛ لأنّ الحظر منع، والإباحة إطلاق، والأعيان الموجودة لا يصح المنع والإطلاق في عينها، بل تتعلق الأحكام بأفعال، والتحريم حكم شرعي متعلق بأفعال المكلفين، فلا بد من تقدير فعل للمكلف، فقالوا إن الظاهر هو تحريم التّصرف فقالوا بعموم المضمرات هنا، فقدروا لفظ «التّصرف «أو «الاستعمال «أو «فعلكم «ليشمل جميع أفعال المكلفين من أكل أو بيع، أو شرب، أو استعمال واقتناء، وهو من عموم المعاني. ومن التصرف والاستعمال اتخاذ جلد الميتة آنية.\rمأخذ من أباح استعمال جلد الميتة: هو المأخذ السابق، إلا أنهم قصروا التحريم على الأكل، والأكل فعلٌ من أفعال المكلفين، والتّقدير: حرم عليكم أكل الميتة.\rوقالوا إن الكلام عن العموم مفروض إذا لم يقم على تعيين أحد المقدّرات، وهنا قد دلّ العرف على أن المراد بتحريم الميتة، تحريم أكلها، وهو الّذي يسبق إلى الفهم من تحريم الميتة، ويدل عليه القرينة اللفظية في سياق الآيات كقوله تعالى: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ وقوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وقرينة خارجية، وهي قوله ﷺ: (إنّما حرم من الميتة أكلها) (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرجه الدارقطني في سننه (١/ ٥٨) برقم (١٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167366,"book_id":1216,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":20,"body":"وعلى القول بكونها قاصرة على الأكل فإنّه يجوز استعمال الجلد في الأواني إذا دبغ على القول بأن الدبغ مطهر للجلد، كما أن الماء طهارة الأواني من غير الجلد كالنحاس وغيره.\rقال الطوفي: «قوله ﷾: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ظاهرة في تحريم جلدها دبغ أو لم يدبغ، مع احتمال أن الجلد غير مراد بالعموم احتمالًا مترددًا له، من جهة أن إضافة التّحريم إلى الميتة يقتضي تحريم الأكل، والجلد غير مأكول فيقتضي عدم تناول الجلد، ومن جهة أن عموم اللفظ قوي متناول لجميع أجزائها يقتضي تناول الجلد في نظرنا في قوله ﷺ: (أيّما إهاب دبغ قد طهر) (¬١) فهو عموم، وظاهره يتناول إهاب الميتة، فكان هذا الظّاهر مقويًا لاحتمال عدم إرادة جلد الميتة من الآية المذكورة في التّحريم» (¬٢).\rتنبيه: من العلماء من قال بأن إضافة الحكم للعين يصيره مجملاً، والجمهور على أنّه لا إجمال في الآية؛ لأنّ المجمل ما لا يفهم المراد من ظاهره، والعرب فهمت المراد من ظاهر ما ورد في القرآن بهذا الأسلوب.\rقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]\rاستدل المالكية بالآية على عدم وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب.\rوبيان ذلك: أن الآية تتحدث عما يباح من صيد الجوارح، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، برقم (١٧٢٨)، والنسائي كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة، برقم (٤٢٤١)، وابن ماجه كتاب اللباس، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، برقم (٣٦٠٩) قال الشيخ الألباني: صحيح ..\r(¬٢) شرح مختصر الروضة (١/ ٥٦٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167367,"book_id":1216,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":21,"body":"عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ والضّمير في قوله: ﴿أَمْسَكْنَ﴾ عامّ في جملة الجوارح، فيندرج فيه الكلب، فيجوز أكل موضع فمه عملًا بالظّاهر، ولم يرد أمرٌ بغسل ما مسه لعاب الكلب، وبنى عليه المالكية طهارة لعاب الكلب؛ إذ لو كان نجسًا لحرم الأكل حتى يغسل. ولهذا تكلم العلماء عن حكم غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب.\rومأخذ الحكم من الآية: لمّا لم يرد أمر بغسل ما مسّه لعاب الكلب فيما إذا صاد صيداً، فإنه يدل على طهارة لعابه؛ إذ لو كان نجسًا لبينّه الشّارع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\rتنبيه: للمالكية أجوبة على حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب، منها: ما ذكره ابن العربي حيث قال: «إذا جاء خبر الواحد معارضًا لقاعدة من قواعد الشّرع، هل يجوز العمل به أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وقال الشافعي: يجوز العمل به، وتردد مالك في المسألة»، ثم قال: «ومشهور قوله والذي عليه المعول أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى قال به، وإن كان وحده تركه»، ثم ذكر مسألة مالك في ولوغ الكلب، قال: «لأنّ الحديث عارض أصلين عظيمين، أحدهما: قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، قال مالك: يؤكل صيده فكيف يكره لعابه!\rالثاني: أن علَّة الطّهارة هي الحياة، وهي قائمة في الكلب» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]\rاستنبط العلماء من الآية: جواز استعمال آنية الكفار بالأكل والشّرب والطّبخ.\rقال القرطبي: «ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم، ما","footnotes":"(¬١) القبس في شرح موطأ مالك (١/ ٨١٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167368,"book_id":1216,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":22,"body":"لم تكن ذهبًا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتُغلى؛ لأنهم لا يتوقون النجاسات ويأكلون الميتات، فإذا طبخوا في تلك القدور تنجست، وربما سرت النجاسات في أجزاء قُدور الفخَّار، فإذا طبخ فيها بعد ذلك توقع مخالطة تلك الأجزاء النّجسة للمطبوخ في القدر ثانية، فاقتضى الورع الكف عنها» (¬١).\rومأخذ الحكم: هو أن جواز أكل طعامهم يستلزم جواز استعمال آنيتهم الّتي طبخوا بها.\rوالحِل المقصود به في الآية الإباحة، وهو من أسماء المباح.\rقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]\rوالأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم.\rفقد أذن ﷾ في هذه الآية باستعمال جلود الأنعام، وبصوف الغنم، ووبر الإبل، وشعر المعز، وفي الآية حكمان مستنبطان منها:\r• الحكم الأول: مشروعية الانتفاع بجلود الأنعام، ولم يقيِّده ﷾ بالذكاة قبل الموت، ولا بالدّباغ بعد الموت، فأخذ منها بعض العلماء جواز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدّباغ.\rمأخذ الحكم: ورد الإذن باستعمال جلود الأنعام، وبصوف الغنم، ووبر الإبل، وشعر المعز، في سياق الامتنان، ومقام الامتنان يعم الانتفاع بها، سواء كان لميتة أو مذكاة إلا أن يمنع منه دليل.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167369,"book_id":1216,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":23,"body":"وقيَّدها عامّة أهل العلم بجلود الأنعام المذكاة، أو بما بعد الدباغ بما ورد من أحاديث كقوله ﷺ (أيّما إهاب دبغ قد طهر) (¬١) ودفعًا للتعارض بينها وبين قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وقد سبق أن البعض قدَّر محذوفاً يعم مقدرات ذلك المحذوف ك (استعمال أو انتفاع).\r• الحكم الثاني: مشروعية الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال.\rمأخذ الحكم: الامتنان الوارد في الآية، كما سبق.\rمأخذ ثان: دليل الاستلزام، فإن مشروعية الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار يستلزم طهارتها، وإنّما يغسل مخافة أن يكون علِقَ به وسخٌ، وقد ورد عنه ﵊: (لَا بَأْس بمسك الْميتَة (¬٢) إِذا دبغ وصوفها وشعرها إِذا غسل) (¬٣).\rواستدل بعضهم بقياس العكس. قال القرطبي: «ولأنّه كان طاهرًا لو أخذ منها في حال الحياة فوجب أن يكون كذلك بعد الموت، إلا أنّ اللحم لما كان نجسا في حال الحياة كان كذلك بعد الموت، فيجب أن يكون الصوف خلافه في حال الموت كما كان خلافه في حال الحياة استدلالاً بالعكس» (¬٤).\rتنبيه: طهارة صوف مأكول اللحم ووبره وشعره حال حياته إذا جز، لا خلاف فيه بين العلماء وكذا إذا جز بعد ذكاته، والخلاف فيما إذا كان ميتة، أو كان غير مأكول اللحم.\rومأخذ الخلاف هل الصوف والوبر والشعر في حكم المتصل أو المنفصل؟ ومحل ذلك كتب الفقه.","footnotes":"(¬١) سبق تخريجه.\r(¬٢) أي جلدها. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٨/ ٣٩٤٠).\r(¬٣) أخرجه الدارقطني في سننه (١/ ١٨) وضعفه الألباني ﵀ في صفة الفتوى لابن حمدان (٩١).\r(¬٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167370,"book_id":1216,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":24,"body":"تنبيه ثان: الصوف والوبر والشعر قد تستعمل كأوان وهذا قليل، وغالب الاستعمال فيها إنّما هو في اللباس والفرش، وقد يستعمل كخيوط في معالجة الكسر في الإناء أو خَرْج سواء في داخل البيوت لحفظ الأغراض أو على الدّواب لحمل الأغراض وحفظها.\r\rباب إزالة النّجاسة وبيانها\rالنجاسة عين مستقذرة شرعاً، يجب على المسلم مجانبتها، والبعد عنها، ولها تقسيمات عدّة عند العلماء، يرجع لها في كتب الفقه.\rقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وكذا آية [الفرقان: ٤٨].\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام، منها:\r• الحكم الأول: تزول النجاسة بالماء بلا خلاف.\rقال ابن عبد البر: «وقد أجمعت الأمة أن الماء مطهر للنّجاسات، وأنّه ليس في ذلك كسائر المائعات الطاهرات» (¬١).\rوقال أيضا: «وقد أجمعوا معنا على أن ورود الماء على النجاسات لا يضره، وأنّه مطهر لها» (¬٢).\rومن العلماء من يفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورود النجاسة على الماء (¬٣).","footnotes":"(¬١) التمهيد (١/ ٣٣٠).\r(¬٢) المصدر السابق.\r(¬٣) قال ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٢٩٥): «إنّ القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس، كما أنه إذ لاقاها حال الإزالة لا ينجس، فهذا القياس أصح من ذلك القياس؛ لأنّ النجاسة تزول بالماء حِسًّا وشرعا، وذلك معلوم بالضرورة من الدّبن بالنّص والإجماع».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167371,"book_id":1216,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":25,"body":"ومأخذ الحكم: ما سبق وهو أن لفظ (ماء) نكرة في سياق امتنان، فيعم كما أن (اللام) في قوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ للتعليل، والباء في قوله (به) سببية.\rوهذا يدل على أن الماء طهور، وهذا الوصف يختص به، ولا يتعدى إلى سائر المائعات.\r• الحكم الثاني: استدل بها من قال بعدم إزالة النجاسة بالبخار.\rمأخذ الحكم: أن الامتنان بالماء يقتضي اختصاصه بالتّطهر، فلو جعل التطهير بغيره لفات الامتنان به (¬١). والبخار لا يسمى ماء على الإطلاق بل بخاراً أو رشحاً (¬٢).\rنوقش: بعدم التسليم بأن الامتنان يفوت بمشاركة غير الماء للماء في التطهر؛ لأنّ الشّارع إنّما ذكر الماء وامتنّ به على عباده - هنا - لكونه أنفع المطهرات؛ ولكونه الغالب المتيسر في ذلك الوقت، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له.\rكما نوقش بعدم تسمية البخار ماء.\rوفي ذلك يقول الروياني: «وهذا غير صحيح عندي؛ لأن رشح الماء ماء حقيقة، وينقص منه بقدره فهو ماء مطلق فيتطهر به» (¬٣).\rأو يقال: إن البخار ماء باعتبار ما سيؤول إليه بعد جمعه فما جمع من البخار يسمى ماءً، ويسمى بخاراً حال تبخره.","footnotes":"(¬١) ينظر: المجموع (١/ ٩٦)، الشرح الممتع (١/ ٤٢٣).\r(¬٢) نقله الرافعي عن بعض الشافعية. ينظر: أسنى المطالب شرح روض الطالب لابن زكريا الأنصاري (١/ ٦).\r(¬٣) المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167372,"book_id":1216,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":26,"body":"تنبيه: يرى الحنفية جواز إزالة النجاسة بغير الماء، وهو رواية عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلام ابن تيميّة (¬١)، والشيخ ابن عثيمين (¬٢).\rوهؤلاء يرون أن إزالة النجاسة ليست مما يتعبد به قصداً، أي أنها ليست عبادة مقصودة، وإنما إزالة النجاسة هو التخلي من عين خبيثة نجسة، فبأي شيء أزال النجاسة وزالت وزال أثرها فإنه يكون ذلك الشيء مطهِّراً لها، سواء بالماء أو البنزين، أو أي مزيل يكون (¬٣).\rقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]\rمن إزالة النجاسة الاستنجاء، والاستنجاء هو: غسل أثر النّجاسة بالماء.\rوفي الآية مشروعية الاستنجاء بالماء، وقد حُكي الإجماع على ذلك، وفي الحديث المتفق عليه من حديث أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء) (¬٤).\rوفي الآية مشروعية الجمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء، فيشرع للمسلم أن يستجمر ثم يتبعه بالاستنجاء، وقد حُكي الاجماع على ذلك أيضًا، مع وجود المخالف فيها (¬٥).","footnotes":"(¬١) ينظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٧٦).\r(¬٢) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٨٦)، الشرح الممتع (١/ ٤٢٤).\r(¬٣) ينظر: الفقه الميسر (٩/ ١٦)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٨٦)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (١٦).\r(¬٤) أخرجه مسلم كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالماء من التبرز، برقم (٢٧١) ..\r(¬٥) نقل الإجماع الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٢١)، وانظر للخلاف قيه موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (١/ ١٦٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167373,"book_id":1216,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":27,"body":"ومأخذ المسألتين أن الآية سيقت مساق المدح، وأن الفعل محبوب للمولى ﷾، وذلك للحض على مثل فعلهم، وهو الاستنجاء بالماء بعد الاستجمار بالحجارة، ويدل عليه سبب نزول هذه الآية، حيث نزلت في أهل قباء، ولما سألهم رسول الله ﷺ عن شأنهم قالوا: (إنَّا نُتبع الحجارة الماء) (¬١).\rقال ابن القيم: «وكل فعل عظمه الله ورسوله … أو أحبه … فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب» (¬٢).\rوقال شيخ الاسلام ابن تيمية: «وقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ يدل على أن الاستنجاء مستحب يحبه الله، لا أنّه واجب» (¬٣).\rقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]\rاستدل بالآية على وجوب غسل النجاسة وإزالتها من الثوب، وقد أجمع العلماء على ذلك.\rقال ابن عبد البر: «وأجمع العلماء على غسل النجاسات كلها، من الثّياب والبدن، وألَّا يصلي بشيء منها في الأرض، ولا في الثياب» (¬٤). وسيأتي في باب شروط الصّلاة.\rومأخذ الحكم ظاهر حيث ورد بذلك الأمر في قوله ﴿فَطَهِّرْ﴾ والأمر يقتضي الوجوب.","footnotes":"(¬١) أخرجه البزار في كشف الاستار برقم (٢٤٧)، وذكره الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام برقم (١٠٤) في باب آداب قضاء الحاجة، وضعف سنده، وانظر: إرواء الغليل للألباني (١/ ٨٣).\r(¬٢) بدائع الفوائد (٤/ ٤).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٠٦).\r(¬٤) الاستذكار (١/ ٣٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167374,"book_id":1216,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":28,"body":"واستدل الحنفية بالآية على عموم ما يطهر به، الماء وغير الماء، فقالوا: كل ما يقع به التطهير مندرج تحت مقتضى الأمر، وهو مطهر إذا كان طاهرًا.\rوأجيب: بأن الغرض من الآية التعرض لأصل التطهير، لا التعرض لأصل التخصيص والتعميم في آلات التطهير، وهي الماء أو غيره، فلا عموم فيها في ذلك.\rقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]\rاستدل بالآية على نجاسة دم الحيض، ونجاسته مجمع عليها.\rومأخذ الحكم: أولًا: كونه دمًا.\rثانيًا: أمرت بالاغتسال والطهارة منه بالآية، وقد ورد في حديث أسماء أنها قالت: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع به؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلى فيه) (¬١).\rوأمر المستحاضة بقوله: (فاغسلي عنك الدّم وصلي) (¬٢). هذا في دم الاستحاضة ودم الحيض أشد، ولا يؤمر بالغسل إلّا من النجس.\rقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]\rاستدل العلماء بهذه الآية في هذا الباب على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: اتفق العلماء على نجاسة بعض الميتات.\rقال ابن رشد: «وأمّا أنواع النجاسات، فإنّ العلماء اتفقوا من أعيانها على","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم كتاب الطهارة، باب نجاسة الدم وكيفية غسله، برقم (٢٩١).\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب الاستحاضة، برقم (٣٠٠)، وكتاب الحيض، باب إذا رأت المستحاضة الطهر، برقم (٣٢٤)، ومسلم في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، برقم (٣٣٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167375,"book_id":1216,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":29,"body":"أربعة: ميتة الحيوان ذي الدّم الذي ليس بمائي، وعلى لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته، وعلى الدّم نفسه من الحيوان الذي ليس بمائي انفصل من الحي أو الميت، إذا كان مسفوحا أعني: كثيرا، وعلى بول ابن آدم ورجيعه … » (¬١).\rويدخل في الميتة المنخنقة والموقوذة والمترديّة والنّطيحة، وما أكل السّبع، كما سبق من أن الميتة تطلق على ما فارقته الروح من غير ذكاة شرعية مما يذبح، وذكرها من باب عطف الخاص على العامّ.\rويدخل فيها حكمًا: ما أهل لغير الله به، وما ذبح على النّصب، كما سيأتي في كتاب الأطعمة.\rويبقى الاستقسام بالأزلام، وهي القداح، وقد وقع الإجماع على طهارتها كما سيأتي في الآية التي تلي هذه\rومأخذ الحكم هنا: يظهر بما بعده من آيات (¬٢)، أمّا في هذه الآية فلا يكون إلّا على القول بأنّ كل محرم نجس، وقد علل بذلك بعض الفقهاء.\rوالصّواب أن كل نجس محرم، وليس كل محرم نجساً؛ إذ إنّ الذهب والحرير محرمان على الرّجال وليستا بنجسين.\r• الحكم الثاني: استدل بالآية من حرّم استعمال المنظفات التي تستخدم فيها النجاسات ولم تستهلك (¬٣). أي: المنظفات التي يكون في تركيبها شيء من","footnotes":"(¬١) بداية المجتهد (١/ ٨٣).\r(¬٢) كما سيأتي في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\r(¬٣) قال ابن رجب في القاعدة الثانية والعشرين من قواعده: «أن العين التي تنغمر في غيرها وتستهلك لا حكم لها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167376,"book_id":1216,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":30,"body":"النجاسات؛ كدهن الخنزير، أو الكحول، كالصابون ونحوه (¬١).\rومأخذ الحكم: أن ما حرم لعينه؛ فإنّه نجس، والميتة والدّم والخنزير حرمت لعينها فهي نجسة، وقد نصّ الشّارع على تحريمها بقوله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ وهي صيغة إخبار عن الحكم ثم أتى بصيغة العموم (أل) غير العهدية؛ ليشمل التحريم جميع وجوه الانتفاع من أكل وبيع واستعمال للتنظيف، وغير ذلك، فلا يجوز الانتفاع بالنّجاسة مطلقًا.\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦]\rاستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة.\rمأخذ الحكم: لأنّه ﷾ لم يذكر النجاسة في الآية وذكر الوضوء، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أوّل مبدوء به.\rقال ابن الفرس: «وأما إزالة النجاسات فإن حكمها مأخوذ من موضع آخر، وليس يقتضي بيان حكم الوضوء بيان حكم شرائط الصلاة كلها، فإن الصلاة موقوفة إجماعاً على ستر العورة، ولا ذكر لها في هذه الآية، فكذلك هي موقوفة على طهارة البدن والثوب، ولم يكن السكوت عنهما مانعاً من اشتراط السكوت عنه في آخر الفعل» (¬٢) ..\rوالصّحيح: وجوب إزالة النجاسة استدلالًا بقصة صاحبي القبرين حيث قال ﷺ: (إنّهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لا يستتر من البول","footnotes":"(¬١) ينظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٧٠)، وفتاوى المنار (١٦٣١)، وفتاوى ابن عثيمين (١/ ٢٥٤)، الفقه الميسر (٩/ ١٥)، فقه النوازل في العبادات للمشيقح (٦٦).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩)، وبمثله قال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٥٨١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167377,"book_id":1216,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":31,"body":"وأما الآخر فكان يمشي بالنّميمة) (¬١).\rقال القرطبي: «ولا يعذب إلا على ترك الواجب، ولا حجة في ظاهر القرآن، لأن الله ﷾ إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصّة، ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها» (¬٢).\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام، منها:\r• الحكم الأول: استدل العلماء بالآية على نجاسة الخمر، وحكي الإجماع على ذلك، واستدل آخرون بالآية على طهارتها.\rومأخذ من قال بنجاستها: قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾\rقال الجصاص: «اقتضت هذه الآية تحريم الخمر من وجهين: أحدهما: قوله: ﴿رِجْسٌ﴾ لأنّ الرجس اسم في الشرع لما يلزم اجتنابه; ويقع اسم الرجس على الشيء المستقذر النّجس، وهذا أيضا يلزم اجتنابه، فأوجب وصفه إياها بأنها رجس لزوم اجتنابها» (¬٣).\rوأما من قال بطهارة الخمر فإنه يرى أن نجاستها نجاسة معنوية وليست حسية.\rومأخذ الحكم: اقتران الخمر بالميسر والأنصاب والأزلام، وهذه الثلاثة ليست نجسة فكذلك الخمر، ليست نجاستها نجاسة حسيّة حقيقية؛ لأنّها اقترنت","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري كتاب الجنائز باب الجريدة على القبر، برقم (١٣٦١)، ومسلم في كتاب الطهارة باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه برقم (٢٩٢)\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٠٠).\r(¬٣) أحكام القرآن (٤/ ١٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167378,"book_id":1216,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":32,"body":"بالميسر والأنصاب والأزلام، وليست أعيانها نجسة.\rوالميسر: هو القمار.\rوالأنصاب: هي الأصنام، وقيل: النرد والشطرنج.\rوالأزلام: القداح.\rقال النووي: «واحتج أصحابنا بالآية الكريمة، قالوا: ولا يضر قرن الميسر والأنصاب والأزلام بها، مع أن هذه الأشياء طاهرة؛ لأنّ هذه الثّلاثة خرجت بالإجماع فبقيت الخمر على مقتضى الكلام» (¬١).\rوقد قوى الشّيخ العثيمين كون الخمر نجاستها نجاسة معنويّة، وليست حسيّة بقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. حيث اعتبره رجسًا عمليًا وليس عينيًا، فلا تكن هذه الأشياء بذلك نجسة (¬٢).\rواستدل ابن جزم على نجاسة الميسر والأنصاب والأزلام، وقال: هي نجسة، ومن صلى وهو حامل لها بطلت صلاته (¬٣).\rومأخذه: الأخذ بظاهر الآية.\r• الحكم الثاني: استدل بالآية على عدم جواز الصّلاة فيما إذا وضع المصلي على يده أو ثوبه العطور المسماة بالكولونيا.\rقال محمّد الأمين الشّنقيطي: « … وعلى هذا، فالمسكر الذي عمت البلوى اليوم بالتطيب به المعروف في اللسان الدارجي ب (الكولانيا) نجس لا تجوز الصلاة به» (¬٤).","footnotes":"(¬١) المجموع (٢/ ٥٦٤).\r(¬٢) انظر: الشرح الممتع (١/ ٤٣١).\r(¬٣) انظر: المحلى (١/ ١٨٨).\r(¬٤) أضواء البيان (٢/ ١٥٤)، الجامع الأحكام القرآن (٦/ ٢٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167379,"book_id":1216,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":33,"body":"ومأخذ الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ يقتضي الاجتناب المطلق الذّي لا ينتفع معه بشيء من المسكر. وهو أمرٌ بمعنى النهي، فيقتضي تحريمه، وفساد الصلاة به؛ لأنّ النّهي يقتضي التحريم والفساد.\rوقد دلت الآية على نجاسته بقوله: ﴿رِجْسٌ﴾، والرجس هو: النّجس.\rنوقش: بأن النجاسة هنا حكمية لا حسية. ويؤيد ذلك قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾.\rقال الشيخ العثيمين: «أنّ المراد بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ هو الخمر، وهو الشراب المسكر الذي أعدّ لذلك الذي يؤدّي شربه إلى المفاسد التي جعلها الله مناط الحكم في التحريم، وقد بيّن ذلك في الآية التي بعدها بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة ٩١]، فإذا كان لهذه الكحول منافع خالية من هذه المفاسد فإنه ليس لنا القول بتحريمها إلا بدليلٍ ناهضٍ، ولا دليل، وغاية ما يمكن أن يقال فيها: أنها من الأمور المشتبهة، والمشتبه إذا احتيج إليه فإنه يزول عنه حكم الاشتباه كما هو مقرّرٌ في القواعد الفقهية» (¬١).\rوالجواب: بل النجاسة حقيقية وليست حكمية؛ لأنّ التّحريم كان لذات الخمر، وما كان لذاته وعينه؛ فإنّه يدلّ على نجاسته. وهذا من القواعد التي يُخرَّج عليها هذا الحكم.\rقال ابن قدامة: «الخمر نجسة في قول عامة أهل العلم؛ لأن الله حرمها لعينها، فكانت نجسة كالخنزير، وكل مسكر فهو حرام، نجس، لما ذكرنا» (¬٢).","footnotes":"(¬١) مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٢٥٤ - ٢٥٦)، وينظر: مجموع فتاوى ابن باز (١٠/ ٣٨) حيث يرى عدم نجاستها مع تحريم التطيب بالطيب المعمول من الكالونيا.\r(¬٢) المغني (٩/ ١٤٤). وقد ذكر النووي في المجموع شرح المهذب للنووي (٢/ ٥٨٤) هذا المعنى وهو أن الخمر يحرم تناوله من غير ضرورة فكان نجساً كالدم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167380,"book_id":1216,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":34,"body":"كما أن العلماء علقوا نجاسة الخمر على وصف الإسكار، وهذا الوصف موجود في الكالونيا.\rقال ابن القيم: «الخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار» (¬١).\rوقال القرافي: «نجاسة الخمر معللة بالإسكار» (¬٢).\rومما يؤيد نجاسته مفهوم قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، حيث دلَّ منطوق الآية أن شراب الآخرة طهور، ومفهومه أن شراب الدنيا ليس بطهور.\rتنبيه: يأخذ حكم الكالونيا كل المواد المشتملة على الكحول، كمستحضرات التجميل، والمسحات الطبية، ونحوها (¬٣) في أثرها على الطهارة.","footnotes":"(¬١) إعلام الموقعين (٤/ ٨٠). وانظر: مدارج السالكين (٢/ ٤٩٧).\r(¬٢) الذخيرة (١/ ١٦٤).\r(¬٣) استعملت الكحول بجميع أنواعه بشكلٍ واسعٍ مع التّطوّر الهائل في الصناعة، حتى دخلت في العديد من المنتجات الحديثة، مثل:\r١. العطورات ومستحضرات التجميل.\r٢. محاليل الغسيل، ومستحضرات التنظيف، كالصابون، والشامبو، ونحوها.\r٣. مستحضرات التطهير والتعقيم، كالمسحات والمحاليل الطبية المستخدمة لتطهير الجروح، أو للتعقيم قبل العمليات الجراحية أو قبل ضرب الإبر العلاجية، ونحو ذلك.\r٤. الروائح والمنكهات التي تضاف إلى الأطعمة.\r٥. وقود المحرّكات، والطلاء، والأصباغ، والمذيبات، ومنها مذيبات المواد الصمغية واللواصق، كالمحاليل الخاصة بإزالة طلاء الأظافر، والمعروفة باسم الراتينج.\r٦. كما أنها تستخدم في تحضير كثير من الأدوية.\r٧. ومنها ما يضاف للبترول، فيؤدي إلى تحسين المعدل الأوكتاني للبترول، ومنه ما يخلط مع البترول، فينتج عنهما وقود للمحركات، يسمى البترول الكحولي، إلى غير ذلك من الصناعات التي يصعب حصرها. انظر: الموسوعة العربية العالمية (١٩/ ١٥٢)، والكحول والمخدّرات في الغذاء والدواء، لمحمد البار.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167381,"book_id":1216,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":35,"body":"ولذا تسامح بها بعضهم؛ لكونها مما عمَّت بها البلوى، وانتشرت، ولا يكاد يخلو منها بيت من بيوت المسلمين.\rوقالوا: إن في القول بنجاستها حرجًا عظيمًا؛ لأن فيه تأثيماً للأمة، وإبطالاً لعباداتها من صلاة وطواف ونحوه (¬١).\r• الحكم الثالث: استدل بالآية على جواز استعمال السوائل الكحولية لأغراض الصّناعة والرسوم، والخرائط والمختبرات (¬٢).\rمأخذ الحكم: إنّ الحكم يدور مع علته، حيث قالوا: إنّ علة تحريم الخمر هي ما ورد في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ﴾ [المائدة: ٩١]، وهذه العلة لا تحصل فيما إذا استعمل في غير الشراب (¬٣).\rتنبيه: هذا القول مبني على القول بعدم نجاسة الخمر من جهة، والقول بأن المحرم من الخمر هو الشرب فقط من جهة أخرى.\rوقالوا: إن الخمر ليس هو الكحول، وإنما هو كلّ مادّة أعدّت للشرب، وهي تؤدّي إلى الإسكار، سواءٌ أكانتْ من الكحول أم من غيرها، وعلى هذا فالعطورات الكحولية لا تدخل في مسمّى الخمر؛ لأنها من الطيب المباح في عرف جميع الناس، فهي لم تعدّ لغرض الإسكار، مثلها مثل البنزين، ومذيب البوية، والصمغ، والأصباغ، وغيرها مما قد يسكر وهو لم يعدّ لذلك.","footnotes":"(¬١) ينظر: فقه القضايا المعاصرة في العبادات (١٧٥) رسالة غير منشورة د. عبد الله بن بكر أبو زيد، والفقه الميسر (٩/ ١٧).\r(¬٢) ينظر: فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٢٥٤).\r(¬٣) المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167382,"book_id":1216,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":36,"body":"قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]\rاستدل بالآية على نجاسة الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير.\rومأخذ الحكم: أن معنى ﴿رِجْسٌ﴾: نجس.\rبالإضافة إلى ما سبق نقله من إجماع على أن المذكورات في الآية من أنواع النجاسات المتفق عليها.\rقال ابن عبد البر: «وإذا لم يكن طاهرًا فهو نجس، والنّجس رجس محرم» (¬١).\rوفي هذه الآية تقييد الدّم بالمسفوح، وقد أطلق في آية المائدة، ويجب حمل المطلق على المقيد باتفاق العلماء؛ لاتحاد الحكم والسّبب، وبني عليه عدم نجاسة الدّم الذّي في العروق.\r\rباب الوضوء\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: فرضية الوضوء ووجوبه.\rومأخذ الحكم: الأمر المطلق في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، وقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وهما يقتضيان الوجوب.","footnotes":"(¬١) التمهيد (٤/ ١٥٣)، والاستذكار (٥/ ٣٠١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167383,"book_id":1216,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":37,"body":"تنبيه: كان الوضوء ثابتاً قبل نزول هذه الآية بالسّنة، وروي أنّه صلى في أوّل ما أوحي إليه وأتاه جبريل ﵇ فعلّمه الوضوء (¬١).\r• الحكم الثاني: تكرار الوضوء لكل صلاة.\rلا خلاف بين العلماء في وجوب الوضوء على من عليه حدث؛ لأنّ الوضوء من شروط الصّلاة، وقد قال ﵊: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (¬٢).\rومأخذ الحكم من الآية هو أن العلماء قدّروا في الآية مضمرًا تقديره: إذا قمتم إلى الصّلاة محدثين فاغسلوا وجوهكم.\rأمّا غير المحدث: فقد اختلف العلماء في الأمر بالوضوء عند كل صلاة في حقه، هل هو مُحكم أو منسوخ، وإذا كان محكمًا هل هو أمر ايجاب أو ندب؟\rفذهب طائفة من العلماء إلى أن الآية محكمة، وهؤلاء اختلفوا في الأمر بالوضوء لكل صلاة، هل هو على الوجوب أو الندب؟.\rومأخذ الوجوب: هو ظاهر الأمر، وكونه يقتضي الوجوب، وهو كذلك يقتضي التكرار، ولاسيما وقد عُلق على شرط ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ فيتكرر الغسل عند تكرار القيام للصلاة وجوباً (¬٣)، كما أن الفعل في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، فعل في سياق شرط يعم؛ لأن الأفعال نكرات، والنكرة في سياق الشرط تعم.","footnotes":"(¬١) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٥٤).\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، برقم (١٣٥)، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم (٢٢٥).\r(¬٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٩٧)، التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (١/ ٣٦٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167384,"book_id":1216,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":38,"body":"وذهب جمهور أهل العلم إلى الندب، ولهم طريقان في ذلك:\rالطريق الأول: أن بعضهم ادعى النسخ، ومن القواعد المقررة في الأصول أن الوجوب إذا نُسخ بقي الجواز والندب. وقالوا: الناسخ فعله ﵊ يوم فتح مكة، حيث صلى خمس صلوات بوضوء واحد (¬١)، وهذا عند من يقول بأنّ السّنة تنسخ القرآن.\rالطريق الثاني: أنهم قالوا بأن الأمر للوجوب إلا أنه مصروف إلى الندب بما سبق من فعله ﷺ، وفعله ﷺ من صوارف الأمر عن الوجوب.\r• الحكم الثالث: فرائض الوضوء المتفق عليها هي المذكورة في الآية وهي: غسل الوجه، واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرِّجلين إلى الكعبين.\rقال ابن عبد البر: «أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرِّجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله … لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلّا في مسح الرجلين وغسلهما» (¬٢).\rومأخذ الحكم هو: الأمر الوارد في الآية ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وهو يقتضي الوجوب.\r• الحكم الرابع: أن ما لم يذكر في الآية اعتبره بعضهم سننًا وآدابًا.\rذهب بعض العلماء إلى اعتبار ما لم يذكر في الآية من السنن والآداب.\rقال السيوطي: «وردٌ على ما أوجب التسمية والمضمضة والاستنشاق لحديث: (توضأ كما أمر الله) (¬٣) وليس في الآية سوى الأعضاء الأربعة، وعلى ما أوجب","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد، برقم (٢٧٧)، وانظر: الإكليل (٢/ ٦٢١).\r(¬٢) التمهيد (٤/ ٣١) وانظر: تيسير البيان (٣/ ١٠٠)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٢)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).\r(¬٣) أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في وصف الصلاة، برقم (٣٠٢)، وحسنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167385,"book_id":1216,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":39,"body":"غسل باطن العينين؛ لأنه ليس من الوجه، إذ لا يقع به المواجهة» (¬١).\rومأخذ الحكم هو أنّ النبي ﷺ أحال السائل إلى كتاب الله فقال: (توضأ كما أمر الله)، فدَّل على أن غيره ليس بواجب.\rتنبيه: ذهب آخرون إلى اعتبار بعضها من السنن، وبعضها من الفروض، وبعضها من الشروط، استدلالاً بأدلة أخرى خارجة عن الآية.\rقال ابن الفرس: «وقد استنبط من أوجب المضمضة والاستنشاق من قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وأنهما فرض علينا؛ لأن قوله تعالى ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ عموم، ومن اغتسل ولم يتمضمض إنما هو مطهر لبعض جسده، وعموم الآية يقتضي تطهر الجميع، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى لم يذكر موضع الطهارة أصلاً بلفظ يقتضي عموم البدن، ولا بلفظ يخالفه، وإنما قال: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ وليس فيه ما يوجب خصوصاً أو عموماً» (¬٢).\r• الحكم الخامس: اشتراط النّية.\rمأخذ الحكم: مفهوم قوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: أردتم القيام مما يدل على أن الوضوء يراد للصّلاة، وأنّه شرط في صحتها، والإرادة هي النّية.\rقال القرطبي: «احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ فلما وجب فعل الغسل كانت النية شرطا في صحة الفعل؛ لأن الفرض من قبل الله تعالى، فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به، فإذا قلنا: إن النية لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى، ومعلوم أن","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥).\r(¬٢) انظر: المغني (١/ ٣٣ - ١٥٤) .... والمجموع (١/ ٣٦٢، ٣٨٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167386,"book_id":1216,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":40,"body":"الذي اغتسل تبردًا أو لغرض، ما قصد أداء الواجب، وصحّ في الحديث أن الوضوء يكفر، فلو صحَّ بغير نية لما كفَّر. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] (¬١).\rقال ابن العربي في قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ في آية [النساء: ٤٣]: «ولفظ اغتسل يقتضي اكتساب الفعل، ولا يكون مكتسباً له إلا بالقصد إليه حقيقة، فمن أخرجه إلى المجاز فعليه البينة» (¬٢).\rتنبيه: سبق القول بأن مالم يذكر في الآية، جعله بعضهم من المسنونات، وذهبت الحنفية إلى أن في اشتراط النية زيادة على النص بخبر الواحد وهو غير مقبول عندهم؛ لأنه نسخ عندهم، والنسخ لا يكون بخبر الواحد.\rكما أن واو النسق في الآية لا تعطي رتبة، وإنما هي للجمع دون الاشتراك والترتيب، واسم الغسل ينتظم لمن رتب ولمن لم يرتب، قاله ابن الفرس (¬٣).\r• الحكم السادس: اشتراط الموالاة.\rالموالاة هي: اتباع المتوضئ الفِعْل الفِعل إلى آخره من غير تراخٍ بين أبعاضه، وفصل بفعل ليس منه.\rوقال ابن قدامة: «أن لا يترك غسل عضو حتى يمضي زمن يجف منه العضو الذي قبله في الزمان المعتدل» (¬٤).","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٨٤)، وانظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢).\r(¬٢) أحكام القرآن (١/ ٤٤٠).\r(¬٣) انظر: أحكام القرآن (٢/ ٣٨٣).\r(¬٤) المغني (١/ ١٩٢)، وقال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٥٨١): «إنها عبادة ذات أركان مختلفة فوجب فيها التوالي كالصلاة».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167387,"book_id":1216,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":41,"body":"وقد اختلف العلماء في حكم الموالاة في الوضوء:\rفذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الموالاة من فرائض الوضوء واستدلوا بالآية.\rومأخذ الحكم هو: أن الأمر بغسل الأعضاء الوارد في الآية مطلق، وهو هنا يقتضي الفور؛ «لأنّ الخطاب بصيغة الشرط والجزاء، ومن حق الجزاء أن لا يتأخر عن جملة الشرط. وتطهير جملة الأعضاء جزاء الشرط الذّي هو القيام للصّلاة، فوجب أن لا يتأخر شيء منه عنها» (¬١).\rوذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اشتراط الموالاة.\rوقال القرطبي مبينًا مأخذاً آخر: «إن الله ﷾ أمر أمرًا مطلقا، فوالِ أو فرِّق، وإنما المقصود وجود الغسل في جميع الأعضاء عند القيام إلى الصلاة» (¬٢). ولكل قائل - بالموالاة وعدمها - استدلالات أخرى يرجع لها في كتب الفقه.\r• الحكم السابع: اشتراط التّرتيب.\rاستدل بعض العلماء بالآية على كون الترتيب من فرائض الوضوء، ومنهم مَنْ استدل بها على عدم الترتيب.\rأما القائلون بالترتيب فمأخذ الحكم عندهم هو: مراعاة ترتيب الآية حيث أدرج سبحانه الممسوح بين المغسولات، وهذا لا يكون إلّا عن قصد ترتيب الأشياء على النسق المذكور.\rقال الموزعي: «ولأن الله سبحانه قطع النظير عن النظير، فأدخل ممسوحاً بين مغسولين، وقدم القريب على ما هو أقرب منه، فقدَّم اليدين على الرأس، وهو محلُّ","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167388,"book_id":1216,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":42,"body":"الوجه، فدلَّت هذه المقاصد والأمارات على وجوب الترتيب» (¬١).\rوهناك مأخذ آخر قاله بعض العلماء وهو: أن (الفاء) في قوله ﴿فَاغْسِلُوا﴾ تقتضي التعقيب، فإنها لما كانت جوابًا للشرط ربطت المشروط به، فاقتضت الترتيب في الجميع (¬٢).\rوأجيب عنه: بأنّه اقتضت البداءة في الوجه؛ إذ هو جزاء الشّرط وجوابه، وإنما كانت تقتضي الترتيب في الجميع لو كان جواب الشّرط معنى واحدًا، فإذا كانت جملًا كلها جوابًا لم تبال بأيها بدأت، إذ المطلوب تحصيلها (¬٣). قاله القرطبي ثم قال: «والصّحيح أن يقال: إن التّرتيب متلقى من وجوه أربعة:\rالأول: أن يبدأ بما بدأ الله به كما قال ﵊ حين حجَّ: (نبدأ بما بدأ الله به) (¬٤)» (¬٥). فجعل بداية الله سبحانه سببًا للتقدم، وأخذ بعض العلماء من هذا الحديث عموم لفظه دون خصوص السبب.\rثمّ ذكر الأوجه الأخرى وهي خارجة عن الآية فقال: «الثّاني: من إجماع السّلف فإنّهم كانوا يرتبون. الثّالث: من تشبيه الوضوء بالصّلاة. الرّابع: من مواظبة رسول الله ﷺ على ذلك» (¬٦).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).\r(¬٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٨)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨).\r(¬٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٨) وقال عنه: «وهذا قول له رونق وليس بمحقق».\r(¬٤) أخرجه أبوداود في كتاب الحج، باب صفة حجة النبي ﷺ، والنسائي في كتاب الحج، باب القول بعد ركعتي الطواف (٢٩٦١)، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء أنه بدأ في الصفا قبل المروة، برقم (٨٦٢) وقال: «هذا حديث حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم». قلت: وفي مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، برقم (١٢١٨) بلفظ (أبدأ بما بدأ الله).\r(¬٥) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨)، وانظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).\r(¬٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167389,"book_id":1216,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":43,"body":"ومن قال بعدم اشتراط الترتيب فمأخذ الحكم عندهم: أن العطف بين الأعضاء بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، إنّما تفيد مطلق الجمع.\rوأجاب عنه بعضهم بأنّ نحاة الكوفة قائلون باقتضائها التّرتيب (¬١).\rقال الموزعي بعد أن ذكر المأخذ السابق: «وأحسن عندي من ذلك كلِّه في الاستدلال ما استدلَّ به الشافعي في الكتاب القديم من قوله ﷺ في الصفا: (نبدأ بما بدأ الله به) (¬٢)، فجعل بداية الله سبحانه سبباً للتقديم» (¬٣).\r• الحكم الثامن: ذهب بعض العلماء إلى أن إجراء الماء على أعضاء الوضوء كاف في تحقق معنى الغسل المأمور به، وليس عليه دلكها بيده، واشترط بعضهم إمرار شيء مع الماء في الغسل كاليد ونحوها.\rومأخذ الحكم عند الفريقين: راجع إلى لفظ الغسل، وبم يتحقق، وهل يشترط فيه الدلك أو يكفي إمرار اليد على المغسول؟.\rقال ابن الفرس: «الغسل عند أهل اللغة أن يمر الإنسان الماء على الشيء المغسول مع إمرار شيء منه معه كاليد ونحوها» (¬٤).\rقال السيوطي: «قال ابن الفرس: وفي لفظ الغسل دليل على وجوب الدلك وإمرار اليد … » (¬٥).\rوقال ابن حزم: «ومن غمس أعضاء الوضوء في الماء ونوى به الوضوء للصلاة، أو … أجزأه، برهان ذلك أن اسم (غسل) يقع على ذلك كله في اللغة التي","footnotes":"(¬١) انظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).\r(¬٢) سبق تخريجه.\r(¬٣) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).\r(¬٤) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٣) وانظر أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٣٩).\r(¬٥) الإكليل (٢/ ٦٢٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167390,"book_id":1216,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":44,"body":"نزل بها القرآن، ومن ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدليك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به» (¬١).\rتنبيه: هذا المأخذ ليس أصولياً، بل راجع للمعنى اللغوي.\rاستدل من قال بالدلك - المالكية- كذلك بالقياس على التيمم، فالتيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذا هنا.\rوهذا مأخذ من غير الآية - وهو القياس - والجمهور لهم مأخذ آخر على عدم الدلك، وهو ما ورد من حديث (فأفرغه عليك) (¬٢) والسنة تبين القرآن.\r• الحكم التاسع: يجب غسل الوجه بالاتفاق (¬٣) - كما سبق - إلّا أن الخلاف واقع فيما يدخل في الوجه.\rومأخذ الحكم: يرجع إلى ما تكون به المواجهة التي تدخل في مفهوم الوجه، فالوجه مأخوذ من المواجهة، وهو اسم لبشرة الوجه التي تحصل بها المواجهة، والشعر ليس ببشرة (¬٤).\rوحده من منابت شعر الرأس إلى آخر الذقن طولًا ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، وقيل: من العارض إلى العارض.\rوبناءً على مفهوم المواجهة وأن الأمر هل يكون للباطن كما يكون للظاهر؟ اختلفوا في دخول بعض الأفعال في غسل الوجه.\rومن ذلك: المضمضة والاستنشاق، وقد قال الشافعي عنهما: «ولم أعلم","footnotes":"(¬١) المحلى (١/ ٩٤).\r(¬٢) أخرجه البخاري في باب باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم، يكفيه من الماء، برقم (٣٤٤).\r(¬٣) انظر: المغني (١/ ١٦١).\r(¬٤) انظر: المغني (١/ ١٦٥)، تيسير البيان (٣/ ١١٦)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167391,"book_id":1216,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":45,"body":"اختلافًا في أن المتوضئ لو تركها عامدًا أو ناسيًا، وصلى لم يعد» (¬١). وهو مذهب مالك وخالفهما الإمام أحمد وغيره، فالإجماع غير متحقق (¬٢).\rواختلف في اللحية هل هي من الوجه ويجب غسلها، أو ليست من الوجه؟ فمَن قال بأنها ليست منه علَّل ذلك بأنّ مَنْ طالت لحيته لا يقال طال وجهه، ومَن قال بأنها منه قال بأنها نبتت فيه فتأخذ حكمه، وفيها معنى المواجة.\rقال أبو عمر: «من جعل غسل اللحية كلها واجبا جعلها وجهًا، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا لم يخصّ صاحب لحية من أمرد، فكل ما وقع عليه اسم وجه فواجب غسله؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، وغير ممتنع أن تسمى اللحية وجهاً، فوجب غسلها بعموم الظاهر؛ لأنها بدل من البشرة» (¬٣).\rتنبيه: هذا المأخذ ليس أصولياً، بل راجع للمعنى اللغوي.\r• الحكم العاشر: دخول المرفق في غسل اليدين.\rاتفق العلماء على وجوب غسل اليدين - كما سبق - واختلفوا في المرفقين هل تدخلان في الغسل أو لا؟\rفذهب جمهور أهل العلم إلى دخولهما في الغسل.\rومأخذ الحكم: أن المغيا وهو ما دخل عليه حرف الغاية وهما - المرفقان هنا في الغسل - داخلان في الغاية عند الجمهور، ولاسيما أن الحد من جنس المحدود، فالمرفق من جنس اليد.\rوبعضهم جعله من التخصيص بالغاية؛ إذ إن اليد عامّة تشمل الكف والذراع","footnotes":"(¬١) الأم (١/ ٣٩).\r(¬٢) انظر: المغني (١/ ١٦٦)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٥).\r(¬٣) التمهيد (٣٠/ ١٢١)، الاستذكار (٢٠/ ١٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167392,"book_id":1216,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":46,"body":"والمرفق والمنكب، فخصص بالغاية إلى المرفق، وخرج ما بعده.\rقال ابن العربي: «إن المرافق حد الساقط لا حد المفروض، قاله القاضي عبد الوهاب، وتحقيقه أن قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ يقتضي بمطلقه من الظفر إلى المنكب، فلما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أسقط ما بين المنكب والمرفق، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى» (¬١).\rومأخذ آخر: وهو أن (إلى) بمعنى (مع).\rقال السيوطي: «ومن أدخلهما قال: إلى بمعنى مع» (¬٢).\rتنبيه: قال ابن العربي: «وأما قولهم: إن (إلى) بمعنى مع فلا سبيل إلى وضع حرف موضع حرف، إنما يكون كلُّ حرف بمعناه، وتتصرفُ معاني الأفعال، ويكون معنى التأويل فيها لا في الحروف، ومعنى قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ على التأويل الأول (يقصد بمعنى مع): فاغسلوا أيديكم مافةً إلى المرافق» (¬٣).\rوذهب طائفة من أهل العلم إلى عدم دخول المرفقين في الغسل.\rومأخذ الحكم: أن (إلى) إنما هو لانتهاء الغاية، فما بعدها غير داخل فيما قبلها، فتخرج الغاية ب (إلى).\r• الحكم الحادي عشر: الخلاف في مسح جميع الرأس أو بعضه، مع الاتفاق على وجوب مسحه (¬٤).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٦٧)، وقال الموزعي في تيسير البيان (٣/ ١٠٣): «وحاول بعضهم دلالتها مع بقائها على أصل وضعها، فقال (إلى) هاهنا للإخراج لا للإدخال … » ثمَّ ذكر نحواً مما قاله ابن العربي.\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٦٢٥)، تيسير البيان (٣/ ١٠٢).\r(¬٣) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٦٧).\r(¬٤) انظر: المغني (١/ ١٧٥)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167393,"book_id":1216,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":47,"body":"مأخذ الخلاف راجع إلى معنى (الباء) في قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.\rفالذين قالوا: بمسح جميع الرأس ذهبوا إلى أن (الباء) زائدة مؤكدة، فالمعنى: امسحوا رؤوسكم أنفسها، وعليه فيجب مسح جميع الراس على نص الآية.\rوقال بعضهم: إنّ (الباء) على بابها للإلصاق، ليست بزائدة. والمعنى على ثبوت (الباء) أو سقوطها سواء، وذلك يوجب عموم المسح.\rقال ابن الفرس: «وهذا الوجه أحسن؛ لأنّ زيادة (الباء) في هذا الموضع غير معروف في كلام العرب» (¬١).\rأمّا الذين ذهبوا إلى جواز مسح بعضه فقالوا: إنّ (الباء) للتبعيض، فيقتضي مسح بعض الرأس، وكونها للتّبعيض بيانه - عند من قال به - قالوا: إنّ الباء إذا دخلت على فعل يتعدى من غير (باء) اقتضت التبعيض فيه؛ وذلك لأنّ أهل اللسان فرقوا بين قولهم: (أخذت قميص فلان)، وبين قولهم: (أخذت بقميص فلان) فيحملون الأوّل على أخذ جميعه، والثّاني: على التعلق ببعضه، وكذا في الآية، فإذا قال: (مسحت يدي بالمنديل) و (مسحت يدي بالحائط) عقل من ذلك كله التبعيض، فدّل على أن ذلك مقتضاه.\rوقد أنكر بعض أهل اللّغة - كابن جني، وابن برهان - هذا التّفريق، وقال ابن جني: «من قال: إن الباء للتبعيض فقد أتى أهل اللغة بما لا يعرفونه»، ولذا أولوا ما استدل به على التضمين، أو أن التبعيض إنما استفيد من القرائن (¬٢).\rنوقش: بأنها شهادة نفي لا تقبل.","footnotes":"(¬١) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٩).\r(¬٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧١)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٩)، وانظر: سر صناعة الإعراب (١/ ١٢٣)، وشرح اللمع لابن برهان (١/ ١٧٤)، التحبير للمرداوي (٢/ ٦٧٠)، المغني (١/ ١٧٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167394,"book_id":1216,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":48,"body":"وأجيب: بأنها ليست بشهادة نفي، وإنما هي إخبار عن ظن غالب يستند إلى الاستقراء ممن هو أهل لذلك مطلع على لسان العرب (¬١).\rوحمل بعضهم استعمال (الباء) للتبعيض على المجاز لقرائن ظاهرة في الأمثلة التي ذكروها، والأصل حمل اللفظ على حقيقته، حتى يقوم دليل المجاز.\rوألزم القائلون بعدم التبعيض في (الباء) القائلين بالتبعيض بأية التّيمم في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ حيث إنّ المسح يكون لجميع الوجه لا بعضه باتفاق (¬٢).\rوأجيب عنه: بأن المسح في الرأس أصلٌ، أمّا المسح في التيمم فهو بدل، والبدل يأخذ حكم المبدل منه، ولما كان المبدل منه غسلاً للوجه كاملًا كذلك يكون البدل مسحاً للوجه كاملًا.\rوهناك مأخذ آخر وهو لمن قال بمسح بعض الرأس وهو: أن الحكم إذا علق على اسم، فإنه يكتفي بأول ذلك الاسم، وأقل ما ينطلق عليه. وقد علق المسح هنا بالرأس فلا يشترط الاستيعاب بل يكتفى ببعضه.\r• الحكم الثاني عشر: أن مسح الراس يكون مرة واحدة.\rاتفق الجميع على مشروعية مسح الرأس (¬٣)، وإنما الخلاف في مشروعية تكرار المسح.\rفذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يسن تكرار المسح، بل الواجب مسح الراس مرة واحدة.\rومأخذه: هو المأخذ السابق فيما إذا عُلِّق الحكم على اسم، فإنه ينطلق على أقل ما يتعلق به، وعلى هذا فإن المسحة الواحدة يقع بها المسح المأمور به، ويسقط","footnotes":"(¬١) انظر: التحبير للمرداوي (٢/ ٦٧١).\r(¬٢) انظر: المغني (١/ ١٧٦)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٧)، أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١٢١).\r(¬٣) انظر: الإفصاح لابن هبيرة (١/ ٨٣)، والإشراف في مسائل الخلاف لابن نصر البغدادي (١/ ٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167395,"book_id":1216,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":49,"body":"الفرض، فالمرة يخرج بها عن العهدة.\rوذكر ابن الفرس مأخذاً آخر فقال: «لا سيما وقد رجح حذاق الأصوليين أن الأمر لا يقتضي التكرار» (¬١).\r• الحكم الثالث عشر: وجوب مسح الأذنين.\rذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب مسح الأذنين.\rومأخذه ظاهر: إذا ضمّ إليه قوله ﷺ: (الأذنان من الرّأس) (¬٢)، والرأس يجب مسحه لقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ فهذا أمر يقتضي الوجوب فيجب مسحهما.\rمأخذ آخر: أن الأذنين إما أن يكونا من الرأس أو الوجه، وليست من الوجه لعدم المواجهة بها، فبقيت من الرأس، والرأس يمسح كما في الأمر بالآية.\rأما القائل إنهما لا يمسحان؛ فلأن المولى سبحانه قال: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ولم يذكر الأذنين، ولولا أنهما داخلتان في حكم الرأس ما أهملهما، وما كان ربك نسيا، قاله ابن العربي (¬٣).\r• الحكم الرابع عشر: ذهب طائفة من العلماء إلى عدم جواز المسح على العمامة.\rمأخذه: أن الآية أمرت بالمسح على الرأس، ومن مسح على حائل لم يمسح على رأسه، بل مسح على ذلك الحائل.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧١).\r(¬٢) أخرجه أبو داوود في الطهارة، برقم (١٣٤)، والترمذي في الطهارة، برقم (٣٧)، وابن ماجة في الطهارة، برقم (٤٤٣، ٤٤٤، ٤٤٥)، وصححه الألباني في تخريجه أحاديث ابن ماجة، وقال: «صحيح على كل رواية من الروايات الثلاث: عبد الله بن زيد، وأبي أمامة، وأبي هريرة». انظر: صحيح سنن ابن ماجة برقم (٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٩)، إرواء الغليل حديث رقم (٨٤)، السلسلة الصحيحة (٣٦).\r(¬٣) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167396,"book_id":1216,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":50,"body":"وهو محجوج بآثار وردت في جواز ذلك (¬١).\r• الحكم الخامس عشر: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المجزئ في عدد غسل الأعضاء واحدة.\rمأخذ الحكم هو: أن أقل ما يقع عليه اسم الغسل مرة واحدة، واحتمل أكثر، فسن رسول الله ﷺ الوضوء مرّة، فوافق ظاهره القرآن، وذلك أقل ما يقع عليه اسم الغسل، واحتمل أكثر، وسنه ﷺ مرتين وثلاثًا (¬٢).\r• الحكم السادس عشر: ذهب جمهور أهل العلماء إلى وجوب غسل الرجل إذا كانت مكشوفة، ومسحها إذا كانت بحائل، كالخف.\rوذهب بعضهم -وقد روي عن بعض الصحابة- القول بالمسح على القدم، ونقل عن ابن جرير القول بالتخيير بين الغسل والمسح (¬٣).\rوسبب الخلاف: تعدد القراءات، وتعددها بمنزلة تعدد الآيات.\rوبيان ذلك: ورد في قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: النصب والجر.\rفمن قال بوجوب غسلها - وهم الجمهور - فقد أخذوا بقراءة النّصب، وهي معطوفة على قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الأمر بغسل القدم مطلق يقتضي الوجوب، وللعلماء في وجه الإعراب وتوجيه القراءة خلاف، والمقطوع به من","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة، برقم (٢٤٧).\r(¬٢) قال البخاري في صحيحه (١/ ٣٩): باب ما جاء في الوضوء وقول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قال أبو عبد الله: «وبين النبي ﷺ أن فرض الوضوء مرة مرة، وتوضأ أيضا مرتين وثلاثا، ولم يزد على ثلاث، وكره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فعل النبي ﷺ».\r(¬٣) انظر: جامع البيان للطبري (١٠/ ٦٣ - ٦٤)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167397,"book_id":1216,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":51,"body":"السنة غسل القدمين، فهي بيان بقوله وفعله ﷺ (¬١).\rقال الموزعي: «ويدل على أن المراد به الغسل فعل النبي ﷺ ذلك في جميع الحالات والمواطن، ولم ينقل إلينا قط أنه مسح القدمين، ولو كان واجباً أو جائزاً لبيَّنه عن الله سبحانه كما أوجب ذلك عليه» (¬٢).\rوحملوا قراء الجر - على القول بكونها معطوفة على قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، على مسح القدم إذا كانت بحائل، كالخف والجورب.\rومن قال بأن الواجب أو الجائز في حق الرجلين المسح: فإنهم أخذوا بقراءة الجر وهي معطوفة على الرأس، وفرض الرأس المسح فكذا الرجلان.\r• الحكم السابع عشر: ورد الأمر في الآية بغسل القدم إلى الكعبين، وهما العظمان النائيان في أسفل الساق من جانبي القدم، والأمر مغيا بغاية، فذهب الجمهور إلى دخول الكعبين مع القدمين في الغسل.\rومأخذ الحكم: هو أن المغيا يدخل في الغاية، كما سبق في اليد مع المرفق.\rومن العلماء من جعل معنى (إلى) في الآية بمعنى (مع).\r• الحكم الثامن عشر: استدل بالآية على وجوب إزالة ما يعلق بأعضاء الوضوء، ويمنع وصول الماء إلى البشرة مما له جرم، كالدّهون والكريمات، وطلاء الأظافر، والأكحال التي تكون مادتها بلاستيكية، والأصابع المعدنيّة التي تحتوي على","footnotes":"(¬١) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧٣ - ٣٧٧)، وورد بالنقل المستفيض من فعله ﷺ، وأما القول فمنه قوله ﷺ: (ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثاً)، أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين ولا يمسح القدمين، برقم (١٦٣)، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، برقم (٢٤١)، وهذا يوجب استيعابهما بالغسل؛ لأن الوضوء اسم للغسل، يقتضي إجراء الماء على الوضوء، والمسح لا يقتضي ذلك.\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ١٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167398,"book_id":1216,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":52,"body":"الكبريت أو الرّصاص أو النحاس، وبيضات الشعر (¬١).\rمأخذ الحكم: يمكن استنباط الحكم السابق من الآية بواسطة قاعدة: ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب.\rوبيانه: أنَّ غسل جميع أعضاء الوضوء واجب، ولا يتمّ هذا لواجب إلّا بإزالة ما يحول دون وصول الماء إليها، فيكون إزالة تلك الحوائل من الدّهون والكريمات ونحوها واجب.\r• الحكم التاسع عشر: استدل بالآية من قال بوجوب غسل ما بقي من العضو إن كان القطع من المفصل فما دونه، سواء كان في اليد أو القدم، وتنزع الأطراف الصناعية لأجل ذلك (¬٢).\rمأخذ الحكم: أن معنى (إلى) هنا بمعنى (مع) (¬٣) ويفسرها فعل النبي ﷺ الدائم في الوضوء.\rنوقش: بأنّ (إلى) الأصل أنها للغاية، فلا يدخل ما بعدها إلى ما قبلها، وعليه فلا يدخل المرافق في الغسل مع الأيدي، ولا الكعب في الغسل مع الأرجل (¬٤).\rوأجيب: بأنّ ورود (إلى) بمعنى (مع) شائع في اللسان (¬٥).","footnotes":"(¬١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٥/ ٢١٨)، فتاوى ابن باز (١٠/ ٤٩)، مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٤/ ١٤٠)، الفقه الميسر (النوازل في العبادات) (٩/ ٩)، فقه النوازل في العبادات للمشيقح (٣٢، ٤٢)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٠).\r(¬٢) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١١/ ١٠٦، ١٥٢)، الفقه الميسر (٩/ ١٨)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٥ - ٢٦).\r(¬٣) ينظر: المغني (١/ ١٧٢)، الشرح الممتع (١/ ٢١٣)، أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص (٢٥٢).\r(¬٤) ينظر: تيسير البيان لأحكام القرآن (٢/ ٧٣١).\r(¬٥) لقول جابر بن عبد الله ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا تَوَضَّأَ أَدَارَ المَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ) وقالوا: لفظ: «كان» في الحديث يدل على المداومة، ولم ينقل إلينا أنه ﷺ اقتصر على ما دون المرفق، فدلّ على دخوله وجوبًا، وفي فعله ﷺ بيانٌ للغسل المأمور به في الآية. ينظر: تيسير البيان (٢/ ٧٣٢)، أثر العربية في استنباط الأحكام الفقهية من السنة النبوي، ص (٤٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167399,"book_id":1216,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":53,"body":"• الحكم العشرون: استدل بالآية من قال بعدم جواز المسح على الشماغ والغترة والطاقية (¬١) والقبعات (¬٢).\rمأخذ الحكم: أن الباء في قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ للإلصاق، وهذا يقتضي عدم وجود الحائل بين الراس والماء.\rتنبيه: ثبت عن النبي ﷺ المسح على العمامة (¬٣)، ومن أجاز ذلك اشترط للمسح عليها شروطًا لا تنطبق على الشماغ وما ذكر معه. فالحنابلة يشترطون في جواز المسح على العمامة كونها محنّكة أو ذات ذؤابة (¬٤)، والشماغ والغترة والطاقية ليست كذلك\rولعل ضابط ذلك ما ذكره الشيخ العثيمين: «ما كان بمعنى العمامة مما يشق نزعه، فإنه يلحق بها، وما لا فلا» (¬٥).\r• الحكم الحادي والعشرون: استدل بالآية على عدم جواز المسح على الباروكة (¬٦).","footnotes":"(¬١) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ١٧٠)، الشرح الممتع (١/ ١٩٣)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٤).\r(¬٢) يرى الشيخ العثيمين جواز المسح على القبّعة التي تلبس على الرأس أيام الشتاء لتقية البرد؛ لأنّ نزعها قد يكون أشق من العمامة، ولأنها أشد تدفئة من العمامة فتأخذ حكمها. ينظر: شرح صحيح مسلم، لابن عثيمين (١/ ٥٨٠)، مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ١٧٠)، فتح ذي الجلال والإكرام (١/ ٣٨٦).\r(¬٣) كما في حديث عمرو بن أمية ﵁ قال: (رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين، برقم: (٢٠٥).\r(¬٤) ينظر: كشاف القناع عن متن الإقناع (١/ ١١٩)، الإنصاف (١/ ١٨٥)، الشرح الممتع (١/ ٢٣٧).\r(¬٥) ينظر: شرح صحيح مسلم، لابن عثيمين (١/ ٥٧٩).\r(¬٦) ينظر: فتاوى العثيمين (١١/ ١٩٣)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167400,"book_id":1216,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":54,"body":"مأخذ الحكم: أن الباء في قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ للإلصاق، وهذا يقتضي عدم وجود الحائل بين الراس والماء.\rويستصحب التنبيه السابق في المسألة الماضية.\rكما ينبه: أن لبس الباروكة للرجال والنساء محرم، هذا هو الأصل فيها؛ لأنها داخلة في الوصل، وهي وإن لم تكن وصلاً إلا أنها تظهر شعر الرأس على وجه أطول من حقيقته فتشبه الوصل، فتأخذ حكم وصل الشعر، وقد أجاز الشيخ العثيمين ﵀ لبس الباروكة للمرأة القرعاء التي لا شعر لها أصلاً؛ لأنه من باب إزالة العيب وهو جائز قياساً على إذن النبي ﷺ باتخاذ أنف من ذهب لمن جدع أنفه (¬١).\r\rباب المسح على الخفين\rالخفان: واحدهما خف، وهو: ما يلبسه الإنسان، ويجمع على خفاف.\rويدخل في حكم الباب الجورب، وهو لفافة الرِّجل، ولعله المصنوع من الصّوف أو القطن أو الحرير، أو مشترك بين اثنين فأكثر.\rوفي وقتنا الحاضر تعددت المنسوجات فتصنع الجوارب من الأنواع السّابقة ومن النايلونات، وتسمى في وقتنا الحاضر بالشّراب.\rويدخل فيه الجرموق وهو: خفٌ يلبس فوق الخف، والموق وهو بالمعنى السّابق. وقيل غير ذلك.\rقال تعالى: ﴿وَأَرْجُلِكم﴾ [المائدة: ٦] بكسر اللام.\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام، منها:\r• الحكم الأول: مشروعية المسح على الرجلين إذا كان عليهما خف.","footnotes":"(¬١) ينظر: فتاوى المرأة ص (١٦٦ - ١٨٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167401,"book_id":1216,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":55,"body":"قال ابن قدامة: «والمسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم» (¬١).\rاستدل العلماء بقوله: ﴿وَأَرْجُلِكم﴾ بكسر اللام على مشروعية المسح على الرجلين إذا كان عليهما خف، فعطفوا الأرجل على المسح على الرأس، في قوله: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم إلى الكعبين﴾.\rولما كانت القراءتان محتملتين وجائزتين لغة، حمل العلماء قراءة النّصب في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على العطف على المنصوب في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ فعطف بالنّصب مغسولًا على مغسولٍ، وجعلوا فرض الرِجلين الغسل، وذلك إذا لم يكن على القدمين خف أو نحوه. وإن كان على القدمين خُفٌّ فجعلوا فرض الوضوء مسح القدمين، استدلالًا بالقراءة الثانية، وهو عطف الممسوح على الممسوح.\rمأخذ الحكم: أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة؛ فإنّ لهما حكم الآيتين؛ ولذا حملوا فرض غسل القدم على قراءة النّصب، وفرض مسح القدم (الخف) على قراءة الخفض كما سبق.\rقال السيوطي: «قُرئ النصب والجر، فالأولى للغسل، والثانية لمسح الخف؛ لأن تعدد القراءات بمنزلة تعدد الآيات» (¬٢).\r• الحكم الثاني: استدلَّ بوجوب المسح على الجورب الملبوس على الأرجل الصناعية على قراءة: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بكسر (أرجلِكم) وذلك إن كان القطع من الكعب فما دونه من جهة القدم.\rفالقول في هذا المطلب كالقول في المطلب السابق، إلا أنّ الحكم -هنا-","footnotes":"(¬١) المغني (١/ ٣٥٩).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٦٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167402,"book_id":1216,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":56,"body":"متعلِّقٌ بالمسح على الجورب أو الخف الذي على الرّجل الصناعية\rمأخذ الحكم: ما سبق في المسألة السابقة من دلالة معنى حرف (إلى) وأنه بمعنى (مع)، مع جواز الاحتجاج بالقراءة الأخرى، فيأخذ حكم الغسل في المسألة السابقة، فيمسح عليها، إن كان قطع الرِجل من الكعب فما دون جهة القدم.\rتنبيه: الكلام في هذه المسألة هو نفس الكلام في المسألة السابقة.\r\rباب نواقض الوضوء\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]\rالنواقض: جمع ناقض، ونواقض الوضوء: مفسداته، أي: التي إذا طرأت عليه أفسدته. وأتى بلفظ: نواقض، بالجمع للإشارة إلى تعددها واختلافها.\rومناسبة وروده بعد الوضوء ظاهرة؛ إذ إن النقض لا يكون إلا بعد وقوعها.\rوقال: نواقض الوضوء، ولم يقل نواقض الطهارة، لأجل الاقتصار على ما ينقض الطهارة الصغرى، دون الكبرى.\r• الحكم الأول: من نواقض الوضوء: إتيان الغائط.\rدلَّت الآية على أن الخارج من السبيلين من نواقض الوضوء، وعبَّر المولى ﷾ عنه بلفظ ﴿الْغَائِطِ﴾، وهو كناية عن الحدث من النواقض الصغرى.\rومأخذ الحكم: الأول: الأمر الوارد بقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: أي إن جئتم من الغائط، مما يدلُّ على كونه ناقضاً. لأن الوضوء والتيمم رافعان لهذه الأحداث فأمر بهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167403,"book_id":1216,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":57,"body":"ثانياً: مفهوم الشرط فيه وهو: إن لم يأت الغائط فهو غير مأمور بالتيمم أو الوضوء.\rتنبيه: ذكر العلماء أن لفظ ﴿الْغَائِطِ﴾ في الآية يجمع بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى.\rويؤيد هذا ما قدَّره العلماء في صدر الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ حيث قدَّروا: (إذا قمتم محدثين) فيدخل فيه كل حدث. والأحداث منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه.\rقال القرطبي: «وقد اختلف الناس في حصرها، وأنبل ما قيل في ذلك أنها ثلاثة أنواع: لا خلاف فيها في مذهبنا: زوال العقل، خارج معتاد، ملامسة» (¬١).\rوقال ابن بطال: «الأحداث التي أجمع العلماء على أنها تنقض الوضوء، سوى ما ذكره أبو هريرة: (يقصد الريح) البول، والغائط، والمذي، والودي، والمباشرة، وزوال العقل بأي حال زال، والنوم الكثير» (¬٢). وسيأتي ذكر بعضها، وهناك نواقض أخرى يرجع إليها في كتب الفقه.\r• الحكم الثاني: من نواقض الوضوء ملامسة النساء.\rأما ملامسة النساء. فقد اختلف العلماء في المراد منها في الآية.\rفقيل: الجماع. وقيل: مجرد اللمس باليد. ورجَّح كل فريق ما ذهب إليه بأدلة وقرائن، وكل قول قال به نفر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.\rفقال بكونه الجماع علي وابن عباس ﵃، وقال بكونه اللمس باليد عمر وابنه وابن مسعود ﵃.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢١٣).\r(¬٢) فتح الباري (١/ ٢٨٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167404,"book_id":1216,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":58,"body":"وأرجع بعضهم الخلاف فيها للخلاف في القراءتين الواردتين فيهما، وهما: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ أو ﴿لمستم﴾. فقيل: معناهما واحدٌ.\rوقيل: إن قراءة ﴿لمستم﴾ بدون ألف: الجماع، ويحتمل أن يكون المراد مجرد اللمس باليد. أمّا قراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ بالألف فهي بمعنى الجماع.\rومأخذ الحكم: الأول: الأمر الوارد بقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: أي إن لمستم النساء، مما يدلُّ على كونه ناقضاً. لأن الوضوء والتيمم رافعان لهذه الأحداث فأمر بهما.\rثانياً: مفهوم الشرط فيه وهو: إن لم يلمس النساء فهو غير مأمور بالتيمم أو الوضوء.\rتنبيه: على القول بأن قراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ بالألف بمعنى الجماع فإنّ الآية بالمعنى تكون شاملة للحدثين الأصغر والأكبر.\rفالأصغر في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ والأكبر في قوله تعالى: أو ﴿لمستم﴾، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ وهو الجماع.\rوقيل: إنّ الله ﷾ لما ذكر سبب الحدث، وهو المجيء من الغائط ذكر سبب الجنابة، وهو الملامسة، فبيّن حكم الحدث والجنابة عند عدم الماء، كما أفاد حكمهما عند وجود الماء، فلا يمنع حمل اللفظ على الجماع واللمس.\rيقول ابن العربي: «قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ أفاد الجماع، وأن قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أفاد الحدث، وأن قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ أفاد اللمس والقبل. فصارت ثلاث جمل لثلاثة أحكام، وهذه غاية في العلم والإعلام. ولو كان المراد باللمس الجماع كان تكرارا في الكلام، وكلام الحكيم ينزّه عنه والله أعلم» (¬١).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167405,"book_id":1216,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":59,"body":"وأجيب بأنه: إن أريد منه اللمس باليد، فإنّه يكون قليل الفائدة؛ إذ المجيء من الغائط واللمس حينئذ من واد واحد، ولا تكون الآية حينئذ شاملة لحكم وجوب التّيمم للجنب إذا لم يجد الماء.\rوحمل اللمس على الجماع قواه ابن تيمية معتمدًا على قاعدة: «إنّ الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول ﷺ بيانًا عامًّا ولا بد أن تنقلها الأمة فإذا انتفى هذا عُلم أن هذا ليس من دينه … وكذلك الناس لا يزال أحدهم يلمس امرأته بشهوة وبغير شهوة، ولم ينقل عنه مسلمٌ أنه أمر الناس بالتوضؤ من ذلك، والقرآن لا يدل على ذلك؛ بل المراد بالملامسة الجماع كما بسط في موضعه» (¬١).\rواستدل أصحاب هذا القول بفعل النبي ﷺ أنّه قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصّلاة ولم يتوضأ (¬٢).\rتنبيه ثان: دلَّت الآية على أن الجنب يجب أن يغتسل، والعلماء يقولون: إن ما أوجب الغسل فإنه يوجب الوضوء، بمعنى يكون ناقضاً من نواقض الطهارة.\rومأخذ الحكم من الآية هو: أولاً: الأمر بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.\rثانياً: اقتران الحكم وهو الطهارة، بالوصف وهو الجنابة، دلالة على كون الجنابة علّةً وسببًا للطهارة بدلالة الإيماء والتنبيه.\rوإذا قلنا بأن ما أوجب الجنابة فإنه يوجب الوضوء فيدخل في النواقض ما توجبه الجنابة، كالجماع، ونزول المني، والحيض، والردة.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢٥/ ٢٣٦ - ٢٣٨).\r(¬٢) أخرجه أبو داوود في كتاب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة، برقم (٨٦)، والنسائي في كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من القبلة (١/ ١٠٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤/ ٢٧٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167406,"book_id":1216,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":60,"body":"تنبيه ثالث: يتفرع على القول بأن المقصود باللمس اللمس باليد أنه لا فرق بين اللمس بشهوة وبدون شهوة، ويشهد لذلك ظاهر القرآن.\rومأخذ الحكم: هو أن المطلق يجري على إطلاقه، فلا يقيد بشهوة إلا بدليل.\r• الحكم الثالث: عدم النقض من مس الصغيرة.\rاستدل بعض العلماء بالآية على أن لمس الصّغيرة ليس بناقض.\rومأخذ الحكم: مفهوم قوله ﴿لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فإن الذي يفهم من تعليق الحكم على صفة من صفتي الذات الدلالة على نفيه عن الآخر. باعتبار أن الحكم علق على الأنثى، فتدخل النساء، وتدخل الصبية. أو الكبيرة والصغيرة، والنساء وصف للكبيرة، فتخرج الصغيرة، والله أعلم.\r• الحكم الرابع: من نواقض الوضوء النوم.\rومن النواقض: النوم، على خلاف بين العلماء هل هو ناقض وحدث بذاته، أو أنه سبب للحدث.\rوإن قلنا إنه حدث بذاته فإنّه ينقض الوضوء قليله وكثيره، ولم يخص نومًا من نومٍ.\rوإن قيل: بأنّه ليس بحدث فالأصل أنه ليس بناقض إلّا بيقين خروج الحدث. إلا أن من العلماء الذين قالوا بأنه سبب للحدث وليس بحدث قالوا بنقض الوضوء من النوم الكثير أو المستغرق؛ لأنه مظنة للحدث، والمظنة تنزل منزلة المئنة (¬١).","footnotes":"(¬١) قالوا: إن حالة النوم المستغرق وما يماثله تجعل الأعضاء فيها مسترخية، وقد لا يقدر على دفع ما ينتقض به الوضوء؛ لذا قالوا: بأن المظنة تنزل منزلة المئنة، واعتبروا ذلك من النواقض الحكمية، وليس من النواقض الحقيقية، التي هي أحداث بذاتها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167407,"book_id":1216,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":61,"body":"ومأخذ كون النوم ناقضاً: ما قدَّره العلماء في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ حيث إنهم قدَّروا: (إذا قمتم إلى الصلاة وقد نمتم) (¬١) باعتبار أن المقدَّر عندهم كالمذكور.\rقال ابن الفرس مؤيداً هذا التقدير، ومقدِّمًا إيّاه على تقدير (إذا قمتم محدثين) فقال: «لأنّ الأحداث مذكورة بعد هذا فأغنى ذلك عن ذكره، وأمّا النّوم فلم يقع له ذكر، وليس بحدث، وإنّما هو سبب للحدث على الأصح في ذلك، فحمل الكلام على زيادة فائدة أولى من حمله على التكرار بغير فائدة، فبهذا رجح جماعة من أهل العلم هذا القول» (¬٢).\rوأشار بعض العلماء إلى سبب تقدير النوم، وهو بالنظر إلى سبب نزول الآية، حيث: «إن النبي ﷺ استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾» (¬٣).\rقلت: وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المراد بالقيام هنا، القيام للصلاة، وليس من النوم، فهي عامة لمن قام من نوم أو غيره.\rقال ابن عطية: «وجمهور أهل العلم أن معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وليس في الآية على هذا تقديم ولا تأخير، بل يترتب في الآية حكم واجد الماء» (¬٤).\rتنبيه: إن قلنا بأن الآية دلَّت على حكم النوم، فيدرج معه ما يكون في معناه","footnotes":"(¬١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٥٩)، تيسير البيان (٣/ ١٠٠)، الإكليل (٢/ ٦١٨).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٥٥)، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٨٢).\r(¬٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، برقم (٤٦٠٨).\r(¬٤) المحرر الوجيز (٢/ ١٦١)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167408,"book_id":1216,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":62,"body":"مما يؤدي إلى زوال العقل، كالإغماء، والسكر، كما سبق. وكون زوال العقل من نواقض الوضوء حكماً نُقل الإجماع عليه.\rقال ابن قدامة: «زوال العقل على ضربين: نوم وغيره، فأما غير النوم، وهو الجنون والإغماء والسكر، وما أشبهه من الأدوية المزيلة للعقل، فينتقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعاً» (¬١).\rوقال: «ولأنِّ هؤلاء حِسهُم أبعد من حِسِّ النائم، بدليل أنهم لا ينتبهون بالانتباه، ففي إيجاب الوضوء على النائم تنبيه على وجوبه بما هو آكد منه» (¬٢).\r• الحكم الخامس: استدل بالآية من قال بعدم نقض الوضوء من الخارج من النجاسات غير البول والعذرة، سواء كان الخارج من المخرج المعتاد - السبيلين - أو من غيرهما (¬٣)، لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾\rمأخذ الحكم: يستنبط الحكم من مفهوم الآية، حيث دلت الآية بمنطوقها على النقض من الغائط. والخارج في الغائط: البول والعذرة. ومفهومه: أن غير ذلك ليس بناقض.\r• الحكم السادس: استدل بالآية من قال بنقض الوضوء عن طريق خروج البول عن طريق القسطرة، أو الغائط عن طريق الشرج الصناعي (¬٤):","footnotes":"(¬١) المغني (١/ ٢٣٤).\r(¬٢) المغني (١/ ٢٣٤).\r(¬٣) ينظر: الإنصاف (٢/ ١٣)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٠/ ٥٢٦)، الشرح الممتع (١/ ٢٧٤).\r(¬٤) ينظر: الشرح الممتع (١/ ٢٧٤)، شرح عمدة الفقه للجبرين (١/ ١٢٤)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٦). وخروج النجاسة من غير المخرج لا ينقض الوضوء إلا إذا كان بولاً أو غائطًا وهي رواية في المذهب الحنبلي كما في الإنصاف (٢/ ١٣)، واختارها شيخ الإسلام في مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٠/ ٥٢٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167409,"book_id":1216,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":63,"body":"والقسطرة: أن يوضع للمريض في مجرى البول قِسْطار أي: (ماسور بلاستيكي) يخرج منه البول دون إرادة المريض (¬١).\rأمّا الشرج الصناعي: فهو فتحة يفتحها الطبيب في جدار البطن يخرج منها البراز دون إرادة المريض، وتجتمع في علبة وتزال بين فترة وأخرى (¬٢).\rومأخذ الحكم: ما سبق في المسألة السابقة من كون المطلق يجري على إطلاقه، وقد أطلق الشرع نقض الوضوء من خروج البول والغائط، ولم يقيّده بمخرجه المعتاد، فإن خرجا من أي مخرجٍ فإنهما ناقضان.\rتنبيه: ذكر ابن رشد أن سبب اختلافهم في ذلك هو: «أنه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما يخرج من السبيلين من غائطٍ وبولٍ وريح ومذي؛ لظاهر الكتاب، ولتظاهر الآثار بذلك، تطرق إلى ذلك ثلاثة احتمالات:\rأحدها: أن يكون الحكم إنما علّق بأعيان هذه الأشياء فقط، الاحتمال الثاني: أن يكون الحكم إنما علّق بهذه من جهة أنها أنجاسٌ خارجةٌ من البدن لكون الوضوء طهارة، والطهارة إنما يؤثر فيها النجس، والاحتمال الثالث: أن يكون الحكم -أيضًا- إنما علّق بها من جهة أنها خارجةٌ من هذين السبيلين» (¬٣).\r• الحكم السابع: استدل بالآية من قال بنقض الوضوء بالغسيل الكلوي البروتيني والغسيل الكلوي (¬٤). البروتيني: هو عبارة عن أنبوب يوضع في جوف المريض، وهذا الأنبوب يوضع بين السّرة والعانة، ويُعطى المريض بعض السوائل والأدوية الخاصّة التي تساعد الجسم على التّخلص من السموم، والفضلات","footnotes":"(¬١) ينظر: فقه النوزال للمشيقح (٤٢)، الفقه الميسر (٩/ ١٢).\r(¬٢) ينظر: المصدر السابق.\r(¬٣) بداية المجتهد (١/ ٤١).\r(¬٤) ينظر: فقه النوزال للمشيقح (٤٨ - ٤٩)، الفقه الميسر (٩/ ١٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167410,"book_id":1216,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":64,"body":"السائلة، والأملاح الزائدة، ثم بعد ذلك تجتمع هذه الفضلات السائلة والسموم والأملاح الزائدة في هذا الأنبوب، ما يقارب من ثمان ساعات، ثمّ بعد اجتماعها يقوم المريض بتفريغ هذا الأنبوب في كيس خارجي (¬١).\rومأخذ الحكم: أوجب المولى ﷾ في الآية الوضوء أو التيمم عند خروج البول أو الغائط لمن أراد القيام للصلاة، وأطلق في المحل، ولم يقيده بالمخرج المعتاد؛ لذا ذهب الحنفية والحنابلة إلى نقض الوضوء بخروج البول والغائط من أي محل؛ وذلك لأنّ المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد التّقييد الشّرعيّ له (¬٢).\rتنبيه: الخارج من الغسيل الكلوي فيه صفات البول من الفضلات والأملاح والسموم؛ لذا أخذ حكمه، ولم يأخذ حكم الدّم، ونُقل عن بعض الباحثين أن من استعمل الغسيل البرويتيني في الغالب أنه يستغني عن التبول الطبيعي (¬٣).\rقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]\rقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]\rاستدل بالآيتين على أن الردة ناقض من نواقض الوضوء، وعليه من ارتد وقد كان على طهارة، ثمَّ أسلم فإن عليه إعادة الوضوء.\rمأخذ الحكم: أن قوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾، وقوله: ﴿عَمَلُكَ﴾، كلاهما معرفان بالإضافة، سواء كان جمعاً كما في الآية الأولى، أو مفرداً كما في الآية الثانية،","footnotes":"(¬١) المصدر السابق.\r(¬٢) حاشية ابن عابدين (١١/ ٢٦٠) والمبدع شرح المقنع (١/ ١١٧).\r(¬٣) ينظر: فقه النوزال للمشيقح (٤٩ - ٥٠)، الفقه الميسر (٩/ ١٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167411,"book_id":1216,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":65,"body":"والمعرف بالإضافة يفيد العموم، فتفيدان حبوط كل عمل، ومنه الوضوء والطهارة.\rومن العلماء من قال بعدم نقض الطهارة بالردة.\rومأخذه: أن حبوط العمل مقيَّد في الآية الأولى بقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، ويقيَّد به المطلق الوارد في سورة الزمر.\rكما أن في سورة الزمر قرينة تدل على هذا القيد، وهي ختم الآية بقوله: ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وإنما يوصف بأنه من الخاسرين من مات على ردته، ولم يعد للإسلام.\r\rباب الغسل وحكم الجنب\rوالجنابة في الاصطلاح: حدث أكبر يقوم بالبدن سببه التقاء الختانين، أو خروج المني.\rقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]\rقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]\rدلت الآيتان على عدم مشروعية صلاة الجنب إلّا بعد الاغتسال، وأن الاغتسال شرط إباحة الصّلاة، ووجوب الغسل من الجنابة محل اتفاق بين أهل العلم (¬١).\rقال ابن العربي عن آية المائدة: «هذه الآية أصل في وجوب الطهارة من الجنابة» (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: المغني (١/ ٢٦٥)، الإكليل (٢/ ٦٢٢).\r(¬٢) أحكام القرآن (٢/ ٣٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167412,"book_id":1216,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":66,"body":"ومأخذ الحكم من الآية الأولى ظاهر: حيث إنّه نهي مغيا بغايةٍ، والنّهي وارد في أوّل الآية بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.\rومفهوم الغاية: أن الجنب إذا اغتسل حلّت له الصّلاة، وحلّ له اللبث في المسجد والمرور فيه.\rوالمقصود بعابر السبيل عند الجمهور: الخاطر المجتاز، ويوضحه سبب نزول الآية، وهو أن قومًا من الأنصار كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد، فإذا أصاب أحدهم الجنابة اضطر إلى المرور في المسجد، ثم أمرهم النبي ﷺ أن يوجهوا بيوتهم عن المسجد (¬١)، وبقي الحكم أخذًا بعموم اللفظ دون سببه، فكان رخصة لغيرهم.\rتنبيه: عاد الاستثناء في الآية إلى الأخير فقط، وهو الجنب ولم يعد للسكارى؛ لأنّ السكران ممنوع من دخول المسجد؛ إذا لا يؤمن تلويثه إياه وسيأتي في باب المساجد.\rومأخذ الحكم من الآية الثانية:\rالأول: الأمر بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.\rالثاني: اقتران الحكم وهو الطهارة، بالوصف وهي الجنابة، دلالة على كون الجنابة علّةً وسببًا للطهارة. بدلالة الإيماء والتنبيه.\rأو يقال: علق الأمر بشرط، والشرط هنا علة ثابتة وهي الجنابة، فيتكرر الأمر بتكررها اتفاقاً، فتكون الجنابة علة للتطهير.","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٥٧)، والسيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٥٣)، ورجح هذا السبب ابن كثير في تفسيره (٤/ ٦٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167413,"book_id":1216,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":67,"body":"قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]\rاستدل بالآية على أن الحيض يوجب الغسل، فإذا حاضت المرأة، ثم طهرت، فإن الغسل يجب عليها، ونقل عدد من العلماء الإجماع على ذلك.\rقال ابن قدامة: «ولا خلاف في وجوب الغسل بالحيض والنفاس» (¬١).\rوالمقصود بالتطهر في الآية الاغتسال، وقد منع الزوج من وطئها قبل الغسل، وهذا مما يدّل على وجوب الغسل عليها.\rمأخذ الحكم من الآية: مفهوم الشرط في الآية، وهو أنّهن إن لم يتطهرن فيغتسلن لم يجز إتيانهن، فمفهوم الشرط يقتضي المنع قبل الغسل، وهذا - كما سبق - يدل على وجوبه عليها.\rفائدة: وهذه الآية من أمثلة ورود الأمر ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ بعد الحظر، والجمهور على أنّه هنا للإباحة.\rقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: عدم جواز مس الجنب للمصحف، وقد اتفقت المذاهب الأربعة على ذلك.\rقال ابن قدامة: «ولا يمس المصحف إلا طاهر، يعني طاهرًا من الحدثين جميعا، وهو قول … مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم مخالفا لهم إلا داود فإنه أباح مسه» (¬٢).","footnotes":"(¬١) المغني (١/ ١٥٤).\r(¬٢) المغني (١/ ١٠٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167414,"book_id":1216,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":68,"body":"وقال ابن عبد البر: «وأجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى، وعلى أصحابهم، بأنّ المصحف لا يمسه إلا الطاهر» (¬١).\rوقرّق العلماء بين الحدث الأكبر والحدث الأصغر، والمراد بالمسِّ، والمقصود بالطهرين، إلّا أن الجمهور قالوا: بحرمة مسِّه للمحث مستدلين أيضًا بقوله: ﷺ (لا يمس القرآن إلّا طاهر) (¬٢).\rومأخذ الحكم من الآية: أن الآية خبر منفي، بمعنى النّهي عن قراءة القرآن ومسَّه، والنّهي يقتضي التّحريم.\rتنبيه: فرّق العلماء بين الحائض وغيرها من أصحاب الجنابات، فأجازوا للحائض؛ إذ إن حيضتها ليست في يدها، فلا تستطيع رفعها، كما يفعل بقية الجنب إذا أرادوا مس المصحف.\rومأخذهم في ذلك العمل بالمصلحة، ولا سيما إذا كانت الحيضة تأخذ وقتًا والمرأة تريد مراجعة حفظها.\r• الحكم الثاني: استدل بها من قال بعدم جواز مسح السّبورة الثّابتة بلا وضوء، إذا كتب فيها أية فأكثر؛ لأنها تلحق باللوح (¬٣)\rمأخذ الحكم: يخرج الحكم على قاعدة النّهي يقتضي التّحريم، والفعل في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ ينزل منزلة النكرة، فيكون عامّاً في أيّ مسٍّ سواء كان على","footnotes":"(¬١) الاستذكار (٢/ ٤٧٢).\r(¬٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٠٩)، ومالك في الموطأ (١/ ١٩٩)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٣٢٨)، والدارمي في سننه (٢٢٦٦)، وأبو داود في المراسيل (٩٣)، والدارقطني في سننه (١/ ١٢٢)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١/ ١٥٨) برقم (١٢٢)، وصحيح الجامع (٧٧٨٠).\r(¬٣) وكان هذا اختياراً للشيخ العثيمين كما في الشرح الممتع (١/ ٣٢٢، ٣٣٣). وتوقّف في مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٢١٤)، وقال: هي عندي محلّ توقّفٍ","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167415,"book_id":1216,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":69,"body":"الورق أو السبورة.\rتنبيه: وهذا القول مبني على أمرين:\rالأول: على القول بتحريم مس المصحف، وإليه ذهب الجمهور (¬١)، واختاره ابن تيمية (¬٢)، وتلميذه ابن القيم (¬٣)، وهو الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين أخيرًا (¬٤).\rالثاني: أنَّ الضّمير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ يعود إلى القرآن؛ بقرينة: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والمنزّل هو القرآن (¬٥).\rونوقش بما يأتي:\r(١) أنّ الضّمير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ لا يعود إلى القرآن، وإنما يعود إلى الكتاب المكنون؛ لأنّ الضّمير يعود إلى أقرب مذكور (¬٦)، وأما قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهو عائدٌ بلا شكّ إلى القرآن الكريم، ولا مانع من تداخل الضّمائر إذا كان ثمّة قرينة تدلّ على ذلك (¬٧)، ثم إنّه على احتمال تساوي الأمرين فإنّ الاستدلال بهذه الآية يسقط؛ لأنّ الدليل إذا تطرّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.\r(٢) ومما يدلّ على أنّ الضّمير لا يعود على القرآن قوله: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾؛ لأنه لو أراد منع المحدث من مسّه لقال: «إلا المتطهِّرون»؛ كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ","footnotes":"(¬١) ينظر: المبسوط (٣/ ١٥٢)، وبدائع الصنائع (١/ ٣٣)، وبداية المجتهد (١/ ٥٥) والمجموع (٢/ ٦٧، ٧٢)، والمغني (١/ ١٣٧).\r(¬٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦٦).\r(¬٣) ينظر: أعلام الموقعين (١/ ١٧٢).\r(¬٤) ينظر: فتح ذي الجلال والإكرام (١/ ٤٦٢)، الشرح الممتع (١/ ٣٢٠).\r(¬٥) ينظر: المغني (١/ ٢٠٢)، المجموع (٢/ ٧٢)، إعلام الموقعين (١/ ١٧٢).\r(¬٦) ينظر: نيل الأوطار (١/ ٣٢٠)، فتاوى القنوجي (٤٠٤).\r(¬٧) انظر: الشرح الممتع (١/ ٣١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167416,"book_id":1216,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":70,"body":"وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فالمتطهّر: فاعل التطهير، والمطهّر: الذي طهّره غيره، فالمتوضِّئ متطهِّرٌ، والملائكة مطهَّرون (¬١).\r\rباب التّيمم\rالتيمم لغة: القصد. واصطلاحاً: استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهر بشرائط مخصوصة، وعلى صفة مخصوصة.\rومما روي في سبب شرعيتها، ما رواه البخاري ومسلم: عن عائشة ﵂، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقدٌ لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبوبكر ورسول الله ﷺ واضعٌ رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبوبكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي أول بركتكم يا آل أبي بكر: قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته) (¬٢).\rقال ابن عبد البر «: فأنزل الله تعالى آية التيمم، وهي آية الوضوء المذكورة في سورة المائدة، أو الآية التي في سورة النساء. ليس التيمم مذكورا في غير هاتين الآيتين","footnotes":"(¬١) ينظر: التبيان في أيمان القرآن لابن القيم (٣٣١). وقد ناقش ابن القيم في هذا الكتاب استدلال الجمهور بهذه الآية من عشرة أوجه.\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب التيمم أول حديث من دون ترجمته، برقم (٣٣٤)، ومسلم في كتاب الحيض، باب التيمم برقم (٣٦٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167417,"book_id":1216,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":71,"body":"وهما مدنيتان» (¬١).\rوالتيمم من الخصائص التي خصَّ الله بها أمة الإسلام، وقد ورد في حديث جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال: (أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً .. ) الحديث متفق عليه (¬٢). وعند مسلم من حديث حذيفة ﵁: (وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء) (¬٣).\rوقد نصَّ المولى سبحانه على بعض الحِكم من شرعة التيمم بقوله سبحانه في آية المائدة: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\rفذكر سبحانه من الحِكم: رفع الحرج، وإرادة التطهير، وإتمام نعمته سبحانه بإباحته لنا التيمم، مع سائر نعمه السابقة واللاحقة، جعلنا الله من الشاكرين.\rوهذه الحِكم يلتفت إليها العلماء عند استنباط الأحكام.\rقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] وفي [المائدة: ٦]. ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.","footnotes":"(¬١) التمهيد (١٩/ ٢٧٩).\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، وقول الله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، برقم (٣٣٥)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (٥٢١).\r(¬٣) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (٥٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167418,"book_id":1216,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":72,"body":"واستدل بالآيتين على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: يستنبط من الآية مشروعية التيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء، وهو طهور لكل مسلم، مريض، أو مسافر، سواء كان جنبًا، أو على حدث، وهذا الحكم مجمع عليه (¬١).\rومأخذ الحكم بمشروعية التيمم: الأمر في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو هنا على أصله للوجوب، وهو بدل عن الماء ويأخذ حكمه.\rتنبيه: اختلف العلماء في اشتراط الغبار في الصعيد:\rفذهب طائفة من أهل العلم إلى عدم اشتراط الغبار.\rوقالوا: والصعيد هو: وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو لم يكن عليه تراب، فكل ما صعد على وجه الأرض فهو صعيد يجوز التيمم به.\rومأخذهم: أن قوله سبحانه: ﴿صَعِيدًا﴾ مطلق - لكونه نكرة في سياق إثبات -، والمطلق يجري على إطلاقه.\rقال الجصاص: «لما قال الله ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ وكان الصعيد اسماً للأرض اقتضى ذلك جواز التيمم بكل ما كان من الأرض» (¬٢).\rوذهب طائفة من أهل العلم إلى اشتراط الغبار في الصعيد.\rومأخذهم: أن المراد بالصعيد التراب ذو الغبار.","footnotes":"(¬١) انظر: الإجماع لابن المنذر (٣٦)، الإفصاح لابن هبيرة (١/ ١٥٦)، المغني (١/ ٣١٠)، شرح صحيح الإمام مسلم للنووي (٤/ ٢٧٩).\r(¬٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٨٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167419,"book_id":1216,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":73,"body":"أما اختصاصه بالتراب فلقوله ﷺ: (وجعلت لي الأرض مسجداً وتربتها طهوراً) (¬١).\rونقل عن الشافعي قوله: لا يقع الصعيد إلّا على تراب ذي غبار (¬٢).\rقال إلكيا الهراسي: «ولا شك أن لفظ الصعيد ليس نصاً فيما قاله الشافعي» (¬٣).\rوأما اشتراط كونه ذا غبار، فهو استدلال بالآية، وذلك بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فقالوا: ﴿مِنْهُ﴾ أي: من بعضه، وهذا يلزم منه علوق شيء من الصعيد، ولا يكون إلا بتراب ذي غبار.\rف (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ تبعيضية، وهذا يلزم منه اشتراط علوق شيء من التراب بيد المتيمم، ينقل إلى أعضاء المتيمم كما ينقل الماء إلى أعضاء المتوضئ.\rنوقش: أن (من) في الآية لابتداء الغاية.\r• الحكم الثاني: اتفق العلماء على اشتراط كون الصعيد طاهراً، لقوله: ﴿طَيِّبًا﴾ أي: طاهراً بالإجماع (¬٤).\rومأخذ الحكم: مفهوم الصفة الواردة في الآية، ومفهومه أن الأرض الخبيثة والنجسة، لا يشرع التيمم بها، وهذا بالإجماع أيضًا (¬٥).","footnotes":"(¬١) أخرجه الإمام مسلم في كتاب الصلاة، باب المساجد مواضع الصلاة، برقم (٥٢١).\r(¬٢) انظر: الشرح الكبير للرافعي (١/ ٢٥٥)، مغني المحتاج (١/ ٩٦)، الإكليل للسيوطي (٢/ ٦٢٣).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ٥٧).\r(¬٤) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٣٤)، بداية المجتهد (١/ ١٣٩)، المجموع (٢/ ١٧٣)، المغني (١/ ٣٣٤)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٨).\r(¬٥) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٠)، المغني (١/ ٣٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167420,"book_id":1216,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":74,"body":"قال ابن تيمية: «فإنّه لا خلاف أن الأرض الخبيثة ليست بطهور» (¬١) وهو يريد النجسة.\rوقال ابن جرير الطبري: «وأمّا قوله: ﴿طَيِّبًا﴾ فإنّه يعني به طاهرًا من الأقذار والنجاسات» (¬٢).\rتنبيه: قال ابن الفرس: «واختلف فيمن تيمم على أرض نجسة، فقال ابن القاسم إذا ذهب الوقت أجزأه، وقال ابن عبد الحكم وغيره: لا يجزؤه تعلقاً بظاهر قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والمراد بالطيب هنا هو الطاهر» (¬٣).\r• الحكم الثالث: من شروط التيمم عدم وجود الماء باتفاق أهل العلم (¬٤).\rومأخذ الحكم: تعليق الأمر بالتيمم على شرط عدم وجود الماء، والمعلق على شرط يثبت بثبوته.\rتنبيه: سبق في باب المياه بيان أن لفظ ﴿مَاءً﴾ في الآية نكرةً في سياق نفي، وهو يعم لغة كل ماء، والماء اسم جنسٍ، فيكون عمومه في الجنس، فيدخل فيه كل ماء قليلًا كان أو كثيرًا، وسواء كان ماءً من سماءٍ أو نهرٍ، أو عين عذب أو ملح.\r• الحكم الرابع: استدل العلماء بالآية على جواز التّيمم عن الحدث الأكبر والحدث الأصغر (¬٥).","footnotes":"(¬١) الفتاوى الكبرى (٤/ ٢٩٦)، مجموع الفتاوى (٣١/ ١٠٧).\r(¬٢) جامع البيان (٧/ ٨٢).\r(¬٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٠).\r(¬٤) انظر: المغني (١/ ٣١٤).\r(¬٥) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٩٣)، أحكام القرآن للهراسي (٢/ ٢٣٣)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٦٤)، تيسير البيان (٣/ ١٢٢)، الإكليل للسيوطي (٢/ ٦٢٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167421,"book_id":1216,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":75,"body":"مأخذ الحكم: تعليق الشارع الحكم وهو الأمر بالتيمم على شروط هنا، وذكر من الشروط ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ لبيان الحدث الأصغر، وقوله ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهو الجماع لبيان الحدث الأكبر. والمعلق على شرط يثبت بثبوته، فظاهر القرآن عود قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ إلى الحدث والجنب جميعاً.\rويلزم من وجود الشرط، وهو الحدث، وجود المشروط، وهو: التيمم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته.\r• الحكم الخامس: مشروعية التيمم للمريض مطلقا سواء وجد الماء أو لم يجده.\rأما عند عدم وجود الماء فباتفاق أهل العلم - كما سبق - في حكم العادم مطلقاً، سواء كان مريضاً، أو صحيحاً.\rقال ابن رشد: «فأجمع العلماء أنها (أي طهارة التيمم) تجوز لاثنين للمريض وللمسافر إذا عدما الماء» (¬١).\rوقال ابن العربي: «ومطلق اللفظ يبيح التيمم لكل مريض إذا خاف من استعماله وتأذيه بالماء» (¬٢). وأما عند وجود الماء، فاستدل بعضهم بالآية على عدم جواز تيممه.\rومأخذ الحكم: مفهوم الشرط الوارد في الآية، حيث دلَّت الآية بمنطوقها على جواز التيمم عند عدم الماء، وبمفهوم شرطها على عدم جواز التيمم مع وجود الماء، ولم تفرق بين مريض وصحيح.","footnotes":"(¬١) بداية المجتهد (١/ ١٣٠) وانظر: مراتب الإجماع لابن حزم (٤٣).\r(¬٢) أحكام القرآن (١/ ٤٤٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167422,"book_id":1216,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":76,"body":"وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اعتبار المفهوم هنا، وعليه فيجوز للمريض إذا عجز عن الماء أن يستعمل التراب ويتيمم.\rومأخذهم في عدم الأخذ بالمفهوم: كونه معارضاً بالمنطوق الوارد بالسنة، وهو ما روي عن بعض الصحابة أنّه أصابته جنابة، وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال، فلما اغتسل مات، فسمع النبي ﷺ ذلك، فقال: (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم) (¬١).\rلذا يرى الرازي أنه ليس في الآية دلالة على منع المريض من التيمم عند وجود الماء، وإنما دلت السنة على جوازه (¬٢).\rومن العلماء من يستدل بدلالة معنى المرض في الآية على منع المريض من التيمم عند وجود الماء (¬٣)، وهذا يشبه قول الأصوليين: يستنبط من النص معنى يخصصه، والله أعلم.\rقال ابن عاشور: «وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ عطف على فعل الشرط، وهو قيد في المسافر، ومن جاء من الغائط، ومن لامس النساء، أمّا المريض فلا يتقيد تيممه","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داوود في كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم برقم (٣٣٦). قال أن ابن حجر: «رواه أبو داوود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على روايته»، وضعفه الألباني. انظر: بلوغ المرام (٤٥)، وإرواء الغليل (١/ ١٤٢ - ١٤٣).\r(¬٢) انظر: التفسير الكبير (١٠/ ٨٨ - ٨٩).\r(¬٣) قال الرازي في تفسيره (١١/ ٣٠٩): «المرض على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يخاف الضرر والتلف، فههنا يجوز التيمم بالاتفاق. الثاني: أن لا يخاف الضرر ولا التلف، فههنا قال الشافعي: لا يجوز التيمم، وقال مالك وداود يجوز، وحجتهما أن قوله وإن كنتم مرضى يتناول جميع أنواع المرض. الثالث: أن يخاف الزيادة في العلة وبطء المرض، فههنا يجوز له التيمم على أصح قولي الشافعي ﵀. وبه قال مالك وأبو حنيفة -رحمهما الله-، والدليل عليه عموم قوله وإن كنتم مرضى الرابع: أن يخاف بقاء شين على شيء من أعضائه، قال في «الجديد»: لا يتيمم. وقال في «القديم» يتيمم وهو الأصح لأنه هو المطابق للآية»، وانظر كذلك تفسيره (١٠/ ٨٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167423,"book_id":1216,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":77,"body":"بعدم وجدان الماء؛ لأنه يتيمم مطلقا، وذلك معلوم بدلالة معنى المرض، فمفهوم القيد بالنسبة إليه معطل بدلالة المعنى» (¬١).\rوالخلاصة: إن إباحة التيمم للمريض غير مضمنة بعدم الماء، بل هي مضمنة بخوف ضرر الماء، ولذا قالوا: إن كان المرض يسيراً لم يبح له التيمم.\rوهناك مأخذ آخر ذكره بعض العلماء: وهو أن في الآية مقدراً، تقديره: (وإن كنتم مرضى فعجزتم أو خفتم من استعمال الماء فتيمموا). وقالوا: إن مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ إنما يعود إلى المسافر فقط.\rوذكر ابن الفرس مأخذاً في الخلاف في دخول المريض الواجد للماء، وكذا الحاضر العادم للماء هل هما من أهل التيمم أو لا؟ أنه راجع إلى معنى (أو) في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ فقال: «في (أو) هنا تأويلان: أنها على بابها من أن تكون لأحد شيئين. الثاني: أنها بمعنى الواو، وعلى هذين التأويلين ينبني اختلاف العلماء في المريض الواجد للماء والحاضر العادم للماء، هل هما من أهل التيمم أم لا؟ فمن أبقى (أو) على بابها رأهما من أهل التيمم … ومن رأى (أو) في الآية بمعنى الواو لم يرهما من أهل التيمم؛ لأنه بعيد … » (¬٢).\r• الحكم السادس: مشروعية التيمم للمسافر العادم للماء.\rومأخذ الحكم: المأخذ السابق، وهو تعليق الحكم وهو الأمر بالتيمم على شرط عدم وجود الماء، والمعلق على شرط يثبت بثبوته.\rمأخذه: أن المطلق يجري على إطلاقه.\rتنبيه: هل لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ مفهوم صفة مخالف، بحيث إنّ غير","footnotes":"(¬١) انظر: التحرير والتنوير (٥/ ٦٧).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٩٦، ٣٦١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167424,"book_id":1216,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":78,"body":"المسافر لا يجوز له التيمم ولو أكثر المفسرين عدم الماء؟\rعلى أن السفر ذكر في الآية لأنّه في الغالب يفقد معه الماء، وإذا كان كذلك فلا مفهوم له لخروجه مخرج الغالب، ويبنى عليه مشروعية التيمم في الحضر لمن عدم الماء، سواء عدم الماء حقيقة أو حكمًا.\rقال ابن قدامة: «ومن حال بينه وبين الماء سبعٌ، أو عدو، أو حريق، أو لص، فهو كالعادم. ولو كان الماء بمجمع الفساق، تخاف المرأة على نفسها منهم، فهي عادمة» (¬١).\rومن العلماء من أرجع سبب الخلاف في كون الحاضر العادم للماء يجوز له التيمم أولا، إلى الاختلاف في عود الضمير في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، هل يعود على الحاضرين والمسافرين، أو على المسافرين فقط، فمن رآه عائداً على المسافرين فقط أو على المرضى والمسافرين لم يُجز التيمم للحاضر العادم للماء.\r• الحكم السابع: التيمم يكون بالوجه واليدين إجماعًا (¬٢).\rوذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب مسح جميع الوجه، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك، كما سيأتي.\rومن العلماء من قال بعدم وجوب الاستيعاب.\rأما مأخذ القائلين بوجوب مسح جميع الوجه:\rأولاً: هو أن: (الباء) في الآية للإلصاق، أو أنها زائدة، والمعنى: (فامسحوا وجوهكم)، فيجب تعميمه.","footnotes":"(¬١) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣١٠)، المغني (١/ ٣١٥).\r(¬٢) انظر: المغني (١/ ٣٣١)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٠)، الإكليل (٢/ ٦٢٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167425,"book_id":1216,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":79,"body":"الثاني: القياس، فكما يجب تعميمه بالغسل، فكذا بالمسح في التيمم، وذلك لأنّ التيمم بدل عن الوضوء، والاستيعاب في الأصل من تمام الرّكن، فكذا البدل وهو التيمم، فوجب استيعاب الوجه كله.\rالثالث: الإجماع، كما سبق. قال القرطبي: «ولا خلاف في أن حكم الوجه في التيمم والوضوء الاستيعاب، وتتبع مواضعه» (¬١).\rأما مأخذ مَنْ قال بعدم وجوب الاستيعاب: فهو القياس على مسح الرأس والخف، بجامع كون الجميع مسحاً.\rونوقش: بأن حكم الأصل مختلف فيه، فلا يصح القياس.\rقال ابن حزم: «والصحيح أن لفظة المسح لم تأت في الشريعة إلا في أربعة مواضع ولا مزيد: مسح الرأس، ومسح الوجه واليدين في التيمم، ومسحٌ على الخفين والعمامة والخمار، ومسح الحجر الأسود في الطواف، ولم يختلف أحد من خصومنا المخالفين لنا في أن مسح الخفين ومسح الحجر الأسود لا يقتضي الاستيعاب، وكذلك من قال منهم بالمسح على العمامة والخمار، ثم نقضوا ذلك في التيمم، فأوجبوا فيه الاستيعاب تحكماً بلا برهان … فمن أين وقع لهم تخصيص المسح بالاستيعاب بلا حجة، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من لغة، ولا من إجماع، ولا قول صاحب، ولا قياس» (¬٢).\r• الحكم الثامن: اختلف العلماء في حد اليدين في التيمم.\rفذهب بعض العلماء إلى القول بأن المسح يكون إلى الآباط، ومنهم من قال: إلى المرفقين، ومنهم من قال: إلى الكوعين، أو للكفين.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٣٠).\r(¬٢) المحلى لابن حزم (١/ ٣٧٦ - ٣٧٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167426,"book_id":1216,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":80,"body":"ومأخذ من قال للآباط: الإطلاق الواردة في الآية، فكل ما كان من أطراف الأصابع إلى الآباط فإنه يطلق عليه اسم اليد.\rقال البيضاوي: «واليد اسم للعضو إلى المنكب» (¬١).\rوقال ابن الفرس: «ومن قال: الإبط بناه على تعلق الحكم بآخر الاسم؛ إذ ذاك أكثر ما ينطلق عليه اسم اليد» (¬٢).\rنوقش: نسلم بأن اليد تطلق على ذلك، لكن دلَّت السنة وبينت المراد، وهو إلى الكوعين، أو الكفين كما في حديث عمار ﵁.\rومأخذ من قال إلى المرفقين: إمّا قياس التيمم على الوضوء، أو حمل المطلق الوارد في آية التيمم على المقيد بأية الوضوء، وقد اتحدا سببًا واختلفا حكمًا (¬٣).\rفسببهما الطهارة ورفع الحدث. والحكم في الوضوء الغسل، وفي التيمم المسح.\rنوقش: بأنه قياس فاسد؛ لأنه في مقابل النص، وحمل المطلق على المقيد يصح عند من يقول بالحمل مع اختلاف الحكم.\rومأخذ مَنْ قيّده بالكوع: حمل الأيدي المطلقة هنا على التقييد الوارد في آية القطع في السرقة، وهي مقيدة بفعله ﵊ (¬٤).","footnotes":"(¬١) أنوار التنزيل للبيضاوي (٢/ ٧٦).\r(¬٢) أحكام القرآن (٢/ ٢١٢).\r(¬٣) انظر: تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي (٤/ ٥٩١)، تيسير البيان (٣/ ١١٦).\r(¬٤) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٢)، والوار في فعله ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ: (قطع سارقاً من المفصل)، والمراد بالمفصل كما يقول البيهقي هنا: مفصل الكف. والحديث فيه مقال، وله شواهد ذكرها الألباني. انظر: السنن الكبرى (٨/ ٢٧٠ - ٢٧١)، ونصب الراية للزيلعي (٣/ ٢٨٠)، إراوء الغليل للأباني (٨/ ٨١ - ٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167427,"book_id":1216,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":81,"body":"نوقش: بأنهما اختلافا حكمًا، ففي السرقة قطع، وفي التيمم مسح، واختلفا سببًا ففي السرقة: السرقة، وفي التيمم: رفع الحدث، فلا يحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة بالاتفاق (¬١).\rومأخذ من جعل المسح إلى الكوعين:\rأولاً: أن اليدين عند الإطلاق يراد بها الكوعان فقط؛ لأنه لو أراد إلي الإبطين، أو إلى المرفقين، أو الذراعين لقيدها به، كما قيَّدها في الوضوء إلى المرفقين.\rقال السعدي: «ومن الأحكام: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط؛ لأن اليد عند الإطلاق كذلك، فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء» (¬٢).\rثانياً: القياس على القطع؛ إذ هو حكم شرعي وتطهير، كما أن التيمم تطهير.\rونوقش: بأنه في القطع عقوبة، لا يؤخذ فيها إلا باليقين، والتيمم عبادة، والعبادات يؤخذ فيها بالاحتياط.\rوهناك مأخذ آخر: ذكره ابن الفرس فقال: «فمن قال إلى الكوعين كان ذلك منه بناء على تعليق الحكم بأول الأسماء؛ لأن اليد هي من أطراف الأصابع إلى الإبط، وأقل ما ينطلق عليه اسم اليد إلى الكوعين» (¬٣).\rومأخذ مَنْ قال إلى الكفين: هو حديث عمّار كما عند البخاري أنّه أجنب فلم يجد الماء فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدَّابة، وفيه أنه قال: ثمّ أتيت الرسول فذكرت ذلك له، فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيدك هكذا، ثم ضرب بالأرض ضربة","footnotes":"(¬١) انظر: المنخول (١٧٧)، الإحكام للآمدي (٣/ ٤)، المطلق والمقيد د. حمد الصاعدي (٢٣٦).\r(¬٢) انظر: تفسير السعدي ٢٣٣.\r(¬٣) أحكام القرآن (٢/ ١١٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167428,"book_id":1216,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":82,"body":"واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه» (¬١).\r• الحكم التاسع: اختلف العلماء في مشروعية تكرار المسح من عدمه.\rوذهب الجمهور إلى عدم التكرار.\rومأخذ الحكم: إطلاق المسح في الآية، وهو يتحقق بالمرة الواحدة.\r• الحكم العاشر: ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب طلب الماء.\rمأخذ الحكم: أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ أمر يوجب التّكرار، ولا سيما أنه قد علق بشرط، فهو يوجب تكرار التيمم لكل صلاة، ويلزم منه طلب الماء لكل صلاة. ولم يجب في الوضوء لفعله ﵊، فيبقى التيمم (¬٢).\rقال الموزعي: «وكنت قدَّمت أولاً أن مفهوم قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ لا يوجب تكرار الوضوء لكل صلاة، خلافاً لابن سيرين؛ لأجل فعل النبي ﷺ، فهل يقتضي بمفهومه أنه يجب طلب الماء والتيمم لكلِّ صلاة عند القيام، أو لا يجب كالوضوء؟\rفباقتضاء المفهوم قال الشافعي ومالك، فأوجبا الطلب والتيمم لكل فريضة، وبترك المفهوم قال أبو حنيفة، فلم يوجب ذلك» (¬٣).\r• الحكم الحادي عشر: اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمكلف العادم للماء أن يعدل إلى التيمم مع قدرته على شراء الماء بثمن مثله، إن كان هذا الثمن فاضلاً عن حاجته ودينه.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري كتاب الطهارة، باب التيمم للوجه والكفين برقم (٣٣٩).\r(¬٢) حيث ثبت أن النبي ﷺ صلى الصلوات الخمس كلها يوم الفتح بوضوء واحد، أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد برقم (٢٢٧).\r(¬٣) تيسير البيان (٣/ ١٢٢ - ١٢٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167429,"book_id":1216,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":83,"body":"واختلفوا فيما إذا كانت الزيادة على ثمن المثل يسيرة، فهل يلزمه شراء الماء أو لا؟ وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يلزمه شراء الماء.\rمأخذ الحكم: أن القادر على الشراء يعتبر واجداً للماء، فلا يجوز له العدول إلى التيمم.\rفقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ فعل في سياق نكرة، والأفعال نكرات، فيعم كل واجد، سواء كان بثمن المثل أو بزيادة.\r• الحكم الثاني عشر: من وجد ماءً لكنه لا يكفي لطهارته اختلف العلماء في وجوب تطهره به، ثم تيممه للباقي.\rفأوجب ذلك بعض العلماء.\rومأخذ الحكم: أولاً: أن كلمة (ماء) في الآية نكرة في سياق نفي تعم الماء القليل والكثير (¬١).\rثانياً: أنه يصدق عليه أنه واجد للماء.\rوقيل: لا يجب عليه استعمال هذا الماء.\rومأخذ الحكم: العرف الشرعي؛ لأن مطلق الماء ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف من الماء في باب الوضوء والغسل هو الماء الذي يكفي للوضوء والغسل، فينصرف المطلق إليه، ومن لم يجد ماءً كافياً لطهارته، كان كمن لم يجد الماء أصلاً، فيكون حكمه الشرعي الانتقال إلى التيمم.\rوعليه فيقال: إن الله ﷾ أراد بالماء في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، الماء الكافي للأعضاء الذي أمر بغسلها في أول الآية.","footnotes":"(¬١) انظر: المغني (١/ ٣١٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167430,"book_id":1216,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":84,"body":"قال ابن العربي: «فإن الله سبحانه قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وأراد جميع البدن، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فاقتضى ذلك الماء الذي يقوم له بحق ما تقدم الأمر فيه والتكليف له، فإن آخر الكلام مرتبط بأوله» (¬١).\r• الحكم الثالث عشر: اختلف العلماء القائلون بوجوب طلب الماء والتيمم لكل صلاة في جواز فعل التيمم قبل دخول الوقت.\rفقال بعض أهل العلم: يجوز التيمم قبل دخول الوقت.\rمأخذ الحكم: أنّ المعلق بالشرط إنّما هو الوجوب - وهو دخول الوقت - والوجوب في وقت لا يمنع الجواز في غيره.\rمأخذ آخر: وهو القول بأن المولى أقام التيمم مقام الماء عند فقده، ولم يفرق بين ما إذا كان قبل الوقت أو بعده (¬٢).\rوذهب بعض أهل العلم إلى عدم الجواز.\rمأخذ الحكم: القياس، وبيانه كما قال الموزعي: «ويجوز أن يقال: فيه دلالة على التقييد بالوقت وجوبًا وجوازًا، فإنّه عبادة وقد ورد توقيت وجوبها بوقت الصلاة، فلا يجوز في غيره، كسائر العبادات، وإنّما خرج الوضوء بفعل النبي ﷺ الصلوات بوضوء واحد، أو لأنّه طهارة لا عبادة كما ذهب إليه أبو حنيفة والثوري؛ ولهذا لم يوجبا النّية في الوضوء، وأوجباها في التّيمم؛ لأنّه عبادة» (¬٣).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (١/ ٤٤٧).\r(¬٢) انظر: رؤوس المسائل للزممخشري (١١٣).\r(¬٣) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٢٤)، وانظر: الإكليل للسيوطي (٢/ ٦٢٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167431,"book_id":1216,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":85,"body":"ثم بيَّن مأخذاً آخر بقوله: «أو لأنّه طهارة لا عبادة كما ذهب إليه أبو حنيفة والثوري؛ ولهذا لم يوجبا النّية في الوضوء، وأوجباها في التّيمم؛ لأنّه عبادة» (¬١).\rيقول ابن رشد: «فتأمل هذه المسألة؛ فإنها ضعيفة، أعني من يشترط دخول الوقت ويجعله من العبادات المؤقتة، فإن التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي، وإنما يسوغ القول بهذا إذا كان على رجاء من وجود الماء قبل دخول الوقت، فيكون هذا ليس من باب أن هذه العبادة مؤقتة، لكن من باب أنه أنه ليس ينطلق اسم غير الواجد للماء إلا عند دخول وقت الصلاة؛ لأنه ما لم يدخل وقتها أمكن أن يطرأ هو على ماء» (¬٢).\r• الحكم الرابع عشر: استدل بالآية من قال بعدم جواز التيمم على جدار الأسمنت أو البلاط، أو الجدار الذّي عليه دهان (بوية) (¬٣).\rومأخذ الحكم: أن (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ تبعيضية، وهذا يقتضي أن يكون هناك غبار يعلق باليد، وهذا لا يتحقق بجدار الأسمنت أو البلاط، فلا يتحقق المسح.\rنوقش: أن التيمم غير مختص بالتراب، بل بكل ما تصاعد على وجه الأرض؛ لقوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض (¬٤).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٢٤).\r(¬٢) بداية المجتهد لابن رشد (١/ ١٣٤ - ١٣٥).\r(¬٣) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٢٤٠)، (١٥/ ٤١٢)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٧).\r(¬٤) ينظر: الشرح الممتع (١/ ٣٩٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167432,"book_id":1216,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":86,"body":"وحمل بعضهم (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ على كونها ابتدائية، أي لابتداء الغاية (¬١)، أي: مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطّيب، وعليه فلا يتعين ما له غبار، ويصحّ التيمم بجدار الأسمنت وغيره.\r\rباب الحيض\rقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]\rالحيض والمحيض مصدران يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا.\rوالمحيض أيضًا: اسم لموضع الدّم، فالمحيض الأوّل في الآية هو الدّم، وهو الأذى، والمحيض الثّاني قيل: هو موضع الدّم.\rوقد استنبط العلماء من الآية عددًا من الأحكام منها:\r• الحكم الأول: تحريم الوطء في الفرج حال الحيض، وهذا محل إجماعٍ.\rقال ابن قدامة: «الاستمتاع من الحائض فيما فوق السُّرة ودون الركبة جائز بالنّص والإجماع، والوطء في الفرج محرم بهما» (¬٢)، أي بالنصَّ والإجماع.\rوقال النّووي: «أجمع المسلمون علي تحريم وطء الحائض للآية الكريمة والأحاديث الصحيحة» (¬٣).\rومأخذ الحكم: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فأمر باعتزالهن، وهذه الصّيغة وإن كان لفظها لفظ الأمر، إلّا أنّ معناها والمقصود منها النهي.","footnotes":"(¬١) ينظر: أضواء البيان (٢/ ٤٥) (٢/ ١٢٧)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (١٩ - ٢٠).\r(¬٢) المغني (١/ ٢٤٢).\r(¬٣) المجموع (٢/ ٣٥٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167433,"book_id":1216,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":87,"body":"قال ابن النّجار: «وكنهي في المعنى: دع، واترك، وكف، وأمسك نفسك عن كذا. ونحوه» (¬١).\rومفهوم الغاية السابق جواز وطء الحائض إذا طهرت ثم اغتسلت وهذا لا خلاف فيه بين العلماء وهو على الإباحة؛ لأنّه أمر بعد حظر، وجميع الأوامر في القرآن بعد الحظر، فإنها على الإباحة.\rأمّا قبل الاغتسال فقد أجازه بعض العلماء استدلالًا بقوله ﴿حتى يطّهرهن﴾ بالتّشديد، قالوا: معناه حتى يحصل لهن الطهر، الذّي هو عدم الحيض.\rأمّا قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فإنّه صفة لفعلهن، ويحصل التطهر بالغسل أو الوضوء أو غسل الفرج، فكل ذلك يسمى في الشّريعة وفي اللّغة تطّهرًا، وطُهورًا، وطهْرًا، فأي ذلك فعلت فقد طهرت.\rأو بقراءة ﴿حتى يطهرْن﴾ بالتخفيف، فيكون انقطاع دم الحيض غاية النّهي عن قربانهن، وإن لم يغتسلن.\rوأمّا الجمهور فقد ذهبوا إلى عدم جواز وطء الحائض إلّا إذا طهرت واغتسلت.\rومأخذهم في ذلك: أنّ الله سبحانه علق حِل الوطء بغايةٍ وشرطٍ، فيكون الحل بهما، والحرمة بانتفاء أحدهما، فالغاية قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ والشّرط قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فلا يستباح وطؤها إلّا بالغسل بعد انقطاع الدم، وتنتفي الاستباحة بعدمهما، أو عدم أحدهما من غاية أو شرط.\rقال الموزعي: «وفي الآية دلالة على أن الحائض إذا انقطع دمها لا يحل","footnotes":"(¬١) شرح الكوكب المنير (٣/ ٣٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167434,"book_id":1216,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":88,"body":"غِشيانها، وهو قول مالك والشّافعي وجماهير أهل العلم. وقال أبو حنيفة: يحلُّ، وإن لم تغتسل، والمراد عنده صِرْنَ أهلًا للصّلاة، وهو خلاف الظّاهر من لفظ الآية؛ فإنها تدلّ لغيره من أربعة أوجهٍ:\rأحدهما: قراءة من قرأ ﴿حتى يطّهّرن﴾ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ كلتاهما بالتّشديد.\rثانيهما: قراءة أبي بن كعب ﴿حتى يطْهرن﴾ فلا يقدم الوقت مقام الفعل المنسوب إليهن.\rثالثهما: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن، وبهذا فسر ابن عباس ومجاهد وغيرهما» (¬١).\rقلت: لما كانت قراءة التخفيف في قوله ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ تدل على غاية النهي عن قربانهن، وهو انقطاع الدّم، وردت قراءة التّشديد ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ لرفع توهم جواز إتيان الحائض إذا ارتفع عنها الدّم وإن لم تطهر بالماء.\rقال الموزعي: «رابعها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾» (¬٢).\rقلت: والرّابع إنّما يدل على مشروعية الفعل وطلبه، فيعمّ الواجب والمندوب، فلا يمنع منه من قال بعدم وجوب الاغتسال.\rقال ابن القيم: «وكل فعل عظمه الله ورسوله … أو أحبه، أو أحب فاعله، أو رضي به عن فاعله … فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والنّدب» (¬٣).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠).\r(¬٢) تيسير البيان (١/ ٤٠٠).\r(¬٣) بدائع الفوائد (٤/ ٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167435,"book_id":1216,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":89,"body":"ثم قال الموزعي: «فإن قلتم: فهل نجد ما يدلّ على أن المراد بالمتطهرين المتطهرين بالماء؟ قلت: نعم قوله تعالى في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾» (¬١) وقد سبق الحديث عنها.\r• الحكم الثاني: جواز وطء الحائض في غير موضع الدّم.\rمأخذ الحكم هو أن المراد بالمحيض في قوله ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ موضع الدّم ويؤيده قوله ﵊ (جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء إلّا النّكاح) (¬٢) على خلاف بين العلماء، إلّا أنهم اتفقوا على جواز الاستمتاع من الحائض فيما فوق السُّرة ودون الرّكبة كما سبق نقله عن ابن قدامة.\r• الحكم الثالث: استدل بعضهم على عدم جواز وطء المستحاضة ما دام معها الدّم.\rومأخذه: أن قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ يدل على أن علة اعتزال النّساء، هو كونه أذى، وذلك بطريق الإيماء والتنبيه، فأخذوا بعموم العلّة، وقاسوا المستحاضة على الحائض بكونه أذى.\rوالجمهور على جواز وطء المستحاضة، قياسًا على جواز صلاتها، مع دم الاستحاضة؛ ولقوله ﵊ (إنّما ذلك عرق وليس بحيض) (¬٣) وفيه دليل على الفرق بين الدّمين.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (١/ ٤٠٠).\r(¬٢) أخرجه مسلم، في كتاب الحيض، باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، برقم (٣٠٢).\r(¬٣) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب غسل الدم، برقم (٢٢٨)، ومسلم في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، برقم (٣٣٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167436,"book_id":1216,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":90,"body":"• الحكم الرابع: لا حدّ لأقل الحيض ولا لأكثره.\rومأخذهم: أن الآية علقت الحكم على المحيض، أي: الدّم، ولم تقدّره بمدة معينة، وما كان هذا سبيله، فإنّه يرجع فيه إلى العرف والعادة، واختلف العلماء في تقدير ذلك.\rوختامًا لهذا الباب فسأذكر ما ذكره ابن قدامة من أحكام متعلقة بالحيض، حيث قال: «وقد علق الشّرع على الحيض أحكامًا؛ فمنها: أنه يحرم وطء الحائض في الفرج، … ومنها: أنه يمنع فعل الصلاة والصوم، … ومنها: أنه يسقط وجوب الصّلاة دون الصّيام، … ومنها: أنه يمنع قراءة القرآن، … ومنها: أنّه يمنع اللبث في المسجد والطواف بالبيت، .... ومنها: أنّه يُحرِّم الطّلاق، … ومنها: أنه يمنع صحة الطهارة … ومنها: أنه يوجب الغسل عند انقطاعه … وهو علَمٌ على البلوغ … ، وأكثر هذه الأحكام مجمع عليها بين علماء الأمّة. وإذا ثبت هذا، فالحاجة داعية إلى معرفة الحيض، ليعلم ما يتعلق به من الأحكام» (¬١).","footnotes":"(¬١) المغني (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167437,"book_id":1216,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":91,"body":"كتاب الصلاة\rتدور الآيات الواردة تحت هذا الكتاب -دون أبوابه- حول مسألة حكم الصلاة، وحكم تاركها.\rولا خلاف بين العلماء في كون الصلاة أحد أركان الإسلام، وهذا الحكم من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة كفر، والعياذ بالله منه.\rوقد أجمع العلماء على تكفير من أنكر وجوب الصلاة جحوداً أو عناداَ.\rواختلفوا في كفر من تركها تهاوناً وكسلاً على ما سيأتي:\rوقد تنوعت أساليب القرآن الكريم الدالة على الحكم السابق كما سيأتي:\rقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب الصلاة.\rمأخذ الحكم: الأمر الصريح الوارد بصيغة (افعل) الدالة على الوجوب، وهو أمر للحاضر.\rومنه قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨]، [لقمان: ١٧].\r• الحكم الثاني: مقاتلة تارك الصلاة.\rمأخذ الحكم: بدلالة اقتران الصلاة بالزكاة في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167438,"book_id":1216,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":92,"body":"وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فقالوا: أجمع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وكذا الصلاة يقاتل تاركها.\r• الحكم الثالث: الصلاة واجبة على كل بالغ عاقل، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، مسلم أو غير مسلم، ما بقي عقلُه.\rمأخذ الحكم: ضمير الجمع في قوله ﴿وَأَقِيمُوا﴾ يفيد العموم، فيدخل فيه الذكور المسلمون الأحرار بالإجماع، وكذا يدخل في عمومه: الإناث والعبيد، والكفار عند من يقول إنهم مخاطبون بفروع الشريعة.\rتنبيه: في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] اختلف العلماء في الصلاة المأمور إقامتها هل هي لفظ مجمل أو لا؟\rقال بعض العلماء لفظ الصلاة هنا مجمل، لأنه لا يُنبئ عن المراد منها، وهو: الأقوال والأفعال المبتدئة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، فلا يُنبئ عن الركوع والسجود وغير ذلك. ثم إن هذا الإجمال قد بينته السنة بقوله وفعله ﵊.\rوقال الجمهور بل مصطلح الصلاة وغيرها من المسميات الشرعية إن وردت في سياق إثبات أو أمر فإنها تحمل على المعنى الشرعي، فنحمل معنى الصلاة في الآية ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ على الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود.\rأما ما ورد من المسميات الشرعية في سياق النهي فتكون مجملة لترددها بين المعنى الشرعي أو اللغوي. ومنهم من حملها على المعنى الشرعي، ومنهم من حملها على المعنى اللغوي.\rوهذه القاعدة يتفرع عليها فروع كثيرة، في سياق الأمر ما سبق في الآية الكريمة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وفي سياق الإثبات مثل اختلافهم في قوله ﵊: (الطواف بالبيت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167439,"book_id":1216,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":93,"body":"صلاة) (¬١) فما المراد بالصلاة، منهم من حملها على القاعدة على الصلاة الشرعية، فاشترط بناءً على ذلك الطهارة في الطواف، لكونها شرط الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود.\rأما سياق النهي فمثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] فحملها بعض العلماء على المعنى اللغوي وهو الدعاء، ومنهم من حملها على المعنى الشرعي، ومنهم من جعلها مجملة لترددها بين الأمرين. ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] فقد فسرها ابن عباس وعائشة ﵃ وغيرهم بأن الصلاة هي الدعاء.\rقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥].\rاستدل بالآية على وجوب الصلاة.\rمأخذ الحكم:\rأولاً: لفظ الأمر وما تصرف منه، وذلك في قوله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، أي: وأمروا أن يقيموا الصلاة، وكذا لفظ الأمر في قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢].\rثانياً: الأمر الوارد بصيغة (ليفعل)، وهي الأمر للغائب، ومن ذلك قوله سبحانه في صلاة الخوف ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وإذا وجب عليهم إقامة الصلاة في الخوف فمن باب أولى حال الأمن.","footnotes":"(¬١) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب إباحة الكلام في الطواف، برقم (٢٩٢٢) قال الشيخ الألباني: صحيح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167440,"book_id":1216,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":94,"body":"قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب الصلاة.\rمأخذ الحكم: الأمر الصريح الوارد بصيغة (افعل) الدالة على الوجوب.\r• الحكم الثاني: كفر تارك الصلاة.\rمأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي أن من لم يحقق هذه الصفات كان من المشركين.\rنوقش عند البعض: أن الآية محمولة على أن المراد أن ترك الصلاة من أفعال المشركين، فورود النهي عن التشبه بهم لا أن من وافقهم في الترك صار مشركاً.\rقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام منها:\r• الحكم الأول: وجوب الصلاة.\rمأخذ الحكم: لأن المولى ﷾ أمر بقتالهم إلا إن يتوبوا ويقيموا الصلاة، والواجب هو الذي يعاقب على تركه، وقتالهم عقوبة لهم على شركهم وتركهم الصلاة.\r• الحكم الثاني: مقاتلة تارك الصلاة لكفره.\rمأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، أي: أنهم إن لم يتوبوا ويقيموا الصلاة فلا يخلى سبيلهم بل يقاتلوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167441,"book_id":1216,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":95,"body":"ثم قال ﷾ بعدها في آيات ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] ومفهوم الشرط: إن لم يقيموا الصلاة فلا يخلى سبيلهم وليسوا بإخوة، والمعلق بشرط ينعدم بعدمه.\rنوقش عند بعضهم: أن ذكر الصلاة والزكاة في الآية لم يقصد منه جعلها شرطاً لترتيب حكم التخلية عليه، وإنما هو من باب الإشارة إلى أعظم الشعائر الإسلامية، وهما الصلاة التي هي أعظم العبادات البدنية، والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية.\rوقيل إن الآية نزلت في حق طوائف المشركين وقبائلهم المجتمعة، فلا يصح الاستدلال بها في قتال الأفراد الممتنعين.\rقال ابن قدامة ﵀: (فإنا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة تُرك تغسيله والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا مُنع ورثته ميراثه، ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فرّق بين الزوجين لترك الصلاة من أحدهما مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها .... ) (¬١).\rثم إن العرب تطلق اسم المتوقع من الشيء في النهاية لم حاله في البداية، ولما كان ترك الصلاة أول بداية الكفر، لأن المرء إذا ترك الصلاة واعتاده ارتقى منه إلى ترك غيرها من الفرائض، وإذا اعتاد ترك الفرائض أداه ذلك إلى التكذيب بالدين والردة عنه -عياذاً بالله- فأطلق ﷺ اسم الكفر على البداية التي أول شعبها ترك الصلاة.\rوهذا الأسلوب معهود في حديث النبي ﷺ (المراء في القرآن كفر) (¬٢)، لأن","footnotes":"(¬١) المغني (٢/ ٣٣٢).\r(¬٢) أخرجه أبوداود في كتاب السنة، باب النهي عن الجدال في القرآن، برقم (٤٦٠٣)، وحسنه الألباني.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167442,"book_id":1216,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":96,"body":"المرء إذا مارى في القرآن أداه ذلك -إن لم يعصمه الله- إلى أن يرتاب في الآي المتشابه منه، وإذا ارتاب في بعضه أداه ذلك إلى الجحد.\rقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].\rالأمر بالمحافظة يفسر المراد بالإقامة، فإقامة الصلاة يعني: تأديتها في أوقاتها بأركانها على الدوام.\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب الصلاة.\rمأخذ الحكم: الأمر الصريح الوارد بصيغة (افعل) الدالة على الوجوب في قوله: ﴿حَافِظُوا﴾.\r• الحكم الثاني: اختلف العلماء في الصلوات المأمور بالمحافظة عليها.\rفقيل: الفرائض. وقيل: الفرائض والنوافل.\rومأخذ القولين: العموم الوارد بدخول (ال) على الجمع، فحملها الفريق الأول على عموم الصلوات المفروضة، ويؤيد قصرها عليها حمل جمهور أهل العلم على أن المراد بالوسطى، صلاة العصر، ويؤيد القراءة الشاذة الواردة فيها كما سيأتي.\rأما الفريق الثاني: فحملوا العموم على الفرائض والنوافل.\rتنبيه: إذا قيل: إن المراد بها الفرائض والنوافل فإن الأمر في قوله: ﴿حَافِظُوا﴾ يحمل على الوجوب في الواجبات، وعلى الندب في المندوبات.\rوهذه طريقة بعض أهل العلم، أو يقال: إن الجميع يحمل على الوجوب، وتخرج النوافل، ويصرف الأمر الموجه إليها بدلالة السنة، بما روى البخاري في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167443,"book_id":1216,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":97,"body":"قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ يسأله عن الإسلام، فقال ﵊: (خمس صلوات في اليوم والليلة)، فقال: هل عليّ غيرها. فقال: (لا، إلا أن تطوع) (¬١)، فدل على أن ما عدا الفرائض تطوع ونفل.\r• الحكم الثالث: اختلف العلماء في المراد بالصلاة الوسطى، وتعددت فيها الأقوال.\rقال السيوطي في الإكليل: «وهي الصبح، أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، أو الخمس، أو الجمعة، أو الوتر، أو الضحى، أو صلاة عيد الفطر، أو عيد الأضحى، أو صلاة الليل، أو صلاة الجماعة، أو صلاة الخوف، أقوال» (¬٢).\rومأخذ الخلاف وتعدد الأقوال عموماً هو الخلاف في المقصود بالوسطى في الآية، هل هو مأخوذ من التوسط أو الوسط وهو الفضل والخيار، فمن ذهب إلى الأخير تلمس النصوص الواردة في فضل بعض الصلوات، وحكم على بعض تلك الصلوات بأنها الوسطى أي الفضلى. ومن قال بالتوسط بالترتيب فلهم أنظار، من ذلك قولهم: إنها الصبح، لأن قبلها صلاتي الليل يجهر فيهما وبعدهما صلاتا النهار يسر فيهما، ومن قال العصر قال لأن قبلها صلاتي نهار بعدها صلاتي ليل .... وهكذا.\rوعلى كون الوسطى الفجر أو العصر انحصرت المذاهب الأربعة، ومما استدلوا به من القرآن وهو محل دراستنا في هذا الكتاب ما يأتي:\rاستدل القائل بأنها الفجر بقوله سبحانه في ختم الآية ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وقالوا المقصود به القنوت في صلاة الفجر، وهو مذهب الشافعية، وسيأتي أن سبب","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام، برقم (٤٦)، وكتاب الشهادات، باب كيف يستحلف، برقم (٢٥٣٢)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، برقم (١١).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٤٣٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167444,"book_id":1216,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":98,"body":"النزول لا يساعدهم على ذلك، إذ المقصود به السكوت وعدم الكلام في الصلاة.\rوقالوا: عن العصر ليست هي الوسطى استدلالاً بقراءة أم المؤمنين عائشة بنت الصديق ﵂: (والصلاة الوسطى وصلاة العصر)، وهي قراءة شاذة يحتج بها.\rففي عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى دلالة على أنها مغايرة لها، لأن العطف يقتضي المغايرة.\rأما القائل بأن الوسطى هي العصر وهو مذهب الحنابلة والحنفية فقد استدل بالأحاديث الصحيحة، ومن ذلك ما رواه مسلم عن البراء بن عازب ﵁ قال: نزلت «حافظوا على الصلوات وصلاة العصر» فقرأناها على عهد رسول الله ﷺ ما شاء الله أن نقرأها ثم إن الله نسخها، فأنزل ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (¬١)، وقد فسَّر النبي ﷺ الصلاة والوسطى بأنها العصر في قوله ﷺ يوم الخندق: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر) (¬٢)، والسنة مبينة للقرآن، وهي قاطعة للاحتمالات الأخرى، والله أعلم.\rتنبيه: على القول بأن الوسطى من الوسط في الترتيب أو لتوسطها بين شيئين، لو كان الوتر واجباً لكانت الصلوات ستاً، والست لا تصح أن يكون لها وسطى، فعُلم أنها خمس صلوات.\rتنبيه: ذكر الخاص بعد العام لا يخصص العام، ولا يدل تخصيصه بالذكر على عدم دخوله في العام، بل يدلّ إفراده بالذكر على فوائد منها:","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، برقم (٦٢٧)، وفي كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، برقم (٦٢٨).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (١١/ ١٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167445,"book_id":1216,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":99,"body":"الأول: مزيد اهتمام به، والتأكيد عليه، أي كأنه ذكر مرتين، مرة بالعموم، ومرة بالخصوص.\rالثاني: وهو تابع للأول، وذلك أن من عادة العرب عند الاهتمام ببعض أنواع العام القيام بتخصيصه بالذكر، إبعاداً له عن المجاز.\rقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وهو واد في جنهم.\rاستدل بالآية على وجوب الصلاة.\rمأخذ الحكم: دلَّ على الحكم السابق الأساليب الشرعية الآتية:\rأولاً: ترتب الوعيد على الترك يدل على وجوب المتروك.\rومن ذلك: أي من أساليب إطلاق الوعيد وترتيب الذم على الترك، الدالة على الوجوب قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] أي يؤخرونها حتى يخرج وقتها، فهدد بويل سواء قيل: واد في جهنم، أو كلمة تهديد، وهذا فيمن يصليها لكن مع تأخيرها فكيف بمن لا يصليها؟ فلا شك أنه من باب أولى يستحق العذاب، ولا يستحق العذاب إلا بترك الواجب.\rثانياً: ذم الفاعل بوصفهم أنهم أضاعوا الصلاة، يدل على حرمة الترك.\rقال القرطبي: «قوله تعالى ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾. وهو ذم ونص في أن إضاعة الصلاة من الكبائر التي يوبق صاحبها، ولا خلاف في ذلك» (¬١).\rثالثاً: في قرن الفعل بالتوبة في قوله: «إلا من تاب» يشعر بأن الفعل معصية","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (١١/ ١٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167446,"book_id":1216,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":100,"body":"ومحرم، وذلك لأن التوبة والاستغفار لا يكونان في الأصل إلا من ذنب اقترفه العبد.\rقال العز بن عبد السلام: «ولا توبة في الأغلب إلا عن ذنب، والذنب: هو المخالفة لاقتضاء الأمر أو النهي» (¬١).\rقلت: ومن الأساليب الدالة على الوجوب ويشترك معه الندب، بمعنى أنه يدل على المشروعية المشتركة من الوجوب والندب، مدح الفاعل على فعله، وقد مدح الشارع في آيات القائمين بالصلاة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]\rوقال في سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٣]\rومن الأساليب: القسم بالفعل، والقسم بالفعل يدل على شرفه ومنزلته عند الله، وحكمه عند العلماء دائر بين الوجوب والندب، أي أن القسم به دليل على مشروعيته، ولذا استنبط العلماء وجوب صلاة الفجر، باعتبار أن المراد بالقسم في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر: ١] صلاة الفجر على أحد التفاسير، وعلى كون الوتر مشروعاً بقوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]، أما الوتر فهو واجب عند الحنفية،","footnotes":"(¬١) الإمام في بيان أدلة الأحكام (١١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167447,"book_id":1216,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":101,"body":"ومندوب عند الجمهور، وصرفوا دلالة الأمر هنا وفي الأحاديث كقوله ﵊: (أوتروا يا أهل القرآن فإن الله وتر يحب الوتر) (¬١)، وغيره من الأحاديث صرفوا الوجوب إلى الندب بالأحاديث الدالة على أن ما فرضه الله على عباده خمس صلوات فقط في اليوم والليلة (¬٢).\r\rباب المواقيت\rالمواقيت جمع ميقات، والميقات هو الوقت المضروب للفعل.\rويقال المواقيت جمع وقتٍ على غير القياس.\rفالميقات ما وقّت به، أي حُدِّد من زمان كمواقيت الصلاة، أو مكان كمواقيت الإحرام.\rفهي إذًا: مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة. والمقصود بها هنا أزمنة الصلوات المفروضة.\rقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾\rاستدل بها بعض من العلماء على استحباب تعجيل الصلاة لأول الوقت. وطرد بعضهم ذلك في جميع الصلوات حتى صلاة العشاء.\rمأخذ الحكم: تفسير المحافظة عليها بتعجيلها في أول وقتها؛ إذ المقصود بالمحافظة عليها في الآية تأديتها في أوقاتها بأركانها على الدوام.\rقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي في أبواب الوتر، باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم، برقم (٤٥٣)، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الوتر، برقم (١١٧٠) قال الشيخ الألباني: صحيح.\r(¬٢) متفق عليه، وسبق تخريجه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167448,"book_id":1216,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":102,"body":"دلّت الآية على أن المولى ﷾ افترض على عباده الصلوات، وكتبها عليهم في أوقاتها المحددة، فلا يجوز لأحد أن يأتِيَ بها في غير ذلك الوقت إلا من عذر شرعي من نوم أو سهو ونحوهما.\rومأخذ الحكم: في قوله ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ فقوله ﴿كِتَابًا﴾ أي مكتوباً مفروضاً. وقوله: ﴿مَوْقُوتًا﴾ أي محدد الأوقات.\rوسبق القول بأن لفظ (الكتب) وما تصرف منه من الألفاظ والصيغ دالة على الوجوب.\rقال السيوطي: «هذه أصل مواقيت الصلاة فسّرها بذلك ابن مسعود وغيره» (¬١).\rثم قد وردت آيات تدل دلالة إجمالية على أوقات الصلوات، - كما في آيات الباب القادمة - وجاءت السنة مبيّنة لها ومفصِّلة. ومن تلك الآيات ما ورد في سورة هود، والإسراء، وطه، والروم، وق.\rأما آية سورة هود فهي قوله تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وفيها الأمر بإقامة الصلاة، وقيل: إنها إحدى الآيات التي جمعت الصلوات الخمس، وبيان ذلك: أن قوله ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الغداة وهي الفجر والظهر والعصر، وقوله ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغرب والعشاء.\rوورد عن ابن عباس ﵄ أن قوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ صلاة المغرب وصلاة الغداة (الفجر)، وأن قوله: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أنها صلاة العشاء، وكان ﵀ يستحب تأخير العشاء، ويقرأ ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٥٨٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167449,"book_id":1216,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":103,"body":"قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨].\rقيل المراد بدلوك الشمس: زوالها وهو مروي عن ابن عباس وعدد من الصحابة، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عن الجميع أن دلوك الشمس: غروبها.\rقال السيوطي في الإكليل: «والأول أولى فتكون الإشارة بدلوك الشمس إلى الظهر والعصر، وبغسق الليل إلى المغرب والعشاء، وقرآن الفجر إلى صلاة الصبح، وهذه إحدى الآيات التي جمعت الصلوات الخمس» (¬١).\rذكر ابن الفرس أن المراد بالصلاة هنا الصلوات المفروضة باتفاق، ثم ذكر القولين السابقين فقال: «فقيل: يشتمل الصلوات الخمس، ودلوك الشمس زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل ظلمته، والإشارة به إلى المغرب والعشاء. وقرآن الفجر يريد به صلاة الصبح. وقيل: لا يشتمل على كل الصلوات الخمس، ولكن دلوك الشمس غروبها، والإشارة به إلى المغرب، وغسق الليل الإشارة به إلى العتمة، وقرآن الفجر صلاة الصبح، ولم تقع إشارة -على هذا القول- إلى الظهر والعصر» (¬٢).\rوقوله تعالى في سورة طه ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].\rقال السيوطي في الإكليل: «هي إحدى الآيات التي تضمنت الصلوات","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٩٢١).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٢٦٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167450,"book_id":1216,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":104,"body":"الخمس» (¬١)، ثم بيّن ذلك، وبيانها أن قوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صلاة الفجر، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ صلاة العصر، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ صلاة الظهر، وقد نُقل عن قتادة بإسناد صحيح ونقل عن بعض المفسرين ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ صلاة العشاء، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ المغرب والظهر. والمراد بالتسبيح في الآية الصلاة.\rوقوله في سورة (ق) ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] المراد بالتسبيح الصلاة، وفسّر بصلاة الصبح والعصر، وقوله بعدها ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ فسّره مجاهد بقيام الليل، وقال غيره يجوز أن يراد به صلاة المغرب والعشاء.\rوقيل المراد: ركعتان فبل المغرب.\rوقوله تعالى في سورة الروم: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨]\rأخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله فقال: الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم فقرأ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ قال: صلاة المغرب وصلاة الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر، وقرأ ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] (¬٢) أي إن آية الروم ذكرت أربعة فروض، والفرض الخامس في سورة النور (¬٣).\rقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٩٥٦).\r(¬٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤١٠ - ٤١١) وصححه، ووافقه الذهبي.\r(¬٣) انظر: الإكليل (٣/ ١٠٨٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167451,"book_id":1216,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":105,"body":"استدل بالآية على أن من نسي صلاة فإن الواجب عليه صلاتها إذا ذكرها.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله ﴿وَأَقِمِ﴾ وقد بينت في الحديث المتفق عليه عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصليها إذا ذكرها)، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (¬١) واللام في قوله ﴿لِذِكْرِي﴾ تحمل على هذا القول أنها بمنزلة عند، كأنه قال: أقم الصلاة عند تذكرها.\rواستدل بالآية على قضاء الصلاة في جميع الأوقات، حين يذكرها، ولو كان الوقت من الأوقات غيرها.\rومأخذ الحكم العموم الوارد في الآية.\rقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].\rبعد ذكر وجوب إقامة الصلاة في وقتها بقوله ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وبيان مجمل لأوقات الصلوات الخمس، ثم بيان حكم من نسي صلاة ونام عنها، بقي حكم من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها: وقد استنبط العلماء من الآية تحريم تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها.\rوقد فسّر النبي ﷺ السهو في الآية بقوله: (هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها) (¬٢).\rومأخذ الحكم ظاهر، وهو أن ألفاظ الوعيد على الترك تحمل على وجوب","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، برقم (٦٨٤).\r(¬٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣٠/ ٣١٣)، والطبراني في الأوسط برقم (٢٢٧٦)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ١٤٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٤٣): «فيه عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف جداً».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167452,"book_id":1216,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":106,"body":"الإتيان بالمأمور به، وهو هنا الصلاة في وقتها، وحرمة تأخيرها عن وقتها.\r\rباب الأذان\rقال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]\rدلت الآية على مشروعية الآذان، وأن للصلاة أذاناً يدعى به الناس إليها؛ لأن المقصود بالنداء في الآية الأذان.\rقال الإمام الطبري: «وإذا أذن مؤذنكم أيها المؤمنون بالصلاة سخر من دعوتكم إليها هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين ولعبوا من ذلك» (¬١).\rمأخذ الحكم: إخباره سبحانه عن فعلهم وأذانهم دون تكبير، بل وذم من أنكر عليهم باتخاذهم هزواً ولعباً.\rقال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]\rدلَّت الآية على مشروعية الأذان أيضاً، بل استدل بها على كون الأذان فرضاً، وذلك لأنه لما كان النداء سبباً للسعي، وكان السعي واجباً، كان النداء واجباً.\rفمأخذ الحكم: هو القول بأن وسيلة الواجب واجبة، ولزيادة إيضاح يقال: إن السعي واجبٌ للأمر الوارد بقوله ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والسعي من الوسائل التي نص الشارع على حكمها. فالسعي إلى صلاة الجمعة واجبٌ؛ لأن صلاة الجمعة واجبة، ولا يمكن أداؤها إلا بالسعي إليها في أماكن إقامتها.","footnotes":"(¬١) تفسير الطبري (٨/ ٥٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167453,"book_id":1216,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":107,"body":"أما بقية أحكام آية سورة الجمعة فسيأتي الحديث عنها -بإذن الله- في باب صلاة الجمعة.\r\rباب شروط الصلاة\rالشروط جمع شرط، والمقصود به هنا الشرط الشرعي، وهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.\rويتفق الشرط مع الركن في كونهما من أسباب تمام صحة العمل، فلا يجوز الإتيان بأي عبادة وطاعة تفتقر إلى أيّ من أركانها وشروطها، إلا بتمامها.\rويختلفان في كون الركن يقع في ماهية العمل نفسه، والشرط خارج عن الماهية، والشرط وإن كان متقدماً عن ماهية العبادة إلا أنه يستمر بعد ذلك في داخلها.\rومن القواعد المقررة أن الأصل في شروط العبادات الحظر والمنع، بخلاف المعاملات فإن الأصل فيها الحل.\rوهذه الآيات التي بين أيدينا هي الناقل من البراءة الأصلية إلى شغل الذمة بها، وضمت الآيات ستة من الشروط وهي:\rالشرط الأول: الإسلام، من خلال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧].\rالشرط الثاني: النية، من خلال قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].\rالشرط الثالث: استقبال القبلة، من خلال قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167454,"book_id":1216,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":108,"body":"وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآية، والآية التي قبلها قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، والاستثناء حال القتال والمسايفة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].\rالشرط الرابع: ستر العورة، من خلال قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].\rالشرط الخامس: دخول الوقت، من خلال قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].\rالشرط السادس: كون المصلي عاقلاً، من خلال قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].\rوسبق في الكتاب السابق وهو كتاب الطهارة، وقلنا إن حقه أن يكون الحديث عنه هنا في شروط الصلاة، لأن مقصوده - أي كتاب الطهارة- بيان كيفية رفع الحدث وإزالة النجس، وكلاهما شرطان من شروط الصلاة.\rورفع الحدث الأصغر يكون بالماء إن وجد، أو التيمم عند فقده، ودلّ على هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، والحق أنه يجب الإشارة إلى هذه هنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167455,"book_id":1216,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":109,"body":"ومأخذ الشرطية هنا ظاهر وهو الأمر بقوله ﴿فَاغْسِلُوا﴾ وقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾.\rأما الحدث الأكبر فدلّ على شرطيته قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.\rومأخذ الشرطية: الأمر المعلق على شرط، فيدل على وجوب رفع الحدث الأكبر بالغسل حال الجنابة.\rأما ما يتعلق بإزالة النجاسة وكونها شرطاً من شروط الصلاة، فقد ورد من قبل ما يدل على وجوب إزالتها من البدن في باب إزالة النجاسة وبيانها.\rومن ذلك ما ورد في حكم الاستنجاء بقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].\rوسيأتي من خلال الآيات القادمة، ما يدل على اشتراط طهارة الثوب، واشتراط طهارة البقعة والمكان الذي يُصلى فيه.\rحيث دلَّ قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، على اشتراط إزالة النجاسة من ثياب المصلي، ودلّ قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ على اشتراط إزالة النجاسة من البقعة التي يصلي فيها.\rوعوداً إلى آيات هذا الباب وما ورد فيها من شروط أقول:\rقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]\rدلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط الإسلام.\rفيشترط لصحة الصلاة أن يكون مسلماً، والكافر إن قلنا بأنه مخاطب بفروع الشريعة، إلا أن صحة صلاته مشروطة بتقدم إسلامه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167456,"book_id":1216,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":110,"body":"ودلت الآية على أن عمل الكافر غير متقبل، ولو عمل ذلك وهو مؤمن، ما دام أنه مات على كفره، ومن فعلها وهو غير مؤمن كذلك، إذ علة عدم القبول، أو إحباط العمل هو الكفر.\rومأخذ الحكم: اقتران الحكم وهو حبوط العمل بالوصف، وهو الموت على الكفر، بالفاء، يدل على أن الوصف علة ذلك الحكم، فعلة إحباط العمل هو الكفر.\rقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥].\rدلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط استحضار النية\rفاستدل بالآية على اشتراط ووجوب النية في العبادات، ومنها الصلاة، لأن الإخلاص لا يكون بدون النية، كما أن الإخلاص من عمل القلب، وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غير.\rمأخذ الحكم: ما سبق أن لفظ (الأمر) وما تصرف منه في قوله ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ هو حقيقة في الإيجاب، ولا يصرف إلى الندب إلا بقرينة.\rكما استدل بالآية الشافعية وقول عند المالكية على وجوب مقارنة النية لكل التكبير.\rومأخذ الحكم: أن قوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ حال لهم وقت العبادة، فإن الحال وصف هيئة وقت الفعل. والإخلاص كما سبق هو النية، فدل على وجوب مقارنة النية للعبادة.\rتنبيه: الصلاة عبادة، والعبادة تقتضي إخلاص العمل بكليته إلى الله، وهو ما أمرنا به الدين، والإخلاص لا يحصل بدون نية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167457,"book_id":1216,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":111,"body":"قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].\rاستدل بها كذلك على شرط إحضار النية في كل صلاة، وذلك إذا أريد بالوجه هنا هو المعتقد وليس الجارحة، كما تقول وجهت وجهي لله.\rومأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿وَأَقِيمُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب.\rقال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآية، والآية التي قبلها قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]\rدلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط استقبال القبلة.\rولا خلاف بين العلماء في وجوب استقبال الكعبة في كل صلاة فرضاً كانت أو نفلاً سفراً أو حضراً.\rومأخذ الوجوب والشرطية: الأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وهذا يقتضي وجوب استقبال القبلة والحكم مجمع عليه.\rوفي الآية الأخرى قال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ﴾ وهو من ألفاظ الوجوب، حتى قيل: ليس في ألفاظ الإيجاب آكد من قوله (حق عليه)\rأما آية الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، فقد فسّرها مجاهد ﵀ بوجوب استقبال القبلة والتوجه إليها حيث صلينا.\rومأخذ الحكم: هو الأمر في قوله ﴿وَأَقِيمُوا﴾ وهو يقضي الوجوب.\rويُنبه إلى أن للمفسرين في هذه الآية أقوالاً أخرى منها: أن المراد بها إباحة الصلاة في كل موضع من الأرض، أي حيث كنتم فهو مسجدكم تلزمكم عند الصلاة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167458,"book_id":1216,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":112,"body":"إقامة وجوهكم فيه.\rوقال قوم: سببها أن قوماً كانوا لا يصلون إلا في مساجدهم في قبلتهم، فإذا حضرت الصلاة في غير ذلك من المساجد لم يصلوها فيها.\rوسبق في اشتراط النية بيان أن مِنْ العلماء مَنْ حمل لفظ الوجه هنا على القصد لا على الجارحة والله أعلم.\rويستثنى من الحكم السابق وهو وجوب استقبال الكعبة في كل صلاة ما يأتي:\rأولاً: صلاة النافلة على الراحلة في السفر، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].\rومأخذ الحكم: أن (أين) من ألفاظ العموم، فتعم أي جهة توجه لها المصلي، وقصرها على السفر دل عليه سبب نزولها، كما سيأتي في باب صلاة المسافر.\rثانياً: يستثنى من الحكم السابق كذلك الصلاة حال المسايفة في القتال، حيث يصلي على كل حال، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].\rوهنا مسائل متعلقة بالآيات والشرط المذكور منها:\rالمسألة الأولى: اتفق العلماء على أن المراد بالشطر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ في حق المعاين للكعبة والقريب منها هو (العين)، وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المراد بالشطر في حق البعيد عن الكعبة الغائب عنها هو الجهة.\rومأخذ الحكم: تفسير الصحابي وهو حجة وبه قال علي وابن عباس ﵃، وهناك مأخذ أخر لهذا الحكم يهمنا مايتعلق بهذه الآية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167459,"book_id":1216,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":113,"body":"المسألة الثانية: اختلف العلماء في جواز صلاة الفريضة داخل الكعبة، فذهب المالكية والحنابلة إلى عدم جواز ذلك، استدلالاً بقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. وقالوا: الشطر: الجهة، ومن صلى فيها أو على سطحها غير مستقبل لجهتها.\rومأخذ الحكم: أن الاستقبال للكعبة مأمور به، ومن صلى داخلها أو على سطحها فقد أتى ببعض المأمور، وخالف بعضه باستدبارها، فلم يتحقق المأمور به.\rوأشار ابن رشد إلى سبب الخلاف بقوله: «والاحتمال المتطرق لمن استقبل أحد حيطانها من داخل هل يسمى مستقبلاً للبيت، كما يسمى من استقبله من خارج أم لا؟» (¬١).\rوكذا اختلفوا في الصلاة على سطحها، والجمهور على عدم الجواز بناء على أنه لا يستقبل شيئاً منها، وقد أمر بالتوجه والتولي شطرها.\rالمسألة الثالثة: من صلى بالاجتهاد إلى غير القبلة، ذهب بعض العلماء إلى صحة صلاته فلا يلزم بإعادتها، وهو مذهب جمهور أهل العلم، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].\rومأخذ الحكم: قيل إنها نزلت فيمن صلى بالاجتهاد إلى القبلة ثم تبين له الخطأ.\rوسبق القول بأنها نزلت في جواز صلاة النافلة على الراحلة في السفر.\rقال الرازي: «لا يمتنع أن تكون نزلت في الأمرين معاً، بأن وقعا في وقت واحد، وسُئل النبي ﷺ فأنزل الآية مريداً بها حكم جميع ذلك» (¬٢).","footnotes":"(¬١) بداية المجتهد (١/ ١٢٠).\r(¬٢) نقله عنه السيوطي في الإكليل (١/ ٣١١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167460,"book_id":1216,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":114,"body":"والشاهد هنا: أن سبب النزول قطعي الدخول في الآية إن ثبت ذلك. والواقع أنه لم يثبت، ففي إسناده ضعفٌ، ونص الحديث هو: عن عامر بن ربيعة قال: (كنا مع النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حاله، فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] (¬١).\rأما السبب الصحيح الوارد في الصحيح من حديث ابن عمر فهو قوله: (كان رسول الله ﷺ يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجْهُهُ، قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] (¬٢)، وفي رواية عنه قال: إنما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. أن تصلي أينما توجهت بك راحلتك في السفر) (¬٣)\rفائدة: عند الشافعية قاعدة أو ضابط فقهي نصه: النادر إذا لم يَدُم فإنه يقتضي القضاء. ومثلوا لذلك بالمربوط على خشبة فإنه يصلي ثم يعيد صلاته إذا زال عذره، وكذا - وهو المقصود هنا- المشتبه عليه القبلة في سفره.\rواستثنوا من ذلك: الصلاة في حال المسايفة، وإن اختلفت شروطها وأركانها،","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم، برقم (٣٤٥)، وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب من يصلي لغير القبلة وهو لا يعلم، برقم (١٠٢٠)، وقال الترمذي: «هذا حديث ليس إسناده بذاك، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وهو يضعف في الحديث». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٣١٣ - ٣١٤): «قد رواه أبوداود الطيالسي في مسنده عن أشعث بن سعيد، وعمر بن قيس، عن عاصم بن عبيد الله، وهو يقوي رواية أشعث، ويزيل تفرده به .... وبعض هذه الطرق مما يغلب على القلب أن الحديث له أصل وهو محفوظ»، وانظر: إرواء الغليل للألباني (١/ ٣٢٣) برقم (٢٩١).\r(¬٢) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، برقم (٧٠٠).\r(¬٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣/ ٤٧٩)، برقم (٢٦٤٤) بإسناد ضعيف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167461,"book_id":1216,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":115,"body":"فإنها لا قضاء، فهي على خلاف القاعدة، أخذاً بالرخصة الواردة في قوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.\rقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].\rأجمع العلماء على سقوط وجوب استقبال القبلة عن المصلي حال شدة الخوف والتحام الصفوف للقتال.\r﴿فَرِجَالًا﴾ جمع راجل مثل صاحب وصحاب، وهو الماشي، يعني إذا خفتم العدو فصلوا قياماً على أرجلكم، فإن لم تستطيعوا فصلوا ركباناً على الدواب، حيث ما توجهت بكم بالإيماء.\rومأخذ الحكم: نصب ﴿فَرِجَالًا﴾ على الحالية، أي فصلوا رجالاً، ثم عطف عليها أو ركباناً. وعليه فهم مأمورون بالصلاة على مثل هذه الحال إن لم يستطيعوا استقبال القبلة. ولم يذكر المولى ﷾ هنا التوجه إلى القبلة، مما يدل على سقوطها عنهم.\rوورد في قراءة ابن عمر (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها) (¬١).\rويُروى أثرٌ عنه، قال الإمام مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ كما عند البخاري (¬٢).\rوتبقى الإشارة إلى أن بعض العلماء جعل هذا الحكم شاملاً لكل خوف وليس خاصاً بالقتال.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، برقم (٤٢٦١).\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، برقم (٤٢٦١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167462,"book_id":1216,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":116,"body":"مأخذ الحكم: ﴿خِفْتُمْ﴾ في قوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ جملة فعلية تنزل منزلة النكرة وهي في سياق شرط، فتعم كل خوف.\rأو يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيؤخذ بعمومها.\rما سبق هو بيان ارتباط الآيات الثلاث المذكورة في المتن بالشرط الثالث وهو استقبال القبلة.\rقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].\rدلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط ستر العورة، ووجوب سترها حكم متفق عليه بين أهل العلم؛ وذلك لأن المراد بالزينة في الآية: ما يواري السوءة في الصلاة.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد في قوله ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ والأمر يقتضي الوجوب، وهو يعم بضمير الجمع الرجال والنساء.\rوأكد الجمهور أن المراد بالزينة المأمور بها هنا هو ستر العورة بالأمور الآتية:\rأولاً: بتفسير الصحابي، وتفسيره حجة، وقد فسَّر الزينة في الآية بما يواري السوءة عدد من الصحابة منهم عبد الله بن عباس ﵄.\rثانياً: سبب نزول الآية يدل على أن الزينة هي ستر العورة، فقد نزلت في النهي عن الطواف بالبيت من غير ستر للعورة.\rفروى مسلم أن المرأة كانت تطوف بالبيت في الجاهلية وهي عريانة، على فرجها خرقة (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في كتاب التفسير، باب في قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ برقم (٣٠٢٨)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167463,"book_id":1216,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":117,"body":"وإذ كان المراد بالزينة هنا هو الثياب الساترة حال الطواف، فيقال وكذلك الصلاة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\rقال الشنقيطي: «﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ سواء كان المسجد الحرام للطواف، أو غيره من المساجد للصلاة، وكون الزينة لبس اللباس للطواف والصلاة» (¬١).\rأو يقال: إن الستر لم يجب لذات المسجد، وإنما لما عُظِّم المسجد لأجله، وهو الطواف، وكذا الصلاة داخلة في ذلك، ويدل عليه كذلك سياق الآية.\rقال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].\rأمر الله ﷾ النساء بإخفاء زينتهن عن الرجال الأجانب، واستثنى الظاهرة.\rواختلف العلماء في المراد بالزينة الظاهرة، هل المقصود منها أعضاء محددة، أم المقصود بها ما لا يملك ظهوره، وهذا مأخذ الحكم وسبب الخلاف.\rفقيل: المراد بها: الوجه والكفان، وهو مذهب الجمهور.\rوقيل: إن المراد بها الثياب، وهذا مذهب الحنابلة.\rوأيد الجمهور قولهم بحديث عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله ﷺ، وقال: (يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) (¬٢).\rوقالوا هذا تحديد لما يجوز كشفه من المرأة، وهو يدل على أنه ليس بعورة، فدلَّ على أنه هو المراد بالاستثناء في الآية.","footnotes":"(¬١) العذب النمير (٣/ ١٥٤)\r(¬٢) أخرجه أبوداود في كتاب اللباس، باب فيما تُبدي المرأة من زينتها، برقم (٤١٠٤)، وحسنه الألباني.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167464,"book_id":1216,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":118,"body":"وكذلك أيدوه بتفسير عائشة وابن عباس ﵃ وتفسيرهم للقرآن حجة. ولهم أدلة أخرى يرجع لها في كتب الفقه.\rأما الحنابلة القائلون بأن المراد ما ظهر من الزينة أنها الثياب فدليلهم: عموم الأدلة الدالة على كون المرأة عورة، كقوله ﵊: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) (¬١).\rوكذلك استدلوا بتفسير الصحابي عبد الله بن مسعود ﵁ بأن ما ظهر من الزينة هي الثياب (¬٢).\rوقد تعارض هذا التفسير مع تفسير عائشة وابن عباس، لكن ينبه أن قول ابن عباس ﵄ كان بدلالة الاستلزام، حيث عبَّر عن الزينة الظاهرة بالكحل والخاتم. وفي رواية عنه قال: «هو خضاب الكف والخاتم» (¬٣)، وإباحة إبداء هذه الزينة يستلزم منه إباحة إبداء موضعها.\rتنبيه: استثنى الحنابلة كشف الوجه في الصلاة للإجماع على أنه ليس بعورة في الصلاة، وأن لها أن تصلي كاشفة وجهها، ويبقى ماعدا الوجه من جسدها على مقتضى العموم.\rقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].\rدلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط إزالة النجاسة، سواء من ثياب المصلي أو البقعة التي يصلي فيها.","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي كتاب الرضاع، باب، برقم (١١٧٣) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وصححه الشيخ الألباني.\r(¬٢) انظر: موسوعة التفسير المأثور إعداد مركز الدراسات والمعلومات القرآنية (١٥/ ٥٥٩).\r(¬٣) المصدر السابق (١٥/ ٥٦٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167465,"book_id":1216,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":119,"body":"فاستدل بالآية على وجوب غسل النجاسة وإزالتها من الثوب، ولا خلاف بين العلماء أنه ليس هناك طهارة واجبة للثياب غير طهارة النجاسة.\rوالمقصود: أن طهارة ثوب المصلي شرط من شروط الصلاة.\rمأخذ الحكم: أن الأمر في قوله ﴿فَطَهِّرْ﴾ يقتضي الوجوب.\rتنبيه حول إشكال وجوابه: هذه الآية من أول ما نزل من القرآن، وهي قبل الأمر بالصلاة والوضوء، وإزالة النجاسة إنما هو لأجل الصلاة، فكيف يكون المراد طهارة الثوب من النجاسة؟\rوهذا الإشكال يذكره من حمل معنى الثياب في الآية على غير معنى الثياب حقيقة، فحملت على طهارة القلب، فكنى بالثياب عن القلب، أو صلاح العمل، والأخير نقل عن ابن عباس ﵄.\rوالجواب هو أن يقال: الأصل حمل الكلام على حقيقته وظاهره، فيحمل معنى الثياب على معناها الظاهر المتبادر للذهن.\rويجوز أن يكون النبي ﷺ خُصّ بتطهير ثيابه أول الإسلام، وكان مفروضاً عليه دون أمته، ثم ورد الأمر بذلك لأمته.\rأو يقال: إنه كان شرع من قبلنا، وهو شرع لنا، وتأخر الأمر به بنص شرعنا عن ذلك الوقت، فلا يمتنع أن يكون قد أمر على الوجهين بتطهير الثياب للصلاة في أول الأمر، ثم ورد عليه بعد ذلك نصًّا بالأمر بالصلاة.\rومن الأحكام المستنبطة من الآية ما ذهب إليه الجمهور من بطلان صلاة من صلى حاملاً نجاسة - غير معفو عنها - ولا يعلمها، أو نسيها.\rومأخذ الحكم: هو أن إزالة النجاسة، وتطهير الثوب منها شرط، والخطاب بالشرط من باب خطاب الوضع، فلا يؤثر فيه الجهل والنسيان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167466,"book_id":1216,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":120,"body":"قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب اشتراط طهارة المكان للطواف والصلاة.\rومأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿طَهِّرَا﴾، وهو يقتضي الوجوب.\rثمَّ أتى ﷾ بلام التعليل ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فدلَّ على وجوب إزالة النجاسة، وطهارة البقعة لأجل الطواف والاعتكاف والصلاة.\r• الحكم الثاني: جواز الصلاة داخل الكعبة\rومأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فدلّ على جواز الصلاة فيها.\rنوفش: بأن قوله ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ في الآية وهو مأمور بتطهير البيت لهم، ولا يصح الطواف أن يكون في نفس الكعبة، وكذلك ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.\rقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].\rدلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط دخول الوقت.\rوقد أجمع العلماء - كما سبق - أن للصلوات أوقاتاً محدودة، لا يجوز تعمد تقديم الصلاة أو تأخير أدائها عنها.\rمأخذ الحكم: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي مفروضة على صفة التأقيت، وسبق أن التعبير بلفظ الكتب وما تصرف منه من الألفاظ دالة على الوجوب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167467,"book_id":1216,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":121,"body":"استدل بها من قال بسقوط الصّلاة عمن كان في بلاد يستمر فيها الليل والنهار أربعاً وعشرين ساعة فأكثر (¬١).\rمأخذ الحكم: إن الشرط الشرعي يقتضي أنّه يلزم من عدم الشرط عدم المشروط، وقد عدم شرط الصّلاة، وهو الوقت المؤقت لكل صلاة، فيعدم حكمها.\rوبيانه: أنّه ﷾ جعل للصّلاة أوقاتًا محدّدة، يوقع فيها المسلم صلاته، فإذا لم توجد هذه الأوقات لم تجب الصّلاة؛ وذلك بناء على قاعدة: الشرط الشرعي حجة.\rنوقش: بوجوب الصلاة وعدم سقوطها، ويكون التقدير في حقهم بحسب وقت أقرب البلدان التي وقتها منتظم إليهم، بحيث يصلون في كل أربع وعشرين ساعة خمس صلوات (¬٢).\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].\rوفيها بيان للشرط السابع وهو اشتراط كون المصلي عاقلاً، فدلَّت الآية على تحريم قربان الصلاة حال تغطية العقل بالسكر، فدلَّ على وجوب الصلاة مع حضور العقل.\rوالآية وإن نزلت في شارب الخمر إلا أنها مغياة بغاية العلم بما يقرأ المصلي، وفي السنة النهي عن الصلاة لمن غلبه النوم لذات السبب.","footnotes":"(¬١) ينظر: الفقه الميسر: (٩/ ٤٨ - ٤٩)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٣٦ - ٣٧).\r(¬٢) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٨/ ١٠٥)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١٢/ ٢٠٦)، وفقه النوازل في العبادات للمشيقح (٩٥)، والفقه الميسر (٩/ ٤٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167468,"book_id":1216,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":122,"body":"مأخذ الحكم: النهي عن الشيء أمر بضده. ثم إن الأمر مغيا بحرف الغاية ﴿حَتَّى﴾ أي حتى يحصل حضور العقل.\rأو يقال ﴿حَتَّى﴾ حرف تعليل، للدلالة على أن ما قبلها علَّة وسبب لما بعدها، بعكس اللام فإن ما بعدها علَّة لما قبلها.\rوالتعليل على أن المراد بالصلاة ذاتها، وليس موضعها.\r\rباب الحث على الخشوع في الصّلاة\rتبعت في ترتيب آيات الأحكام حسب ترتيب ابن حجر لأحاديث الأحكام في كتابه بلوغ المرام، ومن خلال تبويب ابن حجر ﵀ يشعر القارئ باختياره في مسألة حكم الخشوع في الصلاة، وكونه من سنن الصلاة وليس من واجباتها فضلًا عن كونه شرطًا منها، وقد صرح بكونه سنة، ونقل في فتح الباري عن النووي الإجماع على أنه ليس بواجب (¬١).\rوهي مسالة خلافيّة، وأهم ما تمسك به القائلون بالسّنيّة بالإضافة إلى دعوى الإجماع السابقة، ما ثبت بالسنة من أمره ﵊ من سها في صلاته بسجود السهو، وعدم أمره بإعادة صلاته.\rومن ذلك ما ثبت في الصّحيح من قوله ﵊: (إذا أذّن المؤذن بالصّلاة أدبر الشيطان، وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التثويب اقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: أذكر كذا … أذكر كذا … ، ما لم يكن يذكر، حتى يظل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس) (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: فتح الباري (٢/ ٢٦٦).\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب أبواب السهو، باب إذا لم يدر كم صلى ثلاثا أو أربعا سجد سجدتين وهو جالس، برقم (١١٧٤)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم (٣٨٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167469,"book_id":1216,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":123,"body":"فقالوا: فأمره النبي ﷺ في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها، حتى لم يدر كم صلى، بأن يسجد سجدتي السّهو، ولم يأمره بإعادتها، ولو كانت باطلة لأمره بإعادتها.\rوهذا قد يلزم القائل بأنها شرط صحة، أمّا القائل بالوجوب فلا يلزمه، بل قد يكون أمره بسجود السّهو دليلًا على وجوبها؛ لأنّ السنن لا تجبر بسجود السهو، وسيأتي من خلال الآيات دليل القائل بالوجوب، وهو مذهب بعض المحققين، كابن تيمية وغيره.\rوينبه هنا: أن كلام الفقهاء عن حكم الإجزاء، وعدم المطالبة بالقضاء، لا في حكم الثّواب؛ لأنّ الثواب ليس له فيه إلّا ما عقل، وقد ورد في السّنن مرفوعًا: (إنّ العبد ليصلي الصّلاة، وما كتب له إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها حتى بلغ عشرها) (¬١).\rقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]\rاستدل بالآية من قال بأن الخشوع واجب.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد في الآية بقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾\rفالأمر الأوّل: بالمحافظة على الصلوات، ومن المحافظة عليها أداؤها بالخشوع، وقد علم أن الخشوع هو روح الصلاة.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبوداود في، برقم (٧٩٦)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٤٤٧) برقم (٥٢٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167470,"book_id":1216,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":124,"body":"الأمر الثّاني: في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فهو للوجوب، وقد فسر مجاهد ﵀ القنوت هنا بالخشوع، وفُسِّر بتفسيرات أخرى، ومن أشهرها: السّكوت وبه نزلت الآية، فمنعوا من الكلام، وأمروا بالاستماع والإنصات كما في الآية اللاحقة، وما ذاك إلّا لقطع ما يُشغل القلب عن الإقبال والخشوع لله.\rوعلى هذين التفسيرين للأمرين الواردين في الآية، يمكن حملها على الندب بما سبق في أوّل الباب من أن الشارع لم يأمر من سها في صلاته ولم يدر كم صلى بإعادة صلاته، بل أمره بسجود السهو فقط.\rقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]\rاستدل بالآية على مشروعية الخشوع على الخلاف السّابق من الوجوب والندب.\rومأخذ الحكم: الأمر الدال على الطّلب في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ إذ إن الاستماع والإنصات إنّما شرعا؛ لأجل التأمل والتّدبر في معاني القرآن والذي به يحصل الخشوع.\rقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾\rوردت في القرآن مرتين، الأولى: في سورة النّساء في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\rالثاني: في سورة محمّد في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].\rودلت الآيتان على وجوب التدبر والتأمل في كلام الله؛ ليقف على معناه، وما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167471,"book_id":1216,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":125,"body":"ذاك إلّا ليحصل مقصود التدبر، وهو الخشوع، وهذا الأمر عامّ سواء كان في الصّلاة، أو في غير الصّلاة.\rقال القرطبي: «دلت هذه الآية أي: [آية النساء] وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ على وجوب التّدبر في القرآن؛ ليعرف معناه» (¬١).\rوكلام القرطبي في حكم التدبر، أمّا الخشوع وهو: المقصود من التّدبر فقول من صرفه للنّدب، ما سبق أول الكلام من كون الصّارف عند بعض العلماء عدم أمر النّبي ﷺ للسّاهي عن صلاته بإعادتها، بل أمره بسجود السّهو فقط.\rومأخذ القول بوجوب التّدبر:\rأمّا في آية النّساء، فقد تكاد تجمع أقوال العلماء على كون الاستفهام في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ استفهامًا إنكاريًّا، وهو في معناه يدل على النّهي عن فعلهم، وهو عدم التدبر، والنّهي عن الشّيء أَمْرٌ بضده.\rأمّا آية سورة محمّد، فالجمهور على كون الأسلوب في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ للتحضيض والحث؛ فالاستفهام للحض والترغيب، وهو في أساليب الطلب المختلف فيها بين الوجوب والنّدب.\rقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] الآية.\rاستدل بها العلماء على وجوب الخشوع.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أخبر ﷾ أن هؤلاء هم الذين يرثون فردوس","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٩٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167472,"book_id":1216,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":126,"body":"الجنة، وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم» (¬١).\rقلت: ومأخذ الحكم هنا: مفهوم الصّفة، بجميع تلك الصّفات والخصال الواجبة؛ لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذ لو كان فيها ما هو مستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها؛ لأنّ الجنة تنال بفعل الواجبات دون المستحبات؛ ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب، وإذا كان الخشوع في الصّلاة واجبًا فالخشوع يتضمن السّكينة والتّواضع جميعا.\rومنه حديث عمر ﵁: حيث رأى رجلًا يعبث في صلاته فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) (¬٢) أي لسكنت وخضعت» (¬٣) اه.\rوقال ابن القيم في مدارج السالكين: « … ولو اعتدَّ له بها ثوابًا لكان من المفلحين» (¬٤).\rقال السيوطي في الإكليل: «فيها من شعب الإيمان الخشوع في الصلاة واجتناب اللغو والمحافظة على الصلوات لأوقاتها» (¬٥).\rقال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]\rذكر العلماء استحباب البكاء في الصلاة، ولا خلاف في ذلك؛ وإنّه من الصفات المحمودة، ومعلوم أن البكاء ثمرة الخشوع وانكسار القلب بين يدي الله، والبكاء مما يزيد الخشوع، وقد ساق المولى ﷾ هذا المدح والثّناء في صفات الذين أوتوا","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥٥٤).\r(¬٢) قال الألباني في إرواء الغليل (٢/ ٩٢) برقم (٣٧٣): «موضوع، أورده السيوطي في الجامع الصغير من رواية الحكيم عن أبي هريرة»، وانظر: ضعيف الجامع الصغير (٤٨٢١)، والسلسلة الضعيفة (١١٠).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥٥٤).\r(¬٤) مدارج السالكين (١/ ٥٢٢).\r(¬٥) الإكليل (٣/ ٩٩٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167473,"book_id":1216,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":127,"body":"العلم فقال: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]\rومأخذ الحكم هنا: هو ورود الخشوع في سياق مدحٍ له، وكل فعلٍ مُدح، أو مُدح فاعله لأجله، فهو مأمور به، وهو عند العلماء دائر بين الوجوب والندب.\rوتبقى آية، وهي مما استدل بها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على وجوب الخشوع وهي قوله تعالى في شأن الصّلاة: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].\rومن المعلوم أن الخشوع المذكور في الآية «لا بد أن يتضمن الخشوع في الصّلاة؛ فإنّه لو كان المراد الخشوع خارج الصّلاة لفسد المعنى؛ إذ لو قيل: إنّ الصّلاة لكبيرة إلّا على من خشع خارجها ولم يخشع فيها، كان يقتضى أنها لا تكبر على من لم يخشع فيها، وتكبر على من خشع فيها، وقد انتفى مدلول الآية، فثبت أن الخشوع واجب في الصّلاة» (¬١).\rومأخذ الحكم: أن قول الله ﷿: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ يقتضي ذمّ غير الخاشعين.\rوقد دلّ كتاب الله ﷿ على من كبُر عليه ما يحبه الله، أنّه مذموم بذلك في الدين مسخوط منه.\rوالذّم أو السّخط لا يكون إلّا لترك واجب، أو فعل محرّم، وإذا كان غير الخاشعين مذمومين، دلّ على وجوب الخشوع.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167474,"book_id":1216,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":128,"body":"باب المساجد\rقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: وجوب تأمين الدّاخل للمسجد الحرام.\rمأخذ الحكم: أن الحكم ورد بأسلوب الخبر والمراد به الأمر؛ إذ لو كان خبرًا متمحضاً لوجب أن يكون الأمن واقعًا غير متخلف، وإلّا لأدّى إلى كون الخبر كذبًا وهو محال.\rفدلّ على أنّه خبر بمعنى الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، فوجب على المسلمين حفظ الأمن فيه.\r• الحكم الثاني: تطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود:\rوسبق في شروط الصّلاة أن من شروطها، طهارة البقعة للمصلي، والآية دالة على ذلك.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ مع بيان سبب التّطهير بلام التّعليل ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وهذا يقتضي وجوب تطهير البيت لهذه الأمور، فيعمّ كل مسجد يكون فيه عكوف أو صلاة.\r• الحكم الثالث: اشترط بعض المالكية لصلاة الجمعة أن يكون المسجد مسقوفاً، مستدلين بالآية في قوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾\rمأخذ الحكم: هو أن حقيقة البيتية أن يكون ذا حيطان ترفع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167475,"book_id":1216,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":129,"body":"وجمهور أهل العلم على عدم اشتراط ذلك؛ لعموم الأدلة ومنها: (وجعلت لي الأرض مسجداً وتربتها طهوراً) (¬١).\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]\rسبق دراسة هذه الآية في باب الغسل، وحكم الجنب، وتمت الإشارة إلى الخلاف في المراد بالصّلاة في صدر هذه الآية، هل هي العبادة المعروفة، أو المراد موضع الصّلاة، وهو المسجد، وكذلك رفع الخلاف في الشطر الثاني من الآية في المراد بعابر السبيل، هل هو المسافر، أو المجتاز العابر، وبيان ذلك:\rإذا قلنا: الصّلاة العبادة المعروفة، فالنّهي عن قربان الصّلاة حال كونه سكرانًا، وكذلك هو منهي عن الصّلاة حال كونه جنبًا؛ إلّا إذا كان عابر سبيل. وفُسِّر العابر: بأنّه المسافر، وعليه فيجوز له قربان الصلاة، وإن لم يغتسل - بل يكتفي بالماء - وذلك؛ لأنّ السفر مظنة عدم الماء.\rوقيل: الصّلاة هنا: موضع العابدة، وهي المساجد، فالنّهي عن دخول المسجد، والصّلاة من باب أولى.\rكما أنّ النّهي في الشطر الثّاني، عن المكث في المسجد، إلّا أن يكون عابر سبيل إذا فُسِّر عابر السبيل بالمجتاز المار فيه.\rوعلى كونها موضع الصّلاة ناسب ذكرها هنا، وترتب على هذا الخلاف مسائل:\rالمسألة الأولى: النهي عن قربان الصّلاة، سواء قلنا: المراد بالصّلاة العبادة، أو موضع الصلاة وهو المسجد، والعلة من منع السكران هو خشية تلويثه للمسجد،","footnotes":"(¬١) أخرجه الإمام مسلم في كتاب الصلاة، باب المساجد مواضع الصلاة، برقم (٥٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167476,"book_id":1216,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":130,"body":"وكل ذلك صيانة وتعظيمًا لبيوت الله.\rومأخذ الحكم: النّهي الوارد بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ والنّهي يقتضي التّحريم، والتّحريم يقع على شرب المسكر أوّلًا، ثم على الفاعل أن يؤاخذ بأفعاله، فيما يفعله السكران من تلويث أو تشويش على المصلين، والخلاف في أقواله، وما يؤاخذ به منها، وما لا يؤاخذ، والأفعال أقوى من الأقوال.\rتنبيه: رجّح الموزعي في كتابه «تيسير البيان» أنّ المراد بالصّلاة في شطر الآية الأولى، والذّي تعلق بها حكم قربان الصلاة للسكارى، المقصود بالصّلاة: عين الصّلاة، أي: العبادة ذاتها؛ نظرًا لسبب النزول الوارد فيها. وقد حكى المفسرون أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ صنع طعامًا، ودعا ناسًا من أصحاب محمّد ﷺ فطعموا وشربوا، وحضرت صلاة المغرب، فتقدم بعض القوم، فصلى بهم المغرب، فقرأ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ولم يتمها، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فإذا حملنا الصّلاة في الآية على موضع الصلاة وهو المسجد، حملناها على غير سببها، وحمل اللفظ على غير سببه، إخراج لسببه، وإخراج سببه غير جائز، ويترتب على حمل الصلاة هنا: على حقيقتها التنبيه الآخر، وهو المتعلق بتحريم الخمر حال قربان الصّلاة (¬١).\rتنبيه آخر: إنّ تحريم الخمر حال قربان الصّلاة، لا يدل على جواز قربان الخمر في غير قربان الصّلاة، استدلالًا بمفهوم الحال؛ وذلك لأنّ هذه الآية كانت في مرحلةٍ من مراحل تحريم الخمر، ثم نُسخ إلى التّحريم على كل حال، وإذا نُسخ الأصل نسخ ما له من مفهوم.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ٣٩٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167477,"book_id":1216,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":131,"body":"المسألة الثانية: عدم جواز لبث الجنب في المسجد، وجواز عبوره فيه، وهذا الحكم أيضًا باعتبار أن المقصود بعابر السبيل هو المار في المسجد، والمجتاز فيه، وسبق ذكر شيء من الخلاف في كونه المسافر.\rومأخذ الحكم: في جواز العبور في المسجد، لمن كان على جنابة وعدم جواز اللبث فيه ما يأتي:\rأوّلاً: منطوق الآية دلّ على جواز عبور الجنب في المسجد، حيث إنّ المولى سبحانه استثنى\rثانيًا: تخصيص العابر بالاستثناء من النّهي الوارد في حق أصحاب الجنابة، ف ﴿جُنُبًا﴾ نكرة في سياق النّهي فتعم، فتعمّ كل جنب، سواء كان يريد العبور أو المكث، فخصت حالة العبور، وبقيت حال المكث على أصل النّهي.\rثالثًا: سبب نزول الآية، أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فتصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء، ولا ممرّ لهم إلّا في المسجد، فأنزل الله هذه الآية (¬١).\rقال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]\rسبق الحديث عن الآية في شرط ستر العورة، وستأتي كذلك في باب اللباس، ودلت الآية هنا على مشروعية أخذ الزّينة للمسجد، ولما يقام فيه وهو الصّلاة، وقد سبق.\rقال ابن الفرس: «وظاهر هذا أن أخذ الزّينة عند كل مسجد، إنّما هو للفعل الذي يتعلق بالمسجد، وللمسجد تعظيمًا لهما» (¬٢).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣).\r(¬٢) أحكام القرآن (٣/ ٤٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167478,"book_id":1216,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":132,"body":"وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن أخذ الزّينة للمسجد من الأمور المندوب إليها.\rومأخذ الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ مصروف من الوجوب إلى النّدب؛ لأنّه يدخل في باب الآداب ومكارم الأخلاق.\rوقد جعل كثير من العلماء من صوارف الأمر عن الوجوب إلى النّدب؛ كونه من هذا الباب، أي: باب الآداب ومكارم الأخلاق.\rقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: مشروعية بناء المساجد، فكلمة ﴿يَعْمُرُ﴾ تدل على العمارة بالبناء كما تدل على العمارة بالعبادة.\rومأخذ الحكم: الفضل الوارد فيها، فجعل بناءها شعبة من شعب الإيمان، وترتيب الفضل على الفعل دلالة على مشروعيته.\rوقد ورد في السّنة فضائل لمن بنى مسجدًا لله، ومن ذلك قوله ﵊: (من بنى مسجداً بَنَى الله له مثله في الجنة) (¬١)\rكما ورد في السّنة كذلك الأمر ببناء المساجد حتى في الدور، كما روي عن","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب من بنى مسجداً، برقم (٤٥٠)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل بناء المساجد والحث عليها، برقم (٥٣٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167479,"book_id":1216,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":133,"body":"عائشة ﵂ (أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد بالدور، وأن تنظف وتطيب) (¬١).\rومن قال بوجوب الجماعة في المسجد، قائل بوجوب بناء المساجد؛ لأنّه وسيلة لتحقق الجماعة.\rقال في الإكليل: «قال الرازي: فيه أن بناء المساجد قربة» (¬٢).\r• الحكم الثاني: لا يتولى عمارة البيت إلّا من كان طاهرًا من الشّرك.\rمأخذ الحكم: النهي في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ﴾، وكذا مفهوم الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\rقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٥ - ٢٦]\rاستدل بالآية على بيان حرمة المسجد الحرام، وتحريم الإلحاد فيه بظلم.\rمأخذ الحكم: ترتيب العقوبة على الفعل، بقوله: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ مما يدل على تحريم الإلحاد فيه، والمقصود به: العدول عن الحق.\rويستحق العقاب بمجرد الإرادة، وإن لم يفعل، كما قرر ذلك كثير من العلماء بدلالة قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب اتخاذ المساجد في الدور، برقم (٤٥٥) قال الشيخ الألباني: صحيح، والترمذي في أبواب العيدين عن رسول الله ﷺ، باب ما ذكر في تطييب المساجد، برقم (٥٩٤) قال الشيخ الألباني: صحيح.\r(¬٢) الإكليل (١/ ٣٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167480,"book_id":1216,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":134,"body":"أمّا بقية أحكام الآية، فقد سبقت الإشارة إليها، مثل وجوب طهارة البيت للطائفين والعاكفين والرّكع السّجود بقوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ في البقرة ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ هنا في سورة الحجّ، وهو أمر يقتضي الوجوب.\rكما سبق أن حقيقة البيتية من قوله: ﴿بَيْتِيَ﴾ هل يشترط فيها أن تكون مسقوفة، وبقية الأحكام تأتي بإذن الله في كتاب الحجّ.\rقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦]\rاستدل بالآية على بعض الأحكام المتعلقة بالمساجد:\r• الحكم الأول: الأمر بتعظيم المساجد وتنزيهها عن اللغو والقاذورات، وذلك من قوله: ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ ورفعها يكون بتعظيمها والعناية بها عن كل ما يشينها سواء كان معنويًا كاللغو، أو الحسية كالقاذورات وغيرها.\rوقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بيان للغاية والمقصد من بنائها.\rومأخذ الحكم هنا: هو قول ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ والأصل أن لفظة الإذن وما تصرف منها أنها على الإباحة شريطة أن تكون مطلقة، بمعنى غير محتفة بمدح لأحد الطّرفين، أو ترتيب ثواب لأحدهما، أو نحو ذلك من القرائن التي تصرفها عن أصل معناها.\rولا شك أن الإذن هنا ليس مطلقًا، بل احتف به المدح للفاعلين بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.\rوقد ورد في الآيات السابقة ما يدل على الوجوب، كتحريم إرادة الظّلم في المسجد الحرام أو الإلحاد فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167481,"book_id":1216,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":135,"body":"أمّا ما ورد في السّنة ففيه الكثير الدّال على وجوب تعظيم المساجد، وقد أورد الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه بلوغ المرام تحت هذا الباب، أي: باب المساجد جملة من ذلك فلتراجع.\r• الحكم الثاني: استحباب ذكر الله والصّلاة في المساجد، وهذا ظاهر من الآية، وهو مستحب في كل مكان وزمان فاضل، ويزداد تأكيده في المساجد؛ لأجل ما ورد فيها، وقد ورد في السّنة الحث على الجلوس في المساجد لذات السبب.\rالثّالثة: وفي الآية إشارة إلى أن الأفضل للنّساء الصّلاة في بيوتهن.\rومأخذ الحكم هنا: قوله ﴿رِجَالٌ﴾ ففيه إشارة إلى الحكم السابق، وقد دلت السّنة على ذلك، ومنه قوله ﵊ (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) (¬١).\r\rباب صفة الصّلاة\rوفيها الحديث عن أحكام متعلقة بالصّلاة وصفتها، وما هو ركن أو واجب أو مسنون، وقبل الوقوف مع مأخذ الآيات المذكورة، تحت هذا الباب، أود بيان مأخذ وسبب كبير في اختلاف العلماء في كون تلك الصّفة من صفات الصلاة ركنًا فيه أو واجبةً أو مسنونةً، وقد حصل اضطراب في تحديد ضابط ما يدخل في الركن أو الوجوب.\rوقد اعتمد المالكية والشّافعية وكذا الحنابلة في تحديد ما يدخل في الركن والواجب على حديث المسيء صلاته، وزاد الحنابلة كذلك كل ما أمر ﷺ بفعله في الصّلاة، أو فعله ﷺ في الصّلاة وداوم عليه، سواء ورد في حديث المسيء صلاته،","footnotes":"(¬١) خرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب التشديد في ذلك، برقم (٥٧٠) قال الشيخ الألباني: صحيح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167482,"book_id":1216,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":136,"body":"أو ورد في غيره، وذلك لقوله ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي) (¬١).\rوهذان الحديثان، حديث المسيء لصلاته، وقوله ﷺ: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وردا في مقام التّعليم فالحديث الأول يقتضي تعريفه بما يلزم من الواجبات وإلا لزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة.\rأمّا الحنفية: فإنّهم يرون أنّ أوامره ﷺ في الصّلاة ومواظبته على فعل مّا فيها من غير تركٍ لا تدل على الفرضية في الأصل، ولكنها تدل على الوجوب، إلّا إن جاءت بيانًا لفرض مجمل، ولم يدل دليل على عدم الفرضية، ولم يلزم منه تقييد مطلق الكتاب.\rومعرفة الأركان تعرف عندهم في الجملة مما نص عليه القرآن أو السّنة المتواترة قطعية الدّلالة؛ لأنهم يشترطون في الفرضية، أن تثبت بدليل قطعي الثبوت والدّلالة.\rأمّا إذا كانت قطعية الثّبوت ظنية الدلالة، أو ظنية الثّبوت قطعية الدّلالة وبهما يثبت الوجوب دون الفرضية.\rفالآحاد يدل على الوجوب دون الفرضية، إن كان قطعي الدّلالة، أما إن كان ظني الثبوت والدلالة، فإنّه طريق إثبات السّنة والمستحب، وربما قوي الدليل الظني حتي يصير قريبًا عندهم من القطعي، فيطلقون عليه اسم الفرض، والمراد به الفرض العملي، أي: يعامل معاملة الفرض في وجوب العمل، وليس هو كالفرض القطعي.\rوعودًا إلى ضابط الجمهور الذي سبق أن فيه اضطرابًا، وذلك أن في بعض","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة وجمع وقول المؤذن الصلاة في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة، برقم (٦٠٥)، وفي كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم (٥٦٦٢)، وفي كتاب التمني، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، برقم (٦٨١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167483,"book_id":1216,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":137,"body":"روايات حديث المسيء صلاته أفعالاً ليست من الأركان ولا الواجبات بالإجماع، كوضع اليدين على الركبتين في الركوع في قوله: (وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك) (¬١)، وكهيئة الجلوس في التّشهد في قوله: (فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى) (¬٢).\rوبالعموم هذا سبب في خلاف العلماء في تحديد الأركان والواجبات والسنن، وستأتي إشارة لأثر هذا الخلاف في دراسة الآيات.\rقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]\rاستدل العلماء بالآية على افتتاح الصّلاة بالتّكبير.\rمأخذ الحكم: أن المولى سبحانه عقب الذكر باسمه بالصلاة بحرف يوجب التعقيب بلا فصل، والذكر الذي تتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح.\rوافتتاح الصّلاة بالتّكبير أمرٌ متفق عليه. واختلفوا في جواز افتتاحها بغير التّكبير.\rوذكر ابن رشد في بداية المجتهد أن سبب خلافهم هو «هل اللفظ هو المتعبد به في الافتتاح أو المعنى» (¬٣)، وهو من مآخذ المسألة.\rفذهب الحنفية إلى جوزا افتتاح الصّلاة بكل ثناء خالصٍ يدل على تعظيم الله.\rوقالوا: الآية دلت على أن المشروع في افتتاح الصّلاة مطلق ذكر اسم الرّب، وهذا يشمل لفظ (الله أكبر) وغيرها من الألفاظ، فلا يجوز تقييدها باللفظ المشتق من الكبرياء.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبوداود في، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، برقم (٨٥٩).\r(¬٢) هو الحديث السابق عند أبي داود.\r(¬٣) بداية المجتهد (١/ ١٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167484,"book_id":1216,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":138,"body":"وقالوا: إن تقييد اسم الرّب في الآية بلفظ (الله أكبر) زيادة على نص كتاب الله، والزّيادة عندهم نسخ، ولا يصح نسخ المتواتر بالآحاد. ولهم مآخذ أخرى يرجع لها في كتب الفقه.\rوذهب جمهور أهل العلم إلى أنّ الصّلاة لا تنعقد إلّا بلفظ التّكبير.\rومأخذ الجمهور: في تقييد التكبير بلفظ (الله أكبر)، هو ما ورد في حديث المسيء صلاته، وفيه (إذا قمت إلى الصّلاة فكبر) (¬١)، وفعله وقوله ﵊ بيان لما أجمل من القرآن؛ ولذا تعين التكبير دون غيره.\rويؤيده كذلك المعلوم قطعا من عادة الرسول ﷺ وأصحابه افتتاحهم الصلاة بالتكبير.\rقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]\rأي: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ فعبَّر بالفعل عن الإرادة لما بينهما من الملابسة، فالاستعاذة مكانها قبل القراءة، وهو هدي المصطفى ﷺ.\rواستدل بالآية على مشروعية طلب العوذ بالله من الشّيطان عند إرادة قراءة القرآن سواء كان في الصّلاة أو خارجها.\rوقيل بوجوب الاستعاذة.\rومأخذ الحكم هنا: الأمر، وظاهره أنّه للوجوب.\rوأكدوا هذا الحكم بمواظبة النبي ﷺ على ذلك.\rوقالوا: إنّ دفع شر الشيطان يكون بالاستعاذة، ودفع شر الشيطان واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فوجب أن تكون الاستعاذة كقراءة القرآن واجبة.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبوداود في، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، برقم (٨٥٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167485,"book_id":1216,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":139,"body":"وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الاستعاذة مستحبة، وحكى ابن جرير وغيره الإجماع على ذلك (¬١).\rومأخذ الحكم: أنّهم جعلوا الصّارف للوجوب إلى النّدب أحد الأمور الآتية:\rالأوّل: الإجماع السّابق، وهذا فيما إذا ثبت؛ وذلك لوجود المخالف، والقائل بالوجوب من سلف الأمة، عطاء بن أبي رباح، والثوري وغيرهما.\rالثاني: ما جاء في حديث المسيء في صلاته، وفيه: (إذا قمت إلى الصّلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) الحديث (¬٢).\rوسبق أن الحديث في مقام التّعليم، ولو كان واجبًا لعلمه النّبي ﷺ؛ لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.\rتنبيه: مشهور مذهب المالكية عدم مشروعية الاستعاذة بل كراهتها في صلاة الفريضة، وهناك رواية عن الإمام بمشروعيتها في صلاة القيام برمضان.\rمستدلين بما رواه أنس بن مالك أنّ النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵃ كانوا يفتتحون الصّلاة ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\rوحملها الجمهور على أنّهم ما كانوا يجهرون بها قبل القراءة، بل يسرونها؛ ولذلك لم يسمعها.\rوأجاب ابن العربي المالكي عن هذا الدّليل بقوله: « … وتعلّق مَنْ أخذ بظاهر المدونة بما كان في المدينة من العمل»، ثم قال: «ولم يثبت عندنا أن أحدًا من أئمة الأمة ترك الاستعاذة فإنه أمر يفعل سرا، فكيف يعرف جهرا» (¬٣).","footnotes":"(¬١) تفسير الطبري (١٤/ ٣٥٧)، وانظر: موسوعة التفسير المأثور (١٢/ ٦٧٨).\r(¬٢) أخرجه أبوداود في، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، برقم (٨٥٦).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ١٥٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167486,"book_id":1216,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":140,"body":"قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]\rاستدل بالآية على أن القراءة ركن في الصّلاة، وقد نُقل الإجماع على ذلك ثم وقع خلاف في المجزئ الفاتحة أو غيرها، كما سيأتي.\rومأخذ كون القراءة ركنا: الأمر الوارد، وهو قطعي الثبوت والدّلالة وبمثله تثبت الأركان. وقيل: قراءة الفاتحة من واجبات الصّلاة وليست من أركانها عند الحنفية خلافًا للجمهور.\rومأخذ الحكم عند الحنفية: أن المولى ﷾ أطلق القراءة من القرآن من غير تقييد بفاتحة ولا غيرها، فدل على أن قراءتها ليست ركنًا، ولم يأخذوا بدلالة السّنة الأحادية، كقوله ﵊: (لا صلاة لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (¬١)؛ لأنّ فيه زيادة على النّص، وهو نسخ، ولا يُنسخ المقطوع بالآحاد، فحملوا دلالة الحديث على الوجوب دون الفرضية.\rأمّا الجمهور فقالوا: بأنّ الفاتحة ركن، بدلالة السّنة كما في الحديث السابق (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) فحملوا النفي في الألفاظ الشّرعيّة على نفي الصّحة؛ إذ لا يمكن هنا نفي الوجود؛ لوجود من يصلي ولا يقرأ الفاتحة، فوجب حملها على نفي الصحة.\rقال العثيمين في منظومته (¬٢):\rوالنّفي للوجود ثم الصحة … ثم الكمال فارعين الرتبة","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها، برقم (٣٩٤).\r(¬٢) منظومة أصول الفقه وقواعده ص (٢٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167487,"book_id":1216,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":141,"body":"ومما استدل به الجمهور أيضا، ما ورد في بعض روايات حديث المسيء صلاته، وفيها (ثم أقرا بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ) (¬١) وسبق أن كل ما ورد فيه فإنّه يدل على الفرضية.\rتنبيه: يذكر الفقهاء احتمالًا وهو كون آية المزمل قد نزلت قبل سورة الفاتحة؛ لأنّها نزلت بمكة.\rقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]\rاستدل بالآية من قال بأن قراءة القرآن بغير العربية لا تجوز، وهو قول الجمهور، خلافًا لما نُقل عن أبي حنيفة، ونقل أنّه رجع عنه.\rومأخذ الحكم: لعل من المآخذ كونه خبرًا بمعنى الأمر، أي: (إنا أنزلناه ليقرأ بالعربية).\rأو يكون من المآخذ مفهوم الصفة في قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فتدل على أن غير العربي لا يسمى قرآنا، ولا تصح الصلاة بغير القرآن.\rقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]\rيستدل بها على أن المسألة السابقة وهي: عدم جواز القراءة بغير العربية.\rومأخذ الحكم: وصف المولى ﷾ القرآن الذي انزله بكونه ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ حيث قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].\rومفهوم وصفه بأنّه (عربي) يدل على أن غير العرب لا يسمى قرآنًا، وما ليس بقرآن لا تصح الصلاة به.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبوداود في، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، برقم (٨٥٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167488,"book_id":1216,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":142,"body":"قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]\rالترتيل في القراءة هو: التأني فيها والتمهل وتبين الحروف والحركات.\rواختلف العلماء في حكمه، فذهب الجمهور إلى استحبابه ونقل الإجماع على ذلك. وقيل: بالوجوب.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد في قوله: ﴿وَرَتِّلِ﴾، والأصل فيه أنّه للوجوب، وأجرى من قال بالوجوب الأمر على إطلاقه، وأكدّ الأمر للوجوب بالتّأكيد الوارد في الآية بقوله ﴿تَرْتِيلًا﴾.\rوذهب الجمهور هنا إلى أن تأكيد الأمر بالتّرتيل إنّما هو لإفادة تحقيق صفة الترتيل. وصرفوا الأمر من الوجوب بصوارف منها:\r(١) كون الإجماع وقع على كونه مستحبًا، وقد نقل البعض الإجماع على ذلك.\r(٢) كون الترتيل من باب الكمالات، فحملوها على الآداب فهو من آداب التّلاوة، والحمل على مكارم الأخلاق والآداب يعتبر صارفًا للأمر من الوجوب إلى الندب عند كثير من العلماء.\r(٣) لم يذكر الترتيل في حديث المسيء صلاته، وهو في مقام التعليم، ولو كان واجبًا لعلمه النبي ﷺ ذلك.\rفائدة: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني «استحباب الترتيل لا يستلزم كراهة الإسراع، وإنّما الذي يكره الهذ، وهو: الإسراع المفرط بحيث يخفى كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها» (¬١)\rوقال أيضا: «والتّحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يُخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات،","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٩/ ٨٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167489,"book_id":1216,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":143,"body":"فلا يمتنع أن يفضُل أحدهما الآخر وأن يستويا، فإنّ من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة مُثمَّنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر، لكن قيمتها قيمة الواحدة وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات وقد يكون بالعكس» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: عدم جواز الكلام في الصّلاة.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد بالإنصات في قوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ والإنصات هو السّكوت، والأمر يقتضي الوجوب، وقد نقل الإجماع على كون الآية في الصّلاة الإمام أحمد وغيره (¬٢).\rوقيل: في خطبة الجمعة أيضا. يدل عليهما سبب نزول الآية.\rويمكن القول بأن الآية دلت على عدم جواز الكلام، ووجوب السكوت بالأمر في قوله ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ وبالاستلزام من الأمر في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾؛ لأنّه يلزم من الاستماع السكوت.\r• الحكم الثاني: الخلاف في قراءة المأموم خلف الإمام.\rوفي المسألة ثلاثة أقوال:\rالأول: عدم جواز القراءة مطلقًا، لا الفاتحة ولا غيرها، سواء كان في الجهرية، أو السّرية، وهو مذهب الحنفية.","footnotes":"(¬١) المصدر السابق.\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٩٥)، (٢٣/ ٢٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167490,"book_id":1216,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":144,"body":"الثاني: أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسرّ فيه، ولا يقرأ معه فيما جهر به، أي: في السّريّة دون الجهرية، وهو مذهب المالكية والحنابلة.\rالثالث: أن يقرأ المأموم فيما أسر الإمام الفاتحة وغيرها، ويقرأ فيما جهر الفاتحة فقط، وهو مذهب الشافعي في الجديد والظّاهرية. وكل واحد منهم استدل بالآية.\rأمّا الفريق الأول: فقالوا: بعدم جواز القراءة مطلقًا، أمّا في حالة الجهر، فظاهر لوجود القراءة المأمور بالاستماع لها والإنصات، والأمر يقتضي الوجوب، وهو نهي عن ضده، وضد الإنصات القراءة، فتكون القراءة منهيًا عنها؛ لأنّه يلزم من الاستماع عدم القراءة.\rأمّا في حالة الإسرار فعموم اللفظ، فهو يعم الأحوال، أي: سواء كان في حال الجهر، أو الإسرار فعلينا السكوت فبعموم القراءة، فالقراءة موجودة من الإمام وعلينا السكوت سمعناها أو لم نسمعها، وقد يكون مأخذه مفهوم الشّرط مع عموم اللفظ.\rأمّا أصحاب القول الثّاني: فقالوا: الأمر في الآية بالاستماع، ولا يتحقق إلّا إذا كان مجهورًا به، وهذا لا يكون إلّا في صلاة الجهر؛ لأنّ السّر لا يستمع إليه.\rقال ابن قدامة: «وهي مختصة بحال الجهر، وفيما عداه يبقى على العموم، وتخصيص حالة الجهر بامتناع الناس من القراءة فيها، يدل على أنهم كانوا يقرءون في غيرها» (¬١).\rأمّا أصحاب القول الثالث: القائلون أنّه يقرأ فيما أسر الفاتحة وغيرها، وفيما","footnotes":"(¬١) المغني (١/ ٤٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167491,"book_id":1216,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":145,"body":"جهر الفاتحة فقط. فخصصوا الفاتحة من عموم الآية بالسّنة، وقد ورد في الصّحيح قوله ﷺ: (لا صلاة لمن لم يقرا بأمّ القرآن) (¬١).\rوأدل منه ما رواه عبادة بن الصّامت (أن النّبي ﷺ صلى الصبح، فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال: «إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم» قال:، قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: «لا تفعلوا إلا بأمّ القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) (¬٢).\rوأيدوا وجوب القراءة في السرية والجهرية بلحاق الآية حيث قال سبحانه بعدها ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]\rقال ابن حزم: «وتمام الآية حجة عليهم؛ لأن الله قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤ - ٢٠٥] قال علي: فإن كان أول الآية في الصّلاة فآخرها في الصّلاة؛ وإن كان آخرها ليس في الصّلاة فأولها ليس في الصّلاة؛ وليس فيها إلا الأمر بالذكر سرًا وترك الجهر فقط» (¬٣).\rقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]\rاختلف العلماء في المراد بالصّلاة هنا، هل هي عين العبادة المعروفة أو الدعاء، وقال بكل قول قوم.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها، برقم (٣٩٤).\r(¬٢) أخرجه الترمذي كتاب أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في القراءة خلف الإمام، برقم (٣١١)، والإمام أحمد المسند (٥/ ٣١٥)، برقم (٢٢٧٤٦) بتعليق شعيب الأرنؤوط وقال: صحيح لغيره وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن إسحاق.\r(¬٣) المحلى (٢/ ٢٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167492,"book_id":1216,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":146,"body":"ومأخذ الحكم وسبب الخلاف فيه: ورود الاسم الشّرعي، وهو الصّلاة هنا في سياق النهي، وعند كثير من الأصوليين أنّه إن ورد في سياق النهي فإنّه مجمل، بخلاف ما لو ورد في سياق إثبات أو أمر فإنّه ينصرف إلى الصّلاة المعهودة المعروفة الشرعية، ولا يحمل على المعنى اللغوي، وهو الدعاء هنا.\rولما كان اللفظ عند البعض مجملًا تلمس كل قوم ما يؤيد ما ذهب إليه بأدلة أخرى.\rفمن قال: بأنّها نزلت في القراءة بالصّلاة الشّرعية المعروفة أيدّ قوله بسبب نزول الآية، وقد روى الشيخان من حديث ابن عباس أنها نزلت في القراءة في الصّلاة (¬١).\rوعليه فاستنبط العلماء استحباب التوسط في القراءة في الصّلاة الجهرية بين المبالغة في رفع الصوت والإسرار.\rوأيدوا قولهم بتفسير الصّحابي، وهو حجة، وقد فسّر ابن عباس الآية بذلك حيث قال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: لا تعلن الصّوت بقراءة القرآن إعلانًا شديدًا، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أي: لا تخفض صوتك حتى لا تسمع أذنيك.\rأمّا من قال: بأن المراد بالصّلاة هنا المعنى اللغوي، وهو الدعاء، فأيدوا قولهم بسبب النزول - كذلك- وقد أخرج البخاري عن عائشة أنها نزلت في الدعاء (¬٢)، وزاد ابن جرير في رواية في التشهد (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، برقم (٤٧٢٢)، ومسلم (٤٤٦)، وذلك عندما كان ﷺ بمكة متوار، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به.\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، برقم (٤٧٢٣).\r(¬٣) تفسير الطبري (١٧/ ٥٨٧) ت شاكر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167493,"book_id":1216,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":147,"body":"تنبيه: إذا قال الصحابي نزلت الآية في كذا فهل لها حكم الرفع؟ ويترتب على ذلك وقوع التعارض وكيف يدفع؟\rيفرق بعض العلماء بين الصيغ الصريحة لأسباب النزول وغيرها، وما كان من الصيغ الصّريحة فإنّ له حكم الرّفع.\rومن الصيغ الصّريحة، إذا قال الراوي: سبب نزول هذه الآية كذا، أو يأتي بالفاء التعقيبية، كأن يقول حديث كذا، أو سئل رسول الله ﷺ عن كذا، فنزلت الآية.\rومن الصيغ المحتملة، قول الراوي: نزلت هذه الآية في كذا، فهذا يراد به تارة أنّه سبب النزول، وتارة أنّه داخل في معنى الآية، وإن لم يكن السبب، كما تقول عني بهذه الآية كذا.\rذكر ذلك شيخ الإسلام ثم قال: «وقد تنازع العلماء في قول الصحابي نزلت هذه الآية في كذا، هل يجري مجرى المسند، كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند، فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه … » (¬١).\rوقال الزركشي في البرهان: «وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين، أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها وجماعة من المحدثين يجعلون هذا من المرفوع المسند، كما في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وأما الإمام أحمد فلم يدخله في المسند، وكذلك مسلم وغيره، وجعلوا هذا مما يقال بالاستدلال وبالتأويل فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع» (¬٢).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٤٠).\r(¬٢) البرهان في علوم القرآن (١/ ٣١ - ٣٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167494,"book_id":1216,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":148,"body":"قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]\rاستدل بالآية الكريمة على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب القيام في الصلاة لمن استطاعه باتفاق.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد فيها بقوله: ﴿وَقُومُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب.\rالمأخذ الثاني: ذهب الحنابلة إلى الأمر بالصفة على سبيل الندب (وهو هنا الأمر بالقيام على صفة القنوت والخشوع) فالأمر بالصفة على سبيل الندب يقتضي وجوب الفعل التي هي فيه، والفعل التي فيه الصفة هو القيام، فيكون واجبًا.\rأمّا الشافعية فعندهم أن الأمر بالصفة على سبيل الندب لا يمكن الاستناد إليه في إيجاب الفعل التي هي فيه فقد يكون واجبًا أو مندوبًا.\r• الحكم الثاني: تحريم الكلام بالصّلاة.\rومأخذ الحكم: ورد الأمر بالقيام لله قانتاً، والأمر بالشيء نهي عن ضده، ثمّ إنّ هذا النهي ورد بعد إباحة شرعية فيكون كالنّهي المطلق بلا خلاف، فهو للتّحريم.\rيدل على النهي والتحريم سبب نزول الآية، كما في حديث زيد بن ابي الأرقم (كنا نتكلم في الصّلاة فيكلم الرجل صاحبه، وهو إلى جنبه بالصّلاة فنزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) (¬١).\rقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]\rاستدل بالآية على أن المرأة تخفض صوتها بحضرة الرجال الأجانب، وإن نابها شيء في الصلاة صفقت.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مطيعين، برقم (٤٢٦٠)، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة، برقم (٥٣٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167495,"book_id":1216,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":149,"body":"قال الجصاص: « … والدلالة على أن الأحسن بالمرأة أن لا ترفع صوتها بحيث يسمعها الرجال» (¬١).\rوقال السيوطي: «فيه استحباب خفض المرأة صوتها» (¬٢).\rمأخذ الحكم: النهي يقتضي المنع، وهو أمر بضده وهو استحباب خفضه، والله أعلم.\rومأخذ آخر: كونه من تفسير السلف، ومنه قول التابعين، وورد عن السدي قوله: «لا ترفعن بالقول» (¬٣) وقد تكلم المرداودي في التحبير عن الخلاف في حجية قول التابعي، نقل عن الإمام أحمد: «لا يكاد يجيء عن التابعين إلا يوجد عن الصحابة»، ثم نقل عن ابن تيمية قوله: «كلام أحمد يعم تفسيره وغيره». قلت: وذلك لأن العلماء لا يزالون يحتجون بقولهم في التفسير، وهم في التفسير أوثق (¬٤).\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: وجوب الصّلاة، وقد سبق ذلك.\rومأخذ الحكم: كونه من إطلاق الجزء وإرادة الكل، فعبر عن الصلاة بجزئها، وهو الركوع والسجود؛ لكونهما أعظم أركانها، فكان ذكرهما جاريًا مجرى ذكر الصّلاة، وكأنه قال: صلوا الصّلاة التي شرعها لكم.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٢٩)، وانظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٣٤٦).\r(¬٢) الإكليل (٣/ ١١٠٧).\r(¬٣) الدرر المنثور للسيوطي (١٢/ ٢٨).\r(¬٤) التحبير (٨/ ٣٧١٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167496,"book_id":1216,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":150,"body":"• الحكم الثاني: كون الركوع والسجود ركنين من أركان الصّلاة، وهذا أمر متفق عليه.\rومأخذ الفرضية والركنية: الأمر الوارد بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وكذا في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].\r• الحكم الثالث: الخلاف في تحديد ما يفترض على المصلي السجود عليه من أعضائه السّبعة.\rأمّا الحنفية: فجعلوا الفرض، وضع الوجه على الأرض، والمراد بالوجه: الجبهة أو الأنف وما عداهما سنة، ورجح بعضهم أن وضع اليدين والركبتين والقدمين واجب.\rومأخذهم: أن الأمر في قوله: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ متعلق بالسجود مطلقًا، من غير تعيين عضو، ثم انعقد الإجماع على تعيين بعض الوجه، فلا يجوز تعيين غيره، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد؛ لما سبق من أنّه زيادة على النّص فلا يجوز.\rأمّا المالكية: فيرون وجوب السجود على الجبهة في تحصيل الفرض.\rومأخذهم: أولًا حديث الأعرابي، وقد جعلوه معيارًا لتحديد الفروض والأركان، ومنه قوله ﷺ (إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض) (¬١).\rثانيًا: هذا الحديث مبين للقرآن، ولا خلاف في كون السنة مبينة للقرآن.\rثالثا: لعله من باب الأخذ بأقل ما ينطلق عليه الواجب، فأقل ما ينطلق عليه كونه ساجدًا، وهو وضع جبهته على الأرض.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبوداود في، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، برقم (٨٥٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167497,"book_id":1216,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":151,"body":"أمّا الشافعية: فمذهبهم وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة إلا الأنف، استدلالاً بالسنة من قوله ﷺ (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: اليدين والركبتين والقدمين والجبهة) (¬١). وكذا الحنابلة إلّا أنّهم يرون الأنف والجبهة عضوًا واحدًا.\rوالأمر وما تصرف منه من ألفاظ الوجوب، وهذه من دلالات السنة وليست من القرآن.\rأو يقال: إنّ السّنة بينت الإطلاق في السّجود الوارد في القرآن.\r• الحكم الرابع: استدل العلماء بالآية على حكم الطمأنينة في أفعال الصّلاة. والطمأنينة هي: السكون بقدر الذكر الواجب، فذهب الحنفية إلى كونه واجبًا وليست بفرض.\rومأخذهم: أن الفرض إنّما يثبت بالدّليل القاطع، وأمّا الطمأنينة فقد ثبتت بخبر الواحد، كما في حديث المسيء (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) (¬٢).\rوهذه زيادة على نص كتاب الله، ولا تجوز الزيادة عليه بخبر الواحد؛ لأنّه حينئذ يكون ناسخًا لكتاب الله، ولا يصلح أن يكون ناسخًا.\rوقالوا: يصلح أن يكون مكملًا فنحمل أمره بالإعادة والطمأنينة على الوجوب، ونفيه للصّلاة في قوله: (فإنّك لم تصل) (¬٣) على نفي الكمال.\rأمّا مذهب جمهور أهل العلم، فعلى كون الطمأنينة ركنًا؛ لحديث المسيء","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب صفة الصلاة، باب السجود على الأنف، برقم (٧٧٩)، ومسلم كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة، برقم (٤٩٠).\r(¬٢) متفق عليه، وقد سبق تخريجه.\r(¬٣) متفق عليه، وقد سبق تخريجه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167498,"book_id":1216,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":152,"body":"صلاته وغيره من الأحاديث، والأوامر تحمل على الوجوب والفرضية.\rكما أن قوله ﷺ (ارجع فصل، فإنّك لم تصل) دليل على نفي الصّحة والإجزاء.\rولما رأى حذيفة ﵁ رجلاً يصلي ولا يتم الركوع ولا السجود فقال له: (ما صليت، ولو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا ﷺ (¬١).\r• الحكم الخامس: استدل بالآية على جواز الائتمام بالإمام الذي تنقل صلاته عن طريق المذياع (¬٢).\rمأخذ الحكم: بناء على قاعدة: المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل التقييد.\rوبيانه: أن الأمر بالصلاة مطلق غير مقيد بمكان واحد يجتمع فيه، والصّلاة مع الإمام عبر التلفاز متحققة، فتدخل في الإطلاق المذكور في الأمر.\rويمكن مناقشة ما سبق، بأنّ الأصل حمل كلام الشارع على المعهود، وقت نزول الخطاب، ولا شك أن المعهود هو الاجتماع في مكان واحدٍ مع الإمام حقيقة، ولا سيما أن من مقاصد الصّلاة الاجتماع لها، وكل ما خالف مقصود العبادة فهو باطل.\rيقول الشيخ العثيمين: «لا يجوز للإنسان أن يقتدي بالإمام بواسطة الراديو أو بواسطة التلفزيون؛ لأنّ صلاة الجماعة يقصد بها الاجتماع، فلا بدّ أن تكون في موضعٍ واحدٍ، أو تتّصل الصفوف بعضها ببعض، ولا تجوز الصلاة بواسطتهما،","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب إذا لم يتم الركوع، برقم (٧٩١).\r(¬٢) ينظر: بواسطة فقه النوازل للمشيقح (١٠١) المصادر التالية: رسالة الإقناع بصحة صلاة الجمعة بالمنزل خلف المذياع للغماري، وفقه المستجدات في باب العبادات (٢١٠ - ٢١٨)، والأجوبة النافعة (٣٢٠)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٤٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167499,"book_id":1216,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":153,"body":"وذلك لعدم حصول المقصود بهذا، ولو أننا أجزنا ذلك لأمكن كلّ واحدٍ أن يصلّي في بيته الصلوات الخمس، بل والجمعة أيضًا، وهذا منافٍ لمشروعية الجمعة والجماعة، وعلى هذا فلا يحلّ للنساء ولا لغيرهنّ أنْ يصلّي أحدٌ منهم خلف المذياع أو خلف التلفاز» (¬١).\rكما أن الصلاة قد تقع على أحوال لا تصح معها صلاته عند جماعة من أهل العلم، مثل كونه منفرداً خلف الصف مع إمكان دخوله في صفّ لو كان بالمسجد، وكونه أمام الإمام، وقد يعرض ما لا يمكنه معه الاقتداء بالإمام كخلل في جهاز الاستقبال أو الإرسال، أو انقطاع التيار الكهربائي، وهو في أمن من هذا؛ لو صلى في مكان يرى فيه الإمام والمأمومين (¬٢).\r• الحكم السادس: استدل بالآية من قال بعدم جواز الصّلاة بالنّظارة (¬٣)، إن أدّى إلى منع تمكين الأعضاء من السجود على الأرض، ومثلها بعض القبعات.\rوبيانه: السجود فرض من فروض الصّلاة بلا خلاف، وإنّما الخلاف في كيفية تمكين أعضاء السجود على الأرض (¬٤)، إن كان قادرًا عليه (¬٥)، ولا شك أن المصلي قادر على خلع النظارة لتمكين نفسه من السجود.","footnotes":"(¬١) مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٥/ ٢١٣)، وينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (٤/ ٢٩٩).\r(¬٢) ينظر: الفقه الميسر (النوازل في العبادات) (٩/ ٥٢).\r(¬٣) ينظر: فتح ذي الجلال والإكرام (٣/ ٢٥٦)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٤٣).\r(¬٤) في المسألة أقوال: منها: أن الفرض في السجود هو جزء من الجبهة ولو قليلًا، وهو قول الحنفية والمالكية، وقيل: إن الفرض هو السجود على الأعضاء السبعة إلا الأنف، وهو مذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية، وقيل: وجوب السجود على جميع الأعضاء السبعة وهو المذهب عند الحنابلة. والخلاف يرد في مسألة الصلاة في النظارة على المذهب الثالث، وهو مذهب الحنابلة. ينظر: بدائع الصنائع (١/ ١٠٦) حاشية الدسوقي (٢/ ٣٩٠) المجموع للنووي (٣/ ٤٢٣) المغني (٢/ ٣٩٨) المحلى (٣/ ٣٥٥).\r(¬٥) العاجز: لا يكلف بالفعل غير المقدور عليه، ويكفيه الإيماء إن قدر عليه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167500,"book_id":1216,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":154,"body":"قال الشيخ محمّد صالح العثيمين ﵀: «أمّا بالنّسبة للنّظارة فإن كانت تمنع من وصول طرف الأنف إلى الأرض، فإنّ السجود لا يجزئ، وذلك لأن الذي يحمل الوجه هما النظارتان، وهما ليستا على طرف الأنف بل هما بحذاء العينين، وعلى هذا فلا يصح السجود، ويجب على من عليه نظارة تمنعه من وصول أنفه إلى مكان السجود أن ينزعها في حال السجود» (¬١).\rمأخذ الحكم: يخرّج الحكم على قاعدة: ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب، ولما كان تمكين أعضاء السجود واجبًا، ولا يتمّ إلّا بإزالة ما يمنع من ذلك، فكان إزالة ما يمنع ذلك واجبًا، فيجب نزع النظارة، إن كانت تمنع تمكين الجبهة أو الأنف من الأرض.\rتنبيه: يأخذ حكم ما سبق العقال، وبعض القبعات، وكل ما يمنع من تمكين الجبهة على الأرض، وكذا الفرش التي تحول دون تمكين الجبهة من السجود (¬٢).\rقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ الآية\rاستدل بالآية من قال بمشروعية التّسبيح في الركوع.\rمأخذ الحكم: بيان النبي ﷺ لموضعها، كما في حديث عقبة بن عامر أنّه قال: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال لنا رسول الله ﷺ (اجعلوها في ركوعكم) (¬٣).","footnotes":"(¬١) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (١٣/ ١٨٦ - ١٨٧).\r(¬٢) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (١٣/ ١٨٤)، وفتاوى اللجنة الدائمة (٦/ ١٧٥)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٤٣).\r(¬٣) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم (٨٦٩)، وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب التسبيح في الركوع والسجود، برقم (٨٨٧) وقال الشيخ الألباني: ضعيف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167501,"book_id":1216,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":155,"body":"فتمسك القائلون بالوجوب بالأمر الوارد في الآية على الوجوب، وهو مذهب الحنابلة، ويؤيده أنّ هذا من فعله ﷺ، وقد أمرنا أن نصلي كما صلى.\rوصرفه الجمهور من المالكية والشافعية إلى الاستحباب، بحديث المسيء صلاته، حيث لم يعلمه النبي ﷺ التسبيح في صلاته، ولو كان واجبًا لبينه؛ لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\rكما أنّه لم يواظب ﵊ على التسبيح في الركوع بلفظ معين، والمواظبة طريق من طرق إثبات الواجبات.\rومن الأدلة على عدم مواظبته على التّسبيح قوله ﷺ (اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي) (¬١) وغير ذلك كقوله ﷺ (فأما الركوع: فعظموا فيه الرّب ﷿، وأمّا السّجود: فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم) (¬٢) ولم يحد في ذلك حدًّاً معينًا.\rقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]\rاستدل بالآية من قال بمشروعية التسبيح في السّجود.\rمأخذ الحكم: بيان النبي ﷺ لموضعها، كما في حديث عقبة بن عامر ﵁ ( … فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: اجعلوها في سجودكم) (¬٣).\rوفي الآية أمرٌ بقوله: ﴿سَبِّحِ﴾ واختلف هل هو على أصله للوجوب، أو أنّه مصروف إلى النّدب، وما قيل في الآية السابقة يقال هنا.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم (٧٧١).\r(¬٢) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، برقم (٤٧٩).\r(¬٣) أخرجه أبوداود، في كتاب الصلاة باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم (٨٦٩)، وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب التسبيح في الركوع والسجود، برقم (٨٨٧)، وضعفه الألباني كما في الإرواء (٢/ ٤٠) برقم (٣٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167502,"book_id":1216,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":156,"body":"باب صلاة التّطوع\rقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]\rالتهجد: التيقظ بعد نومة من الليل.\rوقد اختلف العلماء في قيام الليل في حق النّبي ﷺ أكان فرضًا عليه أم لا؟\rومأخذ الخلاف: في معنى (النافلة) في قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ بعد الاتفاق على أن معناها اللغوي الزيادة.\rفقيل: المعنى في الآية ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ أي: فريضة زائدة على ما فُرض على الأمة، وعليه فيكون قيام الليل في حقه واجبًا.\rثم اختلفوا في كونه منسوخًا كما سيأتي في آية المزمل، وهؤلاء أيدّوا قولهم بالوجوب بظاهر الأمر في قوله: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ وقوله في آية المزمل ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\rوقالوا: لو كان المراد بالنّافلة في الآية التطوع لم يخصه ﷾ بكونه نافلة له؛ لأنّ التطوع له ولأمته.\rومن قال بأنّ التهجد مندوب إليه، حمل معنى (النافلة) على النّدب، وقالوا هي حقيقة فيه، وهي من مرادفاته، وجعلوا هذه اللفظة صارفة للأمر الوارد في الآية إلى النّدب؛ لأنّ الفريضة لا تُسمى ندبًا.\rوأجابوا عن قولهم: لو كان المراد بالنّافلة التطوع لم يخصه الله سبحانه بذلك.\rفقالوا: إنّ تخصيص الرسول ﷺ بذلك؛ لأنّه ﷺ قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما يعمله يكون نافلة، أي: زيادة في ثوابه وأجره، وهذا بخلاف غيره من الأمة؛ إذ إنّ النوافل تكون مكفرة وجابرة لما يحصل في الفرض من الخلل والنقص فهذا سرّ التّخصيص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167503,"book_id":1216,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":157,"body":"قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]\rاستدل بها جمهور أهل العلم على استحباب التنفل بالليل.\rومأخذ الحكم: مدح المولى ﷾ كما في سياق الآية فعلهم، ولا خلاف بين العلماء في أن المدح للفعل أو فاعله دائر بين الوجوب والنّدب.\rومعلوم أنّه لا واجب من الصّلوات إلّا الخمس، فبقي النّدب.\rقال القرطبي: «وفي الصّلاة التي تتجافى جنوبهم لأجلها أربعة أقوال: أحدها: التّنفل بالليل، قاله الجمهور من المفسرين وعليه أكثر النّاس، وهو الذي فيه المدح … » (¬١).\rقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]\rاستدل العلماء بالآية على استحباب القنوت بجميع ما تحمله من معنى، ومنها: وهو المراد هنا طول القيام، وقيل: الخشوع.\rومأخذ الحكم هنا: ورود الصّفة في سياق المدح والثناء، وهو كما سبق يدل على المشروعية، وكون الفعل دائرًا بين الوجوب والنّدب.\rكما أن الآية دلت على نفي المساواة بين القانت لله والمطيع له وبين الكافر العاصي، بالاستفهام الاستنكاري بقوله: ﴿أَمَّنْ﴾.\rوسياق الآية قوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ إلى قوله ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ الآية.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167504,"book_id":1216,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":158,"body":"يقول الزمخشري: «﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه، وهو جرى ذكر الكافر قبله. وقوله بعده ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\rومعلوم أنّ نفي الاستواء بين الشيئين يقتضي نفي الاستواء من جميع الوجوه التي يمكن أن يدخلها النّفي (¬١).\rقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٢ - ٤]\rوقوله تعالى: في آخر السورة ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠]\rاختلف العلماء في الأمر بقيام الليل في هذه الآية هل هو للوجوب أو النّدب؟\rفذهب الجمهور إلى أن قيام الليل واجب على النبي ﷺ.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾.\rثم اختلف هؤلاء على هذا الحكم باقٍ أو أنّه منسوخ؟\rومن قال بالنّسخ جعل الناسخ قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ الآية [المزمل: ٢٠].\rوورد عن عائشة ﵂ قولها: (فإنّ الله ﷿ افترض قيام الليل في أول هذه السّورة، فقام النبي ﷺ وأصحابه حولًا، وأمسك خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة) (¬٢).","footnotes":"(¬١) الكشاف (٤/ ١١٦).\r(¬٢) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، في جماع أبواب صلاة التطوع بالليل، باب ذكر خبر نسخ فرض قيام الليل بعدما كان فرضاً واجباً، برقم (١١٢٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167505,"book_id":1216,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":159,"body":"أي: للنّبي ﷺ وأصحابه.\rأمّا القائلون بأن قيام الليل مندوب إليه، فإن كان قائلًا من قبل بالوجوب، فمأخذ الندب عنده: هو النّسخ السابق، وذلك لأنّ الوجوب إذا نسخ فإنّه يبقى النّدب، كما قرر ذلك كثير من العلماء.\rوأمّا إن كان غير قائل بالوجوب، فإنّه يرى أن سياق الآية صارف له عن الوجوب وذلك في قوله: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾\rومأخذ ذلك: هو أن تفويض التخيير للمكلف يدل على عدم الوجوب؛ إذ التخيير ينافي الوجوب.\rوأجيب عنه: أن التخيير الذي ينافي الوجوب، هو التخيير بين الفعل والترك، أمّا التخيير بين خصال أو أفعال معينة، فلا ينافي الوجوب، فلا يبعد في العقل أن يقول: أوجبت عليك قيام الليل، وأمّا تحديد القدر الذي تقومه، فذاك مفوض إلى اختيارك.\rوهذا الحكم في حق النبي ﷺ، والأصل أن ما خوطب به النبي ﷺ فإنّ أمته مخاطبة به، إلا ما دّل أنّه خاص به؛ ولذا كان الصحابة يقومون الليل حتى تورمت أقدامهم، والصارف للأمة من الوجوب إلى الندب، هو ما ورد عنه ﵊ للأعرابي الذي سأله عما يجب عليه في اليوم الليلة من الصلوات فأجابه ﷺ بأنها خمس صلوات، ثم قال الأعرابي: والله لا أزيد عليها، وأقره النبي ﷺ وقال: (أفلح إن صدق) (¬١).","footnotes":"(¬١) سبق تخريجه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167506,"book_id":1216,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":160,"body":"باب صلاة الجماعة والإمامة\rقال الله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]\rاستدل بالآية على مشروعية الجماعة، على خلاف في كونها سنة مؤكدة، أو فرض كفاية، أو فرض عين، والمعنى: صلوا مع المصلين.\rومأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَارْكَعُوا﴾ مع لفظ ﴿مَعَ﴾ وهو من حروف المعاني الدّالة على الجماعة. والأصل حمل الأمر على بابه، وهو حجة لمن قال بوجوب صلاة الجماعة، وسيأتي مأخذ من قال بأنّه على الأعيان في الآية الآتية.\rقال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: ﴿مَعَ﴾ تقتضي المعيّة والجمعيّة؛ ولهذا قال جماعة من أهل التّأويل بالقرآن: إنّ الأمر بالصّلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة فأمرهم بقوله ﴿مَعَ﴾ شهود الجماعة» (¬١).\rكما أن ضمير الجمع في قوله: ﴿وَارْكَعُوا﴾ يقتضي ذلك، وأقل الجمع ثلاثة.\rتنبيه: أطلق المولى ﷾ الجزء وهو الركوع وأراد الكل وهو الصلاة.\rوأما تخصيص الركوع بالذكر فللعلماء أقوال:\rفقيل: إنه خُصَّ تشريفاً له. وقيل: لأن صلاة بني إسرائيل لم يكن فيها ركوع. وقيل: لأن الصلاة تدرك به، فمن أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، فأمر بما يدرك به الركعة.\rوذكر ابن الفرس تساؤلاً عن الحكمة من تخصيص الركوع من جميع الصلاة بعد الأمر بالصلاة، حيث قال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٤٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167507,"book_id":1216,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":161,"body":"وأجاب بما سبق من كون معنى الركوع: الصلاة، أو كون صلاة بني إسرائيل لم يكن فيها ركوع، ثم قال: «وفيه عندي جواب ثالث: أن يكون أراد بالركوع هنا التواضع لله تعالى والتذلل له والانقياد، فيكون ركوعاً لغوياً لا شرعياً» (¬١).\rوعليه فليس فيه دليل على المسألة.\rأما القائلون بأن صلاة الجماعة مندوب إليها فجعلوا الأمر مصروفاً بصوارف منها: ما ورد في السّنّة من قوله ﵊: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) (¬٢) وفي رواية (بسبع وعشرين درجة) (¬٣) وكلاهما في الصّحيحين.\rقالو: التّفاضل لا يكون إلّا بين شيئين اشتركا في معنى، وتفاضلا فيه، بحيث يكون لأحدهما مزّية على الآخر، وهذا يقتضي كون صلاة المنفرد فيها فضلٌ يقصر عن صلاة الجماعة، وإذا ثبت أن فيها فضلًا، ثبت إجزاؤها والاعتداد بها.\rقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]\rاستدل بها العلماء على وجوب صلاة الجماعة.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿فَلْتَقُمْ﴾ مع حرف: «مع» في قوله: ﴿مَعَكَ﴾ الدّالة على المعيّة والجماعة -كما سبق - وكذا ضمير الجمع في قوله: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ﴾.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٦٣ - ٦٤).\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب الجماعة والإمامة، باب فضل صلاة الجماعة، برقم (٦١٩).\r(¬٣) أخرجه البخاري في كتاب الجماعة والإمامة، باب فضل صلاة الجماعة، برقم (٦١٩)، وفي كتاب الجماعة والإمامة، باب فضل صلاة الفجر في جماعة، برقم (٦٢١)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها، برقم (٦٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167508,"book_id":1216,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":162,"body":"قال الشّيخ محمّد الأمين الشّنقيطي: «آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة; لأنّ الأمر بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمرٌ لازم; إذ لو كانت غير لازمة لما أمر بها في وقت الخوف; لأنه عذر ظاهر» (¬١).\rوصلاة الخوف دلّت بطريق الأولى على وجوب الصلاة حال الأمن، فقد سنّ المولى ﷾ صلاة الخوف جماعة، وسوّغ فيها ما لا يجوز لغير عذر بالاتفاق، كاستدبار القبلة، والعمل الكثير، وكذلك مفارقة الإمام قبل السّلام جاز عند الجمهور، وكذا تخلفه عن متابعة الإمام - كما يتأخر الصّف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كانت العدو أمامهم-.\rفقالوا: هذه الأمور تبطل الصّلاة لو فعلت لغير عذر، فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصّلاة، وتركت المتابعة الواجبة في الصّلاة؛ لأجل فعل مستحب، مع أنّه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدهم صلاة تامة، فعلم أنها واجبة (¬٢).\rتنبيه: استدل العلماء بخصوص هذه الآية على أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان؛ وذلك لأنّه ﷾ أمره أولًا بالصّلاة في الجماعة بقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ ثم أعاد هذا الأمر مرّة ثانيّة في حق الطائفة الثّانيّة بقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ فلم يسقطها ﷾ بفعل الطائفة الأولى.\rاستدل بالآية على عدم جواز الصّلاة خلف المذياع (¬٣).","footnotes":"(¬١) أضواء البيان (١/ ٢٦٣).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٢٧ - ٢٣٩).\r(¬٣) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٨/ ٢١٣) فتوى رقم (٢٤٣٧)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١٣/ ٤٢)، (١٥/ ٢١٣)، والفقه الميسر (٩/ ٥٢)، فقه النوازل للمشيقح (١٠١)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٤٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167509,"book_id":1216,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":163,"body":"مأخذ الحكم: بناء على أن حرف (مع) في قوله: ﴿مَعَكَ﴾ يقتضي المعيّة والجمعيّة.\rتنبيه: سبق في المسألة السابقة -عند مناقشة القول بالجواز- بيان وجه الجمع.\rقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩]\rاستدل بها العلماء على وجوب صلاة الجماعة في المسجد، والمسجد هنا على ظاهره، وهو: المسجد المعروف.\rوقد قيل في معنى الآية: «اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة أمرًا بالجماعة لها ندباً عند الأكثرين، وحتماً عند الأقلين»، قاله الماوردي (¬١).\rوقيل معناه: إذا كان جواركم مسجدًا فأقيموا الجماعة فيه، ولا تتجاوزوا إلى غيره، إذا حضرت الصلاة، فصلوا في كل مسجد، ولا يقل أحدكم: أصلي في مسجدي قاله ابن عباس.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا﴾ مع دلالة العندية في قوله: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وهو ظرف مكان، ومنطوقه الأمر يدل على وجوب الصّلاة في المساجد.\rقال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]\rاستدل بها على وجوب صلاة الجماعة.\rومأخذ الحكم: أن الأمر بالسّعي إلى الشّيء لا يكون إلا لوجوبه، وكذا الأمر بترك البيع المباح لأجله، فهذا يدل على وجوبه، والجمعة لا تكون إلا جماعة، وفي بيوت الله كما سيأتي.","footnotes":"(¬١) تفسير الماوردي المسمى بالنكت والعيون (٢/ ٢١٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167510,"book_id":1216,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":164,"body":"تنبيه: القول بالوجوب يتضمن المشروعية، وكل واجب فهو مشروع، وما سبق وهو مأخذ القائلين بالوجوب، وسبق في الآية الأولى ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] بيان مأخذ القائلين بصرف الأمر إلى الاستحباب، وعليه فصلاة الجماعة لا خلاف في مشروعيتها، وهي دائرة بين الوجوب والنّدب.\rوختامًا: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «لا ينبغي له أن يترك حضور المسجد إلا لعذر، كما دلّت على ذلك السنن والآثار» (¬١).\rوالصّلاة في المساجد من أكبر شعائر الدّين وعلاماته، وفي تركها بالكلّيّة أو في المسجد محو لآثار الصّلاة بحيث إنّه يفضي إلى تركها، ولو كان الواجب فعل الجماعة فقط، دون الفعل في المسجد لما جاز الجمع للمطر ونحوه، وترك الشّرط وهو لأجل السّنة، ومن تأمل الشّرع المطهر علم أن إتيان المسجد لها فرض عين إلّا لعذر (¬٢).\rاستدل بالآية من قال بوجوب حضور الجماعة على كل من سمع النداء، ولو بمكبر الصوت (¬٣).\rمأخذ الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ للوجوب وهو معلّق على شرط، وهو الأذان ليوم الجمعة، في قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾، والمقصود من النّداء هو إسماع غيرٍ؛ بدلالة قوله ﷺ (من سمع النّداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر) (¬٤)، فيجري العام في قوله: ﴿نُودِيَ﴾ على عمومه، أي سواء كان السماع","footnotes":"(¬١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٤٩).\r(¬٢) انظر: الصلاة وأحكام تاركها لابن القيم (١/ ١١٨).\r(¬٣) هذه المسألة تبنى على قول من قال بأن صلاة الجماعة فرض عين على الرجال، وهم الحنابلة. ينظر: المغني (٢/ ١٣٠)، والإنصاف (٢/ ٢١٠).\r(¬٤) أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب المساجد والجماعات، باب التغليظ في التخلف عن الجماعة، برقم (٧٩٣)، وابن حبان في صحيحه (٥/ ٤١٥)، كتاب الصلاة، باب ذكر الخبر الدال على أن هذا الأمر حتم لا ندب، برقم (٢٠٦٤)، والدارقطني في سننه (٢/ ٢٩٣)، كتاب الصلاة، باب الحث لجار المسجد على الصلاة فيه إلا من عذر، برقم (١٥٥٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٧٣) وقال: «وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه». وقال الألباني في إرواء الغليل (٢/ ٣٣٧): «وهو كما قالا».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167511,"book_id":1216,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":165,"body":"بمكبر الصوت أو بدونه.\rووجه كونه عاماً: أن الفعل هنا ينزل منزلة النكرة، وهو مثبت وفي سياق شرط فيعم.\rأما والوجوب على كل من سمع النداء فهو مأخوذ من دلالة ضمير الجمع في قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ فيعم كل من سمع النداء.\rنوقش: بأن الأمر في الآية محمول على الأذان المعتاد في زمن التشريع.\rقال الشيخ العثيمين: «فالظاهر أن هؤلاء لا يلزمهم صلاة الجماعة في المسجد إذا كانوا إنما يسمعون صوت المؤذن بواسطة مكبر الصوت، وأنه لولا المكبر ما سمعوا، فالظاهر أنه لا يجب عليهم حضور الجماعة في الحال؛ لأن هذا السماع غير معتاد ولا ضابط له، ولا يقول قائل إن عموم قول النبي ﷺ: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر) يتناول ما سمع بواسطة المكبر وما سمع بدونه، فبعض المكبرات يكون صوته عالياً يسمع من بعيد، وبعضها دون ذلك، والمرجع في هذا إلى ما كان معروفاً في عهد الرسول ﷺ وهو السماع بدون مكبر» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]\rاستدل بالآية من قال بعدم صحة الصّلاة خلف الإمام الفاسق.\rومأخذ الحكم: نفي المساواة بين الشيئين يقتضي العموم، إلّا ما خصه الدّليل، فيقتضي نفي المساواة بينهما من جميع الوجوه، ومنها الإمامة؛ ولذا لو صحّ","footnotes":"(¬١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١٥/ ٢٧)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٤٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167512,"book_id":1216,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":166,"body":"الإئتمام بالفاسق لكان مساويًا للمؤمن العدل.\rوقد قيل: إنّ المراد بالفاسق هنا الكافر. لكن أجيب عنه: بأنّه عامّ في كل فاسق.\r\rباب صلاة المسافر\rقال الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز صلاة النافلة في السّفر على الرّاحلة حيثما توجهت به.\rمأخذ الحكم: تفسير الصّحابي، وقد ذهب ابن عمر ﵄ أن الآية نزلت في ذلك. ويستفاد من صيغة العموم (أين) عمومُ الجهات.\rوروى البخاري عن ابن عمر أنه قال: (كان النبي ﷺ يُصلي في السفر على راحلته حيثما توجهت به، يومئ إيماءً صلاة الليل، إلّا الفرائض ويوتر على الراحلة) (¬١).\rوقيل: إنّ الآية منسوخة، استدلالًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.\r• الحكم الثاني: استدل بعضهم بالآية فيمن اجتهد في القبلة فأخطأ.\rمأخذ الحكم: أن الآية وإن كانت صيغتها صيغة خبر، إلا أن معناها معنى الأمر، وجعلوا هذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.\rوجاء حديثٌ - وفيه كلام عند الحفاظ - يدل على الحكم السابق من حديث","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الوتر، باب الوتر في السفر، برقم (٩٥٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167513,"book_id":1216,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":167,"body":"عامر بن ربيعة قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر ليلة مظلمة فتحرّى قوم القبلة، وعلَّموا علامات، فلما أصبحوا رأوا أنّهم قد أخطأوا ففرّقوا رسول الله ﷺ بذلك، فنزلت الآية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (¬١).\rقال ابن الفرس: « .. والأظهر تخصيص الآية الواحدة بالآية الأخرى، وفيه خلاف بين الأصوليين هل يحمل على التّخصيص أو على التعارض ووجه النسخ؟ وكذلك اختلفوا في الجاهل والنّاسي كالخلاف في المجتهد يخطئ» (¬٢).\rثم قال في نهاية الكلام على هذه الآية: «مجموع ما يتحصل من هذه الآية من الأقوال إحدى عشر قولا» (¬٣).\rوذكر القرطبي أن العلماء اختلفوا في المعنى الذي نزلت فيه على خمسة أقوال. يُراجع لمن أراد المزيد (¬٤).\rقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: أن المسافر فرضه أن يولي وجهه شطر المسجد، وهذا شأن كل من لم يعاين الكعبة، وكان بعيدًا عنها.\rقال القرطبي: «وأجمعوا على أن كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها … » (¬٥).","footnotes":"(¬١) سبق تخريجه.\r(¬٢) أحكام القرآن (١/ ١٠٣).\r(¬٣) انظر: أحكام القرآن (٢/ ٧٩).\r(¬٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٦٠).\r(¬٥) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٦٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167514,"book_id":1216,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":168,"body":"ومأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وهو يقتضي أن هذا هو الواجب عليه وفرضه.\r• الحكم الثاني: استدل بالآية من قال إن المسافر فرضه أن يتوجه إلى الكعبة.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد مع العموم في قوله ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ وهو يقتضي العموم في المكان.\rوكذا على القول بأنّ الآية ناسخة للآية السّابقة وهي قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].\rقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: اتفق الفقهاء على مشروعية القصر للمسافر.\rومأخذ الحكم: رفع الجناح عن الفعل من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على المشروعية.\rقال الموزعي: «ورفعُ الجُناح عن المصلِّي إذا قَصَرَ الصلاةَ يدلُّ على جواز القصرِ، ولا يدلُّ على وجوبه، لأن رفعَ الجُناح موضوعٌ لإباحة الشيء، لا لوجوبه» (¬١).\rوذهب الجمهور إلى أن القصر رخصة؛ إذ إن نفي الجناح فيه رفع الإثم، وعدم الحرج، وليس من معانيه الإلزام أو الإيجاب - كما سبق - وهذا يعني أن للمسافر إتمام الصّلاة، وترك الرخصة وأكدوا هذا الحكم بحديث يعلى بن أمية، قال: قلت","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167515,"book_id":1216,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":169,"body":"لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن النّاس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) (¬١).\rأمّا الحنفية فذهبوا إلى أن القصر عزيمة، وهو الواجب على المسافر، وتمسكوا بقول عائشة ﵂: (فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر، فأقرّت صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر) (¬٢).\rفدلّ على أن فرض المسافر هو ركعتان؛ فإنّ أداها فقد أدّاها أربعًا، وقد زاد في الصّلاة ما ليس منها، والزّيادة في الصّلاة تبطلها.\rوكذا قول عمر بن الخطاب: (وصلاة السّفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ (¬٣).\rوقالوا: إنّ معنى الرّخصة لا ينطبق عليه؛ لأنّ الرخصة اسم لما تغير عن الحكم الأصلي بعارض إلى تخفيف ويسر، ولم يوجد معنى التغيير في حق المسافر.\rوذهب بعض أهل العلم إلى أن القصر سنة، ليس برخصة ولا عزيمة، جمعًا بين الأدلة واقتداءً برسول الله ﷺ.\rوذهب بعضهم إلى أن القصر والإتمام فرضان، فأيهما فَعل فقد فعل الواجب، كالمخيَّر.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (٦٨٦).\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء، برقم (٣٤٣)، ومسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (٦٨٥).\r(¬٣) أخرجه النسائي في كتاب تقصير الصلاة في السفر، باب تقصير الصلاة في السفر، برقم (١٤٤٠)، وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب تقصير الصلاة في السفر، برقم (١٠٦٣)، قال الشيخ الألباني: صحيح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167516,"book_id":1216,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":170,"body":"• الحكم الثاني: استدل بالآية من قال بأن القصر يكون عندما يبرز من بيوت بلده، وهو باتفاق المذاهب الأربعة.\rمأخذهم: إنّ معنى الضّرب في الأرض لا يتحقق إلّا بذلك.\rوهل يشترط أن يكون السفر طويلًا أولًا؟ خلاف بين العلماء.\rمأخذه: الإطلاق الوارد في الآية، فقد أطلق ﷾ القصر على الضّرب ولم يقيده بكون طويلًا أو قصيرًا.\rقال الموزعي: «فأخذ بإطلاقه آخرون، وهم أهل الظاهر، فجوزوا القصر، في كلِّ سفر، طويلًا أو قصيرًا، وقيده الجمهور من أهل العلم بالمعنى الذي أبيح له القصر، وهو المشقة الزائدة على مشقة الحضر، ثم اختلفوا … » (¬١). أي في تقدير المسافة، يراجع في ذلك إلى كتب الفقه.\r• الحكم الثالث: ذهبت الحنفية إلى جواز القصر في سفر المعصية.\rومأخذهم: العموم في الآية، والمعنى: لا جناح عليكم القصر في السفر.\rأمّا الجمهور فقالوا: بعدم جواز القصر في سفر المعصية؛ استدلالا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وسفر المعصية فيه تعدٍّ على حرمات الله، وهو منهي عنه فلا يجوز لفاعله أن يتمتع برخصة السفر؛ ولذا قالوا: الرخص لا تناط بالمعاصي.\rولأنّ في التخفيف عن العصاة عونًا لهم على المعصيّة، والمولى ﷾ يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167517,"book_id":1216,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":171,"body":"• الحكم الرابع: استدل بالآية من قال بأن القصر في السفر إنّما يكون للخائف، فمن كان آمنًا فلا قصر له، فسبب القصر: السفر والخوف.\rومأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ فدلّ بمفهومه المخالف أنّه لا قصر في حال الأمن.\rوأيدّوا ما ذهبوا إليه بما روي عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ أنّها كانت تقول في السفر (أتموا صلاتكم، فقالوا: إنّ رسول الله ﷺ كان يقصر، فقالت: إنّه كان في حرب وكان يخاف وهل أنتم تخافون؟) (¬١).\rوذهب الجمهور إلى عدم اشتراط الخوف، وقد أجابوا عن الأثر المروي عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ بأنّه ضعيف، واستدلوا بما رواه مسلم من حديث يعلى بن أمية ﵁، وقوله: قلت لعمر: ما لنا نقصر وقد أمنا، قال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) (¬٢) وهذا نص في المسألة؛ ولذا قالوا: لا عبرة بمفهوم المخالفة لهذا النّص، ولكونه خرج مخرج الغالب، إن كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار، وما خرج مخرج الغالب لا حجة في مفهومه.\rتنبيه: ذهب قوم إلى أن الشرط في قوله ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ شرط للتّعليق بالحكم الذي بعده.\rقال الموزعي: «فهو ابتداء كلام متصل بما بعده، منقطع عما قبله. وروي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: أنه قال: نزل قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٢٧ - ١٢٨) برقم (١٠٣١٦)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤١٤١).\r(¬٢) سبق تخريجه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167518,"book_id":1216,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":172,"body":"الصَّلَاةِ﴾ هذا القدر، ثم بعد حول سألوا رسول الله ﷺ عن صلاة الخوف فنزل ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١] ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢].\rثم قال وروي مثله عن علي بن أبي طالب ﵁، وقال: إنّه روى نحوه عن ابن عباس ﵄ أيضا» (¬١).\rقال القرطبي: «فإن صحّ هذا الخبر فليس لأحد منه مقال، ويكون فيه دليل على القصر في غير الخوف بالقرآن» (¬٢).\rخاتمة لباب صلاة المسافر\rسبق القول في باب المواقيت عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أن هذه الآية هي أصل مواقيت الصلاة، وذكرنا أن قوله ﴿مَوْقُوتًا﴾ أي: محدود الأوقات، وأنه لا يجوز إخراجها عن وقتها متعمدًا في شيء من الأحوال، وطرد هذا الأصل الحنفية في حق المسافر.\rفقالوا: بعدم جواز الجمع بين الصلاتين للمسافر في وقت إحداهما؛ لأنّ الآية دلّت على كون الصّلاة فرضًا مؤقتًا، فلا يجوز تركه إلا بما ورد الشرع به، كالوقوف بعرفة، وفي الجمع بين الصّلاتين تغيير للوقت المنهي عنه في وقت إحداهما.\rومأخذ الحنفية: أن لكل صلاة وقتًا محددًا ثبت بأدلة قطعية، كالقرآن والسّنّة المتواترة والإجماع، ولا يجوز تخصيص هذه الأدلة إلّا بأدلة مثلها، لا بضرب من الاستدلال، أو بخبر الآحاد.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٧ - ٨).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٣٦٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167519,"book_id":1216,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":173,"body":"أما الجمهور فجاز عندهم تخصيص هذه الأدلة بما تبث في السنة، كما في حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري قوله (كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سير ويجمع بين المغرب والعشاء) (¬١) وغيرها من أحاديث.\rومن المسائل المتعلقة بالمسافر، وتستنبط من آيات المواقيت، ما نقل عن الحنفية أيضًا أنهم قالوا: إنّ المسافر إذا سافر بعد دخول الوقت جاز له قصر الصلاة.\rومأخذهم: أن المصلي أدّى الصّلاة في وقتها المحدد دون تفريط فهو ممتثل لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وصلاة المسافر تمامها ركعتان.\rأمّا الجمهور فقالوا: بل يصليها تامّة؛ لأنّه ﷾ قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فعلّق الوجوب بدلوك الشمس، فالأمر بإقامة الصلاة هو للوجوب؛ فإذا وجبت الصّلاة أوّل الوقت، وجبت تامّة، وأداؤها قصرًا لا يصحّ، ولا يسقط التّمام الثّابت في الذّمة.\rومن المسائل المتعلقة بصلاة المسافر، ما ذهب إليه الحنفية من عدم جواز الجمع بين الصلاتين في وقت أحدهما للمسافر؛ استدلالا بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾.\rمأخذ الحكم: أن المولى ﷾ أوجب الصلاة في وقتها، وأمر بالمحافظة على ذلك.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في أبواب تقصير الصلاة، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، برقم (١٠٥٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167520,"book_id":1216,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":174,"body":"وقالوا: في الجمع بين الصلاتين تفريط بوقت إحداهما، وهذا لا يجوز، وفيه مخالفة لأمر الله ﷿.\rوذهب الجمهور إلى الجواز، ومأخذهم: تخصيص الآية بالسّنة.\rولم يقبل الحنفية تخصيص الآية بما ورد من فعله وقوله ﵊؛ لكونها آحاد، والجمهور على جواز ذلك، وكونه من قبيل البيان، والمبيِّن لا يشترط أن يكون مساويًا أو أقوى من المبيَّن.\r\rباب صلاة الجمعة\rقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: وجوب صلاة الجمعة، وقد حكى بعض العلماء الإجماع على كونها على الأعيان، وللوجوب مآخذ:\rالمأخذ الأول: وجوب المشي إليها، وما ذاك إلا للصلاة واستماع الخطبة، والأمر ظاهر في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهو يقتضي الوجوب.\rتنبيه: السعي صفة لما فوق المشي العادي، ما لم يصل إلى حدّ السّرعة المنهي عنها، والأمر بهذه الصّفة مندوب إليه، لكنه يقتضي إيجاب المشي؛ لأنّ الأمر بالصّفة على سبيل النّدب يقتضي وجوب الفعل التي هي فيه، وهذا مذهب الحنابلة، ومثله الأمر بالمبالغة في الاستنشاق، وتلك الصفة مندوب إليها، لكنها تقتضي إيجاب الاستنشاق.\rويرى عدد من العلماء أن المراد بالسّعي هنا: التسبب والعمل، لا السعي على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167521,"book_id":1216,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":175,"body":"الأقدام، ونسبه القرطبي إلى الجمهور (¬١)، والمعنى: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتّطهر، والتوجه إليه؛ لأنّ السعي بالأقدام مكروه؛ لقوله ﵊ (إذا أقيمت الصّلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون) (¬٢).\rقلت: ويؤيد هذا القراءة الشاذة (فامضوا إلى ذكر الله) (¬٣).\rوقد ذكر ابن الفرس أن السعي في كلام العرب لفظ يحتمل الجري، كقوله ﵊ (فلا تأتوها وأنتم تسعون) ويحتمل المشي من غير جري كالآية (¬٤).\rواحتج ابن شهاب بما كان يقرأ به عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄ من قراءة (فامضوا إلى ذكر الله)، ثم ذكر خلاف العلماء في حمل القراءة التي لم تثبت في المصحف هل تجري مجرى الخبر مطلقًا سواء أسندت أم لا؟ أو يشترط إسنادها إلى النّبي ﷺ، ثم ذكر أن البعض حمل احتجاج ابن شهاب بقراءة عمر على جهة التّفسير من عمر، وهو من أهل اللسان، ففسر السّعي بأنّه المضي، وقوله في ذلك حجة بلا خلاف بين العلماء (¬٥).\rالمأخذ الثّاني: النّهي عن البيع، بصيغة الأمر التي معناها النهي ﴿وَذَرُوا﴾ والأمر بترك البيع لأجل تحقيق السّعي لصّلاة الجمعة، ويقتضي الأمر هنا وجوب ما ترك من أجله، وهي: صلاة الجمعة.\rقال القرطبي: «والدليل على وجوبها أنها تحرِّم البيع، ولولا وجوبها ما حرَّمته؛","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٠١).\r(¬٢) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيا، برقم (٦٠٢).\r(¬٣) انظر: تفسير الطبري (٢٣/ ٣٨١)، وتفسير عبد الرزاق (٣/ ٣٠٩).\r(¬٤) انظر: أحكام القرآن (١/ ٥٥٦ - ٥٥٧).\r(¬٥) انظر: أحكام القرآن (١/ ٥٥٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167522,"book_id":1216,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":176,"body":"لأنّ المستحب لا يُحرِّم المباح» (¬١).\rتنبيه: اتفق العلماء على تخصيص عموم ضمير الجمع في قوله ﴿فَاسْعَوْا﴾ بالمرأة والمريض والصّبي.\rواختلفوا في المسافر والعبد هل يخرجان من العموم السابق؟ وتفصيل ذلك كتب الفقه.\rتنبيه آخر: النّداء هنا لصلاة الجمعة، وهذا معلوم بالإجماع، واختلفوا بدل عليه اللفظ؟\rقال ابن العربي: «وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة، وهي قوله: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وذلك يفيده؛ لأنّ النّداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة؛ فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام، ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة» (¬٢).\rتنبيه ثالث: حرّم بعض العلماء السّفر يوم الجمعة إذا زالت الشّمس، إذ إنّ ظاهر الآية أنّه ليس بين الزوال قدر يراعى، وقد أمر الله تعالى عند النّداء بالسّعي إلى الجمعة، وترك غير ذلك، فمن سافر في ذلك الوقت فقد خالف الأمر بالسّعي وعصى.\r• الحكم الثاني: مشروعية الأذان لصّلاة الجمعة، وقد سبق في باب الأذان والإقامة.\r• الحكم الثالث: وجوب السّعي للجمعة عند سماع النّداء للمقيم والرّاحل.\rقال المهلب: نص كتاب الله يدل على أن الجمعة تجب على كل من سمع","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٠٧).\r(¬٢) أحكام القرآن (٤/ ٢٤٧ - ٢٤٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167523,"book_id":1216,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":177,"body":"النّداء، وإن كان خارج المصر. قال ابن الفرس: وهو أصحّ الأقوال (¬١).\rومأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ يعمّ الرّاحل والمقيم وقد علق بالسّماع، والشّرط اللغويّ يثبت المشروط عند ثبوته؛ ولأنّه سبحانه جعل النداء علمًا لها.\rتنبيه: لا يشترط في وجوب صلاة الجمعة سماع الندّاء على من كان في البلد، بلا خلاف؛ لأنّه ﷾ أمر بالسّعي للجمعة بمجرد النّداء.\r• الحكم الرابع: أنّ الأذان الذّي يتعلق به ترك البيع ووجوب السّعي، هو الأذان الثّاني، الذّي يرفع حين يجلس الإمام على المنبر، وهو قول الجمهور.\rمأخذ الحكم: أنّ الأحكام تنزل على العرف الشّرعيّ أثناء التّنزيل، والنّداء الثّاني هو الذّي كان مشروعًا حين نزول الآية فتعلق الحكم به.\r• الحكم الخامس: يجب إقامة الجمعة جماعة، واختلفوا في العدد الواجب.\rومأخذ القائل بأنهم ثلاثة: أن الجمع في قوله ﴿فَاسْعَوْا﴾ أقله ثلاث، وقيل: إنّ الآية تقتضي مناديًا، وذاكرًا وهو المؤذن والإمام والإثبات يسعون، فقوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ لا يتناول المثنى، بل هو خطاب للجمع الذّي يسمعون النّداء.\rتنبيه: قال ابن القصار بعد ذكر الأقوال في العدد الواجب قال: «ليس أحد هذه الأقوال أولى من صاحبه، فيجب الرجوع إلى صفة من خوطب في الآية، وأمروا بالسّعي إليها، وهم قول لهم بيع وشراء، فيجب طلب قدم هذه صفتهم، وليسوا إلا من كان لهم مسجد وسوق يطلق عليهم اسم جماعة، فالجمعة واجبة عليهم، كانوا خمسة أو عشرة أو أربعين» (¬٢).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٣/ ٥٥٩).\r(¬٢) أحكام القرآن (٣/ ٥٦٠ - ٥٦١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167524,"book_id":1216,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":178,"body":"• الحكم السادس: وجوب الخطبة ووجوب السماع لها.\rمأخذ الحكم: تفسير الصحابي الجليل ابن عباس ﵄ ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ بخطبة الإمام والصّلاة معه، والأمر بالسّعي لها في الآية للوجوب، فتكون الخطبة واجبة أداءً على الإمام استماعًا على المأموم.\r• الحكم السابع: تحريم البيع وقت الأذان للجمعة، وعدم صحته وسيأتي في كتاب البيع.\rومأخذه النّهي: وهو يقتضي التحريم والفساد.\rقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: اشتراط قيام الإمام على المنبر إذا خطب ووجوب ذلك عليه.\rمأخذ الحكم: قوله تعالى: ﴿قَائِمًا﴾ حال، أي: حال قيامه خطيبًا، وفيها بيان للهيئة التي يجب أن يكون عليها خطيب الجمعة أثناء خطبته. وبينت ذلك سنته ﵊ ومواظبته على ذلك.\rتنبيه: ظاهر الآية أن القيام للخطبة كلها، فلا يجلس بين الخطبتين، وبه أخذ قوم، والجمهور على الجلوس بينهما، لفعل النبي ﷺ وهو بيان للمراد بالآية.\r• الحكم الثاني: اشترط الخطبة في انعقاد صلاة الجمعة، فلا تصح الصّلاة إلا بها، وهو قول الجمهور.\rومأخذ الحكم: ذمّ المولى ﷾ من ترك الخطبة، والواجب هو الذي يذم تاركه شرعًا. كما أنّ النّبي ﷺ لم يصلها إلا بخطبة، ومواظبته ﷺ على ذلك دليل وجوبها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167525,"book_id":1216,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":179,"body":"باب صلاة الخوف\rقال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠١ - ١٠٢]\rسبق في باب صلاة المسافر، ذكر قول العلماء في أن قوله ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ متعلقة بما بعدها لا بما قبلها، وسبب نزولها.\rأمّا ما يتعلق بصلاة الخوف من أحكام مستنبطة من هذه الآية فمنها:\r• الحكم الأول: أجمع العلماء على مشروعية صلاة الخوف؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وقوله في آية البقرة ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] كما سيأتي في الآية الثانية.\rومأخذ الحكم من الآيتين: تعليق الصّلاة بالخوف، بأداة الشرط (إِنْ) والسياق في الخوف من العدو حال القتال، والمشروط يثبت عند ثبوت الشرط.\rومأخذ آخر: الأمر بصيغة (ليفعل) في قوله ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، وهذا أمر بأداء فريضة الصّلاة، في حال الشّدة والبأس وتشريع منه - سبحانه - لصلاة الخوف.\r• الحكم الثاني: مشروعية إقامة صلاة الخوف باقية إلى يوم القيامة وهو قول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167526,"book_id":1216,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":180,"body":"الجمهور، خلافًا لمن قال لا تشرع إلّا مع النّبي ﷺ.\rمأخذ القائل إنّها لا تشرع إلا مع النبي ﷺ مفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، ومفهوم الشرط يقتضي تخصيصه ﷺ.\rوأجيب عنه: بأن اشتراط كونه ﷺ فيهم إنّما ورد لبيان الحكم لا لوجوده، والتقدير: بيّن لهم بفعلك؛ لكونه أوضح من القول كما قاله ابن العربي وغيره.\rقال الشّيخ الشنقيطي: «وردّ عليهم بإجماع الصحابة بعده ﷺ وبقوله ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي) (¬١) وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم» (¬٢).\rوقال ﵀ قبل ذلك: «والاستدلال على خصوصها به ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، استدلال ساقط، وقد أجمع الصحابة ﵃ والمسلمون على ردّ مثله في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]». وسيأتي شيء من التفصيل في هذا في كتاب الزكاة.\r• الحكم الثالث: استدل بالآية على مشروعية إقامة صلاة الخوف جماعة، على خلاف بين العلماء، فمن قائل: إنّها واجبة، وقائل: إنّها مستحبة.\rومأخذ القائل بالوجوب هو: قوله ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فالأمر في قوله ﴿فَلْتَقُمْ﴾ مع حرف المعية ﴿مَعَكَ﴾ الذي يقتضي الجمعية، وسبق ذكر شيء من ذلك في باب صلاة الجماعة.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري، وقد سبق.\r(¬٢) أضواء البيان (١/ ٢٦٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167527,"book_id":1216,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":181,"body":"قال الشيخ محمد الأمين ﵀: «آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة; لأنّ الأمر بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمر لازم; إذ لو كانت غير لازمة لما أمر بها في وقت الخوف; لأنه عذر ظاهر» (¬١).\rأمّا القائل بالاستحباب، فقالوا: ليست واجبة في الأمن، فمن باب أولى عدم وجوبها حال الخوف، والصارف عندهم لأوامر الشارع بإقامة الصّلاة جماعة، أحاديث منها قوله ﵊ (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة) (¬٢).\r• الحكم الرابع: دلّت الآية الكريمة على كيفية صلاة الخوف.\rمأخذ الحكم: أمر الله المولى ﷾ نبيه ﷺ بكيفية معينة، بقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية، فدلّ الأمر ﴿فَلْتَقُمْ﴾ على مشروعية الصّلاة بصفة خاصّة، وجاءت السّنة وفعله ﵊ بيانًا لها.\rقال ابن العربي: «ثبت عن النّبي ﷺ أنه صلى صلاة الخوف مرارًا عدّة بهيئات مختلفة، فقيل في مجموعها أربع وعشرون صفة ثبت فيها ست عشر صفة» (¬٣).\rقال الشيخ محمد الأمين: «وهيئات صلاة الخوف كثيرة، فإن العدو تارة يكون إلى جهة القبلة، وتارة إلى غيرها، والصلاة قد تكون رباعية، وقد تكون ثلاثية، وقد تكون ثنائية، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم القتال، فلا يقدرون على الجماعة بل يصلون فرادى رجالا وركبانا مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، وكل هيئات صلاة الخوف الواردة في الصّحيح جائزة، وهيئاتها، وكيفياتها مفصّلة في كتب","footnotes":"(¬١) أضواء البيان (١/ ٤٢٠).\r(¬٢) متفق عليه، وقد سبق تخريجه.\r(¬٣) أحكام القرآن (١/ ٦١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167528,"book_id":1216,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":182,"body":"الحديث والفروع» (¬١).\r• الحكم الخامس: دلّت الآية على وجوب حمل السلاح.\rمأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾.\rومأخذ آخر: لم يرخص المولى ﷾ وضع السلاح إلّا للمريض ومن كان به أذى، ونفي الحرج والإثم عن واضع السلاح دليل على أن الأصل هو وجوب حمله.\rتنبيهان:\rالأوّل: اختلف العلماء في الوجوب السابق في حمل السلاح على من يكون؟ هل هو على الطائفة التي تحرس، أو على المصلية أو عليهما جميعًا؟\rوسبب الخلاف: في عود الضمير في قوله ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ يعود على مَنْ؟\rالثاني: قال الموزعي: «وليس المراد بأخذ السلاح ملازمة حمله وتناوله، بل المراد إما حمله أو وضعه قريبا بحيث يمكن المجاهد تناوله على قرب وسهولة، ويكون حذرًا، كما قال الله تعالى عند وضع السلاح للعذر: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾» (¬٢).\rقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]\rسبق ما يتعلق بمشروعية صلاة الخوف، ومن الأحكام المستنبطة من هذه الآية.\r• الحكم الأول: لا يشترط التوجه للقبلة حال المسايفة وشدّة القتال.\rمأخذ الحكم: لم يذكر المولى ﷾ الشّرط في هذه الآية","footnotes":"(¬١) أضواء البيان (١/ ٢٥٤).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٢٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167529,"book_id":1216,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":183,"body":"ومأخذ آخر: القراءة الواردة عن عمر بن الخطاب وهي قوله: (فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا مستقبل القبلة أو غير مستقبليها) (¬١)، وهي قراءة شاذة، وهي حجة، إذا قرأها قارئها على أنها قرآن وحجة إذا قالها تفسيرًا؛ لأنّ تفسير الصّحابي حجة.\rوقيل: إنّها ملحقة بخبر الآحاد على تفصيل عند الأصوليين، وجعلها الموزعي من تفسير ابن عمر ﵄، وقال: بأنّ أكثر العلماء على العمل بهذا التّفسير (¬٢)، ونقل عن نافع قوله: (لا أرى عبد الله ذكر ذلك إلّا عن رسول الله ﷺ. رواه البخاري عند تفسير الآية (¬٣).\r• الحكم الثاني: جواز ترك الجماعة والصّلاة فردى، ورجالًا أو ركبانًا، حال شدّة الخوف.\rرجالًا: أي: مشاة على أقدامكم. وركبانًا: على ظهور دوابكم.\rومأخذ الحكم: منطوق الآية، ومفهوم شرطها (إن خفتم) أن ذلك لا يجوز إلّا في حال الخوف وشدّته.\rفوائد:\rالأولى: ذهب بعض العلماء إلى أن صلاة الخوف لا تختص بخوف القتال بل تعمّ كل خوف؛ لأنّه ﷾ علّق صلاة الخوف على مطلق الخوف فيؤخذ بعمومه.\rقال ابن الفرس: «وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ يقتضي أنواع الخوف، خوف عدو يتبعه، أو خوف سبع يطلبه، أو خوف سيل يحمله، وبالجملة فكل أمرٍ يخاف منه على وجه يبيح ما تضمنت هذه الآية» (¬٤).","footnotes":"(¬١) عند البخاري، وسبق تخريجها.\r(¬٢) تيسير البيان (٢/ ١٢٨).\r(¬٣) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ برقم (٤٢٦١).\r(¬٤) أحكام القرآن (١/ ٣٧٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167530,"book_id":1216,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":184,"body":"الثانية: استدل الأصوليون بالآية على جواز النسخ إلى الأثقل، وهو جواز نسخ القرآن للسّنّة.\rوبيان ذلك: أنّ السّنّة بينت أن الصّلاة حال الخوف تؤخر، كما في تأخير النّبي ﷺ صلاة العصر يوم الخندق حتى غربت الشمس، والآية ناسخة لها عند من يقول ذلك، كما أن الجمع بين الصّلاتين، وتأخير الصّلاة الأولى أسهل من الصّلاة حال شدّة الخوف.\rالثالثة: جعل بعض الشّافعية الصّلاة ركبانًا ورجالًا من مستثنيات قاعدة: النادر إذا لم يَدُم يقتضي الفساد، وحال المسايفة لن تدوم، ومن ثَمَّ الأصل فيها الخوف أنّها مفاد اختلاف أركانها، على أنّ الشّافعي ﵀ كان يقول: إذا تابع الطعن والضرب فسدت الصّلاة؛ لأنّها لا تكون حينئذ صلاة، وإنّما تكون محاربة.\rقال ابن العربي: «يا حبذا الفرضان إذا اجتمعا» (¬١).\rالرابعة: قال بعض العلماء لا يجوز لمن ولى دبره أن يترخص برخص المقبلين بأرواحهم للدّفاع عن الدّين؛ فالرخص لا تناط بالمعاصي.\r\rباب صلاة العيدين\rقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]\rاستدل بها أبو حنيفة على وجوب صلاة العيدين.\rومأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَصَلِّ﴾ وهو يقتضي الوجوب\rوذهب الجمهور أن الأمر بالصّلاة مطلق، فيدخل فيه فيتناول المكتوبة والنافلة، وللعلماء أقوال أخرى.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (١/ ٦٢٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167531,"book_id":1216,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":185,"body":"ويؤيد ما ذهب إليه الحنفية الأمر بالنّحر بقوله ﴿وَانْحَرْ﴾ ولا يستقيم تفسير النحر في الآية بغير الذّبح؛ لأنّ وقوع الأمر بعد الأمر بالصّلاة دلالة على أن المراد به نحر الأضحية بعد صلاة العيد.\rقال ابن كثير: «والصّحيح القول الأول أن المراد بالنّحر ذبح المناسك؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول: (من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك)» (¬١). والحديث في الصحيح، وتمامه (ومن نسك قبل الصّلاة فلا نسك له) (¬٢).\rقال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]\rاستدل جمهور أهل العلم على التّكبير في آخر رمضان.\rقال القرطبي: «ومعناه الحض على التّكبير في آخر رمضان في قول جمهور أهل التأويل» (¬٣).\rومأخذ الحكم: هو أن الحض من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على الطّلب.\rوقد نقل القرطبي قولًا فيه احتمال أن تكون اللام لام الأمر، والتقدير: فعل الله ذلك ليسهل عليكم ولتكملوا العدّة (¬٤).\rإذًا مأخذ المشروعية عطف الأمر على الأمر؛ ولذا ورد عن ابن عباس ﵄ قوله: (حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبِّروا) (¬٥).","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٨/ ٥٠٣) ت السلامة.\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب العيدين، باب الأكل يوم النحر، برقم (٩١٢).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٠٦).\r(¬٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٠٥).\r(¬٥) البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٢٠٣)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167532,"book_id":1216,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":186,"body":"قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]\rوقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]\rاستدل به من قال بمشروعية التّكبير يوم العيد.\rقال ابن العربي: «والحقيقة فيه أن يوم النّحر معدود بالرمي معلوم بالذبح» (¬١). فأدخل يوم العيد في الأيام المعدودات، والأيام المعلومات الواردة في الآية.\rومأخذ الحكم: هو الأمر في قوله ﴿وَاذْكُرُوا﴾ وهو دليل المشروعية، ولا خلاف بين العلماء في أن يوم النّحر، وهو يوم عيد الأضحى من الأيام المعلومات، وهو المراد بآية الحجّ، وكذا بعده يومان، أمّا الرّابع فليس فيه ذبح، فلا يدخل في الأيام المعلومات الواردة في الآية؛ لقوله ﵊ (أيام منى ثلاثة) (¬٢) فكانت هي المعلومة.\rفائدة: والخلاف في المراد بالأيام المعدودات، والأيام المعلومات مذكور في كتب التّفسير مع الاتفاق على أن الأيام المعدودات في آية البقرة هي: أيام منى، وهي أيام التّشريق.\rواختلفوا في يوم النحر هل هو معدود؟\rقال القرطبي: « … وليس يوم النّحر منها؛ لإجماع النّاس أنّه لا ينفر أحدٌ يوم","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (١/ ١٩٩).\r(¬٢) أخرجه أبو داود أول كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة، برقم (١٩٤٩)، والترمذي في كتاب الحج عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، برقم (٨٨٩)، والنسائي في كتاب مناسك الحج، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، برقم (٣٠٤٤)، وابن ماجه كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، برقم (٣٠١٥) قال الشيخ الألباني: صحيح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167533,"book_id":1216,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":187,"body":"النفر، وهو ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم النفر؛ لأنه قد أخذ يومين من المعدودات» (¬١).\rوالآية ذكرت ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ونقل عن نافع عن ابن عمر ﵄ قوله: (أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات، يجمعها أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده؛ فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود لا معلوم).\r\rباب صلاة الاستسقاء\rالاستسقاء في اللغة هو: استفعال من طلب السُّقيا.\rوفي الشّرع: طلب سقيا العباد من الله تعالى عند حاجتهم إليها\rقال القرطبي: «الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر» (¬٢).\rقال تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠]\rمشروعية الاستسقاء، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنّما الخلاف في هل تسنُّ له صلاة أم لا؟ أو يكتفى بالدّعاء فقط، كما سيأتي.\rومأخذ المشروعية: كونه شريعة من قبلنا، وجاء في شريعة محمد ﷺ ما يدلّ على ذلك، وقد وقع الجماع على ذلك كما سبق.\rكما أنّه ﷾ نصّ استسقاء موسى ﵇، ولم يتعقبها بشيء، مما يدلّ على موافقتها لشرعنا؛ إذ لو كان فيها شيء غير موافق لشرعنا لبيّنه ﷾، وهي من حجج","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٤١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167534,"book_id":1216,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":188,"body":"من قال: بأنّ شريعة من قبلنا شريعة لنا.\rيقول ابن القيم: في قصة موسى ﵇ عند استدلال الشّاهد بقرينة قدِّ القميص من دبرٍ على صدقه وكذب المرأة: « … وحكاه الله ﷾ حكاية مقرر له غير منكر، والتأسي بذلك وأمثاله في إقرار الله له، وعدم إنكاره، لا في مجرد حكايته؛ فإنه إذا أخبر به مقرًا عليه، ومثنيًا على فاعله ومادحًا له، دلّ على رضاه به وأنّه موافق لحكمه ومرضاته، فليتدبر هذا الموضع، فإنه نافع جدا» (¬١).\rقال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢] ونحوه في [نوح: ١٠ - ١١] وهو قوله سبحانه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١].\rاستدل أبو حنيفة بالآيتين على عدم سنية صلاة الاستسقاء، بل المشروع فيها الدعاء، مستدلين بعدم ذكر الصّلاة، بل الأمر بالاستسقاء فقط، وأيدوا ذلك\r-أيضًا- بالأحاديث التي جاء فيها استسقاء النبي ﷺ بدون ذكر الصّلاة، ومنها ما أخرجه البخاري في باب الاستسقاء وخروج النبي ﷺ، وفيه: (خرج النبي ﷺ يستسقي وحوَّل رداءه) (¬٢) وكذا استسقاؤه وهو على المنبر.\rوأمّا الجمهور فقد استدلوا بما ورد في الصّحيحين من صلاته ﷺ ركعتين، وفيه: (خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو وحوَّل رداءه، ثمّ صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة) (¬٣).\rولذا قال العلماء لا تشترط الصّلاة في الاستسقاء، فقد يكتفى بالدّعاء فقط.","footnotes":"(¬١) زاد المعاد (٣/ ١٣٥ - ١٣٦).\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء وخروج النبي ﷺ في الاستسقاء، برقم (٩٦٠).\r(¬٣) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء، برقم (٩٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167535,"book_id":1216,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":189,"body":"مأخذ الحكم: إذا علم بأنّ الدعاء استسقاء، فيكون مأخذ المشروعية الأمر بقوله ﴿اسْتَغْفِرُوا﴾ كما أن جعل الفعل -وهو الدّعاء والاستسقاء- سببًا في حصول مطلوب المكلف ومرغوبه، وهو -نزول الغيث- هذا الأسلوب من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على المشروعية والدائرة بين الوجوب والنّدب.\rقال العزّ بن عبد السّلام: « … أو وعد عليه بخير عاجل، أو أجل فهو مأمور به، لكنه مردد بين النّدب والايجاب» (¬١).\rفالواجب والمندوب هما اللذان يثاب عليهما المكلف، وقد جعل ﷾ إرسال الماء سببًا من أسباب الاستغفار. وقد جُزِم الفعل (يرسلْ) في الآيتين؛ لكونه جواباً للأمر.\rقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦].\rاستدل بالآية على مشروعية الاستسقاء، وأن الإيمان والتقوى وأعمال الخير، سبب لنزول المطر، وأن المعاصي سبب للقحط.\rومأخذ الحكم: الجملة الشّرطية في الآية، وثبوت المشروط عند ثبوت الشّرط.\rقال الهرري: «﴿وَلَوْ﴾ الواو: استئنافية، (لو) حرف شرط … ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ اللام: رابطة لجواب (لو)» (¬٢).\rقال القرطبي: «وهذا في أقوام على الخصوص جرى ذكرهم؛ إذ قد يمتحن المؤمنون بضيق العيش ويكون تكفيرًا لذنوبهم. ألا ترى أنه أخبر عن نوح إذ قال لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١] وعن","footnotes":"(¬١) الإمام في بيان أدلة الأحكام (٢٧٥).\r(¬٢) حدائق الروح والريحان (١٠/ ٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167536,"book_id":1216,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":190,"body":"هود ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢]. فوعدهم المطر والخصب على التّخصيص. يدلّ عليه ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي كذبوا الرسل. والمؤمنون صدقوا ولم يكذبوا» (¬١).\rقال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]\rقال القرطبي: «﴿مَاءً غَدَقًا﴾ أي: واسعًا كثيرًا، وكانوا قد حبس عنهم المطر سبع سنين» (¬٢).\rوقد استدل بالآية على مشروعية الاستسقاء، وأن الاستقامة على الطّريقة - طريق الحق والإيمان والهدى - سببٌ من أسباب نزول المطر.\rومأخذ الحكم: ما سبق في الآية السّابقة من ثبوت المشروط عند ثبوت شرطه.\rوأداة الشّرط (لو) وجوابه (أسقيناهم).\rفائدة: قيل: إنّ قوله: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾ المراد به «لَوَسَّعْنَا عليهم الدّنيا، وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلًا؛ لأنّ الخير والرزق كله بالمطر يكون، فأقيم مقامه». قاله القرطبي (¬٣).\rونقل قبل ذلك عن عمر بن الخطاب قوله في هذه الآية: (أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة) (¬٤). اه.\rوقد قال ﷾ في الآية التي تليها ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٥٣).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٨).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٨).\r(¬٤) تفسير الطبري (٢٣/ ٦٦٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٨١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167537,"book_id":1216,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":191,"body":"باب اللباس\rاللباس - بكسر اللام - ما يُلبس، وجمعه لُبُس، ككتاب، وكُتُب. ولباس كل شيء: غشاؤه.\rقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]\rاستدل بالآية على مشروعية ستر العورة، والتّزين باللباس، والتّجمل به.\rمأخذ الحكم: ورد لفظ ﴿لِبَاسًا﴾ منكرًا في سياق الامتنان، والامتنان دليل المشروعية، فلا يمتن ﷾ على عباده إلا بما هو مشروع مباح لهم.\rكما أن النكرة في سياق الامتنان تعمّ، فتعمّ كل ما يقصد به اللباس من منافع، وقد ذكرت الآية مقصدين وهما: ستر العورة، والتزين، وذكر في أية النّحل الوقاية من الحر.\rكما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، والمراد بالسرابيل هنا: القُمص، واحدها سرابيل.\rقال الرّازي: «الريش: لباس الزينة، استعير من ريش الطائر؛ لأنه لباسه وزينته، أي: أنزلنا عليكم لباسين، لباسًا يواري سوآتكم، ولباسًا يزينكم؛ لأن الزينة غرض صحيح كما قال تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وقال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦]» (¬١).\rتنبيه: ذكر ﷾ في الآية نوعين من أنواع اللباس، اللباس الحسيّ، وهو: الثياب، واللباس المعنويّ وهو: التقوى.","footnotes":"(¬١) التفسير الكبير (١٤/ ٢٢١ - ٢٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167538,"book_id":1216,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":192,"body":"قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩]\rاستُدل بالآية على جواز كشف الأمة رأسها في الصّلاة، حيث أمر ﷾ الحرائر بأن ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وعلل ذلك بقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أي: لأجل أن يُعرف أنهن حرائر، ولسن إماء، فلا يتعرض لهن الفساق بالأذى.\rومأخذ الحكم: مفهوم ما سبق، ومفهومه أن الإماء لهن إلقاء الجلابيب وكشف شعورهن ووجوههن مطلقًا، أي: داخل الصّلاة وخارجها.\rونوقش: بأن هذا المفهوم يصحّ لو صح تخصيص قوله ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالحرائر، وتخصيصها بالحرائر ليس له دليل. والأصل دخول الإماء في الخطاب الموجه للحرائر.\rثمّ إنّ التعليل المذكور ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ يشمل الحرائر والإماء.\rقال أبو حيان في تفسيره: «والظاهر أن قوله ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر؛ لكثرة تصرُّفهن، بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح» (¬١).\rوقد حمل العلماء قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أي: أن يعرفن بأنّهن من العفائف المحصنات الطيبات، ويتميزن عن سمات الجاهلية، فلا يتعرض لهن الفساق بالأذى.\rثمّ إنّه يلزم من المفهوم السابق، بحمل الآية على الحرائر دون الإماء، يلزم منه","footnotes":"(¬١) البحر المحيط (٨/ ٥٠٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167539,"book_id":1216,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":193,"body":"جواز إطلاق الفساق على إماء المسلمين، وتعرضهم لهن بالأذى، ولا خلاف بين العلماء أن تحريم الزّنا بالأمة كتحريمه بالحرّة، وأنّ الحدّ على الزّاني بالأمة كالحدّ على الزّاني بالحرّة، وأن تعرض الأمة بالأذى محرم كتعرض الحرّة بالأذى.\rقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]\rاستدل بالآية على جواز استعمال ما يرد إلينا من بلاد الكفار من الثياب والمفارش والأغطية والبسط وغيرها، مما يصنع من الصّوف أو الشّعر أو الريّش (¬١).\rمأخذ الحكم: أن السياق سياق امتنان، ولا يمتن ﷾ إلّا بما هو طاهر وجائز الانتفاع به، كما أن سياق الامتنان يقتضي التّعميم، فيعم شعر المذكاة والميتة إلا ما منعه الدليل (¬٢).\rوالقول بأن الشعر والصوف والريش من الميتة طاهر إذا جُزَّ، هو قول الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (¬٣)؛ لكون الأصل طهارتها قبل الموت بإجماع، فيستصحب هذا الأصل، ومن زعم أنه انتقلت إليها النجاسة فعليه الدليل (¬٤).\rوعلى هذا الأصل، وكون الأصل في الأشياء الإباحة يمكن استصحاب ما يرد إلينا من بلاد الكفر من الثياب والمفارش والأغطية والبسط وغيرها.","footnotes":"(¬١) ينظر: شرح عمدة الفقه د. عبد الله بن عبد العزيز الجبرين (٤٤١)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (١٦).\r(¬٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/ ١٥٥).\r(¬٣) ينظر: البحر الرائق (١/ ١١٥)، ومواهب الجليل (١/ ١٢٦)، والشرح الكبير (١/ ٧٤)، والشرح الممتع (١/ ٩٣).\r(¬٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/ ١٥٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167540,"book_id":1216,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":194,"body":"قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: مشروعية أخذ الزّينة في الصّلاة، سواء كان في المسجد أو في بيته، وهذا مبني على أنّ الزينة بقوله ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي: عند كل موضع سجود، فالمراد إذًا عند كل صلاة؛ إذ الصلاة هي المقصود الأعظم من حضور المسجد، وقد ورد في الحديث: (إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإنّ الله أحق من تُزين له) (¬١).\rمأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله ﴿خُذُوا﴾ والأمر بأخذ الزّينة يتناول الأمر بستر العورة، وستر ما جرت العادة بستره من البدن.\rتنبيه: اختلف العلماء في الزّينة المقصودة بالآية. فقيل: المراد بها ستر العورة، وحمل الأمر على الوجوب، وهذا ما سبق ذكره في شروط الصلاة.\rوقيل: إنّ المراد بها الزّينة الظاهرة، من الرّداء والإزار، وما زاد على ستر العورة من اللباس، وحملوا الأمر في الآية على الوجوب، وبعضهم على النّدب، كما سيأتي.\rتنبيه آخر: سبب قصر بعض العلماء الزّينة في الآية على ستر العورة؛ لأجل سبب النزول، وما كان من عادة العرب في الجاهلية من التّعري في الطّواف، كما أن الأصل في الأمر حمله على الوجوب، والواجب هو ستر العورة فقط.\rوغيرهم: أخذ بعموم اللفظ، فالزّينة تشمل كذلك الملبس الحسن، ويجوز عند العلماء حمل الأمر الواحد على الوجوب والندب معًا، كقوله ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]، والخير منه الواجب ومنه المندوب.","footnotes":"(¬١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢١)، والطبراني في المعجم الأوسط (١/ ٢٨/ ١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٦)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧) برقم (١٣٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167541,"book_id":1216,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":195,"body":"وهذا الأمر أريد به الواجب في الواجبات، والمستحب في المستحبات، فالأمر عامّ في كل ما يتناوله لقيام المقتضى للعموم - قاله ابن تيمية (¬١).\r• الحكم الثاني: على القول بأن لفظ الزينة في الآية يشمل ما زاد على ستر العورة في الصلاة - من الثياب الساترة، أو ما يتجمل به - فقد وقع الخلاف في حكم هذه الزينة.\rفذهب قوم إلى وجوب أخذها، أي الثياب الساترة، أو ما يتجمل به، حتى أوجبوا على المرأة أن تصلي بالقلادة والقرطين.\rومأخذ القائلين بالوجوب: ظاهر الأمر في قوله ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ مع تفسير الصحابة للزينة بما يشمل ستر العورة وغيرها.\rوذهب جمهور أهل العلم إلى كون ما زاد على ستر العورة مندوباً وليس بواجب.\rومأخذ الحكم: كون الأمر مصروفاً من الوجوب إلى الندب، والصارف في ذلك كونه من باب الحمل على الآداب ومكارم الأخلاق، وقد سبق.\r• الحكم الثالث: ذهب جمهور أهل العلم إلى القول بأن أخذ الزينة الوارد في الآية مشروع، وجوباً أو ندباً للصلاة - على الخلاف السابق - سواء كان في مسجد أو غير مسجد.\rومأخذ الحكم: هو أن المراد بقوله ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي عند كل صلاة، فالأمر بأخذها للمسجد هو لأجل ما يقام فيه، ومنها الصلاة، وإذا وجبت الزينة للصلاة في المسجد وجبت لكل صلاة.","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٦٦)، (١٦/ ٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167542,"book_id":1216,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":196,"body":"قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]\rاستدل بها على وجوب تطهير الثياب، وسبق ذكر الخلاف في المقصود بالثياب، وكون طهارة الثياب الحسيّة من شروط الصّلاة في باب شروط الصّلاة.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله ﴿فَطَهِّرْ﴾ والأصل حمله على الوجوب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167543,"book_id":1216,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":197,"body":"كتاب الجنائز\rقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].\rوقوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤].\rوالآيتان مرتبطتان ببعضهما حكمًا؛ لذا أحال القرطبي أحكام الأولى إلى الآية الثانية.\rوقد ثبت في الصّحيحين (أنّه لما توفي عبد الله بن أبيّ بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ: إنّما خيرني الله تعالى فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وسأزيده على السبعين.\rقال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ فترك الصلاة عليهم (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، برقم (٤٣٩٣)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب، برقم (٢٧٧٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167544,"book_id":1216,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":198,"body":"وقد استنبط العلماء من الآيتين أحكامًا:\r• الحكم الأول: عدم جواز الصّلاة على الكافر.\rمأخذ الحكم: النهي بقوله ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ والنهي يقتضي التّحريم، وفساد العبادة، وعدم جواز الصلاة عليهم حكم مجمع عليه.\rتنبيه: يؤخذ من مفهوم النهي عن الصلاة على الكافر، جواز الصّلاة على المؤمن فتكون مشروعية صلاة الجنازة ثابتة بالقرآن، وذلك عند من يقول بحجية مفهوم المخالفة.\rولا خلاف بين العلماء في مشروعية الصّلاة على المؤمن، وهي ثابتة بالسّنة والإجماع.\r• الحكم الثاني: أن صلاة الجنائز صلاة شرعية كسائر الصلوات؛ وهو مذهب الشافعية والحنابلة، بخلاف من قال: إنّها ليست صلاة شرعية، وإنّما هي الدعاء؛ وهو مذهب الحنفية والمالكية.\rومأخذ القائلين بأنّها صلاة شرعيّة: هو ورود المصطلح (صلاة) في سياق النهي، وما كان كذلك، فإنّه ينصرف إلى العبادة الشّرعية، بخلاف ورودها في سياق الإثبات، فيحتمل إرادة المعنى اللغوي وهو: الدعاء والاستغفار.\rفصلاة الجنازة داخلة في عموم الصّلاة الشّرعية، فتكون كذلك.\rويترتب على هذا الخلاف مسائل: منها: اشتراط قراءة الفاتحة فيها.\rقال ابن قدامة: «ثم هو داخل في عموم قوله ﵇: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأمّ القرآن) (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم، وقد سبق.\r(¬٢) المغني (٢/ ٣٦٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167545,"book_id":1216,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":199,"body":"ويترتب على الخلاف كذلك مشروعية التّسليم لها، سواء تسليمتان أو واحدة، وكذلك النهي عن صلاتها في أوقات النّهي، وأنّ المسبوق يُكبِّر حين يحضر ويكون مدركًا للتكبيرة التي أدركها الإمام عليها، ويصلي عليها في المسجد، وهل يشترط لها الطهارة الحقيقية والحكمية، واستقبال القبلة وستر العورة أو لا، كل ذلك قياسًا على سائر الصلوات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167546,"book_id":1216,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":200,"body":"كتاب الزكاة\rقال تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: وجوب الزكاة، وكونها ركناً من أركان الإسلام، ومن الأمور المعلومة من الدّين بالضرورة.\rمأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله ﴿وَآتُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب اتفاقًا.\rتنبيه: الإيتاء: الإعطاء. أتيته: أعطيته، قال تعالى: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥].\r• الحكم الثاني: الأمر بالآية يعم جميع أنواع الزكوات من مال، ومن ذهب وفضة وعروض تجارة، وبهيمة أنعام سائمة، وزروع على تفصيل وشروط بينتها السنة، وعلى هذا فالزكاة في كتاب الله مجملة بينها النّبي ﷺ.\rومأخذ الحكم: صيغة العموم، وهي التّعريف بأل غير العهدية في قوله: ﴿الزَّكَاةَ﴾.\rويدخل في العموم أيضًا: صدقة الفطر، وقد حمل الإمام مالك الآية عليها.\rوالجمهور على أن المراد بها الزكاة لمقارنتها بالصّلاة قاله القرطبي (¬١).\r• الحكم الثالث: استدل بعض الحنفية بالآية على عدم وجوب الزكاة في مال الصّبي.","footnotes":"(¬١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167547,"book_id":1216,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":201,"body":"ومأخذ الحكم: دلالة الاقتران، حيث قرن المولى هنا بين الصّلاة والزّكاة، والصّلاة لا تجب على الصّبي فكذا الزّكاة.\rوهذا القول مبني على القران بين الجملتين لفظًا يقتضي التّسويّة في غير المذكور حكمًا؛ لأنّ العطف يقتضي الشّركة.\rوالجمهور على أنّه لا يقتضي التّسويّة في غير المذكور حكمًا؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فعطف واجبًا على مباح.\rتنبيه: الذّي في كتب الحنفية تخصيص ذلك بالجمل النّاقصة نحو قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فهما كجملة واحدة، والإشهاد في المفارقة غير واجبة، وكذا الإمساك والمفارقة بمعروف، بخلاف قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فإنّ كلًا من الجملتين مستقلة بنفسها، فلا يقتضي ثبوت الحكم في إحداهما ثبوته في الأخرى.\rتنبيه: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ مجمل من جهة مقدار المخرج، وقد بينه النّبي ﷺ بقوله (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (¬١)، وبقوله (ليس في أقل من خمس أواق صدقة) (¬٢)، وبقوله (في كل أربعين شاة شاة) (¬٣)، فبينت السنة أنصبة الزكاة، وسيأتي ذكر بعضها.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب زكاة الورق، برقم (١٣٧٨)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب، برقم (٩٧٩).\r(¬٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٥٩)، برقم (١١٥٨٨) بتعليق شعيب الأرنؤوط وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين.\r(¬٣) أخرجه الترمذي في أبواب الزكاة عن رسول الله ﷺ، باب والغنم زكاة الإبل، برقم (٦٢١)، وأبو داود في كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم (١٥٦٨)، وصححه الألباني في الجامع الصغير (٤٢٦١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167548,"book_id":1216,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":202,"body":"قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: الانفاق منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، وقد اختلف العلماء في المراد بالإنفاق الوارد في الآية.\rفقيل: هو الزّكاة المفروضة. وقيل: صدقة التطوع. وقيل: لهما جميعًا.\rومأخذ الخلاف: يرجع في دلالة صيغة الأمر ﴿أَنْفِقُوا﴾ فمن قال بأنّها على أصلها وظاهرها، فقال بوجوب الإنفاق، والواجب هو الزّكاة المفروضة، وتحمل الآية عليها.\rوأيدوا قولهم بالنّهي الوارد في سياق الآية عن الإنفاق من الرّديء -كما سيأتي- والنّهي خاص بالواجب، فنهى ﷾ عن إنفاق الرّديء فيها بدل الجيد.\rأمّا التّطوع فللمرء أن يتطوع بالنازل في القدر.\rأمّا القائل بأنّ الأمر للنّدب، فصرفه عن الوجوب بسبب نزول الآية، -كما سيأتي-.\rقال القرطبي: «والرّديء منهي في النفل كما هو منهي عنه في الفرض، والله أحق من اخْتِيرَ له» (¬١).\rومأخذ القائل بأنّ الإنفاق للفرض والتّطوع: عموم اللفظ في قوله: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ و ﴿مَا﴾ اسم موصول دالّ على العموم، والعبرة به لا بسبب النّزول.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167549,"book_id":1216,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":203,"body":"وما كسب العبد منه ما يجب فيه الزّكاة، ومنه ما لا يجب فيه الزكاة، وما لا يجب فيه الزّكاة، يستحب الإنفاق من الطيب منه.\r• الحكم الثاني: إيجاب الزّكاة في عروض الكسب.\rمأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ وظاهره للوجوب.\r• الحكم الثالث: وجوب الزكاة، مما أخرجت الأرض من غير المقتات وغيره، أي: من النّبات والمعادن والرّكاز.\rمأخذ الحكم: العطف الوارد في قوله: ﴿وَمِمَّا﴾ وهي معطوفة على الأمر في قوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ والعموم في صيغة (ما) الموصولة.\r• الحكم الرابع: أنّ الزّكاة تجب في الخارج القليل من الأرض والكثير، وفي سائر الأصناف.\rمأخذ الحكم: ما سبق من العموم الوارد بصيغة (ما) الموصولة، ثم إنّ السّنة بيَّنت مقدار الزّكاة في الخارج، كما سيأتي في آية الأنعام.\r• الحكم الخامس: وجوب الإنفاق من الطّيب، وحرمة الإنفاق من الخبيث.\rوفُسِّر الطّيب بالجيد، والخبيث بالرّديء، وعليه الجمهور ويدلّ عليه سبب نزول الآية.\rقال البراء بن عازب ﵁: (نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرّجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرّجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصّفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط من البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير، يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله ﵎:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167550,"book_id":1216,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":204,"body":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قالوا: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى، لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده) (¬١).\rمأخذ الحكم: أمّا وجوب الإنفاق من الطّيب فللأمر في قوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ مع مفهوم الصفة في قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ وهو أنّه لا يجوز الإنفاق من غير الطّيب، وهو الرّديء على ما سبق تفسيره.\rوأمّا حرمة إنفاق الخبيث، فللنهي الوارد بقوله ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.\rومفهومه: أن المال إن كان جميعه رديئًا جاز الإنفاق منه؛ لعدم حصول التيمم في ذلك، أمّا إن كان بعضه جيدًا وبعضه رديئًا، فلا يجوز القصد للخبيث.\rهذا إذا حُمِل النهي على أصله وهو التّحريم، وقيل: هو للكراهة؛ لأنّ الخبيث فيه الرديء لا الحرام.\rوقيل: إنّ السياق يدلّ عليه؛ لأنّه ﷾ حثهم على إنفاق أطيب أموالهم، لا أنه يحرم عليهم إنفاق الخبيث من التّمر أو الشّعير من القوت، وإن كانوا يقتاتون ما فوقه، وهذا إنما نزل في الأقناء التي كانت تعلق في المسجد فكانوا يعلقون، الحشف. قال الصيرفي: بعد أن ذكر ما سبق: فالمراد بالخبيث هنا الأردأ.\rقلت: ولا يستبعد أن يكون الصارف هنا من التّحريم للكراهة؛ كونه من الآداب ومكارم الأخلاق.","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب ومن سورة البقرة، برقم (٢٩٨٧) قال الشيخ الألباني: صحيح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167551,"book_id":1216,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":205,"body":"قال الموزعي: «ولما أمرنا الله سبحانه بالإنفاق من طيبات ما كسبنا، ونهانا عن تيمّم الخبيث، استدللنا بهذا على أن كل خبيث ومعيب لمرض أو هزال أو غيره لا يجوز إنفاقه، إلا أن يكون جميع المال المزكى خبيثاً، أو معيباً؛ فإنا ننفق منه؛ لأنا لم نتيمم الخبيث للنفقة، وإن كان المال طيباً وخبيثاً، فلا يجوز لنا أن ننفق إلا من الطيِّب؛ لأمر الله سبحانه بالإنفاق منه، لكن يجب مراعاة العدل والقسط. وتفصيل ذلك مذكور في كتب الفقه» (¬١).\r• الحكم السادس: أنّ الزكاة على صاحب الزّرع، لا على ربّ الأرض.\rمأخذ الحكم: قال السيوطي في الإكليل: «وفيه أن من زرع في أرض اكتراها، فالزكاة عليه لا على رب الأرض لأنّ قوله ﴿أَخْرَجْنَا لَكُمْ﴾ يقتضي كونه على الزّارع» (¬٢). ا. هـ.\rقلت: وهذا - والعلم عند الله - مبني على كون اللام للملك أو الاختصاص.\rوذهب جمع من المفسرين إلى: أنّ اللام هنا للتّعليل، وهي متعلق ب ﴿أَخْرَجْنَا﴾، أي: من أجل ما أخرجنا من الأرض.\rاستدل بالآية على وجوب زكاة أنواع التجارات؛ لأنّ التجارة نوع من الكسب. وقد روي من عدة طرق عن مجاهد في تفسير قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، أنه قال: من التجارة (¬٣).\rوقال الرازي: «ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما يكتسبه الإنسان، فيدخل فيه زكاة التجارة، وزكاة الذهب … » (¬٤).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ١٤٥).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٤٤٤).\r(¬٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٥٥٦).\r(¬٤) التفسير الكبير (٧/ ٥٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167552,"book_id":1216,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":206,"body":"وعليه فيستدل على وجوب الزكاة في كثير من أنواع التجارات العصرية، كربح المحطات، والنفط الخارج بواسطة عقد الامتياز .... إلخ.\rمأخذ الحكم: عموم الكسب الطيب، أو عموم الطيبات المكتسبة، والتي دلّت عليها صيغة العموم، وهي الإضافة في قوله: ﴿طَيِّبَاتِ﴾ بما بعدها، أو عموم (ما) الموصولة في قوله: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾، وكل ما سبق مأمورون أن ننفق منه بالأمر في قوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب.\rقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]\rدلّت الآية على تحريم البخل بمنع الزّكاة.\rقال القرطبي: «والسّين في ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ سين الوعيد، أي سوف يطوَّقون، قاله المبرد. وهذه الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله، وأداء الزكاة المفروضة. وهذه كقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. ذهب إلى هذا جماعة من المتأولين، منهم ابن مسعود وابن عباس … » (¬١).\rومأخذ الحكم: يؤخذ من كلام القرطبي السّابق بالتّفصيل الآتي:\rالأوّل: أن الوعيد بسبب الفعل يقتضي التّحريم، بل جعلها كثير من العلماء من علامات الكبيرة، إذا لم يقرن به ما يصرفه عن التّحريم.\rالثّاني: تفسير الصّحابي حجة، فقد جعل الوعيد بسبب الفعل، كالنّهي الوارد فيه، جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس ﵃.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٢٩١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167553,"book_id":1216,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":207,"body":"قلت: ومأخذ ثالث: وهو أن وصف الفعل بأنّه شرّ لهم، من الأساليب الشّرعية الدّالة على التّحريم؛ وذلك لأنّه وصف لازمٌ، والذّم لا يكون إلا بسبب فعل المحرّم.\rقال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]\rقبل البدء في بيان مأخذ أحكام الآية، يحسن الوقوف على هذه المقدمة؛ لأجل تعلق الأحكام بها فأقول:\rاختلف النّاس اختلافًا كثيرًا في هذه الآية، وسبب اختلافهم هو: اتفاقهم أن سورة الأنعام نزلت بمكة، وأنّ الزّكاة فرضت بالمدينة وأنّه لا حق في المال غير الزّكاة.\rولذا ذهب قوم إلى كون الآية منسوخة بالزكاة، وهو مذهب ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم.\rوقيل: بل هي محكمة، وهؤلاء اختلفوا:\rفقيل: ليس المراد بالحق في الآية ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ الزكاة، بل المراد: ترك شيء للمساكين غير الزّكاة، أي: حق في المال سوى الزكاة، أمر الله به ندبًا.\rقلت: وهذا يُشكل عليه القول بأنّه ليس هناك حق في المال سوى الزّكاة.\rوقيل: بل المراد بالحق في الآية الزكاة، وهؤلاء منهم من ذهب أن ما وجب في مكة هو اعتقاد وجوبها، ووقت العمل بها على بيان الجنس والقدر والوقت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167554,"book_id":1216,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":208,"body":"ومنهم من ذهب إلى أن الآية بخصوصها مدنية، وإن كانت السورة مكية، وهو قول الزّجاج.\rوهناك مناقشات، وردود حول هذه الأقوال، مبسوطة في كتب التفسير.\rهذا وقد استنبط العلماء من الآيات أحكامًا متعلقة بالزّكاة:\r• الحكم الأول: أن الزكاة تجب في كل زرع وثمر، وخصوصًا الزيتون والرّمان المنصوص عليها في الآية، واستثنت الحنفية: الحشيش والحطب والقصب.\rوذهب جمهور أهل العلم إلى عدم الزّكاة في كل ثمر، ولا زكاة في الزّيتون والرّمان.\rولهم فيما تجب الزكاة من الخارج من الأرض من الزّرع ضوابط منها: أن يكون مقتاتاً مدّخراً، أمّا الزيتون فليس كذلك؛ لأنّه إدام.\rومأخذ الحكم: أمّا القائلون بوجوب الزكاة في كل ثمر وخصوصًا الزيتون والرمان، فقالوا: إنّ الضّمير في قوله ﴿حَقَّهُ﴾ يعود عليهما؛ لأنّ المذكور عقيب جملة ينصرف إلى الأخير بغير خلاف.\rأمّا القائلون بعدم دخولهما، فمأخذهم من الآية: أن الحصاد يطلق على الحبوب حقيقة، ويدخل في حصاده الجذاذ في النّخل، أمّا الزّيتون والرّمان الواردان في الآية فلا يطلق عليهما الحصاد حقيقة، والأصل حمل الكلام على الحقيقة، فيكونان غير مرادين بالإيتاء.\rتنبيه: قال الموزعي: «فإن قالوا: أصل الحصاد ذهاب الشّيء عن موضعه الذي هو فيه، بدليل قوله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]، وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، وقوله: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥]، وذلك غير مختص بالزرع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167555,"book_id":1216,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":209,"body":"قلنا: عرف اللسان قاض باختصاص الزرع به، ولهذا يقال: حصادُ الزرع، وجُدادُ النخل -بالدَّال المهملة-، وجذاذ البقل -بالمعجمة- فتخصيصه بالزرع حقيقة عرفيّة، وتعميمه حقيقة لغوية، والعرفية أولى من اللغوية … » (¬١).\r• الحكم الثاني: استدل بالآية من قال: إنّ الزّكاة لا يجب أداؤها قبل الحصاد.\rمأخذ الحكم: مفهوم ظرف الزّمان في قوله: ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فدلّ على أن الإيتاء المأمور لا يجب قبله.\rوذهب الجمهور إلى أن وجوب التّعلق هو عند بدو الصّلاح؛ لأنّ النبي ﷺ كان يخرص النخل حين يبدو صلاحها، ويضمِّنها أربابها؛ ولأنّه وقت اقتياته الذي منّ الله به علينا، فهو واجب موسّع كالصلاة، والإيتاء يوم الحصاد بيان لما قد وجب يوم الحصاد.\rفائدة: قال السيوطي في الإكليل: «واستدل بالآية على أن الاقتران لا يفيد التّسوية في الأحكام لأنّ الله تعالى قال: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فقرن - الأكل وليس بواجب اتفاقاً - بالإتيان وهو واجب اتفاقًا» (¬٢).\rقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وتفصيل مقدار ذلك بينته","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٢٤١).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٧١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167556,"book_id":1216,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":210,"body":"السّنة، ومبسوط في كتب التّفسير والفقه.\rمأخذ الحكم: التوعد بالعذاب على التّرك، وهذا من خاصة الواجب؛ إذ لا يعاقب على ترك شيء إلا إذا كان واجبًا.\rتنبيه: الآية محكمة، وأمّا القائلون بالنّسخ فباعتقاد عموم الإنفاق في جميعهما، والصّواب أن الواجب الإنفاق منها، ولم يرد إنفاق جميعها.\rتنبيه آخر: قال القرطبي: «قال علماؤنا: ظاهر الآية تعليق الوعيد على من كنز ولا ينفق في سبيل الله ويتعرّض للواجب وغيره، غير أن صفة الكنز لا ينبغي أن تكون معتبرة، فإن من لم يكنز ومنع الإنفاق في سبيل الله، فلا بد وأن يكون كذلك، إلا أن الذي يخبأ تحت الأرض هو الذي يمنع إنفاقه في الواجبات عُرفًا؛ فلذلك خص الوعيد به. والله أعلم» (¬١). اه.\r• الحكم الثاني: استدل قوم بالآية على وجوب زكاة الحلي.\rومأخذ الحكم: العموم الوارد في الآية، فيشمل عموم الذهب وعموم الفضة، وأيدّوا قولهم بما رُوي (أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنتها، وفي يدها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال ﷺ: «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال ﵊: «أيسرك أن يسورك الله ﷿ بسوارين من نار؟»، فخلعتهما فألقتهما إلى رسول الله ﷺ، فقالت: هما لله ولرسوله) (¬٢).\rومنع الشّافعي ﵀ التمسك بعموم الآية في وجوب زكاة الحلي.\rومأخذه: أن العامّ إذا تضمن مدحًا أو ذمًا فلا يتمسك بعمومه، وقال بأنّ القصد إيجاب الذّم بالكنز دون العموم، أي: إنّ العموم لم يقع مقصودًا في الكل بل للذّم فقط. واللفظ إذا سبق لمعنى فلا يستدل به في غير ذلك المعنى؛ لأنّ المتكلم","footnotes":"(¬١) الجام لأحكام القرآن (٨/ ١٢٨).\r(¬٢) أخرجه النسائي في كتاب الزكاة، باب زكاة الحلي، برقم (٢٤٧٩) قال الشيخ الألباني: حسن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167557,"book_id":1216,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":211,"body":"لم يتوجه عليه.\rوقالوا: القصد: المبالغة في الحث والزّجر.\rوالأكثرون على جواز التّمسك بالعموم فيما سبق للمدح أو الذّم؛ إذ لا منافاة فيحمل الذهب والفضة على العموم؛ إذ لا صارف عنه، ولا تنافي بين العموم والذّم. وإذا كان القصد المبالغة في الحث والزّجر فالعموم أبلغ في ذلك.\rقال أبو الحسين: «اعلم أن بعض الشافعية يمنع من عموم قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ وأحالوا التّعلق به في ثبوت الزكاة في الحلي.\rقالوا: لأنّ المقصد بذلك إلحاق الذم بمن يكنز الذهب والفضة، وليس القصد به العموم. والجواب: أن الذم إنما كان مقصودا بالآية؛ لأنه مذكور فيها، وهذه العلة قائمة في العموم؛ لأن اللفظ عامّ فوجب كونه مقصودا، وليس يمنع القصد إلى ذم من كنز الذهب والفضة من القصد إلى عموم ذم كل من كنزهما … » (¬١).\rاستدل بالآية من قال بوجوب الزكاة في الأوراق النّقديّة (¬٢).\rمأخذ الحكم: استنباط كون العلّة فيما يزكى (النّقديّة) أي: كونها نقودًا، والأوراق تكون نقودًا فتجب فيها الزكاة.","footnotes":"(¬١) المعتمد لأبي الحسين (١/ ٢٧٩).\r(¬٢) وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وصدر قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي. ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الأولى (١٣/ ٤٤٤)، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ع ٣، ج ٣، ص (١٩٥٠)، (١٨٩٣)، ومجلة البحوث الإسلامية (٣١/ ٣٧٦) ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١٨/ ١٧٣)، والشرح الممتع على زاد المستقنع (٦/ ٩٣)، ومجموع فتاوى ابن باز (١٤/ ٣٣٣، ٧٩)، والفقه الميسر (٩/ ٨١)، وفقه النوازل للشيقح (١٦٣)، شرح عمدة الفقه للجبرين (١/ ٥٠٩)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٦٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167558,"book_id":1216,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":212,"body":"ووجه استنباط العلّة من الآية: هو أن قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ إيماء إلى أنّ المراد بالذهب والفضة في الآية نقودهما؛ لأنها المعدّة للإنفاق، والآلة المباشرة له، والضّمير عائد عليهما باعتبارهما دراهم ودنانير، أي: باعتبارهما نقودًا؛ ولهذه الخاصيّة نصّ عليها في الآية لا لنفاستهما في نفسيهما (¬١)؛ لأنّه وجدت معادن لا تقل غلاء ونفاسة عن الذهب والفضة، بل قد تزيد كالألماس، واليورانيم، ولا زكاة فيهما؛ لأنّها ليست نقودًا (¬٢).\rثمّ إنّ كون الزّكاة واجبة دلّ عليه قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولا عقاب إلا على ترك واجب، فدلّ على أن الانفاق واجب.\rقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: وجوب الزكاة.\rومأخذ الحكم: إذا فُسرت الزكاة هنا بزكاة الفرض، وبه قال عكرمة.\rوقيل: المراد بالصّدقة: الطّهارة من الذّنوب؛ وبه قال الحسن ﵀.","footnotes":"(¬١) ينظر: الفتاوى السعدية، ص ٣١٤، مختصر فقه الزكاة، ص ٩٢، توضيح الرؤية القاصرة، ص ٧٣.\r(¬٢) وسبب اختلافهم راجع إلى اختلافهم في حقيقة الأوراق النقدية فمن رأى أنها أسناد بدين على جهة إصدارها لم يوجب الزكاة قبل قبض هذه الأسناد أو بعبارة أدق جعلها في حكم زكاة الدين، ومن قال بأنها عرض من العروض لها ما للعروض من الخصائص والأحكام لم يوجب الزكاة فيها إلا إذا أعدت للتجارة، ومثله من ألحقها بالفلوس مع ملاحظة أصل الفلوس وهو العرضية وأما من لحظ عامل ما انتقلت إليه وهو الثمنية فإنه أوجب الزكاة فيها، ومن نظر إلى أن هذه الأوراق بدل لما استعيض بها عنه وهما النقدان أو أنها نقد قائم بنفسه كالذهب والفضة فإنه أوجب الزكاة فيها. انظر: أبحاث هيئة كبار العلماء ١/ ٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167559,"book_id":1216,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":213,"body":"ومأخذه: سبب نزول الآية، وهو قطعي الدّخول، وقد ورد في سبب نزول الآية عن ابن عباس ﵄ قوله: (لما تخلف عشرة من المسلمين بلا نفاق، منهم أبو لبابة، ومرداس، وأبو قيس، واعتذروا، فلم يُعذورا حتى أوثقوا أنفسهم بسواري المسجد باكين متضرعين، وحلف أبو لبابة لا يُحله إلا رسول الله ﷺ، نزل قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] فلما نزلت الآية، أطلقهم، فقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا، فأبى رسول الله ﷺ أخذها، فنزلت: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فأخذ الثلث) (¬١).\rوذهب الجمهور إلى عموم الصدقتين؛ لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب، ويدلّ على العموم قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ إشارة إلى الصدقة المطهِّرة من الذنوب، وقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ إشارة إلى الصدقة الواجبة المزكيّة.\rتنبيه: الدعاء للفاعل المدلول عليه بقوله ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ من الأساليب الشّرعيّة التي يستند إليها إلى إثبات مشروعية الأحكام - والصدقة هنا - دائرة بين الوجوب والنّدب. فتحتاج الفرضية إلى دليل آخر يعتمد عليه.\r• الحكم الثاني: استدل بالآية من قال: بأنّ الزّكاة يجب أن تدفع إلى الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾؛ ولذا لو فرّق المالك زكاته دون الإمام ضمن، وهو مذهب الإمام مالك.\rوذهب الشّافعي في الجديد إلى أن ربّ المال مخيّر بين أن يفرقها بنفسه، أو يدفعها إلى الإمام فيفرقها.","footnotes":"(¬١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠٣٠٣)، وانظر: موسوعة التفسير المأثور (١٠/ ٦٠٩) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167560,"book_id":1216,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":214,"body":"ومأخذ الحكم: أن قوله ﴿خُذْ﴾ خطاب للنّبي ﷺ، ويقتضي بظاهره اقتصاره عليه، فلا يأخذ الصّدقة سواه، وينزل الحاكم منزلته في ذلك.\rوقيل: لا يأخذها إلا النّبي ﷺ، ولا ينزل أحد منزلته، وتسقط بموته ﷺ.\rومأخذهم: أن الخطاب موّجه له، واستدلوا كذلك بسياق الآية في قوله ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾.\rوقالوا: لم تكن الزكاة إلّا مع صلاة النبي ﷺ التي كانت سكنًا لنا، وصلاة غيره ليست كذلك، وبهذا استدل مانعوا الزّكاة على أبي بكر الصّديق ﵁.\rقال ابن العربي في رده على من قال بأنّ الخطاب موجه للنبي ﷺ: «أمّا قولهم: إنّ هذا خطاب للنّبي ﷺ فلا يلتحق غيره فيه به، فهذا كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة، متلاعب بالدّين، متهافت في النظر؛ فإنّ الخطاب في القرآن لم يرد بابا واحدا، ولكن اختلفت موارده على وجوه، منها في غرضنا هذه ثلاثة:\rالأول: خطاب توجه إلى جميع الأمة، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ونحوه.\rالثاني: خطاب خُصَّ به النبي ﷺ، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].\rالثالث: خطاب خُصَّ به النبي ﷺ قولاً ويشركه فيه جميع الأمة معنى وفعلًا؛ كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الآية. وقوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، فكل من دلكت عليه الشمس مخاطب بالصلاة، وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة، وكذلك كل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167561,"book_id":1216,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":215,"body":"من خاف يقيم الصلاة بتلك الصفة، ومن هذا القبيل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فإنه ﷺ الآمر بها والداعي إليها، وهم المعطون لها، وعلى هذا المعنى جاء قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (¬١).\r• الحكم الثالث: استدل بالآية من قال بوجوب الدعاء لدافع الصدقة.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقولهم: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وهو على ظاهره للوجوب.\rوذهب الجمهور إلى عدم وجوب الدعاء للدافع، وجعلوا الصّارف له هو ما ورد عنه ﵊ عندما بعث معاذًا أو غيره؛ لأخذ الزّكاة، ولم يأمرهم بالدّعاء.\rوأيدّوا ذلك أيضَا بأنّ لدعاء النّبي ﷺ خصوصية يتحقق بها السّكن والطّمأنينة.\rتنبيهان:\rالأوّل: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ لفظ عامّ في الأموال المأخوذ منها الصّدقة، وعامّ فيمن تؤخذ منه العباد من المكلفين وغير المكلفين، وقد خصّ منها بالسّنّة والإجماع، وتفاصيل ذلك كتب التفسير والفقه.\rالثّاني: قوله تعالى: ﴿صَدَقَةً﴾ لفظ مجمل في القدر المأخوذ، بينتها السّنة.\rالمطلب الأول: الزكاة في جميع ما يملكه الإنسان من مال.\rاستدل بها من قال: بأن الزكاة تجب في جميع ما يملكه الإنسان من مال، كالراتب الشّهري، وأجرة العمل، والمهن الحرّة، وكذا المستغلات، كأجرة الدور، وغلة المصانع سواء كان في يده أو في يد غيره.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٢/ ٥٧٦ - ٥٧٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167562,"book_id":1216,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":216,"body":"ومن ذلك المال المودع في الحساب الجاري، وكذا الحقوق المعنوية للأسهم التجاري، إذا عرضت للبيع، ومواد الخام، - على القول بأنّها من عروض التجارة، والمواد المصنعة، وجمعيات الموظفين، ومحطات الوقود - من قال بأنها: من العروض.\rأمّا ربحها فلا خلاف في ذلك. ويدخل في عموم الآية المنافع على اعتبار كونها مالًا، كما يدخل الدّين المقسَّط.\rتخرج الأحكام السابقة: كلها يعود إلى عموم قوله: ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ وهي جمع مضاف، يفيد العموم، فكل ما يطلق عليه مال، فتجب فيه الصّدقة، ومأمورون بالأخذ منه، والأمر يقتضي الوجوب، فتجب الزكاة في جميع ما سبق.\rوكونه مالاً أو غير مال مرجعه للعرف؛ إذ إن المال من المسميات التي علَّق الشرع بها حكماً، ولم يرد لها حدٌّ لها في الشرع أو اللغة، فيكون مرجعه للعرف.\r• الحكم الرابع: استدل بالآية على عدم زكاة المال العامّ.\rوالمقصود بالمال العامّ: المال الذّي رصد للنّفع العامّ دون أن يكون مملوكاً لشخص أو جهة معيَّنة (¬١).\rوعُرِّف بأنه: كل مال ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه بل هو لهم جميعا (¬٢).\rوبذلك أفتى كثير من المعاصرين بعدم الزّكاة في أموال الجمعيات الخيرية،","footnotes":"(¬١) وهو تعريف الندوة الثامنة لقضايا الزكاة المعاصرة (١٣٩)، ينظر: فقه النوازل (١٧٨)، والفقه الميسر (٩/ ١١٠)، ونوازل الزكاة للغفيلي (ص: ٢١٤).\r(¬٢) الموسوعة الفقيّة الكويتية (٨/ ٢٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167563,"book_id":1216,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":217,"body":"والأوقاف الخيريّة (¬١)، وريعها حتى لو استثمرت (¬٢)، وأدخل فيها البعض أموال التأمين التّعاوني (¬٣)، أو الاجتماعي (¬٤)، كالضّمانات العمالية، ومعاشاة التقاعد.\rووجه كون المال العامّ لا زكاة فيه: هو كونها ليست مملوكة لمعين، ومن شرط الزّكاة تمام الملك للمال، وكونه مملوكًا لمعين (¬٥).\rوبيان ذلك: أن المولى ﷾ أضاف الأموال إليهم بقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وهذه","footnotes":"(¬١) ينظر: اللجنة الدائمة للإفتاء (٩/ ٢٩٤)، وأفتت به الندوة الثالثة عشر لقضايا الزكاة المعاصرة بالأكثرية. ينظر: أبحاث الندوة (٤١٤)، ونوازل الزكاة للغفيلي (ص: ٢٤٣)، والفقه الميسر (٩/ ١١٠)، وفقه النوازل (١٧٨ - ١٧٩).\r(¬٢) لكون الربح تابع لأصله، وأصله لا زكاة فيه فكذا التابع؛ لأنّ التابع تابع. ينطر: أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة (٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، نوازل الزكاة للغفيلي (٢٤٣) وأفتت به الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة بالأكثرية.\r(¬٣) التأمين التّعاوني: هو تعاون مجموعة من النّاس؛ لدفع الأخطار المحتملة عن بعضهم البعض، وذلك بتبرع كل منهم بقدر من المال لصندوق تعاوني، على أسس علمية رياضية إحصائية، بحيث يكفي لإقالة عثرة المتضررين من الأخطار المحتملة، وتحديد مقدار قدرة الصندوق على تعويض المشترك عند وقوع الخطر الذّي قد يتعرض له، فإنّ تحقق فائض سنوي من الإشتراكات بعد دفع التعويضات والمصروفات وخصم الاحتياطات أعيد الفائض دون إلتزام على المتبرع، أو ينفق فيما يحقق الخير للإسلام والمسلمين. ينظر: التأمين التعاوني وتطبيقاته المعاصرة (ص: ٣٨).\r(¬٤) التأمين الاجتماعي: هو نظام إجباري غالبًا، تشرف عليه الدولة، وغالبًا ما تقوم به لا بقصد تحقيق الأرباح المالية، يموله المؤَمَن عليه، وصاحب العمل، والحكومة، أو بعضهم بمساهمات دوريّة موحدة أو مختلفة في المقدار أو النّسبة؛ ليحصل المستحق من المؤمن عليه، أو من يعوله كلهم أو بعضهم على مبلغ جملي ومعاش وبدل دوريين، يتناسب مع دخله ومدّة الاشتراك، أو من غير تناسب عند انقطاعه، أو قيام ما يستلزم نفقات ماليّة، وعلى غيرها من الخدمات، كالعلاج والتّدريب والتأهيل عند الحاجة إليها، أو بعض ذلك.\rوللتأمين الاجتماعي عنصران أساسيان هي: ١ - الضمانات العماليّة؛ كتأمين إصاباة العمل، والتأمين ضد البطالة، والتأمين الصّحيّ، والتأمين ضد الشيخوخة، والعجز والوفاة.\r٢ - معاشاة التقاعد. ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعوديّة (٤/ ٤٥) ومعالم التأمين الاسلامي د. صالح العلي وسميح الحسن (ص: ٣٣ - ٣٤) نوازل الزكاة (ص: ٢٦٩ - ٢٧٠).\r(¬٥) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (ص: ٢٣٥ - ٢٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167564,"book_id":1216,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":218,"body":"الإضافة تدلّ على ملكهم إيّاها، واختصاصهم بالتّصرف والانتفاع بها، والمال العامّ ليس كذلك، فلا تجب فيه الزّكاة.\rفالإضافة المذكورة استنبط منها العلماء كون الملك المعيَّن شرطًا في المال الذي هو وعاء الزكاة، والمال العامّ ليس ملكًا لمعين فلا زكاة فيه.\rومأخذ الحكم: كان على أصل حجية الشّرط الشّرعيّ، والشّرط الشّرعي يلزم من عدمه العدم، فيلزم من عدم الملك المعيَّن عدم الزكاة.\r• الحكم الخامس: استدل بالآية من قال لا زكاة في المال المحرم كالسّيجارة (¬١).\rمأخذ الحكم: أن المال إذا أطلق فإنّه ينصرف إلى الكامل وهو الحلال بخلاف مطلق المال فإنّه يدخل فيه الحلال والحرام. عليه فلا يدخل المحرم فيما أمر بزكاته من الأموال.\rكما أنّ المولى ﷾ جعل الزّكاة من المال؛ لأجل الطّهرة والتّزكية به، والحرام خبيث فلا يطهر (¬٢).\rتنبيه: السيجارة محرَّمة لذاتها، والمحرَّم لذاته لا يعتبر مالاً زكوياً، ويجب التخلص منه بإتلافه، والإمساك به إثم وعصيان، وأما المحرم لغيره، كالمغصوب أو المسروق، فهذه يتعين ردُّها إلى أصحابها، وهم يقومون بإخراج زكاتها بعد قبضها (¬٣).","footnotes":"(¬١) وهو قول عامة الفقهاء المتقدمين، وأكثر الفقهاء المعاصرين، وصدرت به فتوى الندوة الرابعة لقضايا الزكاة المعاصرة. ينظر: فتاوى وتوصيات ندوات قضايا الزكاة المعاصرة (٦٧)، ونوازل الزكاة (٢١٠).\r(¬٢) ينظر: نوازل الزكاة (٢١٢).\r(¬٣) ينظر: فقه النوازل (١٧٣ - ١٧٤)، وفتاوى وتوصيات ندوةقضايا الزكاة المعاصرة (٦٨)، ونوازل الزكاة (٢١٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167565,"book_id":1216,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":219,"body":"ويقول د. عبد الله الغفيلي: « … وإن كان المال حراماً بوصفه لا بأصله كالأموال الربوية فيده عليه يدُ تمليك، فيجب عليه إخراج زكاته؛ لأنه مال منسوب إلي مسلم متعبد بجميع أحكام الإسلام … الخ» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾\r[المعارج: ٢٤ - ٢٥]\rوقوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]\rالسورتان مكيتان، والزكاة إنّما فرضت بالمدينة؛ لذا اختلف العلماء في الحق المعلوم، هل هو في الزكاة المفروضة أو في غير الزّكاة.\rقال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ مدح ثالث، قال محمد بن سيرين وقتادة: الحق هنا: الزكاة المفروضة. وقيل: إنّه حق سوى الزكاة يصل به رحمًا، أو يقري به ضيفًا، أو يحمل به كلًّا، أو يغني محرومًا. وقاله ابن عباس، لأنّ السّورة مكيّة وفرضت الزكاة بالمدينة» (¬٢).\rقال ابن العربي: والأقوى في هذه الآية أنها الزكاة، لقوله تعالى في سورة سأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، والحق المعلوم هو الزكاة التي بيَّن الشرع قدرها وجنسها ووقتها، فأما غيرها لمن يقول به فليس بمعلوم؛ لأنّه غير مقدر ولا مجنس ولا مؤقت» (¬٣). اه.\rومأخذ الحكم: أولًا: مدح الفاعل على الفعل، وهو من الأساليب الدّالة على مشروعية الفعل، الدائر بين الوجوب والنّدب.","footnotes":"(¬١) نوازل الزكاة (٢١١).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٣٨).\r(¬٣) أحكام القرآن (٤/ ١٦٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167566,"book_id":1216,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":220,"body":"ثانيًا: قوله: ﴿حَقٌّ﴾ وهو مطلق لغة بمعنى: الشيء الثّابت. ويطلق شرعًا على ما ثبت به الحكم، والحكم الثّابت أعمّ من أن يكون واجبًا أو مندوبًا.\rفالحق يطلق على ما لا ينبغي تركه، ويكون فعله إمّا واجبًا أو مندوبًا ندبًا مؤكدًا شبيهًا بالواجب الذّي لا ينبغي تركه.\r\rباب صدقة الفطر\rقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية زكاة الفطر، وقد فُسِّرت الآية بتفسيرات عدّة، منها: تفسير ابن عباس وابن عمر ﵃ بأنّ المقصود: أدّى زكاة الفطر.\rوورد في السّنة - بأحاديث فيها كلام في صحتها - عن النبي ﷺ أنّه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي العيد، ويتلو هذه الآية (¬١).\rومأخذ المشروعية من الآية: ورود المدح للفاعل، ووصفه بالفلاح، ولا يمدح إلّا فاعل الواجب أو المندوب. وثبوت أحدهما هنا يتوقف على أدلة أخرى من السّنة.\rتنبيه: حكم الآية على القول بأنها محكمة، وقيل: إنّها منسوخة بالزّكاة المفروضة، وهؤلاء الذين لا يرون زكاة الفطر واجبة.\r• الحكم الثاني: على القول بمشروعية زكاة الفطر، فهل يجب أو يندب دفعها ممن تحل له الصّدقة كالفقير؟ ذهب الإمام مالك والشّافعي أنّها على الفقير.\rمأخذ الحكم: العموم الوارد في الآية بصيغة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، وظاهر تعمُّ من","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٤١٨) برقم (١٩٢٣٣) وضعفه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167567,"book_id":1216,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":221,"body":"تحل له.\r• الحكم الثالث: مشروعية تقديم زكاة الفطر على صلاة العيد.\rمأخذ الحكم: تقديمها ذكراً في الآية، وفعله ﵊ بيانًا للقرآن، حيث إنّه كان يُقدم صدقة الفطر حين يغدو، ثم يتلو هذه الآية.\r\rباب صدقة التّطوع\rقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧].\rاستدل بالآية من قال: إنّ في المال حقًا سوى الزكاة، وبها كمال البرّ.\rوأيدّوا صحة هذا المعنى بسياق الآية، في قوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ فذكر الزّكاة مع الصّلاة، وذلك دليل على أنّ المراد بقوله ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ليس الزكاة المفروضة، فإنّ ذلك يكون تكرارًا والله أعلم، قاله القرطبي (¬١).\rومأخذ الحكم: مدح الفعل بوصفه من البر، ومدح الفعل من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على الأحكام، والأصل فيه أنه دائر بين الوجوب والنّدب.\rقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]\rاستدل بالآية من قال: بإباحة صرف الزكاة للوالدين والأقربين، وهذا على القول بأنّ الآية نزلت في الزّكاة المفروضة مع الإحكام وعدم النّسخ، وقيل: بالنّسخ،","footnotes":"(¬١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167568,"book_id":1216,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":222,"body":"وقيل: بأنّ الآية إنّما هي لبيان مصارف المال الذّي يتعلق به الثّواب، فتدخل صدقة التطوع فيها.\rومأخذ الحكم: فيمن قال بجواز صرف الزّكاة للوالدين هو: كون السؤال معاد في الجواب، فكأنه قيل لهم: (أنفقوا على الوالدين والأقربين).\rوهذا أمر بعد سؤال، والأمر بعد السؤال، كالأمر بعد الحظر، وفيه الخلاف في حمله على الوجوب أو النّدب أو الإباحة.\rوقسَّم بعض أهل العلم الأمر بعد الاستئذان إلى قسمين:\rالأوّل: ما كان متعلقًا بمصلحة أخروية، أو دنيوية متعديّة - مثل مسألتنا هنا - وهذا لا يكون إلا واجبًا أو مندوبًا، والقرائن هي التي تفصل في ذلك.\rويمكن أن يقال بالحمل هنا على النّدب؛ لأنّه المتيقن، وما زاد عليه فهو مشكوك فيه يحتاج إلى قرينة.\rالثّاني: ما كان متعلقًا بمصلحة دنيوية عادية قاصرة، وهذا يحمل على الإباحة.\rتنبيه: السّؤال في هذه الآية عن مصرف النّفقة، فكان الجواب على وفق السؤال للوالدين والأقربين … إلخ. فهي مبينة لمصارف صدقة التّطوع، فالواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله، من طعام وكسوة وغير ذلك، قاله القرطبي (¬١).\rوقد قيل: إنّها نزلت في عمرو الجموح، وكان شيخًا كبيرًا، وعنده مال عظيم فسأل النبي ﷺ: ما ذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت الآية.","footnotes":"(¬١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167569,"book_id":1216,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":223,"body":"قال الموزعي: «قال كثير من أهل التفسير: هذا كان قبل أن تفرض الزكاة، فلما فرضت الزكاة بالآية التي في (براءة)، نسخت هذه الآية» (¬١).\rوالمقصود بآية براءة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الدُّنْيَا .. ﴾ [التوبة: ٦٠]\rقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]\rاستدل بالآية على تحريم الصدقة بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته، أو على منع أن يهب الرجل ماله بحيث لا يبقى له ما يكفيه.\rمأخذ الحكم هو: أن السؤال معاد في الجواب، فكأنّه قيل لهم: أنفقوا ما فضل عن الأولاد، وهذا أحد تفاسير كلمة ﴿الْعَفْوَ﴾ وعليه كثير من العلماء، وحملوا الأمر - المقدّر- هنا على النّدب.\rومنهم من فسَّر ﴿الْعَفْوَ﴾ بأنّه الزكاة المفروضة، وهؤلاء ممن لا يرون في المال حق سوى الزكاة المفروضة.\rتنبيه: السؤال في هذه الآية عن قدر الإنفاق، فجاء الجواب مطابقًا له، ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾.\rوقيل في سبب نزولها: أن عمرو بن الجموح لما نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] قال: كم أنفق؟ فنزل قوله ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾\rقال القرطبي: «العفو: ما سهل وتيسر وفضل، ولم يشق على القلب","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (١/ ٣٦٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167570,"book_id":1216,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":224,"body":"إخراجه … ، فالمعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة، هذا أَوْلى ما قيل في تأويل الآية … » (¬١).\rقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]\rدلّت الآيتان على التّرغيب والنّدب في أعمال البرّ والإنفاق في سبيل الخير.\rمأخذ الحكم: ورود الحكم بأسلوب الاستفهام الدّال على التّخصيص والتّرغيب. كما أن ترتيب الثواب على الفعل - وذلك بمضاعفة الأجر أضعافًا كثيرة - من الأساليب الدائرة بين الوجوب والنّدب، وتحمل هنا على النّدب؛ لأنّ الإقراض للمولى ﷾ مندوب إليه في كل وقت.\rقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: إنّ إخفاء الصّدقات أفضل من إظهارها، وفي كل خير.\rمأخذ الحكم: مدح الفعل بقوله ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ دليل على المشروعية الدائرة بين الوجوب والنّدب، ثم قوله ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فهو مدح للفعل بأنّه خير مع التّفضيل بدلالة ﴿خَيْرٌ﴾ أي: أخير، والأصل في وصف ﴿خَيْرٌ﴾ أخير: الحمل على النّدب.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٦١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167571,"book_id":1216,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":225,"body":"تنبيه: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المراد بالصّدقة هنا: صدقة التّطوع، أمّا صدقة الفرض فإظهارها أفضل، وحكى الطبري الإجماع على ذلك، والخلاف موجود.\rقال القرطبي: «قال ابن العربي: وليس في تفضيل صدقة العلانية على السّر، ولا تفضيل صدقة السّر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت، فأما صدقة النّفل فالقرآن ورد مصرحا، بأنها في السِّر أفضل منها في الجهر، بَيْد أن علماءنا قالوا: إنّ هذا على الغالب مخرجه، والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف بحال المُعطِي لها، والمُعطَى إياها والناس الشاهدين لها. أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السُّنة وثواب القدوة.\rقلت: هذا لمن قويت حاله وحسنت نيَّته وأَمِنَ على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل. وأما المُعطَى إياها فإنّ السّر له أسلم من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المُعطِي لها بالرِّياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل» (¬١).\r• الحكم الثاني: صدقة النّفل على الفقير أفضل.\rمأخذ الحكم: الإتيان ب (أفعل) التّفضيل ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وأصلها (أخير) و ﴿خَيْرٌ﴾ لفظها ومعناها يدل على المراد، وسبق القول: إنّ من الأساليب الدّالة على الوجوب والنّدب وصف الفعل بأنه خير، والجمهور على أن الأصل فيه النّدب.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣)، وانظر أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣١٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167572,"book_id":1216,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":226,"body":"• الحكم الثالث: يجوز لربّ المال تفريق الزكاة بنفسه؛ لأنّ الآية تدل على أنّه إذا أعطاها الفقراء وأخفاها فهو خير له.\rمأخذ الحكم: ما سبق من وصف الفعل بالخيرية، وهو صفة مدح تدل على المشروعية والجواز.\rتنبيه: قيل: لا تمنع دلالة الآية من أنّ للإمام أخذها، فيكون معنى قوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: خير لكم لحصول الصّدقة مرتين.\r• الحكم الرابع: استدل بالآية ربيعة شيخ الإمام مالك على كراهة إظهار جميع أعمال البرّ، وأجاز ذلك الإمام مالك دون كراهة.\rمأخذ القائل بالكراهة: لعله لسد ذريعة الرياء، أو لتعارضها مع الأدلة الأخرى كقوله ﷺ في الصّدقة (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) (¬١).\rومأخذ القائل بالجواز دون الكراهة: ثناء المولى ﷾ على الفعل بقوله ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ والثناء والمدح للفعل يدلّ على مشروعيته بلا خلاف، وهو من الأساليب الدائرة بين الوجوب والندب.\r• الحكم الخامس: استدل بالآية على جواز التّصدق على الأغنياء في صدقة التّطوع. ونقل بعضهم الإجماع على ذلك.\rقال النووي: «تحل صدقة التطوع للأغنياء بلا خلاف، فيجوز دفعها إليهم، ويثاب دافعها عليها» (¬٢).\rولعل ذلك لأن الخيرية ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الأمرين: إيتاءها وإخفاءها، وكما أنه","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الصدقة باليمين، برقم (١٣٥٧).\r(¬٢) المجموع (٦/ ٢٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167573,"book_id":1216,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":227,"body":"يجوز له إظهارها فكذلك يجوز إعطاءها للغني، ومقتضى الخيرية أن في كل خيرًا، لكن كونها للفقراء أخير.\rقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]\rاستدل بالآية على التّرغيب والنّدب بالتّصدق أو إبراء المعسر، وكونه أفضل من إنظاره.\rمأخذ الحكم: جعل ابن حزم الاستثناء من الواجب يدل على النّدب، وجعله من القرائن التي تصرف الأمر عن مقتضاه.\rقال ابن حزم: «ومما تحمل به الأوامر على النّدب أن يرد استثناء يعقبه في تخيير المأمور مثل قوله تعالى في الدّيات ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، وفي وجوب الصداق ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وفي قضاء الدّين ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وما أشبه ذلك، وهذا معلوم كله بموضوع اللغة ومراتبها» (¬١).\rوالمثال الذي ذكره ابن حزم ﵀ وإن لم يشتمل على أداة الاستثناء، إلّا أنّه يفهم بالتّقدير، وتقديره: (فنظرة إلى ميسرة إلّا أن تصدقوا فذلك خير لكم).\rومما يؤيد كونه محمولًا على النّدب هنا سياق الآية، وقوله: ﴿خَيْرٌ﴾، وسبق أن الأصل في هذا الأسلوب حمله على الندب.","footnotes":"(¬١) الإحكام في أصول الأحكام (٣/ ٣٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167574,"book_id":1216,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":228,"body":"قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]\rاستدل بعض العلماء بالآية على جواز تصدق الرجل بجميع ما يملكه.\rقال القرطبي: «فإن قيل: وردت أخبار صحيحة في النّهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء.\rقيل له: إنما كره ذلك في حق من لا يوثق منه الصبر على الفقر، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه. فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على أنفسهم، فلم يكونوا بهذه الصفة، بل كانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك. والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار» (¬١).\rومأخذ الجواز هو: ثناء المولى ﷾ على الفعل، والثناء على الفعل من الأساليب الشّرعية الدّالة على الجواز والمشروعية، والأصل فيه أنّه دائر بين الوجوب والنّدب، وهو هنا محمول على النّدب فيمن يصبر على البأساء والضراء.\rقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]\rاستدل بالآية على استحباب إطعام المسكين واليتيم والأسير الكافر، وأن إطعام الأخير مما يتقرب به إلى الله، وذلك مخصوص بصدقة التّطوع.\rمأخذ الحكم: مدح المولى ﷾ الفعل، ووصفه أنّه من أفعال الأبرار كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٨].","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٧ - ٢٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167575,"book_id":1216,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":229,"body":"ويمكن القول بأنّه ﷾ جعل الفعل سببًا في حصول مطلوب المكلف وهو هنا أن يكون من الأبرار وارثي الجنان، أو جعله من ترتب الثواب على الفعل، أي: هذه الأفعال ومنها الإطعام رُتِّب عليها دخول الجنّة، وكل ما سبق من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على مشروعية الفعل، وكونه دائرًا بين الوجوب والنّدب؛ وهو هنا على النّدب؛ لكون الصّدقة على الكافر، لا تكون إلّا من صدقة التّطوع، وصدقة التّطوع مندوب إليه.\rومن قال بجواز إطعام الأسير الكافر، أيدّوا قولهم بقوله ﵊ (في كل كبد رطب صدقة) (¬١).\rقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤ - ١٦]\rفي الآية الحض على إطعام الأيتام والمساكين والحنو عليهم، وقيّد المولى تعالى الأيتام بالقرابة؛ لتجتمع فيها الصّدقة وصلة الرحم.\rويرجع في تفسير معانيها، والخلاف في ذلك إلى كتب التّفسير.\rومأخذ الحكم: إذا حُمل قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ على معنى الاستفهام الاستنكاري، وتقديره: أفلا اقتحم العقبة؛ أو هلا اقتحموا العقبة، أي هلا أنفق ماله في فك الرقاب وإطعام المساكين؛ ليجاوز به العقبة فيكون خيرًا له من إنفاقه في عداوة محمد ﷺ، والاستفهام الانكاري هنا على تركه للإنفاق بالخير، وإذا كان كذلك فيدل على مشروعيته وطلب الشّارع له.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب المساقاة الشرب، باب فضل سقي الماء، برقم (٢٢٣٤)، ومسلم في كتاب الآداب، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، برقم (٢٢٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167576,"book_id":1216,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":230,"body":"قال العزّ بن عبد السّلام: «التّوبيخ والانكار إن تعلقا بفعل دلّا على النّهي عنه، وإن تعلقا بترك دلّا على الأمر بالمتروك» (¬١).\rوهذا الأسلوب قد يحمل فيه الإنكار على ترك الفعل على وجوب الفعل؛ إذ لا إنكار إلّا في ترك الواجب.\rوقيل: لا يتعين الإنكار في ترك الواجب، بل يقع على ترك السّنة كذلك، قاله جمع من العلماء.\rوقد يكون الوجوب هنا مصروفاً إلى النّدب بقرينة، وهي هنا: كون استنكار ترك الفعل ليس هو المقصود، بل المقصود إنّما هو الإنكار على الفعل، وهو إنفاقه المال على عداوة النبي ﷺ.\rومأخذ آخر لحكم المسألة وهو: أن يحمل قوله ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ على الدعاء؛ أي: فلا نجا ولا سَلِم من لم ينفق ماله في كذا وكذا.\rوالدعاء للفاعل من الأساليب الشرعيّة التي يستند إليها في مشروعية الأحكام، وهو دائر بين الوجوب والنّدب، وهو هنا كما سبق يحمل على النّدب في حق الأسير للإجماع.\rقال أبو العباس القرطبي في المفهم: «قوله ﷺ (اللهم أعط منفقًا خلفًا) (¬٢) … وهذا يعم الواجبات والمندوبات» (¬٣).","footnotes":"(¬١) الإمام في بيان أدلة الأحكام (١٣٥).\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب قول الله تعالى ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ اللهم أعط منفق مال خلفا، برقم (١٣٧٤)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك، برقم (١٠١٠).\r(¬٣) المفهم لما أشكل من كتاب تلخيص مسلم لأبي العباس أحمد بن عمر القرطبي (٣/ ٥٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167577,"book_id":1216,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":231,"body":"فائدة: قال القرطبي: «وقيل: شبّه عظم الذنوب وثقلها وشدّتها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وعمل صالحًا، كان مثله كمثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب التي تضره وتؤذيه وتثقله» (¬١).\r\rباب قسم الصدقات\rقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: إباحة الصّدقات لهؤلاء الأصناف.\rومأخذ الحكم: إضافة المولى ﷾ الزّكاة لهم بلام التّمليك، أو لام الاختصاص، واللتان تقتضيان إباحته لمن أضيفت له.\rقال السيوطي: « … ملكوا قدر الزكاة بمجرد حولان الحول، وصاروا شركاء للمالك لإتيانه تعالى بلام التمليك» (¬٢).\r• الحكم الثاني: أن المستحق للزّكاة هم الأصناف الثمانية.\rمأخذ الحكم: مفهوم الحصر يدل على عدم إباحة الزكّاة لغيرهم.\r• الحكم الثالث: اختلف العلماء في اشتراط استيعاب الأصناف الثمانية بالزّكاة.\rوسبب الخلاف هو: هل المقصود من الآية بيان كونها لا تخرج عنهم، أو لبيان المصرف والاستيعاب معًا، أي: هل هي لبيان محل الصّدقات فقط؛ لحقيقة","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (٢٠/ ٦٦).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٨١٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167578,"book_id":1216,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":232,"body":"الاستحقاق مع التّعيين. قال بالأوّل الإمام أبو حنيفة، وبالثّاني الإمام الشّافعي.\rمأخذ القول الأوّل: لعله الالتفات إلى المعنى الذي شرعت له الزكاة، وهو أن المقصود بها سدّ الخُلة، ودفع حاجة الفقير، وهذا المعنى موجود في الصنف الواحد، قاله الموزعي، ثم رجح مذهب الشافعي، وبعدها بيَّن أن مأخذ القول الثاني مبني من ثلاثة أوجه (¬١):\r«قال: أحدها: اتباع موضوع الخطاب، فاللام موضوعة للتّمليك حقيقة، والواو موضوعة للتّشريك حقيقة، وحملهما على التّخصيص والتخيير (أي: على صنف واحد) مجاز، والحقيقة خير من المجاز.\rوأجاب عن هذا بأنّ اللام ليست للاستحقاق؛ لأنها لو كانت حقيقة في التمليك لوجب إذا فُقد صنف من هذه الأصناف أن يكون نصيبه لبيت المال، ولا يرد على بقية الأصناف؛ لأن لهم حظًا معلومًا، فلا يعطون شيئا لا يملكونه، وَلَوَجَبَ إن فضل على صنف سهمهم، ونقص على الآخرين سهمهم ألا يردّ عليهم، وهم لا يقولون بجميع ذلك.\rأمّا المأخذ والوجه الثّاني: لمذهب الشافعي، فهو قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ والفرض هو التّقدير، قالوا: وهذا يدلّ على التقدير بين الأصناف.\rوأجاب عنه الموزعي بأنّه يجوز أن يكون فريضة تفسيرًا لحصر الصدقات في المذكورين في الآية دون غيرهم، فقد حصرها الله سبحانه لهم، وفيهم، لا بينهم (¬٢).\rأمّا المأخذ والوجه الثّالث: فهو من السّنة، وفيه: أن رجلًا سأل النّبي ﷺ أن يعطيه من الصّدقة، فقال له رسول الله ﷺ: (إنّ الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٣٤٩).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٣٥١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167579,"book_id":1216,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":233,"body":"الصّدقات، حتى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك) (¬١).\rقال الموزعي: «ولكنه يدخله التأويل، فلقائل أن يقول: إنما أراد النبي ﷺ أن الله جزأ الصدقات إلى ثمانية أجزاء، حتى يخرج من الصدقة من ليس من تلك الأجزاء، فيقطع طمعهم فيها كما قطع طمعهم رسول الله ﷺ، فقال: (لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي) (¬٢)» (¬٣). ا. هـ\rتنبيه: على القول الأوّل والذّي فيه النّظر؛ لسدّ خلة المحتاج، لو اجتمع في شخص واحد معان من الأصناف الثمانية، كأن كان فقيرًا مجاهدًا؛ فإنه لا يستحق إلا على معنى أو صنف واحد.\r• الحكم الرابع: استدل بالآية من قال بوجوب إعطاء ثلاثة من كل صنف.\rومأخذ الحكم: مراعاة للفظ الجمع في الآية، وأقله ثلاثة.\r• الحكم الخامس: فرّق العلماء بين الفقير والمسكين، وموضع ذلك كتب التّفسير.\rومأخذ الحكم: هو كون العطف يقتضي المغايرة.\r• الحكم السادس: استدل بالآية من أجاز دفع الزّكاة للفقير القادر على الاكتساب، والذّي لا تلزمه نفقته، ولسائر القرابة، وللزوج، ولآله ﷺ، وكذا العامل - الساعي","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغني، برقم (١٦٣٠) قال الشيخ الألباني: ضعيف.\r(¬٢) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغني، برقم (١٦٣٤)، والترمذي في كتاب الزكاة عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء من لا تحل له الصدقة، برقم (٦٥٢)، والنسائي في كتاب الزكاة، باب إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها، برقم (٢٥٩٧)، وابن ماجة في كتاب الزكاة، باب من سأل عن ظهر غنى، برقم (١٨٣٩) قال الشيخ الألباني: صحيح.\r(¬٣) تيسير البيان (٣/ ٣٥١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167580,"book_id":1216,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":234,"body":"لجمع الزّكاة - والغزاة، وأبناء السّبيل، والمؤلفة قلوبهم، وإن كانوا أغنياء.\rمأخذ الحكم: العموم الوارد في الآية بالجمع المحلى ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ فالفقير وإن كان قادرًا أو زوجًا … إلخ، وكذا بقية الأصناف.\rخُصَّ عموم ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بالسنة من ألا يكون من بني هاشم، أو ألا يكون ممن تلزم المقصود نفقته. قال القرطبي: «وهذا لا خلاف فيه، وشرط ثالث: ألا يكون قوياً على الاكتساب … » (¬١).\r• الحكم السابع: استدل بالآية على جواز صرف الزّكاة لكل ما يتعلق بالجهاد من مصالحة عدو.\rمأخذ الحكم: العموم في قوله ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو التّعريف بالإضافة.\r• الحكم الثامن: استدل بالآية في مقام -التعضيد- من قال بجواز نقل الزكاة عن موضعها.\rمأخذ الحكم: أنّه ﷾: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ ولم يفصل بين فقير بلدٍ وفقير آخر.\r• الحكم التاسع: استدل بالآية من قوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ جواز إعطاء كل ما كان من فروض الكفاية من الصّدقات.\r• الحكم العاشر: وجوب الزكاة؛ لقوله ﷾ في ختم الآية ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ بالنّصب على المصدر عند سيبويه.\rقال القرطبي: «أي: فرض الله الصدقات فريضة» (¬٢).","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٩١).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٩٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167581,"book_id":1216,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":235,"body":"ومأخذ الحكم: الإتيان بالمصدر، وهو من صيغ الوجوب، كما أن لفظ (الفرض) يدلّ على الإيجاب في كلام الشّارع.\rتنبيه: العموم الوارد في صرف الزكاة للفقراء مخصوص بما ورد في السّنة من: ألّا يكون من بني هاشم، أو ألّا يكون المتصدق عليه ممن تلزم المتصدق نفقته.\rقال القرطبي: «وهذا لا خلاف فيه، وشرط ثالث: ألّا يكون قويًا على الاكتساب … » (¬١).\r• الحكم الحادي عشر: استدل بالآية من قال بعدم جواز الإقراض من مال الزكاة (¬٢)، أي: لمن ليس من أهل الزكاة.\rمأخذ الحكم ما يأتي:\rأولًا: أن المال هو مال للفقير والمسكين يملكونه بنص الآية، حيث أضاف المولى سبحانه الصّدقات لهم بلام الملك، وهذا يقتضي عدم جواز التّصرف بغير إذن مالكه.\rثانيًا: صدرت الآية بأداة الحصر ﴿إِنَّمَا﴾ ومفهوم الحصر عدم جواز أخذها لغير الأصناف الثمانية (¬٣).\rثالثًا: إنّ لفظ ﴿الصَّدَقَاتُ﴾ جمع محلى ب (أل)، وهو يفيد العموم، وهذا يقتضي أن جميع الصّدقات تعطى لهؤلاء المذكورين في الآية، وإذا كان جميعها يعطى لهم، فلا يجوز إقراض غيرهم منها (¬٤).","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٩١).\r(¬٢) وبه أفتت لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت، بفتواها رقم (٤/ ٣١٦). ينظر: الإقراض من أموال الزكاة لنايف حجاج العجمي (١٣ - ١٤).\r(¬٣) ينظر: الإقراض من أموال الزكاة (٥١).\r(¬٤) ينظر: المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167582,"book_id":1216,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":236,"body":"• الحكم الثاني عشر: استدل بالآية من قال بعدم جواز استثمار أموال الزكاة من قبل المالك أو وكيله (¬١).\rومأخذ الحكم: ما سبق من كون اللام للتّمليك، فهي خرجت من ملكه إلى ملك الفقير، ومن ثمَّ لا يجوز له التّصرف بها.\rوأيدوا قولهم: بأنّ الأصل دفع الزّكاة للفقير على الفور؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والأمر يقتضي الفور (¬٢).\rتنبيه: إذا تأخر المالك عن إخراج الزكاة واستثمرها مع ماله، هل يشاركه الفقير والمسكين في الربح والخسارة أو لا؟ خلاف يتوقف على كون الزكاة متعلقة بالعين (المال) أو الذّمة؟ (¬٣).\r• الحكم الثالث عشر: استدل بالآية من قال بعدم جواز صرف الزكاة في حفر الآبار العامّة للفقراء (¬٤).\rمأخذ الحكم: أن اللام في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ لام الملك والاختصاص، وتقتضي التمليك، والآبار يردها الفقير والغني، فليس فيها تمليك خالص للفقراء.\rكما أن مفهوم التمليك هو أن يخلي بين المالك - الفقير هنا - وماله، يتصرف","footnotes":"(¬١) وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، وبه صدر قرار من المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة والمنعقدة بمكة، ومن مجمع الفقه الإسلامي من الهند في ندوته الثالثة عشرة. ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٩/ ٤٥٤ - ٤٥٥)، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ع ٣، ج ١، ص (٣٣٤)، وفتاوى ابن عثيمين (١٨/ ٤٧٨)، والفقه الميسر (٩/ ١٢٥)، النوازل في الزكاة للغفيلي (٤٧٥)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧١ - ٧٢).\r(¬٢) ينظر: المغني (٤/ ١٤٦)، ووفقه النوازل للشيقح (٢١٨)، والنوازل في الزكاة (٤٧١).\r(¬٣) ينظر: مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بين العموم والخصوص د. سعود الفنيسان (٩٧).\r(¬٤) ينظر: الفقه الميسر (٩/ ١٢٥)، وفقه النوازل للشيقح (٢٠٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167583,"book_id":1216,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":237,"body":"به كيف شاء، ويؤيده قوله سبحانه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والإيتاء الإعطاء.\rولذا رأت الهيئة الشرعيّة في بيت الزكاة الكويتي إنّه يجوز شرعًا تمليك مال الزكاة لأهل المنطقة الفقراء، ثم يوجهون إلى وضعه في حفر بئر يبيحون الانتفاع بها لهم ولغيرهم (¬١).\rويرى بعض المفسرين (¬٢) أن الفقير والمسكين والعامل والمؤَّلف قلبه، الذين دخلت عليهم لام التّمليك في الآية، إنّما هو تمليك لما عساه أن يدفع إليهم، ويأخذونه تملكًا؛ لذا كان دخول اللام لائقًا بهم.\rأمّا الأصناف الأربعة الأواخر، الذين دخل عليهم حرف (في) في قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فلا يملكون لما يصرف نحوهم، بل ولا يصرف إليهم، ولكن يصرف في مصالح تتعلق بهم.\rتنبيه: أمّا حفر بئر في ملك فقير معين، فحكمه يتخرج على مسألة مقدار ما يُعطاه الفقير والمسكين؛ فإن قيل لا يعطى أكثر من كفاية السنة فإنّه يمنع ذلك، أمّا على القول يُعطى كفاية العمر فيجوز، كما يجوز شراء بيت ومسكن له (¬٣).\rوينبه - أيضاً -: أن بعض المتأخرين استثنى إذا لم يمكن حفر الآبار إلا بمال الزكاة فإنه يجوز حفرها به؛ للضرورة، والضرورة تبيح المحظور (¬٤).\r• الحكم الرابع عشر: استدل بها من أجاز شراء الكتب المدرسيّة ونفقة الزواج للفقراء من مال الزكاة … إلخ (¬٥)، مما يحتاجه الفقير والمسكين.","footnotes":"(¬١) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (ص: ٣٦٠).\r(¬٢) الألوسي في روح المعاني (١٠/ ١٢٤).\r(¬٣) ينظر: نوازل الزكاة (ص: ٣٦١).\r(¬٤) ينظر: الفقه الميسر (٩/ ١٢٥)، وفقه النوازل للشيقح (٢٠٥).\r(¬٥) ينظر: الفقه الميسر (٩/ ١٢٥)، وفقه النوازل (٢٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167584,"book_id":1216,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":238,"body":"قال الشيخ العثيمين: «والمعتبر ليس فقط ما يكفيه للأكل والشرب، والسكنى، والكسوة، فحسب، بل يشمل حتى الاعفاف، أي: النكاح، فلو فرض أن الإنسان محتاج إلى الزواج، وعنده ما يكفيه لأكله، وشربه، وكسوته، وسكنه، لكن ليس عنده ما يكفيه للمهر، فإنّنا نعطيه ما يتزوج به ولو كان كثيرًا» (¬١).\rمأخذ الحكم: أن المولى سبحانه حدد المصرف، وأطلق في وجوه الصّرف، والمطلق يجري على إطلاقه، فيشمل كل ما يحتاجه.\rثمّ إنّ المقصد هو سد حاجة الفقير والمسكين، والفقر قد يكون في الطعام أو المسكن أو غير ذلك، فيشمل جميع الحاجات من جهة المعنى (¬٢).\rقال الشيخ العثيمين ﵀: «وإذا كان رجل عنده ما يكفيه، لأكله، وشربه، وسكنه، وكسوته، ولكنه طالب علم يحتاج إلى كتب تُشترى له، فإننا نعطيه ما يحتاج إليه فقط من الكتب؛ لأنه إذا كان يعطى لغذائه البدني، فيعطى أيضاً لغذائه الروحي والقلبي، ولكن لا يعطى ليؤثث مكتبة كبيرة، بل لسد حاجته في طلب العلم فقط» (¬٣).\rتنبيه: هذه المسألة مبنية على مقدار ما يُعطاه الفقير والمسكين، والجمهور على أن مقدار ما يُعطاه هو كفاية السنة، وعليه فإنه لا يجوز صرف الزكاة لبناء أو شراء بيت للفقير والمسكين. وأما على القول بجواز إعطائه كفاية العمر فيجوز ما سبق (¬٤).","footnotes":"(¬١) الشرح الممتع (٦/ ٢٢١).\r(¬٢) قال الشيخ العثيمين في الشرح الممتع (٦/ ٢٢٠).: «وسمي الفقير فقيراً؛ لأنه خالي اليد، وأصلها من القفر - وهو مطابق للفقر في الاشتقاق الأصغر بموافقة الحروف مع اختلاف الترتيب- وهي الأرض الخالية من السكان».\r(¬٣) الشرح الممتع (٦/ ٢٢١).\r(¬٤) ينظر: النوازل في الزكاة للغفيلي (٣٥٣، ٣٦١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167585,"book_id":1216,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":239,"body":"• الحكم الخامس عشر: استدل بقوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ من قال بأن الموظفات في المؤسسات الزكوية (¬١) لا يدخلن في مصرف العاملين عليها (¬٢).\rومأخذ الحكم: أن لفظ ﴿وَالْعَامِلِينَ﴾ لفظ مذكر يصرف على الذكور دون الإناث، وأكدّوا ما ذهبوا إليه من كونها نوعًا من أنواع الولايات، فلا يجوز أن تتولاها؛ لقوله ﷺ: (لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة) (¬٣).\rنوقش: بعدم التسليم بأن اللفظ يختص بالذكور، بدليل ألفاظ باقي المصارف، كالفقراء، والمساكين، والعاملين، وهي شاملة للمذكر والمؤنث (¬٤).\rيقول القرضاوي: «والحق أنّه ليس في المسألة دليل خاص يمنع المرأة من الاشتغال بالعمالة على الزّكاة، لكن القواعد العامّة التي توجب … » (¬٥).\r• الحكم السادس عشر: استدل بالآية على جواز صرف سهم العاملين للموظفين في المؤسسات الخيريّة (¬٦)؛ والأصل في العامل هو: الذّي يعينه الإمام لجباية الزكاة وصرفها، وهذا أمر متفق عليه. ولا شك في دخول المرخص لهم من قبل الإمام من المؤسسات.\rومأخذ الحكم: يمكن أن يكون على قاعدة: المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل التقييد، وذكر ﷾: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ مطلقة دون أن يقيد ذلك بنوع من العمل.","footnotes":"(¬١) ينظر: فقه النوازل للمشيقح (٢١٢ - ٢١٣)، ونوازل الزكاة للغفيلي (٣٨٣).\r(¬٢) هذه المسألة حاجتها اليوم أظهر من ذي قبل؛ لذا أعاد المعاصرون النّظر فيها. ومن حيث القواعد الشّرعيّة المرعيّة، فإنّ لفظ الذكور في خطابات الشّرع يطلق أيضًا على المرأة؛ لذا وقع الخلاف في هذا الأصل. وعدم جواز صرف سهم العاملين على النساء هو مذهب المالكية والشافعية وقول عند الحنابلة. ينظر: التاج والإكليل (٣/ ٢٣٠)، وإعانة الطالبين (١/ ١٩٠)، والإنصاف (٣/ ٢٦٦).\r(¬٣) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر، برقم (٤١٦٣).\r(¬٤) ينظر: فقه الزكاة د. القرضاوي (٢/ ٦٣٠)، والي إدارة الزكاة د. سليمان الأشقر (٢/ ٧٤١).\r(¬٥) فقه الزكاة د. القرضاوي (٢/ ٥٨).\r(¬٦) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٣٧٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167586,"book_id":1216,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":240,"body":"كما يخُرَّج على قاعدة تحقيق المناط. وبيانه: أن تعليق الاستحقاق بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾، وهو الحكم، على وصف العمل في قوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ﴾، إيماء بأن علة الاستحقاق هي كونه عاملاً عليها، وهذه العلة متحققة في الموظفين في المؤسسات الخيرية، فيدخل فيه العاملون على الزكاة في المؤسسات الخيرية الزّكويّة على اختلاف أنواع أعمالهم (¬١).\rتنبيهان:\rالأول: لا يحق للموظفين الجمع بين الأخذ من المؤسسة الخيرية - من سهم العاملين عليها - ومن بيت المال (¬٢).\rالثاني: ذكر العلماء ضوابط في استحقاق الموظفين في المؤسسات الخيرية من مصرف العاملين عليها، ومن تلك الضوابط:\r(١) أن يكون العمل الذي يقوم به الموظف مما يحتاج إليه في جمع الزكاة وتوزيعها.\r(٢) أن يراعى في ذلك إعطاء العامل بقدر عمله (¬٣).\r• الحكم السابع عشر: إعطاء الكافر من سهم المؤلفة قلوبهم؛ ليدفع المخاطر عن المسلمين\rوقد استدل بعض العلماء بقوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ على جواز إعطاء الكافر من سهم المؤلفة قلوبهم؛ ليدفع المخاطر عن المسلمين (¬٤).\rالمؤلفة قلوبهم: «قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ قد أسلموا، وكان رسول الله ﷺ","footnotes":"(¬١) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٣٧٩).\r(¬٢) ينظر: المغني (٦/ ٣٢٧)، نوازل الزكاة للغفيلي (٣٧٨).\r(¬٣) ينظر لها بشء من البسط في: نوازل الزكاة للغفيلي (٣٧٩ - ٣٨٠).\r(¬٤) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٠٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167587,"book_id":1216,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":241,"body":"يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرًا، قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه» (¬١)، قاله ابن عباس ﵁ تفسيرًا للآية.\rواستدل العلماء بالعموم السابق على مسائل أخرى منها (¬٢):\r(١) إيجاد مؤسسات لرعاية المسلمين الجدد يصرف لها من سهم المؤلفة قلوبهم.\rومن منع ذلك احتج بعدم وجود التّمليك للأفراد، والذي دلّت عليه لام التمليك في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ وما عطف عليها، ومنها ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾.\r(٢) إعطاء رؤساء الدول الفقيرة والقبائل الكافرة لتأليف قلوبهم للإسلام.\rوقد جاء في قرار الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة، في بيان أهم المجلات التي يصرف عليها هذا السهم «تأليف من يرجى إسلامه، وبخاصة أهل الرأي والنفوذ ممن يظن أن له دورًا كبيرًا في تحقيق ما فيه صلاح المسلمين» (¬٣).\r(٣) القيام بحملات دعائية؛ لتحسين صورة الإسلام والمسلمين، يُصرف لها من هذا السهم؛ لكونه من معاني تأليف القلوب على الإسلام، فيدخل في العموم، ومن منع ذلك احتج بعدم وجود التمليك لمعينين.\rوبعضهم: جعله من مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لكونه نصرة للإسلام.\rومأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وكلام ابن عباس ﵄، وإن كان في قوم قد أسلموا، إلا أن عموم النّص يشمله.","footnotes":"(¬١) رواه ابن جرير بإسناده في تفسيره (٦/ ٣٩٩)، قال الألباني في إرواء الغليل (٣/ ٣٦٩): «لم أقف على إسناده الآن». ونقله صاحب التحجيل في تخريج ما لم يخرج من الأحاديث والآثار في إرواء الغليل ص (١٤١) عن ابن جرير وضعف إسناده.\r(¬٢) أبحاث الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة، مصرف المؤلفة قلوبهم. ينظر: فتاوى وتوصيات ندوة قضايا الزكاة المعاصرة (٥٤)، نقلاً عن نوازل الزكاة للغفيلي (٤٠٧ - ٤١٣).\r(¬٣) ينظر: فتاوى وتوصيات ندوة قضايا الزكاة المعاصرة (٥٤)، نقلاً عن نوازل الزكاة للغفيلي (٤٠٧ - ٤١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167588,"book_id":1216,"shamela_page_id":242,"part":null,"page_num":246,"sequence_num":242,"body":"فائدة: ذكرت الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة ضوابط لصرف سهم المؤلفة قلوبهم (¬١)، وتلك الضوابط هي:\r(١) أن يراعى في الصرف المقاصد ووجوه السياسة الشرعية، بحيث يتوصل به إلى الغاية المنشودة شرعاً.\r(٢) أن يكون الإنفاق بقدر لا يضر بالمصارف الأخرى، وألا يتوسع فيه إلا بمقتضى الحاجة.\r(٣) توخي الدِّقة والحذر في أوجه الصرف؛ لتفادي الآثار غير المقبولة شرعاً، أو ما قد يكون له ردود فعل سيئة في نفوس المؤلفة قلوبهم، وما قد يعود بالضرر على الإسلام والمسلمين.\r• الحكم الثامن عشر: استدل بقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ بعض العلماء على جواز فك الأسرى، وهو مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (¬٢).\rمأخذ الحكم: عموم اللفظ، والأسير رقبته مقيدة بالأسر، فيصرف عليه من هذا السهم؛ لفكاكها.\rنوقش: بأن المقصود فك الرِّقاب، وليس من ذلك فكاك الأسرى؛ لأنهم أحرار، فالمراد بالرِّقاب: الأرقاء (¬٣).\rوأجيب: بأن النص جاء بلفظ ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، ولم ينص فيه على الأرقاء، أو العبيد، وهذا يدل على عموم اللفظ وشموله للعبيد، والمكاتب، والأسير، والأخير -كما سبق- رقبته مُقيَّدة بالأسر، ويكون الصرف عليها بفكاكها من الأسر (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: فتاوى وتوصيات ندوة قضايا الزكاة المعاصرة (٥٤)، نقلاً عن نوازل الزكاة للغفيلي (٤١٣).\r(¬٢) ينظر: المغني (٩/ ٣٢٢)، نوازل الزكاة للغفيلي (٤٢٣)، وفقه النوازل للمشيقح (٢٣٣).\r(¬٣) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٢٤).\r(¬٤) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٢٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167589,"book_id":1216,"shamela_page_id":243,"part":null,"page_num":247,"sequence_num":243,"body":"قال ابن قدامة: «فصل: ويجوز أن يشتري من زكاته أسيراً مسلماً من أيدي المشركين؛ لأنه فك رقبته من الأسر، فهو كفك قيد العبد من الرِّق، ولأن فيه إعزازاً للدين، فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم، ولأنه بدفعه إلى الأسير في فكِّ رقبته فأشبه ما يدفعه إلى الغارم لفكِّ رقبته من الدَّين» (¬١).\r• الحكم التاسع عشر: استدل بها بعض المعاصرين على جواز فكاك الشعوب المسلمة المحتلة من الكافرين (¬٢).\rومأخذ الحكم: النظر إلى المقصد والمعنى؛ إذ إن استرقاق الشعوب في عقائدها وأموالها وسلطانها وحرياتها أشدّ وأخطر من استرقاق الفرد في حريته. وإن شئت قلت بقياس الأولى.\rجاء في فتيا الشيخ محمود شلتوت ﵀ وبعد ذكره انقراض الرِّق قال: «ولكن حلَّ محلَّه الآن رقٌّ هو أشد خطراً منه على الإنسانية، ذلكم هو رق الشعوب في أفكارها، وأموالها، وسلطانها، وحريتها في بلادها .... فهو رقٌّ عام دائم، وهو أجدر وأحق بالعمل على التخلص منه، ورفع ذله عن الشعوب، لا بمال الصدقات فقط، بل بكل المال والأرواح» (¬٣).\rنوقش: بأن احتلال الكافرين لبلاد المسلمين ليس داخلًا في دلالة لفظ الرقاب لغة ولا شرعًا (¬٤).\rفالرقبة لغة وشرعاً تحمل على المعروف في العهد النبوي، وهو الرِّق الفردي، وهو الذي كان سائداً قبل الإسلام. وجاء الإسلام متشوفاً للتخلص منه، وألفاظ","footnotes":"(¬١) المغني (٩/ ٣٢١ - ٣٢٢).\r(¬٢) ينظر: تفسير المنار (١٠/ ٥٩٨)، وفتاوى الشيخ محمود شلتوت (١١٨)، بواسطة كتاب نوازل الزكاة للغفيلي (٤٢٧).\r(¬٣) فتاوى الشيخ محمود شلتوت (١١٨).\r(¬٤) ينظر: فقه الزكاة للقرضاوي (٢/ ٦٦٤)، نوازل الزكاة (٤٢٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167590,"book_id":1216,"shamela_page_id":244,"part":null,"page_num":248,"sequence_num":244,"body":"الشارع تحمل على عرفه (¬١).\rكما أن المقصود المذكور يتحقق بالموارد الأخرى للزكاة، كمصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (¬٢).\r• الحكم العشرون: استدل بقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من قال بصرف الزكاة للمقاتلين في سبيل الله دون غيرهم (¬٣)، وصرفه لهم لا خلاف فيه بين العلماء.\rويخرج الحكم: على قاعدة: تقديم الحقيقة الشرعيّة على الحقيقة اللغويّة، إذا تعارضتا، فإن لفظ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني لغة: كل طريق يؤدي إلى مرضات الله، وهذا عامّ في كل معروف، لكن الشارع نقل هذا اللفظ العامّ على معنى خاص وقصره على الجهاد، فقدمت الحقيقة الشّرعية؛ لأنها مقصود الشارع في خطابه غالبًا.\rتنبيه: من مصارفه العصريّة: إنشاء وتمويل المصانع الحربيّة، التي تصنع مختلف أنواع الأسلحة الثّقيلة والخفيفة، وشراء تلك الأسلحة عند الاحتياج، وإنشاء معاهد التّدريب على الأسلحة، والقتال للمؤهلين للدّفاع عن ديار الإسلام، وطبع الكتب والمجلات العسكريّة والتّوجيهيّة للمقاتلين المسلمين مما يحتاجونه في جهادهم، وإنشاء مراكز للدّراسات المختصّة بمواجهة خطط الأعداء (¬٤).\rقال الدكتور عبد الله بن منصور الغفيلي: «وهذه الصور المذكورة إنّما يجوز صرف الزكاة فيها، إذا قرر علماء الأمّة انطباق الوصف الشّرعيّ عليها» (¬٥).","footnotes":"(¬١) ينظر: بحث مصرف الزكاة د. نزيه حماد، ضمن أبحاث الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة (٣٢٠)، بواسطة نوازل الزكاة للغفيلي (٤٢٨) حاشية (١).\r(¬٢) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٢٨).\r(¬٣) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٣١).\r(¬٤) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٤٥ - ٤٤٦).\r(¬٥) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167591,"book_id":1216,"shamela_page_id":245,"part":null,"page_num":249,"sequence_num":245,"body":"الحكم الحادي والعشرون: استدل بالآية على تعميم هذا المصرف في وجوه البر والخير، سواء كان جهاداً بالنّفس أو المال أو الحج والعمرة، أو الوقف، أو طلب العلم، أو بناء المساجد والقناطر، وتعبيد الطرق، وتكفين الموتى، وكفالة الأيتام والأرامل، والدّعوة إلى الله بنشر الكتب العلميّة وبناء المدارس والمستشفيات ومراكز الإغاثة … إلخ (¬١).\rومأخذ الحكم السابق: وهو توسيع مفهوم ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ على أعمال البرّ ووجوهه.\rأولاً: تحقيق مناط المصرف، باعتبار انطباق الوصف الشّرعيّ عليها.\rثانيًا: تفسير بعض الصّحابة لهذا المصرف؛ منهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وحذيفة (¬٢).\rثالثًا: ويمكن القول بعموم اللفظ، في كل تلك الوجوه؛ لأنها داخلة في معنى سبيل الله.\rرابعاً: المقصد الشّرعيّ، أو تعميم الحكم لتعميم علته، وبيان ذلك: أن القصد من الجهاد في سبيل الله في الإسلام هو: أن تكون كلمة الله هي العليا، وهذا القصد يتحقق بإعداد الدعاة، وفتح المدارس والمعاهد .... إلخ.\rالحكم الثاني والعشرون: استدل بقوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ صرف الزكاة على المهاجرين الفارين بدينهم، ومنهم من قصره على المسافر المنقطع.","footnotes":"(¬١) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٤٥ - ٤٤٦)، مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ للفنيسان (١٠٦).\r(¬٢) ينظر: مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ للفنيسان (١٠٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167592,"book_id":1216,"shamela_page_id":246,"part":null,"page_num":250,"sequence_num":246,"body":"والأصل أن ابن السبيل: هو المسافر، مهما كانت مسافة سفره الذي طرأت عليه الحاجة؛ بسبب ضياع ماله، أو نفاد نفقته، وإن كان غنيًا في بلده (¬١).\rمأخذ الحكم: يرجع إلى تحقيق معنى ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، فمن عممّه جعله شاملاً للمهاجر الفارين بدينهم وغيرهم (¬٢)، ومن قصره على حقيقته الشرعية، وهو المسافر المنقطع الغريب. بناء على تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية.\rوأدخل بعض المعاصرين في هذا المصرف المبعدون عن بلادهم التي بها أموالهم، مع رجاء عودتهم لبلادهم، بخلاف من لا يرجو ذلك فهو في حكم الفقير (¬٣).\rوأدخل بعضهم في هذا المصرف: المغتربين عن أوطانهم لطلب العلم أو العمل، إن لم يستطيعوا أن يصلوا إلى أموالهم التي في بلادهم، ولم يقصدوا الإقامة والاستقرار في بلد الغربة، وغلب على الظن رجوعهم قريباً، حتى لا يدخلوا في مصرف الفقراء (¬٤).\rالحكم الثالث والعشرون: استدل بالآية من أجاز صرف الزكاة على المحرومين من المأوى في بلادهم لظروفهم المعيشية الصعبة (¬٥).\rمأخذ الحكم: يرجع إلى تحقيق معنى ومناط ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وقالوا يدخل هؤلاء فيه بمعنى السؤال، كما نص عليه بعض الحنابلة (¬٦).","footnotes":"(¬١) فتاوى وتوصيات ندوات قضايا الزكاة المعاصرة، المتعلقة ببيان مصرف ابن السبيل (١٥٢) بواسطة كتاب نوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٤).\r(¬٢) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٤).\r(¬٣) فلا يدخل في مصرف ابن السبيل. ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٧).\r(¬٤) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٩ - ٤٦٠).\r(¬٥) ينظر: فقه الزكاة للقرضاوي (٢/ ٧٢٩)، ونوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٨).\r(¬٦) ينظر: الإنصاف للمرداوي (٧/ ٢٥٢)، ونوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167593,"book_id":1216,"shamela_page_id":247,"part":null,"page_num":251,"sequence_num":247,"body":"أو لكونهم أبناء الطريق؛ لسكنهم في الطرقات والتجائهم إليها، فيأخذون حكم المسافر المنقطع عن ماله (¬١).\rنوقش: بعدم التسليم بأن ابن السبيل بمعنى السؤال لا لغة ولا شرعاً.\rوكما سبق فإن ألفاظ الشارع تحمل على عرفه، وعرفه في ابن السبيل هو المسافر المنقطع عن ماله كما سبق.\rالحكم الرابع والعشرون: استدل بالآية من أجاز صرف الزكاة على المسافرين لمصلحة عامة يعود نفعها للمسلمين.\rمأخذ الحكم: يرجع إلى تحقيق معنى ومناط ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، على القول بجواز إعطاء من يريد سفراً ولا يجد نفقة، فإنه يعطى من هذا المصرف (¬٢).\rنوقش: «بعد التسليم، فابن السبيل، فابن السبيل هو المسافر فعلاً، لا المنشيء للسفر، كما هو مذهب الجمهور، مع كون القائل بذلك أخذ بقول الشافعي فيما إذا كان في سفره مصلحة للمسلمين، ولم يأخذ بإطلاق الشافعي في حق كل من أنشأ سفراً وهو لا يجد نفقة، وفي ذلك تجزئة للقول على خلاف مراد الإمام؛ لأنه مبني على أصل واحد، وهو أن الأخذ لحاجته وهو يريد سفراً ممن لا مال عنده يُعدُّ ابن سبيل؛ لأنه سينفق المال في سفره، فكل من كان هذا حاله جاز له الأخذ، فالقول بجواز الأخذ في حال دون حال غير متَّجه» (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: فقه الزكاة للقرضاوي (٢/ ٧٢٩)، ونوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٨).\r(¬٢) وهذا على مذهب الشافعية. ينظر: فقه الزكاة للقرضاوي (٢/ ٧٢١)، ونوازل الزكاة للغفيلي (٤٦١).\r(¬٣) نوازل الزكاة للغفيلي (٤٦٢)، وأحال إلى مصرف ابن السبيل وتطبيقاته المعاصرة، ضمن أبحاث الندوة التاسعة لقضايا الزكاة المعاصرة (٤٠١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167594,"book_id":1216,"shamela_page_id":248,"part":null,"page_num":252,"sequence_num":248,"body":"كتاب الصيام\rقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥].\rاستدل بالآيات الكريمة على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: استدل بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ على فرضية الصيام، وهوأمر مجمع عليه، ومعلوم من الدين بالضرورة.\rمأخذ الحكم: هو الإخبار بالحكم، ويُراد به الطّلب، وهو نصٌ في الوجوب مأخوذ من (كتب الشيء) إذا حتمه وألزم به، ولذا سميت الصلوات الخمس بالمكتوبات.\rوأكّد الوجوب بقوله ﴿عَلَيْكُمُ﴾ ولا خلاف بين العلماء أن «على» من الألفاظ الدّالة على الوجوب، واعتبرها البعض من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب.\rتنبيه: قوله: ﴿الصِّيَامُ﴾ اختلف هل هو مجمل أم من العامّ؟\rفذهب بعضهم إلى أنه مجملٌ لكن السّنة بينته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167595,"book_id":1216,"shamela_page_id":249,"part":null,"page_num":253,"sequence_num":249,"body":"وذهب بعضهم إلى أنّه عامّ؛ لأنّ الصوم الإمساك، لكن الشرع قد خصصه بإمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة، في أوقات مخصوصة على وجه مخصوص، ورجّح كل فريق مذهبه.\rوسبق بيان القاعدة والأصل الذي بسببه ويقع الخلاف في حمل الأسماء الشّرعيّة التي علق الشارع عليها أحكامًا على الإجمال وعدمه.\rتنبيه ثان: قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ اختلف العلماء في معنى التشبيه في الآية أي: في الذي كان مفروضا، ثم فرض علينا كما فرض عليهم، وذكر أهل التفسير عددًا من الاحتمالات، وادعى بعضهم عدم ترجح أحد الاحتمالات، وعليه فهذا لفظ مجمل عنده، ومن تلك الاحتمالات:\r(١) المقصود بالذي كتب علينا كما كتب عليهم، صفة الصيام في الامتناع من الأكل أو الجماع بعد النوم، أو أن من صلى العتمة لم يأكل، ولم يقرب النساء بقية ليلته ويومه حتى يمسي، وقد كتب علينا هذا في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية.\r(٢) ويحتمل أن الذين كتب: العدد، أي: صيام شهر. وهذا محكم غير منسوخ إن أريد به شهر، وقيل: غير ذلك.\r(٣) ويحتمل أن يريد به: العدد والوقت، أي: شهر رمضان وهذا محكم غير منسوخ.\r(٤) ويحتمل أن يريد به جميع ما سبق.\r(٥) ويحتمل أن يريد به تعَيُّن الصيام خاصّة، أي: الإمساك، لا على الصّفة، ولا على العدة، وإن اختلف الصيامان بالزيادة أو النقصان.\rقال ابن الفرس: «وقد ذكر أهل التفسير هذه الاحتمالات، فذهب كل فريق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167596,"book_id":1216,"shamela_page_id":250,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":250,"body":"منهم إلى ما هو الأظهر منها عنده» (¬١).\rوقال ابن العربي: «وجه التّشبيه فيه محتمل لثلاثة أوجه: الزمان، والقدر، والوصف، ومحتمل لجميعها، ومحتمل لاثنين منها» (¬٢).\rثم قال: «والمقطوع به أن التشبيه في الفرضية خاصة؛ وسائره محتمل» (¬٣).\rتنبيه ثالث: مما سبق عُلِم ما نسخ وما لم ينسخ، وتبقى أمور متعلقة بالنسخ منها:\rالأوّل: على القول بالنسخ في الصفة، اختلف أهل العلم هل يكون ذلك نسخا لبقية الآية، بناء على اختلافهم في العبادة إذا نُسخ شرطٌ من شروطها هل يقال: إنّه نسخ لبعض العبادة لا لأصلها؟ أم يقال إنّه نسخ لأصلها؟ فمن رأها نسخًا لأصلها أطلق القول بأن الآية كلها منسوخة، ومن لم ير ذلك لم يطلق القول بذلك.\rالثاني: ذهب بعض أهل العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة لصيام يوم عاشوراء، أو ناسخة لما كان كتب عليهم قبل أن يفرض رمضان وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وكلاهما من نسخ السنة بالقرآن.\rوقد فُسّر قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ بأنّه: ثلاثة أيام، وقيل: الأيام البيض، وقد روي عن معاذ أن ذلك كان واجبًا ثم نسخ، وقيل: المراد بها رمضان.\rأمّا قوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ دلّ بعمومه الوارد في اسم الموصول ﴿الَّذِينَ﴾ والمعرَّف بالإضافة ﴿قَبْلِكُمْ﴾ أن الصيام كان مفروضا على الناس كلهم، وقيل المراد بهم أهل الكتاب، وقيل النصارى. والله أعلم.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٨٤).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٠٧).\r(¬٣) المصدر السابق (١/ ١٠٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167597,"book_id":1216,"shamela_page_id":251,"part":null,"page_num":255,"sequence_num":251,"body":"• الحكم الثاني: استدل بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وجوب الصوم على المريض والمسافر.\rمأخذ الحكم: قوله: (مَنْ) وهي شرطية تفيد العموم، فيدخل فيه كل مريض ومسافر.\rوقوله: ﴿مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ نكرات في سياق الشرط، فتعم كل مريض ومسافر.\rوقد تعلق في المريض والمسافر بمقتضى هذه الآية أحكام:\r• الحكم الثالث: اختلف العلماء في المراد بالمسافر والمريض الذي يبيح لهما الفطر.\rمأخذ الخلاف يرجع إلى أصول منها:\rإذا تعارض اللفظ والقصد، فأيهما المقدم؟، واللفظ هو السفر والمرض، والقصد من إباحة الفطر هو دفع المشقة اللاحقة بهما.\rومن العلماء من علق الحكم الذي هو إباحة الفطر هنا بالعلة في السّفر، في كونه سفرًا، وعلقها بالحكمة دون العلة في المرض، بالمشقة، ولم يعلقها بالمرض لكونه لا ضابط له.\rقال ابن قدامة: «والمرض لا ضابط له؛ فإن الأمراض تختلف، منها ما يضر صاحبه الصومُ، ومنها ما لا أثر للصوم فيه، كوجع الضرس، وجُرح في الإصبع، … فلم يصلح المرض ضابطا، وأمكن اعتبار الحكمة، وهو ما يخاف منه الضرر، فوجب اعتباره» (¬١).","footnotes":"(¬١) المغني (٣/ ١٥٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167598,"book_id":1216,"shamela_page_id":252,"part":null,"page_num":256,"sequence_num":252,"body":"ثمّ إنّ للخلاف في قاعدة: العبرة بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ ارتباطاً هنا فمن قال بأن كل ما يطلق عليه سفرًا أو مرضًا فإنه يبيح الفطر، ولو كان سفرًا قصيرًا أو مرضًا يسيرًا، وحُكي عن ابن سيرين.\rومما سبق يُعلم أن من العلماء من فرّق بين السفر والمرض، ويمكن اعتبار ضابط السفر، هو ما تقصر به الصلاة، إمّا بالتحديد كما عند بعضهم، أو بالعرف، والله أعلم.\rوعموم الآية حملها بعضهم على جميع أنواع السفر سواء كان لطاعة أو مباح أو معصية، وخص بعضهم بالقياس المباح والمعصية.\rأمّا بالنسبة للمرض فإن كان يخشى من الصوم هلاك المريض أو تفويت منفعة من منافعه، أو أذى شديدًا، فهذا يجب عليه الفطر، وقد نقل بعض العلماء الإجماع على ذلك، ويعبَّر عنها الأصوليون بالرخصة الواجبة.\rأمّا إن كان الصّوم يشق على المريض فالجمهور على جواز الفطر، وكونه أولى وأفضل، ومنهم من أوجب عليه الفطر.\rأمّا إن كان الصوم لا يلحق المريض بسببه ضررًا، ولا مشقة كبيرة، فالجمهور على أنّه لا أثر للمرض في الصوم، فيجب عليه الصوم؛ لأنّ تحصيل مصالح العبادة أولى من دفع مثل هذه المشقة الني لا يؤبه لها.\rومعلومٌ أنّه ما من تكليف إلا وفيه مشقة محتملة، فلو كان مجرد وجود المشقة مانعًا لخلت التكاليف عنها.\rتنبيه: ويلحق بالمريض هنا الصّحيح إذا غلب على ظنه المرض بصومه عند بعض العلماء.\rقال ابن قدامة: «والصّحيح الذي يخشى المرض بالصيام، كالمريض الذي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167599,"book_id":1216,"shamela_page_id":253,"part":null,"page_num":257,"sequence_num":253,"body":"يخاف زيادته في إباحة الفطر؛ لأن المريض إنما أبيح له الفطر خوفا مما يتجدد بصيامه، من زيادة المرض وتطاوله، فالخوف من تجدد المرض في معناه» (¬١).\rوإذا عرفت المآخذ السابقة، وتمهدت فسنتعرض هنا لمعرفة أهم معرفة أحكام الصوم والقضاء للمريض والمسافر فأقول:\r• الحكم الرابع: اختلف العلماء في صوم المريض والمسافر هل يجزئهما عن فرضهما أم لا؟\rفذهب الجمهور إلى الإجزاء، وذهب أهل الظّاهر إلى أنّه لا يجزئهما بل فرضهما أيام أخر.\rمأخذ الحكم وسبب الخلاف: يرجع إلى الخلاف في وجوب التقدير في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فقدّر الجمهور «فأفطر» فعدة من أيام أخر.\rوقالوا: إنّما فرضه عدّة من أيام أخر إذا أفطر.\rوهنا لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون الاعتماد على كون الآية على المجاز، والعلاقة علاقة النّقصان، وهو كالموجود للافتقار إليه.\rأو أنّه من دلالة الاقتضاء، لتوقف صحة الحكم عقلًا على المقدّر «فأفطر» مقدرة من أيام أخر، حيث إنّه دلالة المنطوق غير الصّريح، وهو مقصود للمتكلم، ويتوقف عليه صحة الحكم عقلًا وهو من أقسام الاقتضاء.\rأمّا الظاّهرية فحملوا الكلام على حقيقته دون مجازه، ولم يروا توقف صحة الحكم عقلًا على المقدّر، وبناء عليه قالوا: ليس هناك محذوف، أو مقدر.","footnotes":"(¬١) المغني (٣/ ١٥٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167600,"book_id":1216,"shamela_page_id":254,"part":null,"page_num":258,"sequence_num":254,"body":"وفرض المسافر والمريض عدة أيام أخر، وليست هي رمضان.\rقال السيوطي: «واستدل به داود على أنه لا يصح صوم المريض والمسافر؛ لأنّه تعالى جعل الواجب عليه أيامًا أخر، فكان صائمًا قبل الوقت» (¬١).\rثم إنّ الإتيان بما وجب عليهم في العدة من أيام أخر هو المسمى بالقضاء؛ لأنّه يدل عن الفعل في الوقت الأوّل، ويتقدر بمقداره، إذْ لو لم يكن عوضًا عن تلك، ولا بدلًا عنها لما تقدّرت بها. ويترتب على القضاء أحكام منها:\r• الحكم الخامس: ذهب داود الظاهري أنه على الفور.\rمأخذ الحكم: كون الأمر يقتضي الفور، وأنّه إذا لم يصم اليوم الثّاني من شوال أثم وإن مات عصى.\rوذهب الجمهور أنّه على التّراخي، وأن الأمر مصروف في قضاء رمضان لما ثبت عن عائشة ﵂.\r• الحكم السادس: ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اشتراط التتابع.\rمأخذ الحكم: هو أنّ الأصل في المطلق أنّه يبقى على إطلاقه، إذا لم يرد المقيد المعتبر، والإطلاق في تنكير (أيامًا).\rويذكر أهل الأصول هذه المسألة في مسألة إذا وجد نصان مقيدان بقيدين مختلفين، كتقييد صوم الظهار بالتتابع بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾.\rوالتفريق في صوم المتعة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ووجد نصٌ مطلق - كالوارد هنا -","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٣٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167601,"book_id":1216,"shamela_page_id":255,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":255,"body":"قالوا هنا في قضاء رمضان فلم يرد به تتابع، ولا تفريق فأطلق القضاء، وجنس الجميع واحد وهو الصوم.\rأمّا من حيث اللغة، فلا خلاف أنّه لا يلحق بواحد منهما لغة، إذ لا مدخل للغة في الأحكام الشرعية، والخلاف إنّما في جواز حمله قياسًا إذا وجد جامع معتبر، وفي مسألتنا لا يوجد الجامع بين المطلق وأحد القيدين إذ لا شبة بين صيام القضاء وبين صيام الظهار، وعليه فيبقى المطلق على إطلاقه، فلا يجب في صوم قضاء رمضان تتابع ولا تفريق.\rأمّا إذا قال قائل بوجود علة بين المطلق والمقيد تقتضي الإلحاق، فإن المسالة تعود للخلاف في مسألة حمل المطلق على المقيد إذا اتحد الحكم واختلف السبب.\rوقال الطوفي وغيره تبعًا للموفق ابن قدامة بحمل المطلق على أشبههما به أي: من المقيدين بقيدين مختلفين (¬١).\r• الحكم السابع: إذا شرع في قضاء الصوم فهل يلزمه بالشروع فيه، ويحرم خروجه منه؟\rمأخذ المسألة عند الأصوليين، أنّ ما كان وقته موسعًا من فرائض الأعيان فإنّه يلزم بالشروع، ويحرم الخروج منه بلا عذر، ونُسب للأئمة الأربعة (¬٢).\rونقل بعضهم عدم الخلاف. والخلاف موجود ومنقول عن الشافعي أيضًا.\rوقال المجد بن تيمية معللًا للقول الأول: «لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنّ الخروج من عهدة الواجب متعين، ودخلت التوسعة في وقته رفقًا ومظنة الحاجة، فإذا شرع","footnotes":"(¬١) التحبير للمرداوي (٦/ ٢٧٣٥).\r(¬٢) التحبير (٦/ ٨٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167602,"book_id":1216,"shamela_page_id":256,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":256,"body":"تعينت المصلحة في إتمامه» (¬١).\r• الحكم الثامن: من أفطر في رمضان كله قضى أيامًا بعدده، فلو كان تامًا لم يجزه شهر ناقص، أو ناقصًا لم يلزمه شهر كامل، خلافًا لمن خالف في الصورتين:\rمأخذ الحكم: قال ابن الفرس: «لأنّ ظاهر الآية أنّ على المفطر أيامًا بعدد الأيام التي أفطرها، ولم يفرّق بين أن تكون تلك الأيام شهرًا أو لا تكون … » (¬٢).\rفقوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ أي فالواجب عليه أياماً معدودة بقدر ما أفطر.\r• الحكم التاسع: يجزئ صوم يوم قصير مكان يوم طويل.\rقال السيوطي: «ولا أعلم فيه خلافًا» (¬٣).\rمأخذ الحكم: أطلقت الآية الأيام في قوله: ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، واليوم يصدق على الطويل والقصير، والمطلق يجري على إطلاقه.\r• الحكم العاشر: لا فدية مع القضاء على المسافر والمريض\rمأخذ الحكم: عدم النص على ذلك، ولا واجب بغير دليل.\r• الحكم الحادي عشر: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ تدل على أن المطيق للصوم، دون تكلف ولا مشقة يباح له الفطر، والفدية.\rمأخذ الحكم: باعتبار أنه مخير بين الصّوم أو الفطر والفدية، وهذا الحكم منسوخ في حقه بإجماع والناسخ كما سيأتي ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٦/ ٨٨٧).\r(¬٢) أحكام القرآن (١/ ١٩٠ - ١٩١).\r(¬٣) الإكليل (١/ ٣٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167603,"book_id":1216,"shamela_page_id":257,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":257,"body":"ويحتمل أن يراد بالآية المطيق عامًا وإن كان عن تكلف ومشقة، فيدخل أصحاب الأعذار كالمسافر والمريض، ثم رفع منها حكم المطيق دون تكلف ولا مشقة بوجوب الصوم عليه كما سبق.\rوقيل بأن العموم هنا لا يدخل فيه المسافر والمريض، بل يجب عليهم القضاء لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾\rويحتمل المراد بالآية المطيقون للصوم بالتكلف والمشقة من غير أهل الأعذار، كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، وعلى هذا فالآية محكمة غير منسوخة، وبه قال ابن عباس ﵄، وهذا بناء على تقدير لا النافية، أي: (على الذين لا يطيقونه) أو على تأويل (يطيقونه) على معنى يتكلفون، وفي البخاري عن عطاء سمع ابن عباس ﵄ يقرأ (وعلى الذين يُطوّقونه فلا يطيقونه فدية طعام مسكين)، قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، وهو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعما مكان كل يوم مسكينا» (¬١).\rوهذا قول صحابي ثابت عنه في تفسير آية، فهو حجة، ووجه هذا القول: هو اعتبار أن الفدية معادلة للصوم في مقام التخيير لما كان في أول الأمر مخيَّراً بين الصوم أو الفدية، فلما تعذر أحد البدلين في الشيخ الكبير وهو الصوم ثبت الآخر وهو الفدية.\r• الحكم الثاني عشر: يلحق بالشيخ الكبير: الحامل والمرضع.\rوقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: (وكانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ برقم (٤٥٠٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167604,"book_id":1216,"shamela_page_id":258,"part":null,"page_num":262,"sequence_num":258,"body":"يطيقان الصيام يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينًا، والمرضع والحبلى إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا» (¬١).\rوروى عن ابن عمر ﵄، ولم يوجبا عليهما القضاء، وهذا مأخذ هذا القول، وهو قول الصحابي وكذا القياس على الشيخ بجامع العجز وعدم القدرة وقوعاً أو تقديراً.\rقال السيوطي: «قال أبو عبيد: اختلف الناس في الحامل والمرضع. فقيل: عليهما الفدية دون القضاء. وقيل: القضاء دون الفدية، وقيل: الأمران. وكلّ تأول الآية.\rفمن قال بالفدية فقط رأى أنهما ممن لا يطيق، وليستا من أهل السفر ولا المرض، وأهل هذا الوصف هم أهل الفدية.\rومن رأى القضاء فقط رأى الحمل والرضاع علتين من العلل كالمرض\rومن أوجبهما قال: إن الله حكم في تارك الصوم بعذر بحكمين، القضاء في أية، والفدية في أخرى، فلما لم يجد لهما ذكرًا في واحدة منهما جمعهما عليهما أخذًا بالأحوط» (¬٢) أ. هـ.\r• الحكم الثالث عشر: يلحق بالشيخ الكبير والمرأة العجوز: المريض الذي لا يرجى برؤه.\rقال السيوطي: «وإن جعلناها محكمة ففيها دليل على إباحة الإفطار لمن لا يطيق لعذر لا يرجى برؤه وأنّ عليه فدية بدل الصوم» (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود في أول كتاب الصوم، باب من قال: هي مُثبَتَة للشيخ والحبلى برقم (٢٣١٨)، والدر المنثور للسيوطي (١/ ٤٣١).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠).\r(¬٣) الإكليل (١/ ٣٤٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167605,"book_id":1216,"shamela_page_id":259,"part":null,"page_num":263,"sequence_num":259,"body":"ومأخذه: القياس كما سبق.\r• الحكم الرابع عشر: استدل بقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، من ذهب إلى وجوب الفدية على الشيخ الكبير والعجوز باعتبار أن الآية محكمة، وأن الشيخ داخل تحت عمومها.\rمأخذ الحكم والوجوب: قوله: ﴿وَعَلَى﴾ الدّالة على الوجوب كما سبق، وهذا مذهب أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم: إلى أن الإطعام غير واجب وإنّما هو مستحب؛ لكونه مفطرًا بعذر، موجود، فلم يلزمه كالمريض والمسافر.\rفائدة: مقدار الفديّة: مُدّ بر أو نصف صاع من غير البر، وهو بالخيار إن شاء فدى عن كل يوم بيومه، وإن شاء أخر إلى آخر يوم فيصنع طعامًا بحسب الأيام التي عليها، ويدعو المساكين إليه كما فعل أنس ﵁ لما كبر. وإن أطعمهم طعامًا غير مطبوخ.\rقال بعضهم: ينبغي أن يجعل معه ما يؤدمه من لحم أو نحوه، حتى يتم قوله تعالى: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.\rوبيَّن الموزعي مأخذ الذين قدروا الفدية فقال: «فإن قلتم فما مقدار طعام مسكين؟.\rقلت: مُدٌّ عند أهل الحجازي، ونصف صاع عند أهل العراق.\rومستند فقهاء الحجاز أنهم وجدوا أقلَّ شيء أُخرج وأُطعم فجعلوه حدَّاً مقدَّراً، ويستأنسون بما ورد في بعض طرق حديث الكفارة على المجامع في نهار رمضان: أن العَرَقَ الذي أُتي به النبي ﷺ كان فيه خمسة عشر صاعاً، فقال له: (خذه وتصدق به) بعد أن ندبه إلى إطعام ستين مسكيناً. ومستند أهل العراق: فدية الأذى، رأوها أقرب الأشياء شبهاً به، من حيث إنه يحرم فعلهما من غير عذر،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167606,"book_id":1216,"shamela_page_id":260,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":260,"body":"ويجوز فعلهما مع العذر، فدلَّ على أنه مثله» (¬١).\rأمّا مصرف الزكاة فهم المساكين كما نصت الآية.\r• الحكم الخامس عشر: استدل بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ من أجاز التطوع بصوم يوم الشك.\rمأخذ الحكم: العموم داخل على المتطوع بصيغة (من) الشّرطية، وداخل على المتطوع به في تنكير ﴿خَيْرًا﴾ في سياق الشرط، فيعم كل خيرٍ.\rقال ابن الفرس: «وهذا الاحتجاج يدل على أن الخير في الآية يدُلّ عند من احتج بها عام في جميع أنواع الخير» (¬٢).\r• الحكم السادس عشر: استدل بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ على أن الصوم لمن أبيح له الفطر أفضل ما لم يجتهد.\rمأخذ الحكم: الخيرية الواردة في الآية؛ إذ المعنى: وأن تصوموا أيها المرخصون لكم في الإفطار من المرضى والمسافرين، والذين يقدمون على الصوم مع المشقة ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإفطار والفدية، أو تطوع الخير، أو منهما ومن التأخير للقضاء.\r• الحكم السابع عشر: استدل بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، على وجوب الصوم على كل من شهد الشهر.\rمأخذ الحكم: أولاً: قوله ﴿فَمَنْ﴾ شرطية تعم كل من شهد الشهر، فإنّه يجب عليه الصوم، ويحمل العامّ على عمومه إلّا ما خصه الدّليل، وقد دلّ الدليل على","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (١/ ٢٤٤ - ٢٤٥).\r(¬٢) أحكام القرآن (١/ ١٩٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167607,"book_id":1216,"shamela_page_id":261,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":261,"body":"إخراج الصّغير.\rثانياً: قوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ مضارع مجزوم بلام الأمر، وهو أحد الصّيغ الصّريحة للأمر، والدالة.\rثالثاً: اقتران الحكم وهو وجوب الصوم على شهود الشهر، فيكون شهود الشهر سبباً أو علّة للصوم، ويؤخذ من مفهومها أن من لم يشهد الشهر فإنه لا يجب عليه.\r• الحكم الثامن عشر: اختلف العلماء في معنى الشهود للشهر، والمقصود منه:\rفقيل: هو رؤية الهلال أو العلم برؤيته قاله كثيرٌ من أهل العلم، ويؤيده قوله ﷺ: (إذا رأيتموه فصوموا) (¬١) ثم لما شهد عنده من رآه، أمر جميع الناس بصيامه، ولم يشترط على الجميع رؤيته.\rوقيل: شهد بمعنى أدرك، كما يقال: شهد زمان النبي ﷺ أي: أدركه.\rوهذا مأخذ كثير من المسائل، ومن المسائل المترتبة عليه:\rالمسألة الأولى: دخول الرؤية عبر المراصد الفلكية، إذ إنّه يقال عمن رآه بواسطتها أنّه رآه.\rأمّا الحساب فقد يدخل في معنى الشهود بأنّه العلم برؤية الهلال بأي طريق كان، والجمهور على عدم اعتباره، ونقل بعضهم الإجماع على عدم اعتباره - والله أعلم - والخلاف محله عندما تتعذر رؤية الهلال لمانع الغيم أو قتر، أو تقدم للشمس على القمر إلى غير ذلك.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، برقم (١٨٠١)، ومسلم في كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما، برقم (١٠٨٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167608,"book_id":1216,"shamela_page_id":262,"part":null,"page_num":266,"sequence_num":262,"body":"المسألة الثانية: عدم اعتبار اختلاف المطالع، بل إن رؤي في بلد ما، وجب على جميع المسلمين الصيام، وهي مسألة خلافية منذ القدم.\rومن قال باعتبار اختلاف المطالع استدل بأدلة أخرى. أمّا إذا اتحدت المطالع فقد لزم الصوم؛ إذ إنهم يعتبرون في حكم المشاهد أي: حكمًا لا حقيقة.\rالمسألة الثالثة: إذا شهد الشهر أثناء النهار، فإنه يلزمه الإمساك، واختلفوا هل يلزمه القضاء، فذهبت الحنفية إلى أنّه قد صام بعد شهوده الشهر، فخرج من عهدة الأمر، أخذًا بعموم الآية. وحمل الجمهور الصيام هنا على الصيام الشّرعي، ولا يُعلم أن من صام بنيةٍ من النهار، قد أتى بصوم شرعي، فلا يخرج من عهدة الأمر.\rالمسألة الرابعة: إنّ من شهد الشهر ورآه لوحده، ورُد قوله، فإنّه يلزمه الصوم لعموم الآية.\rومنها: أن من شهد أوّل الشهر، أو آخره فليصم ما دام مقيمًا، بخلاف من قال إن من حضر دخول الشهر وكان مقيمًا في أوله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو لا، وإنّما يفطر في السّفر من دخل عليه رمضان وهو في سفره، وهذا القول وإن قال به علي وابن عباس وغيرهم إلّا أنّه مردود بسفر النبي ﷺ في رمضان وإفطاره فيه وهو بالكديد (¬١).\rومأخذ القولين من الآية القول بأن الشهر في الآية منصوب على الظرف، وأن المفعول محذوف، والتقدير: فمن شهد منكم المِصْرَ في الشهر فليصم.\rالمسألة الخامسة: أن المجنون إذا تمادى به الجنون طول الشهر، فلا قضاء عليه؛ لأنّه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام. ومن جُن أوّل الشهر أو آخره فإنّه يقضي أيام جنونه، وهو مذهب أبي حنيفة.\rوقال الشافعي: إن أفاق بعد انقضاء الشهر فلا قضاء عليه، وإن أفاق في بعضه","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب إذا صام أياماً من رمضان ثم سافر، برقم (١٩٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167609,"book_id":1216,"shamela_page_id":263,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":263,"body":"لم يقض ما فات، وصام ما بقي منه.\rوذهب مالك إلى أنّه يلزمه القضاء، أفاق قبل انقضاء الشهر أو بعده، واعتمد على عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهذا شهد الشهر مريضًا فيلزمه عدة من أيام أخر. فحمل الشهود والإدراك بالإقامة وترك السفر، وغيره شهوده بشروط التكليف.\rأو ﴿شَهِدَ﴾ بمعنى أدرك، فتحمل على مطلق الإدراك، والمجنون قد أدرك ذلك الزمان فلزمه الصوم لزومًا في الذّمة.\rالمسألة السادسة: إذا التبست الشهور على أسيرٍ أو تاجرٍ في بلاد العدو، أو غيره، فاجتهد فصام فوافق رمضان، فإنّه يجزئه عند الجمهور؛ لعموم الآية، فهذا قد شهده وصامه.\rأمّا إن لم يوافق رمضان بل كان قبله فإنه لا يجزئه الصيام؛ لأنّه لم يشهد الشهر، فلم يلزمه أن يصومه. وأمّا إن كان بعده، فإنّه يجزئه قولًا واحدًا.\rالمسألة السابعة: عدم جواز النيابة في الصيام، فلا يجوز أن يصوم أحدٌ عن أحد لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾\rفأوجب على المكلف أن يصومه، أو يقضيه بنفسه، فانتفى بذلك أن يصوم غيرُه عنه.\rالمسألة الثامنة: من سافر بعد طلوع الفجر فليس له أن يفطر؛ لكونه شهد الشهر فعليه صومه، نسبه ابن الفرس للجمهور استدلالًا بالآية، ونُسب للإمام أحمد جواز الفطر (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٠١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167610,"book_id":1216,"shamela_page_id":264,"part":null,"page_num":268,"sequence_num":264,"body":"فائدة: قال بعض العلماء في فائدة تكرار حكم الفطر للمريض والمسافر، في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أن التكرار لأجل التأكيد بأنهما باقيان على حكمهما، لما كان يتطرق الظن على نسخ حكمها عند نسخ حكم قرينتيهما، وهما التخيير بين الصيام أو الفطر مع الفدية، وترك الذين لا يطيقونه الصوم ولم يكررهم؛ لعدم تطرق الظن إلى نسخ حكمهم؛ فإنّه معلوم أن الله سبحانه لم يحتّم عليهم الصيام؛ لأنّهم لا يطيقونه، وقد قال في آخر الآية ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.\r• الحكم التاسع عشر: استدل بقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾، على وجوب اعتبار العدد.\rقال السيوطي: «وفيه دليل على اعتبار العدد إذا لم ير الهلال، ولا يرجع فيه لقول الحُسَّاب والمنجمين» (¬١).\rمأخذ الحكم: باعتبار أن (اللام) هنا يجوز أن تكون لام الأمر؛ أي: لتكملوا عدد أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم في صومكم وسفركم.\r• الحكم العشرون: استدل به أبو حنيفة على أن من صام على أن من صام تسعة وعشرين باعتبار رؤية بلده، وقد صام أهل بلدة أخرى ثلاثين أنّه يلزم أولئك قضاء يوم، وهذا باعتبار عدم الأثر لاختلاف المطالع، وقد سبقت الإشارة إليها.\rمأخذ الحكم: أنّه قد ثبت برؤية تلك البلدة أن العدة ثلاثون، فوجب على هؤلاء إكمالها، لما سبق من جواز كون اللام في الآية للأمر.","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٣٥٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167611,"book_id":1216,"shamela_page_id":265,"part":null,"page_num":269,"sequence_num":265,"body":"• الحكم الحادي والعشرون: استدل بقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ على مشروعية التكبير لعيد الفطر، وأن وقته من إكمال العدّة، وهو غروب شمس آخر يوم من رمضان، وقيل: عند الخروج للمصلى؛ لفعله ﵊.\rمأخذ الحكم: تفسير حبر الأمة للآية بذلك، حيث قال: «حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم؛ لأنّ الله يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾\rتنبيه: الآية حجة على أبي حنفية الذي قال بأنه يكبر في الأضحى، ولا يكبر في الفطر، وذهب داود إلى وجوبها، وذهب الجمهور، إلى أنها مستحبة، ولعل الصّارف لها اتفاق أهل العلم على ما حكاه النووي، حيث قال: « … دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين، وهو مجمع عليه» (¬١).\r• الحكم الثاني والعشرون: استدل بالآية من قال بوجوب الصيام في البلاد التي يستمر فيها الليل أو النّهار، ويقدِّرون صومهم بصوم أقرب البلاد المعتدلة إليهم؛ وبه أفتت اللجنة الدّائمة، وصدر قرار مجمع الفقه الإسلامي (¬٢).\rمأخذ الحكم: عموم الأدلة الواردة على وجوب الصيام على المسلمين.\rومنها: قوله: في هذه الآية ﴿كُتِبَ﴾ وهو إخبار عن حكم الشّارع، والكتب","footnotes":"(¬١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٧٩). وذكر في المجموع (٥/ ٤٠ - ٤١) الخلاف فقال: «هو مستحب عندنا وعند العلماء كافة إلا ما حكاه الشيخ أبو حامد وغيره عن ابن عباس أنه لا يكبر إلا أن يكبر إمامه، وحكى الساجي وغيره عن أبي حنيفة أن لا يكبر مطلقاً، وحكي العبدري وغيره عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وداود أنهم قالوا: التكبير في عيد الفطر واجب، وفي الأضحى مستحب».\r(¬٢) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٦/ ١٣٣ - ١٣٤)، و (٩/ ٣٤٢ - ٣٤٣) فتوى رقم (١٢٧٥٦)، وقرارات المجمع الفقهي الإسلامي (٩٣)، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (١٥/ ٢٩٣)، فتاوى إسلامية لابن عثيمين (٢/ ١٢٤)، وإتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧٦ - ٧٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167612,"book_id":1216,"shamela_page_id":266,"part":null,"page_num":270,"sequence_num":266,"body":"معناه الإيجاب (¬١).\rوأكد الوجوب بقوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ وهي نص في الوجوب أيضا، وضمير الجمع يدلّ على العموم، فيشمل البلاد والزمن المعتاد، وغير المعتاد.\r• الحكم الثالث والعشرون: استدل بها من أجاز دخول الشّهر بالاعتماد على الحساب الفلكي (¬٢)؛ حيث فسر معنى شهود الشهر بالعلم بوجوده، ومن علم بوجود هلال الشهر بعد غروب شمس آخر يوم من شعبان، بأي طريق من طرق العلم، - ومنها الحساب الفلكي - وجب عليه الصّوم.\rقال ابن عبد البر: «إنَّ شهوده رؤيته أو العلم برؤيته» (¬٣).\rمأخذ الحكم هو: أن قوله ﴿شَهِدَ﴾ جملة فعلية تنزل منزلة النكرات، وهي في سياق الشّرط، فتعمّ أي: شهود، وقد فسر الشهود بالعلم، أي: بأي علم كان.\rنوقش: بأن المراد ب ﴿شَهِدَ﴾ في الآية حضر لا شاهد بدليل قوله بعده: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾؛ لأن قوله: ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ يقابل حضر (¬٤).","footnotes":"(¬١) وقد جعلها بعض الأصوليين نصَّاً في الوجوب. ينظر: المختصر في أصول الفقه (١١٥)، وشرح الكوكب المنير (١/ ١٨١).\r(¬٢) وبهذا قال بعض الحنفية، والمالكية، والشافعية،، وقال به جمعٌ من المعاصرين: كمحمد رشيد رضا، ومحمد نجيب المطيعي، وأحمد شاكر، ومصطفى الزرقا، ويوسف القرضاوي، وأحمد الغماري. ينظر: العلم المنشور في إثبات الشهور، ص (٢٠)، و إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (٣/ ٣٢٧)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٢٥/ ١٢١)، وإحكام الأحكام مع العدة (٣/ ٣٢٦)، وتفسير المنار (٢/ ١٥١)، وإرشاد أهل الملة في إثبات الأهلة، ص (٢٥٨)، والعقل والفقه في فهم الحديث النبوي، ص (٨٤، ٨٥)، وتيسير الفقه في ضوء القرآن والسنة «فقه الصيام»، ص (٣٠، ٣١)، و توجيه الأنظار، ص (٥٢، ٥٣) وأوائل الشهور العربية، ص (١٣، ١٤).\r(¬٣) التمهيد (٢/ ٣٩).\r(¬٤) ينظر تفسير القرآن الكريم، لابن عثيمين (٢/ ٣٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167613,"book_id":1216,"shamela_page_id":267,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":267,"body":"وبهذا التفسير استدل من قال بعدم جواز الاعتماد على الحساب الفلكي بالآية نفسها.\rتنبيه: القائلون بجواز الاعتماد على الحساب الفلكي اختلفوا في حدود العمل به: فمنهم من قصر العمل بالحساب الفلكي في الحالة التي يكون فيها الجوّ غائمًا، أو يحول دون رؤية الهلال قتر ونحوه، ومنهم من جعل الحكم خاصًّا بالحاسب دون غيره، ومنهم من أجاز الاعتماد عليه في النفي لا الإثبات، ومنهم من قال بجواز الاعتماد عليه مطلقًا (¬١).\r• الحكم الرابع والعشرون: استدل بها على جواز الاستعانة (بالدربيل) لرؤية الهلال (¬٢).\rمأخذ الحكم: أن ﴿شَهِدَ﴾ هنا بمعنى شاهد، والمشاهدة في الآية عامّة -كما سبق - فتشتمل ما إذا رؤي بالعين المجردة أو بواسطة (الدربيل) والمراصد، فيحمل العام على عمومه\rووجه كون ﴿شَهِدَ﴾ عامة؛ لأنّها فعل فتنزل منزلة النكرة، وهي في سياق الشرط فتعم، وتشمل كذلك المشاهدة بواسطة المراصد (الدربيل) (¬٣)؛ لأنّ العام يجري على عمومه مالم يرد دليل التّخصيص.","footnotes":"(¬١) ينظر: إثبات هلال رمضان، ص (٤٠)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٢٥/ ٢٠٨)، والفتاوى الكبرى (٢/ ٤٦٤)، تيسير الفقه، ص (٣١، ٣٢)، أقوال الشيخ ابن عثيمين في المستجدات الفقهية (٥٨٤) رسالة علمية آلة.\r(¬٢) ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء (٣/ ٤٧)، مجلة البحوث الإسلامية، ع ٢٩، عموم البلوى (٤٣٢، ٤٣٣)، وأثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي (٢٣٦، ٢٣٧)، المستجدات في وسائل الإثبات (٢٠٢، ٢٠٣)، مجموع فتاوى ابن باز (١٥/ ٧٠)، فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية (١٠/ ٩٩)، مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٩/ ٣٦، ٣٧)، الفقه الميسر (٩/ ١٣٤).\r(¬٣) ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء ٣/ ٤٧، فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٠/ ٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167614,"book_id":1216,"shamela_page_id":268,"part":null,"page_num":272,"sequence_num":268,"body":"• الحكم الخامس والعشرون: استدل بالآية على القول بأنّه لا عبرة باختلاف المطالع، فمتى ما رأى الهلال أهل بلد، وجب الصّيام على جميع البلاد الإسلاميّة (¬١).\rمأخذ الحكم: دلّت الآية على ثبوت الشّهر بنفسه، من أي مطلع كان؛ إذ علق سبحانه الصيام بشرط ثبوت الشهر والعلم به، والشرط هنا لغوي، فهي أسباب شرعيّة، والمعلق على سبب يثبت بثبوته، والشهود عامّ على ما سبق، ويبقى على عمومه ما لم يرد تخصيصه.\r• الحكم السادس والعشرون: استدل بالآية على وجوب الصوم على السّاكنين في المناطق التي يستمر فيها الليل والنهار، بعموم الأوامر الدّالة على وجوب صيام رمضان على المسلمين عامّة (¬٢).\rمأخذ الحكم: أن قوله سبحانه ﴿مَنْ﴾ شرطيّة تعمّ كل من شهد الشهر وهؤلاء أمروا بالصّيام بقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ وهو فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، يقتضي وجوب الصيام على جميع المسلمين.\rقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧].","footnotes":"(¬١) ينظر: اللجنة الدائمة (١٠/ ٩٦، ١٠٠، ١٠٢، ١١٠)، والفقه الميسر (٩/ ١٣٢)، وإتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٨٠).\r(¬٢) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٦/ ١٣٣ - ١٣٤)، وقرارات المجمع الفقهي الإسلامي (٩٣)، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (١٥/ ٢٩٣)، فتاوى إسلامية لابن عثيمين (٢/ ١٢٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167615,"book_id":1216,"shamela_page_id":269,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":269,"body":"استدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: جواز الرفث إلى النساء في الليل، وتقييده بالليلة كناية عن الجماع، ويطلق الرّفث على كل ما يأتيه الرجل مع المرأة من قبلة ولمس وجماع، أو كلام في هذه المعاني.\rمأخذ الحكم: قوله: ﴿أُحِلَّ﴾ وهو من الألفاظ الخبرية الدّالة على الحكم،، والحل يرد في الكتاب والسّنة مقابل الحرمة، ويدخل فيه كل ما ليس محرمًا من واجب ومندوب ومكروه ومباح، وهنا يراد به الإباحة.\rكما أن قوله تعالى: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ يدخل في المباشرة جميع أنواعها، ومن ذلك الجماع، وهو أمر بعد حظر فيحمل على الإباحة.\rقال ابن الفرس: «والمراد بالأمر الإباحة لا الايجاب ولا الندب، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾» (¬١).\rفائدة: قال ابن الفرس: «وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ﴾ يقتضي أنّه كان محرمًا قبل ذلك» (¬٢) وبيّن أنّ العلماء اتفقوا على كون هذه الآية ناسخة، وقد نسخت صفة الصوم في أوّل الإسلام، فيما إذا نام أحدهم ليلة الصيام لم يحل له الأكل ولا الجماع بعد ذلك، والمنسوخ وارد في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، إذا حمل التشبيه في الصفة، وكذا المنسوخ ثابت بالسنة، فتكون الآية مثالاً لنسخ الكتاب بالكتاب، أو نسخ السنة بالكتاب.\r• الحكم الثاني: جواز الأكل والشرب ليلاً.\rمأخذ الحكم: قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أمرٌ بعد حظر فهو على الإباحة.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (١/ ٢٠٤).\r(¬٢) أحكام القرآن (١/ ٢٠٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167616,"book_id":1216,"shamela_page_id":270,"part":null,"page_num":274,"sequence_num":270,"body":"• الحكم الثالث: استدل بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ على تحريم الوصال.\rمأخذ الحكم: أولاً: هو رأي أمّ المؤمنين عائشة ﵂، وأنّه يقتضي النهي عن الوصال.\rثانياً: لعل ذلك - من الآية - لأن المأمور مغيا إلى الليل، فيقتضي المخالفة لما بعده، فيجب الأكل ليلاً.\rوقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الوصال مباح كيف كان، وأنّ النهي الوارد فيه إنّما هو من رحمة النبي ﷺ لأمته، أمّا من قدر عليه فلا حرج عليهم.\rوقيل: إنّ الوصال يكون من سحر إلى سحر لقوله ﵊ (لا تواصلوا، وأيّكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر) (¬١)، وقيل: مكروه، وقيل: حرام، وفي السنة بيان أحكامه.\rفائدة: يتكلم أهل الأصول عن حروف الغاية ك (إلى) هنا في قوله ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ وينظر إليها من جهة كونه حرف غاية موضوع لانتهاء الغاية، والخلاف في دخول الغاية فيها، وما يدّل عليه من مفهوم، والتخصيص بالغاية، وهل الغاية تدخل في المغيا؟\rغاية الشّيء: طرفه ومنتهاه، ثم تطلق تارة على الحرف كقوله ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ فإذا قيل الغاية هل تدخل في المغيا أولا تدخل؟ فيقال: إن أريد بالمعنى الأول - وهو طرف الشيء ومنتهاه - فداخلة قطعًا، وإن أريد ما بعد الذي دخل عليه الحرف فلا خلاف في عدم دخوله، وإن أريد نفس ما دخل عليه حرف الغاية فهو محل الخلاف، المعبر عنه بما بعد الغاية هل يدخل فيما قبلها؟ فإنّ الغاية هنا نفس الحرف","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب الوصال، برقم (١٨٦٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167617,"book_id":1216,"shamela_page_id":271,"part":null,"page_num":275,"sequence_num":271,"body":"وما دخل عليه هو ما بعد الغاية قاله المرداوي بتصرف (¬١).\rوهنا لا يدخل شيءٌ من الليل في الإمساك، وذكر الرازي عدم دخوله؛ لأنّه تميَّز أو انفصل عما قبله بالحس.\rأمّا بيان كون الغاية مخصصة، هو بالنّظر إلى أن المراد بالصوم هنا الصوم اللغوي، هو شامل الليل والنهار، فخصصتِ الغاية الصوم بالنهار.\rأمّا كون الغاية له مفهوم هنا بالنّظر إلى أن الصوم الشرعي مختص بالنهار، كما أن العموم في الصوم إنّما هو في أفراد الصوم لا لأوقاته.\r• الحكم الرابع: استدل بقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، على جواز الأكل والشرب حتى يتبين لنا الخيط الأبيض من الأسود.\rمأخذ الحكم: علّق الشارع الحكم على التبيين بحرف ﴿حَتَّى﴾ ومفهومه: إن لم يتبين لنا الخيط الأبيض فيحل لنا الأكل، وضد التّبين الظّن والشّك، ويبنى على هذا المأخذ مسائل:\rالمسألة الأولى: جواز الأكل والشّرب لمن شك في طلوع الفجر، خلافًا لمالك.\rالمسألة الثانية: استدل بعضهم بعدم القضاء ولو بان له أنّه أكل بعد الفجر؛ لأنّه أكل في وقت أُذن له فيه؛ لأنّ الله علّق الحكم على التّبيُّن لنا، لا على التبين في نفس الأمر.\rوقال قوم: الحكم معلّق على التبيُّن نفسه من غير تعليق بنا، فلا يجوز له الأكل، وإن أكل لزمه القضاء. وعليه فالحكم معلّق بالفجر الثّاني المستطيل الأبيض","footnotes":"(¬١) انظر: التحبير (٦/ ٢٦٢٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167618,"book_id":1216,"shamela_page_id":272,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":272,"body":"لا الأحمر وهو قول عامّة أهل العلم. وذلك بقرينة ﴿الْفَجْرِ﴾ وهو ضوء النّهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده، وهو يمنع القول بأن المراد انتشار البياض واستفاضته في السماء، حتى يملأ بياضه الطرق، فلم يصح خيطًا.\rالمسألة الثالثة: استدل بالآية على بطلان من أكل أو شرب، وهو يشك في غروب الشمس؛ لأنّه لم يتيقن إتمام الصيام إلى الليل، وهو مستصحب حال النّهي عن الأكل والشرب، وسواء تبين له الغروب أو لم يتبين.\rالمسألة الرابعة: بطلان من أكل أو شرب معتقدًا دخول الليل، ثم ظهرت الشمس؛ لأنّه لم يتم الصيام إلى الليل، وبهذا قال أكثر أهل العلم، ومنهم من ألحقه بالناسي.\r• الحكم الخامس: استدل بعضهم بعدم وجوب الإمساك قبيل طلوع الفجر.\rمأخذ الحكم: مفهوم الغاية؛ إذ إنّ الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ يدل على أنّ الليل كلها محل أكل وشرب وجماع.\rوذهب مالكٌ إلى وجوب الإمساك قبيل طلوع الفجر؛ لأنّه لا يتم الواجب إلّا بذلك فهو واجب.\r• الحكم السادس: استدل به اللخمي على إجزاء النّية مع طلوع الفجر.\rمأخذ الحكم عنده: أنّه إذا كان الأكل مباحًا إلى الفجر لم تجب النّية إلّا في الموضع الذي يجب فيه الإمساك.\rفائدة: من قال بأنّه متعلق بالتبين لنا، لا على التبيُّن في نفس الأمر، قال: بأنّ الشّرع علّق أحكام المواقيت بالإدراك الحسيّ لا الإدراك العقلي، وذلك لأنّ وقت الفجر يدخل قبيل التبيُّن قطعًا ويقينًا، ولم يعلق الله - سبحانه- الحكم به، وإنّما علّقه بالتبيُّن لنا لطفًا بعباده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167619,"book_id":1216,"shamela_page_id":273,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":273,"body":"• الحكم السابع: قال السيوطي: «استدل بعمومه على الإفطار باليسير، وبما لا يغذي» (¬١).\rقلت: ولعل مقصوده باليسير الذي لا يصل إلى كونه مغذيًا من الأكل والشرب، وما لا يغذي.\rمأخذ الحكم: كونه ليس في معنى الأكل والشرب الذين ورد فيهما النص.\rوقد اختلف العلماء في الصيام هنا هل له معنى معقول أولا؟.\rوبيانه كما قال ابن رشد: «وسبب اختلافهم في هذا هو: قياس المغذي على غير المغذي، وذلك أن المنطوق به إنما هو المغذي. فمن رأى أن المقصود بالصّوم معنى معقول، لم يلحق المغذي بغير المغذي، ومن رأى أنها عبادة غير معقولة، وأن المقصود منها إنما هو الإمساك فقط عما يرد الجوف سوى بين المغذي وغير المغذي» (¬٢).\r• الحكم الثامن: استدل بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] من قال بعدم جواز وضع وقت للإمساك في التقاويم قبل وقت الفجر احتياطًا، بل ببدعية وضعها.\rيقول الشيخ العثيمين: «هذا من البدع، وليس له أصلٌ من السنة، بل السنة على خلافه، لأنّ الله تعالى قال في كتابه العزيز ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال النبي ﷺ: (إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فُكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ) (¬٣)،","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٣٦٢).\r(¬٢) بداية المجتهد (٢/ ٥٢).\r(¬٣) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، برقم: (٦١٧)، ومسلم، كتاب الصيام، باب بيان أنّ الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، برقم: (١٠٩١). أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، برقم: (٢٦٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167620,"book_id":1216,"shamela_page_id":274,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":274,"body":"وهذا الإمساك الذي يصنعه بعض الناس زيادة على ما فرض الله ﷿ فيكون باطلاً، وهو من التنطّع في دين الله، وقد قال النبي ﷺ: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) (¬١) (¬٢).\rمأخذ الحكم: يخرَّج الحكم على مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ ومنطوقه: له الأكل والشرب إلى الفجر، فهذه هي الغاية الشّرعيّة، ووضع الإمساك قبل ذلك مخالف لهذا المنطوق، فهو لا يجوز، وهو بدعة لما فيه من ابتداع وقت للإمساك غير مشروع.\r• الحكم التاسع: استدل بها من قال إن من أفطر ثم سافر بطائرة إلى بلد لم تغرب فيه الشمس، فإنّه قد أتمّ صيامه ذلك اليوم (¬٣)، ولا يلزمه الإمساك لقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وقد أتم صومه.\r• الحكم العاشر: استدل بها من قال إنّ من أفطر في الطائرة، وبعد الإقلاع رأى الشمس؛ فإنّه لا يلزمه الإمساك لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وهذا قد أتمّ (¬٤).\rمأخذ الحكم للحكمين السابقين: أن المأمور يخرج من عهدته بفعله ولو بمرة- وعند من يقول بعدم التكرار- وقد أمر بالإتمام، فأتمه فسقطت المطالبة به.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، برقم: (٢٦٧٠).\r(¬٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٩/ ٢٩٢).\r(¬٣) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١٠/ ٢٩٦، ١٣٧)، ومجموعة فتاوى ابن عثيمين (١٥/ ٣٣١ - ٣٣٣)، (١٩/ ٣٣٢)، إتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧٧).\r(¬٤) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١٠/ ٢٩٦)، ومجموعة فتاوى ابن عثيمين (١٥/ ٤٣٨)، (١٩/ ٣٣٢)، وإتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧٧ - ٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167621,"book_id":1216,"shamela_page_id":275,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":275,"body":"يقول الشيخ العثيمين لما سئل عن من أفطر في الطائرة، وبعد الإقلاع رأى الشمس: «جوابنا على هذا أنه لا يلزمهم الإمساك؛ لأنه حان وقت الإفطار وهم في الأرض .... فإذا كانوا قد أفطروا فقد انتهى يومهم، وإذا انتهى يومهم فإنه لا يلزمهم الإمساك إلا في اليوم الثاني، وعلى هذا فلا يلزمهم الإمساك في هذه الحالة، لأنهم أفطروا بمقتضى دليل شرعي، فلا يلزمهم الإمساك إلا بدليل شرعي» (¬١).\r• الحكم الحادي عشر: استدل بها من قال إنّ من سافر بالطّائرة من الشرق إلى الغرب فطال عليه النهار؛ فإنّه يلزمه الإمساك، أي: حتى تغرب الشمس.\rمأخذ الحكم: دلَّ منطوق الآية على وجوب الإتمام والإمساك إلى الليل، ومفهومه عدم جواز الإفطار ما لم تغرب الشمس، ويخل الليل.\r• الحكم الثاني عشر: استدل بها من قال بأنّ الصائم الذّي في داخل الطائرة، لا يفطر، إذا علم بإفطار البلد الذي تحلق الطائرة فوقها أو قريب منها، عن طريق الإذاعة أو الجوالات، وهو يرى الشمس؛ وبه أفتت اللجنة الدّائمة (¬٢).\rومأخذ الحكم: ما سبق في منطوق الغاية ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ ومفهومه أن ما قبله داخل في الأمر، ويجب عليه الإمساك، ولا يجوز له الإفطار.\rكما أن تفسير النبي ﷺ للقرآن يبين ذلك، كما في قوله ﷺ: (إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) (¬٣).","footnotes":"(¬١) مجموعة فتاوى ابن عثيمين (١٩/ ٣٣٢).\r(¬٢) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١٠/ ٢٩٦، ١٣٧)، ومجموعة فتاوى ابن عثيمين (١٥/ ٣٣١ - ٣٣٣)، (١٩/ ٣٣٢)، إتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧٧).\r(¬٣) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب متى فِطر الصائم؟، برقم (١١٠٠)، ومسلم في كتاب الصيام، باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار، برقم (١٩٥٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167622,"book_id":1216,"shamela_page_id":276,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":276,"body":"• الحكم الثالث عشر: استدل بالآية من قال بأن منظار المعدة مفطر (¬١)، باعتبار أن الأكل في الآية يشمل ما هو مطعوم وغير مطعوم (¬٢) ..\rمأخذ الحكم: أنّ الإطلاق في الآية ﴿وَكُلُوا﴾ يحمل على إطلاقه حتى يرد الدليل على تقييده، وكونه مطلقا؛ لأنّها جملة فعلية فهي نكرة، وفي سياق إثبات، فهي مطلق.\rأو يقال: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والصوم هو الإمساك، وقد حصل منه بلع شيءٍ يمكن الاحتراز منه فيفطر بذلك (¬٣).\rنوقش: بأن المعنى والقصد مقيد له، فيحمل الأكل على المغذي للبدن من الطعام والشراب عادة، فالعبرة بالحقائق والمعاني، لا بالصور والمباني، والغرض من الأكل هو نفع البدن، وهذا ينحصر بالغذاء والدواء (¬٤).\rتنبيه: فصَّل بعضهم وقال بأن المنظار إن كان معه سائل، فإنه يُعدَّ مفطراً، لدخول سائل إلى جوف الإنسان (¬٥).\rيقول الشيخ العثيمين: « … فلو أنّ إنسانًا أدخل منظارًا إلى المعدة حتى وصل","footnotes":"(¬١) وبه أفتى المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ينظر: قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي، ص (١٣٦).\r(¬٢) القول بأن دخول الشيء إلى المعدة يعتبر مفطراً، سواء كان مغذياً أم غير مغذ هو المذهب عند المالكية والشافعية والحنابلة، ومقتضى هذا القول أن منظار المعدة مفطر. ينظر: بداية المجتهد (٣/ ١٦٢)، مغني المحتاج (١/ ٦٢٦)، المغني (٤/ ٣٥٣).\r(¬٣) ينظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٤٣٨).\r(¬٤) ينظر: فقه النوازل للمشيقح (٢٤٧)، واختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية (٤/ ١٦٩)، ذكره في مسألة بلع الخيط ونحوه، وأنه غير مؤثر في الصوم، وهذه النازلة مخرَّجة عند البعض على هذه المسألة ما إذا ابتلع طرف خيطٍ وطرفه الآخر بارزٌ.\r(¬٥) ينظر: فقه النوازل للمشيقح (٢٤٧)، والفقه الميسر (٩/ ١٣٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167623,"book_id":1216,"shamela_page_id":277,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":277,"body":"إليها، فإنه يكون ذلك مفطِرًا (¬١)، والصحيح أنه لا يفطر إلا أنْ يكون في هذ االمنظار دهنٌ أو نحوه يصل إلى المعدة بواسطة هذا المنظار، فإنه يكون بذلك مفطرًا، ولا يجوز استعماله في الصوم الواجب إلا للضرورة» (¬٢).\r• الحكم الرابع عشر: استدل بالآية من قال بأن الدخان مفطر (¬٣).\rمأخذ الحكم: أنّه سبحانه أطلق الشرب في الآية، وأمرنا بعد ذلك بالإمساك إلى الليل، فيدخل في الإطلاق كل مشروب، والدخان مشروب؛ لأنّ شرب كل شيء بحسبه، وشرب الدخان باستنشاقه وإدخاله للجوف.\rويؤيد هذا الحكم بعضهم ما ورد في الحديث أن الصائم (يدع شهوته من أجلي) (¬٤)، والشهوة هنا: مفرد مضاف، فيعمّ أي: شهوة يشتهيها المكلَّف، ومنها: الدخان للشارب له.\rقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]\rاستدل بها جمهور أهل العلم على وجوب الاعتماد على الحول القمري، الذي يعتمد على السّنة القمرية، دون الحول الشّمسي (¬٥).\rوكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، فاعتبر سبحانه","footnotes":"(¬١) أي عند الحنابلة.\r(¬٢) الشرح الممتع (٦/ ٣٧١).\r(¬٣) ينظر: مجموعة فتاوي ابن عثيمين (١٩/ ٢٠٢)، فقه النوازل للمشيقح (٢٦٥).\r(¬٤) أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب فضل الصيام، برقم (٥٧٩).\r(¬٥) ينظر: المغني (٨/ ٨٤)، رؤية الهلال الفلكي لشيخ الإسلام (٤٨)، أحكام الأهلة والآثار المترتبة عليها لأحمد ابن عبد الله الفريح (٢٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167624,"book_id":1216,"shamela_page_id":278,"part":null,"page_num":282,"sequence_num":278,"body":"التوقيت بالهلال؛ إذ إنّ الحول القمريّ هو المكون من اثني عشر شهرًا.\rقال القرطبي: «هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها، إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب، دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط» (¬١).\rوقال الرّازي: «الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية، أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكواتهم وسائر أحكامهم، السنة العربية بالأهلة، ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية» (¬٢).\rومأخذ الحكم للآيتين: هو أن المعتبر في الأحكام الشرعية حقائقها؛ إذ الشارع يخاطبنا بعرفه، كيف وقد نصّ في الآية الأولى على كون الأهلة ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ وبلفظه العامّ؛ ليشمل الصّيام وغيره.\rوفي الآية الثانية: حصرها بالعرف الشّرعي بقوله ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وعليه فوجب تعليق العبادات وغيرها بها.\r\rباب الاعتكاف وقيام رمضان\rقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وكذا في سورة الحج، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]\rاستدل بالآيتين على مشروعية الاعتكاف.\rومأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿طَهِّرَا﴾، وهو يقتضي الوجوب.","footnotes":"(¬١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٣٣).\r(¬٢) ينظر: التفسير الكبير (١٦/ ٢٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167625,"book_id":1216,"shamela_page_id":279,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":279,"body":"ثمَّ أتى ﷾ بلام التعليل ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فدلَّ على وجوب إزالة النجاسة، وطهارة البقعة لأجل الطواف والاعتكاف والصلاة.\rقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.\rاشتملت الآية على أحكام:\r• الحكم الأول: إن المباشرة التي نهينا عنها تقع حال الاعتكاف على الوقاع، وعلى ما دونه بشهوة أو بغير شهوة، إمّا اشتراكًا وإمّا حقيقةً ومجازًا.\rمأخذ الحكم: أنّ الجملة الفعلية تنحل إلى مصدر مفرد، وكأنه قال: لا مباشرة وأنتم عاكفون، وتكون بمنزلة المفرد في سياق النّهي فيعم كل أنواع المباشرة، إلّا أنّ السّنة خصصت وبينت أن المباشرة بغير شهوة غير مرادة لله ﵎ فقد كان يُدني رأسه إلى عائشة فترجله (¬١)، ولا شك أن الوقاع مراد لله ﵎.\r• الحكم الثاني: أنّ النهي عن المباشرة ينتفي بانتفاء الاعتكاف، وهو ظاهر.\rمأخذ الحكم: اعتبار مفهوم المخالفة من جملة الحال في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وهو معتبر باتفاق.\r• الحكم الثالث: أن المعتكف منهي عن المباشرة في المسجد وغيره.\rمأخذ الحكم: ذهب أكثر المفسرين إلى عدم اعتبار مفهوم الجار والمجرور في قوله ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وكونه غير معتبر لأنّ الآية نزلت لبيان واقع الصّحابة ﵃ الذين كانوا يجامعون زوجاتهم وهم معتكفون إذا خرجوا إلى الغائط، وما خرج لبيان الواقع لا مفهوم له.","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن ماجة في كتاب الطهارة وسننها، باب الحائض تتناول الشيء من المسجد، برقم (٦٣٣) قال الشيخ الألباني: صحيح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167626,"book_id":1216,"shamela_page_id":280,"part":null,"page_num":284,"sequence_num":280,"body":"وذهب قوم إلى اعتبار المفهوم، وقالوا: إنّ المعتكف إذا خرج وجامع خارج المسجد فاعتكافه صحيح.\rوبناءً على صحة المفهوم، ذهب بعضهم إلى صحة الوقاع لمن اعتكف خارج المسجد، وأن تحريم المباشرة خاص بمن اعتكف في المسجد.\rوالجمهور على أنّه لا يجوز الاعتكاف إلا في المسجد لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ولبيان النبي ﷺ ذلك فلم يعتكف إلّا في المسجد.\r• الحكم الرابع: ذهب الحنفية إلى صحة اعتكاف المرأة في مسجد بيتها.\rمأخذ الحكم: ما قاله السيوطي، حيث قال: «واستدل به أبو حنيفة على صحة اعتكاف المرأة في غير المسجد دون الرجل، بناء على أنّها لا تدخل في خطاب الرجال» (¬١).\r• الحكم الخامس: أن الاعتكاف يصح في جميع المساجد.\rمأخذ الحكم: عموم اللفظ، حيث لم يخص مسجدًا بعينه، بخلاف من خصّه ببعض المساجد.\rفخصّه بعضُهم بالمسجد الذي تقام فيه الجمعة، أخذً بقول بعض الصّحابة كابن مسعود وعلي ﵄.\rوخصَّه بعضهم بالمسجد الحرام، وهو محكيٌ عن علي ﵁، فيكون لفظ ﴿الْمَسَاجِدِ﴾ في الآية من العامّ الذي أريد به الخاص، وهو معهود الشرع، وقالوا: بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وأراد المسجد الحرام.","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٣٦٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167627,"book_id":1216,"shamela_page_id":281,"part":null,"page_num":285,"sequence_num":281,"body":"• الحكم السادس: اشترط بعضهم الصوم في الاعتكاف.\rمأخذ الحكم: الاستئناس بكونه مقرونًا بذكر الصّوم، ولأنّ النبي ﷺ اعتكف صائمًا، وقد روي عن عائشة وابن عباس وابن عمر.\rقال السيوطي: «لأنّه قصر الخطاب على الصّائمين، فلو لم يكن الصّوم من شرط الاعتكاف لم يكن لذلك معنى» (¬١).\rوبُني عليه: أن أقلّ الاعتكاف يوم، كما أن الصّوم لا يكون أقل من يوم.\rوذهب بعض العلماء إلى عدم اشترط الصوم في الاعتكاف، وهو مروي عن علي وابن مسعود ﵄، استدلالًا بما أخرجه البخاري أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله: إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية، فقال له: (أوف بنذرك) (¬٢) والليل ليس محلًا لصيام.\rقوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]\rدلَّت الآية على فضيلة قيام ليلة من ليالي رمضان، وهي ليلة القدر.\rوقد ورد في سبب نزولها أحاديث تدور حول قصة رجل في بني إسرائيل كان يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهراً؛ فأنزل الله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل ألف شهر (¬٣).","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٣٦٥).\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف ليلا، برقم (١٩٢٧)، ومسلم في كتاب الأيمان، باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم، برقم (١٦٥٦).\r(¬٣) انظر: الدرر المنثور للسيوطي (١٥/ ٥٣٥)، موسوعة التفسير المأثور (٢٣/ ٤٢٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167628,"book_id":1216,"shamela_page_id":282,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":282,"body":"وتفاسير السلف متوافقة على ما يدل عليه ظاهر الآية، ومن ذلك قول ابن عباس: «العمل في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر لا توافق ليلة القدر» (¬١)، وعن أنس بن مالك: «العمل في ليلة القدر، والصدقة، والصلاة، والزكاة أفضل من ألف شهر» (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: موسوعة التفسير المأثور (٢٣/ ٤٢٤).\r(¬٢) انظر: موسوعة التفسير المأثور (٢٣/ ٤٢٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167629,"book_id":1216,"shamela_page_id":283,"part":null,"page_num":287,"sequence_num":283,"body":"كتاب الحج\rباب فضله وبيان من فرض عليه\rقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]\rاستدل بالآية على وجوب العمرة على الأفاقي.\rومأخذ الحكم: ورود الأمر بأسلوب الخبر، حيث أخبر المولى ﷾ أنّه جعل البيت مثابة للناس، أي: معادًا يرجعون ويعودون إليه، وهذا يستلزم عدم خلو البيت منهم سواء كان في الحج أو العمرة في جميع أيام السنة، ولا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى إلا بحملها على الوجوب، فيكون الأسلوب في الآية أسلوب خبر، بمعنى الأمر؛ لأنّ كونه مثابة للنّاس صفة تتعلق باختيار الناس، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء، فوجب حمل الآية على الوجوب؛ لأنّ الحمل على الوجوب، يفضي إلى صيروته مثابًا أكثر من حمله النّدب (¬١).\r﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وفي قراءة شاذة: ﴿وأقيموا الحجّ والعمرة لله﴾ وفي قراءة: ﴿والعمرةُ لله﴾.\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الحجّ والعمرة ووجوب إتمامهما لمن بدأ بهما، وسواء كانت فرضًا أو تطوعًا، وهذا الحكم متفق عليه.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ فيدل على المشروعية ويقتضي وجوب إتمام الحجّ والعمرة لمن بدا بهما، وكونه شاملًا للفرض والتطوع للعموم","footnotes":"(¬١) انظر: التفسير الكبير (٤/ ٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167630,"book_id":1216,"shamela_page_id":284,"part":null,"page_num":288,"sequence_num":284,"body":"الوارد بدخول الألف واللام على الحجّ والعمرة.\r• الحكم الثاني: وجوب الحجّ والخلاف في وجوب العمرة.\rأمّا الحجّ فوجوبه أمر متفق عليه ومعلوم من الدّين بالضرورة، وسيأتي في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\rأمّا العمرة فمأخذ من قال بالوجوب ما يأتي:\rأولًا: إن من معاني الإتمام المأمور به: الأداء والإتيان.\rقال القرطبي: «اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله، فقيل: أداؤهما والإتيان بهما، كقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي ائتوا بالصيام، وهذا على مذهب من أوجب العمرة» (¬١).\rثانيًا: قراءة ﴿والعمرةُ لله﴾ بالضّم، وقد كان يقرأ بها من الصحابة ابن عمر وابن عباس ﵃، وهي بذلك تكون خبرًا بمعنى الأمر.\rثالثًا: قراءة ﴿وأقيموا الحجّ والعمرة لله﴾ (¬٢) على أن القراءة الشّاذة حجة.\rرابعًا: إذا كان الإتمام واجبًا؛ فإنّ الأداء واجب.\rوهذا المأخذ فيه نظر، قال ابن القصار: «فيقال لهم هذا غلط؛ لأنّه من أراد أن يفعل السنة فواجب أن يفعلها تامّة، كمن أراد أن يصلي تطوعًا، فيجب أن يكون على طهارة … » (¬٣).\rقال القرطبي: «في هذه الآية دليل على وجوب العمرة؛ لأنه تعالى أمر بإتمامها","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٥).\r(¬٢) انظر: تفسير البغوي (١/ ٢٤١)، حدائق الروح والريحان للهرري (٣/ ٢٠٠).\r(¬٣) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167631,"book_id":1216,"shamela_page_id":285,"part":null,"page_num":289,"sequence_num":285,"body":"كما أمر بإتمام الحج … » (¬١). ثم ساق آثارًا تدل على وجوب العمرة، ثم قال: «وأمّا الآية فلا حجة فيها للوجوب، لأنّ الله سبحانه إنما قرنها في وجوب الإتمام لا في الابتداء … » (¬٢).\rخامسًا: استأنس الشافعي على وجوب العمرة بدليل الاقتران؛ لقول ابن عباس ﵄: (والذّي نفسي بيده إنّها لقرينتها في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (¬٣).\rأمّا القائل بأنّ الآية لا تدل على الوجوب ابتداء، وإنّما تدل على وجوب الإتمام بعد الشروع فيهما فقط. فمأخذه نص الآية، فإنّ الأمر بالإتمام، فلا يتعدى لغيره كما سبق في قول القرطبي.\rويشهد أنها للإتمام لا للابتداء ورودها بعد حكم المحصر، الذي لم يتمّ الحجّ والعمرة، كما أنّهم أيدوا عدم وجوبها بأدلة أخرى مثل قوله ﵊ (بني الإسلام على خمس) (¬٤) وذكر منها حج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلًا، ولم يذكر العمرة.\rتبقى الإشارة إلى مسائل مأخذ أحكامها يعود للخلاف في معنى الإتمام، فمن معانيها غير ما تقدم، الإتيان بها خالصة لله، ويقوي هذا المعنى قوله سبحانه ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ وبني عليه الخلاف في التجارة في الحج وسيأتي حكمهما عند قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\rومن معاني الإتمام: الإتيان بها كاملة؛ ولذا اختلف الصحابة في كيفية ذلك،","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٨).\r(¬٢) المصدر السابق (٢/ ٣٦٩).\r(¬٣) انظر: تفسير الشافعي (١/ ٤٨٤)، التفسير الكبير للرازي (٥/ ٢٩٧)، الدر المنثور (١/ ٥٠٤).\r(¬٤) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الإيمان، برقم (٨)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، برقم (١٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167632,"book_id":1216,"shamela_page_id":286,"part":null,"page_num":290,"sequence_num":286,"body":"ففسر علي وغيره من الصحابة أن الإتمام أن تحرم بهما من دويرة أهلك (¬١).\rوقال عمر: إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع وقران (¬٢) … إلى غير ذلك،\r• الحكم الثالث: من قال بأن من بلغ قبل الوقوف بعرفة يجب عليه إتمام حجه وعمرته، وتكونان نافلة.\rوذهب أبو حنيفة إلى جواز رفضها وعدم إتمامها، وتجديد الإحرام بعد البلوغ ويكون الحج فريضة.\rومأخذ الخلاف: ما سبق في الخلاف في معنى الإتمام.\r• الحكم الرابع: استدل بها من قال بأن من حجّ بدون تصريح، فمُنع فإن حكمه حكم المحصر (¬٣).\rحيث إن ظاهر الآية الكريمة أن الإحصار عامّ لكل ما يكون به المنع من إتمام النّسك، فلم يخصصه سبحانه بحصر العدو.\rمأخذ الحكم: العموم الوارد في الإحصار، يعمّ كل ما يكون به المنع من إتمام النّسك، ووجه العموم أن الفعل ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ ينزل منزلة النكرة، وهو في سياق الشرط فيعمّ.\rووروده على سبب وهو حصر العدو لا يقصر به عموم اللفظ.","footnotes":"(¬١) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، (٢/ ٢٧٦). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر: إسناده قويّ. انظر: التلخيص الحبير (٤/ ١٥٢٧).\r(¬٢) نسب تخريجه السيوطي في الإكليل (١/ ٣٧٣) إلى عبد الرزاق في تفسيره، ولم أجده فيه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٤٣٧)، والقرطبي في جامعه للأحكام (٣/ ٣٦٦)، وفيه انقطاع بين الزهري وعمر ﵁.\r(¬٣) ينظر: فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ٣٥٦) (٢٣/ ٤٣٣)، وإتحاف البرية (١٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167633,"book_id":1216,"shamela_page_id":287,"part":null,"page_num":291,"sequence_num":287,"body":"تنبيه: هذا القول مبني على القول بأن الإحصار يكون بكلّ ما يمنع من الوصول إلى البيت، سواءٌ أكان بعدوّ أم غيره، وبهذا قال الحنفية (¬١)، والظاهرية (¬٢)، ورواية عند الحنابلة (¬٣)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (¬٤)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية (¬٥). وأما إذا أحصر بعدوّ فإنه يحلّ بعد أنْ يذبح هديه بلا خلاف (¬٦).\rقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: وجوب الحج، وهو أمر متفق عليه، ومعلوم من الدّين ضرورة.\rومأخذ الحكم: ورد في الآية لام الإيجاب، ولفظ: «على» الدّالة على الوجوب أيضًا.\rقال القرطبي: «قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ﴾ اللام في قوله ﴿وَلِلَّهِ﴾ لام الإيجاب والإلزام، ثم أكده بقوله تعالى: ﴿عَلَى﴾ التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب، فإذا قال العربي: لفلان علي كذا، فقد وكّده وأوجبه. فذكر الله تعالى الحج بأبلغ ألفاظ الوجوب تأكيدًا لحقه وتعظيما لحرمته، ولا خلاف في فريضته» (¬٧).","footnotes":"(¬١) ينظر: فتح القدير (٣/ ١٢٤).\r(¬٢) ينظر: المحلى بالآثار (٥/ ٢١٩).\r(¬٣) ينظر: المغني (٥/ ٢٠٣).\r(¬٤) الاختيارات، للبعلي، ص (١٢٠).\r(¬٥) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١١/ ٣٥١).\r(¬٦) ينظر: المغني (٥/ ١٩٤).\r(¬٧) الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167634,"book_id":1216,"shamela_page_id":288,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":288,"body":"• الحكم الثاني: أن من جحد وجوبه فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.\rومأخذ الحكم: تفسير الصحابي، قال ابن عباس ﵄: (من كفر بفرض الحج، فلم يره واجبًا) (¬١).\rووسّع العلماء الحكم ليشمل كل من جحد حكمًا معلومًا من الدّين ضرورة فهو كافر.\r• الحكم الثالث: وجوب الحج على المستطيعين، ثم اختلف العلماء في ضبط الاستطاعة، ويرجع فيها إلى كتب الفقه.\rومأخذ الحكم: أن قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ بدل من النّاس، وهو بدل بعض من كل، وكأن المولى ﷾ قال: (ولله على المستطيعين حجّ البيت).\rوالبدل نوع من المخصصات المتصلة، وهو مخصص لعموم (النّاس) المتقدم.\r• الحكم الرابع: وجوب الحج على الكافر والعبد والمرأة الحرّة المستطيع منهم.\rمأخذ الحكم: عموم لفظ (النّاس) حيث إنّه اسم جنس معرف، يفيد العموم.\r• الحكم الخامس: الخلاف في وجوب الحجّ كل سنة أو في العمر مرّة واحدة؟\rمأخذ الحكم والخلاف: الخلاف في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار؟ وعلى القول بأنّه يقتضي التكرار، أي: يجب الحجّ كل عام فإنّه لا يجب في الحج؛ لكونه غير مطلق في الشرع بل مقيد في السّنة، فلا يجب في العمر إلا مرّة واحدة.","footnotes":"(¬١) انظر: تفسير الماودري المسمى بالنكت والعيون (١/ ٤١١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167635,"book_id":1216,"shamela_page_id":289,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":289,"body":"• الحكم السادس: أن كل من استطاع على الحج فإنّه يجب عليه المبادرة، ولا يجوز تأخيره عند بعض العلماء.\rمأخذ الحكم: كون الأمر المطلق يقتضي الفور.\r• الحكم السابع: استدل بها على عدم وجوب الحجّ على من لم يحصل على التّصريح بالحجّ (¬١)؛ إذ إنّ إخلاء الطريق له شرط في الوجوب.\rمأخذ الحكم: يخرج على قاعدة الشّرط الشّرعي حجة، ويلزم من عدم الشّرط عدم المشروط، إذ إن الشرط الشرعي يلزم من عدمه العدم. والاستطاعة من شرائط الوجوب.\rوالسّبيل في الأصل هو: الطريق والسبب، وكل ما يوصل إلى الشيء فهو طريق إليه وسبب فيه، فمن استطاع إليه سبيلًا، فقد وجب عليه الفعل وإلّا فلا (¬٢).\rويمكن استنباط الحكم: على قاعدة وجوب حمل الأمر على ظاهره، ما لم يعارضه ما هو أقوى منه؛ إذ إنّ ظاهر الآية دلّ على سقوط الحجّ عمن لا يجد سبيلًا إليه.\r• الحكم الثامن: استدل بالآية على وجوب الحجّ لمن لم يأذن له مرجعه أو كفيله، وكان حجه حجّ الفرض (¬٣).\rمأخذ الحكم: الأمر في الآية يقتضي الإيجاب والفور، وكونه مستطيعًا يوجب","footnotes":"(¬١) ينظر: فتاوى نور على الدرب لابن باز (٦/ ١٩١)، وفتاوى العثيمين (٢٣/ ٤٣٢)، وفقه النوازل (٢٧٠)، والفقه الميسر (٩/ ٩/ ١٥١)، والنوازل في الحج للشلعان (٤٨ - ٤٩).\r(¬٢) ينظر: النوازل في الحج للشلعان (٤٩).\r(¬٣) ينظر: اللجنة الدائمة (١١/ ١١٦)، ومجلة البحوث الإسلامية (١٣/ ٦٧)، وفتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (٥/ ١٨٩)، وفتاوى ابن باز (١٧/ ١٢٢ - ١٢٣)، فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ١٦٣)، والنوازل في الحج للشلعان (٧٤)، إتحاف البرية (٩٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167636,"book_id":1216,"shamela_page_id":290,"part":null,"page_num":294,"sequence_num":290,"body":"عليه الحجّ؛ إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه.\r• الحكم التاسع: استدل بالآية من قال بعدم جواز تحديد نسبة الحجاج من الخارج، حيث إنّ كل من تحققت فيهم شروط الحجّ، يجب ألّا يمنعوا من الحجّ إذا أرادوا (¬١).\rمأخذ الحكم: ورود الأمر على جهة العموم، فالأمر بصيغة (على) الدّالة عليه في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾، وعموم ﴿النَّاسِ﴾ يقتضي دخول جميع النّاس، إلّا أنّه مخصوص ببدل البعض في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فالواجب عدم منع من وجب عليه الحجّ وهو مستطيع.\rنوقش: بأن العموم الوارد في الآية معارض بعمومات أخر، كالعمومات الواردة في رفع الحرج عن الأمة، في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وكذا في تحريم إلقاء النفس بالتهلكة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفي تحديد نسبة الحجاج رفع للحرج عن الحجاج، ومنع للتهلكة بسبب الزحام، وعليه فتخصص هذه العمومات عموم ما قد يحتج به على المنع والصَّد، جمعاً بين النصوص. وقد أفتت اللجنة الدائمة بجواز تحديد نسبة الحجاج نظراً للمصالح العظمى المتحققة في ذلك، ودفعاً للمفاسدة المتحققة من عدم جواز التحديد (¬٢).\r• الحكم العاشر: استدل بالآية من قال بعدم وجوب الحج لمن لا يستطيع الحج عن طريق الحملات (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام الاستطاعة في الحج في ضوء المستجدات المعاصرة (١٨٢).\r(¬٢) ينظر: قرار هيئة كبار العلماء رقم (١٨٧)، وقرار رقم (٢٢٤)، والنوازل في الحج للشلعان (٤٦ - ٤٧).\r(¬٣) ينظر: فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ١١٨، ٣٥٥)، وإتحاف رب البرية (٩١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167637,"book_id":1216,"shamela_page_id":291,"part":null,"page_num":295,"sequence_num":291,"body":"قال الشيخ العثيمين: «إذا كان مفهوم النظام أنّ الإنسان يجب أن يعقد مع الحملة من بلده، حتى يرجع، وهذا يكلّفه ما لا يستطيعه، فإنّه لا يجب عليه الحجّ؛ لأنّه غير مستطيعٍ» (¬١).\rمأخذ الحكم: ورود الأمر على جهة العموم، فالأمر بصيغة (على) الدّالة عليه في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾، وعموم ﴿النَّاسِ﴾ يقتضي دخول جميع النّاس، إلّا أنّه مخصوص ببدل البعض في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، ومن لا يستطع الحج عن طريق حملة فهو غير مستطيع.\rقال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨]\rاستدل بالآية الكريمة على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: وجوب الحج.\rمأخذ الحكم: ورد الأمر من المولى ﷾ بالأذان بالحج، والمعنى: أعلمهم أن عليهم الحج، وسواء قلنا إنّ المخاطب النبي ﷺ، والواو ﴿وَأَذِّنْ﴾ للاستئناف، أو أن المخاطب بذلك إبراهيم ﵇، وشرعه شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه.\rقال القرطبي: «لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت، وقيل له: ﴿أذن في الناس بالحج﴾ .. وقيل: إنّ الخطاب لإبراهيم ﵇ تمّ عند قوله ﴿السُّجُودِ﴾ ثم خاطب الله ﷿ محمّدًا ﵊ فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾؛ أي: أعلمهم أن عليهم الحج. وقول ثالث: إنّ الخطاب من قوله: ﴿لَا تُشْرِكْ﴾ مخاطبة للنبي ﷺ. وهذا قول أهل النظر؛ لأنّ القرآن أنزل على النبي ﷺ، فكل ما فيه من المخاطبة فهي له إلّا أن","footnotes":"(¬١) مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ١١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167638,"book_id":1216,"shamela_page_id":292,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":292,"body":"يدل دليل قاطع على غير ذلك، وهاهنا دليل آخر يدل على أن المخاطبة للنبي ﷺ وهو: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي﴾ بالتاء، وهذا مخاطبة لمشاهد، وإبراهيم ﵇ غائب» (¬١).\r• الحكم الثاني: استدل بعض العلماء بالآية بسقوط فرض الحج بالبحر.\rومأخذ الحكم: عدم ذكره في الآية.\rقال القرطبي: «قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرا، وهذا تأنس، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه؛ وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس في السّفن، ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلا وإما على ضامر، فإنما ذكرت حالتا الوصول» (¬٢)، يعني إلى مكّة.\r• الحكم الثالث: جواز التجارة في الحجّ، من قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾.\rواللام للتعليل، وفسِّرت المنافع بالتجارة، وأكثر المفسرين على أنّها تشتمل منافع الدّين والدّنيا، وتدخل التّجارة تبعًا.\rقال الجصاص: «فاقتضى ذلك أنهم دعوا وأمروا بالحج ليشهدوا منافع لهم، ومحال أن يكون المراد منافع الدنيا خاصة; لأنه لو كان كذلك كان الدعاء إلى الحج واقعًا لمنافع الدنيا، وإنما الحج الطواف والسعي والوقوف بعرفة والمزدلفة ونحر الهدي وسائر مناسك الحج، ويدخل فيها منافع الدّنيا على وجه التبع والرخصة فيها، دون أن تكون هي المقصودة بالحج، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فجعل ذلك رخصة في التجارة في الحج» (¬٣).","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٣٨).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٤٠).\r(¬٣) أحكام القرآن (٥/ ٦٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167639,"book_id":1216,"shamela_page_id":293,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":293,"body":"قلت: ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ التجارة، وقد سبق.\rومأخذ الحكم: يتعلق الأمر والإذن السابق، أي: فأذن بالحج ليشهدوا منافع لهم، والأمر يقتضي هنا الإباحة، كما دلت عليه آية البقرة.\r• الحكم الرابع: تفضيل المشي على الركوب في الحجّ، وهو قول كثير من أهل العلم.\rمأخذ الحكم: لتقديم الله سبحانه له في الذكر، واستدلوا على ذلك ببعض الأثار لقوله ﷺ: (إنّ للحاجِّ الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبيعين حسنة، والماشي بكل خطوة).\r\rباب المواقيت\rقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]\rاستدل بعض الحنفية بهذه الآية أن شهور السنة كلها مواقيت للحج، كما كانت بأسرها مواقيت للنّاس، ويلزمهم أن يكون الحج المطلق على هذا القول يراد به الإحرام فقط دون سائر أفعال الحج، مع أن الإحرام عندهم ليس من الحج، بل هو شرط الحج.\rومأخذ الحكم: إن الظّاهر من الآية جعل المراد بالأهلة جميع الشّهور، وهي عامّة؛ لأنّه جمع معرّف، وعمومها في المعطوف والمعطوف عليه.\rوأجيب: بأنّ الصّحيح من التأويل أن المراد بالآية: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ والحج في أشهر الحج، أي: إنّ أفعال الحج من السّعي والطّواف وغيره تكون في أشهره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167640,"book_id":1216,"shamela_page_id":294,"part":null,"page_num":298,"sequence_num":294,"body":"ومأخذ الجواب: جمعًا بين هذه الآية والآية التي تليها ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وإن لم يكن كذلك لزم أن يكون لفظ ﴿الْأَهِلَّةِ﴾ لفظًا واحدًا عامًّا خاصًا في حالة واحدة، وهذا لا يصح.\rقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الأصل إن الحجّ والعمرة مشروعان في كل وقت بدلالة الإطلاق في الآية، إلا أن الحج مخصوص بقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ -كما سيأتي - فتبقى العمرة على الأصل، فتكون مشروعة في جميع السنة، وتكرارًا لمن أراد؛ لأنّ الآية عامّة في جميع الأوقات.\rقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ استدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: أن الحج في زمن مخصوص، وهذا حكم متفق عليه.\rومأخذ الحكم: أن العلماء قدروا محذوفًا ومضمرًا في الآية، فقالوا: (وقت الحج في أشهر معلومات) أي: إنّ الحج في أشهر معلومات.\rثم اختلفوا في تحديد أشهره، والجمهور على أنّه: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحج، ثم اختلفوا في يوم النحر هل هو منها؟ يرجع في ذلك إلى كتب الخلاف.\rومن العلماء من جعل لفظ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: أشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمن أراد الحج فليبدأ بالإحرام من شوال إلى عشرة ذي الحجة.\r• الحكم الثاني: لا يجوز الإحرام بالحج إلّا في أشهره عند الشافعي، فلا يجوز فرضه قبل أشهره.\rومأخذ الحكم: أن الإحرام من جملة الحج، ووقت الحج أشهر معلومات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167641,"book_id":1216,"shamela_page_id":295,"part":null,"page_num":299,"sequence_num":295,"body":"• الحكم الثالث: جواز الاعتمار في جميع السنة، وهذا حكم متفق عليه.\rومأخذ الحكم: هو إن تخصيص الله ﷾ الحج بالتوقيت يفهم أن العمرة ليست مثله بدلالة مفهوم الظرف الزّماني في الآية، فليس للعمرة وقت مخصوص، أمّا الحج فهو في أشهر معلومات.\r\rباب الإحرام وما يتعلق به\rقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: جواز الإحرام قبل الميقات.\rمأخذ الحكم: سبق أن من معاني الإتمام: القيام بالحج والعمرة كاملة، ومن ذلك: الإحرام بها من دويرة أهلك، حيث فسِّر عن البعض بالإحرام بهما من عند أهله وداره، وهذا يقتضي جواز الإحرام قبل الميقات.\rوالإحرام قبل الميقات أجازه العلماء، بل نقل بعضهم كابن المنذر وابن قدامة الإجماع على جوازه.\rقال ابن قدامة: «لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرمًا، تثبت في حقه أحكام الإحرام» (¬١).\rوإنّما الخلاف في أيهما أفضل الإحرام من قبل الميقات أو من الميقات، والجمهور على أنّه من الميقات.\r• الحكم الثاني: من أفسد حجه أو عمرته؛ فإنّه يمضي عليهما ثم يقضي.","footnotes":"(¬١) المغني (٣/ ٢٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167642,"book_id":1216,"shamela_page_id":296,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":296,"body":"ومأخذه: أن الله أمر بالإتمام، والأمر يقتضي الوجوب، ولم يفرق بين الصّحة والفساد.\rوقد بني على معنى الإتمام مسائل كثيرة.\r• الحكم الثالث: من قال إنّ القارن إذا خاف فوات الوقوف بعرفة ليس له رفض العمرة؛ لأنّ الأمر بالآية يقتضي وجوب إتمامها.\r• الحكم الرابع: من قال بأن المعتمرة إذا حاضت قبل الطواف، وضاق عليها وقت الحج، فإنّ الواجب عليها، أن تردف الحج ولا ترفض العمرة، وتصير قارنة، وبذلك يتحقق لها معنى إتمام العمرة الوارد في الآية.\r• الحكم الخامس: من قال بمشروعية التحلل من الحج الفاسد إلى عمرة؛ لأنّ الله تعالى أمر بإتمام الحج، ولم يمكن إتمامه، فانقلب عمرة، وهي العبادة التي يمكن إتمامها.\rوأجيب: بأن الله ﷾: إنّما أمر بإتمام ما دخل فيه، ولم يأمره أن يتم غيره، وعليه فلا يصح الاستدلال بالآية.\r• الحكم السادس: استدل بالآية على جواز الإحرام قبل الميقات في الطائرة.\rمأخذ الحكم: ما ورد عن الصحابي من تفسيره للآية، وتفسيره حجة، وقد روي عن علي ﵁، أنّ الإتمام هو الإحرام من دويرة أهله، فقال: (تُحْرِمُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ) (¬١)، وهذا يعني جواز كونه قبل الميقات، بل هو الإتمام المراد بالآية.\rويناقش: إنْ صحّ هذا عن عليّ ﵁ فهو مخالفٌ لما روي عن عمر","footnotes":"(¬١) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، (٢/ ٢٧٦). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر: إسناده قويّ. انظر: التلخيص الحبير (٤/ ١٥٢٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167643,"book_id":1216,"shamela_page_id":297,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":297,"body":"وعثمان ﵃ إذْ ثبت عنهما كراهة الإحرام قبل الميقات (¬١)، وليس قول علي ﵁ بأولى من قوليهما.\rلكن على القول بكراهة الإحرام قبل الميقات (¬٢)، إلا أن الكراهة تزول عند الحاجة، كما هو مقرّرٌ عند الأصوليين.\rقال الشيخ العثيمين: «الذي يكون في الطائرة نرى أنه يحتاط أي يحرم قبل خمس دقائق؛ لأنه لو أخّر حتى يحاذي الميقات فالطائرة في دقيقة واحدة تأخذ مسافة طويلة، ولهذا نقول: احتط، ومن ثم كان القائمون على الطائرة -جزاهم الله خيرا- يعلنون قبل الوصول إلى الميقات أولا بنصف ساعة أو ثلث ساعة، ثم بعشر دقائق» (¬٣). وهذا محمول منه عند عدم إعلان القائمين على الطائرة، أو الخوف من عدم ذلك، أما إذا كان يعلم أو يظن بأنّ ملاحي الطائرة يعلنون عن المحاذاة بوقتٍ كافٍ للإحرام وأراد أن يحرم قبل الصعود أو الميقات، فقد قال الشيخ: «هذا ليس بحسنٍ، والعلماء قالوا: يكره أنْ يحرم قبل الميقات، ولا داعي للاحتياط هنا» (¬٤).\rقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: أن حلق الرأس من محظورات الإحرام، وهذا حكم متفق عليه.","footnotes":"(¬١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحج، باب كيف التلبية؟ (٥/ ٤٤).\r(¬٢) اتفق الفقهاء على صحّة إحرام من أحرم قبل الميقات، واختلفوا في كراهة ذلك، وذهب الجمهور إلى الكراهية. ينظر: الإجماع لابن المنذر، ص (٥١)، وحاشية الدسوقي (٢/ ٢٢)، والمجموع شرح المهذب (٧/ ١٠٥، ٢٠٦)، والإنصاف (٨/ ١٢٧).\r(¬٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ٣٨٧).\r(¬٤) المرجع السابق (٢١/ ٣٨٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167644,"book_id":1216,"shamela_page_id":298,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":298,"body":"ومأخذ الحكم: النّهي الوارد في الآية، وهو يقتضي التحريم، ثم ايجاب الفدية عليه؛ إذ التقدير (فحلق فعليه فدية)، والفدية لا تجب إلّا على من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام، ولو كان جائزًا لما وجبت الفدية إذ «الجواز الشرعي ينافي الضّمان».\r• الحكم الثاني: يلحق بحلق شعر الرأس في كونه محظورًا غيره من شعور البدن، كشعور اليدين والرجلين … الخ.\rمأخذ الحكم: أن تخصيص الشعر عن غيره يصح لو لم يكن مفهوم لقب، ومفهوم اللقب لا حجة فيه. وعليه فالآية ساكتة عن غيره.\rفائدة: نقل الموزعي: خلاف العلماء في التخصيص بالرأس هل هو تخصيص للتقييد أو للتعريف وعلى الثاني يدخل سائر الشعور (¬١).\r• الحكم الثالث: وجوب الفدية على من حلق شعر رأسه وهو محرم لأجل مرض أو أذًى في رأسه.\rومأخذ الحكم: تقدير لفظ (على) الدال على الوجوب في الآية، قال القرطبي: «فإنّ معنى قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ فحلق ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أي فعليه فدية» (¬٢).\rوهذه الفدية أطلقها المولى ﷾ في كتابه، وبيّنها النبي ﷺ بقوله: (فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع) (¬٣).\rأمّا النسك فأقله شاة عند أهل العلم، وهو مجمع عليه.","footnotes":"(¬١) انظر: تيسير البيان (١/ ٣٢٨ - ٣٢٩).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٨٢).\r(¬٣) أخرجه البخاري في أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب الإطعام في الفدية نصف صاع، برقم (١٧٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167645,"book_id":1216,"shamela_page_id":299,"part":null,"page_num":303,"sequence_num":299,"body":"• الحكم الرابع: أن كفارة الفدية على التّخيير.\rومأخذ الحكم: الإتيان بحرف (أو) المقتضي للتخيير، ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.\r• الحكم الخامس: إن الفدية يدفعها المفتدي حيث شاء من البلاد.\rمأخذ الحكم: إن الآية أطلقت الحكم ولم تخصص موضع عن موضع فتحمل الآية على عمومها في المواضيع حتى يأتي ما يخصصها.\r• الحكم السادس: جواز تقديم الفدية على الحلق، قاله الأوزعي.\rومأخذ الحكم: تقدير إن أراد أن يحلق» بعد ذكر الفدية، أي: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ إن أراد أن يحلق، على قاعدة أن المقدّر كالملفوظ. وأجيب بأن هذا لا يوجب ذلك إذ إن الأصل الفدية تكون بعد الحلق.\rمأخذ آخر: القياس على كفارة اليمين؛ فإنه يجوز أن يكفر ثم يفعل ما حلف عليه.\rوقال الموزعي: «وقد استنبط الأوزاعي من إطلاق الفدية في الأذى، ترتُّب الحلق على بلوغ الهدي محله: أنه يجوز للمحرم أن يكفر بالفدية قبل الحلق، وله وجهٌ في القياس على كفارة اليمين، وأبى ذلك الجمهور، وقاسوه على المحصر» (¬١).\rقال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: وجوب الحج.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (١/ ٣٣٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167646,"book_id":1216,"shamela_page_id":300,"part":null,"page_num":304,"sequence_num":300,"body":"مأخذ الحكم: التصريح بلفظ الفرض بأسلوب الخبر، أي: ألزم نفسه.\rقال القرطبي: «قوله تعالى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾؛ أي: ألزم نفسه بالشروع فيه بالنية قصداً باطناً، وبالإحرام ظاهراً … » (¬١).\r• الحكم الثاني: تحريم الجماع وهو المعبر عنه بالرّفث، وكونه محظوراً من محظورات الإحرام.\rومأخذ الحكم: ورود النهي بصيغة الخبر، فهو خبر بمعنى النّهي، وهي أبلغ من صيغة النهي كما يذكره أهل الأصول والبلاغة.\r• الحكم الثالث: إفساد الحج بالرفث.\rمأخذ الحكم: هو أن مقتضى النهي الفساد، ووجوب الكفارة فيه، والمضي في فاسده، وتفصيل ذلك في كتب الفقه والخلاف.\r• الحكم الرابع: إذا فرض الحج في غير أشهره فله أن يرفث، وذلك يستلزم صحة فرضه.\rومأخذ الحكم: مفهوم ظرف الزّمان في قوله ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: في أشهر الحج المعلومات.\r• الحكم الخامس: أن من وطئ ناسيًا بطل حجه.\rمأخذ الحكم: أنّ الشّارع أطلق النّهي في كل من رفث، ولم يفرق بين عمده وخطئه، والنهي يقتضي الفساد.\r• الحكم السادس: النّهي عن الفسوق فسّرها ابن عباس بأنها: المعاصي كلها لا يختص بشيء دون شيء. وفسّرها ابن عمر بالمثال، فقال: كقتل الصيد وغيره","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167647,"book_id":1216,"shamela_page_id":301,"part":null,"page_num":305,"sequence_num":301,"body":"وقيل: غير ذلك.\rمأخذ الحكم: ما سبق أنه خبر بمعنى النهي، والأصل فيه التحريم والفساد، وقد فُسِّر بقول الصحابي، وتفسير الصحابي حجة.\r• الحكم السابع: النّهي عن الجدال، وفسر بالسّباب، أو مماراة المسلم حتى يغضب وفُسِّر بغير ذلك.\rومأخذ الحكم: كونه محظورًا من محظورات الحج لورود النهي عنه بصيغة الخبر كما سبق.\rتنبيه: النهي عن الفسوق والجدال لا يختص بحالٍ، وإنّما خصّه الله سبحانه بمن فرض الحج تعظيمًا وتفخيمًا لشأن الحج.\rقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: مشروعية وإباحة الاصطياد بعد التحلل، مما يدل على كونه محظورًا حال الإحرام.\rومأخذ الحكم: مفهوم الشرط إذ يدل على أننا إذا لم نحلل، أي: كنا حُرُمًا؛ فإنّه يحرم علينا الصّيد.\r• الحكم الثاني: وجوب الهدي على من أراد التحلل بسبب الإحصار.\rمأخذ الحكم: قال القرطبي: « … «ما» في موضع رفع، أي فالواجب أو فعليكم ما استيسر من الهدي. ويحتمل أن يكون في موضع نصب، أي فانحروا أو فاهدوا» (¬١).","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167648,"book_id":1216,"shamela_page_id":302,"part":null,"page_num":306,"sequence_num":302,"body":"وبه يتضح دلالة وجوب الهدي على من أراد التحلل من الإحصار.\r• الحكم الثاني: الواجب على المحصر ما تيسر من الهدي.\rمأخذ الحكم: ما سبق من إعراب ل (ما) وتقديرات، والمستيسر من الهدي، إمّا بدنة، أو سُبُعها، أو بقرة أو سُبُعها، أو شاة فما سهل على المخرج وتيسر عليه، وهو لفظ يستعمل في التخفيف والتّيسير.\rتنبيه: اختلف العلماء في جواز الاشتراك في الهدي الواجب، فأجازه الشافعي وأحمد، وكذا أبو حنيفة، إذا أراد جميعهم الفدية وممنوع إذا أراد بعضهم اللحم، ومنع الاشتراك الإمام مالك، واحتج بأن ظاهر الآية يقتضي هديًا كاملًا، والجماعة إذا اشتركوا في هدي لم يتقرب كل واحدٍ منهم إلّا ببعض هدي.\r• الحكم الثالث: أن لذبح الهدي مكانًا وزمانًا إلّا أنهم اختلفوا فيهما؛ نظرًا للخلاف في المراد بقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾\rمأخذ الحكم: إنّ لفظ (المحل) يقع على الوقت والمكان جميعًا.\rأمّا الوقت بالنسبة للعمرة فهي في أي وقت شاء، وكذا الحج عند الجمهور، وذهب بعض العلماء أنّه لا يحل قبل يوم النحر.\rأمّا المكان فاختلفوا هل يذبح في مكانه أو بمكة؟ فذهب الجمهور إلى أنّه ينحره أو يذبح حيث حبس من حلٍ أو حرمٍ.\rوذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا ينحره إلا بالحرم استدلالًا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ووافقه مالك فيما إذا كان الإحصار بسبب المرض.\rفالقائلون بأن الذّبح أو النحر يكون في الحرم، قالوا: إنّ مطلق المحل في قوله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167649,"book_id":1216,"shamela_page_id":303,"part":null,"page_num":307,"sequence_num":303,"body":"تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ يحمل على المقيّد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ولقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].\rوأجيب: بأن المقيد محمولٌ في حق غير المحصر، أمّا المحصر فقد دلّ قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. وبيّن النبي ﷺ محله فذبح في الحل (¬١) مما يدل على أنّه لا يشترط أن يبلغ الحرم.\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]\rاستدل العلماء بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: حرمة الاصطياد حال الإحرام، فهو محظور من محظورات الإحرام.\rومأخذ الحكم يتضح بالوجوه الآتية:\r* أولاً: صيغة النّهي الصريحة ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ والنهي يقتضي التحريم.\r* ثانيًا: وجوب الكفارة على من فعل ذلك.\r* ثالثًا: عفو الله ومغفرته لمن فعل ذلك، ولا يكون العفو إلّا من ذنب.\r* رابعًا: التهديد بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾\r* خامسًا: ختم الآية بقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾\r* سادسًا: قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بلفظ التّحريم وهو صريح ونصَّ في التّحريم.","footnotes":"(¬١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٣٥٦)، نقلاً عن الشافعي، وكذا في معرفة السنن والآثار (٧/ ٤٨٧). وانظر: تفسير الشافعي (٣/ ١٢٦٥)، وحدائق الروح والريحان للهرري (٢٧/ ٢٩٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167650,"book_id":1216,"shamela_page_id":304,"part":null,"page_num":308,"sequence_num":304,"body":"قال ابن القيم: في الفصل المعقود للألفاظ الدّالة على التحريم قال: « … وكل فعل طلب الشرع تركه … ، أو جعل سببًا لنفي الفلاح أو لعذاب عاجل أو آجل، … أو حلول نقمة … فهذا ونحوه يدل على المنع من الفعل، ودلالته على التّحريم أطرد من دلالته على مجرد الكراهة» (¬١).\r• الحكم الثاني: وجوب الفدية على من قتل الصيد، وهو محرم متعمداً.\rومأخذ الحكم: التقدير الوارد على الآية، قال القرطبي: «التقدير فعليه جزاء مماثل أو لازم من النعم» (¬٢) ومعلوم أن لفظ «على» في الشارع تدلُّ على الوجوب، والمقدَّر كالملفوظ.\r\rباب صفة الحج ودخول مكة\rقال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] وفي قراءة ﴿واتخذوا﴾ بفتح الحاء\rاستنبط العلماء من الآية عدداً من الأحكام:\r• الحكم الأول: مشروعية الصلاة خلف مقام إبراهيم.\rوقد اختلف المفسرون في المراد بمقام إبراهيم، والأكثر أنّه: الموضع المخصوص للصلاة، والمعهود، ويؤيده سبب نزول الآية، حين طلب عمر بن الخطاب ﵁ من النبي ﷺ أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت الآية (¬٣)،","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد (٤/ ٤ - ٦).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٣٠٩).\r(¬٣) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٣٠)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٢٦)، وتفسير ابن كثير (١/ ٤١٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167651,"book_id":1216,"shamela_page_id":305,"part":null,"page_num":309,"sequence_num":305,"body":"وبيّن المراد منها: النبي ﷺ بفعله حين قرأ بالآية ثم صلى خلف المقام المعهود ركعتي الطواف (¬١).\rمأخذ الحكم: ورود الطلب بصيغة الأمر الدّالة على الوجوب، وهو مذهب طائفة من أهل العلم، كما أن القراءة الأخرى - بفتح الحاء - تكون خبرًا بمعنى الأمر، وتأخذ حكمه.\rوذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الصّلاة خلف مقام إبراهيم سنة، وصرفوا الأمر من الوجوب إلى الندب بصارف خارجي، وهو السنة الدّالة على أن الواجب على العبد من الصلوات هو الصلوات الخمس لا غير، وما عداها فهو سنة.\rومن تلك الأحاديث قوله ﷺ لمعاذ (فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فقال: هل عليّ غيرها. فقال: ﷺ لا إلّا أن تتطوع) (¬٢) إجابة لمن سأله هل عليّ غيرها؟ أي: من الصّلوات الخمس. وغير ذلك من الأحاديث.\rوذهب قوم غلى أنّها تابعة للطواف، فتجب بعد الطواف الواجب، وتسن بعد الطواف المسنون.\rومأخذهم كونها تابعة، والتابع تابع، فيتبع الأصل في حكمه.\r• الحكم الثاني: استدل بالآية من قال بجواز نقل مقام إبراهيم من مكانه لأجل التوسعة (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري كتاب التفسير، باب قوله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ برقم (٤٢١٣).\r(¬٢) متفق عليه وسبق تخريجه.\r(¬٣) ينظر: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (٥/ ١٥)، والشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٢٦٥)، ومقام إبراهيم ﵊، ص (٧)، والنوازل في الحج للشلعان (٢٩٠)، والفقه الميسر (٩/ ١٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167652,"book_id":1216,"shamela_page_id":306,"part":null,"page_num":310,"sequence_num":306,"body":"مأخذ الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ جاء مطلقًا، والمطلق يجري على إطلاقه، وإطلاق التّطهير يشمل التطهير من الشّرك بلا ريب، ومن معاني التّطهير: إزالة كل ما يمنع من أداء هذه العبادة، أو يعسرها أو يخل بها، وخاصة الطائفين لاختصاصهم بهذا المكان دون مشارك، خاصّة إذا تزاحمت الاستحقاقات، فوجب إعطاؤهم حقهم، وعدم الحيلولة بينهم وبينه في حال تزاحم الحقوق لا لحجر ولا لغيره (¬١).\rوكونه مطلقًا لأنّ الفعل ﴿طَهِّرَا﴾ نكرة وهو في سياق إثبات.\r• الحكم الثالث: استدل بالآية من قال بجواز توسعة المطاف (¬٢).\rمأخذ الحكم: هو ما سبق من كون الأمر جاء على جهة الإطلاق، والمطلق يجري على إطلاقه، فيشمل التطهير إزالة كل ما يمنع من أداء العبادة.\rقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] وفي قراءة ﴿أن لا يطوف﴾\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: مشروعية السعي بين الصفا والمروة، وهو أمر مجمع عليه، وإنّما الخلاف في كونه حكمًا واجبًا أو سنة.\rومأخذ القائلين بالوجوب: كونه واردًا بصيغة الخبر، والمراد به الأمر. وذلك في قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ففيه الأمر بإقامة شعائر الله؛ لأنّ شعائر الله عظيمة لا يجوز","footnotes":"(¬١) ينظر: النوازل في الحج للشلعان (٣٠٥).\r(¬٢) ينظر: فقه النوازل (٢٩٦)، والفقه الميسر (٩/ ١٦٤ - ١٦٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167653,"book_id":1216,"shamela_page_id":307,"part":null,"page_num":311,"sequence_num":307,"body":"التهاون بها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢] وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] فدلّ ذلك على وجوب إقامة شعائر الله، ومنها السعي بين الصفا والمروة.\rقال السيوطي: «وقال قوم: قوله ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ دليل على الوجوب؛ لأنّه خبر بمعنى الأمر، ولا دليل على سقوطه» (¬١).\rثم اختلف القائلون بحتمية السعي هل هو ركن في الحج، أو واجب فيه؟ على قولين، ومرجع ذلك إلى كتب الفقه.\rومأخذ القائلين بكونه سنة، قوله ﷾: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ونفي الجناح عن الفاعل يدل على عدم وجوبه، بل هو في رتبة المباح؛ إلّا أن جعل السعي من شعائر الله قرينة تدل على أنه لا يراد بذلك الإباحة، وإنّما يراد به النّدب والسنية.\rقال شيخ الإسلام: «ورفع الجناح وإن كان لإزالة الشبهة التي عرضت لهم في الطواف بهما -كما سيأتي - إن شاء الله فإن هذه الصيغة تقتضي إباحة الطواف بهما، وكونهما من شعائر الله يقتضي استحباب ذلك (¬٢).\r• الحكم الثاني: أنّ بداية السعي تكون بالصفا، والبدء بالصفا واجب.\rومأخذ الحكم: كون الله بدأ به فيقدم، وقوله ﵊ (نبدأ بما بدأ الله به) (¬٣) مع ضميمة قوله: (لتأخذوا عني مناسككم) (¬٤).","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٣٢٨).\r(¬٢) شرح العمدة (٣/ ٦٢٥).\r(¬٣) سبق تخريجه.\r(¬٤) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً، برقم (١٢٩٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167654,"book_id":1216,"shamela_page_id":308,"part":null,"page_num":312,"sequence_num":308,"body":"قال ابن الفرس: «ليس فيها ما يستدل به على أن البداءة من الصفا والمروة، ولا عكسه، سوى التقديم اللفظي، ولم يعتبره أكثر الفقهاء في مسألة الوصية، ولم يروا للتقديم اللفظي حكمًا، ولكنهم قد راعوه في هذه الآية فرأوا البداية بالصفا، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال حين خرج من المسجد، وهو يريد الطواف (نبدأ بما بدأ الله به) (¬١) فبدأ بالصفا فهذا يدل على اعتبار التقديم اللفظي ما لم يعارضه معنى آخر يقتضي التقديم، وهذا كله على المشهور من أن الواو لا تقتضي ترتيبًا» (¬٢).\r• الحكم الثالث: أن السعي لا يفعله إلّا من حجّ البيت أو اعتمر، وأنّه لا يفعله ابتداء، وهذا حكم متفق عليه، وأنّ السعي لا يكون إلّا بعد الطواف.\rومأخذ الحكم: كون السعي جواب شرط من حج البيت أو اعتمر.\r• الحكم الرابع: جواز السعي راكبًا.\rمأخذ الحكم: عموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ولم يخص راكبًا من غيره، والمسالة محل خلاف على أقوال يرجع فيها إلى كتب الفقه.\rووجه العموم: أن الفعل المنصوب ينحل مصدرًا، والتقدير: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ الطواف بهما﴾\r• الحكم الخامس: يجزئ السعي دون طهارة، وإليه ذهب الجمهور.\rومأخذ الحكم: عموم الآية، وقد سبق.\r• الحكم السادس: استدل بالآية من أجاز، أو منع توسعة المسعى بين الصفا والمروة، وذلك للخلاف في حقيقة حجم جبلي الصفا والمروة التي أمرنا بالسعي بينهما.","footnotes":"(¬١) سبق تخريجه.\r(¬٢) أحكام القرآن (١/ ١٢٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167655,"book_id":1216,"shamela_page_id":309,"part":null,"page_num":313,"sequence_num":309,"body":"فمن قال إنه أكبر من حجمه الظاهر لنا الآن أجاز التوسعة، ومن قال بأن هذا حجمه لم يجز التوسعة عليه.\rومأخذ الحكم: يرجع إلى تحقيق مناط البينونة بينهما، وهو يعود لحقيقة حجم الجبلين.\rجاء في الفقه الميسر: «والذي نراه أن الخلاف في ذلك ليس راجعاً في حكم واحد لحقيقة واحدة، بل هو اختلاف في حكم لحقيقتين مختلفتين.\rفالعلماء متفقون على أنه لا يجوز السعي خارج الحد الذي ينتهي إليه الصفا والمروة، ومتفقون على أنه يجوز ويصح لما كان واقعاً بين حدود الصفا والمروة، ولكنهم يختلفون هل التوسعة داخلة بحيث تكون بين الصفا والمروة، أم أنها خارجة عن حد الصفا والمروة.\rفمن رآها داخلة أجاز السعي فيها، ومن رآها خارجة عن الحد الذي ينتهي إليه الصفا والمروة منع ذلك» (¬١).\rومما استدلَّ به القائل بعدم صحة التوسعة، قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، وقالوا: ظاهر المعنى اللغوي للمشعر يدل على الإشعار والإعلام، فالعلم به من الواضحات التي لا تخفى على أحد، وعليه فيبعد أن يجهل المسعى طيلة هذه القرون، ويكتشف سعته هذه الأزمان (¬٢).\rونوقش: بأن عرضه كان ظاهراً - كما نصت الآية - ولم تكن الحاجة لبيانه، ولما زاحمت البيوتات المكان احتيج لبيانه (¬٣).","footnotes":"(¬١) الفقه الميسر (٩/ ١٦٤ - ١٦٥).\r(¬٢) حسن المسعى في الرد على القول المحدث في عرض المسعى (٣٨).\r(¬٣) ينظر: نبل المسعى في مشروعية توسعة المسعى للسديس (٦٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167656,"book_id":1216,"shamela_page_id":310,"part":null,"page_num":314,"sequence_num":310,"body":"• الحكم السابع: استدل بالآية من قال بصحة السعي في التّوسعة الجديدة.\rومأخذ حكم من قال بالصحة: هو أن المولى ﷾ أطلق الطّواف بالصّفا والمروة، والمطلق يجري على إطلاق، ويقع على أي وجه كان شريطة أن يكون مبتدأه الصفا ومنتهاه المروة. وهذا مبني على المسألة السابقة، وهي جواز توسعة الصفا والمروة.\rثم إنَّ القول بتحديد المسعى - على القول بأنه كذلك - ليس فيه عن النبي ﷺ إلا فعله ﵊، والفعل المجرد ليس له مفهوم، فلا يفهم منه سوى المكان الذي سعى فيه فقط، ولا يدل على عدم جواز السّعي في غيره.\rقال السعدي: وكذلك المسعى منهم من قال: إن عرضه لا يحد بأذرع معيَّنة؛ بل كان بين الصفا والمروة، فإنه داخل في المسعى كما هو ظاهر النصوص من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر النصوص من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر فعل النبي ﷺ وأصحابه ومن بعدهم … (¬١) ..\rنوقش: بأنّه ليس مجرد فعل، بل فعل لبيان مجمل الآية، مقرونًا بالأمر باتباعه في قوله: (لتأخذوا مناسككم) (¬٢).\r• الحكم الثامن: استدل بالآية على جواز السعي في الدورين والسطح (¬٣). وكذا استدل بها من قال بعدم جواز ذلك (¬٤).","footnotes":"(¬١) الأجوبة النافعة في المسائل الواقعة للشيخ ابن سعدي (٢٩٣).\r(¬٢) أخرجه مسلم، وقد سبق.\r(¬٣) ينظر: فتاوى ابن عثيمين (٢٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨)، وفقه النوازل (٢٩٤)، والفقه الميسر (٩/ ١٦٢)، النوازل في الحج للشلعان (٣٦٤)، وعليه فتوى هيئة كبار العلماء، ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء (١/ ١٦) (٢/ ٣٨٨) قرار رقم (٣)، وإتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (١٠٢ - ١٠٣).\r(¬٤) ينظر: الرحلة إلى أفريقيا -القسم الأول- (٧١)، وفقه النوازل (٢٩٤)، والفقه الميسر (٩/ ١٦٢)، النوازل في الحج للشلعان (٣٦٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167657,"book_id":1216,"shamela_page_id":311,"part":null,"page_num":315,"sequence_num":311,"body":"مأخذ الحكم: أما القائل بالجواز فلأن السّعي في الآية ورد مطلقًا - كما سبق تقريره في الحكم السابق - والمطلق يجري على إطلاقه، والسعي فوق السقف، لا يخرج عن مسمى السعي فيدخل في إطلاق الآية.\rنوقش: بمنع دخولها في الآية، بل الآية جعلت للمسعى حدًّا، والمكان الذّي حددّه الشارع لعبادة معينة لا يجوز الزيادة عليه، أو النقص منه إلّا بنص من الكتاب والسّنة.\rوهذه الأمكنة المحددة شرعًا لنوع من أنواع العبادة ليست محلًا للقياس؛ لأنه لا قياس ولا اجتهاد مع النّص الصّريح المقتضي تحديد المكان المعين للعبادة (¬١).\rويفهم من النقاش السابق وجه القائل بالجواز، ووجه القائل بالمنع.\rومن المآخذ التي خرَّج عليها الشيخ محمد الأمين ﵀ القول بعدم جواز السعي في الدورين، ما يأتي:\rالأول: فعله ﷺ كان بياناً لمجمل القرآن، ولا يجوز العدول عن بيانه ﷺ، يقول الأمين ﵀: «وقوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ إجمال يحتاج إلى بيان كيفية الطواف ومكانه ومبدئه ومنهاه، وقد بين النبي ﷺ ذلك بالسعي بين الصفا والمروة مبيناً فعله المذكور واقع لبيان القرآن المذكور لقوله ﷺ: (خذوا عني مناسككم) وعليه فلا يجوز العدول عن كيفيته ولا عدده ولا مكانه ولا مبدئه ولا منتهاه إلا بدليل من كتاب وسنة» (¬٢).\rوالمأخذ الثاني: كون الآية نصًّا في تحديد مكان السعي، ولا اجتهاد مع النص، فقال: « … إن الأمكنة المحددة شرعاً لنوع من أنواع العبادات ليست محلاً للقياس؛","footnotes":"(¬١) أبحاث هيئة كبار العلماء (١/ ٤٣).\r(¬٢) الرحلة إلى إفريقيا (٧١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167658,"book_id":1216,"shamela_page_id":312,"part":null,"page_num":316,"sequence_num":312,"body":"لأنه لا قياس ولا اجتهاد مع النص الصريح المقتضي تحديد المكان المعين للعبادة» (¬١).\rقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام في هذا الباب:\r• الحكم الأول: وجوب النّية.\rمأخذ الحكم: الخلاف في معنى الإتمام، وقد سبق.\rقال القرطبي: «لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجا ولا عمرة - والقلم جار له وعليه- أن شهودهما بغير نية ولا قصد غير مغن عنه، وأن النية تجب فرضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ ومن تمام العبادة حضور النّية، وهي فرض كالإحرام عند الإحرام» (¬٢).\r• الحكم الثاني: مشروعية نسك التمتع ووجوب الهدي عليه، وقد اتفق العلماء على أن التمتع الذي هو الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج من عامه أنّه مراد في الآية.\rمأخذ الحكم: دلّ إيجاب الهدي - وهو دم شكران لا جبران، على مشروعية التمتع، ووجوب الهدي بتقدير: فالواجب عليكم ما تيسر، أو فعليكم ما تيسر من الهدي، كما سبق المقصود بالمتيسر من الهدي.","footnotes":"(¬١) أبحاث هيئة كبار العلماء (١/ ٤٣).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167659,"book_id":1216,"shamela_page_id":313,"part":null,"page_num":317,"sequence_num":313,"body":"• الحكم الثالث: أن العمرة في أشهر الحج متعة عند الحسن البصري، وإن لم يحج.\rمأخذ الحكم: أن (إلى) في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ بمعنى (في).\rقال الموزعي: «وهو جائز في اللسان» (¬١) ثم أورد شواهد من شعر العرب تدل على ذلك.\r• الحكم الرابع: أن من اعتمر ثم رجع إلى أهله ثم حجّ من عامه فهو متمتع.\rمأخذ الحكم: ظاهر الآية وإطلاق الحكم فيها، فلم يفرق بين أن يكون نسك العمرة والحج في سفرٍ واحدٍ، أو في أكثر من سفر.\rقال القرطبي: «قال ابن المنذر: وحجته ظاهر الكتاب قوله ﷿: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ ولم يستثن: راجعا إلى أهله وغير راجع، ولو كان لله جل ثناؤه في ذلك مراد لبينه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ» (¬٢).\r• الحكم الخامس: كفارة من لم يجد الهدي على الترتيب بلا خلاف.\rومأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ ومفهومه أن من كان واجدًا للهدي فليس له أن ينتقل للصيام.\r• الحكم السادس: أن من لم يجد الهدي، فيجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج.\rومأخذ الحكم:\rأولاً: وجوب الصيام في التقدير الوارد في الآية، أي: فعيله صيام ثلاثة أيام و (على) من ألفاظ الوجوب.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (١/ ٣٤١).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٩٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167660,"book_id":1216,"shamela_page_id":314,"part":null,"page_num":318,"sequence_num":314,"body":"وثانيًا: كونها في الحج، دلّ عليه مفهوم ظرف الزمان، ومفهومه أنها لا تصح، ولا تجزئ قبل أن يحرم بالحج.\rقال القرطبي: «فإن قوله: ﴿أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ يحتمل أن يريد موضع الحج، ويحتمل أن يريد أيام الحج؛ فإن كان المراد أيام الحج فهذا القول صحيح (¬١)؛ لأنّ آخر أيام الحج يوم النحر، ويحتمل أن يكون آخر أيام الحج أيام الرمي؛ لأن الرمي عمل من عمل الحج خالصًا وإن لم يكن من أركانه. وإن كان المراد موضع الحج صامه ما دام بمكة في أيام منى، كما قال عروة، ويقوى جدًا» (¬٢).\r• الحكم السابع: اختلف العلماء في اشتراط التتابع في صيام الأيام الثلاث.\rومأخذ الحكم: أما من لم يشترط التتابع؛ فلأن ظاهر إطلاق الآية يدل على عدم اشتراطه.\rوأمّا من اشترطه فلحجة القراءة الشاذة الواردة فيه، وقد ورد في قراءة شاذة (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (¬٣).\r• الحكم الثامن: اختلف العلماء فيمن صام ثم وجد الهدي قبل إكمال صومه، وهل يكمل صومه، ويكون ذا فرضه أو يقطعه ويلزمه الهدي؟\rومحل الخلاف إذا لم يكمل الثلاثة أيام.\r• الحكم التاسع: وجوب صيام سبعة إذا رجع إلى أهله.\rومأخذ وجوب الصوم ما سبق، في تقدير (فعليكم صيام)، كما أن في قراءة زيد ابن علي ﴿وسبعةً﴾ بالنصب، دلالة على الوجوب؛ إذ التقدير: وصوموا سبعة.","footnotes":"(¬١) يقصد قول الشافعية أن الصيام ما بين أن يُهِلّ بالحج إلى يوم عرفة يعتبر أداء، وأيام منى قضاء.\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٠٠).\r(¬٣) انظر: تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢٤)، والطبري (١٠/ ٥٥٩)، والدر المنثور (١/ ٥١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167661,"book_id":1216,"shamela_page_id":315,"part":null,"page_num":319,"sequence_num":315,"body":"أمّا كونه إذا رجع إلى أهله، فمفهوم الشرط ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ومفهومه أنّها لا تصام في الحج، أي: إذا رجعتم فصوموا.\rقال ابن عثيمين ﵀: «إن صام السبعة لا يجوز في أيام الحج؛ لقوله تعالى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (¬١).\rوقد اختلف العلماء في هذه المسألة، والخلاف في مفهوم الرجوع هل هو إلى بلادكم، أو يجوز في الطريق، أو الرجوع إلى الإحلال بعد الإحرام، أو الرجوع من منى … وجعل ابن العربي مأخذ الجواز وعدمه راجعًا إلى الخلاف في كونه رخصة أو عزيمة، فقال: «إن كان تخفيفًا ورخصة فيجوز تقديم الرخص وترك الرفق فيها إلى العزيمة إجماعا، وإن كان ذلك توقيتًا فليس فيه نص ولا ظاهر أنه أراد البلاد، وإنما المراد في الأغلب والأظهر فيه أنه الحج» (¬٢).\r• الحكم العاشر: أن الأيام عشرة لا تنقص ولا يزاد عليها.\rومأخذ الحكم: مفهوم العدد في قوله تعالى: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.\rقال الشوكاني: «وقوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾ توكيد أخر بعد الْفَذْلَكَةِ لزيادة التوصية بصيامها، وأنه لا ينقص من عددها» (¬٣).\rوقال بعض أهل العلم إن لفظ قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: أكملوها ولا تنقصوها، ذلك وهذا الحكم متفق عليه، وإنّما الخلاف فيما إذا فات المتمتع صيام الأيام الثلاثة في الحج، فهل يجب عليه صيام السبعة الباقية أم تسقط عنه ويتعين عليه الدّم؟ وبسط هذا في كتب الفقه.","footnotes":"(¬١) تفسير القرآن الكريم، سورة البقرة (٢/ ٤٠٩).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٨٥).\r(¬٣) فتح القدير (١/ ٢٢٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167662,"book_id":1216,"shamela_page_id":316,"part":null,"page_num":320,"sequence_num":316,"body":"• الحكم الحادي عشر: أن الحلق أفضل من التقصير، وهو محل اتفاق.\rومأخذه: وروده في كتاب الله ﷾ في قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ الآية ولم يقل تقصروا.\r• الحكم الثاني عشر: عدم جواز تقديم الحلق على الهدي.\rقال القرطبي: «لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه، وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وكذلك فعل رسول الله ﷺ، بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ذلك» (¬١).\rومأخذ الحكم: النّهي ومفهوم الغاية فيه أنّه إذا بلغ الهدي محله، فللمحرم أن يحلق رأسه.\rوقد ورد في السّنة من حديث عبد الله بن عمرو جواز تقديم الحلق على الهدي، وعدم وجوب الدم للناسي والجاهل، ففي الحديث: ( … فما سمعته سئل يومئذ عن أمر شيء، مما ينسى المرء ويجهل، من تقديم بعض الأمور قبل بعض، وأشباهها، إلا قال رسول الله ﷺ: «افعلوا ذلك، ولا حرج») (¬٢).\rقال الموزعي: «وأمّا حديث عبد الله بن عمرو فإنّه وإن ورد في الناسي والجاهل، فلا يدل على منعه في العامد، والله أعلم» (¬٣).\rقلت: وذلك أن ما خرج مخرج الجواب عند سؤال لا مفهوم له كما هو مقرر في علم أصول الفقه، كما أن الحديث يكون صارفًا للنّهي الوارد في الآية عن التّحريم وربما كان للكراهة هنا.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٨٢).\r(¬٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي، برقم (١٣٠٦).\r(¬٣) تيسير البيان (١/ ٣٢٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167663,"book_id":1216,"shamela_page_id":317,"part":null,"page_num":321,"sequence_num":317,"body":"قال الشاطبي: « … فلذلك إذا قال الشارع في أمر واقع: «لا حرج فيه»؛ فلا يؤخذ منه حكم الإباحة، إذ قد يكون كذلك، وقد يكون مكروها، فإن المكروه بعد الوقوع لا حرج فيه؛ فليتفقد هذا في الأدلة» (¬١).\rأمّا الدّم فلو كان واجبًا لبيّنه النّبي ﷺ؛ لأنّه وقت الحاجة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.\r• الحكم الثالث عشر: أن المكي هل له متعة.\rفذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا متعة له، وذهب الجمهور إلى أن له متعة.\rومأخذ الحكم: الخلاف في رجوع اسم الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فقال أبو حنيفة: إنّ الإشارة تعود إلى صحة التمتع المترتب عليه هذه الكفارة، فلا يصح لحاضري المسجد الحرام تمتع ولا قران.\rومأخذ الجمهور ظاهر عموم الآية، في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ و (من) من ألفاظ العموم - وأما اسم الإشارة فإنه يعود للدم وليس للتمتع كما سيأتي - فالآية لم تفرق بين المكي وغيره.\r• الحكم الرابع عشر: أن المكي المتمتع لا هدي عليه عند الجمهور.\rومأخذ الحكم: رجوع اسم الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يرجع إلى الهدي، وجعلوا اللام في قوله: ﴿لِمَنْ﴾ بمعنى (على)، أي: وجوب الدّم على من لم يكن من أهل مكة، كما أن الجمهور يرون أن دم المتمتع دم جبران؛ لترك الإحرام بالحجّ من الميقات.\rتنبيه: الحنفية كما سبق يرون أن المكر له لا مشقة له، ولا قران، فإنّ تمتع","footnotes":"(¬١) الموافقات (١/ ٢٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167664,"book_id":1216,"shamela_page_id":318,"part":null,"page_num":322,"sequence_num":318,"body":"وجب عليه الدّم، وهو دم جناية لا يأكل منه.\rقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]\rاستدل العلماء بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: أن فرض الحج والعمرة ينعقدان بالنّية دون النطق.\rومأخذه: أن معنى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ﴾ ألزم نفسه، وبالنية يتحقق ذلك وعليه لا يشترط معها نطق أو سوق هدي.\r• الحكم الثاني: وجوب أخذ الزاد للحج، حتى لا يحتاج إلى سؤال الناس.\rمأخذ الحكم: سبب النزول قطعي الدخول، وقد نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: نحن المتوكلون، ويقول بعضهم: كيف يحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فكانوا يبقون عالة على الناس فنهوا عن ذلك وأمروا بالتزود.\rقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٠]\rاستدل بالآيات على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: جواز التجارة في الحج، وقد قرأ ابن الزبير ﵄: (في مواسم الحجّ).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167665,"book_id":1216,"shamela_page_id":319,"part":null,"page_num":323,"sequence_num":319,"body":"مأخذ الحكم: يدل عليه نفي الحرج في الفعل - وقد سبق في حكم الطواف بين الصفا والمروة - ويؤكده جوازه ما ورد عن ابن عباس ﵄ في سبب نزول الآية حيث قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحج﴾ أخرجه البخاري (¬١).\r• الحكم الثاني: وجوب الوقوف بعرفة، وهو ركن من أركان الحج باتفاق.\rدلّ عليه قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ ثم قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. وفيها دليل أن المولى ﷾ قد أمرهم بالوقوف بعرفة قبل إفاضتهم منها.\rوقال الموزعي: عن قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ «وهذه الآية أصرح وأبين في الدّلالة على الوجوب من التي قبلها؛ فإنّ الله ﷾ أمرنا بالإفاضة من حيث أفاض الناس، فأوجب الحصول في مكان ابتداء الإفاضة الذي يفيض منه النّاس، وهو عرفات» (¬٢).\rمأخذ الحكم: هو الأمر الوارد بقوله: ﴿أَفِيضُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب، والمراد بالإفاضة هنا: الإفاضة من عرفات، وهو قول جماهير المفسرين، بل حكى فيه الطبري الإجماع، ولم يخالف فيه إلّا الضّحاك، وهو محجوج بالإجماع، وكان الناس، وهم العرب ما خلا قريشًا تتجاوز المزدلفة، وتقف بعرفات، وتفيض منها.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، برقم (٤٥١٩).\r(¬٢) تيسير البيان (١/ ٣٦٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167666,"book_id":1216,"shamela_page_id":320,"part":null,"page_num":324,"sequence_num":320,"body":"تنبيه: لم يذكر المولى ﷾ في كتابه وقت الوقوف، ولا وقت الإفاضة، وبيّنه ﷺ بفعله، فوقف بها إلى أن غربت الشمس، ثم دفع فجمع بين الليل والنهار.\rتنبيه آخر: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ بعد قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ يدل عند بعضهم أن (ثمّ) في الآية ليست لترتيب الحكم، بل هي للتّرتيب الذّكري، وعليه فلم تخرج (ثم) هنا عن موضوعها.\rوقيل: ليست (ثمّ) في هذه الآية للترتيب، وإنّما هي لعطف جملة كلام على جملة كلام، هي منقطعة منها. ففي الكلام تقديم وتأخير.\rوذكر ابن العربي أجوبة منها: «أن معناه ثم ذكرنا لكم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فيرجع التعقيب ب (ثم) إلى ذكر وجود الشيء لا إلى نفس وجوده» (¬١). ويرجع إلى تفاصيل ذلك في كتب التفسير.\r• الحكم الثالث: مشروعية النزول بالمزدلفة باتفاق إلّا أن الخلاف في كونه المبيت بها ركنًا أو واجبًا أو سنة، بل حُكِيَ عن بعض السّلف أنّه ليس بنسك، وإنّما هو منزلٌ إن شاء نزله، وإن شاء تركه، والأخير ضعيف جدًا، بل غلط ظاهر؛ لمخالفة الكتاب والسنة.\rقال الموزعي ورجّح كونه واجبًا قال: «لموافقته القرآن، ولحديث عروة بن مضرس ﵁» (¬٢). وتفصيل ذلك في كتب الفقه.\rمأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ والعندية هنا لبيان الظرف المكاني.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (١/ ١٩٦).\r(¬٢) تيسير البيان (١/ ٣٦٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167667,"book_id":1216,"shamela_page_id":321,"part":null,"page_num":325,"sequence_num":321,"body":"• الحكم الرابع: مشروعية الذّكر في المشعر الحرام، وهو أمر مجمع عليه.\rقال الموزعي: «قال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام: جميع المزدلفة وذكر الله سبحانه يقع على التلبية والصلاة والمبيت، إن لم يصحبه ذكر؛ لأنّه من مناسك الحج، والمناسك ذكر؛ لأنّها انقياد وتسليم لله ﷾» (¬١).\rومأخذ الحكم الوارد في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ودار الأمر هنا بحسب تفسير الذكر إلى واجب وهو الأصل، وذلك كالصلاة، والمبيت عند أكثر أهل العلم.\rوأمّا التلبية: فهي مشروعة نطقًا ولا تختص بمكان دون مكان، إلّا أن أكثر أهل العلم على كونها سنة، وكذا الدعاء صبيحة يوم العيد بالمزدلفة قطعاً.\rتنبيه: ورد الأمر بذكر الله أيضًا عند انقضاء المناسك بقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ ونقل ابن عباس ﵄ في سبب نزولها أن العرب كانت إذا قضت مناسكها، أقاموا بمنى يقوم الرجل فيقول: (اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القُبة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيت لأبي فنزلت الآية، وأمروا بذكر الله عوضًا من ذلك) (¬٢)\rوورد الذكر مقيدًا في أيام معدودات وسيأتي في الآية الآتية.\rقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]\rاستدل بالآية على عدد من الأحكام:","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (١/ ٣٥٦).\r(¬٢) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٦٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167668,"book_id":1216,"shamela_page_id":322,"part":null,"page_num":326,"sequence_num":322,"body":"• الحكم الأول: مشروعية ذكر الله في الأيام المعدودات، وهي: ثلاثة أيام بعد يوم النحر على خلاف بين أهل العلم، وتسمى أيام التّشريق، وأيام منى. وأمر الله ﷻ بذكره فيها لشرفها.\rمأخذ الحكم: صيغة الطلب ﴿وَاذْكُرُوا﴾ وهي هنا دائرة بين الوجوب والنّدب.\rفإذا فسر الذكر في هذه الأيام بالرّمي فهي للإيجاب، وإن كان مطلق الذكر كالتّكبير فهو للنّدب.\r• الحكم الثاني: مشروعية التعجل في يومين للمكي وغيره.\rومأخذ الحكم: قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ونفي الإثم من الأساليب الدالة على الإباحة.\rوكونه للمكي وغيره: أخذًا من عموم (من) في قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ وهي من ألفاظ العموم.\r• الحكم الثالث: مشروعية ذكر الله في الأيام المعلومات؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ وهي معطوفة على قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ وسبق القول أنّ اللام هنا للتعليل.\rوالمعنى: فأذن بالنّاس لأجل أن يشهدوا منافع لهم؛ ولأجل أن يذكروا اسم الله في هذه الأيام على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.\rومأخذ المشروعية: ما سبق أن الأمر بالإذن للناس يدل على المشروعية، والتي من ثمرتها ومنافعها ذكر الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167669,"book_id":1216,"shamela_page_id":323,"part":null,"page_num":327,"sequence_num":323,"body":"واختلف العلماء في المراد بذكر الله هنا، قال ابن الفرس: «واختلف في ذكر اسم الله ما هو؟ فقيل: هو بمعنى حمده وشكره على نعمته في الرزق، ويؤيده قوله ﵊ (إنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى) (¬١) وقيل: المراد ذكر الله على النحر والذبح» (¬٢).\rكما أنهم اختلفوا في المراد بالأيام المعلومات، فقيل: أيام العشر، وقيل: أيام الحج، وهو يوم عرفة والنّحر وأيام التّشريق، وقيل: يوم التّروية وعرفة، ويوم النحر، وقيل: يوم النحر ويومان بعده، وكل يستدل لقوله ببعض الآثار.\r• الحكم الرابع: الذّبح والنحر لا يكون إلّا في هذه الأيام، وأجمعوا على أنّه لا يجوز الذبح في هذه الأيام حتى يكون النحر.\rومأخذ الحكم: مفهوم الظرف حيث دلّ اختصاص هذه الأيام المعلومات بالذكر على ما رزقهم من بهيمة الأنعام بمفهومه على أنّه لا يكون في غيرها. وسيأتي مزيد في باب الأضحية.\r• الحكم الخامس: ذهب بعض العلماء إلى أن الليالي لا تدخل، فلا يجوز الذّبح بالليل؛ لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ﴾\rومأخذ الحكم: مفهوم اليوم، يدل على عدم دخول الليل، إذا قيل إنّ اليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا يعتبر مفهوم ظرف زمان.\rومن قال: بأن الليل يدخل في اليوم أجاز الذبح فيها.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب تحريم صوم أيام التشريق، برقم (١١٤١)، وأخرجه أبو داود - واللفظ له - في أول كتاب الضحايا، باب في حبس لحوم الأضاحي، برقم (٢٨١٣) قال الشيخ الألباني: صحيح.\r(¬٢) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167670,"book_id":1216,"shamela_page_id":324,"part":null,"page_num":328,"sequence_num":324,"body":"• الحكم السادس: مشروعية الأكل من الهدي والأضاحي والإطعام.\rومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهو أمر ندبٍ عند الجمهور.\rقال القرطبي: «أمر معناه الندب عند الجمهور … وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية» (¬١).\rوقال ابن الفرس: «قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة بالأكل من الهدايا». ثم ذكر خلاف العلماء فيما يؤكل من الهدي الواجب مما لا يؤكل، ثم نقل عن مالك قوله: أنه يؤكل منها كلها، إذا بلغت محلها إلّا من ثلاثة أنواع: جزاء الصيد، ونسك الأذى، ونذر المساكين، ثم قال: «واحتج ابن القصار لمالك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ولم يخص واجبًا من واجب ولا تطوع فهو عامّ في جواز الأكل إلّا ما قام الدّليل عليه من الثلاثة الأشياء المذكورة؛ لأنّها وجبت للمساكين، فلا يجوز له الرجوع ولا الأكل منها كالكفارات (¬٢).\r• الحكم السابع: أن الهدي والأضاحي لا يكون إلّا من بهيمة الأنعام، وقد أجمع العلماء على ذلك.\rومأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ أن غير بهيمة الأنعام لا تجزئ، وهو مفهوم صفة، - وسيأتي مزيد أحكام في باب الأضاحي بإذن الله - كالتسمية عند الذّبح، وقد قيل: إنّ المراد بذكر الله في الآية هو: التّسمية عند الذبح، وكالإجزاء من بعد الفجر، أي: قبل طلوع الشمس؛ لإضافة التّحريم إلى اليوم، ومقدار ما يطعم ويأكل ويتصدق إلى غير ذلك من أحكام.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٤٤).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167671,"book_id":1216,"shamela_page_id":325,"part":null,"page_num":329,"sequence_num":325,"body":"• الحكم الثامن: مشروعية قضاء التفث، كالحلق ورمي الجمار وإزالة الشعث ونحوه، وغير ذلك على خلاف في التّعميم والتّخصيص ببعضها.\rومأخذ الحكم: الطلب الوارد بصيغة الأمر ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ والطلب دليل المشروعية.\r• الحكم التاسع: أن الحلق نسك.\rمأخذ الحكم: على التفسير بأنّه التفث الوارد بالآية، فيكون مأموراً به.\r• الحكم العاشر: مشروعية الحلق بعد الذبح، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم: من يرى وجوب ذلك. ومنهم: من يرى استحبابه.\rومأخذ الحكم: ترتيب قضاء التّفث في الآية على الذّبح.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]\rتضمنت الآية منع المشركين - ككفار مكة وغيرهم - من الحجّ بعد هذا العام الذي بعث فيه النّبي ﷺ أبابكر ثم أردف ﷺ بعليٍّ فأمره أن يؤذن بسورة براءة؛ لإعلام النّاس بألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (¬١).\rمأخذ الحكم: النهي الوارد بقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ووصفهم بالنّجس مما يدل على وجوب اجتنابهم للمسجد الحرام.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك، برقم (١٥٤٣)، ومسلم كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وبيان يوم الحج الأكبر، برقم (١٣٤٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167672,"book_id":1216,"shamela_page_id":326,"part":null,"page_num":330,"sequence_num":326,"body":"قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٦ - ٢٩]\rسبق الحديث عن أحكام هذه الآيات المتعلقة بالحج وبقي الحديث عن آيتين منهما:\rالأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥].\rوقد استدل بعض المعاصرين بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: استدل بها من قال بأن تحديد نسبة الحجاج الصدّ عن سبيل الله؛ لما فيه من منع بعض المسلمين الذين يريدون أداء الفريضة مع الاستطاعة (¬١).\rمأخذ الحكم: قرن المولى ﷾ الصدَّ عن المسجد الحرام بالكفر، ودلالة السياق تقتضي المشاركة في الإثم، واستحقاق العذاب الأليم، الذي ختمت به الآية، ولا يستحق العقاب إلّا على ترك واجب، أو ارتكاب محرّم، فدلّ على عدم جواز تحديد النّسبة لما فيها من صدّ بعض المستطعين عن فريضة حجهم.\rتنبيه: سبق مناقشة هذا القول في المطلب الثالث، من المبحث السابق (الرابع).","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام الاستطاعة في الحج في ضوء المستجدات المعاصرة (١٨٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167673,"book_id":1216,"shamela_page_id":327,"part":null,"page_num":331,"sequence_num":327,"body":"• الحكم الثاني: استدل بالآية على عدم جواز تأجير المخيمات بمنى (¬١).\rمأخذ الحكم: أنّ تأجير المخيمات يتسبب في الصدّ عن المسجد الحرام، وما أدّى إلى الصدّ عن المسجد الحرام فهو حرام؛ وذلك لأنّ وسيلة الحرام محرّمة.\rثمَّ إنه ﷿ جعل المسجد الحرام ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، ومثله بقية المشاعر.\rتنبيه: رأت هيئة كبار العلماء في المملكة بالأغلبية: أنه يجوز للدولة أنْ تؤجّر هذه الخيام بقيمة متناسبة مع ما كلّفه هذا المشروع حتى تحصل على قيمة التكلفة، وبعد ذلك لا يجوز الأخذ إلا بقدر تكاليف الصيانة فحسب، مع وجوب مراعاة الأسبقية في تأجيرها؛ لأنّ منى مناخ من سبق، فإنْ تعذّر مراعاة الأسبقية فيرجع إلى الاقتراع؛ لأنّ القرعة يلجأ إليها عند التزاحم ولا مميّز لأحدهم، أو إذا علمنا أنّ الشيء لأحدهم وجهلناه (¬٢).\rولعل القول به مبني على الاستحسان، واعتبروا التأجير معدولًا به عن الأصل للمصلحة المترتبة على المشروع من سلامة الحجاج، وحفظ أرواحهم. وإلا فالأصل أن حكم منى حكم نظائرها من أراضي المشاعر، فيشملها الحكم العام، وهو حكم المساجد - الوارد في الآية - في قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥].\r• الحكم الثالث: استدل بالآية على عدم جواز إلزام الناس الحج عن طريق الحملات.\rمأخذ الحكم: أنّ إلزام الناس الحج عن طريق الحملات يتسبب في الصدّ عن","footnotes":"(¬١) ينظر: النوازل في الحج للشلعان (٤٥٢).\r(¬٢) انظر: قرار هيئة كبار العلماء رقم (١٨٥)، بتاريخ ٩/ ٢/ ١٤١٨ هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167674,"book_id":1216,"shamela_page_id":328,"part":null,"page_num":332,"sequence_num":328,"body":"المسجد الحرام، وما أدّى إلى الصدّ عن المسجد الحرام فهو حرام؛ وذلك لأنّ وسيلة الحرام محرّمة.\rويقال هنا ما قيل في المطلب السابق - تأجير المخيمات - من التنبيه.\rيقول الشيخ العثيمين: «أنّ لوليّ الأمر أنْ يلزم الناس بالحجّ عن طريق الحملات إذا رأى أنّ المصلحة تقتضي ذلك» (¬١).\rوأما الآية الثانية فهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وقد استدل بالآية على عدد من الأحكام:\r• الحكم الأول: ذهب جمهور أهل العلم أن المراد بالطواف في هذه الآية، طواف الإفاضة، ويسمى بطواف الزّيارة، بل ونقل بعض العلماء الإجماع على كونه هو المراد.\rواستنبط العلماء من الآية كون طواف الإفاضة ركنًا من أركان الحجّ، وهذا الحكم مجمع عليه.\rومأخذ الحكم من الآية: الأمر الوارد بصيغة (ليفعل) وهو الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، والأمر يقتضي الوجوب.\rتنبيه: ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالطواف هنا: طواف الوداع، ويرده ما قاله الجصاص في أحكامه حيث قال: «ظاهره يقتضي الوجوب; لأنه أمر والأوامر على الوجوب. ويدل عليه أنه أَمَرَ به معطوفا على الأمر بقضاء التفث، ولا طواف مفعول في ذلك الوقت - وهو يوم النحر بعد الذبح - إلا طواف الزيارة، فدل على أنه أراد طواف الزيارة» (¬٢).","footnotes":"(¬١) مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ١١٨).\r(¬٢) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٧٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167675,"book_id":1216,"shamela_page_id":329,"part":null,"page_num":333,"sequence_num":329,"body":"ثم إنّه على القول بأنّه طواف الإفاضة، أو الوداع فكلاهما واجب، فالأوّل: باتفاق، والثاني: عند من قال بأنّه المراد بالآية؛ إذ إنّ الأمر غير مصروف.\r• الحكم الثاني: لا يصح الطواف بغير طهارة عند الجمهور، وهي شرط في صحة الطواف. وذهب الحنفية: إلى كونها واجبة وليست شرطًا في صحة الطواف، والواجب يمكن جبره بالدّم في الحجّ؛ ولذا قالوا: بصحة الطواف بدون طهارة.\rوقالوا: إنّ الطّواف اسم للدوران بالبيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر.\rمأخذ الحكم: يتكلم أهل الأصول عن هذا الفرع تحت قاعدة: مطلق الأمر هل يتناول المكروه أم لا؟\rفعند الجمهور: لا يتناول المكروه خلافًا للحنفية.\rوذكر ابن السمعاني أن فائدة الخلاف تظهر في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فلا يتناول عندنا الطواف بغير طهارة، وعلى مذهبهم يتناوله؛ فإنهم وإن اعتقدوا كراهة هذا الطواف ذهبوا إلى أنّه دخل في الأمر، حتى يتصل به الإجزاء الشّرعي، ونحن لا نقول إنّه طواف مكروه، بل لا طواف أصلًا؛ لقيام الدليل على أن الطّهارة شرط فيه كالصّلاة (¬١).\r• الحكم الثالث: استدل بها من قال بعدم جواز الطواف في الطّابق العلوي؛ لأنّ ظاهر الآية لزوم كون الطواف بنفس البيت لا بفضائه (¬٢).\rالاستنباط: على المعنى اللغوي، واللغة حجة، حيث إنّ معنى الطواف جعل المكان في وسطه، لا فوقه لا تحته.","footnotes":"(¬١) انظر: قواطع الأدلة (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩).\r(¬٢) ينظر: النوازل في الحج للشلعان (٢٧٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167676,"book_id":1216,"shamela_page_id":330,"part":null,"page_num":334,"sequence_num":330,"body":"يمكن أن يناقش بأنّ الهواء له حكم القرار (¬١)، فيتحقق الطواف حكماً، وحقيقة شرعية، لا حقيقة لغوية، والحقيقة الشرعية مقدَّمة، وسبق أن قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ مطلق؛ لأن الأفعال نكرات، وهو في سياق إثبات، والمطلق يجري على إطلاقه، سواء كان أسفل أو في الهواء، فيجري على إطلاقه ما لم يأت دليل التقييد.\r• الحكم الرابع: استدل بها على جواز الطواف من المحدث (¬٢).\rمأخذ الحكم: أخذ من المعنى اللغوي؛ إذ إنّ الطواف هو الدوران حول الكعبة، وهذا يتحقق من المحدث والطّاهر.\rأو يقال بأن الطواف مطلق، والمطلق يجري على إطلاقه، فلا يتقيد بكونه على طهارة أو على غير طهارة، إلّا بدليل يقيد ذلك.\r• الحكم الخامس: يستدل بالآية على جواز الطواف على العربة أو السير (¬٣).\rومأخذ الحكم: على ما سبق من أن المطلق يجري على إطلاقه.\rتنبيه: هذا الحكم مبني على القول بأن المشي في الطواف مع عدم العذر سنّةٌ، وبهذا قال الشافعية (¬٤)، واختاره المجد (¬٥)، وابن قدامة (¬٦)، والشنقيطي (¬٧)، وابن باز (¬٨).","footnotes":"(¬١) ينظر: الفقه الميسر (٩/ ١٥٥)، وبه أفتت اللجنة الدائمة كما في فتاويها (١١/ ٢٣٢).\r(¬٢) ينظر: المبسوط (٤/ ٣٨)، وبدائع الصنائع (٢/ ١٢٩)، والنوازل في الحج للشلعان (٣١٥).\r(¬٣) ينظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٥/ ٢٧٢)، و الحلل الإبريزية من التعليقات البازية (٢/ ٣٦)، والنوازل في الحج للشلعان (٢٧٦).\r(¬٤) ينظر: المجموع شرح المهذب (٨/ ٢٧).\r(¬٥) ينظر: الشفا الشافيات (١/ ٢٣٦).\r(¬٦) ينظر: المغني (٥/ ٢٥١).\r(¬٧) ينظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٥/ ٢٧٢).\r(¬٨) ينظر: الحلل الإبريزية من التعليقات البازية (٢/ ٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167677,"book_id":1216,"shamela_page_id":331,"part":null,"page_num":335,"sequence_num":331,"body":"يقول الشيخ العثيمين: «لو تحذلق متحذْلِقٌ، وقال: إنّ من المهم عمل مشروع، وهو: أنْ يجعل المطاف متحرِّكًا بحركة الكهرباء كالدّرج، فهناك درجٌ الآن لا تترجّل فيه، وإنما تصعد عليه ويسير هو بك بالكهرباء، قال: تسهيلاً للناس، يدور بالناس وهم واقفون؛ لأنّ هذا أهون عن التزاحم، فنقول: أما على رأي من يرى أنّ الركوب في الطواف جائزٌ ولو بلا عذر، فهذا سائغٌ، وأما على رأي من يرى أنه لا يجوز، فهذا لا يجوز، على أنه ينبغي أنْ يمنع مطلقًا؛ لأنّ هذا يخرج مكان الطواف عن الطواف في الحقيقة، هذا رجلٌ واقفٌ لا يتحرّك، والأرض تدور به، فهذا المشروع ينبغي أن يردّ جملةً وتفصيلاً، والحجّ لا بدّ فيه من تعبٍ» (¬١).\r• الحكم السادس: يستدل بالآية على جواز الانتقال من طابق إلى طابق أثناء الطواف والسعي.\rومأخذ الحكم: على ما سبق من كونه مطلقًا، والمطلق يجري على إطلاقه، فيتحقق الطواف والسعي في جميع الحالات السابقة، فدلَّ على جواز ذلك (¬٢).\rقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]\rاستنبط من الآية وجوب الأخذ من شعر الرأس كله حلقًا، أو بعضه تقصيرًا.\rومأخذ الحكم: تكنية الشارع عن العبادة ببعض ما شرع فيها يدل على وجوبه، وعليه فيدل قوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ على فرضية الحلق أو التقصير في الحج؛ لأنّ العرب لا تكني إلّا بالأخص بالشّيء.","footnotes":"(¬١) شرح صحيح مسلم، لابن عثيمين (٤/ ٤٢٣).\r(¬٢) ينظر: المغني (٥/ ٢٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167678,"book_id":1216,"shamela_page_id":332,"part":null,"page_num":336,"sequence_num":332,"body":"قال المجد: إذ عبر عن العبادة بمشروع فيها دلّ على وجوبه، مثل تسمية الصلاة قرآنًا بقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وتسبيحًا بقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] وكالتعبير عن الإحرام والنسك بأخذ الشعر، بقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ذكره القاضي وابن عقيل ولم يحك خلافًا» (¬١).\r\rباب الفوات والإحصار\rقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].\rقال الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].\rقال ابن العربي عن آية البقرة إنّها: «مشكلة عُضْلةٌ من العُضْلِ» (¬٢) وقد استدل العلماء بالآيتين على بعض الأحكام:\r• الحكم الأول: أنّ الإحصار يكون بالعدو وبالمرض.\rومأخذ الحكم: كونه راجعًا إلى الإحصار بالعدو الراجع إلى سبب نزول الآية حيث إنّها نزلت بالحديبية حين أحصر رسول الله ﷺ بالحديبية، وحلق ورجع ولم يصل إلى البيت، ويؤيده من الآية قوله بعد ذلك ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ ثم ذكر المرض بعد ذلك بحكم مستقل ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآية.","footnotes":"(¬١) المسودة (٦٠)، التحبير (٢/ ٩٤٥).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167679,"book_id":1216,"shamela_page_id":333,"part":null,"page_num":337,"sequence_num":333,"body":"أمّا كون الحصر يكون بالمرض فمأخذه: اللغة حيث إنّ الفعل الرباعي (أحصر) يقال في المرض، فيقال: «أحصره المرض» أمّا الثّلاثي (حصر) فإنّه للعدو، فيقال: حصره العدو، وهو قول الأخفش وابن السِّكيت من علماء اللغة (¬١).\rوقال بعض أهل اللغة كالأزهري (¬٢) والزجاج (¬٣): إن الرباعي «أحصر» يقال لمن منعه خوف أو مرض من التصرف فهو محصر، ويقال لمن حُبس: حُصر، فهو محصور.\rوقال ثعلب والفراء: أُحصر وحُصر لغتان (¬٤).\rإذا تبين ما سبق فقد حمل بعض العلماء الإحصار في الآية على العدو، مؤيدين قولهم من خارج الآية - أيضًا -: (لا حصر إلّا حصر العدو) (¬٥).\rومن العلماء من حمل على الجميع لما سبق، ويؤيده من خارج الآية حديث ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب عند ما قالت لرسول الله ﷺ: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فما تأمرني؟ قال: (أهلي بالحج، واشترطي أن محلي حيث حبستني) (¬٦).\r• الحكم الثاني: أن الإحصار يكون في الحج والعمرة.","footnotes":"(¬١) انظر: اصلاح المنطق لابن السكيت (٢٣٠)، والمصادر القادمة.\r(¬٢) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٤/ ٢٣٢).\r(¬٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (١/ ٢٦٧).\r(¬٤) انظر: معاني اللغة للفراء (١/ ١١٧)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (١/ ٣٩٥).\r(¬٥) أخرجه الشافعي في مسنده (١/ ٣٨١) برقم (٩٨٤)، قال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٥٤٨): «بإسناد صحيح»، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٣٥٨) برقم (١٠٠٩١).\r(¬٦) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب الأكفاء في الدين، برقم (٤٨٠١)، ومسلم في كتاب الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه، برقم (١٢٠٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167680,"book_id":1216,"shamela_page_id":334,"part":null,"page_num":338,"sequence_num":334,"body":"قال القرطبي: «لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عامٌّ في الحج والعمرة. وقال ابن سيرين: لا إحصار في العمرة، لأنها غير مؤقتة، وأجيب بأنها وإن كانت غير مؤقتة لكن في الصبر إلى زوال العذر ضرر، وفي ذلك نزلت الآية» (¬١).\rفمأخذ الحكم: أن الإحصار في العمرة كان سبباً لنزول الآية، وسبب النزول قطعي الدّخول، وقاس العلماء الحجّ عليه؛ لأنّه بمعناه.\r• الحكم الثالث: أن المحصر ممنوع من حلق شعره حتى يبلغ الهدي محله، ومفهومه أنه: إذا بلغ الهدي محله فللمحرم أن يحلق رأسه.\rمأخذ الحكم: مفهوم الغاية الوارد في الآية بحرف (حتى).\rقال أبو حيان ﵀: «هذا نهي عن حلق الرأس مغيا ببلوغ الهدي محله، ومفهومه: إذا بلغ الهدي فاحلقوا رؤوسكم» (¬٢).\r• الحكم الرابع: الخلاف في المحصر المكي هل يجب عليه الهدي كالأفاقي.\rقيل: إنّه كغيره، فيجب عليه الهدي.\rومأخذ الحكم: عموم الضمير في قوله ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ يشمل المكي وغيره.\rوقيل: ليس عليه هدي، استدلالًا في الظاهر بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾\rقلت: وهذا الاستثناء يرجع الإشارة فيه إلى صحة التمتع المترتب عليه هذه الكفارة أو راجع إلى سقوط الدّم عن المتمتع كما سبق.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٧٧).\r(¬٢) البحر المحيط (٢/ ٢٥٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167681,"book_id":1216,"shamela_page_id":335,"part":null,"page_num":339,"sequence_num":335,"body":"• الحكم الخامس: أن المحصر إذا تحلل بالهدي؛ فإنّه لا يجب عليه قضاء حجه أو عمرته.\rومأخذ الحكم: أن الله ﷾ لم يذكر قضاء، والقضاء لا يجب إلّا بأمر ثانٍ عند الأكثرين من أهل العلم بالنظر وشرائط الاستدلال قاله الموزعي (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر: تيسير البيان (١/ ٣١٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167682,"book_id":1216,"shamela_page_id":336,"part":null,"page_num":340,"sequence_num":336,"body":"كتاب البيوع\rقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [١٩٨].\rيستدل بالآية على إباحة التجارة والإجارة وسائر أنواع المكاسب (¬١).\rوقد ورد في سبب نزول الآية ما نقله البخاري عن ابن عباس ﵄ حيث قال: «كانت عكاظ ومجنَّة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثموا أن يتَّجروا في المواسم، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج) (¬٢).\rمأخذ الحكم: رفع الجناح من الأساليب الدالة على الإباحة. والآية وإن كانت في الحج إلا أن جوازها في خارجه أولى.\rقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾\rويستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: إباحة البيع بأنواعه إلا ما دل دليل على تحريمه، والآية أصل في ذلك (¬٣).\rمآخذ الحكم: إخباره ﷾ عن الحكم المختص بالحل والإباحة بقوله: ﴿وَأَحَلَّ﴾ ويشمل حِلَّ البيوع بأنواعها لدخول «أل» غير العهديَّة على المفرد","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٨٤)، تيسير البيان (١/ ٣٥٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٦٢).\r(¬٢) أخرجه البخاري برقم (١٦٨١)، (١٧٧٠).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٤٦)، وتيسير البيان (٢/ ١٤٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٠٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167683,"book_id":1216,"shamela_page_id":337,"part":null,"page_num":341,"sequence_num":337,"body":"المشتق (¬١)، في لفظ ﴿الْبَيْعَ﴾ فيعمّ الحِلّ كل بيع إلّا ما دلّ الدليل على تحريمه.\rواشترط بعض الشافعية للعموم في «أل» الداخلة على المفرد المشتق، عدم مخالفته لأصل، فعمَّ في البيع؛ لأنه موافق للأصل من حيث إن الأصل في المنافع الحل، فمهما حرم البيع فهو على خلاف الأصل.\r• الحكم الثاني: كون الحل الوارد في عموم البيع مخصوصاً ببيوعات محرمة، أي أنَّه من العام المخصوص.\rمأخذ الحكم: تخصيص الكتاب بالسنة - ولو كانت آحادية - هو قول جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة (¬٢).\rقال السيوطي: «ومن أمثلة ما خُصَّ بالحديث: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ خُصَّ منه البيوع الفاسدة، وهي كثيرة في السنة» (¬٣).\rقال الجصاص: «﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ عموم في إباحة سائر البياعات … ثُمَّ منه جائز، ومنه فاسد … وقد كان لفظ الآية يوجب جواز هذه البياعات، وإنما خُصَّ منها بدلائل» (¬٤).\r• الحكم الثالث: جواز بيع المعاطاة (¬٥).\rمأخذ الحكم: عموم الآية، فيدخل بيع المعاطاة (¬٦) في عمومها.","footnotes":"(¬١) انظر: روضة الناظر (٢/ ٦٦٥)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٦٥)، التحبير (٥/ ٢٣٦٣).\r(¬٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٤٢)، شرح الكوكب (٣/ ٣٥٩).\r(¬٣) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٤/ ١٤١٩).\r(¬٤) أحكام القرآن (٢/ ١٨٩).\r(¬٥) ينظر: المغني لابن قدامة (٦/ ٧)، والمجموع للنووي (٩/ ١٩٢).\r(¬٦) المعاطاة: حقيقته: وضع الثمن وأخذ المثمن عن تراض منهما من غير لفظ المناولة.\rينظر: المطلع على أبواب المقنع (٢٢٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167684,"book_id":1216,"shamela_page_id":338,"part":null,"page_num":342,"sequence_num":338,"body":"فائدة: الأسماء التي علق عليها الشارع أحكاماً - كالبيع علَّق عليه الحِلَّ - إذا لم يبين الشارع له لفظاً، فإنَّ المرجع فيها إلى العرف، وقد جرى العرف على جواز بيع المعاطاة.\rقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب الإشهاد على البيع، على ما ذهب إليه بعض العلماء (¬١).\rمأخذ الحكم: حمل الأمر في قوله ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ على الوجوب، لعدم الصارف عندهم.\rوذهب الجمهور إلى أن حكم الإشهاد على البيع هو الندب (¬٢)، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك، وجعلوا من صوارف الأمر عن الوجوب إلى الندب القرائن الآتية:\rالأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فدلَّ سياق الإشهاد على الدين والبيع أن الرهن كاف في ذلك؛ لأجل الائتمان، فيكون الإشهاد دلالة على الحث، لا أنه واجب.\rالثانية: فعل النبي ﷺ حين اشترى فرساً من أعرابي ولم يشهد عليه (¬٣)، وفعله","footnotes":"(¬١) روي هذا القول عن بعض الصحابة كابن عباس، وابن عمر، وكذا بعض التابعين، وهو اختيار ابن حزم. ينظر: المغني لابن قدامة (٦/ ٣٨١)، والجامع لأحكام القرآن (٤/ ٤٥٨)، المحلى لابن حزم (٨/ ٨٠ و ٣٤٤ و ٣٥٠)، وتيسير البيان (٢/ ١٧٠)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٦).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٤٢)، والجامع لأحكام القرآن (٤/ ٤٥٩)، والمغني لابن قدامة (٦/ ٣٨١)، وتيسير البيان (٢/ ١٦٥).\r(¬٣) وفي الحديث قوله ﷺ للأعرابي: (بلى قد ابتعته منك) فطفق الأعرابي يقول: هلُمَّ شهيداً، فقال خزيمة بن ثابت ﵁ أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة، فقال: (بم تشهد؟) فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل شهادة خزيمة شهادة رجلين.\rأخرجه: أبو داود في كتاب الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، برقم (٣٦٠٧)، والنسائي في كتاب البيوع، باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع، برقم (٤٦٤٧)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٣٩٩)، وإرواء الغليل (٥/ ١٢٧)، برقم (١٢٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167685,"book_id":1216,"shamela_page_id":339,"part":null,"page_num":343,"sequence_num":339,"body":"من صوارف الأمر من الوجوب إلى الندب؛ إذ لو كان واجباً لأشهد عليه النبي ﷺ، ولما تركه (¬١).\rالثالثة: لقيام الإجماع السكوتي، أو الإجماع العملي على جواز ترك الإشهاد، فالناس على مر العصور يتبايعون من غير إشهاد مع علم الناس من غير نكير، ولو كان واجباً لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به.\r• الحكم الثاني: كون الإشهاد يشمل البيع والشراء، فالبائع مأمور بأن يشهد على بيعه، والمشتري مأمور بأن يشهد على شرائه، على جهة الوجوب أو الندب كما سيأتي.\rمأخذ الحكم: حمل المشترك - وهو لفظ (البيع) في قوله: ﴿تَبَايَعْتُمْ﴾ - على معنييه وهما: البيع والشراء.\r\rباب شروطه وما نُهي عنه\rقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية [البقرة: ١٨٨].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم أكل المال بغير وجه شرعي، وله صور كثيرة (¬٢).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٦٧).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٦٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢١٨)، وتيسير البيان (١/ ٢٧٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167686,"book_id":1216,"shamela_page_id":340,"part":null,"page_num":344,"sequence_num":340,"body":"قيل: تنحصر في: جحد ما يجب على الانسان بذله من وديعة أو زكاة، ودعوى ما ليس من حقه.\rوقيل: إنّ أصول المعاملات المحرمة: الربا، والظلم، والغرر (¬١).\rوالمقصود هو: أن من صور البيوع المنهي عنها والمحرمة شرعاً، أكل المال بالباطل، بالظلم أو الغرر، وغير ذلك.\rمأخذ الحكم: النهي الوارد بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾، والعموم في قوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾، بدخول الألف واللام على اسم الجنس، فيعم كل باطل، وجماعها ما ذكر.\r• الحكم الثاني: تحريم الرشوة (¬٢).\rوهذا الحكم وإن كان داخلاً في العموم السابق إلا أن في قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، حاجة لتخصيصها بالذكر؛ إذ إن الإدلاء هنا فُسِّر بالرشوة (¬٣).\rمأخذ الحكم: عطف الإدلاء بها على النهي في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، أي: ولا تدلوا بها إلى الحكام.\rكما أن في وصف الفعل بالإثم في قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، دليلاً على التحريم؛ إذ هو أسلوب من أساليب التحريم، وفيه ذمٌ للفعل بوصف كونه إثماً.","footnotes":"(¬١) ينظر: تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن للسعدي (١١٧).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٦٦)،، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢١٩)، وتيسير البيان (١/ ٢٧٦).\r(¬٣) ينظر: المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167687,"book_id":1216,"shamela_page_id":341,"part":null,"page_num":345,"sequence_num":341,"body":"قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: اشتراط البلوغ وإيناس الرشد، لصحة البيع (¬١).\rوفُسِّر الرشد بأنه: حسن التصرف بالمال. وإنما يحصل من العاقل دون السفيه.\rوعليه فلا يصح بيع ولا شراء الصبي غير المميز، ولا المجنون.\rمأخذ الحكم: تعليق المولى سبحانه دفع المال لليتامى بشرطين: بلوغ النكاح، وذلك بالبلوغ، وإيناس الرشد. والمعلَّق على شرطين لا يثبت إلا بثبوتهما (¬٢).\rتنبيه: قال ابن الفرس: «والفاء في قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ للشرط لا للتعقيب» (¬٣).\rقلت: وهو مقيِّد للشرط الأول، وهو البلوغ.\r• الحكم الثاني: جواز بيع وشراء الصبي المميِّز فيما أذن له الولي فيه.\rمأخذ الحكم: الحكم بظاهر الآية، وهو أن الاختبار يكون قبل البلوغ (¬٤).\rقال ابن قدامة للدلالة على هذا الحكم: «لوجهين: أحدهما: أنَّه سمَّاهم يتامى، وإنَّما يكونون يتامى قبل البلوغ. والثاني: أنَّه مدَّ اختبارهم إلى البلوغ بلفظ (حتى)","footnotes":"(¬١) ينظر: المجموع للنووي (٩/ ١٨٢ - ١٨٣)، والإنصاف للمرداوي (٤/ ٢٦٧).\r(¬٢) ينظر: المغني (٦/ ٥٩٦)، والتفسير الكبير (٩/ ١٩٤).\r(¬٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٦١).\r(¬٤) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٢٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167688,"book_id":1216,"shamela_page_id":342,"part":null,"page_num":346,"sequence_num":342,"body":"فدلَّ على أنَّ الاختبار قبله .. » (¬١).\rومأخذ آخر: كون الاختبار واجبًا قبل دفع المال، ولا يتم إلَّا بالإذن لهم بالبيع والشراء، فدلَّ على مشروعية ذلك وجوازه؛ لأن ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب، وكل واجب فهو جائز.\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: اشتراط رضا المتعاقدين في صحة عقود المعاوضات المالية (¬٢)، وفساد بيع المكره (¬٣).\rمأخذ الحكم:\rأولاً: دلالة الاستثناء المنقطع في الآية؛ حيث إن ﴿إِلَّا﴾ بمعنى لكن، وهو استثناء من النفي (¬٤)، فيدلّ على جواز الأكل حال التراضي. والتقدير: إلَّا أن تكون تجارة عن تراض منكم فيكون الأكل جائزاً.\rقال الرازي: «قوله: ﴿إِلَّا﴾ فيه وجهان: الأول: أنه استثناء منقطع؛ لأن التجارة عن تراض ليس من جنس أكل المال بالباطل، فكان ﴿إِلَّا﴾ ههنا بمعنى (بل)،","footnotes":"(¬١) المغني (٤/ ٣٥١).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٤٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٦٠).\r(¬٣) ينظر: المجموع ٩/ ١٨٨، ومجموع فتاوى (٨/ ٥٠٤)، و (٢٩/ ٢٠٠).\r(¬٤) قال ابن يعيش المفصل (٢/ ٨٠): «(لكن) لا يكون ما بعدها إلا مخالفاً لما قبلها، كما أن (إلا) في الاستثناء كذلك\". وقال الغزالي في المستصفى (٢/ ١٦٩) عن الاستثناء المنقطع: \" وقد تكلَّف قوم عن هذا كله جواباً، فقالوا: ليس هذا استثناء حقيقة بل هو مجاز، وهذا خلاف اللغة؛ فإن \"إلا\" في اللغة للاستثناء، والعرب تسمي هذا استثناء، ولكن تقول هو استثناء من غير الجنس».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167689,"book_id":1216,"shamela_page_id":343,"part":null,"page_num":347,"sequence_num":343,"body":"والمعنى: لكن يحل أكله بالتجارة عن تراض.\rالثاني: أن من الناس من قال: الاستثناء متصل، وأضمر شيئاً، فقال: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وإن تراضيتم، كالربا وغيره، إلا أن تكون تجارة عن تراض» (¬١).\rثانياً: مفهوم الشرط في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، ومفهومه ما لم تكن عن تراض فالبيع فاسد، وبيع المكره عن غير رضا.\rتنبيه: لا يرى الحنفية وابن حزم مفهوم المخالفة حجة، وقد استدلُّوا بقول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ على فساد بيع المكره، وليس هذا احتجاجاً منهم بدليلِ الخطابِ من الآية، بل بِمَنطوقها، وذلك أنهم رأوا أن صدر الآية -وهو النهي عن أكل الْمَالِ بالباطل- عامٌّ، استُثْنِيَ منه البيع عن تراض، والبَيعُ مع الإكراه خَالٍ عن التراضي، فبقي داخلاً في عموم الْمُسْتَثْنَى منه، أي في عموم النهي عن أكل المال بالباطل (¬٢).\r• الحكم الثاني: عدم اشتراط الصيغة (القبول والإيجاب) في البيع (¬٣).\rمأخذ الحكم: أن قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ مطلق، والمطلق يجري على إطلاقه، أي لا يتقيد بالألفاظ التي ذكرها الفقهاء: بعت، وقبلت، ونحوها.\rقال الشوكاني: «أما كون المعتبر مجرد التراضي، ولو بإشارة من قادر على النطق فلكونه لم يرد ما يدل على ما اعتبره بعض أهل العلم من ألفاظ مخصوصة،","footnotes":"(¬١) التفسير الكبير للرازي (٤/ ٥٧).\r(¬٢) ينظر: المحلى ٩/ ٢١، وبدائع الصنائع (٧/ ٢٨)، والبناية شرح الهداية (١٠/ ٤٥ - ٤٦).\r(¬٣) الإكليل (٢/ ٥٤٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167690,"book_id":1216,"shamela_page_id":344,"part":null,"page_num":348,"sequence_num":344,"body":"وأنه لا يجوز البيع بغيرها، ولا يفيدهم ما ورد في الروايات من نحو: بعتك، وبعت منك، فإنَّا لا ننكر أنَّ البيع يصح بذلك، وإنَّما النزاع في كونه لا يصح إلا بها، ولم يرد في ذلك شيء، وقد قال الله تعالى: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾، فدلَّ على أنَّ مجرد التراضي هو المناط، ولابد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كناية، بأي لفظ وقع، وعلى أيِّ صفة كان، وبأيِّ إشارة مفيدة حصل» (¬١).\rتتمة: من قال: لا ينعقد بيع المعاطاة، وإنما يحتاج في البيع إلى الصيغة؛ قالوا: «لما كان الرضا أمر يتعلق بالباطن، ولا يطلع عليه أحد في الظاهر إلا ببيان اللسان، اشترطنا النطق، واكتفينا به دليلاً على الرضا، صريحاً كان النطق أو كناية؛ لقيام الكناية بالدلالة على الرضا» (¬٢).\r• الحكم الثالث: عدم اعتبار خيار المجلس (¬٣).\rقال السيوطي: «لأنه اعتبر التراضي في تمام التجارة، دون التفرق» (¬٤).\rمأخذ الحكم: شرط التراضي في جواز التجارة، وأطلقه - سبحانه - والمطلق يبقى على إطلاقه، وبيَّن ذلك ابن العربي بقوله: « .. إنما يدل مطلق الآية على التجارة على الرضا، وذلك ينقضي بالعقد وينقطع بالتواجب، وبقاء التخاير (¬٥) في المجلس لا تشهد له الآية لا نطقاً ولا تنبيهاً، وكل آية وردت في ذكر البيع والشراء","footnotes":"(¬١) الدراري المضية (٢/ ٣٥٠).\r(¬٢) تيسير البيان (٢/ ٣٦٤)، وينظر: الإكليل (٢/ ٥٤٩).\r(¬٣) ينظر: المغني (٦/ ١٥ - ١٦)، والمجموع (٩/ ٢١١ - ٢١٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٦٠).\r(¬٤) الإكليل (٢/ ٥٤٩).\r(¬٥) التخاير: هو أن يقول المتبايعان: تخايرنا، أو اخترنا إمضاء العقد، أو أمضيناه، أو أجزناه، أو ألزمناه وما أشبهها، ففي حقيقته أنه قطع للخيار- أي: خيار المجلس-، ومنع من أن يرجع أحدهما عن العقد بعد حصول الإيجاب والقبول. ينظر: المجموع (٩/ ٢١٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167691,"book_id":1216,"shamela_page_id":345,"part":null,"page_num":349,"sequence_num":345,"body":"والمداينة والمعاملة إنما هي مطلقة لا ذكر للمجلس فيها، ولا لافتراق الأبدان» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].\rقال السيوطي عن المراد ﴿بِالْعُقُودِ﴾: «وقيل: ما عقده الإنسان على نفسه من بيع وشراء … فيدخل تحتها من المسائل ما لا يحصى» (¬٢).\rومما يستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز خيار الشرط (¬٣)، ولو طالت مدَّته (¬٤).\rمأخذ الحكم: لعموم قوله: ﴿بِالْعُقُودِ﴾، فهو جمع محلى بأل فيعم كل عقد، ومنه العقد الذي اشترط فيه الخيار.\r• الحكم الثاني: نفي خيار البيع والمجلس، وعدم صحتهما (¬٥).\rمأخذ الحكم: حمل الأمر في قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ على الوجوب، فيجب الإيفاء بعقد البيع، والعقد هو الإيجاب والقبول، فدلَّ على أنَّ خيار المجلس لا يثبت؛ لأن إثباته ينافي الإلزام بوفاء العقود، وهو خلاف مقتضى الآية، وسبق قول ابن العربي.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (١/ ٥٢٣).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٦٠٤)، وتيسير البيان (٣/ ٥٧ - ٥٨).\r(¬٣) ويسمى شرط الخيار، وخيار البيع، وبيع الخيار، وهو: \"أن يشترط أحد المتبايعين خيار ثلاثة أيام أو أقل\"، أو \"أن يشترط في العقد خيار مدة معلومة\"، وعُرِّفَ بأنه \"بَيْعٌ وُقِّفَ بَتُّه على إمضاء يُتَوَقَّع\"، فهو خيار في البيع يثبت بالشرط ولولا الشرط لما ثبت.\rينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ص/ ٢٨٨، والممتع في شرح المقنع ٣/ ٧٦، والبناية شرح الهداية ٧/ ٧٤، وشرح حدود ابن عرفة ١/ ٣٦٥ - ٣٦٧، وحاشية ابن عابدين ٧/ ١٠٦ - ١٠٧.\r(¬٤) ينظر: المغني (٦/ ١٥ - ١٦)، والمجموع (٩/ ٢١١ - ٢١٢).\r(¬٥) ينظر: المغني (٦/ ١٥ - ١٦)، والمجموع (٩/ ٢١١ - ٢١٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167692,"book_id":1216,"shamela_page_id":346,"part":null,"page_num":350,"sequence_num":346,"body":"قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: من شروط البيع المتعلقة بالمبيع أن يكون مالاً، ويعبر عنه بعض الفقهاء بالنفع أو الانتفاع. والخمر والأنصاب والأزلام لا نفع فيها، فلا تكون مالاً، وما ليس بمال لا تجوز المبادلة به (¬١).\rمأخذ الحكم: في الآية أساليب دالة على التحريم: ﴿رِجْسٌ﴾، و ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، و ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فهو نهي بصيغة الأمر.\rوالتحريم هنا لأجل كونها ﴿رِجْسٌ﴾، سواء كان ذلك حسياً أو معنوياً، فيدل على عدم النفع بها، ومعلوم أنَّ النهي إنما يكون لحسم مادة الفساد، لذا قيل إنه يقتضي الفساد.\r• الحكم الثاني: تحريم بيع الخمر والأنصاب والأزلام (¬٢).\rقال السيوطي: «أصل في تحريم الخمر» (¬٣).\rمأخذ الحكم: سبقت الإشارة إليه في المأخذ الأول.\rتنبيه: التحريم -هنا- مضاف إلى عين -الخمر والأنصاب- والتحريم لا يضاف إليها، وإنما يضاف إلى فعل المكلَّف، لذا لا بد من تقدير فعل للمكلَّف، فيقدَّر لفظ: التصرف، أو الاستعمال، أو الفعل. أي: تصرفكم وفعلكم بالخمر والميسر رجس فاجتنبوه، ويشمل التصرف والفعل: الأكل، أو الشرب، أو البيع،","footnotes":"(¬١) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (٩/ ١٤ - ١٥).\r(¬٢) ينظر: المغني (٦/ ٣٥٨).\r(¬٣) الإكليل (٢/ ٦٥٨ - ٦٥٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167693,"book_id":1216,"shamela_page_id":347,"part":null,"page_num":351,"sequence_num":347,"body":"أو الاتخاذ.\r• الحكم الثالث: تحريم الميسر، وهو القمار، وهو الذي لا يخلو الداخل فيه من أن يكون غانماً إن أخذ، أو غارماً إن أعطى، ويدخل فيه صور كثيرة، منها: بيع الملابسة، واللعب بالشطرنج والنرد، .... الخ\rوذكر السيوطي أنَّ الآية أصل في تحريم القمار بأنواعه (¬١).\rمأخذ الحكم: ما سبق في مأخذ الآية، ومنه قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ وهو أمر بمعنى النهي، مثل: دع، وذر، واترك … الخ\rقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].\rيستنبط من الآية: إباحة جميع ما سكت عنه الشرع، ولم يرد فيه نص بالتحريم (¬٢).\rمأخذ الحكم: يؤخذ ويستنبط من العموم الوارد بصيغة اسم الموصول (ما) في قوله: ﴿مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾، ويدلُّ على أنَّ جميع المحرمات قد فصَّل الشارع حكمها وبيَّنه. ومفهومه أن ما لم يفصل تحريمه فهو حلال.\rقلت: ما لم يفصَّل يبقى كذلك تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٥٨).\r(¬٢) يستدل بعض العلماء بهذه الآية في إباحة ما سكت عنه الشرع، كاستدلال ابن حزم بها على جواز بيع المدبر والمدبرة، فقال: \" فصح أن بيع كل متملَّك جائز، إلا ما فصَّل لنا تحريم بيعه، ولم يفصل لنا تحريم بيع المدبَّر والمدبَّرة، فبيعهما حلال\". وقوله في جواز بيع الحيوان باللحم مطلقا -أي من جنسه أو من غير جنسه، متفاضلا أو متماثلاً، نقداً أو نسيئة، وقال: \" فهذا كله بيع لم يُفَصّل تحريمه .. \" ولا يُعْتَرض عليه بأن بيع الحيوان باللحم مما فَصَّل لنا تحريمه حديثُ النهي عن بيع اللحم بالحيوان؛ لكونه ضَعيفاً عنده. ينظر: المحلى (٨/ ٥١٥ - ٥١٧)، و (٩/ ٣٧ - ٣٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167694,"book_id":1216,"shamela_page_id":348,"part":null,"page_num":352,"sequence_num":348,"body":"قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].\rيستنبط من الآية: تحريم وعدم صحة البيع والشراء ممن تلزمه الجمعة بعد الشروع في ندائها الثاني (¬١).\rمأخذ الحكم يتبيَّن بالمآخذ الآتية:\rالمأخذ الأول: دلَّ النهي على التحريم وفساد البيع بقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، وهو أمر بمعنى النهي (¬٢).\rالمأخذ الثاني: كون التحريم للبيع والشراء؛ إذا حمل المشترك على معنييه؛ إذ إن لفظ ﴿الْبَيْعَ﴾ مشترك يتناول المعنيين البيع والشراء.\rولما كان علَّة تحريم البيع -وهي: الاشتغال عن صلاة الجمعة- موجودةً في الشراء أيضاً. استدلَّ بعضهم بدليل سد الذرائع لذات المعنى؛ لأنه وإن كان مباحاً في أصله إلا أنه قد يكون ذريعة إلى فوات الخطبة، أو الصلاة أو بعضها.\rالمأخذ الثالث: في قصر الحكم على من تلزمه الجمعة؛ لأن الحكم معللٌ بما يحصل به الاشتغال عن الجمعة، وهذه العلة معدومة في حق من لم تلزمه الجمعة.\rتنبيه: من العلماء من جعل المخاطب بالآية الجميع؛ لعموم النهي.\rوذهب قوم إلى أن «البيع جائز في ذلك الوقت، وأن الآية على الندب لا على الإلزام، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾» (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٦٢، ٥٦٣).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٦٣).\r(¬٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٦٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167695,"book_id":1216,"shamela_page_id":349,"part":null,"page_num":353,"sequence_num":349,"body":"تكملة: الأمر بعد ذلك في قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] للإباحة؛ لكونه أمراً بعد حظر. أو يقال: يرجع إلى حكمه قبل الحظر، وفيه الخلاف في حكم البيع.\r\rباب الرِّبا\rقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٦].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: أن الآية أصل في تحريم الربا بأنواعه إلا ما خصه دليل (¬١)\rمأخذ الحكم: ورود التحريم على جهة العموم.\rوقد ورد التحريم بأساليب متنوعة، منها:\r(١) إخباره ﷾ عن الحكم المختص بالتحريم بقوله: ﴿وَحَرَّمَ﴾ وهو صريح في الدلالة على التحريم.\r(٢) وبالوعيد لمن عاد عليه بالنار، بقوله ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\r(٣) وبالإخبار بمحق الربا، بقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ وهو نوع عقوبة، لا تكون إلا على فعل محرم.\r(٤) وبعدم محبة الله لفاعله، وذم فاعله بأنه كفَّار أثيم، كما في ختم الآية.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٤٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٠٢)، وتيسير البيان (٢/ ١٤٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167696,"book_id":1216,"shamela_page_id":350,"part":null,"page_num":354,"sequence_num":350,"body":"أما العموم فهو المستفاد من دخول «أل» غير العهدية على المفرد المشتق، وهو لفظ ﴿الرِّبَا﴾ في الآية، ومن ثمَّ يعم حرمة كل ربا إلا ما خصَّه الدليل.\rالمأخذ الثاني: العمل بظاهر الآية، والعمل بالظاهر حجة.\rولما قيل بأن لفظ ﴿الرِّبَا﴾ متردد بين معنييه الشرعي واللغوي، حمل على المعنى الشرعي؛ لأن شأن الشرع أن يبين أحكام الشرع لا أحكام اللغة.\rالمأخذ الثالث: كون العبرة بعموم اللفط، حيث قيل في سبب نزول الآية إن ثقيفًا كانوا أكثر العرب ربًا، فلما نهوا عنه قالوا: كيف ننهى عن الربا وهو مثل البيع، فحكى الله تعالى ذلك عنهم، ثم أبطل ما ذكروه من التشبيه بالبيع، فقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (¬١).\rفيقال العبرة بعموم اللفظ، فيحرم جميع أنواع الربا، ومنها الربا الذي يعامل به أهل الجاهلية، إذا حَلَّ دينُهُ على غريمه طالبة، فيقال: زدني في الأجل وأزيدك في المال، وهو ربا النسأ، واللفظ يعمه ويعم ربا الفضل.\r• الحكم الثاني: أن العقود الواقعة في دار الحرب لا تُتْبَع بعد الإسلام بالنقض، سواء كانت عقود بيع أو نكاح (¬٢).\rمأخذ الحكم: لقوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، فأضاف المولى المال له بلام التمليك، وبصيغة العموم (ما) في قوله ﴿مَا سَلَفَ﴾، وذلك مشروط بالانتهاء ﴿فَانْتَهَى﴾، الواقع في جواب الشرط ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾.\rأما المسلم فلا يدخل في هذا الحكم؛ لأن الموعظة قد جاءته من قبل، وعصى، وكان الواجب عليه الامتثال.","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٤٠).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٤٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167697,"book_id":1216,"shamela_page_id":351,"part":null,"page_num":355,"sequence_num":351,"body":"قال ابن الفرس: «والآية كلها في الكفار المُرْبِين نزلت، ولهم قيل: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يُؤاخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد الآية» (¬١).\r• الحكم الثالث: أنَّ من استحلَّ ما حرم الله سبحانه مما اتفقت عليه الأمة، وشاع تحريمه فيها، أنه يكفر بذلك، بخلاف الجاهل (¬٢).\rومأخذ هذا: أنَّ المولى - سبحانه - لما علَّق استحقاق النار على من عاد بعد مجيء الموعظة - ففيه نوع استحلال منه - ثم ختم المولى حكم الربا بعد ما سبق بقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾، وأما الجاهل فلا يكفر؛ لأن الخطاب يدل على أنَّ ما لم يأته موعظة من ربه فلا حرج (¬٣).\rوقال القرطبي: «قال كثير من المفسرين: وهذا وعيد لمن استحل الربا، ومن استحل فإنَّه يكفُر، ويكفَّر» (¬٤).\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم ربا الجاهلية وإبطاله (¬٥).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٠١).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٢/ ١٥٦).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (٢/ ١٥٦)\r(¬٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٩٩)\r(¬٥) تيسير البيان (٢/ ١٥٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167698,"book_id":1216,"shamela_page_id":352,"part":null,"page_num":356,"sequence_num":352,"body":"وهذه الآية تتحدث عن ربا الجاهليَّة، وقد اتفق المسلمون على إبطال هذا الربا، تبعاً لإبطال المولى ﷾ له (¬١).\rوربا الجاهلية هو ما كانت العرب تفعله من تأخير الدَّين بزيادة منه، فيقول أحدهم لغريمه: أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصير الطالب عليه (¬٢).\rمأخذ الحكم من الآية: ورود النهي الدال على التحريم والإبطال بأساليب، وهي:\rالأول: النهي بقوله: ﴿وَذَرُوا﴾، وهو أمر بمعنى النهي.\rالثاني: نصب المولى سبحانه للمرابي العداوة، في قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وفيه إخبار بعظم معصيته، وأنَّه يستحق بها المحاربة عليها.\rوبيَّن العز بن عبد السلام أنه راجع إلى الذم والوعيد، والذم والوعيد لا يكونان إلا على محرم (¬٣).\rالثالث: وصف التارك بأنه تائب، والتوبة لا تكون في الأصل إلا من الذنب (¬٤).\rقال العز بن عبد السلام: «ولا توبة في الأغلب إلا عن ذنب» (¬٥).\r• الحكم الثاني: أن المقيم على الربا يستتاب وإلا يقتل.","footnotes":"(¬١) ينظر: تيسير البيان (٢/ ١٥٨).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٠٠)، وتيسير البيان (٢/ ١٥٨).\r(¬٣) ينظر: الإمام (١٠٥ - ١٠٦).\r(¬٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٣٦٣)، والإكليل (١/ ٤٤٧).\r(¬٥) الإمام (١١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167699,"book_id":1216,"shamela_page_id":353,"part":null,"page_num":357,"sequence_num":353,"body":"مأخذ الحكم: قول ابن عباس: (من أقام على الربا فعلى إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلَّا ضرب عنقه) (¬١)، استدلالا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾. أخرجه ابن جرير.\r• الحكم الثالث: أن مجرد العقد الفاسد لا يوجب فوات التدارك إلا بعد القبض.\rمأخذ الحكم: قال ابن عاشور: «دلَّت الآية على أن مجرد العقد الفاسد لا يوجب فوات التدارك إلا بعد القبض، ولذلك جاء قبلها ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، وهنا ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى قوله ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾، وهذه الآية أصل عظيم في البيوع الفاسدة، تقتضي نقضها، وانتقال الضمان بالقبض، والفوات بانتقال الملك» (¬٢).\rوالمقصود بالفوات: تضييع منفعة العين المملوكة، كإمساك عين لها منفعة، يستأجر لها.\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠].\rيستنبط من الآية تحريم رِبا الفضل.\rقال السيوطي: «فيه النهي عن ربا الفضل، وآية البقرة عامة في ربا الفضل والنسيئة» (¬٣).","footnotes":"(¬١) ذكره السيوطي في الإكليل (١/ ٤٤٧).\r(¬٢) التحرير والتنوير (٣/ ٩٥).\r(¬٣) الإكليل (٢/ ٤٨٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167700,"book_id":1216,"shamela_page_id":354,"part":null,"page_num":358,"sequence_num":354,"body":"مأخذ الحكم: من الأساليب الدالة على التحريم:\rالأول: ورد الحكم بصيغة النهي الصريحة، وهي قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾\rالثاني: ذم الفعل وبيان شناعته. يقول القرطبي « … فدلَّت العبارة على شُنعة فعلهم وقبحه، ولذلك ذكرت حالة التضعيف خاصَّة» (¬١).\rفوائد: الأولى: قال ابن الفرس: «وخصت لفظة الأكل؛ لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال؛ ولأنها دالة على الحرص والجمع، فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كلَّه، فاللباس والسكنى والإدخار، والإنفاق على العيال، وغير ذلك، كلُّه داخل تحت قوله ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]» (¬٢).\rالثانية: قال القرطبي: « .. وإنما خصَّ الربا من بين سائر المعاصي؛ لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب» (¬٣).\rتنبيه: نقل العلماء الإجماع على تحريم الربا، كثيره وقليله، وهما في التحريم سواء، ولا حجة لبعض المعاصرين الذين أجازوا الربا اليسير الذي ليس فيه مضاعفة، احتجاجاً بمفهوم الآية.\rوذلك لأن من شرط المفهوم: (ألا تظهر فائدة من تخصيص الشيء بالذكر غير نفي الحكم عما عداه)، وقد تخلف هذا الشرط هنا؛ لوجود ف\rوائد أخرى من تقييد النهي عن الربا غير نفي الحكم حال المضاعفة، ومن تلك الفوائد:\rالأولى: إنَّما خُصَّ حال المضاعفة بالذِّكر؛ لبيان شناعة فعلهم؛ لأن الواحد منهم كان يستزيد في الدَّين مرَّة بعد أخرى، فيبلغ الحال به إلى أن يستغرق بالنزر","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١١٩).\r(¬٢) أحكام القرآن (١/ ٤٠٠ - ٤٠١)\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٩٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167701,"book_id":1216,"shamela_page_id":355,"part":null,"page_num":359,"sequence_num":355,"body":"اليسير مال المَدين كلَّه، وكأن الله تعالى يقول لهم موبِّخاً ومُشَهِّراً بسوء صنيعهم: لقد بلغ بكم الأمر في استحلال أكل الربا أنكم تأكلونه أضعافاً مضاعفة، فلا تفعلوا ذلك (¬١).\rالثانية: إنما خُصَّ الأضعاف المضاعفة بالذِّكر؛ لبيان حادثة واقعة، أي نزلت الآية بياناً لحكم حالة جرى التعامل بها وانتشر آنذاك، وما كان كذلك لا مفهوم له؛ لأن من موانع المفهوم كون المنطوق ذُكر لبيان الواقع.\rقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].\rيستنبط من الآية: تحريم الربا.\rمأخذ الحكم يتبين بالأساليب الآتية:\rالأول: ورود الحكم في سياق بيان الظلم الذي فعلوه، واستحقوا به تحريم طيبات ما أحل الله لهم.\rقال القرطبي: «كله تفسير للظلم الذي تعاطوه، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وما بعده» (¬٢).\rالثاني: وصف الفعل بأنه ظلم من الأساليب الدالة على التحريم.\rقال ابن القيم في مقام سرده للأساليب الدالة على التحريم: «أو وصفه بصفة ذم، مثل كونه ظلماً، أو بغياً، أو عدواناً» (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٣/ ٢٢٨)، والبحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٨٠)، والقرطبي (٥/ ٣١٠ - ٣١١)، والتحرير والتنوير للطاهر بن عاشور (٤/ ٨٥ - ٨٦)\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٤).\r(¬٣) بدائع الفوائد (٤/ ٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167702,"book_id":1216,"shamela_page_id":356,"part":null,"page_num":360,"sequence_num":356,"body":"الثالث: التعبير بالنهي عنه في قوله: ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وهو من الأساليب الصريحة في التحريم.\rتنبيه: هذا الحكم مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، ولا خلاف في الحكم هنا لدلالة شرعنا عليه، كما سبق في الأدلة السابقة.\rأبواب السَّلَم والقرْض والرَّهن\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: إباحة السلم، والاستدانة مطلقاً؛ لأن الله أجاز التداين إلى أجل بشرط الإشهاد (¬١).\rقال الموزعي: «والمداينة من الدَّين، مفاعلة، وهي اسم لكل دين في الذمة، فيدخل في ذلك بيع السلعة المعيَّنة بثمن إلى أجل مسمَّى، وبيع السلعة في الذمة إلى","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٤٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٦)، وتيسير البيان (٢/ ١٦٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167703,"book_id":1216,"shamela_page_id":357,"part":null,"page_num":361,"sequence_num":357,"body":"أجل مسمَّى، وهو السلم والسلف» (¬١).\rوعليه فمعنى قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ «أي: تعاملتم بالدين، وهو يعم كل دين من قرض، أو بيع (السلم)، أو غير ذلك»، فتتناول «جميع المداينات إجماعاً». كما قاله ابن عطية (¬٢).\rمأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾، وهي نكرة في سياق شرط؛ لأن الفعل ينزل منزلة النكرة، والنكرة في سياق الشرط تعم، فتعم كل دين على ما سبق، والعبرة بعموم اللفظ لا خصوص سبب نزولها، حيث إن الآية نزلت فيما كان يتعامل به أهل المدينة من السلم خاصة، لحديث: (قدم النبي ﷺ وهم يسلفون السنة والسنتين … ) (¬٣).\rنقل ابن الفرس عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في السلم خاصة، ثمَّ قال: «يعني سلم أهل المدينة كان سبب الآية، وقد اختلف الأصوليون في الكلام المستقل بنفسه، الوارد على سبب، هل يقصر على سببه، أو يحمل على عمومه؟، وقد قال مالك في الآية: وهذا يجمع الدَّين كله أ. هـ. أي: حمل اللفظ على عمومه» (¬٤).\rتتمة إيضاح: البيوع الجائزة المتعلقة بالدين نوعان:\rالأوّل: بيع السلعة في الذمة إلى أجل مسمى وهو السلم وهو: تعجيل الثمن وتأخير المثمن، أو بيع الدين بالعين، أو بيع عاجل بآجل.\rوالنوع الثاني: بيع السلعة المعينة بثمن إلى أجل مسمى، ومنها: الاستدانة،","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ١٦٢ - ١٦٣).\r(¬٢) المحرر الوجيز (١/ ٣٧٨).\r(¬٣) أخرجه البخاري في كتاب السلم، باب السلم في وزن معلوم، برقم (٢٢٤١)، ومسلم في كتاب المساقاة، باب السلم، برقم (٤٠٩٤).\r(¬٤) أحكام القرآن (١/ ٤١٦ - ٤١٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167704,"book_id":1216,"shamela_page_id":358,"part":null,"page_num":362,"sequence_num":358,"body":"وهي: بيع العين بالدين، أو بيع آجل بعاجل.\r• الحكم الثاني: استدل بها مالك على جواز تأجيل القرض (¬١).\rمأخذ الحكم: قال سبحانه: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ولم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات، فدخل في عموم المداينات، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقبلهما ابن عمر وجماعة من السلف.\rتتمة: خالف في ذلك جمهور أهل العلم، ومحل الخلاف فيما إذا اتفق الطرفان على تأجيله، فهل يلزم التأجيل أو لا يكون ملزمًا؟\rفقال الجمهور بعدم اللزوم؛ لأنّ القرض عبارة عن إرفاق وتبرع، والتأجيل عبارة عن وعد، والوعد ليس بملزم.\rأمّا من قال باللزوم فاستدل بقوله ﵇: (المؤمنون على شروطهم) (¬٢).\r• الحكم الثالث: بطلان كل بيع وسَلَم وعقد كان الأجل فيه مجهولاً (¬٣)\rمأخذ الحكم:\rأولاً: تفسير الصحابي، وهو ظاهر قوله: ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وفسَّره ابن عباس بالمعلوم.\rثانياً: لما فيه من غرر عظيم، وما يؤدي إليه من تنازع.\r• الحكم الرابع: قال ابن الفرس: وفيها دليل على أن السلم لا يكون إلا مؤجلاً،","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٤٩)، و أحكام القرآن (١/ ٤١٧)\r(¬٢) أخرجه البخاري معلقاً: كتاب الإجارة، باب أجر السمسرة، وأبو داود: كتاب الأقضية، باب في الصلح برقم (٣٥٩٤)، والترمذي: كتاب الأحكام عن رسول الله «، باب ما ذكر عن رسول الله «في الصلح بين الناس، برقم (١٣٥٢)، وصححه الألباني كما في الإرواء (٥/ ١٤٢).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٤٩)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167705,"book_id":1216,"shamela_page_id":359,"part":null,"page_num":363,"sequence_num":359,"body":"ولا يجوز أن يكون حالاً (¬١).\rمأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ﴾. حيث علَّق الله الحكم إلى الأجل بصيغة الشرط.\r• الحكم الخامس: يشترط أن يكتب صفة الدَّين وقدره (¬٢).\rقال ابن الفرس: «فالآية دليل لمن أجاز السلم في كل ما يضبط بالصفة على الشروط المعروفة» (¬٣).\rمأخذ الحكم: القياس على الأجل، وهو أحد الأوصاف؛ فحكم سائر أوصافه بمنزلته.\rكما يفهم كذلك من كتْب الصغير والكبير، كتابة الأوصاف من الصفة والقدر.\r• الحكم السادس: مشروعية كتابة الدَّين (¬٤).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾.\rفقيل: للوجوب على أصله، وقيل: للندب (¬٥).\rأما الصارف فقالوا: قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، حيث أسقط المولى ﷿ الكتابة عند الأمن من ضياع الحق. ومن صوارف الأمر من الوجوب إلى الندب، كذلك فعله ﷺ حيث ابتاع بلا كتابة ولا إشهاد، وكذا جريان العمل على عدم الكتابة في جميع ديار المسلمين (¬٦).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٧)، وينظر: الإكليل (١/ ٤٤٩).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٤).\r(¬٣) أحكام القرآن (١/ ٤١٧).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٤٩).\r(¬٥) ينظر: أحكام القرآن (١/ ٤١٨)، وتيسير البيان (٢/ ١٦٨).\r(¬٦) سبق بيانه في شروط البيع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167706,"book_id":1216,"shamela_page_id":360,"part":null,"page_num":364,"sequence_num":360,"body":"• الحكم السابع: الرخصة في ترك الكتابة في بيع الحاضر.\rمأخذ الحكم: قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾، ونفي الجناح من الأساليب الدالة على الإباحة.\r• الحكم الثامن: اشتراط التقابض في البيع الحاظر (¬١).\rقال القرطبي: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض (¬٢).\rمأخذ الحكم: بدلالة الإشارة؛ إذ نظم الآية غير مساق لهذا الحكم، بل مساق إلى الكتابة في البيع، وذلك بعد قوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ فاستثنى من ذلك التجارة الحاضرة بينهم، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾\rقوله تعالى: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠].\rيستنبط من الآية استحباب القرض.\rذكر الرازي أن من العلماء من حمل القرض في الآية على إنفاق المال، ثمَّ ذكر أن لهم ثلاثة أقوال، والأول: أنَّ المراد من الآية ما ليس بواجب من الصدقة. ثمَّ بين دليله، وهو مأخذ الحكم.\rمأخذ الحكم: قال الرازي في دليل الحكم السابق بعد أن نسبه للأصم: «واحتج عليه بوجهين: الأول: أنَّه تعالى سمَّاه بالقرض، والقرض لا يكون إلا تبرعاً.\rوالحجة الثانية: سبب نزول الآية، قال ابن عباس ﵄: نزلت الآية في أبي","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام القرآن (١/ ٤٣٥).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٤٢)، والمحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٣٨٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167707,"book_id":1216,"shamela_page_id":361,"part":null,"page_num":365,"sequence_num":361,"body":"الدحداح، قال: يا رسول الله إن لي حديقتين، فإن تصدقت بإحداهما فهل لي مثلاها في الجنَّة؟ قال: نعم»، وذكر القصة، ثمَّ قال الرازي: «إذا عرفت سبب نزول هذه الآية ظهر أن المراد بهذا القرض ما كان تبرعاً لا واجباً».\rثمَّ نقل القول الثاني: في حمل القرض على الإنفاق الواجب. والقول الثالث: في الحمل على الجميع، وقال بأنه الأقرب (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الرهن، وكونه مندوباً إليه، حال السفر وعدم وجود الكاتب (¬٢).\rوالرهن: مؤنثة،، وهو بيعٌ، دين بعين، يمكن استيفاء الدين أو بعضه من تلك الدين أو من بعضها.\rمأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَرِهَانٌ﴾، وهو مصدر مقرون بالفاء في محل الجزاء، والمعنى: ارهنوا رهناً، وصُرِف الأمر من الإيجاب إلى الندب بالإجماع.\rقال ابن قدامة: «والرهن غير واجب، لا نعلم فيه مخالفاً … وقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ إرشاد لنا لا إيجاب، بدليل قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]» (¬٣).\rكما أن الرهن بدل الكتابة والشهادة - وهما غير واجبين - والبدل يأخذ حكم المبدل منه.","footnotes":"(¬١) ينظر: التفسير الكبير (٢/ ٤٩٩)\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٦)، وتيسير البيان (٢/ ١٦٦، ١٨٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٣٧).\r(¬٣) المغني (٨/ ٤٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167708,"book_id":1216,"shamela_page_id":362,"part":null,"page_num":366,"sequence_num":362,"body":"• الحكم الثاني: اشتراط القبض في الرهن. أي: قبض الرهن للمرتهن، والمعنى رهان تقبض (¬١).\rقال الموزعي: «واتفق أهل العلم على اشتراط قبض الرهن، لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فيصح الرهن حيث يتصور القبض من المرتهن، ويبطل حيث يمتنع القبض .... قال الشافعي: لم يجعل الله تعالى الحكم إلا برهن موصوف بالقبض، فإذا عدمت الصفة، وجب أن يعدم الحكم» (¬٢).\rمأخذ الحكم: قوله: ﴿فَرِهَانٌ﴾ مصدر مقرون بالفاء في محل الجزاء، وهو من صيغ الأمر، وقوله: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ صفة لرهان، ولما كان الرهن غير واجب؛ لصرف الأمر عن الوجوب بالإجماع - كما سبق - بقي الوجوب متعلقاً بوصفه الذي هو القبض، ومن ثمَّ كان القبض شرطاً في لزوم الرهن.\rقال الزيلعي: «ولنا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، والمصدر المقرون بحرف الفاء في جواب الشرط يراد به الأمر، والأمر بالشيء الموصوف يقتضي أن يكون ذلك الوصف شرطاً فيه؛ إذ المشروع بصفة لا يوجد بدون تلك الصفة» (¬٣).\rوقال ابن الفرس: «وقالوا: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ لا يخلو إما أن يكون خبراً أو أمراً، فإن كان خبراً كان شرطاً فيها لامتناع أن يقع الخبر بخلاف مخبره، وإن كان أمراً فهو على وجوبه» (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٦)\r(¬٢) تيسير البيان (٢/ ١٨٧ - ١٨٨).\r(¬٣) تبين الحقائق (٧/ ١٣٩).\r(¬٤) أحكام القرآن (١/ ٤٣٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167709,"book_id":1216,"shamela_page_id":363,"part":null,"page_num":367,"sequence_num":363,"body":"تتمة: استدل بعضهم بمفهوم قوله: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ أنَّ الرَّهن الذي لم يقبض لا يلزم، بمعنى عدم ترتب أحكامه عليه حتى يقبض (¬١).\rونوقش المفهوم: بعدم حجيته؛ لوجود مانع من ذلك، وهو ظهور فائدة أخرى غير نفي الحكم عن المذكور.\rولذا قال بعضهم: إنه شرط للصّحة، أو لبيان حقيقة التوثيق التام، وأنّه يحصل بالقبض، وخاصة إذا كان العقد في السفر وليس ثمة كاتب (¬٢).\rوقال ابن الفرس: «﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فجعل القبض من صفاتها، فدلَّ على أنها تكون رهناً قبل القبض؛ لأن وصف الشيء بصفة يجب أن يكون معنى زائداً على وجوده» (¬٣).\r• الحكم الثالث: استدل بظاهر الآية على أن الرهن لا يجوز إلا في السفر (¬٤).\rمأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ومفهومه إن لم يكن على سفر فلا رهن.\rوعورض بالمنطوق من حديث أنس ﵁: (لقد رهن النبي ﷺ درعًا بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيراً لأهله) (¬٥)، كما أن تخصيصه بالسفر؛ لأنّه مظنة عدم وجود الكاتب.\rتتمة: استدل بالآية الضحاك على أنه لا يجوز الرهن في السفر إلا عند فقد","footnotes":"(¬١) ينظر: المغني (٦/ ٣٣٦).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٨٨).\r(¬٣) أحكام القرآن (١/ ٤٣٨).\r(¬٤) ينظر: المغني لابن قدامة (٦/ ٤٤٤)، الإكليل (١/ ٤٥٦).\r(¬٥) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب البيوع، باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة، برقم (٢٠٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167710,"book_id":1216,"shamela_page_id":364,"part":null,"page_num":368,"sequence_num":364,"body":"الكاتب لقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ (¬١).\rقلت: ومأخذه: أن الحكم عُلِّق الحكم على شرطين: السفر وعدم وجود الكاتب، والمعلَّق على شرطين لا يثبت إلا بثبوتهما.\rوقال ابن الفرس: «وقال ابن الفرس: «ولا حجة لهم فيها؛ لأن ذكر الرهن في السفر ليس دليلاً على منعه في الحضر، بل أراد الله تعالى أن ينبه على جواز الرهن إذا مَنَع عذر من الانتقاد فذكر السفر؛ إذ قد يكون أحد الأعذار المانعة من الانتقاد تنبيهاً على سائر الأعذار، فالرهن في الحضر أيضاً مشار إليه بالآية على هذا الوجه» (¬٢). ثمَّ ذكر الحديث السابق من رهنه ﵊ درعه.\r• الحكم الرابع: مشروعية الرَّهن في السفر، والرد على من منع ذلك (¬٣).\rمأخذ الحكم: قال ابن قدامة: «والحجة فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ واللفظ عامّ، فيدخل السلم في عمومه؛ لأنه أحد نوعي البيع (¬٤).\r• الحكم الخامس: استدل بالآية على أن القابض أمين فيما قبضه، فيكون القول قوله، وهذه قاعدة تحتها فروع كثيرة (¬٥). والمقصود بالقابض: المدين الذي أخذ المال.\rمأخذ الحكم: أنّ الله جعل الرهن بدلًا عن الكتابة والشهود، فكان الرهن ناطقًا","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٦).\r(¬٢) أحكام القرآن (١/ ٤٣٧).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٣٧).\r(¬٤) في المغني (٤/ ٢٢٢)\r(¬٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٣٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167711,"book_id":1216,"shamela_page_id":365,"part":null,"page_num":369,"sequence_num":365,"body":"بقدر الحق. ولم يكن وثيقة بالدين ولا بدلًا … فدلالة الحال أنّه إنّما رهنه على قيمة ما يقاربها. ولو كان القول قول الراهن لم يكن للرهن فائدة.\rتتمة: قال الموزعي: «ويستنبط من الآية أن صاحب الدَّين إذا لم يكن له شاهد أنه يجوز له أخذ حقه من الرهن من غير إذن السلطان، سواء كان الرهن من جنس حقِّه، أو من غير جنس حقه، إذ هو فائدة الرهن، لا فائدة له في هذا المكان غير الاستيفاء» (¬١).\r\rباب التَّفليس والحجْر\rقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠].\rيستنبط من الآية أحكام التَّفليس الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب إنظار المعسر (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ أي: فعليكم إنظاره. أو لكونه مصدراً، أي فانظروه نظرة.\r• الحكم الثاني: تحريم حبسه وملازمته (¬٣).\rمأخذ الحكم: وهو مبني على وجوب إنظاره أي: وتحريم مطالبته؛ لأنّ الأمر بالشيء نهي عن ضده، وإذا حرمت مطالبته فحبسه أولى.\r• الحكم الثالث: يجوز مطالبة الموسر بالدين الحال.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ١٨٩).\r(¬٢) ينظر: المغني لابن قدامة (٦/ ٥٨٥)، والإكليل (١/ ٤٤٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٤).\r(¬٣) ينظر: المصادر السابقة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167712,"book_id":1216,"shamela_page_id":366,"part":null,"page_num":370,"sequence_num":366,"body":"مأخذ الحكم: مفهوم الشرط المخالف، حيث أثبتت الآية بمنطوقها أنَّ من ثبت إعساره وجب إنظاره إلى حين يصير موسراً، في قوله: ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾، ومفهوم المخالفة إذا لم يكن معسراً بل كان موسر الحال لا يجب إنظاره، بل يجوز لغرمائه مطالبته.\rقال العمراني: «فإن كان موسراً .. جازت مطالبته؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾، فأوجب إنظار المعسر، فدل على: أن الموسر لا يجب إنظاره» (¬١).\r• الحكم الرابع: لا يجوز بيع الحر في الدين (¬٢).\rمأخذ الحكم: أنّ المولى سبحانه جعل له الإنظار، وهذه الآية ناسخة لما كان من قبل من بيع الحر بالدين، وهذا إن ثبت أنّ النّبي ﷺ أمر به في صدر الإسلام، كما ذكر ابن عطية وغيره (¬٣).\r• الحكم الخامس: لا يكلف المديون الكسب لوفاء دينه (¬٤).\rمأخذ الحكم: أنَّ الله تعالى حكم بالإنظار ولم يوجب كسباً ولا غيره.\rتنبيه: من خالف في ذلك قال: إن الآية نزلت في الربا. أي: خاصة بها دون سائر الديون، فأمر الذي يتعاملون به في الجاهلية أن يأخذوا رؤوس أموالهم بلا زيادة، وينظروا المعسر حتى يوسر.\rكما أن الأصل الوفاء بالدين، والوفاء به لا يتم إلّا بالكسب، فكان الكسب","footnotes":"(¬١) البيان للعمراني (٦/ ١٣٣).\r(¬٢) ينظر: المغني (٦/ ٣٥٩)، والإكليل (١/ ٤٤٧).\r(¬٣) ينظر: المحرر الوجيز (١/ ٣٧٨)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٧١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٣).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٤٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167713,"book_id":1216,"shamela_page_id":367,"part":null,"page_num":371,"sequence_num":367,"body":"واجبًا. وحملوا الآية على من لا صنعة له (¬١).\rتتمة: قال ابن الفرس: «قُرئ (وإن كان ذا عسرة) قال بعضهم: على هذا تختص الآية بالربا، ومن قرأ: ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ فهي عامة في جميع مَنْ عليه الدين. وهذا الذي ذكروه غير لازم، بل القراءتان كل واحدة منهما محتملة للتأويلين» (¬٢).\r• الحكم السادس: الحث على الإبراء وأنه مع كونه مندوباً أفضل من الإنظار الذي هو واجب (¬٣).\rمأخذ الحكم: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بعد الحكم بوجوب الإنظار. ولا خلاف بأن التصدق والإبراء ليس واجباً، وكيف يجب والوجوب ينافي التخيير الوارد في الآية، ومع الحث عليه لم يبق إلا الندب.\rقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\rيستنبط من الآية الحكم الآتي من أحكام الحجر: أن السفيه يحجرُ عليه وتلغي أقواله وتصرفاته وإقراره، وأنه لابد له من ولي يلي أمره (¬٤).\rمأخذ الحكم: جعل الشارع التصرف لوليه، وهذا يفيد الحجر عليه (¬٥).\rولأنّ حفظ ماله واجب، ولا يتم حفظ ماله إلّا بولي، فالولي واجب.","footnotes":"(¬١) ينظر: المغني (٦/ ٥٨٢).\r(¬٢) أحكام القرآن (١/ ٤١٤).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٤٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٥).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٠)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢٠)، وتيسير البيان (٢/ ١٦٩).\r(¬٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٨٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167714,"book_id":1216,"shamela_page_id":368,"part":null,"page_num":372,"sequence_num":368,"body":"تتمة: فسر الضحاك والسدي السفيه هنا: بالصغير.\rوفسر مجاهد الضعيف: بالأحمق وهو الناقص العقل، ففيه الحجر على المخبَّل والمجنون (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٥ - ٦].\rيستنبط من الآية أحكام الحجر الآتية:\r• الحكم الأول: يجوز الحجر على من بلغ سفيهاً، أو عاوده السفه، فصار مبذراً لماله (¬٢).\rمأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿السُّفَهَاءَ﴾؛ لأنه جمع معرف ب (أل) فيشمل كل سفيه، بالغاً أو دون ذلك.\rوإن ثبت الحجر على السفيه، فالمجنون من باب أولى.\r• الحكم الثاني: لا يدفع المال إلى الصبي حتى يختبر. فللولي أن يدفع إلى موليه شيئاً من ماله، ويأذن له في التصرف فيه؛ لاختباره والوقوف على رشده (¬٣).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾، والابتلاء هو الاختبار.\r• الحكم الثالث: يختبر اليتيم قبل بلوغه (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٩).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٥٧)، وتيسير البيان (٢/ ٢٣٢).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٥٩)، وتيسير البيان (٢/ ٢٣٤).\r(¬٤) ينظر: المغني (٦/ ٥٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167715,"book_id":1216,"shamela_page_id":369,"part":null,"page_num":373,"sequence_num":369,"body":"مأخذ الحكم: دلَّ منطوق الآية أن الاختبار قبل البلوغ إلى البلوغ، ومفهوم الغاية المخالف: أن ما بعد البلوغ لا يكون محلاً للاختبار، وسيأتي قول ابن قدامة في الحكم الآتي.\rتنبيه: اعتبر بعضهم قوله: ﴿الْيَتَامَى﴾ مجازاً، باعتبار ما كان، ولا مفهوم له.\r• الحكم الرابع: يدفع المال للصبي إذا أنسَ منه الرشد وبلغ، ولا يدفع له إذا بلغ غير راشد (¬١).\rمأخذ الحكم: المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما، وقد عُلِّق دفع المال على شرطين: البلوغ، وإيناس الرشد، فلا يدفع المال حتى يحصل الشرطان.\rقال ابن قدامة للدلالة على هذا الحكم: «لوجهين: أحدهما: أنَّه سمَّاهم يتامى، وإنَّما يكونون يتامى قبل البلوغ. والثاني: أنَّه مدَّ اختبارهم إلى البلوغ بلفظ (حتى) فدلَّ على أنَّ الاختبار قبله .. » (¬٢).\r• الحكم الخامس: يدفع المال للجارية بعد بلوغها وإيناس الرشد منها.\rمأخذ الحكم: أنَّ قوله: ﴿الْيَتَامَى﴾ جمع معرَّف ب (أل) فيعم الذكر والأنثى.\r• الحكم السادس: الحجر على الفاسق (¬٣).\rذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالرشد المانع من الحجر: هو الصلاح في الدين والمال، حتى يحجر على الفاسق، وقالوا: إن إفساده لدينه يمنع الثقة به في حفظ ماله.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٧)، وتيسير البيان (٢/ ٢٣٩).\r(¬٢) المغني (٦/ ٥٩٦).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٦٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167716,"book_id":1216,"shamela_page_id":370,"part":null,"page_num":374,"sequence_num":370,"body":"ومأخذ الحكم: أنَّ قوله ﴿رُشْدًا﴾ نكرة في سياق الشرط فتعم الرشد في المال والدين.\rومن قال عمومها بدلي، أي أنها مطلقة لا عامة - وهو رأي بعض الأصوليين - قال بأن المطلق يصدق بأي فرد، وحملوه على المال؛ لسياق الآية، فسقط الاستدلال فيما عداها.\rقال العيني: «قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ فإنه ذكر الرشد نكرة، والنكرة في موضع الإثبات تخص ولا تعم» (¬١).\r\rباب الصلح\rقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب بعث الحكمين للإصلاح؛ لأجل دفع الظلم، وإزالة الشقاق.\rقال الشافعي: «فإذا ارتفع الزوجان المخوف شقاقهما إلى الحاكم، فحق عليه أن يبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها، ومن أهل القناعة والعقل ليكشفا أمرهما، ويصلحا بينهما إن قدرا» (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿فَابْعَثُوا﴾، والأصل حمله على الوجوب.","footnotes":"(¬١) البناية شرح الهداية (١٠/ ١٢٤).\r(¬٢) الأم (٥/ ١٩٤)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167717,"book_id":1216,"shamela_page_id":371,"part":null,"page_num":375,"sequence_num":371,"body":"كما أنَّ الظلم والشقاق حرام، ولا يتم تركه إلا ببعث الحكمين للإصلاح، وترك الحرام واجب، فكان البعث للإصلاح واجباً.\r• الحكم الثاني: أن يكون الحكمان من أهلهما.\rقال الموزعي: «والتقييد بكونهما من أهلهما يقتضي أنه لا يجوز أن يكون من غير أهلها، وهو كذلك عند المالكية»، ثمَّ ذكر أنه مستحب غير واجب عند الشافعية (¬١).\rمأخذ الحكم: تقييد المطلق ﴿حَكَمًا﴾، بأن يكون ﴿مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.\rقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤].\rيستنبط من الآية: مشروعية الصلح والحث عليه (¬٢).\rمأخذ الحكم:\rأولاً: كون الاستثناء من النفي إثبات، فنفى المولى سبحانه الخيرة عن كثير من نجواهم، وأثبت بالاستثناء أموراً، وهي الصدقة والأمر بالمعروف والإصلاح بين الناس.\rثانياً: قرن المولى سبحانه الإصلاح بالأعمال الصالحة المتفق على صلاحها بواو العطف، ودلالة الاقتران تقوى - هنا - فيكون حكم الإصلاح حكمها من حيث الحث والطلب فيها.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ٣٨٤)\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٨٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167718,"book_id":1216,"shamela_page_id":372,"part":null,"page_num":376,"sequence_num":372,"body":"تنبيه: الاستثناء في قوله ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾، اختلف فيه هل هو منقطع أو متصل؟\rقال الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة: «إن كانت النجوى مصدراً كان الاستثناء منقطعاً، ويمكن اتصاله على حذف مضاف من الأول، أي ذوي نجوى، أو من الثاني، أي: إلَّا نجوى من أمر.\rوإن كانت النجوى جمع نجى، فيكون الاستثناء متَّصلاً من غير تقدير حذف» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز الإصلاح بين المتخاصمين من الزوجين أو غيرهما.\rقال السيوطي: «وهو عام في كل صُلح، أصل فيه» (¬٢).\rمأخذ الحكم:\rأولاً: إذن المولى سبحانه بذلك، بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾.\rثانياً: العموم في قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، حيث عُرِّف الصلح بأل غير عهدية فيعم كل صلح.","footnotes":"(¬١) دراسات لأسلوب القرآن الكريم لعضيمة (١/ ٣١٠).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٥٩٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167719,"book_id":1216,"shamela_page_id":373,"part":null,"page_num":377,"sequence_num":373,"body":"• الحكم الثاني: جواز الصلح على الإنكار أو المجهول.\rقال السيوطي: « … واستدل بعموم الآية من أجاز الصلح على الإنكار أو المجهول» (¬١).\rوالصلح على الإنكار: أن يدعي شخص على شخص آخر عيناً، أو ديناً، أو منفعة، فينكر المدعى عليه، وكل منهما يعلم صدق نفسه، ثم يصطلحان (¬٢).\rمأخذ الحكم: العموم الذي سبق بيانه في الحكم الأول؛ لأن ما فعلاه - على الإنكار أو المجهول - يسمى صلحاً.\rقوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١].\rيستنبط من الآية: الحث على إصلاح ذات البين.\rمأخذ الحكم: الأمر في الآية بقوله ﴿وَأَصْلِحُوا﴾. مع ما ورد في سبب نزولها؛ إذ هي نازلة في الإصلاح بين الصحابة، حين اختلفوا في بعض الغنائم يوم بدر، فيمن هو أحق بها، من حازها، أو من تبع آثار العدو المنهزم، أو من حرس رسول الله ﷺ حتى لا يصيبه العدو منه غِرَّة، فنزلت الآية (¬٣).\rقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠].","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٥٩٢).\r(¬٢) ينظر: الشرح الكبير مع الإنصاف (١٣/ ١٤٩).\r(¬٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣٧/ ٤١٠ - ٤١١)، برقم (٢٢٧٤٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٤٨)، برقم (٢٦٠٨)، وقال الحاكم:» صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وقال الشوكاني في الدراري المضيئة (٢/ ٤٤٩):» أحمد برجال الصحيح».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167720,"book_id":1216,"shamela_page_id":374,"part":null,"page_num":378,"sequence_num":374,"body":"يستنبط من الآيتين الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب الصلح بين أهل العدل والبغي (¬١).\rقال السيوطي: «فيه وجوب الصلح بين أهل العدل والبغي» (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا﴾، وقد وردت ثلاث مرات.\rفائدة: ذكر العلماء فائدة تكرار الأمر بالإصلاح، وأن لكل موضوع فائدة مقصودة.\rفقالوا: الأمر الأول: بعد اقتتالهم لوأد تلك الفتنة. والثاني: بعد امتناع الباغية وقتالها، وقرن الصلح فيها بالعدل ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾؛ إذ هو مظنة للتحامل عليهم. والأمر الثالث، وهو قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، أمر عام في الإصلاح في كل فتنة، مع بيان العلة باقترانها بالحكم، وتلك العلَّة لكونهم إخوة في الدين، تأكيداً لهذه الرابطة الإيمانية، وبيان لحقوقها.\r• الحكم الثاني: سقوط تباعات الجراح والدماء.\rمأخذ الحكم: إطلاق الآية، وعدم ذكر شيء يترتب على الصلح.\rقال الموزعي: «وأطلق سبحانه الصلح ولم يذكر تِباعةٌ في دم ولا مال. قال الشافعي: فأشبه هذا - والله أعلم - أن تكون التباعات في الجراح والدماء، وما كان من الأموال ساقطاً بينهم» (¬٣).\rقلت: وسيأتي مزيد تفصيل في أحكامها في باب قتال أهل البغي.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٣/ ١١٩٥)، وتيسير البيان (٤/ ١٦٧).\r(¬٢) الإكليل (٣/ ١١٩٥).\r(¬٣) تيسير البيان (٤/ ١٦٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167721,"book_id":1216,"shamela_page_id":375,"part":null,"page_num":379,"sequence_num":375,"body":"باب [الكفالة] والضمان [والجعالة]\rقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦].\rالكفالة هي إحضار المدين، والضمان إحضار الدَّين. والجعالة …\rيستنبط من الآية من أحكام الكفالة: جواز الكفالة والحمالة بالنفس.\rقال ابن الفرس: «والأصل في الكفالة بالنفس قوله تعالى في هذه السورة ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾، فهذه كفالة بالنفس» (¬١).\rوقال الماوردي: ﴿مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: «الموثق الكفيل، فامتنع يعقوب من إرسال ولده مع إخوته إلا بكفيل يكفل به» (¬٢).\rوتقدير الكلام كما يقول القرافي: «لتأتني به في كل حالة من الحالات إلا في حالة الإحاطة بكم، فإنني لا ألزمكم به فيها لقيام العذر» (¬٣).\rمأخذ الحكم: ثبت في شرع من قبلنا، وهو شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يمنعه، وقد ورد في شرعنا ما يدل على جوازه، ومن ذلك قوله ﷺ: (الزعيم (¬٤) غارم) (¬٥).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، وينظر: المغني (٤/ ٤١٥).\r(¬٢) الحاوي (٦/ ٤٦٢)\r(¬٣) الفروق (٣/ ٦٨).\r(¬٤) الزعيم لغة أهل المدينة، والحميل لغة أهل العراق، والكفيل لغة أهل مصر. ينظر: نصب الراية للزيلعي (٤/ ١١٧). وفي تحفة الأحوذي (٤/ ٣٩٣ - ٣٩٤): غارم: غرم يغرم غرماً، بمعنى ضامن، والغرم: أداء شيء لازم. والمعنى: أن الكفيل ضامن \".\r(¬٥) أخرجه الترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في أن العارية مؤداة، برقم (١٢٦٥)، وأبو داود في كتاب البيوع، برقم (٣٥٦٥)، وابن ماجة في كتاب الصدقات، باب الكفالة، برقم (٢٤٠٥)، وصححه الألباني. ينظر: إرواء الغليل (٥/ ٤٢٥)، برقم (١٤١٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167722,"book_id":1216,"shamela_page_id":376,"part":null,"page_num":380,"sequence_num":376,"body":"تتمة: قال ابن الفرس: «وفيها عندي حجة لمن يجيز الكفالة بالنفس في غير المال؛ لأن هذه الآية لم يتعرض فيها لذكر المال، إلا أن الأدلة التي نزع بها من لم يجز الكفالة بالنفس في غير المال أصح وأطهر، وليس هذا الكتاب بموضع بسطها» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الضمان - الكفالة على المال -؛ لأن الزعيم في الآية: الكفيل.\rقال السيوطي: «قوله تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾: أصل في الضمان والكفالة» (¬٢).\rوقال ابن الفرس: «وأما الكفالة فمنها كفالة بمال، وكفالة بنفس، فأما الكفالة بالمال فلا خلاف في جوازها، وإنما اختلف في بعض شروطها، والأصل في جواز ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾: أي كفيل، يعني بما ذكره من حمل بعير» (¬٣).\rوقال ابن عطيَّة: « … وقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ حمالة، وذلك أنَّه لما كان الطعام لا يوجد إلا عند الملك فهم من المؤَذِن أنَّه إنَّما جُعل عن غيره، فلخوفه ألا يوْثَق بهذه الجعالة - إذ هي عن الغير - تحمَّل هذه بذلك» (¬٤).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٣/ ٢٢٤).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٨٧٨).\r(¬٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٢٢٣).\r(¬٤) المحرر الوجيز (٣/ ٢٦٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167723,"book_id":1216,"shamela_page_id":377,"part":null,"page_num":381,"sequence_num":377,"body":"مأخذ الحكم: كونه شرعاً لمن قبلنا، ولم يرد في شرعنا ما ينسخه، بل ورد في شرعنا ما يقرر هذا الحكم.\rذكر الموزعي ورده في شريعتنا، وذكر حديث أبي قتادة ﵁ قال: أُقبِل بجنازة على عهد رسول الله ﷺ، فقال: (هل على صاحبكم من دين؟)، فقالوا: عليه ديناران، فقال ﷺ: (صلوا على صاحبكم)، فقال أبو قتادة: هما عليَّ يارسول الله، فصلى عليه رسول الله ﷺ (¬١).\rقال الموزعي: «هذا في الميت، وقسنا عليه الحي» (¬٢).\rنوقش: بأن يوسف ﵇ لم يكن يومئذ ذا شرع.\rقال الطاهر بن عاشور: «وهذه الآية قد جعلها الفقهاء أصلا لمشروعية الجعل والكفالة. وفيه نظر، لأن يوسف ﵇ لم يكن يومئذ ذا شرع حتى يستأنس للأخذ ب (أن شرع من قبلنا شرع لنا): إذا حكاه كلام الله أو رسوله.\rولو قدر أن يوسف ﵇ كان يومئذ نبيئا فلا يثبت أنه رسول بشرع، إذ لم يثبت أنه بعث إلى قوم فرعون، ولم يكن ليوسف ﵇ أتباع في مصر قبل ورود أبيه وإخوته وأهليهم. فهذا مأخذ ضعيف» (¬٣).\rوالجواب: كونها من القصص التي قصها المولى سبحانه، ولم يتعقبها.\rقال الشنقيطي عند ذكره لحجة الجمهور في حجية شرع من قبلنا: «ما ذكر لنا في شرعنا إلا لنعمل به، سواء علينا أكان شرعاً لمن قبلنا أم لا، وقد دلت على ذلك","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الكفالة، باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها، برقم (٢٢٩٠)، ومسلم في كتاب الفرائض، باب من ترك مالاً فلورثته، برقم (١٦١٩).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٣٨٨).\r(¬٣) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (١٣/ ٢٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167724,"book_id":1216,"shamela_page_id":378,"part":null,"page_num":382,"sequence_num":378,"body":"آيات كثيرة كتوبيخه تعالى لمن لم يعقل وقائع الأمم الماضية كما في قوله تعالى ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨]، وقد صرح تعالى بأن الحكمة في قصِّ أخبارهم إنما هي الاعتبار بأحوالهم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]» (¬١).\r• الحكم الثاني: يصح ضمان المجهول، إذا كان مآله إلى العلم، وضمان ما لم يجب إذا كان مآله إلى الوجوب (¬٢).\rمأخذ الحكم: المأخذ السابق من كون شرع مَنْ قبلنا شرعًا لنا، حيث دلَّت الآية على ضمان حمل بعير، وحمل البعير غير معلوم؛ لأنه يختلف باختلاف البعير، ولم يكن قد وجب حينئذ، لكنه يؤول إلى الوجوب.\rوقيل: إن الحمل كان معلوماً عندهم، كما سيأتي في حكم الجعالة الآتي.\rقال ابن تيميَّة: «ضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التاجر من الديون وما يقبضه من الأعيان المضمونة ضمان صحيح، وهو ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول، وذلك جائز عند جمهور العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، وقد دلَّ عليه الكتاب، كقوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، والشافعي ﵀ يبطله» (¬٣).\r• الحكم الثالث: مشروعية الجعالة (¬٤).","footnotes":"(¬١) المذكرة في أصول الفقه (١٩٣).\r(¬٢) ينظر: المغني (٧/ ٧٢ - ٧٣)، شرح الزركشي (٤/ ١١٧)\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٢٩/ ٥٤٩).\r(¬٤) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٢٢٢)، والمغني (٨/ ٣٢٣)، والحاوي (٨/ ٢٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167725,"book_id":1216,"shamela_page_id":379,"part":null,"page_num":383,"sequence_num":379,"body":"قال السيوطي: «قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾: أصل في الجعالة» (¬١).\rفهي أصل من أصول جواز الجعالة، حيث التزم القائل فيها بجعل حمل بعير لمن يأتي بصاع الملك. وكان الحمل عندهم معلوماً كالوسق.\rمأخذ الحكم: شرع من قبلنا شرع لنا، وورد في شرعنا ما يقرِّره.\rقال الموزعي: «اشتملت هذه الآية على حكمين: الأول: جواز عقد الجعالة عند من كان قبلنا، وكذا جاءت به شريعتنا» (¬٢).\rثمَّ حديث اللديغ، وهو حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن أناساً من أصحاب رسول الله ﷺ أتوا حيَّاً من أحياء العرب، فلم يَقْروهُم، فبينما هم كذلك إذ لُدِغ سيِّدُ أولئك، فقالوا: هل فيكم راق؟.\rفقالوا: لم تقْرونا، فلا نفعل، أو تجعلوا لنا جُعلاً، فجعلوا لهم قطع شاء، فجعل يقرأ رجلٌ بأم القرآن، ويجمع بُراقه ويتفل، فبرأ الرجل، فأتوهم بالشاء، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل رسول الله ﷺ، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فضحك، وقال: (وما أدراك أنها رقية! خُذوها واضربوا لي فيها بسهم) (¬٣).\r• الحكم الرابع: لا يشترط حضور المتعاقدين؛ لأن يوسف ﵇ لما قال ذلك لم يكن العامل في عقد الجعالة حاضراً.\rمأخذ الحكم: العموم بصيغة (من) الشرطيَّة في قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾، فيعم الحاضر وغير الحاضر.","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٨٧٨).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٣٨٧).\r(¬٣) أخرجه البخاري، في كتاب الطب، باب الرقى بفاتحة الكتاب، برقم (٥٤٠٤)، ومسلم، في كتاب السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار، برقم (٢٢٠١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167726,"book_id":1216,"shamela_page_id":380,"part":null,"page_num":384,"sequence_num":380,"body":"• الحكم الخامس: جواز ضمان الجعل قبل تمام العمل (¬١).\rمأخذ الحكم: كون شرع من قبلنا شرعاً لنا، وقد قال سبحانه: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، ولم يبدأ بالعمل.\r• الحكم السادس: عدم اشتراط الأجل في العمل (¬٢).\rمأخذ الحكم: كون شرع من قبلنا شرعاً لنا، مع السكوت عن الحكم في معرض البيان، حيث لم يقدر في الآية أجلاً.\rقال ابن الفرس: « … لأنه تعالى قال: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ فسمَّى الجعل، ولم يقدِّر المدة» (¬٣).\r\rباب الشركة والوكالة\rقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].\rيستنبط من الآية من أحكام الشركة:\r• الحكم الأول: مشروعية مخالطة الأولياء لليتامى، والمخالطة هي المشاركة.\rقال الموزعي: «وأباح الله تعالى خلطتهم ومشاركتهم مخالفة لتحريج الجاهلية بذلك» (¬٤).\rمأخذ الحكم: إخبار المولى في مقام الإقرار، ويدل عليه قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾.","footnotes":"(¬١) ينظر: تيسير البيان (٣/ ٣٨٨).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٢٢٣).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ٢٢٣).\r(¬٤) تيسير البيان (١/ ٣٨٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167727,"book_id":1216,"shamela_page_id":381,"part":null,"page_num":385,"sequence_num":381,"body":"• الحكم الثاني: مشروعية الشركة في الطعام، كما يفعل المسافرون، يخلطون طعامهم، وإن اختلف المقدار.\rمأخذ الحكم: مفهوم الموافقة؛ لأنه لما جاز في مال اليتيم فهو في مال البالغ بطيب نفسه أولى بالجواز (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢].\rيستنبط من الآية: مشروعية الشركة بمعناها العام، وعلى شركة الأملاك على وجه الخصوص؛ إذ إنه ﷾ جعل التركة شركة بين الورثة فقال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وهذه الشركة إنما كان بسبب الاجتماع في استحقاق، وما كان كذلك يسمى تركة أملاك (¬٢).\rمأخذ الحكم: ربط سبحانه الشرط بالجزاء، فقال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وهو جواب لما تقدمه من الشرط.\rقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤].\rيستنبط من الآية: مشروعية الشركة بوجه عام؛ إذ إن ﴿الْخُلَطَاءِ﴾ هم الشركاء (¬٣).\rمأخذ الحكم: وردت في القصص القرآني مع عدم المنع رغم وجود البغي من","footnotes":"(¬١) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٤١٣)، وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٤).\r(¬٢) ينظر: فقه السنة للمطلق (٢/ ٢٩٧).\r(¬٣) ينظر: المغني (٥/ ٣)، والإكليل (٣/ ١١٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167728,"book_id":1216,"shamela_page_id":382,"part":null,"page_num":386,"sequence_num":382,"body":"الكثير منهم، واستثنى القليل في مقام مدح لهم وإقرار ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾.\rأما عموم أنواع الشركة، فمن قوله: ﴿الْخُلَطَاءِ﴾، حيث إنه يشمل شركة الملك، كشركة الماشية التي ورد الخطاب فيها، أو شركة العقد، أو غيرها من أنواع الشركة.\rقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\rيستنبط من الآية: جواز الوكالة في إملال الحق الذي عليه، وبيَّن المولى سبحانه هنا أنه يشرع قيام وليِّه بذلك نيابة عنه.\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.\rقال الموزعي: «وأمر الولي أن يُملّ عن الموَلّى عليه إذا كان سفيهاً مبذراً للمال، أو ضعيفاً غبياً أحمقاً، أو لا يستطيع الإملال لجنون أو صغر أو عِيٍّ وأقام عليهم مقامهم» (¬١).\rتتمة: يؤخذ من قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ عدم صحة وصاية الذمي والفاسق؛ لأنه لا يؤمر أن يمُل بالعدل إلا العدل (¬٢).\rقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥].\rيستنبط من الآية: مشروعية الوكالة.\rمأخذ الحكم: استنبط الحكم بدلالة الإشارة؛ إذ بَعْث الحكمين لا يحصل إلا بطريق الوكالة، والآية وإن لم تسق إليه، لكن يلزم من بعث الحكمين للإصلاح أن","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ١٦٨)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٩).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167729,"book_id":1216,"shamela_page_id":383,"part":null,"page_num":387,"sequence_num":383,"body":"يكونا في حكم الوكيلين، وإلا لم يكن لفعلهما فائدة.\rلذا قال السيوطي: إنَّ الاستدلال بهذه الآية على الوكالة على القول بأن المأمور بالبعث هما الزوجان، ويشترط رضاهما بما يفعلانه من طلاق وغيره (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥].\rيستنبط من الآية: عدم جواز التوكيل عن المتهم بدعوى الباطل.\rقال السيوطي: «وفي الآية: أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق» (¬٢).\rمأخذ الحكم: النهي المقتضي للتحريم، وكون النكرة في قوله: ﴿خَصِيمًا﴾، في سياق النفي، فتعم كل من خاصم عن خائن.\rقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١].\rيستنبط من الآية: عدم جواز أن يوكل المسلم ذميَّاً (¬٣).\rمأخذ الحكم: خبر بمعنى النهي، وكون النكرة في قوله: ﴿سَبِيلًا﴾ في سياق النهي فتعم؛ لأن الوكالة نوع ولاية وسبيل.\rقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢].\rيستنبط من الآية: جواز ومشروعية الوكالة، حيث استخلف موسى هارون ﵉ في قومه بالقيام بما يقوم به.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٥٥)، وتيسير البيان (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٥٨٩).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٩٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167730,"book_id":1216,"shamela_page_id":384,"part":null,"page_num":388,"sequence_num":384,"body":"قال ابن عطية في معنى الآية: «معناه كن خليفتي، وهذا استخلاف في حياة، كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو موته» (¬١).\rمأخذ الحكم: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، ولم يرد ما يمنع ذلك، بل ورد ما يدل على مشروعيتها، كما في الآية الآتية وغيرها.\rقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠].\rيستنبط من الآية: مشروعية الوكالة؛ إذ العاملون هم الذين يقومون بتحصيلها، ويوكلَّون على جمعها.\rقال ابن قدامة: «فجواز العمل عليها يفيد حكم النيابة عن المستحقين في تحصيل حقوقهم» (¬٢).\rوقال الشنقيطي: «فإنه توكيل على جباية» (¬٣).\rمأخذ الحكم: استنبط بدلالة الإشارة؛ إذ الآية لم تسق إليه، وإنَّما سيقت لبيان مستحقي الزكاة، ويلزم من عملهم بها توكيلهم على أخذها.\rقوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].\rيستنبط من الآية: جواز الوكالة عن الكافر أو الظالم (¬٤).\rمأخذ الحكم: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا، وليس هو بمخالف له.\rتتمة: قال ابن الفرس: «وذهبت طائفة أخرى إلى المنع من ذلك؛ لما فيها من","footnotes":"(¬١) المحرر الوجيز (٢/ ٤٥٠).\r(¬٢) المغني (٧/ ١٩٦).\r(¬٣) أضواء البيان (٣/ ٢٣١) ط. دار الفكر.\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٨٧٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167731,"book_id":1216,"shamela_page_id":385,"part":null,"page_num":389,"sequence_num":385,"body":"إعانة الظالمين وتزكيتهم بالتقليد لأوامرهم. وأجابوا على ولاية يوسف برأيين:\rأحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحاً، وإنما الطاغي فرعون موسى.\rالثاني: أنه نظر له في أملاكه دون أعماله» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الشركة.\rوبيانه: أنَّ الآية تضمنت جواز الشركة؛ لأن الوَرِق كان لجميعهم (¬٢).\rمأخذ الحكم: ما قصَّه الشارع لنا، ولم يتعقبه بمنع وإبطال دليل جوازه، وسبق النقل عن المأخذ من كلام محمد الأمين الشنقيطي، في قوله: «أنه ما ذكر لنا في شرعنا إلا لنعمل به، سواء علينا أكان شرعاً لمن قبلنا أم لا، وقد دلت على ذلك آيات كثيرة كتوبيخه تعالى لمن لم يعقل وقائع الأمم الماضية … » (¬٣).\rوقال ابن القيم في قصة قدِّ قميص يوسف من قبل امرأة العزيز: « .. وحكاه الله ﷿ حكاية مقرر له غير منكر، والتأسي بذلك وأمثاله في إقرار الله له، وعدم إنكاره، لا في مجرد حكايته؛ فإنه إذا أخبر به مقِراً عليه، ومثنياً على فاعله، ومادحاً له، دلَّ على رضاه به، وأنه موافق لحكمه، ومرضاته» (¬٤).\rوعليه فإقراره ﷿ يعرف من السياق، وما كان منكراً فإنه يتعقبه - سبحانه - بالذم أو الوعيد، وقد يعرف من سباق الآية أو لحاقها.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٣/ ٢٢٢).\r(¬٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٣٧٧).\r(¬٣) مذكرة في أصول الفقه (١٩٣).\r(¬٤) زاد المعاد (٣/ ١٣٥ - ١٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167732,"book_id":1216,"shamela_page_id":386,"part":null,"page_num":390,"sequence_num":386,"body":"كما قال ابن تيمية: «تأمل ما قبل الآية وما بعدها يطلعك على حقيقة المعنى» (¬١).\r• الحكم الثاني: مشروعية الوكالة.\rقال السيوطي: «هذا أصل في الوكالة والنيابة» (¬٢).\rوقال ابن العربي: «هذا يدل على صحة الوكالة، وهو عقد نيابة، أذن الله فيه للحاجة إليه، وقيام المصلحة به، إذ يعجز كل أحد عن تناول أموره إلا بمعونة من غيره، أو بترفه فيستنيب من يريحه»، ثمَّ قال: «وهو أقوى آية في الغرض» (¬٣).\rوالمقصود أنه سبحانه لما أضاف الوَرِق إلى جميعهم، وحلَّ لهم استنابة أحدهم دلَّ على جواز الوكالة.\rمأخذ الحكم: ما قصَّه الشارع لنا، ولم يتعقبه بمنع وإبطال، بل ورد شرعنا بها.\r\rباب الإقرار\rقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].\rيستنبط من الآية: نفي إقرار المكره.\rمأخذ الحكم: دخول أفعال المكره، وأقواله ومنها الإقرار في عموم الآية، حيث ورد لفظ ﴿إِكْرَاهَ﴾ نكرة - وهي مبنية على الفتح - في سياق النفي، فيعم نفي ما يترتب على كل قول أو فعل للمكرَه، ومنه الإقرار.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٩٦).\r(¬٢) الإكليل (٣/ ٩٢٧).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ٢٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167733,"book_id":1216,"shamela_page_id":387,"part":null,"page_num":391,"sequence_num":387,"body":"مع التنبيه إلى أن النهي فيه ورد بصيغة الخبر، والنهي يقتضي الفساد، فيقتضي عدم الاعتداد بما أكره عليه فيها، ومنه الإقرار (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: العمل بالإقرار (¬٢).\rمأخذ الحكم: جعل الشارع ما يمليه المدين -الذي عليه الحق، وليس الدائن الذي له- إقرار منه واعتراف بالحق الذي عليه.\rفالكتب والشهادة إنّما هي بحسب إقراره، وما أُمر بذلك إلا ليعمل به، وإلا لما كان لإملاله معنى.\r• الحكم الثاني: أن الولي يقبل إقراره عليه (¬٣).\rقال ابن الفرس: «وهذا يدلّ على أن كل من أقرَّ بشيء لغيره، فالقول قوله فيه» (¬٤).\rمأخذ الحكم: لأنّ الله ما أمره أن يمل في قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ إلّا ليقبل قوله.\rتتمة: قال الطاهر بن عاشور: «ومعنى ﴿بِالْعَدْلِ﴾: أي بالحق، وهذا دليل على أن إقرار الوصيِّ والمقدَّم في حق المولّى عليه ماض إذا ظهر سببه،","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٨٤، ٣٨٥).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٠)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٨، ٤١٩).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٠)\r(¬٤) أحكام القرآن (١/ ٤١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167734,"book_id":1216,"shamela_page_id":388,"part":null,"page_num":392,"sequence_num":388,"body":"وإنَّما لم يعمل به المتأخرون من الفقهاء سداً للذريعة، وخشية التواطؤ على إضاعة أموال الضعفاء» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١].\rيستنبط من الآية: جواز الإقرار.\rمأخذ الحكم: الاستدلال بفعل المولى سبحانه؛ حيث أوقف الأنبياء على إقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، وأخذهم عهد الله فيه.\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]\rيستنبط من الآية: جواز إقرار المقِرِّ على نفسه، ووجوب ذلك إذا طالبه صاحب الحق.\rقال الجصاص: «﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ لأن شهادته على نفسه هو: إقرار بما عليه لخصمه، فدلَّ على جواز إقرار المقرِّ على نفسه لغيره، وأنَّه واجب عليه أن يُقرَّ إذا طالبه صاحب الحق».\rوقال السيوطي: «قوله تعالى ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، قال سعيد بن جبير: هو الإقرار» (¬٢).","footnotes":"(¬١) التحرير والتنوير (٣/ ١٠٥).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٥٩٣)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167735,"book_id":1216,"shamela_page_id":389,"part":null,"page_num":393,"sequence_num":389,"body":"مأخذ الحكم: الأمر بالشهادة بقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، ثمَّ عطف عليها قوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، والمعطوف ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ متعلق ب ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، قال القرطبي: «هذا هو الظاهر الذي فَسَّر عليه الناس، وأنَّ الشهادة المذكورة هي في الحقوق، فيقرُّ بها لأهلها» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].\rيستنبط من الآية: عدم صحة إقرار المكرَه.\rقال السيوطي في الإكليل: «واستدل العلماء بالآية على نفي طلاق المكره وعتاقه، وكل قول أو فعل صدر منه إلا ما استثني» (¬٢).\rمأخذ الحكم: مفهوم الموافقة الأولي.\rقال القرطبي: «لما سمح الله ﷿ بالكفر به، وهو أصل الشريعة عند الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به، ولم يترتب عليه حكم، وبه جاء الأثر المشهور عن النبي ﷺ: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) الحديث (¬٣)، والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء» (¬٤).","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٤١٢)، والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/ ١٢٢).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٩٠٩).\r(¬٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم (٢٠٤٣)، بلفظ «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، والحديث صححه الألباني في مشكاة المصابيح رقم (٦٢٨٤) ..\r(¬٤) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٨٢)، وينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٦٣)، وتيسير البيان (٣/ ٤٠٠)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٢٥٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167736,"book_id":1216,"shamela_page_id":390,"part":null,"page_num":394,"sequence_num":390,"body":"باب العارية\rقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].\rيستنبط من الآية: وجوب رد العارية.\rقال السيوطي: «فيه وجوب رد كل أمانة، من وديعة، أو قِراض، وقرْض، وغير ذلك» (¬١).\rمأخذ الحكم: كون العارية أمانة قبضت بإذن صاحبها، فتدخل في عموم قوله: ﴿الْأَمَانَاتِ﴾؛ لأنه جمع معرف، والوجوب مستفاد: من إخبار الله بالحكم بقوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾.\rقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧].\rيستنبط من الآية: مشروعية العارية، والحث عليها.\rقال السيوطي: «فيه الحث على العارية» (¬٢). ثمَّ نقل آثاراً.\rمأخذ الحكم: ذم الله من منع الماعون وتوعده، وهو عدم إعارته،؛ إذ الآية معطوفة على قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾، والتوعد على الفعل دلالة على تحريمه والنهي عنه، والنهي عن الشيء أمر بضده.\rكما أنه ورد في سبب نزولها أن المسلمين كانوا يستعيرون من المنافقين الدَّلو، والقدر، والفأس، وشبهه، فيمنعونهم، فنزلت الآية (¬٣)، وسبب النزول قطعي الدخول.","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٥٦٦)\r(¬٢) الإكليل (٣/ ١٣٤٤)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٦٢٦).\r(¬٣) ينظر: موسوعة التفسير بالمأثور (٢٣/ ٦٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167737,"book_id":1216,"shamela_page_id":391,"part":null,"page_num":395,"sequence_num":391,"body":"تنبيه: فُسِّر منع الماعون بالزكاة (¬١)؛ لأنها في سياق صفات المنافقين، والتحريم للوعيد، وهو ظاهر.\r\rباب الغصب\rقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ البقرة، ومثلها آية [النساء: ٢٩].\rيستنبط من الآية: تحريم الغصب.\rقال ابن الفرس: «ذهب قوم إلى أنه نهى الله ﷿ عنه في هذه الآية عن أكل المال بالباطل على كل وجه، من غصب وسلب، وخيانة، وقمار، وغير ذلك» (¬٢).\rمأخذ الحكم: ورود التحريم بصيغته الصريحة بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، ففيه تحريم أكل المال بغير وجه شرعي وله صور كثيرة (¬٣)، منها الغصب؛ لأنه أخذ للمال بغير طيب نفس من مالكه، كالسرقة والخيانة (¬٤).\rقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\rيستنبط من الآية: وجوب رد المغصوب.\rمأخذ الحكم: بدلالة مفهوم الموافقة، وبيانه كما يقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وإذا كان الله قد أوجب أداء الأمانات التي قبضت بحق، ففيه تنبيه على وجوب أداء","footnotes":"(¬١) ينظر: موسوعة التفسير بالمأثور (٢٣/ ٦١١).\r(¬٢) أحكام القرآن (١/ ٢١٨).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٦٥). قيل أكل المال بالباطل تنحصر في: جحد ما يجب على الانسان بذله من وديعة أو زكاة، ودعوى ما ليس من حقه. وقيل: إنّ أصول المعاملات المحرمة: الربا، والظلم، والغرر.\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٤٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167738,"book_id":1216,"shamela_page_id":392,"part":null,"page_num":396,"sequence_num":392,"body":"الغصب والسرقة والخيانة، ونحو ذلك من المظالم، وكذا أداء العارية» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩].\rيستنبط من الآية: تحريم الغصب (¬٢).\rمأخذ الحكم: وردت الآية جواباً على إنكار موسى للخضر ﵉ لخرقه السفينة، كما في قوله: ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١]، وظاهره إفساد لها، والإفساد محرم، فأقره الخضر على هذا، ثمَّ بيَّن له إنما أراد أن يرتكب أخف المفسدتين، لأن ثمَّة مفسدة أخرى غير كون السفينة مخروقة، وهي غصب السفينة، وهي أعظم حرمة لعظم مفسدتها.\r\rباب الإجارة\rقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\rيستنبط من الآية: مشروعية الإجارة على الرضاع، واستئجار الظئر - المرضع غير ولدها (¬٣) - للرضاع.\rقال ابن الفرس: «ولا خلاف أنه يجوز إجارة الظئر بشيء معلوم» (¬٤).\rمأخذ الحكم: نفى ﷾ الجناح، والمؤاخذة عن الذي يسترضع لولده بالأجرة، فدلَّ على جواز ذلك. ولأن الخطاب فيه بقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ للرجال (¬٥).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٦٦).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٣/ ٩٣٢).\r(¬٣) ينظر: الدر النقي (٣/ ٥٣٧).\r(¬٤) أحكام القرآن (١/ ٣٤٥).\r(¬٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٤٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167739,"book_id":1216,"shamela_page_id":393,"part":null,"page_num":397,"sequence_num":393,"body":"قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤].\rيستنبط من الآية: أن المهر أجرة الاستمتاع بالمرأة.\rقال الجصاص: «وإنّما سمي المهر أجراً؛ لأنه بدل المنافع وليس ببدل عن الأعيان» (¬١). والمنفعة هنا هي الاستمتاع.\rونقل ابن العربي عن مالك قوله: «النكاح أشبه بالبيوع؛ لما فيه من أحكام البيوع، وهو وجوب العوض … الخ» (¬٢).\rوقال القرطبي: «الاستمتاع: التلذذ. والأجور: المهور، وسمي المهر أجراً لأنه أجر الاستمتاع. وهذا نصّ على أنَّ المهر يُسمّى أجراً» (¬٣).\rمأخذ الحكم: الأمر بإتيان الأجرة، بقوله: ﴿فَآتُوهُنَّ﴾ جزاء الاستمتاع.\rفائدة: اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو؟ هل هو بدن المرأة أو منفعة البضع أو الكلُّ؟ ثلاثة أقوال، والظاهر المجموع، فإن العقد يقتضي كل ذلك.\rقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧].\rيستنبط من الآية: مشروعية الإجارة (¬٤).\rمأخذ الحكم: كونه شرع من قبلنا، ولم يرد في شرعنا نسخه، بل ورد في شرعنا ما يقرِّره.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٨٤).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٩٩)، وينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ٢٧٤).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٢٩)، وينظر: تيسير البيان (٢/ ٣٤٤).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٣/ ٩٣٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167740,"book_id":1216,"shamela_page_id":394,"part":null,"page_num":398,"sequence_num":394,"body":"قال ابن عطيَّة: «﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وإن لم يكن سؤلاً ففي ضمنه الإنكار لفعله، والقول بتصويب أخذ الأجر» (¬١).\rأي في ضمنه الإنكار على الخضر ﵇ ألا يأخذ الأجرة، مع عدم استضافة القرية لهم، كما أنَّ في ضمنه تصويباً من موسى ﵇ لأخذ الأجرة، وهذا يدلُّ على جوازه في شريعته.\rقوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤].\rيستنبط من الآية: مشروعية الإجارة (¬٢).\rمأخذ الحكم: كونه مما قصَّه الشارع لنا، وإقرار المولى وعدم التعقيب بما يدل على عدم الاعتبار بها، وسبق بيان هذا المأخذ في استنباط الأحكام.\rقوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٦ - ٢٧].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعيَّة الإجارة (¬٣).\rحيث قصَّ سبحانه أنَّ نبياً من أنبيائه آجر نفسه حججاً مسمَّاة، فدلّ على جواز الإجارة.\rمأخذ الحكم: كونه شرع من قبلنا، ولم يرد في شرعنا نسخه، بل ورد في شرعنا","footnotes":"(¬١) التحرير والتنوير (٣/ ٥٣٤).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٣/ ٩٣٦).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٧٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٤٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167741,"book_id":1216,"shamela_page_id":395,"part":null,"page_num":399,"sequence_num":395,"body":"ما يقرِّره، ومن ذلك قوله ﷺ.: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) (¬١).\rتتمة: قال ابن الفرس عن المدَّة في الإجارة: «وأمَّا المدة فليس في ألفاظ الآية ما يدل على ترك مراعاتها، بل الأمر مسكوت عنه، فإما أن يكون معلوماً عندهم، ولم يذكر في الآية، وإما أن يكون مسكوتاً عنه عندهم أيضاً، كما وقع في الآية، وإذا كان كذلك فهو من يوم العقد كسائر عقود الإجارات والأكرية، وذلك في شريعتنا محكم معمول به. أو لعله كان في تلك الشريعة إسقاط تعيين وقت الإجارة جائزاً ثمَّ رفع في شريعتنا» (¬٢).\r• الحكم الثاني: صحة استئجار الراعي بطعامه وكسوته (¬٣).\rمأخذ الحكم: ما سبق من كونه شرعاً لمن قبلنا، بالإضافة إلى دلالة سياق الآية؛ إذ لم يكن لصالح مدين إلا رعيه الغنم، فكان ما علم من حاله قائماً مقام التعيين.\rتنبيه: اختلف العلماء في معنى (على) في قوله: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، فقيل بمعنى الشرط، فشرط صاحب مدين على موسى ﵇ تزويجه شرط أن يعمل أجيراً له لمدة معلومة، لا أنَّه جعل منفعة التزويج عوضاً للإجارة.\rوقيل إنَّ معنى (على) الباء؛ لأنها استعملت هنا في معاوضة، و (على) إذا استعملت في المعاوضات، كالبيع والإجارة والنكاح تكون بمعنى (الباء) إجماعاً، والعوض منفعة البضع، وهو الاستمتاع بالمرأة، كما سبق في آية النساء.","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب الرهون، باب أجر الأجراء، برقم (٢٤٤٣) وصححه الألباني في إرواء الغليل (٥/ ٣٢٠) برقم (١٤٩٨).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٤٠٦).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٨١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167742,"book_id":1216,"shamela_page_id":396,"part":null,"page_num":400,"sequence_num":396,"body":"• الحكم الثالث: ليس لمدة الإجارة تقدير محدود، فتجوز لأكثر من سنة خلافاً لبعض العلماء.\rمأخذ الحكم: قال ابن قدامة: «قول الله تعالى إخباراً عن شعيب أنَّه قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣].\rيستنبط من الآية: تحريم إجارة الإماء على الزنا.\rمأخذ الحكم: التحريم بصيغته الصريحة ﴿وَلَا تُكْرِهُوا﴾، ويؤيده سبب نزول الآية حيث كان عبد الله بن أبي سلول يقول لجارية له: اذهبي فأبغينا شيئاً (¬٢).\rتنبيه: قال ابن الفرس: «وقوله تعالى: اختلف إلى ما رجع هذا الشرط. فقيل: لأنه لا يتصور إكراههن إلا إذا لم يردن الزنا، وهو التحصن، وأما إذا أردنه فلا يتصور الإكراه. وقيل: هو متعلق بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقيل: الشرط ملغي، والأول أظهر وأحسن\"»، ثمَّ قال: «وهذه الآية تدل بإطلاقها على تحريم الإكراه على الزنا، وعلى تحريم أخذ العقد، وهو المراد بنهيه ﵊ عن مهر البغي» (¬٣).\rقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]\rيستنبط من الآية: مشروعية إجارة الظئر -المرضعة غير ولدها- للرضاع.","footnotes":"(¬١) المغني (٨/ ١٠)\r(¬٢) ينظر: تفسير السعدي (٥/ ٤١٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٨١).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ٣٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167743,"book_id":1216,"shamela_page_id":397,"part":null,"page_num":401,"sequence_num":397,"body":"قال ابن الفرس: «﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي جميع ما يعان به الصبي، وذلك نفقته، وكسوته، والأجرة على إرضاعه باتفاق» (¬١).\rوقال الموزعي: «وأوجب الله للوالدات المطلقات إيتاء الأجور على أب الطفل إذا أرضعن له الأم ولدها، وإطلاق الآية يتناول ما إذا كان مع الأب من يرضعه له بغير أجرة، فالأجرة واجبة للأم، وهو كذلك» (¬٢).\rتتمة: قال شيخ الإسلام: «وليس في كتاب الله إجارة منصوص عليها في شريعتنا إلا هذه الإجارة» (¬٣).\rولعله يقصد فيما يقع على الأعيان، إذ الإجارة لا يعقد على العين، وإنّما يعقد على المنفعة، واللبن عين من الأعيان، والأصل عدم جواز العقد عليه، إلا أنه جاز رخصة.\rقال ابن قدامة: «لأن غيره لا يقوم مقامه، والضرورة تدعوا إلى استيفائه، وإنَّما جاز هذا في الأدميين دون سائر الحيوان للضرورة إلى حفظ الآدمي، والحاجة إلى إبقائه» (¬٤).\rوقيل: إن الأجرة على الإرضاع هي مقابل خدمة الصبي، وحمله ووضع الثدي في فيه، واللبن تبع؛ لأن المولى سبحانه علَّق الأجرة بفعل الإرضاع لا باللبن.\rتتمة: الأصل أن استجار الظئر - المرضع - يجوز إذا كان بأجر معلوم، ووقت معلوم، وصبي معلوم، وقدر معلوم.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٣/ ٥٨٤).\r(¬٢) تيسير البيان (٤/ ٢٧٢).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٣٠/ ١٩٨)، (٢٠/ ٥٣١)\r(¬٤) المغني (٨/ ٧٤)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167744,"book_id":1216,"shamela_page_id":398,"part":null,"page_num":402,"sequence_num":398,"body":"ولما كان قدر الحلب أمر لا يُقدَّر، أو لا يمكن معرفة المقدار، وليس فيه قصدٌ للغرر ولا القمار جاز.\rقال ابن عبد البر: «فصار كالمتعارف عند الناس» (¬١).\r\rباب الهبة\rقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز هبة الزوجة النصف الذي ثبت لها للزوج، شريطة أن تكون ممن يصح تبرعها، بأن تكون رشيدة بالغة، عاقلة تحسن التصرف (¬٢).\rمأخذ الحكم: لأن العفو عن حقها وتمليكه للزوج بلا عوض، هو معنى الهبة.\rفقد أثبت الشارع في الآية للمطلقة التي فُرِض لها مهر مسمَّى، ثمَّ طُلِّقت من غير مسيس: نصف المهر، ثمَّ أجاز لها هبته والعفو عنه.\r• الحكم الثاني: جواز الهبة إن كان الصداق عيناً، والإبراء إن كان ديناً (¬٣).\r• الحكم الثالث: جواز هبة المشاع فيما ينقسم وما لا ينقسم؛ لأنه أباح تمليك نصف الصداق ولم يفرق بين ما يحتمل القسمة، وما لم يحتمل (¬٤).\rمأخذ الحكمين: العموم، بصيغة (ما) الموصولة، في قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، فيشمل العين والدين، وما يحتمل القسمة وما لا يحتمل، فأباح تمليك","footnotes":"(¬١) الكافي (٢/ ٧٥٥).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٤).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٥).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167745,"book_id":1216,"shamela_page_id":399,"part":null,"page_num":403,"sequence_num":399,"body":"نصف الصداق ولم يفرق بين العين والدين.\rقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].\rيستنبط من الآية: مشروعية الهبة (¬١).\rقال السيوطي: «فيه جواز هبة الزوجة الصداق للزوج، وقبوله ذلك» (¬٢).\rمأخذ الحكم: علَّق المولى سبحانه جواز الأكل بالشرط، وهو طيب النفس، تعليق الجزاء بشرطه، فدلَّ على أنه سبب له. وهو حكم معلّق على وصف مشتق مناسب فدلَّ على أنَّ ذلك الوصف سبب لذلك الحكم (¬٣).\rتتمة: إذا كان طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق، فكذلك سائر التبرعات قياساً عليه.\rقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢].\rيستنبط من الآية: مشروعية التصدق بالدِّية، والإبراء منها (¬٤).\rقال القرطبي: «﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أصله: (أن يتصدقوا) فأدغمت التاء في الصاد، والتصدق الإعطاء، يعني إلَّا أن يُبرئ الأولياء ورثة المقتول [القاتلين] مما أوجب الله لهم من الدَّية عليهم، فهو استثناء ليس من الأول» (¬٥)، أي يعود إلى الأخير فقط، وهو وجوب أداء الدية.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٥٦)، وتيسير البيان (٢/ ٢٣٢).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٥٠٦).\r(¬٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٥٥).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٧٨).\r(¬٥) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٣٢٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167746,"book_id":1216,"shamela_page_id":400,"part":null,"page_num":404,"sequence_num":400,"body":"وفي بيان العلاقة بين الهبة - الواردة في عنوان الباب - والتصدق الوارد في الآية، يقول ابن حجر: «والهبة - بكسر الهاء وتخفيف الباء الموحدة - تطلق بالمعنى الأعم على أنواع الإبراء، وهو هبة الدين ممن عليه، والصدقة هي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة … وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطلق من عرف الهبة بأنها تمليك بلا عوض» (¬١).\rوعليه فالآية تدل على مشروعية الهبة بمعنييه العام والخاص جميعاً، فهو إبراء، وهبة الدين ممن عليه، وهي كذلك تمليك للحق (الدية) بلا عوض، وإن كان ظهورها بالمعنى العام أظهر.\rمأخذ الحكم: دلالة الاستثناء، حيث دلّت الآية على وجوب الدية على من قتل خطأ بقوله ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾، وهو أمر بصيغة المصدر، وتقدير الآية: وعليه أداء دية، ثمَّ استثنى من هذا الوجوب حال التصدق والإبراء، فلا يجب الأداء حال الإبراء.\r\rباب الفرائض\rقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٥/ ١٩٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167747,"book_id":1216,"shamela_page_id":401,"part":null,"page_num":405,"sequence_num":401,"body":"مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١١ - ١٢].\rذكرت الآية سببين من أسباب الميراث: الرحم بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. والسبب الثاني: النكاح، بقوله ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ الآية.\rويستنبط من الآية أحكام الفرائض: نصيب الذكر والأنثى حال التعصيب بالغير ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ونصيب البنتين أو الأختين الثلثان، وإن كانت واحدة فالنصف … الخ بشروط مفصلة نصاً واستنباطاً في كتاب الله.\rمأخذ أحكام الفروض المذكورة في الآية:\rأولاً: الأمر بلفظ (الوصية)، وبلفظ (الفرض) وهي من أساليب أخبار الشارع عن هذا الحكم، الذي هو الوجوب.\rقال ابن عطيَّة: «وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ يتضمن الفرض والوجوب، كما تتضمنه لفظ (أمر) كيف تصرفت .. » (¬١)\rوقال القرطبي: «﴿فَرِيضَةً﴾ نُصب على المصدر المؤَكد، إذ معنى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ يفرض عليكم … » (¬٢).","footnotes":"(¬١) المحرر الوجيز لابن عطية (٢/ ١٥)\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٧٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167748,"book_id":1216,"shamela_page_id":402,"part":null,"page_num":406,"sequence_num":402,"body":"ثانياً: بيان كون هذه القسمة هي من حدود الله ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، والقيام بحدوده واجب، لذا قال سبحانه بعدها ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، وهذه أساليب تهديد ووعيد لا تقال إلا على من فعل محرماً، ومنها ترك الواجب، فدلَّ على كونها واجبة.\rثالثاً: ربط الجزاء بالشرط، وهو متعدد في الآية، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، مما يوجب ربط الجزاء بشرطه.\rقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣].\rيستنبط من الآية: ثبوت الإرث بالمحالفة والمؤاخاة عند عدم وجود ورثة (¬١).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَآتُوهُمْ﴾.\rتنبيه: قيل نسخت هذه الآية وحكمها بآية الأنفال الآتي ذكرها، فصار الميراث بالرحم (¬٢).\rقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦].","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٧٢)، وتيسير البيان (٢/ ٣٧٧ - ٤٧٨).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٧١)، وتيسير البيان (٢/ ٣٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167749,"book_id":1216,"shamela_page_id":403,"part":null,"page_num":407,"sequence_num":403,"body":"يستنبط من الآية الأحكام الآتية:\rقال الموزعي: «وتسمَّى آية الصيف؛ لأن الله سبحانه أنزل في الكلالة آيتين: آية في الشتاء، وهي الأولى (¬١)، وآية في الصيف وهي هذه.\rوالمراد بالكلالة في الآية الأولى هو من لا ولد له ولا ولد ابن، ولا أب ولا جد، أو من عدا الولد وولد الابن والأب والجد.\rوما أعلم في ذلك خلافاً بين أهل العلم.\rوأما المراد بها في هذه الآية، فقد اختلفوا فيها اختلافاً عظيماً، وعظم شأن ذلك عليهم .... وهذه الكلالة هي التي عظم على الصحابة أمرها .. » (¬٢).\rومن الأحكام المستنبطة منها، ما ذكره السيوطي بقوله: «فيها: أن من مات عن أخت لأبوين، أو لأب، ولا ولد له، ولا والد فلها النصف.\rوأنَّ للأختين الثلثين. وأنَّ الأخ كذلك يستغرق المال.\rوأنَّ الإخوة إذا اجتمعوا رجالاً ونساء فللذكر منهم مثل حظ الإنثيين.\rوأنَّ الولد والوالد يحجب الإخوة والأخوات» (¬٣).\rمأخذ الأحكام:\rأولاً: كونها بيان الحكم من الله وفتياه سبحانه ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾.","footnotes":"(¬١) إشارة إلى قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢].\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٤٢ - ٥٣).\r(¬٣) الإكليل (٢/ ٦٠١)، وتيسير البيان (٣/ ٤٦ - ٤٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167750,"book_id":1216,"shamela_page_id":404,"part":null,"page_num":408,"sequence_num":404,"body":"ثانياً: ربط الجزاء بشرطه كما سبق.\rثالثاً: بيان أنَّ من خالف هذا فهو من الضالين، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ وفيه ذم للمخالفين، وهذا يقتضي وجوب العمل بما قسمه الله.\rقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥].\rيستنبط من الآية: توريث ذوي الأرحام (¬١).\rقال الموزعي: «قال المفسرون أو أكثرهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في الميراث، فكانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث قريبه المهاجر، فنسخ الله ذلك، بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ … وقد أعلمنا ﷾ بانقطاع الموالاة بين المؤمنين والكافرين، فلا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾» (¬٢).\rوقال ابن الفرس: «وذهب أيضاً قوم إلى أنها محكمة عامة في جميع القرابات، وعلى هذا يبنى اختلاف العلماء في توريث من لا سهم له في كتاب الله ولا سنة من ذوي الأرحام، وليس بعصبة، كأولاد البنات، وبني الأخوات، وبنات الإخوة، والعمة، والخالة .... » (¬٣).\rمأخذ الحكم: بيّنت الآية بمنطوقها أولوية بعضهم ببعض، على جهة الإطلاق، والمطلق يجري على إطلاقه، فيدخل الأولوية بالإرث على غيرهم.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٩٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١١٠ - ١١١).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٢٩٨).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ١١٠ - ١١١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167751,"book_id":1216,"shamela_page_id":405,"part":null,"page_num":409,"sequence_num":405,"body":"باب الوصايا\rقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨٢].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز الوصية للوالدين.\rاختلف العلماء في الحكم المذكور (¬١):\rفقيل: منسوخ، واختلفوا في ناسخه (¬٢).\rوقيل: محكم خاص بمن لا يرث من الوالدين، كالكفار والأقربين المحجوبين.\rواختلف أصحاب القول بأنه محكم، هل الوصية لهم واجبة، أو مندوبة؟.\rمأخذ الحكم: من قال واجبة لقوله: ﴿كُتِبَ﴾ و ﴿حَقًّا﴾، وهما من أساليب الإخبار عن الواجب (¬٣).\rومن قال مندوبة لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال ابن الفرس: «لأنّ الواجب لا يقال","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٤١)، أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٧٤).\r(¬٢) واختلفوا في الناسخ آية المواريث ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ قاله ابن عباس وغيره، وقيل حديث «لا وصية لوارث» ورجحه الجصاص. ورجح الطوفي التخصيص؛ لأنّ التخصيص أيسر من النسخ، فكان التزامه أولى، وفيه جمع بين الأقوال، ويشترط في النسخ عدم امكانية الجمع، وهنا ممكن. وينظر: تيسير البيان (١/ ٢١٨).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167752,"book_id":1216,"shamela_page_id":406,"part":null,"page_num":410,"sequence_num":406,"body":"فيه أنه معروف، ويستوي فيه المتقي وغيره» (¬١).\rقلت: لعله نظر إلى أن المعروف يقع في الغالب على الزائد المتفضل من الأعمال، كقولهم: «اصنع معروفًا، واحمل عني».\rلكن العلماء لم يسلموا دلالة المعروف هنا على الندب؛ لأن المعروف معناه هنا العدل الذي لا شطط فيه، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ولا خلاف في وجوب الرزق والكسوة.\rوذكر المعروف هنا ليؤكد وجوب الوصية، إذا كان جميع أوامر الله معروفًا غير منكر، فضد المعروف المنكر، وما ليس بمعروف منكر.\rومن قال بالندب أكدوه بتقييد الشارع الحق بالمتقين ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ والواجبات لجميع الناس، ولا يختص المتقون فيها عن غيرهم.\rوأجيب: بأنّه للتأكيد.\r• الحكم الثاني: تستحب الوصية للأقربين من غير الورثة (¬٢).\rمأخذ الحكم: أن الواجب إذا نسخ بقي الاستحباب، ذكره الموزعي في تيسير البيان (¬٣)، وهذا على القول بكون الآية منسوخة.\rوأما تأكيد الاستحباب من خارج الآية؛ فلأن أكثر الصحابة لم ينقل عنهم وصية، أي تركت من غير نكير، ولو كانت واجبة لأنكر على تاركه.\rكما أنها عطية، لا تجب في الحياة، فلا تجب بعد الموت، كعطية الأحياء.","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام القرآن (١/ ١٧٨).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٤١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٧٧ - ١٧٨).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (١/ ٢١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167753,"book_id":1216,"shamela_page_id":407,"part":null,"page_num":411,"sequence_num":407,"body":"• الحكم الثالث: أن الفرض يسقط عن الموصي بنفس الوصية، فإن إثم التبديل لا يلحقه (¬١).\r• الحكم الرابع: أن من كان عليه دين فأوصى بقضائه يسلم من تبعته في الآخرة، وأن ترك الوصِي والوارث قضاءه (¬٢).\rقلت: إن كان يعلم أنهم غير أمناء، فعليه توثيق وصيته، وإلّا فهو آثم؛ لأنّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب\rمأخذ الحكمين: منطوق الآية ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ ومفهومه: عدم الإثم على من لم يبدله.\r• الحكم الخامس: أن الموصى إليه بشيء خاص لا يكون وصياً في غيره (¬٣).\rمأخذ الحكم: لقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ فإن زاد فقد بدَّل، بل اعتبره ابن الفرس: من أعظم التبديل (¬٤).\r• الحكم السادس: أن على الوصي والحاكم والوارث وكل من وقف على جور في الوصية من جهة العمد أو الخطأ ردها إلى العدل، وأن قوله: ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ خاص بالوصية العادلة دون الجائرة (¬٥).\rمأخذ الحكم: دليل التخصيص آية النساء ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، وسياق الآية ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٤١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٨١).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٤١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٨١).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٨١)، والإكليل (١/ ٣٤٢).\r(¬٤) ينظر: حكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٨١).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (١/ ٣٤٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167754,"book_id":1216,"shamela_page_id":408,"part":null,"page_num":412,"sequence_num":408,"body":"عَلَيْهِ﴾ أي: لا يلحقه إثم التبديل المذكور.\rوقال ابن عباس ﵄: «وإن كان أوصى في ضرار لم تجز وصيته، كما قال: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾» (¬١).\r• الحكم السابع: إذا أوصى بأكثر من الثلث لا تبطل الوصية كلها خلافاً لزاعمه، وإنما يبطل منها ما زاد عليه (¬٢).\rمأخذ الحكم: أن الله تعالى لم يبطل الوصية جملة بالجور فيها بل جعل فيها الوجه الأصلح (¬٣).\rقوله تعالى: ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الوصية وتقديمها على قسمة التركة (¬٤).\rمأخذ الآية: أما المشروعيَّة فمن دلالة الإشارة، وأما تقديمها على التركة فمن دلالة العبارة، ومنطوق الآية الصريح.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٤٢).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٤٣).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٤٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٨٢).\r(¬٤) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٨٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167755,"book_id":1216,"shamela_page_id":409,"part":null,"page_num":413,"sequence_num":409,"body":"فائدة: قال ابن الفرس: «فليس في الآية دليل على تبدية الوصية على الدين، أو الدين على الوصية، ولكنه فهم بالسنة أن الدين أولى بالتقديم؛ لأن أداء الدين فرض، والوصية إنما هي تطوع، والفرض أولى من التطوع، ولو قال تعالى: (من بعد وصية يرصِي بها ودين) لتوهم أنَّ ذلك يجب باجتماعهما، فعدل إلى لفظ (أو).\rويحتمل أن يقال: ذكر الله الوصية قبل الدين؛ لأن الوصية أغلب وأكثر من الدين، فإنه يموت كثير من الناس ولادين عليهم، ولا يموت الإنسان غالباً إلا وقد وصى بوصية.\rويحتمل أن يقال: إن بيان الوصية كانت الحاجة إليه أكثر؛ لأن قضاء الدين من التركة مشهور، وقدَّم ذكر الوصيَّة لذلك» (¬١).\r• الحكم الثاني: عدم جواز الإضرار بالوصية، وعدم نفوذها (¬٢).\rمأخذ الحكم: مفهوم الحال من قوله في آخر الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، فهو تقييد للوصية بعدم الإضرار بالورثة، أي جائزة حال كونها غير مضار بالورثة (¬٣).\rوالتحريم يؤخذ من سياق الآيات التاليات، حيث بيَّن سبحانه أن تلك القسمة وما يتبعها من أحكام الوصيَّة والدين ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ ثمَّ قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، وهذه أساليب تهديد ووعيد لا تقال إلا على من ارتكب محرماً.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٨٤ - ٨٥).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٢٧٢).\r(¬٣) ينظر: تفسير الرازي (٩/ ١٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167756,"book_id":1216,"shamela_page_id":410,"part":null,"page_num":414,"sequence_num":410,"body":"تتمة: قال ابن الفرس: «ولم يخصص القدر الذي يجوز أن يوصي به من المال، كما لم يخصص قدر الدين، بل ظاهر العموم جواز الوصية بالقليل والكثير؛ لأن الخبر الصحيح من وصية سعد دلَّ على أنَّ الزيادة على الثلث غير جائزة، فيخصص العموم بذلك إذا كان هناك وارث معيَّن .. » (¬١).\rوقال الموزعي: وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾:\rيحتمل أن يريد غير مضار في الوصيَّة والدَّين، فلا يزيد على الثلث، ولا يوصي بدين ليس عليه، فيكون دليلاً على تحريم الوصية بما زاد على الثلث.\rويحتمل أن يريد غير مضار في الدين فقط.\rوهذا يرجع إلى قاعدة أصوليَّة، وهي الصفة إذا تعقبت جملاً، فهل تعمُّها، أو تختص بالأخير؟\rوالأول مذهب مالك والشافعي وأصحابهما، والثاني مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ولكن قد دلَّ حديث سعد على رجوعه إلى الوصية أيضاً» (¬٢).\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦].\rنقل السيوطي وغيره عن مكي قوله: هذه الآية أشكل ما في القرآن إعراباً وحكماً (¬٣).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٨٥).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٧٥ - ٦٧٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٥٤١)، وتكلم الموزعي في تيسير البيان (٣/ ٢٢٢ - ٢٢٧) عن سبب صعوبتها، وبيان وجه مخالفة ظاهر الآية لقواعد شرعيَّة مقرَّرة، ثمَّ بيَّن أن الآية جارية على قوانين القياس، غير مخالفة له في شيء ..","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167757,"book_id":1216,"shamela_page_id":411,"part":null,"page_num":415,"sequence_num":411,"body":"وقال ابن العربي عند استنباط أحكامها: «وقد كنت أردت بسطه، فلما ذكرت طوله قبضت عنه العنان، وأحلت على مسائل الفقه بالبيان» (¬١).\rقلت: ويسعني ما وسعه، واكتفي بما ذكره، وهو أنه يستنبط من الآية: بيان وقت الوصيَّة - غير وقت البدار إلى السنية (¬٢)، وهي عند الموت؛ لأنه رائد المنيّة ومظنتها، وعند السفر للمخافة فيه (¬٣).\rقال الطريفي: نزلت الآية في الوصية لمن حضره الموت وهو في أرض غير أرضه، وبين سكان ليسوا من أهله، ومعه ماله ونفقته ومركبه، ومن خلفه مال وعيال، فيحتاج إلى أن يوصي، بأن يدفع ذلك إلى عدلين من المسلمين أو من غيرهم» (¬٤).\rمأخذ الحكم: الأمر بصيغة المصدر في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾.\rتنبيه: قوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، لا مفهوم له عند بعض العلماء؛ لأنه خرج مخرج الغالب، ولذا فالحكم يكون لكل من حضره الموت لسبب مرض أو غيره، فله أن يوصي من عنده.\rفائدة: قال الموزعي: «ووقَّت الله سبحانه ليمين الوصِيين اللذين ارتيب منهما بعد الصلاة، وهي صلاة العصر عند أكثر أهل العلم؛ لاتفاق أهل الملل على","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٢٣٩).\r(¬٢) لقول النبي ﷺ: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»، أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، باب الوصايا وقول النبي ﷺ: «وصية الرجل مكتوبة عنده)، برقم (٢٧٣٨). ومسلم في كتاب الوصية، برقم (١٦٢٧).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٢٣٩).\r(¬٤) التفسير والبيان لأحكام القرآن (٣/ ١٢٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167758,"book_id":1216,"shamela_page_id":412,"part":null,"page_num":416,"sequence_num":412,"body":"تعظيمها، والتغليظ بالوقت مشروع، قال النبي ﷺ: (من حلف على يمين كاذبة بعد العصر، لقي الله وهو عليه غضبان) (¬١)» (¬٢).\rقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ [يس: ٤٩ - ٥٠].\rيستنبط من الآية: مشروعية الوصية.\rمأخذ الحكم: مفهوم الحال، وهو أن قبل ذلك يستطيعون التوصية، وفي ضمنه مشروعية ذلك.\r\rباب الوديعة\rقوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\rيستنبط من الآية: وجوب رد الوديعة.\rوبيان ذلك: أنَّ الأمانة ترد لمعان عدَّة منها: ما افتراضه الله على عباده من صلاة وزكاة وصوم .. الخ، ومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] وترد ويراد بها أداء الودائع والديون، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وهذا هو المراد، وإن كان داخلاً في عموم الأول (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب المساقاة والشرب، باب من رأى أن صاحب الحوض والقرابة أحق بمائه، برقم (٢٢٤٠)، بلفظ: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة … ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\r(¬٣) ينظر: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر لابن الجوزي (١٠٤ - ١٠٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167759,"book_id":1216,"shamela_page_id":413,"part":null,"page_num":417,"sequence_num":413,"body":"مأخذ الحكم: قوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ﴾ لام أمر، ومعنى الآية كما يقول ابن العربي: «إن أسقط الكتاب والإشهاد والرَّهن، وعَوَّل على أمانة المعامل، فليؤد الذي ائتمن الأمانة، وليتق الله ربه» (¬١).\rوأداء الأمانات واجب غير مصروف، وقد تضافر على تأكيد وجوبه الكتاب والسنة والإجماع.\rيقول القرطبي: « … وهذا أمر معناه الوجوب، بقرينة الإجماع على وجوب أداء الديون … » (¬٢).\rقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].\rيستنبط من الآية: وجوب رد الوديعة (¬٣).\rقال السيوطي: «فيه وجوب رد كل أمانة من وديعة، وقِراض، وقرْض، وغير ذلك» (¬٤).\rمأخذ الحكم: إخبار المولى بالحكم، في قوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾، والأمر للوجوب.\rقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] الآية، قال: «يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)، رواه الإمام أحمد وأهل السنن (¬٥)، وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان،","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (١/ ٣٤٥).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٩٤).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٧).\r(¬٤) الإكليل (٢/ ٥٦٦).\r(¬٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٤١٤)، وأبو داوود في كتاب الإجارة، باب في الرجل يأخذ حقَّه من تحت يده، برقم (٣٥٣٤)، والترمذي في كتاب البيوع، باب إذا أفلس للرجل غريم فيجد متاعه، برقم (١٢٦٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داوود برقم (٣٠١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167760,"book_id":1216,"shamela_page_id":414,"part":null,"page_num":418,"sequence_num":414,"body":"من حقوق الله ﷿ على عباده، من الصلوات والزكوات، والصيام والكفارات والنذور، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض، كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بيِّنة على ذلك. فأمر الله ﷿ بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].\rيستدل بالآية على رد الوديعة.\rقال الرازي: «أمرهم أن لا يخونوا الغنائم، وجعل ذلك خيانة له؛ لأنه خيانة لعطيته، وخيانة لرسوله؛ لأنه القيم بقسمتها، فمن خانها فقد خان الرسول، وهذه الغنيمة قد جعلها الرسول أمانة في أيدي الغانمين وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئاً، فصارت وديعة، والوديعة أمانة في يد المودع، فمن خان منهم فيها فقد خان أمانة الناس؛ إذ الخيانة ضد الأمانة» (¬٢).\rمأخذ الحكم: ذكر الرازي قبل كلامه السابق ستة أسباب قيلت في نزول الآية، ثم ذكر كلامه السابق، وختمه بقوله: «وأما الوجوه المذكورة في سبب نزول الآية فهي داخلة فيها، لكن لا يجب قصر الآية عليها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (¬٣).","footnotes":"(¬١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٤٣).\r(¬٢) التفسير الكبير (٥/ ٤٧٥).\r(¬٣) التفسير الكبير (٥/ ٤٧٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167761,"book_id":1216,"shamela_page_id":415,"part":null,"page_num":419,"sequence_num":415,"body":"ويؤخذ من كلامه السابق: أن الوديعة أمانة، فدخلت في عموم وجوب رد الأمانة؛ لأن النهي عن الخيانة أمر بأداء الأمانة؛ إذ الخيانة ضد الأمانة، والنهي عن الشيء أمر بضده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167762,"book_id":1216,"shamela_page_id":416,"part":null,"page_num":420,"sequence_num":416,"body":"كتاب النكاح\rقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ البقرة: ٢٢١\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: اعتبار الولي في النكاح (¬١).\rمأخذ الحكم: أسند نكاح النساء إلى الرجال الأولياء، وذلك برفع التاء في قوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (¬٢).\rقال ابن العربي عن هذا الاستدلال: وهي مسألة بديعة، ودلالة صحيحة (¬٣).\rتنبيه: يرى بعض المفسرين عدم دلالتها على المسألة؛ لأنّ المراد النهي عن اتباع هذا الفعل، والتمكين منه، وكل المسلمين أولياء في ذلك.\rقال الموزعي: \" وربَّما استدلَّ بهذه الآية من يقول باشتراط الولي في النكاح؛ اعتقاداً منه أن الخطاب مع الأولياء، ولا دلالة فيه؛ لأن الخطاب مع المؤمنين، وإن سلم فالخطاب وارد بالمنع للأولياء من إنكاح المشرك، ومنع الوليِّ لا يوجب له ولاية \" (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٩٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٨٥، ٢٨٨)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٣٨٨).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٩٧ - ٣٩٨).\r(¬٣) أحكام القرآن (١/ ٢١٩).\r(¬٤) تيسير البيان للموزعي (١/ ٣٩٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167763,"book_id":1216,"shamela_page_id":417,"part":null,"page_num":421,"sequence_num":417,"body":"• الحكم الثاني: تحريم نكاح المشركات (¬١).\rمأخذ الحكم: النهي في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾، وهو يقتضي التحريم، وضمير الجمع يفيد العموم، فلا يحل للمسلم حرًا كان أو عبداً أن ينكح المشركات.\rو ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾ لفظ جمع عرف بالألف واللام فهو يفيد العموم، فيعم كل مشرك سواء كانت كتابية أو غير كتابية.\rويدخل في عموم المشركات، الحرائر والإماء، والآية وإن كان لها سبب نزول إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وسبب النزول ما ورد في قصة أبي مرثد الغنوي عندما بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة سراً، ليخرج رجلاً من أصحابه، وكانت له امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها عناق، فجاءته فقال لها: إن الإسلام حرم ما كان في الجاهلية، قالت: فتزوجني، قال: حتى أستأذن رسول الله ﷺ، فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها، لأنها مشركة، ومعلوم أن كفار مكة الذين يعبدون الأصنام وثنيون (¬٢).\rتنبيهان:\rالأول: يخرج من تعريف المشركة من كانت تؤمن بنبيٍّ، ومقرون بكتاب سماوي، وهم أهل الكتاب، وهو قول جمهور أهل العلم (¬٣)، وقد نصّ القرآن على حل نسائهم، في قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥].","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٩٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٨٦)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٣٩٨).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٨٥).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (١/ ٣٩١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167764,"book_id":1216,"shamela_page_id":418,"part":null,"page_num":422,"sequence_num":418,"body":"ومما يؤيد عدم تناول تحريم المشركات لأهل الكتاب قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] وغيرها من الآيات مما خالف ﷾ بين المشركين وأهل الكتاب.\rيقول ابن قدامة: «وسائر آي القرآن يفصل بينهما» (¬١). ثم إن الاستدلال بعموم الآية على تحريم أهل الكتاب باعتبار أنّهم مشركون يقولون (عزير ابن الله) و (المسيح ابن الله) وكذا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] معارض بخصوص الآية المحللة لنكاح أهل الكتاب، والخاص يجب تقديمه.\rأو يقال إن عموم النصّ يقتضي حرمة نكاح جميع المشركات إلا أنه خص منهن الحرائر من الكتابيات بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وهن الحرائر، وبقيت الإماء منهن على ظاهر العموم.\rويؤيد عدم حل إماء أهل الكتاب، مفهوم الصفة في قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ النساء: ٢٥ فإن لم تكن مؤمنة فلا يحل نكاحها.\rالثاني: دلّ مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ على حل نكاح المشركات إن آمنّ وهو ظاهر.\rقال الموزعي: \" وأجاب الحنفية بأن المراد بالمحصنات العفائف، وقد فسره بذلك غيرُ ابنِ عمر ﵄. وبأن المفهوم ليس بدليل عندهم. وبأن التقييد للاستحباب؛ لأنها خيرٌ من الحُرَّة الكتابية، وقد أبيح نكاحها، وإن كانت دونها. وبأن الخطاب واردٌ على التغلييب، لا على التقييد، والغالب على الإماء الإسلام.","footnotes":"(¬١) المغني (٧/ ١٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167765,"book_id":1216,"shamela_page_id":419,"part":null,"page_num":423,"sequence_num":419,"body":"وبقول مالك والشافعي أقول؛ لما فيه من الاحتياط، والتحريم أولى؛ لظهور التقييد على التغليب في سائر آي القرآن \" (¬١).\rقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم العضل على الأولياء. والعضل: المنع من الزوج (¬٢).\rمأخذ الحكم: سبب النزول بيَّنَ حكم التحريم الثابت بالنّهي بقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، وقد روى البخاري عن معقل بن يسار قوله: إنّها نزلت فيه، «قال: زوجت أختاً لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: فزوجها إياه» (¬٣).\r• الحكم الثاني: اشتراط الولاية في النكاح (¬٤).\rمأخذ الحكم: دلت الآية على اشتراط الولي في النكاح بدلالة الإشارة.\rوبيان ذلك: أن خطاب النهي في قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأولياء بإجماع المفسرين، وإنما يؤمر بألا يعضل المرأة -لأن النهي عن شيء أمر بضده- من له سبب إلى العضل، فدل على أنه لا يتم نكاحها إلا بالولي.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان للموزعي (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٥).\r(¬٣) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب من قال: لا نكاح إلا بولي، برقم (٥١٣٠).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167766,"book_id":1216,"shamela_page_id":420,"part":null,"page_num":424,"sequence_num":420,"body":"يقول الشافعي: «وهذا أبين ما في القران أن للولي مع المرأة في نفسها حقاً» (¬١).\rفالآية إذاً لم تسق لاشتراط الولي، بل لتحريم عضل الأولياء لمولياتهم، ودل بطريق الإشارة إلى أن للولي حقاً في نفس المرأة.\rقلت: وربما كانت من دلالة الالتزام؛ إذ يلزم من النهي عن العضل أن له حقاً فيه، وإلا لم يكن للنهي فائدة.\rقال السعدي: «لأنّه نهى الأولياء عن العضل، ولا ينهاهم إلّا عن أمر هو تحت تدبيرهم ولهم حق فيه» (¬٢).\r• الحكم الثالث: المرأة إذا اختارت الولي غيره ما اختارته هي (¬٣).\rمأخذ الحكم: لأنه سبحانه أضاف النكاح في قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ لهن، وهو فعل مضاف إليهن، وإذا نُهي عن المنع وجب ألا يكون له حق فيما نهى عنه من منع المرأة (¬٤). وشرط أن يكون كفئًا؛ لأجل إعفافها.\rقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].\rاستدل بالآية على جواز استقلال المرأة بعقد النكاح على نفسها، دون حاجة إلى ولي إلا أن تفعل بغير المعروف من تزوج غير الأكفاء (¬٥).","footnotes":"(¬١) الأم (٥/ ١٣).\r(¬٢) تفسير السعدي (١/ ١٠٣).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٦).\r(¬٤) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٦).\r(¬٥) ينظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٩٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167767,"book_id":1216,"shamela_page_id":421,"part":null,"page_num":425,"sequence_num":421,"body":"مأخذ الحكم: الأخذ بظاهر الآية ومنطوقها، ويبينه ما يأتي:\rقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ رفع الإثم والمؤاخذة عن هذا الفعل، وهو هنا الاستقلال بعقد النكاح.\rوقوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ ف (ما) اسم موصول يعم كل فعل، ومنه الاستقلال بعقد النكاح.\rوقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ قيد أول، يدل بمفهوم صفته أن المرأة لا تلي عقد غيرها من النساء.\rوقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ دل بمفهوم صفته - أيضا - ما سبق ذكره من أن المرأة إن تصرفت في عقدها بغير المعروف فهي آثمة، ومؤاخذة عليه، فعليها الجناح في ذلك.\rوهذا مفهوم لا حجة فيه لمخالفته النص الصريح القاطع في قوله ﵊: (لا نكاح إلا بولي) (¬١). وكذا ما سبق في قوله: قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢].\rقال الموزعي: «ومفهوم هذا الخطاب يقتضي أن على المرأة الجناح إذا فعلت في نفسها قبل بلوغ الأجل، ولا شك في ذلك، وقد ذكره الله سبحانه بعد هذا بلفظ أوضح من هذا فقال: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]» (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في الولي، برقم (٢٠٨٥)، والترمذي في كتاب النكاح باب ما جاء لا نكاح إلا بولي،، برقم (١١٠١)، وابن ماجه في كتاب النكاح باب لا نكاح إلا بولي برقم (١٨٨١)، والحديث صححه الألباني في الإرواء برقم (١٨٣٩).\r(¬٢) تيسير البيان للموزعي (٢/ ٩٣ - ٩٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167768,"book_id":1216,"shamela_page_id":422,"part":null,"page_num":426,"sequence_num":422,"body":"قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الخطبة وإباحة التعريض بها في العدة قولاً أو فعلاً (¬١).\rوالتعريض: أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على المقصود وغيره، إلّا أن إرشاده بالمقصود أتم.\rأو هو: ما يحتمل الرغبة وغيرها، مثل: ورب راغب منك، إني أريد التزوج، وددت أنّه يتيسر لي امرأة صالحة (¬٢).\rقلت: أما الأفعال فكأن يرسل لها هدية، أو يرسل لها من يتفقد أحوالها من نسائه … الخ.\rمأخذ الحكم: رفع الجناح على من فعل ذلك، في قوله ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا إثم ولا حرج، وهو أسلوب خبري عن الحكم الشرعي.\rوكونه شاملاً للقول والفعل مأخوذمن العموم في قوله ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾، و (ما) اسم موصول يفيد العموم في جميع أنواع التعريض، من أقوال أو أفعال.\rتنبيه: قوله ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ﴿مِنْ﴾ تبعيضية، و ﴿النِّسَاءِ﴾ اسم جمع عرف بالألف واللام فهو عام، ويراد به هنا خصوص المعتدات.\rويرى الشافعي أن المراد به المعتدة من وفاة زوجها.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٠)، وتيسير البيان (٢/ ٩٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٥٤).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٩٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167769,"book_id":1216,"shamela_page_id":423,"part":null,"page_num":427,"sequence_num":423,"body":"يقول الموزعي: «ولعله استأنس بتعقيب ذكر الخطبة بعد ذكر عدتهن» (¬١) أي: المتوفى عنهن أزواجهن.\rوقال: «وذلك عام فيهن ما خلا الرجعية؛ فإنه لا يجوز التعريض بخطبتها؛ لأنها في معنى الرجعية» (¬٢)\r• الحكم الثاني: لا يجوز التصريح بخطبة المعتدة بأي قول، حال العدة (¬٣).\rمأخذ الحكم:\rأولاً: دلت الآية على ذلك بمفهوم المخالفة، وعليه فإن الجناح والإثم مرفوع عمن عرَّض في ذلك، ومفهومه أن الإثم لا يرفع عمن صرح بخطبة المعتدة، ويؤكد هذا المفهوم تفسير بعض أهل العلم قوله تعالى ﴿سِرًّا﴾ بالتصريح بالخطبة.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ٩٧).\r(¬٢) تيسير البيان (٢/ ٩٦).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٠)، وتيسير البيان (٢/ ٩٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167770,"book_id":1216,"shamela_page_id":424,"part":null,"page_num":428,"sequence_num":424,"body":"وعليه فمفهوم قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: جواز المواعدة جهرًا.\rوهذا المفهوم غير مراد لأمرين:\rالأول: لمعارضته المفهوم السابق من حل التعريض ورفع الجناح عنه، فمفهومه كما سبق أن التصريح غير جائز.\rالثاني: أن المواعدة على النكاح سرًا إنما خرجت مخرج الغالب.\rثانياً: قوله ﴿سِرًّا﴾ نكرة أتت في سياق النهي فتعم جميع أقوال التصريح بالخطبة.\rتنبيه: قوله ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ الاستثناء متصل وذلك بناء على أن السر في الآية معناه المواعدة على النكاح، فيكون من جنس الكلام والقول المعروف وهو التعريض الذي أحله الله تعالى.\rثالثاً: دلَّ مفهوم قوله ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ أنه إذا بلغ الكتاب أجله - وهو انتهاء العدة وهي قوله ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ - فإنَّ المعتدة تحل للخُطَّاب، تصريحاً وتعريضاً.\rفائدة: ذكر العلماء من علل تحريم التصريح بالخطبة: أنّ الخاطب إذا صرح بالخطبة تحققت رغبته فيها، فربما تكذب في انقضاء العدة، فيكون التحريم سدًا للذريعة، أو يكون التحريم مستفادًا من مفهوم إباحة التعريض، فلا يباح غير ذلك (¬١).\r• الحكم الرابع: تحريم العقد في العدة، سواء كانت حرّة أو أمة (¬٢).\rمأخذ الحكم: النهي في قوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا﴾، وهو يقتضي التحريم. وضمير الجمع للعموم، فيعم كل طالب للنكاح في حال عدة المرأة، والآية في سياق عدة المتوفى عنها زوجها.\rوقول: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ اسم جنس مضاف، فيعم أي عقد، سواءً كان على حرة أو أمة.\rودلت الآية بمفهوم الموافقة الأولوي على حرمة عقد النكاح حال العدة، لأنه سبحانه لما نهي عن العزم دلنا على تحريم النكاح.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٠)، وتيسير البيان (٢/ ١٠٠).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167771,"book_id":1216,"shamela_page_id":425,"part":null,"page_num":429,"sequence_num":425,"body":"قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ دلّت الآية بمفهوم الغاية على أنه إذا بلغ الكتاب أجله، وهو قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ البقرة: ٢٣٤ فإنها تحل للخُطاب، ويجوز نكاحها.\r• الحكم الخامس: جواز نكاح الحامل من الزنا إذ لا عدة لها (¬١).\rمأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ وهذه ليست زوجة، ليس لها عدة، فالزوجة من عُقد عليها بنكاح صحيح سواء دخل بها أو لا.\rقلت: والله أعلم هذا المفهوم خرج مخرج الغالب لا حجة فيه.\rقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].\rيستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: عدم وجوب النكاح مع الترغيب فيه.\rمأخذ الحكم: قال ابن الفرس: «ووجه الدليل من الآية أن ملك اليمين ليس بواجب بالإجماع، وقد خيَّر الله تعالى بين النكاح وبين ملك اليمين، ولا يصح التخيير بين الواجب وما ليس بواجب؛ لأن ذلك مخرج للواجب عن الواجب» (¬٢).\r• الحكم الثاني: مشروعية نكاح اليتامى، وأن للولي إذا أقسط في اليتيمة أن ينكحها من نفسه (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣١).\r(¬٢) أحكام القرآن (٢/ ٥٢ - ٥٣).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٣)، وتيسير البيان (٢/ ٢١٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167772,"book_id":1216,"shamela_page_id":426,"part":null,"page_num":430,"sequence_num":426,"body":"مأخذ الحكم:\rأولاً: دلَّ مفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ على جواز تجويز اليتيمة عند حصول القسط، بمعنى إن لم يخف ألا يقسط، بأن يوفيها حقها، فله التزوج باليتيمة.\rوالخطاب في قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ للأولياء بحسب سبب نزول الآية، وهو عام بحسب ضمير الجمع في قوله ﴿تُقْسِطُوا﴾ فيعم الأولياء وغيرهم؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص سببه.\rو ﴿الْيَتَامَى﴾ جمع معرف بال غير عهدية فيعم كل يتيمة.\rثانياً: دلَّ مفهوم الموافقة على الحكم السابق؛ إذ لو كان لغير الولي أن ينكح اليتيمة إذا أقسط إليها، فكذلك الوالي إذ ليس لنهيه عما هو إلى غيره معنى.\rتنبيه: في الآية مفهوم شرط آخر، وهو أنه إن لم يخف ألا يقسط في اليتامى - بأن يعدل بينهن - فليس له أن ينكح غيرهن مما طاب له من النساء. وهذا المفهوم غير معتبر بالإجماع.\rيقول ابن العربي: «فإن كل من علم أنه يقسط لليتيمة جاز له أن يتزوج سواها، كما يجوز ذلك له إذا خاف ألا يقسط» (¬١).\rويقول القرطبي مبينًا سبب عدم اعتبار هذا المفهوم: «فدل على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعم» (¬٢)، وما كان جوابًا لسبب لا مفهوم له.\rوبيَّن الموزعي سبب عدم اعتبار المفهوم بقوله: «لو كان كذلك لما جاز لنا أن","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (١/ ٤٠٥).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167773,"book_id":1216,"shamela_page_id":427,"part":null,"page_num":431,"sequence_num":427,"body":"ننكح ما طاب لنا من النساء مثنى وثلاث ورباع عند عدم خوف الجور، ولا يجوز القول بذلك، بل ذلك إرشاد من الله ﷾ للمتصفين بذلك إلى ما فيه صلاحهم من فراق اليتيمة والتزوج بسواها» (¬١).\r• الحكم الثالث: مشروعية نكاح ما طاب من النساء إلى أربع، وعند الخوف من الجور والظلم فالمشروع واحدة (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله تعالى ﴿فَانْكِحُوا﴾، وحُمِل على الوجوب، وحمله البعض على الاستحباب. والنكاح تختلف أحكامه بحسب حال الناكح، وتفصيلات ذلك في الفقه.\rقال الموزعي: «فحمل أهل الظاهر الأمر في هذا على الوجوب، وحمله جمهور أهل العلم على الاستحباب مطلقاً، وذهب بعض متأخري المالكية إلى تقسيمه إلى واجب ومستحب ومباح، بحسب ما يخشى من العنت .. » (¬٣)\r• الحكم الرابع: مشروعية نكاح العبد إلى أربع نسوة (¬٤).\rمأخذ الحكم: ضمير الجمع في قوله ﴿فَانْكِحُوا﴾ يدل على العموم، ويدخل فيه العبيد.\rقال الموزعي: «فالخطاب عام في الأحرار والعبيد، وقد قدمت اندراج العبيد في خطاب الأحرار في قول أكثر أهل العلم» (¬٥)","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ٢٢٠).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٢)، وتيسير البيان (٢/ ٢٢١).\r(¬٣) تيسير البيان (٢/ ٢٢١).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٤)، وتيسير البيان (٢/ ٢٢٥).\r(¬٥) تيسير البيان (٢/ ٢٢٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167774,"book_id":1216,"shamela_page_id":428,"part":null,"page_num":432,"sequence_num":428,"body":"وقال بعضهم: لا يجوز له أن ينكح أكثر من اثنتين، وعارضوا العموم بالقياس، فقالوا بتشطير العدد على العبد في النكاح قياسًا على تشطير الحد، فلا يجوز للعبد نكاح أكثر من اثنتين.\r• الحكم الخامس: لا يجوز نكاح المشركة والزانية وغيرهما من المحرمات.\rمأخذ الحكم: أنَّ ﴿مَا﴾ في قوله ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ اسم موصول، وهو من صيغ العموم، فتعم ما دخلت عليه، وهو كل ما حلَّ من النساء.\rومفهومه يدل على تحريم ما حرم علينا كالمشركة والزانية، أو المحرمات من النسب والرضاع والمصاهرة - كما سيأتي - وهو من مفهوم الصفة.\rيقول ابن جرير: «يعني: فانكحوا ما حل لكم منهن، دون ما حرم عليكم منهن» (¬١).\r• الحكم السادس: لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع (¬٢).\rمأخذ الحكم: دلَّ منطوق قوله ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ على جواز نكاح ثنتين وثلاث وأربع.\rودلَّ بمفهوم العدد عدم جواز الزيادة على الأربع، فيحرم ما زاد على الرابعة.\rوجاءت السنة مبينة ومؤيدة لهذا المفهوم في قوله ﷺ لغيلان لمّا أسلم وتحته عشرة نسوة: «أمسك أربعًا وفارق سائرهن» (¬٣).","footnotes":"(¬١) جامع البيان (٦/ ٣٦٩).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٣)، وتيسير البيان (٢/ ٢٢٢).\r(¬٣) أخرجه الترمذي في باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة، من كتاب النكاح، برقم (١١٢٨)، وابن ماجه، في باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، من كتاب النكاح، برقم (١٩٥٣). وصححه الألباني ﵀ انظر: الإرواء (٦/ ٢٩)، برقم (١٨٨٣) وصحيح ابن ماجة (١/ ٣٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167775,"book_id":1216,"shamela_page_id":429,"part":null,"page_num":433,"sequence_num":429,"body":"• الحكم السابع: لا يجوز للرجل التعداد إن خاف ألا يعدل (¬١).\rمأخذ الحكم: دلَّ عليه منطوق قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.\rقال الموزعي: «ثمَّ بين سبحانه أن الاقتصار على الواحدة أو على ملك اليمين أولى وأفضل؛ لخلوه من الجور، فقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾، أي: لا تميلوا ولا تجوروا .... ولا شك أن العدل واجب بالإجماع، وتفاصيله مذكورة في كتب الفقه» (¬٢)\rودلَّ مفهوم الشرط أنه إن لم يخف العدل، وذلك إذا استطاع أن يعدل بينهن جاز له التعداد، وقوله ﴿فَوَاحِدَةً﴾ جواب شرط أي فتزوج واحدة.\r• الحكم الثامن: جواز وطء ما شاء ممن يملك من الإيماء.\rمأخذ الحكم: ﴿مَا﴾ في قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، اسم موصول يفيد العموم فيعم كل ما يملك من الإيماء، فيجوز له وطء ما شاء دون تحديد العدد.\rوقوله ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾ جمع مضاف يعم كل أمة سواء كانت مشتراه أو مسترقة بالسبي.\rقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٣)، وتيسير البيان (٢/ ٢٢٥).\r(¬٢) تيسير البيان (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167776,"book_id":1216,"shamela_page_id":430,"part":null,"page_num":434,"sequence_num":430,"body":"فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٢ - ٢٥].\rوفي قراءة شاذّة: ﴿فما استمتعتم به منهن إلى أجلٍ مسمى فآتوهن أجورهن﴾.\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم منكوحة الأب وإن علا، وسواء كانت حرة أو أمة على الأبناء وابناءهم (¬١).\rمأخذ الحكم: النهي في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾، والنهي يقتضي التحريم، كما أنه يقتضي فساد العقد.\rوأكد سبحانه التحريم بما يدل على كونه للتحريم بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٣)، وتيسير البيان (٢/ ٣١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167777,"book_id":1216,"shamela_page_id":431,"part":null,"page_num":435,"sequence_num":431,"body":"وضمير الجمع في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ يفيد العموم، فيشمل جميع الأبناء، وأبناءهم وإن نزلوا.\rو (مَا) الموصولة في قوله: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ تفيد عموم صلته، فيشمل المنكوحة الحرة أو الأمة بملك اليمين، لأن النكاح حقيقة في الوطء عند بعضهم، ومجاز يمكن حمل الكلام عليه عند بعضٍ آخر.\rوقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ جمع مضاف فيعم آباء الآباء ومن فوقهم من الأجداد من النسب والرضاعة.\r• الحكم الثاني: تحريم منكوحة الآباء بنكاح الشبهة الذي وقع من أبيه.\rمأخذ الحكم: مفهوم الموافقة الأولوي.\rقال الموزعي: «ونكاح الشبهة بطريق التنبيه والأولى.» (¬١).\rولعل الأولوية، لأن النكاح يطلق على الوطء كحقيقة لغوية، وبه دخلت الأمة في التحريم، أما نكاح الشبهة ففيه الوطء والعقد أيضاً فكان أولى بالتحريم لدخوله في معنى النكاح بلا خلاف.\rتتمة: قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ قيل: المراد بالنكاح هنا: الوطء، لأن النكاح حقيقة شرعية فيه، ومجاز شرعي في الوطء، وحمله بعض العلماء على الوطء دون العقد للقرينة المتصلة بالآية نفسها ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ والفاحشة: الوطء.\rوالأصل حمل الكلام على حقيقته إلا إذا ورد ما يصرفها عنه، والصارف هنا القرينة المتصلة بهذا اللفظ.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ٣١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167778,"book_id":1216,"shamela_page_id":432,"part":null,"page_num":436,"sequence_num":432,"body":"يقول التلمساني: «وذلك أن العرب كانت في الجاهلية تخلف الآباء في نسائهم، وإنما كانوا يخلفونهم في الوطء لا في العقد، لأنهم لم يكونوا يجدون عليهن عقداً، بل كانوا يأخذونهن بالإرث، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ النساء: ١٩ وأيضا فقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ والفاحشة: الوطء لا العقد.» (¬١).\rقلت: ويمكن هنا حمل لفظ النكاح على محتملاته من حقيقة ومجاز، وهذا مذهب المعممين، وعليه فتحرم على الابن زوجة الأب غير المدخول بها، وكذا التي وطؤها من غير عقد صحيح، أو من غير عقد أصلاً.\r• الحكم الثالث: تحريم نكاح النساء المذكورات، على جهة الإجمال، وسيأتي تفصيل المحرمات، في الأحكام الآتية (¬٢).\rمأخذ الحكم: ورود التحريم بلفظه الصريح ﴿حُرِّمَتْ﴾، وهو خبر عن الحكم، وهو نص صريح لا إجمال فيه.\rقال ابن الفرس: « .... ومن لاحن العرب ومارس اللغة واطَّلع على عرف أهلها علم أنه لا يستراب في أن من قال: حرمت عليك الدار إنما يريد الدخول فيها خاصة، أو الطعام إنما يريد الأكل خاصة، أو النساء إنما يريد الجماع، وهذا صريح عندهم مقطوع به، فكيف يكون مجملا» (¬٣).\rوسب الخلاف يرجع إلى إضافة التحريم لأعيان النساء، والتحريم المضاف إلى الأعيان يكون المراد منه تحريم ما يتعلق بالأعيان من أفعال، لأن الأعيان ليست","footnotes":"(¬١) مفتاح الوصول (٥١٧ - ٥١٨)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١١٧).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣١٤).\r(¬٣) أحكام القرآن (٢/ ١٢٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167779,"book_id":1216,"shamela_page_id":433,"part":null,"page_num":437,"sequence_num":433,"body":"مورداً للتحليل والتحريم، وإنما يتعلق الحل والحرمة بأفعال المكلفين.\rفقال قوم: إن الفعل في هذه الآية لا يُدرى ما هو؟ هل النظر أو المضاجعة، أو الوطء، فلا يُدرى أي ذلك حرِّم، ولولا تبيينها بغيرها لما عُلم المرد منه، فهي إذاً مجملة.\rوذهب جمهور أهل العلم إلى أن المحرم هو نكاحهن، ولهم على ذلك العرف كما سبق (¬١).\rونقل ابن الفرس عن قوم قولهم: «إن الآية من قبيل المحذوف، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ يوسف: ٨٢\rثم قال: «وهذا إن أراد أنه مجاز فيلزم أن تسمى الأسماء العرفية مجازاً .... فأما على قول من يرى اللفظ الشامل للحقيقة والمجاز عاماً فتعلقه بالآية في التحريم ظاهر، لكنه قول ضعيف، ومن لم ير ذلك فوجه تعلقه بالتحريم الإجماع» (¬٢) .. وسيأتي بيان هذا عند تفصيل المحرمات.\r• الحكم الرابع: تحريم نكاح الأم، وأم الأب، وأم الأم، وجدتي الأب، وجدتي الأم وإن علون، وارثات كنّ أو غير وارثات (¬٣).\rمأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى عموم قوله: (أُمَّهَاتُكُمْ)، وهو جمع مضاف يعم كل أم شرعاً، وهي: كل أنثى لها عليك ولادة، أو انتهى نسبك إليها بالولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة وهي التي كانت فيها الولادة المباشرة، أو مجازاً وهي التي منها الولادة بواسطة وإن علت، فيدخل فيه أم الأب، وأم الأم، وجدتي","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٧١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٣).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٤ - ١٢٥).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣١٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167780,"book_id":1216,"shamela_page_id":434,"part":null,"page_num":438,"sequence_num":434,"body":"الأب، وجدتي الأم وإن علون، وارثات كنّ أو غير وارثات، كلهن محرمات.\rوهذا على قول من يرى أن اللفظ العام يشمل الحقيقة والمجاز، أو أن اللفظ العام يجوز أن يقصد به كلًّا من الحقيقة والمجاز في مكانين مختلفين.\rأما القائلون بأن اللفظ الواحد لا يقصد به الحقيقة والمجاز فإن تحريم الجدات -الأمهات مجازاً- إنما كان عندهم بدليل الإجماع.\rوقد يتبادر إلى الذهن أن الجمع المضاف يعم، فما وجه العموم في الآية إذا حملت على الأم حقيقة؟\rقلت: لعل هذا داخل تحت قاعدة مقابلة الجمع بالجمع، فبيَّن الشارع حكم نكاح كل رجل لأمه، والله أعلم.\r• الحكم الخامس: تحريم نكاح البنات، وهنَّ كل أنثى انتسبت إليك بالولادة (¬١).\rمأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى عموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾، وهو جمع مضاف، فيعم كل أنثى انتسبت إليك بالولادة، كابنة الصلب، وبنات البنين والبنات وإن نزلت درجتهن، وارثات أو غير وارثات، على القول-كما سبق- بأن اللفظ الواحد يجوز أن يقصد به كلا الحقيقة والمجاز، أو على القول بأن المحرمات من البنات مجازا إنما كان بالإجماع.\rوعلى كلا القولين فإن البنات داخلات في التحريم بلا خلاف، وإنما الخلاف واقع في تحريم البنت إن كانت من الزنا.\rفذهب فريق من العلماء إلى أنها داخلة في عموم الآية، لأنها أنثى مخلوقة من","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣١٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167781,"book_id":1216,"shamela_page_id":435,"part":null,"page_num":439,"sequence_num":435,"body":"مائه، وهذه حقيقة كونها ابنته، ولا تختلف هذه الحقيقة بالحل والحرمة، وقاسوها على المخلوقة من وطء الشبهة.\rوذهب فريق آخر إلى عدم حرمة نكاح الرجل ابنته من الزنا، لعدم دخولها في الآية، بحجة أنها لا تسمى بنتاً شرعاً (¬١)، بدليل أن نسبها لا يثبت في الوارثين، ولا تستحق النفقة، فليست داخلة في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ النساء: ١١، ولا في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: ٢٣٣، وإذا لم تكن داخلة في عموم الآية المحرمة، فهي داخلة في قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ النساء: ٢٤\rوذكر ابن الفرس وجهاً من الآية للقائلين بعدم حرمتها فقال: «واحتج من لم يحرم بأن الله تعالى إنما حرم على الإنسان البنت المضاف إليه، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ فأضاف التحريم إلى هذا الاسم المشتق، فكأنه قال: حرمت البنت لبنوتها، وهي الصبية الحاصلة من الزنا غير مضافة إلى الزاني، فلم تدخل في آية التحريم.» (¬٢).\rقلت: لعل هذا على القول بأن مفهوم اللقب إن كان مشتقاً فإنه حجة (¬٣).\rواستدل كل واحد من الفريقين بالسنة باعتبارها مبينة للقرآن، وبأدلة أخرى ليس هذا مجال الاستطراد بها (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٤) نقلاً عن ابن الفرس.\r(¬٢) أحكام القرآن (٢/ ١٢٥).\r(¬٣) ينظر: التحبير للمرداوي (٦/ ٢٩٤٥ - ٢٩٤٦).\r(¬٤) ينظر: الأنكحة الفاسدة للدكتور عبد الرحمن الأهدل (٧٤)، والأنكحة الفاسدة للدكتور أمير عبد العزيز (١/ ١٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167782,"book_id":1216,"shamela_page_id":436,"part":null,"page_num":440,"sequence_num":436,"body":"• الحكم السادس: تحريم الأخوات من الجهات الثلاث، من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم (¬١).\rمأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى عموم قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾، وهو جمع معرف بالإضافة، فيعم الأخوات من الجهات الثلاث، من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، فإن اسم الأخت حقيقة يتناول الأصناف الثلاثة، لأن الأختية تعني المجاورة، إما في الرحم وإما في الصلب.\r• الحكم السابع: تحريم نكاح العمات، وهن أخوات الأب من الجهات الثلاث حقيقة، وأخوات الأجداد من قبل الأب، ومن قبل الأم، قريباً كان الجد أو بعيداً مجازاً (¬٢).\rمأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾، وهو جمع معرف بالإضافة فيعم العمات وهن كل من ولده جدك أو جدتك من قبل الأب وإن علو، كما سبق.\r• الحكم الثامن: تحريم نكاح الخالات وهن كل من ولده جدك أو جدتك من قبل الأم وإن علو- فيدخل فيها أخوات الأم من الجهات الثلاث حقيقة، وأخوات الجدات وإن علون مجازاً (¬٣).\rمأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾، وهو جمع معرف بالإضافة، فيعم الخالات - على ما سبق - فكلهن محرمات.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣١٥).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣١٥).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣١٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167783,"book_id":1216,"shamela_page_id":437,"part":null,"page_num":441,"sequence_num":437,"body":"• الحكم التاسع: تحريم نكاح بنت الأخ (¬١).\rمأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾، وهو جمع معرف بالإضافة، فيعم كل من لأخيك عليه ولادة، فيعم جهات الأخ الثلاثة.\r• الحكم العاشر: تحريم نكاح بنت الأخت (¬٢).\rمأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ جمع معرف فيعم كل من لأختك عليه ولادة، فيعم جهات الأخت الثلاثة.\r• الحكم الحادي عشر: تحريم الأم بالرضاعة (¬٣).\rمأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. فقوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ) جمع مضاف-كما سبق- فيعم اللواتي أرضعننا وأمهاتهن وإن علون.\r• الحكم الثاني عشر: تحريم نكاح الأخوات من الرضاعة (¬٤).\rمأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ جمع مضاف فيعم الأخوات، ويدخل في الأخوات وهي كل امرأة أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد، كرجل له امرأتان لهما منه لبن، أرضعتك إحداهما، وأرضعتها الأخرى.\rوأطلق سبحانه الإرضاع في الآية ولم يقيده بصفة، فظاهر الآية أن مطلق","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣١٥).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣١٥).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣١٥).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣١٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167784,"book_id":1216,"shamela_page_id":438,"part":null,"page_num":442,"sequence_num":438,"body":"الإرضاع يحرم، وعليه يحصل التحريم برضاع الكبير، كما سيأتي في باب الرضاع.\r• الحكم الثالث عشر: أمهات الزوجات (¬١).\rمأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وهو جمع مضاف فيعم، فتحرم على الزوج أم زوجته، وجدتها، سواء كانت من جهة الأب أو من جهة الأم من نسب أو رضاع، لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ عطفا على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وتحريم الجدات كما سبق، إما أن يكون بعموم اللفظ لحقيقته ومجازه، أو أن تحريمهن كان بالإجماع.\rوقد يكون التحريم بمفهوم الموافقة المساوي، إذا قلنا: إن الأم في الآية بمعنى الأصل.\rتنبيه: أطلق ﷾ تحريم أمهات الزوجات ولم يقيده بالدخول كما فعل مع البنت الربيبة -كما سيأتي -، وقد وقع خلاف العلماء هل يحرمن بالعقد على البنات أو بالدخول عليهن؟، ومن قال بالدخول فكان مأخذه القياس على البنت، فكما أن البنت لا تحرم إلا بالدخول على أمها فكذلك الأم لا تحرم إلا بالدخول على بنتها. وأخذ جمهور أهل العلم بمقتضى الإطلاق، ولم يشترطوا الدخول بهن.\rونقل الموزعي عن بعض المتأخرين أن منشأ اختلاف الفريقين هو الأصل المشهور في الصفة إذا تعقبت جُملاً عطف بعضها على بعض هل يعود إلى الجميع أو يختص بالأخيرة؟.\rوأعتقد أن قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ -وهي الصفة هنا- عائد إلى الجميع على قول. وغير عائد على قول.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٥)، وتيسير البيان (٢/ ٣٢٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167785,"book_id":1216,"shamela_page_id":439,"part":null,"page_num":443,"sequence_num":439,"body":"ثم قال، أي الموزعي: «وليس كذلك، بل تقييد الصفة خاص بالربائب.» (¬١)\rومما يؤيد ما رجحه الموزعي ما قرره أهل اللغة وهي من القواعد التفسيرية أن الضمير يعود-وذلك في قوله: ﴿بِهِنَّ﴾ - إلى أقرب مذكور وهن الربائب.\r• الحكم الرابع عشر: تحريم نكاح الربيبة (¬٢).\rمأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾، وهو جمع مضاف فيعم، كل ربيبة سواء كانت في حجر الزوج، أو ليست في حجره، وسواء دخل بأمها أولا. كما أن اللفظ يشمل بنات الربيبة، وبنات الربيب، وانعقد الإجماع على تحريمهن.\rفقوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ قيد يدل مفهوم صفته على أنّهن إذا لم يكن في الحجور لا يحرمن.\rوذهب جمهور أهل العلم على أنه لا مفهوم له في هذه الآية، لخروجه مخرج الغالب، فإن الغالب الموجود من أحوال الناس أن الربائب لا يكن إلا في حجور أزواج أمهاتهن (¬٣).\rقوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ قيد يدل بمفهوم صفته أنه إن لم يكن دخل بأمها فله أن ينكحها فلا جناح ولا إثم عليه، وهذا مفهوم معمول به، وجاءت تكملة الآية منطوقة به فقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (¬٤).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، وينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٢).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٦)، وتيسير البيان (٢/ ٣٢٨).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٦)، وتيسير البيان (٢/ ٣٢٨).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167786,"book_id":1216,"shamela_page_id":440,"part":null,"page_num":444,"sequence_num":440,"body":"• الحكم الخامس عشر: تحريم زوجات الأبناء (¬١).\rمأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى عموم قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، وهو جمع مضاف فيعم زوجة الابن، وابن الابن، وابن البنت من النسب وإن نزلوا، سواء دخل الفرع بزوجته أو لم يدخل.\rوقوله: ﴿وَحَلَائِلُ﴾ مفهومه بالصفة يقتضي عدم تحريم ما وطئه الابن بملك اليمين، لأن لفظ الحليلة مخصوص بالمنكوحة، لكن الإجماع دل على عدم اعتبار هذا المفهوم، وألحق ما وطئها الابن بملك اليمين بالمنكوحة (¬٢).\rوقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ قيد دل بمفهوم صفته على أن زوجة الابن من التبني لا تحرم (¬٣).\rويؤيد هذا المفهوم الإجماع (¬٤)، والنص كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧].\rكما أن الآية قيدت بمفهوم الصفة - أيضاً - حليَّة زوجة الابن من الرضاع.\rيقول ابن القيم: «ومعلوم أن لفظ الابن إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرضاع، فكيف إذاً قُيِّد بكونه ابن الصلب؟ وقَصْد إخراجِ التبني بهذا لا يمنع إخراج ابن الرضاع» (¬٥).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٧).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٧).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٧)، وتيسير البيان (٢/ ٣٢٩).\r(¬٤) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٣٢٩).\r(¬٥) زاد المعاد (٥/ ٥٥٧ - ٥٦٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167787,"book_id":1216,"shamela_page_id":441,"part":null,"page_num":445,"sequence_num":441,"body":"قلت: واعتبار هذا المفهوم خلاف بين أهل العلم، وقد نقل كثير من أهل العلم الاتفاق والإجماع على تحريم حليلة ابن الرضاع، واستدلوا لذلك بقوله ﷺ: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (¬١).\rوبهذا الحديث يدفع المفهوم الدال على حليلة ابن الرضاع، ومعلوم أن المفهوم إنما يكون حجة إذا لم يعارضه منطوق.\rيقول الخطابي: «وفي هذا الحديث بيان حرمة الرضاع في المناكح كحرمة الأنساب، وأن المرتضعيْن من الرجال والنساء باللبن الواحد كالمنتسبين منهم إلى النسب الواحد» (¬٢).\r• الحكم السادس عشر: تحريم الجمع بين الأختين (¬٣).\rمأخذ الحكم: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ عطفاً على قوله في أول الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾\rقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ تنحل الجملة إلى مصدر، وهو (الجمع) فيحرم الجمع بين الأختين، و (الجمع) اسم جمع معرف بأل غير عهدية فيعم، ويشمل نكاحهن معاً أو مترتبات.\rوضمير الجمع في قوله: ﴿تَجْمَعُوا﴾ يشمل كل ناكح سواء كان حراً أو عبداً.\rوقوله: ﴿الْأُخْتَيْنِ﴾ مثنى عرف بأل وهو يفيد العموم، فتشمل الحرائر بالاتفاق سواء كن شقيقتين أو لأب أو الأم، واختلفوا في الأختين بملك اليمين هل","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب الشهاد على الأنساب، برقم (٢٦٤٥)، ومسلم في كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، برقم (١٤٤٧).\r(¬٢) معالم السنن (٢/ ٢٤٥).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٨)، وتيسير البيان (٢/ ٣٢٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167788,"book_id":1216,"shamela_page_id":442,"part":null,"page_num":446,"sequence_num":442,"body":"يجوز الجمع بينهما في الوطء.\rتتمة: تفيد الآية بمفهومها المخالف عدم دخول غير الأختين، أما بمفهومها الموافق فدلت على حرمة الجمع بين سائر المحارم.\rويرى بعضهم أن تحريم الجمع بين سائر المحارم إنما كان بالقياس (¬١).\rوقد وردت السنة بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وورد في مراسيل أبي داود: (نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة) (¬٢).\rوتكاد تكون العلة أو الحكمة المذكورة في الحديث محل اتفاق، وقد وردت في أحاديث آخر منها حديث ابن عباس ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يتزوج الرجل المرأة على العمة أو على الخالة، وقال: إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) (¬٣)، وهذه العِلَّة توجد عند الجمع بين ذوات الرحم.\rوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الاستثناء في الآية راجع إلى الجملة الأخيرة، ومعلوم أن الاستثناء المتعقب جملاً يعود إلى الجميع عند الجمهور إلا إذا دلّ دليل على قصره على الجملة الأخيرة.\rومما يستدل على رجوع الاستثناء للجملة الأخيرة قول ابن عباس ﵄: «كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين» (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٣٣٠).\r(¬٢) أخرجه أبوداود في المراسيل ص (١٨٢)، باب في النكاح، برقم (٢٠٨).\r(¬٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٣٣٧)، برقم (١١٩٣١)، وذكر الضياء المقدسي في كتابه الأحاديث المختارة (١٢/ ١١٨) أن له شاهداً في الصحيحين من رواية الشعبي عن أبي هريرة.\r(¬٤) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٣١٨)، وينظر: تيسير البيان (٢/ ٣٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167789,"book_id":1216,"shamela_page_id":443,"part":null,"page_num":447,"sequence_num":443,"body":"• الحكم السابع عشر: تحريم نكاح ذوات الأزواج (¬١).\rقال السيوطي: «فيها تحريم المحصنات، وهنَّ ذوات الأزواج» (¬٢).\rمأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].\rحيث ذكر المولى ﷾ المحرمات من النساء بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية. ثم عطف عليهم ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.\r(وَالْمُحْصَنَاتُ) جمع عرف بالألف واللام غير العهدية فيعم جميع المحصنات، وهن الزوجات، ويدخل في ذلك الحرائر والإماء.\r• الحكم الثامن عشر: جواز نكاح ملك اليمين (¬٣).\rمأخذ الحكم: أن الاستثناء من الحرام حلال.\rوبيانه: أن (إِلَّا) في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ استثناء متصل فأخرج الإماء من الحكم السابق فيحل نكاحهن.\rوقوله: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾ جمع مضاف، فيشمل كل من دخلت تحت ملك اليمين، سواء كانت مسبية، أو مشتراة، أو غير ذالك، وثنية كانت أو كتابية، وسواء كن أخوات أو غير أخوات\rوالآية نزلت في المسبيات فقد روى أبو سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٥٣٩).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٩)، وتيسير البيان (٢/ ٣٣٠).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167790,"book_id":1216,"shamela_page_id":444,"part":null,"page_num":448,"sequence_num":444,"body":"يوم حنين بعث جيشاً إلى أوطاس فلقي عدواً، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، فأصابوا لهم سبايا، فكأن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ تحرَّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهنَّ من المشركين، فأنزل عليه في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (¬١)، أي فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن (¬٢)، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\r• الحكم التاسع عشر: جواز نكاح المتعة (¬٣).\rمأخذ الحكم: نص قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤]، وهذا مبني على القول بأن الآية نزلت في نكاح المتعة، حيث أباح سبحانه المتعة مقابل إتيانهن أجرة الاستمتاع، ويؤيد هذا الحكم -جواز المتعة - القراءة الشاذة (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن) (¬٤).\rالقول الثاني: إن الآية محكمة، ولا علاقة لها بالمتعة، وتأويلها بمعنى: ما استمتعتم به منهن، فآتوهن أجورهن، أي مهورهن فريضة، وهو قول جمهور المفسرين.\rأما القراءة الشاذة فهي لا تثبت قرآناً، ولا تبلغ بيان السنة، لكن إن حملناها على أنها تفسير صحابي محتمل لبيان المتعة، وتفسير الصحابي حجة إلا أن سباق","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في كتاب الرضاع، باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي، برقم (١٤٥٦).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٤٢)، وتيسير البيان (٢/ ٣٤٢).\r(¬٤) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٨٩)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٢٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٤٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167791,"book_id":1216,"shamela_page_id":445,"part":null,"page_num":449,"sequence_num":445,"body":"الآية وسياقها يمنع هذا الاحتمال، وذلك لأن سياق الآية بيان المحرمات، وكان آخر المحرمات المتزوجات من النساء إلا ما ملكت اليمين، ثم قال سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] أي تلذذتم به منهن في النكاح الصحيح ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن.\rثم قال بعدها ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] إلى آخر الآيات التي تبين أن المعنى بهذه الآيات إنما هو النكاح الدائم لا المتعة.\rفائدة: على القول بأن الآية في حكم المتعة، فإن الحكم منسوخ بالاتفاق، واختلف العلماء في الناسخ لهذه الآية:\rفقال قوم: إن الناسخ لها ما جعله الله ﷾ بين الزوجين من الطلاق كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآيتان [البقرة: ٢٢٨ - ٢٢٩].\rكما نسخت بما فرضه الله من الميراث بين الزوجين، والعدة والصداق للمرأة، وذلك باعتبار وقوع التعارض الذي هو شرط النسخ بين ما يكون في النكاح الصحيح من وقوع الطلاق، وفرض الميراث، ووجوب العدة، وبين خصائص المتعة، التي يتزوج فيها الرجل المرأة على كذا وكذا، إلى أجل كذا وكذا، على أن لا ميراث بينهم، ولا طلاق ولا عدة وهذه لوازم الزوجية، فإذا انتفت تلك اللوازم علمنا بأنها ليست بزوجة، لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم، وإذا لم تكن زوجة كان وطؤها سفاحاً، واعتداءً، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167792,"book_id":1216,"shamela_page_id":446,"part":null,"page_num":450,"sequence_num":446,"body":"وقال قوم: إن الناسخ لها السنة، لقوله ﷺ: (ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطى شيئا فلا يأخذه) (¬١) وفي رواية ما يفيد أن إباحتها بالسنة، لقوله ﷺ: (أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا) (¬٢).\rقال الموزعي: «وبتحريم المتعة قال جمهور الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وأجمع عليه فقهاء الأمصار بعد الخلاف، ولم يخالف فيها إلا الرافضة» (¬٣).\r• الحكم العشرون: إباحة نكاح الحر للإيماء بثلاثة شروط (¬٤).\rعند عدم استطاعة الطول. ومأخذه: مفهوم الشرط في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.\r(١) نكاحها بإذن سيدها. ومأخذه: الأمر بقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾\r(٢) عند خشية العنت، وفسر بالزنا. ومأخذه: منطوق قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾\rتنبيه: شدَّد الشارع في نكاح الإيماء، فمنع من وجد طولاً، بقوله: ﴿لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾، و ﴿طَوْلًا﴾ نكرة في سياق النفي، تفيد العموم، فتدخل فيها معاني الطول، ويحمل اللفظ الشامل هنا عليها. و (من) في قوله ﴿مِنْكُمْ﴾، تبعيضية،","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في كتاب النكاح، في باب نكاح المتعة، وبيان أنه أبيح ثم نسخ، ثم أبيح ثم نسخ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، برقم (١٤٠٦).\r(¬٢) أخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، برقم (١٤٠٦).\r(¬٣) تيسير البيان (٢/ ٣٤٨).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣٥١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167793,"book_id":1216,"shamela_page_id":447,"part":null,"page_num":451,"sequence_num":447,"body":"وقيدت بضمير خطاب الجمع هنا، والمراد به المسلمون. ثمَّ قال سبحانه: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾، وهو جمع مضاف بأل غير عهدية يعم كل محصنة عفيفة من الحرائر، سواء كانت بكرًا أو ثيبًا، شريفة في نسبها أو ضعيفة. كل ذلك إن لم يستطع نكاح الحرة، كما في المسألة الآتية.\r• الحكم الحادي والعشرون: من استطاع أن ينكح الحرة فليس له أن ينكح الأمة (¬١).\rمأخذ الحكم: مفهوم الشرط، وهو أن من استطاع أن ينكح الحرة فليس له أن ينكح الأمة.\r• الحكم الثاني والعشرون: لو استطاع أن ينكح الحرة الكتابية، فإنه يجوز له - أيضاً - نكاح الأمة المسلمة (¬٢).\rمأخذ الحكم: مفهوم الوصف في قوله ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فإنه صف للمحصنات، ومفهومه أنه لو استطاع أن ينكح الحرة الكتابية، فإنه يجوز له - أيضاً - نكاح الأمة المسلمة. ويعضد هذا المفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢١].\rيقول الموزعي: «ومفهوم تقييد المحصنات بالمؤمنات يقتضي أيضًا أنه لو قدر على نكاح حرة كتابية أنه لا يحل له نكاح الأمة. وفي ذلك وجهان لأصحاب الشافعي، والصحيح عندهم، وهو مذهب أبي حنيفة عدم الجواز؛ لأنه لا يخاف العنت بنكاح الحرة الكتابية، فغلب بالقياس على المفهوم. والمختار عندي الجواز، تقديمًا للمفهوم المعضود من قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٤٥).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٤٥)، وتيسير البيان (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167794,"book_id":1216,"shamela_page_id":448,"part":null,"page_num":452,"sequence_num":448,"body":"مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] على القياس» (¬١).\rقلت ولعل قصده بالمفهوم من تقييد المحصنات الذي يقتضي عدم جواز نكاح الأمة المسلمة، بجامع سد حاجة الرجل على مفهوم المخالفة بصفة المحصنات بالمؤمنات، والقاضي بحل الأمة المسلمة، ولو استطاع نكاح الحرة الكتابية.\r• الحكم الثالث والعشرون: جواز نكاح ما شاء مما ملكت يمينه من المؤمنات، إن لم يستطع إلى الحرة.\rمأخذ الحكم: عموم قوله ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ﴾، ﴿مَا﴾ اسم موصول يفيد العموم، فيعم ما دخل عليه، ووصف بصلته وهو ما كان بملك اليمين.\rوعموم قوله ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾، فهو جمع مضاف، فيعم جميع ما يملك المسلم من إماء سواء كن مسلمات، أو كافرات، مسشتراة أو مسترقات.\rوخُصَّ منه المؤمنات بقوله ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ﴿فَتَيَاتِكُمُ﴾، أنه ليس له أن ينكح أمته الكافرة، بمفهوم الصفة. ومن باب أولى أمة غير المسلم.\rيقول الشنقيطي: «فمهوم مخالفته أن غير المؤمنات من الإماء لا يجوز نكاحهن على كل حال، وهذا المفهوم يفهم من مفهوم آية أخرى وهي قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] فإن المراد بالمحصنات فيها الحرائر على أحد الأقوال، ويفهم منه أن الإماء الكوافر لا يحل نكاحهن، ولو كن كتابيات» (¬٢).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، وينظر: الإكليل (٢/ ٥٤٥).\r(¬٢) أضواء البيان (١/ ٢٣٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167795,"book_id":1216,"shamela_page_id":449,"part":null,"page_num":453,"sequence_num":449,"body":"• الحكم الرابع والعشرون: يشترط ويجب إذن السيد في نكاح الأمة (¬١).\rقال الموزعي: «وقد أجمع أهل العلم على اعتبار هذا الشرط كما قدمته، فلا يحل نكاح أمة إلا بإذن سيدها، وكذلك أجمعوا على أن العبد مثل الأمة، فلا يجوز نكاحه إلا بإذن سيده» (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله تعالى ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾، وحمله الجمهور على الوجوب، فيشترط في نكاح الأمة إذن سيدها.\rوهذا الشرط محل اتفاق - كما سبق - فلا يحل نكاح أمة إلا بإذن سيدها، والأمر بالشيء نهي عن ضده، فلو نكحت الأمة بغير إذن سيدها فنكاحها فاسد وباطل.\rيقول القرطبي: «والأمة إذا تزوجت بغير إذن أهلها فسخ، ولم يجز بإجازة السيد، لأن نقصان الأنوثة في الأمة يمنع من انعقاد النكاح البتة» (¬٣).\rويؤيد هذا الحكم بدلالة الإشارة من قوله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] إذ لو لم يكن لإذن سيده فائدة لما أمر الله سبحانه السيد بإنكاحه.\rتتمة: قد يؤخذ حكم فساد النكاح من مفهوم المخالفة بتقييد نكاحهن بإذن أهلهن، وهو مفهوم صفة معتبر بالإجماع كما سبق.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٤٦)، وتيسير البيان (٢/ ٣٥٧).\r(¬٢) تيسير البيان (٢/ ٣٥٧).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٤١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167796,"book_id":1216,"shamela_page_id":450,"part":null,"page_num":454,"sequence_num":450,"body":"قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٣٠].\rأجمع المسلمون على تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية الحرة التي تشتهى فيما عدا الوجه والكفين، وعلى تحريم النظر إليهما - الوجه والكفين - عند خوف الفتنة (¬١). ومما خصوه من هذا التحريم بالسنة الإباحة أو الندب لرؤية الخاطب من أراد نكاحها.\rمأخذ الحكم: أمر الله لنبيه ﷺ بقوله ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، والمأمور به: غض البصر، وحفظ الفرج.\rثمَّ خُصَّ غض البصر، بقوله ﷺ للمغيرة بن شعبة لما أراد أن يتزوج: (اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) (¬٢).\rوخُصَّ حفظ الفرج، بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]\rقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].\rواستنبط من الآية الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: الأمر بنكاح الأيامى (¬٣).\rوقال السيوطي: «فيه الحث على النكاح، وأنه مجلبة للرزق» (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٢١)، وتيسير البيان (٤/ ٧٣).\r(¬٢) أخرجه الترمذي في أبواب النكاح عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة، برقم (١٠٨٧)، وابن ماجة في كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، برقم (١٨٦٥)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ١٩٨)، برقم (٩٦).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٣٠)، وتيسير البيان (٤/ ٨٣).\r(¬٤) الإكليل (٣/ ١٠٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167797,"book_id":1216,"shamela_page_id":451,"part":null,"page_num":455,"sequence_num":451,"body":"والأيامى جمع أيم، وهو من لا زوج له، وهو جمع معرف بأل فيشمل الذكر والأنثى. وقيل من لا زوج لها من النساء.\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، والأمر على الوجوب، فأوجب الله علينا أن ننكح الأيامى.\rوقد أكدت السنة وبينت هذا الوجوب بقوله ﷺ: (إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) (¬١).\rتنبيه: قوله ﴿مِنْكُمْ﴾ يفيد أن الأيامى هنا وصف مختص بالأحرار، ولا يدخل في ذلك العبيد والإماء بدليل ذكر الله لهم بعد ذلك، فاصلاً بينهم وبين الأيامى بالضمير ﴿مِنْكُمْ﴾.\r• الحكم الثاني: للسلطان إجبار من يمتنع من الأولياء من إنكاح أمته.\rمأخذ الحكم: بمقتضى الأمر والإيجاب السابق، فإذا توقف الولي عن إقامة هذا الواجب، فإن للسلطان القيام به، لأنه مما لا يتم الواجب إلا به، وهو مقدور للسلطان، فيجب على السلطان إجبار الولي. والله أعلم.\rكما أن ضمير الجمع في قوله ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ يفيد العموم وهو خطاب لجميع الأولياء والسادة، ولعله يدخل السلطان حال امتناع أحدهما من القيام بموجب هذا الأمر.\r• الحكم الثالث: إنكاح الصالحين من العبيد والإماء (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي في أبواب النكاح عن رسول الله ﷺ، باب ما جاءكم من ترضون دينه، برقم (١٠٨٤)، وابن ماجة في كتاب النكاح، باب الأكفاء، برقم (١٩٦٧)، وقال الأرناؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجة (٣/ ١٤١): \"حسن لغيره\".\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٨٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167798,"book_id":1216,"shamela_page_id":452,"part":null,"page_num":456,"sequence_num":452,"body":"مأخذ الحكم: عطف المولى ﷾ الصالحين من العبيد والإماء على الأيامى بخطاب الأمر ﴿وَأَنْكِحُوا﴾، فقال: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ واختلف العلماء في مقتضى هذا الأمر.\rفقيل: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيجب على السادات تزويج العبيد الصالحين إذا طلبوا النكاح، استدلالاً بظاهر الأمر، ودلالة الاقتران مع الأيامى.\rوقيل: يحتمل أن يكون الأمر للندب، لقوة الصارف في المملوكات.\rوذكر الموزعي أن من الصوارف هنا القياس فقال: «ولأنه لا فرق بينهم وبين الإماء، ولا يجب على السادات إنكاح إمائهم اتفاقًا، فكذلك العبيد» (¬١).\rثمَّ قال: «وتخصيص الله ﷾ بهذا الحكم ذوي الصلاح يقتضي إخراج ذوي الفساد والمشركين، سواء قلنا بالوجوب، أو الاستحباب، وهذ بيِّن، إذ ليس للمشرك على المسلم حق، ولاسيما المملوك، ولما فيه من عدم اكتراثه بالمعصية، وعدم إلزامه لأحكام الإسلام» (¬٢).\r• الحكم الرابع: إثبات الولاية للأولياء (¬٣).\rمأخذ الحكم: دلَّت الآية على الحكم بدلالة الإشارة.\rوبيان ذلك: أن الآية سيقت لبيان حكم إنكاح الأيامى، على خلاف سبق - في مشروعيه النكاح - في قوله ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ هل هو أمر إيجاب أو ندب، وأخذ من هذا السياق بدلالة الإشارة إثبات الولاية للأولياء؛ لأن الله سبحانه «لم يأمرهم","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٤/ ٨٤ - ٨٥).\r(¬٢) تيسير البيان (٤/ ٨٥).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٨٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167799,"book_id":1216,"shamela_page_id":453,"part":null,"page_num":457,"sequence_num":453,"body":"أن يفعلوا شيئاً لا يستحقونه، ولو كانت عقدة النكاح بيد النساء لما ورد الأمر مضافاً إلا لهن» (¬١).\rتنبيه: دلالة الإشارة تنسحب أيضاً على منع أن ينكح العبد بغير إذن سيده؛ لأنه سبحانه أمر السيد بإنكاح العبيد، بينما سياق الآية كان لبيان ما يتوجه على السادات للعبيد، وهو وجوب أو ندب إنكاح العبيد والإماء الصالحين.\r• الحكم الخامس: لا ولاية للمؤمن على الأيم الكافر (¬٢).\rمأخذ الحكم: مفهوم الحصر، في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ من قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، فإنه يدل الحكم المذكور، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣].\rهكذا قرره بعض العلماء، والذي يظهر أنه لا مفهوم له، لظهور فائدة أخرى غير نفي الحكم عما عداه، وتلك الفائدة هي احتمال كون التقييد مختصاً بوصف الأحرار، بدليل ذكر الله سبحانه للعبيد والإماء بعد هذا التقييد، فكان فاصلاً بينهما (¬٣).\rقال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب أن يستعف كل من لم يستطع النكاح (¬٤).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٤/ ٨٤).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٨٤).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٨٤).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٣١)، وتيسير البيان (٤/ ٨٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167800,"book_id":1216,"shamela_page_id":454,"part":null,"page_num":458,"sequence_num":454,"body":"مأخذ الحكم:\rأولاً: الأمر في قوله تعالى ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾، وهو يقتضي الوجوب.\rثانياً: العموم الوارد بقوله ﴿الَّذِينَ﴾، وهو اسم موصول يفيد العموم بصلته على دخول جميع من لم يجد نكاحاً. فيشمل الأحرار والعبيد.\rوسواء كان بالعقد، أو ملك اليمين، لقوله: ﴿نِكَاحًا﴾، وهي نكرة في سياق النهي فتعم كل نكاح.\rتنبيه: ذهب بعض العلماء إلى أن الاستعفاف مستحب؛ باعتبار أن ﴿حَتَّى﴾ في قوله: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، للتعليل.\rقال الموزعي: «يحتمل أن تكون ﴿حَتَّى﴾ للتعليل، والمعنى: وليطلب العفة الذين لا يجدون نكاحاً بالاكتساب؛ لكي يغنيهم الله من فضله، فحينئذ يحصل الوعد من الله بالغنى في طلب النكاح للعفة، ويكون الأمر على الاستحباب والظاهر أن الأمر للوجوب وأن ﴿حَتَّى﴾ للغاية … » (¬١).\r• الحكم الثاني: مشروعية النكاح (¬٢).\rمأخذ الحكم: دلالة المفهوم في قوله: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ إذ هو بيان الغاية التي يستعفف بها، فأمر الله سبحانه عباده المؤمنين الذين لا يجدون نكاحًا أن يستعففوا، فيحفظوا فروجهم عن الزنا إلى أن يغنيهم الله من فضله، ويكون مفهوم الغاية: أن الله سبحانه إذا أغناه، فلا يستعفف، بل يطلب النكاح. وهذا هو الشاهد هنا على مشروعية النكاح.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٤/ ٨٧).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٨٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167801,"book_id":1216,"shamela_page_id":455,"part":null,"page_num":459,"sequence_num":455,"body":"وقد جاءت السنة مبينة لهذا المفهوم بقوله ﵊: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» (¬١).\rقال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].\rاستدلَّ بالآية على مشروعية النكاح، بشرط إيتاء الصداق.\rمأخذ الحكم: الإخبار بالحكم الدال على الجواز والإباحة بقوله ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.\rوسيأتي حكم الصداق في بابه.\r\rباب الكفاءة والخيار\rقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم نكاح المشركات مطلقاً، وقد خص منه في سورة المائدة الكتابيات (¬٢).\rمأخذ الحكم: أخذ بعموم ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، برقم (١٨٠٦)، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، برقم (١٤٠٠).\r(¬٢) ينظر: الإكليل للسيوطي (١/ ٣٩٧)، وتيسير البيان (٤/ ٣٨٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167802,"book_id":1216,"shamela_page_id":456,"part":null,"page_num":460,"sequence_num":456,"body":"وأخذ ابن عمر بعموم هذه الآية فحرم نكاح اليهودية والنصرانية. وقال: «لا أعلم من الشرك شيئًا أكبر، أو قال: أعظم من أن تقول ربها عيسى» (¬١).\rقيل: إنّه ذهب للكراهة فقط، وقيل: لم تصح رواية التحريم عنه، أو تحمل على الكتابيات الحربيات، كقول ابن عباس رضي الله عن الجميع (¬٢).\r• الحكم الثاني: جواز نكاح الأمة مع وجود طول الحرة المشركة، وجواز نكاح العبد الحرَّة.\rمأخذ الحكمين: دلالة التفضيل في الآية.\rنكاح الأمة مع وجود الحرة المشركة إذا لم يجد سواها، لأن وجود الحرة المشركة كالعدم لعدم وجود حواز نكاحها مطلقاً، قاله السيوطي، ونقل عن الكيا وغيره قوله: «ظن قوم أنه يدل على جواز نكاح الأمة مع وجود طول الحرة وهو غلط؛ لأنه ليس في الآية نكاح الإماء وإنما ذلك للتنفير عن نكاح الحرة المشركة؛ لأن العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الأمة، فقال تعالى ذلك، أي: إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى» (¬٣)، ثمَّ غلطه بما سبق.\r• الحكم الثالث: تقديم اعتبار الدين في النكاح على الشرف والجمال والمال ونحو ذلك.\rمأخذ الحكم: دلالة التفضيل في الآية ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾، مع تأكيد ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ عن نافع، برقم (٤٩٨١).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان للموزعي (١/ ٣٢١).\r(¬٣) الإكليل (١/ ٣٩٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167803,"book_id":1216,"shamela_page_id":457,"part":null,"page_num":461,"sequence_num":457,"body":"• الحكم الرابع: تحريم نكاح الكافر للمسلمة مطلقاً وهو إجماع (¬١).\rمأخذ الحكم: النهي، وهو يقتضي التحريم، وفساد العقد.\rقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].\rاستدل بالآية على: عدم جواز نكاح الأمة إلا عند عدم وجود طول الحرَّة (¬٢).\rمأخذ الحكم: مفهوم الشرط، وهو أن من استطاع أن ينكح الحرة فليس له أن ينكح الأمة.\rقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].\rاستدلَّ بالآية على: عدم اشتراط الكفاءة في النسب، ووجوب إنكاح الصالح من العبيد إذا تقدم للخطبة (¬٣).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب، مع عموم قوله ﴿الْأَيَامَى﴾، وهو جمع عرِّف ب (أل) غير عهدية فيعم، جميع الأيامى، فيعم كل من ليس له زوج من الرجال والنساء، والعبيد والأحرار.\rفصورة مسألة الكفاءة هنا كما ذكر الموزعي ﵀: ما إذا حمل لفظ الأيامى في الآية على الرجال والنساء، وقلنا بوجوب إنكاحهم، فجاءنا عبد من العبيد الصالحين خاطباً بإذن سيده، فإن الآية تدل على وجوب إجابته، وأن الكفاءة غير","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٩٨).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٤٣).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167804,"book_id":1216,"shamela_page_id":458,"part":null,"page_num":462,"sequence_num":458,"body":"معتبرة إلا في التقوى، وبهذا قال مالك (¬١).\rودلالة الآية ظاهرة على الصورة المذكورة.\rومنطوق الآية على هذا التفسير وجوب إنكاح الصالح من العبيد والنساء.\rومفهومها عدم وجوب إنكاح من ليس صالحاً منهم.\rويؤيد هذا الحكم وهو عدم اعتبار الكفاءة ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].\rبحسب ما نقل الزهري أنهم قالوا: يا رسول نزوج بناتنا موالينا؟ فأنزل الله الآية.\rوقد عمل الصحابة ﵃ بذلك، ومما ورد ذكره في القرآن زواج زيد بن حارثة بزينب بنت جحش، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب: ٣٧].\rأما ما يتعلق في حكم إنكاح الإيماء فقد سبق بيان حكمة بشروطه عند قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]\rاستدل بالآية على: عدم جواز إنكاح الكافر.","footnotes":"(¬١) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167805,"book_id":1216,"shamela_page_id":459,"part":null,"page_num":463,"sequence_num":459,"body":"مأخذ الحكم: التصريح بالحكم الشرعي بقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، ونفي الحل من الأساليب والألفاظ الشرعية الدالة على التحريم.\r\rباب عشرة النساء\rقال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].\rومن العشرة المعاشرة، وبيَّن الشارع ما يحل من ذلك بالآية.\rفاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز إتيان الحرث، على أي صفة (¬١).\rمأخذ الحكم: أولاً: تفسير الصحابي.\rقال السيوطي: «قال ابن عباس: أي قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة. أخرجه عبد في تفسيره، وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عنه قال: من حيث جاء الدم من ثم أمرت أن تأتي،» (¬٢).\rووجه العموم مأخوذ من قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ و ﴿أَنَّى﴾ تستعمل بمعنى: أين، وهي عامّة في المكان، فتشمل القبل والدبر.\rوبمعنى: كيف، أي كيف شاء، مقبلة ومدبرة، قائمة ومضجعة، وهو الذي ذهب إليه ابن عباس هنا، والأوّل وهو المكان مشترط أن يكون في صمامٍ واحدٍ، كما سيأتي عن ابن عباس.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٩٦)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٤٠١ - ٤٠٢).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٤٠٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167806,"book_id":1216,"shamela_page_id":460,"part":null,"page_num":464,"sequence_num":460,"body":"• الحكم الثاني: تحريم إتيان الدبر (¬١).\rمأخذ الحكم: استدل بمفهوم جواز إتيان الحرث: عدم جواز إتيان الدبر؛ لأنّ الحرث والزرع مكانه القُبل.\rويؤكد هذا المفهوم ما ورد أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء إلى النّبي ﷺ فقال: يا رسول الله «هلكت: حولت رحلي البارحة، فأنزلت هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فقال ﷺ: (أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة) (¬٢).\rتنبيه: استدل ابن عمر بالآية على إباحة الوطء في الدبر. وقال إنما نزلت رخصة فيه (¬٣).\rقال السيوطي: «وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري (¬٤)، وقال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن ابن القاسم قال ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال ثم قرأ الآية قال أي شيء أبين من هذا؟» (¬٥). وربما خصوا الرخصة حال كون المرأة حائضة.\rومأخذه: ما سبق في عموم ﴿أَنَّى﴾ للمكان، فتشمل القبل والدبر.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٩٦)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٤٠٢).\r(¬٢) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢٩٧) والترمذي في أبواب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب ومن سورة البقرة، برقم (٢٩٨٠)، وحسنه الألباني في آداب الزفاف، باب تحريم الدبر، ص (١٠٣)، وغاية المرام، برقم (٢٣٦).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٣).\r(¬٤) يريد قول أبي سعيد الخدري: «أن رجلًا أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا: أبعرها، فأنزل الله ﷿ هذه الآية». والشاهد ضعيف، وهو معارض بما صحّ في سبب نزولها من قول جابر ﵁: «كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾: رواه البخاري في كتاب التفسير.\r(¬٥) الإكليل (١/ ٤٠٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167807,"book_id":1216,"shamela_page_id":461,"part":null,"page_num":465,"sequence_num":461,"body":"تتمة: وتأتي ﴿أَنَّى﴾ بمعنى كيف، أي كيف شاء، مقبلة ومدبرة، قائمة ومضجعة، وهو الذي ذهب إليه ابن عباس هنا، والأوّل وهو المكان مشترط أن يكون في صمامٍ واحدٍ، كما فسَّره ابن عباس.\rثمَّ إن قول الصحابي -ابن عمر- عُورض بقول ابن عباس فلا حجة فيه، وهي من اجتهاده لا روايته؛ لذا قال ابن عباس كما عند أبي داود «إنّ ابن عمر وهم، والله يغفر له» (¬١).\r• الحكم الثالث: إباحة العزل (¬٢).\rمأخذ الحكم: تفسير الصحابي. قال السيوطي: «أخرج الحاكم عن ابن عباس أنه سئل عن العزل، فقال: إنكم قد أكثرتم فإن كان رسول الله ﷺ قال فيه شيئاً فهو كما قال، وإن لم يكن قال فيه شيئاً فأنا أقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فإن شئتم فاعتزلوا وإن شئتم فلا تفعلوا» (¬٣).\rمأخذ آخر: بناء على العموم في ﴿أَنَّى﴾ للمكان فيشمل وضعه ما بين الفخذين دون الفرج كذلك.\r• الحكم الرابع: التسمية عند الجماع (¬٤).\rمأخذ الحكم: تفسير الصحابي، حيث ورد عن ابن عباس قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾: قال: بسم الله عند الجماع أخرجه ابن جرير (¬٥).","footnotes":"(¬١) ينظر: سنن أبي داوود (٢/ ٢٤٩).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٩٨) ..\r(¬٣) الإكليل (١/ ٤٠٥).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٩٧).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167808,"book_id":1216,"shamela_page_id":462,"part":null,"page_num":466,"sequence_num":462,"body":"قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: للمرأة حقوق وواجبات، وعليها حقوق وواجبات (¬١).\rمأخذ الحكم:\rأولاً: تفسير الصحابي. قال السيوطي: «أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إني أحب أ، أزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي، لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\rوما أحب أن أستوفي جميع حقي عليها لأنّ الله يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾» (¬٢).\rثانياً: اللام في قوله: ﴿وَلَهُنَّ﴾ و (على) في قوله: ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ من صيغ الوجوب.\rفائدة: قدّم المولى سبحانه حقوق المرأة على حقوق الرجل من باب الاهتمام والتأكيد.\r• الحكم الثاني: وجوب طاعة المرأة للرجل (¬٣).\rمأخذ الحكم: تفسير التابعي، قال السيوطي: «وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال طاعة يطعن الأزواج الرجال ولا يطيعونهن» (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٩)، وتيسير البيان (٢/ ٣٠).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٤١٩).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٩)، وتيسير البيان (٢/ ٣٠).\r(¬٤) الإكليل (١/ ٤١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167809,"book_id":1216,"shamela_page_id":463,"part":null,"page_num":467,"sequence_num":463,"body":"قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الآية: ٢٣١].\rاستدلَّ بالآية على وجوب الإمساك بمعروف (¬١).\rمأخذ الحكم: الأمر بصيغة في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، و ﴿سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.\rثمَّ النهي عن الإمساك على جهة الإضرار، بقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، مع وصف الفاعل بكونه ظالماً لنفسه بهذا الفعل.\rوالإمساك بمعروف يكون بالقيام بما يجب عليه من حق على زوجها، أو فالواجب التسريح.\rقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].\rاستدلَّ بالآية على أن من خاف الجور في العدل ألَّا يزيد على زوجة واحدة أو يعود إلى التسري (¬٢).\rمأخذ الحكم: جواب الشرط والأمر بقوله: ﴿فَوَاحِدَةً﴾، أي: فعليه أن ينكح واحدة.\rومفهوم الشرط أنه إن لم يخف الجور جاز له أخذ أكثر من واحدة.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167810,"book_id":1216,"shamela_page_id":464,"part":null,"page_num":468,"sequence_num":464,"body":"قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب المعاشرة بالمعروف (¬١).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\rقال السيوطي: «وفيه وجوب ذلك من توفية المهر، والنفقة، والقسم، واللِّين في القول، وترك الضرب، والإغلاظ بلا ذنب، واستدل بعمومه من أوجب لها الخدمة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها» (¬٢).\r• الحكم الثاني: استحباب الإمساك بالمعروف، وإن كان على خلاف هوى النفس (¬٣).\rمأخذ الحكم: الحث على الإمساك بقوله: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾؛ إذْ رتب الخبير العليم الخير الكثير على الإمساك، والمعاشرة بالمعروف الصبر على ما تكرهه النفس بعد ذلك.\rوقد ذكر المفسرون أن «عسى» من الله واجبة، وفسِّرت بأنها واقعة.\rقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤].","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٠)، وتيسير البيان (٢/ ٣٠٦).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٠).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167811,"book_id":1216,"shamela_page_id":465,"part":null,"page_num":469,"sequence_num":465,"body":"استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب رعاية المرأة، وحفظها، وتأديبها (¬١).\rمأخذ الحكم: ورود الأمر بصيغة الخبر، في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾.\rقال القرطبي: «وقوَّام: فعَّال للمبالغة، من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرِّجال على النساء هو على هذا الحدّ؛ وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها، وإمساكها في بيتها، ومنعها من البروز» (¬٢).\rتتمة: ومن التأديب ما ذكر في الآيات من وعظ الزوجات عند خوف نُشُوزهن، والأمر بهجرهن وضربهن عند ظهور النشوز وتحققه والإصرار عليه، لا عند خوفه.\rقال الموزعي: «فإنَّ ظهور أماراته لا يبيح الضرب؛ لاحتمال خُلف الأمارات والخطأ فيها، فقد يكون ذلك منها لغمّ وضيق صدر. ونقل عن بعضهم جواز الجمع بين الوعظ والهجران والضرب؛ لأن الواو تقتضي الجمع، لا الترتيب، وحمل خوف النشوز على ظهوره والعلم به تجوُّزاً، كما في قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ﴾ [البقرة: ١٨٢]، والأول أصحُّ .... » (¬٣).\r• الحكم الثاني: وجوب طاعة المرأة لزوجها.\rمأخذ الحكم: ورود الأمر بصيغة الخبر في قوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾.","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٥٥٢).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٦٢).\r(¬٣) تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٨٠ - ٣٨١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167812,"book_id":1216,"shamela_page_id":466,"part":null,"page_num":470,"sequence_num":466,"body":"قال القرطبي: «هذا كله خبر، ومقصوده الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه في ماله وفي نفسها، في حال غيبة الزوج» (¬١).\rوقال الرازي: «وأصل القنوت دوام الطاعة، فالمعنى: أنهن قيمات بحقوق أزواجهن، وظاهر هذا إخبار، إلا أن المراد منه الأمر بالطاعة»، ثمَّ قال: «واعلم أنَّ المرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾، والألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق، فهذا يقتضي أن كل امرأة تكون صالحة، فهي لا بد وأن تكون قانتة مطيعة» (¬٢).\r• الحكم الثالث: مشروعية التدرج في تأديب الزوجة.\rمأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، وقد صرح بعض العلماء بأن الأوامر في الرتب الثلاث للندب، والصارف من الوجوب نهيه ﷺ عن الضرب بقوله ﷺ: (لا تضربوا إماء الله) (¬٣) ثم ترخيصه بذلك (¬٤).\rقال الدكتور عبد اللطيف الصرامي: «وأيضاً هل الصارف له في جميعها: أن كلاً منها فيه إرشاد وتأديب لحق الزوج فله اسقاطه، ولا يلزم باستيفائه» (¬٥).","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٦٢).\r(¬٢) التفسير الكبير للرازي (١٠/ ٧١).\r(¬٣) أخرجه أبو داود (٢١٤٦) والنسائي في الكبرى (٩١٦٧)، وابن ماجه (١٩٨٥)، وصححه النووي في رياض الصالحين (٢٧٩)، والألباني في تخريج هداية الرواة (٣١٩٧).\r(¬٤) ورد عند أبي داوود (٢١٤٦) أنه ﷺ قال: «لا تضربوا إماء الله» فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ: (لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم). وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٨١)\r(¬٥) محمول صيغة الأمر (افعل) ص (١٩٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167813,"book_id":1216,"shamela_page_id":467,"part":null,"page_num":471,"sequence_num":467,"body":"باب الصداق\rقال تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٦ - ٢٣٧].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز النكاح بغير صداق (¬١).\rمأخذ الحكم: لما أجاز المولى طلاق الزوجة، بقوله ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وأوجب لها المتعة، فدلَّت «الآية بطريق التضمن والالتزام على أن النكاح بغير صداق جائز؛ لأنه لا يصح الطلاق إلا من زوج، ولا تجب المتعة إلا لزوجة»، كما قاله الموزعي (¬٢).\rونبَّه الموزعي إلى أن (أو) في قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ بمعنى الواو، وقال: «وإنما حملوا ﴿أَوْ﴾ على غير حقيقتها، لأنّ الله سبحانه جعل تعليق الحكم على أحدهما بخلافه هنا، فقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]» (¬٣).\rتنبيه: مفهوم الشرط يقتضي أن الإثم والمؤاخذة واقع إن طلق المرأة، وقد مسَّها وفرض لها، وامتنع من إعطائها ما فرض لها.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣١)، و تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٠٤).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٠٤).\r(¬٣) تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٠٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167814,"book_id":1216,"shamela_page_id":468,"part":null,"page_num":472,"sequence_num":468,"body":"يقول أبو حيان: «ومفهوم الشرط غير مراد، وإنما خص بالذكر لأنها حالة قد يتوهم فيها أنه لمكان الاستبدال، وقيام غيرها مقامها، له أن يأخذ مهرها، ويعطيه الثانية، وهو أولى به من المفارقة، فبيَّن الله أنه لا يأخذ منها شيئا إذا كانت هذه التي استبدل مكانها لم يبح له أخذ شيء مما أتاها مع سقوط حقه في بضعها، فأحرى أن لا يباح له ذلك مع بقاء حقه واستباحة بضعها» (¬١).\rقلت: ويستثنى من ذلك حال الخلع، باعتبار كونه طلاقاً.\rويستدل بتخصيص حكم المفوضة هنا -وهي التي تزوجها شخص بدون مهر- بوجوب المتعة، وبتخصيص المطلقة المفروض لها قبل المسيس بنصف الفرض، استدللنا بمخالفة تخصيص أحكامهن على اختلاف أحكامهن، وعليه فلا مهر للمفوضة، فيسقط مهرها إن كان قبل المسيس، ولعلة يدخل في مفهوم التقسيم.\r• الحكم الثاني: وجوب المهر بالفرض أو المسيس.\rمأخذ الحكم: يستدل بمفهوم الشرط في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، لأنه لو كان واجباً بالعقد-كما يقول الشافعي في أحد قوليه- لما سقط بالطلاق، أي: لو وجب المهر بالعقد لما سقط كله بالطلاق، بل يتنصّف، ولقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ولم يقل فنصف المهر.\r• الحكم الثالث: جواز النكاح بلا تسمية مهر وبدون اشتراط نفيه، وإسقاطه (¬٢).\rفإن اشتُرط ذلك كان النكاح باطلًا، وهذا المسمى بنكاح التفويض.","footnotes":"(¬١) البحر المحيط (٣/ ٥٧٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦١/ ٣٦٢)، وتيسير البيان (٢/ ١٠٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167815,"book_id":1216,"shamela_page_id":469,"part":null,"page_num":473,"sequence_num":469,"body":"مأخذ الحكم: لترتب صحة الطلاق عليه، فنفى الجناح عن الزوج عن الطلاق ما لم يمس أو يفرض لها مهرًا.\r• الحكم الرابع: لا يجب بالطلاق فبل الفرض والمسيس شيء سوى المتعة (¬١).\rمأخذ الحكم: للأمر في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، والأصل في الأمر أنه للوجوب، إلا أن ذلك محمول على الاستحباب عند جمع من العلماء.\rوذكر السيوطي أنَّ الصارف عن الوجوب قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] (¬٢).\rقلت: وبيانه: أن الواجبات لا تختص بالمحسن دون غيره، ثم إنّ المحسن من غير المحسن لا يعلم ذلك إلّا الله، فلما علق المتعة على صفة لا يعلمها إلّا هو سبحانه، دلّ على أنّ الله لم يُوجب الحكم بها على العباد، إذ لم يجعل لهم طريقًا إلى تمييز المأمور بها من غيره.\rوكذلك فإنّ المتعة غير مقدّرة ولا معلومة، والفرائض لابدّ أن تكون مقدّرة معلومة (¬٣).\rوأجيب: بأن تقييدها بالمحسنين تأكيد للوجوب؛ لأنّ كل واحد يجب أن يكون من المحسنين، وليس لأحد أن يقول: أنا لست بمحسن.\rثم إنّه لا يمنع الإيجاب على المحسنين نفيه عن غيره، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهو هدى لهم ولغيرهم.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣١)، وتيسير البيان (٢/ ١٠٥، ١٠٨ - ١٠٩).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣١).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (٢/ ١٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167816,"book_id":1216,"shamela_page_id":470,"part":null,"page_num":474,"sequence_num":470,"body":"قال الموزعي: «وأما المحسنون والمتقون فأراد بهم المؤمنين، المحسنين بالإيمان، المتقين للشرك» (¬١).\r• الحكم الخامس: يراعى في المتعة حال الزوج يساراً وإعساراً (¬٢).\rمأخذ الحكم: قال السيوطي بعد أن ذكر الحكم السابق: «وفيها رد على من قال يراعي فيها حال الزوجة أو حالهما» (¬٣).\rقلت: من قال يراعى حال الزوجة استدل بقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فإنّه إن لم يُعتبر ذلك، لزم منه أن تكون متعة الشريفة والدنيئة سواء، والعرف يغاير ذلك.\r• الحكم السادس: كون الطلاق بعد الفرض وقبل الوطء يشطر المهر. فيعود الزوج نصفه سواء كان الفرض في العقد أم بعده (¬٤).\rمأخذ الحكم: تقدير لفظ (على)، والمعنى: فعليكم نصف ما فرضتم، و (على) من ألفاظ الوجوب، لفظًا أو تقديرًا، أو المعنى: فالواجب نصف ما فرضتم، أو لهنّ نصف.\rوقوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ﴾ مطلق سواء كان الفرض في العقد أو بعده، وكونها مطلقة؛ لأن قوله: ﴿فَرَضْتُمْ﴾ فعل، والأفعال نكرات، وهي سياق إثبات فتكون مطلقة.\r• الحكم السابع: تملك المرأة المهر بمجرد العقد (¬٥).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ١١٠).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٠)، وتيسير البيان (٢/ ١١١).\r(¬٣) الإكليل (١/ ٤٣١).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦١)، وتيسير البيان (٢/ ١١٢).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وتيسير البيان (٢/ ١٠٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167817,"book_id":1216,"shamela_page_id":471,"part":null,"page_num":475,"sequence_num":471,"body":"مأخذ الحكم: قوله: ﴿لَهُنَّ﴾ وهي لام التمليك، وذلك حال الفرض لها -كما سبق- سواء دخل أو لا؟\r• الحكم الثامن: لو اشترت المرأة بالمهر شيئاً، لم يرجع الزوج في نصف ما اشترت، بل في نصف ما أخذت (¬١).\rمأخذ الحكم: لظاهر قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، والظاهر لا يعدل عنه إلا بدليل.\r• الحكم التاسع: لو زاد المهر زيادة متصلة، لم يكن للزوج فيها نصيب (¬٢).\rمأخذ الحكم: لظاهر قوله ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، حيث قيّد النصف في المفروض.\r• الحكم العاشر: لا تقرر الخلوة المهر مطلقاً (¬٣).\rمأخذ الحكم: لظاهر قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فإنَّ المسَّ في كتاب الله: الجماع، ومفهومه: أن غير الجماع لا يوجب المهر، والخلوة ليست جماعًا.\rقال ابن مسعود ﵁: «لها نصف الصداق ما لم يجامعها وإن جلس بين رجليها» (¬٤) وهو قول ابن عباس ﵄، وذهب بعض العلماء إلى أن الخلوة تنزل منزلة المسّ؛ لأنّها مظنته.\rقلت: وقد ورد عن عمر ﵁ قوله: «ما ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم» (¬٥)،","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٢).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦١ - ٣٦٢)، وتيسير البيان (٢/ ١١٦) ..\r(¬٤) ينظر: تيسير البيان (٢/ ١١٦)، والأثر رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦٧٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٥٥)، وابن حزم في المحلى (٩/ ٤٨٤)، نقلاً عن محقق كتاب تيسير البيان.\r(¬٥) ينظر: تيسير البيان (٢/ ١١٥)، والأثر رواه عبد الرزاق في المصنف (١٠٨٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٥٦)، نقلاً عن محقق كتاب تيسير البيان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167818,"book_id":1216,"shamela_page_id":472,"part":null,"page_num":476,"sequence_num":472,"body":"وهو قول علي ﵁؛ ولأنّها مظنة الجماع، ولا يطلع عليه أحد.\r• الحكم الحادي عشر: جواز هبة الزوجة النصف الذي ثبت لها للزوج (¬١).\rمأخذ الحكم: لضمير النسوة في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وذلك شريطة أن تكون ممن يصح تبرعها، بأن تكون رشيدة بالغة، عاقلة تحسن التصرف. وسبق الحكم في باب الهبة.\r• الحكم الثاني عشر: جواز ترك الزوج نصفه لها (¬٢).\rمأخذ الحكم: تفسير الصحابي، حيث فسَّر عليٌّ قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ بالزوج (¬٣).\r• الحكم الثالث عشر: جواز عفو الولي عن الصداق مطلقاً، أو الأب فقط (¬٤).\rمأخذ الحكم: تفسير الصحابي، حيث فسره ابن عباس وغيره بالولي (¬٥)، فهو مبني على القول بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، ودليل الجواز ظاهر التخيير في الآية ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وإذا جاز له العفو بعد الفرض، فإنّه يجوز قبله.\rوسبب الخلاف هو فيمن ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ إذ إنّ الزوج يملك عقد النكاح قبل الطلاق، والولي يملكها بعد الطلاق.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٣)، وتيسير البيان (٢/ ١١٨).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (٢/ ١١٧).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٤).\r(¬٥) ينظر: تيسير البيان (٢/ ١١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167819,"book_id":1216,"shamela_page_id":473,"part":null,"page_num":477,"sequence_num":473,"body":"ومن قال بأنه الزوج أيّده أنه مقابل عفو الزوجة، فيكون العفو من الجانبين، ولو كان الولي لكان من جانب واحد، الزوجة ووليها.\rكما أن الولي ليس له الحق في العفو عن مهرها.\rومن قال إنّ الذي بيده عقدة النكاح الولي، قال: لأنّه ذكر العفو بعد الطلاق، والذي يملك عقد النكاح بعد الطلاق هو الولي.\r• الحكم الرابع عشر: عفو الزوج أولى من عكسه (¬١). إن كان ما قبله في الولي في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾\rمأخذ الحكم: لضعف جانب المرأة وما حصل لها من الكسر بالطلاق.\rقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب الصداق (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿وَآتُوا﴾ وهو للوجوب، ويؤكده تفسير ﴿نِحْلَةً﴾ بفرضية وقد سمى المولى سبحانه الصداق فريضة كما سبق في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].\rومن المآخذ: تفسير الصحابي، وقد فسَّرت عائشة ﵂ قوله ﴿نِحْلَةً﴾ بالواجبة (¬٣)، وتفسير الصحابي حجة.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٥)، وتيسير البيان (٢/ ١١٨ - ١١٩).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٤).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167820,"book_id":1216,"shamela_page_id":474,"part":null,"page_num":478,"sequence_num":474,"body":"وخصَّ بعض العلماء من وجوب إيتاء الصداق للمرأة النبي ﷺ بقولة تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].\rتنبيه: ضمير الجمع في ﴿وَآتُوا﴾ يفيد العموم، والخطاب للأزواج وسياق الخطاب يؤيده، وهو الظاهر، وقيل: للأولياء، لبيان ما كانت تعتاده العرب.\rوالأمر على كل التقديرات، سواء كان الخطاب للأزواج أو الأولياء فإنه يقتضي الوجوب كما سبق، فلا يجوز المواطأة على ترك الصداق بالاتفاق.\rوقولة ﴿النِّسَاءَ﴾ اسم جمع معرف بأل يفيد العموم، سواء كانت تثيباً أو بكراً، وسواء كانت حرة أو أمة.\r• الحكم الثاني: جواز كون الصداق منفعة (¬١).\rمأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾، فهو جمع مضاف يعم كل صداق سواء كان مالاً، أو منفعة، كما سيأتي.\r• الحكم الثالث: إباحة الله لنا ما طابت عنه نفوسهن من الصداق (¬٢).\rمأخذ الحكم: كون الأمر في قوله ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وارداً بعد حظر. والمقصود بالحظر هنا ما كان حقه التحريم، وإن لم يرد به التحريم، وأخذ مال غيرٍ حقه التحريم والمنع.\rقال الزركشي: «ليس المراد بالحظر في هذه المسألة أن يكون محرما فقط بل","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٥).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167821,"book_id":1216,"shamela_page_id":475,"part":null,"page_num":479,"sequence_num":475,"body":"المراد ذلك، أو أنه كان من حقه التحريم» (¬١).\rوكذا وصف المأكول بكونه ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، يدل على حلِّه.\rقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠].\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\rاستدل بالآية على جواز المغالاة في المهور (¬٢).\rقال ابن الفرس: «فأجاز الجمهور، ومنعه قوم» (¬٣).\rمأحذ الحكم: أن الله مثل بقنطار، ولا يمثل تعالى إلا بمباح (¬٤).\rنوقش: إن التمثيل جاء على جهة المبالغة، كأنه قال: وإن أتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد.\rقال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤].\rاستدلَّ بالآية على أن الصداق لا يكون إلا مالاً، فلا يصح كونه منفعة (¬٥).\rمأخذ الحكم: تقييد الابتغاء بالأموال يقتضي أنه لا يجوز بغير أموال، وقد أخذ بهذا المفهوم بعض أهل العلم.","footnotes":"(¬١) البحر المحيط (٣/ ٣١٨).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٠).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن (٢/ ١١٤).\r(¬٤) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١١٤).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٤١)، وتيسير البيان (٢/ ٣٣٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167822,"book_id":1216,"shamela_page_id":476,"part":null,"page_num":480,"sequence_num":476,"body":"وذهب بعضهم إلى عدم اعتباره لما ورد في شرع من قبلنا وهو شرع لنا من جواز جعل الصداق منفعة، في قول شعيب ﵇ لموسى ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].\rقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥].\rقُرن الأجور هنا: بالمهور (¬١).\rاستدل بالآية على عدم جواز دخول الرجل على امرأته قبل أن يقدم لها من المهر شيئاً.\rقال ابن الفرس: «فانتزع جماعة من أهل العلم، منهم: مالك ومن تابعه، من لفظ: ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أنه لا يجوز أن يدخل إلَّا بعد أن يبذل من المهر ما يستحلها به» (¬٢).\rمأخذ الحكم: مفهوم الشرط، أنه إذا أتاها الأجر، فإنها تحل له.\rفائدة: قال ابن الفرس: «واختلفوا هل له أن يدخل بالهدية والرهن والحمالة والحوالة أم لا؟\rوظاهر الآية: أنه لا يجوز الدخول إلى بإتيان الأجور؛ وذلك كله ليس من الأجور، فلم يجز الدخول» (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام القرآن (٢/ ٣٥١).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن (٢/ ٣٥١).\r(¬٣) ينظر: المصدر السابق (٢/ ٣٥١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167823,"book_id":1216,"shamela_page_id":477,"part":null,"page_num":481,"sequence_num":477,"body":"قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].\rاستدل الفقهاء بهذه الآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز عرض الرجل ابنته للرجل الصالح (¬١).\rمأخذ الحكم: كون شريعة من قبلنا هل هي شريعة لنا، ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه.\rوقد جاء في شرعنا ما يدل عليها في المرأة التي عرضت نفسها للنبي ﷺ كما في قوله تعالى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].\rوقد استحب الفقهاء عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، اقتداء بهذه الواهبة وإقرار النبي ﷺ وقد أصبح عرض الرجل ابنته للرجل الصالح سنة قائمة، فقد عرض عمر بن الخطاب ابنته على أبي بكر، وعثمان ﵃.\rالحكم الثاني: جواز جعل الصداق منفعة (¬٢).\rمأخذ الحكم: كون شرع من قبلنا شرعًا لنا، وقد ثبت في شرعنا وقد سبق في باب الإجارة.\rمع دلالة حرف (على) على الحكم، وقد اختلف العلماء في معنى (على) في قوله: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، فقيل بمعنى الشرط، فشرط صاحب مدين على موسى ﵇ تزويجه شرط أن يعمل أجيراً له لمدة معلومة، لا أنَّه جعل منفعة","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٧٨).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167824,"book_id":1216,"shamela_page_id":478,"part":null,"page_num":482,"sequence_num":478,"body":"التزويج عوضاً للإجارة.\rوقيل إنَّ معنى (على) بمعنى (الباء)؛ لأنها استعملت هنا في معاوضة، و (على) إذا استعملت في المعاوضات، كالبيع والإجارة والنكاح تكون بمعنى (الباء) إجماعاً، والعوض منفعة البضع، وهو الاستمتاع بالمرأة.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠].\rيستدل بالآية على وجوب المهر.\rوقال الموزعي: «وقد اتفق أهل العلم على أن الصداق لا تجوز المواطأة على تركه» (¬١)\rمأخذ الحكم: دلَّ منطوق الآية على أن الحل مشروط بإيتاء أجورهن، وهو الصداق، ومفهوم شرطها عدم الإحلال عند عدم المهر. والخطاب للنبي ﷺ وأمته تشاركه فيه، لأن الخطاب الموجه للنبي ﷺ يكون له ولأمته، إلا ما ورد دليل الخصوص.\rوخصَّ الله -جل وعلا- الزواج له بغير صداق حالاً ومآلاً، أي لا يجب المهر عليه لا بموت ولا بدخول، ولعل هذا داخل في تخصيص آخر الآية لأولها، إذ إن المخصص هنا قوله في آخر الآية ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\rومن المآخذ لفظ الفرض في قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾، وقد نقل السيوطي عن قتادة قوله في تفسير الآية: «من الولي والصداق","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٤/ ١٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167825,"book_id":1216,"shamela_page_id":479,"part":null,"page_num":483,"sequence_num":479,"body":"والشاهدين، وألا يزاد على الأربع» (¬١).\rقال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].\rاستدلَّ بالآية على وجوب الصداق (¬٢).\rمأخذ الحكم: شرط المولى سبحانه لجواز نكاح نساء المشركين المهاجرات، دفع ما أنفق المشركون عليهن من صداق، بقوله ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ومفهوم الشرط عدم جواز نكاحهن إذا لم يعط الكافر ما أنفق من مهر.\rقال تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١].\rاستدلَّ بالآية على وجوب دفع مهر المرأة المسلمة المهاجرة لزوجها الكافر (¬٣).\rمأخذ الحكم: الأمر في الآية الأولى بقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾، والأمر يقتضي الوجوب، وفي الآية الثانية بقوله: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾.\rقال الموزعي في قوله: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: «كأنه- والله أعلم- يريد فلم يعفو عنهم إذا لم يعفوا عنكم مهور نسائكم، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾، يعني: من مهورهن، إذا فاتت امرأة مشركة أتتنا مسلمة قد أعطاها مئة من مهرها، وفاتت امرأة مسلمة إلى الكفار، وقد أعطاها مئة، حسبت مئة المسلم بمئة المشرك، فقيل:","footnotes":"(¬١) الإكليل (٣/ ١١١٤).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٤٦)، وتيسير البيان (٤/ ٢٣٧).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٤٦)، وتيسير البيان (٤/ ٢٣٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167826,"book_id":1216,"shamela_page_id":480,"part":null,"page_num":484,"sequence_num":480,"body":"تلك العقوبة، ونكتب بذلك إلى أصحاب عهود المشركين، حتى يعطى المشرك ما قصصناه من مهر امرأته بالمسلم الذي فاتته امرأته إليهم، ليس له غير ذلك».\rواختلف العلماء في كون هذا الحكم عاماً، أو خاصاً بصلح الحديبية، وعلى القول بكونه خاصاً فلا يجب في زمننا أن يُدفع إليهم شيء، ولا يجب أن يدفعوا إلينا شيئا.\rووجه من قال بأنه خاص بصلح الحديبية، لأن الله جعله عوضاً لما شُرط من ردِّ النساء، فلمَّا ردَّ الله سبحانه هذا، أوجب ردَّ ما أنفقوا في مهورهن (¬١).\r\rباب القَسْم\rقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب القسم والتسوية فيه (¬٢).\rمأخذ الحكم:\rالأول: الأمر بالواحدة عند خوف عدم العدل، بقوله: ﴿فَوَاحِدَةً﴾، أي: فانكحوا واحدة، والعدل في التعدد يقتضي التسوية.\rثانيا: تعليل المولى ﷾ بالواحد بقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾، أي: تجوروا","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٤٧).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٥٢)، وتيسير البيان (٢/ ٢٤٤)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (٣٢/ ٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167827,"book_id":1216,"shamela_page_id":481,"part":null,"page_num":485,"sequence_num":481,"body":"وتظلموا، يقال: عال يعول إذا جار، ويأتي مزيد بسط في باب النفقات.\rقال الموزعي: «ولا شك أن العدل بين الأزواج واجب بالإجماع، وتفاصيله مذكورة في كتب الفقه» (¬١).\r• الحكم الثاني: القسم والتسوية خاص بالزوجات دون ملك اليمين (¬٢).\rمأخذ الحكم: لأن العطف في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إنما هو على قوله: ﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي: إن حاف ألا يعدل فواحدة، فجعل ملك اليمين كله بمنزلة واحدة، فانتفى بذلك أن يكون للإيماء حق الوطء، أو في القسم؛ إلا أن حق ملك اليمين في العدل قائم بوجوب حسن الملكة والرفق بالرفيق (¬٣).\rقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩].\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز تنازل المرأة عن حقها في القسم وغيره لزوجها (¬٤).\rمأخذ الحكم: لما ورد في سبب النزول، ومن ذلك يقول بأنها: «نزلت في النبي ﷺ وسودة بنت زمعة؛ وذلك إذا أسنَّت سودة فأراد النبي ﷺ أن يطلقها، فقالت: لا تطلقني واحبسني مع نسائك، ولا تقسم لي، ففعل، فنزلت الآية» (¬٥).","footnotes":"(¬١) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٢٢٦).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٣).\r(¬٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٣).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٥٩١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٨٢).\r(¬٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167828,"book_id":1216,"shamela_page_id":482,"part":null,"page_num":486,"sequence_num":482,"body":"• الحكم الثاني: وجوب العدل في القسم والتسوية بالكون عندهن والمبيت (¬١).\rمأخذ الحكم: لأن الله نهى عن الميل لإحداهما، وهذا يقتضي التسوية بينهن؛ لأن النهي عن الشيء أمرٌ بضده، والنهي عن الميل أمرٌ بالعدل، ولا يتصور العدل إلا مع متعدد كما سبق، فيكون أمراً بذلك.\rقال ابن الفرس: «والأمر بالعدل بين النساء في جميع الأشياء المقدور عليها، فعلى الإنسان أن يعدل بينهن بالكون عندهن» (¬٢).\r\rباب الخلع\rقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم أخذ مال الزوجة على سبيل الإكراه والمضارة (¬٣).\rمأخذ الحكم: لقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾، وهي من الألفاظ التي يخبر الشارع فيها عن أحكام التحريم.\r• الحكم الثاني: جواز أخذ مال الزوجة إذا كان النشوز من جهتها (¬٤).\rمأخذ الحكم: لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ونفي الجناح عن الفعل من الأساليب الدالة على الجواز.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٩٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٨٤).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن (٢/ ٢٨٤).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٤٤).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167829,"book_id":1216,"shamela_page_id":483,"part":null,"page_num":487,"sequence_num":483,"body":"• الحكم الثالث: جواز الخلع بقدر ما أصدقها وأكثر منه (¬١).\rمأخذ الحكم: العموم الوارد بصيغة اسم الموصول ﴿فِيمَا﴾ في قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فيعمّ القليل والكثير.\rوقال الموزعي: \"لا يجوز الخلع بأكثر من المهر المسمى؛ لتخصيص الأخذ بالذي آتيناهن في المواضع كلها\" (¬٢).\r• الحكم الرابع: لفظ المفاداة من صرائح الخلع (¬٣).\rمأخذ الحكم: لورده في القرآن في قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.\r• الحكم الخامس: منع الخلع لغير الضر منها ومنه، أو لضرر أحدهما فقط (¬٤).\rمأخذ الحكم: لمفهوم قوله: ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.\rقال ابن قدامة: «هذا صريح في التحريم إذا لم يخافا إلا يقيما حدود الله، ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فدل بمفهومه على أن الجناح لاحق بهما إذا افتدت من غير خوف، ثم غلظ بالوعيد فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وفي الحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق، من غير ما بأس فحرام عليها الجنة» (¬٥).\rوأما منعه لضرر أحدهما فقط؛ لتعليق الحكم بخوفهما معاً.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٤)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٣).\r(¬٢) تيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٢ - ٥٣).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١).\r(¬٥) المغني (٧/ ٣٢٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167830,"book_id":1216,"shamela_page_id":484,"part":null,"page_num":488,"sequence_num":484,"body":"• الحكم السادس: القول بأن الخلع فسخ لا طلاق (¬١).\rمأخذ الحكم: قال السيوطي: «لأنه تعالى ذكر الطلاق مرتان، ثم ذكر الخلع، ثم قال فإن طلقها فدلَّ على أن الخلع ملغى غير محسوب وإلا كان الطلاق أربعاً».\rثمَّ قال: «ورد: بأن ذكر المفاداة حكم على حياله فلا فرق بين ذكره بين الطلقتين والثلاثة وفي غير ذلك» (¬٢).\rقلت: وقوله: «على حياله»، أي: مستقل - وعليه قد يكون فسخًا، وقد يكون طلاقًا؛ إذ القصد هنا الذكر فقط لا الترتيب.\r• الحكم السابع: لا يقتصر الخلع على السلطان (¬٣).\rمأخذ الحكم: للإطلاق في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ولم تقيدها عند السلطان.\r• الحكم الثامن: عدم جواز خلع الأجنبي (¬٤).\rمأخذ الحكم: لأن المولى خصَّ الافتداء بالزوجة، في قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فلا يصح أن يكون العوض من أجنبي لا من الزوجة، كأن يقول رجل لآخر: طلق أو خالع امرأتك ولك ألف درهم.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٥).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٤٢١).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٦)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٤٨).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167831,"book_id":1216,"shamela_page_id":485,"part":null,"page_num":489,"sequence_num":485,"body":"استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم الإضرار بالزوجة ليلجئها إلى الافتداء (¬١).\rمأخذ الحكم: النهي عن عضل المرأة من قبل الزوج، والنهي يقتضي التحريم.\rكان ابن عباس ﵄ يقول في هذه الآية ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، «النشوز، وسوء الخلق».\r• الحكم الثاني: إباحة الإضرار والتضييق على المرأة إن كان النشوز منها (¬٢).\rمأخذ الحكم: الاستثناء من النفي إثبات، ومن التحريم الحل.\rقال الموزعي: «لأن المستثنى نقيض المستثنى منه، فيكون المعنى: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فاعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن» (¬٣).\rوقال السيوطي: «واستدل قوم بظاهر الآية على جواز الإضرار إذا حصل منها ما ذكر، والتضييق عليها حتى تفتدي، وقال آخرون: إنما هي مبيحة للأخذ دون الاضرار، فالاستثناء على هذا منقطع» (¬٤).\rوحمل تفسير الفاحشة على النشوز، وقيل: الزنا، وقيل: غير ذلك.\rونبَّه الموزعي إلى الموضع الآخر الذي يجوز فيه أخذ الزوج بعض ما أتاها وهو عند ما يخافا ألا يقيما حدود الله، كما في سورة البقرة، ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال -أي الموزعي-: «وأما إذا لم يأتين الفاحشة، ولم يخافا ألا يقيما حدود الله، فلا يحل","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٢٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١١٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٢٨).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٣١٠).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٢٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167832,"book_id":1216,"shamela_page_id":486,"part":null,"page_num":490,"sequence_num":486,"body":"للأزواج الأخذ؛ كما بينه سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا\rفَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، فحرمه الله تحريما مطلقا … » (¬١).\rقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠].\rاستدل بالآية على منع الخلع مطلقاً (¬٢).\rمأخذ الحكم:\rأولاً: كون الآية ناسخة لآية البقرة.\rووجه النسخ: أنَّ قوله: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، نكرة في سياق النهي، فيعم حال الخلع؛ لأنه أخذ له.\rتتمة: وذكر السيوطي أنَّ هناك من عكس، وقال بأن آية البقرة ناسخة لآية النساء في حكم الخلع. «وقال آخرون: لا ناسخ ولا منسوخ، بل هو الأخذ بطيب نفسها» (¬٣).\rوذكر كثير من العلماء أنَّ الآية محكمة؛ لإمكان الجمع، وعدم تعذره، فآية النساء تحريم الأخذ من مال الزوجة مطلقاً، فيعم الأخذ بطيب النفس وبغير طيب نفس، لكنه مخصوص بتحريم ما لم تطب بها نفسه، بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].","footnotes":"(¬١) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٣١٠ - ٣١١).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٢).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167833,"book_id":1216,"shamela_page_id":487,"part":null,"page_num":491,"sequence_num":487,"body":"تنبيه: ليس لمفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ مفهوم معتبر؛ لأنه إنَّما خُصَّ الاستبدال «لأنها حالة قد يتوهم فيها أنَّه لمكان الاستبدال وقيام غيرها مقامها له أن يأخذ مهرها، ويعطيه الثانية، وهي أولى به من المفارقة، فبيَّن الله أنَّه لا يأخذ منها شيئاً إذا كانت هذه التي استبدل مكانها لم يبح له أخذ شيء مما أتاها مع سقوط حقه عن بضعها، فأحرى أن لا يباح له ذلك مع بقاء حقه، واستباحة بضعها» (¬١).\r\rباب الطلاق\rقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\rاستدل بالآية على أن لفظ التسريح من صرائح الطلاق (¬٢).\rمأخذ الحكم: لوروده في القرآن، قال تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.\rقال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠].\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم المطلقة بالطلقة الثالثة (¬٣).\rمأخذ الحكم: للإخبار عن الحكم بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ وهو من أساليب التحريم.","footnotes":"(¬١) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٢٥).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٠)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٤، ٥٥).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167834,"book_id":1216,"shamela_page_id":488,"part":null,"page_num":492,"sequence_num":488,"body":"• الحكم الثاني: أن الرجل إذا طلق زوجته طلقتين ثم تزوجت من غيره، ثم رجعت إليه، فإن هذا الزواج يهدم ما سبق من الطلقتين، بحيث لو طلقها مرة أخرى فإنها لا تحسب طلقة ثالثة (¬١).\rمأخذ الحكم: عموم الآية إذ لا فرق بين أن يتخلل الطلاق نكاح غيره أم لا.\rووجه العموم من الآية: أن قوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ﴾ فعل في سياق النهي فيعمّ؛ إذ الأفعال كما سبق نكرات، والمعنى: عدم الإحلال بعد الثلاث.\rوالجمهور على عدم الهدم فالمرأة إذا عادت إلى زوجها، وقد بقي من طلاقها شيء؛ فإنّها ترجع على ما بقي من الطلاق.\rأمّا إذا رجعت إلى زوجها الأوّل بعد أن أتم عدد الطلقات، وتزوجت بآخر بنكاح صحيح وجامعها ثم طلقها، ورجعت إلى الأوّل، فإنّها ترجع بالعدد الكامل من الطلقات، فله أن يطلق ويراجع، ويطلق ويراجع، ثم إذا طلق الثالثة بانت منه.\rقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\rالحكم: الأول: وقوع طلاق الهازيء وعتقه ونكاحه وجميع تصرفاته (¬٢).\rمأخذ الحكم: سبب نزول الآية ذلك.\rأورد السيوطي في الدر المنثور عن عبادة بن الصامت قوله: «كان الرجل على","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٢).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٤، ٣٣٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167835,"book_id":1216,"shamela_page_id":489,"part":null,"page_num":493,"sequence_num":489,"body":"عهد النبي ﷺ يقول للرجل زوجتك ابنتي ثم يقول: كنت لاعبًا ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فقال رسول الله: ﷺ (ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعبٍ فهن جائزات: الطلاق، والعتاق، والنكاح) (¬١). وسبب النزول قطعي الدخول.\r• الحكم الثاني: تحريم الطلاق زيادة على العدد المشروع (¬٢).\rمأخذ الحكم: قول الصحابي وتفسيره، فقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس أن رجلاً قال له: طلقت امرأتي ألفاً. قال ثلاث تحرمها عليك، وبقيتهن وزر أتخذت آيات الله هزؤا (¬٣).\rقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز الطلاق في الحيض قبل الدخول.\rقال السيوطي: «قال إلكيا: وعموم قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يدل على جواز الطلاق في الحيض قبل الدخول» (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: الدر المنثور (١/ ٦٨٣)، والحديث أخرجه أصحاب السنن بلفظ: (ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة)، أبوداود برقم (٢١٩٤)، وقال محققه الأرناؤوط (٣/ ٥١٦): \"حسن لغيره \"، والترمذي برقم (١١٨٤)، وابن ماجة، برقم (٢٠٣٩).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٤).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٤).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167836,"book_id":1216,"shamela_page_id":490,"part":null,"page_num":494,"sequence_num":490,"body":"مأخذ الحكم: أباح سبحانه الطلاق من غير تفصيل منه بحال الطهر دون الحيض. ذكره الجصاص؛ ولأنّ النهي في طلاق الحائض خشية تطويل العدة، وهذه لا عدة عليها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ..\r• الحكم الثاني: يجوز الطلاق قبل الفرض والمسيس.\rمأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بعدم الجناح، الدال على الجواز.\r• الحكم الثالث: وجوب المتعة للمطلقة، وتكون بحسب الوسع.\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. وقوله: ﴿حَقًّا﴾، والحق الواجب.\rقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب المتعة لكل مطلقة قبل الدخول وبعده، رجعية أو مختلعة، أو بائنة بثلاث، حرة أو أمة (¬١).\rمأخذ الحكم: الوجوب لكون قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ خبر بمعنى: الأمر، و ﴿مَتَاعٌ﴾ مصدر ناب عن فعله، أي: متعوا المطلقات متاعًا؛ ولأنّه ختم الآية بقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وفيهما من الأساليب الدالة على الوجوب ﴿حَقًّا﴾، و ﴿عَلَى﴾، وكلاهما يدلان على الوجوب، ودخلت الرجعيَّة والمختلعة والبائنة في العموم من صيغة العموم في الجمع المعرَّف في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٧٧)، وتيسير البيان (٢/ ١٤٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167837,"book_id":1216,"shamela_page_id":491,"part":null,"page_num":495,"sequence_num":491,"body":"• الحكم الثاني: ليس في الفسوخ واللعان متعة (¬١).\rمأخذ الحكم: لأن الفسخ لا يسمى طلاقاً، ولأنّ المتعة فيه جبر لقلب المطلقة، ففي الطلاق كسر لقلبها، فتعطى ما يطيب به قبلها، أمّا في الفسوخ واللعان فهي مختارة ولا كسر لقلبها.\rقال القرطبي: «قال أصحاب مالك: كيف يكون للمفتدية متعة وهي تُعطي؟ فكيف تأخذ متاعا؟ لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمى لها صداقا أم لا» (¬٢).\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ١ - ٢].\rاستدل بالآيتين على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: الطلاق للعدة (¬٣).\rوفسّره النبي ﷺ بأن تطلق في طهر لم تجامع فيه، وهو بيان لطلاق السنة.\rقال ابن الفرس في تفسير لعدتهن: «معناه لاستقبال عدتهن وقوامها وتقريبها عليهن … ، والمعنى: في ذلك كله أن لا يطلقها وهي حائض، فهو منهي عنه بالآية؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يقع طلاقه في الحال التي أمر الله تعالى بها، وهو استقبال العدة،","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٧).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٢٩).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٥٧)، وتيسير البيان للموزعي (٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167838,"book_id":1216,"shamela_page_id":492,"part":null,"page_num":496,"sequence_num":492,"body":"فالعدة التي أمر الله تعالى بالطلاق فيها هي الطهر، إلا أنه يستحب أن يكون طهراً لم يجامع فيه؛ لئلا يُلبس على المرأة العدة، فلا تدري بم تعتد هل بالوضع أو بالقرء؟ وقيل: ليكون هو على يقين من نفي حملٍ إن أتت به، فأراد أن ينفيه» (¬١).\rمأخذ الحكم: أمر الشارع بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ مع بيان السنة للقرآن.\rمتممة: قال الموزعي: «وقد استنبط الفقهاء من أمر الله سبحانه بطلاق النساء لعدتهن: أن المرأة التي لا عدة عليها إذا طُلِّقت أنه لا حرج في طلاقها في حال الحيض؛ لأنه لا عدة عليها، فتطلَّق لها، ولا تجب عليها عدة فيطول عليها، والله أعلم» (¬٢).\rوذكر ابن الفرس أن الحامل تطلق «متى شاء؛ لأنه متى طلقها فهي تستقبل عدتها، لا تنتظر طهراً، كما تصنع التي تحيض، فطلاقها موافق لما أمر الله تعالى به» (¬٣).\r• الحكم الثاني: لفظ «الإمساك» من صرائح الرجعة، والفراق من صرائح الطلاق (¬٤).\rمأخذ الحكم: لوروده في القرآن بهذه المعاني، وهي ظاهرة فيه، قال الموزعي عن الإمساك «لأنه عُرف في الإمساك ورد به القرآن» (¬٥).","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٥٧٠).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٢٦٣).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٥٧١).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ١٢٥٩).\r(¬٥) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٢٦٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167839,"book_id":1216,"shamela_page_id":493,"part":null,"page_num":497,"sequence_num":493,"body":"كتاب الرجعة\rقال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: إذا طلَّق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين وهي حامل فهو أحق برجعتها ما لم تضع (¬١).\rمأخذ الحكم: قول الصحابي ابن عبَّاس، حيث استنبط الحكم المذكور من الآية (¬٢).\rقال السيوطي: «وقال بعضهم أول الآية وآخرها خاص، وذلك أن أولها عام في كل مطلَّقة، وآخرها خاص بالرجعية» (¬٣).\r• الحكم الثاني: يستقل الزوج بالرجعة في العدة، من غير ولي ولا رضا المرأة، وأنه بعد العدة بخلاف ذلك (¬٤).\rمأخذ الحكم: ظاهر قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٧).\r(¬٣) الإكليل (١/ ٤١٧)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٢).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167840,"book_id":1216,"shamela_page_id":494,"part":null,"page_num":498,"sequence_num":494,"body":"ومفهوم قوله: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي: في مدة التربص ثلاثة قروء، ومفهومه: أنّه بعد ذلك لا بدّ من رضاها وولي وعقد، وكونه أحق بنص القرآن، وتفسير ابن عباس السابق، المذكور في الحكم الأول.\r• الحكم الثالث: بقاء الزوجية في حال بقاء الرجعة، وإباحة الوطء (¬١).\rمأخذ الحكم: لقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾، فلم ينف المولى وصف الزوجية عنه.\rفائدة: قال السيوطي: «واستدل خلافهم بقوله: ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾، والرد لا يكون إلا لما ذهب من إباحة الوطء» (¬٢).\r• الحكم الرابع: لفظ الرد من صرائح الرجعة (¬٣).\rمأخذ الحكم: لوروده في القرآن لهذا المعنى، في قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.\r• الحكم الخامس: للزوج نكاح المختلعة في عدتها بشرط رضاها (¬٤).\rمأخذ الحكم: قال السيوطي: «لعمومه» (¬٥).\rقلت: لعله عموم قوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وهي لا تريد الإصلاح، بل تريد الفراق خُلعًا، وإن حصل فليس هو ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾، ومن ثمّ كانت بائنًا بالخلع كالأجنبية، وهي في العدة، لكن العدة لأجل استبراء رحمها من ماء زوجها الأوّل لتحل لغيره.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٨).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٤١٨).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٨).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٧).\r(¬٥) الإكليل (١/ ٤١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167841,"book_id":1216,"shamela_page_id":495,"part":null,"page_num":499,"sequence_num":495,"body":"قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: لفظ الإمساك من صرائح الرجعة (¬١).\rمأخذ الحكم: لوروده في القرآن لهذا المعنى، في قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾.\r• الحكم الثاني: تحصل الرجعة بالوطء (¬٢).\rمأخذ الحكم: لأنه أقوى مقاصد النكاح فكان إمساكاً بالمعروف فتحصل به الرجعة.\rقال السيوطي: «قال إلكيا: وهذا غلط لأنه قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ في الطلاق، ولا طلاق إلا بالقول، فكذلك الإمساك لا يكون إلا بالقول» (¬٣).\rقلت: وذلك لأجل المقابلة، فالطلاق لا يكون إلّا بالقول، فكذا الإمساك، وهذا مذهب الشافعي، ويؤيده قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، والشهادة إنّما على القول لا الوطء قطعًا.\rوأكثر العلماء على أنّ الرجعة تكون بالقول أو بالفعل، ولو كان أدون من الوطء كالقبلة، والنظر لشهوة للفرج.\rقال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣٠ - ٢٣١].\rاستدلَّ بالآيتين على الأحكام الآتية:","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٠).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٠).\r(¬٣) الإكليل (١/ ٤٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167842,"book_id":1216,"shamela_page_id":496,"part":null,"page_num":500,"sequence_num":496,"body":"• الحكم الأول: تحل المطلقة ثلاثاً بعد نكاح زوج آخر، سواء كانت حرة أم أمة ثم اشتراها (¬١).\rمأخذ الحكم: لعموم قوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ﴾، وكونها لا تحل إلّا بعد نكاح زوج آخر لمفهوم الغاية في قوله:. ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾\r• الحكم الثاني: يشترط في التحليل والرجعة لزوجها الأول: الوطء (¬٢).\rمأخذ الحكم: لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾، واسم النكاح لا يطلق على الوطء إلّا في هذه الآية؛ لدلالة حديث رفاعة، وقوله ﵊: (لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته) (¬٣).\rقال السيوطي: «واستدل به سعيد بن المسيب على الاكتفاء بالعقد بلا وطء؛ بناء على أن النكاح حقيقة في العقد» (¬٤).\rقلت: يعتذر له أنّه لم يطلع على حديث رفاعة، وإلّا لفظ النكاح يطلق على العقد.\r• الحكم الثالث: يشترط في التحليل والرجعة لزوجها الأول أن يكون في النكاح الصحيح (¬٥).\rمأخذ الحكم من قوله: ﴿زَوْجًا﴾، فلابد من وطء زوج في نكاح صحيح، لا وطء سيد، ولا نكاح بلا وطء، ولا وطء في نكاح فاسد ولا بشبهة.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٣)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٥، ٥٨).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٥).\r(¬٣) أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث، برقم (٥٢٦٠).\r(¬٤) الإكليل (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٠)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167843,"book_id":1216,"shamela_page_id":497,"part":null,"page_num":501,"sequence_num":497,"body":"والنكاح الفاسد، كنكاح ذات محرم، أو نكاح بلا ولي ولا شهود، ووطء الشبهة، أن يطئها يظنها زوجته، وهذان الوطآن لا يصدق فيهما على الواطئ أنه زوج.\rكما أن وطء السيد لا يحل؛ لأنّه ليس زوجًا. وكذا الوطء بالملك فيما إذا اشترى مطلقته ثلاثاً، لأنّه ليس نكاحًا.\rتتمة: قال السيوطي: أن في الآية رد «على من لم يكتف بنكاح الكافر إذا كانت كافرة، والمراهق، والمجنون؛ لأنه يسمى زوجاً. أي: الكافر والمراهق والمجنون» (¬١).\r• الحكم الرابع: نفاذ الرجعة بالإمساك حال نيَّة الإضرار، مع كونه ظالماً (¬٢).\rقال الموزعي: «وقوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ذكره على سبيل التغلييب، لا على سبيل الاشتراط فيحقُّ له نكاحها وإن ظنا ألا يقيما حدود الله - سبحانه - وكان له عدد الطلاق، والله أعلم» (¬٣)\rمأخذ الحكم: لقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، ظاهره صحة الرجعة مع حصول الإثم بفعله.\rوكونه ظالماً: لتطويل العدة عليها بمراجعتها إذا شارفت العدة على الانتهاء، وذكر المولى سبحانه هنا اسم الإشارة (ذلك)؛ ليدل على البعد تعظيمًا له وترهيبًا منه.","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٤٢٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٤).\r(¬٣) تيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167844,"book_id":1216,"shamela_page_id":498,"part":null,"page_num":502,"sequence_num":498,"body":"قلت: ولعل نفاذ الرجعة يكون عند من قال بأنّه لا مفهوم للشرط في قوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.\rولعل القائل بالمفهوم مؤيد بهذا النص الدال على تحريم هذا الفعل، ووصف فاعله بأنّه ظالم لنفسه، والنهي يقتضي الفساد، والله أعلم.\r• الحكم الخامس: لا رجعة للمطلقة قبل الدخول.\rمأخذ الحكم: قال الموزعي: «لأنه لا عدة عليها، فلا أجل لها تبلغه، والله أعلم» (¬١)\r\rباب الإيلاء والظهار والكفارة\rقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: لا بد في الإيلاء من الحلف ألا يطأ زوجته (¬٢).\rلذا عرف العلماء الإيلاء بأنّه: الحلف على ترك وطء المرأة (¬٣).\rفالمُولي هو: الذي يحلف بالله ﷿ ألا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر كما سيأتي.\rمأخذ الحكم: لأن الجماع داخلٌ في الآية؛ لأنّه سبب نزول الآية.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان للموزعي (٢/ ٦٢).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٣)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٣).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167845,"book_id":1216,"shamela_page_id":499,"part":null,"page_num":503,"sequence_num":499,"body":"ولذا ذهب الجمهور على إضمار الجماع، أي: يحلفون على عدم وطء زوجاتهم.\rوإلَّا فإنَّ الإطلاق في الآية يشمل الحلف على الجماع وغيره؛ لكون ﴿يُؤْلُونَ﴾، فعل في سياق الإثبات.\rقال السيوطي: «قال الكيا: ليس في نظم القرآن ما يدل على الجماع، ولا على الحلف على مدة معلومة فاختلف العلماء. فمنهم من لم يفصل بين اليمين المانعة من الجماع، والكلام، والإنفاق» (¬١).\r• الحكم الثاني: يمهل المولي أربعة أشهر من الإيلاء ثم يطالب بالفيئة، وهي الرجوع عن موجب يمينه، فيطأ زوجته، أو الطلاق، ويكون الطلاق حال امتناعه عن الفيئة (¬٢).\rوقد كان الإيلاء في الجاهلية السنة والسنتين، فوقت لهم الشارع أربعة أشهر (¬٣).\rمأخذ الحكم: لعله اللام في قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾ بمعنى (على)، فتدل على وجوب المأمور به وهو قوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.\rأو يقال: إنها لام الاستحقاق؛ لوقوع اللام بين معنى، وهو التربص، وذات تملك، وهو اسم الموصول في قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾، ويكون مأخذ الحكم: كونه خبراً باستحقاق المولين من نسائهم التربص أربعة أشهر، ويكون الخبر هنا بمعنى الأمر.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٣)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٢).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٣)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167846,"book_id":1216,"shamela_page_id":500,"part":null,"page_num":504,"sequence_num":500,"body":"تنبيه: مفهوم قوله: ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، أن من حلف على دون أربعة أشهر ولو يوماً، فإنه لا يكون إيلاءً.\rوقال السيوطي: «وفي الآية رد على من خصص الإيلاء بالمؤبد بخلاف المقيد بوقت أو صفة لإطلاق الآية» (¬١).\rومأخذه: ما ذكره السيوطي من الإطلاق، فلم تقيد الآية الإيلاء بمؤبد أو غير مؤبد، والذي قصرها على المؤبد أراد قصر الآية على سبب نزولها، كفعل الجاهلية، وربما حلف ألا يطأ امرأته على التأبيد.\r• الحكم الثالث: استدل الشافعي بأن من آلى أربعة أشهر فقط لا يكون مولياً (¬٢).\rقال السيوطي: «لأن مدة أربعة أشهر حق خالص له فلا يفوت به حق ولا يتوجه عليه مطالبة» (¬٣).\rأي: أي: فلا يفوت بالأربعة أشهر حق الخيار بين الفيئة والطلاق، ولا يتوجه عليه مطالبة بطلاق.\rوقال السيوطي: «خلافاً لأبي حنيفة في قوله بوقوع طلقة» (¬٤).\rأي: إذا تمت الأربع، ولا أثر لفيئته بعدها، ولا يتوقف على القاضي.\rومأخذ الحكم: الخلاف في التقدير في قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾، فقيل: (فإن فاؤوا فيهن) أو (فيها) وهي قراءة أبي بن كعب، وهو مذهب الحنفية.","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٤١٤).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٣)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٠، ١١).\r(¬٣) الإكليل (١/ ٤١٣ - ٤١٤).\r(¬٤) الإكليل (١/ ٤١٣)، وتيسير البيان (٢/ ١٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167847,"book_id":1216,"shamela_page_id":501,"part":null,"page_num":505,"sequence_num":501,"body":"وقدَّر الشافعي (فإن فأوا بعدهن) وسيأتي ما يدل عليه من السياق.\rوكذا وقع الخلاف في الفاء في قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ هل هي للترتيب الزماني، أي: زمن المطالبة بالفيء أو الطلاق عقب الأجل المضروب.\rأو للترتيب الذكري، فتفيد الترتيب المفصل (الفيء والطلاق) على المجمل، فيجوز أن يكون خلال الأجل المضروب، فإذا انقضى الأجل دون فيئة، وقع الطلاق.\r• الحكم الرابع: اشترط العزم، والتلفظ بالطلاق، لا مجرد انتهاء المدة (¬١).\rمأخذ الحكم: قال السيوطي: «وفي لفظ العزم (¬٢)، ما يدل على قصد الطلاق وإنشائه. وكذا قوله ﴿سَمِيعٌ﴾ بمسموع، وهو النطق بالطلاق، ومضي المدة ليس بمسموع» (¬٣).\rوقال الموزعي: «ومفهومه: أن من لم يعزم الطلاق في المدَّة، بل كان عزمه الفيئة إلى انقضاء المدَّة أن يخالف حكمه حكم العازم على الطلاق إذا لم يُطلِّق بلسانه، ولم يعزم عليه، وأبو حنيفة لا يفرق بينهما، فدلَّ على أن المراد بالفيئة عزيمة الطلاق بعد مضي المدَّة، لكنَّ مفهوم الخطاب عنده ليس بحجة» (¬٤)\r• الحكم الخامس: عدم صحة الإيلاء من الأجنبية. كأن يضيف الإيلاء إلى النكاح، فيقول: إن تزوجتك فوالله لا أقربك (¬٥).\rمأخذ الحكم: مفهوم الصفة في قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وهي ليست من نساءه،","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣١٤)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٢).\r(¬٢) وذلك في قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾.\r(¬٣) الإكليل (١/ ٤١٤)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣١٤).\r(¬٤) تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٢).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣١٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167848,"book_id":1216,"shamela_page_id":502,"part":null,"page_num":506,"sequence_num":502,"body":"فلا تكون محلًا للإيلاء.\rتنبيه: أجاز الحنفية إضافة الطلاق والإيلاء، وتعليقه على النكاح؛ لأنّ المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود الشّرط.\rأمّا الشافعية فلا يصح عندهم الإيلاء المضاف إلى النكاح (التعليق) حتى يقع، والمرأة التي عُلق إيلاؤها على نكاحها ليست زوجة عند حصول الإيلاء.\rفالحنفية يجعلون التعليق يؤخر انعقاد الإيلاء حتى يوجد المعلق، والشافعية يمنعون ترتب الحكم عليه حتى يوجد الشرط المعلق عليه.\r• الحكم السادس: صحة الإيلاء من الكافر، وبأي يمين كان، ومن غير المدخول بها، والصغيرة، والخصي، وأن العبد يضرب له الأربعة أشهر كالحر (¬١).\rمأخذ الحكم: لعموم قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾، فهو اسم موصول، وكذا ضمير الجمع في قوله: ﴿يُؤْلُونَ﴾، فدخل الكافر والخصي والعبد.\rوأما كونه بأي يمين فللإطلاق في الآية، فتدخل فيه كل يمين منعت جماعًا، ودخلت الصغيرة في عموم ﴿نِسَائِهِمْ﴾.\rقال الموزعي: «وعموم الآية أيضاً يقتضي صحة الإيلاء من الرتقاء، والقرناء، والصغيرة، والمريضة المضناة، وفي ذلك خلاف بين الفقهاء» (¬٢)\rتنبيه: قال الموزعي «وأجمعوا على أن المراد بالنساء الأزواج دون الإماء» (¬٣)","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٤).\r(¬٢) تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧ - ١٨).\r(¬٣) تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167849,"book_id":1216,"shamela_page_id":503,"part":null,"page_num":507,"sequence_num":503,"body":"• الحكم السابع: امتناع تقديم الكفارة على الحنث (¬١).\rمأخذ الحكم: ذكر السيوطي أن محمد بن الحسن هو المستدل بالآية على الحكم المذكور، ثُمَّ بيَّن مأخذه فقال: «لأنه حَكَم للمولى بأحد الحكمين: الفيء أو الطلاق، فلو جاز تقديم الكفارة لبطل الإيلاء بدونها، ففيه إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكر الله» (¬٢).\r• الحكم الثامن: لا يلزم المولي كفارة إن رجع قبل انقضاء الأشهر الأربع (¬٣).\rقال السيوطي: «واستدل الحسن وبعض أصحابنا بقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على أنه لا يلزمه كفارة اليمين» (¬٤).\rمأخذ الحكم: أن قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يقتضي عفوه عن تلك اليمين.\rتتمة: قيل: المراد غفور لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف، أي: الإثم المترتب على هذا. وقيل: لأنّه لم يكن أنزلت الكفارة في المائدة، والحنث موجب للكفارة.\r• الحكم التاسع: من ترك الوطء ضراراً بلا يمين لا يجري عليه هذا الحكم، وأن الحكم خاص بالمولي (¬٥).\rمأخذ الحكم: لظاهر الآية؛ لأنّ المولى جعله للمولي، وهو الحالف، وهذا غير حالف.","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٤١٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣١٤).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٤١٤).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٥).\r(¬٤) الإكليل (١/ ٤١٥).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167850,"book_id":1216,"shamela_page_id":504,"part":null,"page_num":508,"sequence_num":504,"body":"وصنيعه لا يسمى إيلاءً، بل يعد من سوء العشرة، ويتيح لها طلب الفرقة عند بعض الفقهاء؛ لقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، إذا لم يكن هناك عذر يمنعه من قربانها.\r• الحكم العاشر: الحاكم لا يطلق على الزوج، حال امتناعه من الفيئة بعد التربص، وإنّما يضيق عليه ويحبس حتى يطلقها بنفسه، وهذا الإكراه معتبر؛ لأنّه إكراه بحق (¬١).\rمأخذ الحكم: لأن الله جعل الفيء والطلاق للمولى لا لغيره، كما في ظاهر نص الآية.\rقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٢ - ٤].\rقال الموزعي: «والظهار أن يقول لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، كما ذكر الله تعالى … فكنوا بالظهار عمَّا يستهجن ذكره، وأضافوا الظهر إلى الأم؛ لأنها أم المحرمات» (¬٢).\rواستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم الظهار (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٥).\r(¬٢) تيسير البيان (٤/ ١٩٦)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٢٣).\r(¬٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٧/ ٢٧٩)،، والإكليل (٣/ ١٢٣٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٢٤)، وتيسير البيان (٤/ ١٩٦)، وأضواء البيان للشنقيطي (٦/ ٥١٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167851,"book_id":1216,"shamela_page_id":505,"part":null,"page_num":509,"sequence_num":505,"body":"مأخذ الحكم:\rالأول: ذمَّ الشارع له، ووصفه بأنه منكر من القول وزوراً.\rالثاني: ختم الآية بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ مشعر بقيام سبب الإثم، فدلّ على التحريم.\rقال ابن الفرس: «إخباره تعالى أنه معفو عنه، ويغفر، ولا يعفي ويغفر إلا على المذنبين» (¬١).\rالثالث: ايجاب الكفارة يدل على التحريم، وكونه كبيرة.\rقال ابن القيم: «ومنها: أن الظهار حرام لا يجوز الإقدام عليه؛ لأنه كما أخبر الله عنه منكر من القول وزور، وكلاهما حرام … ، وختم سبحانه الآية بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ وفيه إشعار بقيام سبب الإثم، الذي لولا عفو الله ومغفرته لآخذ به» (¬٢).\r• الحكم الثاني: لا يختص الظهار بقوله: «كظهر أمي» بل يشمل تشبيه الزوجة بظهر من تحرم عليه على التأبيد، كجدته، وعمته، وخالته، وأخته، ونحو ذلك (¬٣).\rمأخذ الحكم: أطلقت الآية تحريم المظاهرة من نساء الزوج، ولم تخص الأم دون غيرها، ومن قصره على الأم فقد خصَّ بلا دليل.\rوكونه منكراً وزوراً، سواء كان على الأم أو على كل ذات محرم.\rقال ابن القيم: «والفرق بين جهة كونه منكراً، وجهة كونه زوراً، أن قوله: أنتِ","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٢٤).\r(¬٢) ينظر: زاد المعاد (٥/ ٥٢٥).\r(¬٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٧/ ٢٧٩)، والإكليل (٣/ ١٢٣٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٢٤)، وتيسير البيان (٤/ ١٩٦، ١٩٧)، وأضواء البيان للشنقيطي (٦/ ٥١٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167852,"book_id":1216,"shamela_page_id":506,"part":null,"page_num":510,"sequence_num":506,"body":"عليَّ كظهر أمي، يتضمن إخباره عنها بذلك، وإنشاءه تحريمها، فهو يتضمن إخباراً وإنشاء، فهو خبر زور، وإنشاء منكر، فإن الزور هو: الباطل خلاف الحق الثابت، والمنكر: خلاف المعروف» (¬١).\r• الحكم الثالث: عدم صحة الظهار من الأمة (¬٢).\rمأخذ الحكم: أن الله ﷿ أناط حكم الظهار بالنساء في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ومطلقه ينصرف إلى الزوجات. قال الموزعي: «لأنها من جماعة النساء كالزوجة» (¬٣). وقال ابن الفرس: «لأن لفظ النساء يعم الحرائر والإماء» (¬٤).\r• الحكم الرابع: صحة ظهار العبد والكافر (¬٥).\rمأخذ الحكم: لعموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ فيشمل الكافر، وكونه مخاطباً مكلفاً.\rقال الموزعي: «وعموم الخطاب يقتضي أن يصح الظهار من كل زوج مكلَّف، فيصح الظهار من الحر والعبد، ومن المسلم والكافر، ومن الخصي والمجبوب، وهو كذلك» (¬٦).\rقال السيوطي: «واستدل مالك بقوله ﴿مِنْكُمْ﴾ على أن الكافر لا يدخل في هذا الحكم» (¬٧).","footnotes":"(¬١) ينظر: زاد المعاد (٥/ ٥٢٥).\r(¬٢) ينظر: المغني (١١/ ٥٦)، والإكليل (٣/ ١٢٣٥)، وتيسير البيان (٤/ ١٩٧).\r(¬٣) تيسير البيان (٤/ ١٩٧).\r(¬٤) تيسير البيان (٣/ ٥٢٥ - ٥٢٦).\r(¬٥) ينظر: المغني (١١/ ٥٦).\r(¬٦) تيسير البيان (٤/ ١٩٧)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٢٦).\r(¬٧) الإكليل (٣/ ١٢٣٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167853,"book_id":1216,"shamela_page_id":507,"part":null,"page_num":511,"sequence_num":507,"body":"• الحكم الخامس: وجوب الكفارة على المظاهر بالإجماع (¬١).\rمأخذ الحكم: قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: فعليه تحرير رقبة، والمقدَّر كالملفوظ، وكذا قوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وقوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.\rوكذا ختم الآية: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: محارمه، فأمر باجتنابها.\rتتمة: قال الموزعي: «وقد أجمع أهل العلم على أنها على الترتيب، كما بينها الله تعالى» (¬٢).\r• الحكم السادس: تحريم الوطء إلى ما بعد أداء الكفارة بالإجماع (¬٣).\rمأخذ الحكم: ظاهر النص؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فاشترط سبحانه العتق قبل الوطء، وكذا صيام الشهرين المتتابعين.\rوقيل الإطعام مفهوم الأولى، حيث إنه سبحانه اشترط عدم الوطء مع الصيام الذي يطول زمنه، فاشتراطه مع الإطعام الذي لا يطول زمنه أولى (¬٤).\rومأخذ من قال بجواز الوطء قبل الإطعام خاصة: سكوت الآية عن ذلك، وما سكت الله عنه فهو عفو، بل وتقييده العتق والصيام قبل المسيس، وسكوته عن الإطعام لفائدة مقصودة، ولا فائدة إلا تقييد ما قيَّده، وإطلاق ما أطلقه.\r• الحكم السابع: تجب الكفارة بالعود لا بنفس الظهار (¬٥).","footnotes":"(¬١) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٢٠٠).\r(¬٢) تيسير البيان (٤/ ٢٠٣)، وينظر: الإكليل (٣/ ١٢٣٥).\r(¬٣) ينظر: المغني (١١/ ٦٦)،، والإكليل (٣/ ١٢٣٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٣٠)، وتيسير البيان (٤/ ٢٠٥).\r(¬٤) ينظر: زاد المعاد (٥/ ٣٣٨).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٣٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٢٧)، وتيسير البيان (٤/ ٢٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167854,"book_id":1216,"shamela_page_id":508,"part":null,"page_num":512,"sequence_num":508,"body":"مأخذ الحكم: تعليق الله ﷿ الكفارة بالعود بقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، وهو قول الجمهور.\rقال الموزعي: «وتكون اللام بمعنى (في) أي: فيما قالوا، كما في قوله تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: في يوم القيامة، وكما في قوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]» (¬١).\rتتمة: اختلف الجمهور في العود، بم يكون:\rفقيل: بالعزم على الجماع، وقيل: بالعزم على الإمساك، وقيل: عليهما، فمتى انفرد أحدهما دون الآخر لم تجب الكفارة، وقيل: العود هو الوطء نفسه (¬٢).\rتنبيه: من قال تجب الكفارة بمجرد الظهار، قالوا: المراد بالعود في الآية هو العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من التظاهر، أي: من عاد إلى الظهار بعد تحريمه في الإسلام فعليه الكفارة.\r\rباب اللعان\rقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩].\rقال السيوطي في الإكليل: «هذه أصل اللعان» (¬٣).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٤/ ٢٠١).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٢٠١ - ٢٠٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٢٧ - ٥٢٨).\r(¬٣) الإكليل (٣/ ١٠١٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167855,"book_id":1216,"shamela_page_id":509,"part":null,"page_num":513,"sequence_num":509,"body":"استدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: شرط اللعان سبق قذف (¬١).\rمأخذ الحكم: ظاهر الآية وسياقها أنها في معنى الشرط؛ لذا جاء الجواب مقترناً ب «الفاء» ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾\r• الحكم الثاني: لا يكون اللعان إلا بين زوجين (¬٢).\rقال السيوطي: «واستدل بعمومها من قال بلعان الكفار والعبيد والخصي والمجبوب، والمحدود في القذف، والأعمى والأخرس ومن الصغيرة التي لا تحمل والآيسة» (¬٣).\rوقال الموزعي: «فيدخل فيها كل من كان يصلح له الخطاب من ذوي التكليف، فيصح من كل زوج يصح طلاقه ويمينه، سواء كانا حرين، أو عبدين، مسلمين أو كافرين، أو أحدهما حراً والآخر عبداً، أو أحدهما كافراً، والآخر مسلماً … » (¬٤).\rمأخذ الحكم: العموم في صيغة اسم الموصول في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ وكذا ضمير الجمع في قوله: ﴿يَرْمُونَ﴾.\r• الحكم الثالث: لا يقام اللعان مع وجود البينة (¬٥).\rقال السيوطي: «واستدل بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ من قال: لا لعان","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١٠)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ١٤٩).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١٠)، وتيسير البيان للموزعي (. . .).\r(¬٣) الإكليل (٣/ ١٠١٠).\r(¬٤) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٥٨).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167856,"book_id":1216,"shamela_page_id":510,"part":null,"page_num":514,"sequence_num":510,"body":"إذا أقام البينة على زناها» (¬١).\rمأخذ الحكم: مفهوم الحصر، وهو إن كان لهم شهداء غير أنفسهم فلا لعان.\r• الحكم الرابع: للعان صيغة، وهي أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين أربعاً، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر بذلك كما هو نص الآية بقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\rوقوله: ﴿فَشَهَادَةُ﴾ كالجواب للشرط -كما سبق- أو على تقدير «عليه» أي: فعليه أن يشهد أربع شهادات.\r• الحكم الخامس: اللعان شهادة لا يمين (¬٣).\rمأخذ الحكم: تسمية الشارع له بالشهادة في قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾.\rقال السيوطي: «فاستدل به من لم يجز إبدال (أشهد) ب (أحلف) أو (أقسم) ونحوه» (¬٤).\rولم يقبل أبو حنيفة لعان الكافرين أو العبيد؛ لأن المراد بالآية من تجوز شهادته من الأزواج، وهم مستثنون من الشهادة بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾.\rقال ابن الفرس: «فسماهم شهداء بذلك؛ إذ المستثنى من جنس المستثنى منه،","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١١).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١١)، وتيسير البيان للموزعي (٣/ ٣٤٩).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١١).\r(¬٤) الإكليل (٣/ ١٠١١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167857,"book_id":1216,"shamela_page_id":511,"part":null,"page_num":515,"sequence_num":511,"body":"وقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ فدل على أن اللعان شهادة، والعبد لا تجوز شهادته، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الاستثناء منقطع، والمعنى فيه: ولم يكن لهم شهداء غير قولهم الذي ليس بشهادة، كما قالوا الصبر حيلة من لا حيلة له، والجوع زاد من لا زاد له. فاللعان يمين وليس بشهادة، وإنما أخذ من باب الشهادة بالعين والقلب، فسمي شهادة لهذه العلة، فالخلاف يرجع إلى أن اللعان هل هو يمين أو شهادة؟» ا. هـ (¬١).\rواستدل ابن العربي بالاستقراء على أنها يمين، فقال: «والفيصل في أنه يمين، لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواها، وتخليصه من العذاب؛ وكيف يجوز لأحد أن يدعي في الشريعة لنفسه بما يوجب حكماً على غيره؟ هذا بعيد في الأصل، معدوم في النظر» (¬٢).\rذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كونها شهادة أو يمين، والخلاف المبني على ذلك من كون القائل يكون اللعان شهادة لا يصح عنده اللعان إلا ممن تجوز شهادته، ثم قال: «وأظهر الأقوال عندي: أنها أيمان مؤكدة بالشهادة، وأن لفظ الشهادة ربما أطلق في القرآن، مراداً بها اليمين، مع دلالة القرائن على ذلك، وإنما استظهرنا أنها أيمان لأمور:\rالأول: التصريح في الآية بصيغة اليمين في قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾؛ لأن لفظة ﴿بِاللَّهِ﴾ يمين، فدلَّ قوله ﴿بِاللَّهِ﴾ على أن المراد بالشهادة اليمين؛ للتصريح بنص اليمين، فقوله: أشهد بالله في معنى: أقسم بالله.\rالثاني: أن القرآن جاء في إطلاق الشهادة، وأراد اليمين في قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠]، ثمَّ بيَّن أن المراد بتلك الشهادة اليمين في","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٤٦).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٥٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167858,"book_id":1216,"shamela_page_id":512,"part":null,"page_num":516,"sequence_num":512,"body":"قوله ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨]، فقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ دليل على أن المراد بلفظ الشهادة في الآية اليمين، وهو واضح كما ترى …\rالثالث: ما قاله ابن العربي: قال: والفيصل أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه، وتخليصه من العذاب، وكيف يجوز لأحد أن يدعي في الشريعة أن شاهداً يشهد لنفسه بما يوجب حكماً على غيره. هذا بعيد في الأصل، معدوم في النظر أ. هـ. بواسطة نقل القرطبي» (¬١) أ. هـ.\rوقد أشار الموزعي لبعض ما ذكره الشيخ الأمين، وقال مؤكداً؛ لكونها يمين: «وقد ورد في بعض ألفاظ حديث هلال بن أمية: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) اه (¬٢). (¬٣).\r• الحكم السادس: لعان الرجل زوجته يوجب عليها حد الزنى ما لم تدفعه (¬٤).\rمأخذ الحكم: بيان الشارع ما يدرأ به العذاب، بقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨]، ومفهومه إن لم تشهد فإن العذاب حال عليها.\rقال الشيخ محمد الأمين: «ومفهوم مخالفة الآية يدل على أنها لو نكلت عن شهاداتها، لزمها الحد بسبب نكولها مع شهادات الزوج، وهذا هو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه» (¬٥).","footnotes":"(¬١) أضواء البيان (٥/ ٤٦٦ - ٤٤٧).\r(¬٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب اللعان، برقم (٢٢٥٦).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان للموزعي (٤/ ٦٠).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ١١١٠)، وتيسير البيان للموزعي (٤/ ٦١).\r(¬٥) ينظر: أضواء البيان (٥/ ٤٦٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167859,"book_id":1216,"shamela_page_id":513,"part":null,"page_num":517,"sequence_num":513,"body":"ثم قال ﵀: «وظاهر القرآن أيضاً أنه لو قذف زوجته، وامتنع من اللعان أنه يحد حد القذف، فكل من امتنع من الزوجين من الشهادات الخمس وجب عليه الحد، وهذا هو الظاهر من الآيات القرآنية; لأن الزوج القاذف داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾» (¬١).\r• الحكم السابع: لا يجوز تقديم لعانها على لعانه (¬٢).\rمأخذ الحكم: البدء بما بدأ به الله، كما أن في قوله:: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ الآية، ما يقضي أن يكون لعانها بعد أن يحق عليها العذاب بلعان الزوج حتى يدرأ.\r• الحكم الثامن: من رمى زوجته برجل مخصوص سماه مع لعانه لزوجته لم يحد حد القذف (¬٣).\rمأخذ الحكم: قال ابن الفرس: «وقال الشافعي لا يحد؛ لأن الله تعالى قد صدقه في نفس الواقعة مع أيمانه، فصار ذلك شبهة في درء الحد عنه» (¬٤).\r• الحكم التاسع: لا يقع باللعان فراق، وإنما يسقط به النسب والحد، وهما على الزوجية كما كانا.\rمأخذ الحكم: لسكوت الآية عن ذلك.\rقال ابن الفرس: «وهذا القول أضعف الأقوال؛ لما جاء في ذلك من الحديث عن النبي ﷺ، وليس في ذلك ما يعارض القرآن، والجمع بين القرآن والحديث ما","footnotes":"(¬١) ينظر: أضواء البيان (٥/ ٤٦٤ - ٤٦٥).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣، ٣٥١)، وتيسير البيان للموزعي (٤/ ٦٤).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٤٨).\r(¬٤) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٣٤٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167860,"book_id":1216,"shamela_page_id":514,"part":null,"page_num":518,"sequence_num":514,"body":"أمكن أولى من الأخذ بأحدهما والإطراح للآخر (¬١).\rوقال إسماعيل القاضي: إنما وقت الفرقة بتمام اللعان من أجل أن الغضب واللعنة قد حقَّت على أحدهما، واللعن للكفار، فهما وإن لم يكونا بذلك كافرين ولا أحدهما، وهو كاذب وهي كاذبة فقد حقَّت اللعنة، فلا يجوز أن تكون مسلمة تحت ملعون، ولا ملعونة تحت مسلم، إذا وقع التشبيه بين الكافر وبين الملاعن باللعن، قال الله ﷿: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، والظالمون هنا: الكافرون، قال ذلك ترجمان القرآن ابن عباس» اه (¬٢).\r\rباب العِدّة والإحداد\rقال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتيَّة:\r• الحكم الأول: وجوب العدة على المطلقات طلاقاً رجعياً أو بائناً (¬٣)، بشرط الدخول كما، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].\rمأخذ الحكم: والوجوب لكونه خبرًا بمعنى الأمر، أي: عليهن أن يتربصن.\rوكونه عامًا للبائن والرجعي؛ لأنّه جمع معرف ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾، فيعمّ كل مطلقة إلّا ما خصّ منه الدليل.","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٥٢).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٥٢).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167861,"book_id":1216,"shamela_page_id":515,"part":null,"page_num":519,"sequence_num":515,"body":"• الحكم الثاني: عدَّة المطلَّقة: ثلاثة قروء لمن تحيض (¬١).\rمأخذ الحكم: نصّ الآية، إذ الأعداد نصوص في دلالتها.\r• الحكم الثالث: عِدَّة المستحاضة ثلاثة قروء (¬٢).\rمأخذ الحكم: لعموم الجمع المعرّف في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾، فتدخل المستحاضة في عمومه؛ لأنها مطلَّقة.\r• الحكم الرابع: لا يحل للحامل أن تكتم حملها، ولا يحل لها إن كانت حائضاً أن تكتم حيضها (¬٣).\rمأخذ الحكم: ورود التحريم بأسلوب الخبر عنه في قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾، ولقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مما يدل على أن فعل ذلك فيه خلل بالإيمان، والخلل به محرم، ولقول ابن عمر ﵄ فقد ذكر الحكم المذكور والمستنبط من الآية (¬٤).\r• الحكم الخامس: قبول قول الحائض بالحيض، فيما لو قالت: حضت، وقد علق الطلاق على حيضها فإنّه يقع.، وكذا الحامل بالحمل (¬٥).\rمأخذ الحكم: كون النهي عن الشيء أمراً بضده، فنهى عن الكتمان وضده الأمر بإظهاره.\rكما أنه لا يجب عليها الإظهار إلّا لأجل العمل به، وإلّا لما كان","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢١).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٥ - ٤١٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢١).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣١٩).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٦).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٠، ٣٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167862,"book_id":1216,"shamela_page_id":516,"part":null,"page_num":520,"sequence_num":516,"body":"للإظهار فائدة.\rقال السيوطي: «قال العلماء وإنما نهين عن الكتم لئلا يبطل حق الزوج من الرجعة لمن أراد رجعتها قبل الوضع، ولئلا تضر به في النفقة إن قالت لم أحض.\rقال ابن الفرس: وعندي أن الآية عامة في جميع ما يتعلق بالفرج، من بكارة وثيوبة وعيب؛ لأن كل ذلك مما خلق الله في أرحامهن، فيجب أن يصدقن فيه» (¬١).\rقلت ومأخذ كلامه من قوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ فهو عام بصيغة ﴿مَا﴾ الموصولة، فيتحقق المجتهد مناط ما خلق في الرحم، وما ذكره ابن الفرس إن قيل: إنّ العلة هي كون هذه الأمور مما لا يُعرف إلّا عن طريقها، فتدخل في عموم ما خلق الله.\r• الحكم السادس: عدم جواز خطبة المعتدة من طلاق رجعي مطلقًا (¬٢).\rمأخذ الحكم: دلت الآية على الحكم بإشارتها؛ لأن الله سبحانه أثبت للزوج الحق في الرجعة، وما دامت في عدتها فهي زوجته، فلا يجوز الاعتداء على حقه بخطبتها.\rتنبيه: سيقت الآية لبيان أحقية الزواج باسترجاع زوجته، إن أراد ذلك وأبتها المرأة، فيجب إيثار قوله على قولها، فهو أحق منها، لا أن لها حقًا في الرجعة.\rقال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٤١٧).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167863,"book_id":1216,"shamela_page_id":517,"part":null,"page_num":521,"sequence_num":517,"body":"استدل بالآية على أحكام خطبة المعتدَّة والعقد عليها، وسبق بيانها ومآخذها، عند الحديث عن أحكام الخطبة، من كتاب النكاح.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية على أنَّ المطلَّقة قبل الوطء لا عدَّة عليها (¬١).\rقال الموزعي: «وأما العدة من الطلاق فلا تجب عليها بإجماع المسلمين» (¬٢).\rمأخذ الحكم: نفى سبحانه العدَّة عنها فقال: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾، وأكد ذلك بورود ﴿عِدَّةٍ﴾ نكرة مسوقة ب (مِنْ)، وبقوله: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾، وهي كذلك فعل، والأفعال نكرات، أي: أي عدة يمكن الاعتداد بها.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ١ - ٢].\rاستدلَّ بالآية على أنَّ المطلَّقة الرجعية تعتد وتلزم بيتها التي طلقت فيه، ولا تخرج منه.\rقال ابن الفرس: «وهو لازم للمطلَّقة الرجعية؛ بإجماع العلماء» (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٣/ ١١١٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٤٢٧)، وتيسير البيان للموزعي (٤/ ١١٩).\r(¬٢) تيسير البيان للموزعي (٤/ ١٢٠).\r(¬٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٧٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167864,"book_id":1216,"shamela_page_id":518,"part":null,"page_num":522,"sequence_num":518,"body":"مأخذ الحكم: نهى المولى سبحانه الأزواج من إخراجهن، ونهين عن الخروج، بصيغة النهي الصريحة.\rقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: أنَّ عدة الآيسة من الحيض والصغيرة التي لم تحض ثلاثة أشهر.\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾، إذ هو كجواب الشرط المتضمن في الاسم الموصول في قوله ﴿وَاللَّائِي﴾، أي: إن كانت آيسة فعدتها ثلاثة أشهر.\rقال الشيخ محمد الأمين الهرري في إعراب الآية: «قوله ﴿وَاللَّائِي﴾ مبتدأ، وخبره قوله ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾، وقوله ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ اعتراض، وجواب الشرط محذوف تقديره: أي إن ارتبتم فيها فاعلموا أنها ثلاثة أشهر، كذا قالوا» (¬١).\rوالمقصود أن قوله ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ على الإعراب السابق ليست جواباً للشرط في قوله ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، والله أعلم.\r• الحكم الثاني: عِدَّة الحامل بالوضع.\rمأخذ الحكم: قوله ا ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ خبر بمعنى الأمر.\r• الحكم الثالث: يشمل الحمل: الولد، والعلقة، والمضغة.","footnotes":"(¬١) تفسير حدائق الروح والريحان (٢٩/ ٤١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167865,"book_id":1216,"shamela_page_id":519,"part":null,"page_num":523,"sequence_num":519,"body":"• الحكم الرابع: لا تنقضي العدة بوضع أول التوأمين.\rمأخذ الحكمين: إن الحمل اسم لما في البطن، فيشمل الولد والعلقة والمضغة، كما أن وضع أحد التوأمين وضع لبعض الحمل لا للحمل؛ فإن الباقي يصدق عليه حملاً، فلا تنقضي العدة إلا بوضعه.\rوقد ورد في قراءة بلفظ: (أحمالهن).\rقال الرازي: «وقرئ (أحمالهن) … الحمل اسم لجميع ما في بطنهن، ولذا لم يقل سبحانه (أن يلدن)» (¬١).\rقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠].\rقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].\rجمهور أهل العلم على أن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية، ونُقِل عن مجاهد أنها غير منسوخة، وأنها معمول بها مع الآية الثانية، وأنَّ الله أوجب على المعتدّة أربعة أشهر وعشراً لا تخرج من بيتها، ثمَّ جعل لها تمام الحول وصية لها إن شاءت أقامت، وإن شاءت خرجت (¬٢).\rقال السيوطي: «والأكثرون على أنها منسوخة. ثمَّ قيل: نُسخ كلها، الاعتداد حولاً بالآية السابقة، والوصية بالمتاع والسكنى بآية الميراث. وقيل: نُسخت إلا","footnotes":"(¬١) التفسير الكبير (١٠/ ٥٦٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167866,"book_id":1216,"shamela_page_id":520,"part":null,"page_num":524,"sequence_num":520,"body":"السكنى فهي لها ثابتة» (¬١). أ. هـ\rقلت: ويستدل بالآية على عدم جواز عقد النكاح حتى تنتهي العدة.\rمأخذ الحكم: دلت الآية بمفهوم شرطها المخالفة أن على المرأة الجناح إذا فعلت في نفسها قبل بلوغ الأجل ولاشك في ذلك، وقد ذكره الله سبحانه بعد هذا بلفظ أوضح من هذا فقال: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].\r\rباب الرضاع\rقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣].\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب إرضاع الأم لولدها (¬٢).\rمأخذ الحكم: كون قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ خبر بمعنى: الأمر، فقيل بالوجوب بناء على أصل الأمر، ومقتضاه.\rوقال بعض العلماء: بالندب، وجعلوا الصارف آية سورة الطلاق؛ إذ هي مبينة لآية سورة البقرة، وآية الطلاق علّقت استحقاق الأجرة على الإرضاع ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٤٣٦).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦)، وأحكام القرآن (١/ ٣٣٧)، وتيسير البيان (٢/ ٧٤، ٧٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167867,"book_id":1216,"shamela_page_id":521,"part":null,"page_num":525,"sequence_num":521,"body":"لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فجعلت الأجرة مقابل الإرضاع، والخيرة ترجع للأم، ولا واجب مع الاختيار.\rكما أنّهم قالوا: إنّ سياق آية البقرة لبيان مدة الإرضاع لا لبيان إيجابه وحكمه.\rتنبيه: أوجب بعض العلماء الرَّضاع على الأم ما دامت في العصمة، لسياق الآية لقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ ومعلوم أنّ الرزق والكسوة يكون لمن كانت في العصمة.\rوقيل إذا مات الأب أو كان معسراً ولا مال للابن؛ لأنّ إرضاع الطفل واجب، ولا يتم إلّا بواسطة المرضعة الأم؛ لأجل إعسار الأب، وسيأتي قوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أنّه لا يجوز للأم الامتناع، إذا لم يوجد غيرها، أو لم يقبل إلّا ثديها.\r• الحكم الثاني: يمنع الأب من استرضاع غيرها إذا طلبت الأم أجرة ووجد متبرعة (¬١).\rمأخذ الحكم: لقوله: ﴿يُرْضِعْنَ﴾، فلم يجعل المولى لغيرهن حظًا في الإرضاع.\r• الحكم الثالث: منتهى الرضاع حولان، فلا يجوز فطمه قبل الحولين (¬٢).\rمأخذ الحكم: لما كان الحول يطلق على الكامل وعلى معظم الحول، أكده سبحانه بقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾ والمقصود تمام الرضاع يكون بالحولين، ومفهومه عدم جواز إفطامه، قبل ذلك، لكن هذا المفهوم غير مراد، كما سيأتي في سياق الآية\r• الحكم الرابع: لا رضاع بعدهما مثبت للتحريم (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٨)، وتيسير البيان (٢/ ٨٤).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٩، ٣٤٠)، وتيسير البيان (٢/ ٧٦).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٨، ٣٤٠)، وتيسير البيان (٢/ ٧٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167868,"book_id":1216,"shamela_page_id":522,"part":null,"page_num":526,"sequence_num":522,"body":"مأخذ الحكم: مفهوم العدد، وهو أن ما زاد على الحولين ليس له حكم لبن الرضاع، فلا يثبت به التحريم.\rويؤكد هذا المفهوم قوله ﵊: (إنّما الرضاعة من المجاعة) (¬١)، وورد مرفوعًا وموقوفًا عن ابن عباس -والموقوف أصح- (لا رضاع بعد الحولين) (¬٢)، فهو إذا بعد الحولين لبن طعام فقط، كسائر الأغذية غير معتبر في التحريم. وسيأتي مزيد بيان في مسألة رضاع الكبير.\r• الحكم الخامس: يشترط في فطمه تشاور الأبوين في ذلك واتفاقهما، وأنه لا يستقل أحدهما بالفطم قبلهما بخلاف ما بعدهما (¬٣).\rمأخذ الحكم: قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ من الأساليب الدالة على الجواز، وقد علق على شرطين، ولا يثبت الحكم إلّا بثبوتهما، ومفهوم الشرط عدم جواز فطامه عند انتفائها، أو انتفاء أحدهما.\rوقال الموزعي: «ومفهوم الخطاب يقتضي أن الوالدة إذا فصلت ولدها غير مشورة على الأب أنه لا يجوز، وهو كذلك، والله أعلم» (¬٤).\r• الحكم السادس: جواز اتفاق الأبوين على استرضاع الولد من غير الأم (¬٥).\rمأخذ الحكم: لتعليق سبحانه نفي الجناح على الإرادة، ونفي الجناح يدل على الجواز، وإن لم يعلق على الإرادة، فكيف وقد علق عليها، فقال سبحانه:","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الشهادة، باب الشهادة على الأنساب، برقم (٢٥٠٤)، ومسلم في كتاب الرضاع، باب إنما الرضاعة من المجاعة، برقم (١٤٥٥).\r(¬٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١/ ٢٧١)، في باب ما جاء في ابنة الأخ من الرضاعة، برقم (٩٨٧).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٤٤)، وتيسير البيان (٢/ ٧٦، ٨٣).\r(¬٤) تيسير البيان (٢/ ٨٣ - ٨٤).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٤٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167869,"book_id":1216,"shamela_page_id":523,"part":null,"page_num":527,"sequence_num":523,"body":"﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.\r• الحكم السابع: إباحة الاستئجار للرضاع (¬١).\rمأخذ الحكم: لنفي الجناح الوارد في الآية وفي سورة الطلاق قال سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فصرح بأن الأجرة مقابل الرضاعة.\rقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم نكاح الأمهات والأخوات من الرضاعة (¬٢).\rمأخذ الحكم: ورود التحريم بلفظه الصريح ﴿حُرِّمَتْ﴾، وهو خبر عن الحكم، ثمَّ عطف على المحرمات الأمهات والأخوات من الرضاعة بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، والعطف يقتضى الجمع بينهما في الحكم.\rثمَّ إنَّ التحريم المضاف إلى الأعيان يكون المراد منه تحريم ما يتعلق بالأعيان من أفعال، لأن الأعيان ليست مورداً للتحليل والتحريم، وإنما يتعلق الحل والحرمة بأفعال المكلفين، وعليه فالمحرَّم هنا نكاح الأمهات والأخوات من الرَّضاعة.\rتنبيه: قوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ) جمع مضاف فيعم اللواتي أرضعننا وأمهاتهن وإن علون. وقوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ جمع مضاف فيعم الأخوات، فيعم كل امرأة","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٤٥)، وتيسير البيان (٢/ ٨٤).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣١٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167870,"book_id":1216,"shamela_page_id":524,"part":null,"page_num":528,"sequence_num":524,"body":"أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد، كرجل له امرأتان لهما منه لبن، أرضعتك إحداهما، وأرضعتها الأخرى.\r• الحكم الثاني: التحريم برضاع الكبير (¬١).\rمأخذ الحكم: أطلق سبحانه الإرضاع في الآية ولم يقيده بصفة، فظاهر الآية أن مطلق الإرضاع يحرم، سواء كان في الحولين أو بعدها، والظاهر لا يعدل عنه إلا بدليل.\rنوقش: بأن العلماء عدلوا عن ظاهر هذا الإطلاق إلى تقييده بالقرآن والسنة.\rأما القرآن فقد استنبط بعض أهل العلم من قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ البقرة: ٢٣٣ أن الرضاع المحرِّم ما كان في مدة الحولين، واستدلوا بقوله ﷺ: (إنما الرضاعة من المجاعة) (¬٢)، والمجاعة إنما تثبت في حق من يقوم له الرضاع مقام الغذاء عند الجوع، وهذا إنما يكون في الحولين.\rتتمة: عدل العلماء كذلك عن ظاهر الآية وقيدوا إطلاق الرضاع بقيد آخر، وهو العدد، واختلفوا في قدر ما يحرم من الرضاع، فقيل المصة الواحدة تحرّم، وقيل الثلاث، وقيل الخمس، وقيل: العشر (¬٣).\r• الحكم الثالث: لا يحرم الرضاع من البهيمة (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٥).\r(¬٢) سبق تخريجه قريباً.\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٣١٥ - ٣٢٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٧).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167871,"book_id":1216,"shamela_page_id":525,"part":null,"page_num":529,"sequence_num":525,"body":"قال السيوطي: «واستدل مالك وغيره بقوله: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ على أن رضاع الرجل والبهيمة لا يحرِّم، وكذا الميتة؛ لأنها لم ترضع» (¬١).\rمأخذ الحكم: مفهوم الصفة في قوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ)، فأضاف الرضاع إلى الأم المرضعة من بني آدم.\rقال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤].\rوقال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].\rاستدلَّ بالآيتين على مدَّة الرَّضاع. والفصال هو الفطام.\rقال ابن الفرس عن آية سورة لقمان: «فيه إشارة إلى تقدير مدَّة الحمل، فعبَّر عنه بغايته» (¬٢).\rوقال عن آية سورة الأحقاف: «وإنَّما ذكر الله تعالى في هذه الآية أقلَّ مدَّة الحمل والرضاع، فيجب من هذا أنَّ أقلَّ مدَّة الحمل ستة أشهر، وأقلَّ ما يرضع الطفل عام وتسعة أشهر، وإكمال العامين هو لمن أراد أن يتم الرَّضاعة» (¬٣).\rمأخذ الحكم: يمكن بيانه بالأمور الآتية:\rأولاً: تقدير محذوف في الآية.\rقال القرطبي: «وفي الكلام إضمارٌ، أيّ: ومدَّة حمله، ومدَّة فصاله ثلاثون شهراً، ولولا هذا الإضمار لنصب ثلاثون على الظرف، وتغيَّر المعنى» (¬٤).","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٥٣٥).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٤١٥).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ٤٧٩).\r(¬٤) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٦١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167872,"book_id":1216,"shamela_page_id":526,"part":null,"page_num":530,"sequence_num":526,"body":"وقال ابن الفرس: «النَّاس متفقون على تحديد العامين في مدَّة الرَّضاع في باب النفقات والأحكام المتعلقة به، أمَّا تحريم اللبن فقد مر الكلام عليه مستوعباً» (¬١)، أي في سورة البقرة.\rوقال القرطبي بعد أن ذكر مثل كلام ابن الفرس: «فحدَّدت فرقة بالعام، لا زيادة ولا نقص. وقالت فرقة: العامان وما اتصل بهما من الشهر ونحوه إذا كان متصل الرَّضاع. وقالت فرقة: إن فُطِم الصبي قبل العامين وترك اللبن، فإن ما شرب بعد ذلك في الحولين لا يحرَّم، وقد مضى هذا في البقرة مستوفى» (¬٢).\rثانياً: تفسير الصحابي، وقد روي أنَّ ابن عبَّاس ﵄ قال: (إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع واحدٌ وعشرون شهراً، وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاه من الرَّضاع ثلاثة وعشرون شهراً، وإذا وضعت لستة أشهر فحولين كاملين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾) (¬٣).\rقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]\rاستدلَّ بالآية على أنَّ الأم إذا طلبت إرضاع الطفل بأجرة مثل، وجب على الأب دفعها إليها (¬٤).\rمأخذ الحكم: تعليق الأجرة على الشرط وهو الإرضاع، فإن تحقق الشرط فليس من حق الأب البحث عن مرضعة بديلة عنها، وتكون الأم هي الأحق بذلك.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٤١٥).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٦١).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١١٨٣).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٣/ ١١٢٦٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167873,"book_id":1216,"shamela_page_id":527,"part":null,"page_num":531,"sequence_num":527,"body":"باب النفقات\rقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]\rقال السيوطي: «استدل به الشافعي على أن العاجز عن النفقة يفرق بينه وبين زوجته؛ لأن الله تعالى خير بين اثنين لا ثالث لهما الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان وهذا ليس ممسكاً بمعروف فلم يبق إلا الفراق» (¬١).\rمأخذ الحكم: ما ذكره السيوطي، وبيانه: أنّ الإمساك بمعروف لا يكون إلا بالقيام بما يجب عليه من حق على زوجها، ومنها النفقة، والواجب تسريح بإحسان عند العجز، قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾ أو ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ مصدران نابا عن فعلهما، والمصدر النائب عن فعله من صيغ الوجوب.\rفإن قيل: العاجز عن النفقة غير مكلف بالإنفاق.\rيقال: نعم غير مكلف لعجزه، لكنه مكلف بالتسريح؛ لأنّه مقدور عليه.\rتنبيه: ذكر السيوطي استنباطاً يقتضي عدم فسخ النكاح في موضعين آخرين، فقال في قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ [النور: ٣٢]: «قال ابن الفرس: واحتج بعضهم بهذه الآية على أنه لا يفسخ النكاح بالعجز عن النفقة؛ لأنه قال: ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾، ولم يفرق بينهم» (¬٢) .. أ. هـ.\rوقال: «واستدل بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]، من قال لا يفسخ بالعجز عن الإنفاق على الزوجة» (¬٣).","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٤٢٣)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٤).\r(¬٢) الإكليل (٣/ ١٠٣١)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٧٦).\r(¬٣) الإكليل (٣/ ١٢٦٥ - ١٢٦٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167874,"book_id":1216,"shamela_page_id":528,"part":null,"page_num":532,"sequence_num":528,"body":"قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: على الأب أجرة الرضاع للأم إذا طلبتها سواء كانت في عصمته أم لا (¬١).\rمأخذ الحكم: أن لفظ (على) في قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ من الألفاظ الدالة على الوجوب.\rوعليه فإن كانت في عصمته، اكتفي بالإنفاق عليها باسم الزوجية، ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾، فالزوجة تستحق النفقة والكسوة أرضعت أم لم ترضع؛ لأنّ النفقة والكسوة مقابل التمكين.\rوإن كانت خارج عصمته فلها الإنفاق على المولود من أجل الإرضاع، والأجرة كما في آية الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.\r• الحكم الثاني: أن المراعَى في ذلك حال الزوج يساراً وإعساراً وتوسطاً، لا الزوجة ولا هما (¬٢).\rمأخذ الحكم: أنَّ قوله ﴿نَفْسٌ﴾، في قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ نكرة في سياق نفي فتعمّ، ويدخل فيها الزوج أصالة فيعتبر حاله؛ لأنّه المقصود، وهو الذي","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٤٠، ٣٤١)، وتيسير البيان (٢/ ٧٨).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٤٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167875,"book_id":1216,"shamela_page_id":529,"part":null,"page_num":533,"sequence_num":529,"body":"تجب عليه النفقة. فحصر الشارع التكليف على الوسع،؛ فإنّ كان فقيرًا، فإنّه لا يلزم إلّا بنفقة الفقير، وكذا إن كان غنيًا أو متوسطًا كل حسب حاله.\r• الحكم الثالث: أن الأم إذا رضيت بما ترضى به الأجنبية فلا تضار بانتزاع الولد منها، وأن الأب إذا وجد متبرعة فلا يضار بإلزامه الأجرة للأم، وكذا على الوارث أن لا يضار الأم كما أن على الأب أن لا يضارها (¬١).\rمأخذ الحكم: النهي الوارد بصيغته.\rتنبيه اختلف في عود اسم الإشارة في قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. هل تعود على الرَّضاع والنفقة والكسوة وعدم المضارَّة، أو تعود للمضارَّة فقط؟\rفقيل على المضارَّة، أي: «ألا يضار. وقيل: إلى النفقة والكسوة، فاستدل به من أوجب ذلك على الوارث من عصبة الميت. وقيل: عصبة المولود نفسه؛ لأنه وارث أبيه. والمعنى أن ذلك واجب في ماله يعطي منه الأم الأجرة، بهذا فسره الضحاك وغيره واختاره ابن جرير وغيره، كما ذكره السيوطي (¬٢).\rوقيل: لو أراد الجميع لقال: وعلى الوارث مثل هؤلاء،، فدلّ على أنّه معطوف على المنع من المضارة؛ ولأنّه أقرب مذكور.\rقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].\rاستدلَّ بالآية على وجوب نفقة الزوجة على الرجل (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٧).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٧).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٥٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167876,"book_id":1216,"shamela_page_id":530,"part":null,"page_num":534,"sequence_num":530,"body":"مأخذ الحكم: حمل قوله ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ على معنى: أن لا تكثر عيالكم، وبه قال الشافعي، وقيله هو حجة في اللغة؛ لذا استنبط السيوطي الحكم من كلامه (¬١).\rوقالوا: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾، أي: ألا تفتقروا. يقال: رجل عائل، أي: فقير؛ لأنه إذا قلَّ عياله قلَّت نفقاته، وإذا قلَّت نفقاته لم يفتقر (¬٢).\rوذكر الموزعي أنَّ المعروف في اللغة أن معنى ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: لا تميلوا، ولا تجوروا، ثمَّ دافع عن الشافعي، ورد على من وصف قوله بالشذوذ، أو أنه خارق اللغة، وحمل كلام الشافعي على أنه من باب التعبير عن الشيء بسببه؛ فإن من كثر عياله كثر عوله، أي نفقته (¬٣).\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وظن طائفة من العلماء أنَّ المراد أن لا تكثر عيالكم، وقالوا: هذا يدل على وجوب نفقة الزوجة، وغلَّط أكثر العلماء من قال ذلك لفظاً ومعنى.\rأما اللفظ فلأنه يقال: عال يعول إذا جار. وعال يعيل إذا افتقر. وأعال يعيل إذا كثر عياله، وهو سبحانه قال ﴿تَعُولُوا﴾ لم يقل: تعيلوا. أمَّا المعنى فإن كثرة النفقة والعيال يحصل بالتسري كما يحصل بالزوجات، ومع هذا فقد أباح مما ملكت اليمين ما شاء» (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٤).\r(¬٢) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٣/ ٤٨٩).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٢٢٤).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (٣٢/ ٧٠ - ٧١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167877,"book_id":1216,"shamela_page_id":531,"part":null,"page_num":535,"sequence_num":531,"body":"قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب الإنفاق على الزوجات (¬١).\rقال ابن الفرس: «والإنفاق: هو المهر والنفقة المستمرة على الزوجات، ومقتضى هذه الآية أنَّ الزوج يقوم بتدبير زوجته وتأديبها، ومنها الخروج، وإنَّ عليها طاعته ما لم يأمر بمعصية، وجعل تعالى ذلك للزوج؛ لأجل ما يجب عليه من النفقة لها» (¬٢).\rمأخذ الحكم: ورد الأمر بصيغة الخبر في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾.\rقال القرطبي: «﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ابتداء وخبر، أي: يقومون بالنفقة عليهن، والذبِّ عنهنَّ» (¬٣).\r• الحكم الثاني: يجوز للمرأة فسخ النِّكاح عند الإعسار بالنَّفقة والكسوة (¬٤).\rقال ابن الفرس: « … فذهب الشافعي ومالك إلى أنَّ لها ذلك؛ لأنه إذا خرج عن كونه قوَّاماً عليها، وحابساً لها، فقد خرج عن الغرض المقصود بالنِّكاح، فكان لها الفسخ لأجل ذلك، فنزلت الآية دلالة ظاهرة من هذا الوجه على أنَّ لها الفسخ عند الإعسار بالنَّفقة والكسوة» (¬٥).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٥٢).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٧٥).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٦١).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٥٢).\r(¬٥) أحكام القرآن (٢/ ١٧٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167878,"book_id":1216,"shamela_page_id":532,"part":null,"page_num":536,"sequence_num":532,"body":"مأخذ الحكم: أنَّ القوامة وجبت بما عُلِل به الحكم، وهو لأجل الإنفاق، وثبتت علته بطريق النقل نصَّاً أو ظاهراً، بحسب الخلاف في دلالة الباء السببية على التعليل، في قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾، والحكم يدور مع علته، فإذا زال الإنفاق زالت القوامة.\rقال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٦ - ٧].\rاستدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب النفقة للمطلقة الرجعيَّة.\rقال الموزعي: «اتفق أهل العلم على أنَّ الرجعيَّة مرادة بالآية، وأنَّ الله سبحانه أوجب لها السكنى، وإذا وجبت السكنى وجبت النفقة؛ لأنها تابعة للسكنى، وقد اتفقوا على ذلك أيضاً» (¬١).\rمأخذ الحكم: دلالة الالتزام؛ إذ التابع يستلزم وجود المتبوع.\r• الحكم الثاني: وجوب الإنفاق على الحامل البائن حتى تنقضي عدتها (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر في جواب الشرط، بقوله ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، مع مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٤/ ٢٦٩).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٦٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٧٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167879,"book_id":1216,"shamela_page_id":533,"part":null,"page_num":537,"sequence_num":533,"body":"ومفهوم الشرط المخالف أنَّ البائن غير الحامل لا نفقة لها.\rتتمة: قال الموزعي: «وإذا وجبت لها النفقة فقد وجبت لها السكنى؛ لأن النفقة تابعة للسكنى (¬١)، والتابع يستلزم وجود المتبوع» (¬٢)\rوقال السيوطي في قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾: «فيه وجوب السكنى للمطلقات كلهن، أو للبوائن لتقدم سكنى الرجعيات، ولقوله بعده: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فإنه خاص بالبوائن .. » (¬٣)\r• الحكم الثالث: نفقة الأبناء على الآباء.\rوقد صرح عدد من العلماء بأن الآية أصل في وجوب النفقة للولد على والده (¬٤).\rمأخذ الحكم:\rالأول: أمر المولى الأب بإعطاء الأجرة على رضاع الطفل، فقال ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.\rقال ابن الفرس: «﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، أي: جميع ما يعان به الصبي، وذلك نفقته، وكسوته والأجرة على إرضاعه باتفاق» (¬٥).","footnotes":"(¬١) هكذا في المطبوع، ولعله: «لأن السكنى تابعة للنفقة».\r(¬٢) تيسير البيان (٤/ ٢٦٩).\r(¬٣) الإكليل (٣/ ١٢٦٤).\r(¬٤) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٨٤٣)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٨/ ١٥٣)، الإكليل (٣/ ١٢٦٥)\r(¬٥) أحكام القرآن (٣/ ٥٨٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167880,"book_id":1216,"shamela_page_id":534,"part":null,"page_num":538,"sequence_num":534,"body":"الثاني: صيغة الأمر في قوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.\rيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «يجب على الرجل أن ينفق على ولده، وبهائمه، وزوجته بإجماع المسلمين» (¬١).\r• الحكم الرابع: يراعى في النفقة حال المنفق يساراً وإعساراً (¬٢).\rفذكرت الآية مقدار النفقة، آمرة الوالد بأن تكون نفقته على حسب حاله، فإن كان موسراً فليوسع على أولاده، وإن كان معسراً فبحسب وسعه وطاقته.\rمأخذ الحكم: ما ذكر في الحكم السابق، والأمر هنا بيان لكيفية النفقة، والمبيِّن يأخذ حكم المبيَّن، فيكون للوجوب، فتجب التوسعة على الأبناء حال اليسر، وبحسب الطاقة حال العسر، والمرجع في ضبطها عند الاختلاف إلى العرف.\rتنبيه: في الآية الأولى: وجوب النفقة على الأم الحامل لأجل ولدها، وبعد الوضع تكون النفقة لأجل إرضاع الولد، فالنفقة في الحالين للولد.\r\rباب الحضانة\rقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]\rوقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].\rاستدلَّ بالآيتين على أنَّ الأم أحق بالحضانة (¬٣).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٣٥).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٦٥).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦)، و (٣/ ١٢٦٤ - ١٢٦٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167881,"book_id":1216,"shamela_page_id":535,"part":null,"page_num":539,"sequence_num":535,"body":"مأخذ الحكم: قياس الحضانة على الرضاعة، فكما أنّها أحق بالرضاعة فهي أحق بالحضانة، ويؤيده ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ وفي انتزاع الصغير إضرار بالأم.\rقال السيوطي: «قال إلكيا وغيره: ويؤخذ من قوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ أن الأم أحق بالحضانة؛ لأن حاجة الولد إلى من يحضنه كحاجته إلى من يرضعه (¬١).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167882,"book_id":1216,"shamela_page_id":536,"part":null,"page_num":540,"sequence_num":536,"body":"كتاب الجنايات\rالجنايات: جمع جناية.\rقال ابن قدامة: «والجناية: كل فعل عُدوان على نفس أو مال، لكنها في العُرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان، وسمَّوا الجنايات على الأموال غصباً، ونهباً، وسرقة، وخيانة، وإتلافاً» (¬١).\rقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية ووجوب القصاص (¬٢).\rمأخذ الحكم: الوجوب بلفظ ﴿كُتِبَ﴾، وهي خبر عن الحكم بالوجوب، و ﴿كُتِبَ﴾، بمعنى فرض.\r• الحكم الثاني: لا يقتص من الرجل في قتل المرأة (¬٣).\rمأخذ الحكم: دلالة مفهوم قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.\rقال الموزعي: «فدلَّ الخطاب بفحواه على أن العبد يقتل بالحر، وأن الأنثى تقتل بالأنثى بالذكر؛ لأنه إذا قُتل الحر بالحر فأولى أن يُقتل به العبد، وإذا قُتلت الأنثى","footnotes":"(¬١) المغني (١١/ ٤٤٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٥٣).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٥٤)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٢٠٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167883,"book_id":1216,"shamela_page_id":537,"part":null,"page_num":541,"sequence_num":537,"body":"بالأنثى فأولى أن تُقتل بالذكر، ولكن تخصيص هذه الأفراد الثلاثة، وهي الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى يدلُّ بطريق المفهوم على أن الحر لا يقتل بالعبد، وأن الذكر لا يقتل بالأنثى، ولكن عموم آية المائدة تقتضي أن يقتلا بهما، فهل نقضي بالمفهوم على العموم؟ أو نقضي بالعموم ويترك المفهوم؟ هذا محل نظر المجتهد، فحينئذ يفزع المجتهد إلى دلائل السنة والأصول والترجيحات عند التعارض» (¬١)، ثمَّ خاض فيها خوض المجتهدين.\rنوقش: بأن هذا المفهوم متروك.\rقال الطوفي: «لضعفه، ولزوم المفسدة العامة منه، وللإجماع» (¬٢).\r• الحكم الثالث: الحر لا يقتل بالعبد (¬٣).\rمأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.\rقال الطوفي: «مفهومه أنّه لا يقتل حر بعبد، وهو خاص (أي: المفهوم) فيخصص عموم: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ … إلخ.\rوأبو حنيفة ليس المفهوم حجة عنده، وأخذ بعموم آية المائدة: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فقال يقتل الحر بالعبد، ولحديث: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» (¬٤) (¬٥).\r• الحكم الرابع: أن العافي إذا قتل بعد العفو يقتص منه (¬٦).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان للموزعي (١/ ٢٠٦).\r(¬٢) الإشارات (١/ ٣١٣).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٥٩)، وتيسير البيان (١/ ٢٠٥).\r(¬٤) أخرجه أبوداود (٢٧٥١)، وابن ماجة (٢٦٨٣)، وصححه الألباني في الإرواء (٧/ ٢٦٥).\r(¬٥) الإشارات (١/ ٣١٣)\r(¬٦) ينظر: الإكليل (١/ ٣٤٠)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٧٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167884,"book_id":1216,"shamela_page_id":538,"part":null,"page_num":542,"sequence_num":538,"body":"قال السيوطي: «فيه أن العافي إذا قتل بعد العفو يقتص منه، وأخذ جماعة من الآية تحتم قتله وأنه لا يصح العفو عنه» (¬١).\rمأخذ الحكم: توعد الله له بعذاب أليم، على القول بأن العذاب الأليم هو القتل.\rقال السيوطي: «وورد في الحديث المرسل عن قتادة (لا أعافي أحدًا قتل بعد أخذ الدية)، وهو يعتبر جانيًا عمدًا أو أشبه الجاني ابتداءًا» (¬٢).\r• الحكم الخامس: سقوط القصاص بالعفو عن بعضه (¬٣).\rقال الموزعي: «وفي الآية دليل على أنه إذا عُفي عن بعض الدم سقط القصاص» (¬٤)\rمأخذ الحكم: بدلالة الإشارة.\rبيَّن الموزعي المأخذ فقال: «بطريق الإشارة، فقال في آخر الآية ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، يعني: القصاص، وشريعة بني إسرائيل لا تصدق فيها بالدم، ولا عفو، بل القصاص عليهم متحتم» (¬٥)\rوقال السيوطي: «وفي تنكير ﴿شَيْءٌ﴾ إشارة إلى سقوط القصاص بالعفو عن بعضه» (¬٦).\rقلت: لأنَّ ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق شرط، فيعمّ العفو عن الشيء القليل والكثير،","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٣٤٠).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٤٠)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٢١٦).\r(¬٤) تيسير البيان للموزعي (١/ ٢١٦).\r(¬٥) تيسير البيان للموزعي (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٥٩ - ١٦٠).\r(¬٦) الإكليل (١/ ٣٤٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167885,"book_id":1216,"shamela_page_id":539,"part":null,"page_num":543,"sequence_num":539,"body":"كما أن القصاص لا يتجزأ، وذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله، وإسقاط بعضه إسقاط لكله، كالطلاق.\rقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].\rاستدل بالآية على اعتبار المماثلة في القصاص (¬١).\rقال السيوطي: «استدل به الشافعي على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد، أو خنق، أو حرق، أو تجويع، أو تغريق، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح» (¬٢).\rمأخذ الحكم: كونه مقتضى الاعتداء بالمثل،، والاعتداء من قبيل المقابلة.\rتنبيه: الاعتداء بالمثل تفسير لما أجمل في الآية نفسها في قوله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، وهو خبر بمعنى الأمر.\rقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢].\rوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].\rاستدل بالآيتين على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم قتل المؤمن بغير الحق.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٦٥)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٣٠٠).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167886,"book_id":1216,"shamela_page_id":540,"part":null,"page_num":544,"sequence_num":540,"body":"قال ابن قدامة: «وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير الحق، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع» (¬١). ثم ذكر آيتي النساء، وهذه منها.\rوقال الموزعي: «وقد أجمعت الأمة على تعظيم شأن القتل؛ كما عظمه الله تعالى، ورسوله ﷺ فهو أكبر الكبائر بعد الشرك» (¬٢).\rمأخذ الحكم: من الآية الأولى: نفي ايقاع هذا الفعل من المؤمن، بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، وقيل: في تأويلها: «معناه: ما كان في إذن الله وأمره لمؤمن أن يقتل مؤمناً. وقيل: معناه: ما كان ذلك له في عهد الله تعالى. وقيل: معناه: ما كان له فيما سلف كما ليس له الآن» (¬٣).\rقال الرازي بعد أن ذكر شيئاً من التأويل السابق: «والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف» (¬٤).\rومأخذ الحكم من الآية الثانية: الوعيد بالخلود في النار مع غضب الله، ولعنة الله على فاعله، وتهديده بما أُعدَّ له من العذاب.\rقال الموزعي: «فحرم الله سبحانه قتل المؤمن تحريما مغللظاً لا يوجد في سائر المحرمات» (¬٥).\rتنبيهان:\rالأول: تقييد الحكم بقتل المؤمن بغير الحق، لماسيأتي في آيتي الأنعام والإسراء من التقييد بذلك.","footnotes":"(¬١) المغني (١١/ ٤٤٣).\r(¬٢) تيسير البيان (٢/ ٤٥٧).\r(¬٣) أحكام القرآن (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\r(¬٤) التفسير الكبير للرازي (٤/ ١٧٥).\r(¬٥) تيسير البيان (٢/ ٤٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167887,"book_id":1216,"shamela_page_id":541,"part":null,"page_num":545,"sequence_num":541,"body":"الثاني: تذكر كتب الفقه وأحكام القرآن الخلاف في قبول توبة القاتل عمداً، وخلوده في النار.\rقال ابن قدامة: «وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم. وقال ابن عباس: إن توبته لا تقبل؛ للآية التي ذكرناها، وهي من آخر ما نزل. قال ابن عباس: ولم ينسخها شيءٌ؛ ولأن لفظ الآية لفظ الخبر، والأخبار لا يدخلها نسخ ولا تغيير؛ لأن خبر الله تعالى لا يكون إلَّا صدقاً. ولنا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فجعله داخلاً في المشيئة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]» (¬١).\r• الحكم الثاني: ذهب بعض أهل العلم إلى نفي ما يسمى بقتل شبه العمد.\rقال السيوطي: «فاستدل به من قال لا واسطة بينهما، ونفي القتل المسمى شبه العمد» (¬٢).\rومأخذ الحكم: سكوت الشارع، حيث إنه سبحانه ذكر الخطأ المحض في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾، وذكر العمد المحض، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، ولم يذكر قسماً ثالثاً (¬٣).\rقال ابن قدامة: «وأنكر مالك شبه العمد، وقال ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا، وجعله من قسم العمد»، ثمَّ قال: «وهو الصواب؛ لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: (ألا إن دية","footnotes":"(¬١) المغني (١١/ ٤٤٣ - ٤٤٤). وينظر: الإكليل (٢/ ٥٨٢)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٤٧) تيسير البيان للموزعي (٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٥٨٣).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167888,"book_id":1216,"shamela_page_id":542,"part":null,"page_num":546,"sequence_num":542,"body":"الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها) رواه أبو داود (¬١)، وفي لفظ: (قتيل خطأ العمد) (¬٢) أ. هـ» (¬٣).\rوقال أيضا: «شبه العمد أحد أقسام القتل، وهو: أن يقصد ضربه بما لا يقتل غالباً؛ إما لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له، فيسرف فيه، كالضرب بالسوط، والعصا، والحجر الصغير، والوكز باليد، وسائر ما لا يقتل غالباً إذا قتل، فهو شبه عمد؛ لأنه قصد الضرب دون القتل، ويسمى عمد الخطإ وخطأ العمد؛ لاجتماع العمد والخطإ فيه، فإنه عمد الفعل، وأخطأ في القتل، فهذا لا قود فيه. والدية على العاقلة، في قول أكثر أهل العلم. وجعله مالك عمداً موجباً للقصاص؛ لأنه ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، فمن زاد قسماً ثالثاً، زاد على النص، ولأنه بفعل عمده، فكان عمداً، كما لو غرزه بإبرة فقتله» (¬٤).\rوضابط شبه العمد مختلف فيه يرجع فيه إلى كتب الفقه والخلاف (¬٥).\r• الحكم الثالث: لا قصاص في قتل الخطأ (¬٦).\rمأخذ الحكم: عدم ذكر الله ذلك في مقام البيان، بل ذكر الواجب في حقِّه، وهو الدية.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبوداود في سننه، في كتاب الديات، باب دية الخطأ شبه العمد، برقم (٤٥٨٨)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٧/ ٣٥٥ - ٢٥٧)، برقم (٢١٩٧).\r(¬٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند، (٢٤/ ١٠٨)، برقم (١٥٣٨٨)، والنسائي في السنن، في كتاب القسامة، باب من قتل بحجر أو سوط، برقم (٤٧٩٦)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٧/ ٢٦٢)، برقم (٢٢٠٤).\r(¬٣) لمغني (١١/ ٤٤٥).\r(¬٤) المصدر السابق (١١/ ٤٦٢ - ٤٦٣).\r(¬٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٣٢)، وتيسير البيان (٢/ ٤٧٢).\r(¬٦) ينظر: المغني (١١/ ٤١٤)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٣٢)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٤٧٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167889,"book_id":1216,"shamela_page_id":543,"part":null,"page_num":547,"sequence_num":543,"body":"• الحكم الرابع: لا قصاص في الجروح في الخطأ (¬١).\rمأخذ الحكم: مفهوم الموافقة الأولوي؛ إذ إنه سبحانه أوجب الكفارة والدية دون القصاص في النفس، فما دون النفس من الجراحات أولى، قاله ابن الفرس، وقال: «فخرج بهذا الخطاب في الجراحات من عموم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فلا قصاص فيها في الخطأ، وبقي العمد كله تحت العموم» (¬٢).\rقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية القصاص في النفس والأعضاء.\rقال السيوطي: «فيها مشروعية القصاص في النفس والأعضاء والجروح بتقرير شرعنا كما قال ﷺ في حديث: السِّن (كتاب الله القصاص) (¬٣)» (¬٤).\rمأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بالكتب، وكونه شرعًا لمن قبلنا، وأقرَّه شرعُنا، فهو شرع لنا بالاتفاق (¬٥). والتحذير من مخالفة حكمه سبحانه بذم الفاعل بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾","footnotes":"(¬١) ينظر: المغني (١١/ ٤١٤).\r(¬٢) أحكام القرآن (٢/ ٤٣٦).\r(¬٣) أخرجه البخاري في سورة البقرة، باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، برقم (٤٤٩٩)\r(¬٤) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٤٣٢)، والمغني (١١/ ٣٦).\r(¬٥) ينظر: المغني (١١/ ٣٦)، والإكليل (٢/ ٦٢٠)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٤٣٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167890,"book_id":1216,"shamela_page_id":544,"part":null,"page_num":548,"sequence_num":544,"body":"• الحكم الثاني: مشروعية القصاص في الجروح.\rقال ابن الفرس: «عامٌّ في كلِّ جرح في الرأس أو في الجسد» (¬١).\rمأخذ الحكم: كون قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ خبراً بمعنى الأمر، أو يكون عطفاً على قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾.\rتنبيهان:\rالأول: أن العلماء خصَّصوا من عموم (الجراح) جراحات، منها:\rما يخاف التلف منه بقصاصه، وكذا مما لا يمكن القصاص منه، مثل ذهاب بعض البصر والسمع والعقل … إلخ (¬٢).\rقال ابن قدامة: «وإذا جرحه جرحاً يمكن الاقتصاص منه بلا حيف، اقتص منه، وجملة ذلك أن القصاص يجري فيما دون النفس من الجروح، إذا أمكن» (¬٣).\rوقال الموزعي: «وضابطه: أن كل جرح أمكن فيه القصاص والمماثلة، ولم يخش منه الموت، فقد وجب فيه القصاص» (¬٤).\rالثاني: مفهوم قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، أن ما ليس بجرح لا قصاص فيه، مثل: نتف شعر من رأس الرجل أو لحيته، أو حاجبيه، أو أشفار عينيه (¬٥).\r• الحكم الثالث: يقتل المسلم بالكافر، والحر بالعبد، والرجل بالمرأة (¬٦).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٤٣٥).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٤٣٦).\r(¬٣) المغني (١١/ ٥٣٠).\r(¬٤) يتيسير البيان (٣/ ١٥٢).\r(¬٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٤٣٩)، والإكليل (٢/ ٦٤١).\r(¬٦) ينظر: المغني (١١/ ٥٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167891,"book_id":1216,"shamela_page_id":545,"part":null,"page_num":549,"sequence_num":545,"body":"مأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.\rنوقش بما سبق في آية البقرة في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].\rقال ابن الفرس عند هذه الآية: «فأما ما في النفس فالجمهور على أنَّ القصاص بينهما واجب؛ لعموم هذه الآية، وتأولوا آية البقرة على ما قد ذكرناه فيها» (¬١).\rوقد ذكر في آية البقرة أنها وردت لما ورد في التعدي في القصاص في الجاهلية، حتى «كانوا إذا قَتل حرٌّ من القبيلة العزيزة حُراً من القبيلة المعزوزة، لم يُسلِّموه للقصاص، وبذلوا موضعه عبداً أو امرأةً … » (¬٢)، فنزلت الآية؛ لإبطال ما كانوا عليه.\rقال الموزعي في آية البقرة: «يدل بطريق المفهوم على أن الحر لا يُقتل بالعبد، وأن الذكر لا يُقتل بالأنثى، ولكن عموم آية المائدة تقتضي أن يقتلا بهما، فهل نقضي بالمفهوم على العموم؟ أو نقضي بالعموم ويترك المفهوم؟ هذا محل نظر المجتهد، فحينئذ يفزع المجتهد إلى دلائل السنة والقياس والأصول والترجيحات عند التعارض» (¬٣)، ثم خاض فيها خوض المجتهدين وفصَّل أحكامها.\r• الحكم الرابع: استحباب العفو عن القصاص (¬٤).\rقال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على إجازة العفو عن القصاص، وأنه أفضل،","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٢/ ٤٣٢)، وينظر: المغني (١١/ ٥٠٠)، والإكليل (٢/ ٦٤٠).\r(¬٢) المصدر السابق (١/ ١٥٦ - ١٥٧).\r(¬٣) تيسير البيان (١/ ٢٠٦).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167892,"book_id":1216,"shamela_page_id":546,"part":null,"page_num":550,"sequence_num":546,"body":"والأصل فيه الكتاب والسنة» (¬١)، ثم ذكر آية البقرة وهذه الآية.\rمأخذ الحكم هنا: قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾، أي: تصدَّق بالقصاص فعفا عنه.\rقال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ شرط، وجوابه، أي: تصدَّق بالقصاص فعفا فهو كفارة له، أي لذلك المتصدق. وقيل: هو كفارة للجارح، فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة … » (¬٢).\r• الحكم الخامس: أن الجماعة لا تقتل بالواحد.\rمأخذ الحكم: أن الله ﷿ قابل النفس القاتلة بالنفس المقتولة.\rقال في المغني: «فمقتضاه أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة» (¬٣).\rقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦].\rاستدل بها العلماء على وجوب المماثلة في القصاص والجروح.\rقال السيوطي: «قال ابن العربي: فيه جواز المماثلة في القصاص خلافاً لمن قال: (لا قود إلا بالسيف) (¬٤)» (¬٥).\rوقال ابن قدامة فيما إذا قطع يديه ورجليه، ثم عاد فضرب عنقه قبل أن تندمل","footnotes":"(¬١) المغني (١١/ ٥٨٠).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٩٦)، وينظر: المغني (١١/ ٥٨٠).\r(¬٣) المغني (١١/ ٤٩٠).\r(¬٤) أخرجه ابن ماجة في أبواب الديات، باب لا قود إلا بالسيف، برقم (٢٦٦٧)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (٧/ ٢٨٥)، برقم (٢٢٢٩).\r(¬٥) الإكليل (٢/ ٩١٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167893,"book_id":1216,"shamela_page_id":547,"part":null,"page_num":551,"sequence_num":547,"body":"جراحه، قال: «والرواية الثانية عن أحمد قال: إنه لأهله أن يفعل به كما فعل، يعني أن للمستوفي أن يقطع أطرافه، ثم يقتله» (¬١)، واستدل بآيتي البقرة والنحل.\rوقال في الجروح أن من شروط وجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء: «الثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾» (¬٢).\rقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم قتل النفس إلا بالحق.\rوورد هذا الحكم كذلك في آية الأنعام في الوصايا العشر، في قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١].\rوورد في آية الفرقان في قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]، في صفات المؤمنين.\rوسبق الحديث عن الحكم، وبيان تشديد الشارع وتغليظه، وتعظيم حق النفس المعصومة.\rومأخذ الحكم في الآيات السابقة:\rأولاً: النهي الصريح بقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾ في آيتي الإسراء والأنعام، ولعله خبر بمعنى النهي في آية الفرقان، والنهي يقتضي التحريم.","footnotes":"(¬١) المغني (١١/ ٥٠٨).\r(¬٢) المصدر السابق (١١/ ٥٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167894,"book_id":1216,"shamela_page_id":548,"part":null,"page_num":552,"sequence_num":548,"body":"ثانياً: وصف الله للفعل، وإخباره بالتحريم في قوله: ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾.\rثالثاً: وجوب الحد عليه؛ للدلالة على كونه ذنباً كبيراً.\rقال السيوطي في آية الأنعام: «فيها من الكبائر … وقتل النفس إلا بحقِّها … وفُسِّر في الحديث … أو قتل نفس بغير نفس» (¬١).\r• الحكم الثاني: للمرأة مدخل في القصاص.\rقال السيوطي: «واستدل بقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ على أن للمرأة مدخلاً في القصاص؛ إِذِ المراد بالولي الوارث» (¬٢).\rمأخذ الحكم: جعل الله ﷿ لها ذلك، مع بيان وجه اندراجها في الولاية بما ذكره السيوطي، باعتبار أن الولي هنا هو الوارث.\rقال القرطبي: «وقال المخالف إن المراد ها هنا بالولي: الوارث، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فاقتضى ذلك إثبات القود لسائر الورثة» (¬٣).\rومن قال: إنها لا مدخل لها، استدل بأن لفظ (الولي) في الآية مذكر (¬٤).\rقال القرطبي: «وأما ما ذكروه من أن الولي في ظاهره على التذكير وهو واحد، كأن ما كان بمعنى الجنس يستوي المذكر والمؤنث فيه، وتتمته في كتب","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٧٢٨).\r(¬٢) المصدر السابق (٢/ ٩١٨).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٢٣).\r(¬٤) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٢٦٠)، والإكليل (٢/ ٩١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167895,"book_id":1216,"shamela_page_id":549,"part":null,"page_num":553,"sequence_num":549,"body":"الخلاف» (¬١).\r• الحكم الثالث: تحريم الإسراف في القتل.\rقال الموزعي: «وحرم الله الإسراف في القتل، وهو: أن يأخذ أكثر مما له؛ بأن يقتل غير القاتل، أو يعذب القاتل في القتل، أو يقتله بما هو أغلظ في القتل، أي: في الآلة التي قتل بها» (¬٢).\rمأخذ الحكم: النهي الوارد بصيغة: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، وهو يقتضي التحريم.\r• الحكم الرابع: للولي أن يقتل بنفسه في القصاص.\rقال الموزعي: «وفي الآية دلالة على أن للولي أن يقتل بنفسه؛ لأن ذلك يتصور النهي عن الإسراف، ويتم به السلطان، وقد اتفق الناس على ذلك في القتل، وأما في الجروح، ففيه خلاف» (¬٣).\rقلت: وقد عرَّف من قبل السلطان بقوله: «فُسِّر السلطان بالحجة والبرهان على قتل القاتل»؛ وعليه إن باشر ذلك فقد حصل له هذا بلا ريب.\rأما الخلاف في الجروح فقد سبق أن منها: ما يمكن الاستيفاء بالمثل، ومنه: ما لا يمكن، عند قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.\rمأخذ الحكم: عود الضمير في قوله: ﴿يُسْرِفْ﴾ على الولي، وما فُسِّر به الاسراف في الحكم السابق (¬٤).","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٢٣).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٢٦٠).\r(¬٣) المصدر السابق (٣/ ٤١٠).\r(¬٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٢٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167896,"book_id":1216,"shamela_page_id":550,"part":null,"page_num":554,"sequence_num":550,"body":"• الحكم الخامس: لا يستوفى في القصاص إذا كان الولي صغيرا حتى يبلغ.\rقال الموزعي: «وفي الآية دلالة على أنه لا يستوفى القصاص إذا كان الولي صغيراً أو مجنوناً حتى يبلغ هذا، ويفيق هذا» (¬١) ثم بيَّن المأخذ.\rمأخذ الحكم: قال الموزعي: «لأنه هو الولي، والسلطان ثابت له، فلا يجعل لغيره، سواء كان منفرداً بالولاية، أو مشاركاً» (¬٢).\r\rباب الديات\rقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية العفو على الدية (¬٣).\rأي: مشروعية العفو عن القصاص على أن يأخذ الدية.\rمأخذ الحكم: أنّ المولى رتب عليها أحكامًا، الإتباع، والأداء، والسياق سياق مدح وثناء وحث لقوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾، فدلَّ على المشروعيَّة.\rقال السيوطي: «وفي ذكر ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ ترقيق مرغب في العفو» (¬٤).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٤١١).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٤١١).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٦٧)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٢١٣).\r(¬٤) الإكليل (١/ ٣٤٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167897,"book_id":1216,"shamela_page_id":551,"part":null,"page_num":555,"sequence_num":551,"body":"ثمَّ قال في ختم الآية: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾\r• الحكم الثاني: مشروعية كون المطالبة تكون برفق (¬١).\rمأخذ الحكم: الإتيان بالمصدر، وهو أحد صيغ الإيجاب، أي: فالواجب من الولي اتباع بمعروف، أي: لا يشق عليه، ولا يضجره؛ لأنّه عفا عن القصاص.\r• الحكم الثالث: أن يكون الأداء من غير مطل (¬٢).\rمأخذ الحكم: هو المأخذ السابق من الإتيان بالمصدر (أداء)، ومن أعظم الإحسان هنا عدم المطل؛ لأنّ المطل ظلم، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.\rقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الدية والكفارة في قتل المؤمن خطأ، وهو محل اتفاق (¬٣).\rقال ابن قدامة: «الأصل في وجوب الدية الكتاب والسنة والإجماع، أما","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٦٧، ١٧٢).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٩).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٤٤٤)، الإكليل (٢/ ٥٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167898,"book_id":1216,"shamela_page_id":552,"part":null,"page_num":556,"sequence_num":552,"body":"الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾» (¬١).\rوقال في الكفارة: «الأصل في كفارة القتل، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية، وأجمع أهل العلم على أنَّ على القاتل خطأ كفارة؛ سواء كان المقتول ذكراً أو أنثى، وتجب في قتل الصغير والكبير» (¬٢).\rمأخذ الحكم: الحكم المقدَّر في الآية، أي: فعليه تحرير رقبة ودية، أو الواجب عليه تحرير رقبة ودية، والمقدَّر كالملفوظ.\r• الحكم الثاني: تجب الدية في قتل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد بالإجماع.\rسبق النقل عن ابن قدامة، وقال الموزعي مبيِّناً المأخذ: «وعلَّق الله سبحانه هذه الأحكام بقتل المؤمن، وأطلقه، فوقع على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، والحكم كذلك بإجماع المسلمين، إلا في العبد» (¬٣).\rمأخذ الحكم: العموم حيث ورد قوله ﴿مُؤْمِنًا﴾، في سياق الشرط ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾.\rتتمة: اختلف العلماء في قتل العبد.\rقال الموزعي: «فقال طائفة من أهل الكوفة: تجب فيه الدية؛ لظاهر الآية، ولايبلغ بها دية الحر، بل ينقص منها شيء؛ اعتباراً بنقصانه عن درجة الحُرِّ في الحد","footnotes":"(¬١) المغني (١٢/ ٥)، وينظر: الإكليل (٢/ ٥٧٨).\r(¬٢) المصدر السابق (١٢/ ٢٢٣).\r(¬٣) تيسير البيان (٢/ ٤٤٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167899,"book_id":1216,"shamela_page_id":553,"part":null,"page_num":557,"sequence_num":553,"body":"وغيره، وقال الشافعي، ومالك، وأبو يوسف: تجب فيه القيمة بالغة ما بلغت؛ قياساً على سائر الأموال، فقيدوا إطلاق الآية بالقياس. وقال أبو حنيفة: تجب فيه القيمة، ولا يُزاد بها على دية الحرِّ» (¬١).\rقلت: والقياس هنا: قياس الشبه، إذا تردد العبد بين إلحاقه بالحرِّ أو المال، ويسميه بعضهم قياس غلبة الأشباه.\r• الحكم الثالث: جواز الإبراء عن الدية.\rقال السيوطي: «وأن الدية مسلَّمة إلى أهل المقتول، إلَّا أن يصدقوا بها، أي: يبرئوا منها، ففيه جواز الإبراء من أهل الديه» (¬٢).\rمأخذ الحكم: دلالة الاستثناء، ومعناه: فهي إخراج ما لولاه لدخل.\rفأخرجت الإبراء من الوجوب، والاستثناء من الإثبات نفى، فنفت الوجوب حال الإبراء، والتصدق من قبل أهل الدية.\r• الحكم الرابع: المؤمن الذي أهله كفار، تجب الكفارة بقتله دون الدية (¬٣).\rمأخذ الحكم: سكوت الشارع عن الدية، حيث قال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، والمقام مقام بيان فدَّل على عدم وجوب الدية.\rقال ابن الفرس معللاً للحكم: «مخافة أن يتقوى بها الكفار» (¬٤).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ٤٤٨).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٥٧٨).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٤٥٠).\r(¬٤) أحكام القرآن (٢/ ٢٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167900,"book_id":1216,"shamela_page_id":554,"part":null,"page_num":558,"sequence_num":554,"body":"• الحكم الخامس: الذي له ميثاق، فتجب الكفارة والدية في قتله، فتجب للذمي والمعاهد.\rمأخذ الحكم: الإطلاق الوارد في الآية، حيث إنه سبحانه أطلق صفته ولم يقيده بصفة الإيمان، كما قيَّد غيره.\rقال الموزعي: «ومنهم من قيَّده بصفة الإيمان، وأعاد الضمير على المؤمنين، ولم يوجب الكفارة في قتله» (¬١).\r• الحكم السادس: دية الخطأ تكون على عاقلة القاتل.\rمأخذ الحكم: ذكره السيوطي بقوله: «وفي قوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ دون يُسْلِّمها، إشارة إلى أنها على عاقلة القاتل» (¬٢).\rتنبيه: قال الموزعي: «ولا إلتفات إلى خلاف الأصم وابن علية والخوارج في منع تحمُّل العاقلة، وتمسكوا بالآية، والقياس، ولا دليل لهم مع قيام النص والإجماع» (¬٣)، وقد بيّن قبل النص والإجماع فقال: «وظاهر الخطاب أن وجوب الكفارة والدية متعلق بالقاتل، والمعنى: فعليه تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله.\rويحتمل أن يكون التقدير: فالواجب تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلَّمة إلى أهله، وقد أجمع المسلمون على تعلّق الكفارة بالقاتل وجوباً وفعلاً، وأما الدية، فقضى رسول الله ﷺ بوجوبها على العاقلة، وكذا فعل عمر وعلي، ولم يخالفهما أحد من الصحابة، فهو إجماع، ودليله مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ٤٥١).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٥٧٨).\r(¬٣) تيسير البيان (٢/ ٤٤١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167901,"book_id":1216,"shamela_page_id":555,"part":null,"page_num":559,"sequence_num":555,"body":"أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]» (¬١).\r• الحكم السابع: ليس للمقتول العفو عن الدية (¬٢).\rمأخذ الحكم: أن الضمير في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ يعود إلى الأولياء.\rنسب القول السابق ابن الفرس إلى قوم من أهل الظاهر، ثم قال: «وهذا عند أهل القول الأول، إنما هو إذا لم يعف القتيل أو مات ولم يسمع منه عفو» (¬٣).\r• الحكم الثامن: تجب في قتل العمد كفارة (¬٤).\rمأخذ الحكم: بدلالة الأولى.\rقال الموزعي: «وأوجب الشافعي الكفارة في قتل العمد، وشبه العمد؛ لأنه أولى وأحرى بالوجوب من الخطأ» (¬٥).\rثم بيَّن مأخذ من قال بعدم وجوبها -وهو أبو حنيفة وأصحابه- وذكر أنهم على أصلهم من منع القياس في الكفارات.\r• الحكم التاسع: لا كفارة بقتل الكافر المضمون.\rمأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾.\rقال ابن قدامة: «وقال الحسن ومالك لا كفارة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، فمفهومه: أن لا كفارة في غير المؤمن.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٣٣).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٣٨)، والإكليل (٢/ ٥٧٨).\r(¬٣) أحكام القرآن (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩).\r(¬٤) المغني (١٢/ ٢٢٣).\r(¬٥) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٤٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167902,"book_id":1216,"shamela_page_id":556,"part":null,"page_num":560,"sequence_num":556,"body":"ولنا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، والذمي له ميثاق، وهذا منطوق يُقدَّم على دليل الخطاب» (¬١).\r• الحكم العاشر: من قتل نفسه خطأ وجبت الكفارة في ماله (¬٢).\rمأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾، و «من» من ألفاظ العموم، ويصدق على قاتل النفس، أنه قتل مؤمناً.\rقال ابن قدامة: «والأول أقرب إلى الصواب، -إن شاء الله-، فإن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ، ولم يأمر النبي ﷺ فيه بكفارة، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾، إنما أريد بها إذا قتل غيرَه، بدليل قوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، وقاتل نفسه لا تجب فيه دية؛ بدليل قتل عامر بن الأكوع. والله أعلم» (¬٣).\r• الحكم الحادي عشر: تلزم المشتركين في القتل كل واحد كفارة.\rقال ابن قدامة: «ومن شارك في قتل يوجب الكفارة، لزمته كفارة، ويلزم كل واحد من شركائه كفارة» (¬٤).\rوقال السيوطي: «واستدل بعمومها من قال: إن في قتل العبد الدية والكفارة، وأن على الصبي والمجنون إذا قتلا الكفارة، وإن المشارك في القتل عليه كفارة كاملة» (¬٥).","footnotes":"(¬١) المغني (١٢/ ٢٢٢).\r(¬٢) ينظر: المغني (١٢/ ٢٢٥).\r(¬٣) ينظر: المصدر السابق (١٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦).\r(¬٤) المغني (١٢/ ٢٢٦).\r(¬٥) الإكليل (٢/ ٥٧٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167903,"book_id":1216,"shamela_page_id":557,"part":null,"page_num":561,"sequence_num":557,"body":"مأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾، وقالوا: «من» تعمُّ الواحد والأكثر.\rقال ابن الفرس: «ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ فعمَّ الاشتراك والانفراد» (¬١).\rتنبيه: واستدل من قال: كفارة واحدة بذات الآية.\rقال ابن قدامة: «و «من» يتناول الواحد والجماعة، ولم يوجب إلَّا كفارة واحدة، ودية، والدية لا تتعدد، فكذلك الكفارة» (¬٢).\r• الحكم الثاني عشر: تلزم الإمام الدية إذا قتل خطأ (¬٣).\rمأخذ الحكم: قال السيوطي: «وعموم الآية شامل للإمام إذا قتل خطأ، خلافاً لمن قال: لا شيء عليه، ولا على عاقلته» (¬٤).\r• الحكم الثالث عشر: على الصبي والمجنون المسلم إذا قتلا حُراً خطأ الكفارة (¬٥).\rمأخذ الحكم: عموم الآية لعموم «مَنْ» فتشتمل كل بني آدم.\rقال ابن الفرس: «وذلك على عمومه في بني آدم» (¬٦).\r• الحكم الرابع عشر: في قتل العبد المؤمن، الدية والكفارة (¬٧).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٢/ ٢٤٦).\r(¬٢) المغني (١٢/ ٢٢٦).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٤٠).\r(¬٤) الإكليل (٢/ ٥٧٩).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٧٩).\r(¬٦) أحكام القرآن (٢/ ٢٤٥).\r(¬٧) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٧٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167904,"book_id":1216,"shamela_page_id":558,"part":null,"page_num":562,"sequence_num":558,"body":"مأخذ الحكم: عموم الآية؛ لأنه مؤمن، وهي نكرة في سياق الشرط، تعمُّ الأحرار والعبيد.\rقال السيوطي: «واستدل بعمومها أيضاً من قال: إن في قتل العبد الدية والكفارة» (¬١).\r• الحكم الخامس عشر: من عجز عن الإعتاق أو الصوم، فإن الكفارة تبقى في ذمته ولا ينتقل إلى الإطعام.\rقال ابن الفرس: «خلافاً للشافعي في أحد قوليه: أنه يطعم، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾؛ وذلك يفيد أنه جميع ما يجب في ذلك» (¬٢)، أي: لا واجب غير ذلك.\rوبيَّن الموزعي أن الله أوجب الكفارة: «ولم يذكر الإطعام في حق العاجز، فدلَّ على أنَّه لا يجب»، ثم قال: «وللشافعي قول ضعيف، أنَّه يجب إطعام ستين مسكيناً؛ قياساً على الظهار» (¬٣).\rمأخذ الحكم: هو سكوت الشارع عن الإطعام في مقام البيان، فدلّ على أنه لا يجب.\r• الحكم السادس عشر: ينتقل إلى الصيام من لم يجد الدية تحرير رقبة.\rمأخذ الحكم: عود الضمير في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الآية إلى العتق.\rقال ابن الفرس: «وقيل: فمن لم يجد العتق والدية فصيام شهرين يجزئه، وهو","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٥٧٩).\r(¬٢) أحكام القرآن (٢/ ٢٤٥).\r(¬٣) تيسير البيان (٢/ ٤٥١ - ٤٥٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167905,"book_id":1216,"shamela_page_id":559,"part":null,"page_num":563,"sequence_num":559,"body":"قول الشافعي. وقال الطبري: وأولى القولين أن الصوم عن الرقبة خاصة؛ لأن دية الخطأ على عاقلة القاتل، والكفارة على القاتل بإجماع، فلا يقضي صوم صائم عمّا لزم غيره في ماله» (¬١).\r• الحكم السابع عشر: يشترط في الرقبة أن تكون كاملة.\rقال ابن الفرس: «وأجاز أبو حنيفة أقطع أحد اليدين والرجلين، ولم يجز مالك شيئاً من ذلك، والحجة لقوله، قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، والإطلاق يقتضي كاملة» (¬٢).\rمأخذ الحكم: الإطلاق المذكور وما يقتضيه، أي: لم يقل سبحانه: (بعض رقبة).\rتنبيه: الخلاف في هذا المأخذ في مسائل تتعلق بالناقص من حيث العقد كالمدبر، وأمِّ الولد، والناقص في جسده كما مثل ابن الفرس.\r• الحكم الثامن عشر: لا يجوز عتق غير الرقبة المؤمنة في الكفارة، ولا الصيام بغير التتابع.\rمأخذ الحكم: العمل بالوصف المقيد، بحسب نص الآية.\rقال ابن الفرس: «وقوله تعالى: ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ تقييد الرقبة بمؤمنة، يقتضي أنه لا يجوز عتقُ غير المؤمنة في كفارة قتل الخطأ، وهو إجماع» (¬٣).\rوقال: «قوله: ﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾ شرط تعالى التتابع» (¬٤).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٢/ ٢٤٥).\r(¬٢) أحكام القرآن (٢/ ٢٣٥).\r(¬٣) المصدر السابق (٢/ ٢٣٥).\r(¬٤) المصدر السابق (٢/ ٢٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167906,"book_id":1216,"shamela_page_id":560,"part":null,"page_num":564,"sequence_num":560,"body":"باب قتال أهل البغي\rأهل البغي: هم الخارجون من المسلمين عن طاعة الإمام الحق بتأويل، ولهم شوكة.\rويعتبر بمنزلة الخروج: الامتناع من أداء الحق الواجب الذي يطلبه الإمام كالزكاة.\rلذا ذكر ابن قدامة من فوائد الآية: جواز قتال كل من منع حقاً عليه، ذكره من فوائد الآية الآتي ذكرها.\rوأكثر الفقهاء يرون أنَّ الخوارج من البغاة، ولا يرون تكفيرهم.\rوذكر ابن قدامة فوائد للآية: «أحدها: أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان، فإنه سمّاهم مؤمنين» (¬١) وباقي الفوائد هي أحكام الآية الآتية.\rقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب قتال الفئة الباغية (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، والأمر يقتضي الوجوب.\rقال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أمرٌ بالقتال،","footnotes":"(¬١) المغني (٨/ ٥٣٣).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٤٩١)، والإكليل (٣/ ١١٩٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167907,"book_id":1216,"shamela_page_id":561,"part":null,"page_num":565,"sequence_num":561,"body":"وهو فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ ولذلك تخلف قومٌ من الصحابة ﵃ عن هذه المقامات، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، ومحمد بن سلمة وغيرهم، وصوَّب ذلك علي بن أبي طالب لهم، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه» (¬١).\rتنبيه: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن حكم الآية شامل لأهل مكة كغيرهم، فيجب قتالهم إن بغوا، وحمل الجمهور الآية على عمومها (¬٢).\r• الحكم الثاني: يسقط قتالهم إذا فاءوا إلى الله (¬٣).\rقال السيوطي: «من رجع منهم وأدبر لا يقاتل» (¬٤).\rوقال الموزعي: «المقصود من قتال البغاة، إنما هو كفهم عن البغي حتى يفيئوا إلى الله، وليس المراد به الانتقام منهم، فإذا أمكن كفهم بقتال، فلا يُعدل إلى ما هو أغلظ منه، ولا يقتل أسيرهم، ولا يُذَفَّف على جريحهم، ولا تتلف أموالهم» (¬٥).\rمأخذ الحكم: مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، ومفهومه: إن فاءوا، فإنه يجب الكف عنهم (¬٦).\r• الحكم الثالث: سقوط المطالبة بالدم والنفس.\rذكر ابن قدامة من فوائد الآية: «أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم» (¬٧).","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٦/ ٢٦٩).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٤٩٣)، والإكليل (٣/ ١١٩٥).\r(¬٣) المغني (١٢/ ٢٣٧).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٣/ ١١٩٥).\r(¬٥) تيسير البيان (٤/ ١٦٨)، وينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٧٢).\r(¬٦) ينظر: الإكليل (٣/ ١١٩٥).\r(¬٧) المغني (٨/ ٥٢٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167908,"book_id":1216,"shamela_page_id":562,"part":null,"page_num":566,"sequence_num":562,"body":"مأخذ الحكم: سكوت الشارع عن ذلك في مقام البيان.\rقال الموزعي: «وأطلق الله سبحانه الصلح، ولم تُذكر تباعة في دم ولا مال.\rقال الشافعي: فأشبه هذا -والله أعلم- أن تكون التباعات في الجراح والدماء، وما كان من الأموال ساقطاً بينهم» (¬١).\rومن قال بالضمان أخذ ذلك من قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾، والعدل أخذ الحق لبعض الناس من بعض، وكونه إتلافاً بعدوان فيلزم الضمان (¬٢).\rقال القرطبي: «والمعول في ذلك عندنا أن الصحابة ﵃ في حروبهم لم يتبعوا مدبراً ولا ذَفَّفُوا على جريح، ولا قتلوا أسيراً، ولا ضمنوا نفساً ولا مالاً، وهم القدوة» (¬٣).\rبل وقال قبل: «ومن العدل في صلحهم ألا يطالبوا بما جرى بينهم من دم ولا مال، فإنَّه تلف على تأويل، وفي طلبهم تنفير لهم عن الصلح واستشراء في البغي، وهذا أصل في المصلحة» (¬٤).\rخاتمة للباب: قال ابن الفرس: «والذي يأتي على فرض القول، فيقال: الفئة الباغية أن يكون الإنسان في الفتنة مع من يرى أن الحق معه، وعليه يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾؛ إذ لم يخص كثيراً من قليل، ولا العلماء من غيرهم، فإنما اعتبر في ذلك البغي، فحيث اعتقده الإنسان زال عنه، وحيث لم يره كان فيه» (¬٥).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٤/ ١٦٨).\r(¬٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٦/ ٢٧٢).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٦/ ٢٧١)، وبنظر: تيسير البيان (٤/ ١٦٨).\r(¬٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٦/ ٢٧١).\r(¬٥) أحكام القرآن (٣/ ٤٩٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167909,"book_id":1216,"shamela_page_id":563,"part":null,"page_num":567,"sequence_num":563,"body":"باب قتال الجاني\rقال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز قتال الجاني المعتدي في أي وقت، وأي مكان حتى في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام (¬١).\rقال الموزعي: «وأباح لنا في هذه الآية قتالهم في الشهر الحرام إن قاتلوا في الشهر الحرام، كما أباح لنا مجازاتهم بذلك في المسجد الحرام، فقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾» (¬٢).\rوقال ابن الفرس: « … وذهب مجاهد إلى أن الآية محكمة، وأن المعنى: فمن اعتدى عليكم في الحرم فاعتدوا عليه، وهذا أولى ما حملت عليه الآية» (¬٣).\rمأخذ الحكم: المجازاة والسببية في قوله: ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، والأمر وجواب الشرط في قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.\rوحمل الأمر على الإباحة كما أشار إليه الموزعي في كلامه، ولعل الصارف أحد الأمرين أو كليهما.\rالأول: كونه أمراً بعد حظر، وقد أشار إلى ذلك الموزعي، حيث قدم ذكر الآيات الدالة على الحظر، ثم أردفها بهذه الآية، فقال: «حرم الله سبحانه علينا في","footnotes":"(¬١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٥٣).\r(¬٢) تيسير البيان (١/ ٢٩٩).\r(¬٣) أحكام القرآن (١/ ٢٢٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167910,"book_id":1216,"shamela_page_id":564,"part":null,"page_num":568,"sequence_num":564,"body":"غير هذه الآية القتال في الشهر الحرام، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] … ، وأباح لنا في هذه الآية أن نقاتلهم» (¬١).\rالثاني: النصوص الواردة في جواز العفو عن الظالم وترك معاقبته، قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].\rتنبيه: يدخل الجاني في الصائل، فكلاهما معتد، لا يجوز دفعه.\rقال الرافعي: «الشطر الثاني: في دفع الصائل … وأما المرفوع: فكل ما يخاف منه، فدُفع فهو هدر، حتى الصبي والمجنون، وكذا البهيمة، … استؤنس عن الباب بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾» (¬٢).\rرتبوا على ذلك أن الصائل إذا قتل على المال، فلا ضمان عليه بقصاص، ولا دية، ولا كفارة، ولا قيمة؛؛ لأن الإنسان مأمور بقتاله، وبين الأمر بالقتال والضمان منافاة.\r• الحكم الثاني: مشروعية المماثلة في القصاص (¬٣).\rقال السيوطي: «استدل به الشافعي على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد، أو خنق، أو حرق، أو تجويع، أو تغريق، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (١/ ٢٩٩).\r(¬٢) شرح العزيز (١٩/ ٤٢٢).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٦٥، ٢٢٧)، وتيسير البيان (١/ ٣٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167911,"book_id":1216,"shamela_page_id":565,"part":null,"page_num":569,"sequence_num":565,"body":"ماء ملح» (¬١).\rمأخذ الحكم: كونه مقتضى الاعتداء بالمثل،، والاعتداء من قبيل المقابلة. وسبق في باب الجنايات.\rقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].\r• الحكم الأول: تحريم قطع الطريق، ووجوب قتال قطاع الطريق المحاربة.\rقال السيوطي: «هي في قطاع الطريق» (¬٢).\rوالمحاربة: كل من أشهر السلاح وقطع السبيل.\rوقال القرطبي: «وإذا أخاف المحاربون السبيل، وقطعوا الطريق وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين» (¬٣).\rوقال ﵀: «وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر؛ لأن فيها سدَّ سبيل الكسب على الناس؛ لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات، وركنها وعمادها الضرب في الأرض» (¬٤).","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٦٣٠).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٥٥).\r(¬٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167912,"book_id":1216,"shamela_page_id":566,"part":null,"page_num":570,"sequence_num":566,"body":"مأخذ الحكم: يبنى تحريم قطع الطريق من الأساليب الآتية:\rأولاً: تعظيم الأمر بإضافة المحاربة له: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.\rقال ابن الفرس: «وقوله: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ تغليظ على ارتكاب نهيه … ، وإنما ذكر على جهة المبالغة في إظهار المخالفة … ، وقيل: التقدير يحاربون عباد الله … ، وكأنه أراد بذلك تعظيم المحاربة وإكبار قدر المعصية» (¬١).\rثانياً: ذم فعلهم وتسميته فساداً.\rثالثاً: ترتيب العقوبة في الدنيا بإقامة الحد -كما سيأتي- وفي الآخرة الخزي، ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\rرابعاً: الوعد بالمغفرة لمن تاب، ولا توبة إلا من معصية، كما قال العز بن عبد السلام في كتابه الإمام.\rوأما وجوب قتالهم: إخبار المولى ﷾ أنه جزاءهم، لا جزاء غيره بصيغة الحصر.\r• الحكم الثاني: يقاتل المحاربة سواء قاتلوا في المصر أو خارجه.\rمأخذ الحكم: لعموم الآية، وإطلاق اسم المحاربة على الجميع.\rقال القرطبي: «المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو برية»، ثم نقل عن ابن المنذر قوله: «لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة» (¬٢).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٢/ ٣٩٦).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167913,"book_id":1216,"shamela_page_id":567,"part":null,"page_num":571,"sequence_num":567,"body":"وذكر الموزعي: أن العلماء اتفقوا على أن المحاربة إشهار السلاح وقطع السبيل خارج المصر، ثم قال: «وهذا هو الواقع على المحاربة في العُرف» (¬١).\rأما وجه العموم في الآية فهو ضمير الجمع في قوله: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾، والعام في الأشخاص عام أو مطلق في الأحوال، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ١٢٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167914,"book_id":1216,"shamela_page_id":568,"part":null,"page_num":572,"sequence_num":568,"body":"كتاب الحدود\r(باب الزنا)\rالزنا: فعل الفاحشة في قُبلٍ أو في دُبرٍ.\rوقيل: إيلاج حشفة أو قدرها في فرج محرم لعينه مشتهى طبعاً بلا شبهة.\rويدخل في معناه اللواط، فهو صنف من أصناف الزنا، كما أشار القرطبي؛ ولذا يدخل في هذا الباب الآيات الدالة على حكم اللواط.\rقال ابن الفرس: «واختلف في الوطء في الدبر هل هو زنى أم لا؟ فعند مالك ﵀ أنه زنى يقام فيه الحد، وغيره لا يراه زنى، والكلام في هذا هل اسم الزنى واقع عليه أم هو قياس؟ فإذا كان اسم الزنى واقعا عليه، فالعموم في الآية شامل له. وإن كان قياساً فهو صحيح إن شاء الله تعالى» (¬١).\rقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥ - ١٦].\rاستدل بالآيتين على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم الزنا.\rقال ابن قدامة: «الزنا حرام، وهو من الكبائر العظام» (¬٢).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٣/ ٣٢٤).\r(¬٢) المغني (١٢/ ٣٠٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167915,"book_id":1216,"shamela_page_id":569,"part":null,"page_num":573,"sequence_num":569,"body":"مأخذ الحكم: ذم الفعل، وتسميته بالفاحشة، وترتيب الحد عليه، وتشريع التوبة منه ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥].\r• الحكم الثاني: أن حد الزنا الإمساك في البيوت حتى الموت أو الأذى.\rوهذا الحكم منسوخ، قال السيوطي: «الأكثرون على أنها والآية التي بعدها منسوخة بآية الجلد من سورة النور» (¬١).\rوقال ابن قدامة: «وكان حد الزنا في صدر الإسلام الحبس للثيب، والأذى بالكلام من التقريع والتوبيخ للبكر» (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ وقوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾.\rوقيل: إن الآية زال حكمها لا بالنسخ، بل لانتهاء الغاية؛ إذ قيَّد سبحانه الحكم السابق بغاية، وهي: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، وقد جعل الله لهن سبيلا، كما في حديث عبادة: (خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة، ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة، ثم نفي سنة) (¬٣).\rقال الموزعي: «الصواب أنها ليست بمنسوخة؛ لأن النسخ لا يكون إلا بعد استقرار حكم متقدِّم، وهذه الآية لم يبين الله فيها حكما، وإنما وعد عباده ببيان الحكم في الوقت الذي يريده، وأمرهم بإمساك الزواني؛ حفظا لهم من الزنا؛ وانتظاراً لوعده وقضائه، ثم منَّ الله على عباده ببيانه، وشرعه في الوقت الذي أراده، فهذا بيان لا نسخ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٥٢١).\r(¬٢) المغني (٢/ ٣٠٧).\r(¬٣) أخرجه مسلم في كتاب الحدود، باب حد الزنى، برقم (١٦٩٠).\r(¬٤) تيسير البيان (٢/ ٢٩٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167916,"book_id":1216,"shamela_page_id":570,"part":null,"page_num":574,"sequence_num":570,"body":"• الحكم الثالث: تحريم السِّحاق واللواط، وأن فيهما التعزير.\rوهذا الحكم على القول بأن الآيتين محكمتان، وأن الأولى في إتيان المرأة المرأة، والثانية إتيان الرجل الرجل.\rومأخذ الحكم: يوضحه السيوطي بقوله: «ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ فاقتضى ذلك فاحشة مخصوصة بالنساء، ثم قال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾، فاقتضى ذلك فاحشة مخصوصة بالرجال» (¬١).\rثم ناقش كون الآية في السحاق فقال: «ولو أريد بالآية الأولى السِّحاق لأتى بصيغة الاثنتين كما في الثانية».\r• الحكم الرابع: إذ تاب الزاني وأصلح فإن الحد يسقط عنه.\rقال الموزعي: «وفي الآية دليل على أن الزاني إذا تاب سقط عنه الحد؛ لأن الله سبحانه أمرنا بالإعراض، ولو كان واجباً لم يسقط، ولما أمرنا بالإعراض … ، وظاهر إطلاق الآية أن التوبة تسقط الحد، سواء تاب قبل الوصول إلى القاضي، أو بعده، وفيه خلاف، واتباع الظاهر أولى وأليق بباب الحد» (¬٢).\rويوضح الحد المسقوط ابن الفرس بقوله: «قوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ أمر بكف الأذى عنهما بعد التوبة» (¬٣).\rومأخذ الحكم: ما أشار إليه الموزعي، من أن الله أمرنا بالإعراض، فدلَّ على سقوطه، وهو جواب شرط التوبة ﴿فَإِنْ تَابَا﴾.","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٥٢٣).\r(¬٢) تيسير البيان (٢/ ٣٠٠ - ٣٠٣).\r(¬٣) أحكام القرآن (١/ ١٠٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167917,"book_id":1216,"shamela_page_id":571,"part":null,"page_num":575,"sequence_num":571,"body":"وهذا الأمر بالإعراض معلق على شرطين: والمعلق على شرطين لا يثبت إلا بثبوتهما.\rتنبيه: قال الموزعي: «وينبغي أن يعلم أن الإصلاح شرط لمسقط الحد، لا أنه مسقطٌ للحد بنفسه، وقد وهم بعض الشافعية، فجعل نفس الإصلاح مسقطا للحد، وليس كذلك» (¬١).\rخاتمة: اختلف العلماء في كيفية الأذى، وضابط الإصلاح، يرجع إليه في كتب التفسير.\rقال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: عدم وجوب حد الزنا على الأمة حتى تتزوج.\rمأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فعلَّق حدها في الآية على الإحصان.\rونوقش: بأن قيد الإحصان، ذكر لئلا يتوهم زيادة عقوبتها بالنكاح، كما زاد في حق الحرة، وعليه لا مفهوم له معتبر.\rقال الشنقيطي: «والحكمة في التعبير بخصوص المحصنة، دفع توهم أنها ترجم كالحرة، فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني ﵄ قالا: سئل النبي ﷺ عن الأمة إذا زنت، ولم تحصن قال: (إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ٣٠٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167918,"book_id":1216,"shamela_page_id":572,"part":null,"page_num":576,"sequence_num":572,"body":"فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير) … ، فمفهوم هذه الآية هو بعينه الذي سئل عنه النبي ﷺ، وأجاب فيه بالأمر بالجلد في هذا الحديث المتفق عليه (¬١) … » (¬٢).\rوللرازي جواب آخر، حيث قال: «وقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ ليس المراد منه جعل هذا الإحصان شرطاً لأن يجب في زناها خمسون جلدة، بل المعنى أن حد الزنا يغلظ عند التزويج، فهذه إذا زنت وقد تزوجت، فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليه، فبأن يكون قبل التزويج هذا القدر أيضاً أولى، وهذا مما يجري مجرى المفهوم بالنص، لأن عند حصول ما يغلظ الحد، لما وجب تخفيف الحد لمكان الرق، فبأن يجب هذا القدر عند ما لا يوجد ذلك المغلظ، كان أولى والله أعلم» (¬٣).\r• الحكم الثاني: حد الأمة على النصف من حد الحرة.\rقال الموزعي: «وأجمعوا على أن جلدها لا يزيد على خمسين جلدة» (¬٤).\rمأخذ الحكم: الأمر في جواب الشرط ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾، أي: فالواجب عليهن من العقوبة المقدرة نصف ما على المحصنات.\r• الحكم الثالث: لا رجم على الأمة المحصنة.\rمأخذ الحكم: كون الحد لا يتنصف، فلا يمكن أن يكون نصف رجم.\rقال السيوطي: « … وأنه لا رجم عليها؛ لأنه لا يتنصف، ففيها رد على من","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب إذا زنت الأمة، برقم (٦٨٣٧)، ومسلم في كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، برقم (١٧٠٣).\r(¬٢) أضواء البيان (١/ ٣٨٦).\r(¬٣) التفسير الكبير للرازي (٤/ ٥٢).\r(¬٤) تيسير البيان (٢/ ٣٦٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167919,"book_id":1216,"shamela_page_id":573,"part":null,"page_num":577,"sequence_num":573,"body":"قال يرجم» (¬١).\rوقال الموزعي: «اتفق جمهور العلماء أنه لا رجم على الأمة … ، والرجم لا يتنصف، فاختص بالجلد» (¬٢).\rوقال ابن الفرس: «لأن الرجم ليس بمحدود معلوم، فيتنصف، وإنما أراد تعالى ما يمكن فيه التنصيف» (¬٣).\r• الحكم الرابع: لا حد على العبد مطلقاً سواء كان محصناً أو غير محصن.\rمأخذ الحكم: كون الآية، وردت في الإماء، والضمير فيها لا يشمل الذكور.\rقال السيوطي: «وقال بعضهم: لا حد على العبد أصلاً، أحصن أو لا؛ لأن الآية وردت على الإماء، وقال آخرون: يجلد كالحر؛ لعموم آية الزنا؛ لأن آية المنصفة وردت في الإماء» (¬٤).\rقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].\rيستدل بالآية على تحريم الزنا.\rومأخذ الحكم: النهي عن قربانه، وهو أولى من فعله وإتيانه، ثم وصفه بوصفين: أنه فاحشة، وساء سبيلا، وهو ذم للفعل موجب تحريمه واجتنابه.\rوقد بيَّن الرازي وجه كونه فاحشة بوجهين، وكذا كونه ساء سبيلا بوجهين، بكلام متين يرجع إليه (¬٥).","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨).\r(¬٢) تيسير البيان (٢/ ٣٥٩).\r(¬٣) أحكام القرآن (٢/ ١٥٤).\r(¬٤) الإكليل (٢/ ٥٤٨).\r(¬٥) التفسير الكبير (٧/ ٣٣٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167920,"book_id":1216,"shamela_page_id":574,"part":null,"page_num":578,"sequence_num":574,"body":"قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم الزنا.\rمأخذ الحكم: ترتب العقوبة عليه، وجعل الزنا علة ذلك، بدلالة الإيماء، حيث اقترن الوصف ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، بالحكم ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، ولو لم يكن الوصف علَّة لكان الكلام معيباً في كلام العرب.\r• الحكم الثاني: وجوب حد الزاني والزانية البكرين الحُرَّين مائة جلدة، سواء كانا مسلمين أو كافرين.\rقال الموزعي: «أجمع أهل العلم على تخصيص عمومها بالبكرين الحرين، وأن الزاني إذا كان محصناً، فحده الرجم» (¬١).\rمأخذ الحكم: الأمر بوجوب الجلد ﴿فَاجْلِدُوا﴾ (¬٢)، مع العموم في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، فيشتمل الكافر والمسلم، ويشمل العموم غيرهم، «والمرأة العاقلة إذا زنى بها مجنون، أو الكبيرة، إذا زنى بها صبي أو عكسه، أو حربية أو مسلمة في بلاد الحرب، أو في عسكر أهل البغي، أو بنصرانية مطلقاً، أو بأمة امرأته، أو مَحْرم، أو من استدخلت ذكر نائم» (¬٣).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٤/ ٣٩).\r(¬٢) قال القرطبي (١٢/ ٤٤٤): «دخلت الفاء؛ لأنه موضع أمر، والأمر مضارع للشرط، وقال المبرد: فيه معنى الجزاء، أي: إن زنى زانٍ فافعلوا به كذا، ولهذا دخلت الفاء».\r(¬٣) الإكليل (٣/ ١٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167921,"book_id":1216,"shamela_page_id":575,"part":null,"page_num":579,"sequence_num":575,"body":"• الحكم الثالث: وجوب الحد على الزاني والزانية البكرين العبد والأمة خمسون جلدة.\rمأخذ الحكم: تخصيص عموم قوله: ﴿الزَّانِيَةُ﴾ بقوله في الإماء ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، ثم قياس العبد على الأمة في نظير الحد، وهذا القياس مخصص لعموم قوله: ﴿وَالزَّانِي﴾.\r• الحكم الرابع: يقام الحد على الزناة في كل حال، سواء كانا صحيحين أو مريضين في البرد أو الحر.\rمأخذ الحكم: يبينه الموزعي بقوله: «وأمر الله سبحانه بجلد الزناة مطلق في جميع الأحوال … ، فذهب قوم إلى حمل الأمر على إطلاقه، فأقاموا الحد في جميع الأحوال؛ لأنه فريضة واجبة، فلا تؤخر عن وقتها؛ ولأن عمر ﵁، أقام الحد على قدامة وهو مريض … »، ثم قال: «وذهب الجمهور إلى تقييد هذا الإطلاق بالمعنى، فلا يقام عليه إلا عند اعتدال الحال والهواء؛ لما فيه من خوف الهلاك عليه، ولشهادة الأصول بتأخير الفرائض عند خوف الهلاك» (¬١).\rوكونه مطلقاً؛ لأن قوله ﴿فَاجْلِدُوا﴾ فعل، والأفعال نكرات، وهو في سياق إثبات.\r• الحكم الخامس: يجرد المحدود عن ملابسه.\rوذلك بعد الاتفاق على أن المرأة لا تجرد، وتستر بما لا يقيها الضرب (¬٢).\rمأخذ الحكم: كون الجلد يقتضي مباشرة أبدانهما، ذكره ابن الفرس (¬٣).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٤/ ٤٤).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٣٢٧).\r(¬٣) ينظر: المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167922,"book_id":1216,"shamela_page_id":576,"part":null,"page_num":580,"sequence_num":576,"body":"• الحكم السادس: لا يكتفي بالضرب بها مجموعة ضربة واحدة، صحيحاً كان أو مريضاً.\rمأخذ الحكم: مفهوم العدد في قوله: ﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، وهذه جلدة واحدة.\rومن قال: بالإجزاء قاسه على الحنث الوارد في شرع من قبلنا: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]؛ وذلك عند من يقول بجواز القياس في الحدود.\r• الحكم السابع: الرجل والمرأة في كيفية الضرب سواء، فيضرب قاعدين.\rمأخذ الحكم: لإطلاق الله ﷿ ذلك، في قوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ولم يفرق بين الرجل والمرأة.\r• الحكم الثامن: تضرب الأعضاء كلها عدا المقاتل والوجه، والعورة للاتفاق على ذلك.\rقال القرطبي: «قال ابن عطية: والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل» (¬١).\rمأخذ الحكم: للإطلاق في قوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، ولم يخص جزء من الأخر.\r• الحكم التاسع: يسقط الحد بالتوبة.\rمأخذ الحكم: يحمل المطلق في هذه الآية على المقيد في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦].","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ١٤٥ - ١٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167923,"book_id":1216,"shamela_page_id":577,"part":null,"page_num":581,"sequence_num":577,"body":"قال الموزعي: «وهذا مقيد بالتوبة، والمقيد قاض على المطلق باتفاق أهل العلم بشروط الاستدلال، وهذا عندي أقوى دليلا، وبه أقول؛ للنص المذكور في الآية، ولقوله ﷺ في ماعز: «هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه» لما أخبروه، أنه قال: ردوني إلى رسول الله ﷺ لما مسَّه ألم الحجارة» (¬١)، (¬٢).\rقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨٤].\rوفي النمل: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨].\rوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢].\rومثله في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤].\rاستدل بالآيات السابقة على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم اللواط، وهو إتيان الرجل الرجل في دبره.\rقال ابن الفرس: «الفاحشة هنا: إتيان الرجال في أدبارهم … ، ولا اختلاف بين الأمة في تحريم هذا الفعل» (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك، برقم (٤٤١٩).\r(¬٢) تيسير البيان (٢/ ٣٠١).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ٥٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167924,"book_id":1216,"shamela_page_id":578,"part":null,"page_num":582,"sequence_num":578,"body":"مأخذ الحكم: يظهر من خلال الأساليب الآتية:\r* منها: الاستفهام في قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، «وهذا استفهام يجمع الأئمة أنه استفها مجازي، المراد منه شدة الإنكار، والاستقباح» قاله المطعني (¬١).\r* ومنها: ذم الفعل وتسميته فاحشة، وهذ اسم لما يستقذر.\r* ومنها: ترتب الحد الآتي عليه، وكونهم أنذروا ونهوا عنه: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.\r• الحكم الثاني: حد اللواط الرجم بالحجارة.\rقال ابن الفرس: «وذهب مالك ﵀ في المشهور عنه إلى أنهما يرجمان أحصنا أو لم يحصنا، والحجة لمالك أنه تعالى عاقبهم بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل … ، فإذا كان الله تعالى عاقبهم بالرجم بالحجارة في ذلك الوقت، ولم يكن بد من حد في ذلك، كان العقاب الذي عاقب به تعالى في ذلك الوقت أولى من إحداث عقاب آخر. ويؤيد هذا ما جاء عن النبي ﷺ: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول»» (¬٢).\rمأخذ الحكم: ما سبق في تقرير حجة مالك.\rوذهب بعض العلماء إلى أن الحد أن يلقى من شاهق، أو موضع عال؛ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾، وقد ذكر جمع من المفسرين أن جبريل ﵇ صعد بقرية لوط ﵇ فصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها (¬٣).","footnotes":"(¬١) التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الحكيم (١/ ٣٨٨).\r(¬٢) أحكام القرآن (٣/ ٥٧).\r(¬٣) ينظر: موسوعة التفسير المأثور (١١/ ٣٨٤ - ٣٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167925,"book_id":1216,"shamela_page_id":579,"part":null,"page_num":583,"sequence_num":579,"body":"باب حد القذف\rقال ابن الفرس: «القذف الرمي، وأصله من الرمي بالحجارة والسهام، ثم استعير للقذف لما بينهما من الشبهة … ، إلا أنه قد خص في إطلاق أهل الشرع بالرمي في الزنا» (¬١).\rقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥].\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].\rواستدل العلماء بالآيتين على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم القذف.\rمأخذ الحكم: ترتيب الحد عليه -كما سيأتي-، وذم الله الفاعل وتسميته له بالفاسق ولعنه، وعدم قبول شهادته إلا إذا تاب، ولا توبة إلا من معصية.\rقال الموزعي: «ثم حكم الله سبحانه في القاذف، بأنه لا تقبل شهادته أبداً، وسماه فاسقا، ولعنه» (¬٢).\r• الحكم الثاني: يجلد القاذف ثمانين جلدة، إذا قذف محصنة أو محصن.\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، إذا رمى محصنة كما في","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٣/ ٣٣٤).\r(¬٢) تيسير البيان (٤/ ٥٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167926,"book_id":1216,"shamela_page_id":580,"part":null,"page_num":584,"sequence_num":580,"body":"نص الآية.\rوالمحصنة: هي العفيفة باتفاق.\rقال السيوطي: «ومفهومه أنه إذا قذف من عرفت بالزنا لا يحد القذف» (¬١).\rوقال الموزعي: «واقتضى الخطاب بمفهومه، ألا يجلد قاذف غير المحصنات، وعلى العمل بهذا المفهوم أجمع أهل العلم» (¬٢).\rوفي مفهومه الموافق يدخل قذف الرجال المحصنين.\rقال الموزعي: «والقرآن ورد في قذف المحصنات من النساء، والمحصنون من الرجال في معناهم بإجماع أهل العلم بالقرآن» (¬٣).\r• الحكم الثالث: يحد قاذف الكافر والرقيق، وغير البالغ، والمجنون والمجبوب حد القذف.\rمأخذ الحكم: الألف واللام الداخلة على الجمع في قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾.\rقال ابن الفرس: «وظاهر الآية العفاف في المسلمين والكافرين، وأنه من قذف أهل الكفر فعليه الحد … ، والذي عليه الجمهور أن المراد بالآية المقذوفون من المسلمين، وأن الكفار مُخصصون من عمومها بالقياس على الفاسق المليء، وهذا إذا جعلنا الإحصان في الآية العفة خاصة، وأما إن جعلنا العفة والإسلام فليس للآية عموم يحتج به في ذلك» (¬٤).","footnotes":"(¬١) الإكليل (٣/ ١٠٨).\r(¬٢) تيسير البيان (٤/ ٤٩).\r(¬٣) المرجع السابق (٤/ ٥٢).\r(¬٤) أحكام القرآن (٣/ ٣٧٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167927,"book_id":1216,"shamela_page_id":581,"part":null,"page_num":585,"sequence_num":581,"body":"باب حد السرقة\rقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].\rوفي قراءة شاذة: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾.\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم السرقة.\rمأخذ الحكم: ترتب الحد على فعله، وأكد ذلك سبحانه بقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾، وقوله: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾، أي: به على سبيل التنكيل والاستخفاف بفاعله.\rقال القرطبي: قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ دخلت الفاء؛ لأنه موضع أمر، والأمر مضارع للشرط.\rوقال المبرد: فيه معنى الجزاء، أي إن زنى زان فافعلوا به كذا، ولهذا دخلت الفاء، وهكذا ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (¬١).\r• الحكم الثاني: وجوب قطع يد السارق والسارقة.\rقال السيوطي في الآية: «أصل في قطع السارق والسارق» (¬٢).\rمأخذ الحكم: بدلالة الإيماء، حيث اقترن الحكم ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ بالوصف ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ب «الفاء»، وهذا يدل على أن القطع وجب جزاءً على تلك السرقة، وأن السرقة هي: علة وجوب القطع.\r• الحكم الثالث: تقطع يد السارق في القليل والكثير، وما كان في حرز، وما لم","footnotes":"(¬١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٤٤٤).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٦٣٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167928,"book_id":1216,"shamela_page_id":582,"part":null,"page_num":586,"sequence_num":582,"body":"يكن، فيعمُّ كل مسروق، سواء كان مالاً عاماً أو خاصاً.\rمأخذ الحكم: الإطلاق والعموم الوارد في الآية، فيجري في كل ما يقع عليه سرقة إلا ما خصه الدليل. وسبق أن العلة هي السرقة بدلالة الإيماء.\rقال الموزعي: «أوجب الله سبحانه علينا في هذه الآية قطع يد السارق والسارقة، وأطلق ذلك في جميع الأحوال والصفات، وقد اتفق أهل العلم على وجوب قطعهما، واتفقوا على تخصيص هذا الإطلاق ببعض الأحوال، فاشترطوا أشياء تعارض العموم، منها: إذا سرق ما له فيه شبهة … ، ومنها: اشتراط النصاب، فلم يعتبره أهل الظاهر، وأوجبوا القطع في القليل والكثير … ، ومنها: أعني الشروط المعارضة للعموم- الحرز … ، ولم يعتبره أهل الظاهر لظاهر الآية» (¬١).\rوفي بيان المخصصات يرجع إلى كتب التفسير.\r• الحكم الرابع: تقطع يد السارق اليمنى فقط.\rقال ابن الفرس: «وذهب قومٌ إلى أنه لا تقطع من السارق إلى يده اليمنى خاصة، ثم إن سرق بعد ذلك عزر وحبس» (¬٢).\rمأخذ الحكم: قراءة: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾، ذكره ابن الفرس، وقال السيوطي «قرأ ابن مسعود: ﴿أيمانهما﴾، وهي مبيِّنة للمراد» (¬٣).\rقال ابن حجر في الفتح: «وأجمعوا على أن المراد اليمنى إن كانت موجودة» (¬٤).\rثم إن اليد تقع على الكف وحده، وعليه مع الساعد، وعليهما مع العضد، وجاءت السنة بفعله ﷺ بيان موضع القطع، وأنه للكف فقط.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ١٣٦).\r(¬٢) أحكام القرآن (٢/ ٤٢٠).\r(¬٣) الإكليل (٢/ ٦٣٣).\r(¬٤) فتح الباري (١٢/ ١١٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167929,"book_id":1216,"shamela_page_id":583,"part":null,"page_num":587,"sequence_num":583,"body":"باب بيان المسكر\rقال تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩].\rاستدل بالآية على إباحة التداوي بالخمر.\rقال السيوطي: «قد يستدل بها لمن أباح التداوي بالخمر، ولما يقوله الأطباء فيها من المنافع» (¬١).\rمأخذ الحكم: كون الأخبار بوجود المنافع قرينة على جواز استباحة تلك المنافع، واقتران الإثم بها لا يزيل تلك المنافع.\rنوقش: بأن سياق الآية يدل على أن المقصود الإخبار بذلك حتى لا يغتر بها المسلم، وإلّا فإنّ ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ فتلك المنافع مهدرة وملغاة من الشارع.\rلذا قال السيوطي بعد كلامه السابق: «لكن الحديث الصحيح مصرح بتحريم التداوي بها. قال السبكي: كل ما يقوله الأطباء وغيرهم في الخمر من المنافع فهو شيء كان عند شهادة القرآن بأن فيها منافع للناس قبل تحريمها، وأما بعد نزول آية التحريم فإن الله الخالق لكل شيء سلبها المنافع جملة فليس فيها شيء من المنافع. قال وبهذا تسقط مسألة التداوي بالخمر، وعلى هذا يدل قوله ﷺ: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٣٩٤).\r(¬٢) أخرجه أبو يعلى (١٢/ ٤٠٢)، وصححه ابن حبان (٢/ ٣٣٥) قاله ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٩٨) [الأشربة -١٥]، وعلقه البخاري موقوفاً على ابن مسعود (٦/ ٢٤٨)، ووصله ابن أبي شيبة. قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٩٨): \" وسنده صحيح على شرط الشيخين\".\r(¬٣) الإكليل (١/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، وينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/ ٢٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167930,"book_id":1216,"shamela_page_id":584,"part":null,"page_num":588,"sequence_num":584,"body":"باب قطاع الطريق وحد المحاربة\rقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].\rسبق تعريف المحاربة في باب قتال الجاني، ويستدل بالآية على مسائل الحدود بما يأتي:\r• الحكم الأول: حد الحرابة هو المنصوص في الآية، إلا أن الخلاف هل هي على التخيير للإمام أو هي للتنويع؟\rمأخذ الحكم: دلالة «أو» في الآية: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فقيل: هي للتخيير، وقيل: للتنويع.\rقال الموزعي: «وقد حصر الله سبحانه جزاءها في أربعة أنواع، ونسقها بلفظ «أو» الموضوعة للتخيير حقيقة، وللتنويع مجازاً» (¬١).\rوقال الرازي: «للعلماء في لفظ: «أو» في هذه الآية قولان: الأول: أنها للتخيير، وهو قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة، وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد، والمعنى: أن الإمام إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل، وإن شاء نفى، أي واحد من هذه الأقسام شاء فعل.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ١٢٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167931,"book_id":1216,"shamela_page_id":585,"part":null,"page_num":589,"sequence_num":585,"body":"وقال ابن عباس في رواية عطاء: كلمة: «أو» هاهنا ليست للتخيير، بل هي لبيان أن الأحكام تختلف باختلاف الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال، قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبل ولم يأخذ المال، نفي من الأرض، وهذا قول الأكثرين من العلماء … »، ثم ضعف القول الأول، وقال: «فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة، فعلا على حدة، فصار التقدير: أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، إن اقتصروا على أخذ المال، أو ينفوا من الأرض إن أخافوا السبل … » (¬١).\r• الحكم الثاني: الصلب حد قائم بذاته.\rمأخذ الحكم: ظاهر الآية في تنويع الحد، أو تقسيمه إلى أربعة أجزاء.\rقال ابن الفرس: «وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ ظاهر الآية أن الصلب حد قائم بنفسه كسائر الحدود الثلاثة، لكن الجمهور على أنه مضاف إلى القتل، وليس أن يصلب ولا يقتل» (¬٢).\rثم تكلم عن الخلاف في كونه يصلب أولاً، ثم يقتل أو القتل أولاً، ثم قال: «والجمهور على أنه لا يترك حتى تأكله السباع والكلاب، ولا يترك أهله لدفنه، ولا يتركون أن ينزلوه، وهو ظاهر الآية» (¬٣).\r• الحكم الثالث: يكون القطع للأيدي والأرجل على خلاف.","footnotes":"(¬١) التفسير الكبير للرازي (٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧).\r(¬٢) أحكام القرآن (٢/ ٣٩٧)\r(¬٣) المصدر السابق (٢/ ٢٩٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167932,"book_id":1216,"shamela_page_id":586,"part":null,"page_num":590,"sequence_num":586,"body":"مأخذ الحكم: ظاهر الآية.\rقال الموزعي: «وصفة قطع الأيدي والأرجل من خلاف: أن تقطع يده اليمنى من الكوع، وتقطع رجله اليسرى من مفصل القدم، ثم إن عاد قطعت اليسرى ورجله اليمنى» (¬١).\r• الحكم الرابع: لا حد لقليل المال أو لكثيره فيما يوجب القطع.\rمأخذ الحكم: عدم تحديد الشارع نصاب ما يوجب القطع هنا، فأطلق القطع.\rوسبق من كلام الرازي تقدير: «أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال».\rقال الموزعي: «ويؤخذ منه أيضاً، أنه يقطع إذا أخذ المال، وإن كان دون نصاب السرقة، وبهذا قال مالك. وذهب الشافعي إلى تحديده بالنِّصاب؛ قياساً على السرقة. وليس هذا القياس بمرضي؛ لفساد اعتباره، فإن أمر المحاربة أغلظ من السرقة، فلا يقاس المغلظ على المخفف، كيف والحدود لا قياس فيها؟» (¬٢).\rثم بيَّن أن الشافعي «اعتبر النصاب احتياطاً لحدود الله، والله أعلم» ا. هـ.\r• الحكم الخامس: تقبل توبة المحارب قبل القدرة عليه.\rوذكر الموزعي أن عليه كافة أهل العلم (¬٣).\rمأخذ الحكم: استثناء الشارع من خزي الدنيا، وهي الحدود من تاب قبل القدرة، وختم الآية بأنه: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤].","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ١٢٩).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ١٣٢).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (٣/ ١٣٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167933,"book_id":1216,"shamela_page_id":587,"part":null,"page_num":591,"sequence_num":587,"body":"تنبيه: قال الموزعي نقلاً عن الشافعي ومالك وأحمد: «تسقط عنه حقوق الله تعالى فقط، أما حقوق الآدميين، فلا تسقط، وبه قال الحنفية»، ثم قال: «وهو أصح الأقوال؛ لأن الله تعالى لم يذكر إلَّا جزاءه، وحظه من العقوبة فقط، ثم عقبه بذكر التوبة، وأما حقوق الآدميين فقد تظافرت النصوص على أنها لا تسقط إلا بإسقاط صاحبها، وليس في الآية تعرض لها» (¬١).\r• الحكم السادس: أن المحارب إذا قتل، وعفا عنه ولي الدم لا يفيده العفو.\rمأخذ الحكم: دلالة الإشارة، بكونه حقًّا لله، لا يسقط بإسقاط العباد؛ وذلك بقوله: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.","footnotes":"(¬١) المرجع السابق (٣/ ١٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167934,"book_id":1216,"shamela_page_id":588,"part":null,"page_num":592,"sequence_num":588,"body":"كتاب الجهاد\rقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦].\rاستدل بالآية على أن الجهاد فرض كفاية، واجب على الكل ويسقط ببعضٍ (¬١).\rمأخذ الحكم: لأنّ ضمير الجمع في قوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ يعم الجميع، ومثله ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾.\rواستدل بها من قال: إن الجهاد في عهده ﷺ كان فرض عين (¬٢).\rولعل مأخذ الحكم: بضميمة قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾، أو بفعله ﵇ حيث كان يستنفرهم، ومن استنفره تعين عليه.\rلكن ثبت أنّه ﷺ كان ينفر وقد يتخلف عنه بعض أصحابه.\rأو يكون مأخذه من الآية ﴿عَلَيْكُمُ﴾ فهو خطاب لهم، وفي حال وظروف معينة، فيبقى على الأصل عمومه على الجميع عينًا.\rقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧].","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٩٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٧٢)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٣٧٠ - ٣٧١).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٩٣)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٣٧٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167935,"book_id":1216,"shamela_page_id":589,"part":null,"page_num":593,"sequence_num":589,"body":"استدل بالآية على منع القتال في الشهر الحرام (¬١).\rالمقصود منع ابتداء القتال في الشهر الحرام، وأمّا الدفاع فيجوز بلا خلاف.\rمأخذ الحكم: قوله: ﴿كَبِيرٌ﴾ أي: عظيم، ووصف الفعل بذلك في مقام الذم يدل على التحريم، والمنع عن المبادأة، ويؤيد تحريم القتال، وكونه محكمًا غير منسوخ، قوله في المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، والمائدة من آخر ما نزل من القرآن.\rتنبيه: ادعي نسخ الآية. وهو قول الأكثر والأشهر، وجعلوا الناسخ قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: في أي زمان أو مكان.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ الأنفال\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب مصابرة الضعف من العدو، وعدم جواز الفرار.\rقال السيوطي: «فيها مصابرة الضعف من العدو، وتحريم الفرار ما لم يزد عدد الكفار» (¬٢).\rوقال الموزعي: «وعلى مصابرة أهل الضعف أجمع أهل العلم» (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٩٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٧٣ - ٢٧٥)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٧٩٥).\r(¬٣) تيسير البيان (٣/ ٢٩٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167936,"book_id":1216,"shamela_page_id":590,"part":null,"page_num":594,"sequence_num":590,"body":"مأخذ الحكم: تعليق الحكم وخروجه مخرج الشرط، ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]، فعلق عليه الغلبة والنصرة؛ للدلالة على كونه في قدرة العبد ولا عذر له في الفرار.\rومفهوم العدد يدل على أن عدد العدو إن زاد على الضعف جاز الفرار.\r• الحكم الثاني: المعتبر بالضعف العدد لا القوة.\rقال السيوطي: «وفيها الرد على من اعتبر الكثرة في السلاح دون العدد» (¬١).\rقال الموزعي: «فاعتبر الشافعية بالعدد كما هو ظاهر القرآن، واعتبر المالكية بالقوة، فجوَّزوا للمسلم أن يفِرَّ من الكافر الواحد إذا كان أقوى بطشاً، وأشكى سلاحاً، وأعنف جواداً» (¬٢).\rمأخذ الحكم: ظاهر القرآن، حيث إن الظاهر النظر إلى عدد المقاتلين، لا إلى صفاتهم.\rقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز الأسر بدل القتل، والتخيير بينهما، قاله السيوطي (¬٣).","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٧٩٥).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٢٩٧).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٩٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167937,"book_id":1216,"shamela_page_id":591,"part":null,"page_num":595,"sequence_num":591,"body":"وقال ابن الفرس في الآية: «معناه: وخذوهم أسرى للقتل أو للمن أو للفداء»، ثم بيَّن ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] (¬١).\rمأخذ الحكم: تفسير القرآن بالقرآن، وهو أعلى وجوه البيان.\r• الحكم الثاني: جوزا حصارهم والإغارة عليهم وبياتهم (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأوامر الواردة في الآية. وهو مقتضى قوله: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.\r• الحكم الثالث: جوزا قتلهم بأي وجه كان.\rقال ابن الفرس: «دليل على جواز قتلهم بأي وجه كان إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة» (¬٣).\rمأخذ الحكم: إطلاق الآية صفة القتل. فقوله: ﴿فَاقْتُلُوا﴾ فعل، والأفعال نكرات، وإذا وردت في سياق الإثبات تكون مطلقة، وعليه يكون القتل على أي صفة.\rقال ابن الفرس: «ويجوز أن يكون أبا بكر الصديق ﵁ حين قتل أهل الردة بالإحراق والحجارة، والرمي من رؤوس الجبال، والتنكيس في الآبار تعلق بعموم الآية» (¬٤).\r• الحكم الرابع: يقتل أهل الكتاب كغيرهم من المشركين.\rقال الموزعي: «يحتمل أن تكون هذه الآية متناولة لأهل الكتاب بلفظها؛ لأنهم","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٣/ ١٢١).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٣١٣).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ١٢٣).\r(¬٤) المصدر السابق (٣/ ١٢٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167938,"book_id":1216,"shamela_page_id":592,"part":null,"page_num":596,"sequence_num":592,"body":"مشركون بقولهم: عزيز: ابن الله، والمسيح: ابن الله … ، ويحتمل أن تكون غير متناولة لهم؛ لاختصاصهم باسم يخصهم، فلا يحتاج إلى دليل يخرجهم من عموم هذه الآية» (¬١).\rمأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ بكونه جمع معرف، مع التوجيه المذكور في كلام الموزعي.\r• الحكم الخامس: وجوب الكف عن قتل المشرك إذا تاب وأقام الصلاة وأتى الزكاة.\rقال الموزعي: «وأما حكم الكف عنهم، فإن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة شرط فيه، لا خلاف في ذلك علمته بين أهل العلم» (¬٢).\rمأخذ الحكم: مفهوم الشرط الوارد في الآية، أنهم إذا فعلوا ذلك خُليَّ سبيلهم.\r• الحكم السادس: دلت الآية على قتل المشرك في أي مكان.\rمأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ و «حيث» عامة في أفراد الأمكنة.\rقال الموزعي: «هذه عامة في الأمكنة، ويجوز تخصيصها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]» (¬٣).\rتنبيه: ويخصص من أفراد المشركين في الآية: النساء والصبيان، وغير المقاتلة كما في سورة البقرة.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٣١١).\r(¬٢) المصدر السابق (٣/ ٣١٣).\r(¬٣) المصدر السابق (٣/ ٣١١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167939,"book_id":1216,"shamela_page_id":593,"part":null,"page_num":597,"sequence_num":593,"body":"قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].\rوقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١].\rاستدل بالآيتين على وجوب النفرة للجهاد عند الاستنفار.\rمأخذ الحكم من الآية الأولى: العتاب في قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ وترتب العقاب في قوله: ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ على من تخلف.\rومأخذ الحكم من الآية الثانية: الأمر في قوله: ﴿انْفِرُوا﴾.\rمن العلماء من خصَّ الوجوب على كافة المؤمنين إذا نفر النبي ﷺ، وجعل واجب على بعضهم إذا لم ينفر رسول الله ﷺ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]، قاله الموزعي (¬١).\rقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].","footnotes":"(¬١) ينظر: تيسير البيان (٣/ ٣٤٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167940,"book_id":1216,"shamela_page_id":594,"part":null,"page_num":598,"sequence_num":594,"body":"استدل بالآية على أن الجهاد فرض كفاية (¬١).\rمأخذ الحكم: لم يجعل النفر للقتال واجباً على الجميع، بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، فدلَّ أنه على طائفة، ولو كان فرض عين لكان على الجميع.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣].\rاستدل بالآية على وجوب الابتداء في القتال بالأقرب فالأقرب إلى بلد المقاتلين (¬٢).\rقال ابن الفرس: «فأمر الله تعالى بغزو الأدنى فالأدنى» (¬٣).\rمأخذ الحكم: الأمر بمقاتلة الذين يلونهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ﴾، حيث قيَّد سبحانه المقاتلة بالذين يلونهم وهم الأقرب فالأقرب.\rقال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: بيان كيفية القتال، وأنه لا يجوز الأسر قبل الإثخان.\rقال السيوطي: «فيها بيان كيفية الجهاد، فعند اللقاء تضرب الرقاب، وعند الإثخان وإزالة الامتناع بشد الوثاق بالأسر، ثم يتخير فيهم الإمام إما منّاً أو فداء","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٨٣٧).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٨٣٨).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ٢٠٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167941,"book_id":1216,"shamela_page_id":595,"part":null,"page_num":599,"sequence_num":595,"body":"بمال أو أسرى من المسلمين» (¬١).\rوقال الموزعي: «ثم يحتمل أن تكون هذه الآية واردة لبيان صفة النكاية في العدو، ولحصر ما يُفعل بالأسير، وإنهاء القتل حتى يكون الإثخان، ثم الأسر، ولا يجوز الأسر قبل الإثخان، ثم المنُّ والفداء» (¬٢).\rمأخذ الحكم: ظاهر الآية وبحسب ما ذكره السيوطي والموزعي.\r• الحكم الثاني: عدم جواز قتل الأسير (¬٣).\rقال السيوطي: «وظاهر الآية امتناع القتل بعد الأسر» (¬٤).\rمأخذ الحكم: الحصر في صفة العمل به: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.\rقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢].\rاستدل بالآية على وجوب استئذان النبي ﷺ في الغزو قبل الانصراف عنه.\rلا خلاف بين العلماء في دخول الغزو في الأمر الجامع الوارد في الآية (¬٥).\rوذكر السيوطي عن أبي مليكة في معنى الأمر الجامع، قال: «هي في الجهاد والجمعة والعيدين» (¬٦).","footnotes":"(¬١) الإكليل (٣/ ١١٨٥).\r(¬٢) تيسير البيان (٤/ ١٤٨).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان (٤/ ١٤٨).\r(¬٤) الإكليل (٣/ ١١٨٥).\r(¬٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٤٩).\r(¬٦) الإكليل (٣/ ١٠٤٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167942,"book_id":1216,"shamela_page_id":596,"part":null,"page_num":600,"sequence_num":596,"body":"وقال ابن الفرس: والأمر الجامع يريد به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه المصلحة» (¬١).\rمأخذ الحكم: مفهوم الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، ومفهومه أنه ليس على طريقة المؤمنين من ينصرف عنه دون حاجة، كما يفعل المنافقون.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦].\rوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].\rاستدل بالآيتين على تحريم الفرار يوم الزحف والتقاء الجمعين (¬٢).\rمأخذ الحكم من الآية الأولى: النهي المقتضي للتحريم بقوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾. والوعيد والذم بكونه قد: ﴿بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾،\rومأخذ الحكم من الآية الثانية: الأمر بالثبات، وهذا يقتضي عدم جوا الفرار.\rتتمة: تكلم كثير من العلماء في الخلاف في تخصيص الآية الأولى بيوم بدر؛ لأن الله أشار إليه بقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، وأجيب: بأن الإشارة تعود إلى يوم الزحف (¬٣).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٣/ ٣٩٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٨٢).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٨٢)، وتيسير البيان (٣/ ٢٧٥)، أحكام القرآن لابن القرآن (٣/ ٧٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167943,"book_id":1216,"shamela_page_id":597,"part":null,"page_num":601,"sequence_num":597,"body":"قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١].\rوقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].\rاستدل بالآيتين على رفع الجهاد عن الضعيف والمريض، ومن لا يجد نفقته ولا أهبة للجهاد ولا محملاً (¬١).\rوجعل الموزعي الآية الثانية، مبينة لصفة الضعيف في الآية الأولى، ثم قال: «وبيَّن النبي ﷺ أن النساء والصبيان من الضعفاء» (¬٢).\rمأخذ الحكم: رفع الحرج في الآية وهو من الأساليب الشرعية الدالة على رفع التكليف.\rفائدة: اختلف المفسرون في الحرج المرفوع في الآية الثانية، قيل: المراد به: ترك الغزو، وقيل: في الأكل مع غيرهم، وقيل: غير ذلك (¬٣).\rوقال ابن الفرس: «والذي ينبغي أن يقال في الآية أن الحرج مرفوع بها عن الأصناف الثلاثة في كل ما يضطرهم إليه العذر، فكلُّ تكليفٍ يتعلق بالبصر فقد سقط عن الأعمى، وكل تكليف يتعلق بالأعرج قبل عرجه ولا يمكنه معه فعله، سقط عنه تكليفه» (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٨٢٦).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٣٧٠).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٤٣).\r(¬٤) أحكام القرآن (٣/ ٣٨٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167944,"book_id":1216,"shamela_page_id":598,"part":null,"page_num":602,"sequence_num":598,"body":"قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب إجارة المشرك، والكف عنه إذا دخل دار الإسلام؛ ليسمع كلامه (¬١).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ﴾، وهو على ظاهره يقتضي الوجوب.\rقال الموزعي: «وهذا الحكم متفق عليه، والأمر في هذا للوجوب؛ إذ يجب إقامة حجة الله وإزالة الشبهة عن عباده، وإعانة طالب الحق» (¬٢).\rوقال السيوطي: «ولا تجب الإجارة لغير ذلك» (¬٣).\r• الحكم الثاني: يجب أن يكون مع المجاهدين عالم يقوم بالمناظرة وإقامة الأدلة.\rقال ابن الفرس: «لأنه لا يؤمن أن يكون في الكفار من يطلب ذلك، والأمر في هذه الآية على الوجوب» (¬٤).\rمأخذ الحكم: أن إجابة المشرك، وإجارته تجب لأجل إزالة الشبهة كما سبق في الحكم الأول، ولا يتحقق ذلك إلا بوجود عالم قادر على المناظرة، فوجب وجوده؛ لأن ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٩٩).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٣١٦).\r(¬٣) الإكليل (٢/ ٧٩٩).\r(¬٤) أحكام القرآن (٣/ ١٢٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167945,"book_id":1216,"shamela_page_id":599,"part":null,"page_num":603,"sequence_num":599,"body":"• الحكم الثالث: يجوز لآحاد المسلمين إجارة المشرك للغرض المذكور.\rمأخذ الحكم: أن الخطاب، وإن كان موجهاً للنبي ﷺ، فإن أمته تدخل معه؛ فيما لاختصاص فيه.\rقال الموزعي: «الخطاب مع النبي ﷺ، والمراد به جميع الأمة، فيجوز لآحادهم أن يجيروا آحاد المشركين» (¬١).\r• الحكم الرابع: وجوب الدعوة قبل القتال (¬٢).\rمأخذ الحكم: بدلالة الإشارة؛ إذ المقصود إزالة الشبهة عن عباده؛ إذ إن إجازة إجارة آحاد المشركين لذلك ودعوتهم للإسلام لأجل ذلك.\rقال السيوطي: «وفي الآية إشارة إلى وجوب الدعوة قبل القتال» (¬٣).\rقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تفضيل المجاهدين على غيرهم، وأن المعذورين في درجة المجاهدين (¬٤).\rمأخذ الحكم: نفي المساواة يقتضي وجود التفاضل، ثم استثناء أولي الضرر،","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٣١٦).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٩٩).\r(¬٣) الإكليل (٢/ ٧٩٩).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٨٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167946,"book_id":1216,"shamela_page_id":600,"part":null,"page_num":604,"sequence_num":600,"body":"من نفي التفاضل بدل على إثبات المساواة لهم، والاستثناء من النفي إثبات (¬١).\r• الحكم الثاني: تفضيل المجاهد بمال نفسه على المجاهد بمال يعطاه من الديوان ونحوه.\rمأخذ الحكم: تخصيص ذكر المال -مع الاستواء في تقديم النفس- له فائدة وفضل، وليس من جاء بنفسه وماله، كمن جاء بنفسه فقط.\r• الحكم الثالث: فرض الجهاد على الكفاية.\rقال الموزعي: «وفيها دليل على أن الجهاد لا يجب على جميع أعيان المسلمين؛ إذ قد وعد الله القاعدين بالحسنى، كما وعد المجاهدين» (¬٢).\rمأخذ الحكم: ما ذكره الموزعي وزاد عليه الرازي بقوله: «ولو كان الجهاد واجباً على التعيين، لما كان القاعد أهلاً لوعد الله تعالى إياه بالحسنى» (¬٣).\rقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].\rدلت الآية على فضل الجهاد.\rمأخذ الحكم: سياق الآية وما ورد فيه من وعد.\rقال الرازي في تفسيره: «واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات:","footnotes":"(¬١) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٤/ ١٩٣).\r(¬٢) تيسير البيان (٢/ ٤٧٨).\r(¬٣) التفسير الكبير للرازي (٤/ ١٩٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167947,"book_id":1216,"shamela_page_id":601,"part":null,"page_num":605,"sequence_num":601,"body":"فأولها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ فيكون المشتري هو الله المقدس عن الكذب والخيانة، وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد. والثاني: أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء، وذلك حق مؤكد. وثالثها: قوله: ﴿وَعْدًا﴾ ووعد الله حق. ورابعها: قوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ وكلمة: «على» للوجوب. وخامسها: قوله: ﴿حَقًّا﴾ وهو التأكيد للتحقيق. وسادسها: قوله: ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية، وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة. وسابعها: قوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ وهو غاية في التأكيد. وثامنها: قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ وهو أيضا مبالغة في التأكيد. وتاسعها: قوله: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ﴾. وعاشرها: قوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾ فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة، في التأكيد والتقرير والتحقيق» (¬١).\rقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١].\rيطلق النفل ويراد به معنيان:\rأحدهما: جملة الغنيمة؛ لأنها زيادة على ما بأيدي الغانمين من المال.\rالثاني: ما يرغب به الإمام بعض الغزاة على فعل يفعله زيادة على السهم المقسوم له، وهذا الذي عليه عرف الفقهاء، قاله الموزعي (¬٢).\rوقال ابن الفرس بعد أن ساق المعنيين السابقين: «ولكن المفسرين ساقوه على","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٦/ ١٥٢).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167948,"book_id":1216,"shamela_page_id":602,"part":null,"page_num":606,"sequence_num":602,"body":"أن المراد بالأنفال: الغنائم» (¬١).\rواستدل بالآية على جواز تنفيل الإمام شيئا من الغنيمة لمن رآه أهلاً لذلك.\rمأخذ الحكم: بناء على تفسير الأنفال بالمعنى الثاني، وهو ما ينفله الإمام (¬٢).\rوقال ابن الفرس: «والجمهور على أن النفل باق إلى يوم القيامة، وأن الأئمة كالرسول ﷺ في ذلك، وأن الله تعالى لم يرد قصرها - على ذلك التأويل - على الرسول خاصة، بل ذلك لرسول الله ﷺ ولكل إمام» (¬٣).\rقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١].\rذكر ابن الفرس أن المولى ذكر حكم أموال الكفار المأخوذة منهم باسم الغنيمة في سورة الأنفال، وباسم الفيء في سورة الحشر، وذكر أن أقوال المفسرين قد اضطربت في تعريفهما (¬٤).\rوذكر الموزعي أن الجمهور ذهبوا إلى أن الغنيمة هي المأخوذ من الكفار قهراً أو قسراً سواء كان منقولاً أو غير منقول.\rوالفيء: ما أخذ بغير قتال ولا إيجاف خيل وركاب.\rوقيل: هما بمعنى واحد (¬٥).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٣/ ٧٥).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٧٦).\r(¬٣) المصدر السابق (٣/ ٧٦ - ٧٧).\r(¬٤) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٨٦).\r(¬٥) ينظر: تيسير البيان (٣/ ٢٨٢ - ٢٨٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167949,"book_id":1216,"shamela_page_id":603,"part":null,"page_num":607,"sequence_num":603,"body":"واستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب تقسيم الغنيمة أخماساً: أربعة منها للغانمين، والخمس الباقي يقسم خمسة أسهم: لرسول الله ﷺ، ولذي القربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم.\rمأخذ الحكم: الأمر بالإيجاب المقدّر. وبيانه كما يقول الرازي: «﴿فَأَنَّ لِلَّهِ﴾: خبر مبتدأ محذوف تقديره: فحق أو فواجب أن لله خمسه»، وبيَّن أن ذلك آكد وأثبت للإيجاب؛ «لأنه إذا حذف الخبر واحتمل وجوهاً كثيرة من المقدرات، كقولك ثابت: واجب، حق، لازم، كان أقوى لإيجابه» (¬١).\rومما يدل على الإيجاب كذلك قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ «يعني: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ فاحكموا بهذه القسمة، وهو يدل على أنه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة، لم يحصل الإيمان بالله»، والإيمان بالله واجب، ولا يتم إلا بهذه القسمة، فتكون واجبة.\r• الحكم الثاني: تقسيم جميع الغنائم بين الغانمين.\rقال السيوطي: «واستدل بعموم قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من قال: بقسمة الأرض المغنومة وأموال الرهبان والسلب وما أخذ سرقة، وما غنمته طائفة خرجت بغير إذن الإمام، والنساء والصبيان والعبيد وأهل الذمة» (¬٢).\rمأخذ الحكم: عموم «ما» في قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾، فهي موصولة تفيد العموم.\rثم قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يعنى: أي شيء كان حتى الخيط والمخيط،","footnotes":"(¬١) تفسير الرازاي (٥/ ٤٨٤).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٧٨٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167950,"book_id":1216,"shamela_page_id":604,"part":null,"page_num":608,"sequence_num":604,"body":"قاله الرازي (¬١).\rوقال الموزعي: «وفي عموم قوله تعالى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ مع الحصر في قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا﴾ دلالة ظاهرة تقارب النص، (أي: في قوته) في أن للغانمين أربعة الأخماس في كل شيء من ذهب، أو فضة، أو عقار» (¬٢).\rتنبيه: قال صاحب اللباب في علوم الكتاب: «أجمع العلماء على أن قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ليس على عمومه، وأنه مخصوص باتفاقهم على أن سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمام، وكذلك الأسارى الإمام فيهم مخير، وكذلك الأراضي المغنومة» (¬٣).\rقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٩].\rاستدل بالآية على جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة (¬٤).\rوقد أحل الله ﷿ بهذه الآية لأمة محمد ﷺ، وما كان محظوراً على غيرهم من الغنائم (¬٥).\rمأخذ الحكم: إطلاق المولى ﷾ إباحة الأكل من غير تقييد بالقسمة.\rوكونها مطلقة؛ لأن قوله: ﴿فَكُلُوا﴾ فعل، والأفعال نكرات، وهي في سياق إثبات.","footnotes":"(¬١) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٥/ ٤٨٤).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٢٩٢).\r(¬٣) اللباب (٩/ ٥٢١).\r(¬٤) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١٠٩ - ١١٠)، والإكليل (٢/ ٧٩٥).\r(¬٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167951,"book_id":1216,"shamela_page_id":605,"part":null,"page_num":609,"sequence_num":605,"body":"قال ابن الفرس: «وفي الآية دليل على جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة؛ لأن إباحة الأكل منها مطلقة لم يخص قبل القسمة أو بعدها» (¬١).\rقال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥].\rاستدل بالآية على جواز قطع شجر المشركين وتخريب بيوتهم (¬٢).\rمأخذ الحكم: إقرار المولى ورسوله لتخريب نخلهم، ومدح الفعل وتعليله بكونه يخزي الفاسقين ويغيضهم.\rقال ابن الفرس: «والحجة لقول الجمهور ظاهر الآية، وإقرار النبي ﷺ على تحريق نخل بني النضير» (¬٣).\rوقال الموزعي: «لبيان النبي ﷺ ذلك بفعله» (¬٤).\rقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٦ - ٧].\rقال السيوطي: «استدل به على أن الفيء: ما أخذ من الكفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب، ومنه ما جلوا عنه خوفاً. والغنيمة: ما أخذ منهم بقتال كما تقدَّم في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]؛ خلافاً لمن زعم أنهما بمعنى واحد،","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٣/ ١١٠).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٢١٣)، والإكليل (٣/ ١٢٤١).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ٥٤٠).\r(¬٤) تيسير البيان (٤/ ٢١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167952,"book_id":1216,"shamela_page_id":606,"part":null,"page_num":610,"sequence_num":606,"body":"أو فرق بينهما بغير ذلك» (¬١).\rوقال الموزعي: «وأن منهم من زعم أن الفيء والغنيمة سواء، وبه قال قتادة، حتى زعم أن هذه الآية ناسخة لآية الأنفال، والذي عليه عامة أهل العلم أن الآيتين محكمتان، وأن الفيء غير الغنيمة، فالفيء ما أصابه المسلمون بغير قتال؛ كما إليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾» (¬٢).\rوذكر أن «الغنيمة والفيء يجتمعان في أن فيهما الخمس في جميعهما، لمن سماه الله تعالى له في الآيتين معاً، ثم يفترق الحكم في الأربعة الأخماس، كما بيَّن الله تعالى على لسان نبيه ﷺ، وفي فعله؛ فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة، والغنيمة: هي الموجف عليه بالخيل والركاب لمن حضر من غني وفقير.\rوالفيء: هو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت سنة رسول الله ﷺ في القرى التي أفاء الله عليه أن أربعة أخماسها لرسول الله دون المسلمين، يضعها رسول الله ﷺ حيث أراد الله ﷿» (¬٣).\rثم بيَّن أن هذا الاستنباط لا يدل عليه لفظ القرآن، وإنما الذي يدل أنه ﷺ كان يملك لكل؛ وذلك بتسليط الله ﷿ ذلك لرسوله ﷺ، كما في قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾، وذكر ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل معه في الذكر لبيان المصرف لا حقيقة التملك والتشريك، وإنما خصَّهم الله بالذكر؛ ليقطع طمع المقاتلين، هكذا ذكر الموزعي (¬٤)، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) الإكليل (٨/ ١٢٤٢).\r(¬٢) تيسير البيان (٤/ ٢١٥).\r(¬٣) تيسير البيان (٤/ ٢١٥).\r(¬٤) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٢١٨ - ٢١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167953,"book_id":1216,"shamela_page_id":607,"part":null,"page_num":611,"sequence_num":607,"body":"قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١].\rاستدل بالآية على تحريم الغلول.\rوالغلول: هي الخيانة في المغنم أو السرقة منها.\rقال ابن قتيبة: «وسُمي بذلك؛ لأن آخذه يغُلُه في متاعه، أي: يخفيه فيه» (¬١).\rمأخذ الحكم: التهديد وترتيب العقوبة عليه في الآخرة، بأن يأت بما غل، يدل على تحريم هذا الفعل.\r\rباب الجزية والهدنة\rالجزية: كما في تهذيب الأسماء واللغات: «بكسر الجيم، جمعها جِزى -بالكسر- أيضاً، كقربة، وقِرب ونحوه، وهي مشتقة من الجزاء، كأنها جزاء إسكاننا إياه في دارنا، وعصمتنا دمه، وماله، وعياله.\rوقيل: هي مشتقة من جزى يجزي إذا قضى، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، أي: لا تقضي» (¬٢) ا هـ.\rوعُرِّفت اصطلاحاً بأنها: مال يؤخذ من أهل الذمة على وجه الصغار كل عام، بدلاً عن قتلهم، وإقامتهم بدارنا (¬٣).\rوالهدنة: عقد إمام أو نائبه على ترك القتال مع غير المسلمين مدة معلومة بقدر الحاجة (¬٤).","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٦/ ٢٢٨).\r(¬٢) تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٣/ ٥١).\r(¬٣) ينظر: كشاف القناع (٣/ ١١٧).\r(¬٤) ينظر: المصدر السابق (٣/ ١١١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167954,"book_id":1216,"shamela_page_id":608,"part":null,"page_num":612,"sequence_num":608,"body":"قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الجزية وقبولها من أهل الكتاب.\rقال السيوطي: «هذه أصل في قبول الجزية من أهل الكتاب … ، وعلى من لم يوجب قبولها منهم، وفيها رد على من قبلها من غيرهم أيضاً» (¬١).\rمأخذ الحكم: مفهوم الآية ودليل خطابها أنهم يقاتلون حتى يعطوا الجزية، وفيها أمرهم بذلك وإلا استحقوا العذاب والمقاتلة، ثم إنهم لم يؤمروا بالإعطاء إلا لأجل قبولها وأخذها منهم.\rقال ابن الفرس في الآية: «هذا هو الدليل على قبول الجزية؛ لأن دليل خطابه: فإذا أعطوا الجزية فكفوا عنهم ونحو ذلك» (¬٢).\rوعوداً إلى ما ورد من كلام السيوطي في هذه الآية في صدر المسألة، فأقول:\rأولاً: من لم يوجب قبول الجزية من أهل الكتاب نظراً لكون الآية عنده منسوخة.\rثانياً: من قبلها من أهل الكتاب لمفهوم الصفة في الآية، فيقتضي ألا تؤخذ من غيرهم (¬٣).\rقال الموزعي: «ومن أجله قصر الشافعي ﵀ قبول الجزية على أهل الكتاب؛","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٨٠٢).\r(¬٢) أحكام القرآن (٣/ ١٢٨).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١٣٢ - ١٣٣)، وتيسير البيان (٣/ ٣٢٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167955,"book_id":1216,"shamela_page_id":609,"part":null,"page_num":613,"sequence_num":609,"body":"لمفهوم هذه الآية، ولمفهوم قوله ﷺ: في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»؛ وهذا يقتضي تخصيص سنة الجزية بأهل الكتاب» (¬١).\r• الحكم الثاني: يترك أهل الذمة في بلد أهل الإسلام إذا أدوا الجزية.\rمأخذ الحكم: دليل الخطاب السابق؛ إذ يقتضي الكف عنهم إذا أدوا الجزية.\rقال السيوطي: «واستدل بالآية من قال إن أهل الكتاب يتركون في بلد أهل الإسلام؛ لأن مفهومها الكف عنهم عند أدائها، ومن الكف أن لا يُجْلَوا» (¬٢).\rوقبله ذكر ابن الفرس هذا المأخذ وزاد «وتأويل ما جاء في الأحاديث يخالف ذلك» (¬٣)، وذكر منها حديث: (اخرجوا المشركين من جزيرة العرب) (¬٤).\r• الحكم الثالث: تؤخذ الجزية بإهانة.\rقال السيوطي: «فاستدل بها من قال: إنها تؤخذ بإهانة» (¬٥) ثم بيَّن وجه ذلك.\rمأخذ الحكم: أمر الشارع بأخذها بالصفة المذكورة.\rقال الموزعي: «ومتى وجب قبول الجزية، فلا بد من اقترانها بالصغار والهوان، كما أمر الله. والصغار عند الشافعي هو: التزامهم لجريان أحكام الإسلام عليهم في عقد الذمة. وقال بعضهم: هو أن تؤخذ منهم الجزية من قيام، والآخذ قاعد … » (¬٦).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٣٢٩).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٨٠٥).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ١٢٩).\r(¬٤) أخرجه البخاري في كتاب الجزية، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، ومسلم في كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه.\r(¬٥) الإكليل (٢/ ٨٠٤).\r(¬٦) تيسير البيان (٣/ ٣٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167956,"book_id":1216,"shamela_page_id":610,"part":null,"page_num":614,"sequence_num":610,"body":"فائدة: قال القرافي: «إن قاعدة الجزية من باب التزام المفسدة الدنيا لدفع المفسدة العليا، وتوقع المصلحة، وذلك هو شأن القواعد الشرعية.\rبيانه: أن الكافر إذا قتل انسد عليه باب الإيمان، وباب مقام سعادة الإيمان، وتحتم عليه الكفر والخلود في النيران، وغضب الدَّيان، فشرع الله تعالى الجزية رجاء أن يسلم في مستقبل الأزمان، لا سيما باطلاعه على محاسن الإسلام» (¬١).\r• الحكم الرابع: لا حدَّ لأقل الجزية (¬٢).\rمأخذ الحكم: إطلاق الشارع لمقدار الجزية.\rقال الموزعي: «وأطلق سبحانه الجزية ولم يحدَّها بحد».\rثم ذكر مذاهب العلماء في التحديد، وبيَّن في ختمها أن قوماً أخذوا «بظاهر الكتاب، وقالوا: لا حدَّ فيه، بل الحد مصروف إلى اجتهاد الإمام، وبهذا قال الثوري وهو مذهب قوي الدليل» (¬٣).\rقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: أن المرتد إذا نصب للحرب راية فقَتَل وأتلف مالاً، ثم تاب لم يؤاخذ بشيء من ذلك (¬٤).\rمأخذ الحكم: هو إطلاق الآية وعدم التفريق في المغفرة بين حقوق الله","footnotes":"(¬١) الفروق (٣/ ٢٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٨٠٥).\r(¬٣) تيسير البيان (٣/ ٣٣٣).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٨٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167957,"book_id":1216,"shamela_page_id":611,"part":null,"page_num":615,"sequence_num":611,"body":"وحقوق الآدميين، والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل تقييده.\rقال ابن الفرس بعد أن ذكر أنهم احتجوا بالآية: «ولم يفرق فيها بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، وأن أبا بكر الصديق ﵁ لم يضمن أحداً من أهل الردة» (¬١).\r• الحكم الثاني: تسقط الجزية عن الذمي إذا أسلم (¬٢).\rقال الموزعي: «وقد اتفق المسلمون على اسقاط الحقوق المعلّقة بالمشرك الحربي بالإسلام مطلقا» (¬٣)، ومن ذلك الجزية.\rمأخذ الحكم: هو المأخذ السابق، حيث أطلق سبحانه المغفرة بعد إسلامه، فتشمل ما وجب عليه قبل إسلامه.\rقال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢].\rاستدل بالآية على تأجيل الكافرين أربعة أشهر وعشر، وحملت الآية على محامل وأحوال وبحسبها تختلف الأحكام، ومما حملت عليه كون التأجيل للمشركين الذين لا عهد لهم ألبتة، وقيل لذوي العقود المطلقة، وقيل: من نقض عهد يضرب لهم ذلك وغير ذلك (¬٤).\rمأخذ الحكم: للأمر الدال على المشروعية والإباحة؛ إذا المقصود الإعلام بحصول الأمان من القتل والقتال المدة المضروبة.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٣/ ٤٣)\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٨٨).\r(¬٣) تيسير البيان (٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩).\r(¬٤) ينظر: تيسير البيان (٣/ ٣٠٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١١٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167958,"book_id":1216,"shamela_page_id":612,"part":null,"page_num":616,"sequence_num":612,"body":"قال تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤].\rاستدل بالآية على عدم جواز نقض العهد إلا بناقض ظاهر أو توقعه (¬١).\rمأخذ الحكم: أمره سبحانه وهو على ظاهره للوجوب، فيجب الوفاء بالعهد لهم إلا أن ينقض بما ذكر في الآية.\rقال ابن الفرس: «قال اعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ فاختلف المفسرون على من يعود هذا الضمير ﴿إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ فقيل: على من ضرب له أربعة أشهر، أي: أتموا العهد الذي لهم إلى أربعة أشهر، وهو قول ابن عباس، وقيل: يعود على قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ وهذا مبني على الاختلاف في الضمير إذا تعقب شيئين، ويحتمل أن يعود على الأبعد منهما، ويحتمل أن يعود على الأقرب منهما، والأحسن في هذه الآية أن يعود إلى المستثنين» (¬٢).\rقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١].\rوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].\rاستدل بالآيتين على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: حمل الآية الأولى فيما إذا التمس المشركون الصلح. والآية الثانية: النهي عن ابتدائهم بالصلح.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٩٧)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١١٩).\r(¬٢) أحكام القرآن (٣/ ١١٨ - ١١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167959,"book_id":1216,"shamela_page_id":613,"part":null,"page_num":617,"sequence_num":613,"body":"مأخذ الحكم: لما كان بين ظاهر الآيتين تعارض، ذهب بعض العلماء إلى كون آية محمد ناسخة لآية الأنفال، وحكي هذا عن ابن عباس ﵄، وذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بآية السيف، ذكر ذلك الموزعي ثم قال: «والصواب عدم النسخ؛ لفقدان التعارض، وإمكان الجمع بين الآيات كلها، فليس بينها اختلاف» (¬١)، ثم ذكر الجمع المذكور في حكم الآية.\rوقال ابن الفرس: «وأما قول ابن عباس: فضعيف؛ لأن الآيتين ليس بينهما تعارض، وعلى الاختلاف في هذه الآية، اختلفوا في جواز مهادنة الكفار … » (¬٢).\r• الحكم الثاني: إباحة الهدنة لغير ضرورة.\rقال السيوطي: «فاستدل بها من أباح الهدنة لغير ضرورة» (¬٣).\rمأخذ الحكم: جواب الشرط في قوله: ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ وهو أمر دال على المشروعية، وفيه أطلق المولى لهم الجنوح والميل إلى السلم، ولم يقيد بحالة دون حالة.\rتنبيه: قيّد كثير من العلماء الجنوح إلى السلم في حال ضعف المسلمين، وذكر ابن الفرس محل الخلاف، فقال: «وهذا الخلاف عندي إنما هو ما لم يخف على المسلمين أن يصطلحوا، فأما إذا خيف ذلك فجائز مصالحتهم على مال أو على غير مال، فأما على أن يؤخذ من الكفار فلا خلاف في جوزاه -وسيأتي الكلام عليه-، وإنما الخلاف إذا كان على أن لا يأخذ منهم شيئاً، أو على أن يعطيهم شيئاً، وهذا كله مع الذين يجوزون أخذ الجزية منهم» (¬٤).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٢٩٥).\r(¬٢) أحكام القرآن (٣/ ١٠٥)، وتفسير ابن كثير (٤/ ١١٧).\r(¬٣) الإكليل (٢/ ٧٩٣).\r(¬٤) أحكام القرآن (٣/ ١٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167960,"book_id":1216,"shamela_page_id":614,"part":null,"page_num":618,"sequence_num":614,"body":"• الحكم الثالث: لا يعقد الهدنة إلا الإمام أو نائبه.\rقال السيوطي: «واستدل بقوله: ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ على أنها لا يعقدها إلا الإمام أو نائبه؛ لأنه تعالى خاطب بها النبي ﷺ، ولم يقصر في الخطاب عليه إلا من أجل أن ذلك ليس لغيره، وأن يعلم أن النظر في ذلك إنما هو للأئمة» (¬١). وسبقه إلى ذلك ابن الفرس (¬٢).\rمأخذ الحكم: كون الخطاب للنبي ﷺ، وأئمة المسلمين وولاتهم تبع له في الحكم.\r• الحكم الرابع: جواز مهادنة المشركين إلى مدة وغير مدة\rقال ابن الفرس: «وهذا القول أليق بظاهر الآية إذا قلنا بأنها محكمة» (¬٣)، ويقصد بالقول الذي حكاه ابن حبيب عن مالك أنه قال: تجوز مهادنتهم السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة.\rمأخذ الحكم: إطلاق الآية وعدم الإشارة إلى مدة معين، وهو في مقام البيان والتشريع.\rقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧].\rاستدل بالآية على وجوب لزوم الوفاء مع الاستقامة، وجواز النبذ مع عدم الاستقامة (¬٤).","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٧٩٣).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ١٠٧).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ١٠٧).\r(¬٤) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١٢٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167961,"book_id":1216,"shamela_page_id":615,"part":null,"page_num":619,"sequence_num":615,"body":"مأخذ الحكم: الأمر، وهو على ظاهره هنا فيقتضي الوجوب، ومفهوم الشرط إن لم يستقيموا فلا عهد لهم.\rقال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب نبذ العهد لمن توقع منهم خيانة (¬١).\rقال ابن الفرس: «فأمر الله تعالى في هذه الآية نبيه ﵊ إذا شعر من قوم خيانة أن ينبذ إليهم عهدهم، أي: يلغيه، ويحاربهم إذ لم يلتزموا العهد» (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَانْبِذْ﴾ وهو على ظاهره للوجوب؛ لئلا يوقع التمادي عليه في الهلكة والإضرار بالمسلمين.\rقال الموزعي: «ومفهوم هذا الخطاب أنه إذا لم يخف منهم خيانة، لا ينبذ إليهم عهدهم، وهو كذلك، وقد بيَّنه الله سبحانه في موضع آخر فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤] الآية، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]» (¬٣).\r• الحكم الثاني: إعلامهم بنقض العهد.\rقال السيوطي: «وأن يعلمهم بذلك؛ لئلا يشنعوا عليه بنصب الحرب مع العهد» (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٩٢)، وتيسير البيان (٣/ ٢٩٣).\r(¬٢) أحكام القرآن (٣/ ١٠٢).\r(¬٣) تيسير البيان (٣/ ٢٩٣).\r(¬٤) الإكليل (٢/ ٧٩٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167962,"book_id":1216,"shamela_page_id":616,"part":null,"page_num":620,"sequence_num":616,"body":"وقال الموزعي: «ليكونوا معه على سواء عدل، واستواء من العلم» (¬١).\rمأخذ الحكم: المأخذ السابق مع تفسير قوله: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾، واعتبارها صفة مقيدة للحكم السابق، أو كاشفة له، والله أعلم.\rقال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢].\rاستدل بالآية على أن من نواقض العهد: نكث العهد، والطعن في الدين.\rقال الموزعي: «إذا نكث المعاهدون أيمانهم، ونقضوا عهدهم، وجب قتالهم … ، وإذا طعنوا في ديننا؛ كطعنهم في القرآن العزيز، وسبهم النبي ﷺ، انتقض عهدهم» (¬٢).\rثم بيَّن هو وغيره أن قتالهم إنما عُلِّق على أمرين: نكث اليمين، والطعن في الدين، ولكن لا على سبيل الجمع، فقال: «قلنا: لما قام الإجماع على أن المعاهد إذا نكث اليمين بما عاهد عليه، انتقض عهده، ولا يحتاج إلى اشتراط شيء آخر، دلَّنا على أن الطعن في الدين بمجرده كاف في نقض العهد؛ كالنكث في اليمين، وأن التعليق بالأمرين على سبيل الانفراد، لا على سبيل الجمع، وذلك شائع في اللسان» (¬٣).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَقَاتِلُوا﴾، وهو يقتضي نقض العهد.\rقال الهروي: «وعطف: ﴿وَطَعَنُوا﴾ على ما قبله مع أن نقض العهد كاف في إباحة القتل لزيادة تحريض المؤمنين على قتالهم، وقيل: معناه: وإن نكثوا أيمانهم بطعنهم في دينكم، فيكون عطف تفسير ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ أي: قاتلوا رؤساء","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٢٩٣).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٣١٨).\r(¬٣) تيسير البيان (٣/ ٣١٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١٢٩)، والإكليل (٢/ ٧٩٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167963,"book_id":1216,"shamela_page_id":617,"part":null,"page_num":621,"sequence_num":617,"body":"المشركين وقادتهم، والمراد: قاتلوا الكفار بأسرهم؛ فإنهم صاروا بذلك ذوي تقدّم في الكفر أحقاء بالقتل والقتال» (¬١). ا هـ.\r\rباب السبق والرمي\rيذكر الفقهاء باب السبق والرمي بعد باب الجهاد؛ لجواز المسابقة بالخيل والإبل والرمي بعوض وبغير عوض، أما السبق بغير عوض فهذا شأن جميع المسابقات المباحة.\rقال ابن قدامة: «وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة، والمسابقة على ضربين: مسابقة بغير عوض، ومسابقة بعوض.\rفأما المسابقة بغير عوض: فتجوز مطلقاً من غير تقييد بشيء معين، كالمسابقة على الأقدام، والسفن، والطيور، والبغال … ، وأما المسابقة بعوض: فلا تجوز إلَّا بين الخيل، والإبل، والرمي؛ لما سنذكره -إن شاء الله-» (¬٢).\rقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].\rاستدل بالآية على جواز المسابقة.\rقال السيوطي: «هذا أصلٌ في المناضلة والمسابقة، أخرج مسلم عن عقبة بن عامر أنه ﷺ قال: في الآية (ألا إن القوة الرمي) (¬٣) ثلاثاً» (¬٤).\rذكر القرطبي سبب تخصيص الرمي والخيل بالذكر؛ وذلك لأن «الخيل لما","footnotes":"(¬١) تفسير حدائق الروح والريحان للهرري (١١/ ١٤١).\r(¬٢) المغني (٩/ ٤٦٦).\r(¬٣) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب فضل الرمي والحث عليه، برقم (١٩١٧).\r(¬٤) الإكليل (٢/ ٧٩٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167964,"book_id":1216,"shamela_page_id":618,"part":null,"page_num":622,"sequence_num":618,"body":"كانت أصل الحروب وأوزارها التي عقد الخير في نواصيها، وهي أقوى القوة، وأشد العدة، وحصون الفرسان، وبها يجال في الميدان، خصَّها بالذكر تشريفاً، وأقسم بغبارها تكريماً، فقال: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] الآية، ولما كانت السِّهام من أنجع ما يتعاطى في الحروب والنكاية في العدو، وأقربها تناولاً للأرواح، خصَّها رسول الله ﷺ بالذكر، والتنبيه عليها، ونظير هذا في التنزيل، ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ومثله كثير» (¬١).\rمأخذ الحكم: أن العدة واجبة؛ لأن الله أمر بإعدادها وهي أن القوة لا تحصل إلا بالتدرب والمسابقة، فكانت المسابقة بها جائزة، وقد تكون واجبة.\rقال ابن قدامة: بعد أن ذكر أن المسابقة بعوض لا تجوز إلَّا بين الخيل والإبل والرمي، قال: «واختصت هذه الثلاثة بتجويز العوض فيها؛ لأنها من آلات الحرب المأمور بتعلمها، وإحكامها، والتفوق فيها، وفي المسابقة بها مع العوض مبالغة في الاجتهاد في النهاية لها، والإحكام لها، وقد ورد الشرع بالأمر بها، والترغيب في فعلها» (¬٢). ثمَّ ذكر الآية.\rقال تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ [يوسف: ١٧].\rاستدل بها على جواز المسابقة بالأقدام والرمي بالسهام.\rقال السيوطي: «فيه مشروعية المسابقة» (¬٣).\rمأخذ الحكم: كون شرع من قبلنا شرعاً لنا؛ لأنهم أخبروا أباهم فأذن لهم، ولم","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ٣٩).\r(¬٢) المغني (٩/ ٤٦٦).\r(¬٣) الإكليل (٢/ ٨٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167965,"book_id":1216,"shamela_page_id":619,"part":null,"page_num":623,"sequence_num":619,"body":"يثبت في شرعنا نسخه، وظاهر الآية أن السبق كان بالسعي على الأقدام.\rوجاز السبق بالسهم والنضل؛ لقرءاة ابن مسعود ﴿إنا ذهبنا ننتضل﴾، والمناضلة المسابقة بالرمي بالنضل، وهو السهم التام وبالقولين فُسِّرت الآية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167966,"book_id":1216,"shamela_page_id":620,"part":null,"page_num":624,"sequence_num":620,"body":"كتاب الأطعمة\rالأطعمة: جمع مفرده طعام، وهو في اللغة: اسم جامع لكل ما يؤكل، وما به قوام البدن.\rوالفقهاء يطلقون لفظ الأطعمة على كل ما يؤكل ويشرب مما ليس بمسكر، يقصدون بذلك ما يمكن أكله أو شربه على سبيل التوسع، ولو كان مما لا يستساغ ولا يتناول عادة كالمسك وقشر البيض (¬١).\rقال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ البقرة.\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم جميع أجزاء الميتة حتى الدهن واللبن والإنفحة (¬٢).\rمأخذ الحكم: العموم في تحريم الميتة؛ لدخول (أل) الجنسية على المفرد، فيعم جميع أجزائها.\r• الحكم الثاني: تحريم ما لا نفس له سائلة (¬٣).\rمأخذ الحكم: العموم في تحريم الميتة، فيشمل ما له نفس سائلة، وما ليس له نفس سائلة.\r• الحكم الثالث: تحريم ميتة السمك الطافي، وما مات من الجراد بغير سبب.","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام الأطعمة للطريفي (ص ٦٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٤)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ١٩٢ - ١٩٣).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٤)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ١٩٢ - ١٩٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167967,"book_id":1216,"shamela_page_id":621,"part":null,"page_num":625,"sequence_num":621,"body":"قال السيوطي: «وعليه أكثر المالكية، والأجنة، وعليه أبو حنيفة» (¬١).\rمأخذ الحكم: المأخذ السابق.\rتنبيه: الآية: السمك والجراد مخصوص عند الجمهور من عموم الميتة، بقوله ﷺ: (أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال) (¬٢).\r• الحكم الرابع: تحريم الدم المسفوح (¬٣).\rمأخذ الحكم: حمل المطلق في هذه الآية في قوله: ﴿وَالدَّمَ﴾، بالمقيَّد في سورة الأنعام بالمسفوح، بقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾، كما سيأتي في آية الأنعام.\r• الحكم الخامس: تحريم لحم خنزير البحر (¬٤).\rمأخذ الحكم: استدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾، سواء بإضافة اللحم للخنزير، أو دخول (أل) في الخنزير، أي: سواء كان خنزير بر أو بحر.\rويجاب عنه: أن خنزير الماء لا يطلق عليه الاسم إلّا مقيدًا، فلا يدخل في الاسم المطلق، كما أن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب لا تعرف خنزيرًا للبحر.\r• الحكم السادس: تحريم أكل ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم وكنائسهم أو على اسم المسيح (¬٥).","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥).\r(¬٢) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٩٧)، وابن ماجة (٣٣١٤)، وصححه الألباني كما في الإرواء (٨/ ١٦٤).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٣٠، ١٣١، ١٣٦)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ١٩١).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٥).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167968,"book_id":1216,"shamela_page_id":622,"part":null,"page_num":626,"sequence_num":622,"body":"مأخذ الحكم: لدخوله في اسم الإهلال في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، وهو الإظهار، فكل ما سُمي باسم غير الله دخل فيه.\r• الحكم السابع: إباحة المذكورات للمضطر بشرط أن لا يكون باغياً ولا عادياً، فلا يحل تناولها للباغي والعادي كالعاصي بسفره (¬١).\rمأخذ الحكم: لأن عدم الإثم في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ من الأساليب الدالة على الإباحة.\rتنبيه: نقل السيوطي في الإكليل تفسيرَ البغي والعدوان عن مجاهد قوله: «غير باغ على المسلمين، ولا معتد عليهم، من خرج يقطع الرحم أو يقطع السبيل، أو يفسد في الأرض فاضطر إلى الميتة لم تحل له، ومن أباح ذلك قال: غير باغ ولا عاد في الأكل»، ثمَّ نقل عن ابن عباس قوله: «من أكل شيئاً من هذه وهو مضطر فلا حرج، ومن أكله غير مضطر فقد بغى واعتدى»، وقوله - أيضاً-: «غير باغ في الميتة ولا عاد في الأكل» (¬٢).\r• الحكم الثامن: جواز أكل المضطر ميتة الخنزير والآدمي (¬٣).\rمأخذ الحكم: عموم الآية، ففيها حذف المعمول فمن اضطر إلى أكل ما يحتاجه، فلا إثم عليه، فتدخل المذكورات.\rقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩].\rاستدل بالآية من أباح التداوي بالخمر. وسبق في باب بيان المسكر.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٦)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ١٩٧ - ١٩٨).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٣٣٦ - ٣٣٨).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167969,"book_id":1216,"shamela_page_id":623,"part":null,"page_num":627,"sequence_num":623,"body":"قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز أكل بهيمة الأنعام.\rقال السيوطي: «هي الإبل والبقر والغنم» (¬١).\rوقال الموزعي: «هي الثمانية الأزواج ذكر تفصيلها في كتابه العزيز» (¬٢).\rوذكر الجصاص أن الإضافة للبيان، أي: أحل لكم البهيمة التي هي: الأنعام (¬٣).\rمأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بالحلِّ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾.\rوكون الذي أحلِّ هنا: الأكل دون الركوب أو البيع أو غير ذلك، مأخوذ من عُرف الاستعمال، فهو المخصص للعموم كما ذكره ابن الفرس (¬٤).\rوتفسير الأنعام بما سبق هو المشهور، وفيه جواز أكل الأجنة التي في بطون الأمهات دون تذكية -كما قال الموزعي (¬٥) - ومن العلماء من فسَّرها بالأجنة أو الوحوش (¬٦).\rقال ابن الفرس: «فمن جعل بهيمة الأنعام في الآية الجنين، لم يحتج في الآية تقدير الذكاة، ومن جعلها الوحش أو الماشية -كما قدمنا- احتاج في الآية إلى تقدير الذكاة؛ لأن أكلها لا يجوز إلا بذكاة، وكأنه قال: (أحلت لكم ذكية بهيمة","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٦٠٥).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٦٠).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٢٨٧).\r(¬٤) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣).\r(¬٥) ينظر: تيسير البيان (٣/ ٦٠).\r(¬٦) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٠٥)، وتيسير البيان للموزعي (٣/ ٦٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167970,"book_id":1216,"shamela_page_id":624,"part":null,"page_num":628,"sequence_num":624,"body":"الأنعام) أو نحوه» (¬١).\rتنبيه: في قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾\rقال الموزعي: «ثم أحلَّها الله سبحانه حلالاً مطلقاً، واستثنى منها شيئاً مبهماً موعوداً، ببيانه حتى يعظم موقعه في النفوس، فتتوفر الدواعي على علمه ومعرفته، فقال: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، ثم بيَّنه وتلاه في هذه السورة بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣]، الآية.\rثم أحلَّ الله سبحانه غير الأنعام من الصيد بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]» (¬٢).\r• الحكم الثاني: تحريم أكل صيد البر للمحرم.\rقال الموزعي: «فإن قلت: فما قولك في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، هل المراد به الصيد، أو الاصطياد؟\rقلت: يحتمل أن يراد به الصيد؛ استدلالاً بهذه الآية» (¬٣) يقصد قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ثم قال: «ويحتمل أن يراد به الاصطياد؛ استدلالاً بالآية التي بعدها: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]» (¬٤).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٢/ ٣٠٢).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٣/ ٦٠ - ٦١).\r(¬٣) تيسير البيان (٣/ ٢٢٠).\r(¬٤) المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167971,"book_id":1216,"shamela_page_id":625,"part":null,"page_num":629,"sequence_num":625,"body":"مأخذ الحكم: ظاهر، حيث نهاهم المولى عن إحلال الصيد على التفسير الأول، فقال: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.\rقال ابن الفرس: «وكأنه تعالى يقول إذ أحللنا لكم بهيمة الأنعام فلا تستحلوا أنتم الصيد وأنتم حرم» (¬١). والصيد يحتمل ما صيد أو الاصطياد على ما سبق.\rقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وسبق ذكرها في سورة البقرة (¬٢).\rومأخذ التحريم هنا: الإخبار عن الحكم بلفظ: ﴿حُرِّمَتْ﴾، وهي من الألفاظ الصريحة التي تفيد معناه نصاً، ولا اختلاف في معناها والمراد بها في القرآن.\r• الحكم الثاني: تحريم ما مات من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة.\rومأخذ الحكم: ما سبق من كونه إخباراً عن الحكم بلفظ: ﴿حُرِّمَتْ﴾، وتفيد الحكم بالموت؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، فما أدرك بالذكاة قبل موته، فإنه يباح؛ لأن الاستثناء من المحرم حلال.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٢/ ٣٠٤).\r(¬٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٤١٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167972,"book_id":1216,"shamela_page_id":626,"part":null,"page_num":630,"sequence_num":626,"body":"قال الموزعي: «ولما حرم الله سبحانه الدم، وحرم هذه الأشياء، عقبها بذكر الذكاة، وجعل الذكاة علَّة التحليل، علمنا أنَّ علة التحليل خروج الدم بالذكاة، وأن عدم خروج الدم علَّة التحريم» (¬١).\rتنبيه: اختلف العلماء في الاستثناء على ما ذا يعود.\rقال السيوطي: راجع إلى الموقوذة وما بعدها (¬٢)، وسيأتي زيادة بسط عند الاستدلال بالآية في باب الصيد والذبائح.\rقال الموزعي: «رجوع الاستثناء على الجملة الأخيرة، وهي ما أكل السبع مُتصل؛ لصدق اسم الأكيل عليه عند حصول التذكية، وإن لم يزهق روحه.\rوأما الأمور الأربعة فمن لاحظ وقوع اسم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة عليها قبل الموت مجازا، كان الاستثناء مُتَّصلًا أيضا، وهذا هو الأقرب إن شاء الله.\rومن لاحظ صدق الأسماء حقيقة؛ إذا لا تُسمى هذه المحرمات قبل الموت منخنقة ولا موقوذة، ولا متردية، ولا نطيحة، إلا على سبيل التجوز، منع عود الاستثناء إلى هذه الجمل الأربع، اللهم إلا أن يجوِّز حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، فيحمل الاستثناء على الاتصال في أكيل السبع، وعلى الانفصال في الذي قبله، وفي ذلك خلاف عند أهل النظر.\rوأما عوده إلى الخنزير فلا يجوز قطعاً؛ لأن الذكاة لا تعمل فيه شيئاً، وكذا لا يجوز عوده إلى ما أهل لغير الله؛ لأنه استثناء منقطع؛ لاختلاف الحكم فيه» (¬٣).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٨٠).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٦١٠).\r(¬٣) تيسير البيان (٣/ ٨١ - ٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167973,"book_id":1216,"shamela_page_id":627,"part":null,"page_num":631,"sequence_num":627,"body":"تبقى فوائد وأحكام متعلقة بهذه الآية:\rالأول: أن تحريم الميتة يخص منه ميتة البحر، وما لا دم له.\rقال الموزعي: «واتفق أهل العلم على أن هذا اللفظ ليس على عمومه، واختلفوا في المخصص له .... » (¬١). ثم ذكر الخلاف في هذا.\rالثاني: أطلقت الآية هنا: «الدم»، وقيده سبحانه في موضع آخر بكونه دماً مسفوحاً، والمسفوح، هو المصبوب، وقد أجمع المسلمون على تحريم المسفوح (¬٢).\rالثالث: ذكر الموزعي أن: ما أهل لغير الله، هو ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، وأن الله كرر تحريمها في أوّل الآية ووسطها، «وإنما كرره الله سبحانه تأكيدا لتحريمه، فذكره بلفظي الحقيقة والمجاز»، وذكر قبل أن أصل الإهلال في اللسان، رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم أطلق على رفع الصوت مطلقاً، ثم أطلق على رفع الصوت في اسم الصنم عند الذبح، ثم أطلق على الذبح؛ لملازمته رفع الصوت في عادتهم، ثم قال: «وهو المراد في كتاب الله تعالى حيث ورد كما بيَّنه الله سبحانه هنا، فقال: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾» (¬٣) ا. هـ.\rقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤].\rوقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥].","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٧٣).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٣/ ٧٧).\r(¬٣) تيسير البيان (٣/ ٧٨ - ٧٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167974,"book_id":1216,"shamela_page_id":628,"part":null,"page_num":632,"sequence_num":628,"body":"وقال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\rوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١].\rاستدل بالآيات السابقة على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: إباحة الطيبات من الأطعمة، وتحريم الخبائث منها.\rقال السيوطي في الآية الأولى: «فيها إباحة الطيبات، ومفهومه تحريم الخبائث، وهي أصل في باب الأطعمة» (¬١).\rمأخذ الحكم: وقوع الإخبار بالحل، جواباً عن سؤال بالآية الأولى، ومن غير سؤال في الثانية والثالثة، وأمراً في الآية الرابعة: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾.\rولا شك أن كل ما أحله الله من المآكل فهو طيب، وما حرمه فهو خبيث، ويبقى الإشكال فيما لم ينص الشارع على حكمه، فما الضابط في معرفة كونه طيباً أو خبيثاً، ذهب جمهور أهل العلم إلى أن اعتبار ذلك راجع إلى العُرف.\rقال الشنقيطي: «فكل ما يستخبثه الطبع السليم من العرب الذين نزل القرآن عليهم في غير حال ضرورة الجوع فهو حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾؛ لأن معنى الخبيث معروف عندهم فما اتصف به فهو حرم للآية» (¬٢).\rوأنكر شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك، وقال: «إن النبي ﷺ وأصحابه لم يحرم أحدٌ منهم ما كرهته العرب، ولم يبح كل ما أكلته العرب … ، ثم بيَّن أن الآية تخبر أن النبي ﷺ سيفعل ذلك، ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾،","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٦١٤).\r(¬٢) أضواء البيان (٢/ ٢٦٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167975,"book_id":1216,"shamela_page_id":629,"part":null,"page_num":633,"sequence_num":629,"body":"وقد فعل، «فأحلَّ النبي ﷺ الطيبات وحرم الخبائث، مثل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» (¬١).\r• الحكم الثاني: إباحة طعام أهل الكتاب.\rقال السيوطي: «فيها إباحة ذبائح أهل الكتاب وسائر أطعمتهم» (¬٢).\rوذكر ابن الفرس أن في الآية إباحة سائر أطعمتهم مما يمكن استعمال النجاسة فيه كالخمر والخنزير، وقال: «فذهب الأكثر إلى أن ذلك من أطعمتهم داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، الآية، وأن كل ذلك جائز» (¬٣).\rمأخذ الحكم: إخبار المولى سبحانه بالحكم في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.\rقلت: وما سبق محمول على أن المقصود بطعام الذين أوتوا الكتاب في الآية العموم لا خصوص الذبائح، على ما سيأتي بإذن الله، على أن ذبائحهم من طعامهم.\r• الحكم الثالث: تباح المحظورات السابقة للمضظر.\rمأخذ الحكم: التخصيص المتصل ب (إلا)، والاستثناء من المحرم مباح.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٧٩ - ١٨٠)، وينظر: تيسير البيان (٣/ ٨٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٣٤).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٦١٤).\r(¬٣) أحكام القرآن (٢/ ٣٤٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167976,"book_id":1216,"shamela_page_id":630,"part":null,"page_num":634,"sequence_num":630,"body":"استدل بالآية على تحريم الخمر.\rقال السيوطي: «أصل في تحريم الخمر، وكل مسكر قليلاً كان أو كثيراً» (¬١).\rقال الموزعي: «والخمر اسم للشراب المتخذ من كل عصير يتخمر، سواء كان من العنب، أو العسل، وسميت خمراً؛ لمخامرتها العقل، وقد أجمع المسلمون على تحريم قليلها» (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر الذي هو بمعنى النهي، في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، مع ما في الآية من قرائن ودلالات على التحريم.\rقال ابن الفرس: «هذه الآية أبين آية في القرآن في تحريم الخمر … ؛ لأنه تعالى أمر باجتنابها، وتوعد على استباحتها، وقرنها بالميسر والأنصاب والأزلام» (¬٣).\rوقال: «وهذا الأمر بالاجتناب في هذه الآية قد اقترنت به قرائن تدل على أن المراد به إيجاب اجتناب الخمر، وهي ما ورد بعقب الآية من ذم الرجس الذي سمّى به الخمر، ونسبته إلى الشيطان، والتوعد على إتيانه، فيجب حمل الأمر على الإيجاب، وإذا كان اجتنابها واجباً، كان التلبس بها حراماً، فهي حرام بهذا الدليل» (¬٤).\rفائدة: من العلماء من قصر الخمر على عصير العنب أو غيره. ومنهم: من عمّه على كل مسكر، وهو الصحيح.\rويؤيد كونه يعم كل مسكر أن من العلماء من استخرج من قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ الآية، علّة تحريم الخمر:","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٦٥٨ - ٦٥٩).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ١٨٦).\r(¬٣) أحكام القرآن (٢/ ٤٧٣).\r(¬٤) المصدر السابق (٢/ ٤٧٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167977,"book_id":1216,"shamela_page_id":631,"part":null,"page_num":635,"sequence_num":631,"body":"قال ابن الفرس: «وهذا يسميه الأصوليون التنبيه على العلّة، فنبَّه تعالى على أن علة تحريم الخمر كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء، وهذا المعنى بعينه موجود في كلِّ مسكر على حد سواء، لا تفاضل بين الأشربة فيه، فوجب أن يكون حكم جميعها واحدًا … ، فليست الخمر محرمة لعينها، وليست خاصة بعصير العنب» (¬١).\rقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: إباحة حيوان البحر.\rقال السيوطي: «واستدل بعموم الآية على إباحة كل حيوان البحر؛ سواء أكل مثله في البر أم لا، وسواء أخذ منه حياً أو ميتاً» (¬٢).\rمأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بلفظ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، وهي من الأساليب الدالة على الإباحة، والإباحة عامّة لوردها بصيغة الإضافة في قوله: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، أي: جميع صيده، فيشمل ما ذكره السيوطي.\rواختلف في معنى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾: «فقال قوم: طعامه ما طفا عليه ميتاً، وقال قوم: ما حُسر عنه الماء، وأخذه الناس، … والصحيح تحليلها مطلقا» (¬٣).\r• الحكم الثاني: تحريم صيد البر على المحرم.","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٢/ ٤٨٠).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٦٦٧).\r(¬٣) تيسير البيان (٣/ ٢٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167978,"book_id":1216,"shamela_page_id":632,"part":null,"page_num":636,"sequence_num":632,"body":"مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بلفظ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، وتقييده حال الإحرام ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.\rقال الموزعي: «أما صيد البر فحرم على المحرم أكله؛ لقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وهذا مطلقٌ في جميع الأحوال، سواء صاده محرم أو حلال.\rوقد حُكي عن جماعة من السلف العمل بظاهر الإطلاق … ، وذهب أكثر الناس إلى تقييد هذا الإطلاق، فقال بعضهم -وأظنه أبا حنيفة-: يحرم عليه إن صاده، أو صيد بإذنه، أو دلالته، وإن صيد بغير إذنه ودلالته، حلَّ … » (¬١).\rتنبيه: وردت الآية لبيان تحريم لحم الصيد لا الاصطياد، قال الموزعي: «لأنه مسوق لبيان الأكل، لا للاصطياد»، وبيَّن ذلك بأن الله لما وصف «صيد البحر وطعامه بأنه متاع لنا وللسيارة، ثم عطف عليه صيد البر، فله حكمه، والاصطياد ليس بمتاع» (¬٢)، ثم ذكر بيان النبي ﷺ عموم هذه الآية، فقال: (صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يُصد لكم) (¬٣).\rقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٥ - ١٤٦].","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٢١٦).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٢١٩).\r(¬٣) أخرجه أبو داود في السنن، في كتاب المناسك، باب لحم الصيد للمحرم، برقم (١٨٥١)، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، برقم (٣٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167979,"book_id":1216,"shamela_page_id":633,"part":null,"page_num":637,"sequence_num":633,"body":"استدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: حصر المحرمات في الأربع المذكورة، وإباحة ما عدا المذكور.\rقال السيوطي: «احتج به كثير من السلف في إباحة ما عدا المذكور، من ذلك الحُمُر الأهلية» (¬١).\rمأخذ الحكم: دلالة الحصر في الآية على حصر المحرمات، ومفهومه ما عداه مباح.\rقال ابن الفرس: «اقتضت أن المحرمات هي المذكورات، واقتضت عند قومٍ تحليل ما عداها وهم الجمهور؛ لأن دليل خطابها أقوى أدلة الخطاب» (¬٢). يقصد مفهوم الحصر.\rولم يرتض كثير من العلماء كون كل ما عداها حلالا، وحصر المحرمات في الأربع المذكورة في الآية، وأجابوا عن ظاهر الآية بأجوبة:\rالأول: ذهب قوم إلى أنها منسوخة بالسنة؛ وذلك لما جاء عن النبي ﷺ من تحريم أشياء، كأكل الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ونحو ذلك (¬٣).\rالثاني: ذهب من قال: بأنها محكمة إلى التأويل بما يأتي:\rقال بعضهم: إن الآية تقتضي الحصر، وأن كل ما حرم الله تعالى محصور فيها، وأن ما عدا ذلك إنما تحريمه تحريم كراهة وتنزيه (¬٤).\rوقال قوم: إن الآية خرجت على سبب؛ لأنها جواب لقوم سألوا عن أشياء، فاخبروا عنها، فقد لا تقتضي الحصر، وما جاء من سائر المحرمات مضموم إليها.","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٧٢١).\r(¬٢) أحكام القرآن (٣/ ٢٨).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٢٩).\r(¬٤) ينظر: تيسير البيان (٣/ ٢٤٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167980,"book_id":1216,"shamela_page_id":634,"part":null,"page_num":638,"sequence_num":634,"body":"ويحتمل أن يكون تعالى إنما أخبر بأنه لا يجد محرماً في وقت ما ذكر.\r• الحكم الثاني: أن المحرّم من الميتة هو أكلها؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، وعليه فإن جلدها غير محرم، ويطهر إذا دُبغ (¬١).\rمأخذ الحكم: قوله ﵊ عندما مر بشاة ميتة فقال لأهلها: (هلَّا استمتعتم بإهابها؟ قالوا: إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها) (¬٢)، والسنة تبيَّن القرآن.\r• الحكم الثالث: إباحة الدم الباقي في العروق، والكبد، والطحال (¬٣).\rمأخذ الحكم: تقييد الدم المحرم النجس بكونه مسفوحاً، لقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾.\rوالدم الذي في العروق ليس مسفوحاً، وعليه: فخرج بمفهوم قوله ﴿أَوْ دَمًا﴾، ما كان في العروق.\r• الحكم الرابع: من حلف لا يأكل الشحم حنث بأكل ما على الظهر.\rقال السيوطي: «استدل به الشافعي على أن من حلف لا يأكل الشحم، حنث بأكل ما على الظهر؛ لأنه تعالى استثناه من جملة الشحوم» (¬٤).\rمأخذ الحكم: إن الاستثناء هنا متصل، فهو من جنس المستثنى منه، فدّل على كونه شحماً، وإلا لما صح استثناؤه في الآية.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٢٤).\r(¬٢) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، برقم (٥٥٣١)، ومسلم في كتاب الطهارة، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، برقم (٣٦٣).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٢٥).\r(¬٤) الإكليل (٢/ ٧٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167981,"book_id":1216,"shamela_page_id":635,"part":null,"page_num":639,"sequence_num":635,"body":"قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥].\rوقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩].\rاستدل بالآيتين على جواز الأكل من الأنعام.\rمأخذ الحكم: سياق الامتنان في الآيتين، وكونه خلقها لنا، وجعلها لنا، والامتنان لا يكون إلا بمباح.\rقال تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧].\rاستدل بالآية على إباحة الأكل من ثمر النخيل والأعناب، وما يتخذ منه من شراب غير مسكر.\rمأخذ الحكم: امتنان المولى بها علينا، ولا يمتن إلا بحلال.\r\rباب الصيد والذبائح\rقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧].\rاستدل العلماء بالآية على أن الأولى في البقر: الذبح.\rمأخذ الحكم: أمر الله بذبحها، فهو الذي ذكره المولى في الآية.\rقال القرطبي: «لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتخيير في البقر، وقيل: الذبح أولى؛ لأنه الذي ذكره الله، ولقرب المنحر من المذبح» (¬١).","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٤٨٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167982,"book_id":1216,"shamela_page_id":636,"part":null,"page_num":640,"sequence_num":636,"body":"قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١].\rاستدل بالآية على تحريم الاصطياد للمحرم؛ أخذاً من قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾.\rقال الموزعي: «أن قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، يحتمل أن المراد به الصيد أو الاصطياد، أما احتماله للصيد فقد مضى، وأما احتمال كونه بمعنى: الاصطياد استدلالاً بالآية التي بعدها: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾» (¬١).\rومأخذ الحكم: كونه استثناءاً من الحلال، فيكون حراماً.\rقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].\rاستدل بالآية على إباحة الاصطياد للمحرم بعد تحلله.\rقال الموزعي: «وقد أجمع العلماء على أن الأمر في ذلك للإباحة، وعلى تحليل الاصطياد بعد التحلل» (¬٢).\rمأخذ الحكم: كونه أمراً بعد حظر، والأمر بعد الحظر للإباحة عند كثير من العلماء.\rوناقش ابن الفرس هذا المأخذ، وقال: «ومن يقول بتأثير الحظر يحتج بهذه الآية … ، ولا حجة في ذلك؛ لأن ما اقترن بهذا الأمر من القرائن دلَّ على أنه على الإباحة، وإنما كلامنا فيما لم تقترن به قرينة، ونص هذه الآية إباحة الصيد لغير المحرم، ودليل خطابها منعه للمحرم، فأما إباحته لغير المحرم، فلا خلاف فيه؛ إذ","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٢٢٠).\r(¬٢) المصدر السابق (٣/ ٧١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167983,"book_id":1216,"shamela_page_id":637,"part":null,"page_num":641,"sequence_num":637,"body":"اصطياده لحاجة إليه … » (¬١).\rقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب التذكية واشتراطها فيما له دم سائلة.\rوقسَّم الشارع المحرمات في هذه الآية «إلى ثلاثة أقسام: ما حرم لعدم الذكاة، وهي الميتة وحدها، أو الميتة والمنخقة وأخواتها على ما يأتي من الخلاف في ذلك.\rومنها: ما حرم لوصم من الذكاة، وهي ما أهل به لغير الله، وما ذبح على النصب، ومنها: ما حرم لعينه لا لعدم الذكاة ولا لوصم فيها، وهو الدم ولحم الخنزير» (¬٢).\rمأخذ الحكم: الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ استثناء من التحريم، فيكون حلالاً، أي: ما ذكي. فجعل علّة تحليله الذكاة، فتكون واجبة لأجل ذلك.\rقال الموزعي: «ولما حرم الله سبحانه الدم، وحرم هذه الأشياء، عقبها بذكر الذكاة، وجعل الذكاة علة التحليل، علمنا أن علة التحليل خروج الدم بالذكاة، وأن عدم خروج الدم علة التحريم، فاستدللنا بذلك على أن كل حيوان حلال لا دم فيه؛","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٢/ ٣١٥).\r(¬٢) أحكام القرآن (٢/ ٣١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167984,"book_id":1216,"shamela_page_id":638,"part":null,"page_num":642,"sequence_num":638,"body":"كالجراد لا يحتاج إلى ذكاة … ، واستدللنا أيضا بذلك على أن كل حيوان تحل ميتته، لا يحتاج إلى ذكاة؛ كصيد البحر، وهذا إجماع بين المسلمين أيضاً» (¬١).\rتنبيه: اختلف العلماء في رجوع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، وبسط شيئاً من ذلك، الموزعي قال: «رجوع الاستثناء على الجملة الأخيرة، وهي ما أكل السبع متصل؛ لصدق اسم الأكيل عليه عند حصول التذكية، وإن لم يزهق روحه.\rوأما الأمور الأربعة، فمن لاحظ وقوع اسم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة عليها قبل الموت مجازاً، كان الاستثناء عنده متصلاً أيضاً، وهذا هو الأقرب - إن شاء الله - ومن لاحظ صدق الأسماء حقيقة؛ إذ لا تسمى هذه المحرمات قبل الموت منخنقة ولا موقوذة ولا متردية ولا نطيحة إلا على سبيل التجوُّز، منع عود الاستثناء إلا هذه الجمل الأربع، اللهم إلا أن يجوز حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، فيحمل الاستثناء على الاتصال في أكيل السبع، وعلى الانفصال في الذي قبله، وفي ذلك خلاف عند أهل النظر.\rوأما عوده إلى الخنزير، فلا يجوز قطعاً؛ لأن الذكاة لا تعمل فيه شيئاً، وكذا لا يجوز عوده إلى ما أهل به لغير الله؛ لأنه استثناء منقطع؛ لاختلاف الحكم فيه» (¬٢).\r• الحكم الثاني: عدم جواز ذبيحة الكتابي إذا ذبحها باسم الكنيسة أو اسم المسيح، وهي حرام لا يجوز أكلها.\rمأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، و «ما» اسم موصول يعمُّ.\rقال الموزعي: « … وذهب الشافعي إلى التعميم؛ عملاً باللفظ والمعنى، أما اللفظ: فلعمومه. وأما المعنى: فلوجود التعظيم الذي هو علَّة التحريم حتى أطلق","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٨٠).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٨١ - ٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167985,"book_id":1216,"shamela_page_id":639,"part":null,"page_num":643,"sequence_num":639,"body":"أصحابه التحريم على ما يذبح للسلطان عند استقباله؛ إذ المقصود بذلك التعظيم لا التكريم» (¬١).\rقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الصيد بالجوارح المعلَّمة.\rقال السيوطي: «وهي أصل في باب الأطعمة، وإباحة الصيد بالجوارح الشاملة للسباع والطيور، بشرط تعليمها وأن تمسك الصيد على صاحبها بأن لا تأكل منه، فإن أكلت منه فإنما أمسكت على نفسها لا على صاحبها» (¬٢).\rوعليه: فيحل صيد المعلَّم، ويحرم صيد غير المعلَّم.\rمأخذ الحكم: العطف على حل الطيبات، والعطف يقتضي المشاركة في الحكم.\rوذكر ابن الفرس أن في الكلام مقدّرا محذوفا وهو «اتخاذ»، أي: اتخاذ ما علمتم من الجوارح على تقدير أن سبب الآية السؤال عما يحل من الكلاب، لا عما يحل من الصيد (¬٣).\rوقال الموزعي: «ثمّ لما خصص الله سبحانه تحليل صيدها بكونه ممسكا علينا، فهمنا تحريم ما أمسكته الجائعة على غيرنا، وقد بيَّنه النبي ﷺ، كذلك، فقال لعدي بن حاتم ﵁ لما سأله: «إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله، فكل، فإن أكل","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٧٩).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٦١٤).\r(¬٣) ينظر: أحكام القرآن (٢/ ٣٨٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167986,"book_id":1216,"shamela_page_id":640,"part":null,"page_num":644,"sequence_num":640,"body":"منه، فلا تأكل منه؛ فإنما أمسك على نفسه» (¬١)» (¬٢).\rويبقى الإشارة إلى مأخذ التعميم في الجوارح؛ ليشمل الكلب وغير الكلب.\rقال السيوطي: «واستدل بالآية على إباحة اتخاذ الكلب للصيد، ويقاس به الحراسة، وبقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ من قال: لا يحل إلا صيد الكلب خاصة، ورُدَّ بعموم: ﴿الْجَوَارِحِ﴾» (¬٣).\rثم ذكرنا مأخذاً آخر ومفسراً لما سبق من تفسيرات الصحابة.\rقال الموزعي: «ثم اختلف أهل العلم في اختصاص الجوارح بالكلاب، فقال فريق منهم: بالتخصيص، ومنعوا الصيد بغيرها من جوارح السباع والطيور، وبه قال مجاهد، وتمسكوا بظاهر قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، واعتقدوه للتقييد لا للتعريف ....\rوقال جمهور العلماء: بالتعميم … ، وتمسكوا: إما بالقياس على الكلاب، فكل ما قبل التعليم فهو آلة لذكاة الصيد، وإما بأنه مشتق من الكلب الذي هو الشدة، لا من اسم الكلب، فيكون معناه: مُغْرين للجوارح على الصيد، وبهذا فسَّره ابن عباس ﵄» (¬٤).\rوقال ابن الفرس: «فأما قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، معناه: معلَّمين، وأصله من التكليب وهو تعليم الكلاب الصيد، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل من علم شيئًا من الجوارح مكلباً، فتكليبها تعليمها الاصطياد» (¬٥).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب إذا وجد مع الصيد كلباً آخر، برقم (٥١٦٨)، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلَّمة، برقم (١٩٢٩).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٨٥).\r(¬٣) الإكليل (٢/ ٦١٤ - ٦١٥).\r(¬٤) تيسير البيان (٣/ ٨٧ - ٨٨).\r(¬٥) أحكام القرآن (٢/ ٣٣٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167987,"book_id":1216,"shamela_page_id":641,"part":null,"page_num":645,"sequence_num":641,"body":"خاتمة نقل السيوطي: مسائل متعلقة بالحكم السابق.\rالأولى: ما يفيد اشتراط أن يكون الكلب من تعليم المسلم؛ أخذاً من ضمير الخطاب في قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾؛ استدلالاً بتفسير ابن عباس ﵄ عندما سُئل عن المسلم يأخذ كلب المجوسي، أو بازه أو صقره أو عقابه فيرسله، قال ابن عباس: «لا تأكله، وإن سميت؛ لأنه من تعليم المجوسي وإنما قال الله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾» (¬١).\rالثانية: قال: «وفيها جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة؛ لأن التعليم قد يحتاج إلى ذلك».\rالثالثة: قال: «واستدل بعموم الآية على إباحة صيد الأسود البهيم» (¬٢)، أي: الخالص السواد.\r• الحكم الثاني: مشروعية التسمية عند الإرسال.\rقال السيوطي: «وفي الآية مشروعية التسمية عند الإرسال … ، واستدل قوم بالأمر بالتسمية على أن ما لا يسمى عليه من الصيد لا يحل، واستدل بالاقتصار عليها، على أنه لا يذكر معها الصلاة على النبي ﷺ» (¬٣).\rمأخذ الحكم: في مشروعية التسمية الأمر في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، أي: على الاصطياد؛ إذْ لا يجوز عود الضمير على الأكل، قاله الموزعي مستدلاً بقوله ﵊: «إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله عليه فكل» (¬٤).","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٦١٧).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٦١٤ - ٦١٧)، وكذا أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٣٨).\r(¬٣) الإكليل (٢/ ٦١٤ - ٦١٧)، وكذا أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٤٤).\r(¬٤) أخرجه أبو داود في كتاب الصيد، باب في الصيد برقم (٢٨٥٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167988,"book_id":1216,"shamela_page_id":642,"part":null,"page_num":646,"sequence_num":642,"body":"ثم قال الموزعي: «وقد أجمع المسلمون على مشروعية التسمية عند الإرسال على الصيد، وعند الرمي، وعند الذبح، وإنما اختلفوا هل ذلك على الوجوب أو على الندب؟» (¬١).\rأما القائل بالوجوب فلظاهر الأمر، أما القائل بالندب فقد نقل ابن الفرس عن ابن القصار توجيه ذلك، وأن الضمير في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يعود إلى أقرب مذكور، هو: الأكل لا الإرسال، ثم ختم توجيهه بقوله: «وإنما أراد تعالى نسخ أمر الجاهلية التي كانت تذكر اسم طواغيتها على صيدها وذبائحها» (¬٢).\rقلت: فيكون الأمر للتوجيه والإرشاد لا الوجوب، والله أعلم.\rثم جواز الأكل مما لا يسمى عليه من الصيد، ينبني على كون التسمية واجبة وشرطاً لصحة الذبح، وسيأتي بيانه بإذن الله عند آيتي الأنعام.\rوأما الاقتصار على ذكر الله دون الصلاة على النبي ﷺ؛ لتخصيص المولى واقتصاره عليه في مقام البيان.\r• الحكم الثالث: إباحة الصيد لو أكل منه الكلب (¬٣).\rمأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.\rقال ابن الفرس: «ظاهره: أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه» (¬٤).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٣/ ٨٩)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٤٣).\r(¬٢) أحكام القرآن (٢/ ٣٤٤).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٦١٧).\r(¬٤) أحكام القرآن (٢/ ٣٣٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167989,"book_id":1216,"shamela_page_id":643,"part":null,"page_num":647,"sequence_num":643,"body":"تنبيه: خصص العلماء الآية بحديث: «قلت: فإن أكل؟ قال: فلا تأكل؛ فإنه لم يمسك عليك، إنّما أمسك على نفسه» (¬١).\rقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥].\rاستدل بالآية على لأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية ذبائح أهل الكتاب.\rمأخذ الحكم: الإخبار بالحكم في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ مع تفسير الصحابي.\rقال الموزعي: «قال ابن عباس ﵄: طعامهم: ذبائحهم» (¬٢).\rثم قال: «وقد أجمع العلماء على العمل بهذه الآية، فأحلوا ذبائح أهل الكتاب كما أحلها الله تعالى، وإنما اختلفوا في بعض التفاصيل» (¬٣).\r• الحكم الثاني: مشروعية الأكل من ذبائحهم، وإن لم يسموا الله عليها.\rمأخذ الحكم: إطلاق الشارع جواز الأكل في الآية دون اشتراط التسمية.\rقال الموزعي: «والذي عليه جمهور أهل العلم العمل بآية المائدة، وأن ذبائحهم حلال مطلقاً، كما أطلقه الله سبحانه، سواء سمّوا الله عليها، أم لا» (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في كتاب الصيد، باب صيد المعراض، برقم (٥٤٧٦).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٩٠).\r(¬٣) المصدر السابق (٣/ ٩٠).\r(¬٤) تيسير البيان (٣/ ٩١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167990,"book_id":1216,"shamela_page_id":644,"part":null,"page_num":648,"sequence_num":644,"body":"قلت: وذكر احتمال تقييدها بآية الأنعام ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]. وسياتي بيانه بإذن الله.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤].\rيستدل بالآية على جواز الاصطياد بالآلات المحددة كالرمح والسهم (¬١).\rمأخذ الحكم: بيَّن المولى سبحانه وسيلة الصيد الذي في أصله مباح، والأصل في وسيلة المباح، تكون مباحة، لا سيما مع عدم إنكار المولى لهذه الوسيلة وذمها، والله أعلم.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥].\rاستدل بالآية على تحريم الصيد على المحرم، وعلى من دخل الحرم (¬٢).\rمأخذ الحكم: النهي في قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾، مع قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.، كما أن ترتيب الجزاء دلالة على كونه محرماً، وكذا التهديد والذم بقوله ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾، وفي قوله ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ يدل على ما سبق؛ إذ العفو لا يكون إلا عن ذنب، وكذا التهديد.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٦٣)، وتيسير البيان (٣/ ٨٤).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٦٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٤٢٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167991,"book_id":1216,"shamela_page_id":645,"part":null,"page_num":649,"sequence_num":645,"body":"قال ابن الفرس: في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، قال: «وقد استدل أصحاب مالك بهذه الآية على أن صيد الحلال في الحرم يوجب عليه الجزاء؛ بناء على أن معنى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وأنتم محرمون، أي: داخلون في الحرم، يقال: أحرم الرجل إذا دخل في الحرم» (¬١).\rقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦].\rاستدل بالآية على إباحة صيد البحر للمحرم والحلال، وأن الحرام على المحرم صيد البر خاصة (¬٢).\rمأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، بالنسبة لصيد البحر، وبقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بالنسبة لصيد البر ما دام محرماً (¬٣).\rومفهومه: أن غير المحرم يباح له صيد البر، وهو الأصل لما سبق.\rقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩].\rوقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١].\rوقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].\rوقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦].","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٢/ ٤٩٤).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٦٦).\r(¬٣) ينظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ٢٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167992,"book_id":1216,"shamela_page_id":646,"part":null,"page_num":650,"sequence_num":646,"body":"قال القرطبي: «المراد بذكر اسم الله: ذكر التسمية عند الذبح والنحر» (¬١).\rدلت الآيات على مشروعية التسمية عند الذبح، على خلاف في جعلها شرط صحة.\rقال السيوطي: في الآية الأولى: «وذهب عطاء إلى أن المراد بها التسمية على كل ما يؤكل من طعام وشراب وذبح، وكل مطعوم» (¬٢).\rوقال في الثانية: «استدل بها من حرّم ما لم يسم عليه من الذبائح، عمداً تركت التسمية أو نسياناً» (¬٣).\rومأخذ المشروعية: الأمر في قوله: ﴿فَكُلُوا﴾ في الآية الأولى، والنهي عن عدم الذكر في الآية الثانية، والنهي عن الشيء أمر بضده.\rقال ابن الفرس عن الآية الأولى: «ودليل خطابه: النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وفي القول بدليل الخطاب اختلاف، إلَّا أنه تعالى قد صرح بدليل الخطاب بعد هذا فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فقوى ذلك الدليل» (¬٤).\rأما من قال بعدم اشتراط التسمية، فمأخذه أن قوله: في الآية الثانية: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، وقوله: بعدها ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وتارك التسمية من المسلمين لا يسمى فاسقاً ولا مشركاً، بل المراد تحريم ما سمَّى عليه غير الله، وأيدوا ذلك بالسبب الذي نزلت فيه الآية، وهو مجادلتهم في تحريم الميتة، قاله ابن الفرس نقلاً عن ابن عباس، ونقل عن عطاء قوله: «نزلت في ذبائح كانت تذبحها قريش عن الأوثان،","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (١٢/ ٤١).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٧١٠).\r(¬٣) الإكليل (٢/ ٧١٢).\r(¬٤) أحكام القرآن (٣/ ١٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167993,"book_id":1216,"shamela_page_id":647,"part":null,"page_num":651,"sequence_num":647,"body":"وذبائح المجوس» (¬١).\rفائدة: أطلق الله ﷾ في آية المائدة حل ذبائح أهل الكتاب، ولم يقيده بذكر التسمية، فقال سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وسبق أن المراد بطعامهم: ذبائحهم.\rوقيّد سبحانه حل الأكل في آيتي الأنعام بذكر اسم الله عليها، كما أن آيتي الأنعام مطلقة في أهل الكتاب وغيرهم.\rقال الموزعي: «فيحتمل أن يقيد إطلاقه في المائدة بتقييده هناك، فلا تحل ذبائح أهل الكتاب إلا إذا سمَّوا الله عليها.\rويحتمل أن يقيد إطلاقه في الأنعام بتقييده هنا، ويكون المعنى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه من غير ذبائح أهل الكتاب. فقال فريقٌ بالأول، فجعل آية المائدة مقيدة بآية الأنعام، فلا تحل لنا ذبائح أهل الكتاب، إلَّا إذا علمنا أنهم سمّوا الله عليها … ، والذي عليه جمهور أهل العلم العمل بآية المائدة، وأن ذبائحهم حلال مطلقاً؛ كما أطلقه الله سبحانه، سمَّوا الله عليها أم لا. وادَّعى بعضهم الاتفاق عليه، ونسبه إلى علي ﵁» (¬٢).\rقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].\rدلت الآية على مشروعية النحر لِما ينحر، وفُسِّر النحر في الآية بعموم الذبح، وفُسِّر بخصوص نحر البدن، والإبل، وفُسِّر بغير ذلك (¬٣).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ مع اعتبار أنه من الفعل «نحر»، ويؤيده","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٧١٢ - ٧١٣).\r(¬٢) تيسير البيان (٣/ ٩٠ - ٩١).\r(¬٣) ينظر: موسوعة التفسير بالمأثور (٢٣/ ٦٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167994,"book_id":1216,"shamela_page_id":648,"part":null,"page_num":652,"sequence_num":648,"body":"القول بأن الآية كانت يوم الحديبية حين حُصر النبي ﷺ، فأتاه جبريل، فقال: انحر، وارجع، فقام النبي ﷺ فخطب خطبة الأضحى ثم ركع ركعتين، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، قال سعيد بن جبير: «فذلك حين يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾» (¬١).\rخاتمة: قال القرطبي: «لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتخيير في البقر … ، قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً حرَّم أكلَ ما نُحر مما ذبح، أو ذُبح مما ينحر» (¬٢).\r\rباب الأضاحي\rالأضاحي بتشديد الياء، وهي جمع، مفردها: أُضحية، بضم الهمزة أو كسرها، وتشديد الياء.\rويقال لها: الضَّحية بفتح الضاد وتشديد الياء، وجمعها الضحايا، والمقصود بها شرعاً: «ما يذكى تقرباً إلى الله تعالى في أيام النحر بشرائط مخصوصة» (¬٣).\rقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].\rاستدل بالآية على وجوب الذبح لله ﷿، وقد فسر قتادة قوله: ﴿وَنُسُكِي﴾، بضحيتي (¬٤).\rوقيل: إن النسك: كل ما تقرب به إلى الله تعالى، إلا أن الغالب عليه في العرف الذبح.","footnotes":"(¬١) ينظر: موسوعة التفسير بالماثور (٢٣/ ٦٢٨).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٤٨٣).\r(¬٣) الموسوعة الفقهية الكويتية (٥/ ٧٤).\r(¬٤) ينظر: موسوعة التفسير بالمأثور (٨/ ٧٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167995,"book_id":1216,"shamela_page_id":649,"part":null,"page_num":653,"sequence_num":649,"body":"قال الرازي عن الآية: «فقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يدلُّ على أنه يؤديه مع الإخلاص، وأكده بقوله: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾، وهذا يدلّ على أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت، بل يجب أن يؤتى بها مع تمام الإخلاص» (¬١).\rمأخذ الحكم: قوله: ﴿لِلَّهِ﴾، وهذا اللام لام الاستحقاق، لوقوعها بين معنى (النسك)، وذات، بالإضافة إلى ما قاله الرازي في نقله السابق.\rويدل عليه فعل ﷺ حين كان يقرأ الآية حين يوجه أضحيته للذبح (¬٢).\rقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: استدل من قال بإجزاء ذبح الأضاحي من بعد الفجر الثاني، ولا يشترط انتظار انقضاء الصلاة والخطبة أو ذبح الإمام، وخصّها بعضهم لأهل القرى والبوادي؛ ذلك لقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ﴾.\rمأخذ الحكم: أضاف الشارع الحكم (النحر والذبح) إلى اليوم، واليوم يبدأ من طلوع الفجر (¬٣).\rتنبيه: وهناك من يقول: إن اليوم يبدأ من طلوع الشمس.\rقال الموزعي: «فمنهم من اعتبر وقت الأضحية بالزمان، وهم الشافعي،","footnotes":"(¬١) التفسير الكبير للرازي (٥/ ١٩٠).\r(¬٢) ينظر: موسوعة التفسير بالمأثور (٨/ ٧٥١ - ٧٥٢).\r(¬٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167996,"book_id":1216,"shamela_page_id":650,"part":null,"page_num":654,"sequence_num":650,"body":"وداود، وابن المنذر، وآخرون، وقالوا: يدخل وقتها إذا طلعت الشمس، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، سواء صلّى المضحي أم لا، وسواء صلى الإمام أم لا، وسواء ذبح الإمام أم لا، واعتبر الباقون وقتها بفعل الإمام» (¬١).\r• الحكم الثاني: عدم دخول ليالي النحر مع الأيام، وعليه؛ فلا يجوز الذبح فيها.\rمأخذ الحكم: أن الحكم وهو الذبح علق على الأيام (¬٢).\rومفهومه: أن الليل لا يدخل فيه.\rقال القرطبي: «فذكر الأيام، وذكر الأيام دليل على أن الذبح في الليل لا يجوز» (¬٣).\rوقال الموزعي: «لأن اسم اليوم لا يتناول الليل؛ بدليل قوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] (¬٤).\rثم ذكر من خالف في ذلك، ومأخذه منها: أن تعليق الحكم على اليوم مفهوم لقب، وهي دلالة ضعيفة، مع عدم التسليم بأن اسم اليوم لا يتناول الليل، بل يتناوله بدليل قوله تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥].\r• الحكم الثالث: لا يجوز الأضحية بغير بهيمة الأنعام.\rمأخذ الحكم: مفهوم الصفة حيث خصَّ جواز الذبح ببهيمة الأنعام، فدلّ على أن غيرها من البهائم لا يجوز، ولا يجزئ بها.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٤/ ١٦٢).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٢٠)، والإكليل (٣/ ٩٧٤)، والجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٤٣).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٤٣).\r(¬٤) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167997,"book_id":1216,"shamela_page_id":651,"part":null,"page_num":655,"sequence_num":651,"body":"قال ابن قدامة: «ولا يجزئ في الأضحية غير بهيمة الأنعام» (¬١).\rوقال الموزعي: «خصَّ الله سبحانه بهيمة الأنعام بالذكر دون غيرها من البهائم، وقد أجمع المسلمون على ذلك» (¬٢).\r• الحكم الرابع: مشروعية الأكل والإطعام من الأضحية (¬٣).\rمأخذ الحكم: أمره ﷾ بالأكل والإطعام منها.\rقال الموزعي: «فأما الأكل فحمله جمهور أهل العلم على الاستحباب، وحكي عن بعض السلف أنه واجب الأكل منها؛ حملا للأمر على حقيقته … » (¬٤).\rوبيَّن السيوطي صارف الأمر عن الوجوب، فقال: «حيث لم يكن الدم واجباً» (¬٥)، أي: ليست الأضحية في أصلها واجب.\rقلت: وقد يقال إن الأكل إنما ورد لحكمة، قال الموزعي: «الحكمة فيه مخالفة الجاهلية في تحرجهم من أكل ذبائحهم» (¬٦).\r• الحكم الخامس: استحباب تقسيم الأضحية إلى قسمين (¬٧):\rمأخذ الحكم: أن الأمر في الآية شرع للأكل وإطعام البائس الفقير، وهما صنفان، فتقسم الأضحية بينهما نصفين، فأخذ هؤلاء بظاهر الآية.","footnotes":"(¬١) المغني (١٣/ ٣٦٨).\r(¬٢) تيسير البيان (٤/ ٢١).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ٩٧٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٠١)، والجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٤٣).\r(¬٤) تيسير البيان (٤/ ٢٢).\r(¬٥) الإكليل (٣/ ٩٧٤).\r(¬٦) تيسير البيان (٤/ ٢٢).\r(¬٧) ينظر: المغني (١٣/ ٣٧٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167998,"book_id":1216,"shamela_page_id":652,"part":null,"page_num":656,"sequence_num":652,"body":"قال ابن الفرس: «الجمهور وسعوا في ذلك، فله أن يأكل ما شاء، ومما شاء» (¬١).\rقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الأضحية من قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾.\rقال القرطبي: «والمنسك: الذبح وإراقة الدم» (¬٢).\rوقال الموزعي: «المنسك ها هنا: -والله أعلم- هو المصدر، من نسك ينسك، إذا ذبح القربان» (¬٣).\rمأخذ الحكم: بإخبار المولى ﷾ وامتنانه علينا بأن شرع ذلك لنا.\rقال الموزعي: «فأخبر الله سبحانه أنه مشروع لكل أمة، وليس من خصائص هذه الأمة، وقد أجمع العلماء على مشروعية التقرب بالهدي والأضحية» (¬٤).\rقلت: وفي إحلال ما كان محرماً عليهم في الجاهلية امتنان لهم بذلك، ولا منّةَ إلَّا بمشروع.\r• الحكم الثاني: لا يجزئ في الأضحية غير بهية الأنعام.\rقال ابن قدامة في كتاب الأضاحي: «ولا يجزئ في الأضحية غير بهيمة الأنعام … ، ولنا قوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، وهي: الإبل والبقر والغنم» (¬٥).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٠٢).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٥٧).\r(¬٣) تيسير البيان (٤/ ٣٣).\r(¬٤) المصدر السابق.\r(¬٥) المغني (١٣/ ٣٦٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1167999,"book_id":1216,"shamela_page_id":653,"part":null,"page_num":657,"sequence_num":653,"body":"وسبق ذكر مأخذ الحكم في الآية السابقة.\rقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: استحباب التضحية بالسمين.\rيستدل بالآية على الحكم المذكور من قوله: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ [الحج: ٣٦].\rقال القرطبي: «والبدانة السمن، وقيل: إن هذا الاسم خاص بالإبل، وقيل: البُدن جمع «بدن» بفتح الباء والدال، ويقال: بَدُن الرجل، بضم الدال، إذا سمن» (¬١).\rمأخذ الحكم: مأخوذ من اللغة كما سبق، وعليه فلا تختص الآية على التأويل الأخير بالإبل؛ وقد نقل القرطبي بعد هذه المسألة الخلاف في إطلاق «البدن» على غير الإبل من البقر.\rتنبيه: ذكر القرطبي قرائن من الآية وخارجية تؤيد أن المقصود بالبدن، هي الإبل، ومن الآية نفسها، قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾، وقال: إنه وصف خاص بالإبل (¬٢)، أي: هي التي تنحر قائمة، ويتحقق فيها معنى السقوط كما سيأتي.\r• الحكم الثاني: استحباب نحر الإبل قياماً، معقولة الركب.\rذكر المفسرون أن معنى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾، أي: انحروها، فصار ذكر الله كناية عن النحر والذبح.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٥٩).\r(¬٢) ينظر: المصدر السابق (١٢/ ٦٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168000,"book_id":1216,"shamela_page_id":654,"part":null,"page_num":658,"sequence_num":654,"body":"وقال القرطبي: «فقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾، يريد إذا سقطت على جنوبها ميتة، كنَّى عن ذكر الموت بالسقوط على الجنب، كما كنَّى عن النحر والذبح بقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ والكنايات في أكثر المواضع أبلغ من التصريح» (¬١).\rقال الجصاص: «إذا كانت باركة لا يقال أنها تسقط» (¬٢).\rمأخذ الحكم: يدل عليه ما سبق من معنى الوجوب في قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ والسقوط للقائم، كما يدل عليه، وعلى عقل الركب أو الأيدي قوله: ﴿صَوَافَّ﴾.\rقال السيوطي في الإكليل: «وقُرئ ﴿صوافن﴾، قال قتادة: أي صوافن بالحبال معقولة، و ﴿صواف﴾ كما في القراءة المتواترة، أي: كونها قائمان قد صففن أيديهن وأرجلهن»، ثم نقل عن ابن عمر أنه كان يلي نحر بُدنه بيده، يصف أيديها بالقيود، وهي قائمة، ويتلو هذه الآية، ثم قال: فالقراءتان بمنزلة آيتين، كل واحدة تفيد حكماً» (¬٣).\rفدلّ قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ مع قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾، على نحرها، وهي قائمة معقولة.\r• الحكم الثالث: مشروعية الأكل منها والإطعام.\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾.\rقال الموزعي: «أمر الله بالأكل والإطعام منها، فمن الفقهاء من حمل الأمرين","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٦٢).\r(¬٢) أحكام القرآن (٣/ ٢٤٤).\r(¬٣) ينظر: (٣/ ٩٨٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168001,"book_id":1216,"shamela_page_id":655,"part":null,"page_num":659,"sequence_num":655,"body":"على الوجوب، ومنهم من حملهما على الاستحباب، ومنهم من استحب الأكل، وأوجب الإطعام» (¬١).\rأما القائل بالوجوب، فلظاهر الأمر، والقائل بالاستحباب؛ لكونه مصروفا، وسبق بيان الصارف.\rتنبيه: قال الموزعي: «وقيَّد الله سبحانه حال الأكل بوجوب جنوبها؛ وذلك وقت خروج الروح منها، ومفهومه: أنه لا يحل الأكل منها قبل ذلك، وهو كذلك، فلا يحل الأكل منها، ولا القطع منها قبل خروج الروح منها إجماعا» (¬٢).\rقلت: وسبق قول القرطبي: «قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾، يريد إذا سقطت على جنوبها ميتة، كنَّى عن الموت بالسقوط على الجنب» (¬٣).\r• الحكم الرابع: مشروعية تثليث لحم الأضحية إما وجوباً أو استحباباً (¬٤).\rقال ابن قدامة: «والاستحباب أن يأكل ثلث أضحيته، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها»، ثم قال في دليل هذا القول: «ولأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، والقانع: السائل، يقال: قنع قنوعاً، إذا سأل، وقنع قناعة إذا رضي … ، والمعتر: الذي يعتريك، أي: يتعرض لك لتطعمه، ولا يسأل، فذكر ثلاثة أصناف، فينبغي أن يقسم بينهم أثلاثا» (¬٥).\rمأخذ الحكم: ما ذكره ابن قدامة مما يؤخذ من ظاهر تفسير الآية.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٤/ ٣٥)، وينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٦٢).\r(¬٢) تيسير البيان (٤/ ٣٦).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٦٢).\r(¬٤) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٣٥).\r(¬٥) المغني (١٣/ ٣٧٩)، وينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٦٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168002,"book_id":1216,"shamela_page_id":656,"part":null,"page_num":660,"sequence_num":656,"body":"قال الموزعي: «ولا دليل فيه على التقدير، ولا سيما مع معارضة قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]» (¬١).\rقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧].\rاستدل بالآية من قال: إن الأضحية بالغنم أفضل.\rقال القرطبي: «في هذه الآية دليل على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر، وهذا مذهب مالك وأصحابه» (¬٢).\rمأخذ الحكم: تفسير الصحابي ب «الذبح العظيم» بأنه كبش، منهم: علي ﵁، وابن عباس، وكونه اختاره سبحانه فداء لنبيه (¬٣).\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١].\rاستدل بالآية على عدم جواز الأضحية قبل أن يضحي الإمام (¬٤).\rوقيل: في تفسيرها: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي ﷺ.\rقال ابن الفرس: «نزلت في قوم، ذبحوا قبل أن ينحر النبي ﷺ، وقبل أن يصلي، فأمرهم أن يعيدوا» (¬٥).\rمأخذ الحكم: العموم المأخوذ من حذف المفعول، والمقدَّر بالقول: «لا تقدموا","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٤/ ٣٥).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٩٦).\r(¬٣) ينظر: موسوعة التفسير بالمأثور (١٨/ ٦٦٦).\r(¬٤) ينظر: تيسير البيان (٤/ ١٦١).\r(¬٥) أحكام القرآن (٣/ ٦٢٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168003,"book_id":1216,"shamela_page_id":657,"part":null,"page_num":661,"sequence_num":657,"body":"الذبح أو غيره»، أو الفعل في قول: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ في سياق النفي، فيعمّ أي تقديم، ومنه: الذبح، وكون سبب النزول قطعي الدخول، فلا تصح الأضحية قبل الإمام.\rقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الأضحية (¬١).\rقال ابن قدامة: «الأصل في مشروعية الأضحية، الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقول الله سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، قال أهل التفسير: المراد به الأضحية بعد صلاة العيد» (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾.\rقال الفرس: «﴿وَانْحَرْ﴾، أمرٌ بنحر الهدي والنسك والضحايا» (¬٣).\rوسبق الإشارة إلى الخلاف في كونه للوجوب لظاهر الأمر أو الاستحباب؛ لوجود الصارف.\r• الحكم الثاني: كون وجوب الأضحية للنبي ﷺ خاصة.\rقال السيوطي: «واستدل بالآية من قال بأن الأضحية كانت واجبة عليه ﷺ» (¬٤).\rمأخذ الحكم: كون الخطاب موجهاً للنبي ﷺ بكاف الخطاب، ﴿لِرَبِّكَ﴾.\rوفي كونه يعم أمته، قال ابن الفرس: «والأمر في الآية محتمل للوجوب،","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٣/ ١٣٤٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٦٢٧).\r(¬٢) المغني (١٣/ ٣٦٠).\r(¬٣) أحكام القرآن (٣/ ٦٢٧).\r(¬٤) الإكليل (٣/ ١٣٤٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168004,"book_id":1216,"shamela_page_id":658,"part":null,"page_num":662,"sequence_num":658,"body":"وللندب، وقد جاء عن النبي ﷺ ما رفع احتمال الوجوب، قال ﷺ: (أمرت بالنحر وهو لكم سنة) (¬١)» (¬٢).\r• الحكم الثالث: وقت الأضحية يكون يوم النحر، وبعد مضي وقت الصلاة خاصة.\rقال ابن الفرس في كونها يوم النحر ضمن تعداده للأقوال: «وقيل: هي مخصوصة بصلاة العيد ثم النحر بعدها، وأن الآية نزلت بالمدينة، وفي الآية على هذا القول الأمر بالضحية يوم النحر» (¬٣).\rوقال السيوطي عن الحكم الأخر: «واستدل بالآية … من قال إن وقتها بعد مضي قدر الصلاة خاصة، ولم يعتبر الخطبتين» (¬٤).\rومأخذ الحكم: أشار إليه ابن الفرس، فقال: «وفي الآية، أيضا على هذا القول - على قول من رأى أن الواو ترتيب- أن النحر لا يكون إلا بعد الصلاة، وإن لم ينقل بأن الواو ترتيب -وهو المشهور عن العرب- فقد بيّن ذلك بالإجماع على أنه لا يجوز النحر قبل الصلاة … » (¬٥)\rقلت: ودلالة كونه لا يعتبر الخطبتين لظاهر الآية.","footnotes":"(¬١) ذكره القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٩٩)، وقال محقق الكتاب الدكتور يحيى إسماعيل: رواه الدارقطني في سننه (٤/ ٢٨٢)، في كتاب الأشربة وغيرها، باب الصيد والذبائح والأطعمة، برقم (٤١) عن جابر الجعفي، وهو ضعيف جداً عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: (أمرت بالنحر وليس بواجب).\r(¬٢) أحكام القرآن (٣/ ٦٢٧).\r(¬٣) المصدر السابق.\r(¬٤) الإكليل (٣/ ١٣٤٧).\r(¬٥) أحكام القرآن (٣/ ٦٢٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168005,"book_id":1216,"shamela_page_id":659,"part":null,"page_num":663,"sequence_num":659,"body":"• الحكم الرابع: التضحية بالإبل أفضل.\rمأخذ الحكم: للأمر به في الآية.\rقال السيوطي: «واستدل بالآية … ومن قال: إن التضحية بالإبل أفضل، من البقر والغنم؛ لأنه تعالى أمر بالنحر، والنحر إنما يكون في الإبل ذكره ابن الفرس» (¬١).\rقلت: والذي ذكره ابن الفرس هو قوله: «وفي ظاهر الآية أن الإبل والبقر أفضل من الغنم في الضحايا، وهو قول الشافعي؛ لأنه تعالى أمر بالنحر، والنحر إنما يكون فيهما» (¬٢).","footnotes":"(¬١) الإكليل (٣/ ١٣٤٧).\r(¬٢) أحكام القرآن لاب الفرس (٣/ ٦٢٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168006,"book_id":1216,"shamela_page_id":660,"part":null,"page_num":664,"sequence_num":660,"body":"كتاب الأيمان والنذور\rالأيمان: جمع يمين.\rقال الرازي في تفسيره: «والأيمان جمع يمين، بمعنى الحلف والقسم. وقيل: للحلف يمين، وهو اسم اليد؛ لأنهم كانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا. وقيل: سمي القسم يمينا ليمين البر فيه» (¬١).\rوالنذر: جمع نذر، وله تعاريف متعددة منها: «إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئاً غير لازم عليه بأصل الشرع» (¬٢).\rويلحق النذر باليمين، قال في المغني: «ولنا، أن النذر يمينٌ، فينعقد في الواجب موجباً للكفارة، كاليمين بالله تعالى» (¬٣).\rوفي بدائع الصنائع: «ولأن النذر يمينٌ، وكفارته كفارة يمين» (¬٤).\rقال الرازي في تفسيره عن النذر: «واختُصَّ هذا اللفظ في عرف الشرع بأن يقولَ لله علي كذا وكذا من الصدقة، أو يعلق ذلك بأمر يلتمسه من الله تعالى، مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي، أو رد غائبي فعلي كذا كذا … » (¬٥).\rقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤ - ٢٢٥].","footnotes":"(¬١) التفسير الكبير للرازي (٥/ ٥٣٤).\r(¬٢) كشاف القناع (٦/ ٢٧٤).\r(¬٣) المغني (١٠/ ٢١).\r(¬٤) بدائع الصنائع (٧/ ١٨٥).\r(¬٥) التفسير الكبير (١٠/ ٧٤٤ - ٧٤٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168007,"book_id":1216,"shamela_page_id":661,"part":null,"page_num":665,"sequence_num":661,"body":"• الحكم الأول: النهي عن كثرة الحلف (¬١).\rقال السيوطي: «لأنه نوع جراءة على الله وابتذال لاسمه في حق أو باطل» (¬٢).\rمأخذ الحكم: النهي الوارد عن جعل اسم الله عرضة للأيمان، ومن أكثر ذكر شيء فقد جعله عُرضة، وقد روى عن أمنا عائشة ﵂ أنّها نزلت في تكثير اليمين بالله، نهينا أن يحلف الرجل به بارًا، فكيف فاجرًا؟\r• الحكم الثاني: استحباب الحنث والتكفير لمن حلف يميناً فرأى غيرها خيرًا منها (¬٣).\rنقل السيوطي عن ابن عباس قوله: «يقول الله لاتجعلني عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك وأصنع الخير، أخرجه ابن أبي حاتم»، ثمَّ قال: ومعنى: ﴿عُرْضَةً﴾ مانع.\rمأخذ الحكم: قول ابن عباس، وتفسيره.\rوبيانه: أن قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ مفعول من أجله، فيقدر ما يقتضيه المعنى.\rونظم الآية: لأجل أن تبروا وتتقوا، ولا يكون ذلك إلّا بالحنث.\rأي: إنَّ الإتيان بالخير، لا يكون إلّا بالحنث -وهو عدم الوفاء بيمينه- فيكون الحنث مستحبًا حينئذ، وما لا يتم المندوب إلّا به فهو مندوب.\rوفي الصحيح: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه،","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٩٩)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٦).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٤٠٧).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168008,"book_id":1216,"shamela_page_id":662,"part":null,"page_num":666,"sequence_num":662,"body":"وليفعل) (¬١).\r• الحكم الثالث: اعتبار القصد في اليمين، وأن من سبق لسانه إليها بلا قصد لا ينعقد (¬٢).\rواستدل بقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ من قال: إن من حلف على غلبة ظنه لا إثم عليه ولا كفارة قصد اليمين أو لم يقصدها (¬٣).\rمأخذ الحكم: رفع المؤاخذة باللغو؛ بناء على التفسيرات الواردة عن الصحابة لمعنى اللغو (¬٤).\rفورد عن عائشة ﵂ أن اللغو: «قول الرجل لا والله وبلى والله»، أي دون قصد وعقد للقلب.\rوورد عن ابن عباس في تفسيره للغو: أن يحلف الرجل على الشيء يراه حقاً وليس بحق.\rوغير ذلك من التفسيرات، وقد اختلف العلماء في المقصود بالمؤاخذة هل هي في الآخرة، أو في الدنيا وهي الكفارة؟ بناء على الخلاف في تفسير يمين اللغو (¬٥).\rقال ابن الفرس: «إنّما يقوي بعض هذه الأقوال ويضعف بحسب ما ذكره الله في الآية من اللغو والكسب، وذلك أن للغو ما لم يتعمد أن يسقط، وما حقه أن يسقط، وكسب ما قصده ونواه» (¬٦).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها، برقم (١٦٥٠).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٠١)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٦).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٩).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٨ - ٤٠٩).\r(¬٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٢).\r(¬٦) أحكام القرآن (١/ ٣٠٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168009,"book_id":1216,"shamela_page_id":663,"part":null,"page_num":667,"sequence_num":663,"body":"• الحكم الرابع: انعقاد اليمين بالقصد (¬١).\rمأخذ الحكم: الاستدراك بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، مع تفسير الصحابة لمعنى كسب القلب. والكسب ما قصده ونواه.\r• الحكم الخامس: عدم وجوب الكفارة باليمين الكاذبة الغموس (¬٢).\rقال السيوطي: «وفسَّره قوم بأن يحلف وهو يعلم أنه كاذب» (¬٣).\rمأخذ الحكم: بُني على من فسَّر اليمين المكتسبة بالقلب باليمين الكاذبة، وأن المؤاخذة في الآخرة.\rونقل عن ابن عباس قوله: «أن ذلك اليمين الصبر الكاذبة»، وأنه لا كفارة لها بل المؤاخذة في الآخرة؛ لأن اليمين التي تجب فيها كفارة هي المعقودة ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، ويمين الغموس محلولة غير منعقدة.\rويمين الصبر هي التي يكون فيها متعمدًا للكذب، قاصدًا لإذهاب مال المسلم، كأنّه يصبر النفس على تلك اليمين، أي: يحبسها عليها.\rوفي الحديث المتفق عليه: (من حلف علي يمين صبر، وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله يوم القيامة، وهو عليه غضبان) (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٢).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٠٤).\r(¬٣) الإكليل (١/ ٤١٢).\r(¬٤) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب قوله الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، برقم (٦٦٧٧)، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، برقم (٢٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168010,"book_id":1216,"shamela_page_id":664,"part":null,"page_num":668,"sequence_num":664,"body":"قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧].\r• الحكم الأول: دلَّت الآية على وجوب الوفاء بالنذر.\rمأخذ الحكم:\rقال الرازي: «هذه الآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر؛ لأنه تعالى عقبه ب: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، وهذا يقتضي أنهم إنما وفوا بالنذر خوفاً من شر ذلك اليوم، والخوف من شر ذلك اليوم لا يتحقق إلا إذا كان الوفاء به واجباً».\rثم قال: «وتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، وبقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، فيحتمل ليوفوا أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم» (¬١).\rقلت: ولعل من المأخذ كذلك كونها: خبراً بمعنى الأمر، أي: ليوفوا نذورهم وليخافوا يوما كان شره مستطيراً. والله أعلم.\r• الحكم الثاني: أن الوفاء بالنذر يجب وجوبا عاماً مطلقاً من غير فصل بين المطلق والمعلق بشرط.\rوبيانه: أن نذر الطاعة الذي يجب الوفاء به على قسمين: نذر مطلق، كقوله: «لله عليَّ أن أصلي الضحى».\rونذر معلق على حصول منحة، أو زوال كربة، كقوله: «إن شُفي مريضي، فلله عليَّ أن أصلي ركعتين» (¬٢).\rمأخذ الحكم: دخول الألف واللام المقرّر في قوله: ﴿بِالنَّذْرِ﴾ فيعمُّ أنواع","footnotes":"(¬١) التفسير الكبير (١٠/ ٧٤٥).\r(¬٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (٢/ ٩٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168011,"book_id":1216,"shamela_page_id":665,"part":null,"page_num":669,"sequence_num":665,"body":"وأقسام نذر الطاعة، وغير الطاعة يخرج بأدلة أخرى، على خلاف في وجوب الكفارة فيها.\rقال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية حل اليمين بالكفارة.\rقال السيوطي: «عدم التحريم مع لزوم كفارة اليمين» (¬١).\rمأخذ الحكم: فرض الله وقدر التحلة للأيمان، والمراد بالتَّحلة، هي: الكفارة مثل الحنث؛ لأنها تحل اليمين.\r• الحكم الثاني: الحلف بالتحريم فيه كفارة، كما أن الحلف بالإيجاب فيه كفارة.\rمأخذ الحكم: سبب النزول قطعي الدخول، وقد ورد في سبب نزول الآية قول أمنا عائشة ﵂ أن النبي ﷺ: «كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا، فتواصيتُ أنا وحفصة: أنَّ أَيَّتَنَا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريحَ مغافير، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: (لا، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له) فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤] لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣]؛ لقوله: «بل شربت عسلاً»، وقال إبراهيم بن موسى: عن هشام: (ولن أعود له، وقد حلفت، فلا تخبري بذلك أحدا)» (¬٢).","footnotes":"(¬١) الإكليل (٣/ ١٢٦٨).\r(¬٢) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب إذا حرَّم طعامه، برقم (٦٦٩١)، ومسلم في الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرَّم امرأته، برقم (١٤٧٤). وفي زيادة الحلف خلاف في كونه من تصرف بعض الرواة بالمعنى. ينظر: إعلاء السنن (١/ ٣٧٩)،","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168012,"book_id":1216,"shamela_page_id":666,"part":null,"page_num":670,"sequence_num":666,"body":"قال الجصاص: «وأما قول من قال: إنه حرّم وحلف أيضاً، فإنَّ ظاهر الآية لا يدل عليه، وإنما فيها التحريم فقط، فغير جائز أن يُلحق بالآية ما ليس فيها، فوجب أن يكون التحريم يميناً؛ لإيجاب الله تعالى فيها كفارة يمين بإطلاق لفظ التحريم» (¬١).\r• الحكم الثالث: تحريم الزوجة هل يُعدُّ يمينا أو ظهاراً؟\rصورته: أن يقول الزوج: إن فعلتِ كذا، فأنتِ عليَّ حرامٌ، يقصد الحنث، أو المنع، اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب متعددة.\rومنهم: من ذهب إلى أنها يمين يكفِّرها كفارة يمين؛ مستدلاً بالآية.\rمأخذ الحكم: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فتعمُّ الآيةُ كلَّ ما حرَّمه الانسانُ على نفسه مما أباحه الله، ولا عبرة بخصوص السبب الوارد في سبب نزولها.\rقال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢].\rاستدل بها الحنفية على أن يمين الكافر لا يكون يميناً.\rويشترط عند الحنفية والمالكية في الأيمان، أن يكون الحالف مسلماً (¬٢)، والمخاطَب بآيات الأيمان: المؤمنون (¬٣).","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن (٣/ ٣٦٤).\r(¬٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٢٣٧).\r(¬٣) ينظر: بدائع الصنائع (٣/ ١١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168013,"book_id":1216,"shamela_page_id":667,"part":null,"page_num":671,"sequence_num":667,"body":"مأخذ الحكم: قلت لعل مأخذهم هو: أن النفي الداخل على الأسماء الشرعية يحمل على نفي الصحة، والله أعلم، وقد نفى الله الأيمان عنهم بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾.\rقال الرازي مبيِّناً الحكم عند الحنفية، ويتمسَّك الشافعي بالآية على خلاف قول الحنفية فقال: «به تمسك أبو حنيفة ﵀ في أنَّ يمين الكافر لا يكون يميناً، وعند الشافعي ﵀ يمينهم يمين، ومعنى هذه الآية عنده [أي: أبي حنفية]، أنهم لَمَّا لم يفوا بها، صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان، والدليل على أنَّ أيمانهم أيمان، أنه تعالى وصفها بالنكث في قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ ولو لم يكن منعقداً، لما صحَّ وصفها بالنكث» (¬١).\rقلت: ويؤيد مذهب الشافعي القراءاة ﴿لا إيمان لهم﴾.\rقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١].\rاستدل بالآية بالأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: أن إضافة العهد ونحوه، كالميثاق إلى الله يعتبر يمينا، وتلزم الكفارة، إذا حنث.\rمأخذ الحكم: سمَّاه الله أيماناً، ونهى نقضه.\rويؤيد كونه يميناً قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧].","footnotes":"(¬١) التفسير الكبير للرازي (٥/ ٥٣٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168014,"book_id":1216,"shamela_page_id":668,"part":null,"page_num":672,"sequence_num":668,"body":"وكذا سبب نزولها، وقد روى البخاري «أنَّ رجلاً أقام سلعة وهو في السوق، فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعط؛ ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت الآية» (¬١).\r• الحكم الثاني: وجوب الوفاء بالعهد، والبر في الأيمان (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر بالوفاء في قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾، والنهي عن نقض الأيمان في قوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ والنهي عن النقض أمرٌ بالبر والوفاء.\rقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥].\rدلّت الآية على أن الخطأ مرفوع، ولا إثم على المخطئ (¬٣).\rقال القرطبي: «أي: وليس عليكم جناح في شي أخطأتم، وكانت فُتيا عطاءٍ وكثيرٍ من العلماء على هذا، إذا حلف رجلٌ ألا يفارق غريمه حتى يستوفي منه حقَّه، فأخذ منه ما يرى أنه جيد من دنانير، فوجدها زيوفاً أنه لا شيء عليه، وكذلك عنده إذا حلف ألَّا يُسلِّم على فلان فسلَّم عليه وهو لا يعرفه، أنه لا يحنث؛ لأنه لم يتعمد ذلك» (¬٤).\rمأخذ الحكم: الإخبار برفع الجناح عن الخطأ في ذلك، ثم التصريح بموطن المؤاخذة ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في البيوع، باب ما يكره من الحلف في البيع، برقم (٢٠٨٨).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٩٠٧).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١١٠١).\r(¬٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ١٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168015,"book_id":1216,"shamela_page_id":669,"part":null,"page_num":673,"sequence_num":669,"body":"قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: عدم الكفارة في لغو اليمين، وقد أجمع العلماء على ذلك (¬١).\rمأخذ الحكم: نفي المؤاخذة عليها، وهذا يقتضي رفع حكمها، وعدم لزوم الكفارة فيها، فالآية صريحة في الحكم المذكور في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.\rولغو اليمين: ما جمعت أمرين: ما يجري على لسان المتكلم بلا قصد، واليمين التي يحلفها يظن صدق نفسه، سواء كان ذلك في الماضي أو الحال، أو المستقبل، وهو مذهب الحنابلة.\rوقيل: هي الأمر الأوّل كما عند الشافعية، أو الأمر الثاني كما عند الحنفية والمالكية (¬٢).\r• الحكم الثاني: وجوب الكفارة في الحنث في اليمين المنعقدة.\rمأخذ الحكم: قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ وهو استدارك من نفيٍ، فيكون إثباتاً للكفارة، وهو شبيه بالاستثناء من النفي في كونه إثباتا.\rقال القرافي: «لكن للاستدراك بعد النفي، وتوجب للنافي ما في الأول، وإلا","footnotes":"(¬١) ينظر: المحلى (٨/ ٤٠) المغني (٨/ ٦٨٧).\r(¬٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ١٧٩ - ١٨٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168016,"book_id":1216,"shamela_page_id":670,"part":null,"page_num":674,"sequence_num":670,"body":"كذلك فتشابها؛ لأنَّ كليهما يجمع بين النفي والإثبات» (¬١).\rقال ابن هبيرة موضحاً اليمين المنعقدة وحكمها: «وأجمعوا على أنَّ اليمين المنعقدة، هو أن يحلف على أمر من المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، فإذا حنث وجبت عليه الكفارة» (¬٢).\rوقد تردد العلماء في دخول اليمين الغموس في اليمين المنعقدة، فيجب فيها الكفارة، أو لا تدخل فلا تجب الكفارة فيها.\rفمن قال: لا يجب فيها الكفارة.\rقالوا: إنَّ عقد اليمين ما التزم فعلاً مستقبلاً، يتردَّد بين حنث وبرٍّ، فخرجت اليمين الغموس من الأيمان المعقودة؛ إذِ الحلف فيها، يكون على أمر ماض كاذباً عالماً (¬٣).\rكما أنَّ الأيمان أمرنا بحفظها في قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، واليمين الغموس لا يتصوَّر حفظها؛ لعدم الحنث فيها، وعليه فلا تجب الكفارة فيها.\rومن قال: تجب الكفارة فيها، قال: هي يمين منعقدة؛ لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله تعالى (¬٤).\r• الحكم الثالث: عدم انعقاد اليمين بما لم يقصده، وإنَّما سبق لسانُه إليه.\rمأخذ الحكم: كون معنى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي: قصدتم، ويُفسِّره قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، كما في","footnotes":"(¬١) الاستغناء (٣٦٣).\r(¬٢) الإفصاح (٢/ ٣٢١).\r(¬٣) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ١٩٦).\r(¬٤) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٢٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168017,"book_id":1216,"shamela_page_id":671,"part":null,"page_num":675,"sequence_num":671,"body":"الأخرى، والقرآن يفسر بعضه بعضا.\r• الحكم الرابع: صحة يمين الكافر (¬١).\rوعلى القول بصحة يمينه يترتب عليها آثارها، ومن ذلك الكفارة.\rمأخذ الحكم: العموم في ضمير الجمع ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وظاهره استواء المسلم والكافر.\r• الحكم الخامس: وجوب الكفارة باليمين المحرّمة، كما لو حلف على شرب خمر ونحوه بالكفارة (¬٢).\rمأخذ الحكم: لعموم قوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، «والأيمان» جمع معرَّف، فيعمُّ اليمين على بِرٍّ، واليمين على إثمٍ.\r• الحكم السادس: كفارة اليمين، هي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وهي على التخيير هنا، فإن لم يجد أو عجز عنها، فصيام ثلاثة أيام (¬٣).\rمأخذ الحكم: نص الآية وهو ظاهر، وسيأتي تفاصيل أحكامها.\rتنبيه: ورد في قراءة شاذة ﴿أو كإسوتهم﴾.\rقال الهروي في تفسيره: «وقرأ سعيد بن جبير، وأبو العالية، ومعاذ بن الحارث القارئ وأبو نهيك ﴿أو كإسوتهم﴾، بكاف الجر الداخلة على إسوة؛ أي: قرؤوا بفتح الكاف، وكسر الهمزة وكسر التاء والهاء» (¬٤).","footnotes":"(¬١) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٢٣٧).\r(¬٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٢٥٠).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ٦٥٣).\r(¬٤) تفسير حدائق الروح والريحان (٨/ ٢٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168018,"book_id":1216,"shamela_page_id":672,"part":null,"page_num":676,"sequence_num":672,"body":"وقرأ محمد ابن السميقع اليماني، وأبو عمران الجوزي مثلهم إلا أنهما فتحا الهمزة.\rقال ابن الجوزي: «ولا أرى هذه القراءة جائزة؛ لأنها تسقط أصلاً من أصول الكفارة».\r• الحكم السابع: لا يجزئ إخراج القيمة في الكفارة (¬١).\rمأخذ الحكم:\r(١) أن الله ﷿ جعل الواجب في عين الإطعام والكسوة، فلو دفع غيرهما لم يؤد الواجب المأمور به؛ لأن الواجب المخير لا يخرج من عهدة إلا بأداء أحدهما.\r(٢) أن الله ﷿ حصر الكفارة في هذه الأنواع، ولو جاز دفع القيمة لم يعد للحصر في التخيير في أحد هذه الأوصاف الثلاثة معنى.\rولعل ذلك داخل في مفهوم الحصر، فلما جعل سبحانه الكفارة محصورة في المذكور دلَّ أن غيرها لا يجزئ، والله أعلم.\r• الحكم الثامن: يجود دفع الكفارة للحرِّ والرقيق والمسلم والكافر.\rمأخذ الحكم: لأن لفظ: «مساكين» مطلقٌ، والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يقيد، والله أعلم.\rفيدخل فيه ما ذكر، فدخل الرقيق عند الحنفية، وكذا الكافر عندهم مع وجه عند الحنابلة (¬٢).\r• الحكم التاسع: يكون الإطعام من أوسط ما يطعم به الأهل قدراً ونوعاً","footnotes":"(¬١) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٤٢٩ - ٤٣٠).\r(¬٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٤٤٧)، (١/ ٤٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168019,"book_id":1216,"shamela_page_id":673,"part":null,"page_num":677,"sequence_num":673,"body":"بحسب العرف (¬١).\rمأخذ الحكم: كون الآية أطلقت ولم تقدر الإطعام، وما لم يقدرِّه الشارع ولا اللغة التي نزل بها كلامه ﷿ فيرجع في تقديره إلى العُرف.\r• الحكم العاشر: يجب استيعاب العشرة، ولا يكون الإطعام على بعضهم (¬٢).\rمأخذ الحكم: مفهوم العدد المضاف إلى المساكين، يدل على عدم الإجزاء إن نقص عن ذلك، ومن أطعم واحداً أو اثنين لم يطعم عشرة، فلم يكن ممتثلا للأمر، فلا تجزئ الكفارة.\r• الحكم الحادي عشر: عدم اشتراط التمليك للطعام بل يكفي التمكين، وهو: ما يسمى بالتغذية والتعشية (¬٣).\rمأخذ الحكم: إن اسم الإطعام يطلق ويتناول إباحة الطعام لهم للأكل من غير تمليك.\rقال الجصاص: «ويقال: فلان يُطعم الطعام، وإنما مرادهم دعاؤه إيَّاهم إلى أكل طعامه، فلما كان الاسم يتناول الإباحة، وجب جوازه» (¬٤).\r• الحكم الثاني عشر: عدم اشتراط الإيمان في الرقبة المكفّر بها.\rمأخذ الحكم: لأن الآية أطلقت الرقبة ولم تقيدها بشيءٍ.\rومن قال باشتراط كون الرقبة مؤمنة بما يكفره، حمل المطلق الوارد في هذه الآية على المقيد في كفارة القتل السابقة، في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾","footnotes":"(¬١) ينظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٥٠).\r(¬٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٤٧٥ - ٤٧٦).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٥٧).\r(¬٤) أحكام القرآن (٢/ ٤٥٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168020,"book_id":1216,"shamela_page_id":674,"part":null,"page_num":678,"sequence_num":674,"body":"[النساء: ٩٢]، وقد اتَّحد الحكم، وهو موجب الحمل المطلق على المقيد عند كثير من الأصوليين، وان اختلف في السبب (¬١).\r• الحكم الثالث عشر: الخلاف في التكفيير بالمكاتب، وأمِّ الولد، والمدبَّر، لأنَّ عتقهم مستحق بسبب آخر (¬٢).\rوذكر السيوطي الخلاف فيمن أجاز التكفير في كفارة الخطأ، بعتق كتابي صغير، أو مجوسي كبير أو صغير، وولد الزنى، وقال: «لدخوله في مسمى الرقبة» (¬٣).\rومأخذ من أجاز: كون الآية أطلقت الرقبة المحرّرة، والمطلق يجري على إطلاقه.\rويدخل في هذا المأخذ: ما يُذكر في بعض العيوب غير المضرة بالعمل ككون العبد، خُصي أو أعور … إلخ (¬٤).\r• الحكم الرابع عشر: وجوب عتق رقبة كاملة، لشخص واحد، فإذا اعتق نصفي رقبتين لم يجزئه.\rمأخذ الحكم: أن المأمور به في ظاهر الآية، إعتاق رقبة كاملة لشخص واحد، ومن أعتق نصف رقبة من شخص، لا يقال: إنه أعتقه، والظاهر لا يُعدل عنه.\r• الحكم الخامس عشر: وجوب التكفير بالصيام عند عدم وجود ما يطعم، أو يكسو، أو يُعتَق به.","footnotes":"(¬١) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٥٣٦).\r(¬٢) ينظر: المغني (٤/ ١٨٧).\r(¬٣) الإكليل (٢/ ٥٨١).\r(¬٤) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٥٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168021,"book_id":1216,"shamela_page_id":675,"part":null,"page_num":679,"sequence_num":675,"body":"مأخذ الحكم: اللفظ المقدر في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: فعليه صيام ثلاثة أيام، أو الواجب عليه صيام ثلاثة أيام، والمقدر كالملفوظ.\rوكونه بعد الإطعام أو الكسوة، أو العتق بنص الآية، بقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾.\r• الحكم السادس عشر: وجوب التتابع في صيام الكفارة (¬١).\rمأخذ الحكم:\rأولاً: حمل المطلق الوارد هنا في كفارة اليمين ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ على المقيَّد في كفارة القتل والظهار في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]؛ لاتحاد الحكم.\rثانياً: لحجية القراءة الشاذة في الأحكام، وهي قراءة ابن مسعود: ﴿فصيام ثلاثة أيّام متتابعات﴾.\r• الحكم السابع عشر: عدم سقوط الكفارة بالعجز عنها، بل تستقر في ذمته إلى أن يقدر عليها (¬٢).\rمأخذ الحكم: عموم أدلة وجوب الكفارة، فهي تشمل المعسر والموسر.","footnotes":"(¬١) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٦٠٢).\r(¬٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٦٠٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168022,"book_id":1216,"shamela_page_id":676,"part":null,"page_num":680,"sequence_num":676,"body":"كتاب القضاء\rالقضاء: هو تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات (¬١).\rقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].\rاستدل بالآية على مشروعية الحكم بين الناس، ووجوب العدل فيه (¬٢).\rمأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم الشرعي بقوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ الدال على المشروعية والوجوب.\rوكذا الوعد والوعيد المستفاد من ختم الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.\rقال الرازي: «أي: إذا حكمت بالعدل، فهو سميع لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم، وإن أديت الأمانة فهو بصير لكل المبصرات يبصر ذلك، ولا شك أنَّ هذا أعظم أسباب الوعد للمطيع، وأعظم أسباب الوعيد للعاصي».\rثم ذكر أن «أولى المواضع بالاحتراز عن الغفلة والنسيان، هو وقت حكم الولاة والقضاة، فلما كان هذا الموضع مخصوصاً بمزيد العناية، لا جرم قال في خاتمة هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾» (¬٣).\rقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].","footnotes":"(¬١) شرح منتهى الإرادات (٣/ ٤٥٩)، وكشاف القناع (٦/ ٢٨٥).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٦٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٨).\r(¬٣) التفسير الكبير للرازي (٤/ ١١١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168023,"book_id":1216,"shamela_page_id":677,"part":null,"page_num":681,"sequence_num":677,"body":"استدل بالآية على وجوب التحاكم إلى النبي ﷺ فيما شجر بينهم مع التسليم لحكمه وقضائه.\rقال ابن قدامة: «الأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والإجماع» (¬١)، وذكر الآية المذكورة ضمن أدلة المشروعية.\rمأخذ الحكم: أن نفي الإيمان لا يكون إلا على ترك واجب، وقد علق في الآية على أمرين: التحاكم إليه والتسليم بالقضاء، والمعلق على أمرين لا يخرج المكلف من عهدتهما إلا إذا أتى بهما جميعاً.\rوالحكم عام: والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ إذ سبب نزولها في مخاصمة الزبير بين العوام مع الأنصاري، فقضى النبي ﷺ للزبير، فقال الأنصاري -غفر الله له- «أن كان ابن عمك»، فغضب النبيُّ ﷺ ثم قال: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» (¬٢).\rوالعموم في الآية مستفاد من ضمير الجمع في قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾ ويعمُّ جميع شؤونهم لعموم قوله: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، و «ما» اسم موصول من ألفاظ العموم.\rقال الرازي في الآية: «تصريح بأنه لا يحصل الايمان، إلا بأن يستعينوا بحكم النبي ﷺ في كل ما اختلفوا فيه … » (¬٣).\rوقال في قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾: «واعلم أن","footnotes":"(¬١) المغني (١٠/ ٣٢).\r(¬٢) أخرجه البخاري، سورة النساء، باب ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، برقم (٤٥٨٥)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب وجوب اتباعه ﷺ، برقم (٢٣٥٧).\r(¬٣) التفسير الكبير للرازي (٤/ ١٢٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168024,"book_id":1216,"shamela_page_id":678,"part":null,"page_num":682,"sequence_num":678,"body":"ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر، فليس المراد من الآية ذلك، بل المراد أن يحصل الجزم واليقين في القلب، بأن الذي يحكم به الرسول ﷺ هو الحق والصدق» (¬١).\rثم قال: «﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ والمراد منه: الانقياد في الظاهر والله أعلم» أ. هـ.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].\rاستدل بالآية على وجوب الحكم بالعدل في الشهادة.\rمأخذ الحكم: كون قوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ خبراً بعد خبر، وليست نعتاً ل: ﴿قَوَّامِينَ﴾ ولا حالاً.\rأي: كونوا قوامين، وكونوا شهداء، فهو خبر ثانٍ ل «كان» منصوب.\rقال ابن عطية: «والحال ضعيفة في المعنى؛ لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط» (¬٢).\rأي: كونوا قوامين بالقسط في شهادتكم ولو على أنفسكم.\rوسيأتي في باب الشهادة زيادة بيان لهذه الآية.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].","footnotes":"(¬١) المصدر السابق.\r(¬٢) تفسير ابن عطية (٢/ ١٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168025,"book_id":1216,"shamela_page_id":679,"part":null,"page_num":683,"sequence_num":679,"body":"استدل بالآية على وجوب العدل في القضاء.\rمأخذ الحكم: حذف المفعول في قوله: ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾، يدل على العموم، أي: يعمُّ القضاء وغير القضاء، والله أعلم.\rقال الرازي في تفسير الآية: «أي: لا يحملنكم بغض قومٍ على أن لا تعدلوا، وأراد: أن لا تعدلوا فيهم، ولكنه حُذف للعلم، وفي الآية قولان: الأول: أنها عامة … ، والثاني: أنها مختصة بالكفار، فإنها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام … ، فنهاهم أولاً عن أن يحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديداً» (¬١).\rقال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]\rاستدل بالآية على أحكام الآتية:\r• الحكم الأول: أنه لا يجب على المسلم الحكم بين الكفار إلا أن تكون الخصومة قد ارتبطت بينهم وبين مسلم.\rمأخذ الحكم: للتخيير الوارد بلفظ «أو» بقوله: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وهي نازلة في اليهود، بل وقد وادعهم النبي ﷺ لما قدم المدينة، فيدخلون دخولاً قطعياً.\rأما أهل الذمة: فيدخلون باعتبار عموم اللفظ لا خصوص السبب، والخطاب الموجَّه للنبي ﷺ خطاب لأمته، ودخول الجميع مبني على كون الآية محكمة غير منسوخة.","footnotes":"(¬١) التفسير الكبير للرازي (٤/ ٣٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168026,"book_id":1216,"shamela_page_id":680,"part":null,"page_num":684,"sequence_num":680,"body":"أما إذا ارتبطت الخصومة بمسلم فيجب الحكم فيها باتفاق (¬١).\rقال القرطبي: «وقال النحاس في الناسخ والمنسوخ له، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ منسوخ؛ لأنَّه إنما نزل أوَّل ما قدم النبي ﷺ المدينة، واليهود فيها يومئذ كثير، وكان الأدعى لهم والأصلح أن يُرَدُّوا إلى أحكامهم، فلما قوي الإسلامُ، أنزل الله ﷿: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي، وهو الصحيح من قول الشافعي، قال في كتاب الجزية: ولا خيار له إذا تحاكموا إليه؛ لقوله ﷿: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. قال النحاس: وهذا من أصح الاحتجاجات؛ لأنه إذا كان معنى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أن تجري عليهم أحكام المسلمين، وجب ألا يُرَدُّوا إلى أحكامهم، فإذا وجب هذا، فالآية منسوخة» (¬٢).\r• الحكم الثاني: إذا حكم بين الكفار يجب أن يحكم بالعدل.\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، أي: بالعدل، وثناء الله على الفاعل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\rقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].\rوقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].","footnotes":"(¬١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٧٦).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٧٧)، وينظر: التفسير الكبير للرازي (٤/ ٣٦١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168027,"book_id":1216,"shamela_page_id":681,"part":null,"page_num":685,"sequence_num":681,"body":"وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].\rدلت الآيات على تغليظ الحكم بخلاف المنصوص (¬١).\rقال الرازي: «قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إنما يتناول من أنكر بقلبه، وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله، وأقرَّ بلسانه كونه حكم الله، إلَّا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية»، ونسبَ هذا القول لعكرمة واختاره» (¬٢).\rوقال القرطبي: «وقيل: فيه إضمار، أي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ رداً للقرآن، وجحداً لقول الرسول ﵊ فهو كافر، قاله ابن عباس ومجاهد، فالآية عامَّة على هذا.\rوقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي: معتقداً ذلك ومستحلاً له.\rفأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرماً، فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له … » (¬٣).\rمأخذ الحكم: جواب الشرط بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وهي وصف للفاعل بما فيه تغليظ بسبب عدم الإتيان بالمشروط، وهو الحكم بما أنزل الله.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٤٢٥).\r(¬٢) التفسير الكبير للرازي (٤/ ٣٦٨).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٨٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168028,"book_id":1216,"shamela_page_id":682,"part":null,"page_num":686,"sequence_num":682,"body":"قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨].\rوقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩].\rدلت الآيتان على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية القضاء.\rقال ابن قدامة: «الأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والإجماع» (¬١)، وذكر منها آية المائدة الثانية، كذا القرطبي جعلها أصلاً في الأقضية (¬٢).\rمأخذ الحكم: الأمر الوارد فيها بصيغة: «افعل» ﴿فَاحْكُمْ﴾، ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾، وهو على الوجوب، وكونه للوجوب مما لا خلاف فيه، وفيه دلالة أخرى من الآية، وهو تعقيب المولى سبحانه الحكم بالنهي عن اتباع أهوائهم بقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.\rقال القرطبي: «يعني: لا تعمل بأهوائهم ومرادهم على ما جاءك من الحق، يعني: لا تترك الحكم بما بيَّن الله تعالى من القرآن، من بيان الحق وبيان الأحكام» (¬٣).\r• الحكم الثاني: وجوب الحكم بين الكفار بحكم الإسلام، إذا تحاكموا إلينا (¬٤).\rوهذه الآية ناسخة للتخيير الوارد في قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، وسبق الحديث عن نسخها في الآية المنسوخة، والخلاف في كون النسخ ثابتاً.","footnotes":"(¬١) المغني (١٤/ ٥).\r(¬٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ١٦٧).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٩٩).\r(¬٤) ينظر: أحكام القرآن (٢/ ٤٤٢)، والإكليل (٢/ ٤٦٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168029,"book_id":1216,"shamela_page_id":683,"part":null,"page_num":687,"sequence_num":683,"body":"ومما يقوي إحكام الآية وعدم النسخ، وهو أن النسخ إنَّما يصار إليه عند عدم إمكان الجمع، وهنا أمكن الجمع، وفي ذلك يقول القرطبي: «وقيل: ليس هذا وجوباً، والمعنى: فاحكم بينهم إن شئت» (¬١).\rأي: فاحكم بينهم بما أنزل الله، إن شئت الحكم بينهم، وعليه فله الإعراض عن الحكم بينهم.\rوفي فائدة تكرار الأمر بالحكم بينهم بما أنزل الله كما في الآيتين.\rقال الرازي: «أعيد ذكرُ الأمر بعد ذكره في الآية الأولى، إمَّا للتأكيد، وإمَّا لأنهما حكمان أُمِر بهما جميعاً؛ لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصن، ثم تحاكموا في قتيل كان فيهم» (¬٢).\rقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٨ - ٥١].\rدلت الآيات على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب الحضور على من دُعي لحكم الشرع، وتحريم الامتناع (¬٣).\rمأخذ الحكم: الذّم الوارد على ترك الحضور في قوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾،","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ٢١٠).\r(¬٢) التفسير الكبير للرازي (٤/ ٣٧٤).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٣٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168030,"book_id":1216,"shamela_page_id":684,"part":null,"page_num":688,"sequence_num":684,"body":"والاستفهام للإنكار والاستقباح لإعراضهم المذكور (¬١)، وختم الآية بذم الفاعل بقوله: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، فدلّ على تركهم للواجب عليهم.\r• الحكم الثاني: استحباب أن يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.\rمأخذ الحكم: مدح الفاعل لذلك، ووصفه بالإيمان وبالفلاح.\rقال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: جواز طلب الولاية كالقضاء ونحوه، لمن وثق من نفسه القيام بحقوقها (¬٢).\rمأخذ الحكم: كونه فعل نبي، وهو من شرع من قبلنا، فيكون شرعاً لنا.\rوعورض بكونه شرعاً لنا ما لم يرد في شرعنا خلافه، وقد ورد في حديث عبد الرحمن بن سمرة النهي عن سؤال الإمارة، وللعلماء أجوبة في ذلك:\rقال القرطبي: «فالجواب … ، الرابع: أنه رأى ذلك [أي: يوسف ﵇ فرضاً متعيناً عليه؛ لأنه لم يكن هنالك غيره، وهو الأظهر، والله أعلم» (¬٣). أ. هـ.\rوقال الرازي: «التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه، فجاز له أن يتوصل إليه بأيِّ طريق»، ثم قال: «وما لا يتم الواجب إلَّا به، فهو واجب، فكان هذا الطريق واجباً عليه» (¬٤) ا. هـ. وهذا هو المأخذ لهذا الحكم.","footnotes":"(¬١) ينظر: التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن للمطعني (٣/ ٤٢).\r(¬٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٩/ ١٨٣ - ١٨٤)، والإكليل (٢/ ٨٧٦).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرأن (٩/ ١٨٣ - ١٨٤).\r(¬٤) التفسير الكبير للرازي (٦/ ٤٧٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168031,"book_id":1216,"shamela_page_id":685,"part":null,"page_num":689,"sequence_num":685,"body":"• الحكم الثاني: جواز التولية عن الكافر والظالم.\rقال القرطبي: «قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعلٍ لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز ذلك» (¬١).\rمأخذ الحكم: كونه فعل نبي، وهو شرع من قبلنا، فيكون شرعاً لنا.\rقال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] إلى قوله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].\rقدّم ابن قدامة هذه الآية الثانية على جميع الآيات التي جُعلت أصلًا للقضاء، من الكتاب، وكذا القرطبي عند حديثه عن الأصل في الأقضية من الكتاب، واستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية القضاء في المسجد، حيث تسوروا المحراب عليه وقضى بينهم.\rمأخذ الحكم: كونه من شرع من قبلنا، وهو شرع لنا.\rقال الطاهر ابن عاشور: «وأُخِذ من الآية مشروعية القضاء في المسجد، قالوا: وليس في القرآن ما يدل على ذلك، سوى هذه الآية؛ بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكاه الكتاب أو السنة» (¬٢).","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٩/ ١٨٣).\r(¬٢) التحرير والتنوير (٢٣/ ٢٣٨)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ١٦٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168032,"book_id":1216,"shamela_page_id":686,"part":null,"page_num":690,"sequence_num":686,"body":"• الحكم الثاني: وجوب الحكم بين الناس بالعدل.\rمأخذ الحكم: الأمر بالحكم بالحق، وهو العدل.\rقال القرطبي: «قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾، أي: بالعدل، وهو أمرٌ على الوجوب وقد ارتبط هذا بما قبله؛ وذلك أن الذي عوتب عليه داود طلبه المرأة من زوجها، وليس ذلك بعدل، فقيل له بعد هذا، فاحكم بين الناس بالعدل» (¬١).\rثم تكلَّم عن سياق الآية بما يؤكد الحكم السابق، فقال: «﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾، أي: لا تعقد بهواك المخالف لأمر الله ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: عن طريق الجنة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يحيدون عنها ويتركونها ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في النار … » (¬٢).\rولا شك أنَّ هذا ذم ووعيد، ولا يكون إلَّا على من ترك واجباً، وهو هنا: العدل في الحكم.\r\rباب الشهادات\rالشهادات: جمع شهادة، والشهادة: هي الإخبار بحق للغير في مجلس القضاء (¬٣).\rقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ١٦٧).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ١٦٨).\r(¬٣) ينظر: الموسوعة الكويتية (٢٦/ ٢١٥ - ٢١٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168033,"book_id":1216,"shamela_page_id":687,"part":null,"page_num":691,"sequence_num":687,"body":"فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الإشهاد عند البيع (¬١).\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾، فقيل: هو للندب، وقيل: للوجوب. وسبق في كتاب البيع بيان ذلك.\r• الحكم الثاني: اشتراط العدد في الشهادة (¬٢).\rمأخذ الحكم: النص على العدد في قوله: ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.\r• الحكم الثالث: لا يقبل في الشهادة صبي ولا كافر (¬٣).\rمأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، فلا يدخل الصبي ولا الكافر، وكذا بقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وهما غير مرضيين.\r• الحكم الرابع: بيان من تقبل شهادة من العبيد وغيرهم (¬٤).\rقال السيوطي: «واستدل بعمومه من يقبل شهادة العبيد، والأصول للفروع وعكسه، وأحد الزوجين للآخر، والصديق، والصِّهر، والعدو، والأعمى، والأخرس، وأهل الأهواء، وولد الزنا، والبدوي على الحضري، والقراء بالألحان،","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥١)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٦٥ - ١٧٠).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥١)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٩، ١٨٠).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢١، ٤٢٥)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٠، ١٧١).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢٠، ٤٢١)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168034,"book_id":1216,"shamela_page_id":688,"part":null,"page_num":692,"sequence_num":688,"body":"ولاعب الشطرنج، والبخيل المؤدي زكاته، والشاعر، والأغلف، وآكل الطين، والصيرفي، ومكاري الحمير، وناتف لحيته، والبائل قائماً» (¬١).\rمأخذ الحكم: دخولهم تحت عموم قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾؛ إذ ﴿الشُّهَدَاءُ﴾ جمع معرف فيعمّ ما يدخل تحت مسماه.\rتنبيه: قال ابن الفرس في: «وأصل النزاع في هذه المسائل عموم الآية المتقدم ذكرها، والتخصيص بالتهمة لقوله ﷺ: (لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين) (¬٢)، أي: (متهم) فمن لم ير التهمة مؤثرة أخذ بعموم الآية فأجاز الشهادة، ومن رأى التهمة مؤثرة خصص عموم الآية بالحديث المذكور على اختلاف بين الأصوليين في مثل هذا التخصيص» (¬٣).\rوالحديث المذكور قال عنه الألباني في الإرواء: «وأما حديث عمر فلم أقف على إسناده، ولا مرفوعاً، وقد ذكره مالك في الموطأ أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين»، وهذا موقوف معضل» (¬٤) أ. هـ.\rونقل عن ابن حجر في التلخيص الحبيرقوله: «ليس له إسناد صحيح، لكن له طرق يقوي بعضها بعضا» (¬٥)\rوقال السيوطي: «ومن رد الجميع أو بعضهم قال إنهم ممن لا ترضى وقد قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾» (¬٦).","footnotes":"(¬١) الإكليل (١/ ٤٥١ - ٤٥٢).\r(¬٢) أخرجه البيهقي في سننه (١٠/ ٢٠١)، والدارقطني في سننه (٢/ ٢٤٤)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (٨/ ٢٩٢)، برقم (٢٦٧٥) وقال: \"موقوف معضل\".\r(¬٣) أحكام القرآن (١/ ٤٢٤).\r(¬٤) إرواء الغليل (٨/ ٢٩٢).\r(¬٥) التلخيص الحبير (٤/ ٢٠٣).\r(¬٦) الإكليل: (١/ ٤٥٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168035,"book_id":1216,"shamela_page_id":689,"part":null,"page_num":693,"sequence_num":689,"body":"ولكل شخص منهم مسألة مستقلة، وأسباب رد الشهادة متعددة، وهي مذكور في كتب الأحكام والفقه.\r• الحكم الخامس: قبول شهادة النساء في الأموال ونحوها، كالمواريث والودائع والوكالات (¬١).\rمأخذ الحكم: ظاهر الآية، في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، حيث شرع سبحانه البديل عند عدم وجود الرجلين من الشهداء.\rقال السيوطي: «وقصرها الزهري ومكحول على الدَّين خاصة لظاهر الآية» (¬٢).\rقلت: لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾.\r• الحكم السادس: منع شهادة رجل وامرأتين مع وجود رجلين (¬٣).\rمأخذ الحكم: ظاهر الآية، كما قال السيوطي.\rوهذا -المأخذ- مبني على اختلاف العلماء في الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ فقيل هو للترتيب، وعليه لا يجوز شهادة النساء إلّا عند عدم الرجال.\rوقيل للتقسيم، أي: فإنّ لم تستشهدوا رجلين، فلتستشهدوا رجلًا وامرأتين، وقالوا: بأنّه سبحاته وتعالى لم يقل: فإن لم تجدوا الدّالة على الترتيب.\rقال الموزعي: «والحق الذي عليه الجمهور أن الشرط للتقسيم لا للترتيب. والمعنى: فإن لم تستشهدوا رجلين، فليستشهدوا رجلاً وامرأتين، فقال ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢٦).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٤٥٢).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168036,"book_id":1216,"shamela_page_id":690,"part":null,"page_num":694,"sequence_num":690,"body":"رَجُلَيْنِ﴾، ولم يقل: فإن لم تجدوا، ولو كان الترتيب مراداً لقال: فإن لم تجدوا» (¬١).\rتنبيه: إن كان معهن رجل فقبول الشهادة محل إجماع.\r• الحكم السابع: منع قبول الشاهد واليمين (¬٢).\rمأخذ الحكم: لعدم ذكره في الآية مع ذكره فيها أنواع التوثيق، قاله السيوطي.\rقلت: ولأنّها زيادة على مقتضى الآية، والزيادة على النص عنده نسخ، والقرآن لا ينسخ بخبر الآحاد، الذي أثبت قول الشاهد مع يمينه.\rكما أنّ مفهوم الحصر في الآية يقتضي حصر الحجة في ذلك، والشاهد مع يمينه غير داخل فيها.\rوأجاب الجمهور بأن الزيادة على النص لا تقتضي النسخ، كما أن النسخ يشترط منه المنافاة، ولا منافاة بين الحكمين، والمفهوم ليس بحجة -إن قيل به- لأنّه معارض بمنطوق حديث الآحاد.\r• الحكم الثامن: يشترط في الشاهد أن يكون عدلاً (¬٣).\rمأخذ الحكم: كون لفظ الرضى في قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ يدل عليه، ومن العلماء من جعل الرضى والعدالة بمعنى واحد.\rوعليه: لا يقبل الشاهد المجهول حاله، وهو الذي لا يعرف بعدالة ولا فسق؛ لعدم معرفة عدالته (¬٤).","footnotes":"(¬١) تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٦).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣)، تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٢).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168037,"book_id":1216,"shamela_page_id":691,"part":null,"page_num":695,"sequence_num":691,"body":"• الحكم التاسع: لا يكفي في الشاهد مجرد الإسلام (¬١).\rمأخذ الحكم: لأنّ الرضى أمر زائد على الإسلام.\r• الحكم العاشر: لابد من التزكية أن يقول هو عدل رِضي (¬٢).\rقال السيوطي مبيناً الحكم والمأخذ: «واستدل بالآية مع قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] على أنه لابد من التزكية أن يقول هو عدل رِضي؛ لأنهما الوصف المعتبر في الشاهد، فلا يكفي ذكر أحدهما، ومن أكتفى به قال: إنه تعالى ذكر كل لفظ على حدة ولم يجمعهما، فدلَّ على أن أحدهما يغني عن الآخر» (¬٣).\r• الحكم الحادي عشر: لا تجوز الشهادة لمن رأى خطه حتى يتذكر، أي: رأى خطه وعرفه ولم يشك فيه، ومع ذلك (¬٤).\rمأخذ الحكم: حيث لم يعتبر المولى ﷿ نسيان المشهود عليه حتى يتذكر ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.\rواستدل من قال بالجواز بقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي: لا تشكوا.\rقلت: وقد علم ﷾ أن النّاس ينسون وبهذا أمرهم، وأمره سبحانه بالكتابة والإشهاد ظاهره يدل على اعتبار الكتابة، حتى ولو نسي الكاتب، ولو كان الكتاب","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢٢)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٣٢).\r(¬٣) الإكليل: (١/ ٤٥٣).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٣٤)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٨٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168038,"book_id":1216,"shamela_page_id":692,"part":null,"page_num":696,"sequence_num":692,"body":"إذا رآه الشاهد لا يشهد حتى يعرف الشهادة لم يكن للكتاب معنى، وصار وجوده وعدمه سواء.\rوقيل في هذا الاستدلال نظر؛ لأنّه لعله إنّما أراد بالكتاب لعله يتذكر به.\r• الحكم الثاني عشر: أن الشاهد إذا قال لا أذكر، ثم ذكر يقبل قوله، ويجوز له إقامة الشهادة (¬١).\rمأخذ الحكم: أنّه سبحانه قبل شهادة المرأة التي نسيت إذا ذكرتها الأخرى.\r• الحكم الثالث عشر: تحريم المنع من تحمل الشهادة، أو أدائها (¬٢).\rمأخذ الحكم: النهي مع الخلاف في تفسير قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، قال قتادة: إلى تحمل الشهادة، وقال مجاهد: إلى أدائها. والأداء يدخل في معنى الشهادة ويؤكده قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\rوقال الحسن: إليهما معاً، ففيه وجوب التحمل والأداء (¬٣).\rقلت: لأنّ النّهي عن الشيء أمر بضده، فحرم الامتناع من الشهادة تحملًا وأداءًا ممن دُعي إليها؛ لما في ذلك من ضياع الحقوق.\rوقيل: إنّ الآية نزلت في الرجل يطوف على القوم الكثير يطلب من يشهد له، فيتحرجون من الشهادة.\rوالشهداء حقيقة فيمن قد تحمَّل فيطلب منه الأداء، فيكون حقيقة فيمن طلب منه الأداء.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٣٣)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٨٢).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168039,"book_id":1216,"shamela_page_id":693,"part":null,"page_num":697,"sequence_num":693,"body":"فجاز فيمن طلب منه التحمل باعتبار ما سيؤول إليه، ويحتمل أن يراد الجميع، فيكون من باب حمل المشترك على حقيقته ومجازه (¬١).\r• الحكم الرابع عشر: لا مدخل للعبد في الشهادة.\rمأخذ الحكم: قال السيوطي: «لأنه غير متمكن من الإجابة إذا دعي إلا بإذن السيد» (¬٢).\rأي: ليست واجبة عليه الشهادة تحملًا وأداءً؛ لأنّ الإجابة معلقة بإذن واختيار غيره.\r• الحكم الخامس عشر: تحريم مضارة الشاهد (¬٣).\rقال السيوطي: «فيه النهي عن مضارتهما بأن يجبرا على الكتابة والشهادة ولهما عذر، وإن كان المرفوع فاعلاً ففيه النهي عن مضارتهما صاحب الحق بالامتناع أو تحريف الحق، ويؤيده قراءة عمر: ولا يضارِر بكسر الراء أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور».\rمأخذ الحكم: للنهي الوارد بقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.\rقال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣].\rاستدل بالآية على تحريم كتم الشهادة وأنه من الكبائر (¬٤).\rمأخذ الحكم: النهي، وهو على أصله للتحريم؛ لعدم الصارف، ويؤيده لقوله:","footnotes":"(¬١) ينظر: تيسير البيان للموزعي (١/ ١٨٢).\r(¬٢) الإكليل (١/ ٤٥٤).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٣٧)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٨٤).\r(¬٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٣٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168040,"book_id":1216,"shamela_page_id":694,"part":null,"page_num":698,"sequence_num":694,"body":"﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠].\rقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥].\rالمراد بالفاحشة في هذه الآية الزنا، قال الموزعي: «مقتصٌّ من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن قوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]» (¬١).\rواستدل بالآية على أن نصاب الشهادة على هذه الفاحشة أربعة رجال مؤمنين عدول، فهذه ثلاثة أحكام:\rالأول: نصاب شهادة الزنا أربعة.\rالثاني: أن يكونوا رجالاً.\rالثالث: أن يكونوا عدولاً.\rقال السيوطي: «وفي الآية اشتراط شهادة أربعة رجال في الزنا، فلا يقبل فيه شهادة النساء، ولا أقل من أربعة، خلافاً لمن أجاز شهادة ثلاثة رجال وامرأتين» (¬٢).\rمأخذ الحكم الأول: الأمر في قوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، والأعداد نصوص لا تقبل التأويل، فدلّ على أنه لا يجزئ أقل من هذا العدد.","footnotes":"(¬١) تيسير البيان (٢/ ٢٩٠).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٥٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168041,"book_id":1216,"shamela_page_id":695,"part":null,"page_num":699,"sequence_num":695,"body":"ومأخذ الحكم الثاني: لقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، أي: من رجالكم، فدل على الضمير المختص بالذكور (¬١).\rومأخذ الحكم الثالث: وهو اشتراط العدالة في الشهود؛ وذلك بحمل المطلق في هذه الآية على التقييد في الشهادة على البيع، والوصية والرجعة (¬٢).\rقال القرطبي: «وأن يكون (أي: الشهود) عدولاً؛ لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة، وهذا أعظم، وهو بذلك أولى، وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل» (¬٣)، أي: بدليل مفهوم الموافقة الأولوي.\rقال الموزعي: «وقيّد بالإضافة إلى المؤمنين، وأطلق صفتهم هنا، وقيّدها في موضع آخر، فقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال أيضاً: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]» (¬٤).\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].\rوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٢٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٨١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٠٣).\r(¬٢) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٢٩١).\r(¬٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٨١).\r(¬٤) تيسير البيان (٢/ ٢٩١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168042,"book_id":1216,"shamela_page_id":696,"part":null,"page_num":700,"sequence_num":696,"body":"استدل بالآيتين على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: وجوب القيام بالقسط والعدل في الشهادة.\rمأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ﴾ مع المبالغة في ذلك من وجهين:\rالأولى: من حيث اللفظ والصيغة، وفي هذا يقول القرطبي: «﴿قَوَّامِينَ﴾؛ بناء مبالغة، أي: ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم» (¬١).\rقلت: وقد بيَّن القرطبي أن ﴿شُهَدَاءَ﴾، نصبت إما على النعت ل: ﴿قَوَّامِينَ﴾، وهذا يؤيد ما سبق، أو أنها خبر ثان ل «كان»، «كونوا قوامين، وكونوا شهداء».\rفقال ﵀: «قوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، نصب على النعت ل «قوامين»، وإن شئت كان خبراً بعد خبر» (¬٢).\rالثاني: قيام القسط والعدل حتى على النفس أو الوالدين أو الأقربين، فالأجنبي أولى بذلك؛ لعدم المانع القلبي أو العاطفي أن يقام عليه ذلك.\rقال القرطبي: «وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها، ثم الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما، ثم ثنَّى بالأقربين؛ إذ هم مظنة المودَّة والتعصب، فكان الأجنبي من الناس أحرى، أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه» (¬٣).\rومن مأخذ الحكم قول الرازي: «ونهاهم عن العدول عن القسط، واتباع الهوى، والإعراض عن القيام بأدائها، سواء كان المشهود عليه غنياً أو فقيراً، قريباً أو بعيداً، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين» (¬٤).","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٣٩٠).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٣٩٠).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٣٩٠ - ٣٩١).\r(¬٤) التفسير الكبير للرازي (٣/ ٤١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168043,"book_id":1216,"shamela_page_id":697,"part":null,"page_num":701,"sequence_num":697,"body":"وقال السيوطي: «ووجوب العدل في الشهادة بين القريب والبعيد والغني والفقير، واجتناب الهوى» (¬١).\r• الحكم الثاني: جواز الشهادة على النفس، وعلى الوالدين لا الشهادة لهما، فإنَّ الآية لم تتعرض لذلك.\rقال السيوطي: «فيه قبول شهادة الرجل على والديه وأقاربه، ووجوب العدل في الشهادة» (¬٢).\rومأخذ الحكم: مشروعية ما سبق، شريطة أن يكون بالعدل، و «لو» هنا شرطية بمعنى: «إن».\rقال أبو حيان: «ومجيء «لو» هنا؛ لاستقصاء جميع ما يمكن فيه الشهادة، لما كانت الشهادة من الإنسان على نفسه بصدد أن لا يقيمها لما جبل عليه المرء من محاباة نفسه ومراعاتها، فنبَّه على هذه الحال، وجاء هذا الترتيب في الاستقصاء في غاية من الحسن والفصاحة، و «لو» شرطية بمعنى: «إن» وقوله: ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ متعلق بمحذوف، وحذف «كان» بعد «لو» كثير» (¬٣).\r• الحكم الثالث: لا يلزم العبد تحمل الشهادة وأدائها.\rمأخذ الحكم: عدم دخوله في القوامة بها؛ لنقصه في ذلك.\rقال السيوطي: «استدل به على أن العبد لا مدخل له في الشهادة؛ إذ ليس قوَّاماً بذلك؛ لكونه ممنوعاً من الخروج إلى القاضي» (¬٤).","footnotes":"(¬١) الإكليل (٢/ ٥٩٣).\r(¬٢) الإكليل (٢/ ٥٩٣).\r(¬٣) البحر المحيط (٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠)، ودراسات لأسلوب القرآن لعضيمة (٢/ ٥٦٣).\r(¬٤) الإكليل (٢/ ٥٩٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168044,"book_id":1216,"shamela_page_id":698,"part":null,"page_num":702,"sequence_num":698,"body":"فائدة: شهادة النفس على نفسه، هي: الإقرار (¬١).\rواختلف العلماء في شهادة المرء على نفسه في الزنا، فهل يشترط فيها أربع شهادات كسائر الأصول المختصة بالزنا؟ أو يكفي مرة واحدة كسائر الأصول في الإقرار بالحقوق؟\rقال الموزعي: «فالجواب أنه يحتمل الأمرين، وبالأول: قال أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وبالثاني: قال الشافعي، ومالك، والراجح إلحاق أبي حنيفة؛ لأن إلحاق الشيء بالأصول التي من جنسه أولى من غير جنسه، ويعضده الحديث وظاهر القرآن» (¬٢)، ثم بيَّن ذلك.\rقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: يشترط في الشهادة على الوصية اثنان ذوا عدل.\rمأخذ الحكم: الأمر الوارد في الآية بصيغة المصدر: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مع التنصيص على العدد ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾.\r• الحكم الثاني: جواز شهادة الكافر على وصية المسلم في السفر إذا لم يكن غيرهم (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٩٣)، وتيسير البيان (٣/ ٤٠)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ٣٩٠).\r(¬٢) تيسير البيان (٢/ ٢٩١ - ٢٩٢).\r(¬٣) ينظر: المغني (١٤/ ١٧١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168045,"book_id":1216,"shamela_page_id":699,"part":null,"page_num":703,"sequence_num":699,"body":"مأخذ الحكم: سبب نزول الآية، وهي قطعية الدخول، وقد ورد في سبب نزولها روايات، ومنها ما رواه ابن عباس أن رجلاً من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي بن بدَّاء، وكانا نصرانيين، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فأوصى إليهما، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ بالله ما كتمتماها .. الخ (¬١).\rوقيَّد بعضهم جواز شهادة الكافر في هذه الآية فيما إذا كان وصياً، أمَّا إذا كان غير وصي فلا تُقبل شهادته؛ بدليل قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وللخلاف في معنى الشهادة في الآية اختلاف كبير في أثر حكمها.\rقال القرطبي: «وشهد بمعنى: «وصى»، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾، وقيل: معناها هنا: الحضور للوصية، يقال: شهدت وصية فلان، أي: حضرتها» (¬٢).\r• الحكم الثالث: أجاز أبو حنيفة شهادة الكفار من أهل الذمة فيما بينهم (¬٣).\rمأخذ الحكم: لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، أي: من غير أهل دينكم.\rوذهب آخرون إلى أن معنى: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، أي: من غير عشيرتكم.\rقال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].\rوقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].","footnotes":"(¬١) ينظر: موسوعة التفسير المأثور (٨/ ١٨٦).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ٣٢٢).\r(¬٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168046,"book_id":1216,"shamela_page_id":700,"part":null,"page_num":704,"sequence_num":700,"body":"استدل بالآيتين على تحريم شهادة الزور.\rقال القرطبي عن آية الحج: «هذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور» (¬١).\rمأخذ الحكم: من الآية الأولى: النهي الوارد بصيغة الأمر في قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا﴾، وهو يقتضي تحريم ما نُهي عنه.\rوفي الآية الثانية: ورد النهي بصيغة الخبر، والمعنى: «لا تشهدوا الزور إن كنتم تتصفون بصفات المؤمن».\rتنبيه: «الزور» لفظٌ عامٌّ في كل باطل، فيدخل فيه الكذب في الشهادة.\rقال ابن الفرس: «الزور لفظ عام في كلِّ باطل من كذب وكفر وغيرهما» (¬٢).\rومثله السيوطي (¬٣)، ومثَّل له في آية الفرقان فقال: «هو شامل لكل باطل، فمنه الشرك، وبه فسره الضحاك، واللهو والغناء، وبه فسره ابن الحنفية، والكذب، وبه فسره قتادة، والنياحة، وبه فسر الحسن» (¬٤).\rوقال القرطبي: «والزور: الباطل والكذب؛ وسمي زورا؛ لأنه أميل عن الحق … وكل ما عدا الحق، كذب وباطل وزور» (¬٥).\rقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥].","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٥٤).\r(¬٢) أحكام القرآن (٣/ ٣٠٦).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ٩٧٧).\r(¬٤) الإكليل (٣/ ١٠٥٧).\r(¬٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٥٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168047,"book_id":1216,"shamela_page_id":701,"part":null,"page_num":705,"sequence_num":701,"body":"وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣].\rاستدل بالآيتين على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: يشترط في الشهادة على الزنا أربعة رجال عدول، لا مرأة معهم، ولا يقبل أقل من ذلك.\rقال ابن قدامة: «أجمع العلماء على أنَّه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة شهود للنص» (¬١).\rوقال القرطبي: «الذي يفتقر إلى أربعة شهداء دون سائر الحقوق هو: الزنا، رحمة بعباده وستراً لهم» (¬٢).\rمأخذ الحكم: سبق في آية النساء: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥].\r• الحكم الثاني: تقبل شهادة الشهود مجتمعين ومتفرقين.\rمأخذ الحكم: لإطلاق الآية القبول دون ذكر للاجتماع أو الافتراق.\r• الحكم الثالث: قبول شهادة المحدود بالقذف إذا تاب (¬٣).\rمأخذ الحكم: رجوع الاستثناء المتعقب جملاً إلى جميع تلك الجمل، فيعود الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ إلى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ وهذا استثناء من النفي فيكون إثباتاً، أي: إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم.","footnotes":"(¬١) المغني (١٤/ ١٢٥).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ١٥٨).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٠٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٢٤٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168048,"book_id":1216,"shamela_page_id":702,"part":null,"page_num":706,"sequence_num":702,"body":"قال القرطبي: «وقال الجمهور: الاستثناء عامل في ردِّ الشهادة، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته» (¬١).\rوقال: «والاستثناء إذا تعقب جملاً معطوفة عاد إلى جميعها عند مالك والشافعي وأصحابهما، وعند أبي حنيفة وجُلِّ أصحابه يرجع الاستثناء إلى أقرب مذكور، وهو الفسق؛ ولهذا لا تقبل شهادته؛ فإنَّ الاستثناء راجعٌ إلى الفسق خاصّة، لا إلى قبول الشهادة» (¬٢).\rومأخذ الحكم من الآية الثانية: توبيخ المولى ﷾ لمن لم يأت بهذا العدد في قذفه بالفاحشة، ولا يُوبخ الله إلا على ترك واجب أو فعل محرم، فدلّ على أن الأربعة شرط في إثبات حد القذف.\rويدل عليه في سياق الآية: ذم من رمى إنساناً، وليس عنده أربعة شهود، حيث سمّاه المولى كاذباً ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، والذم على فعل أو ترك واجب كما سبق.\rقال القرطبي: «﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، هذا توبيخ لأهل الإفك، و «لولا» بمعنى: «هلّا»، أي: هلّا جاءوا بأربعة شهداء على ما زعموا من الافتراء» (¬٣).\rقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٦ - ١٠].","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ١٦٠).\r(¬٢) المصدر السابق.\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ١٨١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168049,"book_id":1216,"shamela_page_id":703,"part":null,"page_num":707,"sequence_num":703,"body":"استدل بالآية على أن شهادة أحد الزوجين على الآخر بالزنا أربع شهادات عند الملاعنة.\rمأخذ الحكم: نص الآية مع اعتبار المقدّر.\rقال القرطبي: «والتقدير: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات، أو فالأمر أن يشهد أحدهم أربع شهادات» (¬١).\rأو يقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ هو مصدر نائب عن فعله، وهو أحد صيغ الأمر الصريحة.\rقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢].\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الشهادة على الطلاق أو الرجعة والنكاح (¬٢).\rمأخذ الحكم: للأمر في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾، وسياق الآية في الطلاق أو الرجعة أو فيهما.\rقال القرطبي: «﴿وَأَشْهِدُوا﴾ أمرٌ بالإشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة، والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق، فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء، وقيل: المعنى: واشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعاً» (¬٣).","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (١٢/ ١٦٣).\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٥٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٧٥).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٨/ ١٤١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168050,"book_id":1216,"shamela_page_id":704,"part":null,"page_num":708,"sequence_num":704,"body":"وقال أيضًا: «والاشهاد عند أكثر العلماء على الرجعة ندب … ، أوجب الإشهاد في الرجعة أحمد بن حنبل في أحد قوليه، والشافعي كذلك لظاهر الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الآخر: إنَّ الرجعة لا تفتقر إلى القبول، فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق» (¬١).\rقلت: والقياس المذكور هو الصارف للأمر من الوجوب إلى الندب عندهم.\rأما مشروعية النكاح، فقال السيوطي في الإكليل «واستدل بالآية من أوجب الإشهاد على الرجعة، وإذا وجب فيها، ففي أصل النكاح من باب أولى» (¬٢).\rفبيَّن مأخذ الاستدلال من الآية بدلالة مفهوم الموافقة الأولوي.\r• الحكم الثاني: يشترط في الإشهاد على ما سبق أن يشهد به مسلمان عدلان (¬٣).\rقال السيوطي في الإكليل: «وفي الآية أنه لا يقبل في النكاح والطلاق إلا الرجال المحضُ» (¬٤).\rومأخذ الحكم: في قوله: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فدلّ على العدد، ومفهومه عدم الإجزاء عن الإثنين.\rومفهوم الوصف بالعدالة، أن غير العدل لا يقبل.\rوأما كونهم رجالاً، فيؤخذ من الآية بطريقتين:\rالأول: لأن ﴿ذَوَيْ﴾ مذكر، كما قال القرطبي، ثم قال «ولذلك لا مدخل للنساء فيما عدا الأموال» (¬٥).","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (١٨/ ١٤١).\r(¬٢) الإكليل (٣/ ١٢٥٩)\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٥٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٧٦).\r(¬٤) الإكليل (٣/ ١٢٥٩).\r(¬٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٨/ ١٥٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168051,"book_id":1216,"shamela_page_id":705,"part":null,"page_num":709,"sequence_num":705,"body":"الثاني: مأخوذ من ضمير الجمع ﴿مِنْكُمْ﴾، كما نبَّه عليه ابن الفرس (¬١).\r• الحكم الثالث: عدم جواز أخذ الأجرة على أداء الشهادة إذا تعينت (¬٢).\rمأخذ الحكم: لعل ذلك لأجل «اللام» في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾، وما كان لله فلا يجوز أخذ الأجرة عليه، أو لكونه واجبا متعينا، يجب عليه القيام به.\r• الحكم الرابع: وجوب تحمل الشهادة وأدؤها.\rماخذ الحكم: للأمر في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ﴾، وإقامتها بتحملها ثم أداؤها.\rقال ابن الفرس عن الآية: «أمرٌ بالشهود بأن يشهدوا إذا استشهدوا، وهو عند أهل العلم أمر وجوب» (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٧٦).\r(¬٢) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (/ ٢٣٧).\r(¬٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٧٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168052,"book_id":1216,"shamela_page_id":706,"part":null,"page_num":710,"sequence_num":706,"body":"كتاب العتق\rقال ابن قدامة: «وهو في الشرع: تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق» (¬١).\rقال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].\rوقال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩].\rوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].\rهذه الآيات الثلاث سبق الحديث عن أحكامها، الأولى: في كتاب الجنايات، وباب الديات. والثانية: في كتاب الأيمان والنذور. والثالث: في باب الظهار.\rوالشاهد منها هنا في هذا الكتاب قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، و [المجادلة: ٣]، وقوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩].\rقال ابن قدامة: «والأصل فيه (كتاب العتق) الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وقال الله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]» (¬٢).\rوفي هذه الآيات مشروعية العتق، وأن الواجب في كفارة القتل الخطأ أو اليمين، أو الظهار، تحرير رقبة، إما على التعيين أو التخيير كما مضى في أحكامها.","footnotes":"(¬١) المغني (١٤/ ٣٤٤).\r(¬٢) المصدر السابق (١٤/ ٣٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168053,"book_id":1216,"shamela_page_id":707,"part":null,"page_num":711,"sequence_num":707,"body":"قال ابن قدامة: «والعتق من أفضل القرب إلى الله تعالى؛ لأنَّ الله تعالى جعله كفَّارة للقتل، والوطء في رمضان، والأيمان … » (¬١).\rمأخذ الحكم: الأمر المقدّر في الكلام.\rوبيانه القول: «فعليه تحرير رقبة»، أو «فالواجب عليه تحرير رقبة»، والمقدَّر كالملفوظ.\rقال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾\r[البلد: ١١ - ١٣].\rاستدل العلماء بالآية على جواز العتق والندب إلى إيقاعه (¬٢).\rقال ابن الفرس: «وذلك يكون إِمّا بالإخراج من الرق، أو من الأسر» (¬٣).\rمأخذ الحكم: ترتب الثواب على الفعل، وهو اقتحام العقبة في فك الرقبة، أي: إنها من الأعمال التي يُسهل عليه سلوك العقبة في الآخرة، أي: عقبة جهنم (¬٤).\r\rباب المكاتب\rقال ابن حجر: «المكاتبة: تعليق عتق بصفة على معاوضة مخصوصة» (¬٥).\rفهو معاقدة بين العبد وسيده، يكاتب الرجل عبده أو أمته على مال منجَّم، ويكتب العبد عليه أنه مُعتَقٌ إذا أدى النجوم (¬٦).","footnotes":"(¬١) المصدر السابق.\r(¬٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٣١٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٦١٩).\r(¬٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٦١٩).\r(¬٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢٠/ ٦١).\r(¬٥) فتح الباري (٥/ ١٨٤).\r(¬٦) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168054,"book_id":1216,"shamela_page_id":708,"part":null,"page_num":712,"sequence_num":708,"body":"قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]\rاستدل بالآية على الأحكام الآتية:\r• الحكم الأول: مشروعية الكتابة، فقيل: على الوجوب، وقيل: بالندب (¬١).\rمأخذ الحكم: من قال بالوجوب للأمر في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾، وهو على ظاهره وأصله: الوجوب.\rومن قال بالندب والاستحباب فجعله مصروفاً، واختلفوا في الصارف، ومن ذلك:\r(١) كون الأمر عُلِّق على أمر باطن في قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، وعلم السيد بالخير باطن، والواجبات لا تعلق بمثله.\r(٢) كون الأمر بعد حظر.\rقال ابن الفرس: «وقال بعضهم: الكتابة غدر ومخالفة لقياس الأصول، فالأصل فيها الحظر، والأمر إذا صدر بعد الحظر فهو محمول على الإباحة». ثمَّ ضعف هذا القول، وقال: «لأنَّا لا نعلم قط أن الكتابة محظورة ثمَّ أبيحت» (¬٢).\rقلت: توارد التمثيل بالآية على الحكم المذكور في كتب الأصول، وبيَّنوا سبب كون المكاتبة أمرًا بعد حظر، ومن ذلك قول الزركشي: «ليس المراد بالحظر في هذه المسألة أن يكون محرَّماً فقط، بل المراد ذلك، أو أنه كان من حقه التحريم؛ فإن الشافعي ﵁ مَثَّلَهَا بقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، وجوازُ الكتابةِ على","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٧٧).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٧٧ - ٣٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168055,"book_id":1216,"shamela_page_id":709,"part":null,"page_num":713,"sequence_num":709,"body":"خلاف القياس … » (¬١)\rأي: أن القياس يقتضي أن الكتابة كان من حقه التحريم فجاءت الآية بإباحتها -والله أعلم-.\r(٣) قياس الكتابة على البيع، فكما لو سأله العبد البيع لم يلزمه، فكذلك إن سأله الكتابة؛ لأنه بيع.\r(٤) ورد عن بعض الصحابة الامتناع عن المكاتبة، وعللوا ذلك بما يقتضي عدم الوجوب، ومن ذلك ما روي عن ابن عمر وسلمان ﵄ أنهما أبيا من كتابة عبدين رغبا في الكتابة، فقال كل واحد منهما لعبده: أتريد أن تطعمني أوساخ الناس (¬٢).\rوقد عورض بفعل عمر وقوله لأنس بن مالك لما تلكأ في مكاتبة عبده سيرين: «لتكاتبنه أو لأوجعتك بالدُّرة» (¬٣).\rقلت: وفي كون المطعوم من أوساخ الناس نظر - والله أعلم - لأن سبب ملك الصحابي له غير سبب ملك عبده، وتبدل سبب الملك قائم مقام تبدل الذات، وقصة اللحم الذي تُصدق به على بريرة، وأهدت لعائشة ﵂ وأكل النبي ﷺ منه (¬٤) دليل ذلك.\r• الحكم الثاني: لا يُلزم العبد بالمكاتبة.\rمأخذ الحكم: أن الحكم عُلِّق على شرطين، والمعلَّق على شرطين لا يثبت إلا بثبوتهما.","footnotes":"(¬١) البحر المحيط (٣/ ٣٠٨).\r(¬٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٧٨).\r(¬٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٧٧).\r(¬٤) أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة، باب الأدْم، برقم (٥٤٣٠)، ومسلم في كتاب العتق، باب بيان أنما الولاء لمن أعتق، برقم (١٥٠٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168056,"book_id":1216,"shamela_page_id":710,"part":null,"page_num":714,"sequence_num":710,"body":"قال السيوطي: «وأنَّ لندبها أو لوجوبها شرطين: طلب العبد لها، وعلم الخير فيه» (¬١).\rأو بالنظر لمفهوم الشرط ودليل الخطاب في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾.\rقال ابن الفرس: «ومن حجة القول بسقوط الجبر أن الله تعالى إنما أمر بالكتابة إذا ابتغاها العبد، فدليل هذا [أي: دليل خطابها] أنه إذا لم يبتغها لم ينبغِ أن يكره عليها» (¬٢).\r• الحكم الثالث: إعانة المكاتب على مكاتبة نفسه. على خلاف في وجوبها أو استحبابها (¬٣).\rمأخذ الحكم: من قال بالوجوب فمأخذه ظاهر الأمر في الآية.\rوقالوا: لا يمنع أن تكون الكتابة ندباً، والإيتاء واجباً، كما في النكاح، فهو غير واجب، وإذا نكح الرجل وجب عليه أشياء بنسبة ذلك.\rومأخذ من قال بالندب: ظاهر عند من قال: إن الأصل وهو المكاتبة ندب، فكذا الفرع وهو الإيتاء، فكما لا يجب على السيد الكتابة، لا يجب عليه الوضع لعبده.\rقال ابن الفرس عن كونها للندب أنه الأظهر؛ «لتكون الآية متشاكلة، فيكون أولها ندباً، وآخرها ندباً» (¬٤).","footnotes":"(¬١) الإكليل (٣/ ١٠٣٢).\r(¬٢) أحكام القرآن (٣/ ٣٧٨).\r(¬٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٣٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٧٩).\r(¬٤) أحكام القرآن (٣/ ٣٨٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1168057,"book_id":1216,"shamela_page_id":711,"part":null,"page_num":715,"sequence_num":711,"body":"تنبيه: اختلف في المخاطب بقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، فقيل: للناس عموماً، وقيل: للولاة، وقيل: للسيد (¬١).\r\rتمَّ بحمد الله، وتوفيقه، وكرمه، صبيحة يوم الأربعاء ٢٦/ ٩/ ١٤٤٣ هـ، في المسجد النبوي على صاحبه أفضل صلاة وتسليم.","footnotes":"(¬١) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٣٣)، وأحكام القرآن (٣/ ٣٧٩).","hints":null,"services_raw":null}