{"page_id":3345621,"book_id":3840,"shamela_page_id":1,"part":"1","page_num":null,"sequence_num":1,"body":"الكتاب: فتاوى د حسام عفانة\rالمؤلف: حسام الدين بن موسى محمد بن عفانة\r(هذا الكتاب هو أرشيف للفتاوى المطروحة على موقع الشيخ، حتى ٢٢ شوال ١٤٣١ هـ = ١ أكتوبر ٢٠١٠ م)\r[الكتاب مرقم آليا]","footnotes":"http://yasaloonak.net","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345622,"book_id":3840,"shamela_page_id":2,"part":"1","page_num":null,"sequence_num":2,"body":"التعريف بالموقع\r\rجاء على موقع (يسألونك) للدكتور حسام عفانة، ما يلي:\rالحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ...\rنرحب بكم في موقع يسألونك فأهلاً وسهلاً ومرحباً ونود أن نعرفكم بموقع يسألونك:\r\rكما لا يخفى عليكم أهمية شبكة الإنترنت ودورها في نشر المعلومات والإعلام فأحببنا أن يكون لنا نصيب في نشر الخير على هذه الشبكة فجعلنا لنا موقع يسألونك.\r\rوعنوان الموقع يسألونك هو في الأصل عنوان لزاوية أسبوعية يكتبها صاحب الموقع الشيخ أ. د. حسام الدين بن موسى عفانه في الصفحة الدينية في صحيفة القدس المقدسية منذ سنة ١٩٩٣م يجيب فيها على أسئلة القراء الدينية، ثم أصبح يسألونك عنواناً لسلسلة كتب صدر منها [١٤ جزءا] ، وقد حوت هذه السلسلة مجموعة طيبة من الأسئلة الشرعية وإجاباتها.\r\rومن المعلوم أن الاشتغال بالعلم من أفضل القربات، وأجل الطاعات، وأهم أنواع الخير، وآكد العبادات، وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات، وشمّر في إدراكه، والتمكن فيه أصحاب الأنفس الزكيات، وبادر إلى الاهتمام به المسارعون إلى المكرمات، وسارع إلى التحلي به مستبقوا الخيرات، وقد تظاهر على ما ذكرته جمل من آيات القرآن الكريمات، والأحاديث الصحيحة النبوية المشهورات، ولا ضرورة إلى الإطناب بذكرها هنا لكونها من الواضحات الجليات.\r\rوعلم الفقه من أجل العلوم الشرعية وأهمها، وقد حث رب العالمين ﷾ على التفقه في الدين، فقال ﷻ: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) سورة التوبة الآية ١٢٢.\r\rوصح عن النبي ﷺ أنه قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) رواه البخاري ومسلم.\r\rوعلم الفقه هو الباحث عن الحلال والحرام، والباعث على التمييز بين الجائز والفاسد من وجوه الأحكام، ويحتاج إليه الخواص والعوام، في جميع الأوقات والأيام.\r\rوأرغب في هذا المقام أن أبين بعض الأمور التي ترسم المنهج الذي أسير عليه:\r\r- لما كان اختلاف المذاهب الفقهية في كثير من المسائل، له أسباب علمية اقتضته، ولله ﷾ في ذلك حكمة بالغة منها: الرحمة بعباده، وتوسيع مجال استنباط الأحكام من النصوص، ثم هي بعد ذلك نعمة وثروة فقهية تشريعية، تجعل الأمة الإسلامية في سعة من أمر دينها وشريعتها، فلا تنحصر في تطبيق شرعي واحد، حصراً لا مناص منه إلى غيره، بل إذا ضاق بالأمة مذهب أحد الأئمة الفقهاء، في وقت ما، في أمر ما، وجدت في المذهب الآخر سعة ورفقاً ويسراً، مقتبس من قرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي رقم ٩ لسنة ١٤٠٨ هـ.\r\r- وبناءً على ما سبق، فإني أبحث كل مسألة، وأعرف أقوال أهل العلم فيها، وأعرف اختلافهم، فمن لم يعرف اختلاف الفقهاء لم يشم رائحة الفقه، ثم أختار من أقوال العلماء من أصحاب المذاهب الفقهية ومن غيرهم، كالصحابة - فهم سادات المفتين والعلماء - والتابعين وأتباعهم وغيرهم من العلماء.\r\rولمعرفة أقوال أهل العلم في المسألة، فإني أرجع إلى أمهات المصادر، من كتب الفقه وكتب الحديث والآثار والتفسير.\r\rقال الحافظ الذهبي: [قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام - وكان أحد المجتهدين -: ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل \" المحلى \" لابن حزم، وكتاب \" المغني \" للشيخ موفق الدين - يعني ابن قدامة المقدسي -.\r\rقلت - أي الذهبي -: لقد صدق الشيخ عز الدين، وثالثهما \" السنن الكبير \" للبيهقي، ورابعها \" التمهيد \" لابن عبد البر، فمن حصَّل هذه الدواوين وكان من أذكياء المفتين وأدمن المطالعة فيها فهو العالم حقاً] سير أعلام النبلاء ١٨/١٩٣.\r\rوعلق الشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد على كلام الذهبي: [قلت: وخامسها وسادسها مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، ومؤلفات ابن قيم الجوزية، وهما عندي في الكتب بمنزلة السمع والبصر، وصدق الشيخ الشوكاني رحمه الله تعالى في قوله: لو أن رجلاً في الإسلام ليس عنده من الكتب إلا كتب هذين الشيخين لكفتاه.\r\rوسابعها: \" فتح الباري \" لابن حجر وعند كلٍ خير، رحم الله علماء ملة الإسلام] المدخل المفصل ٢/٦٩٦.\r\rوأضيف إليها ثامناً، وهو المجموع شرح المهذب للإمام النووي، مع أنه لم يكمل، ولو قدر للإمام النووي أن يكمله، لكان من أعظم كتب الفقه مطلقاً، وهو في غاية الحسن والجودة كما قال الحافظ الذهبي، الإمام النووي لعبد الغني الدقر ص ٩٨.\r\rوأحاول أن أصل إلى القول الراجح في المسألة بناءً على الدليل، فإن جمال الفتوى وروحها الدليل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.\r\rوأرجح في المسألة وأختار ما يؤيده الدليل، حتى لا أدع القارئ حائراً بين أقوال الفقهاء، فإنه لا ينبغي للمفتي عندما يسأله العامة عن مسألة ما، أن يقول فيها مثلاً: قال الحنفية كذا، وقال الشافعية في أحد القولين كذا، وفيها رواية في مذهب أحمد، والمشهور من مذهب مالك كذا.... فإنه إن فعل ذلك، لم ينتفع العامة بقوله، بل يتركهم تائهين بين تلك الأقوال.\r\rوليس كل ما قاله فقيه من فقهائنا مسلَّمٌ به وصحيح، إلا قولاً له حظٌ من الأثر أو النظر، وقديماً قال الإمام مالك يرحمه الله: [كلٌ يؤخذ من كلامه ويترك، إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر المصطفى ﷺ] .\r\rولما كانت الأحكام الفقهية، مبنيةً على الأدلة الشرعية، من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فقد عُنيتُ بتخريج الأحاديث التي أستدل بها، فما كان في صحيحي البخاري ومسلم، أو في أحدهما، اكتفيت بذلك، وما كان فيما عداهما من كتب السنة الأخرى، ذكرت أقوال المحدثين في الحكم عليه، كالإمام النووي والحافظ ابن حجر والحافظ الزيلعي من المتقدمين، ومن المتأخرين محدث العصر الشيخ العلاّمة ناصر الدين الألباني، فإني أعتمد غالباً على حكمه على الأحاديث، جزى الله علماءَنا خير الجزاء.\r\rوأخيراً فإني لا أزعم أني أصبت الحق فيما ذكرت وكتبت، ولكن حسبي أني بذلت الجهد والوسع فما أصبت فمن الله وحده، وما أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان.\r\rوالله الهادي إلى سواء السبيل\rد. حسام الدين بن موسى عفانه\rالأستاذ في الفقه والأصول\rكلية الدعوة وأصول الدين / جامعة القدس\rبيت المقدس / فلسطين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345623,"book_id":3840,"shamela_page_id":3,"part":"1","page_num":null,"sequence_num":3,"body":"المشرف العامّ\r\rالاسم: حسام الدين بن موسى محمد بن عفانه\rمكان وتاريخ الولادة: أبو ديس - القدس عام ١٣٧٤هـ وفق ١٩٥٥ م\rالدرجة العلمية: أستاذ في الفقه والأصول.\r\rالشهادات العلمية:\r\rبكالوريوس شريعة بتقدير جيد جداً مع مرتبة الشرف من كلية الشريعة، الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة / السعودية سنة ١٩٧٨.\r\rماجستير فقه وأصول بتقدير جيد جداً، من كلية الشريعة - جامعة أم القرى / السعودية سنة ١٩٨٢.\r\rبدكتوراه فقه وأصول بتقدير جيد جداً، من كلية الشريعة جامعة أم القرى/ السعودية ١٩٨٥سنة.\r\rالعمل:\r\rأستاذ مساعد كلية الدعوة وأصول الدين، جامعة القدس من ١٩٨٥-١٩٨٧.\r\rأستاذ مساعد قسم الثقافة الإسلامية، كلية التربية، جامعة الملك سعود، الرياض، المملكة العربية السعودية من ١٩٨٨-١٩٩١.\r\rأستاذ مساعد كلية الدعوة وأصول الدين، جامعة القدس من ١٩٩١-١٩٩٧.\r\rأستاذ مشارك كلية الدعوة وأصول الدين من ١٩٩٧م وحتى ٢٠٠٤م.\r\rأستاذ الفقه والأصول (بروفيسور) / جامعة القدس من تشرين أول ٢٠٠٤م.\r\rرئيس دائرة الفقه والتشريع / كلية الدعوة وأصول الدين / جامعة القدس حالياً.\r\rمنسق برنامج ماجستير الفقه والتشريع والأصول / كلية الدعوة وأصول الدين / جامعة القدس حالياً.\r\rتدريس مساقات في الفقه والأصول في جامعة النجاح الوطنية - نابلس لطلبة الدراسات العليا ١٩٩٢.\r\rالتدريس في كلية الدعوة والدراسات الإسلامية في أم الفحم ١٩٩١-١٩٩٤.\r\rتدريس مساقات البحث العلمي والدلالات وشرح قانون الأحوال الشخصية والاجتهاد لطلبة الماجستير معهد القضاء العالي جامعة الخليل ١٩٩٧-١٩٩٩.\r\rعضو المجلس الأكاديمي لجامعة القدس من ١٩٩٥ وحتى ١٩٩٩.\r\rعضو تحرير مجلة هدى الإسلام منذ ١٩٨٦ وحتى الآن.\r\rرئيس هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال الفلسطيني (وهي شركة تتعامل وفق أحكام المعاملات الإسلامية) منذ ١٩٩٤م وحتى سنة ٢٠٠٤م حيث توقفت الشركة عن العمل.\r\rرئيس هيئة الرقابة الشرعية لبنك الأقصى الإسلامي منذ سنة ١٩٩٨م وحتى الآن.\r\rمنسق برنامج ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة جامعة القدس سابقاً.\r\rعضو مجلس البحث العلمي في جامعة القدس.\r\rالإنتاج العلمي:\r\rالحقيقة والمجاز في الكتاب والسنة وعلاقتهما بالأحكام الشرعية (رسالة ماجستير) .\r\rبيان معاني البديع في أصول الفقه (رسالة دكتوراه) .\r\rالأدلة الشرعية على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية (كتاب) .\r\rأحكام العقيقة في الشريعة الإسلامية (كتاب) .\r\rيسألونك [كتب ١ - ١٤] .\r\rبيع المرابحة للآمر بالشراء على ضوء تجربة شركة بيت المال الفلسطيني العربي (كتاب) .\r\rصلاة الغائب دراسة فقهية مقارنة (كتاب) .\r\rالمفصل في أحكام الأضحية (كتاب) .\r\rشرح الورقات في أصول الفقه لجلال الدين المحلي (دراسة وتعليق وتحقيق) .\r\rفهارس مخطوطات مؤسسة إحياء التراث الإسلامي ١٢ جزء ابالاشتراك صدر الأول منها:\r- الجزء الأول ويشمل فهرس أصول الفقه والفقه المقارن والفقه المالكي والفقه الحنبلي والقواعد الفقهية والفرائض.\r- الجزء الثاني فهرس الفقه الشافعي.\r\rالفتاوى الشرعية (١) بالاشتراك (هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال العربي) .\r\rالفتاوى الشرعية (٢) بالاشتراك (هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال العربي) .\r\rالشيخ العلامة مرعي الكرمي وكتابه دليل الطالب (بحث) .\r\rالزواج المبكر (بحث) .\r\rالإجهاض (بحث) .\r\rمسائل مهمات في فقه الصوم والتراويح والقراءة على الأموات (كتاب) .\r\rمختصر كتاب جلباب المرأة المسلمة للعلامةالمحدث الألباني (كتاب) .\r\rاتباع لا ابتداع (كتاب) .\r\rبذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود للغزي التمرتاشي (دراسة وتعليق وتحقيق) .\r\rرسالة إنقاذ الهالكين للعلامة البركوي (دراسة وتحقيق وتعليق) .\r\rالخصال المكفرة للذنوب (يتضمن تحقيق مخطوط للخطيب الشربيني) (كتاب) .\r\rأحاديث الطائفة الظاهرة وتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين (كتاب) .\r\rالتنجيم (بحث بالاشتراك) .\r\rالحسابات الفلكية (بحث بالاشتراك) .\r\rالمفصل في أحكام العقيقة (كتاب) .\r\rفهرس المخطوطات المصورة الجزء الثاني (الفقه الشافعي) بالاشتراك (كتاب)\r\rفقه التاجر المسلم وآدابه (كتاب)\r\rمجموعة من المقالات:\r\rتطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية.\r\rنظام الأحوال الشخصية بين الثبات والتطور.\r\rمحدث العصر العلامة الألباني.\r\rالعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز.\r\rكسوف الشمس آية من آيات الله.\r\rنظرات في البدعة.\r\rلمحات في المحافظة على الأوقات.\r\rإمام الحرمين الجويني وكتابه الورقات في أصول الفقه.\r\rدراسة الأحاديث الواردة في صلاة الغائب.\r\rأحكام شرعية في مسائل طبية.\r\rركن الفتوى - مجلة الإشراقة.\r\rتعقيب على مقال البنوك وفتوى شيخ الأزهر.\r\rأبحاث ومقالات متفرقة في المجلات والصحف المحلية.\r\rالإشراف على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه:\rالبنوك الإسلامية في فلسطين بين النظرية والتطبيق نوقشت ١٤٢٠هـ ١٩٩٩م\rإعداد الطالب: محمد طارق الجعبري\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة.\r\rمصرف (في سبيل الله) من مصارف الزكاة / دراسة فقهية مقارنة نوقشت ١٤٢١هـ ٢٠٠٠م\rإعداد الطالب: نبيل عيسى الجعبري\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة.\r\rالتأويل بين ضوابط الأصوليين وقراءات المعاصرين نوقشت ١٤٢٢هـ ٢٠٠١م\rإعداد الطالب: ابراهيم محمد طه بويداين\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة\r\rأحكام المفقود في الفقه الإسلامي وما عليه العمل في المحاكم الشرعية في فلسطين نوقشت ١٤٢٣هـ ٢٠٠٢م\rإعداد الطالب: توفيق محمد العملة\rجامعة الخليل / كلية الدراسات العليا / قسم القضاء الشرعي.\r\rتحقيق كتاب أدب القضاء من (شرح فتح القدير لكمال الدين بن الهمام الحنفي المتوفى ٨٦١ هـ) نوقشت ١٤٢٣هـ ٢٠٠٢م\rإعداد الطالب: حاتم البكري\rجامعة الخليل / كلية الدراسات العليا / قسم القضاء الشرعي.\r\rتحقيق كتاب الشهادات من (شرح فتح القدير لكمال الدين بن الهمام الحنفي المتوفى ٨٦١ هـ)\rإعداد الطالب: محمد وليد القاضي\rجامعة الخليل / كلية الدراسات العليا / قسم القضاء الشرعي.\r\rتحقيق كتاب الصيام والاعتكاف من (شرح فتح القدير لكمال الدين بن الهمام الحنفي المتوفى ٨٦١ هـ)\rإعداد الطالب: نور الدين الرجبي.\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة.\r\rتحقيق كتابي الصرف والحوالة من (شرح فتح القدير لكمال الدين بن الهمام الحنفي المتوفى ٨٦١ هـ)\rإعداد الطالب: كنعان عبد الكريم محمد.\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة.\r\rتحقيق كتاب البيوع من (شرح فتح القدير لكمال الدين بن الهمام الحنفي المتوفى ٨٦١ هـ)\rإعداد الطالب: جمال صقر.\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة.\r\rضوابط الاستهلاك في الاقتصاد الإسلامي\rإعداد الطالبة: ميسرة يسري التميمي.\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة.\r\rالصحة الإنجابية في الإسلام\rإعداد الطالب: رائد محمد مصطفى.\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة.\r\rحالات التصرف الموقوف بين الفقه الإسلامي والقانون المدني\rإعداد الطالب محمد عبد السلام نظمي رموز\rرسالة ماجستير / كلية الحقوق / جامعة القدس / نوقشت ٢٠٠٤\r\rزبدة الأسرار في شرح مختصر المنار لأحمد بن محمد السيواسي المتوفى سنة ١٠٠٦ هـ\rتحقيق ودراسة / رسالة دكتوراة / جامعة عين شمس / القاهرة بالاشتراك مع جامعة الأقصى/غزة\rالطالب محمد حسني علي / نوقشت ٢٠٠٥م.\r\rتحقيق كتاب النوافل من (شرح فتح القدير لكمال الدين بن الهمام الحنفي المتوفى ٨٦١ هـ) .\rإعداد الطالبة: أمل محمد صيام.\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة.\r\rفقه الوقت\rإعداد الطالبة: فاطمة المناصرة.\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة.\r\rالحضانة في الفقه الإسلامي وقانون الأحوال الشخصية الأردني.\rإعداد الطالب: عمر عبد القادر القواسمي.\rجامعة الخليل / كلية الدراسات العليا / قسم القضاء الشرعي.\r\rإثبات الأهلة بين الفقه الإسلامي وعلم الفلك.\rإعداد الطالب: محمد كنعان.\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة.\r\rالرسائل التي شارك في مناقشتها:\r\rأحكام الإفتاء في الشريعة الإسلامية: ١٤٠٨هـ =١٩٨٨ م.\rإعداد الطالب: إبراهيم سالم سلمان أبو مر.\rجامعة النجاح الوطنية / كلية الشريعة / قسم الفقه والتشريع.\rهذه الرسالة أول رسالة علمية في الشريعة الإسلامية لنيل درجة الماجستير تناقش في الأراضي المحتلة - فلسطين - وقد نوقشت في جامعة النجاح بمدينة نابلس بتاريخ ٤/٧/١٩٨٨م الموافق ٢٠ من ذي القعدة ١٤٠٨هـ.\r\rدلالة صيغة الأمر على الأحكام الشرعية: نوقشت ١٤١٢هـ = ١٩٩١م.\rإعداد الطالب: حسن سعد عوض خضر.\rجامعة النجاح الوطنية / كلية الشريعة / قسم الفقه والتشريع.\r\rدلالة صيغة النهي على الأحكام الشرعية: نوقشت ١٤١٣هـ = ١٩٩٣م.\rإعداد الطالب: زياد إبراهيم حسين مقداد.\rجامعة النجاح الوطنية / كلية الشريعة / قسم الفقه والتشريع.\r\rعلم أصول الفقه من مخطوط \" بغية الألباب في شرح غنية الطلاب \" لمحمد بن بدير بن حبيش المقدسي المتوفى ١٢٢٠ هـ: نوقشت ١٤١٥هـ = ١٩٩٤م.\rإعداد الطالب: محمد حسني علي محمد.\rجامعة النجاح الوطنية / كلية الشريعة / قسم الفقه والتشريع.\r\rمذهب الصحابي وأثر الاختلاف فيه في اختلاف الفقهاء: نوقشت ١٤١٨ هـ / ١٩٩٧م.\rإعداد الطالب: محمد مطلق أبو جحيشة.\rجامعة النجاح الوطنية / كلية الشريعة / قسم الدراسات العليا.\r\rأحكام الشريعة الإسلامية في الخلو والمفتاحية: نوقشت ١٤١٧هـ = ١٩٩٧م.\rإعداد الطالب: يوسف خالد يوسف السركجي رحمة الله عليه\rجامعة النجاح الوطنية / كلية الدراسات العليا / قسم الفقه والتشريع.\r\rأسباب الرخص في الشريعة الإسلامية: نوقشت ١٤١٨هـ = ١٩٩٧م.\rإعداد الطالب: عبد الرحيم توفيق خليل.\rجامعة النجاح الوطنية / كلية الشريعة / قسم الفقه والتشريع.\r\rالقسامة في الفقه الإسلامي: نوقشت ١٤١٨ هـ = ١٩٩٧م.\rإعداد الطالب: بشار مدحت عبده أبو زهرة.\rجامعة النجاح الوطنية / كلية الدراسات العليا / قسم الفقه والتشريع.\r\rالبيوع المعاصرة المنهي عنها في الشريعة الإسلامية نوقشت ١٤١٨هـ = ١٩٩٨م.\rإعداد الطالب: هاشم عبد الرحمن مصطفى محاجنة.\rجامعة النجاح الوطنية / كلية الدراسات العليا / قسم الفقه والتشريع.\r\rأحكام قرار المرأة في بيتها وخروجها منه في الفقه الإسلامي: نوقشت ١٤١٩هـ = ١٩٩٨م.\rإعداد الطالبة: أميمة محمد نعمان قراقع.\rجامعة النجاح الوطنية / كلية الشريعة / قسم الفقه والتشريع.\r\rالحيل الشرعية في الفقه الإسلامي: نوقشت ١٤١٩هـ = ١٩٩٩م.\rإعداد الطالب: تيسير عمران علي عمر.\rجامعة النجاح الوطنية / كلية الدراسات العليا / قسم الفقه والتشريع.\r\rتقسيم اللفظ من حيث ظهور المعنى وخفاؤه نوقشت ١٤٢٠هـ = ١٩٩٩م.\rإعداد الطالب عبد الخالق حسن النتشة\rجامعة النجاح الوطنية / كلية الدراسات العليا / قسم الفقه والتشريع.\r\rالجمع والتوفيق بين الأدلة المتعارضة: نوقشت ١٤٢٠هـ = ١٩٩٩م.\rإعداد الطالب: فواز فارس عبد السميع أبو ارميلة.\rجامعة النجاح الوطنية / كلية الدراسات العليا / قسم الفقه والتشريع.\r\rأحكام الخطبة في الفقه الإسلامي نوقشت ١٤٢٣هـ / ٢٠٠٢م\rإعداد الطالب: نايف محمود الرجوب\rجامعة الخليل / كلية الدراسات العليا / قسم القضاء الشرعي.\r\rالطاعة الزوجية في الفقه الإسلامي وقانون الأحوال الشخصية نوقشت ١٤٢٣هـ / ٢٠٠٢م\rإعداد الطالب: محمد جمال أبو سنينة\rجامعة الخليل / كلية الدراسات العليا / قسم القضاء الشرعي.\r\rالجائز والممنوع في الاختلاط وانعكاسات ذلك على المجتمع الفلسطيني نوقشت ١٤٢٣هـ / ٢٠٠٢م\rإعداد الطالب: خيري أمين طه\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة.\r\rصورة المجتمع الفلسطيني من خلال فتاوى الشيخ محمد الخليلي المتوفى ١١٤٧هـ ١٧٣٤م\rنوقشت (١٤٢٣هـ / ٢٠٠٢م)\rإعداد الطالب: عبد اللطيف محمد كنعان\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة.\r\rالإثبات بالقرائن في الفقه الإسلامي نوقشت ١٤٢٦هـ / ٢٠٠٦م\rإعداد الطالب: عبد القادر إدريس\rجامعة الخليل / كلية الدراسات العليا / قسم القضاء الشرعي.\r\rالإعلام الإسلامي في ضوء الكتاب والسنة نوقشت ١٤٢٧ هـ\rإعداد الطالب: محمد حسن اشتيوي\rجامعة القدس / ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة.\r\rتمت والحمد لله رب العالمين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345624,"book_id":3840,"shamela_page_id":4,"part":"1","page_num":1,"sequence_num":4,"body":"١ - أسماء الله الحسنى ليست محصورة في تسعة وتسعين\rيقول السائل: كيف نوفق بين الحديثين التاليين، قول النبي ﷺ: (أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) ، وقوله ﷺ: (إن لله تسعة وتسعين اسماً، من حفظها دخل الجنة) ، أفيدونا.\r\rالجواب: أما الحديث الأول فهو ثابت من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما أصاب أحداً قط همٌ ولا حَزَنٌ، فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمَّيت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حَزَني وذهاب همي. إلا أذهب الله همه وحَزَنَه وأبدله مكانه فرجاً. قال: فقيل: يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها) رواه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم وصححه، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ١/٣٣٧. وأما الحديث الثاني فقد ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن لله تسعةً وتسعين اسماً، من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر) . وفي رواية: (من أحصاها) رواه البخاري ومسلم. وقد قرر أهل العلم أن لا تعارض بين الحديثين، وقالوا إن أسماء الله الحسنى ليست محصورة في تسعة وتسعين اسماً، بل أسماء الله الحسنى لا يحصرها العدد، وهذا مذهب جماهير أهل العلم، قال الإمام البيهقي [باب بيان أن لله جل ثناؤه أسماء أخرى، وليس في قول النبي ﷺ: لله تسعة وتسعون اسماً نفي غيرها] الأسماء والصفات ١/٢٧. وقال الإمام النووي: [واتفق العلماء على أن هذا الحديث - أي حديث إن لله تسعةً وتسعين اسماً- ليس فيه حصر لأسمائه ﷾، فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وانما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء، ولهذا جاء في الحديث الآخر: (أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) ، وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي عن بعضهم أنه قال: لله تعالى ألف اسم، قا ابن العربي: وهذا قليل فيها والله أعلم] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٧٧. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وقد اختلف في هذا العدد هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذه العدة أو أنها أكثر من ذلك ولكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة؟ فذهب الجمهور إلى الثاني - ثم نقل كلام النووي السابق- ثم قال: وقال الخطابي: في هذا الحديث إثبات هذه الأسماء المخصوصة بهذا العدد وليس فيه منع ما عداها من الزيادة، وإنما للتخصيص لكونها أكثر الأسماء وأبينها معاني، وخبر المبتدأ في الحديث هو قوله \" من أحصاها \" لا قوله \" لله \" وهو كقولك لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، أو لعمرو مائة ثوب من زاره ألبسه إياها. وقال القرطبي في \" المفهم \" نحو ذلك، ونقل ابن بطال عن القاضي أبي بكر بن الطيب قال: ليس في الحديث دليل على أنه ليس لله من الأسماء إلا هذه العدة، وإنما معنى الحديث أن من أحصاها دخل الجنة، ويدل على عدم الحصر أن أكثرها صفات وصفات الله لا تتناهى ... ] فتح الباري ٩/٢٦٣-٢٦٤. [وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن قال: لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين اسماً، ولا يقول: يا حنان، يا منان، ولا يقول: يا دليل الحائرين، فهل له أن يقول ذلك؟ فأجاب: الحمد لله، هذا القول وإن كان قد قاله طائفة من المتأخرين كأبي محمد ابن حزم وغيره، فإن جمهور العلماء على خلافه، وعلي ذلك مضي سلف الأمة وأئمتها، وهو الصواب لوجوه: أحدها: أن التسعة والتسعين اسماً لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي ﷺ، وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذي الذي رواه الوليد بن مسلم عن شعيب عن أبي حمزة، وحفاظ أهل الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث، وفيها حديث ثان أضعف من هذا. رواه ابن ماجة. وقد روي في عددها غير هذين النوعين من جمع بعض السلف. وهذا القائل الذي حصر أسماء الله في تسعة وتسعين، لم يمكنه استخراجها من القرآن، وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال: هي التي يجوز الدعاء بها دون غيرها؛ لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور. فكل اسم يجهل حاله، يمكن أن يكون من المأمور، ويمكن أن يكون من المحظور. وإن قيل: لا تدعوا إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين. الوجه الثاني: أنه إذا قيل تعيينها على ما في حديث الترمذي مثلاً، ففي الكتاب والسنة أسماء ليست في ذلك الحديث، مثل اسم الرب، فإنه ليس في حديث الترمذي، وأكثر الدعاء المشروع إنما هو بهذا الاسم، كقول آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ الأعراف: ٢٣، وقول نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ هود: ٤٧، وقول إبراهيم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ إبراهيم: ٤١، وقول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ القصص: ١٦، وقول المسيح: ﴿رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء﴾ المائدة: ١١٤، وأمثال ذلك. حتى إنه يذكر عن مالك وغيره، أنهم كرهوا أن يقال: يا سيدي، بل يقال: يا رب، لأنه دعاء النبيين، وغيرهم، كما ذكر الله في القرآن. وكذلك اسم المنان، ففي الحديث الذي رواه أهل السنن أن النبي ﷺ سمع داعياً يدعو: اللهم إني أسألك بأن لك الملك، أنت الله المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ: (لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى) ، وهذا ردٌ لقول من زعم أنه لا يمكن في أسمائه المنان. وقد قال الإمام أحمد لرجلٍ ودَّعه، قل: يا دليل الحائرين، دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين. وقد أنكر طائفة من أهل الكلام: كالقاضي أبي بكر، وأبي الوفاء ابن عقيل، أن يكون من أسمائه الدليل؛ لأنهم ظنوا أن الدليل هو الدلالة التي يستدل بها، والصواب ما عليه الجمهور؛ لأن الدليل في الأصل هو المعرف للمدلول، ولو كان الدليل ما يستدل به، فالعبد يستدل به أيضاً فهو دليل من الوجهين جميعاً. وأيضاً، فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله وترٌ يحب الوتر) . وليس هذا الاسم في هذه التسعة والتسعين، وثبت عنه في الصحيح أنه قال: (إن الله جميل يحب الجمال) وليس هو فيها. وفي الترمذي وغيره أنه قال: (إن الله نظيف يحب النظافة) ، وليس هذا فيها، وفي الصحيح عنه أنه قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا) وليس هذا فيها. وتتبع هذا يطول. ولفظ التسعة والتسعين المشهورة عند الناس في الترمذي: (الله. الرحمن. الرحيم. الملك. القدوس. السلام. المؤمن. المهيمن. العزيز. الجبار. المتكبر. الخالق. البارئ. المصور. الغفَّار. القهَّار. الوهاب. الرزاق. الفتاح. العليم. القابض. الباسط. الخافض. الرافع. المعز. المذل. السميع. البصير. الحكم. العدل. اللطيف. الخبير. الحليم. العظيم. الغفور. الشكور. العلي. الكبير. الحفيظ. المقيت. الحسيب. الجليل. الكريم. الرقيب. المجيب. الواسع. الحكيم. الودود. المجيد. الباعث. الشهيد. الحق. الوكيل. القوي. المتين. الولي. الحميد. المحصي. المبدئ. المعيد. المحيي. المميت. الحي. القيوم. الواجد. الماجد. الأحد ـ ويروي الواحد ـ الصمد. القادر. المقتدر. المقدم. المؤخر. الأول. الآخر. الظاهر. الباطن. الوالي. المتعالي. البر. التواب. المنتقم. العفو. الرؤوف. مالك الملك ذو الجلال والإكرام. المقسط. الجامع. الغني. المغني. المعطي. المانع. الضار. النافع. النور. الهادي. البديع. الباقي. الوارث. الرشيد. الصبور. الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) . ومن أسمائه التي ليست في هذه التسعة والتسعين، اسمه: السبوح، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه كان يقول: (سبوح قدوس) . واسمه الشافي كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ كان يقول: (أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقماً) . وكذلك أسماؤه المضافة مثل: أرحم الراحمين، وخير الغافرين، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وأحسن الخالقين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومقلب القلوب، وغير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة، وثبت في الدعاء بها بإجماع المسلمين، وليس من هذه التسعة والتسعين.\r\rالوجه الثالث: ما احتج به الخطابي وغيره، وهو حديث ابن مسعود -وذكر الحديث السابق - ثم قال: والله في القرآن قال: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الأعراف: ١٨٠، فأمر أن يدعى بأسمائه الحسني مطلقًا، ولم يقل: ليست أسماؤه الحسنى إلا تسعة وتسعين اسمًا، والحديث قد سلم معناه. والله أعلم.] مجموع الفتاوى ٢٢/٤٨١-٤٨٢. وللعلماء كلام طويل في المسألة لا يحتمله المقام.\r\rوخلاصة الأمر أن أسماء الله الحسنى ليست محصورة في تسعة والتسعين اسماً، وخاصة أن التسعة والتسعين الواردة في حديث الترمذي وغيره ليست ثابتة عن النبي ﷺ، بل الحديث ضعيف، وعليه فلا تعارض بين الحديثين المذكورين في السؤال، فيجوز الدعاء بكل اسم ثبت أنه من أسماء الله تعالى الحسنى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345625,"book_id":3840,"shamela_page_id":5,"part":"1","page_num":2,"sequence_num":5,"body":"٢ - يحرم شرعا تمثيل الأنبياء ﵈\rيقول السائل: تبث إحدى القنوات الفضائية مسلسلاً يتحدث عن نبي الله يوسف الصديق ﵇ ويتم تمثيل شخصية يوسف ويعقوب وجبريل ﵈، فما الحكم الشرعي في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا شك لدي أن التمثيل في واقعنا المعاصر، وما ينتج عنه من أفلام ومسلسلات ومسرحيات ... إلخ أصبح معولاً من معاول الهدم والتخريب والفساد والإفساد للبقية الباقية من الخير والصلاح والعفة والطهر في مجتمعنا المسلم، كما أنه لا شك لدي أن فئة الممثلين والممثلات ويلحق بهم المطربين والمطربات ممن يسمون بأهل الفن، هؤلاء وأولئك أسوأ فئات المجتمع وأضلهم سبيلاً، ومن أكثر الناس سعياً في الأرض فساداً، وإشاعةً للمنكرات والفواحش بين الناس، وخاصة بعد هذا الانتشار الكبير للفضائيات. [إن نظرة موضوعية إلى واقع التمثيل سواء من خلال المسرح أو السينما تدل على أنه لا يمكن اعتباره وسيلة حضارية للتقدم وإصلاح حال المجتمع والمحافظة على طهارته وسلامته، بل من الممكن أن نزعم أنه أضحى أداة هدم وإفساد وتخريب لا مثيل لها سواء في ذلك نظرنا إلى مضمون الأعمال التي تمثل وما فيها من مخاطر عظيمة على شخصية المسلم المعاصر ومجتمعه، بل على المجتمع البشري عامة] الإسلام والفنون ص ١٠٨. وإذا قلنا بجواز التمثيل فلا بد من الإشارة للأمور التالية: أولاً: يحرم التمثيل المحتوي على المنكرات والمحرمات كتمثيل الرجل مع المرأة والسفور والعري والاختلاط والكذب والكفر والفواحش. ثانياً: يحرم تمثيل الملائكة لأنهم من عالم الغيب، ثالثاً: يحرم تمثيل الأنبياء والصحابة الكرام، وما أدري كيف يمثل آدم أبو البشر وزوجه وهما يأكلان من الشجرة؟ وما هي هذه الشجرة؟ وكيف تمثل قصة يوسف مع زوجة العزيز؟ وكيف يمثل تكليم الله تعالى لموسى ﵇. وكيف يمثل أنبياء الله وأقوامهم يرمونهم بالسحر تارة، وبالكهانة والجنون تارة أخرى؟! إلى غير ذلك من التساؤلات، انظر قرار لجنة الفتوى بالأزهر عام ١٣٧٤هـ. رابعاً: يغلب التحريم على التمثيل السينمائي والتلفزيوني والمسرحي في عصرنا الحاضر لأنه لا يخلو من المحرمات.\rإذا تقرر هذا فإن تمثيل الأنبياء في الأفلام والمسلسلات ونحوها من المحرمات المتفق عليها بين أكثر علماء العصر ومن الهيئات العلمية المعتبرة، وهذا هو القول الصحيح في المسألة، وما يقابله قولٌ باطلٌ لا يعتمد على دليل معتبر عند أهل العلم. وممن قال بتحريم تمثيل الأنبياء هيئة كبار العلماء السعودية، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. ومجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة والمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، ودار الإفتاء المصرية ولجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية وعدد كبير من علماء العصر كالشيخ العلامة عبد العزيز بن باز والشيخ العلامة محمد العثيمين وطائفة من علماء الأزهر وغيرهم، ومن المعلوم أن الله ﷻ قد اصطفى الأنبياء واختارهم من بين عباده، وقد ثبتت لهم العصمة فهم ليسوا كبقية الناس، فهم معصومون من كبائر الذنوب، ومعصومون في تحمل الرسالة وتبليغها عن الله ﵎، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول الأشعرية، وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول. انظر مجموع الفتاوى ٤/٣١٩. فالواجب الشرعي يقتضي تعظيم الأنبياء وتوقيرهم، لأن في تعظيمهم تعظيماً لله ﷿ ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢، وتمثيل الأنبياء يتناقض مع توقيرهم، بل تمثيلهم فيه تنقصٌ لهم واستخفافٌ بهم وأذىً لهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٥٨، ثم مَنْ هذا الممثل الذي سيتقمص شخصية نبي؟! ونحن نعلم من حال الممثلين أنهم أفسد الناس وأبعدهم عن السلوك السوي [لا يوجد مخلوق أبداً في أي وسط فني ولا في غيره، يستطيع أن يصور شخص رسول الله ولا أن يمثل شخصية رسول من الرسل ﵈، لأن الإنسان متأثرٌ بتقاليد عصره في الحركة والسكنة، وفي القول والفعل، وقد خلقه الله سبحانه أقل علماً ومعرفة من الرسل، بل أقل في كل شيء. ولذلك فإن تمثيل الرسل هو طمسٌ وتسويةٌ لشخصيتهم، وإهدارٌ لقيمهم، وإقحامهم ميدان الرذيلة والجنس، ووسيلة من وسائل السخرية بهم، وفي تمثيلهم إخضاعٌ لهم لحال الكاتب والمخرج والممثل، وليس أحدٌ من الناس مثلهم، وسوف تتعرض الصورة النبوية في التمثيل للنقد، والتداول البذيء. ويُعدُ تمثيل الأنبياء والرسل ﵈ من الكذب الحقيقي عليهم بالشكل والقول، وقد تضافرت الأدلة في الشريعة الإسلامية على تحريم الكذب، وحتى على غير الأنبياء والرسل. وإذا كانت الأحاديث والآثار واردة في تحريم الكذب في الحديث، فإنها في الحديث والشكل والقول والفعل ستكون أشد، وفاعلها أعظم جرماً، ومبيحها - الصورة النبوية في التمثيل- هو مبيحٌ للكذب عليهم. وفي إباحة تمثيل الرسل طريق لمدّعي النبوة، وشبهة قوية للدجالين، الذين يدجلون على الناس، وخاصة في آخر الزمان الذي نعيش فيه، وقد قيل: الصورة أقوى من الواقع أحياناً، ولذا سيكثر المدعون للنبوة من خلال التصوير والتمثيل، وحينئذ يميع معنى النبوة في واقع الناس، كما يستغل هذا العمل المتآمرون على شخصيات الرسل.] الشريعة الإسلامية والفنون ص ٣٧٩. ومن المفاسد الكثيرة لتمثيل الأنبياء أن فيه مخالفة لحكمة الله تعالى في منع شياطين الجن من التمثل بالرسول ﷺ، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي) ، ويُلحَقُ شياطين الإنس وسفلتهم بشياطين الجن، في المنع من التمثل بالرسول وبإخوانه الأنبياء ﵈، فالحكمة في هذا المنع من التمثل بالرسول وبإخوانه الأنبياء، هي صيانة شخصية الرسول وشخصيات إخوانه الأنبياء من أن تكون محل عبث ولعب وتحقير من هؤلاء الممثلين التافهين. جاء في فتاوى دار الإفتاء المصرية: [إن عِصْمَةَ الله لأنبيائه ورُسُله من أن يتمثل بهم شيطان مانعة من أن يمثل شخصياتهم إنسان، ويمتد ذلك إلى أصولهم وفروعهم وزوجاتهم وصحابة الرسول ﵊، ومن جهة العِبْرَة من قصص الأنبياء كيف تتأتَّى الاستفادة من تمثيل إنسان لشخص نبي، ومن قبلُ مَثَّل شخصاً عِرْبِيداً مُقَامِرا سِكِّيراً رفيق حَانَاتٍ وأخاً للدعارة والدَّاعِرات، ومن بَعْدُ يمثل كل أولئك أو كثيرًا منهم؟] عن الإنترنت. وجاء في قرار هيئة كبار العلماء السعودية ما يلي: [ ... تأييد مجلس هيئة كبار العلماء لما قرره مؤتمر المنظمات الإسلامية من تحريم إظهار فيلم محمد رسول الله، وإخراجه، ونشره، سواء فيما يتعلق بالرسول ﷺ، أو بأصحابه الكرام ﵃؛ لما في ذلك من تعريض مقام النبوة، وجلالة الرسالة، وحرمة الإسلام، وأصحاب الرسول ﷺ للازدراء والاستهانة والسخرية، وبعد المناقشة وتداول الرأي قرر المجلس تأييد رأيه السابق الذي تضمنه القرار والكتاب المشار إليهما آنفاً] . وورد في قرار آخر للهيئة يتعلق بتحريم تمثيل الصحابة الكرام: [قررت الهيئة بالإجماع ما يلي: ١- إن الله ﷾ أثنى على الصحابة وبين منزلتهم العالية ومكانتهم الرفيعة، وفي إخراج حياة أي واحدٍ منهم على شكل مسرحية أو فيلم سينمائي منافاة لهذا الثناء الذي أثنى الله تعالى عليهم به وتنزيل لهم من المكانة العالية التي جعلها الله لهم وأكرمهم بها. ٢- إن تمثيل أي واحد منهم سيكون موضعاً للسخرية والاستهزاء به ويتولاه أناسٌ غالباً ليس للصلاح والتقوى مكان في حياتهم العامة والأخلاق الإسلامية، مع ما يقصده أرباب المسارح من جعل ذلك وسيلة إلى الكسب المادي، وأنه مهما حصل من التحفظ فسيشتمل على الكذب والغيبة كما يضع تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم في أنفس الناس وضعاً مزرياً، فتتزعزع الثقة بأصحاب الرسول ﷺ وتخف الهيبة التي في نفوس المسلمين من المشاهدين، وينفتح باب التشكيك على المسلمين في دينهم والجدل والمناقشة في أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ويتضمن ضرورة أن يقف أحد الممثلين موقف أبي جهل وأمثاله ويجري على لسانه سب بلال وسب الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وما جاء به من الإسلام، ولا شك أن هذا منكر، كما يتخذ هدفاً لبلبلة أفكار المسلمين نحو عقيدتهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. ٣- ما يقال من وجود مصلحة، وهي إظهار مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب مع التحري للحقيقة وضبط السيرة وعدم الإخلال بشيء من ذلك بوجه من الوجوه رغبة في العبرة والاتعاظ، فهذا مجرد فرض وتقدير، فإن من عرف حال الممثلين وما يهدفون إليه، عرف أن هذا النوع من التمثيل يأباه واقع الممثلين ورواد التمثيل وما هو شأنهم في حياتهم وأعمالهم. ٤- من القواعد المقررة في الشريعة أن ما كان مفسدةً محضةً أو راجحةً فإنه محرمٌ، وتمثيل الصحابة على تقدير وجود مصلحة فيه، فمفسدته راجحة. فرعاية للمصلحة وسداً للذريعة وحفاظاً على كرامة أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فيجب منع ذلك.] مجلة البحوث الإسلامية ١/٢٢٣.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم تمثيل الملائكة لأنهم من عالم الغيب، ويحرم تمثيل الأنبياء والمرسلين، وتمثيلهم غضٌ من مقاماتهم الشريفة وينافي عصمتهم، فهم معصومون بعصمة الله لهم من كل النقائص، وتمثيلهم تنقيص لهم، وتعدٍ على مكانتهم الشريفة. ولا يجوز مشاهدة الأفلام والمسلسلات التي يُمثل فيها الملائكة والأنبياء والصحابة الكرام، ويجب عدم الاغترار بكون قنوات الرافضة الدينية تعرض هذه الأفلام والمسلسلات، فالرافضة من أكثر الناس توسعاً وتساهلاً في تشخيص الأنبياء وأئمتهم كعلي وابنه الحسين ﵄. ولا شك أن هذا انحراف واضح عن نهج الإسلام الصحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345626,"book_id":3840,"shamela_page_id":6,"part":"1","page_num":3,"sequence_num":6,"body":"٣ - حكم المظاهرات المؤيدة للمسلمين المستضعفين\rيقول السائل: ما قولكم في فتوى بعض العلماء بأن المظاهرات التي تقام لنصرة المسلمين المستضعفين من البدع، وبأنها أعمال غوغائية وضوضاء لا خير منها، وأنها تصد الناسَ عن ذكر الله ﷿، وأنها من الفساد في الأرض، أفيدونا؟\r\rالجواب: المظاهرات من الوسائل المعاصرة للتعبير عن الرأي وإظهار المشاعر والأحاسيس، وإذا أردنا أن نعطي حكماً شرعياً للمظاهرات، فلا بد أولاً من تحرير محل النزاع كما يقول الفقهاء، حتى يكون كلامنا دقيقاً، فالمظاهرات التي أتكلم عليها هي المظاهرات التي تخلو من المحرمات والمخالفات مثل: اختلاط الرجال بالنساء أثناء المظاهرة وخروج النساء متبرجات ومثل الاعتداء على ممتلكات الناس كتحطيم السيارات والمحلات أو حرق المباني واستخدام السباب والشتائم والهتاف بشعارات لا يقرها الشرع ونحو ذلك من المخالفات التي تحدث في المظاهرات. إذا تقرر هذا فإن المظاهرات تضبطها القواعد الشرعية التالية:\r\rأولاً: قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة وهذه القاعدة كما قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: [كلمةٌ جامعةٌ ومقالةٌ عامة وقضية فاضلة عظيمة المنفعة واسعة البركة يفزع إليها حملة الشريعة فيما لا يحصى من الأعمال وحوادث الناس] مجموع الفتاوى ٢/٥٣٥.\r\rومن المعلوم عند الفقهاء والأصوليين أن الأفعال داخلة في عموم القاعدة، قال العلامة العثيمين: [الأصل في الأشياء عموماً الأفعال والأعيان وكل شيء الأصل فيه الحل] القواعد الفقهية ص٣١، ومما يدل على ذلك ما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيءٌ يُنهى عن لنهى عنه القرآن) رواه البخاري ومسلم، قال العلامة ابن القيم: [وهو يدل على أمرين: أحدهما: أن أصل الأفعال الإباحة ولا يحرم منها إلا ما حرمه الله على لسان رسوله....] إعلام الموقعين ٢/٣٨٧\r\rوقال الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: [وأحب أن أنبه هنا على أن أصل الإباحة لا يقتصر على الأشياء والأعيان بل يشمل الأفعال والتصرفات التي ليست من أمور العبادة وهي التي نسميها (العادات والمعاملات) فالأصل فيها عدم التحريم وعدم التقييد إلا ما حرمه الشارع وألزم به، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ سورة الأنعام الآية ١١٩، عامٌ في الأشياء والأفعال. وهذا بخلاف العبادة فإنها من أمر الدين المحض الذي لا يؤخذ إلا عن طريق الوحي وفيها جاء الحديث الصحيح: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ) ... قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله ﷾ ... ] القواعد النورانية ١١٢-١١٣] الحلال والحرام ص٢١-٢٣. وبناءً على ما سبق فإن المظاهرات داخلة تحت القاعدة السابقة والقول بتحريمها باطلٌ لأنه لا تحريم إلا بنص.\r\rثانياً: قرر العلماء أن للوسائل أحكام المقاصد، فالمظاهرات وسيلة للتضامن مع المسلمين، وفيها إظهارٌ للحق، ورفضٌ للظلم، وشحذٌ للهمم، وتعبيرٌ عن كون المسلمين كالجسد الواحد، كما قال ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) رواه البخاري ومسلم. فلا شك أن المظاهرة وسيلة لمقاصد عظيمة، وهذه المقاصد مطلوبة شرعاً، فالوسيلة المؤدية إليها مطلوبة شرعاً، قال الإمام العز بن عبد السلام: [للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد، هي أرذل الوسائل] قواعد الأحكام ١/٤٦. وقال الإمام شهاب الدين القرافي: [وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل غير أنَّها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها، والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة، ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد وسيلة الوسيلة] الفروق ٢/٣٣. وقال العلامة العثيمين: [وقد قال أهل العلم للوسائل أحكام المقاصد فما كان وسيلةٌ لمطلوبٍ فهو مطلوب وما كان وسيلةً لمنهيٍ منه فهو منهيٌ عنه] عن شبكة الإنترنت.\r\rثالثاً: إذا سلَّمنا بأنه لم يرد دليل شرعي خاص في المظاهرات – مع أن القائلين بالجواز أوردوا أدلة كثيرة - فيمكن تخريج جواز المظاهرات بناءً على قاعدة المصلحة المرسلة، وهي التي لم يرد دليل من الشرع باعتبارها ولا بإلغائها. فيقال [هذه الممارسات التي لم ترد في العهد النبوي، ولم تعرف في العهد الراشدي، ولم يعرفها المسلمون في عصورهم الأولى، وإنما هي من مستحدثات هذا العصر: إنما تدخل في دائرة المصلحة المرسلة ... وشرطها: أن لا تكون من أمور العبادات حتى لا تدخل في البدعة، وأن تكون من جنس المصالح التي أقرها الشرع، والتي إذا عرضت على العقول، تلقتها بالقبول، وألا تعارض نصاً شرعياً، ولا قاعدة شرعية. وجمهور فقهاء المسلمين يعتبرون المصلحة دليلاً شرعياً يُبنى عليها التشريع أو الفتوى أو القضاء، ومن قرأ كتب الفقه وجد مئات الأمثلة من الأحكام التي لا تعلل إلا بمطلق مصلحةٍ تُجلب، أو ضررٍ يُدفع، وكان الصحابة – وهم أفقه الناس لهذه الشريعة- أكثر الناس استعمالاً للمصلحة واستناداً إليها] عن موقع إسلام أون لاين.\r\rرابعاً: إن ما زعمه المانعون من المظاهرات بأنها بدعة لم ترد في الشرع، وأن كل بدعة ضلالة، أقول هذا الكلام مردود، لأن الراجح من أقوال أهل العلم أن البدعة التي هي ضلالة، محصورة في العبادات ولا تدخل في الأمور العادية، قال الإمام الشاطبي: [فالبدعة إذا عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه. وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها بالعبادات] الاعتصام ١/٣٧. إذا تقرر هذا فإن البدعة هي التعبد لله بما لم يشرعه الله ﷾ ولا جاء به الرسول ﷺ ولم يأت عن الخلفاء الراشدين، وهذا لا يكون إلا في العقائد والعبادات، فالبدعة التي تُعدُّ بدعةً في الدين، هي البدعة في العقيدة أو العبادة قولية أو فعلية، كبدعة نفي القدر وبناء المساجد على القبور وإقامة القباب على القبور وقراءة القرآن عندها للأموات والاحتفال بالموالد إحياءً لذكرى الصالحين والوجهاء والاستغاثة بغير الله والطواف حول المزارات، فهذه وأمثالها كلها ضلال لقول النبي ﷺ: (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ... وأما الأمور العادية والدنيوية فالمحْدَث منها لا يسمى بدعةً شرعاً وإن سمي بدعة لغة، فلا تُعدُّ المحدثات الجديدة بدعاً في الدين مثل الطائرات ووسائل الاتصالات ومكبرات الصوت ... الخ. وكذلك ما يٌعدُّ من الوسائل كتعلم العلوم المختلفة كعلم النحو وكذا طبع المصحف وحفظه بوسائل الحفظ الحديثة كالأشرطة المسجلة والحاسوب ونحوها فهذه الوسائل لها أحكام الغايات والمقاصد فإذا كانت الغايات مشروعة كانت وسائلها المؤدية إليها مشروعة وليست من البدع في شيء.] إتباع لا ابتداع ص ٤٣-٤٤.\r\rوبناءً على ما سبق فالمظاهرات لا تدخل في مفهوم الدعة.\r\rخامساً: قول المانعين للمظاهرات بسبب ما يرافقها من أمور منكرة، لا يعني منعها مطلقاً، بل المنع يكون مُنصبَّاً على تلك الأمور المرافقة المحرمة فقط، ولا ينسحب هذا التحريم على أصل المسألة، ما دام هذا الأصل ضمن دائرة الإباحة.\r\rويضاف إلى ما سبق أن المظاهرات لنصرة المسلمين والوقوف مع المستضعفين، فيها نوعٌ من تحقيق الشعور بالأخوة الإسلامية وتعبيرٌ واضحٌ عن كون المؤمنين كالجسد الواحد، كما قال ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) . ولا شك أن هذا الأمر داخل في عقيدة أهل السنة والجماعة، هذه العقيدة التي يجب أن تطبق بشكل عملي، وليس مجرد كلام يطير مع الهواء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند حديثه عن أصول أهل السنة والجماعة: [ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة. ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات. ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص؛ يشدُ بعضُه بعضاً وشبَّك بين أصابعه، وقوله ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) . ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء.] العقيدة الواسطية. وأخيراً فإن وسيلة التظاهر لا تمنع التعبير عن الإخوة الإيمانية بوسائل أخرى كالدعم المالي والمادي والدعاء للمسلمين وخاصة في قنوت النوازل وفي قيام الليل، وغير ذلك.\r\rوخلاصة الأمر أن المظاهرات وسيلة مشروعة للتعبير عن الرأي وللتضامن مع المسلمين الذين يتعرضون للمحن والويلات والمآسي من تقتيلٍ وتشريدٍ وهدمٍ للمنازل وهدمٍ للمساجد والمؤسسات العامة والخاصة، والقول بأن المظاهرات بدعةٌ أو إفسادٌ في الأرض قول غير صحيح، تأباه قواعد الشريعة الإسلامية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345627,"book_id":3840,"shamela_page_id":7,"part":"1","page_num":4,"sequence_num":7,"body":"٤ - مظاهرة الكافرين على المسلمين تعتبر من نواقض الإسلام\rقول السائل: قرأت في بعض كتب العقائد أن مظاهرة الكافرين على المسلمين تعتبر من نواقض الإسلام، فما مدى صحة ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب: [اعلم أن نواقض الإسلام عشرة: الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وقال ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرَّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر. الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم، كفر إجماعاً. الثالث: من لم يكفِّر المشركين أو شكَّ في كفرهم أو صحح مذهبهم. الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه - كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه - فهو كافر. الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به، كفر. السادس: من استهزأ بشيءٍ من دين الرسول ﷺ أو ثوابه أو عقابه، والدليل قوله تعالى ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ . السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف- الصرف هو التفريق بين المرء وزوجه وأما العطف فهو التوفيق بين المرء وزوجه وكلاهما يتم بواسطة السحر - فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعلى ﴿وما هم بضارين به من أحدٍ إلا بأذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ . الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ . التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇، فهو كافر. العاشر: الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون﴾ . ولا فرق في جميع هذه بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطراً وأكثر ما يكون وقوعاً، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه.] الواجبات المتحتمات المعرفة على كل مسلم ومسلمة. وقد ذكر الشيخ حمه الله تعالى أن مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين من نواقض الإسلام، وهذا حق وصدق، فقد اتفق العلماء على أن مظاهرة الكفار على المسلمين كفر وردة عن الإسلام، قال العلامة عبد العزيز بن باز: [وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم] مجموع فتاوي ابن باز ١/٢٧٤. وقال العلامة عبد الله بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى بالسعودية سابقاً: [وأما التولي: فهو إكرامهم، والثناء عليهم، والنصرة لهم والمعاونة على المسلمين، والمعاشرة، وعدم البراءة منهم ظاهراً، فهذا ردةٌ من فاعله، يجب أن تجرى عليه أحكام المرتدين، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأئمة المقتدى بهم] الدرر السنية ١٥/ ٤٧٩. وقال العلامة الشيخ أحمد شاكر في فتوى له في بيان حكم التعاون مع الإنجليز والفرنسيين أثناء عدوانهم على مصر: [أما التعاون مع الإنجليز، بأي نوع من أنواع التعاون، قلّ أو كثر، فهو الردّة الجامحة، والكفر الصّراح، لا يقبل فيه اعتذار، ولا ينفع معه تأول، ولا ينجي من حكمه عصبية حمقاء، ولا سياسة خرقاء، ولا مجاملة هي النفاق، سواء أكان ذلك من أفرادٍ أو حكوماتٍ أو زعماء، كلهم في الكفر والردة سواء، إلا من جهل وأخطأ، ثم استدرك أمره فتاب وأخذ سبيل المؤمنين، فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم، إن أخلصوا لله، لا للسياسة ولا للناس] كلمة حق ١٢٦-١٣٧. وقالت لجنة الفتوى بالأزهر في فتوى لها: [ ... لا شك أن بذل المعونة لهؤلاء؛ وتيسير الوسائل التي تساعدهم على تحقيق غاياتهم التي فيها إذلال المسلمين، وتبديد شملهم، ومحو دولتهم؛ أعظم إثماً؛ وأكبر ضرراً من مجرد موالاتهم.. وأشد عداوة من المتظاهرين بالعداوة للإسلام والمسلمين ... والذي يستبيح شيئاً من هذا بعد أن استبان له حكم الله فيه يكون مرتداً عن دين الإسلام، فيفرق بينه وبين زوجه، ويحرم عليها الاتصال به، ولا يُصلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين ... ] مجلة الفتح العدد ٨٤٦. وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي: [إذا أعان المشركين على المسلمين فمعناه أنه تولى المشركين وأحبهم وتوليهم ردة، لأن هذا يدل على محبتهم، فإذا أعانهم على المسلمين بالمال أو بالسلاح أو بالرأي، دلَّ على محبتهم ومحبتهم ردة، فأصل التولي هو المحبة، وينشأ عنها الإعانة والمساعدة بالرأي أو بالمال أو بالسلاح فإذا أعان المشركين على المسلمين فمعناه أنه فضل المشركين على المسلمين] شرح نواقض الإسلام عن موقع صيد الفوائد. وقال الشيخ سليمان العلوان: [ومظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين فتنةٌ عظيمة قد عمت فأعمت، ورزيةٌ رمت فأصمت، وفتنةٌ دعت القلوب فأجابها كل قلب مفتون بحب المشركين، ولا سيما في هذا الزمن، الذي كثر فيه الجهل، وقلَّ فيه العلم، وتوفرت فيه أسباب الفتن، وغلب الهوى واستحكم، وانطمست أعلام السنن والآثار ... لأن مظاهرتهم ردة عن الإسلام.] التبيان شرح نواقض الإسلام ص ٤٩. وقال الشيخ سليمان العلوان أيضاً: [وقد حكى غيرُ واحدٍ من العلماء الإجماع على أن مظاهرة الكفار على المسلمين ومعاونتهم بالنفس والمال والذب عنهم بالسنان والبيان كفر وردة عن الإسلام قال تعالى ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ . وأي تولٍ أعظم من مناصرة أعداء الله ومعاونتهم وتهيئة الوسائل والإمكانيات لضرب الديار الإسلامية وقتل القادة المخلصين] . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز [أما الكفار الحربيون فلا تجوز مساعدتهم بشيء، بل مساعدتهم على المسلمين من نواقض الإسلام لقول الله ﷿ ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ ] فتاوى إسلامية الفتوى رقم ٦٩٠١. وقال الشيخ صالح الفوزان في شرح الناقض الثامن السابق: [الشيخ رحمه الله تعالى أخذ نوعاً واحداً من أنواع موالاة الكفار وهو المظاهرة، وإلا فالمولاة تشمل المحبة بالقلب والمظاهرة على المسلمين والثناء والمدح لهم إلى غير ذلك، لأن الله ﷾ أوجب على المسلمين معاداة الكفار وبغضهم والبراءة منهم، وهذا ما يسمى في الإسلام بباب الولاء والبراء] . وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: [أما مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين، هذا من نواقض الإسلام، كما هو مقرر في كتب فقه الحنابلة وذكره العلماء ومنهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في النواقض العشر في الناقض الثامن. وهذا الناقض مبني على أمرين: الأول: هو المظاهرة، والثاني: هو الإعانة، قال: مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين. والمظاهرة: أن يجعل طائفة من المسلمين - يجعلون - أنفسهم ظهراً للمشركين، يحمونهم فيما لو أراد طائفة من المؤمنين أن يقعوا فيهم، يحمونهم وينصرونهم ويحمون ظهورهم ويحمون بيضتهم، وهذا مظاهرة بمعنى أنه صار ظهراً لهم، فقول الشيخ ﵀ مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين مركبة من الأمرين – الناقض مركب من الأمرين – المظاهرة بأن يكون ظهراً لهم – بأي عملٍ يكون ظهراً يدفع عنهم ويقف معهم ويضرب المسلمين لأجل حماية هؤلاء. أما الثاني فالإعانة: إعانة المشرك] . وكلام أهل العلم في بيان ذلك كثير جداً لا يتسع المقام لذكره. وأما مستند إجماع العلماء على أن مظاهرة الكفار على المسلمين كفر وردة عن الإسلام، فأدلته كثيرة منها: قول الله تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ سورة آل عمران الآية ٢٨. وقوله الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً الَّذينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ سورةالنساء الآيتان ١٣٨-١٣٩.\r\rوقوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ سورة المائدة الآية٥١. قال ابن جرير الطبري في تفسير الآية: [والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصاراً وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيراً وحليفاً وولياً من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان] تفسير الطبري عن الإنترنت. وقال الشيخ ابن حزم: [صح أن قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾ إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين] . المحلى ١١/ ١٣٨.\r\rويدل على ذلك أيضاً قوله الله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَااتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ سورة المائدة الآيتان ٨٠-٨١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف لو التي تقتضي مع انتفاء الشرط انتفاء المشروط، فقال ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ فدلَّ على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه. ومثله قوله تعالى ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون مؤمناً، وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم، فالقرآن يصدق بعضه بعضاً] مجموع الفتاوى ٧/١٧-١٨. وغير ذلك من الأدلة.\r\rوخلاصة الأمر أن مظاهرة الكافرين على المسلمين تعتبر من نواقض الإسلام، ويدخل في ذلك مظاهرتهم مادياً كتقديم العون والمساعدة لهم بغض النظر عن شكلها وحجمها، وكذا تقديم الدعم المعنوي لهم كمساندتهم وممالئتهم في وسائل الإعلام المختلفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345628,"book_id":3840,"shamela_page_id":8,"part":"1","page_num":5,"sequence_num":8,"body":"٥ - من سب الصحابة ومنهم الزبير وطلحة ومعاوية فأمه هاوية\rقول السائل: ما قولكم فيما بثته القناة الإيرانية الثالثة في مقابلة مع الرئيس الإيراني أحمدي نجاد من تعدٍ على ثلاثة من الصحابة الكرام وهم الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله ومعاوية بن أبي سفيان ﵃، ووصف طلحة والزبير بالردة عن دين الإسلام بسبب ما حصل في موقعة الجمل وتنقص من معاوية، فما حكم الشرع في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: ما قاله الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ليس مستغرباً فهذا جزء من اعتقاد الشيعة في صحابة رسول الله ﷺ، فالشيعة الاثنا عشرية – شيعة إيران – يكفرون معظم الصحابة رضوان الله عليهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والرافضة كفَّرت أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعامة المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكفروا جماهير أمة محمد ﷺ من المتقدمين والمتأخرين. فيكفرون كل من اعتقد في أبي بكر وعمر والمهاجرين، والأنصار العدالة، أو ترضَّى عنهم كما ﵃، أو يستغفر لهم كما أمر الله بالاستغفار لهم، ولهذا يكفرون أعلام الملة: مثل سعيد بن المسيب، وأبي مسلم الخولاني، وأويس القرني، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، ومثل مالك والأوزاعي، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وفضيل بن عياض، وأبي سليمان الدارني، ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وغير هؤلاء، ويستحلون دماء من خرج عنهم، ويسمون مذهبهم مذهب الجمهور] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٨/٤٧٧. وما قاله الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في حق طلحة والزبير من أنهما ارتدا عن الإسلام بسبب موقفهما في معركة الجمل، فيه تكذيب صريح لرسول الله ﷺ، حيث أخبر النبي ﷺ أن طلحة والزبير ﵄ من العشرة المبشرين بالجنة، فقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، منها عن عبد الرحمن بن الأخنس أنه كان في المسجد فذكر رجلٌ علياً ﵁، فقام سعيد بن زيد فقال أشهد على رسول الله ﷺ أني سمعته وهو يقول: عشرة في الجنة النبي ﷺ في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام ف الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر، قال فقالوا من هو؟ فسكت قال فقالوا من هو؟ فقال هو سعيد بن زيد) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة حديث رقم ١١٠. فهؤلاء العشرة المذكورين، مقطوع بدخولهم الجنة لثبوت ذلك عن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في العقيدة الطحاوية: [وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة، نشهد لهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله ﷺ، وقوله الحق، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، علي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة ابن الجراح، وهو أمين هذه الأمة، ﵃ أجمعين] ص ٧٢٨، ثم ذكر شارح الطحاوية بعض فضائلهم فقال: [ ... وفي صحيح مسلم، عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ﷺ يوم أحد قد شلت. وفيه أيضاً عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيها النبي ﷺ غير طلحة وسعد. وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله قال: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق فانتدب الزبير، ثم ندبهم، فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ: لكل نبي حواري، وحواري الزبير، وفيهما أيضاً عن الزبير ﵁، أن النبي ﷺ قال: من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه فقال: فداك أبي وأمي ... وقد اتفق أهل السنة على تعظيم هؤلاء العشرة وتقديمهم، لما اشتهر من فضائلهم ومناقبهم ... والرافضة يتبرؤون من جمهور هؤلاء، بل يتبرؤون من سائر أصحاب رسول الله ﷺ، إلا من نفرٍ قليل، نحو بضعة عشر نفراً! !] شرح العقيدة الطحاوية ص ٧٢٩-٧٣٤. وأما معاوية بن أبي سفيان ﵁ والذي تنقصه الرئيس الإيراني أحمدي نجاد فهو صحابي ابن صحابي ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو متجاهل، وهو صحابي جليل، بل أطلق عليه العلماء أنه خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين. فهو خال المؤمنين لأن أخته حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ زوجة النبي ﷺ ومن أمهات المؤمنين وهو من كتبة الوحي فكان يكتب للنبي ﷺ القرآن، وقد عدد الحافظ ابن كثير كتاب الوحي وذكر منهم معاوية. وكذلك فإن معاوية ﵁ قد روى عن النبي ﷺ ١٦٣ حديثاً وخصص له الإمام أحمد في كتابه مسنداً خاصاً وروى له أكثر من مائة حديث. وكذا أبو يعلى الموصلي في مسنده والحميدي في مسنده، والطبراني في المعجم الكبير وغيرهم. قال الإمام النووي: [وأما معاوية ﵁ فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء ﵃] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٥٣٠. وقد وردت أحاديث نبوية في فضل معاوية ﵁ منها عن عبد الرحمن بن أبي عميرة وكان من أصحاب رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: (اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به) رواه الترمذي وقال العلامة الألباني: صحيح كما في السلسلة الصحيحة حديث رقم ١٩٦٩، وغير ذلك من الأحاديث. إذا تقرر هذا فإن حب الصحابة الكرام جزء من عقيدة المسلم، عقيدة أهل السنة والجماعة، قال الإمام الطحاوي: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان] العقيدة الطحاوية ص ٦٨٩. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ] شرح العقيدة الواسطية ص ١٤٢. وقد قامت على صحة هذه العقيدة ألا وهي حب الصحابة ﵃ أجمعين وحرمة سبهم وحرمة بغضهم عشرات الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وانعقد إجماع الصحابة على ذلك. فمن الآيات الكريمات الدالة على ذلك وفيها ثناء الله على الصحابة ﵃ قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ سورة التوبة الآية ١٠٠. وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ سورة آل عمران الآية ١١٠. وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ سورة الفتح الآية ٢٩. وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ سورة الحديد الآية ١٠. وأما الأحاديث النبوية فكثيرة منها عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه) رواه البخاري ومسلم. وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) رواه البخاري ومسلم. ونص أهل العلم على وجوب احترام الصحابة ﵃ أجمعين وأنه يحرم الطعن فيهم أو سبهم أو الانتقاص منهم. قال أبو زرعة الرازي: [إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق] ولتكن ممن يقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ سورة الحشر الآية ١٠] صب العذاب على من سب الأصحاب للألوسي ص٣٩١-٣٩٢. وقال الإمام النووي: [واعلم أن سبَّ الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون...] ثم نقل عن القاضي عياض قوله: [وسب أحدهم - أي الصحابة - من المعاصي الكبائر] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٧٢-٧٣. وقال الإمام الآجري: [ومن سبهم فقد سب رسول الله ﷺ، ومن سب رسول الله ﷺ، استحق اللعنة من الله ﷿ ومن الملائكة ومن الناس أجمعين] . وقال الإمام الآجري أيضاً: [لقد خاب وخسر من سب أصحاب رسول الله ﷺ لأنه خالف الله ورسوله ولحقته اللعنة من الله ﷿ ومن رسوله ومن الملائكة ومن جميع المؤمنين ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً لا فريضة ولا تطوعاً وهو ذليل في الدنيا وضيع القدر كثر الله بهم القبور وأخلى منهم الدور] من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية ص١٥.\r\rوخلاصة الأمر أن ما قاله الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في حق طلحة والزبير ومعاوية، يعتبر تعدياً على دين الإسلام، وتكذيباً لرسول الله ﷺ، وهذا الموقف منه إنما هو تجسيد لموقف الشيعة من الصحابة، ولعل في موقف الرئيس الإيراني أحمدي نجاد هذا تنبيهاً لبعض مشايخ المسلمين السنة الذين يقولون إنه لا فرق بين الشيعة والسنة ما دام الجميع يدينون بدين الإسلام وأنه لا يوجد خلاف كبير بين الشيعة وبين أهل السنة والجماعة إلا في الفروع الفقهية، ويظنون أن الشيعة ما هي إلا مذهب كأحد المذاهب الأربعة ولا يعرفون عن معتقدات الشيعة إلا شيئاً يسيراً. وهذه الظنون من الأخطاء الفاحشة، وعلى أهل السنة أن يحذروا من خطورة هذه الأفكار، والواجب عليهم أن ينتبهوا للمد الشيعي في بلادهم، وينبغي أن يعلم أن من سب الصحابة ومنهم طلحة والزبير ومعاوية، فأمه هاوية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345629,"book_id":3840,"shamela_page_id":9,"part":"1","page_num":6,"sequence_num":9,"body":"٦ - تحذير الشيخ القرضاوي من الغزو الشيعي\rيقول السائل: ما قولكم في التحذير الذي صدر عن الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي من الغزو المذهبي الشيعي لمسلمي أهل السنة، وهل يمكن إنهاء الخلاف بين السنة والشيعة أو التقارب بينهما، أفيدونا؟\r\rالجواب: كثير من المسلمين في العالم الإسلامي وخاصة في بلادنا، لا يعرفون عن معتقدات الشيعة إلا شيئاً يسيراً، بل إنهم يظنون أن الشيعة ما هي إلا مذهب كأحد المذاهب الأربعة، وأنه لا يوجد خلاف كبير بين الشيعة وبين أهل السنة والجماعة، إلا في الفروع الفقهية، ولا شك أن هذا ظن خاطئ، سببه عدم الاطلاع على عقائد الشيعة بشكل صحيح، ومن مصادرهم المعتمدة أو حسن ظن بهم وهو في غير محله. وكثيرون يزعمون أنه لا فرق بين الشيعة والسنة ما دام الجميع يدينون بدين الإسلام، وقد تعالت أصوات كثيرة - بعدما قاله الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي مؤخراً عن المد الشيعي والتمدد على حساب أهل السنة- ونادت تلك الأصوات بعدم فتح النقاش فيما عليه الشيعة من أفكار بحجة المحافظة على وحدة المسلمين وأن الواجب الشرعي يحتم الوقوف صفاً واحداً، سنةً وشيعةً أمام أعداء الإسلام، ولا بد من التقريب بين مذهب أهل السنة وبين الشيعة إلى غير ذلك من الدعوات.\r\rوتحذير الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي من الغزو الشيعي هو عين الحق والصواب وإن جاء متأخراً، فمن المعلوم أن الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي كان من أنصار التقريب بين السنة والشيعة، وطالما دعا إلى ذلك قولاً وعملاً، ولكنه انتبه أخيراً إلى أن دعوات التقريب إنما هي دعوات فارغة، وأن التقريب الذي يريده الشيعة هو تقريب أهل السنة للمذهب الشيعي وتخليهم عن عقيدة أهل السنة والجماعة. وقد سبق أن وصل لمثل هذه النتيجة الدكتور مصطفى السباعي رحمة الله عليه حيث قال: [فتحت دار للتقريب بين السنة والشيعة في القاهرة منذ أربعة عقود، لكنهم رفضوا أن تفتح دور مماثلة في مراكزهم العلمية كالنجف وقم وغيرها لأنهم يريدون تقريبنا إلى دينهم] السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي.\r\rومما لاشك فيه أن الخلاف بين أهل السنة والشيعة خلاف في العقائد والأصول وليس خلافاً في الفروع، فعند الشيعة الكثير من العقائد الباطلة، ويعرف ذلك من يقرأ في مصادرهم المعتمدة، وإن حاول بعض مراجعهم الدينية المعاصرون إخفاء ذلك أو عدم الحديث عنه، وهم يفعلون ذلك انطلاقاً من مبدأ التقية وهي عقيدة دينية تبيح لهم التظاهر بغير ما يبطنون ويقولون: (من لا تقية له لا دين له) . يقول الشيخ محب الدين الخطيب: [وأول موانع التجاوب الصادق بإخلاص بيننا وبينهم ما يسمونه التقية فإنها عقيدة دينية تبيح لهم التظاهر لنا بغير ما يبطنون، فينخدع سليم القلب منا بما يتظاهرون له به من رغبتهم في التفاهم والتقارب وهم لا يريدون ذلك ولا يرضون به، ولا يعلمون له، إلا على أن يبقى من الطرف الواحد مع بقاء الطرف الآخر في عزلته لا يتزحزح عنها قيد شعرة] الخطوط العريضة ص١١. ولا شك لديَّ أن أغلب شيعة اليوم ما هم إلا صورة طبق الأصل عن كتبهم السوداء وما فيها من عقائد باطلة، وهذا ظاهر وواضح وضوح الشمس في مقالاتهم ودروسهم على قنواتهم الفضائية وعلى مواقعهم على شبكة الإنترنت.\r\rوإني لآسفٌ على بعض المسلمين من أهل السنة من المشايخ والكتاب والدعاة الذين يضعون رؤؤسهم في الرمال ويتباكون على وحدة المسلمين ويتعامون عن الحقائق الناصعة التي تبين أباطيل الشيعة وأكاذيبهم وافتراءاتهم على دين الله، وكأني بهؤلاء ما اطلعوا على المصادر المعتمدة عند الشيعة التي تذكر بما لا يدع مجالاً للشك هذه العقائد الباطلة التي يعتقد بها الشيعة قديماً وحديثاً، كطعنهم في القرآن الكريم وزعمهم بأنه ناقص حيث ألف أحد كبار علماء النجف، وهو الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي كتاباً سماه: \" فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب \" جمع فيه مئات النصوص عن علماء الشيعة ومجتهديهم في مختلف العصور زعموا فيها بأن القرآن قد زيد فيه ونقص منه، وقد طبع كتاب الطبرسي هذا في إيران. ويقول المفسر الشيعي محسن الكاشاني: \"إنّ القرآن الذي بين أيدينا ليس بتمامه كما أُنزل على محمد ﷺ، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغيرٌ محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة \". تفسير الصافي، المقدمة- محسن الكاشاني) . انظر الخطوط العريضة ص ١٤، الوشيعة في كشف شنائع وضلالات الشيعة ص ٣٤. وأين هؤلاء من قول الله ﷿ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ سورة الحجر الآية ٩٠. [كما أن الشيعة يردون كتب السنة جملةً وتفصيلاً فلا يعتبرونها ولا يُقِرّونها، وترتب على ردِّهم للسنة أن يوجدوا بدائل وهذه البدائل هي أقوال الأئمة، لذلك لا تجد لهم في كتبهم من الأحاديث ما هو مرفوع للنبي ﷺ إلا نادراً بالذات كتب الفقه الشيعي، لا تجد فيها عن فلان عن فلان عن النبي صلى الله وسلم، فكل الروايات تسند عن أئمتهم. فالسنة عندهم ليست سنة النبي ﵇ فحسب؛ بل سنة الأئمة الإثني عشر، وأقوال هؤلاء الأئمة كأقوال الله ورسوله، ولهذا اعترفوا بأن هذا مما ألحقته الشيعة بالسنة المطهرة، قالوا: \"وألحق الشيعة الإمامية كلّ ما يصدر عن أئمتهم الإثني عشر من قول أو فعل أو تقرير بالسنة الشريفة\"محمد تقي الحكيم، سنة أهل البيت ص٩.] الوشيعة في كشف شنائع وضلالات الشيعة ص ٨٧-٨٨. كما أنهم لا يقبلون روايات السنة النبوية التي اعتمدها أهل السنة فعندهم كتاب الكافي للكليني وهو بمثابة صحيح البخاري عندنا، وهو كتاب مملوءٌ بالأكاذيب. كما أنهم يلعنون أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ ويلعنون عدداً كبيراً من صحابة رسول الله ﷺ، ويطلقون على أبي بكر وعمر \" الجبت والطاغوت\" كما جاء في أكبر وأكمل كتبهم في الجرح والتعديل، وهو كتاب (تنقيح المقال في أحوال الرجال ١/٢٠٧ لشيخ الطائفة الجعفرية العلامة الثاني آية الله المامقاني. وجاء في تفسير القمي عند قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ سورة النحل الآية ٩٠، قالوا: الفحشاء أبو بكر، والمنكر عمر، والبغي عثمان. وزعم الشيعة أن مهديهم عندما يرجع فإنه يخرج أبا بكر وعمر ﵄ من قبريهما، ويصلبهما ويحرقهما. الأنوار النعمانية ٢/٨٥. وعند الشيعة دعاء يسمونه (دعاء صنمي قريش) ويعنون بهم أبا بكر وعمر، ونص دعائهم: \" اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، والعن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما وابنتيهما ... الخ\" ويريدون بابنتيهما أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة ﵄، وهذا الدعاء في كتابهم (مفتاح الجنان) ص١١٤. كما أنهم يعظمون قاتل عمر بن الخطاب ويسمونه\" بابا شجاع الدين \" وهو أبو لؤلؤة المجوسي، ويحتفلون بيوم مقتل عمر ﵁، وقد قال القمي الأحوص من مشايخ الشيعة المعروفين: إن يوم قتل عمر بن الخطاب هو يوم العيد الأكبر ويوم المفاخرة ويوم التبجيل ويوم الزكاة العظمى ويوم البركة ويوم التسلية. ولذا فإنهم أقاموا له نصباً تذكارياً في إيران يعظمونه ويقدسونه. كما أن الشيعة يكفرون كل من لا يؤمن بولاية الأئمة الاثني عشر، يقول رئيس محدثيهم محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق في رسالة الاعتقادات ص١٠٣ ط مركز نشر الكتاب إيران ص١٣٧٠ما نصه: [واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من بعده ﵈ أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وأنكر نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله] . وعقائد الشيعة الباطلة كثيرة جداً لا يتسع المقام لذكرها. وأخيراً أذكرُ للمتباكين على الوحدة مع الشيعة وأنه لا فرق بين سني وشيعة عقيدة الطينة التي يعتقد بها الشيعة، وملخص هذه العقيدة: \"أن الشيعي خلق من طينة خاصة والسني خلق من طينة أخرى، وجرى المزج بين الطينتين بوجه معين، فما في الشيعي من معاصي وجرائم هو من تأثره بطينة السني، وما في السني من صلاح وأمانة هو بسبب تأثره بطينة الشيعي، فإذا كان يوم القيامة فإنّ سيئات وموبقات الشيعة توضع على أهل السنة، وحسنات أهل السنة تعطى للشيعة\". أصول مذهب الشيعة الإمامية ٢/٩٥٦. واسمعوا يا دعاة التقريب ما قاله الدكتور عبد المنعم النمر في كتابه المؤامرة على الكعبة من القرامطة إلى الخميني ص ١١٨: [ولكننا نحن العرب السنيين لا نفطن إلى هذا، بل ظننا أن السنين الطويلة قد تكفلت مع الإسلام بمحوه وإزالته، فلم يخطر لنا على بال، فشاركنا الإيرانيين فرحهم واعتقدنا أن الخميني سيتجاوز أو ينسى مثلنا، كل هذه المسائل التاريخية، ويؤدي دوره كزعيم إسلامي لأمة إسلامية يقود الصحوة الإسلامية منها، وذلك لصالح الإسلام والمسلمين جميعاً، لا فرق بين فارسي وعربي، ولا بين شيعي وسني، ولكن أظهرت الأحداث بعد ذلك أننا كنا غارقين في أحلام وردية، أو في بحر آمالنا، مما لا يزال بعض شبابنا ورجالنا غارقين فيها حتى الآن برغم الأحداث المزعجة] . ولا بد من التأكيد على أن كثيراً من دعاة التقريب بين السنة والشيعة قد أُتوا من عدم اطلاعهم على أمهات كتب الشيعة المعتمدة، وكذا عدم معرفتهم بخايانات الشيعة على مر العصور والأيام وأشهرها الدور الخياني للوزير ابن العلقمي في سقوط بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، انظر كتاب خايانات الشيعة وأثرها في هزائم الأمة الإسلامية ص ٨١.\r\rوخلاصة الأمر أن تحذير الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي من الغزو المذهبي الشيعي لمسلمي أهل السنة تحذير صحيح، ولكن وقته متأخر جداً، ودعوات التقريب بين السنة والشيعة دعوات فارغة من المضمون، لأن التقريب الذي يريده الشيعة هو إدخال أهل السنة في المذهب الشيعي، ويجب على أهل العلم والدعاة أن يكونوا على بينة من عقائد الشيعة، وعليهم أن يوقنوا بأن شيعة اليوم ما هم إلا نسخة طبق الأصل عن شيعة الأمس، كما أن عليهم أن لا يخلطوا بين مواقف بعض الشيعة السياسية وبين عقائدهم الباطلة. ومن زعم أنه لا فرق بين سني وشيعي فهو واهمٌ غافل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345630,"book_id":3840,"shamela_page_id":10,"part":"1","page_num":7,"sequence_num":10,"body":"٧ - التعامل مع الجن في العمليات الجراحية\rيقول السائل: في مدينتنا شخص يزعم أنه يقوم بعمليات جراحية للمرضى عن طريق الاستعانة بالجن المسلم، وقد توافد عليه أعداد كثيرة من المرضى، وأجرى لهم عمليات جراحية كانت مستعصية على الأطباء، وقد شاهدنا بعض من أجريت لهم العمليات الجراحية ورأينا آثار تلك العمليات كوجود شق طولي في الجلد، فما قولكم في ذلك، أفيدونا؟\rالجواب: الجن خلق من خلق الله ﷿ وقد أخبرنا الله ﷻ أنه قد خلقهم من نار فقال تعالى ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ سورة الرحمن الآية ١٥، وقال تعالى ﴿وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ سورة الحجر الآية ٢٧، وطبيعة الجن وخصائصهم وقدراتهم تخالف الإنس، قال تعالى مخبراً عن الجن ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾ سورة الجن الآيتان ٨ -٩، وأخبر ﷿ عن تسخير الجن لسليمان ﵇ فقال تعالى ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ، يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ سورة سبأ الآيتان ١٢ – ١٣. والجن مكلفون بعبادة الله ﷾ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ سورة الذاريات ٥٦ وقال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ﴾ سورة الأنعام الآية ١٣٠ وقد أسلمت طائفة من الجن، قال تعالى ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ سورة الأحقاف الآية ٢٩ وقال تعالى ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ سورة الجن الآية ١. فالجن منهم المسلمون ومنهم الكفار كما قال تعالى ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾ سورة الجن الآية ١١. إذا تقرر هذا فإن مسألة استعانة الإنسان بالجان من المسائل التي أثيرت قديماً وحديثاً، بل إن الناس في الجاهلية كانوا يستعينون بالجن كما قال تعالى ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ سورة الجن الآية ٦، وقد فصلَّ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ استعانة الإنس بالجن حيث قال: [فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسوله من عبادة الله وحده وطاعة نبيه ويأمر الإنس بذلك فهذا من أفضل أولياء الله تعالى وهو في ذلك من خلفاء الرسول ونوابه. ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له كأن يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حرم عليهم ويستعملهم في مباحات له فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك وهذا إذا قدر أنه من أولياء الله تعالى فغايته أن يكون في عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ومن كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله إما في الشرك وإما في قتل معصوم الدم أو في العدوان عليهم بغير القتل كتمريضه وإنسائه العلم وغير ذلك من الظلم، وإما في فاحشة كجلب من يطلب منه الفاحشة فهذا قد استعان بهم على الإثم والعدوان ثم إن استعان بهم على الكفر فهو كافر وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص إما فاسق وإما مذنب غير فاسق وإن لم يكن تام العلم بالشريعة فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات، مثل أن يستعين بهم على الحج أو أن يطيروا به عند السماع البدعي أو أن يحملوه إلى عرفات ولا يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله وأن يحملوه من مدينة إلى مدينة ونحو ذلك فهذا مغرور قد مكر به] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١١/٣٠٧ -٣٠٨. وقد اعتمد كثير من الناس على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية السابق في جواز الاستعانة بالجن في العلاج، ولكن المحققين من العلماء يرون أن كلام ابن تيمية لا يفيد ذلك، قال العلامة العثيمين: [وقد اتخذ بعض الرقاة كلام شيخ الإسلام ﵀ متكئاً على مشروعية الاستعانة بالجن المسلم في العلاج بأنه من الأمور المباحة، ولا أرى في كلام شيخ الإسلام ما يسوغ لهم هذا فإذا كان من البدهيات المسلّم بها أن الجن من عالم الغيب يرانا ولا نراه الغالب عليه الكذب معتد ظلوم غشوم مجهولة عدالته لذا روايته للحديث ضعيفة فما هو المقياس الذي نحكم به على أن هذا الجني مسلم وهذا منافق وهذا صالح وذاك طالح؟] عن شبكة الإنترنت.\rوالذي تطمئن إليه نفسي أنه لا يجوز شرعاً الاستعانة بالجن في الطب والعلاج ولا في إجراء العمليات الجراحية لما يلي:\rأولاً: سلمنا أن للجن قدرات خارقة، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، ولكن رسول الله ﷺ – وهو قدوتنا وأسوتنا – لم يستعن بالجن في هذه الأمور ولا في غيرها مع أنه ﷺ مرَّ في ظروف عصيبة هو أصحابه الكرام فلم يثبت أنه ﷺ استعان بالجن، فمن ذلك حادثة الهجرة فقد كان ﷺ بأمس الحاجة للمساعدة لينجو من كفار قريش، وكذلك فلم يستعن بالجن في غزواته ﷺ، وكذلك عندما مرض ﷺ أو عندما سحر، أو عندما مرض أو جرح عدد من الصحابة رضوان الله عليهم في الغزوات وغيرها فلم يثبت أنهم استعانوا بالجن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والنوع الثالث أن يستعملهم في طاعة الله ورسوله، كما يستعمل الإنس في مثل ذلك، فيأمرهم بما أمر الله به ورسوله وينهاهم عما نهاهم الله عنه ورسوله كما يأمر الإنس وينهاهم، وهذا حال نبينا محمد ﷺ، وحال من اتبعه واقتدى به من أمته وهم أفضل الخلق، فإنهم يأمرون الإنس والجن بما أمرهم الله به ورسوله، وينهون الإنس والجن عما نهاهم الله عنه ورسوله ... ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١٣/٨٨. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [فلم يستخدم الجن أصلاً - أي رسول الله ﷺ لكن دعاهم إلى الإيمان بالله، وقرأ عليهم القرآن، وبلَّغهم الرسالة، وبايعهم كما فعل بالإنس] مجموع فتاوى شيخ الإسلام١٣/٨٩.\rثانياً: إن الإسلام قد شرع التداوي، فإذا مرض الإنسان فعليه أن يذهب إلى الأطباء للمعالجة وهذا من باب الأخذ بالأسباب ولا ينافي التوكل على الله، وقد جاء في حديث أسامة بن شريك ﵁ قال: قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: (نعم عباد الله، تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً إلا داءً واحداً، قالوا يا رسول الله، وما هو؟ قال: الهرم) رواه الترمذي وابن ماجة، وقال العلامة الألباني: حديث صحيح. وقد قرر العلماء أن الذي يتولى المداواة لا بد أن يكون من أهل الطب والخبرة وقد ورد في الحديث، أنه ﵊ قال: (من طبب ولم يُعلم منه طب فهو ضامن) رواه أبو داود وابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. وجاء في رواية أخرى (أيما طبيب تطبب على قوم لا يُعرف له تطبب قبل ذلك فأعنت فهو ضامن) رواه أبو داود، وقال العلامة الألباني: حديث حسن، كما في صحيح سنن أبي داود ٣/٨٦٦ - ٨٦٧. لا يجوز اللجوء إلى المشعوذين أو الدجالين ونحوهم للمعالجة وإن تحقق على أيديهم شفاء بعض الحالات المرضية فلا يجوز أن ننخدع بصدقهم فإنهم دجالون كذبة.\rثالثاً: لو كان الأمر كما يزعم هؤلاء المستعينين بالجن في إجراء العمليات الجراحية، لما كان هنالك حاجة لدراسة الطب، ولا حاجة لإنشاء كليات الطب ولا المستشفيات ولا العيادات ونحوها، ولكان الناس في غنىً عن كل ذلك، وإذا كان الأمر كما يزعمون فلماذا لا يستعينون بالجن في أمور أعظم من ذلك!!!\rرابعاً: إن زعم هؤلاء أنهم يستعينون بالجن المسلم، كلام غير مقبول ولا يقوم على دليل صحيح، لأنهم يعتمدون على خبر الجن بأنهم مسلمون، وخبرهم محتمل للصدق وللكذب، فما الذي يدرينا أنهم مسلمون حقاً؟\rخامساً: لو سلمنا جدلاً بصحة زعم هؤلاء، فيجب إغلاق هذا الباب من باب سد الذرائع، لما قد يترتب عليه من المفاسد، كإيقاع بعض الناس في الشرك، فمن المعلوم عند أهل العلم أن الجن في الغالب لا يقدمون خدمة للإنسان إلا إذا أشرك بالله ﷿.\rسادساً: [الجن خلق من خلق الله يعتريهم الجهل والقصور، ولا يعلمون ما غاب عنهم إلا بالطريقة الخلقية من خبرٍ أو نظر، فكيف تستطيع الجن أن تعرف خبر علة خفية، أو عينٍ نفسية، وهي التي مكثت سنة كاملة بين يدي سليمان ﵇ تخدمه بكل تعب وعناء، وما علمت بموته؟! قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ سورة سبأ الآية١٤] تحذير أهل الإيمان من إباحة العبيكان الاستعانة بالجان ص ٢٢.\rوأخيراً أنبه على أن كثيراً من أهل العلم المعاصرين قد أفتوا بتحريم الذهاب إلى من يدَّعون العلاج عن طريق الاستعانة بالجن فقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية ما يلي: [لا يجوز لذلك الرجل أن يستخدم الجن، ولا يجوز للناس أن يذهبوا إليه طلباً لعلاج الأمراض عن طريق ما يستخدمه من الجن ولا لقضاء المصالح عن ذلك الطريق. وفي العلاج عن طريق الأطباء من الإنس بالأدوية المباحة مندوحة وغنية عن ذلك مع السلامة من كهانة الكهَّان. وقد صحَّ عن الرسول ﷺ أنه قال (من أتى عرَّافاً فسأله عن شيء: لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة) رواه مسلم. وخرَّج أهل السنن الأربعة والحاكم وصححه أن النبي ﷺ قال (من أتى كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) . وهذا الرجل وأصحابه من الجن يعتبرون من العرَّافين والكهنة، فلا يجوز سؤالهم ولا تصديقهم] فتاوى اللجنة الدائمة ١ / ٤٠٨ - ٤٠٩.\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز شرعاً الذهاب إلى من يدَّعي أنه يقوم بإجراء العمليات الجراحية وغيرها من وسائل العلاج عن طريق الجن، وأن هذا باب شرٍ يجب سده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345631,"book_id":3840,"shamela_page_id":11,"part":"1","page_num":8,"sequence_num":11,"body":"٨ - كتاب الجفر مكذوب على علي ﵁\rيقول السائل: قرأت في كتابٍ يتحدث عن المهدي المنتظر أن كتاب الجفر المنسوب إلى علي ﵁ كتاب صحيح النسبة إليه، فما قولكم في ذلك، أفيدونا.\rالجواب: كتاب الجفر المنسوب إلى علي ﵁ أو إلى جعفر الصادق ﵀ من أكاذيب الرافضة ومن ضلالاتهم، وأود بداية أن أعرِّف بكتاب الجفر كما ورد في مصادر الشيعة حيث قالوا: [كتاب الجَفْر هو كتابٌ أملاه رسول الله محمد صلَّى الله عليه وآله في أواخر حياته المباركة على وصيِّه وخليفته علي بن أبي طالب ﵇ وفيه علم الأولين والآخرين ويشتمل على علم المنايا والبلايا وعلم ما كان ويكون إلى يوم القيامة وقد جُمعت هذه العلوم في جلد شاة] ثم ذكر أنه [بعد الإطلاع على الأحاديث الواردة عن أهل البيت ﵈ ودراستها أن الأئمة تحدثوا عن جِفارٍ أربعة لا عن جَفْرٍ واحد، أما الجفر الأول فهو كتابٌ، والثلاثة الأخرى أوعيةٌ ومخازن لمحتويات ذات قيمة علمية ومعلوماتية ومعنوية كبيرة، وهذه الجِفار هي: كتاب الجَفْر والجَفْر الأبيض والجَفْر الأحمر والجَفْر الكبير الجامع] عن موقع الكرباسي الشيعي على الإنترنت. وكلمة الجفر تعني جلد الماعز حيث زعموا أن ذلك الكتاب كتب في جلد ماعز أو جلد ثور، إذا تقرر هذا فإن النفس البشرية تطمح إلى معرفة أحوالها المستقبلية وما قد يحدث لها وهذا أمر مقرر من القدم يقول ابن خلدون [اعلم أن من خواص النفوس البشرية التشوف إلى عواقب أمورهم، وعلم ما يحدث لهم من حياة وموت وخير وشر، سيما الحوادث العامة كمعرفة ما بقي من الدنيا، ومعرفة مُدد الدول أو تفاوتها. والتطلع إلى هذا طبيعة للبشر مجبولون عليها. ولذلك نجد الكثير من الناس يتشوفون إلى الوقوف على ذلك في المنام. والأخبار من الكهان لمن قصدهم بمثل ذلك ... ] مقدمة ابن خلدون ص٣٣٠.\rهذا أولاً، وأما ثانياً فإن كتاب الجفر ذكرت فيه أمور غيبية مستقبلية من تغير دول ووقوع حروب وكوارث ... إلخ ومن المقرر عند أهل العلم أن علم الغيب مختص بالله ﷿ قال الله تعالى ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ سورة النمل الآية ٦٥، وقال تعالى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ سورة الجن الآية ٢٦، وقال تعالى ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ سورة يونس الآية ٢٠، وقال تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ سورة الأنعام الآية ٥٩، وقال تعالى على لسان نبيه محمد ﷺ ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ سورة الأعراف الآية ١٨٨، وقال أيضاً ﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ سورة هود الآية ٣١. وقد قرر علماء الإسلام أن كتاب الجفر لا تصح نسبته بحال من الأحوال لعلي ﵁ أو إلى جعفر الصادق، قال ابن خلدون [واعلم أن كتاب الجفر كان أصله أن هارون بن سعيد العجلي، وهو رأس الزيدية، كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق، وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص. وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم على طريق الكرامة والكشف الذي يقع لمثلهم من الأولياء. وكان مكتوبا عند جعفر في جلد ثور صغير، فرواه عنه هارون العجلي وكتبه، وسماه الجفر باسم الجلد الذي كتب عليه، لأن الجفر في اللغة هو الصغير وصار هذا الاسم علماً على هذا الكتاب عندهم، وكان فيه تفسير القرآن وما في باطنه من غرائب المعاني مروية عن جعفر الصادق. وهذا الكتاب لم تتصل روايته ولا عرف عينه، وإنما يظهر منه شواذ من الكلمات لا يصحبها دليل.] مقدمة ابن خلدون ص٣٣٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأهل العلم بجعفر – الصادق - وأحواله يعلمون قطعاً أن ذلك مكذوب على جعفر كما كذب عليه الناقلون عنه الجدول في الهلال وكتاب الجفر والبطاقة والهفت واختلاج الأعضاء والرعود والبروق ونحو ذلك مما هو من كلام أهل النجوم والفلسفة ينقلونه عن جعفر وأهل العلم بحاله يعلمون أن هذا كله كذب عليه] بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية ص ٣٢٨.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [وأما الكتب والأسرار التي يدعونها عن جعفر الصادق، فمن أكبر الأشياء كذبًا حتى يقال: ما كُذب على أحد ما كُذب على جعفر ﵁. ومن هذه الأمور المضافة: كتاب الجَفْر، الذي يدعون أنه كتب فيه الحوادث. والجفر: ولد الماعز، يزعمون أنه كتب ذلك في جلده، وكذلك كتاب البطاقة الذي يدعيه ابن الحِلِّيّ ونحوه من المغاربة، ومثل كتاب: الجدول في الهلال، والهفت عن جعفر وكثير من تفسير القرآن وغيره.] مجموع الفتاوى ٤/٢٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [والإسماعيلية والقرامطة والباطنية الثنوية والحاكمية وغيرهم من الضلالات المخالفة لدين الإسلام، وما ينسبونه إلى علي بن أبي طالب، أو جعفر الصادق، أو غيرهما من أهل البيت، كالبطاقة والهفت والجدول والجفر، وملحمة بن عنضب وغير ذلك من الأكاذيب المفتراة باتفاق جميع أهل المعرفة، وكل هذا باطل ... ] مجموع الفتاوى ١١/٥٥. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [والكتب المنسوبة إلى علي ﵁ أو غيره من أهل البيت في الأخبار بالمستقبلات كلها كذب مثل كتاب الجفر والبطاقة وغير ذلك، وكذلك ما يضاف إليه من أنه كان عنده علم من النبي ﷺ خصه به دون غيره من الصحابة] منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية ٨/٦٨. وقال الإمام الذهبي [مناقب جعفر كثيرة، وكان يصلح للخلافة لسؤدده وفضله وعلمه وشرفه ﵁، وقد كذبت عليه الرافضة ونسبت إليه أشياء لم يسمع بها، كمثل كتاب الجفر، وكتاب اختلاج الأعضاء، ونسخ موضوعة.] تاريخ الإسلام ٣/٥٥وقال الشيخ محمد رشيد رضا عن كتاب الجفر: [لا يعرف له سند إلى أمير المؤمنين، وليس على النافي دليل، وإنما يطلب الدليل من مدعي الشيء، ولا دليل لمدعي هذا الجفر.] فتاوى محمد رشيد رضا ٤/١٣٠٧. وقال الشيخ شعيب الأرناؤط: [إن كتاب الجفر لا تصح نسبته إلى جعفر الصادق ﵀، والذين نسبوه إليه من أجهل الناس بمعرفة المنقولات والأحاديث والآثار، والتمييز بين صحيحها وضعيفها، وعمدتهم في المنقولات التواريخ المنقطعة الإسناد، وكثير منها من وضع من عًرف بالكذب والاختلاف، كأبي مخنف لوط، وهشام بن محمد السائب، وأمثالهما، وغير خافٍ على طلبة العلم أن ما لا يعلم إلا من طريق النقل لا يمكن الحكم بثبوته إلا بالرواية الصحيحة السند، فإذا لم توجد، فلا يسوغ لنا شرعاً وعقلاً أن نقول بثبوته] سير أعلام النبلاء ١٩/٥٤٣ الهامش. ومن أراد التوسع فليرجع إلى كتاب (كتب حذر منها العلماء) للشيخ مشهور حسن ١/١٠٨-١٢٤.\rولا بد من التنبيه إلى أن الروافض قد غالوا في علي ﵁ ونسبوا إليه أموراً كثيرة هو منها براء ومن ذلك ما نسبوه إليه من علم الغيب والحوادث المستقبلية وقد أبطل علي ﵁ ذلك بما صح عنه في الحديث أن أبا جحيفة ﵁ قال: قلت لعلي بن أبي طالب ﵁: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه، إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر) رواه البخاري. وروى مسلم عن إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه قال (خطبنا علي بن أبي طالب فقال من زعم أن عندنا شيئاً نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة - قال وصحيفة معلقة في قراب سيفه- فقد كذب , فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات..)\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وبهذا الحديث ونحوه من الأحاديث الصحيحة استدل العلماء على أن كل ما يذكر عن علي ﵁ وأهل البيت من أنهم اختصوا بعلم خصهم به النبي ﷺ دون غيرهم كذب عليهم، مثل ما يذكر منه الجفر والبطاقة والجدول وغير ذلك وما يأثره القرامطة الباطنية عنهم فإنه قد كُذب على جعفر الصادق ﵁ ما لم يكذب على غيره وكذلك كُذب على علي ﵁ وغيره من أئمة أهل البيت ﵃.] مجموع الفتاوى ٢ / ٢١٧.\rوقال الإمام النووي في شرح الحديث السابق [هذا تصريح من علي رضي الله تعالى عنه بإبطال ما تزعمه الرافضة والشيعة ويخترعونه من قولهم إن علياً رضي الله تعالى عنه أوصى إليه النبي ﷺ بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة وأنه ﷺ خصَّ أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم، وهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفى في إبطالها قول علي ﵁ هذا] شرح النووي على صحيح مسلم ٩ / ١٤٣.\rوخلاصة الأمر أن كتاب الجفر المنسوب إلى علي ﵁ أو إلى جعفر الصادق من أكاذيب الرافضة ومن ضلالاتهم ولا يجوز شرعاً تصديق ما فيه من أباطيل، والغيب لا يعلمه إلا الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345632,"book_id":3840,"shamela_page_id":12,"part":"1","page_num":9,"sequence_num":12,"body":"٩ - مكانة المسجد الأقصى المبارك عند الشيعة\rيقول السائل: ما هي مكانة المسجد الأقصى المبارك عند الشيعة، أفيدونا؟\rالجواب: أذكر أولاً مكانة المسجد الأقصى المبارك عند أهل السنة والجماعة فمن ذلك قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقصى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة الإسراء الآية ١. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ (أن سليمان بن داود ﵇ لما بنى بيت المقدس سأل الله ﷿ خلالاً ثلاثةً سأل الله ﷿ حكما يصادف حكمه فأوتيه وسأل الله ﷿ ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه وسأل الله ﷿ حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان وهو حديث صحيح. وعن إبراهيم التيمي عن أبيه قال سمعت أبا ذر ﵁ قال (قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام قال قلت ثم أي؟ قال المسجد الأقصى، قلت كم كان بينهما قال أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله فإن الفضل فيه) رواه البخاري ومسلم، وقد وردت بعض الأحاديث في مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى فمن ذلك: عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام وهو حديث حسن كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/٧، ورواه البزار وقال إسناده حسن الترغيب والترهيب ٢/١٧٥. وعن أبي ذر ﵁ قال: (تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ أيهما أفضل أمسجد رسول الله ﷺ أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ: صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو وليوشكن لأن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً) رواه الحاكم والطبراني والطحاوي وغيرهم. وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد ٤/٧ وصححه العلامة الألباني بل قال عنه إنه أصح ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الأقصى، السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٩٠٢، تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص ٢٩٤.\rإذا تقرر هذا فإن الشيعة لهم رأي آخر في مكانة المسجد الأقصى المبارك كما يؤخذ من مراجعهم فمن ذلك ما يلي: زعم الشيعة أن المسجد الأقصى المذكور في أول سورة الإسراء إنما هو البيت المعمور الذي في السماء وليس المسجد الأقصى المعروف في بيت المقدس فقد ورد في تفسير الصافي للكاشاني ١/ ٦٦٩ – ٦٧٠ في تفسير قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) يعني إلى ملكوت المسجد الأقصى. قال: \" ذاك في السماء، إليه أسري رسول الله صلى الله عليه وآله \". وجاء في تفسير القمي عن الباقر ﵇ أنه كان جالساً في المسجد الحرام فنظر إلى السماء مرة وإلى الكعبة مرة ثم قال ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ وكرر ذلك ثلاث مرات ثم التفت إلى إسماعيل الجعفي فقال أي شئ يقول أهل العراق في هذه الآية يا عراقي؟ قال يقولون أسري به من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، فقال ليس كما يقولون ولكنه أسري به من هذه إلى هذه وأشار بيده إلى السماء وقال ما بينهما حرم. وقال العياشي عن أبي عبد الله قال: سألت عن المساجد التي لها الفضل فقال: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، قلت: والمسجد الأقصى جعلت فداك؟ قال: ذاك في السماء، إليه أسرى برسول الله عليه وسلم، فقلت: إن الناس يقولون إنه بيت المقدس فقال: \"مسجد الكوفة أفضل منه] تفسير الصافي ٣/ ١٦٦. وجاء في كتاب منتهى الآمال لعباس القمي ص ٧٠: [ ... والمشهور على أن المسجد الأقصى هو بيت المقدس ولكن يظهر من الأحاديث الكثيرة أن المراد منه هو البيت المعمور الذي يقع في السماء الرابعة وهو أبعد المساجد] .\rوروي الكليني في كتابه الكافي والطوسي في كتاب التهذيب، وابن قولوبه في كتاب كامل الزيارات، بالإسناد عن أبي عبد الله الصادق قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين – أي علي ﵁ وهو في مسجد الكوفة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فردَّ عليه، فقال: جعلت فداك إني أردت المسجد الأقصى، فأردت أن أسلم عليك، وأودعك، قال ﵇: وأي شيء أردت بذلك؟ ، فقال الفضل، جعلت فداك، قال ﵇: فبع راحلتك، وكل زادك، وصل في هذا المسجد - أي مسجد الكوفة -، فإن الصلاة المكتوبة فيه حجة مبرورة، والنافلة عمرة مبرورة، والبركة منه على اثني عشر ميلاً، يمينه يمن، ويساره مكرمة، وفي وسطه عين من دهن، وعين من لبن، وعين من ماء، شراب للمؤمنين، وعين من ماء، طاهر للمؤمنين. منه سارت سفينة نوح، وصلى فيه سبعون نبياً، وسبعون وصياً، أنا أحدهم، وقال بيده في صدره، ما دعا فيه مكروب بمسألة في حاجة من الحوائج إلا أجابه الله تعالى، وفرج عنه كربته. الكافي للكليني ٣/ ٤٩١ – ٤٩٢، وسائل الشيعة ٣/٥٢٩. وقد حرَّف الشيعة حديث شد الرحال المشهور في الصحيحين: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى) وجاءوا برواية مكذوبة على علي ﵁ ونصها (عن محمد بن علي بن الحسين قال: قال أمير المؤمنين ﵇: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﵇، ومسجد الكوفة.) وسائل الشيعة ٥/٢٥٧. ومن المعلوم أن الشيعة يقدسون أماكن لم تثبت لها أي قداسة لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ومن ذلك تقديسهم لكربلاء وخاصة قبر الحسين فعن أبي عبد الله قال: (إذا أردت الحج ولم يتهيأ لك، فائت قبر الحسين فإنها تكتب لك حجة، وإذا أردت العمرة ولم يتهيأ لك فائت قبر الحسين فإنها تكتب لك عمرة) وسائل الشيعة ١٠/٣٣٢. بل تدرج بهم الغلو إلى الاعتقاد بأفضلية زيارة قبر الحسين في كربلاء على الحج فعن أبي عبد الله قال: (من زار قبر \" الحسين \" يوم عرفة كتب الله له ألف ألف حجة مع القائم ﵇ وألف ألف: عمرة مع رسول الله، وعتق ألف نسمة وحملان ألف فرس في سبيل الله، وسماه الله ﷿ عبدي الصديق آمن بموعدي وقالت الملائكة: فلان صديق زكاه الله من فوق عرشه، وسمي في الأرض كروبياً) وسائل الشيعة ١٠/٣٦٠. ومما يقدسه الشيعة مسجد الكوفة، فقد روى الكليني عن الإمام الصادق ﵇ عن هارون بن خارجة قال له: كم بينك وبين مسجد الكوفة، يكون ميلاًَ؟، قلت: لا، قال: أفتصلي فيه الصلاة كلها؟ قلت: لا، قال: أما لو كنت حاضراً بحضرته لرجوت أن لا تفوتني فيه صلاة أو تدري ما فضل ذلك الموقع، ما من نبي ولا عبد صالح إلا وقد صلى في مسجد الكوفة حتى إن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لما أسري به إلى السماء قال جبرائيل أتدري أين أنت يا محمد؟ أنت الساعة مقابل مسجد كوفان قال فاستأذن ربي حتى آتيه فأصلي فيه ركعتين فنزل فصلى فيه وإن ميمنته روضة من رياض الجنة وإن وسطه روضة من رياض الجنة وإن مؤخره عروسة من رياض الجنة والصلاة فيه فريضة تعدل بألف صلاة والنافلة فيه بخمسمائة صلاة وإن الجلوس فيه بغير تلاوة ولا ذكر لعبادة، ولو علم الناس ما فيه لأتوه ولو حبواً) . وورد عن أبي بكر الحضرمي قال: قلت لأبي جعفر الباقر ﵇: أي البقاع أفضل بعد حرم الله وحرم رسوله؟ قال ﵇: الكوفة! يا أبا بكر! هي الزكية الطاهرة، فيها قبور البيين والمرسلين، وغير المرسلين، والأوصياء الصادقين، وفيها مسجد سهيل! الذي لم يبعث نبياً إلا وقد صلى فيه، وفيها يظهر عدل الله، وفيها يكون قائمه، والقوام من بعده، وهي منازل النبيين، والأوصياء الصالحين. وسائل الشيعة ٣/٥٤٧. وغير ذلك من الترهات والأكاذيب. وقد زعم الشيعة أن كل ما جاء في السنة النبوية من فضائل المسجد الأقصى إنما هو من صنع الأمويين.\rوخلاصة الأمر أن الشيعة لا ينظرون إلى المسجد الأقصى المبارك كما ينظر أهل السنة، فالمسجد الأقصى عند الشيعة إنما هو في السماء، ومن يقر منهم بأنه المعروف في بيت المقدس فمسجد الكوفة أفضل منه، ولا شك أن هذا محض افتراء على دين الله فلم تثبت أي فضيلة لمسجد الكوفة لا في الكتاب ولا في السنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345633,"book_id":3840,"shamela_page_id":13,"part":"1","page_num":10,"sequence_num":13,"body":"١٠ - حكم الدعاء باللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه\rيقول السائل: ما صحة الحديث التالي (اللهم إني لا أسألك ردَّ القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) أفيدونا؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاَ أن الدعاء هو العبادة كما ورد في الحديث وحقيقة الدعاء مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة أو دفع مضرة من المضار والبلاء بالدعاء، فهو سبب لذلك واستجلاب لرحمة المولى ويعني هذا أن الدعاء شعور بالحاجة إلى الله تعالى وطلبها منه ﷻ بتذلل ورغب ورهب لا غنى لأي فرد عنه في أي حال من أحواله شدة ورخاء صحة وعافية ومرضاً ولذا جاءت النصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مبينة فضله وحاثة عليه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ سورة غافر الآية ٦٠. وقال تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ سورة الأعراف الآيتان ٥٥-٥٦. وقال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٦. وقال ﷻ في وصف عباده المؤمنين ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة السجدة الآيتان ١٦-١٧. وجاء في الحديث عن النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعن النعمان بن بشير ﵁ قال سمعت النبي ﷺ: (يقول الدعاء هو العبادة ثم قرأ ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وقال العلامة الألباني حسن كما في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بمأثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذاً نكثر، قال: الله أكثر) رواه الترمذي وقال حسن صحيح وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٨١. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء) رواه ابن حبان وأبو يعلى وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع ١٥١٩. وعنه أن النبي ﷺ قال: (من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي والحاكم وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع ٦٢٩٠. وغير ذلك من الأحاديث. والدعاء له أحكام وآداب فصلَّها أهل العلم في مؤلفاتهم مثل كتاب الترغيب في الدعاء والحث عليه للحافظ عبد الغني المقدسي. إذا تقرر هذا فأعود إلى جواب السؤال فأقول ما ذكره السائل ليس حديثاً عن النبي ﷺ فلا أصل له في كتب السنة النبوية وإنما هو قول درج على ألسنة بعض الناس ويعتبر الدعاء به من الأخطاء التي تقع في الدعاء بل ورد في السنة النبوية ما يدل على خلاف ذلك فقد ثبت في الحديث الصحيح عن الرسول الله ﷺ أنه قال: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر) رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١/٢٢. ويقول النبي ﷺ: (لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة) رواه الحاكم وصححه، وحسنه العلامة الألباني.\rوقد أجاب العلماء عن الإشكال بأن الدعاء يرد القضاء بأجوبة منها ما قاله الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز [ومراده ﷺ أن القدر المعلق بالدعاء يرده الدعاء وهكذا قوله ﷺ (من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه) فالأقدار تردها الأقدار التي جعلها الله سبحانه مانعة لها، والأقدار المعلقة على وجود أشياء كالبر والصلة والصدقة توجد عند وجودها، وكل ذلك داخل في القدر العام المذكور في قوله سبحانه ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وقوله ﷺ (وتؤمن بالقدر خيره وشره) ومن هذا قوله ﷺ: (الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفئ الماء النار) ] موقع الشيخ على الإنترنت.\rوقال العلامة محمد العثيمين: [وفي هذا المقام يُنكَرُ على من يقولون: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) فهذا دعاء بدعي باطل، فإذا قال: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) معناه أنه مستغن، أي افعل ما شئت ولكن خفف، وهذا غلط، فالإنسان يسأل الله ﷿ رفع البلاء نهائياً فيقول مثلاً: اللهم عافني، اللهم ارزقني، وما أشبه ذلك. وإذا كان النبي ﷺ قال: لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللَّهَمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ. فقولك: (لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللّطف فيه) أشد. واعلم أن الدعاء قد يرد القضاء، كما جاء في الحديث (لاً يَرُدُّ القَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاءُ) . وكم من إنسانٍ افتقر غاية الافتقار حتى كاد يهلك، فإذا دعا أجاب الله دعاءه، وكم من إنسان مرض حتى أيس من الحياة، فيدعو فيستجيب الله دعاءه. قال الله تعالى ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فذكر حاله يريدُ أنّ اللهَ يكشفُ عنهُ الضُّرَّ، قال الله ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ ] شرح الأربعين النووية ص ٦٦.\r[واعلم أن القدر الذي هو القضاء المبرم الذي علم الله أنه سيقع لا يغيره شيء لا دعاء ولا غيره، ولكن هنالك ما يسميه العلماء بالقضاء المعلق، وهو ما علق وقوعه على شيء، مثل الزيادة في العمر إذا وصل الإنسان رحمه، كأن يقدر له إن وصل رحمه أربعين سنة، وإن لم يصل رحمه ثلاثين سنة، وهذا بالنسبة إلى غير الله معلق. أما بالنسبة إلى الله تعالى فهو مبرم، أي لا يغيَّر فيه شيء. أما بالنسبة للملك الموكل بقبض الأرواح، أو كتابة الآجال، أو الأرزاق، فيمكن تغييره، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وعليه يمكن تغيير القدر بأمور وردت بها النصوص كصلة الرحم وبر الوالدين وأعمال البر والدعاء، والدعاء أقوى الأسباب في رد القدر، كما في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجة أن النبي ﷺ قال: (لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها.) وفي لفظ: (بالذنب يصيبه) قال السندي في شرحه على سنن ابن ماجة: [قال الغزالي: فإن قيل: ما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له؟ فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فإن الدعاء سبب رد البلاء، ووجود الرحمة، كما أن البذر سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع السهم، كذلك الدعاء يرد البلاء.] موقع الشبكة الإسلامية.\rوخلاصة الأمر أن عبارة (اللهم إني لا أسألك ردَّ القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) ليست حديثاً نبوياً ولا يجوز ذكرها في الدعاء فهي من سوء الأدب مع الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345634,"book_id":3840,"shamela_page_id":14,"part":"1","page_num":11,"sequence_num":14,"body":"١١ - الشيعة ليست مذهبا فقهيا خامسا\rيقول السائل: هل يمكن اعتبار الشيعة مذهباً فقهياً خامساً يضاف إلى المذاهب السنية الأربعة، أفيدونا؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن المذاهب السنية الأربعة وهي المذهب الحنفي المنسوب لأبي حنيفة النعمان المتوفى سنة ١٥٠ هـ والمذهب المالكي المنسوب لمالك بن أنس المتوفى سنة ١٧٦ هـ والمذهب الشافعي المنسوب لمحمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة ٢٠٤ هـ والمذهب الحنبلي المنسوب لأحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ، هذه المذاهب الفقهية السنية تقوم على أصول عقدية واحدة بشكل عام وهي عقيدة أهل السنة والجماعة، والخلاف بينها إنما هو في الفروع الفقهية بناءً على خلاف في قواعد أصولية، والمذاهب الأربعة متفقة على مصادر التشريع الأصلية وهي القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس، ووقع خلاف في مصادر التشريع التبعية كالمصلحة المرسلة والاستحسان وعمل أهل المدينة والعرف والعادة وغيرها.\rإذا تقرر هذا فإن كثيراً من الناس في بلادنا لا يعرفون عن الشيعة إلا شيئاً يسيراً بل إنهم يظنون أن الشيعة ما هي إلا مذهب فقهي كالمذاهب الأربعة وأنه لا يوجد خلاف كبير بين الشيعة وبين أهل السنة والجماعة إلا في الفروع الفقهية ولا شك أن هذا ظن خاطىء سببه عدم الإطلاع على عقائد الشيعة بشكل صحيح ومن مصادرهم المعتمدة أو حسن ظن بهم وهو في غير محله. ومما لاشك فيه أن الخلاف بين أهل السنة والشيعة خلاف في العقائد والأصول وليس خلافاً في الفروع فعند الشيعة الكثير من العقائد الباطلة ويعرف ذلك من يقرأ في مصادرهم المعتمدة وإن حاول بعض مراجعهم الدينية المعاصرون إخفاء ذلك أو عدم الحديث عنه وهم يفعلون ذلك انطلاقاً من مبدأ التقية وهي عقيدة دينية تبيح لهم التظاهر بغير ما يبطنون ويقولون: (من لا تقية له لا دين له) . والشيعة وهم في الحقيقة فرق عديدة ولكنها تلتقي على أصول عقدية مخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة، وقد ترتب على ذلك مخالفتهم للمذاهب السنية الأربعة في قواعد أصول الفقه التي يبنى عليها الفقه لأنه لا يمكن الفصل بين العقيدة وبين قواعد الأصول التي يقوم عليها الاجتهاد الفقهي، ومن أوضح الأمثلة على ذلك أن الشيعة لا يؤمنون بأن القرآن محفوظ بل يقولون طرأ عليه تغيير وتحريف من الصحابة فقد جاء في كتاب الكافي للكليني ١/٢٢٨: عن أبي جعفر يقول: ما ادعى أحدٌ من الناس أنه جمع القرآن كله كما أُنزل إلا كذَّاب، وما جمعه وحفظه كما أنزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده.] وعنه قال: ما يستطيع أحدٌ أن يدعي أن عنده جميع القرآن ظاهره وباطنه غير الأوصياء]\rوفي الكافي كذلك ١/٤١٢: عن جابر، عن أبي جعفر قال: قلت له: لمَ سُمي أمير المؤمنين ـ أي علي بن أبي طالب ـ؟ قال: الله سماه هكذا؛ أنزل في كتابه: \" وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم وأن محمداً رسولي وأن علياً أمير المؤمنين]\rوفي الكافي أيضاً ١/٤١٧: عن أبي جعفر قال: نزل جبرائيل بهذه الآية على محمد هكذا: \" بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في علي بغياً] . وفي الكافي أيضاً ١/٤١٧: عن جابر، قال: نزل جبرائيل بهذه الآية على محمدٍ هكذا: (وإن كنتم في ريبٍ مما نزلنا على عبدنا في عليٍّ فأتوا بسورة من مثله) . وفي الكافي أيضاً ١/٤١٧: عن أبي عبد الله قال: نزل جبرائيل على محمد بهذه الآية هكذا: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزَّلنا في عليٍّ نوراً مبينا)\rوفي الكافي أيضاً ١/٢٣٩: عن أبي عبد الله قال: [وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍ وما يدريهم ما مصحف فاطمة ﵍؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة ﵍؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرفٌ واحد]\rوكذلك فإن الشيعة لا يقبلون السنة النبوية كمصدر تشريعي إلا من جهة نقلتهم ورواتهم فالشيعة لا يقبلون من السنة النبوية إلا ما كان من رواية أهل البيت بمفهومهم فهم يستبعدون أمهات المؤمنين من آل البيت فلا يقبلون رواية أكثر الصحابة عن النبي ﷺ ولا يعتدون بكتب السنة كالبخاري ومسلم والسنن الأربعة وغيرها بل عندهم كتبهم المعتمدة وأهمها كتاب الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني الرازي والذي يعد عند الشيعة بمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة قال أحد مراجعهم محمد صادق الصدر في كتابه الشيعة ص٥ [إن الشيعة مجمعة على اعتبار الكتب الأربعة: أصول الكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه، وقائلة بصحة كل ما فيها من روايات] وقال أيضاً ص١٣٣: [ويعتبر (الكافي) عند الشيعة أوثق الكتب الأربعة]\rفالشيعة لا يقبلون مصادر أهل السنة العلمية بل يردونها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومع هذا يردون ـ أي الشيعة ـ أحاديث النبي ﷺ الثابتة المتواترة عنه عند أهل العلم مثل أحاديث البخاري ومسلم، ويرون أن شعر شعراء الرافضة: مثل الحميري، وكوشيار الديلمي، وعمارة اليمني خيراً من أحاديث البخاري ومسلم، وقد رأينا في كتبهم من الكذب والافتراء على النبي ﷺ وصحابته، وقرابته أكثر مما رأينا من الكذب في كتب أهل الكتاب من التوراة والإنجيل] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٨/٤٨١-٤٨٢.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [والرافضة كفّرت أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعامة المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكفروا جماهير أمة محمد ﷺ من المتقدمين والمتأخرين. فيكفرون كل من اعتقد في أبي بكر وعمر والمهاجرين، والأنصار العدالة، أو ترضَّى عنهم كما ﵃، أو يستغفر لهم كما أمر الله بالاستغفار لهم، ولهذا يكفرون أعلام الملة: مثل سعيد بن المسيب، وأبي مسلم الخولاني، وأويس القرني، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، ومثل مالك والأوزاعي، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وفضيل بن عياض، وأبي سليمان الدارني، ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وغير هؤلاء، ويستحلون دماء من خرج عنهم، ويسمون مذهبهم مذهب الجمهور] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٨/٤٧٧\rوكذلك فإن الشيعة يضفون نوعاً من القدسية على كلام أئمتهم ويعتبرونه مصدراً تشريعياً وهم لا يقبلون من الإجماع إلا إجماع أهل البيت حسب مفهومهم بل إنهم قد غالوا في ذلك فزعموا أن أئمتهم يعلمون الغيب ورد في الكافي ٤/٢٦١: [قال جعفر الصادق: إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون] . وغير ذلك من الترهات والخزعبلات.\rوخلاصة الأمر أنه لا يصح اعتبار الشيعة مذهباً فقهياً خامساً بل مذهبهم مخالف لأهل السنة والجماعة في العقائد ومخالف للمذاهب الأربعة في أصولها الفقهية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345635,"book_id":3840,"shamela_page_id":15,"part":"1","page_num":12,"sequence_num":15,"body":"١٢ - الكهان الجدد\rيقول السائل: ما قولكم فيما انتشر أخيراً عبر بعض القنوات الفضائية التي تبث برامج مباشرة مع بعض المشعوذين والكهان الذين يزعمون أنهم يحلون مشكلات الناس من خلال الطلاسم والاستعانة بالجن، أفيدونا؟\rالجواب: ما يعرض على بعض المحطات الفضائية من التنجيم والشعوذة والسحر والكهانة وغير ذلك من المسلسلات الإباحية ومشاهد الدعارة والعهر الفني كل ذلك يصب في محاربة الإسلام الصحيح وتشويه صورة المسلمين كما أن من أهدافه إشغال الناس عن قضايا الأمة الهامة ومحاربة النسيج الاجتماعي للمجتمع الإسلامي، وغير ذلك من الأهداف الخبيثة.\rومن المعلوم أن التنجيم والشعوذة والسحر والكهانة معروفة منذ عهد بعيد وكان العرب يتعاطونها ووردت فيها النصوص الكثيرة من كتاب الله ﷿ ومن سنة النبي ﷺ، قال تعالى ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآية ١٠٢. وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) متفق عليه، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أتى عرافا ً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) رواه أصحاب السنن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٣/١٧٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [العرَّاف اسم للكاهن والمنجم والرَّمَّال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق) مجموع الفتاوى ٣٥/١٧٣. ويؤخذ من النصوص السابقة أن مجرد إتيان الكاهن وسؤاله عن شيء يعاقب المسلم عليه بأن لا تقبل له صلاة أربعين يوماً وأما إذا صدقه فيما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ، وذلك لأن مما أنزل على محمد ﷺ قوله تعالى ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ سورة الأنعام الآية ٥٩. وقوله تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) سورة النمل الآية ٦٥. وقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) سورة الجن الآيات ٢٦-٢٧. قال الإمام القرطبي [قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم. وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه] تفسير القرطبي ١٩/٢٨، وبناءً على ما تقدم قرر أهل العلم حرمة الذهاب إلى هؤلاء الكهان والسحرة والمشعوذين كما ثبت في حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ (قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان، قال: فلا تأتهم) رواه مسلم.\rإن ما يقوم به المنجمون والكهان والمشعوذون الجدد عبر بعض المحطات الفضائية إنما هو تخريب لعقيدة التوحيد ودعوة صريحة للشرك وإفساد لعقيدة المسلمين، فقد سمعت أحد هؤلاء الكهان يقول لإحدى المتصلات: لا تقرأي القرآن ولا تأخذي ولدك إلى الكعبة، وفي اتصال آخر يطلب كتابة آيات القرآن معكوسة وهذا تلاعب بكتاب الله ﷿ واستهزاء به، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ﴾ سورة التوبة الآيتان ٦٥- ٦٦. ويزعم هؤلاء الدجاجلة أن هنالك خداماً لسور القرآن الكريم!! وهذا كذب وافتراء على كتاب الله ﷿. كما أن في هذه البرامج تعليم السحر للناس على الهواء مباشرة ففي واحد من هذه البرامج يقوم الساحر بتعليم المتصلين والمتصلات طريقة السحر فيعرض حجاباً مكتوباً على صحيفة كبيرة على الشاشة ويقول للمتصل (اكتب اسمك في هذا المربع بين الطلاسم واسم أمك في المربع الآخر ولن يضرك شيئ بعده) ويقول هذا الساحر لإحدى المتصلات (رزقك عندي.. حياتك عندي.. علاقتك مع زوجك عندي.. لا مو هذا بس.. كل شيء عنك عندي) ولا شك أن هذا من الدجل بلا خجل، ولا يغيب عنا قوله تعالى في حق رسوله ﷺ ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ سورة الأعراف الآية ١٨٨.\rويضاف إلى ذلك أن للموضوع خطورة كبيرة على الأسرة والمجتمع حيث إن معظم المتصلين على هذه البرامج من النساء ويسألن عن قضايا تتعلق بحياتهن الزوجية وهؤلاء الأفاكين يوجهون النساء إلى الطلاق كأسهل حل لمشكلاتهن مع أزواجهن وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ . وحل المشكلات الزوجية لا يكون باللجوء إلى هؤلاء الكهان وإنما البحث عن حقيقة المشكلة وحلها بتعقل وباستشارة أهل العلم والخيرين من الناس.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم تصديق هؤلاء الدجاجلة ويحرم الاتصال بهذه المحطات لسؤالهم وأن هذا يدخل في التعاون على الإثم والعدوان كما قال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345636,"book_id":3840,"shamela_page_id":16,"part":"1","page_num":13,"sequence_num":16,"body":"١٣ - التألي على الله ﷾\rيقول السائل: توفي شخص في بلدتنا وكان عاصياً فقال رجل: إلى جهنم وبئس المصير، فما حكم ذلك، أفيدونا؟\rالجواب: إن من أعظم الآفات التي يقع فيها الإنسان آفة انفلات اللسان فيتكلم بكلمة لا يلقي لها بالاً فتهوي به في النار كما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفع الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) .\rوعن بلال بن الحارث المزني ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.\rويجب على الإنسان أن يدرك أن كل كلمة تخرج من فمه فإنه محاسب عليها، فهي إما له وإما عليه يقول الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) سورة ق الآية ١٨. وجاء في الحديث عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: (كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ووردت أحاديث كثيرة تحث على حفظ المنطق منها: عن عقبة بن عامر ﵁ قال قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\rوعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه تضمنت له بالجنة) رواه البخاري، وما بين لحييه أي اللسان وما بين رجليه أي فرجه. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك كثير. إذا تقرر هذا فأعود لما ورد في السؤال فأقول إن ما قاله الرجل في حق الميت [إلى جهنم وبئس المصير] هو من التألي على الله عز وج، وهو من سوء الأدب مع الله ﷾، لأن الله يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) سورة النساء الآية ٤٨، ففي هذه الآية الكريمة يبين الله ﷿ أنه يغفر ما دون الشرك بمشيئته وإرادته، وقد ذكر الحافظ ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية طائفة من الأحاديث التي توضح أن من مات لا يشرك بالله شيئاً فإنه داخل تحت المشيئة منها: عن أبي الأسود الديلي أن أبا ذر حدثه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: (ما من عبدٍ قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك, إلا دخل الجنة, قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق ثلاثاً, ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر، قال: فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر, وكان أبو ذر يحدث بهذا ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر.) والحديث في الصحيحين.\rومنها عن جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ قال (لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب» قيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال «الإشراك بالله ـ قال ـ ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئاً إلا حلت لها المغفرة من الله تعالى, إن يشاء أن يعذبها وإن يشاء أن يغفر لها» ثم قرأ نبي الله ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به, ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ . رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده. تفسير ابن كثير ٢/٢٩٥-٢٩٧. وقال الله تعالى ﴿يُعَذّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ سورة العنكبوت الآية ٢١، قال الحافظ ابن كثير: [وقوله تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾ أي هو الحاكم المتصرف الذي يفعل ما يشاء, ويحكم ما يريد, لا معقب لحكمه, ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون, فله الخلق والأمر مهما فعل فعدل, لأنه المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة, كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن «إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم» ولهذا قال تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون﴾ أي ترجعون يوم القيامة] تفسير ابن كثير ٥/٤٩. وقال الله تعالى (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) المائدةالآية٤٠. وقال تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) آل عمرانالآية ١٢٩. وقال تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الفتح الآية١٤. فمن مات لا يشرك بالله شيئاً فهو داخل تحت المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، ولا يجوز لأحد أن يتألى على الله فيحكم بأن فلاناً من أهل النار أو أن فلاناً من أهل الجنة فقد ثبت في الحديث عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ أن رسول الله ﷺ حدث أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك أو كما قال) رواه مسلم.\rقال الإمام النووي [معنى (يتألى) يحلف، والألية اليمين. وفيه دلالة لمذهب أهل السنة في غفران الذنوب بلا توبة إذا شاء الله غفرانها.] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٣٣.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول أقصر فوجده يوماً على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي أبعثت عليَّ رقيباً، فقال والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد أكنت بي عالماً أو كنت على ما في يدي قادراً، وقال للمذنب اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر اذهبوا به إلى النار، قال أبو هريرة والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته) رواه أحمد وأبو داود وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم ٤٤٥٥. [وقوله (متواخيين) أى متقابلين في القصد والسعي فهذا كان قاصداً وساعياً في الخير وهذا كان قاصداً وساعياً في الشر، (أقصر) : من الإقصار وهو الكف عن الشيء مع القدرة عليه] عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٣/١٦٦-١٦٧.\rوروي في الحديث عن عبد الله عن بن مسعود ﵁ قال: (كان رجل يصلي، فلما سجد أتاه رجل فوطئ على رقبته، فقال الذي تحته: والله لا يغفر لك الله أبداً، فقال الله ﷿: تألى عبدي أن لا أغفر لعبدي، فإني قد غفرت له) رواه الطبراني في المعجم الكبير والبيهقي في شعب الإيمان. قال الحافظ المناوي: [قال المظهر: لا يجوز لأحد أن يجزم بالغفران أو العقاب؛ لأن أحداً لا يعلم مشيئة الله وإرادته في عباده بل يرجو للمطيع ويخاف للعاصي. وإنما يجزم في حق من جاء فيه نصٌ كالعشرة المبشرة] فيض القدير شرح الجامع الصغير ٦/٤٩٩.\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز لأحد أن يجزم لشخص بأنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار لأن ذلك من سوء الأدب مع الله ﷿. ويجب على من قال ذلك أن يتوب إلى الله ﷿ توبة نصوحاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345637,"book_id":3840,"shamela_page_id":17,"part":"1","page_num":14,"sequence_num":17,"body":"١٤ - لا حرج في استعمال مصطلح عقيدة\rيقول السائل: ما قولكم فيمن يقول إنه لا يجوز شرعاً استعمال كلمة عقيدة، لأنها لم ترد في كتاب الله ﷿ ولا في سنة رسول الله ﷺ، ويقول إن كلمة عقيدة فرية وأن الاستمرار على استعمال كلمة العقيدة فيه حرمانية!! ومن يستعملها يكون من الذين يناصبون كتاب الله العداء، لأن استعمال كلمة العقيدة من تبديل كلام الله، والواجب استعمال كلمة ملة بدلاً من كلمة عقيدة، فما قولكم في هذه المقالة، أفيدونا؟\rالجواب: إن هذه المقولة الظالمة فيها الخلط والخبط كخبط عشواءَ والافتراء على دين الله ﷿ وعلى علماء الأمة وقبل أن أكشف عوارها أقول: إن مما ابتليت به الأمة المسلمة في زماننا هذا كثرة المتسورين على حمى العلم الشرعي من أشباه طلبة العلم الذين يظنون أنهم بلغوا رتبة الاجتهاد وصاروا كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، بل إنهم قد يخطئون هؤلاء الأئمة الكبار وبعض هؤلاء المتعالمين لا يحسن ألف باء العلم الشرعي!!\rوإن من مصائب الأمة الإسلامية في هذا الزمان أن يتكلم في مسائل العلم الشرعي أشباه طلبة العلم الذين إن قرأ الواحد منهم كتاباً أو كتابين ظن نفسه من كبار العلماء ومن أهل الاجتهاد المطلق فيجعل من نفسه حكماً يحكم بين العلماء فيرد عليهم ويصحح ويخطيء كما يشاء ويهوى من دون سند ولا أثارة من علم، وهذا مع الأسف نشاهده ونسمعه باستمرار. قال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله مخاطباً رجلاً تجرأ على العلماء: [إنما نحترمك ما احترمت الأئمة] . أيها الناس تأدبوا مع العلماء، واعرفوا لهم مكانتهم، فما فاز من فاز إلا بالأدب، وما سقط من سقط إلا بسوء الأدب. واعلموا أن الأمة لا تحترم ولا تقدر إلا من يحترم العلماء والأئمة. إذا تقرر هذا فأبين فساد تلكم المقولة الفجة فيما يلي:\rأولاً: صحيح أن كلمة عقيدة لم ترد في كتاب الله ولا في سنة نبيه ﷺ، ولكن عدم ورودها فيهما لا يعني منع استعمالها، بل تحريم استعمالها كما زعم صاحب المقولة، فكم من كلمات واصطلاحات استعملها العلماء في كتبهم وكلامهم ليس لها ذكر في الكتاب ولا في السنة، وصغار طلبة العلم يعرفون ذلك فضلاً عن العلماء، وقديماً قال العلماء العبارة المشهورة (لا مشاحة في الاصطلاح) انظر تاج العروس ٤/١٠٢، فما زال العلماء يضعون الاصطلاحات في كل علم وفن من غير نكير من أحد، قال العلامة ابن القيم [والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة] مدارج السالكين ٣/٣٠٦. ومن قال إن كل لفظ أو اصطلاح نستعمله لا بد وأن يكون وارداً في كتاب الله وفي سنة نبيه ﷺ، فالكتاب والسنة ليسا من المعاجم اللغوية التي استوعبت الألفاظ العربية، قال المحقق القدير الشيخ محمود شاكر رحمة الله عليه في رسالته (مداخل إعجاز القرآن) : [والألفاظ التي تستقر في اللغة استقراراً شاملاً مستفيضاً، يكون من الجهل والتهور محاولة انتزاعها وإسقاطها من أقلام الكتاب، ومن كتب العلماء قديماً وحديثاً] . وقال الشيخ أبو عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري: [من القصور في التأصيل العلمي التماس كل معنى عربي، ودعك من الاصطلاح الحاصل بعد التنزيل في كلام الله سبحانه وكلام رسوله ﷺ، ورده لغة أو شرعاً إذا لم يوجد فيهما، لأن المعجم العربي المدون مليء بمئات المفردات والمعاني العربية التي لم ترد في الوحيين، وما في ذلك من عجب، لأن الوحيين ليسا معجماً لغوياً، وإنما هما تعبير عما أذن الله بإبلاغه شرعاً بلغة عربية مبينة من مجموع لغة العرب] عن مقال بصحيفة الجزيرة السعودية على شبكة الإنترنت. وقد ألف عدد كبير من العلماء في اصطلاحات العلوم المختلفة فمن هذه الكتب على سبيل المثال لا الحصر: مفاتيح العلوم للخوارزمي، والتعريفات للجرجاني، وكشاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي، والكليات لأبي البقاء الكفوي، وجامع العلوم في اصطلاحات الفنون المعروف بدستور العلماء للقاضي عبد رب النبي الأحمد نكري، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي، وغيرها من معاجم المصطلحات، وقد ذكر د. بكر أبو زيد أكثر من خمسين كتاباً منها، انظر فقه النوازل ١/١١١ – ١١٨. وإذا استعرضنا كتاباً واحداً من هذه الكتب لوجدنا اصطلاحات كثيرة جداً في الفقه وأصول الفقه والحديث والتفسير والنحو والبلاغة وغيرها ليست في الكتاب ولا في السنة ومع ذلك استعملها العلماء على مر العصور والأيام من غير نكير.\rثانياً: إن الزعم بأن من يستعمل كلمة عقيدة يكون مناصباً العداء لكتاب الله، افتراء عظيم على كتاب الله وعلى أهل العلم الذين استعملوا كلمة عقيدة وما زالوا يستعملونها، وأين الدليل على العداء لكتاب الله في استعمال كلمة عقيدة؟ ومن المعلوم أن عدداً كبيراً من علماء الأمة قديماً وحديثاً استعملوا كلمة عقيدة، بل إن كثيراً من مصنفات أهل العلم حملت اسم العقيدة أو الاعتقاد أو المعتقد وهذه بعض الأمثلة: العقيدة الطحاوية لأبي جعفر الطحاوي، أصل السنة واعتقاد الدين لابن أبي حاتم الرازي، اعتقاد أئمة الحديث لأبي بكر الاسماعيلي، اعتقاد أهل السنة والجماعة للهكاري، اعتقاد الشافعي لعبد الغني المقدسي، العقائد النسفية للإمام النسفي، عقيدة أهل الأثر للمواهبي، المعتقد للأصبهاني، العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، عقيدة السلف لأبي عثمان الصابوني، لمعة الاعتقاد لابن قدامة المقدسي، الاعتقادات للقابسي، شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي، الاعتقاد للبيهقي، تطهير الاعتقاد للصنعاني ويضاف إلى ذلك المئات من مؤلفات العلماء المعاصرين في العقيدة\rفهل كل هؤلاء العلماء الذين ذكرتهم ومن لم أذكرهم يناصبون كتاب الله العداء؟!! وهل كل هؤلاء العلماء الذين ذكرتهم ومن لم أذكرهم مفترون على الله لأنهم استعملوا كلمة عقيدة، وهي فرية كما زعم القائل؟!! ويضاف إلى ذلك أن كل الكليات الشرعية في العالم الإسلامي تدرس طلبتها مساقات العقيدة وفي هذه الكليات ما لا يحصى من أهل العلم، فهل كل هؤلاء يناصبون كتاب الله العداء؟!! ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ .\rثالثاً: إن قضية التحليل والتحريم من أخطر القضايا الشرعية، يقول الله ﷾: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) سورة النحل الآية ١١٦. قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: [ومعنى هذا أن التحليل والتحريم إنما هو لله ﷿ وليس لأحد أن يقول ويصرح بهذا في عين من الأعيان إلا أن يكون الباري تعالى يخبر بذلك عنه] تفسير القرطبي ١٠/١٩٦. وقال الشوكاني: [وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة – هو المنذر بن مالك من التابعين - قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) إلى آخر الآية فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا. قلت – القائل الشوكاني -: صدق ﵀ فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتيا من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنة رسوله ? كما يقع كثيراً من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاويهم ويمنعوا من جهالاتهم فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير فضلوا وأضلوا فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل: كبهيمةٍ عمياء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق الجائر] تفسير فتح القدير ٣/٢٠١. وقال الله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا) سورة يونس الآية ٥٩. وأود أن أطلب من هذا القائل بتحريم استعمال كلمة عقيدة، أن يأتينا بدليل التحريم من الكتاب أو من السنة؟ ولن يستطيع إلى ذلك سبيلاً. ومن جهة أخرى لو سلمنا جدلاً أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم – وليست كذلك- فلا إنكار في مسائل الخلاف المعتبر.\rرابعاً: زعم القائل بأن استعمال كلمة عقيدة تبديل لكلام الله ﴿ولا مبدل لكلمات الله﴾ !! فهذا قول ظاهر البطلان بل هو من أعظم الفرية على الله تعالى والكذب عليه وعلى رسوله ﷺ، فأي تبديل لكلام الله في استعمال كلمة عقيدة، وهل هذا هو المراد بتبديل كلام الله؟ إن هذا الاستدلال من أبطل الباطل، وهو من تحميل النصوص ما لا تحتمل.\rوخلاصة الأمر أنه ومن قال بتحريم ذلك فقد أعظم الفرية على دين الإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345638,"book_id":3840,"shamela_page_id":18,"part":"1","page_num":15,"sequence_num":18,"body":"١٥ - ألفاظ فيها إساءة الأدب مع الله ﷿\rيقول السائل: تجري على ألسنة الناس ألفاظ مثل قول بعضهم (خلي الله على جنب) ومثل (حل عن ربي) ومثل (بعرض الله) ومثل (بشرف الله) ومثل (يسعد الله) ومثل (الله والنبي يخلف) ونحوها من العبارات نرجو بيان حكم التلفظ بها\rالجواب: أرشدنا سيدنا رسول الله ﷺ إلى اختيار الألفاظ وانتقائها وأن نحفظ منطقنا من الزلل ومن استعمال كلمات في غير موضعها وألا نلقي الكلام على عواهنه قال العلامة ابن القيم [فصل في هديه ﷺ في حفظ المنطق واختيار الألفاظ كان يتخير في خطابه ويختار لأمته أحسن الألفاظ وأجملها، وألطفها، وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاء والغلظة والفحش فلم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً ولا فظاً. وكان يكره أن يستعمل اللفظ الشريف المصون في حق من ليس كذلك وأن يستعمل اللفظ المهين المكروه في حق من ليس من أهله. فمن الأول منعه أن يقال للمنافق \" يا سيدنا \" وقال (فإنه إن يك سيداً فقد أسخطتم ربكم ﷿ ومنعه أن تسمى شجرة العنب كرماً، ومنعه تسمية أبي جهل بأبي الحكم وكذلك تغييره لاسم أبي الحكم من الصحابة بأبي شريح وقال (إن الله هو الحكم وإليه الحكم) ... ومن ذلك قوله (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم ما شاء فلان) وقال له رجل (ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني لله نداً؟ قل ما شاء الله وحده) . وفي معنى هذا الشرك المنهي عنه قول من لا يتوقى الشرك: أنا بالله وبك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، وهذا من الله ومنك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، ووالله وحياتك، وأمثال هذا من الألفاظ التي يجعل فيها قائلها المخلوق نداً للخالق وهي أشد منعاً وقبحاً من قوله ما شاء الله وشئت.] زاد المعاد في هدي خير العباد ٢/٣٥٢-٣٥٣. وحفظ المنطق أمر هام في دين الإسلام لما يترتب على الكلمة من أضرار وأخطار وقد صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم) رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله (لا يلقي لها بالاً) ... أي لا يتأملها بخاطره ولا يتفكر في عاقبتها ولا يظن أنها تؤثر شيئاً, وهو من نحو قوله تعالى (وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم) ... قوله (يهوى) ... قال عياض: المعنى ينزل فيها ساقطاً. وقد جاء بلفظ \" ينزل بها في النار \" لأن درجات النار إلى أسفل, فهو نزول سقوط] فتح الباري ١١/٣٧٧.\rوصح في الحديث أنه ﷺ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) رواه مسلم، قال الإمام النووي في شرح الحديث: [معناه لا يتدبرها ويفكر في قبحها, ولا يخاف ما يترتب عليها, وهذا كالكلمة عند السلطان وغيره من الولاة, وكالكلمة تقذف, أو معناه كالكلمة التي يترتب عليها إضرار مسلم ونحو ذلك. وهذا كله حث على حفظ اللسان كما قال ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) وينبغي لمن أراد النطق بكلمة أو كلام أن يتدبره في نفسه قبل نطقه , فإن ظهرت مصلحته تكلم , وإلا أمسك] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/٤١١. وجاء في الحديث عن بلال بن الحارث المزني ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وقد سأل معاذ ﵁ النبي ﷺ عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده من النار فأخبره النبي ﷺ برأسه وعموده وذروة سنامه، ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟) قال: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه ثم قال: (كف عليك هذا) فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على وجوههم – أو على مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وبناءً على ما سبق فإن المسلم مطالب بأن يحاسب نفسه على كل كلمة ينطق بها وقد قال الله تعال ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ سورة قّ الآية ١٨. إذا تقرر هذا فإن الألفاظ التي ذكرت في السؤال فيها إساءة الأدب مع الله ﷿ وقد عدد الشيخ بكر أبو زيد ما يجب تجنبه لئلا يساء الأدب مع الله ﷾ فقال: [النهي عن كل لفظ فيه شرك بالله أو كفر به – سبحانه – أو يؤدِّي إلى أي منها. النهي عن دعاء غير الله تعالى. النهي عن الإلحاد في أسماء الله تعالى. النهي عن الاعتداء في الدعاء. النهي عن الاستسقاء بالأنواء. النهي عن القول على الله بلا علم. النهي عن الدعاء بالبلاء. النهي عن تعبيد الاسم لغير الله تعالى. النهي عن التسمي بأسماء الله تعالى التي اختص بها نفسه – سبحانه -. النهي عن الحلف بغير الله.] معجم المناهي اللفظية ص٣٤-٣٥.\rويضاف إلى العبارات التي ذكرت في السؤال عبارت أخرى يشتم منها سوء الأدب مع الله ﷿ منها: (الله ما بيسمع من ساكت) (الله يظلم اللي ظلمني) (يخلف على الله) (لو يحط إيده بيد الله ما بيفعل كذا وكذا) (عايف ربي) (لا حول الله يا رب) (لو ينزل ربنا ما بفعل كذا وكذا) (هو الله داري عنك) (فلان الله ما بيقدر عليه) (الله بيعطي اللوز للي ما لوش سنان) (الله موجود في كل مكان) فهذه العبارات ونحوها لا يجوز استعمالها ويخشى على قائلها أن ينطبق عليه قول النبي ﷺ (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم) - والمقام لا يتسع لتبيين ما في كل عبارة من هذه العبارات من إساءة الأدب مع الله ولكني أنصح بالرجوع إلى كتاب (معجم المناهي اللفظية) للعلامة الدكتور الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله ورعاه ومتعه بالصحة والعافية وأنصح أيضاً بكتاب أخينا الشيخ محمد إبراهيم سرحان وعنوانه (ظاهرة الخطأ الكلامي في الأصول والفروع الشرعية) ففيهما خير كثير - ولكني أنبه على عبارتين دارجتين: الأولى (الله والنبي يخلف) فهذه العبارة جعلت النبي ﷺ في مقام مساوٍ لمقام الله ﷿ وهذا باطل لأن النبي ﷺ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً أن يملك ذلك لغيره كما ثبت في الحديث الصحيح (أن النبي ﷺ قال: يا بني عبد مناف، لا أملك لكم من الله شيئاً، يا صفية يا عمة رسول الله ﷺ لا أملك لك من الله شيئاً، يا عباس عم رسول الله، لا أملك لك من الله شيئاً) فالصواب أن يقال (الله يخلف عليك) .\rوالعبارة الثانية وهي (الله موجود في كل مكان) فهذه العبارة فيها عقيدة فاسدة مناقضة لما عليه أهل السنة والجماعة حيث إن الله ﷿ في السماء قال الشيخ ابن أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية [وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جداً: فمنه: ما روى شيخ الإسلام أبو اسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق، بسنده إلى مطيع البلخي: أنه سأل أبا حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال: قد كفر، لأن الله يقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ وعرشه فوق سبع سماواته، قلت: فإن قال: إنه على العرش، ولكن يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر، لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر.] شرح العقيدة الطحاوية ص٣٢٢- ٣٢٣. وقال العلامة الألباني: [أما قول العامة وكثير من الخاصة: الله موجود في كل مكان، أو في كل الوجود، ويعنون بذاته، فهو ضلال، بل هو مأخوذ من القول بوحدة الوجود، الذي يقول به غلاة الصوفية الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق، ويقول كبيرهم: كل ما تراه بعينك فهو الله! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً] سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٣٨.\rوخلاصة الأمر أنه يجب التأدب مع الله ﷿ وأن نلتزم في ألفاظنا التي نستعملها في حق الله ﷾ ما قرره أهل السنة والجماعة في ذلك كما قال الشيخ ابن أبي العز الحنفي: [وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون. فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه. والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني. وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها: فإن كان معنى صحيحاً قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص، دون الألفاظ المجملة، إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد، والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها، ونحو ذلك] شرح العقيدة الطحاوية ص٢٣٩.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345639,"book_id":3840,"shamela_page_id":19,"part":"1","page_num":16,"sequence_num":19,"body":"١٦ - ضلالات د. حسن الترابي\rيقول السائل: سمعنا ما قاله د. حسن الترابي على إحدى الفضائيات حول زواج المسلمة من غير المسلم والحجاب وشهادة المرأة وإمامة المرأة فنرجو الرد على هذه القضايا\rالجواب: إن ما قاله د. الترابي من ضلالات وانحرافات ليس جديداً وهذه الآراء التي قالها على الفضائيات أخيراً موجودة منذ عهد بعيد في كتبه مثل (المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع) و (تجديد أصول الفقه الإسلامي) و (تجديد الفكر الإسلامي) وغيرها وانحرافات الترابي هذه انطوت على أباطيل وعلى ردٍ للنصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وقد حاول الترابي أن يسوق أباطيله في السودان وخارجه على أنها أفكار تجديدية فهو يريد أن يجدد أصول الفقه ويريد أن يجدد الفقه الإسلامي فيقول: [لابد أن نقف وقفة مع علم الأصول تصله بواقع الحياة، لأن قضايا الأصول في أدبنا الفقهي أصبحت تؤخذ تجريداً حتى غدت مقولات نظرية عميقة لا تكاد تلد فقهاً ألبتة بل تولد جدلاً لا يتناهى] ويشن التربي هجوماً على القياس وهو من الأدلة الشرعية المتفق عليها عند الأصوليين فيقول: [يلزمنا أن نطور طرائق الفقه الاجتهادي التي يتسع فيها النظر بناء على النص المحدود، وإنما لجأنا للقياس لتعدية النصوص وتوسيع مداها فما ينبغي أن يكون ذلك هو القياس بمعاييره التقليدية، فالقياس التقليدي أغلبه لا يستوعب حاجاتنا بما غشيه من التضييق انفعالاً بمعايير المنطق الصوري التي وردت على المسلمين مع الغزو الثقافي الأول الذي تأثر به المسلمون تأثراً لا يضارعه إلا تأثرنا اليوم بأنماط الفكر الحديث] ويدعو الترابي إلى الاجتهاد بدون تحقق شرائطه التي قررها علماء الإسلام فيقول: [فإذا عنينا بدرجة الاجتهاد مرتبة لها شرائط منضبطة، فما من شيء في دنيا العلم من هذا القبيل! وإنما أهلية الاجتهاد جملة مرنة من معايير العلم والالتزام، تشيع بين المسلمين ليستعملوها في تقويم قادتهم الفكريين]\rويقول الترابي عن تجديد الفقه الإسلامي: [ونحن أشد حاجة لنظرة جديدة في أحكام الطلاق والزواج نستفيد فيها من العلوم الاجتماعية المعاصرة، ونبني عليها فقهنا الموروث، وننظر في الكتاب والسنة مزودين يكل حاجات عصرنا ووسائله وعلومه ... ]\rوزعم الترابي أن الفقه الإسلامي لا يعلِّم المسلم أمور الدنيا كالبيع والشراء ولا يعلمه أمور الفن ولا السياسة حيث يقول: [قد يعلم المرء اليوم كيف يجادل إذا أثيرت الشبهات في حدود الله، ولكن المرء لا يعرف اليوم كيف يعبد الله في التجارة والسياسة أو يعبد الله في الفن، كيف تتكون في نفسه النيات العقدية التي تمثل معنى العبادة، ثم لا يعلم كيف يعبر عنها عملياً بدقة]\rويريد الترابي أن يجدد قواعد علم مصطلح الحديث فيقول: [الضوابط العملوها - التي عملوها - لتصحيح السنة إيش، جابوها من فين الضوابط العملها البخاري، من هو البخاري؟ بشر يخطئ ويصيب، وضوابطه قد تكون مقبولة أو غير مقبولة. فقد نجد معايير عملها البخاري ما صحيحة، لا تؤدي إلى الحقيقة، وقد نجد معايير أضيق من اللزوم، اللي بيدعي أنه صحيح في ضعيف فيه، حتى الليلة إذا وصل الناس أنه في خمسين حديثاً في البخاري ضعيف، إيه الفتنة الدينية اللي بتحصل لنا]\rكما أن الترابي يريد أن يضع قواعد جديدة لقبول رواية الصحابي أو ردها فيقول [إذا رأينا نأخذ كل الصحابة أو لا نأخذ، قد نجيء بعمل تنقيح جديد. نقول الصحابي إذا روى حديثاً عنده فيه مصلحة نتحفظ فيه، نعمل روايته درجة ضعيفة جداً. وإذا روى حديثاً ما عنده فيه مصلحة نأخذ حديثه بقوة أكثر ويمكن تصنيف الصحابة مستويات معينة في صدق الرواية]\rوقد كذَّب الترابي حديث النبي ﷺ الوارد في الذباب: (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينتزعه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء) رواه البخاري، قال الترابي: [في الأمور العلمية يمكن أن آخذ برأي الكافر، وأترك رأي النبي!! - ولا أجد في ذلك حرجاً ألبتة، ولا أسأل فيه أيضاً عالم الدين]\rوقد زعم الترابي أنه يجوز للمسلم أن يغير دينه وأنه حرٌّ في ذلك وغير خاضع للعقوبة أيضاً فقال: [وأود أن أقول: إنه في إطار الدولة الواحدة والعهد الواحد يجوز للمسلم كما يجوز للمسيحي أن يبدل دينه.. أما الردة الفكرية البحتة التي لا تستصحب ثورة على الجماعة ولا انضماماً إلى الصف الذي يقاتل الجماعة كما كان يحدث عندما ورد الحديث المشهور عن الرسول ﷺ فليس بذلك بأس يذكر، ولقد كان الناس يؤمنون ويكفرون، ثم يؤمنون ويكفرون، ولم يطبق عليهم الرسول ﷺ حد الردة] عن شبكة الإنترنت. ومن ضلالات الترابي وانحرافاته الأخرى: دعوته إلى توحيد الأديان على أساس الملة الإبراهيمية وإنكاره نزول عيسي ﵇ آخر الزمان ويزعم أن الصحابة ليسوا عدولاً كلهم. وإباحته للردة وعدم إقامة الحد على المرتد. وإنكاره لعصمة الأنبياء وإنكاره رجم الزاني المحصن. ويجيز للمرأة المسلمة أن تتزوج باليهودي والنصراني ويجيز التوارث بين المسلم والكافر وزعم الترابي أن السنة والشيعة متفقون على ٩٥ % من أصول الإسلام وفروعه!!\rهذا غيض من فيض من انحرافات الترابي وضلالاته في مختلف جوانب الدين والتي يسميها تجديداً!! فالترابي من كبار العصرانيين في هذا الزمان ويعتبر من أهم مجددي فكر المعتزلة في الوقت الحاضر الذين ينادون بتقديم العقل على النصوص الشرعية من كتاب الله ﷿ ومن سنة النبي ﷺ والترابي ليس من أهل العلم الشرعي فدراسته كلها في القانون وهو خريج جامعة السوربون فهو بعيد عن التخصص في العلوم الشرعية ومع الأسف الشديد أن بعض المسلمين ينخدع بالترابي وأمثاله فيطلق عليه لقب مفكر إسلامي أو مصلح أو مجدد أو داعية وغير ذلك من الألقاب الفضفاضة ولا شك أن الفضائيات تسهم في الترويج لهذا الفكر المنحرف وقد تصفه بأنه فكر تنويري وخاصة أنه يجيء وفق المقاييس الأمريكية وهكذا نجد الفضائيات تقوم بتلميع الذين يميعون الإسلام وأحكامه الشرعية ممن يسمون بالدعاة الجدد بل القصاص الجدد كعمرو خالد وأمثاله، تارة باسم العصرنة وأخرى باسم التيسير على الناس وأحياناً باسم محاربة التطرف إلى غير ذلك من المقولات التافهة كالتي ساقها الرئيس الليبي بالسماح لغير المسلمين بالطواف حول الكعبة ونحوها من الأباطيل.\rوعلى كل حال فإن المقام لا يتسع للرد على الأفكار العرجاء للترابي وأشباهه وخاصة أن كثيراً من العلماء والباحثين قاموا بالرد عليه وأذكر هنا عدداً منهم: د. محمد عبد القادر أبو فارس في كتابه [نظرات إسلامية في مصطلحات وأسماء شائعة]\rد. محمود الطحان في كتابه [مفهوم التجديد بين السنة النبوية وبين أدعياء التجديد المعاصرين] والشيخ الأمين الحاج على الترابي في كتابيه: الأول [مناقشة هادئة لبعض أفكار الدكتور الترابي] والثاني [الرد القويم لما جاء به الترابي والمجادلون عنه من الافتراء والكذب المهين] وكتب الدكتور محمد رشاد خليل ثلاث مقالات في مجلة المجتمع للرد على الترابي (العدد: ٥٨٧ - ٥٨٨ - ٥٨٩) ومحاضرة د. جعفر شيخ إدريس التي رد فيها على الترابي بعنوان (العلمانية في ثياب إسلامية)\rوأحمد بن مالك في كتابه [الصارم المسلول على الترابي شاتم الرسول \" ﷺ] وعبد الفتاح محجوب ابراهيم في كتابه [الدكتور حسن الترابي وفساد نظرية تطوير الدين] والشيخ علي الحلبي في كتابه [العقلانيون أفراخ المعتزلة العصريون] والشيخ محمد سرور في كتابه [دراسات في السيرة النبوية] وغير ذلك كثير.\rوخلاصة الأمر أن الترابي ضال مضل منحرف عن كتاب الله وعن سنة نبيه ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345640,"book_id":3840,"shamela_page_id":20,"part":"1","page_num":17,"sequence_num":20,"body":"١٧ - الاستهزاء بالصلاة كفر\rيقول السائل: ما حكم الاستهزاء بالصلاة وحكم الاستهزاء بالمصلين؟\rالجواب: الأصل في المسلم أنه معظم لشعائر الله ﷿ كما قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) سورة الحج الآية ٣٢. قال الإمام القرطبي [ ﴿ومن يعظم شعائر الله﴾ الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم.... فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك ... ] تفسير القرطبي ١٢/٥٦.\rوقد اتفق الفقهاء على كفر من استخف بالأحكام الشرعية من حيث كونها أحكاماً شرعية، مثل الاستخفاف بالصلاة، أو الزكاة، أو الحج، أو الصيام، أو الاستخفاف بحدود الله كحد السرقة والزنى. الموسوعة الفقهية الكويتية ٣/٢٥١.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ومن سبَّ الله تعالى , كفر سواء كان مازحاً أو جاداً وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله , أو كتبه قال الله تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ وينبغي أن لا يُكتفى من الهازئ بذلك بمجرد الإسلام حتى يؤدب أدباً يزجره عن ذلك , فإنه إذا لم يُكتف ممن سب رسول الله ﷺ بالتوبة فممن سب الله تعالى أولى] المغني ٩/٢٨\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر، يكفر به صاحبه بعد إيمانه] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٧/٢٧٣.\rوالاستهزاء بالإسلام وبشعائر الدين من أخلاق الكافرين والمنافقين قال الله تعالى: ﴿ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزواً﴾ سورة الكهف الآية ٥٦، وقال ﷾: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ سورة التوبة الآيتان ٦٥-٦٦. فهاتان الآيتان نزلتا في بعض المنافقين كما قال الشيخ ابن كثير ﵀: [قال أبو معشر المديني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً وأكذبنا ألسنةً وأجبننا عند اللقاء فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فجاء إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب فقال: (أبالله وآياته كنتم تستهزؤون؟ إلى قوله - كانوا مجرمين.. الخ] .\rوذكر ابن كثير ﵀ بعض الروايات الأخرى في سبب نزول الآيات: منها أن جماعة من المنافقين كانوا يسيرون مع الرسول ﷺ وهو منطلق إلى غزوة تبوك فقال بعضهم لبعض أتحسبون جلاد بني الأصفر- قتال الروم - كقتال العرب بعضهم بعضاً؟ والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال، إرجافاً وترهيباً للمؤمنين.. الخ.] تفسير ابن كثير ٢ /٣٦٧.\rولا شك أن الصلاة هي عمود الإسلام وهي ركن من أركان الإسلام فمن استهزأ بالصلاة فقد كفر وخرج من الدين يقول الله تعالى ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ سورة المائدة الآية ٥٨. قال الإمام ابن العربي المالكي [كان المشركون واليهود والمنافقون إذا سمعوا النداء إلى الصلاة وقعوا في ذلك وسخروا منه ; فأخبر الله سبحانه بذلك عنهم, ... روي أن رجلاً من النصارى, وكان بالمدينة, إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله قال: حرق الكاذب , فسقطت في بيته شرارة من نار وهو نائم , فتعلقت النار بالبيت فأحرقته , وأحرقت ذلك الكافر معه ; فكانت عبرة للخلق.] أحكام القرآن ٢/٦٣٤- ٦٣٥.\rويجب أن يعلم أنه لا فرق بين أن يكون المستهزئ جاداً أو مازحاً هازلاً فإن أحكام الشرع محترمة لا يجوز اللعب بها لا في حال الجد ولا في حال المزاح والله ﷾ يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ وهؤلاء الذين نزلت فيهم الآية قالوا للرسول ﷺ إنهم كانوا يمزحون ويتكلمون كلاماً لا يقصدونه وإنما يتحدثون ليصرفوا عنهم عناء الطريق فأحكام الشرع لا يدخلها المزاح ولا الهزل بحال من الأحوال.\rقال الإمام ابن العربي المالكي [لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جداً أو هزلاً, وهو كيفما كان كفر ; فإن الهزل بالكفر كفر, لا خلاف فيه بين الأمة, فإن التحقيق أخو الحق والعلم, والهزل أخو الباطل والجهل] أحكام القرآن ٢/٩٧٦.\rوإن الاستهزاء بمن يلتزم بأحكام الشرع، هو استهزاء بالشرع ذاته، فمن يسخر ويستهزئ بمن يصلي يكون مستهزئاً بالصلاة وهذا كفر والعياذ بالله.\rوقد سئل الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عن حكم من يسخر بالملتزمين بدين الله ويستهزئ بهم؟\rفأجاب بقوله: [هؤلاء الذين يسخرون بالملتزمين بدين الله المنفذين لأوامر الله فيهم نوع نفاق لأن الله قال عن المنافقين: ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم﴾ . ثم إن كانوا يستهزئون بهم من أجل ما هم عليه من الشرع فإن استهزاءهم بهم استهزاء بالشريعة، والاستهزاء بالشريعة كفر، أما إذا كانوا يستهزئون بهم يعنون أشخاصهم وزيهم بقطع النظر عما هم عليه من اتباع السنة فإنهم لا يكفرون بذلك؛ لأن الإنسان قد يستهزئ بالشخص نفسه بقطع النظر عن عمله وفعله، لكنهم على خطر عظيم، والواجب تشجيع من التزم بشريعة الله ومعونته، وتوجيهه إذا كان على نوع من الخطأ حتى يستقيم على الأمر المطلوب.] فتاوى العقيدة ص ١٩٧.\rوالواجب على المسلم أن يبتعد عن هؤلاء المستهزئين الذين سماهم الله تعالى في كتابه بالمجرمين فقال تعالى: ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * وما أرسلوا عليهم حافظين﴾ سورة المطففين الآيات ٢٩- ٣٣.\rوالواجب على المسلم أيضاً أن يعرض عن هؤلاء المستهزئين وألا يجالسهم كما قال تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون * وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تُبسلَ نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع﴾ سورة الأنعام الآيات ٦٧ - ٧٠. ويخشى على من يستمر في مجالسة هؤلاء المستهزئين أن يتعرض لعقاب الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً﴾ سورة النساء الآية ١٤٠.\rوخلاصة الأمر أن الاستهزاء بالصلاة وبشعائر الدين بشكل عام يعتبر كفراً ناقضاً للإيمان ومخرجاً من الملة على أي شكل كان قال شيخ الإسلام ابن تيمية [الاستهزاء بالقلب والانتقاص يُنافي الإيمان الذي في القلب منافاة الضد ضده، والاستهزاء باللسان يُنافي الإيمان الظاهر باللسان كذلك] الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٣٧٠.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345641,"book_id":3840,"shamela_page_id":21,"part":"1","page_num":18,"sequence_num":21,"body":"١٨ - حقوق المصطفى ﷺ على أمة الإسلام\r\rيقول السائل: كما تعلمون فإن هنالك هجمة شرسة على رسولنا الأكرم ﷺ في بعض الدول الأوربية وغيرها وتمثل ذلك بنشر الرسوم الكاريكاتورية التي تسيء لسيدنا رسول الله ﷺ والمطلوب أن تبينوا لنا حقوق المصطفى ﷺ على الأمة المسلمة؟\rالجواب: هذه الهجمة الشرسة على سيدنا رسول الله ﷺ ليست جديدة فطالما تكررت منذ بعثته ﷺ وحتى عصرنا الحاضر فقد تعرض الرسول ﷺ للأذى حال حياته كما ورد ذكره في القرآن الكريم والسنة النبوية وذكرته كتب السير أيضاً. قال الله تعالى: ?وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ... أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ? سورة التوبة الآيات٦١-٦٣. وقال تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا? سورة الأحزاب الآية ٥٧. وقال تعالى: ? يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ? سورة التوبة الآيات ٦٤-٦٦. وعن ابن مسعود قال: (بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم فأخذه فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه قال فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه ثم أقبلت عليهم تشتمهم فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم وكان إذا دعا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثاً ثم قال اللهم عليك بقريش ثلاث مرات فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته ثم قال اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وذكر السابع ولم أحفظه فوالذي بعث محمداً ﷺ بالحق لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر) رواه مسلم. وعن أنس ﵁ قال: (كان رجل نصرانياً فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران فكان يكتب للنبي ﷺ فعاد نصرانياً فكان يقول ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له فأعمقوا فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه) رواه البخاري وغير ذلك من النصوص.\rإذا تقرر هذا فإن الواجب على المسلمين أن يتصدوا لهذه الهجمة الحاقدة على رسول الله ﷺ وعلى دين الإسلام وأن يدافعوا عن نبيهم ﷺ وعن دينهم بمختلف الوسائل المتاحة ومنها مقاطعة منتجات الدول التي صدرت تلكم الإساءات في صحفها وأجهزة إعلامها. وأما حقوق المصطفى ﷺ علينا فهي كثيرة فأول حقوق المصطفى ﷺ وجوب الإيمان به فمن المعلوم أن الشهادتين هما الركن الأول من أركان الإسلام والشطر الثاني منها هو الشهادة بأن محمداً رسول الله ﷺ وكذلك فإن من أركان الإيمان: الإيمان بالرسل ونبينا محمد ﷺ داخل في ذلك. ويدخل تحت ذلك الإيمان بعموم رسالته ﷺ إلى العالمين والإيمان بكونه ﷺ خاتم النبيين ورسالته خاتمة الرسالات. والإيمان بكون رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع. والإيمان بعصمته ﷺ قال تعالى: ?مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ?سورة الأحزاب الآية ٤٠. وقال تعالى في حق من لم يؤمن: ?وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً?سورة الفتح الآية ١٣. وأما الحق الثاني له فهو طاعته ﷺ قال تعالى: ?وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ? سورة آل عمران الآية ١٣٢، وقال تعالى: ?وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ? سورة النساء الآيات ١٣-١٤. وقال تعالى: ?قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ? سورة آل عمران الآية ٣٢. وأما الحق الثالث فهو محبته ﷺ قال تعالى: ?قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ? سورة التوبة الآية ٢٤. وقال تعالى: ?وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ? سورة البقرة الآية ١٦٥. وقال تعالى: ?قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ? سورة آل عمران الآية ٣١. وورد في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ: (يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي ﷺ: (لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك) . فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليَّ من نفسي. فقال النبي ﷺ: الآن يا عمر) رواه البخاري. وقال ﷺ: (لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين) رواه مسلم. ومن محبته ﷺ الانتصار له والمحاماة عنه، ومعاداة من عاداه، قال تعالى: ?وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ? سورة الحشر الآية ٨. ومن محبته ﷺ محبة من أحبهم الرسول ﷺ كحب آله ومحبة أصحابه فإن من أصول أهل السنة والجماعة محبة أهل بيت رسول الله ﷺ ويحفظون فيهم وصية رسول ﷺ فيهم وكذا محبة أصحابه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ?وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ?] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣/ ١٥٢- ١٥٣. ويجب أن يعلم أن المحبة الصادقة للرسول ﷺ تكون في اتباعه ﷺ. وأما الحق الرابع فهو وجوب الإيمان بعصمته ﷺ قال تعالى: ?وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى? سورة النجم الآيتان ٢-٣. وأما الحق الخامس فهو وجوب تعزيره وتوقيره وتعظيمه ﷺ قال تعالى: ?لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ? سورة الفتح الآية رقم ٩، قال ابن عباس: ?وَتُوَقِّرُوهُ? يعني التعظيم\". وقال الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ? سورة الحجرات الآية ٢. ويدخل في ذلك تعظيم الأمة للنبي ﷺ بعد مماته. وأما الحق السادس فهو الصلاة والسلام عليه ﷺ قال تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً? سورة الأحزاب الآية ٥٦، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى عليَّ واحدةً صلى الله عليه عشراً) رواه مسلم. وأما الحق السابع فهو وجوب التحاكم إليه والرضي بحكمه ﷺ كما قال الله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً?سورة النساء الآية ٥٩، وقال تعالى: ?فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا?سورة النساء الآية ٦٥. ويكون التحاكم إلى سنته وشريعته بعده ﷺ. وأخيراً لا بد من التنبيه على بعض الأمور الهامة: فمنها أن هؤلاء الذين يسبون محمداً ﷺ الآن، قد سبوا الله جل وعلا من قبل بل ورد ذلك في كتبهم المقدسة بزعمهم فقد اتهموا الله ﷿ بأنه رب يأمر أحد أنبيائه بالزنا كما جاء في كتابهم المقدس: (أول ما كلم الرب هوشع قال الرب لهوشع اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب) . وقد وصفوا الله ﷿ بالجهل كما جاء على لسان رسولهم بولص (لأن جهالة الله أحكم من الناس وضعف الله أقوى من الناس) وغير ذلك كثير. ومنها ينبغي الاهتمام بسيرة الرسول ﷺ الصحيحة وتدريسها للناس ولطلبة العلم في جميع مستوياتهم وأخذ العبر منها. ومنها تربية الأبناء على محبة الرسول ﷺ وعلى الاقتداء بالرسول ﷺ في جميع أحواله. ومنها التحذير من الغلو في الرسول ﷺ لأن الله تعالى قد نهى عن الغلو ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ سورة المائدة الآية ٧٧. وقد قال ﷺ (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري وقال تعالى: ?قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ? سورة الأعراف الآية ١٨٨. ومنها أنه يحرم الاعتداء على من يعيشون في ديارنا من أهل تلك الدول التي نشرت فيها الإساءات للنبي ﷺ. وختاماً أنصح بقراءة كتب السيرة وخاصة ما كتب عن حقوق المصطفى ﷺ من كتب ومقالات على شبكة الإنترنت ومن أحسنها رسالة علمية بعنوان [حقوق النبي ﷺ على أمته في ضوء الكتاب والسنة تأليف د. محمد بن خليفة التميمي] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345642,"book_id":3840,"shamela_page_id":22,"part":"1","page_num":19,"sequence_num":22,"body":"١٩ - ولاية الفقيه ليس لها أصلٌ شرعي\r\rيقول السائل: ما المقصود بولاية الفقيه التي أثارت خلافاتٍ بين عددٍ من مراجع الشيعة، أفيدونا؟\r\rالجواب: ولاية الفقيه عند من يقول بها من الشيعة هي: ولاية وحاكمية الفقيه الجامع للشرائط في عصر غيبة الإمام الحجة حيث ينوب الولي الفقيه عن الإمام المنتظر في قيادة الأمة وإقامة حكم الله على الأرض. كما ورد في مصادرهم، ومن المعلوم أن الشيعة يعتقدون أن الإمامة الكبرى محصورة في الأئمة من نسل علي بن أبي طالب ﵁ وهم اثنا عشر إماماً، آخرهم الإمام المهدي الذي اختفي في السرداب منذ أكثر من ألف ومائتي عام حين كان طفلاً، وهو محمد بن حسن العسكري الذي دخل السرداب وعمره تسع سنين وذلك سنة (٢٦٥ هـ) والذي ينتظر الشيعة الإمامية ظهوره. وبما أن الشيعة يعتقدون أن غيبة الإمام الثاني عشر قد تطول فلا بد من فقيهٍ جامعٍ للشروط يقوم مقام المهدي المنتظر كما قال الخميني: [قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر في طول هذه المدة المديدة، هل تبقى أحكام الإسلام معطلة؟ يعمل الناس من خلالها ما يشاءون؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؛ القوانين التي صدع بها نبي الإسلام ﷺ وجهد في نشرها، وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين عاما، هل كان كل ذلك لمدة محدودة؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلاً؟ هل ينبغي أن يخسر الإسلام بعد الغيبة الصغرى كل شيء] الحكومة الإسلامية ص٢٦. وفكرة ولاية الفقيه تطورت مع مرور الأيام فبدأت أولاً بالسفراء الأربعة الذين كانوا نواباً للإمام المهدي كما يزعمون فهم الواسطة بينه وبين الناس وهؤلاء السفراء الأربعة هم: عثمان بن سعيد العمري وكانت سفارته من سنة ٢٦٠ هـ حتى سنة ٢٦٥ هـ ثم محمد بن عثمان بن سعيد العمري وكانت سفارته من سنة ٢٦٥هـ وحتى ٣٠٥ هـ ثم الحسين بن روح النوبختي وكانت سفارته من سنة ٣٠٥ هـ وحتى سنة ٣٢٦هـ ثم علي بن محمد السمري\rوكانت سفارته من سنة ٣٢٦هـ حتى سنة ٣٢٩هـ وبه انتهت مرحلة السفراء وانتهت مرحلة الغيبة الصغرى لمهديهم المنتظر وبعده بدأت مرحلة الغيبة الكبرى لمهدييهم المنتظر. انظر ولاية الفقيه وتطورها ص ١١-١٥. وفي هذه المرحلة كان محرماً على الشيعة تجاوز الولايات السبع للمهدي المنتظر، فهذه الولايات السبع كان يتوقف فعلها على وجود الإمام الغائب المنتظر، وهذا الأمر دفع بعض مراجع الشيعة إلى فتح باب الاجتهاد في المسائل المستجدة واعتمدوا على نص منسوب للمهدي المنتظر يقول فيه: [وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليكم] تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه ص ١٨. ثم تطور الاجتهاد الشيعي فأجاز تولي الفقيه لإقامة الحدود نيابة عن الإمام الغائب وأجازوا تولي دفع الزكاة والخمس نيابة عن الإمام الغائب، ثم تطورت فكرة ولاية الفقيه وتوسعت على يد مرجعين كبيرين من مراجع الشيعة وهما علي الكركي المتوفى سنة ٩٤٠هـ وأحمد النراقي المتوفى ١٢٤٥ هـ وهما من وضعا أسس ولاية الفقيه عن الإمام الغائب وخاصة الثاني منهما، وهو ما مهد للخوميني الإعلان عن ولاية الفقيه من خلال تطبيق الفكرة عملياً وتأسيس حكومة إسلامية بزعامة الفقيه المحقق لشروط الولاية عن الإمام الغائب. وقد نص دستور الجمهورية الإيرانية على ولاية الفقيه. يقول أحمد الكاتب: [من المعروف أن نظرية ولاية الفقيه ولدت قبل مائة وخمسين عاماً على يدي الشيخ أحمد النراقي صاحب كتاب: (عوائد الأيام) وطبقها الإمام الخميني لأول مرة في (الجمهورية الإسلامية الإيرانية) . وكانت هذه النظرية قد شكلت تطوراً كبيراً في نظام المرجعية الدينية الذي نشأ عند الشيعة الإمامية في ظل مقاطعتهم للأنظمة السياسية المختلفة في عصر غيبة (الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر) . وقد ولدت (المرجعية الدينية) للفقهاء، واكتسبت صبغة شرعية من نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي) التي بدأت تتبلور وتتطور منذ أواسط القرن الخامس الهجري، حتى اكتملت على يدي الشيخ علي بن عبد العالي الكركي في القرن العاشر الهجري، عندما قام بمنح الشاه طهماسب بن اسماعيل الصفوي إجازة للحكم باسمه باعتباره يمثل النائب العام عن الإمام المهدي. وقد أثارت نظرية (النيابة العامة) عند ظهورها جدلاً واسعاً في صفوف الشيعة في القرون الوسطى وقسمتهم إلى (أصوليين) و (إخباريين) مثلما فعلت نظرية (ولاية الفقيه) التي أثارت معارضة شديدة من قبل كبار الفقهاء والمحققين كالشيخ مرتضى الأنصاري (توفي سنة ١٢٨١) والسيد أبو القاسم الخوئي (توفي سنة ١٤١٢) حيث قال الأول في كتابه: (المكاسب) : إن الروايات التي يستشهد بها المريدون لولاية الفقيه لا تبين إلا وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية والفتيا والقضاء، لا كونهم كالأنبياء والأئمة في كونهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وإن الدليل على وجوب طاعة الفقهاء دونه خرط القتاد. أما السيد الخوئي فقد قال في كتاب (الاجتهاد والتقليد) : إن ما استدل به على الولاية المطلقة غير قابل للاعتماد عليه، ومن هنا قلنا بعدم ثبوت الولاية له إلا في مورد الفتوى والقضاء، وان الأخبار المستدل بها على الولاية المطلقة قاصرة السند والدلالة. ولا يشك أحدٌ في ضعف الروايات التي يستند إليها القائلون بنظرية ولاية الفقيه، والمنسوبة إلى الإمام الغائب، وهم يعترفون بذلك، ولكنهم يتشبثون بها كأدلة مساعدة بعد تقريرهم لضرورة إقامة الحكومة الإسلامية في (عصر الغيبة) والتخلي عن نظرية التقية والانتظار للإمام الغائب. وقد شكل القول بنظرية ولاية الفقيه ثورة في الفكر السياسي الشيعي لأنه أدى بالفقهاء إلى التخلي عن شروط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية التي كان يشترطها الشيعة في الإمام في القرون الأولى.] جريدة الحياة بتاريخ ٨/١٢/١٩٩٧. وبهذا يظهر أن قول الخميني بولاية الفقيه وتطبيقها عملياً اتباعاً لما أسسه النراقي قد أدى إلى التخلي عما كان يعتقده الشيعة في أئمتهم من شروط في القرون الأولى كالعصمة والنص من الإمام والسلالة العلوية الحسينية، [ولم يتوقف النراقي وهو يؤسس لشرعية (ولاية الفقيه الكبرى) التي تضاهي الإمامة العامة الكبرى، عند شروط: (العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية) التي أدت بالأجيال الشيعية الإمامية الأولى، وخاصة بعد الحيرة التي أعقبت وفاة الإمام الحسن العسكري دون ولد ظاهر، إلى القول بفرضية وجود (الإمام محمد بن الحسن العسكري) ثم أدت بهم إلى القول بنظرية (التقية والانتظار) التي كانت تحرم الثورة والإمامة والجهاد والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الجمعة وتبيح الخمس والزكاة والأنفال وما إلى ذلك في (عصر الغيبة) . وقام النراقي بإعطاء الفقهاء منصب (الإمامة الكبرى) ومسئولياتها العامة، وقال بصراحة: كلما كان للنبي والإمام فيه الولاية، وكان لهم، فللفقيه أيضا ذلك، إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما. وقال: إن كل فعلٍ متعلقٍ بأمور العباد في دينهم أو دنياهم ولا بد من الإتيان به ولا مفر منه، إما عقلاً أو عادةً من جهة توقف أمور العباد والمعاش لواحد أو جماعة عليه، وإناطة انتظام أمور الدين أو الدنيا به، أو شرعاً من جهة ورود أمر به أو إجماع أو نفي ضرر أو إضرار أو عسر أو حرج أو فساد على مسلم، أو دليل آخر ... أو ورود الإذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفة لمعينٍ واحدٍ أو جماعة ولا لغير معين، أي واحد لا بعينه، بل عُلمَ لا بدية الإتيان به أو الإذن فيه، ولم يُعلم المأمور ولا المأذون فيه ... فهو وظيفة الفقيه وله التصرف فيه والإتيان به. وقال: إنه مما لا شك فيه أن كل أمر كان كذلك لا بد وأن ينصب الشارع الرءوف الحكيم عليه والياً وقيّماً ومتولياً ... والمفروض عدم دليل على نصب معين أو واحد لا بعينه أو جماعة غير الفقيه، وأما الفقيه فقد ورد في حقه ما ورد من الأوصاف الجميلة والمزايا الجليلة وهي كافية في دلالتها على كونه منصوبا منه ... واستدل النراقي على جواز الولاية للفقهاء وحصرها فيهم بالأخبار والإجماع والضرورة والعقل، وقدم أولاً شطراً من الأخبار الواردة في حق العلماء من قبيل: (العلماء ورثة الأنبياء) و (اللهم ارحم خلفائي ... الذين يأتون بعدي ويروون حديثي وسنتي) وحديث الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا الذي ذكره الصدوق في (علل الشرائع) حول أهمية الإمامة (الرئاسة) وضرورتها، وأن الإمام هو القيّم والأمين والرئيس وولي الأمر. كما ذكر الأحاديث التي تؤكد على عدم ترك الله للأرض خالية إلا وفيها عالم يعرف الناس حلالهم وحرامهم ولئلا يلتبس عليهم أمورهم ... ] www.ansar.org/arabic/c والمقام لا يحتمل مزيداً من التفصيل. ولابد من التذكير بأن عدداً كبيراً من مراجع الشيعة يعارضون ولاية الفقيه ويعتبرونها غير شرعية ومنهم الإمام الشريعتمداري والطباطبائي القمي والسيد الخوئي ومحمد جواد مغنية ومحمد حسين فضل الله وغيرهم.\rوخلاصة الأمر أن ولاية الفقيه أمرٌ محدث، بل بدعةٌ في الدين، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ سورة الأنعام الآية١٤، وهذه الفكرة ما هي إلا ترسيخٌ وإحياءٌ لأسطورة السلطة الإلهية، والاستبداد المطلق باسم الدين، ودين الإسلام منها براء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345643,"book_id":3840,"shamela_page_id":23,"part":"1","page_num":20,"sequence_num":23,"body":"٢٠ - مكانة الصِّديقة بنت الصِّديق عائشة أم المؤمنين ﵂ عند أهل السنة والجماعة\r\rيقول السائل: ما هو الحكم الشرعي فيمن شتم ولعن عائشة أم المؤمنين ﵂ كما حصل من بعض الشيعة، أفيدونا؟\r\rالجواب: من المقرر عند أهل السنة والجماعة أن حب الصحابة الكرام جزء من عقيدة المسلم، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة المرضية عند أئمة أهل السنة والجماعة: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحدٍ منهم، ولا نتبرأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيان] العقيدة الطحاوية ص٦٨٩، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ] شرح العقيدة الواسطية ص ١٤٢.وقد قامت على صحة هذه العقيدة ألا وهي حب الصحابة ﵃ أجمعين وحرمة سبهم وحرمة بغضهم، عشراتُ الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وانعقد إجماع الصحابة على ذلك، فمن الآيات الكريمات الدالة على ذلك وفيها ثناء الله على الصحابة ﵃ قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ سورة التوبة الآية ١٠٠.وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ سورة الحشر الآيات ٨-١٠. وأما الأحاديث النبوية فمنها عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه) رواه البخاري ومسلم. وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب بالجابية فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي فيكم فقال: (استوصوا بأصحابي خيراً ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... ) رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ١/٤٢٩.ونص أهل العلم على وجوب احترام الصحابة ﵃ أجمعين، وأنه يحرم الطعن فيهم أو سبهم أو الانتقاص منهم. قال الإمام مالك: [الذي يشتم أصحاب النبي ﷺ ليس له نصيب في الإسلام] السنة للخلال ٢/٥٥٧، وقال أبو زرعة الرازي: [إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق] ولتكن ممن يقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ] انظر صب العذاب على من سب الأصحاب للألوسي ص٣٩١-٣٩٢. وقال الإمام النووي: [واعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون] ثم نقل عن القاضي عياض قوله: [وسب أحدهم-أي الصحابة- من المعاصي الكبائر] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٧٢-٧٣. وقال الإمام الآجري: [ومن سبهم فقد سب رسول الله ﷺ، ومن سب رسول الله ﷺ استحق اللعنة من الله ﷿ ومن الملائكة ومن الناس أجمعين] ، وقال الإمام الآجري أيضاً: [لقد خاب وخسر من سب أصحاب رسول الله ﷺ، لأنه خالف الله ورسوله ولحقته اللعنة من الله ﷿ ومن رسوله ومن الملائكة ومن جميع المؤمنين، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، لا فريضةً ولا تطوعاً، وهو ذليل في الدنيا، وضيع القدر، كثر الله بهم القبور وأخلى منهم الدور] من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية ص١٥. إذا تقرر هذا فلا بد من بيان الأمور التالية: أولاً: إن عائشة أم المؤمنين ﵂ قد برأها الله من الافتراءات والكذب الصراح الذي ذكره الشيعي المعمم في لندن، ولا شك أن وصفها بتلك الأوصاف الشنيعة، إنما هو قذف لعرض النبي ﷺ، وطعن في رسول الله ﷺ، وتكذيب لكلام ربنا ﷿ الذي برأ عائشة أم المؤمنين ﵂ من فوق سبع سموات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ، لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثِلهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ سورة النور الآيات١١-٢٠ إلى أن قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الآية ٢٣. وقد اتفق أهل العلم على أن هذه الآيات قد نزلت في حق عائشة أم المؤمنين ﵂ في أعقاب حادثة الإفك المعروفة، وقال ابن كثير: [أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن] تفسير ابن كثير ٤/٥٢٥. وكذلك فإن الطعن بعائشة أم المؤمنين ﵂، فيه تنقيصٌ وشتمٌ لرسول الله ﷺ، حيث قال ﷿: ﴿الخبيثات للخبيثين﴾ قال ابن كثير: [أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ﷺ إلا وهي طيبة، لأنه أطيب من كل طيبٍ من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له شرعاً ولا قدراً، ولهذا قال تعالى ﴿أولئك مبرءون مما يقولون﴾ أي عما يقوله أهل الإفك والعدوان] تفسير ابن كثير ٤/٥٢٨. ثانياً: عائشة ﵂ هي أم المؤمنين بنص الكتاب العزيز، قال الله تعال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ سورة الأحزاب الآية ٦، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضلها منها: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) رواه البخاري، وروى الإمام البخاري بإسناده أن رسول الله ﷺ بعث عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل، قال فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت من الرجال، قال: أبوها. قلت ثم من؟ قال: عمر) . وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام، قالت: قلت وعليه السلام ورحمة الله) رواه البخاري ومسلم، وغير ذلك من الأحاديث. ثالثاً: إن طعن الشيعة في عائشة وأبيها وحفصة وأبيها وفي بقية الصحابة ﵃ أجمعين، ليس أمراً جديداً، بل موجود في كتبهم ومتداول بينهم منذ أن وجدت هذه الطائفة، فشتم الصحابة عموماً وعائشة خصوصاً موجود في مصادرهم المعتمدة القديمة مثل \"الكافي\" للكليني, و\"الأنوار النعمانية\", و\"من لا يحضره الفقيه\", و \"بحار الأنوار\", و \"تفسير القمي\" و\"مشارق أنوار اليقين\" و\"البرهان في تفسير القرآن\" و\"الهداية الكبرى\" وغيرها، وموجود في كتبهم المعاصرة مثل \"مصباح الفقاهة\" و\"حق اليقين في معرفة أصول الدين\"، فما قاله شيعي لندن المعمم ليس مستغرباً، بل وصل الأمر بالعاملي من شيعة لبنان المعاصرين إلى أن يؤلف كتاباً بعنوان \"خيانة عائشة\"، فهذا جزء من اعتقاد الشيعة في صحابة رسول الله ﷺ، فالشيعة الإثنا عشرية - شيعة إيران- يكفرون معظم الصحابة رضوان الله عليهم، عليهم، فقد ذكر الكليني في كتابه فروع الكافي عن جعفر ﵇ قال: كان الناس أهل ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة، فقلت: من الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي] .\rوخلاصة الأمر أن سب الشيعة لعائشة أم المؤمنين ﵂ واتهامها في عرضها زندقةٌ واضحة، وهو تكذيبٌ صريحٌ لكلام رب العالمين في تبرئتها، وطعنٌ في عرض رسول الله ﷺ، ولا شك أن شيعة اليوم أخطر على الإسلام من شيعة الأمس، نظراً لما يمتلكون من وسائل حديثة في نشر أباطيلهم، وما وقع من شيعي لندن من النيل من عائشة أم المؤمنين ﵂، يبين بوضوح وصراحة أكذوبة التقريب بين الشيعة والسنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345644,"book_id":3840,"shamela_page_id":24,"part":"1","page_num":21,"sequence_num":24,"body":"٢١ - بطلان دعوى أن السلفية أقرب للعلمانية منها للإسلام\r\rيقول السائل: ما قولكم فيما قاله مفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة بأن السلفية المتشددة أقرب إلى العلمانية منها إلى الإسلام، وأن الفكر السلفي المنغلق هو الوجه الآخر للفكر العلماني، أفيدونا؟\r\rالجواب: مقالة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية بحق السلفية وربطها بالعلمانية مقالة ظالمة لا تقوم على أي أساس علمي لهذا الربط، ولا بد أن نعرف حقيقة العلمانية وحقيقة الدعوة السلفية حتى نرى مدى الخطأ الذي وقع فيه المفتي بهذه المقارنة الظالمة، [فالعلمانية SECULARISM وترجمتها الصحيحة: اللادينية أو الدنيوية، وهي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل ومراعاة المصلحة بعيداً عن الدين. وتعني في جانبها السياسي بالذات اللادينية في الحكم، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم SCIENCE وقد ظهرت في أوروبا منذ القرن السابع عشر، وانتقلت إلى الشرق في بداية القرن التاسع عشر، وانتقلت بشكل أساسي إلى مصر وتركيا وإيران ولبنان وسوريا ثم تونس ولحقتها العراق في نهاية القرن التاسع عشر. أما بقية الدول العربية فقد انتقلت إليها في القرن العشرين، وقد اختيرت كلمة علمانية لأنها أقل إثارة من كلمة لا دينية. ومدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة وحياة المجتمع وإبقاءه حبيساً في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه، فإن سمح له بالتعبير عن نفسه ففي الشعائر التعبدية والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوهما. تتفق العلمانية مع الديانة النصرانية في فصل الدين عن الدولة حيث لقيصر سلطة الدولة ولله سلطة الكنيسة. وهذا واضح فيما يُنسب إلى السيد المسيح ﵇ من قوله: \"أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله\". أما الإسلام فلا يعرف هذه الثنائية والمسلم كله لله وحياته كلها لله ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سورة الأنعام الآية ١٦٢. ومن أهم أفكار ومعتقدات العلمانية ما يلي: بعض العلمانيين ينكرون وجود الله أصلاً. وبعضهم يؤمنون بوجود الله لكنهم يعتقدون بعدم وجود أية علاقة بين الله وبين حياة الإنسان. إقامة حاجز سميك بين عالمي الروح والمادة، والقيم الروحية لديهم قيم سلبية. فصل الدين عن السياسة وإقامة الحياة على أساس مادي. اعتماد مبدأ الميكيافيلية في فلسفة الحكم والسياسة والأخلاق. نشر الإباحية والفوضى الأخلاقية وتهديم كيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الإجتماعية. ومن معتقدات العلمانية في العالم الإسلامي والعربي التي انتشرت بفضل الاستعمار والتبشير ما يلي: الطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة. الزعم بأن الإسلام استنفذ أغراضه، وهو عبارة عن طقوس وشعائر روحية. الزعم بأن الفقه الإسلامي مأخوذ عن القانون الروماني. الزعم بأن الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف. الدعوة إلى تحرير المرأة وفق الأسلوب الغربي. تشويه الحضارة الإسلامية وتضخيم حجم الحركات الهدامة في التاريخ الإسلامي والزعم بأنها حركات إصلاح. الدعوة إلى إحياء الحضارات القديمة. اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية عن الغرب ومحاكاته فيها. تربية الأجيال تربية لا دينية. وغير ذلك من الأفكار المنحرفة، فالعلمانية دعوة إلى إقامة الحياة على أسس العلم الوضعي والعقل بعيداً عن الدين الذي يتم فصله عن الدولة وحياة المجتمع وحبسه في ضمير الفرد ولا يصرح بالتعبير عنه إلاَّ في أضيق الحدود.] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة.\rوأما السلفية فهي اتباع منهج النبي ﷺ وأصحابه ﵃ والتابعين لهم بإحسان كالأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ومن سار على دربهم واستن بسنتهم قديماً وحديثاً، والسلفية ليست حزباً ولا جماعة، ولا يظنن أحدٌ أن مفهوم السلفية مختص ببعض الجماعات الموجودة الآن، والتي تسمي نفسها بالسلفية، أو مقصور على بعض الأشخاص الذين يلحقون بأسمائهم كلمة (السلفي) ؟!! وإنما هي دعوة ومنهج لفهم الإسلام والتلقي عن الله ﷿ عن طريق رسوله ﷺ، وفهم النصوص الشرعية كما فهمها الصحابة والسلف الصالح، ويقوم منهج السلفية على أسس بينة واضحة في العقيدة والسلوك، فإتباع السلف الصالح ليس محصوراً في العقيدة فقط كما يتوهم بعض المتوهمين، بل إنه اتباع في العقيدة والعمل، فالسلفية عقيدة وعمل. وتقوم السلفية على منهج أهل السنة والجماعة في فهم الدليل والبناء عليه وتدعو إلى الرجوع في الأمور المتنازع فيها إلى كتاب الله والسنة النبوية، كما قال ﷾: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ سورة النساء الآية ٥٩. وفي الحقيقة فإن المقام لا يتسع لمزيد من التفصيل، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن السلفية المعاصرة التي ادَّعاها أناس نصَّبوا أنفسهم أوصياء على الدعوة السلفية، فصاروا يقررون هذا سلفي وهذا غير سلفي، وصاروا يوالون ويعادون على مسائل فقهية فرعية، ولا شك أن هؤلاء قد أساؤوا إساءاتٍ بالغة للدعوة السلفية، يقول الشيخ العلامة محمد العثيمين: [السلفية: هي اتباع منهج النبي ﷺ وأصحابه؛ لأنهم هم الذين سلفونا وتقدموا علينا، فاتباعهم هو السلفية. وأما اتخاذ السلفية كمنهج خاص ينفرد به الإنسان ويضلل من خالفه من المسلمين ولو كانوا على حق، واتخاذ السلفية كمنهجٍ حزبي فلا شك أن هذا خلاف السلفية، فالسلف كلهم يدعون إلى الاتفاق والالتئام حول سنة الرسول ﷺ، ولا يضللون من خالفهم عن تأويل، اللهم إلا في العقائد، فإنهم يرون أن من خالفهم فيها فهو ضال، أما في المسائل العملية فإنهم يخففون فيها كثيراً. لكن بعض من انتهج السلفية في عصرنا هذا صار يضلل كل من خالفه ولو كان الحق معه، واتخذها بعضهم منهجاً حزبياً كمنهج الأحزاب الأخرى التي تنتسب إلى دين الإسلام، وهذا هو الذي يُنكر ولا يمكن إقراره، ويقال: انظروا إلى مذهب السلف الصالح ماذا كانوا يفعلون! انظروا طريقتهم، وفي سعة صدورهم في الخلاف الذي يُسوغ فيه الاجتهاد، حتى إنهم كانوا يختلفون في مسائل كبيرة، وفي مسائل عقدية، وعملية، فتجد بعضهم مثلاً يُنكر أن الرسول ﷺ رأى ربه، وبعضهم يقول: بلى، وترى بعضهم يقول: إن التي توزن يوم القيامة هي الأعمال، وبعضهم يرى أن صحائف الأعمال هي التي توزن، وتراهم أيضاً في مسائل الفقه يختلفون كثيراً، في النكاح، والفرائض، والبيوع، وغيرها، ومع ذلك لا يضلل بعضهم بعضاً. فالسلفية بمعنى أن تكون حزباً خاصاً له مميزاته ويضلل أفراده من سواهم فهؤلاء ليسوا من السلفية في شيء. وأما السلفية اتباع منهج السلف عقيدة وقولاً وعملاً وائتلافاً واختلافاً واتفاقاً وتراحماً وتواداً، كما قال النبي ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) فهذه هي السلفية الحقة.] نقلاً عن لقاءات الباب المفتوح.\rإذا تقرر هذا فأعود لما قاله الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، ونسأله كيف تقارن بين من يدعو إلى كتاب الله ﷿ وإلى سنة نبيه ﷺ وبين من يدعو إلى اللادينية؟! وكيف تربط بين من ينادي بفصل الدين عن الحياة، ومن يدعو إلى إقامة الحياة على الكتاب والسنة؟! وكيف تربط بين من ينشر الإباحية والفوضى الأخلاقية ويهدم الأسرة، وبين من يدعو إلى الفضيلة والعفة والطهارة وإقامة الأسرة على أسس شرعية مستمدة من الكتاب والسنة؟! ومن أغرب ما قاله الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية أنه يحكم على السلفية من خلال بعض ممارسات من ينتسبون للسلفية فقال: [السلفي المتشدد يريد الخصوصية، يريد أن تتركه في حاله، يلبس كما يشاء ويصلي كما يشاء منعزلاً في مسجده. ولذلك تجد هذه السلفية التدميرية تبني برنامجاً كثير الجزئيات حتى يعيش فيه الإنسان بعيداً عن ممارسة الحياة، إذن فالسلفية تقبلها العلمانية؛ ولذلك رأينا العلمانية وهي تبارك السلفية إلى أن لُدغت منها في المصالح، ولكن الفكر السلفي هو الوجه الآخر للفكر العلماني وهو لا يدري] وفات الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية أن الميزان الذي وضعه لجماعته المتصوفة لم يستعمله مع خصومه عندما قال: [لأن التصوف يقع حالياً ضحية ما بين الأعداء والأدعياء، وكل منهما يضر بمفهوم التصوف الصحيح. التصوف علم، له أركانه، له أدلته، له ممارسته العملية عبر القرون، مشيد بالكتاب والسنة كما قال أبو التصوف الإمام الجنيد] ، فالسلفية أولى وأحرى بهذا الوصف - تقوم على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ -من التصوف، والسلفية الصحيحة لها أيضاً أدعياء كثر أساؤوا لها وأضروا بحقيقتها وقزموها وجعلوها تهتم ببعض جوانب الدين وتهمل بقيته.\rوخلاصة الأمر أن ما قاله الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية من مقارنة بين السلفية والعلمانية وأن الفكر السلفي المنغلق هو الوجه الآخر للفكر العلماني، فيه ظلم واضح للسلفية، وهي في الحقيقة طريقة أهل السنة والجماعة، واتباع لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم. ويبدو أن المفتي قد حكم على السلفية من خلال بعض مظاهر المنتسبين للسلفية، وهذا قصورٌ كبير، فليس هكذا تحسم الأمور والقضايا المهمة في حياة الأمة.\rأوردها سعدٌ وسعدٌ مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345645,"book_id":3840,"shamela_page_id":25,"part":"2","page_num":1,"sequence_num":25,"body":"١ - قصة إبراهيم ﵇ عندما القي في النار\rيقول السائل: سمعت أحد المشايخ يذكر قصة إبراهيم ﵇ عندما ألقي في النار، وأن جبريل ﵇ جاءه فقال: يا إبراهيم، لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، فقال جبريل: فاسأل ربك، فقال إبراهيم: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهل هذه الكلام صحيح، أفيدونا؟\r\rالجواب: هذه القصة ذكرها بعض المفسرين ومنهم البغوي في معالم التنزيل والثعلبي في الكشف والبيان والسمرقندي في بحر العلوم والألوسي في روح المعاني وذكرها غيرهم من المفسرين كالبيضاوي والنسفي والنيسابوري ومن المعاصرين الدكتور راتب النابلسي، وهذه القصة باطلة، ولا تصح بل هي من القصص المكذوب الموضوع، كما أنها معارضة للعقيدة الإسلامية، ومعارضة لما هو مقرر في كتاب الله ﷿ وسنة النبي ﷺ من الدعاء واللجوء إلى الله في السراء والضراء، وكذلك مخالفة لمنهج الأنبياء جمعياً في دعاء الله ﷾ كما سأذكر لاحقاً. أما بطلان هذه القصة من حيث الرواية فبينهُ العلامة الألباني فقال: [لا أصل له. أورده بعضهم من قول إبراهيم ﵊، وهو من الإسرائيليات ولا أصل له في المرفوع، وقد ذكره البغوي في تفسير سورة الأنبياء مشيراً لضعفه فقال: روي عن كعب الأحبار ... وبالجملة فهذا الكلام المعزو لإبراهيم ﵊ لا يصدر من مسلم يعرف منزلة الدعاء في الإسلام فكيف يصدر ممن سمَّانا المسلمين؟ ! ثم وجدت الحديث قد أورده ابن عراق في \" تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة ١/٢٥٠: وقال: قال ابن تيمية: موضوع] سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/٢٨-٢٩. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وما يروى أن الخليل لما ألقي في المنجنيق قال له جبريل: سل قال \" حسبي من سؤالي علمه بحالي \" ليس له إسناد معروف وهو باطل، بل الذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: \" حسبي الله ونعم الوكيل] مجموع الفتاوى ١/١٨٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر: [وأما قوله: حسبي من سؤالي علمه بحالي فكلام باطل، خلاف ما ذكره الله عن إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء، من دعائهم لله، ومسألتهم إياه، وهو خلاف ما أمر الله به عباده من سؤالهم له صلاح الدنيا والآخرة] مجموع الفتاوى ٨/٥٣٩. وأما بطلان ذلك درايةً فإن هذه الحكاية مخالفة لما هو مقرر في القرآن الكريم وفي السنة النبوية من مشروعية الدعاء، فالدعاء من العبادة وهو نوع من الأخذ بالأسباب وهو جزء من عقيدة المؤمن، وقد جاءت النصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مبينةً فضله وحاثةً عليه، فمن ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) سورة غافر الآية ٦٠. وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) سورة الأعراف الآيتان ٥٥-٥٦. وقال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ سورة النمل٦٢وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٦. وقال ﷻ في وصف عباده المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ سورة السجدة الآية ١٦. ودعاء الله ﷿ من منهج الأنبياء فقد قال تعالى على لسان إبراهيم ﵇ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾ سورة إبراهيم٣٩. وقال أيضاً: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء﴾ سورة إبراهيم٤٠. وقال على لسان موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ سورة الأعراف١٥١. وقال أيضاً: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ سورة المائدة٢٥. وقال أيضاً: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سورة القصص١٦. وقال على لسان زكريا ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ سورة مريم٤. وقال أيضاً: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء﴾ سورة آل عمران٣٨. وقال على لسان سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ سورة ص٣٥. وغير ذلك من الآيات. وأما من السنة النبوية فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس شيءٌ أكرمُ على الله تعالى من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من سرَّه أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي وقال العلامة الألباني حديث حسن، انظر صحيح سنن الترمذي ٣/١٤٠. وعن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ سورة غافر الآية ٦٠. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وصححه العلامة الألباني في المصدر السابق. وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من أحدٍ يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كفَّ عنه من سوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) رواه الترمذي وحسنه العلامة الألباني المصدر السابق ٣/١٤٠. وعن عبادة بن الصامت ﵁ ﷺ: (ما على الأرض من مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بمأثم أو بقطيعة رحم. فقال رجل من القوم إذاً نكثر؟ قال: الله أكثر) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وكذا قال العلامة الألباني في المصدر السابق ١/١٨١. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء) رواه ابن حبان وأبو يعلى وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع ١٥١٩. وغير ذلك من الأحاديث، إذا تقرر مصادمة هذه القصة المكذوبة لنصوص الكتاب والسنة، فإن الواجب على الخطباء والوعاظ والمدرسين أن يتثبتوا من الأحاديث قبل روايتها وذكرها للناس، لأن معظم الناس من العوام الذين لا يميزون بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، بل إن عامة الناس يتلقون هذه الأحاديث وينشرونها فيما بينهم فيسهم الوعاظ والخطباء والمدرسون وأمثالهم في نشر هذه الأحاديث المكذوبة بين الناس، ويتحملون وزر ذلك. وبناءً على ذلك فإني أنصح كل من يذكر حديثاً عن الرسول ﷺ أن يتثبت من ذلك الحديث، وأن يرجع إلى كتب أهل الحديث ليعرف حال ذلك الحديث قبل أن يذكره للناس. فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه ﵊ قال: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . وقال الحافظ ابن حبان: \" فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وه غير عالم بصحته \"، ثم روى بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) وإسناده حسن كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط، الإحسان ١/٢١٠، ثم ذكر ابن حبان بسنده عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من حدث حديثاً وهو يُرى - بضم الياء ومعناه يُظن - أنه كذب فهو أحد الكاذبين) وأخرجه مسلم أيضاً. وقال الإمام الشوكاني: [فلما كان تمييز الموضوع من الحديث على رسول الله ﷺ من أجل الفنون وأعظم العلوم وأنبل الفوائد من جهات يكثر تعدادها ولو لم يكن منها إلا تنبيه المقصرين من علم السنة على ما هو مكذوب على رسول الله ﷺ ويحذروا من العمل به واعتقاد ما فيه وإرشاد الناس إليه. كما وقع لكثير من المصنفين في الفقه والمتصدرين للوعظ والمشتغلين بالعبادة والمتعرضين للتصنيف في الزهد فيكون لمن بين لهؤلاء ما هو كذب من السنة أجر من قام بالبيان الذي أوجبه الله مع ما في ذلك من تخليص عباد الله من معرة العمل بالكذب وأخذه على أيدي المتعرضين لما ليس من شأنه من التأليف والاستدلال والقيل والقال، وقد أكثر العلماء ﵏ من البيان للأحاديث الموضوعة وهتكوا أستار الكذابين ونفوا عن حديث رسول الله ﷺ انتحال المبطلين وتحريف الغالين وافتراء المفترين وزور المزورين] الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٣. وكما ينبغي أن يعلم أن في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ما يغني ويكفي عن الأحاديث المكذوبة.\r\rوخلاصة الأمر أن هذه القصة المنسوبة إلى إبراهيم ﵇ مكذوبة ومخالفة للكتاب والسنة والواجب على خطباء المساجد والوعاظ أن يتأكدوا من درجة الأحاديث التي يذكرونها في خطبهم ومواعظهم ودروسهم حتى لا يسهموا في الكذب على رسول الله ﷺ وإن في الأحاديث الصحيحة والحسنة ما يغني ويكفي عن الأحاديث الباطلة والمكذوبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345646,"book_id":3840,"shamela_page_id":26,"part":"2","page_num":2,"sequence_num":26,"body":"٢ - قصة باطلة تطعن بالصحابة رضوان الله عليهم\rيقول السائل: قرأت في أحد كتب أسباب النزول أن قوله تعال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِين﴾ نزل كما نقل عن ابن عباس في امرأة كانت تصلي خلف رسول الله ﷺ حسناء من أحسن النساء، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فنزلت الآية، فهل هذا الكلام صحيح، أفيدونا؟\r\rالجواب: ينبغي أن يُعلم أولاً أن سورة الحجر والآية المذكورة منها هي سورة مكية باتفاق، كما قال الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب، وابن حزم في الناسخ والمنسوخ، وقال ابن أبى زمنين: [سورة الحجر وهي مكية كلها] عن الإنترنت. ومن المعلوم أنه لم يكن للمسلمين مسجدٌ يصلي فيه الرجال والنساء إلا بعد الهجرة في المدينة. ثانياً: إن ما ذكره السائل عن ابن عباس ﵄ قد رواه عنه الترمذي بإسناده قال: حدثنا قتيبة حدثنا نوح بن قيس الحداني عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله ﷺ حسناء من أحسن النساء فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾ قال أبو عيسى- الترمذي - وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء نحوه ولم يذكر فيه عن ابن عباس وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح] ورواه أحمد والنسائي وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٤٧٢. ثالثاً: إن القول بأن هذه الآية نزلت في هذه الحادثة المذكورة يعني أن الآية نزلت بالمدينة، وهذا الكلام غير مسلم، لأن سورة الحجر كلها مكية كما سبق، وما قاله بعض العلماء إن هذه الآية نزلت بالمدينة اعتماداً على الرواية السابقة عن ابن عباس غير صحيح. لأن هذه الرواية لا تصح عن ابن عباس، وإن صححها الحاكم قديماً والعلامة الألباني حديثاً، فهذه الرواية منكرة، قال الشيخ ابن كثير: [وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك وهو النكري أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾ في الصفوف في الصلاة ﴿والمستأخرين﴾ فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس والله أعلم.] تفسير ابن كثير ٤/١٢. وكلام الترمذي الذي أشار إليه ابن كثير هو: [قال أبو عيسى وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء نحوه ولم يذكر فيه عن ابن عباس وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح] سنن الترمذي ٥/٢٧٧، وكلام الترمذي يشير إلى أن الحديث مرسل، والمرسل حديث ضعيف عند المحدثين. ويضاف إلى ذلك أن نوح بن قيس فيه كلام وقد خالفه جعفر بن سليمان فرواه عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء من قوله - يعني ليس من كلام ابن عباس – وليس فيه القصة وإنما فسر معنى الآية وهذا في تفسير عبد الرزاق وتفسير الطبري. انظر تفسير ابن كثير بتحقيق المهدي ٤/١١. رابعاً: قال الثعالبي في تفسيره: [والحديث المتقدم إن صح فلا بد من تأويل فإن الصحابة ينزهون عن فعل ما ذكر فيؤول بأن ذلك صدر من بعض المنافقين أو بعض الأعراب الذين قرب عهدهم بالإسلام ولم يرسخ الإيمان في قلوبهم، وأما ابن عباس فإنه كان يومئذ صغيراً بلا شك، هذا إذا كانت الآية مدنيه، فإن كانت مكية فهو يومئذ في سن الطفولية وبالجملة فالظاهر ضعف هذا الحديث من وجوه] الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي عن الإنترنت. خامساً: إن القصة السابقة من رواية أبي الجوزاء وهو تابعي لم يدرك النبي ﷺ، قال الإمام البخاري في التاريخ الكبير: في إسناده نظر. وقال عنه الحافظ ابن حجر: يرسل كثيراً، وقال ابن كثير: وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقال الجوزجاني: أبو الجوزاء مجهول لا يُعرف. سادساً: إن تصحيح العلامة الألباني للقصة ودفاعه عنها حيث قال: [ثالثا: وأما النكارة الشديدة التي زعمها ابن كثير ﵀، فالظاهر أنه يعني أنه من غير المعقول أن يتأخر أحد من المصلين إلى الصف الآخر لينظر إلى امرأة! وجوابنا عليه، أنهم قد قالوا: إذا ورد الأثر بطل النظر، فبعد ثبوت الحديث لا مجال لاستنكار ما تضمنه من الواقع، ولو أننا فتحنا باب الاستنكار لمجرد الاستبعاد العقلي للزم إنكار كثير من الأحاديث الصحيحة، وهذا ليس من شأن أهل السنة والحديث، بل هو من دأب المعتزلة وأهل الأهواء. ثم ما المانع أن يكون أولئك الناس المستأخرون من المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر؟ بل وما المانع أن يكونوا من الذين دخلوا في الإسلام حديثاً، ولما يتهذبوا بتهذيب الإسلام، ولا تأدبوا بأدبه؟] السلسلة الصحيحة ٥/ ٦١٢. أقول مع احترامي وتقديري للعلامة الألباني إلا أنه جانب الصواب في تصحيحه لهذه القصة، فكلامه صحيح لو ثبتت القصة ولكن هذه القصة غير ثابتة سنداً كما سبق وغير ثابتة متناً، فالحادثة مردودة دراية، لأن السورة مكية باتفاق، ولأن مضمون القصة يردها، فلو نظرنا إلى قول الراوي (ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه) فكيف سينظر إلى المرأة والحال أن المرأة تكون راكعة فكيف ينظر إليها وماذا يرى منها؟ ويضاف إلى ذلك أن هذه الحادثة المزعومة تطعن في عدالة الصحابة، وقد قرأت طعوناً كثيرة في حق الصحابة رضوان الله عليهم في مواقع كثيرة على الإنترنت اعتماداً على تصحيح العلامة الألباني لهذه القصة المزعومة!!! ولا بد من التذكير بأمر مهم وهو إن المحدثين قد اعتنوا بنقد المتن ولم يكتفوا بنقد السند فقط، ولا يصح الحكم على الحديث بفصل الكلام في السند عن الكلام في المتن، وهذا ما قرره المحدثون، قال ابن الصلاح: [قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولا يصح، لكونه شاذاً أو معللاً] مقدمة ابن الصلاح ص ٢٣. وقال النووي: [قد يصح أو يحسن إسناده أو يحسن الإسناد دون المتن لشذوذ أو علة] التقريب مع شرحه تدريب الراوي١/١٦١. وقال ابن كثير: [والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن، إذ قد يكون شاذا أو معللاً] اختصار علوم الحديث ص٤٣. فهذه القصة المنكرة تطعن في عدالة الصحابة كما ذكرت وعدالتهم ثابتة باتفاق أهل السنة والجماعة، قال الحافظ ابن حجر: [اتفق أهل السنة على أن الجميع - أي جميع الصحابة - عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك فقال عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وقوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ في آيات كثيرة يطول ذكرها وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحدٍ من الخلق ... ] الإصابة في تمييز الصحابة ١/٦-٧. سابعاً: إن القول بأن الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِين﴾ محمولة على المتقدمين في الصفوف الأولى من الصلاة والمتأخرين في صفوف الصلاة، قول ضعيف جداً، لأنه لم يكن للمسلمين مسجدٌ يصلي فيه الرجال والنساء إلا بعد الهجرة في المدينة. وكذلك فإن شيخ المفسرين الإمام الطبري ذكر أقوالاً كثيرة في تفسير الآية ثم قال: [وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصحة قول من قال: معنى ذلك: ولقد علمنا الأموات منكم يا بني آدم فتقدم موته، ولقد علمنا المستأخرين الذين استأخر موتهم ممن هو حي ومن هو حادث منكم ممن لم يحدث بعد، لدلالة ما قبله من الكلام، وهو قوله ﴿وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون﴾ وما بعده وهو قوله ﴿وإن ربك هو يحشرهم﴾ على أن ذلك كذلك، إذ كان بين هذين الخبرين، ولم يجر قبل ذلك من الكلام ما يدل على خلافه، ولا جاء بعد.] تفسير الطبري عن الإنترنت. وخلاصة الأمر أن القصة المذكورة في السؤال قصة باطلة، وقد احتفت بها قرائن تؤكد بطلانها، حتى لو ثبتت من حيث السند فهي منكرة ومردودة، وفيها طعن في عدالة الصحابة رضوان الله عليهم، ويكفينا قول ابن كثير: [وهذا الحديث فيه نكارة شديدة] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345647,"book_id":3840,"shamela_page_id":27,"part":"2","page_num":3,"sequence_num":27,"body":"٣ - كنابة الآيات القرآنية على السيارات\rيقول السائل: ما حكم كتابة الآيات القرآنية على هيكل المركبات من الخارج، وهل يأثم من يأمر بإزالتها، أفيدونا؟\rالجواب: القرآن الكريم كتاب هداية ودستور ومنهاج للأمة وقد أنزل الله القرآن الكريم ليسير الناس وفق هداه ويطبقوه في حياتهم.\rقال الله تعالى: ﴿إنَّ هذا القرآنَ يهدي للتي هيَ أقومُ ويُبَشِّرُ المؤمنين الذينَ يعملونَ الصالحاتِ أنَّ لهمْ أجرًا كبيرًا﴾ سورة الإسراء الآية٩، وقال تعالى: ﴿الحمدُ للهِ الذي أنزلَ على عبدهِ الكتابَ ولم يجعلْ له عِوَجًا. قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بأْسًا شديدًا مِنْ لَدُنْهُ، ويُبَشِّرَ المُؤمنين الذينَ يَعملونَ الصالحاتِ أنَّ لهمْ أجْرًا حَسَنًا. مَاكِثِينَ فيهِ أبَدًا﴾ سورة الكهف الآيات ١ ـ ٣، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة يونس الآية ٥٧، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء﴾ سورة الزمر الآية ٢٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ سورة ق الآية ٣٧، وغير ذلك من الآيات الكريمات.\rولا شك أن تعظيم كتاب الله أمر واجب في حق كل مسلم، ومن وقَّر القرآن الكريم، فقد وقر الله ﷾ ومن استخف بالقرآن فقد استخف بالله ﷿، وقد أجمعت الأمة المسلمة على وجوب تعظيم القرآن الكريم، ووجوب تنزيهه وصيانته عن الامتهان والابتذال، ومن القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله، يقول الله تعالى: ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ سورة الحج الآية٣٠، قال الإمام القرطبي: [ ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم ... فشعائر الله أعلام دينه ... ] تفسير القرطبي١٢/٥٦. وقد ورد عن عمر ﵁ أنه قال: (عظموا القرآن) تفسير القرطبي ١/٢٩. وقال الإمام النووي: [أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه] التبيان في آداب حملة القرآن ص١٠٨، وقال القاضي عياض: [من استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه فهو كافر بإجماع المسلمين] الآداب الشرعية ٢/٣٩٣. وقد ذكر العلماء جملة من الآداب التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها عند التعامل مع القرآن الكريم. انظر التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي.\rإذا تقرر هذا فإنه لا يجوز شرعاً كتابة الآيات القرآنية على الهياكل الخارجية للسيارات، لاشتمال ذلك على مفاسد كثيرة منها:\rإن في ذلك امتهاناً للآيات القرآنية، وامتهانها من المحرمات شرعاً. وقد جاء في كتاب المصاحف لابن أبي داود أن عمر بن عبد العزيز ﵀ رأى ابناً له يكتُب آية في حائط فضربه، وكتابة الآيات القرآنية على الهياكل الخارجية للسيارات، يجعلها عرضة للتلوث بالغبار والأتربة والطين وغيرها من القاذورات،\rوكتابة الآيات القرآنية على الهياكل الخارجية للسيارات يعرضها للتلف والتمزق وسقوطها على الأرض، وهذا يتنافى مع وجوب صيانة القرآن الكريم والمحافظة عليه.\rبعض السائقين يلصق الآيات القرآنية على الهياكل الخارجية للسيارات، من باب رد العين ودفع الشرور وجلب الأرزاق، وهذا مما لا يجوز في الشرع.\rبعض السائقين يلصق الآيات القرآنية على الهياكل الخارجية للسيارات ويستعملها في غير ما أنزلت له، مثل من يعلق قوله تعالى ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ سورة هود الآية ٤٢، وهذا من التلاعب بكلام رب العالمين وهو من المحرمات.\rبعض الآيات القرآنية التي تلصق على الهياكل الخارجية للسيارات، تكون مكتوبة على صورة ذوات الأرواح كما لو جعلت اللوحة القرآنية على شكل إنسان، أو على شكل طائر أو حيوان؛ ونحو ذلك من الأشكال التي لا يليق وضعها قالباً لآيات القرآن الكريم كما سيأتي.\rوقد بحث المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي مسألة تعظيم كتاب الله ﷿ وورد في قراره:\r[وبعد أن استمع المجلس إلى الأبحاث المقدمة في الموضوع المسؤول عنه، والمناقشات المستفيضة في ذلك حوله، يؤكد على وجوب تعظيم كتاب الله واتباع هديه، والالتزام بمقاصده؛ فقد أنزل الله ﷾ القرآن ليكون موعظة وعبرة، وشفاءً لما في الصدور، وليهتدي به الناس في عباداتهم ومعاملاتهم، ويطبقونه في جميع أمور حياتهم، ويتلونه حق تلاوته تدبراً وتذكراً، ويسترشدون به في جميع شؤونهم، ويأخذون أنفسهم بالعمل به في كل أحوالهم، قال تعالى: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ\" [يونس: ٥٧] ، وقال سبحانه: \"وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً\" [الإسراء: ٨٢] ، وقال: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ\" [فصلت: ٤٤] ، \"كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ\" [صّ: ٢٩] ، ويؤكد المجلس أن على المسلمين أن يعرفوا لكتاب ربهم منزلته، ويقدروه قدره، ويجعلوا مقاصده نصب أعينهم، ويتخذوا منه ومن سنة النبي ﷺ مناراً يهتدون بهما. والمجلس إذ يذَّكر بهذا ليهيب بالمسلمين القيام بما يجب عليهم تجاه الآيات القرآنية من احترامها والمحافظة عليها من الامتهان والعبث ويقرر ما يلي:\rأولاً: جواز كتابة الآيات القرآنية وزخرفتها، واستخدامها لمقصد مشروع كأن تكون وسائل إيضاح لتعلم القرآن وتعليمه، وللقراءة والتذكير والاتعاظ، وفق الضوابط الآتية:\r(١) أن تعامل اللوحات المكتوب فيها القرآن من حيث الصناعة والنقل معاملة طباعة المصحف، وهذا يوجب اتخاذ الإجراءات التي تضمن احترام الآيات المكتوبة، وصيانتها عن الامتهان.\r(٢) عدم التهاون بألفاظ القرآن ومعانيه فلا تصرف عن مدلولها الشرعي، ولا تبتر عن سياقها.\r(٣) أن لا تصنع بمواد نجسة أو يحرم استعمالها.\r(٤) أن لا تدخل في باب العبث كتقطيع الحروف وإدخال بعض الكلمات في بعض، وأن لا يبالغ في زخرفتها بحيث تصعب قراءتها.\r(٥) أن لا تجعل على صورة ذوات الأرواح كما لو جعلت اللوحة القرآنية على شكل إنسان، أو على شكل طائر أو حيوان؛ ونحو ذلك من الأشكال التي لا يليق وضعها قالباً لآيات القرآن الكريم.\r(٦) أن لا تصنع للتعاويذ المبتدعة وسائر المعتقدات الباطلة، ولا للصناعات المبتذلة ولا لترويج البضائع وإغراء الناس بالشراء.\rثانياً: لا حرج في بيعها وشرائها بالضوابط السابق ذكرها وفق الراجح من أقوال العلماء في بيع المصحف وشرائه.\rثالثاً: لا يجوز استخدام آيات القرآن الكريم للتنبيه والانتظار في الهواتف الجوالة وما في حكمها؛ وذلك لما في هذا الاستعمال من تعريض القرآن للابتذال والامتهان بقطع التلاوة وإهمالها، ولأنه قد تتلى الآيات في مواطن لا تليق بها.\rوأما تسجيل القرآن الكريم في الهاتف للتلاوة منه أو الاستماع إليه فلا حرج فيه بل هو عون على نشر القرآن واستماعه وتدبره، ويحصل الثواب بالاستماع إليه؛ ففيه تذكير وتعليم، وإذاعة له بين المسلمين.\rويوصي المجمع الجهات المسؤولة في الدولة الإسلامية بضرورة مراقة صناعة اللوحات القرآنية بما يكفل عدم حدوث تجاوزات فيها، ومنع استيراد اللوحات القرآنية وما شابهها من الجهات والدول التي لا تحترم ما في اللوحات من آيات كريمة. والله أعلم.]\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز كتابة ولصق الآيات القرآنية على الهياكل الخارجية للسيارات، لما في ذلك من امتهان لكلام رب العالمين الذي أُمرنا بتعظيمه، والواجب على من يستطيع أن يمنع ذلك أن يمنعه وله الأجر والثواب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345648,"book_id":3840,"shamela_page_id":28,"part":"2","page_num":4,"sequence_num":28,"body":"٤ - الإسرائيليات في كتب التفسير\rيقول السائل: ما هو موقف أهل العلم من الأخبار الإسرائيلية المذكورة في بعض كتب التفسير، أفيدونا؟\rالجواب: الأخبار الإسرائيلية نسبة إلى بني إسرائيل، وهم منسوبون إلى إسرائيل وهو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ﵈، والمراد بالإسرائيليات: الأخبار المنقولة عن بني إسرائيل في التوراة وأسفارها وشروحها، وفي التلمود وشروحه، ويدخل في ذلك ما نقل أيضاً من كتب النصارى، وقد نقل كثير منها عن طريق من أسلم من يهود مثل كعب الأحبار ووهب بن مُنبه وعبد الله بن سلام وغيرهم. ومن المفسرين من ذكر الإسرائيليات ونقدها وبين ما فيها كابن كثير، فتفسيره من خير كتب التفسير، ومنهم من نقلها بأسانيدها وأبرأ ذمته بذلك، كابن جرير الطبري، فالعهدة على القارئ، ومنهم من نقلها ولم يبين حالها كالثعلبي فكان كحاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع؛ مع أنه في نفسه كان فيه خيرٌ ودينٌ، كما قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٣/٣٥٤. وقد اتفق أكثر أهل التفسير على أن الإسرائيليات الواردة في التفاسير على ثلاثة أقسام: وقد فصَّلها العلامة العثيمين فقال: [الإسرائيليات: الأخبار المنقولة عن بني إسرائيل من اليهود وهو الأكثر، أو من النصارى. وتنقسم هذه الأخبار إلى ثلاثة أنواع: الأولى: ما أقره الإسلام، وشهد بصدقه فهو حق، مثاله: ما رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ سورة الزمر الآية ٦٧، والحديث رواه مسلم أيضاً. الثاني: ما أنكره الإسلام وشهد بكذبه فهو باطل، مثاله ما رواه البخاري عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول إذا جامعها- أي الزوجة - من ورائها، جاء الولد أحول؛ فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٣. والحديث رواه مسلم أيضاً. الثالث: م لم يقره الإسلام، ولم ينكره، فيجب التوقف فيه، لما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ) سورة العنكبوت الآية ٤٦، ولكن التحدث بهذا النوع جائز، إذا لم يخش محذور؛ لقول النبي ﷺ: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) رواه البخاري.] تفسير الشيخ العثيمين عن الإنترنت. وقال الإمام ابن كثير [ ... ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تُذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحتَه مما بأيدينا مما نشهدُ له بالصدق، فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبَه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمِنُ به ولا نكذّبه، وتجوزُ حكايتُه لما تقدّم، وغالبُ ذلك مما لا فائدة فيه تعودُ إلى أمرٍ دينيّ، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيراً، ويأتي عن المفسرين خلافٌ بسبب ذلك، كما يَذكرون في مثل أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم وعِدّتهم، وعصا موسى من أيِّ شجرٍ كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضُرِبَ به القتيلُ من البقرة، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم] تفسير ابن كثير ١/١٧. ولا بد أن نقرر أن العلماء قد بينوا أن ذكر الإسرائيليات في كتب التفسير المعتبرة كتفسير الطبري وابن كثير لا يقدح بحال من الأحوال في كتبهم، ولا يعتبر ذكرها مطعناً فيها ولا في مؤلفيها، لأن هذه الإسرائيليات إنما تذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد، كما سبق في كلام ابن كثير، وكما قال أيضاً: [ولسنا نذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهو القسم الذي لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب، مما فيه بسط لمختصر عندنا، أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا، فنذكره على سبيل التحلي به لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه ... ] البداية والنهاية ١/٥. ويجب أن نحسن الظن بعلمائنا ولا ندعي أن ذكرهم للإسرائيليات هو طعن في كلام رب العالمين أو نحو ذلك، كما يزعم بعض المتعالمين الذين يزعمون أنهم يريدون تنقية كتب التفاسير من الإسرائيليات دفاعاً عن كتاب الله ﷿!!! وبعض الجهلة يدعو إلى حرق كتب التفسير والتخلص منها، قال الدكتور محمد أبو شهبة: [وآراء الناس وأفكارهم متباينة في معالجة هذا الموضوع الخطير - أي الإسرائيليات - فمنهم من يرى الاستغناء عن كتب التفسير التي اشتملت على الموضوعات والإسرائيليات التي جنت على الإسلام والمسلمين، وجرّت عليهم كل هذه الطعون والهجمات من أعداء الإسلام، وذلك بإبادتها أو حرقها ... وهو رأي فيه إسراف وغلو، إذ ليس من شكٍ في أن هذه الكتب فيها بجانب الإسرائيليات علم كثير، وثقافة إسلامية أصيلة، وأن ما فيها من خير وحق أكثر مما فيها من شر وباطل، فهل لأجل القضاء على الشر نقضي على الخير، ولأجل الإجهاز على الباطل نجهز على الحق أيضاً؟! أعتقد أن هذا لا يجوز عقلاً ولا شرعاً.] الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص ٨. وقال العلامة القاسمي [ ... ومع ذلك فلا مغمز على مفسرينا الأقدمين في ذلك - أي نقل الإسرائيليات - طابق أسفارهم أم لا، إذ لم يألوا جهداً في نشر العلم وإيضاح ما بلغهم وسمعوه؛ إما تحسيناً للظن في رواة تلك الأنباء لا يروون إلا الصحيح، وإما تعويلاً على ما رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي عن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) ، ورواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) . فترخَّصوا في روايتها كيفما كانت، ذهاباً إلى أن القصد منها الاعتبار بالوقائع التي أحدثها الله تعالى لمن سلف؛ لينهجوا منهج من أطاع، فأثني عليه وفاز، وينكبوا عن مهيع من عصى فحقت عليه كلمة العذاب وهلك. هذا ملحظُهم ﵃.] تفسير القاسمي ١/٤٥ ـ٤٦.\rوينبغي أن يعلم أن موضوع الإسرائيليات في كتب التفسير قد نال حظاً وافراً من البحث، ولا يمكن استيفاؤه في هذه العجالة، ومن أراد التوسع فيه فليرجع إلى المصادر الآتية: ١- الإسرائيليات في التفسير والحديث للدكتور محمد حسين الذهبي ٢- الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير للدكتور محمد بن محمد أبو شهبة ٣- الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير للدكتور رمزي نعناعة، ومع هذه الإحالة ألخص أهم ما قرره العلماء في هذا الموضوع: أولاً: لا يلزم اعتقاد صحة الإسرائيليات، بل هي مجرد أخبار تذكر للاستشهاد لا للاعتماد. ثانياً: لم يثبت عن أحد من السلف أنهم بنوا على الإسرائيليات أي حكم اعتقادي أو عملي، قالت الدكتورة آمال ربيع: [الإسرائيليات في جامع الطبري لم نجدها في مجالات العقيدة أو الأحكام أو الشرائع، ولم نجدها في صلب الدين على الإطلاق، وإنما وجدناها في الجانب القصصي من تفسير القرآن الكريم؛ سواء في قصة الخلق أم في قصص الأنبياء أم الأنساب، وبعض القضايا المتفرقة ذات الطابع القصصي كذلك، وهي مجالات لا خشية منها على جوهر الدين] الإسرائيليات في تفسير الطبري ص ١٣٨. ثالثاً: لم يعتمد المفسرون في تفسير كلام الله ﷿ على الإسرائيليات، وإنما ذكروها مثالاً في التفسير لبيان المعنى وليست حاكمة على النص القرآني ولا قاطعةً بمعنىً من المعاني المحتملة دون غيره.\rوأخيراً أنبه على أن بعض المتعالمين في زماننا قد جاؤوا بأسوأ من الإسرائيليات المكذوبة وتلاعبوا في تفسير القرآن الكريم، مثل تفسير القدور الراسيات المذكورة في قوله تعالى ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ سورة سبأ الآية ١٣ بأنها المفاعلات النووية التي امتلكها سليمان ﵇، ومثل تفسير قوله تعالى على لسان فرعون ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ سورة القصص الآية ٣٨، بأنه الصرح هو المرصد الفلكي هابل، وغير ذلك من الهبل والخزعبلات.\rوخلاصة الأمر أن الإسرائيليات في كتب التفسير ثلاثة أنواع: ما وافق شرعنا فهذا مقبول، وما خالف شرعنا فهو مرفوض، والثالث المسكوت عنه وهو ما لم يوافق شرعنا ولم يخالفه، فهذا نتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه، ومع ذلك فهو يُروى ولا يُطوى ولكن على سبيل الاستئناس لا الاعتماد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345649,"book_id":3840,"shamela_page_id":29,"part":"2","page_num":5,"sequence_num":29,"body":"٥ - علم القراءات يؤخذ بالسماع والمشافهة من أهل الشأن\rيقول السائل: في مسجدنا شخص يدِّرس القراءات للناس مع العلم أنه لم يقرأ علم القراءات على العلماء ويزعم أنه أخذه من الكتب فما قولكم في ذلك، أفيدونا؟\rالجواب: علم القراءات كما عَّرفه ابن الجزري بقوله: [القراءات علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة] منجد المقرئين ومرشد الطالبين ص ٢، وأما المقرئ: فهو العالم بالقراءات، التي رواها مشافهة بالتلقي عن أهلها إلى أن يبلغ النبي ﷺ. وذكر ابن الجزري لو أن شخصاً حفظ كتاب التسهيل – وهو كتاب مشهور في القراءات لأبي عمرو الداني وهو الذي نظمه الشاطبي في قصيدته المشهورة المسماة الشاطبية – فليس له أن يقرئ بما فيه إن لم يشافهه من شوفه به مسلسلاً، لأن في القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة. منجد المقرئين ومرشد الطالبين ص ٣. وانظر إتقان البرهان ٢/١٣٨-١٣٩.\rوقد قرر علماء القراءات أن الأصل في علم القراءات هو التلقي من أفواه المشايخ والقراء ولا يؤخذ هذا العلم من الكتب بل بالسماع، ويدل على هذا الأصل أن النبي ﷺ تلقى القرآن الكريم من جبريل ﵇ كما قال ﷾ ﴿وإنّك لتلقّى القرءان من لدن حكيم عليم﴾ سورة النمل الآية ٦، وقد تلقى الصحابة رضوان الله عليهم – خاصة القراء منهم - القرآن من رسول الله ﷺ. وقد أرشد النبي ﷺ الأمة أن يأخذوا القرآن عن أربعة من أصحابه المتقنين للقراءة فقد روى الإمام البخاري بإسناده عن مسروق: ذكر عبد الله بن عمرو، عبد الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه سمعت النبي ﷺ يقول: (خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأُبي بن كعب) . ويدل هذا الحديث على أن قراءة القرآن تؤخذ بالتلقي من أفواه القراء المتقنين، فالقرآن الكريم لا يؤخذ من كل من هب ودب، لأن في علم القراءات وجوهاً لا يحكمها إلا التلقي والمشافهة من القراء المتقنين، وما قرره العلماء في علم القراءات من وجوب التلقي من القراء والمشافهة من أفواه المشايخ هو ذاته ما قرروه في علم التجويد فهو أيضاً يؤخذ بالمشافهة والسماع من أهله المتقنين له. وتأكيداً لهذا المعنى يقول عبد الله بن مسعو ﵁: (والله لقد أخذت من فيِّ رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة) رواه البخاري. وذكر الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني أن عثمان بن عفان ﵁ حينما بعث المصاحف إلى الآفاق، أرسل قارئاً مع كل مصحف يوافق قراءته في الأكثر الأغلب، انظر مناهل العرفان في علوم القرآن ١/٣٧٢-٣٧٣. وقد اشتهر عن علماء السلف أنهم قالوا: [القراءة سنةٌ متبعةٌ يأخذها الآخر عن الأول] . وقال الإمام ابن الجزري: [ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها. والناس في ذلك بين محسن مأجور، ومسيء آثم، أو معذور، فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح، العربي الفصيح، وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح، استغناءً بنفسه، واستبداداً برأيه وحدسه واتكالاً على ما ألف من حفظه. واستكباراً عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه. فإنه مقصر بلا شك، وآثم بلا ريب، وغاش بلا مرية، فقد قال رسول الله ﷺ: (الدين النصيحة: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم) أما من كان لا يطاوعه لسانه؛ أو لا يجد من يهديه إلى الصواب بيانه فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها] النشر في القراءات العشر ١/٢٣٧.\rوقال الشيخ جلال الدين السيوطي: [والأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وأحكامه متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من الأئمة القراء المتصل سندهم بالنبي ﷺ] الإتقان في علوم القرآن ١/٣٢٤.\rوقال الخطيب البغدادي: [الذي لا يأخذ العلم من أفواه العلماء لا يُسمى عالماً، ولا يُسمى الذي يقرأ من المصحف من غير سماع من القارئ قارئاً، إنما يسمى مصحفياً] . وقال الشيخ الدمياطي في تعريفه المقرئ: [من علم بها أداءً ورواها مشافهةً فلو حفظ كتاباً امتنع عليه إقراؤه بما فيه إن لم يشافهه من شوفه به مسلسلاً لأن في القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة، بل لم يكتفوا بالسماع من لفظ الشيخ فقط في التحمل وإن اكتفوا به في الحديث، قالوا لأن المقصود هنا كيفية الأداء، وليس من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء أي فلا بد من قراءة الطالب على الشيخ بخلاف الحديث، فإن المقصود منه المعنى أو اللفظ، لا بالهيئات المعتبرة في أداء القرآن، أما الصحابة فكانت طباعهم السليمة وفصاحتهم تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه منه صلي الله عليه وسلم لأنه نزل بلغتهم] إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر ص ٦٨.\rوقال الشيخ محمود خليل الحصري – شيخ القراء المصريين -: [ومما يجب التنبه له أن التجويد العملي لا يمكن أن يؤخذ من المصحف مهما بلغ من الضبط والإجادة، ولا يمكن أن يُتعلم من الكتب مهما بلغت من البيان والإيضاح، وإنما طريقه التلقي، والمشافهة، والتيقن، والسماع، والأخذ من أفواه الشيوخ المهرة المتقنين لألفاظ القرآن، المحكمين لأدائه، الضابطين لحروفه وكلماته لأن من الأحكام القرآنية ما لا يحكمه إلا المشافهة، والتوقيف، ولا يضبطه إلا السماع والتلقين، ولا يجيده إلا الأخذ من أفواه العارفين] أحكام قراءة القرآن ص ١٨.\rوقال الشيخ محمد علي خلف الحسيني شيخ القراء بالديار المصرية سابقاً: [وإذ قد علمت أن التجويد واجب وعرفت حقيقته علمت أن معرفة الأداء والنطق بالقرآن على الصفة التي نزل بها متوقفة على التلقي والأخذ بالسماع من أفواه المشايخ الآخذين لها كذلك المتصل سندهم بالحضرة النبوية لأن القارئ لا يمكنه معرفة كيفية الإدغام والإخفاء والتفخيم والترقيق والإمالة المحضة أو المتوسطة والتحقيق والتسهيل والروم والإشمام ونحوها إلا بالسماع والإسماع، حتى يمكنه أن يحترز عن اللحن والخطأ وتقع القراءة على الصفة المعتبرة شرعاً، إذا علمت ذلك تبين لك أن التلقي المذكور واجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما هو معلوم ولأن صحة السند عن النبي ﷺ عن روح القدس عن الله ﷿ بالصفة المتواترة أمر ضروري للكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ليتحقق بذلك دوام ما وعد به تعالى في قوله جل ذكره ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ سورة الحجر الآية ٩، وحينئذ فأخذ القرآن من المصحف بدون موقف لا يكفي بل لا يجوز ولو كان المصحف مضبوطاً ... فالحاصل أنه لابد من التلقي من أفواه المشايخ الضابطين المتقنين على ما تقدم ولا يعتد بالأخذ من المصاحف بدون معلم أصلاً ولا قائل بذلك ومرتكبه لاحظ له في الدين لتركه الواجب وارتكابه المحرم هذا محصل ما كتبه في هذا الموضوع من فطاحل الأئمة من يوثق بقولهم، ومن جهابذة الأمة من يؤخذ برأيهم في المعقول يرجع إليهم وفي المنقول يعتمد عليهم وهم – ثم سماهم وهم أحد عشر عالماً من القراء - ... ولذا قيل: من يأخذ العلم عن شيخ مشافهة يكن عن الزيغ والتصحيف في حرم\rومن يكن آخذا للعلم من صحف فعلمه عند أهل العلم كالعدم] القول السديد في بيان حكم التجويد ص٩- ١٢.\rوقد قال بعض السلف: [لا تأخذ القرآن من مُصحفي، ولا تأخذ الحديث من صُحُفي] شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف لأبي أحمد العسكري ص١٠. فالمصحفي هو الذي يقرأ القرآن من المصحف ولم يتتلمذ على أيدي القراء، والصحفي من أخذ العلم عن الكتب والصحف لا عن العلماء. وقال أبو حيان النحوي المشهور: يظن الغمر أن الكتب تهدي أخا فهم لإدراك العلوم\rوما يدري الجهول بأن فيها غوامض حيرت عقل الفهيم\rإذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصراط المستقيم\rوتلتبس الأمور عليك حتى تصير أضل من توما الحكيم\rوخلاصة الأمر أن علم القراءات وكذا علم التجويد لا يؤخذ من الكتب والمصاحف بل لا بد من التلقي من العلماء والقراء المتقنين، ولا يظنن أحد أنه لو حفظ متناً من متون القراءات كالشاطبية أنه قادر على تدريس هذا العلم، أنى له ذلك ما لم يتلقاه بالسماع والمشافهة، وعلى من أراد دراسة علم القراءات والتجويد أن يأخذه من أهل هذا الشأن وليس من أدعياءه وهم في زماننا كثر، وأنصح السائل وغيره أن لا يسمع لأدعياء العلم هؤلاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345650,"book_id":3840,"shamela_page_id":30,"part":"2","page_num":6,"sequence_num":30,"body":"٦ - تبرج الجاهلية الأولى\rيقول السائل: ما المقصود بالجاهلية الأولى في قوله تعالى ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ ، أفيدونا؟\rالجواب: قوله تعالى ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ ورد ضمن خطاب الله ﷿ لنساء النبي ﷺ ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَءَاتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْءَايَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ سورة الأحزاب الآيات ٣٢ - ٣٤.\rوالتبرج عند العلماء هو أن تظهر المرأة زينتها ومحاسنها مما يجب عليها ستره وذلك قوله تعالى ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قال الإمام القرطبي [قوله تعالى ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة لينظر إليهن فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق والتبرج التكشف والظهور للعيون] تفسير القرطبي ١٢/٣٠٩.\rوالتبرج من كبائر الذنوب باتفاق العلماء وقد عدَّ الشيخ ابن حجر المكي خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة من الكبائر والأدلة الشرعية تدل عليه، انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/٩٦- ٩٧. وقد توعد رسول الله ﷺ المتبرجة بأنها لا تدخل الجنة ولا تشم رائحتها وهذا يدل على أن التبرج من الكبائر كما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أنه قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) رواه مسلم، قال الإمام النووي: [... هذا الحديث من معجزات النبوة، فقد وقع هذان الصنفان، وهما موجودان. وفيه ذم هذين الصنفين قيل: معناه كاسيات من نعمة الله عاريات من شكرها، وقيل: معناه تستر بعض بدنها، وتكشف بعضه إظهاراً بحالها ونحوه، وقيل: معناه تلبس ثوباً رقيقاً يصف لون بدنها. وأما (مائلات) فقيل: معناه عن طاعة الله، وما يلزمهن حفظه. (مميلات) أي يعلمن غيرهن فعلهن المذموم، وقيل: مائلات يمشين متبخترات، مميلات لأكتافهن. وقيل: مائلات يمشطن المشطة المائلة، وهي مشطة البغايا. مميلات يمشطن غيرهن تلك المشطة. ومعنى (رؤوسهن كأسنمة البخت) أن يكبرنها ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوهما] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٢٩١\rوورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات) رواه أحمد وابن حبان والطبراني والحاكم، وصححه ابن حبان والحاكم وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٤٦٢.\rوأما الجاهلية فقد ورد هذا اللفظ في الكتاب والسنة في عدة مواضع ومما يراد به الفترة التي سبقت الإسلام وما كان الناس عليه من أخلاق سيئة حينذاك كما في قوله تعالى ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾ سورة آل عمران الآية ١٥٤. وكما في قوله تعالى ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾ سورة المائدة الآية ٥٠، وورد في السنة النبوية إشارات إلى أخلاق الجاهلية كما جاء في الحديث عن أميمة بنت رقيقة ﵂ جاءت إلى رسول ﷺ تبايعه على الإسلام فقال: أبايعك على ألا تشركي بالله شيئاً ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفتريه بين يديك ورجليك ولا تنوحي ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى.) رواه الإمام أحمد وصحح إسناده الشيخ أحمد محمد شاكر.\r\rوقال بعض المفسرين إن الجاهلية الأولى يقابلها جاهلية ثانية والأولى كانت قبل الإسلام والثانية تكون بعده وهذا وجه حسن في تفسير الآية فلا شك أن من أهل الإسلام من يتخلق بأخلاق الجاهلية كما ورد في الحديث عن المعرور بن سويد قال مررنا بأبى ذر بالربذة وعليه برد وعلى غلامه مثله فقلنا يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة. فقال إنه كان بينى وبين رجل من إخوانى كلام وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه فشكانى إلى النبى ﷺ فلقيت النبي ﷺ فقال (يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية) . قلت يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه. قال (يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم) رواه مسلم.\rوعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) رواه مسلم.\rوعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) رواه البخاري ومسلم وغير ذلك من الأحاديث\rوروى الطحاوي في مشكل الآثار عن ابن عباس قال: ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى قال: كنا نقول: تكون جاهلية أخرى) .\rوذكر ابن العربي عند تفسير قوله تعالى ﴿الجاهلية الأولى﴾ روي أن عمر ﵁ سأل ابن عباس ﵁، فقال: أفرأيت قول الله تعالى: ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ ؟ لأزواج النبي ﷺ، هل كانت جاهلية غير واحدة، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين؛ هل سمعت بأولى إلا لها آخرة، قال: فأتنا بما يصدق ذلك في كتب الله تعالى. فقال ابن عباس: إن الله تعالى يقول: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ جاهدوا كما جاهدتم أول مرة. فقال عمر: فمن أمر بأن نجاهد؟ قال: مخزوم وعبد شمس] أحكام القرآن لابن العربي ٣/١٥٣٧.\rوقال الشوكاني: [ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإسلام من التشبه بأهل الجاهلية بقول أو فعل فيكون المعنى: ولا تبرجن أيها المسلمات بعد إسلامكن تبرجاً مثل تبرج الجاهلية التي كنتن عليها وكان عليها من قبلكن: أي لا تحدثن بأفعالكن وأقوالكن جاهلية تشابه الجاهلية التي كانت من قبل] تفسير فتح القدير٤/ ٢٧٨.\rوذكر الألوسي في تفسيره قول الزمخشري: يجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام فكأن المعنى ولا تحدثن بالتبرج جاهلية في الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر] تفسير الألوسي ١١/١٨٩.\rوذكر أهل التفسير أن تبرج النساء في الجاهلية الأولى كان بمشيهن بتكسر وتغنج وتبختر أو تلقي المرأة خمارها على رأسها ولا تشده فلا يواري قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها، وتبرج الجاهلية الأولى لا يقاس مع العري الفاضح المنتشر في زماننا هذا، فيبدو أن ما كان يعد تبرجاً في الجاهلية الأولى يعتبر اليوم تستراً وحشمة في زماننا هذا!!!\rوخلاصة الأمر أن النهي عن التبرج تبرج الجاهلية الأولى يكون بمنع المرأة من إظهار محاسنها وزينتها ويجب عليها ستر ما أمر الله تعالى بستره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345651,"book_id":3840,"shamela_page_id":31,"part":"2","page_num":7,"sequence_num":31,"body":"٧ - مصحف برايل للمكفوفين\rيقول السائل: المصحف المطبوع بطريقة برايل للمكفوفين هل له حكم المصحف المعروف ولقد حاولنا السؤال عن هذه المسألة وكانت الإجابة تأتينا في اتجاهين الأول بأنه لا ينطبق عليه أحكام المصحف العادي لأنه لم يكتب بالرسم العثماني لذلك فهو يحمل حكم التفسير أو القرآن المترجم. والقول الثاني هو بما أن الكفيف يقرأ ما في هذا المصحف قراءة سليمة ودون إنقاص لأي معنى من معاني القرآن فإنه يحمل نفس الأحكام فما رأي فضيلتكم في ذلك وجزاكم الله كل الخير. جمعية أصدقاء الكفيف فلسطين.\rالجواب: لا شك أن تعظيم كتاب الله أمر واجب في حق كل مسلم ومن وقر القرآن الكريم فقد وقر الله ﷾ ومن استخف بالقرآن فقد استخف بالله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) وقد ورد عن عمر ﵁ أنه قال: (عظموا القرآن) تفسير القرطبي ١/٢٩. وقال الإمام النووي: [أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه] التبيان في آداب حملة القرآن ص ١٠٨. وقد ذكر العلماء جملة من الآداب التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها عند التعامل مع القرآن الكريم. راجعها في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي ففيه فوائد كثيرة.\rإذا تقرر هذا فنعود لإجابة السؤال فأقول بعد تقليب أوجه النظر في هذه النازلة وتخريجها على قواعد الشرع المقررة فإني أرى أن المصحف المكتوب بطريقة (برايل) للمكفوفين يأخذ حكم المصحف من حيث وجوب تعظيمه وحرمة الاستخفاف به وكذا حرمة امتهانه لأنه مكتوب بحروف وإن كانت غير الحروف العربية إلا أنها حروف خاصة بالمكفوفين فلذا تراهم يقرؤونه كما يقرأ المبصرون ويضاف إلى ذلك أنه لا يكتب في مصحف المكفوفين إلا كلام الله ﷿ ولا يكتب فيه تفسير أو شرح وكذلك فإنك لو سألت مكفوفاً بيده نسخة منه، عن هذا الذي في يده، لأجابك بأنه يحمل مصحفاً، فالأولى إلحاقه بالمصحف وتعليل هذا الحكم أن الأصل في التعامل مع المصحف هو الاحترام والتقدير والمصحف المطبوع بطريقة برايل يسمى مصحفاً كما جاء في السؤال وإن كان ذلك خاص بالمكفوفين. وبناءً على اعتباره مصحفاً تثبت للمصحف المطبوع بطريقة برايل أحكام المصحف من حيث التأدب معه وحرمة امتهانه بأي شكل من الأشكال ولكن يجوز مسه لغير المتوضئ لأن الراجح من أقوال أهل العلم جواز مس المصحف لمن كان على غير طهارة وهو قول جماعة من أهل العلم كالمزني صاب الشافعي وداود وابن حزم الظاهريان والشوكاني وغيرهم وإن كان مذهب أكثر أهل العلم هو المنع من ذلك وقول المجيزين هذا قول قوي ولهم أدلتهم وأهمها: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال (المؤمن لا ينجس) رواه البخاري ومسلم وفي رواية في صحيح البخاري (إن المسلم) وكذلك فإن هؤلاء العلماء قد أجابوا عن أدلة المانعين لمس المصحف إلا على طهارة كقوله تعالى ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ سورة الواقعة الآية ٧٩، بأن الآية الكريمة ليست في محل النزاع لأن المراد بها اللوح المحفوظ والمطهرون هم الملائكة. كما احتج المانعون بما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال (لا يمس القرآن إلا طاهر) رواه الدارقطني ومالك والطبراني وغيرهم وقال عنه العلامة الألباني: [وجملة القول: أن الحديث طرقه كلها لا تخلو من ضعف، ولكنه ضعف يسير إذ ليس في شيء منها من اتهم بكذب، وإنما العلة الإرسال أو سوء الحفظ، ومن المقرر في علم المصطلح أن الطرق يقوي بعضها بعضاً إذا لم يكن فيها متهم كما قرره النووي في تقريبه ثم السيوطي في شرحه، وعليه فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث لا سيما وقد احتج به إمام السنة أحمد بن حنبل كما سبق، وصححه أيضاً صاحبه الإمام إسحق بن راهويه] إرواء الغليل ١/١٦٠-١٦٢. وقد أجابوا عن الاستدلال بالحديث السابق بأن الصحيح أن كلمة طاهر لفظ مشترك يطلق على المؤمن وعلى الطاهر من الحدث الأكبر وعلى الطاهر من الحدث الأصغر وعلى من ليس على بدنه نجاسة وصرفه إلى واحدٍ من هذه المعاني يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك فلا يسلم الاحتجاج به على منع غير المتوضئ من مس المصحف قال الشوكاني [والحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرًا ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة ... ولو سلم صدق اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثاً أكبر أو أصغر فقد عرفت أن الراجح كون المشترك مجملاً في معانيه فلا يعين حتى يبين. وقد دل الدليل ههنا أن المراد به غيره لحديث (المؤمن لا ينجس) ولو سلم عدم وجود دليل يمنع من إرادته لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحاً بلا مرجح وتعيينه لجميعها استعمالاً للمشترك في جميع معانيه وفيه الخلاف ولو سلم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه لما صح لوجود المانع وهو حديث (المؤمن لا ينجس) . قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر لا يصح لا حقيقة ولا مجازاً ولا لغة صرح بذلك في جواب سؤال ورد عليه فإن ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائماً فلا يتناوله الحديث سواء كان جنباً أو حائضاً أو محدثاً أو على بدنه نجاسة] نيل الأوطار ١/٢٤٣-٢٤٤.\rوبهذه المناسبة أود أن أذكر بعض الأشياء الحديثة التي لها تعلق بالمصحف: فمنها C D الأسطوانة المدمجة التي يسجل عليها القرآن الكريم فلا شك أن ما نسمعه من C D الأسطوانة المدمجة من الكلام بصوت القارىء هو القرآن الكريم ولكن هذه الأسطوانة المدمجة C D لا تأخذ نفس الحكم المتعلق بالقرآن الكريم من حيث أنه لا يجوز مسه إلا على طهارة كما هو مذهب أكثر أهل العلم بالنسبة لمس المصحف فيجوز مس C D الأسطوانة المدمجة لأن القرآن المخزن عليها ليس مخزناً بالحروف وإنما هو مخزن حسب النظام الثنائي الذي يعطي كل حرف شيفرة معينة والشيفرة مكونة من ٨ خانات ... إلخ ما يقوله أهل الاختصاص. ومع أن هذه الإسطوانات لا تلحق بالمصحف إلا أني أرى أنه لا يجوز امتهانها ورميها في محال القاذورات وخاصة إذا كتب عليها كلام يشير إلى أنها تحتوي على القرآن الكريم كما هو معروف ومشاهد.\rومنها أيضاً الشريط المسجل فلا أرى إلحاقه بالمصحف لأن ما هو موجود عليه ليس حروفاً ولكنه عبارة عن حفظ صوت الآدمي عن طريق ترتيب اتجاه المجالات المغناطيسية، فلذا لا يأخذ حكم المصحف ولكن لا يجوز امتهانه ورميه في محال القاذورات وخاصة إذا كتب عليه كلام يشير إلى أنه يحتوي على القرآن الكريم كما هو معروف ومشاهد حيث يكتب على الأشرطة أسماء السور وأسماء القراء. ومنها أيضاً أجهزة الهاتف المحمول التي يخزن عليها القرآن الكريم فلا تأخذ حكم المصحف من حيث أنه لا يجوز مسها إلا على طهارة كما هو مذهب أكثر أهل العلم بالنسبة لمس المصحف ولكنني أرى أنه إذا كانت كلمات القرآن ظاهرة على شاشتها فلا يجوز دخول الحمام بها لأن في ذلك نوع امتهان للمصحف. وأما إذا لم يكن شيء من القرآن مكتوب على شاشتها فلا بأس بدخول الحمام بها لأن ما فيها ليس حروف القرآن وإنما القرآن محفوظ فيها حسب النظام الثنائي الذي يعطي كل حرف شيفرة معينة والشيفرة مكونة من ٨ خانات ... إلخ ما يقوله أهل الاختصاص مثلما سبق في الإسطوانات. وهذه المسألة أشبه بدخول الانسان الحافظ لكتاب الله للحمام مع أن القرآن الكريم في جوفه!\rوقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية بمثل ذلك كما نقله د. عمر بن محمد السبيل ﵀ حيث قال [إذا سجل القرآن الكريم على أشرطة بمختلف أنواعها كأشرطة الكاسيت أو الفيديو، أو أقراص الدسك التي تستخدم في الكمبيوتر، أو نحوها، فإنه يجوز مسها للمحدث حدثًا أكبر أو أصغر فيما يظهر، وذلك لأن هذه الأشرطة ونحوها لا تسمى مصحفًا، لأنه لا يمكن قراءة القرآن منها مباشرة، وإنما يستمع للقرآن منها، أو يقرأ بواسطة آلاتها الخاصة بتشغيلها، لذا فإن هذه الأشرطة لا تأخذ حكم القرآن الكريم في تحريم مسه على غير طهارة، وبهذا أفتى أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية برئاسة شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز دون أن يعللوا للحكم، ونص الفتوى: (لا حرج في حمل أو لمس الشريط المسجل عليه القرآن لمن عليه جنابة ونحوها وبالله التوفيق]\rوخلاصة الأمر أن مصحف برايل الخاص بالمكفوفين يلحق بالمصحف في أحكامه من حيث صيانته واحترامه وحرمة امتهانه\rوأما C D الأسطوانة المدمجة التي يسجل عليها القرآن الكريم فلا تلحق بالمصحف وكذا الشريط المسجل عليه القرآن الكريم ولا الهاتف المحمول المخزن عليه القرآن الكريم لا تلحق بالمصحف بشكل عام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345652,"book_id":3840,"shamela_page_id":32,"part":"2","page_num":8,"sequence_num":32,"body":"٨ - حكم الأوراق التي تذكر فيها الآيات القرآنية\rيقول السائل: كيف نتعامل مع الصحف والمجلات والنشرات والأوراق التي يذكر فيها آيات من القرآن الكريم أو أسماء الله الحسنى وخاصة أننا نرى الشوارع والطرقات قد امتلأت بها أثناء فترة الدعاية للانتخابات فما قولكم أفيدونا؟\rالجواب: إن تعظيم شعائر الله فريضة من فرائض الله يقول الله تعالى ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى ﴿ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه﴾ سورة الحج الآية ٣٠.\rقال الإمام القرطبي [ ﴿ومن يعظم شعائر الله﴾ الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم.... فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك ... ] تفسير القرطبي ١٢/٥٦. ولا شك أن الآيات القرآنية وأسماء الله الحسنى من شعائر الله التي يجب تعظيمها وقد ورد عن عمر ﵄ أنه قال: (عظموا القرآن) تفسير القرطبي ١/٢٩. وقال الإمام النووي: [أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه] التبيان في آداب حملة القرآن ص ١٠٨. وقد عظم النبي ﷺ التوراة ووضعها على الوسادة تكريماً لها كما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال أتى نفر من يهود فدعوا رسول الله ﷺ إلى القف - اسم واد بالمدينة - فأتاهم في بيت المدراس - هو البيت الذي يدرسون فيه - فقالوا يا أبا القاسم إن رجلاً منا زنى بامرأة فاحكم بينهم فوضعوا لرسول الله ﷺ وسادة فجلس عليها ثم قال بالتوراة فأتي بها فنزع الوسادة من تحته فوضع التوراة عليها ثم قال آمنتُ بكِ وبمن أنزلك ثم قال ائتوني بأعلمكم فأتي بفتى شاب ثم ذكر قصة الرجم) رواه أبو داود وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/٩٤، وفي صحيح سنن أبي داود ٣/٨٤٣. قال أبو الطيب الأبادي: [ (ووضع التوراة عليها) : أي على الوسادة والظاهر أنه ﷺ وضع التوراة على الوسادة تكريماً لها , ويؤيده قوله ﷺ: آمنت بك وبمن أنزلك] عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٢/٨٩. فإذا كان هذا تكريم النبي ﷺ للتوراة فلا شك أن المصحف أولى بالتكريم.\rومما يؤسف له ما نراه في أيامنا هذه من امتهان للآيات القرآنية وكذا الأواق التي فيها ذكر لله ﷿ حيث ترى كثيراً من الأوراق التي فيها ذكر الله تعالى وقد امتلأت بها الشوارع ويدوسها الناس بأقدامهم وكثير منها رمي في حاويات القمامة ويتعامل بعض الناس معها باستخفاف وامتهان وسأذكر بعض التصرفات المحرمة والمكروهة في هذا المجال والتي ينبغي للمسلم أن لا يفعلها: فمنها رمي أوراق من المصحف والأوراق التي فيها ذكر لله ﷿ أو اسم رسوله ﷺ في الطرقات والشوارع مما يعرضها للامتهان. ومنها اتخاذ الجرائد التي كتب فيها شيء من الآيات القرآنية كمفارش للطعام وكذا الأوراق التي فيها ذكر لله ﷿ أو اسم رسوله ﷺ. ومنها لف السلع بالجرائد التي كتب فيها شيء من الآيات القرآنية وكذا الأوراق التي فيها ذكر لله ﷿ أو اسم رسوله ﷺ. ومنها الجلوس على الجرائد التي كتب فيها شيء من الآيات القرآنية وكذا الأوراق التي فيها ذكر لله ﷿ أو اسم رسوله ﷺ. ومنها الصلاة على الجرائد التي كتب فيها شيء من الآيات القرآنية وكذا الأوراق التي فيها ذكر لله ﷿ أو اسم رسوله ﷺ. ومنها استعمال الجرائد التي كتب فيها شيء من الآيات القرآنية وكذا الأوراق التي فيها ذكر لله ﷿ أو اسم رسوله ﷺ وسيلة للتنظيف ومسح السيارات بها ومن باب أولى حرمة استعمالها في إزالة النجاسات. ومنها توسد المصحف أي اتخاذه وسادة وكذا الاتكاء عليه. ومنها وضع الكتب فوق المصحف الشريف. بل يجب أن يكون المصحف فوقها جميعاً. ومنها دخول المرحاض بالمصحف أو أية أوراق فيها ذكر الله ﷿ أو اسم رسوله ﷺ. ومنها أن يمد الانسان رجليه باتجاه المصحف وكذا كتب العلم الشرعي. ومنها لا يجوز أن يكتب شيء من القرآن على الملابس ولا يجوز أن تطرز الملابس بالآيات القرآنية. ومنها لا يجوز كتابة آية من آيات القرآن الكريم كآية الكرسي على القطع الذهبية وخاصة تلك التي تستعملها النساء والأطفال. ومنها لا يجوز كتابة لفظ الجلالة الله أو لفظ محمد ﷺ على القطع الذهبية وخاصة تلك التي تستعملها النساء والأطفال أيضاً. ومنها وضع المصحف الشريف مع الميت عند دفنه. وهكذا الحكم في كل أمر يؤدي إلى امتهان آية من القرآن الكريم أو اسم من أسماء الله أو حديث من أحاديث الرسول ﷺ أو اسم الرسول ﷺ.\rوقد نص أهل العلم على وجوب احترام المصحف والأوراق التي كتبت فيها الآيات القرآنية وكذا ما كتب فيه ذكر الله ﷿\rقال الإمام النووي [أجمع العلماء على وجوب صيانة المصحف واحترامه فلو ألقاه والعياذ بالله في قاذورة كفر] المجموع ٢/٧٣ وقال الإمام النووي أيضاً: [قال القاضي حسين وغيره لا يجوز توسد المصحف ولا غيره من كتب العلم قال القاضي إلا أن يخاف عليه السرقة فيجوز وهذا الاستثناء فيه نظر والصواب منعه في المصحف وان خاف السرقة] المجموع ٢/٧٠\rوقال الشيخ ابن حجر المكي الهيتمي: في جواب سؤال [هل يحرم دوس الورق أو الخرقة المكتوب عليها اسم الله واسم رسوله ﷺ (فأجاب) بقوله: نعم يحرم دوس ذلك؛ لأن فيه إهانة له ... بل أولى وينبغي أن يلحق بذلك كل اسم معظم ... ] الفتاوى الفقهية الكبرى١/٣٥. وقال الشيخ المرداوي الحنبلي [أما دخول الخلاء بمصحف من غير حاجة فلا شك في تحريمه قطعاً، ولا يتوقف في هذا عاقل.] الإنصاف١/٩٤. وقال الشيخ ابن مفلح الحنبلي المقدسي: [ويكره توسد المصحف ذكره ابن تميم وذكره في الرعاية وقال بكر بن محمد كره أبو عبد الله أن يضع المصحف تحت رأسه فينام عليه قال القاضي: إنما كره ذلك لأن فيه ابتذالاً له ونقصاناً من حرمته فإنه يفعل به كما يفعل بالمتاع. واختار ابن حمدان التحريم وقطع به في المغني والشرح كما سيأتي في الفصل بعده, وكذا سائر كتب العلم إن كان فيها قرآن وإلا كره فقط وقال أحمد في رواية نعيم بن ناعم وسأله أيضع الرجل الكتب تحت رأسه؟ قال أي كتب؟ قلت كتب الحديث قال: إذا خاف أن تسرق فلا بأس وأما أن تتخذه وسادة فلا. وروى الخلال في الأخلاق عنه أنه كان في رحلته إلى الكوفة أو غيرها في بيت ليس فيه شيء وكان يضع تحت رأسه لبنة ويضع كتبه فوقها. وقال ابن عبد القوي في كتابه مجمع البحرين أنه يحرم الاتكاء على المصحف وعلى كتب الحديث وما فيه شيء من القرآن اتفاقا انتهى كلامه. ويقرب من ذلك مد الرجلين إلى شيء من ذلك وقال الحنفية يكره لما فيه من أسماء الله تعالى وإساءة الأدب قال أبو زكريا النووي ﵀ أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق وتنزيهه وصيانته.] الآداب الشرعية ٢/٢٨٥-٢٨٦.\rوأخيراً أنبه إلى جواز حرق أوراق المصحف التالف أو دفنها في أرض طيبة طاهرة أو تمزيقها بواسطة فرّامات الورق المعروفة وقد روى البخاري عن عثمان ﵁ أنه بعد أن نسخ المصاحف: (أمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) . وروى أبو بكر بن أبي داود عن طاووس بإسناده: [أنه لم يكن يرى بأساً أن تحرق الكتب، وقال: إن الماء والنار خلق من خلق الله] وإسناده صحيح غاية المرام ٢/١٢٢.\rوخلاصة الأمر أنه يجب تعظيم واحترام كل ما كتب فيه كلام الله ﷿ أو ذكر الله تعالى وكلام رسوله ﷺ\rلأن في ذلك تعظيماً لشعائر الدين ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345653,"book_id":3840,"shamela_page_id":33,"part":"2","page_num":9,"sequence_num":33,"body":"٩ - الآيات القرآنية ونغمات الجوال\rيقول السائل: ما حكم جعل الأذان والآيات القرآنية بدلاً من النغمات والرنات الموسيقية في أجهزة الجوال (الهاتف المحمول) أفيدونا\rالجواب: لا يجوز شرعاً أن تجعل آيات القرآن الكريم ولا ألفاظ الأذان بدل رنات الجوال (الهاتف المحمول) وهذا الحكم في هذه المسألة المستجدة مخرج على القواعد الشرعية الثابتة بالنصوص من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأول هذه القواعد الشرعية هي وجوب تعظيم شعائر الله يقول الله تعالى ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى ﴿ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه﴾ سورة الحج الآية ٣٠.\rقال الإمام القرطبي [ ﴿ومن يعظم شعائر الله﴾ الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم.... فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك ... ] تفسير القرطبي ١٢/٥٦.\rولا شك أن آيات القرآن الكريم والأذان من أعظم شعائر الله فيجب صيانتها أن تكون بدل رنة الجوال بل إن في ذلك امتهاناً لكلام رب العالمين وخاصة أن صاحب الجوال لا يتحكم في زمان ومكان تلقي المكالمة الهاتفية فيمكن أن يتلقى المكالمة وهو في المرحاض فلا يقبل شرعاً أن ينطلق الأذان من المراحيض والحمامات ولا يقبل شرعاً أن تتلى آية من كتاب الله في المراحيض والحمامات وكلام الله أجل وأعز من أن يتلى في تلكم الأماكن. عن أنس ﵁ قال (كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه) رواه الترمذي وحسنه وصححه المنذري وغيره كما في التلخيص الحبير ١/١٠٨. والسبب في نزع النبي ﷺ لخاتمه عند دخوله الخلاء أنه كان من ضمن نقش خاتمه لفظ الجلالة (الله) كما ورد في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال كتب النبي ﷺ كتاباً أو أراد أن يكتب فقيل له إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً فاتخذ خاتماً من فضة نقشه محمد رسول الله) رواه البخاري ومسلم. فالنبي ﷺ نزع خاتمه عند دخوله الخلاء من باب تعظيم لفظ الجلالة (الله) . وأيضاً لو كان الهاتف المحمول في جيب خلفي لحامله وهو جالس عليه فتلقى مكالمة فماذا يحدث؟ سيخرج الأذان وترتل آيات القرآن الكريم من تحت مؤخرته!! وهذا لا يقبل في دين الله.\rومن هذه القواعد أن كلام الله ﷿ مقدس ومحترم وينبغي التأدب عند سماعه كما قال تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ سورة الأعراف الآية ٢٠٤. قال العز بن عبد السلام: [الاستماع للقرآن والتفهم لمعانيه من الآداب المشروعة المحثوث عليها] فتاوى العز بن عبد السلام ص٤٨٥ - ٤٨٦. وقال جلال الدين السيوطي: [يسن الاستماع لقراءة القرآن، وترك اللغط والحديث بحضور القراءة، قال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ] الإتقان ١/١٤٥. فالاستماع والإنصات لقراءة القرآن مندوب إليه وهذا ما لا يحصل عندما يرن الجوال وخاصة إذا رن الجوال في مكان ليس من أماكن الاستماع للقرآن الكريم كالمراحيض والحمامات والأسواق ومحال ازدحام الناس. ويضاف إلى ذلك أن صاحب الجوال يبادر إلى الرد على المكالمة الهاتفية فيقطع سماع الآية القرآنية ليسمع كلام المخلوق ويعرض عن سماع كلام الخالق. وهذا لا يليق بالمسلم أن يفعله قال الله تعالى: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) سورة البقرة الآية ٦١. ومن هذه القواعد أن الأذان عبادة مؤقتة بأوقات معلومة وهو إعلام بدخول وقت الصلاة فلا يجوز لأحد أن يؤذن إلا في الأوقات المعروفة فعن مالك بن الحويرث عن النبي ﷺ قال إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما ثم ليؤمكما أكبركما) رواه البخاري ومسلم. وكذا يجوز الأذان فيما ورد فيه الإذن الشرعي باستعمال ألفاظ الأذان مثل الأذان في أذن المولود فعن أبي رافع ﵁ قال (رأيت رسول الله ﷺ أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، كما أنه إذا استعمل الأذان في رنات الجوال فإنه سيؤدي إلى البلبلة والتشويش على الناس في الأوقات المقدرة شرعاً للصلوات والصيام ونحو ذلك. فلذلك كله وسداً لأبواب انتهاك شعائر الله لا يجوز جعل الأذان وآيات القرآن الكريم بدلاً من رنات الهاتف ويمكن أن يستعاض عن ذلك برنات عادية ليست موسيقية أوغير ذلك مما ليس فيه مخالفة شرعية. وبهذه المناسبة أود التنبيه على الأمرين التاليين المتعلقين باستعمال الهاتف المحمول:\rالأول: إن حكم استعمال الهاتف المحمول يكون بحسب كيفية استعماله فإذا استعمل في المباح فهو مباح وإذا استعمل في الحرام فهو حرام فاستعمال الهاتف المحمول المزود بكاميرا في التقاط صور النساء والاحتفاظ بها ونشرها من المحرمات وهذا نوع من التلصص والتجسس المحرم شرعاً وفيه انتهاك لحرمات الناس كما أن فيه شيوع الفواحش بين الناس قال الله ﷾: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً﴾ سورة الحجرات الآية ١٢. وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النور الآية ١٩. وهذا الأمر فيه انتهاك لخصوصيات الناس وتتبع لعوراتهم وفضح لها ومن فضح الناس فضحه الله كما ورد في الحديث عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) رواه أبو داود وقال العلامة الألباني حديث حسن صحيح كما في صحيح سنن أبي داود ٣/٩٢٣. ويحرم تصوير النساء بكاميرات الهاتف النقال أيضاً لأن فيه إيذاءً لعباد الله قال الله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٥٨.\rالثاني: إن الهواتف النقالة صارت من أسباب الإزعاج في المساجد والمدارس والجامعات وخاصة أثناء الصلوات وفي قاعات الدروس فينبغي إغلاقها في هذه الأماكن وبالذات أثناء الصلوات فرنين الهواتف النقالة يقطع خشوع المصلين ويشوش عليهم فينبغي على من يحمل الهاتف النقال أن يوقفه عن العمل عند دخوله المسجد سواء أكان ذلك في صلاة الجمعة أو غيرها من الصلوات. لأن احتمال أن يتصل به أحد قائم وفي الرنين الصادر من الهاتف إزعاج وتشويش على المصلين والمساجد لها حرمتها ولا ينبغي لأحد أن يشوش على من في المسجد سواء كانوا في صلاة أو ذكر أو قراءة قرآن أو سماع درس علم بأي نوع من أنواع التشويش والإزعاج. فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذي بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي وصححه الشيخ الألباني. فإذا نسيه مفتوحاً فرن أثناء الصلاة فيجوز أن يوقفه عن العمل أثناء الصلاة وإن اقتضى ذلك أن يتحرك المصلي في صلاته فإن هذه الحركة مباحة على أقل تقدير إن لم تكن مستحبة نظراً للحاجة حيث إنه يترتب عليها منع ما يشوش على المصلين وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ: (أمَّ الناس في المسجد فكان إذا قام حمل أمامة بنت زينب وإذا سجد وضعها) رواه البخاري ومسلم. كما وأنه يجوز قتل الحية والعقرب في الصلاة وقد أمر النبي ﷺ بذلك. رواه أصحاب السن وقال الإمام الترمذي حديث حسن. فيؤخذ من هذين الحديثين أن الحركة في الصلاة إن كانت لحاجة جائزةٌ ولا تبطل الصلاة أقول هذا مع التأكيد على إغلاق الهاتف عند الدخول إلى المسجد فإن نسيه مفتوحاً ورنَّ أثناء الصلاة فليغلقه ولا شيء عليه. وخلاصة الأمر أنه لا يجوز جعل الأذان ولا الآيات القرآنية بدلاً عن نغمات الهاتف النقال سداً للذرائع المفضية إلى المحظورات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345654,"book_id":3840,"shamela_page_id":34,"part":"2","page_num":10,"sequence_num":34,"body":"١٠ - المحرمات من الأطعمة في آية الأنعام\rيقول السائل: هل الآية الكريمة التالية ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ تدل على حصر المحرمات من الأطعمة في المذكورات فيها فقط وما لم يذكر فيها فهو مباح؟ أفيدونا\rالجواب: لا بد أن يعلم أولاً أن العلماء قد اختلفوا قديماً فيما تدل عليه الآية الكريمة المذكورة في السؤال وهي من سورة الأنعام الآية ١٤٥ وقد نقل عن بعض الصحابة كابن عباس وابن عمر وعائشة رضوان الله عليهم أنهم يرون أن المحرمات من الأطعمة محصورة فيما ذكرته الآية الكريمة ولكن أكثر الصحابة وجماهير الفقهاء قالوا بخلاف ذلك وأن الأطعمة المحرمة ليست محصورة فيما ذكرته الآية الكريمة فقط بل ثبت تحريم أشياء كثيرة بالسنة النبوية وخاصة أن سورة الأنعام سورة مكية واستثنى بعض أهل العلم آيات منها قالوا إنها مدنية وليست الآية المذكورة منها.\rقال الإمام البغوي [ ... وأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء، والمحرم بنص الكتاب ما ذكر هنا، ذلك معنى قوله تعالى ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ وقد حرمت السنة أشياء يجب القول بها] تفسير البغوي عن الإنترنت\rوقد أجاب العلماء على دعوى حصر المحرمات بما ذكر في الآية فقط بأجوبة كثيرة منها:\rإن الآية الكريمة جاءت رداً على المشركين الذين حرموا ما أحل الله مما ذكر في الآيات قبلها وغير ذلك مما حرموه بلا حجة ولا برهان قال تعالى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ سورة المائدة الآية ١٠٣. وقال تعالى ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ سورة الأنعام الآية ١٣٨. وقال تعالى ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ وَمِنْ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمْ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ سورة الأنعام الآيتان ١٤٣- ١٤٤.\rقال الإمام الطبري [الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لَا أَجِد فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمهُ إِلَّا أَنْ يَكُون مَيْتَة أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْم خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْس أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ﴾ يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد ﷺ: قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْث وَالْأَنْعَام نَصِيبًا وَلِشُرَكَائِهِمْ مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد مِثْله وَالْقَائِلِينَ ﴿هَذِهِ أَنْعَام وَحَرْث حِجْر لَا يَطْعَمهَا إِلَّا مَنْ نَشَاء بِزَعْمِهِمْ﴾ وَالْمُحَرِّمِينَ مِنْ أَنْعَام أُخَر ظُهُورهَا , وَالتَّارِكِينَ ذِكْر اِسْم اللَّه عَلَى أُخَر مِنْهَا , وَالْمُحَرِّمِينَ بَعْض مَا فِي بُطُون بَعْض أَنْعَامهمْ عَلَى إِنَاثِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَمُحِلِّيهِ لِذُكُورِهِمْ , الْمُحَرِّمِينَ مَا رَزَقَهُمْ اللَّه اِفْتِرَاء عَلَى اللَّه , وَإِضَافَة مِنْهُمْ مَا يُحَرِّمُونَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ: أَجَاءَكُمْ مِنْ اللَّه رَسُولٌ بِتَحْرِيمِهِ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ , فَأَنْبِئُونَا بِهِ , أَمْ وَصَّاكُمْ اللَّه بِتَحْرِيمِهِ مُشَاهَدَة مِنْكُمْ لَهُ فَسَمِعْتُمْ مِنْهُ تَحْرِيمه ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فَحَرَّمْتُمُوهُ؟ فَإِنَّكُمْ كَذَبَة إِنْ اِدَّعَيْتُمْ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنكُمْ دَعْوَاهُ , لِأَنَّكُمْ إِذَا اِدَّعَيْتُمُوهُ عَلِمَ النَّاس كَذِبَكُمْ , فَإِنِّي لَا أَجِد فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مِنْ كِتَابه وَآي تَنْزِيله شَيْئًا مُحَرَّمًا عَلَى آكِل يَأْكُلهُ مِمَّا تَذْكُرُونَ أَنَّهُ حَرَّمَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَنْعَام الَّتِي تَصِفُونَ تَحْرِيم مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ مِنْهَا بِزَعْمِكُمْ , إِلَّا أَنْ يَكُون مَيْتَة قَدْ مَاتَتْ بِغَيْرِ تَذْكِيَة أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا - وَهُوَ الْمُنْصَبّ - أَوْ إِلَّا أَنْ يَكُون لَحْم خِنْزِير. ﴿فَإِنَّهُ رِجْس أَوْ فِسْقًا﴾ يَقُول: أَوْ إِلَّا أَنْ يَكُون فِسْقًا , يَعْنِي بِذَلِكَ: أَوْ إِلَّا أَنْ يَكُون مَذْبُوحًا ذَبَحَهُ ذَابِح مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان لِصَنَمِهِ وَآلِهَته فَذَكَرَ عَلَيْهِ اِسْم وَثَنه , فَإِنَّ ذَلِكَ الذَّبْح فِسْق نَهَى اللَّه عَنْهُ وَحَرَّمَهُ , وَنَهَى مَنْ آمَنَ بِهِ عَنْ أَكْل مَا ذُبِحَ كَذَلِكَ , لِأَنَّهُ مَيْتَة. وَهَذَا إِعْلَام مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَادَلُوا نَبِيّ اللَّه وَأَصْحَابه فِي تَحْرِيم الْمَيْتَة بِمَا جَادَلُوهُمْ بِهِ أَنَّ الَّذِي جَادَلُوهُمْ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْحَرَام الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّه , وَأَنَّ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّ اللَّه حَرَّمَهُ حَلَال قَدْ أَحَلَّهُ اللَّه , وَأَنَّهُمْ كَذَبَهُ فِي إِضَافَتهمْ تَحْرِيمه إِلَى اللَّه. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل.] تفسير الطبري عن الإنترنت\rوقال القرطبي في تفسير الآية الكريمة [والمعنى: قل يا محمد لا أجد فيما أوحي إلي محرماً إلا هذه الأشياء، لا ما تحرمونه بشهوتكم. والآية مكية. ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة. وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة والخمر وغير ذلك. وحرم رسول الله ﷺ بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع وكل مخلب من الطير ... وكل محرم حرمه رسول الله ﷺ أو جاء في الكتاب مضموم إليها، فهو زيادة حكم من الله ﷿ على لسان نبيه ﵇. على هذا أكثر أهل العلم من أهل النظر، والفقه والأثر. ونظيره نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قوله ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ . سورة النساء الآية ٢٤] وكحكمه باليمين مع الشاهد مع قوله ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٢ ... وقد روى الشافعي عن سعيد بن جبير أنه قال: في هذه الآية أشياء سألوا عنها رسول الله ﷺ فأجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء. وقيل: أي لا أجد فيما أوحي إلي أي في هذه الحال حال الوحي ووقت نزوله، ثم لا يمتنع حدوث وحي بعد ذلك بتحريم أشياء أخر. ... وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الإجماع في أن سورة الأنعام مكية إلا قوله تعالى: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم الثلاث الآيات، وقد نزل بعدها قرآن كثير وسنن جمة. فنزل تحريم الخمر بالمدينة في المائدة. وأجمعوا على أن نهيه ﵇ عن أكل كل ي ناب من السباع إنما كان منه بالمدينة. قال إسماعيل بن إسحاق: وهذا كله يدل على أنه أمر كان بالمدينة بعد نزول قوله: قل لا أجد في ما أوحي إلي لأن ذلك مكي. ... وأما القائلون بالتحريم فظهر لهم وثبت عندهم أن سورة الأنعام مكية، نزلت قبل الهجرة، وأن هذه الآية قصد بها الرد على الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ثم بعد ذلك حرم أموراً كثيرة كالحمر الإنسية ولحوم البغال وغيرها، وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. قال أبو عمر: ويلزم على قول من قال: لا محرم إلا ما فيها ألا يحرم ما لم يذكر اسم الله عليه عمداً، وتستحل الخمر المحرمة عند جماعة المسلمين. وفي إجماع المسلمين على تحريم خمر العنب دليل واضح على أن رسول الله ﷺ قد وجد فيما أوحي إليه محرماً غير ما في سورة الأنعام مما قد نزل بعدها من القرآن.... وعند فقهاء الأمصار منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وعبد الملك أن أكل كل ذي ناب من السباع حرام، وليس يمتنع أن تقع الزيادة بعد قوله: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما بما يرد من الدليل فيها، كما قال النبي ﷺ:\rلا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث فذكر الكفر والزنى والقتل. ثم قال علماؤنا: إن أسباب القتل عشرة بما ورد من الأدلة، إذ النبي ﷺ إنما يخبر بما وصل إليه من العلم عن الباري تعالى، وهو يمحو ما يشاء ويثبت وينسخ ويقدر. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:\rأكل كل ذي ناب من السباع حرام وقد روي أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير ... ...] تفسير القرطبي ٧/١١٥ - ١١٧.\rومما يدل على أن المحرمات ليست محصورة فيما ذكرته الآية الكريمة ما ورد في الحديث عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ... ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/٨٧١.\rقال الإمام الخطابي في شرح الحديث [ ... يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله ﷺ مما ليس له ذكر في القرآن على ما ذهب إليه الخوارج والروافض من الفرق الضالة فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا ... وفي الحديث دليل على أن لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب وأنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ شيء كان حجة بنفسه] معالم السنن ٤/٢٧٦.\rومما يدل أيضاً على أن المحرمات ليست محصورة فيما ذكرته الآية الكريمة ما روي في الحديث عن عيسى بن نميلة عن أبيه قال كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً﴾ الآية قال قال شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي ﷺ فقال خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر إن كان قال رسول الله ﷺ هذا فهو كما قال ما لم ندر) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي.\rوقال الإمام النووي [وأجابوا عن الآية الكريمة بأنه أمر أن يخبر بأنه لا يجد محرماً في ذلك الوقت إلا هذا ثم ورد وحي آخر بتحريم السباع فأخبر به والآية مكية والأحاديث مدنية ولأن الحديث مخصص للآية] المجموع ٩/١٧.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني [ ... والاستدلال بهذا للحل إنما يتم فيما لم يأت فيه نص عن النبي ﷺ بتحريمه , وقد تواردت الأخبار بذلك والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل وعلى القياس ... والجواب عن آية الأنعام أنها مكية وخبر التحريم متأخر جداً فهو مقدم , وأيضاً فنص الآية خبر عن الحكم الموجود عند نزولها , فإنه حينئذ لم يكن نزل في تحريم المأكول إلا ما ذكر فيها وليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها , وقد نزل بعدها في المدينة أحكام بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها كالخمر في آية المائدة , وفيها أيضا تحريم ما أهل لغير الله به والمنخنقة إلى آخره , وكتحريم السباع والحشرات ... ] فتح الباري ٩/٨١١.\rوقال العلامة ابن القيم بعد أن تكلم على تحريم لحوم الحمر الإنسية [....ولا تعارض بين هذا التحريم وبين قوله تعالى ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله﴾ فإنه لم يكن قد حرم حين نزول هذه الآية من المطاعم إلا هذه الأربعة والتحريم كان يتجدد شيئاً فشيئاً فتحريم الحمر بعد ذلك تحريم مبتدأ لما سكت عنه النص لا أنه رافع لما أباحه القرآن ولا مخصص لعمومه فضلاً عن أن يكون ناسخاً.] زاد المعاد ٣/٣٤٣.\rوخلاصة الأمر أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن المحرمات من الأطعمة ليست محصورة فيما ذكرته الآية الكريمة وأن ما ثبت بالسنة النبوية تحريمه يجب الأخذ به كتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وتحريم لحوم الحمر الأهلية وغير ذلك مما ورد في السنة النبوية فإن السنة النبوية تستقل بالتشريع وهو القول الحق عند الأصوليين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345655,"book_id":3840,"shamela_page_id":35,"part":"2","page_num":11,"sequence_num":35,"body":"١١ - لئن أحرقوا قرآننا ومزقوه فلن نحرق أناجيلهم ولن نمزقها\r\rيقول السائل: ما هي النظرة الشرعية لجريمة حرق المصحف وتمزيقه وإهانته، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا بد أن أبين أولاً موقف الإسلام من أنبياء الله ورسله السابقين من خلال نصوص القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرسولُ بما أُنزِلَ إليه مِن رَبِّه والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ باللهِ وملائكتِه وكُتُبِه ورُسُلِه لا نُفرِّقُ بين أَحَدٍ مِن رُسُله وقالوا سَمِعْنا وأَطَعْنا غُفْرَانكَ رَبَّنَا وَإليكَ المَصيرُ﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٥، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ سورة النساء الآية ١٧١. وقال الله تعالى عن سيدنا عيسى ﵇: ﴿وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ سورة مريم الآية ٣٣، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ سورة العنكبوت الآية ٤٦، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ٦٤. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ سورة فاطر الآية ٢٤، وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ غافر٧٨ وقال الله تعالى: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ سورة البقرة الآية ١٣٦، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ٨٤، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ سورة الأحزاب الآية ٧، وقال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ سورة الشورى الآية ١٣، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ سورة النساء الآية ١٣٦، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ سورة النساء الآية ١٥٠، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ سورة النساء الآية ١٥٢، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ سورة النساء الآية ١٧١، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ سورة الحديد الآية ١٩، وقال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ سورة الحديد الآية ٢١، وقال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ سورة البقرة الآية ٩٨، وقال الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ سورة آل عمران الآية ١٧٩، وقال الله تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ١١٣، وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ سورة آل عمران الآية ١٩٩، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سورة المائدة الآية ١٩، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ سورة المائدة الآية ٦٨، وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ سورة البقرة الآية ٨٧.\rثانياً: كيفية معاملة المسلمين لغيرهم من الناس، قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ سورة الممتحنة الآيتان ٨-٩\rثالثاً: رغم حقد الحاقدين وعدوان المعتدين وإهانة الموتورين فاللهُ حافظٌ كتابَه وناصرٌ دينه، دينَ الإسلام، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ سورة التوبة الآيتان ٣٢-٣٣، وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ *هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ سورة الصف الآيتان ٨-٩، وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ سورة الفتح الآية ٢٨، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ سورة الحجر الآية ٩.\rرابعاً: نصبر ونحتسب على أذى هؤلاء الحاقدين، قال الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ سورة آل عمران الآية ١٨٦، وقال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سورة البقرة الآية ١٠٩، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ سورة فصلت الآية ٣٤، وقال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ سورة الأعراف الآية ١٩٩، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ سورة القصص الآية ٥٥.\rخامساً: واجب الأمة الإسلامية، حكوماتٍ، ومؤسساتٍ إسلامية كالأزهر ورابطة العالم الإسلامي، والمجامع الإسلامية ودور الفتوى والعلماء والأفراد، أن ينكروا هذه الجريمة البشعة، وأن يحذِّروا من استمرار هذه الهجمة على المسلمين ومقدساتهم بذرائع واهية، وحججٍ ساقطة، وأن الأمة المسلمة لن ترضى أن تعطي الدنية في دينها، ولن تسكت الأمة عن انتهاك حرماتها، وأنها ستدافع عن عقيدتها وعن قرآنها وعن نبيها ﷺ.\rوخلاصة الأمر أن اللهَ حافظٌ دينه ومظهره على الدين كله، ولو كره الكافرون، وإن أُولئك الموتورين لو حرقوا نسخاً من المصاحف ومزقوها وأهانوها، فإن كيدهم في تضليل، والقرآن متجذر في قلوب المسلمين، وسيبقى ما بقي الليل والنهار، نبراساً للمسلمين يضيء طريقهم، والله جل وعز ناصرٌ دينه كما ثبت في الحديث عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها) رواه مسلم، وورد في الحديث الآخر عن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بعزِ عزيزٍ أو بذلِ ذليلٍ، عزاً يُعز الله به الإسلام وذلاً يُذل الله به الكفر) رواه أحمد والطبراني في المعجم الكبير والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345656,"book_id":3840,"shamela_page_id":36,"part":"3","page_num":1,"sequence_num":36,"body":"١ - فضائل الرباط في بيت المقدس وأكنافه\rيقول السائل: ما فضل المرابط في بيت المقدس وأكنافه، أفيدونا؟\r\rالجواب: أذكر أولاً بعض ما ورد في الكتاب والسنة، من فضائل في بيت المقدس وفلسطين والشام عامة، وفضائل المسجد الأقصى المبارك خاصة، فإن في ذلك ذكرى للمؤمنين، وخاصة في هذه الأحوال الصعبة التي يمر بها بيت المقدس وأكنافه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ثبت للشام وأهله مناقب بالكتاب والسنة وآثار العلماء، وهي أحد ما اعتمدته في تحضيضي للمسلمين على غزو التتار، وأمري لهم بلزوم دمشق، ونهيي لهم عن الفرار إلى مصر واستدعائي للعسكر المصري إلى الشام، وتثبيت العسكر الشامي فيه ... ] مناقب الشام وأهله ص٦٩. فمن النصوص الواردة في ذلك: قول الله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقصى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ سورة الإسراء الآية١. وقوله تعالى ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ سورة الأنبياء الآية٧١. وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ﴾ سورة سبأ الآية ١٨. وقوله تعالى ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ سورة الأنبياء الآية٨١. ومما يؤكد فضيلة بيت المقدس أنه قبلة المسلمين الأولى حيث استقبله رسول الله ﷺ وأصحابه على مدى ستة عشر شهراً حتى نزل قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾ سورة البقرة الآية ١٥٠. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضائل بيت المقدس وفلسطين والشام عامة وفضائل المسجد الأقصى المبارك خاصة منها: عن عمير بن هانئ أنه سمع معاوية ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يزال من أمتي، أمةٌ قائمةٌ بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك. قال عمير فقال مالك بن يخامر: قال معاذ وهم بالشام، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول وهم بالشام) رواه البخاري. وعن معاوية بن حيدة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (عليكم بالشام) رواه الطبراني، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع. وعن عبد الله بن حوالة قال: قال النبي ﷺ: (ستجندون أجناداً جنداً بالشام وجنداً بالعراق وجنداً باليمن، قال عبد الله فقمت فقلت: خر لي يا رسول الله، فقال: عليكم بالشام فمن أبى فليلحق بيمنه وليستق من غُدره، فإن الله ﷿ قد تكفل لي بالشام وأهله) قال العلامة الألباني: حديث صحيح. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الشام أرض المحشر والمنشر) ، قال العلامة الألباني: حديث صحيح. وقال النبي ﷺ: (إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نورٌ ساطعٌ عُمد به إلى الشام، ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام) قال العلامة الألباني: حديث صحيح. وثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ صلَّى الفجر ثم أقبل على القوم فقال: اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مُدِّنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرمنا، وبارك لنا في شامنا، فقال رجل: وفي العراق، فسكت ثم أعاد، قال الرجل: وفي عراقنا فسكت ثم قال: اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مُدِّنا وصاعنا اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم اجعل مع البركة بركة) قال العلامة الألباني: حديث صحيح. انظر فضائل الشام ودمشق للربعي تخريج العلامة الألباني. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ومسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من النصوص. إذا تقرر هذا فإن الرباط في بيت المقدس وأكنافه فيه فضل عظيم، حيث إنه من أوكد الرباط في سبيل الله ﷿، فقد ورد في الحديث عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رباط يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، بل هو خيرٌ من صيام شهر وقيامه، ورباط شهرٍ خيرٌ من صيام الدهر.) رواه البخاري ومسلم. وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [هذه فضيلةٌ ظاهرةٌ للمرابط، وجريان عمله بعد موته فضيلةٌ مختصةٌ به، لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحاً في غير مسلم - يشير إلى حديث فضالة الآتي -: \" كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة \"] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٥٤. وعن أبي الدرداء ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (رباط شهر خير من صيام دهر ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمن الفزع الأكبر وغدي عليه وريح برزقه من الجنة ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله ﷿ رواه الطبراني ورواته ثقات كما قال المنذري، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب. وعن فضالة بن عبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه يُنمى له عمله إلى يوم القيامة ويُؤمَن من فتنة القبر) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب. وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (كل عملٍ ينقطع عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله ويجرى عليه رزقه إلى يوم القيامة) قال المنذري: رواه الطبراني في الكبير بإسنادين رواة أحدهما ثقات، وقال العلامة الألباني حسن صحيح كما في صحيح الترغيب. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من مات مرابطاً في سبيل الله أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمناً من الفزع الأكبر، وللمرابط في سبيل الله أجر من خلفه من ورائه.) قال المنذري: رواه ابن ماجة بإسناد صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب. وغير ذلك من الأحاديث. ولا شك أن المرابطين في بيت المقدس وأكنافه إذا أخلصوا عملهم لله تعالى، فإنهم من الطائفة الظاهرة المقيمة على الحق كما أخبر النبي ﷺ في عدد من الأحاديث، والذي يفهم منها أن الطائفة الظاهرة لا تكون في مكان واحد على مر الأيام والعصور، بل قد توجد في فترة من الزمان في مكان، وفي زمان آخر تكون في زمان آخر، قال الشيخ حمود التويجري: [وقد اختلف في محل هذه الطائفة فقال ابن بطال: [إنها تكون في بيت المقدس، كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة ﵁: (قيل: يا رسول الله أين هم؟ قال: (ببيت المقدس) ، وقال معاذ ﵁: هم بالشام. وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائماً، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة ... فعلى هذا فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تفترق، وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره، فإن حديث أبي أمامة وقول معاذ لا يفيد حصرها بالشام، وإنما يفيد أنها تكون في الشام في بعض الأزمان لا في كلها ... فأما في زماننا وما قبله، فهذه الطائفة متفرقة في أقطار الأرض، كما يشهد له الواقع من حال هذه الأمة منذ فتحت الأمصار في عهد الخلفاء الراشدين إلى اليوم وتكثر في بعض الأماكن أحياناً، ويعظم شأنها ويظهر أمرها ببركة الدعوة إلى الله تعالى وتجديد الدين] إتحاف الجماعة ١/٣٣٢-٣٣٤. وحديث أبي أمامة المشار إله هو عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من جابههم إلا ما أصابهم من لأواء - شدة وضيق معيشة - حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك قالوا: وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس) رواه الطبراني وعبد الله بن الإمام أحمد وقال الهيثمي: رجاله ثقات. مجمع الزوائد ٧/٢٨٨. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ووقع في حديث أبي أمامة عند أحمد أنهم ببيت المقدس، وأضاف بيت إلى المقدس، وللطبراني من حديث النهدي نحوه، وفي حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني: (يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم ظاهرين إلى يوم القيامة) ] فتح الباري ١٣/٣٦١.\rوخلاصة الأمر أن فضائل كثيرة وعظيمة ثابتة لبيت المقدس وأكنافه عامة، وللمسجد الأقصى المبارك خاصة، وأن الرباط في بيت المقدس وأكنافه له أجر عظيم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة آل عمران الآية٢٠٠.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345657,"book_id":3840,"shamela_page_id":37,"part":"3","page_num":2,"sequence_num":37,"body":"٢ - حديث (الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة) حديث غير ثابت عن النبي ﷺ\rيقول السائل: سمعت أحد المشايخ في محاضرة يذكر حديث (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة) ويقول رواه الإمام مسلم في صحيحه، فهل هذا الكلام صحيح، أفيدونا.\r\rالجواب: قرر المحدثون أن هذا الحديث لا أصل، ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني والسيوطي والسخاوي والعجلوني والفتني الهندي والألباني وغيرهم، قال السيوطي: [حديث الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة. قال الحافظ ابن حجر: لا أعرفه.] الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ١/١٠، وقال الملا علي القاري: [حديث الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة، قال العسقلاني: لا أعرفه] المصنوع في معرفة الحديث الموضوع١/٩٩، وقال العجلوني: [ (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة) قال في المقاصد قال شيخنا لا أعرفه ولكن معناه صحيح، يعني في حديث (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة) ، وقال ابن حجر المكي في الفتاوى الحديثية: لم يرد بهذا اللفظ وإنما يدل على معناه الخبر المشهور: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم، وفي لفظ من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وفسر ذلك الأمر بريح لينة يرسلها الله لقبض أرواح المؤمنين، ثم لا يبقى على وجه الأرض إلا شرار أهلها فتقوم الساعة عليهم، كما في حديث لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول الله الله انتهى] كشف الخفاء١/٣٩٦، وقال العلامة الألباني: [لا أصل له، قال في المقاصد: قال شيخنا يعني ـ ابن حجر العسقلاني ـ: لا أعرفه. وقال ابن حجر الهيتمي الفقيه في الفتاوى الحديثية ١٣٤: لم يرد هذا اللفظ. قلت – أي الألباني-: ولذلك أورده السيوطي في ذيل الأحاديث الموضوعة رقم ١٢٢٠ بترقيمي، ويغني عن هذا الحديث قوله ﷺ: \" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\". أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة١/٥١. وبهذا يظهر لنا أن هذا الحديث لا أصل له، وإذا كان الحديث كذلك فتحرم نسبته إلى النبي ﷺ، وكذلك فإن الحديث ليس في صحيح مسلم ولا غيره من كتب السنة، ويجب أن يُعلم أن نشر الأحاديث المنسوبة إلى الرسول ﷺ دون التأكد من ثبوتها، يعتبر من باب الكذب على الرسول ﷺ، وهذا أمرٌ جد خطير، لأن من ينسب حديثاً غير ثابتٍ إلى النبي ﷺ قد يدخل في دائرة الكذب على الرسول ﷺ، والكذب على النبي ﷺ من الكبائر وعاقبته وخيمة، وقد حذرنا النبي ﷺ من الكذب عليه، فقال ﷺ: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وهو حديث صحيح متواتر رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عند مسلم (إن كذباً عليَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . قال الحافظ ابن حبان: (ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالمٍ بصحته) ، ثم روى بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) ، وقال محققه الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن، الإحسان ١/٢١٠، وقال العلامة الألباني: وسنده حسن وأصله في الصحيحين بنحوه، السلسلة الضعيفة ١/١٢. ثم ذكر ابن حبان بسنده عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من حدث حديثاً وهو يُرى - بضم الياء ومعناه يظن - أنه كذب فهو أحد الكاذبين) وأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه. وفي رواية عند ابن ماجة وغيره (من حدث عني حديثاً.... الخ) . وقال ﷺ: (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع) رواه مسلم. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على وجوب التثبت من الأحاديث قبل روايتها ونشرها بين الناس، لأن معظم الناس من العوام الذين لا يميزون بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، بل إن عامة الناس يتلقون هذه الأحاديث وينشرونها فيما بينهم، فيسهم هؤلاء في نشر هذه الأحاديث المكذوبة بين الناس، ويتحملون وزر ذلك. وقد نص أهل العلم على تحريم رواية الأحاديث المكذوبة، قال الإمام النووي: [باب تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ، واستدل بقوله ﷺ: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وغيره من الأحاديث، ثم ذكر بعد ذلك: [باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها] واستدل بقوله ﷺ: (سيكون في آخر الزمان ناسٌ من أمتي يُحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم) رواه مسلم. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١/٦٢-٧٠. وينبغي أن يُعلمَ أن في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ما يغني ويكفي عن الأحاديث المكذوبة. وقد سبق في أول الجواب أن العلماء قد ذكروا أنه يغني عن هذا الحديث المكذوب (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة) ، أحاديث كثيرة صحيحة منها: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة) رواه مسلم. ومنها: عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين والله المعطي وأنا القاسم ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون) رواه البخاري. ومنها: وعن المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يزال ناسٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) رواه البخاري ومسلم. ومنها: وعن عمير بن هانئ أنه سمع معاوية ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك. قال عمير فقال مالك بن يخامر: قال معاذ وهم بالشام، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول وهم بالشام) رواه البخاري. ومنها: وعن حميد قال سمعت معاوية بن أبي سفيان ﵁ يخطب قال سمعت النبي ﷺ يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسمٌ ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله) . رواه البخاري ومسلم. ومنها: عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: (أمتي كالمطر لا يدرى الخير في أوله أم في آخره) رواه الترمذي وحسنه ورواه أحمد والبزار والطبراني وصححه العلامة الألباني في كتاب صلاة التراويح ص٩٧ وفي السلسلة الصحيحة ٥/٣٥٥. إذا تقرر هذا فإن الخيرية لأمة محمد ﷺ ثابتةٌ بنص كتاب الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ١١٠، قال الإمام ابن كثير: [يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم فقال: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ . قال البخاري: حدثنا محمد ... عن أبي هريرة: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام ... والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس؛ ولهذا قال: ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ ، ثم قال ابن كثير: [والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرنٍ بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ أي: خياراً ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ الآية. وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأنتم أكرم على الله ﷿\" وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي ... وإنما حازت هذه الأمة قصبَ السَّبْق إلى الخيرات بنبيها محمد ﷺ فإنه أشرف خلق الله أكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبياً قبله ولا رسولاً من الرسل. فالعمل على منهاجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه، كما قال الإمام أحمد ... قال رسول الله ﷺ: \"أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء\". فقلنا: يا رسول الله، ما هو؟ قال: \" نُصرتُ بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض، وسُميتُ أحمد، وجُعلَ الترابُ لي طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم\". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن ... ] تفسير ابن كثير ٢/٨٣-٨٤.\rوخلاصة الأمر أن حديث (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة) حديث لا أصل له، ولكن معناه صحيح، ويغني عنه أحاديث صحيحة كثيرة، ويجب التثبت من الأحاديث قبل نسبتها للنبي ﷺ، وخيرية أمة محمد ثابتة وباقية إلى يوم القيامة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345658,"book_id":3840,"shamela_page_id":38,"part":"3","page_num":3,"sequence_num":38,"body":"٣ - معنى قول النبي ﷺ: (لا تقولوا للمنافق سيدنا)\rيقول السائل: قرأت حديثاً عن النبي ﷺ يقول: (لا تقولوا للمنافق سيدنا، فإنه إن يكُ سيدكم فقد أسخطتم ربكم ﷿ فما معنى الحديث، أفيدونا؟\r\rالجواب: هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد وابن السني في عمل اليوم والليلة والبيهقي في شعب الإيمان، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني، وقال أيضاً: [ثم الحديث رواه عقبة بن عبد الله ... بلفظ: (إذا قال الرجل للمنافق: يا سيد، فقد أغضب ربه ﵎ أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان والحاكم والخطيب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: عقبة ضعيف. قلت: لكن تابعه قتادة كما سبق، فالحديث صحيح] السلسلة الصحيحة ١/٦٤٥. ومعنى الحديث كما قال شرَّاح الحديث: [مفهومه أنه يجوز أن يقال للمؤمن سيدٌ، وهو لا ينافي ما رواه أحمد والحاكم عن عبد الله بن الشخير مرفوعاً: (السيد الله) ، لأن في الحقيقة لا سيادة إلا له، وما سواه مملوكه، فإنه أي الشأن أو المنافق إن يك سيداً أي سيد قوم أو صاحب عبدٍ وإماءٍ وأموالٍ (أسخطتم ربكم) ، أي أغضبتموه لأنه يكون تعظيماً له وهو ممن لا يستحق التعظيم، فكيف إن لم يكن سيداً بأحدٍ من المعاني، فإنه مع ذلك يكون كذباً ونفاقاً وفاقاً، وفي النهاية- لابن الأثير-: فإنه إن كان سيدكم وهو منافق فحالكم دون حاله والله لا يرضى لكم ذلك. وقال الطيبي أي إن يك سيداً لكم فتجب عليكم طاعته فإذا أطعمتموه فقد أسخطتم ربكم، أو لا تقولوا للمنافق سيد فإنكم إن قلتم ذلك فقد أسخطتم ربكم فوضع الكون موضع القول تحقيقا له] مرقاة المفاتيح١٤/٤٨، وانظر عون المعبود ١١/١٢. وقال الإمام النووي: [اعلم أن السيد يطلق على الذي يفوق قومه ويرتفع قدره عليهم، ويطلق على الزعيم والفاضل، ويطلق على الحليم الذي لا يستفزه غضبه، ويطلق على الكريم، وعلى المالك، وعلى الزوج، وقد جاءت أحاديث كثيرة بإطلاق سيد على أهل الفضل، فمن ذلك ما رويناه في صحيح البخاري عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ صعد بالحسن بن علي ﵄ المنبر فقال: \"إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين من المسلمين \" وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ ﵁: \" قوموا إلى سيدكم \" ... وروينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ قال: \" يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيقتله؟ الحديث، فقال رسول الله ﷺ: \" انظروا إلى ما يقول سيدكم \". وأما ما ورد في النهي: فما رويناه بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيداً فقد أسخطتم ربكم ﷿ \" قلت- أي النووي -: والجمع بين هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق فلان سيد ويا سيدي وشبه ذلك إذا كان المسود فاضلاً خيراً، إما بعلمٍ وإما بصلاحٍ وإما بغير ذلك، وإن كان فاسقاً أو متهماً في دينه أو نحو ذلك، كره له أن يقال سيد.] الأذكار ص٣١١-٣١٢. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ١١/٣٤٩-٣٥٠: [من يستحق التسويد: لفظ السيد مشتق من السؤدد، وهو: المجد والشرف، ويطلق على المتولي للجماعة. ومن شرطه وشأنه أن يكون مهذب النفس شريفاً. وعلى من قام به بعض خصال الخير من الفضل والشرف والعبادة والورع والحلم والعقل والنزاهة والعفة والكرم ونحو ذلك. - وأما - إطلاق لفظ السيد على المنافق، فالمنافق ليس من هذه الخصال في شيء؛ لأنه كاذب مدلس خائن، لا توافق سريرته علانيته. وفي العقيدة يبطن الكفر ويظهر الإسلام. وقد ورد النهي عن إطلاق لفظ السيد على المنافق فيما روي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم ﷿\" وذلك لأن السيد هو المستحق للسؤدد، أي للأسباب العالية التي تؤهله لذلك، فأما المنافق فإنه موصوف بالنقائص، فوصفه بذلك وضع له في مكان لم يضعه الله فيه، فلا يبعد أن يستحق واضعه بذلك سخط الله.] إذا تقرر هذا فإن الأصل في المسلم أن يعظم ما عظَّمه الله ﷿ وعظَّمه رسوله ﷺ، كما قال تعالى: ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه﴾ سورة الحج الآية ٣٠. ولا يجوز للمسلم أن يعظَّم غير ما عظَّمه دينه، بل أهانه لفسقه وفجوره، ويدخل في ذلك تعظيم المنافقين كما في الحديث محل السؤال، وكذا تعظيم الفاسدين والمفسدين والفاسقين والظالمين والكافرين، الذين يحاربون الله ورسوله ويحاربون شرع الله ودينه، ويقتلون المسلمين ويذبحونهم وينتهكون حرمات الله ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، فهؤلاء أهلٌ للإهانة والإزدراء، وليسوا أهلاً للتعظيم والتبجيل، وتعظيم أعداء الله وحبهم ومودتهم له ارتباط وثيق بعقيدة الولاء والبراء في دين الإسلام، وقد قال النبي ﷺ: (من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٣/٩٤. وقال رسول الله ﷺ: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي) رواه أبو داود وابن حبان وصححه العلامة الألباني في المصدر السابق٣/٩٥. وقال أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي: [إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة] الآداب الشرعية ١/٢٩٩. وقد عنون الإمام النووي للحديث السابق بقوله: [باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بسيد ونحوه] قال الشيخ ابن علان في شرح العنوان: [من أصر على معصية صغيرة أو أتى كبيرة (والمبتدع) أي ذي البدعة، بالخروج عن اعتقاد الحق الذي جاء به الكتاب والسنة إلى ما يزينه الشيطان، (ونحوهما) من الظلمة وأعوانهم، (بسيد ونحوه) مما يدل على تعظيمه، وذلك قياساً على ما في الحديث الآتي، لأن المعنى فيه تعظيم من أهانه الله ... ] دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين٨/٥٤٢. وقال الحافظ المناوي عند شرح الحديث المذكور في السؤال: [وقد كان المصطفى ﷺ يكره استعمال اللفظ الشريف المصون في حق من ليس كذلك. واستعمال اللفظ المهين المكروه فيمن ليس من أهله. وهذا من ذلك القبيل.] فيض القدير شرح الجامع الصغير ١/٤١١. وفي زماننا هذا كثر مع الأسف الشديد تعظيم من لا يستحقون التعظيم ولا التبجيل، كما هو حاصل مع المطربين والمطربات والممثلين والممثلات والفنانين والفنانات ومن لف لفهم، فتجد أن أكثر وسائل الإعلام تمجد هؤلاء وتعظمهم حتى صنعت منهم نجوماً وكواكبَ وأبطالاً متوهَمين، وتكيل لهم ألفاظ الثناء والمديح بغير حساب، مع أن دور هؤلاء واضح في الفساد والإفساد، بل هم من الذين ينشرون الفواحش والمنكرات في المجتمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النور الآية ١٩. ويدخل تحت هذا الباب وهو تعظيم من ليس أهلاً للتعظيم، تعظيم وتمجيد الأدباء والشعراء والكتَّاب الذين يفسدون عقول العامة بكتاباتهم وبأشعارهم، والتي تجد فيها محاربة للدين وللأخلاق وللقيم الطيبة، فتجد من يحتفي بهؤلاء ويعظمهم ويرفعهم إلى أعلى المراتب، وتمنح لهم الجوائز التقديرية على كتاباتهم وأشعارهم، مع أن منهم من يستهزئ في كتاباته وأشعاره بعقيدة المة، وينال من الإسلام ومن الرسول ﷺ ويسب الأنبياء والمرسلين، ويشتم الصحابة، وينتقص من مقام العلماء، ويحارب كل فضيلة، ويدعو للفسق والفجور. ولا شك أن كل هذا من اختلال الموازين في المجتمع ومن عدم التحاكم إلى الميزان الصحيح في وزن الأشخاص وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. يقول اللواء محمود شيت خطاب ﵀: [شهدتُ تشييع جنازة المرحوم الشيخ محيى الدين عبد الحميد في القاهرة، ومن الأقدار العجيبة أن أحد الفنانين توفي في نفس اليوم الذي مات فيه الشيخ محيى الدين عبد الحميد، وكان سرادقا الراحِلَين متجاورين، فكان في سرادق الشيخ أقل من عشرة أشخاص، وكان سرادق الفنان يموج بالآلاف. وشَيَّع جثمان الشيخ عدد قليل من الناس، وشَيَّع جثمان الفنان أكثر من عشرة آلاف. وكان الشيخ في حياته المباركة من أكبر علماء اللغة والدين، وقد حقَّق كثيراً من التراث العربي الإسلامي، وخدم العربية والإسلام خدمة باقية لمدة خمسين عاماً. أما الفنان فقد أفنى هو الآخر خمسين سنة من عمره في إفساد الأخلاق وتشجيع التخنّث والانحلال. أهكذا يجازي العرب والمسلمون من يخدم العربية والإسلام خدمة صادقة بالعقوق والإهمال؟! ويكرِّمون من ازدرى العربية وحطّم الخلق الكريم كما يُكَرَّم الأبطال والفاتحون؟!] الوسيط في رسالة المسجد ص ٢٢١.\rوخلاصة الأمر أن الحديث المذكور في السؤال حديث صحيح، ويؤخذ منه أنه لا يصح تعظيم المنافقين والمفسدين في الأرض والمحاربين لله ورسوله ولدينه. ويجب على المسلم أن يدرك أن كل كلمة تخرج من فمه فإنه محاسبٌ عليها، فهي إما له، وإما عليه، يقول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ سورة ق الآية ١٨.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345659,"book_id":3840,"shamela_page_id":39,"part":"3","page_num":4,"sequence_num":39,"body":"٤ - من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم\rيقول السائل: حصل نقاش حول واجب المسلمين تجاه إخوانهم في قطاع غزة وذكر أحدهم حديث (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ، أفيدونا؟\r\rالجواب: ورد هذا الحديث بعدة روايات كلها غير ثابتة عن رسول الله ﷺ، وقد فصَّل العلامة الألباني الكلام عليها في السلسلة الضعيفة فذكر ما يلي: [\" من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شيء، ومن لم يتق الله فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم للمسلمين عامة فليس منهم \" موضوع – أي مكذوب - أخرجه الحاكم وسكت عليه وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: ... وأحسب الخبر موضوعاً. قلت - أي الألباني- وأورده ابن الجوزي في \" الموضوعات \" ثم ذكر الألباني رواية ثانيةً للحديث \" من أصبح وهمه الدنيا، فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مكره فليس منا \".\r\rضعيف جداً أخرجه الطبراني في \" الأوسط \" وأما الهيثمي فقال في \" مجمع الزوائد \" رواه الطبراني وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو متروك، وأشار المنذري إلى تضعيفه، قلت: وقد أنكر أبو حاتم أحاديثه عن أبي الأشعث كما في الجرح والتعديل وهذا منها كما ترى، وقال الجوزجاني: أخاف أن تكون أحاديثه موضوعة. ثم ذكر الألباني روايةً ثالثةً للحديث \" من أصبح وهمه غير الله ﷿ فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم للمسلمين فليس منهم \" موضوع، ابن بشران في الأمالي والحاكم، ثم ذكر الألباني رواية رابعةً للحديث\" من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لا يصبح ويمسي ناصحاً لله ورسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم \" ضعيف. أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط ... ] السلسلة الضعيفة ١/٣٢٠-٣٢٤ بتصرف واختصار.\r\rوهذا الحديث وإن كان غير ثابتٍ عن النبي ﷺ، فإن معناه صحيح وورد في معناه أدلة كثيرة من كتاب الله ﷿ ومن سنة النبي ﷺ، فالحديث معتبر في المعنى وإن لم يثبت من حيث الإسناد، وقد سئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز عن هذا الحديث فقال: [الحديث مروي عن النبي ﷺ، وهو حديث ضعيف ليس بصحيح، ومعناه أن الذي لا يهتم بأمور المسلمين بالنظر إلى مصلحتهم، والدفاع عنهم إذا حصل عليهم خطر، ونصر المظلوم، وردع الظالم، ومساعدتهم على عدوهم، ومواساة فقيرهم إلى غير هذا من شئونهم، معناه أنه ليس منهم، وهذا لو صح من باب الوعيد، وليس معناه أنه يكون كافراً، لكنه من باب الوعيد والتحذير، والحث على التراحم بين المسلمين، والتعاون فيما بينهم، ويغني عن هذا الحديث قوله ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبَّك بين أصابعه) . وقوله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) . وهو معناه أنه لا يتم إيمانه ولا يكمل إيمانه الواجب إلا بهذا، وهكذا قوله ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) . فجعل المسلمين شيئاً واحداً، وجسداً واحداً، وبناءً واحداً، فوجب عليهم أن يتراحموا، وأن يتعاطفوا، وأن يتناصحوا، وأن يتواصوا بالحق، وأن يعطف بعضهم على بعض، وهذه كلها تكفي عن الحديث الضعيف الذي ذكره السائل ... ] موقع الشيخ على الإنترنت. ولا شك أن سكوت المسلمين عما يحصل لأهلنا في غزة هاشم يعد من باب الكبائر، ويعتبر خيانة لله ورسوله وللمؤمنين، وقد قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ سورة الحجرات الآية ١٠، وقال رسول الله ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم، قال القاضي عياض: [فتشبيه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيلٌ صحيحٌ، وفيه تقريبٌ للفهم وإظهار للمعاني في الصور المرئية، وفيه تعظيم حقوق المسلمين، والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضاً. وقال ابن أبي جمرة: شبَّه النبي ﷺ الإيمان بالجسد وأهله بالأعضاء لأن الإيمان أصل وفروعه التكاليف، فإذا أخلَّ المرءُ بشيءٍ من التكاليف شأن ذلك الإخلال بالأصل، وكذلك الجسد أصل الشجرة وأعضاؤه كالأغصان، فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلها، كالشجرة إذا ضرب غصن من أغصانها اهتزت الأغصان كلها بالتحرك والاضطراب.] فتح الباري ١٠/٥٤٠. وقال رسول الله ﷺ: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يدٌ على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم) رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ٦٦٦٦. وغير ذلك من النصوص، فكل مسلم يفهم حقيقة هذا الدين فهماً صحيحاً، لا بد أن يقدم ما يستطيع لنصرة المسلمين المستضعفين الذين يتعرضون لأشرس الحروب وأقذرها، ومن لم يفعل فعليه أن يراجع نفسه، لأن منهج أهل السنة والجماعة يقضي أن يقف المسلم مع أخيه المسلم، وأن يكون عوناً له، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند حديثه عن أصول أهل السنة والجماعة: [ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة. ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات. ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص؛ يشدُ بعضُه بعضاً وشبَّك بين أصابعه، وقوله ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) . ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء.] العقيدة الواسطية\r\rوأما من يخذل المسلمين ويسهم في حصارهم ويمنع العون عنهم فإن الله ﷿ سيخذله، كما أخبر رسول الله ﷺ: (ما من امرئٍ يخذل امرءاً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحدٍ ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته.) رواه أحمد وأبو داود وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ٥٦٩٠. إذا تقرر هذا فإن واجب المسلمين هو نصرة إخوانهم المسلمين ومدُّ يد العون والمساعدة لهم كلٌ حسب وسعه وطاقته، وأقل ذلك الدعاء لهم، ومن ذلك القنوت في الصلوات المفروضات، وهذا هو قنوت النوازل، فمن الثابت من هدي النبي ﷺ أنه قنت أحياناً في النوازل التي كانت على عهده ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يدعو في القنوت اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم سنين كسني يوسف) رواه البخاري. وفي رواية أخرى عند البخاري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ أو يدعو لأحدٍ قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: اللهم ربنا لك الحمد اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: اللهم العن فلاناً وفلاناً لأحياء من العرب حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ سورة آل عمران الآية ١٢٨. وفي رواية عند مسلم عن أبي سلمة أن أبا هريرة ﵁ حدثهم (أن النبي ﷺ قنت بعد الركعة في صلاة شهراً إذا قال سمع الله لمن حمده يقول في قنوته: اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم نج سلمة بن هشام اللهم نج عياش بن أبي ربيعة اللهم نج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) قال أبو هريرة ثم رأيت رسول الله ﷺ ترك الدعاء بعد ... ) والذي يؤخذ من هذه الأحاديث وغيرها مشروعية القنوت عند النوازل والمصائب والبلايا العامة في الصلوات الخمس ويقنت الإمام جهراً في جميع الصلوات بعد الركوع ويجوز قبله فإذا ارتفعت النازلة ترك القنوت. وختاماً يجب التذكير ببعض القضايا الهامة في ظل الظروف العصيبة التي تعيشها الأمة الإسلامية في هذه الأيام فمن ذلك أنه لا بد من التوكل على الله ﷾ وأن نفوض أمرنا لله ﷿ فالأمور كلها بيده يعز من يشاء ويذل من يشاء. ولا بد للمسلم الصادق أن يطهر إيمانه من الولاء للكافرين وليحذر المسلم من أن يحب ظهور الكافرين على المسلمين أو يتمنى ذلك أو يشمت بما حصل للمسلمين، فإن هذا يطعن في إيمانه. وعلى المسلم الصادق أن يوقن أن الله قد وعد هذه الأمة بالتمكين لدينه ونصر أوليائه قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ سورة المجادلة الآية ٢١.\r\rوخلاصة الأمر أن حديث (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) ليس ثابتاً عن النبي ﷺ، ولكن معناه صحيح، وواجب الأمة المسلمة جمعاء، نصرة المسلمين المستضعفين، ومدهم بكل عونٍ ومساعدة، وأقلُ ذلك الدعاء لهم بنصرهم وتأييدهم، والدعاء على عدوهم وأعوانه ومناصريه بالهزيمة والخذلان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345660,"book_id":3840,"shamela_page_id":40,"part":"3","page_num":5,"sequence_num":40,"body":"٥ - حديث (أنا مدينة العلم وعلي بابها)\rيقول السائل: سمعت على إحدى الفضائيات شخصاً يذكر حديثاً عن رسول الله ﷺ (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها) ويحتج به على تقديم علي ﵁ على أبي بكر وعمر ﵄، فهل هذا الحديث ثابت، أفيدونا؟\r\rالجواب: يجب أن يعلم أولاً أن الشيعة هم أكثر الفرق الإسلامية كذباً على رسول الله ﷺ، كما قرر ذلك جماهير أهل العلم من المحدثين والنقاد والفقهاء، فقد كذب الشيعة على رسول الله ﷺ آلاف الأحاديث التي تؤيد مواقفهم في مختلف المجالات، ومن ضمن ذلك الأحاديث المكذوبة التي وضعوها في فضائل علي ﵁ خاصة وآل البيت عامة، وكذبهم معروف ومشهور عند أهل العلم، فقد سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن الرافضة فقال: [لا تكلمهم ولا تروِ عنهم فإنهم يكذبون] منهاج السنة ١/٣٧. وقال الإمام الشافعي: [ما رأيت في أهل الأهواء قوماً أشهد بالزور من الرافضة] منهاج السنة ١/٣٩، وقال شريك بن عبد الله القاضي: [احمل عن كل من لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث، ويتخذونه ديناً] منهاج السنة ١/٣٨. وقال حماد بن سلمة: [حدثني شيخ لهم - يعني الرافضة - قال: كنَّا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئاً جعلناه حديثاً] السنة ومكانتها في التشريع للدكتور مصطفى السباعي ص ٧٩. وقال يزيد بن هارون: [يكتب عن كل مبتدع إلا الرافضة، فإنهم يكذبون] المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص ٢٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وقد رأينا في كتبهم – كتب الشيعة الرافضة - من الكذب والافتراء على النبي ﷺ وصحابته وقرابته، أكثر مما رأينا من الكذب في كتب أهل الكتاب من التوراة والإنجيل] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٨/٤٨١-٤٨٢. وسبب ما قرره أهل العلم واتفقوا عليه من أن الشيعة أكذب الفرق هو أن أصل بدعتهم عن زندقة وإلحاد، وتعمد الكذب فيهم كثير، وهم يقرون بذلك، حيث يقولون ديننا التقية، وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه، ويقولون: (من لا تقية له لا دين له) ، وهذا هو الكذب والنفاق، ويدعون مع هذا أنهم هم المؤمنون دون غيرهم من أهل الملة. انظر مجموع مؤلفات عقائد الرافضة والرد عليها على موقع الشاملة على شبكة الإنترنت.\r\rإذا تقرر هذا فإن الحديث المذكور (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها) ، حديثٌ باطلٌ مردودٌ سنداً ومتناً، وقد تكلم عليه العلماء قديماً وحديثاً، قد حكم عددٌ كبيرٌ من أهل العلم على هذا الحديث بأنه مكذوب موضوع ومنهم: يحيى بن معين، والإمام البخاري والترمذي والدارقطني وابن طاهر المقدسي وابن الجوزي والنووي وابن دقيق العيد وابن تيمية والذهبي وعبد الرحمن بن علي الأثري الشافعي ومحمد بن السيد درويش الحوت والمعلمي اليماني والعلامة الألباني وغيرهم كثير. وقد فصَّل العلامة الألباني الكلام على هذا الحديث - بعد أن حكم عليه بأنه موضوع أي مكذوب - فقال: [أخرجه ابن جرير الطبري في \" تهذيب الآثار \" كما يأتي، والطبراني في \" المعجم الكبير \" (٣/١٠٨/١) ، والحاكم (٣/١٢٦) ، والخطيب في \" تاريخ بغداد \" (١١/٤٨) ، وابن عساكر في \" تاريخ دمشق \" (١٢/١٥٩/٢) من طريق أبي الصلت عبد السلام بن صالح العروي: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً. وقال ابن جرير والحاكم: \" صحيح الإسناد \". وردَّه الذهبي بقوله: \" بل موضوع \". ثم قال الحاكم: \" وأبو الصلت ثقة مأمون \". فتعقبه الذهبي بقوله: \" قلت: لا والله، لا ثقة ولا مأمون \". وقال في كتابه \" الضعفاء والمتروكين \": \" اتهمه بالكذب غيرُ واحدٍ، قال أبو زرعة: لم يكن بثقة. وقال ابن عدي: متهم. وقال غيره: رافضي \". وقال في كتابه \" الضعفاء والمتروكين \": \" اتهمه بالكذب غيرُ واحد، قال أبو زرعة: لم يكن بثقة. وقال ابن عدي: متهم. وقال غيره: رافضي \". وقال الحافظ في \" التقريب \": \" صدوق، له مناكير، وكان يتشيع، وأفرط العقيلي فقال: كذاب \" ... وقد روي الحديث عن علي أيضاً، وجابر، وأنس بن مالك. ١- أما حديث علي؛ فأخرجه الترمذي واستغربه، وقد بينت علته في \" تخريج المشكاة \" (٦٠٨٧) . ٢- وأما حديث جابر، فيرويه أحمد بن عبد الله بن يزيد الحراني: حدثنا عبد الرزاق: حدثنا سفيان الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية وهو آخذٌ بيد علي يقول: \" هذا أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، - يمد بها صوته - أنا مدينة العلم.... \". أخرجه الحاكم (٣/١٢٧ و ١٢٩) مفرقاً، والخطيب (٢/٣٧٧) . وقال الحاكم: \" إسناده صحيح \"! وردَّه الذهبي بقوله: \" قلت: العجب من الحاكم وجرأته في تصحيح هذا وأمثاله من البواطيل، وأحمد هذا دجال كذاب \" ... وجملة القول؛ أن حديث الترجمة ليس في أسانيده ما تقوم به الحجة، بل كلها ضعيفة، وبعضها أشد ضعفاً من بعض ... ] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٦/٥١٩-٥٣٠.\r\rوقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية الحديث من حيث المتن، لأن متنه باطل شرعاً، ومخالف لما هو مقرر شرعاً فقال: [وأما حديث مدينة العلم فأضعف وأوهى ولهذا إنما يُعَدُ في الموضوعات المكذوبات، وإن كان الترمذي قد رواه، ولهذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وبين أنه موضوع من سائر طرقه، والكذب يُعرف من نفس متنه لا يحتاج إلى النظر في إسناده، فإن النبي ﷺ إذا كان مدينة العلم لم يكن لهذه المدينة إلا باب واحد، ولا يجوز أن يكون المبلغ عنه واحداً، بل يجب أن يكون المبلغ عنه أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب، ورواية الواحد لا تفيد العلم إلا مع قرائن، وتلك القرائن إما أن تكون منتفية، وإما أن تكون خفية عن كثير من الناس أو أكثرهم، فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنة المتواترة، بخلاف النقل المتواتر الذي يحصل به العلم للخاص والعام،\r\rوهذا الحديث إنما افتراه زنديق أو جاهل، ظنه مدحاً وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في علم الدين إذا لم يبلغه إلا واحد من الصحابة،\r\rثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر، فإن جميع مدائن المسلمين بلغهم العلم عن رسول الله ﷺ من غير طريق علي ﵁، أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيهم ظاهر، وكذلك أهل الشام والبصرة، فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن علي ﵁ إلا شيئاً قليلاً، وإنما كان غالب علمه في أهل الكوفة، ومع هذا فقد كانوا تعلموا القرآن والسنة قبل أن يتولى عثمان فضلاً عن خلافة علي، وكان أفقه أهل المدينة وأعلمهم تعلموا الدين في خلافة عمر، وقبل ذلك لم يتعلم أحد منهم من علي شيئاً إلا من تعلم منه لما كان باليمن، كما تعلموا حينئذ من معاذ بن جبل، وكان مقام معاذ بن جبل أكثر مما رووه عن علي وشريح وغيره من أكابر التابعين، إنما تفقهوا على معاذ، ولما قدم عليٌّ الكوفة كان شريح قاضياً فيها قبل ذلك، وعليٌ وجد على القضاء في خلافته شريحاً وعبيدة السلماني، وكلاهما تفقه على غيره، فإذا كان علم الإسلام انتشر في مدائن الإسلام بالحجاز والشام واليمن والعراق وخراسان ومصر والمغرب قبل أن يقدم إلى الكوفة، لما صار إلى الكوفة عامة ما بلغه من العلم بلغه غيره من الصحابة، ولم يختص عليٌ بتبليغ شيء من العلم إلا وقد اختص غيره بما هو أكثر منه، فالتبليغ العام الحاصل بالولاية حصل لأبي بكر وعمر وعثمان منه أكثر مما حصل لعليٍ، وأما الخاص فابن عباس كان أكثر فتيا منه، وأبو هريرة أكثر رواية منه، وعليٌ أعلم منهما، كما أن أبا بكر وعمر وعثمان أعلم منهما أيضاً، فإن الخلفاء الراشدين قاموا من تبليغ العلم العام بما كان الناس أحوج إليه مما بلغه من بلغ بعض العلم الخاص] الفتاوى الكبرى ٤/٤٣٧.\r\rوأما الاحتجاج بهذا الحديث الباطل على تقديم علي ﵁ على أبي بكر وعمر ﵄، فمن أبطل الباطل عند علماء أهل السنة والجماعة، لأن الحديث مكذوب كما سبق، ولأن أهل السنة متفقون على تقديم أبي بكر وعمر ﵄ على علي ﵁ في الفضل وفي العلم والفقه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [لم يقل أحد من علماء المسلمين المعتبرين إن علياً أعلم وأفقه ن أبي بكر وعمر، بل ولا من أبي بكر وحده ومدعي الإجماع على ذلك من أجهل الناس وأكذبهم، بل ذكر غيرُ واحدٍ من العلماء إجماع العلماء على أن أبا بكر الصديق أعلم من علي، منهم الإمام منصور بن عبد الجبار السمعاني المروزي أحد الأئمة الستة من أصحاب الشافعي ذكر في كتابه تقويم الأدلة على الإمام، إجماع علماء السنة على أن أبا بكر أعلم من علي وما علمت أحداً من الأئمة المشهورين ينازع في ذلك، وكيف وأبو بكر الصديق كان بحضرة النبي ﷺ يفتي ويأمر وينهى ويقضي ويخطب كما كان يفعل ذلك إذا خرج هو وأبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ولما هاجرا جميعاً ويوم حنين وغير ذلك من المشاهد والنبي ﷺ ساكت يقره على ذلك ويرضى بما يقول ولم تكن هذه المرتبة لغيره، وكان النبي ﷺ في مشاورته لأهل العلم والفقه والرأي من أصحابه يقدم في الشورى أبا بكر وعمر فهما اللذان يتقدمان في الكلام والعلم بحضرة الرسول ﵇ على سائر أصحابه مثل قصة مشاورته في أسرى بدر ... ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٤/٤٢٩.\r\rوخلاصة الأمر أن حديث: (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها) حديث باطل مكذوب على رسول الله ﷺ، وما هو إلا من كذب الشيعة وافتراءاتهم على دين الإسلام، ولا يصح شرعاً تقديم علي ﵁ على أبي بكر وعمر ﵄.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345661,"book_id":3840,"shamela_page_id":41,"part":"3","page_num":6,"sequence_num":41,"body":"٦ - تسمية عيد الفطر بيوم الجائزة\rيقول السائل: هنالك حديث نبوي يردده بعض خطباء المساجد في خطبة عيد الفطر، وفيه أن يوم العيد يسمى يوم الجائزة، فهل هذا الحديث ثابت عن رسول الله ﷺ، أفيدونا؟\r\rالجواب: روي في الحديث عن سعد بن أوس الأنصاري عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا كان يوم عيد الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطرق فنادوا اغدوا يا معشر المسلمين إلى ربٍ كريمٍ يمنُ بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلَّوا نادى منادٍ ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة، ويسمَّى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة) رواه الطبراني في المعجم الكبير، ورواه الأصبهاني في الترغيب، وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\"، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/٢٠١، وقد حكم المحدثون الذين وقفت على كلامهم على هذا الحديث بأنه حديث ضعيف وشبه موضوع كما سيأتي. قال العلامة الألباني: [ضعيف، أخرجه الطبراني في \"الكبير\" ٦١٨، والمعافى بن زكريا في \"الجليس\" ٤/ ٨٣، والأصبهاني في \"الترغيب\" ١٨٨/١ من طريقين عن سعيد بن عبد الجبار [عن توبة] عن سعيد بن أوس الأنصاري عن أبيه مرفوعاً به. والزيادة للطبراني. وكذلك رواه الحسن بن سفيان في \"مسنده\"؛ إلا أنه قال: عن توبة أو أبي توبة. وكذلك أخرجه المعافى في \"الجليس\"؛ لكنه قال: عن أبي توبة.. بغير شك، وكذا نقله في \"الإصابة\". قلت: وأبو توبة - أو توبة - لم أعرفه. ومن المحتمل أن يكون هو الذي في \"الجرح\" ١/ ١/ ٤٤٦: \"توبة بن نمر الحضرمي المصري، وكان قاضي مصر، فلما مات استقضي عبد الله بن لهيعة، وابنته تحت ابن لهيعة. روى عن أبي عفير عن ابن عمر. روى عنه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وابن لهيعة\". ولعله مما يرجح الاحتمال المذكور: أن الراوي عنه - سعيد بن عبد الجبار - هو حضرمي أيضاً، وهو سعيد بن عبد الجبار بن وائل الحضرمي، وهو ضعيف. وعلى كل حال؛ فقد روي الحديث من طريق أخرى عند الطبراني ٦١٧ من رواية عمرو بن شمر عن جابر عن أبي الزبير عن سعيد بن أوس الأنصاري به. وهذا إسناد واهٍ بمرة؛ أبو الزبير مدلس؛ وقد عنعنه، لكن الآفة ممن دونه؛ فإن جابراً هذا - وهو الجعفي - متروك. وعمرو بن شمر شرٌ منه. قال الحاكم: \"كان كثير الموضوعات عن جابر الجعفي، وليس يروي تلك الموضوعات الفاحشة عن جابر غيره\". وأعله الهيثمي ٢/٢٠١ بالجعفي وحده، فقصَّر. ومدار الطريقين على سعيد بن أوس الأنصاري، ولم أجد من ترجمه. ووقع في \"ترغيب الأصبهاني\": سعد بن أوس ولم أجده أيضاً؛ فهو علة الحديث. والله أعلم.] السلسلة الضعيفة والموضوعة ١١/ ٨٢٩. وضعفه العلامة الألباني أيضاً في ضعيف الترغيب والترهيب ١/٣٣٥. وقد تكلم الشيخ أبو إسحاق الحويني على هذا الحديث كلاماً مفصلاً فقال: [حديث منكر جداً شبه موضوع. أخرجه الطبراني في الكبير ج ١/رقم ٦١٧، وعند أبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" ٩٩٦ ... وأعلَّه الهيثمي ٢/٢٠١ بجابر الجعفي، وترك التنبيه علي حال عمرو بن شمر وهو أحد التلفى. فقد تركه النسائي والدارقطني وغيرهما وقال البخاري \"منكر الحديث\". وكذَّبه الجوزجاني. وقال ابن معين: ليس بشيء. ورماه السليماني بوضع الحديث للروافض. وقال ابن حبان في المجروحين ٢/٧٥، ٧٦: كان رافضياً يشتم أصحاب رسول الله، وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات في فضائل أهل البيت وغيرهم، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. انتهى. أضف إلى ذلك عنعنة أبي الزبير، ولكن له طريق آخر إلى سعيد ابن أوس. أخرجه الطبراني في الكبير ٦١٨، والحسن بن سفيان في مسنده) كما في الإصابة ١/١٦١، ومن طريقه أبو نعيم في المعرفة٩٩٤، والشجري في الأمالي٢/٤٧ من طرق عن سلم بن سالم ثنا سعيد بن الجبار عن توبة – أو أبي شك سلم – عن سعيد بن أوس الأنصاري، عن أبيه مرفوعاً مثله. وهذا سندٌ ضعيفٌ جداً. وسلم بن سالم كان ابن المبارك شديد الحمل عليه، وكان يقول: (اتق حيات سلم لا تلسعك) ! وقد سئل ابن المبارك عن الحديث في أكل العدس، وأنه قدِّس على لسان سبعين نبياً!! فقال: لا، ولا على لسان نبي واحد؛ إنه لمؤذٍ منفخٍ، من يحدثكم؟ قالوا: سلم بن سالم. قال: عمن؟ قالوا: عنك! قال: وعن] أيضاً!! . وقال أحمد: ليس بذاك. وضعفه ابن معين، وقال أبو زرعة: \" لا يُكتبُ حديثه ... وقال أبو حاتم: \" ليس بقوي، مضطرب الحديث \"وتوبة أو أبو توبة لا أعرفه. وسعيد بن أوس مجهول ... ووقفت له على شاهدٍ عن ابن عباس مرفوعاً، فساق حديثاً طويلاً، جاء في آخره: \" فإذا كانت ليلة الفطر وسميت ليلة الجائزة، فإذا كانت غداة بعث الله ﵎ الملائكة في كل ملاء فيهبطون إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك فينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله إلا الجن والإنس، فيقولون: يا أمة محمد اخرجوا إلى ربٍ كريمٍ يغفر العظيم، وإذا برزوا في مصلاهم يقول الله تعالى: يا ملائكتي ما أجر الأجير إذا عمل عمله؟ فتقول الملائكة إلهنا وسيدنا جزاؤه أن يوفى أجره، فيقول الله ﷿: أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامهم رضائي ومغفرتي، فيقول الله ﷿: سلوني وعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئاً في جمعكم هذا لآخرتكم إلا أعطيتكموه، ولا لدنيا إلا نظرت لكم، وعزتي لأسترنَّ عليكم عثراتكم ما راقبتموني، وعزتي وجلالي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين يدي أصحاب الحدود، وانصرفوا مغفوراً لكم قد أرضيتموني ورضيت عنكم، قال: فتفرح الملائكة ويستبشرون بما يعطي الله هذه الأمة إذا أفطروا \". أخرجه الأصبهاني في الترغيب ١١٧٤١، وابن الجوزي في الواهيات ٢/ ٤٣– ٤٥ / ٨٨٠، وقال: لا يصح. سنده واهٍ جداً. وعزاه المنذري في الترغيب ٢/٩٩ – ١٠١ لأبي الشيخ كتاب الثواب، والبيهقي وقال: ليس في إسناده من أجمع على ضعفه، وليس من شرط الحديث الباطل أن يكون الإجماع انعقد على ضعف أحد رواته. وهذا حديثٌ منكرٌ جداً شبه الموضوع. وان كان ابن الجوزي أخطأ في زعمه أن القاسم بن الحكم العرني– أحد رواته – مجهول. فليس بمجهول بل هو معروف، فقد وثقه غير واحدٍ منهم أحمد وابن معين والنسائي. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال ابن حبان: مستقيم الحديث. وضعفه العقيلي وأبو نعيم الفضل بن دكين لغفلة كانت فيه، وعلى كل حال، فليس يصح في هذا الباب شيء أعلمه. والله أعلم.] الفتاوى الحديثية للحويني ١/٤٠٣- ٤٠٥. وحديث ابن عباس الأخير حكم عليه العلامة الألباني بأنه موضوع، وعلَّق على قول المنذري- ليس في إسناده من أجمع على ضعفه- بقوله [قلت نعم لكنه منقطع، بين الضحاك بن مزاحم وابن عباس، والراوي عنه لين، وآثار الوضع والصنع عليه لائحة، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ٢/١٩١ ... ] ضعيف الترغيب والترهيب ١/٣٠٢. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد روي أن الصائمين يرجعون يوم الفطر مغفوراً لهم وأن يوم الفطر يسمى يوم الجوائز وفيه أحاديث ضعيفة، وقال الزهري [إذا كان يوم الفطر خرج الناس إلى الجبار اطلع عليهم قال: عبادي لي صمتم ولي قمتم ارجعوا مغفوراً لكم] ، قال مورق العجلي لبعض إخوانه في المصلى يوم الفطر: يرجع هذا اليوم قوم كما ولدتهم أمهاتهم، وفي حديث أبي جعفر الباقر المرسل: [من أتى عليه رمضان فصام نهاره وصلى ورداً من ليله وغض بصره وحفظ فرجه ولسانه ويده وحافظ على صلاته في الجماعة وبكَّر إلى الجمعة فقد صام الشهر واستكمل الأجر وأدرك ليلة القدر وفاز بجائزة الرب] قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء إذا أكمل الصائمون صيام رمضان وقيامه فقد وفوا ما عليهم من العمل وبقي ما لهم من الأجر وهو المغفرة فإذا خرجوا يوم عيد الفطر إلى الصلاة قسمت عليهم أجورهم فرجعوا إلى منازلهم وقد استوفوا الأجر واستكملوه كما في [حديث ابن عباس ﵄ المرفوع: إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك ... خرَّجه سلمة بن شبيب في كتاب فضائل رمضان وغيره وفي إسناده مقال، وقد روي من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ موقوفاً بعضه وقد روي معناه مرفوعاً من وجوهٍ أخر فيها ضعف] لطائف المعارف ص ٣٧٣-٣٧٤. وخلاصة الأمر أن أحاديث سمية عيد الفطر بيوم الجائزة ليست ثابتة عن رسول الله ﷺ، ولا يقولن قائلٌ إن الحديث الضعيف يعمل به في باب فضائل الأعمال، وهذا منها، لأن القاعدة عند المحدثين كما قال الإمام النووي [يجوز العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً] الأذكار ص٥. وهذه الأحاديث المذكورة قد حكم عليها جماعة من المحدثين بأنها موضوعة أو فيها من هو كذاب أو متهم بالوضع فلا تنطبق عليها القاعدة السابقة، ويغني عنها ما صح من الأحاديث كقول الرسول ﷺ: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345662,"book_id":3840,"shamela_page_id":42,"part":"3","page_num":7,"sequence_num":42,"body":"٧ - الدين المعاملة\rيقول السائل: هل القول المشهور بين الناس \" الدين المعاملة \" حديث نبوي، أفيدونا؟\r\rالجواب: جملة \" الدين المعاملة \" ليست حديثاً نبوياً، وإنما هي عبارة متداولة على ألسنة الناس، وذكر العلامة الألباني هذه العبارة في مقدمة المجلد الخامس من سلسة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأفاد بأنه لا أصل لها في السنة النبوية، سلسلة الأحاديث الضعيفة ٥/١١. ومع أن عبارة \" الدين المعاملة \" ليست حديثاً نبوياً فهي صحيحة المعنى، حيث إن الدين الإسلامي لا يقتصر على الأعمال الظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها، بل لا بد أن يكون لهذه الأعمال آثار طيبة تظهر في سلوك المسلم في جوانب حياته كلها، يقول الله تعالى في شأن الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ، فالصلاة ليست مجرد حركات تؤدى، وإنما لا بد أن تنهى المصلي عن الفواحش والمنكرات. ويقول الله تعالى في شأن الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ . فالزكاة ليست مجرد مبلغ من المال يدفعه الإنسان كما يدفع الضرائب، بل هي وسيلة لتطهير النفس وتزكيتها، ويقول الله ﷿ في شأن الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ \"ولعل\" في لغة العرب تفيد الترجي، فالذي يرجى من الصوم تحقق التقوى، أي أن الصوم سبب من أسباب التقوى. وبناء على ذلك فليس الصوم هو مجرد الامتناع عن المفطرات الثلاث الطعام والشراب والشهوة فحسب، بل لا بد من صوم الجوارح أيضاً، فاليد لا بد أن تكف عن أذى الناس، والعين لا بد أن تكف عن النظر إلى المحرمات، والأذن لا بد أن تكف عن السماع للمحرمات، واللسان لا بد أن يكف عن المحرمات كالغيبة والنميمة والكذب ونحوها، والرِجل لا بد أن تكف عن المحرمات فلا تمشي إلى ما حرم الله. وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري. وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سآبَّك أحدٌ أو جهل عليك فقل إني صائم إني صائم) رواه ابن خزيمة والحاكم وصححه العلامة الألباني. وقال تعالى في شأن الحج: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فالحج تربية للمسلم على التطهر والتخلص من سوء الأخلاق والبعد عن شهوات النفس، وهذا الكلام ينطبق على أحكام الإسلام الأخرى التي يجب أن تنعكس إيجاباً في سلوكنا وتصرفاتنا، ولكن إذا نظرنا في واقع كثيرٍ من المسلمين اليوم لوجدنا هذه المعاني مفقودة أو تكاد، وأذكر في هذا المقام أربعة أمثلة فقط على الانفصال ما بين العمل وأثره المرتجى شرعاً: المثال الأول: تعامل كثير من الناس في الطريق والشارع العام، فقد جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إياكم والجلوس على الطرقات. فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطريق حقها. قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر وكف الأذى وردُّ السلام وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر) رواه البخاري. وقد دلت النصوص على أن إزالة الأذى من طرقات الناس تعتبر صدقةً، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تميط الأذى عن الطريق صدقة) رواه البخاري. وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخذه فشكر الله له فغفر له) رواه البخاري ومسلم. وإزالة الأذى من طرقات الناس إحدى مراتب الإيمان كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) رواه مسلم. وعن أبي برزة ﵁ قال: (قلت يا نبي الله علمني شيئاً أنتفع به قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [هذه الأحاديث المذكورة في الباب ظاهرة في فضل إزالة الأذى عن الطريق سواء كان الأذى شجرة تؤذي أو غصن شوكة أو حجراً يعثر به أو قذراً أو جيفة أو غير ذلك] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٣١. وما ذكره الإمام النووي من أنواع الأذى المادية التي كانت معروفة في زمانه قد يكون يسيراً مع أنواع الأذى الموجودة في زماننا مثل التعدي على الطرق، وإساءة استخدامها وخاصة من السائقين، فمن المعروف أن القيادة فنٌ وذوقٌ وأخلاقٌ كما يقولون، وكثير من سائقي زماننا ليس عندهم فنٌ ولا ذوقٌ ولا أخلاق. المثال الثاني التعامل مع الجيران: وردت نصوص كثيرة في الإحسان إلى الجار وأذكر حديثاً واحداً فقط عن رسول الله ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) رواه البخاري. فهذا النهي الوارد في الحديث يعم كل أذىً فلا يجوز إلحاق الأذى بالجار سواء أكان الأذى مادياً أو معنوياً. ولكن انظر إلى واقع تعامل كثيرٍ من الناس مع جيرانهم، فماذا ترى؟ الجواب لديك أيها القارئ!! المثال الثالث التعامل داخل الأسرة، فمن المعلوم أن الحياة الزوجية في الإسلام تقوم على المودة والمحبة والتفاهم بين الزوجين قال تعالى: ﴿وَمِنْءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الروم الآية ٢١. إن الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه العلاقة الزوجية هو المودة والرحمة وتعني عطف قلوبهم بعضهم على بعض وقال بعض أهل التفسير: المودة المحبة والرحمة الشفقة وقال ابن عباس ﵄: [المودة حب الرجل امرأته والرحمة رحمته إياها أن يصيبها سوء] تفسير القرطبي ١٤/١٧. ويجب على كل من الزوجين أن يعرف ما له وما عليه وقد بين الإسلام واجبات الزوجين وحقوقهما بياناً شاملاً فقد وردت نصوص كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ تبين حقوق الزوجة على زوجها يقول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ سورة البقرة: ٢٢٧. ويقول النبي ﷺ: (إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً) فمن حقوق الزوجة على زوجها أن يعاملها معاملة كريمة فيها اللطف والرحمة وحسن المعاملة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَاءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وقد حثّ سيدنا رسول الله ﷺ على حسن معاملة الزوجة في أحاديث كثيرة وقد بوب على بعضها الإمام البخاري بتراجم مناسبة فقال: \"باب الوصاة بالنساء\"، وقال الإمام البخاري أيضاً: \"باب المداراة مع النساء\"، وقال الإمام البخاري أيضاً: \"باب حسن المعاشرة مع الأهل\". ومن هذه الأحاديث حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيراً) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وقد ورد أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوه إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت) رواه أبو داود، ومعنى لا تقبح أي لا تقل قبحك الله. وهو حديث حسن صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أب داود ٢/٤٠٢، وينبغي أن يعلم أنه يحرم على الزوج أن يسب زوجته وأهلها أو يلعنها فعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء) رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه، هذه النصوص غيض من فيض، ولكن كيف هو تعامل الزوج مع زوجته في الأسرة اليوم؟ تجد سوء المعاملة، وتجد السب والشتم، وتجد الضرب والأذى المادي والمعنوي!! وليس الأمر مقصوراً على الزوج، بل تجد سوء المعاملة أيضاً من الزوجة فتسيء إلى زوجها وأولادها، فتلعن المرأة زوجها وأولادها، والنبي ﷺ يقول: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء) رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه. المثال الرابع في التعامل في الأسواق، تجد بعض التجار يبيعون المواد الفاسدة والمنتهية الصلاحية. ويتلاعبون في الأوزان ويسوقون البضاعة الرديئة، ويبيعون المواد الضارة بالصحة ويغشون الناس، وقد قال ﷺ: (من غشنا فليس منا) رواه مسلم. والأمثلة أكثر من أن تعد.\r\rوخلاصة الأمر أن عبارة \" الدين المعاملة \" ليست حديثاً نبوياً، ولكنها عبارة صحيحة المعنى، ولا بد للمسلم أن يقف مع نفسه وقفة مراجعة صادقة، ولينظر في سلوكه وتصرفاته وتعاملاته مع الناس، هل هي منضبطة بضوابط الشرع الحنيف؟ وهل يجد فيها الآثار الطيبة لعباداته؟ فإن كان الأمر كذلك فليحمد الله ﷿، وإن لم تكن، فلا بد أن يعيد حساباته ويراجع نفسه، حتى لا تذهب أعماله أدراج الرياح، فقد قال رسول الله ﷺ: (رب صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع ورب قائمٍ – مصلٍ- ليس له من قيامه إلا السهر) رواه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم، وصححه العلامة الألباني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345663,"book_id":3840,"shamela_page_id":43,"part":"3","page_num":8,"sequence_num":43,"body":"٨ - أول من تسعر بهم نار جهنم\rيقول السائل: سمعت حديثاً عن رسول الله ﷺ فيه أوصاف أول من تُسَعَّرُ بهم نارُ جهنم، فهل هذا الحديث ثابت، أفيدونا؟\r\rالجواب: ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأتي به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل ثم أمر به فسُحبَ على وجهه ثم ألقي في النار) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [قوله ﷺ في الغازي والعالم والجواد وعقابهم على فعلهم ذلك لغير الله وإدخالهم النار دليلٌ على تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال الله تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ ، وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصاً، وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات، كله محمولٌ على من فعلَ ذلك لله تعالى مخلصاً] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٤٦. وفي الحديث السابق ذكر النبي ﷺ ثلاثة أصناف من الناس هم أول من تسعر بهم نار جهنم والعياذ بالله، وأولهم هو من قاتل ليقال عنه جريء، أو قاتل عصبية أو قاتل غير مريدٍ وجهَ الله ﷿، فلما لم يكن عمله لله تعالى كان مصيره إلى نار جهنم، كما ورد في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانُه، فمن في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) رواه البخاري ومسلم.\r\rوأما الصنف الثاني فهم حملة العلم والقرآن الذين لا يعملون بعلمهم، وهؤلاء قد كثروا في زماننا مع الأسف الشديد، فكم ممن ينتسبون إلى العلم الشرعي، ويتبوؤن المناصب الدينية العليا، كالمفتين والقضاة الشرعيين وقراء القرآن الكريم وغيرهم من حملة الشهادات العليا في العلوم الشرعية، كم من هؤلاء لا يصونون العلم الذي يحملونه، ويقفون مواقف الريب والشبهات، بل يقفون مواقف مخزية مع أعداء الإسلام وأعوانهم، وقد صدق الرسول ﷺ عندما قال: ( ... والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدُ فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها) رواه مسلم، ومعناه أن قارئ القرآن ينتفع به إن تلاه وعمل به وإلا فهو حجة عليه. وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يُؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمُه سورةُ البقرة وآلُ عمران، تحاجَّان عن صاحبهما) رواه مسلم. قال العلامة ملا علي القاري: [ ... دلَّ على أن من قرأ ولم يعمل به لم يكن من أهل القرآن ولا يكون شفيعاً لهم بل يكون القرآن حجة عليهم] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٤/٦٢٧. وهذا الحديث يدل على أن أهل القرآن هم العاملون به وليس الأمر مقتصراً على حفظه وتلاوته وتجويده والتشدق به، فلابد من التزام أخلاق القرآن، والتأدب بآدابه، وتحريم حرامه والعمل بما فيه. قال عبد الله بن مسعود ﵁: [ليس حفظ القرآن بحفظ الحروف، ولكن إقامة حدوده] التذكار في أفضل الأذكار ص ٦٨. وقال الحسن البصري: [أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفاً، وقد والله أسقطه كله. ما يُرى له القرآن في خلقٍ ولا عملٍ، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نَفَسْ، والله ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة. متى كانت القراءة مثل هذا؟ لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء] الزهد لابن المبارك ص ٢٧٤. وقال الحافظ ابن عبد البر: [وحملة القرآن هم العاملون بأحكامه وحلاله وحرامه] التمهيد ١٧/٤٣٠. وقال الإمام القرطبي: [القرآنُ حجةٌ لمن عمل به واتبع ما فيه، وحجةٌ على من لم يعمل به ولم يتبع ما فيه، فمن أُوتيَ علم القرآن فلم ينتفع به، وزجرته نواهيه فلم يرتدع، وارتكب من المآثم قبيحاً، ومن الجرائم فضوحاً كان القرآنُ حجةً عليه وخصماً لديه] التذكار في أفضل الأذكار ص ٨٧. وهذا الأمر الخطير وهو الانفصال ما بين الأقوال والأفعال صار ديدناً لكثير من حملة القرآن، الذين يزعمون أنهم أهل القرآن، وهم أبعد الناس عنه بأفعالهم، التي تتعارض مع تعاليم القرآن الكريم وأخلاقه وآدابه، فتراهم يقولون ما لا يفعلون ويتلاعبون بالأحكام الشرعية ويتطاولون على العلم وأهله، بل ديدنهم سب العلماء وشتمهم والوقيعة فيهم، فهؤلاء هم أهل القرآن الجافين عنه كما ورد في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط) رواه أبو داود والبيهقي في شعب الإيمان، وقال العلامة الألباني حديث حسن كما في صحيح الجامع الصغير ١/٤٣٨. قال العلامة ملا علي القاري: [ (وحامل القرآن) أي وإكرام قارئه وحافظه ومفسره غير الغالي فيه ... أي غير المجاوز عن الحد لفظاً ومعنىً كالموسوسين والشكاكين أو المرائين أو الخائن في لفظه بتحريفه كأكثر العوام، بل وكثير من العلماء أو في معناه بتأويله الباطل كسائر المبتدعة، (ولا الجافي عنه) أي وغير المتباعد عنه المعرض عن تلاوته وإحكام قراءته وإتقان معانيه والعمل بما فيه، وقيل: الغلو المبالغة في التجويد أو الإسراع في القراءة بحيث يمنعه عن تدبر المعنى، والجفاء أن يتركه بعدما علمه لا سيما إذا كان نسيه فإنه عُدَّ من الكبائر، ... ولذا قيل اشتغلْ بالعلم بحيث لا يمنعك عن العمل، واشتغلْ بالعمل بحيث لا يمنعك عن العلم، وحاصله أن كلاً من طرفي الإفراط والتفريط مذموم، والمحمود هو الوسط العدل المطابق لحاله في جميع الأقوال والأفعال] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٨/٧٠٦-٧٠٧. وقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قام عام تبوك خطب الناس وهو مُضيفٌ ظهرَه إلى نخلة فقال: ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؟ إن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلاً فاجراً جريئاً يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيء منه) رواه النسائي وأحمد والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. قال العلامة المناوي في شرح الحديث: [ (وإن من شر الناس رجلاً فاجراً) أي منبعثاً في المعاصي (جريئاً) بالهمز على فعيل اسم فاعل من جرؤ جراءةً مثل ضخم ضخامة، والاسم الجرأة كالغرفة وجرأته عليه بالتشديد فتجرأ واجترأ على القول أسرع بالهجوم عليه من غير توقف والمراد هنا هجَّام قويُ الإقدام (يقرأ كتاب الله) القرآن (لا يرعوي) أي لا ينكف ولا ينزجر (إلى شيء منه) أي من مواعظه وزواجره وتقريعه وتوبيخه ووعيده.] فيض القدير ٣/١٣٣. وأخرج الدرامي عن علي ﵁ أنه قال: [يا حملة العلم اعملوا به فإنما العالم من عملَ بما علم، ووافق علمُه عمَله، وسيكون أقوامٌ يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عمُلهم علمَهم، وتخالف سريرتُهم علانيَتهم ... ] سنن الدارمي ١/٧٣. وورد في الحديث الإخبار عن أؤلئك الذين (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) رواه البخاري ومسلم. وقال أبو عبد الرحمن السُّلمي: [حدثنا الذين كانوا يقرئونن القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يأخذون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعاً] . ويقول الخطيب البغدادي: [والعلم يراد للعمل، كما يراد العمل للنجاة، فإذا كان العلم قاصراً عن العمل، كان العلمُ كلاَّ على العالم، ونعوذ بالله من علم عاد كلاً، وأورث ذلاً، وصار في رقبة صاحبه غلاًّ] اقتضاء العلم العمل ص ١٥٨. لذا فإن الواجب على المنتسبين للعلم الشرعي أن يصونوا العلم الذي يحملونه، قال عبد الله بن مسعود ﵁: [لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم فهانوا عليهم] رواه ابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان. انظر ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين ص ٥٤-٥٥.\r\rوقال الشاعر: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظَّموه في النفوس لعُظِّما\r\rوأما الصنف الثالث فهم المراءون في الإنفاق، الذين لا يريدون وجه الله ﷿ في النفقة، ولذا استحب أهل العلم إخفاء الإنفاق في سبيل الله كما ورد في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله [ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه] رواه البخاري ومسلم.\r\rوخلاصة الأمر أن إخلاص العمل مطلوب، وهو علامة قبول العمل، فكل عملٍ إن لم يكن خالصاً لوجه الله ﷿ فهو مردود، والواجب على أهل العلم أن يكونوا على قدر المسؤولية والأمانة التي يحملونها، وكذا حملة القرآن لا بد لهم أن يعملوا به وإلا فالقرآن حجة عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345664,"book_id":3840,"shamela_page_id":44,"part":"3","page_num":9,"sequence_num":44,"body":"٩ - حجية السنة النبوية واستقلالها بالتشريع\rيقول السائل: إنه طالب يدرس الشريعة الإسلامية وإن أحد مدرسيه يقول بجواز الجمع بين المرأة وعمتها في النكاح، ويزعم أن الحديث الوارد في تحريم ذلك ليس حجة، وأن الرسول ﷺ لا يملك أن يحرم شيئاً لم ينص على تحريمه في القرآن الكريم، فما قولكم في زعمه، أفيدونا؟\r\rالجواب: مما يؤسف له أن بعض المؤتمنين على تدريس العلم الشرعي قد خانوا الأمانة، وصاروا يكررون شبهات المستشرقين وغيرهم من أعداء الإسلام، ويسيرون خلف كل ناعق، ويضربون بالحقائق الثابتة عرض الحائط، ومن ضمن تلك الشبهات الساقطة إنكار حجية السنة النبوية، وأنها لا تستقل بالتشريع، ويزعم هؤلاء أن الإسلام هو القرآن فقط، فلا سنة ولا إجماع ولا قياس، ويردّون أقوال الصحابة جملة وتفصيلاً، وغير ذلك من الترهات التي يرددها أفراخ المستشرقين، ولا شك لديَّ أن من يقول بذلك فإنه سائر في طريق الزندقة، فإن علماء الأمة قديماً وحديثاً متفقون على حجية السنة النبوية، وأنها أصل عظيم من أصول الإسلام، وقد قامت على ذلك عشرات الأدلة الصحيحة على إثبات ذلك، قال الإمام الشوكاني: [إن ثبوت حجية السنة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام] إرشاد الفحول ص ٣٣. وقال أيوب السختياني: [إذا حدثت الرجل بالسنة فقال: دعنا من هذا وحدثنا من القرآن، فاعلم أنه ضال مضل] الكفاية في علم الرواية١/٢٨. وقد بين علماء الأصول حجية السنة أوضح بيان وذكروا النصوص من كتاب الله ﷿ التي تدل على ذلك فمنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ سورة الحشر الآية ٧. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ٣٢. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة النور الآية ٦٣. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ سورة الأحزاب الآية ٣٦. وقوله تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ سورة النساء الآية ٦٥. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة النحل الآية ٤٤. وقد ذكر أهل العلم أن من دلائل نبوة سيدنا محمد ﷺ ما أخبر به في بعض الأحاديث أنه سيأتي أقوام ينكرون حجية السنة النبوية، وأنهم لا يقبلون إلا ما ورد في القرآن الكريم، فقد ورد في الحديث عن أبي رافع ﵁ عن النبي ﷺ: (قال لا أُلفينَ أحدَكم متكئاً على أريكته – السرير - يأتيه أمرٌ مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) رواه الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وقال العلامة الألباني: صحيح. ورواه الترمذي أيضاً عن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ألا هل عسى رجلٌ يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله) ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال العلامة الألباني: صحيح. ورواه أبو داود عن المقدام بن معد يكرب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه لا يوشك رجلٌ شبعانٌ على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلوه وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ... ) وقال العلامة الألباني: صحيح، والحديث رواه أيضاً الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. قال الإمام الخطابي في شرح الحديث [ ... يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله ﷺ مما ليس له ذكر في القرآن على ما ذهب إليه الخوارج والروافض من الفرق الضالة فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا ... وفي الحديث دليل على أن لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب وأنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ شيءٌ كان حجة بنفسه] معالم السنن ٤/٢٧٦. وهذه الفرية عرفت قديماً فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن عمران بن حصين ﵁ أنه كان جالساً ومعه أصحابه يحدثهم، فقال رجل من القوم لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له عمران بن حصين: ادنه- اقترب -، فدنا، فقال: أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، تقرأ في اثنتين، أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد الطواف بالبيت سبعاً، والطواف بالصفا والمروة ثم قال: أي قوم، خذوا عنا فإنكم والله إن لا تفعلوا لتضلن. وفي رواية أخرى: أن رجلاً قال لعمران بن حصين: ما هذه الأحاديث التي تحدثونها وتركتم القرآن؟ قال: أرأيت لو أبيت أنت وأصحابك إلا القرآن، من أين كنت تعلم أن صلاة الظهر عدتها كذا وكذا، وصلاة العصر عدتها كذا، وحين وقتها كذا، وصلاة المغرب كذا، والموقف بعرفة، ورمي الجمار كذا، واليد من أين تقطع، أمن هنا أم هاهنا أم من هاهنا، ووضع يده على مفصل الكف، ووضع يده عند المرفق، ووضع يده عند المنكب، اتبعوا حديثنا ما حدثناكم وإلا والله ضللتم.] الكفاية في علم الرواية١/٢٨. إذا تقرر أن السنة حجة لا شك فيها، فقد ثبت في الحديث الصحيح المتواتر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يُجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها) وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أهل الحديث، وهذا الحديث متواتر رواه عن النبي ﷺ عدد من الصحابة فقد رواه أبو هريرة ﵁ وقد ورد عنه من أكثر من سبع طرق صحيحة، وللحديث شواهد كثيرة عن جماعة من الصحابة منهم جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وابن عمرو وأبو سعيد وابن عمر وعلي ﵃، وقد فصلَّ الكلام على هذه الطرق والشواهد العلامة الألباني في إرواء الغليل ٦/٢٨٨-٢٩١. وقد اتفق أهل العلم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها، قال الإمام أبو زرعة العراقي بعد أن ذكر الحديث محل السؤال: [فيه تحريم الجمع في النكاح بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها وهو مجمع على تحريمه, كما حكاه ابن المنذر وابن عبد البر والنووي وغيرهم، وقال الشافعي ﵁: هو قول من لقيت من المفتين لا اختلاف بينهم فيما علمته. حكاه عنه البيهقي في المعرفة، وقال النووي بعد حكايته إجماع العلماء في ذلك، وقالت طائفة من الخوارج والشيعة: يجوز، وقال أبو العباس القرطبي: أجاز الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها ولا يعتد بخلافهم، لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة في ذلك. انتهى. وذكره الأختين هنا سبق قلم، فلم يخالف في هذا أحدٌ وهو منصوص القرآن،] طرح التثريب ٧/٣١-٣٢. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على القول به - حرمة الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها- وليس فيه بحمد الله اختلاف إلا أن بعض أهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافاً وهو الرافضة والخوارج لم يحرموا ذلك، ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وهي ما روى أبو هريرة قال (قال رسول الله ﷺ: لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها) متفق عليه، وفي رواية أبي داود: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها لا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى) ولأن العلة في تحريم الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب وإفضاؤه إلى قطيعة الرحم المحرم وهذا موجود فيما ذكرنا، فإن احتجوا بعموم قوله سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ خصصناه بما رويناه، وبلغنا أن رجلين من الخوارج أتيا عمر بن عبد العزيز فكان مما أنكرا عليه رجم الزاني وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها، وقالا ليس هذا في كتاب الله تعالى، فقال لهما: كم فرض الله عليكم من الصلاة؟ قالا خمس صلوات في اليوم والليلة وسألهما عن عدد ركعاتها فأخبراه بذلك وسألهما عن مقدار الزكاة ونصبها فأخبراه، فقال فهل تجدان ذلك في كتاب الله؟ قالا: لا نجده في كتاب الله، قال فمن أين صرتما إلى ذلك؟ قالا فعله رسول الله ﷺ والمسلمون بعده، قال فكذلك هذا ... ] المغني٧/١١٥. ومع اتفاق أهل العلم قديماً وحديثاً على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وعلى صحة الأحاديث في ذلك إلا أنه قد وجد من شذاذ الآفاق من قال بإباحة الجمع بينهما كما ذكر السائل، وكما قال أحد القرآنيين وهو المدعو أحمد صبحي منصور، تحت عنوان \" الدين السني والتشريع بما لم يأذن به الله جل وعلا \" قال: [ ... ولكن الفقهاء أعملوا القياس فحرموا الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها قياساً على حرمة الجمع بين المرأة وأختها، وحرموا الخالة والعمة من الرضاع قياساً على تحريم الأم من الرضاع والأخت من الرضاع، ثم صاغوا في ذلك أحاديث هي أشبه بمتون الفقه وأحكام الفقهاء فقالوا \"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب\" وقالوا \"لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها\". وهنا يقع التناقص مع كتاب الله. فإذا أراد رجل أن يتزوج عمة زوجته أجاز له القرآن ذلك لأن عمة الزوجة ليست من المحرمات في نص القرآن ولأنها تدخل في الحلال من النساء للزواج ضمن قوله تعالى ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ ولكن الفقه السني يجعل ذلك الحلال القرآني حراماً. وإذا أراد رجل أن يتزوج خالته من الرضاع أحلها له القرآن وحرمها عليه الفقه..!! وذلك يعني بوضوح أنهم يحرمون ما أحل الله وينسبون ذلك للرسول، والرسول ﵇ بريء من ذلك..] عن الإنترنت. إلى غير ذلك من الأباطيل والترهات.\r\rوخلاصة الأمر أن السنة النبوية أصل من أصول الشرع، بل هي الأصل الثاني، وأن السنة النبوية تستقل بالتشريع، وهنالك عشرات بل مئات الأحكام التي شرعها الرسول ﷺ ولم يرد لها ذكر في القرآن الكريم، وأن منكر حجية السنة النبوية لا حظ له في الإسلام، وأن من أنكر حجيتها في بعض الجوانب كمن أنكر حجية خبر الواحد في العقيدة أو في الأحكام، فقوله شاذ مردود، لا يلتفت إليه ولا يعول عليه، وأن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها مما اتفق عليه من يعتد بقوله من علماء الإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345665,"book_id":3840,"shamela_page_id":45,"part":"3","page_num":10,"sequence_num":45,"body":"١٠ - نشر الأحاديث المكذوبة عبر البريد الإلكتروني\rيقول السائل: يردني كثير من الرسائل على بريدي الإلكتروني – الإيميل - وفيها أحاديث منسوبة إلى الرسول ﷺ وقصص غريبة، ويُطلب مني إرسالها إلى أكبر عددٍ من الناس، لأنها من باب الدعوة إلى الخير كما يقولون، فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: ما ذكره السائل من نشر أحاديث منسوبة إلى الرسول ﷺ وقصص غريبة وخرافات وخزعبلات، أصبح آفة خطيرة، ومنتشرة بشكل كبير على الشبكة العنكبوتية – الإنترنت – وكذلك على شبكات الهاتف المحمول بالإضافة للبريد الإلكتروني – الإيميل -، وقد زعم هؤلاء أن مَنْ ينشر مثل هذه الأخبار فله كذا وكذا من الحسنات، وأنه ينال شفاعة رسول الله ﷺ أو أنه يصيبه خير كثير أو يسمع أخباراً تسره، وأن من لم ينشرها سيصيبه كذا وكذا إلى غير ذلك من الترهات، ولا شك أن كل هذا من أعظم الكذب والدجل بلا خجل، لأن الأجر والثواب لا يعلمه إلا الله ﷿، وشفاعة رسول الله ﷺ لا تنال بمجرد نشر هذه الأخبار المكذوبة، وكذلك ما ورد من الوعيد الشديد لمن لم ينشرها وأنه يحرم من رحمة الله، فهو كذبٌ على الله وافتراءٌ عظيم. قال العلامة اللكنوي مبيناً أصناف الكذابين على الرسول ﷺ: [...الثالث قومٌ كانوا يضعون الأحاديث في الترغيب والترهيب، ليحثوا الناس على الخير، ويزجروهم عن الشر، وأكثر أحاديث صلوات الأيام والليالي من وضع هؤلاء، ومن هؤلاء من كان يظن أن هذا جائز في الشرع لأنه كذب للنبي ﷺ لا عليه ...] الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص ١٥. ويجب أن يُعلم أن نشر الأحاديث المنسوبة إلى الرسول ﷺ دون التأكد من ثبوتها، يعتبر من باب الكذب على الرسول ﷺ، وهذا أمرٌ جد خطير، لأن هؤلاء قد يدخلون في دائرة الكذب على الرسول ﷺ، والكذب على النبي ﷺ من الكبائر وعاقبته وخيمة، وقد حذرنا النبي ﷺ من الكذب عليه، فقال ﷺ: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وهو حديث صحيح متواتر رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عند مسلم (إن كذباً علي َّ ليس ككذبٍ على أحدٍ، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . قال الحافظ ابن حبان: \" فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته \"، ثم روى بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) ، وقال محققه الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن، الإحسان ١/٢١٠، وقال العلامة الألباني: وسنده حسن وأصله في الصحيحين بنحوه، السلسلة الضعيفة ١/١٢. ثم ذكر ابن حبان بسنده عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: (من حدث حديثاً وهو يُرى - بضم الياء ومعناه يظن - أنه كذب فهو أحد الكاذبين) وأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه. وفي رواية عند ابن ماجة وغيره (من حدث عني حديثاً.... الخ) . وقال ﷺ: (كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع) رواه مسلم. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على وجوب التثبت من الأحاديث قبل روايتها ونشرها بين الناس، لأن معظم الناس من العوام الذين لا يميزون بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، بل إن عامة الناس يتلقون هذه الأحاديث وينشرونها فيما بينهم، فيسهم هؤلاء في نشر هذه الأحاديث المكذوبة بين الناس، ويتحملون وزر ذلك. وقد نص أهل العلم على تحريم رواية الأحاديث المكذوبة، قال الحافظ العراقي في ألفيته: شرُ الحديث الخبر الموضوعُ الكذبُ المختَلقُ المصنوعُ\r\rوكيف كان لم يجيزوا ذكره لعالم ما لم يبين أمره\r\rوقال الإمام النووي: [باب تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ، واستدل بقوله ﷺ: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وغيره من الأحاديث، ثم ذكر بعد ذلك: [باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها] واستدل بقوله ﷺ: (سيكون في آخر الزمان ناسٌ من أمتي يُحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم) رواه مسلم. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١/٦٢، ٧٠. وينبغي أن يُعلمَ أن في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ما يغني ويكفي عن الأحاديث المكذوبة. ولا يقولن قائل إنه ينشر هذه الأخبار من باب نشر الخير والدعوة إليه، فإن هذا الكلام من الباطل، فالنية الحسنة لا تكفي لصلاح العمل، وكم من مريدٍ للخير لن يصيبه، كما قال ابن مسعود ﵁ فيما رواه عنه الدارمي /٢٣٤. وهنا لا بد من توضيح قاعدة هامة في العمل الذي يجوز للمسلم أن يعمله وهي ما قرره العلماء من أن للوسائل أحكام المقاصد، قال الإمام العز بن عبد السلام: [للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل] قواعد الأحكام ١/٤٦. فوسيلة المحرم محرمة، أي إن ما أدى إلى الحرام فهو حرام، والكذب على رسول الله ﷺ لا شك في تحريمه، فكذلك نشر الأحاديث المكذوبة محرم.\r\rإذا تقرر هذا فإن كثيراً من الأحاديث الواهية والمكذوبة والقصص والخرافات أخذت طريقها للنشر على الشبكة العنكبوتية – الإنترنت – وعلى شبكات الهاتف المحمول بالإضافة للبريد الإلكتروني – الإيميل – ومطبوعات مختلفة، وأذكر هنا أمثلة منها ليحذرها القراء، فمن هذه المكذوبات: الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى الشيخ أحمد، حديث عشرةٌ تمنع عشرة، السور المنجيات، حديث أبكى رسول الله ﷺ، حديث محاورة إبليس لرسول الله ﷺ، حديث الأعرابي الذي أبكى رسول الله ﷺ وأنزل جبريل من السماء مرتين، حديث يا علي لا تنم إلا أن تأتي بخمسة أشياء وهي قراءة القرآن كله، التصدق بأربعة آلاف درهم، زيارة الكعبة، حفظ مكانك بالجنة، إرضاء الخصوم، قصة يا ابن آدم أتدري ماذا يقول ملك الموت وأنت نائم على خشبة الغسل؟، قصة المرأة المتكلمة بالقرآن، حديث دعاء جبريل ﵇، حديث من تهاون في الصلاة عاقبه الله بخمس عشرة عقوبة، حديث يا ابن ادم لا تخف من ذي سلطان، حديث: يا ابن آدم جعلتك في بطن أمك، قصة أن أسماء الله الحسنى لها طاقة شفائية، حديث موت الملائكة، حديث دعاء الجوشن، حديث دعاء كنز العرش، حديث استئذان ملك الموت من النبي ﷺ ليقبض روحه، حديث مجيء جبريل إلى النبي ﷺ في ساعة ما كان يأتيه فيها متغير اللون فقال له النبي ﷺ: \" مالي أراك متغير اللون؟ \"، فقال: \" يا محمد جئتك في الساعة التي أمر اللَّه بمنافخ النار أن تنفخ فيها، حديث نزول جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ في أحسن صورة لم ينزل في مثلها قط؛ ضاحكا مستبشراً، حديث الأعرابي في الطواف، بينما النبي ﷺ في الطواف، إذ سمع أعرابياً يقول: يا كريم، فقال النبي ﷺ خلفه: يا كريم، فمضى الأعرابي إلى جهة الميزاب، وقال: يا كريم، وحديث من تهاون في الصلاة عاقبه الله بخمس عشرة عقوبة، وغير ذلك من الأخبار المكذوبة، ويمكن لمن أراد الاستزادة من ذلك أن يرجع إلى الصفحة الألكترونية التالية: http://www.islam٢all.com/dont/dont.htm\r\rومن فضل الله ﷿ أن صار في زماننا هذا من السهولة بمكان التأكد من صحة أي حديث منسوب للنبي صلى الله عليه ومسلم، وذلك بمراجعة كتب أهل العلم المتخصصة في ذلك، وهي كثيرة ومنشورة طباعة، وموجودة على شبكة الإنترنت، كما أنه يوجد عدد كبير من المواقع الألكترونية بإشراف أهل العلم، والتي تقوم بتخريج الأحاديث النبوية وتبين الحكم عليها، وهذه بعض عناوينها:\r\rجامع الحديث النبوي http://www.sonnaonline.com/\r\rالحديث الشريف http://hadith.al-islam.com/\r\rكتب الحديث، للألباني http://arabic.islamicweb.com/Books/albani.asp\r\rالموسوعة الشاملة http://islamport.com\r\rالحديث الشريف - الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net/ver٢/archive/index٢.php?thelan\r\rتيسير الوصول لأحاديث الرسول http://www.dorar.net/enc/hadith\r\rملتقى أهل الحديث http://www.ahlalhdeeth.com/vb/index.php\r\rشبكة السنة http://www.alssunnah.com/\r\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز شرعاً نشر الأحاديث بأي وسيلة من وسائل النشر قبل التأكد من ثبوتها، ويحرم ترويج الأحاديث المكذوبة والموضوعة، وكذا القصص والخرافات ونحوها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345666,"book_id":3840,"shamela_page_id":46,"part":"3","page_num":11,"sequence_num":46,"body":"١١ - يؤخذ العلم عن العلماء الربانيين\rيقول السائل: سمعت حديثاً عن النبي ﷺ يقول: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم) ، فهل هذا ثابت عن النبي ﷺ، أفيدونا؟\r\rالجواب: هذا النص المذكور ليس بحديث عن رسول الله ﷺ، وإنما هو أثر منقول عن بعض السلف، وقد بين العلامة الألباني أنه لا يثبت عن النبي ﷺ، بل هو ضعيفٌ جداً، ثم ذكر أنه رواه تمام وابن عدي والسهمي والهروي والديلمي، ثم ذكر أن الصحيح وقفه على محمد بن سيرين، وورد عن زيد بن أسلم والحسن البصري والضحاك بن مزاحم وإبراهيم النخعي موقوفاً عليهم، وروي عن ابن عباس وأبي هريرة موقوفاً عليهما بأسانيد ضعيفة. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٥/٥٠٣. وقد رواه الإمام مسلم عن محمد بن سيرين من أئمة التابعين في مقدمة صحيحه ١/٧٦. وهذا الأثر يبين أن العلم الشرعي من الدين، فلا بد للناس أن ينظروا في أحوال من يأخذون العلم عنهم، وفي زماننا هذا كثر المتسورون على العلم الشرعي ممن ليسوا أهلاً ليؤخذ العلم عنهم، وخاصة أن وسائل الظهور على الناس ومخاطبتهم قد كثرت وتنوعت كما في الفضائيات والإذاعات وشبكة الإنترنت والصحف والمجلات وغيرها. ويضاف إلى ذلك أن بعض من ينتسب إلى العلم الشرعي يقفون مواقف الشبه والشك والريبة، وتصدر عنهم أمور مخالفة لشرع الله ﷿ وهم يزعمون أنهم يتكلمون باسم الدين، وقد عجبت من أحدهم يحتفل بعيد ميلاده!؟ ونُشرت صورتُه وهو يقطع الكعكة، في أحد النوادي المشبوهة (الليونز) ، وحوله مجموعة من النساء الكاسيات العاريات، وغنوا له هابي بيرث داي تو يو ... ، ثم يزعم أن رسول الله ﷺ كان يحتفل بعيد ميلاده!! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ سورة الكهف الآية ٥. ولا شك أن هذا من الأمراض التي تصيب المشايخ في مقتل، وهذا يُعد من الأهواء التي تصيب هؤلاء المشايخ المتصدرين، كحب المال والجاه والشهرة وحب الظهور الذي يقصم الظهور، وكمرض العلم وعدم العمل، ومرض إتباع أهل البدع والأهواء، وكمداهنة الكفرة والفسقة، فهؤلاء الذين يحملون العلم الشرعي ما صانوه حق صيانته وينطبق عليهم قول القاضي الجرجاني: ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ولو عظّموه في النفوسِ لعُظِّما!\r\rولكنْ أهانوه فهان ودنّسوا مُحيَّاهُ بالأطماعِ حتى تجهَّما!\r\rفكل هؤلاء وأشباههم لا يؤخذ عنهم العلم الشرعي، وأسوق هنا طائفة من الأحاديث ومن أقوال السلف فيمن يؤخذ عنهم العلم الشرعي ومن لا يؤخذ عنهم حتى يكون المسلم على بينة من أمره: فعن عبد الله بن عمر بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (سيكون في آخر أمتي أناسٌ يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم) رواه مسلم. وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلون) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارمي، وقال الترمذي: حديث صحيح. وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/١٥٦. وقال الإمام القدوة يزيد بن هارون: [إن العالِم حُجَتُك بينك وبين الله تعالى، فانظر مَنْ تجعل حجتك بين يدي الله ﷿] الفقيه والمتفقه ٢/١٧٨. وروى الخطيب البغدادي عن إبراهيم النخعي- أحد أئمة التابعين- قال: (كان الرجل إذا أراد أن يأخذ عن الرجل، نظر في صلاته، وفي حاله، وفي سمته، ثم يأخذ عنه) . ونقل الحافظ ابن عبد البر عن الإمام مالك بن أنس ﵀ قوله: لا يُؤخذ العلم عن أربعة: سفيهٌ معلنٌ السفه، وصاحب هوى يدعو الناس إليه، ورجلٌ معروف بالكذب في أحاديث الناس، وإن كان لا يكذب على رسول الله ﷺ، ورجلٌ له فضلٌ وصلاحٌ لا يعرف ما يحدث به) جامع بيان العلم وفضله. وذكر الإمام ابن أبي حاتم هذا الأثر (دينك، دينك، إنما هو لحمك ودمك، فانظر عمن تأخذ، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا) . وسئل عبد الله بن المبارك: (من الملوك؟ قال الزهاد. قالوا من السفلة؟ قال الذين يأكلون بدينهم. قالوا من سفلة السفلة؟ قال الذين يصلحون دنيا غيرهم بإفساد دينهم) . وجعل الشيخ ابن مفلح الحنبلي المقدسي في كتابه (الآداب الشرعية) فصلاً بعنوان (صفات من يؤخذ عنهم الحديث والدين ومن لا يؤخذ عنهم) ، وذكر فيه قول الإمام مالك لرجلٍ: اطلب هذا الأمر – العلم - من عند أهله) ، وقول عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: (لا يؤخذ العلم إلا عمن شُهدَ له بطلب العلم) . وقول الإمام أحمد: (يُكتب الحديثُ عن الناس كلهم إلا عن ثلاثة: صاحب هوى يدعو إليه، أو كذاب، أو رجل يغلط في الحديث فيرد عليه فلا يقبل) . وقول الإمام أبي حنيفة: (تكتب الآثار ممن كان عدلاً في هواه إلا الشيعة، فإن أصل عقيدتهم تضليل أصحاب محمد ﷺ، ومن أتى السلطان طائعاً حتى انقادت العامة له، فذاك لا ينبغي أن يكون من أئمة المسلمين) . وقول حرملة: (سمعت الشافعي يقول: ما في أهل الأهواء قوم أشهد بالزور من الرافضة – أي الشيعة -) . وقول عبد الله بن مسعود ﵁: (لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم وعن علمائهم وأمنائهم، فإذا أخذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا) . [وقد نقل الخطيب البغدادي عن ابن قتيبة أنه سئل عن معنى هذا الأثر، فأجاب: يريد لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ ولم يكن علماؤهم الأحداث، ثم يعلل هذا التفسير فيقول: لأن الشيخ قد زالت عنه متعة الشباب وحِدَّتُه وعجلته وسفهه، واستصحب التجربة والخبرة، فلا يدخل عليه في علمه الشبهة، ولا يغلب عليه الهوى، ولا يميل به الطمع، ولا يستزله الشيطان استزلال الحَدَث، مع السّن والوقار والجلال والهيبة، والحَدَث قد تدخل عليه هذه الأمور التي أُمنت على الشيخ فإذا دخلت عليه وأفتى هلك وأهلك.] عن شبكة الإنترنت. ثم ذكر الشيخ ابن مفلح الحنبلي المقدسي فصلاً آخر في سمت العلماء الذين يؤخذ عنهم الحديث والعلم وهديهم. وساق فيه طائفة من أقوال أهل العلم في ذلك. وقال الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه) [باب اختيار الفقهاء الذين يتعلم منهم، ينبغي للمتعلم أن يقصد من الفقهاء من اشتهر بالديانة، وعرف بالستر والصيانة] ثم ذكر عن سليمان موسى أنه قال: (لا تقرءوا القرآن على المصحفيين، ولا تأخذوا العلم من الصحفيين) ، وقال ثور بن يزيد: (لا يفتي الناس الصحفيون) ، وقال أبو زرعة: (لا يفتي الناس صُحفي، ولا يقرئهم مصحفي) . ويقصد بالصُحفي من يأخذ علمه من الكتب بدون شيخ يُعلمه، والمصحفي من يُعلم الناس القرآن والتجويد والقراءات دون أن يتلقاها من أفواه القراء. قال الخطيب البغدادي: [الذي لا يأخذ العلم من أفواه العلماء لا يُسمى عالماً، ولا يُسمى الذي يقرأ من المصحف من غير سماعٍ من القارئ قارئاً، إنما يسمى مُصحفياً] . إذا تقرر هذا فإن العلم الشرعي لا يؤخذ عن كل من هب ودب، وإنما يؤخذ عن أهل العلم الصادقين، العاملين به، ويؤخذ من العلماء الربانيين، كما قال العلامة محمد بن صالح العثيمين: [فلابد من معرفة من هم العلماء حقاً، هم الربانيون الذين يربون الناس على شريعة ربهم، حتى يتميز هؤلاء الربانيون عمن تشبه بهم وليس منهم، يتشبه بهم في المظهر والمنظر والمقال والفعال، لكنه ليس منهم في النصيحة للخلق وإرادة الحق، فخيار ما عنده أن يلبس الحق بالباطل ويصوغه بعبارات مزخرفة، يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، بل هو البدع والضلالات الذي يظن بعض الناس هو العلم والفقه وأن ما سواه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون.] شرح كشف الشبهات عن شبكة الإنترنت.\r\rوخلاصة الأمر أن الأثر المذكور في السؤال وهو: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم) ، لم يثبت حديثاً عن النبي ﷺ، وإنما هو من قول محمد بن سيرين من التابعين، وقد نصح أهل العلم قديماً وحديثاً بالعمل بهذا الأثر، فيجب على المسلم عامة وطالب العلم خاصة أن ينظر عمن يأخذ دينه، فلا يأخذه إلا من العلماء العاملين الصادقين، الذين ينطبق عليه قول النبي ﷺ: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) ، وهو حديث مشهور صححه الإمام أحمد وابن عبد البر وغيرهما. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا منهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345667,"book_id":3840,"shamela_page_id":47,"part":"3","page_num":12,"sequence_num":47,"body":"١٢ - \" بارك الله لأمتي في بكورها \" حديث صحيح\rيقول السائل: ما درجة حديث (بارك الله لأمتي في بكورها) ، أفيدونا؟\r\rالجواب: قال الإمام الترمذي: [باب ما جاء في التبكير بالتجارة] ثم روى بإسناده عن صخر الغامدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (اللهم بارك لأمتي في بكورها) ، قال وكان إذا بعث – أي النبي ﷺ – سريةً – أي طائفة من الجيش - أو جيشاً بعثهم أول النهار، وكان صخر رجلاً تاجراً وكان إذا بعث تجارة بعثهم أول النهار فأثرى وكثر ماله، قال الإمام الترمذي: وفى الباب عن علي وابن مسعود وبريدة وأنس وابن عمر وابن عباس وجابر. قال أبو عيسى - أي الإمام الترمذي - حديث صخر الغامدى حديث حسن. ولا نعرف لصخر الغامدي عن النبي ﷺ غير هذا الحديث. سنن الترمذي ٣/٥١٧.\r\rوهذا الحديث رواه أيضاً أبو داود في كتاب الجهاد (بابٌ في الابتكار في السَّفر) ، ورواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهم، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وقد اعتنى بعض الحفاظ بجمع طرقه، فبلغ عدد ما جاء عنه من الصحابة نحو العشرين نفساً] . فتح الباري ٦/١٣٨. وقد صححه العلامة الألباني في صحيح أبي داود وفي صحيح الترغيب والترهيب وفي صحيح الجامع الصغير. والبكور المقصود في الحديث هو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس. وقال المباركفوري: [ (فأثرى) أي صار ذا ثروة بسبب مراعاة السنة. وإجابة هذا الدعاء منه ﷺ] تحفة الأحوذي ٤/٣٣٨. وقد ذكر صاحب اللمع في أسباب ورود الحديث أن سبب ورود هذا الحديث ما رواه أنس قال: (خرجت مع النبي ﷺ ليلة من شهور رمضان فمر بنيران في بيوت الأنصار فقال: يا أنس ما هذه النيران؟ قلت: يا رسول الله إن الأنصار يتسحرون فقال: اللهم بارك لأمتي في بكورها) أخرجه الخطيب وابن النجار في تاريخ بغداد.\r\rإذا تقرر أن هذا الحديث ثابت عن رسول الله ﷺ، فإن الحديث يدل على استحباب البكور، قال الإمام الشوكاني: [وحديث صخر المذكور فيه مشروعية التبكير من غير تقييد بيوم مخصوص سواء كان ذلك في سفر جهاد أو حج أو تجارة أو في الخروج إلى عمل من الأعمال ولو في الحضر] نيل الأوطار ٧/٢٧٤.\r\rومن أول ما يفعله المسلم في بكوره صلاة الفجر، فقد قال تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ سورة الإسراء الآية ٧٨. قال الشيخ ابن كثير: [ ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ قال الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود وعن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ في هذه الآية: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ قال: \" تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار\". وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \" فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر \". ويقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ . وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ وحدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ قال: \" تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار \". ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، ثلاثتهم عن عبيد بن أسباط بن محمد، عن أبيه، به وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي لفظ في الصحيحين، من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \" يتعاقبون فيكم ملائكة الليل وملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم - وهو أعلم بكم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون\" وقال عبد الله بن مسعود: يجتمع الحَرَسان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء. وكذا قال إبراهيم النخعي، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد في تفسير هذه الآية.] تفسير ابن كثير ٤/١٦٧-١٦٨.\r\rوقال رسول الله ﷺ: (من صلى البَرْدَين دخل الجنة) رواه البخاري ومسلم، والبردان هما الصبح والعصر. وقال رسول الله ﷺ: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله) رواه الترمذي، وقال العلامة الألباني حديث صحيح، كما في صحيح سنن الترمذي ١/٧١. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى الصبح في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له أجر حجة وعمرة: تامة، تامة، تامة) رواه الترمذي، وقال العلامة الألباني حديث حسن، كما في صحيح سنن الترمذي ١/١٨٢. لذا فعلى المسلم أن يحافظ على صلاة الفجر في جماعة، فإن لم يفعل فلا أقل من أن يصليها في وقتها قبل طلوع الشمس، ومن المؤسف أن كثيراً من المصلين لا يصلون الفجر إلا بعد طلوع الشمس وارتفاعها، لأن كثيراً من الناس اليوم يسهرون إلى ساعة متأخرة من الليل ثم ينامون فلا يستيقظون إلا عند ذهابهم إلى أعمالهم، وقد كره جماعة من أهل العلم النوم بعد صلاة الفجر، فعن عروة بن الزبير أنه قال: كان الزبير ينهى بنيه عن التصبح) - وهو النّوم في الصّباح – رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح في المصنف ٥/٢٢٢. وقال الشيخ السفاريني: [مطلب في كراهة النوم بعد الفجر والعصر: يكره نومك أيها المكلف بعد صلاة الفجر لأنها ساعة تقسم فيها الأرزاق فلا ينبغي النوم فيها, فإن ابن عباس ﵄ رأى ابناً له نائما نومة الصبحة فقال له: قم أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق. وعن بعض التابعين أن الأرض تعج من نوم العالم بعد صلاة الفجر , وذلك لأنه وقت طلب الرزق والسعي فيه شرعاً وعرفاً عند العقلاء.] غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب ص ٣٥٥.\rوأولى الناس بالبكور طلبة العلم، لأن من أفضل أوقات المذاكرة ما كان بعد صلاة الفجر، وقد روي في الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (اغدوا في طلب العلم فإني سألت ربي أن يبارك لأمتي في بكورها) رواه الطبراني\rوقوله (اغدوا) أي اذهبوا وقت الغداة وهي أول النهار، وكذلك فإن طالب العلم يجب أن يكون أولى الناس محافظة على الوقت\r\rاقتداءً بسلف هذه الأمة الذين كانوا أحرص ما يكونون على أوقاتهم، لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها. يقول الحسن البصري: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم! ومن هنا كان حرصهم البالغ على عمارة أوقاتهم بالعمل الدائب والحذر أن يضيع شيء منه في غير جدوى، يقول عمر بن عبد العزيز: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما!\r\rوكانوا يقولون: من علامة المقت إضاعة الوقت. ويقولون: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك. وكانوا يحاولون دائماً الترقي من حال إلى حال أحسن منها، بحيث يكون يوم أحدهم أفضل من أمسه وغده أفضل من يومه ويقول في هذا قائلهم: من كان يومه كأمسه فهو مغبون ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون! وكانوا يحرصون كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم أو برهة من الزمان وإن قصرت دون أن يتزودوا منها بعلم نافع أو عمل صالح أو مجاهدة للنفس أو إسداء نفع إلى الغير حتى لا تتسرب الأعمار سدى وتضيع هباء وتذهب جفاء وهم لا يشعرون. وكانوا يعتبرون من كفران النعمة ومن العقوق للزمن: أن يمضي يوم لا يستفيدون منه لأنفسهم ولا للحياة من حولهم نمواً في المعرفة ونموا في الإيمان ونمواً في عمل الصالحات. يقول ابن مسعود ﵁: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي! وقال آخر: كل يوم يمر بي لا أزداد فيه علماً يقربني من الله ﷿ فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم] الوقت في حياة المسلم ص١٢-١٣.\r\rوخلاصة الأمر أن حديث (بارك الله لأمتي في بكورها) ، حديث صحيح ويرشدنا هذا الحديث إلى المحافظة على أوقاتنا وخاصة وقت الفجر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345668,"book_id":3840,"shamela_page_id":48,"part":"3","page_num":13,"sequence_num":48,"body":"١٣ - أحاديث العقل باطلة\rيقول السائل: إنه سمع على قناة الجزيرة في برنامج الشريعة والحياة شيخاً ذكر الحديث التالي (لما خلق الله العقل قال له: قم، فقام، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: اقعد، فقعد، فقال: ما خلقت خلقاً هو خير منك، ولا أفضل منك، ولا أحسن منك، ولا أكرم منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أعرف، لك الثواب، وعليك العقاب) وقال إنه حديث صحيح، فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ، أفيدونا؟\rالجواب: هذا الحديث مشهور عند أهل العلم بحديث العقل، وقد تكلم علماء الحديث على هذا الحديث وعلى غيره من الأحاديث الواردة في العقل وفضله، وقرروا أنها أحاديث باطلة موضوعة مكذوبة لا تصح عن رسول الله ﷺ وقد ذكر ابن الجوزي في كتابه الموضوعات هذا الحديث وقال: [هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ] ثم نقل عن الإمام أحمد قوله في هذا الحديث: [هذا الحديث موضوع ليس له أصل] الموضوعات ١/١٧١. وقال ابن الجوزي أيضاً [رويت في العقول أحاديث كثيرة ليس فيها شيء يثبت] الموضوعات ١/١٧١. وذكر السيوطي عدة روايات لهذا الحديث وبين اتفاق العلماء على أنها موضوعة، اللآليء المصنوعة ١/١٢٩. وقال العلامة ابن القيم [أحاديث العقل كلها كذب كقوله (لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال ما خلقت خلقاً أكرم عليَّ منك، بك آخذ، وبك أعطي) ، وحديث (لكل شيء معدن ومعدن التقوى قلوب العاقلين) ، وحديث (إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والجهاد وما يجزى إلا على قدر عقله) ، قال الخطيب حدثنا الصوري: قال سمعت الحافظ عبد الغني بن سعيد يقول: قال الدارقطني: إن كتاب العقل وضعة أربعة أولهم ميسرة بن عبد ربه ثم سرقه منه داود بن المحبر فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء فركبه بأسانيد أخر ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخر، وقال أبو الفتح الأزدي لا يصح في العقل حديث قاله أبو جعفر العقيلي وأبو حاتم بن حبان والله أعلم] المنار المنيف ص ٦٦.\rوقال الحافظ شمس الدين السخاوي: [حديث «إن الله لما خلق العقل قال له: أقبل، فأقبل ثم قال له أدبر، فأدبر، فقال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أشرف منك، فبك آخذ، وبك أعطي) قال ابن تيمية وتبعه غيره: إنه كذب موضوع باتفاق ... ثم ذكر رواية أخرى للحديث ثم قال: وأخرجه داود بن المحبر في كتاب العقل له حدثنا صالح المري عن الحسن به بزيادة «ولا أكرم علي منك، لأني بك أعرف، وبك أعبد» والباقي مثله، وفي الكتاب المشار إليه لداود من هذا النمط أشياء منها: أول ما خلق الله العقل، وذكره. وابن المحبر كذاب] المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة ص ١١٨.\rوقد تكلم العلامة الألباني على أحاديث العقل تحت أول حديث ذكره في سلسلة الأحاديث الضعيفة فقال: [الدين هو العقل, ومن لا دين له لا عقل له) ، باطل. أخرجه النسائي في \" الكنى \" وعنه الدولابي في \" الكنى والأسماء \" (٢ / ١٠٤) عن أبي مالك بشر بن غالب بن بشر بن غالب عن الزهري عن مجمع بن جارية عن عمه مرفوعاً دون الجملة الأولى \" الدين هو العقل \" وقال النسائي: هذا حديث باطل منكر. قلت – أي الألباني -: وآفته بشر هذا فإنه مجهول كما قال الأزدي, وأقره الذهبي في \" ميزان الاعتدال في نقد الرجال \" والعسقلاني في \" لسان الميزان \". وقد أخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن داود بن المحبر بضعاً وثلاثين حديثاً في فضل العقل, قال الحافظ ابن حجر: كلها موضوعة, ومنها هذا الحديث كما ذكره السيوطي في \" ذيل اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة \" (ص ٤ - ١٠) ونقله عنه العلامة محمد طاهر الفتني الهندي في \" تذكرة الموضوعات \" (ص ٢٩ - ٣٠) . وداود بن المحبر قال الذهبي: صاحب \" العقل \" وليته لم يصنفه, قال أحمد: كان لا يدري ما الحديث , وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث غير ثقة, وقال الدارقطني: متروك, وروى عبد الغنى بن سعيد عنه قال: كتاب \" العقل \" وضعه ميسرة بن عبد ربه ثم سرقه منه داود بن المحبر فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة ,وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء , ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي. ومما يحسن التنبيه عليه أن كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث لا يصح منها شيء, وهي تدور بين الضعف والوضع, وقد تتبعت ما أورده منها أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه \" العقل وفضله \" فوجدتها كما ذكرت لا يصح منها شيء, فالعجب من مصححه - أي مصحح كتاب \" العقل وفضله \" وهو - الشيخ محمد زاهد الكوثري كيف سكت عنها ?! بل أشار في ترجمته للمؤلف (ص ٤) إلى خلاف ما يقتضيه التحقيق العلمي عفا الله عنا وعنه. وقد قال العلامة ابن القيم في \" المنار \" (ص ٢٥) : أحاديث العقل كلها كذب.] . سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/١٣.\rإذا تقرر بطلان الأحاديث الواردة في فضل العقل، فلا بد أن يعلم أن دين الإسلام قد حث على التفكير والنظر وورد في ذلك آيات كثيرة منها قوله تعالى ﴿ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ سورة الروم الآية ٢٤. وقال تعالى ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾ سورة البقرة الآية ٢٤٢. وقال تعالى ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ سورة العنكبوت الآية ٤٣. وقال تعالى ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ سورة الملك الآية ١٠. وقال تعالى ﴿انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون﴾ سورة الأنعام الآية ٦٥. وقال تعالى ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون﴾ سورة الأنعام الآية ٥٠. وقال تعالى ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ سورة محمّد الآية ٢٤. وغير ذلك من الآيات. والعقل من نعم الله ﷿ على الإنسان التي ميزه بها على غيره من المخلوقات، وعقل الإنسان له حدود لا يصح أن يتجاوزها، قال أبو القاسم الأصبهاني: [العقل نوعان: عقلٌ أُعين بالتوفيق، وعقلٌ كِيدَ بالخذلان، فالذي أعين بالتوفيق يدعو صاحبه إلى موافقة الأمر المفترض بالطاعة، والانقياد لحكمه، والتسليم به، والعقل الذي كيد يطلب بِتَعَمُّقِه الوصول إلى علم ما استأثر الله بعلمه وحجب أسرار الخلق عن فهمه، حكمةً منه بالغة.] وينبغي أن يعلم أن تقديس العقل وإنزاله في غير منزلته الصحيحة أمر مرفوض شرعاً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والداعون إلى تمجيد العقل إنما هم في الحقيقة يدعون إلى تمجيد صنم سموه عقلاً، وما كان العقل وحده كافياً في الهداية والإرشاد، وإلا لما أرسل الله الرسل] موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/٢١. كما ينبغي التنبيه على أن شريعة الإسلام لا تعارض العقل السليم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، فالعقلاء متفقون على أن العقل الصريح لا يخالف نقلاً صحيحاً] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/٣٣٨.\rوقال العلامة ابن القيم [كيف ينقدح في ذهن المؤمن أن في نصوص الوحي المنزلة من عند الله ﷿ ما يخالف العقول السليمة؟! بل كيف ينفك العقل الصريح عن ملازمة النص الصحيح؟! بل هما أخوان لا يفترقان، وصل الله بينهما في كتابه، وإذا تعارض النقل وهذه العقول أخذنا بالنقل الصحيح، ورُمي بهذه العقول تحت الأقدام، وحُطَّت حيث حطها الله وأصحابها، فكيف يُظن أن شريعة الله الكاملة، ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو معقول خارج عنها، ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعد محمد ﷺ] الصواعق المرسلة ٢/ ٤٥٨ ـ ٤٥٩.\rوقال الإمام الشاطبي: [العقل لا يُجعل حاكماً بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع، بل الواجب أن يقدم ما حقه التقديم – وهو الشرع - ويؤخر ما حقه التأخير - وهو نظر العقل - لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكماً على الكامل؛ لأنه خلاف المعقول والمنقول] الاعتصام ٢/٣٢٦. وبناءً على ما سبق فإن العقل لا مدخل له في أمور العقيدة والغيبات وكذا الأحكام التعبدية كصلاة المغرب ثلاثاً والعشاء أربعاً ونحو ذلك، قال العلامة ابن خلدون: [العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به التوحيد والآخرة وحقائق النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال] مقدمة ابن خلدون ص٣٦٤. وقال أبو المظفر السمعاني: [واعلم: أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الإتباع والمأثور تبعاً للمعقول، وأما أهل السنة، قالوا: الأصل في الدين الإتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء، ولو كان الدين بني على المعقول لجاز للمؤمنين أن لا يقبلوا شيئاً حتى يعقلوا] الحجة في بيان المحجة ١/٣٢٠. وانظر للتوسع: التيار العقلي لدى المعتزلة وأثره في حياة المسلمين المعاصرة للدكتور. سهل بن رفاع العتيبي، والاتجاهات العقلانية الحديثة، للدكتور ناصر العقل، وموقف المدرسة العقلية من السنة النبوية، للأمين الصادق الأمين.\rوخلاصة الأمر أن أحاديث العقل مكذوبة لا تصح عن النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345669,"book_id":3840,"shamela_page_id":49,"part":"3","page_num":14,"sequence_num":49,"body":"١٤ - دفاع عن السنة النبوية\rيقول السائل: قرأت حديثاً عن النبي ﷺ وفيه: (يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ، أفيدونا.\rالجواب: هذا الحديث رواه الترمذي بإسناده عن أبي رافع ﵁ عن النبي ﷺ: (قال لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته - السرير - يأتيه أمرٌ مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وقال العلامة الألباني: صحيح. ورواه الترمذي أيضاً عن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله) ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال العلامة الألباني: صحيح. ورواه أبوداود عن المقدام بن معد يكرب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ... ) . وقال العلامة الألباني: صحيح، والحديث رواه أيضاً الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\rويعتبر هذا الحديث من دلائل نبوة سيدنا محمد ﷺ حيث ظهر بعد عهد الرسالة جماعات طعنوا في السنة النبوية وزعموا الأخذ بالقرآن الكريم فقط وقد بدأت ظاهرة إنكار السنة على أيدي الخوارج والشيعة، وظهرت في العصور المتأخرة طوائف تنكر السنة النبوية وتدعو إلى الاكتفاء بالقرآن الكريم فقد [بدأت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين الميلادي في بلاد الهند، ثم انتقلت إلى باكستان بعد استقلالها عن الهند، وما تزال. وأعجب أمر هؤلاء أنهم يُنْسَبون إلى القرآن المجيد، فهم يحبون أن يسموا أنفسهم \"القرآنيون \" نسبة إلى القرآن كتاب الله المجيد ظلماً وزوراً. وقد اختاروا هذه النسبة إيهاماً للناس بأنهم ملتزمون بكتاب الله القرآن.] شبهات القرآنيين حول السنة النبوية ص ٢-٣.\rقال الشخ المباركفوري في شرحه للحديث السابق [وهذا الحديث دليل من دلائل النبوة وعلامة من علاماتها فقد وقع ما أخبر به فإن رجلاً قد خرج في الفنجاب من إقليم الهند وسمَّى نفسه بأهل القرآن وشتان بينه وبين أهل القرآن بل هو من أهل الإلحاد وكان قبل ذلك من الصالحين فأضله الشيطان وأغواه وأبعده عن الصراط المستقيم فتفوه بما لا يتكلم به أهل الإسلام فأطال لسانه في رد الأحاديث النبوية بأسرها رداً بليغاً، وقال هذه كلها مكذوبة ومفتريات على الله تعالى وإنما يجب العمل على القرآن العظيم فقط دون أحاديث النبي ﷺ، وإن كانت صحيحة متواترة ومن عمل على غير القرآن فهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ وغير ذلك من أقواله الكفرية وتبعه على ذلك كثير من الجهال، وجعلوه إماماً وقد أفتى علماء العصر بكفره وإلحاده وخرجوه عن دائرة الإسلام والأمر كما قالوا.] تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ٧/٣٥٤-٣٥٥.\rوهؤلاء القرآنيين لهم امتداد في الوقت الحاضر في جماعات تسمي نفسها بأهل القرآن ولهم انتشار في عدة بلدان من العالم ولهم مؤلفات ونشرات ومواقع على الشبكة العنكبوتية ينشرون من خلالها باطلهم وإفكهم، واسمع ما يقوله صاحب موقع أهل القرآن د. أحمد صبحي منصور تحت عنوان شروط النشر: [أولا: شروط النشر على موقع أهل القرآن: موقع أهل القرآن تم إنشاؤه خصيصاً من أجل هدف واحد, وهو توحيد كلمة كل من يؤمن بالقرآن الكريم كمصدر ((أوحد)) لتعاليم الإسلام وتوجيهاته وتفسير تشريعاته ومنهاجه, ومن ثم فلن يسمح الموقع لمن يتخذ من ما يطلق عليه (الحديث النبوي أو السنة النبوية) وسيلة أو مرجعاً لإثبات وجهة نظر معينه أو تفسير آيات القرآن الكريم. ثانياً: منهج أهل القرآن، موقع (أهل القرآن) يفتح أبوابه لكل فكر حر بشرط ألاّ يسند الكاتب حديثاً لخاتم النبيين محمد ﵇ عبر ما يعرف بالسنة، أو أن ينسب قولاً لله تعالى خارج القرآن عبر الأكذوبة المسماة بالحديث القدسي. حين تنسب قولاً للنبي محمد أو لله تعالى فستكون في مشكلة يوم القيامة. وحين ننشر لك هذا القول فقد وقعنا في مشكلة أكبر، ونحن لا نريد أن نكون في صف العداء لله تعالى ورسوله، ولا نريد أن ننشر الكذب على الله تعالى ورسوله.] http://www.ahl-alquran.com/arabic/aboutus.php. وهذه الأفكار تجد لها صدى عند بعض المتسلقين على أسوار العلم فكادوا أن ينسخوا ما كتبه هذا الضال ونشروه مع بعض التعديل والتحوير. ويلتقي القرآنيون ومن تسموا بأهل القرآن في قضية أخرى لا تخلو منها نشراتهم ومواقعهم على الإنترنت ألا وهي سب علماء الإسلام والطعن فيهم ووصفهم بأقذع العبارات، يقول د. أحمد صبحي منصور صاحب موقع أهل القرآن في حق أهل العلم [أما بالنسبة لمن ماتوا من أئمة التراث فلنا حرية الحكم عليهم بما كتبوا في كتبهم وأسفارهم، خصوصاً إذا كانوا يتمتعون بالتقديس بينما تحوي كتبهم الطعن في رب العزة جل وعلا والإسلام والقرآن وخاتم النبيين عليهم جميعا السلام ... أولئك كذبوا على الله تعالى وعلى رسوله فيما يسمى بالسنة والحديث، وتلاعبوا بالكتاب العزيز فيما يعرف بالتفسير والتأويل وقاموا بحذف أحكامه بزعم النسخ، وكتبوا أقاويل تطعن في معظم سور القرآن وتشكك فيه تحت اسم (علوم القرآن) . وفى كل هذا اقترفوا أفظع ظلم لله تعالى وهو الافتراء الكاذب على الله والتكذيب بآياته] مع أن هذا الضال المضل يقول [لا يسمح بالهجوم على معتقدات الأديان والعقائد الأخرى بالسب أو التسفيه أو التشويه أو ما إلى ذلك] ويتناسى هذا الضال أن القرآن الكريم قد سفه تلك العقائد الباطلة كما قال تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ سورة المائدة الآية ٧٢. وقال تعالى ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ سورة المائدة الآية ٧٣. وقد تصدى عدد كبير من علماء الإسلام لهؤلاء القرآنيين وبينوا عوار أقوالهم وفندوها ودافعوا عن سنة رسول الله ﷺ ولا يتسع المقام لإيراد هذه الردود ولكن أشير إلى بعضها: ١- شبهات القرآنيين لعثمان بن معلم محمود بن شيخ علي. ٢- شبهات القرآنيين حول السنة النبوية د. محمود محمد مزروعة ٣- دفاع عن السنة، د. محمد بن محمد أبوشهبة ٤- القرآنيون وشبهاتهم حول السنة خادم حسين إلهي بخش. ٥- السنة ومكانتها في التشريع د. مصطفى السباعي. ٦- منزلة السنة في الإسلام، وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن للعلامة محمد ناصر الدين الألباني ٧- الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية د. عبد العظيم المطعني. كما وأنوه إلى أنه يوجد على شبكة الإنترنت مقالات كثيرة في كشف ضلالات القرآنيين.\rوأخيراً أذكر خاتمة بحث أ. د. محمود محمد مزروعة وعنوانه: شبهات القرآنيين حول السنة النبوية حيث قال: [وقد بان لنا من خلال البحث جملة من الحقائق عن هذه الطائفة نوجزها فيما يلي: أولاً: هذه الطائفة نشأت ابتداء على أيدي الإنجليز الذين كانوا يستعمرون الهند، فهي صنيعة من صنائع الكفار أعداء الله ورسوله والمؤمنين. وهي حركة من الحركات الكثيرة التي قام بها الإنجليز في هذه المنطقة لهدم الإسلام وتفريق المسلمين، من مثل \" القاديانية \" و \"البريلوية\" وغيرهما. ثانياً: أثبتنا عند حديثنا عن رؤوس هذه الحركة أنهم كانوا على اتصال دائم وقوى بالإنجليز، وكان الإنجليز وراء حركاتهم تلك، وكانوا يمدونهم بالعون المادي والمعنوي، بل كان بعض هؤلاء على اتصال بحركة المنصرين بالهند. ثالثاً: هذه الحركة بجميع طوائفها خارجة عن الإسلام، فاسقة عن الملّة، وإن زعمت لنفسها الإسلام، وانتسبت إلى القرآن. وإن انتسابها إلى القرآن باطل، لأنها كفرت بالقرآن في نفس اللحظة التي كفرت فيها بالسنة، فإنه لا تفرقة بين القرآن والسنة، فهما يخرجان من مشكاة واحدة، هي مشكاة الوحي الإلهي المعصوم. رابعاً: يتضح من كل ما تقدم أن هدف هؤلاء، والغاية التي يسعون إلى تحقيقها هو القضاء على الإسلام وتفريق الأمة المسلمة. وأن انتسابهم إلى القرآن إنما هو ستار يتخفون وراءه ليزاولوا تحت شعاره أنشطتهم الهدامة، وحركاتهم التخريبية.] ص٥٤.\rوخلاصة الأمر أن حديث (يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) حديث صحيح وهو من علامات صدق نبوة محمد ﷺ، فقد ظهر القرآنييون ومن يتسمون بأهل القرآن المكذبين لسنة رسول الله ﷺ وقد قال قائلهم د. أحمد صبحي منصور \" القرآن وكفى\" وجعل هذه العبارة عنواناً لأحد كتبه، ولقد أعظم الفرية على دين الإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345670,"book_id":3840,"shamela_page_id":50,"part":"3","page_num":15,"sequence_num":50,"body":"١٥ - حديث (خمس ليس لهن كفارة)\rيقول السائل: سمعت حديثاً عن النبي ﷺ يقول فيه: (خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله وقتل النفس بغير حق وبهت مؤمن والفرار يوم الزحف ويمين صابرة يقتطع بها مالاً بغير حق) فهل هذا الحديث ثابت وإذا كانت هذه الذنوب ليس لها كفارة فكيف يتوب المسلم منها، أفيدونا؟\rالجواب: الحديث المذكور رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله وقتل النفس بغير حق وبهت مؤمن والفرار يوم الزحف ويمين صابرة يقتطع بها مالاً بغير حق) ورواه أيضاً أبو الشيخ والديلمي، والحديث حسن لغيره وإسناده جيد، كما قال الشيخ العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٣/٨٢، وفي إرواء الغليل ٥/٢٦-٢٧.\rوينبغي أن يعلم أن جماهير العلماء قد قسموا المعاصي إلى صغائر وكبائر، وقد اختلفوا في حقيقة الكبيرة، فمنهم من يرى أن الكبيرة هي ما لحق صاحبها بخصوصها وعيد شديد بنص من القرآن الكريم أو السنة النبوية، قال ابن عباس ﵄: \" الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب \" تفسير القرطبي ٥/١٥٩.\rومن العلماء من يرى أن الكبيرة هي كل معصية أوجبت الحد، ومنهم من يرى أن الكبيرة هي كل محرم لعينه منهيٌ عنه لمعنى في نفسه، فإن فُعِلَ على وجه يجمع وجهين أو وجوهاً من التحريم كان فاحشة، فالزنا كبيرة، وأن يزني الرجل بزوجة جاره فاحشة. وقال الواحدي المفسر: [الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله ﷿ أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاءً أن تجتنب الكبائر، ونظائره إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة ونحو ذلك] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/١٤ - ١٦. وكل ما ذكره أهل العلم في تعريف الكبيرة إنما هو على وجه التقريب، وليس على وجه التحديد.\rوكبائر الذنوب كثيرة، وليست محصورة في عدد معين عند أهل العلم، وإن ذكر في بعض الأحاديث عددها كثلاث أو سبع أو تسع، فليس المراد الحصر، قال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار] تفسير القرطبي ٥/١٥٩.\rإذا تقرر هذا فإن معنى قول النبي ﷺ: (ليس لهن كفارة) أي لا يمحو الإثم الحاصل بسببهن شيء من الطاعات والحسنات، وهذا بناءً على قول جمهور أهل العلم أن كبائر الذنوب لا تكفرها الطاعات ولا بد لها من توبة خاصة من كل ذنب منها أو إقامة الحد إن كان فيها حد أو أن يتغمد الله المذنب برحمته وغفرانه، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث من قوله ﷺ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) . رواه مسلم، وفي رواية أخرى (ما لم تغش الكبائر) رواه مسلم.\rفالأعمال الصالحة تكفر صغائر الذنوب وأما الكبائر فلا تُكَفَر بمجرد فعل الأعمال الصالحة بل لا بد من التوبة بشروطها حتى تُكَفَر. قال القاضي عياض: [هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٤٤٦. وانظر نيل الأوطار ٣/٥٧.\rوقال الإمام ابن العربي المالكي: [الخطايا المحكوم بمغفرتها هي الصغائر دون الكبائر لقول النبي ﷺ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) فإذا كانت الصلاة مقرونة بالوضوء لا تكفر الكبائر فانفراد الوضوء بالتقصير عن ذلك أحرى) عارضة الأحوذي ١/١٣.\rوقال الحافظ ابن عبد البر: [ولو كانت الطهارة والصلاة وأعمال البر مكفرةً للكبائر والمتطهر المصلي غير ذاكر لذنبه الموبق ولا قاصد إليه ولا حضره في حينه ذلك أنه نادم عليه ولا خطرت خطيئته المحيطة به بباله لما كان لأمر الله ﷿ بالتوبة معنى ولكان كل من توضأ وصلى يشهد له بالجنة بأثر سلامه من الصلاة وإن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح وقد أجمع المسلمون أن التوبة على المذنب فرض والفروض لا يصح شيء منها إلا بقصد ونية واعتقاد أن لا عودة فأما أن يصلي وهو غير ذاكر لما ارتكب من الكبائر وغير نادم على ذلك فمحال فقد قال الرسول ﷺ: (الندم توبة) - رواه ابن ماجة، وهو حديث صحيح قاله الشيخ العلامة الألباني - وقال الرسول ﷺ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة إلى ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) . وفي رواية أخرى قال الرسول ﷺ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن من الخطايا ما لم تغش الكبائر) رواه مسلم. وقال النبي ﷺ: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما لمن اجتنب الكبائر) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح.\rومما سبق يتضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات الخمس لمن اجتنب الكبائر فيكون على هذا معنى قول الله ﷿: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) الصغائر بالصلاة والصوم والحج وأداء الفرائض وأعمال البر وإن لم تجتنبوا الكبائر ولم تتوبوا منها لم تنتفعوا بتكفير الصغائر إذا واقعتم الموبقات المهلكات والله أعلم. وهذا كله قبل الموت فإن مات صاحب الكبيرة فمصيره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه فإن عذبه فبجرمه وإن عفا عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة.\rوإن تاب قبل الموت وقبل حضوره ومعاينته واعتقد أن لا يعود واستغفر ووجل كان كمن لم يذنب وبهذا كله الآثار الصحاح عن السلف قد جاءت وعليه جماعة علماء المسلمين] فتح المالك بتبويب التمهيد لابن عبد البر على موطأ الإمام مالك ١/٥٥-٥٧ بتصرف.\rوهذا الذي بينه الحافظ ابن عبد البر هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعلى ذلك يحمل قول النبي ﷺ: (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وهو من أحاديث الأربعين النووية.\rقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين ... الثاني: أنه تكفر الصغائر مطلقاً ولا يكفر الكبائر إن وجدت لكن بشترط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها ...] . ثم قال الحافظ ابن رجب: [والصحيح قول الجمهور أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة لأن التوبة فرض على العباد وقد قال ﷿: (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) سورة الحجرات الآية ١١] جامع العلوم والحكم ص ٢١٤-٢١٦.\rولا يصح التمسك بظاهر قوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) سورة هود الآية ١١٤. على أن الحسنات تكفر كل سيئة كبيرة وصغيرة. وعند جمهور أهل العلم لا بد من تقييد ذلك بما صح في الحديث من قوله ﷺ: [إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر﴾ وغيره من الأحاديث المقيدة لمطلق الآية. انظر فتح الباري ٩/٤٢٧.\rوخلاصة الأمر أن الحديث المذكور حديث حسن وأن الذنوب الخمس المذكورة فيه تعتبر من كبائر الذنوب، وأن الكبائر لا تكفرها الأعمال الصالحة، ولا بد للمسلم من التوبة بشروطها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345671,"book_id":3840,"shamela_page_id":51,"part":"3","page_num":16,"sequence_num":51,"body":"١٦ - حديث (أفضل العبادة انتظار الفرج)\rيقول السائل: ما صحة الحديث الوارد في أن (أفضل العبادة انتظار الفرج) أفيدونا؟\rالجواب: روى الإمام الترمذي في سننه بإسناده [عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ? (سلوا الله من فضله فإن الله ﷿ يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج? قال أبو عيسى – أي الترمذي - هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث وقد خولف في روايته وحماد بن واقد هذا هو الصفار ليس بالحافظ وهو عندنا شيخ بصري.] سنن الترمذي.\rوقال العلامة الألباني عن هذا الحديث: [ضعيف جداً، رواه الترمذي (٤ / ٢٧٩) وابن أبي الدنيا في \" القناعة والتعفف \" (ج ١ ورقة١٠٦ / ١ من مجموع الظاهرية ٩٠)\rوعبد الغني المقدسي في \" الترغيب في الدعاء \" (٨٩ / ٢) من طريق حماد بن واقد قال: سمعت إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص عن ابن مسعود مرفوعاً، وقال الترمذي: هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث، وحماد ليس بالحافظ، وروى أبو نعيم هذا الحديث عن إسرائيل عن حكيم بن جبير عن رجل عن النبي ﷺ، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح. قلت – الألباني -: وحكيم بن جبير أشد ضعفاً من ابن واقد فقد اتهمه الجوزجاني بالكذب وإذا كان الأصح أن الحديث حديثه فهو حديث ضعيف جداً. والشطر الأخير من الحديث رواه البزار والبيهقي في \" الشعب \" والقضاعي من حديث أنس، وقال الهيثمي في \" المجمع \" (١٨ / ١٤٧) بعد أن عزاه للأول: وفيه من لم أعرفه] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١ / ٤٩٩-٥٠٠. وورد الحديث برواية أخرى وهي (انتظار الفرج بالصبر عبادة) ولكنه حديث موضوع، كما قال العلامة الألباني في سلسلة الضعيفة والموضوعة ٤ / ٧٣.\rوورد بلفظ آخر (انتظار الفرج من الله عبادة، ومن رضي بالقليل من الرزق رضي الله منه بالقليل من العمل) وهذا اللفظ ضعيف جداً كما قال العلامة الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة ٤ / ٧٥.\rإذا تقرر أن الحديث لا يصح عن النبي ﷺ فلا شك أن صبر المسلم على البلاء وانتظاره كشفه من الأمور المطلوبة شرعاً لأن [ارتقاب ذهاب البلاء والحزن بترك الشكاية إلى غيره تعالى وكونه أفضل العبادة لأن الصبر في البلاء انقياد للقضاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء] كما قال العلامة العيني.\rويقول الشيخ عائض القرني حفظه الله ورعاه [أفضل العبادة انتظار الفرج لأن فيه ثقة بالباي، وحسن ظن بالخالق، وقوة رجاء بالحق، فانتظار الفرج انتصار على اليأس، ﴿إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ ، وقهر للقنوط، قال ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾ ، وفيه تصديق للخبر ﴿إن مع العسر يسرا﴾ ، وتسليم للوعد، إن الفرج بعد الكرب، واطمئنان لسنة الله: ﴿سيجعل الله بعد عسر يسرا﴾ وتطلع إلى لطفه ورحمته ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾ وركون إلى كفايته ﴿فسيكفيكهم الله﴾ ، واعتماد على رعايته وولايته ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ . انتظار الفرج: ترقب نظرة الرحمة من الرحمن، ونفحة اللطف من الديان، وغوث الملهوف من المنان. انتظار الفرج: الصبر حتى يكشف الرب الكرب، ليس لها من دون الله كاشفة. وحبس المضطر أنفاسه حتى يجيبه ربه ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ . انتظار الفرج: طلب المدد من الأحد، والصبر والجلد حتى يغيث الصمد. أهـ. حسبنأ الله ونعم الوكيل، ﴿وكفى بربك هاديا ونصيرا﴾ ... ] كتاب حدائق ذات بهجة.\rويؤيد ما تقدم ما ورد في الحديث الصحيح من قوله ﷺ (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) رواه الإمام أحمد وغيره وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٥ / ٤٩٦.\rقال الشيخ ابن رجب الحنبلي: [ ... وقوله ﷺ (وإن الفرج مع الكرب) وهذا يشهد له قوله ﷿: ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته﴾ وقول النبي ﷺ: (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره) خرجه الإمام أحمد، وخرجه ابنه عبد الله في حديث طويل، وفيه: (علم الله يوم الغيث أنه ليشرف عليكم أذلين قنطين، فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قرب) ، والمعنى: أنه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطر عنهم وقنوطهم ويأسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرجه ورحمته لعباده، بإنزال الغيث عليهم، وتغيره لحالهم وهم لا يشعرون. وقال تعالى: ﴿فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين﴾ ، وقال تعالى: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا﴾ ، وقال تعالى: ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ ، وقال حاكيا عن يعقوب أنه قال لبنيه: ﴿يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله﴾ ، ثم قص قصة اجتماعهم عقيب ذلك. وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب كإنجاء نوح ومن معه في الفلك، وإنجاء إبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أمر بذبحه، وإنجاء موسى وقومه من اليم، وإغراق عدوهم، وقصة أيوب ويونس، وقصص محمد ﷺ مع أعدائه، وإنجائه منهم، كقصته في الغار، ويوم بدر، ويوم أحد، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، وغير ذلك.] جامع العلوم والحكم ص ٢٤٩-٢٥٠.\rوخلاصة الأمر حديث (أفضل العبادة انتظار الفرج) غير ثابت عن النبي ﷺ، ومع ذلك فإن انتظار الفرج من العبادة إذا كان وفق ما قرره أهل العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345672,"book_id":3840,"shamela_page_id":52,"part":"3","page_num":17,"sequence_num":52,"body":"١٧ - حديث قدسي لا أصل له\rيقول السائل: وزعت نشرة مكتوب فيها حديث قدسي ونصه (قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: يا ابن آدم! خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب؛ وفي أكثر منه فلا تطمع فإذا رضيت بما قسمت لك أرحت نفسك وكنت عندي محموداً، وإن لم ترض بما قسمت لك: فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها كما يركض الوحش في البرية، ولا تنال منها إلا ما قسمت لك، وكنت عندي مذموماً.) فهل هذا الحديث ثابت، أفيدونا؟\rالجواب: ينبغي أن نتعرف على الحديث القدسي أولاً فهو ما ينسبه النبي ﷺ إلى ربه ﵎. والحديث القدسي نسبة إلى القُدُس، وهي نسبة تدل على التعظيم والتنزيه والتطهير، والحديث القدسي معناه من عند الله ﵎ ولفظه من عند النبي ﷺ، كما أن الحديث القدسي منه الصحيح والضعيف والموضوع، أي المكذوب، كما هو الحال بالنسبة للأحاديث النبوية.\rإذا تقرر هذا فأعود إلى الحديث المذكور فأقول: هذا الحديث من الأحاديث المشهورة على ألسنة الخطباء والوعاظ وغيرهم، وقد ورد بعدة روايات منها: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقياً، وسلطاني لا ينفد أبداً. يا ابن آدم! لا تخش من ضيق الرزق وخزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبداً. يا ابن آدم! لا تطلب غيري وأنا لك؛ فإن طلبتني وجدتني، وإن فتني فتك وفاتك الخير كله. يا ابن آدم! خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب؛ فإن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محموداً. وإن لم ترض بما قسمته لك: فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته لك، وكنت عندي مذموماً. يا ابن آدم! خلقت السماوات السبع والأراضي السبع ولم أعي بخلقهن؛ أيعييني رغيف عيش أسوقه لك بلا تعب؟ يا ابن آدم! إنه لم أنس من عصاني؛ فكيف من أطاعني، وأنا رب رحيم، وعلى كل شيء قدير؟ يا ابن آدم! لا تسألني رزق غد كما لم أطالبك بعمل غد. يا ابن آدم! أنا لك محب؛ فبحقي عليك كن لي محباً) وغيرها من الروايات.\rوهذا الحديث رغم شهرته ليس له أصل في كتب السنة النبوية فلم يذكره أحد من الذين صنفوا الفهارس الحديثية فيما أعلم، وكذلك فإن الحديث لا يوجد في الكتب التي اعتنت بالأحاديث القدسية.\rوبعد طول بحث وجدت أن شيخ الإسلام ابن تيمية ذكره بقوله [في حديث إسرائيلي (يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وتكلفت برزقك فلا تتعب فاطلبني تجدني؛ فإن وجدتني وجدت كل شيء؛ وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء) ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٨/٥٢. وكذا ذكره العلامة ابن القيم حيث قال [وفي الأثر الإلهى: ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ابن آدم أطلبني تجدني فان وجدتني وجدت كل شيء وإن فاتك، فاتك كل شيء وأنا أحب اليك من كل شيء ... ] الجواب الكافي ١/١٤٠.\rوذكره الشيخ ابن كثير في آخر تفسيره لسورة الذاريات فقال [وقد ورد في بعض الكتب الإلهية: \"يقول الله تعالى: ابن آدم، خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب فاطلبني تجدني؛ فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.] تفسير ابن كثير ٥/٦٩٦.\rوذكره الشيخ محمد بن صالح العثيمين في إحدى النشرات التي أصدرها وهي: النشرة الخامسة في الحديث القدسي الطويل: يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان مادام سلطاني باقيا وسلطاني لا ينفد أبدا إلى قوله: يا ابن آدم أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محباً. حيث قال عنه الشيخ العثيمين: هذا الحديث غير صحيح. فتاوى الشيخ الصادرة من مركز الدعوة بعنيزة ٣/٦٣.\r\rوالذي يظهر لي أن هذا الحديث من الإسرائيليات، فقد ذكره صاحب كتاب المستطرف من كل فن مستظرف وهو من كتب الأدب حيث قال [وروي أن هذه الكلمات وجدها كعب الأحبار مكتوبة في التوراة فكتبها وهي: يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيا وسلطاني لا ينفد أبدا يا ابن آدم لا تخش من ضيق الرزق ما دامت خزائني ملآنة وخزائني لا تنفد أبدا يا ابن آدم لا تأنس بغيري وأنا لك فإن طلبتني وجدتني وإن أنست بغيرك فتك وفاتك الخير كله يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وقسمت رزقك فلا تتعب وفي أكثر منه فلا تطمع ومن أقل منه فلا تجزع فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محمودا وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البر ولا ينالك منها إلا ما قد قسمته لك وكنت عندي مذموما يا ابن آدم خلقت السموات السبع والأرضين السبع ولم أعي بخلقهن أيعينني رغيف أسوقه لك من غير تعب يا ابن آدم أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا يا ابن آدم لا تطالبني برزق غد كما لا أطالبك بعمل غد فإني لم أنس من عصاني فكيف من أطاعني وأنا على كل شيء قدير وبكل شيء محيط] المستطرف (١/١٥٣)\rوخلاصة الأمر أن هذا الحديث ليس له أصل في كتب السنة النبوية ويترتب على ذلك أنه تحرم نسبته إلى النبي ﷺ كحديث قدسي، بل هو من الإسرائيليات ومن المعلوم أن ما ورد من الإسرائيليات لا يجزم بصحته لما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله ﷺ: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا الآية) رواه البخاري. ويجوز التحديث به للتذكير والاتعاظ والاعتبار، مع التأكيد على أنه ليس حديثاً عن النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345673,"book_id":3840,"shamela_page_id":53,"part":"3","page_num":18,"sequence_num":53,"body":"١٨ - حديث مكذوب\rيقول السائل: قرأت الحديث التالي في كتاب تنبيه الغافلين للسمرقندي فهل هو حديث صحيح أفيدونا، ونص الحديث هو (روى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ في ساعةٍ ما كان يأتيه فيها متغيّر اللون، فقال له النبي ﷺ: فقال يا جبريل ما لي أراك متغير اللون؟ فقال: ما جئتك حتى أمر الله ﷿ بمفاتيح النار، فقال رسول الله ﷺ: يا جبريل صف لي النار، وانعت لي جهنم، فقال جبريل: إن الله ﵎ أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، لا يضيء شررها ولا يطفأ لهبها، والذي بعثك بالحق لو أن ثوباً من ثياب النار علق بين السماء والأرض لمات من في الأرض جميعاً من حره، والذي بعثك بالحق لو أن خازناً من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا فنظروا إليه لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه ومن نتن ريحه، والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لارفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى، فقال رسول الله ﷺ: حسبي يا جبريل لا يتصدع قلبي فأموت قال: فنظر رسول الله ﷺ إلى جبريل وهو يبكي، فقال: تبكي يا جبريل؟ وأنت من الله بالمكان الذي أنت به! قال: ومالي لا أبكي أنا أحق بالبكاء لعلي أن أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي أبتلى بمثل ما ابتلي به إبليس، فقد كان من الملائكة،، وما يدريني لعلي أبتلى بمثل ما ابتلي به هاروت وماروت، قال: فبكى رسول الله ﷺ وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا: أن يا جبريل ويا محمد: إن الله ﷿ قد أمنكما أن تعصيا، فارتفع جبريل ﵇، وخرج رسول الله ﷺ فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون، فقال: أتضحكون ووراءكم جهنم؟ ! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ﷿، فنودي: يا محمد: لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسراً، ولم أبعثك معسراً، فقال رسول الله ﷺ: سددوا، وقاربوا) .\rالجواب: لا بد أن أبين أولاً حال كتاب [تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء وامرسلين] تأليف الفقيه الزاهد الشيخ نصر الدين محمد بن إبراهيم السمرقندي المتوفى سنة ٣٧٥هـ، وقد تكلم أهلُ العلم على هذا الكتاب كما فصل ذلك الشيخ مشهور حسن سلمان حفظه الله ورعاه عند ذكره لكتب السمرقندي فقال: [تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين، بستان العارفين، دقائق الأخبار في بيان ذكر أهل الجنة وأحوال أهل النار، قرة العيون ومفرح القلب المحزون، كلها لأبي الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي ت ٣٧٥هـ، وهذه الكتب مطبوعة وهي مشتهرة بين العوام ويتداولونها بكثرة، ولذا تحرص دور النشر على طبعها بأرخص الأثمان وهذه الكتب مليئة بالأحاديث والأخبار الموضوعة وربما يذكر صاحبها فيها سنده، فهي مفيدة لطالب العلم الذي ينظر في الأسانيد ويمحص عن حالة الرواة فهي من مظان الحكم على كثير مما هو سائد بين العوام بالوضع أو الكذب أو الضعف وإن راجت على صاحبها ولذا وقع في عبارة الإمام الذهبي تحذير ضمني منها فقال: في ترجمة صاحبها في سير أعلام النبلاء (١٦/٣٢٣) : [وَتَرُوجُ عَلَيْهِ الأَحَادِيثُ الموضُوعَةُ] . وقال – أي الذهبي - في \" تاريخ الإسلام \" في ترجمته ... وفي كتاب \" تنبيه الغافلين موضوعات كثيرة. ا. هـ. وقال أبو الفضل الغماري في \" الحاوي \" (٣/٤) : وكتاب \" تنبيه الغافلين \" يشتمل على أحاديث ضعيفة وموضوعة، فلا ينبغي قراءته للعامة لا يعرفون صحيحه من موضوعه. ا. هـ. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن جمهور مصنفي السير والأخبار وقصص الأنبياء لا يميز بين الصحيح والضعيف، والغث والسمين، وذكر من بينهم أبا الليث السمرقندي، وقال: \" فهؤلاء لا يعرفون الصحيح من السقيم، ولا لهم خبرة بالنَّقلة، بل يجمعون فيما يروون بين الصحيح والضعيف، ولا يميزون بينهما، لكن منهم من يروي الجميع ويجعل العهدة على الناقل. ا. هـ. ... وقد حذر من جل الكتب السابقة الشيخ السلفي محمد بن أحمد بن محمد بن عبد السلام الشقيري في كتابه \" المنحة المحمدية في بيان العقائد السلفية \" (ص١٧١ - ١٧٢) فقال تحت عنوان \" كتب لا يحل قراءتها \" في مبحث سبب انتشار الحكايات والمنامات الفاسدة والخرافات الفاشية التي لم يعهد لها أصل في كلام السلف الصالحين، ولا في سنن سيد المرسلين؛ قال: وإنما هي فاشية بين العوام والجهلاء والطغام من كتب المناقب ككتاب \" الروض الفائق \"، و \" روض الرياحين في مناقب الصالحين \" و \" ونوادر القليوبي \" و \" كرامات الأولياء \" و \" ونزهة المجالس \" و \" وتنوير القلوب \"، و \" تنبيه الغافلين \"، وكذا كتب الشروح والحواشي الأزهرية، وأمثال هذه الكتب لا تحوي سوى ما يفسد عقائد العوام وبسطاء العقول، وقد كان الواجب على علمائنا أن ينبهوا عليها في الجرائد والمجلات وفي دروسهم ومؤلفاتهم، إذ هي السبب الأعظم في إفشاء تلك الخرافات بين العوام وفي عبادتهم لقبور الصلحاء، فكان الواجب إيقاف طبعها ومصادرة قراءتها دفعا لضررها وتطاير شررها ... ] كتب حذر منها العلماء ٢/١٩٨ -٢٠٠.\rوقد سئلالعلامة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عن كتاب تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين تأليف الفقيه الزاهد الشيخ نصر الدين محمد بن إبراهيم السمرقندي: أسأل عن هذا الكتاب والأحاديث التي وردت فيه هل هي صحيحة أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ فأجاب رحمة الله عليه بقوله [وفيه أحاديث موضوعة، ولهذا لا ينبغي قراءته إلا لطالب علم يميز بين ما يقبل من الأحاديث التي فيه وما لا يقبل ليكون على بصيرة من أمره ولئلا ينسب إلى رسول الله صلي الله علية وسلم ما لم يقله أو ما لا تصح نسبته إليه فإن من حدث عن رسول الله ﷺ بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذِبيَن وقد صح عن النبي ﷺ أن من كذب عليه متعمداً فليتبوأ مقعداً من النار فنصيحتي لمن ليس له علم بالأحاديث أن لا يطلع على هذا الكتاب، ومن عنده علم يميز بين المقبول وغير المقبول ورأى في قراءته مصلحة فليفعل وإن رأى أنه يصده عن قراءة ما هو أنفع منه له فلا يذهب وقته في قراءته] عن موقع الشيخ العثيمين على الإنترنت.\rإذا تقرر هذا فنعود للكلام على الحديث المذكور فقد ذكر أهل الحديث أنه حديث موضوع أي مكذوب على سيدنا رسول الله ﷺ، قال العلامة الألباني: [موضوع بهذا السياق والتمام أخرجه ابن أبي الدنيا في \" صفة النار “ ... والطبراني في المعجم الأوسط ... قال: عمر بن الخطاب: جاء جبريل إلى النبي ﷺ في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه, فقام إليه رسول الله ﷺ فقال: فذكره. وقال الطبراني: \" لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد تفرد به سلام “. قلت: وقال الهيثمي ١٠/٣٨٦ – ٣٨٧ بعد ما عزاه للطبراني: \" وهو مجمع على ضعفه “. قلت: وقد اتهمه غير واحد بالكذب والوضع كما تقدم غير ما مرة, وقال ابن حبان في \" الضعفاء والمتروكين “: \" يروي عن الثقات الموضوعات كأنه كان المتعمد لها “. قلت: وفي هذا الحديث ما يؤكد ما اتهموه به أعظمها قوله في إبليس: (كان من الملائكة) وهذا خلاف القرآن: ﴿وكان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾ ثم إن الملائكة خلقت من نور كما في صحيح مسلم وهو مخرج في \" الصحيحة \" (٤٥٨) , وأما إبليس فخلق من نار كما في القرآن والحديث. ونحوه قوله: \" ما ابتلي به هاروت وماروت, فإنه يشير إلى ما يروى من قصتهما مع الزهرة ومراودتهما إياها وشربهما الخمر وقتلهما الصبي, وهي قصة باطلة مخالفة للقرآن أيضا كما سبق بيانه في المجلد الأول برقم (١٧٠) . ولا يفوتني التنبيه أن قوله: \" لو تعلمون ... \" إلى قوله: \" تجأرون إلى الله ﷿ \" قد جاء طرفه الأول في \" الصحيحين “, والباقي عند الحاكم وغيره, فانظر الحديث الآتي إن شاء الله برقم (٤٣٥٤) . وتخريج \" فقه السيرة \" (ص ٤٧٩) .] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٣/٤٧٣- ٤٧٤.\rوخلاصة الأمر أن يجب الحذر من كتاب تنبيه الغافلين لما فيه من الأحاديث المكذوبة وأن الحديث المذكور مكذوب لا تحل نسبته للنبي ﷺ فإن الكذب على الرسول ﷺ ليس كالكذب على غيره فقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من كذب عليَّ عامداً متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وهو حديث صحيح متواتر رواه البخاري ومسلم. وقال ابن حبان في صحيحه: فصل: \" ذكر أسباب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته \" ثم ساق بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) وسنده حسن وأصله في الصحيحين بنحوه. ثم ذكر حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من حدّث بحديث يُرى - بضم الياء- أنه كذب فهو أحد الكاذبين) رواه مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345674,"book_id":3840,"shamela_page_id":54,"part":"3","page_num":19,"sequence_num":54,"body":"١٩ - حديث (إن من البر بعد البر أن تصلي لهما - أي والديك - مع صلاتك)\rيقول السائل: سمعت في إحدى المواعظ حديثاً في بر الوالدين بعد موتهما وفيه أن يصلي لهما مع صلاته فأرجو توضيح ذلك؟\rالجواب: الحديث المشار إليه في السؤال هو ما رواه الدارقطني أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي أبوين وكنت أبرهما حال حياتهما. فكيف بالبر بعد موتهما؟ فقال النبي ﷺ (إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك وأن تصدق لهما مع صدقتك) وورد في معناه عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما قال نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما) رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان ووقع خلاف بين أهل الحديث في حكم هذا الحديث فقد رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال الحافظ العراقي: أخرجه أبو داود وابن ماجة بإسناد حسن، والحديث ضعفه آخرون منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى والعلامة الألباني كما في ضعيف سنن أبي داود وفي ضعيف سنن ابن ماجة. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي أسيد الساعدي قال: (بينما أنا جالس عند النبي ﷺ أتاه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: نعم أربع خصال الدعاء لهما والاستغفار لهما وإنفاذ وعدهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما) . وقال الشيخ الألباني ضعيف انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/٦٢. والحديث أشار إليه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه فقال [ ... وقال محمد سمعت أبا إسحق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال قلت لعبد الله بن المبارك يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك قال فقال عبد الله يا أبا إسحق عمن هذا قال قلت له هذا من حديث شهاب بن خراش فقال ثقة عمن قال قلت عن الحجاج بن دينار قال ثقة عمن قال قلت قال رسول الله ﷺ قال يا أبا إسحق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاف] وقال الإمام النووي: [معنى هذه الحكاية أنه لا يقبل الحديث إلا بإسناد صحيح. وقوله: (مفاوز) جمع مفازة وهي الأرض القفر البعيدة عن العمارة وعن الماء التي يخاف الهلاك فيها , قيل: سميت مفازة للتفاؤل بسلامة سالكها كما سموا اللديغ سليماً , وقيل: لأن من قطعها فاز ونجا , وقيل: لأنها تهلك صاحبها يقال: فوز الرجل: إذا هلك. ثم إن هذه العبارة التي استعملها هنا استعارة حسنة وذلك لأن الحجاج بن دينار هذا من تابعي التابعين , فأقل ما يمكن أن يكون بينه وبين النبي ﷺ اثنان التابعي والصحابي فلهذا قال بينهما مفاوز أي: انقطاع كثير. وأما قوله: (ليس في الصدقة اختلاف) فمعناه أن هذا الحديث لا يحتج به , ولكن من أراد بر والديه فليتصدق عنهما فإن الصدقة تصل إلى الميت وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين وهذا هو الصواب] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٧٩-٨٠. إذا تقرر هذا فإن الحديث لو صح لكان معنى قول النبي ﷺ (أن تصلي لهما مع صلاتك) وقوله ﷺ في الرواية الأخرى (الصلاة عليهما) هو الدعاء لهما وليس المراد الصلاة المعروفة، فإن من المقرر عند جماهير أهل العلم أنه لا يصلي أحد عن أحد وإنما يصلي كل إنسان عن نفسه والنيابة لا تدخل الصلاة. ويؤيد ذلك ما ورد في رواية ابن أبي شيبة وفيها (قال: نعم أربع خصال الدعاء لهما والاستغفار لهما) حيث ذكر الدعاء لهما بدل الصلاة عليهما. وقد اتفق العلماء على أن الميت ينتفع بدعاء الحي قال الإمام النووي: [أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصل ثوابه إليهم] الأذكار ص ١٤٠. ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) سورة الحشر آية ١٠. ويدل على ذلك أيضاً ما ثبت في الحديث من قوله ﷺ (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم. ويدل على ذلك أيضاً قول النبي ﷺ (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) رواه مسلم. وروى الإمام مسلم بإسناده عن جبير بن نفير سمعه يقول سمعت عوف بن مالك يقول صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر أو من عذاب النار قال حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت) . وروى الإمام الترمذي عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة قال اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا) وهو حديث حسن صحيح كما قال الإمام الترمذي. ومن الأمور التي اتفق العلماء على أن الميت ينتفع بها ويصل ثوابها له الصدقة عنه، وكذلك فإن المتصدق ينتفع بتلك الصدقة أيضاً ويدل على ذلك أحاديث وردت عن الرسول ﷺ منها: عن ابن عباس ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: نعم، فقال: فإني أشهدك أن حائط المخراف صدقة عنها) رواه البخاري وغيره. وحائط المخراف: بستان نخل وعنب كان لسعد ﵁ فتصدق به عن أمه. وعن عائشة ﵂ أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ: إن أمي أفتلتت نفسها - أي ماتت فجأة - ولم توص وأظنها تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ قال: نعم فتصدق عنها) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ (إن رجلاً قال للنبي ﷺ: أبي مات وترك مالاً ولم يوص فهل يكفر عنه إن تصدقت عنه؟ قال: نعم) رواه مسلم وغيره ومن الأمور التي تصل إلى الميت وينتفع بها الحج والعمرة عنه حج الفريضة والنافلة أو النذر وكذا العمرة وقد وردت الأحاديث بذلك فمنها: عن ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن تسأل رسول الله ﷺ: (أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزى أن تحج عنها؟ قال: نعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يجزيء عنها فلتحج عن أمها) رواه النسائي وقال الألباني صحيح الإسناد. وعن ابن عباس أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي ﷺ فسأله عن ذلك فقال: أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء) رواه البخاري وغيره. وهنالك أعمال أخرى ينتفع بها الميت على قول طائفة من أهل العلم كتلاوة القرآن وجعل ثواب التلاوة للميت والأضحية عن الميت. فهذه الأمور تعتبر من بر الوالدين والإحسان لهما بعد وفاتهما. وخلاصة الأمر أن الحديث الذي أشار إليه السائل مختلف فيه وإن سلمنا بصحته فالمراد من الصلاة على الوالدين الدعاء لهما وليس المقصود الصلاة المعروفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345675,"book_id":3840,"shamela_page_id":55,"part":"3","page_num":20,"sequence_num":55,"body":"٢٠ - حديث (سؤر المؤمن شفاء) غير ثابت\rيقول السائل: سمعت واعظاً يقول قال النبي ﷺ (سؤر المؤمن شفاء) ، فهل هذا حديث عن النبي ﷺ، أفيدونا.\rالجواب: إن التثبت من الأحاديث قبل روايتها وذكرها للناس أمر واجب، لأن معظم الناس من العوام الذين لا يعرفون التمييز بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، بل إن عامة الناس يتلقون هذه الأحاديث وينشرونها فيما بينهم فيسهم الوعاظ والخطباء والمدرسون وأمثالهم في نشر هذه الأحاديث المكذوبة بين الناس، ويتحملون وزر ذلك. وبناءً على ما تقدم، فإني أنصح كل من يذكر حديثاً عن الرسول ﷺ أن يتثبت من ذلك الحديث، وأن يرجع إلى كتب أهل الحديث ليعرف حال ذلك الحديث قبل أن يذكره للناس. فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه ﵊ قال: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . قال الحافظ ابن حبان: \" فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته \"، ثم روى بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) وإسناده حسن كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط، الإحسان ١/٢١٠، ثم ذكر ابن حبان بسنده عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من حدث حديثاً وهو يُرى - بضم الياء ومعناه يظن - أنه كذب فهو أحد الكاذبين) وأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه وفي رواية عند ابن ماجة وغيره (من حدث عني حديثاً.... الخ) . وأما ما يتداوله الناس من قول منسوب للنبي ﷺ وهو (سؤر المؤمن شفاء) فليس بحديث، قال العلامة القاري: [ليس له أصل مرفوع] المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص ١٠٦، وقال الحافظ العراقي: هكذا اشتهر على الألسنة ولا أصل له بهذا اللفظ. ونقل العجلوني عن نجم الدين الغزي أنه ليس بحديث، كشف الخفاء ص ٤٥٨. وقال العلامة الألباني عن الحديث السابق: [لا أصل له] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/ ١٠٥. وانظر أيضاً المقاصد الحسنة للسخاوي ص ٢٣١. ومثل ذلك حديث (ريق المؤمن شفاء) فهو حديث لا أصل له كما نص على ذلك كثير من المحدثين انظر كشف الخفاء ص ٤٣٦، المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص ١٠٦ وغيرهما. ومثل ذلك حديث (من التواضع أن يشرب الرجل من سؤر أخيه، ومن شرب من سؤر أخيه رفعت له سبعون درجة، ومحيت عنه سبعون خطيئة وكتبت له سبعون حسنة) فهو حديث موضوع أورده ابن الجوزي في الموضوعات كما قال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/ ١٠٦.\rومما يجدر ذكره أن المراد بالسؤر لغة بقية الشيء، ويجمع على أسآر والسؤر في الاصطلاح هو: فضلة الشرب وبقية الماء التي يبقيها الشارب إنسانا كان أو حيواناً أو طائراً في الإناء أو في الحوض، ثم استعير لبقية الطعام أو غيره. قال النووي: ومراد الفقهاء بقولهم: سؤر الحيوان طاهر أو نجس: لعابه ورطوبة فمه. الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٤/١٠٠. وسؤر الانسان طاهر سواء كان مسلماً أو كافراً قال الشيخ ابن قدامة المقدسي عند ذكره لأقسام الآسار [القسم الثاني طاهر في نفسه وسؤره وعرقه , وهو ثلاثة أضرب: الأول الآدمي فهو طاهر , وسؤره طاهر سواء كان مسلماً أم كافراً عند عامة أهل العلم] المغني ١/٣٧.\rوخلاصة الأمر أن الحديث المذكور ليس بثابت عن الرسول ﷺ فلا تجوز نسبته إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345676,"book_id":3840,"shamela_page_id":56,"part":"3","page_num":21,"sequence_num":56,"body":"٢١ - حديث (تعلموا السحر ولا تعملوا به) حديث باطل\rيقول السائل: ما صحة حديث (تعلموا السحر ولا تعملوا به) أفيدونا؟\rالجواب: هذا الحديث باطل وليس له أصل في السنة بل هو مكذوب على سيدنا رسول الله ﷺ وهذا الحديث بالإضافة إلى أنه مردود روايةً فهو مردود درايةً وفقهاً لأن تعليم السحر وتعلمه من المحرمات عند جماهير أهل العلم، انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٤/٢٦٤. قال الإمام النووي [فصل قد ذكرنا أقسام العلم الشرعي: ومن العلوم الخارجة عنه ما هو محرم أو مكروه ومباح: فالمحرم كتعلم السحر فإنه حرام على المذهب الصحيح وبه قطع الجمهور ... وكالفلسفة والشعبذة والتنجيم وعلوم الطبائعبين وكل ما كان سبباً لإثارة الشكوك] المجموع ١/٢٧. ومما يدل على تحريم تعلم السحر وتعليمه قول الله تعالى ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ سورة البقرة الآية ١٠٢. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني [وقد استدل بهذه الآية على أن السحر كفر ومتعلمه كافر, وهو واضح في بعض أنواعه التي قدمتها وهو التعبد للشياطين أو للكواكب, وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة فلا يكفر به من تعلمه أصلاً، قال النووي: عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع , وقد عدَّه النبي ﷺ من السبع الموبقات , ومنه ما يكون كفراً , ومنه لا يكون كفراً بل معصية كبيرة , فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا , وأما تعلمه وتعليمه فحرام ... ] فتح الباري ١٠/٢٧٦. وقد أجابت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية عن سؤال حول حكم تعلم السحر فأجابت [بأنه يحرم تعلم السحر سواء تعلمه للعمل به أو ليتقيه، وقد نص الله سبحانه في كتابه الكريم على أن تعلمه كفر فقال تعالى: (يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) ﴿البقرة ١٠٢﴾ وقد نص النبي ﷺ على أن السحر أحد الكبائر وأمر باجتنابه فقال: (اجتنبوا السبع الموبقات) فذكر منها السحر وفي السنن عند النسائي: (من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك) وأما ما ذكرت من قول: (تعلموا السحر ولا تعملوا به) فليس بحديث لا صحيح ولا ضعيف فيما نعلم] فتاوى اللجنة الدائمة فتوى رقم ٦٢٨٩.\rوسئل الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ عن صحة حديث (تعلموا السحر ولا تعملوا به) فأجاب: [هذا الحديث باطل لا أصل له، ولا يجوز تعلم السحر ولا العمل به وذلك منكر بل كفر وضلال، وقد بين الله إنكاره للسحر في كتابه الكريم في قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) البقرة / ١٠٢، ١٠٣. فأوضح سبحانه في هذه الآيات أن السحر كفر وأنه من تعليم الشياطين، وقد ذمهم الله على ذلك وهم أعداؤنا، ثم بين أن تعليم السحر كفر، وأنه يضر ولا ينفع، فالواجب الحذر منه. لأن تعلم السحر كله كفر، ولهذا أخبر عن الملكين أنهما لا يعلمان الناس حتى يقولا للمتعلم إنما نحن فتنة فلا تكفر] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز ٦/٣٧١.\rوخلاصة الأمر أن حديث (تعلموا السحر ولا تعملوا به) حديث باطل ويحرم تعلم السحر وتعليمه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345677,"book_id":3840,"shamela_page_id":57,"part":"3","page_num":22,"sequence_num":57,"body":"٢٢ - حديث الثلاثة الذين يدعون فلا يستجاب لهم\rيقول السائل: إنه قرأ في كتاب عن صلاة الاستخارة حديثاً عن النبي ﷺ ونصه: (ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيهاً ماله وقد قال الله ﷿: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ ) وأن مؤلف الكتاب شرح الحديث على أن من ذكروا في الحديث لا يستجاب دعاؤهم إذا استخاروا، فهل الحديث ثابت عن النبي ﷺ وما قولكم في معنى الحديث؟\rالجواب: هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: [هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه] ووافقه الذهبي وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الرابع حديث رقم ١٨٠٥.\rومعنى الحديث أن الثلاثة المذكورين لا يستجاب دعاؤهم في الحالات التي ذكروا فيها: أما الأول فرجل كان متزوجاً من امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، فإذا دعا عليها فلا يستجاب له، لأنه كان قادراً على طلاقها بعد أن لم يصلح حالها ولم ترجع عن أخلاقها السيئة، فلما رضي بسوء أخلاقها فلا يستجاب له إذا دعا عليها بعد ذلك. وأما الثاني: فرجل كان له على رجلٍ مال فلم يشهد عليه أي أنه داين غيره مالاً بدون أن يوثق الدين وبدون الإشهاد عليه فأنكره المدين فصاحب الدين قصر في حفظ حقه فإذا دعا على المدين فلا يستجاب له. وأما الثالث فرجل آتى سفيهاً ماله مخالفاً قول الله ﷿: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ ثم دعا على ذلك السفيه الذي بدد المال فحينئذ لا يستجاب دعاؤه عليه.\rقال الإمام الطحاوي في شرح الحديث [ثم تأملنا معنى هذا الحديث فوجدنا الله ﷿ قد علَّم عباده أشياء يستدفعون بها أضدادها، فكان من ذلك تحذيره لهم أن لا يدفعوا إلى السفهاء أموالهم؛ رحمة لهم، وطلباً منه لبقاء نعمه عليهم، وعلَّمهم أن يشهدوا في مدايناتهم؛ ليكون ذلك حفظاً لأموال الطالبين منهم، ولأديان المطلوبين منهم، وعلَّمهم الطلاق الذي يستعملونه عند حاجتهم إليه، فكان من ترك منهم ما علَّمه الله إياه حتى وقع في ضد ما يريد مخالفاً لما أمره الله ﷿ به؛ فلم يجب دعاءه لخلافه إياه , وكان من سوى من ذكرنا في هذا الحديث ممن ليس بعاصٍ لربه مرجواً له إجابة الدعوة فيما يدعوه، وهم الذين دخلوا في وله ﷿: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ ، وحذرهم على لسان نبيه ﷺ من الاستعجال في إجابة الدعاء.] مشكل الآثار نقلاً عن شبكة الإنترنت.\rوقال العلامة المناوي في شرح الحديث: [ (ثلاثة يدعون الله ﷿ فلا يستجاب لهم رجل كانت تحته امرأة سيئة الخُلق) بالضم (فلم يطلقها) فإذا دعا عليها لا يستجيب له لأنه المعذب نفسه بمعاشرتها وهو في سعة من فراقها (ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه) فأنكره فإذا دعا لا يستجاب له لأنه المفرط المقصر بعدم امتثال قوله تعالى ﴿وأشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (ورجل آتى سفيهاً) أي محجوراً عليه بسفه (ماله) أي شيئاً من ماله مع علمه بالحجر عليه فإذا دعا عليه لا يستجاب له لأنه المضيع لماله فلا عذر له (وقد قال الله تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) .] فيض القدير شرح الجامع الصغير ٣/٤٤١-٤٤٢. ولا يصح حمل الحديث على عموم الأحوال فيقال إن الله تعالى لا يستجيب دعاء الثلاثة المذكورين مطلقاً بل لا بد من حمل الحديث على الحالات الخاصة المذكورة فيه وهؤلاء الثلاثة لا يستجاب دعاؤهم لأنهم خالفوا ما أرشدهم الله إليه فمن المعلوم أن الله شرع الطلاق إذا سدت كل الطرق للإصلاح بين الزوجين فإذا كان عند الرجل زوجة سيئة الأخلاق وحاول إصلاحها ولكن بدون فائدة واستمرت على سوء أخلاقها فلم يطلقها فيكون قد قصَّر في حق نفسه ولم يستجب لقول الله تعالى ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ سورة النساء الآية ١٣٠.\rومن داين غيره مالاً فلم يشهد على ذلك، فقد قصر في حفظ ماله ومن المعلوم أن الله قد شرع كتابة الدين والإشهاد عليه حفظاً للحقوق وقد نزلت في ذلك أطول آية في القرآن الكريم حيث يقول الله ﷾: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآيتان ٢٨٢-٢٨٣. ففي هاتين الآيتين دلالة واضحة على مشروعية كتابة الدين وتوثيقه والإشهاد عليه. قال الإمام ابن العربي المالكي: [قوله تعالى: (فَاكْتُبُوهُ) يريد أن يكون صكاً ليستذكر به عند أجله لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الأجل والنسيان موكل بالإنسان والشيطان ربما حمل على الإنكار والعوارض من موت وغيره تطرأ فشُرِع الكتاب والإشهاد] أحكام القرآن ١/٢٤٧. وقال الضحاك: [إن ذهب حقه – أي الدائن - لم يؤجر وإن دعا عليه لم يُجب؛ لأنه ترك حق الله تعالى وأمره] . ومن المعلوم اليوم أن كثيراً من الخلافات المالية التي تحدث بين الناس تعود أسبابها إلى عدم الكتابة والتوثيق في العقود فيقع النزاع والخلاف ويحدث الإنكار ونحو ذلك. وبناءً على الآية الكريمة السابقة قال جمهور أهل العلم إن كتابة الدين وتوثيقه والإشهاد عليه أمر مندوب إليه وقال بعض العلماء بوجوب ذلك أخذاً بظاهر الآية وهو قول وجيه له حظ من النظر وينبغي حمل الناس عليه في هذا الزمان قطعاً لأكل حقوق الآخرين بالباطل وسداً لأبواب النزاع والخصومات ولما نرى في مجتمعنا من نزاع وشقاق وخلاف بسبب عدم توثيق الديون والعقود وكتابتها فكم من المنازعات حدثت بين المؤجر والمستأجر بسبب عدم كتابة عقد الإجارة وكم من خصومات حصلت بين الشركاء لاختلافهم في قضية ما ويعود ذلك لعدم كتابة اتفاق الشراكة وهكذا الحال في كل المعاملات التي لم توثق. لذا فإني أنصح كل متعاقدين في أي من العقود الشرعية أن يوثقا العقد بجميع شروطه وتفصيلاته الصغيرة قبل الكبيرة، قال الله تعالى: (ولا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ) . قال ابن العربي المالكي: [هذا تأكيد من الله تعالى في الإشهاد بالدين تنبيهاً لمن كسل فقال: هذا قليل لا أحتاج إلى كتبه والإشهاد عليه. لأن أمر الله تعالى فيه واتحضيض عليه واحد والقليل والكثير في ذلك سواء] أحكام القرآن ١/٢٥٧..وأما من يؤتي المال للسفيه المحجور عليه فيضيعه فقد خالف قول الله تعالى ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ سورة النساء الآية ٥.\rوقال الإمام البيضاوي: [نهى الأولياء عن أن يؤتوا الذين لا رشد لهم أموالهم فيضيعوها وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء لأنها في تصرفهم وتحت ولايتهم وهو الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة] تفسير البيضاوي نقلاً عن شبكة الإنترنت.\rوخلاصة الأمر أن الثلاثة المذكورين في الحديث لا يستجاب دعاؤهم في الحالات التي تلبسوا بها لأنهم خالفوا ما شرعه الله ﷿ بخصوص هذه الحالات، وليس معنى الحديث أنه لا يستجاب لهم مطلقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345678,"book_id":3840,"shamela_page_id":58,"part":"4","page_num":1,"sequence_num":58,"body":"١ - المجامع الفقهية والاجتهاد الجماعي\rيقول السائل: ظهر في هذا العصر عدد من المجامع الفقهية والتي تبحث قضايا فقهية وتصدر عنها قرارات بعد اجتهاد جماعي فما قولكم في هذه المجامع الفقهية، وما قوة قراراتها من الناحية الشرعية، أفيدونا؟\r\rالجواب: الاجتهاد الجماعي الذي تمارسه مجامع الفقه الإسلامي المعاصرة، يُعدُّ مَعْلَماً من معالم مسيرة الفقه الإسلامي في العصر الحاضر، ولا شك أن وجود هذه المجامع وصدور الآراء الفقهية الجماعية عنها يعطي قوةً للفقه الإسلامي، وخاصة أن المجامع الفقهية تتصدى لكثير من النوازل الفقهية والقضايا المعاصرة، وهذا يجعل الفقه الإسلامي قادراً على مواجهة تطور الحياة العصرية.\r\rولا شك أن الاجتهاد الجماعي الذي تمثله المجامع الفقهية، مقدمٌ على الاجتهاد الفردي الذي يصدر عن أفراد الفقهاء، فهو أكثر دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيه تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد، وهو مبدأ أصيل في تاريخ الفقه الإسلامي، فقد روى ميمون بن مهران: (أن أبا بكر ﵁ كان إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر، كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاءً، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنةً من رسول الله ﷺ، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمرٍ قضى به ... ) سنن الدارمي ١/٤٠.\r\rوروى الإمام النسائي في باب الحكم باتفاق أهل العلم بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أكثروا على عبد الله – ابن مسعود - ذات يوم فقال عبد الله: إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك ثم إن الله ﷿ قدر علينا أن بلغنا ما ترون فمن عرض له منكم قضاءٌ بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله فإن جاء أمرٌ ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ فإن جاء أمرٌ ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون فإن جاء أمرٌ ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ﷺ ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه ولا يقول إني أخاف وإني أخاف، فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمورٌ مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. قال أبو عبد الرحمن – النسائي- هذا الحديث جيد جيد.\r\rثم روى النسائي بإسناده عن شريح أنه كتب إلى عمر ﵁ يسأله، فكتب إليه: أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله، فبسنة رسول الله ﷺ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ، فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ولم يقض به الصالحون، فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك والسلام عليكم.] سنن النسائي ٨/٢٣٠.\r\rوروى البيهقي عن ميمون بن مهران أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان لأبي بكر ﵁ فيه قضاء، فإن وجد أبا بكر ﵁ قد قضى فيه بقضاء قضى به، وإلا دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم، فاستشارهم فإذا اجتمعوا على الأمر قضى بينهم. السنن الكبرى ١٠/١١٤.\r\rوقال الإمام الجويني: [والمعتقد أنه لا يفرضُ وقوعُ واقعةٍ مع بقاءِ الشريعة بين ظهراني حملتها إلا وفي الشريعة مستمسكٌ بحكم الله فيها. والدليل القاطع على ذلك أَن أصحاب المصطفى ﷺ ورضي عنهم استقصَوْا النظرَ في الوقائع والفتاوىَ والأَقضية، فكانوا يعرضونها على كتاب الله تعالى، فإن لم يجدوا فيها متعَلَّقاً، راجعوا سُنَنَ المصطفى ﵊، فإن لم يجدوا فيها شفاءً، اشتوروا، واجتهدوا، وعلى ذلك درجوا في تمادي دهرِهم، إِلى انقراض عصرهم، ثم استنَّ مَن بعدهم بسنتهم] غياث الأمم\r\rوقد ذكر ابن الجوزي في حوادث سنة سبع وثمانين للهجرة أن عمر بن عبد العزيز ولي المدينة فقدم والياً في ربيع الأول وهو ابن خمس وعشرين سنة، فقدم على ثلاثين بعيراً، فنزل دار مروان، فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن سليمان بن أبي خثيمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد، فدخلوا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحداً استعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة، فأحَرِّجُ على من بلغه ذلك إلا بلغني، فجزوه خيراً وانصرفوا. المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ٦/٢٧٨. وقال العلامة ابن القيم: [ ... ولهذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله ولا ينفرد به واحد وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ليس عنده فيها نصٌ عن الله ولا عن رسوله، جمع لها أصحاب رسول الله ﷺ ثم جعلها شورى بينهم. قال البخاري حدثنا سنيد حدثنا يزيد عن العوام بن حوشب عن المسيب بن رافع قال كان إذا جاءه الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة سمَّى صوافي الأمر فرفع إليهم فجمع له أهل العلم فإذا اجتمع عليه رأيهم فهو الحق. وقال محمد بن سليمان الباغندي حدثنا عبد الرحمن بن يونس حدثنا عمر بن أيوب أخبرنا عيسى بن المسيب عن عامر عن شريح القاضي قال: قال لي عمر بن الخطاب أن اقض بما استبان لك من قضاء رسول الله ﷺ، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله ﷺ، فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين، فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح] إعلام الموقعين ٢/١٥٦-١٥٧.\r\rومن أهمية الاجتهاد الجماعي في عصرنا الحاضر أنه أقدر على تقديم الحلول للمشكلات المعاصرة، وهذا الأمر جِدُ ظاهرٍ من خلال قرارات المجامع الفقهية التي عالجت كثيراً من القضايا الفقهية المعاصرة، مثل قضايا البنوك الإسلامية والتأمين التعاوني والقضايا الطبية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.\r\rوتأسيساً على ما سبق فإن القرارات التي تصدر عن المجامع الفقهية والهيئات العلمية المعتبرة، ينبغي أن تقدم على الآراء الفردية، وهذا من ضمن أسس منهجي الذي أسير عليه في هذه السلسلة المباركة – سلسلة يسألونك – فإني أعتدُّ كثيراً بما تصدره المجامع الفقهية، وأعتمد عليه في هذه الفتاوى، لأنها أكثر دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيها تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد كما ذكرت سابقاً. ولا بد أن أذكر هنا هذه المجامع الفقهية والهيئات العلمية المعتبرة:\r\rأولاً: مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ومقره في جدة بالمملكة العربية السعودية، وهو أهم المجامع الفقهية وأنشطها. وأعضاؤه من الفقهاء والعلماء والمفكرين في شتى مجالات المعرفة من فقهية وثقافية وعلمية واقتصادية من أنحاء العالم الإسلامي.\r\rثانياً: المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ومقره في مكة المكرمة. وهو عبارة عن هيئة علمية إسلامية ذات شخصية اعتبارية مستقلة، داخل إطار رابطة العالم الإسلامي، مكونة من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها.\r\rثالثاً: هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وهي هيئة علمية تتكون من كبار العلماء في المملكة العربية السعودية المتخصصين في الشريعة الإسلامية وهي أكبر هيئة علمية في المملكة.\r\rرابعاً: مجمع الفقه الإسلامي في الهند أنشأ سنة ١٩٨٩م تحت إشراف كبار علماء الهند المسلمين.\r\rخامساً: مجمع فقهاء الشريعة في أمريكا وهو مؤسسة علمية تتكون من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها.\r\rسادساً: المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث ويتكون من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها.\r\rسابعاً: مجمع البحوث الإسلامية وقد أنشأ في الأزهر سنة ١٩٦١م برئاسة شيخ الأزهر.\r\rوخلاصة الأمر أن عمل المجامع الفقهية عمل مبارك ويقدم خدمة جليلة للفقه الإسلامي، وما يصدر عن المجامع الفقهية من قرارات لا يعتبر في حكم الإجماع الأصولي، ولكن قرارات هذه المجامع مقدمة على اجتهادات أفراد العلماء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345679,"book_id":3840,"shamela_page_id":59,"part":"4","page_num":2,"sequence_num":59,"body":"٢ - الفتوى اصطلاح شرعي معروف منذ عهد المصطفى ﷺ\rيقول السائل: ما قولكم فيما يقوله بعض الكاتبين من أن اصطلاح الفتوى محدث، ولم يكن معروفاً زمن رسولنا الكريم ﵊ أو زمن الصحابة أو تابعيهم أو تابعي تابعيهم، وأن الفتوى لا يمكن اعتبارها مصطلحاً شرعياً وأن الصحيح استعمال مصطلح الحكم الشرعي بدلاً من الفتوى، أفيدونا؟\rالجواب: لا ينقضي عجبي من هؤلاء المتسلقين على حياض العلم الشرعي، ويظن هؤلاء أن كل من أمسك قلماً صار عالماً، وكل من استعمل الشبكة العنكبوتية صار باحثاً، هيهات هيهات.\rإن كلمة الفتيا - وهي أكثر استعمالاً في كلام العرب من لفظ الفتوى وكلاهما فصيح، انظر الفتيا ومناهج الإفتاء ص ٧ – وما اشتق منها قد استعملت في كتاب الله ﷿ ووردت في السنة النبوية ووردت في كلام الصحابة والتابعين وأتباعهم بمعنى السؤال عن الحكم الشرعي فمن ذلك: قول تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ... ﴾ سورة النساء الآية ١٢٧. وقوله تعالى ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ سورة النساء الآية ١٧٦. ففي هاتين الآيتين يظهر لنا أن الله ﷿ تولى شأن الإفتاء بنفسه ﷻ، وهذا يدلنا على أهمية هذا المنصب وخطورته كما قال العلامة ابن القيم [وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات ... ] إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/١٠.\rوقد تولى النبي ﷺ منصب الإفتاء بنفسه، قال العلامة ابن القيم [وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيبن عبد الله ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده فكان يفتي عن الله بوحيه المبين وكان كما قال له أحكم الحاكمين ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ فكانت فتاويه ﷺ جوامع الأحكام ومشتملة على فصل الخطاب وهي في وجوب إتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب وليس لأحدٍ من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلاً وقد أمر الله عباده بالرد إليها حيث يقول ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ ] إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/١١.\rوقد ورد في ذلك أحاديث عديدة منها: ما رواه البخاري بإسناده عن عروة أنه سأل عائشة ﵂ ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ قالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينتقص صداقها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن، قالت واستفتى الناس رسول الله ﷺ بعد ذلك، فأنزل الله ﴿ويستفتونك في النساء﴾ . وفي صحيح البخاري أيضاً (استفتى عمر ﵁ النبي ﷺ: أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ) . وعن عائشة ﵂: أن أم حبيبة بنت جحش زوجة عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: (إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي ... ) رواه البخاري ومسلم.\rوروى النسائي بإسناده عن سليمان بن يسار أن أبا هريرة وابن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن ﵃ تذاكروا عدة المتوفى عنها زوجها تضع عند وفاة زوجها فقال ابن عباس تعتد آخر الأجلين وقال أبو سلمة بل تحل حين تضع فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخي فأرسلوا إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ، فقالت وضعت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بيسير فاستفتت رسول الله ﷺ فأمرها أن تتزوج. وعن ابن عباس ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى النبي ﷺ في نذرٍ كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأفتاه أن يقضيه عنها) رواه البخاري ومسلم. وروى النسائي عن عقبة بن عامر ﵁ قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله فأمرتني أن استفتي لها رسول الله ﷺ فاستفتيت النبي ﷺ فقال لتمشي ولتركب) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه) رواه أبو داود وابن ماجة.\rوعن ثوبان ﵁ قال: (إنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك - يعني الغسل من الجنابة - فقال: أما الرجل، فلينشر رأسه فليغسله، حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة، فلا عليها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها) رواه أبو داود.\rوفي رواية عند الإمام أحمد في المسند عن الزهري قال: قال سهل الأنصاري - وكان قد أدرك النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة في زمانه - حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يقولون الماء من الماء رخصة كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعدها.\rوروى مسلم عن قتادة قال: سمعت أبا حسان الأعرج قال: قال رجل من بني الهجيم لابن عباس ما هذه الفتيا التي قد تشغفت أو تشغبت بالناس أن من طاف بالبيت فقد حلَّ؟ فقال سنة نبيكم ﷺ وإن رغمتم) . وروى الدارمي بإسناده عن عطاء بن السائب قال سمعت عبد الرحمن بن أبى ليلى يقول: (لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار وما منهم أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا) . وروى الطبراني في الكبير بإسناده عن أبي صالح ذكوان، أنه سأل ابن عباس ﵄، عن بيع الذهب بالفضة، فقال: هو حلال بزيادة أو نقصان إذا كان يداً بيد، قال أبو صالح: فسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك، فقال: هو حرام إلا مثلا بمثل فأخبرت أبا سعيد بما قال ابن عباس، وأخبرت ابن عباس بما قال أبو سعيد الخدري، فالتقيا وأنا معهما فابتدأه أبو سعيد الخدري، فقال: ابن عباس، ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب بالفضة، تأمرهم أن يشتروه بزيادة بنقصان أو زيادة يداً بيد، فقال ابن عباس: ما أنا بأقدمكم صحبة لرسول الله ﷺ، وهذا زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، يقولان: سمعنا النبي ﷺ .\rوورد في مسند الشافعي أن نفيعاً مكاتباً لأم سلمة زوج النبي ﷺ استفتى زيد بن ثابت فقال إني طلقت امرأة لي حرة تطليقتين فقال زيد حرمت عليك) . والنصوص التي ورد فيها استعمال الفتيا أو الفتوى بمعنى السؤال عن الحكم الشرعي كثيرة جداً.\rإذا تقرر هذا فليس من المستغرب هذا الهجوم على الفتوى من قبل بعض الكاتبين كما جاء في كلام بعضهم أن [كلمة الفتوى في وقتنا هذا تعنى الجهل وعدم البحث وحب الخلود إلى الكسل وباقي موروث \" علقها في رقبة عالم واطلع سالم \". وكما جاء في دوسية أحد الأحزاب ص ١٢٨ [ ... وإنه بغض النظر عن كون الفتوى أحط أنواع الفقه، وبغض النظر عن كون مجرد وجود كلمة مفتي بما لها من واقع، هي انحطاط في المجتمع ... ] أقول: يتناسى هؤلاء أن منصب الإفتاء قد تولاه رب العزة والجلال كما سبق، وتولاه خير البشر ﷺ، وتولاه كبار الصحابة الكرام، ومن بعدهم كبار علماء الأمة، ويغض هؤلاء الطرف عن قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النحل الآية ٤٣.\rوخلاصة الأمر أن منزلة الإفتاء في دين الإسلام منزلة عظيمة ولخصها الإمام الشاطبي بقوله [المفتي قائم في الأمة مقام النبي ﷺ] الموافقات ٤/٢٤٤. وأن كلمة الفتيا أو الفتوى مصطلح شرعي واستعمل في كتاب الله ﷿ وفي سنة النبي ﷺ، فقد استفتي النبي ﷺ في مسائل كثيرة، واستفتي كبار الصحابة رضوان الله عليهم وكذا التابعون وأتباعهم وكبار علماء الأمة، ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو معاند.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345680,"book_id":3840,"shamela_page_id":60,"part":"5","page_num":1,"sequence_num":60,"body":"١ - استحاضة أم نفاس\rتقول السائلة: إذا أسقطت المرأة الحامل حملها بعد شهرين من الحمل فهل تعتبر نفساء لا تصلي ولا تصوم أم أنها تعتبر مستحاضة أفيدونا؟\rالجواب: إذا أجهضت الحامل فأسقطت جنينها قبل انتهاء الحمل فإن كان تام الخلق فدمها دم نفاس فلا تصلي ولا تصوم حتى ينقطع دمها وهذا باتفاق الفقهاء وأما إذا كان غير تام الخلق فهو محل خلاف بين أهل العلم.\rوالذي عليه فقهاء الحنفية والحنابلة أن ما أسقطته المرأة إن استبان منه عضو كرأس ٍأو يدٍ أو رجلٍ فهي نفساء وإن لم يستبن منه عضو فهي مستحاضة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا رأت المرأة الدم بعد وضع شيء يتبين فيه خلق الإنسان، فهو نفاس. نص عليه – أي الإمام أحمد - وإن رأته بعد إلقاء نطفة أو علقة، فليس بنفاس.] المغني ١/٢٥٣\r\rوقال علاء الدين المرداوي: [يثبت حكم النفاس بوضع شيء فيه خلق الإنسان، على الصحيح من المذهب، ونص عليه، قال ابن تميم، وابن حمدان وغيرهما: ومدة تبيين خلق الإنسان غالباً ثلاثة أشهر، وقد قال المصنف في هذا الكتاب في باب العِدد: وأقل ما يتبين به الولد: واحد وثمانون يوماً، فلو وضعت علقة أو مضغة لا تخطيط فيها، لم يثبت لها بذلك حكم النفاس.] الإنصاف ١/٣٨٧. وقال شمس الأئمة السرخسي: [فأما إذا أسقطت سقطاً، فإن كان قد استبان شيء من خلقه فهي نفساء فيما ترى من الدم بعد ذلك، وإن لم يستبن شيء من خلقه فلا نفاس لها] المبسوط ٣/٢١٣.\r\rوأما الشافعية فيرون أن المرأة إذا أسقطت علقة أو مضغة فتعبر حينئذ نفساء قال الإمام النووي: [ (فرع) قال أصحابنا لا يشترط في ثبوت حكم النفاس أن يكون الولد كامل الخلقة ولا حياً بل لو وضعت ميتاً أو لحماً تصور فيه صورة آدمي أو لم يتصور وقال القوابل إنه لحم آدمي ثبت حكم النفاس هكذا صرح به المتولي وآخرون ... ] المجموع ٢/٥٣٢. ويرى المالكية أن كل ما تسقطه المرأة من دم مجتمع فما فوقه تعتبر به نفساء. شرح الخرشي على مختصر سيدي خليل ٤/١٤٣.\r\rوالذي يترجح لديَّ ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة أن المرأة تصير نفساء إذا أسقطت ما استبان منه عضو وأما إذا أسقطت ما لم يستبن منه عضو فلا تعتبر نفساء بل تعد مستحاضة وقد ذكر العلماء أن أقل مدة يمكن أن يستبين فيها خلق الجنين واحد وثمانون يوماً أي بعد انتهاء مرحلة العلقة من المراحل التي يمر بها الجنين كما ورد في الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات ويقال له اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) رواه البخاري ومسلم. وقد دلَّ هذا الحديث على أن المراحل التي يمر بها الجنين هي: أربعون يوماً نطفة وأربعون يوماً علقة وأربعون يوماً مضغة والمضغة قد تكون مخلقة وقد تكون غير مخلقة أي أن التخلق يكون بعد ثمانين يوماً كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ سورة الحج الآية ٥. وبعد ذلك تنفخ في الجنين الروح. وهذه المراحل هي التي ذكرها الله ﷻ بقوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًاءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ سورة المؤمنون الآيات ١٢-١٤. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وحديث ابن مسعود بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يوماً في ثلاثة أطوار كل طور منها في أربعين ثم بعد تكملتها ينفخ فيه الروح, وقد ذكر الله تعالى هذه الأطوار الثلاثة من غير تقييد بمدة في عدة سور, منها في الحج وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في كتاب الحيض في \" باب مخلقة وغير مخلقة \" ودلت الآية المذكورة على أن التخليق يكون للمضغة, وبين الحديث أن ذلك يكون فيها إذا تكاملت الأربعين وهي المدة التي إذا انتهت سميت مضغه, وذكر الله النطفة ثم العلقة ثم المضغة في سور أخرى وزاد في سورة قد أفلح – المؤمنون - بعد المضغة (فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً) الآية, ويؤخذ منها ومن حديث الباب أن تصير المضغة عظاماً بعد نفخ الروح, ووقع في آخر رواية أبي عبيدة المتقدم ذكرها قريباً بعد ذكر المضغة \" ثم تكون عظاماً أربعين ليلة ثم يكسوا الله العظام لحماً \" وقد رتب الأطوار في الآية بالفاء لأن المراد أنه لا يتخلل بين الطورين طور آخر , ورتبها في الحديث بثم إشارة إلى المدة التي تتخلل بين الطورين ليتكامل فيها الطور, وإنما أتى بثم بين النطفة والعلقة لأن النطفة قد لا تتكون إنساناً, وأتى بثم في آخر الآية عند قوله: (ثم أنشأناه خلقاً آخر) ليدل على ما يتجدد له بعد الخروج من بطن أمه ... ] فتح الباري ١١/٥٨٩. إذا تقرر هذا فإن الضابط المعتبر في التمييز بين الدم الذي يعد نفاساً والدم الذي يعد استحاضة هو أنه إذا كان الجنين قد تخلق فالدم دم نفاس، وإذا لم يتخلق الجنين فالدم دم استحاضة وبناءً على ما مضى فإن المستحاضة تصلي وتصوم ويأتيها زوجها حيث إن المستحاضة في حكم الطاهر [قال البركوي من علماء الحنفية: الاستحاضة حدث أصغر كالرعاف. فلا تسقط بها الصلاة ولا تمنع صحتها أي على سبيل الرخصة للضرورة، ولا تحرم الصوم فرضاً أو نفلاً، ولا تمنع الجماع - لحديث حمنة: أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يأتيها - ولا قراءة قرآن، ولا مس مصحف، ولا دخول مسجد، ولا طوافاً إذا أمنت التلويث. وحكم الاستحاضة كالرعاف الدائم، فتطالب المستحاضة بالصلاة والصوم. وكذلك الشافعية، والحنابلة، قالوا: لا تمنع المستحاضة عن شيء، وحكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات ... وقال المالكية كما في الشرح الصغير: هي طاهر حقيقة.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٣/٢٠٩.\r\rويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله: إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي. قال وقال أُبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت) رواه البخاري، وجاء في رواية الترمذي: (عن عائشة قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال لا إنما ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي. قال أبو معاوية في حديثه: وقال توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت) ... قال أبو عيسى – أي الترمذي - حديث عائشة حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين وبه يقول سفيان الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي أن المستحاضة إذا جاوزت أيام أقرائها اغتسلت وتوضأت لكل صلاة) سنن الترمذي ١/٢١٧-٢٢٠. وقال المباركفوري في شرح الحديث: [وفي الحديث دليل على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض وتعمل على إقباله وإدباره فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث فتتوضأ لكل صلاة لكنها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤادة أو مقضية لظاهر قوله (ثم توضئي لكل صلاة) وبهذا قال الجمهور. ... ] تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ١/٣٣٢.\rوخلاصة الأمر أن الحامل إذا أجهضت جنيناً تام الخلق فهي نفساء فلا تصلي ولا تصوم وإذا أجهضت جنيناً قد استبان منه عضو فهي نفساء أيضاً وأما إذا أجهضت جنيناً لم يستبن منه عضو فهي مستحاضة تصلي وتصوم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345681,"book_id":3840,"shamela_page_id":61,"part":"5","page_num":2,"sequence_num":61,"body":"٢ - حكم الإفرازات المهبلية\rتقول السائلة: ما حكم الإفرازات المهبلية التي تخرج من المرأة من حيث طهارتها أو نجاستها ومن حيث نقضها للوضوء أو عدم نقضها للوضوء، أفيدونا؟ الجواب: الإفرازات المهبلية التي تخرج من المرأة قد تكون طبيعية وقد تكون مرضية فالإفرازات الطبيعية عادة ما تكون عديمة اللون والرائحة وتزيد وتنقص نتيجة تغير نسبة الهرمونات خلال فترة الدورة الشهرية. والإفرازات غير الطبيعية تنتج عن إصابة المهبل بأحد الميكروبات الفطرية أو الطفيلية أو البكتيرية كما يقول الأطباء وسواء كانت هذه الإفرازات - التي يسميها الفقهاء رطوبة فرج المرأة - طبيعية أو مرضية فهي ناقضة للوضوء على الراجح من قولي العلماء قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ سورة المائدة الآية ٦ ولفظ الغائط يجمع بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى ويدخل في ذلك الإفرازات المهبلية\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال أبو القاسم: والذي ينقض الطهارة ما خرج من قبل أو دبر وجملة ذلك أن الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح فهذا ينقض الوضوء إجماعاً قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن خروج الغائط من الدبر وخروج البول من ذكر الرجل وقبل المرأة وخروج المذي , وخروج الريح من الدبر أحداث ينقض كل واحد منها الطهارة ويوجب الوضوء ودم الاستحاضة ينقض الطهارة في قول عامة أهل العلم إلا في قول ربيعة الضرب الثاني: نادر كالدم والدود والحصا والشعر فينقض الوضوء أيضا , وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وكان عطاء والحسن وأبو مجلز والحكم وحماد والأوزاعي وابن المبارك يرون الوضوء من الدود يخرج من الدبر ولم يوجب مالك الوضوء من هذا الضرب لأنه نادر , أشبه الخارج من غير السبيل. ولنا أنه خارج من السبيل أشبه المذي ولأنه لا يخلو من بلة تتعلق به فينتقض الوضوء بها وقد (أمر النبي ﷺ المستحاضة بالوضوء لكل صلاة ودمها نادر غير معتاد] المغني ١/١٢٥.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﵌: (لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) رواه البخاري ومسلم. والمراد بالحدث الخارج من أحد السبيلين كما قال الشوكاني في نيل الأوطار ١/٢٢١.\rوقد اختلف الفقهاء في الإفرازات المهبلية أطاهرة هي أم نجسة؟ والذي أميل إليه هو القول بنجاستها من باب الاحتياط وخاصة أن أهل العلم قالوا إن الإفرازات المهبلية منها ما يخرج من المهبل مخرج الولد ومنها ما يخرج من مخرج البول ويغلب على ظني أنه من الصعوبة بمكان أن تميز المرأة بين النوعين السابقين لذا أرى أن القول بنجاسة الإفرازات المهبلية أحوط فيلزم المرأة أن تتحفظ منها فإذا نزل من المرأة شيء من الإفرازات المهبلية فيلزمها الوضوء وتنظيف ما أصابت من ملابسها.\rوأود أن أنبه على أمرين هامين: الأول: إذا كانت الإفرازات المهبلية تنزل من المرأة بشكل مستمر ولا تنقطع فتكون المرأة حينئذ صاحبة عذر فتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي ولا يضرها ما نزل منها من الإفرازات المهبلية حتى لو نزلت أثناء الصلاة فصلاتها صحيحة قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إن المستحاضة ومن به سلس البول أو المذي أو الجريح الذي لا يرقأ دمه وأشباههم ممن يستمر منه الحدث ولا يمكنه حفظ طهارته , عليه الوضوء لكل صلاة بعد غسل محل الحدث وشده والتحرز من خروج الحدث بما يمكنه فالمستحاضة تغسل المحل ثم تحشوه بقطن أو ما أشبهه , ليرد الدم (لقول النبي ﷺ لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم فإن لم يرتد الدم بالقطن , استثفرت بخرقة مشقوقة الطرفين تشدها على جنبيها ووسطها على الفرج) وهو المذكور في حديث أم سلمة \" لتستثفر بثوب وقال لحمنة \" تلجمي \" لما قالت: إنه أكثر من ذلك فإذا فعلت ذلك ثم خرج الدم , فإن كان لرخاوة الشد فعليها إعادة الشد والطهارة وإن كان لغلبة الخارج وقوته وكونه لا يمكن شده أكثر من ذلك , لم تبطل الطهارة لأنه لا يمكن التحرز منه فتصلي ولو قطر الدم قالت عائشة: (اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه , فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي) رواه البخاري وفي حديث: (صلي وإن قطر الدم على الحصير) وكذلك من به سلس البول ... ويلزم كل واحد من هؤلاء الوضوء لوقت كل صلاة إلا أن يخرج منه شيء وبهذا قال الشافعي , وأبو ثور وأصحاب الرأي ... ولنا ما روى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ في (المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل , وتصوم وتصلي وتتوضأ عند كل صلاة) رواه أبو داود والترمذي , وعن عائشة قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فذكرت خبرها ثم قال: اغتسلي , ثم توضئي لكل صلاة وصلي) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح ولأنه خارج من السبيل , فنقض الوضوء كالمذي، إذا ثبت هذا فإن طهارة هؤلاء – أي أصحاب الأعذار - مقيدة بالوقت لقوله: \" تتوضأ عند كل صلاة \" وقوله: \" ثم توضئي لكل صلاة \" ولأنها طهارة عذر وضرورة , فتقيدت بالوقت كالتيمم.] المغني ١/٢٤٧-٢٤٨.\rالأمر الثاني هو بيان كيفية الغسل الصحيح فقد ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال حدثتني خالتي ميمونة قالت أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً ثم أدخل يده في الإناء ثم أفرغ به على فرجه وغسله بشماله ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه ثم غسل سائر جسده ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه..) رواه البخاري ومسلم. فالغسل الواجب يشترط فيه النية بأن ينوي رفع الحدث وأن يعمم جميع الجسد بالماء فهذا أقل ما يجزىء في الاغتسال.\rويدل على ذلك ما ورد في حديث عمران بن حصين ﵁ الطويل قال كنا في سفر مع النبي ﷺ ... فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم قال ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم قال أصابتني جنابة ولا ماء، قال عليك بالصعيد فإنه يكفيك ثم سار النبي ﷺ فاشتكى إليه الناس من العطش ... وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناءً من ماء قال اذهب فأفرغه عليك) رواه البخاري ومسلم فقوله ﷺ (فأفرغه عليك) يدل على أن مجرد إفراغ الماء على البدن يعد غسلاً صحيحاً.\rوأكمل منه الغسل المندوب وصفته أن يغسل المرء كفيه ثلاثاً قبل إدخالهما في الإناء ثم يفرغ الماء بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ويجوز أن يؤخر غسل رجليه إلى آخر الغسل ثم يفيض الماء على جميع بدنه.\rوخلاصة الأمر أن الإفرازات المهبلية ناقضة للوضوء ونجسة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345682,"book_id":3840,"shamela_page_id":62,"part":"5","page_num":3,"sequence_num":62,"body":"٣ - حكم دخول الحائض للمسجد وقرائتها القرآن الكريم\rوردتني عدة أسئلة من مجموعة من الأخوات حول قراءة الحائض للقرآن الكريم ومسها للمصحف الشريف ودخولها المسجد وطلبن توضيح هذه المسائل. الجواب: هذه المسائل مما اختلف فيها أهل العلم وتعددت الأقوال فيها ولكل قول حجته ودليله والقول الذي أرجحه في هذه المسائل هو التالي: أولاً: يجوز للحائض أن تقرأ القرآن الكريم من حفظها على أصح قولي العلماء في المسألة وهو مذهب الإمام مالك ورواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ورجح هذا القول الشوكاني والشيخ الألباني وهو الذي أرجحه حيث إنه لم يثبت دليل صحيح على منع الحائض من قراءة القرآن الكريم من حفظها وأما ما روي في الحديث أنه ﷺ قال (لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم فهو حديث ضعيف عند المحدثين قال البيهقي [فيه نظر، قال محمد بن إسماعيل البخاري فيما بلغني عنه: إنما روى هذا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، ولا أعرفه من حديث غيره وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق ... وقد روي عن غيره عن موسى بن عقبة وليس بصحيح وروي عن جابر بن عبد الله من قوله في الجنب والحائض والنفساء وليس بقوي] السنن الكبرى ١/٨٩. وعلق العلاة الألباني على كلام البيهقي السابق بقوله [قلت وهذا من روايته عن أهل الحجاز فهي ضعيفة، وقال العقيلي: قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش يعني أنه وهم من إسماعيل بن عياش ... ] إرواء الغليل ١/٢٠٧. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الحديث السابق [وهو ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢١/٤٦٠. وقال الشوكاني [الحديث في إسناده إسماعيل بن عياش وروايته عن الحجازيين ضعيفة وهذا منها وذكر البزار أنه تفرد به عن موسى بن عقبة وسبقه إلى نحو ذلك البخاري وتبعهما البيهقي لكن رواه الدارقطني من حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى ومن وجه آخر وفيه مبهم عن أبي معشر وهو ضعيف عن موسى ... وقال أبو حاتم: حديث إسماعيل بن عياش هذا خطأ وإنما هو من قول ابن عمر. وقال أحمد بن حنبل: هذا باطل أنكر على إسماعيل بن عياش. والحديث يدل على تحريم القراءة على الجنب وقد عرفت بما ذكرنا أنه لا ينتهض للاحتجاج به على ذلك وقد قدمنا الكلام على ذلك في الحديث قبل هذا. ويدل أيضًا على تحريم القراءة على الحائض وقد قال به قوم، والحديث هذا والذي بعده لا يصلحان للاحتجاج بهما على ذلك فلا يصار إلى القول بالتحريم إلا لدليل] نيل الأوطار ١/٢٦٦- ٢٦٧. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين [وقال شيخ الإسلام: إنه ليس في منع الحائض من القراءة نصوص صريحة صحيحة وإذا كان كذلك فلها أن تقرأ القرآن لما يلي: ١. أن الأصل الحل حتى يقوم دليل على المنع. ٢. أن الله أمر بتلاوة القرآن مطلقاً، وقد أثنى الله على من يتلو كتابه فمن أخرج شخصاً عن عبادة الله بقراءة القرآن فإننا نطالبه بالدليل وإذا لم يكن هناك دليل صحيح صريح على المنع، فإنها مأمورة بالقراءة. فإن قيل: ألا يمكن أن تقاس على الجنب بجامع لزوم الغسل لكل منهما بسبب خارج؟ أجيب: أنه قياس مع الفارق لأن الجنب باختياره أن يزيل هذا المانع بالاغتسال، وأما الحائض فليس باختيارها أن تزيل هذا المانع، وكذا فإن الحائض مدتها تطول غالباً، والجنب مدته لا تطول لأنه سوف تأتيه الصلاة، ويلزم بالاغتسال والنفساء من باب أولى أن يرخص لها، لأن مدتها أطول من مدة الحائض وما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ مذهب قوي. ولو قال قائل: ما دام العلماء مختلفين، وفي المسألة أحاديث ضعيفة، فلماذا لا نجعل المسألة معلقة بالحاجة، فإذا احتاجت إلى القراءة كالأوراد، أو تتحفظ ما حفظته حتى لا تنسى، أو تحتاج إلى تعليم أولادها أو البنات في المدارس فيباح لها ذلك، وأما مع عدم الحاجة فتأخذ بالأحوط، وهي لن تحرم بقية الذكر. فلو ذهب ذاهب إلى هذا لكان مذهباً قوياً] الشرح الممتع ١/ ٢٩١-٢٩٢.\rثانياً: قراءة الحائض للقرآن من المصحف مع مسه: إن كثيراً من أهل العلم لا يجيزون للحائض أن تمس المصحف لقوله تعالى ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ سورة الواقعة الآية ٧٩. واحتجوا بما ورد في الحديث أنه ﷺ قال (لا يمس القرآن إلا طاهر) رواه الدارقطني ومالك والطبراني وغيرهم وقال عنه العلامة الألباني: [وجملة القول: أن الحديث طرقه كلها لا تخلو من ضعف، ولكنه ضعف يسير إذ ليس في شيء منها من اتهم بكذب، وإنما العلة الإرسال أو سوء الحفظ، ومن المقرر في علم المصطلح أن الطرق يقوي بعضها بعضاً إذا لم يكن فيها متهم كما قرره النووي في تقريبه ثم السيوطي في شرحه، وعليه فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث لا سيما وقد احتج به إمام السنة أحمد بن حنبل كما سبق، وصححه أيضاً صاحبه الإمام إسحق بن راهويه] إرواء الغليل ١/١٦٠-١٦٢.\rوذهب جماعة آخرون من أهل العلم إلى جواز مس الحائض للمصحف وهو قول المزني صاحب الشافعي وداود وابن حزم الظاهريان وقولهم قول قوي ولهم أدلتهم وأهمها: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال (المؤمن لا ينجس) رواه البخاري ومسلم وفي رواية في صحيح البخاري (إن المسلم) وكذلك فإن هؤلاء العلماء قد أجابوا عن أدلة المانعين بأن الآية الكريمة ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ ليست في محل النزاع لأن المراد بها اللوح المحفوظ والمطهرون هم الملائكة. وأما حديث (لا يمس القرآن إلا طاهر) فالصحيح أن كلمة طاهر لفظ مشترك يطلق على المؤمن وعلى الطاهر من الحدث الأكبر وعلى الطاهر من الحدث الأصغر وعلى من ليس على بدنه نجاسة وصرفه إلى واحدٍ من هذه المعاني يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك فلا يسلم الاحتجاج به على منع الحائض من مس المصحف قال الشوكاني [والحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرًا ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة ... ولو سلم صدق اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثاً أكبر أو أصغر فقد عرفت أن الراجح كون المشترك مجملاً في معانيه فلا يعين حتى يبين. وقد دل الدليل ههنا أن المراد به غيره لحديث (المؤمن لا ينجس) ولو سلم عدم وجود دليل يمنع من إرادته لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحاً بلا مرجح وتعيينه لجميعها استعمالاً للمشترك في جميع معانيه وفيه الخلاف ولو سلم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه لما صح لوجود المانع وهو حديث (المؤمن لا ينجس) . قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر لا يصح لا حقيقة ولا مجازاً ولا لغة صرح بذلك في جواب سؤال ورد عليه فإن ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائماً فلا يتناوله الحديث سواء كان جنباً أو حائضاً أو محدثاً أو على بدنه نجاسة] نيل الأوطار ١/٢٤٣-٢٤٤.\rثالثاً: دخول الحائض للمسجد: يجوز للحائض أن تدخل المسجد إن أمنت من تلويثه على الراجح من أقوال أهل العلم للمسجد وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه وهو قول المزني صاحب الإمام الشافعي وبه قال الإمام داود وابن حزم الظاهريان.\rواختار هذا القول العلامة الألباني كما في تمام المنة ص ١١٩. ويدل على الجواز البراءة الأصلية لأن الأصل عدم التحريم ولم يقم دليل صحيح صريح على تحريم دخول الحائض للمسجد وأما ما روي في الحديث أنه ﷺ قال (لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض) فهو حديث ضعيف لا يثبت عن النبي ﷺ وممن ضعفه الخطابي والبيهقي وعبد الحق الاشبيلي والنووي والألباني وبالغ ابن حزم فقال: [إنه باطل] أنظر المحلى ١/٤٠١،، خلاصة الأحكام ١/٢٠٦-٢١٠ إرواء الغليل ١/١٦٢. ومما يدل على الجواز أيضاً أن العلماء أجازوا للكافر دخول المسجد رجلاً كان أو امرأة فالمسلم أولى وإن كان جنباً والمسلمة كذلك وإن كانت حائضاً. وغير ذلك من الأدلة.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للحائض أن تقرأ القرآن من حفظها ويجوز لها أن تمسه ولكن خروجاً من الخلاف فأرى أن تمسه بحائل مثل كفوف اليدين ويجوز لها أن تدخل المسجد بشرط أن تأمن من تلويثه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345683,"book_id":3840,"shamela_page_id":63,"part":"5","page_num":4,"sequence_num":63,"body":"٤ - القيء طاهر ولا ينقض الوضوء\rيقول السائل: هل قيء الآدمي طاهر أم نجس وهل يعتبر القيء من نواقض الوضوء؟ الجواب: القيء هو الطعام الذي يخرج من المعدة بعد استقراره فيها وذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن القيء نجس ووافقهم المالكية في حالة تغيره عن حال الطعام فإن لم يتغير فهو طاهر.\rوخالف في ذلك جماعة من أهل العلم فذهبوا إلى أن القيء طاهر وهو الذي أرجحه لأن القائلين بنجاسته ليس معهم دليل يعتمد عليه وأما الذين قالوا بأنه طاهر فاعتمدوا على قاعدة أن الأصل في الأعيان الطهارة حتى يأتي دليل ناقل عنها ولا دليل يخرج قيء الآدمي عن الطهارة إلى النجاسة.\rقال الشوكاني: [والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه] وقال صديق حسن خان شارحاً كلام الشوكاني ما نصه: [لأن كون الأصل الطهارة معلوم من كليات الشريعة المطهرة وجزئياتها ولا ريب أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم من أحكام الشرع والأصل البراءة من ذلك ولا سيما من الأمور التي تعم بها البلوى وقد أرشدنا رسول الله ﷺ إلى السكوت عن الأمور التي سكت الله تعالى عنها وأنها عفو فما لم يرد فيه شيء من الأدلة الدالة على نجاسته فليس لأحد من عباد الله تعالى أن يحكم بنجاسته بمجرد رأي فاسد أو غلط في الاستدلال كما يدعيه بع أهل العلم من نجاسة ما حرمه الله تعالى زاعماً أن النجاسة والتحريم متلازمان. وهذا الزعم من أبطل الباطلات فالتحريم للشيء لا يدل على نجاسته بمطابقة ولا تضمن ولا التزام فتحريم الخمر والميتة والدم لا يدل على نجاسة ذلك] الروضة الندية ١/١١٨.\rوقال الشوكاني في موضع آخر: [حق استصحاب البراءة الأصلية وأصالة الطهارة أن يطالب من زعم بنجاسة عين من الأعيان بالدليل فإن نهض به كما في نجاسة بول الآدمي وغائطه والروثة فذاك وإن عجز عنه أو جاء بما لا تقوم به الحجة فالواجب علينا الوقوف على ما يقتضيه الأصل والبراءة] السيل الجرار ١/٣١.\rوقال أيضاً: [قد عرفناك في أول كتاب الطهارة أن الأصل في جميع الأشياء هو الطهارة وأنه لا ينقل عن ذلك إلا ناقل صحيح صالح للاحتجاج به غير معارض بما يرجح عليه أو يساويه فإن وجدنا ذلك فبها ونعمت وإن لم نجد ذلك كذلك وجب علينا الوقوف في موقف المنع ونقول لمدعي النجاسة: هذه الدعوى تتضمن أن الله سبحانه أوجب على عباده واجباً هو غسل هذه العين التي تزعم أنها نجسة وأنه يمنع وجودها صحة الصلاة بها فهات الدليل على ذلك. فإن قال حديث عمار: (إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والقيء والدم والمني) قلنا: هذا لم يثبت من وجه صحيح ولا حسن ولا بلغ إلى أدنى درجة من الدرجات الموجبة للاحتجاج به والعمل عليه فكيف يثبت به هذا الحكم الذي تعم به البلوى وهو لا يصلح لإثبات أخف حكم على فرد من أفراد العباد] المصدر السابق ١/٤٣.\rوقال الألباني معلقاً على قول صاحب فقه السنة إن من النجاسات القيء: [قلت: لم يذكر المؤلف الدليل على ذلك اللهم إلا قوله: [إنه متفق على نجاسته] وهذه دعوى منقوضة فقد خالف في ذلك ابن حزم حيث صرح بطهارة قيء المسلم وهو مذهب الإمام الشوكاني في الدرر البهية وصديق خان في شرحها حيث لم يذكرا في النجاسات قيء الآدمي مطلقاً وهو الحق ثم ذكرا أن في نجاسته خلافاً ورجحا الطهارة بقولهما: [والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه] وذكر نحوه الشوكاني أيضاً في السيل الجرار. وهذا الأصل قد اعتمده المؤلف في غير ما مسألة مثل طهارة أبوال ما يؤكل لحمه وطهارة الخمر فيما ذكر هو بعد وهو أصل عظيم من أصول الفقه فلا أدري ما الذي حمله على تركه هنا مع أنه ليس في الباب ما يعارضه من النصوص الخاصة؟] تمام المنة ٥٣-٥٤.\rواحتج الجمهور على نجاسة القيء بما روي في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يا عمار إنما يغسل الثوب من الغائط والبول والقيء والدم والمني] رواه الدارقطني. وهو حديث ضعيف لا يصح الاستدلال به. قال الإمام النووي: [حديث عمار هذا رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده والدارقطني والبيهقي، قال البيهقي: هو حديث باطل لا أصل له وبين ضعفه الدارقطني والبيهقي] المجموع ٢/٥٤٩.\rوتكلم الحافظ ابن حجر على حديث عمار وبين ضعفه وذكر أن فيه رجلاً متهماً بالوضع وذكر أن العلماء اتفقوا على ترك حديثه. انظر التلخيص الحبير ١/٣٣. وانظر نصب الراية ١/٢١٠-٢١١.\rويؤيد ذلك أن القيء عند الأطباء عبارة عن الطعام الذي أكله الشخص ومعه العصارات الهاضمة وخاصة حامض الهيدروكلوريك. هذا ما يتعلق بكون القيء طاهر أم نجس وقد تبين لنا أنه باق على أصل الطهارة ولم يثبت دليل صحيح ناقل له عنها.\rوأما أن القيء ينقض الوضوء أم لا؟ فالراجح من أقوال أهل العلم أن القيء ليس من نواقض الوضوء حيث لم يثبت دليل صحيح على كونه من نواقض الوضوء قال الإمام النووي: [وأحسن ما اعتقده في المسألة أن الأصل أن لا نقض حتى يثبت بالشرع ولم يثبت، والقياس ممتنع في هذا الباب لأن علة النقض غير معقولة] المجموع ١/٥٥.\rوأما ما روي في الحديث عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء ?: (أن النبي ﷺ قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال: صدق أنا صببت له وضوءه) رواه أحمد والترمذي وغيرهما.\rوهو حديث مختلف فيه فمنهم من صححه ومنهم من ضعفه.\rوأجاب الحافظ ابن عبد البر عن حديث أبي الدرداء بقوله: (وهذا حديث لا يثبت عند أهل العلم بالحديث ولا في معناه ما يوجب حكماً. والنظر يوجب أن وضوءه ها هنا غسل فمه ومضمضته وهو أصل لفظ الوضوء في اللغة وهو مأخوذ من الوضاءة والنظر يوجب أن الوضوء المجتمع عليه لا ينتقض إلا بسنة ثابتة لا مدفع فيها أو إجماع ممن تجب الحجة بهم، ولم يأمر الله تعالى بإيجاب الوضوء من القيء ولا ثبت به سنة عن رسوله ﷺ ولا اتفق الجميع عليه. الاستذكار ٢/ ١٣٧\rوقال الإمام النووي: [وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث أبي الدرداء فمن أوجه أحسنها أنه ضعيف مضطرب قاله البيهقي وغيره من الحفاظ، والثاني لو صح لحمل على ما تغسل به النجاسة وهذا جواب البيهقي وغيره، والثالث أنه يحتمل الوضوء لا بسبب القيء فليس فيه أنه توضأ من القيء والجواب عن حديث ابن جريج من أوجه أحسنها أنه ضعيف باتفاق الحفاظ وضعفه من وجهين: أحدهما أن رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج وابن جريج حجازي ورواية إسماعيل عن أهل الحجاز ضعيفة عند أهل الحديث والثاني أنه مرسل قال الحفاظ: المحفوظ في هذا أنه عن ابن جريج عن أبيه عن النبي ﷺ ممن قال ذلك الشافعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي وعبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه وأبو زرعة وأبو أحمد بن عدي والدارقطني والبيهقي وغيرهم وقد بين الدارقطني والبيهقي ذلك أحسن بيان] المجموع ١/٥٥. وحديث ابن جريج الذي ذكره النووي وضعفه هو (إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس أو رعف فليتوضأ ثم ليبن على ما مضى ما لم يتكلم)\rوقال شيخ لإسلام ابن تيمية: [والأظهر أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر ولا النساء ولا خروج النجاسات من غير السبيلين ولا غسل الميت فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب لكن الاستحباب متوجه ظاهر] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٠/٥٢٦.\rوقال الشيخ ابن عثيمين مبيناً عدم نقض القيء للوضوء: [الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء قل أو كثر إلا البول والغائط وذلك أن الأصل عدم النقض فمن ادّعى خلاف الأصل فعليه الدليل وقد ثبتت طهارة الإنسان بمقتضى دليل شرعي وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي ونحن لا نخرج عما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لأننا متعبدون بشرع الله لا بأهوائنا فلا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارة لم تجب ولا أن نرفع عنهم طهارة واجبة. فإن قال قائل: قد ورد أن النبي ﷺ قاء فتوضأ؟ قلنا: هذا الحديث قد ضعفه أكثر أهل العلم ثم نقول: إن هذا مجرد فعل ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب لأنه خال من الأمر ثم إنه معارض بحديث وإن كان ضعيفاً: أن النبي ﷺ احتجم وصلى ولم يتوضأ وهذا يدل على أن وضوءه من القيء ليس للوجوب. وهذا القول هو الراجح أن الخارج من بقية البدن لا ينقض الوضوء وإن كثر سواء كان قيئاً أو لعاباً أو دماً أو ماء جروح أو أي شيء آخر إلا أن يكون بولاً أو غائطاً مثل أن يفتح لخروجهما مكان من البدن فإن الوضوء ينتقض بخروجهما منه] فتاوى الطهارة ص١٩٨.\rوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: [والصحيح أن الدم والقيء ونحوهما لا ينقض الوضوء قليلها ولا كثيرها لأنه لم يرد دليل بين على نقض الوضوء بها والأصل بقاء الطهارة وحديث: (إنه ﷺ قاء فتوضأ) نهاية ما يدل عليه استحباب الوضوء لخروج القيء لأن الفعل الذي تجرد من الأمر يدل على الاستحباب] غاية المرام ٢/٢٦.\rوقال الشيخ الألباني بعد أن ذكر حديث أبي الدرداء وصححه قال: [فائدة: استدل المصنف بالحديث على أن القيء ينقض الوضوء وقيده بما إذا كان فاحشاً كثيراً كل أحد بحسبه! وهذا القيد مع أنه لا ذكر له في الحديث البتة. فالحديث لا يدل على النقض إطلاقاً لأنه مجرد فعل منه ﷺ والأصل أن الفعل لا يدل على الوجوب وغايته أن يدل على مشروعية التأسي به وأما الوجوب فلا بد له من دليل خاص وهذا مما لا وجود له هنا ولذلك ذهب كثير من المحققين إلى أن القيء لا ينقض الوضوء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى له وغيرها] إرواء الغليل ١/١٤٨.\rوخلاصة الأمر أن القيء طاهر غير نجس وأنه ليس من نواقض الوضوء على الراجح من أقوال أهل العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345684,"book_id":3840,"shamela_page_id":64,"part":"5","page_num":5,"sequence_num":64,"body":"٥ - أدعية الوضوء\rيقول السائل: نسمع كثيراً من الناس عندما يتوضؤون يذكرون أدعية أثناء الوضوء فما حكم هذه الأدعية؟\r\rالجواب: الأدعية أثناء الوضوء مشهورة وذكرها بعض الفقهاء في كتبهم فمن ذلك ما ذكره الرافعي من الشافعية حيث قال: [أن يحافظ على الدعوات الواردة في الوضوء فيقول في غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وعند غسل اليد اليمنى اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً وعند غسل اليسرى: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري وعند مسح الرأس اللهم حرم شعري وبشري على النار. وروى اللهم احفظ رأسي وما حوى وبطني وما وعى وعند مسح الأذنين اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وعند غسل الرجلين اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام ورد بها الأثر عن السلف الصالحين] الشرح الكبير ١/٤٤٩-٤٥٠\rوذكر أبو حامد الغزالي الأدعية أثناء الوضوء بأكثر من ذلك فقال: [بعد ذكر البسملة في أوله ويقول عند ذلك أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ثم يغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما الإناء ويقول اللهم إني أسألك اليمن والبركة وأعوذ بك من الشؤم والهلكة.\rوذكر أنه عند المضمضة يقول: اللهم أعني على تلاوة كتابك وكثرة الذكر لك ثم يأخذ غرفة لأنفه ويستنشق ثلاثاً ويصعد الماء بالنفس إلى خياشيمه ويستنثر ما فيها ويقول في الإستنشاق اللهم أوجد لي رائحة الجنة وأنت عني راض وفي الاستنثار اللهم إني أعوذ بك من روائح النار ومن سوء الدار.\rوعند غسل وجهه يقول: اللهم بيض وجهي بنورك يوم تبيض وجوه أوليائك ولا تسود وجهي بظلماتك يوم تسود وجوه أعدائك.\rوعند غسل اليد اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً.\rوعند غسل اليد اليسرى: اللهم إني أعوذ بك أن تعطيني كتابي بشمالي أو من وراء ظهري.\rوعند مسح أذنيه: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اللهم أسمعني مناديا الجنة مع الأبرار. وعند مسح رقبته يقول: اللهم فك رقبتي من النار وأعوذ بك من السلاسل والأغلال.\rوعند غسل الرجل اليمنى يقول: اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم يوم تزل الأقدام في النار.\rوعند غسل الرجل اليسرى يقول: أعوذ بك أن تزل قدمي عن الصراط يوم تزل فيه أقدام المنافقين.\rفإذا فرغ رفع رأسه إلى السماء وقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سبحانك الهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي أستغفرك اللهم وأتوب إليك فاغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين واجعلني عبداً صبوراً شكوراً واجعلني أذكرك كثيراً وأسبحك بكرة وأصيلاً] إحياء علوم الدين ١/١٣٢-١٣٣.\rوهذه الأدعية التي تقال أثناء الوضوء غير ثابتة عن النبي ? قال الإمام النووي: [وأما الدعاء على أعضاء الوضوء فلم يجئ فيه شيء عن النبي ?] الأذكار ص ٢٤.\rوقال الحافظ ابن حجر معلقاً على الأدعية التي ذكرها الرافعي والمذكورة أعلاه: [قال النووي في الروضة هذا الدعاء لا أصل له ولم يذكره الشافعي والجمهور. وقال ابن الصلاح: لم يصح فيه حديث.\rقلت - أي الحافظ ابن حجر -: روي فيه عن علي من طرق ضعيفة جداً] التلخيص الحبير ١/١٠٠\rوقال العلامة ابن القيم: [ولم يحفظ أنه ? كان يقول على وضوءه شيئاً غير التسمية وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق لم يقل رسول الله ? شيئاً منه ولا علمه لأمته ولا ثبت عنه غير التسمية في أوله وقوله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، في آخره] .\rوقال النووي أيضاً: [وحذفت دعاء الأعضاء إذ لا أصل له] المنهاج مع شرحه ١/١٩٤.\rوقد خالف بعض المتأخرين من العلماء ما قاله النووي وغيره في نفي ثبوت الأحاديث الواردة أثناء الوضوء وقالوا إنه قد ورد ذلك ولكن بطرق ضعيفة والضعيف يعمل به في فضائل الأعمال وهذا منها.\rولكن يجاب على قولهم بأن تلك الأحاديث بطرقها المختلفة لا تخلو من كذاب أو متهم بالوضع كما بين ذلك السيوطي في رسالته الإغضاء عن دعاء الأعضاء. انظر الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٢/٢٧.\rوسئل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن قول النووي: [وحذفت دعاء الأعضاء إذ لا أصل له هل أراد بطلانه وكيف يقول الولي العراقي له أصل؟\rوالجواب إذا قال المحدث لا أصل للحديث الفلاني فمراده أنه ليس له طريق يعتمد لا أنه لم يرو أصلاً وحينئذ فإن كان النووي اطلع على الحديث وعرف شدة ضعفه وأن طرقه لا تخلو من شخص نسب إلى الكذب والتهمة بالكذب فالمراد بقوله لا أصل له أنه ليس بصحيح ولا حسن فيحتج به ولا ضعيف يصلح للعمل به في فضائل الأعمال وإن كان لم يطلع على طرقه التي أشرت إليها في تخريج أحاديث الأذكار فلا يضره لأنه ليس فيها ما يصلح للعمل به لا منفرداً ولا منضماً بعضه إلى بعض وقول من قال له أصل إن أراد به كونه ورد مع قطع النظر عن صلاحيته للعمل فمسلم ولكن لا يرد على النووي وإن أراد له أصلاً يعمل به فمردود. وقال ابن حجر في شرح العباب فيما نقله عن بعضهم فقول سائر المتأخرين إن تلك الطرق ضعيفة يعمل بها في الفضائل مردود وهو كما قال وغاية أمر تلك الطرق أنها شديدة الضعف والحديث إذا اشتد ضعفه لا يعمل به في الفضائل ولا في غيرها كما اقتضاه كلام المجموع في باب صلاة النفل وبذلك صرح السبكي ثم حيث قال وفي ابن ماجة كان ? يصلي قبل الجمعة أربعاً لا يفصل في شيء منهن وهو ضعيف جداً لا يصلح الاحتجاج به وقد نقل العلائي وغيره الاتفاق على أن شرط العمل بالضعيف أن يكون الضعف غير شديد قالوا فيخرج من انفرد من كذاب ومتهم به ومن فحش غلطه وقد علمت مما ذكرناه أن جميع روايات هذه الأدعية لا تخلو عن كذاب ومتهم به وحينئذ فقد بان صحة ما قاله المصنف - أي النووي - العلم المفرد الإمام أدام الله به وله النفع والرفعة على الدوام ورد ما اعترض به عليه] المصدر السابق ٢/٢٩.\rهذا بالنسبة للأدعية أثناء الوضوء. وأما بالنسبة للتسمية في أول الوضوء فأكثر أهل العلم على أنها سنة قال الإمام النووي [قد ذكرنا أن التسمية سنة وليست بواجبة فلو تركها عمداً صح وضوءه هذا مذهبنا وبه قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء وهو أظهر الروايات عن أحمد وعنه رواية أنها واجبة] المجموع ١/٣٤٦.\rوقد ورد في التسمية عند الوضوء عدة أحاديث ولكنها ضعيفة وقد ذكر الإمام النووي بعضها ثم قال:\r[وأسانيد هذه الأحاديث كلها ضعيفة وذكر البيهقي هذه الأحاديث ثم قال أصح ما في التسمية حديث أنس أن النبي ? وضع يده في الإناء الذي فيه الماء ثم قال: (توضؤوا باسم الله قال فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه والقوم يتوضؤون حتى توضؤا من عند آخرهم وكانوا نحو سبعين رجلاً) وإسناده جيد واحتج به البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار وضعف الأحاديث الباقية] المجموع ١/٣٤٤.\rوقال الحافظ ابن حجر بعد أن تكلم على أسانيد تلك الأحاديث: [والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً] التلخيص الحبير ١/٧٥.\rوقال الحافظ المنذري: [ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم شيء منها عن مقال فإنها تتعاضد بكثرة طرقها وتكتسب قوة والله أعلم] الترغيب والترهيب ١/١٦٤ وأيد كلامه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ص ٨٨.\rوأما الدعاء بعد الوضوء فقد ثبت في الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب ? أن النبي ? قال:\r(ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) رواه مسلم. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١/٤٧٢. وفي رواية للترمذي بزيادة (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) تحفة الأحوذي ١/١٥٠.\rوقال الشيخ الألباني عن زيادة الترمذي (حسن) صحيح الترغيب ص ٩٤.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345685,"book_id":3840,"shamela_page_id":65,"part":"5","page_num":6,"sequence_num":65,"body":"٦ - الغسل الشرعي\rتقول السائلة: أنها امرأة متزوجة وتعيش مع زوجها وأولادها وهي تخجل من الاستحمام فجراً وأن جارتها قالت لها يكفي أن تغسل رأسها لرفع الجنابة فهل هذا يكفي؟\r\rالجواب: الحياء من الإيمان كما ثبت ذلك في النصوص الشرعية فمن ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) رواه مسلم.\rوثبت في الحديث عن عبد الله بن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ مرّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله ﷺ دعه فإن الحياء من الإيمان) رواه البخاري ومسلم وورد في الحديث عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: (الحياء خير كله) رواه مسلم.\rوبناء على ما تقدم فإن الحياء مطلوب شرعاً ولكن يجب أن يوضع الحياء في محله فالحياء من الأمور الواجبة شرعاً ليس حياء وإنما هو جبن في الالتزام بالحكم الشرعي كما في حالة السائلة عن غُسل الجنابة وهو واجب شرعاً فلا يجوز الحياء منه. قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) سورة المائدة الآية ٦. وقال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) سورة البقرة الآية ٢٢٢. وصح في الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل) رواه مسلم.\rوالغسل الشرعي لا بد فيه من تطهير جميع البدن وغسل الرأس فقط لا يعتبر غسلاً شرعياً فإذا غسلت المرأة رأسها فقط وصلت فصلاتها باطلة شرعاً وقد صح في الحديث قول النبي ﷺ: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) رواه مسلم.\rوقد قرر العلماء أن الحياء إن كان من واجب شرعي فهو محرم. قال الإمام النووي: [وأما كون الحياء خيراً كله ولا يأتي إلا بخير فقد يشكل على بعض الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من يجله فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة وجواب هذا ما أجاب به جماعة من الأئمة منهم الشيخ أبو عمر بن لصلاح رحمه الله تعالى أن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة بل هو عجز وخور ومهانة وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازاً لمشابهته الحياء الحقيقي وإنما حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ونحو هذا] شرح النووي ١/٢٠٤. وقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) فهذه عائشة ﵂ تثني على نساء الأنصار في تعلمهن الأحكام الشرعية وأن الحياء لا يمنعهن من ذلك. وثبت في الحديث عن أم سلمة ﵂ قالت: جاءت أم سليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم إذا رأت الماء فقالت أم سلمة: يا رسول الله وتحتلم المرأة فقال: تربت يداك فبم يشبهها ولدها) رواه مسلم.\rوخلاصة الأمر أن حياء هذه المرأة ليس في محله وأما ما أشارت به جارتها من غسل الرأس فقط فلا يكفي في رفع الجنابة ولا بد من الغسل الكامل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345686,"book_id":3840,"shamela_page_id":66,"part":"5","page_num":7,"sequence_num":66,"body":"٧ - المسح على الجبيرة\rيقول السائل: إنه قد كسرت يده ووضعها في الجبس فكيف يصنع في الطهارة في حالتي الوضوء والغسل؟\r\rالجواب: إذا تعذر على المسلم غسل عضو من أعضاء بدنه لعذر كأن يكون العضو مكسوراً وموضوعاً في الجبس أو مجروحاً وعليه دواء ومنعه الأطباء من استعمال الماء أو محروقاً أو نحو ذلك فإنه يشرع له المسح عليه دون الغسل بالماء وهذا يسمى عند العلماء المسح على العصائب والجبائر.\rوالعصائب والجبائر قد تحتاج إلى مدة لإزالتها حسب حالة الجرح أو الكسر والمسلم في هذه المدة يحتاج إلى الطهارة سواء كانت الوضوء أو الغسل ودين الإسلام جاء باليسر والتسهيل على العباد فشرع المسح على العصائب والجبائر لرفع الحرج وإزالة المشقة عن الناس لأن في إزالة العصائب والجبائر حرجاً وضرراً يلحق بالمرضى.\rومما يدل على مشروعية المسح على العصائب والجبائر ما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: [من كان له جرح معصوب عليه توضأ ومسح على العصائب ويغسل ما حول العصائب] .\rوفي رواية أخرى عن ابن عمر: [أنه توضأ وكفه معصوبة فمسح على العصائب وغسل سوى ذلك] رواه البيهقي وقال: وهو عن ابن عمر صحيح. سنن البيهقي ١/٢٢٨.\rوقد ورد عن النبي ﷺ بعض الأحاديث الضعيفة في المسح على الجبائر ولكنها غير ثابتة.\rقال البيهقي: [ولا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء – أي باب المسح عى العصائب والجبائر – وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح وليس بالقوي وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين ممن بعدهم مع ما روينا عن ابن عمر في المسح على العصابة] سنن البيهقي ١/٢٢٨.\rوقد قال بمشروعية المسح على العصائب والجبائر جمهور أهل العلم بما فيهم أصحاب المذاهب الأربعة وقد روى البيهقي عن جماعة من كبار التابعين جواز المسح على الجبائر منهم عبيد بن عمير وطاووس والحسن البصري وإبراهيم النخعي.\rوالمسح على العصائب والجبائر واجب لا يصح الوضوء والغسل بدونه بالشروط التالية:\r١. أن يكون غسل العضو المريض الذي عليه عصابة أو جبيرة ضاراً بالإنسان بحيث يخشى من غسله زيادة الألم أو تأخر الشفاء.\r٢. أن لا تغطي الجبيرة أو العصابة من العضو الصحيح إلا ما لا بد منه وهذا معروف وخاصة في الجبيرة فإنه يحتاج فيها إلى تغطية جزء من العضو الصحيح بالإضافة إلى محل الكسر حتى تتماسك الجبيرة.\rوأما إذا تجاوزت الجبيرة المحل المصاب بدون حاجة فلا بد من نزعها عن المحل السليم لغسله ولا يصح مسحه هذا إذا كان نزعها لا يضر بالمريض.\rوصفة طهارة من كان على بدنه عصابة أو جبيرة أن يغسل الأعضاء السليمة ويمسح على العضو الموضوع في الجبيرة ويجب أن يستوعب جميع الجبيرة بالمسح على مذهب جمهور الفقهاء.\rوهذه بعض أحكام المسح على العصائب والجبائر:\r١. إن المسح على العصائب والجبائر غير مؤقت بمدة معينة بل يجوز المسح بدون توقيت ما دام هنالك حاجة للعصائب والجبائر فمثلاً قد يحتاج وضع الرجل المكسورة في الجبس إلى شهر أو شهرين فيمسح طوال تلك المدة بخلاف المسح على الخفين والجوربين فإنه محدد بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر. أي أن المسح على العصائب والجبائر مؤقت بالشفاء وليس بالأيام.\r٢. لا يشترط أن توضع العصائب والجبائر على طهارة سابقة على الراجح من أقوال أهل العلم لما في ذلك من الحرج والمشقة فإن الإنسان قد يصاب في حادث مفاجئ ويحمل إلى المستشفى وتوضع يده أو رجله في الجبس ولا يمكنه التطهر قبل ذلك.\r٣. يمسح على الجبيرة والعصابة في الوضوء والغسل بخلاف المسح على الخفين فلا يصح إلا في الوضوء فقط.\r٤. لا يجوز المسح على العصائب والجبائر إن برء العضو وشفي من الجرح أو الكسر لأن المسح عليها رخصة مرهونة بالعذر فإذا زال العذر بطل المسح.\r٥. إن مسح على العصابة أو الجبيرة ثم نزعها للبرء أو الشفاء فإن طهارته لا تنتقض لأنها تمت على وجه شرعي.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345687,"book_id":3840,"shamela_page_id":67,"part":"5","page_num":8,"sequence_num":67,"body":"٨ - النظافة لدخول المسجد\rيقول السائل: إن بعض المصلين يحضرون إلى المسجد بملابس ليست نظيفة وتخرج منهم روائح كريهة وخاصة في أيام الصيف الحارة فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن الإسلام دين النظافة ويظهر ذلك واضحاً جلياً في كثير من النصوص الشرعية التي تحث على النظافة والطهارة والتطيب وإزالة ما يجب إزالته من الروائح الكريهة أو ما يؤدي إليها فالمسلم يتوضأ في اليوم عدة مرات ليصلي ومطلوب منه أن يستعمل السواك عدة مرات أو ما يقوم مقام السواك من فرشاة أسنان ومعجون\rومطلوب من المسلم الاغتسال مرة في الأسبوع على أقل تقدير.\rوقد حثَّ الإسلام المسلمين على الطهارة والنظافة في البدن والثياب عند حضور مجامع المسلمين كصلاة الجماعة والجمعة والعيدين وغيرها وهذه بعض النصوص الشرعية التي تؤكد على هذه الحقيقة:\r١. يقول الله تعالى:: (يا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) سورة المائدة الآية ٦.\r٢. ويقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) سورة المدثر الآيات ١-٤.\r٣. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) رواه البخاري ومسلم.\r٤. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (غسلُ يوم الجمعة واجب على كل محتلم - أي بالغ - والسواك وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه) رواه البخاري ومسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده) رواه البخاري ومسلم.\r٦. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) رواه البخاري ومسلم.\rوغير ذلك من النصوص التي تحث المسلم وتوجب عليه الطهارة والنظافة بشكل عام وفي يوم الجمعة بشكل خاص نظراً لاجتماع المصلين في المسجد وحتى لا يؤذي بعضهم بعضاً بروائحهم الكريهة.\rوقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂: (كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء فيصيبهم الغبار والعرق فتخرج منهم الريح فأتى النبي ﷺ إنسان منهم وهو عندي فقال النبي ﷺ: لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا؟) رواه البخاري ومسلم.\rوقد حث الرسول ﷺ المسلم أن يلبس ملابس نظيفة وخاصة يوم الجمعة غير ملابسه التي يلبسها لعمله خلال أيام الأسبوع فقد جاء في الحديث عن عبد الله بن سلام ﵁: (أنه سمع النبي ﷺ يقول على المنبر يوم الجمعة: ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته) رواه أحمد وأبو داود وإسناده صحيح على شرط مسلم كما قال الشيخ الألباني في غاية المرام ص ٦٤.\rوعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه وإن كان له طيب مس منه) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح، الفتح الرباني ٦/٤٨.\rوكذلك فإن من السنة أن يتطيب المسلم عند ذهابه إلى المسجد لصلاة الجمعة ولغيرها فقد جاء في الحديث عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\r(لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى) رواه البخاري.\rوعن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحداً ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى) رواه أحمد ورجاله ثقات كما قال الهيثمي.\rكما وأن الرسول ﷺ نهى من أكل بصلاً أو ثوماً عن الحضور إلى المسجد لما في ذلك من إيذاء للمصلين بالروائح الكريهة فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) رواه البخاري ومسلم.\rوفي رواية عند مسلم: (من أكل هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقربن مساجدنا) .\rوفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم: (من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلين معنا) .\rوعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما\r- البصل والثوم - من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع) رواه البخاري ومسلم.\rوينبغي أن يعلم أن كل رائحة كريهة تلحق برائحة البصل والثوم فمن كانت رائحة جواربه ورجليه نتنة فينبغي له أن لا يدخل المسجد حتى يغسلهما وكذلك رائحة المدخنين الكريهة تلحق برائحة آكلي البصل والثوم وهكذا كل رائحة كريهة لأن المساجد تصان عن جميع الروائح الكريهة.\rقال القرطبي: [قال العلماء: إذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يتأذى به ففي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيهاً عليهم أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه - أي لا تفارقه - لسوء صناعته أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة حتى تزول.\rوكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كانت لصلاة أو غيرها كمجالس العلم والولائم وما أشبهها من أكل الثوم وما في معناه مما له رائحة كريهة تؤذي الناس) تفسير القرطبي ٢/٢٦٧- ٢٦٨.\rوأخيراً أذكر ما قاله الإمام الشافعي في حق من يحضر الجمعة وغيرها: (فنحب للرجل أن يتنظف يوم الجمعة بغسل وأخذ شعر وظفر وعلاج لما يقطع تغير الريح من جميع جسده وسواك وكل ما نظفه وطيبه وأن يمس طيباً مع هذا إن قدر عليه ويستحسن من ثيابه ما قدر عليه ويلبسها عليه ويطيبها اتباعاً للسنه ولا يؤذي أحداً قاربه بحال.\rوكذلك أحب له في كل عيد وآمره به وأحبه في كل صلاة جماعة وآمره به وأحبه في كل أمر جامع للناس وإن كنت له في الأعياد من الجمع وغيرها أشد استحباباً للسنة وكثرة حاضرها) الأم ١/١١٧.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345688,"book_id":3840,"shamela_page_id":68,"part":"5","page_num":9,"sequence_num":68,"body":"٩ - لا يشترط طهارة المرأة عند حضورها المحتضر\rيقول السائل: إنه سمع أحد أئمة المساجد يقول: إنه لا يجوز للمرأة الحائض أن تحضر عند المريض المحتضر الذي يكون على فراش الموت، فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن الحيض لا يمنع حضور المرأة عند المحتضر ولا أعلم دليلاً شرعياً على هذا المنع والحيض عند أهل العلم يمنع الصلاة والصيام ومس المصحف وقراءة القرآن، ولا أعلم أن أحداً من أهل العلم اشترط الطهارة من الحيض للحضور عند المحتضر، وكيف تُمنع المرأة من ذلك وقد يكون المحتضر أحد والديها أو زوجها أو أحد أبنائها أو أحد إخوتها أو أخواتها.\rوهذا الكلام لا يصح، إنما هو من أوهام العوام.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345689,"book_id":3840,"shamela_page_id":69,"part":"5","page_num":10,"sequence_num":69,"body":"١٠ - المسح على الجوربين ثابت شرعا\rيقول السائل: إنه سأل إمام المسجد عن المسح على الجوربين عند الوضوء فأجابه بأنه لا يجوز المسح على الجوارب التي اعتاد الناس لبسها ولا بد من غسل الرجلين، فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: بعض الناس يحجرون واسعاً على الأمة ويشددون عليهم ويظنون أن في هذا التشدد التزاماً تاماً بالدين.\rيقول الدكتور يوسف القرضاوي: [إن جمهور الناس في عصرنا أحوج ما يكونون إلى التيسير والرفق رعايةً لظروفهم وما غلب على أكثرهم من رقة الدين وضعف اليقين وما ابتلوا به من كثرة المغريات بالإثم والمعوقات عن الخير ولهذا كان على أهل الفقه والدعوة أن ييسروا عليهم في مسائل الفروع على حين لا يتساهلون في قضايا الأصول ومن كان يعمل بالأحوط فهذا حسن إذا كان ذلك لنفسه ولأولي العزم من المؤمنين أما من كان يفتي الناس عامة أو يكتب للجماهير كافة فينبغي أن يكون شعاره التيسير لا التعسير والتبشير لا التنفير اتباعاً لوصية النبي ﷺ لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن فقال: (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا) وقال: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) .\rوهذا يجعل الفقيه يستحضر الرخص فإن الله يحب أن تؤتى رخصه ويقدر الأعذار والضرورات ويبحث عن التيسير ورفع الحرج والتخفيف عن العامة (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) ... ويسرني أن أذكر هنا كلمة لإمام كبير انعقدت له الإمامة في ثلاثة مجالات في الفقه حيث كان له مذهب وأتباع لمدة من الزمن ثم انقرضوا، وفي الحديث والرواية، حيث كان يسمى أمير المؤمنين في الحديث وفي الورع والزهد حيث عد من أئمة التقوى وأعني به الإمام سفيان بن سعيد الثوري فقد روى عنه الإمام النووي في مقدمات المجموع هذه الكلمة المضيئة: إنما الفقه الرخصة من ثقة أما التشديد فيحسنه كل أحد!!] بيع المرابحة للآمر بالشراء ص ٢٢-٢٣.\rومسألة المسح على الجوربين فيها تيسير وتسهيل على الناس وخاصة في أيام الشتاء الباردة حيث إن كثيراً من الناس وخاصة كبار السن يجدون صعوبة في غسل أرجلهم عند كل وضوء فيمسحون على جواربهم ولا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى، والمسح على الجوربين ثابت بالسنة وبه عمل الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون ولا ينكره إلا جاهل لم يشم رائحة العلم الشرعي.\rوهذه بعض الأدلة والشواهد الشرعية على جواز المسح على الجوربين:\r١. قال أبو داود صاحب السنن باب المسح على الجوربين ثم روى بإسناده عن المغيرة بن شعبة ﵁: (أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح. ورواه ابن ماجة وابن حبان والبيهقي وابن خزيمة وابن أبي شيبة وغيرهم وصححه ابن حبان.\rقال العلامة أحمد محمد شاكر: [والحديث صحيح وإسناده كلهم ثقات] مقدمة رسالة المسح على الجوربين للقاسمي ص ٧، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٣٣.\r٢. وعن ثوبان ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الشيخ الألباني والشيخ شعيب الأرناؤوط، وقال الشيخ أحمد محمد شاكر: [حديث متصل صحيح الإسناد] مقدمة رسالة المسح على الجوربين ص ٦. وانظر صحيح ابن حبان ٤/١٦٧، صحيح سنن أبي داود ١/٣٠.\r٣. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول ﷺ: (توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه ابن ماجة والطحاوي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/٩١.\rوقد ثبت المسح على الجوربين عن جماعة كبيرة من الصحابة ﵃، قال الإمام النووي: [وحكى ابن المنذر إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة علي وابن مسعود وابن عمر وأنس وعمار بن ياسر وبلال والبراء وأبي أمامة وسهل بن سعد] المجموع ١/٤٩٩.\rوقال العلامة ابن القيم: [قال ابن المنذر روي المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي ﷺ علي وعمار وأبي مسعود الأنصاري وأنس وابن عمر والبراء وبلال وعبد الله ابن أبي أوفى وسهل بن سعد. وزاد أبو داود - صاحب السنن - أبو أمامة وعمرو بن حريث وعمر وابن عباس فهؤلاء ثلاثة عشر صحابياً والعمدة في الجواز على هؤلاء ﵃ ... وقد نص أحمد على جواز المسح على الجوربين وعلل رواية أبي قيس. وهذا من إنصافه وعدله ﵀ وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه ... ولا نعرف في الصحابة مخالفاً لمن سمينا] تهذيب سنن أبي داود ١/١٨٧-١٨٩.\rومن الروايات المنقولة عن الصحابة في المسح على الجوربين:\r١. ما رواه الدولابي في الكنى والأسماء من طريق أحمد بن شعيب عن عمرو بن علي أخبرني سهل بن زياد أبو زياد الطحان حدثنا الأزرق بن قيس قال: [رأيت أنس بن مالك أحدث فغسل وجهه ويديه ومسح على جوربين من صوف، فقلت: أتمسح عليهما فقال: إنهما خفان ولكن من صوف] .\rقال العلامة أحمد شاكر: [وهذا إسناد صحيح ... وهذا الحديث موقوف على أنس من فعله وقوله ولكن وجه الحجة فيه أنه لم يكتف بالفعل بل صرح بأن الجوربين خفان ولكنهما من صوف) مقدمة رسالة المسح على الجوربين ص١٣.\r٢. روى عبد الرزاق بإسناده عن كعب بن عبد الله قال: [رأيت علياً بال فمسح على جوربيه ونعليه ثم قام يصلي] مصنف عبد الرزاق ١/١٩٩، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ١/١٨٨.\r٣. وروى عبد الرزاق بإسناده عن خالد بن سعد قال: [كان أبو مسعود الأنصاري يمسح على جوربين له من شعر ونعليه] مصنف عبد الرزاق ١/١٩٩، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ١/١٨٨.\r٤. وروى عبد الرزاق بإسناده عن ابن عمر أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه. مصنف عبد الرزاق ١/١٩٩.\r٥. وروى عبد الرزاق عن أبي مسعود أنه كان يمسح على الجوربين والنعلين. مصنف عبد الرزاق ١/٢٠٠.\r٦. وروى عبد الرزاق بإسناده عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: [رأيت البراء بن عازب يمسح على جوربيه ونعليه] مصنف عبد الرزاق ١/٢٠٠، ورواه أبن أبي شيبة في مصنفه ١/١٨٩.\r٧. وروى عبد الرزاق بإسناده عن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفين. مصنف عبد الرزاق ١/٢٠١.\r٨. وروى ابن أبي شيبة بإسناده أن عمر توضأ يوم جمعة ومسح على جوربيه ونعليه. مصنف ابن أبي شيبة ١/١٨٨.\r٩. وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة بإسناديهما عن أنس بن مالك: [أنه كان يمسح على الجوربين قال: نعم، يمسح عليهما مثل الخفين] مصنف عبد الرزاق ١/٢٠٠، مصنف ابن أبي شيبة ١/١٨٨.\r١٠. وورى ابن أبي شيبة بإسناده عن أبي غالب قال: رأيت أبا أمامة يمسح على الجوربين. مصنف ابن أبي شيبة ١/١٨٨.\rوهنالك روايات أخرى كثيرة في المصنفين المذكورين والمحلى ١/٣٢٣ راجعها إن شئت.\rوقد قال بالمسح على الجوربين كبار الفقهاء من التابعين والأئمة المجتهدين وغيرهم كسعيد بن المسيب وعطاء والحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والأعمش والثوري والحسن بن صالح وعبد الله بن المبارك وإسحاق وأبي ثور وهو قول الإمام أحمد وأهل الظاهر وأبي يوسف ومحمد وزفر أصحاب أبي حنيفة، ورجع إليه أبو حنيفة في آخر أيامه وهو قول الإمام الشافعي بشروط، ومالك في أحد القولين عنه كما في الاستذكار لابن عبد البر ٢/٢٥٣..\rوقد ذكر الإمام الكاساني: [أن أبا حنيفة كان يقول بعدم جواز المسح على الجوربين وكان أبو يوسف ومحمد يخالفانه في ذلك ويريان جواز المسح وأن الإمام رجع عن قوله إلى قولهما في آخر عمره وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه ثم قال لعواده: فعلت ما كنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه] بدائع الصنائع ١/٨٣.\rوالقول بالمسح على الجوربين هو الذي عليه الفتوى عند الحنفية كما ذكره صاحب الهداية وشارحها ابن الهمام شرح فتح القدير١/١٣٩.\rوأما ما ذكره بعض الفقهاء من شروط للجوربين الذين يمسح عليهما بأن يكونا منعلين أو مجلدين أو ثخينين وغير ذلك من الشروط فلم يقم دليل صحيح على اعتبار هذه الشروط ولم يرد دليل على تقييد الجوربين بهذه الشروط.\rقال ابن حزم: [اشتراط التجليد خطأ لا معنى له لأنه لم يأت به قرآن ولا سنة ولا قياس صاحب. والمنع من المسح على الجوربين خطأ لأنه خلاف السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وخلاف الآثار ولم يخص ﵊ في الأخبار التي ذكرنا خفين من غيرهما] المحلى ١/٣٢٤.\rوعقب الشيخ القاسمي على كلام ابن حزم المذكور بقوله: [يؤيده أن كل المروي في المسح على الجوربين مرفوعاً إلى النبي ﷺ ليس فيه قيد ولا شرط ولا يفهم ذلك لا من منطوقه ولا من مفهومه ولا من إشارته وجلي أن النصوص تحمل على عمومها إلى ورود مخصص وعلى إطلاقها حتى يأتي ما يقيدها ولم يأت هنا مخصص ولا مقيد لا في حديث ولا أثر. هذا أولاً وثانياً قدمنا أن الإمام أبا داود روى في سننه عن عدة من الصحابة المسح على الجوربين مطلقاً غير مقيد كما قدمناه وهكذا كل من نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين المسح على الجوربين لم يروه بقيد ولا شرط مما يدل على أن تقييده لم يكن معروفاً في عصورهم التي هي خير القرون، وثالثاً الجورب بين بنفسه في اللغة والعرف كما نقلنا معناه عن أئمة اللغة والفقه ولم يشرط أحد في مفهومه ومسماه نعلاً ولا ثخانة وإذا كان موضوعه في الفقه واللغة مطلقاً فيصدق بالجورب الرقيق والغليظ والمنعل وغيره] رسالة المسح على الجوربين ٧٠ - ٧١.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [نعم يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما سواء أكانت مجلدة أو لم تكن في أصح قولي العلماء ففي السنن: أن النبي ﷺ مسح على جوربيه ونعليه وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك فإن الفرق بين الجوربين والنعلين إنما هو كون هذا من صوف وهذا من جلود ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة فلا فرق بين أن يكون جلوداً أو قطناً أو كتاناً أو صوفاً كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه ومحظوره ومباحه وغايته أن الجلد أبقى من الصوف فهذا لا تأثير له كما لا تأثير لكون الجلد قوياً بل يجوز المسح على ما يبقى وما لا يبقى. وأيضاً فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء. ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقاً بين المتماثلين، وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة، وما أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله.\rومن فرق بكون هذا ينفذ الماء منه وهذا لا ينفذ منه: فقد ذكر فرقاً طردياً عديم التأثير] مجموع الفتاوى ٢١/٢١٤.\rوسئل الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عما اشترطه بعض العلماء من كون الجورب والخف ساترين لمحل الفرض فأجاب بقوله: [هذا الشرط ليس بصحيح لأنه لا دليل عليه فإن اسم الخف أو الجورب ما دام باقياً فإنه يجوز المسح عليه لأن السنة جاءت بالمسح على الخف على وجه مطلق وما أطلقه الشارع فإنه ليس لأحد أن يقيده إلا إذا كان لديه نص من الشارع أو إجماع أو قياس صحيح وبناءً على ذلك فإنه يجوز المسح على الخف المخرق ويجوز المسح على الخف الخفيف لأن كثيراً من الصحابة كانوا فقراء وغالب الفقراء لا تخلو خفافهم من خروق فإذا كان هذا غالباً أو كثيراً في قوم في عهد الرسول ﷺ ولم ينبه عليه الرسول ﷺ دل ذلك على أنه ليس بشرط، ولأنه ليس المقصود من الخف ستر البشرة، وإنما المقصود من الخف أن يكون مدفئاً للرجل ونافعاً لها، وإنما أجيز المسح على الخف لأن نزعه يشق وهذا لا فرق فيه بين الجورب الخفيف والجورب الثقيل ولا بين الجورب المخرق والجورب السليم والمهم أنه ما دام اسم الخف باقياً فإن المسح عليه جائز لما سبق من الدليل] مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ص ١٦٥-١٦٦.\rوخلاصة الأمر أن المسح على الجوربين جائز ولا حرج فيه أبداً، وأقول للقراء امسحوا على جواربكم مطمئنين.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345690,"book_id":3840,"shamela_page_id":70,"part":"5","page_num":11,"sequence_num":70,"body":"١١ - الحيض\rحكم عدم انتظام الحيض, تقول السائلة: عند اقتراب المرأة من سن اليأس يختل انتظام العادة الشهرية فتزداد الأيام التي ينزل فيها الدم وقد تستمر إلى عشرين يوماً بل وأكثر وتكون الأيام التي لا ينزل فيها الدم قليلة فكيف تصلي المرأة وتصوم في هذه الحال؟\r\rالجواب: قال الله ﷾: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) سورة البقرة الآية ٢٢٢.\rفهذه الآية الكريمة ذكرت أن نهاية المنع من قربان الحائض هو الطهر وبالتالي ما دام أن هذا الدم الذي تراه المرأة هو دم حيض فهي حائض وإن زادت أيامه فلا تصلي ولا تصوم حتى تتطهر فإن الراجح من أقوال أهل العلم أن الحيض لا حد لأكثره ولا حد لأقله لأن علة الحكم المذكور في الآية السابقة هي الحيض وجوداً وعدماً فمتى وجد الحيض ثبت الحكم الشرعي ومتى عدم الحيض أي طهرت زال الحكم وانتفى.\rوقد اختار طائفة من أهل العلم هذا القول ورجحوه لأن الحيض أمر طبيعي خلقه الله في النساء ويختلف من امرأة إلى أخرى وللبيئة أثر في اختلاف عادات النساء.\rومما يدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت:\r(قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة. قالت: فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: إفعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) رواه البخاري. فبين النبي ﷺ أن غاية المنع من الطواف الطهر أي انقطاع الحيض.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [فصل جامع نافع: الأسماء التي علق الله بها الأحكام في الكتاب والسنة منها ما يعرف حده ومسماه بالشرع فقد بينه الله ورسوله كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ... ومنه ما يرجع حده إلى عادة الناس وعرفهم فيتنوع بحسب عادتهم ... ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة ولم يقدر لا أقله ولا أكثره ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه واللغة لا تفرق بين قدر وقدر فمن قدر في ذلك حداً فقد خالف الكتاب والسنة والعلماء منهم من يحد أكثره وأقله ثم يختلفون في التحديد ومنهم من يحد أكثره دون أقله والقول الثالث أصح: أنه لا حد لأقله ولا لأكثره بل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض وإن قدر أنه أقل من يوم استمر بها على ذلك فهو حيض وإن قدر أن أكثره سبعة عشر استمر بها على ذلك فهو حيض وأما إا استمر الدم بها دائماً فهذا قد علم أنه ليس بحيض لأنه قد علم من الشرع واللغة أن المرأة تارة تكون طاهراً وتارة تكون حائضاً ولطهرها أحكام ولحيضها أحكام] .\rثم قال شيخ الإسلام: [والأصل في كل ما يخرج من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة لأن ذلك هو الدم الأصلي الجبلي وهو دم ترخية الرحم ودم الفساد دم عرق ينفجر وذلك كالمرض والأصل الصحة لا المرض فمتى رأت المرأة الدم جارياً من رحمها فهو حيض تترك لأجله الصلاة ... ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٩/٢٣٥-٢٣٨.\rوبناءً على كل ما سبق فإن هذه المرأة تترك الصلاة والصوم ولا يأتيها زوجها ما دام أن الدم الذي ينزل عليها دم حيض وإن تجاوز مدة العادة الشهرية، وأما إن اختلف الدم كأن يكون دم فساد وعلة - أي نزيف - فهو استحاضة لما ثبت في الحديث أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت لرسول الله ﷺ: (يا رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي) رواه البخاري.\rففي هذا الحديث أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض فإذا انقضى قدر دم الحيض اغتسلت منه وصلت وتتوضأ لوقت كل صلاة. فتح الباري ١/٤٢٥.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345691,"book_id":3840,"shamela_page_id":71,"part":"5","page_num":12,"sequence_num":71,"body":"١٢ - لا تشترط الطهارة للمس شريط تسجيل القرآن\rيقول السائل: هل يشترط لمس الشريط المسجل عليه القرآن الكريم الطهارة؟\r\rالجواب: لا شك أن ما نسمعه من الشريط المسجل عليه آيات من كتاب الله بصوت القارىء هو القرآن الكريم ولكن هذا الشريط لا يأخذ نفس الحكم المتعلق بالقرآن الكريم من حيث أنه لا يجوز مسه إلا على طهارة كما هو مذهب أكثر أهل العلم فيجوز مس الشريط بدون طهارة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345692,"book_id":3840,"shamela_page_id":72,"part":"5","page_num":13,"sequence_num":72,"body":"١٣ - صلاة فاقد الطهورين\rيقول السائل: ماذا يفعل الشخص الذي لا يجد ماء للوضوء أو الغسل ولا يستطيع أن يتيمم كالمسجون المقيد ونحوه بالنسبة للصلاة وهل يصلي أم لا؟ نرجو التوضيح والبيان؟\r\rالجواب: لا تخفى أهمية الصلاة ومكانتها في شريعتنا الإسلامية ولا تسقط الصلاة عن أحد إلا إذا خرج عن دائرة التكليف وهذا الشخص المسجون المقيد يصلي على حاله بقدر الاستطاعة وإن لم يستطع الوضوء والتيمم حتى لو كان عليه نجاسة لا يستطيع إزالتها لأن تأخير الصلاة حرام لا يجوز فإذا دخل الوقت يصلي هذا الشخص وأمثاله الصلاة المفروضة فقط كما هو مذهب طائفة من أهل العلم قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب إذا لم يجد ماءً ولا تراباً] ثم روى بسنده عن عائشة ﵂: (أنها استعارت من أسماء ﵂ قلادة فهلكت - أي ضاعت - فبعث رسول الله صلى الله عليه رجالاً فوجدوها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا وشكوا ذلك إلى الرسول ﷺ فأنزل الله آية التيمم) ورواه مسلم وغيره.\rقال الحافظ ابن حجر: [فيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورين ووجهه أنهم صلوا معتقدين وجوب ذلك ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي ﷺ] فتح الباري ١/٤٥٦.\rفهؤلاء الصحابة صلّوا بدون وضوء وبدون تيمم فأقرهم الرسول ﷺ على ذلك فهذا يدل على أن الصلاة لا تسقط عن فاقد الطهوين - الماء والتراب - ويدل على ذلك أيضاً قول الرسول ﷺ: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) رواه البخاري ومسلم.\rويصلي هذا المسجون المربوط بالكيفية التي يستطيعها فإذا استطاع القيام والركوع والسجود فعل، وإلا فإنه يصلي على حسب حاله ويجوز له أن يصلي إيماء ويكون إيماؤه بالسجود أخفض من الركوع.\rوهذا الشخص وأمثاله لا إعاده عليهم حسب ظاهر حديث عائشة فالرسول ﷺ لما أخبروه أنهم صلوا بدون طهارة لم يأمرهم بالإعادة، ولأن في الإعادة نوع من الحرج والمشقة.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345693,"book_id":3840,"shamela_page_id":73,"part":"5","page_num":14,"sequence_num":73,"body":"١٤ - طهارة المريض\rيقول السائل: كيف يتطهر الإنسان المريض العاجز؟\r\rالجواب: إن دين الإسلام قائم على اليسر والسهولة ورفع الحرج، قال تعالى: (جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وبناء على ذلك فإن المريض يتطهر بقدر الإمكان فإذا أمكنه أن يتطهر الطهور الكامل فبها ونعمت وإلا فبقدر الاستطاعة. فإذا لم يستطع أن يتوضأ بنفسه فيوضئه غيره. وعليه أن يطهر بدنه من النجاسة وأن يصلي بثياب طاهرة فإن كان لا يستطيع صلّى على حاله وصلاته صحيحة وكذلك الحال بالنسبة للمكان إن أمكن تطهيره فإنه يطهر وإلا صلى فيه. ولا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة بل يتطهر بقدر ما يمكنه ثم يصلي الصلاة في وقتها ولو كان على بدنه أو ثوبه أو مكانه نجاسة يعجز عن إزالتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345694,"book_id":3840,"shamela_page_id":74,"part":"5","page_num":15,"sequence_num":74,"body":"١٥ - طهارة المريض\rيقول السائل: إنه مريض ويرقد في المستشفى ولا يستطيع استعمال الماء للوضوء لأن الأطباء قد منعوه من استعماله فكيف يتيمم للصلاة؟\r\rالجواب: يقول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة المائدة آلآية ٦. إذا تعذر على المسلم استعمال الماء لأي سبب من الأسباب المبيحة للتيمم فإنه يتيمم والأصل في التيمم استعمال الصعيد الطيب كما في الآية السابقة. وهذا المريض عليه أن يتيمم بالتراب إن استطاع ذلك سواء وصل إلى التراب بنفسه أو أحضر له التراب فإن تعذر ذلك تيمم بالأرض الطاهرة وإن تعذر ذلك تيمم على الفراش والله ﷾ يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) . والراجح في صفة التيمم أنه ضربة واحدة يضرب الأرض بيديه فيمسح بهما وجهه وكفيه لقول النبي ﷺ لعمار: (إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ضربة واحدة ثم تمسح بهما وجهك وكفيك) رواه البخاري ومسلم. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345695,"book_id":3840,"shamela_page_id":75,"part":"5","page_num":16,"sequence_num":75,"body":"١٦ - لمس عورة الطفل لا ينقض الوضوء\rتقول السائلة: إنها غسلت ابنها الصغير وهي متوضأة فهل ينتقض وضوؤها إذا لمست عورة صغيرها؟\r\rالجواب: إذا غسلت المرأة ابنها الصغير أو ابنتها وكانت على وضوء ولمست عورة ابنها أو ابنتها فلا ينتقض وضوؤها وعليها غسل يديها فقط.\rقال الإمام الأوزاعي: [لا وضوء من مس ذكر الصغير لأنه يجوز مسه والنظر إليه] .\rكما وأن المرأة عندما تغسل طفلها الصغير أو طفلتها تكون أبعد ما تكون عن مس عورتهما بشهوة فلا شيء عليها ووضؤوها على حاله لا ينتقض بذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345696,"book_id":3840,"shamela_page_id":76,"part":"5","page_num":17,"sequence_num":76,"body":"١٧ - المسح على الجوربين ثابت شرعا\rوردتني عدة تساؤلات تتعلق بالمسح على الخفين والجوربين أذكرها وأجيب عنها:\r\rأولاً: ما حكم المسح على الأحذية \" الكنادر \"؟\rالجواب: يجوز المسح على الأحذية \" الكنادر \" إذا كانت تغطي الجزء المفروض غسله من الرجلين وهو ما دون الكعبين - والكعب هو العظم الناتئ في أسفل الساق - ويجوز المسح على ما يسمى باللغة الدارجة \" البوط \" وما يشبهه من الأحذية التي تغطي الكعبين لأن المقصود بالمسح على الخفين الوارد في النصوص هو التخفيف عن الناس ورفع الحرج والمشقة فالصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم جواز المسح على كل ما يلبس على الرجلين بل إن بعض العلماء لا يشترط الشرط الذي ذكرته وهو أن يكون ساتراً لمحل الفرض في غسل الرجلين ورأيه وجيه.\rثانياً: ما صفة الجوارب التي يمسح عليها وهل يجب أن تكون سميكة كالجوارب الصوفية أم يجوز المسح على الجوارب الرقيقة؟\rالجواب: إن المسح على الجوربين كما هو معلوم ثابت عن الرسول ﷺ ومنقول عن جماعة من الصحابة ﵃ ولم يرد عنهم فيما أعلم صفة الجورب الذي يجوز المسح عليه من حيث كونه ثخيناً أو رقيقاً والأصل أن ما جاء عن الشارع بدون تقييد أن يبقى على إطلاقه ويترتب على ذلك جواز المسح على مطلق جورب ويؤيد ذلك أنه نقل عن عمر وعلي ﵄ جواز المسح على الجور الرقيق. ذكره الإمام النووي في المجموع ١/٥٠٠.\rثم إن القول بجواز المسح على كل جورب يحقق معنى الرخصة المقصودة من ذلك وهو التخفيف والتيسير على الناس.\rثالثاً: ما الحكم إذا لبس جورباً فوق الجورب الذي مسح عليه، هل يجوز المسح على الجورب الثاني؟\rالجواب: إذا لبس الجورب الثاني قبل أن يحدث فله أن يمسح على الجورب الثاني وتعتبر مدة المسح حسب الجورب الأول.\rرابعاً: ما الحكم إذا نزع الجورب بعد أن مسح عليه وهو على ضوء فهل ينتقض وضوءه أم لا؟\rالجواب: إن الوضوء لا ينتقض بمجرد نزع الخف على الراجح من أقوال أهل العلم ما لم يطرأ ناقض من نواقض الوضوء، قال الإمام النووي بعد أن ذكر ثلاثة أقوال في المسألة: [الرابع لا شيء عليه لا غسل القدمين ولا غيره بل طهارته صحيحة يصلي بها ما لم يحدث كما لو لم يخلع وهذا المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وقتادة وسليمان بن حرب واختاره ابن المنذر وهو المختار الأقوى ... واحتج له بأن طهارته صحيحة فلا يبطل بلا حدث كالوضوء وأما نزع الخف فلا يؤثر في الطهارة بعد صحتها كما لو لم مسح رأسه ثم حلقه] المجموع ١/٥٢٧.\rوهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: [ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما ولا بانقضاء المدة ولا يجب عليه مسح رأسه ولا غسل قدميه وهو مذهب الحسن البصري كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور] الاختيارات العلمية ص ١٥.\rوهذا أيضاً مذهب ابن حزم الظاهري فقد قال: [ومن مسح كما ذكرنا على ما في رجليه ثم خلعهما لم يضره ذلك شيئاً ولا يلزمه إعادة الوضوء ولا غسل رجليه بل هو طاهر كما كان ويصلي كذلك ...] المحلى ١/٣٣٧.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345697,"book_id":3840,"shamela_page_id":77,"part":"5","page_num":18,"sequence_num":77,"body":"١٨ - الحيض\rتقول السائلة: إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت صلاة من الصلوات الخمس فهل يجب عليها أن تقضي تلك الصلاة بعد أن تطهر؟\r\rالجواب: إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة بما يسع الصلاة فيجب عليها قضاء تلك الصلاة بعد أن تطهر، فمثلاً إذا حاضت امرأة بعد دخول وقت صلاة المغرب بوقت يتسع لصلاة ثلاث ركعات فيجب عليها أن تقضي صلاة المغرب بعد أن تطهر لأن الصلاة تصير واجبة في حق المسلم بدخول الوقت وهذه أدركت من الوقت مقدار الصلاة فيجب عليها أن تقضي تلك الصلاة.\rوكذلك إذا طهرت الحائض واغتسلت من الحيض وقد بقي من وقت الصلاة مقدار ركعة فيجب عليها أن تصلي تلك الصلاة، فمثلاً إذا طهرت امرأة من الحيض واغتسلت قبل غروب الشمس بمقدار ركعة فيجب عليها أن تصلي صلاة العصر ويدل على ذلك ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) رواه البخاري ومسلم.\rوفي رواية في الصحيحين أيضاً: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) .\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345698,"book_id":3840,"shamela_page_id":78,"part":"5","page_num":19,"sequence_num":78,"body":"١٩ - المسح على الجوربين ثابت شرعا\rيقول السائل: نرى بعض الناس عندما يتوضؤون يمسحون على جواربهم بدل غسل أرجلهم فهل يجوز ذلك وهل المسح خاص بأيام الشتاء؟\r\rالجواب: إن المسح على الجوربين رخصة قال بها أكثر العلماء وقد ورد في ذلك ثلاثة أحاديث:\rالأول: عن ثوبان قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين. رواه أبو داوود وأحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال العلامة أحمد محمد شاكر إنه حديث متصل صحيح الإسناد. والتساخين كل ما يسخن به القدم من خف أو جورب ونحوهما.\rالثاني: عن المغيرة بن شعبة (أن رسول الله توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.\rالثالث: عن أبي موسى الأشعري: (أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه بن ماجة.\rوقد ثبت المسح على الجوربين عن جماعة من الصحابة ﵃ قال ابن المنذر: [يروى المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي ﷺ، علي وعمار وأبي مسعود الأنصاري وأنس وابن عمر والبراء وبلال وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن سعد وزاد أبو داود عدداً آخر من الصحابة ثبت عنهم المسح وهم: بو أمامة وعمرو بن حريث وعمر وابن عباس فهؤلاء ثلاثة عشر صحابياً ثبت عنهم المسح فهذا يدل على أنهم نقلوه عن النبي ﷺ، لأن مثل هذا الأمر لا يدرك بالعقل.\rوالمسح على الجوربين رخصة عامة وليست خاصة بفصل الشتاء كما يظن بعض الناس بل يجوز المسح عليهما صيفاً وشتاءً وسفراً وحضراً.\rولكن للمسح مدة محدودة بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر وينبغي أن يعلم أنه يشترط لجواز المسح على الجوربين لبسهما على طهارة وتبدأ مدة المسح بعد الحدث فمثلا لو توضأ شخص لصلاة الفجر ولبس جوربيه ثم انتقض وضوءه وعند صلاة الظهر توضأ ومسح عليهما فمن هذا الوقت تبدأ مدة المسح فإن كان مقيما فيجوز له أن يمسح إلى ظهر اليوم التالي وإن كان مسافراً فيمسح إلى ظهر اليوم الثالث.\rوهذا هو أصح القولين في المسألة وإذا مضت مدة المسح ولم يحدث المتوضئ فوضوءه صحيح إلى أن يحدث لأن إنتهاء مدة المسح ليس من نواقض الوضوء على الصحيح من أقوال أهل العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345699,"book_id":3840,"shamela_page_id":79,"part":"6","page_num":1,"sequence_num":79,"body":"١ - فضل صلاة الفجر في المسجد والجلوس حتى طلوع الشمس وصلاة ركعتي الضحى\rيقول السائل: ما مدى صحة الحديث الوارد في فضل من صلى صلاة الفجر في جماعة في المسجد ثم جلس يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين، كان له كأجر حجة وعمرة، فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ، أفيدونا؟\rيقول السائل: ما مدى صحة الحديث الوارد في فضل من صلى صلاة الفجر في جماعة في المسجد ثم جلس يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين، كان له كأجر حجة وعمرة، فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ، أفيدونا؟\rالجواب: لا بد أن نعلم أن صلاة الجماعة في المساجد من سنن الهدى، وقد حث الرسول ﷺ على صلاة الجماعة في المساجد، وورد في فضلها أحاديث كثيرة منها، ما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى للبخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) . وصلاة الجماعة من شعائر الإسلام التي ينبغي المحافظة عليها، والمقصود بصلاة الجماعة أي صلاة الجماعة في المساجد مع الأئمة الراتبين، وليس صلاة الجماعة في البيوت وأماكن العمل، مع ترك جماعة المساجد. فقد ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (من سرَّه أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف) رواه مسلم. هذا بعض ما ورد في فضل صلاة الجماعة بشكل عام، وأما صلاة الفجر جماعة في المساجد فلها فضل خاص، ومما يدل على هذه الفضيلة أن الله ﷻ قد أقسم بوقتها فقال: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ سورة الفجرة الآيتان ١-٢. وكذلك فقد قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ سورة الإسراء الآية٧٨، قال الشيخ ابن كثير: [وقوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ يعني: صلاة الفجر.] تفسير ابن كثير ٥/١٠٢. وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح) . يقول أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ رواه البخاري ومسلم. وجاء في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون) رواه البخاري، وثبت في الحديث الصحيح أن صلاة الفجر في جماعة تعدل قيام ليلة في الأجر والثواب، فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله) رواه البخاري ومسلم، وكذلك فإن من يصلي الفجر فإنه يكون في ذمة الله، فعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فيدركه، فيكبه في نار جهنم) وذمة الله ضمان الله أو أمان الله، كما قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم ٢/٤٥٩. وثبت في الحديث عن بريدة الأسلمي ﵁ عن النبي ﷺ قال: (بشر المشائين في الظُلَمِ – الظلام - إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) . رواه الترمذي وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي حديث رقم ١٨٥. وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى البردين دخل الجنة) رواه البخاري ومسلم والمراد صلاة الفجر والعصر. وعن عمارة بن رؤيبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لن يلج النارَ أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) رواه مسلم. والمراد الفجر والعصر. وعن أبي بن كعب ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح فقال: أشاهدٌ فلان؟ قالوا لا، قال أشاهدٌ فلان؟ قالوا لا، قال: (إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى) رواه أبو داود وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود حديث رقم ٥١٨. وثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (ليس صلاةٌ أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. إذا تقرر هذا فإن الحديث المشار إليه في السؤال هو ما رواه أنس رضي الله عن النبي ﷺ أنه قال: (من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. ورواه الأصبهاني في الترغيب والطبراني في المعجم الكبير وحسنه العلامة الألباني في السلسة الصحيحة وفصَّل الكلام عليه، حديث رقم ٣٤٠٣. وقد ذكر الإمام المنذري في الترغيب والترهيب طائفة من الأحاديث التي تشهد للحديث السابق أذكرها من صحيح الترغيب للعلامة الألباني: [وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لأن أقعد أصلي مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربعة) رواه أبو داود، وقال العلامة الألباني: حديث حسن. وعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لأن أقعد أذكر الله تعالى وأكبره وأحمده وأسبحه وأهلله حتى تطلع الشمس أحب إليَّ من أن أعتق رقبتين من ولد إسماعيل، ومن بعد العصر حتى تغرب الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربع رقبات من ولد إسماعيل) رواه أحمد بإسناد حسن، وقال العلامة الألباني: حسن لغيره، وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من صلى صلاة الغداة في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم قام فصلى ركعتين انقلب بأجر حجة وعمرة) رواه الطبراني وإسناده جيد، وقال العلامة الألباني حسن صحيح، وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى الصبح ثم جلس في مجلسه حتى تمكنه الصلاة كان بمنزلة عمرة وحجة متقبلتين) رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات إلا الفضل بن الموفق ففيه كلام، وقال العلامة الألباني: صحيح لغيره. وعن عبد الله بن غابر أن أبا أمامة وعتبة بن عبدٍ ﵄ حدثاه عن رسول الله ﷺ قال: (من صلى صلاة الصبح في جماعة ثم ثبت حتى يسبح لله سبحة الضحى كان له كأجر حاج ومعتمر تاماً له حجه وعمرته) رواه الطبراني وبعض رواته مختلف فيه وللحديث شواهد كثيرة، وقال العلامة الألباني حسن لغيره. ورواه البزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة بنحوه، وقال العلامة الألباني: حسن صحيح. وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان النبي صلى الله عيه وسلم إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناً) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، والطبراني ولفظه (كان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس) ، وابن خزيمة في صحيحه ولفظه قال عن سماك أنه سأل جابر بن سمرة كيف كان رسول الله ﷺ يصنع إذا صلى الصبح؟ قال: كان يقعد في مصلاه إذا صلى الصبح حتى تطلع الشمس] صحيح الترغيب ١/٣١٨-٣٢٠.\rوخلاصة الأمر أن الحديث المشار إليه في السؤال حديث ثابت عن رسول الله ﷺ، وفيه بيان مقدار الأجر العظيم لمن صلى الفجر ثم جلس في المسجد حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتي الضحى، ولا يخفى أن هذه الفضيلة لا يحوزها إلا من صلى الفجر في جماعة في المسجد، ومساجدنا اليوم تعاني مع الأسف الشديد من قلة رواد صلاة الفجر، وهذا مظهر سيء، له أسبابه الكثيرة، وإذا تغلب عليها المسلمون ورأيت الناس في صلاة الفجر كحالهم في صلاة الجمعة فأبشر بخير حينئذ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345700,"book_id":3840,"shamela_page_id":80,"part":"6","page_num":2,"sequence_num":80,"body":"٢ - المغمى عليه لا يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات والأحوط القضاء\rيقول السائل: أُصبتُ في حادث وأغمي عليَّ لمدة أسبوع، فهل يلزمني قضاء ما فاتني من الصلوات، أفيدونا؟\r\rالجواب: قرر الأصوليون أن الإغماء من العوارض السماوية التي تعترض على أهلية الإنسان فتؤثر فيها، والإغماء هو فتور يزيل القوى ويعجز به ذو العقل عن استعماله مع قيامه حقيقة، كما في كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، والإغماء يفقد الإنسان الحس والحركة، وهو من موانع من التكليف كما هو مقرر عند الأصوليين. وقد اختلف أهل العلم في قضاء العبادات التي مضى وقتها على الإنسان وهو مغمىً عليه، ولهم في ذلك عدة اجتهادات، وينبغي أن يعلم أن المسألة ليس فيها نص، وأفصل الكلام هنا على مسألة قضاء الصلاة الفائتة في حق المغمى عليه كما ورد في السؤال، فمن العلماء من قال إنه لا قضاء على المغمى عليه، وهذا قول المالكية والشافعية وأهل الظاهر، ونقل عن الزهري والحسن البصري وابن سيرين وربيعة وغيرهم، وذهب الحنفية إلى أن المغمى عليه يقضي الصلوات الفائتة إذا كان عددها خمساً فأقل، وأما الحنابلة فالمذهب عندهم وجوب قضاء الفوائت كلها. قال الإمام النووي: [من زال عقله بسبب غير محرم، كمن جُنَّ أو أغمي عليه أو زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة أو أكره على شرب مسكر فزال عقله، فلا صلاة عليه، وإذا أفاق فلا قضاء عليه بلا خلاف - أي في المذهب الشافعي – للحديث - \" رفع القلم عن ثلاثة \" - سواء قل زمن الجنون والإغماء أم كثر، هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة ﵀، إن كان الإغماء دون يوم وليلة لزمه قضاء ما فات فيه، وان كان أكثر فلا، ونقل ابن حزم عن عمار بن ياسر وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وقتادة أن المغمى عليه يقضي، دليلنا القياس على المجنون وعلى ما فوق يوم وليلة] المجموع ٣/٦-٧. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي في شرح قول الخرقي: [والمغمى عليه يقضى جميع الصلوات التي كانت في حال إغمائه] قال: وجملة ذلك أن المغمى عليه حكمه حكم النائم، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها على النائم كالصلاة والصيام، وقال مالك والشافعي: لا يلزمه قضاء الصلاة إلا أن يفيق في جزء من وقتها، لأن عائشة (سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يُغمى عليه، فيترك الصلاة فقال رسول الله ﷺ: ليس من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه فيفيق في وقتها فيصليها) ، وقال أبو حنيفة: إن أغمى عليه خمس صلوات قضاها، وإن زادت سقط فرض القضاء في الكل، لأن ذلك يدخل في التكرار، فأسقط القضاء كالجنون. ولنا ما روي أن عماراً غُشي عليه أياماً لا يصلي ثم استفاق بعد ثلاث فقال: هل صليت؟ فقيل: ما صليت منذ ثلاث، فقال: أعطونى وضوءً فتوضأ ثم صلى تلك الليلة، وروى أبو مجلز أن سمرة بن جندب قال: المغمى عليه - يترك الصلاة أو فيترك الصلاة - يصلي مع كل صلاة، صلاة مثلها، قال: قال عمران: زعم، ولكن ليصلهن جميعاً، وروى الأثرم هذين الحديثين في سننه، وهذا فعل الصحابة وقولهم، ولا نعرف لهم مخالفاً فكان إجماعاً، ولأن الإغماء لا يسقط فرض الصيام، ولا يؤثر في استحقاق الولاية على المغمى عليه فأشبه النوم، فأما حديثهم فباطلٌ يرويه الحاكم بن سعد، وقد نهى أحمد ﵀ عن حديثه، وضعفه ابن المبارك، وقال البخاري: تركوه، وفي إسناده خارجة بن مصعب. ولا يصح قياسه على المجنون، لأن المجنون تتطاول مدته غالباً، ًًًًًًً وقد رفع القلم عنه، ولا يلزمه صيام ولا شيء من أحكام التكليف، وتثبت الولاية عليه، ولا يجوز على الأنبياء ﵈ والإغماء بخلافه , وما لا يؤثر في إسقاط الخمس لا يؤثر في إسقاط الزائد عليها كالنوم.] المغني ١/٢٩٠-٢٩١. وقد وردت عدة آثار عن الصحابة والتابعين في المسألة في القضاء وفي عدمه، فمن ذلك ما رواه الدارقطني في سننه عن يزيد مولى عمار بن ياسر: أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق نصف الليل، فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء. ورواه البيهقي في المعرفة، وقال: قال الشافعي: هذا ليس بثابت عن عمار، ولو ثبت، فمحمول على الاستحباب، قال البيهقي: وعليه أن راويه يزيد مولى عمار مجهول، والراوي عنه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، كان يحيى بن معين يضعفه. وكان يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي لا يريان به بأساً، ولم يحتج به البخاري انتهى. انظر نصب الراية ٢/١٧٧. وقال ابن أبي شيبة: [ما يعيد المغمى عليه من الصلاة، ثم روى بأسانيده عن السدي عن رجل يقال له يزيد عن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق في بعض الليل فقضاهن، وعن أبي مجلز قال: قيل لعمران بن حصين إن سمرة بن جندب يقول في المغمى عليه يقضي مع كل صلاة مثلها، فقال عمران ليس كما يقال يقضيهن جميعاً. وعن نافع عن ابن عمر أنه أغمي عليه أياماً فأعاد صلاة يومه الذي أفاق فيه ولم يعد شيئاً مما مضى. وعن نافع عن ابن عمر أنه أغمي عليه، قال وكيع أُراه قال شهراً فصلى صلاة يومه. وعن طاووس ومجاهد أنهم قالوا في المغمى عليه يقضي صلاته كما يقضي رمضان. وعن إبراهيم قال يقضي صلاة يومه الذي أفاق، وعن هشيم قال أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال سألته عن المغمى عليه إذا أفاق، قال: يقضي صلاته يومه الذي أفاق فيه. وعن الحسن أنه كان يقول إذا أغمي على رجل صلاتين لم يعد، وإذا أغمي عليه صلاة واحدة أعادها. وعن إبراهيم قال كان يقول في المغمى عليه إذا أغمي عليه يوم وليلة أعاد، وإذا كان أكثر من ذلك لم يعد. وعن الحكم قال إذا أغمي على الرجل أياماً ثم أفاق قضى صلاته يومه وليلته. وعن مُجَشر - بن شاكر- أن ميموناً كان يرى أن يقضي الرجل المغمى عليه الصلاة كما يقضي الصوم. ثم قال ابن أبي شيبة: [من قال ليس عليه إعادة، ثم روى بأسانيده عن ابن سيرين قال أغمي عليه أياماً فلم يعد شيئاً. وعن الضحاك قال أغمي عليه صلوات، فقيل له إنه قد ذهب منذ كذا وكذا صلاة قال فقال لم يذهب مني شيء ولم يعد. وعن الحسن قال المغمى عليه يقضي الصيام ولا يقضي الصلاة كما أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة. وعن عامر قال المغمى عليه لا يقضي، أستنُ بأمهات المؤمنين لم يكنَّ يقضين في حيضهن. وعن الحسن قال المغمى عليه لا يقضي، قال وأغمي على ابن سيرين أياماً فلم يقض. وعن نافع عن ابن عمر أنه أغمي عليه يومين فلم يقض. وعن الزهري في المغمى عليه قال ليس عليه إعادة. وقال وكيع والذي يأخذ به الناس الذي يغمى عليه أياماً لا يقضي إلا صلاته يومه الذي أفاق فيه، مثل الحائض والذي يغمى عليه يوم واحد يقضي صلاته ذلك اليوم.] مصنف ابن أبي شيبة ٢/٢٦٨-٢٧٠. وروى معظم هذه الآثار أيضاً عبد الرزاق في المصنف٢/٤٧٩-٤٨٠. ويظهر للمدقق في هذه الآثار أن المسألة اجتهادية، فقد قاسها بعض التابعين على الحيض، فكما أن الحائض لا تقضي الصلاة فكذلك المغمى عليه لا يقضي ما فاتة من الصلوات، بجامع أن كلاً من الحيض والإغماء من العوارض السماوية التي لا إرادة للإنسان فيها، ومن أهل العلم من ألحق المغمى عليه بالمجنون، وبناءً على ذلك القياس قالوا لا قضاء على المغمى عليه، ومنهم من ألحقه بالنائم، فأوجب القضاء عليه، والذي يظهر لي أن إلحاق المغمى عليه بالنائم غير مسلَّم، قال الشيخ العلامة العثيمين: [فإذا نظرنا إلى التَّعليل وجدنا أنَّ الرَّاجح قول من يقول: لا يقضي مطلقاً؛ لأنَّ قياسه على النَّائم ليس بصحيح، فالنَّائم يستيقظ إذا أُوقِظَ، وأمَّا المُغمى عليه فإنَّه لا يشعر. وأيضاً: النَّوم كثير ومعتاد، فلو قلنا: إنَّه لا يقضي سقط عنه كثير من الفروض. لكن الإغماء قد يمضي على الإنسان طولُ عمره ولا يُغمى عليه، وقد يسقط من شيء عالٍ فيُغمى عليه، وقد يُصاب بمرضٍ فيُغمى عليه. وأما قضاء عمَّار - إن صحَّ عنه - فإنَّه يُحمل على الاستحباب، أو التَّورُّعِ، وما أشبه ذلك] الشرح الممتع ٢/١٠. وقال الحافظ ابن عبد البر: [وأما قول من قال يقضي المغمى عليه إذا أغمى عليه خمس صلوات فدون ولا يقضي أكثر، فقول ضعيف لا وجه له في النظر، لأنه تحكم لا يجب امتثاله، إلا لو كان قول من يجب التسليم له، وأصح ما في هذا الباب في المغمى عليه يفيق، أنه لا قضاء عليه لما فاته وقته، وبه قال ابن شهاب والحسن وابن سيرين وربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور وهو مذهب عبد الله بن عمر أغمى عليه فلم يقض شيئاً مما فات وقته وهذا هو القياس عندي والله اعلم] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ٣/٢٩٠. وخلاصة الأمر أن الراجح من أقوال أهل العلم أن المغمى عليه لا يجب عليه قضاء الصلوات الفائتة، ولكن الأحوط أن يقضي ما فاته، وخاصة إذا كانت الفوائت قليلة، وأما إذا كانت الفوائت كثيرة، فالأحوط أن يصلي مع كل صلاة حاضرة، صلاة فائتة حتى يغلب على ظنه أن قد قضى ما عليه، فهذا أبرأ للذمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345701,"book_id":3840,"shamela_page_id":81,"part":"6","page_num":3,"sequence_num":81,"body":"٣ - التشويش على وقت صلاة الفجر\rيقول السائل: حصلت بلبلةٌ بين المصلين في المسجد الأقصى المبارك في مسألة وقت صلاة الفجر وأنه غير صحيح، وزعم بعض الناس أنه يجوز للمسلم أن يأكل ويشرب إلى أن ينتشر الضوء، وبعض هؤلاء يدعوا الناس إلى أن يصلوا الفجر قبل طلوع الشمس بنصف ساعة، فما قولكم في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: يقول الله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٧. وقد أخذ جمهور أهل العلم من هذه الآية الكريمة أن بداية الصوم تكون عندما يتبين الفجر الصادق من الفجر الكاذب، ويكون ذلك عندما ينشق في الأفق نورٌ منتشرٌ مستطيرٌ يشق ظلمة الليل، وليس المقصود من الآية الكريمة انتشار الضوء الذي يملأ الجبال والوهاد، ويلاحظ أولاً أن الآية الكريمة عبرت بكلمة ﴿الخيط﴾ وفيها دلالة على أنه يبدأ دقيقاً بأرق ما يكون من مثل الخيط ثم يسفر، قال العلامة محمد رشيد رضا: [وما أحسن التعبير عن أول طلوع الفجر بالخيطين، والخيط الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر الصادق، فمتى أسفر لا يظهر وجه لتسميته خيطاً، فما ذهب إليه بعض السلف كالأعمش من أن ابتداء الصوم من وقت الإسفار تنافيه عبارة القرآن] تفسير المنار ٢/١٧٨. ويلاحظ ثانياً أن الآية الكريمة ذكرت ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ والفجر هو أول انشقاق آخر ظلمة الليل بضوء الصباح، قال ابن منظور: [الفجر ضوء الصباح وهو حمرة الشمس في سواد الليل، وهما فجران: أحدهما المستطيل وهو الكاذب الذي يسمى ذنب السرحان، والآخر المستطير وهو الصادق المنتشر في الأفق الذي يحرم الأكل والشرب على الصائم، ولا يكون الصبح إلا الصادق] لسان العرب ١٠/١٨٧. قال الإمام الطبري: [وأما قوله: ﴿من الفجر﴾ فإنه تعالى ذكره يعني حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود الذي هو من الفجر. وليس ذلك هو جميع الفجر، ولكنه إذا تبين لكم أيها المؤمنون من الفجر ذلك الخيط الأبيض الذي يكون من تحت الليل الذي فوقه سواد الليل، فمن حينئذ فصوموا، ثم أتموا صيامكم من ذلك إلى الليل. وبمثل ما قلنا في ذلك ... قال ابن زيد في قوله: ﴿من الفجر﴾ قال: ذلك الخيط الأبيض هو من الفجر نسبة إليه، وليس الفجر كله، فإذا جاء هذا الخيط، وهو أوله، فقد حلت الصلاة وحرم الطعام والشراب على الصائم. قال أبو جعفر: وفي قوله تعالى ذكره: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ أوضح الدلالة على خطأ قول من قال: حلال الأكل والشرب لمن أراد الصوم إلى طلوع الشمس؛ لأن الخيط الأبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر] تفسير الطبري ٣/٥٣٠. ويلاحظ ثالثاً تعبير الآية الكريمة بلفظ ﴿يتبين﴾ بصيغة يتفعل، وهو حيث يتكلف الناظر نظره، وكأن الطالع، يتكلف الطلوع، ولم يقل: يبين، لأن ذلك يكون بعد الوضوح. وهذا يدل على أن المراد هو بداية الفجر وليس الفجر الذي يملأ الطرقات والجبال. ومما يؤيد قول الجمهور أن المقصود بالآية هو أوائل الفجر وليس انتشار الضوء، ما ورد في الحديث عن عدي بن حاتم ﵁ قال: لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر من الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) رواه البخاري ومسلم، ومن يقول إنه يجوز الأكل والشرب حتى ينتشر الضوء الذي يملأ الجبال والوهاد، فهذا يريد أن يفعل مثلما فعل عدي ﵁، ونقول له ما قاله النبي ﷺ لعدي: (إن وسادك لعريض) وفي رواية (إنك لعريض القفا) . ومما يدل على صحة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أن الثابت من صلاة النبي ﷺ للفجر أنه كان يصليها بغلس، والغلس هو [ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح ... وقال الأزهري: الغلس أول الصبح حتى ينتشر في الآفاق] تاج العروس ٨/٣٨٧. وقد ورد في تغليس النبي ﷺ بالفجر أحاديث كثيرة منها: قال أبو مسعود الأنصاري سمعت رسول الله ﷺ يقول: (نزل جبريل ﵇ فأخبرني بوقت الصلاة فصليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه يحسب بأصابعه خمس صلوات فرأيت رسول الله ﷺ صلى الظهر ... وصلى الصبح مرة بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ولم يعد إلى أن يسفر) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأصله في الصحيحين. وعن عائشة ﵂ قالت: لقد كان نساء من المؤمنات يشهدن الفجر مع رسول الله ﷺ متلفعات بمروطهن- أكسيتهن - ثم ينقلبن إلى بيوتهن وما يعرفن من تغليس رسول الله ﷺ بالصلاة) رواه البخاري ومسلم. وأقول لمن يريد أن يجعل صلاة الفجر قبل طلوع الشمس بنصف ساعة كما زعم! كيف كان النبي ﷺ يصلي الفجر بغلس، وتنصرف النساء ولا يعرفن من الغلس، وفي الحديث الآخر (فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً) والنبي ﷺ كان يطيل القراءة في الفجر كما ثبت في الأحاديث أنه كان يقرأ في الفجر مابين الستين إلى المئة في الركعة الواحدة، فعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية) . وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن ابن سابط أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعة الأولى بسورة نحواً من ستين آية فسمع بكاء صبي قال فقرأ في الثانية بثلاث آيات.) وكذلك وردت آثار صحيحة عن كبار الصحابة أنهم كانوا يصلون الفجر بغلس، ويطيلون في القراءة، كما ورد عن أنس قال: صليت خلف أبي بكر ﵁ الفجر فاستفتح البقرة فقرأها في ركعتين ... ) رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي وسنده صحيح كما قال الحافظ العسقلاني في فتح الباري ٢/٢٥٦. وصلى عمر ﵁ الفجر فقرأ سورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة) رواه مالك في الموطأ وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي وسنده صحيح، وورد أن عمر ﵁ صلى الفجر فقرأ سورة الحج، وورد أنه قرأ البقرة، وورد أنه قرأ مئة آية من البقرة في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية مئة آية من آل عمران، والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة، انظر جامع أحاديث وآثار القراءة في الصلاة للدكتور إبراهيم العبيد ص ١٤- ١٠٤، وهذه أدلة واضحة على تغليس النبي ﷺ والصحابة من بعده بالفجر، قال الإمام الترمذي: [وهو الذي اختاره غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، منهم أبو بكر وعمر ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق يستحبون التغليس بصلاة الفجر.] سنن الترمذي ١/٢٨٩. ومما يؤيد ما سبق ما ورد في أحاديث كثيرة أن النبي ﷺ كان يأمر بإقامة صلاة الفجر عندما يبرق الفجر، أي في أوله وليس عند انتشار الضوء، وهذه بعض الأحاديث التي تدل على ذلك: فعن ابن عباس أن النبى ﷺ قال: (أمنى جبريل ﵇ عند البيت مرتين فصلى الظهر ... ثم صلى الفجر حين برق الفجر ... ) رواه أحمد والترمذي، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٥٠. وفي حديث آخر (فأمر بلالاً فأقام حين طلع الفجر) رواه مسلم، وفي حديث آخر (وصلى الفجر حين سطع الفجر) رواه أحمد وابن حبان والبيهقي، وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط. وفي حديث آخر (فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً) رواه مسلم. وفي حديث آخر (حين بزق الفجر) رواه الطبراني في الكبير، وروى عبد الرزاق بإسناده أن عمر كتب إلى أبي موسى أن صل الظهر إذا زالت الشمس ... وصل الصبح والنجوم بادية مشتبكة وأطل القراءة) ورواه ابن أبي شيبة ومالك أيضاً. فهذه الألفاظ الواردة في الأحاديث والآثار السابقة تدل على أن صلاة الفجر تكون في أول الفجر وليس عندما ينتشر في الطرقات والجبال. انظر مسائل في الفقه المقارن للدكتور سعدي جبر ص ١٠ فما بعدها.\r\rإذا تقرر هذا فإنه لا بد من التوضيحات التالية حول هذه المسألة:\r\r١- التوقيت المعمول به في الضفة الغربية وضعته لجنة من أهل الشرع والخبرة وتم وضعه في الأردن بعد مشاهدات كثيرة وأعرف اثنين من أعضاء اللجنة، وليس من وضع الغرب كما زعم أحدهم!! وكذا التوقيت المعمول به في مصر وفي السعودية هنالك لجان من أهل العلم والخبرة أشرفت على وضعه.\r\r٢- لا أزعم أن هذا التوقيت دقيق مئة في المئة وإنما هو أقرب إلى الصواب وغلبة الظن تكفي للعمل به. قال العلامة العثيمين [ ... بعض الناس الآن يشككون في التقويم الموجود بين أيدي الناس، يقولون: إنه متقدم على طلوع الفجر، وقد خرجنا إلى البر وليس حولنا أنوار، ورأينا الفجر يتأخر، حتى بالغ بعضهم وقال: يتأخر ثلث ساعة، لكن الظاهر أن هذا مبالغة لا تصح، والذي نراه أن التقويم الذي بين أيدي الناس الآن فيه تقديم خمس دقائق في الفجر خاصة]\r\r٣- لو فرضنا أن هذا التوقيت خطأ، فأقول لمن خطأه كيف سيعرف الناس وقت صلاة الفجر؟ هل تطلبون من كل شخص أن يرقب الفجر بنفسه كما طالب أحدهم بأن كل واحد يرقب الفجر بنفسه؟ أليس في هذا إيقاعٌ للناس في الحرج؟ وأقول كيف سيرقب ملايين المسلمين الفجر في هذا الزمن وقد انتشرت الأضواء الكهربائية في المدن والقرى مما يمنع صحة الرؤية! ولو فرضنا أن الناس كلهم راقبوا الفجر ألا يختلفون في الرؤية فبعضهم سيقول رأيته وبعضهم يقول لم أره! فما هو الحل؟ ثم ماذا نصنع في الشتاء والأجواء ملبدة بالغيوم؟ وماذا نصنع مع زيادة تلوث الجو؟\r\r٤- كلام هؤلاء أن التوقيت خطأ وأنه من صنع الغرب ينسحب على بقية أوقات الصلاة، فلماذا يقبلون التوقيت في صلاتي الظهر والعصر، ولا يقبلونه في بقية الصلوات؟ وهل يقومون بمراقبة ميل الشمس في صلاتي الظهر والعصر وهل يدعون الناس إلى ذلك؟!\r\r٥- إن إحداث البلبلة بين عامة الناس وتشكيكهم في عباداتهم من صلاة وصيام بدون دليل واضح كوضوح الشمس إفك عظيم.\r\r٦- إن البيانات التي وزعت مشككة بالتوقيت تفتقد للتحقيق العلمي، وبنيت على فهم خاطئ للنصوص، ويظهر فيها التعالم واضحاً، وتضمنت الطعن في العلماء كقول أحدهم عن العلماء بأنهم أجراء مأمورون، وكقول أحد الأفاكين عن العلماء بأنهم لا يتقون الله ولا يخشونه وأنهم ينتصرون للباطل، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ .\r\r٧- وأقول لجماهير المسلمين في بلادنا لا تلقوا بالاً لهؤلاء وأمثالهم، واطمأنوا إلى أن صيامكم صحيح وصلاتكم في الوقت إن شاء الله تعالى، وخاصة أن معظم مساجدنا تنتظر ثلث ساعة إلى نصف ساعة بين أذان وإقامة صلاة الفجر، وهذا يجعلكم تصلون الصلاة في وقتها، وأما بدء الصيام متقدماً عن الوقت المقرر شرعاً فلا حرج فيه إن شاء الله تعالى،\r\rوأختم كلامي بفتوى للعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه حيث سئل السؤال التالي: يؤذن الفجر عندنا قبل طلوع الشمس بساعة وأربعين دقيقة ونصلي صلاة الفجر بعد الأذان بعشرين دقيقة تقريباً يعني قبل طلوع الشمس بساعة وعشرين دقيقة هل صلاتنا موافقة للسنة؟ الجواب: نعم، الصلاة صحيحة إن شاء الله؛ لأن الغالب أن بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ساعة ونصف تقريباً، لكن لو أخرتم وصليتم قبل الشمس بساعة أو ساعة وخمس دقائق يكون أحوط وأحسن، والأذان قبل طلوع الشمس بساعة وأربعين دقيقة فيه تبكير، وهو أذان قبل الوقت، فلو أخر وأذن قبل طلوع الشمس بساعة ونصف تقريباً يكون هذا أحوط لدخول الوقت، فإذا كانت الصلاة قبل طلوع الشمس بساعة ونحوها فهو أحوط لأداء الصلاة في وقتها؛ لأن الغالب أن بين طلوع الفجر وطلوع الشمس نحو ساعة ونصف، أو ساعة ونصف إلا خمس دقائق، أو ما يقارب هذا، فالمؤمن يحتاط لهذا الأمر ولا يعجل، لا في الأذان، ولا في الصلاة، فالتأخير أحوط في مثل هذا حتى يتأكد من دخول الوقت.] وأقول أخيراً إنه من المعلوم أن بين الأذان وطلوع الشمس في بلادنا ساعة وثلث إلى ساعة ونصف تقريباً، وأن معظم المساجد تقام فيها صلاة الفجر بعد ثلث ساعة إلى نصف ساعة من الأذان، وهذا يجعلنا نوقن أن صيامنا وصلاتنا واقعان في الوقت المقرر شرعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345702,"book_id":3840,"shamela_page_id":82,"part":"6","page_num":4,"sequence_num":82,"body":"٤ - مقدار القراءة في صلاة التراويح\rيقول السائل: ما هو مقدار القراءة في صلاة التراويح، وهل الأفضل ختم المصحف فيها، أفيدونا؟\r\rالجواب: صلاة التراويح من السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ، وقد كان من هدي النبي ﷺ التطويل في القراءة فيها كما ثبت في الحديث عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قمنا مع رسول الله ﷺ ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان إلى ثلث الليل الأول ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح قال وكنا ندعو السحور الفلاح) رواه ابن أبي شيبة في المصنف والنسائي وأحمد وإسناده صحيح وصححه الحاكم،\r\rوقال العلامة الألباني: حديث صحيح كما في صلاة التراويح له ص١٠. وعن عائشة ﵂ قالت: كان الناس يصلون في مسجد رسول الله ﷺ رمضان بالليل أوزاعاً - متفرقين - يكون مع الرجل شيء من القرآن فيكون معه النفر الخمسة والستة أو أقل من ذلك أو أكثر فيصلون بصلاته فأمرني رسول الله ﷺ ليلة من ذلك أن أنصب - أضع - له حصيراً على باب حجرتي ففعلت فخرج إليه رسول الله ﷺ بعد أن صلى العشاء الآخرة قالت: فاجتمع إليه منْ في المسجد، فصلى بهم رسول الله ﷺ ليلاً طويلاً ثم انصرف رسول الله ﷺ رواه البخاري ومسلم. وفي صحيح البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة ﵂ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشر ركعة، يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً) ، وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال قام رسول الله ﷺ ذات ليلة في رمضان في حجرة من جريد النخل ... فصلى أربع ركعات يقرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة - يعني صلاة الفجر -) رواه مسلم. ويلاحظ من خلال هذه الأحاديث تطويل النبي ﷺ في القراءة خاصة وفي صلاة التراويح عامة، فلاحظ العبارات التالية: (إلى ثلث الليل الأول) ، (ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل) ، (ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح) ، (فصلى بهم رسول الله ﷺ ليلاً طويلاً) ، (فلا تسل عن حسنهن وطولهن) ، (فصلى أربع ركعات يقرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة - يعني صلاة الفجر -) ، وهكذا كان الصحابة والتابعون يطيلون صلاة التروايح، فقد روى مالك في الموطأ (عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: (ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان قال: وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف) وصححه العلامة الألباني في تخريجه لمشكاة المصابيح ١/٤٠٨. وعن السائب بن يزيد قال: أمر عمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس في رمضان بإحدى عشرة ركعة فكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام فما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر) رواه مالك والبيهقي بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي في المجموع ٤/٣٢. وصححه العلامة الألباني في تخريجه لمشكاة المصابيح ١/٤٠٨. وعن عبد الله بن أبي بكر قال: (سمعت أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان من القيام فنستعجل الخدم بالطعام مخافة فوت السحور. وفي أخرى مخافة الفجر) رواه مالك بسند صحيح كما قال العلامة الألباني في تخريجه لمشكاة المصابيح ١/٤٠٨. وروى عبد الرزاق عن الثوري عن القاسم عن أبي عثمان قال: أمر عمر بثلاثة قراء يقرؤون في رمضان فأمر أسرعهم أن يقرأ بثلاثين آية وأمر أوسطهم أن يقرأ بخمس وعشرين وأمر أدناهم أن يقرأ بعشرين) المصنف ٤/٢٦١. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد كان النبي ﷺ يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره وقد صلى معه حذيفة ليلة في رمضان قال: فقرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة) خرجه الإمام أحمد وخرجه النسائي وعنده (أنه ما صلى إلا أربع ركعات، وكان عمر قد أمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما بالناس في شهر رمضان فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر) وفي رواية: (أنهم كانوا يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها) وروي أن عمر جمع ثلاثة قراء فأمر أسرعهم قراءةً أن يقرأ بالناس ثلاثين وأوسطهم بخمس وعشرين وأبطأهم بعشرين ثم كان في زمن التابعين يقرؤون بالبقرة في قيام رمضان في ثمان ركعات فإن قرأ بها في اثنتي عشرة ركعة رأوا أنه قد خفف) ، قال ابن منصور: سئل إسحاق بن راهوية كم يقرأ في قيام شهر رمضان فلم يرخص في دون عشر آيات فقيل له: إنهم لا يرضون؟ فقال: لا رضوا، فلا تؤمنهم إذا لم يرضوا بعشر آيات من البقرة ثم إذا صرت إلى الآيات الخفاف فبقدر عشر آيات من البقرة، يعني في كل ركعة، وكذلك كره مالك أن يقرأ دون عشر آيات، وسئل الإمام أحمد عما روي عن عمر كما تقدم ذكره في السريع القراءة والبطيء فقال: في هذا مشقة على الناس ولا سيما في هذه الليالي القصار، وإنما الأمر على ما يحتمله الناس. وقال أحمد لبعض أصحابه وكان يصلي بهم في رمضان: هؤلاء قوم ضعفى اقرأ خمساً ستاً سبعاً قال: فقرأت فختمت ليلة سبع وعشرين. وقد روى الحسن: أن الذي أمره عمر أن يصلي بالناس كان يقرأ خمس آيات، ست آيات. وكلام الإمام أحمد يدل على أنه يراعي في القراءة حال المأمومين، فلا يشق عليهم. وقاله أيضا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم. وقد روي عن أبي ذر ﵁ (أن النبي ﷺ قام بهم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل وليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل فقالوا له: لو نفلتنا بقية ليلتنا، فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته) خرجه أهل السنن وحسنه الترمذي. وهذا يدل على أن قيام ثلث الليل ونصفه يكتب به قيام ليلة، لكن مع الإمام. وكان الإمام أحمد يأخذ بهذا الحديث ويصلي مع الإمام حتى ينصرف، ولا ينصرف حتى ينصرف الإمام. وقال بعض السلف: من قام نصف الليل فقد قام الليل. وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين) يعني أنه يكتب له قنطارٌ من الأجر. ويروى من حديث تميم وأنس مرفوعاً: (من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قيام ليلة) وفي إسنادهما ضعف، وروي حديث تميم موقوفاً عليه وهو أصح. وعن ابن مسعود قال: من قرأ ليلة خمسين آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب له قنطار، ومن أراد أن يزيد في القراءة ويطيل وكان يصلي لنفسه فليطول ما شاء كما قاله النبي ﷺ. وكذلك من صلى بجماعة يرضون بصلاته ... ] لطائف المعارف ص ٣١٦-٣١٨. وقد رأى جماعة من أهل العلم أنه يستحسن ختم المصحف كاملاً في صلاة التراويح، [ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ لِيَسْمَعَ النَّاسُ جَمِيعَ الْقُرْآنِ فِي تِلْكَ الصَّلاَةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: السُّنَّةُ الْخَتْمُ مَرَّةً، فَلاَ يَتْرُكُ الإِْمَامُ الْخَتْمَ لِكَسَل الْقَوْمِ، بَل يَقْرَأُ فِي كُل رَكْعَةٍ عَشَرَ آيَاتٍ أَوْ نَحْوَهَا، فَيَحْصُل بِذَلِكَ الْخَتْمُ] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٧/١٤. وهذا لم يثبت عن النبي ﷺ، وقد يستأنس له بما ثبت في صحيحي البخاري ومسلم من مدارسة جبريل ﵇ للنبي ﷺ القرآن في رمضان، وعرضه عليه. قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز: [يمكن أن يفهم من ذلك أن قراءة القرآن كاملة من الإمام على الجماعة في رمضان نوع من هذه المدارسة لأن في هذا إفادة لهم عن جميع القرآن، ولهذا كان الإمام أحمد ﵀ يحب ممن يؤمهم أن يختم بهم القرآن وهذا من جنس عمل السلف في محبة سماع القرآن كله، ولكن ليس هذا موجباً لأن يعجل ولا يتأنى في قراءته، ولا يتحرى الخشوع والطمأنينة بل تحري هذه الأمور أولى من مراعاة الختمة] مجموع فتاوى ابن باز ١٥/٣٢٥. وقد أحببت أن أنقل هذه النصوص لأبين حال السلف رضوان الله عليهم في القراءة في صلاة التراويح، وليظهر أن البون بيننا وبينهم صار شاسعاً، فإن كثيراً من أئمة مساجدنا اليوم يقصرون في القراءة في التراويح، بحجة التخفيف في الصلاة، حتى صار بعضهم يصلي العشاء وسنته والتراويح والوتر في ثلث ساعة، وصار الناس يتسابقون إلى هذه المساجد!! وخلاصة الأمر أن خير الهدي هدي محمدٍ ﷺ، فإن وجد من المصلين من يحتمل التطويل في القراءة في التراويح فأمر حسن، فإن لم يوجد ختموا المصحف مرة واحدة، وإلا فإنه لا يجوز لأئمة المساجد أن يخففوا القراءة تخفيفاً شديداً، لأن هذا يخل بمقصد الشارع الحكيم من شرعية صلاة التراويح، وأقل ما يقرأ كما قال الإمام أحمد: اقرأ خمساً، ستاً، سبعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345703,"book_id":3840,"shamela_page_id":83,"part":"6","page_num":5,"sequence_num":83,"body":"٥ - حكم تركيب أبراج الاتصالات على المآذن\rيقول السائل: ما حكم تركيب برجٍ للاتصالات فوق مئذنة المسجد، لأن مئذنة المسجد هي أعلى مبنى في بلدتنا، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا بد أولاً من التأكيد أن المساجد لها وضعية خاصة في دين الإسلام، ولا يجوز أن نتعامل مع المساجد كتعاملنا مع أي مبنى آخر، لأن المساجد بيوت الله ﷿، قال الله تعالى: ?فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ? سورة النور الآيتان٣٦-٣٧. والبيوت المذكورة في الآية الكريمة هي المساجد، كما قال ابن عباس ومجاهد والحسن البصري ورجحه القرطبي في تفسيره ١٢/٢٦٥، وقد قرر أهل العلم أن الأصل في المساجد أنها تبنى لذكر الله تعالى وإقامة الصلاة، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ سورة الجن الآية ١٨، والمساجد لها أحكام خاصة بها وآداب لا بد من المحافظة عليها كي تبقى للمسجد هيبته وحرمته في نفوس المسلمين، لذا يمنع المسلم من فعل أمور كثيرة في المساجد مع أنه يجوز فعلها خارج المساجد، وقد ثبت في الحديث عن بريدة ﵁ (أن رجلاً نشد في المسجد – أي طلب ضالةً له - فقال النبي ﷺ: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بُنيت له) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [في هذين الحديثين فوائد منها: النهي عن نشد الضالة في المسجد، ويُلحق به ما في معناه من البيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد ... وقوله ﷺ (إنما بنيت المساجد لما بُنيت له) معناه لذكر الله والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها] شرح النووي على مسلم ٢/٢١٥. وقال الإمام القرطبي بعد أن ذكر حديث بريدة السابق: [وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن. وكذا جاء مفسراً من حديث أنس قال: (بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مه مه؛ فقال النبي ﷺ: لا تزرمو دعوه. فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) ... وسمع عمر بن الخطاب ﵁ صوت رجلٍ في المسجد فقال: ما هذا الصوت؟ أتدري أين أنت!] تفسير القرطبي ١٢/٢٦٩. ونقل العينى عن المحب الطبري قوله: [إن الأصل في المساجد تنزيهها عن اللعب فيقتصر على ما ورد فيه النص] عمدة القاري ٦/٢٧٠. وهذه النصوص والآثار وغيرها تدل على أن المسجد له أحكامه الخاصة التي تميزه عن المباني الأخرى، ومئذنة المسجد رمز للمسجد ومن معالم المسجد الهامة، فلا ينظر إليها كمبنى مرتفع فقط، وإنما هي منارة وشعار ينطلق منها الأذان المعلن بعقيدة التوحيد، ومن القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله، يقول الله تعالى: ?ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ? سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى: ?ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ? سورة الحج الآية ٣٠. قال الإمام القرطبي: [?وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ ? الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم ... فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك ... ] تفسير القرطبي ١٢/٥٦. ولا شك أن المساجد داخلة في عموم شعائر الله.\r\rإذا تقرر هذا فإنه لا يجوز تركيب برجٍ للاتصالات فوق مئذنة المسجد، لأن ذلك يتنافى مع تعظيم المسجد كما قررت سابقاً، وفيه إخلالٌ بوقار المساجد وإهدارٌ لهيبة بيوت الله وإضعافها في نفوس الناس فوق ما هي ضعيفة مع الأسف. ويضاف إلى ذلك أن أبراج الاتصالات لا تخلو من ضررٍ صحيٍ على جمهور الناس المجاورين للمسجد ومن حولهم، صحيحٌ أن هنالك عدمَ وضوحٍ في مسألة أضرار أبراج الاتصالات إلى الآن، فهنالك من العلماء المختصين من أثبت ضررها على صحة الإنسان وهنالك من نفاه، ولكن هنالك [بعض الدراسات العلمية التي تناولت تأثير أبراج الاتصالات الخلوية على صحة الإنسان، لما تصدره من إشارات كهرومغناطيسية ذبذباتها عالية جداً وتحتاج إلى طاقة عالية، وبعد فترات طويلة، فإن قربها من الناس قد يكون له أضرار صحية، وقد تساهم في تطوير أمراض سرطانية على المدى البعيد، وحيث إن منظمة الصحة العالمية قد حددت شروطاً لاختيار أماكن إنشاء أبراج الاتصالات منها: ألا يكون البرج داخل منطقة سكنية أو بالقرب من مدارس الطلاب. وهذا مؤشر على وجود الضرر من أبراج الاتصالات، وبمناقشة الادعاءات القائلة بعدم وجود دليل مادي على أن هنالك مخاطر لهذه الأبراج، نقول إنه لا يوجد في الدول النامية من العلم والخبرة أكثر مما هو متوفر لدى منظمة الصحة العالمية التي اشترطت إنشاء الأبراج خارج المناطق السكنية، لأن خطورتها تتمثل في الذبذبات والترددات التي تنبعث منها مما يؤكد وجود علاقة بين تلك الأبراج وبعض الأمراض الخطيرة، فهذه الموجات لها تأثير كبير على الجهاز العصبي وخلايا المخ وأمراض الأذن والقلب وألم الرأس وغيرها، ولقد أشارت بعض الأبحاث الحديثة إلى أن كثرة استخدام الهاتف النقال يؤدى إلى اضطرابات في السمع وخلل في الجهاز العصبي، فما بالكم بمحطات التقوية والأبراج التي تعتبر المصدر الرئيس المغذي لهذه الموجات والذبذبات. وبهذا الخصوص أعدت منظمة الصحة العالمية دراسات حول تأثيرات الإشعاعات المنبعثة عن أبراج الاتصالات على سلامة الإنسان والتي تؤكد أن الأبراج والهواتف النقالة تصدر أشعة (غاما) التي تعد إحدى المسببات الخطرة لأمراض السرطان خصوصاً إذا لم تلتزم بشروط السلامة الصحية.] وورد في بعض الدراسات أن بعض المتخصصين بينوا مخاطر أبراج الاتصالات على المدى البعيد وليس المباشر مما ينذر بخطر يشمل كل أهالي الذين هم على مقربة أو تماس مباشر بالبرج الذي يسبب تلوثاً كهرومغناطيسيا يؤدي للإصابة بالعديد من الأمراض الخطيرة. بل وقد يتسبب البرج بعدد من المشاكل لمرضى القلب حيث يؤثر على عمل أجهزة تنظيم دقات القلب، كما يؤثر بشكل سلبي على القدرة العامة للأفراد حيث يتسبب بالخمول والشعور المستمر بالتعب والإرهاق كما أن له تأثيرات مستقبلية على المدى البعيد وبالخصوص على الأطفال فقد أثبتت إحدى الدراسات الحديثة أوردها أحد المعاهد البريطانية المختصة ببحوث السرطان أن الإشعاعات الناتجة عن أبراج نقل الكهرباء أو الهاتف تسبب تلوثاً كهرومغناطيسيا غير مرئي يسبب سرطان الدم والعديد من الأمراض الخطيرة الجسدية والنفسية والتي قد تتدرج في الظهور على مراحل، كما أنها تسبب حالات من الإرهاق والقلق والتوتر والأرق وتأثيرها على المدى البعيد بالنسبة للأطفال كما ويعتقد أنها تسبب سرطان الدم (اللوكيميا) وسرطان الثدي لدى النساء وأمراض الجهاز العصبي المركزي ومنها الزهايمر، ومن الآثار السلبية للترددات الصادرة عن محطات الهاتف المحمول الحرارة المستحثة الناتجة من جراء التعرض لمجال راديوي قد تسبب نقصاً في القدرة البدنية والذهنية وتؤثر في تطور ونمو الجنين وقد تحدث عيوباً خلقية وتؤثر في خصوبة النساء، كما أن لها تأثيراً على الخلية وتفاعلاتها الكيميائية في جسم الإنسان ونسبة السوائل في الجسم ويعد وجود برج للجوال أو أعمدة للأسلاك الكهربائية بالقرب من المنازل أمراً خطيراً ويسبب الضرر وقد أثبتت العديد من الدراسات والمنظمات الطبية والبيئية ذلك، وهناك قائمة طويلة من الأعراض والأمراض المتهمة بها هذه الأشعة.] عن شبكة الإنترنت بتصرف. ومن المعلوم أن شريعتنا لإسلامية قد منعت إلحاق الضرر بالناس، فقد صح عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠، وفي إرواء الغليل ٣/٤٠٨. وقد أخذ الفقهاء من الحديث السابق القاعدة الفقهية الكلية \" لا ضر ولا ضرار: \" ومعناها أن الفعل الضار محرم، وقد تفرع على القاعدة السابقة أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ورد في شرح المادة رقم ٣٠ من مجلة الأحكام العدلية [درء المفاسد أولى من جلب المنافع، أي إذا تعارضت مفسدة ومصلحة، يقدم دفع المفسدة على جلب المصلحة، فإذا أراد شخص مباشرة عمل ينتج منفعةً له ولكنه من الجهة الأخرى يستلزم ضرراً مساوياً لتلك المنفعة أو أكبر منها يلحق بالآخرين، فيجب أن يقلع عن إجراء ذلك العمل درءً للمفسدة المقدم دفعها على جلب المنفعة، لأن الشرع اعتنى بالمنهيات أكثر من اعتنائه بالمأمور بها] درر الحكام شرح مجلة الأحكام ١/٤١، فالمفاسد المترتبة على تركيب أبراج الاتصالات على مئذنة المسجد بعضها متحقق وبعضها متوقع وما كان كذلك فدفعه مقدم على جلب المصالح.\r\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز شرعاً تركب برج اتصالات على مئذنة المسجد، لأن ذلك يتنافى مع تعظيم بيوت الله ﷿، ويجب أن تصان المساجد عن مثل هذه الأمور. ولأنه لم يثبت إلى الآن انتفاء الأضرار الصحية لأبراج الاتصالات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345704,"book_id":3840,"shamela_page_id":84,"part":"6","page_num":6,"sequence_num":84,"body":"٦ - الخروج في رحلة يوم الجمعة\rقول السائل: ما حكم الخروج في رحلات للنزهة صباح يوم الجمعة، أفيدونا؟\r\rالجواب: صلاة الجمعة فريضة من الفرائض المعلوم فرضيتها بالضرورة، وبدلالة الكتاب والسنة، قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة الجمعة الآية ٩. وقد ورد في فضل صلاة الجمعة أحاديث كثيرة منها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصا فقد لغا) رواه مسلم. وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للإمام إذا تكلم، إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم. وعن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيبٍ إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى) رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات كما قال الهيثمي، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/٤٣٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق الله آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها) رواه مسلم. وغير ذلك من الأحاديث. وقد وردت أحاديث أخرى في الترهيب من ترك صلاة الجمعة لغير عذر منها: عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لقومٍ يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم) رواه مسلم. وعن أبي هريرة وابن عمر ﵃ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: (لينتهين أقوامٌ عن ودْعهم - أي تركهم - الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين) رواه مسلم. وعن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من ترك ثلاث جمعٍ تهاوناً بها طبع الله على قلبه) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/٤٥١. وجاء في رواية لابن خزيمة وابن حبان (من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق) قال العلامة الألباني: حسن صحيح، المصدر السابق. وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه) رواه أحمد بإسناد حسن والحاكم وقال صحيح الإسناد، وقال العلامة الألباني: صحيح لغيره، المصدر السابق. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع، ثم تجيء الجمعة فلا يجيء ولا يشهدها، وتجيء الجمعة فلا يشهدها، فيطبع على قلبه) رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه، وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/٤٥٢. والصبة: المجموعة من الغنم ما بين العشرين إلى الثلاثين وقيل غير ذلك من العدد. وغير ذلك من الأحاديث. إذا تقرر هذا فقد اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز السفر يوم الجمعة بعد دخول وقتها في حق المخاطب بها، [فيحرم عند الجمهور إنشاء سفرٍ بعد الزوال - وهو أول وقت الجمعة - من المصر الذي هو فيه، إذا كان ممن تجب عليه الجمعة، وعلم أنه لن يدرك أداءها في مصر آخر، فإن فعل ذلك فهو آثمٌ على الراجح ما لم يتضرر بتخلفه عن رفقته. وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة حيث صرحوا بحرمة السفر بعد الزوال] الموسوعة الفقهية الكويتية ٩/٢١١. وأما السفر قبل دخول وقت الجمعة أي قبل الزوال، فقد أجازه جماعة من الفقهاء، قال الشوكاني: [وقد اختلف العلماء في جواز السفر يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى الزوال على خمسة أقوال: الأول: الجواز، قال العراقي: وهو قول أكثر العلماء. فمن الصحابة عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح وابن عمر. ومن التابعين الحسن وابن سيرين والزهري. ومن الأئمة أبو حنيفة ومالك في الرواية المشهورة عنه والأوزاعي وأحمد بن حنبل في الرواية المشهورة عنه وهو القول القديم للشافعي، وحكاه ابن قدامة عن أكثر أهل العلم] نيل الأوطار ٣/٢٦١. ويدل للقول بالجواز ما رواه عبد الرزاق في المصنف بإسناده أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلاً عليه ثياب سفر بعد ما قضى الجمعة، فقال: ما شأنك؟ قال أردت سفراً فكرهت أن أخرج حتى أصلي، فقال عمر: إن الجمعة لا تمنعك السفر ما لم يحضر وقتها) وسنده صحيح كما قال العلامة الألباني، وقال الطحاوي: لا يُعرف عن الصحابة خلافه. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن صالح بن كيسان أن أبا عبيدة ﵁ خرج يوم الجمعة في بعض أسفاره ولم ينتظر الجمعة. وإسناده جيد كما قال العلامة الألباني. واحتجوا بما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵃ قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة ﵁ في سريةٍ فوافق ذلك يوم جمعة، قال: فتقدم أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع النبي ﷺ الجمعة ثم ألحقهم، قال: فلما صلى رسول الله رآه، فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ فقال: أردت أن أصلي معك الجمعة ثم ألحقهم، قال: فقال رسول الله ﷺ: لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما أدركت غدوتهم﴾ رواه أحمد والترمذي، ثم قال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وضعفه العلامة الألباني في ضعيف سنن الترمذي حديث رقم ٨١. وقد استدل من منع السفر قبل الزوال يوم الجمعة بما روي أن النبي ﷺ قال: (من سافر يوم الجمعة دعا عليه ملكاه أن لا يصحب في سفره ولا تُقضى له حاجة) وهذا الحديث مكذوب، كما قال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/٢٥٤. وقال ابن المنذر: [لا أعلم خبراً ثابتاً يمنع من السفر أول نهار الجمعة إلى أن تزول الشمس وينادي المنادي، فإذا نادى المنادي وجب السعي إلى الجمعة على من سمع النداء] الأوسط لابن المنذر ٥/٣٣٠. وبناءً على ما سبق فإن السفر قبل الزوال يوم الجمعة يجوز إذا كان السفر للمباحات كالسفر للتنزه أو للتجارة أو لغرض مشروع، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي مرجحاً القول بجواز السفر قبل الزوال: [ولأن الجمعة لم تجب عليه فلم يحرم السفر كالليل ... والأولى الجواز مطلقاً لأن ذمته بريئة من الجمعة فلم يمنعه إمكان وجوبها عليه كما قبل يومها] المغني٢/٢٦٩. ولكن الأفضل والأولى أن يكون السفر بعد انقضاء صلاة الجمعة، كما قال تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة الجمعة الآية ١٠. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن خيثمة أنه قال: (كانوا يستحبون إذا حضرت الجمعة أن لا يخرجوا حتى يجمعوا) . وروى أيضاً عن سعيد بن المسيب قال: (السفر يوم الجمعة بعد الصلاة.) . وإنما قالوا ذلك لما فيه من فوات صلاة الجمعة وهي من الشعائر المعظمة شرعاً، ومن القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله يقول الله تعالى: ?ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ? سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى: ?ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ? سورة الحج الآية ٣٠. قال الإمام القرطبي: [?وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ? الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم.... فشعائر الله أعلام دينه ... ] تفسير القرطبي ١٢/٥٦. وخلاصة الأمر أن الواجب على المسلم أن يحافظ على صلاة الجمعة، فهي من شعائر الله ﷿، وأن لا يضيعها من أجل النزهات والرحلات، فإن خرج في رحلة في صباح الجمعة فليحرص على أداء صلاة الجمعة في أي مسجد قريب من موقع الرحلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345705,"book_id":3840,"shamela_page_id":85,"part":"6","page_num":7,"sequence_num":85,"body":"٧ - حكم إمامة المدخن\rيقول السائل: يصلي بنا إمامان متطوعان، أحدهما حافظ لكتاب الله ولكنه مدخن، والآخر لا يحفظ كتاب الله كاملاً ولا يدخن، فمن أولى بإمامة الصلاة منهما، أفيدونا؟\r\rالجواب: لابد من بيان أمرين قبل الجواب على السؤال، أولهما: إن الدخان خبيث من الخبائث، وإن أبى بعض المدخنين ذلك، كما أن التدخين حرام على الصحيح من أقوال أهل العلم، وإن أبى بعض المشايخ المدخنين ذلك، وخاصة الذين يزعمون أن التدخين مباح من المباحات، فقولهم هذا قول ساقط متهافت، ولا قيمة له بعد أن اتفقت المصادر الطبية والعلمية والصحية على ضرر التدخين المتحقق على صحة المدخن وعلى نفسيته وعلى ماله وعلى صحة من حوله، وأضرار التدخين على المجتمع بشكل عام، بل إن التدخين أشد فتكاً بالإنسان من مرض الإيدز، وقد اتفقت الهيئات العلمية والمجامع الطبية والصحية على أضرار التدخين، وقررت أنه سبب رئيس للسرطان وتليف الكبد وأمراض الشريان التاجي والذبحة الصدرية وسرطان الفم وغيرها من الأمراض الخبيثة، وهذا ما أكده أهل الخبرة والاختصاص من الأطباء والكيميائيين وغيرهم، فالدخان يتكون من مجموعة كثيرة من المواد، منها أكثر من خمسة عشر نوعاً من السموم الفتاكة كالنيكوتين الذي يعد من السموم القوية والفعالة وله أثر سيء على الكلية والجهاز العصبي والدم، ومنها أول أكسيد الكربون وهو معروف بتأثيره السام وله تأثير سيء على الدم. ومنها القطران وهو المادة اللزجة الصفراء التي تؤدي إلى اصفرار أسنان المدخن ونخرها، وإلى التهابات اللثة، وهو أخطر محتويات الدخان على الصحة ويسبب السرطان والتهابات الشعب الهوائية وغير ذلك من المواد الضارة التي تلحق الضرر والأذى بصحة المدخن، فالتدخين يضر بالفم والشفاه واللثة والأسنان واللسان واللوزتين والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والأعصاب والدورة الدموية والجهاز البولي، كما أن للتدخين ضرراً على النسل لذلك تُنصح الحوامل بعدم التدخين وما كان ضرره كذلك فلا شك في حرمته، لأن الإسلام يحرم كل خبيث وضار، وصدق الله العظيم إذ يقول: ?وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ? سورة الأعراف الآية ١٢٧. وصدق الرسول ﷺ إذ يقول: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني، وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠. والأدلة على تحريم التدخين كثيرة وليس هذا محل ذكرها. ذا تقرر تحريم التدخين فإن الإصرار على التدخين مع العلم بحرمته يُعد فسقاً عند أهل العلم، والفسقُ هو ارتكابُ الكبائر عمداً، أو الإصرارُ على الصغائر بغير تأويل. كما أن تدخين الإمام يعتبر من المجاهرة بالمعصية. ويضاف إلى ذلك أن النبي ﷺ نهى من أكل بصلاً أو ثوماً عن الحضور إلى المسجد لما في ذلك من إيذاءٍ للمصلين بالروائح الكريهة فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربنَّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) متفق عليه. وعن عمر ﵁ قال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما - البصل والثوم - من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع متفق عليه. وينبغي أن يعلم أن كلَّ رائحةٍ كريهةٍ تُلحق برائحة البصل والثوم، فرائحة المدخن نتنةٌ عند ذوي الفطرة السليمة، فينبغي له أن لا يدخل المسجد لأن المساجد تصان عن جميع الروائح الكريهة.\r\rالأمر الثاني: إن إمامة الصلاة تعتبر من خيرة الأعمال التي ينبغي أن يتولاها خيرة الناس، ذوو الصفات الفاضلة من العلم والقراءة والعدالة، قال الإمام أحمد: [ومن الحقِّ الواجب على المسلمين: أن يُقدِّموا خيارهم وأهل الدين والأفضل منهم، أهل العلم بالله الذين يخافون الله ويراقبونه] . رسالة الإمام أحمد في الصلاة ص١٤. وقال الإمام السرخسي: [والأصل فيه: أنَّ مكانة الإمامة ميراث من النبي ﷺ، فإنه أول من تقدَّم للإمامة، فَيُختار لها مَن يكون أشبه به خَلْقاً وخُلُقاً، ثم هو مكان استُنبط منه الخلافة، فإنَّ النبي ﷺ لَمَّا أمر أبا بكر ﵁ أنْ يُصلي بالناس، قالت الصحابة ﵃ بعد موته ﷺ: إنه اختار أبا بكر لأمر دينكم، فهو المُختار لأمر دنياكم، فإنما يختار لهذا المكان من هو أعظم في الناس] . المبسوط ١/٤٠. وقال الإمام الماوردي: [ينبغي أن يَتقدَّم إلى الإمامة مَنْ جَمَعَ أوصافها، وهي خمسة: القراءة، والفقه، والنسب، والسنّ، والهجرة، بعد صحَّة الدين وحسن الاعتقاد، فمَنْ جمعها وكملت فيه، فهو أحقُّ بالإمامة ممَّن أخلَّ ببعضها، لأنَّ الإمامة منزلة اتباع واقتداء، فاقتضى أن يكون متحمِّلها كامل الأوصاف المعتبرة فيها، فإن لم تجتمع في واحدٍ، فأحقُّهم بالإمامة من اختصَّ بأفضلها] الحاوي الكبير ٢/٣٥٢، وانظر رسالة حكم إمامة وأذان المُجاهر بالمعصية لعبد الرحمن بن سعد الشثري ص٧. وقد ذكر الفقهاء في كتبهم تفصيل شروط إمام الصلاة، ومنها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، فاشترطوا أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً ذكراً، فلا تصح إمامة المرأة للرجال، وأن يكون سالماً من البدع المكفرة وأن يكون قادراً على القراءة، وسالماً من الأعذار، وقادراً على توفية أركان الصلاة، وغير ذلك، انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٦/٢٠١-٢٠٧. والأصل في الأحق بالإمامة ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلماً، ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) رواه مسلم. وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) رواه مسلم. وقد اختلف أهل العلم في حكم إمامة الفاسق، فمنهم من منعها، ومنهم من أجازها، وهو الراجح، لأن من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته بغيره، وقد ثبت أن عدداً من الصحابة قد صلوا خلف بعض الفسقة كالوليد بن عقبة والحجاج، وثبت في صحيح البخاري أن عثمان ﵁ لما حُصر صلى بالناس شخص، فسأل سائلٌ عثمان فقال: إنك إمام عامة وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة، فقال: (يا ابن أخي إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإن أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولهذا قالوا في العقائد: إنه يُصلي الجمعة والعيد خلف كل إمام، برَّاً كان أو فاجراً، وكذلك إذا لم يكن في القرية إلا إمامٌ واحد، فإنها تُصلَّى خلفه الجماعات، فإن الصلاة في جماعة خيرٌ من صلاة الرجل وحده، وإن كان الإمام فاسقاً، هذا مذهب جماهير العلماء أحمد بن حنبل والشافعي وغيرهما] مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٣/٣٥٣. وقال الإمام الشوكاني: [والحق جواز الائتمام بالفاسق لأن الأحاديث الدالة على المنع كحديث (لا يؤمنكم ذو جراءة في دينه) ، وحديث (لا يؤمنَّ فاجرٌ مؤمناً) ، ونحوهما ضعيفة لا تقوم بها حجة، وكذلك الأحاديث الدالة على جواز الائتمام بالفاسق، كحديث (صلوا مع من قال لا إله إلا اللَّه) ، وحديث (صلوا خلف كل بر وفاجر) ونحوهما، ضعيفة أيضًا ولكنها متأيدة بما هو الأصل الأصيل وهو أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، فلا ننتقل عن هذا الأصل إلى غيره إلا لدليل ناهض] نيل الأوطار ٢/٢٨. وبناءً على ما سبق فإن الأصل أن المدخن لا يكون إماماً في الصلاة، فإن صلى الإمام المدخن بالناس فإمامته صحيحة، قال الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم مفتي السعودية سابقاً: [لا ريب في تحريم شرب الدخان الخبيث، وكذا حلق اللحية، ومثل هذا لا يجوز أن يُوَلَّى الإمامة، لأنه فاسق، والفاسق ليس أهلاً للإمامة، لكنَّ الصلاة خلفه صحيحة مجزئة، من صلاها إذا ابتُليَ به الناس على ما فيها من النقص] مجموع فتاوى الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم ٢/٢٩٤. ويضاف إلى ما سبق أن كثيراً من المصلين يكرهون أن يكون إمامهم في الصلاة مدخناً، وبالتالي فإن صلاة الإمام المدخن لا ترفع كما ورد في الحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قومٍ وهم له كارهون) رواه الترمذي، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/٣٢٨.\r\rوخلاصة الأمر أن إمامة الصلاة من خير الأعمال، فيتولاها خير الناس قراءةً وأخلاقاً وعدالةً، والإمام المدخن مرتكب للحرام ومجاهر به، فهو وإن صحت إمامته، ولكن لا ينبغي أن يولى الإمامة، ويجب نصحه وبيان حرمة التدخين وأضراره، حتى يتركه، ولا شك أن غير المدخن أولى بالإمامة من المدخن، وإن كان المدخن أقرأ وأحفظ لكتاب الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345706,"book_id":3840,"shamela_page_id":86,"part":"6","page_num":8,"sequence_num":86,"body":"٨ - تخصيص الإمام نفسه بالدعاء في الصلاة\rيقول السائل: ما الحكم في أن يدعو الإمام في الصلاة لنفسه، وهل صحيح أن ذلك يعتبر خيانة للمأمومين، أفيدونا؟\r\rالجواب: قرر العلماء أنه يستحب تعميم الدعاء إذا دعا مع جماعة كما في خطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء ودعاء القنوت في الصلاة ونحوها، قال الحافظ العراقي: [من أدب الدعاء أنَّ مَن دعا بمجلس جماعةٍ لا يخص نفسه بالدعاء مِن بينهم، أو لا يخص نفسه وبعضَهم دون جميعهم ... ويتأكد استيعاب الحاضرين على إمام الجماعة، فلا يخص نفسه دون المأمومين، لما روى أبو داود والترمذي من حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يؤم رجلٌ قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم) قال الترمذي: حديث حسن. والظاهر أن هذا محمولٌ على ما لا يشاركه فيه المأمومون، كدعاء القنوت ونحوه، فأما ما يدعو كل أحدٍ به كقوله بين السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، فإن كلاً من المأمومين يدعو بذلك، فلا حرج حينئذ في الإفراد، إلا أنه يحتمل أن بعض المأمومين يترك ذلك نسياناً أو لعدم العلم باستحبابه، فينبغي حينئذ أن يجمع الضمير لذلك] طرح التثريب في شرح التقريب ٢/١٣٦-١٣٧. والحديث الذي ذكره الحافظ العراقي تكلم فيه المحدثون وكثير منهم لم يوافق الترمذي في تحسينه، حتى قال ابن خزيمة إنه موضوع، وضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والعلامة الألباني وغيرهم. انظر: ضعيف الترغيب والترهيب ٢/٢٠١. وقد فصَّل العلامة الألباني الكلام على هذا الحديث من رواية أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم، ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم) وبيَّن أنه حديث ضعيف مضطرب وقد حكم ابن خزيمة بالوضع على الشطر الثاني من الحديث - ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم - وأقره ابن تيمية وابن القيم، وذلك لأن عامة أحاديث النبي ﷺ في الصلاة وهو الإمام بصيغة الإفراد، فكيف يصح أن يكون ذلك خيانة لمن أمهم؟ فهذا هو الصواب أن هذه الزيادة - ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم - لا تصح بل هي منكرة لمخالفتها لأدعية النبي ﷺ التي كان يدعو بها في الصلاة وهو إمامهم. انظر تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص ٢٧٨-٢٨٠.\r\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية قد [سئل عن قوله ﷺ: (لا يحل لرجل يؤم قوماً فيخص نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم) . فهل يستحب للإمام أنه كلما دعا الله ﷿ أن يُشرك المأمومين؟ وهل صح عن النبي ﷺ أنه كان يخص نفسه بدعائه في صلاته دونهم؟ فكيف الجمع بين هذين؟ فأجاب: الحمد للَّه رب العالمين. قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال للنبي ﷺ: أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة. ما تقول؟ قال: (أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) ، فهذا حديث صحيح صريح في أنه دعا لنفسه خاصة، وكان إماماً. وكذلك حديث عليٍ في الاستفتاح الذي أوله: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض) ، فيه: (فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت) . وكذلك ثبت في الصحيح أنه كان يقول بعد رفع رأسه من الركوع بعد قوله: (لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت) ، (اللهم، طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، اللهم، نقني من الخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس) . وجميع هذه الأحاديث المأثورة في دعائه بعد التشهد من فعله، ومن أمره، لم ينقل فيها إلا لفظ الإفراد. كقوله: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) . وكذا دعاؤه بين السجدتين، وهو في السنن من حديث حذيفة، ومن حديث ابن عباس، وكلاهما كان النبي ﷺ فيه إماماً، أحدهما بحذيفة، والآخر بابن عباس. وحديث حذيفة: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) ، وحديث ابن عباس فيه: (اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني) ، ونحو هذا. فهذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن تدل على أن الإمام يدعو في هذه الأمكنة بصيغة الإفراد. وكذلك اتفق العلماء على مثل ذلك. حيث يرون أنه يشرع مثل هذه الأدعية. وإذا عرف ذلك تبين أن الحديث المذكور ـ إن صح ـ فالمراد به الدعاء الذي يُؤمِّن عليه المأموم ـ كدعاء القنوت ـ فإن المأموم إذا أَمَّن كان داعياً، قال الله تعالى لموسى وهرون: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ سورة يونس الآية ٨٩، وكان أحدهما يدعو، والآخر يؤمن. وإذا كان المأموم مؤمناً على دعاء الإمام، فيدعو بصيغة الجمع، كما في دعاء الفاتحة في قوله: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ ، فإن المأموم إنما أمَّن لاعتقاده أن الإمام يدعو لهما جميعاً، فإن لم يفعل، فقد خان الإمام المأموم. فأما المواضع التي يدعو فيها كل إنسان لنفسه ـ كالاستفتاح، وما بعد التشهد، ونحو ذلك ـ فكما أن المأموم يدعو لنفسه، فالإمام يدعو لنفسه. كما يسبح المأموم في الركوع والسجود، إذا سبح الإمام في الركوع والسجود، وكما يتشهد إذا تشهد، ويكبر إذا كبر، فإن لم يفعل المأموم ذلك فهو المفرط. وهذا الحديث لو كان صحيحاً صريحاً معارضاً للأحاديث المستفيضة المتواترة، ولعمل الأمة، والأئمة، لم يلتفت إليه، فكيف وليس من الصحيح، ولكن قد قيل: إنه حسن، ولو كان فيه دلالة لكان عاماً، وتلك خاصة، والخاص يقضي على العام. ثم لفظه (فيخص نفسه بدعوة دونهم) ، يراد بمثل هذا إذا لم يحصل لهم دعاء، وهذا لا يكون مع تأمينهم. وأما مع كونهم مؤمِّنين على الدعاء كلما دعا، فيحصل لهم كما حصل له بفعلهم، ولهذا جاء دعاء القنوت بصيغة الجمع: (اللهم إنا نستعينك، ونستهديك) إلى آخره. ففي مثل هذا يأتي بصيغة الجمع، ويتبع السنة على وجهها.] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٣/١١٦-١١٨. وبيَّن العلامة ابن القيم هدي النبي ﷺ في الدعاء فقال: [وكان ﷺ يدعو في صلاته فيقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، وكان يقول في صلاته أيضاً: اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي فيما رزقتني، وكان يقول اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، وكان يقول في سجوده: رب أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، وقد تقدم ذكر بعض ما كان يقول في ركوعه وسجوده وجلوسه واعتداله في الركوع.] ثم قال العلامةابن القيم: [والمحفوظ في أدعيته ﷺ في الصلاة كلها بلفظ الإفراد كقوله رب اغفر لي وارحمني واهدني وسائر الأدعية المحفوظة عنه، ومنها قوله في دعاء الاستفتاح اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب الحديث. وروى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث ثوبان عن النبي ﷺ: (لا يؤم عبد قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم) قال ابن خزيمة في صحيحه: وقد ذكر حديث اللهم باعد بيني وبين خطاياي الحديث، قال في هذا دليل على رد الحديث الموضوع لا يؤم عبد قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هذا الحديث عندي في الدعاء لذي يدعو به الإمام لنفسه وللمأمومين ويشتركون فيه كدعاء القنوت ونحوه والله أعلم.] زاد المعاد ١/٢٦١-٢٦٤. وقد فسر العلامة علي القاري خيانة الإمام المذكورة في الحديث بقوله: [قال الطيبي: نسب الخيانة إلى الإمام لأن شرعية الجماعة ليفيض كل من الإمام والمأموم الخير على صاحبه ببركة قربه من الله تعالى، فمن خص نفسه فقد خان صاحبه، قلت: وإنما خص الإمام بالخيانة فإنه صاحب الدعاء، وإلا فقد تكون الخيانة من جانب المأموم] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٣/١٥٧.\r\rوخلاصة الأمر أن الإمام يدعو بصيغة الجمع له وللمصلين في المواطن التي يجهر فيها بالدعاء ويؤمن المصلون على دعائه، كدعاء القنوت في الصلاة، والدعاء في خطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء ونحوها، وأما المواطن التي يُسِر فيها بالدعاء، كالدعاء عند استفتاح الصلاة، والدعاء في السجود، والدعاء بين السجدتين، والدعاء في آخر التشهد وقبل السلام، فهذه المواطن يجوز للإمام أن يدعو لنفسه خاصة، والمأمومون كلٌ يدعو لنفسه. وعليه فإذا خص الإمام نفسه بالدعاء في هذه المواطن فلا يعتبر خائناً للمأمومين، هذا إن صح الحديث، وهو لم يصح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345707,"book_id":3840,"shamela_page_id":87,"part":"6","page_num":9,"sequence_num":87,"body":"٩ - صلاة الجمعة\rيقول السائل: إنه يسكن في ضاحية من ضواحي مدينة القدس ويحافظ على صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك إلا أن بعض الناس من سكان الأحياء المحيطة بالبلدة القديمة من القدس يتركون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى ويذهبون إلى بعض مساجد ضواحي القدس فيصلون فيها بحجة أنهم يأخذون علماً من خطيب ذلك المسجد فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: أذكر أولاً بعض ما ورد من فضائل للمسجد الأقصى المبارك فإن في ذلك ذكرى للمؤمنين قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقصى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة الإسراء الآية ١. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء , ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم , والثاني كان قبلة الأمم السالفة , والثالث أسس على التقوى) فتح الباري ٣/٨٤.\r\rوعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ (أن سليمان بن داود ﵇ لما بنى بيت المقدس سأل الله ﷿ خلالاً ثلاثةً سأل الله ﷿ حكما يصادف حكمه فأوتيه وسأل الله ﷿ ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه وسأل الله ﷿ حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه) رواه أحمد النسائي وابن ماجه وابن حبان وهو حديث صحيح. وعن إبراهيم التيمي عن أبيه قال سمعت أبا ذر ﵁ قال (قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام قال قلت ثم أي؟ قال المسجد الأقصى، قلت كم كان بينهما قال أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله فإن الفضل فيه) رواه البخاري ومسلم وقد وردت بعض الأحاديث في مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى فمن ذلك:\r\rعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام وهو حديث حسن كما قال الهيثمي مجمع الزوائد ٤/٧، ورواه البزار وقال إسناده حسن الترغيب والترهيب ٢/١٧٥.\r\rوعن أبي ذر ﵁ قال: (تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ أيهما أفضل أمسجد رسول الله ﷺ أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ: صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو وليوشكن لأن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً) رواه الحاكم والطبراني والطحاوي وغيرهم. وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد ٤/٧ وصححه الشيخ الألباني بل قال عنه إنه أصح ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الأقصى، السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٩٠٢، تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص ٢٩٤.\r\rإذا تقرر هذا من مشروعية شد الرحال للمسجد الأقصى المبارك ومن مضاعفة الصلاة فيه فعلى أهل بيت المقدس وأكناف بيت المقدس أن يشدوا الرحال إلى المسجد الأقصى وأن يحرص كل من يستطيع منهم الوصول إلى المسجد الأقصى أن يصلي فيه دائماً الصلوات الخمس وصلاة الجمعة إن استطاع إلى ذلك سبيلاً وأما ما يفعله بعض الناس في أيام الجمعة كما ذكر السائل حيث إنهم يقصدون مسجداً من مساجد ضواحي بيت المقدس فيصلون الجمعة فيه وحجتهم في ذلك أنهم يأخذون علماً من خطيب ذلك المسجد فهذا كما قال تعالى ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ سورة البقرة الآية ٦١، وخاصة إن فعله من هم بجوار المسجد الأقصى فيتركون الصلاة في المسجد الأقصى ويصلون في غيره لتلك الحجة الواهية وكأنهم يأخذون العلم من إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد بن حنبل؟؟!!! وينبغي أن أذكر الذين لا يستطيعون الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك يوم الجمعة فيقيمون عدة صلوات جمعة عند أبواب البلدة القديمة بأن هذا الفعل يؤدي إلى تعدد صلاة الجمعة في أماكن متقاربة مثل باب العمود وباب الساهرة فأرى لهؤلاء أن يصلوا ظهراً ولا يصلوا جمعة. لأن تعدد الجمعة لا يشرع في مثل هذه الحالة. كما وأنبه إلى أنه لا يصح لهم أن يصلوا جمعة مع الإمام في المسجد الأقصى وإن سمعوا صوته لأنه هنالك انقطاعاً كبيراً جداً في الصفوف ولا تصح الجماعة مع هذا الانقطاع الكبير كما هو قول المحققين من العلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما صلاة الجمعة وغيرها فعلى الناس أن يسدوا الأول فالأول كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها قال يكملون الأول فالأول ويتراصون في الصف) فليس لأحد أن يسد الصفوف المؤخرة مع خلو المقدمة ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد ومن فعل ذلك استحق التأديب ولمن جاء بعده تخطيه ويدخل لتكميل الصفوف المقدمة فإن هذا لا حرمة له كما أنه ليس لأحد أن يقدم ما يفرش له في المسجد ويتأخر هو وما فرش له لم يكن له حرمة بل يزال ويصلي مكانه على الصحيح بل إذا امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد فإذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء وكذلك من صلى في حانوته والطريق خال لم تصح صلاته وليس له أن يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به بل عليه أن يذهب إلى المسجد فيسد الأول فالأول) الفتاوى الكبرى ١/١٦٠\r\rوخلاصة الأمر أن من استطاع الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك في صلاة الجمعة وفي غيرها من الصلوات فعليه أن يصلي فيه ولا يلتفت إلى من يدعوه إلى الصلاة في غير المسجد الأقصى المبارك من مساجد أحياء بيت المقدس بحجج واهية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345708,"book_id":3840,"shamela_page_id":88,"part":"6","page_num":10,"sequence_num":88,"body":"١٠ - تسوية الصفوف في صلاة الجماعة\rيقول السائل: هنالك تساهل من كثير من المصلين في تسوية الصفوف في صلاة الجماعة وكذلك فإن بعض أئمة المساجد لا يهتمون بذلك، وبعض المصلين يتضايق عندما يحاول أحد المصلين رص الصف، أرجو توضيح مسألة تسوية الصفوف؟\r\rالجواب: قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب إقامة الصف من تمام الصلاة] ثم روى بإسناده عن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده. فقولوا ربنا لك الحمد. وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون، وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة) ثم روى عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة) ، ثم قال الإمام البخاري: [باب إثم من لم يتم الصفوف] ، ثم روى عن أنس ﵁ أنه قدم المدينة فقيل له ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ، قال ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف. وروى الإمام مسلم من حديث أنس ﵁ (فإن تسوية الصف من تمام الصلاة.) وقال الإمام البخاري أيضاً: [باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، وقال النعمان بن بشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه] قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [والمراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله. وقد ورد الأمر بسد خلل الصف والترغيب فيه في أحاديث كثيرة أجمعها حديث ابن عمر عند أبي داود وصححه ابن خزيمة والحاكم ولفظه أن رسول الله ﷺ قال: (أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولا تذروا فرجاتٍ للشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله.] فتح الباري ٢/٢٧٣. وعن النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لتسونَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم.) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً فقام حتى كاد يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف، فقال: عباد الله؛ لتسونَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم.) وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (إن الله وملائكته يُصَلون على الذين يَصِلون الصفوف، ومن سدَّ فرجةً رفعه الله بها درجة.) رواه الترمذي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/١٢١. إذا تقرر هذا فإن تسوية الصفوف في صلاة الجماعة من تمام الصلاة أو من إقامة الصلاة، أو من حُسن الصلاة، كما ورد في الأحاديث، وتسوية الصفوف مطلوبة شرعاً إما على سبيل الندب كما هو مذهب جمهور أهل العلم، وإما على سبيل الوجوب كما هو قول الإمام البخاري وابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد العثيمين، وعلى كلٍ فإن تسوية الصفوف أمر لابد منه، وهو مطلوب من المصلين عامةً، ومن الإمام خاصةً، فلا بد للإمام أن يأمر بتسوية الصفوف، كما هو ثابت عن رسول الله ﷺ، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف.] ثم ذكر حديث أنس ﵁ قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري) . وينبغي أن يعلم أنه يدخل في تسوية الصفوف ما يلي: أولاً: إتمام الصف الأول فالأول، لما ثبت في الحديث عن جابر بن سمرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأُوَل ويتراصون في الصف) رواه مسلم. وعن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه فإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان وهو حديث حسن كما قال المنذري والحافظ ابن حجر. وبناءً على ذلك قرر أهل العلم أنه لا يجوز ابتداء صفٍ قبل إتمام الصف الذي قبله. ثانياً: التراص في الصف الواحد، بأن يقف المصلون متراصين، ويكون ذلك بإلزاق المنكب بالمنكب والكعب بالكعب، وسبق ما قاله الإمام البخاري في صحيحه: [باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، وقال النعمان بن بشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه] قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله (وقال النعمان بن بشير) هذا طرف من حديث أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة ... واستدل بحديث النعمان هذا على أن المراد بالكعب في آية الوضوء العظم الناتئ في جانبي الرِجْل ـ وهو عند ملتقى الساق والقدم ـ وهو الذي يمكن أن يلزق بالذي بجنبه، خلافاً لمن ذهب أن المراد بالكعب مؤخر القدم وهو قول شاذ ينسب إلى بعض الحنفية ولم يثبته محققوهم ... ] فتح الباري ٢/٢٧٣-٢٧٤. وروى الإمام أحمد في المسند أن الرسول ﷺ قال: (حاذوا بين المناكب وسدوا الخلل) وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٧٤٣. ومن المؤسف أن بعض المصلين يتركون فرجة بينهم وبين من يقف بجانبهم بحجة عدم التضييق على الآخرين وغيرها من الحجج الواهية، ويتضايقون جداً إذا حاول أحد المصلين التراص في الصف، وينطبق على هؤلاء ما ورد عن بعض السلف: (ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم نفر منك كأنه بغل شموس) . ولا شك أن ترك الفرجات في الصف مخالف لما ورد في الحديث أنه ﷺ قال: (أتموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله) رواه أبو داود وصححه الحاكم وابن خزيمة. وعن أنس ﵁: عن رسول الله ﷺ قال: (راصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفس محمدٍ بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف كأنها الحَذَف) رواه أبو داود والنسائي. والحَذَف صغار الغنم.\r\rولابد من التنبيه على أمر هام وهو أن تسوية الصف تكون بمحاذاة الكعبين لا بمساواة الأقدام برؤوس الأصابع، قال الشيخ محمد العثيمين: [الصحيح أنّ المعتمد في تسوية الصف، محاذاة الكعبين بعضهما بعضاً، لا رؤوس الأصابع، وذلك لأنّ البدن مركب على الكعب. والأصابع تختلف الأقدام فيها، فقدم طويل وآخر صغير فلا يمكن ضبط التساوي إلا بالكعبين. وأما إلصاق الكعبين بعضهما ببعض فلا شك أنه وارد عن الصحابة ﵃، فإنهم كانوا يسوون الصفوف بإلصاق الكعبين بعضهما ببعض، أي: أنّ كل واحد منهم يلصق كعبه بكعب جاره لتحقيق المساواة. وهذا إذا تمت الصفوف وقام الناس، ينبغي لكل واحد أن يلصق كعبه بكعب صاحبه لتحقيق المساواة فقط وليس معنى ذلك أنه يلازم هذا الإلصاق ويبقى ملاصقاً له في جميع الصلاة. ومن الغلو في هذه المسألة ما يفعله بعض الناس: تجده يلصق كعبه بكعب صاحبه ويفتح قدميه فيما بينهما حتى يكون بينه وبين جاره في المناكب فرجة، فيخالف السنة في ذلك. والمقصود أنّ المناكب والأكعب تتساوى.] مجموع فتاوى العثيمين ١٣/٥١-٥٢.\r\rثالثاً: المطلوب من المصلي أن يكون ليناً في حركته لا جامداً كأنه جلمود صخر، فقد ورد عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله) رواه أبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الالباني في السلسلة الصحيحة حديث ٦/٧٤، قال أبو داود: [ومعنى (ولينوا بأيدي إخوانكم) إذا جاء رجلٌ إلى الصف فذهب يدخل فيه فينبغي أن يلين له كل رجلٌ منكبيه حتى يدخل في الصف] ، وقال الإمام النووي: [يستحب أن يفسح لمن يريد الدخول إلى الصف ... ] المجموع ٤/٣٠١. ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث من قوله ﷺ: (خياركم ألينكم مناكب في الصلاة، وما من خطوة أعظم أجراً من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصف فسدها) وصححه العلامة الألباني في المصدر السابق.\rرابعاً: المقاربة بين الصفوف، فلا يبعد الصف عن الآخر، ويدل على ذلك قوله ﷺ: (راصوا صفوفكم، وقاربوا بينها) .\rوخلاصة الأمر أن تسوية الصفوف من تمام الصلاة، ومطلوب من الإمام أن يأمر بتسويتها ولا يدخل في الصلاة حتى تسوى الصفوف، وتكون تسوية الصف بإلصاق القدم بالقدم، والمنكب بالمنكب، وبمقاربة الصفوف، وإتمام الصف الأول فالأول، وينبغب للمصلي أن يكون ليناً هيناً بأيدي إخوانه المصلين، فيسمح بدخول شخص للصف إن كان هنالك فسحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345709,"book_id":3840,"shamela_page_id":89,"part":"6","page_num":11,"sequence_num":89,"body":"١١ - الدعاء بالأمور الدنيوية في صلاة الفريضة\rيقول السائل: سمعت أحد المشايخ يقول إنه لا يجوز الدعاء بالأمور الدنيوية في الصلاة المفروضة، فهل هذا الحكم صحيح، أفيدونا؟\rالجواب: لا شك أن الدعاء عبادة عظيمة بل ورد في الحديث عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) رواه أصحاب السنن الأربعة، وقال الإمام الترمذي حديث حسن صحيح، وصححه الإمام النووي في الأذكار ص٣٣٣. قال الإمام ابن العربي المالكي: [وجه تسمية الدعاء عبادة بيِّن، لأن فيه الإقرار بالعجز من العبد والقدرة لله وذلك غاية الذل والخضوع] عارضة الأحوذي ١٢/٩٠. وقد وردت نصوص كثيرة في كتاب الله ﷿ وفي سنة رسول الله ﷺ تحض على الدعاء بشكل عام كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ سورة غافر الآية ٦٠. وكما في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ سورة الأعراف الآيتان ٥٥-٥٦. وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من سرّه أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن الترمذي ٣/١٤٠. وعن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ سورة غافر الآية ٦٠، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في المصدر السابق. وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من أحدٍ يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من سوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) رواه الترمذي وحسنه الشيخ الألباني المصدر السابق ٣/١٤٠. وغير ذلك من النصوص.\rومن أعظم مواطن الدعاء الصلاة – فرضها ونفلها – فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم.) رواه مسلم. وقوله (فقمن) قال الإمام النووي: هو بفتح القاف وفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع ومن كسر فهو وصف يثنى ويجمع قال: وفيه لغة ثالثة قمين بزيادة الياء وفتح القاف وكسر الميم ومعناه حقيق وجدير. شرح النووي على صحيح مسلم ٢/١٤٨. وقد ثبت في الحديث أنه ﷺ قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) رواه مسلم.\rإذا ثبت هذا فإنه يجوز للمصلي أن يدعو في صلاته – الفرض والنافلة - بخيري الدنيا والآخرة على الراجح من أقوال أهل العلم، قال الإمام النووي [قال الشافعي والأصحاب: وله أن يدعو بما شاء من أمور الآخرة والدنيا، ولكن أمور الآخرة أفضل وله الدعاء بالدعوات المأثورة في هذا الموطن والمأثورة في غيره وله أن يدعو بغير المأثور ومما يريده من أمور الآخرة والدنيا] ثم نقل عن بعض الشافعية تردده في جواز الدعاء بالأمور الدنيوية ثم قال: [والصواب الذي عليه جمهور الأصحاب أنه يجوز كل ذلك ولا تبطل الصلاة بشيء منه ودليله الأحاديث الصحيحة ... منها أن النبي ﷺ قال: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) ونحو ذلك من الأحاديث] المجموع ٣/٤٧٠.\rوقال الإمام النووي أيضاً [: مذهبنا أنه يجوز أن يدعو فيها بكل ما يجوز الدعاء به خارج الصلاة من أمور الدين والدنيا كقوله اللهم ارزقني كسباً طيباً وولداً وداراً ... واللهم خلص فلاناً من السجن وأهلك فلاناً وغير ذلك، ولا يبطل صلاته شيء من ذلك عندنا وبه قال مالك والثوري وأبو ثور واسحق ... واحتج أصحابنا بقوله ﷺ \" وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء \" وفي الحديث الآخر \" فأكثروا الدعاء \" وهما صحيحان ... فأطلق الأمر بالدعاء ولم يقيده فتناول كل ما يسمى دعاءً، ولأنه ﷺ دعا في مواضع بأدعية مختلفة فدل على أنه لا حجر فيه، وفى الصحيحين في حديث ابن مسعود رضي الله تعالي عنه عن النبي ﷺ في آخر التشهد \" ثم ليتخير من الدعاء ما أعجبه وأحب إليه وما شاء \" وفى رواية مسلم كما سبق في الفرع قبله وفى رواية أبي هريرة \" ثم يدعو لنفسه ما بدا له \" قال النسائي وإسناده صحيح كما سبق] المجموع ٣/٤٧١. ومما يدل على جواز الدعاء بالأمور الدنيوية في الصلاة مطلقاً أعني فرضاً كانت أم نافلة ما يلي: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في صلاة قلنا السلام على الله من عباده السلام على فلان وفلان فقال النبي ﷺ (لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعوه) رواه البخاري قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) زاد أبو داود عن مسدد شيخ البخاري فيه \" فيدعو به \" ونحوه النسائي من وجه آخر بلفظ \" فليدع به \" ولإسحاق عن عيسى عن الأعمش \" ثم ليتخير من الدعاء ما أحب \" وفي رواية منصور عن أبي وائل عند المصنف في الدعوات \" ثم ليتخير من الثناء ما شاء \" ونحوه لمسلم بلفظ \" من المسألة \". واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما اختار المصلي من أمر الدنيا والآخرة، قال ابن بطال: خالف في ذلك النخعي وطاووس وأبو حنيفة فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن، كذا أطلق هو ومن تبعه عن أبي حنيفة، والمعروف في كتب الحنفية أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما جاء في القرآن أو ثبت في الحديث، وعبارة بعضهم: ما كان مأثوراً، قال قائلهم: والمأثور أعم من أن يكون مرفوعاً أو غير مرفوع، لكن ظاهر حديث الباب يرد عليهم، وكذا يرد على قول ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة، واستثنى بعض الشافعية ما يقبح في أمر الدنيا، فإن أراد الفاحش من اللفظ فمحتمل، وإلا فلا شك أن الدعاء بالأمور المحرمة مطلقاً لا يجوز.] فتح الباري ٢/٤١٥. وجاء في رواية عند مسلم: (ثم يتخير من المسألة ما شاء) قال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (ثم يتخير من المسألة ما شاء) فيه استحباب الدعاء في آخر الصلاة قبل السلام، وفيه أنه يجوز الدعاء بما شاء من أمور الآخرة والدنيا ما لم يكن إثماً، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يجوز إلا بالدعوات الواردة في القرآن والسنة] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٨٩.\rواختار القول بجواز الدعاء بالأمور الدنيوية جماعة من أهل العلم المتقدمين والمتأخرين منهم الشيخ ابن قدامة المقدسي حيث قال: [وحكى عنه ابن المنذر – أي عن الإمام أحمد - أنه قال: لا بأس أن يدعو الرجل بجميع حوائجه؛ من حوائج دنياه وآخرته. وهذا هو الصحيح، إن شاء الله تعالى؛ لظواهر الأحاديث، فإن النبي ﷺ قال: \" ثم ليتخير من الدعاء “، وقوله: \" ثم يدعو لنفسه بما بدا له “. وقوله: \" ثم ليدع بعد بما شء “ ... ولأن أصحاب النبي ﷺ كانوا يدعون في صلاتهم بما لم يتعلموه، فلم ينكر عليهم النبي ﷺ ... ولما قال النبي ﷺ: (أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء) لم يعين لهم ما يدعون به، فدل على أنه أباح لهم كل الدعاء ... ] المغني ١/٤٩٣-٤٩٤.\rواختاره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال بعد أن ذكر أقوال العلماء: [وهذا هو الصواب؛ لأن النبي ﷺ قال: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه) ولم يوقت في دعاء الجنازة شيئاً، ولم يوقت لأصحابه دعاءً معيناً، كما وقت لهم الذكر، فكيف يقيد ما أطلقه الرسول ﷺ من الدعاء] مجموع الفتاوى ٢٢/٤٧٨.\rواختار هذا القول أيضاً الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز حيث قال بعد أن ساق الأدلة السابقة: [وهي تدل على شرعية الدعاء في هذه المواضع بما أحبه المسلم من الدعاء سواء كان يتعلق بالآخرة أو يتعلق بمصالحه الدنيوية بشرط ألا يكون في دعائه إثم ولا قطيعة رحم والأفضل أن يكثر من الدعاء المأثور عن النبي ﷺ] فتاوى الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، واختاره أيضاً الشيخ العلامة العثيمين حيث قال جواباً على السؤال التالي: هل يصح أن يدعو بشيء يتعلق بالدنيا؟ فيقول مثلاً: اللهم ارزقني زوجة صالحة، أو داراً واسعة أو ما أشبه ذلك؟ فأجاب: نعم يصح؛ لأن الرسول ﷺ قال في حديث ابن مسعود: \"ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) والإنسان مفتقر إلى ربه في حوائج دينه ودنياه. ومن قال من أهل العلم إنه لا يدعو بأمر يتعلق بالدنيا، فقوله ضعيف؛ لأنه يخالف عموم قول الرسول ﷺ: \"ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) ] فتاوى الشيخ العلامة العثيمين.\rوخلاصة الأمر أن الدعاء في الصلاة مشروع بل مندوب إليه، ولا فرق بين صلاة الفريضة والنافلة، ويجوز الدعاء بأمور الآخرة والدنيا، ولكن أفضل الدعاء هو الدعاء المأثور عن رسول الله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345710,"book_id":3840,"shamela_page_id":90,"part":"6","page_num":12,"sequence_num":90,"body":"١٢ - لا يجوز ترك حضور خطبة الجمعة بسبب نوعية الخطبة\rيقول السائل: هل يجوز لي أن لا أذهب يوم الجمعة إلى المسجد إلا بعد انتهاء الخطيب من خطبة الجمعة، لأن الخطيب في مسجدنا غير مؤهل وموضوعات خطبه مكررة ولا تعالج القضايا الهامة، أفيدونا؟\r\rالجواب: يقول الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة الجمعة الآية ٩. قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: [ ﴿ذكر الله﴾ أي الصلاة، وقيل الخطبة والمواعظ، قاله سعيد بن جبير. – قال - ابن العربي: والصحيح أنه واجب في الجميع، وأوله الخطبة. وبه قال علماؤنا، إلا عبد الملك بن الماجشون فإنه رآها سنة. والدليل على وجوبها أنها تحرم البيع ولولا وجوبها ما حرمته، لأن المستحب لا يحرم المباح. وإذا قلنا: إن المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من الصلاة. والعبد يكون ذاكراً لله بفعله كما يكون مسبحاً لله بفعله] تفسير القرطبي ١٨/١٠٧.\rوقد قال جمهور الفقهاء: إن خطبة الجمعة شرط لصحة صلاة الجمعة، فلابد من خطبة تسبق صلاة الجمعة، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ونقل عن عطاء والنخعي وقتادة والثوري وإسحاق وأبي ثور ونقله القاضي عياض عن كافة العلماء، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال - أي الخرقي -: فإذا فرغوا من الأذان خطبهم قائما ً. وجملة ذلك أن الخطبة شرط في الجمعة لا تصح بدونها كذلك قال عطاء والنخعي ,، وقتادة والثوري والشافعي ,، وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا ً, إلا الحسن قال: تجزئهم جميعهم، خطب الإمام أو لم يخطب، لأنها صلاة عيد , فلم تشترط لها الخطبة كصلاة الأضحى، ولنا قول الله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ والذكر هو الخطبة ,، ولأن النبي ﷺ ما ترك الخطبة للجمعة في حال وقد قال: (صلوا كما رأيتمونى أصلي) ، وعن عمر ﵁ أنه قال: قصرت الصلاة لأجل الخطبة، وقول عائشة نحو من هذا] المغني٢/٢٢٤، وانظر المجموع ٤/٥١٤، بدائع الصنائع ١/٥٨٩.\rإذا تقرر هذا فإن خطبة الجمعة لها شأن عظيم عند الله ﷿ فهي ذكرٌ لله كما سماها الله في كتابه الكريم، وهي شعيرة من شعائر الدين، وقد صح في الحديث أن الملائكة تشهدها فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة - أي ناقة - ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) رواه البخاري ومسلم. وإذا كان لخطبة الجمعة هذه المكانة فإن كثيراً ممن يصعدون المنابر اليوم ما هم بخطباء على الحقيقة، بل هم أشباه خطباء، فليس كل من صعد المنبر يسمى خطيباً، قال محمد كاتب المهدي ـ وكان شاعراً راويةً وعالماً في النحو ـ: سمعت أبا داود بن جرير يقول ـ وجرى شيء من ذكر الخطب وتحبير الكلام ـ فقال: [رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحُليُّها الإعراب، وبهاؤها تخير الألفاظ] البيان والتبيين.\rإن كثيراً ممن يصعدون المنابر اليوم لا يقدرون قيمة هذا المنبر ولا يعطونه الأهمية التي يستحقها لأن مواصفات الخطيب الناجح بعيدة عنهم كل البعد، كما أنه لا تبذل جهود حقيقية للرقي بخطيب الجمعة وإعداده إعداداً صحيحاً ليقوم بهذه المهمة العظيمة، بعض من يصعدون المنابر في بلادنا يسيئون لخطبة الجمعة، فمثلاً بعض هؤلاء إذا اعتلى المنبر نظر للمصلين نظرة فوقية، فيبدأ بتوجيه اللوم لهم وكأنهم مسئولون عن كل النكبات التي حلت بالأمة الإسلامية، ولا تسمع منه إلا ذكر المصائب والآلام ويقتل روح الأمل في نفوس المصلين، مع أن واجب الخطيب الناجح أن يبعث الأمل في نفوس المصلين، ويغرس الثقة بالله ﷿ في نفوس الناس، قال علي رضي الله تعالى عنه: [ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟ قالوا: بلى. قال: من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه. ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا علم ليس فيه تفهم ولا قراءة ليس فيها تدبر] . جامع بيان العلم ٢/٥٥. ولا شك أن الأمة الإسلامية تمر في ظروف عصيبة ولكن هذا الظرف لا يدفعنا إلى القنوط واليأس، فالأمة تحتاج إلى خطيب يبعث الأمل، ويشحذ الهمم، ويمسح مرارة الأحداث، ولا شك أن الأمة المسلمة تسير إلى خيرٍ وتمكين، والوعد الرباني بنصر الإسلام والمسلمين سيتحقق بإذن الله ﷿: قال تعالى ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ سورة آل عمران ١٤٠. وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن عبد الله بن عياض قال دخل عبيد بن عمير على عائشة فسألت: من هذا؟ فقال: أنا عبيد بن عمير. قالت: عمير بن قتادة؟ قال: نعم يا أمتاه. قالت: أما بلغني أنك تجلس ويجلس إليك؟ قال: بلى يا أم المؤمنين، قالت: فإياك وتقنيط الناس وإهلاكهم] مصنف عبد الرزاق ٣/ ٢١٩-٢٢٠. وقد كان من هدي النبي ﷺ التفاؤل فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان النبي ﷺ يعجبه الفأل الحسن أو الفأل الصالح) كما في روايات الحديث، رواه البخاري ومسلم وغيرهما. فلا يقبل من خطيب الجمعة أن ينظر نظرة سوداء متشائمة، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم) رواه مسلم، ففي الحديث ذم للتشاؤم وتقنيط الناس، وفيه أيضا ذم من زكى نفسه وتنقص غيره بغير حق. قال الإمام النووي: [واتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس، واحتقارهم، وتفضيل نفسه عليهم، وتقبيح أحوالهم، لأنه لا يعلم سر الله في خلقه. قالوا: فأما من قال ذلك تحزناً لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس عليه كما قال: لا أعرف من أمة النبي ﷺ إلا أنهم يصلون جميعاً. هكذا فسره الإمام مالك، وتابعه الناس عليه. وقال: الخطابي: معناه لا يزال الرجل يعيب الناس، ويذكر مساؤهم، ويقول: فسد الناس، وهلكوا، ونحو ذلك فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم أي أسوأ حالاً منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم، والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه، ورؤيته أنه خير منهم. والله أعلم.] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٣٤-١٣٥.\rوبعض من يصعدون المنابر في بلادنا لا يخاطبون الناس على قدر عقولهم، فتراه يتكلم في موضوع يثير العامة عليه، فلا يحسن اختيار موضوع الخطبة، فليس كل حقٍ يصلح أن يذكر على المنابر، فهنالك أمور لا تطرح على العامة، لأنهم قد لا يستوعبونها، أو تخالف ما ألفوه وعرفوه، فيحتاج الأمر إلى تمهيد وإعداد وليس محل ذلك خطب الجمعة، لذا ينبغي أن يكون الخطيب حصيفاً عند اختيار موضوع الخطبة، ولا يقبل أن يتناول الخطيب موضوعاً يثير العامة عليه، وقد يؤدي ذلك إلى إحداث فوضى في المسجد وصياح واعتراض على الخطيب وينتهي الأمر بأن يقوم بعض العامة بسحب الخطيب عن المنبر، فلا شك أن هذا حمق، وقصر نظر من الخطيب، وإساءة بالغة لخطبة الجمعة وتضييع لهيبتها من نفوس الناس، وكذا فيه إساءة لأدب المسجد، إن من مقتضيات نجاح الخطيب أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، وعلى الخطيب أن يعلم أنه يستحيل إصلاح الناس في خطبة واحدة، قال العلامة ابن القيم ﵀ واصفاً خطب النبي ﷺ: [وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم] زاد المعاد١/ ١٨٩. وقال ابن عباس ﵄ عمن وعظ العوام: [ليحذر الخوض في الأصول فإنهم لا يفهمون ذلك، لنه يوجب الفتن، وربما كفروه مع كونهم جهلة] الآداب الشرعية ٢/٨٧. وقال ابن مفلح المقدسي الحنبلي: [ومن التغفيل تكلم القصاص عند العوام الجهلة بما لا ينفعهم، وإنما ينبغي أن يخاطب الإنسان على قدر فهمه ومخاطبة العوام صعبة، فإن أحدهم ليرى رأياً يخالف فيه العلماء ولا ينتهي ... فالحذر الحذر من مخاطبة من لا يفهم بما لا يحتمل ... فاحذر العوام كلهم، والخلق جملة ... ] الآداب الشرعية ٢ / ٨٧-٨٨. ومع أن المقام لا يتسع لتفصيل صفات الخطيب الناجح، فقد كتبت فيه مؤلفات، فلا بد أن أذكر أن من عوامل نجاح الخطيب أن لا يتعرض للأمور الخلافية المحتملة، وأن لا يتعصب لرأيه، وأن يبتعد عن التجريح للأشخاص والجماعات مع التصريح بأسمائهم، فلا شك أن هذا على خلاف الهدي النبوي فقد صح عن النبي ﷺ في أكثر من مناسبة أنه كان يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) – كما في البخاري ومسلم وكتب السنن - دون أن يذكرهم بأسمائهم.\rوخلاصة الأمر أن خطبة الجمعة فريضة، وأنه لا يجوز لأحد أن يترك حضور خطبة الجمعة عمداً، لأن خطيب الجمعة لا يعجبه، أو أن خطيب الجمعة يطرح أموراً بعيدة عن واقع الأمة، فالأمة تذبح من الوريد إلى الوريد وهو يتحدث عن خطأ يقع فيه أحد المصلين، فلكل مقام مقال، ولا بد من الاهتمام بخطبة الجمعة، وأن يعاد تأهيل من يصعدون المنابر تأهيلاً علمياً صحيحاً حتى يستحقوا وصف خطيبٍ حقيقةً لا مجازاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345711,"book_id":3840,"shamela_page_id":91,"part":"6","page_num":13,"sequence_num":91,"body":"١٣ - استعمال مكبرات الصوت في المسجد للإعلان عن الوفاة\rيقول السائل: هل يجوز إعلان وفاة شخص باستخدام مكبرات الصوت في المساجد، وهل يعتبر هذا من النعي المحرم، أفيدونا؟ الجواب: ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات) . رواه البخاري ومسلم، والنعي المذكور في الحديث هو الإخبار عن وفاة الشخص\rقال الإمام الترمذي: [والنعي عندهم أن ينادى في الناس أن فلاناً مات ليشهدوا جنازته] سنن الترمذي ٣/٣١٣.\rوقال الحافظ ابن عبد البر [وفيه- أي حديث نعي النجاشي- إباحة الإشعار بالجنازة والإعلام بها ليجتمع إلى الصلاة عليها، وفي ذلك رد قول من تأول نهى رسول الله ﷺ عن النعي أنه الإعلام بموت الميت للاجتماع إلى جنازته، روي عن ابن مسعود أنه قال: لا تؤذنوا بي أحداً فإني أخشى أن يكون كنعي الجاهلية، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أنا مت فلا تقولوا للناس مات سعيد حسبي من يبلغني إلى ربي، وروي ذلك عن ابن مسعود قال: حسبي من يبلغني إلى حفرتي، وعن علقمة أنه قال: لا تؤذنوا بي أحداً فإن ذلك من النعي والنعي من أمر الجاهلية، وروي عن طائفة من السلف مثل ذلك قد ذكرتهم والأخبار عنهم في التمهيد، وروي عن ابن عون قال: قلت لإبراهيم أكان النعي يكره قال: نعم قال: وكان النعي أن الرجل يركب الدابة فيطوف ويقول أنعي فلاناً، قال ابن عون وذكرنا عن ابن سيرين أن شريحاً قال: لا تؤذنوا لجنازتي أحداً فقال إن شريحاً كان يكتفي بذكره ولا أعلم بأساً أن يؤذن الرجل صديقه حميمه، وفي قول رسول الله ﷺ (من صلى على جنازة كان له من الأجر كذا) ، وقوله ﵇ (لا يموت أحد من المسلمين فتصلي عليه أمة من الناس يبلغون أن يكونوا مئة فيشفعون له إلا شفعوا فيه) ، وعنه ﵇ (ما من مسلم يصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب) ، دليل على إباحة الإنذار والإشعار بالجنازة والاستكثار من ذلك للدعاء وإقامة السنة في الصلاة عليها، وقد أجمعوا أن شهود الجنائز خير وفضل وعمل برٍ، وأجمعوا أن الدعاء إلى الخير من الخير، وكان أبو هريرة ﵁ يمر بالمجالس فيقول: إن أخاكم قد مات فاشهدوا جنازته، فإن قيل إن ابن عمر كان إذا مات له ميت تحين غفلة الناس ثم خرج بجنازته، قيل قد روي عنه خلاف ذلك في جنازة رافع بن خديج لما نعي له قال كيف تريدون أن تصنعوا له؟ قالوا نحبسه حتى نرسل إلى قباء وإلى قريات حول المدينة ليشهدوا جنازته قال: نِعمَ ما رأيتم] الاستذكار ٨/٢٣٢-٢٣٣.\rوقال الإمام العيني: [ذكر ما يستنبط منه - أي من حديث نعي النجاشي- من الأحكام وهو على وجوه: الأول فيه إباحة النعي وهو أن ينادى في الناس أن فلاناً مات ليشهدوا جنازته، وقال بعض أهل العلم لا بأس أن يعلم الرجل قرابته وإخوانه، وعن إبراهيم لا بأس أن يعلم قرابته، وقال شيخنا زين الدين: إعلام أهل الميت وقرابته وأصدقائه استحسنه المحققون والأكثرون من أصحابنا وغيرهم وذكر صاحب الحاوي من أصحابنا وجهين في استحباب الإنذار بالميت وإشاعة موته بالنداء والإعلام: فاستحب ذلك بعضهم للغريب والقريب لما فيه من كثرة المصلين عليه والداعين له، وقال بعضهم يستحب ذلك للغريب ولا يستحب لغيره، وقال النووي والمختار استحبابه مطلقاً إذا كان مجرد إعلام] عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٦/٢٦.\rوينبغي أن يعلم أن استعمال مكبرات الصوت في المساجد للإعلان عن وفاة الميت، إنما هو استخدام لوسيلة حديثة لإخبار الناس عن وفاة الشخص، وهذا أمر جائز لا بأس به ما دام الهدف منه هو مجرد الإخبار فقط، وهذا من النعي الجائز شرعاً، والنعي ليس كله محرم، وإنما المحرم نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المآثر والمفاخر، وعلى هذا يحمل النهي الوارد عن النعي كما في الحديث عن حذيفة ﵁ قال: (إذا متُّ فلا تؤذنوا بي، إني أخاف أن يكون نعياً، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وصححه العلامة الألباني.\rوأما النعي الذي هو مجرد إخبار بالوفاة فقط ليشهد الناس الصلاة على الميت وليشهدوا جنازته ودفنه، فأمر مستحب لأنه وسيلة لأمور مندوبة ومستحبة، والوسائل لها أحكام المقاصد، قال الإمام العز بن عبد السلام: [للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل] قواعد الأحكام١/٤٦. ومما يدل على جواز هذا النعي ما ورد في الحديث عن يزيد بن ثابت ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ ذات يوم فلما ورد البقيع فإذا هو بقبر جديد فسأل عنه فقالوا: فلانة مولاة بني فلان، قال: فعرفها وقال: ألا آذنتموني بها؟ قالوا: ماتت ظهراً وكنت قائلاً صائماً فكرهنا أن نؤذيك قال: فلا تفعلوا لا أعرفن ما مات منكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي عليه رحمة، ثم أتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه أربعاً) رواه النسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي وإسناده صحيح على شرط مسلم قاله العلامة الألباني في أحكام الجنائز ص ٨٩. ويدل عليه ما ورد عن أبى هريرة ﵁ أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد - أو شاباً - ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها - أو عنه - فقالوا مات. قال: أفلا كنتم آذنتموني، قال: فكأنهم صغروا أمرها - أو أمره – فقال: دلوني على قبره، فدلوه فصلى عليها ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ﷿ ينورها لهم بصلاتي عليهم) رواه مسلم. ويدل عليه أيضاً ما ورد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (أخذ الراية زيد فأصيب, ثم أخذها جعفر فأصيب, ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب) وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان, (ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرةٍ ففتحَ له) . رواه البخاري. وفي رواية أخرى عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس، قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) رواه البخاري. ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن رشيد أحد شرَّاح صحيح البخاري قوله: [وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعاً كله، وإنما نهي عمَّا كان أهل الجاهلية يصنعونه فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق. وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمة لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته وتهيئة أمره والصلاة عليه والدعاء له والاستغفار وتنفيذ وصاياه وما يترتب على ذلك من الأحكام ... وحاصله أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا، وقد كان بعض السلف يشدد في ذلك حتى كان حذيفة إذا مات له الميت يقول: لا تؤذنوا به أحداً، إني أخاف أن يكون نعياً، إني سمعت رسول الله ﷺ بأذنيَّ هاتين ينهى عن النعي، أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن، قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات، الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة، الثانية دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره، الثالثة الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم] فتح الباري ٣/١٥٠-١٥١. وقال الإمام النووي: [والصحيح الذي تقتضتيه الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها وغيرها، أن الإعلام بموته لمن لم يعلم ليس بمكروه بل إن قصد به الإخبار لكثرة المصلين، فهو مستحب، وإنما يكره ذكر المآثر والمفاخر والتطواف بين الناس يذكره بهذه الأشياء، وهذا نعي الجاهلية المنهي عنه فقد صحت الأحاديث بالإعلام فلا يجوز إلغاؤها وبهذا الجواب أجاب بعض أئمة الفقه والحديث المحققين] المجموع ٥/٢١٦. وقال العلامة الألباني: [ويجوز إعلان الوفاة إذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية وقد يجب ذلك إذا لم يكن عنده من يقوم بحقه من الغسل والتكفين والصلاة عليه ونحو ذلك] أحكام الجنائز ص٣٢.\rوخلاصة الأمر أن الإخبار عن وفاة الميت باستعمال مكبرات الصوت في المساجد أمر جائز شرعاً، ومثل ذلك الإعلان عن وفاة الميت باستخدام الوسائل الحديثة كتداول الرسائل عبر الهواتف النقالة والبريد الإلكتروني وشبكة الإنترنت وغيرها بشرط أن يكون الإخبار خالياً من ذكر المآثر والمفاخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345712,"book_id":3840,"shamela_page_id":92,"part":"6","page_num":14,"sequence_num":92,"body":"١٤ - ما ينبغي مراعاته عند بناء المسجد\rيقول السائل: ضاق المسجد الذي نصلي فيه بأهله وتداعى أهل الخير لتوسعته، ولكن تبين لهم أن المسجد قد بني بتصميم يجعل من توسعته أمراً صعباً جداً من الناحية الهندسية إلا إذا هدم معظم المسجد القائم، فهل نهدم المسجد ونبنيه من جديد، أفيدونا؟ الجواب: بناء المساجد من الأمور المرغب فيها شرعاً وهو باب من أبواب الخير ومن الصدقة الجارية وقد ورد عن الرسول ﷺ أحاديث كثيرة في فضل بناء المساجد والمشاركة في بنائها فمن ذلك: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من بنى لله مسجداً قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه ابن حبان والبزار والطبراني في الصغير وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. وهذا الحديث يدل على المشاركة في بناء المسجد لأن مفحص القطاة لا يكفي ليكون مسجداً. ومفحص القطاة هو المكان الذي تفحصه القطاة لتضع فيه بيضها وترقد عليه. وعن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً صغيراً كان أو كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علَّمه ونشره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي وقال الشيخ الألباني: وإسناد ابن ماجة حسن. انظر صحيح الترغيب والترهيب ص ١٠٩-١١١.\rإذا تقرر هذا فإن بناء المسجد له خصوصية من الناحية العمرانية، فبناء المسجد ليس كبناء البيت، وإنما هنالك خصوصيات في بناء المسجد أذكر أهمها: أولاً: تحديد اتجاه القبلة بطريقة صحيحة، فإن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة، ويدل على ذلك قوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) سورة البقرة الآية ١٥٠، ويجب تحديد القبلة بدقة عند بناء المساجد فإذا بني المسجد، وتبين بعد ذلك أن هنالك خطأً كبيراً في قبلة المسجد فيجب تصحيح ذلك الخطأ والتوجه إلى القبلة، [فإذا كانت القبلة إلى الجنوب، وتوجّه المصلي إلى جهة الجنوب بناءً على اجتهاده فصلاته صحيحة. فإذا ابتعد عن عين القبلة يميناً أو يساراً حتّى ٤٥ درجة فإنّه يظل متّجهاً إلى جهة الجنوب، فإذا زاد عن ذلك فقد بدأ يتّجه إلى جهة الشرق أو الغرب، لأنّ كلّ جهة من هاتين الجهتين تبعد عن جهة الجنوب ٩٠ درجة. فإذا وصل إلى ٤٥ درجة فقد وصل إلى نهاية الجنوب من جهة الشرق، وبدأ التوجّه إلى جهة الشرق الجنوبي. أو إلى نهاية الجنوب من جهة الغرب وبدأ التوجّه إلى الغرب الجنوبي... فالخطأ في هذه الحدود مغتفر إن شاء الله إذا حصل بعد البحث والتحري والاجتهاد] .\rثانياً: التقليل ما أمكن من عدد الأعمدة داخل المسجد، لأن الأعمدة تقطع اتصال الصفوف، وقد قرر العلماء كراهية الصف بين الأعمدة لغير حاجة من ضيق ونحوه، وقد وردت بعض الأحاديث التي تدل على كراهية الصف بين السواري فمن ذلك ما رواه الترمذي بإسناده عن عبد الحميد بن محمود قال: (صلينا خلف أمير من الأمراء فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين فلما صلينا قال أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ ... قال أبو عيسى – أي الترمذي -: حديث أنس حديث حسن صحيح. وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري. وبه يقول أحمد وإسحق. وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٢/١٩. وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: [كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طرداً] رواه ابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وكذلك لا بد من الاهتمام بقضية الصفوف في المسجد وخاصة الصف الأول فعند بناء المسجد على شكل دائري مثلاً، فإن هذا يؤدي إلى إرباكٍ في الصفوف وتقليل حجم الصف الأول وغيره، لذا لا بد للمهندسين من أخذ هذه القضية بالاعتبار عند تصميم المسجد.\rثالثاً: الاقتصاد عند بناء المسجد فليس هنالك داعٍ للزخارف الفخمة والثريات الباهظة الثمن والقباب المذهبة والمآذن الطويلة، بل يجب أن يكون المسجد في غاية البساطة مع الاتساع وتوفر المرافق المريحة للمصلين كالحمامات النظيفة ووسائل التبريد والتدفئة والإضاءة الجيدة وغير ذلك، ولا بد من التنبيه إلى أن كثيراً من المساجد التي تبنى في أيامنا هذه يلاحظ فيها المبالغة في البناء وإنفاق الأموال الطائلة في زخرفة المسجد وتزيينه، وقد سمعنا عن بعض المساجد التي كلف الواحد منها مئات الملايين مع أن الناس يعانون من الفقر في تلك البلاد، فكان أولى أن تنفق تلك الأموال لسد حاجات الناس الضرورية. ويجب أن يعلم أنه ليس من منهج الإسلام الصحيح المبالغة في بناء المسجد ولا إنفاق الملايين عليه مباهاةً وتفاخراً. وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ في الحديث عن ذلك فقد جاء في الحديث عن أنس أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد وصححه ابن خزيمة وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/١٢٣٧. وقال الشيخ الشوكاني: [أي يتفاخرون في بناء المساجد والمباهاة بها] نيل الأوطار ٢/١٦٩. وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب بنيان المسجد وقال أبو سعيد: كان سقف المسجد من جريد النخل. وأمر عمر ببناء المسجد وقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمِّر أو تصَفّر فتفتن الناس. وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً] . وقال الحافظ ابن حجر قوله: [ثم لا يعمرونها: المراد به عمارتها بالصلاة وذكر الله وليس المراد به بنيانها ...] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٢/٨٥-٨٦. وورد في الحديث عن الرسول ﷺ: (ما أمرت بتشييد المساجد) رواه أبو داود وابن حبان وصححه. قال الإمام البغوي: (والمراد من التشييد: رفع البناء وتطويله ومنه قوله ﷾: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ وهي التي طول بناؤها... وقال أبو الدرداء ﵁: إذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مساجدكم فالدمار عليكم) شرح السنة ٢/٣٤٩-٣٥٠. وقال ابن رسلان معلقاً على حديث الرسول ﷺ السابق: [وهذا الحديث فيه معجزة ظاهرة إخباره ﷺ عما يقع بعده فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس بأخذهم أموال الناس ظلماً وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع نسأل الله السلامة والعافية] نيل الأوطار ٢/١٦٨.\rرابعاً: العناية التامة بمرافق المسجد الملحقة به، مثل دورة المياه والمتوضأ، فلا بد أن تتحقق الشروط الصحية في هذه المرافق من حيث التهوية والنظافة وتناسب الأدوات المستخدمة فيها مع طريقة استعمالها فمثلاً ينبغي أن تكون صنابير المياه من النوع الذي يسمح بعملية الوضوء بشكل سهل، وأذكر أنني رأيت متوضأً وضعت فيه حنفيات قصيرة العنق لا تسمح للمتوضئ أن يغسل رجليه، وكذلك يقال في كراسي المراحيض. وكذلك الاهتمام بوجود ساحات حول المسجد لوقوف السيارات.\rخامساً: الاهتمام بعدة أمور عند بناء المسجد، كعملية العزل لمنع تدفق المياه إلى المسجد خلال فصل الشتاء، وكذا لحفظ المصلين من حرارة الصيف، وكذا موضع الشبابيك فينبغي أن تكون في مكان مناسب من المسجد للتهوية وإدخال الضوء، وألا تكون في قبلة المصلين بشكل مباشر. وكذا العناية بأبواب المسجد بحيث تكون متناسبة مع حجم المسجد، فالمسجد الكبير الواسع لا بد له من عدة أبواب، حتى لا يزدحم المصلون عند الخروج من المسجد، وكذا لا ينبغي أن تكون أبواب المسجد في جهة القبلة لما يترتب عليه من قطع الصفوف الأولى، وكذلك لا بد من الاهتمام بالشبكة الكهربائية للمسجد من حيث الإضاءة والمراوح والمكيفات وأن تكون مفاتيح التحكم فيها في مكان خاص يضبطه موظف المسجد، حتى لا تكون عرضة لأمزجة المصلين، وكذلك لا بد من الاهتمام بأماكن وضع الأحذية، وغير ذلك من الأمور التي يجب أن تراعى عند بناء المساجد، وبمناسبة الحديث عن بناء المساجد فإنني أدعو المهندسين المعماريين لوضع أسس لبناء المسجد تكون متفقة مع ثقافة المسجد في الإسلام ولا بد من التعاون في ذلك مع أهل العلم الشرعي.\rسادساً: لا بد من الاهتمام بمصلى النساء عند بناء المسجد ابتداءً، ومراعاة دخولهن وخروجهن بطريقة مشروعة، والأخذ بعين الاعتبار حاجاتهن الخاصة.\rسابعاً: عند التفكير في بناء مسجد جديد لا بد أن يكون بعيداً عن أي مسجد قائم، فلا يجوز بناء مسجد جديد بقرب المسجد القديم ما دام أن المسجد القديم يتسع لأهل الحي، لأن من المقاصد التي بنيت لها المساجد جمع أكبر عدد من المصلين في المسجد الواحد ليتعاونوا ويتعارفوا. كما أن الله ﷾ جعل الثواب العظيم لمن يمشي إلى المسجد للصلاة ولو كان بعيداً كما صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى) رواه البخاري ومسلم. وإنّ بناء المسجد الجديد بجوار المسجد القديم يعتبر من باب الضرار عند العلماء لأنه سيؤدي إلى تفريق جماعة المسلمين. وقد اعتبر الإمام السيوطي أن كثرة المساجد في المحلة الواحدة من المحدثات المخالفة لهدي الرسول ﷺ. انظر كتاب الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع ص ٣٠٠.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز شرعاً هدم المسجد من أجل تحقيق مصلحة شرعية كإعادة بنائه أو توسعته أو نحو ذلك من الأسباب الشرعية، كم ينبغي مراعاة عدة أسس وقواعد عند بناء المساجد ذكرت أهمها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345713,"book_id":3840,"shamela_page_id":93,"part":"6","page_num":15,"sequence_num":93,"body":"١٥ - الفرق بين المسجد والمصلى\rيقول السائل: يوجد في المؤسسة التي أعمل فيها مصلىً نصلي فيه صلاة الظهر غالباً وأحياناً نصلي صلاة العصر، وقد حصل نقاش بين الموظفين في تحية المسجد عند دخولنا لهذا المصلى، فأحد الموظفين يقول نصلي تحية المسجد لأن له حكم المسجد، فما قولكم في المسألة، أفيدونا.\r\rالجواب: الأصل في المسجد أنه كل موضع من الأرض لقول النبي ﷺ (جعلت لي الأرض مسجداً) رواه البخاري، قال الإمام الزركشي: [ثم العرف خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس حتى يخرج المصلى المجتمع فيه للأعياد ونحوها فلا يعطى حكمه] إعلام الساجد بأحكام المساجد ص١٤. وأما المصلى فهو المحل المهيأ للصلاة في الفضاء والصحراء حيث تقام فيه صلاة العيد والاستسقاء، ويلحق بذلك ما تعارف عليه الناس من تخصيص غرفة في مؤسسة أو مستشفى أو شركة ونحوها لأداء الصلاة. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٧/١٩٥. قال الإمام النووي ﵀: [المصلى المتخذ للعيد وغيره، الذي ليس بمسجد لا يحرم المكث فيه على الجنب والحائض على المذهب. وبه قطع الجمهور. وذكر الدارمي فيه وجهين وأجراهما في منع الكافر من دخوله بغير إذن، ذكره في باب صلاة العيد، وقد يحتج له بحديث أم عطية في الصحيحين أن النبي ﷺ أمر الحيض أن يحضرن يوم العيد ويعتزلن المصلى، ويجاب عنه بأنهن أمرن باعتزاله ليتسع على غيرهن وليتميزن] المجموع ٢/١٨٠. ويجوز اتخاذ المصلى في محل العمل، وإن كان الأصل أن تؤدى الصلوات في المساجد، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عتبان بن مالك ﵁ أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: قد أنكرت بصري أنا أصلي بقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أستطع أن آتي المسجد فأصلي بهم، وددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى، فقال له رسول الله ﷺ: (سأفعل إن شاء الله) . قال عتبان: فغدا رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: أين تحب أصلي من بيتك؟ قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه سلم فكبر، فقمنا فصففنا، فصلى ركعتين ثم سلم ... ) رواه البخاري ومسلم.\rوقد ثبت في السنة المشرفة التفريق بين المسجد وبين المصلى فالمسجد له أحكام خاصة به لا يشاركه فيها المصلى ومنها تحية المسجد، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (دخل رجل يوم الجمعة المسجد والنبي ﷺ يخطب فقال له: أصليت؟ قال: لا. قال: فصل ركعتين) رواه البخاري ومسلم. وثبت في رواية أخرى عن جابر أيضاً قال: (جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس. فقال رسول الله ﷺ: إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم يجلس) رواه مسلم. وعن أبي قتادة ﵁ قال: (دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس. قال: فجلست فقال رسول الله ﷺ: ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ قال: فقلت: يا رسول الله رأيتك جالساً والناس جلوس. قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) رواه مسلم. وقد صح من هدي النبي ﷺ أنه كان يصلي صلاة العيد في المصلى فإذا وصل إلى المصلى بدأ الصلاة من غير أذان ولا إقامة فكان يصلي ركعتين فيهما تكبيرات زوائد، وما كان يصلي تحية المسجد، فقد جاء في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ: (كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة ولم يصل قبلها ولا بعدها) رواه أحمد وابن ماجة، وقال الحافظ العراقي إسناده صالح، ونقل الترمذي تصحيحه عن البخاري. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ (كان النبي ﷺ الناس يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم) متفق عليه. فهذا الحديث يدل على أنه ﷺ لم يصل تحية المسجد. وكذلك فقد كان من هدي النبي ﷺ في صلاة الاستسقاء أنه يصليها في المصلى كما ورد في حديث ابن عباس ﵄، وقد سئل عن الصلاة في الاستسقاء فقال: (خرج رسول الله ﷺ متواضعاً متبذلاً متخشعاً متضرعاً فصلى ركعتين كما يصلي في العيد) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان وصححه. وهذا الحديث أيضاً يدل على أنه ﷺ لم يصل تحية المسجد.\rومما يدل على التفريق بين المسجد والمصلى أنه يشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في المسجد، قال الله تعالى: (ولا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) سورة البقرة الآية ١٨٧. ولم يعتكف النبي ﷺ إلا في المسجد فلا يصح الاعتكاف في المصليات. وكذلك فقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يذبح أضحيته في المصلى، ومعلوم أن ذلك لا يصح في المسجد، فقد ثبت في الحديث عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يذبح وينحر بالمصلى) . رواه البخاري. وكذلك فقد صح عن النبي ﷺ في قصة ماعز الأسلمي ﵁ أنه لما زنا (أمر به - النبي ﷺ فرجم بالمصلى) رواه البخاري. ومعلوم أن الحدود لا تقام في المسجد. ومن الفروق بين المسجد والمصلى أن المسجد لا يجوز تحويله إلى شيء آخر بشكل عام، لأن المسجد وقف لله تعالى، وأما المصلى فلا حرج في تحويله إلى مكتب أو نحوه ما لم يكن موقوفاً للصلاة فيه. ومن الفروق بين المسجد والمصلى أن الصلاة مع الجماعة في المسجد أفضل بسبع وعشرين درجة أو خمس وعشرين درجة كما ورد عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى للبخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) .\rوكذلك فإن من أحكام المسجد الخاصة به أنه لا يجوز البيع والشراء فيه وكذلك نشد الضالة لما ورد في الحديث من قوله ﷺ: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد الضالة فقولوا: لا رد الله عليك) رواه الترمذي والدارمي وهو حديث صحيح. وروى أبو داود بسنده: (أن الرسول ﷺ نهى عن البيع والشراء في المسجد وأن تنشد فيه ضالة وأن ينشد فيه شعر ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الإمام الترمذي وحسنه العلامة الألباني أيضاً.\rولا بد من التذكير بمكانة بتحية المسجد فالتحية هي ما يُحيّا به الشيء أو يعظم به، ومن هنا جاءت تحية المسجد والأصل أنها تحية لرب المسجد، لأن المقصود بها التقرب إلى الله تعالى لا إلى المسجد. وتحية المسجد سنة مؤكدة عند جماهير أهل العلم، وقال بعض العلماء بوجوبها، والأول أرجح، ومما يدل على عدم الوجوب ما رواه البخاري في (باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها) حيث روى بسنده عن أبي واقد الليثي ﵁: (أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل إثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد قال فوقفا على رسول الله ﷺ فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله ﷺ قال (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه) ففي هذا الحديث لم ينكر انبي ﷺ على من جلس في الحلقة أو وراءها ولم يصل التحية.\rوخلاصة الأمر أن تحية المسجد خاصة بالمساجد فقط، وأما المصليات فلا تحية لها، وينبغي على المسلم أن يحافظ على تحية المسجد كلما دخل المسجد لما ورد فيها من أحاديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345714,"book_id":3840,"shamela_page_id":94,"part":"6","page_num":16,"sequence_num":94,"body":"١٦ - حديث (صلوا خلف كل بر وفاجر)\rيقول السائل: ما صحة الحديث الوارد في الصلاة خلف كل بر وفاجر، أفيدونا؟\rالجواب: روي في الحديث عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول اللَّه ﷺ: الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر) . رواه أبو داود، ورواه الدارقطني بمعناه، ورواه البيهقي وغيره بلفظ (صلوا خلف كل برٍ وفاجر وصلوا على كل برٍ وفاجر وجاهدوا مع كل برٍ وفاجر) . وخلاصة كلام المحدثين أن هذا الحديث حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، قال الدارقطني: ليس في هذه الأحاديث شيء يثبت، وقد فصَّل الإمام الزيلعي الكلام على هذا الحديث في نصب الراية ٢/٢٦-٢٩.\rوقال العلامة الألباني [وأما حديث \" صلوا خلف كل بر وفاجر وصلوا على كل بر وفاجر. . . \" فهو ضعيف الإسناد كما أشرت إليه في \" الشرح \" وبينته في \" ضعيف أبي داود \" (٩٧) و\" الإرواء \" (٥٢٠) ولا دليل على عدم صحة الصلاة وراء الفاسق وحديث \" اجعلوا أئمتكم خياركم \" إسناده ضعيف جداً كما حققته في \" الضعيفة \" (١٨٢٢) ولو صح فلا دليل فيه إلا على وجوب جعل الأئمة من الأخيار وهذا شيء، وبطلان الصلاة وراء الفاسق شيء آخر لا سيما إذا كان مفروضاً من الحاكم. نعم لو صح حديث \" ولا يؤم فاجر مؤمناً \" لكان ظاهر الدلالة على بطلان إمامته ولكنه لا يصح أيضاً من قبل إسناده كما بينته في أول \" الجمعة \" من \" الإرواء \" رقم ٥٩١.] من تعليق الألباني على العقيدة الطحاوية، عن شبكة الإنترنت.\rومع أن هذا الحديث ضعيف وكذا ما جاء في معناه إلا أن الراجح من أقوال أهل العلم أن الصلاة تصح خلف الفاسق وتصح صلاة الجنازة عليه، وعلى هذا جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية في المعتمد عندهم وهو رواية في مذهب الحنابلة وهو قول أهل الظاهر، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي - صاحب العقيدة الطحاوية وهي العقيدة المرضية عند أهل السنة والجماعة -: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم. وقال شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي [قال ﷺ (صلوا خلف كل بر وفاجر) رواه مكحول عن أبي هريرة ﵁ وأخرجه الدارقطني وقال: مكحول لم يلق أبا هريرة وفي إسناده معاوية بن صالح متكلم فيه وقد احتج به مسلم في صحيحه وخرج له الدارقطني أيضاً وأبو داود عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل بالكبائر والجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر) ، وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذا أنس بن مالك وكان الحجاج فاسقاً ظالماً، وفي صحيحه أيضاً أن النبي ﷺ: قال: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وأن أخطأوا فلكم وعليهم) وعن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ: قال: (صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وصلوا على من مات من أهل لا إله إلا الله) أخرجه الدارقطني من طرق وضعفها. اعلم رحمك الله وإيانا أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقاً باتفاق الأئمة وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ولا أن يمتحنه فيقول ماذا تعتقد بل يصلي خلف المستور الحال ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف. ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها فإن الصحابة ﵃ كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف وكذلك أنس ﵁ كما تقدم وكذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان يشرب الخمر حتى إنه صلى بهم الصبح مرة أربعاً ثم قال أزيدكم فقال له ابن مسعود ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة، وفي الصحيح أن عثمان بن عفان ﵁ لما حصر صلى بالناس شخص فسأل سائل عثمان إنك إمام عامة وهذا الذي صلى بالناس إمام فتنة فقال يا ابن أخي إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسنوا فأحسن معهم وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم. والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب. ومن ذلك أن من أظهر بدعةً وفجوراً لا يترتب إماماً للمسلمين فإنه يستحق التعزيز حتى يتوب فإن أمكن هجره حتى يتوب كان حسناً وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة شرعية ولم تفت المأموم جمعة ولا جماعة وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃ وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية فهنا لا يترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلفه أفضل فإذا أمكن الإنسان أن لا يقدم مظهراً للمنكر في الإمامة وجب عليه ذلك لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بشر أعظم ضرراً من ضرر ما أظهر من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسن الإمكان فتفويت الجمع والجماعات أعظم فساداً من الإقتداء فيهما بالإمام الفاجر لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجوراً فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة. وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد العلماء منهم من قال يعيد ومنهم من قال لا يعيد وموضع بسط ذلك في كتب الفروع] شرح العقيدة الطحاوية ص ٤٢٣.\rوقال أبو بكر الإسماعيلي: [ويرون – أي أهل السنة والجماعة - الصلاةَ الجمعة وغيرها خلف كل إمام مسلم، براً كان، أو فاجراً، فإن الله ﷿ فرضَ الجمعة، وأمر بإتيانها فرضاً مطلقاً مع علمه تعالى بأن القائمين يكون منهم الفاجر والفاسق، ولم يستثن وقتاً دون وقت، ولا أمراً بالنِّداء للجمعة دون أمر.] اعتقاد أهل الحديث ص٧٥-٧٦ عن شبكة الإنترنت.\rوقال الإمام الشوكاني [والحق جواز الائتمام بالفاسق لأن الأحاديث الدالة على المنع كحديث: (لا يؤمنكم ذو جراءة في دينه) وحديث: (لا يؤمنَّ فاجرٌ مؤمناً) ونحوهما ضعيفة لا تقوم بها حجة وكذلك الأحاديث الدالة على جواز الائتمام بالفاسق كحديث: (صلوا مع من قال لا إله إلا اللَّه) وحديث: (صلوا خلف كل بر وفاجر) ونحوهما ضعيفة أيضًا ولكنها متأيدة بما هو الأصل الأصيل وهو أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره فلا ننتقل عن هذا الأصل إلى غيره إلا لدليل ناهض، وقد جمعنا في هذا البحث رسالة مستقلة وليس المقام مقام بسط الكلام في ذلك.] نيل الأوطار ٢/٢٨.\rوقال الإمام الشوكاني أيضاً [ولكنه قد ثبت إجماع أهل العصر الأول من الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعاً فعلياً ولا يبعد أن يكون قولياً على الصلاة خلف الجائرين لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم في كل بلدة فيها أمير وكانت الدولة إذ ذاك لبني أمية وحالهم وحال أمرائهم لا يخفى ... والحاصل أن الأصل عدم اشتراط العدالة وأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره وقد اعتضد هذا الأصل بما ذكر المصنف وذكرنا من الأدلة وبإجماع الصدر الأول عليه وتمسك الجمهور من بعدهم به فالقائل بأن العدالة شرط كما روي عن العترة ومالك بن جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب محتاج إلى دليل ينقل عن ذلك الأصل] نيل الأوطار ٣/١٨٥- ١٨٦.\rوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين [والصواب عندنا أن الصلاة تصح خلف الفاسق، لكن الصلاة خلف غيره أولي وأكمل.] فتاوى العثيمين.\rوخلاصة الأمر أن الحديث المذكور في السؤال حديث غير ثابت عن النبي ﷺ ومع ضعفه فإن الصلاة خلف الفاسق صحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345715,"book_id":3840,"shamela_page_id":95,"part":"6","page_num":17,"sequence_num":95,"body":"١٧ - انتهاك حرمة المساجد من الفرق الكشفية المصحوبة بالآلات الموسيقية والطبول\rيقول السائل: ما قولكم فيما حصل في بعض المساجد من دخول الفرق الكشفية مصحوبة بالآلات الموسيقية والطبول وقيامها بالعزف في ساحة المسجد إحياء للاحتفالات الدينية كما يُزعم، أفيدونا؟\rالجواب: قال الله ﷿: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ سورة النور الآيتان ٣٦ - ٣٧. البيوت المذكورة في الآية الكريمة هي المساجد كما قال ابن عباس ومجاهد والحسن البصري ورجحه القرطبي في تفسيره ١٢/٢٦٥، وقد قرر أهل العلم أن الأصل في المساجد أنها تبنى لذكر الله تعالى وإقامة الصلاة، والمساجد لها أحكام خاصة بها وآداب لا بد من المحافظة عليها كي تبقى للمسجد هيبته وحرمته في نفوس المسلمين لذا يمنع المسلم من فعل أمور كثيرة في المساجد مع أنه يجوز فعلها خارج المساجد وقد ثبت في الحديث عن بريدة ﵁ (أن رجلاً نشد في المسجد – أي طلب ضالة له - فقال النبي ﷺ: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بُنيت له) رواه مسلم. قال الإمام النووي [في هذين الحديثين فوائد منها: النهي عن نشد الضالة في المسجد، ويُلحق به ما في معناه من البيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد ... وقوله ﷺ (إنما بنيت المساجد لما بُنيت له) معناه لذكر الله والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها] شرح النووي عل مسلم ٢/٢١٥. وقال الإمام القرطبي بعد أن ذكر ذكر حديث بريدة السابق: [وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن. وكذا جاء مفسراً من حديث أنس قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مه مه؛ فقال النبي ﷺ: (لا تزرموه دعوه) . فتركوه حت بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) ... وسمع عمر بن الخطاب ﵁ صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا الصوت؟ أتدري أين أنت!] تفسير القرطبي ١٢/٢٦٩. وورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذي بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي وصححه الشيخ الألباني. وورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) رواه مالك بسند صحيح قاله الشيخ الألباني. وقد همّ عمر بن الخطاب ﵁ بتعزير من يرفعون أصواتهم في المسجد فقد روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: كنت قائماً في المسجد فحصبني رجل - أي رماني بحصاة - فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: ممن أنتما؟ قال: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ . ونقل العينى عن المحب الطبري قوله: [إن الأصل في المساجد تنزيهها عن اللعب فيقتصر على ما ورد فيه النص] عمدة القاري ٦/٢٧٠. ومن القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله يقول الله تعالى ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى ﴿ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه﴾ سورة الحج الآية ٣٠. قال الإمام القرطبي [ ﴿ومن يعظم شعائر الله﴾ الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم.... فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك ... ] تفسير القرطبي ١٢/٥٦. ولا شك أن المساجد داخلة في عموم شعائر الله.\rإذا تقرر هذا فإنه يجب تنزيه المساجد عن إقامة الاحتفالات التي تكون مصحوبة بفرق الإنشاد والموسيقى مع ضرب الدفوف أو فرق الكشافة المصحوبة بالطبول والأجراس، لأن هذا يشكل مخالفة واضحة لمنهج الإسلام. ويحاول بعض الناس إلباس هذه المناسات لباس الدين وليس لها أصل صحيح في دين الله ﷿ وإنما هي من المحدثات المبتدعات. وإن من الغرائب والعجائب أن نقرأ في برنامج الإعلان عن إحياء موسم النبي موسى ﵇ الفعاليات الآتية التي ستعقد في الموسم: دبكة شعبية، فرقة موسيقية وعزف على العود مع غناء وطني، زجل شعبي، صندوق العجب، عرض دمى، ورشة رسم على الوجوه مهرجين، عزف على الآلات الشرقية ... إلخ وهذه ستعقد في المقام وهو في الأصل مسجد، إن هذه الأمور مشتملة على مخالفات شرعية بينة، وإن ألبست لباس التراث الشعبي أو لباس الوطنية أو لباس الثقافة فهذه الأمور لا تفعل في بيوت الله ﷿، وقد كنت بحثت مسألة الاحتفال بموسم النبي موسى ﵇ في كتابي (إتباع لا ابتداع ص ١٨٨- ٢٠٠ حيث ذكرت الأحكام الشرعية المتعلقة بها) وبينت أن الاحتفال بموسم النبي موسى ﵇ من البدع القديمة المتجددة وأن هذا الاحتفال في لبه ولحمته وسداه مخالف لدين الله ﷾ ولسنة رسول الله ﷺ وأنه ترتكب فيها المخالفات الشرعية الكثيرة باسم الدين وأن الإسلام بريء من هذه الاحتفالات التي تنسب إلى الدين زوراً وبهتاناً. والذي ظهر لي من خلال ما كتبه بعض المؤرخين كالدكتور كامل العسلي في كتابه (موسم النبي موسى) أنه كان موسم رقص وطرب واختلاط بين النساء والرجال بل إن النساء كن يرقصن في الحلقات أمام الرجال وأن هذا الموسم كان عليه مسحة من الصوفية المنحرفة. كما أن مقام النبي موسى المذكور ليس له صلة بنبي الله موسى ﵇، قال مجير الدين الحنبلي: [ومات موسى ولم يعرف أحد من بني إسرائيل أين قبره ولا أين توجه] الأنس الجليل ١/١٩٩. كما ويجب أن يعلم أنه لا علاقة لصلاح الدين الأيوبي بموسم النبي موس ﵇ كما زعم بعض الكاتبين أن السلطان صلاح الدين الأيوبي هو أول من أنشأ موسم النبي موسى لمواجهة التجمعات الصليبية التي كانت تقام في عيد الفصح انظر المفصل في تاريخ القدس ص ١٧٦-١٧٧. وقد قرر المحققون من المؤرخين أن موسم النبي موسى حدث بعد ذلك، يقول الدكتور كامل العسلي: [وعلى أية حال فإنه من المهم أن نؤكد أننا لم نجد في الكتب القديمة التي وضعت في العصر الأيوبي ومنها كتاب العماد الأصفهاني وابن واصل والبهاء بن شداد وأبي شامة المقدسي أي إشارة إلى الموسم ولا إلى علاقة صلاح الدين الأيوبي أو ورثته بالموسم كما أنه ليس في الكتب التي وضعت زمن الأيوبيين ولا في الكتب التي وضعت زمن المماليك أو العثمانيين حسب علمنا ما يشير إلى أن الاحتفال بالنبي موسى كان ذا صبغة سياسية ... إن أول إشارة لموسم النبي موسى وقعنا عليها في الكتب، وردت في \" إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى \" لشمس الدين السيوطي المتوفى بعد سنة ٨٨٠ هـ ... وقد دون السيوطي كتابه هذا سنة ٨٧٥ هـ والإشارة الثانية وجدناها في مخطوط \" الدر النظيم في أخبار سيدنا موسى الكليم \" لأبي البقاء نجم الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة المتوفى بعد سنة ٩٠١ هـ] موسم النبي موسى ص٨٧-٨٩.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم شرعاً إقامة الحفلات الموسيقية في المساجد وفي ساحاتها وكذا يحرم إقامة حفلات الرقص والطرب والدبكة فيها ويجب شرعاً منع فرق الكشافة من إقامة طقوسها في المساجد وفي ساحاتها والواجب على المسؤوين منع كل انتهاك لحرمات المساجد تحت مسمى الاحتفال بالمناسبات الدينية بغض النظر عن أهداف ومسميات تلك الاحتفالات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345716,"book_id":3840,"shamela_page_id":96,"part":"6","page_num":18,"sequence_num":96,"body":"١٨ - المسح على الجورب الرقيق من مسائل الخلاف المعتبر\rالسؤال: أرسل لي أحد طلبة العلم نشرة وزعت في بعض المساجد بعنوان (القول الأصوب في بطلان المسح على الجورب) وطلب مني إبداء الرأي فيها؟\rالجواب: قرأت النشرة المذكورة ووجدت أن كاتبها متعصب للقول الذي يجيز المسح على الجوربين وفق الشروط التي وضعها بعض فقهاء المذاهب من كون الجورب مجلداً ثخيناً يمكن السير فيه ولا ينفذ الماء إليه..إلخ الشروط التي وضعها بعض فقهاء المذاهب، ونقل كلام بعض العلماء في تضعيف حديث المغيرة بن شعبة قال: (توضأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه أحمد والترمذي وغيرهما ونقل بعد ذلك كلاماً عن المذاهب الأربعة تؤيد دعواه كما زعم، وقال أخيراً [ ... التزم أقوال العلماء الأعلام وعليك بالإتباع وترك الابتداع] ثم ختم نشرته بجزء مبتور من حديث للنبي ﷺ (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) هذا أهم ما جاء في النشرة المشار إليها.\rوأقول إننا في هذه البلاد قد ابتلينا بأشباه طلبة العلم الذين يظن الواحد منهم أنه إن قرأ كتاباً أو سمع أشرطة لدروس شيخ أو عالم، صار عالم زمانه الأوحد، وصار الحق حكراً له فالحق عنده والباطل عند من خالفه!!! هذه البلوى الحقيقية وليست البلوى ما زعمه كاتب النشرة من أن البلوى هي تفشي ظاهرة المسح على الجورب الرقيق؟؟!! فالأخيرة مسألة خلافية وهي من مسائل الخلاف المعتبر عند أهل العلم لأنها مسألة اجتهادية وفيها مجال للنظر والأخذ والرد، ومن الجهل الفاضح أن يختم كاتب النشرة كلامه بالجزء المبتور من حديث النبي ﷺ ليصل إلى نتيجة باطلة قطعاً وهي إن العلماء القائلين بجواز المسح على الجورب الرقيق هم (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) . وأقول ما قاله الشاعر قديماً:\rأوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل\rلنرجع إلى نص الحديث النبوي الذي اقتطعت منه الجملة التي ساقها الكاتب لنرى هل ينطبق هذا الحديث على أؤلئك العلماء أم لا؟ نص الحديث هو (عن أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن اشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير، قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت يا رسول الله صفهم لنا، فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك، قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي [قوله ﷺ: (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال آخر كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٥٤٧. إن الكاتب المذكور اجتزأ النص ليوافق هواه، وفعل فعل الذين يقولون (ويل للمصلين) !! قاتل الله التعصب فهكذا يفعل بأهله يوصلهم إلى الكذب على رسول الله ﷺ بوضع النصوص في غير محالها.\rإذا تقرر هذا فإن الخطب يسير في مسألة المسح على الجورب الرقيق، وليس الأمر كما يحاول أن يصوره بعض المتعصبين للمذاهب والذين تضيق صدورهم بالخلاف الفقهي المعتبر، وقد سبق أن بحثت هذه المسألة بشيء من التفصيل في أكثر من موضع من سلسلة يسألونك، وبينت أدلة من أجاز المسح على الجورب دون اعتبار لما شرطه بعض الفقهاء من شروط للجوربين الذين يمسح عليهما بأن يكونا منعلين أو مجلدين أو ثخينين وغير ذلك من الشروط، فإنه لم يقم دليل صحيح على اعتبار هذه الشروط ولم يرد دليل على تقييد الجوربين بهذه الشروط. ولا أريد تكرار الكلام في المسألة، ولكن لا بد من التنبيه إلى أن مسألة الحكم على الحديث بالصحة أو الضعف هي مسألة اجتهادية، وهذا أمر معروف عند العلماء، والحديث الوارد في المسح على الجوربين خير مثال على ذلك، فقد صححه جماعة من المحدثين وضعفه آخرون. وكذلك فقد نص العلماء على أنه لا إنكار في مسائل الخلاف الاجتهادية ومسألة المسح على الجورب الرقيق داخلة في ذلك لأن المجيز للمسح على الجورب الرقيق لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً. قال الإمام النووي [ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٢٤. وقال العلامة ابن القيم [إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل فيها مجتهداً أو مقلداً] إعلام الموقعين ٣/ ٣٦٥. وهكذا كان سلف الأمة يتعاملون مع المسائل الخلافية قال القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما أسر فيه [إن قرأت فلك في رجال من أصحاب رسول الله ﷺ أسوة، وإذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله ﷺ أسوة] وقال سفيان الثوري: [إذا رأيت الرجل يعمل بعمل قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه] الفقيه والمتفقه ٢/٦٩. ونقل الخطيب البغدادي عن سفيان الثوري أنه قال: [ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحداً عنه من إخواني أن يأخذ به] الفقيه المتفقه ٢/٦٩. وقال يحيى بن سعيد: [ما برح أولو الفتوى يفتون فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه، ولا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله] . وقال الإمام أحمد فيما نقله ابن مفلح [لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب ولا يشدد عليهم.] ويقول ابن مفلح [لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ فيه خلاف في الفروع] الآداب الشرعية ١/١٨٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٠/٢٠٧.\rوخلاصة الأمر أن القول بجواز المسح على الجورب الرقيق قول معتبر عند أهل العلم، لا عند المتسورين على العلم الشرعي. ولا ينكر على من أخذ به، والحديث الوارد في ذلك من أهل العلم من صححه وعمل به، ولا يجوز الاحتجاج بقول النبي ﷺ (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) في مسألة خلافية بين العلماء هي محل اجتهاد ونظر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345717,"book_id":3840,"shamela_page_id":97,"part":"6","page_num":19,"sequence_num":97,"body":"١٩ - اللحاق بالإمام في صلاة الجماعة\rيقول السائل: إذا دخلت المسجد أثناء صلاة الجماعة في صلاة العصر ووجدت الإمام في الجلوس الأوسط فهل ألتحق معه مباشرة أم أنتظر حتى يقوم إلى الركعة الثالثة، أفيدونا؟\rالجواب: الأصل أن يلحق المصلي بالإمام في أي جزء كان الإمام من الصلاة، فإذا دخل المسجد فوجد الإمام ساجداً فليسجد معه ولا ينتظر أن يقوم من السجود وهكذا إذا أدركه في التشهد الأوسط فإنه يلتحق به فوراً ولا ينتظر حتى يقوم إلى الركعة الثالثة، قال الشيخ ابن حزم الظاهري: [واتفقوا أن من جاء والإمام قد مضى من صلاته شيء قلَّ أو كثر ولم يبق إلا السلام فإنه مأمور بالدخول معه وموافقته على تلك الحال التي يجده عليها ما لم يجزم بإدراك الجماعة في مسجد آخر] مراتب الإجماع ص ٢٥.\rويدل على ذلك ما ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون عليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) رواه البخاري ومسلم.\rوهذا الحديث يدل على أن المتأخر عن الصلاة يدخل مع إمامه مباشرة لقوله ﷺ (فما أدركتم فصلوا) . ويدل على ذلك أيضاً ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة) رواه أبو داود وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال صحيح، وحسنه العلامة الألباني في صحيح أبي داود ١/١٦٩.\rويدل عليه أيضاً ما رواه الترمذي بإسناده عن علي وعن معاذ بن جبل ﵄ قالا: قال النبي ﷺ: (إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام) قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعلم أحداً أسنده إلا ما روي من هذا الوجه، والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا إذا جاء الرجل والإمام ساجد فليسجد ولا تجزئه تلك الركعة إذا فاته الركوع مع الإمام واختار عبد الله بن المبارك أن يسجد مع الإمام وذكر عن بعضهم فقال لعله لا يرفع رأسه في تلك السجدة حتى يغفر له) والحديث المذكور صححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/١٨٣. قال صاحب تحفة الأحوذي: [قوله: (فليصنع كما يصنع الإمام) أي فليوافق الإمام فيما هو فيه من القيام أو الركوع أو غير ذلك، أي فلا ينتظر الإمام إلى القيام كما يفعله العوام]\rوقال الأمير الصنعاني [وفي الحديث دلالة على أنه يجب على من لحق بالإمام أن ينضم إليه في أي جزء كان من أجزاء الصلاة فإذا كان الإمام قائماً أو راكعاً فإنه يعتد بما أدركه معه كما سلف فإذا كان قاعداً أو ساجداً قعد بقعوده وسجد بسجوده، ولا يعتد بذلك] سبل السلام ٢/٤٣٨.\rويؤيده ما رواه الإمام أحمد بإسناده في حديث طويل عن معاذ ﵁ ( ... قال وكانوا يأتون الصلاة وقد سبقهم ببعضها النبي ﷺ قال فكان الرجل يشير إلى الرجل إن جاء كم صلى فيقول واحدة أو اثنتين فيصليها ثم يدخل مع القوم في صلاتهم قال فجاء معاذ ﵁ فقال: لا أجده على حال أبداً إلا كنت عليها ثم قضيت ما سبقني. قال فجاء وقد سبقه النبي ﷺ ببعضها قال فثبت معه فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قام فقضى فقال رسول الله ﷺ إنه قد سنَّ لكم معاذ فهكذا فاصنعوا) ورواه أبو داود وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠٣.\rوقال الشوكاني [ويشهد له أيضًا ما رواه ابن أبي شيبة عن رجل من الأنصار مرفوعاً: (من وجدني راكعاً أو قائماً أو ساجداً فليكن معي على حالتي التي أنا عليها) ، وما أخرجه سعيد بن منصور عن أناس من أهل المدينة مثل لفظ ابن أبي شيبة والظاهر أنه يدخل معه في الحال التي أدركه عليها مكبراً معتداً بذلك التكبير وإن لم يعتد بما أدركه من الركعة كمن يدرك الإمام في حال سجوده أو قعوده. .. .] نيل الأوطار ٣/ ١٧٢- ١٧٣.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويستحب لمن أدرك الإمام في حال متابعته فيه وإن لم يعتد له به لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة) رواه أبو داود، وروى الترمذي عن معاذ ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (إذا أتى أحدكم والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام) والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا: إذا جاء الرجل والإمام ساجد فليسجد، ولا تجزئه تلك الركعة وقال بعضهم: لعله أن لا يرفع رأسه من السجدة حتى يغفر له] المغني ١/٣٦٤.\rوقال الإمام النووي [إذا أدركه في التشهد الأخير كبر للإحرام قائماً وقعد وتشهد معه ولا يكبر للقعود على الصحيح والتشهد سنة وليس بواجب على هذا المسبوق بلا خلاف ... ولا يقرأ دعاء الافتتاح في الحال ولا بعد القيام وسبق دليل الجميع وتحصل له فضيلة الجماعة لكن دون فضيلة من أدركها من أولها هذا هو المذهب الصحيح وبه قطع المصنف والجمهور من أصحابنا العراقيين والخراسانيين ... ] المجموع ٤/٢١٩.\rوخلاصة الأمر أن من دخل المسجد فوجد الإمام ساجداً فليسجد معه ولا ينتظر أن يقوم من السجود وهكذا إذا أدركه في التشهد الأوسط فإنه يلتحق به فوراً ولا ينتظر حتى يقوم إلى الركعة الثالثة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345718,"book_id":3840,"shamela_page_id":98,"part":"6","page_num":20,"sequence_num":98,"body":"٢٠ - إذا جمع المسافر بين الصلاتين ثم وصل بلده أتناء وقت الصلاة الثانية فلا يلزمه الإعادة\rيقول السائل: أنا من سكان الجليل وأحضر إلى المسجد الأقصى يوم السبت ونجمع الظهر مع العصر جمع تقديم ثم نرجع إلى بلدنا ونصل إليها قبل غروب الشمس بساعة فهل يلزمنا أن نعيد صلاة العصر، أفيدونا؟\rالجواب: يجوز للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر تقديماً وتأخيراً وكذلك المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً وقد ثبت ذلك عن الرسول ﷺ بأحاديث منها: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال رأيت رسول الله ﷺ إذا أعجله السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء قال سالم وكان عبد الله بن عمر ﵄ يفعله إذا أعجله السير) رواه البخاري. وعن أنس ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين هاتين الصلاتين في السفر يعني المغرب والعشاء) رواه البخاري. وعنه أيضاً قال (كان النبي ﷺ إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما) رواه مسلم. وعن معاذ ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً) رواه مسلم، وفي رواية أخرى عن معاذ ﵁: (أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليها جميعاً وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. ويجب أن يعلم أن النبي ﷺ كان يجمع إذا جدَّ به السير ولم يكن يجمع وهو نازل أثناء السفر، قال العلامة ابن القيم: [ولم يكن من هديه ﷺ الجمع راكباً في سفره كما يفعله كثير من الناس ولا الجمع حال نزوله أيضا وإنما كان يجمع إذا جد به السير وإذا سار عقيب الصلاة كما ذكرنا في قصة تبوك وأما جمعه وهو نازل غير مسافر فلم نقل ذلك عنه إلا بعرفة لأجل اتصال الوقوف كما قال الشافعي ﵀ وشيخنا – أي ابن تيمية -] زاد المعاد في هدي خير العباد ١/٤٨١. وقد قرر العلماء أن من الأفضل للمسافر إذا كان يعلم أو يغلب على ظنه أنه سيصل إلى بلده قبل صلاة العصر أو قبل صلاة العشاء فالأفضل له ألا يجمع لأنه ليس هناك حاجة للجمع، وإن جمع فلا بأس. انظر مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العلامة العثيمين ١٥ /٤٢٢. ويجب أن يعلم أيضاً أن المسافر إذا نوى جمع التأخير، فوصل إلى محل إقامته قبل خروج وقت الصلاة الأولى، فلا يجوز له الجمع بل يجب أن يصلي الصلاة التي أدرك وقتها تامة، فإذا فرضنا أن مسافراً نوى جمع التأخير بين الظهر والعصر فدخل إلى بلده قبل دخول وقت العصر، فيجب عليه أن يصلي الظهر تامة في وقتها، ولا يصح له أن يؤخرها حتى يجمعها مع العصر. وإذا جمع المسافر جمع تقديم فوصل إلى بلده بعد خروج وقت الأولى، فجمعه صحيح ولا يلزمه إعادة الصلاة الثانية على الراجح من قولي العلماء في المسألة وذكر الإمام النووي وجهين في المسألة ثم قال [أصحهما لا يبطل الجمع كما لو قصر ثم أقام، وبهذا قطع القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد وغيره من العراقيين] المجموع ٤/٣٧٨. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ ... وإن أتم الصلاتين في وقت الأولى ثم زال العذر بعد فراغه منهما قبل دخول وقت الثانية أجزأته، ولم تلزمه الثانية في وقتها لأن الصلاة وقعت صحيحة مجزية عن ما في ذمته وبرئت ذمته منها فلم تشتغل الذمة بها بعد ذلك، ولأنه أدى فرضه حال العذر فلم يبطل بزواله بعد ذلك كالمتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة.] المغني ٢/٢٠٧. وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في فتاويها [إذا جمع المسافر بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء جمع تقديم، ثم وصل إلى مقر إقامته قبل دخول وقت العصر أو بعده، أو قبل دخول وقت العشاء أو بعده، فإن صلاته صحيحة؛ لكونه جمعها مع الأولى بمسوغ شرعي، وهو السفر] .\rوخلاصة الأمر أن المسافر إذا جمع بين الصلاتين جمع تقديم ثم وصل إلى بلده أو محل إقامته في وقت الصلاة الثانية فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345719,"book_id":3840,"shamela_page_id":99,"part":"6","page_num":21,"sequence_num":99,"body":"٢١ - حكم لبس الكفوف (القفازات) أثناء الصلاة\rيقول السائل ما حكم لبس الكفوف (القفازات) أثناء الصلاة؟\rالجواب: لا حرج في لبس القفازين (الكفوف) أثناء الصلاة فإنه لا يشترط مباشرة الأعضاء للأرض دون حائل عند جماهير أهل العلم قال الإمام النووي: [فرع في مذاهب العلماء في السجود على كمه وذيله ويده وكور عمامته وغير ذلك مما هو متصل به: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يصح سجوده علي شيء من ذلك وبه قال داود واحمد في رواية، وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي واسحق وأحمد في الرواية الأخرى يصح، قال صاحب التهذيب وبه قال أكثر العلماء واحتج لهم بحديث أنس ﵁ قال \" كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض يبسط ثوبه فيسجد عليه \" رواه البخاري ومسلم، وعن ابن عباس ﵄ قال \" لقدر رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم في يوم مطير وهو يتقي الطين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه \" رواه ابن حنبل في مسنده، وعن الحسن قال \" كان أصحاب رسول الله عليه وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم ويسجد الرجل على عمامته \" رواه البيهقي، وبما روي أن النبي صلي الله عليه وسلم \" سجد على كور عمامته \" وقياساً على باقي الأعضاء.] المجموع ٣/٤٢٥-٤٢٦. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ولا تجب مباشرة المصلي بشيء من هذه الأعضاء قال القاضي: إذا سجد على كور العمامة أو كمه أو ذيله، فالصلاة صحيحة رواية واحدة. وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة. وممن رخص في السجود على الثوب في الحر والبرد عطاء، وطاووس، والنخعي، والشعبي، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وأصحاب الرأي. ورخص في السجود على كور العمامة الحسن، ومكحول، وعبد الرحمن بن يزيد، وسجد شريح على برنسه] المغني ١٣٧١-٣٧٢. ويدل على الجواز أيضاً ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده على أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب والشعر) رواه البخاري ومسلم. والشاهد فيه أن الركبتين مغطاتان وكذا القدمين إذا كان المصلي يلبس الجوربين فنقيس اليدين عليها.\rوخلاصة الأمر أن الصلاة بالكفوف صحيحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345720,"book_id":3840,"shamela_page_id":100,"part":"6","page_num":22,"sequence_num":100,"body":"٢٢ - الاستخلاف في الصلاة وكون المستخلف مسبوقا\rيقول السائل: إن الإمام في صلاة الجماعة طرأ عليه عذر فقدَّم مأموماً مسبوقاً لإتمام الصلاة فكيف يصنع، أفيدونا؟\rالجواب: ما فعله الإمام يسمى عند الفقهاء استخلافاً، وهو أن يخلف الإمامَ شخصٌ آخر لإكمال الصلاة إذا حصل للإمام طارئ أثناء الصلاة. والاستخلاف مشروع على الراجح من قولي العلماء في المسألة، وبه قال عمر بن الخطاب وعلي ﵄ وعلقمة وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي في الجديد وأحمد في رواية عنه، قال الإمام النووي [ولم يصرح ابن المنذر بحكاية منع الاستخلاف عن أحد] المجموع ٤/ ٢٤٥.\rوقال الشيخ العلامة ابن عثيمين: [إذا ذكر الإمام في أثناء الصلاة أنه محدث وجب عليه الانصراف ويستخلف من يكمل بهم الصلاة، لأن عمر بن الخطاب ﵁ لما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي بعد أن شرع في صلاة الصبح تناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فصلى بهم صلاة خفيفة] الشرح الممتع ٤/٢٤٣.\rوقد ذكر الحافظ ابن عبد البر أن من منع الاستخلاف في الصلاة احتج بما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار بيديه أن امكثوا فذهب ثم رجع على جلده أثر الماء والحديث في الصحيحين، قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: [لا تتبين لي حجة من كره الاستخلاف استدلالاً بحديث هذا الباب لأن رسول الله ﷺ ليس في الاستخلاف كغيره إذ لا عوض منه مع سعة الوقت ولا يجوز لأحد أن يتقدم بين يديه إلا بإذنه وقد قال لهم: مكانكم، فلزمهم أن ينتظروه وهذا إذا صح أنه تركهم في صلاة وقد قيل إنه لم يكن كبر ... وقد أجمع المسلمون على الاستخلاف فيمن يقيم لهم أمر دينهم ودنياهم والصلاة أعظم الدين، وفي حديث سهل بن سعد دليل على جواز الاستخلاف لتأخر أبي بكر وتقدم النبي ﷺ في تلك الصلاة وحسبك بما مضى عليه عمل الناس] الاستذكار ٣/١٠٩.\rويدل على مشروعية الاستخلاف في الصلاة ماروه الإمام البخاري في صحيحه في قصة طعن عمر ﵁ وفيها (وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه ... فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة) رواه البخاري، وقد كان ذلك بمحضر من الصحابة فأقروه على ذلك قال الإمام الشوكاني بعد أن ذكر قصة عمر ﵁ [وفيه جواز الاستخلاف للإمام عند عروض عذر يقتضي ذلك لتقرير الصحابة لعمر ﵁ على ذلك وعدم الإنكار من أحد منهم فكان إجماعاً وكذلك فعل علي ﵁ وتقريرهم له على ذلك وإلى ذلك ذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك] نيل الأوطار ٣/٢٠٠.\rوروى سعيد بن منصور في سننه (أن علياً ﵁ رُعف وهو في الصلاة فأخذ بيد رجل فقدَّمه ليتم بالناس ثم انصرف)\rوروى الأثرم بسنده عن ابن عباس ﵂ قال: خرج علينا عمر ﵁ لصلاة الظهر، فلما دخل في الصلاة أخذ بيد رجل كان عن يمينه ثم رجع يخرق الصفوف، فلما صلينا إذا نحن بعمر يصلي خلف سارية، فلما قضى الصلاة قال: لما دخلت في الصلاة وكبرت رابني شيء فلمست بيدي فوجدت بلة) . قال الإمام البيهقي [وروينا عن عمر ﵁ في قصة أخرى أنه وجد بللاً حين جلس في الركعتين الأوليين، فلما قام أخذ بيد رجل من القوم فقدمه مكانه، وروي في جواز الاستخلاف عن علي ﵁، فقوله الجديد –أي قول الشافعي في المذهب الجديد - في جواز الاستخلاف أصح القولين] سنن البيهقي\rوقال الإمام أحمد بن حنبل: إن استخلف الإمام فقد استخلف عمر وعلي وإن صلوا وحداناً فقد طعن معاوية وصلى الناس وحداناً من حيث طعن أتموا صلاتهم. نيل الأوطار ٣/١٩٩.\rوالقائلون بجواز الاستخلاف اتفقوا على جوازه في حالات منها أن الإمام إذا سبقه الحدث في الصلاة من بول، أو ريح أو غيرهما، انصرف واستخلف، وكذا إذا طرأ على الإمام ما يمنع الإمامة لعجز عن ركن، كعجزه عن الركوع أو القراءة في بقية الصلاة أو عجز عن إتمام الفاتحة وكذلك إذا تذكر الإمام نجاسة، أو جنابة لم يغتسل منها، أو تنجس في أثناء الصلاة، بشرط أن يستخلف الإمام من يصلح للإمامة، فلو استخلف صبياً أو امرأة أو أمياً وهو من لا يحسن شيئاً من القرآن فلا يصح. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٣/٢٥٣-٢٥٥. وقد نص الفقهاء على أن كل من يصلح إماماً ابتداءً يصح استخلافه، ومن لا يصلح إماماً ابتداء لا يصح استخلافه، ونصوا على أن الأولى أن لا يستخلف الإمام مسبوقاً فقد ذكر ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق أن الأولى للإمام أن يقدم مدركاً، ولكن إن قدم مسبوقاً صح استخلافه، وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال أصحابنا: يجوز أن يستخلف من سبق ببعض الصلاة ولمن جاء بعد حدث الإمام فيبني على ما مضى من صلاة الإمام من قراءة أو ركعة أو سجدة ويقضي بعد فراغ صلاة المأمومين وحكي هذا القول عن عمر وعلي وأكثر من وافقهما في الاستخلاف] المغني ٢/٧٦. والمطلوب من المستخلف المسبوق أن يتم الصلاة من المحل الذي خرج منه الإمام، قال الإمام النووي: [قال أصحابنا وإذا استخلف مأموماً مسبوقاً لزمه مراعاة ترتيب الإمام فيقعد موضع قعوده، ويقوم موضع قيامه، كما كان يفعل لو لم يخرج الإمام من الصلاة، فلو اقتدى المسبوق في ثانية الصبح ثم أحدث الإمام فيها فاستخلفه فيها قنت وقعد عقبها وتشهد ثم يقنت في الثانية لنفسه ولو كان الإمام قد سها قبل إقتدائه أو بعده سجد في آخر صلاة الإمام وأعاد في آخر صلاة نفسه على أصح القولين كما سبق، وإذا تمت صلاة الإمام قام لتدارك ما عليه، والمأمومون بالخيار إن شاءوا فارقوه وسلموا وتصح صلاتهم بلا خلاف للضرورة وان شاءوا صبروا جلوساً ليسلموا معه] المجموع ٤/٢٤٣.\rوخلاصة الأمر أن الأولى للإمام أن يستخلف مدركاً للصلاة من أولها، فإن استخلف مسبوقاً فيجوز ذلك، ويلزم المستخلف أن يتم الصلاة من حيث توقف إمامه، فإذا كان مسبوقاً بركعتين مثلاً أتم صلاة الجماعة أولاً ثم يأتي بما فاته، وفي هذه الحالة فالمأمومون مخيرون بين أن يفارقوا الإمام الثاني فيسلموا لوحدهم أو ينتظرونه ليسلموا معه وهذا أولى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345721,"book_id":3840,"shamela_page_id":101,"part":"6","page_num":23,"sequence_num":101,"body":"٢٣ - كيفية صلاة الإستسقاء\rيقول السائل: كيف تصلى صلاة الاستسقاء وهل يقلب الناس أرديتهم في الصلاة، أفيدونا؟\rالجواب: صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة ثبتت مشروعيتها بسنة رسول الله ﷺ عند قلة الأمطار وانحباسها فلا بد للناس أن يبادروا إلى التوبة والاستغفار مصداقاً لقوله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) سورة نوح الآيات ١٠-١٢. وقال تعالى: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ... ) سورة هود الآية ٥٢.\rقال العلامة ابن القيم [ثبت عنه ﷺ أنه استسقى على وجوه: أحدها: يوم الجمعة على المنبر في أثناء خطبته وقال اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا. الوجه الثاني: أنه ﷺ وعد الناس يوماً يخرجون فيه إلى المصلى فخرج لما طلعت الشمس متواضعاً متبذلاً متخشعاً مترسلاً متضرعاً فلما وافى المصلى صعد المنبر - إن صح وإلا ففي القلب منه شيء - فحمد الله وأثنى عليه وكبره وكان مما حفظ من خطبته ودعائه: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت تفعل ما تريد اللهم لا إلا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلته علينا قوة لنا وبلاغاً إلى حين ثم رفع يديه وأخذ في التضرع والابتهال والدعاء وبالغ في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ثم حوَّل إلى الناس ظهره واستقبل القبلة وحوَّل إذ ذاك رداءه وهو مستقبل القبلة فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن وظهر الرداء لبطنه وبطنه لظهره وكان الرداء خميصة سوداء وأخذ في الدعاء مستقبل القبلة والناس كذلك ثم نزل فصلى بهم ركعتين كصلاة العيد من غير أذان ولا إقامة ولا نداء ألبتة جهر فيهما بالقراءة وقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب سبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية هل أتاك حديث الغاشية.\rالوجه الثالث: أنه ﷺ استسقى على منبر المدينة اسسقاءً مجرداً في غير يوم جمعة ولم يحفظ عنه ﷺ في هذا الاستسقاء صلاة.\rالوجه الرابع: أنه ﷺ استسقى وهو جالس في المسجد فرفع يديه ودعا الله ﷿ فحفظ من دعائه حينئذ اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريعاً طبقاً عاجلاً غير رائث – غير بطيء ولا متأخر - نافعاً غير ضار.\rالوجه الخامس: أنه ﷺ استسقى عند أحجار الزيت قريباً من الزوراء وهي خارج باب المسجد الذي يدعى اليوم باب السلام نحو قذفة حجر ينعطف عن يمين الخارج من المسجد.\rالوجه السادس: أنه ﷺ استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء فأصاب المسلمين العطش فشكوا إلى رسول الله ﷺ. وقال بعض المنافقين لو كان نبياً لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال أوقد قالوها؟ عسى ربكم أن يسقيكم ثم بسط يديه ودعا فما ردَّ يديه من دعائه حتى أظلهم السحاب وأمطروا فأفعم السيل الوادي فشرب الناس فارتووا] زاد المعاد في هدي خير العباد ١/٤٥٧-٤٥٨.\rوأكمل وجوه صلاة الاستسقاء هو الثاني قال الإمام النووي [أفضلها وهو الاستسقاء بصلاة ركعتين] المجموع ٥/٦٤. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [قال القاضي: الاستسقاء ثلاثة أضرب، أكملها الخروج والصلاة على ما وصفنا ويليه استسقاء الإمام يوم الجمعة على المنبر ... والثالث أن يدعو الله تعالى عقيب صلواتهم وفي خلواتهم] المغني ٢/٣٢٧.\rوتكون صلاة الاستسقاء كصلاة العيد فيبدأ الإمام بالخطبة لما ورد في حديث عائشة ﵂ قالت: (شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه فكبر ﷺ وحمد الله ﷿ ثم قال إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم ... ونزل فصلى ركعتين) رواه أبو داود وابن حبان وقال الإمام النووي [وأما حديث عائشة فصحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح وقال هو إسناد جيد ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح علي شرط البخاري ومسلم] المجموع ٥/٦٤.. ويصح أن تكون الخطبة بعد الصلاة أيضاً لما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ يوماً يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله وحول وجهه نحو القبلة رافعاً يديه ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي وقال رجاله ثقات وقال البوصيري إسناده صحيح. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ ... وأياً ما فعل من ذلك فهو جائز لأن الخطبة غير واجبة على الروايات كلها , فإن شاء فعلها وإن شاء تركها والأولى أن يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة لتكون كالعيد] المغني ٢/ ٣٢٢، وانظر الشرح الممتع ٥/٢٨٠-٢٨١.\rوأما تحويل الثياب فإنه يستحب قلب الرداء وتحويله تفاؤلاً بتحويل الحال من القحط إلى الرخاء ويحوّل الرجال فقط أرديتهم وهم جلوس فمثلاً من كان يلبس عباءة يقلبها على ظهره بأن يجعل أعلاها أسفلها ونحو ذلك، ويكون تحويل الثياب أثناء الخطبة، لما ورد في الحديث عن عبد الله بن زيد ﵁ (أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى فاستسقى فاستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين) رواه البخاري ومسلم.\rوخلاصة الأمر أن صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة وأن أكمل صفاتها أن يخرج الناس إلى مصلى العيد فيصلون ركعتين كصلاة العيد مع خطبة، فإن استسقى إمام الجمعة أثناء خطبة الجمعة فحسن، ولا أرى أن يصلي ركعتين بعد الجمعة ويقنت في الثانية بعد الركوع لأن هذه الصفة لم تنقل عن النبي ﷺ، ولم يقل بها أحد من العلماء فيما أعلم، وإنما يكتفى بالدعاء في خطبة الجمعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345722,"book_id":3840,"shamela_page_id":102,"part":"6","page_num":24,"sequence_num":102,"body":"٢٤ - وقوف الصبيان مع الرجال في صلاة الجماعة\rيقول السائل: إن إمام مسجدنا يمنع الأولاد من الوقوف في الصف الأول وإذا رأى أحدهم في الصف الأول طرده ويطلب منهم أن يصفوا لوحدهم ويحتج بقول النبي ﷺ (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: أبدأ أولاً بالكلام على الحديث المذكور في السؤال فهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي مسعود ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال أبو مسعود فأنتم اليوم أشد اختلافاً) ورواه مسلم أيضاً عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثلاثاً وإياكم وهيشات الأسواق) ، وأبو مسعود راوي الحديث الأول هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري ﵁ توفي سنة ٤٠ هجرية وهو غير راوي الحديث الثاني عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁ المتوفى سنة ٣٢ هجرية. ومعنى قول النبي ﷺ (ليلني) أي ليدن مني وليقرب مني،\rقال الإمام النووي: [وأولو الأحلام هم العقلاء وقيل البالغون و (النهى) بضم النون العقول. فعلى قول من يقول: أولو الأحلام العقلاء يكون اللفظان بمعنى – واحد - , فلما اختلف اللفظ عطف أحدهما على الآخر تأكيداً. وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء قال أهل اللغة واحدة (النهى) نهية بضم النون وهي العقل ورجل (نهٍ) و (نهى) من قوم نهين , وسمي العقل نهية لأنه ينتهي إلى ما أمر به ولا يتجاوز , وقيل: لأنه ينهى عن القبائح.\rقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون النهى مصدراً كالهدى , وأن يكون جمعاً كالظلم , قال: والنهى في اللغة معناه الثبات والحبس. ومنه النهى والنهى بكسر النون وفتحها والنهية للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيستنقع. قال الواحدي: فرجع القولان في اشتقاق النهية إلى قول واحد وهو الحبس فالنهية هي التي تنهى وتحبس عن القبائح.] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/١١٦.\rوقوله ﷺ (ثم الذين يلونهم) معناه الذين يقربون من أول النهى في هذا الوصف\rوقوله صلى الله عله وسلم (ثم الذين يلونهم) أي كالصبيان المميزين والذين هم أنزل مرتبة من المتقدمين حلماً وعقلاً والمعنى أنه هلم جرا، فالتقدير ثم الذين يلونهم كالنساء ... ] كما قاله الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح ٣/١٧٢.\rإذا تقرر هذا فإن المقصود من الحديث هو أن يقف خلف الإمام الرجال العقلاء فهم أولى الناس بالوقوف خلف الإمام في الصلاة فينبغي أن يقدموا على غيرهم لأنه قد يطرأ طارئ على الأمام أثناء الصلاة كأن يحتاج لمن يفتح عليه أو أن يستخلف أو يسهو فيحسن أولو الأحلام والنهى التصرف،\rقال الإمام النووي: [في هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام لأنه أولى بالإكرام , ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى , ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره , وليضبطوا صفة الصلاة , ويحفظوها وينقلوها ويعلموها الناس وليقتدي بأفعالهم من ورائهم ولا يختص هذا التقديم بالصلاة , بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس كمجالس العلم والقضاء والذكر والمشاورة , ومواقف القتال وإمامة الصلاة والتدريس والإفتاء وإسماع الحديث ونحوها , ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسن والكفاءة في ذلك الباب , والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/١١٦.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل والسن ويلي الإمام أكملهم وأفضلهم، قال أحمد: يلي الإمام الشيوخ وأهل القرآن وتؤخر الصبيان والغلمان ولا يلون الإمام] المغني ٢/١٦٠.\rوقال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يكره أن يقوم الناس في المسجد خلف الإمام إلا من قد احتلم أو أنبت أو بلغ خمس عشرة سنة. فقلت له: ابن اثنتي عشرة سنة أو نحوها، قال: ما أدري. قلت له: فكأنك تكره ما دون هذا السن، قال: ما أدري، فذكرت له حديث أنس واليتيم. فقال: ذاك في التطوع.\rولا يدل الحديث السابق على منع الصبيان من الوقوف في الصف الأول ولكنه يدل على أنهم لا يقفون خلف الإمام مباشرة لأن خلف الإمام لأولي الأحلام والنهى كما في الحديث، وأما الصبيان فلهم أن يصفوا في أطراف الصف الأول، ذات اليمين وذات الشمال، وفيما يليه من الصفوف. ولا ينبغي طرد الصبيان من الصف الأول لأن الصبي إذا سبق للصف الأول فهو أحق به من غيره لما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقم أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، فإن الحديث بعمومه يدخل فيه الصبي\rقال الشيخ ابن مفلح الحنبلي [ليس له تأخير الصبيان السابقين، وهو مذهب الشافعية وصوبه في الإنصاف، فإن الصبي إذا عقل القرب كالبالغ في الجملة، والحديثان (من سبق إلي مكان فهو أحق به) (ولا يقيم أحدكم أخاه من مجلسه) عامان ولو كان تأخيرهم أمراً مشهوراً لاستمر العمل عليه، ولنقل نقلاً لا يحتمل الاختلاف.] الفروع\rوينبغي أن يعلم أن بعض الفقهاء يرى أن الصفوف في صلاة الجماعة تكون بالترتيب التالي: الرجال أولاً ثم الصبيان ثانياً ثم النساء ثالثاً، لما ورد في الحديث عن عبد الرحمن بن غنم قال: قال أبو مالك الأشعري ﵁: ألا أحدثكم بصلاة النبي ﷺ قال فأقام الصلاة وصف الرجال وصف خلفهم الغلمان ثم صلى بهم فذكر صلاته) رواه أبو داود، وفي رواية في مسند أحمد (أن أبا مالك الأشعري ﵁ جمع قومه فقال يا معشر الأشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي ﷺ صلى لنا بالمدينة فاجتمعوا وجمعوا نساءهم وأبناءهم فتوضأ وأراهم كيف يتوضأ فأحصى الوضوء إلى أماكنه حتى لما أن فاء الفيء وانكسر الظل قام فأذن فصف الرجال في أدنى الصف وصف الولدان خلفهم وصف النساء خلف الولدان ثم أقام الصلاة ... ) ولكن الحديث ضعيف كما قال العلامة الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح ١/٣٤٨.\rومن الفقهاء من يرى أن الصبيان لا ينفردون في صف خاص بهم بل يقفون بين الرجال فيقف صبي بين كل رجلين، [يستحب أن يقف بين كل رجلين صبى ليتعلموا منهم أفعال الصلاة] المجموع ٤/٢٩٣، وهذا القول أرجح قولي الفقهاء في المسألة قال الإمام البخاري في صحيحه [باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز]\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني [قوله: (باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز) ... وذكر فيه طرفاً من حديث ابن عباس المذكور , وكان ابن عباس في زمن النبي ﷺ دون البلوغ لأنه شهد حجة الوداع وقد قارب الاحتلام ... ] فتح الباري ٣/٢٤٢.\rوقال الإمام البخاري في صحيحه أيضاً [باب صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز] ثم ذكر الحديث\rعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بقبر قد دفن ليلاً فقال متى دفن هذا قالوا البارحة قال أفلا آذنتموني قالوا دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك فقام فصففنا خلفه قال ابن عباس وأنا فيهم فصلى عليه (وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني [قوله: (باب صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز) ... قال ابن رشيد: أفاد بالترجمة الأولى بيان كيفية وقوف الصبيان مع الرجال وأنهم يصفون معهم لا يتأخرون عنهم , لقوله في الحديث الذي ساقه فيها \" وأنا فيهم \"] فتح الباري ٣/٢٥٣.\rوقد رجح العلامة محمد بن صالح العثيمين هذا القول وبين المحذور من تأخير الصبيان عن الصف الأول فقال: [لو قلنا بإزاحة الصبيان عن المكان الفاضل وجعلناهم في مكان واحد أدى ذلك إلى لعبهم لأنهم ينفردون بالصف، ثم هنا مشكل إذا دخل الرجال بعد أن صف الجماعة هل يرجعونهم وهم في الصلاة؟ وإن بقوا صفاً كاملاً فسيشوشون على من خلفهم من الرجال ثم إن تأخيرهم عن الصف الأول بعد أن كانوا فيه يؤدي إلى محذورين: الأول: كراهة الصبي للمسجد لأن الصبي وإن كان صبياً لا تحتقره، فالشيء ينطبع في ذهنه. المحذور الثاني: كراهته للرجل الذي أخره عن الصف، فالحاصل أن هذا القول ضعيف – أي القول بتأخير الصبيان عن أماكنهم -] الشرح الممتع ٣٢١.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للصبيان أن يقفوا في الصف الأول ولكنهم لا يقفون خلف الإمام مباشرة لأن ذاك مقام أولو الأحلام والنهى ولا ينبغي جمع الصبيان في صف واحد خلف الرجال لما يترتب على ذلك من التشويش.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345723,"book_id":3840,"shamela_page_id":103,"part":"6","page_num":25,"sequence_num":103,"body":"٢٥ - مدة الانتظار بين الأذان والإقامة\rيقول السائل: اختلف المصلون في مسجدنا حول وقت الانتظار بين الأذان والإقامة في صلاة المغرب حيث يفصل المؤذن بينهما بخمس دقائق فمنهم من يقول بأن وقت الانتظار قصير ومنهم من يقول بأن وقت الانتظار كافٍ، فما قولكم؟\rالجواب: الفصل بين الأذان والإقامة بفاصل زمني ثابت عن رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة منها:\rعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء وهي التي يدعو الناس العتمة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة) رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بين كل أذانين صلاة ثلاثاً لمن شاء) رواه البخاري ومسلم، والمقصود بالأذانين في الحديث الأذان والإقامة، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (بين كل أذانين) أي أذان وإقامة , ولا يصح حمله على ظاهره لأن الصلاة بين الأذانين مفروضة , والخبر ناطق بالتخيير لقوله \" لمن شاء \" , وأجرى المصنف - أي البخاري - الترجمة مجرى البيان للخبر لجزمه بأن ذلك المراد , وتوارد الشراح على أن هذا من باب التغليب كقولهم القمرين للشمس والقمر] فتح الباري ٢/١٤١.\rوعن جابر بن سمرة ﵁ يقول: (كان مؤذن رسول الله ﷺ يمهل فلا يقيم حتى إذا رأى رسول الله ﷺ قد خرج أقام الصلاة حين يراه) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.\rوورد في بعض الأحاديث أن الرسول ﷺ أمر المؤذن أن يجعل وقتاً بين الأذان والإقامة حتى يتمكن المصلون من الاستعداد للصلاة، فقد روى الترمذي بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لبلال: يا بلال إذا أذنت فترسل في أذانك وإذا أقمت فاحدر – أي أسرع في كلمات الإقامة - واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته - هو من يؤذيه بول أو غائط أي يفرغ الذي يقضي حاجته - ولا تقوموا حتى تروني) ، ورواه الإمام أمد في مسنده عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك نفسا يفرغ الآكل من طعامه في مهل ويقضي المتوضئ حاجته في مهل) وقد اختلف المحدثون في الحديث السابق فمنهم من حسنه واحتج به ومنهم من ضعفه كالحافظ ابن حجر العسقلاني كما في فتح الباري ٢/١٤٠. وقد حكم الشيخ الألباني على الحديث السابق بأنه حديث حسن لتعدد طرقه كما في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٨٨٧ وكذلك حسنه في صحيح الجامع حديث رقم ١٥٠.\rوبناءً على الأحاديث السابقة استحب الفقهاء الفصل بين الأذان والإقامة وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه (باب كم بين الأذان والإقامة) ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن ابن بطال قوله: لا حد لذلك غير تمكن دخول الوقت، واجتماع المصلين] فتح الباري ٢/١٤٠. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ويستحب أن يفصل بين الأذان والإقامة بقدر الوضوء وصلاة ركعتين يتهيئون فيها] المغني ١/٢٩٩. وقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي [والمستحب أن يقعد بين الأذان والإقامة قعدة ينتظر فيها الجماعة] المهذب مع شرحه المجموع ٣/ ١٢٠. وقال الشوكاني بعد أن ذكر حديث جابر السابق [والحديث يدل على مشروعية الفصل بين الأذان والإقامة وكراهة الموالاة بينهما لما في ذلك من تفويت صلاة الجماعة على كثير من المريدين لها ; لأن من كان على طعامه أو غير متوضئ حال النداء إذا استمر على أكل الطعام أو توضأ للصلاة فاتته الجماعة أو بعضها بسبب التعجيل وعدم الفصل لا سيما إذا كان مسكنه بعيدا من مسجد الجماعة, فالتراخي بالإقامة نوع من المعاونة على البر والتقوى المندوب إليها.] نيل الأوطار ٢/١٠.\rومن الفقهاء من حدد مقدار الفصل بين الأذان والإقامة، قال الإمام الزيلعي: [قال ﵀ (ويجلس بينهما إلا في المغرب) أي بين الأذان والإقامة لما روينا ولما روي أنه ﵊ (قال لبلال اجعل بين أذانك وإقامتك نفساً يفرغ المتوضئ من وضوئه مهلاً والمتعشي من عشائه) ولأن المقصود الإعلام بدخول الوقت ليتأهب السامعون بالطهارة ونحوها فيفصل بينهما ليحصل به المقصود ولم يذكر في ظاهر الرواية مقدار الفصل وروى الحسن عن أبي حنيفة في الفجر قدر ما يقرأ عشرين آية وفي الظهر قدر ما يصلي أربع ركعات يقرأ في كل ركعة عشر آيات وفي العصر بقدر ركعتين يقرأ فيهما عشرين آية والعشاء كالظهر والأولى أن يصلي بينهما لقوله ﵊: بين كل أذانين صلاة إن شاء] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ١/٩٢.\rإذا تقرر أن الفصل مشروع بين الأذان والإقامة فإن ذلك يشمل صلاة المغرب أيضاً على الراجح من أقوال أهل العلم خلافاً لبعض العلماء الذين يرون عدم الفصل للأمر بتعجيلها ولكن ينبغي أن يكون الفاصل في صلاة المغرب قصيراً يكفي لصلاة ركعتين قبل الإقامة لما ثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري حتى يخرج النبي ﷺ وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء قال عثمان بن جبلة وأبو داود عن شعبة لم يكن بينهما إلا قليل) رواه البخاري، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (شيء) التنوين فيه للتعظيم, أي لم يكن بينهما شيء كثير] فتح الباري ٢/١٤٢.\rوعن عبد الله المزني ﵁ عن النبي ﷺ قال: (صلوا قبل صلاة المغرب قال في الثالثة لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة) رواه البخاري، وروى مسلم عن مختار بن فلفل قال سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر فقال: (كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر وكنا نصلي على عهد النبي ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب فقلت له أكان رسول الله ﷺ صلاهما قال كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا.\rقال الإمام النووي: [وفي هذه الروايات استحباب ركعتين بين المغرب وصلاة المغرب. وفي المسألة وجهان لأصحابنا أشهرهما: لا يستحب , وأصحهما عند المحققين , يستحب لهذه الأحاديث ... والمختار استحبابها لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة, وفي صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ : (صلوا قبل المغرب, صلوا قبل المغرب, صلوا قبل المغرب, قال في الثالثة: لمن شاء) وأما قولهم: يؤدي إلى تأخير المغرب فهذا خيال منابذ للسنة فلا يلتفت إليه, ومع هذا فهو زمن يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها, وأما من زعم النسخ فهو مجازف ; لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا عجزنا عن التأويل والجمع بين الأحاديث وعلمنا التاريخ, وليس هنا شيء من ذلك.] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٤٤٠-٤٤١.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قال القرطبي وغيره: ظاهر حديث أنس أن الركعتين بعد المغرب وقبل صلاة المغرب كان أمراً أقر النبي ﷺ أصحابه عليه وعملوا به حتى كانوا يستبقون إليه, وهذا يدل على الاستحباب, وكأن أصله قوله ﷺ: \" بين كل أذانين صلاة \"] فتح الباري ٢/١٤٢.\rوخلاصة الأمر أن الفصل بين الأذان والإقامة أمر مشروع في جميع الصلوات المفروضة وينبغي أن يكون الوقت الفاصل بينهما يتسع لتمكين المصلين من اللحاق بالجماعة فمن المستحسن أن يكون ذلك الفاصل بمقدار عشرين دقيقة إلى ثلاثين في صلاة الفجر وعشر دقائق إلى خمس عشرة دقيقة في الظهر والعصر والعشاء وأما المغرب فخمس دقائق تكفي ولا ينبغي أن يزيد على عشر دقائق للأمر بتعجيلها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345724,"book_id":3840,"shamela_page_id":104,"part":"6","page_num":26,"sequence_num":104,"body":"٢٦ - تسمية المسجد باسم شخص\rيقول السائل: إنه سمع أحد المشايخ في إحدى الفضائيات يمنع تسمية المسجد باسم شخص معين فما قولكم في ذلك أفيدونا؟\rالجواب: إن بناء المساجد من الأمور المرغب فيها شرعاً وقد ورد عن الرسول ﷺ أحاديث كثيرة في فضل بناء المساجد والمشاركة في بنائها فمن ذلك: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من بنى لله مسجداً قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه ابن حبان والبزار والطبراني في الصغير وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. وهذا الحديث يدل على المشاركة في بناء المسجد لأن مفحص القطاة لا يكفي ليكون مسجداً. ومفحص القطاة هو المكان الذي تفحصه القطاة لتضع فيه بيضها وترقد عليه. وعن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً صغيراً كان أو كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علَّمه ونشره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي وقال الشيخ الألباني: وإسناد ابن ماجة حسن. انظر صحيح الترغيب والترهيب ص ١٠٩-١١١.\rإذا تقرر هذا فإن إضافة المساجد لله تعالى إنما هي إضافة تشريف كما ورد في قوله تعالى ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً﴾ سورة الجن الآية ١٨. وقال تعالى ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ سورة البقرة الآية ١١٤.\rوقال تعالى ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون\rإنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ سورة التوبة الآيتان ١٧- ١٨. قال الإمام ابن العربي المالي [المساجد وإن كانت لله ملكاً وتشريفاً فإنها قد نسبت إلى غيره تعريفاً , فيقال: مسجد فلان. وفي صحيح الحديث (أن النبي ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحيفاء وأمدها ثنية الوداع , وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق) وتكون هذه الإضافة بحكم المحلية , كأنها في قبلتهم , وقد تكون بتحبيسهم , فإن الأرض لله ملكاً , ثم يخص بها من يشاء , فيردها إليه , ويعينها لعبادته , فينفذ ذلك بحكمه , ولا خلاف بين الأمة في تحبيس المساجد والقناطر والمقابر وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك] أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٨٦٩.\rوقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه (باب هل يقال مسجد بني فلان) ثم روى بإسناده عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء وأمدها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها) . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني [قوله (باب هل يقال مسجد بني فلان) أورد فيه حديث ابن عمر في المسابقة, وفيه قول ابن عمر \" إلى مسجد بني زريق \" وزريق بتقديم الزاي مصغراً , ويستفاد منه جواز إضافة المساجد إلى بانيها أو المصلي فيها , ويلتحق به جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها , وإنما أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام لينبه على أن فيه احتمالاً إذ يحتمل أن يكون ذلك قد علمه النبي ﷺ بأن تكون هذه الإضافة وقعت في زمنه , ويحتمل أن يكون ذلك مما حدث بعده , والأول أظهر والجمهور على الجواز , والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي فيما رواه ابن أبي شيبة عنه أنه كان يكره أن يقول مسجد بني فلان ويقول مصلى بني فلان لقوله تعالى (وأن المساجد لله) , وجوابه أن الإضافة في مثل هذا إضافة تمييز لا ملك ... (تنبيه) : الحفياء بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها ياء أخيرة ممدودة, والأمد الغاية. واللام في قوله \" الثنية \" للعهد من ثنية الوداع.] فتح الباري ١/٦٦٧. وثبت أن النبي ﷺ قد أضاف المسجد لنفسه الشريفة كما صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁ (أن النبي ﷺ قال صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) رواه البخاري ومسلم.\rوروى الإمام أحمد وابن ماجة عن عبد الله بن عبد الرحمن ﵁ قال: (جاءنا النبي ﷺ فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل فرأيته واضعاً يديه على ثوبه إذا سجد) قال في الزوائد إسناده متصل. سنن ابن ماجة ١/٣٢٩.\rوعن ابن عمر ﵁ (أن النبي ﷺ دخل مسجد بني عمرو بن عوف فدخل الناس يسلمون عليه وهو في الصلاة قال فسألت صهيباً كيف كان يرد عليهم قال هكذا وأشار بيده) رواه الدارمي وغيره وهو صحيح على شرط الصحيحين كما في فتح المنان ٦/٣٧٥. قال الإمام النووي [ولا بأس أن يقال مسجد فلان ومسجد بني فلان على سبيل التعريف] المجموع ٢/ ١٨٠. ويضاف إلى ما سبق أن المسلمين على مر العصور والأيام قد تعارفوا على تسمية المساجد بأسماء الأشخاص سواء كانوا صحابة أو علماء أو قادة أو غيرهم، قال الشيخ العلامة د. بكر أبو زيد حفظه الله تعالى [إن المساجد قد حصل بالتتبع وجود تسميتها على الوجوه الآيتة وهي: أولاً: تسمية المسجد باسم حقيقي، كالآتي: ١. إضافة المسجد إلى من بناه، وهذا من إضافة أعمال البر إلى أربابها، وهي إضافة حقيقية للتمييز، وهذه تسمية جائزة ومنها: ((مسجد النبي ﷺ) ويُقال: ((مسجد رسول الله ﷺ) . ٢. إضافة المسجد إلى من يصلي فيه، أو إلى المحلة، وهي إضافة حقيقية للتمييز فهي جائزة ومنها: ((مسجد قباء)) و ((مسجد بني زريق)) ، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر – ﵄ – في حديث المسابقة إلى مسجد بني زريق. ((ومسجد السوق)) . كما ترجم البخاري – ﵀ – بقوله: ((باب العلماء في مسجد السوق)) . ٣. إضافة المسجد إلى وصف تميز به مثل: ((المسجد الحرام)) و ((المسجد الأقصى)) كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الاسراء: من الآية١] . وفي السنة ثبت عن النبي ﷺ من وجوه متعددة: ((لا تعمل المطي إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام. والمسجد الأقصى. ومسجدي هذا)) . ومنه: ((المسجد الكبير)) . وقد وقع تسمية بعض المساجد التي على الطريق بين مكة والمدينة باسم: ((المسجد الأكبر)) . كما في صحيح البخاري، ومثله يُقال: ((الجامع الكبير)) .\rثانياً: تسمية المسجد باسم غير حقيقي لكي يتميز ويعرف به. وهي ظاهرة منتشرة في عصرنا؛ لكثرة بناء المساجد وانتشارها ولله الحمد في بلاد المسلمين، في المدينة وفي القرية، بل في الحي الواحد، فيحصل تسمية المسجد باسم يتميز به، واختيار إضافته إلى أحد وجوه الأُمة وخيارها من الصحابة ﵃، فمن بعدهم من التابعين لهم بإحسان، مثل: ((مسجد أبي بكر ﵁) ، ((مسجد عمر ﵁) ، وهكذا للتعريف، فهذه التسمية لا يظهر بها بأس، لاسيما وقد عُرف من هدي النبي ﷺ تسميته: سلاحه، وأثاثه، ودوابه، وملابسه، كما بينها ابن القيم – رحمه الله تعالى – في أول كتاب زاد المعاد ...\rثالثاً: تسمية المسجد باسم من أسماء الله تعالى مثل: ((مسجد الرحمن)) ، ((مسجد القدوس)) ، ((مسجد السلام)) ، ومعلوم أن الله سبحانه قال وقوله الفصل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن: ١٨] . فالمساجد جميعها لله تعالى بدون تخصيص، فتسمية مسجد باسم من أسماء الله ليكتسب العلمية على المسجد أمر محدث لم يكن عليه من مضى، فالأولى تركه ... ] معجم المناهي اللفظية ص ٥٠٤ – ٥٠٦. قلت ما ذكره الشيخ أخيراً من أن الأولى عدم تسمية المساجد بنحو ((مسجد الرحمن)) ، ((مسجد القدوس)) ، ((مسجد السلام)) لا أرى فيه بأساً فتجوز إضافة المساجد إلى أسماء الله الحسنى.\rوخلاصة الأمر أنه لا حرج في تسمية المساجد بأسماء أشخاص وإن كنت أفضل أن لا يسمى مسجد باسم شخص قد بناه إذا كان الباني حياً وذلك بعداً عن الرياء وأما بعد موته فلا بأس بتسمية المسجد باسم بانيه، كما ينبغي أن تسمى المساجد بأسماء الصحابة والتابعين والأئمة والقادة الصالحين ونحوهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345725,"book_id":3840,"shamela_page_id":105,"part":"6","page_num":27,"sequence_num":105,"body":"٢٧ - حكم إقامة صلاة جماعة قبل جماعة إمام المسجد\rيقول السائل: كما تعلمون فهنالك وقت بين الأذان وإقامة الصلاة وقد كنا ننتظر إقامة الصلاة في المسجد فدخل بعض الناس وأقاموا الصلاة وصلوا لوحدهم قبل الجماعة مع إمام المسجد فما حكم ذلك؟\rالجواب: الأصل أنه لا تجوز إقامة صلاة جماعة في المسجد قبل جماعة الإمام الراتب [وهو الذي رتبه السلطان، أو نائبه، أو الواقف، أو جماعة من المسلمين والإمام الراتب يقدم في إمامة الصلاة على غيره من الحاضرين وإن اختص غيره بفضيلة كأن يكون أعلم منه أو أقرأ منه، فقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه أتى أرضاً له وعندها مسجد يصلي فيه مولى لابن عمر فصلى معهم، فسألوه أن يصلي بهم فأبى وقال: صاحب المسجد أحق.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٢/٤٦.\rولا يجوز لأحد أن يفتات على الإمام الراتب - والافتيات هو الاستبداد بالرأي، والسبق بفعل شيء دون استئذان من يجب استئذانه، أو من هو أحق منه بالأمر فيه، والتعدي على حق من هو أولى منه - الموسوعة الفقهية الكويتية ٥/٢٨٠.\rوالمقصود بالافتيات هنا التعدي على حق الإمام الراتب بأن تصلى جماعة قبل جماعة الإمام الراتب لأن ذلك يعتبر تعدياً على حق الإمام الراتب ومخالفة لنظام المسجد وباباً من أبواب الفوضى فيصير كل من دخل أقام الصلاة وصلى مع غيره وهذا مناف للحكمة من صلاة الجماعة وقد ورد في الحديث عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) رواه مسلم.\rقال الإمام النووي [قوله ﷺ: (ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه) معناه: ما ذكره أصحابنا وغيرهم: أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره , وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ وأورع وأفضل منه , وصاحب المكان أحق فإن شاء تقدم , وإن شاء قدَّم من يريده , وإن كان ذلك الذي يقدمه مفضولاً بالنسبة إلى باقي الحاضرين ; لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٣٠٢.\rوقد أخذ أهل العل من هذا الحديث أنه لا ينبغي لأحد أن يفتات على إمام المسجد الراتب فيقيم جماعة قبل جماعة الإمام الراتب قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [وإمام المسجد الراتب أولى من غيره لأنه في معنى صاحب البيت والسلطان وقد روي عن ابن عمر أنه أتى أرضاً له , وعندها مسجد يصلي فيه مولى لابن عمر فصلى معهم فسألوه أن يصلي بهم , فأبى وقال: صاحب المسجد أحق ولأنه داخل في قوله: ﷺ (من زار قوماً فلا يؤمهم) ] المغني ٢/١٥١. وحديث (من زار قوماً فلا يؤمهم) رواه الترمذي وحسنه. وقال الإمام النووي [قال الشافعي والأصحاب: إذا حضرت الجماعة، ولم يحضر إمام فإن لم يكن للمسجد إمام راتب قدموا واحداً وصلى بهم، وإن كان له إمام راتب، فان كان قريباً بعثوا إليه من سيعلم خبره ليحضر أو يأذن لمن يصلي بهم، وإن كان بعيداً أو لم يوجد في موضعه فإن عرفوا من حسن خلقه أن لا يتأذى بتقدم غيره، ولا يحصل بسببه فتنة استحب أن يتقدم أحدهم ويصلي بهم، للحديث المذكور، ولحفظ أول الوقت، والأولى أن يتقدم أولاهم بالإمامة وأحبهم إلى الإمام، وإن خافوا أذاه أو فتنة انتظروه. فإن طال الانتظار وخافوا فوات الوقت كله صلوا جماعة، هكذا ذكر هذه الجملة الشافعي والأصحاب] المجموع ٤/٢٠٧\rإذا تقرر هذا فإن حصل وأقيمت جماعة قبل جماعة الإمام الراتب فمن أقامها فعمله يدور بين التحريم وبين الكراهة على الخلاف بين الفقهاء فقال الحنابلة بتحريم ذلك وقال الحنفية والشافعية والمالكية بكراهته وكذلك فمن أهل العلم من قال ببطلان تلك الصلاة ومنهم من قال بإجزائها مع الإثم وهو الذي أميل إليه وأختاره.\rقال ابن مفلح المقدسي الحنبلي [تحرم الإمامة بمسجد له إمام راتب إلا بإذنه، قال أحمد: ليس لهم ذلك. وقال في الخلاف: فقد كره ذلك، قال في الكافي: إلا مع غيبة، والأشهر لا، إلا مع تأخره وضيق الوقت. ويراسل إن تأخر عن وقته المعتاد مع قربه وعدم المشقة. أو لم يظن حضوره، أو ظن ولا يكره ذلك. وإن بعد صلوا، وحيث حرم فظاهره لا تصح. وفي الرعاية لا يؤم، فإن فعل صح ويكره، ويحتمل البطلان للنهي] الفروع ١/٥٨١. وقال الشيخ العلامة محمد صالح العثيمين في شرح قول صاحب زاد المستقنع [ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب] أي: إذا كان المسجد له إمامٌ راتب. أي: مولًّى مِن قِبَلِ المسؤولين، أو مولًّى مِن قِبَلِ أهلِ الحَيِّ جيران المسجد، فإنَّه أحقُّ الناس بإمامتِهِ، لقولِ النبي ﷺ: (لا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلطانه) ومعلومٌ أنَّ إمامَ المسجدِ سلطانُه، والنهيُ هنا للتحريمِ، فلا يجوزُ للإنسان أن يؤمَّ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ إلا بإذن الإمام أو عُذره. وكما أن هذا مقتضى الحديث، فهو مقتضى القواعد الشرعية؛ لأنه لو ساغ له أن يؤمَّ في مسجد له إمام راتب بدون إذنه أو عذره؛ لأدَّى ذلك إلى الفوضى والنزاع. قوله: (إلا بإذنه) أي: إلَّا إذا وَكَّلَهُ توكيلاً خاصاً أو توكيلاً عاماً. فالتوكيل الخاص: أن يقول: يا فلان صَلِّ بالناس، والتوكيل العام أن يقول للجماعة: إذا تأخَّرتُ عن موعدِ الإقامةِ المعتادِ كذا وكذا فصلُّوا. قوله: «أو عذره» العذر مثل: لو عَلِمنا أنَّ إمامَ المسجدِ أصابَه مرضٌ لا يحتمل أن يحضر معه إلى المسجد فلنا أن نُصلِّيَ، وإنْ لم يأذن. مسألة: لو أنَّ أهلَ المسجدِ قدَّموا شخصاً يصلِّي بهم بدون إذن الإمامِ ولا عذره وصَلَّى بهم فهل تصحُّ الصلاةُ أو لا تصحُّ؟ فالجواب: في هذا لأهلِ العِلمِ قولان: القول الأول: أنَّ الصَّلاة تصحُّ مع الإثم. القول الثاني: أنهم آثمون، ولا تصحُّ صلاتُهم، ويجبُ عليهم أن يُعيدُوها. والرَّاجح القول الأول: لأنَّ تحريمَ الصَّلاةِ بدون إذن الإمام أو عُذره ظاهرٌ من الحديثِ والتعليل، وأما صِحةُ الصلاةِ؛ فالأصلُ الصحةُ حتى يقومَ دليلٌ على الفسادِ، وتحريمُ الإمامةِ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ بلا إذنِهِ أو عذرِهِ لا يستلزمُ عدمَ صحةِ الصلاةِ؛ لأنَّ هذا التحريمَ يعودُ إلى معنًى خارجٍ عن الصلاة وهو الافتيات على الإمام، والتقدُّم على حَقِّهِ، فلا ينبغي أن تُبطل به الصلاةُ.] الشرح الممتع ٤/٢١٦- ٢١٨. وقال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي تحت عنوان الافتئات على الإمام الراتب: [يوجد في كثير من الجوامع الكبيرة أناس يفتاتون على الإمام الراتب أي يتقدمون بالصلاة جماعة عليه قبل أن تقام له فيختزلون من الجامع ناحية يؤمون بها أناساً على شاكلتهم رغبة في العجلة أو حباً في الانفراد للشهرة. وقد اتفقت الحنابلة والمالكية على تحريم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب. قالت الحنابلة إلا بإذنه وإلا فلا تصح صلاته كما في الإقناع وشرحه. وقالت المالكية كره إقامتها قبل الراتب وحرم معه ووجب الخروج عند إقامتها للراتب كما في أقرب المسالك، وكره ذلك الشافعية وأفتى ابن حجر بمنعه بتاتاً، وصرح الإمام الماوردي من الشافعية بتحريم ذلك في مسجد له راتب وكره ذلك الحنفية. ولا يخفى أن ما ينشأ عن هذا الإفتئات من المفاسد يقضي بتحريمه لأنه يؤدي إلى التباغض والتشاجر وتفريق كلمة المسلمين والتشيع والتحزب في العبادة، ولمخالفة أمر السلطان أو نائبه لأنه أذن للراتب فقط. ولاتباع الهوى ومضادة حكمة مشروعية الجماعة من الاتحاد للتآلف والتعارف والتعاون على البر والتقوى فإن في تقسيمها تناكر النفوس وتبديل الأنس وحشة، إلى مفاسد أخرى تنتهي إلى قريب الأربعين مفسدة، وقد جمعت في حظر ذلك رسالة سميتها (إقامة الحجة على المصلي جماعة قبل الإمام الراتب من الكتاب والسنة وأقوال سائر أئمة المذاهب) فليحذر من هذه البدعة الشنيعة هدى الله المفتاتين للإقلاع عنها] إصلاح المساجد عن البدع والعوائد ص ٧٨-٧٩.\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز لأحد أن يقيم صلاة جماعة قبل جماعة الإمام الراتب لأن في ذلك افتياتاً على الإمام الراتب ومنافاة لحكمة مشروعية صلاة الجماعة فمن فعل ذلك صحت صلاته مع الإثم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345726,"book_id":3840,"shamela_page_id":106,"part":"6","page_num":28,"sequence_num":106,"body":"٢٨ - الصفوف في الصلاة\rيقول السائل: إنه سجين وإن السجناء يصلون جماعة داخل الخيمة بسبب المطر، وبسبب الازدحام فإنه لا يمكن اتصال الصفوف، فبعض السجناء يصلي على الأرض وبعضهم يصلي على الأبراش (الأسرَّة) ويكون الإمام على الأرض وهم أعلى منه في المكان، فما حكم في ذلك؟\rالجواب: يجب أن يُعلم أولاً أن تسوية الصفوف من تمام الصلاة كما ورد في الحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة) رواه البخاري ومسلم.\rوكذلك فإنه ينبغي على الإمام أن يأمر المصلين بتسوية الصفوف فقد ثبت في الحديث عن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ كان يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: تراصوا واعتدلوا) رواه البخاري ومسلم.\rوعن جابر بن سمرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ألا تصفون كما تصف الملائمة عند ربها! فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف الأول ويتراصون في الصف) رواه مسلم.\rوعن أنس أن الرسول ﷺ قال: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه فإن كان نقص فيكون في الصف المؤخر) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني.\rإذا تقرر هذا فإن الأصل في الصفوف في صلاة الجماعة أن تكون منضبطة ومتصلة ولا ينبغي أن يكون هنالك انقطاع بينها. ولكن نظراً للظروف السائدة في السجن كما ذكر السائل فإنه يجوز أن يصف المساجين على أبراشهم (أسرَّتهم) والانقطاع الحاصل بين المصلي والآخر في هذه الحالة لا بأس به بسبب طبيعة الوضع داخل الخيمة ولا حرج في ارتفاع المأموم عن الإمام في المكان في هذه الحالة حيث أجاز الفقهاء ارتفاع المأمومين عن الإمام.\rومع كل ما سبق فإني أنصح المساجين أن يحاولوا قدر الاستطاعة أن يصفوا بالطريقة المشروعة إن أمكنهم ذلك. وإلا فإنهم معذورون إن شاء الله تعالى. والتكليف لا يكون إلا حسب الوسع والطاقة, فقد قال الله تعالى: ? لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ? سورة البقرة الآية ٢٨٦.\rوقال ﷾: ? فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ? سورة التغابن الآية ١٦.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345727,"book_id":3840,"shamela_page_id":107,"part":"6","page_num":29,"sequence_num":107,"body":"٢٩ - حكم إلحاق السجين بالمسافر في الجمع وقصر الصلاة\rيقول السائل: ما قولكم بالفتوى التي تقول إن الأسير والمعتقل لهما حكم المسافر في قصر الصلاة وجمعها فيقصران ويجمعان باستمرار؟\rالجواب: إن القول بإلحاق المعتقل والسجين بالمسافر فيعطيان أحكام المسافر قول غير صحيح على إطلاقه بناء على الإطلاع على واقع المساجين، وهذا الإلحاق من باب القياس وهو مساواة الفرع للأصل في علة حكمه ويشترط في إلحاق الفرع بالأصل في القياس الأصولي الاشتراك في العلة بين الفرع والأصل وقد نص أهل العلم على أن علة القصر والجمع للصلاة في حق المسافر هي قطع المسافة وهذه العلة غير موجودة في حق المعتقلين والمساجين وقد توجد في حقهم في بعض الحالات عند نقلهم من سجن لآخر أو إلى المحكمة في مدينة أخرى ونحو ذلك. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ سورة النساء الآية ١٠١، ففي هذه الآية الكريمة علَّق الله ﷿ قصر الصلاة على الضرب في الأرض أي السفر ولا أراه متحققاً في حق السجين فهذا القياس قياس مع الفارق فلا يصح، لأن القياس إنما هو تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لاشتراكهما في العلة، فلا بد إذن من توافرها فيهما معاً، ومثال ذلك قياس النبيذ على الخمر، فإن العلة في الأصل هي الإسكار وهي قائمة في الفرع أيضاً، أما قياس الماء على الخمر فممتنع لأن العلة في الخمر هي الإسكار وهي غير موجودة في الماء، فلا يصح القياس لذلك، وهنا لا يصح قياس السجين على المسافر لأن العلة في الأصل وهي السفر - والسفر هو قطع المسافة - غير موجودة في الفرع وهو السجين.\rويضاف إلى ذلك أن جمهور الفقهاء قد نصوا على أن المسافر إذا نوى الإقامة أربعة أيام فأكثر لا يجوز له أن يقصر أو يجمع ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن جابر ﵁ (أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى وخرج من مكة متوجهًا إلى المدينة بعد أيام التشريق) .\rقال الإمام الشوكاني: [والحق أن من حط رحله ببلد ونوى الإقامة بها أياماً من دون تردد لا يقال له مسافر فيتم الصلاة ولا يقصر إلا لدليل ولا دليل ههنا إلا ما في حديث الباب من إقامته ﷺ بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة والاستدلال به متوقف على ثبوت أنه ﷺ عزم على إقامة أربعة أيام إلا أن يقال إن تمام أعمال الحج في مكة لا يكون في دون الأربع فكان كل من يحج عازماً على ذلك فيقتصر على هذا المقدار ويكون الظاهر والأصل في حق من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام هو التمام وإلا لزم أن يقصر الصلاة من نوى إقامة سنين متعددة ولا قائل به. ولا يرد على هذا قوله ﷺ في إقامته بمكة في الفتح إنا قوم سفر كما سيأتي لأنه كان إذ ذاك متردداً ولم يعزم على إقامة مدة معينة] نيل الأوطار ٣/٢٣٧.\rومن المعلوم أن السجين يقيم في سجنه أكثر من أربعة أيام بل إن بعضهم يقيم أشهراً وسنواتٍ فلا يصح إلحاقه بالمسافر.\rوكذلك فإن القول بأن السجين ملحق بالمسافر فمعنى ذلك أنه لا يجب عليه صوم رمضان ولا يصلي جماعة ولا جمعة ولا صلاة العيد وفي هذا حرمان من خير كثير وخاصة إذا كان محكوماً لمدة طويلة وكذلك فإنه يخسر المعاني العظيمة التي تترتب على إقامة هذه الشعائر.\rوإذا قررنا انتفاء العلة التي تلحق الأسير بالمسافر بطل القول بجواز جمع السجين بين الصلوات أيضاً لأن انتفاء العلة يعني نفي الحكم فالحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً ويجب أن يعلم أن كل من يجمع بين الصلاتين بدون عذر شرعي فجمعه باطل أي إن صلاته الثانية باطلة لأنها وقعت في غير وقتها المقدر لها شرعاً فدخول الوقت شرط من شروط صحة الصلاة والأصل في الصلوات الخمس أن تصلى كل منها في وقتها الشرعي قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ سورة النساء الآية ١٠٣. قال الشوكاني في تفسير الآية: [أي محدوداً معيناً يقال وقَّته فهو موقوت ووقَّته فهو مؤقت والمعنى إن الله افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها المحدودة لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا لعذر شرعي من نوم أو سهو أو نحوهما] تفسير فتح القدير ١/ ٥١٠. وكذلك فإن من جمع بين الصلاتين بدون عذر شرعي فقد ارتكب حراماً بل كبيرة من كبائر الذنوب كما نص على ذلك الشيخ ابن حجر المكي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٢٨٨-٢٨٩.\rوقد ذكر ابن كثير عن أبي قتادة العدوى قال: قرئ علينا كتاب عمر (من الكبائر جمع بين الصلاتين يعني بغير عذر والفرار من الزحف والنهبة) . وهذا إسناد صحيح والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر تقديماً أو تأخيراً وكذا المغرب والعشاء كالجمع بسبب شرعي، فمن تعاطاه بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكباً كبيرةً فما ظنك بترك الصلاة بالكلية) تفسير ابن كثير١/٤٨٥.\rوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن ترك صلاة واحدةً عمداً بنية أنه يفعلها بعد خروج وقتها قضاءً فهل يكون فعله كبيرة من الكبائر فأجاب: [الحمد لله، نعم تأخير الصلاة عن غير وقتها الذي يجب فعلها فيه عمداً من الكبائر، بل قد قال عمر بن الخطاب ﵁ الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر، وقد رواه الترمذى مرفوعاً عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) . ورفع هذا إلى النبي ﷺ وإن كان فيه نظر فإن الترمذي قال العمل على هذا عند أهل العلم والأثر معروف وأهل العلم ذكروا ذلك مقرين له لا منكرين له] مجموع الفتاوى ٢٢/٥٣-٥٤.\rوخلاصة الأمر أن قياس السجين على المسافر قياس باطل فلا يجوز للسجين أن يقصر الصلاة الرباعية ولا أن يجمع بين الصلاتين إلا إذا سافر حقيقة. وأنصح إخواني المساجين – فك الله أسرهم - بأن يلتزموا بما قرره أهل العلم وأحذرهم من التساهل في الجمع والقصر لأن جمعهم وقصرهم يعتبر باطلاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345728,"book_id":3840,"shamela_page_id":108,"part":"6","page_num":30,"sequence_num":108,"body":"٣٠ - لا تصح إمامة المرأة للرجال في صلاة الجمعة\rي قول السائل: ما قولكم فيما نشر في وسائل الإعلام أن أول امرأة ستؤم المصلين من النساء والرجال في صلاة الجمعة وستقام بمدينة نيويورك الأمريكية وستطالب هذه المرأة بحق النساء المسلمات في المساواة مع الرجال في التكاليف الدينية كحق المرأة في الإمامة، وعدم ضرورة أن يصلي النساء في صفوف خلفية وراء الرجال باعتبار أن هذا الأمر هو ناتج عن عادات وتقاليد بالية وليس من الدين في شيء وترى أنه لا يوجد في سلوكيات النبي ﷺ ما يمنع أن تؤم المرأة المسلمين رجالا ونساء!!؟\rالجواب: إن الأصل الذي قرره العلماء في العبادات عامة والصلاة بشكل خاص هو التلقي عن النبي ﷺ فالأصل فيها التوقيف أو الحظر كما يعبر بعض العلماء أي أن الأصل أن لا نفعل شيئاً في باب العبادات ما لم يكن وارداً عن النبي ﷺ ويجب علينا أن نلتزم بذلك بلا زيادة ولا نقصان. يقول الله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ويقول الرسول ﷺ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم. وكان ﵊ يقول في خطبه: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم.\rفالأصل في المسلم أن يقف عند موارد النصوص فلا يتجاوزها لأننا أمرنا بالإتباع ونهينا عن الابتداع فنحن مأمورون بإتباعه والإقتداء به ﷺ كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) وقد بين لنا الرسول ﷺ كيفية الصلاة وعدد ركعاتها وأوقاتها وكل ما يتعلق بها وعلَّم الصحابة كيف يصلون وصلى أمامهم وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري هذه هو الأصل الأصيل وأما ما نقل عن المرأة المسلمة الأمريكية فإنه لعجب عجاب ولا يستبعد أن تكون أيدي خفية تدفعها لهذا الأمر للتشويش على الإسلام وإن كنا لا نستغرب مثل هذه الأمور في ظل الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون في أنحاء العالم اليوم.\rوما زعمته هذه المرأة من افتراءات على دين الإسلام واضح بطلانها حيث إنها زعمت أنه لا يعرف عن رسول الله ﷺ أنه منع المرأة من إمامة الرجال فهذا كذب صريح على رسول الله ﷺ وقد صح في الحديث من قوله ﷺ (: من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وجاء في رواية أخرى أنه ﷺ قال: (إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) .\rولم يعرف في تاريخ الإسلام أن امرأة أمت الرجال في صلاة الجمعة. وقد اتفق جماهير علماء الإسلام على أن من صلى خلف امرأة في الفريضة فصلاته وصلاتها باطلة كما اتفقوا على أن المرأة لا تكون إماماً في الصلوات المفروضات ومنها صلاة الجمعة ولا في النوافل أيضاً قال الإمام الشافعي (وإذا صلت المرأة برجال ونساء وصبيان ذكور فصلاة النساء مجزئة، وصلاة الرجال والصبيان الذكور غير مجزئة؛ لأن الله ﷿ جعل الرجال قوامين على النساء وقصرهنَّ عن أن يكن أولياء وغير ذلك، ولا يجوز أن تكون امرأة إمام رجل في صلاة بحال أبداً) . الأم١/١٦٤.\rوقال الإمام النووي: [ ... واتفق أصحابنا على أنه لا تجوز صلاة رجل بالغ ولا صبي خلف امرأة حكاه عنهم القاضي أبو الطيب والعبدري ... وسواء في منع إمامة المرأة للرجال صلاة الفرض والتراويح وسائر النوافل هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف ﵏ وحكاه البيهقى عن الفقهاء السبعة فقهاء المدينة التابعين وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وسفيان وأحمد وداود] المجموع ٥/٣٣٨.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء] المغني٢ /١٤٦\rوقال ابن حزم الظاهري: [وَلاَ يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ، وَلاَ الرِّجَالَ , وَهَذَا مَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّصَّ قَدْ جَاءَ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَقْطَعُ صَلاَةَ الرَّجُلِ إذَا فَاتَتْ أَمَامَهُ. عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , مَعَ قَوْلِهِ ﵇ الإِمَامُ جُنَّةٌ وَحُكْمُهُ ﵇ بِأَنْ تَكُونَ وَرَاءَ الرَّجُلِ، وَلاَ بُدَّ فِي الصَّلاَةِ , وَأَنَّ الإِمَامَ يَقِفُ أَمَامَ الْمَأْمُومِينَ لاَ بُدَّ أَوْ مَعَ الْمَأْمُومِ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِهِ وَمِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ يَثْبُتُ بُطْلاَنُ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ , وَلِلرِّجَالِ يَقِينًا] المحلى ٢/١٦٧.\rومن أوضح الأدلة على منع المرأة من إمامة الصلاة أن النبي ﷺ أمر بتأخير صفوف النساء عن صفوف الرجال فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) رواه مسلم وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن صفوف النساء تكون بعد صفوف الرجال وهذه المرأة تزعم أنه لم يرد عن النبي ﷺ ما يمنع من إقامة صلاة تختلط فيها النساء مع الرجال ولقد أعظمت الفرية على رسول الله ﷺ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [ ... وأن المنع من إمامة المرأة بالرجال قول عامة العلماء.] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٣/٢٤٩\rوقال الإمام الباجي المالكي: [ ... فَأَمَّا مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِمَامَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدِهَا: الْأُنُوثَةُ. وَالثَّانِيَةِ: الصِّغَرُ وَعَدَمُ التَّكْلِيفِ. وَالثَّالِثَةِ: نَقْصُ الدِّينِ. فَأَمَّا الْأُنُوثَةُ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لا تَؤُمُّ رِجَالاً وَلَا نِسَاءً فِي فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ... ] المنتقى شرح الموطأ ٢/٢٠٣.\rوقد اتفق الفقهاء على أن من شروط الإمام في صلاة الجمعة الذكورة حيث إن صلاة الجمعة ليست واجبة على النساء وكذا اتفقوا على أنه يشترط في خطيب الجمعة أن يكون رجلاً. انظر حاشية قليوبي وعميرة على شرح المنهاج للمحلي ١/٢٧٨.\rوالعجب من بعض المشايخ الذين ظهروا على بعض المحطات الفضائية وزعموا أن المسألة محل خلاف بين الفقهاء وأن فيها عدة أقوال، أقول لهم إن المسألة محل اتفاق بين الفقهاء وهي منع المرأة من الإمامة والخطابة في صلاة الجمعة فلم يقل أحد من أهل العلم بأن المرأة تتولى خطبة الجمعة والإمامة في صلاة الجمعة والذكورة شرط في فرضية الجمعة باتفاق الفقهاء وإنما وقع خلاف في إمامة المرأة في غير صلاة الجمعة فقال بعض العلماء يجوز أن تؤم بالفرائض الخمس وقال آخرون تؤم في النافلة كالتراويح، قال المرداوي الحنبلي [وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ، هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ... وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي النَّفْلِ ... وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي التَّرَاوِيحِ نَصَّ عَلَيْهِ , ... قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ التَّرَاوِيحِ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ , قِيلَ: يَصِحُّ إنْ كَانَتْ قَارِئَةً وَهُمْ أُمِّيُّونَ , ... وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ أَقْرَأَ مِنْ الرِّجَالِ , وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ أَقْرَأَ وَذَا رَحِمٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ , وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ ذَا رَحِمٍ أَوْ عجُوزٍ وَاخْتَارَ الْقَاضِي: يَصِحُّ إنْ كَانَتْ عَجُوزًا ... ] الإنصاف٢/٢٦٣. وقال آخرون تؤم النساء فقط.\rوأما ما ورد في الحديث عن أم ورقة بنت عبد الله بن نوفل الأنصارية ﵂ أن النبي ﷺ لما غزا بدراً قالت قلت له يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم لعل الله أن يرزقني شهادة قال قري في بيتك فإن الله تعالى يرزقك الشهادة قال فكانت تسمى الشهيدة قال وكانت قد قرأت القرآن فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذنا فأذن لها ... وفي رواية أخرى عند أبي داود (وكان رسول الله ﷺ يزورها في بيتها وجعل لها مؤذناً يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها قال عبد الرحمن فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيراً) رواه أبو داود وغيره والحديث ضعيف عند جماعة من المحدثين وممن ضعفه الإمام الباجي المالكي حيث قال: [وهذا الحديث مما لا يجب أن تعول عليه] المنتقى شرح الموطأ ٢/٢٠٣.\rوممن ضعفه الحافظ ابن حجر كما في التلخيص الحبير ٢/٢٧\rوقد صححه ابن خزيمة كما ذكر الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام ص ٨٤ وحسنه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١١٨.\rفإن قلنا بأن الحديث صالح للاحتجاج فقد حمله بعض أهل العلم على أن أم ورقة ﵂ قد أمت بنساء دارها فقط وأن ذلك خاص بها قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [وحديث أم ورقة إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها كذلك رواه الدارقطني وهذه زيادة يجب قبولها , ولو لم يذكر ذلك لتعين حمل الخبر عليه لأنه أذن لها أن تؤم في الفرائض بدليل أنه جعل لها مؤذناً والأذان إنما يشرع في الفرائض ولا خلاف في أنها لا تؤمهم في الفرائض ولأن تخصيص ذلك بالتراويح واشتراط تأخرها تحكم يخالف الأصول بغير دليل فلا يجوز المصير إليه ولو قدر ثبوت ذلك لأم ورقة لكان خاصا بها بدليل أنه لا يشرع لغيرها من النساء أذان ولا إقامة , فتختص بالإمامة لاختصاصها بالأذان والإقامة] المغني ٢/١٤٧.\rوحمله بعض العلماء على أنها تؤم بمحارمها قال الصنعاني [وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ أَهْلَ دَارِهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ فَإِنَّهُ كَانَ لَهَا مُؤَذِّنٌ وَكَانَ شَيْخًا كَمَا فِي الرِّوَايَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ تَؤُمُّهُ وَغُلَامَهَا وَجَارِيَتَهَا] سبل السلام ٢/٤٣٦. وحمله ابن مفلح الحنبلي على أن ذلك في النافلة فقط فقال [ ... رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ بِإِسْنَادٍ يَمْنَعُ الصِّحَّةَ , وَإِنْ صَحَّ فَيَتَوَجَّهُ حَمْلُهُ عَلَى النَّفْلِ , جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّهْيِ ... ] الفروع ٢/١٨. ومثل ذلك قال صاحب منتهى الإرادات.\rوخلاصة الأمر أن إمامة المرأة في صلاة الجمعة منكر ومعصية ظاهرة وبدعة جديدة مخالفة لما هو مقرر شرعاً ومخالف لما مضى عليه العمل من لدن رسول الله ﷺ وحتى عصرنا الحاضر وهو أمر شاذ بل في غاية الشذوذ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345729,"book_id":3840,"shamela_page_id":109,"part":"6","page_num":31,"sequence_num":109,"body":"٣١ - قام الإمام إلى ركعة خامسة في صلاة الظهر\rيقول السائل: كنَّا نصلي صلاة الظهر جماعة فقام الإمام إلى ركعة خامسة سهواً فسبح بعض المصلين فلم يرجع الإمام وأتم الخامسة ثم سجد للسهو. وأما المأمومون فمنهم من تابع الإمام ومنهم من بقي جالساً حتى سلَّم الإمام فسلموا معه وقد روجع الإمام فقال إنه قد اقتدى بالنبي ﷺ لما سها وقام إلى خامسة فعلى المصلين أن يقتدوا به في الخامسة، فما قولكم؟\rالجواب: النسيان والسهو من الأمور الملازمة للإنسان ولا إثم على الانسان في حال السهو لما ورد في الحديث أنه ﷺ قال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه الطبراني والدارقطني والحاكم بألفاظ مختلفة وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. والسهو في الصلاة واقع فقد سها النبي ﷺ أكثر من مرة في صلاته كما ثبت ذلك في عدة أحاديث منها: عن عبد الله بن بحينة ﵁ أنه قال: (صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلَّم) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن مسعود ﵁: (أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمساً فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلَّم) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (صلَّى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر فسلم في ركعتين ثم أتى جِذعاً في قبلة المسجد فاستند إليها مغضباً وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يتكلما وخرج سرعان الناس قصرت الصلاة فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي ﷺ يميناً وشمالاً فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق لم تصل إلا ركعتين فصلى ركعتين وسلَّم ثم كبر ثم سجد ثم كبر فرفع ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلَّم) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. وسجود السهو واجب في الصلاة إذا وُجد المقتضي له على الراجح من أقوال أهل العلم كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٢٣/٢٧-٢٨. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإذا سها الإمام فأتى بفعل في غير موضعه , لزم المأمومين تنبيهه , فإن كانوا رجالاً سبحوا به , وإن كانوا نساءً صفقن ببطون أكفهن على ظهور الأخرى , وبهذا قال الشافعي ... ولقول النبي ﷺ (من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله) متفق عليه] المغني ٢/١٥\rوتذكير المأمومين للإمام واجب كما ذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي ويدل عليه أيضاً ما ورد في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه ﷺ قال ( ... إنه لو حدث في الصلاة شيءٌ لنبأتكم به ولكن إنما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين) رواه البخاري ومسلم. فقوله ﷺ فذكروني أمر والأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب.\rإذا تقرر هذا فأعود لجواب السؤال فأقول: إذا سها الإمام عن الجلوس الأخير في الصلاة فقام إلى ثالثة في الفجر أو رابعة في المغرب أو خامسة في الظهر أو العصر أو العشاء فسبح بعض المصلين فينبغي أن يرجع ثم يجلس للتشهد ويسجد سجدتي السهو والرجوع واجب على الإمام في هذه الحال إلا إذا كان متيقناً من خطأ المأمومين فإنه لا يرجع. وأما المأموم في السؤال المذكور فإذا كان متيقناً أنه صلى أربعاً فلا يجوز أن يتابع الإمام في الخامسة فإن فعل بطلت صلاته لأنه تعمد الزيادة في الصلاة وأما إن كان غير متأكد من عدد الركعات التي صلاها فتابع الإمام فصلاته صحيحة. وأما من تيقن أنه صلى أربعاً فإنه إما أن يبقى جالساً حتى يسلم الإمام فيسلم معه وإما أن ينوي مفارقة الإمام. . [سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن إمام قام إلى خامسة فسبح به فلم يلتفت لقولهم وظن أنه لم يسه فهل يقومون معه أم لا؟ فأجاب: إن قاموا معه جاهلين لم تبطل صلاتهم لكن مع العلم لا ينبغي لهم أن يتابعوه بل ينتظرونه حتى يسلم بهم أو يسلموا قبله والانتظار أحسن.] مجموع الفتاوى ٢٣/٥٣ وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [لو صلى خمساً يعني في صلاة رباعية فإنه متى قام إلى الخامسة في الرباعية، أو إلى الرابعة في المغرب، أو إلى الثالثة في الصبح، لزمه الرجوع متى ما ذكر، فيجلس، فإن كان قد تشهد عقيب الركعة التي تمت بها صلاته، سجد للسهو، ثم يسلم. وإن كان تشهد، ولم يصل على النبي ﷺ صلى عليه، ثم سجد للسهو وسلم وإن لم يكن تشهد، تشهد وسجد للسهو، ثم سلم. فإن لم يذكر حتى فرغ من الصلاة، سجد سجدتين، عقيب ذكره، وتشهد وصلاته صحيحة. وبهذا قال علقمة والحسن، وعطاء، والزهري، والنخعي، ومالك، والليث، والشافعي، وإسحاق وأبو ثور ... ولنا: ما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال ﴿صلى بنا رسول الله ﷺ خمساً فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا يا رسول الله هل زيد في الصلاة؟ قال: لا قالوا: فإنك قد صليت خمساً فانفتل، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّم ثم قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين﴾ . وفي رواية قال: ﴿إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون ثم سجد سجدتي السهو﴾ . وفي رواية، فقال ﴿فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين﴾ رواها كلها مسلم والظاهر أن النبي ﷺ لم يجلس عقيب الرابعة، لأنه لم ينقل، ولأنه قام إلى الخامسة معتقداً أنه قام عن ثالثة ولم تبطل صلاته بهذا، ولم يضف إلى الخامسة أخرى] المغني ٢/٢٥-٢٦.\rوأما إدعاء الإمام بأن على المصلين أن يتابعوه في الخامسة اقتداءً بالنبي ﷺ لما سها وتابعه الصحابة رضوان الله عليهم ولم يأمرهم بإعادة الصلاة فالجواب أن هذا إدعاء باطل لأن النبي ﷺ لم يأمر من تابعه من الصحابة في الزيادة بأن يعيد الصلاة فعلة ذلك أنهم كانوا في عصر التشريع وقد ظنوا أن الصلاة قد زيد فيها فلذلك لم ينبه الرسول ﷺ أحداً من الصحابة ﵃ في الزيادة إلا بعد الصلاة، كما سبق من حديث عبد الله بن مسعود ﷺ قال (صلى النبي ﷺ الظهر خمساً فقالوا أزيد في الصلاة قال وما ذاك قالوا صليت خمساً فثنى رجليه وسجد سجدتين) وأما الادعاء بوجوب متابعة الإمام في هذه الحالة فقد أجاب عنه العلامة محمد صالح العثيمين فقال [ولقد ساءني ما نقله لي ثقة عن شخص كان يجادله في إمام صلى الظهر خمساً والمأموم يعلم أنه قد زاد في صلاته فقال هذا المجادل أنه يجب على المأموم أن يتابع الإمام في الزيادة لأن النبي ﷺ قال (إنما جعل الإمام ليؤتم به) فتأمل تأمل خطأ هذا المجادل في الحكم والفهم وتأمل أن طرد قاعدته يستلزم أن الإمام لو صلى الظهر عشر ركعات لوجب على المأموم أن يتابعه إن هذا والله لهو الجهل المركب بل مركب المركب جهل في الحكم وجهل في الفهم وجهل بأدلة الشريعة الأخرى أفلا يعلم هذا الجاهل المجادل أن النبي ﷺ بيّن الواجب في إئتمام المأموم بإمامه بقوله (فإذا كبر فكبروا) إلى أن قال (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون) والفاء في قوله ﷺ فإذا كبر إلى آخره للتفريع فما بعدها تفريع على ما قبلها وإفصاح للمراد به تبين المراد بالإتمام ولم يقل النبي ﷺ إذا صلى الإمام خمساً فصلوا خمساً ونحن نعلم علم اليقين أن الإنسان لو صلى خمساً متعمداً لبطلت صلاته لأن النبي ﷺ قال (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فهل صلاة الظهر خمساً عليها أمر الله ورسوله وإذا لم يكن عليها أمر الله ورسوله فهي باطلة مردودة بمقتضى هذا الحديث وإذا كانت باطلة فهل يجوز إتباع الغير فيما هو باطل أيها المسلمون إن الحكم في هذه المسألة إذا قام الإمام إلى خامسة أنه يجب على المأموم أن ينبهه فيقول سبحان الله ثم إن رجع الإمام فذلك هو المطلوب وحينئذ يرجع ويتشهد ويسلم ثم يسجد للسهو سجدتين بعد السلام ويسلم ويتابعه المأموم في ذلك وإن أبى أن يرجع لكونه يتيقن أنه على صواب فإن المأموم الذي يتيقن أنه على صواب وأن الإمام مخطئ يجب عليه أن يجلس ولا يجوز له أن يتابع الإمام لأنه لو تابعه لزاد في الصلاة ركعة عمداً وهذا يبطلها ولكنه يبقى حتى إذا رجع الإمام إذا قضى الركعة التي قام إليها وتشهد سلم مع الإمام] عن شبكة الإنترنت.\rوخلاصة الأمر أن الإمام إذا قام إلى خامسة في صلاة رباعية فعليه أن يرجع إذا سبح المصلون وعليه سجود السهو إلا إذا تيقن من خطأ المأمومين وأما المأمومون فكل من تيقن أنه صلى أربعاً فيحرم عليه متابعة الإمام في الخامسة فإن تابعه بطلت صلاته، وهو مخير بين أن ينتظر الإمام فيسلم معه أو ينوي مفارقة الإمام. وأما من كان غير متيقن فتابع الإمام فصلاته صحيحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345730,"book_id":3840,"shamela_page_id":110,"part":"6","page_num":32,"sequence_num":110,"body":"٣٢ - حكم جمع السجين بين الصلاتين بسبب المطر\rيقول السائل: ما حكم الجمع بين الصلاتين بسبب المطر في حق السجين؟\rالجواب: إن الأصل في الصلوات الخمس أن تؤدى في الأوقات المخصصة لها شرعاً قال الله تعالى (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) سورة النساء الآية ١٠٣. ويدل على ذلك أيضاً حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ وهو حديث صحيح مروي في دواوين السنة. والجمع بين الصلاتين رخصة حيث وجدت أسبابها.\rوإن من المؤسف أن بعض أئمة المساجد وكذا بعض عامة الناس يتساهلون في الجمع بين الصلاتين بسبب المطر فنرى بعضهم يجمع بدون سبب موجب كأن يكون المطر صباحاً فيجمع الإمام بين المغرب والعشاء وكذلك يجمعون بين الظهر والعصر ثم ينطلقون إلى أعمالهم وأسواقهم ولا يمنعهم المطر عنها وإنما منعهم عن الصلاة فقط. ومثل هذا التساهل جمع المنفرد في بيته بين الصلاتين بسبب المطر ومثل ذلك في التساهل أيضاً جمع السجين في سجنه فمن المعروف أن السجين يصلي في سجنه ولا يذهب إلى المسجد فلا يتأذى من المطر. قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا من خرج من بيته إلى المسجد يجمع فيه ... ولا يجمع أحد في بيته لأن النبي ﷺ جمع في المسجد والمصلي في بيته مخالف المصلي في المسجد] الأم ١/٩٥. وانظر الجمع بين الصلاتين في المطر ص٢٢٦ وعلل ذلك الماوردي بأن الجمع يجوز لأجل المشقة وما يلحقه من أذى المطر وإذا عدم هذا المعنى امتنع جواز الجمع. الحاوي الكبير ٢/٣٩٩. وقال الإمام النووي: [قال أصحابنا والجمع بعذر المطر وما في معناه من الثلج وغيره يجوز لمن يصلي جماعة في مسجد يقصده من بعد ويتأذى بالمطر في طريقه] المجموع ٤/٣٨١. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي معللاً القول بمنع المنفرد من الجمع للمطر: [لأن الجمع لأجل المشقة فيختص بمن تلحقه المشقة دون من لا تلحقه كالرخصة في التخلف عن الجمعة والجماعة يختص بمن تلحقه المشقة دون من لا تلحقه] المغني ٢/٢٠٤. وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية ما نصه: [المشروع أن يجمع أهل المسجد إذا وجد مسوغ للجمع كالمطر كسباً لثواب الجماعة ورفقاً بالناس وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة أما جمع جماعة في بيت واحد من أجل العذر المذكور فلا يجوز لعدم وروده في الشرع لمطهر وعدم وجود العذر المسبب للجمع] فتاوى اللجنة الدائمة ٨/١٣٥. وهذا هو الموافق للحكمة من مشروعية الجمع وهي رفع الحرج ودفع المشقة عمن يصلي في المسجد فأي حرج أو مشقة في حق من صلى في سجنه؟ وأنبه على أن كثيراً من أهل العلم يرون أن ترك الجمع أفضل وأولى بسبب خلاف من رأى عدم جواز الجمع. قال الإمام النووي: [وترك الجمع أفضل بلا خلاف فيصلي كل صلاة في وقتها للخروج من الخلاف فإن أبا حنيفة وجماعة من التابعين لا يجوِّزونه. وممن نص على أن تركه أفضل الغزالي وصاحب التتمة. قال الغزالي في البسيط: لا خلاف أن ترك الجمع أفضل] روضة الطالبين ١/٥٠٥. وقال ابن مفلح: [وتركه أفضل] الفروع ٢/٦٨. وقال المرداوي: [يؤخذ من قول المصنف \" ويجوز الجمع \" أنه ليس بمستحب وهو كذلك بل تركه أفضل على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب] الإنصاف ٢/٣٣٤.\rويجب أن يعلم أن كل من يجمع بين الصلاتين بدون عذر شرعي فجمعه باطل أي أن صلاته الثانية باطلة لأنها وقعت في غير وقتها المقدر لها شرعاً فدخول الوقت شرط من شروط صحة الصلاة والأصل في الصلوات الخمس أن تصلى كل منها في وقتها الشرعي قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) سورة النساء الآية ١٠٣. قال الشوكاني في تفسير الآية: [أي محدوداً معيناً يقال وقَّته فهو موقوت ووقَّته فهو مؤقت والمعنى إن الله افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها المحدودة لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا لعذر شرعي من نوم أو سهو أو نحوهما] تفسير فتح القدير ١/ ٥١٠. وكذلك فإن من جمع بين الصلاتين بدون عذر شرعي فقد ارتكب حراماً بل كبيرة من كبائر الذنوب كما نص على ذلك ابن حجر المكي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٢٨٨-٢٨٩.\rوقد روي في الحديث عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) رواه الترمذي والحاكم وهو حديث ضعيف ضعفه الحافظ ابن حجر وغيره. وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة حديث رقم ٤٥٨١. وقال محمد بن الحسن الشيباني: [وبلغنا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب في الآفاق ينهاهم أن يجمعوا بين الصلاتين ويخبرهم أن الجمع بين الصلاتين في وقت واحد كبيرة من الكبائر أخبرنا بذلك الثقات عن العلاء بن الحارث عن مكحول] الموطأ برواية محمد بن الحسن ص٨٢.\rوأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: (الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر) وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قتادة العدوي قال (قُرىء علينا كتاب عمر من الكبائر جمع بين الصلاتين) يعني بغير عذر والفرار من الزحف والنميمة) . الدر المنثور ٢/ ٥٠٢. وقال الإمام البيهقي: [\" باب ذكر الأثر في أن الجمع من غير عذر من الكبائر مع ما دلت عليه أخبار المواقيت ثم روى بسنده عن عمر ﵁ قال: (جمعُ الصلاتين من غير عذر من الكبائر) قال الشافعي في سنن حرملة العذر يكون بالسفر والمطر وليس هذا بثابت عن عمر هو مرسل. قال الشيخ هو كما قال الشافعي والإسناد المشهور لهذا الأثر ما ذكرنا وهو مرسل. أبو العالية لم يسمع من عمر ﵁ وقد روى ذلك بإسناد آخر قد أشار الشافعي إلى متنه في بعض كتبه ... (أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل له ثلاث من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا في عذر والفرار من الزحف والنهبى) أبو قتادة العدوي أدرك عمر ﵁ فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قوياً وقد روي فيه حديث موصول عن النبي ﷺ في إسناده من لا يحتج به ... عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: (جمعٌ بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر) . لفظ حديث نعيم وفي رواية يعقوب (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) تفرد به حسين بن قيس أبو علي الرحبي المعروف بحنش وهو ضعيف عند أهل النقل لا يحتج بخبره] سنن البيهقي ٣/١٦٩. وذكر ابن كثير الأثر عن أبي قتادة العدوى قال: قرئ علينا كتاب عمر من الكبائر جمع بين الصلاتين يعني بغير عذر والفرار من الزحف والنهبة. وهذا إسناد صحيح والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر تقديماً أو تأخيراً وكذا المغرب والعشاء كالجمع بسبب شرعي فمن تعاطاه بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكباً كبيرة فما ظنك بترك الصلاة بالكلية) تفسير ابن كثير١/٤٨٥. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن ترك صلاة واحدةً عمداً بنية أنه يفعلها بعد خروج وقتها قضاءً فهل يكون فعله كبيرة من الكبائر فأجاب الحمد لله نعم تأخير الصلاة عن غير وقتها الذي يجب فعلها فيه عمداً من الكبائر بل قد قال عمر بن الخطاب ﵁ الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر وقد رواه الترمذى مرفوعاً عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) . ورفع هذا إلى النبي ﷺ وإن كان فيه نظر فإن الترمذي قال العمل على هذا عند أهل العلم والأثر معروف وأهل العلم ذكروا ذلك مقرين له لا منكرين له] مجموع الفتاوى ٢٢/٥٣-٥٤.\rوخلاصة الأمر فإني أنصح المساجين – فك الله أسرهم - بأن يلتزموا بما قرره أهل العلم وأحذرهم من التساهل في الجمع لأن جمعهم يعتبر جمعاً بدون عذر شرعي وعليهم أن يصلوا كل صلاة في وقتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345731,"book_id":3840,"shamela_page_id":111,"part":"6","page_num":33,"sequence_num":111,"body":"٣٣ - البناء على الصلاة\rيقول السائل: إن أحد المصلين كان يصلي مع الإمام وفي أثناء الصلاة انتقض وضوء المصلي فخرج من صلاته وذهب وتوضأ ثم رجع وأكمل صلاته من حيث خرج منها فما حكم ما فعله المصلي المذكور؟\rالجواب: ما فعله المصلي المذكور يسمى عند الفقهاء البناء على الصلاة والمقصود به أنه إذا طرأ الحدث على المصلي أثناء الصلاة فإنه يخرج من صلاته فيتوضأ ثم يرجع فيكمل صلاته من حيث خرج منها فلو انتقض الوضوء بعد تمام الركعة الثالثة في الصلاة الرباعية فإنه بعد أن يتوضأ يتم الصلاة من الركعة الثالثة فيأتي بالركعة الرابعة. وهذا الأمر قال به الحنفية ونقل عن جماعة من فقهاء السلف وقد اعتمدوا على ما روي في الحديث عند ابن ماجة من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال (من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) . ورواه الدارقطني أيضاً وقال ابن معين حديث ضعيف\rقال الإمام النووي: [حديث عائشة ضعيف متفق على ضعفه رواه ابن ماجه والبيهقي باسناد ضعيف من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة وقد اختلف أهل الحديث في الاحتجاج بإسماعيل ابن عياش فمنهم من ضعفه في كل ما يرويه ومنهم من ضعفه في روايته عن غير أهل الشام خاصة وابن جريج حجازي مكي مشهور فيحصل الاتفاق على ضعف روايته لهذا الحديث قال ورواه جماعة عن ابن عياش عن ابن جريج عن ابنه عن النبي ﷺ مرسلاً قال وهذا الحديث أحد ما أنكر على إسماعيل بن عياش والمحفوظ أنه مرسل وأما من رواه متصلاً فضعفاء مشهورون بالضعف] المجموع ٤/٧٤\rوضعفه الإمام النووي أيضاً في خلاصة الأحكام ١/١٤٢، وضعفه الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير ١/٢٧٤-٢٧٥. وضعفه العلامة الألباني في ضعيف الجامع الصغير حديث رقم ٥٤٢٦.\rإذا تقرر أن هذا الحديث ضعيف جداً فلا يصلح للاستدلال والصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أن الحدث إذا طرأ أثناء الصلاة فقد بطلت ويلزم المصلي أن يتوضأ ويستأنف الصلاة من جديد ولا يعتد بما مضى منها\rقال الإمام النووي: [فرع في مذاهب العلماء في جواز البناء لمن سبقه الحدث. قد ذكرنا أن مذهبنا الصحيح الجديد أنه لا يجوز البناء بل يجب الاستئناف وهو مذهب المسور بن مخرمة الصحابي ﵁ وبه قال مالك وآخرون، وحكاه صاحب الشامل عن ابن شبرمة وهو الصحيح من مذهب أحمد] المجموع ٤/٧٦.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [فأما الذي سبقه الحدث فتبطل صلاته , ويلزمه استئنافها قال أحمد: يعجبني أن يتوضأ ويستقبل هذا قول الحسن وعطاء والنخعي ومكحول وعن أحمد أنه يتوضأ ويبني وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس لما روي عن عائشة , أن النبي ﷺ قال: (من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف فليتوضأ , وليبن على ما مضى من صلاته) وعنه رواية ثالثة إن كان الحدث من السبيلين ابتدأ , وإن كان من غيرهما بنى لأن حكم نجاسة السبيل أغلظ والأثر إنما ورد بالبناء في الخارج من غير السبيل فلا يلحق به ما ليس في معناه.\rوالصحيح الأول لما روى علي بن طلق , قال قال رسول الله ﷺ (إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف فليتوضأ , وليعد صلاته) رواه أبو داود والأثرم وعن على بن أبي طالب ﵁ (, أن رسول الله ﷺ كان قائما يصلي بهم , فانصرف ثم جاء ورأسه يقطر فقال: إني قمت بكم , ثم ذكرت أني كنت جنباً ولم أغتسل فانصرفت فاغتسلت فمن أصابه منكم مثل الذي أصابني , أو أصابه في بطنه رز فلينصرف فليغتسل أو ليتوضأ , وليستقبل صلاته) رواه الأثرم ولأنه فقد شرط الصلاة في أثنائها على وجه لا يعود إلا بعد زمن طويل وعمل كثير ففسدت صلاته كما لو تنجس نجاسة يحتاج في إزالتها إلى مثل ذلك , أو انكشفت عورته ولم يجد السترة إلا بعيدة منه أو تعمد الحدث أو انقضت مدة المسح , وحديثهم ضعيف.] المغني ٢/٧٦.\rوخلاصة الأمر أن من أحدث في صلاته لزمه الوضوء واستئناف الصلاة من بدايتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345732,"book_id":3840,"shamela_page_id":112,"part":"6","page_num":34,"sequence_num":112,"body":"٣٤ - مفارقة الإمام\rيقول السائل: أرجو توضيح مسألة مفارقة الإمام في صلاة الجماعة حيث حصل خلاف بين المصلين لما قام الإمام إلى ركعة خامسة فبعض المصلين فارق الإمام وأتم الصلاة لوحده أفيدونا.\rالجواب: الأصل فيمن يصلي جماعة أن يتم الصلاة مع الإمام ولا يجوز له مفارقة إمامه إلا من عذر وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا ركع فاركعوا ... ) رواه البخاري ومسلم.\rوأجاز جمهور أهل العلم للمأموم أن ينفرد عن الجماعة لعذر وهي المسألة المسماة مفارقة الإمام والمقصود بمفارقة الإمام قطع الإقتداء به وإتمام الصلاة منفرداً والأصل فيها ما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله ﵁ أن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة فقرأ بهم البقرة قال فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة فبلغ ذلك معاذا فقال إنه منافق فبلغ ذلك الرجل فأتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا– وهو ما يستقى عليه من الإبل - وإن معاذاً صلى بنا البارحة فقرأ البقرة فتجوزت فزعم أني منافق فقال النبي ﷺ يا معاذ أفتان أنت ثلاثاً – أي منفر من الصلاة وصادٌ عنها - اقرأ ﴿والشمس وضحاها﴾ و ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ونحوها) رواه البخاري.\rوفي رواية عند مسلم عن جابر ﵁ (قال كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي فيؤم قومه فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء ثم أتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف فقالوا له أنافقت يا فلان قال لا والله ولآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه فأتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار وإن معاذاً صلى معك العشاء ثم أتى فافتتح بسورة البقرة فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ فقال يا معاذ أفتان أنت إقرأ بكذا وإقرأ بكذا قال سفيان فقلت لعمرو إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال إقرأ ﴿والشمس وضحاها﴾ ﴿والضحى والليل إذا يغشى﴾ و ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ فقال عمرو نحو هذا)\rقال الإمام النووي [واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أنه يجوز للمأموم أن يقطع القدوة ويتم صلاته منفردً وإن لم يخرج منها] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/١٣٦.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإن أحرم مأموماً ثم نوى مفارقة الإمام وإتمامها منفرداً لعذر جاز، لما روى جابر قال: (كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم، فأخر النبي ﷺ صلاة العشاء فصلى معه ثم رجع إلى قومه فقرأ سورة البقرة، فتأخر رجل فصلى وحده فقيل له: نافقت يا فلان، قال: ما نافقت، ولكن لآتين رسول الله ﷺ فأخبره، فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال: أفتان أنت يا معاذ؟! أفتان أنت يا معاذ؟! مرتين، إقرأ سورة كذا وسورة كذا، وقال وسورة ذات البروج ﴿والليل إذا يغشى﴾ ﴿والسماء والطارق﴾ و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ ) متفق عليه. ولم يأمر النبي ﷺ الرجل بالإعادة ولا أنكر عليه فعله] المغني ٢/١٧١.\rوذكر الفقهاء الأعذار التي تجيز للمأموم أن يفارق إمامه فمنها التطويل في القراءة على خلاف السنة كما حصل مع معاذ ﵁ حيث إنه قرأ سورة البقرة في صلاة العشاء وقراءتها في العشاء تطويل فلذا زجره النبي ﷺ. وضابط التطويل أن يكون تطويلاً خارجاً عن السُّنَّة لا خارجاً عن العادة. انظر الشرح الممتع ٢/٣٠٦.\rومنها إذا أصيب المأموم بمرض مفاجىء أثناء الصلاة ولم يستطع التحمل فله مفارقة الإمام.\r[ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ على الإنسان قَيْئٌ في أثناء الصَّلاة؛ لا يستطيع أن يبقى حتى يكمل الإمام؛ فيخفِّف في الصَّلاة وينصرف. ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ على الإنسان غازاتٌ - ريح في بطنه - يَشُقُّ عليه أن يبقى مع إمامه فينفرد ويخفِّف وينصرف. ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ عليه احتباسُ البول أو الغائط فيُحصر ببول أو غائط لكن إذا قُدِّرَ أنه لا يستفيد من مفارقة الإمام شيئاً؛ لأن الإمام يخفِّف، ولو خفَّف أكثر من تخفيف الإمام لم تحصُل الطُّمأنينة فلا يجوز أن ينفردَ؛ لأنه لا يستفيد شيئاً بهذا الانفراد.] الشرح الممتع ٢/٣٠٦-٣٠٧.\rومن الأعذار التي تجيز المفارقة فيما إذا سها الإمام عن الجلوس الأخير في الصلاة فقام إلى ثالثة في الفجر أو رابعة في المغرب أو خامسة في الظهر أو العصر أو العشاء فسبح بعض المصلين فلم يرجع فالمأموم إذا كان متيقناً أنه صلى الصلاة تامة فلا يجوز أن يتابع الإمام في الركعة الزائدة فإن فعل بطلت صلاته لأنه تعمد الزيادة في الصلاة والمأموم في هذه الحالة مخير بين أمرين فإما أن يبقى جالساً حتى يسلم الإمام فيسلم معه وإما أن ينوي مفارقة الإمام.\rقال الإمام النووي [وإن تمت صلاة المأموم أولاً لم يجز له متابعة الإمام في الزيادة، بل إن شاء فارقه عند تمامها وتشهد وسلَّم، وتصح صلاته بلا خلاف، لأنه فارقه بعذر يتعلق بالصلاة، وإن شاء انتظره في التشهد وطوَّل الدعاء حتى يلحقه الإمام ثم يسلم عقبه.] المجموع ٤/٢٠٩. [وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن إمام قام إلى خامسة فسبح به فلم يلتفت لقولهم وظن أنه لم يسه فهل يقومون معه أم لا؟ فأجاب: إن قاموا معه جاهلين لم تبطل صلاتهم لكن مع العلم لا ينبغي لهم أن يتابعوه بل ينتظرونه حتى يسلم بهم أو يسلموا قبله والانتظار أحسن.] مجموع الفتاوى ٢٣/٥٣.\rومن الأعذار التي تجيز المفارقة إذا اختلف نظم صلاة المأموم عن صلاة الإمام كمن يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء أو من يصلي الفجر خلف من يصلي الظهر فيجوز للمأموم أن يفارق الإمام نظراً لاختلاف نظم الصلاتين قال الإمام النووي [ولو نوى الصبح خلف مصلي الظهر وتمت صلاة المأموم، فإن شاء انتظر في التشهد حتى يفرغ الإمام، ويسلم معه وهذا الأفضل، وإن شاء نوى مفارقته وسلَّم، ولا تبطل صلاته هنا بالمفارقة بلا خلاف لتعذر المتابعة وكذا فيما أشبهها من الصور، ولا فرق في جميع ذلك بين أن ينوي المفارقة في صلاة فرض أو نفل] المجموع ٤/٢٣٧.\rومن الفقهاء من وضع ضابطاً للأعذار التي تجيز المفارقة فقد قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والأعذار التي يخرج لأجلها مثل المشقة بتطويل الإمام، أو المرض، أو خشية غلبة النعاس، أو شيء يفسد صلاته، أو خوف فوات مال أو تلفه، أو فوات رفقة، أو من يخرج من الصف لا يجد من يقف معه، وأشباه هذا] المغني ٢/١٧١.\rوينبغي أن يعلم أن الاختلاف بين مذهبي المأموم والإمام لا يجيز المفارقة فمثلاً إذا قنت الإمام في الفجر فلا يجوز للمأموم أن يفارقه لأنه لا يعمل بالقنوت للفجر لقول النبي ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) وكذلك في التراويح إذا كان الإمام يصليها عشرين ركعة والمأموم يصليها ثمان مثلاً فلا ينبغي له مفارقة الإمام لما ورد في الحديث عن أبي ذر ﵁ قال رسول الله ﷺ (إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي حديث حسن صحيح. ولأن الزيادة على ثمان ركعات في التراويح جائزة على الصحيح من أقوال أهل العلم.\rوخلاصة الأمر أن مفارقة المأموم للإمام في صلاة الجماعة تصح لعذر ولا ينبغي له أن يفارقه بدون عذر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345733,"book_id":3840,"shamela_page_id":113,"part":"6","page_num":35,"sequence_num":113,"body":"٣٥ - خطبتان في صلاة العيد\rيقول السائل: ما صحة القول بأن الإمام يخطب خطبة واحدة بعد صلاة العيد لا خطبتين؟\rالجواب: ذهب جمهور أهل العلم من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم إلى أن الإمام يخطب في العيد خطبتين يجلس بينهما كصلاة الجمعة تماماً قال الإمام الشافعي [ ... أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله عن إبراهيم بن عبد الله عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس] . الأم ١/٢٣٨.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً قول أبي القاسم الخرقي [فإذا سلم خطب بهم خطبتين يجلس بينهما] وجملته أن خطبتي العيدين بعد الصلاة، لا نعلم فيه خلافاً بين المسلمين ... إذا ثبت هذا فإن صفة الخطبتين كصفة خطبتي الجمعة، ... وروى سعد مؤذن النبي ﷺ أن النبي ﷺ كان يكبر بين أضعاف الخطبة، يكثر التكبير في خطبتي العيدين. رواه ابن ماجه، ... ويجلس بين الخطبتين؛ لما روى ابن ماجه بإسناده عن جابر قال: (خرج رسول الله ﷺ يوم فطر أو أضحى، فخطب قائما، ثم قعد قعدة، ثم قام] المغني ٢/٢٨٥-٢٨٦.\rوقال الإمام النووي [فإذا فرغ الإمام من صلاة العيد صعد المنبر وأقبل على الناس بوجهه وسلم وهل يجلس قبل الخطبة؟ وجهان الصحيح المنصوص يجلس كخطبة الجمعة ثم يخطب خطبتين أركانهما كأركانهما في الجمعة ويقوم فيهما ويجلس بينهما كالجمعة] روضة الطالبين ١/٥٨٠.\rوقال الكاساني الحنفي: [وكيفية الخطبة في العيدين كهي في الجمعة فيخطب خطبتين يجلس بينهما جلسة خفيفة ... ] بدائع الصنائع ١/٦١٩.\rوقال الدردير المالكي عند حديثه عن صلاة العيد [وندب خطبتان لها كالجمعة أي كخطبتها في الصفة ... ] الشرح الكبير ١/٤٠٠\rوقد جرى العمل على هذا عند المسلمين منذ عهد النبي ﷺ على أن يخطب الخطيب خطبتين في العيد وهذا ما تناقله أهل العلم قديماً ولا خلاف فيه بين السلف كما بين ذلك الشيخ ابن حزم الظاهري حيث قال [فإذا سلم الإمام قام فخطب الناس خطبتين يجلس بينهما فإذا أتمهما افترق الناس ... كل هذا لاخلاف فيه] المحلى ٣/٢٩٣.\rوقال الصنعاني بعد أن ذكر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (كان النبي ﷺ الناس يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والنس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم) متفق عليه، قال الصنعاني [ ... وفيه دليل على مشروعية خطبة العيد، وأنها كخطب الجمع أمر ووعظ، وليس فيه أنها خطبتان كالجمعة وأنه يقعد بينهما، ولعله لم يثبت ذلك من فعله ﷺ وإنما صنعه الناس قياساً على الجمعة) سبل السلام ٢/٤٩٣.\rوقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين [وقوله ((خطبتين)) هذا ما مشى عليه الفقهاء ﵏ أن خطبة العيد اثنتان، لأنه ورد هذا في حديث أخرجه ابن ماجه بإسناد فيه نظر ((أنه كان يخطب خطبتين)) ومن نظر في السنة المتفق عليها في الصحيحين وغيرهما تبين له أن النبي ﷺ لم يخطب إلا خطبة واحدة، لكنه بعد أن أنهى الخطبة الأولى توجه إلى النساء ووعظهنّ، فإن جعلنا هذا أصلاً في مشروعية الخطبتين فمحتمل، مع أنه لا يصح، لأنه إنما نزل إلى النساء وخطبهنّ لعدم وصول الخطبة إليهنّ وهذا احتمال] الشرح الممتع ٥/١٩١-١٩٢.\rإذا تقرر هذا فيجب أن يعلم أنه لم يثبت في صحيح السنة عن النبي ﷺ أنه خطب خطبتين في صلاة العيد وما ورد في ذلك فضعيف كما قرر ذلك أهل الحديث فمن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ يوم فطر أو أضحى فخطب قائماً ثم قعد قعدة ثم قام) رواه ابن ماجة والبيهقي في السنن الكبرى وهو ضعيف كما بينه الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير ٢/٨٦. وضعّفه البوصيري في الزوائد أيضاً. وضعفه الشيخ الألباني أيضاً.\rوما رواه سعد بن أبي وقاص ﵁: أنّ النبي ﷺ صلّى العيد بغير أذان ولا إقامة، وكان يخطب خطبتين قائماً، فيفصل بينهما بجلسة) رواه البزار وهوضعيف كما بين ذلك العلامة الألباني في تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص ٣٤٨\rوعن عبيد الله بن عتبة بن مسعود أنّه قال: (السنة أن يخطب في العيدين بخطبتين يفصل بينهما بجلوس) قال الإمام النووي [ضعيف غير متصل، ولم يثبت في تكرير الخطبة شيء، والمعتمد فيه القياس على الجمعة\"] خلاصة الأحكام ٢/٨٣٨.\rوقال الشوكاني: [وعبيد اللَّه بن عبد الله تابعي كما عرفت فلا يكون قوله من السنة دليلاً على أنها سنة النبي ﷺ كما تقرر في الأصول] نيل الأوطار ٣/٣٤٧\rوما قاله الشوكاني غير مسلَّم فإن التابعي إذا قال من السنة كذا فهو يشير إلى سنة النبي ﷺ إلا إذا قيدها بسنة غيره بل إن الشوكاني نفسه بين هذه المسألة حيث قال [وأما التابعي إذا قال من السنة كذا فله حكم مراسيل التابعين هذا أرجح ما يقال فيه واحتمال كونه مذاهب الصحابة وما كان عليه العمل في عصرهم خلاف الظاهر فإن إطلاق ذلك في مقام الاحتجاج وتبليغه إلى الناس يدل على أنه أراد سنة صاحب الشريعة. قال ابن عبد البر إذا أطلق الصحابي السنة فالمراد به سنة النبي ﷺ وكذلك إذا أطلقه غيره ما لم تضف إلى صاحبها كقولهم «سنة العمرين» ونحو ذلك] إرشاد الفحول ص ٦١.\rوقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ما نصه: [العلماء ألحقوا العيد بالجمعة في الخطبتين فلا ينبغي العدول عن هذا]\rوقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز أيضاً [خطبة العيد خطبتان وأثر عبيد الله مرسل فهو ضعيف؛ لكن يتأيد عند الجمهور بأنه مثل الجمعة فألحقوها بها، وتتابع العلماء على ذلك] عن شبكة الإنترنت.\rوسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين: هل للعيد خطبة أم خطبتان فأجاب: المشهور عند الفقهاء أن خطبة العيد اثنتان لحديث ضعيف ورد في هذا لكن في الحديث المتفق على صحته أن النبي ﷺ لم يخطب إلا خطبة واحدة وأرجو أن الأمر في هذا واسع] مجموع فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين ١٦/٢٤٨.\rوخلاصة الأمر أن الذي يظهر لي أن في العيد خطبتان وأن هذا من العمل المتوارث وقد عمل به فقهاء الأمة على مر العصور والأيام فلا ينبغي تركه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345734,"book_id":3840,"shamela_page_id":114,"part":"6","page_num":36,"sequence_num":114,"body":"٣٦ - أذانان لصلاة الجمعة\rيقول السائل: إن إمام المسجد عندهم جعل الأذانين يوم الجمعة أذاناً واحداً بحجة أن أذان الجمعة كان واحداً على عهد النبي ﷺ واعترض كثير من المصلين عليه فما قولكم في ذلك أفيدونا؟\rالجواب: الثابت أن النداء – الأذان - يوم الجمعة كان واحداً على عهد رسول الله ﷺ فكان المؤذن يرفع الأذان بعد جلوس رسول الله ﷺ على المنبر وبعد الفراغ من الخطبة تقام الصلاة واستمر الحال على ذلك على عهد أبي بكر وعمر ﵄ وفي عهد عثمان ﵁ أحدث الأذان الثاني بمحضر من الصحابة الكرام وأقروه على ذلك واستمر العمل بالأذانين لصلاة الجمعة حتى وقتنا الحاضر.\rوينبغي أن يعلم أن الأذان الذي زاده عثمان ﵁ يسمى الأذان الأول باعتبار أنه الأول في الترتيب حيث إنه يكون قبل الأذان بين يدي خطيب الجمعة.\rويسمى أيضاً الأذان الثاني باعتبار أنه الأذان الحقيقي الثاني والإقامة تسمى أذاناً من باب التغليب وهو أسلوب معروف في لغة العرب، أو لاشتراكهما في الإعلام ويسمى أيضاً الأذان الثالث لأنه زيد على الأذان والإقامة المعروفين على عهد رسول الله ﷺ والإقامة تسمى أذاناً من باب التغليب كما سبق\rقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقوله في هذه الرواية (أوله إذا جلس الإمام على المنبر) معناه: أن هذا الأذان كان هو الأول، ثم تليه الإقامة، وتسمى: أذاناً كما في الحديث المشهور: (بين كل أذانين صلاةٌ) . وخرّجه النسائي ... ولفظه: (كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، فإذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر، فلما زاد عثمان النداء الثالث صار هذا الثالث هو الأول، وصار الذي بين يدي الإمام هو الثاني.] فتح الباري للحافظ ابن رجب الحنبلي، عن الإنترنت، وهذا الكتاب غير الكتاب المشهور بنفس العنوان للحافظ ابن حجر العسقلاني.\rوقال الإمام الشوكاني: [قوله: (زاد النداء الثالث) في رواية: (فأمر عثمان بالنداء الأول) وفي رواية: (التأذين الثاني أمر به عثمان) ولا منافاة لأنه سمي ثالثاً باعتبار كونه مزيداً وأولاً باعتبار كون فعله مقدماً على الأذان والإقامة وثانياً باعتبار الأذان الحقيقي لا الإقامة] نيل الأوطار ٣/٢٩٨.\rإذا تقرر هذا فأقول قد ثبت في الحديث عن السائب بن يزيد: (قال كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء قال أبو عبد الله – أي الإمام البخاري - الزوراء موضع بالسوق بالمدينة) رواه البخاري.\rوفي رواية أخرى عند البخاري (عن الزهري قال سمعت السائب بن يزيد يقول إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فلما كان في خلافة عثمان بن عفان ﵁ وكثروا أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء فثبت الأمر على ذلك)\rوفي رواية أخرى عن السائب قال (كان النداء الذي ذكره الله في القرآن يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وحتى خلافة عثمان فلما كثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده.\rوعند ابن خزيمة في صحيحه عن السائب قال (كان ابتداء النداء الذي ذكره الله تعالى في القرآن يوم الجمعة) في روايةأخرى لابن خزيمة عن السائب قال: (كان الأذان على عهد رسول اللَّه ﵌ وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة) وفسر الأذانين بالأذان والإقامة يعني تغليبًا كما قال الشوكاني في نيل الأوطار ٣/٢٩٨.\rوالأذان الذي أحدثه عثمان ﵁ بمحضر من الصحابة وأقروه عليه لا يعتبر من البدع المحدثة بل هو سنة من سنن الخلفاء الراشدين وقد أمرنا رسول الله ﷺ بإتباع ولزوم سنن الخلفاء الراشدين كما ورد\rفي الحديث عن العرباض بن سارية ﵁ أن النبي ﷺ قال (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/٨٧١. وقد قرر العلماء أن إتباع ما سنه عثمان ﵁ في أذان الجمعة إنما هو إتباع لسنة رسول الله ﷺ أخذاً من الحديث السابق كما أن موافقة الصحابة رضوان الله عليهم لعثمان ﵁ على ما فعل يعتبر من باب الإجماع السكوتي وهو حجة.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية [ويتوجه أن يقال هذا الأذان لما سنَّه عثمان ﵁ واتفق المسلمون عليه صار أذاناً شرعياً] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٤/١٩٣-١٩٤.\rوقال الشيخ بدر الدين العيني عن الأذان العثماني: [ ... هو أول في الوجود ولكنه ثالث باعتبار شرعيته باجتهاد عثمان وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت وعدم الإنكار فصار إجماعاً سكوتياً وإنما أطلق الأذان على الإقامة لأنها إعلام كالأذان] عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٥/٧٣.\rوقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز [ ... الأفضل أن يكون للجمعة أذانان إقتداءً بأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ لأنه أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا رسول الله ﷺ بإتباع سنتهم ولأن لهذا أصلاً من السنة النبوية حيث شرع في رمضان أذانين أحدهما من بلال والثاني من ابن أم مكتوم ﵄ وقال: «إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» . ولأن الصحابة ﵃ لم ينكروا على أمير المؤمنين عثمان ﵁، فيما نعلم] عن موقع الشيخ على الإنترنت.\rوقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز أيضاً [ ... إن الناس كثروا في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في المدينة فرأى أن يزاد الأذان الثالث، ويقال له: الأذان الأول لأجل تنبيه الناس على أن اليوم يوم جمعة حتى يستعدوا ويبادروا إلى الصلاة قبل الأذان المعتاد المعروف بعد الزوال وتابعه بهذا الصحابة الموجودون في عهده، وكان في عهده علي ﵁ وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله ﵃ وغيرهم من أعيان الصحابة وكبارهم، وهكذا سار المسلمون على هذا في غالب الأمصار والبلدان تبعاً لما فعله الخليفة الراشد ﵁ وتابعه عليه الخليفة الراشد الرابع علي ﵁ وهكذا بقية الصحابة.\rفالمقصود أن هذا حدث في خلافة عثمان وبعده واستمر عليه غالب المسلمين في الأمصار والأعصار إلى يومنا هذا، وذلك أخذا بهذه السنة التي فعلها عثمان ﵁ لاجتهاد وقع له ونصيحة للمسلمين ولا حرج في ذلك. لأن النبي ﷺ قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وهو من الخلفاء الراشدين ﵁ والمصلحة ظاهرة في ذلك فلهذا أخذ بها أهل السنة والجماعة ولم يروا بهذا بأساً لكونه من سنة الخلفاء الراشدين عثمان وعلي ومن حضر من الصحابة ذلك الوقت ﵃ جميعاً.] عن موقع الشيخ على الإنترنت.\rوقال الشيخ صالح الفوزان: [الأذان الأول سنة الخلفاء الراشدين، فقد أمر به عثمان ﵁ في خلافته لما كثر الناس وتباعدت أماكنهم، فصاروا بحاجة إلى من ينبههم لقرب صلاة الجمعة، فصار سنة إلى يومنا هذا، والنبي ﷺ يقول: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين. وعثمان من الخلفاء الراشدين وقد فعل هذا وأقره الموجودون في خلافته من المهاجرين والأنصار، فصار سنة ثابته.] المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان ٣/٣٧.\rوقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية بأن الأذان العثماني ليس بدعة لما ورد من الأمر بإتباع سنة الخلفاء الراشدين وأنه لم ينكر على عثمان ﵁ أحد من الصحابة ﵃، وتبعه جماهير المسلمين على ذلك. انظر فتاوى اللجنة الدائمة ٨/١٩٨-٢٠٠.\rوخلاصة الأمر أن الأذان الأول – الأذان العثماني – سنة من سنن الخلفاء الراشدين التي أمرنا النبي ﷺ بإتباعها ولا ينبغي لأحد أن يلغي هذا الأذان وما وسع المسلمين السابقين يسعنا ولنا فيهم قدوة حسنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345735,"book_id":3840,"shamela_page_id":115,"part":"6","page_num":37,"sequence_num":115,"body":"٣٧ - حكم تقدم المأموم على الإمام في الصلاة\rيقول السائل: ما حكم صلاة المأموم متقدماً على الإمام وما قولكم في قول من يقول بجواز ذلك دائماً؟\rالجواب: إن الأصل الذي قرره العلماء في الصلاة هو التلقي عن النبي ﷺ فالأصل فيها التوقيف أي أن الأصل أن لا نفعل شيئاً في باب العبادات ما لم يكن وارداً عن النبي ﷺ ويجب علينا أن نلتزم بذلك بلا زيادة ولا نقصان وقد بين لنا الرسول ﷺ كيفية الصلاة وعدد ركعاتها وأوقاتها وكل ما يتعلق بها وعلَّم الصحابة كيف يصلون وصلى أمامهم وقال ﷺ: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري\rوقد علمنا النبي ﷺ أن الإمام يقف أمام المأمومين وليس العكس ومقتضى لفظ إمام أن يكون أمام المأمومين وعلى ذلك دل قول النبي ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) رواه البخاري ومسلم\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) قال البيضاوي وغيره: الائتمام الإقتداء والإتباع أي جعل الإمام إماماً ليقتدى به ويتبع , ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه في موقفه , بل يراقب أحواله ويأتي على أثره بنحو فعله , ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال] فتح الباري ٢/٢٣١\rوقد اتفق جماهير أهل العلم على أن الإمام يتقدم إذا كان المأمومون اثنين فأكثر وهذه هي السنة الثابتة عن النبي ﷺ قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام فإن وقفوا قدامه لم تصح , وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ... ولنا قوله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ولأنه يحتاج في الإقتداء إلى الالتفات إلى ورائه , ولأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا هو في معنى المنقول فلم يصح كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام ويفارق من خلف الإمام فإنه لا يحتاج في الإقتداء إلى الالتفات إلى ورائه] المغني ٢/١٥٧ وهو قول الحنابلة أيضاً\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [والأصل في الإمام أن يكون متقدماً على المأمومين إلا إن ضاق المكان أو لم يكن إلا مأموم واحد] فتح الباري ٢/٢١٦.\rومما يدل على ذلك أن المنقول عن النبي ﷺ أنه كان يقوم أمام أصحابه إذا صلى بهم ولم ينقل أن واحداً من الصحابة تقدم على النبي ﷺ فقد جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له فأكل منه ثم قال قوموا فلأصل لكم، قال أنس فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس فنضحته بماء فقام رسول الله ﷺ وصففت واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم انصرف) رواه البخاري ومسلم. وروى الترمذي بإسناده عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا) قال أبو عيسى - الترمذي - وفي الباب عن ابن مسعود وجابر وأنس بن مالك قال أبو عيسى وحديث سمرة حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا إذا كانوا ثلاثة قام رجلان خلف الإمام] سنن الترمذي ١/٤٥٢-٤٥٣.\rوعن أبي مسعود ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) مسلم وغير ذلك من الأدلة فالأصل أن تقدم الإمام على جماعة المصلين واجب. قال الشيخ ابن حزم [ ... لأن فَرْضَ الإِمَامِ لِغَيْرِ الضَّرُورَةِ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ الْمَأْمُومِينَ وَهُمْ وَرَاءَهُ ولا بد ... ] المحلى ٣/١٣٩.\rوأما من صلى أمام الإمام لغير عذر فلا تصح صلاته على الراجح من أقوال أهل العلم. والعذر مثل أن يكون هنالك زحام شديد كما يحدث في المسجد الحرام في موسم الحج أو ضاق الموضع الذي يصلون فيه فإن صلى أحد قدام الإمام صحت صلاته حينئذ وهذا القول رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال [أما صلاة المأموم قدام الإمام. ففيها ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: إنها تصح مطلقاً، وإن قيل إنها تكره، وهذا القول هو المشهور من مذهب مالك، والقول القديم للشافعي. والثاني: إنها لا تصح مطلقاً، كمذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبهما. والثالث: إنها تصح مع العذر، دون غيره، مثل ما إذا كان زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام، فتكون صلاته قدام الإمام خيراً له من تركه للصلاة. وهذا قول طائفة من العلماء، وهو قول في مذهب أحمد، وغيره. وهو أعدل الأقوال وأرجحها وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجباً من واجبات الصلاة في الجماعة، والواجبات كلها تسقط بالعذر. وإن كانت واجبة في أصل الصلاة، فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط، ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام، والقراءة، واللباس، والطهارة، وغير ذلك.] الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ٢/٣٦٠.\rوقال الشيخ ابن حزم [وَلاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّي أَمَامَ الإِمَامِ إلاَّ لِضَرُورَةِ حَبْسٍ فَقَطْ , أَوْ فِي سَفِينَةٍ حَيْثُ لاَ يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ: ... عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ , قَالَ جَابِرٌ: فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّأِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ , فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ , ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ، عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي، عَنْ يَمِينِهِ , ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَقَامَ، عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا جَمِيعًا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ] فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الاِثْنَانِ فَصَاعِدًا خَلْفَ الإِمَامِ، وَلاَ بُدَّ ; وَيَكُونُ الْوَاحِدُ، عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ، وَلاَ بُدَّ ; لأن دَفْعَ النَّبِيِّ ﷺ جَابِرًا وَجَبَّارًا إلَى مَا وَرَاءَهُ أَمْرٌ مِنْهُ ﵇ بِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ تَعَدِّيهِ , وَإِدَارَتَهُ جَابِرًا إلَى يَمِينِهِ كَذَلِكَ ; فَمَنْ صَلَّى بِخِلاَفِ مَا أُمِرَ بِهِ ﵇ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ ... ] المحلى ٢/٣٨٦. وحديث جابر الذي استدل به الشيخ ابن حزم في صحيح مسلم.\rوقال الإمام النووي [فصل في شروط الإقتداء وآدابه فأما الشروط فسبعة: أحدها أن لا يتقدم المأموم على الإمام في جهة القبلة فإن تقدم لم تنعقد صلاته على الجديد الأظهر ولو تقدم في خلالها بطلت] روضة الطالبين ١/٤٦٢.\rوقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية عن [تقدم الجماعة على الإمام فى المسجد النبوي أجائز على رأي الإمام مالك أم للضرورة؟ فأجابت: سنة محمد بن عبد الله ﵊ التي درج عليها من بعده خلفاؤه وأتباعه بإحسان رضوان الله عليهم أن يكون المأموم خلف الإمام في الحرم النبوي وغيره فلا يجوز العدول عنها، ومن صلى أمام الإمام فقد خالف هذه السنة، قال ابن قدامة ﵀ في المغني: السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام، فإن وقفوا قدامه لم تصح. أ. هـ. وهذا القول هو المفتى به، وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأن تقدم المأموم على الإمام لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃، ولأنه مخالفة ظاهرة للإمام الذي أمرنا بالائتمام به؛ لقول رسول الله ﷺ (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) متفق على صحته.]\rوخلاصة الأمر أن المأموم يقف خلف الإمام فإن وقف قدام الإمام بطلت صلاته إلا من عذر كزحام شديد أو ضيق المكان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345736,"book_id":3840,"shamela_page_id":116,"part":"6","page_num":38,"sequence_num":116,"body":"٣٨ - حكم الاعتراض على خطيب الجمعة\rيقول السائل: كنا في المسجد نستمع لخطيب الجمعة فقام بعض الحضور بالصياح على الخطيب معترضين على ما ذكره في خطبته وأحدثوا تشويشاً وضوضاء فأرجو بيان حكم الاعتراض على خطيب الجمعة أثناء الخطبة؟\rالجواب: الإنصات واجب لخطبة الجمعة والكلام محرم أثنائها حتى لو كان الكلام أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر على الصحيح من أقوال أهل العلم وعلى ذلك تدل النصوص الواردة عن النبي ﷺ ومنها:\rعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: [معناه قلت غير الصواب وقيل تكلمت بما لا ينبغي. ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٣٨\rقال الحافظ ابن حجر: [واستدل به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة وبه قال الجمهور في حق من سمعها وكذا الحكم في حق من لا يسمعها عند الأكثر قالوا: وإذا أراد الأمر بالمعروف فليجعله بالإشارة] فتح الباري ٢/٥٣٣. ومعنى (لغوت) الواردة في الحديث جئت بأمر باطل\rوعن أبي ذر ﵁ أنه قال: (دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فجلست قريباً من أبي بن كعب فقرأ النبي ﷺ سورة \" براءة \" فقلت لأبي: متى نزلت هذه السورة؟ قال: فتجهمني ولم يكلمني فلما صلى النبي ﷺ، قلت لأبيّ: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني؟ قال أبيّ: مالك من صلاتك إلا ما لغوت! فذهبت إلى النبي ﷺ فقلت: يا نبي الله كنت بجنب أبي وأنت تقرأ براءة فسألته متى نزلت هذه السورة، فتجهمني ولم يكلمني ثم قال: مالك من صلاتك إلا ما لغوت. قال النبي ﷺ: صدق أبيّ) . ومعنى تجهمني: قطب جبينه وعبس ونظر إليَّ مغضباً، والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه وقال الشيخ الألباني: صحيح. وجاء في رواية أخرى (فلما انصرف رسول الله ﷺ جئته فأخبرته فقال: صدق أُبيّ إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ» . رواه أحمد وابن ماجه وصححه الألباني في تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص ٣٣٨.\rوعن ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ قال: (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل لحمار يحمل أسفاراً والذي يقول له أنصت ليست له جمعة) رواه أحمد والطبراني وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: إسناده لا بأس به.\rوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة ومسّ من طيب امرأته إن كان لها ولبس من صالح ثيابه ثم لم يتخط رقاب الناس ولم يلغ عند الموعظة كان كفارة لما بينهما ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً) رواه أبو داود وابن خزيمة وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ص ٣٠٥.\rوعن عبد الله بن عمرو أيضاً قال رسول الله ﷺ: (يحضر الجمعة ثلاثة نفر فرجل حضرها يلغو فذلك حظه منها ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحداً فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك أن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ) رواه أبو داود وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في المصدر السابق.\rوذكر ابن حزم بإسناده عن بكر بن عبد الله المزني: (أن علقمة بن عبد الله المزني كان بمكة فجاء كريه - أي الذي أجَّره الدابة - والإمام يخطب يوم الجمعة فقال له: حسبت القوم قد ارتحلوا فقال له: لا تعجل حتى تنصرف فلما قضى صلاته قال له ابن عمر: أما صاحبك فحمار وأما أنت فلا جمعة لك) المحلى ٣/٢٦٩-٢٧٠.\rوغير ذلك من الأحاديث والآثار الواردة عن الصحابة ﵃. وهذا الأحاديث والآثار تدل على وجوب الإنصات وتحريم الكلام أثناء خطبة الجمعة.\rقال الحصكفي الحنفي: [فيحرم أكل وشرب وكلام ولو تسبيحاً أو رد سلام أو أمراً بمعروف بل يجب عليه أن يستمع ويسكت.] الدر المختار شرح تنوير الأبصار٢/١٥٩\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ويجب الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة فلا يجوز الكلام لأحد من الحاضرين ونهى عن ذلك عثمان وابن عمر. وقال ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم والإمام يخطب فاقرع رأسه بالعصا وكره ذلك عامة أهل العلم منهم: مالك وأبو حنيفة والأوزاعي..] ثم ذكر الشيخ ابن قدامة قول من لم يوجب الإنصات وذكر أدلة الجمهور ثم قال في الجواب عن أدلة المخالف [ ... فتعين حمل أخبارهم على هذا جمعاً بين الأخبار وتوفيقاً بينها ولا يصح قياس غيره عليه لأن كلام الإمام لا يكون في حال خطبته بخلاف غيره وإن قدر التعارض فالأخذ بحديثنا أولى لأنه قول النبي ﷺ ونصه وذلك سكوته والنص أقوى من السكوت] المغني ٢/٢٣٧-٢٣٨.\rوقال ابن رشد المالكي في الرد على من لم يوجب الإنصات [وأما من لم يوجبه: فلا أعلم لهم شبهة إلا أن يكونوا يرون أن هذا الأمر قد عارضه دليل الخطاب في قوله تعالى ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ أي: أن ما عدا القرآن فليس يجب له الإنصات، وهذا فيه ضعف، والله أعلم، والأشبه أن يكون هذا الحديث لم يصلهم] بداية المجتهد ونهاية المقتصد١/١٢٧.\rوينبغي أن يعلم أن فتح باب الاعتراض على خطيب الجمعة إنما هو فتح لباب من أبواب الشر وإن غلفوه بأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخاصة في بلادنا في ظل عدم وجود أي رادع يردع المتهورين ويمنع أصحاب الأهواء من الاعتراض على الخطباء كلما لم يعجبهم أمر يذكره خطيب وإن فتح هذا الباب سيجعل الفوضى والتشويش يعمان المساجد ويلغي حرمة المسجد وهيبة خطبة الجمعة وسيترتب على ذلك منكر أكبر وفتنة لا يعلم مداها إلا الله ﷿ لذا يجب إغلاق هذا الباب سداً للذريعة المؤدية للفساد.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم الكلام أثناء خطبة الجمعة وكذا الاعتراض على الخطيب وينبغي لمن أراد أن يعترض على خطيب الجمعة أن يفعل ذلك بعد انتهاء الصلاة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345737,"book_id":3840,"shamela_page_id":117,"part":"6","page_num":39,"sequence_num":117,"body":"٣٩ - انحراف قبلة المسجد\rسألني بعض المصلين عن قبلة مسجد عمر بن عبد العزيز في بلدة العيزرية / محافظة القدس وشكوا من وجود انحراف عن اتجاه القبلة الصحيح وطلبوا بيان الحكم الشرعي في ذلك.\rالجواب من المعلوم أن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة ويدل على ذلك قوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) سورة البقرة الآية ١٥٠ ويجب تحديد القبلة بدقة عند بناء المساجد فإذا بني المسجد، وتبين بعد ذلك أن هنالك خطأً كبيراً في قبلة المسجد فيجب تصحيح ذلك الخطأ والتوجه إلى القبلة (والخطأ الكبير أن يكون الانحراف أكثر من ٤٥ درجة) وقد اتفق العلماء على أنّ الفرض في حق من يشاهد الكعبة هو استقبال عينها وأمّا من كان غائباً عنها فلا يراها مثل البعيد فقال جمهور العلماء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة يجب عليه أن يستقبل جهة الكعبة ولا يجب عليه أن يستقبل عينها. وهذا القول هو الراجح لأنه المتفق مع مقاصد الشرع الحنيف من رفع الحرج قال تعالى ﴿ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ واستدلوا بقوله تعالى ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ واحتجوا بقول النبي ﷺ (ما بين المشرق والمغرب قبلة) رواه الترمذي وابن ماجه وهو حديث صحيح. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والواجب على هذين وسائر من بعُدَ من مكّة طلب جهة الكعبة دون إصابة العين، قال أحمد: ما بين المشرق والمغرب قبلة فإن انحرف عن القبلة قليلاً لم يُعد ولكن يتحرى الوسط وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشّافعي في أحد قوليه كقولنا، والآخر: الفرض إصابة العين... ولنا قول النّبي ﷺ (ما بين المشرق والمغرب قبلة) رواه التّرمذي وقال حديث حسن صحيح. وظاهره أنّ جميع ما بينهما قبلة ولأنه لو كان الفرض إصابة العين لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستوٍ ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها) المغني ١/٣١٨. وقد زرت المسجد المذكور مرتين واستعنت بأهل الخبرة وقد تبين لي أن قبلة المسجد صحيحة بشكل عام وإن وجد فيها انحراف فلا يضر ولا يؤثر على صحة الصلاة لأنّ الانحراف المبطل للصّلاة هو الانحراف الذي يكون كبيراً وقدره بعض العلماء المعاصرين ب (٤٥) درجة كما سبق ويكون ذلك عندما يصلى إلى غير جهة الكعبة [فإذا كانت القبلة إلى الجنوب، وتوجّه المصلي إلى جهة الجنوب بناءً على اجتهاده فصلاته صحيحة. فإذا ابتعد عن عين القبلة يميناً أو يساراً حتّى ٤٥ درجة فإنّه يظل متّجهاً إلى جهة الجنوب، فإذا زاد عن ذلك فقد بدأ يتّجه إلى جهة الشرق أو الغرب، لأنّ كلّ جهة من هاتين الجهتين تبعد عن جهة الجنوب ٩٠ درجة. فإذا وصل إلى ٤٥ درجة فقد وصل إلى نهاية الجنوب من جهة الشرق، وبدأ التوجّه إلى جهة الشرق الجنوبي. أو إلى نهاية الجنوب من جهة الغرب وبدأ التوجّه إلى الغرب الجنوبي ... فالخطأ في هذه الحدود مغتفر إن شاء الله إذا حصل بعد البحث والتحري والاجتهاد] فإذا كان الانحراف ضمن نفس الجهة، بحيث تكون الكعبة أمامك ولكنّك لا تصيب عينها بل تتوجّه عن يمينها أو شمالها، فهو انحراف يسير غير مبطل للصّلاة. لأن الانحراف الذي لاحظه بعض المصلين في قبلة المسجد المذكور لا يخرج عن استقبال جهة القبلة.\rوخلاصة الأمر أن قبلة مسجد عمر بن عبد العزيز في العيزرية قبلة صحيحة والانحراف الذي ذكره بعض المصلين إن وجد لا يؤثر على صحة الصلاة. وأنصح الأخوة المصلين في مسجد عمر بن عبد العزيز أن يصلوا حسب قبلة المسجد وأن يطمئنوا أن صلاتهم صحيحة إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345738,"book_id":3840,"shamela_page_id":118,"part":"6","page_num":40,"sequence_num":118,"body":"٤٠ - حكم طرد الأطفال من المسجد\rيقول السائل: هنالك مجموعة من الأطفال يحضرون إلى المسجد ليتعلموا قراءة القرآن الكريم وأحكام التجويد إلا أن بعض المصلين يطردون الأطفال من المسجد بحجة أنهم يشوشون على المصلين فما حكم ذلك؟\rال جواب: إن طريقة تعامل الرسول ﷺ مع الأطفال في المسجد وأثناء الصلاة تختلف اختلافاً واضحاً عن واقع تعامل كثير من المسلمين مع الأطفال في المساجد وإليكم بعض المواقف التي حصلت مع رسول الله ﷺ مع بعض الأطفال حتى نتعلم من رسول الله ﷺ ونهتدي بهديه ﵊:\r١. عن شداد ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشى الظهر أو العصر وهو حامل حسناً أو حسيناً فتقدم النبي ﷺ فوضعه عند قدمه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد سجدة أطالها قال: فرفعت رأسي من بين الناس فإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد فرجعت إلى سجودي فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته) رواه النسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\r٢. وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال خطبنا رسول الله ﷺ فأقبل الحسن والحسين ﵄ عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر ثم قال: صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة رأيت هذين فلم أصبر ثم أخذ في الخطبة) رواه أبو داود.\r٣. وفي حديث آخر: (كان الرسول ﷺ يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهما فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره) رواه ابن خزيمة في صحيحه.\r٤. وقال أبو قتادة ﵁: (رأيت رسول الله ﷺ وأمامة بنت العاص - ابنة زينب بنت الرسول ﷺ على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها) رواه البخاري ومسلم.\r٥. وفي رواية أخرى عن أبي قتادة ﵁ قال: (بينما نحن جلوس في المسجد إذ خرج علينا رسول الله ﷺ يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه ولم وهي صبية يحملها فصلى رسول الله ﷺ وهي على عاتقه يضعها إذا ركع ويعيدها إذا قام حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها) رواه النسائي.\r٦. وفي حديث آخر قال رسول الله ﷺ: (إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوّز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه) رواه البخاري ومسلم.\r٧. وفي رواية أخرى قال أنس كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة) رواه مسلم.\r٨. وفي حديث آخر أن النبي ﷺ: (جوّز ذات يوم في الفجر - أي خفف - فقيل: يا رسول الله لم جوزت؟ قال: سمعت بكاء صبي فظننت أن أمه معنا تصلي فأردت أن أفرغ له أمه) رواه أحمد بإسناد صحيح.\r٩. وعن الربيع بنت معوذ ﵂ قالت أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائماً فليتم صومه ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار) رواه مسلم وغير ذلك من الأحاديث.\rويحتج بعض الناس على طرد الأطفال من المساجد بما روي في الحديث أنه ﷺ قال: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم) فهذا الحديث ضعيف عند العلماء ولا يصح الاستدلال به، قال البزار: لا أصل له وكذلك قال عبد الحق الإشبيلي، وممن ضعفه الحافظ ابن حجر وابن الجوزي والمنذري والهيثمي وغيرهم. وظن عامة الناس أن هذا الحديث ثابت عن رسول الله ﷺ جعلهم يطردون الأطفال من المساجد وينكرون على من يحضرهم إلى المساجد وهذا موقف غير صحيح. والحق أن الإسلام اعتنى بالأطفال، وأمر الآباء والأولياء بأن يأمروا أبنائهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين. وإن المكان الصحيح لتعليمهم الصلاة وقراءة القرآن وأحكام التجويد وغيرها من أحكام الشرع هو المسجد. هذا هو هدي الرسول ﷺ في تعامله مع الأطفال في المسجد فلا يجوز لأحد أن يطرد الأطفال من المساجد لأنهم رجال المستقبل قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) . فعلينا أن نقتدي برسول الله ﷺ وأن نعود أطفالنا على ارتياد المساجد بدلاً من بقائهم في الأزقة والحارات عرضة لفساد الأخلاق وسوء الرفاق.\rولكن لا بد من التنبيه أنه ينبغي عدم إحضار الأطفال الصغار جداً إلى المساجد لأنهم لا ينضبطون فمثل من كان عمره سنة أو سنتين أو ثلاث لا يحضر إلى المسجد ولا بأس بإحضار الأطفال الذين هم في الخامسة أو السادسة أو السابعة إلى المساجد.\rولو حصل أن بعض الأطفال شوشوا على المصلين في المسجد بالبكاء والصياح مثلاً فلا ينبغي أن يثير ذلك المصلين فيحتجون على الطفل وعلى أبيه أو أمه وقد يشوشون بذلك الاحتجاج أكثر من تشويش الطفل وإنما يتركون الأمر لإمام المسجد ليعالج الموضوع بالحكمة وإقتداء بمنهج النبي ﷺ في ذلك. وينبغي أن يعلم أن الرفق واللين أمران مطلوبان في مثل هذه المواقف\rفعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه) رواه مسلم.\rولنا في رسول الله ﷺ قدوة حسنة فقد حدث أن أعرابياً دخل المسجد النبوي فبال فيه! ؟ فصاح الصحابة به فعالج النبي ﷺ الموقف بكل رفق ولين فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي ﷺ دعوه وهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) رواه البخاري ومسلم. وعن أنس بن مالك ﵁ قال بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله ﷺ مه مه قال قال رسول الله ﷺ لا تزرموه دعوه فتركوه حتى بال ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله ﷿ والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ قال فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه) رواه مسلم\rوعن أبي هريرة ﵁ قال دخل أعرابي المسجد والنبي ﷺ جالس فصلى فلما فرغ قال اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً فالتفت إليه النبي ﷺ فقال لقد تحجرت واسعاً فلم يلبث أن بال في المسجد فأسرع إليه الناس فقال النبي ﷺ أهريقوا عليه سجلاً من ماء أو دلواً من ماء ثم قال إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم طرد الأطفال من المساجد بل يجب تعويدهم على الحضور للمسجد ليتعلموا الصلاة وقراءة القرآن وأحكام التجويد وغير ذلك من الأحكام الشرعية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345739,"book_id":3840,"shamela_page_id":119,"part":"6","page_num":41,"sequence_num":119,"body":"٤١ - الزيادة على ثمان ركعات في التراويح\rيقول السائل: ما حكم الزيادة في صلاة التراويح عن إحدى عشرة ركعة حيث إن بعض طلبة العلم يمنعون الزيادة بحجة أن النبي ﷺ لم يزد عليها، أفيدونا؟\rالجواب: من المعلوم أن صلاة التراويح سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ وكان هديه ﷺ أن يصلي إحدى عشرة ركعة كما ثبت ذلك عنه في حديث عائشة ﵂ قالت: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) رواه البخاري ومسلم. وأكثر الفقهاء يرون أنها تصلى عشرون ركعة والوتر ثلاث ركعات وهذا قول مشهور من لدن الصحابة ﵃ إلى يومنا الحاضر وكثير من مساجد المسلمين تصلى فيها التراويح كذلك ومنهم من زاد على العشرين فقيل تسع وثلاثين وقيل إحدى وأربعين وقيل غير ذلك. ومن أهل العلم من يرى أنه لا حد لعدد ركعات صلاة التراويح فيجوز أن يزيد على إحدى عشرة ركعة ولا حرج في ذلك وهذا أرجح أقوال أهل العلم فالنبي ﷺ لم يحدد عدداً محدوداً لصلاة التراويح تمنع الزيادة عليه.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: [كما أن نفس قيام رمضان لم يوقت النبي ﷺ فيه عدداً معيناً بل كان هو ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على ثلاث عشرة ركعة ولكن كان يطيل الركعات فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة ثم يوتر بثلاث وكان يخف القراءة بقدر ما زاد من الركعات لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث وهذا كله سائغ فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن.... ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٢/٢٧٢.\rوقال الإمام الشوكاني يرحمه الله: [والحاصل أن الذي دلت عليه أحاديث الباب وما يشبهها هو مشروعية القيام في رمضان والصلاة فيه جماعة وفرادى فقصر الصلاة بالتراويح على عدد معين وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سنة] نيل الأوطار ٣/٦١.\rإذا تقرر هذا فإنه لا يجوز لأحد أن ينكر على من يصلي التراويح بأكثر من إحدى عشرة ركعة كمن يصلون ثلاثاً وعشرين ركعة فإن الأمر فيه سعة.\rقال الإمام الشافعي يرحمه الله: [رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق]\rوقال الحافظ ابن عبد البر يرحمه الله (وقد أجمع العلماء على أن لا حدّ ولا شيء مقدراً في صلاة الليل وأنها نافلة فمن شاء أطال فيها القيام وقلَّت ركعاته ومن شاء أكثر الركوع والسجود) الاستذكار ٥ / ٢٤٤.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني يرحمه الله: [ ... والأعداد الأخرى سوى الإحدى عشرة أُثرت عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والقاعدة عندهم في ذلك أنهم كانوا إذا أطالوا القراءة قللوا عدد الركعات وإذا أخفوا القراءة زادوا في عدد الركعات فتح الباري؟؟؟.\rوقال العلامة عبد العزيز بن باز يرحمه الله [وإن أوتر بثلاث وعشرين كما فعل ذلك عمر والصحابة ﵃ في بعض الليالي من رمضان فلا بأس، فالأمر واسع، وثبت عن عمر والصحابة أيضاً أنهم أوتروا بإحدى عشرة، كما في حديث عائشة، فقد ثبت عن عمر هذا وهذا، ثبت عنه ﵁ أنه أمر من عين من الصحابة أن يصلي إحدى عشرة، وثبت عنهم أنهم صلوا بأمره ثلاث وعشرين، وهذا يدل على التوسعة في هذا، وأن الأمر عند الصحابة واسع، كما دل عليه قوله ﷺ: (صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) ولكن الأفضل من حيث فعله ﷺ إحدى عشرة أو ثلاث عشرة، وسبق ما يدل على أن إحدى عشرة أفضل لقول عائشة ﵂: (مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) يعني غالباً، ولهذا ثبت عنها أنه صلى ثلاث عشرة وثبت عن غيرها، فدل ذلك أن هذا هو الأغلب، وهي تطلع على ما كان يفعله عندها وتسأل أيضاً فإنها كانت أفقه النساء وأعلم النساء بسنة الرسول الله ﷺ وكانت تخبر عما يفعله عندها وعما تشاهده وتسأل غيرها من أمهات المؤمنين ومن الصحابة، وتحرص على العلم، ولهذا حفظت علماً عظيماً وأحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ بسبب حفظها العظيم وسؤالها غيرها من الصحابة عما حفظوا رضي الله عن الجميع.\rثم استفسر من الشيخ سائل قائلاً: أحسن الله إليك، بعض المصلين يرون أن هذه هي السنة، وعندما يأتون إلى مساجد تصلي ما يزيد على ثلاث وعشرين ركعة يصلون إحدى عشرة ركعة أو عشر ركعات ولا يتمون مع الإمام؟\rيوضح الشيخ ﵀ قائلاً: لا، السنة الإتمام مع الإمام ولو صلى ثلاثاً وعشرين، لأن الرسول ﷺ قال: (مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ) .. فالأفضل للمأموم أن يقوم مع الإمام حتى ينصرف، سواء صلى إحدى عشرة أو ثلاث عشرة أو ثلاثاً وعشرين، هذا هو الأفضل؛ أن يتابع الإمام حتى ينصرف والثلاث والعشرون فعلها عمر ﵁ مع الصحابة، فليس فيها نقص وليس فيها خلل، بل هي من السنن، من سنة الخلفاء الراشدون. .] عن شبكة الإنترنت.\rوقال العلامة عبد العزيز بن باز يرحمه الله [ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس ظن بعضهم أن التراويح لا يجوز نقصها عن عشرين ركعة وظن بعضهم أنه لا يجوز أن يزاد فيها على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة وهذا كله ظن في غير محله بل هو خطأ مخالف للأدلة. وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ على صلاة الليل موسع فيها فليس فيها حد محدود لا تجوز مخالفته بل ثبت عنه أنه كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة وربما صلى ثلاث عشرة ركعة وربما صلى أقل من ذلك في رمضان وفي غيره ولما سئل ﷺ عن صلاة الليل قال: ((مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)) متفق على صحته ولم يحدد ركعات معينة لا في رمضان ولا في غيره ولهذا صلى الصحابة ﵃ في عهد عمر ﵁ في بعض الأحيان ثلاثاً وعشرين ركعة وفي بعضها إحدى عشرة ركعة كل ذلك ثبت عن عمر ﵁ وعن الصحابة في عهده. وكان بعض السلف يصلي في رمضان ستاً وثلاثين ركعة ويوتر بثلاث وبعضهم يصلى إحدى وأربعين ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من أهل العلم كما ذكر رحمة الله عليه أن الأمر في ذلك واسع] عن شبكة الإنترنت.\rوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين يرحمه الله: [ ... لا ينبغي لنا أن نغلو أو نفرط فبعض الناس يغلو من حيث التزام السنة في العدد فيقول لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السنة وينكر أشد النكير على من زاد على ذلك ويقول إنه آثم عاصي وهذا لا شك أنه خطأ وكيف يكون آثماً عاصياً وقد سئل النبي ﷺ عن صلاة الليل؟ فقال: (مثنى مثنى) ولم يحدد بعدد ومن المعلوم أن الذي سأله عن صلاة الليل لا يعلم العدد لأن من لا يعلم الكيفية فجهله بالعدد من باب أولى وليس ممن خدم الرسول ﷺ حتى نقول إنه يعلم ما يحدث داخل بيته فإذا كان النبي ﷺ بين له كيفية الصلاة دون أن يحدد له بعدد علم أن الأمر في هذا واسع وأن للإنسان أن يصلي مئة ركعة ويوتر بواحدة.\rوأما قوله ﷺ: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فهذا ليس على عمومه ... وإنما المراد (صلوا كما رأيتموني أصلي) في الكيفية أما في العدد فلا إلا ما ثبت النص بتحديده. وعلى كلٍ ينبغي للإنسان أن لا يشدد على الناس في أمر واسع حتى إنا رأينا من الإخوة الذين يشددون في هذا من يبدعون الأئمة الذين يزيدون على إحدى عشرة ويخرجون من المسجد فيفوتهم الأجر الذي قال فيه الرسول ﷺ: (من ام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) وقد يجلسون إذا صلوا عشر ركعات فتتقطع الصفوف بجلوسهم وربما يتحدثون أحياناً فيشوشون على المصلين وكل هذا من الخطأ ونحن لا نشك بأنهم يريدون الخير وأنهم مجتهدون لكن ليس كل مجتهد يكون مصيباً] الشرح الممتع ٤/٧٣-٧٤.\rينقل كلام العثيمين [فإن قال قائل ... اجتماع الكلمة ما أمكن] الشرح الممتع٤/٨٣-٨٦\rوقال الشيخ محمد بن إبراهيم يرحمه الله مفتي المملكة السعودية السابق: [وإذا كان من عادة أهل بلد فعل صلاة التراويح على وجه آخر مما له أصل شرعي فلا وجه للإنكار عليهم أيضاً. والمقصود من ذلك كله هو البعد عن أسباب الشقاق والنزاع في أمر فيه سعة. ولقد لاحظ رسول الله ﷺ هذا وترك أمراً عظيماً مخافة ما يقع في قلوب الناس كما جاء في حديث عائشة (لولا حدثان قومك بالإسلام ... ) الحديث. وترجم البخاري في هذا المعنى فقال: باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقع في أشد منه وساق حديث عائشة (لولا حدثان قومك بالإسلام لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين) الحديث، وقال علي: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذبَ اللهَ ورسوله؟) وفي رواية (ودعوا ما ينكرون) ، وقال ابن مسعود: الخلاف شر. أ. هـ.\rوقال الشيخ إسماعيل الأنصاري: الاستدلال بحديث عائشة ﵂: (ما كان النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة) فالجواب عنه أنه ليس فيه دليل على منع الزيادة على إحدى عشر ركعة في التراويح وغيرها، قال الحافظ ابن العراقي في طرح التثريب: قد اتفق العلماء على أنه ليس له - أي لقيام الليل - حد محصور] غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام ٥/٤٥٨-٤٥٩.\rينقل كلام العبيكان [قلت والراجح ... فلا يعتبر مقتدياً والله أعلم] غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام ٥/٤٦٢-٤٦٣.\rوخلاصة الأمر أنه لا يصح الإنكار على من صلى التراويح أكثر من إحدى عشرة ركعة وأن الأمر واسع فلا ينبغي لطلبة العلم أن يحجروا واسعاً فيحدثوا تشويشاً على عامة المصلين والخطب في هذه المسألة سهل يسير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345740,"book_id":3840,"shamela_page_id":120,"part":"6","page_num":42,"sequence_num":120,"body":"٤٢ - الصلاة على الكرسي\rيقول السائل: صرنا نلاحظ كثرة المصلين في المساجد الذين يصلون جلوساً على الكراسي فما حكم صلاتهم؟\rالجواب: اتفق أهل العلم على أن القيام في صلاة الفريضة ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة عليه لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٣٨. ولما ورد في الحديث عن عمران بن حصين ﵁ قال: (كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنبك) رواه البخاري قال الإمام الشوكاني [وحديث عمران يدل على أنه يجوز لمن حصل له عذر لا يستطيع معه القيام أن يصلي قاعداً ولمن حصل له عذر لا يستطيع معه القعود أن يصلي على جنبه] نيل الأوطار ٣/٢٢٥ وبناءً على ذلك فإن من صلى الفريضة جالساً وهو قادر على القيام فصلاته باطلة.\rوقد اتفق أهل العلم على أن المريض الذي لا يستطيع القيام فإنه يصلي قاعداً ويركع ويسجد إذا قدر عليهما فإن لم يستطع الركوع والسجود فإنه يصلي مومياً ويجعل سجوده أخفض من ركوعه لأن المشقة تجلب التيسير ومن المعلوم أن رفع الحرج ودفع المشقة أصل قطعي من أصول الشريعة ودلت عليه أدلة كثيرة منها قوله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٦ وقوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ سورة التغابن الآية ٦١، وقول النبي ﷺ (إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من النصوص.\rومما يدل على جواز صلاة الفريضة قاعداً عند العجز عن القيام قوله ﷺ في حديث عمران السابق (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنبك) وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ (ركب فرساً فصرع عنه فجحش- أي جرح - شقه الأيمن فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد ...) رواه البخاري ومسلم. وعن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ لم يمت حتى كان كثير من صلاته وهو جالس) رواه مسلم\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي جالساً] المغني ٢/١٠٦.\rوقال الإمام النووي [... أجمعت الأمة علي أن من عجز عن القيام في الفريضة صلاها قاعداً ولا إعادة عليه، قال أصحابنا ولا ينقص ثوابه عن ثوابه في حال القيام لأنه معذور وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) ] المجموع ٤/٣١٠\rويجب أن يعلم أن من قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام، بل يصلي قائماً ثم إذا استطاع الركوع فيجب عليه الركوع وإن لم يستطع جلس وأومأ بالركوع ثم يومئ بالسجود ويجعل سجوده أخفض من ركوعه. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومن قدر على القيام، وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام. ويصلي قائماً فيومئ بالركوع. ثم يجلس فيومئ بالسجود، وبهذا قال الشافعي... ولنا قوله الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقول النبي ﷺ: (صل قائماً) ولأن القيام ركن قدر عليه، فلزمه الإتيان به كالقراءة. والعجز عن غيره لا يقتضي سقوطه كما لو عجز عن القراءة] المغني ٢/١٠٧.\rويجب أن يعلم أن حدَّ المرض الذي يجيز للمريض أن يصلي قاعداً هو أن يخاف المريض مشقة شديدة أو زيادة المرض أو تباطؤ برئه. قال الإمام النووي [قال أصحابنا ولا يشترط في العجز أن لا يتأتى القيام ولا يكفى أدنى مشقة بل المعتبر المشقة الظاهرة فإذا خاف مشقةً شديدةً أو زيادة مرض أو نحو ذلك أو خاف راكب السفينة الغرق أو دوران الرأس صلى قاعداً ولا إعادة] المجموع ٤/٣١٠. وقال الإمام الشوكاني [والمعتبر في عدم الاستطاعة عند الشافعية هو المشقة أو خوف زيادة المرض أو الهلاك لا مجرد التألم فإنه لا يبيح ذلك عند الجمهور] نيل الأوطار ٣/٢٢٥.\rويرى بعض أهل العلم أن ضابط ذلك يتعلق بالمشقة التي تذهب الخشوع [قال إمام الحرمين ...: الذي أراه في ضبط العجز أن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه لأن الخشوع مقصود الصلاة] المجموع ٤/٣١٠.\rوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين [الضابط للمشقة: ما زال به الخشوع، والخشوع هو حضور القلب والطمأنينة، فإذا كان إذا قام قلق قلقاً عظيماً ولم يطمئن وتجده يتمنى أن يصل إلى آخر الفاتحة ليركع من شدة تحمله فهذا شق عليه القيام فيصلي قاعداً] الشرح الممتع ٤/٤٦١.\rوروى عبد الرزاق بسنده عن عمر بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: قيل له ما علامة ما يصلي المريض قاعداً؟ قال: إذا كان لا يستطيع أن يقوم لدنياه فليصل قاعداً. مصنف عبد الرزاق ٢/٤٧٣. وعلى كل حال فإن المريض هو الذي يحدد قدرته على القيام أو القعود أو غير ذلك فإذا أطاق المريض الصلاة قاعداً صلى قاعداً فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً صلى على قدر حاله بقدر ما يطيق على جنبه أو على ظهره ورجلاه مما يلي القبلة ووجهه مستقبل القبلة ويومئ إيماء على قدر طاقته مستلقياً على قفاه وقدماه تجاه القبلة بحيث لو قام استقبل القبلة. انظر أحكام المريض ص ٦٦.\rوكل ما سبق في صلاة الفريضة وأما صلاة النافلة فالأفضل فيها أن يصلها المصلي قائماً ويجوز فيها الجلوس حتى بغير عذر ويدل على ذلك ما ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى قائماً فهو أفضل ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم) رواه البخاري. وعن عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوعه فقالت كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر وكان يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم وإذا قرأ قاعداً ركع وسجد وهو قاعد وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين) رواه مسلم. وعن عمران بن حصين قال سألت النبي ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال من صلى قائماً فهو أفضل ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد) رواه البخاري وقال: نائماً عندي مضطجعاً. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال حُدثت أن رسول الله ﷺ قال صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة قال فأتيته فوجدته يصلي جالساً فوضعت يدي على رأسه فقال مالك يا عبد الله بن عمرو قلت حدثت يا رسول الله أنك قلت صلاة الرجل قاعداً على نصف الصلاة وأنت تصلي قاعداً قال أجل ولكني لست كأحد منكم) رواه مسلم وغير ذلك من النصوص.\rوخلاصة الأمر أن القيام في صلاة الفريضة ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونه لمن كان قادراً عليه ومن عجز عن القيام صلى قاعداً أو على أي هيئة يستطيعها وترك القيام رخصة للعاجز حقيقةً والرخص لا تؤتى إلا عند وجود العذر المجيز لفعلها فقط. وأخيراً فإن بعض المصلين يتساهلون في هذه المسألة فيصلون قعوداً لغير عذر فهؤلاء صلاتهم باطلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345741,"book_id":3840,"shamela_page_id":121,"part":"6","page_num":43,"sequence_num":121,"body":"٤٣ - الصلاة بين السواري في المسجد الأقصى المبارك\rيقول السائل: كما تعلمون فإنه يوجد في المسجد الأقصى المبارك عدد كبير من الأعمدة (السواري) والناس يصلون بينها وقد قال بعض المشايخ بأن الصلاة بين السواري لا تصح فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: وردت بعض الأحاديث التي تدل على كراهية الصف بين السواري فمن ذلك ما رواه الترمذي بإسناده عن عبد الحميد بن محمود قال: (صلينا خلف أمير من الأمراء فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين فلما صلينا قال أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ وفي الباب عن قرة بن إياس المزني. قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن صحيح. وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري. وبه يقول أحمد وإسحق. وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٢/١٩.\rوعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: [كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طرداً] رواه ابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\rوقد أخذ العلماء من هذه الأحاديث كراهية الصف بين السواري لغير حاجة من ضيق ونحوه. وكراهية الصف بين السواري لا تعني بطلان الصلاة وعدم صحتها بل الصلاة صحيحه مع الكراهة.\rوأما إن كان هنالك حاجة للمصلين أن يصفوا بين السواري نظراً لضيق المسجد وكثرة المصلين أو لأن ترك الصف بين السواري سيؤدي إلى عدم اتصال الصفوف كما هو الحال في المسجد الأقصى فلا كراهة في الصف بين السواري قال الإمام مالك: [لا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد] .\rوقال الحافظ ابن حجر: [قال المحب الطبري كره قوم الصف بين السواري للنهي الوارد عن ذلك ومحل الكراهة عند عدم الضيق] فتح الباري ١/٧٤٧.\rوقد نقل عن جماعة من أهل العلم جواز الصلاة بين السواري كما سبق في كلام الترمذي ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن محمد بن سيرين قال: [لا أعلم بالصلاة بين السواري بأساً] .\rوروى بإسناده أن سعيد بن جبير كان يؤمهم بين ساريتين. مصنف ابن أبي شيبة ٢/٣٧٠.\rوكذلك رخص جماعة من الفقهاء في الصلاة بين السواري فقد ورد عن الإمام أحمد أنه لا يكره ذلك ورخص فيه ابن سيرين ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر. انظ غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام ٦/٣٤٣.\rوكلام هذه الطائفة من أهل العلم يمكن حمله على أن عدم الكراهة يكون في حال عدم الحاجة: [ويكره ذلك بلا حاجة فإن كان ثم حاجة كضيق المسجد وكثرة الجماعة لم يكره] المصدر السابق.\rومما يؤكد لنا هذا المعنى أنه قد ورد في رواية حديث عبد الحميد عند ابن حبان: [وهو الحديث الأول المذكور سابقاً] قال: صليت إلى جنب أنس بن مالك بين السواري ... إلخ. صحيح ابن حبان ٥/٥٩٧. فهذا أنس ﵁ قد صلى بين السواري ولو كانت الصلاة بين السواري باطلة لما صلى أنس ﵁. وبناء على ما تقدم فلا ينبغي لأحد أن يتجرأ على إبطال صلاة أي أحد بدون دليل صحيح فليس كل نهي وارد في الشرع يدل على التحريم فإن كثيراً من النواهي الشرعية تدل على الكراهة التنزيهية وكذلك فليس كل نهي وارد في الشرع يدل على البطلان والفساد فمثلا ورد النهي عن التخصر في الصلاة رواه البخاري ومسلم وحمله جمهور العلماء على الكراهة ولم يقولوا بإبطال صلاة المتخصر وهنالك أمثلة كثيرة على أن النهي لا يفيد بطلان المنهي عنه دائماً وأخيراً فلا بد من التنبيه على أنه يجب على كل من يفتي أن يكون على معرفة ودراية بقواعد علم أصول الفقه فإن ذلك من شروط المفتي. ومن لا يعرفها فليس أهلاً للفتوى.\rوخلاصة الأمر أن الصلاة بين السواري في المسجد الأقصى صحيحة لأن بناء المسجد الأقصى قائم على عدد كبير من السواري ولا يمكن للصفوف أن تتم بدون الوقوف بين السواري. ولا ينبغي لأحد أن يتشدد في هذه المسألة وأمثالها مما يؤدي إلى حدوث بلبلة بين المصلين وإلى تشكيك الناس في صحة صلاتهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345742,"book_id":3840,"shamela_page_id":122,"part":"6","page_num":44,"sequence_num":122,"body":"٤٤ - قيام الليل\rيقول السائل: نحن مجموعة من المصلين نقوم بدعوة بعضنا بعضاً لقيام الليل بشكل جماعي ونختار دائماً ليلة الجمعة ليس كتخصيص لهذه الليلة وإنما لأننا نكون في فراغ ليلة الجمعة ويمكن الاستراحة بعد ذلك ونوضح دائماً للحضور بأن الرسول ﷺ قد نهى عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام ونبين السبب في اختيار هذه الليلة فهل في هذا حرج؟\rالجواب: إن الأصل في باب العبادات هو التوقيف والتلقي عن الرسول ﷺ كما قرر ذلك أهل العلم.\rوبناء على الأصل السابق قرر العلماء أنه لا يجوز تخصيص زمان معين بعبادة معينة بدون دليل شرعي فقد صح في الحديث عن النبي ﷺ قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم.\rقال الشيخ أبو شامة المقدسي: [ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان ليس لبعضها على بعض فضل إلا ما فضله الشرع وخصه بنوعٍ من العبادة فإن كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها كصوم يوم عرفة وعاشوراء والصلاة في جوف الليل والعمرة في رمضان ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلاً فيه جميع أعمال البر كعشر ذي الحجة وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر فمثل ذلك يكون أي عمل من أعمال البر حصل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر. فالحاصل أن المكلف ليس له منصب التخصيص بل ذلك إلى الشارع وهذه كانت صفة عبادة رسول الله ﷺ] الباعث على إنكار البدع والحوادث ص٧٧.\rوقال الشيخ علي محفوظ عند ذكره لأمثلة البدعة الإضافية: [٧. تخصيص يوم لم يخصه الشارع بصوم أو ليلة لم يخصها الشارع بقيام فالصوم في ذاته مشروع وقيام الليل كذلك وتخصيصهما بيوم أو بليلة بدعة] الإبداع في مضار الابتداع ص٥٩.\rإذا تقرر هذا فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تخصوا ليلة الجمعة بقيامٍ من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم ٍ يصومه أحدكم) . قال الأمير الصنعاني: [الحديث دليل على تحريم تخصيص ليلة الجمعة بالعبادة بصلاة وتلاوة غير معتادة إلا ما ورد به النص على ذلك كقراءة سورة الكهف فإنه ورد تخصيص ليلة الجمعة بقراءتها وسور أخرى وردت بها أحاديث فيها مقال وقد دل هذا بعمومه على عدم مشروعية صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من رجب ولو ثبت حديثها لكان مخصصاً لها من عموم النهي لكن حديثها تكلم العلماء عليه وحكموا بأنه موضوع] سبل السلام ٢/٦٦٣.\rوروى ابن سعد في الطبقات بسنده عن محمد بن سيرين قال دخل سلمان على أبي الدرداء في يوم جمعة فقيل له: هو نائم فقال: ما له؟ قالوا: إنه إذا كان ليلة جمعة أحياها ويصوم يوم الجمعة قال: فأمرهم فصنعوا طعاماً في يوم جمعة ثم أتاهم فقال: كل فقال: إني صائم فلم يزل به حتى أكل ثم أتيا النبي ﷺ فذكر له ذلك فقال النبي ﷺ وهو يضرب بيده على فخذ أبي الدرداء: (عويمر! سلمان أعلم منك ثلاث مرات لا تخصن ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصن يوم الجمعة بصيام من بين الأيام] قال الشيخ الألباني بعد أن ذكره وهذا إسناد مرسل صحيح: سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٧١٢.\rوبناء على ما سبق فإن ما ورد في السؤال من اختيار ليلة الجمعة لقيام الليل بشكل جماعي بدعة وفيه مخالفة واضحة لنهي النبي ﷺ عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة خاصة وهو قوله ﷺ: (لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي) والأصل في النهي أنه يفيد التحريم وما ذكر من تعليل في السؤال أنهم يستريحون بعد ليلة الجمعة فليس مقبولاً ولا يعد مسوغاً لذلك.\rوخلاصة الأمر أن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة قيام الليل بشكل جماعي والتداعي لذلك بدعة مخالفة لسنة النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345743,"book_id":3840,"shamela_page_id":123,"part":"6","page_num":45,"sequence_num":123,"body":"٤٥ - صفة التشهد\rيقول السائل: ما قولكم فيما قرره بعض أهل العلم أن الصواب في صفة التشهد في الصلاة هو قول (السلام على النبي) وأما قول (السلام عليك أيها النبي) فقد كان حال حياة النبي ﷺ فلذا فإن الإتيان بهذا اللفظ غلط؟ أفيدونا.\rالجواب: ما ذكره السائل قاله بعض العلماء كالشيخ الألباني في صفة صلاة النبي ﷺ حيث ذكر تشهد ابن مسعود ﵁ وعلق عليه بقوله: [قلت: وقول ابن مسعود \" قلنا: السلام على النبي \" يعني أن الصحابة ﵃ كانوا يقولون: \" السلام عليك أيها النبي \" في التشهد والنبي ﷺ حي، فلما مات عدلوا عن ذلك وقالوا: \" السلام على النبي \" ولا بد أن يكون ذلك بتوقيف منه ﷺ ويؤيده أن عائشة ﵂ كذلك كانت تعلمهم التشهد في الصلاة \" السلام على النبي \" رواه السراج في مسنده والمخلص في الفوائد بسندين صحيحين عنها] صفة صلاة النبي ﷺ ص١٤٣. وقال الشيخ مشهور سلمان وهو أحد تلاميذ الشيخ الألباني: [غلط قول \" السلام عليك أيها النبي \" في التشهد] القول المبين في أخطاء المصلين ص١٥٢.\rوأقول ليس غلطاً أن يقول المصلي \" السلام عليك أيها النبي \" في التشهد بل هو صواب لا شك في ذلك ولا ريب وكيف يكون غلطاً وقد قاله عدد من صحابة رسول الله ﷺ كعمر وابنه عبد الله وابن عباس وعائشة وأبي موسى الأشعري وغيرهم وهو ثابت عنهم ﵃ أجمعين وعليه جماهير أهل العلم. وينبغي أن يعلم أنه قد ورد عن النبي ﷺ عدة صيغ في التشهد وقد ذكر الشيخ الألباني خمساً من صيغ التشهد ثابتة عن النبي ﷺ وهي تشهد ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي موسى الأشعري وعمر بن الخطاب ﵃ أجمعين وليس في الصيغ الأربع الأخيرة سوى قول \" السلام عليك أيها النبي \". صفة صلاة النبي ﷺ ص ١٤٢-١٤٥\rوقد قرر المحققون من أهل العلم أن اختلاف صيغ التشهد الواردة عن النبي ﷺ إنما هي من اختلاف التنوع وليست من اختلاف التضاد. فإذا جاء المصلي بأي صيغة منها أجزأه ولا حرج عليه ولا يصح حمل المصلي على صيغة واحدة فقط وهي قول \" السلام على النبي \" قال الإمام الشافعي: [قال لي قائل: قد اختلف في التشهد، فروى ابن مسعود عن النبي ﷺ: \" أنه كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن \" فقال في مبتداه: ثلاث كلمات: (التحيات لله) فبأي التشهد أخذت؟ فقلت: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب يقول على المنبر، وهو يعلم الناس التشهد يقول: قولوا: \" التحيات لله الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله \" قال الشافعي: فكان هذا الذي علمنا من سبقنا بالعلم من فقهائنا صغاراً ثم سمعناه بإسناد وسمعنا ما خالفه فلم نسمع إسناداً في التشهد يخالفه ولا يوافقه أثبت عندنا منه وإن كان غيره ثابتاً. فكان الذي نذهب إليه أن عمر لا يعلم الناس على المنبر بين ظهراني أصحاب رسول الله ﷺ: إلا على ما علمهم النبي ﷺ فلما انتهى إلينا من حديث أصحابنا حديث يثبته عن النبي ﷺ صرنا إليه وكان أولى بنا. قال: وما هو؟ قلت: أخبرنا الثقة وهو يحيى بن حسان عن الليث بن سعد عن أبي الزبير المكي عن سعيد بن جبير وطاوس عن ابن عباس أنه قال كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن فكان يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال الشافعي: فقال: فأنى ترى الرواية اختلفت فيه عن النبي ﷺ؟ فروى ابن مسعود خلاف هذا وروى أبو موسى خلاف هذا وجابر خلاف هذا وكلها قد يخالف بعضها بعضاً في شيء من لفظه ثم علم عمر خلاف هذا كله في بعض لفظه. وكذلك تشهد عائشة وكذلك تشهد ابن عمر ليس فيها شيء إلا في لفظه شيء غير ما في لفظ صاحبه وقد يزيد بعضها الشيء على بعض فقلت له: الأمر في هذا بين. قال: فأبنه لي؟ قلت: كل كلام أريد به تعظيم الله فعلمهم رسول الله فلعله جعل يعلمه الرجل فيحفظه والآخر فيحفظه، وما أخذ حفظاً فأكثر ما يحترس فيه منه إحالة المعنى فلم تكن فيه زيادة ولا نقص ولا اختلاف شيء من كلامه يحيل المعنى فلا تسع إحالته فلعل النبي أجاز لكل امرئ منهم كما حفظ إذا كان لا معنى فيه يحيل شيء عن حكمه ولعل من اختلفت روايته واختلف تشهده إنما توسعوا فيه فقالوا على ما حفظوا وعلى ما حضرهم وأجيز لهم قال: أفتجد شيئاً يدل على إجازة ما وصفت؟ فقلت: نعم قال: وما هو؟ قلت: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال \" سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها وكان النبي ﷺ أقرئنيها فكدت أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه فجئت به إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرئتنيها فقال له رسول الله ﷺ: اقرأ فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله ﷺ: هكذا أنزلت ثم قال لي: اقرأ فقرأت فقال: هكذا أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر قال: فإذا كان الله لرأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزل ليحل لهم قراءته وإن اختلف اللفظ فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه وكل ما لم يكن فيه حكم فاختلاف اللفظ فيه لا يحيل معناه وقد قال بعض التابعين لقيت أناساً من أصحاب رسول الله ﷺ فاجتمعوا في المعنى واختلفوا عليَّ في اللفظ فقلت لبعضهم ذلك فقال لا بئس ما لم يحيل المعنى قال الشافعي: فقال: ما في التشهد إلا تعظيم الله وإني لأرجو أن يكون كل هذا فيه واسعاً وأن لا يكون الاختلاف فيه إلا من حيث ذكرت] الرسالة ص٢٧٧-٢٨٣.\rوقال الحافظ ابن عبد البر: [ولما علم مالك أن التشهد لا يكون إلا توقيفاً عن النبي ﷺ اختار تشهد عمر لأنه كان يعلمه للناس وهو على المنبر من غير نكير عليه من أحد من الصحابة وكانوا متوافرين في زمانه وأنه كان يعلم ذلك من لم يعلمه من التابعين وسائر من حضره من الداخلين في الدين ولم يأت عن أحد حضره من الصحابة أنه قال: ليس كما وصفت. وفي تسليمهم له ذلك مع اختلاف رواياتهم عن النبي ﷺ في ذلك دليل على الإباحة والتوسعة فيما جاء عنه من ذلك ﵇ مع أنه متقارب كله قريب في المعنى بعضه من بعض إنما فيه كلمة زائدة في ذلك المعنى أو ناقصة] الاستذكار ٤/٢٧٤. وقال الحافظ ابن عبد البر أيضاً: [وتشهد ابن مسعود ثابت أيضاً من جهة النقل عند جميع أهل الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ وهو: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلى الله وأن محمداً عبده ورسوله. وبه قال الثوري والكوفيون وأكثر أهل الحديث وكان أحمد بن خالد بالأندلس يختاره ويميل إليه ويتشهد به. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور: أحب التشهد إلينا تشهد ابن مسعود الذي رواه عن النبي ﷺ وهو قول أحمد وإسحاق وداود. وأما الشافعي وأصحابه والليث بن سعد فذهبوا إلى تشهد ابن عباس الذي رواه عن النبي ﷺ. قال الشافعي: هو أحب التشهد إلي. رواه الليث بن سعد عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاووس عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن فكان يقول: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) . وروي عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً وموقوفاً نحو تشهد ابن مسعود. وروي عن علي أكمل من هذه الروايات كلها. وفي الموطأ عن ابن عمر وعائشة ما قد علمت واختيار العلماء من ذلك ما ذكرت لك وكل حسن إن شاء الله. والذي أقول به - وبالله التوفيق - أن الاختلاف في التشهد وفي الأذان والإقامة وعدد التكبير على الجنائز وما يقرأ ويدعى به فيها وعدد التكبير في العيدين ورفع الأيدي في ركوع الصلاة وفي التكبير على الجنائز وفي السلام من الصلاة واحدة أو اثنتين وفي وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة وسدل اليدين وفي القنوت وتركه وما كان مثل هذا كله اختلاف في مباح كالوضوء واحدة واثنتين وثلاثاً ... وكل ما وصفت لك قد نقلته الكافة من الخلف عن السلف ونقله التابعون بإحسان عن السابقين نقلاً لا يدخله غلط ولا نسيان لأنها أشياء ظاهرة معمول بها في بلدان الإسلام زمناً بعد زمن لا يختلف في ذلك علماؤهم وعوامهم من عهد نبيهم ﷺ وهلم جرا فدل على أنه مباح كله إباحة توسعة ورحمة والحمد لله] . الاستذكار ٤/٢٧٧-٢٨٣\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية عند حديثه عما يقع فيه الخلاف مما يتعلق بصفات العبادات ما نصه: [والقسم الثالث ما قد ثبت عن النبي ﷺ فيه أنه سن الأمرين لكن بعض أهل العلم حرم أحد النوعين أو كرهه لكونه لم يبلغه أو تأول الحديث تأويلاً ضعيفاً والصواب في مثل هذا أن كل ما سنه رسول الله ﷺ لأمته فهو مسنون لا ينهى عن شيء منه وإن كان بعضه أفضل من ذلك فمن ذلك أنواع التشهدات فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ تشهد ابن مسعود وثبت عنه في صحيح مسلم تشهد أبي موسى وألفاظه قريبة من ألفاظه وثبت عنه في صحيح مسلم تشهد ابن عباس وفي السنن تشهد ابن عمر وعائشة وجابر وثبت في الموطأ وغيره أن عمر بن الخطاب علم المسلمين تشهداً على منبر النبي ﷺ ولم يكن عمر ليعلمهم تشهداً يقرونه عليه إلا وهو مشروع فلهذا كان الصواب عند الأئمة المحققين أن التشهد بكل من هذه جائز لا كراهة فيه ومن قال إن الإتيان بألفاظ تشهد ابن مسعود واجب كما قاله بعض أصحاب أحمد فقد أخطأ] مجموع الفتاوى ٢٢/٢٨٥-٢٨٦.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وبأي تشهدٍ تَشهدَ مما صح عن النبي ﷺ جاز، نص عليه أحمد فقال: تشهد عبد الله أعجب إلي وإن تشهد بغيره فهو جائز لأن النبي ﷺ لما علمه الصحابة مختلفاً دل على جواز الجميع كالقراءات المختلفة التي اشتمل عليها المصحف قال القاضي وهذا يدل على أنه إذا أسقط لفظة هي ساقطة في بعض التشهدات المروية صح تشهده] المغني ١/٣٨٥.\rوقال الإمام النووي بعد أن ذكر أحاديث التشهد المختلفة: [فهذه الأحاديث الواردة في التشهد وكلها صحيحة وأشدها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود ثم حديث ابن عباس، قال الشافعي والأصحاب: وبأيها تشهد أجزأه، لكن تشهد ابن عباس أفضل وهذا معنى قول المصنف: وأفضل التشهد أن يقول إلى آخره، فقوله أفضل التشهد دليل على جواز غيره، وقد أجمع العلماء على جواز كل واحد منها وممن نقل الإجماع القاضي أبو الطيب] المجموع ٣/٤٥٧.\rوقال الشوكاني فيما نقله عنه صاحب الروضة الندية: [ومما ينبغي أن يعلم أن التشهد وألفاظ الصلاة على النبي ﷺ كلها مجزئة إذا وردت من وجه معتبر وتخصيص بعضها دون بعض كما يفعله بعض الفقهاء قصور باعٍ وتحكمٌ محضٌ وأما اختيار الأصح منها وإيثاره مع القول بإجزاء غيره فهو من اختيار الأفضل من المتفاضلات وهو من صنيع المهرة بعلم الاستدلال والأدلة. انتهى. وقال في موضع آخر: التشهدات الثابتة عنه ﷺ موجودة في كتب الحديث فعلى من رام التمسك بما صح عنه ﷺ أن ينظرها في دواوين الإسلام الموضوعة لجمع ما ورد من السنة ويختار أصحها ويستمر عليها أو يعمل تارة بهذا تارة بهذا مثلاً يتشهد في بعض الصلوات بتشهد ابن مسعود وفي بعضها بتشهد ابن عباس وفي بعضها بتشهد غيرهما فالكل واسع والأرجح هو الأصح لكن كونه الأصح لا ينافي إجزاء الصحيح. انتهى] الروضة الندية ١/٢٧-٢٧٢.\rوقال الشيخ ولي الله الدهلوي: [وجاء في التشهد صيغ أصحها تشهد ابن مسعود ﵁ ثم تشهد ابن عباس وعمر ﵄ وهي كأحرف القرآن كلها شاف كاف] حجة الله البالغة ٢/٢٠.\rوقال العلامة محمد بن عثيمين: [وأما ما ورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ إنهم كانوا يقولون بعد وفاة الرسول ﷺ \" السلام على النبي ورحمة اله وبركاته \" فهذا من اجتهاداته ﵁ التي خالفه فيها من هو أعلم منه عمر بن الخطاب ﵁ فإنه خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ وقال في التشهد \" السلام عليك أيها النبي ورحمة الله \" كما رواه مالك في الموطأ بسند من أصح الأسانيد وقاله عمر بمحضر الصحابة ﵃ وأقروه على ذلك ثم إن الرسول ﵊ علم أمته حتى إنه كان يعلم ابن مسعود وكفه بين كفيه من أجل أن يستحضر هذا اللفظ وكان يعلمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن وهو يعلم أنه سيموت لأن الله قال له (إنك ميت وإنهم ميتون) ولم يقل بعد موتي قولوا \" السلام على النبي \" بل علمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن بلفظها ولذلك لا يعول على اجتهاد ابن مسعود بل يقال \" السلام عليك أيها النبي \"] الشرح الممتع ٣/٢٠٩-٢١٠. وقد أجابت اللجنة ادائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية برئاسة الشيخ ابن باز عن سؤال نصه: [في التشهد هل يقول الإنسان \" السلام عليك أيها النبي \" أم يقول \" السلام على النبي \" لأن عبد الله بن مسعود ﵁ قال كنا نقول قبل وفاة النبي ﷺ \" السلام عليك أيها النبي \" وبعد موته ﷺ كنا نقول \" السلام على النبي \"؟ الجواب: الصحيح أن يقول المصلي في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته لأن هذا هو الثابت في الأحاديث وأما ما روي عن ابن مسعود ﵁ في ذلك إن صح عنه فهو اجتهاد من فاعله لا يعارض به الأحاديث الثابتة ولو كان الحكم يختلف بعده وفاته عنه في حياته لبينه لهم ﷺ] فتاوى اللجنة الدائمة ٧/١٠-١١.\rوخلاصة الأمر إن القول بأن من الغلط أن يقول المصلي في تشهده \" السلام عليك أيها النبي \" قول خاطئ وتحجير لواسع وظهر لنا من أقوال كبار أهل العلم أن الأمر فيه سعة وأن المصلي إذا جاء بأي صيغة من صيغ التشهد الثابتة عن النبي ﷺ فإن ذلك مجزئ إن شاء الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345744,"book_id":3840,"shamela_page_id":124,"part":"6","page_num":46,"sequence_num":124,"body":"٤٦ - الدعاء والقنوت\rيقول السائل: إنه سمع من بعض أهل العلم أن من الواجب على المسلمين أن يكثروا من الدعاء لإخوانهم المسلمين المظلومين المقهورين في ظل الحرب الظالمة التي تشن على المسلمين. فما أثر الدعاء وفائدته؟\r\rالجواب: لا شك أن الدعاء عبادة عظيمة بل ورد في الحديث عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) رواه أصحاب السنن الأربعة وقال الترمذي حديث حسن صحيح وصححه النووي في الأذكار ص٣٣٣. قال الإمام ابن العربي المالكي: [وجه تسمية الدعاء عبادة بين لأن فيه الإقرار بالعجز من العبد والقدرة لله وذلك غاية الذل والخضوع] عارضة الأحوذي ١٢/٩٠.\rوقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله ﷿ تحض على الدعاء وتبين أن الأنبياء والمرسلين قد دعوا الله ﷾ وكذا المؤمنين الصادقين ولا ننسى أن من هدي سيد المرسلين ﷺ الدعاء كما سأذكر فيما بعد.\rأما الآيات القرآنية فمن ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) سورة غافر الآية ٦٠. وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) سورة الأعراف الآيتان ٥٥-٥٦.\rوقال تعالى: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) سورة غافر الآية ٦٥.\rوقال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السجدة الآيتان ١٦-١٧. وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) الكهف الآية ٢٨. وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٦. كما أن القرآن الكريم قد ذكر نماذج من أدعية الأنبياء والمرسلين فمن ذلك قوله تعالى على لسان إبراهيم ﵇: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) سورة إبراهيم الآيات ٣٩-٤١. وعلى لسان إبراهيم وإسماعيل ﵉: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) سورة البقرة الآيتان ١٢٧-١٢٨.\rوقال تعالى على لسان نوح ﵇: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ َفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَاءَايَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) سورة القمر الآيات ٩-١٥. وقال تعالى على لسان نوح ﵇ أيضاً: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) سورة نوح الآية ٢٨. وقال تعالى على لسان زكريا ﵇: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْءَالِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) سورة مريم الآية ٤-٦. وقال تعالى على لسان موسى علي السلام: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) سورة طه الآية ٢٥. وقال تعالى على لسان محمد ﷺ: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) سورة طه الآية ١١٤ وقال أيضاً: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) سورة الإسراء الآية ٨ وقال أيضاً: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) سورة المؤمنون الآيتان ٩٧-٩٨.\rوأما الأحاديث الواردة في الدعاء فكثيرة جداً ولا يتسع المقام لذكرها ولكن أذكر شيئاً منها فيما يتعلق بالدعاء في وقت الكرب وحلول البلاء فمن ذلك أن النبي ﷺ دعا ربه يوم بدر واستغاث به ﷻ فكان دعاء النبي ﷺ من أسباب النصر فأمده الله بالملائكة فقد ورد في الحديث عن عمر ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله ﷿: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) فأمده الله بالملائكة] رواه مسلم. وصح في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: (اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد) فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك. فخرج وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر) رواه البخاري. وثبت في الحديث أن النبي ﷺ دعا يوم حنين فقد روى مسلم بإسناده عن إسحق قال: (جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله ما ولى ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رِجلٌ من جراد – أي سرب أو مجموعة - فانكشفوا فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب\rاللهم نزل نصرك قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي ﷺ . ومن أدعية النبي ﷺ الأخرى عند نزول الكرب والبلاء ما رواه الإمام البخاري في صحيحه بإسناده في باب الدعاء عند الكرب عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند الكرب يقول: (لا إله الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم) .\r\rوفي رواية أخرى عنه أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: (لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم) رواه البخاري ومسلم. وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا كربه أمر قال: \"يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث\" رواه الترمذي. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ (كان إذا أهمه الأمر رفع طرفه إلى السماء فقال: \"سبحان الله العظيم\"، وإذا اجتهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وعن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت) رواه أحمد وأبو داود وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/٩٥٩. وعن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: قال لي ﷺ: (ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب أو في الكرب؟!: الله ُ اللهُ ربي لا أشرك به شيئاً) وفي رواية أنها تقال سبع مرات، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وهو حديث صحيح كما قال الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٧٥٥. وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما أصاب عبداً همٌ ولا حزنٌ فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت بك نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحاً) رواه أحمد وابن حبان بسند صحيح. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له) رواه أحمد والترمذي. وينبغي أن يعلم أن الدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة قال الإمام الغزالي: [فإن قلت فما فائدة الدعاء والقضاء لا مرد له؟ فاعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهام والماء سبب لخروج النبات من الأرض فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان. وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يحمل السلاح وقد قال تعالى: (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) سورة النساء الآية ١٠٢ كما أنه ليس من شرطه أن لا يسقي الأرض بعد بث البذر فيقال إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر وإن لم يسبق لم ينبت بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر أو هو أقرب وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر والذي قدر الخير قدره بسبب والذي قدر الشر قدر لرفعه سبباً فلا تناقض بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته. ثم في الدعاء من الفائدة أنه يستدعي حضور القلب مع الله وهو منتهى العبادات ولذلك قال ﷺ: (الدعاء مخ العبادة) .\r\rوالغالب على الخلق أن لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله ﷿ إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملمة فإن الإنسان إذا مسه الشر فذو دعاء عريض. فالحاجة تحوج إلى الدعاء والدعاء يرد القلب إلى الله ﷿ بالتضرع والاستكانة فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات ولذلك صار البلاء موكلاً بالأنبياء ﵈ ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل لأنه يرد القلب بالافتقار والتضرع إلى الله ﷿ ويمنع من نسيانه وأما الغنى فسبب للبطر في غالب الأمور فإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى] إحياء علوم الدين. ١/ ٣٣٦- ٣٣٧. وختاماً يجب التذكير ببعض القضايا الهامة في ظل الظروف العصيبة التي تعيشها الأمة الإسلامية في هذه الأيام فمن ذلك لا بد من التوكل على الله ﷾ وأن نفوض أمرنا لله ﷿ فالأمور كلها بيده يعز من يشاء ويذل من يشاء.\r\rولا بد للمسلم الصادق أن يطهر إيمانه من الولاء للكافرين وليحذر المسلم من أن يحب ظهور الكافرين على المسلمين أو يتمنى ذلك فإن هذا يطعن في إيمانه. وعلى المسلم الصادق أن يوقن أن الله قد وعد هذه الأمة بالتمكين لدينه ونصر أوليائه قال الله تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) سورة المجادلة الآية ٢١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345745,"book_id":3840,"shamela_page_id":125,"part":"6","page_num":47,"sequence_num":125,"body":"٤٧ - الدعاء والقنوت\rيقول السائل: إنه قد صلى الظهر في أحد المساجد فما كان من الإمام إلا أن قنت في الركعة الرابعة ودعا بدعاءٍ طويل فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: الثابت من هدي النبي ﷺ أنه قنت أحياناً في النوازل التي كانت على عهده ﷺ وهذا ثابت في أحاديث منها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يدعو في القنوت اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم سنين كسني يوسف) رواه البخاري.\rوفي رواية أخرى عند البخاري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف يجهر بذلك وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) سورة آل عمران الآية ١٢٨.\rوفي رواية عند مسلم عن أبي سلمة أن أبا هريرة ﵁ حدثهم أن النبي ﷺ قنت بعد الركعة في صلاة شهراً إذا قال سمع الله لمن حمده يقول في قنوته اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم نج سلمة بن هشام اللهم نج عياش بن أبي ربيعة اللهم نج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف قال أبو هريرة ثم رأيت رسول الله ﷺ ترك الدعاء بعد فقلت أرى رسول الله ﷺ قد ترك الدعاء لهم قال فقيل وما تراهم قد قدموا. وفي رواية أخرى عند مسلم عن أبي سلمة أن أبا هريرة ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ بينما هو يصلي العشاء إذ قال سمع الله لمن حمده ثم قال قبل أن يسجد اللهم نج عياش بن أبي ربيعة ثم ذكر بمثل حديث الأوزاعي إلى قوله كسني يوسف ولم يذكر ما بعده. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان القنوت في المغرب والفجر) رواه البخاري.\rوروى البخاري بسنده عن عاصم قال: (سألت أنس بن مالك عن القنوت فقال: قد كان القنوت قلت: قبل الركوع أو بعده قال: قبله قال: فإن فلاناً أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع فقال: كذب إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً أراه كان بعث قوماً يقال لهم القراء زهاء سبعين رجلاً إلى قوم من المشركين دون أولئك وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد فقنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو عليهم) .\rوعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قنت شهراً يدعو على أحياء من العرب ثم تركه. رواه مسلم\rوفي لفظ للبخاري: قنت شهراً حين قتل القراء فما رأيته حزن حزناً قط أشد منه.\rوعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة، يدعو عليهم، يدعو على حي من بني سليم، على رعل وذكوان وعصية، ويؤمن من خلفه. رواه أحمد وأبو داود وإسناده حسن أو صحيح كما قال النووي في الخلاصة ١/ ٤٦١.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: لأقربن بكم صلاة رسول الله ﷺ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة في صلاة الظهر والعشاء الأخيرة وصلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار. وفي رواية لأحمد: صلاة العصر، مكان: صلاة العشاء الآخرة) رواه البخاري ومسلم.\rوالذي يؤخذ من هذه الأحاديث وغيرها مشروعية القنوت عند النوازل والمصائب والبلايا العامة في الصلوات الخمس ويقنت الإمام جهراً في جميع الصلوات بعد الركوع ويجوز قبله فإذا ارتفعت النازلة ترك القنوت.\rقال العلامة ابن القيم: [والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه ﷺ جهر وأسر وقنت وترك وكان إسراره أكثر من جهره وتركه القنوت أكثر من فعله فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم وللدعاء على آخرين ثم تركه لما قدم من دعا لهم وتخلصوا من الأسر وأسلم من دعا عليهم وجاءوا تائبين فكان قنوته لعارض فلما زال ترك القنوت ولم يختص بالفجر بل كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب ذكره البخاري في صحيحه عن أنس وقد ذكره مسلم عن البراء وذكر الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على حي من بني سليم على رعل وذكوان وعصية ويؤمن من خلفه ورواه أبو داود. وكان هديه ﷺ القنوت في النوازل خاصة وتركه عند عدمها ولم يكن يخصه بالفجر بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من التطويل ولاتصالها بصلاة الليل وقربها من السحر وساعة الإجابة وللتنزل الإلهي ولأنها الصلاة المشهودة التي يشهدها الله وملائكته أو ملائكة الليل والنهار كما روي هذا وهذا في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ قُرْءَ انَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) سورة الإسراء الآية ٧٨] زاد المعاد ١/٢٧٢-٢٧٣.\rوقال أيضاً: [ولا ريب أن رسول الله ﷺ فعل ذلك – أي القنوت - ثم تركه فأحب أبو هريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة وأن رسول الله ﷺ فعله وهذا ردٌّ على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقاً عند النوازل وغيرها ويقولون: هو منسوخ وفعله بدعة فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه عند النوازل وغيرها وهم أسعد بالحديث من الطائفتين فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله ﷺ ويتركونه حيث تركه فيقتدون به في فعله وتركه ويقولون: فعله سنة وتركه سنة ومع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه ولا يكرهون فعله ولا يرونه بدعة ولا فاعله مخالفاً للسنة كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل ولا يرون تركه بدعة ولا تاركه مخالفاً للسنة بل من قنت فقد أحسن ومن تركه فقد أحسن، وركن الاعتدال محل الدعاء والثناء وقد جمعهما النبي ﷺ فيه ودعاء القنوت دعاء وثناء فهو أولى بهذا المحل وإذا جهر به الإمام أحياناً ليعلم المأمومين فلا بأس بذلك فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم المأمومين وجهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنة ومن هذا أيضاً جهر الإمام بالتأمين وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنف فيه من فعله ولا من تركه وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه وكالخلاف في أنواع التشهدات وأنواع الأذان والإقامة وأنواع النسك من الإفراد والقران والتمتع وليس مقصودنا إلا ذكر هديه ﷺ الذي كان يفعله هو فإنه قبلة القصد وإليه التوجه في هذا الكتاب وعليه مدار التفتيش والطلب هذا شيء والجائز الذي لا ينكر فعله وتركه شيء فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز ولما لا يجوز وإنما مقصودنا فيه هدي النبي ﷺ الذي كان يختاره لنفسه فإنه أكمل الهدي\rوأفضله فإذا قلنا: لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر ولا الجهر بالبسملة لم يدل ذلك على كراهية غيره ولا أنه بدعة ولكن هديه ﷺ أكمل الهدي وأفضله والله المستعان] . زاد المعاد ١/٢٧٤-٢٧٥.\rوقال الشوكاني بعد كلام طويل عن القنوت: [إذا تقرر لك هذا علمت أن الحق ما ذهب إليه من قال إن القنوت مختص بالنوازل وأنه ينبغي عند نزول النازلة أن لا تخص به صلاة دون صلاة وقد ورد ما يدل على هذا الاختصاص من حديث أنس عند ابن خزيمة في صحيحه وقد تقدم ومن حديث أبي هريرة عند ابن حبان بلفظ\r(كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد وأصله في البخاري كما سيأتي] نيل الأوطار ٢/٣٨٦-٣٨٧\rوالأولى في لفظ دعاء القنوت أن يدعو بما ورد عن النبي ﷺ فإن دعا بغير ذلك جاز. قال الإمام النووي: [وأما لفظه – أي القنوت - فالاختيار أن يقول فيه: ما روينا في الحديث الصحيح في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي وغيرها بالإسناد الصحيح عن الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: (اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت) قال الترمذي: هذا حديث حسن قال: ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيئاً أحسن من هذا ... ويستحب أن يقول عقيب هذا الدعاء: \" اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم \". فقد جاء في رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد حسن: \" وصلى الله على النبي \". قال أصحابنا: وإن قنت بما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ كان حسناً وهو أنه قنت في الصبح بعد الركوع فقال: [اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق اللهم عذب الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أوليائك اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك ﷺ وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم] . واعلم أن المنقول عن عمر ﵁ [عذب كفرة أهل الكتاب] لأن قتالهم ذلك الزمان كان مع كفرة أهل الكتاب وأما اليوم فالاختيار أن يقول [عذب الكفرة] فإنه أعم. وقوله: نخلع أي نترك وقوله يفجرك أي يلحد في صفاتك وقوله: نحفد بكسر الفاء أي: نسارع وقوله الجد بكسر الجيم: أي الحق وقوله: ملحق بكسر الحاء على المشهور ويقال بفتحها ذكره ابن قتيبة وغيره وقوله: ذات بينهم أي: أمورهم ومواصلاتهم وقوله: والحكمة هي: كل مانع من القبيح وقوله: وأوزعهم: أي ألهمهم وقوله: اجعلنا منهم أي: ممن هذه صفته قال أصحابنا يستحب الجمع بين قنوت عمر ﵁ وما سبق فإن جمع بينهما فالأصح تأخير قنوت عمر وإن اقتصر فليقتصر على الأول وإنما يستحب الجمع بينهما إذا كان منفرداً أو إمام محصورين يرضون بالتطويل واعلم أن القنوت لا يتعين فيه دعاء على المذهب المختار فأي دعاء دعا به حصل القنوت ولو قنت بآية أو آيات من القرآن العزيز وهي مشتملة على الدعاء حصل القنوت ولكن الأفضل ما جاءت به السنة ...] الأذكار ٤٨-٥٠.\rولا ينبغي للإمام أن يطيل القنوت نص على ذلك الإمام النووي في المجموع ٣/٤٩٩.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345746,"book_id":3840,"shamela_page_id":126,"part":"6","page_num":48,"sequence_num":126,"body":"٤٨ - حكم قطع صلاة الجماعة لإغلاق البلفون\rيقول السائل: بينما كان إمام المسجد يصلي بالناس إذ رن الهاتف النقال لأحد المصلين (البلفون) فما كان من الإمام إلا أن قطع الصلاة وطلب من صاحب الهاتف أن يوقف هاتفه ثم أحرم بالصلاة من جديد\r\rفما حكم ذلك؟\r\rالجواب: ما فعله إمام المسجد المذكور خطأ واضح فلا يجوز قطع الصلاة المفروضة لمثل هذا الأمر فقد كان الواجب على إمام المسجد أن يتم الصلاة ومن ثم ينبه المصلين لإغلاق البلفونات وقت الصلاة والأولى أن يكون التنبيه على إغلاق البلفونات قبل الشروع في الصلاة ولو بيَّن لهم أنه في حال نسيان أحد المصلين للبلفون مفتوحاً ورن وهو في الصلاة فبإمكانه أن يوقفه وهو في الصلاة ولا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى ولو تحرك المصلي حركة يسيرة فلا تؤثر على صحة الصلاة.\rوقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز قطع الصلاة المفروضة بدون عذر شرعي واختلفوا في صلاة النافلة هل يجوز قطعها أم لا؟ والراجح أن الأمر في النافلة واسع فيجوز قطعها.\rوقد قرر الفقهاء أن قطع العبادة الواجبة بعد الشروع فيها بلا مسوغ شرعي غير جائز لأن قطعها بلا مسوغ شرعي عبث يتنافى مع حرمة العبادة، وورد النهي عن إفساد العبادة، قال الله تعالى: (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) سورة محمد الآية ٣٣. أما قطعها بمسوغ شرعي فمشروع، فتقطع الصلاة لقتل حية ونحوها للأمر بقتلها حيث ورد في الحديث من قول النبي ﷺ (اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب) رواه أبوداود والترمذي وغيرهما وهو حديث صحيح، وتقطع الصلاة لخوف المصلي ضياع مال له قيمة، له أو لغيره أو لخوفه سرقته، وتقطع الصلاة لإغاثة ملهوف استغاث بالمصلي، وتنبيه غافل أو نائم قصدت إليه حية ونحوها ولا يمكن تنبيهه بتسبيح فيجب قطع الصلاة لإنقاذ حياة انسان. وتقطع الصلاة أيضاً إذا أصيب أحد المصلين بحالة إغماء ونحوها أثناء الصلاة فيجب قطع الصلاة لإسعافه. وتقطع الصلاة أيضاً إذا غلب على ظن المصلي خوف تردي أعمى أو طفل صغير أو غيرهما في بئر ونحوه. كما تقطع الصلاة خوف اندلاع حريق أو مهاجمة حيوان مفترس لأن في ذلك إحياء للنفس أو المال ويمكن تدارك الصلاة بعد قطعها؛ حيث إن أداء حق الله تعالى مبني على المسامحة ويجوز للمرأة قطع الصلاة خوفاً على ولدها إن خشت عليه السقوط من مكان مرتفع أو الوقوع في قدر على النار ونحو ذلك. ويجوز قطع الصلاة ليدفع الإنسان عن نفسه أذى العدو أو الحيوان المفترس. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية٣٤/٥١، الفقه الإسلامي وأدلته ٢/٣٧.\rوخلاصة الأمر أن الصلاة المفروضة لا يجوز قطعها إلا لأمر هام وخطير يترتب عليه دفع شر وأما الصلاة النافلة فالأمر فيها أهون وأسهل من المفروضة وما ذكره السائل من رن البلفون أثناء صلاة الجماعة لا يجيز قطع الصلاة من أجل تنبيه صاحب البلفون ليغلقه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345747,"book_id":3840,"shamela_page_id":127,"part":"6","page_num":49,"sequence_num":127,"body":"٤٩ - الجمع بين الصلوات\rيقول السائل: هل يجوز لمن يصلي في بيته أن يجمع بين الصلاتين بسبب المطر؟\rالجواب: كثر تساهل الناس في أيامنا هذه في الجمع بين الصلوات للمطر ومن أمثلة هذا التساهل:\rالجمع بين الصلاتين مع عدم وجود المطر. والجمع بين الصلاتين مع وجود مطر خفيف أو رذاذ.\rوالجمع بين الصلاتين مع وجود ريح خفيفة. والجمع بين الصلاتين للمنفرد في بيته.\rويجب أن يعلم أن كل من يجمع بين الصلاتين بدون عذر شرعي فجمعه باطل أي أن صلاته الثانية باطلة لأنها وقعت في غير وقتها المقدر لها شرعاً فدخول الوقت شرط من شروط صحة الصلاة والأصل في الصلوات الخمس أن تصلى كل منها في وقتها الشرعي قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) سورة النساء الآية ١٠٣. قال الشوكاني في تفسير الآية: [أي محدوداً معيناً يقال وقته فهو موقوت ووقته فهو مؤقت والمعنى إن الله افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها المحدودة لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا لعذر شرعي من نوم أو سهو أو نحوهما] تفسير فتح القدير ١/ ٥١٠. وكذلك فإن من جمع بين الصلاتين بدون عذر شرعي فقد ارتكب حراماً بل كبيرة من كبائر الذنوب كما نص على ذلك ابن حجر المكي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٢٨٨-٢٨٩. وقد روي في الحديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) رواه الترمذي والحاكم وهو حديث ضعيف ضعفه الحافظ ابن حجر وغيره. وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة حديث رقم ٤٥٨١.\rوقال محمد بن الحسن الشيباني في موطئه: [وبلغنا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب في الآفاق ينهاهم أن يجمعوا بين الصلاتين ويخبرهم أن الجمع بين الصلاتين في وقت واحد كبيرة من الكبائر أخبرنا بذلك الثقات عن العلاء بن الحارث عن مكحول] الموطأ برواية محمد بن الحسن ص٨٢.\rوأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: (الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر) وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قتادة العدوي قال (قرىء علينا كتاب عمر من الكبائر جمع بين الصلاتين) يعني بغير عذر والفرار من الزحف والنميمة. الدر المنثور ٢/ ٥٠٢.\rوقال الإمام البيهقي: [\" باب ذكر الأثر في أن الجمع من غير عذر من الكبائر مع ما دلت عليه أخبار المواقيت ثم روى بسنده عن عمر ﵁ قال: (جمعٌ الصلاتين من غير عذر من الكبائر) قال الشافعي في سنن حرملة العذر يكون بالسفر والمطر وليس هذا بثابت عن عمر هو مرسل. قال الشيخ هو كما قال الشافعي والإسناد المشهور لهذا الأثر ما ذكرنا وهو مرسل. أبو العالية لم يسمع من عمر ﵁ وقد روى ذلك بإسناد آخر قد أشار الشافعي إلى متنه في بعض كتبه ... (أن عمر بن الخطاب ﵁ عنه كتب إلى عامل له ثلاث من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا في عذر والفرار من الزحف والنهبى) أبو قتادة العدوي أدرك عمر ﵁ فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قوياً وقد روي فيه حديث موصول عن النبي ﷺ في إسناده من لا يحتج به ... عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: (جمعٌ بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر) . لفظ حديث نعيم وفي رواية يعقوب (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) تفرد به حسين بن قيس أبو علي الرحبي المعروف بحنش وهو ضعيف عند أهل النقل لا يحتج بخبره] سنن البيهقي ٣/١٦٩.\rوعلق التركماني على كلام البيهقي بقوله: [ذكر فيه الأثر عن أبي العالية عن عمر ثم قال: (مرسل.\rأبو العالية لم يسمع من عمر) قلت: أبو العالية أسلم بعد موت النبي ﷺ بسنتين ودخل على أبي بكر وصلى خلف عمر وقد قدمنا غير مرة أن مسلماً حكى الإجماع على أنه يكفي لاتصال الإسناد ثبوت كون الشخصين في عصر واحد وكذا الكلام في رواية أبي قتادة العدوي عن عمر فإنه أدركه كما ذكره البيهقي بعد فلا يحتاج في اتصاله إلى أن يشهده] الجوهر النقي بهامش المصدر السابق.\rوذكر ابن كثير الأثر عن أبي قتادة العدوى قال: قرئ علينا كتاب عمر من الكبائر جمع بين الصلاتين يعني بغير عذر والفرار من الزحف والنهبة. وهذا إسناد صحيح والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر تقديماً أو تأخيراً وكذا المغرب والعشاء كالجمع بسبب شرعي فمن تعاطاه بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكباً كبيرة فما ظنك بترك الصلاة بالكلية) تفسير ابن كثير ١/ ٤٨٥.\rوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن ترك صلاة واحدةً عمداً بنية أنه يفعلها بعد خروج وقتها قضاءً فهل يكون فعله كبيرة من الكبائر فأجاب الحمد لله نعم تأخير الصلاة عن غير وقتها الذي يجب فعلها فيه عمداً من الكبائر بل قد قال عمر بن الخطاب ﵁ الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر وقد رواه الترمذى مرفوعاً عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر. ورفع هذا إلى النبي ﷺ وإن كان فيه نظر فإن الترمذي قال العمل على هذا عند أهل العلم والأثر معروف وأهل العلم ذكروا ذلك مقرين له لا منكرين له] مجموع الفتاوى ٢٢ /٥٣-٥٤.\rإذا تقرر هذا فإنه لا يجوز الجمع للمنفرد في بيته ولا لمن يصلون جماعة في بيوتهم على الصحيح من أقوال أهل العلم فإن الجمع للمطر يصح فقط في المساجد ونحوها من المصليات وهذا قول المالكية والقول المعتمد عند الشافعية وأحد القولين في مذهب أحمد. قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا من خرج من بيته إلى المسجد يجمع فيه، قَرُبَ المسجد أو كثر أهله أو قلَّوا أو بعدوا ولا يجمع أحد في بيته لأن النبي ﷺ جمع في المسجد والمصلي في بيته مخالف المصلي في المسجد] الأم ١/٩٥. وقال الإمام النووي بعد أن تكلم على أحكام الجمع بين الصلاتين للمطر: [ثم هذه الرخصة لمن يصلي جماعة في مسجد يأتيه من بُعدٍ ويتأذى بالمطر في إتيانه. فأما من يصلي في بيته منفرداً أو في جماعة أو مشى إلى المسجد في كن أو كان المسجد في باب داره أو صلى النساء في بيوتهن جماعة أو حضر جميع الرجال في المسجد وصلوا أفراداً فلا يجوز الجمع على الأصح. وقيل: على الأظهر] روضة الطالبين ١/٥٠١-٥٠٢. وقال الإمام النووي أيضاً: [قال أصحابنا والجمع بعذر المطر وما في معناه من الثلج وغيره يجوز لمن يصلي جماعة في مسجد يقصده من بعد ويتأذى بالمطر في طريقه] المجموع ٤/٣٨١.\rوقل الماوردي: [فأما إذا أراد الجمع بينهما في منزله أو في المسجد وكان بينهما ساباط يرفع عنه أذى المطر ففي جواز ذلك قولان: أحدهما: وهو قوله في الإملاء: يجوز له الجمع في جماعة وفرادى لراوية ابن عباس أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في المطر وقد كان منزله في المسجد.\rوالقول الثاني: نص عليه في كتاب الأم: لا يجوز له الجمع لا في جماعة ولا منفرداً لأن الجمع بينهما يجوز لأجل المشقة وما يلحقه من أذى المطر وإذا عدم هذا المعنى امتنع جواز الجمع وما روي من جمع رسول الله ﷺ فلعله كان وهو في غير منزل عائشة ﵂ لأنه قد كان يطوف على نسائه ولم يكن منزل جميع نسائه في المسجد وإنما كان منزل عائشة ﵂ وحدها فيه] الحاوي ٢/٣٩٨-٣٩٩.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي معللاً القول بمنع المنفرد من الجمع للمطر: [لأن الجمع لأجل المشقة فيختص بمن تلحقه المشقة دون من لا تلحقه كالرخصة في التخلف عن الجمعة والجماعة يختص بمن تلحقه المشقة دون من لا تلحقه] المغني ٢/٢٠٤. وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية السؤال التالي: [ما حكم الجمع في البيت أيام المطر أو أيام البرد إذا كنا جماعة؟ والذي نعرفه أن الجمع في المسجد وليس في البيت. أفيدونا.\rالجواب: المشروع أن يجمع أهل المسجد إذ وجد مسوغ للجمع كالمطر كسباً لثواب الجماعة ورفقاً بالناس وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة. أما جمع جماعة في بيت واحد من أجل العذر المذكور فلا يجوز لعدم وروده في الشرع المطهر وعدم وجود العذر المسبب للجمع] فتاوى اللجنة الدائمة ٨/١٣٤-١٣٥.\rوأجاب مركز الفتوى في الشبكة الإسلامية في قطر عن السؤال التالي: [هل يجوز للمصلي أن يجمع بين صلاتي الظهر والعصر أو المغرب والعشاء بسبب البرد والمطر في بيته أو في عمله؟\rالجواب: فلا يجوز الجمع بين الصلاتين للمنفرد لعذر المطر، لأن الشرع أباح الجمع بين الصلاتين عند المطر رفعاً لمشقة الحضور إلى المسجد في الجو الممطر، ومحافظة على صلاة الجماعة، وهذا السبب المبيح غير متحقق في حق الفرد، لأنه لا جماعة يحافظ عليها، ولا مشقة عليه ما دام سيصلي في بيته، حيث فاتته صلاة الجماعة) عن الإنترنت. وخلاصة الأمر أن الجمع للمطر مشروع في الجماعات في المساجد ولا يجوز لمن صلى في بيته جماعة أو منفرداً أن يجمع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345748,"book_id":3840,"shamela_page_id":128,"part":"6","page_num":50,"sequence_num":128,"body":"٥٠ - الجمع بين الصلوات\rيقول السائل: ما حكم الجمع للمطر بين صلاة الجمعة والعصر؟\rالجواب: لا يصح الجمع بين صلاتي الجمعة والعصر بسبب المطر وهذا مذهب جماهير أهل العلم حيث إن الجمع بين الجمعة والعصر متفرع على مسألة الجمع بين الظهر والعصر للمطر وجماهير أهل العلم منعوا جواز الجمع بين الظهر والعصر للمطر وقصروا جواز الجمع بسبب المطر على المغرب والعشاء ولم يثبت أن النبي ﷺ جمع بين الجمعة والعصر.\rقال الشيخ محمد العثيمين عند كلامه على شروط الجمع: [وفيه شرط آخر: أن لا تكون صلاة الجمعة فإنه لا يصح أن يجمع إليها العصر وذلك لأن الجمعة صلاة منفردة مستقلة في شروطها وهيئتها وأركانها وثوابها أيضاً والسنة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر ولم يرد عن النبي ﷺ أنه جمع العصر إلى الجمعة أبداً فلا يصح أن تقاس الجمعة على الظهر لما سبق من المخالفة بين الصلاتين] الشرح الممتع ٤/٥٧٢-٥٧٣.\rوخلاصة الأمر أنه لا يصح الجمع بين الجمعة والعصر على الراجح من قولي العلماء في المسألة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345749,"book_id":3840,"shamela_page_id":129,"part":"6","page_num":51,"sequence_num":129,"body":"٥١ - الجمع بين الصلوات\rيقول السائل: إنه سافر ونوى أن يصلي الظهر والعصر جمع تأخير ولكنه وصل إلى بلده بعد دخول وقت صلاة العصر بساعة فهل يصح أن يجمع الصلاتين جمع تأخير؟\r\rالجواب: من المعلوم عند أهل العلم أن من أصول الإسلام وقواعده رفع الحرج ودفع المشقات، وقد دلت النصوص من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ على ذلك ويدخل في هذا الأصل الترخص بالجمع في السفر تقديماً وتأخيراً فقد صح في الحديث عن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما) رواه البخاري ومسلم. وجاء في الحديث عن معاذ ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً) رواه مسلم. وغير ذلك من الأحاديث. إذا تقرر هذا فإنه يشترط لصحة جمع التأخير نية الجمع وهذا باتفاق العلماء ويشترط أيضاً دوام السفر إلى دخول وقت الصلاة الثانية على الراجح من أقوال أهل العلم فإذا أقام المسافر بعد دخول وقت الصلاة الثانية - أي انتهى سفره - فيجوز له جمع التأخير، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما إن جمع بينهما في وقت الثانية اعتبر بقاء العذر إلى حين دخول وقتها ... وإن استمر إلى حين دخول وقت الثانية جمع وإن زال العذر لأنهما صارتا واجبتين في ذمته ولا بد له من فعلهما] المغني ٢/٢٠٧. وقال المرداوي: [واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية منهما] الإنصاف ٢/٣٤٦.\r\rوخلاصة الأمر أنه لا أثر لزوال العذر بعد دخول وقت الصلاة الثانية، فيجوز لهذا المسافر أن يجمع وهذا هو المناسب لرخصة الجمع بين الصلاتين للسفر ولكن ينبغي التنبيه إلى أن هذا المسافر لا يجوز له أن يقصر ما دام قد وصل إلى محل إقامته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345750,"book_id":3840,"shamela_page_id":130,"part":"6","page_num":52,"sequence_num":130,"body":"٥٢ - حكم تأدية صلاة الفريضة وترك النافلة\rيقول السائل: ما حكم من يصلي الفريضة ولا يصلي النافلة؟\rالجواب: المطلوب من المسلم أن يحافظ على الصلاة محافظة تامة فيصلي الفرائض والسنن وإن التقصير في النافلة قد يؤدي إلى التقصير في الفريضة. والنوافل بمثابة سياج للفرائض فإذا حصل نقص في الفرائض أكمل من النوافل وخاصة إن كثيراً من المصلين لا يعطون الصلاة المفروضة حقها فلا يتمونها وقد جاء في الحديث عن أبي اليسر كعب بن عمرو السلمي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي النصف والثلث والربع والخمس حتى بلغ العشر) رواه النسائي بإسناد حسن كما قال المنذري وقال الألباني حسن. انظر صحيح الترغيب والترهيب حديث رقم ٥٣٩. وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها) رواه أبو داود والنسائي وابن حبان وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب حديث رقم ٥٣٨. فإذا حصل نقص في صلاة الفريضة فإن النقص يكمل من النوافل فلذا على المسلم أن يحافظ على النوافل وقد ورد في الحديث عن حريث بن قبيصة قال: قدمت المدينة فقلت: اللهم يسر لي جليساً صالحاً قال فجلست إلى أبي هريرة فقلت: إني سألت الله أن يرزقني جليساً صالحاً فحدثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ لعل الله أن ينفعني به؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على ذلك) رواه الترمذي وحسنه ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/١٣٠. وجاء في رواية أخرى عن تميم الداري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن أكملها كتبت له نافلة فإن لم يكن أكملها يقول الله سبحانه لملائكته انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع؟ فأكملوا بها ما ضيع من فريضته ثم تؤخذ لأعمال على حسب ذلك) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١/٢٤١. قال الحافظ ابن عبد البر: [أما إكمال الفريضة من التطوع فإنما يكون ذلك – والله أعلم – فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها أو لم يحسن ركوعها ولم يدر قدر ذلك وأما من تعمد تركها أو نسي ثم ذكرها فلم يأت بها عامداً واشتغل بالتطوع عن أداء فرضه وهو ذاكر له فلا تكمل له فريضته تلك من تطوعه والله أعلم] فتح المالك ٣/٢٩٧. وقال الإمام ابن العربي المالكي شارحاً لحديث أبي هريرة الأول: [يحتمل أن يكون يكمل له ما نقص من فرض الصلاة وأعدادها بفضل التطوع ويحتمل ما نقصه من الخشوع والأول عندي أظهر لقوله: ثم الزكاة كذلك وسائر الأعمال وليس في الزكاة إلا فرض أو فضل فكما يكمل فرض الزكاة بفضلها كذلك الصلاة وفضل الله أوسع ووعده أنفذ وعزمه أعم وأتم] عارضة الأحوذي ٢/١٧٥-١٧٦. وقال الحافظ العراقي: [يحتمل أن يراد به ما انتقصه من السنن والهيئات المشروعة فيها من الخشوع والأذكار والأدعية وأنه يحصل له ثواب ذلك في الفريضة وإن لم يفعله فيها وإنما فعله في التطوع ويحتمل أن يراد به ما انتقص أيضاً من فروضها وشروطها ويحتمل أن يراد ما ترك من الفرائض رأساً فلم يصله فيعوض عنه من التطوع والله ﷾ يقبل من التطوعات الصحيحة عوضاً عن الصلوات المفروضة] تحفة الأحوذي ٢/٣٨٤. وقال العلامة علي القاري في بيان ما جاء في الحديث: [انظروا هل لعبدي من تطوع ...) - أي - في صحيفته وهو أعلم به منهم أي: سنة أو نافلة من صلاة على ما هو ظاهر من السياق قبل الفرض أو بعده أو مطلقاً ولم يعلم العبد نقصان فرضه حتى يقضيه فيكمل: بالتشديد ويخفف على بناء الفاعل أو المفعول وهو الأظهر وبالنصب ويرفع بها: أي بنافلته قال ابن الملك: أي بالتطوع وتأنيث الضمير باعتبار النافلة قال الطيبي: الظاهر نصب فيكمل على أنه من كلام الله ﷾ جواباً للاستفهام ويؤيده رواية أحمد فكملوا بها فريضته وإنما أنث ضمير التطوع في بها نظراً إلى الصلاة ما انتقص من الفريضة أي: مقداره ثم يكون سائر عمله من الصوم والزكاة وغيرهما على ذلك أي: إن ترك شيئاً من المفروض يكمل له بالتطوع. وفي رواية ثم الزكاة مثل ذلك: يعني: الأعمال المالية مثل الأعمال البدنية على السوية ثم تؤخذ الأعمال أي: سائر الأعمال من الجنايات والسيئات على حسب ذلك من الطاعات والحسنات فإن الحسنات يذهبن السيئات وقال ابن الملك أي: على حسب ذلك المثال المذكور فمن كان حق عليه لأحد يؤخذ من عمله الصالح بقدر ذلك ويدفع إلى صاحبه] المرقاة ٣/١٤٢.\r\rوخلاصة الأمر أن على المسلم المحافظة على الصلاة بشكل عام الفرض منها والسنة فإن النوافل والسنن تكمل ما يطرأ على صلاة الفريضة من نقص وكثير منا تكون صلاة الفريضة عنده ناقصة إلا من رحم الله جل وعلا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345751,"book_id":3840,"shamela_page_id":131,"part":"6","page_num":53,"sequence_num":131,"body":"٥٣ - الدعاء والقنوت\rيقول السائل: اختلف المصلون في المسجد الذي نصلي فيه في مسألة القنوت في صلاة الفجر أرجو توضيح ذلك.\rالجواب: ثبت في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ (أن النبي ﷺ قنت في صلاة الفجر شهراً يدعو في قنوته على أحياء من أحياء العرب ثم تركه) رواه البخاري ومسلم. وثبت (أن النبي ﷺ كان يقنت في صلاة المغرب والفجر) رواه مسلم. وجاء في الحديث عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على أحياء من بني سليم على رعل وذكوان وعصية ويؤمن من خلفه) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث حسن، كما في صحيح سنن أبي داود ١/٢٧١. ووردت أحاديث أخرى في قنوت النبي ﷺ في الصلوات المفروضات وهذه الأحاديث تدل على أن النبي ﷺ كان يقنت في النوازل وعند حلول المصائب في الصلوات الخمس وليس في صلاة الفجر فقط. لذا فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أن القنوت ليس خاصاً بصلاة الفجر وإنما يقنت في الصلوات الخمس عند حلول المصائب فقط. وأما القنوت في الفجر دائماً وباستمرار فليس بثابت عن النبي ﷺ على الراجح من أقوال أهل العلم. قال العلامة ابن القيم: [وقنت ﷺ في الفجر بعد الركوع شهراً ثم ترك القنوت ولم يكن من هديه ﷺ القنوت فيها دائماً ومن المحال أن رسول الله ﷺ كان في كل غداة – أي صلاة الفجر - بعد اعتداله من الركوع يقول: (اللهم اهدني فيمن هديت وتولني فيمن توليت ... إلخ) ويرفع بذلك صوته ويؤمن عليه أصحابه دائماً إلى أن فارق الدنيا ثم لا يكون ذلك معلوماً عند الأمة بل يضيعه أكثر أمته وجمهور أصحابه بل كلهم حتى يقول من يقول منهم: إنه محدث كما قال سعد بن طارق الأشجعي قلت لأبي: (يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ هاهنا وبالكوفة منذ خمس سنين فكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال: أي بني محدث) . رواه أهل السنن وأحمد وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وذكر الدارقطني عن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة. وذكر البيهقي عن أبي مجلز قال: صليت مع ابن عمر صلاة الصبح فلم يقنت فقلت له: لا أراك تقنت فقال: لا أحفظه عن أحد من أصحابنا. ومن المعلوم بالضرورة أن رسول الله ﷺ لو كان يقنت كل غداة ويدعو بهذا الدعاء ويؤمن الصحابة لكان نقل الأمة لذلك كلهم كنقلهم لجهره بالقراءة فيها وعددها ووقتها وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت منها جاز عليهم تضييع ذلك ولا فرق] زاد المعاد في هدي خير العباد ١/٢٧١-٢٧٢. وأما ما ورد أن النبي ﷺ داوم على القنوت في الفجر فليس بثابت عند أهل العلم، والحديث الوارد في ذلك وهو عن أنس ﵁ قال: (ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا) فهو حديث ضعيف لا تقوم به الحجة. انظر السلسلة الضعيفة ٣/٣٨٤-٣٨٨. وبناءً على ما تقدم فإن القول الفصل في هذه المسألة هو عدم المداومة على القنوت في الفجر وإنما يقنت عند النوازل والمصائب والبلايا حيث إن النبي ﷺ قنت وترك القنوت وتركه القنوت أكثر من فعله له فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم وللدعاء على آخرين ثم تركه لما قدم من دعا لهم وتخلصوا من الأسر وأسلم من دعا عليهم وجاءوا تائبين فكان قنوته لعارض فلما زال ترك القنوت ولم يخصه بالفجر. فالمطلوب من المسلمين أن يقنتوا حيث قنت رسول الله ﷺ ويتركوا القنوت حيث تركه وهذا هو الاقتداء المطلوب شرعاً ففعله ﷺ سنة وتركه سنة. ومع هذا لا ينبغي الإنكار على من داوم على القنوت ولا الإنكار على من تركه بل من قنت فقد أحسن وخاصة مع كثرة المصائب والكوارث التي حلت وتحل بالمسلمين في هذه الأيام ومن تركه فقد أحسن ولا يترتب على فعل القنوت أو تركه بطلان الصلاة عند القائل بمشروعية القنوت أو عدم مشروعيته من الفقهاء. انظر زاد المعاد ١/٢٧٤-٢٧٥.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345752,"book_id":3840,"shamela_page_id":132,"part":"6","page_num":54,"sequence_num":132,"body":"٥٤ - قيام الليل\rيقول السائل: هل من الواجب على الإنسان أن يكون قد نام بعد صلاة العشاء حتى تصح صلاة قيام الليل؟\rالجواب: صلاة قيام الليل من السنن الثابتة عن النبي ﷺ وقد ورد في فضلها نصوص كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ فمن ذلك: قوله تعالى: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) سورة الذاريات الآية ١٧. وقال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) سورة السجدة الآية ١٦. وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل] رواه مسلم. وصح في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين جميعاً كتبا من الذاكرين والذاكرات) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي في رياض الصالحين ص٤٦٨. وغير ذلك من النصوص. وقد اتفق أهل العلم على أن صلاة الليل لا تكون إلا بعد صلاة العشاء ولا يشترط لصحة قيام الليل أن ينام الإنسان قبلها فلو بقي مستيقظاً إلى نصف الليل ثم صلى ما كتب له ثم نام فصلاته صحيحة باتفاق العلماء. ومن العلماء من قال إذا نام الإنسان من أول الليل ثم استيقظ فصلى ما كتب له فهذا هو التهجد. قال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) سورة الإسراء الآية ٧٩. قال القرطبي: [والتهجد التيقظ بعد رقدة فصار اسماً للصلاة لأنه ينتبه لها. فالتهجد القيام من الصلاة إلى النوم قال معناه الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم. وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبي ﷺ أنه قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كله أنه قد تهجد! إنما التهجد الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة. كذلك كانت صلاة رسول الله ﷺ] تفسير القرطبي ١٠/٣٠٨. وأفضل وقت لقيام الليل هو صف الليل الآخر أو ثلث الليل الآخر فهذا أفضل من أوله وقد ورد في الحديث (أن النبي ﷺ سئل أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر فصل ما شئت) رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وخلاصة الأمر أنه لا يشترط لصحة صلاة قيام الليل أن ينام قبلها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345753,"book_id":3840,"shamela_page_id":133,"part":"6","page_num":55,"sequence_num":133,"body":"٥٥ - الأذان\rالأذان الموحد:\r\rيقول السائل: ما قولكم في توحيد الأذان في المدينة الواحدة، أي ربط جميع مساجد المدينة الواحدة بشبكة للأذان الموحد، ويؤذن مؤذن واحد ويبث الأذان من جميع المساجد؟ الجواب: إن الأذان شعيرة من شعائر الإسلام، وينبغي المحافظة على شعائر الإسلام، وعدم إدخال أي تغيير أو تبديل فيها، لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى الابتداع في الدين. ومسألة توحيد الأذان، وجعل جميع مساجد المدينة الواحدة، مربوطة بشبكة موحدة للأذان، ويؤذن مؤذن واحد فيها، ويبث أذانه في جميع المساجد مسألة حديثة بحاجة إلى بحث ونظر، وأقول فيها: أولاً: إن تعدد المؤذنين نظراً لتعدد المساجد أمر معروف ومشروع، وجرى عليه العمل عند المسلمين منذ عهد بعيد جداً، حتى ولو كانت المساجد متقاربة، إن الرسول ﷺ قد أمر بالأذان كل جماعة عند حضور الصلاة، فقد روى الإمام البخاري بسنده عن مالك بن الحويرث قال: (أتيت الرسول ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيماً رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهلينا، قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم) ، والأذان الموحد فيه مخالفة لنص هذا الحديث، حيث إن مسجداً واحداً فقط يؤذن فيه، وبقية المساجد لا يؤذن فيها. ثانياً: إن الأذان الموحد فيه تفويت الأجر والثواب على المؤذنين، وقصر الأجر على مؤذن واحد، ومن المعلوم أن ثواب الأذان عظيم، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبواً) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي في شرح الحديث: \" النداء هو الأذان، والإستهام الإقتراع، ومعناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان وقدرها وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقاً يحصلونه به لضيق الوقت عن أذان بعد أذان، أو لكونه لا يؤذن إلا واحد، لاقترعوا في تحصيله ولو يعلمون ما في الصف الأول من فضيلة نحو ما سبق، وجاءوا دفعة واحدة وضاق عنهم ثم لم يسمح بعضهم لبعض لاقترعوا عليه.... \" شرح النووي على صحيح مسلم ٤/١١٨. وورد في الحديث أيضاً عن البراء بن عازب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إن الملائكة يصلون على الصف المقدم، والمؤذن يغفر له مدى صوته، وصدقه من سمعه من رطب ويابس، وله أجر من صلى معه) رواه أحمد والنّسائي بإسناد حسن جيد كما قال الحافظ المنذري وقال الشيخ الألباني: صحيح. وفي رواية أخرى عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (المؤذن يغفر له مد صوته وأجره أجر من صلى معه) رواه الطبراني وقال الشيخ الألباني صحيح. وعن ابن عمر ﵁، أن الرسول ﷺ قال: (من أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة وبكل إقامة ثلاثون حسنة) رواه ابن ماجة والدارقطني والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه المنذري، وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر صحيح الترغيب والترهيب ٩٧ - ١٠٣. ثالثاً: جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ما يلي: \" إن الإكتفاء بإذاعة الأذان في المساجد عند دخول وقت الصلاة بواسطة آلة التسجيل ونحوها، لا يجزئ ولا يجوز في أداء العبادة، ولا يحصل به الأذان المشروع، وإنه يجب على المسلمين مباشرة الأذان لكل وقت من أوقات الصلاة في كل مسجد على ما توارثه المسلمون من عهد نبينا ورسولنا محمد ﷺ إلى الآن والله الموفق\" انظر القول المبين ص١٧٦. رابعاً: \" أفتت هيئة كبار العلماء في السعودية، بأن إذاعة الأذان عند دخول وقت الصلاة في المساجد بواسطة آلة التسجيل ونحوها، لا تجزئ في هذه العبادة \" القول المبين ص١٧٦. خامساً: \" أفتت الهيئة الدائمة للإفتاء في السعودية بمثل الفتوى السابقة، بعدم جواز إذاعة الأذان من المساجد، ولا بد من الأذان في كل مسجد وإن تعددت المساجد \" القول المبين ص١٧٧. سادساً: ويضاف لما سبق احتمال انقطاع التيار الكهربائي أو حصول عطل في أجهزة البث، أو تغيب المؤذن ونحو ذلك، مما يؤدي إلى تعطل الأذان. سابعاً: إن ادعاء بعض الناس بحصول التشويش بسبب كثرة المساجد والمؤذنين غير صحيح، لأن هذا أمر شرعي ولا بد من الإلتزام به. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345754,"book_id":3840,"shamela_page_id":134,"part":"6","page_num":56,"sequence_num":134,"body":"٥٦ - من البدع في الصلاة\rيقول السائل: نسمع بعض الأئمة بعد إقامة الصلاة وقبل تكبيرة الإحرام يأمرون المصلين بقولهم: \" استحضروا النية \"، فما حكم ذلك؟\rالجواب: إن الأصل في العبادات التلقي عن رسول الله ﷺ، وقول بعض الأئمة للمصلين استحضروا النية لا أصل له في الشرع، وهو أمر مبتدع لم يرد ذلك عن النبي ﷺ، ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يؤم المصلين في الصلوات الخمس يومياً، ولم ينقل عنه ذلك ولا علمه لأحد من الصحابة ﵃. ولو كان هذا الأمر مشروعاً لبينه النبي ﷺ، ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يأمر بتسوية الصفوف قبل أن يكبر بالصلاة، فقد ثبت في الحديث الشريف عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: (تراصوا واعتدلوا) متفق عليه. وفي حديث آخر عن أنس بن مالك ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ: (سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة) رواه البخاري. وينبغي على الأئمة أن يلتزموا بهدي المصطفى ﷺ، فهو قدوتنا وأسوتنا وقد أمرنا بالإتباع ونهينا عن الإبتداع. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345755,"book_id":3840,"shamela_page_id":135,"part":"6","page_num":57,"sequence_num":135,"body":"٥٧ - صلاة الجماعة\rموقف المأموم الواحد بمحاذاة الإمام،\r\rيقول السائل: إذا صلى إثنان جماعة، فإن المأموم يقف بجانب الإمام كما هو معلوم، ولكن هل يكون المأموم محاذياً للإمام تماماً غير متأخر عنه، أم أنه يتأخر عنه قليلاً؟ الجواب: الأصل أن المأموم يقف إلى يمين الإمام لما ثبت في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (بت عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ يصلي، فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه) رواه البخاري ومسلم. وجمهور الفقهاء يرون أن المأموم لا يساوي الإمام في الوقوف ولكنه يتأخر عنه قليلاً. وقال الحنابلة يقف المأموم محاذياً للإمام تماماً غير متأخر عنه، قال الشيخ مرعي الكرمي: \" ويقف الرجل الواحد عن يمينه محاذياً له \" منار السبيل شرح الدليل ١/١٢٨. وهو قول الحنفية المعتمد، قال صاحب الفتاوى الهندية: \" ولا يتأخر المأموم عن الإمام في ظاهر الرواية \" الفتاوى الهندية ١/٨٨. وقال صاحب الهداية: \" ومن صلى مع واحد أقامه عن يمينه لحديث ابن عباس فإنه ﵊ صلى به وأقامه عن يمينه ولا يتأخر عن الإمام \" الهداية ١/٣٠٧ - ٣٠٨، وانظر حاشية ابن عابدين ١/٥٦٦ - ٥٦٧. وهذا قول الإمام البخاري حيث قال في صحيحه \" باب يقوم الرجل عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين \" ثم ساق حديث ابن عباس المتقدم. قال الحافظ ابن حجر: \" قوله: باب يقوم - أي المأموم -.... بحذائه، أي بجنبه وقوله سواء أي لا يتقدم ولا يتأخر \" فتح الباري ٢/٣٣٢. وروى الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: (أتيت رسول الله ﷺ من آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجعلني حذائه فلما أقبل رسول الله ﷺ خنست، فصلى رسول الله ﷺ فلما انصرف قال لي: ما شأنك أجعلك حذائي فتخنس؟ فقلت يا رسول الله: أوَ ينبغي لأحد أن يصلي حذائك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله، قال: فأعجبته فدعا الله أن يزيدني علماً وفهماً .... إلخ) والحديث صحيح أصله في الصحيحين، الفتح الرباني ٥/٢٩١، ومعنى قوله (فخنس) أي تأخر قليلاً عن محاذاته، والمحاذاة الموازنة، وهذا يدل على أن المأموم يقف مساوياً للإمام. وروى عبد الرزاق ابن جريج قال: \" قلت لعطاء: أرأيت الرجل يصلي مع الرجل فأين يكون معه؟ قال: إلى شقه الأيمن، قلت: أيحاذي به حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم، قلت: أتحب أن يساويه حتى لا تكون بينهما فرجة؟ قال: نعم \" مصنف عبد الرزاق ٢/٤٠٦. واختار هذا القول الشيخ الألباني حيث قال: \".... فهو مع الأحاديث المذكورة حجة قوية على المساواة المذكورة فالقول باستحباب أن يقف المأموم دون الإمام قليلاً، كما جاء في بعض المذاهب على تفصيل في ذلك لبعضها، مع أنه ما لا دليل عليه في السنة، فهو مخالف لظواهر هذه الأحاديث وأثر عمر هذا، وقول عطاء وهو الإمام التابعي الجليل ابن أبي رباح، وما كان من الأقوال كذلك، فالأحرى بالمؤمن أن يدعها لأصحابها معتقداً أنهم مأجورون عليها لأنهم اجتهدوا قاصدين الحق، وعليه هو أن يتبع ما ثبت في السنة فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ \" السلسلة الصحيحة ١/٢/٦٢. وأثر عمر الذي يشير إليه الشيخ الألباني هو ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: \" دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة فوجدته يسبح - يصلي النافلة - فقمت وراءه، فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه \" وإسناده صحيح كما قال الشيخ الألباني في المصدر السابق. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345756,"book_id":3840,"shamela_page_id":136,"part":"6","page_num":58,"sequence_num":136,"body":"٥٨ - صلاة الجماعة\rلا تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام,\r\rيقول السائل: إذا صلى الإمام بالمصلين، ثم ظهر أن الإمام لم يكن متوضأً، فهل يعيد المأمومون الصلاة\r\rأم لا؟ الجواب: هذه المسألة مبنية على أصل مختلف فيه عند الفقهاء، وهو علاقة صلاة المأمومين بالإمام، وهل صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام صحة وفساداً؟ وقد اختلف الفقهاء في هذا الأصل على ثلاثة أقوال: الأول: لا ارتباط بين صلاة الإمام والمأموم، وإن كل امرئٍ يصلي لنفسه، وفائدة الإئتمام في تكثير الثواب بالجماعة، والمأموم يتابع الإمام في الأفعال الظاهرة، أي الإقتداء بالإمام في الركوع والسجود والتكبير والتسليم ونحوها. الثاني: إن صلاة المأموم تابعة لصلاة الإمام ومرتبطة بها، فكل خلل حصل في صلاة الإمام يسري إلى صلاة المأموم، وإذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم. الثالث: إن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام ومنعقدة بها، لكن إنما يسري النقص إلى صلاة المأموم إذا لم يكن هنالك عذر، فأما إذا وجد عذر فلا يسري النقص كما فصل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، مجموع الفتاوى ٢٣/٣٧٠ - ٣٧١. وبناءً على الأصل الذي ذكرت، نرجع إلى السؤال فنقول: إذا صلى الإمام بالمأمومين، ثم ظهر أنه لم يكن متوضأً، فصلاة المأمومين صحيحة، ويطالب الإمام بإعادة الصلاة إن تذكر في الوقت، أو القضاء إن كان التذكر بعد الوقت وهذا على الراجح من أقوال أهل العلم، ويدل على ذلك ما يلي: - روى الإمام البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁، أن الرسول ﷺ قال: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) صحيح البخاري مع فتح الباري ٢/٣٢٩. قال الإمام البغوي: \" فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم وكان جنباً أو محدثاً، فإن صلاة القوم صحيحة، وعلى الإمام الإعادة، سواء كان عالماً بحدثه متعمداً الإمامة، أو كان جاهلاً \" شرح السنة ٣/٤٠٥. وقال ابن المنذر: \" هذا الحديث يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت، فسدت صلاة من خلفه \" فتح الباري ٢/٣٢٩. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقاً على الحديث السابق: \" فهذا نص بأن الإمام إذا أخطأ كان درك خطئِهِ عليه لا على المأمومين، فمن صلى معتقداً لطهارته وكان محدثاً أو جنباً أو كانت عليه نجاسة، وقلنا عليه الإعادة للنجاسة كما يعيد من الحدث، فهذا الإما مخطئ في هذا الإعتقاد فيكون خطؤه عليه فيعيد صلاته، وأما المأمومون فلهم هذه الصلاة وليس عليهم من خطئه شيء كما صرح به رسول الله ﷺ وهذا نص في إجزاء صلاتهم، وكذلك لو ترك الإمام بعض فرائض الصلاة بتأويل أخطأ فيه مثلاً.... أو يحتجم ويصلي، أو يترك قراءة البسملة، أو يصلي وعليه نجاسة لا يعفى عنها عند المأموم ونحو ذلك، فهذا الإمام أسوأ أحواله أن يكون مخطئاً إن لم يكن مصيباً، فتكون هذه الصلاة للمأموم وليس عليه من خطأ إمامه شيء \" مجموع الفتاوى ٢٣/٣٧٢. - عن عقبة بن عامر ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من أمَّ الناس فأصاب الوقت وأتم الصلاة فله ولهم ومن نقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم) رواه أبو داود وابن ماجة وابن خزيمة وأحمد وابن حبان وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وقال الشيخ الألباني حسن صحيح. - روى ابن ماجة بسنده عن أبي حازم قال: كان سهل بن سعد الساعدي ﵁ يقدم فتيان قومه يصلون بهم، فقيل له تفعل ذلك ولك من القدم ما لك؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الإمام ضامن فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء يعني فعليه ولهم) قال الشيخ الألباني: حديث صحيح، السلسلة الصحيحة ٤/٣٦٦. - روى البيهقي أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى بالناس الصبح ثم ظهر أنه كان جنباً فأعاد صلاة الصبح ولم يأمر أحداً بإعادة الصلاة، سنن البيهقي ٢/٣٩٩. وهذا القول منقول عن جماعة من الصحابة والتابعين وكثير من الفقهاء، حتى أن أبا يوسف صاحب أبي حنيفة عمل بهذا القول وهو على خلاف مذهبه، فقد ذُكر أن الخليفة استخلفه في صلاة الجمعة فصلى بالناس ثم ذكر أنه كان محدثاً، فأعاد ولم يأمر الناس بالإعادة فقيل له في ذلك فقال: \" ربما ضاق علينا الشيء فأخذنا بقول إخواننا المدنيين \" مجموع الفتاوى ٢٠/٣٦٤. وأما ما روي (أنه ﷺ صلى بالناس وهو جنب، وأعاد وأعادوا) ، فهو حديث ضعيف جداً حيث أنه من رواية أبي جابر البياضي عن سعيد بن المسيب وأبو جابر البياضي، اتفق أهل الحديث على تضعيفه، وقالوا: هو متروك وهذه اللفظة أبلغ ألفاظ الجرح، وقال يحيى بن معين: هو كذاب، هكذا ذكره الإمام النووي في المجموع، المجموع شرح المهذب ٤/٢٦١. وروى البيهقي بإسناده عن عبد الله بن المبارك قال: \" ليس في الحديث قوة لمن يقول إذا صلى الإمام بغير وضوء أن أصحابه يعيدون، والحديث الآخر أثبت أن لا يعيد القوم هذا لمن أراد الإنصاف بالحديث \" سنن البيهقي ٢/٤٠١.\r\rوخلاصة الأمر، أن صلاة المأمومين صحيحة إن كان الإمام على غير وضوء أو ترك الإمام واجباً من واجبات الصلاة، والمأموم لا يعلم بذلك. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345757,"book_id":3840,"shamela_page_id":137,"part":"6","page_num":59,"sequence_num":137,"body":"٥٩ - صلاة الجماعة\rتكرار صلاة الجماعة في المسجد,\r\rيقول السائل: هل يجوز لجماعة حضروا إلى المسجد بعد انتهاء صلاة الجماعة مع الإمام الراتب أن يصلوا جماعة فقد وقع خلاف في المسألة في مسجدنا وقرأنا في كتب الفقه أن كثيراً من الفقهاء منعوا إقامة الجماعة الثانية في المسجد بعد انتهاء الجماعة الأولى، فما قولكم في هذه المسألة؟ الجواب: لقد حث الرسول ﷺ على صلاة الجماعة في المساجد، وورد في فضلها أحاديث كثيرة منها، ما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر أن الرسول ﷺ قال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى للبخاري، عن أبي سعيد الخدري (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) . وصلاة الجماعة من شعائر الإسلام التي ينبغي المحافظة عليها، والمقصود بصلاة الجماعة أي صلاة الجماعة في المساجد مع الأئمة الراتبين، وليس صلاة الجماعة في البيوت وأماكن العمل، مع ترك جماعة المساجد. فقد ثبت عن عبد الله بن مسعودرضي الله عنه أنه قال: \" من سرَّه أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكمصلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف\" رواه مسلم. ولقد اختلف أهل العلم في حكم من جاءوا المسجد وقد صُلّيَ فيه هل يصلون فرادى أم يصلون جماعة؟ فالمسألة خلافية، فكثير من العلماء قالوا يكره لمن حضر إلى المسجد وقد صُلّيَ فيه أن يصلي في جماعة أخرى، وهذا قول الشافعي وقد نص عليه في الأم ١/١٨١، ونقل ذلك عن الإمامين مالك وأبي حنيفة وجماعة من الفقهاء، ولهم أدلتهم في هذه المسألة. وقالت طائفة أخرى من أهل العلم يجوز لمن حضروا المسجد وقد صُلّيَ فيه أن يصلوا جماعة أخرى ولا كراهة في ذلك، وبهذا قال الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ونقل هذا القول عن جماعة من الصحابة والتابعين. وهذا القول هو أرجح القولين في المسألة وأقول به خاصة إذا كان أهل الجماعة الثانية لم يقصدوا ترك الصلاة مع الجماعة الأولى في المسجد لتفريق جماعة المصلين، على هذا دلت الأدلة الكثيرة وأبينها فيما يلي: أولاً: عموم الأدلة التي تحض على صلاة الجماعة وأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد بسبعٍ وعشرين درجة، أو بخمس وعشرين درجة كما سبق. ثانياً: قال الإمام الترمذي في جامعه: \" باب ما جاء في مسجد قد صُلّيَ فيه مرة \" ثم روى بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: (جاء رجل، وقد صلى الرسول ﷺ فقال: أيكم يتجر على هذا؟ فقام رجل فصلى معه ....) ، ثم قال الترمذي: \" وحديث أبي سعيد حديث حسن وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من التابعين، قالوا لا بأس أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صُلّيَ فيه وبه يقول أحمد وإسحاق\" جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي ٢/٦ - ٨. وهذا الحديث ورد بروايات أخرى وقد صححه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٢/٣١٦. وقد رواه أبو داود أيضاً حيث قال: \" باب في الجمع في المسجد مرتين \" ثم ذكر بسنده عن أبي سعيد أن الرسول ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده فقال: (ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟) ورواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. قال الإمام البغوي بعد أن ذكر الحديث: \" ففيه دليل على أنه يجوز لمن صلى في جماعة أن يصليها ثانياً مع جماعة آخرين، وأنه يجوز إقامة الجماعة في المسجد مرتين، وهو قول غير واحد من الصحابة والتابعين \" شرح السنة ٣/٤٣٧. ثالثاً: روى الإمام البخاري في صحيحه تعليقاً \" جاء أنس إلى مسجد قد صُلّيَ فيه، فأذّن وأقام وصلى جماعة \"، قال الحافظ ابن حجر: \" قوله (جاء أنس) ، وصله أبو يعلى في مسنده من طريق الجعد أبي عثمان قال: مرَّ بنا أنس بن مالك في مسجد.... فذكره.... وفيه \" فأمر رجلاً فأذّن وأقام ثم صلى بأصحابه.... \" وأخرجه ابن أبي شيبة من طرق عن الجعد، وعند البيهقي من طريق أبي عبد الصمد العمَّي عن الجعد نحوه.... وقال: \" فجاء أنس في نحو عشرين من فتيانه \" فتح الباري ٢/٢٧١. وما أشار إليه الحافظ هو عند ابن أبي شيبة في المصنف ٢/٣٢١، حيث قال: \" في القوم يجيئون إلى المسجد وقد صُلّيَ فيه، من قال لا بأس أن يجمعوا \" ثم ذكر الأثر عن أنس بن مالك، وذكر آثاراً أخرى عن إبراهيم النخعي وعن الحسن البصري وعدي بن ثابت وعطاء، وروى أيضاً أن عبد الله بن مسعود دخل المسجد وقد صلوا، فجمع بعلقمة ومسروق والأسود \" المصنف ٢/٣٢٢. والأثر الذي ذكره عن ابن مسعود إسناده صحيح، انظر الفتح الرباني ٥/٣٤٤. رابعاً: قال ابن حزم: \" ومن أتى مسجداً قد صُليتْ فيه صلاة فرض جماعة بإمام راتب، وهو لم يكن صلاها فليصلها في جماعة ويجزئه الأذان الذي أذن فيه قبل وكذلك الإقامة لكل من صلى تلك الصلاة في المسجد، ممن شهدهما أو ممن جاء بعدهما \"، ثم ذكر ابن حزم الروايات السابقة عن أنس، ثم روى عن ابن جريج قال: \" قلت لعطاء: نفر دخلوا مسجد مكة خلاف الصلاة ليلاً أو نهاراً أيؤمهم أحدهم؟ قال: نعم وما بأس ذلك؟ \"، ثم روى عن حماد بن سلمة عن عثمان البتّي قال: دخلت مع الحسن البصري وثابت البناني مسجداً قد صلى فيه أهله، فأذّن ثابت وأقام، وتقدم الحسن فصلى بنا فقلت: يا أبا سعيد أما يكره هذا؟ قال: وما بأسه، ثم قال ابن حزم: \" هذا مما لا يعرف فيه لأنس مخالف من الصحابة ﵃ ثم ذكر حديث أبي سعيد المتقدم\" المحلى ٣/١٥٥ - ١٥٦. ونقل الشيخ ابن قدامة جواز إقامة الجماعة الثانية عن ابن مسعود وعطاء والحسن والنخعي وقتادة وإسحاق، المغني ٢/١٣٣. خامساً: الذي يظهر لي أن العلماء الذين كرهوا إقامة صلاة جماعة أخرى في المسجد الذي صُلّيَ فيه، أنهم إنما قالوا بذلك سداً للذريعة، خشية تفريق كلمة المصلين في المسجد الواحد، وحتى لا يتخذ أهل الأهواء من ذلك ذريعة إلى التأخر عن الجماعة، ليصلوا جماعة أخرى خلف إمام يوافق أهواءَهم، فسداً لباب الفرقة وقضاءً على مقاصد أهل الأهواء السيئة، نقتصر على صلاة جماعة واحدة في المسجد، وإلى هذا المعنى الذي ذكرته أشار البيهقي فقال: \"باب الجماعة في مسجد قد صلي فيه، إذا لم يكن فيها تفرق الكلمة \"، ثم ذكر حديث أبي سعيد المتقدم وأثر أنس أيضاً، وذكر رواية عن الحسن البصري أنه كره إقامة جماعة أخرى بعد الجماعة الراتبة، ثم قال البيهقي: \" كراهية الحسن البصري محمولة على موضع تكون الجماعة فيه بعد أن صُلّيَ، تفرق الكلمة والله أعلم \" سنن البيهقي ٣/٦٩ - ٧٠. ويشير إلى هذا المعنى أيضاً ما ذكره أبو اسحاق الشيرازي في المهذب حيث قال: \" وإن حضروا وقد فرغ الأمام من الصلاة فإن كان المسجد له إمام راتب كُرِه أن يستأنف فيه جماعة لأنه ربما اعتقد أنه قصد الكياد والإفساد، وإن كان المسجد في سوق أو في ممر الناس لم يكره أن يستأنف الجماعة لأنه لا يحتمل الأمر فيه على الكياد \" المهذب مع المجموع ٤/٢٢١. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345758,"book_id":3840,"shamela_page_id":138,"part":"6","page_num":60,"sequence_num":138,"body":"٦٠ - سنن الصلاة\rسنة الظهر القبلية،\r\rيقول السائل: هل أصلي سنة الظهر القبلية ركعتين أم أربعاً؟ الجواب: لقد ثبت عن الرسول ﷺ في سنة الظهر القبلية أحاديث كثيرة: منها ما فيه أنه ﵊ كان يصلي ركعتين، ومنها ما فيه أنه ﵊ كان يصلي أربعاً، ومن هذه الأحاديث: عن ابن عمر ﵄ قال: (حفظت من النبيصلى الله عليه وسلم عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل صلاة الصبح وكانت ساعة لا يُدخل على النبيصلى الله عليه وسلم فيها) رواه البخاري ومسلم. وعن عائشة ﵂: (أن النبيصلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعاً قبل الظهر وركعتين قبل الغداة - أي الفجر -) رواه البخاري. وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوعه فقالت: (كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر) رواه مسلم. وعن أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ: (من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة بُني له بيت في الجنة، أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الغداة) رواه الترمذي والنسائي. وعن عائشة ﵂ (أن النبيصلى الله عليه وسلم كان إذا لم يصل أربعاً قبل الظهر صلاهن بعدها) رواه الترمذي وهو حديث حسن. وعن أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ: (من صلى قبل الظهر أربعاً حرَّمه الله على النار) رواه الترمذي. وفي رواية أخرى قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرَّمه الله على النار) رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الشيخ الألباني: صحيح. وغير ذلك من الأحاديث. وهذه الأحاديث تدل على مشروعية صلاة ركعتين أو أربع ركعات، سنة الظهر القبلية، وأكثر أهل العلم على الأربع، قال الترمذي بعد أن ساق حديث علي: (كان النبيصلى الله عليه وسلم يصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها ركعتين) وهو حديث حسن. قال الترمذي: \" والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيصلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم يختارون أن يصلي الرجل قبل الظهر أربع ركعات.... \" تحفة الأحوذي ٢/٤١٠. وذكر الحافظ ابن حجر أن النبي ﷺ كان تارة يصلي ركعتين، وتارة يصلي أربعاً، وعلى هذا حمل اختلاف الروايات، انظر فتح الباري ٣/٣٠١. ويستحب أن تكون الركعات الأربع بتسليمة واحدة، لما ورد في الحديث عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: (أربع ركعات قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: حسن. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345759,"book_id":3840,"shamela_page_id":139,"part":"6","page_num":61,"sequence_num":139,"body":"٦١ - سنن الصلاة\rالتسبيح باليدين بعد الصلاة المفروضة,\r\rيقول السائل: هل يسبح المصلي بعد كل صلاة بيمينه أم بكلتا يديه؟ الجواب: التسبيح بعد الصلاة من السنن الثابتة عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم وردت فيه أحاديث كثيرة منها: عن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة، ثلاثاً وثلاثين تسبيحة وثلاثاً وثلاثين تحميدة وأربعاً وثلاثين تكبيرة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من سبح لله في دبر كل صلاة، ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وكبر ثلاثاً وثلاثين تكبيرة، وقال تمام المئة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه مسلم، وغير ذلك من الأحاديث. والسنة في التسبيح أن يكون باليدين، لما ورد في ذلك عن عبد الله بن عمرورضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيده) رواه الترمذي والحاكم والبيهقي، وهو حديث صحيح. وجاء في رواية أخرى عند أبي داود (رأيت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه) وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر صحيح سنن أبي داود ١/٥٨٠. وجاء في الحديث عن يسيرة بنت ياسر - وكانت إحدى المهاجرات - قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: (عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات ومستنطقات) رواه أبوداود والترمذي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه النووي والحافظ ابن حجر والألباني. وهذا الحديث يدل على عقد التسبيح باليدين اليمنى واليسرى، ورواية أبي داود السابقة تدل على عقد التسبيح باليمنى فقط. وقد قال بعض أهل العلم: إن رواية أبي داود والتي فيها (بيمينه) مدرجة من الراوي إذ ليست في الأصول، إلا أن ابن علان في شرحه على الأذكار لم يرتض ذلك، ووفق بين الحديثين بقوله: \" هذا وحديث يسيرة السابق، عقد الأنامل فيه شامل لكلا اليدين وحينئذ فإما أن يحمل على اليمين ليوافق حديث ابن عمرو أو يبقى على عمومه بالنسبة لحصول أصل السنة ويحمل خبر ابن عمرو على بيان الأفضل، أو يحمل حديثهما على ما احتيج إلى اليدين، وحديثه على ما إذا كفى أحدهما \"، الفتوحات الربانية ١/٢٥٥. وخلاصة الأمر أن من سبح باليدين فقد أصاب أصل السنة لثبوت ذلك في الحديث، ولكن التسبيح باليد اليمنى أفضل لأن النبي ﷺ كان يحب التيامن دائماً. وما أشار إليه حديث يسيرة (فإنهن مسؤولات مستنطقات) فيه إشارة إلى قوله تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة النور /٢٤. فالله ﷾ ينطق الجوارح بقدرته فتخبر كل جارحة منها بما صدر عنها من أفاعيل صاحبها، كما قال الألوسي في تفسيره ٩/٣٢٤. وبناءً على ما سبق، يظهر لي أن التسبيح باليدين أولى وأفضل من التسبيح بالسبحة، قال المباركفوري: \" وفي الحديث مشروعية عقد التسبيح بالأنامل وعلل ذلك رسول الله ﷺ في حديث يسيرة الذي أشار إليه الترمذي، بأن الأنامل مسؤولات مستنطقات يعني أنهن يشهدن بذلك، فكان عقدهن التسبيح من هذه الحيثية أولى من السبحة والحصى \" تحفة الأحوذي ٩/٣٢٢. ولم يثبت عن النبي ﷺ حديث صحيح في التسبيح بالسبحة وما ورد فضعيف لا يعول عليه. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345760,"book_id":3840,"shamela_page_id":140,"part":"6","page_num":62,"sequence_num":140,"body":"٦٢ - من البدع في الصلاة\rبدعة ختم الصلاة جماعة،\r\rيقول السائل: صلينا الفجر في أحد المساجد، وبعد الصلاة استقبل الإمام المصلين وأخذ بالإستغفار والمصلون يرددون، ثم ختم الصلاة على الهيئة المعروفة في كثير من المساجد، فاعترض على ذلك أحد المصلين وقال: إن هذا الختم لم يرد عن الرسول ﷺ وحدث جدال وصراخ في المسجد، فما قولكم في ذلك؟ الجواب: لا شك أن ترك سنة المصطفىصلى الله عليه وسلم شؤم ما بعده شؤم، ويؤدي إلى وقوع مثل هذا الصياح في المساجد والتي صارت كالأسواق التي تعلو فيها الأصوات والصيحات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وهنا لا بد أن نقرر أصلاً طالما ذكرته ألا وهو أن الأصل في العبادة التلقي عن رسول الله ﷺ بلا زيادة ولا نقصان. وهذا الإستغفار الجماعي وختم الصلاة على الهيئة المعروفة في كثير من مساجدنا لم يرد عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ﵃. قال الشيخ علي محفوظ: \" ومن البدع المكروهة، ختم الصلاة على الهيئة المعروفة من رفع الصوت به وفي المسجد والإجتماع له والمواظبة عليه، حتى اعتقد العامة أنه من تمام الصلاة، وأنه سنة لا بد منها، مع أنه مستحب انفراداً سراً، فهذه الهيئة محدثة لم تعهد عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا عن الصحابة، وقد اتخذها الناس شعاراً للصلوات المفروضة عقب الجماعة، وقد صرح كثير من الفقهاء بأن الشعار في الدين مكروه، ولذا قال الإمام ابن الصلاح بكراهة ما يفعله الناس بعد فراغهم من السعي بين الصفا والمروة، من صلاة ركعتين على متسع المروة، وكيف يجوز رفع الصوت به والله تعالى يقول في كتابه الحكيم (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) سورة الأعراف /٥٥، والتضرع من الضراعة وهي الذلة والخشوع والإستكانة والخفية بضم الخاء وكسرها، الإسرار به فإنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، وانتصابهما على الحال أي ادعوه متضرعين بالدعاء مخفين له مسرين به، ثم علل ذلك بقوله (إنه لا يحب المعتدين) في الدعاء بترك ما أمروا به من التضرع والإخفاء، كما لا يحب الإعتداء في سائر الأشياء، والإعتداء تجاوز الحدود فيها، فمن جاوز ما أمره الله به في شيء من الأشياء فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين ولا يشملهم برحمته وإحسانه، وتدخل امجاوزة في الدعاء في هذا المفهوم دخولاً أوليا، وحسبك في تعيين الإسرار بالدعاء إقترانه بالتضرع في هذه الآية الكريمة، فالإخلال به كالإخلال بالتضرع في الدعاء، وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى، فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا إسرار ولا وقار \" الإبداع ٢٨٣ - ٢٨٤. وقال العلامة ابن القيم: \" وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه ﷺ أصلاً ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن\" زاد المعاد ١/٢٥٧. ويكون الإستغفار ثلاثاً والتسبيح والتحميد والتكبير كل منها ثلاث وثلاثون مرة وختمها بالتهليل عقب الصلاة سراً، في أي حالة يكون عليها المصلون بعد الصلاة، من قيام وقعود ومشي وإن الإجتماع لذلك والإشتراك فيه ورفع الصوت بدع، هوّنها على الناس التعود \" الفتح المبين ص٣٠٦. وخلاصة الأمر أن الختم الجماعي للصلاة لم يرد عن الرسول ﷺ، فالتزام فعل ذلك بعد كل صلاة بدعة، وأخيراً ينبغي التذكير بأن النهي عن البدع والدعوة إلى إتباع السنة النبوية، يجب أن يكون بأسلوب هين لين فيه رفق بالناس، وليس بالشدة والصراخ في المساجد لأن المساجد لها حرمتها فلا ينبغي الصراخ فيها ورفع الأصوات لما في ذلك من التشويش على المصلين وعلى الذاكرين. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345761,"book_id":3840,"shamela_page_id":141,"part":"6","page_num":63,"sequence_num":141,"body":"٦٣ - صلاة الجماعة\rصلاة المسافر خلف المقيم،\r\rيقول السائل: هل يصح للمسافر أن يصلي صلاة الظهر خلف إمام مقيم، فيقصر المسافر الصلاة ثم يقوم ويجمع العصر ركعتين؟\r\rالجواب: إتفق أهل العلم على أن المسافر إذا اقتدى بالمقيم، فيجب الإتمام بحق المسافر ولا يصح القصر، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: (إنما جعل الإمام ليؤتمّ به، فلا تختلفوا عليه) متفق عليه. وعن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام، فقال: (ركعتين سنة أبي القاسم ﷺ رواه مسلم. وهذا يفيد أنه إذا صلى مع الإمام أتم الرباعية. ورواه أحمد بأصرح من ذلك، عن موسى بن سلمة قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إذا كنا معكم صلينا أربعاً - أي بالمسجد مقتدين بإمام مقيم - وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: (سنة أبي القاسم ﷺ الفتح الرباني ٥/١٠٢. وبناءً على ذلك لا يصح للمسافر أن يقصر الصلاة الرباعية إذا اقتدى بإمام مقيم بل يجب عليه أن يصلي الظهر تامة، فإذا سلم الإمام قام المسافر فجمع إليها العصر، ويصح له أن يقصر العصر فيصليها ركعتين. وبمناسبة الحديث عن صلاة المسافر أود التنبيه على بعض الأمور المتعلقة بصلاة المسافر: ١ - إن المسافر لا يصير مسافراً شرعاً إلا إذا شرع فعلاً بالسفر ولا تكفي النية في جعله مسافراً، وبناءً على ذلك لا يصح للمسافر أن يتلبس بأي حكم من الأحكام المرخصة في السفر إلا إذا شرع في السفر فعلاً، ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث عن أنس بن مالك قال: (صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين) رواه مسلم. وبداية السفر تكون بمفارقة البلد أو المحل الذي يسكن فيه من أراد السفر، فإذا كان ساكناً في مدينة أو قرية فيكون مسافراً إذا فارق البنيان، وإذا كان ساكناً في صحراء فيكون مسافراً إذا فارق بيوت الشعر. قال الإمام النووي: \" وأما ابتداء القصر فيجوز من حين يفارق بنيان بلده أو خيام قومه، إن كان من أهل الخيام \" شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٣٢٢. ٢ - إن المسافر يصير مقيماً إذا نوى الإقامة، فإذا سافر شخص إلى عمان مثلاً فبمجرد وصوله إلى عمان نوى أن يقيم فيها شهراً، فهو مقيم ولا يصح له أن يترخص برخص السفر. ٣ - إذا كان المسافر سائراً فيجوز له أن يقصر وأن يجمع، كمن يسافر إلى الحج براً فطوال مسيره حتى يصل إلى مكة فيجوز له أن يجمع ويقصر، فإذا وصل مكة فإن صلى مع الإمام المقيم فإنه يتم ولا يجمع، وإن صلى وحده فيقصر ولا يجمع، وعلى ذلك دلت السنة فإن النبي ﷺ كان إذا جد به المسير قصر وجمع، وإذا كان نازلاً قصر دون جمع. ٤ - إذا نوى المسافر جمع التأخير، فإذا وصل إلى محل إقامته قبل خروج وقت الصلاة الأولى، فلا يجوز له الجمع بل يجب أن يصلي الصلاة التي أدرك وقتها تامة، فإذا فرضنا أن مسافراً نوى جمع التأخير بين الظهر والعصر فدخل إلى بلده قبل دخول وقت العصر فيجب عليه أن يصلي الظهر تامة في وقتها ولا يصح له أن يؤخرها حتى يجمعها مع العصر. ٥ - ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يصلي السنن الرواتب في السفر، كسنة الظهر والمغرب، فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة قال: \" فصلى الظهر ركعتين ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلس وجلسنا معه، فحانت منه إلتفاتة نحو حيث صلى فرأى ناساً قياماً فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون - أي يصلون نافلة - قال لو كنت مسبحاً أتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول اللهصلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، وقد قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) سورة الأحزاب /٢١. وأما مطلق النافلة، فقد ثبت أن الرسولصلى الله عليه وسلم كان يتنفل في السفر، فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن شهاب أن عبد الله بن عامر بن ربيعة أخبره، أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي السبحة - أي النافلة - بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345762,"book_id":3840,"shamela_page_id":142,"part":"6","page_num":64,"sequence_num":142,"body":"٦٤ - صلاة الحاجة\rيقول السائل: قرأت عن صلاة الحاجة في بعض كتب الأدعية، أرجو بيان حكمها وكيفيتها؟\rالجواب: اتفق كثير من الفقهاء على أن صلاة الحاجة مستحبة وأنها تكون عندما تعرض للإنسان حاجة من حوائج الدنيا المشروعة فيستحب له أن يتوضأ ويصلي ركعتين لله تعالى، ويسأل الله جل وعلا حاجته، فإن فعل ذلك مؤمناً بقدرة الله ﷿، فأرجو أن يحقق الله له ما أراد فقد ورد في الحديث عن عثمان بن حنيف ﵁ (أن أعمى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يكشف لي عن بصري، قال: أوَ أدعك قال: يا رسول الله إنه قد شق علي ذهاب بصري، قال فاذهب فتوضأ، ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه إلى ربي بك أن يكشف لي عن بصري، اللهم شفّعه في وشفّعني في نفسي، فرجع وقد كشف الله عن بصره) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم، وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢٨٠. وذكر الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، أن الحديث رواه الطبراني، وذكر في أوله قصة، (وهو أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفانرضي الله عنه في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: إئت الميضأة فتوضأ، ثم إئت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمدصلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي، وتذكر حاجتك ورح إلي حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان، فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيّ فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال النبيصلى الله عليه وسلم أوَ تصبر، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي، فقال له النبيصلى الله عليه وسلم: إئت الميضأة فتوضأ، ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوت، فقال عثمان بن حنيف: فوَ الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط) قال الطبراني بعد ذكر طرقه: والحديث صحيح الترغيب والترهيب ١/٤٧٤ - ٤٧٦. وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول: (من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم صلى ركعتين بتمامهما، أعطاه الله ﷿ ما سأل معجلاً أو مؤخراً) رواه أحمد بإسناد صحيح كما قاله الشوكاني في تحفة الذاكرين ص١٩٦. وروي في الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم، فليتوضأ وليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين ثم ليثن على الله وليصل على النبي ثم يقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم لا تدع لي ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها يا أرحم الراحمين) رواه الترمذي والنّسائي والحاكم، وفي سنده كلام لأهل الحديث، ورواه بن ماجة وفيه زيادة (ثم يسأل الله من أمر الدنيا والآخرة ما شاء، فإنه يقدر) . وأما كيفية صلاة الحاجة، فأكثر الفقهاء على أنها تصلى ركعتين، وهذا أصح ما ورد في صلاة الحاجة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345763,"book_id":3840,"shamela_page_id":143,"part":"6","page_num":65,"sequence_num":143,"body":"٦٥ - صلاة الجمعة\rإذا صلت المرأة الجمعة فلا تصلي الظهر،\r\rتقول السائلة: إن أحدهم أفتى النساء اللواتي يصلين صلاة الجمعة بأنه يجب عليهن أن يصلين الظهر، لأن صلاة الجمعة ليست واجبة على النساء فلا تسقط فريضة الظهر عنهن، فما قولكم في ذلك؟ الجواب: إن هذا القائل أخطأ فيما قال، وخرق إجماع الفقهاء على أن من لا تجب عليه صلاة الجمعة إن صلاها، فهي مسقطة لفريضة الظهر. قال الإمام النووي: \" ذكرنا أن المعذورين كالعبد والمرأة والمسافر وغيرهم، فرضهم الظهر فإن صلوها صحت وإن تركوها وصلوا الجمعة أجزأهم بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وإمام الحرمين وغيرهما \" المجموع ٤/٤٩٥. وقال الشيخ الخرقي الحنبلي: \" وإن حضروها - أي المرأة والمسافر والعبد والمريض حضروا الجمعة - أجزأتهم، يعني تجزيهم عن الظهر ولا نعلم في هذا خلافاً \". ونقل الشيخ ابن قدامة المقدسي عن ابن المنذر قوله: \" أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أنه لا جمعة على النساء، وأجمعوا على أنهن إذا حضرن فصلين الجمعة أن ذلك يجزي عنهن \" المغني ٢/٢٥٣. وقال السمرقندي الحنفي: \" ثم هؤلاء الذين لا يجب عليهم الجمعة إذا حضروا الجمعة وصلوا، فإنه يجزئهم ويسقط عنهم فرض الوقت \" تحفة الفقهاء ١/١٦٢. وبهذا يظهر لنا أن الفقهاء قد اتفقوا على أن من لا جمعة عليه، كالمسافر والمريض والمرأة، إن صلوا الجمعة فإن ذلك يجزئهم عن صلاة الظهر. وأخيراً أقول: إن على من يتصدى للفتوى في دين الله أن يكون على بينة مما يقول، فإنه يوقع عن رب العالمين، فلينظر إلى عظم هذه الأمانة وهذه المسؤولية التي أخذها على نفسه. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345764,"book_id":3840,"shamela_page_id":144,"part":"6","page_num":66,"sequence_num":144,"body":"٦٦ - صلاة الجمعة\rتسليم الخطيب على المصلين,\r\rيقول السائل: ما حكم تسليم الخطيب على المصلين عند صعوده المنبر للخطبة؟ الجواب: تسليم الخطيب على المصلين عندما يصعد المنبر سنة، وردت عن النبيصلى الله عليه وسلم وعن جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم، ومما ورد في ذلك: عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ (كان إذا صعد المنبر سلّم) رواه ابن ماجة والبغوي، وقال الشيخ الألباني: حديث حسن صحيح، صحيح ابن ماجة ١/٢٨٢ وذكره في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥/٢٠٦. وعن عطاء قال: (كان النبيصلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس فقال: السلام عليكم) رواه عبد الرزاق في المصنف ٣/١٩٢، وقال الشيخ الألباني: ورجاله ثقات رجال الشيخين السلسلة الصحيحة ٥/٢٠٧. وروى عبد الرزاق أيضاً عن أبي أسامة أنه سمع مجالداً يحدث عن الشعبي قال: (كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر أقبل بوجهه وقال: السلام عليكم، قال: فكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك بعد النبيصلى الله عليه وسلم) ، ورواه أيضاً ابن أبي شيبة في المصنف ٢/١١٤، وقال الشيخ الألباني: وهو مرسل لا بأس به في الشواهد، السلسلة الصحيحة ٥/٢٠٦. وقال الشيخ الألباني: \" ومما يشهد للحديث ويقويه أيضاً - أي حديث جابر المتقدم - جريان عمل الخلفاء عليه، فأخرج ابن أبي شيبة عن نضرة قال: \" كان عثمان قد كبر فإذا صعد المنبر سلّم.... الخ\"، وإسناده صحيح. ثم روى عن عمرو بن مهاجر \" أن عمر بن عبد العزيز كان إذا استوى على المنبر سلّم على الناس وردوا عليه \" السلسلة الصحيحة ٥/٢٠٧. وهذا الذي ذكرته من استحباب تسليم الخطيب على المصلين هو مذهب الشافعية والحنابلة وجماعة من السلف، قال الإمام النووي: \" إذا وصل - الخطيب - أعلى المنبر وأقبل على الناس بوجهه يسلّم عليهم.... وإذا سلّم لزم السامعين الرد عليه وهو فرض كفاية كالسلام في باقي المواضع وهذا الذي ذكرناه من استحباب السلام الثاني مذهبنا ومذهب الأكثرين وبه قال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وأحمد \" المجموع ٤/٥٢٧. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: \" يستحب للأمام إذا خرج أن يسلّم على الناس، ثم إذا صعد المنبر فاستقبل الحاضرين سلّم عليهم وجلس، إلى أن يفرغ المؤذنون من أذانهم، كان ابن الزبير إذا علا المنبر سلّم، وفعله عمر بن عبد العزيز وبه قال الأوزاعي والشافعي\" المغني ٢/٢١٩. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345765,"book_id":3840,"shamela_page_id":145,"part":"6","page_num":67,"sequence_num":145,"body":"٦٧ - صلاة الجمعة\rيكره السجع في الخطبة,\r\rيقول السائل: بعض الخطباء يستعملون السجع كثيراً في أدعيتهم وخطبهم، فما قولكم في ذلك؟ الجواب: ينبغي أن يعلم أن أفضل الأدعية هي المأثورة عن الرسولصلى الله عليه وسلم، وما ورد فيها من سجع فليس مقصوداً، كما في قولهصلى الله عليه وسلم: (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب هازم الأحزاب) وكقوله ﷺ: (صدق وعده وأعز جنده) . وأما ما يفعله الخطباء من استخدام السجع فهو مكروه، لأنه في الغالب متكلف والسجع المتكلف لا يلائم الضراعة والذلة كما قال الإمام الغزالي، وقد كره النبيصلى الله عليه وسلم السجع، كما ورد في الحديث عن أبي هريرة قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسولصلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطلُ، فقال رسول الله ﷺ: (إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم وفي رواية عند مسلم (أسجع كسجع الأعراب) . قال الإمام النووي: \" واما قولهصلى الله عليه وسلم (إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه) وفي الرواية الأخرى (سجع كسجع الأعراب) فقال العلماء: إنما ذم سجعه لوجهين: أحدهما أنه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله، والثاني انه تكلفه في مخاطبته، وهذان الوجهان من السجع مذمومان. أما السجع الذي كان النبيصلى الله عليه وسلم يقوله في بعض الأوقات، وهو مشهور في الحديث، فليس من هذا لأنه لا يعارض به حكم الشرع ولا يتكلفه فلا نهي فيه بل هو حسن.... \" شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/٣٢٧. وقال الإمام البخاري: باب ما يكره من السجع في الدعاء، ثم ذكر أثر ابن عباس ﵁ وفيه \".... وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت الرسول ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الإجتناب \" انظر فتح الباري ١٣/٣٨٨ - ٣٨٩. وقال العز بن عبد السلام سلطان العلماء، جواباً على سؤال يتعلق بمن يقصد السجع في كلام الناس وفي الخطب ونحوها ما نصه: \" إذا كان القصد بالسجع الرياء والسمعة والتصنع بالفصاحة فهو حرام، وإن كان القصد به وزن الكلام لتميل النفوس إلى قبوله والعمل بموجه فلا بأس به في الخطب وغيرها، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يتصفح كتبه إذا فرغ منها، فإن وجد فيها كلاماً بليغاً فصيحاً نحّاه منها خوفاً من الرياء والسمعة والإفتخار بالفصاحة، ولا ينبغي للخطيب أن يذكر في الخطبة إلا ما كان يوافق مقاصدها، من الثناء والدعاء والترغيب والترهيب، بذكر الوعد والوعيد وكل ما يحث على طاعة أو يزجر عن معصية، وكذلك تلاوة القرآن، وكان النبيصلى الله عليه وسلم يخطب بسورة (ق) في كثير من الأوقات لإشتمالها على ذكر الله والثناء عليه، ثم على علمه بما به توسوس النفوس وبما تكتبه الملائكة على الإنسان من طاعة وعصيان ثم يذكر الموت وسكرته ثم يذكر القيامة وأهوالها والشهادة على الخلائق بأعمالها، ثم يذكر الجنة والنار ثم يذكر الصيحة والنشور والخروج من القبور، ثم بالوصية في الصلوات، فما خرج عن هذه المقاصد فهو مبتدع \"فتاوى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ص٤٨١ - ٤٨٤. ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث، عن عبد الله بن عمرو أن الرسولصلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة) رواه أبو داود والترمذي وأحمد، وقال الشيخ الألباني: صحيح، والمقصود بالحديث الرجل الذي يتشدق في الكلام بلسانه ويلفه، كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفاً كما قال ابن الأثير في النهاية. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345766,"book_id":3840,"shamela_page_id":146,"part":"6","page_num":68,"sequence_num":146,"body":"٦٨ - صلاة الجمعة\rلا يجوز ذكر الأحاديث المكذوبة في الخطبة,\r\rيقول السائل: نلاحظ كثيراً من الخطباء والوعاظ والمدرسين، يذكرون في خطبهم ومواعظهم ودروسهم، أحاديث ضعيفة بل مكذوبة أحياناً، فما حكم ذكر هذه الأحاديث في الخطب والمواعظ والدروس؟ الجواب: إن الأحاديث الضعيفة الواهية والموضوعة (المكذوبة) آفة قديمة، انتشرت بين المسلمين بشكل كبير، فتجد كثيراً من الكتب والمؤلفات تحوي الأحاديث الساقطة والمكذوبة، وكثير من الخطباء يرددونها دون علم بحالها، وهذا أمر جد خطير، لأن هؤلاء قد يدخلون في دائرة الكذب على الرسولصلى الله عليه وسلم، والكذب على النبي ﷺ من الكبائر وعاقبته وخيمة، فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه ﵊ قال: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . قال الحافظ ابن حبان: \" فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته \"، ثم روى بسنده عن أبي هريرةرضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) ، وقال محققه شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن، الإحسان ١/٢١٠، وقال الشيخ الألباني: وسنده حسن وأصله في الصحيحين بنحوه السلسلة الضعيفة ١/١٢. ثم ذكر ابن حبان بسنده عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (من حدث حديثاً وهو يُرى - بضم الياء ومعناه يظن - أنه كذب فهو أحد الكاذبين) وأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه. وفي رواية عند ابن ماجة وغيره (من حدث عني حديثاً.... الخ) . فهذه الأحاديث وغيرها تدل على وجوب التثبت من الأحاديث قبل روايتها وذكرها للناس، لأن معظم الناس من العوام الذين لا يعرفون التمييز بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، بل إن عامة الناس يتلقون هذه الأحاديث وينشرونها فيما بينهم، فيسهم هؤلاء الخطباء والوعاظ وأمثالهم في نشر هذه الأحاديث المكذوبة بين الناس، ويتحملون وزر ذلك. كما ينبغي أن يعلم أن في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ما يغني ويكفي عن الأحاديث المكذوبة. وقد يقول قائل: أن رواية الأحاديث الضعيفة جائزة في فضائل الأعمال فمن هذا الباب يذكرها الخطباء والوعاظ وأمثالهم. ونقول: إن قاعدة العمل بالحديث الضعيف ليست على إطلاقها، كما هو مقرر عند أهل الحديث، بل إن هناك شروطاً للعمل بالحديث الضعيف في باب فضائل الأعمال، نقلها الحافظ السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر وهي: ١ - أن يكون ضعف الحديث غير شديد، فيخرج من ذلك من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب. ٢ - أن يكون الحديث الضعيف مندرجاً تحت أصل عام، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلاً. ٣ - أن لا يعتقد عند العمل ثبوته، لئلا ينسب إلى النبيصلى الله عليه وسلم ما لم يقله، مقدمة صحيح الترغيب والترهيب ص١٨. وبناءً على ما تقدم، فإني أنصح كل من يذكر حديثاً عن الرسولصلى الله عليه وسلم أن يتثبت من ذلك الحديث، وأن يرجع إلى كتب أهل الحديث ليعرف حال ذلك الحديث قبل أن يذكره للناس. ومن فضل الله وكرمه أن المكتبة الحديثية غنية، وقد خدم العلماء سنة المصطفى ﵊ خدمات عظيمة وجليلة، وبينوا أحوال الأحاديث من حيث الصحة أو الحسن أو الضعف، ولا يقبل أن نأخذ الأحاديث من كل من هب ودب وننسبها إلى المصطفى ﷺ، فإن الكذب على الرسولصلى الله عليه وسلم ليس كالكذب على غيره، كما جاء في الحديث الصحيح أنه ﵊ قال: (إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345767,"book_id":3840,"shamela_page_id":147,"part":"6","page_num":69,"sequence_num":147,"body":"٦٩ - صلاة الجنازة\rصلاة الجنازة على قاتل نفسه،\r\rيقول السائل: هل تصح صلاة الجنازة على من قتل نفسه؟ الجواب: لا شك أن قتل النفس حرام شرعاً بل هو من الكبائر، فقاتل نفسه أشد وزراً من قاتل غيره، يقول ﷾: (وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ) سورة الأنعام /١٥١. وجاء في الحديث، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) رواه البخاري ومسلم. وظاهر هذا الحديث يدل على كفر المنتحر، لأن الخلود في النار والحرمان من الجنة جزاء الكفار عند أهل السنة والجماعة، ولكن لم يقل بكفر المنتحر أحد من علماء المذاهب الأربعة، لأن الكفر هو الإنكار والخروج عن دين الإسلام، وصاحب الكبيرة غير الشرك لا يخرج عن الإسلام عند أهل السنة والجماعة، وقد صحت الروايات أن العصاة من أهل التوحيد يعذبون ثم يخرجون من النار، الموسوعة الفقهية ٦/٢٩١,٢٩٢. وليس من مذهب أهل السنة والجماعة تكفير أحد من المسلمين بذنب أصابه، قال صاحب العقيدة الطحاوية \" ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله \" شرح العقيدة الطحاوية /٣٥٥. وكلام الإمام الطحاوي ينطبق على مرتكب الكبيرة ما عدا الشرك، فإن مذهب أهل السنة والجماعة عدم تكفير مرتكب الكبيرة كما أسلفت إذا مات على عقيدة التوحيد، وإن لم يتب من معصيته ويدل على ذلك قول الرسولصلى الله عليه وسلم: (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ من كان في قَلْبِهِ ذَرَّة مِنْ إيمان) رواه البخاري، فلو كان مرتكب الكبيرة يكفر بكبيرته لما سماه الله ورسوله مؤمناً. وبعد هذه المقدمة أعود إلى جواب السؤال فأقول: إن جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية يرون أنه يصلى على قاتل نفسه، لأنه لم يخرج عن الإسلام بل هو فاسق والفسقة يصلى عليهم. ورأى الحنابلة أن إمام المسلمين لا يصلي على من قتل نفسه، ويصلي عليه بقية الناس، قال الخرقي: \" ولا يصلي الأمام على الغال ولا على من قتل نفسه \" وقال ابن قدامة شارحاً ذلك: الغال هو الذي يكتم الغنيمة أو بعضها ليأخذه لنفسه ويختص به، فهذا لا يصلي عليه الإمام ولا على من قتل نفسه متعمداً، ويصلي عليه سائر الناس، نص عليهما أحمد \" المغني ٢/٤١٥. ويدل على ذلك ما رواه مسلم، عن جابر بن سمرة قال: (أُتِيَ النَّبِيصلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) ، والمشاقص سهام عراض مفردها مشقص. وجاء الحديث في رواية أبي داود مفصلاً فعن جابر بن سمرة قال: (مَرِضَ رَجُلٌ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَجَاءَ جَارُهُ إِلَى النبيصلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ، قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ، قَالَ: أَنَا رَأَيْتُهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، قَالَ: فَرَجَعَ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، قال: فَرَجَعَ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَأَخْبِرْهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ قَال: َ ثُمَّ انْطَلَقَ الرَّجُلُ فَرَآهُ قَدْ نَحَرَ نَفْسَهُ بِمِشْقَصٍ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى رسول اللهصلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ، قَالَ: رَأَيْتُهُ يَنْحَرُ نَفْسَهُ بِمَشَقِصَ مَعَهُ، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِذًا لاَ أُصَلِّيَ عَلَيْهِ) . قال الشيخ الألباني إسناده صحيح على شرط مسلم، أحكام الجنائز ٨٥. فهذا الحديث يدل على أن النبيصلى الله عليه وسلم لم يصل على ذلك الرجل زجراً لغيره من الناس، ولكن الصحابة صلوا عليه. وبناء على ما سبق فإن قاتل نفسه يصلى عليه صلاة الجنازة. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345768,"book_id":3840,"shamela_page_id":148,"part":"6","page_num":70,"sequence_num":148,"body":"٧٠ - الأذان\rالأذان الجماعي،\r\rيقول السائل: إنه سمع من الإذاعة الأذان يؤدى من مجموعة من المؤذنين في وقت واحد فما قولكم في ذلك؟ الجواب: إن الأذان الجماعي بدعة ليست مشروعة ومخالفة لما كان عليه الهدي النبوي لأن الأصل في الأذان المأثور منذ عهد الرسول ﷺ أن يؤذن شخص واحد فقط. قال الشيخ علي محفوظ: [ومن البدع أذان الجماعة المعروف بالأذان السلطاني أو أذان الجوقة فإنه لا خلاف في أنه مذموم مكروه لما فيه من التلحين والتغني وإخراج كلمات الأذان عن أوضاعها العربية وكيفياتها الشرعية بصورة قبيحة ... وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك ...] الإبداع ص ١٧٦. وقد أجاب الشيخ محمد مصطفى المراغي لما سئل عن الأذان الجماعي بقوله: [إن الأذان السلطاني لم يكن على عهد رسول الله ﷺ] الإبداع ص ١٧٦. وقال الشيخ محمد عبد السلام: [والأذان جماعة على وتيرة واحدة بدعة] السنن ص ٤٩. وقد أجاز بعض أهل العلم أن يؤذن أكثر من واحد في آن واحد إذا كان صوت المؤذن الواحد لا يصل مختلف أرجاء البلد فقالوا: يجوز حينئذ أن يقوم أربعة مؤذنين مثلاً على عدة مآذن فيؤذنوا ليصل صوتهم إلى أرجاء البلد. وهذه العلة التي ذكروها زالت اليوم نظراً لاستخدام مكبرات الصوت التي توصل صوت المؤذن الواحد إلى أرجاء البلد فكيف إذا كان الأذان بواسطة الإذاعة فإن عدد الذين يستمعون له أكبر وأكثر ويصل إلى مختلف أنحاء الدولة وأبعد من ذلك. قال الإمام الشافعي: [... ولا يؤذن جماعة معاً وإن كان مسجداً كبيراً له مؤذنون عدد فلا بأس أن يؤذن في كل منارة له مؤذن فيسمع من يليه في وقت واحد] الأم ١/٨٤. وقال الماوردي: [... لأن الصوت يختلط باجتماعهم فلا يفهم إلا أن يكون البلد كبيراً والمسجد واسعاً فلا بأس أن يجتمعوا في الأذان دفعة واحدة كالبصرة ...] الحاوي الكبير ٢/٥٨-٥٩. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345769,"book_id":3840,"shamela_page_id":149,"part":"6","page_num":71,"sequence_num":149,"body":"٧١ - الأذان\rيستحب الأذان في أذن المولود ,\r\rيقول السائل: سمعت أنه من السنة أن يؤذن في أذن المولود بعد ولادته فهل لهذا مستند من الشرع؟ الجواب: جاء في الحديث عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ أذّن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة ﵄ رواه الترمذي وقال: هذا حديث صحيح والعمل عليه - أي عند العلماء - ورواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي وغيرهم وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. صحيح سنن الترمذي ٢/٩٣. وذكر الشيخ الألباني حديثاً آخر يقوي الحديث المتقدم ويشهد له وهو ما رواه البيهقي في \" شُعب الإيمان \" عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ أذنّ في أذن الحسن بن علي يوم ولد وأقام في أذنه اليسرى) سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/٣٣١. وبناء على هذين الحديثين استحب جمهور أهل العلم أن يؤذن في أذن المولود اليمنى وان تقام الصلاة في أذنه اليسرى. وهذا في مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة. الموسوعة الفقهية ٢/٣٧٣، الأذكار ص ٢٤٤. وذكر عن الحسن البصري أنه كان يفعل ذلك. وروى ابن المنذر عن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا وُلِدَ له ولد أذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى. الفتح الرباني ١٣/١٣٥، شرح السنة ١١/٢٧٣. ورواه أيضاً عبد الرزاق في المصنّف عن عمر بن عبد العزيز. المصنف ٤/٣٣٦. والمقصود بالأذان المذكور هو الأذان للصلاة وكذا الإقامة الإقامة للصلاة. قال العلامة ابن القيم مبيناً الحكمة من هذه السنة: [وسر التأذين والله أعلم: أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته - أي كلمات الأذان - المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثره به وإن لم يشعر مع ما في ذلك من فائدة أخرى وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان وهو كان يرصده حتى يولد فيقارنه للمحنة التي قدّرها الله وشاءها فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به. وفيه معنى آخر وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان. كما كانت فطرة الله التي فطر الناس عليها سابقة على تغيير الشيطان ونقله عنها ولغير ذلك من الحكم] تحفة المودود بأحكام المولود لابن القيم ص٢٥-٢٦. وقال العلامة ابن علان: [قوله (أذن في أذن الحسن) أي أتى بكلمات الأذان المعروفة في أذن الحسن عقب ولادته ليكون الذِكْرُ أول شيء يقرع سمعه وشرع في قلبه وقياً لأن الشيطان ينخس فيه عند الولادة فاستحب الأذان حينئذ لأن الشيطان يدبر عند سماعه] الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٦/٩٤-٩٥. ومن جهة أخرى فإن من السنة أيضاً في حق المولود أن يحنَّك بالتمر فقد ثبت في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ فسمّاه إبراهيم وحنَّكه بتمرة ودعا له بالبركة ودفعه إليَّ وكان أكبر ولد أبي موسى) رواه البخاري. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة قالت: (فخرجت وأنا متم - أي أتمت مدة الحمل - فأتيت المدينة فنزلت بقباء فولدت بقباء ثم أتيت رسول الله ﷺ فوضعته ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ثم حنَّكه بالتمرة ثم دعا له فبرَّك عليه وكان أول مولود في الإسلام) أي في المدينة بعد الهجرة. رواه البخاري ومسلم. وكذلك فقد ثبت من حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة ابن أبي طلحة: (لمّا ولد غلام لأبي طلحة من زوجته أم سليم حيث حمل أنس الطفل إلى الرسول ﷺ فأخذ النبي ﷺ تمراً فمضغه ثم أخذه من فيه فجعله في فم الصبي ثم حنَّكه وسماه عبد الله) والحديث في الصحيحين. والتحنيك هو مضغ تمر أو غيره حتى يصير مائعاً ثم يوضع في فم الطفل ويدلك به فم الطفل. والتحنيك سنة بالإجماع كما قال الإمام النووي ويستحب أن يحنَّكه إنسان صالح من رجل أو امرأة. والتحنيك يكون بالتمر كما هو مذكور في الأحاديث السابقة فإن لم يتيسر فبالرطب وإلا فشيء حلو وعسل النحل أولى من غيره. والتحنيك بالتمر له فوائد عديدة فالتمر من الفواكه الجافة وهو غني بالسكر والسليلوز ويحتوي نسبة كبيرة من المواد السكرية ويستطيع الجهاز الهضمي هضمه وامتصاصه خلال ساعة تقريباً وفي التمر نسبة من المواد البروتينية والمواد الدسمة ويحتوي على نسبة من المواد المعدنية وهو غني بالفيتامينات. وأفادت بعض الدراسات العلمية أن جعل شيء من التمر بعد مضغه في فم الطفل يخفف المغص والآلام عند الأطفال ويهدئ الأطفال. قال صاحب كتاب \" الغذاء لا الدواء \": [لذلك فإننا ننصح الأطباء بإعطاء كل طفل ثائر عصبي المزاج بضع تمرات في صباح كل يوم لتضفي السكينة والهدوء على نفسه فتحد من تصرفاته واضطراباته ...] الغذاء لا الدواء ص ١٢٢ للدكتور صبري القباني. وللتمر فوائد أخرى كثيرة ذكرها العلماء قديماً وحديثاً. الطب النبوي ص ٢١٦-٢١٧. وقال الله ﷾: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) سورة مريم الآية ٢٥. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345770,"book_id":3840,"shamela_page_id":150,"part":"6","page_num":72,"sequence_num":150,"body":"٧٢ - حكم صلاة المرأة في البنطال\rتقول السائلة: هل يجوز للمرأة أن تصلي في بيتها وهي تلبس البنطلون ولا يراها أحد من الرجال الأجانب؟\rالجواب: نص أهل العلم على أنه يجب على المرأة إذا صلت أن تستر جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين ومن ضمن شروط لباس المرأة أن يكون لباسها فضفاضاً غير ضيق فيصف شيئاً من جسمها. ويدل على ذلك ما جاء في حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: (كساني رسول الله قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي. فقال: مالك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي. فقال: مرها فلتجعل تحتها غلالة فإني أخاف أن تصف حجم عظامها) رواه أحمد والبيهقي والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني. جلباب المرأة المسلمة ص ١٣١-١٣٢. ففي هذا الحديث أمر الرسول ﷺ بأن تجعل المرأة تحت القبطية غلالة - وهي شعار يلبس تحت الثوب - ليمنع وصف بدنها والأمر يفيد الوجوب كما هو معلوم عند الأصوليين. وقد نص أهل العلم أيضاً على أن أقل اللباس المجزئ للمرأة في صلاتها هو درع وخمار فالخمار تغطي به رأسها وعنقها والدرع تغطي به البدن والرجلين. فقد جاء في الحديث عن أم سلمة ﵂ أنها سألت الرسول ﷺ: (أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ فقال: إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها) رواه أبو داود بإسناد جيد كما قال الإمام النووي ورواه الحاكم وقال: حديث صحيح على شرط البخاري. انظر المجموع ٣/١٧٢. وقال عمر بن الخطاب ﵁: [تصلي المرأة في ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار] رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢/٢٣٥. وقالت عائشة ﵂: [لا بد للمرأة من ثلاثة أثواب تصلي فيها: درع وجلباب وخمار وكانت عائشة تحل إزارها فتتجلبب به] رواه ابن سعد بإسناد صحيح على شرط مسلم. وإنما كانت عائشة تفعل ذلك لئلا يصفها شيء من ثيابها وقولها: (لا بد) دليل على وجوب ذلك. وقال ابن عمر ﵄: [إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها الدرع والخمار والملحفة] رواه ابن أبي شيبة في المصنف بسند صحيح كما قال الشيخ الألباني. انظر جلباب المرأة المسلمة ص ١٣٤-١٣٥. والملحفة هي الجلباب. وسئلت أم سلمة ﵂: [ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: في الخمار والدرع السابغ الذي يغي ظهور قدميها] رواه مالك في الموطأ. وقال مكحول سألت عائشة: [فبكم تصلي المرأة؟ فقالت: ائت علياً فاسأله ثم ارجع إلي. فقال: في درع سابغ وخمار فرجع إليها فأخبرها فقالت: صدق] رواه عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة أيضاً انظر الاستذكار ٥/٤٤١. وهذه النصوص المذكورة عن الصحابة قال بها الأئمة من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم. قال الحافظ ابن عبد البر: [والذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيقٍ سابغٍ وتخمر رأسها فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها] الاستذكار ٥/٤٤٣. وقد سئل الإمام أحمد: [المرأة في كم ثوب تصلي؟ قال: أقله درع وخمار وتغطي رجليها ويكون درعاً سابغاً يغطي رجلها] مسائل إبراهيم بن هانيء للإمام أحمد رقم ٢٨٦ عن القول المبين ص ٢٨. وقال الإمام أحمد أيضاً: [قد اتفق عامتهم - أي العلماء - على الدرع والخمار وما زاد فهو خير وأستر ولأنه إذا كان عليها جلباب فإنها تجافيه راكعة وساجدة لئلا تصفها ثيابها فتبين عجيزتها ومواضع عورتها] المغني ١/٤٣٢. وبهذا يظهر لنا أن صلاة المرأة في البنطلون ولو كانت في بيتها لا يراها أحد غير صحيحة لأنها أخلت بشرط من شروط ستر العورة وهو أن يكون لباسها فضفاضاً سابغاً والبنطلون ليس كذلك بل هو ضيق ملتصق بلحمها وعظمها يصف حجم أعضائها. وما ينسب لمذهب الشافعية من جواز صلاة المرأة في الملابس الضيقة غير مسلّم به بل إن الإمام الشافعي على خلاف ذلك فقد قال الإمام الشافعي في كتابه الأم: [وإن صلى - أي الرجل - في قميص يشف عنه لم تجزه الصلاة ... فإن صلى في قميص واحد يصفه ولم يشف كرهت له ولا يتبين أن عليه إعادة الصلاة والمرأة أشد حالاً من الرجل إذا صلت في درع وخمار يصفها وأحب إليّ أن لا تصلي إلا في جلباب فوق ذلك وتجافيه عنها لئلا يصفها الدرع] الأم ١/٩٠-٩١. فانظر إلى حرص الإمام الشافعي على أن يكون الجلباب فضفاضاً واسعاً حتى لا يصف أعضاء المرأة. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345771,"book_id":3840,"shamela_page_id":151,"part":"6","page_num":73,"sequence_num":151,"body":"٧٣ - سنن الصلاة\rالدعاء قبل السلام من الصلاة،\r\rيقول السائل: ما هو المشروع من الدعاء قبل أن يسلّم المصلي؟ الجواب: ورد عن الرسول ﷺ أحاديث في الدعاء قبل السلام في الصلاة منها: ١. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال) رواه مسلم. ٢. ومنها ما رواه مسلم بسنده عن طاووس عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: (قولوا اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) . قال الإمام مسلم صاحب الصحيح: [بلغني أن طاووساً قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا. قال: أعد صلاتك] لأن طاووساً رواه عن ثلاثة أو أربعة أو كما قال. صحيح مسلم مع شرح النووي ٢/٢٤٠. وظاهر هذه الأحاديث يدل على وجوب الاستعاذة من هذه الأربع المذكورة في الحديث وقال بالوجوب جماعة من أهل العلم كطاووس وابن حزم الظاهري والشوكاني والصنعاني والشيخ الألباني. ولكن جمهور أهل العلم على أن الاستعاذة من الأربعة المذكورة مستحبة وليست واجبة وهذا أرجح القولين في المسألة. قال الإمام النووي: [باب استحباب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم بين التشهد والتسليم] . ثم قال: [قوله: إن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن وإن طاووساً رحمه الله تعالى أمر ابنه حين لم يدع بهذا الدعاء فيها بإعادة الصلاة. هذا كله يدل على تأكيد هذا الدعاء والتعوذ والحث الشديد عليه. وظاهر كلام طاووس رحمه الله تعالى أنه حمل الأمر به على الوجوب فأوجب إعادة الصلاة لفواته. وجمهور العلماء على أنه مستحب ليس بواجب. ولعل طاووساً أراد تأديب ابنه وتأكيد هذا الدعاء عنده لا أنه يعتقد وجوبه] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٤٠. وطاووس المذكور هو طاووس بن كسيان الفقيه القدوة عالم اليمن من التابعين. وقال ابن المنذر: [لولا حديث ابن مسعود (ثم ليتخير من الدعاء) لقلت بوجوبها] فتح الباري ٢/٤٦٥. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345772,"book_id":3840,"shamela_page_id":152,"part":"6","page_num":74,"sequence_num":152,"body":"٧٤ - صيغة التسليم من الصلاة\rيقول السائل: نسمع بعض المصلين عندما يسلم عن يمينه من الصلاة يقول: [السلام عليكم ورحمة الله وبركاته] ثم يسلم عن يساره بقوله:\rالجواب: ثبت التسليم عن النبي ﷺ ولفظه المتفق عليه عند أكثر أهل العلم هو السلام عليكم ورحمة الله [على اليمين] ثم السلام عليكم ورحمة الله [على الشمال] والسلام بهذا اللفظ وبدون زيادة لفظ [وبركاته] قد ورد عن جماعة من الصحابة ذكرهم العلامة ابن القيم في زاد المعاد ١/٢٥٨. ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الوارد في التسليم بدون زيادة [وبركاته] ونصه: أن الرسول ﷺ: (كان يسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله) رواه الترمذي وقال حسن صحيح والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. سنن الترمذي ٢/٩٠. وغيره من الأحاديث وجمهور أهل العلم على الاقتصار في التسليم على [السلام عليكم ورحمة الله] بدون زيادة [وبركاته] . وأما زيادة لفظة [وبركاته] فقد وردت في بعض الروايات فمن ذلك ما جاء في إحدى روايات حديث ابن مسعود السابق عند ابن حبان: (أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) فقد ورد في هذه الرواية زيادة [وبركاته] في التسليمة الثانية. وروى أبو داود بإسناده عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: (صليت مع النبي ﷺ فكان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة وبركاته وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله) ففي هذه الرواية وردت لفظة [وبركاته] في التسليمة الأولى. وقد ذكر الإمام النووي في المجموع وفي الخلاصة هذا الحديث بزيادة وبركاته في التسليمتين ثم قال: رواه أبو داود بإسناد صحيح. المجموع ٣/٣٧٩ والخلاصة ١/٤٤٤-٤٤٥. كما ذكر الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام رواية حديث وائل السابق بزيادة وبركاته في التسليمتين: (صليت مع النبي ﷺ فكان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) . ثم قال الحافظ ابن حجر: رواه أبو داود بإسناد صحيح. بلوغ المرام ص ٣٤٢. وقد علق الشيخ الألباني على ذلك بقوله: [ولكنهما - الووي وابن حجر - أورداه مع الزيادة في التسليمتين فلا أدري أذلك وَهمٌ منهما أو هو من اختلاف النسخ فإن الذي في نسختنا وغيرها من المطبوعات ليس فيه هذه الزيادة في التسليمة الثانية وهو الموافق لحديث ابن مسعود في مسند الطيالسي ...] ارواء الغليل ٢/٣٢ وانظر تمام المنة ص ١٧١. وما قاله الشيخ الألباني صحيح فلا يوجد في نسخة سنن أبي داود المطبوعة مع شرحه عون المعبود لفظة وبركاته في التسليمة الثانية. انظر عون المعبود ٣/٢٠٧. ولا توجد هذه اللفظة كذلك في نسخة سنن أبي داود المطبوعة مع شرحه المنهل العذب المورود ٦/١١٦. وخلاصة الأمر أن الثابت المشهور في التسليم من الصلاة أن يقول المصلي: [السلام عليكم ورحمة الله] في التسليمتين عن يمينه وعن يساره. وإن زاد [وبركاته] في التسليمة الأولى أحياناً فلا بأس به. انظر صفة صلاة النبي ﷺ ص ١٦٨. وقد اختار هذه الزيادة جماعة من الفقهاء والمحدثين كما في المجموع للنووي ٣/٤٧٨. وقال الصنعاني: [وحديث التسليمتين رواه خمسة عشر من الصحابة بأحاديث مختلفة ففيها صحيح وحسن وضعيف ومتروك وكلها بدون زيادة [وبركاته] إلا في رواية وائل هذه ورواية عن ابن مسعود عند ابن ماجة وعند ابن حبان ومع صحة إسناد حديث وائل كما قال المصنف - الحافظ ابن حجر - هنا يتعين قبول زيادته إذ هي زيادة عدل وعدم ذكرها في رواية غيره ليست رواية لعدمها ... وقد عرفت أن الوارد زيادة [وبركاته] وقد صحت ولا عذر عن القول بها وقال به السرخسي والإمام والروياني في الحلية. وقول ابن الصلاح: إنها لم تثبت قد تعجب منه المصنف وقال هي ثابتة عند ابن حبان في صحيحه وعند أبي داود وعند ابن ماجة قال المصنف: إلا أنه قال ابن رسلان في شرح السنن: لم نجدها في ابن ماجة. قلت - أي الصنعاني -: راجعنا سنن ابن ماجة من نسخة صحيحة مقروءة فوجدنا فيه ما لفظه: باب التسليم حدثنا ... (أن رسول الله ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن شماله حتى يرى بياض خده السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) انتهى بلفظه. وفي تلقيح الأفكار تخريج الأذكار للحافظ ابن حجر لما ذكر النووي أن زيادة وبركاته زيادة فردة ساق الحافظ طرقاً لزيادة وبركاته ثم قال هذه عدة طرق ثبتت بها وبركاته بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ أنها رواية فردة] انتهى كلامه. سبل السلام ١/٣٧٦-٣٧٧. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345773,"book_id":3840,"shamela_page_id":153,"part":"6","page_num":75,"sequence_num":153,"body":"٧٥ - يجوز إيقاف الهاتف النقال [البلفون] أثناء الصلاة\rيقول السائل: إنه نسي جهاز الهاتف النقال (البلفون) مفتوحاً ودخل في الصلاة مع الجماعة وأثناء الصلاة رنَّ الهاتف عدة مرات فهل يجوز له أن يوقفه خلال الصلاة أم يتركه. مع العلم أن الشخص الذي اتصل عليه قد يعيد الاتصال أكثر من مرة وفي ذلك إزعاج للمصلين فما قولكم؟\rالجواب: ينبغي أولاً على من يحمل الهاتف النقال (البلفون) أن يوقفه عن العمل عند دخوله المسجد سواء أكان ذلك في صلاة الجمعة أو غيرها من الصلوات. لأن احتمال أن يتصل به أحد قائم وفي الرنين الصادر من الهاتف إزعاج وتشويش على المصلين والمساجد لها حرمتها ولا ينبغي لأحد أن يشوش على من في المسجد سواء كانوا في صلاة أو ذكر أو قراءة قرآن أو سماع درس علم بأي نوع من أنواع التشويش والإزعاج. فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذي بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي وصححه الشيخ الألباني. إذا تقرر هذا فأقول إنه يجوز لحامل الهاتف النقال (البلفون) أن يوقفه عن العمل أثناء الصلاة وإن اقتضى ذلك أن يتحرك المصلي في صلاته فإن هذه الحركة مباحة على أقل تقدير إن لم تكن مستحبة نظراً للحاجة حيث إنه يترتب عليها منع ما يشوش على المصلين وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ: (أمَّ الناس في المسجد فكان إذا قام حمل أمامة بنت زينب وإذا سجد وضعها) رواه البخاري ومسلم. كما وأنه يجوز قتل الحية والعقرب في الصلاة وقد أمر النبي ﷺ بذلك. رواه أصحاب السنن وقال الإمام الترمذي حديث حسن. فيؤخذ من هذين الحديثين أن الحركة في الصلاة إن كانت لحاجة جائزةٌ ولا تبطل الصلاة أقول هذا مع التأكيد على إغلاق الهاتف عند الدخول إلى المسجد فإن نسيه مفتوحاً ورنَّ أثناء الصلاة فيغلقه ولا شيء عليه. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345774,"book_id":3840,"shamela_page_id":154,"part":"6","page_num":76,"sequence_num":154,"body":"٧٦ - صلاة الجماعة\rجذب مصل من الصف إذا كانت الصفوف مكتملة,\r\rيقول السائل: دخلت المسجد فوجدت الصفوف تامة فهل أقف وحدي خلف الصف أم أسحب أحد المصلين لأقف معه فما قولكم؟ الجواب: من دخل المسجد ووجد الصفوف تامة مكتملة فليحاول أن يقرّب بين اثنين من المصلين ليجد له فرجة حتى يقف فيها فإن تعذّر عليه ذلك صلى خلف الصف وحده وصلاته صحيحة إن شاء الله ولا شيء عليه لأنه معذور في ترك هذا الواجب وهو الوقوف في الصف. وأما جذب رجل من الصف فلا ينبغي لأن الحديث الوارد في ذلك ضعيف لا يثبت. وهو ما روي أنه ﷺ قال لرجل صلى خلف الصف: (أيها المصلي هلا دخلت في الصف أو جررت رجلاً من الصف أعد صلاتك) قال الحافظ ابن حجر رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي من حديث وابصة وفيه السري بن إسماعيل وهو متروك. ثم ذكر الحافظ حديثاً آخر وهو ضعيف أيضاً رواه أبو داود في المراسيل: (إن جاء رجل فلم يجد أحداً فليختلج إليه رجلاً من الصف فليقم معه فما أعظم أجر المختلج) ثم ذكر حديثاً واهي الإسناد أيضاً. التلخيص الحبير ٢/٣٧. وضعف الحديث الأول البيهقي والهيثمي والألباني. انظر إرواء الغليل ٣/٣٢٦. وضعف الألباني الحديث الثاني أيضاً. انظر إرواء الغليل ٣/٣٢٨. ثم قال الشيخ الألباني: (إذ لم يستطع الرجل أن ينضم إلى الصف فصلى وحده فهل تصح صلاته؟ الأرجح الصحة والأمر بالإعادة محمول على من لم يستطع القيام بواجب الانضمام وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ...] إرواء الغليل ٢/٣٢٩.\r\rوخلاصة الأمر أنه لا ينبغي لمن لم يستطع الانضمام إلى الصف أن يجذب رجلاً لما في ذلك من المفاسد منها سحب رجل من المكان الفاضل إلى المكان المفضول ومنها التشويش على الشخص المسحوب ومنها ترك فرجة في الصف. انظر فتاوى منار الإسلام ١/٢٣٥. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345775,"book_id":3840,"shamela_page_id":155,"part":"6","page_num":77,"sequence_num":155,"body":"٧٧ - صلاة الجماعة\rلا يجوز ترك صلاة الجماعة إذا رفض الإمام الجمع بين الصلاتين,\r\rيقول السائل: ما حكم المصلي الذي طلب من إمام المسجد أن يجمع بين المغرب والعشاء مع العلم أنه لم يكن هنالك مطر فلم يجبه الإمام إلى طلبه فخرج من المسجد دون أن يصلي لأن إمام المسجد لم ينو الجمع بين المغرب والعشاء؟ الجواب: لا ينبغي لهذا المصلي أن يخرج من المسجد ويترك صلاة الجماعة لأن إمام المسجد رفض طلبه في الجمع بين المغرب والعشاء. ويجب أن يعلم أن المصلين يتبعون الإمام في هذه المسألة فإذا جمع الإمام جمعوا وإذا لم يجمع الإمام لا ينبغي لأحد أن يجمع لأن في ذلك افتياتاً على إمام المسجد والرسول ﷺ يقول: (إنما جعل الإمام ليؤتم به ...) رواه البخاري ومسلم. وإمام المسجد هو السلطان في المسجد فلا يجوز لأحد أن يتعدى على سلطانه. كما أنه قد ورد النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر شرعي فقد روى مسلم بإسناده عن أبي الشعثاء قال: (كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . قال الإمام النووي: [فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصليَ المكتوبة] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/١٥٧. وروى مالك أن بلغه أن سعيد بن المسيب قال: [يقال: لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا أحد يريد الرجوع إليه إلا منافق] . قال الحافظ ابن عبد البر: [وهذا لا يقال مثله من جهة الرأي ولا يكون إلا توقيفاً وقد روي معناه مسنداً عن النبي ﷺ] فتح المالك ٣/٢١٦. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق) رواه الطبراني في الأوسط ورواته محتج بهم في الصحيح قاله الإمام المنذري وقال الشيخ الألباني: صحيح. وعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق) رواه ابن ماجة وقال الشيخ الألباني صحيح. انظر صحيح الترغيب والترهيب ص١٠٧. وقال الحافظ ابن عبد البر معلقاً على حديث أبي هريرة ﵁ الذي ذكرته أولاً: [أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يصل وكان على طهارة] . فتح المالك ٣/٢١٧. وهذا الملي الذي خرج من المسجد لكون الإمام لم ينو الجمع بين المغرب والعشاء قد أخطأ لأن عدم الجمع بين المغرب والعشاء من الإمام ليس عذراً في الخروج من المسجد وترك صلاة الجماعة والجمع رخصة إن وجد سببها. وأخيراً على هذا المصلي أن يتوب ويستغفر الله ﷾ وألا يعود لمثل ذلك. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345776,"book_id":3840,"shamela_page_id":156,"part":"6","page_num":78,"sequence_num":156,"body":"٧٨ - صلاة الجماعة\rالاقتداء بالإمام المخالف في المذهب,\r\rيقول السائل: إنه صلى الفجر في أحد المساجد فقنت الإمام في صلاة الفجر والسائل لا يقنت في صلاة الفجر لأنه يقلد إماماً لا يرى القنوت في صلاة الفجر فما قولكم؟ الجواب: اتفق أكثر أهل العلم على صحة الإقتداء بالإمام المخالف في الفروع فإذا صلى أحد أتباع المذاهب خلف غيره من المذاهب الأخرى فالصلاة صحيحة وهذا هو الراجح في هذه المسألة. والاختلاف في الفروع معروف منذ عهد الرسول ﷺ وقد اختلف الصحابة ﵃ في الفروع وكانوا يصلون خلف بعضهم بعضاً وهذا هو منهج الأئمة المعتبرين من علماء المسلمين. قال الشيخ ولي الله الدهلوي: [وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرؤها ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها وكان منهم من يقنت في الفجر ومنهم من لا يقنت في الفجر ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ومنهم من لا يتوضأ من ذلك. ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم ﵃ يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سراً ولا جهراً. وصلى الرشيد إماماً وقد احتجم فصلى الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد. وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له: [فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب] . وروي أن أبا يوسف ومحمداً كانا يكبّران في العيدين تكبير ابن عباس لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده. وصلى الشافعي ﵀ الصبح قريباً من مقبرة أبي حنيفة ﵀ فلم يقنت تأدباً معه وقال أيضاً: [ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق] . وفي البزازية عن الإمام الثاني - وهو أبو يوسف ﵀ أنه صلى يوم الجمعة مغتسلاً من الحمام وصلى بالناس وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام فقال: إذاً نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً. وسئل الإمام الخجندي ﵀ عن رجل شافعي المذهب ترك صلاة سنة أو سنتين ثم انتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة رحم الله كيف يجب عليه القضاء أيقضيها على مذهب الشافعي أم على مذهب أبي حنيفة؟ فقال: [على أي المذهبين قضى بعد أن يعتقد جوازها جاز] . وفي جامع الفتاوى أنه إن قال حنفي إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثاً ثم استفتى شافعياً فأجاب أنها لا تطلق ويمينه باطل فلا بأس باقتدائه بالشافعي في هذه المسألة لأن كثيراً من الصحابة في جانبه. قال محمد ﵀ في أماليه: [لو أن فقيهاً قال لامرأته: أنت طالق البتة وهو ممن يراها ثلاثاً ثم قضى عليه قاض بأنها رجعية وسعه المقام معها ...] حجة الله البالغة ١/٢٩٥-٢٩٦. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية قصة جرت لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة عندما استخلفه الخليفة في صلاة الجمعة فصلى بالناس ثم ذكر أنه كان محدثاً فأعاد ولم يأمر الناس بالإعادة فقيل له في ذلك فقال: [ربما ضاق علينا الشيء فأخذنا بقول إخواننا المدنيين ...] . ثم قال شيخ الإسلام: [ثم من المعلوم بالتواتر عن سلف الأمة أن بعضهم ما زال يصلي خلف بعض ... فما زال الشافعي وأمثاله يصلون خلف أهل المدينة وهم لا يقرؤون البسملة سراً ولا جهراً] . ومن المأثور أن الرشيد احتجم فاستفتى مالكاً فأفتاه بأنه لا وضوء عليه فصلى خلفه أبو يوسف ومذهب أبي حنيفة وأحمد أن خروج النجاسة من غير السبيلين ينقض الوضوء ومذهب مالك والشافعي أنه لا ينقض الوضوء فقيل لأبي يوسف: [أتصلي خلفه؟ فقال: سبحان الله! أمير المؤمنين!] . فإنَّ ترك الصلاة خلف الأئمة لمثل ذلك من شعائر أهل البدع كالرافضة والمعتزلة.\r\rولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا فأفتى بوجوب الوضوء فقال له السائل: [فإن كان الإمام لا يتوضأ أصلي خلفه؟ فقال: سبحان الله! ألا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك بن أنس؟!] . إذا تقرر هذا فإن على المأموم أن يتابع إمامه في القنوت لعموم قول الرسول ﷺ: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ...الحديث) رواه البخاري ومسلم. وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة: [لو صلى الفجر خلف إمام يقنت يتابعه لئلا يخالف إمامه] الاختيار لتعليل المختار ١/٥٥. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345777,"book_id":3840,"shamela_page_id":157,"part":"6","page_num":79,"sequence_num":157,"body":"٧٩ - الدعاء والقنوت\rالدعاء المشروع في القنوت،\r\rيقول السائل: ما هو الدعاء المشروع في القنوت وماذا يقول المأمومون عند الدعاء؟ الجواب: ثبت القنوت عن رسول الله ﷺ في صلاة الوتر وفي الصلوات الخمس إذا نزلت بالمسلمين نازلة وقنت النبي ﷺ في الفجر ثم تركه لذا فإنه ليس من السنة المداومة على القنوت في الفجر. وقد صح عن النبي ﷺ الدعاء التالي في القنوت وهو عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ قال: (علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت لا منجا منك إلا إليك) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم وقال الترمذي: (حديث حسن ... ولا نعرف في القنوت شيئاً أحسن من هذا الدعاء) وصححه جماعة من المحدثين. انظر صفة الصلاة ص ١٦١ والخلاصة ١/٤٥٥. وجاء في رواية عند النسائي قال: (تباركت وتعاليت وصلى الله على النبي) قال النووي: وإسناده حسن أو صحيح. الخلاصة ١/٤٥٨ والأذكار ص ٤٩. وقد ذكر الإمام النووي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقنت بهذا الدعاء: (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخلع من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجدّ بالكفار ملحق، اللهم عذّب الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، وللمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك ﷺ، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق واجعلنا منهم) الأذكار ص ٤٩. وجاء في رواية أخرى عن عمر أنه قنت بعد الركوع فقال: (اللهم اغفر لنا، وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك، وعدوهم. اللهم العن كفرة أهل الكتاب، الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين، سم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونثني عليك، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك الجد، ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق) الخلاصة ١/٤٥٨-٤٥٩. قال البيهقي: وهو صحيح عن عمر. قال الإمام النووي: [هذه إحدى روايات البيهقي التي اختارها ورجحها على غيرها] الخلاصة ١/٤٥٩. قال الشيخ الألباني: [ولا بأس من جعل القنوت بعد الركوع ومن الزيادة عليه لعن الكفرة والصلاة على النبي ﷺ والدعاء للمسلمين في النصف الثاني من رمضان لثبوت ذلك عن الأئمة في عهد عمر ﵁ فقد جاء في آخر حديث عبد الرحمن بن عبدٍ القاري: وكانوا يلعنون الكفرة في النصف. اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يوفون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق. ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير ثم يستغفر للمؤمنين ...] قيام رمضان ص٣١-٣٢ ويجهر الإمام بهذه الأدعية فقد صح الحديث في ذلك فقد روى أبو هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ جهر بالقنوت في قنوت النازلة) رواه البخاري. ويؤَمّن المصلون بعد دعاء الإمام فقد ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة يدعو على أحياء بني سليم ويؤَمّن من خلفه) رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح كما قال الإمام النووي. الخلاصة ١/٤٦١. قال بعض أهل العلم: [ولم يرد عن صحابة رسول الله ﷺ حال القنوت في الصلاة إلا التأمين ومن أخطاء المأمومين زيادة عبارات لم يرد بها الأثر وإنما هي مجرد نظر من مثل قولهم \"حق\" و \"أشهد\" وكذلك قلب أياديهم عند الدعاء على الكفرة أو عند الدعاء برفع الشر والبلاء] القول المبين ص ١٣٢. وقال بعض أهل العلم أيضا: [وتقليب أيديهم في دعاء القنوت عند قولهم إنه: \" لا يذل من واليت \" بدعة وحركة في الصلاة سيئة وقولهم \"حق، حق\" أثناء قراءة الإمام للقنوت بدعة إن لم تكن مفسدة للصلاة فأقل أحوالها الكراهة ...] السنن والمبتدعات ص ٦٢.\r\rوتقليب الكفين عند الدعاء ثبت عن النبي ﷺ في صلاة الاستسقاء خاصة ولعل الحكمة في الإشارة بظهر الكفين في الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقليب الحال كما قيل في تحويل الرداء. قاله الشوكاني في نيل الأوطار ٤/١٠. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345778,"book_id":3840,"shamela_page_id":158,"part":"6","page_num":80,"sequence_num":158,"body":"٨٠ - صلوات الأيام والليالي المكذوبة\rيقول السائل: أطلعني أحد الأصدقاء على نشرة يوزعها الناس بعنوان \" أدعية مختارة \"تتضمن عدداً من أدعية الاستغفار وصلوات على النبي ﷺ ومجموعة من الأحاديث في فضل الصلاة على النبي ﷺ ومجموعة أخرى من الأحاديث في صلوات الأيام والليالي.\rالجواب: من المعلوم عند أهل العلم أن الكذب على رسول الله ﷺ قد انتشر انتشاراً كبيراً وقد كانت الدوافع وراء ذلك الكذب على الرسول ﷺ عديدة كالزندقة والتعصب المذهبي أو لغرض دنيوي أو نحو ذلك. وكان من أخطر دوافع الكذب على الرسول ﷺ ما قام به جماعة من الزهاد والعباد الذين أرادوا أن يحثوا الناس على فعل الخيرات كما زعموا فكذبوا الأحاديث في الترغيب والترهيب. قال العلامة اللكنوي مبيناً أصناف الكذابين على الرسول ﷺ: [...الثالث قوم كانوا يضعون الأحاديث في الترغيب والترهيب ليحثوا الناس على الخير ويزجروهم عن الشر وأكثر أحاديث صلوات الأيام والليالي من وضع هؤلاء ومن هؤلاء من كان يظن أن هذا جائز في الشرع لأنه كذب للنبي ﷺ لا عليه ...] الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص ١٥. ثم نقل اللكنوي عن أحد الكذابين على الرسول ﷺ والذي اخترع مجموعة من الأحاديث في فضائل القرآن سورة سورة فقال: [إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة ...] المصدر السابق ص ١٥. أقول: وكاتب هذه النشرة محل السؤال من هذا الصنف فإنه كما يزعم يرغب الناس في الذكر والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ ويرغبهم في صلوات محددة لكل ليلة من ليالي الأسبوع وكل ذلك بواسطة ذكر أحاديث مكذوبة على الرسول ﷺ وما درى هذا المغفل أن الكذب على الرسول ﷺ من كبائر الذنوب وأنه لا فرق بين الكذب على رسول الله ﷺ والكذب له كما زعم جهلة العباد والزهاد. وأسوق لك أخي القارئ بعض الأحاديث المكذوبة في صلوات الأيام والليالي كما ذكرها كاتب النشرة ثم أبين كلام العلماء فيها: ١. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى ليلة الجعة ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الزلزلة خمس عشرة مرة فإذا فرغ من صلاته يقول: \" يا حيّ يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام \" مائة مرة آمنه الله من عذاب القبر وظلمته وضيقه ومن أهوال يوم القيام ولا يقوم من مقامه لا جائعاً ولا ظمآناً ويكسى حلة من النور ولا يخرج من الدنيا حتى يرى مقعده في الجنة) . ٢. عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى ليلة السبت ست ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الإخلاص إحدى وثلاثين مرة أخرج الغل والمكر والوسواس والعجب والرياء من قلبه ويجمع الله في قلبه النور والرحمة والرأفة ويلبسه يوم القيامة المغفرة ويبقى وجهه كالقمر ليلة البدر ويبنى له بكل ركعة قصراً في الجنة) . ٣. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى ليلة الأحد ست ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الإخلاص سبع مرات أعطاه الله ثواب الشاكرين والصابرين وأعمال المطيعين وكتب الله له عبادة سنتين ولا يقوم من مقامه إلا مغفوراً له ولا يخرج من الدنيا حتى يرى مقعده من الجنة) . ٤. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى ليلة الاثنين عشر ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وآية الكرسي مرة فينادي منادي يوم القيامة أين فلان بن فلانة يقوم يأخذ ثوابه من الله تعالى فأول ما يعطيه من الثواب ألف حلة من النور ويتوج بتاج من نور ويدخل الجنة مع الصديقين والشهداء والصالحين ويستقبله ألف مَلَكْ يسير كل مَلَكٍ بهدية وترون له ألف قصر من النور يتلألأ) . ٥. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى ليلة الثلاثاء ست ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الإخلاص والمعوذتين فإذا فرغ من صلاته يقول: \" لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت أبداً بيده الخير وهو على كل شيء قدير \" سبعين مرة أعطاه الله بكل حرف عشر حوريات من الحور العين على كل واحدة منهن سبعون حلة من النور ويبني له عشر مدينات في كل مدينة ألف قصر وله من الثواب ما لا يصفه الواصفون) . ٦. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى ليلة الأربعاء أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الإخلاص مائة مرة فإذا فرغ من صلاته ينام ووجهه إلى القبلة فإنه يراني وكأنما اشترى نفسه من الله تعالى) . ٧. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى ليلة الخميس ثماني ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الإخلاص عشر مرات فإذا فرغ من صلاته يقول: \" لا إله إلا الله الملك الحق المبين محمد رسول الله الصادق الوعد الأمين \" مائة مرة بنى الله له في الجنة ثمانمائة قصر من ياقوتة حمراء ويصرف عنه كل شيطان مريد) . هكذا وردت هذه الأحاديث المكذوبة في النشرة المشار إليها. وقد وردت عدة روايات أخرى كثيرة لهذه الأحاديث المكذوبة في بعض الكتب وقد بين المحققون من علماء الحديث حال هذه الأحاديث وبينوا أنها مكذوبة على رسول الله ﷺ. قال العلامة ابن القيم مبيناً الأمور الكلية التي يعرف بها كون الحديث موضوعاً أي مكذوباً على رسول الله ﷺ فقال: [ومنها أحاديث صلوات الأيام والليالي كصلاة يوم الأحد وليلة الأحد ويوم الاثنين وليلة الاثنين إلى آخر الأسبوع كل أحاديثها كذب ...] المنار المنيف ص ٩٥. وقال العلامة ابن القيم في موضع آخر مبيناً كذب أحاديث صلوات الأيام والليالي: [ومن ذلك حديث: من صلى يوم الأحد أربع ركعات بتسليمة واحدة يقرأ في كل ركعة (الحمد لله ...) و (آمن الرسول ...) كتب الله له ألف حجة وألف عمرة وألف غزوة وبكل ركعة ألف صلاة وجعل بينه وبين النار ألف خندق ...] فقبح الله واضعه ما أجرأه على الله ورسوله. [ومن ذلك حديث: من صلى ليلة الأحد أربع ركعات يقرأ في كلى ركعة فاتحة الكتاب مرة و (قٌلْ هُوَ الله أَحَدْ) خمس عشرة مرة أعطاه الله يوم القيامة ثواب من قرأ القرآن عشر مرات وعمل بما في القرآن ويخرج يوم القيامة من قبره ووجه مثل القمر ليلة البدر ويعطيه الله بكل ركعة ألف مدينة من لؤلؤ في كل مدينة ألف قصر من زبرجد في كل قصر ألف دار من ياقوت في كل دار ألف بيت من المسك في كل بيت ألف سرير ...] واستمر هذا الكذاب الأشر على الألف. [ومن ذلك حديث: من صلى ليلة الاثنين ست ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وعشرين مرة (قٌلْ هُوَ الله أَحَدْ) ويستغفر الله بعد ذلك عشرة مرات أعطاه الله يوم القيامة ثواب ألف صدّيق وألف عابد وألف زاهد ...] فقبح الله واضعه ومختلقه على رسول الله ﷺ وهو من عمل الجويباري الخبيث. [ومن ذلك حديث: من صلى يوم الاثنين أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وآية الكرسي مرة و (قٌلْ هُوَ الله أَحَدْ) مرة و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِ الفَلَقْ) مرة كفرت ذنوبه كلها وأعطاه الله قصراً إلى الجنة من درة بيضاء في جوف القصر سبعة أبيات طول كل بيت ثلاثة آلاف ذراع ...] . واستمر هذا الكذاب الخبيث على حديث طويل فيه من هذه المجازفات!! وهو من عمل الحسين بن إبراهيم كذاب يروي عن محمد بن طاهر وضع من هذا الضرب أحاديث صلاة يوم الأحد وليلة الأحد وصلاة يوم الاثنين وليلة الاثنين ويوم الثلاثاء وليلة الثلاثاء وهكذا في سائر أيام الأسبوع ولياليه. المنار المنيف ص ٤٨-٥٠. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر طائفة من الأحاديث المكذوبة: [... وأشد من ذلك ما يذكره بعض المصنفين في الرقائق والفضائل في الصلوات الأسبوعية والحولية كصلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت المذكورة في كتاب أبي طالب وأبي حامد وعبد القادر غيرهم. وكصلاة الألفية التي في أول رجب ونصف شعبان والصلاة الإثني عشرية التي في أول ليلة جمعة من رجب والصلاة التي في ليلة سبع وعشرين من رجب وصلوات أخرى تذكر في الأشهر الثلاثة وصلاة ليلتي العيدين وصلاة يوم عاشوراء وأمثال ذلك من الصلوات المروية عن النبي ﷺ مع اتفاق أهل المعرفة بحديثه ﷺ أن ذلك كذب عليه ...] مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٤/٢٠١-٢٠٢. وقال شارح إحياء علوم الدين: [وليس يصح في صلوات أيام الأسبوع ولياليه شيء] .\r\rوقد ضعف الحافظ العراقي أحاديث صلوات الليالي والأيام التي ذكرها الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين. انظر تخريج العراقي لأحاديث إحياء علوم الدين ١/١٩٨-٢٠١. وأخيراً ينبغي التنبيه على أن الأحاديث الصحيحة في الترغيب والترهيب تغنينا عن هذه الموضوعات والمكذوبات على رسول الله ﷺ. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345779,"book_id":3840,"shamela_page_id":159,"part":"6","page_num":81,"sequence_num":159,"body":"٨١ - التنكيس حقيقته وحكمه\rيقول السائل: ما هو التنكيس في قراءة القرآن الكريم وما حكمه؟\rالجواب: التنكيس مأخوذ من النكس وهو قلب الشيء ورده وجعل أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره. والتنكيس في قراءة القرآن له معنيان هما: ١. أن يبدأ من آخره أي من المعوذتين ثم يرتفع إلى البقرة ويختم بالفاتحة. ٢. أن يبدأ من آخر السورة فيقرأها إلى أولها مقلوباً. تاج العروس ٩/٢٢. إذا تقرر هذا فينبغي أن يعلم أن السنة لقارئ القرآن سواء أكان في الصلاة أم خارجها أن يقرأ حسب ترتيب السور في المصحف. قال الإمام النووي: [قال العلماء: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف فيقرأ الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران ثم ما بعدها على الترتيب سواء قرأ في الصلاة أو في غيرها حتى قال بعض أصحابنا: إذا قرأ في الركعة الأولى سورة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِ النَاسِ) يقرأ في الثانية بعد الفاتحة من البقرة. قال بعض أصحابنا: يستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ التي تليها ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة فينبغي أن يحافظ عليها ...] التبيان في آداب حملة القرآن ص٥١-٥٢. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والمستحب أن يقرأ في الركعة الثانية سورة بعد السورة التي قرأها في الركعة الأولى في النظم لأن ذلك هو المنقول عن النبي ﷺ] المغني ١/٣٥٦. فإذا لم يلتزم القارئ في قراءته بترتيب السور في القرآن الكريم فقرأ في الركعة الثانية سورة تقع في المصحف قبل السورة التي قرأها في الركعة الأولى جازت قراءته ولا شيء في ذلك وصلاته جائزة باتفاق العلماء. فقد ثبت في الحديث عن حذيفة ﵁ قال: [صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلاً إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح وإذا مرّ بسؤال سأل وإذا مرّ بتعوذ تعوذ ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه] رواه مسلم. ففي هذا الحديث نرى أن النبي ﷺ قرأ النساء ثم آل عمران وهذا على خلاف ترتيب المصحف وهو يدل على جواز ترك الترتيب ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام البخاري: [أن الأحن قرأ بالكهف في الأولى وفي الثانية بيوسف أو يونس وذكر أنه صلى مع عمر ﵁ الصبح بهما] رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به. صحيح البخاري مع الفتح ٢/٣٩٩. قال القاضي عياض: [لا خلا ف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٣٩٥. وبهذا يظهر لنا أن التنكيس بالمعنى الأول وهو أن يقرأ في الركعة الثانية بسورة قبل التي قرأ في الركعة الأولى جائز إن شاء الله ولا كراهة فيه والأولى أن تكون قراءته حسب ترتيب المصحف.\r\rوأما التنكيس بالمعنى الثاني وهو أن يبدأ من آخر السورة فيقرؤها إلى أولها مقلوباً فقد ذكر كثير من أهل العلم أن ذلك محرم. قال الإمام النووي: [وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فممنوع منعاً متأكداً فإنه يذهب بعض ضروب الإعجاز ويزيل حكمة ترتيب الآيات] التبيان في آداب حملة القرآن ص ٥٢. وهذا التنكيس الممنوع هو الذي حمل عليه قول ابن مسعود: [عندما سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوساً. قال: ذلك منكوس القلب] رواه الطبراني بإسناد جيد ورواه ابن أبي داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي في التبيان ص ٥٢. قال القاضي عياض: [وتأول نهي بعض السلف عن قراءة القرآن منكوساً على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٣٩٥. وقال ابن مفلح: [وتنكيس الكلمات محرم مُبْطِل] أي مُبْطِل للصلاة. الفروع ١/٤٢٢. وقال الدسوقي: [وحَرُمَ تنكيس الآيات المتلاصقة في ركعة واحدة وأبطل الصلاة لأنه ككلام أجنبي] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/٢٤٢. وقال القرطبي: [وأما ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوساً وقالا: ذلك منكوس القلب.\r\rفإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة ويبتدئ من آخرها إلى أولها لأن ذلك حرام محظور ومن الناس من يتعاطى هذا في القرآن والشعر ليذلل لسانه بذلك ويقدر على الحفظ وهذا حظره الله تعالى ومنعه في القرآن لأنه إفساد لسوره ومخالفة لما قصد بها] تفسير القرطبي ١/٦١. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345780,"book_id":3840,"shamela_page_id":160,"part":"6","page_num":82,"sequence_num":160,"body":"٨٢ - المساجد\rالعمل المشروع عند دخول المسجد،\r\rيقول السائل: ما هو المسنون والمشروع في حق من يدخل المسجد هل يصلي تحية المسجد أولاً ثم يسلم على من فيه أم أنه يبدأ بالسلام على الموجودين فيه ثم يصلي تحية المسجد؟ الجواب: المشروع والمسنون في حق الداخل إلى المسجد أن يدخل برجله اليمنى لأنها السنة فقد كان الرسول ﷺ يحب التيامن في كل أموره. ويقول الداخل للمسجد أحد الأذكار الواردة في الأحاديث التالية: ١. قال ﷺ: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك) رواه مسلم. ٢. كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد يقول: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) رواه أبو داود وإسناده صحيح وحسنه النووي. الأذكار ص ٢٦. ٣. وكان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلَّى على محمد وعلى آله وسلم ثم يقول: (اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك) رواه أبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح قاله الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٩٣. وبعد ذلك يسن على التأكيد في حق الداخل إلى المسجد أن يصلي ركعتين تحية المسجد فقد ثبت أن الرسول ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) رواه البخاري. وفي حديث آخر عن أبي قتادة ﵁ قال: (دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس. قال: فجلست فقال رسول الله ﷺ: ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ قال: فقلت: يا رسول الله رأيتك جالساً والناس جلوس. قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) رواه مسلم. فإذا صلى الداخل تحية المسجد طرح السلام على من كان فيه بصوت خفيض حتى لا يشوش على المصلين والذاكرين لأنه لا ينبغي رفع الصوت في المسجد. قال العلامة ابن القيم: [ومن هديه ﷺ أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد ثم يجيء فيسلم على القوم فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله فإن تلك حق الله تعالى والسلام على الخلق هو حق لهم وحق الله في مثل هذا أحق بالتقديم بخلاف الحقوق المالية فإن فيها نزاعاً معروفاً والفرق بينهما حاجة الآدمي وعدم اتساع الحق المالي لأداء الحقين بخلاف السلام. وكانت عادة القوم معه هكذا يدخل أحهم المسجد فيصلي ركعتين ثم يجيء فيسلم على النبي ﷺ ولهذا جاء في حديث رفاعة بن رافع أن النبي ﷺ بينما هو جالس في المسجد يوماً قال رفاعة: ونحن معه إذا جاء رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته ثم انصرف فسلم على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: (وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل ...) وذكر الحديث فأنكر عليه صلاته ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه ﷺ إلى ما بعد الصلاة. وعلى هذا: فيسن لداخل المسجد إذا كان فيه جماعة ثلاث تحيات مترتبة: أن يقول عند دخوله: بسم الله والصلاة على رسول الله ثم يصلي ركعتين تحية المسجد ثم يسلم على القوم] زاد المعاد ٢/٤١٣-٤١٤. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345781,"book_id":3840,"shamela_page_id":161,"part":"6","page_num":83,"sequence_num":161,"body":"٨٣ - المساجد\rوضع جهاز لقتل الحشرات في المسجد,\r\rيقول السائل: وضع في المسجد الذي أصلي فيه جهاز كهربائي لقتل الذباب والناموس فاعترض بعض المصلين على ذلك مستندين إلى ما ورد في الحديث الشريف من قول الرسول ﷺ: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) ، فما قولكم؟ الجواب: لا شك أن الذباب والناموس من الحشرات الضارة التي يسعى الإنسان إلى التخلص منها بشتى الوسائل والسبل وهذا أمر مشروع وجائز بل مطلوب شرعاً لما في القضاء على هذه الحشرات من النفع للإنسان ودفع الضرر عنه وخاصة إذا كانت أعدادها كبيرة. وقد قرر العلماء جواز قتل كل حيوان مؤذ. والقضاء على هذه الحشرات جائز فيما أرى بأي وسيلة تتخذ لذلك سواء كان عن طريق رشها بالمبيدات الحشرية أو باستخدام الأجهزة الكهربائية أو غير ذلك وأعتقد أن قتلها بواسطة الجهاز الكهربائي المشار إليه في السؤال لا بأس فيه ولا حرج في ذلك ولا يدخل استعماله تحت الحديث المشار إليه. وأصل هذا الحديث هو ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: (بعثنا رسول الله ﷺ في بعث، فقال: إذا وجدتم فلاناً وفلاناً - وهما من كفار قريش - فأحرقوهما بالنار. ثم قال ﷺ حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً وإن النار لا يُعَذِبُ بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما) . فقتل الذباب والناموس بالجهاز الكهربائي لا يدخل في هذا النهي الوارد في الحديث لأنه يطلب شرعاً قتل الحيوانات والحشرات الضارة. وبناءاً على ما سبق لا حرج في وضع الجهاز المذكور في المسجد وينبغي وضعه في مؤخرة المسجد مثلاً حتى لا يشغل المصلين عن صلاتهم لأنه لا يجوز وضع شيء في المسجد فيه تشويش على المصلين. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345782,"book_id":3840,"shamela_page_id":162,"part":"6","page_num":84,"sequence_num":162,"body":"٨٤ - المساجد\rحكم بناء مسجد وجعل أعلاه مسكناً,\r\rيقول السائل: يريد شخص أن يتبرع بقطعة أرض لبناء مسجد عليها ولكنه يشترط أن يكون سطح المسجد ملكاً له ليبني عليه مسكناً له فما قولكم في ذلك؟ الجواب: لا شك أن التبرع بقطعة أرض ليقام عليها مسجد عمل مبرور ومن أعمال الخير ويعد مشاركة في بناء المسجد وجزى الله هذا المتبرع خير الجزاء. وقد ورد عن الرسول ﷺ أحاديث كثيرة في فضل بناء المساجد والمشاركة في بنائها فمن ذلك: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من بنى لله مسجداً قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه ابن حبان والبزار والطبراني في الصغير وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. وهذا الحديث يدل على المشاركة في بناء المسجد لأن مفحص القطاة لا يكفي ليكون مسجداً. ومفحص القطاة هو المكان الذي تفحصه القطاة لتضع فيه بيضها وترقد عليه. وعن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً صغيراً كان أو كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علَّمه ونشره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي وقال الشيخ الألباني: وإسناد ابن ماجة حسن. انظر صحيح الترغيب والترهيب ص ١٠٩-١١١. إذا تقرر هذا فأقول إن المسجد في الإسلام له مكانته الخاصة وله أحكامه الخاصة فلا ينبغي أن يكون سطح المسجد مسكناً وإنما ينبغي أن يكون المسجد مستقلاً فإذا بني على ظهر المسجد مسكن فإن ذلك قد يحدث تشويشاً على المصلين كما أن بعض الفقهاء يرون أن هواء المسجد يعتبر مسجداً وإلى عنان السماء وبالتالي يمنعون السكن فوقه لأن الساكن فوق المسجد تقع منه أمور طبيعية لا تفعل في المسجد مطلقاً. قال صاحب الدر المختار من علماء الحنفية: [وكره تحريماً الوطء فوقه والبول والتغوط لأنه مسجد إلى عنان السماء] الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١/٦٥٦. وقال الإمام بدر الدين الزركشي: [كره مالك أن يبني مسجداً ويتخذ فوقه مسكناً يسكن فيه بأهله. قلت - أي الزركشي -: وفي فتاوى البغوي ما يقتضي منع مكوث الجنب فيه لأنه جعل ذلك هواء المسجد وهواء المسجد حكمه حكم المسجد] إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ٢٨٣. وبمناسبة الحديث عن بناء المساجد لا بد من التنبيه إلى أن كثيراً من المساجد التي تبنى في أيامنا هذه يلاحظ فيها المبالغة في البناء وإنفاق الأموال الطائلة في زخرفة المسجد وتزيينه حتى سمعنا عن بعض المساجد التي كلف الواحد منها مئات الملايين مع أن الناس يعانون من الفقر في تلك البلاد فكان أولى أن تنفق تلك الأموال لسد حاجات الناس الضرورية. ويجب أن يعلم أنه ليس من منهج الإسلام الصحيح المبالغة في بناء المسجد ولا إنفاق الملايين عليه مباهاةً وتفاخراً. وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ في الحديث عن ذلك فقد جاء في الحديث عن أنس أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد وصححه ابن خزيمة وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/١٢٣٧. وقال الشيخ الشوكاني: [أي يتفاخرون في بناء المساجد والمباهاة بها] نيل الأوطار ٢/١٦٩. وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب بنيان المسجد وقال أبو سعيد: كان سقف المسجد من جريد النخل. وأمر عمر ببناء المسجد وقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمِّر أو تصَفّر فتفتن الناس. وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً] . وقال الحافظ ابن حجر قوله: [ثم لايعمرونها: المراد به عمارتها بالصلاة وذكر الله وليس المراد به بنيانها ...] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٢/٨٥-٨٦.\r\rوخلاصة الأمر أنه يجب الاقتصاد عند بناء المسجد فليس هنالك داع للزخارف الفخمة والثريات الباهظة الثمن والقباب المذهبة والمآذن الطويلة بل يجب أن يكون المسجد في غاية البساطة مع الاتساع وتوفر المرافق المريحة للمصلين كالحمامات النظيفة ووسائل التبريد والتدفئة والإضاءة الجيدة وغير ذلك فإذا اقتصدنا في بناء المسجد فإن الأموال الفائضة يمكن أن نبني بها مسجداً آخر فعوضاً عن صرف الملايين على مسجد واحد يمكن بناء مساجد عديدة في مناطق بحاجة للمسجد. وأخيراً أذكر حديث الرسول ﷺ: (ما أمرت بتشييد المساجد) رواه أبو داود وابن حبان وصححه. قال الإمام البغوي: (والمراد من التشييد: رفع البناء وتطويله ومنه قوله ﷾: (فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) وهي التي طول بناؤها ... وقال أبو الدرداء ﵁: إذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مساجدكم فالدمار عليكم) شرح السنة ٢/٣٤٩-٣٥٠. وقال ابن رسلان معلقاً على حديث الرسول ﷺ السابق: [وهذا الحديث فيه معجزة ظاهرة إخباره ﷺ عما يقع بعده فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس بأخذهم أموال الناس ظلماً وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع نسأل الله السلامة والعافية] نيل الأوطار ٢/١٦٨. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345783,"book_id":3840,"shamela_page_id":163,"part":"6","page_num":85,"sequence_num":163,"body":"٨٥ - المساجد\rحكم دخول الحائض للمسجد, تقول السائلة: هل يجوز للمرأة الحائض دخول المسجد لحضور دروس العلم؟\rالجواب: إن دخول الحائض للمسجد ممنوع عند أكثر الفقهاء وعمدتهم في المنع ما روي في الحديث عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب) رواه أبو داود وابن ماجة. وفي سنده كلام كثير لأهل الحديث وسيأتي بعضه. وبعض أهل العلم احتج على منع الحائض من دخول المسجد بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) سورة النساء الآية ٤٣. ومع أن هذه الآية لم تذكر الحائض إلا أنهم ألحقوها بالجنب. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز دخول الحائض للمسجد وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه وهو قول المزني صاحب الإمام الشافعي وبه قال الإمام داود وابن حزم الظاهريان. وقال الإمام أحمد في رواية أخرى إن للحائض دخول المسجد إن توضأت وأمنت تلويث المسجد. انظر الإنصاف ١/٣٤٧. واختار هذا القول العلامة المحدّث الشيخ ناصر الدين الألباني كما في تمام المنة ص ١١٩. وهذا القول هو الذي أطمئن إليه فيجوز للمرأة الحائض دخول المسجد لحضور دروس العلم. ويدل لهذا القول ما يلي: ١. البراءة الأصلية لأن الأصل عدم التحريم ولم يقم دليل صحيح صريح على تحريم دخول الحائض للمسجد. قال الإمام النووي: [وأحسن ما يوجه به هذا المذهب أن الأصل عدم التحريم وليس لمن حرم دليل صحيح صريح] المجموع ٢/١٦٠. وقال الشيخ الألباني: [والقول عندنا في هذه المسألة من الناحية الفقهية كالقول في مس القرآن من الجنب للبراءة الأصلية وعدم وجود ما ينهض على التحريم وبه قال الإمام أحمد وغيره ...] تمام المنة ص ١١٩. ٢. إن الحديث الذي استدل به جمهور العلماء وهو: (لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض) اختلف فيه أهل الحديث اختلافاً كبيراً لأنه من رواية أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة وقد ضعفهما جماعة من أهل الحديث كالخطابي والبيهقي وعبد الحق الاشبيلي وابن حزم ونقل التضعيف عن الإمام أحمد أيضاً. وقال الإمام البغوي: [وجَوَّزَ أحمد والمزني المكث فيه وضعّف أحمد الحديث لأن راويه وهو أفلت بن خليفة مجهول وتأوّل الآية على أن - عابري السبيل - هم المسافرون تصيبهم الجنابة فيتيممون ويصلون وقد روي ذلك عن ابن عباس] شرح السنة ٢/٤٦. ومن المعاصرين الشيخ الألباني حي قال: [قال البيهقي: ليس بالقوي] . وقال عبد الحق الإشبيلي: [لا يثبت] ، وبالغ ابن حزم فقال: [إنه باطل] . وللحديث شاهدان لا ينهضان لتقويته ودعمه لأن في أحدهما متروكاً وفي الآخر كذاباً ...] تمام المنة ١١٩، وضعّفه الشيخ الألباني أيضاً في إرواء الغليل ١/١٦٢. وقد ضعف الإمام النووي هذا الحديث في كتابه خلاصة الأحكام حيث قال: [باب ذكر المحدث والجنب والحائض وقراءتهم ومسهم المصحف ودخولهم المسجد] ثم ساق بعض الأحاديث الصحيحة في الباب ثم قال: فصل في ضعيفه وذكر عدة أحاديث ضعفها ومنها حديث: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) انظر خلاصة الأحكام ١/٢٠٦-٢١٠. وقال الحافظ ابن حجر عن أفلت بن خليفة بأنه مجهول الحال ... التخليص الحبير ١/١٤٠. وقال الخطابي: [وضعفوا هذا الحديث وقالوا أفلت راويه مجهول ولا يصح الاحتجاج بحديثه ...] معالم السنن ١/٦٧. وضعف الحديث برواية ابن ماجة أيضاً صاحب الزوائد حيث قال: [إسناده ضعيف مخدوج لم يوثق وأبو الخطاب مجهول] سنن ابن ماجة ١/٢١٢. وقال الإمام البخاري عند جسرة عجائب. المجموع ٢/١٦٠. وقد اعتبر كثير من العلماء كلام البخاري هذا تضعيفاً للحديث. كما أن ابن حزم قد ضعف الحديث برواياته كلها فقال: [وهذا كله باطل أما أفلت فغير مشهور ولا معروف بالثقة وأما مخدوج فساقط يروي المعضلات عن جسرة وأبو الخطاب الهجري مجهول وأما عطاء الخفاف فهو عطاء بن مسلم منكر الحديث وإسماعيل مجهول ومحمد بن الحسن مذكور بالكذب وكثير بن زيد مثله فسقط كل ما في هذا الخبر جملة] المحلى ١/٤٠١. ولا يخفى أن كثيراً من العلماء قد حسنوا هذا الحديث. انظر نصب الراية ١/١٩٤. ٣. ومما يقوي القول بجواز دخول الحائض للمسجد عموم قول النبي ﷺ: (المسلم لا ينجس) رواه البخاري ومسلم. ٤. ومما يدل على الجواز أيضاً أن العلماء أجازوا للكافر دخول المسجد رجلاً كان أو امرأة فالمسلم أولى وإن كان جنباً والمسلمة كذلك وإن كانت حائضاً. ٥. ومما يدل على الجواز أيضاً ما رواه البخاري ومسلم في قصة المرأة السوداء التي كان لها خباء في مسجد رسول الله ﷺ فقد قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب نوم المرأة في المسجد] ثم ساق حديث عائشة ﵂: (أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم ... قالت عائشة فكان لها خباء في المسجد أو حفش قالت: فكانت تأتيني فتحدث عني ... الخ) . قال الحافظ ابن حجر: [والخباء الخيمة من وبر وغيره والحفش البيت الصغير] فتح الباري ٢/٨٠. وقال ابن حزم مبيناُ وجه الاستدلال بهذا الحديث: [فهذه امرأة ساكنة في مسجد رسول الله ﷺ والمعهود من النساء الحيض فما منعها عليه الصلاة السلام من ذلك ولا نهى عنه وكل ما لم ينه عنه رسول الله ﷺ فمباح وقد ذكرنا عن رسول الله ﷺ قوله: (جعلت لي الأرض مسجداً) ولا خلاف في أن الحائض والجنب مباح لهما جميع الأرض وهي مسجد فلا يجوز أن يخص بالمنع من بعض المساجد دون بعض ولو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لأخبر بذلك ﵊ عائشة إذا حاضت فلم ينهها إلا عن الطواف بالبيت فقط ومن الباطل المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها ﵊ عن ذلك ويقتصر على منعها من الطواف وهذا قول المزني وداود وغيرهما وبالله تعالى التوفيق] المحلى ١/٤٠١-٤٠٢.\r\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للمرأة الحائض دخول المسجد لطلب العلم إن أمنت تلويثه وذلك لحاجة النساء الماسة إلى العلم والتفقه في الدين وإن كنت أفضل أن تكون دروس العلم للنساء في مرافق ملحقة بالمسجد كما هو الحال في المسجد الأقصى المبارك حيث تعقد بعض دروس النساء في قاعة باب الرحمة. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345784,"book_id":3840,"shamela_page_id":164,"part":"6","page_num":86,"sequence_num":164,"body":"٨٦ - المساجد\rحكم الصلاة في مسجد بني من مال حرام , يقول السائل: ما حكم الصلاة في مسجد بناه شخص من أموال الربا؟\rالجواب: إن الإسلام قد حض على بناء المساجد والعناية بها قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) سورة التوبة الآية ١٨. وعمارة المساجد تكون ببنائها كما تكون بالصلاة فيها. وجاء في الحديث عن عثمان بن عفان رضي ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه البخاري ومسلم. وقوله ﵊: (من بنى لله) أي كان مخلصاً في عمله لله ﷾ لا يريد مباهاة ولا رياءً ولا سمعة فمن بنى مسجداً لهذه الخصال الذميمة لم يكن بانياً لله ﷾. نيل الأوطار ٢/١٦٦. والمسجد الذي يبنى لله ﷾ يجب أن يكون مبيناً من مال طيب حلال ولا يجوز شرعاً بناء المساجد من المال الحرام كمال الربا \" الفائدة \" ومال الميسر \" اليانصيب والقمار \" والمال المسروق وغيرها من الأموال التي تكتسب بطرق محرمة. ومال الربا الذي بني منه المسجد مال خبيث لأن الربا من أشد المحرمات فقد جاء في الحديث أنه ﵊ قال: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية] رواه أحمد وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد ٤/١١٧. وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/٢٩. والله ﷾ طيب لا يقبل إلا طيباً ومال الربا خبيث والمرابي ليس من المتقين. يقول الله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) سورة المائدة الآية ٢٧. ويقول الرسول ﷺ: (إن الله ﵎ يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب) رواه الترمذي وأحمد بنحوه وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الإمام البغوي: هذا حديث صحيح. شرح السنة ٦/١٣٠ وعارضة الأحوذي ٣/١٣٢ والفتح الرباني ٨/١٨٠ وقال النبي ﷺ: (ما تصدق أحد من صدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه ... الحديث) رواه البخاري ومسلم. وفي حديث آخر قال ﷺ: (والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً ولا يعد إلى السماء إلا الطيب كأنما يضعها في يد الرحمن ... الحديث] رواه الشافعي وإسناده حسن. وعن أبي هريرة أن الرسول ﷺ قال: (من جمع مالاً حراماً ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه) رواه ابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. إذا تقرر هذا فإنه لا يجوز بناء المساجد من المال الحرام لأن المال الحرام خبيث كما سبق ولا يصلح أن يدخل في بناء بيوت الله تعالى وصيانة لبيوت الله عن كل خبث وعن كل مال حرام وإذا كانت بيوت الله تصان عن النجاسات الصغيرة والقاذورات كالبصاق والمخاط فمن باب أولى أن تصان عن هذه المحرمات الكبيرة. وقد كانت العرب في جاهليتها تحرص أشد الحرص على أن تبقى الكعبة المشرفة وهي بيت الله الحرام بعيدة عن أي درهم حرام حيث ذكر ابن هشام في سيرته أن قريشاً لما أجمعوا أمرهم على هدم الكعبة وإعادة بنائها من جديد قام أبو وهب عائذ بن عمران بن مخزوم خال أب الرسول ﷺ فتناول من الكعبة حجراً فوثب في يده حتى رجع إلى موضعه فقال: [يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيباً لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد الناس] . فإذا كان الجاهليون حريصين على ألا يبنى بيت الله من مال حرام فنحن المسلمين أولى بهذا منهم. أحكام المال الحرام ص ٣١٠. وأما الصلاة في المسجد الذي بني من مال حرام فهي صلاة صحيحة إن شاء الله ولا شيء على المصلي وإنما الإثم على باني المسجد بالمال الحرام. وينبغي أن يمنع بناء المساجد من الأموال المحرمة إن كان ذلك معلوماً. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345785,"book_id":3840,"shamela_page_id":165,"part":"6","page_num":87,"sequence_num":165,"body":"٨٧ - المساجد\rحكم بناء مسجد جديد بالقرب من مسجد قديم,\r\rيقول السائل: ما حكم بناء مسجد جديد بجوار مسجد قديم مع العلم أن المسافة التي تفصل بين المسجدين لا تزيد عن مئتي متر تقريباً ومع أن المسجد القديم يتسع لأهل الحيّ؟ الجواب: لا يجوز بناء المسجد الجديد بقرب المسجد القديم ما دام أن المسجد القديم يتسع لأهل الحي وكذلك لا يجوز بناء المسجد الجديد بجوار المسجد القديم حتى لو ضاق المسجد القديم بأهل الحيّ وإنما المطلوب في هذه الحالة العمل على توسعة المسجد القديم وزيادة البناء فيه ليتسع لأهل الحي. لأن من المقاصد التي بنيت لها المساجد جمع أكبر عدد من المصلين في المسجد الواحد ليتعاونوا ويتعارفوا. كما أن الله ﷾ جعل الثواب العظيم لمن يمشي إلى المسجد للصلاة ولو كان بعيداً كما صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى) رواه البخاري ومسلم. وإنّ بناء المسجد الجديد بجوار المسجد القديم يعتبر من باب الضرار عند العلماء لأنه سيؤدي إلى تفريق جماعة المسلمين. وقد اعتبر السيوطي أن كثرة المساجد في المحلة الواحدة من المحدثات المخالفة لهدي الرسول ﷺ. انظر كتاب الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع ص ٣٠٠. وذلك لما فيه من تفريق الجمع وتشتيت الشمل وحل عروة الانضمام في العبادة وذهاب رونق وفرة المتعبدين وتعديد الكلمة واختلاف المشارب ومضادة حكمة مشروعية الجماعات. كما أن في ذلك مضارة للمسجد القديم أو شبه مضارة أو محبة الشهرة أو السمعة وفيه أيضاً صرف الأموال فيما لا ضرورة له. انظر كتاب إصلاح المساجد ص ٩٦. قال ابن مفلح: [ولا يُبنىَ مسجدٌ ضراراً وقال محمد بن موسى: يَبني مسجداً إلى جنب مسجد. وقال: لا تبني المساجد ليعدى بعضها بعضاً] الفروع ٢/٣٨. وجاء في المنتهى من كتب الحنابلة: [ويحرم بناء مسجد يراد به الضرر لمسجد قربه] . واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يحرم بناء مسجد بقرب مسجد وأنه ينبغي هدم المسجد الجديد لأنه مسجد ضرار، وصححه المرداوي في تصحيح الفروع ٢/٣٩ وقال القرطبي: (قال علماؤنا: لا يجوز أن يُبنى مسجدٌ إلى جنب مسجد ويجب هدمه والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغراً إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجدٌ واحدٌ فَيُبنَى حينئذ ...) . تفسير القرطبي ٨/٢٥٤ ثم إن المسجد كلما كان قديماً كلما كان أفضل والأجر فيه أعظم وعتق المسجد من الأمور المحمودة قال الله تعالى: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) . وقال تعالى: (إن أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) فإن قِدَمَهُ يقتضي كثرة العبادة فيه وذلك يقتضي زيادة فضله. مجموع الفتاوى ١٧/٤٦٩. وخلاصة الأمر أنه لا يجوز بناء المسجد الجديد المذكور في السؤال قرب المسجد القديم لما بينت. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345786,"book_id":3840,"shamela_page_id":166,"part":"6","page_num":88,"sequence_num":166,"body":"٨٨ - المساجد\rزيادة التبرعات للمسجد عن حاجته,\r\rيقول السائل: إن لجنة المسجد عندهم جمعت تبرعات لإصلاح المسجد وقد زادت تلك التبرعات عن حاجة المسجد فكيف يتصرفون بها؟ الجواب: إن الأصل في هذه التبرعات أن تصرف لذات المسجد الذي تم التبرع له لأن هذه الأموال صارت موقوفة على ذلك المسجد. ولا يصح صرفها لغير ذلك المسجد ما دامت الحاجة قائمة لذلك المسجد. وأما إذا فاضت تلك التبرعات عن حاجات المسجد فيجوز صرفها لمسجد آخر في الحي أو أقرب مسجد إلى المسجد الأول وإن لم يتيسر ذلك صرفت للفقراء والمساكين. قال الشيخ ابن قدامة: [وما فضل من حصر المسجد وزيته ولم يحتج إليه جاز أن يجعل في مسجد آخر أو يتصدق من ذلك على فقراء جيرانه أو غيرهم وكذلك إن فضل من قصبه أو شيء من نقضه. قال أحمد في مسجد بني فبقي من خشبه أو قصبه أو شيء من نقضه فقال: يعان به في مسجد آخر. وقال المروزي: سألت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد- عن بواري المسجد أي حصر المسجد إذا فضل منه الشيء أو الخشبة قال: يتصدق به. قال: وأرى أنه قد احتج بكسوة البيت - الكعبة المشرفة - إذا تخرقت تصدق بها. وقال في موضع آخر: قد كان شيبة يتصدق بخلقان الكعبة - أي كسوة الكعبة التي بليت ونزعت عنها -. وروى الخلال بإسناده عن علقمة عن أمه أن شيبة بن عثمان الحجبي جاء إلى عائشة ﵂ فقال يا أم المؤمنين إن ثياب الكعبة تكثر عليها فننزعها فنحفر لها آباراً فندفنها فيها حتى لا تلبسها الحائض والجنب. قالت عائشة: بئس ما صنعت ولم تصب. إن ثياب الكعبة إذا نزعت لم يضرها من لبسها من حائض أو جنب ولكن لو بعتها وجعلت ثمنها في سبيل الله والمساكين. فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن فتباع فيضع ثمنها حيث أمرته عائشة. وهذه قصة مثلها ينتشر ولم ينكر فيكون إجماعاً ولأنه مال الله تعالى لم يبق له مصرف فصرف إلى المساكين كالوقف المنقطع] المغني ٦/٣١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وما فضل من ريع وقف عن مصلحته صرف في نظيره أو مصلحة المسلمين من أهل ناحيته ولم يحبس المال دائماً بلا فائدة فقد كان عمر بن الخطاب كل عام يقسم كسوة الكعبة بين الحجيج ونظير كسوة الكعبة المسجد المستغنى عنه من الحصر ونحوها وأمر بتحويل مسجد الكوفة من مكان إلى مكان حتى صار موضع الأول سوقاً] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣١/٩٣.\r\rوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الوقف إذا فضل من ريعه واستغني عنه؟ فأجاب: [يصرف في نظير تلك الجهة كالمسجد إذا فضل عن مصالحه صرف في مسجد آخر لأن الواقف غرضه في الجنس والجنس واحد فلو قدر أن المسجد الأول خرّب ولم ينتفع به أحد صرف ريعه في مسجد آخر فكذلك إذا فضل عن مصلحته شيء فإن هذا الفاضل لا سبيل إلى صرفه إليه ولا إلى تعطيله فصرفه في جنس المقصود أولى وهو أقرب الطرق إلى مقصود الواقف وقد روى أحمد عن علي ﵁ أنه حض الناس على إعطاء مكاتب ففضل شيء عن حاجته فصرفه في المكاتبين] المصدر السابق ٣١/ ٢٠٦-٢٠٧. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345787,"book_id":3840,"shamela_page_id":167,"part":"6","page_num":89,"sequence_num":167,"body":"٨٩ - صلاة الجمعة\rحكم البيع والشراء وقت النداء لصلاة الجمعة،\r\rيقول السائل: إنه يملك محلاً تجارياً وفي يوم الجمعة يذهب إلى الصلاة ويترك زوجته في المحل تبيع الناس فما الحكم في ذلك؟ الجواب: يقول الله ﷾: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة الجمعة الآية ٩. وصلاة الجمعة فرض على كل مسلم بإجماع الأمة والأئمة إلا من استثني وقد أمر الله بالسعي إلى ذكر الله وأمر بترك البيع لما فيه من إشغال عن الصلاة. قال الإمام القرطبي: [قوله تعالى: (وَذَرُوا الْبَيْعَ) منع الله ﷿ منه عند صلاة الجمعة وحرَّمه في وقتها على من كان مخاطباً بفرضها. والبيع لا يخلو من شراء فاكتفى بذكر أحدهما ... وخص البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق] تفسير القرطبي ١٨/١٠٧. والأمر بالسعي في الآية يفيد الوجوب والأمر بترك البيع بمعنى النهي يفيد التحريم وقد قال جمهور أهل العلم إن المقصود بقوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) الأذان الذي يكون بين يدي الإمام والذي يبدأ الإمام عقبه بالخطبة لأنه الأذان الذي كان موجوداً على عهد الرسول ﷺ كما ثبت في الحديث عن السائب بن يزيد قال: [كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فلمّا كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء. قال الإمام البخاري: والزوراء موضع بالسوق من المدينة] رواه البخاري. وفي هذا الحديث أنه كان على عهد الرسول ﷺ وعلى عهد أبي بكر وعمر ﵄ أذان واحد للجمعة وهو الذي يكون بين يدي الإمام وبعده تكون الخطبة، ثم لمّا كان عثمان أحدث الأذان الثاني لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياساً على بقية الصلوات فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب. فتح الباري ٣/٤٤. وسماه الحديث ثانياً باعتباره وجد بعد الأذان الأول الذي كان في عهد الرسول ﷺ وأبي بكر وعمر وسماه في الحديث ثالثاً: باعتباره مزيداً على الأذان الأول والإقامة ولأن الإقامة تسمى أذاناً كما في الحديث: (بين كل أذانين صلاة) رواه البخاري ومسلم. وقد اتفق جمهور أهل العلم على تحريم البيع والشراء وقت النداء وأن هذا التحريم خاص بالمخاطبين بفرض الجمعة وأما من لا جمعة عليهم فلا حرج عليهم إذا باعوا وشروا مع أمثالهم ممن لا يخاطب بالجمعة وهؤلاء غير المخاطبين بالجمعة هم: ١. الصبي وهو من كان دون البلوغ. ٢. المرأة فليس على النساء جمعة. ٣. المسافر فلا جمعة على المسافر. ٤. المريض فلا جمعة على المريض العاجز عن إجابة النداء. وهناك أعذار خاصة تسقط الجمعة ليس هذا محل بحثها. فهؤلاء المذكورون ومن في حكمهم ممن لا جمعة عليهم يجوز لهم البيع والشراء وقت النداء لأن الله ﷾ إنما نهى عن البيع من أمره بالسعي للجمعة وهؤلاء غير مخاطبين بالسعي إلى الجمعة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وتحريم البيع ووجوب السعي يختص بالمخاطبين بالجمعة فأما غيرهم من النساء والصبيان والمسافرين فلا يثبت في حقه ذلك ... فإن الله تعالى إنما نهى عن البيع من أمره بالسعي فغير المخاطب بالسعي لا يتناوله النهي ولأن تحريم البيع معلل بما يحصل به من الاشتغال عن الجمعة وهذا معدوم في حقهم] المغني ٢/٢٢٠. فزوجتك أيها السائل إن باعت لصبي أو لامرأة مثلها أو لمسافر أو لمريض ومن في حكمهم فلا حرج في ذلك إن شاء الله. وأما إن باعت لمن وجبت عليه الجمعة وهو تارك لها فإن زوجتك قد أعانت على المعصية والإثم فذاك تارك الجمعة لا شك أنه آثم لتركه الجمعة وزوجتك قد باعته فأعانته على المعصية والله ﷾ يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ومن المعلوم أن ترك الجمعة لغير عذر ذنب عظيم فقد ثبت في الحديث الشريف أن الرسول ﷺ قال: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) رواه مسلم. وقال ﷺ في حديث آخر: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه) رواه أحمد وأصحاب السنن وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. وعن أسامة بن زيد ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (من ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين) رواه الطبراني وقال الشيخ الألباني حديث حسن. وقال ﵊ في حديث آخر: (من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه) رواه أحمد بإسناد حسن كما قال الشيخ الألباني ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. صحيح الترغيب ص ٣٠٦-٣٠٧. ويجب أن يعلم أن الأمر بترك البيع وقت النداء لصلاة الجمعة ليس خاصاً بالبيع وإنما النهي يشمل البيع والشراء والإجارة والنكاح وباقي العقود لأن الحكمة في ذلك أن البيع يشغل عن تلبية النداء فكذا بقية العقود ويلحق بذلك الألعاب المختلفة فتحرم إقامة المباريات الرياضية أو الثقافية وقت النداء لصلاة الجمعة. روى الإمام البخاري عن عطاء أحد أئمة التابعين أنه قال: [تحرم الصناعات كلها - أي وقت النداء للجمعة -] . وذكر الحافظ ابن حجر رواية أخرى عن عطاء بلفظ آخر: [إذا نودي بالأذان حرم اللهو والبيع والصناعات كلها والرقاد وأن يأتي الرجل أهله وأن يكتب كتاباً] . وقال الحافظ: [وبهذا قال الجمهور أيضاً] فتح الباري ٣/٤١. ويستمر تحريم هذه العقود حتى انقضاء صلاة الجمعة، قال ابن عباس ﵄: [لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادي للصلاة فإذا قضيت الصلاة فبع واشتر] ذكره الحافظ في فتح الباري ٣/٤١. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345788,"book_id":3840,"shamela_page_id":168,"part":"6","page_num":90,"sequence_num":168,"body":"٩٠ - صلاة الجمعة\rحكم تعدد صلاة الجمعة في البلدة الواحدة,\r\rيقول السائل: تقام الجمعة في بلدتهم في مسجدين كبيرين وقد بني حديثاً مسجد ثالث لا يبعد كثيراً عن أحد المسجدين والذي يتسع لأعداد كبيرة من المصلين ويرغب المصلون في إقامة صلاة الجمعة في المسجد الجديد فما الحكم في ذلك؟ الجواب: إن صلاة الجمعة بمثابة مؤتمر أسبوعي يحضره المسلمون في البلد عامة ولها أحكامها الخاصة بها ولا يصح إلحاقها بالصلوات الخمس فيقال بجواز تعدد الجمعة كما تتعدد الجماعة في الصلوات الخمس. بل الصحيح من أقوال أهل العلم أن صلاة الجمعة يجوز التعدد فيها إذا دعت الحاجة إلى ذلك فقط كأن يضيق المسجد بأهل البلدة فيبنى مسجد آخر فتقام فيه الجمعة أو يكون هناك حرج في وصول المصلين إلى المسجد الذي تقام فيه صلاة الجمعة فتقام جمعة أخرى أو يكون البلد واسعاً مترامي الأطراف وسكانه كثيرون فتتعدد الجمعة لذلك وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم من الفقهاء. قال الإمام النووي: [والصحيح هو الجواز في موضعين أو أكثر بحسب الحاجة وعسر الاجتماع به] المجموع ٤/٥٨٦. ومما يدل على ذلك أنه كان في المدينة في عهد الرسول ﷺ عدة مساجد تقام فيها الصلوات الخمس كالمسجد الذي كان معاذ بن جبل يصلي فيه بقومه صلاة العشاء بعد أن يصليها مع النبي ﷺ ولكن ما كانت تقام الجمعة إلا في مسجد الرسول ﷺ وهذا يدل على أن تعدد الجمعة بدون الحاجة خلاف السنة. وقد ذكر الشيخ تقي الدين السبكي في رسالته المسماة \" الاعتصام بالواحد الأحد من إقامة جمعتين في بلد \" أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم ورجح القول بعدم جواز تعدد الجمعة إلا للحاجة ثم قال: [وأما تخيل أن ذلك - أي تعدد الجمعة - يجوز في كل المساجد عند عدم الحاجة فهذا من المنكر بالضرورة في دين الإسلام] فتاوى السبكي ١/١٨٠. وقد جاء عن عمر بن الخطاب ما يؤيد منع تعدد الجمعة فقد روى ابن عساكر عن عطاء قال: [لما افتتح عمر بن الخطاب البلدان كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة يأمره أن يتخذ للجماعة مسجداً ويتخذ للقبائل مسجداً فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة فشهدوا الجمعة] . وكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك. وكتب عمر أيضاً إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك. وكان الصحابة ﵃ يأتون إلى الجمعة من مسافة بعيدة فقد كان عبد الله بن رواحة يأتي الجمعة من مسافة ميلين وكان أبو هريرة يأتي الجمعة في مسجد رسول الله ﷺ من ذي الحليفة \" آبار علي \". وذكر الحافظ ابن حجر: [قال الأثرم للإمام أحمد بن حنبل: أجُمِعَ جمعتان في مصر؟ قال لا أعلم أحداً فعله] انظر إصلاح المساجد ص ٥٢-٥٤. وقد بين الإمام السبكي أن قول من قال من العلماء بجواز تعدد الجمعة لا يحمل على تعددها مطلقاً وإنما يكون ذلك للحاجة إلى التعدد فقال: [وينبغي أن يفهم أن مذهبه هذا عند الحاجة لأنه إنما تكلم في ذلك فيتقيد بحسب الحاجة ولا يحمل على إجازة تعددها مطلقاً في كل المساجد فتصير كالصلوات الخمس حتى لا يبقى للجمعة خصوصية فإن هذا معلوم بطلانه بالضرورة لاستمرار عمل الناس عليه من النبي ﷺ إلى اليوم] فتاوى السبكي ١/١٧٩. وقال الشيخ القاسمي: [فالذي أراه في الخروج من عهدة هذه الحالة أن يترك التجميع في كل مسجد صغير - سواء أكان بين البيوت أو في الشوارع - وفي كل مسجد كبير أيضاً يستغنى عنه بغيره وأن ينضم كل أهل محلة كبرى إلى جامعها الأكبر ولتفرض كل محلة كبرى كقرية على حدة فيستغنى بذلك عن كثير من زوائد المساجد ويظهر الشعار في تلك الجوامع الجامعة فيخرج من عهدة التعدد] إصلاح المساجد من البدع والعوائد ص ٦٢. وخلاصة الأمر أنه يجوز تعدد الجمعة لحاجة وهذا يوافق مقاصد الشرع الحنيف قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) سورة الحج الآية ٧٨. والحاجة كالضرورة تقدر بقدرها فلا ينبغي تعدد الجمعة بدون حاجة لما في ذلك من تفويت مقاصد الجمعة وحكمة مشروعيتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345789,"book_id":3840,"shamela_page_id":169,"part":"6","page_num":91,"sequence_num":169,"body":"٩١ - صلاة الجماعة\rمسألة الفتح على الإمام في الصلاة،\r\rيقول السائل: أرجو توضيح مسألة الفتح على الإمام في الصلاة لأننا نرى كثيراً من المصلين يفتحون على الإمام مما يؤدي إلى حصول تشويش في الصلاة؟ الجواب: الفتح على الإمام في الصلاة معناه إرشاد الإمام إلى الصواب في القراءة أو هو تلقين المأموم الإمام الآية عند التوقف فيها. والفتح على الإمام مشروع عند جمهور أهل العلم وحكاه ابن المنذر عن عثمان وعلي وابن عمر من الصحابة وحكاه أيضاً عن جماعة من التابعين كعطاء والحسن ومحمد بن سيرين وهو قول الأئمة الأربعة. انظر المجموع ٤/٢٤٠، المغني ٢/٤٢. ومما يدل على مشروعية الفتح على الإمام ما ورد في الحديث عن مسور بن يزيد المالكي قال: (صلى رسول الله ﷺ فترك آية فقال له رجل: يا رسول الله آية كذا وكذا. قال: فهلا ذكرتنيها) رواه أبو داود وقال الإمام النووي: إسناده جيد. المجموع ٤/٢٤١. وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. صحيح سنن أبي داود ١/١٧١. وعن عبد الله بن عمر: (أن النبي ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها فلبس عليه فلما انصرف قال لأبيّ بن كعب: أصليت معنا؟ قال: نعم. فقال: فما منعك؟) أي ما منعك أن تذكرنيها. رواه أبو داود، وقال الإمام النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح كامل الصحة وهو حديث صحيح. المجموع ٤/٢٤١. وصححه أيضاً الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٧١. وعن أنس ﵁ قال: (كنا نفتح على الأئمة على عهد رسول الله ﷺ رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (إذا استطعمك الإمام فأطعمه) رواه البيهقي والحاكم وصححه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١/٢٨٤. فهذه الأحاديث والآثار تدل على مشروعية الفتح على الإمام في الجملة. ولكن ينبغي بيان بعض الأمور المتعلقة بالفتح على الإمام: ١. لا ينبغي للمأموم أن يبادر بالفتح على الإمام ما دام الإمام يتردد في القراءة فلعل الإمام يصلح قراءته وإنما إذا سكت الإمام فتح عليه المأموم. ٢. يكره للإمام أن يُلجىء المأمومين للفتح عليه فإذا كان الإمام قد قرأ ما تصح به الصلاة - آية طويلة أو ثلاث آيات قصار - فإنه يركع أو ينتقل إلى آية أخرى ولا يُلجىء المصلين للفتح عليه. ٣. لا ينبغي للمأمومين في الصفوف المتأخرة والبعيدة عن الإمام أن يفتحوا على الإمام بل يتركون ذلك للمأمومن الذين يقفون خلف الإمام لأن الإمام في الغالب لا يسمع صوت من كان في آخر المسجد. ٤. لا ينبغي أن يفتح على الإمام إلا من كان حافظاً للآيات التي وقف فيها الإمام حتى لا يلقن الإمام خطأ ولما في ذلك من التشويش على المصلين. ٥. ينبغي أن يفتح على الإمام شخص واحد فقط لا أن يفتح عليه جماعة من المصلين ٦. إذا فتحت المرأة على الإمام فلا بأس بذلك إن كانت الجماعة جماعة نساء، وإن كانت الجماعة جماعة رجال فالأولى أن لا تفتح المرأة على الإمام اللهم إلا إذا ألجأها إليه ولم يفتح عليه أحد من الرجال فيجوز ولا تفسد به صلاتها. انظر إعلاء السنن ٣/٥٩. ٧.\r\rويجوز لغير المصلي أن يفتح على المصلي. قال الشيخ ابن قدامة: [ولا بأس أن يفتح على المصلي من ليس معه في الصلاة وقد روى النجاد بإسناده قال: كنت قاعداً بمكة فإذا رجل عند المقام يصلي وإذا رجل قاعد خلفه يلقنه فإذا هو عثمان ﵁] المغني ٢/٤٥.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345790,"book_id":3840,"shamela_page_id":170,"part":"6","page_num":92,"sequence_num":170,"body":"٩٢ - قضاء صلاة\rقضاء صلاة الصبح ,\r\rيقول السائل: قد فاتته صلاة الصبح لنومه عنها ثم لما استيقظ صلاها فهل يعتبر مؤدياً لها في وقتها؟\r\rالجواب: الأصل في المسلم أن يحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) أي مؤقتاً. وإن من أفضل الأعمال أداء الصلاة في وقتها المقدّر لها شرعاً فقد سئل النبي ﷺ: (أي العمل أفضل؟ فقال: الصلاة على وقتها) رواه البخاري ومسلم. ولكن قد ينام المسلم عن الصلاة أو ينساها فالواجب عليه أن يصلي الصلاة الفائتة إذا استيقظ من نومه أو تذكر فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرَّس - التعريس نزول المسافر آخر الليل للنوم - وقال لبلال: إكلأ لنا الليل فصلى بلال ما قدر له ونام رسول الله وأصحابه فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر فغلبت بلالاً عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظاً ففزع رسول الله ﷺ فقال: أي بلال فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله ﷺ بنفسك. قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئاً ثم توضأ رسول الله وأمر بلالاً فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)) رواه مسلم. وعن أنس أن النبي ﷺ قال: (من نسي صلاة فليصل إذا ذكر لا كفارة لها إلا ذاك) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى أنه ﷺ قال: (من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها) رواه مسلم. وفي رواية ثالثة أنه ﷺ قال: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)) رواه مسلم. وهذه الأحاديث تدل على وجوب قضاء الصلاة الفائتة بمجرد أن يتذكر الناسي أو يستيقظ النائم. وكثير من الفقهاء يرون أن قضاء الفائتة واجب على الفور أي أن الناسي إذا تذكر والنائم إذا استيقظ وجب ليهما قضاء ما فات ولا يجوز لهما تأخير ذلك. وقوله ﷺ في الحديث: (لا كفارة لها إلا ذاك) قال الخطابي: [يحتمل وجهين أحدهما: أنه لا يكفرها غير قضائها والآخر أنه لا يلزمه في نسيانها غرامة ولا زيادة تضعيف ولا كفارة من صدقة ونحوها كما تلزم في ترك الصوم من رمضان من غير عذر الكفارة وكما تلزم المحرم إذا ترك شيئاً من نسكه فدية من دم أو إطعام إنما يصلي ما ترك سواء وليس هذا على العموم حتى يلزمه إن كان في صلاة أن يقطعها ولكن معناه: أن لا يغفل أمرها ويشتغل بغيرها فإن في حديث أبي قتادة أنهم لما ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس أمرهم النبي ﷺ أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها] شرح السنة ٢/٢٤٤. وأما قول هذا المصلي الذي فاتته الصلاة فصلاها بعدما استيقظ من نومه فهل يوصف فعله بالأداء أم القضاء فالذي عليه الأصوليون أن الأداء هو فعل الواجب في وقته المقيد به شرعاً والقضاء هو فعل الواجب خارج وقته المقيد به شرعاً. انظر تيسير التحرير ٢/١٩٨. فإذا نظرنا في صلاة هذا النائم وقد صلاها خارج وقتها أي بعد طلوع الشمس فإنه يكون قاضياً لها لا مؤدياً بناءً على هذا الاصطلاح ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) رواه البخاري ومسلم. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن صلاة النائم والناسي خارج الوقت تعتبر أداءً لما ورد في بعض روايات حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها) . فهذا الحديث رواه البيهقي والدارقطني والطبراني وقد ضعفه البخاري والبيهقي والهيثمي وغيرهم. قال البيهقي بعد أن ذكر رواية أبي هريرة السابقة: [كذا رواه حفص بن عمر بن أبي العطاف عنه عن أبي الزناد عن القعقاع بن حكيم أو عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ وهو منكر الحديث. قال البخاري وغيره: الصحيح عن أبي هريرة وغيره عن النبي ﷺ ما ذكرنا ليس فيه: (فوقتها إذا ذكرها) ] سنن البيهقي ٢/٢١٩. وقال الهيثمي: [وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها) رواه الطبراني في الأوسط وفيه حفص بن عمر بن أبي العطاف وهو ضعيف جداً] مجمع الزوائد ١/٣٢٢. وضعفه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١/١٥٥. وكذا ضعفه صاحب التعليق المغني على سنن الدارقطني ١/٤٣٣. وأما ما قاله الإمام الشوكاني: [واعلم أن الصلاة المتروكة في وقتها لعذر النوم والنسيان لا يكون فعلها بعد خروج وقتها المقدر لها لهذا العذر قضاء وإن لزم ذلك باصطلاح الأصول لكن الظاهر من الأدلة أنها أداء لا قضاء فالواجب الوقوف عند مقتضى الأدلة حتى ينتهض دليل يدل على القضاء] نيل الأوطار ٢/٣٠. فهو أخذ منه بظاهر النصوص ولكن ورد في نصوص أخرى ما يوافق ما عليه أهل الأصول أن ذلك يعتبر قضاءً لا أداء وسواء قلنا إن الفعل في هذه الحالة يوصف بالأداء أو القضاء فلا يترتب عليه كبير أثر وإنما الواجب هو أن يصلي المصلي تلك الصلاة بمجرد انتباهه من نومه أو تذكره. ويجب أن يعلم أنه يجب الترتيب في قضاء الصلوات الفوائت كما هو مذهب جمهور الفقهاء ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (جاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى النبي ﷺ يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله: والله ما صليت صلاة العصر حتى كادت أن تغيب - أي الشمس - قال النبي ﷺ: وأنا والله ما صليتها بعد. قال فنزل إلى بُطحان - وهو واد بالمدينة - فتوضأ وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها) رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن مسعود ﵁: (أن المشركين شغلوا النبي ﷺ يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله قال فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء) رواه الترمذي والنسائي ومالك وسنده جيد. الفتح الرباني ٢/٣٣.\r\rوكذلك فينبغي التنبيه على أن الصلوات التي تقضى هي الصلوات الخمس باتفاق الفقهاء لما سبق من الأدلة، وتقضى السنن الرواتب عند كثير من الفقهاء فقد ثبت في الحديث أنه ﷺ لما فاتته صلاة الفجر صلى سنتها قبلها. رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من لم يصل ركعتي الفجر فليصلها بعدما تطلع الشمس) رواه الترمذي والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/١٣٣. وقال أكثر أهل العلم إن صلاة الوتر إذا فاتت تقضى فقد ورد في الحديث عنى أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (من نام عن الوتر أو نسيه فليوتر إذا ذكره أو استيقظ) رواه أبو داود والترمذي وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/١٤٥.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345791,"book_id":3840,"shamela_page_id":171,"part":"6","page_num":93,"sequence_num":171,"body":"٩٣ - الأوقات المنهي عن الصلاة فيها\rيقول السائل: ما هي الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وهل يجوز قضاء الفوائت فيها وصلاة تحية المسجد والاستخارة وكيف نستطيع معرفتها عن طريق الساعة؟\rالجواب: وردت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وقد فصل الفقهاء الكلام عليها وذكروا الأحكام المتعلقة بها وأوجزها فيما يلي: عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب) رواه مسلم. ففي هذا الحديث ثلاثة أوقات منهي عن الصلاة فيها: الأول: عند شروق الشمس. الثاني: عند استواء الشمس. الثالث: عندما تميل الشمس للغروب. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس) رواه مسلم. وهذا الحديث اشتمل على وقتين نهي عن الصلاة فيهما وهما: الرابع: بعد صلاة فريضة العصر. الخامس: بعد صلاة فريضة الفجر. فهذه الأوقات الخمسة لا يصح أن يتنفل فيها ولكن يجوز فيها قضاء الصلوات الفائتة لما ثبت في الحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) رواه البخاري ومسلم. فهذا الحديث وما في معناه مخصص لعموم النهي السابق. فمثلاً إذا استيقظ شخص وكادت الشمس أن تشرق فإنه يصلي الفجر وكذا إذا نام واستيقظ وقت الغروب فإنه يصلي العصر كما ويجوز أن يصلي في أوقات النهي تحية المسجد لقول النبي ﷺ: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ أن الرسول ﷺ قال: (لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين) رواه الترمذي وقال: ومعنى هذا الحديث إنما يقول: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر. وقال الترمذي: [وهو ما اجتمع عليه أهل العلم: كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر] سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ٢/١٧٩-١٨٠. وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. إرواء الغليل ٢/٢٣٢. وحديث ابن عمر متضمن الني عن الصلاة في هذا الوقت وهو السادس وهو ما بين أذان الفجر وإقامة الصلاة للفجر فيكره التنفل في هذا الوقت ويستثنى من ذلك صلاة سنة الفجر وكذا تحية المسجد للداخل إلى المسجد. ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث عن حفصة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين) رواه البخاري ومسلم. وأما الوقت السابع من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها فهو ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) رواه مسلم والترمذي وقال: [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إذا أقيمت الصلاة أن لا يصلي الرجل إلا الصلاة المكتوبة وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق] سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ٢/١٨٢. فإذا أقيمت الصلاة فلا ينبغي لأحد أن يشتغل بنافلة ولو كانت سنة الفجر وإنما عليه أن يدخل في صلاة الجماعة. وأما الوقت الثامن من الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها فهو قبل صلاة العيدين فقد ورد في الحديث عن ابن عباس ﵁: (أن النبي ﷺ خرج يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما) رواه البخاري ومسلم. وأما الوقت التاسع من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها فهو عند صعود خطيب الجمعة إلى المنبر إلى أن ينهي خطبته لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت) رواه البخاري. ويستثنى من ذلك تحية المسجد لمن دخل المسجد والخطيب يخطب فإنه يصلي ركعتي التحية ويخففهما. لما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (دخل رجل يوم الجمعة المسجد والنبي ﷺ يخطب. فقال له: أصليت ركعتين؟ قال: لا. قال: فصل ركعتين) رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية أخرى عن جابر ﵁ قال: (جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس فقال رسول الله ﷺ: إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم يجلس) رواه مسلم.\r\rوأوقات النهي يمكن معرفتها بالتوقيت فإذا كان لدى الشخص توقيت للصلوات فإنه يبين فيه أوقات شروق الشمس وغروبها وغير ذلك وأما بالنسبة للنهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر فإن النهي مرتبط بفعل الصلاة لا بالوقت فإذا صلى شخص العصر في أول وقتها فإنه يكون منهياً عن الصلاة بعدها. وإذا لم يصل العصر إلا بعد دخول الوقت بنصف ساعة مثلاً فإنه يجوز له أن يتنفل حتى يصلي العصر فإذا صلى العصر فلا نافلة ويدل على ذلك ما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس) رواه مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345792,"book_id":3840,"shamela_page_id":172,"part":"6","page_num":94,"sequence_num":172,"body":"٩٤ - ما الذي يقطع الصلاة؟\rيقول السائل: إنه سمع حديثاً عن النبي ﷺ فيه أن الصلاة يقطعها مرور المرأة والحمار والكلب فهل هذا الحديث وارد عن النبي ﷺ، ولماذا تقطع المرأة الصلاة؟\rالجواب: إن الحديث الذي ذكره السائل حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/١٦٩. وروى مسلم أيضاً بإسناده عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود قلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر، قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/١٦٩. وقد وردت أحاديث أخرى بمعنى الحديثين السابقين. وقد اختلف العلماء منذ عهد الصحابة ﵃ ومن جاء بعدهم من أهل العلم في هذه المسألة، هل هذه الأمور المذكورة في الحديث تقطع الصلاة أم لا؟ وقد قال بعض أهل العلم بأن مرور المرأة يقطع الصلاة فعلاً ويبطلها وهذا قول ابن حزم الظاهري والإمام أحمد في رواية عنه ونقل عن بعض الصحابة ولكن أكثر أهل العلم قالوا بخلاف ذلك فهم يرون أن مرور المرأة لا يقطع الصلاة وهذا قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الرواية التي اختارها أكثر أصحاب أحمد وقد صح ذلك عن أكثر الصحابة وقد ذكر الإمام الترمذي أن أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين قالوا: لا يقطع الصلاة شيء. سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ٢/١١٥، وانظر المغني ٢/١٨٣، الذخيرة ٢/١٥٩. قال الإمام النووي: [وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي ﵃ وجمهور العلماء من السلف والخلف لا تبطل الصلاة بمرور شيء من هؤلاء ولا من غيرهم] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٧٠ وقال الإمام ابن العربي المالكي: [وقالت طائفة لا يقطع الصلاة شيء وهم علماء الإسلام ومحققوه] عارضة الأحوذي ٢/١١٦. وقد أجاب هؤلاء العلماء على الحديثين السابقين بأنهما إما منسوخين أو أن المراد بالقطع هو قطع الخشوع وليس القطع حقيقة وهذا الجواب أقوى من الأول لأن النسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال. قال الإمام النووي: [وأما الجواب عن الأحاديث الصحيحة التي احتجوا بها فمن وجهين أصحهما وأحسنهما ما أجاب به الشافعي والخطابي والمحققون من الفقهاء والمحدثين أن المراد بالقطع القطع عن الخشوع والذكر للشغل بها والالتفات إليها لا أنها تفسد الصلاة ... فهذا الجواب هو الذي نعتمده وأما ما يدعيه أصحابنا وغيرهم من النسخ فليس بمقبول] المجموع ٣/٢٥١. وقال الحافظ القرطبي: [ ... لما كان الكلب الأسود أشد ضرراً من غيره وأشد ترويعاً كان المصلي إذا رآه اشتغل عن صلاته فانقطعت عليه لذلك وكذا تأول الجمهور قوله: (يقطع الصلاة المرأة والحمار) فإن ذلك مبالغة في الخوف على قطعها وإفسادها بالشغل بهذه المذكورات ذلك أن المرأة تفتن والحمار ينهق والكلب يروع فيتشوش المتفكر في ذلك حتى تنقطع عليه الصلاة وتفسد فلما كانت هذه الأمور تفيد آيلة إلى القطع جعلها قاطعة كما قال للمادح: قطعت عنق أخيك، أي فعلت به فعلاً يخاف هلاكه فيه كمن انقطع عنقه] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٢/١٠٩. وقد احتج جمهور أهل العلم على أن مرور المرأة لا يقطع الصلاة بما ثبت في الحديث عن عائشة أنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلمورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجليَّ فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) رواه البخاري ومسلم. وكذلك احتجوا بما جاء في رواية أخرى عن عائشة أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة - الكلب والحمار والمرأة - فقالت عائشة: (شبهتمونا بالحمر والكلاب والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلميصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأؤذي النبي ﷺ فأنسل من عند رجليه) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس قال: (كنت رديف الفضل على أتان فجئنا والنبي صلى الله عليه وسلميصلي بأصحابه بمنى فنزلنا عنها فوصلنا الصف فمرت بين أيديهم فلم تقطع صلاتهم) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/١٠٧. وعن صهيب مولى ابن عباس قال: (تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس فقال: جئت وغلام من بني عبد المطلب على حمار ورسول الله ﷺ يصلي فنزل ونزلت وتركنا الحمار أمام الصف فما بالاه وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب فدخلتا بين الصف فما بالى ذلك) رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٣٨. وقد وردت بعض الآثار عن جماعة من الصحابة أنه لا يقطع الصلاة شيء فمن ذلك ما رواه مالك في الموطأ أن ابن عمر كان يقول: [لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي] .\r\rقال الحافظ ابن عبد البر: [لا خلاف عن ابن عمر في ذلك] التمهيد ٦/١٧٩، وعن علي بن أبي طالب مثل ذلك رواه مالك وعبد الرزاق في المصنف ٢/٢٩ والبيهقي في السنن ٢/٢٧٨. وروى ابن أبي شيبة بإسناده أن ابن عمر قيل له: [إن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة يقول: يقطع الصلاة الحمار والكلب، قال: لا يقطع صلاة المسلم شيء] مصنف ابن أبي شيبة ١/٢٨٠، وذكره الحافظ ابن عبد البر في التمهيد ٦/١٨٠. وقال سعيد ابن المسيب لما سئل عن ذلك: [لا يقطع الصلاة إلا الحدث] . وقال عروة بن الزبير: [لا يقطع الصلاة إلا الكفر] المصدران السابقان. وروى الإمام البخاري بإسناده: [أن ابن أخي ابن شهاب أنه سأل عمه عن الصلاة يقطعها شيء؟ فقال: لا يقطعها شيء] صحيح البخاري مع الفتح ٢/١٣٧. وبهذا يظهر لنا أن المراد بقطع الصلاة هو قطع الخشوع وليس القطع بمعنى الإبطال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345793,"book_id":3840,"shamela_page_id":173,"part":"6","page_num":95,"sequence_num":173,"body":"٩٥ - صفة سجود التلاوة\rيقول السائل: هل يشرع لمن أراد أن يسجد سجود التلاوة خارج الصلاة وهو جالس أن يقوم فيهوي إلى السجود من قيام؟\rالجواب: صفة سجود التلاوة لمن كان خارج الصلاة وقرأ سورة فيها سجدة أن يكبر ويسجد سجدة واحدة بدون رفع يديه وبدون تشهد ولا تسليم، وهذا قول أكثر العلماء. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مرّ بالسجدة كبر وسجد وسجدنا) رواه البخاري ومسلم. وقد قال بعض الفقهاء إنه يشرع في حق من أراد السجود للتلاوة أن يستوي قائماً ثم يكبر ويهوي للسجود. قال الشيخ المرداوي: [الأفضل أن يكون سجوده عن قيام جزم به المجد في شرحه ومجمع البحرين وغيره وقدمه في الفروع وغيره واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: قاله طائفة من أصحاب الإمام أحمد] الإنصاف ٢/١٩٨. وقال ابن مفلح: [والأفضل سجوده عن قيام] الفروع ١/٥٠٤. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية: [عن الرجل إذا كان يتلو الكتاب العزيز بين جماعة فقرأ سجدة فقام على قدميه وسجد فهل قيامه أفضل من سجوده وهو قاعد؟ أم لا؟ وهل فعله ذلك رياء ونفاق؟ فأجاب: بل سجود التلاوة قائماً أفضل منه قاعداً كما ذكر ذلك من ذكره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما وكما نقل عن عائشة بل وكذلك سجود الشكر كما روى أبو داود في سننه عن النبي ﷺ من سجوده للشكر قائماً وهذا ظاهر في الاعتبار فإن صلاة القائم أفضل من صلاة القاعد. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان أحياناً يصلي قاعداً فإذا قرب من الركوع فإنه يركع ويسجد وهو قائم وأحياناً يركع ويسجد وهو قاعد فهذا قد يكون للعذر أو للجواز ولكن تحريه مع قعوده أن يقوم ليركع ويسجد وهو قائم دليل على أنه أفضل إذ هو أكمل وأعظم خشوعاً لما فيه من هبوط رأسه وأعضائه الساجدة لله من القيام ... ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٣/١٧٣. واستحب القيام لسجدة التلاوة بعض متأخري الحنفية فقد جاء في الدرّ المختار وحاشية ابن عابدين عليه: [قوله بين قيامين مستحبين أي قيام قبل السجود ليكون خروراً وهو السقوط من القيام وقيام بعد رفع رأسه] رد المحتار ٢/١٠٧. وحجة هؤلاء الفقهاء القائلين باستحباب القيام لسجود التلاوة أن الله تعالى قال: (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) سورة الإسراء الآية ١٠٧. فالخرور سقوط من قيام. واحتجوا بما رواه ابن أبي شيبة عن وكيع قال: [حدثنا شعبة عن شمسية أم سلمة عن عائشة ﵂: (أنها كانت تقرأ في المصحف فإذا مرّت بالسجدة قامت فسجدت) ] مصنف ابن أبي شيبة ٢/٤٩٩. وكل ما ذكره هؤلاء الفقهاء الأجلاء لا يصلح لإثبات مشروعية القيام لمن أراد سجود التلاوة فمن المعلوم أن سجدة التلاوة عبادة والأصل في العبادات التوقيف على رسول الله ﷺ. أما الآية الكريمة فلا دلالة فيها على القيام لسجدة التلاوة وأما أثر عائشة فضعيف غير ثابت عنها فلا يصلح دليلاً، قال الإمام النووي: [وهل يستحب لمن أراد السجود أن يقوم فيستوي قائماً ثم يكبر للإحرام ثم يهوي للسجود بالتكبيرة الثانية فيه وجهان: أحدهما: يستحب، قاله الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين والبغوي والمتولي وتابعهم الرافعي. والثاني: وهو الأصح لا يستحب، وهذا اختيار إمام الحرمين والمحققين، قال الإمام: ولم أر لهذا القيام ذكراً ولا أصلاً. قلت - أي النووي -: ولم يذكر الشافعي وجمهور الأصحاب هذا القيام ولا ثبت فيه شيء يعتمد مما يحتجّ به فالاختيار تركه لأنه من جملة المحدثات وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على النهي عن المحدثات. وأما ما رواه البيهقي بإسناده عن أم سلمة الأزدية قالت: (رأيت عائشة تقرأ في المصحف فإذا مرّت بسجدة قامت فسجدت) فهو ضعيف، أم سلمة هذه مجهولة. والله أعلم] المجموع ٤/٦٥. وقد سئل الإمام أحمد عن ذلك فقيل له: [يقوم ثم يسجد؟ فقال: يسجد وهو قاعد] الإنصاف ٢/١٩٨. وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية عن هذه المسألة: [إذا كان الإنسان يقرأ القرآن في المسجد أو غيره وهو جالس ووصل إلى سجدة من السجدات هل الأفضل أن يقوم قائماً ويسجد أم يسجد في مكانه وهو جالس، أيهما أفضل؟ الجواب: لا نعلم دليلاً على شرعية القيام من أجل سجود التلاوة] فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٧/٢٦٥. وأخيراً أنقل ما ذكره العلامة ابن القيم في هديه ﷺ في سجود القرآن \" التلاوة \" حيث قال: [كان ﷺ إذا مرّ بسجدة كبّر وسجد وربما قال في سجوده: (سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته) . وربما قال: (اللهم احطط عني بها وزراً واكتب لي بها أجراً واجعلها لي عندك ذخراً وتقبّلها مني كما تقبلتها من عبدك داود) . ذكرهما أهل السنن. ولم يذكر عنه انه كان يكبر للرفع من هذا السجود ولذلك لم يذكره الخرقي ومتقدمو الأصحاب ولا نقل فيه عنه تشهد ولا سلام البتة.\r\rوأنكر أحمد والشافعي السلام فيه فالمنصوص عن الشافعي: أنه لا تشهد فيه ولا تسليم، وقال أحمد أما التسليم فلا أدري ما هو وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي غيره] زاد المعاد في هدي خير العباد ١/٣٦٢-٣٦٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345794,"book_id":3840,"shamela_page_id":174,"part":"6","page_num":96,"sequence_num":174,"body":"٩٦ - صلاة الجمعة\rحكم ترك صلاة الجمعة،\r\rيقول السائل: إن كثيراً من الناس يظن أنه إذا ترك صلاة الجمعة مرة أو مرتين لا بأس عليه وإنما الإثم أن يترك ثلاث جمع متواليات فما قولكم؟\r\rالجواب: صلاة الجمعة فريضة ثابتة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ. يقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة الجمعة الآية ٩. فأمر الله ﷾ بالسعي إليها والأصل أن الأمر يفيد الوجوب كما أنه ﷾ أمر بترك البيع وهو في معنى النهي عن البيع والنهي يفيد التحريم وهذا يدل دلالة واضحة على وجوبها. وثبت في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الخاسرين) رواه مسلم. وهذا الحديث يدل على أن الجمعة فرض عين كما قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم ٢/٤٦٣. ولا شك أن من ترك صلاة جمعة واحدة بغير عذر فهو آثم وتارك لفريضة من فرائض الله ﷾. وأما ما يستدل به بعض الناس على أنه يجوز ترك جمعة أو جمعتين ولا يأثم الإنسان إلا إذا ترك ثلاث جمع متواليات وهو قول النبي ﷺ: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه) رواه أصحاب السنن وأحمد وهو حديث صحيح صححه الحاكم ووافقه الذهبي وحسنه الإمام الترمذي والبغوي والحافظ ابن حجر، وجاء في رواية أخرى: (من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق) رواه ابن خزيمة والحاكم. فهذا الحديث بروايتيه لا يدل على جواز ترك جمعة أو جمعتين وأن المسلم لا يأثم إلا بترك الجمعة ثلاثاً فهذا الفهم غير صحيح. وإنما يدل الحديث على أن من ترك ثلاث جمع من غير عذر فإن الله يطبع على قلبه أو أنه يصير منافقاً والعياذ بالله. والطبع على القلب هو الختم عليه كما في قوله تعالى: (وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) ومعنى ذلك أن الإنسان إذا استمر على ارتكاب المحظورات ولا يكون منه رجوع إلى الحق يورثه ذلك هيئة تمرنه على استحسان المعاصي وكأنما يختم بذلك على قلبه. انظر المفردات في غريب القرآن ص ١٤٣. فمن يترك ثلاث جمع بغير عذر يختم الله على قلبه ويصل به الأمر إلى حد النفاق. ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن كعب بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: (لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ثم لا يأتونها أو ليطبعن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/١٩٤.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345795,"book_id":3840,"shamela_page_id":175,"part":"6","page_num":97,"sequence_num":175,"body":"٩٧ - صلاة الجمعة\rيقول السائل: ما حكم قراءة خطبة الجمعة من ورقة مكتوبة؟\rالجواب: لا مانع أن تكون خطبة الجمعة مكتوبة بل إنه من الأفضل في هذا الزمان أن يكتب الخطيب خطبته وأن لا يرتجلها نظراً لأن كثيراً من الخطباء هم خطباء بحكم الوظيفة ولا يملكون مقومات الخطابة الحقيقية فعندما يرتجل أمثال هؤلاء خطبة الجمعة فإنهم لا يحسنونها أبداً وترى العجب العجاب منهم فأخطاء في الآيات القرآنية وخلط للأحكام الشرعية وأفكار ينقصها الترتيب والتنسيق ولا أبالغ إن قلت إن الواحد منا يخرج يوم الجمعة من المسجد ولم يستفد شيئاً من الخطبة. فيجب على الخطباء أن يتقوا الله ﷾ في المسلمين وأن يعدوا جيداً لخطبة الجمعة فجمهور المصلين فيهم المعلمون والمثقفون وطلاب الجامعات وغيرهم فلا يصح أن يستهين الخطيب بعقول الناس فيقول كلاماً صار ممجوجاً لدى السامعين. لذا أؤكد مرةً أخرى أن تكون الخطبة مكتوبة ومعدة مسبقاً على أن تعالج قضايا الناس الشرعية والعامة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345796,"book_id":3840,"shamela_page_id":176,"part":"6","page_num":98,"sequence_num":176,"body":"٩٨ - صلاة الجمعة\rرفع اليدين عند الدعاء في خطبة الجمعة,\r\rيقول السائل: نرى كثيراً من الخطباء حين يدعون في خطبة الجمعة يرفعون أيديهم فهل هذا من السنة؟ الجواب: إن الدعاء خلال خطبة الجمعة من السنة فيدعو الخطيب للمسلمين والمسلمات ويستغفر لهم فقد ورد في الحديث عن سمرة بن جندب: (أن رسول الله ﷺ كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات كل جمعة) رواه الطبراني في الكبير والبزار بإسناد ضعيف كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/١٩١. ولكن رفع الخطيب يديه أثناء الدعاء ليس من السنة بل هو بدعة عند كثير من أهل العلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة لأن النبي ﷺ إنما كان يشير بإصبعه إذا دعا] الاختيارات العلمية ص ٤٨. وقال العلامة ابن القيم: [وكان ﷺ يشير بإصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله ﷾ ودعائه] زاد المعاد ١/٤٢٨. ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث أن عمارة بن رؤيبة رأى بشر بن مروان رفع يديه في الخطبة فقال: [قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبِّحة] رواه مسلم. قال الإمام النووي: [هذا فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة] شرح النووي على صحيح مسلم ٦ /١٦٢. وقد اعتبر كثير من العلماء رفع الخطيب يديه أثناء الدعاء بدعة ومنهم الشيخ جلال الدين السيوطي في كتابه الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع ص ٢٤٧. والعلامة أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث ص ٨٤.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345797,"book_id":3840,"shamela_page_id":177,"part":"6","page_num":99,"sequence_num":177,"body":"٩٩ - صلاة الجمعة\rالخطبة على المنبر,\r\rيقول السائل: إن الخطيب في مسجدهم يرفض أن يخطب على المنبر ويخطب واقفاً على الأرض\r\rفما قولكم؟ الجواب: من السنة أن يخطب الخطيب على المنبر ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن عبد العزيز بن حازم عن أبيه: (أن نفراً جاؤوا إلى سهل بن سعد قد تماروا في المنبر من أي عود هو؟ فقال: أما والله إني لأعرف من أي عود هو ومن عمله ورأيت رسول الله ﷺ أول يوم جلس عليه قال: فقلت له: يا أبا عباس فحدثنا قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة قال أبو حازم: إنه ليسميها يومئذ انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها فعمل هذه الثلاث درجات ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع فهي من طرفاء الغابة ولقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إني إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: [فيه صلاته ﷺ على المنبر ونزوله القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته. قال العلماء: كان المنبر الكريم ثلاث درجات كما صرّح به مسلم في روايته فنزل النبي ﷺ بخطوتين إلى أصل المنبر ثم سجد في جنبه ففيه فوائد منها استحباب اتخاذ المنبر واستحباب كون الخطيب ونحوه على مرتفع كمنبر أو غيره] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٠٠. فعلى هذا الخطيب أن يقتدي بالرسول الله فيرقى المنبر لخطبة الجمعة فإذا كان المنبر على خلاف السنة كما هو الحال في كثير من المساجد رقي الخطيب ثلاث درجات فقط من المنبر ليخطب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345798,"book_id":3840,"shamela_page_id":178,"part":"6","page_num":100,"sequence_num":178,"body":"١٠٠ - صلاة الجمعة\rحكم صلاة الظهر بعد الجمعة,\r\rالسؤال: أحضر لي أحد طلبة العلم نشرة وزعت في بعض المساجد حول صلاة الظهر بعد الجمعة ذكر فيها كاتبها كلاماً كثيراً في المسألة وذكر عنواناً يقول: تاريخ صلاة الظهر بعد الجمعة في الإسلام، وما جاء بشيء يشير إلى العنوان السابق ثم ذكر أقوال المذاهب الأربعة في حكم تعدد الجمعة في البلد الواحد ثم خلص إلى القول [أخيراً أخي المسلم ينبغي أن نعلمك أن صلاة الظهر بعد الجمعة استنبطت من السنة المطهرة باحتياط المرء لدينه من قبل الأئمة الأربعة وهي مدونة في كتبهم جميعاً وكتب التاريخ وهي دائرة بينهم في فلك الواجب والمندوب حيث إنها لم تصل في زمنه ﷺ وعصر الخلفاء الراشدين والتابعين من بعدهم إلا في مسجد واحد] وسألني طالب العلم عن صحة هذا الكلام. الجواب: إن مما ابتلي به المسلمون في هذا الزمان أن يتسور على العلم الشرعي من ليس له بأهل حتى صارت الفتوى في أمور الدين حمىً مستباحاً للذين ليس بينهم وبين العلم نسب ولا علاقة مودة أو قربى، إن ما جاء في هذه النشرة في جعل صلاة الظهر بعد الجمعة إما واجبة وإما مندوبة كلام باطل لم يقم عليه دليل والزعم بأن صلاة الظهر بعد الجمعة استنبطت من السنة المطهرة باحتياط المرء لدينه فرية عظيمة على السنة النبوية ولم يذكر الكاتب دليلاً واحداً من السنة يثبت صحة زعمه وأقول في رد هذه الفرية: يجب أن يعلم أن هذه المسألة وهي صلاة الظهر بعد الجمعة قد بنيت على مسألة أخرى وهي حكم تعدد الجمعة في البلد الواحد فأقول إن تعدد صلاة الجمعة في البلد الواحد جائز عند أهل العلم نظراً للحاجة الداعية إلى تعدد الجمعة فإذا كان البلد كبيراً وأهله كثير لا يسعهم مسجد واحد فلا مانع من تعدد الجمعة. وبهذا قال المحققون من العلماء من أتباع المذاهب الأربعة وغيرهم قال السرخسي: [والصحيح من قول أبي حنيفة في هذه المسالة أنه يجوز إقامة الجمعة في مصر واحد في موضعين وأكثر] المبسوط ٢/١٠٢. وقال الزيلعي شارحاً ومحللاً لقول النسفي: [وتؤدى في مصر في مواضع أي تؤدى الجمعة في مصر واحد في مواضع كثيرة وهو قول أبي حنيفة ومحمد وهو الأصح لأن في الاجتماع في موضع واحد في مدينة كبيرة حرجاً بيناً وهو مدفوع] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ١/٢١٨. وأجاز فقهاء المالكية تعدد الجمعة للضرورة كما في شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه ٢/٧٤-٧٥. وذكر المام النووي أن الصحيح من مذهب الشافعية جواز تعدد الجمعة في موضعين وأكثر وقال: [وقد دخل الشافعي بغداد وهم يقيمون الجمعة في موضعين وقيل في ثلاثة فلم ينكر ذلك واختلف أصحابنا في الجواب عن ذلك وفي حكم بغداد في الجمعة على أربعة أوجه ذكر المصنف الثلاثة الأولى منها هنا وكلامه في التنبيه يقتضي الجزم بالرابع، أحدها أن الزيادة على جمعة في بغداد جائزة وإنما جازت لأنه بلد كبير يشق اجتماعهم في موضع منه قال أصحابنا فعلى هذا تجوز الزيادة على جمعة في جميع البلاد التي يكثر الناس فيها ويعسر اجتماعهم في موضع وهذا الوجه هو الصحيح وبه قال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي، قال الرافعي: واختاره أكثر أصحابنا تصريحاً وتعريضاً وممن رجحه ابن كج والحناطي بالحاء المهملة والقاضي أبو الطيب في كتابه المجرد والروياني والغزالي وآخرون، قال الماوردي وهو اختيار المزني ودليله قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ] المجموع ٤/٥٨٥-٥٨٦. وقال الخرقي من الحنابلة: [وإذا كان البلد كبيراً يحتاج إلى جوامع فصلاة الجمعة في جميعها جائزة] وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً كلام الخرقي السابق: [وجملته: أن البلد متى كان يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره أو ضيق مسجده عن أهله كبغداد وأصبهان ونحوهما من الأمصار الكبيرة جازت إقامة الجمعة فيما يحتاج إليه من جوامعهما وهذا قول عطاء وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها، لأن الحدود تقام فيها في موضعين والجمعة حيث تقام الحدود، ومقتضى قوله: أنه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين جازت إقامة الجمعة في موضعين منه. لأن الجمعة حيث تقام الحدود وهذا قول ابن المبارك ... ولنا: أنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد. وقد ثبت أن علياً ﵁ كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ويستخلف على ضَعَفَةِ الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم. فأما ترك النبي ﷺ إقامة جمعتين فلغناهم عن إحداهما ولأن أصحابه كانوا يرون سماع خطبته وشهود جمعته وإن بعدت منازلهم. لأنه المبلغ عن الله تعالى وشارع الأحكام ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار صليت في أماكن ولم ينكر فصار إجماعاً] المغني ٢/٢٤٨. وبهذا يظهر لنا أن المعتمد في المذاهب الأربعة جواز تعدد الجمعة للحاجة وهذا القول هو الصواب الموافق لقواعد الشرع المطهر ولعمل المسلمين فيما مضى من الأعصار في جميع الأمصار. وكيف يصنع المسلمون في المدن الكبيرة التي تغص بالسكان وقد يبلغ سكانها الملايين وكيف يجتمعون في مسجد واحد فمدينة كالقاهرة مثلاً فيها أكثر من عشرة ملايين نسمة، كيف يصلون في مكان واحد؟! إن نصوص الشريعة وقواعدها القاضية برفع الحرج ودفع المشقة تجيز تعدد الجمعة في مساجد كثيرة مهما بلغ عددها ما دامت الحاجة تدعو لذلك. إذا تقرر هذا نعود إلى مسألة صلاة الظهر بعد الجمعة فأقول إن إقامة صلاة الظهر بعد الجمعة بدعة منكرة ليس لها أصل في الدين وهي تشريع لما لم يأذن به الله. ولم تثبت عن الرسول ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الأئمة المهديين وزعم كاتب النشرة أنها ثبتت بالسنة المطهرة زعم باطل ليس عليه أدنى دليل بل هو لم يقدم أي دليل على ذلك. وهذه البدعة وإن قال بها بعض متأخري أتباع المذاهب ليس عليها دليل صحيح فقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ) رواه مسلم. وقد ثبت أن الإمام الشافعي ﵀ قد دخل بغداد وأقام بها مدة من الزمن وكانت الجمعة تقام بأكثر من موضع ولم ينقل عنه أنه كان يصلي الظهر بعد الجمعة. القول المبين ص ٣٨٤. قال الشيخ القاسمي: [والذي اعتمده الإمام ابن نجيم والعلامة ابن عبد الحق الأخير ووافقه غيره من أن لا وجوب للظهر - أي بعد الجمعة - هو الحق لما فيه من رفع الحرج وهل يطالب مكلف بفريضتين في وقت واحد مع ما في أدائه جماعة من صورة نقض الجمعة وإيقاع العامة في اعتقاد أن ليوم الجمعة بعد زواله فرضين صلاة الجمعة وصلاة الظهر بل هو الذي لا يرتابون فيه ويزيدون عليه أنه لا يصح إلا جماعة بل تنطع بعض الغلاة المتصولحين مرة فقال لي: كيف السبيل إلى سنة الظهر القبلية قبل فرض يوم الجمعة وهي تفوتني بعجلة أداء الظهر. فتأمل كيف رحم الله العباد ففرض عليهم ركعتين في ذلك اليوم وأمرهم إذا قضوهما أن ينتشروا في الأرض ويبتغوا من فضله تيسيراً عليهم إذ يحتاجون لصرف حصة في سماع الخطبة، وانظر كيف شددوا على أنفسهم وربما المتنطع منهم يطالب بأداء اثنتين وعشرين ركعة بعد الزوال إذا يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً كالظهر وكلاهما مع الجمعة عشر، ثم يتطوع بأربع قبل الظهر وأربع بعدها وكلاهما مع الظهر اثنا عشر أيضاً، فالجملة ما ذكرنا ولا يخفى أن محو اعتقاد غير الصواب من صدور العامة لتمحيص الحق باب عظيم من أبواب الدعوة إلى سبيل الله وهدى نبيه ﵇، وقد اتفق في عهد حسين باشا والي مصر المذاكرة لديه في بدعة الظهر جماعة بعد الجمعة فمنع أهل الأزهر منها، نقله الشبراملسي في رسالته التي ألفها في سبب صلاة الظهر يومئذ فرحمه الله على منعه من هذه البدعة وأثابه خيراً ووفق من تنبه لمنعها بمنّه وكرمه] إصلاح المساجد ص ٥٠-٥١. وقال الشيخ الغلايني: [ومن الأدلة على عدم طلب الظهر بعد الجمعة بل على عدم مشروعيتها يوم الجمعة مطلقاً صليت الجمعة أم لم تصل ما ورد من اجتماع عيد وجمعة في عهد الرسول الأكرم فصلى العيد ورخص في الجمعة ولم يرد أنه أمرهم بالظهر لأنه لم يثبت ذلك وهاك النصوص: عن زيد بن أرقم ﵁ وسأله معاوية: (هل شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا؟ قال: نعم، صلى العيد أول النهار ثم رخص في الجمعة فقال: من شاء أن يجمع فليجمع) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزئه من الجمعة وإنا مجمعون) رواه أبو داود وابن ماجة. وعن وهب بن كيسان قال: (اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فأخر الخروج حتى تعالى النهار ثم خرج فخطب ثم نزل ثم صلى ولم يصل للناس بوم الجمعة فذكرت ذلك لابن عباس فقال: أصاب السنة) رواه النسائي وأبو داود بنحوه لكن من رواية عطاء. ولأبي داود عن عطاء قال: (اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر على ابن الزبير في يوم واحد فجعلهما جميعاً فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر) .\r\rفهذه الأحاديث ناطقة بلسان فصيح على منبر الحق بأنه لا ظهر بعد الجمعة بل إن الظهر لم تشرع ذلك اليوم أقيمت الجمعة أم لم تقم] البدعة في صلاة الظهر بعد الجمعة ص ١٣٨-١٣٩. وأما ما احتج به بعضهم على مشروعية الظهر بعد الجمعة بأن الجمعة لمن سبق فقد قال الشيخ الألباني: [وأما ما اشتهر على الألسنة في هذه الأزمنة وهو قولهم الجمعة لمن سبق فلا أصل له في السنة وليس بحديث وإنما هو رأي لبعض الشافعية ظنه من لا علم عنده حديثاً نبوياً] الأجوبة النافعة ص ٤٦. وقال د. وهبة الزحيلي: [وينبغي العمل على منع الظهر بجماعة بعد الجمعة حفاظاً على وحدة المسلمين ولا يصح قياس حالة البلدان وكثرة سكانها على حالة المدينة في صدر الإسلام حيث كان المسلمون قلة والخليفة خطيب المسلمين وخبره وسيلة إعلام جميع المسلمين في الجهاد وعلاج أزمة القحط والوباء ونحو ذلك من الأحداث الكبرى] الفقه الإسلامي وأدلته ٢/٣١١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345799,"book_id":3840,"shamela_page_id":179,"part":"6","page_num":101,"sequence_num":179,"body":"١٠١ - صلاة الجمعة\rاجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد,\r\rيقول السائل: قد يوافق يوم الجمعة القادم عيد الفطر فماذا نفعل بالنسبة لصلاة الجمعة حيث أنني أنوي أن أصلي العيد إن شاء الله تعالى؟ الجواب: إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة اختلافاً كبيراً، فقال الحنفية يجب إقامة صلاة الجمعة ولا تسقط عمن شهد العيد وهذا هو المشهور عن المالكية كما في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/٣٩١. وهؤلاء العلماء يرون أن عموم الأدلة التي أوجبت الجمعة لم يقم دليل على تخصيصها وما ورد من أحاديث وآثار في المسألة لا يصح تخصيصها للعموم عندهم لما فيها من مقال. وذهب الشافعية إلى أن الجمعة تسقط عن أهل القرى والبوادي الذين يصلون العيد مع أهل البلد، وأما أهل البلد فمطالبون بصلاة الجمعة وهذا أيضاً رواية عن الإمام مالك ويدل لهذا القول ما ورد عن عثمان ﵁ أنه قال في خطبته: (أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليصل ومن أراد أن ينصرف فلينصرف) رواه مالك في الموطأ. وذهب الحنابلة وعامة أهل الحديث إلى أن الجمعة تسقط عمن حضر العيد سواء أكان من البلد أو من القرى إلا الإمام فينبغي أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ويدل على هذا القول ما ورد في الحديث عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: (شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: أشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلمعيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم. قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال: من شاء أن يصلي فليصلِ) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وفي سنده اختلاف فصححه جماعة من أهل الحديث وضعّفه آخرون. وعن عطاء بن أبي رباح قال: [صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً وكان ابن عباس بالطائف فلما قدم ذكرنا ذلك له. فقال: أصاب السنة] رواه أبو داود والنسائي. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون) رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وصحح الإمام أحمد والدارقطني إرساله وقال الخطابي: [في إسناد حديث أبي هريرة مقال ويشبه أن يكون معناه لو صح أن يكون المراد بقوله (فمن شاء أجزأه من لجمعة) أي عن حضور الجمعة ولا يسقط عنه الظهر] عون المعبود شرح سنن أبي داود ٣/٢٨٩. وضعّفه الحافظ ابن عبد البرّ، فتح المالك ٣/٣٣٧، وقال الإمام النووي: إسناده ضعيف، المجموع ٤/٣٩٢. وانظر أيضاً التلخيص الحبير ٢/٨٧-٨٨، إعلاء السنن ٤/٩٣-٩٨، الفتح الرباني ٦/٣٢-٣٦. وهذه الأحاديث والآثار لو صحّت ينبغي المصير إليها ولكن في النفس من صحتها شيء نظراً للخلاف فيها بين المحدثين. قال الحافظ ابن عبد البرّ: [فقد اختلف العلماء في تأويل قول عثمان هذا واختلفت الآثار في ذلك أيضاً عن النبي ﷺ واختلف العلماء في تأويلها والأخذ بها] فتح المالك ٣/٣٣٥. وقال الحافظ ابن عبد البرّ أيضاً بعد أن ذكر حديث أبي هريرة السابق وضعّفه وذكر روايات أخرى له قال: [فقد بان في هذه الرواية ورواية الثوري لهذا الحديث أن رسول الله ﷺ جمع ذلك اليوم بالناس وفي ذلك دليل على أن فرض الجمعة والظهر لازم وأنها غير ساقطة وأن الرخصة إنما أريد بها من لم تجب عليه الجمعة ممن شهد العيد من أهل البوادي والله أعلم وهذا تأويل تعضده الأصول وتقوم عليه الدلائل ومن خالفه فلا دليل معه ولا حجة له] فتح المالك ٣/٣٣٧. وقال الحافظ ابن عبد البرّ أيضاً: [وإذا احتملت هذه الآثار من التأويل ما ذكرنا لم يجز لمسلم أن يذهب إلى سقوط فرض الجمعة عمن وجبت عليه لأن الله ﷿ يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) سورة الجمعة الآية ٩. ولم يخص الله ورسوله يوم عيد من غيره من وجه تجب حجته فكيف بمن ذهب إلى سقوط الجمعة والظهر المجتمع عليهما في الكتاب والسنة والإجماع بأحاديث ليس منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث] فتح المالك ٣/٣٣٨-٣٣٩. وقد رجحّ جماعة من العلماء القول بسقوط الجمعة عمن صلى العيد كشيخ الإسلام ابن تيمية والشوكاني والصنعاني وغيرهم.\r\rوخلاصة الأمر أنه ينبغي على من صلى العيد أن يصلي الجمعة خروجاً من خلاف العلماء فإن مراعاة الخلاف مطلوبة لأن المسألة فيها احتمالات قوية ومن لم يفعل فأخذ بقول من قال بسقوط الجمعة عمن صلى العيد فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345800,"book_id":3840,"shamela_page_id":180,"part":"6","page_num":102,"sequence_num":180,"body":"١٠٢ - صلاة الكسوف\rيقول السائل: ما قولكم فيما تنشره وسائل الإعلام عن ظاهرة كسوف الشمس وكيف كان هدي النبي ﷺ عند حدوث الكسوف؟\rالجواب: اهتمت وسائل الإعلام المختلفة بظاهرة كسوف الشمس وبينت أسبابها وحذرت الناس من آثارها الضارة على العين عند نظرهم إلى الشمس في حال الكسوف. وأغفلت جانباً هاماً يتعلق بكسوف الشمس وهو أن هذه الحادثة هي جزء من النظام العجيب والدقيق الدال على قدرة الله ﷾: قال الله تعالى: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) سورة الزمر الآية ٥. وقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) سورة النحل الآية ١٢. وقال تعالى: (وَيُرِيكُمْءَايَاتِهِ فَأَيَّءَايَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ) سورة غافر الآية ٨١. وقال تعالى: (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) سورة يس الآية ٤٠. وقال تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) سورة فاطر الآية ١٣. وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) سورة لقمان ٢٩. وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) سورة الحج ٤٦. وقد قرر علماء الفلك أسباباً معينة لكسوف الشمس وظن كثير من الناس أن هذا يتنافى مع كون الكسوف آية من آيات الله ﷾ يخوف الله بهما عباده. فقد ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده وإنهما لا ينخسفان لموت أحد من الناس فإذا رأيتم منها شيئاً فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام ابن دقيق العيد: [وفي قوله ﵊ (يخوف بهما عباده) إشارة إلى أنه ينبغي الخوف عند وقوع التغيرات العلوية. وقد ذكر أصحاب الحساب لكسوف الشمس والقمر أسباباً عادية. وربما يعتقد معتقد أن ذلك ينافي قوله ﵇ (يخوف الله بهما عباده) وهذا الاعتقاد فاسد. لأن لله تعالى أفعالاً على حسب الأسباب العادية وأفعالاً خارجة عن تلك الأسباب. فإن قدرته تعالى حاكمة على كل سبب ومسبب فيقطع ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض فإذا كان ذلك كذلك فأصحاب المراقبة لله تعالى ولأفعاله الذين عقدوا أبصار قلوبهم بوحدانيته وعموم قدرته على خرق العادة واقتطاع المسببات عن أسبابها إذا وقع شيء غريب، حدث عندهم الخوف لقوة اعتقادهم في فعل الله تعالى ما شاء. وذلك لا يمنع أن يكون ثمة أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله تعالى خرقها. ولهذا كان النبي ﷺ عند اشتداد هبوب الريح يتغير ويدخل ويخرج خشية أن تكون كريح عاد وإن كان هبوب الريح موجوداً في العادة. والمقصود بهذا الكلام: أن يعلم أن ما ذكره أهل الحساب من سبب الكسوف لا ينافي كون ذلك مخوفاً لعباد الله تعالى. وإنما قال النبي ﷺ هذا الكلام لأن الكسوف كان عند موت ابنه إبراهيم. فقيل: إنها إنما كسفت لموت إبراهيم. فرد النبي ﷺ ذلك] إحكام الأحكام ١/٣٤٩-٣٥٠. على أن في ظاهرة الكسوف أمراً يتنبه له المؤمن ويلتفت إليه إذا كان غيره لا يلتفت إليه وهو التذكير بقيام الساعة وانتهاء هذا العالم فإن مما ثبت بطريق الوحي اليقيني أن هذا الكون سيأتي عليه يوم ينفرط فيه عقده وينتثر نظامه فإذا سماؤه قد انفطرت وكواكبه قد انتثرت وشمسه قد كورت وجباله قد سيرت وأرضه قد زلزلت زلزالها وأخرجت أثقالها وآذن ذلك كله بتبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبروز الخلق لله الواحد القهار. إن الشمس والقمر ليسا أبديين ككل شيء في هذا العالم إنهما يجريان كما قال الله خالقهما إلى أجل مسمى، نعم مسمى معلوم عند الله خفي مجهول عند الناس ولكن المؤمن يوقن به ولا يغفل عنه فإذا شاهد ظاهرة كالكسوف والخسوف انتقل قلبه من اليوم إلى الغد ومن الحاضر إلى المستقبل وخصوصاً إذا تذكر قول الله تعالى: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) ولعل هذا سر ما جاء في رواية بعض الصحابة في حديث الكسوف أن النبي ﷺ قام فزعاً يخشى أن تكون الساعة - مع أن للساعة مقدمات وعلامات وأشراط كثيرة اخبر عنها النبي ﷺ بنفسه ولم تقع بعد - ولهذا استشكل بعض العلماء هذه الرواية ولكن يمكن حملها على أنه ﷺ فعل ذلك تعليماً لأمته وإرشاداً لها لتكون على ذكر من أمر الساعة على كل حال ولا سيما إذا تأخر الزمان وظهرت معظم الأشراط والأمارات. فتاوى معاصرة ١/٢٤٢. وبهذا يظهر لنا أنه لا إشكال في كون الكسوف يقع حسب أسباب فلكية معروفة لتوسط القمر بين الأرض والشمس فيحجب ضوء الشمس وأنه يحدث في مواعيد معروفة مسبقاً ومحسوبة بدقة وبين كون الكسوف آية من آيات الله يخوف الله بها عباده فإن المؤمن يتيقن أن كل سبب ومسبب خاضع لإرادته تعالى مخلوق بقدرته سبحانه فإذا وقع شيء غريب حدث عند المؤمن الخوف لقوة اعتقاده بأن الله تعالى يفعل ما يشاء وأنه ذو العظمة الباهرة التي لا نهاية لها وذلك لا يمنع أن يكون ثمة أسباب أدت إلى تلك الحادثة الغريبة التي خرقت النظام المعتاد. وذلك كمثل من ضبط الساعة ذات الجرس المنبه كي يرن جرسها في وقت معين فهل يمتنع عن الاستيقاظ والانتباه لكونه يعلم ذلك من قبل؟ فكذلك أعلمنا النبي ﷺ أن هذه التغييرات جعلها الله لحكمة عظيمة ألا وهي العظة والذكرى فهل من مدكر) هدي النبي ﷺ في الصلوات الخاصة ص ١٦٣. هدي النبي ﷺ في صلاة الكسوف: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ في السنة العاشرة للهجرة خرج النبي ﷺ إلى المسجد فزعاً يجر رداءه فتقدم فصلى ركعتين قرأ في الأولى فاتحة الكتاب وسورة طويلة جهر بالقراءة ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع رأسه من الركوع فأطال القيام وهو دون القيام الأول وقال لما رفع رأسه سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ثم أخذ في القراءة ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم رفع رأسه من الركوع ثم سجد سجدة طويلة فأطال السجود ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الأولى فكان في كل ركعة ركوعان وسجودان ... ثم انصرف فخطب بهم خطبة بليغة حفظ منها قوله: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا يا أمة محمد والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) . وقال: (لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني أتقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت) . وفي لفظ: (ورأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط أفظع منها. ورأيت أكثر أهل النار النساء. قالوا: وبم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن. قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط) زاد المعاد ١/٤٥٠-٤٥١. أحكام صلاة الكسوف وما يتعلق بها: ١. صلاة الكسوف سنة مؤكدة عند أكثر أهل العلم. ٢. صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان تصلى جماعة في المسجد يقرأ الإمام جهراً الفاتحة ثم سورة طويلة كالبقرة ثم يركع ركوعاً طويلاً ثم يقوم من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة كآل عمران ثم يركع ركوعاً طويلاً ثم يرفع ثم يسجد وفي الركعة الثانية يفعل مثلما فعل في الأولى. ٣. يشرع للإمام أن يخطب بعد انتهاء صلاة الكسوف اقتداء برسول الله ﷺ قال الإمام البخاري باب خطبة الإمام في الكسوف وقالت عائشة وأسماء: (خطب النبي ﷺ ثم ساق الإمام البخاري حديث عائشة ﵂ وفيه: (ثم قام - أي النبي ﷺ فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: هما آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة) ورواه مسلم أيضاً. وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم، أيضاً عن عائشة ﵂ ذكرت أن النبي ﷺ بعد انتهائه من صلاة الكسوف: (خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا ثم قال: يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) . ٤. علّمنا النبي ﷺ أنه عند حدوث الكسوف فعلينا أن نفزع إلى الصلاة وإلى ذكر الله والتكبير والصدقة والتعوذ من عذاب القبر ودعانا إلى الإقلاع عن المعاصي وخاصة الزنا وما أدى إليه لما في هذه الفاحشة من خطورة وفظاعة وتدمير للمجتمع وتحطيم للقيم والأخلاق.\r\rفعلى المسلمين أن يتذكروا هذه التوجيهات النبوية وأن يعملوا بمقتضاها وأن يقلعوا عن الذنوب والمعاصي التي عمت وطغت وانتشرت وظهرت في كل مكان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345801,"book_id":3840,"shamela_page_id":181,"part":"6","page_num":103,"sequence_num":181,"body":"١٠٣ - صلاة الجنازة\rحكم رفع اليدين في صلاة الجنازة،\r\rيقول السائل: هل يرفع المصلي في صلاة الجنازة يديه مع كل تكبيرة أم لا؟ وما قولكم فيما يفعله إمام المسجد عندهم حيث إنه ينكر على من يرفع يديه؟ الجواب: لم يثبت عن النبي ﷺ حديث صحيح في رفع اليدين مع كل تكبيرة من تكبيرات صلاة الجنازة سوى التكبيرة الأولى فلذلك قالت طائفة من أهل العلم ترفع الأيدي مع التكبيرة الأولى فقط وهذا مذهب أبي حنيفة في ظاهر الرواية عنه وهو اختيار ابن حزم الظاهري وهوقول الشوكاني ونقل عن جماعة من السلف كابن عباس وابن مسعود وسفيان الثوري وغيرهم. وقد روى الترمذي بإسناده عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى) ورواه أيضاً الدارقطني والبيهقي وهو حديث ضعيف. وقال الشيخ الألباني: [يشهد له الحديث الآتي وهو: (عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود) ] أحكام الجنائز ص ١١٦. وقال ابن حزم: [وأما رفع الأيدي فإنه لم يأت عن النبي ﷺ في رفع شيء من تكبير الجنازة إلا في أول تكبيرة فقط فلا يجوز فعل ذلك لأنه عمل في الصلاة لم يأت به نص] المحلى ٣/٣٥١. وقال الشوكاني: [والحاصل أنه لم يثبت في غير التكبيرة الأولى شيء يصلح للاحتجاج به عن النبي ﷺ] نيل الأوطار ٤/٧١. وقال الشيخ الألباني: [ولم نجد في السنة ما يدل على مشروعية الرفع في غير التكبيرة الأولى فلا نرى مشروعية ذلك وهو مذهب الحنفية وغيرهم واختاره الشوكاني وغيره من المحققين وإليه ذهب ابن حزم] أحكام الجنائز ص ١١٦. وقد عارض ما تقدم آثار وردت عن بعض الصحابة كابن عمر تنص على رفع الأيدي مع كل تكبيرة وهي مستند العلماء القائلين بذلك إلا أنه قد ورد عنه خلافه فتعارضت. ولا ينبغي لإمام المسجد أن ينكر على المصلين الذين يرفعون أيديهم مع كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة لأن هؤلاء المصلين يقلدون العلماء القائلين بذلك كالشافعي وأحمد وغيرهما. والمسألة خلافية ولا ينبغي الإنكار في مسائل الخلاف ما دام أن المخالف من العلماء أهل الاجتهاد وله أدلته وليس في المسألة نص عن رسول الله ﷺ وعلى إمام المسجد إن كان لا يأخذ برفع اليدين أن يبين قوله للناس وأدلته فقط ولا ينكر عليهم مخالفته فإن الأمر فيه سعة. قال الإمام سفيان الثوري: [إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه] . وقال الإمام أحمد: [لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس عل مذهب ...] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [... وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً] الآداب الشرعية ١/١٦٩، دراسات في الاختلافات الفقهية ١٠٣/١٠٤.\r\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٠/٢٠٧. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345802,"book_id":3840,"shamela_page_id":182,"part":"6","page_num":104,"sequence_num":182,"body":"١٠٤ - سنن الصلاة\rيقول السائل: هل ورد عن النبي ﷺ قراءة آية الكرسي بعد الصلاة المفروضة؟\rالجواب: نعم وردت عدة أحاديث عن النبي ﷺ في قراءة آية الكرسي عقب الصلوات المكتوبات ولكن هذه الأحاديث مختلف في أسانيدها وأمثلها حديث أبي أمامه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) رواه النسائي في السنن الكبرى والطبراني في الكبير وابن السني وغيرهم. وهذا الحديث اختلف المحدثون فيه اختلافاً كبيراً فصححه أو حسنه جماعة وضعفه آخرون وقد اعتبره ابن الجوزي من الأحاديث الموضوعة أي المكذوبة ولم يسلم له ذلك قال العلامة ابن القيم: [وهذا الحديث تفرد به محمد بن حمير عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامه ورواه النسائي عن الحسين بن بشر عن محمد بن حمير. وهذا الحديث من الناس من يصححه ويقول الحسين بن بشر قد قال فيه النسائي: [لا بأس به وفي موضع آخر ثقة. وأما المحمدان فاحتج بهما البخاري في صحيحه قالوا فالحديث على رسمه ومنهم من يقول: هو موضوع وأدخله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه في الموضوعات وتعلق على محمد بن حمير وأن أبا حاتم الرازي قال: لا يحتج به وقال يعقوب بن سفيان: ليس بقوي وأنكر ذلك عليه بعض الحفاظ ووثقوا محمداً وقال: هو أجل من أن يكون له حديث موضوع وقد احتج به أجل من صنف في الحديث الصحيح وهو البخاري ووثقه أشد الناس مقالة في الرجال يحيى بن معين وقد رواه الطبراني في معجمه أيضاً من حديث عبد الله بن حسن عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: (من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى) . وقد روي هذا الحديث من حديث أبي أمامه وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وفيها كلها ضعف ولكن إذا انضم بعضها إلى بعض مع تباين طرقها واختلاف مخارجها دلت على أن الحديث له أصل وليس بموضوع. وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه أنه قال: ما تركتها عقيب كل صلاة] زاد المعاد ١/٣٠٣-٣٠٤. وقال الحافظ المنذري بعد أن ذكر الحديث: [رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح وقال شيخنا أبو الحسن: هو على شرط البخاري وابن حبان في الصلاة وصححه] وصححه الألباني أيضاً. صحيح الترغيب الترهيب ٢/٢٥٨ وانظر السلسلة الصحيحة ٢/٦٩٧ – ٧٠١. وقال الحافظ المناوي: [وقال ابن حجر في تخريج المشكاة: غفل ابن الجوزي في زعمه وضعه وهو من أسمج ما وقع له. وقال الدمياطي: له طرق إذا انضم بعضها إلى بعض أحدثت قوة ونقل الذهبي في تاريخه عن السيف ابن أبي المجد الحافظ قال صنف ابن الجوزي كتاب الموضوعات فأصاب في ذكره أحاديث مخالفة للعقل والنقل ومما لم يصب فيه إطلاقه الوضع على أحاديث بكلام بعضهم في أحد رواتها كفلان ضعيف أو لين أو غير قوي وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه ولا يعارض الكتاب والسنة ولا حجة بأنه موضوع سوى كلام رجل في رواته وهذا عدوان ومجازفة فمن ذلك هذا الحديث] فيض القدير ٦/٢٥٦. ومعنى قول النبي ﷺ: (إلا الموت) أي الموت حاجز بينه وبين دخول الجنة فإذا تحقق وانقضى حصل دخوله. وقيل معنى الحديث أنه لم يبق من شرائط دخول الجنة إلا الموت فكأن الموت يمنع ويقول لا بد من حضوري أولاً ليدخل الجنة. انظر المرقاة شرح المشكاة ٣/٥٦. فهذا الحديث حديث صالح للاحتجاج ولذلك فإن العلماء أنكروا على ابن الجوزي إيراده في الموضوعات كما سبق في كلام الحافظ ابن حجر. ومن الأحاديث الضعيفة الواردة في قراءة آية الكرسي عقب الصلوات المكتوبات ما روي أن النبي ﷺ قال (من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى) رواه الطبراني وضعفه الألباني في تمام المنة ص٢٢٧ وفي ضعيف الترغيب والترهيب ١/٤٩٠. وسبق ذكره في كلام ابن القيم. ومنها ما روي في الحديث: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة كان بمنزلة من قاتل عن أنبياء الله ﷿ حتى يستشهد) رواه ابن السني وهو حديث ضعيف. ومنها ما ورد في الحديث (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة خرقت سبع سموات فلم يلتئم خرقها حتى ينظر الله إلى قائلها فيغفر له ثم يبعث الله ملكاً فيكتب حسناته ويمحو سيئاته إلى الغد من تلك الساعة) . رواه ابن عدي عن جابر مرفوعاً وإسناده باطل وله سند آخر فيه مجاهيل. وقد رواه الحكيم الترمذي عن أنس مرفوعاً] الفوائد المجموعة ص٢٩٩-٣٠٠. ومنها ما روي في الحديث: (من قرأ آية الكرسي وكتب بزعفران على راحة كفه اليسرى بيده اليمنى سبع مرات ويلحسها بلسانه لم ينس أبداً) في إسناده: وضاع. ومنها (من قرأ آية الكرسي لم يتول قبض نفسه إلا الله تعالى) قال تقي الدين السبكي: منكر ويشبه أن يكون موضوعاً. ومنها (من قرأ آية الكرسي على أثر وضوئه أعطاه الله ثواب أربعين عاماً ورفع له أربعين درجة وزوجه أربعين حوراء) في إسناده مقاتل بن سليمان كذاب] الفوائد المجموعة ص٣١١-٣١٢. وغير ذلك من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي لا يصح الاحتجاج بها. وأخيراً ينبغي التنبيه على أمرين: الأول أنه قد ورد أيضاً قراءة: [قل هو الله أحد والمعوذتين بعد الصلوات المكتوبات] كما في حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: [أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة] رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو حديث صحيح كما قال الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/١٩. وفي صحيح سنن الترمذي ٣/٨. الثاني: نقل العلامة ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أن المراد بدبر الصلاة آخرها قبل التسليم فقال: [ودبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام فراجعته فيه فقال: دبر كل شيء منه كدبر الحيوان] زاد المعاد ١/٣٠٥. وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من كون ذلك قبل السلام غير مسلم فإن لفظ الدبر يستعمل أيضاً في العقب بمعنى بعد كما يقال أعتق عبده عن دبر أي بعد وفاته. وما ورد في الأحاديث من قوله ﷺ دبر الصلاة أي بعد التسليم كما ورد في الحديث عن عبد الله بن الزبير ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يهلل دبر كل صلاة حين يسلم بهؤلاء الكلمات: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) . رواه مسلم. ومثل قوله ﷺ: (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وقال تمام المئة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه مسلم. وهكذا في الأحاديث الأخرى الواردة في الذكر دبر الصلاة أي بعد التسليم. قال الحافظ ابن حجر: [وأما رواية \" دبر \" فهي بضمتين، قال الأزهري: دبر الأمر يعني بضمتين ودبره يعني بفتح ثم سكون آخره. وادعى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال بالضم إلا للجارحة ورد بمثل قولهم أعتق غلامه عن دبر ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيراً بحيث لا يعد معرضاً أو كان ناسياً أو متشاغلاً بما ورد أيضاً بعد الصلاة كآية الكرسي فلا يضر) فتح الباري ٢/٤٢٤. وقال المناوي عن قول ابن تيمية السابق: [وفيه بعد] فيض القدير ٦/٢٥٦. ومما يدل على أن المراد بدبر الصلاة أنه بعد التسليم ما ورد في رواية أخرى للحديث: [من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة] أي بعد السلام. انظر الوابل الصيب ص ٢٢١، فيض القدير ٦/ ٢٥٦.\r\rوقد أيدت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية أن دبر الصلاة يكون بعد التسليم فقالت: [تسن قراءة آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين وتكون القراءة سراً ويكون بعد الانتهاء من الذكر بعد السلام] فتاوى اللجنة الدائمة ٧/١٠٨.\r\rوخلاصة الأمر أنه يستحب قراءة آية الكري وقل هو الله أحد والمعوذتين بعد انتهاء الصلاة ويقرؤها سراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345803,"book_id":3840,"shamela_page_id":183,"part":"6","page_num":105,"sequence_num":183,"body":"١٠٥ - صلاة الجمعة\rيقول السائل: إذا صليت سنة الجمعة البعدية أربع ركعات فهل أصليها اثنتين بتسليمة ثم اثنتين بتسليمة أم أصليها أربعاً متصلة بتسليمة واحدة؟\rالجواب: الثابت عند أهل العلم أن الجمعة لها سنة تصلى بعدها ولا سنة معينة تصلى قبلها. وقد ورد في صلاة السنة بعد الجمعة أنها ركعتان وورد أنها أربع ركعات وورد أنها ست ركعات ومن الأحاديث والآثار الواردة في ذلك ما يلي: عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم عن ابن عمر ﵄ أنه وصف تطوع صلاة رسول الله ﷺ قال: (فكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) رواه مسلم. وعن ابن عمر ﵄: (أنه إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد فقيل له، فقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك) رواه أبو داود والترمذي وقال العراقي إسناده صحيح. وروى الطحاوي بإسناده عن عطاء قال أبو إسحق حدثني غير مرة قال: صليت مع ابن عمر ﵄ يوم الجمعة فلما سلم قام فصلى ركعتين ثم قال: فصلى أربع ركعات ثم انصرف. فهذا ابن عمر ﵁ قد كان يتطوع بعد الجمعة بركعتين ثم أربع فيحتمل أن يكون فعل ذلك لما قد كان ثبت عنده من قول رسول الله ﷺ في ذلك وفعله وروى عن علي ﵁ أنه قال: من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل ستاً. وروى عن أبي عبد الرحمن قال: علَّم ابن مسعود ﵁ الناس أن يصلوا بعد الجمعة أربعاً فلما جاء علي بن أبي طالب ﵁ علمهم أن يصلوا ستاً. ثم قال الطحاوي: [فثبت بما ذكرنا أن التطوع الذي لا ينبغي تركه بعد الجمعة ست وهو قول أبو يوسف إلا أنه قال: أحب إليَّ أن يبدأ بالأربع ثم يثني بالركعتين لأنه هو أبعد من أن يكون قد صلى بعد الجمعة مثلها على ما قد نهي عنه.] شرح معاني الآثار ١/٣٣٧. وقد قال بمقتضى هذه الأحاديث أهل العلم فقد ذكر الترمذي بعد أن روى حديث ابن عمر أنه ﵊ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين: [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول الشافعي وأحمد] سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٣/٤٦. ونقل ذلك عن عمر وعمران بن حصين والنخعي. وقال الترمذي بعد أن روى حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: (من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل بعدها أربعاً) : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم] ثم ذكر الترمذي أن عبد الله بن مسعود كان يصلي بعد الجمعة أربعاً وذكر أن علياً أمر أن يصلي بعد الجمعة ركعتين ثم أربعاً. انظر المصدر السابق ٣/٤٧-٤٩. ونقل عن علقمة وأبي حنيفة أنه يصلي أربعاً. وقال طائفة أخرى من أهل العلم يصلي بعدها ركعتين ثم أربعاً وروي ذلك عن علي وابن عمر وأبي موسى وهو قول عطاء والثوري وأبي يوسف من الحنفية. ومن أهل العلم من خير المصلي بين هذه الثلاثة فإما أن يصلي ركعتين أو أربعاً أو ستاً فقد ذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي عن الإمام أحمد أنه قال إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين وإن شاء أربعاً وفي رواية وإن شاء ستاً. واستدل ابن قدامة على ذلك بقوله: [ولنا أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك كله بدليل ما روي من الأخبار وروي عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين) متفق عليه وفي لفظ لمسلم: (وكان لا يصلي في المسجد حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته) وهذا يدل على أنه مهما فعل من ذلك كان حسناً. قال أحمد في رواية عبد الله: ولو صلى مع الإمام ثم لم يصل شيئاً حتى صلى العصر كان جائزاً قد فعله عمران بن حصين وقال في رواية أبي داود: يعجبني أن يصلي يعني بعد الجمعة] المغني ٢/٢٦٩-٢٧٠. وقال إسحق بن راهويه إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعاً وإن صلى في بيته صلى ركعتين ذكره الترمذي في سننه والعراقي في طرح التثريب ٣/٣٨. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية قال ابن القيم: [قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: إن صلى في المسجد صلى أربعاً وإن صلى في بيته صلى ركعتين قلت: وعلى هذا تدل الأحاديث وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه كان إذا صلى في المسجد صلى أربعاً وإذا صلى في بيته صلى ركعتين] زاد المعاد ١/٤٤٠. واختارته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية فقالت: [ويجمع بين ما يدل على مشروعية أربع ركعات وما يدل على مشروعية ركعتين بعد الجمعة أن المصلي يصلي أربعاً إذا صلى في المسجد ويصلي ركعتين إذا صلى في بيته وهناك جمع آخر بين الحديثين وهو أن الراتبة بعد الجمعة أقلها ركعتان وأكثرها أربع سواء فعلها في البيت أو في المسجد] غاية المرام ٧/٢٥٧. وقال الحافظ ابن عبد البر بعد أن ذكر تعدد الروايات في سنة الجمعة البعدية: [الاختلاف عن السلف في هذا الباب اختلاف إباحة واستحسان لا اختلاف منع وحظر وكل ذلك حسن إن شاء الله] فتح المالك ٣/٢٤٥. وقال الحافظ أبو زرعة العراقي: [وقال ابن عبد البر: قال أبو حنيفة: يصلي بعد الجمعة أربعاً وقال في موضع آخر ستاً وقال الثوري: إن صليت أربعاً أو ستاً فحسن وقال الحسن بن حي: يصلي أربعاً وقال أحمد ابن حنبل أحب إلي أن يصلي بعد الجمعة ستاً وإن صلى أربعاً فحسن فلا بأس به قال ابن عبد البر وكل هذه الأقاويل مروية عن الصحابة قولاً وعملاً ولا خلاف بين العلماء أن ذلك على الاختيار وقال ابن بطال: قالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين روي عن ابن عمر وعمران بن حصين والنخعي وقالت طائفة يصليي بعدها ركعتين ثم أربعاً روي عن علي وابن عمر وأبي موسى وهو قول عطاء والثوري وأبي يوسف إلا ان أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين وقالت طائفة يصلي أربعاً لا يفصل بينهن بسلام روي ذلك عن ابن مسعود وعلقمة والنخعي وهو قول أبي حنيفة وإسحق انتهى ... وقال النووي في شرح مسلم نبه بقوله من كان منكم مصلياً على أنها سنة ليست واجبة وذكر الأربع لفضلها وفعله للركعتين في أوقات بياناً لأن أقلها ركعتان قال ومعلوم أنه ﷺ كان يصلي في أكثر الأوقات أربعاً لأنه أمرنا بهن وحثنا عليهن بقوله: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) وهو أرغب في الخير وأحرص عليه وأولى به انتهى. وقال والدي ﵀ أي الحافظ العراقي - في شرح الترمذي: وما ادعاه من أنه معلوم كان يصلي في أكثر الأوقات أربعاً فيه نظر فليس ذلك بمعلوم ولا مظنون لأن الذي صح عنه صلاة ركعتين في بيته ولا يلزم من كونه أمر به أن يفعله وكلام ابن عمر المتقدم إنما أراد به رفع فعله بالمدينة وحسب كما تقدم لأنه لم يصح أنه صلى الجمعة بمكة وعلى تقدير وقوعه بمكة منه فليس ذلك في أكثر الأوقات بل نادر وربما كانت الخصائص في حقه بالتخفيف في بعض الأوقات فإنه ﷺ كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول صبحكم مساكم الحديث عند مسلم فربما لحقه تعب من ذلك فاقتصر على الركعتين في بيته وكان يطيلهما كما ثبت في رواية النسائي وأفضل الصلاة طول القنوت أي القيام فلعلها كانت أطول من أربع خفاف أو متوسطات] طرح التثريب ٣/٣٩-٤٠. وأما بالنسبة للأربع إذا صلاها بعد الجمعة فإنه يصليها بتسليمة واحدة على الراجح من أقوال أهل العلم، قال الشوكاني: [وقد اختلف في الأربع الركعات هل تكون متصلة بتسليم في آخرها أو يفصل بين كل ركعتين بتسليم فذهب إلى الأول أهل الرأي وإسحق بن راهويه وهو ظاهر حديث أبي هريرة. وذهب إلى الثاني الشافعي والجمهور كما قال العراقي واستدلوا بقوله ﷺ: (صلاة النهار مثنى مثنى) أخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه وقد تقدم. والظاهر القول الأول لأن دليله خاص ودليل القول الآخر عام وبناء العام على الخاص واجب] نيل الأوطار ٣/٣١٩-٣٢٠. وروى محمد بن الحسن في كتابه الآثار عن إبراهيم النخعي قال: أربع بعد الظهر وأربع بعد الجمعة لا يفصل بينهن بتسليم] . الاثار ١/٢٨٠.\r\rوخلاصة الأمر أن المصلي بعد الجمعة في سعة من أمره إن شاء صلى ثنتين وإن شاء صلى أربعاً، فإن صلى أربعاً صلاها بتسليم واحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345804,"book_id":3840,"shamela_page_id":184,"part":"6","page_num":106,"sequence_num":184,"body":"١٠٦ - صلاة الجمعة\rيقول السائل: ما هو فضل قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة؟\rالجواب: وردت أحاديث كثيرة في فضائل سورة الكهف بشكل عام وعلى وجه الخصوص في فضل قراءتها في يوم الجمعة فمن فضائلها العامة ما ثبت في الحديث عن البراء بن عازب ﵁ قال: (كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال تلك السكينة تنزلت بالقرآن) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال) رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يسلط عليه ومن توضأ ثم قال سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة) رواه الحاكم ثم قال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وعن ثوبان أنه ﷺ قال: (من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف فإنه عصمة له من الدجال) رواه النسائي في السنن الكبرى وإسناده صحيح. وأما ما ورد من فضل قراءة سورة الكهف في ليلة الجمعة ويومها فمنه ما ورد عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة تكون فإن خرج الدجال عصم منه) قال الضياء المقدسي في المختارة في إسناده: من لم أقف له على ترجمة. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال ﷺ: (من قرأ سورة الكهف كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره ومن توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح إلا أن النسائي قال بعد تخريجه في اليوم والليلة: هذا خطأ والصواب موقوفاً ثم رواه من رواية الثوري وغندر عن شعبة موقوفا قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ١ / ٢٣٩. وقال الألباني: صحيح لغيره، انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/١٩٠. وعن معاذ بن أنس عن رول ﷺ أنه قال: (من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نوراً من قدمه إلى رأسه ومن قرأها كلها كانت له نوراً ما بين الأرض إلى السماء) رواه أحمد والطبراني وفي إسناد أحمد ابن لهيعة وهو ضعيف وقد يحسن قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٥٢ وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قرأ سورة الكهف كانت له نورا يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره) رواه الطبراني في الأوسط في حديث طويل وهو بتمامه في كتاب الطهارة ورجاله رجال الصحيح قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٥٣. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) رواه النسائي والبيهقي مرفوعاً والحاكم مرفوعاً وموقوفاً أيضا وقال صحيح الإسناد. ورواه الدارمي في مسنده موقوفاً على أبي سعيد ولفظه قال: (من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق) وفي أسانيدهم كلها إلا الحاكم أبو هاشم يحيى بن دينار الروماني والأكثرون على توثيقه وبقية الإسناد ثقات وقال الألباني: صحيح، انظر صحيح الترغيب والترهيب ١/٤٥٥. وقد نص الإمام الشافعي على استحباب قراءة سورة الكهف ليلة الجمعة ويوم الجمعة، انظر المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح ص١١٩. وقد علل العلماء سبب فضيلة قراءة سورة الكهف بعدة تعليلات قال الإمام النووي: [سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات فمن تدبرها لم يفتن بالدجال وكذا آخرها قوله تعالى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا) سورة الكهف الآية ١٠٢. شرح صحيح مسلم ٢/٤١٨. وقال القرطبي المحدث: [وقوله ﷺ: (من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال) وفي الرواية الأخرى: من آخر الكهف. واختلف المتأولون في سبب ذلك فقيل: لما في قصة أصحاب الكهف من العجائب والآيات فمن علمها لم يستغرب أمر الدجال ولم يهله ذلك فلا يفتنن به. وقيل: لما في قوله تعالى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ) إلى آخر السورة من المعاني المناسبة لحال الدجال وهذا على رواية من روى: من آخر الكهف. وقيل: لقوله تعالى: (قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ) سورة الكهف الآية ٢. تمسكاً بتخصيص البأس بالشدة واللدنية وهو مناسب لما يكون من الدجال من دعوى الإلهية واستيلائه وعظيم فتنته ولذلك عظم النبي ﷺ أمره وحذر منه وتعوذ من فتنته فيكون معنى هذا الحديث: أن من قرأ هذه الآيات وتدبرها ووقف على معناها حذره فأمن من ذلك وقيل: هذا من خصائص هذه السورة كلها فقد روي: (من حفظ سورة الكهف ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه) وعلى هذا تجتمع رواية من روى: (من أول سورة الكهف) ورواية من روى: (من آخرها) ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج في حفظها كلها وقيل: إنما كان ذلك لقوله: (قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ) فإنه يهون بأس الدجال. وقوله: (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) سورة الكهف الآية ٢. فإنه يهون الصبر على فتن الدجال بما يظهر من جنته وناره وتنعيمه وتعذيبه. ثم ذمه تعالى لمن اعتقد الولد يفهم منه أن من ادعى الإلهية أولى بالذم وهو الدجال ثم قصة أصحاب الكهف فيها عبرة تناسب العصمة من الفتن وذلك أن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: (رَبَّنَاءَاتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) سورة الكهف الآية ١٠. فهؤلاء قوم ابتلوا فصبروا وسألوا إصلاح أحوالهم فأصلحت لهم وهذا تعليم لكل مدعو إلى الشرك ومن روى من آخر الكهف فلما في قوله تعالى: (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا) سورة الكهف الآية ١٠٠ فإن فيه ما يهون ما يظهره الدجال من ناره] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٢/٤٣٩-٤٤٠.\r\rوقال الطيبي: [كما أن أولئك الفتية عصموا من ذلك الجبار كذلك يعصم الله القاري أي قارئ سورة الكهف من الجبار واللام للعهد وهو الذي يخرج في آخر الزمان ويدعي الألوهية لخوارق تظهر على يديه كقوله للسماء أمطري فتمطر لوقتها وللأرض أنبتي فتنبت لوقتها زيادة في الفتنة ولذلك لم توجد فتنة على وجه الأرض أعظم من فتنته وما أرسل من نبي إلا حذره قومه أو للجنس فإن الدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس ومنه الحديث: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون) أي مموهون وفي حديث: (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالاً) ] عمل اليوم والليلة لابن السني ص٤١٠.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345805,"book_id":3840,"shamela_page_id":185,"part":"6","page_num":107,"sequence_num":185,"body":"١٠٧ - صلاة الاستخارة\rيقول السائل: هل تشرع صلاة الاستخارة لمن أراد أن يتقدم لخطبة فتاة مع أن الزواج كما يقولون قسمة ونصيب. وإذا صلى الاستخارة فمتى يدعو وهل يصح أن يستخير عن غيره أو يستخير له غيره؟\rالجواب: من الثابت عند أهل العلم أنه يشرع للمسلم قبل الإقدام على أمر لم يظهر له فيه وجه الصواب أن يستخير وأن يستشير والاستخارة ثابتة عن رسول الله ﷺ وأجمع حديث ورد فيها هو حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول لنا: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ثم يسميه بعينه خير لي في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت أتعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به قال: ويسمي حاجته] رواه البخاري والنسائي والترمذي. ووردت أحاديث أخرى في الاستخارة فيها كلام لأهل الحديث منها: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من سعادة ابن آدم استخارته الله ﷿ ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله ﷿ رواه أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١١/٢١٩. ومنها ما ورد في الحديث عن أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أراد أمراً قال: (اللهم خر لي واختر لي) رواه الترمذي وضعفه. ومنها عن أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال له: (اكتم الخطبة ثم توضأ فأحسن وضوءك وصلِّ ما كتب الله لك ثم احمد ربك ومجده ثم قل: اللهم إنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب فإن رأيت لي في فلانة - تسميها – خيراً في ديني ودنياي وآخرتي فاقدرها لي وإن كان غيرها أحب إلي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاقض لي بها أو قل: فاقدرها لي) رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ ابن حجر. وهذه الأحاديث وإن كان في سند كل منها كلام لأهل الحديث إلا أنها تتقوى بحديث جابر السابق وغيره من الشواهد. وهذه الأحاديث تدل على مشروعية الاستخارة. والاستخارة هي البديل الشرعي عن التوجه إلى المنجمين والسحرة والكهنة الذين يزعمون معرفة الغيب. قال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر حديث جابر السابق: [فعوَّض رسول الله ﷺ أمته بهذا الدعاء عما كان عليه أهل الجاهلية من زجر الطير والاستقسام بالأزلام الذي نظيره هذه القرعة التي كان يفعلها إخوان المشركين يطلبون بها علم ما قسم لهم في الغيب ولهذا سمي ذلك استقسام وهو استفعال من القسم والسين فيه للطلب وعوضهم بهذا الدعاء الذي هو توحيد وافتقار وعبودية وتوكل وسؤال لمن بيده الخير كله الذي لا يأت بالحسنات إلا هو ولا يصرف السيئات إلا هو الذي إذا فتح لعبده رحمة لم يستطع أحد حبسها عنه وإذا أمسكها لم يستطع أحد إرسالها إليه من التطير والتنجيم واختيار الطالع ونحوه. فهذا الدعاء هو الطالع الميمون السعيد طالع أهل السعادة والتوفيق الذين سبقت لهم من الله الحسنى لا طالع أهل الشرك والشقاء والخذلان الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون. فتضمن هذا الدعاء الإقرار بوجوده سبحانه والإقرار بصفات كماله من كمال العلم والقدرة والإرادة والإقرار بربوبيته وتفويض الأمر إليه والاستعانة به والتوكل عليه والخروج من عهدة نفسه والتبري من الحول والقوة إلا به واعتراف العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه وقدرته عليها وإرادته لها وأن ذلك كله بيد وليه وفاطره وإلهه الحق] زاد المعاد ٢/٤٤٣-٤٤٤. والاستخارة مشروعة في الأمور المباحة التي يشكل على الإنسان فيها وجه الخير ومنها الزواج فيشرع للإنسان قبل أن يقدم على الزواج الاستخارة ويدل على ذلك حديث أبي أيوب السابق ويدل عليه أيضاً ما ورد في قصة زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش كما رواها أنس ﵁: [لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: فاذكرها عليَّ، قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت يا زينب أرسل رسول الله ﷺ يذكرك، قالت ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن ... إلخ الحديث) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [قولها (ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي فقامت إلى مسجدها) أي موضع صلاتها من بيتها، وفيه استحباب صلاة الاستخارة لمن همَّ بأمر سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير أم لا وهو موافق لحديث جابر في صحيح البخاري قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها يقول: (إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة إلى آخره) ولعلها استخارت لخوفها من تقصيرٍ في حقه ﷺ] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٥٦٦. والاستخارة في الزواج من باب التوكل على الله ﷾ ولا تعارض بين الاستخارة وأن الزواج مقدر من الله ﷾ فإن الإنسان لا يدري ما هو المقدر له إلا بعد وقوعه. قال العلامة ابن القيم: [فتأمل كيف وقع المقدور مكتنفاً بأمرين: التوكل الذي هو مضمون الاستخارة قبله والرضى بما يقضي الله له بعده وهما عنوان السعادة وعنوان الشقاء يكتنفه ترك التوكل والاستخارة قبله والسخط بعده والتوكل قبل القضاء فإذا أبرم القضاء وتم انتقلت العبودية إلى الرضى بعده كما في المسند وزاد النسائي في الدعاء المشهور: (وأسألك الرضى بعد القضاء) وهذا أبلغ من الرضى بالقضاء فإنه قد يكون عزماً فإذا وقع القضاء تنحل العزيمة فإذا حصل الرضى بعد القضاء كان حالاً أو مقاماً. والمقصود أن الاستخارة توكل على الله وتفويض إليه واستقسام بقدرته وعلمه وحسن اختياره لعبده وهي من لوازم الرضى به رباً الذي لا يذوق طعم الإيمان من لم يكن كذلك وإن رضي بالمقدور بعدها فذلك علامة سعادته] زاد المعاد ٢/٤٤٤-٤٤٥. وأما بالنسبة لمحل الدعاء في صلاة الاستخارة فيكون بعد الانتهاء من صلاة الركعتين مباشرة وهو ظاهر في قوله ﷺ في حديث جابر: (... فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم يقول) وكون الدعاء بعد الصلاة هو الأولى. وأجاز بعض أهل العلم أن يكون الدعاء أثناء السجود في الصلاة قال الحافظ ابن حجر: [هو ظاهر في تأخير الدعاء عن الصلاة فلو دعا به في أثناء الصلاة احتمل الإجزاء ويحتمل الترتيب على تقديم الشروع في الصلاة قبل الدعاء فإن موطن الدعاء في الصلاة السجود أو التشهد. وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة فيحتاج إلى قرع باب الملك ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة لما فيها من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه مآلاً وحالاً] والأصل في الاستخارة أن يفعلها كل إنسان لنفسه فإنها صلاة والأصل أن كل إنسان يصلي لنفسه ولا يصلي أحد عن أحد، ويدل على ذلك ما ورد في حديث جابر من قوله ﷺ: (إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين) ، ولكن يجوز للإنسان أن يدعو لغيره والدعاء أمره واسع. وأخيراً أنبه أن بعض الناس يظن أنه بعد الاستخارة لا بد أن يرى رؤية وهذا الكلام ليس بصحيح فإن العلماء قد نبهوا قديماً وحديثاً على أنه لا يشترط في الاستخارة أن يرى المستخير رؤيا ولكن الله تعالى يحدث في قلبه جنوحاً أو ميلاً إلى جانب ينشرح به صدره ويستقر عليه. انظر حديث صلاة الاستخارة ص٦٢.\r\rوخلاصة الأمر أن الاستخارة مشروعة عند الزواج وغيره من الأمور وأن الاستخارة في حقيقتها من باب التوكل على الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345806,"book_id":3840,"shamela_page_id":186,"part":"6","page_num":108,"sequence_num":186,"body":"١٠٨ - سنن الصلاة\rيقول السائل: حصل نقاش بين المصلين في مسألة رفع اليدين في الصلاة عند الرفع من السجدة الأولى وعند الهوي إلى السجدة الثانية فهل ثبت رفع اليدين في هذين الموطنين من الصلاة؟ يقول السائل: حصل نقاش بين المصلين في مسألة رفع اليدين في الصلاة عند الرفع من السجدة الأولى وعند الهوي إلى السجدة الثانية فهل ثبت رفع اليدين في هذين الموطنين من الصلاة؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345807,"book_id":3840,"shamela_page_id":187,"part":"6","page_num":109,"sequence_num":187,"body":"١٠٩ - الجمع بين الصلوات\rسألني الشيخ رائد إمام مسجد عثمان بن عفان في قرية كفر برا عن الأحكام المتعلقة بالجمع بين الصلاتين بسبب المطر وطلب توضيح هذه الأحكام بالتفصيل وأفاد بأن أئمة المساجد يتساهلون في الجمع فيجمعون بدون سبب شرعي معتبر؟\rالجواب: إن الأصل في الصلوات الخمس أن تؤدى في الأوقات المخصصة لها شرعاً قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) سورة النساء الآية ١٠٣. ويدل على ذلك أيضاً حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ وهو حديث صحيح مروي في دواوين السنة. والجمع بين الصلاتين رخصة حيث وجدت أسبابها. وإن من المؤسف أن بعض أئمة المساجد وكذا بعض عامة الناس يتساهلون في الجمع بين الصلاتين بسبب المطر فنرى بعضهم يجمع بدون سبب موجب كأن يكون المطر صباحاً فيجمع الإمام بين المغرب والعشاء وكذلك يجمعون بين الظهر والعصر ثم ينطلقون إلى أعمالهم وأسواقهم ولا يمنعهم المطر عنها وإنما منعهم عن الصلاة فقط. ومثل هذا التساهل جمع المنفرد في بيته بين الصلاتين بسبب المطر كما يزعمون ونحو ذلك من التساهل في هذه العبادة المؤقتة بمواقيت معروفة وثابتة. وقد أجاز جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة الجمع بين الصلاتين بسبب المطر على تفصيل عندهم أوضحه بما يلي: الجمع بين صلاتي الظهر والعصر بسبب المطر أجازه الشافعية في القول المعتمد عندهم ومنعه المالكية والحنابلة. والجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر أجازه المالكية والشافعية والحنابلة والأدلة في الجمع بين المغرب والعشاء أقوى منها في الجمع بين الظهر والعصر ومن المعلوم أن لا جمع عند الحنفية إلا في عرفة ومزدلفة فقط. وعلى كل حال فإن الجمع بين الصلاتين للمطر عند القائلين به هو رخصة شرعية مقيدة بسبب وهو المطر فلا بد من التقيد بذلك ومن المعلوم أن هذه الرخصة شرعت من أجل دفع الحرج والمشقة عن المصلين لتحصيل صلاة الجماعة. وعليه فمن أخذ برأي العلماء القائلين بالجمع بين الصلوات للمطر فلا بد أن يلتزم بما قرره هؤلاء العلماء من سبب لهذا الجمع. فالشافعية الذين يقولون بالجمع بين الظهر والعصر للمطر وكذا المغرب والعشاء نصوا على أن سبب الجمع وجود مطر يبل الثياب ولا يجمع لأجل مطر لا يبل الثياب. انظر المجموع٤/٣٨١. وقال الشيخ ابن عثيمين: [قوله المطر يبل الثياب يعني إذا كان هناك مطر يل الثياب لكثرته وغزارته فإنه يجوز الجمع بين العشائين فإن كان المطر قليلاً لا يبل الثياب فإن الجمع لا يجوز لأن هذا النوع من المطر لا يلحق المكلف فيه مشقة بخلاف الذي يبل الثياب ولا سيما إذا كان في أيام الشتاء فإنه يلحقه مشقة من جهة البلل ومشقة أخرى من جهة البرد ولا سيما إذا انضم إلى ذلك ريح فإنها تزداد المشقة] الشرح الممتع ٤/٥٥٥. كما أن العلماء القائلين بالجمع للمطر نصوا على وجود العذر وهو المطر عند الإحرام بالصلاة الأولى ومنهم من اعتبره حال الإحرام بالثانية أيضاً قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا والمطر مقيم في الوقت الذي تجمع فيه فإن صلى إحداهما ثم انقطع المطر لم يكن له أن يجمع الأخرى إليها] الأم ١/٩٥. وقال الإمام النووي: [ويشترط وجود المطر في أول الصلاتين باتفاق الأصحاب] المجموع ٤/٣٨٢. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومتى جمع في وقت الأولى اعتبر وجود العذر المبيح حال افتتاح الأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية فمتى زال العذر في أحد هذه الثلاثة لم يبح الجمع] المغني ٢/٢٠٧. وقد نص العلماء القائلون بالجمع للمطر على أن الجمع رخصة لمن يصلي في المسجد جماعة وهذا قول المالكية والشافعية وقول عند الحنابلة وعليه لا يجوز الجمع للمنفرد الذي يصلي في بيته. قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا من خرج من بيته إلى المسجد يجمع فيه قرب المسجد أو كثر أهله أو قلوا أو بعدوا ولا يجمع أحد في بيته لأن النبي ﷺ جمع في المسجد والمصلي في بيته مخالف المصلي في المسجد] الأم ١/٩٥. وانظر الجمع بين الصلاتين في المطر ص٢٢٦. وعلل ذلك الماوردي بأن الجمع يجوز لأجل المشقة وما يلحقه من أذى المطر وإذا عدم هذا المعنى امتنع جواز الجمع. الحاوي الكبير ٢/٣٩٩. وقال الإمام النووي: [قال أصحابنا والجمع بعذر المطر وما في معناه من الثلج وغيره يجوز لمن يصلي جماعة في مسجد يقصده من بعد ويتأذى بالمطر في طريقه] المجموع ٤/٣٨١. وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية ما نصه: [المشروع أن يجمع أهل المسجد إذا وجد مسوغ للجمع كالمطر كسباً لثواب الجماعة ورفقاً بالناس وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة أما جمع جماعة في بيت واحد من أجل العذر المذكور فلا يجوز لعدم وروده في الشرع المطهر وعدم وجود العذر المسبب للجمع] فتاوى اللجنة الدائمة ٨/١٣٥. وهذا هو الموافق للحكمة من مشروعية الجمع وهي رفع الحرج ودفع المشقة عمن يصلي في المسجد فأي حرج أو مشقة في حق من صلى في بيته؟ وأخيراً أنبه على بعض الأحكام المتعلقة بالجمع: ١. لا يشترط تقدم نية الجمع على الراجح من أقوال العلماء ولا يشترط للجمع أن يخبر الإمام المأمومين أنه يجمع فإن أخبرهم فحسن. ٢. إذا جمعوا بين المغرب والعشاء فإنهم يصلون سنة المغرب بعد انتهائهم من الجمع ثم يصلون سنة العشاء ولهم أن يصلوا الوتر أيضاً. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإذا جمع في وقت الأولى فله أن يصلي سنة الثانية ويوتر قبل دخول وقت الثانية لأن سنتها تابعة لها فتتبعها في فعلها ووقتها والوتر وقته ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح وقد صلى العشاء فدخل وقته] المغني ٢/٢٠٧. وقال الإمام النووي في كيفية صلاة سنة الظهر والعصر إذا جمع بينهما: [والصواب الذي قاله المحققون أنه يصلي سنة الظهر التي قبلها ثم يصلي الظهر ثم العصر ثم سنة الظهر التي بعدها ثم سنة العصر] روضة الطالبين ١/٥٠٣. ٣. إن حضر المصلي إلى المسجد فوجدهم في صلاة العشاء وهو لم يصلِ المغرب فيدخل معهم بنية صلاة المغرب فإذا قام الإمام إلى الرابعة فالمأموم مخير بين حالين إما أن ينوي المفارقة فيسلم وإما أن يبقى جالساً منتظراً الإمام حتى يتم فيسلم معه والانتظار أفضل كما قال الإمام النووي في المجموع ٤/٢٧٠. وأخيراً أنبه على أن كثيراً من أهل العلم يرون أن ترك الجمع أفضل وأولى بسبب خلاف من رأى عدم جواز الجمع. قال الإمام النووي: [وترك الجمع أفضل بلا خلاف فيصلي كل صلاة في وقتها للخروج من الخلاف فإن أبا حنيفة وجماعة من التابعين لا يجوِّزونه. وممن نص على أن تركه أفضل الغزالي وصاحب التتمة. قال الغزالي في البسيط: لا خلاف أن ترك الجمع أفضل] روضة الطالبين ١/٥٠٥. وقال ابن مفلح: [وتركه أفضل] الفروع ٢/٦٨. وقال المرداوي: [يؤخذ من قول المصنف \" ويجوز الجمع \" أنه ليس بمستحب وهو كذلك بل تركه أفضل على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب] الإنصاف ٢/٣٣٤.\r\rوخلاصة الأمر فإني أنصح أئمة المساجد بأن يلتزموا بما قرره أهل العلم وأحذرهم من التساهل في الجمع لأنه قد يوقع في معصية ألا وهي الجمع بين الصلاتين بدون عذر وقد ورد في بعض الآثار عن عمر ﵁ أنه قال: [الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر] رواه البيهقي وذكر أنه مرسل ثم روى بسنده أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل له: ثلاث من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا في عذر والفرار من الزحف والنهبى) أبو قتادة العدوي أدرك عمر ﵁ فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قوياً] ٣/١٦٩. وقوى الأثرين صاحب الجوهر النقي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345808,"book_id":3840,"shamela_page_id":188,"part":"6","page_num":110,"sequence_num":188,"body":"١١٠ - الجمع بين الصلوات\rتوضيح حكم الجمع بين الصلاتين بعذر المطر\rإن الأصل في الصلوات الخمس أن تؤدى في الأوقات المخصصة لها شرعاً قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) سورة النساء الآية ١٠٣. ويدل على ذلك أيضاً حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ وهو حديث صحيح مروي في دواوين السنة. والجمع بين الصلاتين رخصة حيث وجدت أسبابها. وإن من المؤسف أن بعض أئمة المساجد وكذا بعض عامة الناس يتساهلون في الجمع بين الصلاتين بسبب المطر فنرى بعضهم يجمع بدون سبب موجب كأن يكون المطر صباحاً فيجمع الإمام بين المغرب والعشاء وكذلك يجمعون بين الظهر والعصر ثم ينطلقون إلى أعمالهم وأسواقهم ولا يمنعهم المطر عنها وإنما منعهم عن الصلاة فقط. ومثل هذا التساهل جمع المنفرد في بيته بين الصلاتين بسبب المطر كما يزعمون ونحو ذلك من التساهل في هذه العبادة المؤقتة بمواقيت معروفة وثابتة. وقد أجاز جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة الجمع بين الصلاتين بسبب المطر على تفصيل عندهم أوضحه بما يلي: الجمع بين صلاتي الظهر والعصر بسبب المطر أجازه الشافعية في القول المعتمد عندهم ومنعه المالكية والحنابلة. والجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر أجازه المالكية والشافعية والحنابلة والأدلة في الجمع بين المغرب والعشاء أقوى منها في الجمع بين الظهر والعصر ومن المعلوم أن لا جمع عند الحنفية إلا في عرفة ومزدلفة فقط. وعلى كل حال فإن الجمع بين الصلاتين للمطر عند القائلين به هو رخصة شرعية مقيدة بسبب وهو المطر فلا بد من التقيد بذلك ومن المعلوم أن هذه الرخصة شرعت من أجل دفع الحرج والمشقة عن المصلين لتحصيل صلاة الجماعة. وعليه فمن أخذ برأي العلماء القائلين بالجمع بين الصلوات للمطر فلا بد أن يلتزم بما قرره هؤلاء العلماء من سبب لهذا الجمع. فالشافعية الذين يقولون بالجمع بين الظهر والعصر للمطر وكذا المغرب والعشاء نصوا على أن سبب الجمع وجود مطر يبل الثياب ولا يجمع لأجل مطر لا يبل الثياب. انظر المجموع٤/٣٨١. وقال الشيخ ابن عثيمين: [قوله المطر يبل الثياب يعني إذا كان هناك مطر يبل الثياب لكثرته وغزارته فإنه يجوز الجمع بين العشائين فإن كان المطر قليلاً لا يبل الثياب فإن الجمع لا يجوز لأن هذا النوع من المطر لا يلحق المكلف فيه مشقة بخلاف الذي يبل الثياب ولا سيما إذا كان في أيام الشتاء فإنه يلحقه مشقة من جهة البلل ومشقة أخرى من جهة البرد ولا سيما إذا انضم إلى ذلك ريح فإنها تزداد المشقة] الشرح الممتع ٤/٥٥٥. كما أن العلماء القائلين بالجمع للمطر نصوا على وجود العذر وهو المطر عند الإحرام بالصلاة الأولى ومنهم من اعتبره حال الإحرام بالثانية أيضاً قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا والمطر مقيم في الوقت الذي تجمع فيه فإن صلى إحداهما ثم انقطع المطر لم يكن له أن يجمع الأخرى إليها] الأم ١/٩٥. وقال الإمام النووي: [ويشترط وجود المطر في أول الصلاتين باتفاق الأصحاب] المجموع ٤/٣٨٢. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومتى جمع في وقت الأولى اعتبر وجود العذر المبيح حال افتتاح الأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية فمتى زال العذر في أحد هذه الثلاثة لم يبح الجمع] المغني ٢/٢٠٧. وقد نص العلماء القائلون بالجمع للمطر على أن الجمع رخصة لمن يصلي في المسجد جماعة وهذا قول المالكية والشافعية وقول عند الحنابلة وعليه لا يجوز الجمع للمنفرد الذي يصلي في بيته. قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا من خرج من بيته إلى المسجد يجمع فيه قرب المسجد أو كثر أهله أو قلوا أو بعدوا ولا يجمع أحد في بيته لأن النبي ﷺ جمع في المسجد والمصلي في بيته مخالف المصلي في المسجد] الأم ١/٩٥. وانظر الجمع بين الصلاتين في المطر ص٢٢٦. وعلل ذلك الماوردي بأن الجمع يجوز لأجل المشقة وما يلحقه من أذى المطر وإذا عدم هذا المعنى امتنع جواز الجمع. الحاوي الكبير ٢/٣٩٩. وقال الإمام النووي: [قال أصحابنا والجمع بعذر المطر وما في معناه من الثلج وغيره يجوز لمن يصلي جماعة في مسجد يقصده من بعد ويتأذى بالمطر في طريقه] المجموع ٤/٣٨١. وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية ما نصه: [المشروع أن يجمع أهل المسجد إذا وجد مسوغ للجمع كالمطر كسباً لثواب الجماعة ورفقاً بالناس وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة أما جمع جماعة في بيت واحد من أجل العذر المذكور فلا يجوز لعدم وروده في الشرع المطهر وعدم وجود العذر المسبب للجمع] فتاوى اللجنة الدائمة ٨/١٣٥. وهذا هو الموافق للحكمة من مشروعية الجمع وهي رفع الحرج ودفع المشقة عمن يصلي في المسجد فأي حرج أو مشقة في حق من صلى في بيته؟ وأخيراً انبه على بعض الأحكام المتعلقة بالجمع: ١. لا يشترط تقدم نية الجمع على الراجح من أقوال العلماء ولا يشترط للجمع أن يخبر الإمام المأمومين أنه يجمع فإن أخبرهم فحسن. ٢. إذا جمعوا بين المغرب والعشاء فإنهم يصلون سنة المغرب بعد انتهائهم من الجمع ثم يصلون سنة العشاء ولهم أن يصلوا الوتر أيضاً. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإذا جمع في وقت الأولى فله أن يصلي سنة الثانية ويوتر قبل دخول وقت الثانية لأن سنتها تابعة لها فتتبعها في فعلها ووقتها والوتر وقته ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح وقد صلى العشاء فدخل وقته] المغني ٢/٢٠٧. وقال الإمام النووي في كيفية صلاة سنة الظهر والعصر إذا جمع بينهما: [والصواب الذي قاله المحققون أنه يصلي سنة الظهر التي قبلها ثم يصلي الظهر ثم العصر ثم سنة الظهر التي بعدها ثم سنة العصر] روضة الطالبين ١/٥٠٣. ٣. إن حضر المصلي إلى المسجد فوجدهم في صلاة العشاء وهو لم يصلِ المغرب فيدخل معهم بنية صلاة المغرب فإذا قام الإمام إلى الرابعة فالمأموم مخير بين حالين إما أن ينوي المفارقة فيسلم وإما أن يبقى جالساً منتظراً الإمام حتى يتم فيسلم معه والانتظار أفضل كما قال الإمام النووي في المجموع ٤/٢٧٠. وأخيراً أنبه على أن كثيراً من أهل العلم يرون أن ترك الجمع أفضل وأولى بسبب خلاف من رأى عدم جواز الجمع. قال الإمام النووي: [وترك الجمع أفضل بلا خلاف فيصلي كل صلاة في وقتها للخروج من الخلاف فإن أبا حنيفة وجماعة من التابعين لا يجوِّزونه. وممن نص على أن تركه أفضل الغزالي وصاحب التتمة. قال الغزالي في البسيط: لا خلاف أن ترك الجمع أفضل] روضة الطالبين ١/٥٠٥. وقال ابن مفلح: [وتركه أفضل] الفروع ٢/٦٨. وقال المرداوي: [يؤخذ من قول المصنف \" ويجوز الجمع \" أنه ليس بمستحب وهو كذلك بل تركه أفضل على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب] الإنصاف ٢/٣٣٤. وخلاصة الأمر فإني أنصح أئمة المساجد بأن يلتزموا بما قرره أهل العلم وأحذرهم من التساهل في الجمع لأنه قد يوقع في معصية ألا وهي الجمع بين الصلاتين بدون عذر وقد ورد في بعض الآثار عن عمر ﵁ أنه قال: [الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر] رواه البيهقي وذكر أنه مرسل ثم روى بسنده أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل له: ثلاث من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا في عذر والفرار من الزحف والنهبى) أبو قتادة العدوي أدرك عمر ﵁ فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قوياً] ٣/١٦٩. وقوى الأثرين صاحب الجوهر النقي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345809,"book_id":3840,"shamela_page_id":189,"part":"6","page_num":111,"sequence_num":189,"body":"١١١ - الجمع بين الصلوات\rيقول السائل: متى يكون الجمع بين الصلاتين بسبب المطر صحيحاً وأرجو بيان شروطه؟\r\rالجواب: إن الأصل في الصلوات الخمس أن تؤدى في الأوقات المخصصة لها شرعاً قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) سورة النساء الآية ١٠٣. ويدل على ذلك أيضاً حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ وهو حديث صحيح مروي في دواوين السنة. والجمع بين الصلاتين رخصة حيث وجدت أسبابها. وإن من المؤسف أن بعض أئمة المساجد وكذا بعض عامة الناس يتساهلون في الجمع بين الصلاتين بسبب المطر فنرى بعضهم يجمع بدون سبب موجب كأن يكون المطر صباحاً فيجمع الإمام بين المغرب والعشاء وكذلك يجمعون بين الظهر والعصر ثم ينطلقون إلى أعمالهم وأسواقهم ولا يمنعهم المطر عنها وإنما منعهم عن الصلاة فقط.\r\rومثل هذا التساهل جمع المنفرد في بيته بين الصلاتين بسبب المطر كما يزعمون ونحو ذلك من التساهل في هذه العبادة المؤقتة بمواقيت معروفة وثابتة. وقد أجاز جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة الجمع بين الصلاتين بسبب المطر على تفصيل عندهم أوضحه بما يلي: الجمع بين صلاتي الظهر والعصر بسبب المطر أجازه الشافعية في القول المعتمد عندهم ومنعه المالكية والحنابلة. والجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر أجازه المالكية والشافعية والحنابلة والأدلة في الجمع بين المغرب والعشاء أقوى منها في الجمع بين الظهر والعصر ومن المعلوم أن لا جمع عند الحنفية إلا في عرفة ومزدلفة فقط. وعلى كل حال فإن الجمع بين الصلاتين للمطر عند القائلين به هو رخصة شرعية مقيدة بسبب وهو المطر فلا بد من التقيد بذلك ومن المعلوم أن هذه الرخصة شرعت من أجل دفع الحرج والمشقة عن المصلين لتحصيل صلاة الجماعة. وعليه فمن أخذ برأي العلماء القائلين بالجمع بين الصلوات للمطر فلا بد أن يلتزم بما قرره هؤلاء العلماء من سبب لهذا الجمع. فالشافعية الذين يقولون بالجمع بين الظهر والعصر للمطر وكذا المغرب والعشاء نصوا على أن سبب الجمع وجود مطر يبل الثياب ولا يجمع لأجل مطر لا يبل الثياب. انظر المجموع٤/٣٨١. وقال الشيخ ابن عثيمين: [قوله المطر يبل الثياب يعني إذا كان هناك مطر يبل الثياب لكثرته وغزارته فإنه يجوز الجمع بين العشائين فإن كان المطر قليلاً لا يبل الثياب فإن الجمع لا يجوز لأن هذا النوع من المطر لا يلحق المكلف فيه مشقة بخلاف الذي يبل الثياب ولا سيما إذا كان في أيام الشتاء فإنه يلحقه مشقة من جهة البلل ومشقة أخرى من جهة البرد ولا سيما إذا انضم إلى ذلك ريح فإنها تزداد المشقة] الشرح الممتع ٤/٥٥٥. كما أن العلماء القائلين بالجمع للمطر نصوا على وجود العذر وهو المطر عند الإحرام بالصلاة الأولى ومنهم من اعتبره حال الإحرام بالثانية أيضاً قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا والمطر مقيم في الوقت الذي تجمع فيه فإن صلى إحداهما ثم انقطع المطر لم يكن له أن يجمع الأخرى إليها] الأم ١/٩٥. وقال الإمام النووي: [ويشترط وجود المطر في أول الصلاتين باتفاق الأصحاب] المجموع ٤/٣٨٢. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومتى جمع في وقت الأولى اعتبر وجود العذر المبيح حال افتتاح الأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية فمتى زال العذر في أحد هذه الثلاثة لم يبح الجمع] المغني ٢/٢٠٧.\r\rوقد نص العلماء القائلون بالجمع للمطر على أن الجمع رخصة لمن يصلي في المسجد جماعة وهذا قول المالكية والشافعية وقول عند الحنابلة وعليه لا يجوز الجمع للمنفرد الذي يصلي في بيته. قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا من خرج من بيته إلى المسجد يجمع فيه قرب المسجد أو كثر أهله أو قلوا أو بعدوا ولا يجمع أحد في بيته لأن النبي ﷺ جمع في المسجد والمصلي في بيته مخالف المصلي في المسجد] الأم ١/٩٥. وانظر الجمع بين الصلاتين في المطر ص٢٢٦. وعلل ذلك الماوردي بأن الجمع يجوز لأجل المشقة وما يلحقه من أذى المطر وإذا عدم هذا المعنى امتنع جواز الجمع. الحاوي الكبير ٢/٣٩٩. وقال الإمام النووي: [قال أصحابنا والجمع بعذر المطر وما في معناه من الثلج وغيره يجوز لمن يصلي جماعة في مسجد يقصده من بعد ويتأذى بالمطر في طريقه] المجموع ٤/٣٨١. وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية ما نصه: [المشروع أن يجمع أهل المسجد إذا وجد مسوغ للجمع كالمطر كسباً لثواب الجماعة ورفقاً بالناس وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة أما جمع جماعة في بيت واحد من أجل العذر المذكور فلا يجوز لعدم وروده في الشرع المطهر وعدم وجود العذر المسبب للجمع] فتاوى اللجنة الدائمة ٨/١٣٥. وهذا هو الموافق للحكمة من مشروعية الجمع وهي رفع الحرج ودفع المشقة عمن يصلي في المسجد فأي حرج أو مشقة في حق من صلى في بيته؟ وأخيراً أنبه على بعض الأحكام المتعلقة بالجمع: ١. لا يشترط تقدم نية الجمع على الراجح من أقوال العلماء ولا يشترط للجمع أن يخبر الإمام المأمومين أنه يجمع فإن أخبرهم فحسن. ٢. إذا جمعوا بين المغرب والعشاء فإنهم يصلون سنة المغرب بعد انتهائهم من الجمع ثم يصلون سنة العشاء ولهم أن يصلوا الوتر أيضاً. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإذا جمع في وقت الأولى فله أن يصلي سنة الثانية ويوتر قبل دخول وقت الثانية لأن سنتها تابعة لها فتتبعها في فعلها ووقتها والوتر وقته ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح وقد صلى العشاء فدخل وقته] المغني ٢/٢٠٧. وقال الإمام النووي في كيفية صلاة سنة الظهر والعصر إذا جمع بينهما: [والصواب الذي قاله المحققون أنه يصلي سنة الظهر التي قبلها ثم يصلي الظهر ثم العصر ثم سنة الظهر التي بعدها ثم سنة العصر] روضة الطالبين ١/٥٠٣. ٣. إن حضر المصلي إلى المسجد فوجدهم في صلاة العشاء وهو لم يصلِ المغرب فيدخل معهم بنية صلاة المغرب فإذا قام الإمام إلى الرابعة فالمأموم مخير بين حالين إما أن ينوي المفارقة فيسلم وإما أن يبقى جالساً منتظراً الإمام حتى يتم فيسلم معه والانتظار أفضل كما قال الإمام النووي في المجموع ٤/٢٧٠. وأخيراً أنبه على أن كثيراً من أهل العلم يرون أن ترك الجمع أفضل وأولى بسبب خلاف من رأى عدم جواز الجمع. قال الإمام النووي: [وترك الجمع أفضل بلا خلاف فيصلي كل صلاة في وقتها للخروج من الخلاف فإن أبا حنيفة وجماعة من التابعين لا يجوِّزونه. وممن نص على أن تركه أفضل الغزالي وصاحب التتمة. قال الغزالي في البسيط: لا خلاف أن ترك الجمع أفضل] روضة الطالبين ١/٥٠٥. وقال ابن مفلح: [وتركه أفضل] الفروع ٢/٦٨. وقال المرداوي: [يؤخذ من قول المصنف \" ويجوز الجمع \" أنه ليس بمستحب وهو كذلك بل تركه أفضل على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب] الإنصاف ٢/٣٣٤.\r\rوخلاصة الأمر فإني أنصح أئمة المساجد بأن يلتزموا بما قرره أهل العلم وأحذرهم من التساهل في الجمع لأنه قد يوقع في معصية ألا وهي الجمع بين الصلاتين بدون عذر وقد ورد في بعض الآثار عن عمر ﵁ أنه قال: [الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر] رواه البيهقي وذكر أنه مرسل ثم روى بسنده أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل له: ثلاث من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا في عذر والفرار من الزحف والنهبى) أبو قتادة العدوي أدرك عمر ﵁ فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قوياً] ٣/١٦٩. وقوى الأثرين صاحب الجوهر النقي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345810,"book_id":3840,"shamela_page_id":190,"part":"6","page_num":112,"sequence_num":190,"body":"١١٢ - السهو في الصلاة\rيقول السائل: إن إمام مسجدهم قد سها في صلاة العشاء فقام من الركعة الثانية إلى الثالثة دون أن يجلس للتشهد الأوسط ولم يقم المصلون معه بل سبحوا ثم رجع الإمام إلى الجلوس وأتمَّ الإمام الصلاة وسجد للسهو. وبعد الانتهاء من الصلاة قام أحد المصلين وقال إن الصلاة باطلة ثم أعادوا الصلاة جميعاً. فما قولكم؟\r\rالجواب: النسيان والسهو من الأمور الملازمة للإنسان والسهو في الصلاة واقع فقد سها النبي ﷺ أكثر من مرة في صلاته كما ثبت ذلك في عدة أحاديث منها: عن عبد الله بن بحينة ﵁ أنه قال: (صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلم) رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن مسعود ﵁: (أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمساً فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمساً فسجد سجدتين بعدما سلم) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (صلَّى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر فسلم في ركعتين ثم أتى جذعاً في قبلة المسجد فاستند إليها مغضباً وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يتكلما وخرج سرعان الناس قصرت الصلاة فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي ﷺ يميناً وشمالاً فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق لم تصل إلا ركعتين فصلى ركعتين وسلَّم ثم كبر ثم سجد ثم كبر فرفع ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلَّم) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. وسجود السهو واجب في الصلاة إذا وُجد المقتضي له على الراجح من أقوال أهل العلم كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٢٣/٢٧-٢٨. إذا تقرر هذا فأعود إلى جواب السؤال فأقول: إذا سها الإمام بعد الركعتين الأوليين فقام إلى الثالثة فينبغي أن لا يرجع ويتم صلاته ثم يسجد للسهو. وأما إذا عاد إلى الجلوس بعد أن استتم قائماً فقد أساء وأتى مكروهاً وصلاته لا تبطل بل صحيحة وهذا قول جمهور أهل العلم.\r\rقال الحافظ ابن عبد البر شارحاً لحديث عبد الله بن بحينة المذكور أولاً ما نصه: [وفي هذا الحديث من الفقه أن المصلي إذا قام من اثنتين واعتدل قائماً لم يكن له أن يرجع وإنما قلنا واعتدل قائماً لأن الناهض لا يسمى قائماً حتى يعتدل على الحقيقة وإنما القائم المعتدل وفي حديثنا هذا: ثم قام وإنما قلنا لا ينبغي له إذا اعتدل قائماً أن يرجع لأنه معلوم أن من اعتدل قائماً في هذه المسألة لا يخلو من أن يذكر بنفسه أو يذكره من خلفه بالتسبيح ولا سيما قوم قيل لهم: من نابه شيء في صلاته فليسبح وهم أهل النهى وأولى من عمل بما حفظ ووعى وأي الحالين كانت فلم ينصرف رسول الله ﷺ إلى الجلوس بعد قيامه فكذلك ينبغي لكل من قام من اثنتين أن لا يرجع فإن رجع إلى الجلوس بعد قيامه لم تفسد صلاته عند جمهور العلماء وإن اختلفوا في سجود سهوه وحال رجوعه وقد قال بعض المتأخرين: تفسد صلاته وهو قول ضعيف لا وجه له لأن الأصل ما فعله وترك الرجوع رخصة وتنبيه على أن الجلسة لم يكن فرضاً والله أعلم] فتح المالك ٢/٢٠٤. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما القيام في موضع الجلوس ففي ثلاث صور إحداها: أن يترك التشهد الأول ويقوم وفيه ثلاث مسائل: الأولى ذكره قبل اعتداله قائماً فيلزمه الرجوع إلى التشهد وممن قال يجلس: علقمة والضحاك وقتادة والأوزاعي والشافعي وابن المنذر وقال مالك: إن فارقت أليتاه الأرض مضى وقال حسان ابن عطية: إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مضى. ولنا: ما روى المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (فإذا قام أحدكم في الركعتين فلم يستتم قائماً فليجلس فإذا استتم قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو) رواه أبو داود وابن ماجة ولأنه أخل بواجب ذكره قبل الشروع في ركن مقصود فلزمه الإتيان به كما لو لم تفارق أليتاه الأرض. المسألة الثانية: ذكره بعد اعتداله قائماً وقبل شروعه في القراءة فالأولى له أن لا يجلس وإن جلس جاز نص عليه – أي الإمام أحمد - قال النخعي: يرجع ما لم يستفتح القراءة وقال حماد بن أبي سليمان: إن ذكر ساعة يقوم جلس. ولنا: حديث المغيرة وما نذكره فيما بعد ولأنه ذكره بعد الشروع في ركن فلم يلزمه الرجوع كما لو ذكره بعد الشروع في القراءة ويحتمل أنه لا يجوز له الرجوع لحديث المغيرة ولأنه شرع في ركن فلم يجز له الرجوع كما لو شرع في القراءة. المسألة الثالثة: ذكره بعد الشروع في القراءة فلا يجوز له الرجوع ويمضي في صلاته في قول أكثر أهل العلم وممن روي عنه أنه لا يرجع عمر وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود والمغيرة بن شعبة والنعمان بن بشير وابن الزبير والضحاك بن قيس وعقبة بن عامر وهو قول أكثر الفقهاء] المغني ٢/٢٠. والحديث الذي ذكره الشيخ ابن قدامة رواه أبو داود وابن ماجة وقال أبو داود بعد أن ذكره: [وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث] وجابر الجعفي ضعيف لا يحتج به عند كثير من أهل الحديث. انظر عون المعبود ٣/٢٤٧ والتلخيص الحبير ٢/٤. وكلام أبو داود يشير إلى أن الحديث ضعيف. ولكن الشيخ الألباني صحح الحديث لشواهده. انظر السلسلة الصحيحة الجزء الأول حديث رقم ٣٢١. وقد ذكر العلامة ابن عثيمين أن المصلي إن عاد بعد أن استتم قائماً فقد أتى مكروهاً ولم تبطل صلاته لأنه لم يفعل محرماً. الشرح الممتع على زاد المستقنع ٣/٥١٢.\r\rوأخيراً أنبه على أن جماعة من العلماء كالحنفية والشافعية ذهبوا إلى إبطال صلاة من عاد من القيام إلى الجلوس ولكن قولهم مرجوح. ويضاف إلى ما سبق أن عدداً ليس قليلاً من أئمة المساجد والمصلين الذين يقعون في هذا السهو يجهلون الحكم الشرعي له وقد قال جمهور العلماء إن المصلي إذا عاد للتشهد الأوسط بعد أن استتم قائماً ناسياً أو جاهلاً فإن صلاته لا تبطل لما ورد في الحديث من قول النبي ﷺ: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. انظر الموسوعة الفقهية ٢٤/٢٤٥. وقال الحطاب الفقيه المالكي معلقاً على كلام الشيخ خليل: [ولا تبطل إن رجع ولو استقل يعني أن من فارق الأرض بيديه وركبتيه إذا قلنا إنه لا يرجع فرجع فلا تبطل صلاته وسواء رجع عمداً أو سهواً أو جهلاً] مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٢/٣٣٨.\r\rوخلاصة الأمر أنه لا ينبغي إبطال صلاة المصلين ما دام يمكن حملها على الصحة. لأن إبطال صلاة المصلين ليس أمراً هيناً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345811,"book_id":3840,"shamela_page_id":191,"part":"6","page_num":113,"sequence_num":191,"body":"١١٣ - صلاة العيد\rيقول السائل: ما هو المشروع من الأعمال في ليلة عيد الأضحى؟\r\rالجواب: لم يصح عن رسول الله ﷺ شي في إحياء ليلة العيد سواء كان ذلك ليلة عيد الفطر أو ليلة عيد الأضحى وما ورد من روايات فهي أحاديث ضعيفة جداً وبعضها مكذوب على رسول ﷺ كما سأبين بعد قليل. لذا فإن إحياء ليلة العيد بدعة غير مشروعة فلا يشرع إحياؤها بصلاة خاصة أو أذكار خاصة أو غير ذلك من الطاعات قال العلامة ابن القيم في وصف هدي النبي ﷺ ليلة عيد الأضحى: [ثم نام حتى أصبح ولم يحي تلك الليلة ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيد شيء] زاد المعاد ٢/٢٤٧. بل ليلة العيد كغيرها من الليالي ليس لها خاصية تمتاز بها على غيرها وأما ما ورد من أحاديث فقد بين أهل الحديث حالها ودرجتها وأذكر بعضها: ١. ما روي عن أبي أمامه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من قام ليلتي العيدين محتسباً لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) وفي رواية (من أحيا) رواه ابن ماجة وذكره الدارقطني في العلل وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية وفي سنده متهم بالوضع وقال الحافظ ابن حجر: [حديث مضطرب الإسناد وذكر أن فيه متهماً بالوضع قاله المناوي في فيض القدير ٦/٣٩، وقال الألباني: موضوع انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ١١. ٢. ما روي عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر وليلة الفطر) رواه الأصبهاني ونصر المقدسي وفي إسناده عبد الرحيم بن زيد العمي وهو متروك كما قال النسائي والحافظ ابن حجر وقال يحيى ابن معين كذاب وحكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه موضوع كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ١١. ٣. ما روي عن عبادة أن رسول الله ﷺ قال: (من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفي سنده عمر بن هارون البلخي وهو كذاب كما قال يحيى بن معين وابن الجوزي انظر السلسلة الضعيفة ٢/١١. وحكم عليه الألباني بأنه حديث موضوع في المصدر السابق وكذا في ضعيف الترغيب والترهيب ١/٣٣٤. ٤. ما روي عن كردوس أن النبي ﷺ قال: (من أحيا ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) قال ابن الجوزي: [هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وفيه آفات ثم ذكر من آفاته مروان بن سالم قال فيه النسائي والدارقطني والأزدي متروك العلل المتناهية ٢/٥٦٢. وقال الحافظ ابن حجر عنه: [ومروان هذا متهم بالكذب] . الإصابة ٥/٥٨٠. وقال الحافظ عنه في لسان الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٤/٣٩١. وقال الذهبي في الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٥/٣٧٢.\r\rومن أهل العلم من قوى هذه الأحاديث بمجموع طرقها كما في مصباح الزجاجة ٢/٨٥. حيث قال: [فيقوى بمجموع طرقه] ومن أهل العلم من قال يتسامح في هذه الأحاديث لأنها في فضائل الأعمال كما قال الحافظ ابن حجر: [اعلم أنه يستحب إحياء ليلتي العيدين في ذكر الله تعالى والصلاة وغيرهما من الطاعات للحديث الوارد في ذلك: (من أحيا ليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) وروي: (من قام ليلتي العيدين لله محتسباً لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) هكذا جاء في رواية الشافعي وابن ماجة وهو حديث ضعيف رويناه من رواية أبي أمامه مرفوعاً وموقوفاً وكلاهما ضعيف لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها كما قدمناه في أول الكتاب] الأذكار ص ١٤٥.\r\rوما قاله الحافظ ابن حجر من التساهل في أحاديث الفضائل سبق له وأن قيده في أول كتابه الأذكار كما أشار إليه فقال [يجوز العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعا] الأذكار ص ٥. وهذه الأحاديث المذكورة في إحياء ليلتي العيد قد حكم عليها جماعة من المحدثين بأنها موضوعة أو فيها من هو كذاب أو متهم بالوضع فلا تنطبق عليها القاعدة السابقة. وخلاصة الأمر أن إحياء ليلتي العيدين بدعة لم يثبت فيه حديث يصلح للاحتجاج به أو الاعتماد عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345812,"book_id":3840,"shamela_page_id":192,"part":"6","page_num":114,"sequence_num":192,"body":"١١٤ - صلاة العيد\rيقول السائل: إن إمام المسجد عندهم يصلي صلاة العيد على مذهب أبي حنيفة فيكبر في الأولى ثلاثاً بعد تكبيرة الإحرام ثم يقرأ، وفي الركعة الثانية يبدأ بالقراءة ثم يكبر ثلاثاً ثم يكبر للركوع. وإنه لاحظ أن كثيراً من المصلين يخطئون في الصلاة فيركعون عند تكبير الإمام التكبيرة الأولى من التكبيرات الزوائد في الركعة الثانية فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: اختلف أهل العلم في التكبير في صلاة العيدين اختلافاً كبيراً في عدد التكبيرات الزوائد وفي موضعها وقد ذكر الشوكاني عشرة أقوال في المسألة في كتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ٣/٣٣٩-٣٤٠. وذكر غيره من العلماء أكثر من ذلك. ولكن يجب أن يعلم أن التكبيرات الزوائد في صلاة العيدين من السنن المستحبة عند جمهور أهل العلم ولا تبطل الصلاة بتركها عمداً أو سهواً. الروضة الندية ١/٣٨٣. وأرجح أقوال أهل العلم أن السنة في تكبيرات صلاة العيد أن يكبر سبعاً في الأولى قبل القراءة وخمساً في الثانية قبل القراءة قال الحافظ العراقي: [هو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة قال وهو مروي عن عمر وعلي وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وزيد بن ثابت وعائشة وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومكحول وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد واسحق] نيل الأوطار ٣/٣٣٩. وانظر المجموع ٥/٩-٢٠. المغني ٢/٢٨٢. وقد استدل لهذا القول بالأدلة التالية: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي ﷺ: (التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الأخرى والقراءة بعدهما كلتيهما] رواه أبو داود وابن ماجة. وفي رواية عند أحمد وابن ماجة (أن النبي ﷺ كبر في عيد اثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة ولم يصل قبلها ولا بعدها) قال الإمام أحمد وأنا أذهب إلى هذا.\r\rوحديث عمرو بن شعيب حديث صحيح، صححه أحمد وعلي بن المديني والبخاري فيما حكاه الترمذي قاله الحافظ في التلخيص الحبير ٢/٨٤. وقال الإمام النووي: [وحديث عمرو بن شعيب هذا حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد حسنة] المجموع ٥/١٦. وقال الحافظ العراقي: [إسناده صالح ونقل الترمذي في العلل المفردة عن البخاري أنه قال إنه حديث صحيح] نيل الأوطار ٣/٣٣٨. وقال الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن أبي داود ١/٢١٣. وعن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمساً) رواه أبو داود والحاكم والبيهقي وقال الشيخ الألباني حديث صحيح. انظر إرواء الغليل ٣/١٠٧. وعن عمرو بن عوف المزني ﵁: (أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الثانية خمساً قبل القراءة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي ﷺ. سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٣/٦٦. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/١٦٦. وعن سعد القرظ مؤذن النبي ﷺ: (أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الآخرة خمساً قبل القراءة) رواه ابن ماجة والحاكم والبيهقي وصححه الألباني بشواهده في صحيح سنن ابن ماجة ١/٢١٥. وعن ابن عمر ﵁ مرفوعاً: (التكبير في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الآخرة خمس تكبيرات) رواه الدارقطني والبزار وهو حديث ضعيف. وعن جابر ﵁ قال: [مضت السنة أن يكبر للصلاة في العيدين سبعاً وخمساً] رواه البيهقي. وغير ذلك من الأحاديث.\r\rويلاحظ على هذه الأحاديث أن كل حديث منها لم يسلم من النقد ولكن مجموع هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً قال الشيخ الألباني بعد أن فصَّل الكلام على حديث عائشة السابق: [وبالجملة فالحديث بهذه الطرق صحيح ويؤيده عمل الصحابة به منهم أبو هريرة فيما رواه نافع مولى ابن عمر قال: [شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءة] . أخرجه مالك ومن طريقه الفريابي والبيهقي. ثم أخرجاه وكذا ابن أبي شيبة من طرق أخرى عن نافع به. وزاد البيهقي: \" وهي السنة \" ... ومنهم عبد الله بن عمر مثل حديثه المرفوع المتقدم، أخرجه الطحاوي وسنده صحيح. ومنهم عبد الله بن عباس \" أنه كان يكبر في العيد في الأولى سبع تكبيرات بتكبيرة الافتتاح وفي الآخرة ستاً بتكبيرة الركعة كلهن قبل القراءة \". رواه ابن أبي شيبة عن ابن جريح عن عطاء عنه وهذا سند صحيح على شرط الشيخين ...إلخ] إرواء الغليل ٣/١١٠-١١١. وقد رجح جماعة من أهل العلم أن السنة في التكبير في صلاة العيد سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية منهم الحافظ ابن عبد البر حيث قال: [وروي عن النبي ﷺ من طرق حسان أنه كبر في العيدين سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية من حديث عبد الله بن عمر وابن عمرو وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو بن عوف المزني ولم يرد عنه في وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا وهو أولى ما عمل به] المنهل العذب المورود ٦/٣٣١ وانظر أيضاً فتح المالك ٣/٣٤٦- ٣٤٧ حيث فصَّل الحافظ ابن عبد البر الكلام على روايات الأحاديث الواردة في التكبيرات ثم قال عن مذهب الحنفية: [ليس يروى عن النبي ﷺ من وجه قوي ولا ضعيف مثل قول هؤلاء] فتح المالك ٣/٣٤٧. وقال الشوكاني: [وأرجح هذه الأقوال أولها في عدد التكبير وفي محل القراءة] نيل الأوطار ٣/٣٤١.\r\rوالأول الذي ذكره أنه يكبر في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الثانية خمساً قبل القراءة. وقال الحافظ المباركفوري: [فالأولى للعمل هو ما ذهب إليه أهل المدينة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم لوجهين: الأول أنه قد جاء فيه أحاديث مرفوعة عديدة وبعضها صالح للاحتجاج والباقية مؤيدة لها وأما ما ذهب إليه أهل الكوفة فلم يرد فيه حديث مرفوع غير حديث أبي موسى الأشعري وقد عرفت أنه لا يصلح للاحتجاج.\r\rوالوجه الثاني أنه قد عمل به أبو بكر وعمر ﵄ وقد تقدم في كلام الحافظ الحازمي أن أحد الحديثين إذا كان عمل به الخلفاء الراشدون دون الثاني فيكون آكد وأقرب إلى الصحة وأصوب بالأخذ. هذا ما عندي والله تعالى أعلم] تحفة الأحوذي ٣/٧١. وممن رجح هذا القول الصنعاني في سبل السلام ٢/٦٨. وصديق حسن خان كما في الروضة الندية ١/٣٨٢. ومما ينبغي التنبيه عليه أن السنة أن يرفع المصلي يديه مع كل تكبيرة من التكبيرات قال العلامة ابن عثيمين: [لأن هذا ورد عن الصحابة ﵃ ولم يرد عن النبي ﷺ خلافه ومثل هذا العمل لا مدخل للاجتهاد فيه لأنه عبادة فهو حركة في عبادة فلا يذهب إليه ذاهب من الصحابة إلا وفيه أصل عن رسول الله ﷺ وقد صح عن ابن عمر (أنه كان يرفع يديه في تكبيرات الجنازة في كل تكبيرة) بل إنه روي عنه مرفوعاً ومنهم من صححه مرفوعاً عن النبي ﷺ. وكذلك هنا فعن عمر (أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة والعيد) وكذلك عن زيد رواهما الأثرم) الشرح الممتع على زاد المستقنع ٥/١٨٢. ورفع اليدين مع كل تكبيرة هو قول عطاء والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي ومحمد وداود وابن المنذر وغيرهم. ويستحب أن يحمد الله ويسبحه ويكبره ويصلي على النبي ﷺ بين كل تكبيرتين. ومن العلماء من قال يستحب أن يقول: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً. ومن العلماء من قال يستحب أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله الله والله أكبر اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد اللهم اغفر لي وارحمني. ومنهم من قال يستحب أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وإن أحب قال غير ما ذكر إذ لم يثبت فيه عن النبي ﷺ ذكر مؤقت والأمر فيه سعة. انظر غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام ١/٣٤٤ –٣٤٥. ملاحظة: وقع خطأ مطبعي عند ذكر مسأل تكبيرات العيد الزوائد في الجزء الأول من يسألونك حيث وردت العبارة التالية: [ويكون التكبير سبعاً في الأولى بعد القراءة وخمساً في الثانية بعد القراءة] والصواب هو (قبل القراءة) في الموضعين فينبغي أن يصحح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345813,"book_id":3840,"shamela_page_id":193,"part":"6","page_num":115,"sequence_num":193,"body":"١١٥ - صلاة العيد\rيقول السائل: إنه قرأ في كتاب فقه السنة في مسألة اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد أن الحنابلة أوجبوا صلاة الظهر في حق من تخلف عن صلاة الجمعة وأن الشيخ سيد سابق رجح عدم وجوب صلاة الظهر واحتج على ذلك بما ورد عن الصحابي عبد الله بن الزبير أنه قال: عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر. فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: مسألة اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد محل اختلاف بين أهل العلم سبق وأن فصلتها وألخص أقوال العلماء فيها وهي ثلاثة فأكثر أهل العلم يرون أنه لا تجزي واحدة منهما عن الأخرى فينبغي على المسلم أن يصلي العيد وأن يصلي الجمعة لأن عموم الأدلة التي أوجبت الجمعة لم تخص بدليل يصلح لذلك عندهم. وقالت الشافعية تسقط الجمعة عن أهل البوادي والقرى إذا صلوا العيد مع أهل البلد. وقالت الحنابلة وأكثر أهل الحديث تسقط الجمعة عمن صلى العيد إلا الإمام ومن لم يصلِ الجمعة فيجب عليه أن يصلي الظهر ونقل عن بعض العلماء إسقاط الظهر أيضاً. والقول الأول هو أولى الأقوال خروجاً من الخلاف وأما القول بسقوط صلاة الظهر فقد نسب إلى عبد الله ابن الزبير من الصحابة وعطاء بن أبي رباح من كبار التابعين إن صح الخبر عنهما وما أظنه يصح عنهما ففي صحته نظر وبيان ذلك كما يلي: روى أبو داود بسنده عن عطاء قال: [اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً فصلاهما ركعتين بكرة ولم يزد عليهما حتى صلى العصر] وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٢٠٠ ورواه ابن أبي شيبة عن وهب بن كيسان وإسناده حسن على شرط مسلم كما قال الإمام النووي في الخلاصة ٢/٨١٦ وفي رواية أخرى عند أبي داود عن عطاء قال: [صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً وكان ابن عباس في الطائف فلما قدم ذكرنا ذلك له فقال: أصاب السنة] قال النووي: رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم الخلاصة ٢/٨١٧. وقال الشيخ الألباني صحيح انظر صحيح سنن أبي داود ١/٢٠٠. وروى ابن أبي شيبة بسنده عن عطاء قال: [اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير فصلى بهم العيد ثم صلى بهم الجمعة صلاة الظهر أربعاً] مصنف ابن أبي شيبة ٢/١٨٧.\r\rوروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء فذكر ما حدث في عهد ابن الزبير ثم قال عطاء: [... وصليت أنا الظهر يومئذ ...] مصنف عبد الراق ٣/٣٠٣. هذه هي الآثار التي وقفت عليها فيما ورد عن ابن الزبير وعن عطاء وهذه الآثار لا يؤخذ منها أنهما قالا بإسقاط الظهر عمن صلى العيد وإنما قالا بأن الجمعة تسقط عمن صلى العيد. والرواية الأولى التي احتج بها من قال إن ابن الزبير أسقط الظهر لا تدل على ذلك قال الصنعاني: [ولا يخفى أن عطاء أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة وليس ذلك بنص قاطع أنه لم يصل الظهر في منزله فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر في يوم الجمعة يكون عيداً على من صلى صلاة العيد لهذه الرواية غير صحيح لاحتمال أنه صلى الظهر في منزله بل في قول عطاء أنهم صلوا وحداناً أي الظهر ما يشعر بأنه لا قائل بسقوطه ولا يقال إن مراده صلوا الجمعة وحداناً فإنها لا تصح إلا جماعة إجماعاً] سبل السلام ٢/٥٣. والرواية الثانية تثبت أنهم صلوا الظهر وحداناً. والرواية الثالثة تثبت أنهم صلوا الظهر أربعاً. والرواية الرابعة تثبت أن عطاء صلى الظهر. وبهذا يظهر أن نسبة القول بإسقاط الظهر إلى ابن الزبير وعطاء نسبة غير صحيحة. قال الشيخ محمود خطاب السبكي: [قوله صلى بنا ابن الزبير إلخ. أي صلى بنا عبد الله ابن الزبير صلاة العيد في يوم جمعة أول النهار ثم لم يخرج إلى صلاة الجمعة فصلينا وحداناً يعني صلوا الظهر منفردين لا الجمعة لأنها لا تصح إلا في جماعة كما تقدم في باب الجمعة للمملوك والمرأة في قوله ﷺ (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة) ولما حكاه النووي من الإجماع على أنها لا تصح إلا في جماعة] المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود ٦/٢٢١. وقال الحافظ ابن عبد البر: [وأما إذن عثمان لأهل العوالي وقوله: قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان يعني الجمعة والعيد قال: فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له، فقد اختلف العلماء في تأويل قول عثمان هذا واختلفت الآثار في ذلك أيضاً عن النبي ﷺ واختلف العلماء في تأويلها والأخذ بها: فذهب عطاء ابن أبي رباح إلى أن شهود العيد يوم الجمعة يجزئ عن الجمعة إذا صلى بعدها ركعتين على طريق الجمع. وروي عنه أيضاً أنه يجزيه وإن لم يصل غير صلاة العيد ولا صلاة بعد صلاة العيد حتى العصر وحكي ذلك عن ابن الزبير وهذا القول مهجور لأن الله ﷿ افترض صلاة الجمعة في يوم الجمعة على كل من في الأمصار من البالغين الذكور الأحرار فمن لم يكن بهذه الصفات ففرضه الظهر في وقتها فرضاً مطلقاً لم يختص به يوم عيد من غيره.\r\rوقول عطاء هذا ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج قال: [قال عطاء بن أبي رباح: إن اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر في يوم واحد فليجمعهما وليصلهما ركعتين فقط حتى يصلي صلاة الفطر ثم هي هي حتى العصر ثم أخبرنا عند ذلك قال: اجتمعا يوم فطر ويوم جمعة في يوم واحد في زمن ابن الزبير فقال ابن الزبير: عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً جعلهما واحداً فصلى يوم الجمعة ركعتين بكرة صلاة الفطر لم يزد عليهما حتى صلى العصر قال: فأما الفقهاء فلم يقولوا في ذلك وأما من لم يفقه فأنكر ذلك عليه قال: ولقد أنكرت أنا ذلك عليه وصليت الظهر يومئذ قال: حتى بلغنا بعد أن العيدين كانا إذا اجتمعا صليا كذلك واحداً] فتح المالك ٣/٣٣٥. وقال ابن عبد البر أيضاً: [وأما القول الأول: إن الجمعة تسقط بالعيد ولا تصلى ظهراً ولا جمعة فقول بين الفساد وظاهر الخطأ متروك مهجور لا يعرج عليه لأن الله ﷿ يقول: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) . ولم يخص يوم عيد من غيره وأما الآثار المرفوعة في ذلك فليس فيها بيان سقوط الجمعة والظهر ولكن فيها الرخصة في التخلف عن شهود الجمعة وهذا محمول عند أهل العلم على وجهين أحدهما: أن تسقط الجمعة عن أهل المصر وغيرهم ويصلون ظهراً. والآخر أن الرخصة إنما وردت في ذلك لأهل البادية ومن لا تجب عليه الجمعة] وضعف الحافظ ابن عبد البر الرواية الواردة عن ابن الزبير وفيها أنه لم يخرج إلى الجمعة ثم قال: [وإذا احتملت هذه الآثار من التأويل ما ذكرنا لم يجز لمسلم أن يذهب إلى سقوط فرض الجمعة عمن وجبت عليه لأن الله ﷿ يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) ولم يخص الله ورسوله يوم عيد من غيره من وجه تجب حجته فكيف بمن ذهب إلى سقوط الجمعة والظهر المجتمع عليهما في الكتاب والسنة والإجماع بأحاديث ليس منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث] فتح المالك ٣/٣٣٨-٣٣٩.\r\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في جواب عن سؤال حول اجتماع الجمعة والعيد فذكر أن لأهل العلم فيها ثلاثة أقوال فذكر الأولين ثم قال: [والقول الثالث: وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة. لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد وهذا هو المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه كعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وغيرهم ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف. وأصحاب القولين المتقدمين لم يبلغهم ما في ذلك من السنة عن النبي ﷺ لما اجتمع في يومه عيدان صلى العيد ثم رخص في الجمعة وفي لفظ أنه قال: (أيها الناس إنكم قد أصبتم خيراً فمن شاء أن يشهد الجمعة فليشهد فإنا مجمعون) . وأيضاً فإنه إذا شهد العيد حصل مقصود الاجتماع ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة فتكون الظهر في وقتها] مجموع الفتاوى ٢٤/٢١١. وأفتت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية بوجوب صلاة الظهر على من لم يحضر الجمعة في يوم عيد فقد جاء في فتواا: [من صلى العيد يوم الجمعة رخص له في الحضور لصلاة الجمعة ذلك اليوم إلا الإمام فيجب عليه إقامتها بمن حضر لصلاتها ممن قد صلى العيد وبمن لم يكن صلى العيد فإن لم يحضر إليه أحد سقط وجوبها عنه وصلى ظهراً ... ومن لم يحضر الجمعة فمن شهد صلاة العيد وجب عليه أن يصلي الظهر عملاً بعموم الأدلة الدالة على وجوب صلاة الظهر على من لم يصل الجمعة] فتاوى إسلامية ١/٢٤٨. وخلاصة الأمر في حال اجتمع الجمعة والعيد أن الأولى في حق من صلى العيد أن يصلي الجمعة خروجاً من الخلاف فإن لم يحضر الجمعة فيجب عليه أن يصلي الظهر ولا يصح القول بإسقاط الظهر فإن القول بسقوط الظهر ظاهر البطلان ولا متمسك لمن زعم ذلك فيما ورد عن ابن الزبير وعطاء فليس هذا دليلاً على إسقاط الظهر الثابتة بأدلة قوية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345814,"book_id":3840,"shamela_page_id":194,"part":"6","page_num":116,"sequence_num":194,"body":"١١٦ - سنن الصلاة\rيقول السائل: هل لصلاة العصر سنة راتبة؟\r\rالجواب: ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يصلي قبل العصر ركعتين وأحياناً أربع ركعات ولكن الراجح من أقوال أهل العلم أن هذه الصلاة لم تكن راتبة لذا لم يعتبرها المحققون من العلماء من السنن الرواتب بل اعتبروها من السنن المستحبة وبعضهم يعتبرها من السنن غير المؤكدة وهي السنن التي لم يواظب عليها النبي ﷺ ومن الأحاديث الواردة في الصلاة قبل العصر ما يلي: عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رحم الله امرءً صلى قبل العصر أربعاً) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه ورواه ابن خزيمة وابن حبان وصححاه وحسنه الألباني انظر صحيح الترغيب والترهيب ١/٣٨٢. وعن علي ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين) رواه الترمذي وحسنه وقال الألباني سنده حسن. مشكاة المصابيح ١/٣٦٨. وعن علي ﵁ أيضاً قال: (كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر ركعتين) رواه أبو داود وإسناده صحيح كما قال الإمام النووي في المجموع ٤/٨. وقال الألباني إسناده حسن انظر المصدر السابق. ومما يؤيد صلاة ركعتين قبل العصر عموم قول النبي ﷺ: (بين كل أذانين صلاة) وهو حديث صحيح. والمقصود بالأذانين الأذان والإقامة. وبناء على هذه الأحاديث المتقدمة فإن المصلي مخير بين أن يصلي ركعتين أو أربعاً قبل العصر جمعاً بين هذه الأحاديث والأربع أفضل انظر عون المعبود ٤/١٠٥.\r\rواختار الحنفية والإمام أحمد في رواية صلاة أربع ركعات قبل العصر انظر غاية المرام ٥/٣٩١. قال الشوكاني: [والأحاديث المذكورة تدل على استحباب أربع ركعات قبل العصر والدعاء منه ﷺ بالرحمة لمن فعل ذلك والتصريح بتحريم بدنه على النار مما يتنافس فيه المتنافسون) نيل الأوطار ٣/٢١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345815,"book_id":3840,"shamela_page_id":195,"part":"6","page_num":117,"sequence_num":195,"body":"١١٧ - الإعتكاف\rيقول السائل: ما قولكم فيما ذهب إليه بعض أهل العلم من أن الاعتكاف لا يجوز إلا في المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال؟\r\rالجواب: الاعتكاف من السنن الثابتة عن النبي ﷺ وقد صح أن النبي ﷺ اعتكف في رمضان في العشر الأواخر منه. رواه البخاري ومسلم. ويشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في المسجد وقد قال الله تعالى: (ولا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) سورة البقرة الآية ١٨٧. ولم يعتكف النبي ﷺ إلا في المسجد فلا يصح الاعتكاف في البيوت. واتفق العلماء على أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال أفضل من الاعتكاف في غيرها من المساجد وجمهور أهل العلم لا يرون أن الاعتكاف خاص بالمساجد الثلاثة كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء ونصره الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني ودافع عنه في أكثر من كتاب من كتبه. قال الشيخ الألباني: [ثم وقفت على حديث صحيح صريح يخصص المساجد المذكورة في الآية بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى وهو قوله ﷺ: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) وقد قال به من السلف فيما اطلعت حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب وعطاء إلا أنه لم يذكر المسجد الأقصى وقال غيرهم بالمسجد الجامع مطلقاً وخالف آخرون فقالوا: ولو في مسجد بيته ولا يخفى أن الأخذ بما وافق الحديث منها هو الذي ينبغي المصير إليه والله ﷾ أعلم] قيام رمضان للألباني ص٣٦. وقال الشيخ الألباني أيضاً: [واعلم أن العلماء اختلفوا في شرطية المسجد للاعتكاف وصفته كما تراه مبسوطاً في (المصنفين) المذكورين و (المحلى) وغيرهما وليس في ذلك ما يصح الاحتجاج به سوى قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) سورة البقرة الآية ١٨٧. وهذا الحديث الصحيح والآية عامة والحديث خاص ومقتضى الأصول أن يحمل العام على الخاص وعليه فالحديث مخصص للآية ومبين لها وعليه يدل كلام حذيفه وحديثه والآثار في ذلك مختلفة أيضاً فالأولى الأخذ بما وافق الحديث منها كقول سعيد بن المسيب: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي. أخرجه ابن أبي شيبة وابن حزم بسند صحيح عنه] سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد السادس القسم الأول ص٦٧٠. وقد تابع الشيخ الألباني بعض تلاميذه كما جاء في كتاب صفة صوم النبي ﷺ في رمضان ص ٩٣: [لا يشرع الاعتكاف إلا في المساجد لقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) وليست هذه المساجد على الاطلاق فقد ورد تقييدها في صحيح السنة المشرفة وذلك قوله ﷺ: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) ] .\r\rوقد أطال الشيخ الألباني الكلام على الحديث السابق في الموقع المشار إليه في السلسلة الصحيحة وحكم على الحديث بالصحة ورأى أنه مخصص لعموم الآية السابقة. وما ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم اشتراط المساجد الثلاثة لصحة الاعتكاف هو القول الراجح بل هو القول الصحيح من حيث الدليل وبيان ذلك فيما يلي: إن قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) عام في كل مسجد ولا يصلح الحديث المذكور سابقاً لتخصيص الآية لأنه يشترط في المخصص من السنة أن يكون صحيحاً لا شك فيه والحديث المذكور محل خلاف بين المحدثين فمنهم من صححه ومنهم من ضعفه ومنهم من أوَّله كما سيأتي وما كان حاله كذلك لا يصلح أن يكون مخصصاً لعموم الكتاب. قال الإمام مالك: [الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه لا يكره الاعتكاف في كل مسجد يجمع فيه ولا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة أو يدعها فإن كان مسجداً لا يجمع فيه الجمعة ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه فإني لا أرى بأساً بالاعتكاف فيه لأن الله ﵎ قال: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فعمَّ الله المساجد كلها ولم يخص شيئاً منها قال مالك: فمن هنالك جاز له أن يعتكف في المساجد التي لا يجمع فيها الجمعة] الموطأ ١/٢٨٥. وقال الإمام البخاري: [باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها لقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُءَايَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ] . قال الحافظ ابن حجر: [قوله باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها أي مشروطية المسجد له من غير تخصيص بمسجد دون مسجد .... واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان.\r\rوأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه وفيه قول للشافعي قديم وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات وخصه أبو يوسف بالواجب منه وأما النفل ففي كل مسجد وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة ويجب بالشروع عند مالك وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقاً. وأومأ إليه الشافعي في القديم وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة وعطاء بمسجد مكة والمدينة وابن المسيب بمسجد المدينة] فتح الباري ٥/١٧٦. وقال العيني: [وقالت طائفة الاعتكاف يصح في كل مسجد روي ذلك عن النخعي وأبي سلمة وأبي ثور وداود وهو قول مالك في الموطأ وهو قول الجمهور والبخاري أيضاً حيث استدل بعموم الآية في سائر المساجد] عمدة القاري ٨/٢٨٦. وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن سعيد بن جبير أنه اعتكف في مسجد قومه ومثله عن همام بن الحارث ومثله عن إبراهيم النخعي وعن أبي الأحوص وعن يحيى بن أبي سلمة وعن عامر الشعبي. وروى ابن أبي شيبة أيضاً بإسناده عن شداد بن الأزمع قال اعتكف رجل في المسجد الأعظم وضرب خيمته فحصبه الناس فبلغ ذلك ابن مسعود فأرسل إليه رجلاً فكف الناس عنه وحسَّن ذلك] انظر المصنف ٣/٩-٩١. وانظر أيضاً مصنف عبد الرزاق ٤/٣٤٦ -٣٤٨. قال الإمام النووي: [فرع في مذاهب العلماء في مسجد الاعتكاف قد ذكرنا أن مذهبنا اشتراط المسجد لصحة الاعتكاف وأنه يصح في كل مسجد وبه قال مالك وداود وحكى ابن المنذر عن سعيد ابن المسيب أنه قال إنه لا يصح إلا في مسجد النبي ﷺ وما أظن أن هذا يصح عنه وحكى هو وغيره عن حذيفه بن اليمان الصحابي أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجد المدينة والأقصى وقال الزهري والحكم وحماد ولا يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحق وأبو ثور يصح في كل مسجد يصلى فيه الصلوات كلها وتقام فيه الجماعة واحتج لهم بحديث عن جويبر عن الضحاك عن حذيفة ﵁ هـ عن النبي ﷺ قال: (كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح) رواه الدارقطني وقال الضحاك لم يسمع من حذيفه قلت وجويبر ضعيف باتفاق أهل الحديث فهذا الحديث مرسل ضعيف فلا يحتج به واحتج أصحابنا بقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ووجه الدلالة من الآية لاشتراط المسجد أنه لو صح الاعتكاف في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد لأنها منافية للاعتكاف فعلم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد وإذا ثبت جوازه في المساجد صح كل مسجد ولا يقبل تخصيص من خصه ببعضها إلا بدليل ولم يصح في التخصيص شيء صريح] المجموع ٦/٤٨٣. وقال ابن حزم الظاهري: [والاعتكاف جائز في كل مسجد ... وبرهان ذلك قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فعمَّ الله تعالى ولم يخص] . ثم قال ابن حزم: [أما من حدَّ مسجد المدينة وحده أو مسجد مكة ومسجد المدينة أو المساجد الثلاثة أو المسجد الجاع فأقوال لا دليل على صحتها فلا معنى لها وهو تخصيص لقوله تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ... فإن قيل فأين أنتم عمَّا رويتموه من طريق سعيد بن منصور...: قال حذيفه لعبد الله بن مسعود قد علمت أن رسول الله ﷺ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) أو قال: (مسجد جماعة) ؟ . قلنا: هذا شك من حذيفه أو ممن دونه ولا يقطع على رسول الله ﷺ بشك ولو أنه ﵇ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) لحفظه الله تعالى علينا ولم يدخل فيه شكاً. فصح يقيناً أنه ﵇ لم يقله قط] المحلى ٣/٤٢٨ - ٤٣١. وقال الشوكاني معلقاً على حديث حذيفه أنه قال لابن مسعود: [لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو قال في مسجد جماعة) ] . قال الشوكاني: [الحديث الأول أخرجه ابن أبي شيبة ولكن لم يذكر المرفوع منه واقتصر على المراجعة التي فيه بين حذيفه وابن مسعود ولفظه: (إن حذيفه جاء إلى عبد الله فقال: ألا أعجبك من قوم عكوف بين دارك ودار الأشعري يعني المسجد قال عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأت) فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي ﷺ وآله وعلى أن عبد الله يخالفه ويجوز الاعتكاف في كل مسجد ولو كان ثم حديث عن النبي ﷺ ما خالفه وأيضاً الشك الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج أحد شقيه. وقد استشهد بعضهم لحديث حذيفه بحديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما مرفوعاً بلفظ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى) وهو متفق عليه ولكن ليس فيه ما يشهد لحديث حذيفة لأن أفضلية المساجد الثلاثة واختصاصها بشد الرحال إليها لا تستلزم اختصاصها بالاعتكاف وقد حكى في الفتح عن حذيفة أن الاعتكاف يختص بالمساجد الثلاثة] نيل الأوطار ٤/٣٠١ وقال العلامة صديق حسن خان: [وإنما اختلفوا هل يجزئ الاعتكاف في كل مسجد؟ أم في الثلاثة المساجد فقط؟ أو في المسجد الحرام فقط؟ والظاهر أنه يجزئ في كل مسجد قال تعالى:: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ولا حجة في قول عائشة ولا في قول حذيفه في هذا الباب] الروضة الندية ٢/٤١. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين: [فكل مساجد الدنيا يسن فيها الاعتكاف وليس خاصاً بالمساجد الثلاثة كما روي ذلك عن حذيفه بن اليمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لااعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) فإن هذا الحديث ضعيف. ويدل على ضعفه أن ابن مسعود ﵁ وهنه حين ذكر له حذيفه ﵁ أن قوماً يعتكفون في مسجد بين بيت حذيفه وبيت ابن مسعود ﵁ فجاء إلى ابن مسعود زائراً له وقال إن قوماً كانوا معتكفين في المسجد الفلاني فقال له ابن مسعود ﵁: [لعلهم أصابوا فأخطأت وذكروا فنسيت] فأوهن هذا حكماً ورواية. أما حكماً ففي قوله: [أصابوا فأخطأت] وأما رواية: [فذكروا ونسيت] والإنسان معرض للنسيان وإن صح هذا الحديث فالمراد به: لا اعتكاف تام أي أن المساجد الأخرى الاعتكاف فيها دون المساجد الثلاث كما أن الصلاة في المساجد فيها دون الصلاة في المساجد الثلاثة. ويدل على أنه عام في كل مسجد قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) . فقوله: في المساجد (ال) هنا للعموم فلو كان الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة لقلنا: إن (ال) هنا للعهد الذهني ولكن أين الدليل؟ وإذا لم يقم دليل على أن (ال) للعهد الذهني فهي للعموم هذا الأصل ثم كيف يكون هذا الحكم في كتاب الله للأمة من مشارق الأرض ومغاربها ثم نقول لا يصح إلا في المساجد الثلاثة فهذا بعيد أن يكون حكم مذكور على سبيل العموم للأمة الإسلامية ثم نقول: إن هذه العبادة لا تصح إلا في المساجد الثلاثة كالطواف لا يصح إلا في المسجد الحرام. فالصواب: أنه عام في كل مسجد لكن لا شك أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل كما أن الصلاة في المساجد الثلاثة أفضل] الشرح الممتع على زاد المستقنع ٦/٥٠٤-٥٠٥.\r\rويضاف لما سبق أن اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية قد اختارت أن الاعتكاف يصح في كل مسجد تقام فيه صلاة الجماعة انظر فتاوى اللجنة الدائمة ١٠/٤١٠. وخلاصة الأمر أن الاعتكاف يصح في كل مسجد تقام فيه صلاة الجماعة وليس مقصوراً على المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345816,"book_id":3840,"shamela_page_id":196,"part":"6","page_num":118,"sequence_num":196,"body":"١١٨ - المساجد\rيقول السائل: هل يجوز تعليق الصور في المساجد خاصة أنه يكثر في أيامنا هذه تعليق صور الشهداء في المساجد؟\r\rالجواب: إن مكان الصلاة سواء كان البيت أو المسجد يجب أن يكون خالياً من كل ما يشغل المصلي عن صلاته ويشوش عليه ويخل بخشوعه في صلاته سواء كان ذلك صوراً أو زخرفة أو غير ذلك. والرسول ﷺ يقول (لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي) رواه أبو داود بسند صحيح كما قال الشيخ الألباني. وورد في الحديث عن عائشة: (أن النبي ﷺ صلى في خميصة (نوع من الثياب) لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم ... فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي) رواه البخاري ومسلم. وفي روايةٍ أخرى قال ﵊: (كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة فأخاف أن تفتنني) رواه البخاري. وعن أنس قال كان قرام (ستر رقيق من صوف ذو ألوان) لعائشة سترت به جانب بيتها فقال النبي ﷺ: (أميطي عني قرامك فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي) رواه البخاري.\r\rوبناءً على ذلك فإني أرى أنه لا يجوز تعليق الصور مهما كانت في قبلة المسجد وكذلك تعليق اللوحات سواء كانت لوحات قرآنية أو مجلات حائط أو نحوها في قبلة المسجد وأمام المصلين لأنها بالتأكيد تشغلهم عن صلاتهم وينبغي بشكل عام تنزيه المسجد عن مثل هذه الأمور فالمساجد ليست معارض ولا متاحف لتعليق الصور أو اللوحات الفنية أو الزخرفات المختلفة.\r\rوقد قام بعض الناس بكتابة آيات القرآن الكريم على شكل انسان وهو ساجد وهذا من التلاعب بكتاب الله الكريم فالقرآن لم ينزل لهذا. وكذلك يجب تنزيه المساجد عن كل ما يشوش على المصلين والذاكرين مثل إقامة الاحتفالات التي تكون مصحوبة بفرق الإنشاد مع ضرب الدفوف أو فرق الكشافة المصحوبة بالطبول والأجراس لأن هذا يشكل إساءة بالغة ومخالفة واضحة لمنهج الإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345817,"book_id":3840,"shamela_page_id":197,"part":"6","page_num":119,"sequence_num":197,"body":"١١٩ - الأذان\rيقول السائل: إنه مؤذن مسجد وعندما يؤذن للفجر كان يقول في أذانه الصلاة خير من النوم مرتين ثم قال له بعض المصلين إن الصواب أن تقال عبارة الصلاة خير من النوم في الأذان الأول الذي يسبق أذان صلاة الفجر فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: قول المؤذن في أذان صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم مرتين يسمى التثويب على قول جماعة من أهل العلم، قال الإمام الترمذي: [وقد اختلف أهل العلم في تفسير التثويب، قال بعضهم: التثويب أن يقول في أذان الفجر الصلاة خير من النوم وهو قول ابن المبارك وأحمد] ثم ذكر الترمذي قولاً آخر ثم قال: [والذي فسر ابن المبارك وأحمد أن التثويب أن يقول المؤذن في أذان الفجر الصلاة خير من النوم وهو قول صحيح ويقال له التثويب أيضاً وهو الذي اختاره أهل العلم ورأوه وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ١/٥٠٦-٥٠٧. والتثويب سنة مشروعة عند جمهور أهل العلم وبه قال عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأنس ﵃ والحسن البصري ومحمد بن سيرين والزهري ومالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والشافعي في الصحيح عنه وكثير من أهل العلم. انظر المجموع ٣/٩٤ المغني ١/٢٩٦ نيل الأوطار ٢/٤٣. وقد ورد إثبات مشروعية التثويب المذكور في عدة أحاديث منها: عن أبي محذورة ? قال: (كنت أؤذن لرسول الله ? وكنت أقول في أذان الفجر الأول حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) رواه النسائي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ١/١٤٠. وفي رواية عند أبي داود: (عن أبي محذورة عن النبي ?، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح) وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠٠. وفي رواية أخرى عند أبي داود عن أبي محذورة قال: (قلت يا رسول الله علمني سنة الأذان قال: فمسح مقدم رأسي وقال: تقول الله أكبر ... إلى أن قال: فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) وهي رواية صحيحة كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠٠. وفي رواية أخرى عند أبي داود أيضاً عن أبي محذورة قال: (قال ألقى عليَّ رسول الله ? الأذان حرفاً حرفاً) وفي آخر الحديث: (وكان يقول في الفجر الصلاة خير من النوم) وهو حديث صحيح كما قال لشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠١. وعن انس ? قال: (من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم) رواه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي وصححه ابن السكن كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١/٢٠١. وعن سعيد بن المسيب عن بلال ? أنه أتى النبي ? يؤذنه بصلاة الفجر فقيل: هو نائم فقال: (الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، فأقرت في تأذين الفجر فثبت الأمر على ذلك) رواه ابن ماجة. وقال في الزوائد: إسناده ثقات إلا أن فيه انقطاعاً سعيد بن المسيب لم يسمع من بلال. سنن ابن ماجة ١/٢٣٧، ونحوه قال الحافظ ابن حجر وذكر له طرقاً أخرى التلخيص الحبير ١/٢٠١. إذا ثبت أن التثويب مشروع في أذان الفجر فإن الراجح من أقوال العلماء أن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة وليس محله الأذان الذي يكون قبل دخول وقت الفجر كما قال بعض أهل العلم وليس محله في الأذانين كما قال آخرون من أهل العلم.\r\rوالذي يرجح أن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة ما ورد في حديث أبي محذورة: [فإن كان صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم) ، وفي الرواية الأخرى: (وكان يقول في الفجر الصلاة خير من النوم) . وما ورد عن أنس أنه قال: (من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم) . فالمقصود بهذه الروايات هو أذان صلاة الفجر وليس الأذان الذي يكون قبل ذلك لأن ذلك الأذان لا يسمى أذان الفجر أو أذان الصبح لأن صلاة الفجر لا يدخل وقتها به وإنما يدخل وقتها بأذان الفجر ويدل على ذلك ما ورد في الحديث: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم) رواه البخاري ومسلم. وأما ما ورد في رواية حديث أبي محذورة وفيها: (في أذان الفجر الأول) وفي الرواية الأخرى: (الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح) فالمراد بذلك أيضاً هو أذان الفجر أي أذان الصلاة لأنه هو المقصود بالأذان الأول وأما الأذان الثاني فهو الإقامة لما ورد في الحديث أن النبي ? قال: (بين كل أذانين صلاة) فالأذان الأول هو أذان الصلاة والأذان الثاني هو الإقامة. قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين يرحمه الله: [كلمة (الصلاة خير من النوم) في الأذان الأول كما جاء في الحديث: فإذا أذنت أذان الصبح الأول فقل (الصلاة خير من النوم) فهي في الأذان الأول لا الثاني ولكن يجب أن تعلم ما هو الأذان الأول في هذا الحديث؟ هو الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت والأذان الثاني هو الإقامة لأن الإقامة تسمى أذاناً قال النبي ?: (بين كل أذانين صلاة) والمراد الأذان والإقامة. وفي صحيح البخاري أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان زاد الأذان الثالث في الجمعة، إذن الأول الذي أمر فيه بلالاً أن يقول: (الصلاة خير من النوم) هو الأذان لصلاة الفجر. أما الأذان الذي قبل طلوع الفجر فليس أذاناً للفجر فالناس يسمون أذان آخر الليل بأنه الأذان الأول لصلاة الفجر والحقيقة أنه ليس لصلاة الفجر لأن النبي ? قال: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم) أي لأجل النائم يقوم ويتسحر والقائم يرجع ويتسحر. وقال النبي ? أيضاً لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) ومعلوم أن الصلاة لا تحضر إلا بعد طلوع الفجر.\r\rإذن الأذان الذي قبل طلوع الفجر ليس أذاناً للفجر. وعليه فعمل الناس اليوم وقولهم (الصلاة خير من النوم) في الأذان الذي للفجر هذا هو الصواب. وأما من توهم بأن المراد هو الأذان الأول في الحديث هو الأذان الذي قبل طلوع الفجر فليس له حظ من النظر] دروس وفتاوى في الحرم المكي ص ١١٣-١١٤. وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية برئاسة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله جواباً على سؤال نصه: [ما المانع من الإتيان بسنة المصطفى ? في التثويب في الأذان الأول للفجر كما جاء في سنن النسائي وابن خزيمة والبيهقي؟ الجواب: نعم ينبغي الإتيان بالتثويب في الأذان الأول للفجر امتثالاً لأمر النبي ? وواضح من الحديث أنه الأذان الذي يكون عند طلوع الفجر الصادق وسمي أولاً بالنسبة للإقامة فإنها أذان شرعاً كما في حديث (بين كل أذانين صلاة) وليس المراد بالأذان الأول ما ينادى به قبل ظهور الفجر الصادق فإنه شرع ليلاً ليستيقظ النائم وليرجع القائم وليس أذاناً للإعلام بالفجر ومن تدبر أحاديث التثويب لم يفهم منها إلا أن التثويب في أذان الإعلام بوقت الفجر لا الأذان الذي يكون ليلاً قبيل الفجر] . فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٦/٦١. واختارت لجنة الموسوعة الفقهية الكويتية هذا الرأي أيضاً فقالت: [اللجنة ترى أن المعمول به الآن من تخصيص الأذان الثاني للفجر بالتثويب أقوى لما فيه من تتابع عمل المسلمين وهو مرجح] الموسوعة الفقهية ١٠/١٥٠. وقد ذهب الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني يرحمه الله إلى أن التثويب يكون في الأذان الأول للصبح الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة وذكر الأدلة على ما ذهب إليه وهو اجتهاد له حظ من النظر والأثر إلا أنه قول مرجوح كما أنني أخالفه فيما قاله بعد ذلك: [ومما سبق يتبين أن جعل التثويب في الأذان الثاني بدعة مخالفة للسنة] انظر تمام المنة ص ١٤٦- ١٤٨. أقول ما ذهب إليه القائلون بأن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة ليس بدعة وليس مخالفاً للسنة النبوية لأن المسألة اجتهادية وليس فيها نص صريح عن النبي ? حتى يقال: إن قولهم بدعة مخالف للسنة النبوية كما قال الشيخ الألباني. بل إن الإمام النووي يرى أن الظاهر أن التثويب يشرع في كل أذان للصبح سواء ما قبل الفجر وبعده، أي في الأذانين. المجموع ٣/٩٢. ويرى نحو ذلك بعض الشافعية والحنابلة. انظر غاية المرام شرح مغني ذوي الإفهام ٣/١٠٨-١٠٩.\r\rوكذلك فإن القول بأن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة ليس فيه مخالفة للسنة لأنه لم يثبت عن النبي ? نص صريح في محل التثويب وإنما المسألة محل بحث واجتهاد وفي مثل هذه المسألة لا يقال إنه مخالف للسنة وخاصة أن من كبار العلماء من أهل الحديث والفقه قالوا بذلك الرأي كالعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز والعلامة محمد صالح العثيمين والعلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي من المعاصرين وغيرهم. يقول العلامة عبد العزيز بن باز يرحمه الله: [الأفضل أن يقال ذلك في الأذان الأخير الذي هو الثاني: الذي يقال بعد طلوع الفجر كما جاء في حديث عائشة أن المؤذن كان يقوله فإذا فرغ المؤذن قام النبي ? لصلاة الفجر ثم أدى سنة الفجر ثم خرج للناس فهذا يقال في الأذان الأخير لأنه هو محل الإيقاظ الواجب أما الأول فهو للتنبيه لإنهاء التهجد وإيقاظ النائم وصلاة الوتر ونحو ذلك] مجلة الدعوة العدد١٥٤٧ بتاريخ ١١/٢/١٤١٧ هـ. وخلاصة الأمر أن عبارة الصلاة خير من النوم تقال في أذان الفجر الذي يكون عند دخول وقت صلاة الفجر ولا تقال في الأذان الذي يسبق الوقت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345818,"book_id":3840,"shamela_page_id":198,"part":"6","page_num":120,"sequence_num":198,"body":"١٢٠ - الأذان\rيقول السائل: إنه مؤذن مسجد وعندما يؤذن للفجر كان يقول في أذانه الصلاة خير من النوم مرتين ثم قال له بعض المصلين إن الصواب أن تقال عبارة الصلاة خير من النوم في الأذان الأول الذي يسبق أذان صلاة الفجر فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: قول المؤذن في أذان صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم مرتين يسمى التثويب على قول جماعة من أهل العلم، قال الإمام الترمذي: [وقد اختلف أهل العلم في تفسير التثويب، قال بعضهم: التثويب أن يقول في أذان الفجر الصلاة خير من النوم وهو قول ابن المبارك وأحمد] ثم ذكر الترمذي قولاً آخر ثم قال: [والذي فسر ابن المبارك وأحمد أن التثويب أن يقول المؤذن في أذان الفجر الصلاة خير من النوم وهو قول صحيح ويقال له التثويب أيضاً وهو الذي اختاره أهل العلم ورأوه وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ١/٥٠٦-٥٠٧. والتثويب سنة مشروعة عند جمهور أهل العلم وبه قال عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأنس ﵃ والحسن البصري ومحمد بن سيرين والزهري ومالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والشافعي في الصحيح عنه وكثير من أهل العلم. انظر المجموع ٣/٩٤ المغني ١/٢٩٦ نيل الأوطار ٢/٤٣. وقد ورد إثبات مشروعية التثويب المذكور في عدة أحاديث منها: عن أبي محذورة ? قال: (كنت أؤذن لرسول الله ﷺ وكنت أقول في أذان الفجر الأول حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) رواه النسائي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ١/١٤٠. وفي رواية عند أبي داود: (عن أبي محذورة عن النبي ﷺ، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح) وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠٠. وفي رواية أخرى عند أبي داود عن أبي محذورة قال: (قلت يا رسول الله علمني سنة الأذان قال: فمسح مقدم رأسي وقال: تقول الله أكبر ... إلى أن قال: فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) وهي رواية صحيحة كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠٠. وفي رواية أخرى عند أبي داود أيضاً عن أبي محذورة قال: (قال ألقى عليَّ رسول الله ﷺ الأذان حرفاً حرفاً) وفي آخر الحديث: (وكان يقول في الفجر الصلاة خير من النوم) وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠١. وعن انس ? قال: (من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم) رواه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي وصححه ابن السكن كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١/٢٠١. وعن سعيد بن المسيب عن بلال ? أنه أتى النبي ﷺ يؤذنه بصلاة الفجر فقيل: هو نائم فقال: (الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، فأقرت في تأذين الفجر فثبت الأمر على ذلك) رواه ابن ماجة. وقال في الزوائد: إسناده ثقات إلا أن فيه انقطاعاً سعيد بن المسيب لم يسمع من بلال. سنن ابن ماجة ١/٢٣٧، ونحوه قال الحافظ ابن حجر وذكر له طرقاً أخرى التلخيص الحبير ١/٢٠١. إذا ثبت أن التثويب مشروع في أذان الفجر فإن الراجح من أقوال العلماء أن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة وليس محله الأذان الذي يكون قبل دخول وقت الفجر كما قال بعض أهل العلم وليس محله في الأذانين كما قال آخرون من أهل العلم. والذي يرجح أن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة ما ورد في حديث أبي محذورة: [فإن كان صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم) ، وفي الرواية الأخرى: (وكان يقول في الفجر الصلاة خير من النوم) . وما ورد عن أنس أنه قال: (من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم) . فالمقصود بهذه الروايات هو أذان صلاة الفجر وليس الأذان الذي يكون قبل ذلك لأن ذلك الأذان لا يسمى أذان الفجر أو أذان الصبح لأن صلاة الفجر لا يدخل وقتها به وإنما يدخل وقتها بأذان الفجر ويدل على ذلك ما ورد في الحديث: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم) رواه البخاري ومسلم. وأما ما ورد في رواية حديث أبي محذورة وفيها: (في أذان الفجر الأول) وفي الرواية الأخرى: (الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح) فالمراد بذلك أيضاً هو أذان الفجر أي أذان الصلاة لأنه هو المقصود بالأذان الأول وأما الأذان الثاني فهو الإقامة لما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (بين كل أذانين صلاة) فالأذان الأول هو أذان الصلاة والأذان الثاني هو الإقامة. قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين يرحمه الله: [كلمة (الصلاة خير من النوم) في الأذان الأول كما جاء في الحديث: فإذا أذنت أذان الصبح الأول فقل (الصلاة خير من النوم) فهي في الأذان الأول لا الثاني ولكن يجب أن تعلم ما هو الأذان الأول في هذا الحديث؟ هو الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت والأذان الثاني هو الإقامة لأن الإقامة تسمى أذاناً قال النبي ﷺ: (بين كل أذانين صلاة) والمراد الأذان والإقامة. وفي صحيح البخاري أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان زاد الأذان الثالث في الجمعة، إذن الأول الذي أمر فيه بلالاً أن يقول: (الصلاة خير من النوم) هو الأذان لصلاة الفجر.\r\rأما الأذان الذي قبل طلوع الفجر فليس أذاناً للفجر فالناس يسمون أذان آخر الليل بأنه الأذان الأول لصلاة الفجر والحقيقة أنه ليس لصلاة الفجر لأن النبي ﷺ قال: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم) أي لأجل النائم يقوم ويتسحر والقائم يرجع ويتسحر. وقال النبي ﷺ أيضاً لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) ومعلوم أن الصلاة لا تحضر إلا بعد طلوع الفجر. إذن الأذان الذي قبل طلوع الفجر ليس أذاناً للفجر. وعليه فعمل الناس اليوم وقولهم (الصلاة خير من النوم) في الأذان الذي للفجر هذا هو الصواب. وأما من توهم بأن المراد هو الأذان الأول في الحديث هو الأذان الذي قبل طلوع الفجر فليس له حظ من النظر] دروس وفتاوى في الحرم المكي ص ١١٣-١١٤. وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية برئاسة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله جواباً على سؤال نصه: [ما المانع من الإتيان بسنة المصطفى ﷺ في التثويب في الأذان الأول للفجر كما جاء في سنن النسائي وابن خزيمة والبيهقي؟\r\rالجواب: نعم ينبغي الإتيان بالتثويب في الأذان الأول للفجر امتثالاً لأمر النبي ﷺ وواضح من الحديث أنه الأذان الذي يكون عند طلوع الفجر الصادق وسمي أولاً بالنسبة للإقامة فإنها أذان شرعاً كما في حديث (بين كل أذانين صلاة) وليس المراد بالأذان الأول ما ينادى به قبل ظهور الفجر الصادق فإنه شرع ليلاً ليستيقظ النائم وليرجع القائم وليس أذاناً للإعلام بالفجر ومن تدبر أحاديث التثويب لم يفهم منها إلا أن التثويب في أذان الإعلام بوقت الفجر لا الأذان الذي يكون ليلاً قبيل الفجر] . فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٦/٦١. واختارت لجنة الموسوعة الفقهية الكويتية هذا الرأي أيضاً فقالت: [اللجنة ترى أن المعمول به الآن من تخصيص الأذان الثاني للفجر بالتثويب أقوى لما فيه من تتابع عمل المسلمين وهو مرجح] الموسوعة الفقهية ١٠/١٥٠. وقد ذهب الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني يرحمه الله إلى أن التثويب يكون في الأذان الأول للصبح الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة وذكر الأدلة على ما ذهب إليه وهو اجتهاد له حظ من النظر والأثر إلا أنه قول مرجوح كما أنني أخالفه فيما قاله بعد ذلك: [ومما سبق يتبين أن جعل التثويب في الأذان الثاني بدعة مخالفة للسنة] انظر تمام المنة ص ١٤٦- ١٤٨. أقول ما ذهب إليه القائلون بأن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة ليس بدعة وليس مخالفاً للسنة النبوية لأن المسألة اجتهادية وليس فيها نص صريح عن النبي ﷺ حتى يقال: إن قولهم بدعة مخالف للسنة النبوية كما قال الشيخ الألباني.\r\rبل إن الإمام النووي يرى أن الظاهر أن التثويب يشرع في كل أذان للصبح سواء ما قبل الفجر وبعده، أي في الأذانين. المجموع ٣/٩٢. ويرى نحو ذلك بعض الشافعية والحنابلة. انظر غاية المرام شرح مغني ذوي الإفهام ٣/١٠٨-١٠٩. وكذلك فإن القول بأن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة ليس فيه مخالفة للسنة لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ نص صريح في محل التثويب وإنما المسألة محل بحث واجتهاد وفي مثل هذه المسألة لا يقال إنه مخالف للسنة وخاصة أن من كبار العلماء من أهل الحديث والفقه قالوا بذلك الرأي كالعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز والعلامة محمد صالح العثيمين والعلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي من المعاصرين وغيرهم.\r\rيقول العلامة عبد العزيز بن باز يرحمه الله: [الأفضل أن يقال ذلك في الأذان الأخير الذي هو الثاني: الذي يقال بعد طلوع الفجر كما جاء في حديث عائشة أن المؤذن كان يقوله فإذا فرغ المؤذن قام النبي ﷺ لصلاة الفجر ثم أدى سنة الفجر ثم خرج للناس فهذا يقال في الأذان الأخير لأنه هو محل الإيقاظ الواجب أما الأول فهو للتنبيه لإنهاء التهجد وإيقاظ النائم وصلاة الوتر ونحو ذلك] مجلة الدعوة العدد١٥٤٧ بتاريخ ١١/٢/١٤١٧ هـ.\r\rوخلاصة الأمر أن عبارة الصلاة خير من النوم تقال في أذان الفجر الذي يكون عند دخول وقت صلاة الفجر ولا تقال في الأذان الذي يسبق الوقت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345819,"book_id":3840,"shamela_page_id":199,"part":"6","page_num":121,"sequence_num":199,"body":"١٢١ - الأذان\rحكم الخروج من المسجد بعد الأذان,\r\rيقول السائل: ورد في الحديث أن أبا هريرة ?: (رأى رجلاً قد خرج من المسجد بعد الأذان فقال: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ فما معنى قول أبي هريرة بأن الرجل قد عصى النبي ﷺ بخروجه من المسجد بعد الأذان؟\r\rالجواب: وردت عدة أحاديث عن النبي ﷺ في النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان منها ما ذكره السائل في سؤاله وهو ما رواه مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي الشعثاء قال: (كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . وجاء في رواية أخرى عند مسلم عن أبي الشعثاء قال: (سمعت أبا هريرة ورأى رجلاً يجتاز المسجد خارجاً بعد الأذان فقال: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . وعن أبي هريرة ? قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق) رواه الطبراني في الأوسط وروايته محتج بها في الصحيح كما قال المنذري في الترغيب والترهيب ١/٢٦٠.\r\rوقال الشيخ الألباني: حسن صحيح. انظر صحيح الترغيب والترهيب ١/٢٢٤. وورد عن عثمان ? أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق) رواه ابن ماجة وقال الشيخ الألباني صحيح لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب ١/٢٢٤. وعن سعيد بن المسيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا منافق إلا أحد أخرجته حاجة وهو يريد الرجوع) رواه أبو داود في مراسيله، وقال الشيخ الألباني: صحيح لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب ١/٢٢٤. فهذه الاحاديث تدل على النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لحاجة وقد حمل بعض أهل العلم النهي في هذه الأحاديث على التحريم ويؤكد ذلك على حسب حملهم أن أبا هريرة اعتبر الخروج من المسجد بعد الأذان عصياناً لأبي القاسم ﷺ. قال القرطبي المحدث: [قول أبي هريرة في الخارج من المسجد: (أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم) محمول على أنه حديث مرفوع إلى رسول الله ﷺ بدليل ظاهر نسبته إليه في معرض الاحتجاج به وما كان يليق بواحد منهم للذي علم من دينهم وأمانتهم وضبطهم وبعدهم عن التدليس ومواقع الإيهام وكأنه سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان فأطلق لفظ المعصية فإذا ثبت هذا استثمر منه أن من دخل المسجد لصلاة فرض فأذن مؤذن ذلك الوقت حرم عليها أن يخرج منه لغير ضرورة حتى يصلي فيه تلك الصلاة لأن ذلك المسجد تعين لتلك الصلاة أو لأنه إذا خرج قد يمنعه مانع من الرجوع إليه أو إلى غيره فتفوته الصلاة] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٢/٢٨١ ولكن أكثر أهل العلم يرون أن النهي في هذه الأحاديث محمول على الكراهة، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب هل يخرج من المسجد لعلة] ثم روى بسنده عن أبي هريرة: (أن رسول الله ﷺ خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف، قال: على مكانكم فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه وقد اغتسل) .\r\rقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: [قوله باب هل يخرج من المسجد لعلة أي ضرورة وكأنه يشير إلى تخصيص ما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما من طريق أبي الشعثاء عن أبي هريرة: (أنه رأى رجلاً خرج من المسجد بعد أن أذن المؤذن فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ فإن حديث الباب يدل على أن ذلك مخصوص بمن ليس له ضرورة. فيلحق بالجنب المحدث والراعف والحاقن ونحوهم وكذا من يكون إماماً لمسجد آخر ومن في معناه] فتح الباري ٢/٢٦١. وقال الإمام الترمذي بعد أن ذكر حديث أبي هريرة: [وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر أن يكون على غير وضوء أو أمر لا بد منه. ويروى عن إبراهيم النخعي أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة، قال أبو عيسى - الترمذي -: وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه] سنن الترمذي مع شرحه التحفة ١/٥١٨. وقال الإمام النووي: [يكره الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي إلا لعذر لحديث أبي الشعثاء قال: (كنا قعوداً مع أبي هريرة ? في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي ... ) ] المجموع ٢/١٧٩. وقال الإمام النووي في شرح حديث أبي هريرة: [فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٩٠. وذهب إلى القول بكراهة الخروج من المسجد بعد الأذان الحنفية والمالكية والشافعية. وقال مالك: بلغني أن رجلاً قدم حاجاً وأنه جلس إلى سعيد بن المسيب وقد أذن المؤذن وأراد أن يخرج من المسجد واستبطأ الصلاة فقال له سعيد: لا تخرج فإنه بلغني أنه من خرج بعد الأذان خروجاً لا يرجع إليه أصابه أمر سوء. قال: فقعد الرجل ثم إنه استبطأ الإقامة فقال: ما أراه إلا قد حبسني فخرج فركب راحلته فصرع فكسر فبلغ ذلك ابن المسيب فقال: قد ظننت أنه سيصيبه ما يكره قال ابن رشد: قول ابن المسيب بلغني معناه عن النبي ﷺ إذ لا يقال مثله بالرأي وهي عقوبة معجلة لمن خرج بعد الأذان من المسجد على أنه لا يعود إليه لإيثاره تعجيل حوائج دنياه على الصلاة التي أذن لها وحضر وقتها.\r\rقال أبو عمر بن عبد البر: أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يصل وكان على طهارة وكذا إن كان قد صلى وحده إلا ما لا يعاد من الصلوات فلا يحل الخروج من المسجد بإجماع إلا أن يخرج للوضوء وينوي الرجوع. أهـ ملخصاً ومن الأعذار المبيحة أيضاً الخروج من المسجد بعد الأذان ما أحدث أهل زماننا في المساجد من البدع كرفع الصوت بقراءة قرآن أو ذكر لأنه يشوش على المتعبدين وكالتبليغ لغير حاجة إليه ... ويدل لذلك ما يأتي للمصنف في باب التثويب عن مجاهد قال كنت مع عبد الله بن عمر ﵄ فثوب رجل أي قال الصلاة خير من النوم في الظهر أو العصر فقال ابن عمر لمجاهد: اخرج بنا فإن هذه بدعة] المنهل العذب المورود ٤/٢١٨-٢١٩.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345820,"book_id":3840,"shamela_page_id":200,"part":"6","page_num":122,"sequence_num":200,"body":"١٢٢ - الأذان\rيقول السائل: إنه سمع الأذان على إحدى المحطات التلفزيونية الفضائية وسمع عبارة: [حي على خير العمل] فما حكم ذكر هذه العبارة في الأذان؟\r\rالجواب: ألفاظ الأذان محفوظة ومعروفة عن رسول الله ﷺ وقد ثبتت هذه الألفاظ في عدد من الأحاديث منها ما جاء في حديث عبد الله بن زيد ? قال: (لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة قال أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك، فقلت له بلى، قال: فقال تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. قال ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال وتقول إذا أقمت الصلاة الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به قال فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى فقال رسول الله ﷺ فلله الحمد) رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: حسن صحيح واللفظ لأبي داود، وقال الشيخ الألباني حسن صحيح. صحيح سنن أبي داود ١/٩٨-٩٩.\r\rوعن أبي محذورة قال لما خرج رسول الله ﷺ من حنين خرجت عاشر عشرة من أهل مكة نطلبهم فسمعناهم يؤذنون بالصلاة فقمنا نؤذن نستهزئ بهم فقال رسول الله ﷺ قد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت فأرسل إلينا فأذنا رجل رجل وكنت آخرهم فقال حين أذنت تعال فأجلسني بين يديه فمسح على ناصيتي وبرك علي ثلاث مرات ثم قال اذهب فأذن عند البيت الحرام قلت كيف يا رسول الله فعلمني كما تؤذنون الآن بها الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله أهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح قال وعلمني الإقامة مرتين الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح سنن النسائي ١/ ١٣٦-١٣٧. وغير ذلك من الأحاديث. هذه هي ألفاظ الأذان المحفوظة عن النبي ﷺ. إذا تقرر هذا فإن زيادة [حي على خير العمل] ليست من ألفاظ الأذان وإنما هي من زيادة الشيعة على ألفاظ الأذان وليس لهم مستند صحيح يعتمد عليه وقد عقد الإمام البيهقي فصلاً في سننه بعنوان: [باب ما روي في حي على خير العمل] . وذكر فيه بعض الآثار عن ابن عمر وعلي بن الحسين وبلال ﵃ فيها عبارة (حي على خير العمل) ثم قال الإمام البيهقي: [وهذه اللفظة لم تثبت عن النبي ﷺ فيما علَّم بلالاً وأبا محذورة ونحن نكره الزيادة فيه] سنن البيهقي ١/٤٢٤-٤٢٥. وذكر ابن حزم أن هذه الجملة لم تصح عن النبي ﷺ. المحلى ٢/١٩٤. وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية. مجموع الفتاوى ٢٣/١٠٣.\r\rوقال الإمام النووي: [يكره أن يقال في الأذان حي على خير العمل لأنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ وروى البيهقي فيه شيئاً موقوفاً على ابن عمر وعلي بن الحسين ﵃ قال البيهقي: لم تثبت هذه اللفظة عن النبي ﷺ فنحن نكره الزيادة في الأذان والله أعلم] المجموع ٣/٩٨. وقال الشوكاني في أثناء شرحه لحديث عبد الله بن زيد المتقدم ما نصه: [والحديث ليس فيه ذكر حي على خير العمل وقد ذهبت العترة إلى إثباته وأنه بعد قول المؤذن حي على الفلاح قالوا: يقول مرتين حي على خير العمل ونسبه المهدي في البحر إلى أحد قولي الشافعي وهو خلاف ما في كتب الشافعية فإنا لم نجد في شيء منها هذه المقالة بل خلاف ما في كتب أهل البيت، قال في الانتصار: إن الفقهاء الأربعة لا يختلفون في ذلك، يعني في أن حي على خير العمل ليس من ألفاظ الأذان وقد أنكر هذه الرواية الإمام عز الدين في شرح البحر وغيره ممن له اطلاع على كتب الشافعية. احتج القائلون بذلك بما في كتب أهل البيت كأمالي أحمد بن عيسى والتجريد والأحكام وجامع آل محمد من إثبات ذلك مسنداً إلى رسول الله ﷺ. قال في الأحكام: وقد صح لنا أن حي على خير العمل كانت على عهد رسول الله ﷺ يؤذن بها ولم تطرح إلا في زمن عمر. وهكذا قال الحسن بن يحيى روى ذلك عنه في جامع آل محمد وبما أخرج البيهقي في سننه الكبرى بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر أنه كان يؤذن بحي على خير العمل أحياناً. وروى فيها عن علي بن الحسين أنه قال: هو الأذان الأول وروى المحب الطبري في أحكامه عن زيد بن أرقم أنه أذن بذلك، قال المحب الطبري: رواه ابن حزم ورواه سعيد بن منصور في سننه عن أبي أمامة بن سهل البدري ولم يرو ذلك من طريق غير أهل البيت مرفوعاً. وقول بعضهم: وقد صحح ابن حزم والبيهقي والمحب الطبري وسعيد بن منصور ثبوت ذلك عن علي بن الحسين وابن عمر وأبي أمامة بن سهل موقوفاً ومرفوعاً ليس بصحيح اللهم إلا أن يريد بقوله مرفوعاً قول علي بن الحسين هو الأذان الأول ولم يثبت عن ابن عمر وأبي أمامة الرفع في شيء من كتب الحديث.\r\rوأجاب الجمهور عن أدلة إثباته بأن الأحاديث الواردة بذكر ألفاظ الأذان في الصحيحين وغيرهما من دواوين الحديث ليس في شيء منها ما يدل على ثبوت ذلك، قالوا: وإذا صح ما روي من أنه الأذان الأول فهو منسوخ بأحاديث الأذان لعدم ذكره فيها وقد أورد البيهقي حديثاً في نسخ ذلك ولكنه من طريق لا يثبت النسخ بمثلها] نيل الأوطار ٢/٤٣-٤٤. وقال الشوكاني أيضاً معلقاً على قول صاحب حدائق الأزهار [حي على خير العمل] قال الشوكاني: [أقول هذا اللفظ قد صار من المراكز العظيمة عند غالب الشيعة ولكن الحكم بين المختلفين من العباد هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فما جاءنا فيهما فسمعاً وطاعة وما لم يكن فيهما فإن وضح فيه وجه قياس بمسلك من المسالك المقبولة التي لا ترفع ولا تنقض كالنص على العلة أو دلالة الدليل على ثبوت الحكم في المسكوت عنه بفحوى الخطاب كان للمتمسك بذلك أن يقول به على ما فيه من خلاف وهكذا إذا صح الإجماع على حكم ولكن دون تصحيح الإجماع مفاوز متلوية وطرائق متشعبة وعقاب شامخة كما أوضحنا ذلك في إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول. وإذا كان اختلاف المختلفين في حكم ثابت من السنة فالمرجع دواوينها التي وضعها علماء الرواية وهي الأمهات وما يلتحق بها من المسانيد ونحوها ولم يثبت رفع هذا اللفظ إلى رسول الله ﷺ في شيء من كتب الحديث على اختلاف أنواعها وغاية ما يروى في ذلك ما أخرجه الطبراني والبيهقي عن بلال أنه كان يؤذن للصبح فيقول: حي على خير العمل، فأمره رسول الله ﷺ أن يجعل مكانها الصلاة خير من النوم وترك حي على خير العمل، وفي إسناده عبد الرحمن بن عمار بن سعد وهو ضعيف، وقد قال البيهقي بعد إخراجه: هذا اللفظ لم يثبت فيما علم النبي ﷺ بلالاً وأبا محذورة ونحن نكره الزبادة فيه، انتهى. ومع هذا ففي هذا التصريح بأن النبي ﷺ أمر بلالاً أن يترك ذلك فلو قدرنا ثبوته لكان منسوخاً] السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ١/٢٠٥.\r\rوأجابت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز حول زيادة هذه الجملة في الأذان بقولها: [الأذان عبادة من العبادات والأصل في العبادات التوقيف وأنه لا يقال: إن هذا العمل مشروع إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع والقول بأن هذه العبادة مشروعة بغير دليل شرعي قول على الله بغير علم فقد قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وقال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) وقال النبي ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) إذا علم ذلك فالأذان الشرعي الثابت عن رسول الله ﷺ هو خمس عشرة جملة هي: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) هذا هو الثابت أن رسول الله ﷺ أمر بلالاً أن يؤذن به كما ذكر ذلك أهل السنن والمسانيد إلا في أذان الصبح فإنه ثبت أن مؤذن النبي ﷺ كان يزيد فيه بعد الحيعلة (الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم) واتفق الأئمة الأربعة على مشروعية ذلك لأن إقرار الرسول ﷺ لهذه الكلمة من بلال يدل على مشروعية الإتيان بها وأما قول المؤذن في أذان الصبح حي على خير العمل فليس بثابت ولا عمل عليه عند أهل السنة وهذا من مبتدعات الرافضة فمن فعله ينكر عليه بقدر ما يكفي للامتناع عن الإتيان بهذه الزيادة في الأذان] فتاوى اللجنة الدائمة ٦/٩٤. وخلاصة الأمر أن ذكر عبارة [حي على خير العمل] في الأذان بدعة لا يجوز أن تكون من ضمن ألفاظ الأذان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345821,"book_id":3840,"shamela_page_id":201,"part":"6","page_num":123,"sequence_num":201,"body":"١٢٣ - الأذان\rيقول السائل: إنه يصلي أحياناً منفرداً في بيته بدون إقامة للصلاة فما حكم صلاته؟\r\rالجواب: الإقامة من السنن المؤكدة الثابتة عن رسول الله ﷺ وهي مشروعة في صلاة الجماعة ولمن صلى منفرداً من الرجال دون النساء فليس على النساء أذان ولا إقامة. فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) متفق عليه. وعن عقبة بن عامر ? قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: يَعْجَبُ ربك من راعي غنم في رأس الشظية للجبل يؤذن ويصلي فيقول الله ﷿: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة) رواه أبو داود والنسائي وأحمد وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر صحيح سنن أبي داود ١/٢٢٣. وإذا صلى المنفرد بدون إقامة فصلاته صحيحة ولا شيء عليه، قال الإمام النووي: [فرع في مذاهب العلماء في الأذان والإقامة: مذهبنا المشهور أنهما سنة لكل الصلوات في الحضر والسفر للجماعة والمنفرد لا يجبان بحال فإن تركهما صحت صلاة المنفرد والجماعة وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه ونقله السرخسي عن جمهور العلماء] المجموع ٣/٨٢. وقال الخرقي الحنبلي: [ومن صلى بلا أذان ولا إقامة كرهنا له ذلك ولا يعيد] وذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي في شرحه لكلام الخرقي أنه لا يعرف مخالف في ذلك إلا عطاء ثم قال: [والصحيح قول الجمهور لما ذكرنا ولأن الإقامة أحد الأذانين فلم تفسد الصلاة بتركها كالأخر) المغني ١/٣٠٢-٣٠٣. ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن إبراهيم النخعي عن الأسود وعلقمة قالا: أتينا عبد الله بن مسعود في داره فقال: أصلى هؤلاء خلفكم. فقلنا: لا. قال: فقوموا فصلوا فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة ... ] رواه مسلم. وخلاصة الأمر أن من صلى منفرداً بدون إقامة فصلاته صحيحة ولكن الأولى والأفضل أن يقيم الصلاة خروجاً من خلاف من أوجبها من أهل العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345822,"book_id":3840,"shamela_page_id":202,"part":"6","page_num":124,"sequence_num":202,"body":"١٢٤ - المحافظة على الصلاة\rيقول السائل: ما قولكم في ظاهرة السهر التي يعاني منها كثير من الناس حيث إنهم يسهرون إلى ساعة متأخرة من الليل ثم ينامون وتضيع عليهم صلاة الفجر فلا يصلونها في وقتها الشرعي؟\r\rالجواب: إن من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان نعمة الوقت أو الزمن، يقول الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَءَاتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) سورة إبراهيم الآيات ٣٢-٣٤. وقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) سورة النحل الآية ١٢.\r\rوقد اعتنى الإسلام عناية فائقة بالوقت وحث المسلم على تنظيم وقته فكثير من الأحكام الشرعية مرتبطة بالوقت ارتباطاً وثيقاً قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀: [وقد رسم الشرع الحنيف: التوقيت في تكاليف كثيرة غير الصلاة، فوقت في أحكام الحج والزكاة والصوم وزكاة الفطر والأضحية والسفر والتيمم والمسح على الخفين، والرضاع والطلاق والعدة والرجعة والنفقة والدين والرهن والضيافة والعقيقة والحيض والنفاس وغيرها. وما ذلك إلا لمعنى هام رتب الشرع التوقيت عليه ولحظ المصلحة والنفع به. وقد غفل كثير من المسلمين اليوم عن هذا التوجيه الإسلامي الدقيق لهم من جانب الشرع الأغر، فجعلوا يأخذون ويتعلمون أهمية ربط الأعمال بالتوقيت المناسب، من غيرهم! وكأنهم لم يمرنوا أو يربوا على ذلك من أول يوم كلفوا فيه بأحكام الشريعة الغراء وفي أولها الصلاة. فيجب على المسلم أن ينتبه إلى الوقت في حياته وإلى تنفيذ كل عمل من أعماله في توقيته المناسب، فالوقت من حيث هو معيار زمني: من أغلى ما وهب الله تعالى للإنسان وهو في حياة العالم وطالب العلم رأس المال والربح جميعاً فلا يسوغ للعاقل أن يضيعه سى، ويعيش فيه هملاً سبهللاً ومن أجل هذا دونت هذه الصفحات حافزاً لنفسي ولأبناء جنسي رجاء الانتفاع بما فيها من أخبار آبائنا وسلفنا الماضين والله ولي التوفيق] قيمة الزمن عند العلماء ص١٠-١١. وعلى الرغم من عظم نعمة الوقت وأهميتها في حياة المسلم إلا أن أكثر المسلمين عنها غافلون وصدق رسول الله ﷺ عندما قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) رواه البخاري. فقول النبي ﷺ: (مغبون فيهما كثير من الناس) يدل على أن المنتفعين من أوقاتهم وصحتهم قلة قليلة. ويجب على المسلم ان يستفيد من وقته وينتفع به، قال العلامة الشيخ القرضاوي: [وأول واجب على الإنسان المسلم نحو وقته أن يحافظ عليه كما يحافظ على ماله بل أكثر منه، وأن يحرص على الاستفادة من وقته كله، فيما ينفعه في دينه ودنياه، وما يعود على أمته بالخير والسعادة والنماء الروحي والمادي. وقد كان السلف ﵃ أحرص ما يكونون على أوقاتهم، لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها. يقول الحسن البصري: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم! ومن هنا كان حرصهم البالغ على عمارة أوقاتهم بالعمل الدائب والحذر أن يضيع شيء منه في غير جدوى، يقول عمر بن عبد العزيز: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما! وكانوا يقولون: من علامة المقت إضاعة الوقت. ويقولون: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك. وكانوا يحاولون دائماً الترقي من حال إلى حال أحسن منها، بحيث يكون يوم أحدهم أفضل من أمسه وغده أفضل من يومه ويقول في هذا قائلهم: من كان يومه كأمسه فهو مغبون ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون! وكانوا يحرصون كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم أو برهة من الزمان وإن قصرت دون أن يتزودوا منها بعلم نافع أو عمل صالح أو مجاهدة للنفس أو إسداء نفع إلى الغير حتى لا تتسرب الأعمار سدى وتضيع هباء وتذهب جفاء وهم لا يشعرون. وكانوا يعتبرون من كفران النعمة ومن العقوق للزمن: أن يمضي يوم لا يستفيدون منه لأنفسهم ولا للحياة من حولهم نمواً في المعرفة ونموا في الإيمان ونمواً في عمل الصالحات. يقول ابن مسعود ?: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي! وقال آخر: كل يوم يمر بي لا أزداد فيه علماً يقربني من الله ﷿ فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم] الوقت في حياة المسلم ص١٢-١٣. وبعد هذا الكلام الموجز في بيان أهمية الوقت في حياة المسلم أعود إلى إجابة السؤال فأقول بأنه قد صح في الحديث عن أبي برزة الأسلمي ? أن النبي ﷺ: (كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم: (كان النبي ﷺ لا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها) . ورواه الترمذي بلفظ: (كان النبي ﷺ يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها) وقال الترمذي بعد رواية الحديث السابق: [وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها ورخص في ذلك بعضهم] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ١/٤٣٥. ورود في الحديث عن عائشة ? قالت: (ما نام رسول الله قبل العشاء ولا سمر بعدها) رواه ابن ماجة وقال الألباني: صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة ١/١١٧. وعن عبد الله بن مسعود ? قال: (جدب لنا رسول الله ﷺ السمر بعد العشاء يعني زجرنا) رواه أحمد وابن ماجة وابن حبان وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١/١١٧، وانظر السلسلة الصحيحة ٥/٥٦٢. قال الإمام النووي: [وسبب كراهة الحديث بعدها أنه يؤدي إلى السهر ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل أو الذكر فيه أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز أو وفي وقتها المختار أو الأفضل ولأن السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدنيا. قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها. أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم في خير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك، فكل هذا لا كراهة فيه وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه والباقي في معناه] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٨٢. وقال الإمام النووي أيضاً: [ويكره لمن صلى العشاء الآخرة أن يتحدث بالحديث المباح في غير هذا الوقت وأعني بالمباح الذي استوى فعله وتركه فأما الحديث المحرم في غير هذا الوقت أو المكروه فهو في هذا الوقت أشد تحريماً وكراهة وأما الحديث في الخير كمذاكرة العلم وحكايات الصالحين ومكارم الأخلاق والحديث مع الضيف فلا كراهة فيه بل هو مستحب وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة به وكذلك الحديث للعذر والأمور العارضة لا بأس به وقد اشتهرت الأحاديث بكل ما ذكرته] الأذكار ص ٣٢١. ثم ذكر الإمام النووي طائفة من الأحاديث التي تدل على جواز السمر في الأمور النافعة وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه ليدل على جواز ذلك بقوله: [باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء] . ثم ذكر حديث أنس ? قال: (نظرنا النبي ﷺ ذات ليلة حتى كان شطر الليل يبلغه فجاء فصلى لنا ثم خطبنا فقال: ألا إن الناس قد صلوا ثم رقدوا وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة؟ قال الحسن: وإن القوم لا يزالون بخير ما انتظروا الخير. قال قرة: هو من حديث أنس عن النبي صى الله عليه وسلم) صحيح البخاري مع الفتح ٢/٢١٣-٢١٤. ثم ذكر البخاري حديثاً آخر. ثم ترجم في الباب الذي بعده بقوله: [باب السمر مع الأهل والضيف] ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن أبي بكر في قصة أصحاب الصفة. المصدر السابق ٢/٢١٥-٢١٦.\r\rوخلاصة الأمر أن السهر بعد صلاة العشاء مكروه بشكل عام إلا إذا كان في الأمور النافعة كما سبق. وأما السهر في الأمور التافهة كالسهر لمتابعة الأفلام والتمثيليات الساقطة وفي غيرها من الأمور المنكرة فهو محرم. كما أن السهر الذي يؤدي إلى ضياع صلاة الفجر محرم لأن ما أدى إلى الحرام فهو حرام. وإذا حصل أن بعض الناس لا يستطيع أن ينام مبكراً ولا بد له من السهر فعليه أن ينتفع بوقته في الأمور النافعة كما ويجب عليه ان يأخذ بالأسباب التي تعينه على أداء صلاة الفجر في وقتها الشرعي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345823,"book_id":3840,"shamela_page_id":203,"part":"6","page_num":125,"sequence_num":203,"body":"١٢٥ - الصلاة الوسطى\rيقول السائل: إنه سمع أحد العلماء على إحدى القنوات الفضائية يذكر أن الصلاة الوسطى المذكورة في قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) أنها صلاة الجمعة لما لها من فضائل وأن المسلم يتهيأ لها ويتطيب ويلبس أجمل ثيابه ونحو ذلك فما قولكم فيما قال؟\r\rالجواب: لقد أمر الله ﷾ بالمحافظة على الصلوات جميعاً والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه فينبغي للمسلم أن يحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها بجميع أركانها وشروطها وسننها وآدابها وخص الصلاة الوسطى بالذكر لأهميتها وفضلها والوسطى تأنيث الأوسط ووسط الشيء خيره وأعدله. انظر تفسير القرطبي ٣/٢٠٨-٢٠٩. وقد اختلف أهل العلم على أقوال عديدة في المراد بالصلاة الوسطى المذكورة في قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) سورة البقرة الآية ٢٣٨. وأرجح الأقوال وأصحها أنها صلاة العصر ويدل على هذا ما يلي: عن علي ? أن النبي ﷺ قال يوم الخندق: (حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله قبورهم وبيوتهم أو أجوافهم ناراً) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم عن علي ? قال: (لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله: ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) . وفي رواية أخرى لمسلم: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً ثم صلاها بين العشائين بين المغرب والعشاء) . وعن عبد الله بن مسعود ? قال: (حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت فقال رسول الله: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً أو قال: حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً) رواه مسلم. وروى الترمذي بإسناده عن عبد الله بن مسعود ? قال: (قال رسول الله ﷺ صلاة الوسطى صلاة العصر) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى الترمذي أيضاً عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: (صلاة الوسطى صلاة العصر) . وقال الترمذي: [وفي الباب عن علي وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعائشة وحفصة وأبي هريرة وأبي هاشم بن عتبة، قال أبو عيسى - الترمذي - قال محمد - هو البخاري - قال علي بن عبد الله حديث الحسن عن سمرة بن جندب حديث صحيح وقد سمع منه. وقال أبو عيسى الترمذي: (حديث سمرة في صلاة الوسطى حديث حسن وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم) سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ١/٤٥٦. وعن علي ? قال كنا نراها الفجر فقال رسول الله ﷺ هي صلاة العصر يعني صلاة الوسطى. رواه أحمد وسنه جيد. الفتح الرباني ٢/٢٦١. وعن عبيدة السلماني قال كنا نرى أن صلاة الوسطى صلاة الصبح قال فحدثنا علي ? أنهم يوم الأحزاب اقتتلوا وحبسونا عن صلاة العصر فقال النبي ﷺ اللهم املأ قبورهم نارا أو املأ بطونهم نارا كما حبسونا عن صلاة الوسطى قال فعرفنا يومئذ أن صلاة الوسطى صلاة العصر. رواه أحمد وعن البراء بن عازب قال نزلت هذه الآية (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها ما شاء الله أن نقرأها ثم نسخها الله فنزلت (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) فقال رجل كان جالساً عند شقيق له: هي إذن صلاة العصر فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله تعالى والله أعلم. رواه مسلم. وغير ذلك من الأدلة. وقد اختار هذا القول جماعة من أهل العلم. قال الإمام النووي: [اختلف العلماء من الصحابة ﵃ فمن بعدهم في الصلاة الوسطى المذكورة في القرآن فقال جماعة: هي العصر ممن نقل هذا عنه علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبو أيوب وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعبيدة السلماني والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وأبو حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر وغيرهم ﵃. قال الترمذي: هو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم ﵃. وقال الماوردي من أصحابنا: هذا مذهب الشافعي ﵀ لصحة الأحاديث فيه، قال وإنما نص على أنها الصبح لأنه لم تبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر ومذهبه اتباع الحديث] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٦٨.\r\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وصلاة العصر هي الصلاة الوسطى في قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم منهم علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو أيوب وأبو سعيد وعبيدة السلماني والحسن والضحاك وأبو حنيفة وأصحابه] المغني ١/٢٧٤. وقال المرداوي: [قوله عن العصر وهي الوسطى هو المذهب نص عليه الإمام أحمد وقطع به الأصحاب ولا أعلم عنه خلافاً ولا فيه خلافاً] الإنصاف ١/٤٣٢. وقد عدد الحافظ ابن حجر أقوال العلماء في المسألة وأوصلها إلى عشرين قولاً وذكر القول الثالث أنها العصر فقال: [قول علي بن أبي طالب فقد روى الترمذي والنسائي من طريق زر بن حبيش قال: قلنا لعبيدة سل علياً عن الصلاة الوسطى فسأله فقال: كنا نرى أنها الصبح حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر.. انتهى، وهذه الرواية تدفع دعوى من زعم أن قوله صلاة العصر مدرج من تفسير بعض الرواة وهي نص في أن كونها العصر من كلام النبي ﷺ وأن شبهة من قال إنها الصبح قوية لكن كونها العصر هو المعتمد وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة وقول أحمد والذي صار إليه معظم الشافعية لصحة الحديث فيه، قال الترمذي هو قول أكثر علماء الصحابة. وقال الماوردي هو قول جمهور التابعين وقال ابن عبد البر هو قول أكثر أهل الأثر وبه قال من المالكية ابن حبيب وابن العربي وابن عطية ويؤيده أيضاً ما روى مسلم عن البراء بن عازب قال نزل حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله ثم نسخت فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فقال رجل فهي إذن صلاة العصر. فقال أخبرتك كيف نزلت] فتح الباري ٩/٢٦٢. ثم قال الحافظ: [وأقوى شبهة لمن زعم أنها غير العصر مع صحة الحديث حديث البراء الذي ذكرته عند مسلم فإنه يشعر بأنها أبهمت بعدما عينت كذا قاله القرطبي قال: وصار إلى أنها أبهمت جماعة من العلماء المتأخرين قال وهو الصحيح لتعارض الأدلة وعسر الترجيح. - قال الحافظ -وفي دعوى أنها أبهمت ثم عينت من حديث البراء نظر بل فيه أنها عينت ثم وصفت ولهذا قال الرجل فهي إذن العصر ولم ينكر عليه البراء. نعم جواب البراء يشعر بالتوقف لما نظر فيه من الاحتمال وهذا لا يدفع التصريح بها في حديث علي. ومن حجتهم أيضاً ما روى مسلم وأحمد من طريق أبي يونس عن عائشة أنها أمرته أن يكتب لها مصحفاً فلما بلغت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى قال فأملت علي وصلاة العصر قالت سمعتها من رسول الله ﷺ.\r\rوروى مالك عن عمرو بن رافع قال: قال كنت أكتب مصحفاً لحفصة فقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر.... ثم ذكر الحافظ عدة روايات لهذا الحديث ثم قال: فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة فتكون صلاة العصر غير الوسطى. وأجيب بأن حديث علي ومن وافقه أصح إسناداً وأصرح وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها وهي العصر فيحتمل أن تكون الواو زائدة ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر بغير واو أو هي عاطفة لكن عطف صفة لا عطف ذات وبأن قوله والصلاة الوسطى والعصر لم يقرأ بها أحد ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولاً والعصر ثم نزلت ثانياً بدلها والصلاة الوسطى فجمع الراوي بينهما ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال فكيف يكون مقدماً على النص الصريح بأنها صلاة العصر؟ قال شيخ شيوخنا الحافظ صلاح الدين العلائي: حاصل أدلة من قال أنها غير العصر يرجع إلى ثلاثة أنواع: أحدها تنصيص بعض الصحابة وهو معارض بمثله ممن قال منهم إنها العصر ويترجح قول العصر بالنص الصريح المرفوع وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة على غيره فتبقى حجة المرفوع قائمة. ثانيها معارضة المرفوع بورود التأكيد على فعل غيرها كالحث على المواظبة على الصبح والعشاء ... وهو معارض بما هو أقوى منه وهو الوعيد الشديد الوارد في ترك صلاة العصر ... ثالثها ما جاء عن عائشة وحفصة من قراءة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر فإن العطف يقتضي المغايرة وهذا يرد عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد وهو ممتنع وكونه ينزل منزلة خبر الواحد مختلف فيه. سلمنا لكن لا يصلح معارضاً للمنصوص صريحا وأيضاً فليس العطف صريحاً في اقتضاء المغايرة لوروده في نسق الصفات كقوله تعالى: (الأول والآخر والظاهر والباطن) ] فتح الباري ٩/٢٦٣-٢٦٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فقد ثبت بالنصوص الصحيحة عن النبي ﷺ أن الصلاة الوسطى هي العصر وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم وإن كان للصحابة والعلماء في ذلك مقالات متعددة فإنهم تكلموا بحسب اجتهادهم] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٣/١٠٦. وقد رجح هذا القول الإمام ابن دقيق العيد وقال هذا هو القول الصحيح في المسألة كما في إحكام الأحكام شرح عمدة الحكام ١/١٧١. وقال الشوكاني: [وهو المذهب الحق الذي يتعين المصير إليه ولا يرتاب في صحته من أنصف من نفسه واطرح التقليد والعصبية وجوًّد النظر إلى الأدلة] نيل الأوطار ١/٢٦٤. وخلاصة الأمر أن ما قاله الشيخ المذكور بأن الصلاة الوسطى هي الجمعة قول ضعيف ليس معه دليل كما أنه مخالف للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المسألة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345824,"book_id":3840,"shamela_page_id":204,"part":"6","page_num":126,"sequence_num":204,"body":"١٢٦ - صلاة الجماعة\rمتى يقوم المسبوق لإتمام صلاته,\r\rيقول السائل: هل يقوم المسبوق في الصلاة لإتمام صلاته بعد تسليم إمامه التسليمتين أم بعد التسليمة الأولى، وما حكم صلاة المسبوق إذا قام بعد التسليمة الأولى ولم ينتظر التسليمة الثانية؟\r\rالجواب: اتفق أكثر أهل العلم على أن التسليم فريضة من فرائض الصلاة وقد ثبتت الأحاديث بذلك ومنها عن علي ? أن النبي ﷺ قال: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريها التكبير وتحليلها التسليم) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم وصححه الترمذي والنووي وابن حجر والألباني، انظر إرواء الغليل ٢/٩. وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يختم الصلاة بالتسليم) رواه مسلم. وعن سعد بن أبي وقاص ? قال: (كنت أرى النبي ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده) رواه مسلم. وبعد اتفاق جمهور أهل العلم على أن التسليم فرض اختلفوا هل المطلوب تسليمة واحدة أو تسليمتان؟ فذهب جمهور العلماء إلى أن التسليمة الأولى واجبة والثانية سنة، قال ابن المنذر: [أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة) المجموع ٣٢/٤٨٢. وقال الإمام النووي: [وأجمع العلماء الذين يعتد بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٣٦. وقال الداودي: [وأجمع العلماء على أن من سلم واحدة فقد تمت صلاته] المفهم ٢/٢٠٤. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والواجب تسليمة واحدة والثانية سنة، قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة] المغني ١/٣٩٦. ثم استدل الشيخ ابن قدامة لما قرره بقوله: [والصحيح: ما ذكرناه.\r\rوليس نص أحمد بصريح بوجوب التسليمتين، إنما قال: التسليمتان أصح عن رسول الله ﷺ حديث ابن مسعود وغيره أذهب إليه، ويجوز أن يذهب إليه في المشروعية والاستحباب دون الإيجاب كما ذهب إلى ذلك غيره، وقد دل عليه قوله في رواية مهنا: أعجب إليَّ التسليمتان، ولأن عائشة وسلمة بن الأكوع وسهل بن سعد قد رووا: (أن النبي ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة) وكان المهاجرون يسلّمون تسليمة واحدة، ففيما ذكرناه جمع بين الأخبار وأقوال الصحابة ﵃ في أن يكون المشروع والمسنون تسليمتين والواجب واحدة. وقد دل على صحة هذا: الإجماع الذي حكاه ابن المنذر فلا معدل عنه، وفعل النبي ﷺ يُحملُ على المشروعية والسنة فإن أكثر أفعال النبي ﷺ في الصلاة مسنونة غير واجبة فلا يمتنع حمل فعله لهذه التسليمة على السنة عند قيام الدليل عليها والله أعلم. ولأن التسليمة الواحدة يخرج بها من الصلاة فلم يجب عليه شيء آخر فيها] المغني ١/٣٩٦-٣٩٧. إذا تقرر هذا فنعود إلى السؤال حيث إن صلاة المسبوق مرتبطة بصلاة الإمام في المتابعة فأقول: الأكمل في حق المسبوق أن لا يقوم إلى قضاء ما فاته من الصلاة إلا بعد أن يفرغ إمامه من التسليمتين لأن الإمام جعل ليؤتم به كما هو ثابت في الحديث والمسبوق يأتي بما فاته بعد انتهاء الإمام من الصلاة. فقد جاء في الحديث عن المغيرة بن شعبة ? قال: (تخلفت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فتبرز، وذكر وضوءه ثم عمد الناس وعبد الرحمن يصلي بهم فصلى مع الناس الركعة الأخيرة فلما سلّم عبد الرحمن قام رسول الله ﷺ يتم صلاته فلما قضاها أقبل عليهم فقال: قد أحسنتم وأصبتم يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها) متفق عليه. فيؤخذ من هذا الحديث أن المسبوق يقوم لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه والظاهر من الحديث أن النبي ﷺ قام لقضاء الركعة الفائتة بعد أن سلم الإمام التسليمتين وهذا مستحب. قال الحافظ ابن عبد البر: [ولم يختلف قول مالك أن المسبوق لا يقوم إلى القضاء حتى يفرغ الإمام من التسليمتين إذا كان ممن يسلم التسليمتين] الاستذكار ٤/٢٩٠. وأما إذا قام المسبوق لقضاء ما فاته من صلاته بعد فراغ إمامه من التسليمة الأولى ولم ينتظر التسليمة الثانية فصلاته صحيحة ولا شيء عليه لأن صلاة الإمام ينقضي الواجب فيها بالتسليمة الأولى والتسليمة الثانية سنة.\r\rنقل الحافظ ابن عبد البر عن الليث بن سعد فقيه مصر أنه قال في المسبوق ببعض الصلاة: [لا أرى بأساً أن يقوم بعد التسليمة الأولى] الاستذكار ٤/٢٩١. وقال الإمام النووي: [اتفق أصحابنا على أنه يستحب للمسبوق أن لا يقوم ليأتي بما بقي عليه إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين وممن صرح به البغوي والمتولي وآخرون ونص عليه الشافعي ﵀ في مختصر البويطي فقال ومن سبقه الإمام بشيء من الصلاة فلا يقوم لقضاء ما عليه إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين. قال أصحابنا فإن قام بعد فراغه من قوله السلام عليكم في الأولى جاز لأنه خرج من الصلاة] المجموع ٣/٤٨٣. وقال الإمام النووي أيضاً: [إذا سلم الإمام التسليمة الأولى انقضت قدوة المأموم الموافق والمسبوق لخروجه من الصلاة] المجموع ٣/٣٨٤.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345825,"book_id":3840,"shamela_page_id":205,"part":"6","page_num":127,"sequence_num":205,"body":"١٢٧ - القراءة في الصلاة\rيقول السائل: إنه يصلي أحياناً في بيته فهل يجهر أم يسر في القراءة؟\r\rالجواب: من الثابت عن النبي ﷺ أنه كان يجهر في صلاة الفجر وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء وهذا الجهر مشروع في حق الإمام. وأما المنفرد فالراجح من أقوال أهل العلم أنه يجهر وهذا قول المالكية والشافعية ورواية في مذهب الحنابلة. ومن العلماء من خيَّر المنفرد بين الجهر والإسرار وهذا قول الحنفية ورواية أخرى في مذهب الحنابلة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [الجهر في مواضع الجهر والإسرار في مواضع الإسرار لا اختلاف في استحبابه والأصل فيه فعل النبي ﷺ وقد ثبت ذلك بنقل الخلف عن السف فإن جهر في موضع الإسرار أو أسر في موضع الجهر ترك السنة وصحت صلاته ... وهذا الجهر مشروع للإمام ولا يشرع للمأموم بغير اختلاف وذلك لأن المأموم مأمور بالإنصات والاستماع له، بل قد منع من القراءة لأجل ذلك. وأما المنفرد فظاهر كلام أحمد أنه يخير، وكذلك من فاته بعض الصلاة فقام ليقضيه، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله - أي للإمام أحمد -: رجل فاتته ركعة مع الإمام من المغرب أو العشاء فقام ليقضي أيجهر أو يخافت؟ قال: إن شاء جهر وإن شاء خافت ثم قال إنما الجهر للجماعة. وكذلك قال طاووس فيمن فاته بعض الصلاة وهو قول الأوزاعي ولا فرق بين القضاء والأداء] المغني ١/٤٠٧-٤٠٨. وقال الإمام النووي: [وأما المنفرد فيسن له الجهر عندنا وعند الجمهور، قال العبدري: هو مذهب العلماء كافة إلا أبا حنيفة فقال: جهر المنفرد وإسراره سواء. دليلنا أن المنفرد كالإمام في الحاجة إلى الجهر للتدبر فسن له الجهر كالإمام وأولى لأنه أكثر تدبراً لقراءته لعدم ارتباط غيره وقدرته على إطاقة القراءة ويجهر بها للتدبر كيف شاء] المجموع ٣/٣٨٩-٣٩٠. ويؤيد ذلك ما رواه مالك في الموطأ أن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام فيما جهر فيه الإمام بالقراءة أنه إذا سلَّم الإمام قام عبد الله بن عمر فقرأ لنفسه فيما يقضي وجهر] موطأ مالك ١/٩٠. ومع أن الحنفية خيَّروا المنفرد بين الإسرار والجهر إلا أن الجهر أفضل عندهم، قال الزيلعي: [... أي إن شاء جهر وهو أفضل ليكون الأداء على هيئة الجماعة] تبيين الحقائق ١/١٢٧.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345826,"book_id":3840,"shamela_page_id":206,"part":"6","page_num":128,"sequence_num":206,"body":"١٢٨ - القراءة في الصلاة\rيقول السائل: هل يقرأ المصلي في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية سورة بالإضافة إلى سورة الفاتحة؟\r\rالجواب: إن الأصل في الصلاة هو اتباع الرسول ﷺ وأن نفعل مثلما فعل بغير زيادة ولا نقصان فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري. وقد اتفق أهل العلم على أن المصلي إذا كان إماماً أو منفرداً فإنه يقرأ في الركعتين الأوليين الفاتحة وسورة بعدها فقد ثبت في الحديث عن أبي قتادة ﵁: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا ويطول في الركعة الأولى مالا يطيل في الركعة الثانية وهكذا في العصر وهكذا في الصبح) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحياناً ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب) .\r\rوقد بوب الإمام البخاري لحديث أبي قتادة ﵁ بقوله باب (يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب) . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [يعني بغير زيادة وسكت عن ثالثة المغرب رعاية للفظ الحديث مع أن حكمهما حكم الأخريين من الرباعية ...] فتح الباري ٢/٤٠٣. وبناءاً على هذه الأحاديث فإن المصلي يقتصر على قراءة الفاتحة فقط في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية وكذا الثالثة من الصلاة الثلاثية وهذا في معظم صلاته وهو مذهب جماعة كثيرة من أهل العلم. وإن قرأ المصلي في الثالثة والرابعة وكذا في ثالثة المغرب سورة مع الفاتحة فلا بأس ولكن دون أن يداوم على ذلك. فقد ثبت أن النبي ﷺ كان أحياناً يقرأ السورة في الثالثة والرابعة بعد الفاتحة كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية أو قال نصف ذلك وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية وفي الأخريين قدر نصف ذلك) رواه مسلم. فقول أبي سعيد ﵁: (وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية) يدل على أنه ﷺ كان يقرأ في الأخريين من الظهر بزيادة لى الفاتحة لأنها ليست إلا سبع آيات. انظر نيل الأوطار ٢/٢٥٤ والفتح الرباني ٣/٢٠٩. وقال الشيخ الألباني معلقاً على هذا الحديث: [وفي الحديث دليل على أن الزيادة على الفاتحة في الركعتين الأخريين سنة وعليه جمع من الصحابة منهم أبو بكر الصديق ﵁ وهو قول الإمام الشافعي سواء ذلك في الظهر أو غيرها ...] صفة صلاة النبي ﷺ ص ٩٤.\r\rقال الإمام الماوردي بعد أن ذكر أن في المسألة قولين للإمام الشافعي: [والقول الثاني إنها سنة في الأخريين كما كانت سنة في الأوليين وهو في الصحابة قول أبي هريرة وابن عمر ﵄ لرواية رفاعة بن رافع ﵁ أن الرسول ﷺ قال للرجل حين علمه الصلاة: (ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله ﷿ أن تقرأ به ثم اصنع ذلك في كل ركعة) الحاوي الكبير ٢/١٣٥. وذكر الإمام النووي أن القول الثاني للشافعي في سنية قراءة سورة مع الفاتحة في الأخريين هو نص الشافعي في الأم وقد صححه جماعة من فقهاء الشافعية. المجموع ٤/٣٨٦. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345827,"book_id":3840,"shamela_page_id":207,"part":"6","page_num":129,"sequence_num":207,"body":"١٢٩ - القراءة في الصلاة\rما حكم تحريك اللسان أثناء القراءة في الصلاة غير الجهرية وما دليل ذلك؟\r\rالجواب: إن القراءة في الصلاة وكذلك الأذكار المطلوبة في الصلاة كالتكبير والتسبيح ونحوهما لا بد فيها من التلفظ ولا يحسب منها شيء ولا تكون مجزئة حتى يحرك المصلي لسانه ويتلفظ بها وأقل ذلك أن يسمع المصلي نفسه قال الإمام النووي ﵀: [اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها واجبة كانت أو مستحبة لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع لا عارض له] الأذكار للنووي ص ١٠. وقال الإمام النووي أيضاً موضحاً معنى الإسرار في الصلاة وأقله: [وأدنى الإسرار أن يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع ولا عارض عنده من لغط وغيره وهذا عام في القراءة والتكبير والتسبيح في الركوع وغيره والتشهد والسلام والدعاء سواء واجبها ونفلها لا يحسب شيء منها حتى يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع ولا عارض فإن لم يكن كذلك رفع بحيث يسمع لو كان كذلك لا يجزيه غير ذلك هكذا نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب] المجموع ٣/٢٩٥. ويدل على ذلك أننا قد أُمرنا بقراءة القرآن في الصلاة كما قي قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ) وكما في قوله ﵊ في حديث المسيء صلاته: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) والقراءة لا تسمى قراءة حتى يتلفظ بها ويحرك اللسان وأقل ذلك أن يسمع الإنسان نفسه فإن لم يفعل ذلك فلا تسمى حينئذ قراءة وقد أجاز أهل العلم للجنب وللحائض وللنفساء تمرير القرآن على القلب دون قراءته هذا يدل على أنهما أمران مختلفان لأن قراءة الجنب والحائض والنفساء لا تجوز. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345828,"book_id":3840,"shamela_page_id":208,"part":"6","page_num":130,"sequence_num":208,"body":"١٣٠ - من البدع في الصلاة\rالسؤال: أعطاني أحد طلبة العلم نشرات وزعت في بعض المساجد باسم نشرات فقهية وتضمنت إحداها كلاماً حول لفظ السيادة في الصلاة الإبراهيمية أي زيادة لفظ \" سيدنا \"، وطلب مني بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة؟\r\rالجواب: قرأت هذه النشرة وغيرها مما وزع في بعض المساجد وقبل الجواب التفصيلي عن السؤال أقول: إن هذه النشرات غفل عن ذكر اسم الفقيه!!! الذي كتبها والفقه لا يؤخذ عن النكرات والمجاهيل، فلا بد من معرفة كاتب هذه النشرات لنعرف هل هو من أهل هذا الشأن أم لا؟ إن الفقه له أهله ورجاله وليس من أهله ولا رجاله طلبة العلم المبتدئون ولا الدراويش الذين لا يعرفون ألف باء الفقه، أما أن تسود الصفحات وتنشر ويكذب فيها على رسول الله ﷺ باسم الفقه فهذا منكر من القول وزور. بعد هذا أعود إلى المسألة المتعلقة بزيدة لفظ \" سيدنا \" في الصلاة الإبراهيمية فأقول: من المعلوم عند أهل العلم أن الأصل في العبادات هو التلقي عن رسول الله ﷺ فقد صح في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري وغيره، وقد علّم النبي ﷺ الصحابة رضوان الله عليهم الصلاة وكيفيتها وهيئتها وأذكارها ونقل الصحابة ﵃ ذلك لمن بعدهم ومن ضمن ما نقلوه الصلاة الإبراهيمة في التشهد ولم يثبت في أي حديث من الأحاديث الواردة في ذلك زيادة لفظ \" سيدنا \" مع أن هذه الأحاديث كثيرة العدد فلم يرد في أي منها زيادة لفظ \" سيدنا \" لذلك يجب الاقتصار على الألفاظ النبوية كما وردت في الصلاة الإبراهيمية ولا يجوز زيادة لفظ \" سيدنا \" في الصلاة.\r\rويجب أن يعلم أن ما جاء في النشرة المشار إليها أن: [رعاية الأدب خير من الامتثال] كلام مغلوط بل إن كمال الأدب هو في الامتثال لأن من كان متؤدباً مع غيره يكون ممتثلاً لكلامه وهذا حال المسلم مع رسول الله ﷺ فمن التزم بهديه ﷺ فهو في غاية الأدب معه ﷺ. كما ينبغي أن يعلم أننا عندما نقول لا تجوز زيادة لفظ \" سيدنا \" في الصلاة الإبراهيمية فهذا لا يعني أن النبي ﷺ ليس هو سيدنا بل هو سيدنا ﷺ. ولكن في العبادة لا بد من الاتباع ولو فتح باب الزيادة في العبادة بهذه الحجة وهي احترام النبي ﷺ وتقديره لكان ينبغي زيادة لفظ \" سيدنا \" في الأذان وفي الإقامة فلا فرق بين الصلاة وبين الأذان والإقامة فكلها عبادات. فهل يقول هؤلاء أن نزيد لفظ سيدنا في الأذان فنقول: [أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله] ولو كان هذا الاحترام مشروعاً بهذه الزيادة لسبقنا إليها من هم أشد احتراماً وحباً لرسول الله ﷺ من هؤلاء أعني الصحابة رضوان الله عليهم. إذا ثبت هذا فأقول إن أهل الفقه وأهل العلم الحقيقين وليس الأدعياء قد قرروا أنه لا تجوز زيادة لفظ \" سيدنا \" لا في الصلاة الإبراهيمية ولا في الأذان ولا في الإقامة وهذا لا يتنافى مع تقدير النبي ﷺ واحترامه لأن احترامه ﷺ يكون باتباعه والتزام سنته ﷺ.\r\rقال العلامة الشيخ الألباني بعد كلام طويل حول المسألة وأنه لم يثبت في شيء من الأحاديث زيادة لفظ السيادة قال: [والمسألة مشهورة في كتب الفقه والغرض منها أن كل من ذكر هذه المسألة من الفقهاء قاطبة لم يقع في كلام أحد منهم \" سيدنا \" ولو كانت هذه الزيادة مندوبة ما خفيت عليهم كلهم حتى أغفلوها والخير كله في الاتباع والله أعلم. قلت - الألباني -: وما ذهب إليه الحافظ ابن حجر ﵀ من عدم مشروعية تسويده ﷺ في الصلاة عليه اتباعاً للأمر الكريم هو الذي عليه الحنفية وهو الذي ينبغي التمسك به لأنه الدليل الصادق على حبه ﷺ: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) سورة آل عمران الآية ٣١. ولذلك قال الإمام النووي في الروضة: وأكمل الصلاة على النبي ﷺ: اللهم صلى على محمد ... الخ ... فلم يذكر فيه السيادة!] صفة صلاة النبي ﷺ ص ١٥٥. وقال الشيخ الدكتور بكر أبو زيد حفظه الله: [من استقرأ صيغ الصلاة على النبي ﷺ الواردة لم يجد فيها لفظ السيادة لا داخل الصلاة ولا خارجها ومن استقرأ أحاديث الأذان لم يجدها في ذكر الشهادة بأن محمداً رسول الله. والمحدثون كافة في كتب السنة لا يذكرون لفظ السيادة عند ذكر النبي ﷺ. وقد استقرأ جماعة من المحققين ومنهم الحافظ ابن حجر كما نقله عنه السخاوي في \" القول البديع \"، والقاسمي في \" الفضل المبين في شرح الأربعين \" للعجلوني إذ قرر رحمه الله تعالى أن لفظ السيادة لم يثبت في الصلاة على النبي ﷺ ولا في الشهادة له بالرسالة ﷺ وأنها داخل الصلاة لا تشرع لعدم التوقيف بالنص وأما خارجها فلا بأس] معجم المناهي اللفظية ص ٣٠٤-٣٠٥. ثم نقل عن الفضل المبين ما يلي: [سئل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عن صفة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة أو خارج الصلاة سواء قيل بوجوبها أو بندبها هل يشترط فيها أن يصفه ﷺ بالسيادة بأن يقول مثلاً: صل على سيدنا محمد، أو على سيد الخلق أو سيد ولد آدم؟ أو يقتصر على قوله: اللهم صل على محمد؟ وأيهما أفضل: الإتيان بلفظ السيادة، لكونها صفة ثابتة له ﷺ أو عدم الاتيان لعدم ورود ذلك في الآثار؟ فأجاب ﵁: نعم اتباع الألفاظ المأثورة أرجح ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعاً منه ﷺ كما لم يكن يقول عند ذكره ﷺ: وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذكر، لأنا نقول: لو كان ذلك راجحاً لجاء عن الصحابة ثم عن التابعين ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه قال ذلك مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك وهذا الإمام الشافعي - أعلى الله درجته - وهو من أكثر الناس تعظيماً للنبي ﷺ قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه: اللهم صل على محمد إلى آخر ما أداه إليه اجتهاده وهو قوله: كلما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون وكأنه استنبط ذلك من الحديث الصحيح الذي فيه سبحان الله عدد خلقه وقد ثبت أنه ﷺ قال لأم المؤمنين ورأها قد أكثرت التسبيح وأطالته: (لقد قلت بعدك كلمات لو وزنت بما قلت لوزنتهن. وذكر ذلك وكان ﷺ يعجبه الجوامع في الدعاء) ] معجم المناهي اللفظية ص ٣٠٥-٣٠٦.\r\rوقال الشيخ العلامة القاسمي: [رأيت أيام رحلتي إلى بيت المقدس من يقيم الصلاة وأحياناً يؤم بالقوم وكالة فيزيد لفظ \" سيدنا \" في قوله أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله. فقلت له بعد الصلاة: لم تزيد هذه اللفظة وهي سيدنا وليست مشروعة في الإقامة؟ فقال لي: هذه مسألة كان وقع فيها نزاع بين علماء القدس ويافا - يعني أحدثها مبتدع - فمن قائل ينبغي الاقتصار في ألفاظ الأذان والإقامة على الوارد دون زيادة ومن قائل تستحب زيادة سيدنا عند ذكر النبي ﷺ قال: ثم اشتد النزاع وتراسلوا وكاد الأمر يفضي إلى تجاوز الحد والآن نحن نقولها اتباعاً لمن استحبها وقطعاً للقالة فيها. فقلت: يا أخي إن ألفاظ الأذانيين مأثورة متعبد بها رويت بالتواتر خلفاً عن سلف في كتب الحديث الصحاح والحسان والمسانيد والمعاجم ولم يرو أحد قط استحباب هذه الزيادة عن صحابي ولا تابعي بل ولا فقيه من فقهاء الأمة ولا أتباعهم وهذه كتبهم بين أيديكم وأنتم تقلدونهم ولا تخالفونهم فما هذا الابتداع وليس تعظيمه صلوات الله عليه بزيادة ألفاظ في عبارات مشروعة لم يسنها هو ولم يستحبها خلفاؤه الراشدون مما يرضاه صلوات الله عليه لأن لكل مقام مقالاً على أنه ثبت أنه نهى من خاطبه بقوله: يا سيدنا وابن سيدنا، روى النسائي بإسناد جيد عن أنس ? أن ناساً قالوا: (يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا. فقال: يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿ ] والحديث صححه الشيخ الألباني في تخريجه، إصلاح المساجد من البدع والعوائد ص ١٣٨-١٣٩.\r\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز إضافة لفظة \" سيدنا \" في الصلاة الإبراهيمية في التشهد ولا في الأذان ولا في الإقامة، لأن هذه عبادات والأصل في العبادات الاتباع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345829,"book_id":3840,"shamela_page_id":209,"part":"6","page_num":131,"sequence_num":209,"body":"١٣١ - ما الذي يقطع الصلاة؟\rيقول السائل: ما حكم من ضحك في الصلاة؟\r\rالجواب: إن الصلاة من مقامات وقوف العبد بين يدي ربه ﷿ وهذا المقام يقتضي الخشوع والخضوع لله تعالى وقد قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) سورة المؤمنون الآيتان ١-٢. قال ابن كثير: [ ... عن ابن عباس (خَاشِعُونَ) خائفون ساكنون وكذا روي عن الحسن ومجاهد وقتادة والزهري ... وقال الحسن البصري كان خضوعهم في قلوبهم فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح ... والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها واشتغل بها عمن عداها وآثرها على غيرها وحينئذ تكون راحة له وقرة عين كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: (حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرت عيني في الصلاة) ] تفسير ابن كثير ٣/٢٣٨. وقال الألوسي: [وفي تقديم وصفهم في الخشوع بالصلاة على سائر ما يذكر بعد ما لا يخفى من التنويه بشأن الخشوع وجاء أن الخشوع أول ما يرفع من الناس ففي خبر رواه الحاكم وصححه أن عبادة بن الصامت قال: يوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحاكم وصححه عن حذيفة قال: (أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة وتنتقض عرى الإسلام عروة عروة) ] تفسير الألوسي ٩/٢٠٨. وقال العلماء أكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح وقد ورد عن سعيد بن المسيب أنه لما رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة قال: [لو خشع قلبه لخشعت جوارحه] .\r\rوالمطلوب من المسلم إذا قام في صلاته أن يخشع بقلبه وجوارحه فقلبه يخضع وجوارحه تهدأ وتسكن ولا تتحرك وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة) رواه مسلم. وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع ولا تكلم بكلام تعتذر منه وأجمع الإياس مما في أيدي الناس) رواه أحمد والبيهقي وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/١٩٠. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أحدكم إذا قام يصلي إنما يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه] رواه الحاكم وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/٣٢٠. وقد وردت عن السلف حكايات كثيرة في خشوعهم في صلاتهم حريّ بنا أن نقرأها ونستفيد منها وانظر بعضها في إحياء علوم الدين ١/١٤٩-١٥١. إذا تقرر هذا وأن الخشوع مطلوب في الصلاة فلا شك أن الضحك في الصلاة مما ينافي الخشوع ويدل على اشتغال العبد عن ربه وانصرافه عنه. وقرر العلماء أن الضحك بصوت مبطل للصلاة، قال الإمام النووي: [وأما الضحك والبكاء والأنين والتأوه والنفخ فإن بان - أي ظهر - منه حرفان بطلت صلاته وإلا فلا) المجموع ٤/٧٩. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإن ضحك فبان حرفان فسدت صلاته وكذلك إن قهقه ولم يكن حرفان وبهذا قال جابر بن عبد الله وعطاء ومجاهد والحسن وقتادة والنخعي والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفاً. قال ابن المنذر أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة. وأكثر أهل العلم على أن التبسم لا يفسدها] المغني ٢/٣٩-٤٠. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والأظهر أن الصلاة تبطل بالقهقهة إذا كان فيها أصوات عالية فإنها تنافي الخشوع الواجب في الصلاة وفيها من الاستخفاف والتلاعب ما يناقض مقصود الصلاة فأبطلت لذلك لا لكونها كلاماً] الاختيارات العلمية ص ٥٩. والضحك يكون مع الصوت بحيث يسمع نفسه ومن قرب منه والقهقهة تكون بصوت مرتفع وأما التبسم فيكون بدون صوت والضحك والقهقهة يبطلان الصلاة كما سبق وأما التبسم فلا يبطلها وإن كان مخلاً بالخشوع.\r\rوخلاصة الأمر أن من ضحك في صلاته فصلاته باطلة ويجب عليه أن يعيدها ويتوب إلى الله ﷾ ويكثر من الاستغفار ولا يعود لمثل ذلك مستقبلاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345830,"book_id":3840,"shamela_page_id":210,"part":"6","page_num":132,"sequence_num":210,"body":"١٣٢ - صلاة الجماعة\rيقول السائل: إن إمام المسجد عندهم يخطىء في قراءة سورة الفاتحة وينطق الحروف نطقاً غير صحيح فما حكم الصلاة خلفه؟\r\rالجواب: ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) رواه مسلم. والأقرأ هو الأحسن تلاوة وقراءة أو الأكثر قراءة ومن العلماء من قال الأقرأ هو الأفقه. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٣٠١. وقد أخذ العلماء من الحديث السابق أنه يشترط في إمام الصلاة أن يكون صحيح اللسان بحيث ينطق الحروف على وجهها الصحيح وخاصة في قراءته للفاتحة. فإذا كان الإمام يخطئ في القراءة أو يلحن ففي حكم إمامته تفصيل عند أهل العلم فإذا كان اللحن في الفاتحة وكان لحناً جلياً وهو الذي يغير المعنى فلا يصح أن يكون إماماً ولا يصح الاقتداء به واللحن الذي يغير المعنى مثل أن يضم التاء في قوله تعالى: (أَنْعَمْتَ) أو يكسرها أو يبدل الميم نوناً في قوله تعالى: (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أو يفتح الهمزة في قوله تعالى: (اهْدِنَا) فإذا كان حال الإمام كذلك فكثير من الفقهاء يمنعون الاقتداء به ولا يصح أن يكون إماماً إذا كان في المصلين من لا يلحن كلحنه. وأما إذا كان اللحن لا يغير المعنى وهو اللحن الخفي فتصح الصلاة خلفه مع الكراهة ومثال اللحن الذي لا يغير المعنى أن يضم الهاء في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) أو يفتح الدال في قوله تعالى: (نَعْبُدُ) أو يبدل الضاد ظاءً في قوله تعالى: (وَلَا الضَّالِّينَ) قال الحافظ ابن كثير: [والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما وذلك أن الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ولأن كلاً من الحرفين من الحروف المجهورة ومن الحروف الرخوة ومن الحروف المطبقة ولهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك] تفسير ابن كثير ١/٣٠.\r\rقال الإمام النووي: [إذا لحن في القراءة كرهت إمامته مطلقاً فإن كان لحناً لا يغير المعنى كرفع الهاء من الحمد لله كانت كراهة تنزيه وصحت صلاته وصلاة من اقتدى به وإن كان لحناً يغير المعنى كضم التاء من أنعمت أو كسرها أو يبطله بأن يقول الصراط المستقين فإن كان لسانه يطاوعه وأمكنه التعلم فهو مرتكب للحرام ويلزمه المبادرة بالتعلم فإن قصر وضاق الوقت لزمه أن يصلي ويقضي ولا يصح الاقتداء به وإن لم يطاوعه لسانه أو لم يمض ما يمكن التعلم فيه فصلاة مثله خلفه صحيحة وصلاة صحيح اللسان خلفه كصلاة قارئ خلف أمي وإن كان في غير الفاتحة صحت صلاته وصلاة كل أحد خلفه لأن ترك السورة لا يبطل الصلاة فلا يمنع الاقتداء] المجموع ٤/٢٦٨-٢٦٩. وأما اللحَّان في غير الفاتحة فتكره إمامته أيضاً ولكنها صحيحة، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [تكره إمامة اللحان الذي لا يحيل المعنى، نص عليه أحمد وتصح صلاته بمن لا يلحن لأنه أتى بفرض القراءة فإن أحال المعنى في غير الفاتحة لم يمنع صحة الصلاة ولا الإئتمام به إلا أن يتعمده فتبطل صلاتهما] المغني ٢/١٤٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [أما اللحن في الفاتحة الذي لايحيل المعنى فتصح صلاة صاحبه إماماً أو منفرداً] غاية المرام ٦/٢٦١. وعلى الإمام الذي يلحن في صلاته أن يتعلم النطق الصحيح بالحروف وأن يتدرب على تقويم لسانه فإن استقام لسانه فبها ونعمت وإلا فلا يجوز أن يستمر في إمامة الناس بالصلاة ويجب تغييره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345831,"book_id":3840,"shamela_page_id":211,"part":"6","page_num":133,"sequence_num":211,"body":"١٣٣ - حكم قول بلى ونحوها في الصلاة\rيقول السائل: إن الإمام في صلاة المغرب قرأ سورة التين ولما قرأ قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) قال بعض المصلين [بلى] وبعد انتهاء الصلاة قام رجل وقال: من قال بلى بعد قراءة الإمام فصلاته باطلة. فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن كثيراً من الناس يفتون بغير علم ويتجرؤون على دين الله ﷾ وهذا يدل على قلة العلم وقلة التقوى والورع والعياذ بالله. وقد كان السلف ينكرون أشد الإنكار على من اقتحم حمى الفتوى ولم يتأهل لها ويعتبرون ذلك ثلمة في الإسلام ومنكراً عظيماً يجب أن يمنع. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) . وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن النبي ﷺ: (من أُفتِيَ بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه) وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في المشكاة ١/٨١. وذلك لأن المستفتي معذور إذا كان من أفتاه لبس لبوس أهل العلم وحشر نفسه في زمرتهم وغر الناس بمظهره وسمته. ومن ثم قرر العلماء: أن من أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ومن أقره على ذلك فهو عاص أيضاً. وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق. وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم. وإذا كان يتعين منع من لم يحسن التطبيب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟ وكان شيخ الإسلام ابن تيمية شديد الإنكار على هؤلاء ولما قال له بعضهم يوماً: أجعلت محتسباً على الفتوى؟ قال له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب. الفتوى بين الانضباط والتسيب ص٢٢-٢٤ بتصرف. إذا تقرر هذا فأعود إلى موضوع السؤال فأقول أولاً: إن الادعاء بإبطال صلاة المصلين لقولهم بلى في الصلاة المذكورة إدعاء بلا دليل ولا يجوز لأحد أن يقدم على إبطال صلاة أحد بدون دليل شرعي معتبر. ثانياً: إن قول بعض المصلين بلى عند قراءة الإمام لقوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) له دليل ومستند وإن كان فيه كلام لأهل العلم فمن العلماء من يرى أالمصلي يقول ذلك في الصلاة إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً ويقوله المستمع خارج الصلاة وبه قال جمهور العلماء كما في المجموع للنووي ٤/٦٧. ومن العلماء من قال يقوله خارج الصلاة لا داخلها ولو قال ذلك داخل الصلاة لا تبطل صلاته. انظر المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود ٥/٣٣٦. ومما يدل على أن المصلي يقول ذلك في صلاته ما رواه أبو داود بإسناده عن موسى بن أبي عائشة قال: (كان رجل يصلي فوق بيته وكان إذا قرأ: (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) قال: سبحانك فبلى. فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله ﷺ قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود ١/١٦٨. وقال الشيخ الألباني في تمام المنة: [أخرجه أبو داوود بسند صحيح عن الرجل وهو صحابي وجهالته لا تضر كما هو معروف عند العلماء] تمام المنة ص ١٨٦. وورد في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قرأ منكم بـ: (و َالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) فانتهى إلى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) فانتهى إلى: (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) فليقل: بلى. ومن قرأ المرسلات فبلغ (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) فليقل آمنا بالله) رواه أبو داود وروى الترمذي بعضه إلى قوله: (وأنا من الشاهدين) والحديث ضعيف عند أكثر المحدثين. انظر المجموع للنووي ٤/٦٧ وتمام المنة في التعليق على فقه السنة ص ١٨٦ وشرح السنة ٣/١٠٥. وقواه الحافظ ابن حجر بتعدد الطرق والشواهد كما فصله ابن علان في شرح الأذكار ٢/٢٣٦-٢٣٨ فيما نقله عن الحافظ ابن حجر في كلام طويل أذكر بعضه: [قال الحافظ هذا حديث حسن يتقوى بكثرة طرقه] ثم ذكر من أخرجه. ثم قال الحافظ: [وإطلاق الضعف على هذا الحديث متعقب فإنه قد جاء عن غير أبي هريرة فجاء من حديث البراء بن عازب أخرجه عنه ابن مردويه ... ومن حديث جابر أخرجه ابن المنذر في تفسيره ... ومن حديث ابن عباس ... ومن حديث صحابي لم يسم أخرجه أبو داود عنه ... وورد مرسلاً عن قتادة ... أخرجه الطبري وسنده صحيح أو حسن لشواهده ومع تعدد هذه الطرق يتضح أن إطلاق كون هذا الحديث ضعيفاً ليس بمتجه] انتهى كلام الحافظ ملخصاً من شرح ابن علان على الأذكار. وأشار الحافظ إلى أن هذا الحديث من فضائل الأعمال فيعمل به وإن كان فيه اختلاف. انظر مرقاة المفاتيح ٢ /٥٨٦.\r\rوقال الإمام النووي: [ويستحب له أن يقول ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: من قرأ والتين والزيتون فقال: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين) رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف عن رجل عن أعرابي عن أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: هذا الحديث إنما يروي بهذا الإسناد عن الأعرابي عن أبي هريرة قال ولا يسمى. وروى ابن أبي داود والترمذي: (ومن قرأ آخر (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) فليقل: بلى. ومن قرأ: (فَبِأَيِّءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) أو (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) فليقل آمنت بالله) . وعن ابن عباس ﵄ وابن الزبير وأبي موسى الأشعري ﵃ أنهم كانوا إذا قرأ أحدهم (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) قال: سبحان ربي الأعلى. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقول فيها سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه صلى فقرأ آخر سورة بني إسرائيل ثم قال: الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً. وقد نص بعض أصحابنا على أنه يستحب أن يقال في الصلاة ما قدمناه، وفي حديث أبي هريرة في السور الثلاث وكذلك يستحب أن يقال باقي ما ذكرناه وما كان في معناه والله أعلم] . التبيان في آداب حملة القرآن ص ٦٥-٦٦. وقال الإمام النووي أيضاً: [قال الشافعي وأصحابنا يسن للقارئ في الصلاة وخارجها إذا مرّ بآية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة أو بآية عذاب أن يستعيذ به من العذاب أو بآية تسبيح أن يسبح أو بآية مثل أن يتدبر قال أصحابنا ويستحب ذلك للإمام والمأموم والمنفرد وإذا قرأ (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) قال بلى وأنا على ذلك من الشاهدين وإذا قرأ (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) قال آمنا بالله. وكل هذا يستحب لكل قارئ في صلاته أو غيرها وسواء صلاة الفرض والنفل والمأموم والإمام والمنفرد لأنه دعاء فاستووا فيه كالتأمين ... ثم ذكر أدلة ذلك ثم قال: هذا تفصيل مذهبنا وقال أبو حنيفة ﵀ يكره السؤال عند آية الرحمة والاستعاذة في الصلاة. وقال بمذهبنا جمهور العلماء من السلف فمن بعدهم] المجموع ٤/٦٦-٦٧.\r\rوالذي يظهر لي من كلام أهل العلم أنه يجوز للمصلي أن يقول بلى في المواقع التي سبقت سواء أكان إماماً أو مأموماً أو منفرداً وسواء صلى فريضة أم نافلة. ولا يصح القول ببطلان صلاة المصلي إن قال ذلك حتى عند من يمنع من قول ذلك في الصلاة المفروضة وهو قول الحنفية حيث قالوا: [ولو عمل به أحد في الصلاة لا تفسد] إعلاء السنن ٤/١٦٨.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345832,"book_id":3840,"shamela_page_id":212,"part":"6","page_num":134,"sequence_num":212,"body":"١٣٤ - الدعاء والقنوت\rيقول السائل: نلاحظ كثيراً من المصلين أنهم عندما يسلم الإمام من صلاة الجماعة يقومون سراعاً فيخرجون من المسجد دون أن يأتوا بالأذكار المشروعة بعد الصلوات المكتوبات ودون أن يدعو ربهم فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: ما ورد في السؤال هو حال كثير من المصلين مع الأسف الشديد حيث أنهم بمجرد تسليم الإمام يستبقون أبواب المسجد للخروج سراعاً وما علموا أنهم تركوا فضلاً عظيماً وأعرضوا عن ساعة مباركة يستجاب فيها الدعاء ويسن فيها الذكر والاستغفار. وإني لأستغرب من بعض المصلين الذين اعتادوا هذا الأمر فهم يداومون على الخروج من المسجد بمجرد انتهاء الإمام من الصلاة وإن بعض هؤلاء لا يعرف شيئاً عن ذكر الله والدعاء أو الاستغفار. وأذكر هنا الأمور التي ينبغي أن يفعلها المصلي بعد انتهاء الصلاة أخذاً من سنة النبي ﷺ. فأولها المداومة على الأذكار الواردة عقب الصلوات المكتوبات قال الإمام النووي: [أجمع العلماء على استحباب الذكر بعد الصلاة] الأذكار ص ٥٧. ومن هذه الأذكار النبوية: عن ثوبان ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام) قيل للأوزاعي وهو أحد رواة الحديث: كيف الاستغفار؟ قال: تقول أستغفر الله أستغفر الله. رواه مسلم وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ: كان إذا فرغ من الصلاة وسلَّم قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه كان يقول دبر كل صلاة حين يسلم: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) قال ابن الزبير: وكان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة. رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: (ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون. فقال: ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين) رواه البخاري ومسلم.\r\rوعن كعب بن عجرة ﵁: عن رسول الله ﷺ قال: (معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاثاً وثلاثين تسبيحة وثلاثاً وثلاثين تحميدة وأربعاً وثلاثين تكبيرة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه مسلم. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ دبر الصلاة بهؤلاء الكلمات: (اللهم إني أعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أردَّ إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر) رواه البخاري. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة هما يسير ومن يعمل بهما قليل يسبح الله تعالى دبر كل صلاة عشراً ويحمد عشراً ويكبر عشراً فذلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان ويكبر أربعاً وثلاثين إذا أخذ مضجعه ويحمد ثلاثاً وثلاثين ويسبح ثلاثاً وثلاثين فذلك مائة باللسان وألف بالميزان. قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله كيف هما يسير ومن يعمل بهما قليل؟ قال: يأتي أحدكم يعني الشيطان في منامه فينومه قبل أن يقوله ويأتيه في صلاته فيذكره حاجة قبل أن يقولها) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الإمام النووي: إسناده صحيح، الأذكار ص ٥٩. وعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قال في دبر صلاة الصبح وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتب له عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله تعالى) . رواه الترمذي وقال حديث حسن. هذا ما يتعلق بالأذكار بعد انتهاء الصلاة وأما الدعاء فحقيقتة مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة أو دفع مضرة من المضار والبلاء، بالدعاء فهو سبب لذلك واستجلاب لرحمة المولى ويعني هذا أن الدعاء شعور بالحاجة إلى الله تعالى وطلبها منه ﷻ بتذلل ورغب ورهب لا غنى لأي فرد عنه في أي حال من أحواله شدة ورخاء صحة وعافية ومرضاً ولذا جاءت النصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مبينة فضله وحاثة عليه ومن ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) سورة غافر الآية ٦٠. وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) سورة الأعراف الآيتان ٥٥-٥٦. وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٦. وقال ﷻ في وصف عباده المؤمنين: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السجدة الآيتان ١٦-١٧.\r\rوجاء في الحديث عن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: (إن الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وقال الألباني حسن. انظر صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله قال: (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بمأثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذاً نكثر، قال: الله أكثر) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ووافقه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٨١. وعن أبي هريرة أن النبي قال: (إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء) رواه ابن حبان وأبو يعلى وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع ١٥١٩. وعنه أن النبي ﷺ قال: (من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي والحاكم وهو حديث حسن كما قال الألباني في صحيح الجامع ٦٢٩٠. ومن المعلوم عند أهل العلم أن الدعاء له أوقات مباركه يستجاب فيها ومن أعظمها دبر الصلوات المكتوبات أي عقبها، قال الإمام الشوكاني: [قد ورد الإرشاد إلى الأذكار في دبر الصلوات وهي مشتملة على ترغيب عظيم وفيها أن الذاكر يقوم مغفوراً له وفيها إنها تحل له الشفاعة وفيها أنه يكون في ذمة الله ﷿ إلى الصلاة الأخرى وفيها أنها لو كانت خطاياه مثل زبد البحر لمحتهن وغير ذلك من الترغيبات وكل ذلك يدل على شرف هذا الوقت وقبول الدعاء فيه] تحفة الذاكرين ص ٦٦. ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي أمامة ﵁ قال: [قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات] رواه الترمذي وقال حديث حسن ووافقه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٦٨. وورد عن الضحاك في تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) سورة الانشراح الآية ٧. قال فرغت من الصلاة فانصب بعد التسليم في الدعاء وارغب في المسألة، وهو أثر حسن انظر الترغيب في الدعاء ص٢٦٤-٢٦٦. وهذه طائفة من الأدعية النبوية الواردة في دبر الصلوات المكتوبات: عن معاذ بن جبل قال: (لقيني النبي ﷺ فأخذ بيدي فقال: يا معاذ إني أحبك. قلت يا رسول الله: وأنا أحبك. قال: أفلا أوصيك بكلمات تقولوهن في دبر كل صلاة: يا رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أحمد وابن حبان وصححه ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي والألباني. وعن أم سلمة قالت: كان رسول الله إذا صلى الصبح قال اللهم إني أسألك علماً نافعاً وعملاً متقبلاً ورزقاً طيباً. رواه أحمد والنسائي وقال الهيثمي رجاله ثقات. مجمع الزوائد ١٠/١١١ وحسنه الحافظ لشواهده.\r\rوعن مسلم بن أبي بكرة قال: [كان أبي يقول في دبر الصلاة اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر فكنت أقولهن فقال أبي عمن أخذت هذا قلت عنك، قال إن رسول الله كان يقولهن] رواه النسائي وقال الألباني صحيح الإسناد. صحيح سنن النسائي ١/٢٩٠. وعن أبي أمامة قال: (ما دنوت من رسول الله في دبر صلاة مكتوبة ولا تطوع إلا سمعته يقول: اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها اللهم أنعشني واجبرني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت) رواه الطبراني وابن السني وجوّد إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/١١١. وقال الشيخ الألباني حسن، انظر صحيح الجامع ١٢٦٦. وعن الحارث بن مسلم التميمي ﵁ قال: (قال لي النبي ﷺ: إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جواراً من النار وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوراً من النار) رواه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة وقال محققه حسن ونقل ابن علان عن الحافظ ابن حجر تحسينه ورواه ابن حبان في صحيحه. وغير ذلك من الأدعية. وفي الختام أنبه على قضيتين الأولى: أن هذه الأدعية تؤدى بشكل فردي أي أن كل مصل يدعو لنفسه دون أن يشوش على غيره من المصلين ولا يجوز أن تؤدى هذه الأدعية بشكل جماعي كما يفعل بعض المصلين حيث إن الإمام يدعو ويؤمن المأمومون على دعائه فهذا لم يثبت عن النبي ﷺ قال العلامة ابن القيم: [وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه ﷺ أصلاً ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن] زاد المعاد ١/٢٥٧. الثانية: قال العلامة ابن القيم: [وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها وهذا هو اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة فإذا سلَّم منها انقطعت تلك المناجاة وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه ثم يسأله إذا انصرف عنه؟ ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي] زاد المعاد ١/٢٥٧-٢٥٨. وقول العلامة ابن القيم غير مسلم على إطلاقه فقد ثبت في أدعية كثيرة أن النبي ﷺ دعا بها بعد السلام من الصلاة كما سبق ومما يؤيد ذلك ما قاله الإمام البخاري في صحيحه: [باب الدعاء بعد الصلاة ثم ذكر حديث المغيرة السابق وفيه: [كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان أن رسول الله ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلّم الحديث. صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٢٨٤.\r\rوقال الحافظ ابن حجر: [قوله باب الدعاء بعد الصلاة، أي المكتوبة وفي هذه الترجمة ردّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع متمسكاً بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن الحارث عن عائشة: كان النبي ﷺ إذا سلًّم لا يثبت إلا قدر ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. والجواب أن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالساً على هيئته قبل السلام إلا بقدر أن يقول ما ذكر، فقد ثبت أنه كان إذا صلى أقبل على أصحابه] ثم نقل كلام ابن القيم السابق ثم قال الحافظ: [وما ادعاه من النفي مطلقاً مردود فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: (يا معاذ إني والله لأحبك فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم. وحديث أبي بكرة في قول: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر) كان النبي ﷺ يدعو بهن دبر كل صلاة أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم ... وحديث زيد بن أرقم (سمعت رسول الله ﷺ يدعو في دبر كل صلاة اللهم ربنا ورب كل شيء) .. الحديث، أخرجه أبو داود والنسائي. وحديث صهيب رفعه (كان يقول إذا انصرف من الصلاة اللهم أصلح لي ديني) الحديث أخرجه النسائي وصححه ابن حبان وغير ذلك. فإن قيل المراد بدبر كل صلاة قرب آخرها وهو التشهد قلنا قد ورد الأمر بالذكر دبر كل صلاة والمراد به بعد السلام إجماعاً، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه. وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: (قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات) وقال حسن: وأخرج الطبري من رواية جعفر بن محمد الصادق قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة على النافلة. وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقاً وليس كذلك.\r\rفإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة وإيراده بعد السلام وأما إذا انتقل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ] فتح الباري ١٣/٣٨٢.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345833,"book_id":3840,"shamela_page_id":213,"part":"6","page_num":135,"sequence_num":213,"body":"١٣٥ - قضاء صلاة\rحديث مكذوب في قضاء الصلاة الفائتة , تقول السائلة: إنها قرأت في كتاب بعنوان سور من القرن الكريم حديثاً عن الصلاة لما فات من الأوقات، وهذا نصه:\r\r[عن رسول الله ﷺ أنه قال: من فاته في عمره صلاة ولم يقضها فليقم آخر جمعة من شهر رمضان يصلي أربع ركعات يتشهد وأخذ يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة القدر وسورة الكوثر خمسة عشر مرة ويقول في النية: نويت أن أصلي أربع ركعات كفارة لما فاتني من الصلاة. قال أبو بكر: سمعت رسول الله يقول: هي كفارة أربعمئة سنة فقال علي هي كفارة ألف، قالوا يا رسول الله: ابن آدم يعيش مائة سنة فلمن تكون الصلاة الزائدة؟ قال: تكون لأبويه وزوجته وأولاده وأقاربه، فإذا فرغ من الصلاة صلى على النبي مائة مرة ثم يدعو بهذا الدعاء: اللهم يا من لا تنفعك طاعتي ولا تضرك معصيتي تقبل ما لا ينفعك واغفر لي ما لا يضرك يا من إذا وعد وفى وإذا توعد تجاوز وعفا اغفر لعبد ظلم نفسه وأساء اللهم إني أعوذ بك من بطر الغنى وجهد الفقر إلهي خلقتني ولم أكن شيئاً ورزقتني ولم أكن شيئاً وارتكبت المعاصي فإني مقر لك بذنوبي فإن عفوت عني فلا ينقص من ملكك شيء وإن عذبتني فلا يزيد في سلطانك شيء إلهي أنت تجد من تعذبه غيري وأنا لا أجد من يرحمني غيرك اغفر لي ما بيني واغفر ما بيني وبين خلقك يا ارحم الراحمين ويا رجاء السائلين ويا أمان الخائفين ارحمني برحمتك الواسعة اللهم اغفر لي ولوالدي وللمسلمين] فما قولكم في هذا الكلام؟\r\rالجواب: لا شك أن هذا الحديث مكذوب على رسول الله ﷺ وعلامات الوضع ظاهرة عليه وهذا الحديث تكذبه القواعد الشرعية، قال الشيخ العلامة عبد الحي اللكنوي: [حديث من قضى صلوات من الفرائض في آخر جمعة من رمضان كان ذلك جابرا لكل صلاة فائتة من عمره إلى سبعين سنة. قال علي القاري في موضوعاته الصغرى والكبرى باطل قطعياً لأنه مناقض للإجماع على أن شيئاً من العبادات لا يقوم مقام فائتة سنوات ثم لا عبرة بنقل صاحب النهاية ولا بقية شراح الهداية لأنهم ليسوا من المحدثين ولا أسندوا الحديث إلى أحد المخرجين، انتهى] الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص ٨٥. وقال الشيخ الشوكاني: [حديث من صلى في آخر جمعة من رمضان الخمس الصلوات المفروضة في اليوم الليلة قضت عنه ما أخل به من صلاة سنته. هذا: موضوع لا إشكال فيه ولم أجده في شيء من الكتب التي جمع مصنفوها فيها الأحادي الموضوعة ولكنه اشتهر عند جماعة من المتفقهة بمدينة صنعاء في عصرنا هذا. وصار كثير منهم يفعلون ذلك ولا أدرى من وضعه لهم. فقبح الله الكذابين] الفوائد المجموعة ص ٥٤.\r\rوخلاصة الأمر أن هذا من الكذب والافتراء على النبي صلى الله عليه وسلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345834,"book_id":3840,"shamela_page_id":214,"part":"6","page_num":136,"sequence_num":214,"body":"١٣٦ - المساجد\rيقول السائل: ما حكم الصلاة في مسجد مبني على قبر والقبر في قبلة المسجد وما الجواب عمن يجيز الصلاة في المساجد التي فيها قبور بحجة أن المسجد النبوي فيه قبر النبي ﷺ وصا حبيه أبي بكر وعمر ﵄؟\r\rالجواب: إن الإسلام قد سد الطرق التي تؤدي إلى خدش التوحيد ومن ذلك النهي عن اتخاذ القبور مساجد لأنه قد يوقع في الشرك وذلك بعبادة أصحاب القبور بالاستعانة بهم ودعائهم وتقديم النذور لهم وغير ذلك من مظاهر الشرك. وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد] رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه البخاري ومسلم. وعن عائشة ﵂: (لما كان مرض النبي ﷺ تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها مارية وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة فذكرن من حسنها وتصاويرها، قالت: فرفع النبي ﷺ رأسه فقال: أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ثم صوروا تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين] انظر تحذير الساجد ص ١٧. وعن جندب بن جنادة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ( ... ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم، وغير ذلك من الأحاديث. وبناء على ما تقدم فإنه يحرم بناء مسجد على قبر بمعنى أن يكون القبر سابقاً ثم بني عليه لاحقاً مسجد وهذا با تفاق أهل العلم فيما أعلم وهو ما تدل عليه النصوص الشرعية فالقبور ليست محلاً للصلاة فلا يجوز لأحد أن يصلي على قبر أو إليه ولا يستثنى من ذلك إلا صلاة الجنازة كما هو مبين في محله من كتب العلماء. وقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) رواه مسلم.\r\rقال القرطبي المحدث: [أي لا تتخذوها قبلة ... وكل ذلك لقطع الذريعة أن يعتقد الجهال في الصلاة إليها أو عليها الصلاة لها فيؤدي ذلك إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٢/٦٢٨. وأما إذا كان المسجد هو السابق ووضع القبر فيه لاحقاً فإن الصلاة تكره في هذا المسجد وينبغي نبش القبر وإخراجه من المسجد. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: [هل تصح الصلاة في المسجد إذا كان فيه قبر والناس تجتمع فيه لصلاتي الجماعة والجمعة أم لا؟ وهل يمهد القبر أو يعمل عليه حاجز أو حائط؟ فأجاب: الحمد لله، اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر لأن النبي ﷺ قال: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غير إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديداً. وإن كان المسجد بني بعد القبر فإما أن يزال المسجد وإما أن تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه] مجموع الفتاوى ٢٢/١٩٤-١٩٥. وأما الاحتجاج بوجود قبر النبي ﷺ وصاحبيه لأنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة ﵃ فإنهم لما مات ﷺ دفنوه في حجرته التي كانت بجانب مسجده وكان يفصل بينهما جدار فيه باب كان ﷺ يخرج منه إلى المسجد وهذا أمر معروف مقطوع به عند العلماء ولا خلاف في ذلك بينهم والصحابة ﵃ حينما دفنوه ﷺ في الحجرة إنما فعلوا ذلك كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجداً] تحذير الساجد ص ٨٤. والوليد بن عبد الملك هو الذي أمر سنة ثمان وثمانين هجرية بإضافة حجرات أزواج الرسول ﷺ إلى المسجد النبوي وكان ذلك بعد موت عامة الصحابة ﵃. انظر تحذير الساجد ص ٨٤. وعلى كل حال فالمسجد النبوي مستثنى من الحكم السابق لما للمسجد النبوي من فضائل معروفة وثابتة عند أهل العلم. انظر تحذير الساجد ص ١٩٥ فما بعدها.\r\rوأخيراً ينبغي التنبيه على أنه لا يجوز دفن أحد من الأموات في المساجد وإنما السنة المعروفة هي الدفن في المقابر والمساجد ليست مقابر وإنما هي لعبادة الله ﷾ فينبغي أن تكون المساجد خالية من المقابر لما يترتب على وجود القبر في المسجد من مفاسد عظيمة تخل بالعقيدة. وقد سئل العلامة محمد بن صالح العثيمين عن رجل بنى مسجداً وأوصى أن يدفن فيه فدفن فما العمل الآن؟ فأجاب: [هذه الوصية أعني الوصية أن يدفن في المسجد غير صحيحة لأن المساجد ليست مقابر ولا يجوز الدفن في المسجد وتنفيذ هذه الوصية محرم والواجب الآن نبش هذا القبر وإخراجه إلى مقابر المسلمين] فتاوى العقيدة ص ٤٦١. وخلاصة الأمر أن الصلاة تصح مع الكراهة في المسجد الذي به قبر إلا إذا كان القبر في قبلة المسجد مباشرة فلا تصح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345835,"book_id":3840,"shamela_page_id":215,"part":"6","page_num":137,"sequence_num":215,"body":"١٣٧ - المساجد\rيقول السائل: عندنا أرض موقوفة بني عليها مسجد وقام أهل الحي ببناء طابق ثان فوق المسجد ويريدون أن يجعلوه مدرسة فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: لا يجوز بناء مدرسة فوق المسجد حيث إن الأرض موقوفة على بناء المسجد فقط، ولا يجوز لأهل الحي أو غيرهم التغيير في الوقف لأن شرط الواقف كنص الشارع. وكذلك فإن الأصل أن يكون بناء المسجد مستقلاً ومتميزاً ومنفصلاً عن أي بناء آخر سواء أكان مدرسة أو عيادة طبية أو غير ذلك، والمدرسة وأمثالها من الأبنية العامة يختار لها مكان مناسب غير سطح المسجد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345836,"book_id":3840,"shamela_page_id":216,"part":"6","page_num":138,"sequence_num":216,"body":"١٣٨ - صلاة الجمعة\rيقول السائل: إذا قرأ خطيب الجمعة وهو على المنبر آية فيها سجدة فماذا يعمل بالنسبة لسجود التلاوة؟\r\rالجواب: إذا قرأ خطيب الجمعة وهو على المنبر آية فيها سجدة فإن أمكنه السجود على المنبر فبها ونعمت، وإن لم يمكنه السجود على المنبر فإن شاء نزل وسجد وإن شاء ترك السجود ولا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى. وهذا قول جماعة من أهل العلم وقد فعله عمر بن الخطاب ﵁ بمحضر من الصحابة فهو بمثابة الإجماع. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإن قرأ السجدة في أثناء الخطبة فإن شاء نزل فسجد وإن أمكنه السجود على المنبر سجد عليه وإن ترك السجود فلا حرج، فعله عمر وترك وبهذا قال الشافعي وترك عثمان وأبو موسى وعمار والنعمان بن بشير وعقبة بن عامر ... ] المغني ٢/٢٣٠. وفعل عمر الذي أشار إليه ابن قدامة رواه البخاري في صحيحه بإسناده أن عمر بن الخطاب: (قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه ولم يسجد عمر ﵁. صحيح البخاري مع فتح الباري ٣/٢١٣. وفعل عمر ﵁ وقوله في هذا الموطن والمجمع العظيم من الصحابة دليل على جواز السجود وتركه وأن لا حرج في ذلك. وقال الحافظ ابن حجر: [وفي الحديث من الفوائد أن للخطيب أن يقرأ القرآن في الخطبة وأنه إذا مر بآية سجدة ينزل إلى الأرض ليسجد بها إذا لم يتمكن من السجود فوق المنبر وأن ذلك لا يقطع الخطبة ووجه ذلك فعل عمر مع حضور الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم] فتح الباري ٣/٢١٣. ومما يدل على أنه يجوز للخطيب أن ينزل عن المنبر ليسجد سجود التلاوة ما جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر \" ص\" فلما بلغ السجدة نزل سجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزَّن الناس للسجود فقال رسول الله ﷺ: إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود فنزل فسجد وسجدوا) رواه أبو داود والبيهقي والحاكم وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٢٦٥.\r\rوالتشزن معناه التأهب والتهيؤ للشيء والاستعداد له، أي استعدوا للسجود. وأخيراً فإن بعض العلماء يرون أن الأولى في الخطيب أن لا يقرأ آية فيها سجدة أثناء الخطبة. قال الماوردي: [والأولى بالإمام أن لا يقرأ في خطبته آية سجدة) الحاوي الكبير ٢/٤٤٤.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345837,"book_id":3840,"shamela_page_id":217,"part":"6","page_num":139,"sequence_num":217,"body":"١٣٩ - صلاة الجمعة\rيقول السائل: إن خطيب الجمعة في مسجد بلدتهم أطال الخطبة فاعترض عليه عدد من المصلين أثناء الخطبة وطلبوا منه أن ينهي خطبته وحصل كلام ولغط في المسجد أثناء الخطبة، فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: إن خير الهدي هدي محمد ﷺ وقد كان من هديه ﷺ تقصير خطبة الجمعة وغيرها من الخطب إلا نادراً فقد ثبت في الحديث عن أبي وائل قال: (خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قلنا يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة وإن من البيان سحراً) رواه مسلم. وقوله لو تنفست أي لو أطلت قليلاً، وقوله مئنة من فقهه أي علامة على فقهه قاله الإمام النووي في شرح صحيح مسلم ٦/١٥٨. وورد في رواية أخرى عن أبي راشد قال: (خطبنا عمار فتجوز في الخطبة فقال رجل: قد قلت قولاً شفاءً لو أنك أطلت، فقال عمار: إن رسول الله ﷺ نهى أن نطيل الخطبة) رواه ابن أبي شيبة. وجاء في الحديث عن عمار بن ياسر ﵄ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بإقصار الخطب) رواه أبو داود والبيهقي، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٢٠٥-٢٠٦. وجاء في الحديث عن جابر بن سمرة قال: (كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هن كلمات يسيرات) رواه أبو داود وحسّنه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٢٠٦. وورد في رواية أخرى عن جابر بن سمرة قال: (كانت صلاة رسول ﷺ قصداً وخطبته قصداً يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس) رواه مسلم. وقوله: (قصداً وخطبته قصداً) القصد في الشيء هو الاقتصاد فيه وترك التطويل وإنما كانت صلاته ﷺ وخطبته كذلك لئلا يمل الناس والحديث فيه مشروعية إقصار الخطبة ولا خلاف في ذلك بين العلماء، عون المعبود شرح سنن أبي داود ٣/٣١٦-٣١٧.\r\rوهذه الأحاديث تدل على أن السنة تقصير خطبة الجمعة وتطويل الصلاة فهذا هو هدي النبي ﷺ ولكن أكثر خطباء الجمعة اليوم لا يقتدون بهدي النبي ﷺ بل إنهم يعكسون الأمر فيطيلون الخطبة ويقصرون الصلاة. إذا تقرر هذا فنعود إلى السؤال حيث إن الخطيب قد أطال الخطبة فاعترض عليه عدد من المصلين فأقول لا ينبغي لأحد أن يعترض على خطيب المعة ولا يجوز لأحد أن يتكلم أثناء الخطبة فإذا أطال الخطيب فعلى المصلين أن يصبروا ويحتسبوا وقال جمهور أهل العلم يمنع جميع أنواع الكلام أثناء الخطبة ويدل على ذلك عموم قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) سورة الأعراف الآية ٢٠٤. ومن المعلوم أن الخطبة تشتمل على آيات من القرآن الكريم فتدخل في وجوب الإنصات والاستماع إليها وقد ذكر جماعة من التابعين كمجاهد وعطاء وسعيد بن جبير أن هذه الآية نزلت في الخطبة وضعف ذلك الإمام القرطبي في تفسيره ٧/٣٥٣. وأقوى من ذلك في الاستدلال على منع الكلام أثناء الخطبة ما جاء في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت) رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر: [واستدل به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة وبه قال الجمهور في حق من سمعها وكذا الحكم في حق من لا يسمعها عند الأكثر قالوا: وإذا أراد الأمر بالمعروف فليجعله بالإشارة] فتح الباري ٣/٦٦. ويدل على ذلك أيضاً ما جاء في الحديث عن أبي ذر أنه قال: (دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فجلست قريباً من أبي بن كعب فقرأ النبي ﷺ سورة براءة فقلت لأبي: متى نزلت هذه السورة؟ قال: فتجهمني ولم يكلمني ثم مكثت ساعة ثم سألته فتجهمني ولم يكلمني ثم مكثت ساعة ثم سألته فتجهمني ولم يكلمني فلما صلى النبي ﷺ قلت لأبي: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني، قال أبي: مالك من صلاتك إلا ما لغوت. فذهبت إلى النبي ﷺ فقلت يا نبي الله: كنت بجنب أبي وأنت تقرأ براءة فسألته متى نزلت هذه السورة؟ فتجهمني ولم يكلمني ثم قال: مالك من صلاتك إلا ما لغوت! قال النبي ﷺ: صدق أبي) رواه ابن خزيمة وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ص ٣٠٣.\r\rوعن جابر ﵁ قال: (دخل عبد الله من مسعود المسجد والنبي ﷺ فجلس إلى جنب أبي بن كعب فسأله عن شيء أو كلمه بشيء فلم يرد عليه أبي وظن ابن مسعود أنها موجدة - أي غضب - فلما انفتل النبي ﷺ من صلاته قال ابن مسعود: يا أبي ما منعك أن ترد علي؟ قال: إنك لم تحضر معنا الجمعة. قال: لمَ؟ قال: تكلمت والنبي ﷺ يخطب. فقام ابن مسعود فدخل على النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﷺ: صدق أبي، صدق أبي، أطع أبياً) رواه أبو يعلى بإسناد جيد وابن حبان وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ص ٣٠٤. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها ولبس من صالح ثيابه ثم لم يتخط رقاب الناس ولم يلغ عند الموعظة كان كفارة لما بينهما ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً) رواه ابو داود وابن خزيمة وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ص ٣٠٥. وعن عبد الله بن عمرو أيضاً قال رسول الله ﷺ: (يحضر الجمعة ثلاثة نفر فرجل حضرها يلغو فذلك حظه منها ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحداً فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك أن الله يقول: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)) رواه أبو داود وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في المصدر السابق. وقد شبه النبي ﷺ من يتكلم أثناء خطبة الجمعة بالحمار يحمل أسفاراً فقد جاء في الحديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً والذي يقول له أنصت ليست له جمعة) قال الحافظ ابن حجر: رواه أحمد بإسناد لا بأس به. وهو يفسر حديث أبي هريرة في الصحيحين مرفوعاً: (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) بلوغ المرام ص ٩١. وذكر ابن حزم بإسناده عن بكر بن عبد الله المزني: (أن علقمة بن عبد الله المزني كان بمكة فجاء كريه - أي الذي أجره الدابة - والإمام يخطب يوم الجمعة فقال له: حبست القوم قد ارتحلوا فقال له: لا تعجل حتى تنصرف فلما قضى صلاته قال له ابن عمر: أما صاحبك فحمار وأما أنت فلا جمعة لك) . المحلى ٣/٢٦٩-٢٧٠.\r\rوأخيراً أبين أن جماعة من أهل العلم يرون أن من تكلم عامداً أثناء الخطبة فلا جمعة له وتحسب له ظهراً لما جاء في الحديث: (ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً) وقد سبق. ومن العلماء من قال إن الجمعة تجزئ ولكن أجرها قد بطل ولم ينل الفضيلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345838,"book_id":3840,"shamela_page_id":218,"part":"6","page_num":140,"sequence_num":218,"body":"١٤٠ - صلاة الجمعة\rيقول السائل: إنه قد صلى الجمعة في أحد المساجد وبعد انتهاء الصلاة قام ليبين للمصلين حكماً شرعياً يتعلق بصلاة السنة القبلية للجمعة وأنها غير ثابتة عن النبي ﷺ فأمره إمام المسجد بالسكوت لأنه يثير فتنة بين المصلين كما زعم وحصل بعد ذلك صياح في المسجد من المصلين فكانوا بين مؤيد له بالكلام ومعارض، ويسأل عن حكم ذلك؟\r\rالجواب: مما يؤسف له أن بيان الحكم الشرعي الصحيح المستند على الأدلة القوية الثابتة صار في عرف بعض أئمة المساجد يثير فتنة بين المصلين ويحدث النزاع والشقاق بينهم. إن بعض أئمة المساجد يعتبر نفسه قيماً على أفكار الناس وحارساً على عقولهم فلا يريد أن يسمعوا إلا ما يوافق رأيه وهواه إن ما فعله الإمام المذكور خطأ واضح وليس له الحق في الحجر على أفكار الناس ما دام أن هذا الشخص يريد أن يبين حكماً شرعياً بأدلته وقد أطلعني على الورقة التي كان يريد أن يقرأها وفيها بيان حكم سنة الجمعة القبلية وأنها لم تثبت عن النبي ﷺ ولم يقل بها أحد من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب الفقهية ولم يثبتها المحققون من أهل الحديث وهذا هو القول الصحيح في المسألة. والقول بإثبات سنة الجمعة القبلية ضعيف ولم يأت القائلون به بشيء يركن إليه ولا يعول عليه وكثرة الفاعلين لها لا يدل على مشروعيتها بل هؤلاء مجرد مقلدة لبعض المتأخرين من أتباع المذاهب. وقد نص العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن يمنع الناس من الأخذ برأي فقهي وإن كان المانع إماماً للمسلمين - خليفة - أو قاضياً أو والياً ومن باب أولى إمام المسجد لا يجوز له أن يمنع الناس من رأي معين بحجة أن ذلك قد يثير الفتنة كما زعم. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه عمن ولي أمراً من أمور المسلمين ومذهبه لا يجوز \" شركة الأبدان \" فهل يجوز له منع الناس؟ فأجاب: ليس له منع الناس من مثل ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ما هو معنى ذلك لا سيما وأكثر العلماء على جواز ذلك وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار. وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل، ولهذا لما استشار الرشيد مالكاً أن يحمل الناس على \" موطئه \" في مثل هذه المسائل منعه من ذلك، وقال: إن أصحاب رسول الله لى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم. وصنف رجل كتاباً في الاختلاف، فقال أحمد: لا تسمه \" كتاب الاختلاف \" ولكن سمه \" كتاب السنة \". ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة. وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه. ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه. ونظائر هذه المسائل كثيرة: مثل تنازع الناس في بيع الباقلاء الأخضر في قشريه، وفي بيع المقاثي جملة واحدة، وبيع المعاطاة والسلم الحال، واستعمال الماء الكثير بعد وقوع النجاسة فيه إذا لم تغيره والتوضؤ من مس الذكر والنساء، وخروج النجاسات من غير السبيلين والقهقهة وترك الوضوء من ذلك، والقراءة بالبسملة سراً أو جهراً، وترك ذلك. وتنجيس بول ما يؤكل لحمه وروثه، أو القول بطهارة ذلك، وبيع الأعيان الغائبة بالصفة وترك ذلك والتيمم بضربة أو ضربتين إلى الكوعين أو المرفقين والتيمم لكل صلاة أو لوقت كل صلاة أو الاكتفاء بتيمم واحد وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض أو المنع من قبول شهادتهم. ومن هذا الباب الشركة بالعروض وشركة الوجوه والمساقاة على جميع أنواع الشجر والمزارعة على الأرض البيضاء، فإن هذه المسائل من جنس شركة الأبدان بل المانعون من هذه المشاركات أكثر من المانعين من مشاركة الأبدان ومع هذا فما زال المسلمون من عهد نبيهم وإلى اليوم في جميع الأعصار والأمصار يتعاملون بالمزارعة والمساقاة ولم ينكره عليهم أحد ولو منع الناس مثل هذه المعاملات لتعطل كثير من مصالحهم التي لا يتم دينهم ولا دنياهم إلا بها.\r\rولهذا كان أبو حنيفة يفتي بأن المزارعة لا تجوز ثم يفرع على القول بجوازها ويقول: إن الناس لا يأخذون بقولي في المنع، ولهذا صار صاحباه إلى القول بجوازها كما اختار ذلك من اختاره من أصحاب الشافعي وغيره.) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣٠/ ٧٩ - ٨١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345839,"book_id":3840,"shamela_page_id":219,"part":"6","page_num":141,"sequence_num":219,"body":"١٤١ - صلاة التراويح\rيقول السائل: نشرت إحدى المجلات الإسلامية مقالاً حول عدد ركعات صلاة التراويح وخلص الكاتب إلى أن عدد الإحدى عشر ركعة هو الأولى والأحرى أن يستمسك به ويعض عليه بالنواجذ بل هو الذي يجب أن يصار إليه ولا يلتف إلى سواه لأنه وحده هو السنة الثابتة عن النبي ﷺ والصحابة أجمعين والتي لم يثبت عنهم سواها. فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: صلاة التراويح من السنن الثابتة عن النبي ﷺ وقد اختلف أهل العلم في عدد ركعاتها فمنهم من يرى أنها إحدى عشرة ركعة مع الوتر. ويرى جمهور الفقهاء أنها عشرون ركعة والوتر ثلاث ركعات وهذا قول مشهور من لدن الصحابة ﵃ إلى يومنا الحاضر وكثير من مساجد المسلمين تصلى فيها التراويح كذلك ومنهم من زاد على العشرين فقيل تسع وثلاثين وقيل إحدى وأربعين وقيل غير ذلك. ومن أهل العلم من يرى أنه لا حد لعدد ركعات صلاة التراويح فيجوز أن يزيد على إحدى عشرة ركعة ولا حرج في ذلك. وأقول من يزعم أنه لا تجوز الزيادة على إحدى عشرة ركعة فقد حجر واسعاً وضيق على المسلمين بدون دليل يركن إليه أو يعول عليه، فصلاة التراويح من السنن والسنن يتساهل فيها ما لا يتساهل في الفرائض، وزعم صاحب المقال المشار إليه بأنه يجب الأخذ بالإحدى عشرة ركعة ولا يلتف إلى سواه زعم غير صحيح وإيجاب لما لم يوجبه الشارع الحكيم فصلاة التراويح ذاتها ليست واجبة فضلاً أن يوجب هذا العدد من الركعات. ولم يأت دليل عن النبي ﷺ في إيجاب هذا العدد وفعل النبي ﷺ بمجرده لا يدل على الإيجاب حتى تدل القرائن على ذلك والحديث الصحيح الوارد عن عائشة ﵂ قالت: (ما كان النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) رواه البخاري ومسلم، لا يدل على إيجاب ذلك العدد كما قاله المحققون من أهل العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [كما أن نفس قيام رمضان لم يوقت النبي ﷺ فيه عدداً معيناً بل كان هو ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على ثلاث عشرة ركعة ولكن كان يطيل الركعات فلما جمعهم عمر على أبي كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة ثم يوتر بثلاث وكان يخف القراءة بقدر ما زاد من الركعات لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث وهذا كله سائغ فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن. والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين فإن كان فيهم احتمال لطول القيام فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبي ﷺ يصلي لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين فإنه وسط بين العشر والأربعين وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك ولا يكره شيء من ذلك. وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره. ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٢/٢٧٢.\r\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر: [... ويشبه ذلك من بعض الوجوه تنازع العلماء في مقدار القيام في رمضان فإنه قد ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان ويوتر بثلاث فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار ولم ينكره منكر واستحب آخرون تسعة وثلاثين ركعة بناء على أنه عمل أهل المدينة القديم. وقال طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة: (أن النبي ﷺ لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة) واضطرب قوم في هذا الأصل لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين. والصواب أن ذلك جميعه حسن، كما قد نص على ذلك الإمام أحمد ﵁ وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد فإن النبي ﷺ لم يوقت فيها عدداً، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، فإن النبي ﷺ كان يطيل القيام بالليل حتى إنه قد ثبت عنه في الصحيح من حديث حذيفة (أنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة والنساء وآل عمران فكان طول القيام يغني عن تكثير الركعات) . وأبي بن كعب لما قام بهم - وهم جماعة واحدة - لم يمكن أن يطيل بهم القيام فكثر الركعات ليكون ذلك عوضاً عن طول القيام وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ثم بعد ذلك كأن الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام فكثروا الركعات حتى بلغت تسعاً وثلاثين] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٣/١١٢-١١٣. وقال الإمام الشوكاني: [والحاصل أن الذي دلت عليه أحاديث الباب وما يشبهها هو مشروعية القيام في رمضان والصلاة فيه جماعة وفرادى فقصر الصلاة بالتراويح على عدد معين وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سنة] نيل الأوطار ٣/٦١. وقال الشيخ المرداوي: [قوله وهي عشرون ركعة هكذا قال الأصحاب وقال في الرعاية عشرون وقيل أو أزيد. قال: في الفروع والفائق ولا بأس بالزيادة، نص عليه، وقال: روي في هذا ألوان ولم يقض فيها بشيء، وقال الشيخ تقي الدين: كل ذلك أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة حسن كما نص عليه أحمد لعدم التوقيت فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره] الإنصاف ٢/١٨٠.\r\rوقد أجابت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية برئاسة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله عن سؤال حول عدد ركعات صلاة التراويح بما يلي: [صلاة التراويح سنة سنها رسول الله ﷺ وقد دلت الأدلة على أنه ﷺ ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة ... وقد ثبت أنه ﷺ كان يصلي في بعض الليالي ثلاث عشرة ركعة فوجب أن يحمل كلام عائشة ﵂ في قولها (ما كان يزيد ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) على الأغلب جمعاً بين الأحاديث ولا حرج في الزيادة على ذلك لأن النبي ﷺ لم يحدد في صلاة الليل شيئاً بل لما سئل عن صلاة الليل قال: (مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) متفق عليه، ولم يحدد إحدى عشرة ركعة ولا غيرها فدل على التوسعة في صلاة الليل في رمضان وغيره] فتاوى اللجنة الدائمة ٧/١٩٤-١٩٦. وقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله: [وليس في قيام رمضان حد محدود لأن النبي ﷺ لم يوقت لأمته في ذلك شيئاً وإنما حثهم على قيام رمضان ولم يحدد ذلك بركعات محدودة ولما سئل ﵊ عن قيام الليل قال: (مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) ... فدل ذلك على التوسعة في هذا الأمر فمن أحب أن يصلي عشرين ركعة ويوتر بثلاث فلا بأس ومن أحب أن يصلي عشر ركعات ويوتر بثلاث فلا بأس ومن أحب أن يصلي ثمان ركعات ويوتر بثلاث فلا بأس ومن زاد عن ذلك أو نقص عنه فلا حرج عليه والأفضل ما كان النبي ﷺ يفعله غالباً وهو أن يقوم بثماني ركعات يسلم من كل ركعتين ويوتر بثلاث مع الخشوع والطمأنينة وترتيل القراءة] فضل الصوم وقيامه ص ٧.\r\rوبعد هذه النقول عن هؤلاء العلماء يظهر لنا أن الإنصاف يقضي بأن القول بأن الواجب إحدى عشرة ركعة في التراويح قولٌ غير مسلّم وأن الراجح من أقوال أهل العلم جواز الزيادة على ذلك العدد وأن الأمر فيه سعة ولا دليل على قصر التراويح على إحدى عشرة ركعة فقط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345840,"book_id":3840,"shamela_page_id":220,"part":"6","page_num":142,"sequence_num":220,"body":"١٤٢ - صلاة التراويح\rيقول السائل: إن إمام المسجد عندهم اعتاد في صلاة التراويح في كل رمضان أن يصلي قاعداً في الركعة الثانية من كل ترويحة والناس خلفه قعود وتعليل إمام المسجد لفعله هذا أنه يريد أن يسهل على المصلين صلاتهم، فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: من المعلوم عند أهل العلم أن الأصل هو القيام في صلاة الفريضة والنافلة فالإمام يصلي قائماً والمأمومون يصلون قياماً كما في الصلوات الخمس والجمعة وكما في صلوات الكسوف والاستسقاء والعيدين وكذلك الحال في صلاة التراويح عند صلاتها جماعة فالأصل أن يقوم الإمام وكذا المأمومون وإن لم يكن القيام فرضاً في صلاة النافلة حيث اتفق الفقهاء على جواز التنفل قاعداً بعذر ولغير عذر. ولكن المحفوظ من سنة النبي ﷺ القيام في صلوات النافلة التي تصلى جماعة كالتراويح فقد صلى النبي ﷺ صلاة التراويح بالصحابة ولم ينقل قعوده ولا قعود المأمومين خلفه. وما نقل أن النبي ﷺ قعد وهو يؤم الصحابة إلا في حالات مرضه فقط كما رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وأما عدا ذلك فلا أعرف خبراً عن النبي ﷺ في صلاته قاعداً والناس خلفه قعود. والذي توارثه المسلمون من لدن نبيهم ﷺ والصحابة من بعده إلى عصرنا الحاضر أن الإمام في صلاة التراويح يصلي قائماً والمصلون من خلفه قيام. وبناء على ما سبق فإن هذا الإمام قد خالف الهدي النبوي والمأثور عن الصحابة والتابعين من بعدهم ولا أقول إن صلاته ومن معه باطلة لأن القيام ليس ركناً في النافلة كما هو الحال في الفريضة ولكن أقول ينبغي لهذا الإمام وأهل مسجده أن يجعلوا رسول الله ﷺ قدوتهم فيصلوا قياماً فإذا أصاب أحدهم تعب أو كان أحدهم مريضاً لا يستطيع الوقوف فإنه يجوز له الجلوس باتفاق العلماء. أما أن يكون الإمام وجميع المصلين جلوساً فهذا أمر مستغرب وخاصة أنه يقع بدون عذر للإمام ولا للمأمومين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345841,"book_id":3840,"shamela_page_id":221,"part":"6","page_num":143,"sequence_num":221,"body":"١٤٣ - صلاة التراويح\rيقول السائل: ما حكم الأذكار التي يقولها المؤذنون بين كل ترويحتين في صلاة التراويح وهل لذلك مستند من الشرع؟\r\rالجواب: إن الأصل الذي قرره العلماء في العبادات عامة والصلاة بشكل خاص هو التلقي عن النبي ﷺ فالأصل فيها التوقيف أو الحظر كما يعبر بعض العلماء أي أن الأصل أن لا نفعل شيئاً في باب العبادات ما لم يكن وارداً عن النبي ﷺ وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري، وهذا أمر نبوي يجب الالتزام به وقد وقع كثير من المسلمين في مخالفات كثيرة في باب العبادات وخاصة في الصلاة ومن المخالفات في صلاة التراويح ما ذكره السائل وهو الأذكار المبتدعة التي يقولوها المؤذنون بين كل ترويحتين فهذه الأذكار لا أصل لها في السنة بين الترويحتين في صلاة التراويح فهي بدعة مخالفة لسنة النبي ﷺ. ومن ذلك قول بعض المؤذنين سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير وقولهم صلوا يا حضار على النبي المختار وغير ذلك من الأذكار فيكرر المصلون هذه الأذكار بصوت جماعي فهذا ليس عليه دليل من الشرع ومخالف للهدي النبوي وتشويش في بيوت الله. انظر السنن والمبتدعات ص ٥٣. وقال الإمام ابن الحاج: [فصل في الذكر بعد التسليمتين من صلاة التراويح وينبغي له - أي الإمام - أن يتجنب ما أحدثوه من الذكر بعد كل تسليمتين من صلاة التراويح ومن رفع أصواتهم بذلك والمشي على صوت واحد فإن ذلك كله من البدع وكذلك ينهى عن قول المؤذن بعد ذكرهم بعد التسلميتين من صلاة التراويح الصلاة يرحمكم الله فإنه محدث أيضاً والحدث في الدين ممنوع وخير الهدي هدي محمد ﷺ، ثم الخلفاء بعده ثم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولم يذكر عن أحد من السلف فعل ذلك فيسعنا ما وسعهم] المدخل ١/٤٤٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345842,"book_id":3840,"shamela_page_id":222,"part":"6","page_num":144,"sequence_num":222,"body":"١٤٤ - صلاة العيد\rيقول السائل: ماذا يفعل من فاتته صلاة العيد مع الإمام؟\r\rالجواب: يشرع لمن فاتته صلاة العيد مع الإمام أن يقضيها على صفتها أي أنه يصلي ركعتين ويكبر التكبيرات الزوائد، سبع في الركعة الأولى وخمس في الركعة الثانية لأن هذا أصح ما ورد في عدد التكبيرات الزوائد. ومن فاتته صلاة العيد يصليها بدون خطبة لأن الخطبة مشروعة مع الجماعة. قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب إذا فاتته صلاة العيد يصلي ركعتين، وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى لقول النبي ﷺ: هذا عيدنا أهل الإسلام وأمر أنس بن مالك مولاه ابن أبي عتبة بالزاوية فجمع أهله وبنيه وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم. وقال عكرمة: أهل السواد يجتمعون في العيد يصلون ركعتين كما يصنع الإمام. وقال عطاء: إذا فاته العيد صلى ركعتين] . وذكر الحافظ ابن حجر أن أثر أنس المذكور قد وصله ابن أبي شيبة في المصنف وقوله الزاوية اسم موضع بالقرب من البصرة كان به لأنس قصر وأرض وكان يقيم هناك كثيراً. وقول عكرمة وعطاء وصلهما ابن أبي شيبة أيضاً] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٣/١٢٧-١٢٨. وروى البيهقي بإسناده عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ قال: [كان أنس إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام، جمع أهله فصلى بهم مثل صلاة الإمام في العيد] . ثم قال البيهقي: [ويذكر عن أنس بن مالك أنه كان بمنزله بالزاوية فلم يشهد العيد بالبصرة جمع مواليه وولده ثم يأمر مولاه عبد الله بن أبي عتبة فيصلي بهم كصلاة أهل المصر ركعتين ويكبر بهم كتكبيرهم] . وذكر البيهقي أن عكرمة قال: [أهل السواد - أهل الريف - يجتمعون في العيد يصلون ركعتين كما يصنع الإمام. وعن محمد بن سيرين قال: كانوا يستحبون إذا فات الرجل الصلاة في العيدين أن يمضي إلى الجبان فيصنع كما يصنع الإمام. وعن عطاء إذا فاته العيد صلى ركعتين ليس فيهما تكبيرة] سنن البيهقي ٣/٣٠٥. وروى عبد الرزاق بإسناده عن قتادة قال: [من فاتته صلاة يوم الفطر صلى كما يصلي الإمام. قال معمر: إن فاتت إنساناً الخطبة أو الصلاة يوم فطر أو أضحى ثم حضر بعد ذلك فإنه يصلي ركعتين] مصنف عبد الرزاق ٣/٣٠٠-٣٠١. وروى ابن أبي شيبة أيضاً بإسناده عن الحسن البصري قال: [فيمن فاته العيد يصلي مثل صلاة الإمام. وروى أيضاً عن إبراهيم النخعي قال: إذا فاتتك الصلاة مع الإمام فصل مثل صلاته] . قال إبراهيم: [وإذا استقبل الاس راجعين فلتدخل أدنى مسجد ثم فلتصل صلاة الإمام ومن لا يخرج إلى العيد فليصل مثل صلاة الإمام] . وروى عن حماد في من لم يدرك الصلاة يوم العيد قال: [يصلي مثل صلاته ويكبر مثل تكبيره] مصنف ابن أبي شيبة ٢/١٨٣-١٨٤. وبمقتضى هذه الآثار قال جمهور أهل العلم أن من فاتته صلاة العيد صلى ركعتين كما صلى الإمام مع التكبيرات الزوائد. ومن العلماء من قال: يصليها أربعاً واحتج بأثر وارد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: من فاته العيد فليصل أربعاً] ولكنه منقطع كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٣/١٢١. ومن العلماء من خيره بين صلاة ركعتين أو أربع ركعات. وأولى الأقوال هو القول الأول وهو أنه يقضيها ركعتين كأصلها، ولا يصح قياسها على الجمعة فمن فاتته الجمعة صلى أربعاً أي الظهر لأن الجمعة إنما تفوت إلى بدل وهو الظهر. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإن شاء صلاها على صفة صلاة العيد بتكبير، نقل ذلك عن أحمد إسماعيل بن سعد واختاره الجوزجاني وهذا قول النخعي ومالك والشافعي وأبي ثور وابن المنذر لما روي عن أنس: أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الإمام بالبصرة جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فصلى بهم ركعتين يكبر فيهما ولأنه قضاء صلاة فكان على صفتها كسائر الصلوات وهو مخير إن شاء صلاها وحده وإن شاء في جماعة. قيل لأبي عبد الله: أين يصلي؟ قال: إن شاء مضى إلى المصلى وإن شاء حيث شاء] المغني ٢/٢٩٠. ونقل القرافي أن مذهب الإمام مالك كما في المدونة أنه يستحب لمن فاتته صلاة العيد مع الإمام أن يصليها على هيئتها. الذخيرة ٢/٤٢٣. وقال الإمام الشافعي: [ونحن نقول: إذا صلاها أحد صلاها كما يفعل الإمام يكبر في الأولى سبعاً وفي الآخرة خمساً قبل القراءة] معرفة السنن والآثار ٥/١٠٣. وذكر المرداوي الحنبلي أن المذهب عند الحنابلة هو أنها تقضى على صفتها. الإنصاف ٢/٤٣٣. واختارت هذا القول اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية برئاسة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز - يرحمه الله - فقد جاء في فتواها: [ومن فاتته وأحب قضاءها استحب له ذلك فيصليها على صفتها من دون خطبة بعدها وبهذا قال الإمام مالك والشافعي وأحمد والنخعي وغيرهم من أهل العلم والأصل في ذلك قوله ﷺ: (إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا) وما روي عن أنس ﵁ أنه كان إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فيصلي بهم ركعتين يكبر فيهما. ولمن حضر يوم العيد والإمام يخطب أن يستمع الخطبة ثم يقضي الصلاة بعد ذلك حتى يجمع بين المصلحتين] فتاوى اللجنة الدائمة ٨/٣٠٦. وخلاصة الأمر أن من فاتته صلاة العيد فإنه يقضيها كما صلاها الإمام أي مع التكبيرات الزوائد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345843,"book_id":3840,"shamela_page_id":223,"part":"6","page_num":145,"sequence_num":223,"body":"١٤٥ - المساجد\rيقول السائل: يوجد في المسجد الذي يصلي فيه عدد كبير من المصاحف وإن أحد المصلين أخذ مصحفاً منها لنفسه ليقرأ في منزله فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: لا يجوز لأحد أن يأخذ شيئاً مما هو موقوف على المساجد كالمصاحف والكتب والسجاد والحصير وغير ذلك من الأشياء فهذه الأشياء الموقوفة يكون الانتفاع بها داخل المسجد فقط ولا يجوز لأحد أن يأخذ شيئاً لنفسه منها وإن أذن بذلك إمام المسجد أو مؤذنه لأنهما يتصرفان فيما لا يملكان فالمصاحف والكتب الموقوفة على المسجد لا يملك أحد أن يبطل وقفيتها على المسجد ويحولها إلى ملكية خاصة لبعض المصلين. وقد نص العلماء على تحريم مثل هذه التصرفات، قال الإمام النووي: [لا يجوز أخذ شيء من أجزاء المسجد كحجر وحصاة وتراب وغيره ... وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال بعض الرواة أراه رفعه إلى النبي ﷺ قال: (إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد) المجموع ٢/١٧٩. وقال الزركشي: [يحرم إخراج الحصى والحجر والتراب من أجزاء المسجد منه.. ومثله الزيت والشمع] إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ٢٣٩. ثم ذكر الحديث الذي ذكره الإمام النووي في كلامه السابق، وهذا الحديث قال عنه المنذري: [رواه أبو داود بإسناد جيد، وذكر أن الدارقطني رجح وقفه على أبي هريرة الترغيب والترهيب ١/٢٧٩. والحديث يدل على منع إخراج الحصى من المسجد وقد كان المسجد في العهد النبوي مفروشاً بالحصى فإذا كان لا يجوز إخراج الحصى فغير الحصى أولى بالمنع من باب أولى. وخلاصة الأمر أنه يحرم على المسلم أن يأخذ لنفسه شيئاً من الأشياء الموقوفة على المسجد ولو ادعى أنه سينتفع به أكثر مما ينتفع به لو بقيت في المسجد كمن يقول إنه يوجد في المسجد مصاحف كثيرة وليس لديَّ مصحف فآخذ مصحفاً لأقرأ في بيتي فهذا لا يجوز. كما وأنبه على قضية أخرى لها ارتباط بالمسألة وهي أنه يوجد في بعض المساجد صندوق لجمع التبرعات وتكون مسؤولية هذا الصندوق مناطة بشخص معين فيتصرف هذا الشخص في الأموال التي تجمع للمسجد فإما أن يأخذ منها لنفسه أو لغيره على أن تسدد فيما بعد فهذه التصرفات باطلة شرعاً لأن هذا المسؤول عن هذه الأموال يده عليها يد أمانة فإذا تصرف فيها لنفسه أو لغيره فقد خان الأمانة. ويضاف إلى ذلك أن بعض هؤلاء الناس قد يتصرف في أموال المسجد في مصالح عامة للناس فهذا أيضاً ممنوع شرعاً لأن هذه الأموال جمعت للمسجد فتصرف في مصالح المسجد فقط وليس في أي مصلحة عامة أخرى. وأما إذا زادت الأموال التي جمعت لمسجد معين عن حاجته فيمكن أن تصرف في مسجد آخر وكذا لو زادت المصاحف والكتب والسجاد عن حاجة مسجد معين فيمكن أن توضع في مسجد آخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345844,"book_id":3840,"shamela_page_id":224,"part":"6","page_num":146,"sequence_num":224,"body":"١٤٦ - صلاة الجنازة\rيقول السائل: إذا اجتمعت جنائز فكيف توضع أمام الإمام في صلاة الجنازة؟\r\rالجواب: إذا اجتمعت عدة جنائز فيجوز أن يصلى عليها صلاة واحدة كما يجوز أن يصلى على كل منها صلاة مستقلة فإن صلي عليها صلاة واحدة فتوضع الجنائز أمام الإمام صفاً مما يلي القبلة بعضها خلف بعض ويكون الرجال مما يلي الإمام ثم النساء مما يلي القبلة فإذا كان الأموات رجالاً ونساءً وأطفالاً فيوضع الرجال أولاً ثم الأطفال الذكور ثم النساء وبهذا القول قال أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والفقهاء فبه قال عثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وأبو قتادة الأنصاري وزيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وواثلة بن الأسقع والحسن والحسين من الصحابة والشعبي وإبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب والزهري من التابعين وهو قول مالك والثوري والحنفية والشافعية وإسحاق وابن المنذر وغيرهم، انظر الاستذكار لابن عبد البر ٨/٢٧٨، المجموع للنووي ٥/٢٨٨ معرفة السنن والآثار ٥/٢٨٨. قال الزرقاني: [وعلى هذا أكثر العلماء وقال به جماعة من الصحابة والتابعين وقال ابن عباس وأبو هريرة وأبو قتادة هي السنة وقول الصحابي ذلك له حكم الرفع] عون المعبود ٨/٣٣٥. ويدل لهذا القول ما يلي: عن نافع عن ابن عمر (أنه صلى على تسع جنائز جميعاً فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القبلة فصفهن صفاً واحداً ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له: زيد، وضعا جميعاً والإمام يومئذ سعيد بن العاص وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة فوضع الغلام مما يلي الإمام فقال رجل فأنكرت ذلك فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السنة) رواه النسائي والبيهقي والدارقطني وقال الإمام النووي إسناده صحيح، المجموع ٥/٢٢٤. وقال الشيخ الألباني: صحيح على شرط الشيخين، أحكام الجنائز ص ١٠٣. وعن عمار مولى الحارث بن نوفل: (أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنها فجعل الغلام مما يلي الإمام ووضعت المرأة وراءه فصلى عليها، فأنكرت ذلك وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وأبو هريرة فسألتهم عن ذلك فقالوا: هذه السنة) رواه أبو داود والنسائي والبيهقي وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم، أحكام الجنائز ص ١٠٤. وقال البيهقي بعد أن ذكر الحديث السابق: [ورواه حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار دون كيفية الوضع بنحوه وذكر أن الإمام كان ابن عمر قال: وكان في القوم الحسن والحسين وأبو هريرة وابن عمر ونحو ثمانين من أصحاب محمد ﷺ] سنن البيهقي ٤/٣٣. وروى البيهقي بإسناده: [أن واثلة بن الأسقع في الطاعون كان بالشام مات فيه بشر كثير فكان يصلي على جنائز الرجال والنساء جميعاً الرجال مما يليه والنساء مما يلي القبلة] سنن البيهقي ٤/٢٣.\r\rوروى عبد الرزاق بإسناده عن علي قال: [إذا كان الرجال والنساء كان الرجال يلون الإمام والنساء من وراء ذلك] . وروى أيضاً بإسناده عن علي قال: [الرجال قبل النساء والكبار قبل الصغار] . وروى أيضاً قتادة عن ابن المسيب عن أبي هريرة: [أنه كان يصلي على الجنائز فيجعل الرجال يلون الإمام والنساء أمام ذلك وبه نأخذ] . وروى أيضاً عن عثمان بن موهب قال: [صليت مع أبي هريرة ومع ابن عمر على رجل وامرأة فجعل الرجل يلي الإمام والمرأة وراء ذلك وكبّر أربعاً] . وروى أيضاً عن الزهري قال: [الرجال يلون الإمام والنساء وراء ذلك] . وروى أيضاً عن عثمان: [أنه جعل الرجل يلي الإمام والمرأة أمام ذلك] . وروى أيضاً عن إبراهيم أنه قال: [إذا اجتمعت جنائز الرجال والنساء كان الرجال يلون الإمام والنساء أمام ذلك] . وروى أيضاً عن عطاء قال: [الرجال مما يلي الإمام والنساء أمام ذلك] . وروى أيضاً عن الشعبي قال: [رأيته جاء إلى جنائز رجال ونساء ... قال: ثم جعل الرجال مما يلون الإمام والنساء أمام ذلك، بعضهم على إثر بعض، ثم ذكر أن ابن عمر فعل ذلك بأم كلثوم وزيد، وثم رجال من بني هاشم قال: أراه ذكر حسناً وحسيناً] . وروى أيضاً عن أبي إسحاق قال: [رأيت الشعبي صلى على جنازة رجلين وصف أحدهما خلف الآخر، ثم قال: اصنعوا بهم هكذا، وإن كان عشرة] . مصنف عبد الرزاق ٣/٤٦٣-٤٦٦. وفي المسألة أقوال أخرى أرجحها ما ذكرته. قال الحافظ ابن عبد البر بعد أن ذكر أقوال العلماء في المسألة مرجحاً ما ذكرته: [القول الأول أعلى وأولى لما فيه من الصحابة وقد قالوا إنها السنة وعليه جماعة الفقهاء] الاستذكار ٨/٢٧٩.\r\rوينبغي أن يقدم أمام الإمام أفضل الأموات وأورعهم قال الإمام النووي: [قال إمام الحرمين وغيره والمعتبر في الفضيلة هنا الورع والتقوى وسائر الخصال المرعية في الصلاة عليه والغلبة على الظن كونه أقرب من رحمة الله تعالى] المجموع ٥/٢٦٦-٢٧٧.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345845,"book_id":3840,"shamela_page_id":225,"part":"6","page_num":147,"sequence_num":225,"body":"١٤٧ - صلاة الجنازة\rيقول السائل: إنه سمع أحد الوعاظ يذكر صلاة النبي ﷺ على النجاشي ويقول إن جثمان النجاشي أحضر أمام النبي ﷺ وأن ذلك كان من خصوصياته ﷺ فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: وردت روايات كثيرة في صلاة النبي ﷺ على النجاشي منها: ١. روى الإمام البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث\". ٢. وروى الإمام البخاري بسنده عن عطاء أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ: قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلم فصلوا عليه قال فصففنا فصلى النبي ﷺ عليه ونحن صفوف\". ٣. وروى الإمام البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: نعى النبي ﷺ النجاشي ثم تقدم فصفوا خلفه فكبر أربعاً\". ٤. وروى الإمام مسلم بسنده عن أبي الزبير عن جابر ابن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ \"إن أخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه. قال فقمنا فصفنا صفين\". وغير ذلك من الروايات التي تثبت أن النبي ﷺ قد صلى على النجاشي صلاة الغائب. وقد زعم بعض أهل العلم أنه قد جيىء بجثمان النجاشي أمام النبي ﷺ أو أنه أريه فقالوا إن الأرض دحيت له ﷺ جنوباً وشمالاً حتى رأى نعش النجاشي كما دحيت له جنوباً وشمالاً حين رأى المسجد الأقصى صباح ليلة الإسراء والمعراج حين وصفه لكفار قريش. تفسير القرطبي ٢/٨١-٨٢. قال ابن عابدين (لأنه رفع سريره - أي النجاشي- حتى رآه ﵊ بحضرته فتكون صلاة من خلفه على ميت يراه الإمام وبحضرته دون المأمومين وغير مانع من الإقتداء) حاشية ابن عابدين ٢/٢٠٩ وأيدوا قولهم بما ورد من حديث عمران بن حصين ﵁ (أن النبي ﷺ قال: إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا فصلوا عليه فقام رسول الله ﷺ وصفوا خلفه فكبر أربعاً وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه) رواه ابن حبان وإسناده صحيح كما قال الشيخ الأرناؤوط، صحيح ابن حبان ٧/٣٦٩. وهذا الإدعاء غير مسلم لأن الأصل عدم الخصوصية. قال الإمام الخطابي (وزعموا أن النبي ﷺ كان مخصوصاً بهذا الفعل إذ كان في حكم المشاهدين للنجاشي لما روي في بعض الأخبار أنه قد سويت له أعلام الأرض حتى كان يبصر مكانه. وهذا تأويل فاسد لأن رسول الله ﷺ إذا فعل شيئاً من افعاله الشريفة كان علينا متابعته والإيتساء به والتخصيص لا يعلم إلا بدليل. ومما يبين ذلك أنه ﷺ خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم فصلوا معه فعلمت ان هذا التأويل فاسد) معالم السنن ١/ ٢٧٠- ٢٧١. وقال الإمام البغوي (وزعموا ان النبي ﷺ كان مخصوصاً به. وهذا ضعيف لأن الإقتداء به في أفعاله واجب على الكافة ما لم يقم دليل التخصيص ولا تجوز دعوى التخصيص هاهنا لأن النبي ﷺ لم يصل عليه وحده إنما صلى مع الناس) شرح السنة ٥/٣٤١-٣٤٢. وقال صاحب عون المعبود: (قلت دعوى الخصوصية ليس عليها د ليل ولا برهان بل قوله ﷺ \"فهلموا فصلوا عليه\" وقوله \"فقوموا فصلوا عليه\" وقول جابر \"فصففنا خلفه فصلى عليه ونحن صفوف\" وقول أبي هريرة \"ثم قال استغفروا له ثم خرج بأصحابه فصلى بهم كما يصلى على الجنازة\" وقول عمران \"فقمنا فصففنا عليه كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت\" وتقدم هذه الروايات يبطل دعوى الخصوصية لأن صلاة الغائب إن كان خاصة بالنبي ﷺ فلا معنى لأمره ﷺ بتلك الصلاة بل نهى عنها لأن ما كان خاصاً به ﷺ لا يجوز فعله لأمته. ألا ترى صوم الوصال لم يرخص لهم به مع شدة حرصهم لأدائه والأصل في كل أمر من الأمور الشرعية عدم الخصوصية حتى يقوم الدليل عليها وليس هنا دليل على الخصوصية بل قام الدليل على عدمها) عون المعبود ٩/٩.\r\rوأما قولهم إن الأرض دحيت للنبي ﷺ فرأى نعش النجاشي أو أحضر النعش بين يدي النبي ﷺ، فكلام ينقصه الدليل وقد ردّ ذلك كثير من أهل العلم: قال الإمام النووي (إنه لو فتح هذا الباب لم يبق وثوق بشيء من ظواهر الشرع لاحتمال انحراف العادة في تلك القضية مع أنه لو كان شيء من ذلك لتوفرت الدواعي بنقله) المجموع ٥/٢٥٣ وانظر المغني ٢/٣٨٢.. وقال الإمام ابن العربي المالكي جواباً على هذا الزعم بأن الأرض طويت وأحضرت الجنازة بين يديه ﷺ (قلنا إن ربنا عليه لقادر وإن نبينا لأهل لذلك ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم ولا تخترعوا من عند أنفسكم ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف فإنها سبيل تلاف إلى ما ليس له تلاف) عارضة الأحوذي ٤/٢٦٠. وقال شمس الحق العظيم آبادي (وأما قولهم رفع له سريره أو أحضر روحه بين يديه فجوابه: أن الله ﵎ لقادر عليه وأن محمداً ﷺ لأهل لذلك لكن لم يثبت ذلك في حديث النجاشي بسند صحيح أو حسن وإنما ذكره الواحدي عن إبن عباس بلا سند فلا يحتج به. ولهذا قال ابن العربي: ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف. وأما ما رواه أبو عوانه وإبن حبان من حديث عمران بن حصين، فلا يدل على ذلك فإن لفظه \"وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه” وفي لفظ “ونحن لا نرى إلا الجنازة قدامنا” ومعنى هذا القول أنا صلينا عليه خلف النبي ﷺ كما يصلي على الميت والحال أنا لم نر الميت لكن صففنا عليه كما يصف على الميت كأن الميت قدامنا ونظن أن جنازته بين يدي ﷺ لصلاته ﷺ كعلى الحاضر المشاهد فحينئذ يؤول معنى لفظ هذا الحديث الى معنى لفظ أحمد ويؤيد هذا المعنى حديث مجمع عند الطبراني “فصففنا خلفه صفين وما نرى شيئا\" عون المعبود ٩/٩-١٠.. وخلاصة الأمر أن ما ادعاه الواعظ المشار إليه غير صحيح والصواب أن النبي ﷺ قد صلى على النجاشي صلاة الغائب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345846,"book_id":3840,"shamela_page_id":226,"part":"6","page_num":148,"sequence_num":226,"body":"١٤٨ - المساجد\rخطأ في قبلة المسجد،\r\rيقول السائل: يوجد في بلدتنا مسجد وقد تبين أن قبلة المسجد غير صحيحة فهي منحرفة كثيراً عن اتجاه القبلة الصحيح ولكن بعض المصلين يرفضون تصحيح قبلة المسجد خوف الفتنة فما قولكم في هذه القضية؟\r\rالجواب: من المعلوم أن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة ويدل على ذلك قوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) سورة البقرة الآية ١٥٠. ويجب تحري القلبة عند بناء المساجد فإذا بني المسجد وتبين بعد ذلك أن هنالك خطأ في قبلة المسجد فيجب تصحيح ذلك الخطأ والتوجه إلى القبلة ولا يجوز لأحد أن يمنع ذلك لأن التوجه إلى القبلة شرط لصحة الصلاة كما قلت وينبغي تحقيق ذلك وتبيين الحكم الشرعي في هذه المسألة للناس ولا فتنة في الحكم الشرعي أبداً. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن البراء بن عازب ﵁: (أن النبي ﷺ لما قدم إلى المدينة صلَّى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأنه أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: (بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبي ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) رواه البخاري ومسلم. وعن أنس ﵁: (أن الرسول ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة قد حولت فمالوا كما هم نحو القبلة) رواه مسلم.\r\rوبناء على هذه الأدلة يجب تصحيح قبلة المسجد المذكور حتى تصح الصلاة ومن صلى إلى القبلة القديمة في ذلك المسجد بعد أن ثبت أنها خطأ فصلاته باطلة ولا تصح لأن استقبال القبلة فرض كما ذكرت. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345847,"book_id":3840,"shamela_page_id":227,"part":"6","page_num":149,"sequence_num":227,"body":"١٤٩ - الحركة في الصلاة\rالالتفات في الصلاة،\r\rيقول السائل: قرأت بعض كتب الحديث عن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان ولا بد ففي التطوع لا في الفريضة) ويقول السائل إن الحديث رواه البخاري فهل الحديث صحيح أم لا؟ الجواب: إن هذا الحديث لم يروه البخاري في صحيحه وإنما رواه الترمذي وهو حديث ضعيف عند المحققين من أهل الحديث وإن كان قد ورد في بعض نسخ الترمذي أنه صحيح. وقد تكلم على الحديث العلامة ابن القيم فقال: [... ولكن للحديث علتان أحدهما: أن رواية سعيد عن أنس لا تعرف. الثانية: إن في طريقه علي بن زيد بن جدعان] زاد المعاد ١/٢٤٩. وكذلك ضعف هذا الحديث الشيخ المحدث ناصر الدين الألباني فقال معلقاً على استدلال صاحب فقه السنة به: [فيه مؤاخذتان: الأولى: إن الترمذي لم يصححه وليس تصحيحه في أية نسخة من سنن الترمذي كما قال محققه الفاضل أحمد محمد شاكر بل في بعض نسخه، قال: هذا حديث حسن وفي بعضها حديث غريب وفي أخرى هذا حديث حسن غريب. الثانية: أن الحديث ليس بصحيح ولا حسن لأنه من رواية علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: قال أنس بن مالك: وهذا الإسناد ضعيف في علتان: ١. ضعف علي بن زيد. ٢. الانقطاع بين ابن المسيب وأنس ...] تمام المنة ص ٣٠٨-٣٠٩.\r\rوبهذا يظهر لنا أن الحديث ضعيف لا يعول عليه وبالتالي فإن الالتفات في الصلاة لغير حاجة مكروه كما هو مذهب الجمهور من أهل الفقة والعلم وهذا الحكم عام في صلاة الفريضة وصلاة النافلة ويدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) والالتفات في الصلاة يدل على عدم الخشوع لأن خشوع الجوارح من خشوع القلب وكما قال سعيد بن المسيب لما رأى رجلاً يتحرك في صلاته: [لو خشع قلبه لخشعت جوارحه] وينبغي على المسلم أن يخشع في صلاته فلا يلتفت ولا يتحرك لغير حاجة، قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345848,"book_id":3840,"shamela_page_id":228,"part":"6","page_num":150,"sequence_num":228,"body":"١٥٠ - سنن الصلاة\rما حكم تحريك الإصبع باستمرار في التشهد في الصلاة وهل تبطل تلك الحركة الصلاة؟\r\rالجواب: إن تحريك الإصبع في الصلاة ثابت عن رسول الله ﷺ فقد ورد في ذلك أحاديث منها:\rعن وائل بن حجر أنه قال في صفة صلاة رسول الله ﷺ: (ثم قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى وجعل حد مرفقه الايمن عل فخذه اليسرى ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها) رواه أحمد والنسائي وأبو داود وغيرهم وهو حديث صحيح.\rوعن ابن عمر قال: (كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمين التي تلي الإبهام فدعا بها ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها) رواه مسلم.\rوغير ذلك من الأحاديث التي يؤخذ منها ثبوت تحريك الإصبع \" السبابة \" أثناء التشهد وحديث وائل المتقدم [رواية صريحة في تحريك الإصبع وجاء وصف فعله ﷺ بـ \" يحرك \" وهو فعل مضارع يفيد الاستمرارية حتى تسليم المصلي وفراغه من صلاته] . القول المبين ص ١٦٢.\rوتحريك الإصبع عند التشهد سنة قال بها جماعة من أهل العلم منهم الإمام مالك والإمام أحمد وهو قول في مذهب الشافعية وبه قال جماعة من أهل الحديث وأفاد الشيخ الألباني أنه لا يوجد دليل من السنة على أن تحريك الإصبع يكون فقط عند التلفظ بالشهادتين كما قال بعض الفقهاء. انظر صفة صلاة النبي ص ١٤٠.\rوأما قول من زعم بأن تحريك الإصبع مبطل للصلاة فكلام باطل لا يصح وهو قول شاذ لا دليل عليه كما قال الإمام النووي في المجموع. ٣/٣٥٤.\rوأما الحديث الوارد في عدم تحريك الإصبع وهو حديث عبد الله بن الزبير أنه ذكر: (أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها) رواه أبو داود وغيره فهو حديث ضعيف ضعفه ابن القيم والألباني وغيرهما، راجع تمام المنة ص ٢١٧-٢١٨.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345849,"book_id":3840,"shamela_page_id":229,"part":"6","page_num":151,"sequence_num":229,"body":"١٥١ - المساجد\rيقول السائل: إن بعض المصلين يطردون الأطفال من المسجد بحجة أنهم يشوشون على المصلين فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: إن طريقة تعامل الرسول ﷺ مع الأطفال في المسجد وأثناء الصلاة تختلف اختلافاً واضحاً عن واقع تعامل كثير من المسلمين مع الأطفال في المساجد وإليكم بعض المواقف التي حصلت مع رسول الله ﷺ مع بعض الأطفال حتى نتعلم من رسول الله ﷺ ونهتدي بهديه ﵊:\r\r١. عن شداد ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشى الظهر أو العصر وهو حامل حسناً أو حسيناً فتقدم النبي ﷺ فوضعه عند قدمه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد سجدة أطالها، قال: فرفعت رأسي من بين الناس فإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد فرجعت إلى سجودي فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال الناس: يا رسول الله: إنك سجدت سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته) رواه النسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\r\r٢. وفي حديث آخر: (كان الرسول ﷺ يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهما فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره) رواه ابن خزيمة في صحيحه.\r\r٣. وقال أبو قتادة ﵁: (رأيت رسول الله ﷺ وأمامة بنت العاص - ابنة زينب بنت الرسول ﷺ على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها) رواه البخاري ومسلم.\r\r٤. وفي حديث آخر قال رسول الله ﷺ: (إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أطالتها فاسمع بكاء الصبي فأتجوّز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه) رواه البخاري ومسلم. وفي حديث آخر أن النبي ﷺ: (جوّز ذات يوم في الفجر - أي خفف - فقيل: يا رسول الله لم جوزت؟ قال: سمعت بكاء صبي فظننت أن أمه معنا تصلي فأردت أن أفرغ له أمه) رواه أحمد بإسناد صحيح.\r\rهذا هو هدي الرسول ﷺ في تعامله مع الأطفال في المسجد فلا ينبغي لأحد أن يطرد الأطفال من المساجد لأنهم رجال المستقبل والمسجد خير مكان لتعليم الصلاة والأحكام الشرعية الأخرى. ولكن لا بد من التنبيه أنه ينبغي عدم إحضار الأطفال الصغار جداً إلى المساجد لأنهم لا ينضبطون فمثل ابن سنة أو سنتين أو ثلاث لا يحضر إلى المسجد ولا بأس بإحضار الأطفال الذين هم في الخامسة أو السادسة أو السابعة إلى المساجد. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345850,"book_id":3840,"shamela_page_id":230,"part":"6","page_num":152,"sequence_num":230,"body":"١٥٢ - قضاء صلاة\rالترتيب في قضاء الصلوات الفوائت،\r\rيقول السائل: إنه صلى المغرب وكان عليه قضاء صلاتي الظهر والعصر ولكن نظراً لضيق الوقت صلى المغرب أولاً ثم قضى الظهر والعصر فما حكم ذلك؟\rالجواب: إن قضاء الصلاة الفائتة واجب على الفور بمجرد زوال العذر كالنسيان أو النوم لقوله ﷺ: (من نام عن صلاة أو نسيا فليصلها إذا ذكرها) رواه البخاري ومسلم. والترتيب في قضاء الفوائت واجب عند أكثر الفقهاء لما ثبت من قضاء النبي ﷺ للفوائت يوم الخندق حيث قضاهن بالترتيب أي الظهر فالعصر ثم المغرب وهكذا هو الأصل أن الترتيب واجب ولكن هذا الترتيب يسقط إذا ضاف وقت الصلاة الحاضرة كما في السؤال فما فعله السائل صحيح إن شاء الله حيث إنه صلى المغرب أولاً نظراً لضيق الوقت وبعد ذلك قضى الظهر والعصر فلا بأس بذلك. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345851,"book_id":3840,"shamela_page_id":231,"part":"6","page_num":153,"sequence_num":231,"body":"١٥٣ - صلاة الجماعة\rإذا أدرك المصلي الركوع مع الإمام فهل يعتبر مدركاً للركعة؟\r\rالجواب: إذا أدرك السبوق الإمام راكعاً فقد أدرك تلك الركعة وبهذا قال أكثر أهل العلم. قال الإمام النووي: [وهذا الذي ذكرناه من إدراك الركعة بإدراك الركوع وهو الصواب الذي نص عليه الشافعي وقال جماهير الأصحاب وجماهير العلماء وتظاهرت به الأحاديث وأطبق عليه الناس ...] المجموع ٤/٢١٥. وفي المسألة قول آخر بأن الركعة لا تدرك إلا بإدراك القيام مع الإمام وهو قول ضعيف شاذ. والقول الأول هو القول الصحيح في المسألة وقد ثبت عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يعتدون بالركعة إذا أدرك الركوع، من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن نافع عن ابن عمر قال: [إذا جئت والإمام راكع فوضعت يديك على ركبتيك قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت] ورواه البيهقي بلفظ: [من أدرك الإمام راكعاً فركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك تلك الركعة] وإسناده صحيح. ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن زيد بن وهب قال: [خرجت مع عبد الله ابن مسعود من داره إلى المسجد فلما توسطنا المسجد ركع الإمام فكبر عبد الله ثم ركع وركعت معه ثم مشينا راكعين حتى انتهينا إلى الصف حتى رفع القوم رؤوسهم قال: فلما قضى الإمام الصلاة قمت أنا - وأنا أرى لم أدرك - فأخذ بيدي عبد الله فأجلسني وقال: إنك قد أدركت] ورواه البيهقي والطحاوي في شرح معاني الآثار وإسناده صحيح. ومثل ذلك ورد عن زيد بن ثابت وأبي بكر الصديق وعبد الله بن الزبير، قال الإمام البيهقي: [باب من ركع دون الصف وفي ذلك دليل على إدراك الركعة ولولا ذلك لما تكلفوه] سنن البيهقي ٢/٩٠.\r\rوقد ورد في المسألة حديث أبي هريرة ولفظه: [من أدرك ركعة مع الإمام قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدرك الصلاة] وهذا الحديث فيه كلام كثير للمحدثين، وخلاصته أن الحديث بمجموع طرقه المتصلة والمرسلة يصلح للاحتجاج ويقويه ما ثبت عن الصحابة من العمل بمقتضاه. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345852,"book_id":3840,"shamela_page_id":232,"part":"6","page_num":154,"sequence_num":232,"body":"١٥٤ - صلاة الجماعة\rالاقتداء بالمسبوق ,\r\rيقول السائل: إنه جاء إلى المسجد فوجد صلاة الجماعة قد انتهت وأنه اقتدى برجل مسبوق فصلى خلفه فما حكم صلاته؟\r\rالجواب: اقتداؤك بالمسبوق صحيح إن شاء الله على الراجح من أقوال أهل العلم وقد دلت على ذلك أحاديث منها حديث ابن عباس قال: (بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسول الله ﷺ من الليل فتوضأ ثم قام إلى الصلاة فقمت فتوضأت كما توضأ ثم جئت فقمت عن يساره فأخذ بيميني فأدارني من ورائه فأقامني عن يمينه فصليت معه) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن واللفظ لأبي داود. وحديث أنس أن الرسول ﷺ صلَّى في شهر رمضان قال: (فجئت فقمت إلى جنبه وجاء آخر فقام إلى جنبي حتى كنا رهطاً، فلما أحس النبي ﷺ بنا تجوّز في صلاته) رواه مسلم. وحديث عائشة: (أن رسول الله ﷺ كان يصلّي في حجرته وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص رسول الله ﷺ فقام الناس يصلون بصلاته فأصبحوا فتحدثوا فقام رسول الله ﷺ يصلي الليلة الثانية فقام ناس يصلون بصلاته) رواه البخاري. وحديث أبي سعيد أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي وحده فقال: (ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني.\r\rوهذه الأحاديث تدل على أنه لا يشترط في الإمام أن ينوي الإمامة فالرسول ﷺ شرع في الصلاة منفرداً ثم جاء ابن عباس فصلى معه جماعة وكذلك فإن الرجل الذي رآه الرسول ﷺ يصلي وحده شرع في الصلاة منفرداً فحض النبي ﵊ رجلاً يصلي معه: (فقام رجل من القوم فصلى معه) كما في رواية البيهقي، ولا فرق بين من كان منفرداً ومن كان مسبوقاً فلا مانع من اقتداء غيره به ليحصل أجر الجماعة. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345853,"book_id":3840,"shamela_page_id":233,"part":"6","page_num":155,"sequence_num":233,"body":"١٥٥ - صلاة الجماعة\rسهى الإمام فقام إلى الخامسة, إمام في صلاة رباعية قام سهواً إلى الركعة الخامسة فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: إذا سها الإمام في الصلاة الرباعية وقام إلى الخامسة فعلى المصلين أن يسبحوا ليذكروه فإذا سبَّحوا فعليه أن يجلس ويأتي بالتشهد الأخير إن لم يكن قد أتى به وعليه أن يسجد سجدتي السهو.\rوأما إذا كان المصلي منفرداً فقام إلى الخامسة وتذكّر بعد ذلك فعليه أن يجلس ويسجد سجدتي السهو وهذا مذهب جمهور أهل العلم ويدل على ما قلت حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ صلى الظهر خمساً فقيل له: (أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذلك؟ قالوا: صليت خمساً فسجد سجدتين بعدما سلّم) رواه البخاري ومسلم ولا تبطل صلاة المصلي وإن زاد خامسة سجد فيها أو لم يسجد ولا يلزمه أن يضيف ركعة سادسة كما قال بعض الفقهاء فقولهم ضعيف ولا تؤيده الأدلة والصحيح ما قاله جمهور الفقهاء.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345854,"book_id":3840,"shamela_page_id":234,"part":"6","page_num":156,"sequence_num":234,"body":"١٥٦ - المساجد\rحكم قراءة القرآن قبل الأذان،\r\rيقول السائل: جرت العادة بقراءة القرآن لمدة عشرة دقائق تقريباً قبل الأذان للصلوات الخمس عبر مكبرات الصوت، فما حكم ذلك؟\rالجواب: لا شك أن قراءة القرآن الكريم من العبادات العظيمة التي يتقرب بها العبد إلى ربه وهي جائزة في جميع الأوقات وأما تحديد القراءة وجعلها قبل الأذان والمحافظة على ذلك بصفة دائمة فأمر مخالف لما كان عليه الرسول ﷺ فلم يرد عنه ﵊ أنه كان يأمر المؤذن بقراءة القرآن قبل الأذان ولم يقم دليل على أن ذلك مشروع فينبغي ترك هذا وعدم فعله لأن تخصيص العبادة بوقت معين بدون دليل شرعي يعتبر بدعة مخالفة لهدي المصطفى ﵊. وقد صار بعض الناس يظن أن تلك القراءة لا بد منها فإذا غفل المؤذن مرة عن القراءة قبل الأذان لامه الناس على ذلك واعتبروه قد أخل بأمر لا بد منه. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345855,"book_id":3840,"shamela_page_id":235,"part":"6","page_num":157,"sequence_num":235,"body":"١٥٧ - صلاة الجماعة\rاتصال الصفوف، يقول السائل: نرى بعض المصلين وخاصة في يوم الجمعة يصلون في ساحات المسجد وتكون صفوفهم غير متصلة مع الصفوف داخل المسجد فما حكم صلاتهم؟\r\rالجواب: إن الرسول ﷺ قد أمر بتسوية الصفوف في الصلاة وسد الخلل الواقع فيها كما أمر بإتمام الصف الأول فالأول وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها:\r١. عن جابر بن سمرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأُول ويتراصون في الصف) رواه مسلم.\r٢. وعن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه فإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان وهو حديث حسن كما قال المنذري والحافظ ابن حجر.\r٣. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن الرسول ﷺ رأى في أصحابه تأخراً فقال لهم: (تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من ورائكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله ﷿ رواه مسلم.\r٤. وعن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (رصوا صفوفكم قاربوا بينها وحاذوا الأعناق فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل في خلل الصفوف كأنها الحذف) رواه أبو داود وابن حبان وصححه وغير ذلك من الأحاديث والذي يؤخذ من هذه الأحاديث أن تسوية الصفوف واجبة ويشمل ذلك اتصال الصفوف الأول فالأول فإن الوعيد الشديد الوارد في عدم تسوية الصف يدل على حرمة ذلك، فتسوية الصفوف واجبة لأمر الرسول ﷺ بتسوية الصفوف والأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب ما لم يصرفه صارف.\rولا شك أن من تسوية الصفوف إتمام الصف الأول فالأول ولا يجوز أن يشرع في الصف الثاني إلا بعد إتمام الصف الأول وهذا باتفاق أكثر أهل العلم لقول الرسول ﵊: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه فإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر) .\rوبناء على ذلك فإن من يصف في ساحات المسجد الخارجية ولا يكون صفه متصلاً مع الصفوف داخل المسجد فلا تصح صلاتهم مع الجماعة كما هو الحال في كثير من المساجد الكبيرة فإنهم يصلون بقرب أبواب الساحات الخارجية ويكون بينهم وبين آخر صف متصل مسافات بعيدة فإن صلاة هؤلاء غير صحيحة.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [فإن امتلاً المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد فإا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي فيه الناس لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء ...) مجموع الفتاوى ٢٣/٤١٠.\rوقال بعض أهل العلم: [على أن القول الراجح عندي أنه لا يصح للمأموم أن يقتدي بالإمام خارج المسجد وإن رأى الإمام أو المأمومين إذا كان في المسجد مكان يمكنه أن يصلي فيه وذلك لأن المقصود بالجماعة الاتفاق في المكان وفي الأفعال فإذا كان المسجد واسعاً ويمكن أن يصلي الإنسان في المسجد فإنه لا يصح أن يتابع الجماعة في غير المسجد أما لو امتلأ المسجد وصار من كان خارج المسجد يصلي مع الإمام ويمكنه المتابعة فإن الراجح جواز متابعته للإمام وائتمامه به سواء رأى الإمام أو لم يره إذا كانت الصفوف متصلة] .\rوأخيراً فإن من واجب الإمام أن يأمر المصلين بتسوية الصفوف وإكمال الصف الأول فالأول لما ثبت في الحديث عن النعمان بن بشير رضي اله عنه قال: (كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي القداح - وهي أعواد السهام - حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يوماً فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلاً بادياً صدره في الصف فقال عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن وجوهكم) رواه مسلم.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345856,"book_id":3840,"shamela_page_id":236,"part":"6","page_num":158,"sequence_num":236,"body":"١٥٨ - صلاة الجماعة\rنوم الإمام،\r\rيقول السائل: عندنا إمام مسجد مصاب - على ما أعلم - بمرض في قلبه وهذا المرض يسبب له نوماً أو سهواً وخاصة وهو يؤم الناس، أحياناً يستفيق لوحده وأحياناً يوقظه أحد المأمومين. فما حكم الصلاة خلف هذا الإمام؟\r\rالجواب: إذا كان حال الإمام كما وصفت في السؤال وتلك الحالة ملازمة له فلا ينبغي لهذا الشخص أن يؤم المصلين وعليه أن يقدم غيره للإمامة فإن من شروط الإمامة أن يكون الإمام قادراً على القيام بأداء الصلاة مستكملاً لأركانها وشروطها وهذا الإمام ينام في صلاته أو يسهو فيها كثيراً فلا يؤدي الصلاة كما يجب فعليه أن لا يصلي بالناس. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345857,"book_id":3840,"shamela_page_id":237,"part":"6","page_num":159,"sequence_num":237,"body":"١٥٩ - صلاة الجماعة\rالاقتداء بالإمام القاعد،\r\rيقول السائل: إن إمامهم في الصلاة مريض ولا يستطيع الصلاة قائماً فيصلي قاعداً فكيف يصنع المصلون خلفه هل يصلون قياماً أم جلوساً؟\r\rالجواب: إن الأفضل في حق هذا الإمام الذي لا يستطيع أن يصلي قائماً أن يستخلف غيره ليصلي بالناس قائماً لأن في ذلك خروجاً من خلاف من منع الاقتداء بالإمام القاعد، ولأن القائم أكمل وأقرب إلى إكمال هيئات الصلاة من القاعد فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة، فإن صلى بهم وهو جالس فيصلي المأمومون وهم قيام وهذا مذهب الحنفية والشافعية ويدل على ذلك حديث عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ أمر في مرضه الذي توفي فيه أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة فقام يهادي بين رجلين ورجلاه يخطان في الأرض فجاء فجلس عن يسار أبي بكر فكان رسول ﷺ يصلي بالناس ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر) رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية أخرى عند مسلم: (وكان النبي ﷺ يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير) وفي رواية أخرى: (أن النبي ﷺ جلس إلى جنب أبي بكر فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعد) رواه البخاري ومسلم. وقد نقل الإمام النووي عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء أن هذه الروايات صريحة في نسخ الحديث الوارد بصلاة الناس خلف الإمام جلوساً لأن ذلك الحديث كان في مرض قبل مرض النبي ﷺ الذي مات فيه والذي صلى فيه النبي ﷺ جالساً وصلى الناس خلفه قياماً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345858,"book_id":3840,"shamela_page_id":238,"part":"6","page_num":160,"sequence_num":238,"body":"١٦٠ - سنن الصلاة\rقراءة سورة فيها سجدة في فجر الجمعة،\r\rيقول السائل: هل يجب على الإمام أن يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة سورة من القرآن فيها سجدة؟ وإذا قرأ سورة لا سجود فيها فهل صلاته صحيحة؟\r\rالجواب: ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة بسورة السجدة فقد رود في الحديث عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: (الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) السجدة، و (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ)) رواه مسلم. وجاء في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الصبح يوم الجمعة: (ألم تنزيل) في الركعة الأولى وفي الثانية: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) رواه مسلم. من هذين الحديثين يؤخذ استحباب قراءة سورتي السجدة والإنسان في صلاة الفجر يوم الجمعة وقد قرر المحققون من الفقهاء أن المقصود من قراءة سورة السجدة وسورة الإنسان ليس السجدة الموجودة في السورة الأولى وإنما المقصود هو المعاني العظيمة التي تضمنتها السورتان المذكورتان. لذلك لا يستحب المداومة على قراءة السورتين باستمرار إن خشي أن يظن الناس أن قراءتهما واجبة. وقد ظن بعض الناس أنه لا بد للإمام أن يقرأ أي سورة فيها سجدة في فجر يوم الجمعة وهذا الظن خطأ واضح لأن السجدة ليست مقصودة لذاتها وإنما المقصود السورة التي فيها وهي (الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) لذلك لا ينبغي للإمام أن يقرأ أي سورة أخرى فيها سجدة. قال العلامة ابن القيم: [كان ﷺ يقرأ في فجره - يوم الجمعة - بسورتي (الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) و (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) ويظن كثير ممن لا علم عنده أن المراد تخصيص هذه الصلاة بسجدة زائدة ويسمونها سجدة الجمعة وإذا لم يقرأ أحدهم هذه السورة استحب قراءة سورة أخرى فيها سجدة ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة دفعاً لتوهم الجاهلين وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنما كان النبي ﷺ يقرأ هاتين السورتين في فجر - الجمعة - لأنهما تضمنتا ما كان ويكون في يومها فإنهما اشتملتا على خلق آدم وعلى ذكر المعاد وحشر العباد وذلك يكون يوم الجمعة وكان في قراءتها في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون، والسجدة جاءت تبعاً ليست مقصودة حتى يقصد المصلي قراءتها حيث تفقت فهذه خاصة من خواص يوم الجمعة] زاد المعاد ١/٣٧٥.\r\rوخلاصة الأمر أن الإمام إذا قرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة بالسورتين المذكورتين فقد أصاب السنة وإذا لم يقرأ بالسورتين المذكورتين فصلاته صحيحة ولا شيء عليه ولا ينبغي لأحد من الناس أن ينكر عليه فالسجدة ليست لازمة لفجر الجمعة. وهذا الأمر على خلاف ما يعتقد كثير من الناس حتى ظن بعض العوام أن صلاة الفجر يوم الجمعة تختلف عن صلاة الفجر في الأيام الأخرى، قال الإمام القرافي ما نصه: [ولذلك شاع عند عوام مصر أن الصبح ركعتان إلا في يوم الجمعة فإنه ثلاث ركعات لأنهم يرون الإمام يواظب على قراءة السجدة يوم الجمعة ويسجد ويعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة وسد هذه الذرائع متعين في الدين] الفروق ١٢/١٩١. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345859,"book_id":3840,"shamela_page_id":239,"part":"6","page_num":161,"sequence_num":239,"body":"١٦١ - صلاة الجمعة\rإدراك صلاة الجمعة بإدراك ركعة منها،\r\rيقول السائل: أدركت الإمام في صلاة الجمعة قبل أن يسلم ثم صليت ركعتي الجمعة وبعد التسليم قال لي بعض المصلين إن الواجب عليّ أن أصلي الظهر لأن الجمعة قد فاتتني فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: يجب أن يعلم أولاً أن التبكير إلى صلاة الجمعة مرغب فيه ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة - أي ناقة - ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) رواه البخاري ومسلم. فالمستحب للمسلم أن يبادر يوم اجمعة بالذهاب إلى المسجد مبكراً فيصلي نافلة ويقرأ من القرآن الكريم ما تيسر ويدعو ويستغفر إلى غير ذلك من الأفعال الطيبة، فإن حصل وتأخر عن الصلاة لعذر أو غيره وجاء إلى المسجد وهم يصلون فلا بد أن يدرك ركعة مع الإمام حتى يعتبر مدركاً للجمعة، وإدراك الركعة يكون بإدراك الركوع مع الإمام، فإذا أدرك ركعة مع الإمام فهو مدرك للجمعة، وهذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة وأئمة المذاهب الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة ويدل على ذلك أحاديث منها: ١. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم: (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة) ومفهوم التقييد بالركعة أن من أدرك دون الركعة لا يكون مدركاً للصلاة كما قال الحافظ ابن حجر. ٢. وجاء في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة) رواه ابن ماجة والحاكم وغيرهما وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. ٣. وفي رواية أخرى: (من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. ٤. ورد عن ابن عمر أنه قال: (من أحرم بالجمعة في وقتها وأدرك مع الإمام ركعة أتم جمعته) رواه البيهقي وهو صحيح كما قال الشيخ الألباني. ٥. ورد عن ابن مسعود قال: (إذا أدركت ركعة من الجمعة فأضف إليها أخرى فإذا فاتك الركوع فصل أربعاً) رواه ابن أبي شيبة والبيهقي وسنده صحيح. وغير ذلك من الأحاديث والآثار. وبناء على ما تقدم فإن ما قاله بعض المصلين لك من فوات الجمعة صحيح وعليك أن تصليها ظهراً أربعاً. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345860,"book_id":3840,"shamela_page_id":240,"part":"6","page_num":162,"sequence_num":240,"body":"١٦٢ - صلاة الجمعة\rما حكم صلاة الجمعة إذا أمَّ المصلين شخص غير من خطب الجمعة؟\r\rالجواب: الصلاة صحيحة إن شاء الله وإن كان المعروف أن من يخطب الجمعة هو الإمام الذي يصلي بالناس وهذا هو المعهود عن الرسول ﵊ واتباع الرسول ﷺ هو المطلوب فنحن مأمورون بالاتباع ولكن إن كان هناك عذر لمن خطب الجمعة فصلّى بالناس غيره لتعب أو مرض طارئ أو نحو ذلك فلا بأس به والصلاة صحيحة. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345861,"book_id":3840,"shamela_page_id":241,"part":"6","page_num":163,"sequence_num":241,"body":"١٦٣ - صلاة الجمعة\rيقول السائل: دخلت المسجد يوم الجمعة أثناء الخطبة فهل أصلي تحية المسجد أم أجلس وأصليها بعد أن تنتهي الخطبة الأولى؟\r\rالجواب: إن المشروع في حق من دخل المسجد والخطيب يخطب يوم الجمعة أن يصلي ركعتين تحية المسجد ويشرع له أن يخففها أي لا يطيل فيها وهذا مذهب أكثر أهل العلم وهو الصحيح الذي تؤيده الأدلة. فقد ثبت في الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (دخل رجل يوم الجمعة المسجد والنبي ﷺ يخطب فقال له: أصليت؟ قال: لا. قال: فصل ركعتين) رواه البخاري ومسلم. وثبت في رواية أخرى عن جابر أيضاً قال: (جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس. فقال رسول الله ﷺ: إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم يجلس) رواه مسلم. فهذان الحديثان يدلان على ما قلت فلا ينبغي لمن دخل والإمام يخطب أن يجلس فإذا انتهى الخطيب من الخطبة الأولى قام فصلى الركعتين فهذا مخالف لما ثبت عن الرسول ﷺ والمطلوب التخفيف في هاتين الركعتين حتى يسمع لخطبة الجمعة وليس المقصود بالتخفيف نقرهما نقراً وإنما المقصود عدم التطويل وهو التخفيف الذي لا يخل بالصلاة. وقد يمنع البعض الداخل من صلاة تحية المسجد بحجة ما روي عن الرسول ﵊: (إذا صعد الإمام فلا صلاة ولا كلام) فهذا الحديث باطل بل هو منكر لا يصح الاحتجاج به وإن كان بعض معناه صحيحاً وهو منع الكلام أثناء الخطبة ومنع الصلاة أثناء الخطبة نافلة أو قضاء أو غير ذلك وأما من جاء والإمام يخطب فإنه يصلي تحية المسجد ويخفف فيها كما سبق وأما الكلام أثناء الخطبة فممنوع لما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: [معناه قلت غير الصواب وقيل تكلمت بما لا ينبغي. ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة] شرح صحيح مسلم ٦/١٣٨.\r\rوأكثر أهل العلم على وجوب الإنصات للخطبة يوم الجمعة حتى ولو كان المصلي لا يسمع الخطبة فيلزمه الإنصات. ومن الجدير بالذكر أن حديث أبي هريرة السابق: (إذا قلت لصاحبك أنصت ...) يردده المؤذنون في كل يوم جمعة قبل بدء خطبة الجمعة، وهذا الذي يفعله المؤذنون بدعة مخالفة لهدي المصطفى ﷺ فلم يأمر الرسول ﷺ أن يقرأ هذا الحديث على مسامع المصلين قبل خطبة الجمعة وعلى أئمة المساجد منع المؤذنين من هذه البدعة وغيرها من البدع التي تقع في يوم الجمعة وغيره وقد ثبت عن الرسول ﵊ قوله: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد) حديث صحيح رواه البخاري ومسلم. ومعنى رد أي مردود. ويضاف إلى ما سبق أن المؤذن ينهي الناس عن الكلام والخطيب يخطب ثم يخالفهم فيتكلم بدعاء بين الخطبتين.\r\rوهذا الدعاء أيضاً مخالف لهدي المصطفى ﷺ. ولكن هذه الأمور أصبحت مشهورة ومعروفة حتى ظن عامة الناس أنها من الدين ويرجع ذلك إلى سكوت أهل العلم عنها بل وإقرارهم لها والواجب عليهم أن ينكروها لمخالفتها لسنة المصطفى ﷺ. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345862,"book_id":3840,"shamela_page_id":242,"part":"6","page_num":164,"sequence_num":242,"body":"١٦٤ - صلاة الجمعة\rصلاة الظهر بعد صلاة الجمعة،\r\rيقول السائل: إنه صلى الجمعة في أحد المساجد وتحدث الخطيب خلال خطبته عن صلاة الظهر بعد الجمعة مباشرة، وبعد انتهاء صلاة الجمعة صلى الناس أربع ركعات صلاة الظهر فما حكم ذلك.\r\rالجواب: إن ما ذكره خطيب الجمعة حول صلاة أربع ركعات بعد الجمعة قال به بعض فقهاء المذاهب الأربعة المتأخرون وهذا الرأي مبني عندهم على عدم جواز تعدد صلاة الجمعة في البلد الواحد وأن الجمعة لمن سبق فلذلك فهم يصلون أربع ركعات بعد الانتهاء من الجمعة من باب الاحتياط. ولكن هذا القول ضعيف ومرجوح ولا دليل عليه لا من كتاب ولا من سنة والصحيح خلاف ذلك وهه: لا شك لدي بجواز تعدد صلاة الجمعة في البلد الواحد عند الحاجة وهذا الذي عليه جمهور الفقهاء وهو القول الحق الذي يتفق مع روح الشريعة الإسلامية من رفع الحرج عن الأمة لأن في القول بمنع تعدد صلاة الجمعة حرجاً وعنتاً يلحق بالمسلمين وخاصة أن المدن والبلدات قد اتسعت وأصبح عدد الناس كثيراً ولا يجمعهم مسجد واحد لذلك كله فإنه يجوز تعدد صلاة الجمعة في البلد الواحد. وإلزام الناس بصلاة الظهر بعد الجمعة بدعة محدثة لا دليل عليها وقولهم: [الجمعة لمن سبق] ليس بحديث ولا أصل له في السنة كما قرره الشيخ الألباني. وإنما هو كلام مشهور على ألسنة بعض فقهاء الشافعية المتأخرين وليكن معلوماً أن الأصل في باب العبادات التوقيف عن الرسول ﷺ ولم يرد عن الرسول ﵊ في هذه المسألة شيء فلذلك لا تصلى الظهر بعد الجمعة. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345863,"book_id":3840,"shamela_page_id":243,"part":"6","page_num":165,"sequence_num":243,"body":"١٦٥ - صلاة الجمعة\rحكم الكلام أثناء خطبة الجمعة ,\r\rيقول السائل: جرت العادة عندنا في يوم الجمعة وقبل أن يبدأ الخطيب بخطبة الجمعة أن يقوم المؤذن ويذكر حديثاً عن الرسول ﷺ وهو: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت) فما معنى لغوت وهل الكلام أثناء الخطبة مبطل للصلاة أم لا؟\r\rالجواب: إن الحديث المذكور في السؤال حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما ولا شك أن كثيراً من المصلين لا يلتزمون بما يدل عليه الحديث الشريف فتراهم يتكلمون والإمام يخطب وينبغي أن يعلم أن جمهور الفقهاء قالوا بحرمة الكلام أثناء خطبتي الجمعة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد والأوزاعي وغيرهم، واستدلوا بما يلي: أولاً: بالحديث المذكور في السؤال ومعنى (لغوت) الواردة في الحديث جئت بأمر باطل، وقال بعض العلماء: [لغوت: أي بطلت فضيلة جمعتك. وقيل: خبت من الأجر. وقيل: صارت جمعتك ظهراً وقيل: غير ذلك] . ثانياً: عن أبي ذر ﵁ أنه قال: (دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فجلست قريباً من أبي بن كعب، فقرأ النبي ﷺ سورة \" براءة \" فقلت لأبي: متى نزلت هذه السور؟ قال: فتجهمني ولم يكلمني فلما صلى النبي ﷺ، قلت لأبيّ: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني؟ قال أبيّ: مالك من صلاتك إلا ما لغوت! فذهبت إلى النبي ﷺ فقلت: يا نبي الله كنت بجنب أبي وأنت تقرأ براءة فسألته متى نزلت هذه السورة، فتجهمني ولم يكلمني ثم قال: مالك من صلاتك إلا ما لغوت. قال النبي ﷺ: صدق أبيّ) . ومعنى تجهمني: قطب جبينه وعبس ونظر إلي مغضباً، والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه وقل الشيخ الألباني: صحيح. ثالثاً: عن ابن عباس أن الرسول ﷺ قال: (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً والذي قول له أنصت ليست له جمعة) رواه أحمد وقال الحافظ ابن حجر: إسناده لا بأس به. رابعاً: روي في الحديث عن علي ﵁ قال: (من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت كان عليه كفل من الوزر ومن قال: صه، فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له. ثم قال: هكذا سمعت نبيكم ﷺ رواه أحمد وأبو داود. وغير ذلك من الأحاديث والآثار الواردة عن الصحابة ﵃. وخلاصة ما تدل عليه هذه الأحادث هو تحريم الكلام اثناء خطبتي الجمعة ووجوب الإنصات كما هو مذهب جمهور الفقهاء ولكن صلاة من تكلم أثناء الخطبتين مجزئة ولكن أجر جمعته قد بطل ولم ينل فضيلة الجمعة. ومن العلماء من يرى أن من يتكلم أثناء الخطبتين تصير جمعته ظهراً ولا تُحسب له جمعة واحتجوا بما ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها ولبس من صالح ثيابه ثم لم يتخط رقاب الناس ولم يلغ عند الموعظة كان كفارة ما بينهما ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً) رواه أبو داود وابن خزيمة وقال الشيخ الألباني: حديث حسن.\r\rويجب أن يعلم أن قيام المؤذن بذكر الحديث الوارد في السؤال قبل أن يبدأ الخطيب بالخطبة بدعة لا أصل لها في الشرع، فالرسول ﷺ قال الحديث ولا ريب ولكنه ﵊ لم يأمر بلالاً ولا غيره من المؤذنين أن ينادي بالحديث قبل بدء الخطبة، فهذا أمر غير مشروع لأن الأصل في العبادات هو التوقيف عن الرسول ﷺ، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يشرع في خطبتي الجمعة بعد انتهاء المؤذن من الأذان وما كان أحد ينادي بهذا الحديث فالواجب ترك ذكر هذا الحديث بين يدي خطيب الجمعة وذلك اقتداء برسول الله ﷺ، فإن الخير كل الخير في الاتباع وإن الشر كل الشر في الابتداع. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345864,"book_id":3840,"shamela_page_id":244,"part":"6","page_num":166,"sequence_num":244,"body":"١٦٦ - صلاة الفريضة في السيارة\rيقول السائل: إنه يخرج من بيته قبل صلاة الفجر متوجهاً إلى عمله ويركب سيارة باص ولا يصل إلى عمله إلا بعد طلوع الشمس والسيارة لا تتوقف في الطريق فهل يصلي صلاة الفجر في السيارة أم ماذا يصنع؟\r\rالجواب: يجوز لهذا السائل أن يصلي صلاة الفجر في السيارة بالكيفية التي يستطيعها حتى لا تفوته الصلاة فيصلي في السيارة فإذا أمكنه الركوع والسجود واستقبال القلبة فيجب عليه ذلك وإن لم يستطع الركوع والسجود واستقبال القبلة فإنه يصلي بقدر طاقته فيومئ إيماء \" يشير \" ويجعل السجود أكثر انخفاضاً من الركوع، وهكذا فدين الإسلام دين يسر وسهولة فقد قال ﷾: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ويقول ﵊: (إذا أمرتكم بأمر فأئتوا منه ما استطعتم) رواه البخاري ومسلم. وقد ورد في الحديث عن يعلى بن أمية: (أن النبي ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم المطر والبلة من أسفل منهم فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام ثم تقدّم رسول الله ﷺ على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع) رواه أحمد والترمذي. وفي سنده ضعف ولكن الترمذي قال بعد أن ساق الحديث وبين ما فيه: (والعمل على هذا عند أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال أبو بكر ابن العربي: [حديث يعلى ضعيف السند صحيح المعنى. ثم قال: الصلاة على الدابة بالإيماء صحيحة إذا خاف من خروج وقت الصلاة ولم يقدر على النزول لضيق الموضع أو لأنه عليه الطين والماء] . وبناء على ما تقدم فتصح صلاة الفريضة في السيارة أو الطائرة أو القطار أو نحو ذلك. هذا إذا كان المصلي يخشى خروج الوقت أما إذا كان يعلم أنه يصل إلى غايته قبل خروج وقت الصلاة بمدة كافية لأداء الصلاة فلا ينبغي له أن يصلي الفريضة في السيارة ونحوها وكذلك الحال إذا كانت الصلاة تجمع إلى غيرها فإما أن يصلي جمع تقديم أو تأخير ولا يصليها في السيارة ونحوها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345865,"book_id":3840,"shamela_page_id":245,"part":"6","page_num":167,"sequence_num":245,"body":"١٦٧ - صلاة التراويح\rيقول السائل: هل تصلى التراويح عشرون ركعة أم ثماني ركعات وهل تصح صلاة التراويح في البيت؟\r\rالجواب: إن الرسول ﷺ قد رغب في قيام رمضان وحث عليه في أحاديث منها: عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة فيقول: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم. وقد صلى النبي ﷺ بالصحابة في رمضان في عدة ليال في أوله وفي آخره كما ثبت ذلك عنه، وكان هديه ﷺ أن يصلي إحدى عشرة ركعة كما ثبت ذلك عنه في حديث عائشة ﵂ قالت: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) رواه البخاري ومسلم. ولم يثبت عن الرسول ﷺ المداومة على صلاة التراويح لأنه خشي أن تفرض على الأمة كما ثبت ذلك في الصحيحين. وقد اختلف أهل العلم في عدد ركعات صلاة التراويح فأكثر الفقهاء يرون أنها تصلى عشرين ركعة والوتر ثلاث ركعات وهذا القول مشهور عن عمر بن الخطاب ﵁ حيث ورد أنه جمع الناس على إمام واحد يصلي بهم ثلاثاً وعشرين ركعة كما ورد في الحديث عن عبد الرحمن بن عبد القاري، قال: (خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يعني آخر الليل وكان الناس يقومون أوله) رواه البخاري. ورى البيهقي بإسناد صحيح كما قال النووي: عن السائب بن يزيد الصحابي ﵁ قال: [كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة وكانوا يقومون بالمئتين ...] المجموع ٤/٣٢. ومن أهل العلم من يرى عدم زيادة صلاة التراويح عن إحدى عشرة ركعة لحديث عائشة السابق وغيره من الأحاديث الثابتة في هدي المصطفى ﷺ. وترى طائفة أخرى من أهل العلم عدم تحديد عدد معين من الركعات في صلاة قيام رمضان أي التراويح ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام الشوكاني وغيرهما وأنا أميل إلى هذا القول، قال شيخ الإسلم ابن تيمية ﵀ ما نصه: [كما أن نفس قيام رمضان لم يوقت النبي ﷺ فيه عدداً معيناً بل كان هو ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاثة عشرة ركعة لكن كان يطيل الركعات فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث وهذا كله سائغ فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن.\r\rوالأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين فإن كان فيهم احتمال لطول القيام فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبي ﷺ يصلي لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك ولا يكره شيء من ذلك وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره. ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ] مجموع الفتاوى ٢٢/٢٧٢. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345866,"book_id":3840,"shamela_page_id":246,"part":"6","page_num":168,"sequence_num":246,"body":"١٦٨ - صلاة التراويح\rيقول السائل: رأينا بعض الأئمة يقرؤون من المصحف في صلاة التراويح فهل يجوز ذلك؟\r\rالجواب: لا بأس بقراءة الإمام في التراويح من المصحف وخاصة أن كثيراً من الأئمة لا يحفظون كثيراً من القرآن الكريم، وقد يرغب الناس في تطويل القراءة في صلاة القيام في رمضان فإذا قرأ الإمام من المصحف فلا حرج في ذلك إن شاء الله. وقد قال الإمام البخاري في صحيحه: [وكانت عائشة يؤمها غلامها ذكوان من المصحف] رواه معلقاً مجزوماً به. قال الحافظ ابن حجر: [وصله أبو داود في كتاب المصاحف من طريق أيوب عن ابن أبي مليكة (أن عائشة كان يؤمها غلامها ذكوان من المصحف) ووصله ابن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبي بكر بن أبي مليكة عن عائشة: (أنها أعتقت غلاماً لها فكان يؤمها في رمضان في المصحف) ... قوله في المصحف استدل به على جواز قراءة المصلي في المصحف] فتح الباري ٢/٣٢٦. ولكن الأولى أن يقرأ الإمام من حفظه لما في ذلك من تقليل الحركة في الصلاة ومحافظة على الخشوع. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345867,"book_id":3840,"shamela_page_id":247,"part":"6","page_num":169,"sequence_num":247,"body":"١٦٩ - من البدع في الصلاة\rالتكبير عند ختم المصحف،\r\rيقول السائل: ما حكم التكبير عند ختم المصحف من سورة الضحى إلى سورة الناس؟\r\rالجواب: إن التكبير المشار إليه في السؤال لم يثبت عن الرسول ﷺ بسند صحيح ولم يقل به أكثر القراء لذلك فلا ينبغي لأحد أن يفعله لأنه ليس من السنة. ونقل التكبير من سورة الضحى إلى آخر المصحف البزي عن ابن كثير عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ، قال ابن مفلح: [وهذا حديث غريب رواية أحمد بن محمد بن عبد الله البزي وهو ثبت في القراءة، ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر...] الآداب الشرعية ٢/٣١٠. وفضل شيخ الإسلام ابن تيمية أن لا يكبر القارئ فقد أجاب على سؤال بأن جماعة قرأوا القرآن فإذا وصلوا إلى الضحى لم يهللوا ولم يكبروا إلى آخر الختمة ففعلهم ذلك هو الأفضل أم لا؟ فأجاب: [الحمد لله، نعم إذا قرأوا بغير حرف ابن كثير كان تركهم لذلك هو الأفضل بل المشروع المسنون فإن هؤلاء الأئمة من القراء لم يكونوا يكبرون لا في أوائل السور ولا في أواخرها] مجموع الفتاوى ١٣/٤١٧. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345868,"book_id":3840,"shamela_page_id":248,"part":"6","page_num":170,"sequence_num":248,"body":"١٧٠ - هدي المصطفى ﷺ عند انحباس المطر\rيقول السائل: كيف كان هدي الرسول ﵊ وأصحابه عند انحباس الأمطار؟\r\rالجواب: إن خير الهدي هدي محمد ﷺ فقد قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر) . ولقد انحبس المطر في عهد الرسول ﷺ كما تشير إلى ذلك الروايات الثابتة والتي سأذكر بعضها. وقد كان هدي الرسول ﷺ إذا انحبست الأمطار أن يستسقي للمسلمين والاستسقاء يكون بالصلاة المعروفة وهي صلاة الاستسقاء أو بالدعاء. وقد ثبت في صحيح البخاري أن المسلمين كانوا يطلبون من النبي ﷺ أن يستستقي لهم عند انحباس الأمطار فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ قال: (إن رجلاً دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبل رسول الله قائماً فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم اسقنا اللهم اسقنا، قال أنس: والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئاً وما بيننا وبين سلع - اسم جبل بالمدينة المنورة - من بيت ولا دار قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال: والله ما رأينا الشمس سبتاً - أي اسبوعاً - ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ يخطب فاستقبله قائماً. فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها. قال: فرفع رسول الله يديه ثم قال: اللهم حوالينا لا علينا اللهم على الآكام والجبال والظراب والأودية ومنابت الشجر. قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس) . ويتضح من هذا الحديث أنهم كانوا يسألون الرسول ﷺ أن يستسقي لهم وكان يجيبهم إلى ذلك وهذا هدي الصحابة من بعده.\r\rقال الإمام البخاري: (باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا) وقال الإمام البخاري: (باب إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردهم) وقد ذكر في هذا الباب حديث أنس السابق وأبلغ من ذلك أن المشركين اسشتفعوا بسول الله ﷺ عند انحباس المطر ودعا لهم فنزل المطر عليهم روى ذلك البخاري وغيره. فينبغي على الائمة أن يقتدوا برسول الله ﷺ في ذلك بل المفروض أن يبادروا إلى الدعوة إلى إقامة صلاة الاستسقاء وينبغي على الإمام أن يأمر المسلمين قبل الاستسقاء بجملة أمور منها: ١. أن يأمر الإمام الناس بترك المظالم والتوبة من المعاصي وأداء الحقوق حتى يكونوا أقرب إلى الإجابة فإن المعاصي سبب من أسباب القحط والجدب، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) سورة الأعراف الآية ٩٦. ٢. ينبغي الإكثار من الدعاء والذكر والاستغفار بخضوع وتذلل يقول الله ﷾: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) سورة نوح الآيات ١٠-١٢. وقال تعالى: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا) سورة هود الآية ٥٢.\r\rوخير الدعاء هو الدعاء المأثور عن رسول الله ﷺ فقد ورد في الحديث عن عائشة رضي اله عنها قالت: (شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ﷿ ثم قال إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن أبان زمانه عنكم وقد أمركم الله ﷾ أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم. ثم قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي. وغير ذلك من الأدعية الواردة عن رسول اله ﷺ. وقد استحب بعض أهل العلم أن يكثر الناس من الصدقة والصوم قبل الاسستقاء ويستحب أن يخرج المسلم إلى المصلى متواضعاً متخشعاً متضرعاً لما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ للاستسقاء متذللاً متواضعاً متخشعاً حتى أتى المصلى) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح، ولا يعتبر انتشار المعاصي بين الناس وقطيعتهم للرحم ومنعهم للزكاة سبباً موجباً لترك صلاة الاستسقاء. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345869,"book_id":3840,"shamela_page_id":249,"part":"6","page_num":171,"sequence_num":249,"body":"١٧١ - صلاة الاستخارة\rيقول السائل: في رسالة طويلة تتعلق بالاستخارة إنه بحاجة إلى معرفة كيفية الاستخارة، وما علاقة الاستخارة بالاستشارة وما وقت الاستخارة؟ وهل من اللازم بعد الاستخارة أن يرى الإنسان رؤية؟\r\rالجواب: اتفق أهل العلم على أن الاستخارة سنة ثابتة عن الرسول ﷺ ويدل على ذلك ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك واسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: في عاجلة أمري وآجله فاقدره لي وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: في عاجلة أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به، ويسمي حاجته) . والاستخارة فيها التسليم لأمر الله وخروج الإنسان من حوله وقوته والالتجاء إلى الله ﷾ للجمع بين خيري الدنيا والآخرة وأفضل شيء لذلك اللجوء إلى الصلاة والدعاء لما فيهما من الثناء على الله وتعظيمه والافتقار إليه. وهذه بعض الأحكام المتعلقة بالاستخارة:\r\r١. أن تكون في الأمور المباحة التي لا يعرف فيها الإنسان وجه الصواب كأن يستخير في مرافقة فلان أو السفر إلى البلد الفلاني ونحو ذلك.\r\r٢. أن لا تكون الاستخارة في الأمور الواجبة أو المحرمة أو المكروهة وكذلك لا تكون في أصل المندوبات.\r\r٣. تكون الاستخارة عندما يهم الإنسان بعمل شيء ولا يكون عازماً على ذلك كأن يكون متردداً ولا يدري أيهما الصواب فعل الشيء أم تركه.\r\r٤. ينبغي للمسلم أن يستشير من يثق به من إخوانه وأصحابه قبل الاستخارة. قال الإمام النووي: [يستحب أن يستشير قبل الاستخارة من يعلم من حاله النصيحة والشفقة والخبرة ويثق بدينه ومعرفته قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) وإذا استشار وظهر أنه مصلحة استخار الله تعالى في ذلك] .\r\r٥. المشهور في كيفية الاستخارة أنها تكون بعد أن يصلي المسلم كعتين نافلة بنية الاستخارة ثم يدعو بالدعاء المأثور عن الرسول ﷺ بعد السلام من الركعتين وبعد الدعاء يسمي الإنسان حاجته وأجاز بعض العلماء أن يكون الدعاء أثناء السجود.\r\r٦. ويمكن أن تكون الاستخارة بدعاء الاستخارة بعد أي صلاة أو بدعاء الاستخارة بدون صلاة والأولى هي الأولى.\r\r٧. تجوز صلاة الاستخارة في جميع الأوقات ما عدا الأوقات التي تكره فيها الصلاة عند طلوع الشمس وعند زوالها وعند غروبها وبعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغيب الشمس.\r\r٨. يستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) .\r\r٩. استحب بعض أهل العلم تكرار الاستخارة سبع مرات عندما لا ينشرح صدر المستخير لشيء ما.\r\r١٠. ليس من اللازم لمن استخار أن يرى رؤيا في المنام وإنما الذي يعقب الاستخارة انشراح الصدر أو عدمه لفعل الشيء الذي استخار فيه لما روي في حديث أنس أن الرسول ﷺ قال: (يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك فإن الخير فيه) رواه ابن السني وهو ضعيف. والمقصود بانشراح الصدر هو ميل الإنسان وحبه للشيء من غير هوى للنفس. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345870,"book_id":3840,"shamela_page_id":250,"part":"6","page_num":172,"sequence_num":250,"body":"١٧٢ - صلاة الجنازة\rيقول السائل: حصل نقاش حول صلاة الغائب ونفى بعض الناس صلاة الغائب وزعم أنها صلاة مخترعة لا أصل لها في الدين فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: لقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قد صلّى على النجاشي صلاة الغائب فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات) . وعن جابر بن عبد الله ﵁: (أن الرسول ﷺ صلى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث) رواه البخاري. وعن جابر أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أخاً لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه فقمنا صفين) رواه البخاري ومسلم. وعن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: (إن أخاكم النجاشي قد مات فقوموا فصلوا عليه. قال: فقمنا فصففنا عليه كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وغير ذلك من الأحاديث. وقد قال بمقتضى هذه الأحاديث الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل في الرواية المشهورة عنه فعندهما يصلى على كل ميت غائب احتجاجاً بفعل الرسول ﷺ حيث أنه صلى على النجاشي وهو غائب. قال الإمام الشافعي: [الصلاة على الميت دعاء له فكيف لا يدعى له وهو غائب أو في القبر] . وقال الحنفية والمالكية: صلاة الغائب غير مشروعة مطلقاً وما فعله النبي ﷺ من صلاته على النجاشي فخاص به.\r\rوقد زعم بعضهم أن الرسول ﷺ لم يصل على النجاشي صلاة الغائب وإنما أحضر جثمان النجاشي أمام الرسول ﷺ فصلى عليه صلاة الجنازة والنجاشي بين يدي رسول الله ﷺ. وهذا الكلام مردود عند أهل العلم ووصف الإمام النووي هذا الكلام بأنه خيالات وأجاب عن ذلك بقوله: [قولهم أنه طويت الأرض فصار بين يدي رسول الله ﷺ وجوابه أنه لو فتح هذا الباب لم يبق وثوق بشيء من ظواهر الشرع لاحتمال انحراف العادة في تلك القضية مع أنه لو كان شيء من ذلك لتوفرت الدواعي بنقله] المجموع ٥/٢٥٣. وأجاب عن ذلك الإمام ابن العربي المالكي: [قالوا طويت له الأرض وأحضرت الجنازة بين يديه. قلنا: إن ربنا عليه لقادر وإن نبينا لأهل لذلك ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم ولا تخترعوا حديثاً من أنفسكم ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف ...] فتح الباري ٣/٤٣٢. وقد توسط جماعة من أهل العلم في هذه المسألة فقالوا: صلاة الغائب مشروعة في حق المسلم إذا مات ولم يصل عليه أحد من المسلمين وأما إذا صلي عليه فلا تشرع صلاة الغائب. وقد اختار هذا القول أبو داود صاحب السنن والإمام الخطابي في معالم السنن وبعض الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومن المحدثين الشيخ المحدث الألباني وهذا رأي وجيه وفقه حسن.\r\rقال الإمام الخطابي: [قلت: النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله ﷺ وصدقه على نبوته إلا أنه كان يكتم إيمانه والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه إلا أنه كان بين ظهراني أهل الكفر ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه فلزم رسول الله ﷺ أن يفعل ذلك إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به فهذا والله أعلم هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب. فعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان وقد قضي حقه في الصلاة عليه فإنه لا يصلي عليه من كان ببلد آخر غائباً عنه فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق أو مانع عذر كانت السنة أن يصلي عليه ولا يترك ذلك لبعد المسافة فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان في غير جهة القبلة] معالم السنن ١/٢٧٠. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [الصواب: أن الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه فيه صلي عليه صلاة الغائب كما صلى النبي ﷺ على النجاشي لأنه مات بين الكفار ولم يصل عليه وإن صلي عليه حيث مات لم يصل عليه صلاة الغائب لأن الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه والنبي ﷺ صلى على الغائب وتركه وفعله وتركه سنة وهذا له موضع وهذا له موضع] زاد المعاد ١/٥٢٠.\r\rومما يؤيد هذا القول أنه مات في عهد النبي ﷺ جماعة من الصحابة خارج المدينة المنورة ولم ينقل أن الرسول ﷺ صلى عليهم وما ورد من صلاته ﵊ على رجل من الصحابة يقال له معاوية بن معاوية الليثي فهو غير صحيح وكذلك فإنه لما مات الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة لم يصل أحد من المسلمين عليهم صلاة الغائب ولو فعلوا لتواتر النقل بذلك عنهم كما قال الشيخ الألباني. أحكام الجنائز ص ٩٣. ومما يؤيد هذا القول ما ورد في إحدى روايات صلاة النبي ﵊ على النجاشي أنه قال: (إن أخاكم قد مات بغير أرضكم فقوموا فصلوا عليه) رواه أحمد وابن ماجة وسندها على شرط البخاري ومسلم.\r\rوخلاصة الأمر أن صلاة الغائب مشروعة في حق الميت المسلم الذي لا يصلى عليه. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345871,"book_id":3840,"shamela_page_id":251,"part":"6","page_num":173,"sequence_num":251,"body":"١٧٣ - الدعاء والقنوت\rأفضل الأذكار،\r\rيقول السائل: ما هي أفضل الأذكار الواردة عن الرسول ﷺ وما حكم الذكر بلفظ الجلالة المفرد، الله الله؟!\r\rالجواب: الذكر عبادة من أعظم العبادات وأجلها مع كونها أيسر العبادات لأن حركة اللسان أخف حركات الجوارح فيه يحصل الفضل للذاكر وهو قاعد على فراشه وفي سوقه وفي حال صحته ومرضه وفي حال قيامه وقعوده وإقامته وسفره فليس شيء من الأعمال الصالحة يعم الأوقات والأحوال مثل الذكر. وقد أثنى الله في كتابه الكريم على الذاكرين والذاكرات فقال ﷾: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) . وثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (سبق المفردون. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) رواه مسلم. وقد وردت أقوال عن الصحابة والتابعين في بيان المراد من الذاكرين والذاكرات فقد ورد عن ابن عباس رضي الله: [الذين يذكرون الله في أدبار الصلوات وغدواً وعشياً وفي المضاجع وكلما استيقظ من نومه وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى] ، وقال مجاهد: [لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداَ ومضطجعاً] . وقال عطاء: [من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: (وَالذَّاكِرِينَ) راجع الأذكار للنووي ص ٧. وقد اتفق أهل العلم على أن أفضل الذكر هو القرآن الكريم. قال الإمام النووي: [اعلم أن تلاوة القرآن هي أفضل الأذكار والمطلوب القراءة بالتدبر] الأذكار ص ٨٥. وبعد ذلك الأذكار المأثورة عن سيد الذاكرين ﵊ وهي كثيرة وأفضلها: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلى الله والله أكبر) . وقد وردت أحاديث كثيرة منها:\r\r١. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الل ﷺ: (لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) رواه مسلم.\r\r٢. وعن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت) رواه مسلم.\r\r٣. عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: (أفضل الذكر لا إله إلا الله) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي وغير ذلك من الأحاديث. ولا شك أن الأذكار المأثورة عن الرسول ﷺ هي أفضل الأذكار وخاصة الأذكار التي وردت في الشرع مرتبة على أوقات معلومة أو لأفعال مخصوصة وذلك لأن الرسول ﵊ هو قدوتنا ولأنه أعلم بالله ﷾ وأسمائه وصفاته ولكونه ﵊ أفصح العرب وأعلمهم بمواقع الكلام لكونه أوتي جوامع الكلم وأمد بالتسديد الرباني وكمال النصح لأمته فاتباعه في أذكاره أفضل من الاشتغال بذكر يخترعه الإنسان من عند نفسه. وبناء على ذلك فاعلم أخي السائل أن ذكر الله بلفظ الجلالة المفرد \" الله، الله \" لم يثبت عن الرسول ﵊ ولا عن أصحابه ﵃ وهو ذكر مبتدع وليس من المأثورات في شي واعلم أن الذكر ثناء والثناء لا يكون إلا بجملة مفيدة يحسن السكوت عليها وليس كذلك الاسم المفرد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [وأما الاسم المفرد مظهراً أو مضمراً فليس بكلام تام ولا جملة مفيدة ولا يتعلق به إيمان ولا كفر ولا أمر ولا نهي ولم يذكر ذلك أحد من سلف الأمة ولا شرع ذلك رسول الله ﷺ ...] مجموع الفتاوى ١٠/٢٢٦. وقال في موضع آخر: [إن الشرع لم يتسحب من الذكر إلا ما كان كلاماً تاماً مفيداً مثل \" لا إله إلا الله \" ومثل \" الله أكبر \" ومثل \" سبحان الله والحمد لله \" ومثل \" لا حول ولا قوة إلا بالله \" ومثل \" تبارك اسم ربك \"، \" تبارك الذي بيده الملك \"، \" سبح لله ما في السموات والأرض \"، \" تبارك الذي نزل الفرقان \" فأما الاسم المفرد مظهراً مثل \" الله، الله \" أو مضمراً مثل \" هو، هو \" فهذا ليس بمشروع في كتاب ولا سنة ولا هو مأثور أيضاً عن أحد من سلف الأمة ولا عن أعيان الأمة المقتدى بهم وإنما لهج به قوم من ضلال المتأخرين ...] مجموع الفتاوى ١٠/٥٥٦.\r\rوما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هو الحق الذي تؤيده الألدلة الشرعية فمن ذلك ما ورد في الحديث عن جابر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له) رواه مالك في الموطأ والطبراني وهو حديث حسن. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345872,"book_id":3840,"shamela_page_id":252,"part":"6","page_num":174,"sequence_num":252,"body":"١٧٤ - الإعتكاف\rيقول السائل: كيف كان هدي الرسول ﵊ في الاعتكاف؟ وهل يصح للمسلم أن ينوي الاعتكاف كلما دخل المسجد؟ وما حكم الاعتكاف؟\r\rالجواب: قال العلامة ابن القيم ﵀: [كان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ﷿ وتركه مرة فقضاه في شوال. واعتكف مرة في العشر الأول ثم الأوسط ثم العشر الأخير يلتمس ليلة القدر ثم تبين له أنها في العشر الأخير فداوم على اعتكافه حتى لحق بربه ﷿. وكان يأمر بخباء فيضرب له في المسجد يخلو فيه بربه ﷿ وكان إذا أراد الاعتكاف صلّى الفجر ثم دخله ... وكان يعتكف كل سنة عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً ... وكان إذا اعتكف دخل قبته وحده وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان وكانت بعض أزواجه تزوره وهو معتكف ولم يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف لا بقبلة ولا غيرها وكان إذا اعتكف طرح له فراشه ووضع له سريره في معتكفه ... الخ] زاد المعاد ٢/٨٨-٩٠.\r\rهذا هو هدي الرسول ﷺ في الاعتكاف وعلينا الاقتداء به ﷺ وأما حكم الاعتكاف فهو مسنون عند أكثر أهل العلم في العام كله وأوكد الاعتكاف ما كان في العشر الأواخر من رمضان وإذا نذر المسلم الاعتكاف صار الوفاء به فرضاً. وأما زمان الاعتكاف ومدته فجمهور العلماء يرون جواز الاعتكاف مدة يسيرة في المسجد كساعة أو ساعتين ونحو ذلك. قال ابن حزم: [كل إقامة في مسجد لله تعالى بنية التقرب إليه اعتكاف فالاعتكاف يقع على ما ذكرنا مما قل من الأزمان أو كثر إذ لم يخص القرآن والسنة عدداً من عدد ولا وقتاً من وقت عن سويد بن غفلة قال: من جلس في المسجد وهو طاهر فهو عاكف فيه ما لم يحدث وعن عطاء بن أبي رباح عن يعلى بن أمية ﵁ قال: إني لأمكث في المسجد ساعة وما أمكث إلا لأعتكف، قال عطاء: هو اعتكاف ما مكث فيه وإن جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف وإلا فلا] المحلى ٣/٤١٢.\r\rوينبغي أن يعلم أن الاعتكاف لا بد أن يكون في المسجد الذي تقام فيه الجمعة والجماعة حتى لا يحتاج المعتكف للخروج لهما ولا بد في الاعتكاف أيضاً من النية لقول الرسول ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات) . والمطلوب من المعتكف أن يلبث في المسجد وينشغل بالصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء والاستغفار وعليه أن يبتعد عن الخوض في أمور الدنيا. وعليه أن يجتنب ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال ويجتنب أيضاً المراء والجدال والسباب ويقلل الكلام في أمور الدنيا ولا يتكلم إلا بخير ويكره للمعتكف أن يترك الكلام تركاً مطلقاً معتقداً أن ذلك قربة لله لأن ذلك بدعة وقد أمر النبي ﷺ من نذر ترك الكلام تركاً مطلقاً أن يتكلم ويجوز للمعتكف أن يأكل ويشرب وينام في المسجد مع وجوب محافظته على نظافة وطهارة المسجد ويجوز له أن يتطيب ويلبس ما شاء من الملابس الحسنة. وإذا نوى المسلم الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فعليه أن يلبث في المسجد ولا يجوز له الخروج إلا لحاجة الإنسان ويجوز أن يخرج للوضوء والغسل وللأعمال الضرورية لأن الخروج من المسجد يفسد الاعتكاف إلا لما ذكرنا. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345873,"book_id":3840,"shamela_page_id":253,"part":"6","page_num":175,"sequence_num":253,"body":"١٧٥ - المال الحرام والصلاة\rيقول السائل: هل من شروط صحة الصلاة أن تكون ملابس المصلي من كسب مشروع، وهل تصح صلاة من يلبس خاتماً أو ساعةً من مال حرام؟\r\rالجواب: إن الصلاة صحيحة إن شاء الله في الحالات الثلاث الواردة في السؤال وهو مذهب جمهور أهل العلم. وهذا المصلي آثم لأنه اكتسب المال بطريق محرم وعليه أن يتوب إلى الله ﷾ ويرجع إلى طريق الحق والصواب وأن يعيد الحقوق إلى أصحابها؟ وعلى هذا المصلي أن يتذكر قول الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) . فالصلاة ليست مجرد حركات رياضية يقوم بها الإنسان بل يجب أن تترك الصلاة آثاراً إيجابية في سلوك المصلي ومنهجه في الحياة. فإذا كان يصلي ويكسب ماله من طريق حرام ويرتكب المحرمات فإن صلاته لن تنفعه يوم القيامة وإن أداها في الدنيا وينطبق عليه ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال رسول الله ﷺ: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته وقد شتم هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يعطي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه فطرح في النار) رواه مسلم. فلا بد للصلاة أن تكون عاملاً رادعاً عن ارتكاب المحرمات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345874,"book_id":3840,"shamela_page_id":254,"part":"6","page_num":176,"sequence_num":254,"body":"١٧٦ - الصلاة بالأحذية\rيقول السائل: هل تصح الصلاة بالأحذية؟\r\rالجواب: نعم تصح الصلاة والمصلي ينتعل حذاءه ولا بأس بذلك فقد ورد في الحديث الشريف عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ: (أنه صلى فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم فلما انصرف قال لهم لم خلعتم؟ قالوا رأيناك خلعت فخلعنا فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وغيرهم وهو حديث صحيح صححه الحاكم ووافقه الذهبي وكذلك قال النووي إسناده صحيح، وصححه الألباني. فهذا الحديث يدل على صحة الصلاة بالنعلين ولا يعني هذا أن ندخل المساجد المفروشة بالسجاد والموكيت بأحذيتنا فإن هذا مناف للذوق السليم، ولكن إن صلينا في الساحات أو في أفنية المساجد نصلي بأحذيتنا ولا شيء في ذلك ولا نبغي لأحد أن ينكر على من يصلي بحذائه لأن هذا الأمر ثابت بالسنة النبوية المطهرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345875,"book_id":3840,"shamela_page_id":255,"part":"6","page_num":177,"sequence_num":255,"body":"١٧٧ - السترة بين يدي المصلي\rيقول السائل: ماحكم السترة بين يدي المصلي وإذا لم يصل لسترة فإلى أي مدى يجوز المرور بين يديه؟\r\rالجواب: من السنة الثابتة عن النبي ﷺ أن يصلي المصلي إلى سترة بين يديه فالسترة سنة مؤكدة عن الرسول ﷺ بل إن بعض الفقهاء يرون وجوبها. والمراد بالسترة: أن يضع المصلي بين يديه شيئا أو يصلي إلى شيء كالعمود أو الكرسي أو الشجرة أو نحو ذلك. ومن الأحاديث الواردة في السترة عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تصل إلا إلى سترة ولا تدع أحداً يمر بين يديك) رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها ولايدع أحداً يمر بينه وبينها) رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان وهو حديث حسن. وعن سهل ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها ولا يقطع الشيطان عليه صلاته) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم وهو حديث صحيح. وإن صلى المصلي إلى سترة فلا يجوز لأحدٍ أن يمر بينه وبين السترة ويجوز للمصلي أن يدفع المار دون السترة وقد جعل العلماء مقدار دنو المصلي من السترة ثلاثة أذرع فإذا كانت المسافة أكثر من ذلك فيجوز المرور بين يدي المصلي ولا إثم في ذلك. وإذا لم يصل المصلي إلى سترة فيجوز المرور بين يديه بعد ثلاثة أذرع على قول أكثر أهل العلم. وينبغي أن يعلم أن المرور بين يدي المصلي إثم عظيم، فقد ورد في الحديث قول الرسول ﷺ: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه) ، وقال أبو النضر - أحد رواة الحديث -: [لا أدري أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة] . رواه البخاري ومسلم. والسترة تلزم من يصلي منفرداً وكذلك الإمام وأما من يصلي مأموماً فسترة الإمام سترة له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345876,"book_id":3840,"shamela_page_id":256,"part":"6","page_num":178,"sequence_num":256,"body":"١٧٨ - الخشوع في الصلاة\rيقول السائل: ما حكم الخشوع في الصلاة وما الأمور التي تعين عليه؟\r\rالجواب: الخشوع في الصلاة مطلوب وقد أثنى الله ﷾ على المؤمنين الخاشعين، يقول الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) . والخشوع: هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع كما قال الإمام القرطبي. وقال قتادة: الخشوع في القلب وهو الخوف وغض البصر في الصلاة وقد وردت نصوص كثيرة في الخشوع منها: قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) . وقوله تعالى: (قُلْءَامِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) . ومنها حديث عقبة بن عامر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة) رواه مسلم. وورد في حديث عمر بن عبسة أن الرسول ﷺ قال في حديث: ( ... من قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه) رواه مسلم. وعن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم يحضر صلاة مكتوبة فيحسن وضوئها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله) رواه مسلم. وحكم الخشوع: سنة من سنن الصلاة عند جمهور أهل العلم وقد صححوا صلاة من يفكر بأمر دنيوي إذا كان ضابطاً لأفعال الصلاة، ولا بد من مراعاة الأمور التالية حتى يخشع المصلي في صلاته:\r\r١. أن يستحضر أنه واقف بين يدي الله ﷾ الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.\r\r٢. أن يحصر فكره في الصلاة ويبعد أي تفكير آخر.\r\r٣. أن يخشع بجوارحه فلا يتحرك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً فلا يعبث بشيءٍ من جسده ولا بشيءٍ آخر كملابسه.\r\r٤. أن يتدبر القراءة فبذلك يكمل مقصود الخشوع.\r\rوينبغي أن يعلم أن كثرة الحركة بالصلاة تتنافى مع الخشوع لن الخشوع كما ذكرت محله القلب ويظهر أثره على الجوارح وقد جعل بعض العلماء الحركة في الصلاة على خمس أقسام:\r\r١. الحركة الواجبة وهي التي تتوقف عليها صحة الصلاة كمن كان يصلي لغير القبلة فنبهه آخر إلى أن القبلة عن يمينه أو يساره مثلاً فيجب عليه أن ينحرف لأنه إن بقي على حاله فصلاته باطلة.\r\r٢. حركة مستحبة وهي التي يتوقف عليها فعل مستحب مثل أن يتقدم المصلي إلى صف أمامه صار فيه فراغ فتحرك ليتم الصف فهذه الحركة مستحبة لأن فيها وصلاً للصف.\r\r٣. حركة مكروهة: وهي الحركة اليسيرة بدون حاجة لأنها عبث منافٍ للخشوع كمن ينظر إلى ساعته أثناء الصلاة.\r\r٤. حركة محرمة: وهي الحركة الكثيرة المتوالية لغير ضرورة كما يحصل من بعض المصلين من كثرة الحركة في الصلاة في إصلاح ملابسهم أو العبث بأجسادهم ونحو ذلك. ومثل هذه الحركات تكون مبطلة للصلاة ولا شك أن كثرة الحركة في الصلاة تدل على عدم الخشوع وتنقص من الأجر فقد ورد في الحديث أنه ﵊ قال: (منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي النصف والثلث والربع والخمس حتى بلغ العشر) رواه النسائي بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي. ٥. حركة مباحة: وهي الحركة اليسيرة للحاجة كالمرأة التي تصلي وابنها يبكي فيجوز لها حمله أثناء الصلاة وقد ثبت: (أن النبي ﷺ حمل أمامة بنت زينب في الصلاة) رواه البخاري ومسلم. وكما قلت على المسلم أن يستحضر وهو في الصلاة أنه بين يدي ملك الملوك ﷾ فإن هذا يدفعه إلى الخشوع والسكون وعدم الحركة وما أجمل ما قال الشاعر: لأن بها الآراب لله تخضع ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع وأول فرض من شريعة ديننا وكان كعبد باب مولاه يقرع فمن قام للتكبير لاقته رحمة نجيا فيا طوباه لو كان يخشع وصار لرب العرش حين صلاته والآراب: هي الأعضاء. وقد كان الرسول ﷺ أخشع الناس في صلاته حتى أنه كان يبكي في صلاته كما في الحديث عن مطرف عن أبيه قال: (أتيت الرسول ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزير كأزير المرجل، يعني يبكي) رواه النسائي وأبو داود بإسنادٍ صحيح. وقد ورد عن الصحابة والتابعين والصالحين أمور عجيبة في الخشوع في الصلاة منها أن عبد الله بن الزبير ﵄ كان إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلاجذع حائط. وكان مسلم بن يسار لا يلتفت في صلاته ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع الناس لهدتها وإنه لفي المسجد يصلي فما التفت. كان علي بن الحسن ﵄ إذا توضأ اصفر لونه فقيل له: [ما هذا الذي اعتادك عند الوضوء؟ فقال: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم ... ] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345877,"book_id":3840,"shamela_page_id":257,"part":"6","page_num":179,"sequence_num":257,"body":"١٧٩ - قضاء صلاة\rقضاء الصلاة،\r\rيقول السائل: كنت تاركاً للصلاة عدة سنوات ثم تبت ورجعت إلى الصلاة فماذا أصنع في صلوات تلك السنين هل أقضيها أم لا؟\r\rالجواب: الحمد الله الذي هداك إلى طريق الحق والصواب وأخرجك من الظلمات إلى النور، وسأبين حكم تارك الصلاة أولاً ثم أجيب على السؤال، فأقول: إن الصلاة عمود الدين وهي ركن من أركان الإسلام ولا خلاف بين علماء المسلمين في كفر تارك الصلاة جحوداً وإنكاراً لها. وأما تارك الصلاة كسلاً وتهاوناً فقد اختلف الفقهاء في حكمه: فيرى الإمام أحمد في أصح الروايات عنه أن تاركها كسلاً وتهاوناً كافر خارج من ملة الإسلام ينبغي قتله إن لم يتب ويرجع إلى الإسلام واحتج الإمام أحمد ومن تبعه على ذلك بأدلة كثيرة منها:\r\r١. قوله سبحانه تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ) . ففي هذه الآية إشارة إلى أن الكفار هم الذين لا يصلون.\r\r٢. وقال ﷾: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) .\r\r٣. قوله ﷾: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) .\r\r٤. وقول النبي ﷺ: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) رواه مسلم.\r\r٥. وقوله ﷺ: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) رواه أصحاب السنن الربعة وأحمد وهو حديث صحيح.\r\r٦. وما جاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ ذكر الصلاة يوماً فقال: (من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له برهاناً ولا نوراً ولا نجاةً وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأبي بن خلف) ، رواه بن حبان بسند صحيح رواه أحمد ورجال أحمد ثقات كما قال الهيثمي.\r\rوذهب جمهور الفقهاء إلى عدم كفر تارك الصلاة تهاوناً بل هو فاسق يقتل حداً عند الإمامين مالك والشافعي. وأما الحنفية فقالوا إنه يحبس ويضرب ضرباً شديداً حتى يصلي ويتوب أو يبقى مسجوناً حتى يموت واحتجوا بأدلة كثيرة منها:\r\r١. قوله تعاى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .\r\r٢. قول الرسول ﷺ: (لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه.\r\r٣. عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان العمل) متفق عليه.\r\r٤. عن أن أنس أيضاً أن النبي ﷺ قال ومعاذ رديفه على الرحل: (يا معاذ قال: لبيك يارسول الله وسعديك ثلاثاً فقال ﷺ: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا حرمه على النار) متفق عليه.\r\r٥. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصة من قلبه) رواه البخاري.\r\r٦. وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خمس صلوات إفترضهن الله على عباده فمن جاء بهن وقد أكملهن ولم ينتقصهن استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن جاء بهن قد انتقصهن استخفافاً بحقهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء رحمه) رواه أحمد وابن حبان وهو حديث صحيح. وغير ذلك من الأدلة. وعلى كل حال فلا يخفى على المسلم إذا امعن النظر أن تارك الصلاة على خطر عظيم بين الكفر والفسق والعياذ بالله. نعود الآن إلى أصل السؤال حول قضاء الصلاة لمن تركها تهاوناً وتكاسلاً، إن من يرى أن تارك الصلاة تهاوناً كافر لا يطالبه بقضاء ما فاته من الصلوات إذا رجع وتاب لأنه رجع إلى الإسلام من جديد، وهذا قول الحنابلة. وأما جمهور الفقهاء: فيرون أن عليه قضاء ما فاته من الصلوات مع كونه آثماً ومذنباً ذنباً عظيماً لتركه لها وتأخيرها عن وقتها فيقضي ما فاته منها حسب ما يتيسر له فلا يشترط الترتيب فيها لأن في ذلك نوعاً من الحرج فيقضي حتى يغلب على ظنه أنه قد قضى ما عليه من الفوائت. ولا بد من تذكير السائل هنا بأن التوبة الصادقة لا بد لها من شروط ثلاثة: أولها: الإقلاع عن المعصية فلا توبة مع مباشرة الذنب واستمرار الوقوع في المعصية. ثانيها: الندم على ما مضى وفات فمن لم يندم على ما صدر عنه من المعاصي والآثام فلا توبة له لأن عدم ندمه يدل على رضاه بما كان منه وإصراره عليه. ثالثها: أن يعزم على عدم العودة إلى المعصية مستقبلاً وهذا العزم ينبغي أن يكون مؤكداً قوياً وعلى التائب أن يكثر من فعل الخيرات ليكسب الحسنات (فإن الحسنات يذهبن السيئات) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345878,"book_id":3840,"shamela_page_id":258,"part":"6","page_num":180,"sequence_num":258,"body":"١٨٠ - حديث مكذوب في تارك الصلاة\rيقول السائل: يتداول كثير من الناس حديثاً طويلاً في عقوبة تارك الصلاة وقد طبع هذا الحديث وعلق في المساجد وغيرها فهل ثبت هذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلموهذا نص الحديث: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: (من تهاون في الصلاة عاقبه الله بخمسة عشرة عقوبة منها ستة في الدنيا وثلاثة عند الموت وثلاثة في القبر وثلاثة عند خروجه من القبر. أما الستة التي تصيبه في الدنيا:\r\r١. ينزع الله البركة من عمره. ٢. يمسح الله سيما الصالحين من وجهه. ٣. كل عمل يعمله لا يؤجره الله عليه. ٤. لا يرفع له دعاء في السماء. ٥. ليس له حظ في دعاء الصالحين. ٦. تخرج روحه بغير إيمان.\r\rأما الثلاثة التي تصيبه عند الموت فهي: ١. أنه يموت ذليلاً. ٢. أنه يموت جائعاً. ٣. أنه يموت عطشاً ولو سقي ماء الدنيا ما روي من عطشه.\r\rوأما الثلاثة التي تصيبيه في قبره فهي: ١. يضيق الله عليه القبر حتى تختلف ضلوعه. ٢. يوقد الله عليه في قبره ناراً ويتقلب على الجمر ليلاً ونهاراً. ٣. يسلط الله عليه في قبره ثعباناً يسمى الشجاع الأقرع يضربه على ترك صلاة الصبح من الصبح إلى الظهر وعلى تضييع صلاة الظهر من الظهر إلى العصر وهكذا كلما ضربه يغوص في الأرض سبعين ذراعاَ.\r\rوأما الثلاثة التي تصيبه يوم القيامة فهي:\r\r١. يسلط الله عليه من يسحبه إلى نار جهنم على جمر على وجهه. ٢. ينظر الله تعالى إليه بعين الغضب وقت الحساب فيقع لحم وجهه. ٣. يحاسبه الله ﷿ حساباً شديداً ويأمر الله به إلى النار وبئس القرار.\r\rيقول السائل: يتداول كثير من الناس حديثاً طويلاً في عقوبة تارك الصلاة وقد طبع هذا الحديث وعلق في المساجد وغيرها فهل ثبت هذا الحديث عن الرسول ﷺ الجواب: إن هذا الحديث مكذوب على الرسول ﷺ وهذا ظاهر من ركاكة ألفاظه وضعف سياقه وقد نص أهل الحديث على أنه مفترى على النبي ﷺ وقد كذب هذا الحديث وركبه أحد الكذابين على رسول الله ﷺ ويدعى محمد بن علي بن عباس البغدادي العطار. قال الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال: [محمد بن علي بن عباس العطار ركب على أبي بكر بن زياد النيسابوري حديثا باطلاً في تارك الصلاة] ميزان الاعتدال ٣/ ٦٥٣. ونقل الحافظ ابن حجر كلام الإمام الهبي وقال الحافظ: [زعم المذكور أن ابن زياد أخذه عن الربيع عن الشافعي عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة وقال الحافظ بن حجر: وهو ظاهر البطلان من أحاديث الطرقية] . لسان الميزان ٥/٣٣٤. ذكر الإمام بن عراق الحديث من ضمن الأحاديث المكذوبة على الرسول ﷺ ونقل كلام الإمامين الذهبي وابن حجر ووافقهما على ذلك. تنزيه الشريعة ٢/ ١١٤. وبهذا يظهر أن الحديث مكذوب وباطل ولا يجوز نشره على الناس ولا تعليقه في المساجد، لأن ذلك من الكذب على الرسول ﷺ. وينبغي على من يرغب في نشر كتيبات أو نشرات تتضمن أحاديث نبوية أن يعرضها على أهل العلم والاختصاص للنظر فيها وتمحيصها قبل نشرها حتى لا يدخل في دائرة الكذب على النبي ﷺ لأن الكذب عليه ﷺ من الكبائر وقد ثبت في الحديث الصحيح قوله: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . وإن في الأحاديث الثابتة عن الرسول ﷺ ما يغني عن أمثال هذه الأخبار المكذوبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345879,"book_id":3840,"shamela_page_id":259,"part":"6","page_num":181,"sequence_num":259,"body":"١٨١ - السهو في الصلاة\rيقول السائل: إذا نسي أو سها في صلاته عن عدد الركعات التي صلاها فماذا يصنع؟\r\rالجواب: إذا شك المصلي في صلاته فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً؟ أو نحو ذلك، فعليه أن يطرح الشك وليبن على اليقين. فمثلاً إذا كان في صلاة العشاء وشك في عدد الركعات التي صلاها أثلاثاً هي أم أربعاً فليطرح الشك وهو الأربع وليبن على الثلاث المتيقن منها أي أنه يعتبر نفسه قد صلى ثلاثاً ويكمل صلاته ويسجد سجدتي السهو قبل السلام. ويدل على ذلك حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثة أم أربعة فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته وإن كان صلى إتماماً لأربع كانت ترغيماً للشيطان) رواه مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345880,"book_id":3840,"shamela_page_id":260,"part":"6","page_num":182,"sequence_num":260,"body":"١٨٢ - قضاء صلاة\rيقول السائل: إن صلاة الصبح تفوته كثيراً فلا يصليها في وقتها وإنما يقضيها بعد طلوع الشمس فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن أداء الصلاة في وقتها فرض ولا بد من المحافظة على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها. يقول الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) . ويقول ﷺ وقد سئل عن أفضل الأعمال قال: (الصلاة على وقتها) رواه البخاري ومسلم. وكثير من المصلين يعانون من هذه المشكلة وهي تفويت صلاة الفجر عن وقتها وخاصة في أيام الصيف وأعتقد أن السبب في ذلك في هذه المسألة هو السهر الكثير الذي يترتب عليه ضياع صلاة الفجر، والسهر إذا كان فيما حرم الله فهو حرام كالذين يسهرون إلى ساعة متأخرة في متابعة المسلسلات والتمثيليات والأفلام الساقطة أو في الألعاب المحرمة شرعاً فإن سهرهم هذا يؤدي إلى فوات صلاة الفجر وما أدى إلى الحرام فهو حرام. وعلى الذين يسهرون في الأمور النافعة والمفيدة كطالب العلم الذي يقضي وقته في المذاكرة، على هؤلاء أن يتخذوا الأسباب التي تعينهم على الإستيقاظ وقت الصلاة كأن يتخذوا ساعة منبهة أو يطلبوا من شخص ما أن يوقظهم وقت الصلاة ونحو ذلك فإذا أخذوا بالأسباب ومع ذلك فاتتهم الصلاة فلا إثم عليهم إن شاء الله لقول النبي ﷺ: (ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة) رواه النسائي والترمذي وصححه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345881,"book_id":3840,"shamela_page_id":261,"part":"6","page_num":183,"sequence_num":261,"body":"١٨٣ - قضاء صلاة\rيقول السائل: إذا نسي الإنسان أداء فريضة من الفروض. - أي الصلاة - وتذكر بعد يومين فما هو العمل؟\r\rالجواب: إن الأصل في المسلم أن يحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها لأن الشارع الحكيم قد حدد أوقاتاً معلومة للصلوات ينبغي التقيد بها فقال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) . وقد أثنى الله على المؤمنين الصادقين الذين يحافظون على صلواتهم بأدائها كما أوجبها الشارع مستكملة الأركان والشروط بقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) إلى أن قال: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) وهذا الكلام الذي ذكرته يكون في حال التذكر واليقظة أما إذا نام الإنسان أو نسي وفاتته صلاة أو صلوات فلا إثم عليه في ذلك. يقول ﷺ: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه الحاكم والدارقطني وغيرهما وهو حديث صحيح. وعن أبي قتادة قال: ذكروا للنبي ﷺ نومهم عن الصلاة فقال: (إنه ليس في النوم تفريط وإنما التفريط في اليقظة) رواه النسائي والترمذي وابو داود وصححه الترمذي وقال الحافظ ابن حجر إسناده على شرط مسلم. ويجب على من نسي صلاة أو نام عنها أن يبادر إلى قضائها لأن من شغلت ذمته بفريضة لا تبرأ إلا بتفريغها لقول الرسول ﷺ: (فدين الله أحق أن يقضى) رواه البخاري. فعلى هذا السائل أن يبادر إلى قضاء الفريضة التي فاتته حال تذكره لها ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ: (إذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها) وهو حديث صحيح وجزء من حديث أبي قتادة السابق. وقوله ﷺ: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) رواه البخاري ومسلم. وقوله ﷺ: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله ﷿ يقول: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)) رواه مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345882,"book_id":3840,"shamela_page_id":262,"part":"6","page_num":184,"sequence_num":262,"body":"١٨٤ - صلاة الجماعة\rمسابقة الإمام في الصلاة,\r\rيقول السائل: إن إمام المسجد الذي يصلي فيه ذو حركة بطيئة في الصلاة فمثلاً إذا كبر للركوع فإن المأمومين يسبقون الإمام في ركوعه وفي سجوده وهكذا فما حكم صلاتهم؟ الجواب: لا يجوز للمأمومين مسابقة إمامهم في الصلاة وعليهم أن يأتوا بأفعالهم وأقوالهم في الصلاة بعد إتيان الإمام بها ويدل على ذلك أحاديث كثيرة منها: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (صلى بنا النبي ﷺ ذات يوم فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: أيها الناس إني أمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالإنصراف) رواه مسلم. ومنها قوله ﵊: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا ... ) رواه البخاري ومسلم. ونلاحظ أن الرسول ﷺ جعل أقوال المأمومين وأفعالهم مترتبة على أقوال وأفعال الإمام. ومنها عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: (سمع الله لمن حمده) لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع النبي ﷺ ثم نقع سجوداً بعده. رواه البخاري.\r\rولهذه الأحاديث وغيرها قرر أهل العلم حرمة مسابقة المأمومين للإمام، إذا تعمدوا ذلك. إذا اتضح هذا فنقول للسائل إن عليك ألا تسابق إمامك مع علمك ببطء حركته في الركوع والسجود وغيرهما، وعليك أن تقتدي به في أفعاله وأقواله بعد وقوعها منه، وإذا حصل منك مسابقة له خطأً أو جهلاً فعليك الإنتظار حتى يدرك الإمام في الفعل الذي سبقته فيه، وصلاتك صحيحة إن شاء الله. وعلى هذا الإمام ألا يوقع المصلين في الحرام لأن مسابقة المأمومين لإمامهم محرمة وعليه أن يكبر خلال تأديته للركن وليس قبل الشروع فيه حتى يجنب المصلين الخطأ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345883,"book_id":3840,"shamela_page_id":263,"part":"6","page_num":185,"sequence_num":263,"body":"١٨٥ - الجمع بين الصلوات\rيقول السائل: هل يجوز الجمع بين الصلوات بسبب المطر؟ وما هي الصلوات التي يجمع بينها؟ وهل يجوز الجمع لمن كان بيته قرب المسجد؟ وهل يجوز الجمع لمن يصلي في البيت؟\r\rالجواب: إن الجمع بين الصلاتين رخصة لدفع الحرج ورفع المشقة عن الناس ومن الأسباب التي يجوز الجمع بسببها بين الصلاتين المطر وهذا مذهب أكثر العلماء وعند الحنفية لا يجوز الجمع بين الصلاتين مطلقاً إلا في الحج فقط. وقد أجاز جمهور العلماء الجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر جمع تقديم أي تقدم صلاة العشاء فتصلى بعد المغرب مباشرة. وأما الجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر فلا يجوز على مذهب جمهور العلماء، وأجازه الشافعية في أحد القولين عندهم وأرى أن قولهم مرجوح ومذهب الجمهور أقوى دليلاً وأهدى سبيلاً فلا أرى جواز الجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر لأن الدليل ورد فقط في المغرب والعشاء دون الظهر والعصر وهو ما رواه الأثرم: أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: [إن من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء] والظاهر أن قوله من السنة أي سنة الرسول ﷺ. ومما يدل على ذلك ما رواه البيهقي أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر. سنن البيهقي ٣/١٦٨-١٦٩. والمطر الذي يجوز الجمع بسببه، هو المطر الذي يبل الثياب ويتقيه عامة الناس وينبغي أن يكون المطر موجوداً عند الجمع وأما ما يفعله بعض الناس من الجمع مع عدم وجود المطر وانقطاعه قبل ساعات من الجمع فهذا لا يجوز ولا ينبغي التساهل في هذا الأمر لأن الجمع رخصة لها سبب وهو المطر فإذا وجد المطر يجوز الجمع وإلا فلا. ولا يجوز الجمع إلا لمن يصلي مع الجماعة في المسجد ولو كان بيته قريباً من المسجد فيجوز له الجمع. وأما من يصلي في بيته فلا يجوز له الجمع بسبب المطر لأن الجمع يجوز للمشقة التي تلحق بالمصلين مع الجماعة وهذا المعنى مفقود فيمن يصلي في البيت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345884,"book_id":3840,"shamela_page_id":264,"part":"6","page_num":186,"sequence_num":264,"body":"١٨٦ - صلاة الجماعة\rصلاة العشاء خلف الإمام في التراويح،\r\rيقول السائل: عدة أشخاص فاتتهم صلاة العشاء مع الجماعة ودخلوا المسجد فوجدوا الإمام في التراويح فماذا يصنعون؟ هل يصلون العشاء جماعة لوحدهم؟ أم ماذا يفعلون؟\r\rالجواب: إن الذين تفوتهم صلاة العشاء مع الجماعة ويدركون الإمام في صلاة التراويح فأرى لهم أن يدخلوا مع الإمام بنية صلاة العشاء فيصلون خلف الإمام فإن سلم الإمام قاموا وأتموا صلاة العشاء وأرى أنه لا ينبغي لهم إقامة صلاة جماعة أخرى في المسجد لما في ذلك من تعدد للجماعات ولما فيه من التشويش على الجماعة الأولى الذين يصلون مع الإمام الراتب. ولما ثبت في الحديث عن جابر: (أن معاذاً كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة) رواه البخاي ومسلم. وجاء في رواية: (هي له تطوع ولهم مكتوبة العشاء) رواها الشافعي والدارقطني. وصححها الحافظ ابن حجر في فتح الباري.\r\rفهذا الحديث يدل على جواز اقتداء من يصلي فريضة بمن يصلي نافلة فيصح لهم أن يصلوا فريضة العشاء خلف الإمام الذي يصلي نافلة التراويح وهذا القول هو أرجح قولي العلماء في المسألة وهو قول الشافعية والخنابلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345885,"book_id":3840,"shamela_page_id":265,"part":"6","page_num":187,"sequence_num":265,"body":"١٨٧ - صلاة المسافر\rيقول السائل: ما حكم قصر الصلاة في حق المسافر وما هي المدة التي يقصر فيها وهل يجوز له أن يجمع بين الصلاتين؟\r\rالجواب: إن الإسلام دين يسر وسهولة ومن مقاصد الشرع الحنيف دفع الحرج ورفع المشقة عن المكلفين ولا شك أن السفر فيه نوع من الحرج والمشقة فشرع الإسلام قصر الصلاة والجمع بين الصلاتين وتوضيح ذلك فيما يلي:\r\rأولاً: حكم القصر في السفر: القصر مشروع شرعه الله في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله ﷺ يقول الله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ويلاحظ في الآية الكريمة أن القصر علق على الخوف من فتنة الذين كفروا ولكن هذا التعليق جاء لبيان الواقع حيث إن أغلب أسفار النبي ﷺ في ذلك الوقت كان فيها خوف فيجوز القصر أيضاً حالة الأمن. ويدل على ذلك حديث علي بن أمية قال: [قلت لعمر بن الخطاب: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فقد أمن الناس قال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (صدقة تصدق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته) ] رواه مسلم وأصحاب السنن. وقد وردت أحاديث نبوية كثيرة تدل على جواز القصر للمسافر منها حديث ابن عمر ﵁ قال: (صحبت النبي ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك) رواه البخاري ومسلم. والقصر رخصة أو سنة عند أكثر العلماء فيجوز للمسافر أن يقصر ويجوز له أن يتم والقصر أفضل إقتداءً بالرسول ﷺ الذي يقول: (إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يكره ان تؤتى معصيته) رواه أحمد وابن حبان وابن خزيمة وصححاه.\r\rثانياً: مسافة القصر تقدر قي وقتنا الحاضر بحوالي تسعة وثمانين كيلو متراً ويجوز للمسافر القصر إذا قطع تلك المسافة بغض النظر عن وسيلة السفر سواء سافر بالطائرة أو بالسيارة أو بالباخرة.\r\rثالثاً: مدة القصر، يجوز للمسافر أن يقصر الصلاة ما لم ينو الإقامة في بلد مدة محدودة على خلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة في تحديدها: فقال الحنفية: يجوز للمسافر أن يستمر في قصر الصلاة ما لم ينو الإقامة في بلد خمسة عشر يوماً فإذا نوى الإقامة خمسة عشر يوماً فأكثر فيجب عليه الإتمام. وعند الشافعية والمالكية والحنابلة: إذا نوى المسافر الإقامة أربعة أيام فأكثر يلزمه الإتمام على خلاف بينهم في احتساب يوم الدخول ويوم الخروج. وذهب بعض العلماء من أهل الحديث وبعض المعاصرين إلى أن المسافر يجوز له القصر وإن امتدت مدة إقامته في بلد ما إلى سنين ما لم ينو اتخاذ ذلك البلد وطناً، فأجازوا مثلاً لطالب العلم أن يقصر ما دام في البلد الذي يدرس فيه وهو ينوي الرجوع إلى بلده الأصلي. ولكني لا أميل لهذا الرأي وينبغي التقيد في هذه المسألة بقول جمهور العلماء القائلين بتحديد مدة القصر.\r\rرابعاً: الجمع بين الصلاتين للمسافر: يجوز للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر تقديماً وتأخيراً وكذلك المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً وقد ثبت ذلك عن الرسول ﷺ بأحاديث منها: حديث معاذ: (أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليها جميعاً وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. فيجوز للمسافر أن يقدم العصر إلى أول وقت الظهر فيصليهما جمعاً وقصراً أي ركعتين للظهر وركعتين للعصر وهذا جمع التقديم ويجوز ان يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيصليهما كذلك وهو جمع التاخير وكذلك الحال في المغرب والعشاء.\r\rخامساً: لا بد أن يعلم أن المسافر لا يصير مسافراً بمجرد نية السفر وإنما يصير مسافراً إذا شرع في السفر فعلاً.\r\rوبناء على ذلك لا يجوز للمسافر أن يتلبس بأحكام المسافر حتى يبدأ السفر فعلاً فإذا خرج المسافر من حدود بلده الذي يقيم فيه يجوز له أن يقصر ويجمع ويجوز له أن يفطر في رمضان فمثلاً إذا كان الشخص مقيماً في القدس ونوى السفر إلى عكا فلا يقصر ولا يجمع ولا يفطر إلا إذا غادر مدينة القدس ويدل على ذلك حديث أنس قال: (صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين) رواه البخاري ومسلم. وذو الحليفة هو المكان المعروف الآن بآبار علي وهو على مشارف المدينة المنورة. وكثير من الناس يقعون في هذا الخطأ فإذا نوى أحدهم السفر فإنه يصلي الظهر والعصر جميعاً ثم يخرج إلى سفره وهذا غير جائز لأنه لم يشرع في سفره بعد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345886,"book_id":3840,"shamela_page_id":266,"part":"6","page_num":188,"sequence_num":266,"body":"١٨٨ - صلاة الجماعة\rلا تصلى الضحى جماعة دائماً،\r\rيقول السائل: اعتدنا أن نصلي صلاة الضحى جماعة فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: إن صلاة النافلة أو التطوع تنقسم إلى قسمين من حيث صلاتها جماعة: القسم الأول: ما تشرع فيه صلاة الجماعة كصلاة التراويح وصلاة الكسوف وصلاة العيدين عند من يرى أنها سنة وصلاة الإستسقاء فهذه صلوات الأصل فيها أن تصلى جماعة لأنها ثبتت كذلك عن رسول الله ﷺ. القسم الثاني: ما لا تسن له الجماعة الراتبة وذلك كالسنن والرواتب وهي سنة الفجر وسنة الظهر القبلية والبعدية وسنة المغرب وسنة العشاء، وكذلك سنة الضحى وتحية المسجد وقيام الليل. فهذه الصلوات كان النبي ﷺ لا يصليها في جماعة راتبة وإنما المشروع أن تصلى فرادى ولكن إن فعلت هذه الصلوات جماعة أحياناً وبشرط أن لا يتخذ ذلك عادة يجوز إن شاء الله ولا بأس به. وأما إذا اتخذ ذلك عادة وصار لهذه الصلوات جماعة راتبة فهذه بدعة مكروهة مخالفة لهدي المصطفى ﷺ ومما يدل على جواز فعلها جماعةً أحياناً لا دائماً ما ورد عن الرسول ﷺ أنه صلى بعض هذه الصلوات جماعةً أحياناً فمثلاً كان من عادة رسول الله ﷺ أن يصلي قيام الليل منفرداً وهذا في أغلب أحواله ﵊ ولكن ثبت أنه ﷺ صلى قيام الليل جماعة في بعض الحالات منها: ما ورد في حديث ابن عباس قال: (صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فقمت عن يساره فأخذ رسول الله ﷺ برأسي من ورائي فجعلني عن يمينه) رواه البخاري. ومنها حديث عتبان بن مالك قال: (يا رسول الله إن السيول لتحول بيني وبين مسجد قومي فأحب أن تأتيني فتصلي في مكان من بيتي أتخذه مسجداً فقال: سنفعل. فلما دخل قال أين تريد؟ فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله ﷺ فصففنا خلفه فصلى بنا ركعتين) رواه البخاري ومسلم.\r\rوبناء على ما تقدم لا أرى لكم المداومة على صلاة الضحى جماعة وإنما أرى أن تصلوها فرادى وإن صليتموها جماعة أحياناً فلا بأس في ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345887,"book_id":3840,"shamela_page_id":267,"part":"6","page_num":189,"sequence_num":267,"body":"١٨٩ - سنن الصلاة\rصلاة الوتر,\r\rيقول السائل: ما حكم صلاة الوتر؟ وهل صحيح ما يقال بأنها تصلى ركعة واحدة؟ وهل القنوت فيها واجب؟\r\rالجواب: صلاة الوتر من السنن المؤكدة الثابتة عن الرسول ﷺ وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة منها: عن علي ﵁ قال: الوتر ليس بحتم كالصلاة المكتوبة ولكن سنة سنها رسول الله ﷺ قال: (إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن) رواه أبو داوود والترمذي وقال حديث حسن. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أوتروا قبل أن تصبحوا) رواه مسلم. وتجوز صلاة الوتر بركعة واحدة وكذا بثلاثة أو خمس أو سبع أو تسع ركعات فقد جاء في الحديث عن ابن عمر قال: (قام رجل فقال يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ فقال رسول الله ﷺ: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵁: (أنه كان يسلم بين الركعتين والركعة في الوتر حتى أنه كان يأمر ببعض حاجته) رواه البخاري. وعن أم سلمة قالت: (كان رسول الله ﷺ يوتر بسبع وخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام) رواه النسائي وابن ماجة وأحمد. وإذا صلى المسلم الوتر ثلاث ركعات فيجوز فيها ثلاث هيئات كما يلي:\r\rالأولى: أن يصلي ركعتين ثم يسلم وبعدها يأتي بالثالثة.\r\rالثانية: أن يصلي ركعتين ثم يجلس بعد الثانية ثم يأتي بالثالثة كهيئة صلاة المغرب.\r\rالثالثة: أن يصلي الركعات الثلاث متصلة ولا يجلس إلا بعد الثالثة وكل ذلك جائز إن شاء الله ووردت فيه الأحاديث.\r\rأما القنوت في صلاة الوتر فهو سنة وليس بواجب فإذا تركه المصلي فلا شيء عليه والذي ورد عن الرسول ﷺ أنه كان أحياناً يقنت في الوتر وأحياناً أخرى لا يقنت. ويجوز القنوت قبل الركوع وبعده وهو الأفضل والأقوى. وأفضل وقت لصلاة الوتر آخر الليل في حق من يغلب على ظنه الاستيقاظ في آخر الليل وإلا فليصلي الوتر بعد صلاة العشاء فقد ورد في الحديث عن جابر أن النبي ﷺ قال: (أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد ومن وثق بقيام الليل فليوتر آخره فإن قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل) رواه مسلم. ومن السنة ي القراءة في الوتر إذا صلى ثلاثاً أن يقرأ في الركعة الأولى سورة الأعلى وفي الثانية سورة الكافرون وفي الثالثة سورة الإخلاص كما ورد في الحديث عن أبي بن كعب: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في الوتر سبح اسم ربك الأعلى وفي الركعة الثانية بقل يا أيها الكافرون وفي الثالثة بقل هو الله أحد) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة. ومن صلى صلاة الوتر أول الليل ثم رغب أن يصلي في آخر الليل يصلي ما يشاء ولا يعيد الوتر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345888,"book_id":3840,"shamela_page_id":268,"part":"6","page_num":190,"sequence_num":268,"body":"١٩٠ - صلاة الجمعة\rيقول السائل: إننا نشاهد أكثر المصلين يوم الجمعة وبعد الإنتهاء من الآذان يقومون فيصلون ركعتين يسمونها سنة الجمعة القبلية فهل ثبت ذلك عن الرسول ﷺ؟\r\rالجواب: إن قوام هذا الدين في أمرين:\r\r١. ألا يعبد إلا الله.\r\r٢. أن لا يعبد الله إلا بما شرع.\r\rولقد قرر علماء الإسلام أن الأصل في العبادات التوقيف عن رسول الله ﷺ فنحن في أمورنا مأمورون باتباعه والاقتداء به. قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) وقد بين لنا الرسول ﷺ كيفية الصلاة وعدد ركعاتها وأوقاتها وكل ما يتعلق بها وعلم الصحابة كيف يصلون وصلى أمامهم وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري. إني أقر جازماً أنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه سن لأمته ركعتين تسميان سنة الجمعة القبلية فلم يثبت ذلك عنه قولاً ولا فعلاً ولم يرد في سنة الجمعة القبلية حديث صحيح صريح وإنما وردت بعض الأحاديث التي لا يعول عليها ولا يحتج بها. ولا بد من الرجوع إلى هدي المصطفى ﷺ في صلاة الجمعة وكيف كان يفعل حتى نرى هل سن لأمته سنة قبل الجمعة أم لا. قال العلامة ابن القيم: [وكان إذا فرغ بلال من الآذان أخذ النبي ﷺ في الخطبة ولم يقم أحد يركع ركعتين ولم يكن الآذان إلا واحداً وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد لا سنة لها وهذا أصح قولي العلماء وعليه تدل السنة، فإن النبي ﷺ كان يخرج من بيته فإذا رقى المنبر أخذ بلال في آذان الجمعة فإذا أكمله أخذ النبي ﷺ في الخطبة من غير فصل وهذا رأي عين فمتى كانوا يصلون السنة؟ ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلال ﵁ من الآذان قاموا كلهم فركعوا ركعتين فهو أجهل الناس بالسنة] . زاد المعاد في هدي خير العباد ١/٤٣١ - ٤٣٢.\r\rومن المعلوم كما أشار ابن القيم أن الآذان يوم الجمعة كان واحداً على عهد الرسول ﷺ وإنه كان عند جلوس النبي ﵊ على المنبر وكذلك الأمر في خلافة أبي بكر وعمر ﵄ فلما كان عثمان ﵁ زاد لآذان الثاني وعلى هذا يدل حديث السائب بن يزيد ﵁ قال: (كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثاني على الزوراء) رواه البخاري. فما دام أن الأذان كان واحداً وأن الأذان يكون عندما يجلس الإمام على المنبر ومن المتفق عليه عند العلماء أن الصلاة النافلة تنقطع بمجرد جلوس الإمام على المنبر إلا من كان في صلاة فيخففها أو من كان داخلاً إلى المسجد فيصلي ركعتين خفيفتين. فمتى كانوا يصلون السنة القبلية؟ قال الحافظ العراقي: [لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يصلي قبل الجمعة لأنه كان يخرج إليها فيؤذن بين يديه ثم يخطب] نيل الأوطار ٣/٣٨٩. وقال الحافظ بن حجر: [وأما سنة الجمعة التي قبلها فلم يثبت فيها شيء] فتح الباري ٣/ ٦١.\r\rوأما ما ورد في بعض الأحاديث من إشارة إلى سنة الجمعة القبلية فهي أحاديث باطلة أو ضعيفة لا تقوم بها الحجة فمنها ما جاء عن عائشة ﵁: (أنه ﵊ كان يصلي قبل الجمعة ركعتين في بيته) فهذا حديث باطل مكذوب. ومنها حديث أبي هريرة أنه ﵊: (كان يصلي قبل الجمعة ركعتين وبعدها أربعاً) وهذا حديث ضعيف بهذا السياق ومنها أنه ﵊: (كان يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً) وهذا ضعيف جداً. وهنالك أحاديث أخرى ضعيفة تكلم عليها الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٣/٧٣. قال الشيخ ناصر الدين الألباني بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواهية في سنة الجمعة القبلية ما نصه: [ولهذا كان جماهير الأمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت مقدرة بعدد لأن ذلك يثبت بقول النبي ﷺ ولم يسن في ذلك شيئاً لا بقوله ولا بفعله وهذا هو مذهب مالك والشافعي وأكثر الصحابة وهو مشهور في مذهب أحمد] . وقال الحافظ العراقي: [ولم أر للأئمة الثلاثة ندب سنة قبلها] الأجوبة النافعة ص ٣٠-٣٢. وقال الحافظ المناوي في فيض القدير: [ولذلك لم يرد لهذه السنة المزعومة ذكر في كتاب \" الأم \" للإمام الشافعي ولا في \" المسائل \" للإمام أحمد ولا عند غيرهما من الأئمة المتقدمين] . وبعد هذه الجولة القصيرة يظهر لنا جلياً أنه لم يثبت عن رسول الله عليه وسلم سنة قبلية للجمعة وإنما الثابت عنه السنة بعد الجمعة فقط. وينبغي ألا يعتز بكثرة الفاعلين لما يسمى بالسنة القبلية فإن هذه القضية من العبادات والأصل فيها كما ذكرت ما جاء عن الرسول ﷺ من دليل صحيح يحتج به وأما كثرة الفاعلين لها فلا دليل معهم فلا عبرة بفعلهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345889,"book_id":3840,"shamela_page_id":269,"part":"6","page_num":191,"sequence_num":269,"body":"١٩١ - صلاة الجمعة\rالدروس قبل صلاة الجمعة,\r\rيقول السائل: ما هو المشروع في حق المسلم الذي ينتظر صلاة الجمعة؟ وما الحكم في الدروس التي تعقد قبل صلاة الجمعة؟ وكذلك تلاوة القارئ للقرآن الكريم بواسطة مكبرات الصوت قبل صلاة الجمعة؟\r\rالجواب: إن المشروع في حق المسلم قبل صلاة الجمعة أن ينشغل في الصلاة النافلة وفي قراءة القرآن الكريم وبالذات سورة الكهف وفي الأذكار وفي الصلاة على النبي ﷺ وقد ورد في ذلك عدد من الأحاديث عن الرسول ﷺ منها:\r\r١. عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى) رواه البخاري.\r\r٢. وعن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحداً ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى) رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات كما قال الهيثمي.\r\r٣. عن نافع: (أن ابن عمر ﵁ كان يغدو إلى المسجد يوم الجمعة فيصلي ركعات وقال: هكذا كان يفعل رسول الله) رواه أحمد وأبو داود وقال العراقي إسناده صحيح.\r\r٤. عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ: (ذكر يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى إلا أعطاه إياه) رواه البخاري ومسلم.\r\r٥. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) رواه النسائي والبيهقي والحاكم وصححه الشيخ الألباني أيضاً.\r\r٦. وعن أوس بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه الله خلق آدم ... فأكثروا عليّ من الصلاة فيه) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن خزيمة والحاكم وافقه الذهبي.\r\rوأما الجواب عن الشق الثاني من السؤال حول الدروس والتلاوة قبل صلاة الجمعة وخاصة مع استعمال مكبرات الصوت فأرى أن تلك الدروس وتلك التلاوة مخالفة لسنة النبي ﷺ فقد تصل إلى درجة الحرام ولا تقل عن درجة المكروه لأن تلك الروس وتلك التلاوة تشتمل على إيذاء المصلين والذاكرين والقارئين وهذه أمور منهي عنها ومحرمة شرعاً كما ثبت في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف عن الستر وقال: ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذي بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في قراءة أو قال في الصلاة) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي وصححه الشيخ الألباني. وكذلك ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن المصلي مناجٍ ربه فلينظر بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) رواه مالك بسند صحيح قاله الشيخ الألباني وروي عن النبي ﷺ قال (يا علي لا تجهر بقراءتك ولا بدعائك حيث يصلي الناس فإن ذلك يفسد عليهم صلاتهم) .\r\rوكذلك فإن الدروس التي تعقد قبل صلاة الجمعة وتلاوة القرآن من قبل القارئ مخالفة لما كان عليه الأمر في عهد النبي ﷺ وعهد أصحابه ﵃ وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه نهى عن عقد حلقات الدروس قبل صلاة الجمعة فقد روى أبو داود بسنده: (أن الرسول ﵊ نهى عن البيع والشراء في المسجد وأن تنشد فيه ضالة وأن ينشد فيه شعر ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الترمذي والألباني. قال الإمام البغوي: [وفي الحديث كراهية التحلق والاجتماع يوم الجمعة قبل الصلاة لمذاكرة العلم بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة في المسجد وغيره] شرح السنة ٢/٣٧٤.\r\rوبهذه المناسبة فإني أناشد أئمة المساجد والمسؤولين عن المساجد أن يوقفوا هذه الدروس والتلاوة قبل صلاة الجمعة وأن يمنعوا التشويش على عباد الله فهم في ذلك الوقت ما بين راكع وساجد وذاكر وقارئ ومتفكر وعليهم أن يسعوا إلى إحياء سنة المصطفى ﷺ كما وأن الموعظة الحاصلة بخطبتي الجمعة تغني عن الدروس ومن شاء أن يدرس فليكن ذلك بعد صلاة الجمعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345890,"book_id":3840,"shamela_page_id":270,"part":"6","page_num":192,"sequence_num":270,"body":"١٩٢ - صلاة الجمعة\rيحرم ترك صلاة الجمعة بسبب العمل,\r\rيقول السائل: أعمل في أحد المصانع وتفوتني صلاة الجمعة غالباً لأن صاحب العمل يمنعني من ترك العمل يوم الجمعة فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: من المعلوم أن صلاة الجمعة فرض على كل مكلف بها لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) . وصلاة الجمعة هي فرض الوقت يوم الجمعة وليس صلاة الظهر كما يظن بعض الناس فصلاة الجمعة هي الأصل وصلاة الظهر بدل عنها. ولا يجوز للمسلم المكلف بصلاة الجمعة أن يتركها لغير عذر شرعي وقد حذر الرسول ﷺ من يترك الجمعة لغير عذر وأن تاركها يطبع الله على قلبه فيصير قلبه قلب منافق والعياذ بالله وقد ورد في ذلك أحاديث منها:\r\r١. عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: (لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم) رواه مسلم.\r\r٢. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لينتهين أقوام عن ودعهم - أي تركهم - الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) رواه مسلم.\r\r٣. وعن أبي الجعد الضمري أن النبي ﷺ قال: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه) رواه أصحاب السنن وغيرهم وهو حديث صحيح.\r\r٤. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع ثم تجيء الجمعة فلا يجيء ولا يشهدها وتجيء الجمعة فلا يشهدها فيطبع على قلبه) رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني. والصبة: المجموعة من الغنم ما بين العشرين إلى الثلاثين وقيل غير ذلك من العدد. ومن خلال هذه الأحاديث يظهر لنا عدم جواز ترك الجمعة ولا يعد العمل يوم الجمعة عذراً لتركها ولا يجوز للمسلم أن يشتغل في عمل يصده عن أداء ما فرض الله عليه ولو أدى ذلك إلى تركه للعمل. قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) .\r\rولتعلم أخي المسلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وتذكر قول الله ﷾: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) وقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345891,"book_id":3840,"shamela_page_id":271,"part":"6","page_num":193,"sequence_num":271,"body":"١٩٣ - صلاة الجمعة\rيقول السائل: كيف كان هدي النبي ﷺ في خطبة الجمعة مع ربط ذلك بما عليه خطباء المسلمين؟\r\rالجواب: لا شك أن خير الحديث كتاب الله وأن خير الهدي هدي محمد ﷺ وأن من يطلع على هدي المصطفى ﵊ ليعجب مما يفعله كثير من خطباء اليوم في خطب الجمعة والعيدين وغيرها، فخطبة النبي ﷺ كانت تقريراً لأصول الإيمان، من إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وذكر الجنة والنار وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته وما أعد لأعدائه وأهل معصيته فتملأ القلوب من خطبته إيماناً وتوحيداً كما كان ﵊ يعلم الصحابة في خطبه قواعد الإسلام وشرائعه ويأمرهم وينهاهم ... ألخ.\r\rوكان ﵊ يقرأ آيات من القرآن الكريم في خطبته أحياناً سوراً من القرآن كسورة (ق) كما ثبت في الحديث عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵄ قالت: (ما أخذت (ق وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ) إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرأها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس) رواه مسلم وأحمد وغيرهما. وكان من هدي المصطفى ﵊ تقصير الخطبة وإطالة الصلاة فقد ثبت في الحديث عن عمار بن ياسر ﵄ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة) رواه مسلم. والمئنة هي العلامة. أي أن قصر الخطبة وطول الصلاة علامة على فقه الخطيب. وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: (كان رسول الله ﷺ يطيل الصلاة ويقصر الخطبة) رواه النسائي وإسناده صحيح. وكان ﵊ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش. هذا بعض ما جاء في الهدي النبوي في خطبة الجمعة ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد للعلامة ابن القيم يرحمه الله. تلكم الصورة المشرقة التي كان عليها هدي المصطفى ﷺ في خطبة الجمعة. وإذا نظرنا إلى الصورة الواقعة في مساجدنا فماذا نرى؟ إن بعض الخطباء لا يكادون يقرؤون آية من القرآن في خطبهم ويكادون لا يذكرون حديثاً عن رسول الله ﷺ ونرى أن كثيراً منهم يركزون خطبهم على موضوع واحد وكأن الإسلام محصور فيه قط. فمثلاً نجد كثيراً من الخطباء لا يخطبون إلا في الموضوع السياسي للأمة أضف الى ذلك ما يضيفه بعض الخطباء على خطبهم من السباب والشتائم. ولا شك أن الموضوع السياسي مهم جداً ولكن الإسلام ليس مقصوراً عليه وخاصة أن كثيراً من الكلام الذي يقال هو مجرد كلام نظري لا يجد طريقه إلى أرض الواقع، وإنما العملية مجرد تنظير فلسفي فقط والناس في زماننا يحتاجون إلى التبصير في أمور دينهم كلها فيجب على الخطباء أن يتناولوا مختلف قضايا المسلمين وما يهمهم في الدنيا والآخرة. كذلك نجد أن بعض الخطباء يطيلون الخطبة طولاً يصيب المصلين بالسآمة والملل فإذا قاموا إلى الصلاة قرأ الإمام أقصر سور القرآن الكريم.\r\rومن الأمور المخالفة لهدي المصطفى ﵊ في خطبة الجمعة أن بعض الخطباء يقصرون الخطبة الثانية على الدعاء فقط ولا يذكرون فيها شيئاً من الوعظ والإرشاد والترغيب والترهيب. أضف إلى ذلك أن كثيراً من الخطباء يستشهدون بالأحاديث دون التثبت من صحة نسبتها إلى الرسول ﵊ فكم مرة سمعنا الخطيب يملأ فمه قائلاً قال رسول الله ﷺ كذا وكذا ... ويكون الحديث مكذوباً على الرسول ﷺ أو ضعيفاً واهياً. فواجب الخطيب أن يتأكد من درجة الأحاديث التي يستشهد بها في خطبته بالرجوع إلى كتب أهل الحديث. ولا يكفي أن يأخذ الخطيب حديثاً من كتاب الترغيب والترهيب للمنذري مثلاً دون أن يعرف اصطلاح الإمام المنذري الذي ذكره في مقدمة كتابه فهذه مسؤولية وأمانة وخاصةً أن عامة الناس يتلقفون تلك الأحاديث من أفواه الخطباء فيكون ذلك سبباً في انتشارالأحاديث المكذوبة والواهية بين الناس.\r\rومن الأمور المؤسفة أن كثيراً من الخطباء يسكتون عن البدع التي تقع في المساجد يوم الجمعة وغيره والمخالفة للهدي النبوي دون أن يحركوا ساكناً لإنكارها بل أن بعضهم يعمل على نشرها قولاً وفعلاً. ومن الأمور اللافتة للنظر أن بعض الخطب تكون على شكل البيانات الرسمية والمراسيم الحكومية، وليس لها نصيب من الخطبة إلا في الإسم فقط. هذا فضلاً عن كثرة الأخطاء النحوية والأخطاء في تلاوة الآيات القرآنية التي يقع فيها كثير من الخطباء. وختاماً أدعو كل من يتصدى للخطابة أن ينهل من هدي المصطفى ﷺ وأن تكون الخطبة على منوال خطب النبي ﵊.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345892,"book_id":3840,"shamela_page_id":272,"part":"6","page_num":194,"sequence_num":272,"body":"١٩٤ - صفة سجود التلاوة\rسجود التلاوة وسجود الشكر,\r\rيقول السائل: هل لسجدة التلاوة ولسجدة الشكر تكبيرة إحرام وتسليم أم لا؟ وهل يجوز للمرأة أن تسجد سجدة التلاوة وهي غير مرتدية للباسها الكامل وهل تصح سجدة الشكر بدون وضوء؟\r\rالجواب: إن كلاً من سجود التلاوة وسجود الشكر مشروع فقد ثبت ذلك عن الرسول ﷺ فمن ذلك:\r\r١. ما رواه ابن مسعود ﵁: (أن النبي ﷺ قرأ والنجم فسجد فيها وسجد من كان معه ... ) رواه البخاري ومسلم.\r\r٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (سجدنا مع النبي ﷺ في (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) و (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) رواه مسلم.\r\r٣. وعن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ سجد في (ص) وقال: سجدها داود ﵇ توبةً ونسجدها شكراً) رواه النسائي والدارقطني وصححه ابن السكن. هذا بعض ما ورد في سجود التلاوة: أما في سجود الشكر فقد وردت أحاديث منها:\r\r١. عن أبي بكرة (أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسره أو بشر به خر ساجداً لله تعالى) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وهو حديث حسن.\r\r٢. وعن عبد الرحمن بن عوف أن جبريل قال للنبي ﷺ (إن الله ﷿ يقول لك: من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت شكراً) رواه أحمد وهو حديث حسن.\r\r٣. وورد عن أبي بكر ﵁ أنه سجد حين علم بمقتل مسيلمة الكذاب. وكذلك ورد عن كعب بن مالك ﵁ في عهد الرسول ﷺ أنه سجد لما بشر بتوبة الله عليه وغير ذلك من الأحاديث والآثار. وحكم سجود التلاوة وكذلك سجود الشكر سنة عند أكثر أهل العلم. وصفة سجود التلاوة وكذا سجود الشكر كما يلي:\r\rأولاً: خارج الصلاة: يكبر من يريد السجود دون أن يرفع يديه ويسجد سجدةً واحدة يقول فيها ما يقوله في سجود الصلاة ثم يكبر عند الرفع بدون تسليم على قول جمهور الفقهاء وهذه الصفة مشتركة بين سجود التلاوة وسجدة الشكر.\r\rثانياً: في الصلاة: أما سجدة التلاوة في الصلاة فإذا قرأ الإمام آية فيها سجدة فإنه يكبر ويهوي إلى السجود ويسبح كما يسبح في سجود الصلاة ثم يكبر ثانية ويقوم فيتم القراءة ثم يكمل صلاته كالمعتاد. وأما سجدة الشكر فلا تشرع في الصلاة وإنما خارج الصلاة فقط. وعند جمهور العلماء يشترط في سجود التلاوة والشكر ما يشترط في الصلاة من حيث الوضوء واستقبال القبلة وستر العورة وطهارة الثوب وطهارة المكان. وبهذا يظهر لنا أنه في سجدة التلاوة وسجدة الشكر لا تشرع تكبيرة للإحرام ولا يشرع فيها التسليم على قول أكثر أهل العلم. وكذلك يجب على المرأة أن تستر بدنها كاملاً عند السجود كما هو الحال في الصلاة ولا بد من الوضوء فيهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345893,"book_id":3840,"shamela_page_id":273,"part":"6","page_num":195,"sequence_num":273,"body":"١٩٥ - هدي المصطفى ﷺ عند انحباس المطر\rيقول السائل: ما هي صلاة الاستسقاء؟ وكيف تصلى؟ ومتى تصلى؟\r\rالجواب: صلاة الاستسقاء مشروعة بسنة رسول الله ﷺ عند قلة الأمطار وانحباسها فلا بد للناس أن يبادروا إلى التوبة والاستغفار مصداقاً لقوله تعالى: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جناتٍ ويجعل لكم أنهاراً) . وقد وردت عن الرسول ﷺ عدة أحاديث في الاستسقاء منها: حديث أبي هريرة ﵁ قال (خرج النبي ﷺ يوماً يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله ﷿ وحول وجهه نحو القبلة رافعاً يديه ثم قلب ردائه فجعل الأيمن الأيسر والأيسر الأيمن) رواه أحمد ورواته ثقات.\r\rوصلاة الاستسقاء ركعتان تصلى جماعة في المصلى خارج البلد وهو الأفضل وبدون أذان ولا إقامة كصلاة العيدين وهذا قول أكثر أهل العلم لحديث ابن عباس ﵄، وقد سئل عن الصلاة في الاستسقاء فقال: (خرج رسول الله ﷺ متواضعاً متبذلاً متخشعاً متتضرعاً فصلى ركعتين كما يصلي في العيد) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان وصححه. فيصلي الإمام بالناس ركعتين مع تكبيرات زوائد سبع في الأولى وخمس في الثانية ويقرأ فيهما جهراً ثم يخطب الإمام بعد الصلاة خطبتين كما في صلاة العيدين ويستحب أن يكثر الخطيب من الاستغفار ويلح في الدعاء والتضرع إلى الله ﷿. ويستحب رفع اليدين عند الدعاء للإمام والمأمومين وكما يستحب قلب الرداء وتحويله تفاؤلاً بتحويل الحال من القحط إلى الرخاء ويحوّل الرجال فقط أرديتهم وهم جلوس فمثلا من كان يلبس عباءه يقلبها على ظهره بأن يجعل أعلاها أسفلها ونحو ذلك. ووقت صلاة الاستسقاء المستحب هو وقت صلاة العيد لقول عائشة ﵂: (فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس) رواه أبو داود وابن حبان والحاكم وإسناده جيد. وتجوز في أي وقت آخر ما عدا أوقات الكراهة. وبهذه المناسبة أذكر الأخوة أئمة المساجد بإحياء هذه السنة ودعوة الناس إلى إقامة صلاة الاستسقاء والإكثار من الاستغفار وطلب السقيا من الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345894,"book_id":3840,"shamela_page_id":274,"part":"6","page_num":196,"sequence_num":274,"body":"١٩٦ - سنن الصلاة\rصلاة الأوابين ,\r\rيقول السائل ما الموقصود بصلاة الأوابين وما عدد ركعاتها؟\r\rالجواب: إن المشهور بين الناس أن صلاة الأوابين هي التي تصلى بين المغرب والعشاء فمنهم من يصلي أربع ركعات ومنهم من يصلي ست ركعات ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة ويسمون هذه الصلاة كما ذكرت سابقاً صلاة الأوابين. ولكن الأصح أن صلاة الأوابين هي صلاة الضحى لما ورد في الحديث أن زيد بن الأرقم ﵁ رأى قوماً يصلون من الضحى فقال أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل إن رسول الله ﷺ قال (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) رواه مسلم. وفي رواية أخرى عن زيد بن الأرقم قال: خرج رسول الله ﷺ على أهل قباء وهم يصلون فقال: (صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال) رواه مسلم. والأوابون: جمع أواب وهو الراجع إلى الله تعالى. ترمض الفصال: أي حين تشتد حرارة الشمس فيسخن الرمل فتجد أولاد الإبل حر الشمس، الفصال: جمع فصيل وهو الصغير من أولاد الإبل. وقد ذكر في بعض الروايات أن سبب ذكر الحديث أن الرسول ﷺ مر عليهم وهم يصلون الضحى عند شروق الشمس فذكر الحديث الذي يشير إلى أن وقت صلاة الضحى عند ارتفاع الشمس.\r\rويرى الإمام الشوكاني أنه لا مانع من إطلاق صلاة الأوابين على كل من الصلاتين المذكورتين أي صلاة الضحى والصلاة بين المغرب والعشاء واحتج على ذلك بخبر مرسل عن محمد بن المنكدر أن الرسول ﷺ سمى الصلاة بين المغرب والعشاء صلاة الأوابين. ومما يجب التنبيه عليه أنه قد وردت أحاديث كثيرة في مشروعية الصلاة ما بين المغرب والعشاء وإن كانت في معظمها ضعيفة إلا أن كثيراً من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم قد عملوا بها لأن هذا من فضائل الأعمال كما حققه الإمام الشوكاني وغيره. فلا بأس بصلاة النافلة بين المغرب والعشاء من غير تحديد عدد معين للركعات. وأما صلاة الضحى فالأحاديث فيها صحيحة وثابتة عن الرسول ﷺ فمنها: (عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام) رواه البخاري ومسلم. (وعن أم هانيء ﵂ أنه لما كان عام الفتح رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى) رواه البخاري ومسلم.\r\rويجوز أن تصلى الضحى ركعتين أو أربعاً أو ستاً أو ثمانياً وبكل ذلك وردت الأحاديث وفي الأمر سعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345895,"book_id":3840,"shamela_page_id":275,"part":"6","page_num":197,"sequence_num":275,"body":"١٩٧ - من البدع في الصلاة\rيقول السائل: اعتاد كثير من المصلين بعد انتهاء الصلوات المفروضات أن يصافح بعضهم بعضاً قائلين \"يتقبل الله منكم\" ثم يقومون إلى صلاة السنة فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: قرر أهل العلم أن الأصل في العبادة هو التوقيف عن رسول الله ﷺ وقد أشار الرسول ﵊ الى ذلك حيث قال ﵊: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري. ولما لم يثبت هذا الأمر عن الرسول ﷺ فلا ينبغي فعله ولا الالتزم به وخاصة أنه يقابله ترك سنة مؤكدة من سنن النبي ﵊ ألا وهي ترك الأذكار المشروعة عقب الصلوات المفروضة كما هو مشاهد في كثير من المساجد حيث أن أغلب المصلين يلتزمون بهذه المصافحة بعد تسليم الإمام ثم يقومون إلى صلاة السنة وبعد ذلك يخرجون من المسجد فهم قد أتوا بالبدعة وتركوا السنة. ومن المعلوم عند أهل العلم أن الذكر بعد الصلوات المكتوبات من السنن الثابتة عن الرسول ﷺ قال الإمام النووي ﵀: [أجمع العلماء على استحباب الذكر بعد الصلاة وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة في أنواع متعددة] الأذكار ص ٥٧. ثم ساق طائفة من الأحديث منها:\r\r١. عن أبي أمامة ﵁ قال: (قيل لرسول الله ﷺ أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات) رواه الترمذي وقال حديث حسن.\r\r٢. وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة سلَّم وقال: (لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) رواه البخاري ومسلم.\r\r٣. وعن أبي هريرة ﵁ (أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ وقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي يصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون. فقال: ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين) رواه البخاري ومسلم.\r\r٤. وعن معاذٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذه بيده وقال: يا معاذ والله إني لأحبك ثم قال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح. وغير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا الموضوع وهي كثيرة جداً فينبغي على المصلين أن يحافظوا على هذه الأذكار النبوية بعد صلواتهم وأن يكثروا أيضاً من الدعاء لله ﷿ لتفريج همومهم وكربهم والدعاء بما فيه الخير لهم في الدنيا والآخرة. فقد ورد عن الرسول ﷺ أنه قال: (الدعاء هو العبادة) رواه أصحاب السنن الأربعة وهو حديث حديث حسن صحيح. وقال ﵊: (ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء) رواه الترمذي وهو حديث حسن. وقال أيضاً: (من سرّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي وهو حديث حسن. فأكثروا يا عباد الله من الدعاء في جميع الأوقات وخاصة بعد الصلوات المكتوبات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345896,"book_id":3840,"shamela_page_id":276,"part":"6","page_num":198,"sequence_num":276,"body":"١٩٨ - من البدع في الصلاة\rيقول السائل: ما حكم مسح الوجه وبعض الجسم باليدين بعد الإنتهاء من دعاء القنوت كما يفعله كثير من الناس؟\r\rالجواب: إن مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من دعاء القنوت أمر مشهور بين عامة الناس ولكن هذا الأمر مع شهرته وانتشاره وعمل كثير من الناس به لا سند له عن رسول الله ﷺ ولا عن السلف الصالح ﵃ وإن قال به بعض الفقهاء. قال الإمام النووي ﵀ عند حديثه عن هذه المسألة إن فيها وجهين:\r\rالأول: أنه يستحب وذكر جماعة من الفقهاء الذين قالوا بذلك ثم قال النووي.\r\rوالثاني: لا يسمح وهذا هو الصحيح صححه البيهقي والرافعي وآخرون من المحققين. المجموع ٣/٥٠١.\r\rثم ذكر كلام البيهقي التالي. وأنقله من سننه ﵀ حيث قال: [فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظ عن أحد من السلف في دعاء القنوت وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة. وقد روي عن النبي ﷺ حديث ضعيف وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة. وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت ولا قياس. فالأولى أن لا يفعله ويقتصر على ما فعله السلف ﵃ من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة وبالله التوفيق] السنن الكبرى ٢/٢١٢. وأقول جزى الله أئمتنا وعلمائنا خيراً فإنهم وقافون عند موارد النصوص فإن الخير كل الخير في الاتباع وإن الشر كل الشر في الابتداع. وأما الحديث الذي أشار إليه البيهقي فهو ما رواه أبو داوود في سننه بسنده عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس أن الرسول ﷺ قال: (سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم) قال أبو داوود روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضاً. عن المعبود ٤/٢٥١. وقد علق الشيخ الألباني على هذه الرواية: [ (فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم) فقال: ... وعلى ذلك فهذه الزيادة منكرة ولم أجد لها حتى الآن شاهداً ... ثم قال: لا يصلح شاهداً للزيادة حديث ابن عمر مرفوعاً: (كان النبي ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه) لأن فيه متهماً في الوضع - أي الكذب - وقال أبو زرعة: حديث منكر أخاف ألا يكون له أصل] السلسلة الصحيحة ٢/١٤٦. وروى البيهقي بسنده عن علي الباشاني قال: [سألت عبد الله بن المبارك عن الذي إذا دعا مسح وجهه. قال: لم أجد له ثبتاً. أي مستنداً] . وورد عن العز بن عبد السلام سلطان العلماء أنه قال: [لا يمسح وجهه إلا جاهل] . وبمناسبة الحديث عن دعاء القنوت أذكر بعض الأمور منها: أولاً: ما نراه من بعض المصليين من المبالغة برفع أيديهم فوق رؤوسهم وأرى أن هذا الأمر فيه مبالغة واضحة وأن الأحاديث الواردة عن الرسول ﷺ في رفع اليدين عند الدعاء تدل على مد اليدين وبسطهما ولا تدل على هذا الرفع المبالغ فيه. قال الحافظ ابن حجر عند كلامه على حديث أنس أنه ﵊ كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء وأنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه. قال الحافظ: [وهو معارض بالأحاديث الثابتة في الرفع في غير الاستسقاء ... إلى أن قال: وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يحمل النفي على صفة مخصوصة أما الرفع البليغ فيدل عليه قوله \" حتى يرى بياض إبطيه \" ويؤديه أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به مد اليدين وبسطهما عند الدعاء وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه وبه حينئذ يرى بياض إبطيه] فتح الباري ٣/١٧١. لذلك فإني أرى أن ما يفعله بعض الناس من المبالغة الشديدة في رفع اليدين وجعلهما فوق الرأس إنما هو من الغلو في الدين وقد نهينا عن ذلك.\r\rوالأمر الثاني الذي أود التنبيه عليه وأذكر به اخواننا أئمة المساجد وهو التطويل في دعاء القنوت وغيره من الأدعية والأذكار والأفضل هو الاقتصار على الأدعية والأذكار الواردة عن الرسول ﷺ وإن زاد على ذلك فلا بأس به بشرط ألا يكون الدعاء متكلفاً أو متضمناً مخالفة شرعية. قال الإمام النووي عند ذكره لآداب الدعاء [الخامس: أن لا يتكلف السجع وقد فسر به الاعتداء في الدعاء والأولى أن يقتصر على الدعوات المأثورة فما كل أحد يحسن الدعاء فيخاف عليه الاعتداء] الأذكار ص٣٤٢. وبعض أئمة المساجد من أجل أن يحافظ على السجع يأتي بأمور غير مقبولة في الدعاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345897,"book_id":3840,"shamela_page_id":277,"part":"6","page_num":199,"sequence_num":277,"body":"١٩٩ - المساجد\rالكلام في المسجد،\r\rيقول السائل: ما قولكم في حديث الناس وكلامهم في المساجد وارتفاع أصواتهم فيها؟\r\rالجواب: إن حال كثير من المساجد اليوم محزن نتيجةً لجهل كثير من المسلمين بأحكام المساجد وآدابها فترى في المساجد الحلقات التي يعقدها الناس ويدور الحديث فيها عن الأمور الدنيوية وإذا وقف الحديث عند الأمور المباحة فحسن، ولكن كثيراً منهم يتجاوز المباح إلى الحرام فيتكلمون في أعراض الناس ويستغيبونهم ونحو ذلك.\r\rوالأصل أن الجلوس في المسجد عبادة وينبغي للمسلم أن يشغل وقته في المسجد إما بالصلاة أو بالذكر والدعاء أو يقرأ القرآن فإن لم يفعل شيء من ذلك فلا يتجاوز الكلام في الأمور المباحة. ولقد أخبر الرسول ﷺ عن زمان يتحلق الناس فيه في المساجد لا همّ لهم ولا كلام إلا في أمور الدنيا وقد ذمهم على ذلك، فقد ورد في الحديث عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان يتحلقون في مساجدهم وليس همهم إلا الدنيا وليس لله فيهم حاجة فلا تجالسوهم) رواه ابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وصححه الألباني.\r\rومن الأمور المخالفة للشرع والتي تشوش على المصلين والتالين والذاكرين ويفعلها الناس في المساجد، البحث عن المفقودات فتسمع هذا يبحث عن نقوده وترى المؤذن يعلن عن وجود نقود أو نحوها ويطلب من صاحبها مراجعته وغير ذلك من الأمور التي نهى عنها السشارع الحكيم فقد ورد في الحديث قوله ﵊: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد الضالة فقولوا: لا رد الله عليك) رواه الترمذي والدارمي وهو حديث صحيح. وفي رواية أخرى: (من سمع رجلاً ينشد في مسجد ضالة فليقل لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا) رواه مسلم. وينبغي أن يعلم أن التشويش في المسجد على المصلين والتالين لكتاب الله والذاكرين لا يجوز حتى ولو كان ذلك بقراءة القرآن فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذي بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) رواه أبو داوود بإسناد صحيح كما قال اإمام النووي وصححه الألباني. وورد في الحديث أن الرسول ﵊ قال (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) رواه مالك بسند صحيح قاله الألباني. وقد همّ عمر بن الخطاب بتعزير من يرفعون أصواتهم في المسجد، روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: كنت قائماً في المسجد فحصبني رجل - أي رماني بحصاة - فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: ممن أنتما؟ قال: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ؟ ومن التشويش الذي يقع الصياح الذي نسمعه من بعض المصلين في آخر المسجد عند إقامة الصلاة لإتمام الصفوف أو الدخول إلى داخل المسجد وهذا أمر لا يجوز لأن المسلم يوم الجمعة عليه أن يتقدم للصفوف الأولى ولا يترك فراغاً أمامه وهذه هي السنة كما ورد في الحديث من قوله ﵊ في حق القادم إلى المسجد يوم الجمعة: ( ... ودنا من الإمام) أي اقترب من الإمام ثم إذا إقيمت الصلاة فإن من واجب الإمام أن يأمر بتسوية الصفوف وإكمالها وينبغي على المصليين أن يسمعوا ويطيعوا فيتموا الصفوف ويسدوا الفراغ الموجود في المسجد. وأما أن يأخذ المصلون في آخر المسجد بالصياح واللغط فهذا الأمر لا ينبغي ومخالف للهدي النبوي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345898,"book_id":3840,"shamela_page_id":278,"part":"6","page_num":200,"sequence_num":278,"body":"٢٠٠ - صلاة الاستخارة\rيقول السائل: ما هي صلاة الاستخارة وفي أي الأمور يستخير المسلم وكيف تصلى؟\r\rالجواب: صلاة الاستخارة سنة ثابتة عن الرسول ﷺ فقد روى الإمام البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم يقول: (اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجلة أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به ويسمي حاجته) . ومعنى الاستخارة أن المسلم يطلب من الله ﷾ أن يختار له خير الأمرين وأولاهما ومن المستحسن أن يستخير المسلم في أموره فقد ورد في الحديث: (من سعادة ابن آدم استخارته الله) رواه أحمد في المسند وقال الحافظ ابن حجر وسنده حسن. والاستخارة تكون في الأمور التي لا يعرف العبد فيها وجه الصواب. وأما أمور الخير الواضحة فلا مجال للاستخارة فيها. وينبغي أن يعلم أن الاستخارة لا تدخل باب الفرض ولا الحرام ولا المكروه وإنما تقع ضمن دائرة المندوب والمباح ولا تكون الاستخارة أيضاً في أصل المندوب وإنما تكون عند تعارض أمرين أيهما يبدأ به أو يأخذ به كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري. وتكون الاستخارة عندما يهمّ المسلم بأمر ما كما ورد في الحديث السابق (إذا همّ أحدكم بالأمر ... ) وهذا يعني أن الاستخارة تكون عندما يرد الأمر على القلب فيستخير فيظهر له ببركة الصلاة والدعاء ما هو الخير بخلاف ما إذا كان الأمر متمكناً في نفسه وقويت عزيمته عليه. أما كيفية صلاة الاستخارة فإن المسلم إذا أراد الاستخارة صلى ركعتين نافلة لله تعالى ويفضل أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) واستحب بعض أهل العلم أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلُِونَ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ويقرأ في الركعة الثانية بعد الفاتحة قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ولو قرأ غير ذلك أجازه. وبعد أن يسلم من صلاته يدعو بدعاء الاستخارة المذكور في الحديث سابقاً.\r\rويستحب له أن يفتتح الدعاء بالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﵊ ويختمه بذلك مستقبلاً القبلة رافعاً يديه فإذا فعل المسلم ذلك فإنه يفعل ما ينشرح صدره له فإذا شعر المسلم أنه يميل إلى ذلك الشيء فإنه يقدم عليه ويفعله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345899,"book_id":3840,"shamela_page_id":279,"part":"6","page_num":201,"sequence_num":279,"body":"٢٠١ - من البدع في الصلاة\rيقول السائل: ما حكم إحياء ليلة النصف من شعبان بالصلاة والذكر؟\r\rالجواب: إن الأصل في العبادات التوقيف عن الرسول ﵊ والواجب أن نعبد الله كما شرع في كتابه وكما جاء في سنة نبيه ﷺ ويجب علينا أن نلتزم بذلك بلا زيادة ولا نقصان. يقول الله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ويقول الرسول ﷺ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم. وكان ﵊ يقول في خطبه: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم.\r\rإن الأصل في المسلم أن يقف عند موارد النصوص فلا يتجاوزها لأننا أمرنا بالاتباع ونهينا عن الابتداع وإن إحياء ليلة النصف من شعبان والصلاة الألفية التي تصلى فيها من البدع المنكرة التي أحدثها بعض الناس والتي لم ترد عن رسول الله ﷺ. وقد قرر أهل العلم أنه لا يجوز تخصيص ليلة النصف من شعبان بعبادة خاصة بها كتخصيصها بالصلاة المعروفة بالصلاة الألفية وهي صلاة تقرأ فيها سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ألف مرة فهذه الصلاة مكذوبة على رسول الله ﷺ ما فعلها ولا نقلت عن أحد من الصحابة ﵃، قال الإمام الشوكاني: [حديث يا علي من صلى مائة ركعة ليلة النصف من شعبان يقرأ بكل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد عشر مرات إلا قضى له كل حاجة ... الخ هو موضوع - أي مكذوب-] . وكذلك قال ابن الجوزي والحافظ العراقي وغيرهم من أهل العلم. قال الإمام النووي ما نصه: [الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهي اثنتا عشر ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب وإحياء علوم الدين ولا بالحديث المذكور فيهما فإن كل ذلك باطل ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما فإنه غالط في ذلك. وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن اسماعيل المقدسي كتاباً نفيساً في إبطالهما فأحسن فيه وأجاد] . وقد ذكر بعض أهل العلم أن صلاة ليلة النصف من شعبان أحدثت في بيت المقدس سنة ٤٤٨هـ ولم تكن معروفة قبل ذلك وهذا يدل على أنها مبتدعة لا أصل لها في الشرع. قال أبو محمد المقدسي: [لم يكن عندنا في بيت المقدس صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب ولا صلاة شعبان وأول ما حدثت عندنا صلاة شعبان في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، قدم علينا رجل في بيت المقدس من نابلس يعرف بابن أبي الحمراء وكان حسن التلاوة فقام فصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان فأحرم خلفه رجل ثم انضاف إليهما ثالث ورابع فما ختمها إلا وهو في جماعة كبيرة ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير وشاعت في المسجد وانتشرت في المسجد الأقصى وبيوت الناس ومنازلهم ثم استمرت كأنها سنة إلى يومنا هذا ... الخ) .\r\rوبناء على ما تقدم يظهر لنا أن إحياء ليلة النصف من شعبان بدعة منكرة لا أصل له في الشرع ولو كانت من الشرع لبينها رسول الله ﷺ ولأحياها هو وأصحابه ﵃ وما دام أن ذلك لم يثبت عن الرسول ﷺ فلا يجوز إحياؤها بنوع خاص من العبادة. والله الهادي إلى سواء السبيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345900,"book_id":3840,"shamela_page_id":280,"part":"6","page_num":202,"sequence_num":280,"body":"٢٠٢ - الرؤيا وصلاة الاستخارة\r\rيقول السائل: صليت صلاة الاستخارة قبل النوم في خطبة فتاة معينة، ولكني لم أرَ شيئاً في المنام مما استخرت فيه، فهل استخارتي صحيحة أم لا؟ أفيدونا؟\rالجواب: الاستخارة هي طلب خيرِ الأمرين من الله ﷿ لمن احتاج إلى أحدهما، كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ١٨/١٧٠. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: [ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين وثبت في أمره] الوابل الصيب١/١٥٧. وصلاة الاستخارة ثابتة عن رسول الله ﷺ في عدة أحاديث، فقد روى الإمام البخاري بسنده عن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، إذا همَّ أحدُكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم يقول: (اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علَّام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجلة أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به قال ويسمي حاجته) . قال الإمام الشوكاني: [قوله: (في الأمور كلها) ، دليلٌ على العموم وأن المرء لا يحتقر أمراً لصغره وعدم الاهتمام به، فيترك الاستخارة فيه، فربَّ أمرٍ يستخف بأمره فيكون في الإقدام عليه ضررٌ عظيمٌ أو في تركه، ولذلك قال ﷺ: (ليسألَ أحدُكم ربَّه حتى في شِسْع نعله) - الشسع: بكسر الشين ثم بإسكان السين وهو أحد سيور النعل التي تشد إلى زمامها- قوله: (كما يعلمنا السورة من القرآن) فيه دليلٌ على الاهتمام بأمر الاستخارة، وأنه متأكدٌ مرغبٌ فيه، قال العراقي: ولم أجد من قال بوجوب الاستخارة مستدلاً بتشبيه ذلك بتعليم السورة من القرآن، كما استدل بعضهم على وجوب التشهد في الصلاة بقول ابن مسعود: كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن] نيل الأوطار ٣/٨٧. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من سعادة ابن آدم استخارته الله ﷿ رواه أحمد، وسنده حسن كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ١٨/١٧٠. وقال العلامة الألباني: [رواه أحمد وأبو يعلى والحاكم وزاد: ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله، ورواه الترمذي ولفظه: من سعادة ابن آدم كثرة استخارة الله تعالى ورضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله تعالى وسخطه بما قضى الله له) ورواه البزار ولفظه (أن رسول الله ﷺ قال: من سعادة المرء استخارته ربه ورضاه بما قضى ومن شقاء المرء تركه الاستخارة وسخطه بعد القضاء) وضعفه العلامة الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب١/١٠٦. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله يقول: (إذا أراد أحدكم أمراً فليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّامُ الغيوب، اللهم إن كان كذا وكذا، للأمر الذي تريد خيراً لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي وأعني عليه، وإن كان كذا وكذا، للذي يريد شراً لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري، فاصرفه عني وأقدر لي الخير أينما كان ولا قوة إلا بالله) رواه أبو يعلى الموصلي وقال الحافظ العراقي: وإسناده جيد كما في نيل الأوطار ٣/٨٧. وورد في خصوص الاستخارة في الزواج حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول ﷺ قال: (اكتم الخِطبة، ثم توضأ فأحسن وضوءك ثم صلِّ ما كتب الله لك ثم احمد ربك ومجِّده ثم قل: اللهم إنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، فإن رأيت في فلانة - تسميها باسمها- خيراً لي في ديني ودنياي وآخرتي فاقدرها لي، وإن كان غيرها خيراً لي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاقضِ لي ذلك) رواه ابن حبان في صحيحه وابن خزيمة وصححه ورواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات كلهم. وحسنه الشيخ شعيب الأرناؤوط. وقد ثبت في قصة زواج زينب بنت جحش برسول الله ﷺ عن أنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيدٍ فاذكرها عليَّ، قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخِّمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب أرسل رسول الله ﷺ يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها ... إلخ) رواه مسلم، قال الإمام النووي: [وفيه استحباب صلاة الاستخارة لمن همَّ بأمرٍ سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير أم لا، وهو موافق لحديث جابر في صحيح البخاري قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها ... ] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/١٤٤. وأما كيفية صلاة الاستخارة فإذا أراد المسلم الاستخارة صلَّى ركعتين نافلةً لله تعالى، ويفضل أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ واستحب بعض أهل العلم أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ سورة القصص الآيات ٦٨-٧٠. ويقرأ في الركعة الثانية بعد الفاتحة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٣٦. ولو قرأ غير ذلك جاز، وبعد أن يُسلِّم من صلاته يدعو بدعاء الاستخارة المذكور في الحديث سابقاً. ويستحب له أن يفتتح الدعاء بالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﵊ ويختمه بذلك مستقبلاً القبلة رافعاً يديه، فإذا فعل المسلم ذلك، فإنه يفعل ما ينشرح صدره له، فإذا شعر المسلم أنه يميل إلى ذلك الشيء، فإنه يُقْدم عليه ويفعله. إذا تقرر هذا فلابد من بيان بعض أحكام الاستخارة، أولاً: تصح الاستخارة بعد صلاة، وتصح بالدعاء فقط بدون صلاة، قال الإمام النووي: [قال العلماء: تستحب الاستخارة بالصلاة والدعاء المذكور، وتكون الصلاة ركعتين من النافلة، والظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب وبتحية المسجد وغيرها من النوافل، ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي الثانية: ﴿قل هو الله أحد﴾ ، ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء. ويستحب افتتاح الدعاء المذكور وختمه بالحمد لله والصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ، ثم إن الاستخارة مستحبةٌ في جميع الأمور كما صرح به نص هذا الحديث الصحيح - حديث جابر السابق- وإذا استخار مضى بعدها لما ينشرح له صدره] الأذكار ص ١٠١. ثانياً: تسن صلاة الاستخارة في الأمور المباحة، وليس عند التباس الخير أو خفاء وجه الصواب، ويدل على ذلك ما ورد في حديث جابر (في الأمور كلها) وهذا شامل للمباح، ولا تجوز الاستخارة فيما أمر الله به من الفروض أو النوافل، ولا تجوز أيضا في المحرمات ولا في المكروهات. ثالثاً: لا تشترط الرؤيا لصحة الاستخارة كما ورد في السؤال، بل تصح الاستخارة بدون رؤيا، والمطلوب ممن استخار أن يُقْدِم على الأمر الذي استخار فيه، وإن لم يرَ رؤيا ويفوض أمره إلى الله ﷿، فإن رأى رؤيا صالحة فيما استخار فهو خير وبركة. وأما أن لا يقدم على العمل الذي استخار فيه حتى يرى رؤيا فلا. ويجب أن يعلم أن الرؤيا لا يبنى عليها أحكام شرعية أو دنيوية. رابعاً: يصح بل يستحب تكرار الاستخارة كما ذهب إليه جمهور الفقهاء لكون ذلك نوعاً من الإلحاح الذي يحبه الله ﷾، وكان النبي ﷺ: (إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل، سأل ثلاثاً) رواه مسلم، ولأن صلاة الاستخارة وما يتبعها من دعاء، إنما شرعت طلباً للخيرة منه سبحانه، فإذا لم يحصل للمستخير انشراح وطمأنينة فيما استخار الله فيه، كرر ذلك حتى يحصل له الانشراح والطمأنينة، وقد صرح الشافعية بذلك ولم يحصروها بعدد.] الشبكة الإسلامية. خامساً: يفعل المستخير بعد الاستخارة ما ينشرح له صدره، قال الإمام النووي: [ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له فلا ينبغي أن يعتمد على انشراح كان له فيه هوىً قبل الاستخارة بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأساً وإلا فلا يكون مستخيراً لله، بل يكون مستخيراً لهواه، وقد يكون غير صادقٍ في طلب الخِيَرَة وفي التبرئ من العلم والقدرة وإثباتهما لله تعالى، فإذا صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة ومن اختياره لنفسه] نيل الأوطار ٣/٨٧. سادسا: لا يستخير أحدٌ لأحدٍ، وإنما يستخير كلُ إنسانٍ لنفسه، وفي حديث جابر السابق قوله ﷺ: (إذا همَّ أحدُكم بالأمر) ، ولكن يجوز للشخص أن يدعو الله ﷿ أن يختار لابنه أو ابنته مثلاً. وخلاصة الأمر أن صلاة الاستخارة مستحبة في الأمور التي لا يدري العبدُ وجهَ الصواب فيها، أما ما هو معروفٌ خيرُه أو شره كالعبادات وصنائع المعروف والمعاصي والمنكرات فلا تجوز إلى الاستخارة فيها، إلا إذا أراد بيان خصوص الوقت كالحج مثلا في هذه السنة؛ لاحتمال عدو أو فتنة، والرفقة فيه، أيرافق فلانا أم لا؟ ولا تشترط الرؤيا للاستخارة، فالمسلم بعد أن يستخير يمضي فيما استخار الله فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345901,"book_id":3840,"shamela_page_id":281,"part":"6","page_num":203,"sequence_num":281,"body":"٢٠٣ - وجوب الطمأنينة وتعديل الأركان في الصلاة\r\rيقول السائل: نشاهد بعض المصلين الذين يستعجلون في صلاتهم ولا يتمون ركوعها ولا سجودها، فما حكم صلاتهم، أفيدونا؟\rالجواب: الصلاة أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة وهي ميزان لأعمال المسلم، فإن صلحت صلحت سائر أعماله وإن فسدت فسدت سائر أعماله، كما ثبت في الحديث عن حريث بن قبيصة قال: قدمت المدينة فقلت: اللهم يسر لي جليساً صالحاً، قال فجلست إلى أبي هريرة فقلت: إني سألت الله أن يرزقني جليساً صالحاً فحدثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ لعل الله أن ينفعني به؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيءٌ، قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على ذلك) رواه الترمذي وحسنه، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/١٣٠. وجاء في رواية أخرى عن تميم الداري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن أكملها كتبت له نافلة، فإن لم يكن أكملها يقول الله سبحانه لملائكته انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع؟ فأكملوا بها ما ضيع من فريضته ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١/٢٤١. والانتقاص من الصلاة كما يكون بتأخيرها عن وقتها، يكون أيضاً بعدم إكمال أركانها وواجباتها، كمن لا يتم الركوع، وكمن لا يقيم صلبه عند الرفع منه، وكمن لا يتم السجود فينقره نقر الديك، وكمن لا يتم الرفع بين السجدتين، فالمطلوب من المصلي الطمأنينة في صلاته وهو ما يسميه بعض الفقهاء بتعديل الأركان في الصلاة، وهو فرض على الصحيح من أقوال أهل العلم، وعلى ذلك دلت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ، منها الحديث المشهور بحديث المسيء صلاته وهو عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالسٌ في ناحية المسجد، فصلَّى ثم جاء فسلَّم عليه، فقال له رسول الله ﷺ: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل، فصلَّى ثم جاء فسلَّم فقال: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل، فصلَّى ثم جاء فسلَّم فقال: وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل، فقال في الثانية أو في التي تليها علمني يا رسول الله، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) ، وفي رواية (ثم ارفع حتى تستوي قائماً) يعني من السجدة الثانية، رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لأبي داود (فإذا فعلت ذلك فقد تمَّت صلاتك، وإن انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك) وهي رواية صحيحة كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/١٢٩. وقد أخذ جمهور أهل العلم من هذا الحديث وجوب الطمأنينة أو تعديل الأركان في الصلاة، فقوله ﷺ (اركع حتى تطمئن راكعاً) ، وقوله (ارفع حتى تستوي قائماً) ، وقوله (اسجد حتى تطمئن ساجداً) ، وقوله (ارفع حتى تطمئن جالساً) ، وقوله (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) ، وقوله كما في الرواية الأخرى (فإذا فعلت ذلك فقد تمَّت صلاتك، وإن انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك) ، أقوى دليلٍ على وجوب الطمأنينة. وقد اختلف الفقهاء في حدِّ الطمأنينة، والأصح أنها سكون بعد حركة بمقدار قول المصلي (سبحان الله) مرةً واحدةً بشكلٍ معتدلٍ، قال الإمام النووي: [وتجب الطمأنينة في الركوع بلا خلافٍ لحديث المسيء صلاته، وأقلها أن يمكث في هيئة الركوع حتى تستقر أعضاؤُه وتنفصل حركة هويهِ عن ارتفاعه من الركوع.] المجموع ٣/٤٠٨-٤٠٩. وقال شيخنا محمد المختار الشنقيطي: [الطمأنينة: هي الوقت الكافي الذي يصدق به تحصيل الركن، ففي القيام لا إشكال أنه سيقرأ الفاتحة فيحصِّل الطمأنينة المعتبرة، فإن وقت قراءة الفاتحة قدرٌ للطمأنينة. لكن بحث العلماء في الطمأنينة في الركوع والسجود والرفع من الركوع والرفع من السجود. أولها: إذا ركع، لأنه في القيام سينشغل بالقراءة، فلو ركع فإن الواجب عليه تسبيحة واحدة، فإذا ركع ثم رفع مباشرة ولو قال: سبحان ربي العظيم اختطافاً، فإنه حينئذ لا يُجزيه هذا الركوع؛ لأنه لم يطمئن، وهذا هو الذي وقع من المسيء صلاته، وهو الذي من أجله نبهه النبي ﷺ على صفة الصلاة؛ لأن هذا الرجل كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة صلَّى ولم يحسن الصلاة، والمراد بعدم إحسانه الصلاة استعجاله فيها. فالطمأنينة إذا ركع أن ينتهي إلى الركوع الكامل، فإذا انتهى إلى الركوع الكامل يقول: سبحان ربي العظيم، وقدر قوله: سبحان ربي العظيم يعتبر تحصيلاً للطمأنينة.] شرح زاد المستقنع عن شبكة الإنترنت. وقد عدَّ الشيخ ابن حجر المكي ترك الطمأنينة في الصلاة من كبائر الذنوب لما ورد من أحاديث في الترهيب من الإخلال في أركانها وواجباتها، انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٣٦١، وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في التحذير والترهيب من ترك الطمأنينة في الصلاة، وقال الإمام الشوكاني بعد أن شرح عدداً منها: [والأحاديث في هذا الباب كثيرة وكلها ترد على من لم يوجب الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال منهما] نيل الأوطار ٣/٥٠٠، ومن هذه الأحاديث: عن علي بن شيبان ﵁ قال خرجنا حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فبايعناه وصلينا خلفه فلمح بمؤخر عينه رجلاً لا يقيم صلاته، يعني صلبه في الركوع، فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال: يا معشر المسلمين لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود) رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب١/٣٤٦. وعن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تجزىء صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود) رواه أحمد وأبو داود واللفظ له والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ورواه الطبراني والدارقطني والبيهقي وقالا إسناده صحيح ثابت وقال الترمذي حديث حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب١/٣٤٥. وعن عبد الرحمن بن شبل ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب وافتراش السبع وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/٣٤٥. وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قالوا يا رسول الله كيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها، أو قال: لا يقيم صلبه في الركوع والسجود) رواه أحمد والطبراني وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب١/٣٤٦. وعن أبي عبد الله الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي، فقال رسول الله ﷺ: (لو مات هذا على حاله هذه، مات على غير ملة محمد ﷺ، ثم قال رسول الله ﷺ: مثل الذي لا يتم ركوعه وينقر في سجوده مثل الجائع يأكل التمرة والتمرتين لا تغنيان عنه شيئاً، قال أبو صالح - أحد رواة الحديث- قلت لأبي عبد الله: من حدَّثك بهذا عن رسول الله ﷺ؟ قال أمراء الأجناد عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وشرحبيل بن حسنة سمعوه من رسول الله ﷺ رواه الطبراني في الكبير وأبو يعلى بإسناد حسن وابن خزيمة في صحيحه وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب١/٣٤٧. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الرجل ليصلي ستين سنةً وما تقبل له صلاة، لعله يتم الركوع ولا يتم السجود ويتم السجود ولا يتم الركوع) رواه أبو القاسم الأصبهاني، وحسنه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم (٢٥٣٥) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الصلاة ثلاثة أثلاث، الطهور ثلث، والركوع ثلث، والسجود ثلث، فمن أدَّاها بحقها قبلت منه وقبل منه سائر عمله، ومن رُدَّت عليه صلاته رُدَّ عليه سائرُ عمله) رواه البزار وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني وإسناده حسن، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/٣٥٢. وروى البخاري (أن حذيفة ﵁ رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده فلما قضى صلاته دعاه فقال له حذيفة: ما صليت وأحسبه قال ولو مُتَّ مُتَّ على غير سنة محمد ﷺ وفي رواية أخرى: (ما صليت ولو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمداً ﷺ . وغير ذلك من الأحاديث والآثار.\rوخلاصة الأمر أن الطمأنينة واجبة في الصلاة، لا تصح الصلاة بدونها، ومن صلَّى بدون تعديل لأركان الصلاة وواجباتها فلا صلاة له وكأنه لم يصل ويلزمه إعادتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345902,"book_id":3840,"shamela_page_id":282,"part":"6","page_num":204,"sequence_num":282,"body":"٢٠٤ - مقدار الوقت الفاصل بين الأذان والإقامة\r\rيقول السائل: هل هنالك وقتٌ مقدرٌ شرعاً للفصل بين الأذان والإقامة للصلوات الخمس، أفيدونا؟\r\rالجواب: المصلي إما أن يصلي منفرداً أو يصلي مع الجماعة، فإن صلى منفرداً، فالأفضل في حقه أن يصلي في أول الوقت، لما ثبت في الحديث عن أبي ذر ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها) رواه البخاري ومسلم، وعن ابن مسعود ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ فقال: الصلاة لوقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله) رواه مسلم. قال ابن بطال: [إن البدار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها؛ لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب] فتح الباري ٢/٢٩٤. وأما إذا صلى المصلي مع الجماعة، فإن الثابت من سنة النبي ﷺ وجود فاصل زمني بين الأذان والإقامة، ويدل على ذلك عدة أحاديث منها: حديث عبد الله بن مغفل المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بين كل أذانين صلاة - ثلاثاً-لمن شاء) رواه البخاري ومسلم، وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر الإقامة] ثم روى الحديث السابق، والمراد بقوله ﷺ (بين كل أذانين صلاة) أي بين الأذان والإقامة، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [بين كل أذانين أي أذان وإقامة، ولا يصح حمله على ظاهره، لأن الصلاة بين الأذانين مفروضة، والخبر ناطق بالتخيير لقوله (لمن شاء) ، وأجرى المصنف الترجمة مجرى البيان للخبر لجزمه بأن ذلك المراد، وتوارد الشراح على أن هذا من باب التغليب، كقولهم القمرين، الشمس والقمر، ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذان، لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة، كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت] فتح الباري ٢/١٤١. ومنها حديث أنس ﵁ قال: (كان المؤذن إذا أذن قام ناسٌ من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري حتى يخرج النبي ﷺ وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيءٌ) رواه البخاري، وقوله (ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء) أي لم يكن بينهما شيءٌ كثيرٌ، كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٢/١٤٢. وجاء في رواية أخرى عن أنس ﵁ قال: (كنا نصلي على عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقيل له: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا) رواه مسلم. وعن عبد الله بن مغفل أن رسول الله ﷺ قال: (صلوا قبل المغرب ركعتين، قال: صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء) كراهية أن يتخذها الناس سنة. رواه البخاري، والمراد بالصلاة قبل المغرب، أي بين الأذان والإقامة. ومنها حديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة) رواه البخاري. ومنها حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَسَاً، يفرغ الآكل من طعامه في مهل، ويقضي المتوضئ حاجته في مهل) رواه أحمد وفي سنده كلام لأهل الحديث، قال الإمام الشوكاني: [والحديث يدل على مشروعية الفصل بين الأذان والإقامة، وكراهة الموالاة بينهما لما في ذلك من تفويت صلاة الجماعة على كثير من المريدين لها؛ لأن من كان على طعامه، أو غير متوضئ حال النداء؛ إذا استمر على أكل الطعام أو توضأ للصلاة فاتته الجماعة أو بعضها بسبب التعجيل وعدم الفصل، لاسيما إذا كان مسكنه بعيداً من مسجد الجماعة، فالتراخي بالإقامة نوع من المعاونة على البر والتقوى المندوب إليها] نيل الأوطار ٢/١٠. ومنها حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لبلال: (يا بلال، إذا أذنت فترسل في أذانك، وإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني) رواه الترمذي وقال الإمام النووي: إسناده ضعيف، المجموع ٣/١١٨، وضعفه العلامة الألباني في إرواء الغليل حديث رقم ٢٢٨. والمعتصر هو الذي يريد قضاء حاجته ليتأهب للصلاة قبل دخول وقتها كما في النهاية لابن الأثير ٣/٢٢٣. وعن عن سالم أبي النضر أن النبي ﷺ كان يخرج بعد النداء إلى المسجد، فإن رأى أهل المسجد قليلاً جلس حتى يجتمعوا ثم يصلي) رواه البيهقي وإسناده قوي مع إرساله كما قال الحافظ في فتح الباري ٢/١٤٤. والذي تدل عليه هذه الأحاديث وغيرها هو مشروعية الفاصل الزمني بين الأذان والإقامة، وتقدير الفاصل الزمني بعدد معين من الدقائق كما هو المتعارف عليه الآن، لا بأس به، والمرجع في ذلك هو تمكين المصلين من ترك أعمالهم وإجابة الأذان وحضورهم إلى المسجد، واجتماعهم لصلاة الجماعة، ومطلوب من إمام المسجد أن يقدر ظروف المصلين وأحوالهم، فإذا كان المسجد في السوق أو قريباً منه، أو كان المصلى في مؤسسة كالجامعة مثلاً، فمطلوب تقصير الوقت بين الأذان والإقامة، حتى لا يلحق ضرراً بالمصلين من رواد السوق أو الموظفين والطلبة، وإذا كان المسجد في حي من الأحياء فلا بأس من إطالة وقت الانتظار بين الأذان والإقامة، وخاصة في صلاة الفجر فقد جرى عرف كثير من المساجد على جعل الوقت بين الأذان والإقامة ثلاثين دقيقة أو نحوها، فهذا أمرٌ حسنٌ، كي يستيقظ الناس ويتهيئوا للصلاة، وأما في صلاة المغرب خصوصاً، فينبغي تقصير وقت الانتظار بين الأذان والإقامة، لأن وقتها فيه ضيق وللأمر بتعجيلها ومراعاةً للخلاف. إذا تقرر هذا فلا بد من تذكير إخواننا المصلين بأنه لا داعي للخلافات حول وقت الانتظار بين الصلوات، فإذا زاد الوقت دقيقة أو بضع دقائق أو نقص، فلا حرج في ذلك، وينبغي التذكير بأن المسلم الذي ينتظر الصلاة فهو في صلاة، كما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث، اللهم اغفر له اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية أخرى عند أبي داود قال رسول الله ﷺ: (لا يزال العبد في صلاةٍ ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، تقول الملائكة اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يحدث) ، وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ (أخَّر ليلةً صلاة العشاء إلى شطر الليل ثم أقبل بوجهه بعدما صلَّى فقال: صلَّى الناس ورقدوا ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها) رواه البخاري، وينبغي لمن جلس منتظراً إقامة الصلاة أن يشتغل بالدعاء والذكر، ولا ينشغل بأحاديث الدنيا، فقد ورد في الحديث عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يردُّ الدعاءُ بين الأذان والإقامة) رواه النسائي وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/٦٥. وعن جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة) رواه البخاري. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة) رواه مسلم. وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة) رواه مسلم. فإذا دعا المسلم بهذه الأدعية أو بعضها تفرغ لصلاة السنة، ومن ثم يقرأ ما تيسر من الكتاب الكريم أو ذكر الله تعالى أو دعاه أو سكت، وإن تكلم فبكلام مباح ولا يشوش على المصلين.\rوخلاصة الأمر أن الفاصل الزمني بين الأذان والإقامة مشروع وثابت بالسنة النبوية، وتعيين مقداره مرجعه لإمام المسجد الذي يقدر مصلحة المصلين، بما يمكنهم من الاستعداد لصلاة الجماعة، وينبغي أن يعلم أن منتظر الصلاة فهو في صلاة وعليه أن يشغل نفسه بالذكر والدعاء وقراءة القرآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345903,"book_id":3840,"shamela_page_id":283,"part":"7","page_num":1,"sequence_num":283,"body":"١ - حكم نبش القبور\rيقول السائل: قام بعض الأشخاص بنبش بعض القبور في مقبرة بلدتنا لأغراض خبيثة، فما الحكم في هذه القضية، أفيدونا؟\r\rالجواب: حرمة المسلم حرمة عظيمة حياً كان أو ميتاً وقد ورد في الحديث قول الرسول ﷺ: (إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري ومسلم. وقال الرسول ﷺ: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٣٠. ونظر ابن عمر ﵁ يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: (ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) رواه الترمذي.\rولا شك أن حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً فلا يجوز الاعتداء عليه وهو ميت في قبره، كما لا يجوز الاعتداء عليه حال حياته، لأن حرمة المسلم ليست مقيدة بحال الحياة، بل تعم حال الحياة وحال الممات، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً) رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد وغيرهم، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل ٣/٢١٤. وجاء في رواية أخرى عند ابن ماجة: (كسر عظم الميت ككسر عظم الحيّ في الإثم) سنن ابن ماجة ١/٥١٦. وروى البخاري بإسناده عن عطاء قال: (حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف - موضع قريب من التنعيم بضواحي مكة المكرمة - فقال ابن عباس: هذه زوجة النبي ﷺ، فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها وارفقوا) ، قال الحافظ ابن حجر: [قوله (وارفقوا) إشارة إلى أنّ مراده السير الوسط المعتدل، ويستفاد منه أنّ حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته، وفيه حديث \" كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حياً \" أخرجه أبو داود وابن ماجة وصححه ابن حبان] فتح الباري ٩/١٤٢. وعن عمارة بن حزم قال: (رآني رسول الله ﷺ جالساً على قبر فقال يا صاحب القبر انزل عن القبر لا تؤذي صاحب القبر ولا يؤذيك) رواه الطبراني في الكبير، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح، فتح الباري٣/٢٨٥، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب حديث رقم ٣٥٦٦. وعن ابن مسعود ﵁ قال: (أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته) رواه ابن أبي شيبة في المصنف. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود ﵁: أنه سئل عن الوطء على القبر فقال: كما أكره أذى المؤمن في حياته فإني أكره أذاه بعد موته.\rإذا تقرر هذا فإنّ الأصل عند أهل العلم هو حرمة نبش قبور المسلمين، لأن نبشها يعتبر انتهاكاً لحرمةٍ أوجب الشرع حفظها وصيانتها، وقد قرر الفقهاء أنه لا يجوز نبش قبر الميت إلا لعذر شرعي وغرض صحيح، فالأصل هو حرمة نبش القبور إلا في حالاتٍ خاصة بيّنها الفقهاء، وقد لعن النبي ﷺ نبّاش القبور، فقد ورد في الحديث أنّ النبي ﷺ: (لعن المختفي والمختفية) رواه البيهقي والحاكم، وهو حديث صحيح كما بينه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٥/١٨١. وفي صحيح الجامع حديث رقم ٥١٠٢، والمقصود بالمختفي نباش القبور. واللعن هو الإبعاد من رحمة الله ﷾، وقال العلماء: اللعن على الفعل من أول الدلائل على تحريمه، واللعن لا يكون إلا على كبائر الذنوب، انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٣٠٨، ٢/٦٢. وقال الحافظ ابن عبد البر: [وفي لعن رسول الله ﷺ النباش دليل على تحريم فعله والتغليظ فيه كما لعن شارب الخمر وبائعها وآكل الربا ومؤكله] الاستذكار ٨/٣٤٤.\rإذا تقررت حرمة الميت فإن جماعة من الفقهاء قد قالوا بقطع يد النبّاش، وهو من يفتش القبور عن الموتى ليسرق أكفانهم وحليهم وما يتعلق بهم. وهذا قول جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وأبي يوسف من الحنفية وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وإسحاق بن راهويه والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وهو قول الظاهرية، وقرروا أنّ النبّاش يعتبر سارقاً تجري عليه أحكام السارقين، فتقطع يده إذا سرق من أكفان الموتى ما يبلغ نصاب السرقة، لأنّ الكفن مال متقوم سُرق من حرز مثله وهو القبر، فكما أنّ البيت المغلق في العمران يعتبر حرزاً لما فيه عادة، وإن لم يكن فيه أحد، فإن القبر يعتبر عادةً حرزاً لكفن الميت. واستدلوا بأدلّة منها: قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ سورة المائدة الآية ٣٨، حيث إنّ اسم السرقة يشمل النبّاش، لما روي عن عائشة ﵂ أنّها قالت: (سارق أمواتنا كسارق أحيائنا) رواه البيهقي في كتاب المعرفة. وعن يحيى النسائي قال كتبت إلى عمر بن عبد العزيز في النبّاش فكتب إليَّ إنّه سارق. ولقول النبي ﷺ: (من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه ومن نبش قطعناه) رواه البيهقي في كتاب المعرفة، قالوا ومعناه أنه سرق مالاً كامل المقدار من حرز لا شبهة فيه فتقطع يده كما لو سرق لباس الحي، لأن الآدمي محترم حياً وميتاً، ولأن السرقة أخذ المال على وجه الخفية، وذلك يتحقق من النبّاش وهذا الثوب - الكفن - كان مالاً قبل أن يلبسه الميت فلا تختل صفة المالية فيه بلبس الميت، فأما الحرز فلأن الناس تعارفوا منذ ولدوا إحراز الأكفان بالقبور، ولا يحرزونها بأحصن من ذلك الموضع، فكان حرزاً متعيناً له باتفاق جميع الناس، ولا يبقى في إحرازه شبهة، لما كان لا يحرز بأحصن منه عادةً، ولأنه روي (عن النبي ﷺ أنه أمر بقطع المختفي) ، قال الأصمعي: وأهل الحجاز يسمون النبّاش المختفي، إما لاختفائه بأخذ الكفن، وإما لإظهاره الميت في أخذ كفنه، وقد يسمى المظهر، وهو من أسماء الأضداد. ومن أدلة الجمهور أيضاً ما روي أن عبد الله بن الزبير ﵄ قطع نبّاشاً بعرفات وهو مجمع الحجيج، ولا يخفى ما جرى فيه على علماء العصر فما أنكره منهم منكر، ولأن جسد الميت عورة يجب سترها فجاز أن يجب القطع في سرقة ما سترها، ولأنّ قطع السرقة موضوع لحفظ ما وجب استبقاؤه على أربابه حتى ينزجر الناس عن أخذه، فكان كفن الميت أحق بالقطع لأمرين: أحدهما أنّه لا يقدر على حفظه على نفسه، والثاني أنّه لا يقدر على مثله عند أخذه.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٤٠/١٩-٢٠. بتصرف. وقال الشيخ ابن حزم الظاهري مؤيداً قول الجمهور بقطع النبّاش ورادَّاً على المخالفين: [ ... والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق: أنّ كل هذا لا معنى له، لكن الفرض هو ما افترض الله تعالى ورسوله ﵇ الرجوع إليه عند التنازع، إذ يقول تعالى ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ ففعلنا: فوجدنا الله تعالى يقول ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ ووجدنا رسول الله ﷺ قد أوجب القطع على من سرق بقوله ﵇ \" لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها \"، ووجدنا السارق في اللغة التي نزل بها القرآن وبها خاطبنا الله تعالى: هو الآخذ شيئاً لم يبح الله تعالى له أخذه، فيأخذه متملكا له، مستخفياً به فوجدنا النبّاش هذه صفته، فصح أنّه سارق، وإذ هو سارق، فقطع اليد على السارق، فقطع يده واجب وبه نقول. وأما من رأى قتله، أو قطع يده ورجله، فما نعلم له حجة، إلّا أن يكونوا رأوه محارباً وليس هاهنا دليل على أنّه محارب أصلاً؛ لأنّه لم يخف طريقاً، فليس له حكم المحارب، ودماؤنا حرام، فدم النبّاش حرام] المحلى ١٢/٣١٥-٣١٦. ومما يدل على قطع يد النبّاش ما رواه ابن أبي شيبة من آثار عن جماعة من السلف، فقد روى بإسناده عن معمر قال: بلغني أنّ عمر بن عبد العزيز قطع نبّاشاً. وروى بإسنده عن إبراهيم النخعي والشعبي قالا: يقطع سارق أمواتنا كما يقطع سارق أحيائنا. وروى بإسناده عن عطاء في النبّاش قال هو بمنزلة السارق , يقطع. وروى بإسناده عن أشعث قال: سألت الحسن عن النبّاش قال: يقطع, وسألت الشعبي فقال: يقطع. وروى بإسناده عن الحكم وحماد عن إبراهيم النخعي في النبّاش قال: يقطع. وروى بإسناده عن حماد وأصحابه قالوا: يقطع النبّاش لأنّه قد دخل على الميت بيته. وروى بإسناده عن مكحول قال: لا يقطع إلا أن يكون للقبر باب. وروى بإسناده عن عبد الله بن مرة قال: النبّاش لص فاقطعه. وروى بإسناده عن حجاج أنّ مسروقاً وإبراهيم النخعي والشعبي وزاذان وأبا زرعة بن عمرو بن جرير كانوا يقولون في النبّاش: يقطع. المصنف ١٠/٣٤-٣٥.\rوخلاصة الأمر أنّ نبش القبور لسرقة ما فيها ,من المحرمات بل من الكبائر، وتقطع يد النبّاش على الراجح من أقوال أهل العلم إذا سرق ما يبلغ نصاب القطع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345904,"book_id":3840,"shamela_page_id":284,"part":"7","page_num":2,"sequence_num":284,"body":"٢ - اصطفاف أهل الميت عند المقبرة لتقبل التعزية\rيقول السائل: ما قولكم فيما يفعله كثير من الناس في بلادنا بعد الانتهاء من دفن الميت يقف أهل الميت صفاً ويمر الحاضرون عليهم يعزونهم فهل هذه الطريقة مشروعة، أفيدونا؟ الجواب: من المعلوم أن تعزية أهل الميت من السنة فقد وردت فيها أحاديث منها أن النبي ﷺ قال: (ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله ﷿ من حلل الكرامة يوم القيامة) رواه ابن ماجة والبيهقي بإسناد حسن كما قال الإمام النووي في الأذكار ص ١٢٦.\rومنها ما رواه الإمام النسائي عن خالد بن ميسرة قال سمعت معاوية بن قرة عن أبيه قال: (كان نبي الله ﷺ إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه فحزن عليه ففقده النبي ﷺ فقال: مالي لا أرى فلاناً، قالوا يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي ﷺ فسأله عن بنيه فأخبره أنه هلك فعزاه عليه ثم قال: يا فلان أيما كان أحب إليك أن تمتع به عمرك أو لا تأتي غداً إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك قال يا نبي الله بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي لهو أحب إلي قال فذاك لك) ورواه أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وصححه العلامة الألباني في أحكام الجنائز ص ١٦٢ وغير ذلك من الأحاديث.\rوليس للتعزية لفظ معين وإنما يعزي أهل الميت بما يظن أنه يسليهم ويخفف عنهم مصابهم ويحثهم على الرضا بما قدَّر الله ويحثهم على الصبر، فألفاظ التعزية بابها واسع فتجوز بكل لفظ يدعو إلى الصبر ما لم يتضمن مخالفة للشرع قال الإمام الشافعي [وليس في التعزية شيء مؤقت يقال لا يُعدى إلى غيره] الأم ١/٢٧٨. وقال الإمام النووي: [وأما لفظ التعزية فلا حجر فيه فبأي لفظ عزاه حصل ... وأحسن ما يعزى به ما روينا في صحيح البخاري ومسلم. عن أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلت إحدى بنات النبي ﷺ إليه تدعوه وتخبره أن صبياً لها أو ابناً في الموت فقال للرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر وتحتسب ...] الأذكار ص ١٢٧. وتمام الحديث السابق هو عن أسامة بن زيد ﵄ قال: (أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه إن ابناً لي قبض فأتنا فأرسل يقرئ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال فرفع إلى رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تتقعقع قال حسبته أنه قال كأنها شن ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا فقال هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) رواه البخاري ومسلم.\rإذا تقرر هذا فإن وقوف أهل الميت بعد الدفن صفاً واحداً ومرور المعزين عليهم لا بأس فيه ولا حرج فيه إن شاء الله تعالى لأنه وسيلة من وسائل التعزية ومن المعلوم عند العلماء أن للوسائل أحكام المقاصد، قال الإمام العز بن عبد السلام: للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل) قواعد الأحكام ١/٤٦.\rوقال الإمام شهاب الدين القرافي: [وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل غير أنَّها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة، ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد وسيلة الوسيلة] الفروق\rوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين [وقد قال أهل العلم للوسائل أحكام المقاصد فما كان وسيلةٌ لمطلوبٍ فهو مطلوب وما كان وسيلةً لمنهيٍ منه فهو منهيٌ عنه] عن شبكة الإنترنت.\rوبناءً على ما سبق فلا حرج في اصطفاف أهل الميت عند المقبرة لتقبل التعزية فإن هذا الاصطفاف وسيلة لتحقيق السنة وهي التعزية ولا يوجد أي مخالفة شرعية في هذا الاصطفاف لأنه وسيلة إلى تحقيق مقصد مشروع، قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز في فتوى له عن حكم جمع أهل الميت في صف واحد حتى تتم تعزيتهم [يقوم بعض المعزين بإخراج أهل الميت بعيداً عن القبور، ووضعهم في صف حتى تتم معرفتهم وتعزيتهم بنظام، ولا تهان القبور، ما حكم ذلك؟ فأجاب: لا أعلم في هذا بأساً؛ لما فيه من التيسير على الحاضرين لتعزيتهم.] عن شبكة الإنترنت.\rوقال الشيخ العلامة العثيمين في مثل هذه المسألة قال: [الأصل أن هذا لا بأس به؛ لأنهم يجتمعون جميعاً من أجل الحصول على كل منهم ليعزى، ولا أعلم في هذا بأس.] عن شبكة الإنترنت.\rوأجاب الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ مفتي السعودية الحالي عن سؤال ورد فيه [يصف المعزون في المقبرة صفاً بعد دفنهم ميتهم ويمر الناس عليهم ... فأجاب [هذه الصفة المذكورة إن خلت عن محاذير شرعية وكانت لمجرد التعرف على أولياء الميت الذين أصيبوا بفقد هذا الميت، فإني لا أرى فيها بأساً ... ] عن شبكة الإنترنت.\rوخلاصة الأمر أنه لا حرج في اصطفاف أهل الميت لتقبل التعازي من الناس لأن ذلك وسيلة لتحقيق سنة التعزية، وللوسائل أحكام المقاصد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345905,"book_id":3840,"shamela_page_id":285,"part":"7","page_num":3,"sequence_num":285,"body":"٣ - الغسل من تغسيل الميت\rيقول السائل: كنا في جنازة فقال أحد الحاضرين إنه قد ورد عن النبي ﷺ حديث يفيد أن من غسَّل الميت فعليه الغسل ومن حمله فعليه الوضوء، فما قولكم في ذلك؟ الجواب: ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من غسَّل الميت فليغتسل ومن حمله فليتوضأ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، وهذا الحديث قد اختلف فيه العلماء اختلافاً كبيراً فمنهم من ضعفه\rقال الإمام الشوكاني: [قال علي بن المديني وأحمد بن حنبل: لا يصح في الباب شيء. وهكذا قال الذهبي فيما حكاه الحاكم في تاريخه (ليس فيمن غسل ميتاً فليغتسل) حديث صحيح. وقال الذهلي: لا أعلم فيه حديثاً ثابتاً ولو ثبت للزمنا استعماله. وقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث يثبت. وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه: لا يرفعه الثقات إنما هو موقوف. وقال الرافعي: لم يصحح علماء الحديث في هذا الباب شيئاً مرفوعاً.] نيل الأوطار ١/ ٢٧٩.\rوقال الإمام النووي [وليس في الغسل من غسل الميت شيء صحيح] المجموع ٢/٢٠٤.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [حديث: (من غسل ميتا فليغتسل) أحمد والبيهقي، من رواية ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، بهذا، وزاد (ومن حمله فليتوضأ) وصالح ضعيف، ورواه البزار، من رواية العلاء، عن أبيه، ومن رواية محمد بن عبد الرمن بن ثوبان، ومن رواية أبي بحر البكراوي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كلهم عن أبي هريرة، ورواه الترمذي وابن ماجة، من حديث عبد العزيز بن المختار، وابن حبان، من رواية حماد بن سلمة كلاهما، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة، ورواه أبو داود، من رواية عمرو بن عمير، وأحمد من رواية شيخ يقال له أبو إسحاق، كلاهما عن أبي هريرة، وذكر البيهقي له طرقاً وضعفها، ثم قال: والصحيح أنه موقوف، وقال البخاري: الأشبه موقوف. وقال علي – ابن المديني - وأحمد: لا يصح في الباب شيء، نقله الترمذي عن البخاري عنهما، وعلق الشافعي القول به على صحة الخبر، وهذا في البويطي. وقال الذهلي: لا أعلم فيه حديثاً ثابتاً، ولو ثبت للزمنا استعماله. وقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث يثبت، وقال ابن أبي حاتم في العلل، عن أبيه: لا يرفعه الثقات، إنما هو موقوف] التلخيص الحبير ١/١٣٦.\rومن العلماء من قال إن هذا الحديث منسوخ، والنسخ عند الأصوليين هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر. وممن قال بأنه منسوخ الإمام أحمد وأبو داود صاحب السنن وغيرهما، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني [وقد أجاب أحمد عنه بأنه منسوخ، وكذا جزم بذلك أبو داود] التلخيص الحبير ١/ ١٣٨.\rويدل على أنه منسوخ ما يلي: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهراً وليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي وضعفه إلا أن الحافظ ابن حجر العسقلاني ردَّ تضعيفه وحسَّن الحديث في التلخيص الحبير ١/ ١٣٨، وحسنه العلامة الألباني في أحكام الجنائز ص ٥٤.\rومما يدل على النسخ أيضاً ما رواه مالك في الموطأ (أن أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق ﵁ غسَّلت أبا بكر حين توفي ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إن هذا يوم شديد البرد وأنا صائمة فهل علي من غسل قالوا: لا) ورواه البيهقي وقال وله شواهد عن ابن أبي مليكة عن عطاء عن سعد بن إبراهيم وكلها مراسيل.\rومما يدل على النسخ أيضاً حديث عمر ﵁ قال (كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل) أخرجه الخطيب وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: إسناد صحيح، التلخيص الحبير ١/ ١٣٨.\rوقال ابن عباس ﵄ (لا غسل عليكم من غسل الميت) رواه الدارقطني والحاكم مرفوعاً وصحح البيهقي وقفه وقال: لا يصح رفعه.\rومن العلماء من قال إن الحديث لا يقل عن درجة الحسن، قال الحافظ ابن حجر [وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسناً، فإنكار النووي على الترمذي تحسينه معترض، وقد قال الذهبي في مختصر البيهقي: طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء، ولم يعلوها بالوقف، بل قدموا رواية الرفع] التلخيص الحبير ١/ ١٣٧.\rوالذين ثبت عندهم الحديث اختلفوا فمنهم من قال الأمر بالاغتسال في الحديث للوجوب وهو قول ابن حزم الظاهري وقوله مردود، ومنهم من قال إن الأمر في الحديث محمول على الندب لا على الوجوب فيسن الغسل من تغسيل الميت، قال الإمام الشوكاني [وهو من الأدلة الدالة على استحباب الغسل دون وجوبه وهو أيضاً من القرائن الصارفة عن الوجوب فإنه يبعد غاية البعد أن يجهل أهل ذلك الجمع الذين هم أعيان المهاجرين والأنصار واجباً من الواجبات الشرعية ولعل الحاضرين منهم ذلك الموقف جلهم وأجلهم لأن موت مثل أبي بكر حادث لا يظن بأحد من الصحابة الموجودين في المدينة أن يتخلف عنه وهم في ذلك الوقت لم يتفرقوا كما تفرقوا من بعد] نيل الأوطار ١/٢٨١.\rوقال العلامة الألباني بعد أن فصَّل الكلام على طرق الحديث: [وبالجملة، هذه خمسة طرق للحديث بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف منجبر، فلا شك في صحة الحديث عندنا، ولكن الأمر فيه للاستحباب لا للوجوب لأنه قد صح عن الصحابة أنهم كانوا إذا غسلوا الميت فمنهم من يغتسل ومنهم من لا يغتسل] إرواء الغليل ١/١٧٥.\rومن العلماء من رأى أن المراد بالغسل غسل الأيدي لما ورد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهراً وليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) . هذا ما يتعلق بالغسل من تغسيل الميت.\rوأما مسألة الوضوء من حمل الميت فالصحيح من أقوال أهل العلم أن ذلك ليس بواجب ولا مندوب، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [وهذا قول أكثر الفقهاء وهو الصحيح إن شاء الله لأن الوجوب من الشرع ولم يرد في هذا نص , ولا هو في معنى المنصوص عليه فبقي على الأصل ولأنه غسل آدمي فأشبه غسل الحي] المغني ١/١٤١.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي في موضع آخر [ولذلك لا يعمل به في وجوب الوضوء على من حمله وقد ذكر لعائشة قول أبي هريرة (ومن حمله فليتوضأ) قالت: وهل هي إلا أعواد حملها , ذكره الأثرم بإسناده ولا نعلم أحداً قال به في الوضوء من حمله] المغني ١/١٥٥. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز [أما حمله فلم يصح في الوضوء منه شيء، ولا يستحب الوضوء من حمله؛ لعدم الدليل على ذلك] مجلة الدعوة العدد ١٥٥٧.\rومن أهل العلم من قال إن ذكر الوضوء في الحديث ليكون الحامل للميت مستعداً لصلاة الجنازة، قال الإمام الباجي المالكي [وأمر الحامل للميت أن يتوضأ قبل أن يحمله ليكون على طهارة إذا صلى عليه فيصلي مع المصلين عليه] المنتقى شرح موطأ مالك ٢/٤٥٥.\rوخلاصة الأمر أنه يستحب الغسل لمن غسَّل الميت، لأن الحديث الوارد لا يقل عن درجة الحسن، ولا وضوء على من حمل الميت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345906,"book_id":3840,"shamela_page_id":286,"part":"7","page_num":4,"sequence_num":286,"body":"٤ - ألفاظ التعزية\rيقول السائل: يستعمل بعض الناس ألفاظاً عند التعزية كقولهم (البقية في حياتك) وقولهم (يسلم رأسك) فما حكم هذه العبارات أفيدونا؟ الجواب: التعزية من السنة وهي مستحبة عند أهل العلم فقد ورد في الحديث أن النبي ? قال: (ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله ﷿ من حلل الكرامة يوم القيامة) رواه ابن ماجة والبيهقي بإسناد حسن كما قال الإمام النووي في الأذكار ص ١٢٦. وعن أم سلمة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه) رواه مسلم. وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن جعفر في قصة استشهاد جعفر بن أبي طالب ﵁ وفيها (فقال اللهم اخلف جعفراً في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه قالها ثلاث مرار) قال العلامة الألباني: وإسناده صحيح على شرط مسلم، أحكام الجنائز ص ١٦٦. وعن بريدة الأسلمي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يتعهد الأنصار، ويعودهم، ويسأل عنهم، فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره، وأنها جزعت عليه جزعاً شديداً، فأتاها النبي ﷺ ومعه أصحابه، فلما بلغ باب المرأة، قيل للمرأة: إن نبي الله يريد أن يدخل، يعزيها، فدخل رسول الله ﷺ فقال: أما إنه بلغني أنك جزعت على ابنك، فأمرها بتقوى الله وبالصبر، فقالت: يا رسول الله مالي لا أجزع وإني امرأة رقوب لا ألد، ولم يكن لي غيره؟ فقال رسول الله ﷺ: الرقوب: الذي يبقى ولدها، ثم قال: ما من امرىء أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد يحتسبهم إلا أدخله الله بهم الجنة، فقال عمر وهو عن يمين النبي ﷺ: بأبي أنت وأمي واثنين؟ قال: واثنين.) قال العلامة الألباني [رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. قلت – الألباني - بل هو على شرط مسلم فإن رجاله كلهم رجال صحيحه، لكن أحدهم فيه ضعف من قبل حفظه لكن لا ينزل حديثه هذا عن رتبة الحسن والحديث أورده الهيثمي في المجمع ... وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح] أحكام الجنائز ص ١٦٥. إذا تقرر هذا فإن ألفاظ التعزي بابها واسع فتجوز بكل لفظ يدعو إلى الصبر ما لم يتضمن مخالفة للشرع قال الإمام الشافعي [وليس في التعزية شيء مؤقت يقال لا يُعدى إلى غيره] الأم ١/٢٧٨. وقال الإمام النووي: [وأما لفظ التعزية فلا حجر فيه فبأي لفظ عزاه حصلت واستحب أصحابنا أن يقول في تعزية المسلم للمسلم أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك ... وأحسن ما يعزى به ما روينا في صحيح البخاري ومسلم. عن أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلت إحدى بنات النبي ﷺ إليه تدعوه وتخبره أن صبياً لها أو ابناً في الموت فقال للرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر وتحتسب ...] الأذكار ص ١٢٧. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولا نعلم في التعزية شيئاً محدوداً, إلا أنه يروى أن النبي ﷺ ﴿عزى رجلاً , فقال: رحمك الله وآجرك.﴾ رواه الإمام أحمد. وعزى أحمد أبا طالب, فوقف على باب المسجد فقال: أعظم الله أجركم, وأحسن عزاءكم. وقال بعض أصحابنا: إذا عزى مسلماً بمسلم قال: أعظم الله أجرك, وأحسن عزاك, ورحم الله ميتك. واستحب بعض أهل العلم أن يقول ما روى جعفر بن محمد, عن أبيه, عن جده, قال: ﴿لما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية, سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة, وخلفا من كل هالك, ودركا من كل ما فات, فبالله فثقوا, وإياه فارجوا, فإن المصاب من حرم الثواب.﴾ رواه الشافعي في مسنده] المغني ٢/٤٠٥. وقال الشوكاني: [وأصل العزاء في اللغة: الصبر الحسن, والتعزية: التصبر, وعزَّاه: صبَّره, فكل ما يجلب للمصاب صبراً يقال له تعزية بأي لفظ كان ... ] نيل الأوطار ٤/١٠٩. وقال الحطاب المالكي [وأما ألفاظ التعزية فقال في الجواهر إثر كلامه المتقدم ذكر ابن حبيب ألفاظاً في التعزية عن جماعة من السلف , ثم قال والقول في ذلك واسع إنما هو على قدر منطق الرجل وما يحضره في ذلك من القول وقد استحسنت أن أقول: أعظم الله أجرك على مصيبتك , وأحسن عزاءك عنها , وعقباك منها غفر الله لميتك ورحمه , وجعل ما خرج إليه خيراً مما خرج عنه.] . مواهب الجليل شرح مختصر خليل ٣/٣٨. وقد وردت عبارات كثيرة عن السلف في التعزية منها ما رواه الطبراني في كتاب الدعاء بإسناده \" عن محمود بن لبيد، عن معاذ بن جبل ﵁ أنه مات ابن له، فكتب إليه رسول الله ﷺ يعزيه بابنه، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى معاذ بن جبل، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لاإله إلا هو، أمابعد، فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله الهنية، وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كثير، الصلاة والرحمة والهدى، إن احتسبته بالصبر، ولا يحبط جزعك أجرك، فتندم على مافاتك من ثواب مصيبتك، فإنك لو اطلعت على ثواب مصيبتك، لعرفت أن المصيبة قد قصرت عن الثواب ـ وهذه الزيادة في بعض طرقه ـ ثم قال: وما هو نازل بك فكأن قد، والسلام \". ورواه الحاكم في المستدرك وقال: غريب حسن]\rوبناءً على ما سبق فإنه لم يرد في الشرع لفظ معين للتعزية وخاص بها، لا تصح إلا به، بل الأمر في ذلك واسع ومطلق، وكل ما أطلقه الشارع الحكيم يبقى على إطلاقه، لذلك تصح التعزية بكل لفظ يفيد التصبر والرضا بما قدر الله ﷿ نحو: عظم الله أجرك وألهمك الصبر والسلوان ونحو أحسن الله عزاءك، وجبر مصيبتك، وأعظم أجرك، وغفر لميتك، وهذه العبارات تقال في تعزية المسلم بالمسلم. وفي تعزية المسلم بالكافر يقول: (أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك.)\rومن المعلوم أنه يجوز للمسلم أن يعزي غير المسلم في ميته وهذا قول جمهور أهل العلم وذكر العلماء عدة عبارات تقال في هذه التعزية منها: (أخلف الله عليك ولا نقص عددك) ومنها (أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحداً من أهل دينك) (ألهمك الله الصبر وأصلح بالك) ومنها (أكثر الله مالك وأطال حياتك أو عمرك) ومنها (لا يصيبك إلا خير) وفي تعزية الكافر بالمسلم يقول: (أحسن الله عزاءك وغفر لميتك)\rوأخيراً فإن التعزية بعبارة (يسلم رأسك) لا حرج فيها حيث إنها متضمنة للدعاء للمخاطب بالسلامة، وكذلك عبارة (البقية في حياتك) لا بأس بالتعزية بها حيث فيها الدعاء بأن يكون الخير في بقية حياة المخاطب، ولكن الأولى والأفضل هو ما ورد من ألفاظ التعزية في السنة النبوية. وقد سئل فضيلة الشيخ العلامة محمد العثيمين: عن حكم قول: (البقية في حياتك) عند التعزية ورد أهل الميت بقولهم (حياتك الباقية) . فأجاب بقوله: لا أرى فيها مانعاً إذا قال الإنسان (البقية في حياتك) لا أرى فيها مانعاً، ولكن الأولى أن يقال إن في الله خلف من كل هالك، أحسن من أن يقال (البقية في حياتك) ، كذلك الرد عليه إذا غير المعزي هذا الأسلوب فسوف يتغير الرد.] عن الإنترنت\rوخلاصة الأمر أن استعمال الألفاظ الواردة في السنة في التعزية هو الأحسن والأفضل ولكن لو استعمل ألفاظاً أخرى لا تتضمن محذوراً شرعياً فلا حرج إن شاء الله ومنها قولهم (يسلم رأسك) وقولهم (البقية في حياتك) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345907,"book_id":3840,"shamela_page_id":287,"part":"7","page_num":5,"sequence_num":287,"body":"٥ - حكم الجلوس للتعزية ثلاثة أيام\rيقول السائل: ما قولكم فيما تعارف عليه الناس في بلادنا من فتح بيت العزاء لمدة ثلاثة أيام ليقصده المعزون؟ الجواب: من المعلوم أن التعزية من السنة فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله ﷿ من حلل الكرامة يوم القيامة) رواه ابن ماجة والبيهقي بإسناد حسن كما قال الإمام النووي في الأذكار ص ١٢٦وغير ذلك من الأحاديث.\rوأما الجلوس للتعزية في بيت العزاء ثلاثة أيام كما جرى به عرف الناس في بلادنا فلا بأس به إن خلا من المنكرات والبدع وقد قال بهذا جماعة من أهل العلم وهو قول الحنفية وقول في مذهب الحنابلة والمالكية، فقد قال الكمال ابن الهمام الحنفي [ويجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة أيام، وهو خلاف الأَولى] شرح فتح القدير٢/١٥٠\rوذكر الشيخ علاء الدين الحصكفي الحنفي أنه لا بأس بالجلوس للتعزية في غير مسجد ثلاثة أيام وبين العلامة ابن عابدين أن استعمال لا بأس في كلام الحصكفي على حقيقته لأن الجلوس خلاف الأَوْلى وقد سبق ذلك في كلام ابن الهمام. انظر رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار ٢/ ٢٤١. ونقل الطحطاوي عن بعض الحنفية أنه لا بأس بالجلوس لها ثلاثة أيام من غير ارتكاب محظور، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣٣٩\rوقال المرداوي الحنبلي: [وعنه الرخصة فيه - أي الإمام أحمد - لأنه عزى وجلس، قال الخلل: سهل الإمام أحمد في الجلوس إليهم في غير موضع ... ] الإنصاف ٢/٥٦٥ وانظر أيضاً حاشية الدسوقي المالكي على الشرح الكبير ١/٤١٩\rوقد قال جماعة من العلماء بأن الجلوس للعزاء مكروه واستدلوا على ذلك بما ورد عن جرير بن عبد اللَّه البجلي ﵁ قال: (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة) . رواه أحمد وابن ماجة وإسناده صحيح وهذا الأثر لا يدل على منع الجلوس للعزاء وإنما يدل على منع الجلوس مع صنع أهل الميت للطعام فهذان الأمران من النياحة وأما مجرد الجلوس للعزاء فلا يعد من النياحة ويضاف إلى ذلك أنه مع كثرة الناس واتساع المدن والقرى فمن الصعوبة بمكان تعزية أهل الميت دون فتح بيت للعزاء يجلسون فيه ليقصدهم من أراد تعزيتهم وقد كان في الزمن الماضي يمكن تعزية أهل الميت في الطريق أو السوق أو في أي مكان لقيتهم فيه فكيف يمكن أن يتحقق ذلك في المدن الكبيرة وخاصة مع كثرة الناس وانشغالهم في أعمالهم فقد يؤدي القول بمنع الجلوس للتعزية إلى تفويت سنة التعزية ويدل على جواز الاجتماع للتعزية ما رواه البخاري بإسناده عن عروة عن عائشة زوج النبي ﷺ (أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها ثم قالت كلن منها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن) والتلبينة حساء يصنع من دقيق أو نخالة وربما جعل فيه عسل كما بينه الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٩/٦٨١ فهذه عائشة ﵂ كانت النسوة يجتمعن عندها للعزاء\rوقال الشيخ صالح آل الشيخ بعد أن ذكر القول بمنع الاجتماع [إن الشيخ عبد العزيز بن باز وبقية المشايخ يقولون لا بأس بالاجتماع، وهذا القول هو الأولى والراجح؛ لأن الاجتماع إلى أهل الميت في هذا الزمن يحصل به التعزية والتعزية سنة وعمل مشروع قد قال ﵊ من عزى مصاباً فله مثل أجره، والمواساة مشروعة، وإذا تفرق الناس فلن تحصل المواساة والتعزية إلا بكَلَفة؛ يعني أين تلقاه هل في العمل الفلاني ستجده أو في بيته أو خرج، سيكون هناك مشقة في التتبع وفوت للتعزية. ولهذا قال من أفتى بمشروعية الاجتماع قال: إنه يدخل تحت قاعدة الوسيلة للمشروع مشروعة، وأن الوسائل لها أحكام المقاصد، فلما كان المقصد وهو السعي مشروعاً فوسيلته الآن وهي الاجتماع مشروعة، ... هنا هل الاجتماع يُعد من النياحة؟ الاجتماع لا يعد من النياحة إلا إذا انضم إليه أن يصنع أهل الميت الطعام للحاضرين جميعاً ليظهر الفخر وليظهر كثرة من يحضر الوليمة ونحو ذلك، وهذا موجود كان في الجاهلية، ولهذا جاء في حديث أبي أيوب (كذا) كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة. فالنياحة تشمل شيئين صنع الطعام مع الاجتماع لماذا؟ لأن أهل الميت هم الذين يصنعون الطعام ويدعون الناس ليقال هذا عزاء فلان إنه أكبر عزاء، أو إنهم اجتمعوا لأجل فلان ... وهم الذين يتكلفون بصنع الطعام وبنحر الإبل وذبح الذبائح؛ ليكثر من يجتمعوا عليها، هذه النياحة المنهي عنها بالاتفاق أما الاجتماع اجتماع المواساة والعزاء دون صنع الطعام ودون تكلف، فإن هذا لا يدخل في النياحة ... ] عن شبكة الإنترنت.\rويجب التنبيه إلى أن الاجتماع للتعزية والجلوس لها يجب أن يخلو من البدع التي يفعلها كثير من الناس وخاصة ما يسمى بقراءة الختمة للأموات فهذه من البدع المنتشرة في بلادنا حيث يجلس مجموعة من الناس بعد دفن الميت فيجلسون بعد صلاة العصر في يوم الوفاة ويومين بعده فيقرؤون السور الأخيرة من القرآن الكريم ابتداءً من سورة الضحى إلى سورة الناس ثم يقرؤون سورة الفاتحة وفواتح سورة البقرة وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة وبعض الآيات الأخرى ثم يأتون ببعض الأذكار ويهللون مئة مرة ونحو ذلك. وقد يستأجرون بعض المتاجرين بالقراءة على الأموات الذين يحترفون هذا العمل فيحضرونهم ومعهم مكبرات الصوت فيقرؤون الختمة بأجر متفق عليه وبعد الانتهاء يأكلون ما أعد لهم من طعام أو حلويات ويشربون القهوة والشاي وغيرها، ويفعلون هذه البدعة ثلاثة أيام اعتباراً من يوم الدفن، ثم يفعلونها ثلاثة أيام خميس تالية ثم في الأربعين وبعضهم يفعلها في ذكرى مرور سنة على وفاة الميت وبعضهم يزيد على ذلك. وهذا الأمر بدعة فلم ينقل عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم فعل مثل ذلك فهذه الختمة طريقة مبتدعة في قراءة القرآن وفي الذكر. ثم إن تخصيص هذه الأوقات وهي ثلاثة أيام من يوم الدفن وثلاثة أيام خميس ويوم الأربعين، بهذه الختمة وهذه الأذكار لم يقم عليه دليل من الشرع ولا يصح عند العلماء تخصيص زمان معين بعبادة معينة إلا بدليل شرعي ولا دليل على ذلك.\rوخلاصة الأمر أنه لا بأس بالجلوس للتعزية بشرط أن يخلو ذلك من البدع والمنكرات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345908,"book_id":3840,"shamela_page_id":288,"part":"7","page_num":6,"sequence_num":288,"body":"٦ - السهو في صلاة الجنازة\rيقول السائل: سها الإمام في صلاة الجنازة فسلَّم بعد التكبيرة الثالثة فسبح بعض المصلين فجاء الإمام بالتكبيرة الرابعة ولكن بعض المصلين أعادوا صلاة الجنازة مرة ثانية فما الحكم في ذلك؟ الجواب: اتفق جماهير أهل العلم على أن صلاة الجنازة أربع تكبيرات وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها عن أبي هريرة ﵁ (أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربعاً) رواه البخاري ومسلم.\rوعن جابر ﵁ (أن النبي ﷺ صلى على أصحمة النجاشي فكبر أربعاً) رواه البخاري ومسلم.\rوعن يزيد بن ثابت ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ ذات يوم فلما ورد البقيع فإذا هو بقبر جديد فسأل عنه فقالوا: فلانة مولاة بني فلان قال: فعرفها وقال: ألا آذنتموني بها؟ قالوا: ماتت ظهراً وكنت قائلاً صائماً فكرهنا أن نؤذيك قال: فلا تفعلوا لا أعرفن ما مات منكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به فإن صلاتي عليه رحمة ثم أتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه أربعاً) أخرجه النسائي، وابن ماجة وابن حبان والبيهقي وإسناده صحيح على شرط مسلم قاله الألباني في أحكام الجنائز ص ٨٩ وغير ذلك من الأحاديث.\rقال الحافظ ابن عبد البر: [اختلف السلف في عدد التكبير على الجنازة ثم اتفقوا على أربع تكبيرات وما خالف ذلك شذوذ يشبه البدعة والحدث. حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا ابن وضاح قال: حدثنا موسى بن معاوية عن وكيع عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل قال: جمع عمر الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة وجمعهم على أربع تكبيرات قال: وحدثنا وكيع عن مسعر عن عبد الملك الشيباني عن إبراهيم قال: اجتمع أصحاب محمد ﷺ في بيت أبي مسعود فأجمعوا على أن التكبير أربع] فتح المالك ٤/٢٨٨.\rثم قال الحافظ ابن عبد البر: [وما جمع عمر عليه الناس أصح وأثبت مع صحة السنن فيه عن النبي ﷺ أنه كبر أربعاً وهو العمل المستفيض بالمدينة ومثل هذا يحتج فيه بالعمل لأنه قلَّ يوم أو جمعة إلا وفيه جنازة وعليه الجمهور وهم الحجة وبالله التوفيق] المصدر السابق ٤/٢٩٠.\rإذا تقرر هذا فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أن صلاة الجنازة أربع تكبيرات واتفقت المذاهب الأربعة على أن التكبيرات الأربع ركن من أركان صلاة الجنازة لا تصح الصلاة بدونها.\rوبناء على ذلك فإن تركت تكبيرة من الأربع عمداً فقد بطلت الصلاة وأما إن سها الإمام فسلم بعد الثالثة كما في السؤال فإنه يسبح له ليرجع فيكبر الرابعة فإن لم يرجع الإمام كبر المأمومون الرابعة وسلموا لأنفسهم.\rقال الإمام البخاري: [باب التكبير على الجنازة أربعاً وقال حميد صلى بنا أنس ﵁ فكبر ثلاثاً ثم سلم فقيل له فاستقبل القبلة ثم كبر الرابعة ثم سلم] صحيح البخاري مع الفتح ٣/٢٥٧.\rوروى عبد الرزاق بسنده عن قتادة عن أنس أنه كبر على جنازة ثلاثاً ثم انصرف ناسياً فتكلم وكلم الناس فقالوا: يا أبا حمزة: إنك كبرت ثلاثاً قال: فصفوا ففعلوا فكبر الرابعة] مصنف عبد الرزاق ٣/٤٨٦.\rوقال الحافظ ابن عبد البر: [وذكر الفزاري عن حميد عن أنس أنه صلى على جنازة فكبر ثلاثاً ثم سلَّم فقيل له: إنما كبرت ثلاثاً فاستقبل القبلة فكبر الرابعة ثم سلم] فتح المالك ٤/٢٨٩-٢٩٠.\rوورد في الفتاوى الهندية نقلاً عن الفتاوى التتارخانية: [ولو سلم الإمام بعد الثالثة ناسياً كبر الرابعة ويسلم] الفتاوى الهندية ١/١٦٥.\rوقال الدسوقي المالكي: [إن الإمام إذا سلَّم عن أقل من أربع تكبيرات فإن مأمومه لا يتبعه بل إن كان نقص ساهياً سبح له فإن رجع وكمل سلموا معه وإن لم يرجع وتركهم كبروا لأنفسهم وصحت صلاتهم مطلقاً تنبه عن قرب وكمل صلاته أم لا وقيل إن لم يتنبه عن قرب فإن صلاتهم تبطل تبعاً لبطلان صلاة الإمام والأول هو المعتمد وإن كان نقص عمداً وهو يراه مذهباً لم يتبعوه وأتوا بتمام الأربع وصحت لهم وله وإن كان لا يراه مذهباً بطلت عليهم ولو أتوا برابعة تبعاً لبطلانها على الإمام وحينئذ فتعاد ما لم تدفن فإن دفنت صلي على القبر على ما قال المصنف ...] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/٤١١.\rوينبغي أن يعلم أن أهل العلم قد اتفقوا على أنه لا يشرع سجود السهو في صلاة الجنازة؛ لأن صلاة الجنازة لا ركوع ولا سجود فيها. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وروي عن ابن عباس أنه كبر على الجنازة ثلاثاً ولم يعجب ذلك أبا عبد الله وقال: قد كبر أنس ثلاثاً ناسياً فأعاد ولأنه خلاف ما نقل عن النبي ﷺ ولأن الصلاة الرباعية إذا نقص منها ركعة بطلت كذلك هاهنا فإن نقص منها تكبيرة عامداً بطلت كما لو ترك ركعة عمداً وإن تركها سهواً احتمل أن يعيدها كما فعل أنس ويحتمل أن يكبرها ما لم يطل الفصل كما لو نسي ركعة ولا يشرع لها سجود سهو في الموضعين] المغني ٢/٣٨٥.\rوخلاصة الأمر أن الإمام في صلاة الجنازة إذا سها فسلم قبل الرابعة فإنه ينبغي أن يعود ويأتي بما فاته من التكبير إن لم يطل الفصل فإن طال الفصل فتجب إعادة صلاة الجنازة لأن الأولى باطلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345909,"book_id":3840,"shamela_page_id":289,"part":"7","page_num":7,"sequence_num":289,"body":"٧ - الصلاة على الجنين\rيقول السائل: هل يصلى على الجنين الذي يسقط قبل تمام الحمل؟ الجواب: اتفق أهل العلم على أن صلاة الجنازة مشروعة على كل مسلم ذكراً كان أو أنثى صغيراً كان أو كبيراً.\rوأما الجنين الذي سقط قبل تمام أربعة أشهر فهذا لا يصلى عليه بلا خلاف عند أهل العلم ذكره الإمام النووي في المجموع ٥/٢٥٨. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما من لم يأت له أربعة أشهر فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه ويلف في خرقة ويدفن ولا نعلم فيه خلافاً إلا عن ابن سيرين فإنه قال: يصلى عليه إذا علم أنه نفخ فيه الروح وحديث الصادق المصدوق يدل على أنه لا ينفخ فيه الروح إلا بعد أربعة أشهر وقبل ذلك فلا يكون نسمة فلا يصلى عليه كالجمادات والدم] المغني ٢/٣٨٩.\rوأما السقط بعد تمام أربعة أشهر فيصلى عليه لما ورد في الحديث عن المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ قال:\r(الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها والطفل يصلى عليه) رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي:\r[هذا حديث صحيح ... والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم قالوا يصلى على الطفل وإن لم يستهل بعد أن يعلم أنه خلق وهو قول أحمد وإسحق] سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٤/١٠٢.\rوجاء في رواية أخرى للحديث السابق: (السقط يصلى عليه) رواه أحمد وأبو داود وهي رواية صحيحة كما قال الألباني في أحكام الجنائز ص٨٠.\rوقال المجد ابن تيمية: [قلت وإنما يصلى عليه إذا نفخت فيه الروح وهو أن يستكمل أربعة أشهر فأما إن سقط لدونها فلا لأنه ليس بميت إذ لم ينفخ فيه روح وأصل ذلك حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح) ] نيل الأوطار ٤/٥٣.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً لقول الخرقي: [والسقط إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه]\rقال الشيخ ابن قدامة: [السقط: الولد تضعه المرأة ميتاً أو لغير تمام فأما إن خرج حياً واستهل فإنه يغسل ويصلى عليه بغير خلاف قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل يصلى عليه وإن لم يستهل قال أحمد: إذا أتى له أربعة أشهر غسل وصلي عليه. هذا قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وإسحق وصلى ابن عمر على ابن لابنته ولد ميتاً] المغني ٢/٣٨٩.\rوقال الشيخ الألباني: [والظاهر أن السقط إنما يصل عليه إذا كان قد نفخت فيه الروح وذلك إذا استكمل أربعة أشهر ثم مات فأما إذا سقط قبل ذلك فلا لأنه ليس بميت كما لا يخفى] أحكام الجنائز ص٨١.\rوقد أجابت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن السؤال التالي: [كثيراً ما يحدث في بعض المستشفيات أن تسقط بعض النساء الأجنة في الشهر الخامس ولكن لا نعلم مصير هذه الأجنة هل تدفن ويصلى عليها أم ترمى مع النفايات؟ نرجو التكرم بالتحقق في الموضوع وإفادتنا هل يصلى على الجنين بعد نفخ الروح فيه بعد غسله وهل يسمى؟\rالجواب: إذا كان الواقع كما ذكر من إسقاط المرأة الجنين في الشهر الخامس من حملها غسل الجنين وكفن وصلي عليه ويسن أن يعق عنه كما يفعل بالكبير من المسلمين ودفن في مقابر المسلمين وسمي] فتاوى اللجنة الدائمة ٨/٤٠٧. وقد اشترط جماعة من العلماء للصلاة على السقط بعد أربعة أشهر أن يستهل أي أن يصرخ واحتجوا بما روي في الحديث عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا استهل السقط غسل وصلي عليه ...) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي وإسناده ضعيف كما قال الإمام النووي في المجموع ٥/٢٥٥. وضعفه الألباني أيضاً فقال: [ولكنه حديث ضعيف لا يحتج به] أحكام الجنائز ص٨١.\rوخلاصة الأمر أن السقط إذا لم يكمل أربعة أشهر فلا يصلى عليه ولكن يجب دفنه فيلف في خرقة ويدفن وأما إن أتم أربعة أشهر فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345910,"book_id":3840,"shamela_page_id":290,"part":"7","page_num":8,"sequence_num":290,"body":"٨ - تمني الموت\rيقول السائل: ما حكم تمني الموت إذا ضاقت الدنيا بإنسان وكثرت مشكلاته؟ الجواب: لا ينبغي للمسلم أن يتمنى الموت إذا ضاقت به الدنيا وهجمت المشكلات عليه وزادت همومه لأن في تمني الموت نوع من الاعتراض على قدر الله ﷾ بل الواجب على المسلم أن يفوض أمره إلى الله ﷾ وقد ثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لا بد فاعلاً فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) رواه البخاري ومسلم.\rوقال أنس ﵁: [لولا أن رسول الله ﷺ قال: (لا يتمنين أحدكم الموت) لتمنيته] رواه مسلم.\rوعن قيس بن أبي حازم قال دخلنا على خباب ﵁ وقد اكتوى سبع كيات في بطنه فقال: [لوما أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به] رواه مسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً) رواه مسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لن يدخل أحداً عمله الجنة. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا. ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة. فسددوا وقاربوا ولا يتمنين أحدكم الموت إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً وإما مسيئاً فلعله يستعتب) رواه البخاري. أي يطلب الرضا من الله بالإقلاع والاستغفار ويطلب إزالة العتاب.\rوعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (لا تدعوا بالموت ولا تتمنوه فمن كان داعياً لا بد فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) رواه النسائي\rوقد قال جماعة من أهل العلم إن النهي عن تمني الموت خاص بما كان سببه الأمور الدنيوية كالفقر والمرض وفقد عزيز ونحو ذلك وأما إذا تمنى الإنسان الموت خوفاً من فتنة في دينه فيجوز ذلك.\rقال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنياً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) فيه التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق فأما إذا خاف ضرراً في دينه أو فتنة فيه فلا كراهة في لمفهوم هذا الحديث وغيره وقد فعل هذا الثاني خلائق من السلف عند خوف الفتنة في أديانهم] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٧٩.\rوما أشار إليه النووي من تمني بعض السلف للموت ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: [اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط] رواه مالك في الموطأ.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وحكمة النهي عن ذلك أن في طلب الموت قبل حلوله نوع اعتراض ومراغمة للقدر وإن كانت الآجال لا تزيد ولا تنقص , فإن تمني الموت لا يؤثر في زيادتها ولا نقصها , ولكنه أمر قد غيب عنه وقد تقدم في \" كتاب الفتن \" ما يدل عل ذم ذلك في حديث أبي هريرة \" لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل يقول يا ليتني مكانه \" وليس به الدين إلا البلاء , وقد تقدم شرح ذلك مستوفى في \" باب تمني المريض الموت من كتاب المرضى \" قال النووي في الحديث التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من فاقة أو محنة بعدو ونحوه من مشاق الدنيا , فأما إذا خاف ضررا أو فتنة في دينه فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث , وقد فعله خلائق من السلف بذلك وفيه أن من خالف فلم يصبر على الضر وتمنى الموت لضر نزل به فليقل الدعاء المذكور. قلت: ظاهر الحديث المنع مطلقا والاقتصار على الدعاء مطلقا , لكن الذي قاله الشيخ لا بأس به لمن وقع منه التمني ليكون عونا على ترك التمني] فتح الباري ١٣ /٢٧٢ - ٢٧٣\rوقال العلامة ملا علي القاري: [وقد أفتى النووي انه لا يكره تمني الموت لخوف فتنة دينية بل قال: إنه مندوب. ونقل عن الشافعي وعمر بن عبد العزيز وغيرهما: وكذا يندب تمني الشهادة في سبيل الله لأنه صح عن عمر وغيره بل صح عن معاذ أنه تمناه في طاعون عمواس ومنه يؤخذ تمني الشهادة ولو بنحو الطاعون وفي مسلم: من طلب الشهادة صادقاً أعطيها ولو لم تصبه ويندب أيضاً تمني الموت ببلد شريف لما في البخاري أن عمر ﵁ قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي ببلد رسولك فقال بنته حفصة: أنى يكون هذا؟ فقال يأتي به الله إذا شاء. أي: وقد فعل فإن قاتله كافر مجوسي] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٤/٦٧.\rوخلاصة الأمر أنه يكره للإنسان أن يتمنى الموت لضر دنيوي نزل به وعليه أن يصبر ويحتسب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345911,"book_id":3840,"shamela_page_id":291,"part":"7","page_num":9,"sequence_num":291,"body":"٩ - تغسيل الميت\rيقول السائل: مات عندنا شخص وعند تغسيله قال بعض الحاضرين لا يجوز تغسيل الميت بالماء المسخن بوساطة السخان الشمسي فما قولكم في ذلك؟ الجواب: لا حرج في تغسيل الميت بالماء المسخن بالسخان الشمسي أو غيره من وسائل تسخين الماء ولم يرد في الشرع ما يمنع ذلك وما ورد من أحاديث وآثار في منع استعمال الماء المسخن أو المشمس وهو الذي يسخن عن طريق الشمس فكلها باطلة لا تصح ولا تثبت عن النبي ﷺ ومن هذه الأحاديث الباطلة ما روي أن النبي ﷺ نهى عائشة ﵂ عن تشميس الماء وقال لها: (لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص) فهذا الحديث مكذوب وفي سنده كذاب كما ذكره أهل الحديث. انظر التلخيص الحبير للحافظ ابن حجر ١/٢٠. وقد ذكر ابن الجوزي حديث عائشة في الموضوعات أي الأحاديث المكذوبة. نصب الراية ١/١٠٢.\rومثله ما روي عن عاشة ﵂ قالت: (نهى رسول الله أن نتوضأ بالماء المشمس أو نغتسل فيه) وفيه راو يضع الحديث كما قال ابن حبان انظر التلخيص الحبير ١/٢١. ومثله ما روي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ: (لا تغتسلوا بالماء الذي يسخن في الشمس فإنه يعدي من البرص) وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. المصدر السابق ١/٢١. وقال العقيلي: لا يصح في الماء المشمس حديث مسند. انظر نصب الراية ١/١٠٣. وذكر الشوكاني أحاديث الماء المشمس في كتابه الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص٨. وحكم الألباني على حديث عائشة في الماء المشمس بأنه موضوع أي مكذوب وذكر طرقه وفصل الكلام عليها في كتابه إرواء الغليل ١/٥٠-٥٤.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز تغسيل الميت بالماء المسخن بالسخان الشمسي وغيره ولا كراهة في ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345912,"book_id":3840,"shamela_page_id":292,"part":"7","page_num":10,"sequence_num":292,"body":"١٠ - الدفن\rيقول السائل: إن الأطباء قد قطعوا ساق أحد المرضى فماذا نعمل بالساق المقطوعة؟ الجواب: إذا قطع عضو من إنسان حي كيدٍ أو رجلٍ أو غير ذلك فإنه ينبغي دفن العضو المقطوع إما في المقبرة أو في أرض طاهرة ولا يجوز رميه مع النفايات والزبالة لأن الإنسان مكرم حياً وميتاً وكذلك ما قطع من أعضاء الإنسان فيجب تكريمها وقد قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) سورة الإسراء الآية ٧٠. ولا يغسل العضو المقطوع ولا يصلى عليه بل يلف في قطعة قماش ويدفن.\rوقد ذكر بعض أهل العلم أنه يستحب دفن كل عضو يبان من الإنسان الحي كالشعر والأظافر والدم وقد روي في ذلك أحاديث لا تثبت عن النبي ﷺ قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويستحب دفن ما قلم من أظفاره أو ما أزال من شعره لما روى الخلال بإسناده عن ميل بنت مشرح الأشعرية قالت: (رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها ويقول: رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك) . وعن ابن جريج عن النبي ﷺ قال: (كان يعجبه دفن الدم) وقال مهنا: سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره: أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه قلت: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر يدفنه ورويناه عن النبي ﷺ: أنه أمر بدفن الشعر والأظفار وقال: لا يتلاعب به سحرة بني آدم] المغني ١/٦٦. وقال الإمام النووي: [يستحب دفن ما أخذ من هذه الشعور والأظفار ومواراته في الأرض نقل ذلك عن ابن عمر ﵄ واتفق عليه أصحابنا] المجموع ١/٢٨٩-٢٩٠. وقال الإمام النووي أيضاً [ونقل المتولي ﵀ الاتفاق على أنه لا يغسل ولا يصلى عليه فقال: لا خلاف أن اليد المقطوعة في السَّرقة والقِصاص لا تغسل ولا يُصلَّى عليها، ولكن تلفُّ في خِرقة وتدفن وكذا الأظفار المقلومة والشَّعَر المأخوذ من الأحياء لا يصلَّى على شيء منها، لكن يستحَبُّ دفنها] المجموع ٥/٢٥٤ وقال أيضاً: [والدفن لا يختصُّ بعضو مَنْ عُلِمَ موته، بل كل ما ينفصل من الحيِّ من عضو وشعر وظُفُر وغيرهما من الأجزاء يستحَبُّ دفنُه، وكذلك تُوارَى العَلَقة والمُضغة تُلقيهما المرأة، وكذا يُواري دم الفَصْد] المصدر السابق وخلاصة الأمر أن العضو المقطوع من الإنسان الحي لا يصلى عليه ولكن يدفن ولا يرمى مع القاذورات ولا يصح الاحتفاظ به حتى يدفن مع صاحبه عند موته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345913,"book_id":3840,"shamela_page_id":293,"part":"7","page_num":11,"sequence_num":293,"body":"١١ - الدفن\rيقول السائل: إذا مات إنسان في حادث وتقطع جسده إلى أجزاء ووجد بعض أعضائه دون بعض فهل تغسل هذه الأعضاء وهل يصلى عليها؟ الجواب: إذا وجدت بعض أعضاء الميت دون بعض فيغسل ما يمكن غسله من هذه الأعضاء وتلف في قماش ويصلى عليها وتدفن في المقبرة.\rوإذا لم يمكن غسل الميت نظراً لتقطعه أو تهشم جسمه فحينئذ ييمم لأن هذا هو المستطاع وقد قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) سورة التغابن الآية ١٦.\rومن أهل العلم من قال يغسل أي عضو وجد من الميت ومنهم من قال إن وجد أكثر جسم الميت يغسل وإلا فلا، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فإن لم يوجد إلا بعض الميت فالمذهب: أنه يغسل ويصلى عليه وهو قول الشافعي ونقل ابن منصور عن أحمد: أنه لا يصلى على الجوارح – أي الأعضاء - قال الخلال: ولعله قول قديم لأبي عبد الله. والذي استقر عليه قول أبي عبد الله: أنه يصلي على الأعضاء. وقال\rأبو حنيفة ومالك: إن وجد الأكثر صُلي عليه وإلا فلا. لأنه بعض لا يزيد على النصف فلم يصل عليه كالذي بان في حياة صاحبه والشعر والظفر.\rولنا: إجماع الصحابة ﵃. قال أحمد: صلى أبو أيوب على رِجل وصلى عمر على عظام بالشام وصلى أبو عبيدة على رؤوس بالشام رواهما عبد الله بن أحمد بإسناده. وقال الشافعي: ألقى طائر يداً بمكة من واقعة الجمل فعرفت بالخاتم وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فصلى عليها أهل مكة وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم نعرف من الصحابة مخالفاً في ذلك ولأنه بعض من جملة تجب الصلاة عليها فيصلى عليه كالأكثر وفارق ما بان في الحياة. لأنه من جملة لا يصلى عليها والشعر والظفر لا حياة فيه] المغني ٢/٤٠١-٤٠٢. وانظر المجموع للنووي ٥/٢٥٣.\rوخلاصة الأمر أنه إن أمكن غسل أجزاء الميت فهو الأصل وإن لم يمكن فلا حرج ويصلى عليها وتدفن في المقبرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345914,"book_id":3840,"shamela_page_id":294,"part":"7","page_num":12,"sequence_num":294,"body":"١٢ - صلاة الفريضة والجنازة أمام المصلين\rيقول السائل: أحضرت جنازة امرأة إلى المسجد للصلاة عليها فوضعت الجنازة في القبلة وصلى المصلون صلاة الظهر وهي أمامهم ثم صلوا على الجنازة فاعترض بعض المصلين على وجود الجنازة أمامهم أثناء صلاة الظهر فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: تصح الصلاة على الجنازة داخل المسجد وخارجه على الراجح من أقوال أهل العلم كما سبق بيانه في حلقة سابقة وأما وضع الميت أمام المصلين في صلاة الجماعة فلا بأس في ذلك وإن كان الميت امرأة ولا أثر لذلك على صحة صلاة المصلين وقد ثبت في الحديث عن عائشة ﵂ قالت (إن النبي ﷺ كان يصلي من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة) رواه مسلم. فهذا الحديث يدل على جواز الصلاة إلى المرأة وهي نائمة في قبلة المصلي وإذا كان هذا يجوز وهي على قيد الحياة فمن باب أولى أنه يجوز وهي ميتة وخاصة أن عائشة شبهت نفسها بالجنازة ففي ذلك إشارة إلى جواز الصلاة والجنازة في قبلة المصلي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345915,"book_id":3840,"shamela_page_id":295,"part":"7","page_num":13,"sequence_num":295,"body":"١٣ - توديع الميت\rيقول السائل: هل يجوز للزوجة أن تودع زوجها الميت بأن تقبله بعد غسله وتكفينه؟ الجواب: يجوز للمرأة أن تودع زوجها الميت بتقبيله بعد غسله وتكفينه وكذلك يجوز للزوج أن يودع زوجته الميتة ولا يصح كلام العامة أن ذلك ناقض لوضوء الميت فقد ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ غير نسائه) رواه أحمد\rوأبو داود وابن ماجة وغيرهم وحسنه الألباني في إرواء الغليل ٣/١٦٢.\rوجاء في حديث آخر عن عائشة ﵂ قالت: (رجع إلي رسول الله ﷺ من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي وأقول: وارأساه فقال: بل أنا وارأساه ما ضرك لو مت قبلي وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك) رواه أحمد وابن ماجة وغيرهما وفيه كلام لأهل الحديث وصححه الألباني في إرواء الغليل ٣/١٦٠. وجاء في الحديث عن أسماء بنت عميس قالت: غسلت أنا وعلي فاطمة بنت رسول الله ﷺ. رواه الحاكم والبيهقي وحسنه الحافظ ابن حجر وحسنه الألباني أيضاً في إرواء الغليل ٣/١٦٢.\rوقد قال بمقتضى هذه الأحاديث جماهير أهل العلم قال الإمام النووي: [نقل ابن المنذر في كتابيه الإجماع والإشراف والعبدري وآخرون إجماع المسلمين أن للمرأة غسل زوجها وقد قدمنا رواية عن أحمد بمنعه وأما غسله زوجته فجائز عندنا وعند جمهور العلماء حكاه ابن المنذر عن علقمة وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود وسليمان ابن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن وقتادة وحماد بن أبي سليمان ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحق وهو مذهب عطاء وداود وابن المنذر] المجموع ٥/١٤٩-١٥٠.\rوكذلك فقد وردت أحاديث ثابتة عن النبي ﷺ في تقبيل الميت منها حديث عائشة وابن عباس (أن أبا بكر ﵁ قبَّل النبي ﷺ بعد موته) رواه البخاري. وعن عائشة ﵂ قالت: (قبَّل رسولُ الله ﷺ عثمانَ بن مظعون وهو ميت فكأني أنظر إلى دموعه تسيل على خديه) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حسن صحيح وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١/٢٤٦.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للمرأة أن تودع زوجها الميت وكذا يجوز للزوج أن يودع زوجته الميتة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345916,"book_id":3840,"shamela_page_id":296,"part":"7","page_num":14,"sequence_num":296,"body":"١٤ - الصلاة على الجنازة داخل المسجد\rيقول السائل: اعتاد المصلون في المسجد الذي نصلي فيه أن يصلوا على الجنازة خارج المسجد وقد رغب بعض المصلين في نقل صلاة الجنازة إلى داخل المسجد ليكثر عدد المصلين على الجنازة حيث إننا نلاحظ قلة المصلين على الجنازة عندما تكون خارج المسجد فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: ثبت من هدي النبي ﷺ أنه كان يصلي على الجنائز في مكان خاص يقال له مصلى الجنائز وكان خارج المسجد النبوي من جهة الشرق وثبت أيضاً أنه ﷺ كان يصلي على الجنائز داخل المسجد النبوي فكلا الأمرين جائز ولا بأس به. ومما يدل على أن النبي ﷺ كان يصلي على الجنازة في مصلى الجنائز ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ في صلاة النبي ﷺ على النجاشي وفيه أن النبي ﷺ صف بهم بالمصلى فكبر عليه أربعاً. ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا فأمر بهما فرجما قريباً من موضع الجنائز عند المسجد قال الحافظ ابن حجر: [ودل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكان معد للصلاة عليها] فتح الباري ٣/٢٥٤. ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن بطال أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقاً بمسجد النبي صى الله عليه وسلم من ناحية جهة الشرق. المصدر السابق. ومما يدل على أن النبي ﷺ كان له مصلى للجنائز خارج المسجد ما جاء في الحديث عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: (كنا جلوساً بفناء المسجد حيث توضع الجنائز ورسول الله ﷺ جالس بين ظهرانينا ...) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الألباني في أحكام الجنائز ص١٠٧. ويدل على ذلك أيضاً ما جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: مات رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل ثم آذنا رسول الله ﷺ بالصلاة عليه فجاء معنا فتخطى ثم قال: لعل على صاحبكم ديناً؟ قالوا: نعم ديناران. فتخلف قال: صلوا على صاحبكم. فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله هما علي فجعل رسول الله ﷺ يقول: هما عليك وفي مالك والميت منهما بريء؟ فقال: نعم فصلى عليه فجعل رسول الله ﷺ إذا لقي أبا قتادة يقول: - وفي رواية ثم لقيه من الغد- فقال: ما صنعت الديناران؟ قال: يا رسول الله إنما مات أمس حتى كان آخر ذلك وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: ما فعل الديناران؟ قال: قد قضيتهما يا رسول الله قال الآن حين بردت عليه جلده. رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ورواه أحمد بإسناد حسن كما قال الهيثمي. انظر أحكام الجنائز ص ١٦. وأما أن النبي ﷺ قد صلى على الجنائز داخل المسجد فيدل عليه ما جاء في الحديث أن عائشة ﵂ أمرت أن يمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه فأنكر الناس ذلك عليها فقالت: ما أسرع ما نسي الناس ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد. رواه مسلم. وفي رواية أخرى لمسلم عن عائشة أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص ﵁ أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد وما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد. وفي رواية ثالثة لمسلم أن عائشة لما توفي سعد بن أبي وقاص قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه فأنكر ذلك عليها فقالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه. صحيح مسلم مع شرح النووي ٣/٣٣-٣٥.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد إذا لم يخف تلوثيه وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود] المغني ٣/٣٦٨. وقال النووي: [الصلاة على الميت في المسجد صحيحة جائزة لا كراهة فيها] المجموع ٥/٢١٣. وبناء على ما تقدم يظهر لنا أن صلاة الجنازة تجوز في المسجد بلا كراهة وتجوز خارج المسجد أيضاً. وأما ما ذهب إليه بعض أهل العلم من كراهة الصلاة على الجنازة داخل المسجد أخذاً مما روي في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له) رواه أبو داود وفي رواية لابن ماجة: (فليس له شيء) وفي رواية أخرى: (فلا أجر له) . فقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث اختلافاً كثيراً والجمهور على أنه حديث ضعيف وإن صح فمؤول كما سيأتي. قال الحافظ ابن عبد البر عن رواية (فلا أجر له) إنها خطأ لا إشكال فيه. فتح المالك ٤/٣٠٧. وقال الحافظ ابن عبد البر أيضاً: [وفي هذا الباب عن النبي ﷺ حديثان: أحدهما حديث عائشة هذا والثاني حديث يروى عن أبي هريرة لا يثبت عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له) . وقد يحتمل قوله في حديث أبي هريرة هذا: (فلا شيء له) أي فلا شيء عليه. كما قال ﷿: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) سورة الإسراء الآية ٧ بمعنى عليها. وسئل أحمد بن حنبل وهو إمام أهل الحديث والمقدم في معرفة علل النقل فيه عن الصلاة على الجنازة في المسجد؟ فقال: لا بأس بذلك وقال بجوازه. فقيل: فحديث أبي هريرة؟ فقال: لا يثبت أو قال: حتى يثبت. ثم قال: رواه صالح مولى التوءمة وليس بشيء فيما انفرد به. فقد صحح أحمد بن حنبل السنة في الصلاة على الجنائز في المسجد وقال بذلك. وهو قول الشافعي وجمهور أهل العلم وهي السنة المعمول بها في الخليفتين بعد رسول الله ﷺ صلَّى عمر على أبي بكر الصديق في المسجد وصلَّى صهيب على عمر في المسجد بمحضر كبار الصحابة وصدر السلف من غير نكير وما أعلم من ينكر ذلك إلا ابن أبي ذئب. ورويت كراهية ذلك عن ابن عباس من وجوه لا تصح ولا تثبت وعن بعض أصحاب مالك ورواه عن مالك. وقد روي عنه جواز ذلك من رواية أهل المدينة وغيرهم] الاستذكار ٨/٢٧٣-٢٧٤. وقال الإمام النووي عن رواية (فلا شيء له) ضعفه الحفاظ منهم أحمد بن حنبل وأبو بكر ابن المنذر والخطابي والبيهقي قالوا: وهو من أفراد صالح مولى التوأمة وهو مختلف في عدالته معظم ما عابوا عليه الاختلاط قالوا وسمع ابن أبي ذئب منه قبل الاختلاط] خلاصة الأحكام ٢/٩٦٦. وقال الإمام النووي في موضع آخر: [وأما حديث أبي هريرة ﵁ فجوابه من أوجه أحدها: أنه ضعيف باتفاق الحفاظ وممن نص على ضعفه الإمام أحمد بن حنبل وأبو بكر بن المنذر والبيهقي وآخرون قال أحمد هذا الحديث مما انفرد به صالح مولى التوءمة وهو مختلف في عدالته لكن معظم ما عابوا عليه الاختلاط قالوا وسماع ابن أبي ذئب ونحوه منه قبل الاختلاط وهذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه والله أعلم. والوجه الثاني إن الذي ذكره أبو داود في روايته في جميع نسخ كتابه المعتمدة (فلا شيء عليه) وعلى هذا لا دلالة فيه لو صح وأما رواية (فلا شيء له) فهي مع ضعفها غريبة ولو صحت لوجب حملها على (فلا شيء عليه) للجمع بين الروايات وقد جاء مثله في القرآن كقوله: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) أي فعليها. الثالث: أجاب به الخطابي وسائر أصحابنا في كتب المذهب أنه لو ثبت لكان محمولاً على نقصان الأجر لأن المصلي عليها في المسجد ينصرف غالباً إلى أهله ومن صلى عليها في الصحراء حضر دفنها غالباً فنقص أجر الأول ويكون التقدير فلا أجر كامل له كقوله ﷺ: (لا صلاة بحضرة الطعام) أي لا صلاة كاملة] المجموع ٥/٢١٤. وقد احتج جماعة من أهل العلم برواية (فلا شيء له) ومنهم العلامة ابن القيم: [وهذا الحديث حسن فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه وسماعه منه قديم قبل اختلاطه فلا يكون اختلاطه موجباً لرد ما حدث به قبل الاختلاط وقد سلك الطحاوي في حديث أبي هريرة ﵁ هذا وحديث عائشة مسلكاً آخر فقال: صلاة النبي ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد منسوخة وترك ذلك آخر الفعلين من رسول الله ﷺ بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة وما كانوا ليفعلوه إلا لما علموا خلاف ما نقلت. ورد ذلك على الطحاوي جماعة منهم: البيهقي وغيره قال البيهقي: ولو كان عند أبي هريرة ﵁ نسخ ما روته عائشة لذكره يوم صلي على أبي بكر الصديق في المسجد ويوم صلي على عمر بن الخطاب في المسجد ولذكره من أنكر على عائشة أمرها بإدخاله المسجد ولذكره أبو هريرة حين روت فيه الخبر وإنما أنكره من لم يكن له معرفة بالجواز فلما روت فيه الخبر سكتوا ولم ينكروه ولا عارضوه بغيره. قال الخطابي: وقد ثبت أن أبا بكر وعمر ﵄ صلي عليهما في المسجد ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما وفي تركهم الإنكار الدليل على جوازه. قال: ويحتمل أن يكون معنى حديث أبي هريرة إن ثبت متأولاً على نقصان الأجر. وذلك أن من صلى عليها في المسجد فالغالب أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه وان من سعى إلى الجنازة فصلى عليها بحضرة المقابر شهد دفنه وأحرز أجر القيراطين وقد يؤجر أيضاً على كثرة خطاه وصار الذي يصلي عليه في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من يصلي عليه خارج المسجد. وتأولت طائفة معنى قوله: (فلا شيء له) أي فلا شيء عليه ليتحد معنى اللفظين ولا يتناقضان كما قال تعالى: (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) سورة الإسراء الآية ٧. أي فعليها. فهذه طرق الناس في هذين الحديثين. والصواب ما ذكرناه أولاً وأن سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر وكلا الأمرين جائز والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد. والله أعلم] زاد المعاد ١/٥٠١-٥٠٢. وانظر أيضاً السلسلة الصحيحة ٥/٤٦٢ حيث فصل الشيخ الألباني الكلام على الحديث وقواه واحتج به ولكنه يرى جواز الصلاة في المسجد والأفضل في مصلى الجنائز وانظر أحكام الجنائز له ص١٠٦\rوخلاصة الأمر أن صلاة الجنازة داخل المسجد صحيحة بلا كراهة لثبوت ذلك عن النبي ﷺ فإن كان نقل الصلاة على الجنازة من خارج المسجد إلى داخله يؤدي إلى زيادة عدد المصلين عليها فهذا وجه معتبر شرعاً لأنه كلما كثر المصلون على الجنازة كان أفضل للميت وأنفع له فقد ثبت في الحديث عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون إلا شفعوا فيه) رواه مسلم. وعن كريب مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان فقال: يا كريب انظر ما اجتمع له الناس قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له فأخبرته فقال: تقول: هم أربعون قال: نعم قال: أخرجوه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) رواه مسلم. وعن مالك بن هبيرة قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا غفر له) رواه أحمد والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه النووي في المجموع ٥/٢١٢ وغير ذلك من الأحاديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345917,"book_id":3840,"shamela_page_id":297,"part":"7","page_num":15,"sequence_num":297,"body":"١٥ - تقديم التشريح على الدفن عند الضرورة\rيقول السائل: قتل شخص في حادث جنائي وأحضرت جثته للتشريح فاعترض أقاربه على ذلك لأن تشريح جثته سيؤدي إلى تأخير دفنه فأيهما يقدم تشريح الجثة لمعرفة سبب الوفاة أم المسارعة في دفنه أفيدونا؟\r\rالجواب: من المعلوم أن الإسراع في دفن الميت أمر مطلوب شرعاً وقد نصت السنة النبوية على ذلك فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) رواه البخاري ومسلم. والإسراع بالجنازة يشمل السرعة حال حملها والإسراع بها إلى الدفن قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قال القرطبي: مقصود الحديث: أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن] فتح الباري ٣/٢٣٥.\rويؤيد المسارعة في الدفن ما رواه الطبراني عن ابن عمر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره) قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن. المصدر السابق.\rويؤيده أيضاً ما رواه أبو داود بإسناده أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: (إني لا\rأرَى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله) .\rويؤيده أيضاً ما رواه الترمذي وأحمد عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاث يا علي لا يؤخرن الصلاة إذا آنت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت لها كفؤاً) وبهذا يظهر لنا أن الإسراع في دفن الميت هو الأمر الذي لا ينبغي العدول عنه ولكن إذا تعارض الإسراع بدفن الميت مع كون التشريح قد يثبت براءة متهم أو إدانته فينبغي تقديم التشريح لأنه مصلحة راجحة فإن من قواعد الشريعة الكلية ومقاصدها العامة أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما تفادياً لأشدهما. وفي هذه المسألة تعارض الإسراع في الدفن مع التشريح لمعرفة سبب الوفاة وفيه تأخير الدفن وبما أن معرفة سبب الوفاة بالتشريح فيها منفعة كبيرة حيث يعرف سبب الوفاة الذي يتوصل به إلى إبراء البريء أو إدانة المجرم وهذا فيه صيانة للحكم عن الخطأ وصيانة لحق الميت الآيل إلى وارثه وصيانة لحق الجماعة من الاعتداء وتحقيق هذه المصالح غالب على الإسراع بدفنه.\rوخلاصة الأمر أنه إذا تعارض الإسراع بدفن الميت مع تشريح جثته لمعرفة سبب الوفاة فيقدم التشريح مع مراعاة الضوابط الشرعية للتشريح وقد سبق تفصيلها في الجزء السادس من كتابي يسألونك ص ٢٩٨.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345918,"book_id":3840,"shamela_page_id":298,"part":"7","page_num":16,"sequence_num":298,"body":"١٦ - كيف يكون حال مشيع الجنازة\rيقول السائل: كيف ينبغي أن يكون حال من يشيع الجنازة فإننا نرى كثيراً من الناس يحضرون الجنازات ويجلسون في المقبرة ويتحدثون ويتضاحكون منتظرين دفن الميت ثم يعزون أهل الميت ثم ينصرفون؟\r\rالجواب: إتباع الجنازة والصلاة عليها وحضور دفنها من الأمور الثابتة عن الرسولصلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الحديث الصحيح، عن أبي هريرةرضي الله عنه أن الرسول ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس، ردُّ السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس) رواه البخاري ومسلم.\rوجاء في الحديث أيضاً عن أبي هريرةرضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل: وما القيراطان، قال: مثل الجبلين العظيمين) رواه البخاري ومسلم.\rوينبغي للمسلم الذي يحضر الجنازة عند تشييعها ودفنها، أن يستذكر مصيبة الموت وأن يتعظ ويتفكر في هذا الميت، وأن حال هذا المشيع سيصير إلى مثل ما صار إليه الميت، وهذا التذكر يدفع الإنسان إلى محاسبة النفس والنظر والتفكر في أحواله، فإن كان محسناً إزداد إحساناً وإن كان مسيئاً رجع وثاب إلى الرشد، وهذا التفكر والإتعاظ مقصود من حضور الجنائز فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدريرضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (عودوا المرضى واتبعوا الجنائ تذكّركم الآخرة) رواه أحمد وابن حبان وصححه وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح أحكام الجنائز ٦٧.\rوقد روي في الحديث (أنه ﵊، كان إذا اتبع جنازة أكثر الصمات، ورؤي عليه الكآبة وأكثر حديث النفس) رواه وكيع في الزهد، وله شاهد صحيح، فعن البراء بن عازب ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فانتهينا إلى القبر فجلس كأن على رؤوسنا الطير) رواه ابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر صحيح سنن ابن ماجة ١/٢٥٩، وانظر المشكاة ١٥/٥٣٧.\rوقال الفضيل بن عياض: \" كانوا إذا اجتمعوا في جنازة يعرف فيهم ثلاثة أيام \"، ورأى عبد الله بن مسعود ﵁ رجلاً يضحك في جنازة فقال: \" أتضحك مع الجنازة! لا أكلمك أبداً \".\rوكره العلماء أن يتكلم أحد في الجنازة ولا بقول القائل: \" إستغفروا لأخيكم \"، فقد سمع عبد الله بن عمر ﵄ رجلاً في جنازة يصيح ويقول: إستغفروا لأخيكم، فقال ابن عمر: لا غفر الله لك.\rوسُئل سفيان بن عيينه عن السكوت في الجنازة وماذا يجيء به؟ قال: تذكر به حال يوم القيامة، ثم تلا قوله تعالى (وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا) سورة طه/١٠٨.\rوقال قتادة: \" بلغنا أن أبا الدرداءرضي الله عنه، نظر إلى رجل يضحك في جنازة فقال له: أما كان فيما رأيت من هول الموت ما يُشغلك عن الضحك \".\rوكان مطرف يلقى الرجل من خاصة أهله في الجنازة فعسى أن يكون غائبا فما يزيده على السلام ثم يعرض عنه اشتغالاً بما هو فيه.\rذكر هذه الآثار السيوطي ثم قال: \" فهذا خوف هؤلاء السادات من الموت فأما اليوم فغالب من تراه يشهد الجنازة يلهون ويضحكون، وما يتكلمون إلا في ميراثه وما خلفه لورثته \" الأمر بالإتباع ص٢٥٥.\rوأخيراً نختم بما قاله الإمام النووي ﵀، قال: \" يستحب له - أي الماشي مع الجنازة - أن يكون مشتغلاً بذكر الله تعالى والفكر فيما يلقاه وما يكون مصيره وحاصل ما كان فيه، وأن هذا آخر الدنيا ومصير أهلها، وليحذر كل الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه، فإن هذا وقت فكر وذكر يقبح فيه الغفلة واللهو والإشتغال بالحديث الفارغ، فإن الكلام بما لا فائدة فيه منهيٌ عنه في جميع الأحوال فكيف هذا الحال.\rواعلم أن الصواب المختار ما كان عليه السلف رضوان الله عليهم السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوتاً بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق ولا تغترن بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياضرضي الله عنه ما معناه: إلزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين، الأذكار ص١٣٦.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345919,"book_id":3840,"shamela_page_id":299,"part":"7","page_num":17,"sequence_num":299,"body":"١٧ - إعداد الكفن قبل الموت\rيقول السائل: هل يجوز للإنسان أن يُعد كفنه قبل موته، وإذا أوصى بأن يكفن في ثوب خاص فهل تنفذ وصيته، وهل يشترط في الكفن أن يكون غير مخيط، وورد أن أبا بكر ﵁ أوصى بثوبه القديم أن يغسل ويكفن فيه، فهل يغني ذلك عن الكفن، أفيدونا؟\r\rالجواب: إن تكفين الميت فرض على الكفاية، لأن النبي ﷺ أمر بذلك في أحاديث منها حديث ابن عباس ﵄ قال: (بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته فقال النبي ﷺ: إغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه - أي لا تطيبوه لأنه كان محرماً - ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) رواه البخاري ومسلم.\rويجوز للمسلم أن يعد كفنه ويحضره مسبقاً، قال الإمام البخاري: \" باب من استعد الكفن في زمن النبي ﷺ فلم ينكر عليه \"، ثم روى بسنده عن سهل ﵁ (أن امرأة جاءت النبي ﷺ ببردة منسوجة فيها حاشيتها، أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشملة، قال: نعم، قالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجاً إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسَّنها فلان فقال: أكسُنيها ما أحسنها، فقال القوم: ما أحسنت، لبسها النبي ﷺ محتاجاً إليها وعلمت أنه لا يرد، قال: إني والله ما سألته لألبسها إنما سألته لتكون كفني، قال سهل: فكانت كفنه) .\rقال الحافظ ابن حجر: \".... فيستفاد منه جواز تحصيل ما لا بد منه للميت من كفن ونحوه في حال حياته \" فتح الباري ٣/٣٨٥.\rوإذا أوصى الميت أن يكفن في كفن خاص، فلا بأس بتنفيذ وصيته إن لم يكن في ذلك حرمة، كمن يوصي بأن يكفن في ثوب من الحرير، فلا تنفذ وصيته إن كان رجلاً، وكذلك ما لم يكن هناك مغالاة بالكفن، فلا تنفذ وصيته لقوله ﷺ: (لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً) رواه أبوداود وإسناده حسن، قاله النووي في المجموع ٥/١٩٦.\rوينبغي أن يكون الكفن حسناً، لما ثبت في الحديث عن جابر بن عبد اللهرضي الله عنه أن النبي ﷺ (خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل - أي غير كامل - وقبر ليلاً، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ: إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه) رواه مسلم وغيره، والمراد بإحسان الكفن نظافته وستره وتوسطه وليس المراد به السرف فيه والمغالاة ونفاسته \" شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٣.\rولا يشترط في الكفن أن لا يكون مخيطاً لأن النبي ﷺ (ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات) رواه البخاري، قال الحافظ ابن حجر: \" والمعنى أن التكفين في القميص ليس ممتنعاً.... وإلى أن التكفين في غير قميص مستحب ولا يكره التكفين في القميص \" فتح الباري ٣/٣٨١.\rوالأفضل أن لا تخاط الأكفان، وهو المأثور من لدن رسول الله ﷺ إلى وقتنا الحاضر.\rقال الحافظ ابن عبد البر: \" وقد أجمعوا أن لا تخاط اللفائف، فدلَّ على أن القميص ليس مما يختار لأنه مخيط \" الإستذكار ٨/٢١٢.\rويدرج الميت في الكفن إدراجاً كما أدرج النبي ﷺ، ولا ينبغي أن يزاد في الكفن عن ثلاثة أثواب، كما كُفّن الرسول ﷺ، فقد ثبت في الحديث عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة) رواه البخاري، وسحولية نسبة إلى (سحول) بلد في اليمن.\rوأما ما ورد عن أبي بكر ﵁ فقد روى البخاري عن عائشة في قصة وفاة أبيها قالت: \" فنظر - أي أبو بكر- إلى ثوب عليه كان يمرّض فيه، به ردع من زعفران فقال: اغسلوا ثوبي هذا فزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهما، قلت: إن هذا خلق، فقال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة - أي للصديد- \".\rوفي رواية أخرى قال أبو بكر لعائشة: \" انظروا ثوبيَّ هذين فاغسلوهما ثم كفنوني فيهما فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت \" رواه أحمد في كتاب الزهد.\rوروى عبد الرزاق نحوه وقال الحافظ إسناده صحيح نصب الراية ٢/٢٦٢.\rوقول أبي بكر ووصيته في أن يكفن في الثوب القديم، يحتمل أن يكون اختار ذلك الثوب بعينه لمعنى فيه من التبرك به، لكونه صار إليه من النبي ﷺ أو لكونه جاهد فيه أو تعبد فيه ويؤيده ما ورد في إحدى الروايات أنه قال: \" كفنوني في ثوبيَّ اللذين كنت أصلي فيهما \" ذكره الحافظ في الفتح ٣/٤٩٧، وقول أبي بكر ووصيته لا يغني عن الكفن لما ثبت في الرواية التي ذكرتها وهي عند البخاري أنه قال: \" وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهما \".\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345920,"book_id":3840,"shamela_page_id":300,"part":"7","page_num":18,"sequence_num":300,"body":"١٨ - اتباع النساء للجنائز غير مشروع\rيقول السائل: ﵁ ﵁ ما حكم اتباع النساء للجنائز؟\r\rالجواب: لا ينبغي للنساء اتباع الجنازة خاصة في زماننا هذا نظراً لفساد أحوال كثير من النساء والرجال على حد سواء.\rوقد قال كثير من أهل العلم بكراهة خروج النساء في الجنازة ونقله الإمام النووي عن جماهير أهل العلم ومنهم جماعة من الصحابة كابن مسعود وابن عمر وأبي أمامة وعائشة وغيرهم. المجموع ٥/٢٧٨.\rوقد نص فقهاء الحنفية على أن خروجهن مكروه تحريماً.\rقال صاحب الدر المختار: [ويكره خروجهن تحريماً] .\rوقال الشيخ ابن عابدين معلقاً على ذلك: [... ولكن يعضده المعنى الحادث باختلاف الزمان الذي أشارت إليه عائشة بقولها: لو أن الرسول ﷺ رأى ما أحدثت النساء بعده لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل وهذا في نساء زمانها فما ظنك بنساء زماننا] حاشية ابن عابدين ٢/٢٣٢.\rوقد نهى الرسول ﷺ النساء عن اتباع الجنائز فقد ورد في الحديث عن أم عطية ﵂ قالت: [نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا] رواه البخاري ومسلم\rوقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن النهي في الحديث نهي تنزيه قال القرطبي:\r[ظاهر سياق حديث أم عطية أن النهي نهي تنزيه وبه قال جمهور أهل العلم] فتح الباري ٣/٣٧٨.\rوالذي تطمئن إليه نفسي هو منع النساء من اتباع الجنائز في هذا الزمان نظراً للمفاسد المرافقة لخروجهن من التبرج واختلاط الرجال بالنساء ولِما تقوم به بعض النسوة من مخالفات شرعية أخرى كالزغاريد المنكرة خلف الجنازة أو الصياح والنواح وغير ذلك من المنكرات فلذلك ينبغي منعهن.\rقال الشيخ ابن عابدين: [وأما ما في الصحيحين عن أم عطية: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) . أي أنه نهي تنزيه فينبغي أن يختص بذلك الزمن حيث كان يباح لهن الخروج للمساجد والأعياد] حاشية ابن عابدين ٢/٢٣٢.\rوإنه مما يؤسف له أن كثيراً مما يفعله المشيعون للجنازة في بلادنا مخالف للسنة تماماً فترى المشيعين في الجنازة يهتفون ويصيحون ويرفعون أصواتهم بالتكبير والهتافات المخالفة للشرع بل إن بعض الجنائز تتحول إلى ما يشبه المظاهرات وهذا كله ليس مشروعاً بحال من الأحوال مهما كان حال الميت فإن من السنة أن يسير المشيعون للجنازة بصمت وسكوت ويتفكرون في الموت لعلهم يتعظون ويعتبرون.\rفقد جاء في الحديث عن البراء ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فانتهينا إلى القبر فجلس كأنّ على رؤوسنا الطير) رواه ابن ماجة وصححه الشيخ الألباني. صحيح سنن ابن ماجة ١/٢٥٩.\rوقد كره العلماء أن يتكلم أحد في الجنازة ولا بقول القائل: [استغفروا لأخيكم] فقد سمع عبد الله بن عمر ﵄ رجلاً في جنازة يصيح ويقول:\r[استغفروا لأخيكم. فقال: ابن عمر: لا غفر الله لك] .\rقال الإمام النووي: [يستحب له - أي الماشي مع الجنازة - أن يكون مشتغلاً بذكر الله تعالى والفكر فيما يلقاه وما يكون مصيره وحاصل ما كان فيه وأن هذا آخر الدنيا ومصير أهلها وليحذر كل الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه فإن هذا وقت فكر وذكر يقبح فيه الغفلة واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ فإن الكلام بما لا فائدة فيه منهي عنه في جميع الأحوال فكيف في هذا الحال.\rواعلم أن الصواب المختار ما كان عليه السلف رضوان الله عليهم السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوتاً بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال.\rفهذا هو الحق ولا تغترنّ بكثرة من يخالفه فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض ما معناه: [الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين] الأذكار ص ١٣٦.\rوقد قال النبي ﷺ: (لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار) رواه أبو داود وقال الشيخ الألباني: له شواهد تقويه.\rوقد كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز. رواه البيهقي بسند رجاله ثقات قاله الشيخ الألباني. أحكام الجنائز ٧٠-٧١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345921,"book_id":3840,"shamela_page_id":301,"part":"7","page_num":19,"sequence_num":301,"body":"١٩ - تلقين الميت بعد دفنه بدعة\rيقول السائل: ما حكم ما يفعله كثير من الناس عند الانتهاء من دفن الميت حيث يقوم أحدهم عند رأسه فيلقنه بقوله: (يا عبد الله وابن أَمَتِهِ إذا جاءك المَلَكَان الموكلان بك وبأمثالك من أمة محمد ﷺ فلا يزعجاك ولا يرعباك واعلم أنهما خلق من خلق الله كما أنت خلق من خلق الله فإذا سألاك ما ربك وما ملتك وما دينك وما منهاجك وما الذي عشت ومت عليه؟ فقل لهما بلسان طلق لبق من غير تلجلج ولا وجل ولا خوف منهما ولا جزع فقل لهما الله ربي حقاً ومحمدٌ نبيي صدقاً وإبراهيم الخليل أبي وملته ملتي والكعبة قبلتي وعشت ومت على قول لا إله إلا الله محمد رسول الله. فإذا عادا وسألاك ثانية ماذا تقول في الرجل المبعوث فيكم؟ فقل لهما نبينا وشفيعنا ورسولنا محمد ﷺ ... الخ) ؟\r\rالجواب: هذا التلقين مبتدع وليس له سند من السنة عن الرسول ﷺ وقد نصّ على أنه بدعة طائفة من أهل العلم.\rقال الإمام العز بن عبد السلام: [لم يصح في التلقين شيء وهو بدعة وقوله ﷺ: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) محمول على من دنا موته ويئس من حياته] فتاوى العز بن عبد السلام ص٤٢٧.\rونقل عن الإمام مالك القول بكراهة التلقين بعد الموت. انظر كفاية الطالب الرباني نقلاً عن الآيات البينات للألوسي ص٦٣-٦٤.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما التلقين بعد الدفن فلم أجد فيه عن أحمد شيئاً ولا أعلم فيه للأئمة قولاً سوى ما رواه الأثرم قال قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعون إذا دفن الميت، يقف الرجل ويقول: يا فلان ابن فلان اذكر ما فارقت عليه شهادة أن لا إله إلا الله؟\rفقال: ما رأيت أحداً فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة جاء إنسان فقال ذلك. قال: وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه ...] المغني ٢/٣٧٧.\rوقال الشيخ المرداوي بعد أن ذكر أن مذهب الحنابلة إثبات التلقين بعد الدفن:\r[... والنفس تميل إلى عدمه ...] الإنصاف ٢/٥٤٩.\rوقال شمس الحق العظيم آبادي: [والتلقين بعد الموت قد جزم كثير أنه حادث] عون المعبود ٨/٢٦٨.\rوقال الشيخ ابن القيم: [ولم يكن يجلس - أي رسول الله ﷺ يقرأ عند القبر ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم] زاد المعاد ١/٥٢٢.\rوأما ما يروى في الحديث عن جابر بن سعيد الأزدي قال: (دخلت على أبي أمامة وهو في النزع فقال لي: يا أبا سعيد إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمر رسول الله ﷺ أن يصنع بموتانا فإنه قال: إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: يا فلان ابن فلانة! فإنه يستوي قاعداً فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه سيقول أرشدني رحمك الله فليقل: اذكر ما خرجت عليه من دار الدنيا شهادة أن لا إله الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول له: ما نصنع عند رجل لقن حجته؟ فيكون الله حجيجهما دونه)\rقال الشيخ الألباني: منكر. أخرجه القاضي الخلعي في الفوائد ٢/٥٥.\rقلت - أي الألباني -: [وهذا إسناد ضعيف جداً لم أعرف أحداً منهم غير عتبة بن السكن. قال الدارقطني: متروك الحديث. وقال البيهقي: واهٍ منسوب إلى الوضع.\rوالحديث أورده الهيثمي ... وقال: رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده جماعة لم أعرفهم] ثم ذكر الشيخ الألباني أن الأئمة النووي وابن الصلاح والحافظ العراقي قد ضعفوا الحديث. السلسلة الضعيفة ٢/٦٤-٦٥.\rوقال الشيخ ابن القيم بعد أن ساق الحديث: [فهذا حديث لا يصح رفعه] زاد المعاد ١/٥٢٣.\rونقل ابن علان قول الحافظ ابن حجر بعد تخريج حديث أبي أمامة: [هذا حديث غريب وسند الحديثين من الطريقين ضعيف جداً] الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٤/١٩٦.\rوقال الصنعاني: [ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله] سبل السلام ٢/٢٣٤.\rوقد احتج المثبتون للتلقين بما جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁\rأن النبي ﷺ قال: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٢/٥١٩.\rوهذا الحديث ليس فيه التلقين بعد الموت وبعد الدفن وإنما هو في التلقين عند الاحتضار.\rقال الإمام النووي: [قوله: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) معناه من حضره الموت والمراد ذكروه لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه كما جاء في الحديث: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) والأمر بهذا التلقين أمر ندب وأجمع العلماء على هذا التلقين] شرح صحيح مسلم ٢/٥١٢.\rوسبق كلام العز بن عبد السلام أن هذا الحديث محمول على من دنا موته ويئس من حياته.\rوقال صاحب الهداية الحنفي: [ولقن الشهادتين لقوله ﷺ: (لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله) والمراد الذي قرب من موته] الهداية ٢/٦٨.\rومما يؤيد تفسير الميت بالمحتضر كما ذهب إليه كثير من أهل العلم ما ورد في الحديث عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي وحسنه الشيخ الألباني.\rومما يؤيد ذلك أيضاً ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنه من كان آخر كلمته لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوماً من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه) رواه ابن حبان والبزار وقال محقق صحيح ابن حبان: حديث صحيح. صحيح ابن حبان ٧/٢٧٢\rوالمشروع عند الانتهاء من دفن الميت هو الاستغفار للميت والدعاء له قال الشيخ ابن القيم: [وكان - أي رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن ميت قام على قبره هو وأصحابه وسأل له التثبيت وأمرهم أن يسألوا له التثبيت] زاد المعاد ١/٥٢٢.\rويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عثمان ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) رواه أبو داود والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال الإمام النووي: إسناده جيد. وصححه الشيخ الألباني أيضاً.\r******","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345922,"book_id":3840,"shamela_page_id":302,"part":"7","page_num":20,"sequence_num":302,"body":"٢٠ - حكم نبش القبور\rيقول السائل: في أي الأحوال يجوز نبش القبور ونقلها من مكانها؟\r\rالجواب: إن حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً فلا يجوز الاعتداء عليه وهو ميت في قبره كما لا يجوز الاعتداء عليه حال حياته لما ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً) رواه أبو داود وابن ماجة واحمد وغيرهم. وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٣/٢١٤.\rوجاء في رواية أخرى عند ابن ماجة: (كسر عظم الميت ككسر عظم الحيّ في\rالإثم) سنن ابن ماجة ١/٥١٦.\rوقد قرر الفقهاء أنه لا يجوز نبش قبر الميت إلا لعذر شرعي وغرض صحيح فالأصل هو عدم جواز نبش القبور إلا في حالاتٍ خاصة وقد ذكر كثير من الفقهاء تفصيلاً للحالات التي يجوز فيها نبش القبور فمنها:\rإذا دفن الميت في أرض مغصوبة كمن دفن في أرضٍ بغير إذن مالكها وكذلك إذا كان الكفن مغصوباً أو وقع في القبر مال لغير الميت قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:\r[وإن وقع في القبر ما له قيمة نبش وأخرج] .\rقال أحمد: [إذا نسي الحفّار مسحاته في القبر جاز أن ينبش عنها.\rوقال - أي أحمد - في الشيء يسقط في القبر مثل الفأس والدراهم ينبش قال: إذا كان له قيمة يعني ينبش ...] المغني ٢/٤١٢.\rوقال الشوكاني رداً على صاحب حدائق الأزهار في قوله: [ولا ينبش لغصب قبر ولا كفن] .\rأقول: [قد علم بالضرورة الدينية عصمة مال المسلم وأنه لا يخرج عن ملكه إلا بوجه مسوغ فمن زعم أن الدفن من مسوغات ذلك فعليه الدليل ولا دليل.\rوقد تقدم أنه يشق بطنه لاستخرج ماله في نفسه لكون ذلك إضاعة مال فكيف لا ينبش للمال الذي اغتصبه وهو الكفن أو الأرض التي دفن فيها مع كونه إتلاف لمال محترم ومعصوم بعصمة الإسلام.\rوقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (من اغتصب شبراً من الأرض طوقه الله من سبع أرضين) فكيف بمن اغتصب قبراً هو عدة أشبار.\rوهكذا ينبش إذا ترك بغير غسل لأن الغسل واجب شرعي لا يسقطه الدفن إلا بدليل ولا دليل هذا إذا كان يظن أن جسمه لم يتفسخ وأن غسله ممكن وهكذا التكفين لا يسقطه الدفن إلا بدليل ولا دليل لأنه واجب شرعي لا يسقط إلا بمسقط شرعي]\rالسيل الجرار على حدائق الأزهار ١/٣٦٩.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [لا ينبش الميت من قبره إلا لحاجة مثل أن يكون المدفن الأول فيه ما يؤذي الميت فينقل إلى غيره كما نقل بعض الصحابة في مثل ذلك] مجموع الفتاوى ٢٤/٣٠٣.\rوقد ذكر الفقهاء حالات كثيرة يجوز فيها نبش القبور فصلها الخطيب الشربيني في مغني المحتاج ٢/٥٨-٦٠، وإن كنا لا نسلم بجميع ما ذكره من الأعذار التي تبيح نبش القبور.\rوقد أجاز بعض الفقهاء نبش القبر من أجل توسيع المسجد الجامع أو دفن ميت آخر معه عند الضيق فيجوز نبشه ودفنه في قبر لوحده.\rقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب هل يخرج من القبر واللحد] ثم ذكر بسنده حديث جابر بن عبد الله ﵄: (لما حضر أحدٌ دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ وإني لا أترك بعدي أعزَّ عليَّ منك غير نفس رسول الله ﷺ إن عليَّ ديناً فاقض واستوص بأخوتك خيراً فأصبحنا فكان أول قتيل ودفن معه آخر في القبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير هينة في أذنه] .\rوقد أشار الحافظ ابن حجر إلى أن الإمام البخاري يرى جواز إخراج الميت من قبره لغرض صحيح كما إذا كان في نبشه مصلحة تتعلق بالميت من زيادة البركة له أو إخراجه لمصلحة تتعلق بالحيِّ لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه وقد بين جابر ذلك بقوله: (فلم تطب نفسي) . انظر فتح الباري ٣/٤٥٧-٤٥٨.\rومما يستأنس به لجواز نبش القبور لغرض صحيح ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن شريح بن عبيد الحضرمي أن رجالاً قبروا صاحباً لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفناً ثم لقوا معاذ بن جبل فأخبروه فأمرهم أن يخرجوه فأخرجوه من قبره ثم غسل وكفن وحنط ثم صلى عليه. نيل الأوطار ٤/١٢٨.\rومما يدل على جواز نبش القبور الدارسة لبناء المسجد وتوسيعه ما رواه الإمام البخاري في صحيحه في قصة بناء النبي ﷺ مسجده لما هاجر إلى المدينة وفيه:\r(وأنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ بني النجار فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا. قالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى.\rفقال انس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين وفيه خرب وفيه نخل فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع ...) صحيح البخاري مع الفتح ٢/٧٢.\rوبعد كل هذا أقول إنه ينبغي التحرز والاحتياط في مسألة نبش القبور لأن الأصل عدم النبش فينبغي دراسة الحالات التي يسأل فيها عن نبش القبر دراسة متأنية ودقيقة لأن كثيراً من الجهات تتساهل في هذا الأمر تساهلاً كبيراً فلا تراعي حرمة الأموات فتتعدى على المقابر من أجل توسيع الطرقات أو من أجل التنظيم العمراني مع عدم الحاجة الحقيقية إلى ذلك.\rوقد ذكر الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله ضوابط لا بدمن مراعاتها إذا أجزنا نبش القبور وهي:\r١. مرور زمن طويل على القبر بحيث يعرف أن الميت قد بلي وصار تراباً ويعرف ذلك بالخبرة فإن البلاد والأرض تختلف طبيعتها.\r٢. إذا كان الميت يتأذى بوجوده في هذا القبر كما إذا صار موضع القبر رديئاً لوجود مياه أو قذارة تنز عليه أو نحو ذلك.\r٣. إذا تعلق حق لآدمي بالقبر أو بالميت نفسه.\r٤. أن تتعلق بالمقبرة مصلحة عامة ضرورية للمسلمين لا يتم تحقيقها إلا بأخذ أرض المقبرة أو جزء منها ونقل ما فيها من رفات.\rوذلك أن من القواعد الشرعية العامة أن المصلحة الكلية مقدمة على المصلحة الجزئية وأن الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام فإذا كان هذا يطبق على الحي حتى إن الشرع ليجيز نزع ملكية أرضه وداره وإخراجه من مسكنه من أجل حفر نهر أو إنشاء طريق أو إقامة مسجد أو توسيعه أو نحو ذلك فأولى أن يطبق على الميت الذي لو كان حياً ما رضي أن نؤذي إخوانه لأجله.\rوأخيراً لا بد من التذكير أنه إذا أردنا نبش مقبرة أو بعض مقبرة أن يحرص العاملون في الحفر على عدم كسر عظام الأموات وأن يقوموا بجمع تلك العظام ونقلها بكل احترام إلى مكان آخر تدفن فيه بمعرفة أهل الرأي والدين. انظر فتاوى معاصرة ١/٧٣٠-٧٣٣.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345923,"book_id":3840,"shamela_page_id":303,"part":"7","page_num":21,"sequence_num":303,"body":"٢١ - الدفن\rيقول السائل: أوصى شخص قبل موته أن يوضع معه مصحف في قبره ليستأنس به فما حكم هذه الوصية؟\r\rالجواب: يحرم تنفيذ هذه الوصية لما فيها من امتهان واحتقار للمصحف الشريف ويجب صيانة المصحف عن القاذورات والنجاسات ويجب تكريمه والمحافظة عليه هذا من جانب ومن جانب آخر فإن الذي ينفع الميت عمله الصالح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345924,"book_id":3840,"shamela_page_id":304,"part":"7","page_num":22,"sequence_num":304,"body":"٢٢ - زيارة القبور\rيقول السائل: ما هو المشروع في زيارة القبور؟\r\rالجواب: لا شك أن زيارة القبور مشروعة في كل الأوقات لما ورد في الحديث عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة ولتزدكم زيارتها خيراً فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجراً) رواه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم.\rوفي رواية أخرى (لا تقولوا ما يسخط الرب) .\rفزيارة القبور سنة مشروعة تذكر بالموت وتجعل الإنسان يتعظ ويعتبر ويتذكر أنه سيصير إلى ما صار إليه الأموات وهذا يدفعه إلى العمل الصالح.\rوكذلك فإن زيارة القبور فيها نفع للميت بالسلام عليه والدعاء له والاستغفار له.\rوالمشروع للزائر أن يقول: (السلام على أهل الديار المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) رواه مسلم.\rوالمشروع أيضاً في حق الزائر أن يدعو للأموات لما ورد عن النبي ﷺ: (كان يخرج إلى البقيع فسألته عائشة عن ذلك فقال إني أمرت أن أدعو لهم) رواه أحمد بسند صحيح.\rوينبغي لزائر القبر أن يراعي حرمة الأموات فلا يجلس على القبور ولا يطؤها بقدمه وقد حذر الرسول ﷺ من ذلك فقال: (لأن يجلس أحدكم عل جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر) رواه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345925,"book_id":3840,"shamela_page_id":305,"part":"7","page_num":23,"sequence_num":305,"body":"٢٣ - بدع التأبين وذكرى الميت\rيقول السائل: ما حكم تأبين الميت قبل الدفن أو بعده بإقامة حفلات التأبين؟\r\rالجواب: إن تأبين الميت بدعة تدور بين الكراهة والتحريم فهي من الأمور المحدثة المخالفة لسنة النبي ﷺ لأن المشروع الثابت عن الرسول ﷺ هو الدعاء للميت بعد دفنه والاستغفار له كما ورد في الحديث عن عثمان بن عفان ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) رواه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\rهذه هي السنة ولكن وللأسف فإن الناس قد تركوا السنة وعملوا بالبدعة وهي التأبين هذا إذا كان المؤبن صادقاً فيما يقوله عن الميت ولا يصفه إلا بما كان فيه فعلاً فيكون الأمر بدعة مكروهة.\rوأما إذا كان التأبين يشتمل على أمور مكذوبة كأن يقول بأن موته خسارة فظيعة للأمة وإن النساء لم يلدن مثله وإن الميت كان قد قضى حياته في أعمال البر والتقوى والناس يعرفون أنه لم يدخل المسجد إلا وهو ميت وغير ذلك من الكذب والزور والبهتان فهذا أمر محرم يؤذي الميت ويعود على المؤبن بالإثم والوبال فيرجع آثماً غير مأجور.\rوهذا الحكم في التأبين سواء كان قبل الدفن أو بعده أو بعد مرور أربعين يوماً على وفاته أو غير ذلك فكله مخالف لهدي الرسول ﷺ فقد جاء في الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المراثي) رواه أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه، كما قال الحافظ ابن حجر.\rوكذلك فإن التأبين قبل الدفن تأخير لدفن الميت وهذا أيضاً مخالف لهدي الرسول ﷺ لأن من السنة الإسراع في دفن الميت.\rوكذلك ما يصاحب التأبين من الأمور المخالفة للشرع كدعوة الحضور للوقوف دقيقة حداداً على الميت فهذا ليس من شرع الإسلام في شيء وكذلك تصفيق الحاضرين للمؤبن وإنني أدعو المسلمين إلى ترك البدع والالتزام بسنة الرسول ﷺ فإن الشر كل الشر في الابتداع والخير كل الخير في الاتباع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345926,"book_id":3840,"shamela_page_id":306,"part":"7","page_num":24,"sequence_num":306,"body":"٢٤ - يحرم استئجار المقرئين للقراءة على الأموات\rبقول السائل: ما حكم استئجار المقرئين للقراءة على روح الميت؟\r\rالجواب: إن استئجار المقرئين لقراءة القرآن على روح الأموات غير جائز شرعاً ومن البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان ودفع المال لهؤلاء المتاجرين بكتاب الله إنفاق فيما حرم الله وهم يأخذون هذا المال بطريق حرام. والقرآن الكريم ما أنزل للمتاجرة به من هؤلاء الكسالى والعاطلين عن العمل ولا ليتكسب به الدجاجلة والمشعوذون وما أنزل هذا الكتاب الكريم ليقرأ على المقابر أو لافتتاح برامج الإذاعة والتلفاز التي تحارب الله ورسوله ودينه طوال الوقت، إنما أنزل هذا القرآن لنتدبر آياته ولتكون لنا سراجاً منيراً ودستوراً ومنهاجاً لحياة الأمة المسلمة.\rوهؤلاء الذين يتاجرون بكتاب الله ينطبق عليهم قول بعض السلف (كم من تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه) وهؤلاء المرتزقة يحددون أسعاراً لقراءاتهم وإذا لم يدفع لهم ما يطلبون فإنهم لا يقرؤون وتزداد حرمة هذا الأمر إذا صاحبته أمور منكرة كالأدعية والأذكار التي لا يقرها الشرع الحنيف وكإزعاج الجيران وأهل الحي باستخدام مكبرات الصوت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345927,"book_id":3840,"shamela_page_id":307,"part":"7","page_num":25,"sequence_num":307,"body":"٢٥ - بدع التأبين وذكرى الميت\rيقول السائل: عند وفاة شخص فإن أهله يذبحون ذبيحة أو أكثر ويعدون الطعام للناس بعد دفنه ومنهم من يصنع ذلك في الأيام الثلاثة التالية لوفاته أو بعد أسبوع أو بمناسبة الأربعين ويجمعون الناس ويقرأون بعض سور القرآن وبعض الأذكار فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: لا شك أن خير الهدي هو هدي محمد ﷺ وإن ترك السنة شر عظيم ومن القضايا التي تركت فيها السنن ما يتعلق بالأموات فأن البدع في هذا المجال كثيرة جداً ومن ذلك ما هو محل السؤال. وتوضيح ذلك أن صنع أهل الميت للطعام مخالف لسنة المصطفى ﵊ فإن أهل الميت حلت بهم مصيبة الموت وهم مشغولون بتجهيز الميت ودفنه وتعمهم الأحزان فلا ينبغي أن يكلفوا بإعداد الطعام وتقديمه للناس بل الواجب عكس ذلك أن على أقاربهم أو جيرانهم أو أهل بلدهم أن يكفوهم ذلك فيصنعون الطعام لأهل الميت ويدل على ذلك قول النبي ﷺ: (إصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم) رواه أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي وغيرهم وقال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وحسنه الألباني. والحديث النبوي يرشد إلى نوع من التكافل الإجتماعي حيث إن إعداد الطعام لأهل الميت أمر له أثر طيب في نفوسهم بالإضافة إلى تعزيتهم ومواساتهم وعلى المسلمين التمسك بسنة رسولهم ﷺ لتحقيق هذه المعاني العظيمة. وكذلك يقال في الجواب عن بقية السؤال فل ينبغي لأهل الميت ارتكاب هذه البدع من إحياء ذكرى الأربعين أو ما يعرف بالختمة أو ما يسمى بالونيسة فهذه أمور مخالفة لسنة رسول الله ﷺ وهي بدع منكرة. وبدلاً من إنفاق الأموال في هذه الأمور المخالفة لسنة الرسول ﷺ ينبغي إنفاق الأموال في ما يعود بالنفع والفائدة على الميت بإذن الله وأبواب الخير التي ينتفع بها الميت كثيرة كالتصدق عن الميت فإن ذلك ينفعه بإذن الله ﷾ ويدل عليه ما ورد في الحديث: (عن ابن عباس ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها فقال: يا رسول الله أن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ فقال: نعم. قال: فإني أشهدك أن حائط المخراف صدقة عنها) رواه البخاري وغيره، وحائط المخراف: بستان نخل أو عنب كثير الثمر. وكذلك ما جاء في الحديث: (عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال للنبي ﵊: إن أبي مات وترك مالاً ولم يوص فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه: قال نعم.) رواه مسلم وغيره. ولا ينبغي أن يقال إن قراءة ما يعرف بالختمة ما هي إلاّ قراءة قرآن فلا يجوز منعها. لأننا نقول إن الختمة المعروفة هي قراءة السور الأخيرة من القرآن من سورة الضحى إلى سورة الناس وتلاوة بعض الأذكار كتكرار لفظ الجلالة مئة مرة وغير ذلك من الأذكار، إن هذه الختمة طريقة مبتدعة في الذكر لم ترد عن الرسول ﷺ فكم من صحابي مات على عهد رسول الله ﷺ ولم يرد عنه ﷺ أنه فعل ذلك أو أمر أحداً من الصحابة بفعل ذلك. ولو كان هذا الأمر مشروعاً لبينه رسول الله ﷺ ولعمل به الصحابة ﵃ ولو كان خيراً لسبقونا إليه. وما دام لم ينقل عن الرسول ﷺ فلا يجوز فعله لأن الأصل في باب العبادات التوقيف عن المصطفى ﵊.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345928,"book_id":3840,"shamela_page_id":308,"part":"7","page_num":26,"sequence_num":308,"body":"٢٦ - زيارة القبور\rزيارة القبور يوم العيد غير مشروعة , يقول السائل: جرت العادة عندنا أن يذهب الناس يوم العيد بعد انتهاء صلاة العيد لزيارة القبور ويقرؤون القرآن حول القبر وتخرج النساء كذلك معهم ويوزعون الحلوى والقهوة والشاي ويضعون جريد النخل والزهور على القبور فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن زيارة القبور سنة مشروعة عن الرسول ﷺ فقد ثبت في الحديث قوله ﵊ (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة) رواه مسلم.\rولكن الشرع لم يحدد يوما ً معيناً لزيارة القبور لذلك فإن تخصيص يومي العيد بزيارة القبور بدعة مكروهة وقد تكون حراماً إذا رافقتها الأمور المنكرة التي نشاهدها في أيامنا هذه يوم العيد من خروج النساء المتبرجات إلى القبور واختلاطهن بالرجال وكذلك انتهاك حرمات الأموات من الجلوس على القبور ووطئها بالأقدام وغير ذلك من الأمور المخالفة لهدي المصطفى ﷺ.\rوينبغي أن يعلم أنه لا يجوز تخصيص زمان أو مكان بشيء من العبادة إلا بدليل شرعي. وتخصيص يوم العيد بزيارة القبور مما لم يرد عن الرسول ﷺ فلم يكن من هدي المصطفى ﷺ ولا صحابته ﵃ زيارة القبور يوم العيد وإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ وإن الخير كل الخير بالاتباع والشر كل الشر بالابتداع.\rوأما قراءة القرأن على القبور فأمر غير مشروع أيضاً بل هو بدعة منكرة ما فعلها رسول ﷺ ولا نقلت عن صحابته ﵃ ولا يجوز فعل ذلك وعلى المسلم أن يقتدي بالرسول ﷺ وصحابته الأخيار ﵃.\rوالرسول ﷺ علم الصحابة ما يقولون عند زيارتهم للقبور فقد ورد في الحديث عن بريدة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية) رواه مسلم.\rفالمشروع في حق من يزور المقابر أن يسلم على الأموات بهذه الصيغة أو نحوها وأن يدعو ويستغفر لهم وأما قراءة الفاتحة كما يفعله أكثرالناس اليوم وكذا قراءة غيرها من القرآن لا أصل له في الشرع وإن توارثه الناس في بلادنا كابراً عن كابر فإن الحق في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لا فيما يعتاده الناس.\rقال الشيخ محمد رضا صاحب تفسيرالمنار ( ... فاعلم أن ما اشتهر وعم ّ البدو والحضر من قراءة الفاتحة للموتى لم يرد في حديث صحيح ولا ضعيف فهو من البدع المخالفة لما تقدم من النصوص القطعية ولكنه صار بسكوت اللابسين لباس العلماء وبإقرارهم له ثم بمجاراة العامة عليه من قبيل السنن المؤكدة أو الفرائض المحتمة) ٨/٢٦٨.\rومما يدل على عدم مشروعية قراءة القرآن على القبور قول النبي ﷺ (لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة) رواه مسلم.\rفهذا يدل على أن القبور ليست محلاً لقراءة القرآن شرعاً فلذلك حض الرسول ﷺ على قراءة القرآن في البيوت ونهى عن جعل البيوت كالمقابر في عدم قراءة القرأن.\rوأما خروج النساء إلى زيارة القبور في أي يوم من أيام السنة فالأصل فيه الجواز لدخول النساء في عموم قوله ﷺ في الحديث المتقدم (كنت نهيتكم ... ألا فزوروها) ولأن العلة في زيارة القبور وهي التذكرة بالآخرة تشارك النساء فيها الرجال ولثبوت ذلك بأحاديث منها حديث عبد الله بن أبي مليكة: أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن ابن أبي بكر فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها) رواه الحاكم والبيهقي، وإسناده صحيح قاله الألباني.\rوفي رواية عنها (أن رسول الله ﷺ رخص في زيارة القبور) رواه ابن ماجة.\rوفي الباب أيضاً حديث عائشة عند مسلم وهو حديث طويل لم أذكره لذلك.\rوأما خروج النساء لزيارة القبور يوم العيد فحكمه كما قلت سابقاً لا يجوز فهو بدعة مكروهة لأنه تخصيص لعبادة بزمان معين بدون دليل وقد يصل إلى درجة التحريم إذا عرفنا حال كثير من النساء اللواتي يخرجن إلى المقابر من التبرج، وإبداء الزينة والاختلاط الفاحش بالرجال فأرى أنه يجب على أولياء أمورهن منعهن من الخروج إلى المقابر وهن على تلك الحال وإن لم يفعلوا فهم آثمون والعياذ بالله.\rوأما وضع جريد النخل وباقات الزهور أو أكاليل الزهور على القبور فلا يجوز أيضاً لأنه أمر محدث ولا يصح الاحتجاج بحديث ابن عباس وهو بما معناه أن النبي ﷺ مر على قبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير.. ثم أخذ جريدة فشقها نصفيفن فوضع كل نصف على قبر وقال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) .\rفهذا الحديث صحيح ولا شك ولكن لا دلالة فيه على أن وضع جريدة النخل وأكاليل الزهور على قبور الأموات عامة جائز لما يلي:\rأولاً: إن النبي ﷺ أعلمه الله أن الرجلين يعذبان ونحن لا نعرف هل أصحاب القبور يعذبون أم لا؟\rثانياً: إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الأموات لأننا نظن ظن السوء أنهم يعذبون وما يدرينا لعلهم ينعمون.\rثالثاً: إن وضع الجريد والزهور لما كان عليه سلف الأمة الصالحة الذين هم أعلم بشريعة الله منا.\rرابعاً: إن وضع جريد النخل على القبر خاص برسول الله ﷺ قال الخطابي في معالم السنن \" أنه من التبرك بأثر النبي ﷺ ودعائه بالتخفيف عنهما.. إلى أن قال: والعامة في كثير من البلدان تغرس الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه \" ١/٢٧.\rويؤيد أن وضع الجريد خاص برسول الله ﷺ ما ورد في حديث جابر عند مسلم وفيه (أني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين) فهذا دليل على أن رفع العذاب عنهما كان بسبب شفاعة الرسول ﷺ ودعائه لا بسبب نداوة الغصنين.\rوبناء على ما تقدم لا أنصح أحداً من المسلمين بوضع جريد النخل أو أكاليل الزهور على القبور وأنصح من يفعلون ذلك بأن يتصدقوا بثمن ذلك عن أمواتهم فإن ذلك ينفعهم ويصلهم ثوابه إن شاء الله كما قاله بعض المحققين من العلماء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345929,"book_id":3840,"shamela_page_id":309,"part":"7","page_num":27,"sequence_num":309,"body":"٢٧ - ما ينتفع به اليت\rيقول السائل: ما هي الأمور التي ينتفع بها الإنسان بعد وفاته ويصل ثوابها إليه؟\r\rالجواب: إن مما اتفق عليه علماء الإسلام أن الميت ينتفع بدعاء غيره له، قال الإمام النووي: [أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصل ثوابه إليهم] .\rويدل على ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) سورة الحشر آية ١٠.\rوكذلك ثبت في أحاديث كثيرة من الدعاء للأموات في صلاة الجنازة وعند زيارة القبور وغير ذلك كما ورد في الحديث من قول النبي ﷺ (دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة وعند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل آمين ولك بمثل) رواه مسلم وغيره.\rوكذلك ما ثبت في الحديث من قوله ﷺ (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم وغيره.\rومن الأمور التي اتفق العلماء على أن الميت ينتفع بها ويصل ثوابها له الصدقة عنه، وكذلك فإن المتصدق ينتفع بتلك الصدقة أيضاً ويدل على ذلك أحاديث وردت عن الرسول ﷺ منها:\rعن ابن عباس ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: نعم، فقال: فإني أشهدك أن حائط المخراف صدقة عنها) رواه البخاري وغيره. وحائط المخراف: بستان نخل وعنب كان لسعد فتصدق به عن أمه.\rوعن عائشة ﵂ أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ: إن أمي أفتلتت نفسها - أي ماتت فجأة - ولم توص وأظنها تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ قال: نعم فتصدق عنها) رواه البخاري ومسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ (إن رجلاً قال للنبي ﷺ: أبي مات وترك مالاً ولم يوص فهل يكفر عنه إن تصدقت عنه؟ قال: نعم) رواه مسلم وغيره. ومن الأمورالتي ينتفع بها الميت قضاء صوم النذر عنه فإذا كان الميت قد نذر صوما ًلله تعالى فمات قبل أن يصوم فيجوز لوليه أن يصوم عنه ذلك النذر.\rويدل على ذلك الحديث عن عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قال: (من مت وعليه صوم صام عنه وليه) رواه البخاري ومسلم.\rوهذا ارجح أقوال العلماء في الصوم عن الميت أنه يجوز في صوم النذر دون صوم الفريضة وهذا منقول عن عائشة وابن عباس وهو قول الإمام أحمد.\rويؤيد ذلك ما جاء في الحديث عن ابن عباس ﵁، أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم شهرأ فأنجاها الله ﷿ فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إما أختها أو ابنتها إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضيه؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.\rومن الأمور التي تصل إلى الميت وينتفع بها الحج والعمرة عنه حج الفريضة والنافلة أو النذر وكذا العمرة وقد وردت الأحاديث بذلك فمنها:\rعن ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن تسأل رسول الله ﷺ: (أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزى أن تحج عنها؟ قال: نعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يجزيء عنها فلتحج عن أمها) رواه النسائي وقال الألباني صحيح الإسناد.\rوعن ابن عباس أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي ﷺ فسأله عن ذلك فقال: أرأيت لو كان عل أختك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء) رواه البخاري وغيره.\rوهناك أعمال أخرى ينتفع بها الميت على قول طائفة من أهل العلم كتلاوة القرآن وجعل ثواب التلاوة للميت والأضحية عن الميت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345930,"book_id":3840,"shamela_page_id":310,"part":"7","page_num":28,"sequence_num":310,"body":"٢٨ - ما ينتفع به اليت\rيقول السائل: ما هي أفضل الأعمال التي يستطيع الابن عملها وينتفع بها الأب بعد وفاته؟\r\rالجواب: إنَّ من أفضل الأعمال التي يستطيع الولد أن يعملها وينتفع بها أبوه الميت الصدقة.\rفالصدقة عن الميت تنفعه ويصله ثوابها كما هو مذهب جماهير علماء المسلمين ودل على ذلك ما جاء بالحديث (عن عائشة ﵂ أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ: إن أمي إفتلت نفسها ولم توص - أي ماتت فجأةً - وأظنها لو أنها تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ قال: نعم فتصدق عنها) ، رواه البخاري ومسلم.\rويدل على ذلك أيضاً (ما رواه ابن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها فقال: يا رسول اله إن أمي توفيت و؟ أنا غائب عنها فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال نعم، فقال إني أشهدك أن حائط المخراف صدقةٌ عنها) والمقصود بالحائط: بستان نخلٍ أو عنب. والحديث رواه البخاري وغيره.\rومن الأمور التي ينتفع بها الميت الدعاء له عند زيارة القبور أو كان بشكلٍ عام، يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) فهذه الآية تدل على انتفاع الأموات باستغفار الأحياء لهم.\rقال الإمام النووي: [أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه] الأذكار ص ١٤٠.\rويدل على ذلك أيضاً قول النبي ﷺ (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) ، رواه مسلم.\rوقوله ﷺ: (اللهم لغفر لحينا وميتنا ... ) رواه أبو داود والترمذي وهو حديثٌ صحيح.\rومن الأمور التي ينتفع بها الميت على قول بعض العلماء الحج عنه تطوعاً إن كان الميت قد أدى فريضة الحج وكذا قراءة القرآن بأن يجعل القارئ ثواب ما تلى للميت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345931,"book_id":3840,"shamela_page_id":311,"part":"7","page_num":29,"sequence_num":311,"body":"٢٩ - التعزية\rيقول السائل: إن بعض الناس يقبلون أقارب الميت عند تعزيتهم فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: إن التعزية مستحبة عند أهل العلم فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله ﷿ من حلل الكرامة يوم القيامة) رواه ابن ماجة والبيهقي بإسناد حسن كما قال الإمام النووي في الأذكار ص ١٢٦.\rقال الإمام النووي: [وأما لفظ التعزية فلا حجر فيه فبأي لفظ عزاه حصلت واستحب أصحابنا أن يقول في تعزية المسلم للمسلم أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك ... وأحسن ما يعزى به ما روينا في صحيح البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلت إحدى بنات النبي ﷺ إليه تدعوه وتخبره أن صبياً لها أو ابناً في الموت فقال للرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر وتحتسب ...] الأذكار ص ١٢٧.\rولم يثبت التقبيل ولا المعانقة في التعزية عن النبي ﷺ وقد كره كثير من أهل العلم المعانقة والتقبيل من الرجل للرجل إلا للقادم من السفر.\rوعليه فينبغي الاقتصار في التعزية على المأثور عن النبي ﷺ وهو التعزية بالكلام وليس بالمعانقة ولا بالتقبيل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345932,"book_id":3840,"shamela_page_id":312,"part":"7","page_num":30,"sequence_num":312,"body":"٣٠ - الدفن\rيقول السائل: ما حكم دفن رجل مع امرأة في قبر واحد؟\r\rالجواب: السنة أن يدفن كل ميت في قبر منفرد كذلك فعل رسول الله ﷺ وهذا معروف من سنته ﷺ بالاستقراء كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير ٢/١٣٦.\rوأجاز العلماء دفن اثنين فأكثر في قبر واحد عند الضرورة والضيق والشدة قال الإمام الشافعي\r(ويدفن في موضع الضرورة من الضيق والعجلة الميتان والثلاثة في القبر) الأم ١/٢٧٦.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي (ولا يدفن اثنان في قبر واحد إلا لضرورة وسئل أحمد عن الاثنين والثلاثة يدفنون في قبر واحد، قال أما في المصر فلا، وأما في بلاد الروم فتكثر القتلى فيحفر شبه النهر رأس هذا عند رجل هذا ويجعل بينهما حاجزاً لا يلتزق واحد بالآخر وهذا قول الشافعي وذلك أنه لا يتعذر في الغالب إفراد كل واحد بقبر في المصر ويتعذر ذلك غالباً في دار الحرب وفي موضع المعترك وإن وجدت الضرورة جاز دفن الاثنين والثلاثة وأكثر في القبر الواحد حيثما كان من مصر أو غيره) المغني ٢/ ٤٢٠.\rويدل على ذلك ما ورد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين والثلاثة من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد ...) رواه البخاري.\rوعن أبي قتادة ﵁ قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله! أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ وكانت رجله عرجاء فقال رسول الله ﷺ: نعم فقتلوا يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم فمر عليه رسول الله ﷺ فقال: كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة فأمر رسول الله ﷺ بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد) رواه أحمد بسند حسن كما قال الحافظ ابن حجر، انظر أحكام الجنائز ص ١٤٦.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (وأما دفن الرجل مع المرأة فروى عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه) وكأنه كان يجعل بينهما حائلاً من تراب ولا سيما إن كانا أجنبيين) فتح الباري ٣/ ٤٥٥.\rوبناءً على ذلك فيجوز دفن الرجل مع المرأة في قبر واحد عند الضرورة ويوضع حاجز بينهما وأما في الأحوال العادية فينبغي أن يدفن كل ميت في قبر لوحده قال الإمام الشافعي (ولا أحب أن تدفن المرأة مع الرجل على حال وإن كانت ضروة ولا سبيل إلى غيرها كان الرجل أمامها وهي خلفه ويجعل بين الرجل والمرأة في القبر حاجز من تراب) الأم ١/ ٢٧٦.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345933,"book_id":3840,"shamela_page_id":313,"part":"7","page_num":31,"sequence_num":313,"body":"٣١ - الدفن\rيقول السائل: هل يجوز دفن الميت في الليل أم ينتظر به النهار؟\r\rالجواب: قال أكثر أهل العلم يجوز دفن الميت ليلاً ولا كراهة في ذلك ولكن الدفن في النهار أفضل. قال الحافظ ابن عبد البر: [وفي هذا الحديث إباحة الدفن بالليل وعلى إجازته أكثر العلماء وجماعة الفقهاء لأن الليل ليس فيه وقت تكره فيه الصلاة] الاستذكار ٨/٢٩٠ وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب الدفن بالليل ودفن أبي بكر ﵁ ليلاً] . ثم روى البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: (صلى النبي ﷺ على رجل بعدما دفن بليلة. قام هو وأصحابه وكان سأل عنه فقال: من هذا؟ فقالوا: فلان دفن البارحة فصلوا عليه) صحيح البخاري مع الفتح ٣/٤٥١. ومما يدل على جواز الدفن بالليل ما جاء في الحديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ مر بقبر دفن ليلاً فقال: (متى دفن هذا؟ فقالوا: البارحة. قال: أفلا آذنتموني. قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك. فصلى عليه) رواه البخاري. وعن جابر قال: (رأى ناسٌ ناراً في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله ﷺ في القبر وإذا هو يقول: ناولوني صاحبكم. وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر) . رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم كما قال الإمام النووي. المجموع ٥/٣٠٢. وروى الإمام البخاري عن عائشة ﵂: (أن أبا بكر الصديق لم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء ودفن قبل أن يصبح) صحيح البخاري ٣/٢٩٧. وهذا هو الحديث الذي ذكره الإمام البخاري معلقاً في ترجمة الباب السابق. وأما ما جاء عن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قبض وكفن في غير طائل وقبر ليلاً فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلي عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك وقال النبي ﷺ: إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه) رواه مسلم. فقد أجاب عنه العلماء بأجوبة قوية منها ما قاله الإمام النووي: [وأما النهي عن القبر ليلاً حتى يصلي عليه فقيل سببه أن الدفن نهاراً يحضره كثيرون من الناس ويصلون عليه ولا يحضره في الليل إلا أفراد. وقيل لأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل لرداءة الكفن فلا يبين في الليل ويؤيده أول الحديث وآخره ...] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٢. وقال العلامة ابن القيم: [قال الإمام أحمد: لا بأس بذلك - أي الدفن ليلاً - وقال: أبو بكر دفن ليلاً وعليٌ دفن فاطمة ليلاً وحديث عائشة: (سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي ﷺ. وممن دفن ليلاً عثمان وعائشة وابن مسعود ورخص فيه عقبة بن عامر وابن المسيب وعطاء والثوري والشافعي واسحاق وكرهه الحسن وأحمد في إحدى الروايتين. وقد روى مسلم في صحيحه: ... فذكر حديث جابر السابق] . ثم قال ابن القيم: [والآثار في جواز الدفن بالليل أكثر. وفي الترمذي من حديث الحجاج بن أرطأة عن عطاء عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ دخل قبراً ليلاً فأسرج له بسراج فأخذه من قبل القبلة وقال: رحمك الله إن كنت لأواهاً تلاءً القرآن وكبر عليه أربعاً) . قال: وفي الباب عن جابر ويزيد بن ثابت وهو أخو زيد بن ثابت أكبر منه. قال: وحديث ابن عباس حديث حسن. قال: ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل وقد نزل النبي ﷺ في قبر ذي البجادين ليلاً. وفي صحيح البخاري: (أن النبي ﷺ سأل عن قبر رجل، فقال: من هذا؟ قالوا: فلان، دفن البارحة فصلى عليه) . وهذه الآثار أكثر واشهر من حديث مسلم. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: (مات إنسان كان رسول الله ﷺ يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلاً فلما أصبح أخبروه. فقال: ما منعكم أن تعلموني؟ فقالوا: كان الليل وكرهنا - كانت ظلمة - أن نشق عليك فأتى قبره فصلى عليه) . قيل: وحديث النهي محمول على النزاهة والتأديب. والذي ينبغي أن يقال في ذلك - والله أعلم -: أنه متى كان الدفن ليلاً لا يفوت به شيء من حقوق الميت والصلاة عليه فلا بأس به وعليه تدل أحاديث الجواز وإن كان يفوت بذلك حقوقه والصلاة عليه وتمام القيام عليه نهي عن ذلك وعليه يدل الزجر وبالله التوفيق] شرح ابن القيم على سنن أبي داود ٨/٣٠٩. وقال الحافظ ابن حجر في الجواب عن حديث جابر: [بأن النهي عن الدفن ليلاً كان بسبب تحسين الكفن وقوله: (حتى يصلي عليه) مضبوط بكسر اللام أي النبي ﷺ فهذا سبب آخر يقتضي أنه إن رجي بتأخير الميت إلى الصباح صلاة من ترجى بركته عليه استحب تأخيره وإلا فلا وبه جزم الطحاوي واستدل المُصَنْف - أي الإمام البخاري - للجواز بما ذكره من حديث ابن عباس ولم ينكر النبي ﷺ دفنهم إياه بالليل بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره وأيد ذلك بما صنع الصحابة بأبي بكر وكان ذلك كالإجماع منهم على الجواز] فتح الباري ٣/٤٥١. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345934,"book_id":3840,"shamela_page_id":314,"part":"7","page_num":32,"sequence_num":314,"body":"٣٢ - الدفن\rيقول السائل: ما حكم الدفن في الفساقي؟\r\rالجواب: إن الأصل أن يدفن كل ميت في قبر لوحده، وينبغي أن يكون القبر عميقاً، يمنع خروج الرائحة ويمنع الحيوانات المفترسة من الوصول إلى جثة الميت، ويجوز دفن أكثر من ميت في قبر واحد عند الضرورة لما ثبت في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: (كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين والثلاثة من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد....) رواه البخاري وغيره. وأما الدفن في الفسقية وهي كبيتٍ معقودٍ بالبناء يوضع فيه الأموات الواحد بجانب الآخر، فقد كره كثير من أهل العلم الدفن فيها، لمخالفتها للسنة، قال الإمام السبكي: \" في الإكتفاء بالفساقي نظر، لأنها ليست على هيئة الدفن المعهود شرعاً قال: وقد أطلقوا تحريم إدخال ميت على ميت لما فيه من هتك حرمة الأول وظهور رائحته، فيجب إنكار ذلك، ونقل الخطيب الشربيني عن بعض شرَّاح المنهاج أنه قال: \" إنه لا يكفي الدفن فيما يصنع الآن ببلاد مصر والشام وغيرهما من عقد أزج واسع أو مقتصد شبه بيت لمخالفته الخبر وإجماع السلف وحقيقته بيت تحت الأرض فهو كوضعه في غار ونحوه ويسد بابه، ثم قال الشربيني: وهذا ظاهر لأنه ليس بدفن كما أشار إلى ذلك ابن الصلاح والأذرُعي وغيرهما \" مغني المحتاج ٢/٣٦ - ٣٧. وقال الشيخ ابن عابدين: \" ويكره الدفن في الفساقي.... لمخالفتها السنة، والكراهة من وجوه كثيرة: عدم اللحد ودفن جماعة في قبر واحد بلا ضرورة، واختلاط الرجال بالنساء بلا حاجز، وتجصيصها والبناء عليها.... وخصوصاً إن كان فيها ميت لم يبل \" حاشية ابن عابدين ٢/٢٣٣. فإن وجدت ضرورة للدفن في الفساقي كما هو الحال في بعض المدن بسبب ضيق المقابر، فيجب أن يراعى أن لا يفتح على ميت قبل أن تبلى عظامه، ولا بد من وضع حاجز بين كل ميت وآخر، وينبغي أن لا يكون الميت مكشوفاً، فقد أخبرني بعض الناس أنهم يضعون الميت في الفسقية دون أن يغطوه بشيء وهذا مخالف للسنة. وينبغي التذكير بالمحافظة على حرمة الأموات لأن المسلم محترم حياً وميتاً وقد جاء في الحديث أن النبيصلى الله عليه وسلم قال: (إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً) رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان وغيرهم وهو صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٣/٣١٤. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345935,"book_id":3840,"shamela_page_id":315,"part":"7","page_num":33,"sequence_num":315,"body":"٣٣ - الدفن\rيقول السائل: ما قولكم فيما يفعله بعض الناس حيث إن المقبرة عندهم عبارة عن بناء قائم على وجه الأرض أشبه ما تكون بغرفة فإذا مات الميت فتحوا باب الغرفة ووضعوا الميت على الأرض بدون دفن فإذا مات آخر فتحوا الغرفة ووضعوا الميت الآخر بجانبه وهكذا فهل هذه المقبرة معتبرة شرعاً؟ أفيدونا.\r\rالجواب: الأصل الثابت من سنة النبي ﷺ الفعلية والقولية أن الميت يدفن تحت التراب ولا يترك على وجه الأرض ولو كان في غرفة مغلقة كما في السؤال.\rودفن الميت فرض كفاية ومعنى الدفن أن يخفى الشيء في التراب ودفن الميت جعله تحت التراب وقد جاء في الحديث عن هشام بن عامر قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ يوم أحد فقلنا يا رسول الله: الحفر علينا لكل إنسان شديد فقال رسول الله ﷺ: احفروا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، فقالوا: فمن نقدم يا رسول الله؟ قال: قدموا أكثرهم قرآنا، وكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح وقال الشيخ الألباني إسناد الحديث صحيح كما قال الترمذي وهو على شرط الشيخين. أحكام الجنائز ص ١٤٣.\rفهذا الحديث يدل على أن الميت يدفن تحت التراب ويدل على تعميق القبر، قال الشوكاني: [فيه دليل على مشروعية إعماق القبر وإحسانه وقد اختلف في حد الإعماق فقال الشافعي: قامة. وقال عمر بن عبد العزيز إلى السرة، وقال الإمام يحيى إلى الثدي وأقله ما يواري الميت ويمنع السبع] نيل الأوطار ٤/٨٩.\rوالمراد بقول الشافعي في حد الإعماق قامة أي قامة رجل معتدل فقد أوصى عمر بن الخطاب ﵁ أن يعمق قبره إلى قامة وبسطة. رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٣/٣٢٦ وانظر نيل الأوطار ٤/٨٩، الموسوعة الفقهية ٣٢/٢٤٦.\rوجاء في الحديث عن رجل من الأنصار قال: (خرجنا في جنازة فجلس رسول الله ﷺ على حفيرة القبر فجعل يوصي الحافر ويقول: أوسع من قبل الرأس وأوسع من قبل الرجلين) رواه أبو داود والبيهقي وإسناده صحيح كما قال الإمام النووي في المجموع ٥/٢٨٦.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال أحمد ﵀: يعمق القبر إلى الصدر الرجل والمرأة في ذلك سواء كان الحسن وابن سيرين يستحبان أن يعمق القبر إلى الصدر. وقال سعيد: حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر: أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه أمرهم أن يحفروا قبره إلى السرة ولا يعمقوا فإن ما على ظهر الأرض أفضل مما سفل منها. وذكر أبو الخطاب: أنه يستحب أن يعمق قدر قامة وبسطة وهو قول الشافعي. لأن النبي ﷺ قال: (احفروا وأوسعوا وأعمقوا) رواه أبو داود. ولأن ابن عمر أوصى بذلك في قبره ولأنه أحرى ألا تناله السباع وأبعد على من ينبشه. والمنصوص عن أحمد: أن المستحب تعميقه إلى الصدر لأن التعميق قدر قامة وبسطة يشق ويخرج عن العادة. وقول النبي ﷺ: (أعمقوا) ليس فيه بيان لقدر التعميق ولم يصح عن ابن عمر أنه أوصى بذلك في قبره ولو صح عند أبي عبد الله لم يعده إلى غيره.\rإذا ثبت هذا فإنه يستحب تحسينه وتعميقه وتوسيعه للخبر، وقد روى زيد بن أسلم قال: (وقف رسول الله ﷺ على قبر. فقال: اصنعوا كذا، اصنعوا كذا، ثم قال: ما بي أن يكون يغني عنه شيئاً ولكن الله يحب إذا عمل العمل أن يحكم) قال معمر: وبلغني أنه قال: (ولكنه أطيب لأنفس أهله) رواه عبد الرزاق في كتاب الجنائز] المغني ٢/٣٧١.\rوبناء على ما تقدم فإن ترك الأموات في غرفة بدون دفن كما في السؤال هو خلاف سنة النبي ﷺ وينبغي تخصيص قطعة أرض لتكون مقبرة كما توارثه المسلمون منذ عهد النبي ﷺ وحتى الآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345936,"book_id":3840,"shamela_page_id":316,"part":"7","page_num":34,"sequence_num":316,"body":"٣٤ - من يدخل المرأة الميتة في القبر\rمن هو الشخص الذي يجوز له أن يتولى وضع المرأة الميتة في قبرها وهل يشترط أن يكون من محارمها؟\r\rالجواب: الأول والأفضل أن يتولى وضع المراة في قبرها محارمها أو زوجها وإذا تولى ذلك رجل أجنبي عنها يجوز ذلك ولا بأس به فلا يشترط فيمن يضع المرأة في قبرها أن يكون محرماً للمرأة فقد ثبت في الحديث: (أن أبا طلحة الأنصاري تولى دفن إحدى بنات الرسول ﷺ عند موتها) رواه البخاري.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345937,"book_id":3840,"shamela_page_id":317,"part":"7","page_num":35,"sequence_num":317,"body":"٣٥ - ما ينتفع به اليت\rقراءة القرآن على الأموات، يقول السائل: أرجو بيان حكم قراءة القرآن على أرواح الأموات وهل يصل ثواب القراءة إليهم أم لا؟\r\rالجواب: اتفق أهل العلم على أن الميت ينتفع بما عمله من خير في حياته ويدل على ذلك قول النبي ﷺ: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم.\rوكذلك اتفقوا على أن دعاء الحي للميت ينفعه ويدل على ذلك أدلة كثيرة منها قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) سورة الحشر الآية ١٠.\rوما ثبت عن الرسول ﷺ من دعائه للأموات في صلاة الجنازة وغيرها كحديث عوف بن مالك قال: (صلى النبي ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مدخله ...) الحديث، رواه مسلم.\rوكذلك اتفقوا على أن صدقة الحي عن الميت تنفع الميت ويدل على ذلك حديث عائشة أن رجلاً أتى النبي ﷺ، فقال: (يا رسول الله إن أمي افتلت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عليها؟ قال: نعم) رواه مسلم. ومعنى افتلت نفسها أي ماتت فجأة.\rكما اتفق جمهور العلماء على أن الحج عن الميت ينفعه لما ورد في الحديث عن بريدة أن امرأة قالت: (يا رسول الله، إن أمي ماتت ولم تحج أفيجزي أن أحج عنها؟ قال: نعم) رواه مسلم.\rوكذلك قال طائفة من أهل العلم بأن الميت ينتفع بصوم الحي عنه لما ورد في حديث عائشة أن الرسول ﷺ قال: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) رواه البخاري ومسلم.\rهذه هي أهم الأعمال التي ينتفع بها الميت وتصل إليه والتي وردت فيها النصوص الشرعية.\rوأما قراءة القرآن وجعل ثواب ذلك للميت فمسألة اختلف فيها أهل العلم قال الإمام النووي ﵀: [واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة أنه لا يصل وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل] الأذكار ص ٤٠.\rوقال الحنفية إن ثواب القرآن يصل إلى الميت وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم واختيار الإمام النووي وغيرهم من أهل العلم.\rوهو الذي أختاره وأقول به لأن الأدلة الواردة في انتفاع الميت بعمل الحي في باب العبادات تدل على انتفاع الميت بقراءة القرآن إذ لا فرق بين انتفاعه بالصوم والحج وانتفاعه بقراءة القرآن، قال ابن قدامة ﵀: [وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله] المغني ٢/٤٢٣.\rثم ذكر بعض الأدلة الدالة على انتفاع الميت بعمل الحي وقد سقت بعضها ثم قال: (وهذه أحاديث صحاح وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية وقد أوصل الله نفعها إلى الميت فكذلك ما سواها] المغني ٢/٤٢٣.\rوقال العلامة ابن القيم ﵀: [وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعاً بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج فإن قيل فهذا لم يكن معروفاً في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصهم على الخير ولا أرشدهم النبي ﷺ إليه وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه ولكانوا يفعلونه.\rفالجواب إن مورد هذا السؤال إن كان معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار قيل له ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع.\rوأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى ولا كانوا يعرفون ذلك البتة ولا كانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم ولا كان أحدهم يشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم. ثم يقال لهذا القائل لو كلفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال اللهم ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت فإن القوم كانوا أحرص شيء على كتمان أعمال البر فلم يكونوا يشهدوا على الله بإيصال ثوابها إلى أمواتهم. فإن قيل إن رسول الله ﷺ أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة قيل هو ﷺ لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له وهذا سأله عن الصيام عنه فأذن له وهذا سأله عن الصدقة فأذن له ولم يمنعهم مما سوى ذلك وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر ....) الروح ص ١٤٢-١٤٣.\rوأخيراً يجب التنبيه على أن القراءة التي تصل للميت وينتفع بها هي القراءة بدون أجر وأما إذا استأجر أهل الميت قارئاً يقرأ بأجره فلا يصل ثواب القراءة للميت ولا ينتفع بها ولا يصح الاستئجار على قراءة القرآن في هذه الحالة ولا ثواب في ذلك للقاريء ولا لذوي الميت ولا للميت قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (وأما الاستئجار لنفس القراءة - أي قراءة القرآن - والإهداء فلا يصح ذلك.. فلا يجوز إيقاعها إلا على وجه التقرب إلى الله تعالى وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق لأن الله إنما يقبل من العمل ما أريد به وجهه لا ما فعل لأجل عروض الدنيا.. وأما إذا كان لا يقرأ لأجل العروض فلا ثواب لهم على ذلك وإذا لم يكن في ذلك ثواب فلا يصل إلى الميت شيء..) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣١٥ - ٣١٦.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345938,"book_id":3840,"shamela_page_id":318,"part":"7","page_num":36,"sequence_num":318,"body":"٣٦ - بدع التأبين وذكرى الميت\rما حكم إقامة مآتم بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاة الميت ودعوة قاريء ليقرأ القرآن بأجر؟\r\rوالجواب: إن إقامة المآتم بمناسبة الأربعين من البدع المنكرة المنتشرة في مجتمعنا وهي مخالفة لهدي المصطفى ﷺ ولما في ذلك من تجديد الأحزان على الميت ولما يصاحب ذلك من إضاعة الأموال فيما لا نفع فيه حيث إن بعض الناس قد يتكلفون في إعداد الطعام ويدفعون أموالاً طائلة قد يكون ورثة الميت بحاجة ماسة لها. وهذا الأمر لم يؤثر عن الرسول ﷺ وهو إحداث في الدين وتشريع لما لم يأذن به الله ﷿ يقول الله تعالى (أم لهم شركؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) سورة الشورى الآية ٢١. وقد ثبت في الحديث الصحيح قول النبي ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي مردود عليه غير مقبول منه. وفي رواية أخرى (من عمل عملاً لس عليه أمرنا فهو رد) . وأما بالنسبة لاستئجار القراء لقراءة القرآن في المآتم فهذا أيضاً من البدع وليس من الهدي النبوي في شيء. ودفع المال في هذا العمل لا أجر فيه ولا ينتفع به الميت ولا القاريء وأخذ المال فيه غير جائز لأن هذا القاريء وأمثاله يقرؤون من أجل المال ولا يقصدون بقراءتهم وجه الله ﷾. ولم يؤثر هذا الفعل عن الصحابة رضوان الله عليهم ولا عن السلف الصالح بل هو بدعة كما قلت والبدع من الضلالة فلا أجر في ذلك لا للقاريء ولا للميت ولا لمن دفع المال. وبدلاً من إنفاق المال في هذه الأمور غير المشروعة يفضل إنفاق المال فيما ينفع الميت كالتصدق عنه كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم. ولما جاء عن ابن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها فقال يا رسول الله: إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: (نعم..) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال للنبي ﷺ: أبي مات وترك مالاً ولم يوص فهل يكفر عنه إن تصدقت عنه؟ قال: (نعم) رواه مسلم. وغير ذلك من الأحاديث. فعلى المسلمين أن يقلعوا عن هذه البدع السيئة وعليهم الالتزام بسنة رسول الله ﷺ قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) . وقال أيضاً (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر) . *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345939,"book_id":3840,"shamela_page_id":319,"part":"7","page_num":37,"sequence_num":319,"body":"٣٧ - نقل الميت من دولة إلى أخرى\rيقول السائل: توفي لي قريب في إحدى دول الخليج وأصر ابنه على نقل الجثمان إلى الضفة الغربية ليدفن فيها بناء على وصية الميت وقد تأخر دفنه عدة أيام فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: لقد حث الإسلام على تعجيل دفن الميت فقد ورد في الحديث بما معناه: (لا ينبغي لجثة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله) رواه أبو داود وغيره.\rولا شك أن نقل الميت من بلد إلى بلد وخاصة أنه قد أدى إلى تأخير الدفن أياماً عدة يتنافى مع ما ذكرنا.\rومن ناحية أهرى فإن نقل الأموات في هذه الأيام يؤدي إلى امتهانهم وانتهاك حرماتهم في نقاط الحدود والمطارات وغيرها.\rكما وأن نقل الميت قد يعرضه للتغيير ويكلف ذويه مبالغ طائلة كان من الأوْلى أن تكون لورثته وخاصة إذا كانوا أطفالاً لا معين لهم.\rلذلك فإني أرى حرمة نقل الميت من دولة إلى اخرى لاشتماله المفاسد التي ذكرت بعضها.\rوإذا أوصى الميت بنقله، فإن وصيته لا تنفذ لأن في تنفيذها مخالفة للشرع ويدل على ما قلت ما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم فجاء منادي النبي ﷺ فقال: (إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم فرددناهم) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن صحيح.\rويؤيد ذلك أن النبي ﷺ أمر بالإسراع في الجنائز وتعجيل دفنها فقد ورد في الحديث: (إن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا) رواه أبو داود. أي عجلوا في التجهيز والتكفين.\rوقد نص الإمام النووي في المجموع على حرمة نقل الميت وهذا قول جماعة من الشافعية ونص الحنفية أيضاً على ذلك. ويؤيد ذلك ما ورد عن ابن عمر مرفوعاً: (إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره) وفي رواية أخرى: (من مات في بكرة فلا تقيلوه إلا في قبره ومن مات عشية فلا يتبين إلا في قبره) .\rوإني أرى أن الفقهاء الذين أجازوا نقل الميت من بلد إلى بلد أجازوه لمصلحة ما ولو أنهم رأوا ما يجري للأموات الذين ينقلون من بلد لآخر في زماننا هذا لأفتوا ولا شك بتحريم ذلك.\rثم إن تأخير دفن الميت فيه زيادة ومضاعفة للأحزان فإذا مات اليوم في أمريكا فإنهم ينتظرون أياماً حتى يصل جثمانه وهذا مما يزيد آلامهم وأحزانهم. بخلاف ما لو دفن بعد موته مباشرة لذلك فإن على المسلمين المبادرة بدفن موتاهم حيث ماتوا والإقلاع عن هذه العادة السيئة وهي نقل الموتى لأن إكرام الميت دفنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345940,"book_id":3840,"shamela_page_id":320,"part":"7","page_num":38,"sequence_num":320,"body":"٣٨ - القبور\rيقول السائل: ما الحكم فيما يصنعه الناس في القبور من بنائها بالحجارة والرخام ونحو ذلك؟\r\rالجواب: إن ما آلت إليه مقابر كثيرة من المسلمين في وقتنا الحاضر ليشعر بالأسى والحزن لبعد الناس عن هدي المصطفى ﷺ وإن الزائر لهذه القبور ليرى أموراً عجيبة من حيث البناء على القبور فيرى هذا القبر قد بني من الرخام الإيطالي وذلك بني بأغلى أنواع الحجارة وهذا بني برخام أبيض وذاك بأسود حتى إن كثيراً من الناس أصبحوا يتفاخرون بالبناء على قبور موتاهم وسمعنا أن بعض هذه القبور كلف بناؤها مبالغ طائلة وكل ذلك من شؤم الابتعاد عن سنة النبي ﷺ وقد أمرنا الله ﷾ باتباع نبيه الكريم ﵊ فقال: (وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ) . وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) وقال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) وغير ذلك من الآيات.\rواعلم أخي المسلم أن الرسول ﷺ نهى عن البناء على القبور وقد ثبت ذلك عنه في أحاديث منها:\r١. عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب (ألا أبعثك على ما بعثتني رسول الله ﷺ (لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) رواه مسلم وغيره.\r٢. وعن جابر ﵁ قال (نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن بينى عليه) رواه مسلم.\r٣. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها) رواه أبو علي وقال الهيثمي رجاله ثقات.\r٤. وعن فضالة بن عبيد: (أن رسول الله ﷺ كان يأمر بتسوية القبور) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم.\rإن هذه الأحاديث تدل دلالة صريحة على تحريم البناء على القبور لأن الرسول ﷺ نهى عن ذلك والأصل في النهي أنه يفيد التحريم لذلك فإن جماهير علماء المسلمين متفقون على أن البناء على القبور من المحرمات.\rقال الإمام الشوكاني ﵀ (إعلم أنه اتفق الناس سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة ﵃ إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول الله لفاعلها.. ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين) شرح الصدور بتحريم رفع القبور ص ٨.\rوقد أفتى جماعة من العلماء بهدم الأبنية التي على القبور ومنهم العلامة ابن حجر الهيتمي إذ قال (وتجب المبادرة لهدم المساجد والقباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول الله ﷺ لأنه نهى عن ذلك وأمر ﷺ بهدم القبور المشرفة وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر ولا يصح وقفه ونذره) الإبداع ص ١٩٨.\rولا بد للمسلم أن يعرف هدي النبي ﷺ في هذه المسألة فلم يكن من هديه ﷺ تعلية القبور ولا بناؤها بآجر ولا بحجر ولا تشيديها ولا بناء القباب عليها فسنته ﷺ تسوية القبور المشرفة كلها ونهى عن تجصيص القبور والبناء عليها والكتابة عليها وكانت قبور الصحابة ضي الله عنهم وما زال كثير منها غير مبني عليه كما هو الحال إلى الآن في شهداء بدر وشهداء أحد وقبور الصحابة في البقيع وغيره.\rوينبغي أن يعلم أن القبور ليست محلاً لتفاخر الناس في البناء عليها وزخرفتها وتخطيط اللوحات التي توضع عليها ويكتب فيها آيات من القرآن الكريم وغير ذلك.\rوإن الميت لا ينتفع بالبناء على قبره أو وضع (الدرابزين) عليه وإن إنفاق الأموال في هذا المجال إنفاق فيما حرم الله وكان الواجب أن تنفق هذه الأموال في أمور أخرى قد تنفع الميت كالصدقة عنه أو عمل صالح ينتفع به.\rوإنني لأذكر إخواننا المشايخ والعلماء أن من واجبهم إنكار هذه البدعة المحرمة وعدم السكوت عليها وتبين الحكم الشرعي فيها لأن هذا المنكر قد استشرى وانتشر حتى لا تكاد مقبرة تخلو منه. وإن سكوت العلماء عن هذا المنكر وغيره فيه تضليل للعوام فيظنون أن البناء على القبور من الأمور المشروعة.\rوإن من منهج علماء المسلمين إنكار المنكرات وإظهار كلمة الحق وإن خالفها الكثير من الناس، بل إن الصحابة ﵃ أنكروا أموراً أقل من هذا بكثير وإن علماء المسلمين في عهد الملك الظاهر أنكروا البناء على القبور وأفتوا أنه يجب على ولي الأمر أن يهدم ذلك كله وهذا هو الحق. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345941,"book_id":3840,"shamela_page_id":321,"part":"7","page_num":39,"sequence_num":321,"body":"٣٩ - القبور\rيقول السائل: في أي الأحوال يجوز نبش القبور ونقلها من مكانها؟\r\rالجواب: إن حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً فلا يجوز الاعتداء عليه وهو ميت في قبره كما لا يجوز الاعتداء عليه حال حياته لما ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً) رواه أبو داود وابن ماجة واحمد وغيرهم. وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٣/٢١٤. وجاء في رواية أخرى عند ابن ماجة: (كسر عظم الميت ككسر عظم الحيّ في الإثم) سنن ابن ماجة ١/٥١٦. وقد قرر الفقهاء أنه لا يجوز نبش قبر الميت إلا لعذر شرعي وغرض صحيح فالأصل هو عدم جواز نبش القبور إلا في حالاتٍ خاصة وقد ذكر كثير من الفقهاء تفصيلاً للحالات التي يجوز فيها نبش القبور فمنها: إذا دفن الميت في أرض مغصوبة كمن دفن في أرضٍ بغير إذن مالكها وكذلك إذا كان الكفن مغصوباً أو وقع في القبر مال لغير الميت قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإن وقع في القبر ما له قيمة نبش وأخرج] . قال أحمد: [إذا نسي الحفّار مسحاته في القبر جاز أن ينبش عنها. وقال - أي أحمد - في الشيء يسقط في القبر مثل الفأس والدراهم ينبش قال: إذا كان له قيمة يعني ينبش ...] المغني ٢/٤١٢. وقال الشوكاني رداً على صاحب حدائق الأزهار في قوله: [ولا ينبش لغصب قبر ولا كفن] . أقول: [قد علم بالضرورة الدينية عصمة مال المسلم وأنه لا يخرج عن ملكه إلا بوجه مسوغ فمن زعم أن الدفن من مسوغات ذلك فعليه الدليل ولا دليل. وقد تقدم أنه يشق بطنه لاستخرج ماله في نفسه لكون ذلك إضاعة مال فكيف لا ينبش للمال الذي اغتصبه وهو الكفن أو الأرض التي دفن فيها مع كونه إتلاف لمال محترم ومعصوم بعصمة الإسلام. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (من اغتصب شبراً من الأرض طوقه الله من سبع أرضين) فكيف بمن اغتصب قبراً هو عدة أشبار. وهكذا ينبش إذا ترك بغير غسل لأن الغسل واجب شرعي لا يسقطه الدفن إلا بدليل ولا دليل هذا إذا كان يظن أن جسمه لم يتفسخ وأن غسله ممكن وهكذا التكفين لا يسقطه الدفن إلا بدليل ولا دليل لأنه واجب شرعي لا يسقط إلا بمسقط شرعي] السيل الجرار على حدائق الأزهار ١/٣٦٩. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [لا ينبش الميت من قبره إلا لحاجة مثل أن يكون المدفن الأول فيه ما يؤذي الميت فينقل إلى غيره كما نقل بعض الصحابة في مثل ذلك] مجموع الفتاوى ٢٤/٣٠٣. وقد ذكر الفقهاء حالات كثيرة يجوز فيها نبش القبور فصلها الخطيب الشربيني في مغني المحتاج ٢/٥٨-٦٠، وإن كنا لا نسلم بجميع ما ذكره من العذار التي تبيح نبش القبور. وقد أجاز بعض الفقهاء نبش القبر من أجل توسيع المسجد الجامع أو دفن ميت آخر معه عند الضيق فيجوز نبشه ودفنه في قبر لوحده. قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب هل يخرج من القبر واللحد] ثم ذكر بسنده حديث جابر بن عبد الله ﵄: (لما حضر أحدٌ دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ وإني لا أترك بعدي أعزَّ عليَّ منك غير نفس رسول الله ﷺ إن عليَّ ديناً فاقض واستوص بأخوتك خيراً فأصبحنا فكان أول قتيل ودفن معه آخر في القبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير هينة في أذنه] . وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى أن الإمام البخاري يرى جواز إخراج الميت من قبره لغرض صحيح كما إذا كان في نبشه مصلحة تتعلق بالميت من زيادة البركة له أو إخراجه لمصلحة تتعلق بالحيِّ لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه وقد بين جابر ذلك بقوله: (فلم تطب نفسي) . انظر فتح الباري ٣/٤٥٧-٤٥٨. ومما يستأنس به لجواز نبش القبور لغرض صحيح ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن شريح بن عبيد الحضرمي أن رجالاً قبروا صاحباً لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفناً ثم لقوا معاذ بن جبل فأخبروه فأمرهم أن يخرجوه فأخرجوه من قبره ثم غسل وكفن وحنط ثم صلى عليه. نيل الأوطار ٤/١٢٨. ومما يدل على جواز نبش القبور الدارسة لبناء المسجد وتوسيعه ما رواه الإمام البخاري في صحيحه في قصة بناء النبي ﷺ مسجده لما هاجر إلى المدينة وفيه: (وأنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ بني النجار فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا. قالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى. فقال انس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين وفيه خرب وفيه نخل فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع ...) صحيح البخاري مع الفتح ٢/٧٢. وبعد كل هذا أقول إنه ينبغي التحرز والاحتياط في مسألة نبش القبور لأن الأصل عدم النبش فينبغي دراسة الحالات التي يسأل فيها عن نبش القبر دراسة متأنية ودقيقة لأن كثيراً من الجهات تتساهل في هذا الأمر تساهلاً كبيراً فلا تراعي حرمة الأموات فتتعدى على المقابر من أجل توسيع الطرقات أو من أجل التنظيم العمراني مع عدم الحاجة الحقيقية إلى ذلك. وقد ذكر الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله ضوابط لا بدمن مراعاتها إذا أجزنا نبش القبور وهي: ١. مرور زمن طويل على القبر بحيث يعرف أن الميت قد بلي وصار تراباً ويعرف ذلك بالخبرة فإن البلاد والأرض تختلف طبيعتها. ٢. إذا كان الميت يتأذى بوجوده في هذا القبر كما إذا صار موضع القبر رديئاً لوجود مياه أو قذارة تنز عليه أو نحو ذلك. ٣. إذا تعلق حق لآدمي بالقبر أو بالميت نفسه. ٤. أن تتعلق بالمقبرة مصلحة عامة ضرورية للمسلمين لا يتم تحقيقها إلا بأخذ أرض المقبرة أو جزء منها ونقل ما فيها من رفات. وذلك أن من القواعد الشرعية العامة أن المصلحة الكلية مقدمة على المصلحة الجزئية وأن الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام فإذا كان هذا يطبق على الحي حتى إن الشرع ليجيز نزع ملكية أرضه وداره وإخراجه من مسكنه من أجل حفر نهر أو إنشاء طريق أو إقامة مسجد أو توسيعه أو نحو ذلك فأولى أن يطبق على الميت الذي لو كان حياً ما رضي أن نؤذي إخوانه لأجله. وأخيراً لا بد من التذكير أنه إذا أردنا نبش مقبرة أو بعض مقبرة أن يحرص العاملون في الحفر على عدم كسر عظام الأموات وأن يقوموا بجمع تلك العظام ونقلها بكل احترام إلى مكان آخر تدفن فيه بمعرفة أهل الرأي والدين. انظر فتاوى معاصرة ١/٧٣٠-٧٣٣. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345942,"book_id":3840,"shamela_page_id":322,"part":"7","page_num":40,"sequence_num":322,"body":"٤٠ - بدع التأبين وذكرى الميت\rيقول السائل: ما قولكم فيما يفعله بعض الناس من إحياء ذكرى مرور عام على وفاة شخص ما بدعوة الأقارب والأصدقاء لإحياء تلك المناسبة بتلاوة آيات من القرآن؟\r\rالجواب: ينبغي أن يعلم أنه ليس من منهج الإسلام تجديد الأحزان وإثارة الأشجان فليس من هدي الرسول ﷺ إحياء ذكرى الميت سواء كان ذلك في ذكرى الأربعين أو مرور سنة أو مرور سنتين أو مرور سنين على وفاته وليس من منهج الإسلام إقامة حفلات التأبين وإلقاء الخطب والكلمات في مدح الأموات وكل ذلك من البدع والمنكرات. يقول الله ﷾: (أم لَهُمْ شرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) سورة الشورى الآية ٢١. وقال الرسول ﷺ: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم. وقال الرسول ﷺ: (... إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ) رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية أخرى أنه ﵊ قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ) رواه مسلم. وإحياء ذكرى الأموات بدعوة الأصدقاء والأقارب وتلاوة القرآن واستئجار القراء وتكرار التعازي كل ذلك ليس له سند من الشرع وما فعله الرسول ﷺ ولا علمه للصحابة وما فعلوه ولا نقل عن التابعين وقد نص الفقهاء على أنه لا يجوز تكرار التعزية لما في ذلك من تجديد الأحزان بل إن الإمام الشافعي قال: [وأكره المآتم وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤونة مع ما مضى فيه من الأثر] الأم ١/٢٧٩. ونقل الشيخ ابن عابدين عن الفتاوى التتارخانية: [لا ينبغي لمن عزى مرة أن يعزي مرة أخرى رواه الحسن عن أبي حنيفة] . وقد ذكر هذا الكلام عند قول صاحب الدر المختار: [وتكره التعزية ثانياً] حاشية ابن عابدين ٢/٢٤١. وقال الإمام النووي: [قال أصحابنا وتكره التعزية بعد الثلاثة لأن المقصود فيها تسكين قلب المصاب والغالب سكونه بعد الثلاثة فلا يجدد له الحزن] المجموع ٥/٣٠٦. وأخيراً فينبغي على المسلم أن يلتزم بهدي رسول الله ﷺ ويقتدي بالصحابة والتابعين وسلف الأمة قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) سورة الأنعام الآية ٩٠. ولا ينخدعن أحد بما اعتاده كثير من الناس من فعل هذه البدع وشيوعها ومشاركة بعض المشايخ فيها فلا حجة لهم في ذلك والحجة في الاقتداء بصاحب الشرع الشريف ﷺ فإن الخير كل الخير في الاتباع وإن الشر كل الشر في الابتداع. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345943,"book_id":3840,"shamela_page_id":323,"part":"7","page_num":41,"sequence_num":323,"body":"٤١ - زيارة القبور\rيقول السائل: ما حكم زيارة النساء للقبور؟\r\rالجواب: إن زيارة النساء للقبور ممنوعة شرعاً، على القول الراجح من أقوال أهل العلم، لأنه ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لعن الله زائرات القبور) رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد وابن حبان. وعن ابن عباس ﵄ قال: (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان، وهو حديث صحيح. وعن عليرضي الله عنه قال: (خرج رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فإذا نسوة جلوس فقال: ما يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة قال: هل تغسلن؟ قلن: لا، قال هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات) رواه البيهقي وابن ماجة وفي سنده اختلاف. وغير ذلك من الأحاديث التي دلت على تحريم زيارة النساء للقبور، فهذه أحاديث صريحة في معناها، فإن رسول الله ﵊ لعن النساء على زيارة القبور، واللعن على الفعل من أول الدلائل على تحريمه، ولا سيما وقد قرنه في اللعن بالمتخذين عليها المساجد والسرج. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \" فإن قيل فالنهي عن ذلك منسوخ، كما قال أهل القول الآخر، قيل هذا ليس بجيد، لأن قوله (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) هذا خطاب للرجال دون النساء فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور، أو متناول لغيرهم بطريق التبع فإن كان مختصاً بهم فلا ذكر للنساء وإن كان متناولاً لغيرهم كان هذا اللفظ عاماً وقوله: (لعن الله زوارات القبور) خاص بالنساء دون الرجال، ألا تراه يقول (لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) ، فالذين يتخذون عليها المساجد والسرج لعنهم الله، سواء أكانوا ذكوراً أو إناثاً وأما الذين يزورون فإنما لعن النساء الزوارات دون الرجال، وإذا كان هذا خاصاً ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة كان متقدماً على العام عند عامة أهل العلم كذلك لو علم أنه كان بعدها \" مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٤/٣٦١,٣٦٠ ملحوظة.. ظهر لي رجحان القول بمنع النساء من زيارة القبور، خلافاً لما قررته في الجزء الأول ص ٧٦ الطبعة الثانية، من جواز زيارة النساء للقبور. وقد رجعت عن القول بالجواز وصرت إلى المنع نظراً لقوة الأدلة الواردة في ذلك فاقتضى التنويه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345944,"book_id":3840,"shamela_page_id":324,"part":"7","page_num":42,"sequence_num":324,"body":"٤٢ - آداب التعزية\r\rيقول السائل: ما هي آداب التعزية، حيث إننا نلاحظ مخالفات كثيرة تحدث عند اجتماع الناس للتعزية، حيث يكثر الكلام في شؤون الدنيا وما يتبعه من لهوٍ وضحكٍ وتدخينٍ مع وجود مسجل لقراءة القرآن الكريم، وما حكم صنع أهل الميت للطعام في اليوم الثالث من الوفاة، أفيدونا؟\r\rالجواب: التعزية من السنة وهي مستحبة عند أهل العلم فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله ﷿ من حلل الكرامة يوم القيامة) رواه ابن ماجة والبيهقي بإسنادٍ حسن كما قال الإمام النووي في الأذكار ص ١٢٦. وعن أم سلمة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناسٌ من أهله، فقال لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه) رواه مسلم. وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن جعفر في قصة استشهاد جعفر بن أبي طالب ﵁ وفيها: (فقال اللهم اخلف جعفراً في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه، قالها ثلاث مرار) قال العلامة الألباني: وإسناده صحيح على شرط مسلم، أحكام الجنائز ص ١٦٦. وعن بريدة الأسلمي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يتعهد الأنصار، ويعودهم، ويسأل عنهم، فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره، وأنها جزعت عليه جزعاً شديداً، فأتاها النبي ﷺ ومعه أصحابه، فلما بلغ باب المرأة، قيل للمرأة: إن نبي الله يريد أن يدخل، يعزيها، فدخل رسول الله ﷺ فقال: أما إنه بلغني أنك جزعت على ابنك، فأمرها بتقوى الله وبالصبر، فقالت: يا رسول الله مالي لا أجزع وإني امرأة رقوب لا ألد، ولم يكن لي غيره؟ فقال رسول الله ﷺ: الرقوب: الذي يبقى ولدها، ثم قال: ما من امرئ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد يحتسبهم إلا أدخله الله بهم الجنة، فقال عمر وهو عن يمين النبي ﷺ: بأبي أنت وأمي واثنين؟ قال: واثنين.) قال العلامة الألباني [رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، قلت - الألباني - بل هو على شرط مسلم فإن رجاله كلهم رجال صحيحه، لكن أحدهم فيه ضعف من قبل حفظه لكن لا ينزل حديثه هذا عن رتبة الحسن والحديث أورده الهيثمي في المجمع ... وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح] أحكام الجنائز ص ١٦٥. ولا بأس في اجتماع الناس للتعزية في قاعة ملحقة بالمسجد أو في البيت أو اصطفاف أهل الميت عند المقبرة بعد الدفن ليعزيهم الناس، فكل ذلك من الوسائل التي تعين على فعل السنة، ومن المقرر عند العلماء أن للوسائل أحكام المقاصد، قال الإمام الشافعي: [والتعزية من حين موت الميت، إن المنزل والمسجد وطريق القبور، وبعد الدفن، ومتى عزَّى فحسن، فإذا شهد الجنازة أحببت أن تؤخر التعزية إلى أن يدفن الميت إلا أن يرى جزعاً من المصاب فيعزيه عند جزعه، ويعزي الصغير والكبير، والمرأة إلا أن تكون امرأة شابة ولا أحب مخاطبتها إلا لذي محرم، وأحب لجيران الميت أو ذي قرابته أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموت، وليلته طعاماً يشبعهم فإن ذلك سنة، وذكرٌ كريمٌ، وهو من فعل أهل الخير قبلنا، وبعدنا لأنه لما (جاء نعي جعفر قال رسول الله ﷺ: اجعلوا لآل جعفر طعاماً، فإنه قد جاءهم أمر يشغلهم) ] الأم ١/٣١٧. إذا تقرر هذا فإن من يدقق النظر في معنى التعزية كما قرره العلماء يجد أن المقصود من التعزية تسلية أهل الميت وحثهم على الصبر وعلى الرضا بما قدره الله لهم والدعاء للميت والترحم عليه، ولكن ما يفعله كثير من الناس خلاف ذلك، ومن المؤسف حقاً أنك ترى الناس يتصرفون على خلاف ذلك، فإن بيوت العزاء صارت أشبه بالمقاهي، فترى كثيراً من المعزين يتحدثون في شؤونهم الدنيوية ويتضاحكون ويدخنون ولا أثر لحادثة الموت عليهم إلا من رحم الله، وقد قرر أهل العلماء آداباً للمعزي ينبغي أن يتحلى بها منها: المسارعة في مواساة المصاب، وتصبيره. والذهاب للتعزية بسكينة ووقار، واختيار الألفاظ المناسبة في تعزيه أهل المصاب؛ ولو تقيد بما ورد لكان أحسن. وتذكير المصاب بفضيلة الصبر والرضا على ما قضاه الله تعالى وقدره، قال الإمام الشوكاني: [وثمرة التعزية الحث على الرجوع إلى الله تعالى ليحصل الأجر] نيل الأوطار٤/١١٦، وتعزية جميع أهل المصاب، ويتأكد لمن لا يقوى على تحمل المصيبة كالصبيان، والنساء، إلا إذا خشيت الفتنة فلا يُعزي النساءَ إلا محارمُهن. ولا بأس أن يجتمع بعض الناس ليذهبوا سوياً لتعزية أهل الميت، بل إنه أفضل للمعزي والمعزى، فإن هذا مما يعين المُعزِّي، ولا يتعب المُعزَّى، ويعين على أداء السنة، وداخل تحت قوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ سورة المائدة الآية ٢. والتعزية في مدة العزاء التي تعارف الناس عليها، ولا يعزي بعدها لما يحصل من تجديد الحزن؛ إلا إذا كانت المصيبة باقية في نفس المصاب فلا بأس بتعزيته. انظر كتاب التعزية وأحكامها ص ٢٣٨-٢٣٩. فانظر إلى هذه الآداب وقارنها بما عليه حال كثير من المعزين تجد العجب العجاب، فإذا كان الناسُ لا يتعظون بالموت فما الذي يعظهم!!! وأما ما ذكره السائل من حديث الناس في شؤون الدنيا وتضاحكهم فهذا دليلٌ واضحٌ على عدم اتعاظهم بالموت، وكفى بالموت واعظاً. وأما التدخين فلا شك لدي في تحريمه، وقد رأيت بنفسي أن من أهل الميت يصطفون لتقبل العزاء من الناس وهم يدخنون!! وأما قراءة القرآن في بيوت العزاء فمن البدع النكرة. ويضاف إلى ذلك أن القرآن يتلى والناس لاهون ولا يستمعون!! وأما صنع الطعام من أهل الميت في اليوم الثالث فهو مخالف للهدي النبوي، فإن أهل الميت حلت بهم مصيبة الموت وهم مشغولون بتجهيز الميت ودفنه وتعمهم الأحزان فلا ينبغي أن يكلفوا بإعداد الطعام وتقديمه للناس، بل الواجب عكس ذلك، فعلى أقاربهم أو جيرانهم أو أهل بلدهم أن يكفوهم ذلك فيصنعوا الطعام لأهل الميت، ويدل على ذلك قول النبي ﷺ: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم) رواه أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي وغيرهم وقال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وحسنه الألباني. والحديث النبوي يرشد إلى نوع من التكافل الإجتماعي حيث إن إعداد الطعام لأهل الميت أمرٌ له أثرٌ طيبٌ في نفوسهم بالإضافة إلى تعزيتهم ومواساتهم وعلى المسلمين التمسك بسنة رسولهم ﷺ لتحقيق هذه المعاني العظيمة. قال الإمام النووي: [قال صاحب\"الشامل\" وأما إصلاح أهل البيت طعاماً، وجمعهم الناس عليه، فلم ينقل فيه شيء، قال: وهو بدعة غير مستحبة، وهو كما قال] روضة الطالبين٢/١٤٥. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [صنعة أهل الميت طعاماً يدعون الناس إليه، فهذا غير مشروع، وإنما هو بدعة] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٤/٣١٦. وقال العلامة ابن القيم: [وكان من هديه ﷺ أن أهل الميت لا يتكلفون الطعام للناس، بل أمر أن يصنع الناس لهم الطعام يرسلونه إليهم، وهذا من أعظم مكارم الأخلاق والشيم، والحمل عن أهل الميت، فإنهم في شغل بمصابهم عن إطعام الناس] زاد المعاد في هدي خير العباد ١/٥٢٨. وقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز: [وأما كون أهل الميت يصنعون طعاماً للناس من أجل الميت فهذا لا يجوز، وهو من عمل الجاهلية سواء كان ذلك يوم الموت أو في اليوم الرابع أو العاشر أو على رأس السنة، كل ذلك لا يجوز لما ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي - أحد أصحاب النبي ﷺ أنه قال: \"كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصناعة الطعام بعد الدفن من النياحة \" أما إن نزل بأهل الميت ضيوف زمن العزاء فلا بأس أن يصنعوا لهم الطعام من أجل الضيافة، كما أنه لا حرج على أهل الميت أن يدعوا من شاؤا من الجيران والأقارب ليتناولوا معهم ما أهدي لهم من الطعام] مجموع فتاوى الشيخ ٩/٣٢٥-٣٢٦.\rوخلاصة الأمر أن التعزية من الأمور المستحبة وقد شرعت لمقاصد عظيمة، منها تسلية أهل الميت وحثهم على الصبر والرضا بقضاء الله وقدره، وإن الواجب على المعزي أن يستشعر حالة الموت وينبغي للمعزين أن يتأدبوا بآداب التعزية وأن يعلموا أنهم ما جاؤا لتعزية أهل الميت إلا لتحقيق مقاصد التعزية، وليس للحديث في شؤون الدنيا والتضاحك واللهو والتدخين وكأن بيت العزاء مقهى. فيا من جئت للعزاء استشعر عظمة الموت وتذكر أنك بانتظار دورك، فتأدب بأدب الإسلام وأكثر من الصمت واترك أمورك الدنيوية لدقائق قليلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345945,"book_id":3840,"shamela_page_id":325,"part":"8","page_num":1,"sequence_num":325,"body":"١ - الزكاة لا تسقط بالموت\rيقول السائل: توفي والدي وعنده أموال وجبت فيها الزكاة ولم يزك حال حياته، فهل الورثة مطالبون بإخراج زكاة مال الوالد بعد وفاته، أفيدونا؟ الجواب: من المعلوم أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وفريضة من الفرائض، وقد وردت نصوص كثيرة فيها كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة التوبة الآية١٠٣، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ سورة التوبة الآيتان ٣٤-٣٥، وورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) رواه البخاري ومسلم، وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من صاحب ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، قيل يا رسول الله فالإبل، قال: ولا صاحب إبلٍ لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاعٍ قرقرٍ- أرض مستوية واسعة - أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلاً واحداً، تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مرَّ عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل يا رسول الله فالبقر والغنم، قال: ولا صاحب بقرٍ ولا غنمٍ لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاعٍ قرقرٍ، لا يفقد منها شيئاً ليس فيها عقصاء - ملتوية القرنين - ولا جلحاء - لا قرن لها- ولا عضباء- انكسر قرنها- تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مرَّ عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) رواه البخاري ومسلم وغير ذلك من النصوص. ومن المعلوم أن الزكاة واجبة على الفور، على الراجح من أقوال أهل العلم، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ سورة الأنعام الآية١٤١. ويدل على ذلك أيضاً ما ثبت في الحديث عن عقبة بن الحارث ﵁ قال: (صلَّى الرسول ﷺ العصر فأسرع ثم دخل بيته فلم يلبث أن خرج، فقلت له، أو قيل له، فقال: كنت خلَّفت في البيت تبراً من الصدقة فكرهت أن أبيَّته فقسمته) رواه البخاري، فالواجب على المسلم أن يبادر إلى إخراج الزكاة حال وجوبها في ماله، فإن مات المكلف بها بعد الوجوب وقبل إخراجها أثم إلا من عذر، وتبقى ديناً في ذمته يلزم الورثة إخراجها بعد نفقات تجهيز الميت وقبل الوصايا وقبل توزيع التركة على الورثة، لأن التركة لا توزع إلا بعد سداد الديون، والزكاة دين لله وهى أحق بالوفاء. والدين مقدم على الوصية باتفاق أهل العلم، وهذا هو الراجح من أقوال العلماء، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولا تسقط الزكاة بموت رب المال , وتُخرج من ماله وإن لم يوص بها، هذا قول عطاء والحسن , والزهري وقتادة ومالك , والشافعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر، وقال الأوزاعي والليث تؤخذ من الثلث , مقدمةً على الوصايا ولا يجاوز الثلث، وقال ابن سيرين والشعبي والنخعي وحماد بن أبي سليمان وداود بن أبي هند , وحميد الطويل والمثنى والثوري: لا تخرج إلا أن يكون أوصى بها، وكذلك قال أصحاب الرأي , وجعلوها إذا أوصى بها وصية تُخرج من الثلث ويزاحم بها أصحاب الوصايا، وإذا لم يوص بها سقطت، لأنها عبادة من شرطها النية , فسقطت بموت من هي عليه كالصوم. ولنا أنها حق واجب تصح الوصية به , فلم تسقط بالموت كدين الآدمي، ولأنها حق مالي واجب فلم يسقط بموت من هو عليه , كالدين، ويفارق الصوم والصلاة فإنهما عبادتان بدنيتان لا تصح الوصية بهما , ولا النيابة فيهما] المغني ٢/٥٠٩. وقال الإمام النووي: [فمن وجبت عليه زكاةٌ وتمكن من أدائها فمات قبل أدائها عصى ووجب إخراجها من تركته عندنا بلا خلاف، وبه قال جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة تسقط عنه الزكاة بالموت، وهو مذهب عجيب فإنهم يقولون الزكاة تجب على التراخي وتسقط بالموت وهذا طريق إلى سقوطها. ودليلنا ما ذكره المصنف. وإذا اجتمع في تركة الميت دين لله تعالى ودين لآدمي كزكاة وكفارة ونذر وجزاء صيد وغير ذلك، ففيه ثلاثة أقوال مشهورة ذكرها المصنف بأدلتها (أصحها) يقدم دين الله تعالى (والثاني) دين الآدمي (والثالث) يستويان فتوزع عليهما بنسبتهما، وحكى بعض الخراسانيين طريقاً آخر أن الزكاة المتعلقة بالعين تقدم قطعاً وإنما الأقوال في الكفارات وغيرها مما يسترسل في الذمة مع حقوق الآدمي، وقد تكون الزكاة من هذا القبيل بأن يكون له مال فيتلف بعد الحول والإمكان ثم يموت وله تركة فالزكاة هنا متعلقة بالذمة ففيها الأقوال. وأجابوا عن حجة منْ قدم دين الآدمي وقياسه على قتل الردة وقطع السرقة بأنه إنما قدمنا حق الآدمي هناك لاندراج حق الله تعالى في ضمنه وحصول مقصوده وهو إعدام نفس المرتد ويد السارق وقد حصل بخلاف الديون، ولأن الحدود مبنية على الدرء والإسقاط بخلاف حقوق الله تعالى المالية.] المجموع ٦/٢٣٢. ومما يدل على عدم سقوط الزكاة عن الميت بوفاته، أن الزكاة حق لله تعالى، بل هي دين الله، وديون الله أحق بالوفاء كما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄: (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ويلتحق بالحج كل حق ثبت في ذمته من كفارة أو نذر أو زكاة أو غير ذلك، وفي قوله \" فالله أحق بالوفاء \" دليل على أنه مقدم على دين الآدمي] فتح الباري ٦/٧٥. وعن ابن عباس ﵄ أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت إن أمي ماتت وعليها صوم شهر. فقال: أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟ قالت نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء) رواه مسلم. عن ابن عباس ﵄ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى) رواه البخاري ومسلم. وذِكْرُ النبي ﷺ دينَ العباد في الأحاديث يدل على أن دين الله ملحق به في القضاء، بل هو أولى منه. ومما يؤيد ذلك أيضاً ما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) رواه البخاري ومسلم، مع أن الصيام عبادة بدنية شخصية، وجازت فيه النيابة بعد الموت، فضلاً من الله ورحمة، فأولى بذلك الزكاة، وهي حق مالي. انظر فقه الزكاة ٢/٨٣٥. ودين الله عند الفقهاء هو كل دين ليس له من العباد من يطالب به على أنه حق له، وهو نوعان: نوع يظهر فيه وجه العبدة والتقرب إلى الله تعالى، وهو ما لا مقابل له من المنافع الدنيوية، كصدقة الفطر، وفدية الصيام، وديون النذور، والكفارات ونحو ذلك، فإنها عبادات يؤديها المسلم امتثالاً لأمر الله تعالى وتقرباً إليه. ونوعٌ يفرض لتمكين الدولة من القيام بأعباء المصالح العامة للأمة، وهو ما يُقابَلُ - في الغالب- بمنفعة دنيوية للمكلف كخمس الغنائم وما أفاء الله على المؤمنين من أعدائهم من غير قتال، وما يفرضه الإمام على القادرين من أفراد الأمة للوفاء بالمصالح التي يعجز بيت المال عن الوفاء بها. الموسوعة الفقهية الكويتية ٢١/١١٧-١١٨.\rوخلاصة الأمر أن الزكاة لا تسقط بالموت، والواجب على الورثة إخراج زكاة مال الوالد الميت قبل تنفيذ وصاياه وقبل توزيع التركة على الورثة، لأن الزكاة دين الله، ودين الله أحق بالوفاء وأولى بالقضاء كما ورد في الأحاديث. كما أن في إخراج زكاة مال الوالد الميت نوعٌ من البر له، وإبراءٌ لذمته من حقوق الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345946,"book_id":3840,"shamela_page_id":326,"part":"8","page_num":2,"sequence_num":326,"body":"٢ - فضل الصدقة وأنها تطفئ الخطيئة\rيقول السائل: ما صحة الحديث الوارد عن رسول الله ﷺ أنه قال: (داووا مرضاكم بالصدقة) وما ورد أن الصدقة تطفئ الخطيئة، أفيدونا؟\r\rالجواب: روى أبو داود في كتابه المراسيل عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: (حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع) المراسيل ١/١٢٨، وروى البيهقي بإسناده عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: (داووا مرضاكم بالصدقة وحصنوا أموالكم بالزكاة وأعدوا للبلاء الدعاء) قال أبو عبد الله تفرد به موسى بن عمير، قال الشيخ – البيهقي- وإنما يعرف هذا المتن عن الحسن البصري عن النبي ﷺ مرسلاً. سنن البيهقي٣/٣٨٢، وقد تكلم المحدثون على هذا الحديث برواياته المختلفة كلاماً طويلاً فمنهم من ضعفه ومنهم من حسنه، وقد بين العلامة الألباني حال الحديث في أكثر من موضع من كتبه، فقد قال في السلسة الضعيفة حديث رقم ٣٤٩٢: [ (حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، وأعدوا للبلاء الدعاء) ضعيف جداً، رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣/٦٧/ ٢) ، وأبو الغنائم النرسي في \"فوائد الكوفيين\" (٢٥/١) ، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/١٠٤و ٤/٢٣٧) ، والخطيب في \"التاريخ\" (٦/ ٣٣٤و١٣/٢) ، والقضاعي (٥٨/١) ، وعنهما ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/٢) من طريق موسى بن عمير عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً. ومن هذا الوجه رواه الطبراني في \"الأوسط\" أيضاً (١/٨٥/١) من \"الجمع بينه وبين الصغير\" وقال: \"لم يروه عن الحكم إلا موسى\". قلت: وهو متروك؛ كما قال الهيثمي (٣/٦٤) ، ولذلك قال ابن الجوزي: \"لا يصح\". وله شاهد عن الحسن البصري مرسلاً، وهو الأشبه. أخرجه أبو داود في \"المراسيل\". وله طرق أخرى تجدها في \"المقاصد\" للسخاوي. السلسلة الضعيفة ٧/٤٨٧-٤٨٨. وكذلك فإن العلامة الألباني قد ضعف الحديث بروايته التي ذكرتها ثانياً في ضعيف الجامع الصغير حديث رقم ٢٧٢٣ ورقم ٢٧٢٤. ولكن العلامة الألباني حسًّن جملة المداواة في الحديث وهي قوله: (داووا مرضاكم بالصدقة) في صحيح الجامع الصغير حديث رقم ٣٣٥٨، وكذا حسَّنها في صحيح الترغيب والترهيب حديث رقم٧٤٤. وكذلك فإن جملة التداوي بالصدقة قد حسَّنها بعض أهل العلم واستدلوا بها. ذكر الشيخ السفاريني أن معنى حديث المداواة بالصدقة صحيح وأن جماعة من أصحابنا وغيرهم يفعلون هذا، وهو حسن. انظر غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب ٢/٢٨٨. وإن قلنا إن الحديث غير صحيح فإن الصدقة تنفع بشكل عام وترد البلاء وتطفئ الخطايا والآثام كما تدل على ذلك نصوص كثيرة، وورد في فتاوى اللجنة الدائمة: [الحديث المذكور غير صحيح، ولكن لا حرج في الصدقة عن المريض تقرباً إلى الله ﷿، ورجاء أن يشفيه الله بذلك، لعموم الأدلة الدالة على فضل الصدقة، وأنها تطفئ الخطيئة، وتدفع ميتة السوء] فتاوى اللجنة الدائمة السعودية ٤/٤٤١. ويؤيد ما سبق ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: خسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ، فصلى رسول الله ﷺ بالناس، فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا ثم قال: يا أمة محمد ما من أحدٍ أغير من الله أن يزنى عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) رواه البخاري ومسلم. ومما يدل على المداواة بالصدقة ما ورد في الحديث عن أبي ذر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (يصبح على كل سُلَامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) رواه مسلم. قال الشيخ ابن الحاج المالكي: [وقد دل الحديث على عمومها – أي الصدقة - بقوله ﵊: (كل سُلامى من الناس عليه صدقة) ، والسُلامى بضم السين مع فتح الميم والقصر هي أعضاء ابن آدم فكأنه ﵊ يقول: على كل عضوٍ من أحدكم صدقة فيعطي ظاهر الحديث أنه في كل يوم يحتاج المرء إلى ثلاثمائة وستين صدقة على عدد الأعضاء] المدخل ٤/٢٢٤. وأما ما ورد في الحديث أن الصدقة تطفئ الخطيئة فقد ورد عن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: (أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراءٍ يكونون بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، ولا يرد عليَّ الحوض، ومن غشي أبوابهم أو لم يغش ولم يصدقهم في كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، ويرد عليَّ الحوض. يا كعب بن عجرة: الصلاة برهان، والصوم جُنَّة حصينة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. يا كعب بن عجرة: إنه لا يربو لحم نبت من سحتٍ إلا كانت النارُ أولى به) رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي١/١٨٩. وعن معاذ بن جبل ﵁ قال كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير فقلت يا رسول الله: أخبرني بعملٍ يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، قال ثم تلا: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ حتى بلغ ﴿يعملون﴾ ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه. قلت: بلى يا رسول الله قال: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله. قلت بلى يا نبي الله قال فأخذ بلسانه فقال: كف عليك هذا. فقلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل حديث رقم ٤١٣. وورد في الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الصدقة لتطفئ عن أهلها حرَّ القبور، وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته) رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان وصححه العلامة الألباني في السلسلة في الصحيحة حديث رقم ٣٤٨٤. وورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (صدقة السر تطفئ غضب الرب) رواه الطبراني في الصغير، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/٥٣٩. وعن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة) رواه البخاري ومسلم، وقد ورد في فضل الصدقة أحاديث كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، وفي الختام لا بد من الإشارة إلى أن الصدقة المذكورة في الأحاديث تشمل المفروضة والنافلة، قال العلامة محمد العثيمين [\"والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار\" الصدقة مطلقاً سواء الزكاة الواجبة أو التطوع، وسواء كانت قليلة أو كثيرة. \"تطفىء الخطيئة\" أي خطيئة بني آدم، وهي المعاصي. \"كما يطفئ الماء النار\" والماء يطفئ النار بدون تردد، فشبه النبي ﷺ الأمر المعنوي بالأمر الحسي.] مجموع رسائل العثيمين ٣/٣٥. وخلاصة الأمر أن حديث (داووا مرضاكم بالصدقة) فيه كلام كثير لأهل العلم وفي ثبوته نظر، ومع ذلك فما يدل عليه الحديث صحيح معتبر في الشرع وثابت بأدلة أخرى، وأما ما ورد أن الصدقة تطفئ الخطيئة فهو صحيح ثابت، وفضل الصدقة عظيم ونفعها كبير معلوم من الشرع وثابت في النصوص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345947,"book_id":3840,"shamela_page_id":327,"part":"8","page_num":3,"sequence_num":327,"body":"٣ - يجوز صرف الزكاة لحلقات تحفيظ القرآن الكريم\rيقول السائل: عندنا دار للقرآن الكريم وتضم عدداً كبيراً من الحلقات لتحفيظ القرآن الكريم وتدريس علم التجويد، فهل يجوز صرف الزكاة إلى المحفظين والمحفظات والمعلمين والمعلمات والطلبة الحافظين، أفيدونا.\rالجواب: يقول الله ﷾ في بيان مصارف الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ سورة التوبة الآية ٦٠. وقد اختلف العلماء في المراد بعبارة ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المذكورة في الآية، فمنهم من رأى أن ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يراد بها سبيل الخير. [المصالح العامة التي تقوم عليها أمور الدين والدولة دون الأفراد بالإضافة إلى المجاهدين والمرابطين كبناء المستشفيات والملاجئ والمدارس الشرعية والمعاهد الإسلامية والمكتبات العامة ومساعدة الجمعيات الخيرية على أداء مهماتها الإنسانية ودعم المؤسسات التي تقدم خدمات عامة لأفراد المجتمع وكذا الإنفاق على الجهاد شريطة ألا يأكل ذلك أسهم الأصناف الأخرى التي ذكرت في آية الصدقات] إنفاق الزكاة في المصالح العامة ص ١٠٠-١٠١. ومن العلماء من يرى أن ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الغزاة في سبيل الله فقط ولا يصح صرف الزكاة فيما سواه. ومن العلماء من يرى أن مصرف في سبيل الله يقصد به الجهاد والحج والعمرة. وهنالك أقوال أخرى في المسألة، ويجب أن نعلم أن لكل قول من الأقوال السابقة دليله. وأرجح الأقوال هو القول الأول الذي يرى جواز صرف الزكاة في المصالح العامة، ولا يقصره على الجهاد فقط، وقد اختار هذا القول جماعة من العلماء المتقدمين واللاحقين ولهم أدلة قوية على ما ذهبوا إليه منها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ سورة التوبة الآية ٣٤. فالمراد بسبيل الله في الآية المعنى العام وليس الجهاد فقط، وإلا لكان من أنفق ماله على الفقراء والمساكين واليتامى ونحوهم داخلاً ضمن الذين يكنزون وليس الأمر كذلك. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كلِّ سنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة الآية ٢٦١. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٦٢. فهذه الآيات يفهم منها أن المراد بِ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المعنى العام وليس المعنى الخاص، وبناءً على ما سبق فإن صرف الزكاة لدور القرآن الكريم وحلقات تحفيظه داخل في مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أحد مصارف الزكاة الثمانية، [لأن نشاطها في تحفيظ القرآن وتعليمه وتربية الناشئة عليه وهو من الدعوة إلى الله تعالى، وما كان كذلك فهو داخل في مصرف (وفي سبيل الله) لأن هذا المصرف يشمل الدعوة إلى الله تعالى، بل إنه من أعظم أنواع الجهاد، كما قال الله تعالى في سورة الفرقان – سورة مكية نزلت قبل فرض الجهاد باليد- ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ ] فتاوى مجموعة من العلماء السعوديين. وقد قرر المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بالأغلبية دخول تحفيظ القرآن، وأمور الدعوة إلى الله في مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، فقد ورد في قرار المجمع ما يلي: [وبعد اطلاع المجلس على ترجمة الاستفتاء الذي يطلب فيه الإفادة هل أحد مصارف الزكاة الثمانية المذكورة في الآية الكريمة وهو مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقصر معناه على الغزاة في سبيل الله أم أن سبيل الله عام لكل وجه من وجوه البر من المرافق والمصالح العامة من بناء المساجد والربط والقناطر وتعليم العلم وبث الدعاة. . . إلخ. وبعد دراسة الموضوع ومناقشته وتداول الرأي فيه ظهر أن للعلماء في المسألة قولين: أحدهما: قصر معنى - وفي سبيل الله - في الآية الكريمة على الغزاة في سبيل الله، وهذا رأي جمهور العلماء , وأصحاب هذا القول يريدون قصر نصيب مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من الزكاة على المجاهدين الغزاة في سبيل الله تعالى. القول الثاني: إن سبيل الله شامل عام لكل طرق الخير والمرافق العامة للمسلمين من بناء المساجد وصيانتها وبناء المدارس والربط وفتح الطرق وبناء الجسور وإعداد المؤن الحربية وبث الدعاة وغير ذلك من المرافق العامة مما ينفع الدين وينفع المسلمين , وهذا قول قلة من المتقدمين وقد ارتضاه واختاره كثير من المتأخرين. وبعد تداول الرأي ومناقشة أدلة الفريقين قرر المجلس بالأكثرية ما يلي: ١ - نظراً إلى أن القول الثاني قد قال به طائفة من علماء المسلمين وإن له حظًّاً من النظر في بعض الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى﴾ , ومن الأحاديث الشريفة مثل ما جاء في سنن أبي داود أن رجلًا جعل ناقةً في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي ﷺ: (اركبيها فإن الحج في سبيل الله) . ٢ - ونظراً إلى أن القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى وإن إعلاء كلمة الله تعالى مما يكون بالقتال يكون - أيضاً - بالدعوة إلى الله تعالى ونشر دينه بإعداد الدعاة ودعمهم ومساعدتهم على أداء مهمتهم، فيكون كلا الأمرين جهاداً لما روى الإمام أحمد والنسائي وصححه الحاكم عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) . ٣ - ونظراً إلى أن الإسلام مُحَارب - بالغزو الفكري والعقدي من الملاحدة واليهود والنصارى وسائر أعداء الدين , وأن لهؤلاء من يدعمهم الدعم المادي والمعنوي فإنه يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام وبما هو أنكى منه. ٤ - ونظراً إلى أن الحروب في البلاد الإسلامية أصبح لها وزارات خاصة بها ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة بخلاف الجهاد بالدعوة فإنه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا عون، لذلك كله فإن المجلس يقرر - بالأكثرية المطلقة - دخول الدعوة إلى الله تعالى وما يعين عليها ويدعم أعمالها في معنى - وفي سبيل الله - في الآية الكريمة.] موقع المجمع على الإنترنت. وجاء في فتوى للشيخ العلامة عبد الله الجبرين: [مدارس تحفيظ القرآن فيها تعليم للقرآن وتعليم للعلم فتدخل في الدعوة إلى الله وتدخل في سبيل الله الذي هو من مصارف الزكاة، وتكون أولى من إعطاء المؤلفة قلوبهم الذين يرجى بإعطائهم قوة إيمانهم، أو كف شرهم، أو إسلام نظرائهم، فإذا تعطلت هذه المدارس صرف لها من الزكاة رواتب للمعلمين والغالب أنهم فقراء، وجوائز للطلاب] موقع الشيخ على الإنترنت. كما أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية برئاسة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز بجواز دفع الزكاة للمدرسين والطلاب بمدارس تحفيظ القرآن الكريم إذا كانوا فقراء. موقع اللجنة على الإنترنت، وقال فضيلة الشيخ عبد الله البسام: [صرف الزكاة لحلقات القرآن الكريم التي تعنى بتحفيظ القران الكريم وتفهيمه لأطفال المسلمين لا سيما وأكثرهم أو كلهم من الفقراء والمساكين فإنه أفضل ما تصرف فيه الزكاة هذا المجال الذي يجمع بين سد حاجة فقر أطفال المسلمين وأيتامهم وبين نشر الدعوة بتحفيظ كتاب الله تعالى] عن الإنترنت. والغالب أن وصف القر ينطبق على رواد الحلقات ومدرسيها محل السؤال. ويضاف إلى ما سبق أن طلبة حلقات التحفيظ هم طلبة علم، ومن المتفق عليه بين أهل العلم أن طالب العلم إن كان فقيراً يعطى من الزكاة لفقره. ومن العلماء من قال: يعطى طالب العلم لكونه طالب علم، وإن كان قادراً على الكسب إذا تفرغ لطلب العلم. ومنهم من أجاز لطالب العلم أن يأخذ من الزكاة باعتباره داخلاً في مصرف: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حيث فسر قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بأنه طلبة العلم كما في الدر المختار ٢/٣٤٣، وحاشية الطحطاوي ص ٣٩٢. ونقل ابن عابدين عن بعض الحنفية أن تفسير: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بطلب العلم وجيه. حاشية ابن عابدين ٢/٣٤٣. قال العلامة الشيخ صديق حسن خان: [ومن جملة سبيل الله: الصرف في العلماء الذين يقومون بمصالح المسلمين الدينية، فإن لهم في مال الله نصيباً سواء أكانوا أغنياء أو فقراء، بل الصرف في هذه الجهة من أهم الأمور؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، وحملة الدين، وبهم تحفظ بيضة الإسلام، وشريعة سيد الأنام، وقد كان علماء الصحابة يأخذون من العطاء ما يقوم بما يحتاجون إليه مع زيادات كثيرة يتفوضون بها في قضاء حوائج من يرد عليهم من الفقراء وغيرهم والأمر في ذلك مشهور، ومنهم من كان يأخذ زيادة على مئة ألف درهم. ومن جملة هذه الأموال التي كانت تفرق بين المسلمين على هذه الصفة الزكاة، وقد قال ﷺ لعمر لما قاله له يعطي من هو أحوج منه: ما أتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك، كما في الصحيح والأمر ظاهر] الروضة الندية ١/٥٣٣ - ٥٣٤. وقد ذكر الإمام النووي أن المشتغل بتحصيل بعض العلوم الشرعية بحيث لو أقبل على الكسب لانقطع عن التحصيل حلت له الزكاة لأن تحصيل العلم فرض كفاية. المجموع ٦/١٩٠. وقال بعض فقهاء الحنفية يجوز لطالب العلم الأخذ من الزكاة ولو كان غنياً إذا فرغ نفسه لإفادة العلم واستفادته لعجزه عن الكسب والحاجة داعية إلى ما لا بد منه. حاشية الطحطاوي ص ٣٩٢.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز صرف الزكاة إلى دار القرآن الكريم ولحلقات تحفيظ القرآن الكريم ولتدريس علم التجويد وللمحفظين والمحفظات والمعلمين والمعلمات والطلبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345948,"book_id":3840,"shamela_page_id":328,"part":"8","page_num":4,"sequence_num":328,"body":"٤ - تجب الزكاة في عروض التجارة على الصحيح من أقوال العلماء\rيقول السائل: إنه طالب علم وقد قرأ كلاماً للشيخ محمد ناصر الدين الألباني يرى فيه أن الزكاة غير واجبة في عروض التجارة، فهل هذا صحيح، أفيدونا؟ الجواب: لا بد أن نعرف أولاً أن الشيخ العلامة الألباني رحمة الله عليه، هو محدث هذا العصر والأوان بلا منازع، وهو من أهل العلم والفقه في الحديث، ولكنه يميل كثيراً في منهجه الفقهي إلى مذهب الظاهرية، والظاهرية يأخذون بظاهر النصوص ولا يعملون بالقياس، وغير ذلك مما خالفوا به جماهير الفقهاء. ومسألة الزكاة في عروض التجارة، الخلاف فيها قديمٌ جديد، وأكثر الفقهاء قديماً وحديثاً، على وجوب الزكاة في عروض التجارة، قال الإمام النووي: [وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم أجمعين، قال ابن المنذر أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة، قال رويناه عن عمر بن الخطاب وبن عباس والفقهاء السبعة سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسلمان بن يسار والحسن البصري وطاووس وجابر بن زيد وميمون بن مهران والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي والنعمان وأصحابه وأحمد واسحق وأبي ثور وأبي عبيد، وحكى أصحابنا عن داود وغيره من أهل الظاهر أنهم قالوا لا تجب] المجموع ٦/٤٧. واعتبر بعض أهل العلم القول بعدم وجوب الزكاة في عروض التجارة من الأقوال الشاذة التي لا يلتفت إليها ولا يعول عليها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والأئمة الأربعة وسائر الأمة ـ إلا من شذ ـ متفقون على وجوبها في عرض التجارة، سواء كان التاجر مقيماً أو مسافراً، وسواء كان متربصاً ـ وهو الذي يشتري التجارة وقت رخصها ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر ـ أو مديراً كالتجار الذين في الحوانيت، سواء كانت التجارة بَزا من جديد، أو لبيس، أو طعاماً من قوت أو فاكهة، أو أدم أو غير ذلك، أو كانت آنية كالفخار ونحوه، أو حيواناً من رقيق أو خيل، أو بغال، أو حمير، أو غنم معلوفة، أو غير ذلك، فالتجارات هي أغلب أموال أهل الأمصار الباطنة، كما أن الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة.] مجموع الفتاوى ٢٥/٤٥. وقول العلامة الألباني في المسألة ذكره في تعليقه على كتاب فقه النة حيث قال: [الحق أن القول بوجوب الزكاة على عروض التجارة مما لا دليل عليه في الكتاب والسنة الصحيحة، مع منافاته لقاعدة \" البراءة الأصلية\" التي يؤيدها هنا قوله صلى الله عليه وآله في خطبة حجة الوداع: (فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، وأبشاركم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ ! اللهم فاشهد) الحديث. رواه الشيخان وغيرهما ... ] تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص ٣٦٣-٣٦٤. قلت وكلام العلامة الألباني غير مُسَلَّم، بل الزكاة في عروض التجارة قامت عليها أدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فمن الكتاب الكريم قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ سورة التوبة الآية ١٠٣. قال الشيخ ابن العربي المالكي: [والزكاة واجبة في العروض من أربعة أدلة: الأول: قول الله ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةٍ﴾ وهذا عام في كل مال على اختلاف أصنافه وتباين أسمائه، واختلاف أغراضه، فمن أراد أن يخصه بشيء فعليه الدليل.] عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي ٣/٨٦. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ سورة البقرة الآية ٢٦٧. قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب صدقة الكسب والتجارة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إلى قوله ﴿أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [هكذا أورد هذه الترجمة مقتصراً على الآية بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة عن الحكم عن مجاهد في هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال: من التجارة الحلال. أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق آدم عنه] فتح الباري٥/٥١. وقال الإمام الجصاص الحنفي: [وقد روي عن جماعة من السلف في قوله تعالى ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ أنه من التجارات، منهم الحسن ومجاهد، وعموم هذه الآية يوجب الصدقة في سائر الأموال، لأن قوله تعالى ﴿ما كسبتم﴾ ينتظمها وإن كان غير مكتف بنفسه في المقدار الواجب فيها، فهو عموم في أصناف الأموال، مجمل في المقدار الواجب فيها، فهو مفتقرٌ إلى البيان، ولما ورد البيان من النبي ﷺ بذكر مقادير الواجبات فيه صح الاحتجاج بعمومها في كل مال اختلفنا في إيجاب الحق فيه، نحو أموال التجارة، ويُحتج بظاهر الآية على من ينفي إيجاب الزكاة في العروض] أحكام القرآن ٢/١٧٤. ومن السنة النبوية ما ورد في الحديث عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (في الإبل صدقتها، وفى البقر صدقتها، وفى البَز - الثياب - صدقته) ، قال الإمام النووي: [هذا الحديث رواه الدارقطني في سننه والحاكم أبو عبد الله في المستدرك والبيهقي بأسانيدهم، ذكره الحاكم بإسنادين ثم قال هذان الإسنادان صحيحان على شرط البخاري ومسلم ... وفى البَز صدقته هو بفتح الباء وبالزاي، هكذا رواه جميع الرواة وصرح بالزاي الدارقطني والبيهقي] المجموع ٦/٤٧. وفي هذا الحديث - وهو حديث صحيح كما قال النووي في المرجع السابق- دلالة واضحة على وجوب الزكاة في عروض التجارة، لأن الثياب لا تجب فيها الزكاة فيها إلا إذا كانت معدة للتجارة، فينبغي حمل الحديث على ذلك. ومن السنة النبوية أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال: (أمر رسول الله ﷺ بالصدقة، فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب. فقال النبي ﷺ: ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأما العباس بن عبد المطلب فعم رسول الله ﷺ فهي عليه صدقة ومثلها معها) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: [قال أهل اللغة: الأعتاد: آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها، والواحد عتاد بفتح العين، ويجمع أعتاداً وأعتدة. ومعنى الحديث: أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظناً منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم عليَّ، فقالوا للنبي ﷺ: إن خالداً منع الزكاة، فقال لهم: إنكم تظلمونه؛ لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها، فلا زكاة فيها. ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة لأعطاها ولم يشح بها؛ لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعاً فكيف يشح بواجب عليه؟ واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف خلافاً لداود] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٤١٦. وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع) رواه أبو داود والدارقطني والطبراني والبيهقي. وحديث سمرة بن جندب سكت عنه أبو داود والمنذري، وحسنه الحافظ ابن عبد البر. وعن ابن عمر ﵄ قال: (ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة) رواه البيهقي بإسناده عن أحمد بن حنبل بإسناده الصحيح كما قال النووي في المجموع ٦/٤٨. وعن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري قال: كنت على بيت المال زمان عمر بن الخطاب، فكان إذا خرج العطاء جمع أموال التجار ثم حسبها، غائبها وشاهدها، ثم أخذ الزكاة من شاهد المال عن الغائب والشاهد) . قال ابن حزم وهو خبر صحيح المحلى ٧/٥٨. ويدل على ذلك أيضاً ما ورد عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال: أمرني عمر قال: أدِ زكاة مالك، فقلت: مالي مال إلا جعابٌ وأُدُمٌ، فقال: قومها ثم أد زكاتها. رواه الشافعي وأحمد وبن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور والدارقطني. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وهذه قصةٌ يشتهر مثلها ولم تنكر فيكون إجماعاً] المغني ٢/٦٢٣. والجعاب جمع جعبة وهي وعاء توضع فيه السهام. انظر المصباح المنير ص ١٠٢ والأُدُم جمع أديم وهو الجلد المدبوغ، انظر المصباح المنير ص ٩.\rويدل لقول الجمهور أيضاً ما صح عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول: (لا بأس بالتربص حتى المبيع والزكاة واجبة فيه) ، وما صحّ عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أحد عماله: انظر مَن مرَّ بك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون في التجارات، من كل أربعين ديناراً: ديناراً، وما نقص فبحساب ذلك، حتى تبلغ عشرين ديناراً. ذكره أبو عبيد في الأموال وابن حزم في المحلى. وغير ذلك من الآثار، وأما الإجماع فقد نقله غير واحدٍ من أهل العلم، وأما القياس [فهو - كما ذكر ابن رشد- أن العروض المتخذة للتجارة مالٌ مقصودٌ به التنمية، فأشبه الأجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق، أعني: الحرث والماشية والذهب والفضة، وأما من جهة النظر والاعتبار المستند إلى قواعد الإسلام وروحه العامة: فإن عروض التجارة المتداولة للاستغلال نقودٌ معنىً، لا فرق بينها وبين الدراهم والدنانير التي هي أثمانها، إلا في كون النصاب يتقلب ويتغير بين الثمن وهو النقد، والمثمن وهو العروض؛ فلو لم تجب الزكاة في التجارة، لأمكن لجميع الأغنياء أو أكثرهم: أن يتجروا بنقودهم، ويتحروا ألا يحول الحَوْل على نصاب من النقدين أبداً، وبذلك تعطل الزكاة فيهما عندهم، إن التجار في عصرنا - دون قصد منهم إلى الفرار من الزكاة - قلَّما توجد لديهم نقودٌ عينية يحول عليها الحول، فمعظم التعامل التجاري الآن يتم بغير تقابض، إلا بالشيكات ونحوها. ورأس الاعتبار في المسألة - كما قال العلاَّمة السيد رشيد رضا - أن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء صدقة، لمواساة الفقراء، ومن في معناهم، وإقامة المصالح العامة للدين الإسلامي وأمته، وأن الفائدة في ذلك للأغنياء: تطهير أنفسهم من رذيلة البخل، وتربيتها بفضائل الرحمة للفقراء، وسائر أصناف المستحقين، ومساعدة الدولة والأمة في إقامة المصالح العامة الأخرى، والفائدة للفقراء وغيرهم: إعانتهم على نوائب الدهر، مع ما في ذلك من سد ذريعة المفاسد، وهي تضخم الأموال وحصرها في أناس معدودين - وهو المشار إليه بقوله تعالى في حكمة قسمة الفيء ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ فهل يعقل أن يخرج من هذه المقاصد الشرعية كلها التجار الذين ربما تكون معظم ثروة الأمة في أيديهم؟] فقه الزكاة ١/٣٢١-٣٢٢. والمسألة فيها تفصيل أكثر مما ذكرت ولكن المقام لا يحتمل.\rوخلاصة الأمر أن الزكاة واجبة في عروض التجارة على الصحيح من أقوال أهل العلم، وما ذهب إليه العلامة الألباني من عدم وجوبها، فقول شاذٌ مخالفٌ لما قرره جماهير علماء الإسلام، استناداً إلى أدلة عامة من كتاب الله ﷿ وأخرى خاصة من الأحاديث والآثار والإجماع والقياس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345949,"book_id":3840,"shamela_page_id":329,"part":"8","page_num":5,"sequence_num":329,"body":"٥ - إعانة القاتل عمدا بأموال ازكاة لسداد الدية\rقول السائل: هل يجوز إعانة القاتل عمداً من أموال الزكاة في سداد الدية المترتبة عليه، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا بد أن يعلم أولاً أن قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق من كبائر الذنوب، وقد وردت النصوص الكثيرة من كتاب الله ﷿ ومن سنة نبيه محمد ﷺ التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً﴾ سورة الإسراء الآية ٣٣. وقوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً﴾ سورة النساء الآية ٩٣. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٦٩. وثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين، فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور. قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله: [الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري ١٢/٢٣٣. وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله (إن من ورطات) بفتح الواو والراء، ... وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك يقال وقع فلان في ورطة أي في شيء لا ينجو منه، وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها.] فتح الباري ١٢/٢٣٣-٢٣٤. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٤٠. وعن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٥٦. وجاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار) وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٢٩. وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٣٠. وغير ذلك من النصوص التي تدل على عظمة النفس المعصومة. ونظر ابن عمر ﵁ يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) رواه الترمذي. ولا بد أن يعلم ثانياً أن مصارف الزكاة قد بينها الله ﷿ في قوله تعالى: ?إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ? سورة التوبة الآية ٦٠. والغارمون هم أحد مصارف الزكاة بنص الآية الكريمة، والغارمون: جمع غارِم. وهو الذي تحمل الدين وتعين عليه أداؤه، فهو مثقل بالدين. وقد اتفق العلماء على أن الغارمين: هم المدينون. ولا بد أن يعلم ثالثاً أن دية القتل العمد تجب في مال القاتل، والعاقلة لا تحمل دية العمد، بل تحمل دية القتل الخطأ، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة، وهذا قضية الأصل، وهو أن بدل المتلَف يجب على المتلِف، وأرش الجناية على الجاني، قال النبي ﷺ: (لا يجني جانٍ إلا على نفسه) وقال لبعض أصحابه حين رأى معه ولده: \" ابنك هذا؟ \" قال: نعم قال: (أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه) ولأن موجب الجناية أثر فعل الجاني , فيجب أن يختص بضررها كما يختص بنفعها فإنه لو كسب كان كسبه له دون غيره , وقد ثبت حكم ذلك في سائر الجنايات والأكساب، وإنما خولف هذا الأصل في قتل المعذور فيه لكثرة الواجب , وعجز الجاني في الغالب عن تحمله مع وجوب الكفارة عليه وقيام عذره، تخفيفاً عنه ورفقاً به، والعامد لا عذر له، فلا يستحق التخفيف، ولا يوجد فيه المعنى المقتضى للمواساة في الخطأ] المغني ٨/٣٧٣.\r\rوبناءً على ذلك فإن القاتل عمداً يتحمل الدية ويلزمه شرعاً دفعها، فإن عجز عن دفع الدية وكان معسراً، فإنه يُنظرُ إلى ميسرة، وحينئذ يكون غارماً، فيدخل في عموم صنف الغارمين المذكورين في آية الصدقات ?وَالْغَارِمِينَ?، فهذا القاتل عمداً والعاجز عن دفع الدية داخلٌ في عموم الغارمين، قال ابن حزم الظاهري: [والدية في العمد والخطأ مائة من الإبل، فإن عدمت فقيمتها لو وجدت في موضع الحكم - بالغة ما بلغت - من أوسط الإبل - بالغة ما بلغت - وهي في الخطأ على عاقلة القاتل. وأما في العمد فهي في مال القاتل وحده وهي في كل ذلك حالة العمد والخطأ سواء لا أجل في شيء منها، فمن لم يكن له مال ولا عاقلة، فهي في سهم الغارمين في الصدقات - وكذلك من لم يعرف قاتله ... وفي العمد يكون القاتل إذا قبلت منه الدية غارماً من الغارمين فحظهم في سهم الغارمين واجب، أو في كل مال موقوف لجميع مصالح أمور المسلمين] المحلى ١٠/٢٨٢ فما بعدها. إذا تقرر جواز إعانة القاتل عمداً من مال الزكاة في دفع الدية المترتبة عليه، فإنه يشترط لذلك أن يتوب مما ارتكب توبة صادقة، فإن التوبة واجبة على العاصي لقوله تعالى: ?وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ? سورة النور الآية ٣١. وقال الله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا? سورة التحريم الآية ٨. وقال الله تعالى: ?قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ? سورة الزمر الآية ٥٣. وجاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) رواه ابن ماجة وغيره وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٤١٨. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي، وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٤١٨. ولا بد من التذكير بأن التوبة الصادقة لا بد لها من شروط: أولها: الإقلاع عن المعصية فلا توبة مع مباشرة الذنب واستمرار الوقوع في المعصية. ثانيها: الندم على ما مضى وفات، فمن لم يندم على ما صدر عنه من المعاصي والآثام فلا توبة له، لأن عدم ندمه يدل على رضاه بما كان منه وإصراره عليه. ثالثها: أن يعزم على عدم العودة إلى المعصية مستقبلاً، وهذا العزم ينبغي أن يكون مؤكداً قوياً وعلى التائب أن يكثر من فعل الخيرات ليكسب الحسنات ?فإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ?. ورابعها: إذا كانت المعصية تتعلق بحق من حقوق الناس فلا بد من إعادة الحقوق لأصحابها. فإن تاب وظهرت عليه علامات التوبة النصوح، فإنه حينئذ يعان من مال الزكاة، فإن التوبة تجب ما قبلها.\r\rوخلاصة الأمر أنه يجوز إعانة القاتل عمداً في دفع الدية من مال الزكاة إذا كان معسراً، بشرط أن يتوب توبة صادقة، وأن تظهر عليه علامات التوبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345950,"book_id":3840,"shamela_page_id":330,"part":"8","page_num":6,"sequence_num":330,"body":"٦ - كيف يزكي ثمن المحصول إذا باعه بعد أن وجبت فيه الزكاة\rيقول السائل: إنه مزارع ولديه محصول من القمح وقد باع المحصول بمبلغ من المال ويريد أن يخرج الزكاة فهل يزكي ثمن المحصول زكاة المال، أفيدونا؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن الزكاة واجبة في كل ما أخرجت الأرض مما يقصد بزراعته نماء الأرض عادة مثل القمح والشعير والعنب والتين والزيتون والورود والرياحين والزعتر والأعشاب الطبية التي يستنبتها الإنسان بقصد تنمية الأرض واستغلالها وهذا قول الإمام أبي حنيفة في زكاة المزروعات وهو أقوى المذاهب الفقهية في هذه المسألة، ولم يحصر الزكاة في الأقوات الأربعة التي كانت معروفة قديماً وهي القمح والشعير والتمر والزبيب ولم يحصرها في ما يقتات ويدخر كما هو قول المالكية والشافعية ولم يحصرها في ما ييبس ويبقى ويكال كما هو قول الحنابلة. وقول أبي حنيفة ﵀ أهدى سبيلاً وأصح دليلاً واعتمد في ذلك على عموم قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ سورة البقرة الآية ٢٦٧، وعلى قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ سورة الأنعام الآية ١٤١. والمراد بالحق في الآية الزكاة المفروضة كما نقل القرطبي ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين. واحتج أبو حنيفة بقول الرسول ﷺ: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر) رواه مسلم. قال الإمام ابن العربي المالكي ناصراً قول أبي حنيفة في المسألة: [وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق وقال: إن الله أوجب الزكاة في المأكول قوتاً كان أو غيره وبين النبي ﷺ ذلك في عموم: (فيما سقت السماء العشر) ] أحكام القرآن لابن العربي ٢/٧٥٩. وذهب أبو حنيفة إلى وجوب الزكاة في القليل والكثير من المزروعات والثمار والخضراوات ولم يشترط النصاب مستدلاً بعموم قول النبي ﷺ: (فيما سقت السماء العشر) رواه مسلم، وقول أبي حنيفة في عدم اشتراط النصاب مرجوح والراجح مذهب جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين وهو قول الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد بأنه لا زكاة إلا إذا بلغ المحصول النصاب وهو المذكور في قوله ﷺ: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) رواه البخاري ومسلم. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي عن قول الجمهور [هذا قول أكثر أهل العلم منهم ابن عمر وجابر، وأبو أمامة بن سهل وعمر بن?عبد العزيز وجابر بن زيد، والحسن وعطاء ومكحول والحكم والنخعي ومالك، وأهل?المدينة والثوري والأوزاعي، وابن أبي ليلى والشافعي وأبو يوسف، ومحمد وسائر أهل?العلم لا نعلم أحداً خالفهم إلا مجاهدا ً وأبا حنيفة ومن تابعه، قالوا: تجب الزكاة?في قليل ذلك وكثيره لعموم قوله ﵇: (فيما سقت السماء العشر) ولأنه?لا يعتبر له حول فلا يعتبر له نصاب، ولنا قول النبي ﷺ: ? (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) متفق عليه، وهذا خاص يجب تقديمه وتخصيص عموم ما?رووه به كما خصصنا قوله: (في سائمة الإبل الزكاة) بقوله: (ليس فيما دون?خمس ذود صدقة) وقوله: (في الرقة ربع العشر) بقوله: (ليس فيما دون خمس?أواق صدقة) ولأنه مال تجب فيه الصدقة , فلم تجب في يسيره كسائر الأموال الزكائية?وإنما لم يعتبر الحول لأنه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه واعتبر الحول في غيره?لأنه مظنة لكمال النماء في سائر الأموال، والنصاب اعتبر ليبلغ حداً يحتمل المواساة?منه فلهذا اعتبر فيه، يحققه أن الصدقة إنما تجب على الأغنياء، بما قد ذكرنا فيما?تقدم ولا يحصل الغنى بدون النصاب كسائر الأموال الزكائية] المغني ٣/٧.\r\rإذا ثبت هذا فإن الواجب إخراج زكاة الزروع والثمار عند الحصاد أو القطاف لقوله تعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ سورة الأنعام/١٤١. ولا تجب الزكاة إلا إذا بلغ المحصول نصاباً كما سبق بيانه، والخمسة أوسق المذكورة في الحديث تساوي في وقتنا الحاضر ٦٥٣ كيلو غرام تقريباً، فإذا بلغ المحصول نصاباً فتجب فيه الزكاة ومقدار الواجب يكون ١٠% من الإنتاج إذا كانت المزروعات تسقى بماء المطر أو مياه العيون بدون كلفة يتحملها المزارع أو ٥% إذا كانت المزروعات تسقى بجهد من المزارع كمن يشتري المياه أو نحو ذلك أو ٧. ٥% إذا كانت المزروعات تسقى بالطريقتين السابقتين معاً.\rإذا تقرر هذا فإن الأصل في زكاة المزروعات أن تخرج الزكاة من نفس المال، وبما أن السائل قد باع المحصول فإنه يخرج الزكاة من الثمن الذي قبضه والواجب عليه أن يزكي زكاة الزروع والثمار لا زكاة النقد فيخرج عشر الثمن إذا كان محصوله قد سقي بماء المطر وأما إذا سقي بكلفة فالواجب نصف العشر كما سبق. والقول بإخراج النقد بناءً على أنه يجوز إخراج القيمة في الزكاة كما هو مذهب الحنفية والشافعية في وجه والإمام أحمد في رواية عنه في غير زكاة الفطر، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [وقد روى عن أحمد مثل قولهم فيما عدا الفطرة وقال أبو داود: سئل أحمد، عن رجل باع ثمرة نخله قال: عشره على الذي باعه، قيل له: فيخرج ثمراً أو ثمنه؟ قال: إن شاء أخرج ثمراً وإن شاء أخرج من الثمن وهذا دليل على جواز إخراج القيم ووجهه قول معاذ لأهل اليمن: ائتوني بخميص أو لبيس آخذه منكم , فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة، وقال سعيد: حدثنا سفيان عن عمرو وعن طاوس , قال لما قدم معاذ اليمن قال: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين , بالمدينة قال: وحدثنا جرير عن ليث عن عطاء , قال كان عمر بن الخطاب يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم ولأن المقصود دفع الحاجة ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر المالية باختلاف صور الأموال] المغني ٣/٨٧. والقول بإخراج القيمة هو الذي اختاره الإمام البخاري حيث قال في صحيحه [باب من باع ثماره أو نخله أو أرضه أو زرعه وقد وجب فيه العشر أو الصدقة فأدى الزكاة من غيره] قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: وأما قوله \" فأدى الزكاة من غيره \" فلأنه إذا باع بعد وجوب الزكاة فقد فعل أمراً جائزاً كما تقدم فتعلقت الزكاة بذمته فله أن يعطيها من غيره أو يخرج قيمتها على رأي من يجيزه وهو اختيار البخاري كما سبق] صحيح البخري مع شرحه فتح الباري ٣/٤٤٢-٤٤٣. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية القول بإخراج القيمة لمصلحة راجحة حيث قال [وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة، أو العدل فلا بأس به، مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فههنا إخراج عشر الدراهم يجزئه، ولا يكلف أن يشتري ثمراً أو حنطة، إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك. ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كافٍ، ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٥/٨٢-٨٣.\rوخلاصة الأمر أنه يجب على من باع محصوله الزراعي بالنقد أن يؤدي زكاة المزروعات فيه، وليس زكاة النقد، فيجب على هذا المزارع أن يخرج عشر ثمن المحصول الذي باعه إذا كان محصوله بعلياً، أي يروى بالمطر، وأما إذا كان يسقيه بشراء الماء، فإنه يخرج نصف عشر ثمن المحصول الذي باعه.\rزكاة المحصول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345951,"book_id":3840,"shamela_page_id":331,"part":"8","page_num":7,"sequence_num":331,"body":"٧ - زكاة مزارع الدجاج اللاحم\rيقول السائل: عندي مزرعة للدجاج اللاحم وعند انتهاء دورة تربية الدجاج أقوم ببيعه ويتكرر ذلك في كل سنة عدة مرات فكيف أزكي هذه المزرعة؟ وهل يجوز أن أعطي الفقراء دجاجاً على حساب الزكاة، أفيدونا؟\rالجواب: اتفق جماهير أهل العلم على أن الزكاة واجبة في كل ما يعده المسلم للبيع لعموم الأدلة التي أوجبت الزكاة في الأموال ومزارع الدجاج اللاحم داخلة في هذا العموم ومن هذه النصوص قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة التوبة الآية ١٠٣. وقوله تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) سورة الذاريات الآية ١٩، وقوله تعالى: (يَا أيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) سورة البقرة الآية٢٦٧. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن سمرة بن جندب ﵁?قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة مما يعد للبيع) رواه أبو داود والدارقطني واختلف في سنده وحسنه الحافظ ابن عبد البر. وعن أبي ذر ﵁?أن النبي ﷺ قال (في الإبل صدقتها وفى البقر صدقتها وفى البز صدقته) قال الإمام النووي [هذا الحديث رواه الدارقطني في سننه والحاكم أبو عبد الله في المستدرك والبيهقي بأسانيدهم ذكره الحاكم بإسنادين ثم قال هذان الإسنادان صحيحان على شرط البخاري ومسلم] المجموع ٦/٤٧. والبز المذكور في الحديث هو الثياب ومنه البزاز لمن يعمل في تجارة الثياب. انظر المصباح المنير ص ٤٧-٤٨. وقال الإمام النووي [والصواب الجزم بالوجوب – أي وجوب الزكاة في عروض التجارة - وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم أجمعين قال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة قال رويناه عن عمر بن الخطاب وابن عباس والفقهاء السبعة سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسلمان بن يسار والحسن البصري وطاووس وجابر بن زيد وميمون بن مهران والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي والنعمان – أبو حنيفة - وأصحابه وأحمد واسحق وأبي ثور وأبي عبيد ... ] المجموع ٦/٤٧\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية [وأما العروض التي للتجارة ففيها الزكاة وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول: روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاووس والنخعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وحكي عن مالك وداود: لا زكاة فيها. وفي سنن أبي داود عن ﴿سمرة قال: كان النبي ﷺ??يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع﴾ . وروى عن حماس قال: مرَّ بي عمر فقال: أدِ زكاة مالك، فقلت: مالي إلا جِعاب وأُدُم فقال قومها ثم أد زكاتها. واشتهرت القصة بلا منكر فهي إجماع] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٥/١٥. والجعاب جمع جعبة وهي وعاء توضع فيه السهام. انظر المصباح المنير ص ١٠٢ والأُدُم جمع أديم وهو الجلد المدبوغ، انظر المصباح المنير ص ٩.\rويدل على ذلك أيضاً ما ثبت عن عبد الرحمن بن عبدٍ القارِّي قال: كنت على بيت المال زمان عمر بن الخطاب، فكان إذا خرج العطاء جمع أموال التجار ثم حسبها غائبها وشاهدها، ثم أخذ الزكاة من شاهد المال عن الغائب والشاهد) رواه ابن أبي شيبة في المصنف وأبو عبيد في كتاب الأموال، ويدل على ذلك أيضاً ما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول: (لا بأس بالتربص حتى المبيع والزكاة واجبة فيه) ، وصح عن ابن عمر ﵁ أنه قال: (ليس في العروض زكاة إلا أن تكون لتجارة) رواه الشافعي في الأم وابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في السنن الكبرى.\rإذا تقرر هذا فإن الزكاة واجبة في مزرعة الدجاج اللاحم ففي نهاية العام يقوم المالك بتقييم الدجاج الموجود لديه وتحسب الإيرادات من المبيعات خلال السنة كلها، ثم يخصم من المجموع نفقات تشغيل المزرعة كأجور العمال وثمن العلف والمعدات وأجور النقل وكذا الديون ثم يزكى الباقي إذا بلغ النصاب وتكون نسبة الزكاة ٥, ٢% كزكاة بقية عروض التجارة.\rويجوز أن تخرج زكاة عروض التجارة من أعيانها فيجوز لتاجر المواد الغذائية أن يخرج زكاته من المواد التي يتاجر فيها كالأرز والسكر والطحين ونحوها، ولكن لا بد من مراعاة مصلحة الفقير في ذلك فيعطيه من المواد الأساسية التي يحتاجها الفقير وليس من الكماليات، وكذا لابد أن يكون تقدير قيمة تلك الأعيان لمصلحة الفقير أيضاً، وكذلك لابد أن يعطي المزكي الطيب من الأعيان ولا يعطي المعيب أو التالف لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ سورة البقرة الآية ٢٦٧. والقول بجواز إخراج الأعيان في الزكاة قال به أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وهو قول المزني، انظر المجموع للنووي ٦/٦٨، وأجازه شيخ الإسلام ابن تيمية إذا كانت هنالك مصلحة راجحة فقد سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تيمية [عَنْ تَاجِرٍ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ زَكَاتِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ صِنْفًا يَحْتَاجُ إلَيْهِ؟ ...\rفَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. إذَا أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ أَجْزَأَ بِلَا رَيْبٍ. وَأَمَّا إذَا أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ فَفِيهِ نِزَاعٌ: هَلْ يَجُوزُ مُطْلَقًا؟ أَوْ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا؟ أَوْ يَجُوزُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ - فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ. فَإِنْ كَانَ آخِذُ الزَّكَاةِ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا كُسْوَةً فَاشْتَرَى رَبُّ الْمَالِ لَهُ بِهَا كُسْوَةً وَأَعْطَاهُ فَقَدْ أَحْسَنَ إلَيْهِ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٥/٧٩-٨٠.\rوينبغي التنبيه أن هنالك عروضاً تجاريةً لا يصلح إخراج أعيانها في الزكاة لعدم حاجة الفقير إليها والواجب فيها إخراج المال أي القيمة.\rوخلاصة الأمر أن الزكاة واجبة في مزرعة الدجاج اللاحم وتعامل معاملة عروض التجارة، ويجوز إخراج الدجاج اللاحم كزكاة إذا كان هنالك مصلحة راجحة للفقير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345952,"book_id":3840,"shamela_page_id":332,"part":"8","page_num":8,"sequence_num":332,"body":"٨ - تجب الزكاة في مال اليتيم\rيقول السائل: إنه وصي على يتيم وقد ورث عن أبيه مبلغاً كبيراً من المال فهل تجب الزكاة في مال هذا اليتيم، أفيدونا؟\rالجواب: الزكاة حق من حقوق المال، فتجب في كل مال تحققت فيه شروط الوجوب بغض النظر عن مالك المال فلا ينظر فيها إلى المالك فتجب الزكاة في مال البالغ وغير البالغ، وتجب في مال العاقل وغير العاقل على الراجح من أقوال أهل العلم، ويدل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَ?لِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ سورة التوبة الآية ١٠٣، ويدل على ذلك أيضاً ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) رواه البخاري ومسلم، وصح عن أبي بكر ﵁ أنه قال (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال) رواه البخاري ومسلم. والقول بوجوب الزكاة في مال الصبي يتيماً كان أو غير يتيم قال به جمهور الفقهاء، وحكى ابن المنذر وجوبها في مال الصبي عن عمر بن الخطاب وعلي وابن عمر وجابر والحسن بن علي وعائشة وطاووس وعطاء وجابر بن زيد ومجاهد وابن سيرين وربيعة ومالك والثوري والحسن بن صالح وابن عيينة وعبيد الله بن الحسن وأحمد واسحق وأبي عبيد وأبي ثور وسليمان بن حرب ﵃، انظر المجموع ٥/٣٣١.\rوقال الإمام النووي [الزكاة عندنا واجبة في مال الصبي والمجنون بلا خلاف، ويجب على الولي إخراجها من مالهما كما يخرج من مالهما غرامة المتلفات، ونفقة الأقارب وغير ذلك من الحقوق المتوجهة إليهما, فإن لم يخرج الولي الزكاة وجب على الصبي والمجنون بعد البلوغ والإفاقة إخراج زكاة ما مضى ; لأن الحق توجه إلى مالهما, لكن الولي عصى بالتأخير فلا يسقط ما توجه إليهما] المجموع ٥/٣٣٠.\rومما يدل على وجوب الزكاة في مال اليتيم ما روي في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: (ألا من ولي يتيما له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) رواه الترمذي وقال: إنما روي هذا الحديث من هذا الوجه وفي إسناده مقال لأن المثنى بن الصباح يضعف في الحديث وروى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب فذكر هذا الحديث، وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب فرأى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ في مال اليتيم زكاة منهم عمر وعلي وعائشة وابن عمر وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحق ... ] سنن الترمذي ٣٢-٣٣. ويؤيده ما رواه الشافعي بسنده عن يوسف بن ماهك أن رسول الله ﷺ قال: (ابتغوا في مال اليتيم أو أموال اليتامى لا تذهبها ولا تستهلكها الصدقة) رواه الشافعي في الأم والبيهقي في السنن الكبرى وقال البيهقي وهذا مرسل إلا أن الشافعي ﵀ أكده بالاستدلال بالخبر الأول وبما روي عن الصحابة ﵃. سنن البيهقي ٤/ ١٠٧.\rوقال الإمام النووي [وقد أكد الشافعي ﵀ هذا المرسل بعموم الحديث الصحيح في إيجاب الزكاة مطلقاً، وبما رواه عن الصحابة في ذلك ورواه البيهقى عن عمر بن الخطاب ﵁ موقوفاً عليه وقال إسناده صحيح ورواه أيضاً عن علي بن مطرف وروى إيجاب الزكاة في مال اليتيم عن ابن عمر والحسن بن علي وجابر بن عبد الله ﵃] المجموع ٥/٣٢٩.\rويؤيد ذلك أيضاً ما رواه البيهقي بسنده عن عمر بن الخطاب أنه قال: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة) . وقال البيهقي هذا إسناد صحيح وله شواهد عن عمر ﵁. وقال مالك في الموطأ أنه بلغه عن عمر بن الخطاب أنه قال: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة) . وما رواه البيهقي بسنده أن عمر بن الخطاب قال لرجل إن عندنا مال يتيم قد أسرعت فيه الزكاة فدفعه إليه ليتجر فيه له.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وروى البيهقي من حديث سعيد بن المسيب، عن عمر موقوفاً عليه مثله، وقال: إسناده صحيح. وروى الشافعي عن ابن عيينة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً أيضاً. وروى البيهقي من طريق شعبة، عن حميد بن هلال: سمعت أبا محجن أو ابن محجن وكان خادماً لعثمان بن أبي العاص، قال: قدم عثمان بن أبي العاص على عمر، فقال له عمر: \" كيف متجر أرضك؟ فإن عندي مال يتيم قد كادت الزكاة أن تفنيه “. قال: فدفعه إليه. وروى أحمد بن حنبل من طريق معاوية بن قرة، عن الحكم بن أبي العاص، عن عمر نحوه، ورواه الشافعي عن ابن عيينة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً أيضاً. وروى مالك في الموطأ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال: \" كانت عائشة تليني وأخا لي يتيماً في حجرها، وكانت تخرج من أموالنا الزكاة \". وروى الدارقطني والبيهقي وابن عبد البر ذلك، من طرق عن علي بن أبي طالب وهو مشهور عنه.] التلخيص الحبير ٢/١٥٨-١٥٩.\rوالقول بوجوب الزكاة في مال اليتيم هو المعروف عن الصحابة رضوان الله عليهم قال العلامة المباركفوري [لم يثبت عن أحد من الصحابة ﵃ بسند صحيح عدم القول بوجوب الزكاة في مال الصبي] تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي٣/٢٣٩.\rوخلاصة الأمر أن الزكاة تجب في مال اليتيم إذا تحققت فيه شروط الوجوب وأن الأحاديث الخاصة الواردة في ذلك وإن كانت متكلماً فيها فإن عموم أدلة وجوب الزكاة تؤيدها ويؤيدها أيضاً ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم كما سبق، وبناءً عليه فيجب على ولي اليتيم إخراج الزكاة عن مال اليتيم، ويعتبر الحول في أمواله من حين وفاة والده، لأنها بموت والده دخلت في ملك اليتيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345953,"book_id":3840,"shamela_page_id":333,"part":"8","page_num":9,"sequence_num":333,"body":"٩ - أنصبة الزكاة توقيفية لا يجوز تعديلها مطلقا\rيقول السائل: ما قولكم فيمن يزعم أن أنصبة الزكاة المقدرة شرعاً إنما هي من باب السياسة الشرعية وقد وضعها النبي ﷺ لمناسبتها للأوضاع الاقتصادية في عهده ﷺ ولا مانع من تغييرها لتتفق مع الأوضاع الاقتصادية للناس في كل عصر؟\rالجواب: من المعلوم عند أهل العلم أن الزكاة من العبادات، والأصل في العبادات التوقيف عن النبي ﷺ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله ﷾ وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأموراً بها فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه محظور؟ ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) سورة الشورى الآية ٢١.] القواعد النورانية ص ١١٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ سورة الشوري: الآية ٢١ والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا﴾ سورة يونس الآية ٥٩ ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِْ وَهَذَا لشركائنا فَمَا كَانَ لشركائهم فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شركائهم سَاء مَا يَحْكُمُونَ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ سورة الأنعام الآيتان ١٣٦ـ ١٣٨، فذكر ما ابتدعوه من العبادات، ومن التحريمات. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ﵁ عن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حُنَفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرَّمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمَرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزِل به سلطانا) . وهذه قاعدة عظيمة نافعة ... ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٩/١٧.\rومن المعلوم أن تحديد أنصبة الزكاة في الأموال الزكوية ثابت عن النبي ﷺ فقد جاء في الحديث الطويل عن أنس ﵁: (أن أبا بكر ﵁ كتب لهم إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين التي أمر الله بها ورسوله فمن سُئِلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئل فوق ذلك فلا يعطه، فيما دون خمس وعشرين من الإبل الغنم في كل خمس ذود شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين ... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدةً ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت ففي كل مائة شاة ... ) . والحديث بطوله [رواه البخاري في صحيحه مفرقاً في كتاب الزكاة فجمعته بحروفه] قاله الإمام النووي في المجموع للنووي ٥/٣٨٣.\rوورد في الحديث عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعةً، ومن كل أربعين مسنة ... ) رواه مالك في الموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث حسن. ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٢٩٦، وحكى الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الحافظ ابن عبد البر أنه قال: لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ وأنه النصاب المجمع عليه فيها، انظر نيل الأوطار ٤/١٤٩.\rوروى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ (كتب كتاب الصدقة وفيه وفى الغنم في كل أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة فإذا زادت واحدة ففيها شاتان فإذا زادت على المائتين شاة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة فان كانت الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاة) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم وقال الترمذي حديث حسن، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٢٩٤.\rوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ (ليس فيما دون خمسة أوسق في التمر صدقة وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة) رواه البخاري ومسلم\rوعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة) رواه مسلم، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (وفي الركاز الخمس) رواه البخاري ومسلم، وغير ذلك من الأحاديث.\rإذا تقرر أن تحديد أنصبة الزكاة توقيفية فلا يجوز لأحد تغييرها بزيادة أو نقص ولاشك أن الشارع الحكيم له حكمة في هذه التقديرات قال العلامة شاه ولي الله الدهلوي: [الحكمة في أنصبة الزكاة أقول: إنما قدر من الحب والتمر خمسة أوسق، لأنها تكفي أقل أهل بيت إلى سنة. وذلك لأن أقل البيت الزوج والزوجة وثالث - خادم أو ولد بينهما - وما يضاهي ذلك من أقل البيوت. وغالب قوت الإنسان رطل أو مُدٌّ من الطعام، فإذا أكل كل واحد من هؤلاء ذلك المقدار كفاهم لسنة، وبقيت بقية لنوائبهم أو إدامهم. وإنما قدّر من الورق خمس أواق، لأنها مقدار يكفي أقل أهل بيت سنة كاملة إذا كانت الأسعار موافقة في أكثر الأقطار. واستقرئ عادات البلاد المعتدلة في الرخص والغلاء تجد ذلك. وإنما قدّر من الإبل خمس ذود، وجعل زكاته شاة، وإن كان الأصل ألا تؤخذ الزكاة إلا من جنس المال، وأن يجعل النصاب عدداً له بال؛ لأن الإبل أعظم المواشي جثة، وأكثرها فائدة: يمكن أن تُذبح، وتُركب، وتُحلب، ويُطلب منها النسل، ويُستدفأ بأوبارها وجلودها. وكان بعضهم يقتني نجائب قليلة تكفي كفاية الصرمة – مجموعة من الإبل - وكان البعير يسوَّى في ذلك الزمان بعشر شياه، وبثمان شياه، واثنتي عشرة شاة، كما ورد في كثير من الأحاديث فجعل خمس ذود في حكم أدنى نصاب من الغنم، وجعل فيها شاة] حجة الله البالغة ٢/٧٦.\rوخلاصة الأمر أن تحديد أنصبة الزكاة توقيفي ثابت عن النبي ﷺ ولا يجوز لأحد مهما كان حاكماً أو محكوماً أن يغيره بزيادة أو نقص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345954,"book_id":3840,"shamela_page_id":334,"part":"8","page_num":10,"sequence_num":334,"body":"١٠ - يجوز قضاء دين الأقارب من مال الزكاة\rيقول السائل: إن ابنه يعمل مدرساً وراتبه قليل، وقد بنى بيتاً وتزوج وتحمل ديوناً كثيرة، فهل يجوز له أن يقضي ديون ابنه من مال الزكاة، أفيدونا؟\rالجواب: يقول الله ﷾ في بيان مصارف الزكاة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآية ٦٠. وقد قرر أهل العلم أنه يجوز إعطاء الأقارب من الزكاة إن لم تكن نفقة القريب واجبة على المزكي بل إن إعطاء الزكاة للقريب مقدم على إعطائها لغير القريب، لما ثبت في الحديث عن سلمان بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة) رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: حديث حسن، ورواه ابن ماجة والحاكم وقال: إسناده صحيح ووافقه الذهبي وحسنه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٣/٣٨٧. قال المباركفوري [قوله (الصدقة على المسكين) أي صدقة واحدة (وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة) يعني أن الصدقة على الأقارب أفضل لأنه خيران ولا شك أنهما أفضل من واحد] تحفة الأحوذي ٣/٢٦١.\rوبناءً على ذلك يجوز إعطاء الزكاة للأقارب كالعم والخال والعمة والخالة والأخت المتزوجة والأخ وابن الأخ وابن الأخت ونحوهم إن كانوا فقراء، ولم يكن المزكي ملزماً بالإنفاق عليهم، جاء في الفتاوى الهندية: [والأفضل في الزكاة والفطر والنذور الصرف أولاً إلى الأخوة والأخوات، ثم إلى أولادهم، ثم إلى الأعمام والعمات، ثم إلى أولادهم ثم إلى الأخوال والخالات، ثم إلى أولادهم، ثم إلى ذوي الأرحام ثم إلى الجيران ثم إلى أهل حرفته ثم إلى أهل مصره أو قريته] الفتاوى الهندية ١/١٩٠.\rإذا تقرر هذا فيجوز قضاء ديون الأقارب من مال الزكاة، حتى وإن وجبت نفقتهم على المزكي فيجوز قضاء دين الأب ودين الأم ودين الابن ودين البنت وغيرهم من الأقارب، بشرط أن لا يكون سبب هذا الدين تحصيل نفقة واجبة على المزكي، لأن ديون الأقارب بما فيها ديون الوالدين والأولاد لا يجب شرعاً على المرء أن يؤديها عنهم، فيجوز قضاء الدين عنهم من الزكاة لأنهم يعتبرون هنا في هذه الحالة من الغارمين فهم يستحقون الزكاة هنا بوصف لا تأثير للقرابة فيه. قال الإمام النووي: [قال أصحابنا ويجوز أن يدفع إلى ولده ووالده من سهم العاملين والمكاتبين والغارمين والغزاة، إذا كان بهذه الصفة ... ] المجموع ٦/٢٢٩.\rويدل على ذلك عموم قوله تعالى في آية مصارف الزكاة ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ فهؤلاء الأقارب المدينين داخلون في عموم الغارمين، ويدل على ذلك أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، قال: ثم قال: (يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة، رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش فما سواهن في المسألة يا قبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سحتاً) صحيح مسلم ٣/١٠٩ - ١١٠.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ويجوز صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا وإلى الولد وإن سفل إذا كانوا فقراء، وهو عاجز عن نفقتهم لوجود المقتضي السالم عن المعارض المقاوم وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وكذا إن كانوا غارمين أو مكاتبين أو أبناء السبيل وهو أحد القولين أيضاً في مذهب أحمد] الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر: [الذين يأخذون الزكاة صنفان: صنف يأخذ لحاجته كالفقير والغارم لمصلحة نفسه.\rوصنف يأخذها لحاجة المسلمين: كالمجاهد والغارم في إصلاح ذات البين فهؤلاء يجوز دفعها إليهم وإن كانوا من أقاربه.\rوأما دفعها إلى الوالدين: إذا كانوا غارمين أو مكاتبين: ففيها وجهان، والأظهر جواز ذلك. وأما إن كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم فالأقوى جواز دفعها إليهم في هذه الحال; لأن المقتضي موجود والمانع مفقود فوجب العمل بالمقتضي السالم عن المعارض المقاوم] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٥/٩٠.\rوقال الشيخ العلامةعبد العزيز بن باز: [دفع الزكاة إلى الأقارب الذين هم من أهلها أفضل من دفعها إلى من هم ليسوا من قرابتك، لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة، إلا إذا كان هؤلاء الأقارب ممن تلزمك نفقتهم، وأعطيتهم من الزكاة ما تحمي به مالك من الإنفاق فإن هذا لا يجوز، فإذا قُدِّرَ أن هؤلاء الإخوة الذين ذكرت والأخوات فقراء، وأن مالك لا يتسع للإنفاق عليهم فلا حرج عليك أن تعطيهم من زكاتك، وكذلك لو كان هؤلاء الإخوة والأخوات عليهم ديون للناس وقضيت دينهم من زكاتك، فإنه لا حرج عليك في هذا أيضاً، وذلك لأن الديون لا يلزم القريب أن يقضيها عن قريبه، فيكون قضاؤها من زكاته أمرا مجزياً، حتى ولو كان ابنك أو أباك وعليه دين لأحدٍ ولا يستطيع وفاءه فإنه يجوز لك أن تقضيه من زكاتك، أي: يجوز أن تقضي دين أبيك من زكاتك، ويجوز أن تقضي دين ولدك من زكاتك، بشرط أن لا يكون سبب هذا الدين تحصيل نفقة واجبة عليك، فإن كان سببه تحصيل نفقة واجبة عليك فإنه لا يحل لك أن تقضي الدين من زكاتك؛ لئلا يتخذ ذلك حيلة على منع الإنفاق على من تجب نفقتهم عليه لأجل أن يستدين ثم يقضي ديونهم من زكاته] مجموع فتاوى عبد العزيز بن باز ١٤/٣١٠.\rوقال الشيخ العلامة محمد صالح العثيمين [كل من تلزمه نفقته فإنه لا يجوز أن يدفع زكاته إليهم من أجل النفقة، أما لو كان في قضاء دين فلا بأس، فإذا فرضنا أن الوالد عليه دين، وأراد الابن أن يقضي دينه من زكاته وهو لا يستطيع قضاءه فلا حرج، وكذلك الأم وكذلك الابن، أما إذا كنت تعطيه من زكاتك من أجل النفقة فهذا لا يجوز، لأنك بهذا توفر مالك، والنفقة تجب للوالدين: الأم والأب، وللأبناء والبنات، ولكل من ترثه أنت لو مات، أي: كل من ترثه لو مات فعليك نفقته، لقول الله تعالى: (وَعَلَى ?لْوَارِثِ مِثْلُ ذ?لِكَ) فأوجب الله على الوارث أجرة الرضاع؛ لأن الرضاع بمنزلة النفقة] مجموع فتاوى العثيمين ١٨/٤١٦.\rوقال الشيخ القرضاوي [أما القريب الوثيق القرابة - كالوالدين والأولاد والإخوة والأخوات والأعمام والعمات ... إلخ ففي جواز إعطائهم من الزكاة تفصيل: فإذا كان القريب يستحق الزكاة لأنه من العاملين عليها أو في الرقاب أو الغارمين أو في سبيل الله، فلقريبه أن يعطيه من زكاته ولا حرج؛ لأنه يستحق الزكاة هنا بوصف لا تأثير للقرابة فيه، ولا يجب على القريب - باسم القرابة - أن يؤدي عنه غُرمه، أو يتحمل عنه نفقة غزوه في سبيل الله، وما شابه ذلك.] فقه الزكاة للقَرَضَاوي ٢/٧١٦.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للأب أن يسدد ديون ابنه من مال الزكاة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345955,"book_id":3840,"shamela_page_id":335,"part":"8","page_num":11,"sequence_num":335,"body":"١١ - زكاة المال المستفاد\rيقول السائل: إن والده قد توفي وبعد توزيع الميراث كان نصيبه مبلغاً كبيراً من المال فهل تجب الزكاة في هذا المبلغ حالاً أم أنه يزكيه مع أمواله الأخرى في وقت زكاتها وهو شهر رمضان القادم، أفيدونا؟\rالجواب: هذه المسألة تسمى عند الفقهاء مسألة زكاة المال المستفاد، وهو المال الذي يملكه المكلف بالزكاة أثناء الحول، وهو على نوعين: الأول هو ربح مالٍ أصله عند المكلف كمن عنده مال تتحقق فيه شروط الزكاة وتاجر به فربح عشرة آلاف دينار، فهذا لا خلاف بين أهل العلم أن زكاته عند زكاة أصله. والنوع الثاني من المال المستفاد هو ما ملكه المكلف بالزكاة أثناء الحول وليس ناتجاً عن مال لديه، كما ذكر السائل أنه ورث مبلغاً كبيراً من المال من أبيه، ومثل ذلك من حصل على جائزة مالية أو هبة وكذا مكافأة نهاية الخدمة أو ما توفر من راتبه عند مشغله ونحو ذلك، وهذا النوع من المال المستفاد وقع فيه خلاف بين الفقهاء، فبعضهم أوجب فيه الزكاة عند قبضه وبدون اشتراط حولان الحول عليه، وأما جمهور الفقهاء فيرون أنه لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول وهذا القول هو الراجح والذي تؤيده الأدلة القوية، قال ابن رشد القرطبي المالكي: [وأما وقت الزكاة فإن جمهور الفقهاء يشترطون في وجوب الزكاة في الذهب والفضة والماشية الحول، لثبوت ذلك عن الخلفاء الأربعة ولانتشاره في الصحابة ﵃ ولانتشار العمل به ولاعتقادهم أن مثل هذا الانتشار من غير خلاف لا يجوز أن يكون إلا عن توقيف. وقد روي مرفوعاً من حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) وهذا مجمع عليه عند فقهاء الأمصار وليس فيه في الصدر الأول خلاف إلا ما روي عن ابن عباس ومعاوية وسبب الاختلاف أنه لم يرد في ذلك حديث ثابت] بداية المجتهد ٥/٧٨-٧٩. وقال الحافظ ابن عبد البر: [وأما الذهب والوَرِق – الفضة - فلا تجب الزكاة في شيء منها إلا بعد تمام الحول أيضاً وعلى هذا جمهور العلماء والخلاف فيه شذوذ ولا أعلمه إلا شيء روي عن ابن عباس ومعاوية أنهما قالا: من ملك النصاب من الذهب والوَرِق وجبت عليه الزكاة في الوقت. وهذا قول لم يعرج عليه أحدٌ من العلماء ولا قال به أحدٌ من أئمة الصحابة ولا قال به أحدٌ من أئمة الفتوى إلا رواية عن الأوزاعي...] فتح المالك بتبويب التمهيد لابن عبد البر على موطأ مالك ٥/٢٠. وذكر الحافظ ابن عبد البر أيضاً أن القول باشتراط الحول في الزكاة عليه جماعة الفقهاء قديماً وحديثاً لا يختلفون فيه أنه لا يجب في مال من العين ولا في ماشية زكاة حتى يحول عليه الحول إلا ما روي عن ابن عباس وعن معاوية أيضاً ... ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بقول معاوية وابن عباس في اطراح مرور الحول إلا مسألة جاءت عن الأوزاعي ... وعقب الحافظ ابن عبد البر بقوله: [هذا قول ضعيف متناقض] انظر الاستذكار ٩/٣٢-٣٣. والقول باشتراط الحول في الزكاة قال به الأئمة الأربعة وثبت ذلك عن الخلفاء الأربعة وهو قول مشهور بين الصحابة وعملوا به وهذا الانتشار لا يجوز إلا أن يكون عن توقيف كما قال العلامة ابن رشد، بداية المجتهد ٥/٧٨. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام مؤيداً اشتراط الحول: [فقد تواترت الآثار عن علية أصحاب رسول الله ﷺ بهذا] كتاب الأموال ص ٥٠٥. وحديث ابن عمر ﵁ الذي ذكره ابن رشد وهو أن النبي ﷺ قال: [لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول] رواه الترمذي وابن ماجة والبيهقي والدارقطني وغيرهم. وقد ورد بهذا اللفظ ونحوه عن جماعة من الصحابة، وهذه الأحاديث فيها كلام طويل لأهل الحديث لا يتسع المقام لإيراده والصحيح أنها تصلح للاستدلال بمجموع طرقها بل إن بعض طرقها صحيح أو حسن. قال الشيخ أحمد الغماري بعد أن تكلم على أسانيد هذه الأحاديث: [... إلا أن مجموع هذه الأحاديث مع حديث علي الذي هو حسن يصل إلى درجة المعمول به لا سيما مع تواتر ذلك عن الصحابة كما قال أبو عبيد في الأموال: قد تواترت الآثار عن علية أصحاب رسول الله ﷺ بهذا ثم أسند ذلك عن علي وابن عمر وأبي بكر وعثمان وابن مسعود وطارق بن شهاب وفي مصنف ابن أبي شيبة زيادة أبي بكرة وعائشة وبعض ذلك في الموطأ كأثر ابن عمر وعثمان] الهداية في تخريج أحاديث البداية ٥/٨٤-٨٦. وحديث علي ﵁ الذي أشار إليه الشيخ الغماري هو أن النبي ﷺ قال: (قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا من الرقة ربع العشر من كل مئتي درهم خمسة دراهم ومن كل عشرين ديناراً نصف دينار وليس في مئتي درهم شيء حتى يحول عليها الحول ففيها خمسة دراهم ... الخ) رواه أبو داود والبيهقي وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٢٩٦. وكذلك فإن الشيخ الألباني صحح حديث ابن عمر المذكور بمجوع طرقه وذكر أن حديث علي ﵁ السابق يقويه فقال: [ثم وجدت للحديث طريقاً أخرى بسند صحيح عن علي ﵁ خرجته في صحيح أبي داود فصح الحديث والحمد لله] إرواء الغليل ٣/٢٥٨. وقال الإمام الزيلعي عن حديث علي المذكور: [... فالحديث حسن ... قال النووي ﵀ في الخلاصة وهو حديث صحيح أو حسن] نصب الراية ٢/٣٢٨. وقال الحافظ ابن حجر: [... حديث علي لا بأس بإسناده والآثار تعضده فيصلح للحجة والله أعلم] التلخيص الحبير ٢/١٥٦. وقال الحافظ أيضاً: إنه حديث حسن. بلوغ المرام ص ١٢١. كما أن الحافظ العراقي قد جوَّد إسناد حديث علي ﵁ كما في إتحاف السادة المتقين ٤/١٦. وقال الإمام الشوكاني بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في اشتراط الحول: [ومجموع هذه الأحاديث تقوم به الحجة في اعتبار الحول] السيل الجرار ٢/١٣. والمسألة فيها كلام طويل للعلماء المتقدمين والمعاصرين لا يتسع له المقام، ولكن أكثر المجامع العلمية المعاصرة اختارت قول الجمهور واختار الشيخ القرضاوي الرأي الآخر وهو ضعيف كما ذكرت.\rإذا تقرر أن الراجح أنه لا زكاة في المال المستفاد حتى يحول عليه الحول، فهنالك طريقتان في ذلك: الأولى أن صاحبه يستقبل به الحول ولا يضيفه إلى أمواله الأخرى فإذا حال عليه الحول زكَّاه، وأما الطريقة الثانية فهي أن يضيف المال المستفاد إلى بقية أمواله فيزكيه معها وإن لم يحل الحول على المال المستفاد، وهذه الطريقة فيها تسامح من المالك لأنه يغلب حق الفقير كما أنها أسهل في الحساب. وهذه الطريقة أحسن وأولى.\rوخلاصة الأمر أن المال المستفاد لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، فهذا المال الذي ورثه السائل عن أبيه يضيفه إلى أمواله الأخرى فيزكي الجميع عند حلول الحول وهو شهر رمضان القادم، وإن لم يكن عنده مال سواه، استقبل به الحول ويزكيه عند تمام الحول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345956,"book_id":3840,"shamela_page_id":336,"part":"8","page_num":12,"sequence_num":336,"body":"١٢ - تجب زكاة الفطر على من صام ومن لم يصم\rيقول السائل: إن والده كبير في السن وعاجز عن الصيام ولم يصم في رمضان الحالي فهل تجب زكاة الفطر عليه أفيدونا؟\rالجواب: زكاة الفطر فريضة عند جمهور أهل العلم وقد ثبتت بأحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ منها:\rحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ (فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حر أو عبد أو رجل أو امرأة صغير أو كبير صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير) .\rوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغيرٍ وكبير حرٍ أو مملوكٍ صاعاً من طعام أو صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجاً أو معتمراً فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: إني أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر فأخذ الناس بذلك. قال أبو سعيد فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت) رواه مسلم. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ بعث منادياً في فجاج مكة (ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير، مدان من قمح أو سواه صاع من طعام) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب. وغير ذلك من الأحاديث.\rوزكاة الفطر هي زكاة الأبدان بخلاف زكاة الأموال وقد ذكر أهل العلم أن الحكمة من مشروعية زكاة الفطر هي المشار إليها في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين) رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وحسَّنه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود حديث رقم ١٤٢٠. ومما ذكره بعض أهل العلم من الحِكَمِ أن زكاة الفطر تطهير وتنقية للصائم مما اقترفه في صيامه من اللغو: وهو الكلام الباطل الذي لا فائدة فيه، أو الرف: وهو ما قبح وساء من الكلام. قال وكيع بن الجراح: زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدة السهو للصلاة، تجبر نقصان الصوم كما يجبر السجود نقصان الصلاة، وقال الشيخ ولي الله الدهلوي [وإنما وقتت بعيد الفطر لمعانٍ: منها أنها تكمل كونه من شعائر الله، وأن فيها طهرة للصائمين وتكميلاً لصومهم بمنزلة السنن الرواتب في الصلاة] حجة الله البالغة ٢/٧٩. وكذلك فإنها من شكر الله ﷿ على إتمام الشهر، ونعمة إكمال الصيام. وكذلك ما فيها من إشاعة المحبة، وبث السرور بين الناس، وخاصة المساكين، فالعيد يوم فرح وسرور، فاقتضت حكمة الشارع أن يفرض للمسكين في يوم العيد ما يعفّه عن السؤال، ويغنيه عن الحاجة، وقد روي في الحديث قوله ﷺ: (أغنوهم عن الطواف هذا اليوم) رواه الحاكم والدارقطني وغيرهما، وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً لكن يقويه حديث ابن عباس السابق كما قال العلامة العثيمين في الشرح الممتع على زاد المستقنع ٦/١٨١.\rإذا تقرر هذا فإن شرط وجوب زكاة الفطر أمران: أولهما الإسلام وثانيهما أن يكون عند المسلم ليلة العيد ما يزيد عن قوته وقوت عياله، ولذا لا يشترط لوجوبها ملك النصاب على قول جمهور العلماء. وبناءً على ذلك تجب زكاة الفطر على كل مسلم حضر رمضان صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، صحيحاً أو مريضاً، مقيماً أو مسافراً، صام أم لم يصم، ومما يدل على ذلك أن النصوص التي أوجبت زكاة الفطر جاءت عامة مطلقة وورد فيها الأنثى ومن المعلوم أن من الإناث من لا تصوم كل رمضان إما للحيض وإما للنفاس وإما أن تكون حاملاً أو مرضعاً، وورد فيها الصغير والكبير، والصغير لفظ عام يشمل كل صغير حتى الرضيع ومن المعلوم أن الصيام ليس بواجب على الصغار وإن صاموا قبل منهم، وكذلك الكبير فمن المعلوم أن من الكبار من لا يطيق الصيام بسبب الهرم كما قال تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٤. وكذلك فقد يكون من الكبار من هو مريض أو مسافر لا يلزمه الصوم كما قال تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٤.\rومما يؤيد ذلك [أن النبي ﷺ أمر الصحابة رضوان الله عليهم أن يُخرجوا زكاة الفطر، ولم يفصِّل، حيث لم يقل: (من أفطر شيئاً من رمضان فلا زكاة عليه) ، ولم يقل: (من كان شيخاً كبيراً فأفطر فلا زكاة عليه) ، والأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه] من موقع الشيخ الشنقيطي عن الإنترنت. ومما يؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن الشعبي (أنه كان يقول صدقة الفطر عمن صام من الأحرار وعن الرقيق من صام منهم ومن لم يصم، نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير) . وروى أيضاً عن الحسن البصري (أنه قال مثل قول الشعبي فيمن لم يصم من الأحرار) المصنف ٣/١٧١.\rومما يؤيد ذلك أيضاً ما قاله بعض أهل العلم في تسمية زكاة الفطر بهذا الاسم كأنها من الفطرة التي هي الخلقة، فوجوبها عليها تزكية للنفس، وتنقية لعملها فيدخل في ذلك من صام ومن لم يصم. انظر فقه الزكاة ٢/٩١٧.\rوأما ما نقل عن بعض الفقهاء من أن زكاة الفطر واجبة على من صام رمضان فقط لأنه ورد في الحديث: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين) ، فقد أجاب عن ذلك الإمام النووي بقوله [وتعلق من لم يوجبها أنها تطهير والصبي ليس محتاجاً إلى التطهير لعدم الإثم، وأجاب الجمهور عن هذا بأن التعليل بالتطهير لغالب الناس، ولا يمتنع ألا يوجد التطهير من الذنب، كما أنها تجب على من لا ذنب له، كصالح محقق الصلاح، وككافر أسلم قبل غروب الشمس بلحظة، فإنها تجب عليه مع عدم الإثم] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٥٠.\rوأجاب الشيخ الشنقيطي أيضاً بقوله [والصحيح: ما نص عليه الجماهير من أنها شرعت طعمةً للمساكين وغناءً لهم يوم العيد، وعلى هذا كونها تطهِّر الصائم من اللغو والرفث مشترك مع غيره من العلة الموجودة، ويجوز تعليل الحكم بعلتين على أصح أقوال الأصوليين، وحينئذٍ يستقيم أن يخاطب بها إعمالاً للأصل؛ لأنه أفطر من رمضان، والمراد أنه دخلت عليه ليلة العيد وهي ليلة الفطر من رمضان. ألا ترى أنهم نصوا على أنه لو أسلم الكافر قبل مغيب الشمس ولو بلحظة أنه تجب عليه زكاة الفطر مع أنه لم يصم، وبناءً على ذلك لا يشترط أن يكون قد صام، بل زكاة الفطر واجبة على من صام أو أفطر بعذر] من موقع الشيخ الشنقيطي عن الإنترنت.\rوقد سئل الشيخ العلامة العثيمين عمن تجب عليه زكاة الفطر؟ فأجاب فضيلته بقوله: تجب على كل إنسان من المسلمين ذكراً كان أو أنثى، صغيراً كان أم كبيراً، سواء كان صائماً أم لم يصم، كما لو كان مسافراً ولم يصم فإن صدقة الفطر تلزمه] عن الإنترنت.\rوخلاصة الأمر أن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم شهد رمضان صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، صحيحاً أو مريضاً، مقيماً أو مسافراً، صام أم لم يصم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345957,"book_id":3840,"shamela_page_id":337,"part":"8","page_num":13,"sequence_num":337,"body":"١٣ - زكاة البضاعة الكاسدة\rيقول السائل: إنه تاجر ولديه كمية من بعض السلع قد كسدت وبارت ولم يتمكن من بيعها وقد مضى عليها أكثر من خمس سنوات ولما يتمكن من بيعها فماذا يصنع بالنسبة لزكاة هذه البضاعة الكاسدة أفيدونا؟\rالجواب: من المعلوم أن الزكاة واجبة في عروض التجارة على الصحيح من أقوال أهل العلم لعموم الأدلة التي أوجبت الزكاة في الأموال ولا شك أن عروض التجارة داخلة في هذا العموم دخولاً أولياً كقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة التوبة الآية ١٠٣. وقوله تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) سورة الذاريات الآية ١٩ وقوله تعالى: (يَا أيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) سورة البقرة الآية٢٦٧. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة مما يعد للبيع) رواه أبو داود والدارقطني واختلف في سنده وحسنه ابن عبد البر. وعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال (في الإبل صدقتها وفى البقر صدقتها وفى البز صدقته) قال الإمام النووي [هذا الحديث رواه الدارقطني في سننه والحاكم أبو عبد الله في المستدرك والبيهقي بأسانيدهم ذكره الحاكم بإسنادين ثم قال هذان الإسنادان صحيحان على شرط البخاري ومسلم] المجموع ٦/٤٧. والبز المذكور في الحديث هو الثياب ومنه البزاز لمن يعمل في تجارة الثياب. انظر المصباح المنير ص ٤٧-٤٨.\rوقال الإمام النووي [والصواب الجزم بالوجوب – أي وجوب الزكاة في عروض التجارة - وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم أجمعين قال ابن المنذر أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة قال رويناه عن عمر بن الخطاب وابن عباس والفقهاء السبعة سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسلمان بن يسار والحسن البصري وطاووس وجابر بن زيد وميمون بن مهران والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي والنعمان – أبو حنيفة - وأصحابه وأحمد واسحق وأبي ثور وأبي عبيد ... ] المجموع ٦/٤٧\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية [وأما العروض التي للتجارة ففيها الزكاة وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول: روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاووس والنخعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وحكي عن مالك وداود: لا زكاة فيها. وفي سنن أبي داود عن ﴿سمرة قال: كان النبي ﷺ يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع﴾ . وروى عن حماس قال: مرَّ بي عمر فقال: أدِ زكاة مالك، فقلت: مالي إلا جِعاب وأُدُم فقال قومها ثم أد زكاتها. واشتهرت القصة بلا منكر فهي إجماع. – والجعاب جمع جعبة وهي وعاء توضع فيه السهام. انظر المصباح المنير ص ١٠٢ والأُدُم جمع أديم وهو الجلد المدبوغ انظر المصباح المنير ص ٩ -. وأما مالك فمذهبه أن التجار على قسمين: متربص ومدير. فالمتربص: وهو الذي يشتري السلع وينتظر بها الأسواق فربما أقامت السلع عنده سنين فهذا عنده لا زكاة عليه إلا أن يبيع السلعة فيزكيها لعام واحد وحجته أن الزكاة شرعت في الأموال النامية فإذا زكى السلعة كل عام - وقد تكون كاسدة - نقصت عن شرائها فيتضرر فإذا زكيت عند البيع فإن كانت ربحت فالربح كان كامناً فيها فيخرج زكاته ولا يزكي حتى يبيع بنصاب ثم يزكي بعد ذلك ما يبيعه من كثير وقليل. وأما المدير: وهو الذي يبيع السلع في أثناء الحول فلا يستقر بيده. سلعة فهذا يزكي في السنة الجميع يجعل لنفسه شهراً معلوماً يحسب ما بيده من السلع والعين والدين الذي على المليء الثقة ويزكي الجميع هذا إذا كان ينض في يده في أثناء السنة ولو درهم فإن لم يكن يبيع بعين أصلاً فلا زكاة عليه عنده] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٥/١٥-١٦\rإذا تقرر هذا فإن الأصل عند أكثر العلماء أن كل مال يكون عند التاجر ويقصد به التجارة تجب فيه الزكاة ويدخل في ذلك جميع السلع وإن كسدت أو بارت فعلى التاجر أن يقوم هذه السلع الكاسدة ويؤدي زكاتها كغيرها من السلع غير الكاسدة.\rوهنالك رأي آخر في المسألة قال به بعض فقهاء المالكية ونسب إلى الإمام مالك وهو إن السلع إذا كسدت وبارت فلا تجب الزكاة فيها إلا إذا بيعت فيزكيها صاحبها عن سنة واحدة وهذا رأي له وجاهته ويمكن الأخذ به وخاصة إذا كانت البضائع الكاسدة كثيرة وهذا من باب التخفيف والتيسير على التجار. ومن المعروف عند التجار أنه لابد أن تبور كمية من كل نوع من السلع فمثلاً إذا اشترى التاجر مئة قطعة من نوع معين من الثياب فباع تسعين قطعة وبارت الباقية فحينئذ تكون الفتوى على قول جمهور أهل العلم فتقوم تلك البضاعة ويزكيها عندما يزكي أمواله وأما إذا كان الكساد هو الأكثر فحينئذ نأخذ برأي بعض فقهاء المالكية. قال الدسوقي المالكي [قوله: (إذ بوارها لا ينقلها للقنية ولا للاحتكار) هذا هو المشهور وهو قول ابن القاسم، ومقابله ما لابن نافع وسحنون لا يقوم ما بار منها وينتقل للاحتكار، وخص اللخمي وابن يونس الخلاف بما إذا بار الأقل قالا: فإن بار النصف أو الأكثر لم يقوم اتفاقاً. وقال ابن بشير: بل الخلاف مطلقاً بناء على أن الحكم للنية لأنه لو وجد مشترياً لباع أو للموجود وهو الاحتكار قاله في التوضيح] حاشية الدسوقي ١/٤٧٤. وقد أفتى بقول المالكية هذا بعض أهل العلم المعاصرين منهم الشيخ العلامة مصطفى الزرقا فقال: [إن ما سألتني عنه من رأيي في زكاة البضائع الكاسدة والتاجر المتربِّص، رأيي فيه من القديم هو مذهب مالك ﵁ وهو الذي يُشعِر كلامُ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ باستحسانه، كما استحسنه أخونا العلامة الدكتور الشيخ القرضاوي أيضاً، وضعاً للضَّرر البالغ عن التاجر المتربِّص، فأنا أُفتي به دائماً تيسيراً على الناس، ولا سيما في العقارات، حيث يكثر فيها المشترون المتربِّصون في عهد التضخم النقدي العام اليوم، ولا سيما في عالمنا الثالث الذي استمر فيه هبوط قيمة النقود الورقية التي انفردت في وظيفة التنمية، منذ أن حلَّت المَطابع محلَّ مناجم استخراج الذَّهب والفضة!! ولم يبقَ أمام كثير من الناس وسيلة لحفظ قيمة نقودهم وقوتها الشرائية سوى تحويلها إلى عقار والتربص به، وقد يتربَّصون بها مُدداً طويلة، وعدداً من السنين قد تَصل إلى العَشرات، ثم يبيعونها عندما يَحتاجون إلى قيمتها. وخلال ذلك قد ترتفع قيمتها كما كانوا يتوقَّعون من استمرار ارتفاع قيمة العَقارات في كل مكان تقريباً، وإن لم ترتفع فإنها لا تهبِط، فأنا أفتي في هذه بأنها تزكَّى مرة واحدة عن سنة واحدة حين بيعها، لكنها يجب أن تزكّى على أساس قيمتها الحالية المرتفعة، لا على أساس قيمتها القديمة التي اشتروها بها، فإذا كانت قيمتها قد ارتفعت من البيع عشرة أضعاف مثلاً أو أكثر ـ وهذا واقع كثيرًا في الأراضي ـ فإن زكاتها تَزيد أيضاً عشرة أضعاف عن زكاتها بحسَب قيمتها الأولى التي اشْتُريتْ بها. وفي هذا عدل، كما أنه تيسير على المكلَّف، ودفع للإرهاق عنه، ومثل ذلك التربُّص في البضائع التجارية الكاسدة. وقد نصَّ الفقهاء على أن التاجر إذا أفرزَ بعض أموالِه ليأخذَه إلى بيته لاستعماله فيه، فإن زكاته تتوقَّف منذ ذلك؛ لأنه خرج من نطاق التِّجارة التي تُنَمِّيه، فأصبح بتحويله لاستعماله غيرَ نامٍ، والزكاة إنما هي في المال النامِي فعلاً أو تقديراً كالنقود.\rففي رأيي أن حالة التربُّص ـ خلال مدّة التربُّص ـ تُشبهُ هذه ما دام المُتربِّص لا يُريد بيع المال المتربَّص فيه، بل تركه بمعزِل عن التداول إلى أجل غير محدَّد، فالمال في هذه الحالة أصبح غير نام، أو متوقِّف النماء، كالديون غير المرجوة الوفاء (ولو أَنّها كانت أثمانًا لمَبيعات رابحة، وليست قروضًا حسنة) فإنها بانقطاع الأمل من استيفائها خرجت عن أن تكونَ ناميةً ولو تَقديراً. هذا ما أراه ـ أيها الأخ الكريم ـ وأرجو من فضله ـ تعالى ـ أن يكون صوابا مُتَّفِقًا مع مقاصد الشريعة] فتاوى الشيخ العلامة مصطفى الزرقا ص ١٣٥-١٣٦.\rوخلاصة الأمر أن البضائع إذا كسدت وبارت وكانت كثيرة وصار الأمل ضعيفاً جداً في بيعها فلا زكاة فيها حتى يتم بيعها فإذا بيعت زكيت عن سنة واحدة فقط ولو مضى على بوارها سنوات وأما البوار والكساد القليل فلا يمنع الزكاة فيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345958,"book_id":3840,"shamela_page_id":338,"part":"8","page_num":14,"sequence_num":338,"body":"١٤ - تعجيل صدقة الفطر\rيقول السائل: هل يجوز لي أن أعجل صدقة الفطر من أول رمضان لأن لي جاراً فقيراً وهو بحاجة ماسة. أفيدونا؟\rالجواب: صدقة الفطر أو زكاة الفطر فريضة عند جمهور أهل العلم وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على وجوب صدقة الفطر. وقد ثبتت صدقة الفطر بأحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ منها: حديث ابن عمررضي الله عنه قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم.\rووقت وجوب صدقة الفطر محل خلاف بين أهل العلم فمنهم من يرى أنها تصير واجبة بغروب الشمس ليلة الفطر، لأنه وقت الفطر من رمضان. وقالت جماعة أخرى من العلماء إن وقت وجوبها هو طلوع الفجر من يوم العيد.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [فأما وقت الوجوب فهو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان ... وبما ذكرنا في وقت الوجوب قال الثوري وإسحاق ومالك في إحدى الروايتين عنه والشافعي في أحد قوليه. وقال الليث وأبو ثور وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد وهو رواية عن مالك لأنها قربة تتعلق بالعيد , فلم يتقدم وجوبها يوم العيد وهو رواية عن مالك كالأضحية ولنا قول ابن عباس: (إن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث) ولأنها تضاف إلى الفطر فكانت واجبة به كزكاة المال , وذلك لأن الإضافة دليل الاختصاص والسبب أخص بحكمه من غيره والأضحية لا تعلق لها بطلوع الفجر ولا هي واجبة ولا تشبه ما نحن فيه] المغني٣/٨٩ وينبغي إخراجها قبل صلاة العيد فقد جاء في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم\rوعن ابن عباس ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه. وقد أورد ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: [يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته فإن الله تعالى يقول: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) سورة الأعلى الآيتان ١٤-١٥. انظر فتح الباري ٣/٤٧٢. وقد أجاز العلماء تعجيل صدقة الفطر عن وقت الوجوب فمنهم من قال يجوز تعجيلها من أول العام. ومنهم من قال يجوز تعجيلها من أول الشهر. ومنهم من قال يجوز تعجيلها من نصف الشهر. ومنهم من قال يجوز تعجيلها قبل العيد بيوم أو يومين وهذا القول الأخير هو أرجح أقوال العلماء في المسألة ويدل له ما كان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلونه فعن نافع أن ابن عمر ﵁ قال (وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين) رواه البخاري وقد ورد عن ابن عمر ﵁ أيضاً (أنه كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة) رواه مالك في الموطأ والبيهقي في السنن وغيرهما. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ ... وقد وقع في رواية ابن خزيمة من طريق عبد الوارث عن أيوب \" قلت متى كان ابن عمر يعطي؟ قال: إذا قعد العامل. قلت متى يقعد العامل؟ قال قبل الفطر بيوم أو يومين \". ولمالك في \" الموطأ \" عن نافع \" أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة \" وأخرجه الشافعي عنه وقال: هذا حسن وأنا أستحبه - يعني تعجيلها قبل يوم الفطر - انتهى. ويدل على ذلك أيضا ما أخرجه البخاري في الوكالة وغيرها عن أبي هريرة قال \" وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان \" الحديث. وفيه أنه أمسك الشيطان ثلاث ليال وهو يأخذ من التمر فدل على أنهم كانوا يعجلونها ... ] فتح الباري ٣/٤٧٤. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [قال وإن قدمها قبل ذلك بيوم أو يومين أجزأه وجملته أنه يجوز تقديم الفطرة قبل العيد بيومين لا يجوز أكثر من ذلك وقال ابن عمر: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين وقال بعض أصحابنا: يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر كما يجوز تعجيل أذان الفجر والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل وقال أبو حنيفة: ويجوز تعجيلها من أول الحول لأنها زكاة فأشبهت زكاة المال وقال الشافعي: يجوز من أول شهر رمضان لأن سبب الصدقة الصوم والفطر عنه فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلها , كزكاة المال بعد ملك النصاب ولنا ما روى الجوزجاني: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو معشر عن نافع , عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ يأمر به فيقسم - قال يزيد أظن: هذا يوم الفطر - ويقول أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم \" والأمر للوجوب , ومتى قدمها بالزمان الكثير لم يحصل إغناؤهم بها يوم العيد وسبب وجوبها الفطر بدليل إضافتها إليه وزكاة المال سببها ملك النصاب , والمقصود إغناء الفقير بها في الحول كله فجاز إخراجها في جميعه وهذه المقصود منها الإغناء في وقت مخصوص فلم يجز تقديمها قبل الوقت فأما تقديمها بيوم أو يومين فجائز لما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر , قال: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان وقال في آخره: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين) وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعاً ولأن تعجيلها بهذا القدر لا يخل بالمقصود منها , فإن الظاهر أنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد فيستغنى بها عن الطواف والطلب فيه ولأنها زكاة , فجاز تعجيلها قبل وجوبها كزكاة المال والله أعلم] المغني٣/٨٩-٩٠ وخلاصة الأمر أنه يجوز تعجيل صدقة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين وفي ذلك تحقيق لمصلحة للفقير.\rوينبغي التنبيه على أنه يجوز إخراج القيمة في صدقة الفطر أي إخراجها نقداً وهو مذهب الحنفية ونقل هذا القول عن جماعة من أهل العلم منهم الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والثوري ونقل عن جماعة من الصحابة أيضاً وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى وهو الذي يحقق مصلحة الفقير وخاصة في هذا الزمان وهو قول وجيه تؤيده الأدلة الكثيرة ومنها أن أخذ القيمة في الزكاة ثابت عن الرسول ﷺ وعن جماعة من الصحابة فمن ذلك ما ورد عن طاووس قال معاذ باليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. رواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج. وقد عنون الإمام البخاري في صحيحه فقال: باب العرض في الزكاة وذكر أثر معاذ ﷺ السابق واحتجاج البخاري بهذا يدل على قوة الخبر عنده كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٤/٥٤. ونقل الحافظ عن ابن رشيد قال: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل. وفعل معاذ مع إقرار النبي ﷺ على ذلك يدل على جوازه ومشروعيته وصدقة الفطر زكاة بلا خلاف.\rولا يصح القول بأن من أخرج القيمة في صدقة الفطر فإنها غير مجزئة فالمسألة محل خلاف بين العلماء ومسائل الخلاف إن أخذ أحد من الناس بقول أحد العلماء المجتهدين فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى وجواز إخراج القيمة قال به جماعة من أهل العلم المعتبرين كما سبق وأخيراً أقول لبعض طلبة العلم الذين لا يأخذون بالقيمة لا تحجروا واسعاً ورفقاً بالمسلمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345959,"book_id":3840,"shamela_page_id":339,"part":"8","page_num":15,"sequence_num":339,"body":"١٥ - صدقة الفطر\rيقول السائل: على من تجب صدقة الفطر وهل يشترط لها ملك نصاب معين حتى تجب على المسلم؟\rالجواب: صدقة الفطر فريضة عند جمهور أهل العلم لما ثبت في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين) رواه البخاري ومسلم.\rوقد صرح جماعة من السلف بفرضيتها كما رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية وعطاء وابن سيرين بل إن ابن المنذر قد نقل الإجماع على فرضيتها. ولكن في نقله الإجماع نظر. انظر صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٣/٤٦٣.\rوقال الشوكاني: [ (قوله فرض) فيه دليل على أن صدقة الفطر من الفرائض وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، ولكن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرضية] نيل الأوطار ٤/٢٠١.\rوتجب صدقة الفطر على كل مسلم ذكراً كان أو أنثى صغيراً كان أو كبيراً عبداً كان أو حراً ويخرجها الزوج عن زوجته وأولاده ومن يمونهم من أقاربه كأمه التي تعيش معه أو أخته التي تعيش معه.\rوقد ورد في الحديث من قوله ﷺ: (أمر الله بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون) رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما. وقال الألباني: حديث حسن. انظر إرواء الغليل ٣/٣٢٠.\rوتجب صدقة الفطر على من ملك قوته وقوت عياله وقوت من يمونهم ليلة العيد ويومها لأن صدقة الفطر تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان أو طلوع فجر يوم عيد الفطر على خلاف بين أهل العلم ولا يشترط لوجوبها ملك النصاب على الراجح من أقوال العلماء.\rقال الخرقي الحنبلي: [وإذا كان عنده فضل عن قوت يومه وليلته] وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً عبارة الخرقي: [وجملة ذلك أن صدقة الفطر واجبة على من قدر عليها ولا يعتبر في وجوبها نصاب وبهذا قال أبو هريرة وأبو العالية والشعبي وعطاء وابن سيرين والزهري ومالك وابن المبارك والشافعي وأبو ثور وقال أصحاب الرأي: لا تجب إلا على من يملك مائتي درهم أو ما قيمته نصاب فاضل عن مسكنه لقول رسول الله ﷺ: (لا صدقة إلا عن ظهر غنىً) والفقير لا غنى له فلا تجب عليه ولأنه تحل له الصدقة فلا تجب عليه كمن لا يقدر عليها. ولنا: ما روى ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: (أدوا صدقة الفطر صاعاً من قمح أو قال بر عن كل إنسان صغير أو كبير حر أو مملوك غني أو فقير ذكر أو أنثى أما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى) وفي رواية أبي داود: (صاع من بر أو قمح عن كل اثنين) ولأنه حق مال لا يزيد بزيادة المال، فلا يعتبر وجوب النصاب فيه كالكفارة ولا يمتنع أن يؤخذ منه ويعطى لمن وجب عليه العشر والذي قاسوا عليه عاجز فلا يصح القياس عليه وحديثهم محمول على زكاة المال] المغني ٣/٩٤. وحديث عبد الله بن ثعلبة الذي ذكره الشيخ ابن قدامة المقدسي رواه أبو داود وأحمد والبيهقي وذكر الشيخ الألباني أصل الحديث في السلسلة الصحيحة ٣/١٧٠.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [واستدل بقوله في حديث ابن عباس \" طهرة للصائم \" على أنها تجب على الفقير كما تجب على الغني وقد ورد ذلك صريحاً في حديث أبي هريرة عند أحمد وفي حديث ثعلبة بن أبي صعير عند الدارقطني وعن الحنفية لا تجب إلا على من ملك نصاباً ومقتضاه أنها لا تجب على الفقير على قاعدتهم في الفرق بين الغني والفقير واستدل لهم بحديث أبي هريرة المتقدم \" لا صدقة إلا عن ظهر غنى \" واشترط الشافعي ومن تبعه أن يكون ذلك فاضلاً عن قوت يومه ومن تلزمه نفقته. وقال ابن بزيزة: لم يدل دليل على اعتبار النصاب فيها لأنها زكاة بدنية لا مالية] فتح الباري ٣/٤٦٥.\rوقال الإمام النووي: [فرع في مذاهب العلماء في ضبط اليسار الذي تجب به الفطرة ذكرنا أن مذهبنا أنه يشترط أن يملك فاضلاً عن قوته وقوت من يلزمه نفقته ليلة العيد ويومه حكاه العبدري عن أبي هريرة وعطاء والشعبي وابن سيرين وأبي العالية والزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وأبي ثور وقال أبو حنيفة لا تجب إلا على من يملك نصاباً من الذهب أو الفضة أو ما قيمته نصاب فاضلاً عن مسكنه وأثاثه الذي لا بد منه قال العبدري ولا يحفظ هذا عن أحد غير أبي حنيفة] المجموع ٦/١١٣.\rوقد اشترط الحنفية ملك النصاب لوجوب صدقة الفطر وقولهم مرجوح وما احتجوا به من أدلة فغير مسلم عند المحققين من أهل العلم قال الشوكاني: [قد اختلف في القَدْر الذي يعتبر ملكه لمن تلزمه الفطرة فقال الهادي والقاسم وأحد قولي المؤيد بالله أنه يعتبر أن يملك قوت عشرة أيام فاضلاً عما استثني للفقير وغير الفطرة لما أخرجه أبو داود في حديث ابن أبي صعير عن أبيه في رواية بزيادة \" غني أو فقير \" بعد \" حر أو عبد \" ويجاب عن هذا الدليل بأنه وإن أفاد عدم اعتبار الغنى الشرعي فلا يفيد اعتبار ملك قوت عشر. وقال زيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه إنه يعتبر أن يكون المخرج غنياً غنىً شرعياً واستدل لهم في البحر بقوله ﷺ: (إنما الصدقة ما كانت عن ظهر غنى) وبالقياس على زكاة المال. ويجاب بأن الحديث لا يفيد المطلوب لأنه بلفظ (خير الصدقة ما كان على ظهر غنىً) كما أخرجه أبو داود ومعارض أيضاً بما أخرجه أبو داود والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (أفضلُ الصدقة جهد المقل) وما أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامه مرفوعاً (أفضلُ الصدقة سرٌ إلى فقير وجهد من مقل) وفسره في النهاية بقدر ما يحتمل حال قليل المال. وما أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه واللفظ له والحاكم وقال: على شرط مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (سبق درهم مائة ألف درهم فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم فتصدق بها ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به فهذا تصدق بنصف ماله) الحديث. وأما الاستدلال بالقياس فغير صحيح لأنه قياس مع الفارق إذ وجوب الفطرة متعلق بالأبدان والزكاة بالأموال. وقال مالك والشافعي وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحق والمؤيد بالله في أحد قوليه: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكاً لقوت يوم وليلة لما تقدم من أنها طهرة للصائم. ولا فرق بين الغني والفقير في ذلك ويؤيد ذلك ما تقدم من تفسيره ﷺ من لا يحل له السؤال بمن يملك ما يغديه ويعشيه وهذا هو الحق لأن النصوص أطلقت ولم تخص غنياً ولا فقيراً ولا مجال للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكاً له لا سيما العلة التي شرعت لها الفطرة موجودة في الغني والفقير وهي التطهر من اللغو والرفث واعتبار كونه واجداً لقوت يوم وليلة أمر لا بد منه لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك اليوم كما أخرجه البيهقي والدارقطني عن ابن عمر قال (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر وقال: أغنوهم في هذا اليوم) وفي رواية للبيهقي (أغنوهم عن طواف هذا اليوم) وأخرجه أيضاً ابن سعد في الطبقات من حديث عائشة وأبي سعيد فلو لم يعتبر في حق المخرج ذلك لكان ممن أمرنا بإغنائه في ذلك اليوم لا من المأمورين إخراج الفطرة وإغناء غيره وبهذا يندفع ما اعترض به صاحب البحر عن أهل هذه المقالة من أنه يلزمهم إيجاب الفطرة على من لم يملك إلا دون قوت اليوم ولا قائل به] نيل الأوطار ٤/٢٠٨-٢٠٩.\rوقال الشيخ القرضاوي: [والذي أراه أن للشارع هدفاً أخلاقياً تربوياً - وراء الهدف المالي - من فرض هذه الزكاة على كل مسلم غني أو فقير ذلك هو تدريب المسلم على الإنفاق في الضراء كما ينفق في السراء والبذل في العسر كما يبذل في اليسر ومن صفات المتقين التي ذكرها القرآن أنهم (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) . وبهذا يتعلم المسلم وإن كان فقير المال رقيق الحال أن تكون يده هي العليا وأن يذوق لذة الإعطاء والإفضال على غيره ولو كان ذلك يوماً في كل عام. ولهذا أرجح مذهب الجمهور الذين لم يشترطوا لوجوب هذه الزكاة ملك النصاب] فقه الزكاة ٢/٩٣٠.\rوخلاصة الأمر أنه لا يشترط ملك النصاب لوجوب صدقة افطر بل تجب على من ملك قوته وقوت عياله يومه وليلته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345960,"book_id":3840,"shamela_page_id":340,"part":"8","page_num":16,"sequence_num":340,"body":"١٦ - زكاة أموال التجارة\rيقول السائل: إنه قد اشترك مع عدد من الأشخاص في محل تجاري ودفع كل واحد منهم مبلغا من المال فكيف يزكون أموالهم؟\rالجواب: الأصل أن الزكاة تجب على المكلف في ماله فإذا ملك نصاباً وحال عليه الحول وتحققت شروط وجوب الزكاة في ماله زكاه وبالنسبة للمال المشترك فكل واحد من الشركاء يحسب نصيبه من الشركة وما تحقق له من ربح في المحل التجاري ويضمه إلى ما لديه من أموال أخرى فإن تحققت فيه شروط وجوب الزكاة وجب عليه إخراجها. وقد أخذ بهذا القول مجمع البحوث الإسلامية – بالقاهرة فقرر أنه في الشركات التي يساهم فيها عدد من الأفراد لا ينظر في تطبيق أحكام الزكاة إلى مجموع أرباح الشركات وإنما ينظر إلى ما يخص كل شريك على حدة. ومن العلماء من يرى أن تعامل الشركة معاملة الشخص الواحد أي شخصية اعتبارية فتخرج الزكاة على هذا الأساس فقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي ما يلي:\rأولا: تجب زكاة الأسهم على أصحابها وتخرجها الشركة نيابة عنهم إذا نص في نظامها الأساسي على ذلك أو صدر به قرار من الجمعية العمومية أو كان قانون الدولة يلزم الشركات بإخراج الزكاة أو حصل تفويض من صاحب الأسهم لإخراج إدارة الشركة زكاة أسهمه. ثانيا: تخرج إدارة الشركة زكاة الأسهم كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله بمعنى أن تعتبر جميع أموال المساهمين بمثابة أموال شخص واحد وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار من حيث نوع المال الذي تجب فيه الزكاة ومن حيث النصاب ومن حيث المقدار الذي يؤخذ وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الطبيعي وذلك أخذاً بمبدأ الخلطة عند من عممه من الفقهاء في جميع الأموال ويطرح نصيب الأسهم التي لا تجب فيها الزكاة ومنها أسهم الخزانة العامة وأسهم الوقف الخيري وأسهم الجهات الخيرية وكذلك أسهم غير المسلمين. ثالثا: إذا لم تزك الشركة أموالها لأي سبب من الأسباب فالواجب على المساهمين زكاة أسهمهم فإذا استطاع المساهم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الزكاة لو زكت الشركة أموالها على النحو المشار إليه زكى أسهمه على هذا الاعتبار لأنه الأصل في كيفية زكاة الأسهم وإن لم يستطع المساهم معرفة ذلك: فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي وليس بقصد التجارة فإنه يزكيها زكاة المستغلات وتمشياً مع ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية بالنسبة لزكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية فإن صاحب هذه الأسهم لا زكاة عليه في أصل السهم وإنما تجب الزكاة في الريع وهو ربع العشر بعد دوران الحول من يوم قبض الريع مع اعتبار توافر شروط الزكاة وانتفاء الموانع وإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد التجارة زكاها زكاة عروض التجارة فإذا جاء حول زكاته وهي في ملكه زكى قيمتها السوقية وإذا لم يكن لها سوق زكى قيمتها بتقويم أهل الخبرة فيخرج ربع العشر ٢,٥ % من تلك القيمة ومن الربح إذا كان للأسهم ربح. رابعا: إذا باع المساهم أسهمه في أثناء الحول ضم ثمنها إلى ماله وزكاه معه عندما يجيء حول زكاته أما المشتري فيزكي الأسهم التي اشتراها على النحو السابق\rوجاء في فتاوى بيت التمويل الكويتي ما يلي: يجوز أن يتضمن عقد إنشاء الشركة بنداً ينص على أن الشركة تخرج الزكاة عما لديها من الأموال وحينئذ يحق لإدارة الشركة إخراج الزكاة نيابة عن المساهمين أما إذا لم ينص عقد إنشاء الشركة على ذلك فيجوز للشركاء أن يوكلوا إدارة الشركة في إخراج الزكاة فإن لم يوكلوها لم يكن لها أن تخرج الزكاة وهذا في ظل الأمر القائم الآن من أن الدولة جعلت تحصيل بيت الزكاة للزكوات باختيار المزكين أما لو أخذت الدولة بنظام التحصيل الإلزامي فيجوز حينئذ أخذ الزكاة للشركة ككل ويعتبر مالها مالاً واحداً قياساً على نظام الخلطة في زكاة الماشية وأما في ظل الوضع الحاضر فإن كل مزك يخرج عن نفسه أو يوكل من يخرج عنه الزكاة ويضم إلى حصته من الموجودات الزكوية من الشركة ما سوى ذلك من أمواله الزكوية ويسقط ما عليها من الديون ويزكى الباقي إن كان أكثر من نصاب والله أعلم) . ولا بد من رضا المساهمين شخصياً عند تطبيق هذا الرأي ومستند هذا الاتجاه الأخذ بمبدأ (الخلطة) الوارد في السنة النبوية بشأن زكاة الأنعام والذي أخذ به الشافعية أيضا في الأموال النقدية وأموال التجارة وغيرها قال الإمام النووي: (الخلطة تؤثر في المواشي بلا خلاف – أي في المذهب الشافعي – وهل تؤثر في الثمار والزروع والنقدين وأموال التجارة؟ ...) ثم ذكر أن المذهب الجديد عندهم أن الخلطة تؤثر فيها. الروضة ٢/٣٠.\rوخلاصة الأمر أن الأصل أن يزكي كل شريك أمواله منفرداً وإن زكت الشركة أموالها باعتبار أنها شخصية اعتبارية فحسن ولا بأس بذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345961,"book_id":3840,"shamela_page_id":341,"part":"8","page_num":17,"sequence_num":341,"body":"١٧ - زكاة المواشي\rيقول السائل: إن لديه قطيع أغنام ولكنه يعلفها أكثر أيا م السنة ويشتري لها العلف ويبيع من أولادها وألبانها وأصوافها فكيف يزكيها أفيدونا؟\rالجواب: تجب الزكاة في الغنم بشروط وهي أن تبلغ النصاب وأن يحول عليها الحول وهذا باتفاق أهل العلم وبشرط أن تكون سائمة وهذا عند جمهور العلماء وهو الذي تؤيده الأدلة ومعنى السوم أن ترعى الماشية أكثر العام فإن كان صاحبها يعلفها أكثر العام فلا زكاة فيها إلا إذا اتخذها للتجارة فعندئذ تزكى زكاة عروض التجارة.\rلما ورد في حديث أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين فيها شاة\" رواه البخاري. ولما ورد عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"في كل سائمة إبل في أربعين ابنة لبون\" رواه أحمد وأبو داود والنسائي. فوصف النبي ﷺ لها بالسائمة يدل مفهومه على أن المعلوفة لا زكاة فيها، لأن الشارع ينزه كلامه عن اللغو. والحديثان السابقان وما جاء في معناهما يقيد ما ورد من أحاديث مطلقة عن وصف السوم فتحمل على الأحاديث المقيدة بهذا الوصف. وأما ما تبيعه من أولادها وألبانها وأصوافها فتضيف أثمانها إلى ما لديك من أموال فإذا بلغ نصاباً وحال عليه الحول فتزكيه عندئذ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345962,"book_id":3840,"shamela_page_id":342,"part":"8","page_num":18,"sequence_num":342,"body":"١٨ - حكم القرض الحسن من أموال الزكاة\rيقول السائل: ترغب إحدى الجمعيات الخيرية في إنشاء صندوق من أموال الزكاة لمساعدة الطلبة الجامعيين الفقراء بإعطائهم قروضاً حسنة بحيث يعطى الطالب مبلغاً من مال الزكاة كقرض حسن ويسدده بدون أية زيادة بعد أن يتخرج من الجامعة ويعمل، فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: إن الله ﷾ بين لنا مصارف الزكاة فقال ﷻ: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآية ٦٠.\rفهذه الآية الكريمة حصرت مصارف الزكاة في المصارف الثمانية ويدل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) ولفظة (إنما) تقتضي حصر الزكاة في المصارف الثمانية ثم إن الله ﷾ أضاف الصدقات للفقراء باللام التي تدل على التمليك ثم عطف بقية الأصناف على الفقراء، قال أبو إسحق الشيرازي بعد أن ذكر آية مصارف الزكاة: [فأضاف جميع الصدقات إليهم بلام التمليك وأشرك بينهم بواو التشريك فدل على أنه مملوك لهم مشترك بينهم] المهذب مع شرحه المجموع ٦/١٨٥.\rوقد اختلف أهل العلم في اشتراط تمليك الزكاة للأصناف الثمانية، فمن العلماء من قال إن التمليك شرط في الأصناف الثمانية. وجمهور العلماء على أن التمليك شرط في الأصناف الأربعة الأولى وهم الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وأربعة أصناف يأخذون أخذاً مستقراً ولا يراعى حالهم بعد الدفع وهم الفقراء والمساكين والعاملون والمؤلفة. فمتى أخذوها ملكوها ملكاً دائماً مستقراً لا يجب عليهم ردها بحال وأربعة منهم وهم: الغارمون وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل. فإنهم يأخذون أخذاً مراعىً. فإن صرفوه في الجهة التي استحقوا الأخذ لأجلها وإلا استرجع منهم. والفرق بين هذه الأصناف والتي قبلها: أن هؤلاء أخذوا لمعنى لم يحصل بأخذهم للزكاة والأولون حصل المقصود بأخذهم وهو غنى الفقراء والمساكين وتأليف المؤلفين وأداء أجر العاملين] المغني ٢/٥٠٠.\rوقال الخطيب الشربيني: [وأضاف في الآية الكريمة الصدقات إلى الأصناف الأربعة الأولى بلام الملك والأربعة لأخير – كذا والصواب الأخيرة – بفي الظرفية للإشعار بإطلاق الملك في الأربعة الأولى وتقييده في الأربعة الأخيرة حتى إذا لم يحصل الصرف في مصارفها استرجع بخلافه في الأولى ...] مغني المحتاج ٤/١٧٣.\rوقال الألوسي: [والعدول عن اللام إلى (في) في الأربعة الأخيرة على ما قاله الزمخشري للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق الصدقة ممن سبق ذكره لما أن (في) للظرفية المنبئة عن إحاطتهم بها وكونهم محلها ومركزها وعليه فاللام لمجرد الاختصاص، وفي الانتصاف أن ثم سراً آخر هو أظهر وأقرب وذلك أن الأصناف الأوائل ملاك لما عساه أن يدفع إليهم وإنما يأخذونه تملكاً فكان دخول اللام لائقاً بهم وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون لما يصرف نحوهم بل ولا يصرف إليهم ولكن يصرف في مصالح تتعلق بهم فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون أو البائعون فليس نصيبهم مصروفاً إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بملكهم لما يصرف نحوهم وإنما هم محال لهذا الصرف ولمصالحه المتعلقة به، وكذلك الغارمون إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصاً لذممهم لا لهم، وأما في سبيل الله فواضح فيه ذلك، وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجاً في سبيل الله وإنما أفرد بالذكر تنبيهاً على خصوصيته مع أنه مجرد من الحرفين جميعاً] روح المعاني ٥/٣١٤.\rوجاء في توصيات الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة المنعقدة في الكويت سنة ١٤١٣هـ ما يلي: [التمليك في الأصناف الأربعة الأولى المذكورة في آية مصارف الزكاة (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ ...) شرط في إجزاء الزكاة والتمليك يعني دفع مبلغ من النقود أو شراء وسيلة النتاج كآلات الحرفة وأدوات الصنعة وتمليكها للمستحق القادر على العمل] أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة ٢/٨٨٦.\rإذا تقرر هذا فإني أرى أنه لا يجوز تحويل أموال الزكاة إلى قروض حسنة تسترجع من الطلبة مستقبلاً لأن هذا يعني أن الزكاة لم توضع في مصارفها الشرعية فهذه الأموال المقرضة ستستمر في الدوران بين الطلبة وبين الصندوق كلما أخذها طالب ردها إلى الصندوق ليأخذها آخر وهكذا وبالتالي لا تكون الزكاة قد وقعت في أيدي مستحقيها ومن المعلوم أن المكلف بإخراج الزكاة أما أن يدفع مال الزكاة للمستحقين وأما أن يدفعه للإمام الذي يتولى إيصاله لمستحقيه أو من يقوم مقامه ولا تبرأ الذمة إلا بأحد الأمرين. انظر مجلة المجمع الفقهي عدد ٣ ج١ ص٤١٦. فإذا بقيت الزكاة تدور بين الصندوق وبين الطلبة فإنها لن تصل إلى مستحقيها ويبقى المال في هذا الصندوق الذي لا مالك له حقيقة.\rوأخيراً لا بد أن أذكر أن بعض العلماء المعاصرين ذهبوا إلى جواز إقراض مال الزكاة، قال الدكتور يوسف القرضاوي: [بقي هنا بحث نتم به الحديث عن هذا المصرف وهو إعطاء القروض الحسنة من الزكاة هل يجوز ذلك قياساً للمستقرضين على الغارمين؟ أم نقف عند حرفية النص ولا نجيز ذلك بناء على أن الغارمين هم الذين استدانوا بالفعل، أعتقد أن القياس الصحيح والمقاصد العامة للإسلام في باب الزكاة تجيز لنا القول بإقراض المحتاجين من سهم الغارمين على أن ينظم ذلك وينشأ له صندوق خاص. وبذلك تساهم الزكاة مساهمة عملية في محاربة الربا والقضاء على الفوائد الربوية. وهذا ما ذهب إليه الأساتذة: أبو زهرة وخلاف وحسن في بحثهم عن الزكاة معللين ذلك بأنه إذا كانت الديون العادلة تؤدي من مال الزكاة فأولى أن تعطى منه القروض الحسنة الخالية من الربا لترد إلى بيت المال فجعلوه من قياس الأولى] فقه الزكاة ٢/٦٣٤.\rوأقول إن القياس المذكور غير مسلم لأن الغارمين هم الذين استدانوا فعلاً وأصبحوا مطالبين بالدين ولا يستطيعون السداد فهؤلاء يعطون من سهم الغارمين وأما الإقراض للطلبة فإن هؤلاء الطلبة ليسوا غارمين حقيقة حتى نلحقهم بالغارمين.\rوالصحيح في هذه المسألة أن هؤلاء الطلبة فقراء فيعطون من سهم الفقراء والمساكين ويمَلَّكون هذا المال ولا يصح استرداده منهم.\rويمكن إيجاد حل آخر لمسألة القروض بأن ينشأ صندوق لإقراض الطلبة من أموال الصدقات الأخرى غير الزكاة على أن يخبر المتبرعون لهذا الصندوق بأن ما سيتبرعون به سيوضع في صندوق للقروض الحسنة ويجعل له نظام واضح ويبين فيه مآل هذه الأموال مستقبلاً إن انتهى عمل الصندوق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345963,"book_id":3840,"shamela_page_id":343,"part":"8","page_num":19,"sequence_num":343,"body":"١٩ - الجهل بوجوب الزكاة\rيقول السائل: إنها ملكت مبلغاً كبيراً من المال منذ عدة سنوات ولكنها لم تزكِ مالها في السنوات الماضية لأنها لا تعلم بوجوب الزكاة على النساء فماذا تصنع؟\rالجواب: الزكاة فريضة على الرجال والنساء سواء، متى تحققت أسبابها وشروطها من ملك النصاب وحولان الحول والفضل عن الحوائج الأصلية. ولا فرق بين الرجل والمرأة في وجوب الزكاة كما دلت على ذلك النصوص الموجبة للزكاة كما في قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ) سورة البقرة الآية ٤٣ وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) سورة التوبة الآيات ٣٤-٣٥. وقول النبي ﷺ لمعاذ ﵁ عندما بعثه إلى اليمن: (أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) رواه البخاري. ومما ورد في خصوص الزكاة على النساء ما جاء في الحديث عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال رسول الله ﷺ: (تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد - أي فقير - وإن الرسول ﷺ قد أمرنا بالصدقة فإته فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني، وإلا صرفتها لغيركم، قالت: فقال عبد الله: بل ائتيه أنت، قالت: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها، قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة، قالت: فخرج علينا بلال فقلنا له: إئت رسول الله فأخبره أن امرأتين بالباب يسألانك: أتجزي الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبر من نحن قالت: فدخل بلال فسأله فقال له: من هما؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب فقال الرسول: أي الزيانب؟ فقال امرأة عبد الله فقال ﷺ لهما أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة) متفق عليه. وأما قول السائلة إنها لا تعلم بوجوب الزكاة على النساء فهذا جهل لا يعذر صاحبه شرعاً فإن وجوب الزكاة من المعلوم في دين الإسلام بالضرورة في ديار المسلمين ويجب على من جهل أن يسأل أهل العلم يقول الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) سورة النحل الآية ٤٣. والعلم بالزكاة وأحكامها العامة فرض في حق من وجبت عليه وقد ورد في الحديث: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) رواه ابن ماجة وغيره وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وانظر صحيح الترغيب والترهيب ١/١٤٠. والمقصود بالعلم الذي هو فريضة ما هو فرض عين والمقصود بفرض العين ما يجب على كل مسلم مكلف أن يحصله ولا يعذر بجهله وحد هذا القسم هو ما تتوقف عليه صحة العبادة أو المعاملة فيجب على المسلم أن يتعلم كيفية الوضوء والصلاة والأحكام الأساسية في الصوم والزكاة إن كان عنده نصاب والأحكام الأساسية في الحج إن كان من أهل الاستطاعة وكذلك يجب عليه أن يتعلم أحكام المعاملات التي يحتاج إليها. قال ابن عابدين في حاشيته نقلاً عن العلامي في فصوله: [من فرائض الإسلام تعلم ما يحتاج إليه العبد في إقامة دينه وإخلاص عمله لله تعالى ومعاشرة عباده وفرض على كل مكلف ومكلفة بعد تعلمه علم الدين والهداية تعلم علم الوضوء والغسل والصلاة والصوم وعلم الزكاة لمن له نصاب والحج لمن وجب عليه والبيوع على التجار ليحترزوا عن الشبهات والمكروهات في سائر المعاملات وكذا أهل الحرف وكل من اشتغل بشيء يفترض عليه علمه وحكمه ليمتنع عن الحرام فيه] حاشية ابن عابدين ١/٤٢. وقال الإمام النووي: [... فرض العين وهو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به ككيفية الوضوء والصلاة ونحوها] المجموع ١/٤٢ وقال الإمام القرافي: [إن الغزالي حكى الإجماع في إحياء علوم الدين والشافعي في رسالته حكاه أيضاً في أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله تعالى في الإجارة ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في القراض ومن صلى وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في تلك الصلاة وكذلك الطهارة وجميع الأقوال والأعمال فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم فقد أطاع الله طاعتين ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين ومن علم ولم يعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله تعالى طاعة وعصاه معصية] الفروق ٢/١٤٨. وقال القرافي أيضاً في الاستدلال لكلامه السابق: [ومنه قوله ﷺ: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) قال الشافعي ﵀ طلب العلم قسمان فرض عين وفرض كفاية ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها وفرض الكفاية ما عدا ذلك فإذا كان العلم بما يقدم الإنسان عليه واجباً كان الجاهل في الصلاة عاصياً بترك العلم فهو كالمتعمد الترك بعد العلم بما وجب عليه فهذا هو وجه قول مالك ﵀ إن الجهل في الصلاة كالعمد والجاهل كالمتعمد لا كالناسي وأما الناسي فمعفو عنه لقوله ﷺ: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وأجمعت الأمة على أن النسيان لا إثم فيه من حيث الجملة] الفروق ٢/١٤٩. إذا تقرر هذا فأقول للسائلة بأن الزكاة واجبة عليها عن كل السنوات التي لم تزكِ فيها ما دام أنها قد ملكت نصاباً وتحققت شروط وجوب الزكاة فعليها أن تؤدي زكاة مالها عن السنوات الماضية كلها ولا تبرأ ذمتها إلا بذاك. قال الإمام النووي: [إذا مضت عليه سنون ولم يؤد زكاتها لزمه إخراج الزكاة عن جميعها سواء علم وجوب الزكاة أم لا وسواء كان في دار الإسلام أم دار الحرب] المجموع ٥/٣٣. فعلى هذه المرأة أن تحسب أموالها في كل سنة مضت وتزكي عن كل سنة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وفائدة الخلاف أنها إذا كانت في الذمة - أي الزكاة - فحال على ماله حولان لم يؤد زكاتهما وجب عليه أداؤها لما مضى ولا تنقص عنه الزكاة في الحول الثاني. وكذلك إن كان أكثر من نصاب لم تنقص الزكاة وإن مضى عليه أحوال فلو كان عنده أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها وجب عليه ثلاث شياه وإن كانت مائة دينار فعليه سبعة دنانير ونصف لأن الزكاة وجبت في ذمته فلم يؤثر في تنقيص النصاب] المغني ٢/٥٠٦-٥٠٧. وبهذا يظهر لنا أن الزكاة وهي حق من الحقوق المالية لا تسقط بالتقادم أي بمضي المدة بل تبقى ديناً في الذمة ولا تبرأ ذمة المؤخر لها إلا بإخراجها سواء أخّرها عمداً أو جهلاً فالتوبة لا أثر لها في إسقاط الحقوق المالية سواء كانت حقاً لله تعالى أو حقاً للعباد. وخلاصة الأمر أن على هذه المرأة أن تؤدي زكاة مالها عن جميع السنوات الماضية ولا تبرأ ذمتها إلا بذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345964,"book_id":3840,"shamela_page_id":344,"part":"8","page_num":20,"sequence_num":344,"body":"٢٠ - زكاة العسل\rيقول السائل: أرجو توضيح مسألة الزكاة في العسل وإن كان فيه زكاة فما نصاب الزكاة فيه؟\rالجواب: العسل من الطيبات التي امتن الله بها على عباده قال تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) سورة النحل الآيتان ٦٨-٦٩. وقد اختلف العلماء قديماً في زكاة العسل وأرجح قولي العلماء في ذلك قول من أوجب الزكاة في العسل وهو قول الحنفية والحنابلة قال الإمام الترمذي بعد أن ذكر حديث ابن عمر ? أن النبي ? قال: (في العسل كل عشرة أزق زق) قال الترمذي: [... والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم وبه يقول أحمد واسحق وقال بعض أهل العلم ليس في العسل شيء] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٣/٢١٧-٢١٨. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومذهب أحمد أن في العسل العُشر. قال الأثرم سئل أبو عبد الله: أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة؟ قال: نعم أذهب إلى أن في العسل زكاةً العُشر قد أخذ عمر منهم الزكاة. قلت: ذلك على أنهم تطوعوا به؟ قال: لا بل أخذه منهم ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري وسليمان بن موسى والأوزاعي واسحق] المغني ٣/٢٠. ومما يدل على ترجيح القول بوجوب الزكاة في العسل الأدلة العامة الواردة في وجوب الزكاة في الأموال ومنها قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة التوبة الآية ١٠٣. وقوله تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) سورة الذاريات الآية ١٩. وقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) سورة البقرة الآية٢٦٧. وغير ذلك من الأدلة العامة التي توجب الزكاة في الأموال ولا شك أن العسل مال ومن المعروف اليوم أن هنالك مزارع خاصة لإنتاج العسل وتدر دخلاً كبيراً على أصحابها. وقد وردت أدلة خاصة في زكاة العسل ولكنها محل خلاف عند أهل العلم فمن ذلك: مارواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء هلال أحد بني تعان إلى رسول الله ? بعشور نحل له وكان سأله أن يحمي وادياً يقال له سلبة فحمى له رسول الله ? ذلك الوادي فلما ولي عمر بن الخطاب ? كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك فكتب عمر: إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله ? من عشور نحله فاحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله متى يشاء) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٤/٣٤١-٣٤٢. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٣٠٢. وفي رواية أخرى عند أبي داود قال: [من كل عشر قرب قربة وقال سفيان بن عبد الله الثقفي قال: وكان يحمي لهم واديين زاد: فأدوا إليه ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله ? وحمى لهم وادييهم] سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٤/٣٤٢. وحسنه الألباني أيضاً في صحيح سنن أبي داود ١/٣٠٢. وروى الترمذي بإسناده عن ابن عمر أن النبي ? قال: (في العسل في كل عشرة أزق زق) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/١٩٦. وروى ابن ماجة بإسناده عن عبد الله بن عمرو عن النبي ? انه أخذ من العسل العُشر. وقال الشيخ الألباني حسن صحيح. صحيح سنن ابن ماجة ١/٣٠٦. وانظر إرواء الغليل ٣/٣٨٤-٣٨٧. ووردت آثار عن الصحابة والتابعين في وجوب الزكاة في العسل منها: ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن عمرو بن شعيب أن أمير الطائف كتب إلى عمر بن الخطاب أن أهل العسل منعونا ما كانوا يعطون من كان قبلنا قال: فكتب إليه إن أعطوك ما كانوا يعطون رسول الله ? فاحمِ لهم وإلا فلا تحمها لهم قال: وزعم عمرو بن شعيب أنهم كانوا يعطون من كل عشر قرب قربة. وما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن عطاء الخراساني عن عمر قال: في العسل عُشر. وما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن الحارث بن عبد الرحمن عن منير بن عبد الله عن أبيه عن سعد بن أبي ذباب أنه قدم على قومه فقال لهم: في العسل زكاة فإنه لا خير في مال لا يزكى قال قالوا: فكم ترى قلت العُشر فأخذ منهم العُشر فقدم به على عمر وأخبره بما فيه قال: فأخذه عمر وجعله في صدقات المسلمين. وما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن الزهري قال في العسل العشر] مصنف ابن أبي شيبة ٣/١٤١-١٤٢. وروى عبد الرزاق بسنده عن عطاء الخراساني أن عمر أتاه ناس من أهل اليمن فسألوه وادياً فأعطاهم إياه فقالوا: يا أمير المؤمنين إن فيه نحلاً كثيراً قال: فإن عليكم في كل عشرة أفراق فرقاً. وروى أيضاً بسنده عن أبي هريرة قال: كتب رسول الله ? إلى أهل اليمن أن يؤخذ من أهل العسل العشور] مصنف عبد الرزاق ٤/٦٣. وقال الحافظ ابن عبد البر: [ذكر إسماعيل بن اسحق ... عن الزهري: أن صدقة العسل العُشر وأن صدقة الزيت مثل ذلك. وممن قال بإيجاب الزكاة في العسل: الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه وهو قول ربيعة وابن شهاب ويحيى بن سعيد. إلا أن الكوفيين لا يرون فيه الزكاة إلا أن يكون في أرض العُشر دون أرض الخراج. وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن في العسل العُشر. قال وهب وأخبرني عمر بن الحارث عن يحيى بن سعيد وربيعة بمثل ذلك. قال يحيى: إنه سمع من أدرك يقول: مضت السنة بأن في العسل العُشر. وهو قول ابن وهب] الاستذكار ٩/٢٨٤-٢٨٦. وغير ذلك من الأحاديث والآثار انظر نصب الراية ٢/٣٩٠-٣٩٣. الأموال لأبي عبيد ص٥٩٧-٥٩٩. وقد قال الموجبون للزكاة في العسل إن هذه الأحاديث والآثار وإن لم تسلم من النقد فبعضها يقوي بعضاً كما أن الأدلة العامة في وجوب الزكاة تؤيدها. قال الشيخ ابن القيم: [وذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعة إلى أن في العسل زكاة ورأوا أن هذه الآثار يقوي بعضها بعضاً وقد تعددت مخارجها واختلفت طرقها ومرسلها يعضد بمسندها وقد سئل أبو حاتم الرازي عن عبد الله والد منير عن سعد بن أبي ذباب يصح حديثه؟ قال: نعم. قال: هؤلاء ولأنه يتولد من نور الشجر والزهر ويكال ويدخر فوجبت فيه الزكاة كالحبوب والثمار] زاد المعاد ٢/١٥. وقال الشوكاني بعد أن ساق بعض الأحاديث الموجبة لزكاة العسل: [وأحاديث الباب يقوي بعضها بعضاً ويشهد بعضها لبعض فينتهض الاحتجاج بها] السيل الجرار ٢/٤٨. وقال العلامة صديق حسن خان بعد أن ساق بعض الأدلة السابقة في وجوب زكاة العسل [والجميع لا يقصر عن الصلاحية للاحتجاج به] الروضة الندية ١/ ٥١٩. وأما كيفية إخراج زكاة العسل ونصاب ذلك فقد اختلف الموجبون للزكاة في العسل في النصاب اختلافاً كبيراً قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ونصاب العسل عشرة أفراق وهذا قول الزهري وقال أبو يوسف ومحمد خمسة أوساق لقول النبي ?: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) وقال أبو حنيفة: تجب في قليله وكثيره بناء على أصله في الحبوب والثمار] المغني ٣/٢٠. وبعد النظر في أقوال العلماء في تحديد النصاب وأدلتهم أختار ما اختاره العلامة الشيخ يوسف القرضاوي ورجحه حيث قال: [والراجح عندي أن يقدر النصاب بقيمة خمسة أوسق (أي ٦٥٣ كغم أو ٥٠كيلة مصرية) من أوسط ما يوسق كالقمح باعتباره قوتاً من أوسط الأقوات العالمية وقد جعل الشارع الخمسة الأوسق نصاب الزروع والثمار والعسل مقيس عليهما ولهذا يؤخذ منه العُشر فلنجعل الأوسق هي الأصل في نصابه. واعتبار قيمة الأدنى كالشعير كما قال أبو يوسف – وإن كان فيه رعاية للفقراء – فيه إجحاف بأرباب الأموال واعتبار الأعلى كالزبيب فيه إجحاف بالفقراء واعتبار الوسط هو الأعدل للجانبين] فقه الزكاة ١/٤٢٨-٤٢٩. وخلاصة الأمر أن الزكاة واجبة في العسل وأن النصاب يقدر حسب قيمة خمسة أوسق من القمح وهي تعادل ٦٥٣ كيلوغرام فإذا بلغ الإنتاج من العسل ما يعادل قيمة ٦٥٣ كيلوغرام من القمح فيخرج المزكي عشرها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345965,"book_id":3840,"shamela_page_id":345,"part":"8","page_num":21,"sequence_num":345,"body":"٢١ - مصارف الزكاة\rيقول السائل: هل يجوز دفع الزكاة للأقارب؟\rالجواب: من المعلوم أن الله ﷾ قد بين مصارف الزكاة في كتابه الكريم يقول تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة /٦٠. وصرف الزكاة لأِقارب المزكي فيه تفصيل عند أهل العلم أبينه فيما يلي: أولاً: لا يجوز صرف الزكاة للوالدين بإتفاق أهل العلم، نقل الشيخ ابن قدامة المقدسي عن ابن المنذر قوله: \" أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين في الحال التي يجبر الدافع إليهم على النفقة، ولأن دفع زكاته إليهم تغنيهم عن نفقته وتسقطها عنه ويعود نفعها إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه فلم تجز كما لو قضى بها دينه \" المغني ٢/٢٨٢. ثانياً: لا يجوز صرف الزكاة للأولاد ذكوراً وإناثاً، لأن أولاد الرجل جزء منه وهو ملزم بالإنفاق عليهم، ومن يدفع الزكاة لأولاده يكون كمن دفع المال إلى نفسه، انظر فقه الزكاة ٢/٧٨١. ثالثاً: لا يجوز للزوج أن يصرف الزكاة إلى زوجته، لأن نفقة الزوجة واجبة على زوجها بإتفاق أهل العلم، قال ابن رشد القرطبي المالكي: \" واتفقوا على أن من حقوق الزوجة على زوجها النفقة والكسوة، لقوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) سورة البقرة /٢٣٣، ولما ثبت من قوله ﷺ: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ، ولقوله ﵊ لهند زوجة أبي سفيان: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) بداية المجتهد ٢/٤٥. فإذا أعطى الزوج زكاة ماله لزوجته فقد دفع المال إلى نفسه. رابعاً: يجوز للزوجة الغنية أن تدفع زكاة مالها الخاص بها لزوجها الفقير لأنه لا يجب على المرأة الإنفاق على زوجها الفقير. ويدل على الجواز ما ورد في الحديث عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال رسول الله ﷺ: (تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد - أي فقير - وإن الرسولصلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة فاته فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني، وإلا صرفتها لغيركم، قالت: فقال عبد الله: بل ائتيه أنت، قالت: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار باب رسول اللهصلى الله عليه وسلم حاجتي حاجتها، قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة، قالت: فخرج علينا بلال فقلنا له: إئت رسول الله فأخبره أن امرأتين بالباب يسألانك: أتجزي الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبر من نحن قالت: فدخل بلال فسأله فقال له: من هما؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب فقال الرسول: أي الزيانب؟ فقال امرأة عبد الله فقال ﷺ لهما أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة) متفق عليه. وذهب إلى العمل بمقتضى هذا الحديث جمهور أهل العلم فقالوا: يجوز للزوجة أن تعطي زكاة مالها لزوجها. قال الشيخ الشوكاني: \" والظاهر أنه يجوز للزوجة صرف زكاتها إلى زوجها، أما أولاً: فلعدم المانع من ذلك ومن قال إنه لا يجوز فعليه الدليل، وأما ثانياً: فلأن ترك استفصاله ﷺ لها ينزل منزلة العموم، فلما لم يستفصلها عن الصدقة هل هي تطوع أو واجب، فكأنه قال: يجزي عنك فرضاً كان أو تطوعاً \" نيل الأوطار ٤/١٩٩. وقال القرطبي: \" واختلفوا في إعطاء المرأة زكاتها لزوجها.... وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وخالفه صاحباه فقالا: يجوز، وهو الأصح لما ثبت أن زينب امرأة عبد الله أتت رسول الله ﷺ ثم ذكر الحديث السابق - ثم قال: والصدقة المطلقة هي الزكاة ولأنه لا نفقة للزوج عليها.... \" القرطبي ٨/١٩٠. وقال الشيخ ابن قدامة: \" وليس في المنع نص ولا إجماع \" المغني ٢/٤٨٥. خامساً: لا يجوز إعطاء الزكاة لبقية الأقارب الذين تجب نفقتهم على المزكي، وهناك خلاف بين أهل العلم في النفقة على الأقارب غير الأصول والفروع والزوجة، مثل الأخ أو الأخت والعم والعمة والخال والخالة وغيرهم. والقول الراجح في ذلك هو: إن النفقة تجب على ذي الرحم الوارث، سواء ورث بفرض أو تعصيب أو برحم وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وبناء على ذلك لا يجوز أن يعطي الرجل زكاة ماله لمن وجبت عليه نفقته، فمثلاً أخرج المزكي زكاة ماله وله عمة وليس لها من ينفق عليها إلا المزكي المذكور، فلا يجوز أن يعطيها من زكاة ماله. وهذا الأساس الذي بني عليه الحكم في المنع من إعطاء الزكاة للأقارب إذا كانت النفقة واجبة على المزكي، قال به جماعة من أهل العلم من السلف والخلف فمن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن أبي حفصة قال: \" سألت سعيد بن جبير عن الخالة تعطى من الزكاة فقال: ما لم يغلق عليكم باباً \" المصنف ٣/١٩٢، - أي ما لم يضمها إلى عياله -. وما رواه أيضاً بإسناده عن عبد الملك قال: قلت لعطاء: \" أيجزي الرجل أن يضع زكاته في أقاربه، قال: نعم إذا لم يكونوا في عياله \" المصنف ٣/١٩٢. وما رواه أيضاً عن سفيان الثوري أنه قال: \" لا يعطيها من تجب عليه نفقته\" المصنف ٣/١٩٢ وروى أبو عبيد القاسم بن سلام بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: \" إذا لم تعط منها أحداً تعوله فلا بأس \". وقال أبو عبيد: قال لي عبد الرحمن: \" إنما كرهوا ذلك لأن الرجل إذا ألزم نفسه نفقتهم وضمهم إليه ثم جعل ذلك بعده إلى الزكاة كان كأنه قد وقى ماله بزكاته\" الأموال ص٦٩٥ ورواه الأثرم في سننه بلفظ آخر عن ابن عباس ﵄ قال: \" إذا كان ذووا قرابة فأعطهم من زكاة مالك وإن كنت تعولهم فلا تعطهم ولا تجعلها لمن تعول \" نيل الأوطار ٤/٢٠٠. سادساً: إن لم تكن نفقة القريب واجبة على المزكي، فيجوز إعطاؤه من الزكاة، فيجوز إعطاء عمك وخالك وعمتك وخالتك وأختك المتزوجة وأخيك وابن أخيك وابن أختك وزوج أختك ونحوهم إن كانوا فقراء، ولم تكن ملزماً بالإنفاق عليهم، بل هؤلاء الأقارب في هذه الحالة أولى بالزكاة من غيرهم، وللمزكي إن أعطى الزكاة لأقاربه أجران أجر الصدقة وأجر الصلة، لما ثبت في الحديث عن سلمان بن عامر أن النبي ﷺ قال: (الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة) رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن، ورواه الحاكم وقال: إسناده صحيح ووافقه الذهبي وحسنه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٣/٣٨٧. وجاء في الفتاوى الهندية: \" والأفضل في الزكاة والفطر والنذور والصرف أولاً إلى الأخوة والأخوات، ثم إلى أولادهم، ثم إلى الأعمام والعمات، ثم إلى أولادهم ثم إلى الأخوال والخالات، ثم إلى أولادهم، ثم إلى ذوي الأرحام ثم إلى الجيران ثم إلى أهل حرفته ثم إلى أهل مصره أو قريته \" الفتاوى الهندية ١/١٩٠. سابعاً: يجوز إعطاء الزكاة للبنت المتزوجة من فقير، لأن نفقة البنت بعد زواجها واجبة على الزوج لا على أبيها. ثامناً: يجوز قضاء ديون الأقارب من الزكاة، حتى وإن وجبت نفقتهم على المزكي فيجوز قضاء دين الأب ودين والأم ودين الإبن ودين البنت وغيرهم من الأقارب، بشرط أن لا يكون سبب هذا الدين تحصيل نفقة واجبة على المزكي، لأن ديون الأقارب بما فيها ديون الوالدين والأولاد لا يجب شرعاً على المرء أن يؤديها عنهم، فيجوز قضاء الدين عنهم من الزكاة لأنهم يعتبرون هنا في هذه الحالة من الغارمين فهم يستحقون الزكاة هنا بوصف لا تأثير للقرابة فيه. قال الإمام النووي: \" قال أصحابنا ويجوز أن يدفع إلى ولده ووالده من سهم العاملين والمكاتبين والغارمين والغزاة، إذا كان بهذه الصفة....\" المجموع ٦/٢٢٩، وراجع فقه الزكاة للقَرَضَاوي ٢/٧١٦، وفتاوى الصيام للشيخ ابن عثيمين ص٤٨-٤٩. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345966,"book_id":3840,"shamela_page_id":346,"part":"8","page_num":22,"sequence_num":346,"body":"٢٢ - لا يجوز احتساب الدين من الزكاة\rيقول السائل: هل يجوز لمن وجبت عليه الزكاة وله ديون على شخص فقير، أن يسقط الدين عن الفقير ويحتسبه من الزكاة؟\rالجواب: لا يجوز احتساب الدين الذي على الفقير من مال الزكاة، على الراجح من أقوال أهل العلم لما ورد في الحديث الشريف من قول الرسولصلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن فقال له: (.... أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم) رواه البخاري ومسلم. فلا بد في الزكاة من أخذها من الأغنياء، ثم ردها إلى الفقراء، وإسقاط الدين عن الفقير لا يعتبر، لا أخذاً من الأغنياء ولا رداً على الفقراء، وهذا قول جماهير أهل العلم الحنفية والمالكية والحنابلة وهو أصح القولين في مذهب الشافعية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام وسفيان الثوري وغيرهم. قال الإمام النووي: \" إذا كان لرجل على معسر دين، فأراد أن يجعله من زكاته وقال له جعلته عن زكاتي فوجهان حكاهما صاحب البيان أصحهما لا يجزئه، وبه قطع الصيمري، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، لأن الزكاة في ذمته فلا يبرأ إلا بإقباضها.... الخ \" المجموع ٦/٢١٠. وقال الإمام القرافي \"لا يخرج في زكاته إسقاط دينه عن الفقير لأنه مستهلك عند الفقير\" الذخيرة ٣/١٥٣. وقال ابن قدامه: \" قال مهنا: سألت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - عن رجل له دين برهن وليس عنده قضاؤه، ولهذا الرجل زكاة مال يريد أن يفرقها على المساكين فيدفع إليه رهنه ويقول له: الدين الذي لي عليك هو لك ويحسبه من زكاة ماله، قال -أحمد- لا يجزيه ذلك، ثم قال ابن قدامة معللاً ذلك: لأن الزكاة لحق الله تعالى، فلا يجوز صرفها إلى نفعه، ولا يجوز أن يحتسب الدين الذي له من الزكاة قبل قبضه، لأنه مأمور بأدائها وإيتائها وهذا إسقاط، والله أعلم \" المغني ٢/٤٨٧. وسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن إسقاط الدين عن المعسر، هل يجوز أن يحسبه من الزكاة؟ فأجاب: \" وأما إسقاط الدين عن المعسر فلا يجزئ عن زكاة العين بلا نزاع\" الفتاوى ٢٥/٨٤. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: \" وكان سفيان بن سعيد الثوري فيما حكوا عنه يكرهه ولا يراه مجزئاً - أي إسقاط الدين واحتسابه من الزكاة - فسألت عنه عبد الرحمن، فإذا هو على مثل رأي سفيان، ولا أدري لعله قد ذكره عن مالك أيضاً، وكذلك هو عندي غير مجزئ عن صاحبه، لخلال اجتمعت فيه: أما إحداها: فإن سنة رسول اللهصلى الله عليه وسلم في الصدقة كانت على خلاف هذا الفعل، لأنه إنما كان يأخذها من أعيان المال عن ظهر الأغنياء ثم يردها في الفقراء، وكذلك كانت الخلفاء بعده ولم يأتنا عن أحد منهم أنه أذن لأحد في احتساب دين من زكاة، وقد علمنا أن الناس قد كانوا يدانون به في دهرهم - أي يتداينون -. الثانية: أن هذا المال ثاوٍ - أي هالك أو ضائع - غير موجود قد خرج من يد صاحبه على معنى القرض والدين، ثم هو يريد تحويله بعد التواء إلى غيره بالنية، فهذا ليس بجائز في معاملات الناس بينهم حتى يقبض ذلك الدين ثم يستأنف الوجه الأخر فكيف يجوز فيما بين العباد وبين الله ﷿. الثالثة: أني لا آمن أن يكون إنما أراد أن يقي ماله بهذا الدين قد يئس منه فيجعله ردءاً لماله يقيه به إذا كان منه يائساً.... وليس يقبل الله ﵎ إلا ما كان له خالصاً \" الأموال ص٥٣٣ - ٥٣٤. وبهذا يظهر لنا أنه لا يجوز إسقاط الدين واحتسابه من الزكاة. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345967,"book_id":3840,"shamela_page_id":347,"part":"8","page_num":23,"sequence_num":347,"body":"٢٣ - حكم استثمار أموال الزكاة\rيقول السائل: هل يجوز للجان الزكاة أن تقوم بإستثمار أموال الزكاة في مشاريع إقتصادية تعود بالنفع على الفقراء والمساكين وبقية المستحقين للزكاة؟\rالجواب: من المعلوم أن الزكاة واجبة على الفور، على الراجح من أقوال أهل العلم ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) سورة الأنعام/١٤١. ويدل على ذلك أيضاً، ما ثبت في الحديث الصحيح عن عقبة بن الحارث ﵁ قال: (صلى الرسول ﷺ العصر فأسرع ثم دخل بيته فلم يلبث أن خرج، فقلت له، أو قيل له، فقال: كنت خلَّفت في البيت تبراً من الصدقة فكرهت أن أبيَّته فقسمته) رواه البخاري. وقال الإمام النووي: \" قد ذكرنا أن مذهبنا أنها إذا وجبت الزكاة وتمكن من إخراجها، وجب الإخراج على الفور، فإن أخرها أثم، وبه قال مالك وأحمد وجمهور العلماء \" المجموع ٥/٣٣٥. واستثمار أموال الزكاة فيما أرى أنه يتعارض مع الفورية في إيصال الزكاة إلى مستحقيها، ممن ذكرهم الله ﷾ في آية مصارف الزكاة، لأن استثمار أموال الزكاة في المشاريع المختلفة يؤدي إلى انتظار أرباحها، وبالتالي يؤدي إلى تأخير توزيعها. كما أن استثمار أموال الزكاة قد يعرضها للخسارة، لأن التجارة والإستثمار تحتمل الربح والخسارة. كما وأنه يخشى على أموال الزكاة إذا استثمرت من الضياع إذا تولتها أيد غير أمينة، وخاصة أننا نعيش في مجتمع قد خربت فيه ذمم كثير من الناس وكثر فيه الطمع وقَّل فيه الورع. هذا هو الأصل في المسألة. وبالرغم مما قلت وبينت، إلا أنه يجوز في ظروف خاصة استثمار أموال الزكاة إذا توفرت بعض الشروط وهي: أولاً: أن يتم تغطية الحاجات المستعجلة للفقراء والمساكين وبقية المستحقين للزكاة، فإن فاضت أموال الزكاة وزادت عن سد الحاجات الأساسية للمستحقين لها - وما أظنها في مجتمعنا تفيض أو تزيد - فحينئذ يجوز استثمار أموال الزكاة، وأما إن لم تكف أموال الزكاة الحاجات الأساسية للمستحقين لها فلا يصح تأخير صرف الزكاة بحجة استثمارها. ثانياً: أن يتم استثمار أموال الزكاة في مجالات مشروعة، فلا يجوز استثمارها في البنوك الربوية مقابل الربا (الفائدة) . ثالثاً: أن لا توضع أموال الزكاة في مشاريع استثمارية إلا بعد دراسة الجدوى الإقتصادية من تلك المشاريع، وأنه يغلب على الظن أن تكون رابحة بإذن الله. رابعاً: أن يتولى الإشراف على استثمار أموال الزكاة أيد أمينة تقية زاهدة في تلك الأموال ومتبرعة بالعمل لله تعالى، انظر أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة ٢/٥١٦ فما بعدها. خامساً: أن ينتفع من الأموال المستثمرة وأرباحها المستحقون للزكاة فقط. وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي جواز استثمار أموال الزكاة من حيث المبدأ، فقد جاء في القرار ما يلي: يجوز من حيث المبدأ توظيف أموال الزكاة في مشاريع استثمارية تنتهي بتمليك أصحاب الاستحقاق للزكاة أو تكون تابعة للجهة الشرعية المسؤولة عن جمع مال الزكاة وتوزيعها على أن تكون بعد تلبية الحاجة الماسة الفورية للمستحقين وتوافر الضمانات الكافية للبعد عن الخسائر، مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٣ ج١/٤٢١. ومما يستأنس به لجواز استثمار أموال الزكاة، ما ورد عن النبيصلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين أنهم كانوا يستثمرون أموال الصدقة من إبل وغنم، كما في قصة العرنيين الذين وفدوا على المدينة ثم مرضوا، فأمرهم الرسولصلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل صدقة فيشربوا ألبانها.... الخ) الحديث الشريف الذي رواه البخاري في صحيحه. وكذلك ورد في الحديث عن أنس بن مالكرضي الله عنه قال: (أن رجلاً من الأنصار أتى النبي ﷺ يسأله فقال: أما في بيتك شيء؟ فقال: بلى، حلسٌ نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء، فقال: إئتني بهما، فأتاه بهما فأخذهما رسول اللهصلى الله عليه وسلم بيده وقال: من يشتري هذين؟ فقال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهم قال: من يزيد على درهم؟ مرتين أو ثلاثاً، فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري وقال: إشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوماً فأتني به، فشد رسول اللهصلى الله عليه وسلم عوداً بيده ثم قال: إذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوماً، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب خمسة عشر درهماً فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: هذا خير لك أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، وإن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع) رواه أبو داود والبيهقي، وقال الشيخ الألباني: صحيح لشواهده، انظر صحيح الترغيب والترهيب ١/٣٥٠. وقاسوا استثمار أموال الزكاة على استثمار أموال الأيتام كما ورد في الحديث (ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة) رواه الترمذي والدارقطني والبيهقي وهو مرسل رجاله ثقات ويتقوى بما ورد عن الصحابة، وقال العراقي إسناده صحيح، انظر إرواء الغليل ٣/٢٦٠. وقالوا أيضاً: إن معنى سداد العيش الوارد في الحديث الشريف، يدل على أن سداد العيش المستثمر بعمل الفقير القادر على العمل في أموال الزكاة المستمرة أولى وأفضل من أن يعطى لفترة قصيرة ويعود مستحقاً \" مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٣ ج١/٣٧٢. وقالوا أيضاً: إن أموال الزكاة التي تصرف مباشرة على المستحقين، فإن هؤلاء المستحقين ينتفعون منها انتفاعاً آنياً، أما الأموال التي تستثمر في مشاريع فإن نفعها سيستمر ويعود النفع على المستحقين باستمرار، وإن عملية استثمار أموال الزكاة ما هي إلا من باب تنظيم صرف الزكاة. وخلاصة الأمر، فإن الأصل العام في هذه المسألة هو عدم جواز استثمار أموال الزكاة إلا في حالات خاصة وبالشروط التي ذكرتها، لأن الفورية في إيصال الزكاة لمستحقيها أمر واضح من الأدلة الشرعية، ولأن الزكاة شعيرة من شعائر الإسلام التي يجب المحافظة عليها محافظة تامة، ولا ينبغي فتح هذا الباب خشية أن يؤدي إلى ضياع حقوق المستحقين للزكاة وحتى لا يدخل من هذا الباب الطامعون في أموال الزكاة، فتضيع هذه الأموال بحجة الاستثمار. وأخيراً أؤكد على أنه بالنظر إلى حالة الفقر المنتشرة في بلادنا، بسبب الظروف التي نعيشها، فإني أعتقد أن أموال الزكاة التي تجمع، لا تفي بحاجات الفقراء والمساكين الأصلية حتى تقوم لجان الزكاة باستثمارها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345968,"book_id":3840,"shamela_page_id":348,"part":"8","page_num":24,"sequence_num":348,"body":"٢٤ - مصارف الزكاة\rيصح إعطاء المتضررين من السيول والعواصف من الزكاة، يقول السائل: هل يجوز أن أعطي الناس الذين تضرروا بسبب العواصف والسيول من أموال الزكاة؟\rالجواب: نعم يجوز أن يُعطى من مال الزكاة الذين تضرروا من السيول والعواصف، فخربت بيوتهم وتلفت مزارعهم ولم يعد لهم شيء، لأن هؤلاء يعتبرون من الغارمين وهم أحد مصارف الزكاة الثمانية المذكورة في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة/٦٠. والغارمون هم الذين ركبهم الدين ولا مال عندهم، كما قال الشيخ القرطبي في تفسيره ٥/١٨٣. ويُعتبر من أصابتهم الكوارث الطبيعية من هذا الصنف، قال د. يوسف القرضاوي: \" وأخَصُ من ينطبق عليه هذا الوصف - الغارمون - أولئك الذين فاجأتهم كوارث الحياة ونزلت بهم جوائح اجتاحت مالهم واضطرتهم إلى الإستدانة لأنفسهم وأهليهم. فعن مجاهد قال: ثلاثة من الغارمين، رجل ذهب السيل بماله، ورجل أصابه حريق فذهب بماله، ورجل له عيال وليس له مال فهو يدان وينفق على عياله \" رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٣/٢٠٧، وانظر فقه الزكاة ٢/٦٢٣. ويدل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، قال: ثم قال: (يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة، رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش فما سواهن في المسألة يا قبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سحتاً) صحيح مسلم ٣/١٠٩ - ١١٠. والحمالة هي ما يتحمله عن غيره من دية أو غرامة، والجائحة هي الآفة المهلكة للثمار والأموال. قال صاحب عون المعبود: \" من أصاب ماله آفة سماوية أو أرضية كالبرد والغرق ونحوه بحيث لم يبق له ما يقوم بعيشه حلت له المسألة حتى يحصل له ما يقوم بحاله ويسد خلته \" عون المعبود ٣/٣٦. ويدل على دخول هؤلاء في الغارمين فتجوز لهم المسألة ويعطون من الزكاة ما ورد في الحديث\"عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة ﵁ قال: قلت يا رسول الله إنا قوم نتساءَل أموالنا، قال: (يتساءَل الرجل في الجائحة والفتق ليصلح به بين قومه فإذا بلغ أو كرب استعف) رواه أحمد وذكره الهيثمي وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات، مجمع الزوائد ٣/١٠٠. وقوله نتساءَل، أي يسأل بعضنا بعضاً في الأموال، وقوله والفتق أي الحرب تكون بين القوم تقع فيها الجراحات والدماء، وقوله فإذا بلغ أو كرب، أي فإذا بلغ مقصده بالسؤال أو قارب ذلك استعف \" الفتح الرباني ٩/٦٧. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345969,"book_id":3840,"shamela_page_id":349,"part":"8","page_num":25,"sequence_num":349,"body":"٢٥ - تعجيل الزكاة\rيقول السائل: إن له قريباً فقيراً وبحاجة ماسة إلى المال، وقد أخرجت زكاة مالي لهذه السنة، فهل يجوز لي أن أعطي قريبي من زكاة مالي عن السنة القادمة؟ الجواب: يجوز تعجيل زكاة الأموال التي يشترط لها الحول قبل حلول الحول، على الراجح من أقوال أهل العلم، وهو قول الحسن البصري وسعيد بن جبير والزهري والأوزاعي والحنفية والشافعية والحنابلة، وهو قول إسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم ابن سلام وغيرهم، انظر المغني ٢/٤٧٠، ويدل على ذلك أحاديث منها: - عن علي بن أبي طالب ﵁ (أن العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ، سأل الرسول ﵊ في تعجيل صدقته قبل أن تحلَّ، فرخص له في ذلك) رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما. وقال الإمام النووي: \" وإسناده حسن \" المجموع ٦/١٤٥، وقال الشيخ الألباني: حديث حسن، صحيح سنن الترمذي ١/٢٠٧. - وعن علي أيضاً، أن النبي ﷺ قال لعمر بن الخطاب: (إنا أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام) رواه أبو داود والترمذي، وقال الشيخ الألباني: حسن أيضاً صحيح سنن الترمذي ١/٢٠٧، - وفي رواية أخرى عن علي أيضاً، أن النبي ﷺ قال: (إنا كنا احتجنا فاستسلفنا من العباس صدقة عامين) قال البيهقي: وهذا مرسل. قال الإمام النووي بعد أن ذكر الأدلة على جواز تعجيل الزكاة: \" إذا عرفت هذا، حصل الاستدلال على جواز التعجيل من مجموع ما ذكرنا، وقد قدمنا في أول هذا الشرح أن الشافعي يحتج بالحديث المرسل إذا اعتضد بأحد أربعة أمور، وهي أن يسند من جهة أخرى أو يرسل، أو يقول بعض الصحابة أو أكثر العلماء به فمتى وجد واحد من هذه الأربعة جاز الاحتجاج به، وقد وجد في هذا الحديث المذكور عن علي ﵁، بأنه روي في الصحيحين معناه من حديث أبي هريرة السابق وروى هو أيضاً مرسلاً ومتصلاً كما سبق، وقال به من الصحابة ابن عمر، وقال به أكثر العلماء كما نقله الترمذي، فحصلت الدلائل المتظاهرة على صحة الاحتجاج به، والله أعلم \" المجموع ٦/١٤٦. وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه الإمام النووي، هو ما رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: (أمر رسول الله ﷺ بصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ: ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله رسوله، وأما خالد، فإنكم تظلمون خالداً فقد احتبس أدراعه وعتده في سبيل الله، وأما العباس بن عبد المطلب، فعم رسول الله ﷺ، فهي عليه صدقة ومثلها معها) . وفي رواية أخرى: (وأما العباس فهي عَلَيَّ ومثلها معها) رواه مسلم. وقد اختلف أهل العلم في المراد بكلام الرسول ﷺ في حق صدقة العباس على أقوال منها ما قاله الحافظ ابن حجر: \" وقيل معنى قوله (عَلَيَّ) أي هي عندي قرض، لأنني استلفت منه صدقة عامين، وقد ورد ذلك صريحاً بما أخرجه الترمذي وغيره من حديث علي \"، - ثم ذكر الروايات الواردة في تعجيل العباس صدقته وبين حال إسنادها - ثم قال: \".... وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق، والله أعلم \" فتح الباري ٤/٧٦. قال الشيخ الألباني: \" قلت: وهو الذي نجزم به لصحة سندها مرسلاً وهذه شواهد لم يشتد ضعفها فهو يتقوى بها ويرتقي إلى درجة الحسن على أقل الأحوال\" إرواء الغليل ٣/٤٩. وقال الإمام النووي في شرح قوله ﷺ: (فهي عليَّ ومثلها معها) \" والصواب أن معناه تعجلتها منه وقد جاء في حديث آخر في غير مسلم (إنا تعجلنا منه صدقة عامين) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٤٩. ومما يدل على جواز تعجيل الزكاة، ما ورد في جواز تعجيل صدقة الفطر قبل وقت الوجوب، كما هو مذهب جمهور أهل العلم، وقد ورد عن ابن عمر ﵄، (أنه كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة) رواه مالك في الموطأ والبيهقي في السنن وغيرهما. ومما احتج به العلماء على جواز تعجيل الزكاة قبل حلول الحول، قياس ذلك على جواز الكفارة قبل الحنث، لما ثبت في أحاديث كثيرة منها، قوله ﷺ: (من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير) رواه مسلم. وقد أجاز الحنفية تعجيل زكاة سنوات كثيرة، وأجاز الحسن البصري أن يعجلها لثلاث سنوات فقد روى أبو عبيد بإسناده عن حفص بن سليمان قال: \" قلت للحسن: أأخرج زكاة ثلاثة أعوام ضربة - أي دفعة واحدة - فلم ير بذلك بأساً \" الأموال ص٧٠٣. والأولى هو ألا يزيد التعجيل عن حولين، لأنه هو الذي وردت به النصوص. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345970,"book_id":3840,"shamela_page_id":350,"part":"8","page_num":26,"sequence_num":350,"body":"٢٦ - لا يصح تأخير صرف الزكاة لمستحقيها\rيقول السائل: هل يجوز تأخير صرف الزكاة لمستحقيها، كأن تبقى أموال الزكاة لدى الموكَل بتوزيعها لمدة سنة أو سنتين ويقوم بتوزيعها على الفقراء بالتقسيط؟\rالجواب: يرى جمهور الفقهاء أن الزكاة واجبة على الفور، فلا ينبغي تأخيرها إذا وجبت هذا في حق من وجبت عليه الزكاة، ومن باب أولى في حق من هو موكل بتوزيعها على المستحقين ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) سورة الأنعام/١٤١، وهذه الآية في زكاة الزروع ويلحق بها غيرها. فالله ﷾ أمر بإيتاء الزكاة، فمتى وجبت الزكاة في مال فيجب المبادرة إلى إخراجها وتوزيعها على مستحقيها، ولأنه لو جاز التأخير لجاز إلى غير غاية فتنتفي العقوبة على الترك، ولأن حاجة الفقراء والمساكين ناجزة وحقهم في الزكاة ثابت، فيكون تأخيرها منعاً لحقهم في وقته. وسُئل الإمام أحمد عن الرجل إذا ابتدأ في إخراج الزكاة فجعل يخرجها أولاً فأولاً؟ فقال: \" لا بل يخرجها كلها إن حال الحول \". وقال الإمام أحمد: \" لا يجري على أقاربه من الزكاة في كل شهر يعني لا يؤخر إخراجها حتى يدفعها إليهم متفرقة في كل شهر شيئاً \" المغني ٢/٥١٠، الموسوعة الفقهية ٢٣/٢٩٥. ومما يدل على وجوب إخراج الزكاة على الفور والمبادرة إلى توزيعها على المستحقين عموم النصوص المرغبة في المبادرة إلى الطاعات كما في قوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) سورة البقرة/١٤٨. وقوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) سورة آل عمران/١٣٣. ومما يدل على المبادرة في إخراج الزكاة وإيصالها إلى مستحقيها، ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عقبة بن الحارث ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ العصر فأسرع ثم دخل البيت فلم يلبث أن خرج فقلت أو قيل له، فقال: كنت خلَّفت في البيت تبراً من الصدقة فكرهت أن أبيِّته فقسمته) ، فانظر أخي المسلم يارعاك الله إلى رسول الله ﷺ يكره أن يبيّت عنده شيء من مال الصدقة فسارع إلى قسمته وإعطائه لمستحقيه. وقال ابن بطال معلقاً على الحديث السابق: \" فيه أن الخير ينبغي أن يُبادَر به، فإن الآفات تعرض والموانع تمنع والموت لا يؤمن والتسويف غير محمود \" فتح البري ٤/٤١. وقال الحافظ ابن حجر: \" وزاد غيره - أي غير ابن بطال - وهو أخلص للذمة وأنقى للحاجة وأبعد من المطل المذموم وأرضى للرب وأمحى للذنب \" فتح الباري ٤/٤١. وبناءً على ما تقدم، فلا يجوز شرعاً تأخير إخراج الزكاة أو تأخير توزيعها من الشخص أو الجهة الموكلة بتوزيعها، ومن يؤخرها بدون عذر شرعي فهو آثم. قال الإمام النووي: \" قد ذكرنا أن مذهبنا أنها إذا وجبت الزكاة وتمكن من إخراجها، وجب الإخراج على الفور فإن أخرها أثم، وبه قال مالك وأحمد وجمهور العلماء \" المجموع ٥/٣٣٥. فلذلك ننصح لجان الزكاة والقائمين على توزيع الزكاة، أنهم إذا جمعوا الزكاة فالواجب عليهم أن يبادروا إلى توزيعها على مستحقيها، ولا يؤخروها إلا لمدة يسيرة ولعذر مقبول، كأن تؤخر لتدفع إلى فقير غائب أشد حاجة وفقراً من الحاضرين. وعلى كل حال فالتأخير المسموح به هو التأخير اليسير، قال العلامة الدكتور القرضاوي: \" وعندي أنه لا ينبغي العدول عن ظاهر ما جاء عن فقهاء المذاهب، وإن كان التسامح في يوم أو يومين بل أياماً أمراً ممكناً جرياً على قاعدة اليسر ورفع الحرج، أما التسامح في شهر أو شهرين بل أكثر إلى ما دون العام.... فلا يصح اعتباره حتى لا يتهاون الناس في الفورية الواجبة \" فقه الزكاة ٢/٨٣٠. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345971,"book_id":3840,"shamela_page_id":351,"part":"8","page_num":27,"sequence_num":351,"body":"٢٧ - تقدير نصاب زكاة النقود بالذهب\rيقول السائل: لماذا يقدر نصاب النقود في الزكاة بالذهب دون الفضة، مع أن تقديره بالفضة يكون لمصلحة للفقير؟\rالجواب: إن الزكاة فريضة على الأغنياء، وترد على الفقراء كما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن فقال: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني وسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم....) رواه البخاري. وجاء في حديث آخر أنه ﵊ قال: (إنما الصدقة عن ظهر غنى) رواه أحمد وإسناده صحيح. والغنى الذي يوجب الزكاة عند الفقهاء، هو ملك النصاب، والمقصود بالنصاب هنا، عشرون ديناراً ذهباً، وتعادل خمسة وثمانين غراماً من الذهب، أو مئتا درهم من الفضة وتعادل خمسمئة وخمسة وتسعون غراماً من الفضة. ومن المعلوم أن مقدار النصاب من الذهب - عشرون ديناراً - كانت تساوي مقدار نصاب الفضة في عهد رسول الله ﷺ، ولكن سعر الفضة أخذ في الهبوط بعد ذلك العهد إلى أن صار الفرق بين النصابين كبير جداً بينما بقي الذهب محافظاً على سعره إلى وقتنا الحاضر مع اختلاف يسير حيث إن القوة الشرائية للذهب في زمن رسول اللهصلى الله عليه وسلم كانت تساوي (١٠٠% - ١٢٠%) مما هي عليه الآن لا أكثر، انظر مجلة المجمع الفقهي ٥/٣/١٦٧٩. ونظراً للهبوط الكبير في سعر الفضة، رأى كثير من العلماء، أن تقدير النصاب في الزكاة بالذهب هو الصحيح، نظراً لثبات سعر الذهب دون الفضة. قال د. يوسف القرضاوي مرجحاً هذا القول: \" ويبدو لي أن هذا القول سليم الوجهة قوي الحجة، فبالمقارنة بين الأنصبة المذكورة في أموال الزكاة، كخمس من الإبل أو أربعين من الغنم أو خمسة أوسق من الزبيب أو التمر، تجد أن الذي يقاربها في عصرنا الحاضر، هو نصاب الذهب لا نصاب الفضة \" فقه الزكاة ١/٢٦٤. ويقول د. وهبة الزحيلي: \" ويجب اعتبار النصاب الحالي كما هو كان في أصل الشرع دون النظر إلى تفاوت السعر القائم بين الذهب والفضة، وتقدر الأوراق النقدية بسعر الذهب، ولأنه هو الأصل في التعامل، ولأن غطاء النقود هو بالذهب، ولأن المثقال كان في زمن الرسول ﷺ، وعند أهل مكة هو أساس العملة.... \" الفقه الإسلامي وأدلته ٢/٧٦٠. وقال د. محمد الأشقر: \" وقد مال في هذا العصر بعض الفقهاء في هذا العصر إلى الرجوع إلى التقويم في عروض التجارة والنقود الورقية إلى نصاب الذهب خاصة، ولذلك وجه بيّن، وهو ثبات القدرة الشرائية للذهب فإن نصاب الذهب - العشرين ديناراً - كان يشترى بها في عهد النبي ﷺ عشرون شاة من شياه الحجاز تقريباً وكذلك نصاب الفضة - المئتا درهم - كان يُشتَرى بها عشرون شاةً تقريباً أيضاً، أما في عصرنا الحاضر فلا تكفي قيمة مئتي درهم من الفضة إلا لشراء شاة واحدة، بينما العشرون مثقالاً من الذهب تكفي الآن لشراء عشرين شاة من شياه الحجاز أو أقل قليلاً فهذا الثبات في قوة الذهب الشرائية تتحقق به حكمة تقدير النصاب على الوجه الأكمل، بخلاف نصاب الفضة \" أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة ١/٣٠.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345972,"book_id":3840,"shamela_page_id":352,"part":"8","page_num":28,"sequence_num":352,"body":"٢٨ - زكاة المحاجر\rيقول السائل: إنه صاحب محجر يستخرج الحجارة من الأرض على شكل كتل كبيرة ثم يقوم بتقطيعها وبيعها فكيف يؤدي زكاة ذلك؟\rالجواب: يقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) سورة البقرة الآية ٢٦٧. هذه الآية أصل عظيم اعتمد عليه العلماء في وجوب الزكاة فيما تخرج الأرض من نبات ومعادن وركاز كما قال القرطبي في تفسيره ٣/٣٢١. وقد صح في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: [العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس] رواه البخاري ومسلم. ففي هذا الحديث ذكر النبي ﷺ المعدن وقد قال العلماء: المعدن: اسم للمال المخلوق في الأرض. التهذيب في فقه الإمام الشافعي ٣/١١٦. والمعدن يشمل الذهب والفضة والحديد والنحاس والفحم الحجري ويشمل أيضاً الرخام وحجارة المحاجر محل السؤال. وقد ذكر بعض أهل العلم أن المعدن والركاز شيء واحد لذا أوجبوا فيهما الخمس كما هو نص الحديث السابق. ولكن الراجح من أقوال أهل العلم في نظري التفريق بين المعدن والركاز. قال الإمام البخاري: [باب في الركاز الخمس وقال مالك وابن إدريس - يعني الشافعي - الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيرة الخمس. وليس المعدن بركاز وقد قال النبي ﷺ: (في المعدن جبار وفي الركاز الخمس ... ) وقال بعض الناس: المعدن ركاز مثل دفن الجاهلية لأنه يقال أركز المعدن إذا خرج منه شيء قيل له قد يقال لمن وهب له شيء أو ربح ربحاً كثيراً أو كثر ثمره أركزت] صحيح البخاري مع الفتح ٣/١٠٦-١٠٧. وما ذكره الإمام البخاري في التفريق بين الركاز والمعدن هو الراجح وهو الذي عليه الإمام مالك حيث قال: [الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا والذي سمعت أهل العلم يقولون إن الركاز إنما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال ولم يتكلف فيه نفقة ولا كبير عمل ولا مؤونة فأما ما طلب بمال وتكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز] الموطأ ١/٢١٤. وقال الحافظ ابن عبد البر: [ومن حجة مالك أيضاً في تفريقه بين ما يؤخذ من المعدن وما يؤخذ من الركاز قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: ( ... والمعدن جبار وفي الركاز الخمس) فرق بين المعدن والركاز ب \" و \" فاصلة فدل ذلك على أن الخمس في الركاز لا في المعدن] الاستذكار ٩/٥٦. وقال القرطبي: [وأما المعدن فروى الأئمة عن أبي هريرة عن رسول ﷺ أنه قال: (العجماء جرحها جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس) . قال علماؤنا: لمّا قال ﷺ: (وفي الركاز الخمس) دلّ على أن الحكم في المعادن غير الحكم في الركاز لأنه ﷺ قد فصل بين المعدن والركاز بالواو الفاصلة ولو كان الحكم فيهما سواء لقال والمعدن جبار وفيه الخمس فلما قال: (وفي الركاز الخمس) علم أن حكم الركاز غير حكم المعدن فيما يؤخذ منه، والله أعلم] تفسير القرطبي ٣/٣٢٢. وقال الشيخ أحمد محمد شاكر: [الركاز عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض وعند أهل العراق المعادن، والقولان تحتملها اللغة. لأن كلاً منهما مركوز في الأرض أي ثابت والحديث إنما جاء في التفسير الأول وهو الكنز الجاهلي وإنما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه] تعليق الشيخ أحمد محمد شاكر على الموطأ ١/٢١٤. إذا تقررت التفرقة بين المعدن والركاز فأقول إن الواجب في زكاة المعدن ربع العشر أي ٢. ٥% وهذا قول عمر بن عبد العزيز والإمام مالك في رواية ابن نافع عنه وهو القول الصحيح عند الشافعية وقول الحنابلة. روى الإمام البخاري في صحيحه تعليقاً: [وأخذ عمر بن عبد العزيز من المعادن من كل مئتين خمسة] . قال الحافظ ابن حجر: [وصله أبو عبيد في كتاب الأموال] صحيح البخاري مع الفتح ٣/١٠٧. وما أشار إليه الحافظ رواه أبو عبيد أن عمر بن عبد العزيز أخذ من المعادن الزكاة. وفي رواية أخرى أن عمر بن عبد العزيز كتب أن خذ من المعادن الصدقة ولا تأخذ منها الخمس. الأموال ص ٤٢٤. وروى مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد أن رسول الله ﷺ: (قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية وهي من ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة) الموطأ ١/٢١١. قال الحافظ ابن عبد البر: [هذا الخبر منقطع في الموطأ وقد روي متصلاً مسنداً ... من رواية الداروردي عن ربيعة ... ] الاستذكار ٩/٥٥. وقال ابن عبد البر أيضاً: [وإسناد ربيعة فيه صالح حسن وهو حجة لمالك ومن ذهب مذهبه في المعادن] فتح المالك ٥/٢٣. ورواه أبو داود في سننه، انظر عون المعبود ٨/٢١٦ وحسنه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٥٩٢-٥٩٣. وبناءً على ما تقدم فإن المحاجر تجب الزكاة فيها بنسبة ٢. ٥% ولا يشترط لذلك حولان الحول. وأما النصاب فالمعروف من حال أصحاب المحاجر أن ما يستخرجونه يبلغ أنصبة كثيرة لا نصاباً واحداً وعليه فإن صاحب المحجر كلما استخرج كمية من الحجارة فباعها فإنه يخرج الزكاة بنسبة ٢. ٥% بعد أن يخصم من ذلك أجور العمال وتكلفة تشغيل الآلات والمعدات فمثلاً لو أن صاحب محجر جعل له حساباً شهرياً يحسب فيه ثمن الحجارة المستخرجة التي يتم بيعها محسوماً منها أجور العمال وتكلفة تشغيل الأجهزة والمعدات وما يبقى بعد ذلك يزكيه بنسبة ٢. ٥% وهكذا في كل شهر. ومما يؤيد تقدير الزكاة في المعادن بربع العشر ٢. ٥% وليس الخمس ٢٠% أنه قد جرت عادة الشرع أن ما غلظت مؤونته خفف عنه في قدر الزكاة وما خفت مؤونته زيد في زكاته. انظر فتح الباري ٣/١٠٧، التهذيب في فقه الإمام الشافعي ٣/١١٥. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345973,"book_id":3840,"shamela_page_id":353,"part":"8","page_num":29,"sequence_num":353,"body":"٢٩ - قضاء الديون من الزكاة\rيقول السائل: توفي شخص وعليه ديون ولم يترك وفاءً لديونه فهل يجوز أن نقضي ديونه من أموال الزكاة؟\rالجواب: إن من مصارف الزكاة مصرف الغارمين كما نصت على ذلك الآية الكريمة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآية ٦٠. والأصل عند أهل العلم أن الميت إذا كان عليه ديون وترك أموالاً أن تسدد ديونه من تركته فإن لم يترك أموالاً تفي بقضاء الدين فإن على بيت مال المسلمين قضاء ديونه لما صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاءً لدينه فعلينا قضاؤه ومن ترك مالاً فلورثته) رواه البخاري ومسلم. فإن لم يتيسر سداد الدين من بيت مال المسلمين كما هو الحال الآن في زماننا فيجوز على الراجح من قولي العلماء قضاء الدين عن الميت لأن الميت المدين داخل في عموم قوله تعالى: (وَالْغَارِمِينَ) لأنها شاملة لكل غارم حياً كان أو ميتاً. بل إن بعض العلماء قد قال: قضاء دين الميت أحق من قضاء دين الحي لأن دين الميت لا يرجى قضاؤه. قال الشيخ ابن العربي المالكي: [فإن كان ميتاً - أي الغارم - قضي منها دينه لأنه من الغارمين] أحكام القرآن ٢/٩٦٨. وقال الشيخ القرطبي: [وقال علماؤنا وغيرهم: يقضى منها دين الميت لأنه من الغارمين، قال ﷺ: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعاً - أي عيال - فإلي وعليّ] تفسير القرطبي ٨/١٨٥. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأما الدين الذي على الميت فيجوز أن يوفى من الزكاة في أحد قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد لأن الله تعالى قال: (وَالْغَارِمِينَ) ولم يقل: (وللغارمين) فالغارم لا يشترط تمليكه وعلى هذا يجوز الوفاء عنه وأن يملك لوارثه ولغيره] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٥/٨٠. والقول بجواز قضاء دين الميت من الزكاة هو قول مالك وأكثر أصحابه والشافعي في وجه وأصحابه وأحمد في إحدى الروايتين عنه وبه قال أبو ثور وأبو جعفر الطحاوي وغيرهم من أهل العلم. قال العلامة الدكتور يوسف القرضاوي فظه الله: [والذي نرجحه: أن نصوص الشريعة وروحها لا تمنع قضاء دين الميت من الزكاة لأن الله تعالى جعل مصارف الزكاة نوعين: نوع عبر عنه استحقاقهم باللام التي تفيد التمليك وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم - وهؤلاء هم الذين يملكون -. ونوع عبر عنه بـ (فِي) وهم بقية الأصناف: (وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ) فكأنه قال: الصدقات في الغارمين ولم يقل: للغارمين ... فالغارم على هذا لا يشترط تمليكه وعلى هذا يجوز الوفاء عنه وهذا ما اختاره وأفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية ويؤيد هذا حديث: (من ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ وعليّ) ] فقه الزكاة ٢/٦٣٣. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345974,"book_id":3840,"shamela_page_id":354,"part":"8","page_num":30,"sequence_num":354,"body":"٣٠ - مصارف الزكاة\rإعطاء من يريد الزواج من أموال الزكاة، يقول السائل: هل يجوز صرف الزكاة لشاب يريد الزواج وكما تعلمون فإن تكاليف الزواج صارت باهظة في وقتنا الحالي؟\rالجواب: لا شك أن الزواج من الحاجات الأساسية للإنسان وقد نصّ بعض أهل العلم على أن الزواج من تمام الكفاية فيجوز إعطاء الشاب من الزكاة ليستعين على الزواج إذا كان لا يستطيع الزواج بإمكاناته المادية أي أنه فقير. وكذلك يجوز إعطاء من تزوج فتحمّل ديوناً بسبب زواجه ولا وفاء عنده فيعطى من مال الزكاة ليقضي ديونه وينبغي الانتباه عند صرف الزكاة لمن يريد الزواج أن ينفق ذلك في الأمور الأساسية للزواج ودون مبالغة في تكاليف الزواج. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345975,"book_id":3840,"shamela_page_id":355,"part":"8","page_num":31,"sequence_num":355,"body":"٣١ - مصارف الزكاة\rيقول السائل: هل يجوز إعطاء طلبة العلم من الزكاة؟\rالجواب: من المعلوم أن مصارف الزكاة هي المنصوص عليها في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآية ٦٠. ومن المتفق عليه بين أهل العلم أن طالب العلم إن كان فقيراً يعطى من الزكاة لفقره. ومن العلماء من قال: يعطى طالب العلم لكونه طالب علم وإن كان قادراً على الكسب إذا تفرغ لطلب العلم. ومنهم من أجاز لطالب العلم أن يأخذ من الزكاة باعتباره داخلاً في مصرف: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) حيث فسر قوله تعالى: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) بأنه طلبة العلم كما في الدر المختار ٢/٣٤٣، وحاشية الطحطاوي ص ٣٩٢. ونقل ابن عابدين عن بعض الحنفية أن تفسير: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) بطلب العلم وجيه. حاشية ابن عابدين ٢/٣٤٣. وهذا بناءً على التوسع في مصرف في سبيل الله وهو قول جيد ولكن ليس على إطلاقه بل لا بد من ضوابط معينة لكل حالة من الحالات التي تدخل في هذا المصرف. قال العلامة الشيخ صديق حسن خان: [ومن جملة سبيل الله: الصرف في العلماء الذين يقومون بمصالح المسلمين الدينية فإن لهم في مال الله نصيباً سواء أكانوا أغنياء أو فقراء بل الصرف في هذه الجهة من أهم الأمور لأن العلماء ورثة الأنبياء وحملة الدين وبهم تحفظ بيضة الإسلام وشريعة سيد الأنام وقد كان علماء الصحابة يأخذون من العطاء ما يقوم بما يحتاجون إليه مع زيادات كثيرة يتفوضون بها في قضاء حوائج من يرد عليهم من الفقراء وغيرهم والأمر في ذلك مشهور ومنهم من كان يأخذ زيادة على مئة ألف درهم. ومن جملة هذه الأموال التي كانت تفرق بين المسلمين على هذه الصفة الزكاة وقد قال صلى الله عليه وسلملعمر لما قاله له يعطي من هو أحوج منه: ما أتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك، كما في الصحيح والأمر ظاهر] الروضة الندية ١/٥٣٣ - ٥٣٤. وقال الدكتور محمد أبو فارس: [المراد بقوله تعالى: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) طلبة العلم. أورد هذا القول صاحب الفتاوى الظهيرية من الحنفية واقتصر عليه وهذا قول في مذهب الأباضية كما ذكره كتاب شرح النيل عن التاج. وذكر صاحب منهاج الصالين من الإمامية جواز أخذ طالب العلم من سهم سبيل الله. أقول: إنني لم أعثر على دليل من الكتاب والسنة استدل به أصحاب هذا القول على مدعاهم وكل الذي استندوا إليه القياس وصورته إذا كان للعامل على الزكاة أن يأخذ منها لأنه يصرف وقته أو جزءاً منه في منفعة للمسلمين فكذلك الذي يتفرغ لطلب العلم فإن مآله إلى نفع المسلمين. وقياس الطالب المتفرغ للعلم على العامل على الزكاة بجامع حبس النفس لمصلحة المسلمين قياس موفق نؤيده ونراه. إلا أننا لا نحصر سهم سبيل الله في طلبة العلم بل نقول يجوز أن يصرف من هذا السهم لطلبة العلم المتفرغين. ونقول أيضاً: أن طلب العلم جهاد إذ الجهاد مجاهدة النفس على حمل الحق وتعلم العلم وتعليمه للآخرين. ونقول أيضاً: إذا كان طالب العلم فقيراً عاجزاً عن الكسب فيعطى من سهم الفقراء لفقره وحاجته وعجزه عن الكسب وإذا كان فقيراً قادراً على الكسب فيعطى من سهم سبيل الله ولا يعطى من سهم الفقراء لأنه غني بقوته وقدرته على الكسب إلا أنه حبس نفسه لمجاهدتها على تعلم العلم وتعليم الناس فدخل بهذا تحت المجاهدين الذين يستحقون سهم سبيل الله مع قدرتهم على الكسب والله ﷾ أعلم] إنفاق الزكاة في المصالح العامة ص ٨٢-٨٣. وقال الدكتور يوسف القرضاوي: [المتفرغ للعلم يأخذ من الزكاة فإذا ما تفرغ لطلب علم نافع وتعذر الجمع بين الكسب وطلب العلم فإنه يعطى من الزكاة قدر ما يعينه على أداء مهمته وما يشبع حاجاته ومنها كتب العلم التي لا بد منها لمصلحة دينه ودنياه. وإنما أعطي طالب العلم لأنه يقوم بفرض كفاية ولأن فائدة علمه ليست مقصورة عليه بل هي لمجموع الأمة. فمن حقه أن يعان من مال الزكاة لأنها لأحد رجلين: إما لمحتاج من المسلمين أو لمن يحتاج إليه المسلمون وهذا قد جمع بين الأمرين. واشترط بعضهم أن يكون نجيباً يرجى تفوقه ونفع المسلمين به وإلا لم يستحق الأخذ من الزكاة ما دام قادراً على الكسب وهو قول وجيه. وهو الذي تسير عليه الدول الحديثة حيث تنفق على النجباء بأن تتيح لهم دراسات خاصة أو ترسلهم في بعثات خارجية أو داخلية] فقه الزكاة ٢/٥٦٠-٥٦١. وقد ذكر الإمام النووي أن المشتغل بتحصيل بعض العلوم الشرعية بحيث لو أقبل على الكسب لانقطع عن التحصيل حلت له الزكاة لأن تحصيل العلم فرض كفاية. المجموع ٦/١٩٠. وقال بعض فقهاء الحنفية يجوز لطالب العلم الأخذ من الزكاة ولو كان غنياً إذا فرغ نفسه لإفادة العلم واستفادته لعجزه عن الكسب والحاجة داعية إلى ما لا بد منه. حاشية الطحطاوي ص ٣٩٢. وخلاصة الأمر أنه يجوز صرف الزكاة إلى طلبة العلم بشكل عام والمبدعون منهم على وجه الخصوص. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345976,"book_id":3840,"shamela_page_id":356,"part":"8","page_num":32,"sequence_num":356,"body":"٣٢ - صدقة الفطر\rيقول السائل: ما هو الأساس الذي يبنى عليه تقدير قيمة صدقة الفطر؟\rالجواب: صدقة الفطر واجبة كما هو معلوم فقد ثبت في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على الذكر والأنثى والحر والعبد والكبير والصغير من المسلمين) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من إقط أو من زبيب] رواه البخاري ومسلم. وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على وجوب صدقة الفطر. وقد أجاز جماعة من أهل العلم إخراج القيمة في صدقة الفطر وقد نقل هذا القول عن جماعة من الصحابة والتابعين منهم الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف وبه العمل وعليه الفتوى عند الحنفية وهو أرجح أقوال أهل العلم في المسألة كما سبق وأن بينت ذلك مفصلاً في موضع آخر. وتقدير القيمة يكون بناء على قيمة الأصناف المذكورة في الحديث ولكن ينبغي أن يعلم أن هذه الأصناف التي ذكرت في الحديث ليست على سبيل التعيين وإنما لأنها كانت غالب قوت الناس في المدينة على عهد النبي ﷺ. ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (كنا نخرجها في عهد رسول الله ﷺ صاعاً من طعام وكان طعامنا يومئذ التمر والزبيب والشعير) . [فقوله من طعام فيه إشارة إلى العلة وهي أنها طعام يؤكل ويطعم ويرجح هذا ويقويه قول النبي ﷺ: (أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم) وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً لكن يقويه حديث ان عباس ﵁: (فرضها -أي زكاة الفطر - طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين) وعلى هذا فإن لم تكن هذه الأشياء من القوت كما كانت في عهد الرسول ﷺ فإنها لا تجزئ] . الشرح الممتع على زاد المستقنع ٦/١٨٠-١٨١. لذلك ينبغي أن يكون تقدير القيمة على حسب غالب قوت البلد من الطعام وإن لم يكن مذكوراً في الحديث فمن المعلوم أن بعض البلاد يقتاتون غالباً على الأرز فتخرج صدقة الفطر من الأرز أو قيمة الأرز قال الحطاب المالكي: [فذكر أنها تؤدى من أغلب القوت يعني أغلب قوت البلد الذي يكون فيه المخرج لها إذا كان ذلك الأغلب من المعشرات - ما تجب فيه الزكاة - أو من الإقط ... فإن إقتات أهل بلد غير المعشرات أخرجت زكاة الفطر مما يتاتونه ... وأنها تؤدى من أغلب القوت من هذه الأصناف التسعة التي هي: القمح والشعير والسلت والتمر والزبيب والإقط والدخن والذرة والأرز فإن كان غالب القوت في بلد خلاف هذه الأصناف التسعة من علس أو قطنية أو غير ذلك وشيء من هذه الأصناف موجود لم تخرج إلا من الأصناف التسعة فإن كان أهل بلد ليس عندهم شيء من الأصناف التسعة وإنما يقتاتون في غيره فيجوز أن تؤدى حينئذ من عيشهم ولو كان من غير الأصناف التسعة قال في المدونة: قال ماللك: وتؤدى زكاة الفطر من القمح والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والتمر والزبيب والإقط صاع من كل صنف منها ويخرج ذلك أهل كل بلد من جل عيشهم من ذلك والتمر عيش أهل المدينة ولا يخرج أهل مصر إلا القمح لأنه جل عيشهم إلا أن يغلو سعرهم فيكون عيشهم الشعير فيجزئهم] مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٣/٢٦٠ -٢٦١. وقال القرافي: [يخرج أهل كل بلد من غالب عيشهم ذلك الوقت وفي الجواهر قال أشهب: من عيشه هو وعيش عياله إذا لم يشح على نفسه وعليهم لنا: قوله ﵇: (أغنوهم عن سؤال هذا اليوم) والمطلوب لهم غالب عيش البلد وقياساً على الغنم المأخوذ في الإبل قال سند: إن عدل عن غالب عيش البلد أو عيشه إلى ما هو أعلا أجزأ وإلى الأدنى لا يجزئ عند مالك ... وقال ابن حبيب: إن كان يأكل من أفضل القمح والشعير والسلت فأخرج الأدنى أجزأ وكان ابن عمر ﵁ يخرج التمر والشعير والسلت ويأكل البر واحتجوا بأن الخبر ورد بصيغة التخيير فيخير. جوابهم: أن أو فيه ليست للتخيير بل للتنويع ومعناه إن كان غالب العيش كذا فأخرجوه أو كذا فأخرجوه فهو تنويع للحال كما قال فيه حراً أو عبداً ذكراً أو أنثى ويؤكد ذلك قوله ﷺ: (أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم) ] الذخيرة ٣/١٦٩. وقال الخطيب الشربيني: [ويجب الصاع من غالب قوت بلده إن كان بلدياً وفي غيره من غالب قوت محله لأن ذلك يختلف باختلاف النواحي وقيل من غالب قوته على الخصوص وقيل يتخير بين جميع الأقوات فأو فى الخبرين السابقين على الأولين للتنويع وعلى الثالث للتخيير والمعتبر في غالب القوت غالب قوت السنة كما في المجموع لا غالب قوت وقت الوجوب خلافاً للغزالي في وسيطه] مغني المحتاج ٢/١١٧-١١٨. وبناء على ما تقدم يظهر لنا أن الأصناف المذكورة في أحاديث صدقة الفطر ليست على التعيين وإنما من باب التمثيل لأنها كانت غالب قوت أهل المدينة على عهد النبي ﷺ فإن تقدير قيمة صدقة الفطر يكون على هذا الأساس وعليه فإن تقدير القيمة في بلادنا يكون على أساس القمح والطحين والأرز والخبز لأن هذه الأصناف هي غالب قوت أهل بلدنا فيؤخذ متوسط أسعار هذه المواد فيكون هو مقدار قيمة صدقة الفطر وقد جربت ذلك بنفسي اليوم فوجدت أن قيمة صدقة الفطر ستة شواكل تقريباً أو دينار أردني إذا تقرر هذا فإنه لا يصح الادعاء بأن تقدير صدقة الفطر بالمبلغ المذكور سابقاً (ستة شواكل) غير صحيح وأن الصواب أنه ثلاثة أضعافه لأن قائل هذا القول زعم أنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار ثمن صاع التمر وصاع الإقط عند تقدير قيمة صدقة الفطر. فهذا الكلام مردود لأن التمر والإقط لا يعتبران قوتاً غالباً في بلادنا فلذلك لا يدخلان في تقدير قيمة صدقة الفطر وتقديرها بستة شواكل هو الصحيح وهذا هو الحد الأدنى لصدقة الفطر فإن رغب أحد في أن يدفع أكثر من ذلك فلا حرج عليه بل هو زيادة في الخيرات. كما قال الله ﷾: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) سورة البقرة ١٨٤. ويدل على ذلك أيضاً ما ورد في الحديث عن أبي بن كعب ﵁ قال: بعثني النبي ﷺ مصدقاً - أي لجمع الزكاة - فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض فقلت له أدّ ابنة مخاض فإنها صدقتك فقال ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها فقلت له ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به وهذا رسول الله ﷺ منك قريب فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت عليَّ فافعل فإن قبله منك قبلته وإن رده عليك رددته قال فإني فاعل فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض عليَّ حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلمفقال له: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ﷺ ولا رسوله قط قبله فجمعت له مالي فزعم أن ما عليَّ فيه ابنة مخاض وذلك ما لبن فيه ولا ظهر وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبى عليَّ وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله خذها فقال له رسول الله ﷺ: (ذاك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك) . قال: فها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها فخذها قال: فأمر رسول الله ﷺ بقبضها ودعا له في ماله بالبركة.) رواه أبو داود وقال الشيخ الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن أبي داود ١/٢٩٨.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345977,"book_id":3840,"shamela_page_id":357,"part":"8","page_num":33,"sequence_num":357,"body":"٣٣ - صدقة الفطر\rيقول السائل: ما حكم إخراج النقود في صدقة الفطر؟ وما هو وقتها؟ وهل يجوز تعجيلها؟ ولمن تعطى؟\rالجواب: صدقة الفطر أو زكاة الفطر فريضة عند جمهور أهل العلم وقد ثبتت بأحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ منها: حديث ابن عمر قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد الحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نعطيهما في زمان النبي ﷺ صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب فلما جاء معاوية وجاءت السمراء - أي القمح الشامي - قال: أرى مداً من هذه يعدل مدين) رواه البخاري. وجمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة يرون وجوب إخراج الأعيان في صدقة الفطر كالتمر والشعير والزبيب أو من غالب قوت الناس ولا يجيزون إخراج القيمة أي إخراج النقود. ومذهب الحنفية جواز إخراج القيمة ونقل هذا القول عن جماعة من أهل العلم منهم الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والثوري ونقل عن جماعة من الصحابة أيضاً وهذا هو القول الراجح إن شاء الله لما يلي: أولاً: إن الأصل في الصدقة المال لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) . والمال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة وأطلق على ما يقتنى من الأعيان مجازاً وبيان رسول الله ﷺ المنصوص عليه إنما هو للتيسير ورفع الحرج لا لتقييد الواجب وحصر المقصود. ثانياً: إن أخذ القيمة في الزكاة ثابت عن الرسول ﷺ وعن جماعة من الصحابة فمن ذلك ما ورد عن طاووس قال معاذ باليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. رواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج. وقد عنون الإمام البخاري في صحيحه فقال: باب العرض في الزكاة وذكر الأثر عن معاذ ونصه (وقال طاووس: قال معاذ ﵁ لأهل اليمن ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة) واحتجاج البخاري بهذا يدل على قوة الخبر عنده كما قال الحافظ بن حجر في فتح الباري ٤/٥٤. ونقل الحافظ عن ابن رشيد قال: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل. وفعل معاذ مع إقرار النبي ﷺ على ذلك يدل على جوازه ومشروعيته. ثالثاً: إن النبي ﷺ غاير بين القدر الواجب من الأعيان المنصوص عليها مع تساويها في كفاية الحاجة فجعل من التمر والشعير صاعاً ومن البر نصف صاع وذلك لكونه أكثر ثمناً في عصره فدل على أنه ﵊ اعتبر القيمة. ورواية نصف الصاع من البر ثبتت عن الرسول ﷺ من طرق كثيرة ولا يسلم ضعفها كما قال بعض المحدثين. رابعاً: إن المقصود من صدقة الفطر إغناء الفقراء وسد حاجتهم وهذا المقصود يتحقق بالنقود أكثر من تحققه بالأعيان وخاصة في زماننا هذا لأن نفع النقود للفقراء أكثر بكثير من نفع القمح أو الأرز لهم ولأن الفقير يستطيع بالمال أن يقضي حاجاته وحاجات أولاده وأسرته ومن المشاهد في بعض بلاد المسلمين أن الفقراء يبيعون الأعيان (القمح والأرز) إلى التجار بأبخس الأثمان نظراً لحاجتهم إلى النقود. خامساً: قال الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله \" أن النبي ﷺ لما فرض زكاة الفطر من الأطعمة السائدة في بيئته وعصره إنما اراد بذلك التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم فقد كانت النقود الفضية أو الذهبية عزيزة عند العرب وأكثر الناس لا يكاد يوجد عنده منها إلا القليل أو لا يوجد عنده منها شيء وكان الفقراء والمساكين في حاجة إلى الطعام من البر أو التمر أو الزبيب أو الإقط، لهذا كان إخراج الطعام أيسر على المعطي وأنفع للآخذ ولقصد التيسير أجاز لأصحاب الإبل والغنم أن يخرجوا (الإقط) وهو اللبن المجفف المنزوع زبده فكل إنسان يخرج من الميسور لديه. ثم إن القدرة الشرائية للنقود تتغير من زمن لآخر ومن بلد لآخر ومن مال لآخر فلو قدر الواجب في زكاة الفطر بالنقود لكان قابلاً للارتفاع والانخفاض حسب قدرة النقود على حين يمثل الصاع من الطعام إشباع حاجة بشرية محددة لا تختلف فإذا جعل الصاع هو الأصل في التقدير فإن هذا أقرب إلى العدل وأبعد عن التقلب \". وهناك أدلة أخرى كثيرة تدل على رجحان مذهب الحنفية القائلين بجواز إخراج القيمة في صدقة الفطر ومن اراد الاستزادة فليراجع كتاب الإمام المحدث أحمد بن محمد الغماري بعنوان (تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال) . وأما بقية الأسئلة فنقول في الجواب عنها: إن وقت وجوب صدقة الفطر هو غروب شمس آخر يوم من رمضان عند الجمهور وطلوع فجر يوم العيد عند الحنفية. هذا وقوت الوجوب وقد اجازوا تقديمها عن وقت الوجوب وهو الأصلح والأنفع للفقراء فعند الحنفية يجوز تعجيلها من أول العام وعند الشافعية يجوز تعجيلها من أول شهر رمضان وعند المالكية والحنابلة يجوز تقديمها بيوم أو يومين لقول ابن عمر: (كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين) رواه البخاري. وهذا قول حسن وثبت من فعل جماعة من الصحابة تعجيلها بيوم أو يومين أو ثلاثة حتى يتمكن الفقير من شراء ما يلزمه قبل يوم العيد. وتصرف صدقة الفطر للفقراء والمساكين والمحتاجين فقط ولا تصرف في مصارف الزكاة الثمانية على الراجح من أقوال أهل العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345978,"book_id":3840,"shamela_page_id":358,"part":"8","page_num":34,"sequence_num":358,"body":"٣٤ - زكاة أموال التجارة\rيقول السائل: كيف يزكي التجار تجارتهم؟\rالجواب: إذا حلَّ الشهر الذي يؤدي التاجر فيه زكاة أمواله فإنه يقوم بحصر أمواله من التجارة والتي تشمل البضائع الموجودة لديه والتي لم تبع بعد ذلك وكذلك أمواله السائلة وماله من ديون الناس إذا كانت مضمونة فيقوِّم البضائع الموجودة لديه بسعرها الحاضر ويضم إلى ذلك أرباحه ومدخراته وديونه المضمونة الأداء ويخصم ما عليه من دين إن كان هناك دين ثم يخرج زكاة الباقي بنسبة ٢,٥% أي ربع العشر. وينبغي التنبيه على أن الأجهزة والمعدات لا تدخل في الزكاة مثلاً إذا كانت لديه ثلاجات أو خزائن أو مبنى أو سيارة لخدمة المحل أو نحو ذلك فلا تحسب من ضمن مال الزكاة وإنما الزكاة على الأموال السائلة وهي الأموال المعدة للبيع لما ورد في الحديث عن سمرة بن جندب قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة مما يعد للبيع) ، رواه أبو داود والدارقطني واختلف في سنده وحسنه ابن عبد البر. كما وأن تقويم البضائع والسلع يكون بناءً على سعرها الحالي الذي تباع به وقت التقويم وهذا قول أكثر الفقهاء. ويجوز للتاجر أن يخرج زكاة تجارته من أعيان تلك التجارة كتاجر المواد الغذائية فيجوز له أن يخرجها مما عنده من أرزٍ أو طحينٍ أو سكر وغيرها، ويجوز له أيضاً أن يخرج القيمة مما وجب عليه نقداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345979,"book_id":3840,"shamela_page_id":359,"part":"8","page_num":35,"sequence_num":359,"body":"٣٥ - زكاة الزروع والثمار\rيقول السائل: كيف تخرج زكاة الزيتون؟ وإذا عصر الزيتون فهل تخرج من الزيت؟ وما هو النصاب الشرعي في ذلك؟ وهل يجوز إخراج النقود بدلاً من الزيت والزيتون؟\rالجواب: قال أكثر أهل العلم بوجوب الزكاة في الزيتون إذا تحققت شروط وجوب الزكاة فيه وهذا القول هو الراجح إن شاء الله وهو الذي تؤيده عمومات الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وتشهد له حكمة الشريعة الإسلامية وعدلها وهو المنقول عن ابن عباس ﵁ وعن الزهري والأوزاعي والليث الثوري والحنفية في القول المعتمد عندهم والمالكية وهو أحد القولين في مذهب أحمد وهو قول الشافعي في القديم. يقول الله ﷾: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الأنعام الآية ١٤١. وورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن الرسول ﷺ قال: (فيما سقت السماء والعيون أو كان بعلاً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر) ، رواه البخاري وأصحاب السنن. فإذا قطف المزارع الزيتون وبلغ نصاباً وهو المذكور في قوله ﷺ: (ليس فيما دون خمسةٍ أو سق صدقة) ، متفقٌ عليه، والخمسة أوسق تساوي في زماننا هذا (٦٥٣) كيلو غرام على وجه التقريب فتجب الزكاة فيه ومقدار الواجب هو العشر أي (١٠%) إذا كان يسقى بماء السماء كما هو الواقع بالنسبة لمعظم أشجار الزيتون في بلادنا حيث يعتمد المزارعون في سقيها على الأمطار. وأما إذا كانت تسقى بعض السنة بوسائل الري المعروفة الآن فيكون مقدار الواجب هو نصف العشر أي (٥%) ، وأما إّذا كانت تسقى بعض السنة بماء المطر وبعضها الآخر بوسائل الري المعروفة ففيها ثلاثة أرباع العشر (٧. ٥%) . ويجوز للمزارع أن يخرج المقدار الواجب من زكاة الزيتون حباً إن أراد أو زيتا ً. وينبغي أن يكون ما يخرجه هو الأنفع للفقراء والمحتاجين والأيسر على المزارعين والمعروف اليوم أن كثيراً من المزارعين يعصرون الزيتون فيخرجون من الزيت المقدار الواجب بعد أن يكون الحب قد بلغ نصاباً كما ذكرت. ويجوز للمزارع أن يدفع قيمة المقدار الواجب من الزكاة نقداً ولا بأس في ذلك كما هو مذهب الحنفية والقول المهور عند المالكية وهو رواية في مذهب الحنابلة ومنقول ٌ عن الثوري وعمر بن عبد العزيز من فقهاء السلف. وقد يكون إخراج القيمة أنفع للفقراء والمحتاجين من إخراج الأعيان. ويجب على المزارع ألا يبخس المستحقين للزكاة حقهم فيقدر القيمة بما عليه السعر في السوق يوم إخراج الزكاة. وكما وأن على المزارع أن يبادر إلى إخراج الزكاة بمجرد انتهائه من قطف الزيتون حباً أو عصره زيتاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345980,"book_id":3840,"shamela_page_id":360,"part":"8","page_num":36,"sequence_num":360,"body":"٣٦ - مصارف الزكاة\rتقول السائلة: هل يجوز للزوجة أن تصرف زكاة أموالها لزوجها الفقير؟\r\rالجواب: نعم يجوز للزوجة أن تدفع زكاة مالها لزوجها الفقير وهذا قول جمهور أهل العلم ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال رسول الله ﷺ: (تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن، قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة فأته فسأله، فإن كان ذلك يجزيء عني وإلا صرفتها إلى غيركم، قالت: فقال عبد الله: بل ائتيه أنت قالت: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة قالت: فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب يسألانك: أتجزيء الصدقة عنهما على زوجيهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبر من نحن. قالت: فدخل بلال فسأله قال له: من هما؟ فقال امرأة من الأنصار وزينب. فقال: أي الزيانب؟ فقال: زينب امرأة عبد الله. فقال: لهما أجران: أجر القرابة واجر الصدقة) متفق عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345981,"book_id":3840,"shamela_page_id":361,"part":"8","page_num":37,"sequence_num":361,"body":"٣٧ - مصارف الزكاة\rيقول السائل: إنه يعمل في إحدى لجان الزكاة وإن كثيراً من الناس يراجعون لجنة الزكاة طالبين الأخذ من مال الزكاة وبعد دراسة أحوالهم يتبين أن بعضهم غير مستحقين للزكاة لأن لهم رواتب تكفيهم بل تزيد فما حكم أخذ هؤلاء من أموال الزكاة؟\r\rالجواب: يقول الله ﷾: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآية ٦٠.\rوقد أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا تصرف إلا في المصارف الثمانية المذكورة في الآية الكريمة ولا حق لأحد من الناس فيها سواهم ولهذا قال عمر بن الخطاب: [هذه لهؤلاء] .\rوقد روي في الحديث عن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته - وذكر حديثاً طويلاً - فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال رسول الله ﷺ: (إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقة حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت في تلك الأجزاء أعطيتك حقك) رواه أبو داود والبيهقي والدارقطني وفي سنده ضعف.\rوقد طعن بعض الناس في تقسيم النبي ﷺ للزكاة وكانوا طامعين فيها مع أنهم ليسوا من أهلها فنعى الله ﷾ عليهم بقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَاءَاتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآيات ٥٨-٦٠.\rإذا تقرر هذا فإن العلماء قد بينوا أصناف الذين لا يستحقون الزكاة ولا يجوز صرفها لهم وهم على وجه الإجمال: الأغنياء والأقوياء المتكسبون والمتفرغون للعبادة وأصول المزكي وفروعه وزوجته وآل النبي ﷺ والكفار والملاحدة هذا بشكل عام وهناك غيرهم اختلف الفقهاء في إعطائهم وسأقتصر هنا على الحديث على القسمين الأولين ولعلي أفصل الكلام على بقيتهم في حلقات قادمة إن شاء الله.\rأما الأغنياء فلا تحل لهم الزكاة لأن النبي ﷺ قد قال لمعاذ ﵁ في الحديث: (أعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) رواه البخاري ومسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي) رواه أصحاب السنن وهو حديث صحيح صححه الألباني وغيره انظر صحيح سنن أبي داود ١/٣٠٨.\rوعن عبيد الله بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن الصدقة فصعد فيهما وصوب فقال: (إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب) رواه أبو داوود والنسائي وهو حديث صحيح صححه الألباني وغيره. انظر صحيح سنن أبي داود ١/٣٠٧.\rوالغني الذي لا تحل له الزكاة هو من ملك نصاباً زائداً عن حاجته الأصلية وتحققت فيه شروط وجوب الزكاة وهذا أرجح أقوال العلماء في حد الغنى المانع لأخذ الزكاة حيث إن النبي ﷺ قد بين أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء ومن ملك نصاباً وتحققت فيه الشروط الشرعية لوجوب الزكاة فعليه أداؤها فهو غني وغير فقير قال القرطبي عند ذكر اختلاف العلماء في حد الفقر: [وقال أبو حنيفة: من معه عشرون ديناراً أو مئتا درهم فلا يأخذ من الزكاة، فاعتبر النصاب لقوله ﵊: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم) وهذا واضح ورواه المغيرة عن مالك] تفسير القرطبي ٨/١٧١-١٧٢.\rوأما القوي المكتسب فلا تحل له الزكاة والقوي المكتسب هو من كان صحيحاً في بدنه ويجد عملاً يكتسب منه ما يسد حاجته فهذا لا يعطى من الزكاة لأن الواجب عليه أن يعمل ويكسب ليكفي نفسه وعياله ولا يجوز أن يكون عاطلاً عن العمل باختياره ويمد يده ليأخذ من أموال الزكاة وهذا مذهب جمهور أهل العلم. انظر المجموع ٦/٢٢٨.\rوعلى ذلك دلت الأدلة كما في قوله ﷺ: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي) وهذا الحديث وإن كان قد ورد في ذو المرة السوي مطلقاً إلا أنه مقيد بالحديث الآخر وهو قوله ﷺ: (ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب) وهو حديث صحيح كما سبق. قال الإمام النووي: [من يكسب كل يوم كفايته لا يجوز له أخذ الزكاة] روضة الطالبين ٢/٣١٠.\rوقال الإمام البغوي بعد أن ذكر الحديث: [فيه دليل على أن القوي المكتسب الذي يغنيه كسبه لا يحل له الزكاة ولم يعتبر النبي ﷺ ظاهر القوة دون أن يضم إليه الكسب لأن الرجل قد يكون ظاهر القوة غير أنه أخرق لا كسب له فتحل له الزكاة وإذا رأى الإمام السائل جلداً قوياً شك في أمره وأنذره وأخبره بالأمر كما فعل النبي ﷺ فإن زعم أنه لا كسب له أو له عيال لا يقوم كسبه بكفايتهم قبل منه وأعطاه] شرح السنة ٦/٨١-٨٢.\rفإذا لم يجد الكسوب عملاً حلت له الزكاة قال الإمام النووي: [قال أصحابنا وإذا لم يجد الكسوب من يستعمله حلت له الزكاة] . المجموع ٦/١٩١.\rوقال الشيخ القرضاوي: [والخلاصة أن القادر على الكسب الذي يحرم عليه الزكاة هو الذي تتوافر فيه الشروط التالية:\r١. أن يجد العلم الذي يكتسب منه.\r٢. أن يكون هذا العلم حلالاً شرعاً فإن العمل المحظور في الشرع بمنزلة المعدوم.\r٣. أن يقدر عليه من غير مشقة شديدة فوق المحتمل عادةً.\r٤. أن يكون ملائمأً لمثله ولائقاً بحاله ومركزه ومروؤته ومنزلته الإجتماعية.\r٥. أن يكتسب منه قدر ما تتم به كفايته وكفاية من يعولهم.\rومعنى هذا أن كل قادر على الكسب مطلوب منه شرعاً أن يكفي نفسه بنفسه وأن المجتمع بعامة - وولي الأمر بخاصة - مطلوب منه أن يعينه على هذا الأمر الذي هو حق له وواجب عليه. فمن كان عاجزاً عن الكسب - لضعف ذاتي كالصغر والعته والشيخوخة والعاهة والمرض أو كان قادراً ولم يجد باباً حلالاً للكسب يليق بمثله أو وجد ولكن كان دخله من كسبه لا يكفيه وعائلته أو يكفيه بعض الكفاية دون تمامها - فقد حل له الأخذ من الزكاة ولا حرج عليه في دين الله] فقه الزكاة ٢/٥٥٩-٥٦٠.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345982,"book_id":3840,"shamela_page_id":362,"part":"8","page_num":38,"sequence_num":362,"body":"٣٨ - اشتراط الحول في الزكاة\rيقول السائل: إنه قرأ في كتاب فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي أنه لم يثبت حديث صحيح في اشتراط الحول في الزكاة فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: من المعروف عند أهل العلم أن أهم مصدر في المكتبة الإسلامية المعاصرة في موضوع الزكاة هو كتاب فقه الزكاة للدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي فقيه العصر والأوان بلا منازع حيث إنه بحث الزكاة بتوسع وعمق يشكر عليه. وقد تعرض لمسألة اشتراط الحول في الزكاة في موضعين من كتابه ففي الموضع الأول ذكر حولان الحول ضمن شروط المال الذي تجب فيه الزكاة فقد ذكر أنه يشترط فيه ما يلي:\r١. الملك التام.\r٢. النماء.\r٣. بلوغ النصاب.\r٤. الفضل عن الحوائج الأصلية.\r٥. السلامة من الدين.\r٦. حولان الحول.\rفقال: [ومعناه: أن يمر على الملك في ملك المالك اثنا عشر شهراً عربياً وهذا الشرط إنما هو بالنسبة للأنعام والنقود والسلع التجارية (وهو ما يدخل تحت اسم زكاة رأس المال) أما الزروع والثمار والعسل والمستخرج من المعادن والكنوز ونحوها فلا يشترط لها حول وهو ما يمكن أن يدخل تحت اسم \" زكاة المدخل \"] فقه الزكاة ١/١٦١.\rثم نقل الشيخ القرضاوي كلام بعض أهل العلم في اشتراط الحول وخلاف بعض العلماء في عدم اشتراط الحول ثم قال: [وقد ذكر ابن رشد في سبب الاختلاف أنه لم يرد في ذلك حديث ثابت، ثم عقب الشيخ القرضاوي على ذلك بقوله: وهو توجيه صيح كما سنبينه في موضعه إن شاء الله] فقه الزكاة ١/١٦٣.\rوقد وفى الشيخ القرضاوي بما وعد فقد فصل الكلام على الأحاديث الواردة في اشتراط الحول فقال: [روي اشتراط الحول عن النبي ﷺ من حديث أربعة من الصحابة هم علي وابن عمر وأنس وعائشة ﵃ ولكن هذه الأحاديث كلها ضعيفة لا تصلح للحجة] فقه الزكاة ١/٤٩٢.\rثم فصل الكلام على الأحاديث الأربعة من حيث السند.\rوبعد كلام طويل عن الأحاديث السابقة قال العلامة القرضاوي حفظه الله ورعاه: [وبهذا البيان يتضح لنا أنه ليس في اشتراط الحول حديث ثابت مرفوع إلى النبي ﷺ] فقه الزكاة ١/٤٩٧.\rثم قال في موضع آخر: [إن اشتراط الحول في كل مال - حتى المستفاد منه - ليس فيه نص في مرتبة الصحيح أو الحسن الذي يؤخذ منه حكم شرعي عام للأمة وتقيد به النصوص المطلقة وهذا ما صرح به علماء الحديث وإنما صح ذلك من قول بعض الصحابة كما ذكرنا] فقه الزكاة ١/٥٠٥.\rهذا مختصر كلام العلامة القرضاوي في المسألة وقد اعتمد فيما ذهب إليه على كلام بعض أهل الحديث في الحكم على الأحاديث الواردة في اشتراط الحول وأنها ضعيفة لا تصلح للحجة ولكنني أخالفه فيما ذهب وأرى أن ما ذهب إليه الشيخ القرضاوي من عدم اشتراط الحول في الزكاة هو قول ضعيف ومخالف لما عليه جماهير الصحابة وأئمة الفتوى من الفقهاء، انظر المجموع ٥/٣٦١، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٥/١٤.\rوقد وقفت بعد البحث والتقصي على كلام لبعض أهل العلم يقوى الأحاديث التي اشترطت الحول في الزكاة فأقول وبالله التوفيق:\rإن كلام العلامة ابن رشد الذي ساقه الشيخ القرضاوي وصوبه فيه إثبات قوي لاشتراط الحول وإليك نص كلام ابن رشد: [وأما وقت الزكاة فإن جمهور الفقهاء يشترطون في وجوب الزكاة في الذهب والفضة والماشية الحول لثبوت ذلك عن الخلفاء الأربعة ولانتشاره في الصحابة ﵃ ولانتشار العمل به ولاعتقادهم أن مثل هذا الانتشار من غير خلاف لا يجوز أن يكون إلا عن توقيف. وقد روي مرفوعاً من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) وهذا مجمع عليه عند فقهاء الأمصار وليس فيه في الصدر الأول خلاف إلا ما روي عن ابن عباس ومعاوية وسبب الاختلاف أنه لم يرد في ذلك حديث ثابت] بداية المجتهد ٥/٧٨-٧٩.\rوقال الحافظ ابن عبد البر: [وأما الذهب والورق فلا تجب الزكاة في شيء منها إلا بعد تمام الحول أيضاً وعلى هذا جمهور العلماء والخلاف فيه شذوذ ولا أعلمه إلا شيء روي عن ابن عباس ومعاوية أنهما قالا: من ملك النصاب من الذهب والورق وجبت عليه الزكاة في الوقت. وهذا قول لم يعرج عليه أحد من العلماء ولا قال به أحد من أئمة الصحابة ولا قال به أحد من أئمة الفتوى إلا رواية عن الأوزاعي ...] فتح المالك بتبويب التمهيد لابن عبد البر على موطأ مالك ٥/٢٠.\rوذكر الحافظ ابن عبد البر أن القول باشتراط الحول في الزكاة عليه جماعة الفقهاء قديماً وحديثاً لا يختلفون فيه أنه لا يجب في مال من العين ولا في ماشية زكاة حتى يحول عليه الحول إلا ما روي عن ابن عباس وعن معاوية أيضاً ... ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بقول معاوية وابن عباس في اطراح مرور الحول إلا مسألة جاءت عن الأوزاعي ...\rوعقب الحافظ ابن عبد البر بقوله: [هذا قول ضعيف متناقض] انظر الاستذكار ٩/٣٢-٣٣.\rإن القول باشتراط الحول في الزكاة قال به الأئمة الأربعة وثبت ذلك عن الخلفاء الأربعة وهو قول مشهور بين الصحابة وعملوا به وهذا الانتشار لا يجوز إلا أن يكون عن توقيف كما قال العلامة ابن رشد. بداية المجتهد ٥/٧٨.\rوقال أبو عبيد القاسم بن سلام مؤيداً اشتراط الحول: [فقد تواترت الآثار عن علية أصحاب رسول الله ﷺ بهذا] كتاب الأموال ص ٥٠٥.\rإذا ثبت هذا فنعود إلى أقوال المحدثين في الأحاديث الواردة في اشتراط الحول وهي عدة أحاديث، منها حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: [لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول] رواه الترمذي وابن ماجة والبيهقي والدارقطني وغيرهم.\rوقد ورد بهذا اللفظ ونحوه عن جماعة من الصحابة منهم علي وعائشة وأنس وأم سعد الأنصارية وسراء بنت نبهان ﵃.\rوهذه الأحاديث فيها كلام طويل لأهل الحديث لا يتسع المقام لإيراده وهذه الأحاديث حكم عليها بعض أهل الحديث بالضعف كما فصله الشيخ القرضاوي في كتابه إلا أن جماعة أخرى من أهل الحديث يرون أن هذه الأحاديث تصلح للاستدلال بمجموع طرقها بل إن بعض طرقها صحيح أو حسن.\rقال الشيخ أحمد الغماري بعد أن تكلم على أسانيد هذه الأحاديث: [... إلا أن مجموع هذه الأحاديث مع حديث علي الذي هو حسن يصل إلى درجة المعمول به لا سيما مع تواتر ذلك عن الصحابة كما قال أبو عبيد في الأموال: قد تواترت الآثار عن علية أصحاب رسول الله ﷺ بهذا ثم أسند ذلك عن علي وابن عمر وأبي بكر وعثمان وابن مسعود وطارق بن شهاب وفي مصنف ابن أبي شيبة زيادة أبي بكرة وعائشة وبعض ذلك في الموطأ كأثر ابن عمر وعثمان﴾ الهداية في تخريج أحاديث البداية ٥/٨٤-٨٦\rوحديث علي الذي أشار إليه الشيخ الغماري هو أن النبي ﷺ قال: (قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا من الرقة ربع العشر من كل مئتي درهم خمسة دراهم ومن كل عشرين ديناراً نصف دينار وليس في مئتي درهم شيء حتى يحول عليها الحول ففيها خمسة دراهم ... الخ] رواه\rأبو داود والبيهقي وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٢٩٦.\rوكذلك فإن الشيخ الألباني صحح حديث ابن عمر المذكور بمجوع طرقه وذكر أن حديث علي السبق يقويه فقال: [ثم وجدت للحديث طريقاً أخرى بسند صحيح عن علي ﵁ خرجته في صحيح أبي داود فصح الحديث والحمد لله] إرواء الغليل ٣/٢٥٨.\rوقال الإمام الزيلعي عن حديث علي المذكور: [... فالحديث حسن ... قال النووي ﵀ في الخلاصة وهو حديث صحيح أو حسن] نصب الراية ٢/٣٢٨.\rوقال الحافظ ابن حجر: [... حديث علي لا بأس بإسناده والآثار تعضده فيصلح للحجة والله أعلم] التلخيص الحبير ٢/١٥٦. وقال الحافظ أيضاً: إنه حديث حسن. بلوغ المرام ص ١٢١.\rكما أن الحافظ العراقي قد جود إسناد حديث علي كما في إتحاف السادة المتقين ٤/١٦.\rوقال الإمام الشوكاني بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في اشتراط الحول: [ومجموع هذه الأحاديث تقوم به الحجة في اعتبار الحول] السيل الجرار ٢/١٣.\rوأما ما نقله العلامة القرضاوي عن الشيخ ابن حزم من تضعيفه لحديث علي المذكور فقد رجع ابن حزم عن كلامه هذا في كتابه المحلى فقال في آخر المسألة: [ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير ابن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه ... الخ كلامه] تهذيب السنن ٨/٣١٢.\rوبعد هذا العرض الموجز لأقوال العلماء يظهر لي أن اشتراط الحول في الزكاة ثابت عن النبي ﷺ وأنه لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول وما كان أكثر الصحابة ﵃ ليقولوا بهذا القول لولا وقوفهم فيه على شيء عن النبي ﷺ إذ أن هذا الشرط متعلق بعبادة من العبادات والأصل في العبادات التوقيف على النبي ﷺ فما ورد عن الصحابة في هذا الشرط له حكم الرفع إذ لا مسرح للاجتهاد في ذلك. انظر سبل السلام ٢/٢٦٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345983,"book_id":3840,"shamela_page_id":363,"part":"8","page_num":39,"sequence_num":363,"body":"٣٩ - التهرب من أداء الزكاة\rيقول السائل: ما حكم ما يفعله بعض الناس من التهرب من أداء الزكاة بطرق ملتوية كمن لديه مال أوشك أن يحول عليه الحول فيقوم بشراء عمارة وهو ليس بحاجة لها حتى لا يزكي ماله ثم بعد مدة وجيزة يقوم ببيعها ليستأنف حولاً جديداً؟\r\rالجواب: صح في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) فالله ﷾ مطلع على النوايا ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فالمسلم يجب أن يلتزم بما أمر الله ﷾ به والزكاة من جملة فرائض الله ﷾ فعلى من وجبت عليه الزكاة أن يلتزم بإخراجها وأن يضعها في مصارفها الشرعية ولا يجوز لأحد أن يحتال لإسقاط الزكاة ويحرم الفرار من الزكاة وهذا مذهب جماهير أهل العلم وقالوا إن من حاول الفرار من الزكاة فإنها تؤخذ منه ويعامل على خلاف قصده كما في قصة أصحاب الجنة التي قصها الله علينا قال الله تعالى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ) سورة القلم ١٧-٣٢.\rفأصحاب البستان عزموا على حرمان المساكين من الصدقة فعاقبهم الله ﷾ بخلاف قصدهم، قال العلامة ابن كثير: [هذا مثل ضربه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة وأعطاهم من النعمة الجسيمة وهو بعثة محمد ﷺ فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة ولهذا قال تعالى (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ) أي اختبرناهم (كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) أي فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلاً لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء (وَلَا يَسْتَثْنُونَ) أي فيما حلفوا به، ولهذا حنثهم الله في أيمانهم فقال تعالى (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ) أي أصابتها آفة سماوية (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) ] .\rثم قال ابن كثير أيضاً: [قد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد كانوا من أهل اليمن، قال سعيد بن جبير: كانوا من قرية يقال لها ضروان على ستة أميال من صنعاء، وقيل كانوا من أهل الحبشة وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة فكان ما يستغل منها يرد فيها ما تحتاج إليه ويدخر لعياله قوت سنتهم ويتصدق بالفاضل فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئاً للفقراء ولو أنا منعناهم لنوفر ذلك علينا، فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية رأس المال والربح والصدقة فلم يبق لهم شيء قال الله تعالى (كَذَلِكَ الْعَذَابُ) أي هكذا عذاب من خالف أمر الله وبخل بما أتاه الله وأنعم عليه ومنع حق المساكين والفقير وذوي الحاجات وبدل نعمة الله كفراً (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم وعذاب الآخرة أشق] تفسير ابن كثير ٤/٤٠٦-٤٠٧.\rومما يدل على تحريم الفرار من الزكاة ما ورد عن أنس ﵁: (أن أبا بكر ﵁ كتب له فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ: ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) رواه البخاري.\rوقد ذكر الإمام البخاري هذا الحديث في صحيحه في كتاب الحيل باب الزكاة أي ترك الحيل في الزكاة لإسقاطها. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٥/٣٦٣.\rقال الحافظ ابن حجر: [قال مالك في الموطأ: معنى هذا الحديث أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة فيجمعونها حتى لا تجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاتان فيكون عليهما فيها ثلاث شياه فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد إلا شاة واحدة. وقال الشافعي: هو خطاب لرب المال من جهة وللساعي من جهة فأمر كل واحد منهم أن لا يحدث شيئاً من الجمع والتفريق خشية الصدقة. فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر، فمعنى قوله (خشية الصدقة) أي خشية أن تكثر الصدقة أو خشية أن تقل الصدقة فلما كان محتملاً للأمرين لم يكن الحمل على أحدهما بأولى من الآخر فحمل عليهما معا. لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر والله أعلم] فتح الباري ٤/٥٦.\rوقال العلامة ابن القيم: [ويدل على تحريم الحيل الحديث الصحيح وهو قوله ﷺ: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) وهذا نص في تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة أو تنقيصها بسبب الجمع والتفريق فإذا باع بعض النصاب قبل تمام الحول تحيلاً على إسقاط الزكاة فقد فرق بين المجتمع فلا تسقط الزكاة عنه بالفرار منها] إعلام الموقعين ٣/١٧٢.\rوذكر الخرقي في مختصره مسألة الفرار من الزكاة فقال: [من كانت عنده ماشية فباعها قبل الحول بدراهم فراراً من الزكاة لم تسقط الزكاة عنه] .\rوقد فصل الشيخ ابن قدامة المقدسي المسألة بقوله: [قد ذكرنا أن إبدال النصاب بغير جنسه يقطع الحول ويستأنف حولاً آخر فإن فعل هذا فراراً من الزكاة لم تسقط عنه سواء أكان المُبدل ماشية أو غيرها من النصب. وكذا لو أتلف جزءاً من النصاب قصداً للتنقيص لتسقط عنه الزكاة، لم تسقط وتؤخذ الزكاة منه في آخر الحول إذا كان إبداله أو إتلافه عند قرب الوجوب ولو فعل ذلك في أول الحول لم تجب الزكاة. لأن ذلك ليس بمظنة للفرار، وبما ذكرناه قال مالك والأوزاعي وابن الماجشون وإسحاق وأبو عبيد....\rولنا: قول الله تعالى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) فعاقبهم الله تعالى بذلك لفرارهم من الصدقة ولأنه قصد إسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه، فلم يسقط كما لو طلّق امرأته في مرض موته، ولأنه لمّا قصد قصداً فاسداً اقتضت الحكمة معاقبته بنقيض قصده كمن قتل موثه لاستعجال ميراثه عاقبه الشرع بالحرمان وإذا أتلفه لحاجته لم يقصد قصداً فاسداً] المغني ٢/٥٠٤.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم على المسلم أن يفر من أداء الزكاة بأي وسيلة كانت لأن ذلك من الحيل المحرمة في الشرع وقد نعى الله ﷾ تحيل اليهود لانتهاك المحرمات فقال تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) سورة الأعراف الآية ١٦٣.\rورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (لا ترتكبوا ما ارتكبت يهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) رواه ابن بطة في إبطال الحيل، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [هذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي وغيره تارة ويحسنه تارة] إبطال الحيل ص ١١٢.\rوقال الشيخ الألباني: [وحسن إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير] صفة الفتوى والمفتي والمستفتي ص ٣٣.\rوبناءً على كل ماسبق يجب على هذا الشخص أن يؤدي الزكاة التي وجبت عليه وهي باقية في ذمته إلى أن يؤديها ولا تسقط عنه بما فعل من الحيلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345984,"book_id":3840,"shamela_page_id":364,"part":"8","page_num":40,"sequence_num":364,"body":"٤٠ - زكاة الزروع والثمار\rيقول السائل: إنه اتفق مع شخص يملك أشجار زيتون على أن يقوم بقطف الزيتون على أن يكون له ربع المحصول فعلى من تكون الزكاة؟\r\rالجواب: هذه المعاملة تعتبر إجارة والأجرة بعض المعمول بعد العمل كما وسبق أن بينت ذلك في حلقة سابقة وهذا الأجير لا زكاة عليه فيما يحصل عليه من المحصول. وإنما الزكاة على مالك الشجر فهو الذي يزكي المحصول.\rولكن أهل العلم اختلفوا هل يزكي جميع المحصول قبل خصم أجرة من قام بالقطف؟ أم أنه يزكي المحصول بعد خصم حصة الأجير؟\rاتجاهان لأهل العلم فمنهم من يرى أن المزارع يخصم النفقات التي تحملها في الإنفاق على زرعه ويدخل في ذلك ما أنفقه على الحراثة والتسميد وأجرة العمال والحصادين فيخصم قبل إخراج الزكاة، باستثناء نفقات الري التي أنزل الشارع الواجب في مقابلها من العشر إلى نصفه وهذا ما اختاره العلامة القرضاوي في فقه الزكاة وهو الذي أرجّحه وأختاره. انظر فقه الزكاة ١/٣٩٦-٣٩٧.\rقال الإمام أحمد: [من استدان ما أنفق على زرعه واستدان ما أنفق على أهله - عياله - احتسب ما أنفق على زرعه دون ما أنفق على أهله] وعلل الحنابلة ذلك بأنه من مئونة الزرع كما بينه الشيخ ابن قدامة في المغني ٣/٣٠.\rوورد عن ابن عباس ﵄: (أنه قال في الرجل ينفق على ثمرته، فقال: يرفع النفقة ويزكي ما بقي) وعن عطاء قال: [إنه يسقط مما أصاب النفقة فإن بقي مقدار لزكاة زكى وإلا فلا] المحلى ٤/٦٦.\rوروى يحيى بن آدم عن وكيع عن إسماعيل بن عبد الملك قال: [قلت لعطاء: الأرض أزرعها؟ قال فقال: ارفع نفقتك وزك ما بقي] الخراج ص ١٥٢.\rوروى يحيى بن آدم بإسناده عن ابن عباس وابن عمر في الرجل: [يستقرض فينفق على ثمرته وأهله قال: قال ابن عمر: يبدأ بما استقرض فيقضيه ويزكي ما بقي. قال: وقال ابن عباس: يقضي ما أنفق على الثمرة ثم يزكي ما بقي] .\rقال الشيخ أحمد محمد شاكر يرحمه الله: هذا إسناد صحيح. كتاب الخراج ص ١٥٣.\rوروى يحيى بن آدم أيضاً عن الثوري، قال: [فيما أخرجت الأرض الخراج قال: ارفع دينك وخراجك فإن بلغ خمسة أوسق بعد ذلك فزكها] الخراج ص ١٥٣.\rقال القرطبي: [قال مالك وما استهلكه منه ربه - أي صاحب الثمر - بعد بدو صلاحه أو بعدما أفرك حسب عليه. وما أعطاه ربه منه في حصاده وجذاذه ومن الزيتون في التقاطه تحرى ذلك وحسب عليه. وأكثر الفقهاء يخالفونه في ذلك ولا يوجبون الزكاة إلا فيما حصل في يده بعد الدرس] تفسير القرطبي ٧/١٠٨.\rوقال العلامة الشيخ القرضاوي: [والذي يلوح أن الشارع حكم بتفاوت الواجب في الخارج بناء على تفاوت المشقة والجهد المبذول في سقي الأرض فقد كان ذلك أبرز ما تتفاوت به الأراضي الزراعية أما النفقات الأخرى فلم يأت نص باعتبارها ولا بإلغائها ولكن الأشبه بروح الشريعة إسقاط الزكاة عما يقابل المؤنة من الخارج والذي يؤيد هذا أمران:\rالأول: أن للكلفة والمؤونة تأثيراً في نظر الشارع فقد تقلل مقدار الواجب كما في السقي بآلة جعل الشارع فيه نصف العشر فقط، وقد تمنع الوجوب أصلاً كما في الأنعام المعلوفة أكثر العام، فلا عجب أن تؤثر في إسقاط ما يقابلها من الخارج من الأرض.\rالثاني: أن حقيقة النماء هي الزيادة ولا يعد المال زيادة وكسباً إذا كان قد أنفق مثله في الحصول عليه ولهذا قال بعض الفقهاء: إن قدر المؤنة بمنزلة ما سلم له بعوض فكأنه اشتراه وهذا صحيح.\rهذا على ألا تحسب في ذلك نفقات الري التي أنزل الشارع الواجب في مقابلها من العشر إلى نصفه.\rفمن كانت له أرض أخرجت عشرة قناطير من القطن تساوي مائتي جنيه وقد أنفق عليها - في غير الري - مع الضريبة العقارية مبلغ ستين جنيهاً (أي ما يعادل ثلاثة قناطير) فإنه يخرج الزكاة عن سبعة قناطير فقط، فإذا كانت سقيت سيحاً ففيها العشر أو بآلة فنصف العشر. والله أعلم] فقه الزكاة ١/٣٩٦-٣٩٧.\rومما يؤيد هذا القول أن النبي ﷺ أمر الخارص - وهو الذي يقدر كمية الثمار التي تجب فيها الزكاة - أن يترك ثلث الثمر أو ربعه لأصحاب الثمر ولا يحسب فيه زكاة فقد جاء في حديث سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) رواه أبو داود وسكت عليه هو والمنذري ورواه الترمذي وابن خزيمة وصححه ورواه ابن حبان وصححه ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وضعفه آخرون.\rقال الحاكم: [هذا حديث صحيح الإسناد وله شاهد بإسناد متفق على صحته. عمر بن الخطاب أمر به ثم روى الحاكم بسنده عن سهل بن أبي حثمة: (أن عمر بن الخطاب ﵁ بعثه إلى خرص التمر وقال: إذا أتيت أرضاً فاخرصها ودع لهم قدر ما يأكلون) المستدرك ٢/٢٢-٢٣.\rومعنى ترك الثلث أو الربع على أحد قولي العلماء هو ما قاله الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وعلى الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع توسعة على أرباب الأموال لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم ويطعمون جيرانهم وأهلهم وأصدقاءهم وسؤالهم ويكون في الثمرة السقاطة وينتابها الطير وتأكل منه المارة فلو استوفى الكل منهم أضر بهم وبهذا قال إسحاق ونحوه قال الليث وأبو عبيد والمرجع في تقدير المتروك إلى الساعي باجتهاده فإن رأى الأكلة كثيراً ترك الثلث وإن كانوا قليلاً ترك الربع. لما روى سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ كان يقول: (إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) رواه أبو عبيد وأبو داود والنسائي والترمذي وروى أبو عبيد بإسناده عن مكحول قال: (كان رسول الله ﷺ إذا بعث الخراص قال: خففوا على الناس فإن في المال العرية والواطئة والآكلة) قال أبو عبيد: الواطئة: السابلة، سموا بذلك لوطئهم بلاد الثمار مجتازين، والآكلة: أرباب الثمار وأهلوهم ومن لصق بهم. ومنه حديث سهل في مال سعد بن أبي سعد حين قال: لولا أني وجدت فيه أربعين عريشاً لخرصته تسعمائة وسق. وكانت تلك العرش لهؤلاء الآكلة، والعرية: النخلة أو النخلات يهب إنساناً ثمرتها، فجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس في العرايا صدقة) .\rوروى ابن المنذر عن عمر ﵁ انه قال لسهل بن أبي حثمة: (إذا أتيت على نخل قد حضرها قوم فدع لهم ما يأكلون) والحكم في العنب كالحكم في النخيل سواء فإن لم يترك لهم الخارص شيئاً فلهم الأكل قدر ذلك ولا يحتسب عليهم به، نصّ عليه. لأنه حق لهم] المغني ٣/١٦-١٧.\rوقال الشيخ ابن العربي المالكي: [وكذلك اختلف قول علمائنا هل تحط المؤنة من المال المزكى وحينئذ تجب الزكاة أو تكون مؤنة المال وخدمته حتى يصير حاصلا في حصة رب المال وتؤخذ من الرأس؟ والصحيح أنها محسوبة وأن الباقي هو الذي يؤخذ عشره ولذلك قال النبي ﷺ ? دعوا الثلث أو الربع) وهو قدر المؤنة ولقد جربناه فوجدناه كذلك في الأغلب وبما يأكل رطباً ويحتسب المؤنة يتخلص الباقي ثلاثة أرباع أو [ثلثين] والله أعلم. ومن حديث ابن لهيعة وغيره عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال ? خففوا في الخص فإن في المال العرية والرطبة والأكل والوصية والعامل والنوائب) . وقد روى سهل بن أبي حثمة ? أن النبي ﷺ بعث أبا حثمة خارصا، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إن أبا حثمة قد زاد علي فقال رسول الله ﷺ: إن ابن عمك يزعم أنك زدت عليه. فقال: يا رسول الله لقد تركت له قدر عرية أهله وما يطعم المساكين وما تسقط الريح. فقال: قد زادك ابن عمك في نصفك) فقال الطحاوي: ترك له واخطأ إنما زاده ما تسقط الريح لأنه يجمعه لنفسه وكان حقه أن يعيده عليه وأما الذي يأكل أهله ومن نزل به أو مرّ عليه فقد تقدم في الحديث أنه لا يعيد عليه في الزكاة. قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵁: والمتحصل من صحيح النظر أن يترك له قدر الثلث أو الربع كما بيناه في مقابلة المؤنة من واجب فيها ومندوب إليها منه والله أعلم] عارضة الأحوذي ٣/١١٦.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345985,"book_id":3840,"shamela_page_id":365,"part":"8","page_num":41,"sequence_num":365,"body":"٤١ - زكاة الزروع والثمار\rزكاة الزيتون على المالك والمتضمن, يقول السائل: إنه قد اتفق مع أحد أصحاب شجر الزيتون على أن يقوم بما يلزم شجر الزيتون من حراثة وتسميد وتقليم وقطاف على أن له نصف المحصول فهل تلزمه الزكاة؟\r\rالجواب: هذا الاتفاق بين صاحب شجر الزيتون والسائل هو عقد مساقاة وهي إعطاء الشجر المثمر لمن يقوم عليه بخدمته من حرث وسقي وتسميد وتقليم ونحو ذلك على أن يكون للعامل نصيب من الثمر. والمساقاة عقد صحيح جائز شرعاً كما هو مذهب أكثر أهل العلم، وقد صح في الحديث: (أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر) متفق عليه، ويشترط لصحة عقد المساقاة أن يكون نصيب كل من المتعاقدين نسبة شائعة كالنصف أو الثلث أو الربع فمهما رزق الله من ثمر فهو بينهما على النسبة التي يتفقان عليها.\rإذا تقرر هذا فأقول إن الزكاة تكون في هذه الحالة على المتعاقدين جميعاً فكل منهما يزكي حصته إذا بلغت نصاباً وهو خمسة أوسق ويقدر في زماننا بحوالي ٦٥٣ كيلو غراماً. فإذا قل نصيب أحدهما عن النصاب فلا زكاة حينئذ إلا أن يكون لهما أو لأحدهما أرضاً أخرى تنتج فعندها يكمل النصاب منها\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإن زارع رجلاً مزارعة فاسدة فالعشر على من يجب الزرع له وإن كانت صحيحة فعلى كل واحد منهما عشر حصته إن بلغت خمسة أوسق أو كان له من الزرع ما يبلغ بضمه إليها خمسة أوسق وإلا فلا عشر عليه وإن بلغت حصة أحدهما دون صاحبه النصاب فعلى من بلغت حصته النصاب عشرها ولا شيء على الآخر لأن الخلطة لا تؤثر في غير السائمة في الصحيح] المغني ٣٠-٣١\rوينبغي أن يعلم أن هذه المسألة تختلف فيما لو كان الشخص مجرد أجير لقطف الزيتون وأجرته نسبة شائعة من الثمر كالربع أو الثلث فلا زكاة عليه كما بينته في حلقة سابقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345986,"book_id":3840,"shamela_page_id":366,"part":"8","page_num":42,"sequence_num":366,"body":"٤٢ - مصارف الزكاة\rاستيعاب مصارف الزكاة, يقول السائل: إذا قامت لجنة الزكاة بجمع الزكاة فهل المطلوب منها أن توزع الزكاة على جميع المستحقين للزكاة من الأصناف المذكورين في آية مصارف الزكاة؟\r\rالجواب: بين الله ﷾ مصارف الزكاة وحصرها في ثمانية مصارف، فقال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآية ٦٠. وقد اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلا لهذه الأصناف التي ذكرت في الآية الكريمة ولكنهم اختلفوا بعد ذلك هل يجب استيعاب هذه المصارف؟ أم أنه يجوز الصرف لبعض هذه المصارف دون بعض. والذي عليه أكثر أهل العلم أنه لا يجب صرف الزكاة لجميع الأصناف المذكورين في الآية ويجوز صرفها إلى صنف واحد وهذا قول الحنفية والمالكية والحنابلة ومنقول عن جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً قول الخرقي: [وإن أعطاها كلها في صنف واحد أجزأه] وجملته أنه يجوز أن يقتصر على صنف واحد من الأصناف الثمانية ويجوز أن يعطيها شخصاً واحداً وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والحسن والنخعي وعطاء وإليه ذهب الثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي] المغني ٢/٤٩٨-٤٩٩.\rوقال الإمام النووي: [وقال الحسن البصري وعطاء وسعيد بن جبير والضحاك والشعبي والثوري ومالك وأبو حنيفة وأحمد وأبو عبيد له صرفها إلى صنف واحد قال ابن المنذر وغيره وروي هذا عن حذيفة وابن عباس قال أبو حنيفة وله صرفها إلى شخص واحد من أحد الأصناف قال مالك ويصرفها إلى أمسهم حاجة وقال إبراهيم النخعي إن كانت قليلة جاز صرفها إلى صنف وإلا وجب استيعاب الأصناف] المجموع ٦/١٨٦.\rوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: [باب تفريق الصدقة في الأصناف الثمانية وإعطائها بعضهم دون بعض، ثم روى بإسناده عن حذيفة ﵁ قال: [إذا وضعت الزكاة في صنف واحد من الأصناف الثمانية أجزأك. قال أبو معاوية: قال حجاج وسألت عطاء عن ذلك فقال لا بأس به، قال: حدثنا ... عن سعيد بن جبير وعن عطاء قالا إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك ... وعن ابن عباس أنه قال: إذا وضعتها في صنف واحد من هذه الأصناف فحسبك إنما قال الله ﵎: (إِنّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) وكذا وكذا لئلا يجعلها في غير هذه الأصناف ... وعن الحسن قال: إنما الزكاة علم حيث وضعت أجزأت عنك. وقال عكرمة: فرقها في الأصناف.\rوعن إبراهيم قال: إذا كان المال ذا مز - أي كثيراً -ففرقه في الأصناف وإذا كان قليلاً فأعطه صنفاً واحداً] الأموال ص ٦٨٨-٦٨٩.\rوروى البيهقي نحو ذلك عن سعيد بن جبير وعطاء وابراهيم النخعي والحسن البصري. انظر سنن البيهقي ٧/٨.\rوقال الطحاوي والحافظ ابن عبد البر: [لا نعلم لابن عباس وحذيفة في ذلك مخالفاً من الصحابة.\rوقال أبو بكر الرازي - الجصاص - روي ذلك عن عمر وحذيفة وابن عباس ولا يروى عن أحد من الصحابة خلافه] الجوهر النقي ٧/٧.\rوقال الكمال ابن الهمام: [إن ذلك قد ورد عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وأبي العالية وميمون بن مهران بأسانيد حسنة] شرح فتح القدير ٢/٢٠٦.\rونقل شيخ الإسلام ابن تيمية قول الإمام أبي جعفر الطبري [عامة أهل العلم يقولون: للمتولي قسمتها ووضعها في أي الأصناف الثمانية شاء وإنما سمى الله الأصناف الثمانية إعلاماً منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها لا إيجاباً لقسمتها بين الأصناف الثمانية وروى بإسناده عن حذيفة وعن ابن عباس أنهما قالا: إن شئت جعلته في صنف أو صنفين أو ثلاثة. قال وروى عن عمر أنه قال: أيما صنف أعطيته أجزأك وروى عنه أنه كان عمر يأخذ الفرض في الصدقة فيجعله في الصنف الواحد وهو قول أبي العالية وميمون بن مهران وإبراهيم النخعي] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٥/٤٠.\rويدل لما ذهب إليه جمهور أهل العلم من جواز إعطاء صنف واحد من أصناف الزكاة وأنه لا يجب تعميمها على الأصناف الثمانية ما قاله القرطبي: [وتمسك علماؤنا بقوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) سورة البقرة الآية ٢٧١. والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض] تفسير القرطبي ٨/١٦٨. ومراد القرطبي أن الآية لم تذكر إلا صنفاً واحداً - الفقراء - من الأصناف الثمانية.\rواحتج الشيخ ابن قدامة المقدسي لقول الجمهور بحديث معاذ ﵁ لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن فقال: [ (أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) فأخبر أنه مأمور برد جملتها في الفقراء وهم صنف واحد ولم يذكر سواهم ثم أتاه بعد ذلك مال فجعله في صنف ثان سوى الفقراء وهم المؤلفة: الأقرع بن حابس وعينية بن حصن وعلقمة ابن علاثة وزيد الخيل قسّم فيهم الذهبية التي بعث بها إليه علي من اليمن وإنما يؤخذ من أهل اليمن الصدقة ثم أتاه مال آخر: فجعله في صنف آخر لقوله لقبيصة بن المخارق حين تحمل حمالة فأتى النبي ﷺ يسأله فقال: (أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) وفي حديث سلمة بن صخر البياضي: أنه أمر له بصدقة قومه ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز دفعها إلى واحد] المغني ٢/٤٩٩.\rوحديث معاذ الذي ذكره ابن قدامة رواه البخاري ومسلم، وأما حديث الذهبية فهو ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: (بعث علي ﵁ وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر الأقرع بن حابس الحنظلي وعينية بن بدر الفزاري وعلقمة بن ملائة العامري ثم أحد بني كلاب وزيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان فغضبت قريش فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا فقال رسول الله ﷺ: إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم ... ) الحديث، فالنبي ﷺ أعطى هؤلاء المؤلفة قلوبهم فقط ولو كان استيعاب الأصناف واجباً لاستوعبها.\rوأما حديث قبيصة فهو ما رواه مسلم بإسناده عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: (تحملت حمالة فأتيت رسول الله أسأله فيها فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) قال: ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سحتاً) صحيح مسلم مع شرح النووي ٣/١١٠.\rوالشاهد في هذا الحديث أن النبي ﷺ دفع الزكاة إلى صنف واحد بل إلى شخص واحد من مصرف واحد وهو مصرف الغارمين وأما حديث سلمة بن صخر البياضي فقد جاء فيه أنه قد ظاهر من زوجته ثم واقعها ثم ذهب إلى رسول الله ﷺ يطلب عونه في الكفارة فقال له رسول الله: (انطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك) رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي حديث حسن. والشاهد في هذا الحديث كسابقه أن النبي ﷺ أمر بدفع الزكاة لصنف واحد بل لشخص واحد.\rقال العلامة صديق حسن خان: [والحاصل أن الله سبحانه جعل الصدقة مختصة بالأصناف الثمانية غير سائغة لغيرهم واختصاصها بهم لا يستلزم أن تكون موزعة بينهم على السوية ولا أن يقسط كل ما حصل من قليل أو كثير عليهم بل المعنى أن جنس الصدقات لجنس هذه الأصناف من وجب عليه شيء من جنس الصدقة ووضعه في جنس الأصناف فقد فعل ما أمره الله به وسقط عنه ما أوجبه الله عليه.] الروضة الندية ١/٥٣٤.\rوخلاصة الأمر في هذه المسألة أنه يجب أخذ الأمور الآتية بالاعتبار عند توزيع الزكاة من قبل لجان الزكا أو من الأفراد: أولاً: إذا كان مال الزكاة كثيراً فينبغي تعميم المال على المصارف الثمانية إذا وجدت. قال الشيخ ابن قدامة: [فإن المستحب صرفها إلى جميع الأصناف أو إلى من أمكن منهم لأنه يخرج بذلك عن الخلاف ويحصل الإجزاء يقيناً] المغني ٢/٤٩٩. وهذا ما رجحه الشيخ يوسف القرضاوي إذا كانت الزكاة توزع من قبل إمام المسلمين.\rثانياً: إذا كان المال قليلاً فيعجبني ما ذهب إليه إبراهيم النخعي حيث قال: [إذا كان المال ذا مز - أي ذا فضل وكثرة - ففرقه في الأصناف وإذا كان قليلاً فأعطه صنفاً واحداً] الأموال ص ٦٨٩.\rفإذا كان لدى شخص ألف دينار فزكاتها خمسة وعشرون ديناراً فأرى له أن يعطيها فقيراً واحداً أو مسكيناً واحداً ولا أرى له أن يفرقها لقلة النفع بها حينئذ.\rثالثاً: إذا كان في أحد الأصناف الثمانية حاجة ماسة وظاهرة فينبغي العناية بالصرف إليه وهذا ما ذهب إليه الإمام مالك حيث إنه يرى أنه إن وجدت الأصناف كلها فينبغي إيثار أهل الحاجة. الذخيرة ٣/١٤٩.\rرابعاً: قال الشيخ يوسف القرضاوي: [ينبغي أن يكون الفقراء والمساكين هم أول الأصناف الذين تصرف لهم الزكاة، فإن كفايتهم وإغنائهم هو الهدف الأول للزكاة حتى إن الرسول ﷺ لم يذكر في حديث معاذ وغيره إلا هذا المصرف: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) وذلك لما لهذا المصرف من أهمية خاصة] فقه الزكاة ٢/٦٩٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345987,"book_id":3840,"shamela_page_id":367,"part":"8","page_num":43,"sequence_num":367,"body":"٤٣ - زكاة الزروع والثمار\rكيف يزكي المزارعون مزروعاتهم وكيف تخرج زكاة البساتين من عنب وبرتقال وتفاح وبرقوق ونحو ذلك؟\r\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن الزكاة واجبة في كل ما أخرجت الأرض مما يقصد بزراعته نماء الأرض وتستغل به الأرض عادة مثل القمح والشعير والعنب والتين والزيتون والورود والرياحين والزعتر والأعشاب الطبية التي يستنبتها الإنسان بقصد تنمية الأرض واستغلالها وهذا قول الإمام أبي حنيفة في زكاة المزروعات وهو أقوى المذاهب الفقهية في هذه المسألة ولم يحصر الزكاة في الأقوات الأربعة التي كانت معروفة قديماً وهي القمح والشعير والتمر والزبيب ولم يحصرها في ما يقتات ويدخر كما هو قول المالكية والشافعية ولم يحصرها في ما ييبس ويبقى ويكال كما هو قول الحنابلة.\rوقول أبي حنيفة ﵀ أهدى سبيلاً وأصح دليلاً واعتمد في ذلك على عموم قوله تعالى: (أنفقوا من طيبات) سورة البقرة الآية ٢٦٧، وعلى قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) سورة الأنعام الآية ١٤١.\rوالمراد بالحق في الآية الزكاة المفروضة كما نقل القرطبي ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين.\rواحتج أبو حنيفة بقول الرسول ﷺ: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر وفيا سقي بالنضح نصف العشر) رواه مسلم في صحيحه.\rقال الإمام ابن العربي المالكي ناصراً قول أبي حنيفة في المسألة: [وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق وقال: إن الله أوجب الزكاة في المأكول قوتاً كان أو غيره وبين النبي ﷺ ذلك في عموم: (فيما سقت السماء العشر) ] أحكام القرآن لابن العربي ٢/٧٥٩.\rإذا ثبت هذا فإن الواجب إخراج زكاة الزروع والثمار عند الحصاد أو القطاف لقوله تعالى: (آتوا حقه يوم حصاده) ولا تجب الزكاة إلا إذا بلغ المحصول نصاباً والنصاب خمسة أوسق وتساوي في وقتنا الحضار ٦٥٣ كيلو غرام تقريباً فإذا بلغ المحصول نصاباً فتجب فيه الزكاة ومقدار الواجب يكون ١٠% من الإنتاج إذا كانت المزروعات تسقى بما المطر أو مياه العيون بدون كلفة يتحملها المزارع أو ٥% إذا كانت المزروعات تسقى بجهد من المزارع كمن يشتري المياه أو نحو ذلك أو ٧. ٥% إذا كانت المزروعات تسقى بكل من الطريقتين السابقتين. وعند تقدير الواجب على المزارع فإنه يحسب الناتج من المزروعات والثمار ويحسب ما أنفقه على الأرض من أجرة العمال أو أجرة معدات أو شراء أسمدة أو أدوية ونحوها ويخصمها ويزكي الباقي. ويجب أن يعلم أن المزارع إذا باع إنتاج أرضه قبل الجفاف كما هو الحال فيمن يبيع العنب قبل أن يصير زبيباً أو المزارع الذي يبيع إنتاجه من الخضار ونحوها فإن الزكاة واجبة في أثمانها إذا كانت تلك الخضار أو العنب قد بلغت نصاباً.\rفالمزارع الذي باع إنتاج بساتينه من الفواكة مثلا وكانت قد بلغت نصاباً وكانت تسقى بماء المطر فالواجب عليه ان يخرج عشر الثمن زكاة لله تعالى.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345988,"book_id":3840,"shamela_page_id":368,"part":"8","page_num":44,"sequence_num":368,"body":"٤٤ - زكاة الأسهم\rيقول السائل: إن له أسهماً في شركة تجارية فهل تجب الزكاة في الأسهم أم لا؟\r\rالجواب: السهم هو الحصة التي يقدمها الشريك في شركات المساهمة وهو يمثل جزءاً معيناً من رأس مال الشركة فالسهم مال كما هو في الغالب لأن بعض الأسهم قد تكون عيناً وبما أن السهم مال مملوك فتجب الزكاة فيه إذا توافرت شروط وجوب الزكاة وهذا ما قرره الفقهاء المعاصرون.\rومن هؤلاء العلماء من يرى أنه تجب زكاة الأسهم على المساهم نفسه لأنه هو المالك لها فيقوم بإخراج زكاتها ومنهم من يرى أن الشركة هي المطالبة بإخراج زكاة الأسهم لأن الشركة لها شخصية اعتبارية مستقلة ولأن الزكاة حق متعلق بالمال نفسه فلا يشترط فيمن تجب عليه أن يكون مكلفاً شرعاً كما هو الحال في وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون.\rومن العلماء من جمع بين القولين بأن قال إن زكاة الأسهم تجب على المساهم لأنه هو المالك الحقيقي للأسهم وتقوم الشركة بإخراج الزكاة نيابة عنه فإذا نص نظام الشركة الأساسي على أن الشركة تخرج زكاة الأسهم فتقوم الشركة بإخراجها ولا يطالب بها المساهمون وأما إذا لم تقم الشركة بإخراج الزكاة فيجب على المساهم أن يزكي أسهمه وهذا رأي حسن قرره مجمع الفقه الإسلامي في جدة بالسعودية.\rوعند قيام الشركة بإخراج زكاة الأسهم فإنها تخرجها كما يخرج الشخص العادي زكاة ماله بمعنى أن تعتبر جميع أموال المساهمين بمثابة أموال لشخص واحد وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار أخذاً بمبدأ الخلطة عند من عممه من الفقهاء في جميع الأموال وتعامل الأسهم في الشركة التجارية معاملة عروض التجارة فتقوم الأسهم وتزكى مع أرباحها في كل عام بنسبة ٢. ٥%.\rوأما إذا كان الشخص مساهماً في شركة تجارية ولا تقوم هذه الشركة بإخراج الزكاة فإن الواجب على المساهم أن يخرج زكاة أسهمه بعد أن يعرف قيمة أسهمه وأرباحها.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345989,"book_id":3840,"shamela_page_id":369,"part":"8","page_num":45,"sequence_num":369,"body":"٤٥ - صرف الزكاة لموظفي لجان الزكاة\rهل يجوز أن يعطى الموظفون العاملون في لجنة الزكاة من أموال الزكاة باعتبارهم من العاملين عليها؟\r\rالجواب: من المعلوم أن مصارف الزكاة حددتها الآية الكريمة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .\rونظراً لغياب الدولة الإسلامية التي من واجبها القيام على شؤون الزكاة يجوز صرف سهم (َالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) لموظفي لجان الزكاة بشرط أن يكون الموظف متفرغأ للعمل في مجال الزكاة وما يتعلق بها. فيجوز صرف رواتبهم منها، وكذلك يجوز أن يصرف للموظفين مكافآت عمل إضافية لمن كان يعمل بوظيفة أخرى إذا عمل لمصلحة الزكاة وقتاً خارج وقت وظيفته.\rوينبغي مراعاة ألا يطغى الصرف على العاملين في مجال الزكاة على أي مصرف آخر من مصارف الزكاة ويجب عدم المغالاة في رواتب هؤلاء الموظفين وإنما يعطون راتباً يماثل رواتب أقرانهم.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345990,"book_id":3840,"shamela_page_id":370,"part":"8","page_num":46,"sequence_num":370,"body":"٤٦ - مصارف الزكاة\rهل يصح إعطاء الزكاة للعمال الذين حرموا ومنعوا من العمل بسبب الظروف الراهنة التي نعيشها؟\r\rالجواب: إن الأصل في الزكاة أن تصرف في المصارف الثمانية المذكورة في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .\rفهؤلاء الذين تصرف لهم الزكاة فمن كان غنياً أو قادراً على الكسب فلا يجوز أن تصرف له الزكاة لقوله ﷺ: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني.\rوالمقصود بذي مرة سوي أي الإنسان القوي السليم الأعضاء الذي يستطيع العمل والذي يفهم من النصوص الشرعية أن المقصود من يستطع العمل ويجد العمل والطريق إلى كسب العيش وأما من سدت طرق التكسب في وجهه ولا يجد عملاً فيجوز أن يعطى من الزكاة وإن كان قوياً قادراً على الكسب ولكنه لا يجد السبيل إلى ذلك كما هو حال كثير من العمال في وقتنا الحاضر الذي سدت سبل طلب الرزق أمامهم فإذا أعطوا من الزكاة فلا بأس بذلك، قال الإمام النووي: [قال أصحابنا - أي الشافعية - وإذا لم يجد الكسوب من يستعمله حلت له الزكاة لأنه عاجز] المجموع ٦/١٩١.\rويؤيد ما سبق ما رود في الحديث عن عبد الله بن عدي بن الخيار قال: (أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول الله ﷺ في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين - أي قويين - فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) رواه أبو داود والنسائي وهو حديث صحيح كما قال الإمام النووي وصححه الشيخ الألباني.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345991,"book_id":3840,"shamela_page_id":371,"part":"8","page_num":47,"sequence_num":371,"body":"٤٧ - مصارف الزكاة\rما المراد بقوله تعالى: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) في آية مصارف الزكاة؟\r\rالجواب: يقول الله ﷾ في بيان مصارف الزكاة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآية ٦٠.\rوقد اختلف العلماء في المراد بعبارة (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) المذكورة في الآية فمنهم من رأى أن سبيل الله يراد بها سبيل الخير. [المصالح العامة التي تقوم عليها أمور الدين والدولة دون الأفراد بالإضافة إلى المجاهدين والمرابطين كبناء المستشفيات والملاجئ والمدارس الشرعية والمعاهد الإسلامية والمكتبات العامة ومساعدة الجمعيات الخيرية على أداء مهماتها الإنسانية ودعم المؤسسات التي تقدم خدمات عامة لأفراد المجتمع وكذا الإنفاق على الجهاد شريطة ألا يأكل ذلك أسهم الأصناف الأخرى التي ذكرت في آية الصدقات] إنفاق الزكاة في المصالح العامة ص ١٠٠-١٠١.\rومن العلماء من يرى أن (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) الغزاة في سبيل الله فقط ولا يصح صرف الزكاة فيما سواه. ومن العلماء من يرى أن مصرف في سبيل الله يقصد به الجهاد والحج والعمرة.\rوهنالك أقوال أخرى في المسألة ويجب أن نعلم أن لكل قول من الأقوال السابقة دليله.\rوأرجح الأقوال هو القول الأول الذي يرى جواز صرف الزكاة في المصالح العامة وقد اختار هذا القول جماعة من العلماء المتقدمين واللاحقين ولهم أدلة قوية على ما ذهبوا إليه منها.\rأولاً: لا يوجد نص صريح في كتاب الله أو سنة رسول الله ﵊ يمنع أن يصرف جزء من سهم (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) في المصالح العامة أو يحصر الصرف في الجهاد.\rثانياً: ثبت في الحديث أن الرسول ﷺ أعطى دية رجل من الأنصار قتل بخيبر مئة من إبل الصدقة رواه البخاري ومسلم.\rوهذا من الإصلاح بين الناس وهو من المصالح العامة.\rثالثاً: إن المتأمل للآية التي حددت المصارف الثمانية للزكاة يجد أنها فرقت بين الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم من جهة وبين بقية الأصناف الأخرى وهي الرقاب والغارمون وسبيل الله وابن السبيل من جهة أخرى في حرف الجر الذي سبق كلاً من المجموعتين فقد سبق ذكر الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم حرف اللام وسبق الأصناف الأخرى حرف (في) واللام تفيد التمليك أما في فتفيد الوعاء وعلى هذا فالأصناف الأربعة الأوائل يملكون الزكاة والأصناف الأخرى يستحقون الزكاة فتصرف عليهم لتحقيق مصالحهم ومنافعهم وما جاءت المصالح العامة إلا لهذا. إنفاق الزكاة في المصالح العامة ص ١٠٣-١٠٤.\rرابعاً: زعم بعض العلماء المعاصرين أن عبارة (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) إذا اقترنت بالإنفاق كان معناها الجهاد جزماً ولا تحتمل غيره مطلقاً. النظام الاقتصادي في الإسلام ص ٢٠٨.\rإن هذا الزعم غير صحيح وهذا الجزم غير مقبول وترده الآيات التي ذكر فيها (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) ويراد بها غير الجهاد فمن ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) سورة التوبة الآية ٣٤.\rفالمراد بسبيل الله في الآية المعنى الأعم وليس الجهاد فقط وإلا لكان من أنفق ماله على بسبيل الله في الآية المعنى الأعم وليس الجهاد فقط وإلا لكان من أنفق ماله على الفقراء والمساكين واليتامى ونحوهم داخلاً ضمن الذين يكنزون وليس الأمر كذلك.\rومن ذلك قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كلِّ سنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآية ٢٦١.\rومن ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) سورة البقرة الآية ٢٦٢.\rفهذه الأيات يفهم منها أن المراد بِ (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) المعنى العام وليس المعنى الخاص وخلاصة الأمر جواز الصرف في المصالح العامة للمسلمين ولكن يجب التدقيق والنظر العميق قبل الصرف حتى نتحقق أن ما نصرفه من هذا السهم هو فعلاً من المصالح العامة للمسلمين.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345992,"book_id":3840,"shamela_page_id":372,"part":"8","page_num":48,"sequence_num":372,"body":"٤٨ - صدقة الفطر\rلمن تعطى صدقة الفطر وهل يجوز نقلها من بلد إلى بلد آخر؟،\r\rالجواب: تُصرف صدقة الفطر للمساكين والفقراء والمحتاجين ولا تصرف في مصارف الزكاة الثمانية لورود الأحاديث في ذلك فمنها ما جاء في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه.\rوقوله ﷺ: (طعمة للمساكين) أي طعام للمساكين وهذا واضح في صرفها للمساكين دون غيرهم. ولما ورد في الحديث من قوله ﷺ: (أغنوهم عن الطواف هذا اليوم) رواه الحاكم والدارقطني وغيرهما.\rوالمراد إغناء الفقراء عن المسألة في ذلك اليوم أي يوم العيد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن ساق الحديثين السابقين: [ولهذا أوجبها الله طعاماً كما أوجب الكفارة وعلى هذا القول فلا يجزئ إطعامهما إلا لمن يستحق الكفارة وهم الآخذون لحاجة أنفسهم فلا يعطى منها المؤلفة قلوبهم ولا الرقاب ولا غير ذلك وهذا القول أقوى في الدليل] مجموع الفتاوى ٢٥/٧٣.\rوقال العلامة ابن القيم ﵀: [وكان من هديه ﷺ تخصيص المساكين بهذه الصدقة ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة ولا أمر بذلك ولا فعله أحد من أصحابه ولا من بعدهم بل أحد القولين عندنا - أي عند الحنابلة - إنه لا يجوز أخراجها إلا على المساكين خاصة وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية] زاد لمعاد في هدي خير العباد ٢/٢٢.\rوقد اختار بعض الفقهاء المعاصرين مثل االدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله قولاً قريباً من ذلك وهو: [تقديم الفقراء على غيرهم إلا لحاجة ومصلحة إسلامية معتبرة] فقه الزكاة ٢/٩٥٨.\rوأما بالنسبة لنقل صدقة الفطر فالحال فيها كنقل زكاة المال من بلد إلى بلد فإن الأصل أن توزع الزكاة في البلد الذي جمعت منه ويجوز نقلها من بلد إلى آخر إذا كان هنالك مصلحة في نقلها كأن يكتفي أهل البلد الذي وجبت فيه الزكاة فيجوز نقلها إلى بلد آخر وأن ينقلها ليعطيها للأرحام والأقارب فهذا نقل جائز ولا بأس به. وكذلك إذا كان فقراء البلدان الأخرى أشد حاجة من فقراء بلده فيجوز نقل الزكاة إليهم لا بأس في ذلك إن شاء الله.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345993,"book_id":3840,"shamela_page_id":373,"part":"8","page_num":49,"sequence_num":373,"body":"٤٩ - صدقة الفطر\rمضى العيد ولم يخرج زكاة الفطر، ما حكم شخص لم يخرج زكاة الفطر حتى مضى العيد؟\r\rالجواب: إن صدقة الفطر واجبة مؤقتة بوقت محدد وهو قبل صلاة العيد فقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد وقد أورد ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: [يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته فإن الله تعالى يقول: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) سورة الأعلى الآيتان ١٤-١٥.\rفإذا قامت صلاة العيد ولم يخرج صدقة الفطر فقد اتى مكروهاً كما قال جمهور الفقهاء وأما إن أخرها حتى انقضاء يوم العيد فأكثر الفقهاء على أن ذلك التأخير حرام ولكنها لا تسقط بل تبقى ديناً في ذمته حتى يخرجها.\rقال بعض أهل العلم إن تأخيرها عن يوم العيد حرام بالاتفاق لأنها زكاة واجبة فوجب أن يكون في تأخيرها إثم كما في إخراج اصللاة عن وقتها. نيل الأوطار ٤/٢٠٧.\rويدل على ذلك حديث ابن عباس قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة لصلائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه.\rقال ابن حزم: [فمن لم يؤدها حتى خرج وقتها فقد وجبت في ذمته وماله لمن هي له فهي دين لهم وحق من حقوقهم وقد وجب إخراجها من ماله وحرم عليه إمساكها في ماله فوجب عليه أداؤها أبداً وبالله تعالى التوفيق ويسقط بذلك حقهم ويبقى حق الله تعالى في تضييعه الوقت لا يقدر على جبره إلا بالاستغفار والندامة] المحلى ٤/٢٦٦.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345994,"book_id":3840,"shamela_page_id":374,"part":"8","page_num":50,"sequence_num":374,"body":"٥٠ - حكم تأخير زكاة الفطر\r\rيقول السائل: ما حكم من أخر زكاة الفطر عن يوم العيد، أفيدونا؟\r\rالجواب: صدقة الفطر أو زكاة الفطر فريضة عند جمهور أهل العلم، وقد ثبتت بأحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ منها: حديث ابن عمر ﵁ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نعطيهما في زمان النبي ﷺ صاعاً من طعامٍ أو صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعيرٍ أو صاعاً من زبيبٍ، فلما جاء معاوية وجاءت السمراء -أي القمح الشامي- قال: أرى مداً من هذه يعدل مدين) رواه البخاري. [قال الإمام الخطابي ﵀: قوله (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر) فيه بيان أن صدقة الفطر فرض واجب كافتراض الزكاة الواجبة في الأموال، وفيه بيان أن ما فرض رسول الله ﷺ فهو كما فرض الله، لأن طاعته صادرة عن طاعة الله، وقد قال بفرضية زكاة الفطر ووجوبها عامة أهل العلم. وقد عُللت بأنها طهرةٌ للصائم من الرفث واللغو، فهي واجبة على كل صائم غني ذي جِدة أو فقير، يجدها فضلاً عن قوته، إذا كان وجوبها لعلة التطهير، وكل الصائمين محتاجون إليها فإذا اشتركوا في العلة اشتركوا في الوجوب. وقال الحافظ أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض، وممن حفظنا ذلك عنه من أهل العلم محمد بن سيرين وأبو العالية والضحاك وعطاء ومالك وسفيان الثوري والشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وقال إسحاق هو كالإجماع من أهل العلم] صحيح الترغيب ص ٤٥٤. وزكاة الفطر أضيفت للفطر فهو سببها، وبناءً على ذلك فوقت وجوبها هو غروب شمس آخر يوم من رمضان، وهو أول ليلة من شهر شوال، على الراجح من أقوال العلماء، وهو قول جمهور الفقهاء، وقال الحنفية تجب بطلوع فجر يوم العيد. هذا وقت الوجوب. وقال الفقهاء يجوز تقديمها عن وقت الوجوب، فعند الحنفية يجوز تعجيلها من أول العام، وعند الشافعية يجوز تعجيلها من أول شهر رمضان، وعند المالكية والحنابلة يجوز تقديمها بيوم أو يومين لقول ابن عمر ﵄: (كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين) رواه البخاري. وهذا قول حسن، وثبت من فعل جماعة من الصحابة تعجيلها بيوم أو يومين أو ثلاثة، وهو الأصلح والأنفع للفقراء حتى يتمكن الفقير من الانتفاع بها قبل يوم العيد. وكان من هدي النبي ﷺ إخراجها قبل صلاة العيد كما سبق في الحديث (وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) قال الشيخ ابن القيم: [وكان من هديه ﷺ إخراج هذه الصدقة قبل صلاة العيد، وفي السنن عنه أنه قال: (من أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) ، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) ، ومقتضى هذين الحديثين أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، وأنها تفوت بالفراغ من الصلاة، وهذا هو الصواب، فإنه لا معارض لهذين الحديثين ولا ناسخ ولا إجماع يدفع القول بهما، وكان شيخنا يقوي ذلك وينصره] زاد المعاد ٢/١٩-٢٠. وصدقة الفطر مؤقتة بوقت محدد وهو قبل صلاة العيد، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، فمن أداها بعد يوم العيد بدون عذرٍ كان آثماً وهو قول الحسن بن زياد من الحنفية، انظر بداية المجتهد ١/١٤٤ تبيين الحقائق ١/٣٠٧ شرح المنهاج ١/ ٥٢٨كشاف القناع ١/ ٤٧١، ويدل على ذلك ما ورد في حديث ابن عمر السابق أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد) ، والأصل في أمر النبي ﷺ أنه يدل على الوجوب، قال الأمير الصنعاني: [وقوله (وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) يدل على أن المبادرة بها هي المأمور بها، فلو أخرجها عن الصلاة أثم، وخرجت عن كونها صدقة فطر، وصارت صدقة من الصدقات، ويؤكد ذلك قوله: ولابن عدي والدارقطني بإسناد ضعيف (أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم) ... أي الفقراء (عن الطواف) في الأزقة والأسواق لطلب المعاش (في هذا اليوم) أي يوم العيد وإغناؤهم يكون بإعطائهم صدقته أول اليوم] سبل السلام ٣/٢٤٧. وقال الشوكاني: [قوله: (فمن أداها قبل الصلاة) أي قبل صلاة العيد، قوله: (فهي زكاة مقبولة) المراد بالزكاة صدقة الفطر، قوله: (فهي صدقة من الصدقات) يعني التي يتصدق بها في سائر الأوقات، وأمر القبول فيها موقوف على مشيئة الله تعالى. والظاهر أن من أخرج الفطرة بعد صلاة العيد كان كمن لم يخرجها باعتبار اشتراكهما في ترك هذه الصدقة الواجبة. وقد ذهب الجمهور إلى أن إخراجها قبل صلاة العيد إنما هو مستحب فقط، وجزموا بأنها تجزئ إلى آخر يوم الفطر، والحديث يرد عليهم. وأما تأخيرها عن يوم العيد فقال ابن رسلان: إنه حرام بالاتفاق لأنها زكاة واجبة، فوجب أن يكون في تأخيرها إثم كما في إخراج الصلاة عن وقتها] نيل الأوطار٤/٢٠٧. ومما يؤكد أنها تؤدى قبل صلاة العيد حديث ابن عباس ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرةً للصائم من اللغو والرفث وطعمةً للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم، وقال صحيح على شرط البخاري، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب حديث رقم ١٠٨٥. وقال الشيخ العلامة العثيمين: [قوله: \"وتكره في باقيه\" أي: ويكره أن تخرج زكاة الفطر في باقي يوم العيد، وهذا وقت ثالث لإخراجها؛ وهو من بعد صلاة العيد إلى غروب شمس يوم العيد، فيكون هذا وقت كراهة؛ وذلك لأن إخراجها بعد الصلاة يفوت بعض المقصود من إغناء الفقراء في هذا اليوم، فلا يحصل لهم الغناء إلا بعد الصلاة، والذي يريد أن يعطيهم ليغنيهم فإنه يجب عليه أن يعطيهم إياها قبل الصلاة؛ لأجل أن يشملهم الفرح جميع اليوم. والدليل على الإجزاء، دخولها في قوله ﷺ: (أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم) وهذا ضعيف. والصحيح: أن إخراجها في هذا الوقت محرم، وأنها لا تجزئ، والدليل على ذلك حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ: (أمر أن تؤدى قبل خروج الناس للصلاة) ، فإذا أخرها حتى يخرج الناس من الصلاة فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فهو مردود، لقوله ﷺ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . بل إن حديث ابن عباس ﵄ صريح في هذا حيث قال فيه النبي ﷺ: (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) وهذا نص في أنها لا تجزئ، وإذا كانت لا تجزئ فإن الإنسان يكون قد ترك فرضاً عليه بالنص وهو \"فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر\" فيكون بذلك آثماً، ولا تقبل على أنها زكاة فطر ... فعلى هذا يكون وقت إخراج زكاة الفطر على أربعة أقسام: (١) جائز: وهو قبل العيد بيوم أو يومين. (٢) مندوب: وهو صباح يوم العيد قبل صلاة العيد. (٣) مكروه: وهو بعد صلاة العيد إلى غروب شمس يوم العيد. (٤) محرم: بعد غروب شمس يوم العيد وتكون قضاءً. وظاهر كلام المؤلف أنه إذا أخرجها يوم العيد تقع أداء وبعده تقع قضاء. والصواب في هذا والذي تقتضيه الأدلة، أنها لا تقبل زكاته منه إذا أخرها ولم يخرجها إلا بعد الصلاة من يوم العيد، بل تكون صدقة من الصدقات، ويكون بذلك آثماً. وذلك بناء على القاعدة التي دلت عليها النصوص وهي: \"إن كل عبادةٍ مؤقتةٍ إذا تعمد الإنسان إخراجها عن وقتها لم تقبل\"] الشرح الممتع٦/١٠٦. وبناءً على ما سبق فإذا أخرت زكاة الفطر حتى انقضاء يوم العيد بغروب الشمس، فأكثر الفقهاء على أن ذلك التأخير حرام ولكنها لا تسقط بل تبقى ديناً في ذمته حتى يخرجها. قال الشيخ ابن حزم الظاهري: [فمن لم يؤدها حتى خرج وقتها فقد وجبت في ذمته وماله لمن هي له فهي دين لهم وحق من حقوقهم وقد وجب إخراجها من ماله وحرم عليه إمساكها في ماله، فوجب عليه أداؤها أبداً وبالله تعالى التوفيق ويسقط بذلك حقهم ويبقى حق الله تعالى في تضييعه الوقت لا يقدر على جبره إلا بالاستغفار والندامة] المحلى ٤/٢٦٦. وورد في الموسوعة الفقهية: [واتفق جميع الفقهاء على أنها لا تسقط بخروج وقتها؛ لأنها وجبت في ذمته لمن هي له، وهم مستحقوها، فهي دين لهم لا يسقط إلا بالأداء؛ لأنها حق للعبد، أما حق الله في التأخير عن وقتها فلا يجبر إلا بالاستغفار والندامة]\rوخلاصة الأمر أن صدقة الفطر فريضة، وأنها من العبادات المؤقتة بوقتٍ محددٍ، ووقتها المفضل قبل صلاة العيد، ويكره تأخيرها إلى غروب شمس يوم العيد، ويحرم تأخيرها عن ذلك الوقت، وإذا أخرها عنه فتبقى ديناً في الذمة ولا تسقط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345995,"book_id":3840,"shamela_page_id":375,"part":"9","page_num":1,"sequence_num":375,"body":"١ - العلاقات الزوجية في نهار رمضان\rيقول السائل: أنا شاب تزوجت قبل رمضان بأيام قليلة وقد غلبتني الشهوة فواقعت زوجتي في نهار رمضان فماذا يلزمني، أفيدونا؟\r\rالجواب: من المعلوم أن ركن الصيام الأساسي هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع، ومن أهداف الصيام تربية الصائم وتعويده على ضبط شهواته، ومن علامات الإخلاص في الصوم أن الصائم يترك شهواته لله ﷿، فقد ورد في الحديث القدسي، يقول الله تعالى: (الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجل) رواه البخاري ومسلم. وورد في بعض روايات الحديث السابق (ويدع لذته من أجلي) ، وفي رواية أخرى (يدع امرأته وشهوته وطعامه وشرابه من أجلي) ، ووقع في رواية أخرى (يترك شهوته من الطعام والشراب والجماع من أجلي) انظر فتح الباري ٤/١٣٨. ويقول الكمال بن الهمام الحنفي عن الصوم: [هذا ثالث أركان الإسلام بعد لا إله إلا الله محمد رسول الله، شرعه سبحانه لفوائد أعظمها كونه موجباً شيئين: أحدهما عن الآخر سكون النفس الأمارة، وكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج، فإن به تضعف حركتها في محسوساتها، ولذا قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء وإذا شبعت جاعت كلها، وما عن هذا صفاء القلب من الكدر، فإن الموجب لكدوراته فضول اللسان والعين وباقيها، وبصفائه تناط المصالح والدرجات] فتح القدير٢/٢٣٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345996,"book_id":3840,"shamela_page_id":376,"part":"9","page_num":2,"sequence_num":376,"body":"٢ - الرد على الفتاوى التي تجيز الإفطار للاعبي كرة القدم\rيقول السائل: كما تعلمون فإن شهر رمضان المبارك لهذا العام قد حلَّ في شدة الصيف وأنا أشتغل في البناء وأتعرض لأشعة الشمس وأجد مشقة في الصوم، فهل يجوز لي أن أفطر، أفيدونا؟\r\rالجواب: من المعلوم أن صوم شهر رمضان ركنٌ من أركان الإسلام وفُرضَ صيامُه على جميع المكلفين من المسلمين بالإجماع، ولقول الله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٥، والذين يجوز لهم الفطر، هم من أذن لهم الشارع الحكيم بالفطر، كما في حالتي المريض والمسافر، قال تعالى ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٥. ويجب أن يُعلمَ أن العمل ولو كان شاقاً ليس من الأعذار التي تبيح الفطر، ويجب على العامل أن يصوم ويجتهد في ذلك ويتحمل المشقة المعتادة، لأن التكاليف الشرعية ومنها الصيام لا تخلو من المشقات، وليست كل مشقة مبيحة للفطر، فإن العلماء قسموا المشقة إلى قسمين: مشقةٌ معتادةٌ يتحملها الناس عادة، ولا تخلو منها التكاليف الشرعية، كالوضوء بالماء البارد وكالصوم في اليوم الحارّ والحج في أشهر الصيف وغيرها، فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات ولا في تخفيفها، كما قال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام ٢/٧. ومشقةٌ غير معتادة لا يستطيع الناس أن يداوموا عليها باستمرار كالوصال في الصوم وقيام الليل كله باستمرار ونحو ذلك. وبناءً على ما تقدم أقول لا يجوز للإنسان أن يفطر في رمضان إلا إذا لحقه أذى شديد بسبب الصوم، فالمريض الذي منعه الأطباء من الصوم، لأن الصوم يزيد المرض أو يؤخر الشفاء، يجوز له الفطر، وأما أصحاب المهن والعمال كالنجار والحداد والخباز والحجَّار، فعليهم أن يصوموا ولا يجوز لهم الفطر، لأن هؤلاء قد اعتادوا على مهنتهم وصارت حياتهم منسجمة تماماً مع أعمالهم، فالخباز الذي يقف أمام بيت النار يومياً صار ذلك بالنسبة له شيء عادي فلا يجوز له أن يفطر. والذين يدَّعون أنهم يعملون في أشغال شاقة كما في السؤال بإمكانهم أن يأخذوا إجازة من عملهم في شهر رمضان أو أن يبحثوا عن أعمال أخرى لا مشقة شديدة فيها، فإن لم يتيسر لهم ذلك واضطروا للعمل كما يضطر الإنسان إلى أكل الميتة، فإن عليهم أن يصوموا، فإذا شعروا بالحرج والضيق من الصوم، أفطروا ثم أمسكوا بقية يومهم وعليهم القضاء فيما بعد. ورد في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء ما يلي: [من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن صيام شهر رمضان فرض على كل مكلف وركن من أركان الإسلام، فعلى كل مكلف أن يحرص على صيامه تحقيقاً لما فرض الله عليه، رجاء ثوابه وخوفاً من عقابه دون أن ينسى نصيبه من الدنيا، ودون أن يُؤثر دنياه على أخراه، وإذا تعارض أداء ما فرضه الله عليه من العبادات مع عمله لدنياه وجب عليه أن ينسق بينهما حتى يتمكن من القيام بهما جميعاً، ففي المثال المذكور في السؤال – عملٌ شاقٌ في نهار رمضان - يجعل الليل وقت عمله لدنياه، فإن لم يتيسر ذلك أخذ إجازة من عمله شهر رمضان ولو بدون مرتب، فإن لم يتيسر ذلك بحث عن عملٍ آخر يمكنه فيه الجمع بين أداء الواجبين ولا يؤثر جانب دنياه على جانب آخرته، فالعمل كثير، وطرق كسب المال ليست قاصرة على مثل ذلك النوع من الأعمال الشاقة، ولن يعدم المسلم وجهاً من وجوه الكسب المباح الذي يمكنه معه القيام بما فرضه الله عليه من العبادة بإذن الله، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ سورة الطلاق الآيتان ٢-٣. وعلى تقدير أنه لم يجد عملاً دون ما ذكر مما فيه حرج وخشي أن تأخذه قوانين جائرة وتفرض عليه ما لا يتمكن معه من إقامة شعائر دينه أو بعض فرائضه فليفر بدينه من تلك الأرض إلى أرض يتيسر له فيها القيام بواجب دينه ودنياه ويتعاون فيه مع المسلمين على البر والتقوى فأرض الله واسعة، قال الله تعالى ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ سورة النساء الآية ١٠٠، وقال تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ سورة الزمر الآية ١٠ فإذا لم يتيسر له شيء من ذلك كله واضطر إلى مثل ما ذكر في السؤال من العمل الشاق صام حتى يحس بمبادئ الحرج فيتناول من الطعام والشراب ما يحول دون وقوعه في الحرج، ثم يمسك وعليه القضاء في أيام يسهل عليه فيها الصيام] فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٠/ ٢٣٤-٢٣٦. ويجب أن يُعلم أنه قد صدرت بعض الفتاوى المتساهلة في السماح بالفطر لأعذار غير معتبرة شرعاً، كما في الفتوى الصادرة عن دار الإفتاء المصرية بإباحة الفطر في نهار رمضان للاعبي كرة القدم أثناء المباريات الرسمية، بحجة أن اللاعب المرتبط بعقد مع ناديه مثل الأجير الملزم بأداء عملٍ معين، وفي حال تأثر العمل بالصوم فإن له رخصة للإفطار. وجاء في الفتوى المشار إليها: [اتفق العلماء على أنه يجوز الفطر للأجير أو صاحب المهنة الشاقة الذي يعوقه الصوم أو يُضعِفه عن عمله، كما نُصَّ على ذلك في فقه الحنفية على أن من آجر نفسه مدة معلومة - وهو متحقق هنا في عقود اللعب والاحتراف- ثم جاء رمضان وكان يتضرر بالصوم في عمله فإن له أن يفطر وإن كان عنده ما يكفيه] . وصدرت فتوى عن أحد المشايخ السعوديين أباح فيها الفطر بسبب انقطاع التيار الكهربائي!! وأقول إن هذه الفتاوى ما هي إلا تمييع للأحكام الشرعية، فمتى كان اللعب من الأسباب المبيحة للفطر؟! ولعبة كرة القدم نوعٌ من اللهو والترفيه، واللهو ليس من أسباب الترخص بالفطر، حتى لو كانت المباريات رسمية، فإنها لا تخرج عن هذا الإطار، وأما عن ارتباط اللاعب بعقد مع النادي الذي يلعب معه، فهذا العقد ليس مبرراً للفطر، لأن بإمكان اللاعب أن يشترط في العقد احترام شعائره الدينية، وإذا ترتب على العقد الإخلال بالفرائض الدينية فيحرم على اللاعب أن يوقعه. وكذلك فإن جعل انقطاع التيار الكهربائي سببٌ مبيحٌ للفطر، نوع من التساهل في الفتوى ترده أصول الإفتاء الصحيح، حتى لو لحقت بالناس مشقة بسبب انقطاع التيار الكهربائي، لأن هذه المشقة محتملة، ولنا أن نسأل متى دخلت الكهرباء لبلاد المسلمين؟ وكيف كان المسلمون يصومون قبل معرفة الكهرباء في قيظ الصيف في المناطق الحارة كجزيرة العرب؟ أم أننا نريد صوماً خالياً من أدنى مشقة – صوم خمس نجوم، لا شك أن هذه الفتاوى لم تقم على أدلة معتبرة، ولا على فهمٍ صحيحٍ للأدلة، ولا على فهم مقاصد الشارع الحكيم، وأسوق هنا كلاماً طيباً لبعض العلماء في تبيان مقاصد الصيام، يقول العلامة ابن القيم: [لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال ... وللصوم تأثيرٌ عجيبٌ في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الردئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ ، وقال النبي ﷺ: (الصومُ جُنَّة) وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه بالصيام وجعله وجاءَ هذه الشهوة. والمقصود: أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة شرعه الله لعباده رحمةً بهم وإحساناً إليهم وحميةً لهم وجنة] زاد المعاد ٢/٢٨-٣٠. ويقول الكمال بن الهمام الحنفي عن الصوم: [هذا ثالث أركان الإسلام بعد لا إله إلا الله محمد رسول الله، شرعه سبحانه لفوائد أعظمها كونه موجباً شيئين: أحدهما عن الآخر سكون النفس الأمارة، وكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج، فإن به تضعف حركتها في محسوساتها، ولذا قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء وإذا شبعت جاعت كلها، وما عن هذا صفاء القلب من الكدر، فإن الموجب لكدوراته فضول اللسان والعين وباقيها، وبصفائه تناط المصالح والدرجات، ومنها: كونه موجباً للرحمة والعطف على المساكين، فإنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا في عموم الأوقات فتسارع إليه الرقة عليه، والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألمٍ باطنٍ فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه، فينال ما عند الله تعالى من حسن الجزاء. ومنها موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون أحياناً، وفي ذلك رفع حاله عند الله تعالى] فتح القدير٢/٢٣٣. وقد ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي [سئل بعض السلف: لِمَ شُرِع الصيام؟ فقال: ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع.] لطائف المعارف ص ٣١٤.\r\rوخلاصة الأمر أن العمل الشاق بمجرده ليس من الأعذار المبيحة للفطر، والعمال مكلفون بالصيام كغيرهم، ولا يحل لهم الفطر إلا إذا لحقت بهم المشقة الشديدة، ويجب الحذر من فتاوى المتساهلين التي تبيح الفطر لغير عذر شرعي معتبر كإباحة الفطر للاعبي كرة القدم ولمن انقطع عنهم التيار الكهربائي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345997,"book_id":3840,"shamela_page_id":377,"part":"9","page_num":3,"sequence_num":377,"body":"٣ - استقبال رمضان\rيقول السائل: انتشرت ظاهرة تركيب الزينات والأنوار لاستقبال شهر رمضان، فما حكم ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: إن من يقرأ سير السلف الصالح وكيف كان حالهم في استقبال شهر رمضان يجد بوناً شاسعاً بين حالهم وحالنا، ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي عن معلى بن الفضل قوله: (كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم) وذكر عن يحيى بن أبي كثير كان من دعائهم: (اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلاً) لطائف المعارف ص ٢٨٠. ونجد أن استقبال السلف لرمضان يكون بالتوبة الصادقة والإنابة والإقبال على الله، ويكون بالطاعات وإصلاح النفوس ظاهراً وباطناً، والاستعداد للاجتهاد في العبادات من صيام وزكاة وقيام قراءة للقرآن وذكر لله ﷿ ونحوها من أنواع القربات. وأما استقبال رمضان في زماننا فمختلف تماماً عما سبق، فأغلب وسائل الإعلام وخاصة الفضائيات، تستعد لاستقبال رمضان بإعداد المسلسلات والتمثيليات الهابطة والفاسدة، وهنالك العشرات بل المئات من القنوات الفضائية التي أصبحت معولاً من معاول محاربة الدين والأخلاق والفضيلة، بل هي منابر لنشر الفساد والرذيلة، ومع الأسف الشديد فإن القنوات الفضائية قد دخلت بيوتنا، وأصبحت مربيةً لأبنائنا وبناتنا، ومرشدةً لزوجاتنا، وموجهةً لشبابنا ورجالنا، إلا من رحم ربي وحماه من هذه الطوفان الهادر، والفيضان الرهيب. ومن ضمن سموم القنوات الفضائية، هذه المسلسلات الفاسدة المفسدة، الطافحة بالانحرافات الفكرية والمسلكية، التي تتعارض مع ديننا ومع أخلاقنا ومع عادتنا وتقاليدنا الأصيلة، هذه المسلسلات التي تنشر الفواحش والمنكرات، وتجعل الزنا أمراً عادياً، وتجعل العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج وما يترتب عليها من حملٍ، أموراً طبيعية، يجب على الأسرة أن تتقبلها وتقر بها، هذه المسلسلات التافهة التي تروج [للممارسات غير الأخلاقية التي اجتاحت بعض المجتمعات كهروب الفتيات والزواج السري وغيرها ... إن الدراما العربية ووسائل الإعلام ساهمت في تلك الانحرافات وأن نموذج الراقصة أو الفنانة التي تهرب من بيت الأسرة تحت دعاوى الضغوط الأسرية وإظهارها بعد ذلك بمظهر القدوة والبطولة قد أثر في وجدان العديد من الفتيات وصرن يمارسنه في الواقع كما أن الترويج لمفهوم معين للحب يقوم على التلاقي بين الفتى والفتاة بعيداً عن الأسرة والأطر الشرعية عبر اإلحاح الإعلامي بكل وسائله أثر بشكلٍ كبيرٍ على المجتمع وعلى طبيعة العلاقات التي تحكم الرجل بالمرأة فالعديد من الأفلام تصور الراقصة بطلة ولديها أخلاقيات ومثل عليا!!! ... وفي بعض الأفلام تعيش المرأة المتزوجة مع حبيبها وتقدم هذه المرأة على أنها تستحق التعاطف معها!!] من دراسة ميدانية للدكتور أحمد المجذوب الخبير الاجتماعي، عن الإنترنت. كما أن هذه المسلسلات التافهة تبرز المرأة كرمزٍ للجنس المكشوف أو الموارب. ويضاف إلى ذلك أن هذه المسلسلات قد أسهمت في تفكيك الحياة الأسرية بزيادة المشكلات في البيوت، وزيادة عدد حالات الطلاق، يقول أحد قضاة المحاكم الشرعية في السعودية: [الفضائيات تتسبب في ارتفاع حالات الطلاق، فالفضائيات تدعو إلى تمرد المرأة على زوجها، فهي تظهر لها أن الزوج متسلط وظالم، سلب منها حقوقها وحياتها. كما أن من أسباب الطلاق مقارنة الزوج لزوجته بنساء الفضائيات، اللائي جملّتهن كاميرات التصوير حتى القبيحات منهن أصبحن جميلات بفعل أنواع الماكياج] مجلة الأسرة العدد ١٠٥، وهذا غيضٌ من فيض قاذورات القنوات الفضائية الفاسدة والمفسدة المتخصصة في محاربة ما بقي لدى المجتمع من قيمٍ وأخلاقٍ وعاداتٍ كريمة. إن هذه القنوات الفضائية ينطبق عليها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ سورة النور الآية ١٩. ويضاف إلى ذلك استعداد القنوات الفضائية لاستقبال شهر رمضان بتقديم برامج الطبخ الكثيرة جداً في رمضان والتي تهدف إلى تغريب المجتمع حتى في طعامه وتطبيعه بطبائع غير المسلمين في قضايا الأكل والشرب، بالإضافة لما تغرسه في نفوس الناس من اهتمامٍ زائدٍ بالطعام وأشكاله وأنواعه وطرق تقديمه وما يتبع ذلك من زيادة الإنفاق على الطعام والشراب وما يتعلق بهما من أجهزة وأدوات، ولا يقولن أحدٌ بأن برامج الطبخ هذه إنما هي برامج مفيدة، فإن ورائها أهدافاً وغايات ليست بريئة!! وخاصة أن هنالك قنوات فضائية متخصصة في الطبخ؟!!\r\rإن ما تقوم به أغلب الفضائيات في رمضان يهدف إلى إفساد هذه العبادة العظيمة- عبادة الصيام - على الناس وإفراغها من مضامينها الإيمانية من خلال تقديم التمثيليات والمسلسلات المختلفة وبعضها يزعمون أنها دينية وهي في معظمها لا علاقة لها بالدين إلا في الاسم. وكذلك المسابقات التي يتفننون في أسمائها وأشكالها وهدفها الحقيقي إنما هو إفساد الناس وأخلاقهم وتضييع أموالهم في أمورٍ العلم به لا ينفع والجهل به لا يضر، فعلينا أن نحذر الشيطان وأعوانه من شياطين الإنس من الممثلين والممثلات والمطربين والمطربات، الذين تقدمهم الفضائيات على أنهم نجوم وكواكب وهم في الحقيقة من الديوثين والديوثات.\r\rإذا اتضحت ملامح صورة المقارنة بين حالنا وبين حال السلف في استقبال رمضان، أقول: إن الفرح والسرور بقدوم رمضان أمر مشروع، وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يبشر أصحابه ويقول: قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، يفتح فيه أبواب الجنة ويغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم أيوب) رواه الإمام أحمد والنسائي وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/٥٨٥. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان، كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان، كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران، كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشياطين، من أين يشبه هذا الزمان زمان] لطائف المعارف ص ٢٧٩. وورد في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل رمضان فقال رسول الله ﷺ: إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، منْ حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم) رواه ابن ماجة وإسناده حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/٥٨٦. واستقبال شهر رمضان يكون أولاً بالاستعداد النفسي وإصلاح الباطن والظاهر قبل الاستعداد بالمظاهر الخارجية كإضاءة الأنوار والفوانيس وغيرها من المظاهر.\r\rأتى رمضانُ مزرعة العباد ... لتطهير القلوب من الفساد\r\rفأدِّ حقوقه قولاً وفعلاً ... وزادُك فاتخذه للمعاد\r\rفمن زرع الحبوب وما سقاها ... تأوه نادماً يوم الحصاد\r\rفشهر رمضان فرصة عظيمة للتوبة والمغفرة، فقد ورد في الحديث عن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: احضروا المنبر فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين، فلما نزل قلنا يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه، قال: إن جبريل ﵇ عرض لي فقال: بَعُدَ من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت آمين، فلما رقيت الثانية قال: بَعُدَ من ذكرتَ عنده فلم يصل عليك، فقلت آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بَعُدَ من أدرك أبويه الكبرُ عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت آمين. رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/٥٨٣. إذا تقرر هذا فإن تركيب الزينات والأنوار لاستقبال شهر رمضان، أمرٌ لا بأس به إن كان الهدف منه إظهار السرور بقدوم شهر رمضان، وبشرط أن لا يكون هنالك مبالغة فيه أو إسراف وتبذير. ولا بد من التنبيه إلى أن هذا الأمر من الأمور العادية ولا مدخل للعبادة فيه، والأمور العادية قد يؤجر المرء عليها بحسب نيته، ويمكن أن يقاس على ما يعتبره الفقهاء من باب إظهار الشعائر كما قال بعض فقهاء الحنفية باستحباب ربط الأضحية أمام البيت قبل الذبح، لما فيه من الاستعداد للقربة وإظهار الرغبة فيها، فيكون له فيها أجر وثواب؛ لأن ذلك يشعر بتعظيم هذه الشعيرة قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. انظر بدائع الصنائع ٤/٢١٩. وخلاصة الأمر أن استقبال رمضان يكون بالطاعات وإصلاح النفوس ظاهراً وباطناً، والاستعداد للاجتهاد في العبادات من صيام وزكاة وقيام قراءة للقرآن وذكر لله ﷿ ونحوها من أنواع القربات، وبعد ذلك لا بأس بوضع الأنوار والزينة بدون مبالغة ولا تبذير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345998,"book_id":3840,"shamela_page_id":378,"part":"9","page_num":4,"sequence_num":378,"body":"٤ - لا تضاعف السيئات في شهر رمضان المبارك بل تغلظ\rيقول السائل: ما صحة القول بأن السيئات تضاعف في شهر رمضان المبارك كما تضاعف الحسنات، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا شك أن حرمة شهر رمضان المبارك حرمة عظيمة، وقد أخبر النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق عن عقوبة من ينتهك حرمة رمضان فقد ورد في حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضَبعيَّ - أي بعضُديَّ - فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا: اصعد فقلت: إني لا أطيقه فقالا: إنا سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً، قال قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم ... ) رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان والطبراني والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٧/١٦٦٩، وفي صحيح الترغيب والترهيب ١/٥٨٨.\r\rوقد قرر المحققون من أهل العلم أنه مع هذه الحرمة العظيمة لرمضان، فإن السيئات لا تضاعف أعدادها في رمضان بل المضاعفة خاصة بالحسنات في رمضان وفي غيره، وما ورد في بعض الأحاديث من مضاعفة السيئات في رمضان فلا يصح عن رسول الله ﷺ كما سأبين لاحقاً. وقد نصت آيات الكتاب الكريم على أن جزاء السيئة سيئة مثلها فقط، قال الله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ سورة الأنعام الآية ١٦٠. وقال الله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة القصص الآية ٨٤. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ سورة يونس الآية ٢٧. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَملَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ سورة غافر الآية ٤٠. وقال الله تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ سورة الشورى الآية ٤٠.\r\rوثبت في الحديث عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن همَّ بحسنة فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة) رواه البخاري ومسلم، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي عند شرحه للحديث [النوع الثاني عمل السيئات: فتكتب السيئة بمثلها من غير مضاعفة كما قال الله تعالى ﴿ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ وقوله (كتبت له سيئة واحدة) إشارة إلى أنها غير مضاعفة كما خرج في حديث آخر، لكن السيئة تعظم أحياناً بشرف الزمان أو المكان كما قال تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ ، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ ، في كلهن ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرماً وعظَّم حرمتهن وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم، وقال قتادة في هذه الآية: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئةً ووزراً فيما سوى ذلك، وإن كان الظلم في كل حال غير طائل، ولكن الله تعالى يعظم من أمره ما يشاء تعالى ربنا. وقد روي في حديثين مرفوعين أن السيئات تضاعف في رمضان ولكن إسنادهما لا يصح] جامع العلوم والحكم ص ٤٣٨- ٤٣٩.\r\rوما أشار إليه الحافظ ابن رجب الحنبلي من مضاعفة السيئات في رمضان هو ما رواه الطبراني وابن عدي عن أم هانئ ﵂، وابن عدي وابن صصري في أماليه عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (إن أمتي لن تخزى ما أقاموا صيام شهر رمضان، قيل: يا رسول الله؟ وما خزيهم في إضاعة شهر رمضان؟ قال: انتهاك المحارم فيه، من زنى فيه، أو شرب خمراً فيه لعنه الله ومن في السموات إلى مثله من الحول، فإن مات قبل أن يدرك رمضان فليست له عند الله حسنة يتقي بها النار. فاتقوا الله في شهر رمضان، فإن الحسنات تضاعف فيه ما لا تضاعف فيما سواه، وكذلك السيئات) وهذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ كما قال الحافظ ابن رجب الحنبلي، وممن ضعَّف الحديث السابق أيضاً ابن الجوزي حيث قال: هذا حديث لا يصح كما في العلل المتناهية ٣/٥٣٧.\r\rإذا تقرر هذا فإن العلماء متفقون على أن الحسنات تضاعف كما قال الله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ سورة الأنعام الآية ١٦٠. وقال تعالى ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ سورة البقرة الآية ٢٤٥ وغير ذلك من الآيات. وتزداد مضاعفة الحسنات في مواسم الخير كرمضان كما قال النبي ﷺ: (كل عمل ابن آدم له، يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) رواه مسلم. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث: [ ... المراد بقوله (وأنا أجزي به) أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته. وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس. قال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير. ويشهد لهذا السياق الرواية الأخرى يعني رواية الموطأ، وكذلك رواية الأعمش عن أبي صالح حيث قال: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله - قال الله - إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) أي أجازي عليه جزاءً كثيراً من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ انتهى. والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال ... ] فتح الباري ٤/١٣٩. وكذلك تضاعف الحسنات في الأمكنة الفاضلة كالحرمين والمسجد الأقصى المبارك، فقد ورد في الحديث عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام وهو حديث حسن كما قال الهيثمي مجمع الزوائد ٤/٧، ورواه البزار وقال إسناده حسن، الترغيب والترهيب ٢/١٧٥.\r\rوقال المحققون من أهل العلم بأن مضاعفة السيئات لا تكون في كمياتها وأعدادها ولكن تكون في كيفيتها فتكون السيئة مغلظة في الأزمنة الفاضلة وفي الأمكنة الفاضلة، فمن يعص الله ﷿ في رمضان وفي الأشهر الحرم فذنبه مغلظ، وكذا من يعص الله في المسجد الحرام، فذنبه مغلظ، قال العلامة ابن القيم: [ومن هذا تضاعف مقادير السيئات فيه – أي المسجد الحرام - لا كمياتها، فإن السيئة جزاؤها سيئة لكن سيئة كبيرة، وجزاؤها مثلها، وصغيرة جزاؤها مثلها، فالسيئة في حرم الله وبلده وعلى بساطه آكد وأعظم منها في طرف من أطراف الأرض، ولهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه، فهذا فص النزاع في تضعيف السيئات والله أعلم] زاد المعاد ١/٥١.\r\rوقال الشيخ ابن حجر المكي [ينبغي حمل مضاعفة السيئات على مقابلها دون الزيادة على كميتها، لقوله تعالى: ﴿فلا يجزى إلا مثلها﴾ وكذا يقال بمثل ذلك السيئات في حرم مكة. وقول مجاهد وغيره رحمهم الله تعالى بمضاعفتها فيه، إن أرادوا به ما ذكر كان قريباً، أو زيادة كميتها على مائة ألف في مقابلة السيئة الواحدة كالحسنة، كان بعيداً من ظواهر نصوص الكتاب والسنة.] إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام ص٥٢.\r\rوخلاصة الأمر أن شهر رمضان المبارك موسم للطاعات ولفعل الخيرات، وعلى المسلم أن يحرص على طاعة ربه ﷿ وأن يبتعد عن المعاصي والآثام، لأن حرمة رمضان عظيمة، ومن يعص الله ﷿ في رمضان فذنبه مغلظ، وأن الحسنات تضاعف في رمضان وغير رمضان، وأما السيئات فلا تضاعف لا في رمضان ولا في غير رمضان ولكنها في رمضان تغلظ، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3345999,"book_id":3840,"shamela_page_id":379,"part":"9","page_num":5,"sequence_num":379,"body":"٥ - وقوع المعاصي في رمضان مع كون الشياطين مصفدة\rيقول السائل: ورد في بعض الأحاديث أن الشياطين تصفد في رمضان ومع ذلك نرى معاصي كثيرة فما تعليل ذلك، أفيدونا؟ الجواب: تصفيد الشياطين في رمضان ثابت عن رسول الله ﷺ في عدة أحاديث منها: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلِّقت أبواب النار وصفدت الشياطين) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية أخرى في صحيح البخاري قال رسول الله ﷺ: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين) .\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلِّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي منادٍ يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة) رواه الترمذي وغيره، وقال العلامة الألباني: حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي ١/٢٠٩.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغلُّ فيه مردة الشياطين، وفه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم) رواه أحمد والنسائي وهو حديث صحيح كما بينه العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم ٥٥.\rوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (هذا شهر رمضان قد جاءكم تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتسلسل فيه الشياطين) رواه أحمد والنسائي وهو حديث صحيح كما ذكره العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم ٦٩٩٥. وفي صحيح الترغيب والترهيب ٢/٦٩.\rوقال الإمام ابن خزيمة في صحيحه: [باب ذكر البيان أن النبي ﷺ إنما أراد بقوله: وصفدت الشياطين مردة الجن منهم، لا جميع الشياطين إذ اسم الشياطين قد يقع على بعضهم، وذكر دعاء الملك في رمضان إلى الخيرات والتقصير عن السيئات مع الدليل على أن أبواب الجنان إذا فتحت لم يغلق منها باب ولا يفتح باب من أبواب النيران إذا أغلقت في شهر رمضان. ثم ساق بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين مردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب ونادى مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار) وقال العلامة الألباني: إسناده حسن.\rوقد اختلف شرَّاحُ الحديث في معنى تصفيد الشياطين وغلها وسلسلتها كما ورد في الأحاديث، وأجمع كلام في ذلك ما كتبه الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، فقد نقل عن الحليمي قوله [يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه، لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ، ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات وبقراءة القرآن والذكر. وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في صحيحه وأورد ما أخرجه هو والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن) وأخرجه النسائي من طريق أبي قلابة عن أبي هريرة بلفظ (وتغل فيه مردة الشياطين) زاد أبو صالح في روايته (وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة) لفظ ابن خزيمة، وقوله \" صفدت \" بالمهملة المضمومة بعدها فاء ثقيلة مكسورة أي شدت بالأصفاد وهي الأغلال وهو بمعنى سلسلت، ونحوه للبيهقي من حديث ابن مسعود وقال فيه (فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب الشهر كله) . قال عياض: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين. قال: ويؤيد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم (فتحت أبواب الرحمة) قال: ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات وذلك أسباب لدخول الجنة، وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات. قال الزين بن المنير: والأول أوجه، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره. ... وجزم التوربشتي شارح المصابيح بالاحتمال الأخير وعبارته: فتح أبواب السماء كناية عن تنزل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزه أنفس الصوام عن رجس الفواحش والتخلص من البواعث عن المعاصي بقمع الشهوات ... وقال القرطبي بعد أن رجح حمله على ظاهره: فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيراً فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟\rفالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية لأن لذلك أسبابا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية. وقال غيره: في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلف كأنه يقال له قد كفت الشياطين عنك فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا فعل المعصية] . فتح الباري ٤/١٤٧\rإذا تقرر هذا فإن وقوع المعاصي في رمضان لا ينافي تصفيد الشياطين لأننا إذا حملنا الحديث على ظاهره فإن بعض الشياطين هي التي تصفد وهم مردتهم أو أنهم يصفدون في ليالي رمضان دون نهاره كما سبق في كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني.\rوإذا حملنا الحديث على المجاز فيكون المعنى كما قاله الحافظ أبو عمر بن عبد البر: [\"صفدت الشياطين\" وجهه عندي والله أعلم أنه على المجاز وإن كان قد روي في بعض الأحاديث سلسلت فهو عندي مجاز والمعنى فيه والله أعلم أن الله يعصم فيه المسلمين أو أكثرهم في الأغلب من المعاصي ولا يخلص إليهم فيه الشياطين كما كانوا يخلصون إليهم في سائر السنة وأما الصفد (بتخفيف الفاء) فهو الغل عند العرب] الاستذكار ١٠/٢٥٢.\rونحو كلام ابن عبد البر قاله القاضي عياض كما نقله الإمام النووي [قال: ويحتمل أن يكون المراد المجاز، ويكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم وإيذاؤهم فيصيرون كالمصفدين، ويكون تصفيدهم عن أشياء دون أشياء، ولناس دون ناس، ويؤيد هذه الرواية الثانية (فتحت أبواب الرحمة) وجاء في حديث آخر: (صفدت مردة الشياطين) قال القاضي: ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله تعالى لعباده من الطاعات في هذا الشهر التي لا تقع في غيره عموماً كالصيام والقيام وفعل الخيرات والانكفاف عن كثير من المخالفات، وهذه أسباب لدخول الجنة وأبواب لها، وكذلك تغليق أبواب النار وتصفيد الشياطين عبارة عما ينكفون عنه من المخالفات، ومعنى صفدت: غللت، والصفد بفتح الفاء، الغل بضم الغين، وهو معنى سلسلت في الرواية الأخرى. هذا كلام القاضي] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٥٤.\rوخلاصة الأمر أن تصفيد الشياطين في رمضان حق وصدق نؤمن به ونصدقه لأنه ثابت عن رسول الله ﷺ، وقد ورد عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: سألت أبي عن حديث (إذا جاء رمضان صفدت الشياطين) قال: نعم، قلت: الرجل يوسوس في رمضان ويصرع، قال هكذا جاء الحديث. ووقوع المعاصي من الناس في رمضان لا ينافي الحديث حيث حمل العلماء الحديث على عدة وجوه كما سبق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346000,"book_id":3840,"shamela_page_id":380,"part":"9","page_num":6,"sequence_num":380,"body":"٦ - حكم استئذان المرأة زوجها في صوم ما أفطرته من رمضان\rتقول السائلة: هل يلزم الزوجة استئذان زوجها في صوم ما أفطرته من رمضان، وما الحكم إذا أفطرت أثناء أيام قضاء رمضان، وهل تلزم الكفارة إذا كان الفطر بالجماع، أفيدونا؟ الجواب: القضاء على من أفطر في نهار رمضان واجب شرعاً، يقول الله ﷾: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٤.\rوينبغي أن يعلم أن قضاء ما أفطره المسلم من رمضان لعذر واجب على التراخي وليس واجباً على الفور، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وجملة ذلك أن من عليه صوماً من رمضان فله تأخيره ما لم يدخل رمضان آخر لما روت عائشة ﵂ قالت: (كان يكون عليَّ الصيام من شهر رمضان، فما أقضيه حتى يجيء شعبان) متفق عليه..] المغني ٣/١٥٣. وما ذكره الشيخ ابن قدامة المقدسي هو مذهب جماهير أهل العلم أن قضاء ما أفطره من رمضان لعذر فهو على التراخي، وإن كانت المبادرة للقضاء أفضل لعموم النصوص المرغبة في المبادرة إلى الطاعات كا في قوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) سورة البقرة/١٤٨. وقوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) سورة آل عمران/١٣٣.\rوأما إذا كان الفطر لغير عذر فالقضاء على الفور، قال الإمام النووي: [الصوم الفائت من رمضان كالصلاة فان كان معذوراً في فواته كالفائت بالحيض والنفاس والمرض والإغماء والسفر فقضاؤه على التراخي ما لم يحضر رمضان السنة القابلة ... ، وإن كان متعدياً في فواته ففيه الوجهان كالصلاة أصحهما عند العراقيين قضاؤه على التراخي وأصحهما عند الخراسانيين وبعض العراقيين وهو الصواب أنه على الفور، وأما قضاء الحج الفاسد فهل هو على الفور أم التراخي؟ فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب في موضعهما أصحهما على الفور لأنه متعد بالإفساد، وأما الكفارة فان كانت بغير عدوان ككفارة القتل خطأ وكفارة اليمين في بعض الصور فهي على التراخي بلا خلاف لأنه معذور وإن كان متعدياً فهل هي على الفور أم على التراخي فيه وجهان حكاهما القفال والأصحاب أصحهما على الفور] المجموع ٣/٦٩-٧٠.\rإذا تقرر هذا فإن المرأة التي عليها قضاء من رمضان ينبغي أن تستأذن زوجها في القضاء ما دام وقت القضاء متسعاً، وهذا خير لها ولزوجها، وأما إذا ضاق وقت القضاء كأن يكون قد بقي من شعبان بعدد الأيام التي أفطرتها من رمضان فلا يلزمها الاستئذان وإذا صامت الزوجة قضاءً لما أفطرت من رمضان فلا يجوز لزوجها أن يلزمها بالفطر، وهذا بخلاف صومها نافلة فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه) رواه البخاري ومسلم، وقد حمل أهل العلم هذا الحديث على صوم النافلة قال الإمام النووي في شرح الحديث: [قوله ﷺ: (لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه) هذا محمول على صوم التطوع والمندوب الذي ليس له زمن معين، وهذا النهي للتحريم صرح به أصحابنا، وسببه أن الزوج له حق الاستمتاع بها في كل الأيام، وحقه فيه واجب على الفور فلا يفوته بتطوع ولا بواجب على التراخي، فإن قيل: فينبغي أن يجوز لها الصوم بغير إذنه، فإن أراد الاستمتاع بها كان له ذلك ويفسد صومها، فالجواب: إن صومها يمنعه من الاستمتاع في العادة؛ لأنه يهاب انتهاك الصوم بالإفساد، وقوله ﷺ: (وزوجها شاهد) أي مقيم في البلد، أما إذا كان مسافراً فلها الصوم؛ لأنه لا يتأتى منه الاستمتاع إذا لم تكن معه.] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٩٥.\rويؤيد حمل الحديث على غير رمضان ما ورد في رواية الترمذي (عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال (لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوماً من غير شهر رمضان إلا بإذنه) وهو حديث حسن صحيح، كما قال الترمذي، انظر سنن الترمذي ٣/١٥١.\rوأما إذا أفطرت أثناء أيام قضاء رمضان فلا يلزمها إلا قضاء يوم واحد فقط، ولكن يجب أن يعلم أنه لا ينبغي لمن صام قضاءً أن يقطع صومه لغير عذر ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أم هانئ قالت: (لما كان يوم فتح مكة جاءت فاطمة فجلست عن يسار رسول الله ﷺ وأم هانئ عن يمينه قالت فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته فشرب منه ثم ناوله أم هانئ فشربت منه، قالت يا رسول الله: لقد أفطرت وكنت صائمة فقال لها: أكنت تقضين شيئاً قالت: لا، قال: فلا يضرك إن كان تطوعاً) رواه أبو داود والترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٢٢٢.\rوإذا أفطرت المرأة بالجماع فلا تلزمها الكفارة المذكورة في حديث أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله. قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تتطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: ثم جلس. فأوتي النبي ﷺ بِعَرَقٍ فيه تمر، فقال ﷺ: تصدق بهذا. قال: أفقر منا، فما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك) رواه البخاري ومسلم. والعَرَق هو القفة والمكتل ويسع خمسة عشر صاعاً وهي ستون مُدَّاً لستين مسكيناً لكل مسكين مُدّ، قاله الإمام النووي. شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٨٤.\rوهذه الكفارة تجب فقط فيمن أفسد صوم رمضان بالجماع على الراجح من أقوال أهل العلم، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء، وقال قتادة: تجب على من وطئ في قضاء رمضان لأنه عبادة تجب الكفارة في أدائها، فوجبت في قضائها كالحج، ولنا أنه جامع في غير رمضان فلم تلزمه كفارة، كما لو جامع في صيام الكفارة ويفارق القضاء الأداء لأنه متعين بزمان محترم فالجماع فيه هتك له، بخلاف القضاء.] المغني ٣/١٣٨-١٣٩.\rوأخيراً أنبه على جواز قضاء ما أفطر من رمضان مفرقاً فلا يشترط التتابع في أيام القضاء، كما وأنه يجوز تأخير القضاء إلى أيام الشتاء، لأن نهارها أقصر فلا حرج في ذلك. كما وأن الأفضل في حق من كان عليه قضاء أيام من رمضان أن يقضيها أولاً ثم يصوم ستاً من شوال فإن القضاء واجب وصيام الستة سنة، والواجب مقدم على السنة.\rوخلاصة الأمر أن المرأة تستأذن زوجها في صوم القضاء ما دام وقت القضاء واسعاً، ولا تستأذنه إن ضاق وقت القضاء، وإن أفطرت في يوم القضاء لزمها قضاء يوم واحد فقط، وإن كان الفطر بالجماع فلا كفارة في ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346001,"book_id":3840,"shamela_page_id":381,"part":"9","page_num":7,"sequence_num":381,"body":"٧ - مقدار طعام المسكين المذكور في قوله تعالى ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾\rيقول السائل: ما هو مقدار طعام المسكين المذكور في قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ، أفيدونا؟ الجواب: يقول الله ﷾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآيتان ١٨٣-١٨٤.\rوقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ هل هذه الآية منسوخة أم أنها محكمة؟ وأرجح أقوال العلماء أن الآية الكريمة ليست منسوخة، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: (ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكيناً) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٨/٢٢٥.\rوقد روى الإمام الطبري بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وعلى الذين يطوقونه﴾ قال: يتجشمونه يتكلفونه.\rوروى الإمام الطبري بإسناده أيضاً عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ قال: الشيخ الكبير الذي لا يطيق فيفطر ويطعم كل يوم مسكيناً.\rوروى الإمام الطبري بإسناده أيضاً، عن ابن عباس قال: ﴿الذين يطيقونه﴾ ، يتكلفونه، فدية طعام مسكين واحد، ولم يرخص هذا إلا للشيخ الذي لا يطيق الصوم، أو المريض الذي يعلم أنه لا يشفى ثم قال الطبري: [هذا عن مجاهد.] تفسير الطبري ٣/٤٣١.\rوبناءً على أن الآية محكمة يكون معناها وعلى الذين يطيقون الصيام بصعوبة بالغة، أي يلاقون جهداً ومشقة وتعباً في الصوم، فلهم أن يفطروا وعليهم إطعام مسكين عن كل يوم يفطرونه.\rقال الإمام البخاري: [وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كبر عاماً أو عامين كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً وأفطر] . صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٨/٢٢٥.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإذا عجز عن الصوم لكبر أفطر ,، وأطعم لكل يوم مسكينا. وجملة ذلك أن الشيخ الكبير والعجوز إذا كان يجهدهما الصوم، ويشق عليهما مشقةً شديدةً فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكيناً، وهذا قول علي وابن عباس وأبي هريرة وأنس وسعيد بن جبير وطاووس وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي. وقال مالك: لا يجب عليه شيء، لأنه ترك الصوم لعجزه فلم تجب فدية كما لو تركه لمرض اتصل به الموت، وللشافعي قولان كالمذهبين، ولنا الآية، وقول ابن عباس في تفسيرها: نزلت رخصة للشيخ الكبير، ولأن الأداء صوم واجب فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء ... ] المغني ٣/١٥١.\rإذا تقرر هذا فإن الواجب على الذي لا يطيق الصيام كالرجل الهرم وكذا المرأة الهرمة، إطعام مسكين عن كل يوم من رمضان، ويلحق بهما المريض مرضاً مزمناً لا يرجى شفاؤه كالمصاب بالسرطان وغيره من الأمراض التي لا يرجى شفاؤها.\rوقد اختلف أهل العلم في مقدار طعام المسكين المذكور في الآية الكريمة، فقد ورد عن جماعة من الصحابة كعمر وابنه عبد الله وابن عباس وأبي هريرة ﵃ أجمعين أن ذلك يقدر بمدٍ من الحنطة عن كل يوم من رمضان، فقد روى الدارقطني بإسناده الصحيح عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا عجز الشيخ الكبير عن الصيام أطعم عن كل يوم مداً مداً) .\rوروى البيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: (مداً من حنطة لكل مسكين) .\rوروى عبد الرزاق في المصنف عن سعيد بن المسيب قال: هي في الشيخ الكبير، إذا لم يطق الصيام، افتدى مكان كل يوم، إطعام مسكين مداً من حنطة) .\rوروى عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة بن عمار قال: سألت طاوساً عن أمي وكان بها عطاش – مرض - فلم تستطع أن تصوم رمضان، فقال: تطعم كل يوم مسكيناً ... ) .\rووردت آثار أخرى عن بعض الصحابة والتابعين قدروا الإطعام فيها بمدين، وفي بعضها بصاع أي أربعة أمداد، وأرجحها التقدير الأول، والذي يظهر لي أن المد كان يكفي المسكين طعاماً ليومه، ويؤيد ذلك أن مقدار الإطعام في كفارة اليمين هو مد لكل مسكين من المساكين العشرة كما هو قول جمهور أهل العلم، فقد ذكر مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه كان يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين مداً من حنطة.\rوروى مالك عن سليمان بن يسار أنه قال: [أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مداً من حنطة بالمد الأصغر ورأوا ذلك مجزئاً عنهم] قال الحافظ ابن عبد البر: [والمد الأصغر عندهم مد النبي ﷺ] الاستذكار ١٥/٨٧-٨٨. والمقصود بالطعام في الكلام السابق أي يطعم من غالب قوت أهل البلد، وكانوا يطعمون الحنطة والشعير والتمر، وأما في زماننا فلأرز والطحين هما غالب قوت الناس.\rوينبغي التنبيه على أنه يجوز إخراج القيمة بدلاً عن الإطعام، أي إعطاء المسكين نقوداً بقيمة الطعام وذلك قياساً على جواز إخراج القيمة في الزكاة وفي صدقة الفطر والكفارات وهو مذهب الحنفية ونقل هذا القول عن جماعة من أهل العلم منهم الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والثوري ونقل عن جماعة من الصحابة أيضاً وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى وهو الذي يحقق مصلحة الفقير وخاصة في هذا الزمان وهو قول وجيه تؤيده الأدلة الكثيرة ومنها أن أخذ القيمة في الزكاة ثابت عن الرسول ﷺ وعن جماعة من الصحابة فمن ذلك ما ورد عن طاووس قال معاذ باليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. رواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج. وقد عنون الإمام البخاري في صحيحه فقال: باب العرض في الزكاة وذكر أثر معاذ السابق واحتجاج البخاري بهذا يدل على قوة الخبر عنده كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٤/٥٤. ونقل الحافظ عن ابن رشيد قال: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل. وفعل معاذ مع إقرار النبي ﷺ على ذلك يدل على جوازه ومشروعيته وكذلك فإن سد حاجة المسكين تتحقق بالنقود أكثر من تحققها بالأعيان وخاصة في زماننا هذا لأن نفع النقود للفقراء أكثر بكثير من نفع القمح أو الأرز لهم ولأن الفقير يستطيع بالمال أن يقضي حاجاته وحاجات أولاده وأسرته.\rوأخيراً أنبه على جواز إخراج هذه الفدية في أول رمضان أو في آخره أو بعد رمضان حسب الوسع والطاقة، ويجوز إعطاؤها لمسكين واحد أو أكثر، والأفضل دفعها لأسرة فقيرة محتاجة.\rوخلاصة الأمر أن إطعام المسكين المذكور في قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ يقدر بمدٍ وهو ربع صاع والصاع يساوي ٢١٧٦ غراماً وربعه المد ويساوي ٥٤٤ غراماً، ويجوز إخراج القيمة بدلاً من الطعام على الراجح من أقوال العلماء. وينبغي أن لا تقل القيمة عن سبعة شواقل في زماننا هذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346002,"book_id":3840,"shamela_page_id":382,"part":"9","page_num":8,"sequence_num":382,"body":"٨ - معنى ما ورد في الحديث (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)\rيقول السائل: ما معنى ما ورد في الحديث (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) ، أفيدونا؟ الجواب: هذا جزء من حديث قدسي ونصه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: قال الله ﷿: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يسخب - الخصام والصياح -، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمدٍ بيده لخلوف فم الصائم – الرائحة - أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه) رواه البخاري ومسلم واللفظ له.\rوقد ذكر شرَّاحُ الحديث وجوهاً عديدة في معنى قوله تعالى في الحديث القدسي (إلا الصوم فإنه لي) فمن ذلك ما أورده الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال: [وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى (الصيام لي وأنا أجزي به) مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها على أقوال: أحدها أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، حكاه المازري ونقله عياض عن أبي عبيد، ولفظ أبي عبيد في غريبه: قد لمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها، فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب. ويؤيد هذا التأويل قوله ﷺ (ليس في الصيام رياء) حدثنيه شبابة عن عقيل عن الزهري فذكره يعني مرسلاً قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى عن الناس، وهذا وجه الحديث عندي، انتهى. وقد روى الحديث المذكور البيهقي في \" الشعب \" من طريق عقيل، وأورده من وجه آخر عن الزهري موصولاً عن أبي سلمة عن أبي هريرة وإسناده ضعيف ولفظه (الصيام لا رياء فيه، قال الله ﷿: هو لي وأنا أجزي به) وهذا لو صح لكان قاطعاً للنزاع. وقال القرطبي: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فأضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث (يدع شهوته من أجلي) وقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بفعلها وقلَّ أن يسلم ما يظهر من شوبٍ، بخلاف الصوم. وارتضى هذا الجواب المازري وقرره القرطبي بأن أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم، بخلاف الصوم فإن حال الممسك شبعاً مثل حال الممسك تقرباً يعني في الصورة الظاهرة ...\rثانيها أن المراد بقوله (وأنا أجزي به) أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته. وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس. قال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير. ويشهد لهذا السياق الرواية الأخرى يعني رواية الموطأ، وكذلك رواية الأعمش عن أبي صالح حيث قال (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله - قال الله - إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) أي أجازي عليه جزاءً كثيراً من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ انتهى. والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال ... ثالثها معنى قوله (الصوم لي) أي أنه أحب العبادات إليَّ والمقدم عندي ... رابعها:: الإضافة إضافة تشريف وتعظيم كما يقال بيت الله وإن كانت البيوت كلها لله ... ] فتح الباري ٤/١٤٠-١٤٢. ثم ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني بقية الأجوبة العشرة، وذكر أن أقرب الأجوبة إلى الصواب الأول والثاني. ولعل أصحها هو القول الأول، ولا بد أن يعلم أن المراد بالصيام هنا هو الصيام الذي سلم من المعاصي قولاً وفعلاً كما نقل الشيخ العيني اتفاق العلماء على ذلك. انظر عمدة القاري ٨/١٤.\rوقال الحافظ ابن عبد البر: [وقوله (الصيام لي وأنا أجزي به) معناه والله أعلم أن الصوم لا يظهر من بن آدم في قول ولا عمل وإنما هو نية ينطوي عليها لا يعلمها إلا الله وليست مما يظهر فيكتبها الحفظة كما تكتب الذكر والصلاة والصدقة وسائر أعمال الظاهر، لأن الصوم في الشريعة ليس هو بالإمساك عن الطعام والشراب دون استشعار النية واعتقاد النية بأن تركه الطعام والشراب والجماع ابتغاء ثواب الله ورغبته فيما ندب إليه تزلفاً وقربةً منه كل ذلك منه إيماناً واحتساباً لا يريد به غير الله ﷿ ومن لم ينو بصومه أنه لله ﷿ فليس بصيام، فلهذا قلنا إنه لا تطلع عليه الحفظة لأن التارك للأكل والشرب ليس بصائم في الشرع إلا أن ينوي بفعله ذلك التقرب إلى الله تعالى بما أمره به ورضيه من تركه طعامه وشرابه له وحده لا شريك له لا لأحد سواه فمعنى قوله الصوم لي والله أعلم وكل ما أريد به وجه الله فهو له ولكنه ظاهر والصوم ليس بظاهر.] الاستذكار ١٠/٢٤٩.\rويؤيد ما تقدم ما ورد في الأحاديث من ترتيب الأجر العظيم على كون الصيام إيماناً واحتساباً وكذلك قيام رمضان عامة وليلة القدر خاصة، كما في قوله ﷺ: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: [معنى إيماناً: تصديقاً بأنه حق معتقد فضيلته، ومعنى احتساباً، أنه يريد الله تعالى لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٣٧٨.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [المراد بالإيمان: الاعتقاد بحق فرضية صومه، وبالاحتساب: طلب الثواب من الله تعالى.] فتح الباري ٤/١٤٩.\rوقال المباركفوري [قوله: (من صام رمضان وقامه إيماناً) أي تصديقاً بأنه فرض عليه حق وأنه من أركان الإسلام ومما وعد الله عليه من الثواب والأجر قاله السيوطي. وقال الطيبي: نصب على أنه مفعول له أي للإيمان وهو التصديق بما جاء به النبي ﷺ والاعتقاد بفرضية الصوم، (واحتساباً) أي طلباً للثواب منه تعالى، أو إخلاصاً، أي باعثه على الصوم ما ذكر لا الخوف من الناس ولا الاستحياء منهم ولا قصد السمعة والرياء عنهم] تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ٢/٢٩٣.\rإذا تقرر هذا فإن الصيام يجب أن يكون خالصاً لله تعالى لا تشوبه شائبة، وخاصة أن الصيام عبادة خفية لا يطلع عليها الناس، وهذا الحكم ينسحب على بقية أعمال المسلم ولكنه في الصيام أظهر وأوضح، وقد ورد في بعض النصوص النبوية الإشارة إلى الإيمان والاحتساب كما ورد في الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ ن دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها، ثم رجع قبل أن تدفن، فإنه يرجع بقيراط) رواه البخاري.\rوروى البيهقي بإسناده عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون فقالت: (حدثني نبي الله ﷺ أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء فجعله رحمة للمؤمنين فليس عبد يقع الطاعون فيقيم ببلده إيماناً واحتساباً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد) أخرجه البخاري من حديث داود بن أبي الفرات كما قال البيهقي في السنن الكبرى ٣/٣٧٦.\rوخلاصة الأمر أن معنى كون الصوم لله وأنه يجزي به أن الصوم أبعد الأعمال عن الرياء لأنه أمر خفي لا يطلع عليه إلا الله ﷿. ولا بد للمسلم من أن يخلص عمله كله لله تعالى لأننا قد أمرنا بإخلاص الأعمال كلها لله تعالى كما قال ﷻ ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ وقال النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى) رواه البخاري وغيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346003,"book_id":3840,"shamela_page_id":383,"part":"9","page_num":9,"sequence_num":383,"body":"٩ - المتاجرون برمضان\rيقول السائل: ما قولكم فيما تقدمه كثير من المحطات الفضائية في رمضان من مسلسلات دينية وبرامج ترفيهية حيث يحرص كثير من الناس على متابعتها بحجة الاستفادة العلمية أو الترويح عن النفس، أفيدونا؟ الجواب: إن معظم وسائل الإعلام المعاصر المسموعة والمرئية والمقروءة تقوم بدور هدام في المجتمع المسلم وخاصة المحطات الفضائية التي ترفع راية محاربة البقية الباقية من القيم والأخلاق المستمدة من ديننا وقيمنا وعادتنا الصحيحة الشريفة. إن ما يقدم للناس من عري فاضح ورقص وقح واختلاط ماجن باسم الفن لهو الفاحشة بعينها فأي فن هذا الذي يقدم فيما يعرف (بالفيديو كليب) !؟ عشرات الفتيات شبه عاريات وعشرات المخنثين يتراقصون ويغنون بأجسادهم لا بأصواتهم، وأما ما يسمونه مسلسلات دينية فإن الدين من معظمها براء وليس لها حظ من الدين إلا في الاسم، فمتى كان الفسقة والفجرة يقدمون الدين للناس!؟ وأما المسلسلات التاريخية فهي تشويه لحقائق التاريخ وتشويه للصور المضيئة لقادتنا وأئمتنا كما هو الحال في مسلسل تعرضه إحدى الفضائيات عن الخليفة العباسي هارون الرشيد وابنيه الأمين والمأمون والذي تقدم فيه خليفة المسلمين الذي كان يغزو عاماً ويحج عاماً على أنه زير نساء سكير يقضي وقته مع الغلمان والجواري وغير ذلك من التشويه المتعمد، إن هذا لشيء عجاب، وأما البرامج الترفيهية فإنها تدعو إلى الخنا والفجور من خلال تقديم الفنانات والممثلات والراقصات وأشباههن من قليلات الأدب والحياء [ففي إحدى القنوات والتي عرضت برنامجاً بعد الإفطار في شهر رمضان المبارك حيث يستضيف الممثلين والممثلات، استضاف في إحدى حلقاته إحدى الراقصات، فسألتها مقدمة البرنامج: كيف وصلت إلى ما وصلت له من مجد؟! فأجابت هذه الراقصة: أنا هربت من أسرتي وعمري ١٢ سنة ومارست حياتي! حتى وصلت وأصبحت فلانة صاحبة الشهرة والملايين!! ثمَّ سألتها المذيعة: أنت تزوجت ٣ مرات رسمياً و٤ عرفياً؟ فقالت: لا بل ٤ رسمياً و٧ عرفياً!!\rهكذا تقدم بعض فضائياتنا العربية قليلات الحياء والأدب والدين في شهر رمضان ليتحدثوا عن مجدهن الملطَّخ الذي مارسوا فيه حياتهن بكلِّ حريَّة!\rـ وفي برنامج آخر في شهر رمضان سئلت إحدى الفاسقات عن عدد مرَّات الزواج؟ فقالت أربع رسمياً أمَّا العرفي فلا أعرف له عدداً، فسألوها لم كل هذا العدد؟ يبدو أنَّ العيب في الرجال؟! فقالت: لا العيب في نظام الزواج لأنَّه نظام بالٍ ومتخلِّف عفاه الزمن!!] مجلة البيان عدد ١٤١ص ٣٩. هذا غيض من فيض مما تقدمه المحطات الفضائية في رمضان وأما في غير رمضان فحدث ولا حرج!؟ إن هؤلاء الفسقة ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ سورة النور الآية ١٩. وإن هؤلاء المفسدين يجاهرون بفسادهم وإفسادهم في رمضان بل في أعظم أوقاته وأكثرها بركة كقبيل الإفطار وبعده وفي وقت صلاة التراويح ووقت صلاة القيام ولا يستحون من الله ولا من الناس مع أن فساق الماضي كان عندهم قليل من الحياء [فهذا أبو نواس الشاعر الماجن كان يستحي من إظهار المعصية في شهر رمضان ويقول: منع الصوم عقاراً وذوي اللهو فغارا\rوبقينا في سجون الصوم للهم أسارى\rغير أنَّا سنداري فيه ما ليس يدارى]\rإن واجب المسلمين أن يحذروا أعوان الشيطان الذين يحاولون بشتى السبل والوسائل سرقة شهر رمضان منا ويحاولون إفساد هذه العبادة العظيمة على الناس ويفرغونها من مضامينها الإيمانية عبر تقديم مسلسلات وتمثيليات وفوازير ومسابقات ونحوها. إن واجبنا أن نحيي هذا الشهر الفضيل كما أراده الله ﷿ وكما أحياه رسولنا الكريم ﷺ وكما أحياه سلف هذه الأمة، يقول الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ سورة البقرة الآية ١٧٩. \"ولعل\" في لغة العرب تفيد الترجي فالذي يرجى من الصوم تحقق التقوى أي أن الصوم سبب من أسباب التقوى. وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (قال الله ﷿: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة فإذا كان يوم يصوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سآبه أحد أو قاتله فليقل إني صائم) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سآبك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم إني صائم) رواه ابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وصححه الشيخ الألباني. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر) رواه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري وصححه الشيخ الألباني. فهذه الأحاديث وغيرها يؤخذ منها أن الصوم لا يقصد به مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل لا بد من صوم الجوارح عن المعاصي، فعلى الصائم أن يجتنب كل المحرمات ومنها متابعة ما أشرت إليه من تمثيليات ومسلسلات ويلتزم بكل ما أمر الله ﷾ به حتى تتحقق فيه معاني الصوم الحقيقية، وإن لم يفعل ذلك فإنه لا ينتفع بصومه ويكون نصيبه من صومه مجرد الجوع والعطش، والعياذ بالله، كما أشار إلى ذلك الحديث الأخير، وله رواية أخرى وهي: (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر) وهي رواية صحيحة. وقد فهم السلف الصالح هذه المعاني الجليلة فقال بعضهم: أهون الصيام ترك الشراب والطعام. وقال جابر ﵁: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.\rإذا لم يكن في السمع مني تصاون وفي بصري غض وفي منطقي صمت\rفحظي إذن من صومي الجوع والظما فإن قلت إني صمت يومي فما صمت\rوعلى المسلم أن يشغل وقته في رمضان بأنواع الطاعات فيحافظ على الصلوات الخمس في الجماعات ويحافظ على صلاة التراويح ويقوي صلته بكتاب الله ﷿ فرمضان شهر القرآن قال الله تعالى ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ البقرة: ١٨٥، وقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ ، وقال سبحانه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ وقد كان النبي ﷺ يتدارس القرآن في رمضان كما ثبت في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى لله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) رواه البخاري ومسلم.\rوينبغي الانتباه إلى تدبر الآيات والتفكر فيها أثناء القراءة وليس المقصود هو كثرة القراءة وسرعتها وقد ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه جاءه رجل فقال: [إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة – والمفصل هو السبع السابع من القرآن الكريم ويبدأ بسورة الحجرات إلى سورة الناس - فقال ابن مسعود: أهذّاً كهذِّ الشعر؟! إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع] وكان ابن مسعود يقول: [إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا فأصغ لها سمعك، فإنه خير تُؤْمَر به أو شر تُصْرَف عنه] وقال الحسن البصري [أنزل القرآن ليعمل به فاتخذ الناس تلاوته عملاً] .\rوخلاصة الأمر أن على المسلم أن يصرف جميع وقته في طاعة الله ﷿ وبالذات في رمضان وأن لا يضيع وقته في متابعة ما يقدمه شياطين الإنس في الفضائيات وغيرها من فساد وانحلال ومن فحشاء ومنكر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346004,"book_id":3840,"shamela_page_id":384,"part":"9","page_num":10,"sequence_num":384,"body":"١٠ - المفطرات العصرية في الصيام\rيقول السائل: نسمع من المشايخ على الفضائيات وفي المساجد أموراً متضاربة في مفطرات الصائم وخاصة ما يتعلق بالأشياء العصرية مثل بخاخ الربو والتحاميل واستعمال المنظار الطبي ونحوها فما قولكم في ذلك؟ الجواب: إن الاختلاف الفقهي في الفروع إن صدر عن أهل العلم وكان معتمداً على استدلالات صحيحة خلاف معتبر وسبب الخلافات في هذه الأمور التي اعتبرها بعض العلماء مفطرة للصائم وبعضهم يرى أنه غير مفطرة يرجع إلى تحديد معنى الجوف فمنهم يعتبر أن الجوف هو التجويف البطني فجعلوا الداخل إليه من أي منفذ مفطراً لكونه موصلاً إلى الجوف وتوسع الشافعية في مدلول الجوف فقالوا كل مجوف في بدن الإنسان فهو جوف كباطن الإذن وداخل العين وباطن الرأس وباطن الدبر والقبل فعندهم يفطر الصائم بكل ما دخل من هذه المنافذ حتى قالوا يفطر الصائم بما وصل من عينه عمداً إلى مطلق الجوف من منفذ مفتوح والتقطير في باطن الأذن مفطر والحقنة من الدبر والتقطير في باطن الإحليل وإدخال عود أو نحوه فيه مفطر ودخول طرف الأصبع في الدبر حالة الاستنجاء فيفطر به] تحفة الحبيب على شرح الخطيب بتصرف، وقالوا أيضاً [لو طعن نفسه أو طعنه غيره فوصل السكين جوفه أفطر] حاشيتا قليوبي وعميرة، وقالوا أيضاً [لو كان برأسه جرحاً فوضع عليه دواءً فوصل إلى الدماغ أفطر] تحفة المحتاج ف شرح المنهاج وغير ذلك [والقول الراجح أن الجوف هو المعدة فقط، أي إن المفطر هو ما يصل إلى المعدة دون غيرها من تجاويف البدن. ويضاف إلى ذلك أن الأمعاء هي المكان الذي يمتص فيه الغذاء، فإذا وضع فيها ما يصلح للامتصاص سواء كان غذاء أو ماء فهو مفطر، لأن هذا في معنى الأكل والشرب كما لا يخفى.] مفطرات الصيام المعاصرة. إذا تقرر هذا فإن أرجح أقوال أهل العلم هو التضييق في مسألة المفطرات وعدم التوسع فيها لعدم ثبوت الأدلة، فالمفطرات المعتبرة هي ما دل عليه الكتاب والسنة وهي الطعام والشراب والجماع ومعلوم أن الطعام والشراب يتناوله الإنسان من منفذه الطبيعي وهو الفم فما كان طعاماً أو شراباً ودخل من المدخل الطبيعي فلا شك أنه يفطر الصائم. ويدل على ذلك قوله تعالى ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ البقرة الآية ١٨٧. وبناءً على ما سبق فإن استعمال بخاخ الربو والتحاميل واستعمال المنظار الطبي من أي موضع دخل لا تعتبر من المفطرات وكذلك القطرات بأنواعها لا تفطر الصائم سواء كانت في الأذن أو العين أو الأنف وكذلك الحقن (الإبر) الدوائية سواء كانت في الوريد أو العضل أو تحت الجلد لا تفطر الصائم وكذلك الحقن الشرجية لا تفطر الصائم وكذا غاز الأكسجين لا يفطر الصائم، وكذلك غسيل الكلى إن لم يصاحبه تزويد للجسم بمواد مغذية سكرية أو غيرها فلا يفطر الصائم وكذلك الفحص الداخلي للمرأة لا يفطر الصائم وكذلك سحب الدم للتبرع به أو للتحليل لا يفطر الصائم وكذلك التخدير الموضعي وجميع أنواع الدهون والمراهم واللصقات العلاجية لا تفطر الصائم.\rوقد اختار القول بالتضييق في المفطرات الإمام البخاري صاحب الصحيح ﵀ كما يؤخذ من تراجم أبوابه، واختاره الشيخ ابن حزم الظاهري ﵀ حيث قال: [إنما نهانا الله تعالى في الصوم عن الأكل والشرب والجماع وتعمد القيء والمعاصي وما علمنا أكلاً ولا شرباً يكون على دبر أو إحليل أو أذن أو عين أو أنف أو من جرح في البطن أو الرأس وما نهينا قط أن نوصل إلى الجوف بغير الأكل والشرب ما لم يحرم علينا إيصاله] المحلى ٤/٣٤٨. واختاره أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة فهذا مما تنازع فيه أهل العلم فنهم من لم يفطر بشيء من ذلك ومنهم من فطر بالجميع لا بالكحل ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير ومن لم يفطر الكحل ولا بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك فإن الصيام في دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ في ذلك لا حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً علم أنه لم يذكر شيئاً من ذلك] مجموع الفتاوى ٢٥/ ٢٣٣-٢٣٤. وقال شيخ الإسلام أيضاً: [إن الأحكام التي تحتاج الأمة معرفتها لا بد أن يبينها الرسول ﷺ بياناً عاماً ولا بد أن تنقلها الأمة فإذا انتفى هذا علم أن هذا ليس من دينه وإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى لا بد أن يبينها ﷺ بياناً عاماً ولا بد أن تنقل الأمة فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور والطيب فلو كان هذا مما يفطر لبين ﷺ كما بين الإفطار بغيره] مجموع الفتاوى ٢٥/٢٣٦-٢٤٢.\rوكذا اختاره جماعة من علماء العصر كالشيخ القرضاوي وأعضاء مجمع الفقه الإسلامي حيث ورد في قراره مايلي: [بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع المفطرات في مجال التداوي، والدراسات والبحوث والتوصيات الصادرة عن الندوة الفقهية الطبية التاسعة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، بالتعاون مع المجمع وجهات أخرى، في الدار البيضاء بالمملكة المغربية في الفترة من ٩-١٢ صفر ١٤١٨هـ الموافق ١٤-١٧ حزيران (يونيو) ١٩٩٧م، واستماعه للمناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة الفقهاء والأطباء، والنظر في الأدلة من الكتاب والسنة، وفي كلام الفقهاء قرر ما يلي:\rأولاً: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات: ١ - قطرة العين، أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف، أو بخاخ الأنف، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق. ٢ - الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق. ٣ - ما يدخل المهبل – فرج المرأة -من تحاميل (لبوس) ، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي. ٤ - إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم. ٥ - ما يدخل الإحليل - أي مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى - من قثطرة (أنبوب دقيق) أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة.\r٦ - حفر السن، أو قلع الضرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك وفرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.\r٧ - المضمضة، والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق. ٨ - الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية. ٩ - غاز الأكسجين. ١٠- غازات التخدير (البنج) ما لم يعط المريض سوائل (محاليل) مغذية. ١١- ما يدخل الجسم امتصاصًا من الجلد كالدهونات والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية. ١٢- إدخال قثطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء. ١٣- إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها. ١٤- أخذ عينات (خزعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل. ١٥- منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل) أو مواد أخرى. ١٦- دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي. ١٧- القيء غير المتعمد بخلاف المتعمد (الاستقاءة) .] مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد العاشر الجزء الثاني ٤٥٣-٤٥٥.\rوخلاصة الأمر أن الراجح من أقوال أهل العلم هو التضييق في المفطرات وأن المفطرات المعتبرة هي الجماع والأكل والشرب ويضاف لها ما اتفق عليه أهل العلم على أنه مفطر، مما هو في حكم الطعام والشراب، كالتدخين وتعاطي الأدوية عن طريق الفم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346005,"book_id":3840,"shamela_page_id":385,"part":"9","page_num":11,"sequence_num":385,"body":"١١ - الطبيب الذي يقبل قوله للفطر في رمضان\rيقول السائل: من هو الطبيب الذي يؤخذ بقوله في إفطار المريض في رمضان؟ الجواب: الأصل في الطبيب الذي يقبل قوله إذا أخبر المريض أن يفطر في رمضان هو الطبيب المسلم الثقة الحاذق في الطب وكذا إذا أخبر هذا الطبيب بأن المريض ممنوع من استعمال الماء لمرضه فيجوز له التيمم أو أخبره بأن عليه أن يصلي قاعداً في الفريضة ونحو ذلك من المسائل.\rوقد قال جماعة من الفقهاء بأن الإسلام شرط في هذا الطبيب مع كونه حاذقاً، فلا يقبل قول الطبيب غير المسلم قال الإمام النووي [قال أصحابنا يجوز أن يعتمد في كون المرض مرخصاً في التيمم وأنه على الصفة المعتبرة على معرفة نفسه إن كان عارفاً وإلا فله الاعتماد على قول طبيب واحد حاذق مسلم بالغ عدل فان لم يمكن بهذه الصفة لم يجز اعتماده] المجموع ٢/٢٨٦. وقال الشيخ البهوتي الحنبلي: [ (وإذا قال طبيب) سمي بذلك لفطنته وحذقه (مسلم ثقة) أي عدل ضابط فلا يقبل خبر كافر ولا فاسق، لأنه أمر ديني، فاشترط له ذلك كغيره من أمور الدين (حاذق فطن لمريض: إن صليت مستلقياً أمكن مداواتك فله) أي المريض (ذلك) أي الصلاة مستلقياً (ولو مع قدرته على القيام) ] كشاف القناع عن متن الإقناع.\rومن الفقهاء من أجاز قبول قول الطبيب غير المسلم إذا كان حاذقاً في الطب وهذا أرجح قولي الفقهاء في المسألة وفيه نوع من التيسير على الناس وخاصة في بلادنا حيث إن كثيراً من الناس يتعالجون عند أطباء غير مسلمين، فإذا كان الطبيب غير المسلم حاذقاً وماهراً في تخصصه فيجوز للمسلم أن يقبل قوله في قضايا الإفطار في رمضان وغيرها.\rقال الشيخ ابن مفلح الحنبلي [وقال الشيخ تقي الدين – أي شيخ الإسلام ابن تيمية -: إذا كان اليهودي أو النصراني خبيراً بالطب ثقة عند الإنسان جاز له أن يستطب كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله كما قال تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك﴾ . وفي الصحيح أن النبي ﷺ لما هاجر استأجر رجلاً مشركاً هادياً خريتاً والخريت الماهر بالهداية وائتمنه على نفسه وماله وكانت خزاعة عيبة لرسول الله ﷺ أي موضع سره وأمانته - مسلمهم وكافرهم , وقد روي أن النبي ﷺ أمر أن يستطب الحارث بن كلدة وكان كافراً، وإذا أمكنه أن يستطب مسلماً فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله فلا ينبغي أن يعدل عنه، وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي أو استطبابه فله ذلك ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهي عنها وإذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسناً فإن الله تعالى يقول: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم﴾ . الآداب الشرعية ٢/٤٤١-٤٤٢. والحديث الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في حادثة الهجرة النبوية هو ما رواه الإمام البخاري عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديل هادياً خريتاً وهو على دين كفار قريش فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث) والخريت هو الماهر في الدلالة على الطريق.\rوقال العلامة ابن القيم معلقاً على استئجار المشرك في حادثة الهجرة [في استئجار النبي ﷺ – عبد الله بن أريقط الديلي هادياً في وقت الهجرة، وهو كافر دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل والأدوية والحساب والعيوب ونحوها ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة، ولا يلزم من مجرد كونه كافراً ألا يوثق به في شيء أصلاً، فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق ولا سيما في مثل طريق الهجرة] بدائع الفوائد ٣ /٢٠٨.\rوالحديث الثاني الذي أشار إليه شيخ الإسلام هو ما رواه أبو داود عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال مرضت مرضاً أتاني رسول الله ﷺ يعودني فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي فقال إنك رجل مفئود ائت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه رجل يتطبب فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهن بنواهن ثم ليلدك بهن) قال صاحب عون المعبود [ (مفئود) : اسم مفعول مأخوذ من الفؤاد وهو الذي أصابه داء في فؤاده وأهل اللغة يقولون الفؤاد هو القلب, وقيل هو غشاء القلب, أو كان مصدورا فكنى بالفؤاد عن الصدر لأنه محله قاله القاري ... قوله (ثم ليلدك بهن) : من اللدود وهو صب الدواء في الفم أي ليجعله في الماء ويسقيك] والحارث بن كلدة الثقفي من أشهر أطباء العرب في الجاهلية وأدرك الإسلام واختلف في إسلامه ولكن لما أمر النبي ﷺ سعداً أن يتداوى عنده لم يكن مسلماً حينذاك.\rوقال الشيخ ابن مفلح الحنبلي أيضاً: [وذكر أبو الخطاب في حديثه صلح الحديبية وبعث النبي ﷺ عيناً له من خزاعة وقبوله خبره، إن فيه دليلاً على جواز قبول المتطبب الكافر فيما يخبر به عن صفة العلة ووجه العلاج إذا كان غير متهم فيما يصفه وكان غير مظنون به الريبة.] الآداب الشرعية ٢/٤٤٢.\rوقال الرحيباني الحنبلي: [وسن فطر وكره صوم (لخوف مريض وحادث به في يومه ضرراً بزيادته أو طوله أي المرض ولو بقول طبيب غير مسلم ثقة] مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى.\rوقال الشيخ النفراوي المالكي: [الخوف المجوز للفطر هو المستند صاحبه إلى قول طبيب ثقة حاذق أو لتجربة من نفسه] الفواكه الدواني.\rوقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: [ذهب بعضُ أهلِ العِلم إلى اشتراطِ الثقةِ فقط دون الإِسلام، وقال: متى كان الطبيبُ ثقةً عُمِلَ بقولِه وإنْ لم يكن مسلماً. واستدلُّوا لذلك: بأنَّ رسولَ الله ﷺ عَمِلَ بقول الكافر حال ائتمانه؛ لأنه وَثِقَ به فقد استأجرَ في الهجرةِ رَجُلاً مشركاً مِن بني الدِّيلِ، يُقال له: عبدُ الله بن أُريقط ليدلَّه على الطريق مِن مكَّة إلى المدينة، مع أنَّ الحالَ خطرةٌ جداً أن يعتمد فيها على الكافر، لأن قريشاً كانوا يطلبون النبي ﷺ وأبا بكر حتى جعلوا لمن جاء بهما مئتي بعير، ولكن لما رأى النبي ﷺ أنه رجل أمين، وإن كان كافراً ائتمنه ليدله على الطريق. فأخذ العلماء القائلون بأن المدار على الثقة أنه يقبل قول الطبيب الكافر إذا كان ثقة، ونحن نعلم أن من الأطباء الكفار من يحافظون على صناعتهم ومهنتهم أكثر مما يحافظ عليها بعض المسلمين لا تقرباً إلى الله أو رجاء لثوابه، ولكن حفاظاً على سمعتهم وشرفهم. فإذا قال طبيب غير مسلم ممن يوثق بقوله لأمانته وحذقه: إنه يضرك أن تصلّي قائماً ولا بد أن تصلّي مستلقياً فله أن يعمل بقوله، ومن ذلك أيضاً لو قال له الطبيب الثقة: إن الصوم يضرك أو يؤخر البرء عنك فله أن يفطر بقوله. وهذا هو القول الراجح لقوة دليله وتعليله.] الشرح الممتع\rوخلاصة الأمر أنه يقبل قول الطبيب المسلم الثقة المتخصص في الأعذار التي تبيح الفطر في رمضان وكذلك يقبل قول الطبيب غير المسلم المتخصص فيجوز للمريض أن يأخذ بقولهما فيفطر في رمضان، ولكن يجب الحذر من الأخذ بأقوال الأطباء المستهترين بالدين ممن لا يصلون ولا يصومون فهؤلاء ليسوا من الثقات فلا تقبل أقوالهم في المسائل الدينية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346006,"book_id":3840,"shamela_page_id":386,"part":"9","page_num":12,"sequence_num":386,"body":"١٢ - قضاء رمضان\rتقول السائلة: إنها تبلغ من العمر خمساً وثلاثين سنة ولم تقض ما أفطرته من شهور رمضان السابقة بسبب الحيض، لأنها لم تكن تعلم بوجوب القضاء عليها والآن قد عرفت بوجوب قضاء الحائض ما أفطرته من رمضان فماذا تصنع؟ الجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن الحائض لا تصوم لأن من شروط الصيام الطهارة من الحيض وقد كنت أظن أن هذا الحكم معروف بين النساء ولكنني علمت من خلال أسئلة بعض النساء أنهن كن يصمن حال الحيض ولا يعرفن أنه لا يجوز للحائض الصوم، ومما يدل على منع الحائض من الصيام ما ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ( ... أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) رواه البخاري ومسلم.\rوينبغي أن يعلم ثانياً أن العلماء قد اتفقوا على وجوب قضاء الحائض ما أفطرته من رمضان بسبب الحيض، فقد ورد في الحديث عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) رواه البخاري ومسلم. ومعاذة هي بنت عبد الله العدوية، وهي معدودة في فقهاء التابعين قولها: (أحرورية أنت؟) الحروري منسوب إلى حرورا، بلدة على ميلين من الكوفة، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج حروري لأن أول فرقة منهم خرجوا على علي ﵁ بالبلدة المذكورة فاشتهروا بالنسبة إليها وهم فرق كثيرة، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم الأخذ بما دل عليه القرآن ورد ما زاد عليه من الحديث مطلقاً. تحفة الأحوذي ١/٣٤٥.\rوينبغي أن يعلم ثالثاً أن العذر بالجهل ليس مقبولاً على إطلاقه عند أهل العلم بل المسألة فيها تفصيل فهنالك أمور من الدين، العلم بها فرض عين ولا يعذر المسلم بجهلها، فقد ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ قال (طلب العلم فريضة على كل مسلم) رواه ابن ماجة وغيره وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وانظر صحيح الترغيب والترهيب ١/١٤٠. والمقصود بالعلم الذي هو فريضة ما هو فرض عين والمقصود بفرض العين ما يجب على كل مسلم مكلف أن يحصله ولا يعذر بجهله، وحدُّ هذا القسم هو ما تتوقف عليه صحة العبادة أو المعاملة فيجب على المسلم أن يتعلم كيفية الوضوء والصلاة والأحكام الأساسية في الصوم والزكاة إن كان عنده نصاب والأحكام الأساسية في الحج إن كان من أهل الاستطاعة وكذلك يجب عليه أن يتعلم أحكام المعاملات التي يحتاج إليها. قال ابن عابدين في حاشيته نقلاً عن العلامي في فصوله: [من فرائض الإسلام تعلم ما يحتاج إليه العبد في إقامة دينه وإخلاص عمله لله تعالى ومعاشرة عباده وفرض على كل مكلف ومكلفة بعد تعلمه علم الدين والهداية تعلم علم الوضوء والغسل والصلاة والصوم وعلم الزكاة لمن له نصاب والحج لمن وجب عليه والبيوع على التجار ليحترزوا عن الشبهات والمكروهات في سائر المعاملات وكذا أهل الحرف وكل من اشتغل بشيء يفترض عليه علمه وحكمه ليمتنع عن الحرام فيه] حاشية ابن عابدين ١/٤٢. وقال الإمام النووي: [... فرض العين وهو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به ككيفية الوضوء والصلاة ونحوها] المجموع ١/٤٢.\rفهذا النوع من العلم هو الذي لا يسع المسلم أن يجهله، وهو علم العامة كما قال الإمام الشافعي: [قال لي قائل: ما العِلْمُ؟ وما يَجِبُ على الناس في العلم؟ فقلت له: العلم عِلْمان: علمُ عامَّةٍ، لا يَسَعُ بالِغاً غيرَ مغلوب على عقْلِه جَهْلُهُ. قال: ومِثْل ماذا؟ قلت: مثلُ الصَّلَوَاتِ الخمس، وأن لله على الناس صومَ شهْر رمضانَ، وحجَّ البيت إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالهم، وأنه حرَّمَ عليهم الزِّنا والقتْل والسَّرِقة والخمْر، وما كان في معنى هذا، مِمَّا كُلِّفَ العِبادُ أنْ يَعْقِلوه ويعْملوه ويُعْطُوه مِن أنفسهم وأموالهم، وأن يَكُفُّوا عنه ما حرَّمَ عليهم منه. وهذا الصِّنْف كلُّه مِن العلم موجود نَصًّا في كتاب الله، وموْجوداً عامًّا عنْد أهلِ الإسلام، ينقله عَوَامُّهم عن مَن مضى من عوامِّهم، يَحْكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم. وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط مِن الخبر، ولا التأويلُ، ولا يجوز فيه التنازعُ. قال: فما الوجه الثاني؟ قلت له: ما يَنُوبُ العِباد مِن فُروع الفرائض، وما يُخَصُّ به مِن الأحكام وغيرها، مما ليس فيه نصُّ كتاب، ولا في أكثره نصُّ سنَّة، وإن كانت في شيء منه سنةٌ فإنما هي مِن أخْبار الخاصَّة، لا أخبارِ العامَّة، وما كان منه يحتمل التأويل ويُسْتَدْرَكُ قِياسًا.] الرسالة ص ٣٥٧-٣٥٩.\rوقال جلال الدين السيوطي: [كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس لم يقبل منه دعوى الجهل، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك، كتحريم الزنا والقتل والسرقة والخمر والكلام في الصلاة والأكل في الصوم.] الموسوعة الفقهية الكويتية ١٦/١٩٩.\rوما يدل على أن المسلم لا يعذر بالجهل في هذا القسم أن النبي ﷺ لم يقبل عذر الجهل من الرجل الذي أساء الصلاة فلم يعتد بصلاته فعن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى فسلَّم على النبي ﷺ فرد وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع يصلي كما صلى ثم جاء فسلَّم على النبي ﷺ فقال ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثاً، فقال والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً وافعل ذلك في صلاتك كلها) رواه البخاري ومسلم. ويدخل في هذا القسم وجوب قضاء الحائض ما أفطرته من رمضان فهذا الحكم لا تعذر المرأة بالجهل به بشكل عام ما دامت تعيش في ديار الإسلام. وهنالك حالات يعذر فيها المسلم بالجهل كمن يجهل دقائق المسائل الفقهية كالفرعيات في الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها فقد عذر النبي ﷺ الرجل الذي بال في المسجد كما ورد في الحديث عن أبي هريرة أن أعرابياً بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله ﷺ دعوه وأهريقوا على بوله ذنوباً من ماء أو سجلاً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) رواه البخاري ومسلم، وكما عذر النبي ﷺ الرجل الذي أحرم في ملابس مطيبة فعن يعلى بن أمية ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجعرانة عليه جبة وعليها خلوق أو قال أثر صفرة فقال كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ... قال أين السائل عن العمرة اغسل عنك أثر الصفرة أو قال أثر الخلوق واخلع عنك جبتك واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) رواه البخاري ومسلم.\rإذا تقرر هذا فإن الواجب على المرأة السائلة أن تقضي جميع الأيام التي أفطرتها من رمضانات سابقة وتبقى ذمتها مشغولة بذلك حتى تقضيها ولا فدية عليها لأن الراجح من أقوال أهل العلم فيمن أخر قضاء ما عليه من رمضان سواء كان تأخير القضاء بعذر أو بدون عذر وجوب القضاء فقط ولا تجب عليه الفدية لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٤. وهذا هو القول الراجح فيما يظهر لي لأن المسألة لا يوجد فيها نص ثابت عن الرسول ﷺ، وهو قول الحنفية ونقل عن إسحاق بن راهويه والحسن البصري والنخعي واختاره الإمام الشوكاني، وإن كان جمهور الفقهاء على خلافه، قال الإمام الشوكاني: [وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق والبراءة الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها ولا دليل ههنا فالظاهر عدم الوجوب] نيل الأوطار ٤/٢٦٣.\rوخلاصة الأمر أن المرأة الحائض لا يجزئ منها الصيام ولا يجوز لها الإقدام عليه أصلاً ويلزمها قضاء ما أفطرته من رمضان، وأن المسلم لا يعذر بالجهل في الأكام المعروفة والمشهورة بين المسلمين ويعذر بالجهل بالمسائل الفرعية التفصيلية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346007,"book_id":3840,"shamela_page_id":387,"part":"9","page_num":13,"sequence_num":387,"body":"١٣ - هدي النبي ﷺ في شعبان\rيقول السائل: كيف كان هدي النبي ﷺ في شهر شعبان، أفيدونا؟ الجواب: لا شك أن خير الهدي هدي سيدنا محمد ﷺ فهو أكمل الهدي، وعمله ﷺ خير العمل، وعلى كل مسلم أن يبذل وسعه وطاقته في الإقتداء برسول الله ﷺ، قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) سورة الأحزاب الآية ٢١.\rوقد كان أعظم ما يميز هدي المصطفى ﷺ في شعبان هو الصيام حيث كان رسول الله ﷺ يصوم أكثر شعبان، بل إن شهر شعبان هو أكثر شهر صامه رسول الله ﷺ بعد رمضان فقد وردت أحاديث عن النبي ﷺ في ذلك منها:\rعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم فما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي سلمة أن عائشة ﵂ حدثته قالت: (لم يكن النبي ﷺ يصوم شهراً أكثر من شعبان وكان يقول خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن لله لا يمل حتى تملوا وأحب الصلاة إلى النبي ﷺ ما دووم عليه وإن قلّت وكان إذا صلى صلاة دوام عليها) رواه البخاري.\rوعنها ﵂ قالت: (لم يكن النبي ﷺ يصوم أكثر من شعبان فإنه كان يصومه كله) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عنها ﵂ قالت: (ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان كان يصومه إلا قليلا ً) رواه البخاري ومسلم.\rقال الإمام النووي [وقولها: (كان يصوم شعبان كله, كان يصومه إلا قليلاً) الثاني تفسير للأول, وبيان أن قولها كله أي غالبه, وقيل: كان يصومه كله في وقت, ويصوم بعضه في سنة أخرى, وقيل: كان يصوم تارة من أوله, وتارة من آخره, وتارة بينهما, وما يخلي منه شيئاً بلا صيام، لكن في سنين, وقيل: في تخصيص شعبان بكثرة الصوم لكونه ترفع فيه أعمال العباد, وقيل غير ذلك.] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٢٣-٢٢٤.\rوقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [ ... إن صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم. ويدل على ذلك ما خرجه الترمذي من حديث أنس سئل النبي ﷺ أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: (شعبان تعظيماً لرمضان) وفي إسناده مقال. وفي سنن ابن ماجة: (أن أسامة كان يصوم الأشهر الحرم فقال له رسول الله ﷺ (صم شوالاً) فترك الأشهر الحرم فكان يصوم شوالاً حتى مات. وفي إسناده إرسال، وقد روي من وجه آخر يعضده. فهذا نص في تفضيل صيام شوال على صيام الأشهر الحرم، وإنما كان كذلك لأنه يلي رمضان من بعده، كما أن شعبان يليه من قبله، وشعبان أفضل لصيام النبي ﷺ له دون شوال. فإذا كان صيام شوال أفضل من الأشهر الحرم، فلأن يكون صوم شعبان أفضل بطريق الأولى. فظهر بهذا أن أفضل التطوع ما كان قريباً من رمضان قبله وبعده، وذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، فيلتحق بالفرائض في الفضل وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده. فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة، فكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه ... ] لطائف المعارف ص٢٤٨-٢٤٩.\rوقال بعض أهل العلم: الحكمة من صيام النبي ﷺ أكثر شعبان أن كثيراً من الناس يغفلون عن الصيام في شعبان فكان ﷺ يصوم أكثره وقد ورد ذلك معللاً في حديث أسامة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر ما تصوم من شعبان؟ قال: (ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة.\rقال الحافظ ابن رجب الحنبلي معلقاً على حديث أسامة: [ ... أنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولاً عنه. وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام، وليس كذلك. وروى ابن وهب قال: حدثنا معاوية بن صالح عن أزهر بن سعد عن أبيه عن عائشة قالت: ذكر لرسول الله ناسٌ يصومون رجباً، فقال: (فأين هم عن شعبان) وفي قوله: (يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان) إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه، إما مطلقاً أو لخصوصية فيه لا يتفطن لها أكثر الناس فيشتغلون بالمشهور عنه، ويفوتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم،\rوفيه: دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله ﷿، كما كان طائفة من السلف، يستحبون إحياء ما بين العشاءين بالصلاة ويقولون: هي ساعة غفلة، ولذلك فضل القيام في وسط الليل لشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر، وقد قال النبي ﷺ: (إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الليلة فكن) ... ] لطائف المعارف ص ٢٥٠-٢٥١.\rوهنا لا بد من الإشارة إلى حديث قد يتعارض مع ما ذكرنا وهو ما روي أن النبي ﷺ قال: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) رواه أصحاب السنن الأربعة. فيجاب عنه من وجهين: الأول: إن الحديث ضعيف ضعفه الإمام أحمد وابن معين والبيهقي. الثاني: إن صح فيحمل النهي في الحديث على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده قاله الحافظ ابن حجر. وقال الشوكاني: ظاهر قوله ﷺ في حديث أسامة: (أن شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان أنه يستحب صوم رجب لأن الظاهر أن المراد أنهم يغفلون عن تعظيم شعبان بالصوم كما يعظمون رمضان ورجباً به) نيل الأوطار ٤/٢٧٦.\rوينبغي أن يعلم أنه يكره للمسلم أن يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين لئلا يختلط النفل بالفرض، أو حتى يستريح الصائم ليدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط. وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً فليصم ذلك اليوم) رواه البخاري. وأخيراً أنبه على أن إحياء ليلة النصف من شعبان بدعة منكرة لا أصل له في الشرع وما روي أن رسول الله ﷺ قال: (من أحيا ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) قال ابن الجوزي: [هذا حديث لا يصح عن رسول الله ? وفيه آفات ثم ذكر من آفاته مروان بن سالم قال فيه النسائي والدارقطني والأزدي متروك. العلل المتناهية ٢/٥٦٢. وقال الحافظ ابن حجر عنه: [ومروان هذا متهم بالكذب] . الإصابة ٥/٥٨٠. وقال الحافظ عنه في لسان الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٤/٣٩١. وقال الذهبي في الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٥/٣٧٢.\rوخلاة الأمر أنه كان من هدي النبي ﷺ صيام أكثر شهر شعبان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346008,"book_id":3840,"shamela_page_id":388,"part":"9","page_num":14,"sequence_num":388,"body":"١٤ - حكم اعتكاف المرأة\rيقول السائل: ما حكم اعتكاف المرأة في العشر الأواخر من رمضان؟ الجواب: الاعتكاف من السنن الثابتة عن النبي ? وقد صح أن النبي ? اعتكف في رمضان في العشر الأواخر منه) رواه البخاري ومسلم. ويشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في المسجد قال الله تعالى: (ولا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) سورة البقرة الآية ١٨٧. ولم يعتكف النبي ? إلا في المسجد فلا يصح الاعتكاف في البيوت.\rوالاعتكاف مشروع للنساء كما هو مشروع للرجال إلا أنه يشترط لصحة الاعتكاف من المرأة أن تكون طاهراً من حيض أو نفاس على قول جمهور أهل العلم\rويدل على مشروعية الاعتكاف للنساء ما ورد عن عائشة ﵂: (أن النبي ? كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده) رواه البخاري ومسلم\rوثبت في الحديث الآخر عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ? إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، صَلّىَ الْفَجْرَ. ثُمّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. وَإِنّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ. أَرَادَ الاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ. فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ. وَأَمَرَ غَيْرُها مِنْ أَزْوَاجِ النّبِيّ ? بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ. فَلَمّا صَلّىَ رَسُولُ اللهِ ? الْفَجْرَ، نَظََ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ. فَقَالَ: \"آلْبِرّ تُرِدْنَ؟ \" فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوّضَ. وَتَرَكَ الإِعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. حَتّىَ اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الأَوّلِ مِنْ شَوّالٍ) رواه البخاري ومسلم\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (فترك الاعتكاف) في رواية أبي معاوية \" فأمر بخبائه فقوض \" وهو بضم القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة أي نقض وكأنه ? خشي أن يكون الحامل لهن على ذلك المباهاة والتنافس الناشىء عن الغيرة حرصاً على القرب منه خاصة فيخرج الاعتكاف عن موضوعه أو لما أذن لعائشة وحفصة أولا كان ذلك خفيفاً بالنسبة إلى ما يفضي إليه الأمر من توارد بقية النسوة على ذلك فيضيق المسجد على المصلين أو بالنسبة إلى أن اجتماع النسوة عنده يصيره كالجالس في بيته وربما شغلنه عن التخلي لما قصد من العبادة فيفوت مقصود الاعتكاف.] فتح الباري ٤/٣٥١\rويجب أن يعلم أنه يشترط إذن الزوج وموافقته لجواز اعتكاف الزوجة وكذا غير المتزوجة فلا بد من موافقة وليها قال الحافظ ابن حجر العسقلاني [قوله: (فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء) في رواية الأوزاعي المذكورة \" فاستأذنته عائشة فأذن لها وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت \" وفي رواية ابن فضيل المذكورة \" فاستأذن عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت قبة , فسمعت بها حفصة فضربت قبة \"] فتح الباري ٤/٣٥٠\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضاً: [ ... قال ابن المنذر وغيره: في الحديث أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها وأنها إذا اعتكفت بغير إذنه كان له أن يخرجها , وإن كان بإذنه فله أن يرجع فيمنعها. وعن أهل الرأي إذا أذن لها الزوج ثم منعها أثم بذلك وامتنعت , وعن مالك ليس له ذلك , وهذا الحديث حجة عليهم] فتح الباري ٤/٣٥١\rويشترط لصحة اعتكاف المرأة أمن الفتنة فلا يصح اعتكاف المرأة في مسجد لا يوجد فيه مكان خاص بالنساء لأنها حينئذ ستختلط بالرجال وهذا فيه مفاسد تنافي الحكمة من الاعتكاف ومن المعلوم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وإن اعتكفت مجموعة من النساء في مسجد خاص بهن فأمر حسن إن كان المسجد آمناً\rولا يشترط لصحة اعتكاف المرأة أن يكون في مسجد تقام فيه الجمعة ولا الجماعة لأنهما ليستا واجبتين على المرأة\rقال الشيخ ابن قدامةالمقدسي [وللمرأة أن تعتكف في كل مسجد ولا يشترط إقامة الجماعة فيه لأنها غير واجبة عليها وبهذا قال الشافعي وليس لها الاعتكاف في بيتها وقال أبو حنيفة والثوري: لها الاعتكاف في مسجد بيتها وهو المكان الذي جعلته للصلاة منه واعتكافها فيه أفضل لأن صلاتها فيه أفضل وحكي عن أبي حنيفة أنها لا يصح اعتكافها في مسجد الجماعة (لأن النبي ? ترك الاعتكاف في المسجد لما رأى أبنية أزواجه فيه وقال: (آلبر تردن) ولأن مسجد بيتها موضع فضيلة صلاتها فكان موضع اعتكافها كالمسجد في حق الرجل. ولنا قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ والمراد به المواضع التي بنيت للصلاة فيها وموضع صلاتها في بيتها ليس بمسجد لأنه لم يبن للصلاة فيه وإن سمي مسجداً كان مجازاً فلا يثبت له أحكام المساجد الحقيقية كقول النبي ?: (جعلت لي الأرض مسجداً) ولأن أزواج النبي ? استأذنه في الاعتكاف في المسجد فأذن لهن ولو لم يكن موضعاً لاعتكافهن لما أذن فيه ولو كان الاعتكاف في غيره أفضل لدلهن عليه ونبههن عليه ولأن الاعتكاف قربة يشترط لها المسجد في حق الرجل فيشترط في حق المرأة كالطواف وحديث عائشة حجة لنا لما ذكرنا وإنما كره اعتكافهن في تلك الحال حيث كثرت أبنيتهن لما رأى من منافستهن فكرهه منهن خشية عليهن من فساد نيتهن وسوء المقصد به ولذلك قال ?: (آلبر تردن) منكراً لذلك أي لم تفعلن ذلك تبرراً ولذلك ترك الاعتكاف لظنه أنهن يتنافسن في الكون معه ولو كان للمعنى الذي ذكروه لأمرهن بالاعتكاف في بيوتهن ولم يأذن لهن في المسجد وأما الصلاة فلا يصح اعتبار الاعتكاف بها فإن صلاة الرجل في بيته أفضل ولا يصح اعتكافه فيه.] المغني ٣/١٩٠-١٩١.\rوخلاصة الأمر أن الاعتكاف للنساء مشروع كالرجال بشروطه السابقة ولكن نظراً للظروف الصعبة التي نعيشها في هذه البلاد فأرى أنه لا ينبغي للنساء أن يعتكفن في المساجد في العشر الأواخر من رمضان ولا في غيرها إلا إذا اعتكفت المرأة في المسجد ساعة من النهار أو سويعات فلا بأس بذلك وأما أن تعتكف ليلاً في المسجد فلا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346009,"book_id":3840,"shamela_page_id":389,"part":"9","page_num":15,"sequence_num":389,"body":"١٥ - حكم الأكل أثناء الأذان لصلاة الفجر\rيقول السائل: إنه سمع حديثاً عن النبي ﷺ يقول فيه (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) فهل هذا الحديث يجيز للصائم أن يستمر في الأكل والشرب أثناء أذان الفجر. أفيدونا. الجواب: من المعلوم أن وقت الصوم يبدأ من طلوع الفجر الصادق وهو وقت أذان الفجر للصلاة\rقال الله ﷾: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) سورة البقرة الآية ١٨٧. فإذا طلع الفجر الصادق فحينئذ يحرم الطعام والشراب على الصائم. ومن المعروف أنه يؤذن للفجر بأذانين فالأذان الأول لا يدخل به وقت صلاة الفجر ويجوز لمن أراد الصيام أن يأكل ويشرب وأما الأذان الثاني فبه يدخل وقت صلاة الفجر وعنده يحرم الأكل والشرب على الصائم ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت) رواه البخاري ومسلم.\rوبناءً على ما تقدم فبمجرد أن يؤذن لصلاة الفجر فلا يجوز الأكل ولا الشرب لأن وقت الصيام قد بدأ هذا إذا كان المؤذن يؤذن عند طلوع الفجر الصادق وبما أن المؤذنين في بلادنا يعتمدون على التوقيت المعروف وهو توقيت صحيح أعدته لجنة من أهل العلم الشرعي ومن مختصين في علم الفلك وممن لديهم خبرة ومعرفة في التوقيت فيجب الالتزام به\rقال العلامة ابن القيم [وذهب الجمهور إلى امتناع السحور بطلوع الفجر , وهو قول الأئمة الأربعة , وعامة فقهاء الأمصار , وروي معناه عن عمر وابن عباس ﵃.] شرح ابن القيم على سنن أبي داود ٦/٣٤١.\rوأما الحديث المذكور في السؤال فقد رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي وغيرهم وهو حديث حسن وقد فصَّل الكلام على سنده العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ١٣٩٤\rوأما المراد بالحديث فقد قال الإمام البيهقي [وهذا إن صح فهو محمول عند عوام أهل العلم على أنه ﷺ علم أن المنادي كان ينادى قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر] السنن الكبرى ٤/٢١٨\rوقال الإمام النووي: [ذكرنا أن من طلع الفجر وفى فيه – فمه - طعام فليلفظه ويتم صومه فان ابتلعه بعد علمه بالفجر بطل صومه وهذا لا خلاف فيه ودليله حديث ابن عمر وعائشة ﵃ أن رسول الله ﷺ قال \" إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم \" رواه البخاري ومسلم وفى الصحيح أحاديث بمعناه وأما حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال \" إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه \" وفى رواية \" وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر \" فروى الحاكم أبو عبد الله الرواية الأولي وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ورواهما البيهقى ثم قال: وهذا إن صح محمول عند عوام أهل العلم على أنه ﷺ علم أنه ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر قال وقوله إذا بزغ يحتمل أن يكون من كلام من دون أبي هريرة أو يكون خبراً عن الأذان الثاني ويكون قول النبي ﷺ \" إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده \" خبراً عن النداء الأول ليكون موافقاً لحديث ابن عمر وعائشة ﵄ قال وعلى هذا تتفق الأخبار وبالله التوفيق والله أعلم] المجموع ٦/٣١١- ٣١٢\rوحمل جماعة من العلماء هذا الحديث على حال من شك في طلوع الفجر، أما إذا تأكد من طلوع الفجر فليس له أن يأكل أو يشرب فإن فعل بعد التأكد من طلوع الفجر فقد بطل صومه ويلزمه القضاء. .\rوقال العلامة علي القاري [قوله ﷺ (حتى يقضي حاجته منه) هذا إذا علم أو ظن عدم الطلوع. وقال ابن الملك: هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح أما إذا علم أنه قد طلع أو شك فيه فلا] مرقاة المفاتيح ٤/٤٨٣.\rوخلاصة الأمر أن الحديث وارد عن النبي ﷺ وهو حديث حسن ولكن الحديث لا يجيز للصائم أن يستمر في الأكل والشرب خلال أذان الفجر إذا تأكد من طلوع الفجر الصادق. والواجب على الصائم أن يمتنع عن الأكل والشرب بمجرد سماع أذان الفجر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346010,"book_id":3840,"shamela_page_id":390,"part":"9","page_num":16,"sequence_num":390,"body":"١٦ - قضاء رمضان سابق\rيقول السائل: إنه لم يصم شهر رمضان الماضي بدون أي عذر ولم يقضه وقد ندم على تقصيره وينوي أن يصوم رمضان القادم فماذا عليه؟ الجواب: إن الإفطار في رمضان متعمداً من كبائر الذنوب وانتهاك للمحرمات وتعدي على ركن من أركان الإسلام والواجب على من وقع منه ذلك أن يبادر بالتوبة الصادقة إلى الله تعالى بشروطها المعروفة.\rقال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة النور الآية ٣١.\rويلزم هذا المفطر أن يقضي الشهر الذي أفطره كما قرره جمهور أهل العلم\rيقول الله ﷾: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٤. ففي هذه الآية الكريمة ألزم الله ﷿ القضاء لمن أفطر لعذر كالمريض والمسافر فمن باب أولى أن يلزم القضاء من أفطر متعمداً\rومما يدل على وجوب القضاء على المفطر المتعمد في رمضان ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ? قال قال رسول الله ? (من ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد ومالك وهو حديث صحيح كما قال اعلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٥٢. فهذا الحديث قد أوجب القضاء على من استقاء أي تعمد إخراج القيء وقد أفطر بغير عذر فهو آثم فيما فعل فكل من أفطر عامداً كان حكمه كحكم من إستقاء. انظر قضاء العبادات ص ٢٢٥.\rوكذلك فإن ذمة هذا المفطر متعمداً مشغولة بفريضة الصيام ولا تبرأ الذمة إلا بالأداء وقد فاته الأداء فلزمه القضاء.\rوقد أوجب جماعة من العلماء الفدية بالإضافة للقضاء في حق من دخل عليه رمضان وفي ذمته أيام لم يصمها من رمضان سابق إن كان تأخير القضاء لغير عذر وهذه الفدية تكون بإطعام مسكين عن كل يوم أفطره من رمضان\rقال الإمام النووي: [فرع في مذاهب العلماء في من أخر قضاء رمضان بغير عذر حتى دخل رمضان آخر * قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يلزمه صوم رمضان الحاضر ثم يقضى الأول ويلزمه عن كل يوم فدية وهى مد من طعام وبهذا قال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء بن أبي رباح والقاسم بن محمد والزهري والأوزاعي ومالك والثوري وأحمد وإسحق إلا أن الثوري قال الفدية مدان عن كل يوم وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة والمزني وداود يقضيه ولا فدية عليه] المجموع ٦/٣٦٦.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وجملة ذلك أن من عليه صوماً من رمضان فله تأخيره ما لم يدخل رمضان آخر لما روت عائشة ﵂ قالت: (كان يكون عليَّ الصيام من شهر رمضان , فما أقضيه حتى يجيء شعبان) متفق عليه. ولا يجوز له تأخير القضاء إلى رمضان آخر من غير عذر لأن عائشة ﵂ لم تؤخره إلى ذلك ولو أمكنها لأخرته ولأن الصوم عبادة متكررة , فلم يجز تأخير الأولى عن الثانية كالصلوات المفروضة، فإن أخره عن رمضان آخر نظرنا فإن كان لعذر فليس عليه إلا القضاء وإن كان لغير عذر , فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم وبهذا قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة , ومجاهد وسعيد بن جبير ومالك , والثوري والأوزاعي والشافعي , وإسحاق وقال الحسن والنخعي وأبو حنيفة: لا فدية عليه لأنه صوم واجب , فلم يجب عليه في تأخيره كفارة كما لو أخر الأداء والنذر ولنا ما روي عن ابن عمر وابن عباس , وأبي هريرة أنهم قالوا: أطعم عن كل يوم مسكيناً ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلافهم وروي مسنداً من طريق ضعيف ولأن تأخير صوم رمضان عن وقته إذا لم يوجب القضاء , أوجب الفدية كالشيخ الهرم.] المغني ٣/١٥٣-١٥٤.\rوقال أبو حنيفة وأصحابه يجب القضاء فقط سواء كان تأخير القضاء بعذر أو بدون عذر ولا تجب الفدية لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾\rوهذا هو القول الراجح فيما يظهر لي لأن المسألة لا يوجد فيها نص ثابت عن الرسول ? قال الإمام الشوكاني: [وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق والبراءة الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها ولا دليل ههنا فالظاهر عدم الوجوب] نيل الأوطار ٤/٢٦٣.\rولكن إن عمل أحد بالقول الثاني فلا بأس للآثار الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم.\rوخلاصة الأمر أن على من أفطر عامداً في رمضان أن يقضي الأيام التي أفطرها ولا تبرأ ذمته إلا بذاك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346011,"book_id":3840,"shamela_page_id":391,"part":"9","page_num":17,"sequence_num":391,"body":"١٧ - يشرع صيام يوم عرفة وإن وافق يوم السبت\rيقول السائل: إن يوم عرفة يصادف هذا العام يوم السبت فما حكم صيامه حيث إنني قد سمعت حديثاً عن النبي ﷺ ينهى عن صوم يوم السبت إلا في الفريضة فما قولكم في ذلك؟ الجواب: يوم عرفة يوم من أيام الله ﷾ ويوم عظيم مبارك ومن أفضل أعمال المؤمن أن يصوم يوم عرفة وقد ثبت في فضل صيامه أحديث كثيرة منها: عن أبي قتادة ﵁ قال رسول الله ﷺ (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) رواه مسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم (قال وسئل ﷺ عن صوم يوم عرفة فقال يكفر السنة الماضية والباقية) وعن قتادة بن النعمان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ (يقول من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه وسنة بعده) رواه ابن ماجة، وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على مشروعية صوم يوم عرفة وفضله، وصوم يوم عرفة مشروع مهما كان اليوم الذي وقع فيه سواء كان يوم الجمعة أو السبت أو الأحد وأما الحديث الذي أشار إليه السائل وهو عن عبد الله بن بسر عن أخته أن رسول الله ﷺ قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه) رواه أحمد وأصحاب السن إلا النسائي، فإن هذا الحديث محل خلاف بين المحدثين فمنهم من ضعفه ومنهم من قال بنسخه ومنهم من قال إنه كذب على رسول الله ﷺ ومنهم من حسنه أو صححه ومنهم من أولَّه وجمع بينه وبين غيره من الأحاديث التي أثبتت صوم السبت في النافلة.\rقال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر الحديث [فقال مالك ﵀ هذا كذب يريد حديث عبد الله بن بسر ذكره عنه أبو داود، قال الترمذي: هو حديث حسن، وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ وقال النسائي هو حديث مضطرب وقال جماعة من أهل العلم لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة فإن النهي عن صومه إنما هو إفراده وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال باب النهي أن يخص يوم السبت بالصوم وحديث صيامه إنما هو مع يوم الأحد قالوا ونظير هذا أنه نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده] زاد المعاد في هدي خير العباد ٢/٧٩-٨٠.\rوقال الشيخ سليمان العلوان عن الحديث [هذا الخبر منكر سنداً ومتناً. قال عنه الإمام مالك هذا كذب ذكره عنه أبو داود في سننه. وقال الأوزاعي. مازلت له كاتماً حتى رأيته انتشر يعني حديث ابن بسر هذا في صوم يوم السبت. وقد قال النبي ﷺ (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوماً قبله أو بعده) متفق عليه من حديث أبي هريرة وهو دليل على صوم يوم السبت والأحاديث في ذلك كثيرة] .\rوقال بعض أهل العلم [... وهذا الحديث وإن كان رجاله ثقات معروفون، إلا أنه ليس بالقائم بل هو مضطرب... وفي متنه نكارة، ومخالفة للأحاديث الصحاح في صوم يوم الجمعة ويوماً بعده، كما في الصحيحين من حديث جويرية وكذلك صوم أيام البيض، وصيام داود صيام يوم وفطر يوم كما في الصحيحين، وصوم يوم عرفة وست من شوال كما في صحيح مسلم من حديث أبي أيوب وغيرها. وقد أنكر هذا الخبر الحفاظ، قال الأوزاعي ﵀: لم نزل نكتمه حتى انتشر. قال الإمام أحمد: يحيى بن سعيد ينفيه أبى أن يحدثني به. وقال الأثرم: حجة أبي عبد الله - أحمد بن حنبل- في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر]\rومن أهل العلم من يرى جواز إفراد السبت بالصيام وهو اختيار الزهري والأوزاعي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد لما ورد في الحديث عن أم سلمة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت والأحد أكثر ما يصوم من الأيام ويقول: إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم) رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما.\rوقال جماهير أهل العلم يكره إفراد يوم السبت بالصيام فإذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده فلا كراهة وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد. قال الإمام الترمذي [ومعنى كراهته في هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام لأن اليهود تعظم يوم السبت] سنن الترمذي ٣/١٢٠.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [قال أصحابنا يكره إفراد يوم السبت بالصوم لما روى عبد الله بن بسر عن النبي ﷺ قال (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) ... والمكروه إفراده فإن صام معه غيره لم يكره لحديث أبي هريرة وجويرية وإن وافق صوماً لإنسان لم يكره لما قدمناه] المغني ٣/١٧١.\rوقال الإمام النووي: [يكره إفراد يوم السبت بالصوم، فإن صام قبله أو بعده معه لم يكره صرح بكراهة إفراده أصحابنا منهم الدارمي والبغوي والرافعي وغيرهم؛ لحديث عبد الله بن بسر ...قال الحاكم أبو عبد الله: ...وله معارض صحيح وهو حديث جويرية السابق في صوم يوم الجمعة قال: وله معارض آخر بإسناد صحيح. ثم روى بإسناده (عن كريب مولى ابن عباس أن ابن عباس وناساً من أصحاب رسول الله ﷺ بعثوه إلى أم سلمة يسألها أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثر صياماً لها؟ قالت: يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم فأخبرتهم، فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها فقالوا: إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا فذكر أنك قلت كذا وكذا، فقالت: صدق، إن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد، وكان يقول إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم) هذا آخر كلام الحاكم. وحديث أم سلمة هذا رواه النسائي أيضا والبيهقي وغيرهما. وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس) رواه الترمذي وقال حديث حسن. والصواب على الجملة ما قدمناه عن أصحابنا أنه يكره إفراد السبت بالصيام إذا لم يوافق عادة له؛ لحديث الصماء ... وأما الأحاديث الباقية التي ذكرناها في صيام السبت فكلها واردة في صومه مع الجمعة والأحد فلا مخالفة فيها لما قاله أصحابنا من كراهة إفراد السبت وبهذا يجمع بين الأحاديث] المجموع ٦/٤٣٩-٤٤٠.\rوقالت اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز [يجوز صيام يوم عرفة مستقلاً سواء وافق يوم السبت أو غيره من أيام الأسبوع لأنه لا فرق بينها لأن صوم يوم عرفة سنة مستقلة وحديث النهي عن يوم السبت ضعيف لاضطرابه ومخالفته للأحاديث الصحيحة] فتاوى اللجنة الدائمة ١٠/٣٩٦.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز إفراد يوم السبت بصيام إذا كان له سبب كيوم عرفة وعاشوراء وصيام البيض ولا يكره صيام السبت إذا صام يوماً قبله أو بعده ويكره إفراد يوم السبت بصيام إذا قصد المسلم تعظيمه لأنه من أعياد اليهود. وأقول للقراء الكرام صوموا يوم غدٍ لأنه يوم عرفة وبغض النظر أنه وافق يوم السبت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346012,"book_id":3840,"shamela_page_id":392,"part":"9","page_num":18,"sequence_num":392,"body":"١٨ - تفرق المسلمين في رؤية الهلال\rيقول السائل: ما قولكم فيما حدث يوم الثلاثين من رمضان هذا العام حيث إن بعض الناس قلدوا ما أعلن في بعض مناطق العراق أن عيد الفطر يوم الاثنين ٢٤-١١-٢٠٠٣ فعيدوا في ذلك اليوم وخالفوا ما عليه أكثر المسلمين في العالم حيث إن العيد كان يوم الثلاثاء ٢٥-١١-٢٠٠٣ مما أحدث بلبلة بين عامة الناس أفيدونا. الجواب: إن مما يؤسف له تكرر هذه المشكلة في بلادنا على يد فئة تشذ وتخالف جماعة الناس بزعم أنهم يتبنون وحدة المطالع فيصومون مع أول من يعلن الصيام ويفطرون مع أول من يعلن الفطر والغريب في الأمر أنه هؤلاء يتبنون هذا الحكم في الصيام فقط ولا يتبنون في بقية أحكام الصوم؟! ثم هؤلاء الذين عيدوا يوم الاثنين لم يصلوا العيد في ذلك اليوم بل صلوا العيد يوم الثلاثاء. إن هذا لشيء عجاب فصلاة العيد مشروعة يوم العيد فكيف يصلونها في اليوم التالي للعيد على رأيهم الأعرج!!! ومن المعلوم أن قضية بداية شهر الصوم ونهايته تشكل مثاراً للنزاع والاختلاف في كل عام تقريباً والمسألة محل اختلاف بين أهل العلم منذ عهد بعيد فمن العلماء من يرى أن لا عبرة باختلاف المطالع وأن على المسلمين جميعاً أن يصوموا إذا ثبتت رؤية الهلال في بلد والرأي الآخر في المسألة وهو أن لكل بلد رؤيتهم قال به جماعة من أهل العلم والمسألة مسألة اجتهادية محتملة واستدل كل فريق بأدلة من الكتاب والسنة والقياس. وإن كنت أعتقد رجحان القول الأول بعد النظر في أدلته ولكن هذا القول وهو عدم اعتبار اختلاف المطالع رأي نظري لم يجد طريقه إلى التطبيق العملي في تاريخ المسلمين من لدن رسول الله ﷺ حتى عصرنا الحاضر لعدم توفر وسائل الاتصال التي تربط أنحاء الدولة الإسلامية بعضها مع بعض ومعلوم أن وسائل الاتصال حديثة العهد. كما وأود أن أبين أنه ينبغي الاستئناس بما يقرره علم الفلك وإن كان الأصل هو رؤية العين المجردة ولكن أصول الشريعة الإسلامية وقواعدها العامة لا تمنع أن نستعين بعلم الفلك وخاصة أنه علم متقدم ومتطور وعلم الفلك ليس مجرد حسابات وإنما هو رؤية ولكن بالمراصد والآلات فلا مانع شرعاً من الاستفادة من التقدم العلمي في هذا المجال وبالذات في حالة النفي أي إذا نفى علم الفلك احتمال رؤية الهلال بشكل قطعي فينبغي حينئذ عدم قبول ادعاء الرؤية وهذا هو ما حصل في هذا العام فإن علم الفلك نفى احتمال رؤية الهلال مساء الأحد ٢٣/١١/٢٠٠٣ م وأن الهلال لم يكن قد تولد لذا فإني أعتقد أن إعلان بعض العراقيين عن ثبوت رؤية الهلال إعلان باطل ولم يكن القرار بناءً على رؤية حقيقية للهلال لاستحالة ذلك كلياً كما قرر ذلك علماء الفلك وبعض الفقهاء فقد أعلن معهد البحوث الفلكية بحلوان أن يوم الثلاثاء ٢٥-١١-٢٠٠٣ هو أول أيام عيد الفطر المبارك في مصر فلكيًا. وقال الدكتور محمد سليمان رئيس قسم الفلك والشمس بالمعهد: إن الحسابات الفلكية تؤيد أن ميلاد هلال شهر شوال في جميع البلاد العربية والإسلامية لن يُرى قبل غروب يوم الاثنين الموافق ٢٤-١١-٢٠٠٣، وعليه فإن يوم الاثنين سيكون المتمم لشهر رمضان لعام ١٤٢٤ هـ ويكون يوم الثلاثاء الموافق ٢٥-١١-٢٠٠٣ هو أول أيام عيد الفطر المبارك\". وأعلن كل من المجلس الإسلامي للأهلة التابع للمجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا والمجلس الأوربي للبحوث والإفتاء استحالة رؤية هلال شهر شوال لعام ١٤٢٤ هجريا مساء الأحد الموافق ٢٣-١١-٢٠٠٣، وعليه فإن يوم الثلاثاء الموافق ٢٥-١١-٢٠٠٣ هو أول أيام شهر شوال، وأول أيام عيد الفطر المبارك. وجاء في بيان صادر عن المجلس الإسلامي للأهلة الجمعة ٢١-١١-٢٠٠٣: إن هلال شهر شوال سيولد في الساعة ٢٣ ودقيقة واحدة يوم الأحد بتوقيت جرينتش الموافق للساعة الثانية ودقيقة واحدة من صباح الاثنين ٢٤-١١-٢٠٠٣ بتوقيت مكة المكرمة. وأضاف البيان أن هلال شوال سيولد بعد ٦ ساعات من غروب شمس يوم الأحد؛ الأمر الذي يعني استحالة رؤية الهلال مساء ذلك اليوم. وأوضح الدكتور محمد الهواري رئيس المجلس الأعلى للأهلة في اتصال هاتفي مع \"إسلام أون لاين. نت\" الجمعة ٢١-١١-٢٠٠٣ أن الهلال سيمكث في السماء لمدة ٢٨ دقيقة بعد غروب يوم الاثنين ٢٤-١١-٢٠٠٣، ويمكن رؤيته بوضوح في معظم الدول العربية والأوربية. وأشار الهواري إلى أنه بناء على ما تقدم فإن يوم الثلاثاء الموافق ٢٥-١١-٢٠٠٣ أول أيام شهر شوال ١٤٢٤هـ وأول أيام عيد الفطر المبارك. إسلام أون لاين. نت\rوقال الشيخ عبد الله المنيع عضو هيئة كبار العلماء في السعودية [يولد هلال شهر شوال عام ١٤٢٤هـ يوم الاثنين الموافق ٣٠/٩/١٤٢٤هـ الساعة الثانية صباحاً، أي بعد غروب شمس يوم الأحد الموافق ٢٩/٩/١٤٢٤هـ بما يزيد عن سبع ساعات، ويمكث الهلال بعد غروب شمس يوم الاثنين ثمان وعشرين دقيقة وذلك بتوقيت مكة المكرمة، وعليه فيكون يوم عيد الفطر يوم الثلاثاء الموافق ٢٥ نوفمبر ٢٠٠٣م، وهو أول يوم من شهر شوال سنة ١٤٢٤هـ. وعليه فإذا ثبت دخول شهر رمضان يوم الأحد ٢٦/١٠/٢٠٠٣ م حسب الرؤية الشرعية المتفقة مع الحساب الفلكي فإن يوم الاثنين ٢٤ نوفمبر الموافق ٣٠/٩/١٤٢٤هـ هو آخر يوم من أيام رمضان، ولا حاجة لترائي هلال شهر شوال مساء الاثنين، لكونه تمام الثلاثين يوماً لشهر رمضان ونظراً إلى أن ولادة هلال شهر شوال هو الساعة الثانية من صباح يوم الاثنين ٣٠/٩/١٤٢٤هـ، فلا يصح فلكياً ترائي الهلال مساء الأحد ٢٩/٩/١٤٢٤هـ بعد غروب شمس ذلك اليوم؛ لكون الهلال ولد بعد غروب شمس يوم الأحد بما يزيد عن سبع ساعات وأي دعوى رؤية للهلال مساء هذا اليوم يوم الأحد ٢٩/٩/١٤٢٤هـ فهي شهادة غير صحيحة؛ لعدم انفكاكها عما يكذبها، ويجب ردها مهما كانت عدالة أو عدداً.] ونقل القليوبي من فقهاء الشافعية عن العبادي قوله [إذا دل الحساب القطعي على عدم رؤية الهلال لم يقبل قول العدول برؤيته، وترد شهادتهم. ثم قال القليوبي: هذا ظاهر جلي، ولا يجوز الصوم حينئذ، وإن مخالفة ذلك معاندة ومكابرة] إذا تقرر هذا فإن ما قام به هؤلاء الذين عيدوا يوم الاثنين إنما هو عمل باطل ويلزمهم قضاء يوم بدل اليوم الذي أفطروه حيث إنهم أفطروا يوماً من رمضان وإفطارهم لم يكن مستنداً على دليل صحيح بل قلدوا أناساً خالفوا المحسوس وأبلغ دليل على ذلك أن من أهل العراق السنة قد وافقوا أكثر المسلمين في أن العيد هذا العام هو يوم الثلاثاء ولم تثبت لديهم رؤية هلال شوال مساء الأحد كما زعم غيرهم. وينبغي التنبيه أن ما فعله هؤلاء يؤكد ما أقوله دائماً أن الصوم والفطر ليس عملاً فردياً يقوم به فرد أو أفراد لوحدهم بل الصيام والعيد عبادة جماعية تتم مع الجماعة فلا يصح أن يصوم أحد رمضان لوحده وكذلك لا يصح أن يعيد فرد لوحده وهذا هو المفهوم المستمد من سنة النبي ﷺ حيث قال: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) رواه الترمذي وأبو داود والبيهقي وهو حديث صحيح كما قاله الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٢١٣. قال الإمام الترمذي ﵀: [وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعِظم الناس]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346013,"book_id":3840,"shamela_page_id":393,"part":"9","page_num":19,"sequence_num":393,"body":"١٩ - هدي النبي ﷺ في رمضان\rيقول السائل: كيف كان هدي النبي ﷺ في العشر الأواخر من رمضان؟ الجواب: إن خير الهدي هدي محمد ﷺ ولنا في رسول الله أسوة حسنة فقد كان من هديه ﷺ الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر أكثر مما سبقها من رمضان فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شدَّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث: قوله (شدَّ مئزره) أي اعتزل النساء وبذلك جزم عبد الرزاق عن الثوري واستشهد بقول الشاعر: قوم إذا حاربوا شدوا مآزر عن النساء ولو باتت بأطهار\rوذكر ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش نحوه، وقال الخطابي يحتمل أن يريد به الجد في العبادة كما يقال شددت لهذا الأمر مئزري أي تشمرت له ويحتمل أن يراد التشمير والاعتزال معاً ويحتمل أن يراد الحقيقة والمجاز كمن يقول طويل النجاد لطويل القامة وهو طويل النجاد حقيقة فيكون المراد شد مئزره حقيقة فلم يحله واعتزل النساء وشمر للعبادة قلت: وقد وقع في رواية عاصم بن ضمرة المذكورة \" شد مئزره واعتزل النساء \" فعطفه بالواو فيتقوى الاحتمال الأول.\rقوله: \" وأحيا ليله \" أي سهره فأحياه بالطاعة وأحيا نفسه بسهره فيه لأن النوم أخو الموت وأضافه إلى الليل اتساعاً لأن القائم إذا حيي باليقظة أحيا ليله بحياته وهو نحو قوله: \" لا تجعلوا بيوتكم قبوراً \" أي لا تناموا فتكونوا كالأموات فتكون بيوتكم كالقبور.\rقوله: \" وأيقظ أهله \" أي للصلاة وروى الترمذي ومحمد بن نصر من حديث زينب بنت أم سلمة \" لم يكن النبي ﷺ إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه \" قال القرطبي: ذهب بعضهم إلى أن اعتزاله النساء كان بالاعتكاف وفيه نظر لقوله فيه: \" وأيقظ أهله \" فإنه يشعر بأنه كان معهم في البيت فلو كان معتكفاً لكان في المسجد ولم يكن معه أحد وفيه نظر فقد تقدم حديث\r(اعتكفت مع النبي ﷺ امرأة من أزواجه) وعلى تقدير أنه لم يعتكف أحد منهن فيحتمل أن يوقظهن من موضعه وأن يوقظهن عندما يدخل البيت لحاجته] فتح الباري ٤/٣٤٢.\rوجاء في رواية عند مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجدَّ وشد المئزر) .\rوفي رواية عند مسلم أيضاً عنها ﵂: (قالت كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيره) .\rقال الإمام النووي: [قولها: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجدَّ وشدَّ المئزر) وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لم يجتهد في غيره) ، اختلف العلماء في معنى شد المئزر فقيل: هو الاجتهاد في العبادات زيادة على عادته ﷺ في غيره ومعناه التشمير في العبادات. يقال: شددت لهذا الأمر مئزري أي تشمرت له وتفرغت وقيل: هو كناية عن اعتزال النساء للاشتغال بالعبادات وقولها: أحيا الليل أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها. وقولها: وأيقظ أهله أي أيقظهم للصلاة في الليل وجدَّ في العبادة زيادة على العادة] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٥٠.\rوقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [إن النبي ﷺ كان يوقظ أهله للصلاة في ليالي العشر دون غيره من الليالي وفي حديث أبي ذر أن النبي ﷺ لما قام بهم ليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين ذكر أنه دعا أهله ونساءه ليلة سبع وعشرين خاصة. وهذا يدل على أنه يتأكد إيقاظهم في آكد الأوتار التي ترجى فيها ليلة القدر وخرَّج الطبراني من حديث علي أن النبي ﷺ كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان وكل صغير وكبير يطيق الصلاة.\rقال سفيان الثوري: أَحبُ إليَّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل ويجتهد فيه وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك. وقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يطرق فاطمة وعلياً ليلاً فيقول لهما: (ألا تقومان فتصليان) . وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجده وأراد أن يوتر وورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصلاة ونضح الماء في وجهه. وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة يقول لهم: الصلاة الصلاة ويتلو هذه الآية: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) ] لطائف لمعارف فيما لمواسم العام من وظائف ٣٤١-٣٤٢.\rوذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي أن من هديه ﷺ الاغتسال بين أذان المغرب والعشاء في ليالي العشر فقال: [وقد تقدم من حديث عائشة: (واغتسل بين الأذانين) والمراد: أذان المغرب والعشاء. وروي من حديث علي أن النبي ﷺ كان يغتسل بين العشاءين كل ليلة يعني من العشر الأواخر وفي إسناده ضعف.\rوروي عن حذيفة ﵁ أنه قام مع النبي ﷺ ليلة من رمضان فاغتسل النبي ﷺ وستره حذيفه وبقيت فضلة فاغتسل بها حذيفه وستره النبي ﷺ. خرجه ابن أبي عاصم.\rوفي رواية أخرى عن حذيفه قال: قام النبي ﷺ ذات ليلة من رمضان في حجرة من جريد النخل فصب عليه دلواً من ماء. وقال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر. وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة. ومنهم من كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر فأمر زر بن حبيش بالاغتسال ليلة سبع وعشرين من رمضان. وروي عن أنس بن مالك ﵁ أنه إذا كان ليلة أربع وعشرين اغتسل وتطيب ولبس حلة إزاراً ورداءً فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قابل.\rوكان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين ويلبس ثوبين جديدين ويستجمر ويقول: ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة أهل المدينة والتي تليها ليلتنا يعني البصريين. وقال حماد بن سلمة: كان ثابت البناني وحميد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما ويتطيبان ويطيبون المسجد بالنضوح والدخنة - أنواع من الطيب - في الليلة التي يرجى فيها ليلة القدر. وقال ثابت: كان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم كان يلبسها في الليلة التي يرجى فيها ليلة القدر.\rفتبين بهذا أنه يستحب في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف والتزين والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن كما يشرع ذلك في الجمع والأعياد وكذلك يشرع أخذ الزينة بالثياب في سائر الصلوات كما قال تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) وقال ابن عمر: الله أحق أن يتزين له. وروي عنه مرفوعاً. ولا يكمل التزين الظاهر إلا بتزين الباطن بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى وتطهيره من أدناس الذنوب وأوضارها فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئاً. قال الله تعالى: (يَابَنِيءَادَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) ] لطائف المعارف ص ٣٤٦-٣٤٧.\rومن المعلوم أن ليلة القدر تكون في الليالي الفردية من العشر الأواخر من رمضان. فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) وفي رواية عند البخاري: (في الوتر من العشر الأواخر من رمضان) .\rقال الحافظ ابن رجب: [وأما العمل في ليلة القدر فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة وقد أمر عائشة بالدعاء فيها أيضاً. قال سفيان الثوري: الدعاء في تلك الليلة أحب إليَّ من الصلاة قال: وإذا كان يقرأ وهو يدعو ويرغب إلى الله في الدعاء والمسألة لعله يوافق. انتهى. ومراده أن كثرة الدعاء أفضل من الصلاة التي لا يكثر فيها الدعاء وإن قرأ ودعا كان حسناً وقد كان النبي ﷺ يتهجد في ليالي رمضان ويقرأ قراءة مرتلة لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ فيجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها. وقد قال الشعبي في ليلة القدر ليلها كنهارها. وقال الشافعي في القديم: أستحب أن يكون اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها وهذا يقتضي استحباب الاجتهاد في جميع زمان العشر الأواخر ليله ونهاره والله أعلم] لطائف المعارف ص٣٦٧-٣٦٨\rوكان السلف يجتهدون في التماس ليلة القدر إقتداءً بهدي النبي ﷺ فقد روى ابن أبي شيبة بسنده أن عائشة ﵂ كانت توقظ أهلها ليلة ثلاث وعشرين.\rوروى أيضاً أن ابن عباس ﵄ كان يرش على أهله الماء ليلة ثلاث وعشرين. وروى بسنده أن ابن عمر ﵁ كان يوقظ أهله في العشر الأواخر وروى بسنده أن أبا بكر ﵁ كان يصلي في رمضان كصلاته سائر السنة فإذا دخلت العشر اجتهد. مصنف ابن أبي شيبة ٣/٧٧.\rوكان من هدي النبي ﷺ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان كما ثبت في الحديث عن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده) رواه البخاري ومسلم.\rوخلاصة الأمر أنه يستحب الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان بشكل عام ويخص الليالي الفردية بمزيد لعله يوافق ليلة القدر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346014,"book_id":3840,"shamela_page_id":394,"part":"9","page_num":20,"sequence_num":394,"body":"٢٠ - البدء بصيام الستة من شوال يوم جمعة أو يوم سبت\rيقول السائل: إنه قد صام يوم الجمعة الثاني من شوال لهذا العام ونوى أن يصوم الستة من شوال متتابعة ولكن أحد المشايخ أفتاه بأن يفطر لأنه لا يجوز صوم يوم الجمعة ولا يوم السبت وعليه أن يبدأ صوم الستة من شوال يوم الأحد فما قولكم أفيدونا؟ الجواب: إفراد يوم الجمعة بالصوم وكذا إفراد يوم السبت بالصوم مكروه عند جمهور أهل العلم ولكن إن صام يوماً قبلهما أو يوماً بعدهما فلا حرج في ذلك وعليه دلت السنة النبوية فقد روى البخاري بإسناده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ سَأَلْتُ جَابِرًا ﵁ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ نَعَمْ زَادَ غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ يَعْنِي أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ.\rوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ. رواه البخاري ومسلم.\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (قوله (لا يصوم أحدكم) كذا للأكثر وهو بلفظ النفي والمراد به النهي , وفي رواية الكشميهني \" لا يصومن \" بلفظ النهي المؤكد ... ولمسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش \" لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يصوم بعده \" وللنسائي من هذا الوجه \" إلا أن يصوم قبله يوماً أو يصوم بعده يوماً \" ولمسلم من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة \" لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي , ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام , إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم \" ورواه أحمد من طريق عوف عن ابن سيرين بلفظ \" نهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم \" , وله من طريق أبي الأوبر زياد الحارثي \" أن رجلاً قال لأبي هريرة: أنت الذي تنهى الناس عن صوم يوم الجمعة؟ قال ها ورب الكعبة ثلاثاً , لقد سمعت محمداً ﷺ يقول: لا يصوم أحدكم يوم الجمعة وحده إلا في أيام معه \" وله من طريق ليلى امرأة بشير بن الخصاصية أنه سأل النبي ﷺ فقال \" لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها \".\rوهذه الأحاديث تقيد النهي المطلق في حديث جابر وتؤيد الزيادة التي تقدمت من تقييد الإطلاق بالإفراد ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده أو اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كمن يصوم أيام البيض أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة , ويؤخذ منه جواز صومه لمن نذر يوم قدوم زيد مثلا أو يوم شفاء فلان) فتح الباري ٤/٢٩٦-٢٩٧.\rوعن أبي أيوب عن جويرية بنت الحارث ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال أصمت أمس؟ قالت لا. قال تريدين أن تصومي غداً؟ قالت لا قال فأفطري. وقال حماد بن الجعد سمع قتادة حدثني أبو أيوب أن جويرية حدثته فأمرها فأفطرت. رواه البخاري.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (واستدل بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام , ونقله أبو الطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية , وكأنه أخذه من قول ابن المنذر: ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد , وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد إفراده بالصوم فهذا قد يشعر بأنه يرى بتحريمه. وقال أبو جعفر الطبري: يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ولو صام قبله أو بعده , بخلاف يوم الجمعة فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده. ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر , قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفاً من الصحابة. وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه .... واختلف في سبب النهي عن إفراده على أقوال: أحدها لكونه يوم عيد والعيد لا يصام , واستشكل ذلك مع الإذن بصيامه مع غيره. وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة , ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم. ثانيها لئلا يضعف عن العبادة وهذا اختاره النووي , وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه , وأجاب أنه يحصل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل يوم صومه من فتور أو تقصير , وفيه نظر فإن الجبران لا ينحصر في الصوم بل يحصل بجميع أفعال الخير فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرا كثيرا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده كمن أعتق فيه رقبة مثلا ولا قائل بذلك. وأيضا فكأن النهي يختص بمن يخشى عليه الضعف لا من يتحقق القوة , ويمكن الجواب عن هذا بأن المظنة أقيمت مقام المئنة كما في جواز الفطر في السفر لمن لم يشق عليه. ثالثها خوف المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت , وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام , وأيضا فاليهود لا يعظمون السبت بالصيام فلو كان الملحوظ ترك موافقتهم لتحتم صومه لأنهم لا يصومونه. وقد روى أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ كان يصوم من الأيام السبت والأحد وكان يقول إنهما يوما عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم \" رابعها خوف اعتقاد وجوبه , وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس ... خامسها خشية أن يفرض عليهم كما خشي ﷺ من قيامهم الليل ذلك , قال المهلب: وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره , وبأنه لو كان كذلك لجاز بعده ﷺ لارتفاع السبب , لكن المهلب حمله على ذلك اعتقاده عدم الكراهة على ظاهر مذهبه. سادسها مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم نقلها القمولي وهو ضعيف. وأقوى الأقوال وأولاها بالصواب أولها , وورد فيه صريحاً حديثان: أحدهما رواه الحاكم وغيره من طريق عامر بن لدين عن أبي هريرة مرفوعا \" يوم الجمعة يوم عيد , فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم , إلا أن تصوموا قبله أو بعده \". والثاني رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي وقال \" من كان منكم متطوعاً من الشهر فليصم يوم الخميس , ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر \". فتح الباري ٤/٢٩٧- ٢٩٩\rوقال النووي: (باب كراهة صيام يوم الجمعة منفرداً) قوله: (سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف بالبيت أنهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم الجمعة؟ فقال: نعم ورب هذا البيت) وفي رواية أبي هريرة: (قال: قال رسول الله ﷺ: لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده) . وفي رواية: (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي , ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام , إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم) هكذا وقع في الأصول (تختصوا ليلة الجمعة , ولا تخصوا يوم الجمعة) بإثبات تاء في الأول بين الخاء والصاد وبحذفها في الثاني , وهما صحيحان. وفي هذه الأحاديث الدلالة الظاهرة لقول جمهور أصحاب الشافعي وموافقيهم , وأنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يوافق عادة له , فإن وصله بيوم قبله أو بعده , أو وافق عادة له بأن نذر أن يصوم يوم شفاء مريضه أبداً , فوافق يوم الجمعة لم يكره ; لهذه الأحاديث. وأما قول مالك في الموطأ: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه , ومن به يقتدى نهى عن صيام يوم الجمعة , وصيامه حسن , وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه , وأراه كان يتحراه , فهذا الذي قاله هو الذي رآه , وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو , والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره , وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة , فيتعين القول به. ومالك معذور ; فإنه لم يبلغه. قال الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكاً هذا الحديث , ولو بلغه لم يخالفه , قال العلماء: والحكمة في النهي عنه: أن يوم الجمعة يوم دعاء وذكر وعبادة: من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها ; لقول الله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا) وغير ذلك من العبادات في يومها , فاستحب الفطر فيه , فيكون أعون له على هذه الوظائف وأدائها بنشاط وانشراح لها , والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة , وهو نظير الحاج يوم عرفة بعرفة , فإن السنة له الفطر كما سبق تقريره لهذه الحكمة , فإن قيل: لو كان كذلك لم يزل النهي والكراهة بصوم قبله أو بعده لبقاء المعنى , فالجواب: أنه يحصل له بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب صومه , فهذا هو المعتمد في الحكمة في النهي عن إفراد صوم الجمعة , وقيل: سببه خوف المبالغة في تعظيمه , بحيث يفتتن به كما افتتن قوم بالسبت , وهذا ضعيف منتقض بصلاة الجمعة وغيرها مما هو مشهور من وظائف يوم الجمعة وتعظيمه , وقيل: سبب النهي لئلا يعتقد وجوبه , وهذا ضعيف منتقض بيوم الاثنين فإنه يندب صومه ولا يلتفت إلى هذا الاحتمال البعيد , وبيوم عرفة ويوم عاشوراء وغير ذلك , فالصواب ما قدمنا. والله أعلم) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٠٩- ٢١١.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يفرد يوم الجمعة بصوم) رواه أحمد.\rقال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر معظم الأحاديث السابقة: (والنهي إنما هو عن الإفراد فمتى وصلهن بغيره زال النهي) .\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويكره إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه، مثل من يصوم يوماً ويفطر يوماً فيوافق صومه يوم الجمعة ومن عادته صوم أول يوم من الشهر أو آخره أو يوم نصفه ونحو ذلك. نص عليه أحمد في رواية الأثرم قال: قيل لأبي عبد الله: صيام يوم الجمعة؟ فذكر حديث النهي أن يفرد. ثم قال: إلا أن يكون في صيام كان يصومه. وأما أن يفرد فلا قال: قلت: رجل كان يصوم يوماً ويفطر يوماً فوقع فطره يوم الخميس وصومه يوم الجمعة وفطره يوم السبت فصام الجمعة مفرداً؟ فقال: هذا الآن لم يتعمد صومه خاصة إنما كره أن يتعمد الجمعة) المغني ٣/١٧٠.\rوقال الشيخ ابن عثيمين بعد أن ذكر خلاف العلماء في المسألة: [والصحيح أنه يجوز بدون إفراد يعني إذا صمت معه الأحد أو صمت معه الجمعة فلا بأس والدليل على ذلك: قوله ﷺ لزوجته: أتصومين غداً؟ أي: السبت] الشرح الممتع ٦/٤٦٦.\rوقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بذلك أيضاً انظر فتاوى اللجنة ١٠/٣٤٧.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز أن يبدأ صوم الستة من شوال من يوم الجمعة ويصوم السبت أيضا ما دام أنه لم يفرد واحداً منهما بالصوم وكذا يجوز صومهما إن وافقا يوم عاشوراء أو وافقا يوم عرفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346015,"book_id":3840,"shamela_page_id":395,"part":"9","page_num":21,"sequence_num":395,"body":"٢١ - الصيام مرتبط بالبلد الذي يقيم فيه الصائم\rيقول السائل: إنه أفطر في أحد أيام رمضان بناءً على أذان المؤذن في الإذاعة ثم تبين له أن ذلك الأذان كان في دولة أخرى، فما الحكم في ذلك؟ الجواب: يلزم هذا الشخص أن يقضي يوماً بدل اليوم الذي أفطره خطأً حيث إنه ظن أن أذان المغرب كان من الإذاعة في بلده ثم ظهر له أن الأذان كان في دولة مجاورة أي أن هذا الشخص أفطر قبل الوقت الشرعي للإفطار فيلزمه القضاء على الراجح من أقوال أهل العلم وهو قول جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. فقد روى في البخاري بسنده عن هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم ثم طلعت الشمس قيل لهشام فأمروا بالقضاء قال لا بد من قضاء وقال معمر سمعت هشاماً لا أدري أقضوا أم لا؟)\rقال الحافظ ابن حجر: [وقد اختلف في هذه المسألة فذهب الجمهور إلى إيجاب القضاء , واختلف عن عمر فروى ابن أبي شيبة وغيره من طريق زيد بن وهب عنه ترك القضاء , ولفظ معمر عن الأعمش عن زيد \" فقال عمر: لم نقض والله ما يجانفنا الإثم \" وروى مالك من وجه آخر عن عمر أنه قال لما أفطر ثم طلعت الشمس \" الخطب يسير وقد اجتهدنا \" وزاد عبد الرزاق في روايته من هذا الوجه \" نقضي يوماً \" وله من طريق لي بن حنظلة عن أبيه نحوه , ورواه سعيد بن منصور وفيه \" فقال من أفطر منكم فليصم يوماً مكانه \" وروى سعيد بن منصور من طريق أخرى عن عمر نحوه. وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن وبه قال إسحاق وأحمد في رواية ..., ويرجح الأول أنه لو غم هلال رمضان فأصبحوا مفطرين ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضان فالقضاء واجب بالاتفاق فكذلك هذا.] فتح الباري ٤/٢٥٥.\rوذكر مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب ﵁ أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس فجاءه رجل فقال يا أمير المؤمنين طلعت الشمس فقال عمر: الخطب يسير وقد اجتهدنا) قال مالك يريد بقوله (الخطب يسير) القضاء فيما نرى والله أعلم وخفة مؤونته ويسارته يقول نصوم يوماً مكانه.\rوقال الحافظ ابن عبد البر: [وروى الثوري عن جبلة بن سحيم عن علي بن حنظلة عن أبيه: أنه شهد عمر ... فذكر القصة وقال: يا هؤلاء! من كان أفطر فإن القضاء يوم يسير ومن لم يكن أفطر فليتم صومه] الاستذكار ١٠/٣٥. ثم ذكر الحافظ ابن عبد البر قولاً آخر عن عمر أنه لا قضاء على المفطر خطأً، ثم قال: [فهذا خلاف عن عمر ﵁ في هذه المسألة والرواية الأولى أولى بالصائم إن شاء الله] الاستذكار ١٠/١٧٥.\rوقد صحح الإمام البيهقي الروايات الواردة عن عمر بالقضاء وضعف الرواية الواردة بعدم القضاء ثم ذكر روايةً تفيد أن جماعة أفطروا مع صهيب ﵁ صاحب النبي ﷺ في شهر رمضان في يوم غيم فبينما هم يتعشون إذ طلعت الشمس فقال صهيب: طعمة الله أتموا صيامكم إلى الليل واقضوا يوماً مكانه] سنن البيهقي ٤/٢١٧-٢١٨.\rواستدل الشيخ ابن قدامة المقدسي لقول الجمهور بقوله: [ولنا أنه أكل مختاراً ذاكراً للصوم فأفطر كما لو أكل يوم الشك ولأنه جهل بوقت الصيام فلم يعذر به كالجهل بأول رمضان ولأنه يمكن التحرز فأشبه أكل العامد وفارق الناسي فإنه لا يمكن التحرز منه وأما الخبر فرواه الأثرم أن عمر قال من أكل فليقض يوماً مكانه ورواه مالك في الموطأ أن عمر قال الخطب يسير يعني خفة القضاء وروى هشام بن عروة عن فاطمة امرأته عن أسماء قالت أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس قيل لهشام أمروا بالقضاء قال لا بد من قضاء أخرجه البخاري] المغني ٣/٢٤٧.\rومقتضى قول الجمهور التفريق بين الناسي والمخطئ في الأكل في نهار رمضان فإن النسيان آفة طبيعية في الإنسان خارجة عن إرادته والنسيان لا يمكن الاحتراز منه بخلاف الخطأ فإن فيه نوعاً من التقصير حيث إن المخطئ لم يتثبت وكان بإمكانه أن يحترز من الخطأ.\rقال الإمام الخطابي [الناسي لا يمكنه أن يحترز من الأكل ناسياً وهذا يمكنه أن يمكث فلا يأكل حتى يتيقن غيبوبة الشمس , فالنسيان خطأٌ في الفعل وهذا خطأٌ في الوقت والزمان والتحرز ممكن] معالم السنن ٢/٩٤.\rوأما الحديث الوارد عن النبي ﷺ: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه الطبراني والدارقطني والحاكم بألفاظ مختلفة وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.\rفإن المرفوع في الحديث إنما هو الإثم وأما الحكم وهو القضاء فلا يرفع. انظر المجموع للنووي ٦/٣١١.\rلذا أرجح القول بلزوم القضاء في حق المخطئ دون الناسي لورود النص في الناسي وهو ما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) رواه البخاري ومسلم.\rوخلاصة الأمر أن القول بإيجاب القضاء على المخطئ هو أحوط القولين في المسألة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346016,"book_id":3840,"shamela_page_id":396,"part":"9","page_num":22,"sequence_num":396,"body":"٢٢ - تذكير الناسي في نهار رمضان\rيقول السائل: ما قولكم فيما يقوله بعض الناس إنهم إذا رأوا شخصاً يأكل أو يشرب في نهار رمضان ناسياً فلا يذكرونه باعتبار أن ذلك الطعام والشراب رزق ساقه الله إليه؟ الجواب: إن ما قاله هؤلاء إنما هو فهم غير صحيح للحديث النبوي وهو عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) رواه البخاري ومسلم. فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن الناسي في رمضان إن أكل أو شرب فيلزمه إتمام الصوم ولا يقطعه وليس عليه قضاء ذلك اليوم حيث إن الله قد ساق له رزقاً فالأكل والشرب نسياناً أثناء الصوم لا يؤثر على الصوم لأن الناسي قد رفع عنه قلم التكليف لما ثبت عن ابن عباس ﵄ قال لما نزلت هذه الآية: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) ، قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فقال ﷺ قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال قد فعلت (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) قال قد فعلت (وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا) قال قد فعلت) رواه مسلم.\rولما ورد في الحديث من قوله ﷺ: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه الطبراني والدارقطني والحاكم بألفاظ مختلفة وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.\rوورد في رواية أخرى للحديث الأول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أكل الصائم ناسياً أو شرب ناسياً فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه) رواه الدارقطني وقال: إسناد صحيح وكلهم ثقات. سنن الدارقطني ٢/١٧٨.\rولما ورد في الحديث عن أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق ﵂: (أنها كانت عند رسول الله ﷺ فأتي بقصعة من ثريد فأكلت معه ومعه ذو اليدين - صحابي - فناولها رسول الله ﷺ عرقاً - عظم عليه لحم - فقال: يا أم إسحاق أصيبي من هذا. فذكرتُ أني كنت صائمة فرددت يدي لا أقدمها ولا أؤخرها فقال النبي ﷺ مالك؟ قالت: كنتُ صائمةً فنسيت. فقال ذو اليدين: الآن بعدما شبعت؟ فقال النبي ﷺ: أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك] رواه أحمد والطبراني في الكبير كما قال الهيثمي.\rوغير ذلك في الأدلة.\rوأما قول بعض الناس بعدم تذكير الناسي في نهار رمضان بحجة أن ذلك الطعام والشراب رزق ساقه الله إلى الناسي فغير صحيح لما يلي:\rأولاً: لأن الأكل أو الشراب في نهار رمضان محرمٌ شرعاً ومنكرٌ يجب على من رآه أن ينكره وإن كان الناسي معذوراً عند الله ﷾ لما سبق من الأدلة. فتذكيره بالصيام أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر وهو الأكل في نهار رمضان.\rثانياً: إن ترك الناسي مستمراً في أكله وشرابه جهاراً وعدم تذكيره بالصيام فيه فتح باب شر على الناس فيجترئون على المجاهرة بالفطر في رمضان.\rثالثاً: إن تذكير الناسي واجب لأنه داخل في باب التعاون على البر والتقوى لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) سورة المائدة الآية ٢.\rرابعاً: يمكن أن تقاس هذه المسألة وهي تذكير الناسي في الصيام على تذكير الناسي في الصلاة فقد شرع التسبيح في الصلاة لتذكير الإمام إذا سها في صلاته. فقد ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (صلَّى النبي ﷺ ... فلما سلَّم قيل له يا رسول الله: أحدث في الصلاة شيء؟ قال وما ذاك؟ قالوا صليت كذا وكذا فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلَّم فلما أقبل علينا بوجهه قال: إنه لو حدث في الصلاة شيءٌ لنبأتكم به ولكن إنما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين) رواه البخاري ومسلم\rومن المستظرفات في هذا الباب ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني مما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار: أن إنساناً جاء إلى أبي هريرة ﵁ فقال أصبحت صائماً فنسيت فطعمت , قال لا بأس. قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت وطعمت وشربت , قال. لا بأس، الله أطعمك وسقاك. ثم قال: دخلت على آخر فنسيت فطعمت , فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام. فتح الباري ٤/٢٠١.\rوخلاصة الأمر أنه يجب تذكير الناسي في نهار رمضان ولا يصح القول بعدم تذكيره بحجة أن ذلك الطعام والشراب رزق ساقه الله إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346017,"book_id":3840,"shamela_page_id":397,"part":"9","page_num":23,"sequence_num":397,"body":"٢٣ - المجاهرة بالفطر في رمضان\rيقول السائل: ما حكم من لا يصوم رمضان ويجاهر بفطره؟ الجواب: من المعلوم أن صوم رمضان فريضة مكتوبة على المسلمين لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٣.\rوالصيام ركن من أركان الإسلام فمن تهاون في صيام رمضان فقد وقع في معصية كبيرة والعياذ بالله فإذا انضم إلى فطره مجاهرته في ذلك فقد ازداد عصياناً وإثماً حيث إنه أظهر المعصية وتلبس بأفعال أهل المجون نسأل الله العفو والعافية.\rأما لو أن هذا المفطر قد ستر على نفسه لكان ذنبه أهون وإن كان هو عظيم في ذاته قال العلامة ابن القيم [والمستخفي بما يرتكبه أقل إثماً من المجاهر المستعلن والكاتم له أقل إثماً من المخبر المحدث للناس به فهذا بعيد من عافية الله تعالى وعفوه كما قال النبي ﷺ (كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يستر الله تعالى عليه ثم يصبح يكشف ستر الله عنه يقول يا فلان فعلت البارحة كذا وكذا فيبيت ربه يستره ويصبح يكشف ستر الله عن نفسه أو كما قال، وفي الحديث الآخر عنه (من ابتلي من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله)\rوفي الحديث الآخر (إن الخطيئة إذا خفيت لم تض إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ٢/١٤٧-١٤٨\rولا شك أن المجاهرة بالإفطار فيها نوع من التبجح والافتخار بالمعصية وهذه وقاحة عظيمة وقلة حياء فهذا العاصي المجاهر لم يستح من الله ﷾ ولم يستح من الناس.\rوالحديث الأول الذي ذكره ابن القيم رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ... الحديث.\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (كل أمتي معافى) بفتح الفاء مقصور اسم مفعول من العافية وهو إما بمعنى عفا الله عنه وإما سلمه الله وسلم منه ... ومحصل الكلام كل واحد من الأمة يعفى عن ذنبه ولا يؤاخذ به إلا الفاسق المعلن أ. هـ ... وقال الطيبي: الأظهر أن يقال المعنى كل أمتي يتركون في الغيبة إلا المجاهرون , والعفو بمعنى الترك وفيه معنى النفي كقوله: (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) والمجاهر الذي أظهر معصيته وكشف ما ستر الله عليه فيحدث بها , وقد ذكر النووي أن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون ما لم يجاهر به اهـ. والمجاهر في هذا الحديث يحتمل أن يكون من جاهر بكذا بمعنى جهر به ... ويحتمل أن يكون على ظاهر المفاعلة والمراد الذي يجاهر بعضهم بعضاً بالتحدث بالمعاصي) فتح الباري ١٠/٥٩٧-٥٩٨\rوقال الحافظ أبو العباس القرطبي في شرح الحديث السابق بعد أن ذكر اختلاف الروايات فيه: [وهذه الروايات وإن اختلفت ألفاظها هي راجعة إلى معنىً واحد قد فسره في الحديث وهو أن يعمل الرجل معصية في خفية وخلوة ثم يخرج يتحدث بها مع الناس ويجهر بها ويعلنها وهذا من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش وذلك: أن هذا لا يصدر إلا من جاهل بقدر المعصية أو مستهين مستهزئ بها مصرٍ عليها غير تائب منها مظهرٍ للمنكر. والواحد من هذه الأمور كبيرة فكيف إذا اجتمعت؟! فلذلك كان فاعل هذه الأشياء أشد الناس بلاء في الدنيا وعقوبة في الآخرة لأنه تجتمع عليه عقوبة تلك الأمور كلها وسائر الناس ممن ليس على مثل حاله وإن كان مرتكب كبيرة فأمره أخف وعقوبته إن عوقب أهون. ورجوعه عنها أقرب من الأول لأن ذلك المجاهر قل أن يتوب أو يرجع عما اعتاده من المعصية وسهل عليه منها. فيكون كل العصاة بالنسبة إليه إما معافى مطلقاً إن تاب وإما معافى بالنسبة إليه إن عوقب والله تعالى أعلم] المفهم لما أشكل من تلخيص ٦/٦١٨.\rوينبغي أن يعلم أن الإنسان إذا ابتلي بمعصية من المعاصي فالواجب عليه أن يستر نفسه ولا يظهر شيئاً من ذلك وعليه أن يتوب إلى الله تعالى فقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله ﷿ عنها فمن ألم بشيء منها فليتستر بستر الله ﷿ وليتب إلى الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٦٦٣.\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قال ابن بطال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين , وفيه ضرب من العناد لهم , وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف , لأن المعاصي تذل أهلها , ومن إقامة الحد عليه إن كان فيه حد ومن التعزير إن لم يوجب حداً , وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه , فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة , والذي يجاهر يفوته جميع ذلك] فتح الباري ١٠/٥٩٨- ٥٩٩.\rوخلاصة الأمر أن الفطر في نهار رمضان بدون عذر حرام شرعاً ومن كبائر الذنوب فإذا انضم إلى ذلك المجاهرة بالفطر فقد ازداد إثماً على إثم والواجب على من فعل ذلك أن يتوب إلى الله ﷾ وأن يقضي ما أفطر من رمضان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346018,"book_id":3840,"shamela_page_id":398,"part":"9","page_num":24,"sequence_num":398,"body":"٢٤ - الصيام مرتبط بالبلد الذي يقيم فيه الصائم\rيقول السائل: إنه كان في العمرة لما أعلن عن بدء الصيام في بلادنا يوم الأحد وصام يوم الاثنين مع أهل مكة المكرمة حيث بدأ الصوم في تلك البلاد يوم الاثنين ثم رجع إلى القدس فماذا يعمل بالنسبة لليوم الذي فاته صيامه؟ الجواب: إن حكم الصوم والفطر مرتبط مع أهل البلاد التي يوجد فيها الشخص لأن صيام رمضان يكون مع جماعة الناس ولا يصوم الإنسان رمضان لوحده فحكم صوم الفرد هو حكم صوم أهل البلد الذي وجد فيه فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح، انظر إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل ٤/١١.\rوقال الإمام الترمذي بعد أن ذكر الحديث [وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٣/٣١٢.\rوبناء على ذلك فعلى هذا الشخص أن يتم صيام رمضان مع أهل بلده ويلتزم بالعيد معهم فإذا كان رمضان هذا العام ثلاثين يوماً وهو قد صام تسعة وعشرين يوماً فلا يلزمه قضاء يوم. وأما إذا جاء رمضان تسعة وعشرين يوماً ويكون قد صام ثمانية وعشرين يوماً فيلزمه قضا يوم. لأن الشهر الهجري لا يكون أقل من تسعة وعشرين يوماً لما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الشهر تسع وعشرون ليلة لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه إلا أن يغم عليكم فإن غم عليكم فاقدروا له) رواه مسلم.\rوهكذا يقال في حق من ابتدأ الصيام في بلادنا حيث صمنا الأحد ثم سافر في آخر الشهر مثلاً إلى مكة المكرمة فإنه ملزم بالفطر مع أهل مكة فإذا ثبتت رؤية الهلال في تلك الديار فهذا الشخص ملزم بأن يفطر مع أهل مكة ويصلي العيد معهم فإن كان مجموع ما صامه أقل من تسعة وعشرين يوماً فهو ملزم بقضاء صوم يوم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346019,"book_id":3840,"shamela_page_id":399,"part":"9","page_num":25,"sequence_num":399,"body":"٢٥ - انقطاع الحيض أثناء نهار رمضان\rتقول السائلة: إذا انقطع دم الحيض أثناء النهار فماذا يلزمها بالنسبة للصوم؟ الجواب: من المعلوم عند أهل العلم أن الحائض لا تصوم ولا تصلي فإذا انقطع دم الحيض أثناء نهار رمضان فيستحب لها أن تمسك عن الطعام والشراب احتراماً للشهر الكريم وابتعاداً عن التهمة ولكن لا يجب عليها ذلك لأنها كانت معذورة في الفطر بسبب الحيض فإذا زال حيضها أثناء النهار فلا شيء عليها إذا أكلت أو شربت ولكن يستحسن أن يكون ذلك بعيداً عن أنظار الصائمين قال الإمام النووي: [إذا طهرت في أثناء النهار يستحب لها إمساك بقيته ولا يلزمها ...] المجموع ٦/٢٥٧.\r\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما من يباح له الفطر في أول النهار ظاهراً وباطناً كالحائض والمسافر والنفساء والصبي والمجنون والكافر والمريض إذا زالت أعذارهم في أثناء النهار فطهرت الحائض والنفساء وأقام المسافر وبلغ الصبي وأفاق المجنون وأسلم الكافر وصح المريض المفطر ففيهم روايتان:\rإحداهما: يلزمهم الإمساك في بقية اليوم. وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح والعنبري لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك كقيام البينة بالرؤية.\rوالثانية: لا يلزمهم الإمساك وهو قول مالك والشافعي وروي ذلك عن جابر بن زيد وروي عن ابن مسعود أنه ال: [من أكل أول النهار فليأكل آخره] ولأنه أبيح له فطر أول النهار ظاهراً وباطناً. فإذا أفطر كان له أن يستديمه إلى آخر النهار كما لو دام العذر] المغني ٣/١٤٥-١٤٦.\rوما ذكره ابن قدامة ثانياً هو الراجح من قولي العلماء فيجوز للحائض إذا طهرت أثناء النهار الأكل والشرب والأولى أن تمسك بقية يومها لحرمة الشهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346020,"book_id":3840,"shamela_page_id":400,"part":"9","page_num":26,"sequence_num":400,"body":"٢٦ - إكراه الزوجة على الإفطار في نهار رمضان\rيقول السائل: إنه قرأ في أحد الكتب التي تتحدث عن رمضان العبارة التالية: \" والإكراه مثل أن يكره الرجل زوجته على الجماع ولم تستطع الامتناع منه فلا شيء عليها وصيامها صحيح ولا ريب أنه يبوء بإثمها وإثمه إن كان الصيام فرضاً \" أرجو توضيح مسألة إكراه الزوجة على الجماع في رمضان مع بيان الدليل؟\r\rالجواب: من المعلوم أن الجماع من مبطلات الصوم باتفاق الفقهاء قال الله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) سورة البقرة الآية ١٨٧. وجاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع الطعام من أجلي ويدع الشراب من أجلي ويدع لذته من أجلي ويدع زوجته من أجلي) رواه ابن خزيمة وهو حديث صحيح. ويحرم على المسلم أن يبطل صومه أو صوم غيره ومن تعمد ذلك فقد أتى منكراً كبيراً.\rوأما الإكراه على الفطر فقد اختلف فيه الفقهاء اختلافاً كثيراً وأقتصر هنا على مسألة إكراه الزوجة على الجماع وهي محل السؤال فأقول: إن جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية في أحد القولين عندهم والحنابلة في القول الذي عليه الفتوى من المذهب قالوا إن الزوج إذا أكره زوجته على الجماع في نهار رمضان فإن صومها قد بطل وعليها القضاء فقط ولا كفارة عليها بخلاف زوجها فعليه القضاء والكفارة.\rوذهب الشافعي في قوله الآخر والحنابلة في رواية عندهم إلى أن صوم المكرهة صحيح ولا شيء عليها لأنها مكرهة وقد ورد في الحديث: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\rوالذي تطمئن إليه نفسي هو القول الأول الذي يوجب على المرأة المكرهة القضاء لأنه يغلب على ظني أن الإكراه في مثل هذه الحالة لا يكون تاماً وغالباً ما يكون هنالك نوع مطاوعة ورغبة من الزوجة كما أن مفهوم الإكراه ليس واضحاً عند أكثر الناس. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإن أكرهت المرأة على الجماع فلا كفارة عليها رواية واحدة وعليها القضاء. قال مهنا: سألت أحمد عن امرأة غصبها رجل نفسها فجامعها أعليها القضاء؟ قال: نعم. قلت: وعليها كفارة: قال: لا. وهذا قول الحسن ونحو ذلك قول الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي] المغني ٣/١٣٧.\rوقال المرداوي: [الصحيح من المذهب – أي الحنبلي – فساد صوم المكرهة على الوطء نص عليه – أي أحمد – وعليه أكثر الأصحاب وهو ظاهر كلام المصنف هنا] الإنصاف ٣/٣١٣.\rوخلاصة الأمر أن على هذه المرأة أن تقضي ذلك اليوم الذي أكرهت فيه على الفطر بالوطء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346021,"book_id":3840,"shamela_page_id":401,"part":"9","page_num":27,"sequence_num":401,"body":"٢٧ - المباحات في رمضان\rيقول السائل: هل يجوز للرجل أن يأتي زوجته في ليالي رمضان؟\r\rالجواب: نعم يجوز للرجل أن يعاشر زوجته في ليالي رمضان وينتهي ذلك بأذان الفجر الثاني أي أذان الصلاة.\rوقد كان هذا الأمر ممنوعاً في أول ما فرض الصيام كما ثبت في الحديث عن البراء ﵁ قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ) سورة البقرة الآية ١٧٨. رواه البخاري.\rوقال الإمام البخاري في صحيحه: باب قول الله جل ذكره: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) عن البراء ﵁ قال: (كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك فلما انصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) ففرحوا بها فرحاً شديداً ونزلت: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) سورة البقرة الآية ١٨٧] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٤/١٦٦.\rقال الحافظ ابن حجر: [قوله: فنام قبل أن يفطر ... إلخ في رواية زهير \" كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئاً ولا يشرب ليله ويومه حتى تغرب الشمس \" ولأبي الشيخ من طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحق كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا لم يفعلوا شيئاً من ذلك إلى مثلها \" فاتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك كان مقيداً بالنوم وهذا هو المشهور في حديث غيره. وقيد المنع من ذلك في حديث ابن عباس بصلاة العتمة أخرجه أبو داود بلفظ \" كان الناس على عهد رسول الله ﷺ إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة \" ونحوه في حديث أبي هريرة ... وهذا أخص من حديث البراء من وجه آخر ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالباً والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم كما في سائر الأحاديث وبين السدي وغيره أن ذلك الحكم كان على وفق ما كتب على أهل الكتاب كما أخرجه ابن جرير من طريق السدي ولفظه: \" كتب على النصارى الصيام وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النوم وكتب على المسلمين أولاً مثل ذلك حتى أقبل رجل من الأنصار \" فذكر القصة. ومن طريق إبراهيم التيمي \" كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب إذا نام أحدهم لم يطعم حتى القابلة \" ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم من حديث عمرو بن العاص مرفوعاً: \" فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر \"] فتح الباري ٤/١٦٧.\rوقال القرطبي في تفسير الآية السابقة: [قوله تعالى \" أحل \" لفظ أحل يقتضي أنه كان محرماً قبل ذلك ثم نسخ روى أبو داود عن ابن أبي ليلى قال: وحدثنا أصحابنا قال: وكان الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لم يأكل حتى يصبح قال: فجاء عمر فأراد امرأته فقالت: إني قد نمت فظن أنها تعتل فأتاها فجاء رجل من الأنصار فأراد طعاماً فقالوا: حتى نسخن لك شيئاً فنام فلما أصبحوا أنزلت هذه الآية وفيها: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) ] تفسير القرطبي ٢/٣١٤.\rوقال القرطبي أيضاً: [وفي البخاري أيضاً عن البراء قل: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله تعالى: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ) يقال: خان واختان بمعنىً من الخيانة أي تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي رمضان. ومن عصى الله فقد خان نفسه إذ جلب إليها العقاب وقال القتبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه وذكر الطبري: أن عمر ﵁ رجع من عند النبي ﷺ وقد سمر عنده ليلة فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت له: قد نمت فقال لها: ما نمت فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثله فغدا عمر على النبي ﷺ فقال: أعتذر إلى الله وإليك فإن نفسي زينت لي فواقعت أهلي فهل تجد لي من رخصة؟ فقال لي: لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن وذكره النحاس ومكي وأن عمر نام ثم وقع بامرأته وأنه أتى النبي ﷺ فأخبره بذلك فنزلت: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) سورة البقرة الآية ١٨٧] تفسير القرطبي ٢/٣١٥.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للرجل أن يجامع زوجته في ليالي رمضان وأن المنع من ذلك منسوخ والحل ثابت في كتاب الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346022,"book_id":3840,"shamela_page_id":402,"part":"9","page_num":28,"sequence_num":402,"body":"٢٨ - الاعتماد على الحسابات الفلكية في الصيام\rيقول السائل: هل يجوز الاعتماد على الحسابات الفلكية في إثبات دخول شهر رمضان أفيدونا.\r\rالجواب: يرى فريق من العلماء أنه لا يجوز الاعتماد على الحسابات الفلكية في إثبات الشهور القمرية مطلقاً وأن الأصل في ذلك هو الرؤية البصرية ?هذا الرأي منقول عن أكثر العلماء المتقدمين بل يكاد يكون مجمعاً عليه، فهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. انظر مجموعة رسائل ابن عابدين ١/٢٢٤ ? المنتقى ٢/٣٨ ? شرح الحطاب ٢/٣٨٧ ? المجموع ٦/٢٧٠ ? كشاف القناع ٢/٢٧٢) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إنّا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب، أنه يرى أو لا يرى لا يجوز. والنصوص المستفيضة بذلك عن النبي كثيرة. وقد أجمع المسلمون عليه ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلاً ولا خلاف حديث إلا أن بعض المتأخرين من المتفقه الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم] مجمو الفتاوى ٢٥/١٣٢. وأهم الأدلة التي اعتمدوا عليها ما رواه مسلم في صحيحه: قال رسول الله: (إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً) وفي لفظ عند مسلم أيضاً قال: قال أبو القاسم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فأكملوا العدة) وفي لفظ عند النسائي: (فان غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين) وفي لفظ عنده أيضاً: (فاقدروا له) قال النووي: (المراد رؤية بعض المسلمين ولا يشترط رؤية كل انسان ? بل يكفي جميع الناس رؤية عدلين وكذا عدل على الأصح ? هذا في الصوم) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٥٥- ١٥٦. ومنها ما رواه البخاري في صحيحه أن رسول الله قال إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له) وفي لفظ لمسلم (أن رسول الله ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا، ثم عقد إبهامه في الثالثة، فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين) . وفي لفظ: (فاقدروا له) ومعنى قوله (فاقدروا له) عندهم ? أي إتمام الشهر ثلاثين يوماً ? لأن التقدير يكون بمعنى التمام ويؤيده قوله تعالى (قد جعل الله لكل شيء قدراً) سورة الطلاق الآية ٣ أي أن الله جعل لكل شيء تماماً. انظر فتح الباري ٤/١٢٠ ? شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٥٥ ? المجموع ٦/٢٧٠)\rويرى فريق آخر من العلماء جواز الاستئناس بالحسابات الفلكية في إثبات الشهور القمرية بشروط معينة نقل هذا القول عن بعض العلماء كابن سريج الفقيه الشافعي انظر المجموع ٦/٢٧٩) وهو قول تقي الدين السبكي حيث قال: [فأنا أختار في ذلك قول ابن سريج ومن وافقه في الجواز خاصة لا في الوجوب وشرط اختياري للجواز حيث ينكشف من علم الحساب انكشافاً جلياً إمكانه ولا يحصل ذلك إلا لماهر في الصنعة والعلم] (العلم المنشور ? ٢٢) . ومن القائلين بالجواز من علماء العصر الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي حيث قال: [وأقول مما يؤيد العمل بالحساب الصحيح أن أهل الشرع من الفقهاء وغيرهم يرجعون في كل حادثة إلى أهل الخبرة بها وذوي البصارة فيها فإنهم يأخذون بقول أهل اللغة في معاني ألفاظ القرآن والحديث وبقول الطبيب في إفطار شهر رمضان وغير ذلك كثير فما الذي يمنع من بناء إكمال شعبان ورمضان وغيرهما من الأشهر على الحساب؟ والرجوع في ذلك إلى أهل الخبرة العارفين به إذا أشكل علينا الأمر في ذلك] .\rومن القائلين بالجواز أيضاً الشيخ أحمد محمد شاكر كما في رسالته (أوائل الشهور العربية) (فتاوى معاصرة ٢/٢١٦ فما بعدها) . ومنهم الشيخ مصطفى الزرقا ? حيث فصل قوله في كتابه العقل والفقه في فهم الحديث النبوي ? ٨٠ فما بعدها ? وفي فتاويه أيضاً ? ١٥٧) . ومن القائلين بالجواز الشيخ يوسف القرضاوي حيث قال: [وقد كنت ناديت منذ سنوات بأن نأخذ بالحساب الفلكي القطعي – على الأقل – في النفي لا في الإثبات تقليلاً للاختلاف الشاسع الذي يحدث كل سنة في بدء الصيام وفي عيد الفطر إلى حد يصل إلى ثلاثة أيام بين بعض البلاد الإسلامية وبعض ? ومعنى الأخذ بالحساب في النفي أن نظل على إثبات الهلال بالرؤية وفقاً لرأي الأكثرين من أهل الفقه في عصرنا ? ولكن إذا نفى الحساب إمكانية الرؤية وقال: إنها غير ممكنة لأن الهلال لم يولد أصلاً في أي مكان من العالم الإسلامي كان الواجب ألا تقبل شهادة الشهود بحال لأن الواقع الذي أثبته العلم الرياضي القطعي يكذبهم بل في هذه الحالة لا يطلب ترائي الهلال من الناس أصلاً ولا تفتح المحاكم الشرعية ولا دور الفتوى أو الشؤون الدينية أبوابها لمن يريد أن يدلى بشهادة عن رؤية الهلال] فتاوى معاصرة ٢/٢٢١. وأهم ما استدل به لهذا القول ما يلي: إن رواية (فاقدروا له) معناها: قدروه بحساب المنازل وأنه خطاب لمن خصه الله بهذا العلم وأن قوله (فأكملوا العدة) خطاب للعامة. (فتح الباري ٤/١٢٢ ? ? شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٥٥) حديث: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا) فالأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء معللاً بعلة منصوصة وهي إن الأمة لا تكتب ولا تحسب والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً فإذا وصلت الأمة إلى حال في معرفة هذا العلم باليقين في حساب أوائل الشهور وأمكن أن يثقوا به ثقتهم بالرؤية أو أقوى صار لهم الأخذ بالحساب في إثبات أوائل الشهور. ليست حقيقة الرؤية شرطاً في اللزوم لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بالحساب بإكمال العدة أو بالاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه] ((مجلة مجمع الفقه الاسلامي عدد ٣ جزء ٢/٨٢٩) . وقد بين العلامة مصطفى الزرقا رأيه في هذه المسألة وما اعتمد عليه بقوله: [أن النظر إلى جميع الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في هذا الموضوع وربط بعضها ببعض وكلها واردة في الصوم والإفطار يبرز العلة السببية في أمر الرسول بأن يعتمد المسلمون في بداية الشهر ونهايته رؤية الهلال بالبصر لبداية شهر الصوم ونهايته ويبين أن العلة هي كونهم أمة أمية لا تكتب ولا تحسب أي ليس لديهم علم وحساب مضبوط يعرفون به متى يبدأ الشهر ومتى ينتهي ما دام الشهر القمري يكون تارة تسعة وعشرين يوماً وتارة ثلاثين.\rوهذا يدل بمفهومه أنه لو توافر العلم بالنظام الفلكي المحكم الذي أقامه الله تعالى بصورة لا تختلف ولا تتخلف وأصبح هذا العلم يوصلنا إلى معرفة يقينية بمواعيد ميلاد الهلال في كل شهر وفي أي وقت بعد ولادته تمكن رؤيته بالعين الباصرة السليمة إذ انتفت العوارض الجوية التي قد تحجب الرؤية فحينئذ لا يوجد مانع شرعي من اعتماد هذا الحساب والخروج بالمسلمين من مشكلة إثبات الهلال ومن الفوضى التي أصبحت مخجلة بل مذهلة حيث يبلغ فرق الإثبات للصوم بين مختلف الأقطار الإسلامية ثلاثة أيام كما يحصل في بعض الأعوام!!. كما إن الفقهاء الأوائل واجهوا مشكلة خطيرة في عصرهم وهي الاختلاط والارتباط الوثيق إذ ذاك في الماضي بين العرافة والتنجيم والكهانة والسحر من جهة وبين حساب النجوم بمعنى علم الفلك من جهة أخرى. فيبدو أن كثيراً من أهل حساب النجوم كانوا أيضاً يشتغلون بتلك الأمور الباطلة التي نهت عنها الشريعة أشد النهي فكان للقول باعتماد الحساب في الأهلة مفسدتان: الأولى: أنه ظني من باب الحدس والتخمين مبني على طريقة التعديل التي بينا معناها فلا يعقل أن تترك به الرؤية بالعين الباصرة رغم ما قد يعتريها من عوارض واشتباهات\rالثانية: وهي الأشد خطورة والأدهى هي انسياق الناس إلى التعويل على أولئك المنجمين والعرافين الذين يحترفون الضحك على عقول الناس بأكاذيبهم وترهاتهم وشعوذاتهم. أما اليوم في عصرنا هذا الذي انفصل فيه منذ زمن طويل علم الفلك بمعناه الصحيح عن التنجيم بمعناه العرفي من الشعوذة والكهانة واستطلاع الحظوظ من حركات النجوم وأصبح علم الفلك قائماً على أسس من الرصد بالمراصد الحديثة والأجهزة العملاقة التي تكتشف حركات الكواكب من مسافات السنين الضوئية وبالحسابات الدقيقة المتيقنة التي تحدد تلك الحركات بجزء من مئات أو آلاف الأجزاء من الثانية وأقيمت بناء عليه في الفضاء حول الأرض محطات ثابتة وتستقبل مركبات تدور حول الأرض ... إلخ ... فهل يمكن أن يشك بعد ذلك بصحته ويقين حساباته وأن يقاس على ما كان عليه من البساطة والظنية والتعديل في الماضي زمن أسلافنا ﵏] (فتاوى الزرقا ? ١٦٦-١٦٩) .\rولكن مع هذا أقول إنه بعد التقدم العلمي الهائل لعلم الفلك ولوضوح الفصل بين علم الفلك وبين التنجيم لا بد من الاستئناس بعلم الفلك في هذه القضية المهمة، وفق الشروط والأحوال التي أشار إليها ألفقهاء قديما وحديثا. وأهمها تعذر رؤية الهلال ? وأن يكون أهل الحساب ممن يؤمن معهم الخطأ ويحصل العلم أو الظن القوي من اتفاقهم على عدم الخطأ في الحساب. وخاصة أنه قد حدثت عوامل كثيرة تؤثر في إثبات الرؤية في العصر الحاضر ? مثل: عدم صفاء الجو بسبب التلوث الصناعي بالغازات الهائلة من الصناعات ? والتلوث الضوئي ? وبخار الماء ? والأقمار الصناعية التي تملأ ألأجواء ليل نهار ? إضافة إلى عوامل أخرى قد تؤثر على الرؤية منها: الوهم ? وحدة البصر ? وعمر القمر (بعد التولد ولحظة الرؤية)\rوخلاصة الأمر في هذه المسألة هو وجوب الاعتماد على الرؤية البصرية لإثبات الشهور القمرية وهذا ما نطقت به النصوص الشرعية ويستعان (يستأنس) بالحساب الفلكي والمراصد مراعاة للأحاديث النبوية والحقائق العلمية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346023,"book_id":3840,"shamela_page_id":403,"part":"9","page_num":29,"sequence_num":403,"body":"٢٩ - هدي النبي ﷺ في رمضان\rيقول السائل: كيف كان هدي النبي ﷺ في رمضان؟\r\rالجواب: لا شك أن هدي النبي ﷺ في رمضان هو أكمل الهدي، وعمله ﷺ هو خير العمل، وعلى كل مسلم أن يبذل وسعه وطاقته في الاقتداء برسول الله ﷺ، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) سورة الأحزاب الآية ٢١.\rوأبين هنا هدي سيدنا رسول الله ﷺ في رمضان كما صح عنه في دواوين السنة وكما ذكره المحققون من أهل العلم\rفمن المعلوم عند أهل العلم أن فرض صيام رمضان كان في السنة الثانية من الهجرة النبوية وقد صام النبي ﷺ تسع رمضانات. وكان هدي رسول الله ﷺ في أعلى درجات الكمال وأعظم تحصيل للمقصود وأسهله على النفوس كما قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد ٢/٣٠.\rفقد كان ﷺ يدخل في صوم رمضان برؤية محققة أو بشهادة شاهد واحد كما ثبت في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: (تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه) رواه أبو داود وابن حبان وصححه ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\rوإذا حالت دون رؤية الهلال غيوم أو قتر أو نحوهما أكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً كما ثبت في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين) رواه البخاري ومسلم.\rفإذا ثبتت رؤية الهلال أو أكملت عدة شعبان ثلاثين يوماً فنصوم ويجب أن يعلم أن صوم رمضان عبادة جماعية لا يجوز لجماعة أو أحد أن ينفرد في بداية الصوم أو نهايته وإنما الصوم مع جماعة الناس فقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وهو حديث صحيح قال الإمام الترمذي: [وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا: الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس] سنن الترمذي ١/٨٠.\rفإذا ثبت دخول شهر رمضان فلا بد من تبييت نية الصيام كما ورد في الحديث عن حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة. وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٦٥.\rومن المعلوم عند أهل العلم أن النية محلها القلب ولا علاقة للسان بها لذا فإن التلفظ بالنية بدعة مخالفة لهدي المصطفى ﷺ. ومن هدي النبي ﷺ في رمضان السحور فقد صح في الحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال:\r(تسحروا فإن في السحور بركة) رواه البخاري ومسلم.\rومن السنة تأخير السحور وجعله قريباً من وقت صلاة الفجر فقد ورد في الحديث عن أنس ﵁ عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: (تسحرنا مع النبي ﷺ ثم قام إلى الصلاة. قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية) رواه البخاري ومسلم.\rومن هدي المصطفى ﷺ تعجيل الفطر فمن المعلوم أن الصوم ينتهي بحلول الليل كما قال تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) سورة البقرة الآية ١٨٧. والليل يبدأ بعد غروب الشمس مباشرة. وقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) رواه البخاري ومسلم.\rوكان ﷺ يفطر قبل أن يصلي المغرب فقد جاء في الحديث عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات فإن لم تكن حسا حسوات من ماء) رواه أبو داود وقال الألباني حسن صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود ٢/٤٤٩.\rومن هديه ﷺ الإفطار على الرطب كما تقدم في حديث أنس فإن لم يتيسر الرطب - وهو ثمر النخل الناضج – أفطر على تمرات - والتمر هو ثمر النخل بعد أن يجف أو يقارب – فإن لم يتيسر التمر أفطر على الماء. قال العلامة ابن القيم: [وكان يحض على الفطر بالتمر فإن لم يجد فعلى الماء هذا من كمال شفقته على أمته ونصحهم فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به ولا سيما القوى الباصرة فإنها تقوى به وحلاوة المدينة التمر ومرباهم عليه وهو عندهم قوت، وأدم ورطبه فاكهة. فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس. فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده. ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء ثم يأكل بعده هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب.] زاد المعاد ٢/٥٠-٥١.\rوكان من هديه ﷺ أن يقول عند الفطر ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله) رواه أبو داود وغيره وهو حديث حسن كما قال الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٤٩.\rوروي أنه ﷺ كان يقول عند فطره: (الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت) رواه أبو داود وهو حديث مرسل رواه ابن السني أيضاً. وروي أنه ﷺ كان يقول إذا أفطر: (اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبله منا إنك أنت السميع العليم) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة.\rوعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد) رواه ابن ماجة والحاكم وابن السني وقال البوصيري إسناده صحيح رجاله ثقات. انظر عمل اليوم والليلة لابن السني ص٢٢٨.\rوصح أن النبي ﷺ صلى صلاة التراويح كما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج ليلة في جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله ﷺ فصلى بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: (أما فإنه لم يخف عليَّ مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها) فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك) . رواه البخاري ومسلم.\rثم إن المسلمين قد حافظوا على صلاة التروايح في كل ليلة من ليالي رمضان في جماعة واحدة في المسجد منذ عهد عمر ﵁ فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن عبدٍ القارىء قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون وكان الناس يقومون أوله) .\rوكان من هدي الرسول ﷺ الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان فقد ورد في الحديث عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر) رواه البخاري ومسلم وفي رواية عند مسلم: (كان ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) .\rوكان من هدي المصطفى ﷺ الاعتكاف في رمضان فقد صح في الحديث عن عائشة ﵂ قال: كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله) رواه البخاري ومسلم.\rومن هدي المصطفى ﷺ في رمضان الجود والكرم ومدارسة القرآن الكريم فقد صح في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن وكان ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) رواه البخاري ومسلم.\rوختاماً فعلى المسلم أن يصوم رمضان مخلصاً لله تعالى حتى ينال الجزاء الأوفى وهو غفران الذنوب فقد صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ أيضاً أنه ﷺ قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه مسلم.\rهذا هو الهدي النبوي في رمضان على وجه الإيجاز والاختصار فعلى الصائمين الاقتداء برسول الله ﷺ في هذا الشهر الفضيل بقدر الوسع والطاقة وعليهم أن يحذروا الشيطان وأعوانه من شياطين الإنس الذين يحاولون بشتى السبل والوسائل إفساد هذه العبادة العظيمة على الناس ويفرغونها من مضامينها الإيمانية عن طريق استغلال وسائل الإعلام بتقديم المسلسلات التي يزعمون أنها دينية وهي في معظمها لا علاقة لها بالدين إلا في الاسم\rوكذلك المسابقات التي يتفننون في أسمائها وأشكالها وهدفها الحقيقي إنما هو إفساد الناس وأخلاقهم وتضييع أموالهم فيما العلم به لا ينفع والجهل به لا يضر.\rفعلى المسلم أن يستفيد من وقته دائماً وخاصة في شهر رمضان المبارك فيقضي الصائم وقته في الطاعة كقراءة القرآن الكريم والمحافظة على صلاة الجماعة وصلاة التراويح وفعل الخيرات.\rكما أن في شهر رمضان فرصة طيبة للرجوع إلى الله والالتزام بشرعه وفيه فرصة للإقلاع عن العادات القبيحة والسيئة كالتدخين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346024,"book_id":3840,"shamela_page_id":404,"part":"9","page_num":30,"sequence_num":404,"body":"٣٠ - المشقة المبيحة للفطر\rيقول السائل: ما هو المرض الذي يبيح الفطر في رمضان؟\r\rالجواب: يقول الله ﷾: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٤.\rوقد أجمع أهل العلم على أن المرض في الجملة عذر يبيح الفطر كما قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في المغني ٣/١٥٥. ولكن العلماء اختلفوا في تحديد طبيعة المرض المبيح للفطر وأرجح الأقوال في المسألة هو قول من قال هو كل مرض يزيد بالصوم أو يخشى تأخر الشفاء معه بالصوم فهذان يجيزان الفطر في رمضان. وأما القول بأن مطلق المرض يبيح الفطر فقول غير مسلم فهناك كثير من الأمراض والأوجاع لا تؤثر على الصائم كمن به صداع أو ألم في يده ورجله أو نحو ذلك فمن كان به شيء من ذلك فلا يجوز له الفطر. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والمرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه. قيل لأحمد: متى يفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع قيل: مثل الحمى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى؟ وحكي عن بعض السلف: أنه أباح الفطر بكل مرض حتى من وجع الإصبع والضرس لعموم الآية فيه ولأن المسافر يباح له الفطر وإن لم يحتج إليه فذلك المريض] .\rثم قال ابن قدامة: [والمرض لا ضابط له فإن الأمراض تختلف منها ما يضر صاحبه الصوم ومنها ما لا أثر للصوم فيه كوجع الضرس وجرح في الإصبع والدمل والقرحة اليسيرة والجرب وأشباه ذلك فلم يصلح المرض ضابطاً وأمكن اعتبار الحكمة وهو ما يخاف منه الضرر فوجب اعتباره] المغني ٣/١٥٥-١٥٦.\rوقال القرطبي: [وقال جمهور العلماء إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده يصح له الفطر قال ابن عطية: وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك وبه يناظرون وأما لفظ مالك فهو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به] تفسير القرطبي ٢/٢٧٦.\rوقال الإمام النووي: [... ثم كون شرط المرض مبيحاً أن يجهده الصوم معه فيلحقه ضرر يشق احتماله] الروضة ٢/٢٣٤-٢٣٥.\rوقال الإمام النووي في موضع آخر: [المريض العاجز عن الصوم لمرض يرجى زواله لا يلزمه الصوم في الحال ويلزمه القضاء لما ذكره المصنف هذا إذا لحقه مشقة ظاهرة بالصوم ولا يشترط أن ينتهي إلى حالة لا يمكنه فيها الصوم بل قال أصحابنا: شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها قالوا وهو على التفصيل السابق في باب التيمم قال أصحابنا وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا خلافاً لأهل الظاهر] المجموع ٦/٢٥٨.\rوقال الكاساني: [أما المرض فالمرخص منه هو الذي يخاف أن يزداد بالصوم وإليه وقعت الإشارة في الجامع الصغير فإنه قال في رجل خاف إن لم يفطر تزداد عيناه وجعاً أو حمَّاه شدة أفطر وذكر الكرخي في مختصره أن المرض الذي يبيح الإفطار هو ما يخاف منه الموت أو زيادة العلة كائناً ما كانت العلة.\rوروري عن أبي حنيفة أنه إن كان بحال يباح له أداء صلاة الفرض قاعداً فلا بأس بأن يفطر والمبيح المطلق بل الموجب هو الذي يخاف منه الهلاك لأن فيه إلقاء النفس إلى التهلكة لا لإقامة حق الله تعالى وهو الوجوب والوجوب لا يبقى في هذه الحالة وأنه حرام فكان الإفطار مباحاً بل واجباً] .\rثم قال الكاساني: [وكذا مطلق المرض ليس بسبب للرخصة لأن الرخصة بسبب المرض والسفر لمعنى المشقة بالصوم تيسيراً لهما وتخفيفاً عليهما على ما قاله الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) سورة البقرة الآية ١٨٥ ومن الأمراض ما ينفعه الصوم ويخففه ويكون الصوم على المريض أسهل من الأكل بل الأكل يضره ويشتد عليه ومن التعبد الترخص بما يسهل على المريض تحصيله والتضييق بما يشتد عليه المرض] بدائع الصنائع ٢/٢٤٥-٢٤٦.\r[وبعد هذا العرض لإقوال العلماء فالصواب من القول في ذلك عندنا أن المرض الذي أباح الله تعالى الإفطار معه في شهر رمضان من كان الصوم جاهده جهداً غير محتمل فكل من كان كذلك فله الإفطار وقضاء عدة من أيام أخر وذلك أنه إذا بلغ ذلك الأمر فإن لم يكن مأذوناً له في الإفطار فقد كلف عسراً ومنع يسراً وذلك غير الذي أخبر الله أنه أراده بقوله:: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) سورة البقرة الآية ١٨٥ وأما من كان الصوم غير جاهده فهو بمعنى الصحيح الذي يطيق الصوم فعليه أداء فرضه. قلت والذي يظهر لي من أدلة الكتاب والسنة: أن كل مرض يضر صاحبه بالصوم سواء كان بزيادة المرض أو بتباطؤ برئه فإنه يباح له الإفطار وقضاء عدة من أيام أخر.\rأما إذا قدر المريض على الصوم بغير جهد ولا مشقة تلحقه من أجل مرضه ولا يخشى أن يزيد الصيام في مرضه فعليه أن يصوم لأن مطلق المرض ليس سبباً للرخصة على الصحيح كما أن المسافر لا يباح له الفطر إذا كان سفره دون مسافة قصر فالرخصة بسبب المرض والسفر لمعنى المشقة بالصوم تيسيراً لهما وتخفيفاً عليهما كما قال تعالى:: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) سورة البقرة الآية ١٨٥ ومن الأمراض ما ينفعه الصوم ويكون الصوم علاجاً له أو مفيداً فيه ويكون الصيام على المريض أسهل من الأكل بل الأكل قد يضره ويشتد عليه كمرض التخمة والإسهال ونحو ذلك.\rويدل على أن الرخصة في الإفطار للمريض متعلقة بخوف الضرر ما رواه أنس بن مالك ? أن النبي ﷺ قال: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحامل والمرضع الصوم) ومعلوم أن الرخصة للحامل والمرضع في الإفطار موقوفة على خوف الضرر على أنفسهما أو على ولديهما وإن لم تكونا مريضتين ... والمريض أيضاً أبيح له الإفطار لخوف الضرر فمتى خاف الضرر جاز له الفطر والله أعلم] أحكام المريض ص٩٤-٩٥.\rوينبغي التنويه إلى أن المرض الذي يبيح الفطر يعود تقديره إلى المريض نفسه أو إخبار الطبيب الثقة في علمه وإن كان غير مسلم.\rقال الدكتور يوسف القرضاوي عن ذلك: [وإنما يعرف ذلك بغلبة الظن فهي كافية في الأحكام العملية وغلبة الظن تعرف هنا بأمرين:\rإما التجربة - تجربته هو - بأن يكون جرب الصوم يوماً أو أكثر فشق عليه أو زاد وجعه أو تجربة غيره ممن يثق به وحاله كحاله ممن يعاني نفس المرض.\rوأما بإخبار طبيب مسلم ثقة في دينه ثقة في طبه بأن يكون من أهل الاختصاص في هذا المرض فلا يكفي أن يكون طبيباً وماهراً بل لا بد ان يكون مختصاً فقد عرف عصرنا التخصص الدقيق في الطب إلى حد يجعل بعض الأطباء الحاذقين أشبه بالعوام في الاختصاصات الدقيقة الأخرى] فقه الصيام ص٦٦.\rوأخيراً فعلى المريض الذي يجوز له الفطر أن يأخذ بالرخصة فيفطر يقول الله تعالى:: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) سورة البقرة الآية ١٨٥ وجاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما كره أن أن تؤتى معصيته) رواه أحمد وفي رواية أخرى: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) وهو حديث صحيح بروايتيه كما فصل ذلك الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٣/٩-١٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346025,"book_id":3840,"shamela_page_id":405,"part":"9","page_num":31,"sequence_num":405,"body":"٣١ - المفطرات المعتبرة\rيقول السائل: هل التبرع بالدم يفطر الصائم؟\r\rالجواب: التبرع بالدم لايفطر الصائم على الراجح من أقوال أهل العلم ولو كثرت كمية الدم المتبرع بها كوحدة دم واحدة أو اثنتين كما هو معمول به طبيا. ومما يدل على أن التبرع بالدم لا يفطر الصائم الأحاديث الواردة في جواز الحجامة للصائم فهي بعمومها تشمل التبرع بالدم فمن ذلك ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم) .\rوجاء في رواية أخرى عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم صائم) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال هذا حديث صحيح. وروى الإمام البخاري بإسناده أن ثابتاً البناني قال: [سئل أنس بن مالك ﵁ أكنتم تكرهون الحجامة للصائم قال: لا، إلا من أجل الضعف] .\rوورد في رواية في الصحيح أن ذلك كان على عهد النبي ﷺ. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: [إنما نهى النبي ﷺ عن الوصال في الصيام والحجامة للصائم إبقاء على أصحابه ولم يحرمها] رواه أحمد وأبو داود وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح والجهالة بالصحابي لا تضر. فتح الباري ٥/٨١.\rوأما ما ورد في الحديث الصحيح عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح ورواه ابن ماجة والحاكم وغيرهم.\rفهذا الحديث على الراجح من أقوال أهل العلم أنه منسوخ بحديث ابن عباس وما في معناه من الأحاديث. قال الحافظ ابن عبد البر: [والقول عندي في هذه الأحاديث أن حديث ابن عباس: (أن رسول الله ﷺ احتجم صائماً محرماً) . ناسخ لقوله ﷺ: (أفطر الحاجم والمحجوم) لأن في حديث شداد بن أوس وغيره أن رسول الله ﷺ مرّ عام الفتح على رجل يحتجم لثماني عشر ليلة خلت من رمضان فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم) فابن عباس شهد معه حجة الوداع وشهد حجامته يومئذ محرم صائم فإذا كانت حجامته ﵇ عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة لأنه لم يدرك بعد ذلك رمضان لأنه توفي في ربيع الأول ﷺ وإنما وجه النظر والقياس في ذلك بأن الأحاديث متعارضة متدافعة في إفساد صوم من احتجم فأقل أحوالها أن يسقط الاحتجاج بها والأصل أن الصائم لا يقضى بأنه مفطر إذا سلم من الأكل والشرب والجماع إلا بسنة لا معارض له. ووجه آخر من القياس وهو ما قاله ابن عباس: [الفطر مما دخل لا مما خرج] الاستذكار ١٠/١٢٥-١٢٦.\rوممن قال بنسخ حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) الإمام الشافعي والخطابي والبيهقي وابن حزم الظاهري حيث قال فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر: [صح حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) بلا ريب لكن وجدنا من حديث أبي سعيد: (أرخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم) وإسناده صحيح فوجب الأخذ به لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً] فتح الباري ٥/٨١. ورجح الشيخ الألباني أن حديث الإفطار بالحجامة منسوخ فقال: [فائدة: حديث أنس هذا صريح في نسخ الأحاديث المتقدمة (أفطر الحاجم والمحجوم) الإرواء ٤/٧٣.\rثم قال الشيخ الألباني بعد أن ذكر حديث أبي سعيد الخدري قال: [رخص رسول الله ﷺ في القبلة للصائم والحجامة] . [قلت: فالحديث بهذه الطرق صحيح لا شك فيه وهو نص في النسخ فوجب الأخذ به كما سبق عن ابن حزم ﵀] الإرواء ٤/٧٥ وانظر أيضاً الإرواء ٤/٨٠.\rوخلاصة الأمر أن التبرع بالدم لا يفطر الصائم وكذلك سحب الدم للفحص لا يفطر الصائم وكذلك الحجامة لا تفطر الصائم. ولكن ينبغي مراعاة أن لا تؤدي هذه الأمور إلى إضعاف الصائم ومن ثم عجزه عن الصيام فتنتهي به للإفطار بتناول الطعام أو الشراب أو الدواء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346026,"book_id":3840,"shamela_page_id":406,"part":"9","page_num":32,"sequence_num":406,"body":"٣٢ - أحاديث في شهر الصيام\rهنالك أحاديث يكثر ترديدها في شهر رمضان المبارك على ألسنة الوعاظ والخطباء وهي منتشرة وشائعة وتكرر السؤال عنها فرغبت في ذكرها وبيان ما قاله أهل الحديث في الحكم عليها وهذه الأحاديث هي:\r\rالحديث الأول: عن سلمان ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يوم من شعبان قال: (يا أيها الناس! قد أظلكم شهر عظيم مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة وشهر يزاد في رزق المؤمن فيه من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء.\rقالوا: يا رسول الله! ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم. فقال رسول الله ﷺ: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة أو على شربة ماء أو مذقة لبن وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار من خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار واستكثروا فيه من أربع خصال خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غناء بكم عنهما فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما: فتسألون اله الجنة وتعوذون به من النار ومن أسقى صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة)\rقال الحافظ المنذري: رواه ابن خزيمة في صحيحه ثم قال: إن صح الخبر ورواه من طريقه البيهقي.\rثم ذكر المنذري رواية أخرى للحديث وقال: [وفي أسانيدهم علي بن زيد بن جدعان] الترغيب والترهيب ٢/٢٤-٢٥.\rوعلي بن زيد ضعيف ضعفه جماعة من أهل الحديث، قال الحافظ ابن حجر: [مداره - أي الحديث على علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف ويوسف بن زياد الراوي عنه ضعيف جداً] نقل كلام الحافظ محقق شعب الإيمان ٣/٣٠٥.\rوقال الشيخ الألباني عن الحديث السابق إنه منكر. سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/٢٦٣.\rالحديث الثاني: (صوموا تصحوا) .\rقال الزبيدي: [قال العراقي رواه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الطب النبوي من حديث أبي هريرة بسند ضعيف] إتحاف السادة المتقين ٧/٤٠١.\rفالحديث ضعيف وممن ضعفه أيضاً الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة ١/٢٧٧، وفي ضعيف الجامع الصغير أيضاً ص ٥١٢.\rوقد اعتبر الإمام الصاغاني الحديث من الأحاديث الموضوعة كما في رسالته في الأحاديث الموضوعة ص ١٠٤.\rوأنظر أيضاً المقاصد الحسنة ص ٢٣٦ كشف الخفاء ١/٤٤٥، تمييز الطيب من الخبيث ص ١٤٦.\r\rالحديث الثالث: عن أبي مسعود الغفاري ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ ذات يوم وأهلَّ رمضان فقال:\rلو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان. فقال رجل من خزاعة: يا نبي الله حدثناّ. فقال: إن الجنة لتزين لرمضان من رأس الحول إلى الحول فإذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت ورق أشجار الجنة فتنظر الحور العين إلى ذلك فيقلن: يا ربنا! اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجاً تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا. قال: فما من عبد يصوم يوماً من رمضان إلا زوج زوجة من الحور العين في خيمة من درة كما نعت الله ﷿: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) \" الرحمن ٧٢ \" على كل امرأة منهن سبعون حلة ليس منها حلة على لون الأخرى وتعطى سبعين لوناً من الطيب ليس منه لون على ريح الآخر لكل امرأة منهن سبعون ألف وصيفة لحاجتها وسبعون ألف وصيف مع كل وصيف صحفة من ذهب فيها لون طعام يجد لآخر لقمة منها لذة لم يجد لأوله ولكل امرأة منهن سبعون سريراً من ياقوتة حمراء على كل سرير سبعون فراشاً بطائنها من استبرق فوق كل فراش سبعون أريكة ويعطي زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر موشحاً بالدر عليه سواران من ذهب هذا بكل يوم صامه من رمضان سوى ما عمل من الحسنات) رواه ابن خزيمة والبيهقي في شعب الإيمان والطبراني في الكبير وغيرهم وهو حديث موضوع أي مكذوب على النبي ﷺ كما قرر ذلك أهل الحديث وقد ذكره في الموضوعات ابن الجوزي والشوكاني وغيرهما. انظر الفوائد المجموعة ص ٨٨، الترغيب والترهيب ٢/٣١-٣٢.\rالحديث الرابع: حديث: (يوم صومكم يوم نحركم يوم رأس سنتكم) .\rقال الإمام أحمد لا أصل له، وذكره في الموضوعات ابن الصلاح وابن عراق وملا علي القاري\rوابن القيم وغيرهم. انظر المنار المنيف ص ١٢٤، المقاصد الحسنة ص ٤٨٠، المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص ٢١٩، تمييز الطيب من الخبيث ص ٣١٣.\rالحديث الخامس: حديث: (السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس، قريب من النار وجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل) رواه الترمذي وضعفه ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان.\rوقد عده الشيخ ابن الجوزي في الموضوعات وكذلك ابن القيم، وقال الشيخ الألباني: ضعيف جداً.\rوقال الحافظ أبو حاتم هذا حديث منكر، وقال أيضا عن رواية أخرى للحديث هذا حديث باطل. انظر السلسلة الضعيفة ١/١٨٤-١٨٥، المنار المنيف ص ٢٦.\rوأخيراً ينبغي التنبيه على أن في صحيح السنة النبوية وحسنها ما يغني عن ذكر هذه الأحاديث الموضوعة والواهية وينبغي على الخطباء والوعاظ أن يعتنوا عناية خاصة بالأحاديث التي يذكرونها في خطبهم ودروسهم وأن يراجعوا كلام أهل الحديث عليها حتى لا يقعوا في الكذب على رسول الله ﷺ وهم يقصدون أو لا يقصدون فإن الكذب على رسول الله ﷺ ليس كالكذب على سواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346027,"book_id":3840,"shamela_page_id":407,"part":"9","page_num":33,"sequence_num":407,"body":"٣٣ - بداية الصوم ونهايته\rيقول السائل: ما قولكم فيما يفعله بعض طلبة العلم الشرعي في رمضان حيث إنهم يستمرون في الأكل والشرب إلى ما بعد أذان الفجر الثاني ويزعمون أنهم بهذا يتحققون من طلوع الفجر الصادق ويفطرون قبل أذان المغرب بعدة دقائق لأن الشمس قد غابت بزعمهم؟\r\rالجواب: يقول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) سورة البقرة الآية ١٨٧.\rفهذه الآية الكريمة قد حددت بداية الصوم ونهايته وقد ذكر الإمام القرطبي قولين لأهل العلم في تفسير بداية الصوم فقال: [واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك، فقال الجمهور: ذلك الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة وبهذا جاءت الأخبار ومضت عليه الأمصار. روى مسلم عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا) وحكاه حماد بيديه قال: يعني معترضاً.\rوفي حديث ابن مسعود: (إن الفجر ليس الذي يقول هكذا - وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض ولكن الذي يقول هكذا ووضع المسبحة ومد يديه) وروى الدارقطني عن عبد الرحمن بن عباس أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: (هما فجران فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا حل شيئاً ولا يحرمه وأما المستطيل الذي عارض الأفق ففيه تحل الصلاة ويحرم الطعام) هذا مرسل.\rوقالت طائفة ذلك بعد طلوع الفجر وتبينه في الطرق والبيوت روى ذلك عن عمر وحذيفة وابن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش بن سليمان وغيرهم أن الإمساك بحيث يتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال وقال مسروق لم يكن يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت وروى النسائي عن عاصم عن زر قال، قلنا لحذيفة: أي ساعة تسحرت مع رسول الله ﷺ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع. وروى الدارقطني عن طلق بن علي أن نبي الله قال: (كلوا واشربوا ولا يغرنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعرض لكم الأحمر) قال\rالدارقطني: قيس بن طلق ليس بالقوي، وقال أبو داود: هذا مما تفرد به أهل اليمامة.\rقال الطبري: والذي قادهم إلى هذا أن الصوم إنما هو في النهار والنهار عندهم من طلوع الشمس وآخره غروبها وقد مضى الخلاف في هذا بين اللغويين وتفسير رسول الله ﷺ ذلك بقوله: (إنما هو سواد الليل وبياض النهار) الفيصل في ذلك وقوله: (أياماً معدودات) .\rوروى الدارقطني عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له) تفرد به عبد الله بن عبادة عن المفضل بن فضالة بهذا الإسناد وكلهم ثقات وروى عن حفصة أن النبي ﷺ قال: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) رفعه عبد الله بن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء وروى عن حفصة مرفوعاً من قولها ففي هذين الحديثين دليل على ما قاله الجمهور في الفجر) تفسير القرطبي ٢/٣١٨-٣١٩.\rوذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي قول جمهور أهل العلم، ثم ذكر قول مسروق والأعمش أن الفجر هو الذي يملأ البيوت والطرق، ثم قال الشيخ ابن قدامة مستدلاً لقول الجمهور: [ولنا قول الله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) يعني بياض النهار من سواد الليل وهذا يحصل بطلوع الفجر قال ابن عبد البر في قول النبي ﷺ: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم) دليل على أن الخيط الأبيض هو الصباح وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش وحده فشذ ولم يعرج أحد على قوله والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس قال: هذا قول جماعة علماء المسلمين] المغني ٣/١٠٥.\rوقال الإمام النووي: [هذا الذي ذكرناه من الدخول في الصوم بطلوع الفجر وتحريم الطعام والشراب والجماع به هو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم قال ابن المنذر وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعلماء الأمصار قال وبه نقول، قال روينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال حين صلى الفجر الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود قال وروي عن حذيفة أنه لما طلع الفجر تسحر ثم صلى قال وروي معناه عن ابن مسعود وقال مسروق لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق قال وكان إسحاق يميل إلى القول الأول من غير أن يطعن على الآخرين قال إسحاق ولا قضاء على من أكل في الوقت الذي قاله هؤلاء هذا كلام ابن المنذر، وحكى أصحابنا عن الأعمش وإسحاق بن راهويه إنهما جوزا الأكل وغيره إلى طلوع الشمس ولا أظنه يصح عنهما] المجموع ٦/٣٠٥.\rثم استدل الإمام النووي لقول الجمهور بالأحاديث التالية:\rحديث عدي بن حاتم ﵁ قال: (لما نزلت: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) قلت يا رسول الله: إني أجعل تحت وسادتي عقالين عقالاً أبيض وعقالاً أسود أعرف الليل من النهار. فقال رسول الله ﷺ: إن وسادك لعريض إنما هو سواد الليل وبياض النهار) رواه البخاري ومسلم.\rوعن سهل بن سعد ﵄ قال: (أنزلت (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) ولم ينزل من الفجر فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله تعالى من الفجر فعلموا أنه يعني به الليل من النهار) رواه البخاري ومسلم.\rوعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير) رواه مسلم.\rوعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يمنعن أحدكم أو أحداً منكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم وليس أن يقول الفجر أو الصبح وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا وقال بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى ثم مدّ هما عن يمينه وشماله) رواه البخاري ومسلم. المجموع ٦/٣٠٥-٣٠٦.\rوبعد هذا البيان والاستدلال أوضح الأمور التالية:\rأولاً: يجب أن يعلم أن الصوم والفطر يكون مع عامة المسلمين لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) رواه الترمذي وقال: [هذا حديث غريب حسن وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس] وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح كما في صحيح سنن الترمذي ١/٢١٣.\rفلا ينبغي لفرد أو لجماعة أن تنفرد عن جمهور المسلمين فيجعلون لأنفسهم وقتاً خاصاً يبدؤون به الصوم ووقتاً خاصاً يفطرون فيه ويخالفون عامة الناس لأن هذا شذوذ منبوذ.\rثانياً: إن الذين يسكنون اليوم في المدن والقرى الكبيرة لا يمكنهم أن يتحققوا من طلوع الفجر الصادق أو غروب الشمس المؤكد لعوامل كثيرة منها: عدم معرفة كثير من الناس بالتمييز بين الفجر الصادق والكاذب فإن عرف بعضهم ذلك صعب عليه بسبب الأضواء الكهربائية المنتشرة في المدن والقرى ولا يصح أن يقاس حال هؤلاء على سكان الصحارى والمدن في العهد النبوي وما بعده من عهود الصحابة والتابعين لأن ذلك قياس مع الفارق.\rلذا فإن الاعتماد على التوقيت المعتبر والمعتمد على الدراسات والحسابات الفلكية وآلات الرصد ونحوها اعتماد صحيح.\rوأما الزعم بأن أحكام الصوم متعلقة بالرؤية البصرية \" العين البشرية \" ولا ينبغي التكلف والتنطع ورصد الهلال ومراقبة الفجر بالآلات الفلكية الحديثة كما ورد في صفة صوم النبي ﷺ ص ٤١-٤٢.\rفهذا القول مردود جملة وتفصيلاً فالاستعانة بعلم الفلك والأجهزة والآلات الحديثة لا مانع منه شرعاً وهذه الوسائل الحديثة تعين الإنسان في ضبط هذه الأمور ويجب أن يعلم أن هنالك فرقاً شاسعاً بين علم الفلك والتنجيم حيث إن بعض الناس يظنهما شيئاً واحداً وهما مختلفان فالفلك علم معروف وله قواعد وأسس والآخر دجل وباطل.\rجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية برئاسة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز يرحمه الله في جواب سؤال مضمونه أن بعض المسلمين الملتزمين لا يصومون حتى يروا الهلال بالعين المجردة ولا يفطرون حتى يروه بالعين المجردة ولا يعترفون بالرؤية بالأجهزة الحديثة ويخالفون الناس في صلاة العيد في وقتها ... الخ.\rفأجابت اللجنة بقولها: [يجب عليهم أن يصوموا مع الناس ويفطروا مع الناس ويصلوا العيدين مع المسلمين في بلادهم لقول النبي ﷺ: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة) متفق عليه والمراد بالأمر بالصوم والفطر إذا ثبتت الرؤية بالعين المجردة أو بالوسائل التي تعين العين على الرؤية لقوله ﷺ: (الصوم يوم تصومون والإفطار يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) ] فتاوى اللجنة الدائمة ١٠/٩٥.\rثالثاً: إن إفطار هؤلاء قبل أذان المغرب وزعمهم أن الشمس قد غابت قبل أذان المغرب بعدة دقائق أقول إن هذا خطأ واضح فقد ورد في الحديث عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغابت الشمس فقد أفطر الصائم) رواه البخاري ومسلم.\rوالمراد بالحديث أنه لا بد من إقبال الليل وليس مجرد مغيب الشمس عن أعين الناس بل لا بد أن تغرب الشمس حقيقة وأما قول بعضهم إن الإفطار يتحقق بعد غروب الشمس مباشرة وإن كان ضوؤها ظاهراً. صفة صوم النبي ﷺ ص ٤٠.\rأقول هذا كلام ينقض آخره أوله فكيف يغيب قرص الشمس ويبقى ضوؤها ظاهراً فإذا كان شخص يمشي في واد وغاب عنه قرص الشمس فلا يجوز له أن يفطر حتى يتحقق من غروب الشمس.\rقال الإمام النووي (قال العلماء إنما ذكر غروب الشمس وإقبال الليل وإدبار النهار ليبين أن غروبها عن العيون لا يكفي لأنها قد تغيب في بعض الأماكن عن العيون ولا تكون قد غربت حقيقة فلا بد من إقبال الليل وإدبار النهار] المجموع ٦/٣٠٣.\rوقال الإمام النووي أيضا: [وقوله ﷺ: (أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس) قال العلماء كل واحد من هذه الثلاثة يتضمن الآخرين ويلازمهما وإنما جمع بينها لأنه قد يكون في واد ونحوه بحيث لا يشاهد غروب الشمس فيعتمد إقبال الظلام وإدبار الضياء] شرح النووي على صحيح مسلم ٧/٢٠٩.\rوقال الحافظ ابن حجر: [وذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقبال حقيقة بل لوجود أمر يغطي ضوء الشمس إشارة إلى اشتراط تحقق الإقبال والإدبار وأنهما بواسطة غروب الشمس لا سبب آخر] فتح الباري ٥/٩٩.\rوخلاصة الأمر يجب على هؤلاء وأمثالهم أن يصوموا ويفطروا مع الناس وألا يشذوا فإن الشذوذ شر عظيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346028,"book_id":3840,"shamela_page_id":408,"part":"9","page_num":34,"sequence_num":408,"body":"٣٤ - بداية الصوم ونهايته\rيقول السائل: ما قولكم فيما يسمى بموعد الإمساك المطبوع في الكثير من التقاويم (الإمساكيات) وعادة ما يكون قبل أذان الفجر بربع أو ثلث ساعة فهل يحرم على المسلم أن يأكل في هذا الوقت؟\r\rالجواب: إن الإمساك قبل أذان الفجر والمتعارف عليه لدى كثير من الناس حيث أنهم يمتنعون عن الطعام والشراب إذا حان موعد الإمساك ويعتبرون أن وقت الصوم قد بدأ، إن هذا الإمساك بدعة ما أنزل الله بها من سلطان ولا دليل على جوازه من الكتاب أو السنة وفيه نوع من الغلو والتشدد الذي نهى عنه الشرع إذا التزم به المسلم. والأصل أن وقت الصيام يبدأ بطلوع الفجر الصادق وهو موعد أذان الفجر يقول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) وبناءً على ذلك يجوز للمسلم أن يستمر في الأكل والشرب إلى أن يؤذن لصلاة الفجر ولا يحرم عليه الطعام أو الشراب إلا إذا دخل وقت صلاة الفجر. وهذا الإمساك المبتدع يتعارض مع ما ورد في السنة النبوية من تأخير السحور فقد ورد في ذلك أحاديث منها: ١. ما رواه الإمام البخاري قال: [باب تعجيل السحور ثم ساق بسنده عن سهل بن سعد ﵁ قال: كنت أتسحر في أهلي ثم تكون سرعتي أن أدرك السجود مع رسول الله ﷺ أي صلاة الفجر -] . وقال الحافظ ابن حجر قوله باب تعجيل السحور أي الإسراع بالأكل إشارة إلى أن السحور كان يقع قرب طلوع الفجر. وقد ورد في بعض نسخ صحيح البخاري في ترجمة الباب قوله: باب تأخير السحور. ٢. روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه: كنا ننصرف من صلاة الليل فنستعجل بالطعام مخافة الفجر. ٣. وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجل فطرنا وأن نأخر سحورنا وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة) رواه الطبراني والأوسط ورجاله رجال الصحيح. قاله الهيثمي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346029,"book_id":3840,"shamela_page_id":409,"part":"9","page_num":35,"sequence_num":409,"body":"٣٥ - المسائل الطبية في الصيام\rفهذه مجموعة من الأسئلة التي تتعلق بأمور طبية وعلاقتها بالصيام، أجبت عليها على وجه الإختصار، وقبل الشروع فيها أود أن أبين قضية هامة تتعلق بالمفطرات في رمضان\r\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.\rفهذه مجموعة من الأسئلة التي تتعلق بأمور طبية وعلاقتها بالصيام، أجبت عليها على وجه الإختصار، وقبل الشروع فيها أود أن أبين قضية هامة تتعلق بالمفطرات في رمضان فأقول:\rمن المعلوم أن المفطرات المتفق عليها بين أهل العلم، هي الطعام والشراب والشهوة ويدل على ذلك قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) سورة البقرة/١٨٧.\rويضاف للمفطرات الثلاثة ما اتفق عليه أهل العلم على أنه مفطر، مما هو في حكم الطعام والشراب، كالتدخين وتعاطي الأدوية عن طريق الفم وهو المفذ الطبيعي للطعام والشراب، فما كان طعاماً أو شراباً ودخل من المدخل الطبيعي، فلا شك أنه يفطّر الصائم، وقد اجتهد فقهاء الإسلام في الأمور المفطرة للصائم، وذكروا أشياء كثيرة من المفطرات حتى صارت كتب الفقه طافحة بها على اختلاف في المذاهب في كل منها هل يعد مفطراً أم لا؟\rوالصحيح الذي أطمئن إليه وتؤيده الأدلة، أن كثيراً مما عدّه الفقهاء من المفطرات ليس كذلك، ولم تقم الأدلة الصحيحة على اعتباره مفطراً للصائم، وأنا أميل إلى التضييق في المفطرات وعدم التوسع فيها، لعدم ثبوت الأدلة على صحة ما عده كثير من الفقهاء من المفطرات أنه مفطر فعلاً، فمثلاً قال بعض الفقهاء إن مجرد دخول أي شيء إلى الجسم يعد مفطراً بغض النظر من أين دخل، فمثلاً إذا احتقن الصائم بدواء فإنه يفطر بل قال بعضهم إذا استنجى الصائم فأدخل إصبعه في دبره أفطر، وإذا اكتحل أفطر .... الخ، وهذا الكلام غير مسلّم به وغير مقبول لماذا؟\rلأن الصيام مما يبتلى به عامة الناس في دين الإسلام ولو كانت مثل هذه الأمور مفسدة للصوم لبينها رسول الله ﷺ بياناً عاماً مفصلاً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: \" وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة، فهذا مما تنازع فيه أهل العلم فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بالجميع لا بالكحل، ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير، ومنهم من لم يفطر بالكحل ولا بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك، والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك، فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها، لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك، لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة، كما بلغوا سائر شرعه فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ في ذلك لا حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً، عُلم أنه لم يذكر شيئاً من ذلك \" مجموع الفتاوى ٢٥/٢٣٣ - ٢٣٤.\rوقال أيضاً: \" إن الأحكام التي تحتاج الأمة معرفتها لا بد أن يبينها الرسول بياناً عاماً ولا بد أن تنقلها الأمة، فإذا انتفى هذا عُلم أن هذا ليس من دينه.... وإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى لا بد أن يبينها ﷺ بياناً عاماً، ولا بد أن تنقل الأمة، فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى كما تعم بالدهن والإغتسال والبخور والطيب فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي ﷺ كما بين الإفطار بغيره.... \" مجموع الفتاوى ٢٥/٢٣٦ - ٢٤٢.\rوقال ابن حزم: \" إنما نهانا الله تعالى في الصوم عن الأكل والشرب والجماع وتعمد القيء والمعاصي، وما علمنا أكلاً ولا شرباً يكون على دبر أو إحليل أو أذن أو عين أو أنف أو من جرح في البطن أو الرأس، وما نهينا قط أن نوصل إلى الجوف بغير الأكل والشرب ما لم يحرم علينا إيصاله \" المحلى ٤/٣٤٨.\r\rإذا تقرر ما قلت: فهذه هي الأسئلة وإجاباتها:\r١ - ما هو تأثير الحقن على الصيام؟\rالجواب: إن الحقن التي تعطى للمريض على نوعين:\r- الحقن التي يقصد بها الدواء، وليست للتغذية فهذه لا تفطر الصائم، سواءً كانت في العضل أو في الوريد أو كانت في الشرج.\r- الحقن التي يقصد بها الغذاء فهذه مفطرة لأنها في معنى الطعام والشراب.\r٢ - هل التحاميل تبطل الصوم؟\rالجواب: التحاميل إن كانت علاجية ولا يقصد بها الغذاء، فلا تبطل الصيام، وإن كانت للتغذية فهي مبطلة للصوم.\r٣ - هل الحبوب التي توضع تحت اللسان تبطل الصوم؟\rالجواب: هذه الحبوب التي توضع تحت اللسان تفطر الصائم.\r٤ - هل المراهم تبطل الصوم؟\rالجواب: المراهم التي تدهن بها الأعضاء المريضة لا تبطل الصوم.\r٥ - هل القطرة تفطر الصائم؟\rالجواب: القطرات سواء أكانت عن طريق الأذن أو العين أو الأنف لا تفطر الصائم لأنها ليست طعاماً ولا شراباً ولا تدخل إلى الجوف من المدخل الطبيعي للطعام والشراب، وهو الفم.\r٦ - هل البخاخ الذي يستعمله بعض المرضى لتوسيع الشرايين يفسد الصيام؟\rالجواب: إن البخاخ المذكور سائل يستعمل لتوسيع شرايين الرئتين عند ضيق التنفس ولا يصل إلى المعدة عند استعماله كما قال بعض الأطباء وبناءً عليه لا يفسد الصيام.\r٧ - هل الدواء الذي يؤخذ للغرغرة في الفم يبطل الصيام؟\rالجواب: لا يبطل الصوم بدواء الغرغرة طالما لم يبتلعه المريض، فإذا ابتلعه المريض بطل صيامه.\r٨ - هل الدواء الذي يعطى للمريض عن طريق التبخير، ويقوم المريض باستنشاقه يفسد الصوم؟\rالجواب: الذي يظهر لي أنه غير مبطل للصوم.\r٩ - هل استخدام الأكسجين يبطل الصيام؟\rالجواب: الأكسجين المذكور لا يبطل الصيام، لأنه ليس بطعام ولا شراب بل هو من مكونات الهواء الذي نتنفسه.\r١٠ - هل سحب الدم يفطر الصائم؟\rالجواب: سحب الدم لا يفطر الصائم.\r١١ - إذا أصيب الإنسان بنزيف وهو صائم هل يبطل صومه؟\rالجواب: إن خروج الدم من الإنسان سواء كان من الفم أو الأنف أو الوجه أو الرأس لا يؤثر على الصيام، إلا إذا دخل الدم في الجوف، كمن خلع ضرسه فنزل الدم إلى جوفه فهذا يبطل الصوم وما عداه فلا.\r١٢ - هل الفحص المهبلي للمرأة يبطل الصيام؟\rالجواب: لا يبطل الصوم بالفحص المهبلي للمرأة.\r١٣ - هل الفحص الشرجي للمريض يبطل الصوم؟\rالجواب: لا يبطل الصيام بالفحص الشرجي.\r١٤ - هل التدخين يبطل الصيام؟\rالجواب: نعم اتفق أهل العلم المعاصرون وغيرهم، على أن التدخين يبطل الصيام.\r١٥ - إذا استنشق الصائم الدخان دون أن يدخن، كأن يجلس في مكان فيه مدخنون فهل يبطل صومه؟\rالجواب: لا يبطل صوه إن شاء الله، ولا ينبغي للصائم أن يجالس المفطرين في رمضان باختياره.\r١٦ - هل يجوز للمرأة استعمال أدوية لتأخير الحيض من أجل أن تصوم رمضان كله؟\rالجواب: يجوز ذلك وإن كان الأولى أن تترك المرأة الأمور على طبيعتها، لأن الحيض شيء كتبه الله على النساء، فلا تتناول هذه الحبوب، وإن تناولتها فينبغي أخذ رأي الأطباء في أنه لا يلحق المرأة أذى من تناول هذه الحبوب.\r١٧ - هل يجوز للصائم استعمال فرشاة الأسنان والمعجون أثناء الصيام؟\rالجواب: ينبغي للصائم إن أراد استعمال فرشاة الأسنان والمعجون أن يستعملها قبل طلوع الفجر، أو بعد الإفطار، فهذا هو الأفضل والأحوط، وإن استعملهما أثناء النهار فلا بأس، بشرط أن لا يبتلع شيئاً من ذلك، فإن ابتلع شيئاً من ذلك فقد بطل صومه.\r١٨ - هل القيء يبطل الصوم؟\rالجواب: إذا خرج القيء من الصائم رغماً عنه فصومه صحيح، وأما إن استقاء بأن سعى في الإستفراغ فقد بطل صومه وعليه القضاء.\r١٩ - هل يجوز للمرضع والحامل أن تفطرا في رمضان؟\rالجواب: إذا استطاعت الحامل والمرضع الصوم دون أن يلحقهما ضرر فهو المطلوب، وإلا يجوز لهما الإفطار وتقضيا ما عليهما من صيام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346030,"book_id":3840,"shamela_page_id":410,"part":"9","page_num":36,"sequence_num":410,"body":"٣٦ - قضاء رمضان\rيقول السائل: ما المطلوب من المرأة الحامل والمرضع إذا أفطرتا في رمضان؟\r\rالجواب: اختلف أهل العلم في هذه المسألة اختلافاً كبيراً حتى قال الإمام ابن العربي المالكي: [وأما الحامل والمرضع فالاختلاف فيهما كثير ومتباين] عارضة الأحوذي ٣/١٨٩.\rثم ذكر أربعة أقوال لأهل العلم في المسألة وهي:\r١. إن على الحامل والمرضع الفدية فقط ولا قضاء عليهما وهذا منقول عن ابن عباس وابن عمر ﵄.\r٢. عليهما القضاء فقط ولا فدية وهو قول جماعة من أهل العلم سأذكرهم فيما بعد.\r٣. عليهما القضاء والفدية وهو قول مجاهد والشافعي في أحد قوليه وأحمد.\r٤. على المرضع القضاء والفدية وعلى الحامل القضاء فقط وهو قول مالك وقول الشافعي الآخر.\rوالذي أختاره من هذه الأقوال وأرجحه هو القول الثاني بأن على الحامل والمرضع القضاء فقط ولا فدية عليهما وبهذا قال: الحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء والزهري والضحاك والأوزاعي وربيعة والثوري وأبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد والطبري وأبو ثور وأبو عبيد وغيرهم. انظر الاستذكار لابن عبد البر ١٠/٢٢٢.\rوقال ابن المنذر بعد أن ذكر أقوال العلماء في المسألة: [وبقول عطاء أقول] .\rقال الإمام البخاري في صحيحه: [وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثم تقضيان] .\rوعقب الحافظ ابن حجر على ذلك بقوله: [فأما أثر الحسن فوصله عبد بن حميد عن طريق يونس بن حميد عن الحسن هو البصري: قال المرضع إذا خافت على ولدها أفطرت وأطعمت والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت وهي بمنزلة المريض. ومن طريق قتادة عن الحسن: تفطران وتقضيان.\rوأما قول إبراهيم وهو النخعي فوصله عبد بن حميد أيضاً من طريق أبي معشر عن النخعي قال: الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وقضتا صوماً] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٩/٢٤٥-٢٤٦.\rوروى عبد الرزاق بإسناده عن ابن عباس ﵁ قال: [تفطر الحامل والمرضع في رمضان وتقضيان صياماً ولا تطعمان] .\rوروى أيضاً بإسناده عن عكرمة قال: [تفطر الحامل والمرضع في رمضان وتقضيان صياماً ولا طعام عليهما] .\rوروى أيضاً بإسناده عن الحسن قال: [تقضيان صياماً بمنزلة المريض يفطر ويقضي والمرضع كذلك] المصنف ٤/٢١٨.\rوهذا القول هو أقوى المذاهب في رأيي من حيث الدليل:\rويدل على ذلك أن الحامل والمرضع حالهما كحال المريض الذي يرجى شفاؤه فتفطران وتقضيان فالحامل لا تبقى حاملاً والمرضع لا بقى مرضعاً فإذا ولدت الحامل وأرضعت وفطمت ولدها فإنها تقضي ما أفطرت من رمضان تماماً مثل المريض الذي مرض مدة من الزمان ثم كتب الله له الشفاء فإنه يقضي ما أفطره من رمضان.\rقال الإمام الأوزاعي: [الحمل والإرضاع عندنا مرض من الأمراض تقضيان ولا إطعام عليهما] الاستذكار ١٠/٢٢٢.\rومما يدل على هذا ما ورد في الحديث عن أنس بن مالك - رجل من بني عبد الله بن كعب – ﵁: [قال أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ فأتيت رسول الله ﷺ فوجدته يتغدى فقال: ادن فكل. فقلت: إني صائم. فقال: ادن أحدثك عن الصوم أو الصيام إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحامل والمرضع الصوم أو الصيام. واللهِ لقد قالهما النبي ﷺ كليهما أو أحدهما فيا لهف نفسي أن أكون طعمت من طعام النبي ﷺ] رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن ... والعمل على هذا عند أهل العلم. عارضة الأحوذي ٣/١٨٨.\rوقال الشيخ الألباني: [حسن صحيح] انظر صحيح سنن الترمذي ١/٢١٨.\rوظاهر حديث أنس الكعبي أن الحامل والمرضع في حكم المسافر فالمسافر إذا أفطر يقضي فقط.\rقال الإمام ابن العربي المالكي: [وظاهر حديث أنس الكعبي يقتضي أن يفطرا ويقضيا خاصة لأن الصوم موضوع عنهما كوضعه عن المسافر إلى عدة أخرى ...] عارضة الأحوذي ٣/١٨٩.\rقال أبو بكر الجصاص الحنفي: [ووجه دلالته - أي حديث أنس الكعبي - على ما ذكرنا إخباره ﵊ بأن وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر ألا ترى أن وضع الصوم الذي جعله من حكم المسافر هو بعينه جعله من حكم المرضع والحامل لأن عطفهما عليه من غير استئناف ذكر شيء غيره ثبت بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو في حكم وضعه عن المسافر لا فرق بينهما ومعلوم أن وضع الصوم إنما هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من غير فدية فوجب أن يكون ذلك حكم الحامل والمرضع وفيه دلالة على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما إذ لم يفصل النبي صلى الله عليه وسلمبينهما وأيضاً لما كانت الحامل والمرضع يرجى لهما القضاء وإنما أبيح لهما الإفطار للخوف على النفس أو الولد مع إمكان القضاء وجب أن تكونا كالمريض والمسافر] أحكام القرآن ١/٢٢٤.\rومما يدل على أن الحامل والمرضع تقضيان فقط قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) سورة البقرة الآية ١٨٤.\rفهذه الآية الكريمة بينت الحكم في حق المريض والمسافر وأن عليهما القضاء فقط\r(فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) وفي حديث أنس الكعبي عطفت الحامل والمرضع على المسافر فالظاهر اتحاد الحكم في حق الثلاثة إلا إذا دل دليل قوي على خلاف ذلك ولم يوجد. انظر إعلاء السنن ٩/١٥١-١٥٢.\rوقد قال الإمام مالك بعد أن ذكر أثر ابن عمر عندما سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها واشتد عليها الصيام قال تفطر وتطعم ... الخ.\rقال مالك: [وأهل العلم يرون عليها القضاء كما قال الله ﷿: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ] الموطأ ١/٢٥٤.\rوقد رجح هذا القول جماعة من أهل العلم منهم العلامة ولي الله الدهلوي حيث قال:\r[والظاهر عندي أنهما - الحامل والمرضع - في حكم المريض فيلزم عليهما القضاء فقط] تحفة الأحوذي ٣/٣٣١.\rواختارت هذا القول اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية حيث جاء في فتواها: [إن خافت الحامل على نفسها أو جنينها من الصوم أفطرت وعليها القضاء فقط شأنها في ذلك شأن المريض الذي لا يقوى على الصوم أو يخشى منه على نفسه قال الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ] فتاوى إسلامية ١/٣٩٦.\rواختار هذا القول أيضاً الدكتور يوسف القرضاوي إلا أنه جعله في حق المرأة التي تتباعد فترات حملها كما هو الشأن في معظم نساء زماننا في معظم المجتمعات الإسلامية وخصوصاً في المدن والتي قد لا تعاني الحمل والإرضاع في حياتها إلا مرتين أو ثلاثاً فالأرجح أن تقضي كما هو رأي الجمهور. فقه الصيام ص ٧٤.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346031,"book_id":3840,"shamela_page_id":411,"part":"9","page_num":37,"sequence_num":411,"body":"٣٧ - الفرق بين الفدية والكفارة\rيقول السائل: ما الفرق بين الفدية والكفارة في الصيام ومتى تلزم كل منهما؟\r\rالجواب: كثير من الناس يلتبس عليه الفرق بين الفدية والكفارة في الصوم.\rوالفرق بينهما أن الفدية هي المذكورة في قول الله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٤.\rوهذه الآية في حق الشيخ الكبير ومن في حكمه ممن لا يستطيع الصوم فإنه يفطر ويخرج عن كل يوم أفطره فدية طعام مسكين.\rويلحق بالشيخ الكبير المرأة الكبيرة الهرمة والمريض مرضاً مزمناً لا يرجى شفاؤه.\rوألحق بعض العلماء بهم الحامل والمرضع التي تخاف على ولدها تقضي وتطعم مسكيناً ولكن الراجح من أقوال العلماء أن الحامل والمرضع تقضيان فقط.\rوقال جمهور الفقهاء من كان عليه قضاء من رمضان فلم يقضه حتى دخل رمضان التالي فعليه القضاء والفدية وقال الحنفية يلزمه القضاء بدون فدية وهو أرجح قولي العلماء في المسألة.\rومقدار الفدية مُدُّ بِمُدِّ النبي ﷺ ويساوي في زماننا هذا نصف كيلوغرام ويزيد قليلاً عليه وهذا مذهب جمهور أهل العلم.\rوأما الكفارة فهي التي ورد ذكرها في الحديث عن أبي هريرة ? قال:\r(جاء رجل إلى النبي صلى الله عيه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله. قال: وما أهلكك؟\rقال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا.\rقال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تتطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: ثم جلس. فأوتي النبي ﷺ بِعَرَقٍ فيه تمر، فقال ﷺ: تصدق بهذا. قال: أفقر منا، فما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك) رواه البخاري ومسلم.\rوالعَرَق هو القفة والمكتل ويسع خمسة عشر صاعاً وهي ستون مُدَّاً لستين مسكيناً لكل مسكين مُدّ، قاله الإمام النووي. شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٨٤.\rوهذه الكفارة لها خصال ثلاث:\rالأولى: عتق رقبة.\rوالثانية: صيام شهرين متتابعين دون أن يكون بينهما فاصل إلا من عذر شرعي كالمرض.\rوالثالثة: إطعام ستين مسكيناً لكل منهم مُدٌّ بمدِّ النبي ﷺ قال الإمام البغوي: [وفيه- - أي حديث أبي هريرة - دلالة من حيث الظاهر أن طعام الكفارة مُدُّ لكل مسكين لا يجوز أقل منه ولا يجب أكثر لأن خمسة عشر صاعاً إذا قسمت بين ستين مسكيناً يخص كل واحد منهم مُدٌّ وإلى هذا ذهب الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد] شرح السنة ٦/٢٨٥.\rوالكفارة خاصة عند جمهور أهل العلم بمن جامع زوجته في نهار رمضان متعمداً فقط\rوقال بعض أهل العلم: تجب الكفارة في حق من تعمد انتهاك حرمة صوم رمضان سواء كان ذلك بأكل أو شرب أو جماع. وقول الجمهور أرجح.\rوالكفارة واجبة عند جمهور العلماء على الترتيب فيبدأ بالعتق أولاً ونظراً لعدم وجود رقيق في عصرنا الحاضر فيبدأ بصوم ستين يوماً متتابعةً لا يصح قطعها إلا بعذر شرعي. فإن كان عاجزاً عن الصيام فإنه يطعم ستين مسكيناً.\rقال الإمام البغوي: [وكفارة الجماع مرتبة مثل الظهار فعليه عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فعليه أن يصوم شهرين متتابعين فإن لم يستطع فعليه أن يطعم ستين مسكيناً هذا قول أكثر العلماء ...] شرح السنة ٦/٢٨٥.\rومما يدل على الترتيب في الكفارة ما جاء في رواية لحديث أبي هريرة ? السابق أن النبي ﷺ قال للرجل: (أعتق رقبة. قال: لا أجد. قال: صم شهرين متتابعين. قال: لا أطيق. قال: أطعم ستين مسكيناً. قال: لا أجد ...) رواه ابن ماجة وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة ١/٢٨٠.\rقال ابن تيمية الجَدُّ ﵀: [وفيه - أي الرواية السابقة للحديث - دلالة قوية على الترتيب] نيل الأوطار ٤/٢٤٠.\rوهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم أن الكفارة على الترتيب وقد رجحه ابن قدامة المقدسي في المغني ٣/١٤٠ والشوكاني في نيل الأوطار ٤/٢٤٠.\rويجب على من أفطر بالجماع في نهار رمضان بالإضافة للكفارة أن يقضي ذلك اليوم لأنه قد ورد في بعض روايات حديث أبي هريرة السابق قول النبي ﷺ للرجل: (وصم يوماً واستغفر الله) وقد صححها الشيخ الألباني في كتابه \" إرواء الغليل \" ٤/٩٠-٩٣.\rقال الإمام البغوي: [وقوله: (صم يوماً واستغفر الله) فيه بيان أن قضاء ذلك اليوم لا يدخل في صيام الشهرين عن الكفارة وهو قول عامة أهل العلم غير\rالأوزاعي] شرح السنة ٦/٢٨٨-٢٨٩.\rفإن عجز عن الكفارة بخصالها الثلاث لم تسقط عنه وتبقى ديناً في ذمته على الراجح من أقوال العلماء إلى أن تتيسر له الكفارة فيكفر.\rقال الإمام النووي: [فإن عجز عن الخصال الثلاث فللشافعي قولان أحدهما: لا شيء عليه وإن استطاع بعد ذلك فلا شيء عليه ... والقول الثاني وهو الصحيح عند أصحابنا وهو المختار أن الكفارة لا تسقط بل تستقر في ذمته حتى يتمكن قياساً على سائر الديون والحقوق والمؤآخذات كجزاء الصيد وغيره.\rوأما الحديث فليس فيه نفي استقرار الكفارة بل فيه دليل لاستقرارها لأنه أخبر النبي ﷺ بأنه عاجز عن الخصال الثلاث ثم أتى النبي ﷺ بعرق التمر فأمره بإخراجه في الكفارة فلو كانت تسقط بالعجز لم يكن عليه شيء ولم يأمره بإخراجه فدل على ثبوتها في ذمته وإنما أذن له في إطعام عياله لأنه كان محتاجاً ومضطراً إلى الإنفاق على عياله في الحال والكفارة على التراخي فأذن له في أكله وإطعام عياله وبقيت الكفارة في ذمته ...] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٨٢-١٨٣\rوينبغي أن يعلم أن الكفارة تجب في حالة إفساد صوم رمضان فقط دون غيره من أنواع الصوم الأخرى كصوم القضاء وصوم النذر وصوم النافلة وصوم الكفارة فإن أفسد صوماً منها فعليه القضاء فقط.\rقال الشيخ ابن قدامة: [ولا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء] المغني ٣/١٣٨.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346032,"book_id":3840,"shamela_page_id":412,"part":"9","page_num":38,"sequence_num":412,"body":"٣٨ - يصح صوم من أصبح جنبا\rيقول السائل: أصابته جنابة في ليلة من رمضان ولم يغتسل إلا بعد أذان الفجر فهل صومه صحيح أم لا؟\r\rالجواب: لا تشترط الطهارة من الجنابة للصيام فيجوز للجنب أن يدخل عليه وقت الفجر وهو جنب ولكن ينبغي له أن يغتسل حتى يصلي الفجر.\rقال الإمام النووي: [فقد أجمع أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب سواء كان من احتلام أو جماع وبه قال جماهير الصحابة والتابعين ...] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٨١.\rويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: (قد كان رسول الله ﷺ يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم) رواه مسلم.\rوروى مسلم بإسناده: (أن مروان أرسل إلى أم سلمة ﵂ يسأل عن الرجل يصبح جنباً أيصوم؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً من جماعٍ لا من حلم ثم لا يفطر ولا يقضي) .\rوعن عائشة ﵂ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب فقال: (يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ: وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم. فقال: لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي) رواه مسلم.\r*****\r\rعقوبة من أفطر عامداً في رمضان\rيقو السائل: ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من أفطر يوماً في رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر وإن صامه) فهل معنى هذا الحديث أن من أفطر عامداً في رمضان أنه لا يقضي اليوم الذي أفطره؟\rالجواب: إن هذا الحديث المذكور رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد وذكره البخاري تعليقاً بصيغة التمريض عن أبي هريرة ? وهو حديث ضعيف عند المحدثين.\rقال الحافظ ابن عبد البر: [وهذا - أي الحديث - يحتمل أن يكون لو صح على التغليظ وهو حديث ضعيف لا يحتج به] الاستذكار ١٠/١٠٤.\rوقال الإمام الترمذي: [حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه وسمعت محمداً - يعني الإمام البخاري - يقول: أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس ولا أعرف له غير هذا الحديث] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٣/٣٤١.\rوقال الحافظ ابن حجر: [... وقال البخاري في التاريخ أيضاً: تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا؟\rقلت: - أي الحافظ - واختلف فيه على حبيب ابن أبي ثابت اختلافاً كثيراً فحصلت فيه ثلاث علل: الاضطراب، والجهل بحال أبي المطوس، والشك في سماع أبيه من أبي هريرة، وهذه الثالثة تختص بطريقة البخاري في اشتراط اللقاء ...] فتح الباري ٥/٦٣.\rوضعفه الحافظ ابن بطال شارح صحيح البخاري. عون المعبود ٧/٢١.\rوضعف الحديث أيضاً الشيخ الألباني حيث قال: [... الحديث ضعيف وقد أشار لذلك البخاري بقوله: (ويذكر) وضعفه ابن خزيمة في صحيحه والمنذري والبغوي والقرطبي والذهبي والدميري فيما نقله المناوي والحافظ ابن حجر ...] تمام المنة ص ٣٩٦.\rوالحاصل أن الحديث ضعيف وعلى من أفطر يوماً من رمضان عامداً بالأكل أو الشرب أن يقضي يوماً مكانه وأن يتوب إلى الله توبةً صادقة لأنه أتى ذنباً عظيماً.\rقال الإمام البغوي: [هذا- أي الحديث - على طريق الإنذار والإعلام بما لحقه من الإثم وفاته من الأجر فالعلماء مجمعون على أنه يقضي يوماً مكانه] شرح السنة ٦/٢٩٠.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346033,"book_id":3840,"shamela_page_id":413,"part":"9","page_num":39,"sequence_num":413,"body":"٣٩ - النية في الصيام\rتقول السائلة: إنها صامت ألأيام الستة من شوال ونوت صيام الأيام الستة وقضاء ستة أيام أفطرتها من رمضان لعذر الحيض فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن مسألة التشريك في النية من المسائل التي يكثر السؤال عنها وخاصة في حالة صوم الأيام الستة المندوبة من شوال وهل تقع عن الصوم المندوب وعن القضاء؟\rوكذلك صوم يومي الاثنين والخميس ندباً وقضاءً وكذلك التشريك في النية في صلاة ركعتين تحية المسجد وسنة الظهر القبلية والتشريك في نية الغسل عن غسل الجنابة وغسل الجمعة وغير ذلك من المسائل.\rوهذه المسائل فيها تفصيل:\rقال الحافظ ابن رجب: [إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد في وقت واحد ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت تداخلت أفعالهما واكتفي فيهما بفعل واحد] تقرير القواعد وتحرير الفوائد ١/١٤٢.\rوهذه القاعدة التي ذكرها الحافظ ابن رجب تقع على أنواع:\rالنوع الأول: أن يكون مبنى العبادتين على التداخل كغسل الجمعة والجنابة ومثل الوضوء والغسل من الجنابة فإذا اغتسل شخص ونوى بغسله غسل الجمعة وهو مندوب وغسل الجنابة وهو فرض فالراجح من أقوال أهل العلم أن ذلك يجزئه عنهما ويكفيه الغسل الواحد ويحصل له كلا الغسلين.\rقال الإمام الشافعي: [وإن كان جنباً فاغتسل لهما جميعاً أجزأه] .\rقال الماوردي: [وصورتها في رجل أصبح يوم الجمعة جنباً فعليه غسلان واجب وهو الجنابة ومسنون وهو الجمعة فإن اغتسل لهما غسلين كان أفضل ويقدم غسل الجنابة وإن اغتسل لهما غسلاً واحداً ينويهما معاً أجزأه] الحاوي الكبير ١/٣٧٥.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا اجتمع شيئان يوجبان الغسل كالحيض والجنابة أو التقاء الختانين والإنزال ونواهما بطهارته أجزأه عنهما قاله أكثر أهل العلم منهم عطاء وأبو الزناد وربيعة ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ... ولأنهما سببان يوجبان الغسل فأجزأ الغسل الواحد عنهما كالحدث والنجاسة] .\rالمغني ١/١٦٣.\rوقال بعض أهل العلم لا يجزئه غسل واحد ولا بد من غسلين وعلى هذا ابن حزم الظاهري والشيخ الألباني وغيرهما. انظر المحلى ١/٢٨٩، تمام المنة ١٢٦-١٢٧.\rوالصحيح القول الأول أنه يكفي غسل واحد في هذه الحالة لأن مراد الشارع يتحقق بحصول الفعل وقد حصل بالغسل مرة واحدة فالمراد أن يتطهر الإنسان وقد تطهر ولا حاجة للاغتسال مرة ثانية.\rقال الإمام النووي: [ولو نوى بغسله غسل الجنابة والجمعة حصلا جميعاً هذا هو الصحيح] المجموع ٣/٣٢٦. وضعف الإمام النووي القول المخالف.\rوكذلك يقال فيمن نوى بغسله للجنابة رفع الحدث الأصغر أيضاً يصح لأن الله تعالى يقول: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) سورة المائدة آية ٦.\rولم يذكر وجوب الوضوء ولا وجوب نيته وهذا هو القول الراجح على أنه يجزئ إذا نوى رفع الحدث الأكبر أدى عن الأصغر لأن الله تعالى لم يذكر شيئاً آخر سوى أن يتطَّهر الإنسان] تعليق الشيخ ابن عثيمين على قواعد ابن رجب ١/١٤٤.\rوقال الإمام البيهقي: [باب الدليل على دخول الوضوء في الغسل ...] .\rثم ساق الأحاديث في غسل النبي ﷺ. سنن البيهقي ١/١٧٧-١٧٨.\rوأما النوع الثاني: وهو أن تحصل له إحدى العبادتين بنيتها وتسقط عنه الأخرى فمن ذلك إذا دخل شخص المسجد وقد أقيمت صلاة الفجر فصلى مع الجماعة فإنه ينوي الفريضة ولا بد وتسقط عنه تحية المسجد.\rلأن تحية المسجد تحصل بأداء الفريضة نوى التحية أولم ينوها لأن المراد شغل البقعة بالعبادة كما ثبت في الحديث أن الرسول ﷺ قال: [إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين] رواه البخاري ومسلم.\rوكذلك إذا دخل المسجد قبل إقامة صلاة الظهر ولا يتسع الوقت لصلاة سنة الظهر القبلية وصلاة تحية المسجد فإنه يصلي السنة الراتبة وتجزؤه عن تحية المسجد.\rقال ابن نجيم الحنفي: [... وسنة الوضوء وتحية المسجد وينوب عنها كل صلاة أداها عند الدخول ... كذلك تنوب عنها كل صلاة فرضاً كانت أو نفلاً] الأشباه والنظائر ١/١٢٣.\rومن ذلك إذا أخر طواف الإفاضة إلى وقت مغادرته مكة فطاف فيجزؤه عن طواف الوداع.\rالنوع الثالث: لا يصح التشريك في النية في عبادتين مقصودتين لذاتهما كأن ينوي شخص أداء فريضة الظهر وأربع ركعات السنة القبلية فهذا لا يصح ولا يجزئ لأنهما عبادتان مستقلتان لا تندرج إحداهما في الأخرى ومثل ذلك لو نوى بصلاة العصر أدائها وقضاء صلاة الظهر فإن ذلك لا يصح ولا يجزؤه.\rومثل ذلك من ينوي بصيام الستة من شوال القضاء وصيام الستة معاً فهذا لا يجزئ لأن صوم القضاء عبادة مستقلة وصيام الستة من شوال عبادة مستقلة فلا يصح التداخل بينهما وينبغي على الشخص في هذه الحالة أن يحدد بنيته أي العبادتين يريد فإما أن ينوي القضاء مستقلاً وإما أن ينوي صيام الستة من شوال مستقلة وأما الجمع بينهما بنية واحدة فلا يصح ولا يجزئ عنهما.\rفإذا فعل ذلك فاختلف العلماء عن أي العبادتين يقع؟ والأقرب أنه يقع عن القضاء لأنه فرض ولا يقع عن صيام الستة من شوال لأنها مندوبة والعبادة الأوجب لها الأولوية. انظر مقاصد المكلفين ص ٢٥٧.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346034,"book_id":3840,"shamela_page_id":414,"part":"9","page_num":40,"sequence_num":414,"body":"٤٠ - تفرق المسلمين في رؤية الهلال\rيقول السائل: ما قولكم فيمن ابتدأ صيام رمضان هذا العام يوم الأربعاء اتباعاً لما أعلن في اليمن من ثبوت رؤية الهلال مساء الثلاثاء؟\r\rالجواب: إن قضية بداية شهر الصوم ونهايته تشكل مثاراً للنزاع والاختلاف في كل عام تقريباً والمسألة محل اختلاف بين أهل العلم منذ عهد بعيد فمن العلماء من يرى أن لا عبرة باختلاف المطالع وأن على المسلمين جميعاً أن يصوموا إذا ثبتت رؤية الهلال في بلد والرأي الآخر في المسالة وهو أن لكل بلد رؤيتهم قال به جماعة من أهل العلم والمسألة مسألة اجتهادية محتملة واستدل كل فريق بأدلة من الكتاب والسنة والقياس ولم يكن لهذا الاختلاف بينهم أثر سيىء على الأمة تخشى عاقبته، لحسن قصدهم واحترام كل مجتهد منهم اجتهاد الآخر.\rوإن كنت أعتقد رجحان القول الأول بعد النظر في أدلته ولكن هذا القول وهو عدم اعتبار اختلاف المطالع رأي نظري لم يجد طريقه إلى التطبيق العملي في تاريخ المسلمين من لدن رسول الله ﷺ إلى عصرنا الحاضر لعدم توفر وسائل الاتصال التي تربط أنحاء الدولة الإسلامية بعضها مع بعض ومعلوم أن وسائل الاتصال حديثة العهد.\rإذا تقرر هذا فأقول إن الأمل كبير أن تتوحد الأمة الإسلامية تحت راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله وأن تلتزم بشرع الله كاملاً.\rومن ضمن ذلك بداية الصوم ونايته ولكن إلى أن يتحقق هذا الأمل المنشود أرى أن على مسلمي كل بلد أن يلتزموا بالصوم جميعا بناءً على ما تعلنه الجهة المخولة في كل بلد كالقضاء الشرعي أو الإفتاء أو المراكز الإسلامية.\rويدل على ذلك قول النبي ﷺ: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحّون) رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وهو حديث صحيح.\rقال الإمام الترمذي: [وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس] .\rإن المحافظة على وحدة المسلمين الجزئية في البلد الواحد مطلوبة ويجب العمل لها إلى أن تتحقق وحدة المسلمين الكلية أقول هذا ونحن قد وجدنا تمزق هذه الوحدة في البلد الواحد بل في الأسرة الواحدة فبعض الناس صام يوم الأربعاء والأكثر صاموا يوم الخميس وقلة صامت يوم الجمعة فهل هذا مقبول في شرع الله أن تكون بداية رمضان في ثلاثة أيام وماذا سنصنع في العيد، هل سيكون عيد الفطر ثلاثة أعياد وهل ستقام صلاة العيد على مدى ثلاثة أيام؟\rويزعم الذين صاموا يوم الأربعاء أن رأيهم هو الصواب لأنهم أخذوا بالحديث النبوي: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) متفق عليه، وعلى الناس أن يتبعوا ذلك.\rولكن أقول لهم ما هي نتيجة صومكم يوم الأربعاء اتباعاً لليمن؟ النتيجة هي تفرق الأسرة الواحدة في الصيام وتفرق البلدة الواحدة!! ثم هل تتحقق وحدة المسلمين إن صاموا في يوم واحد وأفطروا في يوم واحد مع هذا التمزق السياسي الموجود!!؟\rإن الحديث عن وحدة المسلمين في الصيام وفي العبادة في ظل الواقع السياسي الممزق للأمة الإسلامية ما هو إلا ترف فكري وقصور في الهمة وتعامي عن مواجهة الحقيقة والواقع فلو فرضنا جدلاً أن جميع دول مسلمي اليوم صامت في يوم واحد فهل توحدت الأمة؟ الجواب بالتأكيد لا.\rإن وحدة الأمة الإسلامية أعمق من وحدتهم في الصيام والعيد وإن وحدة المسلمين الحقيقية تكون بتحكيم شرع الله تعالى في جميع شؤونهم!\rإن الذين صاموا يوم الأربعاء لم يتعلموا الدرس مما حصل في رمضان سنة ١٤١٣ هـ عندما اختلف المسلمون في نهاية رمضان ولم يستخلصوا العبر مما حدث حينذاك.\rالسؤال الآن ما هو المخرج من هذا الخلاف والنزاع في بداية رمضان ونهايته فالذين يقولون نصوم مع أول بلد يعلن الصوم، ليس لديهم السلطان ليلتزم الناس بقولهم فالخلاف سيستمر ولن ينقطع.\rوأعتقد أنه يسع المسلمين اليوم ما وسع المسلمين خلال تاريخهم الطويل وحين كانت لهم دولة واحدة فما كانوا يصومون في يوم واحد وما كان عيدهم واحداً.\rوبناءً على ما تقدم أرى أن الحل الصحيح لهذه القضية هو الالتزام بما تعلنه الجهة المخولة في كل بلد كالقاضي الشرعي أو دار الإفتاء فيصوم أهل القطر الواحد جمعياً ويفطرون جميعاً وإذا أطعنا هؤلاء القضاة والمفتين في هذا الأمر فإنما نطيعهم في المعروف بغض النظر عمن عينهم فحكم الحاكم الشرعي في مثل هذه المسألة يقطع النزاع ويرفع الخلاف.\rومعلوم أن جميع المسلمين في هذه البلاد يرجعون إلى القضاء الشرعي في قضاياهم المتعلقة بالزواج والطلاق والميراث وغيرها فيقبلون قولهم فلم لا يقبلون قولهم في هذه المسألة؟\rكما وإني لأستغرب لم لا تثار هذه القضية عند بداية شهر ذي الحجة الذي ترتبط به فريضة الحج!! ولا فرق بين هلال رمضان وبين هلال ذي الحجة!! ولماذا يقبل جميع المسلمين ما يقرره مجلس القضاء الأعلى في السعودية؟!! ولا نسمع أحداً من الناس يدعي خلاف ذلك فيقف في عرفات حسب رؤيته!!\rكما وأود أن أبين أنه ينبغي الاستئناس بما يقرره علم الفلك وإن كان الأصل هو رؤية العين المجردة ولكن أصول الشريعة الإسلامية وقواعدها العامة لا تمنع أن نستعين بعلم الفلك وخاصة أنه علم متقدم ومتطور وعلم الفلك ليس مجرد حسابات وإنما هو رؤية ولكن بالمراصد والآلات فلا مانع شرعاً من الاستفادة من التقدم العلمي في هذا المجال وبالذات في حالة النفي أي إذا نفى علم الفلك احتمال رؤية الهلال بشكل قطعي فينبغى حينئذ عدم قبول ادعاء الرؤية وهذا هو ما حصل في هذا العام فإن علم الفلك نفى احتمال رؤية الهلال مساء الثلاثاء وأن الهلال لم يكن قد تولد لذا فإني أعتقد أن إعلان اليمن عن ثبوت الرؤية ما هو إلا قرار سياسي ولم يكن القرار بناءً على رؤية حقيقية للهلال لاستحالة ذلك كلياً، وأعتقد أن بداية الصوم الصحيحة كانت يوم الخميس.\rوأخيراً أقول إن على المنادين بوحدة المسلمين في الصوم أن يكفوا عن هذه الدعوى لما فيها من تفريق للمسلمين في البلد الواحد وأن يسعوا سعياً حقيقياً إلى الوحدة الحقيقية للمسلمين لا مجرد كلام وتنظير فلسفي وعليهم أن يتركوا قضية إثبات الهلال إلى دور الإفتاء والقضاء في دول مسلمي اليوم وإن الذي يكفل وحدة المسلمين الحقيقية هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في جميع شؤونهم وليس مجرد اتفاقهم على الصيام والعيد في يوم واحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346035,"book_id":3840,"shamela_page_id":415,"part":"9","page_num":41,"sequence_num":415,"body":"٤١ - المشقة المبيحة للفطر\rيقول السائل: ما هي المشقة التي تبيح الفطر في رمضان؟\r\rالجواب: يظن بعض الناس أن اشتغالهم بالأعمال التي فيها شيء من المشقة يبيح لهم الفطر في رمضان كالخباز الذي يقف أمام بيت النار طوال النهار والحداد والحجار ولا بد من بيان متى يجوز الفطر في رمضان بسب المشقة فأقول:\rإن الشريعة الإسلامية جاءت برفع الحرج ودفع المشقة عن الناس بل إن هذا أصل من أصول الشريعة الإسلامية وقد قامت الأدلة الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على اعتبار هذا الأصل يقول الله ﷾: (ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة المائدة الآية ٦.\rوقال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) سورة الحج الآية ٧٨.\rوقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) سورة البقرة الآية ١٨٥.\rوقال النبي ﷺ: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وبشروا) رواه البخاري.\rوقال النبي ﷺ لمعاذ وأبي موسى الأشعري ﵄ لمّا بعثهما إلى اليمن:\r(يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا) رواه البخاري.\rوقال صل الله عليه وسلم: (إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً) رواه مسلم، وغير ذلك من النصوص الشرعية.\rومن خلال هذه النصوص نرى أن الشريعة الإسلامية شريعة يسر وسهولة رفعت الحرج ودفعت المشقة عن الناس وليس معنى هذا أن يتحلل الناس من الأحكام الشرعية لأدنى مشقة تلحق بهم فإنه لا يكاد عمل في الدنيا يخلو من نوع من المشقة وقد جعل العلماء المشقة على نوعين:\r١. مشقة معتادة يتحملها الناس عادة ولا تخلو منها التكاليف الشرعية كالوضوء بالماء البارد وكالصوم في اليوم الحارّ والحج في أشهر الصيف وغيرها فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات ولا في تخفيفها كما قال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام ٢/٧.\r٢. ومشقة غير معتادة لا يستطيع الناس أن يداوموا عليها باستمرار كالوصال في الصوم وقيام الليل كله باستمرار ونحو ذلك.\rفهذه المشاق لا يجوز شرعاً للمكلف أن يجلبها على نفسه فيقع في الحرج والمشقة وإن حصلت في التكاليف الشرعية فيجوز حينئذ الأخذ بالرخصة الشرعية.\rوبناءً على ما تقدم أقول لا يجوز للإنسان أن يفطر في رمضان إلا إذا لحقه أذى شديد بسبب الصوم فالمريض الذي منعه الأطباء من الصوم لأن الصوم يزيد المرض أو يؤخر الشفاء يجوز له الفطر وأما أصحاب المهن كالنجار والحداد والخباز والحجار فعليهم أن يصوموا ولا يجوز لهم الفطر لأن هؤلاء قد اعتادوا على مهنتهم وصارت حياتهم منسجمة تماماً مع أعمالهم فالخباز الذي يقف أمام بيت النار يومياً صار ذلك بالنسبة له شيء عادي فلا يجوز له أن يفطر.\rومن المعلوم أن صيام رمضان فرض لا يجوز للمكلف تركه إلا لعذر شرعي والذين يدعون أنهم يعملون في أشغال شاقة بإمكانهم أن يأخذوا إجازة من عملهم في شهر رمضان أو أن يبحثوا عن أعمال أخرى لا مشقة شديدة فيها فإن لم يتيسر لهم ذلك واضطروا للعمل كما يضطر الإنسان إلى أكل الميتة فإن عليهم أن يصوموا فإذا شعروا بالحرج والضيق من الصوم أفطروا ثم أمسكوا بقية يومهم وعليهم القضاء فيما بعد.\rقال الله ﷻ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) سورة الطلاق الآيتان ٢-٣.\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346036,"book_id":3840,"shamela_page_id":416,"part":"9","page_num":42,"sequence_num":416,"body":"٤٢ - فتح المطاعم في نهار رمضان\rيقول السائل: إنه صاحب مطعم في مدينة القدس ويسأل عن فتح مطعمه في نهار رمضان مع العلم أن الزبائن هم من السياح الأجانب فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: لا يجوز فتح المطاعم والمقاهي ونحوها في نهار رمضان وإن كان زبائنها من غير المسلمين محافظةً على حرمة شهر رمضان فإن الواجب على كل مسلم أن يسعى جاهداً لمنع مظاهر التهاون في الصيام بشكل عام فلا يجوز تقديم الطعام والشراب للمفطرين في رمضان من المسلمين وكذلك لغير المسلمين لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان والمفروض في الشخص المسلم الذي يبتلى بالإفطار في رمضان لعذر شرعي كالمرض أو السفر أو الحيض أو النفاس أو غير ذلك من الأعذار أن لا يجاهر بالفطر على مرأى من الصائمين وعلى هؤلاء أن يستتروا عن أعين الصائمين.\rوأما الذين يفطرون عمداً دونما عذر فهؤلاء فسقة فاسدون فإذا جاهروا بالفطر فقد ازدادوا فسقاً على فسقهم وأما غير المسلمين فينبغي لهم أن يراعوا مشاعر المسلمين في الصوم فلا يجاهروا بالأكل والشرب بين المسلمين.\rفإن جاهروا ولا حول ولا قوة للمسلمين كما هو حال المسلمين الآن فالمطلوب من المسلم ألا يعينهم على هذا الأمر وهذا أقل الواجب.\rوبناءاً على ذلك لا يجوز فتح المطاعم والمقاهي في نهار رمضان ويحرم على المسلم أن يقدم الطعام للمسلم المفطر في نهار رمضان المجاهر بالمعصية فإن أعانه على ذلك فهو آثم وهذا من التعاون على الإثم والعدوان.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346037,"book_id":3840,"shamela_page_id":417,"part":"9","page_num":43,"sequence_num":417,"body":"٤٣ - صيام يوم عاشوراء\rيقول السائل: إنه سمع أحد المشايخ يمنع من صيام يوم عاشوراء هذا العام لأنه صادف يوم السبت لما ورد في الحديث أنه ﵊ قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) فما قولكم؟\r\rالجواب: قد أخطأ هذا الشيخ في منعه صيام يوم عاشوراء لأنه صادف يوم السبت اعتماداً على الحديث وهو قوله ﷺ: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجر فليمضغه) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم.\rوهذا الحديث اختلف فيه أهل الحديث اختلافاً كبيراً فصححه بعضهم وأعله آخرون بالاضطراب وقد فصل الكلام عليه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٤/١١٨-١٢٥ وحكم بصحته. وقال أبو داود صاحب السنن إنه منسوخ ولم يسلم له ذلك.\rوعلى كل حال فإن الحديث ثابت إلا أنه لا يؤخذ منه منع صوم يوم عاشوراء إن صادف يوم سبت فهذا الفهم غريب عجيب وإذا قلنا به فمعنى ذلك أنه لا ينبغي لنا أن نصوم يوم عرفة أيضاً إن وافق يوم سبت وهذا لم يقل به أحد من العلماء فيما أعلم.\rفنحن نصوم يوم عاشوراء لأنه يوم عاشوراء بغض النظر صادف الجمعة أو السبت أو الأحد، وكذلك نصوم يوم عرفة بغض النظر صادف الجمعة أو السبت أو الأحد اقتداءً بهدي المصطفىصلى الله عليه وسلم وقد قال العلماء إن المقصود بالنهي في الحديث هو إفراد يوم السبت بالصيام، قال الإمام الترمذي بعد أن ذكر الحديث: [ومعنى كراهته في هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام لأن اليهود تعظم السبت] سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ٢/٢٢٠.\rوقال العلامة ابن القيم: [وقال جماعة من أهل العلم: لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة فإن النهي عن صومه إنما هو عن إفراده وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال: باب النهي أن يخص يوم السبت بالصوم وحديث صيامه إنما هو مع يوم الأحد.\rقال: ونظير هذا أنه نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده وبهذا يزول الإشكال الذي ظنه من قال: إن صومه نوع تعظيم له فهو موافقة لأهل الكتاب في تعظيمه وإن تضمن مخالفتهم في صومه فإن التعظيم إنما يكون إذا أفرد بالصوم ولا ريب أن الحديث لم يجىء بإفراده وأما إذا صامه مع غيره لم يكن فيه تعظيم. والله أعلم] زاد المعاد ٢/٧٩-٨٠.\rوقال العلامة علي القاري: [قال الطيبي: قالوا النهي عن الإفراد كما في الجمعة والمقصود مخالفة اليهود فيهما والنهي فيهما للتنزيه عند الجمهور وما افترض يتناول المكتوب والمنذور وقضاء الفوائت وصوم الكفارة وفي معناه ما وافق سنة مؤكدة كعرفة وعاشوراء، أو وافق ورداً] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٤/٥٩٩.\rوقال الإمام النووي: [والصواب على الجملة ما قدمناه عن أصحابنا أنه يكره إفراد السبت بالصيام إذا لم يوافق عادة له] المجموع ٦/٤٤٠.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي بعد أن ذكر الحديث: [والمكروه إفراده فإن صام معه غيره لم يكره لحديث أبي هريرة وجويرية وإن وافق صوماً لإنسان لم يكره..] المغني ٣/١٧١.\rويوم السبت وافق صوماً لمحمد ﷺ فنصومه ولا نسمع لقول من منع صومه لجموده على ظاهر النص.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346038,"book_id":3840,"shamela_page_id":418,"part":"9","page_num":44,"sequence_num":418,"body":"٤٤ - ما لا يفطر الصائم\rدواء مرضى الربو والصوم, يقول السائل: هل البخاخ الذي يستعمله بعض المرضى في الفم يفطر الصائم؟ وهل التحاميل تفطر الصائم؟\r\rالجواب: إن البخاخ المذكور في السؤال هو سائل يستعمل لتوسيع شرايين الرئتين عند ضيق النفس ولا يصل إلى المعدة عند استعماله من المريض كما قال الأطباء وبناءً على ذلك فهو غير مفسد للصيام إن شاء الله.\rوأما التحاميل فلا تعد من مفسدات الصوم ولا بأس باستعمالها إذا أخذت على أنها علاج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346039,"book_id":3840,"shamela_page_id":419,"part":"9","page_num":45,"sequence_num":419,"body":"٤٥ - تأثير المعاصي والآثام في الصيام\rيقول السائل: هل للمعاصي والآثام التي يرتكبها الإنسان في نهار رمضان تأثير على الصيام كالغيبة والنميمة والكذب ونحوها؟\r\rالجواب: يقول الله ﷾: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) \"ولعل\" في لغة العرب تفيد الترجي فالذي يرجى من الصوم تحقق التقوى أي أن الصوم سبب من أسباب التقوى.\rوبناء على ذلك فليس الصوم هو مجرد الإمتناع عن المفطرات الثلاث الطعام والشراب والشهوة فحسب بل لا بد من صوم الجوارح أيضاً، فاليد لا بد أن تكف عن أذى الناس، والعين لا بد أن تكف عن النظر إلى المحرمات والأذن لا بد أن تكف عن السماع للمحرمات واللسان لا بد أن يكف عن المحرمات كالغيبة والنميمة والكذب ونحوها، والرِجل لا بد أن تكف عن المحرمات فلا تمشي إلى ما حرم الله.\rإن الصائم مأمور بتقوى الله ﷿ وهي امتثال ما أمر الله واجتناب ما نهى الله عنه وهذه طائفة عطرة من أحاديث رسول الله ﷺ تشير إلى هذه المعاني:\r١. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (قال الله ﷿: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة فإذا كان يوم يصوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب إن سآبه أحد أو قاتله فليقل إني صائم) رواه البخاري ومسلم.\r٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري.\r٣. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سآبك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم إني صائم) رواه ابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وصححه الشيخ الألباني.\r٤. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (رب صائم ليس له بصيامه إلا الجوع ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر) رواه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري وصححه الشيخ الألباني.\rفهذه الأحاديث وغيرها يؤخذ منها أن الصوم لا يقصد به مجرد الإمتناع عن الطعام والشراب، بل لا بد من صوم الجوارح عن المعاصي، فعلى الصائم أن يجتنب كل المحرمات ويلتزم بكل ما أمر الله ﷾ به حتى تتحقق فيه معاني الصوم الحقيقية، وإن لم يفعل ذلك فإنه لا ينتفع بصومه ويكون نصيبه من صومه مجرد الجوع والعطش، والعياذ بالله، كما أشار إلى ذلك الحديث الأخير، وله رواية أخرى وهي: (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر) وهي رواية صحيحة.\rفالأصل في المسلم الالتزام بشرع الله كاملاً وأن يأتي بالعبادات كما أرادها الله ﷾، بأن تكون هذه العبادات محققة لثمارها الإيجابية في سلوك المسلم وحياته، وأما إن كانت الصلاة مجرد حركات خالية من روحها والصوم مجرد جوع وعطش، والزكاة للرياء والسمعة والحج للشهرة واللقب فقد خاب المسلم وخسر وحبط عمله وكان من المفلسين يوم القيامة كما قال ﷺ: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) رواه مسلم وابن حبان والترمذي والبيهقي وأحمد. وبناء على كل ما تقدم نرى أن المعاصي والآثام لها تأثير واضح في الصيام فهي تفسد المعنى الحقيقي للصيام ولكنها لا تعد من المفطرات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346040,"book_id":3840,"shamela_page_id":420,"part":"9","page_num":46,"sequence_num":420,"body":"٤٦ - قضاء رمضان\rتقول السائلة: امرأة أفطرت في رمضان بسبب الحمل وجاء رمضان التالي ولم تقض الأيام التي أفطرتها فماذا يجب عليها؟ وهل تلزمها الفدية مع القضاء؟ وما مقدار الفدية إن وجبت؟\r\rالجواب: إن المشروع في حق المسلم أن يبادر إلى قضاء الصوم إبراء للذمة ولأنه لا يعلم ما يحدث له من مرض أو سفر أو موت يمنعه من القضاء فإذا دخل رمضان التالي ولم يقض ما عليه فالمسألة فيها خلاف بين أهل العلم فقال جمهور العلماء إن كان تأخير القضاء لعذر شرعي كالمرض مثلاً فيجب القضاء فقط.\rوإن كان تأخير القضاء لغير عذر فيلزم القضاء والفدية وهي إطعام مسكين عن كل يوم وحجتهم بعض الآثار المنقولة عن بعض الصحابة كابن عمر وابن عباس وأبي هريرة ﵃.\rوقال أبو حنيفة وأصحابه يجب القضاء فقط سواء كان تأخير القضاء بعذر أو بدون عذر ولا تجب الفدية لقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) .\rوهذا هو القول الراجح فيما يظهر لي لأن المسألة لا يوجد فيها نص ثابت عن الرسول ﷺ قال الإمام الشوكاني: [وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق والبراءة الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها ولا دليل ههنا فالظاهر عدم الوجوب] .\rفهذه المرأة عليها قضاء الأيام التي أفطرتها من رمضان ولا فدية عليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346041,"book_id":3840,"shamela_page_id":421,"part":"9","page_num":47,"sequence_num":421,"body":"٤٧ - قضاء رمضان\rيقول السائل: إذا توفي شخص وكان عليه صيام أيام من رمضان لم يصمها بسبب مرضه فهل يجوز لأولاده صيام تلك الأيام عنه؟\r\rالجواب: لا يصح صيام الأولاد عن أبيهم الذي مات وعليه صيام أيام من رمضان لم يصمها بسبب مرضه لأن صوم الفرض عبادة بدنية محضة لا تدخلها النيابة، ولأن فرض الصيام جار مجرى الصلاة فكما لا يصلي أحد عن أحد فكذلك الصوم لا يصوم أحد عن أحد صوم رمضان.\rويجوز أن يصام عن الميت صوم النذر لأن النذر إلتزام في الذمة بمنزلة الدين فيجوز أن يقوم ولي الميت بالقضاء عنه كما يقضي الدين عنه وعلى هذا يحمل قول الرسول ﷺ (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) رواه البخاري ومسلم.\rوعلى أولاد هذا الشخص أن يطعموا مسكيناً عن كل يوم أفطره والدهم الذي مات مريضاً ويدل على ذلك (ما روت عمرة أن أمها ماتت وعليها من رمضان فقالت لعائشة: ﵂: أقضيه عنها؟\rقالت عائشة: لا بل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين) . أخرجه الطحاوي وهو أثر صحيح.\rوكذلك ما ورد عن ابن عباس قال: (إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه) رواه أبو داود بسند صحيح كما قال الألباني.\rوهذا القول الذي ذكرته هو قول السيدة عائشة ﵂ وابن عباس وبه قال الإمام احمد بن حنبل واختاره جماعة من المحققين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346042,"book_id":3840,"shamela_page_id":422,"part":"9","page_num":48,"sequence_num":422,"body":"٤٨ - صوم التطوع\rيقول السائل: إنه صام يوم اثنين تطوعاً لله تعالى ولما كان وقت الظهر زار قريباً له فدعاه إلى الطعام فأفطر ويسأل هل يلزمه قضاء يوم مكان اليوم الذي أفطره؟\r\rالجواب: إن المشروع في حق المسلم إذا بدأ بأمر مندوب كصلاة مندوبة (نافلة) أو صوم مندوب أن يتمه ويكمله (كصوم الإثنين والخميس) . والذي عليه جمهور الفقهاء أن ذلك ليس واجباً وإنما هو في دائرة الاستحباب وقد ورد عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة تفيد ذلك منها: ١. عن عائشة ﵂ قالت: (دخل عليّ رسول الله يوماً فقال هل عندكم شيء؟ فقلت لا قال: فإني صائم ثم مر بعد ذلك اليوم وقد أهدي إلي حيس فخبأت له منه وكان يحب الحيس قلت يا رسول الله أهدي إلي حيس فخبأت لك منه قال: أدنيه أما إني قد أصبحت وأنا صائم فأكل منه ثم قال لنا: إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها) رواه مسلم وأبو داود والنسائي واللفظ له. والحيس: تمر نزع نواه ويدق مع إقط ويعجنان بالسمن كما في المصباح المنير ١/١٥٩. ٢. عن أم هانيء ﵂ أن رسول الله ﷺ: (دخل عليها فدعى بشراب ثم ناولها فشربت فقالت يا رسول الله أما إني كنت صائمة فقال رسول الله ﷺ: الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وأحمد والبيهقي وضعفه الترمذي وغيره إلا أن الحديث يتقوى بكثرة طرقه كما قال الشيخ الألباني. وقال النووي إسناده جيد وقال الحاكم صحيح ووافقه الذهبي وقال الحافظ العراقي إسناده حسن. ٣. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (صنعت للنبي ﷺ طعاماً فلما وضع قال رجل: أنا صائم فقال رسول الله ﷺ دعاك أخوك وتكلف لك أفطر وصم مكانه إن شئت) رواه البيهقي وإسناده حسن كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٥/١١٢. ٤. عن أبي جحيفة قال: (آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرآى أم الدرداء متبذلة فقال لها ما شأنك قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال كل فإني صائم فقال سلمان ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل فلما ذهب الليل ذهب أبو الدرداء يقوم. قال سلمان نم فنام ثم ذهب يقوم فقال سلمان نم فلما كان آخر الليل قال سلمان قم الآن فصليا فقال سلمان: إن لربك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه فأتى أبو الدرداء النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال النبي ﷺ: صدق سلمان) رواه البخاري وغيره. فهذه الأحاديث وغيرها يؤخذ منها أن المتطوع أمير نفسه فيجوز له أن يتم وهو الأفضل ويجوز له أن يقطع تطوعه ولا شيء عليه فلا يلزمه القضاء وإلى هذا ذهب الشافعية والحنابلة ونقل عن جماعة من الصحابة كعمر وابن عباس وابن مسعود وجابر ﵃ أجمعين. إلا أنه ينبغي أن يعلم أنه استثني من هذا الحكم الذي ذكرته الحج والعمرة فإذا شرع المسلم بحج أو عمرة فيجب عليه إتمامهما بلا خلاف كما قال النووي: [وأما إذا دخل في حج تطوع أو عمرة فإنه يلزمه إتمامها بلا خلاف] المجموع ٦/٣٩٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346043,"book_id":3840,"shamela_page_id":423,"part":"9","page_num":49,"sequence_num":423,"body":"٤٩ - صوم التطوع\rيقول السائل ما حكم صوم التطوع بعد منتصف شعبان؟\r\rالجواب: إن صوم التطوع بعد منتصف شعبان جائز ولا بأس به عند جمهورأهل العلم وقد ورد في ذلك أحاديث عن النبي ﷺ منها:\r١. عن أبي سلمة أن عائشة ﵂ حدثته قالت: (لم يكن النبي ﷺ يصوم شهراً أكثر من شعبان وكان يقول خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وأحب الصلاة إلى النبي ﷺ ما دووم عليه وإن قلّت وكان إذا صلى صلاة دوام عليها) رواه البخاري.\r٢. وعن عائشة ﵂ قالت: (لم يكن النبي ﷺ يصوم أكثر من شعبان فإنه كان يصومه كله) متفق عليه.\r٣. وفي رواية أخرى: (ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان كان يصومه إلا قليلا ً) متفق عليه.\rإلا أنه يجب أن يعلم أنه يكره للمسلم أن يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين لئلا يختلط النفل بالفرض، أو حتى يستريح الصائم ليدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط.\rوقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً فليصم ذلك اليوم) رواه البخاري.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346044,"book_id":3840,"shamela_page_id":424,"part":"9","page_num":50,"sequence_num":424,"body":"٥٠ - صيام ستة أيام من شعبان\rيقول السائل: هل يجوز صيام ستة أيام من شوال لمن عيه قضاء أيام من رمضان وهل تصام متتابعة أم يجوز تفريقها؟\r\rالجواب: إن صيام ستة أيام من شوال من السنن الثابتة عن الرسول ﷺ فقد ورد ذلك في أحاديث منها: ١. عن أبي أيوب عن رسول الله ﷺ قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فذاك صيام الدهر) رواه مسلم وغيره. ٢. عن ثوبان مولى رسول الله عن رسول الله ﷺ قال: (من صام رمضان وستة بعد الفطر كان تمام السنة) ، (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) رواه ابن ماجة والنسائي وهو حديث صحيح. ٣. ما رواه ثوبان عند النسائي أنه ﵊ قال: (صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة) وهي رواية صحيحة وغير ذلك من الأحاديث. وبناء على ذلك فمن السنة أن تصوم ستة أيام من شهر شوال والأفضل في حق من كان عليه قضاء أيام من رمضان أن يقضيها أولاً ثم يصوم ستاً من شوال فإن القضاء واجب وصيام الستة سنة والواجب مقدم على السنة. ولا يشترط في صيام الأيام الستة من شوال التتابع بل يجوز تفريقها. وإن صامها أيام الإثنين والخميس فهو حسن وله الأجر والثواب الذي يقع بصيام الإثنين والخميس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346045,"book_id":3840,"shamela_page_id":425,"part":"9","page_num":51,"sequence_num":425,"body":"٥١ - صوم التطوع\rيقول السائل: ما حكم صوم عاشوراء وهل يصام ذلك اليوم منفرداً أم يصام قبله أو بعده؟\r\rالجواب: إن صوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من محرم من الأمور المستحبة عند أكثر أهل العلم وقد وردت أحاديث كثيرة في صوم عاشوراء منها:\r١. عن عائسة ﵂ قالت: (كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله ﷺ يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه فلما فرض رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه) رواه البخاري ومسلم.\r٢. وعن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول إن هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه وانا صائم فمن شاء صام ومن شاء فليفطر) رواه البخاري ومسلم.\r٣. وعن ابن عباس قال: (قدم رسول الله ﷺ فرأى أن اليهود تصوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: يوم صالح نجّى الله فيه موسى وبني اسرلئيل من عدوهم فصامه موسى فقال: أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه) رواه البخاري ومسلم وغير ذلك من الأحاديث.\rويستحب أن يصام اليوم التاسع مع اليوم العاشر من محرم لما ثبت في الحديث عن ابن عباس قال: (لما صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال: إذا كان عام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ رواه مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346046,"book_id":3840,"shamela_page_id":426,"part":"9","page_num":52,"sequence_num":426,"body":"٥٢ - صوم التطوع\rيقول السائل: ما هو أكثر شهر كان النبي ﵊ يصومه غير شهر رمضان؟\r\rالجواب: إن أكثر شهر صامه النبي ﷺ صوم نافلة هو شهر شعبان فقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة منها:\r١. عن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان) رواه البخاري ومسلم.\r٢. وفي رواية عن عائشة أيضاً قالت: (ولم أره صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان كان يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان إلا قليلاً) رواه البخاري ومسلم.\r٣. وفي رواية أخرى عن عائشة قالت: (لم يكن رسول الله ﷺ في الشهرمن السنة أكثر صياماً منه في شعبان وكان يقول خذوا من الأعمال ما تطيقون فغن الله لن يمل حتى تملوا وكان يقول أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل) رواه البخاري ومسلم وهذه الأحاديث وغيرها يؤخذ منها أن الرسول ﷺ كان يصوم أكثر شعبان.\rوالحكمة من ذلك كما قال بعض أهل العلم إن كثيراً من الناس يغفلون عن الصيام في شعبان فكان ﵊ يصوم أكثره وقد ورد ذلك معللاً في حديث أسامة قال قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر ما تصوم من شعبان قال: (ذلك شهر يغفل الناس بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة.\rوقيل في الحكمة من إكثار الرسول ﷺ من صوم شعبان أقوال أخرى. وهنا لا بد من الإشارة إلى حديث قد يتعارض مع ما ذكرنا وهو ما روي أن النبي ﷺ قال: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) رواه أصحاب السنن الأربعة.\rفيجاب عنه من وجهين:\rالأول: إن الحديث ضعيف ضعفه أحمد وابن معين والبيهقي.\rالثاني: إن صح فيحمل النهي في الحديث على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده قاله الحافظ ابن حجر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346047,"book_id":3840,"shamela_page_id":427,"part":"9","page_num":53,"sequence_num":427,"body":"٥٣ - حكم من اصبح في أول يوم من رمضان مفطرا\rما حكم استعمال فرشاة الأسنان مع المعجون في نهار رمضان؟\r\rالجواب: أن على الصائم أن يأخذ بالأسباب الكفيلة بالمحافظة على الصوم فيبتعد على كل ما من شأنه أن يخل بالصوم. فيستطيع الشخص أن ينظف أسنانه بالفرشاة والمعجون قبل الفجر أو بعد الإفطار فهذا هو الأفضل ويجوز له أن يستعملها أثناء النهار إذا تيقن من عدم نزول شيء الى جوفه. لأن نزول شيء من المعجون أو الماء الى الجوف من المفطرات والإحتياط في هذا الأمر أولى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346048,"book_id":3840,"shamela_page_id":428,"part":"9","page_num":54,"sequence_num":428,"body":"٥٤ - حكم استعمال البخاخ في رمضان\rيقول السائل هل البخاخ الذي يستعمله بعض المرضى في الفم يفطر الصائم؟ وهل التحاميل تفطر الصائم؟\r\rالجواب: إن البخاخ المذكور في السؤال هو سائل يستعمل لتوسيع شرايين الرئتين عند ضيق النفس ولا يصل الى المعدة عند استعماله من المريض كما قال الأطباء وبناء على ذلك فهو غير مفسد للصيام إن شاء الله. وأما التحاميل فلا تعد من مفسدات الصوم ولا بأس باستعمالها إذا أخذت على أنها علاج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346049,"book_id":3840,"shamela_page_id":429,"part":"9","page_num":55,"sequence_num":429,"body":"٥٥ - النية في الصيام\rحكم من أصبح في أول يوم من رمضان مفطراً، ما حكم من أصبح في أول يوم من رمضان وهو لا يعلم بثبوت رؤية الهلال ولم يبيت النية للصوم؟\r\rالجواب: يجب على من أصبح في اليوم الأول من رمضان وهو لا يعلم بثبوت رؤية الهلال ولم يبيت فيه الصوم يجب عليه أن يمسك بقية يومه ويجب عليه قضاء ذلك اليوم لأن تبييت النية من الليل أمر لا بد منه في صوم رمضان ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عمر عن حفصة عن النبي ﷺ أنه قال: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) رواه أصحاب السنن وأحمد وهو حديث صحيح.\rوالمراد بقوله في الحديث: (يجمع) أي يعزم والمقصود أنه لا بد من النية قبل طلوع الفجر فعلى هذا الشخص أن يقضي يوماً عن اليوم الذي لم يصمه سواء أكل في ذلك اليوم أم لم يأكل.\rوينبغي أن يعلم أن النية في الصوم لا يشترط فيها التلفظ باللسان بل إن التلفظ بها بدعة وإنما محلها القلب فإذا خطر على قلبه ليلاً أنه يصوم ويوم غد من رمضان فقد نوى وكذلك إذا قام للسحور وأما التلفظ بالنية فليس مشروعاً.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346050,"book_id":3840,"shamela_page_id":430,"part":"9","page_num":56,"sequence_num":430,"body":"٥٦ - العبادة في رمضان فقط\rيقول السائل: نرى كثيراً من الناس يقبلون على عبادة الله في شهر رمضان فيصلون ويصومون ويرتادون المساجد فإذا انتهى شهر مضان انقطعوا عن عبادتهم فما تقولون في هؤلاء؟\r\rالجواب: لا شك أن إقبال الناس على الصلاة والصيام وقراءة القرآن وارتياد المساجد في رمضان يشير إلى جوانب إيجابية في حياة الناس وإلى تعظيمهم لشهر مضان ولكنه يشير في الوقت ذاته إلى خلل في حقيقة تصور هؤلاء الناس لعبادة الله ﷾ فالمفهوم الحقيقي لعبادة الله يتسم بطابع الاستمرارية وعدم الانقطاع فعبادة الله ينبغي أن تكون مستمرة ومتصلة طوال الوقت وعلى مدار الأيام وعبادة الله ﷾ ليست موسمية في رمضان فقط وإنما في كل شهور العام فرب رمضام هو رب شوال وشعبان، والله ﷾ يقول: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) أي استمر على عبادة الله حتى يأتيك الموت.\rونقول لهؤلاء الناس الذين يتقربون لله تعالى في رمضان أن عليهم أن يعتبروا قدوم شهر رمضان فرصة عظيمة لتجديد التوبة الصادقة والبدء بحياة جديدة في ظل الإيمان والالتزام بمنهج الرحمن وعليهم أن يجعلوا إقبالهم على الله في رمضان فاتحة خير للاستمرار على طريق الخير والرشاد ونوصيهم بأن يستمروا في هذا الطريق ونحذرهم من النكوص على أعقابهم بعد نهاية رمضان فإن فعلوا ذلك فقد ساروا في طريق الخذلان والعياذ بالله.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346051,"book_id":3840,"shamela_page_id":431,"part":"9","page_num":57,"sequence_num":431,"body":"٥٧ - المفطرات المعتبرة\rيقول السائل: يتناقل كثير من الناس في رمضان الحديث عن الأمور التي تفطر الصائم ونسمع من المشايخ كثيراً من ذلك كقولهم أن القطرة تفطر الصائم وأن الحقنة تفطر الصائم والتحميلة تفطر الصائم وإن أدخل إصبعه في دبره يفطر ونحو ذلك، فما هو الصحيح في هذه الأمور وأمثالها وهل تعتبر مفطرة للصائم أم لا؟\r\rالجواب: إن الذي دل عليه القرآن الكريم وسنة المصطفى ﷺ أن ما يفطر الصائم هو الطعام والشراب والجماع ومعلوم أن الطعام والشراب يتناوله الإنسان من منفذه الطبيعي وهو الفم فما كان طعاماً أو شراباً ودخل من المدخل الطبيعي فلا شك أنه يفطر الصائم.\rوقد اجتهد فقهاء الإسلام في الأمور المفطرة للصائم وذكروا أشياء كثيرة من المفطرات حتى صارت كتب الفقه طافحة بها على اختلاف في المذاهب في كل منها، هل يعد مفطراً أم لا؟\rوالصحيح الذي أطمئن إليه وتؤيده الأدلة أن كثيراً مما ذكره الفقهاء من المفطرات ليس كذلك ولم تقم الأدلة الصحيحة على اعتباره مفطراً للصائم، وأنا أميل إلى التضييق في المفطرات وعدم التوسع فيها لعدم ثبوت الأدلة. على أن كثيراً مما عده الفقهاء من المفطرات أنه مفطر فعلاً فمثلاً قال بعض الفقهاء أن مجرد دخول أي شيء إلى داخل الجسم يعد مفطراً بغض النظر من أين دخل فمثلاً إذا احتقن الصائم بدواء فإنه يفطر بل قال بعضهم إذا استنجى الصائم فأدخل إصبعه في دبره أفطر وإذا اكتحل أفطر ... الخ، وهذا الكلام غير مسلم وغير مقبول لماذا؟ لأن الصيام مما يبتلى به عامة الناس في دين الإسلام ولو كانت مثل هذه الأمور مفسدة للصوم لبينها الرسول ﷺ بياناً عاماً مفصلاً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة فهذا مما تنازع فيه أهل العلم فنهم من لم يفطر بشيء من ذلك ومنهم من فطر بالجميع لا بالكحل ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير ومن لم يفطر الكحل ولا بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك فإن الصيام في دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ في ذلك لا حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً علم أنه لم يذكر شيئاً من ذلك] مجموع الفتاوى ٢٥/ ٢٣٣-٢٣٤.\rوقال أيضاً: [إن الأحكام التي تحتاج الأمة معرفتها لا بد أن يبينها الرسول ﷺ بياناً عاماً ولا بد أن تنقلها الأمة فإذا انتفى هذا علم أن هذا ليس من دينه وإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى لا بد أن يبينها ﷺ بياناً عاماً ولا بد أن تنقل الأمة فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور والطيب فلو كان هذا مما يفطر لبين ﷺ كما بين الإفطار بغيره] مجموع الفتاوى ٢٥/٢٣٦-٢٤٢.\rوقال ابن حزم: [إنما نهانا الله تعالى في الصوم عن الأكل والشرب والجماع وتعمد القيء والمعاصي وما علمنا أكلاً ولا شرباً يكون على دبر أو إحليل أو أذن أو عين أو أنف أو من جرح في البطن أو الرأس وما نهينا قط أن نوصل إلى الجوف بغير الأكل والشرب ما لم يحرم علينا إيصاله] المحلى ٤/٣٤٨.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346052,"book_id":3840,"shamela_page_id":432,"part":"9","page_num":58,"sequence_num":432,"body":"٥٨ - إكراه الزوجة على الإفطار في نهار رمضان\rتقول السائلة: إنها امرأة تصوم رمضان ولكن زوجها لا يصوم ويكرهها على الجماع في نهار رمضان فماذا تصنع؟\r\rالجواب: إن زوجك رجل فاسق ومرتكب للمحرمات فهو لا يصوم ولا يكتفي بذلك بل يفسد عليك صيامك والواجب عليك ألا تطيعيه فيما يطلب وأن تحاولي الامتناع منه قدر الاستطاعة فإذا أكرهك إكراهاً شديداً وحصل الجماع فقد أفطرت ويجب عليك قضاء ذلك اليوم ولا إثم عليك إن شاء الله لقوله عليه الصلاة ولسلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) .\rوعلى زوجك أن يبادر إلى التوبة إلى الله ﷿ وأن يعود عن غيه وضلاله وعليه أن يحذر غضب الجبار ﷾ ويجب عليك أن تذكريه بالله وتذكريه بحرمة ما يفعل لعله يذكر أو يخشى فيرجع إلى طريق الحق والصواب.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346053,"book_id":3840,"shamela_page_id":433,"part":"9","page_num":59,"sequence_num":433,"body":"٥٩ - ما لا يفطر الصائم\rهل القطرة في العين أو الأذن أو الأنف مما يفطر الصائم؟ وما حكم استعمال الحقن للصائم؟\r\rالجواب: إن حقيقة الصيام هي الامتناع عن الطعام والشراب والجماع كما هو معروف فما كان من هذه الأنواع فهو مفطر للصائم وأما القطرة بأنواعها المختلفة سواء كانت في الأنف أو الأذن أو العين فإنها لا تفطر الصائم لأن هذه ليست طعاماً ولا شراباً ولا تدخل إلى الجوف من المدخل الطبيعي للطعام والشراب ولا يعد استعمال القطرة بأنواعها المختلفة أكلاً أو شراباً. لذلك فهي غير مفطرة.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عند حديثه عن الكحل والقطرة ونحوها: [والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه فلم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ في ذلك لا حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً علم أنه لم يذكر شيئاً من ذلك] مجموع الفتاوى ٢٥/٢٣٤.\rوقال ابن حزم ﵀: [ولا ينقض الصوم حجامة ولا احتلام ... ولا حنة ولا سعوط ولا تقطير في أذن أو في إحليل أو في أنف ...] المحلى ٤/٣٣٥.\rوأما الحقن التي تعطى تحت الجلد أو في الوريد فإذا كانت دواء فلا تفطر وإذا كانت على سبيل الغذاء فهي مفطرة وتتنافى مع حقيقة الصوم.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346054,"book_id":3840,"shamela_page_id":434,"part":"9","page_num":60,"sequence_num":434,"body":"٦٠ - استعمال أدوية لتأخير الحيض للصائمة\rهل يجوز للمرأة تناول أدوية تمنع الحيض حتى تتمكن من الصيام؟\r\rالجواب: إن الحيض من الأمور التي كتبها الله ﷾ على النساء والحيض من موانع الصوم كما هو معلوم والأفضل في حق المرأة أن تسير مع فطرتها التي فطرها الله عليها فتصوم ما شاء الله لها أن تصوم فإذا حاضت توقفت عن الصيام ومن ثم يلزمها القضاء بعد ذلك.\rومع ذلك فلا مانع من استعمال الأدوية التي تمنع الحيض حتى تتمكن المرأة من الصيام ولكن لا بد من تقييد ذلك بأن لا يلحق المرأة ضرر من استعمال هذه الأدوية وبناء عليه لا بد للمرأة من استشارة طبيب حاذق صاحب دين فإن أخبرها الطبيب بأن ساتعمال هذه الأدوية يضرها فلا يجوز لها استعمالها لقول الرسول ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والدارقطني وغيرهم وهو حديث صحيح.\rومما يشير إلى جواز استعمال المرأة لهذه الأدوية ما ورد عن بعض السلف أنهم كانوا يسقون نسائهم أدوية مأخوذة من الأعشاب لمنع نزول دم الحيض أثناء الحج ويقاس الصوم عليه.\rقال الشيخ مرعي الكرمي الحنبلي: [وللأنثى شربه - أي دواء مباح - لحصول الحيض ولقطعه] .\rلأن الأصل الحل حتى يرد التحريم ولم يرد كذا قال الشارح. منار السبيل ١/٦٢.\rوقد أفتى بالجواز في هذه المسألة كثير من أهل العلم المعاصرين منهم الشيخ القرضاوي حفظه الله.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346055,"book_id":3840,"shamela_page_id":435,"part":"9","page_num":61,"sequence_num":435,"body":"٦١ - ما لا يفطر الصائم\rما حكم استعمال فرشاة الأسنان مع المعجون في نهار رمضان للصائم؟\r\rالجواب: إن على الصائم أن يأخذ بالأسباب الكفيلة بالمحافظة على الصوم فيبتعد عن كل ما من شأنه أن يخل بالصوم، فيستيطع الشخص أن ينظف أسنانه بالفرشاة والمعجون قبل الفجر أو بعد الإفطار فهذا هو الأفضل ويجوز له أن يستعملها أثناء النهار إذا تيقن من عدم نزول شيء إلى جوفه. لأن نزول شيء من المعجون أو الماء إلى الجوف من المفطرات والاحتياط في هذا الأمر أولى.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346056,"book_id":3840,"shamela_page_id":436,"part":"9","page_num":62,"sequence_num":436,"body":"٦٢ - ما لا يفطر الصائم\rما حكم من أكل أو شرب ناسياً وهو صائم وهل هناك فرق بين أن يكون ذلك في صوم فرض أو نافلة وهل يشرع لمن رآه يأكل أو يشرب أن يذكره؟\r\rالجواب: لا شك أن النسيان من طبيعة الإنسان وهو من الأمور الخارجة عن إرادته وإن من يسر الشريعة الإسلامية أنها لا تكلف الإنسان حال نسيانه يقول الله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) والنسيان ليس من كسب القلوب وقد ثبت في الحديث قوله ﷺ: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه الطبراني والدارقطني والحاكم بألفاظ مختلفة وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي وغيرهم.\rوالمقصود بالرفع هنا هو حكم هذه الأمور الثلاثة المذكورة في الحديث والحكم المرفوع هو حكم الدنيا وحكم الآخرة وهذا الكلام ينطبق على من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فلا إثم عليه ولا قضاء عليه وليتم صومه وقد ثبت في الحديث الصحيح قوله ﷺ: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) رواه البخاري ومسلم.\rورود في حديث آخر أنه ﷺ قال: (إذا أكل الصائم ناسياً أو شرب ناسياً فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه) رواه الدارقطني وقال: إسناده صحيح كلهم ثقات كما نقله ابن الجوزي في التحقيق ٢/٨٧.\rويهذا يظهر أن من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فعليه أن يتم صومه ولا قضاء عليه ولا كفارة وهذا الحكم في مطلق الصوم فرضاً كان أو نفلاً ولا وجه لمن فرق بين صوم الفريضة وصوم النافلة في هذا الحكم وكذلك لا فرق بين أن يأكل الصائم أو يشرب قليلاً أو كثيراً فالحكم لا يختلف ما دام أن الأمر وقع نسياناً فلا حرج في ذلك.\rفقد ورد في الحديث عن أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق ﵂: (أنها كانت عند رسول الله ﷺ فأتي بقصعة من ثريد فأكلت معه ومعه ذو اليدين - صحابي - فناولها رسول الله ﷺ عرقاً - عظم عليه لحم - فقال: يا أم إسحاق أصيبي من هذا. فذكرت أني كنت صائمة فرددت يدي لا أقدمها ولا أؤخرها فقال النبي ﷺ مالك؟ قالت: كنت صائمة فنسيت. فقال ذو اليدين: الآن بعدما شبعت؟ فقال النبي ﷺ: أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك] رواه أحمد والطبراني في الكبير كما قال الهيثمي.\rويشرع في حق من رأى إنساناً يعلم أنه صائم فرآه يأكل أو يشرب أن يذكره بصومه لأن ذلك من باب التعاون على البر والتقوى يقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) .\rويتأكد هذا التذكير إذا كان الصائم يأكل أو يشرب في رمضان نسياناً فعليه أن يذكره لأن الأكل والشرب في نهار رمضان من المنكرات والرسول ﷺ يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم. إلا أن ذلك معفو عنه لأنه وقع نسياناً ووقوعه نسياناً من الصائم لا يعفي من رآه من تذكيره.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346057,"book_id":3840,"shamela_page_id":437,"part":"9","page_num":63,"sequence_num":437,"body":"٦٣ - صوم الأطفال\rيقول السائل: في أي سن يصوم الأطفال؟\r\rالجواب: إن الأطفال ليسوا من أهل التكليف شرعاً لقوله ﵊: (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يفيق) رواه ابن ماجة وغيره وإسناده صحيح.\rفهم غير مكلفين شرعاً ولكنهم يؤمرون بالصوم إذا أطاقوه وهذا الأمر على سبيل التمرين والتعويد وعلى هذا أكثر أهل العلم من أجل أن يتمرن الطفل على الصوم وكذلك يفعل معه بالنسبة لبقية الأحكام الشرعية فقد ورد في الحديث قوله ﵊: (مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه.\rولا شك أن الصوم أشق من الصلاة فلذلك فإن الصبي إذا أطاق الصوم يطلب منه ذلك ولا بد أن يكون صومه بالتدريج حتى لا يكون شاقاً عليه وقد يطيق الصبي الصوم وهو ابن ثمان أو تسع أو عشر ويعود تحديد السن إلى ولي أمره الذي يعرف مقدرة الصبي على الصوم من عدمها.\rومطالبة الصبي بالصوم أمر معهود منذ عهد الصحابة ﵃ فقد ورد في الحديث عن الربيع بنت معوذ ﵂ قالت: (أرسل الرسول ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه ومن أصبح صائماً فليصم قالت: فكنا نصومه بعد ونصوم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار) رواه البخاري ومسلم.\rففي هذا الحديث تخبر الصحابية الربيع أنهم كانوا يصومون الأطفال في صوم عاشوراء ويشغلونهم عن الطعام باللعب يصنعونها من الصوف فإذا كان الحال كذلك في صوم عاشوراء فمن باب أولى أن يكون في صوم رمضان حتى يتمرنوا على الصوم ويكون الأمر سهلاً إذا ما بلغوا وهكذا ينبغي أن يكون الأمر في بقية التكاليف الشرعية قال ابن عباس ﵄: (اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله ومروا أولادكم بامتثال الأوامر واجتناب النواهي فذلك وقاية لهم ولكم من النار) .\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346058,"book_id":3840,"shamela_page_id":438,"part":"9","page_num":64,"sequence_num":438,"body":"٦٤ - صوم شهر رجب\rما حكم صيام شهر رجب وما مدى صحة الحديث الذي يقول: (رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي) ؟\r\rالجواب: أما الحديث المذكور فلم يثبت عن النبي ﷺ قال الحافظ العراقي: [حديث ضعيف جداً وهو من مرسلات الحسن رويناه في كتاب الترغيب والترهيب للأصفهاني ومرسلات الحسن لا شيء عند أهل الحديث ولا يصح في فضل رجب حديث] .\rوذكر المناوي أن الديلمي رواه في مسنده وقد عده ابن الجوزي في الموضوعات أي من الأخبار المكذوبة على رسول الله ﷺ. فيض القدير ٤/٢٤، كشف الخفاء ١/٤٣٣.\rوأما بالنسبة للصوم في شهر رجب فلم يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء على وجه التخصيص. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه] لطائف المعارف ص ٢٢٨.\rولكن وردت أحاديث عامة في صوم الأشهر الحرم وشهر رجب أحدها فمن ذلك ما ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة ومن ذلك حديث أسامة قال: (قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان. قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم) رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة.\rقال الشوكاني: ظاهر قوله في حديث أسامة: (أن شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان أنه يستحب صوم رجب لأن الظاهر أن المراد أنهم يغفلون عن تعظيم شعبان بالصوم كما يعظمون رمضان ورجباً به) نيل الأوطار ٤/٢٧٦.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346059,"book_id":3840,"shamela_page_id":439,"part":"9","page_num":65,"sequence_num":439,"body":"٦٥ - تفرق المسلمين في رؤية الهلال\rيقول السائل: ما قولكم في رؤية أهل بلد الهلال، فهل يلزم المسلمين في البلدان الأخرى الصوم؟\r\rالجواب: إن هذه المسألة محل اختلاف بين أهل العلم قديماً وحديثاً، وكثر الحديث عنها في هذه الديار وخاصة في أعقاب ما حصل في نهاية رمضان من العام ١٤١٣هـ حيث حصلت بلبله بين الناس في اليوم الأخير من رمضان وفي يوم العيد أدت إلى أمور تتعارض مع شريعتنا الإسلامية.\rفأقول وبالله التوفيق: لا شك أن جمهور أهل العلم يرون أنه لا عبرة باختلاف المطالع وأن على المسلمين جميعاً أن يصوموا في يوم واحد وأنا أقول بهذا القول وأعتقد رجحانه، ولكن هذا القول مع قوته ورجحانه إلا أنه رأي نظري لم يأخذ طريقه إلى التطبيق الفعلي في تاريخ المسلمين منذ عهد النبي ﷺ لأنه لا تعلم فترة جرى فيها توحيد المسلمين جميعاً على رؤية واحدة إلا ان يكون حصل ذلك عرضاً ودون ترتيب لذلك الأمر وقد يستغرب بعض الناس هذا الكلام ولكنه الواقع، لأن جمع المسلمين على رؤية واحدة عند الصيام أو عند الأعياد، يحتاج إلى وسائل اتصالات حديثة وسريعة حتى يصل الخبر خلال ساعات إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي ليصوموا في نفس اليوم، وهل هذا الأمر كان متوفراً للمسلمين منذ عهد الرسول ص وعهد الخلفاء من بعده! ونحن نعلم أن وسائل الاتصالات الحديثة قريبة العهد، ولنضرب مثلاً يقرب الصورة في عهد الخلافة الراشدة كان مقر الخليفة في المدينة المنورة وكانت دولة الخلافة مترامية الأطراف فهل كان إذا ثبت رؤية هلال رمضان لدى الخلفة في المدينة المنورة تطير البرقيات وتشتغل الهواتف لإخبار المسلمين في اليمن وفي مصر وفي الشام وفي العراق ليصوموا في يوم واحد؟ كل ذلك ما حصل وما وقع ومن قال بخلاف هذا فقد أخطأ. ولا شك أنني آمل أن يتحقق جمع المسلمين على رؤية واحدة وأن هذا الأمر لسهل ميسور في هذا الزمان في ظل دولة إسلامية واحدة ومع تقدم وسائل الاتصال ولكن إلى أن يتحقق هذا الأمل، أقول: بأنه يجب على أهل كل بلدان المسلمين أن يصوموا في يوم واحد وأن يكون عيدهم في يوم واحد. فنحن أهل فلسطين علينا أن نصوم جميعاً في يوم واحد وأن يكون عيدنا واحداً لأن في هذا الأمر محافظة على وحدتنا الجزئية إلى أن تتحقق وحدة العالم الإسلامي الكلية، فلا يقبل أن يختلف أهل البلدة الواحدة أو المدينة الواحدة أو القرية الواحدة، فبعضهم صائم وبعضهم يصلي العيد.\rوضابط هذا الأمر هو الالتزام بما يصدر عن أهل العلم في ذلك البلد وهم القضاة في المحاكم الشرعية وطاعتهم في ذلك طاعة في المعروف وإن كان هذا مخالفاً لرؤية أهل بلد آخر، لأن الأصل في الصوم أن يكون مع جماعة المسلمين وعامتهم لما ثبت في الحديث الصحيح من قول الرسول ﷺ (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) رواه الترمذي وأبو داود والبيهقي وهو حديث صحيح.\rقال الإمام الترمذي ﵀: (وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس) .\rوعلى المسلمين في هذه الديار أن يعلموا أنه يسعهم ما وسع المسلمين في السابق، بل أيام قيام دولة الإسلام، فما كانوا يصومون في يوم واحد وما كان عيدهم في يوم واحد لما ذكرته سابقاً، وأنقل كلام بعض أهل العلم في ذلك:\rقال الإمام السبكي ﵀، في كتابه \"العلم النشور في إثبات الشهور\" (ص١٥) ما نصه (......لأن عمر بن الخطاب وسائر الخلفاء الراشدين لم ينقل أنهم كانوا إذا رأوا الهلال يكتبون إلى الآفاق ولو كان لازماً لهم لكتبوا إليهم لعنايتهم بأمور الدين) .\rوقال الشيخ المحدث ناصر الدين الألباني (... وإلى أن تجتمع الأمة الإسلامية على ذلك - توحيد الصوم والعيد - فإني أرى على شعب كل دولة أن يصوم مع دولته ولا ينقسم على نفسه فيصوم بعضهم معها وبعضهم مع غيرها، تقدمت في صيامها أو تأخرت. لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في الشعب الواحد) تمام المنه في التعليق على فقه السنة، ص٣٩٨.\rويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: (إن السعي الى وحدة المسلمين في صيامهم وفطرهم وسائر شعائرهم أمر مطلوب دائماً ولا ينبغي اليأس من الوصول اليه، ولا من إزالة العوائق دونه، ولكن الذي يجب تأكيده وعدم التفريط فيه بحال هو، أننا إذا لم نصل الى الوحدة الكلية العامة بين أقطار المسلمين في أنحاء العالم، فعلى الأقل يجب أن نحرص على الوحدة الجزئية الخاصة بين أبناء الإسلام في القطر الواحد، فلا يجوز أن نقبل أن ينقسم أبناء البلد الواحد أو المدينة الواحدة فيصوم فريق اليوم على أنه رمضان ويفطر آخرون على أنه من شعبان وفي آخر الشهر تصوم جماعة وتعيّد أخرى فهذا وضع غير مقبول.\rفمن المتفق عليه أن حكم الحاكم أو قرار ولي الأمر يرفع الخلاف في الأمور المختلف فيها فإذا أصدرت السلطة الشرعية المسؤولة عن إثبات الهلال في بلد إسلامي - المحكمة العليا أو دار الإفتاء أو رئاسة الشؤون الدينية أو غيرها - قراراً بالصوم أو الإفطار فعلى مسلمي ذلك البلد الطاعة والإلتزام.\rلأنها طاعة في المعروف وإن كان ذلك مخالفاً لما ثبت في بلد آخر، فإن حكم الحاكم هنا رجح الرأي الذي يقول: إن لكل بلد رؤيته. وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: ﴿صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون﴾ وفي لفظ ﴿وفطركم يوم تفطرون واضحاكم يوم تضحون﴾ فتاوي معاصرة ج٢ ص٢٢٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346060,"book_id":3840,"shamela_page_id":440,"part":"9","page_num":66,"sequence_num":440,"body":"٦٦ - النية في الصيام\rيقول السائل: كيف تكون النية في الصيام، وما الحكم لو نوى الصائم أثناء النهار قطع الصوم ولكنه لم يفعل ما يفطره فعلا؟\r\rالجواب: النية فرض من فرائض العبادة، سواء أكانت صلاةً أو صياماً أو حجاً أو غيرها، وقد ثبت في الحديث الصحيح قول النبي ﷺ:\r(إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري وغيره.\rوالصوم لابد فيه من نية، فلا يصح الصوم بدون نية، سواء أكان الصوم فرضاً أو نفلاً أو قضاءً، وإن اختلف أهل العلم في وقت النية في أنواع الصيام المذكورة، وبالنسبة لصوم رمضان، فالراجح من أقوال أهل العلم أنه لا بد من تبييت النية، أي لابد أن ينوي المسلم الصيام قبل طلوع الفجر، ويدل على ذلك حديث ابن عمر ﵄ عن أخته حفصة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صوم له) رواه أبو داود وابن خزيمة والدراقطني والبيهقي وغيرهم، وهو حديث صحيح كما قال الشيخ المحدث الألباني، انظر إرواء الغليل ٤/٢٥.\rومعنى (يجمع) في الحديث أي يعزم، أي لابد لمن أراد الصوم أن يعزم على الصيام خلال الليل، ويكون ذلك من وقت المغرب إلى طلوع الفجر، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا القول المرجح: \" إنه أوسط أقوال أهل العلم في المسألة \"، انظر مجموع الفتاوى ٢٥/١٢٠.\rوكما قلت فان المقصود من النية العزم على الصوم، وليس المراد أن يتلفظ بالنية، كأن يقول بلسانه \" نويت أن أصوم يوم غدٍ من شهر رمضان \" أو نحو ذلك من العبارات، فإن التلفظ بالنية بدعة لا أصل له في الشرع، لأن النية من عمل القلب وليست من عمل اللسان، وقد اتفق معظم العلماء على أن محل النية القلب، والتلفظ بها بدعة لأن ذلك لم ينقل عن الرسول ص أنه علّم أصحابه التلفظ بالنية، ولا أمر به أحداً منهم فلو كان ذلك مشروعاً لبينه ﵊، إما بالقول أو بالفعل أو بهما وكل ذلك لم يكن.\rوينبغي أن يعلم أن كل يوم من أيام رمضان يحتاج إلى نية مستقلة، على الراجح من أقوال أهل العلم لأن كل يوم من أيام رمضان عبادة مستقلة، وهذا بخلاف قول الإمام مالك أنه تجزئ نية واحدة لجميع شهر رمضان.\rقال الشيخ ابن قدامى مستدلاً للقول الراجح: \"ولنا أنه صومَ واجبَ، فوجب أن ينوي كل يومٍ من ليلته كالقضاء، ولأن هذه الأيام عباداتَ لا يفسد بعضها بفساد بعض ويتخللها ما ينافيها... \" المغني ٤/١١١.\rوأما مسألة لو نوى الصائم في نهار رمضان قطع الصيام ولم يأكل ولم يشرب ولم يأت شهوته، فان المسألة خلافية بين أهل العلم، فمنهم من يرى أن من نوى الإفطار فقد أفطر وان لم يأكل ولم يشرب، لأن الصوم عبادةَ من شرطها النية، فيفسد الصوم بنية الخروج منه.\rومن أهل العلم من يرى أن من نوى الفطر لا يفطر، لأنه لم يفعل ما يوجب الفطر، وهذا القول هو الذي أختاره وأرجحه، وهو قول الحنفية والأصح عند الشافعية، كما قال الإمام النووي في المجموع ٣/٢٨٥.\rوقاسوا ذلك على من نوى الكلام في صلاته ولم يتكلم، فصلاته صحيحة ولأن الصوم ملحق بالتروك، أنظر الموسوعة الفقهية ٢٨/٢٧.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346061,"book_id":3840,"shamela_page_id":441,"part":"9","page_num":67,"sequence_num":441,"body":"٦٧ - حكم من اصبح في أول يوم من رمضان مفطرا\rما حكم من أصبح في أول يوم في رمضان وهو لا يعلم بثبوت رؤية الهلال ولم يبيت النية للصوم؟\r\rوالجواب: يجب على من أصبح في اليوم الأول من رمضان وهو لا يعلم بثبوت رؤية الهلال ولم يبيت فيه الصوم يجب عليه أن يمسك بقية يومه ويجب عليه قضاء ذلك اليوم لأن تبييت النية من الليل أمر لا بد منه في صوم رمضان ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عمر عن حفصة عن النبي ﷺ انه قال: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) رواه أصحاب السنن واحمد وهو حديث صحيح.\rوالمراد بقوله في الحديث (يجمع) أي يعزم والمقصود أنه لا بد من النية قبل طلوع الفجر فعلى هذا الشخص أن يقضي يوما عن اليوم الذي لم يصمه سواء أكل في ذلك اليوم أو لم يأكل.\rوينبغي أن يعلم أن النية في الصوم لا يشترط فيها التلفظ باللسان بل أن التلفظ بها بدعة وإنما محلها القلب فإذا خطر على قلبه ليلا أنه يصوم يوم غد من رمضان فقد نوى وكذلك إذا قام للسحور وأما التلفظ بالنية فليس مشروعا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346062,"book_id":3840,"shamela_page_id":442,"part":"9","page_num":68,"sequence_num":442,"body":"٦٨ - حكم من اصبح في أول يوم من رمضان مفطرا\r\rما حكم من أكل أو شرب ناسيا وهو صائم وهل هناك فرق بين أن يكون ذلك في صوم فرض أو نافلة وهل يشرع لمن رآه يأكل أو يشرب أن يذكره؟\r\rالجواب: لا شك أن النسيان من طبيعة الإنسان وهو من الأمور الخارجة عن ارادته وأن من يسر الشريعة الإسلامية أنها لا تكلف حال نسيانه يقول الله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) والنسيان ليس من كسب القلوب وقد ثبت في الحديث قوله ﷺ (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه الطبراني والدارقطني والحاكم بألفاظ مختلفة وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي وغيرهم.\rوالمقصود بالرفع هنا هو حكم هذه الأمور الثلاثة المذكورة في الحديث والحكم المرفوع هو حكم الدنيا وحكم الآخرة وهذا الكلام ينطبق على من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فلا اثم علي ولا قضاء عليه وليتم صومه وقد ثبت في الحديث الصحيح قوله ﷺ (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) رواه البخاري ومسلم.\rوورد في حديث آخر أنه ﷺ قال (إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله اليه ولا قضاء عليه) رواه الدارقطني وقال اسناده صحيح كلهم ثقات كما نقله ابن الجوزي في التحقيق ٢٢/٨٧.\rوبهذا يظهر أن من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فعليه أن يتم صومه ولا قضاء عليه ولا كفارة وذا الحكم في مطلق الصوم فرضا كان أو نفلا ولا وجه لمن فرق بين صوم الفريضة وصوم النافلة في هذا الحكم وكذلك لا فرق بين أن يأكل الصائم أو يشرب قليلا أو كثيرا فالحكم لا يختلف ما دام أن الأمر وقع نسيانا فلا حرج في ذلك فقد ورد في الحديث عن أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم اسحق رضي الله عبها أنها كانت عند رسول الله ﷺ فأتى بقصعة من ثريد فأكلت معه ومعه ذو اليدين -صحابي- فناولها رسول الله ﷺ عرقا -عظم عليه لحم- فقال يا أم اسحق أصيبي من هذا فذكرت أني كنت صائمة فرددت يدي لا أقدمها ولا أؤخرها فقال النبي ﷺ مالك؟ قالت كنت صائمة فنسيت فقال ذو اليدين الآن بعد ما شبعت؟ فقال النبي ﷺ أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله اليك رواه احمد والطبراني في الكبير كما قال الهيثمي.\rويشرع في حق من رأى إنسانا يعلم أنه صائم فرآه يأكل أو يشرب أن يذكره يصومه لأن ذلك من باب التعاون على البر والتقوى يقول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) .\rويتأكد هذا التذكير إذا كان الصائم يأكل أو يشرب في رمضان نسيانا فعليه أن يذكره لأن الأكل والشرب في نهار رمضان من المنكرات والرسول ﷺ يقول (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم إلا أن ذلك معفو عنه لأنه وقع نسيانا ووقوعه نسيانا من الصائم لا يعفي من رآه من تذكيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346063,"book_id":3840,"shamela_page_id":443,"part":"9","page_num":69,"sequence_num":443,"body":"٦٩ - تشويه مُحيا شهر رمضان المبارك بالمعاصي والآثام\r\rيقول السائل: قرأت في كتاب أن بعض الفقهاء أبطلوا الصوم بالمعاصي كالغيبة والنميمة، فما مدى صحة هذا القول، أفيدونا؟\r\rالجواب: تزكية النفوس أحد مقاصد الصيام، وعلى ذلك دلَّت نصوص الكتاب والسنة، قال الله ﷾: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) \"ولعل\" في لغة العرب تفيد الترجي، فالذي يرجى من الصوم تحقق التقوى، أي أن الصوم سبب من أسباب التقوى. وبناءً على ذلك فلا بد من صوم الجوارح عن المعاصي والآثام بالإضافة للامتناع عن المفطرات الثلاث الطعام والشراب والشهوة، فاللسان لا بد أن يكف عن المحرمات كالغيبة والنميمة والكذب ونحوها، واليد لا بد أن تكف عن أذى الناس، والعين لا بد أن تكف عن النظر إلى المحرمات، والأذن لا بد أن تكف عن السماع للمحرمات، والرِجل لا بد أن تكف عن المحرمات فلا تمشي إلى ما حرم الله وهكذا. وقد ورد في السنة النبوية أحاديث كثيرة تدل على ذلك منها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (قال الله ﷿: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل إني صائم) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم إني صائم) رواه ابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، وصححه العلامة الألباني. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (رب صائمٍ ليس له بصيامه إلا الجوع، ورب قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر) رواه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري، وصححه العلامة الألباني. وفي رواية أخرى: (رب صائمٍ حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائمٍ حظه من قيامه السهر) وهي رواية صحيحة. وقال عمر بن الخطاب ﵁: (ليس الصيام من الشراب والطعام وحده، ولكنه من الكذب والباطل واللغو) ، وعن علي ﵁ قال: (الصيام ليس من الطعام والشراب ولكن من الكذب والباطل واللغو) ، وقال جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁: (إذا صمتَ فليصُم سمعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب والمأثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء) ، وقال أبو ذر ﵁: (إذا صمت فتحفظ ما استطعت) . وكان أبو هريرة ﵁ وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المساجد، وقالوا: (نطهر صومنا) . روى هذه الآثار ابن أبي شيبة في المصنف ٢/٤٢٢. ونقل ابن رجب الحنبلي عن بعض السلف قوله: [أهون الصيام ترك الشراب والطعام] لطائف المعارف ص٢٩٢. ولا شك أن الصوم الحقيقي الذي أراده الله ﷿ يؤدي إلى كسر شهوات النفس حتى تصفو لطاعة الله تعالى، قال الإمام الكمال بن الهمام عن حكمة مشروعية الصوم: [هذا ثالث أركان الإسلام بعد لا إله إلا الله محمد رسول الله، شرعه سبحانه لفوائد أعظمها: كونه موجباً شيئين: أحدهما عن الآخر سكون النفس الأمارة، وكسر سَورَتِها- سورة النفس: حدتها وهيجانها وسطوتها - في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج، فإن به تضعف حركتها في محسوساتها، ولذا قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء وإذا شبعت جاعت كلها، وما عن هذا صفاء القلب من الكدر، فإن الموجب لكدوراته فضول اللسان والعين وباقيها، وبصفائه تناط المصالح والدرجات. ومنها: كونه موجباً للرحمة والعطف على المساكين فإنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا حاله في جميع الأوقات فتسارع إليه الرقة عليه، والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألمٍ باطنٍ فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه، فينال بذلك ما عند الله من حسن الجزاء. ومنها موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون أحياناً وفي ذلك رفع حاله عند الله تعالى.] شرح فتح القدير ٢/٤٥. وقال أبو حامد الغزالي: [اعلم أن الصوم ثلاث درجات، صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. وأما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله. وأما صوم الخصوص، فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وأما صوم خصوص الخصوص، فصوم القلب عن الهضم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله ﷿ بالكلية ... وأما صوم الخصوص وهو صوم الصالحين فهو كف الجوارح عن الآثام وتمامه بستة أمور: الأول غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله ﷿ ... الثاني حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآن فهذا صوم اللسان ... الثالث كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه، لأن كل ما حرم قوله، حرم الإصغاء إليه، ولذلك سوى الله ﷿ بين المستمع وآكل السحت فقال تعالى: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ وقال ﷿: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت﴾ ... الرابع كف بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرِجل عن المكاره وكف البطن عن الشبهات وقت الإفطار، فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام ... الخامس أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلىء جوفه فما من وعاء أبغض إلى الله ﷿ من بطن مليء من حلال، وكيف يستفاد من الصوم قهر عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره، وربما يزيد عليه في ألوان الطعام ... السادس أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقاً مضطرباً بين الخوف والرجاء إذ ليس يدرى أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين؟ وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغ منها ... ] إحياء علوم الدين ١/٤٥٤.\rإذا تقرر هذا فإن بعض الفقهاء قد قالوا: إن فعل المعاصي يبطل الصوم، وقد نقل هذا القول عن جماعة من السلف، وبه قال إبراهيم النخعي والأوزاعي واختاره الشيخ ابن حزم الظاهري. قالت حفصة بنت سيرين: (الصيام جُنَّة، ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة) ، وعن أبي العالية قال: (الصائم في عبادة ما لم يغتب) . وقال إبراهيم النخعي كانوا يقولون: (الكذب يفطِّر الصائم) ، وقال الشيخ ابن حزم الظاهري: [مسألة: ويبطل الصوم أيضاً تعمد كل معصية - أي معصية كانت، لا نحاش شيئاً - إذا فعلها عامداً ذاكراً لصومه، كمباشرة من لا يحل له من أنثى أو ذكر، أو تقبيل امرأته وأمته المباحتين له من أنثى أو ذكر، أو إتيان في دبر امرأته أو أمته أو غيرهما، أو كذب، أو غيبة، أو نميمة، أو تعمد ترك صلاة، أو ظلم، أو غير ذلك من كل ما حرم على المرء فعله؟ برهان ذلك ... قال رسول الله ﷺ: (والصيام جُنَّة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ، ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله؟ فليقل: إني صائم) ... وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ... وعن عبيد مولى رسول الله ﷺ (أن رسول الله ﷺ أتى على امرأتين صائمتين تغتابان الناس فقال لهما: قيئا، فقاءتا قيحاً ودماً ولحماً عبيطاً، ثم قال ﵊: ها إن هاتين صامتا عن الحلال وأفطرتا على الحرام) - رواه أحمد وهو حديث ضعيف كما في المسند بتحقيق شعيب الأرنؤوط - قال أبو محمد- ابن حزم -: فنهى ﵊ عن الرفث والجهل في الصوم، فكان من فعل شيئاً من ذلك- عامداً ذاكراً لصومه - لم يصم كما أمر، ومن لم يصم كما أمر، فلم يصم، لأنه لم يأت بالصيام الذي أمره الله تعالى به، وهو السالم من الرفث والجهل، وهما اسمان يعمَّان كل معصية؛ وأخبر ﵊ أن من لم يدع القول بالباطل - وهو الزور - ولم يدع العمل به فلا حاجة لله تعالى في ترك طعامه وشرابه. فصح أن الله تعالى لا يرضى صومه ذلك ولا يتقبله، وإذا لم يرضه ولا قبله فهو باطل ساقط؛ وأخبر ﵊ أن المغتابة مفطرة وهذا ما لا يسع أحداً خلافه؟ ... وبهذا يقول السلف الطيب ... ] المحلى ٤/٣٠٤-٣٠٦. والذي يظهر للمدقق فيما ساقه الشيخ ابن حزم من أدلة على بطلان الصوم بالمعاصي والآثام يرى أن هذه الأدلة لا ترتقي إلى ما قصده ابن حزم. والصحيح في هذه المسألة أن المعاصي تؤثر في الصيام بنقصان الأجر والثواب، ولكنها لا تبطله كما هو مذهب جماهير أهل العلم، قال الإمام النووي: [وقول المصنف ينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الغيبة والشتم، معناه يتأكد التنزه عن ذلك في حق الصائم أكثر من غيره للحديث وإلا فغير الصائم ينبغي له ذلك أيضاً ويؤمر به في كل حال، والتنزه التباعد فلو اغتاب في صومه عصى ولم يبطل صومه عندنا وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا الأوزاعي فقال يبطل الصوم بالغيبة ويجب قضاؤه] المجموع ٦/٣٥٧.وقال السفاريني: [الفروع: ولا يفطر بالغيبة ونحوها، نقله الجماعة اتفاقاً. وقال الإمام أحمد ﵁: لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم. وذكره الموفق إجماعاً، لأن فرض الصوم بظاهر القرآن الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وظاهره صحته إلا ما خصه دليل] غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب ١/١٧١. ويجدر التنبيه على حديثٍ باطلٍ يذكره بعض الناس وهو \"خمس يفطرن الصائم: النظرة المحرمة والكذب والغيبة والنميمة والقبلة\" فهذا الحديث لا أصل له بل هو مكذوب على النبي ﷺ، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هذا حديثُ كَذِبٍ، وقال الإمام الزيلعي: [رواه ابن الجوزي في \" الموضوعات \" ... وقال: هذا حديث موضوع، وقال ابن معين: سعيد كذاب، ومن سعيد إلى أنس كلهم مطعون فيهم انتهى. وقال ابن أبي حاتم في \" كتاب العلل \": سألت أبي عن حديث رواه بقية عن محمد بن الحجاج عن ميسرة بن عبد ربه عن جابان عن أنس أن النبي ﵊، قال: \" خمس يفطرن الصائم \"، فذكره، فقال أبي: إن هذا كذب، وميسرة كان يفتعل الحديث] نصب الراية ٥/٣.\rوخلاصة الأمر أن تزكية الأنفس من مقاصد الصوم وأن فعل المعاصي والآثام يخل بذلك ولكنه لا يبطل الصيام بل ينقص الأجر والثواب. فعلى الصائم أن يجتنب كل المحرمات ويلتزم بكل ما أمر الله ﷾ به حتى تتحقق فيه معاني الصوم الحقيقية، وإن لم يفعل ذلك فإنه لا ينتفع بصومه ويكون نصيبه من صومه مجرد الجوع والعطش، والعياذ بالله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346064,"book_id":3840,"shamela_page_id":444,"part":"9","page_num":70,"sequence_num":444,"body":"٧٠ - غسيل الكلى من مفسدات الصيام\r\rيقول السائل: أنا مصاب بفشل كلوي وأغسل الكلى ثلاث مرات أسبوعياً فما أثر غسيل الكلى على صيامي حيث إنني أقوم بذلك في النهار، أفيدونا؟\r\rالجواب: جاء في إحدى الموسوعات الطبية تعريف غسيل الكلى - ولعل الأصح هو غسيل الدم - بما يلي: [الغسيل الكلوي (الإنفاذ) أو (الديلزة Dialysis) وهي عبارة عن عملية تنقية الدم من المواد السامة بمعاملته مع محلول سائل الإنفاذ dialysing fluid (يشبه تركيبه تركيب البلازما) . وهناك نوعان من الغسيل الكلوي: الإنفاذ البيروتوني (الخلبي) Peritoneal dialysis والذي يستخدم به الغشاء البريتوني (الموجود في جوف البطن كغطاء لجدار البطن والأحشاء) كفاصل بين سائل الإنفاذ والدم. وتتم الطريقة كالآتي: يغرز في أسفل البطن (تحت السرة وفوق العانة) قسطره خاصة canula بعد التخدير الموضعي، ثم يتم تسريب سائل الإنفاذ من خلالها (لتر واحد أو لترين) إلى جوف البطن ويترك لبضع ساعات (٤-٥ ساعات) ونتيجة لفرق التركيز بين سائل الإنفاذ والدم تنفذ المواد السامة إلى السائل من خلال الشعيرات الدموية الموجودة في جوف البطن (في غشاء البيرتون) ومن ثم يصرف السائل إلى الخارج وتتكرر هذه العملية عدة مرات في اليوم مع الأخذ بعين الاعتبار وجوب توقف العملية أثناء نوم المريض. تمتاز هذه الطريقة بسهولتها وقلة تكلفتها وعدم حاجتها إلى الآلات المعقدة، فالمريض لا يحتاج إلى الحمية الغذائية ولا إلى التنويم في المستشفى حيث يمكن بالتدريب أن يقوم بالعملية بنفسه في البيت. ومن أهم وأخطر عيوب هذه الطريقة (مما يجعلها غير منتشرة إلا في أوروبا وأمريكا) هي إمكانية حدوث التهاب بيريتوبي للمريض إذ أنها تحتاج إلى درجة عالية من التعقيم وتدريب المرضى عليها.\rالإنفاذ الدموي (غسيل الكلى) أو الديلزية الدموية haemodialysis تتم هذه الطريق بإخراج دم المريض من جسمه وتمريره عبر جهاز الإنفاذ الذي يقوم بتنقيته ثم يتم إعادته إلى جسم المريض. وجهاز الإنفاذ يحتوي على غشاء رقيق يسمى المنفاذ dialyser الذي يفصل بين الدم وسائل الإنفاذ، كما يحتوي على غشاء نصف نفوذ Semipermeable والذي يسمح بمرور مواد معينة من الدم إلى سائل الإنفاذ. كما أن الجهاز يحتوي على مضخة لضخ الدم في جهاز الإنفاذ ومن ثم إعادته إلى المريض، ويحتوي أيضاً على مصيدة الفقاعات الموجودة في الدم التي يمكن أن تسبب مضاعفات خطيرة للمريض إذا ما عادت إلى الدورة الدموية. كما يحتوي على عدة أجهزة إنذار للتنبيه إذا ما حدث خطأ ما في دائرة الإنفاذ. ومن ميزات هذه الطريقة كفاءتها العالية في التخلص من السموم المتراكمة في الجسم. ومن عيوبها تكلفتها العالية ووجوب عملها في المستشفى مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعياً، في كل مرة يبقى المريض دون حراك لفترة ما بين ٤-٥ ساعات كما أن المريض يشعر بضعف جسدي وجنسي، كما أن هذه الطريقة تعتبر العامل الرئيسي في نقل الفيروس المسبب لالتهاب الكبد الوبائي (ب) B و (ج) C. http://ar.shvoong.com/medicine-and-health. ومسألة غسيل الكلى وتأثيرها على الصيام من المسائل المعاصرة المختلف فيها. وقد بحثها عدد من فقهاء العصر ودُرست في عدد من الندوات والمؤتمرات، وكتبت فيها عدة دراسات، وصدرت بشأنها الفتاوى، ولم تتفق كلمة الفقهاء والباحثين على رأي واحد، للاختلاف في تكييفها وكيفية إلحاقها بمفسدات الصيام، والذي تطمئن إليه النفس ما يلي: عملية غسيل الكلى في نوعها الثاني وهو الأكثر شيوعاً - الديلزة الدموية - تتم بضخ الدم من خلال الكلية الصناعية التي يتم من خلالها إزالة السموم، ومن ثم إعادة الدم إلى الجسم. والكلية الصناعية: هي عبارة عن اسطوانة تحوي على غشاء يفصل بين الدم وبين سائل التنقية، ويوجد في هذا الغشاء فتحات صغيرة جداً تسمح بمرور السموم والأملاح إلى سائل التنقية. وسائل التنقية عبارة عن ماء يُضاف إليه بعض الأملاح، وسكر، ومعادن، تُعادل الكميات الموجودة في الدم. تعبر الفضلات السامة والأملاح الزائدة من الدم إلى سائل التنقية، ومن ثم يتم ضخ الدم إلى الجسم مرة أُخرى، بينما يطرد سائل التنقية المحمل بالفضلات السامة إلى الصرف الصحي. وتستلزم عملية التنقية الدموية هذه إعطاء أدوية متعددة كمسيلات مثل الهرمونات والفيتامينات. وأما طريقة التنقية البريتونية - الديلزة الصفاقية- حيث يتم إدخال سائل التنقية إلى تجويف البطن لتترشح الفضلات السامة من الدم الموجود في الأوعية الدموية لأعضاء البطن إلى سائل التنقية. ويتكون سائل التنقية المستخدم في هذه الطريقة من الماء النقي، مضافًا إليه الأملاح والمعادن والسكر. http://almoslim.net/node/. هذا ما قرره الأطباء أهل الخبرة، وبناءً على هذه المعلومات الطبية فإن غسيل الكلى يتضمن إضافة مجموعة من العناصر إلى الدم ومنها مواد تعتبر مغذية، وعليه فالذي أختاره وأفتي به أن غسيل الكلى من مفسدات الصيام إذا صاحبه تزويد الجسم بمواد مغذية سكرية أو غيرها كمسيلات الدم والهرمونات والفيتامينات والأملاح، وإذا لم يكن فيه ذلك فلا يؤثر على الصوم، وقد جاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز حول سؤال عن غسيل الكلى ما يلي: [جرت الكتابة لكل من: مدير مستشفى الملك فيصل التخصصي ومدير مستشفى القوات المسلحة بالرياض للإفادة عن صفة واقع غسيل الكلى، وعن خلطه بالمواد الكيماوية، وهل تشتمل على نوع من الغذاء. وقد وردت الإجابة منهما بما مضمونه: أن غسيل الكلى عبارة عن إخراج دم المريض إلى آلة (كلية صناعية) تتولى تنقيته ثم إعادته إلى الجسم بعد ذلك، وأنه يتم إضافة بعض المواد الكيماوية والغذائية كالسكريات والأملاح وغيرها إلى الدم. وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء والوقوف على حقيقة الغسيل الكلوي بواسطة أهل الخبرة أفتت اللجنة بأن الغسيل المذكور للكلى يفسد الصيام.] وينبغي التنويه بأن هذه المسألة من المسائل المعاصرة الشائكة، والذي أنصح به هو مراعاة الخلاف فيها بتأخير غسيل الكلى إلى ما بعد المغرب إن أمكن، لأن المسألة فيها احتمالات قوية، فإن لم يمكن فالأخذ برأي القائلين بالفطر أحوط، وعليه فإن المريض المحتاج لغسيل الكلى يكون مفطراً في اليوم الذي يقوم به بالغسيل، ويلزمه القضاء فيما بعد، وعليه أن يستشير طبيباً مختصاً من الثقات لبيان قدرته على الصيام في الأيام التي لا يغسل فيها، جاء في الموقع الإسلامي الطبي على شبكة الإنترنت: [هل يمكن لمريض الكلى أن يصوم؟ لكي يمكننا الإجابة على هذا السؤال يجب أن نعلم ولو باختصار وظيفة الكلى كما يجب أن نعلم أن أمراض الكلى ليست مرضاً واحداً وإنما هي أمراض متعددة، ويجب أن نعلم أيضاً أن المرض الواحد ليس على درجة واحدة من الشدة إنما تتفاوت درجة حدته من حالة إلى أخرى. تعمل الكليتان على تنظيم كمية المياه والأملاح الموجودة داخل الجسم، كما تعمل على ضبط درجة الحمضية والقلوية في الدم، وتعمل كمرشح يبقي على المواد النافعة كالجلوكوز والبروتينات وتتخلص من المواد غير المرغوبة مثل: البولينا، وحمض البوليك، والكرياتينين وتفرز بعض الهرمونات التي لها علاقة بتنظيم ضغط الدم. وللحديث عن هذا الموضوع نشير إلى أنه هناك من يسمون بمرضى الغسيل الكلوي، وهناك مرضى التهابات الكلى والمثانة البولية، وكقاعدة عامة لا بد لمريض الكلى من استشارة الطبيب المختص بشأن تنظيم جرعات الدواء الموصوفة إذا لم تكن هناك خطورة تحول دون أدائه فريضة الصوم. أما بالنسبة لالتهابات الكلى والمثانة فغالباً لا يحتاج المريض إلى الإفطار في حالة عدم وجود قصور في وظائف الكلية، وهذا يكون من خلال تشخيص الأطباء المختصين. أما عن مرضى الفشل الكلوي فهم أنواع: المجموعة الأولى: مرضى القصور الكلوي المزمن. المجموعة الثانية: مرضى الغسيل الكلوي. المجموعة الثالثة: مرضى زراعة الكلى. أما بالنسبة للمجموعة الأولى، مرضى القصور الكلوي المزمن: فقد يتسبب الصوم - نتيجةً لنقص السوائل والأملاح - في تدهور حالة القصور المزمن خصوصاً في حالات التهابات الكلى المزمنة، والتكيس الكلوي، فقد يحدث جفاف واختلال في وظائف الكلى والجسم. ولذلك ننصح مريض القصور الكلوي بمراجعة الطبيب المتابع لحالته لأخذ النصيحة الطبية حسب حالته المرضية قبل الشروع في صوم رمضان. أما بالنسبة لمرضى الغسيل الكلوي فيمكنهم الصوم، طالما كانت القيم الأساسية تحت السيطرة على أن يفطروا في الأيام التي يتلقون فيها جلسات الغسيل، إذا كانت هذه الجلسات تقع في أثناء النهار، حيث إن عملية الغسيل يصاحبها إعطاء محاليل عن طريق الوريد مما يفسد الصيام.] http://www.medislam.com\rوخلاصة الأمر أن غسيل الكلى من مفسدات الصيام طالما صاحبه تزويد الجسم بمواد مغذية سكرية أو غيرها، والأخذ بهذا القول أحوط، وإن أمكن تأخير غسيل الكلى إلى ما بعد المغرب فهو أولى مراعاة للخلاف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346065,"book_id":3840,"shamela_page_id":445,"part":"9","page_num":71,"sequence_num":445,"body":"٧١ - وظائف المسلم في عيد الفطر\r\rيقول السائل: ما هي الأعمال التي يقوم بها المسلم في عيد الفطر، أفيدونا؟\rالجواب: ورد في الحديث عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر) رواه أبو داود وأبو يعلى والحاكم وصححه، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود حديث رقم ١٠٠٤، فعيد الفطر يوم مبارك من أيام الله ﷿، فهو واقع في آخر عبادة الصوم، وللمسلم أعمالٌ كثيرةٌ ينبغي أن يقوم بها في عيد الفطر ومنها: أولاً: التكبير ويبدأ من غروب شمس آخر يوم من رمضان، أي من ليلة العيد ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٥.قال زيد بن أسلم: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ إذا رأى الهلال، فالتكبيرُ من حين يَرى الهلال حتى ينصرف الإمام، في الطريق والمسجد، إلا أنه إذا حضر الإمامُ كفّ فلا يكبرِّ إلا بتكبيره) ،\rوصفة التكبير كما وردت عن ابن مسعود ﵁: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) ذكره ابن أبي شيبة في المصنف. ويكون التكبير في عيد الفطر جهراً، وهو قول جمهور الفقهاء، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ قال ابن عباس: هذا ورد في عيد الفطر بدليل عطفه على قوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة﴾ والمراد بإكمال العدة بإكمال صوم رمضان. ولما روى نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله بن عباس وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن رافعاً صوته بالتهليل والتكبير، ويأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى] الموسوعة الفقهية الكويتية ١٣/٢١٣-٢١٤. ثانياً: يستحب الغسل للعيد والتطيب والتزين والتجمل ولبس الملابس الجديدة، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب في العيدين والتجمل فيهما، ثم ذكر حديث ابن عمر قال: أخذ عمر جبة من إستبرق تباع في السوق، فأخذها فأتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله: ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله ﷺ (إنما هذه لباس من لا خلاق له) . فلبث عمر ما شاء الله أن يلبث ثم أرسل إليه رسول الله ﷺ بجبة ديباج فأقبل بها عمر فأتى بها رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إنك قلت (إنما هذه لباس من لا خلاق له. وأرسلت إليَّ بهذه الجبة، فقال له رسول الله ﷺ: تبيعها أو تصيب بها حاجتك) ] صحيح البخاري. ولما روي في الحديث عن ابن عباس ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الفطر والأضحى) رواه ابن ماجة، ولأنه يوم يجتمع الناس فيه للصلاة، فاستحب الغسل فيه كيوم الجمعة، وإن اقتصر على الوضوء أجزأه، ويستحب أن يتزين ويتنظف ويحلق شعره ويلبس أحسن ما يجد ويتطيب ويتسوك، لما روي عن ابن عباس ﵁ (كان رسول الله ﷺ يلبس في العيدين بردي حبرة) أخرجه ابن مردويه، وروي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوب مهنته لجمعته أو لعيده) أخرجه ابن السكن في صحيحه، وقال الإمام مالك: سمعت أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد، والإمام بذلك أحق، لأنه منظور إليه من بينهم. وأفضل ألوان الثياب البياض، فعلى هذا إن استوى ثوبان في الحسن والنفاسة فالأبيض أفضل، فإن كان الأحسن غير أبيض فهو أفضل من الأبيض في هذا اليوم. فإن لم يجد إلا ثوبا استحب أن يغسله للعيد. ويستوي في استحباب تحسين الثياب والتنظيف والتطيب وإزالة الشعر والرائحة الكريهة، الخارج إلى الصلاة والقاعد في بيته؛ لأنه يوم الزينة فاستووا فيه، ويستحب تزيين الصبيان ذكوراً كانوا أو إناثاً بالمصبغ وبحلي الذهب ولبس الحرير في العيد، قال النووي: اتفقوا على إباحة تزيينهم بالمصبغ وحلي الذهب والفضة يوم العيد؛ لأنه يوم زينة] الموسوعة الفقهية الكويتية ٣١/١١٥-١١٦. ثالثاً: يستحب أن يأكل تمرات قبل خروجه إلى صلاة العيد، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج ثم ذكر حديث أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات) ] صحيح البخاري. رابعاً: إخراج زكاة الفطر قبل الخروج إلى صلاة العيد لما ثبت في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم. خامساً: كان من هدي رسول الله ﷺ صلاة العيد في مصلى العيد، وهو ليس المسجد النبوي وإنما كان أرض خلاء، وكان ﵊ يأمر بإخراج النساء يشهدن الصلاة ويسمعن الذكر حتى الحيض منهن، فقد جاء في الحديث عن أم عطية ﵂ قالت: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور. فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت يا رسول الله: إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: لتلبسها أختها جلبابها) رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية أخرى: (والحيّض يكن خلف الناس يكبرن مع الناس) رواه مسلم، والعواتق أي الشابات، والحيّض: جمع حائض، وذوات الخدور: ربات البيوت. وعن جابر ﵁ قال: (شهدت مع النبي ﷺ يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكأً على بلال فأمر بتقوى الله وحث على الطاعة ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن) رواه مسلم. وأصح ما ورد في صفة صلاة العيد وعدد التكبيرات الزوائد ما جاء في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ: (كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة ولم يصل قبلها ولا بعدها) رواه أحمد وابن ماجة، وقال الحافظ العراقي إسناده صالح، ونقل الترمذي تصحيحه عن الإمام البخاري. ويكون التكبير قبل القراءة وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة. سادساً: تستحب التهنئة بالعيد والدعاء فيه، فقد ورد في الحديث عن محمد بن زياد قال: [كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب الرسول ﷺ فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض يتقبل الله منا ومنك] قال الإمام أحمد بن حنبل إسناده إسناد جيد وجوَّده أيضاً العلامة ابن التركماني، الجوهر النقي ٣/٣١٩. ونقل ابن قدامة عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ قال: [ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد تقبل الله منا ومنك] . وقال حرب: [سئل أحمد عن قول الناس في العيدين: تقبل الله منا ومنكم قال: لا بأس به يرويه أهل الشام عن أبي أمامة قيل وواثلة بن الأسقع؟ قال: نعم، قيل فلا تكره أن يقال هذا يوم العيد: قال: لا] المغني ٢/٢٩٥-٢٩٦. وسئل الإمام مالك عن قول الرجل لأخيه يوم العيد تقبل الله منا ومنك يريد الصوم فقال: ما أعرفه ولا أنكره، قال ابن حبيب المالكي معناه لا يعرفه سنة ولا ينكره على من يقوله، لأنه قول حسن ولأنه دعاء. وقد عقد الإمام البيهقي باباً في سننه الكبرى بعنوان: [باب ما روي في قول الناس يوم العيد بعضهم لبعض تقبل الله منا ومنك] . ثم ساق فيه بعض الأحاديث الواردة في ذلك وضعّفها وساق فيه أيضاً أثراً عن عمر بن عبد العزيز فقال: [عن أدهم مولى عمر بن عبد العزيز قال: كنا نقول لعمر بن عبد العزيز في العيد تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين، فيردَّ علينا ولا ينكر ذلك علينا] سنن البيهقي ٣/٣١٩. وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة فلا بأس أن يعمل بها في مثل هذا الأمر الذي يُعد من فضائل الأعمال، وخاصة إذا أضفنا إليها الحديث الذي لم يذكره البيهقي وهو حديث أبي أمامة المذكور سابقاً، وخلاصة الأمر أنه لا بأس أن يقال في التهنئة بالعيد تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال أو نحوها من العبارات. سابعاً: زيارة الأقارب والأرحام والأصدقاء وتفقد الأيتام والأرامل وعائلات الشهداء والأسرى، وهذا ليس خاصاً بالعيد، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يا أيها الناس! أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم١٣٨٢٢. وقال النبي ﷺ: (من ضم يتيماً بين مسلمين في طعامه وشرابه حتى يستغني عنه وجبت له الجنة) رواه أبو يعلى والطبراني وأحمد مختصراً بإسناد حسن كما قال الحافظ المنذري. وقال العلامة الألباني صحيح لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/٦٧٦. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (أتى النبيَ ﷺ رجلٌ يشكو قسوة قلبه؟ قال: أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك) رواه الطبراني وقال العلامة الألباني حسن لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/٦٧٦. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم لا يفطر) رواه البخاري ومسلم.\rوخلاصة الأمر أن أعمال المسلم في عيد الفطر كثيرة وهي أعمال صالحة، وينبغي للمسلم أن يحرص عليها اقتداءً بسيدنا رسول الله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346066,"book_id":3840,"shamela_page_id":446,"part":"10","page_num":1,"sequence_num":446,"body":"١ - الغاء موسم الحج بسبب انفلونزا الخنازير\rيقول السائل: ما قولكم في بعض الفتاوى التي نادت بتأجيل موسم الحج لهذا العام بسبب انتشار مرض إنفلونزا الخنازير، أفيدونا؟\r\rالجواب: انتشار إنفلونزا الخنازير وتأثيرها على الحج والعمرة، من النوازل المعاصرة التي تحتاج إلى دراسة طبية فقهية معمقة، وما صدر من فتاوى طالبت بإلغاء موسم الحج لهذا العام وتأجيل العمرة، ما هي إلا فتاوى متسرعة ومتعجلة لم تدرس النازلة وفق القواعد والضوابط الشرعية المقررة لدراسة القضايا المعاصرة، والفتاوى المطالبة بإلغاء موسم الحج لهذا العام مشت على منهج المبالغة في التيسير والتساهل بحجة أن الدين يسر، وأن المصلحة تقضي بالمحافظة على صحة الناس، وأن حفظ الصحة أهم من الشعائر، كما قالت إحدى المفتيات!! [إن المحافظة على الحياة أحد المقاصد الرئيسية للشريعة، لافتة إلى أن الإسلام دين يسرٍ لا عسر، والمشقة فيه تجلب التيسير؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ويقول جل شأنه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . ودعت إلى تطبيق قاعدة «درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة» مستنكرة أن يخاف المسلمون من تأجيل العمرة أو حتى الحج، وكذلك الصلاة في الخلاء؛ لأنه يجب أن يكون خوفهم على حياتهم أكبر من خوفهم على فوات العبادة في هذه الظروف الاستثنائية التي تهدد الحياة!!!] وهذه المخاوف التي بنيت عليها هذه الفتاوى المتسرعة ما هي إلا ظنون متوهمة ولا يجوز شرعاً أن نلغي فريضة الحج بسبب هذه الأوهام. ويمكن تلخيص الرد على هذه الفتاوى العرجاء بما يلي:\r١- إن المبالغة في العمل بالمصلحة ولو عارضت النصوص الشرعية أمر مرفوض شرعاً، لأن المصلحة دليل متأخر الرتبة عند من يستدل به. ولا يجوز بحال من الأحوال تقديم المصلحة على نصوص الكتاب والسنة، حيث إن الحج فريضة محكمة، يقول الله ﷿: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ سورة آل عمران الآية٩٧.\r٢- هنالك تسرع واضح في إصدار هذه الفتاوى قبل استشارة أهل الاختصاص من الأطباء وغيرهم، فإن رأي الجهات الطبية ورأي الأطباء الثقات أهل الاختصاص يجب أن يؤخذ أولاً وبعد دراسته يمكن إصدار الفتاوى المناسبة، ومن المعلوم حتى الآن أن الأطباء لا يقولون بأنه يوجد داعٍ لإلغاء موسم الحج بسبب إنفلونزا الخنازير، فقد قال الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء المصريين: [إنه لا مانع من إنجاز موسم الحج والعمرة، مع ضرورة تقديم السلطات السعودية ضماناتٍ صحيةً بالحفاظ على الحجَّاج والمعتمرين، وأعرب عن استغرابه للدعوات المطالبة بوقف موسمَي الحج والعمرة، مؤكدًا أن العشرات يموتون في الأراضي المقدسة كلَّ عام بالإنفلونزا وغيرها؛ نتيجة تقدُّم الأعمار، وإصابة عدد كبير منهم بأمراض مزمنة وضعف مناعة.] وأعلنت نقابة أطباء مصر في بيان لها أنه لا ضرورة علمية أو صحية لإلغاء رحلات الحج والعمرة هذا العام بسبب فيروس إنفلونزا الخنازير، معتبرة أن الفيروس المسبب للمرض (إتش ١ إن ١) هو من نوع الأنفلونزا الموسمية نفسها , بل أخف منها ضرراً وقالت النقابة: إن الأطباء المتخصصين في علم الميكروبيولوجيا الإكلينيكية الذين استطلعت آراؤهم أجمعوا على أن الاتجاه إلى إلغاء الحج والعمرة للمصريين هذا العام يعتبر إجراءً علمياً غير صحيح , واستشهدت النقابة بأن معظم المصابين المصريين الوافدين لمصر تماثلوا للشفاء] .\r\r٣- إن فهم الواقعة المعاصرة فهماً صحيحاً، مطلوب قبل إصدار الفتوى، يقول العلامة ابن القيم: [ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً. والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرٍ، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله ... ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله ﷺ] إعلام الموقعين ١/ ١٨٧.\r\r٤- إن هذه النازلة المعاصرة العظيمة - انتشار إنفلونزا الخنازير وتأثيرها على الحج والعمرة - تحتاج إلى فتوى جماعية تصدر عن المجامع الفقهية المعتبرة، ولا يقبل فيها فتاوى فردية متسرعة لا تقوم على قواعد الفتوى الصحيحة. ولا شك أن الاجتهاد الجماعي الذي تمثله المجامع الفقهية اليوم، مقدمٌ على الاجتهاد الفردي الذي يصدر عن أفراد الفقهاء، فهو أكثر دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيه تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد، وهو مبدأ أصيل في تاريخ الفقه الإسلامي، قال العلامة ابن القيم: [ ... ولهذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله ولا ينفرد به واحدٌ، وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم، وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ليس عنده فيها نصٌ عن الله ولا عن رسوله، جمع لها أصحاب رسول الله ﷺ ثم جعلها شورى بينهم] إعلام الموقعين ٢/١٥٦. وما يصدر عن المجامع الفقهية من قرارات لا يعتبر في حكم الإجماع الأصولي، ولكن قرارات هذه المجامع مقدمة على اجتهادات أفراد العلماء.\r\r٥- وقد بحث المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وهو يضم مجموعة من علماء العصر هذه النازلة - تأجيل العمرة وإلغاء الحج بسبب إنفلونزا الخنازير - في أواخر حزيران الماضي وجاء في قراره ما يلي: [تلقى المجلس استفتاءً بخصوص السفر لأداء مناسك الحج أو العمرة في هذا العام في ضوء ما حدث أخيراً من انتشار أنفلونزا الخنازير في الكثير من بلدان العالم، ورفع درجة التحذير من الوباء إلى الدرجة السادسة، وقد قام المجلس بالاتصال بالمسئولين في منظمة الصحة العالمية، فأفادوا أن هذه الدرجات المشار إليها هي درجات للانتشار الجغرافي، ولا علاقة لها على الإطلاق بدرجة الخطورة، وقد أعلنت الدرجة السادسة لأن عدة حالات من المرض قد ظهرت في جميع قارات العالم، وقد أوضحت المديرة العامة للمنظمة - وهي المفوضة الوحيدة من قبل دول العالم بتطبيق وتفسير اللوائح الصحية الدولية - أن شدة المرض معتدلة، ولا تزيد عن شدة الأنفلونزا الموسمية المعهودة. ولم يحدث أبداً من قبل أن أوبئة الأنفلونزا الموسمية قد دفعت إلى منع أو تحديد الحج أو العمرة، علماً بأن حكومة المملكة العربية السعودية قد تعهدت ... بتنفيذ الخطة المتكاملة لمكافحة الوباء، وباتخاذ الاستعدادات لمنع وقوع المزيد من الحالات. وقد أصدرت وزارة الصحة في المملكة الاشتراطات الصحية لأداء الحج والعمرة لهذا العام، واحتفظت بحقها باتخاذ أي إجراءات احترازية إضافية. وبناء على ما تقدم، لا يرى المجلس مسوغاً لأية فتوى يكون مفادها تثبيط همم من يعقد العزم على أداء الحج أو العمرة هذا العام. على أنه من الضروري على كل حال اتخاذ التدابير الواقية من هذا المرض ومن غيره من الأوبئة، وتتلخص هذه التدابير بالدرجة الأولى في الامتناع عن العناق والقبلات والتقليل من المصافحة ما أمكن، وغسل اليدين بعد كل ملامسة لمريض، أو عقب تلوثهما، وستر الأنف والفم في حال العطاس والسعال بمنديل ورقي، والأفضل في أثناء التجمعات استعمال الأقنعة والكمامات، مع الانتباه إلى تبديل هذه الأقنعة أو الكمامات مراراً، والتخلص منها بطريقة صحية. ومن وسائل الوقاية أيضاً الالتزام بالتوصيات الصادرة عن السلطات الصحية في السعودية أو في البلدان التي ينتمي إليها الحجاج والمعتمرون، حول أخذ اللقاحات أو اصطحاب الأدوية اللازمة، علماً بأن هذه التوصيات قد يتم تخفيفها أو تشديدها بما يلائ الوضع الصحي السائد. كما يوصي المجلس بتأجيل القيام بأداء هذه المناسك للمسنين والمصابين بأمراض موهنة، أو المتعاطين لأدوية تخفف من المناعة، كما يوصي بذلك أولئك الذين حجوا أو اعتمروا من قبل تخفيفاً للزحام.]\r\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز شرعاً المناداة بإلغاء موسم الحج وتأجيل العمرة بسبب ظنون وأوهام وتخوفات لا محل لها بسبب إنفلونزا الخنازير، ولا يجوز شرعاً تثبيط همم الحجاج والمعتمرين بمثل هذه الظنون، ومثل هذه القضايا المعاصرة الكبيرة تحتاج إلى اجتهادات جماعية وأخذ رأي أهل الاختصاص، ومن الغريب أن هذه الفتاوى العرجاء طالبت بإلغاء موسم الحج وتأجيل العمرة فقط دون النظر إلى تجمعات الناس الأخرى كالتي تحصل في مباريات كرة القدم ودور السينما والملاهي وغيرها، ولا نستبعد غداً أن تخرج فتاوى أخرى تنادي بإلغاء صلاة الجمعة وصلاة الجماعة بمثل هذه الظنون والأوهام!!!\r\rيقول السائل: ما قولكم في بعض الفتاوى التي نادت بتأجيل موسم الحج لهذا العام بسبب انتشار مرض إنفلونزا الخنازير، أفيدونا؟\r\rالجواب: انتشار إنفلونزا الخنازير وتأثيرها على الحج والعمرة، من النوازل المعاصرة التي تحتاج إلى دراسة طبية فقهية معمقة، وما صدر من فتاوى طالبت بإلغاء موسم الحج لهذا العام وتأجيل العمرة، ما هي إلا فتاوى متسرعة ومتعجلة لم تدرس النازلة وفق القواعد والضوابط الشرعية المقررة لدراسة القضايا المعاصرة، والفتاوى المطالبة بإلغاء موسم الحج لهذا العام مشت على منهج المبالغة في التيسير والتساهل بحجة أن الدين يسر، وأن المصلحة تقضي بالمحافظة على صحة الناس، وأن حفظ الصحة أهم من الشعائر، كما قالت إحدى المفتيات!! [إن المحافظة على الحياة أحد المقاصد الرئيسية للشريعة، لافتة إلى أن الإسلام دين يسرٍ لا عسر، والمشقة فيه تجلب التيسير؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ويقول جل شأنه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . ودعت إلى تطبيق قاعدة «درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة» مستنكرة أن يخاف المسلمون من تأجيل العمرة أو حتى الحج، وكذلك الصلاة في الخلاء؛ لأنه يجب أن يكون خوفهم على حياتهم أكبر من خوفهم على فوات العبادة في هذه الظروف الاستثنائية التي تهدد الحياة!!!] وهذه المخاوف التي بنيت عليها هذه الفتاوى المتسرعة ما هي إلا ظنون متوهمة ولا يجوز شرعاً أن نلغي فريضة الحج بسبب هذه الأوهام. ويمكن تلخيص الرد على هذه الفتاوى العرجاء بما يلي: ١- إن المبالغة في العمل بالمصلحة ولو عارضت النصوص الشرعية أمر مرفوض شرعاً، لأن المصلحة دليل متأخر الرتبة عند من يستدل به. ولا يجوز بحال من الأحوال تقديم المصلحة على نصوص الكتاب والسنة، حيث إن الحج فريضة محكمة، يقول الله ﷿: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ سورة آل عمران الآية٩٧. ٢- هنالك تسرع واضح في إصدار هذه الفتاوى قبل استشارة أهل الاختصاص من الأطباء وغيرهم، فإن رأي الجهات الطبية ورأي الأطباء الثقات أهل الاختصاص يجب أن يؤخذ أولاً وبعد دراسته يمكن إصدار الفتاوى المناسبة، ومن المعلوم حتى الآن أن الأطباء لا يقولون بأنه يوجد داعٍ لإلغاء موسم الحج بسبب إنفلونزا الخنازير، فقد قال الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء المصريين: [إنه لا مانع من إنجاز موسم الحج والعمرة، مع ضرورة تقديم السلطات السعودية ضماناتٍ صحيةً بالحفاظ على الحجَّاج والمعتمرين، وأعرب عن استغرابه للدعوات المطالبة بوقف موسمَي الحج والعمرة، مؤكدًا أن العشرات يموتون في الأراضي المقدسة كلَّ عام بالإنفلونزا وغيرها؛ نتيجة تقدُّم الأعمار، وإصابة عدد كبير منهم بأمراض مزمنة وضعف مناعة.] وأعلنت نقابة أطباء مصر في بيان لها أنه لا ضرورة علمية أو صحية لإلغاء رحلات الحج والعمرة هذا العام بسبب فيروس إنفلونزا الخنازير، معتبرة أن الفيروس المسبب للمرض (إتش ١ إن ١) هو من نوع الأنفلونزا الموسمية نفسها , بل أخف منها ضرراً وقالت النقابة: إن الأطباء المتخصصين في علم الميكروبيولوجيا الإكلينيكية الذين استطلعت آراؤهم أجمعوا على أن الاتجاه إلى إلغاء الحج والعمرة للمصريين هذا العام يعتبر إجراءً علمياً غير صحيح , واستشهدت النقابة بأن معظم المصابين المصريين الوافدين لمصر تماثلوا للشفاء] .\r\r٣- إن فهم الواقعة المعاصرة فهماً صحيحاً، مطلوب قبل إصدار الفتوى، يقول العلامة ابن القيم: [ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً. والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرٍ، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله ... ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله ﷺ] إعلام الموقعين ١/ ١٨٧.\r\r٤- إن هذه النازلة المعاصرة العظيمة - انتشار إنفلونزا الخنازير وتأثيرها على الحج والعمرة - تحتاج إلى فتوى جماعية تصدر عن المجامع الفقهية المعتبرة، ولا يقبل فيها فتاوى فردية متسرعة لا تقوم على قواعد الفتوى الصحيحة. ولا شك أن الاجتهاد الجماعي الذي تمثله المجامع الفقهية اليوم، مقدمٌ على الاجتهاد الفردي الذي يصدر عن أفراد الفقهاء، فهو أكثر دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيه تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد، وهو مبدأ أصيل في تاريخ الفقه الإسلامي، قال العلامة ابن القيم: [ ... ولهذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله ولا ينفرد به واحدٌ، وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم، وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ليس عنده فيها نصٌ عن الله ولا عن رسوله، جمع لها أصحاب رسول الله ﷺ ثم جعلها شورى بينهم] إعلام الموقعين ٢/١٥٦. وما يصدر عن المجامع الفقهية من قرارات لا يعتبر في حكم الإجماع الأصولي، ولكن قرارات هذه المجامع مقدمة على اجتهادات أفراد العلماء.\r\r٥- وقد بحث المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وهو يضم مجموعة من علماء العصر هذه النازلة - تأجيل العمرة وإلغاء الحج بسبب إنفلونزا الخنازير - في أواخر حزيران الماضي وجاء في قراره ما يلي: [تلقى المجلس استفتاءً بخصوص السفر لأداء مناسك الحج أو العمرة في هذا العام في ضوء ما حدث أخيراً من انتشار أنفلونزا الخنازير في الكثير من بلدان العالم، ورفع درجة التحذير من الوباء إلى الدرجة السادسة، وقد قام المجلس بالاتصال بالمسئولين في منظمة الصحة العالمية، فأفادوا أن هذه الدرجات المشار إليها هي درجات للانتشار الجغرافي، ولا علاقة لها على الإطلاق بدرجة الخطورة، وقد أعلنت الدرجة السادسة لأن عدة حالات من المرض قد ظهرت في جميع قارات العالم، وقد أوضحت المديرة العامة للمنظمة - وهي المفوضة الوحيدة من قبل دول العالم بتطبيق وتفسير اللوائح الصحية الدولية - أن شدة المرض معتدلة، ولا تزيد عن شدة الأنفلونزا الموسمية المعهودة. ولم يحدث أبداً من قبل أن أوبئة الأنفلونزا الموسمية قد دفعت إلى منع أو تحديد الحج أو العمرة، علماً بأن حكومة المملكة العربية السعودية قد تعهدت ... بتنفيذ الخطة المتكاملة لمكافحة الوباء، وباتخاذ الاستعدادات لمنع وقوع المزيد من الحالات. وقد أصدرت وزارة الصحة في المملكة الاشتراطات الصحية لأداء الحج والعمرة لهذا العام، واحتفظت بحقها باتخاذ أي إجراءات احترازية إضافية. وبناء على ما تقدم، لا يرى المجلس مسوغاً لأية فتوى يكون مفادها تثبيط همم من يعقد العزم على أداء الحج أو العمرة هذا العام. على أنه من الضروري على كل حال اتخاذ التدابير الواقية من هذا المرض ومن غيره من الأوبئة، وتتلخص هذه التدابير بالدرجة الأولى في الامتناع عن العناق والقبلات والتقليل من المصافحة ما أمكن، وغسل اليدين بعد كل ملامسة لمريض، أو عقب تلوثهما، وستر الأنف والفم في حال العطاس والسعال بمنديل ورقي، والأفضل في أثناء التجمعات استعمال الأقنعة والكمامات، مع الانتباه إلى تبديل هذه الأقنعة أو الكمامات مراراً، والتخلص منها بطريقة صحية. ومن وسائل الوقاية أيضاً الالتزام بالتوصيات الصادرة عن السلطات الصحية في السعودية أو في البلدان التي ينتمي إليها الحجاج والمعتمرون، حول أخذ اللقاحات أو اصطحاب الأدوية اللازمة، علماً بأن هذه التوصيات قد يتم تخفيفها أو تشديدها بما يلائم الوضع الصحي السائد. كما يوصي المجلس بتأجيل القيام بأداء هذه المناسك للمسنين والمصابين بأمراض موهنة، أو المتعاطين لأدوية تخفف من المناعة، كما يوصي بذلك أولئك الذين حجوا أو اعتمروا من قبل تخفيفاً للزحام.]\r\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز شرعاً المناداة بإلغاء موسم الحج وتأجيل العمرة بسبب ظنون وأوهام وتخوفات لا محل لها بسبب إنفلونزا الخنازير، ولا يجوز شرعاً تثبيط همم الحجاج والمعتمرين بمثل هذه الظنون، ومثل هذه القضايا المعاصرة الكبيرة تحتاج إلى اجتهادات جماعية وأخذ رأي أهل الاختصاص، ومن الغريب أن هذه الفتاوى العرجاء طالبت بإلغاء موسم الحج وتأجيل العمرة فقط دون النظر إلى تجمعات الناس الأخرى كالتي تحصل في مباريات كرة القدم ودور السينما والملاهي وغيرها، ولا نستبعد غداً أن تخرج فتاوى أخرى تنادي بإلغاء صلاة الجمعة وصلاة الجماعة بمثل هذه الظنون والأوهام!!!\r\rقول السائل: ما قولكم في بعض الفتاوى التي نادت بتأجيل موسم الحج لهذا العام بسبب انتشار مرض إنفلونزا الخنازير، أفيدونا؟\rالجواب: انتشار إنفلونزا الخنازير وتأثيرها على الحج والعمرة، من النوازل المعاصرة التي تحتاج إلى دراسة طبية فقهية معمقة، وما صدر من فتاوى طالبت بإلغاء موسم الحج لهذا العام وتأجيل العمرة، ما هي إلا فتاوى متسرعة ومتعجلة لم تدرس النازلة وفق القواعد والضوابط الشرعية المقررة لدراسة القضايا المعاصرة، والفتاوى المطالبة بإلغاء موسم الحج لهذا العام مشت على منهج المبالغة في التيسير والتساهل بحجة أن الدين يسر، وأن المصلحة تقضي بالمحافظة على صحة الناس، وأن حفظ الصحة أهم من الشعائر، كما قالت إحدى المفتيات!! [إن المحافظة على الحياة أحد المقاصد الرئيسية للشريعة، لافتة إلى أن الإسلام دين يسرٍ لا عسر، والمشقة فيه تجلب التيسير؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ويقول جل شأنه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . ودعت إلى تطبيق قاعدة «درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة» مستنكرة أن يخاف المسلمون من تأجيل العمرة أو حتى الحج، وكذلك الصلاة في الخلاء؛ لأنه يجب أن يكون خوفهم على حياتهم أكبر من خوفهم على فوات العبادة في هذه الظروف الاستثنائية التي تهدد الحياة!!!] وهذه المخاوف التي بنيت عليها هذه الفتاوى المتسرعة ما هي إلا ظنون متوهمة ولا يجوز شرعاً أن نلغي فريضة الحج بسبب هذه الأوهام. ويمكن تلخيص الرد على هذه الفتاوى العرجاء بما يلي: ١- إن المبالغة في العمل بالمصلحة ولو عارضت النصوص الشرعية أمر مرفوض شرعاً، لأن المصلحة دليل متأخر الرتبة عند من يستدل به. ولا يجوز بحال من الأحوال تقديم المصلحة على نصوص الكتاب والسنة، حيث إن الحج فريضة محكمة، يقول الله ﷿: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ سورة آل عمران الآية٩٧. ٢- هنالك تسرع واضح في إصدار هذه الفتاوى قبل استشارة أهل الاختصاص من الأطباء وغيرهم، فإن رأي الجهات الطبية ورأي الأطباء الثقات أهل الاختصاص يجب أن يؤخذ أولاً وبعد دراسته يمكن إصدار الفتاوى المناسبة، ومن المعلوم حتى الآن أن الأطباء لا يقولون بأنه يوجد داعٍ لإلغاء موسم الحج بسبب إنفلونزا الخنازير، فقد قال الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء المصريين: [إنه لا مانع من إنجاز موسم الحج والعمرة، مع ضرورة تقديم السلطات السعودية ضماناتٍ صحيةً بالحفاظ على الحجَّاج والمعتمرين، وأعرب عن استغرابه للدعوات المطالبة بوقف موسمَي الحج والعمرة، مؤكدًا أن العشرات يموتون في الأراضي المقدسة كلَّ عام بالإنفلونزا وغيرها؛ نتيجة تقدُّم الأعمار، وإصابة عدد كبير منهم بأمراض مزمنة وضعف مناعة.] وأعلنت نقابة أطباء مصر في بيان لها أنه لا ضرورة علمية أو صحية لإلغاء رحلات الحج والعمرة هذا العام بسبب فيروس إنفلونزا الخنازير، معتبرة أن الفيروس المسبب للمرض (إتش ١ إن ١) هو من نوع الأنفلونزا الموسمية نفسها , بل أخف منها ضرراً وقالت النقابة: إن الأطباء المتخصصين في علم الميكروبيولوجيا الإكلينيكية الذين استطلعت آراؤهم أجمعوا على أن الاتجاه إلى إلغاء الحج والعمرة للمصريين هذا العام يعتبر إجراءً علمياً غير صحيح , واستشهدت النقابة بأن معظم المصابين المصريين الوافدين لمصر تماثلوا للشفاء] .\r٣- إن فهم الواقعة المعاصرة فهماً صحيحاً، مطلوب قبل إصدار الفتوى، يقول العلامة ابن القيم: [ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً. والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرٍ، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله ... ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله ﷺ] إعلام الموقعين ١/ ١٨٧.\r٤- إن هذه النازلة المعاصرة العظيمة - انتشار إنفلونزا الخنازير وتأثيرها على الحج والعمرة - تحتاج إلى فتوى جماعية تصدر عن المجامع الفقهية المعتبرة، ولا يقبل فيها فتاوى فردية متسرعة لا تقوم على قواعد الفتوى الصحيحة. ولا شك أن الاجتهاد الجماعي الذي تمثله المجامع الفقهية اليوم، مقدمٌ على الاجتهاد الفردي الذي يصدر عن أفراد الفقهاء، فهو أكثر دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيه تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد، وهو مبدأ أصيل في تاريخ الفقه الإسلامي، قال العلامة ابن القيم: [ ... ولهذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله ولا ينفرد به واحدٌ، وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم، وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ليس عنده فيها نصٌ عن الله ولا عن رسوله، جمع لها أصحاب رسول الله ﷺ ثم جعلها شورى بينهم] إعلام الموقعين ٢/١٥٦. وما يصدر عن المجامع الفقهية من قرارات لا يعتبر في حكم الإجماع الأصولي، ولكن قرارات هذه المجامع مقدمة على اجتهادات أفراد العلماء.\r٥- وقد بحث المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وهو يضم مجموعة من علماء العصر هذه النازلة - تأجيل العمرة وإلغاء الحج بسبب إنفلونزا الخنازير - في أواخر حزيران الماضي وجاء في قراره ما يلي: [تلقى المجلس استفتاءً بخصوص السفر لأداء مناسك الحج أو العمرة في هذا العام في ضوء ما حدث أخيراً من انتشار أنفلونزا الخنازير في الكثير من بلدان العالم، ورفع درجة التحذير من الوباء إلى الدرجة السادسة، وقد قام المجلس بالاتصال بالمسئولين في منظمة الصحة العالمية، فأفادوا أن هذه الدرجات المشار إليها هي درجات للانتشار الجغرافي، ولا علاقة لها على الإطلاق بدرجة الخطورة، وقد أعلنت الدرجة السادسة لأن عدة حالات من المرض قد ظهرت في جميع قارات العالم، وقد أوضحت المديرة العامة للمنظمة - وهي المفوضة الوحيدة من قبل دول العالم بتطبيق وتفسير اللوائح الصحية الدولية - أن شدة المرض معتدلة، ولا تزيد عن شدة الأنفلونزا الوسمية المعهودة. ولم يحدث أبداً من قبل أن أوبئة الأنفلونزا الموسمية قد دفعت إلى منع أو تحديد الحج أو العمرة، علماً بأن حكومة المملكة العربية السعودية قد تعهدت ... بتنفيذ الخطة المتكاملة لمكافحة الوباء، وباتخاذ الاستعدادات لمنع وقوع المزيد من الحالات. وقد أصدرت وزارة الصحة في المملكة الاشتراطات الصحية لأداء الحج والعمرة لهذا العام، واحتفظت بحقها باتخاذ أي إجراءات احترازية إضافية. وبناء على ما تقدم، لا يرى المجلس مسوغاً لأية فتوى يكون مفادها تثبيط همم من يعقد العزم على أداء الحج أو العمرة هذا العام. على أنه من الضروري على كل حال اتخاذ التدابير الواقية من هذا المرض ومن غيره من الأوبئة، وتتلخص هذه التدابير بالدرجة الأولى في الامتناع عن العناق والقبلات والتقليل من المصافحة ما أمكن، وغسل اليدين بعد كل ملامسة لمريض، أو عقب تلوثهما، وستر الأنف والفم في حال العطاس والسعال بمنديل ورقي، والأفضل في أثناء التجمعات استعمال الأقنعة والكمامات، مع الانتباه إلى تبديل هذه الأقنعة أو الكمامات مراراً، والتخلص منها بطريقة صحية. ومن وسائل الوقاية أيضاً الالتزام بالتوصيات الصادرة عن السلطات الصحية في السعودية أو في البلدان التي ينتمي إليها الحجاج والمعتمرون، حول أخذ اللقاحات أو اصطحاب الأدوية اللازمة، علماً بأن هذه التوصيات قد يتم تخفيفها أو تشديدها بما يلائم الوضع الصحي السائد. كما يوصي المجلس بتأجيل القيام بأداء هذه المناسك للمسنين والمصابين بأمراض موهنة، أو المتعاطين لأدوية تخفف من المناعة، كما يوصي بذلك أولئك الذين حجوا أو اعتمروا من قبل تخفيفاً للزحام.]\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز شرعاً المناداة بإلغاء موسم الحج وتأجيل العمرة بسبب ظنون وأوهام وتخوفات لا محل لها بسبب إنفلونزا الخنازير، ولا يجوز شرعاً تثبيط همم الحجاج والمعتمرين بمثل هذه الظنون، ومثل هذه القضايا المعاصرة الكبيرة تحتاج إلى اجتهادات جماعية وأخذ رأي أهل الاختصاص، ومن الغريب أن هذه الفتاوى العرجاء طالبت بإلغاء موسم الحج وتأجيل العمرة فقط دون النظر إلى تجمعات الناس الأخرى كالتي تحصل في مباريات كرة القدم ودور السينما والملاهي وغيرها، ولا نستبعد غداً أن تخرج فتاوى أخرى تنادي بإلغاء صلاة الجمعة وصلاة الجماعة بمثل هذه الظنون والأوهام!!!\r\rالرئيسة\r\rتعريف بالموقع\r\rالسيرة الذاتية\r\rفتاوى\r\rكتب ومؤلفات\r\rمقالات وأبحاث\r\rر سائل علمية\r\rمخطوطات\r\rموسوعة علماء فلسطين\r\rركن المرأة المسلمة\r\rصوتيات\r\rمطويات\r\rيوجد في الموقع ٢٣ من الزوار\r\r٢٥٧٣٤٣ العدد الكلي للزوار\r٢٤٧٣٤٤ منذ ٢٠/١٢/٢٠٠٢\r\rجميع الحقوق محفوظة ٢٠٠٢","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346067,"book_id":3840,"shamela_page_id":447,"part":"10","page_num":2,"sequence_num":447,"body":"٢ - حكم الإحرام بالحج أو العمرة من القدس\rيقول السائل: نويت الحج هذا العام وأرغب أن أحرم من المسجد الأقصى المبارك حيث إنني سمعت حديثاً في فضل الإحرام من بيت المقدس، فما حكم ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: اتفق جماهير أهل العلم على جواز الإحرام بالنسك، حجاً أو عمرة، قبل المواقيت المكانية التي وقتها رسول الله ﷺ، كما ورد في حديث ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمن أهله، حتى أهل مكة يهلون منها) رواه البخاري ومسلم، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرماً، وتثبت في حقه أحكام الإحرام] المغني ٣/٢٥٠. إلا أن أهل الظاهر منعوا الإحرام قبل المواقيت مطلقاً، وقولهم مرجوح، قال الإمام النووي: [أجمع من يُعْتد به من السلف والخلف من الصحابة فمن بعدهم على أنه يجوز الإحرام من الميقات ومما فوقه، وحكى العبدري وغيره عن داود – الظاهري - أنه قال: لا يجوز الإحرام مما فوق الميقات، وأنه لو أحرم مما قبله لم يصح إحرامه، ويلزمه أن يرجع ويحرم من الميقات، وهذا الذي قاله مردود عليه بإجماع من قبله] المجموع ٧/٢٠٠. ومع اتفاق جمهور الفقهاء على جواز الإحرام قبل المواقيت المكانية إلا أنهم اختلفوا في الأفضل، هل هو الإحرام من المواقيت؟ أم الإحرام من بلد مريد الحج؟ والمسألة محلُ خلافٍ بين أهل العلم، والراجح أن الإحرام من الميقات أفضل، وبه قال المالكية والشافعية في أصح القولين عندهم والحنابلة، وقد كره عمر وعثمان ﵄ أن يحرم أحدٌ قبل الميقات، فقد ورد (أن عمران بن الحصين ﵁ أحرم من مصره، فبلغ ذلك عمر ﵁ فغضب وقال: يتسامع الناس أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ أحرم من مصره) رواه البيهقي في السنن الكبرى والطبراني في الكبير، وروى البخاري تعليقاً أن عثمان ﵁ كره أن يُحرم من خراسان أو كرمان) ، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وصله سعيد بن منصور ... أن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: أحرم عبد الله بن عار من خراسان، فقدم على عثمان فلامه وقال: غزوتَ وهانَ عليك نُسُكك، وروى أحمد بن سيار في \" تاريخ مرو \" من طريق داود بن أبي هند قال: لما فتح عبد الله بن عامر خراسان قال: لأجعلن شكري لله أن أخرج من موضعي هذا محرماً، فأحرم من نيسابور، فلما قدم على عثمان لامه على ما صنع. وهذه أسانيد يقوي بعضها بعضاً] فتح الباري ٣/٥٣٠.\r\rولا شك أن الاقتداء بهدي الرسول ﷺ أولى وأهدى، فقد أحرم الرسول ﷺ في حجة الوداع من ذي الحليفة – آبار علي- كما هو ثابت في السنة النبوية، وهكذا فعل صحابته رضوان الله عليهم، فقد كانوا يحرمون من المواقيت، قال الإمام البخاري في صحيحه: (باب فرض مواقيت الحج والعمرة) ثم روى عن زيد بن جبير أنه أتى عبد الله بن عمر ﵄ في منزله وله فسطاط وسرادق، فسألته من أين يجوز أن أعتمر؟ قال فرضها رسول الله ﷺ لأهل نجدٍ قرناً، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة) ثم قال الإمام البخاري: (باب ميقات أهل المدينة، ولا يُهلون قبل ذي الحليفة) ثم روى عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (يُهل أهلُ المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجدٍ من قَرْن. قال عبد الله وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: ويهل أهل اليمن من يلملم) صحيح البخاري ٣/٤٨٢، ٤٨٨. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وهذا التوقيت يقتضي نفي الزيادة والنقص، فإن لم تكن الزيادة محرمةً، فلا أقلَّ من أن يكون تركها أفضل] شرح العمدة ٥/١٢٩. وقد سئل الإمام مالك ﵀ حيث أتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله ﷺ، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل. فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة في هذه؟ إنما هي أميال أزيدها! قال: وأي فتنةٍ أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله ﷺ، إني سمعت الله يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ . ذكر هذا الأثر عن الإمام مالك الشيخ ابن العربي في أحكام القرآن ٣/٤٣٢، والإمام الشاطبي في الاعتصام ١/١٣١ـ١٣٢. وقال الإمام النووي: [والأصح على الجملة أن الإحرام من الميقات أفضل للأحاديث الصحيحة المشهورة أن رسول الله ﷺ أحرم في حجته من الميقات، وهذا مجمعٌ عليه، وأجمعوا على أنه ﷺ لم يحج بعد وجوب الحج ولا بعد الهجرة غيرها، وأحرم ﷺ عام الحديبية بالعمرة من ميقات المدينة ذي الحليفة، رواه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي، وكذلك أحرم معه ﷺ بالحجة المذكورة والعمرة المذكورة أصحابه من الميقات، وهكذا فعل بعده ﷺ أصحابه والتابعون وجماهير العلماء وأهل الفضل، فترك النبي صلى الله عليه سلم الإحرام من مسجده الذي صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وأحرم من الميقات فلا يبقى بعد هذا شكٌ في أن الإحرام من الميقات أفضل] المجموع ٧/٢٠١.\r\rإذا تقرر هذا فأعود للحديث الذي أشار إليه السائل في فضيلة الإحرام من بيت المقدس، وهو عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أهلَّ بحجٍ أو عمرةٍ من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة) رواه أبو داود وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وأحمد، وهذا الحديث ضعيف، ضعفه البخاري والمنذري وابن حزم والنووي وابن كثير وابن القيم والحافظ ابن حجر وغيرهم، قال الشيخ ابن حزم: [واحتج من رأى هذا – أي جواز الإحرام قبل الميقات - بما روينا من طريق أبي داود ... عن أم سلمة أم المؤمنين أنها سمعت النبي ﷺ يقول: (من أهلَّ بحجةٍ أو عمرةٍ من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة) شك عبد الله أيهما قال، ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة ... عن أم حكيم بنت أمية عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ قال: (من أهلَّ بعمرةٍ من بيت المقدس غُفر له) . قال عليٌ – أي ابن حزم -: أما هذان الأثران، فلا يشتغل بهما من له أدنى علم بالحديث، لأن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي، وجدته حكيمة، وأم حكيم بنت أمية لا يُدرى من هم من الناس، ولا يجوز مخالفة ما صح بيقينٍ، بمثل هذه المجهولات التي لم تصح قط] المحلى ٥/٥٩-٦٠.\r\rوقد ضعف الحديث السابق العلامة الألباني حيث فصلَّ الكلام عليه فقال: [ضعيف، أخرجه أبو داود وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وأحمد من طريق حكيمة عن أم سلمة مرفوعاً. قال ابن القيم في تهذيب السنن: قال غير واحد من الحفاظ: إسناده غير قوي. قلت: وعلته عندي حكيمة هذه فإنها ليست بالمشهورة، ولم يوثقها غير ابن حبان وقد نبهنا مراراً على ما في توثيقه من التساهل، ولهذا لم يعتمده الحافظ فلم يوثقها، وإنما قال في التقريب: مقبولة، يعني عند المتابعة، وليس لها متابع هاهنا فحديثها ضعيف غير مقبول، هذا وجه الضعف عندي، وأما المنذري فأعله بالاضطراب فقال في مختصر السنن وقد اختلف الرواة في متنه وإسناده اختلافاً كثيراً، وكذا أعله بالاضطراب الحافظ ابن كثير كما في نيل الأوطار. ثم إن المنذري كأنه نسي هذا فقال في الترغيب والترهيب: رواه ابن ماجة بإسناد صحيح! وأنى له الصحة وفيه ما ذكره هو وغيره من الاضطراب، وجهالة حكيمة عندنا؟! ثم إن الحديث قال السندي وتبعه الشوكاني: يدل على جواز تقديم الإحرام على الميقات. قلت: كلا، بل دلالته أخص من ذلك، أعني أنه إنما يدل على أن الإحرام من بيت المقدس خاصة أفضل من الإحرام من المواقيت، وأما غيره من البلاد فالأصل الإحرام من المواقيت المعروفة وهو الأفضل كما قرره الصنعاني في سبل السلام، وهذا على فرض صحة الحديث، أما وهو لم يصح كما رأيت، فبيت المقدس كغيره في هذا الحكم ... ] سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/٢٤٨-٢٤٩. ويضاف إلى ما سبق، أن الإحرام قبل الميقات، كالإحرام من بيت المقدس، فيه نوع حرج وتضييق على المحرم، حيث تطول مدة الإحرام، وقد يلحق الأذى والضرر بالمحرم، كما لو كان الفصل شتاءً، وكما أن الإنسان لا يخلو من الوقوع في الذنوب، فإذا وقع في الذنب وهو محرم كان الذنب عظيماً، قال عطاء من كبار التابعين: [انظروا هذه المواقيت التي وُقتت لكم فخذوا برخصة الله فيها، فإنه عسى أن يصيب أحدُكم ذنباً في إحرامه، فيكون أعظم لوزره، فإن الذنب في الإحرام أعظم من ذلك] المغني ٥/٢٥١.\r\rوخلاصة الأمر أن الإحرام من المواقيت المكانية المعروفة هو الذي فعله رسول الله ﷺ، وأحرم منها الصحابة ومنهم الخلفاء الراشدون وغيرهم من التابعين، فالخير كل الخير في إتباعهم، والحديث الوارد في فضل الإحرام من المسجد الأقصى أو من بيت المقدس حديث ضعيف عند المحدثين، لذا أنصح الحجاج والمعتمرين أن يحرموا من المواقيت التي بينها رسول الله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346068,"book_id":3840,"shamela_page_id":448,"part":"10","page_num":3,"sequence_num":448,"body":"٣ - الإحرام من التنعيم في العمرة\rيقول السائل: إنه يريد أن يعتمر في رمضان القادم إن شاء الله تعالى، ويرغب أن يعتمر عن أمه المتوفية بعد الفراغ من عمرته وذلك بأن يحرم من التنعيم، وقد سمع أن العمرة من التنعيم لا تصح، فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟\rالجواب: العمرة شعيرة من شعائر الله وللعمرة فضل عظيم فقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) رواه البخاري مسلم. وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم) رواه ابن ماجة وابن حبان وحسنه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢ / ١٤٩. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة) . رواه النسائي والترمذي وغيرهما وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ١ / ٢٤٤ ـ ٢٤٥. وورد زيادة فضل للعمرة في شهر رمضان فقد روى الإمام البخاري بسنده عن عطاء قال سمعت ابن عباس ﵄ يخبرنا يقول قال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها ما منعك أن تحجي معنا، قالت: كان لنا ناضح فركبه أبو فلان وابنه - لزوجها وابنها- وترك ناضحاً ننضح عليه قال: (فإذا كان رمضان اعتمري فيه فإن عمرة في رمضان حجة) . وفي رواية عند مسلم قال ﷺ: (فإذا جاء رمضان فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة) .\rوعن ابن عباس قال أراد رسول الله ﷺ الحج فقالت امرأة لزوجها أحجني مع رسول الله ﷺ على جملك، فقال: ما عندي ما أحجك عليه، قالت: أحجني على جملك فلان، قال: ذاك حبيس في سبيل الله ﷿، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله وإنها سألتني الحج معك قالت أحجني مع رسول الله ﷺ، فقلت: ما عندي ما أحجك عليه، فقالت أحجني على جملك فلان، فقلت ذاك حبيس في سبيل الله، فقال: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله، قال وإنها أمرتني أن أسألك ما يعدل حجة معك فقال رسول الله صلى الله عليه وسل: أقرئها السلام ورحمة الله وبركاته وأخبرها أنها تعدل حجة معي يعني عمرة في رمضان) رواه أبو داود وغيره وقال الألباني حسن صحيح، انظر صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٧٤. وقال الإمام الترمذي: (وقال أحمد وإسحق قد ثبت عن النبي ﷺ أن عمرة في رمضان تعدل حجة قال إسحق معنى هذا الحديث مثل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ فقد قرأ ثلث القرآن) سنن الترمذي ٣/٢٧٦-٢٧٧، وقال الإمام النووي: (قوله ﷺ: (فإن عمرة فيه) أي في رمضان (تعدل حجة) ، وفي الرواية الأخرى: (تقضي حجة) أي تقوم مقامها في الثواب، لا أنها تعدلها في كل شيء، فإنه لو كان عليه حجة فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن الحجة. شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٣٨٥. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (قال ابن خزيمة: في هذا الحديث أن الشيء يشبه الشيء ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها، لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر... فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحجة في الثواب لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض , للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج الفرض. ونقل الترمذي عن إسحاق بن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن. وقال ابن العربي: حديث العمرة هذا صحيح، وهو فضل من الله ونعمة , فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد.) فتح الباري ٣/٧٦٢-٧٦٣.\rوتصح النيابة في العمرة عن الميت كما تصح في الحج، فقد جاء في الحديث عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من خثعم قالت: (يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، قال: فحجي عنه) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي رزين العقيلي ﵁ أنه أتى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال الرسول ﷺ: حج عن أبيك واعتمر) رواه أبو داود والترمذي، وقال الإمام الترمذي: [هذا حديث حسن صحيح وإنما ذكرت العمرة عن النبي ﷺ في هذا الحديث أن يعتمر الرجل عن غيره] سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي لابن العربي المالكي ٣/١٢٧.\rإذا تقرر هذا فإن العمرة من التنعيم – مسجد عائشة ﵂ جائزة على الراجح من أقوال أهل العلم للمكي وللآفاقي – وهو من أتى مكة من غير أهلها – وبه قال جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم منهم عائشة وعلي وابن عباس وأنس بن مالك وأم الدرداء وجابر بن عبد الله وابن عمر وعبد الله بن الزبير، وقال به من التابعين عكرمة والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وطاووس وهو قول جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم، كما في نضرة النعيم في حكم العمرة من التنعيم، عن الإنترنت. قال الإمام مالك: [فأما العمرة من التنعيم فإنه من شاء أن يخرج من الحرم ثم يحرم فإن ذلك مجزىء عنه إن شاء الله، ولكن الفضل أن يهل من الميقات الذي وقت رسول الله ﷺ أو ما هو أبعد من التنعيم] الموطأ ١/٢٨٢. وقال الإمام الشافعي: [ميقات العمرة لمن كان بمكة الحل، والأفضل أن يحرم من الجعرانة أو التنعيم] الأم ٢/١٣٣.\rوقال عطاء: [من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها، وأفضل ذلك أن يأتي وقتاً - ميقاتاً – من مواقيت الحج] فتح الباري ٣/٦٠٦. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [مسألة: وأهل مكة إذا أرادوا العمرة فمن الحل وإذا أرادوا الحج فمن مكة، أهل مكة ومن كان بها سواء كان مقيماً بها أو غير مقيم، لأن كل من أتى على ميقات كان ميقاتاً له، وكذلك كل من كان بمكة فهي ميقاته للحج وإن أراد العمرة فمن الحل لا نعلم في هذا خلافاً، ولذلك أمر النبي ﷺ عبد الرحمن أن يعمِّر عائشة من التنعيم] المغني ٣/٢٤٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وإذا أراد المكي وغيره العمرة أهل من الحل، وأدناه من التنعيم، قال: وقال القاضي: يستحب الإحرام من الجعرانة، فإن فاته ذلك أحرم من التنعيم، فإن فاته فمن الحديبية، وكذلك ذكر ابن عقيل، إلا أنه لم يذكر التنعيم هنا، وعمدة ذلك أن النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة واعتمر عمرة الحديبية، وأمر عائشة أن تعتمر من التنعيم فخصت هذه بالفضل وكان أفضل هذه المواقيت، قال: وقال أبو الخطاب: الأفضل أن يحرم من التنعيم] شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية، عن الإنترنت.\rومما يدل على جواز العمرة من التنعيم ما يلي: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ (من كان معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً. فقدمت معه مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت إلى رسول الله ﷺ فقال: انقضي رأسك، وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق إلى التنعيم فاعتمرت فقال: هذه مكان عمرتك) . وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه رأى عبد الله بن الزبير أحرم بعمرة من التنعيم ... ) رواه مالك في الموطأ. وسئل عطاء عن عمرة التنعيم فقال: هي تامة ومجزئة) مجموع فتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٢٦/٢٦٦. وغير ذلك من الأدلة تجدها مفصلة في نضرة النعيم في حكم العمرة من التنعيم.\rوخلاصة الأمر أن العمرة لها فضل عظيم وخاصة إذا كانت في رمضان، وتصح العمرة عن الميت، والعمرة من التنعيم – مسجد عائشة ﵂ جائزة على الراجح من أقوال أهل العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346069,"book_id":3840,"shamela_page_id":449,"part":"10","page_num":4,"sequence_num":449,"body":"٤ - أيهما أولى تزويج الابن أم حج الفريضة؟\rيقول السائل: إن لديه مبلغاً من المال ويريد الحج به ولكن زوجته تقول إن تزويج ابنهما أوجب، لأن الولد غير مستطيع للزواج بنفسه، فأيهما أولى أن يؤدي فريضة الحج أم يزوج ولده، أفيدونا؟ الجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن الحج فريضة العمر على المسلم المستطيع، قال الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ٩٧. وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على وجوب الحج على المستطيع. وفي قوله تعالى: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) إشارة إلى أن الأصل في المسلم أنه لا يترك الحج مع القدرة عليه لأنه ﷾ جعل مقابل الفرض الكفر، فترك الحج ليس من شأن المسلم، بل هو من شأن الكافر. انظر الموسوعة الفقهية ١٧/٢٣. والواجب على المسلم أن يبادر للحج إن كان مستطيعاً لأن الحج واجب على الفور على قول جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والحنابلة، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إن من وجب عليه الحج وأمكنه فعله وجب عليه على الفور ولم يجز له تأخيره وبهذا قال أبو حنيفة ومالك] المغني ٣/٢١٢. ويدل على ذلك قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ سورة البقرة ١٩٦، قال القرطبي: [وروى قتادة عن الحسن قال قال عمر ﵁ لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى الأمصار فينظرون إلى من كان له مال ولم يحج فيضربون عليه الجزية فذلك قوله تعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قلت – القرطبي - هذا خرج مخرج التلغيط ... وقال سعيد بن جبير: لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه] تفسير القرطبي ٤/١٥٣-١٥٤.\rويدل على الفورية قوله تعالى ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ سورة البقرة الآية ٤٨.\rويدل على وجوب الحج على الفور ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (من أراد الحج فليتعجل) رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد والدارمي، وقال الشيخ الألباني حديث حسن، كما في صحيح سنن أبي داود ١/٣٢٥. وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس عن الفضل ﵃ أن النبي ﷺ قال: (من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وضل الضالة وتعرض الحاجة) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وقال الشيخ الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن ابن ماجة ٢/١٤٧.\rوعن عبد الرحمن بن غُنم أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهودياً مات أو نصرانياً. ذكره ابن كثير وقال: هذا إسناد صحيح إلى عمر. تفسير ابن كثير ٢/٩٧.\rوعن عمر ﵁ أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جِدة فلم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين) رواه سعيد بن منصور في سننه.\rإذا تقرر أن الحج واجب على الفور على المستطيع فإن أداء المسلم لحج الفريضة مقدم على تزويج ابنه لأن تزويج الابن ليس واجباً على أبيه كما هو مذهب جماهير أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية، بل هو أمر مندوب إليه، وخاصة إذا كان الأب موسراً فينبغي أن يساعد ابنه في الزواج، قال ابن عرفة المالكي: [نفقة الابن تسقط ببلوغه] مواهب الجليل للحطاب.\rوقال الإمام النووي: [لا يلزم الأب إعفاف الابن] روضة الطالبين.\rوالمطلوب من الابن الفقير الذي لا يستطيع الزواج بنفسه أن يصبر حتى يغنيه الله من فضله كما قال تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله﴾ سورة النور الآية ٣٣.\rوقد جعل النبي ﷺ استطاعة الزواج لمن أراد الزواج استطاعة ذاتية ولم يجعلها استطاعة بغيره، فقال ﷺ: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) رواه مسلم. وأما ما يذكره بعض الناس من الحديث الوارد في أن من حق الابن على أبيه أن يزوجه ولفظه (إن من حق الولد على والده أن يعلمه الكتابة وأن يحسن اسمه وأن يزوجه إذا بلغ) وفي رواية أخرى (ويزوجه إن أدرك) ، فهذا الحديث ضعيف جداً عند أهل الحديث قال الشيخ العلامة الألباني: [أخرجه الأصبهاني في \"الترغيب\" (ق٦٢/ ٢) ، والديلمي (٢/ ٨٦-٨٧) من طريق أبي نعيم معلقاً عنه عن أبي هارون السندي عن الحسن ابن عمارة عن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة مرفوعاً.\rقلت – أي الألباني -: وهذا إسناد ضعيف جداً. الحسن بن عمارة متروك. والحديث عزاه السيوطي لأبي نعيم أيضاً في “الحلية\"، لم أره في فهرسه. والله أعلم. ونحوه ما رواه الأصبهاني في \"الترغيب\" (٦٢/ ٢) من طريق عبد الله بن عبد العزيز قال: أخبرني أبي عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: \"إن من حق الولد على ولده أن يحسن أدبه، وأن يحسن اسمه، وأن يعظه (وفي رواية: أن يفقهه) إذا بلغ\". وعبد الله هو ابن عبد العزيز بن أبي رواد، قال ابن الجنيد: \"لا يساوي شيئاً، يحدث بأحاديث كذب\". وروى سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أخيه عبد الله بن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: \"إن من حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه، وأن يحسن أدبه\". أخرجه البزار (٢/ ٤١١/ ١٩٨٤) وقال: \"تفرد به عبد الله بن سعيد، ولم يتابع عليه\". قلت: وهو متروك؛ كما في \"المجمع\" (٨/ ٤٧) . وأخوه سعد بن سعيد لين الحديث، كما في \"التقريب\". ووقع في رواية محمد بن مخلد الدوري في “جزئه\": (عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد) كما في \"المداوي\" (٢/ ٥٤٧) للشيخ الغماري، من طريق علي بن شاذان عنه. وقال الشيخ: \"علي بن شاذان ضعفه الدارقطني\"، فقوله: (عبد المجيد) مكان (عبد الله) خطأ منه أو من النساخ، أو هو العكس. والله أعلم.] سلسلة الأحاديث الضعيفة ٧/٤٩١-٤٩٢.\rوقد ورد الحديث المذكور من كلام سفيان الثوري كما ذكره أبو عبد الله المروزي في كتاب البر والصلة، قال حدثنا الحسين قال أخبرنا ابن المبارك قال كان سفيان الثوري يقول: (حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه وأن يزوجه إذا بلغ وأن يحسن أدبه) قال محقق الكتاب د. محمد سعيد بخاري. رجال إسناده ثقات.\rوخلاصة الأمر أن الحج واجب على الفور في حق المستطيع، ولا يجب على الوالد أن يزوج ولده، بل ذلك مندوب إليه، وحج الفريضة مقدم على تزويج الولد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346070,"book_id":3840,"shamela_page_id":450,"part":"10","page_num":5,"sequence_num":450,"body":"٥ - حكم من مات أثناء أداء مناسك الحج\rيقول السائل: ذهب رجل لأداء فريضة الحج ولكنه توفي في حادث سيارة قبل أن يقف في عرفة فهل يُحج عنه أفيدونا؟ الجواب: إذا خرج المسلم من بيته قاصداً الحج ثم مات قبل أن يتمه أو مات قبل أن يبدأ به فقد وقع أجره على الله ﷿ كما قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ سورة النساء الآية ١٠٠.\rفهذا الرجل خرج من بيته ناوياً الحج فله الأجر والثواب إن شاء الله تعالى وإن لم يتم أعمال الحج وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"يقول الله: (إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف) رواه البخاري ومسلم.\rوعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من فصل – أي خرج من بيته - في سبيل الله فمات أو قتل، فهو شهيد، أو وقصه فرسه أو بعيره، أو لدغته هامَّة، أو مات على فراشه، أو بأي حتف شاء الله تعالى، فإنه شهيد وإن له الجنة) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه وقال العلامة الألباني: إنما هو حسن فقط. أحكام الجنائز ص ٣٧.\rإذا تقرر بأن الأجر ثابت لمن مات ناوياً عملاً مشروعاً قبل أن يتمه فهذا الشخص الذي شرع بمناسك الحج ثم مات قبل أن يقف بعرفة إن مات محرماً فإنه يبعث ملبياً يوم القيامة كما ثبت في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته فقال النبي ﷺ: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه - أي لا تطيبوه لأنه كان محرماً - ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) رواه البخاري ومسلم. ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن ابن بطال – أحد شرَّاح صحيح البخاري – قوله: [وفيه أن من شرع في عمل طاعة ثم حال بينه وبين إتمامه الموت رُجِيَ له أن الله يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل] فتح الباري ٣/١٧٤.\rولا يجب قضاء الحج عمن مات قبل إتمام المناسك حيث إن النبي ﷺ لم يأمر بقضاء الحج عن الرجل الذي مات محرماً في الحديث السابق.\rقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين: [إذا هلك من سافر للحج قبل أن يخرج فليس بحاج، لكن الله ﷿ يثيبه على عمله، أما إذا أحرم وهلك فهو حاج، لقول النبي ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته وهو واقف بعرفة فقال: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) . ولم يأمرهم بقضاء حجه، وهذا يدل على أنه يكون حاجاً.] فتاوى ابن عثيمين ٢١/٢٥٢.\rولا بد من التنبيه على أن من مات ولم يحج حجة الإسلام وترك مالاً فينبغي أن يحج عنه من ماله سواء ترك الحج لتقصير أو لغير تقصير وسواء أوصى بالحج عنه أم لم يوص ويدل على ذلك أحاديث منها:\rعن ابن عباس ﵄: (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟! اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري.\rوعن ابن عباس ﵄ قال: (أتى رجل النبي ﷺ فقال له إن أختي قد نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال النبي ﷺ لو كان عليها دين أكنت قاضيه قال نعم قال فاقض الله فهو أحق بالقضاء.) رواه البخاري.\rوعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت إن أمي ماتت ولم تحج أفأحج عنها قال نعم حجي عنها) رواه الترمذي وقال وهذا حديث صحيح.\rوعن ابن عباس ﵄ (أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي ﷺ فسأله عن ذلك فقال أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه قال نعم قال فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء) رواه النسائي.\rوعن ابن عباس ﵄ قال: (أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن يسأل رسول الله ﷺ أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها قال نعم لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها فلتحج عن أمها) رواه النسائي.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج , وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر سواء فاته بتفريط أو بغير تفريط وبهذا قال الحسن وطاوس , والشافعي وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت فإن وصى بها فهي من الثلث وبهذا قال الشعبي والنخعي لأنه عبادة بدنية فتسقط بالموت , كالصلاة.\rولنا ما روى ابن عباس (أن امرأة سألت النبي ﷺ-عن أبيها مات ولم يحج؟ قال: حجي عن أبيك) وعنه (أن امرأة نذرت أن تحج , فماتت فأتى أخوها النبي ﷺ فسأله عن ذلك؟ فقال: أرأيت لو كان على أختك دين أما كنت قاضيه؟ قال: نعم قال: فاقضوا دين الله , فهو أحق بالقضاء) رواهما النسائي وروى هذا أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ ولأنه حق استقر عليه تدخله النيابة , فلم يسقط بالموت كالدين ... والعمرة كالحج في القضاء , فإنها واجبة وقد أمر النبي ﷺ أبا رزين أن يحج عن أبيه ويعتمر ويكون ما يحج به ويعتمر من جميع ماله لأنه دين مستقر , فكان من جميع المال كدين الآدمي.] المغني ٣/٢٣٣.\rوخلاصة الأمر أن من مات أثناء تأدية مناسك الحج والعمرة فقد وقع أجره على الله ولا يلزم قضاء الحج عنه على الراجح من أقوال أهل العلم وأما من مات ولم يحج حجة الفريضة وقد ترك مالاً فينبغي أن يحج عنه سواء ترك الحج لتقصير أو لغير تقصير أوصى بالحج عنه أم لم يوص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346071,"book_id":3840,"shamela_page_id":451,"part":"10","page_num":6,"sequence_num":451,"body":"٦ - حكم الخطأ في تحديد يوم عرفة\rيقول السائل: ما قولكم فيما حصل من بلبلة حول بداية شهر ذي الحجة هذا العام والاختلاف في يوم الوقوف بعرفة ويوم عيد الأضحى ثم تراجع السعودية وإعلانها أن وقفة عرفة يوم الأربعاء والعيد يوم الخميس فما قولكم في ذلك أفيدونا؟ الجواب: أعلن مجلس القضاء الأعلى في السعودية أن بداية شهر ذي الحجة لهذا العام ١٤٢٥ هـ هو يوم الأربعاء ١٢ /١/ ٢٠٠٥م وقد جاء في إعلانه [نظراً لأن شهر شوال ثبت دخوله يوم السبت ولم يتقدم أحد يخبر بدخول شهر ذي القعدة يوم الأحد ولأن يوم الثلاثاء / ٣٠ ذي القعدة / حسب تقويم أم القرى هو تمام ستين يوماً بعد شهر رمضان ولم يرد للمجلس عن دخول شهر ذي الحجة ليلة الثلاثاء ما يفيد دخول الشهر وإنما ورد نفي الرؤية وعليه فإن يوم الأربعاء ١ / ١٢ / ١٤٢٥هـ حسب تقويم أم القرى الموافق ١٢ /١/٢٠٠٥م هو أول أيام شهر ذي الحجة وبهذا يكون الوقوف بعرفة يوم الخميس التاسع من ذي الحجة وعيد الأضحى المبارك يوم الجمعة الموافق ٢١ /١/ ٢٠٠٥م.] ثم أصدر مجلس القضاء الأعلى في السعودية بياناً أعلن فيه أنه قد شهد ثلاثة شهود عدول بأنهم قد رأوا الهلال ليلة الثلاثاء، وبناءً على ذلك أصدر مجلس القضاء الأعلى بياناً تصحيحياً أعلن فيه أن الثلاثاء ١١/١/ ٢٠٠٥ في التقويم الميلادي هو غرة ذي الحجة ويوم الأربعاء ١٩/١/٢٠٠٥ هو يوم وقفة عرفة ويوم الخميس ٢٠/١/٢٠٠٥ هو يوم عيد الأضحى المبارك] .\rوما قام به مجلس القضاء الأعلى في السعودية هو رجوع عن الخطأ والرجوع عن الخطأ فضيلة وقد سررت كثيراً عندما رجع مجلس القضاء الأعلى في السعودية عن قراره الأول لما في ذلك من تصحيح لوقت عبادة عظيمة وركن من أركان الإسلام وهو الحج بل إن ما فعله مجلس القضاء الأعلى في السعودية هو السنة النبوية حيث ورد في الحديث عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال (اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ لأهلا الهلال أمس عشية فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا) وفي رواية (وأن يغدوا إلى مصلاهم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة بألفاظ متقاربة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٤٦. وعن أبي عمير بن أنس قال حدثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ قال (غُمَّ علينا هلال شوال فأصبحنا صياماً جاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول اللَّه ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر رسول اللَّه ﷺ أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان والدارقطني وقال: إسناده حسن وأخرجه البيهقي وحسنه. بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني ٩/٢٢٦. وغير ذلك من الأحاديث والآثار. وبهذا يظهر لنا أن تراجع مجلس القضاء الأعلى في السعودية موافق للسنة النبوية مع أني كنت أتمنى أن لا يقعوا في هذا الخطأ وأن يتريثوا في إثبات شهر ذي الحجة.\rإذا تقرر هذا فينبغي أن يعلم أن الفقهاء قد قرروا أن يوم عرفة هو اليوم الذي يقف الناس فيه بعرفة بغض النظر كان اليوم التاسع أو اليوم العاشر فلو وقفوا بعرفة خطأً يوم العاشر من ذي الحجة فحجهم صحيح باتفاق الفقهاء وكذا في العيد عيد الفطر وعيد الأضحى فهما اليومان اللذان يعيد فيهما المسلمون ولو كانا خطأً والخطأ في هذا الباب مغتفر\rقال الخطيب الشربيني [قالوا: وليس يوم الفطر أول شوال مطلقاً بل يوم فطر الناس، وكذا يوم النحر يوم يضحي الناس، ويوم عرفة اليوم الذي يظهر لهم أنه يوم عرفة، سواء التاسع والعاشر، وذلك لخبر (الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس) رواه الترمذي وصححه. وفي رواية للشافعي (وعرفة يوم يعرفون) ] مغني المحتاج ١/٥٩٥.\rوالحديث الذي ذكره الخطيب رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وهو حديث صحيح ونصه (أن النبي ﷺ قال: الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) قال الإمام الترمذي: [وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا: الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس] سنن الترمذي ٣/٨٠.\rوقال العلامة ابن القيم: [وقال الخطابي في معنى الحديث: إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوماً اجتهدوا، فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعاً وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض، لا شيء عليهم من وزر أو عنت، وكذلك في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة، ليس عليهم إعادة] حاشية ابن القيم على سنن أبي داود٦/٣١٧. وروى البيهقي بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: (قال رسول الله ﷺ: [يوم عرفة اليوم الذي يُعرِّف الناس فيه] قال البيهقي: هذا مرسل جيد، أخرجه أبو داود في المراسيل] سنن البيهقي ٥/١٧٦. وروى البيهقي أيضاً بإسناده عن ابن جريح قال: (قلت لعطاء: رجل حج أول ما حج فأخطأ الناس بيوم النحر أيجزىء عنه، قال: نعم إي لعمري إنها لتجزيء عنه. قال: وأحسبه قال: قال النبي ﷺ: فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون. وأراه قال: وعرفة يوم تعرفون] سنن البيهقي ٥/١٧٦.\rوقال الشيخ ابن حزم الظاهري [وَمَنْ أَخْطَأَ فِي رُؤْيَةِ الْهِلاَلِ لِذِي الْحِجَّةِ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ وَهُوَ يَظُنُّهُ التَّاسِعَ , وَوَقَفَ بِمُزْدَلِفَةَ اللَّيْلَةَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَهُوَ يَظُنُّهَا الْعَاشِرَةَ: فَحَجُّهُ تَامٌّ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ , لأن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لاَ يَكُونُ إلاَّ فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْهَا ; وَإِنَّمَا أَوْجَبَ ﵇ الْوُقُوفَ بِهَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا أَجْزَأَهُ] المحلى ٥/٢٠٣-٢٠٤. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [إذا أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير ليلة عرفة أجزأهم ذلك لما روى الدارقطني بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ يوم عرفة الذي يعرف فيه الناس] المغني ٣/٤٥٦\rوقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي [وإن أخطأ الناس الوقوف فوقفوا في اليوم الثامن أو العاشر لم يجب عليهم القضاء] المهذب مع شرحه المجموع ٨/٢٩٢وقال الإمام النووي [وإن غلطوا بيوم واحد فوقفوا في اليوم العاشر من ذي الحجة أجزأهم وتم حجهم ولا قضاء] المجموع ٨/٢٩٢. ثم قال [فرع في مذاهب العلماء في الغلط في الوقوف: اتفقوا على أنهم إذا غلطوا فوقفوا في العاشر وهم جمع كثير على العادة أجزأهم] المجموع ٨/٢٩٢.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية [... ولهذا قالوا: إذا أخطأ الناس كلهم فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم] مجموع الفتاوى ٢٥/١٠٧\rوقال الكاساني الحنفي [ولو اشتبه على الناس هلال ذي الحجة فوقفوا بعرفة بعد أن أكملوا عدة ذي القعدة ثلاثين يوماً ثم شهد الشهود أنهم رأوا الهلال يوم كذا، وتبين أن ذلك اليوم كان يوم النحر فوقوفهم صحيح، وحجتهم تامة استحساناً ... إلخ] بدائع الصنائع ٢/٣٠٤.\rوقال الخرشي المالكي [ ... وكذلك يجزيء إذا أخطأ في رؤية الهلال الجم أي جماعة أهل الموسم بان غم عليهم ليلة ثلاثين من القعدة فأكملوا العدة ووقفوا فوقع وقوفهم بعاشر من ذي الحجة] شرح الخرشي على مختصر خليل ٢/٣٢١.\rوأخيراً ينبغي أن يعلم أن المسلمين تبع لأهل الديار المقدسة في مواعيد الحج عرفة وعيد الأضحى قال الشيخ ابن العربي المالكي عند تفسير قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ سورة البقرة الاية ٢٠٣: [ ... وأن سائر أهل الآفاق تبع للحاج فيها] . أحكام القرآن ١/١٤٣. وقال الدكتور محمد سليمان الأشقر [إن المسلمين في جميع أقطار العالم الإسلامي قد أجمعوا إجماعاً عملياً منذ عشرات السنين على متابعة الحجاج في عيد الأضحى ولا يجوز لأي جهة أو مجموعة من الناس مخالفة هذا الإجماع] عن شبكة الإنترنت.\rوخلاصة الأمر أن رجوع مجلس القضاء الأعلى في السعودية عن بيانه الأول في هذه الحادثة موافق للسنة النبوية كما أن الخطأ في الوقوف بعرفة أو الخطأ في العيد لا يضر ويجب على المسلم أن يسير مع جماعة المسلمين للحديث المذكور سابقاً [الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346072,"book_id":3840,"shamela_page_id":452,"part":"10","page_num":7,"sequence_num":452,"body":"٧ - الحج عن الغير\rيقول السائل: سمعت أن بعض العلماء قد اشترطوا في النائب في الحج والعمرة أن يخرج من بلد المحجوج عنه ووالدتي امرأة كبيرة في السن ومريضة ولي زميل مقيم في السعودية وأريد أن أوكله في الحج عنها فما حكم ذلك؟ الجواب: ما ذكره السائل ورد في كتب الفقهاء واشترطوا في النائب بالحج والعمرة أن يخرج من بلد المحجوج عنه فقد قال بذلك الحنفية والمالكية والحنابلة وعند الشافعية يحرم النائب من ميقات بلد المحجوج عنه وقد اتفقوا على أنه يشترط ذلك إن اتسعت نفقة المحجوج عنه وأما إن ضاقت نفقة المحجوج عنه فيحج عنه من حيث أمكن انظر كتاب قضاء العبادات والنيابة فيها ص ٣٦١. وقد راجعت كتبهم ولكني لم أقف على دليل معتمد لذلك والراجح أنه يجوز إحرام النائب من أي ميقات ولا يشترط أن يخرج النائب من بلد المحجوج عنه وخاصة أن الظروف التي يمر بها الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة صعبة جداً كما أن الحج قد أصبح حسب القرعة قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) سورة البقرة الآية ٢٨٦. وقال النبي ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) رواه البخاري ومسلم، وقد أفتت بجواز ذلك اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية كما ورد في فتاوى اللجنة الدائمة ١١/٨٠، ٨١، ٨٣، ٨٤.\rوقال العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين في ترجيح هذا القول: [فالقول الراجح أنه لا يلزمه أن يقيم من يحج عنه من مكانه وله أن يقيم من يحج عنه من مكة ولا حرج عليه في ذلك] الشرح الممتع ٧/٤٠.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز إنابة من يحج عن الميت وكذا المعضوب من غير بلدهما ومن غير ميقاتهما وهذا فيه تيسير على الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346073,"book_id":3840,"shamela_page_id":453,"part":"10","page_num":8,"sequence_num":453,"body":"٨ - تمكن من الحج قبل الموت فلم يحج\rيقول السائل: ما حكم من تمكن من الحج فلم يحج حتى مات؟ الجواب: قال الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ٩٧. وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على وجوب الحج على المستطيع. وفي قوله تعالى: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) إشارة إلى أن الأصل في المسلم أنه لا يترك الحج مع القدرة عليه لأنه ﷾ جعل مقابل الفرض الكفر فترك الحج ليس من شأن المسلم بل هو من شأن الكافر. انظر الموسوعة الفقهية ١٧/٢٣. وقال القرطبي: [وروى قتادة عن الحسن قال قال عمر ﵁ لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى الأمصار فينظرون إلى من كان له مال ولم يحج فيضربون عليه الجزية فذلك قوله تعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قلت – القرطبي - هذا خرج مخرج التلغيط ... وقال سعيد بن جبير: لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه] تفسير القرطبي ٤/١٥٣-١٥٤\rوينبغي على المسلم إن كان مستطيعاً للحج أن يبادر إليه لأن الحج واجب على الفور على قول جمهور أهل العلم. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إن من وجب عليه الحج وأمكنه فعله وجب عليه على الفور ولم يجز له تأخيره وبهذا قال أبو حنيفة ومالك] المغني ٣/٢١٢. وقد ورد في الحديث عن ابن عباس عن الفضل ﵃ أن النبي ﷺ قال: (من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وقال الشيخ الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن ابن ماجة ٢/١٤٧. وروي في الحديث عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ? (مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَاللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: \" وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) رواه الترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُلٌ، وَالْحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الْحديث وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب ١/٣٧٧\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من مات ولم يحج حجة الإسلام في غير وجع حابس أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فليمت أي الميتتين شاء: إما يهودياً وإما نصرانياً (رواه ابن عدي في الكامل وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وقال الحافظ ابن حجر: رواه ابن عدي من حديث عبد الرحمن القُطامي عن أبي المهزوم وهما متروكان، التلخيص الحبير ٢/٢٢٣ وقال الحافظ ابن حجر: ومحمله على من استحل الترك] المصدر السابق. وعن عبد الرحمن بن غُنم أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهودياً مات أو نصرانياً. ذكره ابن كثير وقال: هذا إسناد صحيح إلى عمر تفسير ابن كثير ٢/٩٧.\rوعن عمر ﵁ أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جِدة فلم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين) رواه سعيد بن منصور في سننه.\rإذا تقرر هذا فإن من استطاع الحج ولم يحج حتى مات فإنه يموت عاصياً على الراجح من أقوال أهل العلم لأنه قصر في فريضة من فرائض الإسلام ويجب الحج من ماله إن ترك مالاً ويخرج من ماله ما يحج به عنه قبل توزيع التركة على الورثة لأن دين الله أحق بالقضاء قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج، وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر سواء فاته بتفريط أو بغير تفريط. وبهذا قال الحسن وطاوس والشافعي] المغني ٣/٢٣٣. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال أتى رجل النبي ﷺ فقال له إن أختي قد نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال النبي ﷺ لو كان عليها دين أكنت قاضيه قال نعم قال فاقض الله فهو أحق بالقضاء) رواه البخاري وفي حديث آخر عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته اقضوا الله فالله أحق) رواه البخاري أيضاً.\rوقد اعتبر العلامة ابن حجر المكي ترك الحج مع القدرة عليه إلى الموت من كبائر الذنوب فقال [الكبيرة الثامنة والأربعون بعد المائة: ترك الحج مع القدرة عليه إلى الموت ... والحاصل أن الحديث ضعيف – أي حديث علي المتقدم - كما قاله النووي في شرح المهذب، نعم صح ذلك عن عمر ﵁ ومن ثم قال (لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جدة ولم يحج فليضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين) ، ومثل ذلك الحديث لا يقال من قبل الرأي فيكون في حكم المرفوع ومن ثم أفتيت بأنه حديث صحيح، وقد رواه البيهقي أيضا عن عبد الله بن سابط عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال (من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا) . وأخرج البزار: (الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام أي كلمته سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، وحج البيت سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له) . وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (يقول الله ﷿: إن عبداً صححت له جسمه، ووسعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوام لا يغدو عليَّ لمحروم) رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي وقال: قال علي بن المنذر: أخبرني بعض أصحابنا: كان حسن بن حي يعجبه هذا الحديث وبه يأخذ ويحب للرجل الموسر الصحيح أن لا يترك الحج خمس سنين. وقال ابن عباس ﵄ كما مرَّ عنه: ما من أحد لم يحج ولم يؤد زكاة ماله إلا سأل الرجعة عند الموت، فقيل له: إنما يسأل الرجعة الكفار، وقال: وإن ذلك في كتاب الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق﴾ : أي أؤدي الزكاة ﴿وأكن من الصالحين﴾ أي أحج. وجاء عن سعيد بن جبير، قال: مات لي جار موسر لم يحج فلم أصل عليه تنبيه: عدُّ ما ذكر كبيرة هو ما صرحوا به ودليله هذا الوعيد الشديد] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٤٥٦-٤٥٧.\rوخلاصة الأمر أنه ينبغي التعجيل في أداء الحج للمستطيع فإن مات قبل أن يحج فهو عاصٍ ويجب الحج عنه إن ترك مالاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346074,"book_id":3840,"shamela_page_id":454,"part":"10","page_num":9,"sequence_num":454,"body":"٩ - حكم الحج عن السجين المحكوم عدة مؤبدات\rيقول السائل: ما حكم الحج عن السجين المحكوم عدة مؤبدات أفيدونا؟ الجواب: اتفق جماهير أهل العلم على جواز دخول النيابة في الحج في الحالتين التاليتين:\rالحالة الأولى الميت: يجوز الحج عن الميت فقد ثبت في الحديث عن ابن عباس ﵄: (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟! اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري.\rوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رجل: يا رسول الله! إن أبي مات ولم يحج.\rأفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق) رواه النسائي ٥/١١٨.\rقال أبو إسحق الشيرازي: [ولأنه حق تدخله النيابة لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كديْن الآدمي، ويجب قضاؤه عنه من الميقات لأن الحج يجب من الميقات ويجب من رأس المال؛ لأنه ديْن واجب، فكان من رأس المال كديْن الآدمي] المهذب مع شرحه المجموع ٧/١٠٩.\rالحالة الثانية: المريض مرضاً مزمناً لا يرجى شفاؤه والمعضوب وهو الذي لا يثبت على الراحلة أو من لا يستطيع السفر لاعتلال صحته وقد ورد في السنة النبوية ما يدل على ذلك:\rفعن ابن عباس ﵄ قال: (كان الفضل بن عباس رديف النبي ﷺ فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم وذلك في حجة الوداع) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم: (قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم) .\rوعن أبي رزين العقيلي ﵁ أنه قال: (يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال: حج عن أبيك واعتمر) رواه النسائي، وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ٢/٥٥٦، والظعن أي الارتحال والسفر.\rوعن عبد الله بن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول الله فقال: (إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الركوب وأدركته فريضة الله في الحج فهل يجزىء أن أحج عنه قال: آنت أكبر ولده؟ قال: نعم، قال: أرأيت لو كان عليه دين أكنت تقضيه؟ قال: نعم، قال: فحج عنه) رواه النسائي وأحمد والبيهقي وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صالح. التلخيص الحبير ٢/٢٢٥.\rوقد أخذ جمهور أهل العلم بمقتضى هذه الأحاديث فأجازوا الحج عن الميت وأجازوا الحج عن المريض مرضاً لا يرجى برؤه ولا يستطيع تحمل مشاق السفر وكذلك الكبير الذي لا يحتمل مشاق السفر فيجوز الحج عن هؤلاء بشرط أن يكون النائب وهو من يحج عن غيره قد حج عن نفسه وهذا قول الشافعية والحنابلة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه كما قال الشيخ ابن قدامة في المغني ٣/٢٣٥. ويدل على هذا الإشتراط ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال رسول الله ﷺ: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: هل حججت قط؟ قال: لا، قال: فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة) رواه أبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٤/١٧١\rإذا تقرر هذا فإنه لا يجوز الحج عن سوى ما ذكر فلا يجوز الحج عن السجين حتى ولو كان محكوماً عدة مؤبدات كما ذكر السائل ولا يصح إلحاق السجين بالميت أو المعضوب والسجين غير مستطيع للحج فلا يجب عليه الحج والله ﷾ لا يكلفنا إلا بما نستطيع لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) سورة آل عمران الآية ٩٧. وقال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) سورة البقرة الآية ٢٨٦\rوكذلك فإن السجين يرجى إطلاق سراحه مهما طالت مدة سجنه ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يفك أسر المأسورين وأن يردهم إلى أهلهم سالمين ومهما طال الليل فلا بد أن يعقبه الفجر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346075,"book_id":3840,"shamela_page_id":455,"part":"10","page_num":10,"sequence_num":455,"body":"١٠ - العمرة في شهر رجب\rيقول السائل: يفضل بعض الناس أن يعتمروا في شهر رجب لما في ذلك من الفضيلة فما صحة ذلك أفيدونا؟ الجواب: شهر رجب من الأشهر الحرم المذكورة في قول الله ﷾: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ سورة التوبة الآية ٣٦. والأشهر الحرم المقصودة في الآية هي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب الذي هو بين جمادى الآخرة وشعبان وقد حدد الرسول ﷺ رجباً بهذا لأن بعض العرب كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجباً فقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) رواه البخاري ومسلم. والأشهر الحرم لها فضل عظيم فضلها الله ﷾ على سائر الأشهر ولله ﷾ حكمة عظيمة في ذلك قال ابن عباس ﵄: [خص الله من شهور العام أربعة أشهر فجعلهن حرماً وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن والعمل الصالح والأجر أعظم] . ورغم ما لهذه الأشهر من فضل عظيم فلا يجوز تخصيص شهر منها بعبادة مخصوصة إلا بدليل شرعي لأن الأصل في ذلك هو التلقي عن سيدنا رسول الله ﷺ قال الشيخ أبو شامة المقدسي: [ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان ليس لبعضها على بعض فضل إلا ما فضله الشرع وخصه بنوعٍ من العبادة فإن كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها كصوم يوم عرفة وعاشوراء والصلاة في جوف الليل والعمرة في رمضان ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلاً فيه جميع أعمال البر كعشر ذي الحجة وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر فمثل ذلك يكون أي عمل من أعمال البر حصل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر. فالحاصل أن المكلف ليس له منصب التخصيص بل ذلك إلى الشارع وهذه كانت صفة عبادة رسول الله ﷺ] الباعث على إنكار البدع والحوادث ص٧٧.\rإذا تقرر هذا فإنه لم يصح عن النبي ﷺ أنه اعتمر في رجب أو حض على العمرة في رجب كما حض على العمرة في رمضان وهذا هو القول الصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم وتؤيده الأدلة الصحيحة:\rفعن قتادة أنَّ أنساً ﵁ أخبره قال: [اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته عمرة من الحديبية في ذي القعدة وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة مع حجته] رواه البخاري ومسلم.\rويؤيده ما ورد عن مجاهد عن عائشة ﵂ قالت: (لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري٣/٧٥٨.\rوأما ما ورد عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ اعتمر في رجب كما روى ذلك البخاري ومسلم عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر ﵄ جالس إلى حجرة عائشة ﵂ وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة ثم قال له: كم اعتمر رسول الله ﷺ؟ قال: أربعاً إحداهن في رجب، فكرهنا أن نرد عليه، قال: وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يا أماه يا أم المؤمنين ألا تسمعين ما يقول\rأبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمرات إحداهن في رجب، قالت: يرحم الله أبا\rعبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده وما اعتمر في رجب قط) رواه البخاري.\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (يرحم الله أبا عبد الرحمن) هو عبد الله بن عمر ذكرته بكنيته تعظيماً له ودعت له إشارة إلى أنه نسي, وقوله: (وما اعتمر) أي رسول الله ﷺ (عمرة إلا وهو) أي ابن عمر (شاهده) أي حاضر معه, وقالت ذلك مبالغة في نسبته إلى النسيان, ولم تنكر عائشة على ابن عمر إلاّ قوله إحداهن في رجب] فتح الباري ٣/٧٥٩.\rوفي رواية مسلم (قال أخبرني عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستن، قال: فقلت يا أبا عبد الرحمن اعتمر النبي ﷺ في رجب؟ قال: نعم، فقلت لعائشة: أي أمتاه ألا تسمعين ما يقول\rأبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول اعتمر النبي ﷺ في رجب، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن لعمري ما اعتمر في رجب وما اعتمر من عمرة إلا وإنه لمعه، قال: وابن عمر يسمع فما قال لا ولا نعم سكت) .\rقال الإمام النووي: [وأما قول ابن عمر: (إن إحداهن في رجب) فقد أنكرته عائشة وسكت ابن عمر حين أنكرته. قال العلماء: هذا يدل على أنه اشتبه عليه أو نسي أو شك, ولهذا سكت عن الإنكار على عائشة ومراجعتها بالكلام, فهذا الذي ذكرته هو الصواب الذي يتعين المصير إليه] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٣٨١.\rوقال الإمام القرطبي المحدث: [وأما قول ابن عمر: أنه اعتمر في رجب، فقد غلَّطته في ذلك عائشة ولم ينكر عليها ولم ينتصر، فظهر أنه كان على وهم وأنه رجع عن ذلك] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٣/٣٦٧-٣٦٨.\rوقال الشيخ علي بن إبراهيم العطار: [اعلم أن العلماء أجمعوا على أن رمضان أفضل الشهور وذا الحجة والمحرم أفضل من رجب بل لو قيل ذو القعدة أفضل من رجب لكان سائغاً لأنه من الأشهر الحرم ولا شيء يتصور في رجب من الفضائل سوى ما قيل من الإسراء ولم يثبت ذلك وما روي في فضل صيام رجب وشعبان أو تضعيف الجزاء على صيامهما فكله موضوع أو ضعيف لا أصل له، وكذا ما أخرج العساكري والكتاني في الصيام والتضعيف، موضوع لا يحتج به أصلاً، وكان عبد الله الأنصاري لا يصوم رجباً وينهى عنه ويقول لم يصح عن النبي ﷺ في ذلك شيء، وما روي من كثرة صيام شعبان فلأنه ربما كان يصوم ثلاثة من كل شهر ويشتغل عنها في بعض الشهور فيتداركه في شعبان أو لغير ذلك ومما يفعل في هذه الأزمان إخراج الزكاة في رجب دون غيره لا أصل له، وكذا كثرة اعتمار أهل مكة في رجب لا أصل له في علمي وإنما الحديث (عمرة في رمضان تعدل حجة) ومما أحدث العوام صيام أول خميس من رجب ولعله يكون آخر يوم من الجمادى وكله بدعة، ومما أحدثوا في رجب وشعبان إقبالهم على الطاعة أكثر وإعراضهم في غيرها حتى كأنهم لم يخاطبوا إلا فيهما] .\rوينبغي أن يعلم أن العمرة مشروعة في رجب كما تشرع في غيره من الشهور ولكن دون أن يقصد المعتمر تخصيص رجب بالعمرة فإذا اعتمر المسلم في شهر رجب لأنه تيسرت له العمرة في ذلك الوقت فلا بأس بذلك إن شاء الله وله الأجر والثواب.\rوخلاصة الأمر أنه لا فضيلة خاصة للعمرة في شهر رجب ولم يصح أن النبي ﷺ اعتمر في شهر رجب ومع ذلك إذا اعتمر المسلم في شهر رجب من غير تخصيص فلا حرج عليه وله الأجر والثواب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346076,"book_id":3840,"shamela_page_id":456,"part":"10","page_num":11,"sequence_num":456,"body":"١١ - ذبح الهدي في مكة المكرمة ومنى فقط\rيقول السائل: سأل أحد الحجاج شيخاً قبل سفره إلى الحج عن توكيل أهله في ذبح الهدي ببلده وتوزيعه على الفقراء فأجابه بجواز ذلك فما قولكم أفيدونا؟ الجواب: الهدي هو ما يهدى للحرم من الأنعام (الإبل والبقر والغنم) قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ سورة البقرة ١٩٦. وقال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ سورة المائدة الآية ٩٥. وقد اتفق أهل العلم على أن محل ذبح الهدي هو الحرم ويشمل ذلك منى ومكة المكرمة، قال القرطبي: [أما الهدي فلا خلاف أنه لا بد له من مكة لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ ] تفسير القرطبي ٦/٣١٦ ويجوز الذبح في أي موضع شاء من الحرم، وفي أي موضع من منى لما ورد في الحديث عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (منى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر) رواه أبو داود وابن ماجة وقال الألباني: حسن صحيح انظر صحيح سنن أبي داود ١/٣٦٥.\rومما يدل على ذلك أن رسول الله ﷺ إنما ذبح هديه بمكة ولم يذبحه في المدينة ولا في غيرها كما ورد في حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة فاستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أطواف من السبع ومشى أربعة أطواف ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى وساق الهدي من الناس) رواه مسلم وغير ذلك من الأحاديث وقد كان النبي ﷺ أهدى مئة ناقة كما روى البخاري بإسناده عن ابن أبي ليلى أن علياً ﵁ حدثه قال أهدى النبي ﷺ مائة بدنة فأمرني بلحومها فقسمتها ثم أمرني بجلالها فقسمتها ثم بجلودها فقسمتها) . وبهذا يظهر لنا أن محل ذبح الهدي هو مكة ومنى فقط فكل من ذبح خارج حدود الحرم فلا يجزئه وكذا من وكَّل بذبح الهدي في بلده فلا يجزئه ذلك ويجب عليه أن يذبح في الحرم\rوجاء في فتاوى اللجنة الدائمة بالسعودية برئاسة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ [محل الهدي الحرم المكي، فيجب ذبح جميع الهدي التمتع والقران في داخل الحرم، ولا يجوز الذبح في بلد الحاج غير مكة، إلا إذا عطب الهدي المهدى إلى مكة قبل وصوله إليها، فإنه يذبحه في مكانه، ويجزئ عنه، وكذلك في المحصر عن دخول الحرم، ينحر هديه حيث أحصر] فتاوى اللجنة الدائمة ١١/٣٨٠ -٣٨١.\rوخلاصة الأمر أن الواجب على الحاج الذي يلزمه الهدي أن يذبحه في الحرم ومنى من الحرم ومن ذبح هديه خارج الحرم كأن يذبحه في بلده فلا يصح ذلك ويلزمه أن يرسل بدلاً منه إلى الحرم ليذبح هناك وأخيراً فإن على من يفتي الناس أن يتق الله في فتواه ولا يفتي بغير علم فإن ذلك ضلال وإضلال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346077,"book_id":3840,"shamela_page_id":457,"part":"10","page_num":12,"sequence_num":457,"body":"١٢ - استقبال الحجاج\rيقول السائل: ما قولكم فيما يفعله بعض الناس عند استقبال الحجاج عند رجوعهم من الديار المقدسة من ذبح شاة ليمر الحاج من فوقها ومن كتابة اللوحات التي تتضمن عبارات مثل: حج مبرور وسعي مشكور وتجارة لن تبور ... إلخ وكذا إنارة المصابيح الكهربائية ونحو ذلك؟ الجواب: إن الإخلاص في العبادة هو أساس قبولها ومن الإخلاص في العبادة البعد عن الرياء وأخشى أن ما يفعل عند استقبال الحجاج من مظاهر يدخل في ذلك فلا ينبغي كتابة اللوحات وتعليقها على باب دار الحاج وكذلك إطلاق الألعاب النارية وإنارة المصابيح الكهربائية الكثيرة يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ سورة البقرة الآية ٢٦٤. ويقول رسول الله ﷺ (من يُسمِّع يُسمِّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به) رواه البخاري ومسلم\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث: [قال الخطابي: معناه من عمل عملاً على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه، وقيل من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثاً عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم ولا ثواب له في الآخرة , ومعنى يرائي يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه , ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة هود الآيتين ١٥-١٦. وقيل: المراد من قصد بعمله أن يسمعه الناس ويروه ليعظموه وتعلو منزلته عندهم حصل له ما قصد , وكان ذلك جزاءه على عمله ; ولا يثاب عليه في الآخرة] فتح الباري١١/٤٠٩.\rوأما ذبح شاة ليمر الحاج عنها فلا يجوز لأن الأصل في الذبح أن يكون لله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سورة الأنعام الآية ١٦٢.\rوإذا رجع الحاج إلى بله فيستحب أن يقول مثلما كان النبي ﷺ يقول فقد ثبت في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده) رواه البخاري.\rولا بأس من استقبال الحجاج استقبالاً عادياً بدون مبالغات وتهنئتهم بالحج وبسلامة العودة إلى الديار وإذا سلم على الحاج وقال له: (تقبل الله حجك وغفر ذنبك وأخلف نفقتك) فلا بأس به وقد ورد في الحديث أنه ﷺ قال (اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج) رواه البيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ذكره النووي في كتابه الأذكار في باب ما يقال لمن يقدم من حج وما يقوله. ص ١٩٥\rولو أن أقارب الحاج صنعوا طعاماً للحاج ومهنئيه فلا بأس بذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346078,"book_id":3840,"shamela_page_id":458,"part":"10","page_num":13,"sequence_num":458,"body":"١٣ - فضل العشر الأوائل من ذي الحجة\rالسؤال الأول: يقول السائل: سمعت حديثاً في فضائل صوم العشر الأوائل من شهر ذي الحجة ونصه (من صام العشر فله بكل يوم صوم شهر، وله بصوم يوم التروية سنة، وله بصوم يوم عرفة سنتان) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ أفيدونا؟ الجواب: فضل العشر الأوائل من ذي الحجة ثابت بكتاب الله ﷾ وبسنة رسوله ﷺ فقد قال الله تعالى: (والفجر وليال عشر) سورة الفجر الآيتان ١ - ٢. وأكثر أهل التفسير على أن المراد بهذه العشر هو عشر ذي الحجة انظر تفسير القرطبي ٢٠/٣٩. وورد في السنة النبوية عدة أحاديث في فضيلة هذه العشر منها: ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء) وفي رواية للطبراني في الكبير بإسناد جيد كما قال المنذري: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير) وفي رواية للبيهقي في شعب الإيمان قال ﷺ: (ما من عمل أزكى عند الله ﷿، ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى) قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله ﷿ إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) فكان سعيد بن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهاداً شديداً حتى ما يكاد يقدر عليه ذكره المنذري في الترغيب ٢/١٥٠. وروى الحديث الدارمي أيضاً وإسناده حسن كما قال الألباني في إرواء الغليل ٣/٣٩٨. ولا شك أن الصيام داخل في الأعمال هذه الصالحة، فعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: \"كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر\" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٦٢.\rوفي رواية أخرى عن هنيدة بن خالد الخزاعي عن حفصة ﵂ قالت: (أربع لم يكن يدعهن النبي ﷺ صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر وركعتين قبل الغداة) رواه النسائي وأحمد. وثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال: (ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً) وهذا الحديث بعمومه يدل على فضيلة صوم التسع الأوائل من ذي الحجة.\rإذا تقرر هذا فأعود للحديث محل السؤال فإنه حديث موضوع أي مكذوب على رسول الله ﷺ وقد حكم عليه بالوضع كل من ابن الجوزي في الموضوعات ٢/١٩٨ والسيوطي في اللآلئ المصنوعة ٢/١٠٧، ١٠٨ وابن عراق في تنزيه الشريعة ٢/١٥٦ والشوكاني في الفوائد المجموعة حيث قال: [رواه ابن عدي عن عائشة مرفوعاً ولا يصح وفي إسناده الكلبي وأخرجه أبو الشيخ في الثواب ورواه ابن النجار في تاريخه من حديث جابر] وذكر الشيخ عبد الرحمن اليماني محقق الفوائد المجموعة أن في إسناد رواية ابن النجار كذاباً وضاعاً، انظر الفوائد المجموعة ص ٩٦ وما صح من الأحاديث في فضل صيام التسع الأوائل من ذي الحجة يغني عن هذا الحديث المكذوب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346079,"book_id":3840,"shamela_page_id":459,"part":"10","page_num":14,"sequence_num":459,"body":"١٤ - أيهما أفضل عمرة التطوع أم الصدقة؟\rيقول السائل: إنه ينوي أداء العمرة في رمضان ولكن قال له بعض الناس إن الأفضل أن يتصدق بتكاليف العمرة للفقراء والمحتاجين حيث إن أحوالهم صعبة بسبب حالة الإغلاق المفروضة في بلادنا وخاصة أنه قد اعتمر في رمضان في سنوات سابقة فما قولكم في ذلك؟ الجواب: وردت عدة أحاديث عن النبي ﷺ في فضيلة العمرة في أي وقت من السنة وكذا في فضلها في شهر رمضان منها: قال ﷺ: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) رواه البخاري ومسلم. وهذا الحديث في فضل العمرة بشكل عام. وأما فضلها في شهر رمضان فقد روى الإمام البخاري بسنده عن عطاء قال سمعت ابن عباس ﵄ يخبرنا يقول قال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها ما منعك أن تحجين معنا قالت كان لنا ناضح فركبه أبو فلان وابنه - لزوجها وابنها- وترك ناضحاً ننضح عليه قال: (فإذا كان رمضان اعتمري فيه فإن عمرة في رمضان حجة) . وفي رواية أخرى عند البخاري: عن ابن عباس ﵄ قال لما رجع النبي ﷺ من حجته قال لأم سنان الأنصارية ما منعك من الحج قالت أبو فلان تعني زوجها كان له ناضحان حج على أحدهما والآخر يسقي أرضاً لنا قال: (فإن عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي) . وفي رواية عند مسلم قال ﷺ: (فإذا جاء رمضان فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة) وعن ابن عباس قال أراد رسول الله ﷺ الحج فقالت امرأة لزوجها أحجني مع رسول الله ﷺ على جملك فقال ما عندي ما أحجك عليه قالت أحجني على جملك فلان قال ذاك حبيس في سبيل الله ﷿ فأتى رسول الله ﷺ فقال إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله وإنها سألتني الحج معك قالت أحجني مع رسول الله ﷺ فقلت ما عندي ما أحجك عليه فقالت أحجني على جملك فلان فقلت ذاك حبيس في سبيل الله فقال أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله قال وإنها أمرتني أن أسألك ما يعدل حجة معك فقال رسول الله ﷺ أقرئها السلام ورحمة الله وبركاته وأخبرها أنها تعدل حجة معي يعني عمرة في رمضان) رواه أبو داود وغيره وقال الألباني حسن صحيح، انظر صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٧٤. وقال الإمام الترمذي: (وقال أحد وإسحق قد ثبت عن النبي ﷺ أن عمرة في رمضان تعدل حجة قال إسحق معنى هذا الحديث مثل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ فقد قرأ ثلث القرآن) سنن الترمذي ٣/٢٧٦-٢٧٧وقال الإمام النووي: (قوله ﷺ: (فإن عمرة فيه) أي في رمضان (تعدل حجة) , وفي الرواية الأخرى: (تقضي حجة) أي تقوم مقامها في الثواب , لا أنها تعدلها في كل شيء , فإنه لو كان عليه حجة فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن الحجة. شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٣٨٥. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (قال ابن خزيمة: في هذا الحديث أن الشيء يشبه الشيء ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها , لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر ... فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحجة في الثواب لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض , للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج الفرض. ونقل الترمذي عن إسحاق بن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن. وقال ابن العربي: حديث العمرة هذا صحيح , وهو فضل من الله ونعمة , فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد.) فتح الباري ٣/٧٦٢-٧٦٣.\rإذا تقرر هذا فإن أبواب الخير كثيرة جداً وطرق الحصول على الحسنات أكثر من أن تعد أو تحصى وأنصح من اعتمر مراراً وتكراراً أن يصرف نفقات العمرة للفقراء والمساكين في بلادنا حيث إن معدلات الفقر قد ارتفعت في بلادنا بشكل ملحوظ وخاصة في ظل ظروف الاحتلال وإغلاق طرق الكسب أمام كثير من الناس بسبب الحواجز وغيرها وكذلك فقد كثرت أعداد الأرامل والأيتام والمعوقين والأسرى وكل هؤلاء بحاجة ماسة للمساعدة فالإنفاق في هذه المجالات أولى من تكرار العمرة في الظروف الحاضرة وينبغي التذكير بأن الصدقة على الفقراء والمساكين ومن في حكمهم أجرها عظيم ولا يقل عن أجر عمرة التطوع إن لم يزد عليها يقول الله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآية ٢٦١\rوورد في الحديث عن ابن عباس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) رواه البخاري ومسلم وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر اللهم أعط ممسكاً تلفاً) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه؛ من كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته؛ ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون ...) رواه مسلم.\rوخلاصة الأمر أن التطوع بإنفاق المال في وجوه الخير الكثيرة أولى من عمرة التطوع في الظروف الحالية التي تمر بها بلادنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346080,"book_id":3840,"shamela_page_id":460,"part":"10","page_num":15,"sequence_num":460,"body":"١٥ - فضل العشر الأوائل من ذي الحجة\rيقول السائل: سمعت حديثاً عن النبي ﷺ وفيه أنه ﷺ لم يصم العشر الأوائل من ذي الحجة وسمعت من بعض المشايخ الحث على صيامها فأي القولين هو الصحيح؟ أفيدونا. الجواب: أبين أولاً فضل العشر الأوائل من ذي الحجة ثم أجيب على السؤال فقد أقسم الله ﷾ بهذه العشر فهذا يدل على فضلها العظيم قال الله تعالى: (والفجر وليال عشر) سورة الفجر الآيتان ١ – ٢.\rقال القرطبي: (وليال عشر) أي ليال عشر من ذي الحجة وكذا قال مجاهد والسدي والكلبي في قوله\r(وليال عشر) هو عشر ذي الحجة وقال ابن عباس وقال مسروق هي العشر التي ذكرها الله في قصة موسى ﵇ وأتممناها بعشر وهي أفضل أيام السنة وروى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال (والفجر وليال عشر) قال عشر الأضحى فهي ليال عشر على هذا القول لأن ليلة يوم النحر داخلة فيه إذ قد خصها الله بأن جعلها موقفاً لمن لم يدرك الوقوف يوم عرفة وإنما نكرت ولم تُعرَّف لفضيلتها على غيرها فلو عرفت لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، فنكرت من بين ما أقسم به للفضيلة التي ليست لغيرها والله أعلم) تفسير القرطبي ٢٠/٣٩\rوقد وردت عدة أحاديث في فضيلة هذه العشر منها: ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء)\rوفي رواية للطبراني في الكبير بإسناد جيد كما قال المنذري: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير)\rوفي رواية للبيهقي في شعب الإيمان قال ﷺ: (ما من عمل أزكى عند الله ﷿، ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى) قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله ﷿ إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) فكان سعيد ابن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهاداً شديداً حتى ما يكاد يقدر عليه. ذكره المنذري في الترغيب ٢/١٥٠. وروى الحديث الدارمي أيضاً وإسناده حسن كما قال الألباني في إرواء الغليل ٣/٣٩٨\rوجاء عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) . رواه أحمد وصحّح إسناده الشيخ أحمد محمد شاكر.\rوفي حديث جابر أنه ﷺ (ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة) رواه أبو عوانة وابن حبان في صحيحيهما. وغير ذلك من الأحاديث\rوقد ذكر أهل العلم أنه يؤخذ من هذه النصوص أن الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة هي أفضل أيام السنة\rقال الشيخ ابن كثير: (وبالجملة فهذا العشر قد قيل إنه أفضل أيام السنة كما نطق به الحديث وفضله كثير على عشر رمضان الأخير لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيره ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه وقيل ذلك أفضل لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وتوسط آخرون فقالوا أيام هذا أفضل وليالي ذاك أفضل وبهذا يجتمع شمل الأدلة) تفسير ابن كثير ٣/٢١٧.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة، لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره، وعلى هذا هل يختص الفضل بالحاج أو يعم المقيم؟ فيه احتمال) فتح الباري ٢/٥٩٣.\rوقال المباركفوري: (وذكر السيد اختلف العلماء في هذه العشر , والعشر الأخير من رمضان فقال بعضهم: هذه العشر أفضل لهذا الحديث , وقال بعضهم: عشر رمضان أفضل للصوم والقدر , والمختار أن أيام هذه العشر أفضل ليوم عرفة وليالي عشر رمضان أفضل لليلة القدر , لأن يوم عرفة أفضل أيام السنة , وليلة القدر أفضل ليالي السنة , ولذا قال ما من أيام ولم يقل من ليال كذا في الأزهار وكذا في المرقاة) تحفة الأحوذي ٣/٣٨٦.\rوقال الشيخ المنجد: واعلم - يا أخي المسلم - أن فضيلة هذه العشر جاءت من أمور كثيرة منها:\r١. أن الله تعالى أقسم بها: والإقسام بالشيء دليل على أهميته وعظم نفعه، قال تعالى: (والفجر وليال عشر) قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف: إنها عشر ذي الحجة. قال ابن كثير: \" وهو الصحيح \" تفسير ابن كثير٨/٤١٣\r٢. أن النبي ﷺ شهد بأنها أفضل أيام الدنيا كما تقدّم في الحديث الصحيح.\r٣. أنه ﷺ حث فيها على العمل الصالح: لشرف الزمان بالنسبة لأهل الأمصار، وشرف المكان - أيضاً - وهذا خاص بحجاج بيت الله الحرام.\r٤. أنه ﷺ أمر فيها بكثرة التسبيح والتحميد والتكبير كما\r٥. أن فيها يوم عرفة وهو اليوم المشهود الذي أكمل الله فيه الدّين وصيامه يكفّر آثام سنتين، وفي العشر أيضا يوم النحر الذي هو أعظم أيام السنّة على الإطلاق وهو يوم الحجّ الأكبر الذي يجتمع فيه من الطّاعات والعبادات ما لا يجتمع في غيره.\r٦. أن فيها الأضحية والحج ... إن إدراك هذا العشر نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على العبد، يقدّرها حق قدرها الصالحون المشمّرون. وواجب المسلم استشعار هذه النعمة، واغتنام هذه الفرصة، وذلك بأن يخص هذا العشر بمزيد من العناية، وأن يجاهد نفسه بالطاعة. وإن من فضل الله تعالى على عباده كثرة طرق الخيرات، وتنوع سبل الطاعات ليدوم نشاط المسلم ويبقى ملازماً لعبادة مولاه) موقع الشيخ على الإنترنت.\rوأما ما ذكره السائل من أن النبي ﷺ لم يصم العشر فهذا قد ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنا قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ صائما في العشر قط) وفي رواية (لم يصم قط) رواه مسلم وغيره. فقد أجاب عنه العلماء وأنه لا يعارض ما ثبت أنه ﷺ صام العشر.\rقال الإمام النووي: (باب صوم عشر ذي الحجة) فيه قول عائشة: (ما رأيت رسول الله ﷺ صائما في العشر قط) وفي رواية: (لم يصم العشر) قال العلماء: هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشرة , والمراد بالعشر هنا: الأيام التسعة من أول ذي الحجة , قالوا: وهذا مما يتأول فليس في صوم هذه التسعة كراهة , بل هي مستحبة استحباباً شديداً لا سيما التاسع منها , وهو يوم عرفة , وقد سبقت الأحاديث في فضله , وثبت في صحيح البخاري: أن رسول الله ﷺ قال: (ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه) - يعني: العشر الأوائل من ذي الحجة - فيتأول قولها: لم يصم العشر , أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما , أو أنها لم تره صائماً فيه , ولا يلزم عن ذلك عدم صيامه في نفس الأمر , ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة , ويوم عاشوراء , وثلاثة أيام من كل شهر: الاثنين من الشهر والخميس) ورواه أبو داود وهذا لفظه وأحمد والنسائي وفي روايتهما (وخميسين) والله أعلم) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٢٥١\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في العمل , واستشكل بتحريم الصوم يوم العيد , وأجيب بأنه محمول على الغالب , ولا يرد على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عائشة قالت (ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً العشر قط) لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته , كما رواه الصحيحان من حديث عائشة أيضاً) فتح الباري ٢/ ٥٩٣.\rوقال الشوكاني: (وأما ما أخرجه مسلم عن عائشة أنها قالت ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط) وفي رواية (لم يصم العشر قط) فقال العلماء المراد أنه ل يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما أو أن عدم رؤيتها له صائماً لا يستلزم العدم على أنه قد ثبت من قوله ما يدل على مشروعية صومها كما في حديث الباب فلا يقدح في ذلك عدم الفعل) نيل الأوطار ٤/٣٢٤.\rوقال الشوكاني أيضاً: (وقد أخرج مسلم عن عائشة أنها قالت ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط) وفي رواية (لم يصم قط) وعدم رؤيتها وعلمها لا يستلزم العدم) الدراري المضية ١/٢٣٠.\rوبهذا يظهر لنا أنه لا تعارض بين النصوص التي حثت على صوم هذه الأيام وبين حديث عائشة ﵂ أنه ﷺ لم ير صائماً فيها.\rوخلاصة الأمر أنه يسن صوم الأيام التسعة الأوائل من ذي الحجة وخاصة صوم يوم عرفة لغير الحاج وأما صوم يوم العيد فيحرم وينبغي على المسلم أن يكثر من الأعمال الصالحة في هذه الأيام المفضلة شرعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346081,"book_id":3840,"shamela_page_id":461,"part":"10","page_num":16,"sequence_num":461,"body":"١٦ - متى يبدأ التكبير في عيد الأضحى وما قولكم في التكبير الجماعي في المساجد وبعد الصلوات المكتوبة\rيقول السائل: متى يبدأ التكبير في عيد الأضحى وما قولكم في التكبير الجماعي في المساجد وبعد الصلوات المكتوبة؟ الجواب: التكبير من شعائر الإسلام وهو مندوب إليه لقوله تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) سورة الحج الآية ٢٨. ولقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) سورة البقرة الآية ٢٠٣.\rوالأيام المعدودات هي أيام التشريق وأما الأيام المعلومات فهي العشر الأوائل من ذي الحجة قال القرطبي: [وقد روي عن ابن عباس أن المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق وهو قول الجمهور] تفسير القرطبي ٣/٣ وقد رواه البخاري عن ابن عباس. صحيح البخاري مع الفتح ٢/٥٨٩. والتكبير عند العلماء في هذه الأيام على نوعين: مطلق ومقيد أما التكبير المطلق فيبدأ من أول شهر ذي الحجة في جميع الأوقات ولا يخص بمكان معين فقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) رواه أحمد وصحح إسناده الشيخ أحمد محمد شاكر. ورواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس بإسناد جيد كما قال المنذري في الترغيب والترهيب. وقال الإمام البخاري في صحيحه: [وكان عمر ﵁ يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً. وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً] صحيح البخاري مع الفتح ٢/٥٩٤. وروى البخاري بسنده عن مالك بن أنس قال حدثني محمد بن أبي بكر الثقفي قال: (سألت أنساً ونحن غاديان من منى إلى عرفات عن التلبية: كيف كنتم تصنعون مع النبي ﷺ؟ قال: كان يلبي الملبي لا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه) .\rوأما التكبير المقيد فيكون بعد الصلوات المكتوبات وأرجح أقوال أهل العلم أنه يبدأ من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر يوم من أيام التشريق أي يكبر بعد ثلاث وعشرين صلاة مفروضة قال الحافظ ابن حجر: [وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى] فتح الباري ٢/٥٩٥.\rوإلى هذا ذهب الإمام أحمد والشافعي في أحد قوليه وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ﵃ وإليه ذهب الثوري وابن عيينة وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة. الفتح الرباني ٦/١٧١.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قيل لأحمد ﵀ بأي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال: لإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ﵃ ولأن الله تعالى قال: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) وهي أيام التشريق فتعين الذكر في جميعها ولأنها أيام يرمى فيها فكان التكبير فيها كيوم النحر. وقوله تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) والمراد به ذكر الله تعالى على الهدايا والأضاحي] المغني ٢/٢٩٢. وقال الإمام النووي: [واختارت طائفة من محققي الأصحاب المتقدمين والمتأخرين أنه يبدأ من صبح يوم عرفة ويختم بعصر آخر التشويق ممن اختاره أبو العباس بن سريج حكاه عنه القاضي أبو الطيب في المجرد وآخرون قال البندنيجي هو اختيار المزني وابن سريج قال الصيدلاني والروياني وآخرون وعليه عمل الناس في الأمصار واختاره ابن المنذر والبيهقي وغيرهما من أئمة أصحابنا الجامعين بين الفقه والحديث وهو الذي اختاره واحتج له البيهقي بحديث مالك عن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفات كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ فقال: (كان يهلل المهلل منا فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه) رواه البخاري ومسلم وعن ابن عمر قال (كنا مع رسول الله ﷺ في غداة عرفة فمنا المكبر ومنا المهلل فأما نحن فنكبر) رواه مسلم وقال البيهقي وروى في ذلك عن عمر وعلي وابن عباس ﵃ ثم ذكر ذلك بأسانيده وأنهم كانوا يكبرون من الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق قال البيهقي وقد روى في ذلك حديث مرفوع لا يحتج بمثله ثم ذكر بإسناده عن عمرو بن شمر عن جابر يعني الجعفي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يكبر يوم عرفة من صلاة الغداة إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق) قال البيهقي عمرو بن شمر وجابر الجعفي لا يحتج بهما وفي رواية الثقات كفاية هذا كلام البيهقي وروى الحاكم في المستدرك عن علي وعمار ﵄ أن النبي ﷺ (كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم وكان يقنت في صلاة الفجر وكان يكبر يوم عرفة من صلاة الصبح ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق) قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد لا أعلم من رواته منسوباً إلى الجرح قال وقد روي في الباب عن جابر بن عبد الله وغيره فأما من فعل عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ﵃ فصحيح عنهم التكبير من صبح عرفة إلى عصر آخر التشريق وروى البيهقي هذا الحديث الذي رواه الحاكم بإسناد الحاكم ثم قال وهذا الحديث مشهور بعمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي الطفيل وكلا الإسنادين ضعيف هذا كلام البيهقي وهو أتقن من شيخه الحاكم وأشد تحرياً. قال أصحابنا ويكبر خلف الصبح أو العصر التي هي الغاية بلا خلاف] المجموع للنووي ٥/٣٤ -٣٦.\rوروى ابن أبي شيبة بسنده عن علي ﵁ أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وروى أيضاً بسنده عن الأسود قال كان عبد الله - ابن مسعود ﵁ يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من النحر يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد\rوروى أيضاً بسنده عن الضحاك أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.\rوروى أيضاً بسنده عن ابن عباس ﵁ أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق لا يكبر في المغرب يقول الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر وأجل الله أكبر ولله الحمد\rوروى أيضاً بسنده عن علقمة أنه كان يكبر يوم عرفة من صلاة الفجر حتى صلاة العصر من يوم النحر\rوروى أيضاً بسنده عن إبراهيم قال كانوا يكبرون يوم عرفة وأحدهم مستقبل القبلة في دبر الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد وروى أيضاً بسنده عن أبي الأحوص عن عبد الله أنه كان يكبر أيام التشريق الله اكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وروى أيضاً بسنده عن شريك قال: قلت لأبي إسحاق كيف كان يكبر علي وعبد الله قال: كانا يقولان: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وروى أيضاً بسنده أن الحسن كان يكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاث مرات وروى أيضاً بسنده عن ابن عباس ﵁ أنه كان يقول: الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر وأجل الله أكبر ولله الحمد. مصنف ابن أبي شيبة ٢/١٦٥ - ١٦٨.\rويؤخذ من هذه الروايات أيضاً صيغ التكبيرة الواردة عن السلف. قال الحافظ ابن حجر: [وأما صيغة التكبير فأصح ما ورد فيه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان ﵁ قال: (كبروا الله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا) ونقل عن سعيد بن جبير ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى أخرجه جعفر الفريابي في كتاب العيدين من طريق يزيد بن أبي زياد عنهم وهو قول الشافعي وزاد ولله الحمد. وقيل يكبر ثلاثاً ويزيد لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...إلخ. وقيل يكبر ثنتين بعدهما لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد جاء ذلك عن عمر وعن ابن مسعود نحوه وبه قال أحمد وإسحاق وقد أحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها] فتح الباري ٢/٥٩٥.\rوالتكبير مشروع للنساء أيضاً فقد قال الإمام البخاري: [وكانت ميمونة تكبر يوم النحر وكذا النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد.\rوروى البخاري بسنده عن أم عطية ﵂ قالت كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها حتى تخرج الحيض فيكبرن خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته] . وقال الإمام مالك: [والتكبير في أيام التشريق على الرجال والنساء] الموطأ ١/٣٢٣.\rقال الإمام النووي: [فرع في مذاهبهم في تكبير النساء في هذه الأيام - أيام التشريق - خلف الصلوات مذهبنا استحبابه لهن وحكاه ابن المنذر عن مالك وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور] المجموع ٥/٤٠.\rوأما التكبير الجماعي فإن الآثار الواردة عن الصحابة وغيرهم من السلف أنه كان يقع جماعياً أي أنه وجد جماعة من الناس يكبرون في وقت واحد فقد سبق في كلام الإمام البخاري: [وكان عمر ﵁ يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً] . وقوله ترتج أي تضطرب وتتحرك وهي مبالغة في اجتماع رفع الأصوات كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٢/٥٩٥. وهذا فيه دلالة واضحة على أن التكبير كان يقع بشكل جماعي. وكذلك فقد قال الإمام البخاري: [وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما] صحيح البخاري مع الفتح ٢/٥٨٩.\rوكذلك فإن ما ورد في حديث أم عطية السابق وفيه: [فيكبرن بتكبيرهم] يدل على أن التكبير كان يقع جماعياً\rويؤيده ما سبق في كلام الإمام البخاري: [وكن - النساء - يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد] . ويدل على ذلك ما رواه مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر حين ارتفع النهار شيئاً فكبر فكبر الناس بتكبيره ثم خرج الثانية من يومه ذلك بعد ارتفاع النهار فكبر فكبر الناس بتكبيره ثم خرج الثالثة حين زاغت الشمس فكبر فكبر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت] الموطأ ١/٣٢٣. وذكر الحافظ ابن عبد البر عن عبيد بن عمير قوله كان عمر يكبر في قبته بمنى فكبر أهل المسجد ويكبر أهل الأسواق فيملئون منى تكبيراً. الاستذكار ١٣/١٧١-١٧٢.\rوخلاصة الأمر أن التكبير مشروع من أول يوم من ذي الحجة مطلقاً ومشروع مقيداً عقب الصلوات الخمس من فجر يوم عرفة حتى عصر اليوم الأخير من أيام التشريق والتكبير مشروع للرجال والنساء ويجوز أن يقع بشكل جماعي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346082,"book_id":3840,"shamela_page_id":462,"part":"10","page_num":17,"sequence_num":462,"body":"١٧ - حج الزوجين أحدهما على نفقة الآخر\rيقول السائل: ما حكم حج الزوجة على نفقة زوجها وحج الزوج على نفقة زوجته وما حكم حج الابن على نفقة أبيه وحج الأب على نفقة ابنه وهل يجبر الزوج على الحج بزوجته أو تحمل نفقات حجها وكذلك الابن هل يجبر على ذلك أم لا؟ الجواب: الجواب: فرض الله ﷾ الحج على المستطيع فقال ﷻ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) سورة آل عمران الآية ٩٧. وتوفر نفقات الحج وتكاليفه داخلة في معنى الاستطاعة المذكورة في الآية الكريمة فالأصل أن يكون من وجب عليه الحج مستطيعاً فحينئذ يجب عليه أن يحج. وإذا تبرع شخص لآخر بتحمل نفقات الحج على حسابه كأن يتبرع الزوج لزوجته فحجها جائز ومسقط للفريضة وكذا العكس أي تبرعت الزوجة لزوجها فحجه جائز ومسقط للفريضة ومثل ذلك في حالة الأب والابن إلا أنه يندب في حق الابن الموسر أن يحجج والديه لأن ذلك من البر بهما وهو مأمور بالبر والإحسان إليهما وليس واجباً عليه بل هو تبرع وإحسان فقط. وكذلك الزوج لا يجب عليه أن يحجج زوجته حتى لو كان غنياً بل ذلك من باب المعروف والإحسان إليها لأن إحجاج الزوجة ليس من ضمن النفقة الواجبة على الزوج. فالنفقة الواجبة على الزوج لا يدخل فيها دفع نفقات حجها قال الله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ) سورة الطلاق الآية ٦. وقال تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) سورة البقرة الآية ٢٣٣. وجاء في الحديث الشريف عن حكيم بن معاوية ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تقبح الوجه ولا تهجر إلا في البيت) رواه أبو داود وقال الألباني حديث حسن صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود ٢/٤٠٢. وقال النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع: (ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ... ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا لهن في كسوتهن وطعامهن) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٤/٢٧٤. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٣٤١. والذي يؤخذ من مجموع هذه النصوص أن النفقة الواجبة للزوجة على زوجها إنما هي السكن والطعام والكسوة ولا يدخل في ذلك نفقة حجها. وبناء على ما تقدم فإن الزوجة إن كانت مستطيعة للحج وقادرة على تحمل نفقات الحج من مالها الخاص فيجب عليها الحج وإلا فلا يجب الحج عليها لأنها غير مستطيعة إلا أن يتبرع لها زوجها أو غيره بالنفقة. .highZindex ﴿z-index:٢١٤٧٤٨٣٦٤٧; position: fixed; left: ٠px; top: ٠px;﴾ .WizardHeader ﴿background-color:#٠٠٣٣٩٩; border-bottom:١px solid #CCCECD; color:#FFFFFF; font-family:Arial; font-size: ٩٠%; font-style:normal; font-weight:bold; text-decoration:none; height:٢٢px; padding-left:٥px;﴾ .WizardLabel ﴿color:#٠٠٠٠٠٠; background-color:#FFFFFF; font-family:Arial; font-size:٩pt; font-style:normal; font-weight:bold; text-decoration:none; padding:١٠px ٥px; filter:alpha (opacity=١٠٠) ; -moz-opacity: ١. ٠; opacity: ١. ٠;﴾ .WizardValue ﴿color:#٠٠٠٠٠٠; font-family:Arial; font-size:٩pt; font-style:normal; text-decoration:none; background-color:#FFFFFF; padding:٥px; filter:alpha (opacity=١٠٠) ; -moz-opacity: ١. ٠; opacity: ١. ٠;﴾ .context_help_content ﴿background-color:#FFFFFF; border:١px solid #ABABAB; left:٠pt; position:absolute; top:٠pt; width:٥٠٠px; z-index: ٨٠٠١;﴾ .context_help ﴿background-color:#CCCECD; display:none; left:٠pt; position:absolute; top:٠pt; z-index: ٨٠٠٠;﴾","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346083,"book_id":3840,"shamela_page_id":463,"part":"10","page_num":18,"sequence_num":463,"body":"١٨ - حكم تحديد عدد الحجاج\rيقول السائل: ما قولكم في تحديد أعداد الحجاج واتباع القرعة في اختيار من سيحجون؟ الجواب: تحديد عدد الحجاج من قبل الجهات المختصة أمر جائز شرعاً نظراً لعدم استيعاب المشاعر المقدسة لأعداد الحجاج الهائلة حيث إنه من المعلوم أن المشاعر (مكة ومنى ومزدلفة وعرفة) قدرتها محدودة في استيعاب أعداد الحجاج كما أنهم بحاجة لخدمات صحية وأغذية ومواصلات وسكن وقد يصعب توفيرها للعدد الكبير منهم وخاصة أن عددهم قد يكون بالملايين لذا فإن المصلحة الشرعية تقتضي تحديد الحجاج بأعداد معينة موزعة على حسب كل بلد من بلدان المسلمين ولكن يجب مراعاة عدة أمور في هذا التحديد: ١. أن يكون التوزيع عادلاً بين جميع أقطار المسلمين. ٢. أن يشمل التحديد الحجاج القادمين من داخل السعودية حيث إن ما بين نصف أو ثلث عدد الحجاج في كل عام يكونون من داخل السعودية. وأما بالنسبة للقرعة فمع أن القرعة إحدى الطرق المعتبرة شرعاً في القسمة ونحوها فإني أرى عدم استعمالها في الحج وإنما أن تكون الأولوية حسب التسجيل أي أن يكون هناك سجل عام يسجل فيه كل من يرغب بالحج ويعطى الحجاج أرقام متسلسلة وفي كل عام يؤخذ العدد من هؤلاء المسجلين حسب دورهم وهكذا. ففي هذه الطريقة يعرف كل من سجل أن الدور سيصله إن لم يكن في هذا العام ففي العام التالي وهكذا فهذه الطريقة أفضل من القرعة برأيي، بشرط أن ينفذ ذلك على الجميع وبدون أية استثناءات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346084,"book_id":3840,"shamela_page_id":464,"part":"10","page_num":19,"sequence_num":464,"body":"١٩ - الإنابة في مناسك الحج\rيقول السائل: إنه سيحج هذا العام برفقة والدته الكبيرة في السن فما هي المناسك التي يمكن أن ينوب فيها عن أمه حيث إنها مريضة وضعيفة؟ الجواب: الأصل في الحج أن يؤدي الحاج جميع مناسك الحج بنفسه وأجاز أهل العلم التوكيل في رمي الجمرات وفي ذبح الهدي. أما بالنسبة لرمي الجمرات فيجوز التوكيل لعذر شرعي كالمرض وكذا المرأة الحامل وكذلك الكبيرة في السن والضعيفة وكذلك إذا كان هنالك زحام شديد فخشيت المرأة على نفسها فيجوز لها التوكيل في الرمي وينبغي أن يرمي الموكل عن نفسه أولاً ثم عن غيره ثانياً. وأما ذبح الهدي فيجوز فيه التوكيل مطلقاً أي بعذر وبدون عذر فيما أعلم وإن كان الأولى أن يتولى الحاج ذبح هديه بنفسه اقتداء برسول الله ﷺ حيث (نحر النبي ﷺ ثلاثاً وستين بدنه ثم وكل علياً ﵁ بالباقي) رواه مسلم. وأما بقية مناسك الحج فلا يصح فيها التوكيل كالطواف والسعي والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى فهذه الأركان والواجبات لا بد للحاج أن يأتي بها بنفسه. وخلاصة الأمر أنه يجوز لوالدتك أن توكلك في رمي الجمرات وفي ذبح الهدي فقط وما عدا ذلك فعليها أن تؤديه بنفسها وعليك إعانتها ومساعدتها كأن تستأجر من يحملها في الطواف وكذا في السعي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346085,"book_id":3840,"shamela_page_id":465,"part":"10","page_num":20,"sequence_num":465,"body":"٢٠ - الحج عن الغير مقابل مال\rيقول السائل: إنه إمام مسجد وسيخرج للحج مرشداً للحجاج على حساب وزارة الأوقاف وتدفع له الوزارة مكافأة مالية، فهل يجوز له أن يحج عن شخص ميت مقابل مبلغ من المال مع العلم أنه قد حج عن نفسه؟ الجواب: النيابة في الحج عن الميت جائزة عند جمهور أهل العلم ويدل على ذلك عدة أحاديث منها: عن بريدة ﵁ قال: (أتت النبي ﷺ امرأة فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت ولم تحج ... فقال: حجي عن أمك) رواه مسلم. وعن ابن عباس ﵄ أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: (نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري. وأخذ الأجرة للحج عن الغير جائز ولا حرج فيه وعلى النائب أن ينوي المشاركة في فعل الخيرات واغتنام فرصة وجوده في الحرمين للإكثار من الطّاعات ولا ينبغي أن يكون كل قصده هو الحصول على الأموال وأما بالنسبة للمكافأة التي يأخذها من الأوقاف فلا علاقة لها بالمبلغ الذي يأخذه للحج عن غيره وإنما هذه المكافأة تدفع له مقابل القيام على شؤون الحجاج ومرافقتهم وإرشادهم ونحو ذلك من الأعمال التي تكلفه بها الأوقاف فلا حرج في الجمع بين الأمرين وأحب له أن لا يرهق أولياء الميت بمطالبتهم بمبلغ كبير ليحج عن ميتهم بل يخفف عنهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346086,"book_id":3840,"shamela_page_id":466,"part":"10","page_num":21,"sequence_num":466,"body":"٢١ - لا يجب على الحاج ذبح شاة عند رجوعه\rيقول السائل: يظن بعض الناس أن من الواجب على من يحج بيت الله الحرام أن يذبح شاة عند عودته من الحج إلى بلده فهل هذا صحيح أم لا؟ الجواب: لا يجب على الحاج أن يذبح ذبيحة عند رجوعه من الحج إلى بلده وليس لذلك علاقة بمناسك الحج. والذبح الواجب على الحاج يكون في مكة إذا كان الحاج قارناً أو متمتعاً فيجب عليه ذبح شاة هناك، وأما بعد رجوعه إلى بلده وأدائه لمناسك الحج فلا يجب عليه ذبح. وأما إذا ذبح الحاج شاة بعد عودته أو ذبحها أهله أو أقاربه على سبيل إكرام الحاج وزائريه فلا بأس بذلك وأما أنها واجبة فلا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346087,"book_id":3840,"shamela_page_id":467,"part":"10","page_num":22,"sequence_num":467,"body":"٢٢ - الرشوة للذهاب إلى الحج\rيقول السائل: هل يجوز لي أن أدفع مالاً لشخص للحصول على موافقة للذهاب إلى الحج؟ الجواب: لا يجوز لك دفع هذا المال لأنه رشوة والرشوة محرمة شرعاً فقد ثبت في الحديث (أن الرسول ﷺ لعن الراشي والمرتشي) رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. وأنه لأمر مؤسف أن يدفع الناس رشاً لأداء طاعة وعبادة لله تعالى. وإن مما يدفع الناس لأمثال هذه التصرفات المحرمة شرعاً القيود التي تفرض على أداء فريضة الحج حتى أصبح الحج في أيامنا هذه مقصوراً على كبار السن فقط. وتلاشت آمال كثير من الناس الذين لم يبلغوا الستين من أعمارهم في أداء فريضة الحج وينبغي إعادة النظر في هذا الأمر لأنه يتعلق بركن من أركان الإسلام وبفريضة من فرائض الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346088,"book_id":3840,"shamela_page_id":468,"part":"10","page_num":23,"sequence_num":468,"body":"٢٣ - الحج عن الغير\rيقول السائل: إن لها اماً كبيرة في لاسن وظهرت عليها أمارات الخرف فكيف تعاملها؟ وتقول إن لأمها مبلغاً من المال عند شخص ويطالب بهذا المبلغ أخ لها مع أنه لا يقدم لوالدتها شيئاً ولا يهتم بها بينما تقوم هذه المرأة بالإنفاق على أمها والعناية بها وتسأل من أولى بأخذ هذا المبلغ هذه المرأة أم اخوها؟ وتقول أيضاً أنها تريد أن تحج عن أمها من ذلك المبلغ فهل يجوز لها ذلك؟ الجواب: إن الإسلام أمر ببر الوالدين والإحسان لهما في حياتهما وبعد وفاتهما ويقول ﷾: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) سورة الإسراء الآيتان (٢٣-٢٤) . وقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) سورة العنكبوت الآية (٨) . وقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) سورة لقمان الآية (١٤) . ووردت أحاديث كثيرة منها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه) رواه مسلم وأبو داود والترمذي. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله) رواه البخاري ومسلم. عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي أسيد الساعدي ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي علي من بر والدي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما) رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان. والمراد بالصلاة عليهما: الدعاء لهما. وغير ذلك من الأحاديث. إن المتمعن في هذه النصوص ليظهر له مدى رعاية الإسلام للوالدين وتأكيده على حسن معاملتهما وعدم إيذائهما حتى ولو كان بكلمة أف. فيجب على هذه المرأة السائلة أن تحسن معاملة أمها مهما اتصفت أو فعلت وإن كانت خرفة لا تدري ماذا تفعل أو يصدر عنها. وينبغي أن نذكر بأن بعض الناس إذا كبر والداه أو أحدهما يرسلهما إلى ملجأ العجزة أو بيت للمسنين ويتضجر من خدمتهما والقيام على شأنهما وهذا لا يليق بالمسلم أن يفعله فعلى المسلم أن يقوم على خدمة والديه كما ربياه صغيراً وأن يحسن لهما في الكبر كما أحسنا له في الصغر وعليه أن يتذكر أنه لا يقبل أن يعامله أولاده بهذه المعاملة عندما يتقدم به العمر فلا يرضى لنفسه أن يتخلص أولاده منه ويلقوا به إلى بيوت العجزة والمسنين. وأنا اعتبر أن ظاهرة انتشار بيوت المسنين ظاهرة غريبة عن المجتمع المسلم وهي تدل على انقطاع أواصر الترحام بين أفراد العائلة وتدل على أنانية مقيتة وأنفة بغيضة. حيث يأنف الأبناء عن رعاية الآباء وهذه الظاهرة تنافي قوله تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) . قال القرطبي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: (خص حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلاً عليه فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه فلذلك خص هذه الحالة بالذكر) تفسير القرطبي ١٠ /٢١٤. وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: (رغم أنفه، رغم أنفه، قيل من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة) رواه مسلم. وأما بالنسبة للمبلغ الذي لهذه الأم فابنتها أولى به من ابنها الذي لا يتعرف على أمه ولا ينفق عليها فلهذه المرأة أن تأخذ هذا المبلغ وتنفقه على والدتها. وعلى هذا الابن أن يتقي الله في نفسه ويبتعد عن هذه المعصية الكبيرة فإن فعله هذا عقوق لوالدته والعقوق من كبائر الذنوب فعليه أن يتوب إلى الله توبة صادقة وأن يقبل على خدمة والدته وبرها والإحسان إليها. وأما بالنسبة لسؤالها عن الحج بذلك المال عن والدتها. الجواب: أنه يجوز لها أن تحج عن أمها بشرط أن تكون هذه المرأة قد حجت عن نفسها أولاً كما هو مذهب جماعة من أهل العلم ويدل على ذلك حديث ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي. قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) رواه ابو داود وابن ماجة وابن حبان والبيهقي وقال البيهقي: (هذا إسناد صحيح ليس في هذا الباب أصح منه) ومال إلى تصحيحه الحافظ ابن حجر وصححه الألباني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346089,"book_id":3840,"shamela_page_id":469,"part":"10","page_num":24,"sequence_num":469,"body":"٢٤ - لا شيء على من منع من الحج\rيقول السائل: إنه سافر إلى الأردن في طريقه لأداء فريضة الحج ولكنه أعيد عن الجسر ومنع من السفر فأفتاه أحدهم بأنه يجب عليه أن يذبح شاة لأنه محصر فما قولكم في ذلك؟ الجواب: يقول الله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) سورة البقرة الآية ١٩٦. وهذه الآية الكريمة أصل في بيان حكم المحصر ولكن لا بد أولاً من بيان معنى الإحصار عند العلماء فقد قال فقهاء الحنفية: [الإحصار هو المنع من الوقوف بعرفة والطواف جميعاً بعد الإحرام بالحج الفرض والنقل وفي العمرة عن الطواف] طلبة الطلبة ص ١١٨. وبمثل هذا التعريف قال بقية فقهاء المذاهب وكل الفقهاء فيما أعلم متفقون على أن الحاج لا يكون محصراً إلا إذا تلبس بالإحرام أي أنه لا إحصار قبل الإحرام. انظر الموسوعة الفقهية ٢/١٩٩. فإذا أحرم الحاج ثم عرض له عدو منعه من إتمام النسك فإنه يتحلل من إحرامه وعليه ذبح قال الله تعالى: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) والمقصود به عند جمهور أهل العلم ذبح شاة. تفسير القرطبي ٢/٣٧٨. وثبت في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق رأسه وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عاماً قابلاً) رواه البخاري. وبناء على ما تقدم فإن هذا الشخص الذي منع من السفر وأعيد عن الجسر لا يعتبر محصراً حيث إنه لم يحرم فلا شيء عليه ومن أفتاه بأن عليه شاة فقد أفتاه بغير علم وجاء بشيء منكر لم يقل به أحد من أهل العلم وإنها لجرأة كبيرة على العلم الشرعي أن يفتى بدون علم ولا فقه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346090,"book_id":3840,"shamela_page_id":470,"part":"10","page_num":25,"sequence_num":470,"body":"٢٥ - لا يجوز الحلف كذبا ليتمكن من الحج\rيقول السائل: إنه قد أدى فريضة الحج سابقاً ويريد أن يحج مرة ثانية وقد طلب منه أن يحلف يميناً أنه لم يحج فهل يجوز له أن يحلف أم لا؟ الجواب: من المعلوم أن فريضة الحج مطلوبة من المسلم مرة في العمر، ويسن أن يحج نافلة إن استطاع لذلك سبيلاً وبما أنه قد فرضت في زماننا هذا قيود على من يريد الحج وأحياناً يطلب من الشخص أن يحلف يميناً أنه لم يحج فإذا كان الشخص لم يحج فعلاً فلا حرج عليه إن حلف اليمين وأما إن كان قد حج سابقاً فيحرم عليه أن يحلف اليمين لأنها يمين كاذبة محرمة. قال تعالى: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) سورة المجادلة الآية ١٤ وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة آل عمران الآية ٧٧. وجاء في الحديث عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: (من حلف على يمين مصبورة كاذبة فليتبوأ مقعده من النار) رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي. واليمين المصبورة هي اللازمة لصاحبها، وخلاصة الأمر أنه يحرم على هذا السائل أن يحلف هذه اليمين الكاذبة وإن كان يريد الحج فالحج طاعة ولا يتوصل إلى الطاعة بما هو محرم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346091,"book_id":3840,"shamela_page_id":471,"part":"10","page_num":26,"sequence_num":471,"body":"٢٦ - تكفير الحج للذنوب\rيقول السائل: إنه يريد أداء فريضة الحج وقد قارف كثيراً من المعاصي والآثام في أيامه السابقة فهل الحج يكفر هذه الذنوب كما جاء في الحديث إن الحاج يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أن على من أراد الحج المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب والخطايا لقوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة النور الآية ٣١. وحقيقة التوبة الإقلاع عن الذنوب وتركها والندم على ما مضى منها والعزيمة على عدم العودة إليها. وإن كان عنده مظالم للناس فعليه أن يردها وأن يتحلل منها قبل سفره لما صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض فليتحللها من صاحبه من قبل أن يؤخذ منه حين لا يكون دينار ولا درهم فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) رواه البخاري. وعليه أن يقضي ديونه فإن لم يتمكن من قضائها فعليه أن يوكل بقضائها وعليه أن يترك لأهله نفقة تكفيهم حال غيابه ويجب عليه أن يسعى لإرضاء والديه ومن يتوجه عليه بره وطاعته. ويجب أن تكون نفقته للحج ولغيره حلالاً طيباً لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) سورة البقرة الآية ٢٦٧. ولقوله ﷺ: (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً) رواه مسلم انظر التحقيق والإيضاح ص١٠-١١. ومما تجب العناية به على من أراد الحج أن يتعلم الأحكام الشرعية اللازمة للحج وللسفر ونحوها. قال الإمام النووي: [إذا أراد سفر حج أو غزو لزمه تعلم كيفيتهما إذ لا تصح العبادة ممن لا يعرفها ويستحب لمن يريد الحج أن يستصحب معه كتاباً واضحاً في المناسك جامعاً لمقاصدها ويديم مطالعته ويكررها في جميع طرقه لتصير محققة عنده. ومن أخل بهذا من العوام يخاف أن لا يصح حجه لإخلاله بشرط من شروط أركانه ونحو ذلك. وربما قلد بعضهم بعض عوام مكة وتوهم أنهم يعرفون المناسك محققة فاغتر بهم وذلك خطأ فاحش] المجموع ٤/٣٨٦. وهناك أحكام وآداب أخرى ينبغي للمسلم أن يتحلى بها وليس هذا محل بحثها. وأما جواب السؤال فأقول إن الحديث اذي أشار إليه السائل هو ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه] رواه البخاري ومسلم. وهذا الحديث عام مخصوص على الصحيح من أقوال أهل العلم فإن الحج وغيره من الطاعات كالوضوء والصلاة والعمرة تكفر صغائر الذنوب دون كبائرها ولا أثر للطاعات في إسقاط حقوق العباد فلا بد من رد الحقوق لأصحابها ولا بد للمسلم من التوبة الصادقة من كبائر الذنوب. قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) سورة التحريم الآية ٨. وقال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة النور الآية ٣١. قال الحافظ ابن عبد البر: [ولو كانت الطهارة والصلاة وأعمال البر مكفرةً للكبائر والمتطهر المصلي غير ذاكر لذنبه الموبق ولا قاصد إليه ولا حضره في حينه ذلك أنه نادم عليه ولا خطرت خطيئته المحيطة به بباله لما كان لأمر الله ﷿ بالتوبة معنى ولكان كل من توضأ وصلى يشهد له بالجنة بأثر سلامه من الصلاة وإن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح وقد أجمع المسلمون أن التوبة على المذنب فرض والفروض لا يصح شيء منها إلا بقصد ونية واعتقاد أن لا عودة فأما أن يصلي وهو غير ذاكر لما ارتكب من الكبائر وغير نادم على ذلك فمحال فقد قال الرسول ﷺ: (الندم توبة) - رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح قاله الشيخ الألباني - وقال الرسول ﷺ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة إلى ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) . وفي رواية أخرى قال الرسول ﷺ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن من الخطايا ما لم تغش الكبائر) رواه مسلم. وقال النبي ﷺ: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما لمن اجتنب الكبائر) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح. ومما سبق يتضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات الخمس لمن اجتنب الكبائر فيكون على هذا معنى قول الله ﷿: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) الصغائر بالصلاة والصوم والحج وأداء الفرائض وأعمال البر وإن لم تجتنبوا الكبائر ولم تتوبوا منها لم تنتفعوا بتكفير الصغائر إذا واقعتم الموبقات المهلكات والله أعلم. وهذا كله قبل الموت فإن مات صاحب الكبيرة فمصيره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه فإن عذبه فبجرمه وإن عفا عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة. وإن تاب قبل الموت وقبل حضوره ومعاينته واعتقد أن لا يعود واستغفر ووجل كان كمن لم يذنب وبهذا كله الآثار الصحاح عن السلف قد جاءت وعليه جماعة علماء المسلمين] فتح المالك بتبويب التمهيد لابن عبد البر على موطأ الإمام مالك ١/٥٥-٥٧ بتصرف. وهذا الذي بينه الحافظ ابن عبد البر هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعلى ذلك يحمل قول النبي ﷺ: (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وهو من أحاديث الأربعين نووية. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين ... الثاني: أنه تكفر الصغائر مطلقاً ولا يكفر الكبائر إن وجدت لكن يشترط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها ...] . ثم قال الحافظ ابن رجب: [والصحيح قول الجمهور أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة لأن التوبة فرض على العباد وقد قال ﷿: (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) سورة الحجرات الآية ١١] جامع العلوم والحكم ٢١٤-٢١٦. ولا يصح التمسك بظاهر قوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) سورة هود الآية ١١٤. على أن الحسنات تكفر كل سيئة كبيرة وصغيرة. وعند جمهور أهل العلم لا بد من تقييد ذلك بما صح في الحديث من قول ﷺ: [إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر﴾ وغيره من الأحاديث المقيدة لمطلق الآية. انظر فتح الباري ٩/٤٢٧. وبناءاً على ما تقدم فإن الحج يكفر صغائر الذنوب مطلقاً وأما الكبائر المتعلقة بحقوق الناس فإن كانت مالية كدين عليه أكله ظلماً وعدواناً فلا يكفره الحج ولا بد من وفاء دينه. وأما الكبائر المتعلقة بحق الله تعالى فإن كانت مثل الإفطار في رمضان بغير عذر فيجب عليه قضاؤه ولا يكفره الحج. وإن كانت مثل تأخير الصلاة عن وقتها لغير عذر فإن الحج يكفره وعليه أن يتوب توبة صادقة. قال الإمام الترمذي: [هو مخصوص - أي حديث أبي هريرة - بالمعاصي المتعلقة بحق الله تعالى خاصة دون العباد ولا تسقط الحقوق أنفسها فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه لأنها حقوق لا ذنوب وإنما الذنوب تأخيرها فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي نفسها فلو أخرها بعده تجدد إثم آخر فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق] الفتح الرباني ١٩/٧. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346092,"book_id":3840,"shamela_page_id":472,"part":"10","page_num":27,"sequence_num":472,"body":"٢٧ - لا يجوز الحج بالمال الحرام\rيقول السائل: إنه فاز بمبلغ من المال في اللوتو \" اليانصيب \" ويريد أن يحج من ذلك المال ويتصدق ببعضه على الفقراء والمحتاجين فما الحكم في ذلك؟\rالجواب: إن اليانصيب أو اللوتو شكل من أشكال القمار المحرم بنص كتاب الله تعالى حيث قال ﷾: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) سورة المائدة الآيات ٩٠-٩١. وهذا المال الذي حصل عليه هذا الشخص من اللوتو مال حرام لأنه مكتسب بطريق محرم وهو القمار أو الميسر حيث إن اللوتو أو اليانصيب يعتمد على الحظ وقد ورد عن محمد بن سيرين ومجاهد وعطاء أنهم قالوا: [الميسر كل شيء فيه حظ] انظر الميسر والقمار ص ٢٨. وينبغي على السائل أن يتخلص من هذا المال الحرام بصرفه كله إلى الفقراء والمساكين أو صرفه في مصالح المسلمين العامة كبناء مدرسة أو مستشفى أو إصلاح طريق ونحو ذلك ولا يحل له أن ينتفع به هو وأهله وعياله ولا يحل له أن يحتفظ بهذا المال لأنه اكتسبه من طريق غير مشروع. وقد نص كثير من أهل العلم على أن التخلص من المال الحرام يكون بالتصدق به فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: [عن رجل مرابٍ خلَّف مالاً وولداً وهو يعلم بحاله فهل يكون المال حلالاً للولد بالميراث؟ أم لا؟ فأجاب: أما القدر الذي يعلم الولد أنه ربا فيخرجه إما أن يرده إلى أصحابه إن أمكن وإلا تصدق به. والباقي لا يحرم عليه ...] مجموع الفتاوى ٢٩/٣٠٧. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [عن امرأة كانت مغنية واكتسبت في جهلها مالاً كثيراً وقد تابت ... فهل هذا المال الذي اكتسبته ... إذا أكلت وتصدقت منه تؤجر عليه؟ فأجاب بأن هذا المال لا يحل للمغنية التائبة ولكن يصرف في مصالح المسلمين ... إلخ) انظر مجموع الفتاوى ٢٩/٣٠٨-٣٠٩. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام؟ فأجاب بأنه يخرج قدر المال الحرام فيرده إلى صاحبه وإن تعذر عليه ذلك تصدق به] مجموع الفتاوى ٢٩/٣٠٨. وقال الشيخ القرطبي عند تفسير قوله تعالى: (فَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة الآية ٢٩٧. ما نصه: [قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت رباً فليردها على من أربى عليه ويطلبه إن لم يكن حاضراً فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك. وإن أخذ بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه فإن التبس عليه الأمر ولم يدر كم الحرام من الحلال مما بيده فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب رده حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عٌرف ممن ظلمه أو أربى عليه فإن أيس من وجوده تصدق به عنه، فإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبداً لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين ...] تفسير القرطبي ٣/٣٦٦. ومما يدل على ذلك ما رواه أبو داود بإسناده عن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر أوسع من قبل رجليه أوسع من قبل رأسه. فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله ﷺ يلوك لقمة في فمه ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها. فأرسلت المرأة فقالت: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاة فلم أجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إليَّ بها بثمنها فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليَّ بها. فقال: أطعميه الأسارى] وسكت عليه أبو داود والمنذري وقال الشيخ الألباني: رواه ابن منده في المعرفه ثم قال: وهذا سند صحيح. سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٣٩٤ وانظر المشكاة ٣/١٦٧٢. فالرسول ﷺ أمر بالتصدق بالشاة المطبوخة التي قدمت له ولأصحابه لما علم أن الشاة أخذت بغير إذن صاحبها. قال العلامة علي القاري: [فظهر أن شراءها غير صحيح لأن إذن جارها ورضاه غير صحيح] مرقاة المفاتيح ١٠/٢٩٧. ومما يدل على ذلك أيضاً ما تعددت به الروايات في قصة رهان أبي بكر ? لبعض الكفار عندما نزل قوله تعالى: (الم، غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بضع سنين) سورة الروم الآيات ١-٣. وجاء في بعض روايات هذه الحادثة: [أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: (هذا سحت فتصدق به) وكان هذا قبل تحريم القمار كما قال القرطبي، وقد ذكر ابن كثير والقرطبي عدة روايات لهذه الحادثة. تفسير القرطبي ١٤/٢-٤، تفسير ابن كثير ٣/٤٢٢-٤٢٤. وقال الإمام ابن كثير بعد أن ساق عدداً من روايات هذه الحادثة: [وقد روي نحو هذا مرسلاً عن جماعة من التابعين مثل عكرمة والشعبي ومجاهد وقتادة والسدي والزهري وغيرهم] تفسير ابن كثير ٣/٤٢٣. وقد قاس بعض أهل العلم التخلص من المال الحرام بالتصدق به قاسوه على اللقطة إن تعذر ردها إلى مالكها فإن الملتقط يتصدق بها. انظر أحكام المال الحرام ص ٣٦٢. وينبغي أن يعلم أن إخراج المال الحرام والتحلل منه ودفعه إلى الفقراء والمساكين ويسمى هذا الدفع صدقة بالنظر إلى الفقير لا بالنظر إلى المعطي ذلك أن التائب من المال الحرام بإخراجه إلى الفقراء والمساكين لأجل أن تقبل توبته لا لأجل الأجر والثواب فهذا الإخراج من مكملات التوبة وشروطها ولا أجر لهذا الشخص في تخلصه من المال الحرام. أحكام المال الحرام ص ٤١١-٤١٢. ولا ينبغي لك أيها السائل أن تحج من هذا المال الحرام فالحج من أعظم الطاعات فينبغي أن يكون المال الذي ينفق فيه من أطيب المال وأحله. يقول الله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) سورة البقرة الآية ١١٧. ويقول الله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) سورة المائدة الآية ٢٧. ويقول الرسول ﷺ (إن الله تبارك وتعال يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح وقال الإمام البغوي: هذا حديث صحيح. شرح السنة ٦/١٣٠. وفي حديث آخر قال النبي ﷺ: (والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً ولا يصعد إلى السماء إلا الطيب كأنما يضعها في يد الرحمن ...) رواه الشافعي وإسناده حسن. وفي حديث آخر قال الرسول ﷺ: (ما تصدق أحد من صدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه ... الحديث) متفق عليه. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346093,"book_id":3840,"shamela_page_id":473,"part":"10","page_num":28,"sequence_num":473,"body":"٢٨ - الخاطب ليس محرما لخطيبته في الحج\rيقول السائل: رجل خاطب وأرادت خطيبته وأم خطيبته الذهاب إلى الحج أو العمرة فهل يكون هذا الرجل محرماً لها ولأمها؟\rالجواب: من المعلوم عند أهل العلم أن الخطبة مقدمة للزواج وهي مجرد وعد بالزواج وليست زواجاً. وبناءاً على ذلك فيعتبر كل من الخاطب والمخطوبة أجنبياً عن الآخر فلا يحل لهما الاختلاط دون وجود محرم وما يفعله كثير من الخاطبين اليوم من الذهاب إلى الأماكن العامة والجلوس على انفراد والذهاب والإياب معاً مخالف للشرع لأن الخاطب ما زال أجنبياً عن المخطوبة ولا يحل له من المخطوبة سوى ما أباحه الشرع الحكيم ألا وهو النظر عند الخطبة فقد جاء في الحديث عن جابر أن الرسول ﷺ قال: (إذا خطب أحدكم المرأة فاستطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ووافقهما الألباني. وعن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ: (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) رواه النسائي والترمذي وابن ماجة وغيرهم وهو حديث صحيح. ومعنى يؤدم بينكما: أن تقع الألفة والملائمة بينكما. والخاطب لا يكون محرماً لمخطوبته ولا لأمها في السفر سواء كان لحج أو عمرة أو لغيرهما لأنه أجنبي عنهما ولا يجوز له السفر بهما فقد جاء في الحديث عن ابن عمر أن الرسول ﷺ قال: (لا تسافر المرأة ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم) رواه مسلم. وجاء في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: (لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم. فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجةً وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. قال: انطلق فحج مع امرأتك) رواه البخاري ومسلم. وأخيراً ينبغي التنبيه على أن كثيراً من عامة الناس في بلادنا يطلقون لفظ الخاطب على من كان قد عقد الزواج ولم يدخل بزوجته فإن كان الأمر كذلك فمن عقد على امرأته ولم يدخل بها فهي زوجته شرعاً فيجوز له أن يسافر بها وهو محرم على أمها فيجوز لها أن تسافر معه. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346094,"book_id":3840,"shamela_page_id":474,"part":"10","page_num":29,"sequence_num":474,"body":"٢٩ - تجوز العمرة قبل أن يحج حجة الفرض\rيقول السائل: إنه يريد أن يسافر إلى مكة المكرمة لأداء العمرة وينوي أن يعتمر بعد ذلك عن أبيه الميت فقال له بعض الناس لا يجوز لك أن تعتمر عن أبيك حتى تحج عن نفسك والسائل لم يحج عن نفسه حتى الآن فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: إن فضل العمرة عظيم وثوابها كبير فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) رواه البخاري مسلم. ويجوز للمسلم أن يعتمر قبل أن يحج وقد فعله رسول الله ﷺ قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب من اعتمر قبل الحج] ثم روى بإسناده عن ابن جريح أن عكرمة بن خالد سأل ابن عمر ﵄ عن العمرة قبل الحج فقال: لا بأس. قال عكرمة قال ابن عمر: اعتمر الرسول ﷺ قبل أن يحج. صحيح البخاري مع فتح الباري ٨/٣٤٨. وقد أجاز العلماء أن يحج المسلم وأن يعتمر عن غيره كأمه وأبيه وزوجته وإخوته وغيرهم. فقد جاء في الحديث عن ابن عباس أن امرأة من خثعم قالت: (يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره. قال: فحجي عنه) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال الرسول ﷺ: حج عن أبيك واعتمر) رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: [هذا حديث حسن صحيح وإنما ذكرت العمرة عن النبي ﷺ في هذا الحديث أن يعتمر الرجل عن غيره] سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي لابن العربي المالكي ٣/١٢٧. فقد دل الحديث السابق على جواز أن يعتمر الشخص عن غيره ولا أعلم أحداً من أهل العلم يشترط فيمن يعتمر عن غيره أن يكون قد حج عن نفسه فإن هذا الاشتراط هو في الحج فقط فمن أراد أن يحج عن غيره فينبغي أن يكون قد حج عن نفسه كما هو مذهب جمهور أهل العلم لما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك اللهم عن شبرمة. قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب. قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان والبيهقي وقال: هذا إسناد صحيح ليس في هذا الباب أصح منه. ومال إلى تصحيحه الحافظ ابن حجر وصححه الشيخ الألباني أيضاً. وما دام السائل يريد أن يعتمر عن نفسه أولاً فلا بأس أن يعتمر عن أبيه بعد ذلك وإن لم يكن قد حج عن نفسه ولا ارتباط بين الأمرين في هذا. وإن قلنا بقياس العمرة على الحج في أنه يشترط فيمن يحج عن غيره أن يكون قد حج عن نفسه فنقول ينبغي لمن أراد أن يعتمر عن غيره أن يكون قد اعتمر عن نفسه وهذا هو الغالب من حال المعتمرين إذ المعهود أن يعتمر الإنسان عن نفسه أولاً ثم يعتمر عن غيره ثانياً. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346095,"book_id":3840,"shamela_page_id":475,"part":"10","page_num":30,"sequence_num":475,"body":"٣٠ - إبراء الذمة من الحقوق قبل الحج\rيقول السائل: يقول السائل إن أحد الأشخاص ينوي الحج وأن في ذمته حقوقاً للسائل ويرفض إعطاءه هذه الحقوق حتى يعود من الحج فما حكم ذلك؟\rالجواب: الواجب على المسلم إذا نوى الحج أن يبرئ ذمته من حقوق العباد بأن يخلص نفسه وينقيها مما وجب عليه شرعاً لعباد الله، يقول الله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٨. ويقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) سورة المائدة الآية ١. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم. وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري. وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (أتدرون من المفلس، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) رواه مسلم. وغير ذلك من الأحاديث التي يؤخذ منها أن على المسلم أن يبرئ ذمته من حقوق العباد وقد أكد العلماء على إبراء الذمة من حقوق العباد لمن أراد الحج فينبغي عليه أن يبرئ ذمته. قال الأمام النووي: [إذا استقر عزمه لسفر حج أو غزو أو غيرهما فينبغي أن يبدأ بالتوبة من جميع المعاصي والمكروهات ويخرج من مظالم الخلق ويقضي ما أمكنه من ديونهم ويرد الودائع ويستحل كل من بينه وبينه معاملة في شيء أو مصاحبة ويكتب وصيته ويشهد عليه بها ويوكل من يقضي ما لم يتمكن من قضائه من ديون ويترك لأهله ومن يلزمه نفقته نفقتهم إلى حين رجوعه] المجموع ٤/٣٨٥. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: [إذا عزم المسلم السفر إلى الحج أو العمرة استحب له أن يوصي أهله وأصحابه بتقوى الله ﷿ وهي فعل أوامره واجتناب نواهيه وينبغي أن يكتب ماله وما عليه من الدين ويشهد على ذلك ويجب عليه المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب لقوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وحقيقة التوبة الإقلاع من الذنوب وتركها والندم على ما مضى منها والعزيمة على عدم العودة فيها وإن كان عنده للناس مظالم من نفس أو مال أو عرض ردها إليهم أو تحللهم منها قبل سفره لما صح عنه ﷺ أنه قال: (من كان عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض فليتحلل اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) ] التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة ص ١٠-١١. فالواجب على هذا الشخص أن يبرىء ذمته من جميع حقوق العباد قبل سفره للحج. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346096,"book_id":3840,"shamela_page_id":476,"part":"10","page_num":31,"sequence_num":476,"body":"٣١ - هل الردة مبطلة للحج؟\rيقول السائل: حج شخص قبل مدة ثم ارتد عن الإسلام وبقي مرتداً مدة من الزمن ثم هداه الله وعاد الآن إلى الإسلام وندم على ما حصل منه ويسأل عن حجته التي حجها هل تعد مسقطة لحجة الإسلام أم يلزمه أن يحج مرة أخرى؟\rالجواب: الردة هي خروج المسلم عن الإسلام وكفره به والعياذ بالله وقد اختلف أهل العلم في إحباط العمل بالردة واختلفوا في تفسير الآيات الواردة في ذلك. يقول الله تعالى: (ومن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) سورة البقرة الآية ٢١٧. ويقول الله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) سورة المائدة الآية ٥. فمن العلماء من قال إن الردة التي تحبط الأعمال وتبطلها هي الردة المستمرة حتى الوفاة بأن يموت الشخص على الكفر لما في الآية الكريمة (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) فإذا لم يمت على الكفر بأن عاد إلى الإسلام فإن ثواب عمله يحبط ولا يطالب بإعادة العمل. ومنهم من رأى أن الأعمال تبطل بمجرد الارتداد لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) . والمراد بحبوط الأعمال: [أي صارت أعمالهم الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام فاسدة بمنزلة ما لم تكن. قيل وأصل الحبط فساد يلحق الماشية بأكل الحباط وهو ضرب من الكلأ مضر وفي النهاية أحبط الله تعالى عمله أبطله، يقال: حبط عمله وأحبط وأحبطه غيره وهو من قولهم حبطت الدابة حبطاً بالتحريك إذا أصابت مرعى طيباً فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت وقرء حبطت بالفتح وهو لغة فيه] تفسير الألوسي ١/٥٠٥. قال الإمام النووي: [ومن حج ثم ارتد ثم أسلم لم يلزمه الحج بل يجزئه حجته السابقة عندنا وقال أبو حنيفة وآخرون يلزمه الحج ومبنى الخلاف على أن الردة متى تحبط العمل؟ فعندهم تحبطه في الحال سواء أسلم بعدها أم لا فيصير كمن لم يحج. وعندنا لا تحبطه إلا إذا اتصلت بالموت لقوله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) ] المجموع ٧/٩. وقال الإمام النووي أيضاً: [إذا صلى المسلم ثم ارتد ثم أسلم ووقت تلك الصلاة باق لم يجب إعادتها وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية عنه يب والمسألة مبنية على أصل سبق وهو أن عندنا لا تبطل الأعمال بالردة إلا أن تتصل بالموت وعندهم يبطل بنفس الارتداد احتجوا بقول الله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) واحتج أصحابنا بقول الله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) فعلق الحبوط بشرطين الردة والموت عليها والمعلق بشرطين لا يثبت بأحدهما والآية التي احتجوا بها مطلقة وهذه مقيدة فيحمل المطلق على المقيد، قال الشافعي والأصحاب يلزم المرتد إذا أسلم أن يقضي كل ما فاته في الردة أو قبلها وهو مخاطب في حال الردة بجميع ما يخاطب به المسلم وإذا أسلم لا يلزمه إعادة ما كان فعله قبل الردة من حج وصلاة وغيرهما والله أعلم] المجموع ٣/٥. وقال الإمام ابن العربي المالكي: [اختلف العلماء رحمة الله عليهم في المرتد هل يحبط عمله نفس الردة أم لا يحبط إلا على الموافاة على الكفر؟ فقال الشافعي: لا يحبط له عمل إلا بالموافاة كافراً وقال مالك يحبط بنفس الردة ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم فقال مالك: يلزمه الحج لأن الأول قد حبط بالردة. وقال الشافعي: لا إعادة عليه لأن عمله باق، واستظهر عليه علماؤنا بقول الله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ ليَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وقالوا: هو خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته لأنه ﷺ يستحيل منه الردة شرعاً، وقال أصحاب الشافعي: بل هو خطاب للنبي ﷺ على طريق التغليظ على الأمة وبيان أن النبي ﷺ على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله فكيف أنتم؟ لكنه لا يشرك لفضل مرتبته، كما قال الله تعالى: (يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) وذلك لشرف منزلتهن وإلا فلا يتصور إتيان فاحشة منهن صيانة لصاحبهن المكرم المعظم، قال ابن عباس حين قرأ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) والله ما بغت امرأة نبي قط ولكنهما كفرتا. وقال علماؤنا: إنما ذكر الموافاة شرطاً هاهنا لأنه علق عليها الخلود في النار جزاءً فمن وافى كافراً خلّده الله في النار بهذه الآية ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين مختلفين وحكمين متغايرين وما خوطب به النبي ﷺ فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه به وما ورد في أزواجه ﷺ فإنما قيل ذلك فيهن ليبين أنه لو تصور لكان هتكاً لحرمة الدين وحرمة النبي ﷺ ولكل هتك حرمة عقاب وينزل ذلك منزلة من عصى في شهر حرام أو في البلد الحرام أو في المسجد الحرام فإن العذاب يضاعف عليه بعدد ما هتك من الحرمات والله الواقي لا رب غيره] أحكام القرآن ١/١٤٧-١٤٨، وانظر تفسير القرطبي ٣/٤٨- ٤٩. وقال الألوسي: [واستدل الشافعي بالآية على أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها وذلك بناءً على أنها لو أحبطت مطلقاً لما كان للتقييد بقوله سبحانه: (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) فائدة والقول بأن فائدته أن إحباط جميع الأعمال حتى لا يكون له عمل أصلاً موقوف على الموت على الكفر حتى لو مات مؤمناً لا يحبط إيمانه ولا عمل يقارنه وذلك لا ينافي إحباط الأعمال السابقة على الارتداد بمجرد الارتداد مما لا معنى له لأن المراد من الأعمال في الآية الأعمال السابقة على الارتداد إذ لا معنى لحبوط ما لم يفعل فحينئذ لا يتأتى هذا القول كما لا يخفى وقيل بناءً على أنه جعل الموت عليها شرطاً في الإحباط وعند انتفاء الشرط ينتفي المشروط واعترض بأن الشرط النحوي والتعليقي ليس بهذا المعنى بل غايته السببية والملزومية وانتفاء السبب أو الملزوم لا يوجب انتفاء المسبب أو اللازم لجواز تعدد الأسباب ولو كان شرطاً بهذا المعنى لم يتصور اختلاف القول بمفهوم الشرط. وذهب إمامنا أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إلى أن مجرد الارتداد يوجب الإحباط لقوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) المائدة الآية ٥. وما استدل به الشافعي ليس صريحاً في المقصود لأنه إنما يتم إذا كان جملة: (وأؤلئك) الخ، تذييلاً معطوفاً على الجملة الشرطية وأما لو كانت معطوفة على الجزاء وكان مجموع الإحباط والخلود في النار مرتباً على الموت على الردة فلا نسلم تماميته ومن زعم ذلك اعترض على الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه بأن اللازم عليه حمل المطلق على المقيد عملاً بالدليلين وأجيب بأن حمل المطلق على المقيد مشروط عنده بكون الإطلاق والتقييد في الحكم واتحاد الحادثة وما هنا في السبب فلا يجوز الحمل لجواز أن يكون المطلق سبباً كالمقيد] تفسير الألوسي ١/٥٠٥. وبعد هذا العرض لأقوال العلماء يظهر أن حمل المطلق على المقيد وجيه جداً. قال الشوكاني: [والواجب حمل ما أطلقته الآيات في غير هذا الموضع على ما في هذه الآية من التقييد] تفسير فتح القدير ١/٢١٨. وقال الشيخ الشنقيطي: [ومقتضى الأصول حمل هذا المطلق على هذا المقيد فيقيد إحباط العمل بالموت على الكفر وهو قول الشافعي ومن وافقه خلافاً لمالك القائل بإحباط الردة العمل مطلقاً] أضواء البيان ٢/٦. ومع وجاهة هذا القول وقوته وهو أن الحج السابق على الردة معتبر ولا يلزم إعادته فأقول خروجاً من خلاف أهل العلم أرى أن يحج هذا الشخص مرة أخرى وقد صح في الحديث قول النبي صلى الله عله وسلم: (دع ما يريبك إلا ما لا يريبك) رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح. وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346097,"book_id":3840,"shamela_page_id":477,"part":"10","page_num":32,"sequence_num":477,"body":"٣٢ - إبراء الذمة من الحقوق قبل الحج\rالدين والحج، يقول السائل: إنه يريد الحج وعليه ديون للناس فماذا يفعل؟\rالجواب: إن من شروط وجوب الحج على المسلم أن يكون مستطيعاً لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) والاستطاعة المالية داخلة في ذلك ومن كان عليه ديون للناس فعليه أن يسدد هذه الديون فإن استطاع تسديدها وفضل معه من المال ما يكفي للحج فيجب عليه الحج وإن لم يبق معه ما يكفي للحج فلا يجب عليه الحج، فهذا الأصل في هذه المسألة. ولكن نظراً لبعض الظروف المتعلقة بالحج في بلادنا فإن من كان عليه دين وعنده مال يكفي لذهابه إلى الحج فلو استئذن من أصحاب الديون وطلب منهم الإمهال وأذنوا له بالذهاب إلى الحج فلا بأس بذلك إن شاء الله هذا إذا كان ذهابه لأداء فريضة الحج وأما إن كان ذهابه لحج النافلة فالأولى في حقه أن يسدد ديونه لأن سداد الديون واجب وحجه نافلة والواجب يقدم على النافلة. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346098,"book_id":3840,"shamela_page_id":478,"part":"10","page_num":33,"sequence_num":478,"body":"٣٣ - الحج عن الغير\rيقول السائل: هل يجوز للولد أن يحج عن والده المتوفى في حجة نافلة وهل يصل ثوابها إلى أبيه الميت؟\rالجواب: يجوز للولد أن يحج عن أبيه الميت حجة نافلة وينتفع الأب بذلك ويصل إليه الثواب إن شاء الله. وهذا مذهب جمهور الفقهاء ويدل على ذلك أحاديث كثيرة وردت في حج الإنسان عن غيره. فمنها حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة قالت: (يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ أقضوا الله فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري. ومنها حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة من خثعم قالت: (يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً لايستطيع أن يستوي على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: حجي عنه) رواه البخاري ومسلم. ومنها حديث عبد الله بن الزبير ﵁ قال: (جاء رجل من خثعم إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل والحج مكتوب عليه أفأحج عنه؟ قال: أنت أكبر ولده؟ قال: نعم. قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزي ذلك عنه؟ قال: نعم. قال: فاحجج عنه) رواه أحمد والنسائي بمعناه، وقال الحافظ: إسناده صالح. ومنها حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. قال: (ومن شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي. قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. وغير ذلك من الأحاديث وإن كانت واردة في حج الفريضة، فإن النافلة داخلة فيها لأن العلماء قد نصوا على أن كل عبادة جازت النيابة في فرضها جازت النيابة في نفلها. وأما انتفاع الميت بثواب عمل الحي فثابت بأدلة كثيرة وهو مذهب جمهور أهل العلم. وبناء على ما سبق فيجوز للولد أن يحج نافلة عن والده وهذا من البر والإحسان ويدخل في عموم قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) . *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346099,"book_id":3840,"shamela_page_id":479,"part":"10","page_num":34,"sequence_num":479,"body":"٣٤ - الحج عن الغير\rيقول السائل: إن والديه قد ماتا ولم يؤديا فريضة الحج لفقرهما وهو رجل غني يريد أن يحج عنهما فهل يحج عن أبيه أولاً أم عن أمه أفيدونا؟\rالجواب: إن الحج عن الوالدين الذين قد ماتا وهما فقيرين ولم يؤديا فريضة الحج من باب البر بهما والإحسان إليهما، قال تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) سورة الإسراء ٢٣، وهذا الولد له الأجر والثواب الجزيل إن شاء الله تعالى ويقع الحج عن الوالدين الميتين وينتفعان به بإذن الله تعالى. ويدل على جواز الحج عن الغير أدلة كثيرة من سنة النبي ﷺ منها: عن ابن عباس ﵄: (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟! اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري. وعن ابن عباس ﵄ قال: (كان الفضل بن عباس رديف النبي ﷺ فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم وذلك في حجة الوداع) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية مسلم: (قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عبادة في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم) . وعن أبي رزين العقيلي أنه قال: (يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال: حج عن أبيك واعتمر) رواه النسائي، وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ٢/٥٥٦، والظعن أي الارتحال والسفر. وعن عبد الله بن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول الله ﷺ فقال: (إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الركوب وأدركته فريضة الله في الحج فهل يجزىء أن أحج عنه قال: آنت أكبر ولده؟ قال: نعم، قال: أرأيت لو كان عليه دين أكنت تقضيه؟ قال: نعم، قال: فحج عنه) رواه النسائي وأحمد والبيهقي وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صالح. التلخيص الحبير ٢/٢٢٥. وقد أخذ جمهور أهل العلم بمقتضى هذه الأحاديث فأجازوا الحج عن الميت وأجازوا الحج عن المريض مرضاً لا يرجى برؤه ولا يستطيع تحمل مشاق السفر وكذلك الكبير الذي لا يحتمل مشاق السفر فيجوز الحج عن هؤلاء بشرط أن يكون النائب وهو من يح عن غيره قد حج عن نفسه وهذا قول الشافعية والحنابلة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه كما قال الشيخ ابن قدامة في المغني ٣/٢٣٥. ويدل على هذا الإشتراط ما ورد في الحديث عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال رسول الله ﷺ: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: هل حججت قط؟ قال: لا، قال: فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة) رواه أبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٤/١٧١. إذا تقرر جواز الحج عن الغير وبما في ذلك الأب والأم بالشرط السابق فينبغي أن يبدأ بالحج عن أمه أولاً ثم يحج عن أبيه في عام آخر لأن الأم مقدمة في البر على الأب، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [يستحب أن يحج الإنسان عن أبويه إذا كانا ميتين أو عاجزين لأن النبي ﷺ أمر أبا رزين فقال: (حج عن أبيك واعتمر) و (سألت امرأة رسول الله ﷺ عن أبيها مات ولم يحج فقال: حجي عن أبيك) ويستحب البداءة بالحج عن الأم إن كان تطوعاً أو واجباً عليهما نص عليه أحمد في التطوع لأن الأم مقدمة في البر، قال أبو هريرة: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك) رواه مسلم والبخاري، وإن كان الحج واجباً على الأب دونها بدأ به لأنه واجب فكان أولى من التطوع. وروى زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا حج الرجل عن والديه يقبل منه ومنهما واستبشرت أرواحهما في السماء وكتب عند الله براً) . وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: (من حج عن أبويه أو قضى عنهما مغرماً بعث يوم القيامة مع الأبرار) ] المغني ٣/٢٣٥. والحديثان الأخيران اللذان وردا في كلام ابن قدامة ضعيفان عند أهل الحديث، قال الشيخ الألباني عن حديث زيد بن أرقم: (إذا حج الرجل عن والديه يقبل منه ... الخ) ضعيف أخرجه الدارقطني وابن شاهين، السلسلة الضعيفة ٣/٦٢٦. وقال الشيخ الألباني عن حديث ابن عباس: (من حج عن أبويه ... ) ضعيف جداً أخرجه ابن شاهين والطبراني في الأوسط والدارقطني. السلسة الضعيفة ٣/٦٢٨. ومع ضعف الحديثين السابقين إلا أنه يستأنس بهما لأنهما يدخلان تحت أصل صحيح كما سبق في حديث الخثعمية وحديث أبي رزين وغيرهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346100,"book_id":3840,"shamela_page_id":480,"part":"10","page_num":35,"sequence_num":480,"body":"٣٥ - أيهما يقدم الحج أم سداد الديون\r\rيقول السائل: هل يجوز لي الحج قبل أن أسدد ديوني وهي كثيرة علماً أن أصحاب الديون لا يمانعون في حجي، أفيدونا؟\r\rالجواب: ينبغي أن يُعلم أولاً أن أمر الدَّيون عظيم، ولا ينبغي للإنسان أن يدّان إلا إذا احتاج للمال فعلاً، والدين قد يكون سبباً في حبس المؤمن وكذا الشهيد عن الجنة، لما ثبت في الحديث أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: (أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر يكفر الله عني خطاياي؟ فقال النبي ﷺ: نعم. فلمّا أدبر ناداه رسول الله ﷺ أو أمر به فنودي. فقال رسول الله ﷺ: كيف قلت؟ فأعاد عليه قوله. فقال النبي ﷺ: نعم إلا الدَّين كذلك قال جبريل) رواه مسلم. وثبت في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول ﷺ قال: (يُغفر للشهيد كلُ ذنبٍ إلا الدَّين) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [وأما قوله ﷺ: (إلا الدَّين) ففيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفر حقوق الآدميين، وإنما يكفر حقوق الله تعالى] شرح صحيح مسلم للنووي ٥/٢٨. وقال التوربشتي: [أراد بالدَّين هنا ما يتعلق بذمته من حقوق المسلمين، إذ ليس الدائن أحق بالوعيد والمطالبة منه من الجاني والغاصب والخائن والسارق] تحفة الأحوذي ٥/٣٠٢. وورد في حديث آخر عن محمد بن جحش أنه قال: (كنا جلوساً في موضع الجنائز مع رسول الله فرفع رأسه في السماء ثم وضع راحته على جبهته فقال: سبحان الله ماذا أنزل الله من التشديد؟ فسكتنا وفرِقنا. فلما كان الغد سألته: يا رسول الله ما هذا التشديد الذي نزل؟ قال: في الدَّين والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي وعليه دين ما دخل الجنة حتى يُقضى عنه) رواه النسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه العلامة الألباني في أحكام الجنائز ص ١٠٧. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أخذ أموال الناس يريد أدائها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه) رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن. ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الإمام النووي وحسنه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٥٣. وعلى من استدان ديناً أن ينوي سداده، حتى لو لم يكن لديه ما يقضيه، فإن مات بهذه النية، فإن الله يسدد عنه كما ورد في الحديث عن ميمونة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (ما من مسلم يدَّان ديناً يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا) رواه ابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٥١. وعن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من دان بدين في نفسه وفاءه ومات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء ومن دان بدين وليس في نفسه وفاءه ومات اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة) رواه الطبراني. وعن ابن عمر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (الدين دينان، فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليه، ومن مات ولا ينوي قضاءه فذلك الذي يؤخذ من حسناته ليس يومئذ دينار ولا درهم) رواه الطبراني في الكبير وصححه العلامة الألباني في أحكام الجنائز ص ٥. وفي هذه الأحاديث تحذير شديد من التساهل في أمر الديون. إذا تقرر هذا فإن الحج واجب على المستطيع، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ سورة آل عمران الآية ٩٧. وأصح أقوال العلماء في الاستطاعة ما قاله أبو جعفر الطبري: [وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قول من قال بقول ابن الزبير وعطاء: إن ذلك على قدر الطاقة. لأن\"السبيل\" في كلام العرب: الطريق، فمن كان واجداً طريقاً إلى الحج لا مانع له منه من زمانةٍ، أو عجزٍ، أو عدوٍ، أو قلة ماء في طريقه، أو زادٍ، أو ضعفٍ عن المشي، فعليه فرض الحج، لا يجزيه إلا أداؤه. فإن لم يكن واجداً سبيلاً -أعني بذلك: فإن لم يكن مطيقاً الحج، بتعذر بعض هذه المعاني التي وصفناها عليه- فهو ممن لا يجد إليه طريقاً ولا يستطيعه، لأن الاستطاعة إلى ذلك، هو القدرة عليه. ومن كان عاجزاً عنه ببعض الأسباب التي ذكرنا أو بغير ذلك، فهو غير مطيق ولا مستطيع إليه السبيل. وإنما قلنا: هذه المقالة أولى بالصحة مما خالفها، لأن الله ﷿ لم يخصص، إذ ألزم الناس فرض الحج، بعض مستطيعي السبيل إليه بسقوط فرض ذلك عنه. فذلك على كل مستطيع إليه سبيلاً بعموم الآية. فأما الأخبار التي رويت عن رسول الله ﷺ في ذلك بأنه: \"الزاد والراحلة\"، فإنها أخبار: في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين.] تفسير الطبري ٦/٤٥. ويضاف إلى ما قاله الإمام الطبري في مفهوم الاستطاعة أن يكون عند مريد الحج نفقة تكفي لمن تلزمه نفقته حتى يرجع من حجه، وتوفر المحرم أو الزوج في حق المرأة على الصحيح من أقوال العلماء، وهنالك تساهل واضح في بلادنا في سفر المرأة للحج أو للعمرة بدون زوج أو محرم، فتسافر مع مجموعة نساء وهي الصحبة المأمونة كما زعموا، وهذا قول ضعيف لا يلتفت إليه ولا يعول عليه، وقد ثبتت أدلة كثيرة تدل على حرمة سفر المرأة إلا مع زوجها أو ذي محرم منها، والمحرم هو: من لا يحل له نكاحها من الأقارب كالأب والابن والأخ والعم ومن يجري مجراهم كما ذكره ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث ١/٣٧٣. ومن العلماء من يرى أن الزوج يدخل في معنى المحرم، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والمحرم زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح كأبيها وابنها وأخيها من نسب أو رضاع] المغني ٣/٢٣٠. ومن النصوص الواردة في ذلك: عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) . وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة) رواه البخاري. والمقصود بالحرمة المحرم كما في رواية مسلم: (لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها) . وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم، فقال رجل: يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج. فقال ﷺ: اخرج معها) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت أربعاً من النبي ﷺ فأعجبنني قال: لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم في يومين الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب، ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجد الحرام ومسجد الأقصى ومسجدي هذا) رواه البخاري ومسلم، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها) رواه مسلم. ولا نملك أمام هذه النصوص إلا أن نقول ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ سورة الحشر الآية ٧. وبناءً على ما سبق فإن الأصل أن يقضي المسلم ديونه قبل الحج، ومع ذلك فهنالك عدة ضوابط تضبط أثر الديون في وجوب الحج وهي: أولاً: أن تكون الديون حالة، وليس عند المدين ما يكفي لقضاء ديونه ويكفي لحجه أيضاً، فهذا مطلوب منه أن يسدد ديونه قبل الحج، وحقوق العباد مقدمة على حق الله تعالى. ثانياً: الديون المقسطة على أقساط طويلة المدى لا تمنع من الحج، كمن اشترى داراً بثمنٍ مقسطٍ على عشر سنوات، يؤدي في كل شهرٍ قسطاً. ثالثاً: إذا تبرع أحدٌ للمدين بالحج وتكفَّل بنفقاته، فلا حرج عليه أن يحج وإن كان مديناً. رابعاً: إذا استأذن المدين من أصحاب الديون فأذنوا له بالحج فلا بأس أن يحج، ومعنى إذنهم أنهم قبلوا أن يؤخر سداد الديون، مع أن ذمته تبقى مشغولة بالديون، فإذا مات والحالة هذه فهو على خطر عظيم كما سبق في الأحاديث التي ذكرتها أولاً.\rوخلاصة الأمر أن المدين وديونه حالَّة فهذا غير مستطيع ويلزمه قضاء ديونه، وأما إذا كانت الديون مؤجلة فيجوز له أن يحج، مع أن إبراء الذمة أولى وأفضل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346101,"book_id":3840,"shamela_page_id":481,"part":"11","page_num":1,"sequence_num":481,"body":"١ - أحكام تتعلق بالتوكيل في الأضحية\rيقول السائل: يوكل بعض الناس لجان الزكاة في الأضاحي، فتتولى شرائها وذبحها وتوزيعها ولكن بعض هذه اللجان تتساهل في ذلك، فيقع خلل في الأحكام الشرعية للأضاحي، فماذا تقولون للقائمين على هذه اللجان، أفيدونا؟\r\rالجواب: قال أكثر العلماء الأضحيةُ سنةٌ مؤكدةٌ في حق الموسر، وبه قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وجماعة من الصحابة ﵃ أجمعين وقاله جماعة من التابعين وبه قال مالك في القول المشهور عنه والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد من الحنفية وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود وابن حزم الظاهريان وابن المنذر وغيرهم. وهذا أرجح قولي العلماء في حكم الأضحية.\r\rوالأضحية شعيرة من شعائر الله وهي واجبة التعظيم كما قال ﷻ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. ومن ضمن تعظيمها ذبحها وفق الأحكام الشرعية الواردة فيها ومن ذلك: أن تتحقق فيها الشروط الشرعية المقررة فلا بد أن تكون الأضحية من الأنعام فقد اتفق جمهور أهل العلم بما فيهم أصحاب المذاهب الأربعة على أنه يشترط في الأضحية أن تكون من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم. ولا يصح في الأضاحي شيء من الحيوان الوحشي، كالغزال، ولا من الطيور كالديك، ويدل على ذلك قوله تعالى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ سورة الحج الآية ٣٤. قال الإمام القرطبي: [والأنعام هنا هي الإبل والبقر والغنم] تفسير القرطبي ١١/٤٤.\rويدل على ذلك أيضاً أنه لم تنقل التضحية بغير الأنعام عن النبي ﷺ. ولا بد أن تكون الأضحية قد بلغت سن التضحية فقد اتفق جمهور أهل العلم على أنه لا يجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثني فما فوقه، ويجزئ من الضأن الجذع فما فوقه، ويدل على ذلك ما ورد في حديث جابر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (لا تذبحوا إلا مسنةً إلا أن يَعسر عليكم فتذبحوا جذعةً من الضأن) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [قال العلماء المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/١٠١-١٠٢. والجذع من الضأن ما مضى عليه أكثر العام، أي مضى عليه ستة أشهر فأكثر، وخاصة إذا كان عظيماً بحيث لو خلط بالثنيات يشتبه على الناظر من بُعد. وأما الثني من الضأن والمعز فما أتم سنة، والثني من البقر ما أتم سنتين، والثني من الإبل ما أتم خمس سنين، ويجب أن يعلم أن الالتزام بالسن المقرر شرعاً في الأضحية أمر مطلوب شرعاً، ولا تجوز مخالفته بالنقص عنه، وتجوز الزيادة عليه فلا تصح التضحية بالعجول المسمنة مهما بلغ وزنها ولا بد من الالتزام بالسن المقرر عند الفقهاء في البقر وهو سنتان، ولا يصح النقص عنه.\rولا بد أن تكون الأضحية سليمة من العيوب المانعة من صحتها فقد ثبت في الحديث عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها والكسير التي لا تنقي) رواه أصحاب السنن الأربعة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم. وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٤/٣٦١. قال الحافظ ابن عبد البر: [أما العيوب الأربعة المذكورة في هذا الحديث فمجتمع عليها لا أعلم خلافاً بين العلماء فيها. ومعلوم أن ما كان في معناها داخل فيها ولا سيما إذا كانت العلة فيها أبين، ألا ترى أن العوراء إذا لم تجز فالعمياء أحرى ألا تجوز، وإذا لم تجز العرجاء فالمقطوعة الرجل أو التي لا رِجل لها المقعدة أحرى ألا تجوز، وهذا كله واضح لا خلاف فيه] فتح المالك ٧/٦.\rفالأضحية قربة يتقرب بها العبد إلى الله ﷿، والله طيب لا يقبل إلا طيباً، فينبغي أن تكون الأضحية، طيبة، سمينة، وخالية من العيوب التي تنقص من لحمها وشحمها.\rولا بد أن تذبح الأضحية بعد دخول الوقت المقرر شرعاً لذبحها وهو بعد طلوع شمس اليوم العاشر من ذي الحجة، وبعد دخول وقت صلاة الضحى، ومُضي زمان من الوقت يسع صلاة ركعتين وخطبتين خفيفتين، لا فرق في ذلك بين أهل الحضر والبوادي. وهذا قول الشافعية والحنابلة والظاهرية وهو أرجح أقوال أهل العلم في المسألة ويدل على ذلك ما ورد في حديث البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا، نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النسك في شيء) رواه البخاري ومسلم، وجاء في رواية أخرى: (لا يضحين أحدٌ حتى يصلي) رواه مسلم. وينتهي وقت ذبح الأضحية بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، أي أن أيام النسك أربعة، يوم العيد وثلاثة أيام بعده. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (كل أيام التشريق ذبح) رواه أحمد وابن حبان وصححه، وصححه أيضاً العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢/٨٣٤.\rوبعد هذا البيان الموجز أقول للقائمين على لجان الزكاة إنكم وكلاء عن الناس الذين وكلوكم بالأضاحي، والأصل في الوكيل الأمانة فأنتم أمناء على هذه الأضاحي، فما كان فيها من نقص أو خلل فأنتم الذين تتحملونه أمام الله ﷿، فاحذروا من الإخلال بشروط الأضحية وافحصوها واحدة واحدة، فقد ثبت في الحديث عن علي ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذنين) . رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ ثم قال قوله: أن نستشرف، أي أن ننظر صحيحاً والمقصود أن ننظر إليهما ونتأمل في سلامتهما من آفة تكون بهما. سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٥/٦٨.\rواحذروا من ذبح الأضاحي قبل الوقت المقرر شرعاً أو بعده فإن ذلك لا يجزئ. واحذروا كذلك من التلاعب في توزيعها حسب أهوائكم وانتمائكم.\rوخلاصة الأمر أن الأضحية عبادة وقربة إلى الله ﷿، ومعلوم أن الأصل في العبادات هو التلقي عن رسول الله ﷺ، فلا بد من تحقق الأحكام الشرعية في الأضحية وعلى كل من وكل بأضحية غيره أن يتحقق من توفر الشروط الشرعية فيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346102,"book_id":3840,"shamela_page_id":482,"part":"11","page_num":2,"sequence_num":482,"body":"٢ - لا يجوز تجاوز شروط الأضحية فهي توقيفية\rيقول السائل: إنه قرأ على شبكة الإنترنت فتوى تقول إن الشروط التي اشترطها الفقهاء للأضحية هي شروط من اجتهادهم وأنه لا يوجد هناك نصوص صريحة توجب ضرورة أن تكون الأضحية بسن معينة فما قولكم أفيدونا؟\r\rالجواب: الأضحية شعيرة من شعائر الله وقربة يتقرب بها العبد إلى ربه ﷿ وسنة مؤكدة من سنن المصطفى ﷺ وهي عبادة توقيفية عن رسول الله ﷺ والمطلوب من المسلم أن يعظم شعائر الله وأن يقتدي برسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. وقال تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٢١.\rوالشروط التي شرطها الفقهاء في الأضحية ليست شروطاً اجتهادية كما ورد في الفتوى المشار إليها وإنما وضعها الفقهاء بناءً على النصوص الشرعية فمن شروط الأضحية أن تكون من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم كما هو قول جمهور أهل العلم بما فيهم أصحاب المذاهب الأربعة قال الإمام الشافعي: [هم الأزواج الثمانية التي قال الله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ الأنعام الآية ١٤٣. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ الأنعام الآية ١٤٤. يعني ذكراً وأنثى، فاختص هذه الأزواج الثمانية من النعم بثلاثة أحكام: أحدها: وجوب الزكاة فيها. والثاني: اختصاص الأضاحي بها. والثالث: إباحتها في الحرم والإحرام] الحاوي ١٥/٧٥-٧٦وقال القرطبي: [والذي يضحى به بإجماع المسلمين الأزواج الثمانية وهي الضأن والمعز والإبل والبقر] تفسير القرطبي ١٥/١٠٩. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ سورة الحج الآية ٣٤. وقال القرطبي أيضاً: [والأنعام هنا هي الإبل والبقر والغنم] تفسير القرطبي ١١/٤٤. ويدل على ذلك قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِنَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ سورة المائدة الآية ١. ويدل على ذلك أنه لم تنقل التضحية بغير الأنعام عن النبي ﷺ وبناءً على هذا الشرط لا يصح قول من قال بجواز توزيع اللحوم كبديل عن الأضحية لمن لا يستطيع أن يضحي لضعف قدراته المادية تغليباً للنفع والفائدة للفقراء فهذا القول باطل مناقض للنصوص الشرعية فلا بد في الأضحية من إراقة الدم بذبح حيوان من الأنعام الأربعة وأما شراء اللحم وتوزيعه فلا يكون أضحية بحال من الأحوال حتى لو اشترى بقرة كاملة مذبوحة ووزعها على الفقراء فليست أضحية وإنما تعتبر صدقة من الصدقات. وكذلك لا يجوز شرعاً إخراج قيمة الأضحية بدلاً من ذبحها والقول بجواز إخراج قيمة الأضحية تشريع جديد ومنكر من القول وزوراً قال الله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ سورة الشورى الآية ٢١ وبناءً على ذلك كانت الأضحية أفضل من التصدق بثمنها كما هو مذهب جمهور أهل العلم بما فيهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وربيعة وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم انظر الاستذكار ١٥/١٥٧، تفسير القرطبي ١٥/١٠٧-١٠٨، المجموع ٨/٤٢٥، المغني ٩/٤٣٦\rوروى عبد الرزاق بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: [لأن أضحي بشاة أحب إليَّ من أن أتصدق بمئة درهم] المصنف ٤/٣٨٨ وقال الإمام النووي: [مذهبنا أن الأضحية أفضل من صدقة التطوع، للأحاديث الصحيحة المشهورة في فضل الأضحية، ولأنها مختلف في وجوبها، بخلاف صدقة التطوع، ولأن الأضحية شعار ظاهر] المجموع ٨/٤٢٥. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والأضحية والعقيقة والهدي أفضل من الصدقة بثمن ذلك، فإذا كان معه مال يريد التقرب إلى الله كان له أن يضحي به] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٦/٣٠٤. وقال الشيخ ابن القيم: [الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه فإن نفس الذبح وإراقة الدم مقصود، فإنه عبادة مقرونة بالصلاة كما قال تعالى ﴿فصل لربك وانحر﴾ وقال تعالى ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ ففي كل ملة صلاة ونسك لا يقوم غيرها مقامها ولهذا لو تصدق عن دم المتعة والقران بأضعاف القيمة لم يقم مقامه وكذلك الأضحية] تحفة المودود ص٦٥.\rوالشرط الثاني من شروط الأضحية أن تبلغ سن التضحية فقد اتفق جمهور أهل العلم على أنه لا يجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثني فما فوقه ويجزئ من الضأن الجذع فما فوقه. ودليل هذا الشرط حديث جابر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (لا تذبحوا إلا مسنةً إلا أن يَعسر عليكم فتذبحوا جذعةً من الضأن) رواه مسلم وغير ذلك من الأحاديث. قال الإمام النووي: [قال العلماء المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/١٠١-١٠٢. والثني من الضأن والمعز ما أتم سنة. والثني من البقر ما أتم سنتين. والثني من الإبل ما أتم خمس سنين والجذع من الضأن ما مضى عليه أكثر العام أي مضى عليه ستة أشهر فأكثر، وخاصة إذا كان عظيماً بحيث لو خلط بالثنيات يشتبه على الناظر من بعد\rقال الإمام الشافعي: [الضحايا الجذع من الضأن، والثني من المعز والإبل والبقر، ولا يكون شيء دون هذا ضحية] الأم ٢/٢٢٣. وقال الإمام النووي: [وأجمعت الأمة على أنه لا تجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثني] المجموع ٨/٣٩٤ وإن المدقق في الأحاديث التي أشارت إلى السن يرى أنه لا يجوز تجاوز تلك السن ويدل على ذلك ما ورد عن البراء بن عازب ﵁ قال قال النبي ﷺ: (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر من فعله فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح فقال إن عندي جذعة، فقال إذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك) رواه البخاري. وقال الإمام البخاري: باب قول النبي ﷺ لأبي بردة (ضح بالجذع من المعز ولن تجزئ عن أحد بعدك) ثم ساق حديث البراء المتقدم برواية أخرى: (ضحى خال لي يقال له أبو بردة قبل الصلاة فقال له رسول الله ﷺ: شاتك شاة لحم. فقال: يا رسول الله: إن عندي داجناً جذعة من المعز. فقال النبي ﷺ: إذبحها ولا تصلح لغيرك) وقد ورد في عدة روايات اختصاص أبي بردة بالتضحية بالجذع من المعز وشاركه في الاختصاص عقبة بن عامر والألفاظ التي تدل على الاختصاص كما بينها الحافظ ابن حجر: (ولا رخصة فيها لأحد بعدك) (ولن تجزئ عن أحد بعدك) (وليست فيها رخصة لأحد بعدك) فتح الباري ١٢/١٠٩. وهذا التخصيص من النبي ﷺ يدل على أنه لا تصح التضحية بالجذع من الإبل والبقر والماعز، وهو الذي اعتمد عليه الفقهاء في قولهم إنه لا تجوز التضحية بما دون السنتين من البقر. وبناءً على ما تقدم أقول لا تصح التضحية بالعجول المسمنة مهما بلغ وزنها ولا بد من الالتزام بالسن المقرر عند الفقهاء في البقر وهو سنتان، ولا يصح النقص عنه. جاء في الفتاوى الهندية: [وتقدير هذه الأسنان بما قلنا يمنع النقصان ولا يمنع الزيادة حتى ولو ضحى بأقل من ذلك شيئاً لا يجوز ولو ضحى بأكثر من ذلك شيئاً يجوز ويكون أفضل ولا يجوز في الأضحية حمل ولا جدي ولا عجول ولا فصيل] الفتاوى الهندية ٥/٢٩٧ وينبغي أن يعلم أنه ليس المقصود من الأضحية اللحم فقط، وتوزيعه صدقة أو هدية وإنما يقصد بالأضحية أيضاً تعظيم شعائر الله ﷿، وإراقة الدم كوسيلة من وسائل الشكر لله تعالى، قال الله تعالى:﴾ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴿سورة الحج الآية ٣٢. وكذلك الامتثال لأمر الله ﷿ بإراقة الدم، اقتداءً بإبراهيم ﵊ كما قال تعالى:﴾ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ سورة الحج الآية ٣٧. ولو كان المقصود بالأضحية اللحم لما أمر النبي ﷺ أبا بردة لما ذبح قبل الوقت المقرر شرعاً أن يعيد الذبح لأن المقصود قد حصل فعن البراء ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر بعد الصلاة فقال: من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم. فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت فأكلت وأطعمت أهلي وجيراني. فقال رسول الله ﷺ: تلك شاة لحم. فقال: إن عندي عناقاً جذعةً وهي خيرٌ من شاتي لحم فهل تجزئ عني؟ قال: نعم، ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك) رواه البخاري ومسلم.\rوقد أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال وجهه أحد مسلمي منطقة ٤٨ عن التضحية بالعجول المسمنة التي لم تبلغ السنتين فأجابت بما يلي: [جرى فقه أئمة المسلمين على أنه لا يجزىء في الأضحية إلا الأنعام، وهى الإبل والبقر والغنم، لقوله تعالى ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ الحج ٢٨، وأقل ما يجزىء من هذه الأنواع في الأضحية الجذع من الضأن، والثنية من المعز وغيرها. لما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال (لا تذبحوا إلا مسنة، إلا إن تعسر عليكم، فاذبحوا جذعة من الضأن) وروى عن علي ﵁ قال: (ولا يجوز في الضحايا إلا الثني من المعز والجذعة من الضأن) وعن ابن عباس ﵁ قال: (لا تضحوا بالجذع من المعز والإبل والبقر) والثني من البقر والمعز ما كان لها سنتان ودخلت في الثالثة، ومن الإبل ما كان لها خمس سنوات ودخلت في السادسة، وقد جزم الثقات من أهل اللغة بأن الجذع من الضأن والماعز والظباء والبقر ما أتم عاماً كاملاً ودخل في الثاني من أعوامه فلا يزال جذعاً حتى يتم عامين ويدخل في الثالث فيكون ثنياً وتحديد سن الأضحية توقيفي بمعنى أنه ثابت بالسنة الصحيحة أن الجذع من الضأن كاف تجوز به الأضحية، أما من غيره فلا تجزيء وليست الحكمة في هذا - والله أعلم - كثرة اللحم مع تلك السن أو قلته مع هذه ... لما كان ذلك: لم تجزيء الأضحية من البقر المسئول عنه مادام سنه منذ ولادته عشرة أشهر، ولابد لجوازه أضحية مشروعة أن يكون له عامان ودخل في الثالث على ما تقدم بيانه لأن الاعتبار لبلوغ سن التلقيح لا لكثرة اللحم]\rوالشرط الثالث من شروط الأضحية أن تكون سليمة من العيوب المانعة من صحة الأضحية فعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها والكسير التي لا تنقي. قال: – أي الراوي عن البراء وهو عبيد بن فيروز – قلت: فإني أكره النقص في السن. قال: - أي البراء – ما كرهتَ فدعه، ولا تحرمه على أحد) رواه أصحاب السنن. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم. وصححه الشيخ الألباني إرواء الغليل ٤/٣٦١.\rومن شروط صحة الأضحية أن تذبح في الوقت المقرر شرعاً بدايةً ونهايةً فمن ذبح قبل دخول الوقت فلا تعتبر ذبيحته أضحية فعن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا، نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النسك في شيء) رواه البخاري ومسلم\rوعن البراء ﵁ قال: (ذبح أبو بردة قبل الصلاة فقال له النبي ﷺ: أبدلها. قال: ليس عندي إلا جذعة – قال شعبة: وأحسبه قال هي خيرٌ من مسنَّة – قال: اجعلها مكانها ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك) رواه البخاري ومسلم. وخلاصة الأمر أن شروط الأضحية شروط توقيفية وليست اجتهادية كما ورد في السؤال ولا بد من الالتزام بها ومن أخل بشرط منها فلا يعد ما ذبحه أضحية وهذا ما اتفق عليه أهل العلم ولا يغترن أحد ببعض الفتاوى التي تجاوزت تلك الشروط بحجة التيسير والتسهيل على الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346103,"book_id":3840,"shamela_page_id":483,"part":"11","page_num":3,"sequence_num":483,"body":"٣ - الاستدانة من أجل العقيقة\rيقول السائل: إنه رزق ببنت ولا يملك ثمن العقيقة فهل يستدين ليعق عن بنته؟\r\rالجواب: العقيقة من السنن الثابتة عن النبي ﷺ فقد ثبت في الحديث عن سلمان بن عامر الضبي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى) رواه البخاري.\rوعن سَمُرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمَّى) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح.\rوعن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ عقّ عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً) رواه أبو داود وقال النووي: إسناده صحيح. المجموع ٨/٤٢٨ وغير ذلك من الأحاديث.\rولا شك أن ن إحياء السنن النبوية أمر مطلوب شرعاً من المسلم فينبغي المحافظة على هذه السنة في حق كل من كان مستطيعاً لها، فالأفضل لمن أراد العقيقة أن يكون مستطيعاً فإذا كانت الواجبات الشرعية كالحج قد اشترط فيها الاستطاعة فمن باب أولى السنن.\rوقال بعض أهل العلم إن العقيقة مشروعة في حق الفقير الذي لا يملك ثمنها، بل إن الإمام أحمد يرى أنه يستحب للمسلم إن كان معسراً أن يستقرض ويشتري عقيقة ويذبحها إحياءً للسنة، وقد ورد عن الإمام أحمد وقد سئل عن العقيقة إن استقرض، قال الإمام أحمد: [رجوت أن يخلف الله عليه، أحيا سنة] . وسأله ابنه صالح: [الرجل يولد له وليس عنده ما يعق أحب إليك أن يستقرض ويعق عنه أم يؤخر ذاك حتى يوسر؟ قال: أشد ما سمعنا في العقيقة حديث الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ: (كل غلام مرتهن بعقيقته) وإني لأرجو إن استقرض أن يعجل الله الخلف لأنه أحيا سنة من سنن رسول الله ﷺ واتبع ما جاء عنه. تحفة المودود ص ٥٠-٥١.\rوعقَّب ابن المنذر على كلام الإمام أحمد بقوله: [صدق أحمد إحياء السنن واتباعها أفضل وقد ورد فيها من الأخبار التي رويناها ما لم يرد في غيرها ولأنها ذبيحة أمر النبي ﷺ بها فكانت أولى كالوليمة والأضحية] المغني ٩/٤٦٠\rوقال ابن القيم معقباً على كلام الإمام أحمد ما نصه: [وهذا لأنه سنة ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين وفيها سر بديع موروث عن فداء إسمايل بالكبش الذي ذبح عنه وفداه الله به فصار سنة في أولاده بعده أن يفدي أحدهم عند ولادته كما كان ذكر اسم الله عليه عند وضعه في الرحم حرزاً له من ضرر الشيطان ... ] تحفة المودود ص٥١\rوينبغي أن يعلم أن كثيراً من الناس ينفقون نفقات باهظة عند الولادة في شراء الملابس والحلويات وغيرها ويقيمون حفلات عيد الميلاد المحرمة شرعاً ويبخلون عن العقيقة فلا يعقون عن أولادهم.\rوخلاصة الأمر أن من لم يملك ثمن العقيقة فلا يلزمه أن يستدين ليعق ولكن إن استدان وعق فله الأجر والثواب ودَينه مقضي بإذنه تعالى لأنه أحيا سنة نبوية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346104,"book_id":3840,"shamela_page_id":484,"part":"11","page_num":4,"sequence_num":484,"body":"٤ - بداية وقت الأضحية ونهايته\rيقول السائل: إنه يعمل في جمعية خيرية وهذه الجمعية الخيرية تتولى ذبح الأضاحي التي يتبرع بها المحسنون وفي هذا العام فرض نظام حظر التجول على منطقتهم حتى خرجت أيام التشريق ولديهم أكثر من مئتي أضحية لم تذبح ولم يتمكنوا من ذبحها لصعوبة الظروف والأحوال فهل يجوز لهم ذبحها بعد انتهاء أيام التشريق؟\r\rالجواب: آخر وقت ذبح الأضحية هو غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق أي أن وقت الذبح هو يوم العيد وثلاثة أيام بعده وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم ونقل هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى الأسدي فقيه أهل الشام وبه قال عطاء والحسن والأوزاعي ومكحول واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشوكاني وهو قول الشافعية.\rويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (كل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح) رواه أحمد وابن حبان وصححه ورواه البيهقي والطبراني في الكبير والبزار والدراقطني وغيرهم. وقال الهيثمي: [رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير إلا أنه قال: (وكل فجاج مكة منحر) ورجاله موثقون] مجمع الزوائد٣/٢٥١.\rوقال الحافظ ابن حجر: [أخرجه أحمد لكن في سنده انقطاع، ووصله الدارقطني ورجاله ثقات] فتح الباري ١٢/١٠٣ وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع ٢/٨٣٤\rواحتجوا بأن هذا القول قد نقل عن علي وابن عباس وعطاء وعمر بن عبد العزيز، فقد روى البيهقي بإسناده عن ابن عباس قال: الأضحى ثلاثة أيام بعد يوم النحر.\rوروى أيضاً عن الحسن وعطاء قالا: يُضَحَّى إلى آخر أيام التشريق.\rوروى أيضاً عن عمر بن عبد العزيز قال: الأضحى يوم النحر وثلاثة أيام بعده) سنن البيهقي ٩/٢٩٦-٢٩٧. هذا هو القول الراجح في المسألة في الظروف والأحوال العادية.\rوأما في الظروف والأحوال الاستثنائية كما ذكر في السؤال من فرض نظام حظر التجول وما قد يترتب على الخروج من البيوت خلال فرض نظام حظر التجول من مخاطر شديدة على الناس فإنه يجوز ذبح الأضاحي بعد انتهاء آخر وقت الذبح ومن المعلوم عند العلماء أن الضرورات تبيح المحظورات وفي الحالة المسؤول عنها فقد تتعرض حياة الناس للخطر فيباح لهم الذبح خارج الوقت. وكذلك فإن الله ﷾ لا يكلف الناس إلا بما يطيقون. قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) سورة البقرة الآية ٢٨٦. وقال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَاءَاتَاهَا) سورة الطلاق الآية ٧. ويقول تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) سورة التغابن الآية ١٦.\rوغير ذلك من النصوص الشرعية التي تدل على أن التكليف يكون بقدر الوسع وكذلك فإن الحنفية والمالكية يرون أنه إذا فات الإنسان وقت الأضحية ولم يضح فإنها تقضى قال الكاساني: [ومنها أنها تقضى إذا فاتت عن وقتها والكلام فيه في موضعين: أحدهما: في بيان أنها مضمونة بالقضاء في الجملة. والثاني: في بيان ما تقضى به. أما الأول: فلأن وجوبها في الوقت إما لحق العبودية أو لحق شكر النعمة أو لتكفير الخطايا لأن العبادات والقربات إنما تجب لهذه المعاني وهذا لا يوجب الاختصاص بوقت دون وقت فكان الأصل فيها أن تكون واجبة في جميع الأوقات وعلى الدوام بالقدر الممكن إلا أن الأداء في السنة مرة واحدة في وقت مخصوص أقيم مقام الأداء في جميع السنة تيسيراً على العباد فضلاً من الله ﷿ ورحمة كما أقيم صوم شهر في السنة مقام جميع السنة وأقيم خمس صلوات في يوم وليلة مقام الصلاة آناء الليل وأطراف النهار فإذا لم يؤد في الوقت بقي الوجوب في غيره لقيام المعنى الذي له وجبت في الوقت] بدائع الصنائع ٤/٢٠٢.\rولكن الحنفية يرون أن قضاء الأضحية يكون بالتصدق بعين الشاة حية أو بقيمة الشاة. انظر المصدر السابق ٤/٢٠٢. ويرى الحنابلة أن الأضحية المعينة وكذا المنذورة تذبح إن فات وقت الذبح.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا فات وقت الذبح ذبح الواجب قضاءً وصنع به ما يصنع بالمذبوح في وقته] المغني ٩/٤٥٤. وقال مستدلاً لذلك: [ولنا أن الذبح أحد مقصودي الأضحية فلا يسقط بفوات وقته كتفرقة اللحم وذلك أنه لو ذبحها في الأيام ثم خرجت قبل تفريقها فرقها بعد ذلك] المغني ٩/٤٥٤.\rوينبغي أن يعلم أن من أهل العلم من قال إن وقت ذبح الأضحية يستمر حتى نهاية شهر ذي الحجة وهذا قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار من التابعين وبه قال ابن حزم الظاهري. المحلى ٦/٣٩-٤١.\rواحتجوا بما رواه البيهقي بإسناده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار أنه بلغهما أن رسول الله ﷺ قال: (الضحايا إلى آخر الشهر لمن أراد أن يستأني ذلك) . قال ابن حزم: [وهذا من أحسن المراسيل وأصحها] المحلى ٦/٤٣. وفي رواية أبي حامد أن نبي الله ﷺ قال: (الضحايا إلى هلال المحرم لمن أراد أن يستأني ذلك) رواه أبو داود في المراسيل.\rوما رواه البيهقي بإسناده عن يحيى بن سعيد قال: [سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يقول: إنْ كان المسلمون ليشتري أحدهم الأضحية فيسمنها فيذبحها بعد الأضحى آخر ذي الحجة] .\rثم قال البيهقي: [حديث أبي سلمة وسليمان مرسل، وحديث أبي أمامة حكاية عمن لم يسم] سنن البيهقي ٩/٢٩٧-٢٩٨\rوقال الحافظ ابن حجر عند ذكر رواية يحيى بن سعيد قال: [سمعت أبا أمامة بن سهل. قال كنا نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون] . قال الحافظ: [وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق أحمد بن حنبل عن عباد بن العوام أخبرني يحيى بن سعيد وهو الأنصاري ولفظه: كان المسلمون يشتري أحدهم الأضحية فيسمنها ويذبحها في آخر ذي الحجة] قال أحمد هذا الحديث عجيب فتح الباري ١٢/١٠٥\rقال ابن حزم: [الأضحية فعل خير وقربة إلى الله تعالى، وفعل الخير حسن في كل وقت، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ فلم يخص تعالى وقتاً من وقت، ولا رسوله ﵊؛ فلا يجوز تخصيص وقت بغير نص فالتقريب إلى الله تعالى بالتضحية حسن ما لم يمنع منه نص أو إجماع، ولا نص في ذلك ولا إجماع إلى آخر ذي الحجة] المحلى ٦/٤٢\rولكن هذا القول ضعيف وما احتجوا به عليه لا يصلح دليلاً قال الشيخ الألباني: [ (الضحايا إلى هلال محرم لمن أراد أن يستأني ذلك)\rضعيف أخرجه البيهقي وكذا أبو داود في المراسيل من طريقين عن أبان بن يزيد: ثنا يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم: حدثني أبو سلمة وسليمان بن يسار أنه بلغهما: أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف لإرساله ورجاله ثقات] السلسلة الضعيفة ٩/١٠٦. وضعفه الألباني أيضاً في ضعيف الجامع الصغير ص٥٢٦.\rوقال الشيخ أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم أبادي معلقاً على رواية الدارقطني بسنده عن أبي سلمة وسليمان بن يسار أنه بلغهما أن رسول الله ﷺ قال: (الضحايا إلى آخر الشهر لمن أراد أن يستأني ذلك) قال أبو الطيب: [قوله: أنه بلغهما. وأخرجه أبو داود في مراسيله (الضحايا إلى هلال المحرم لمن أراد أن يستأني ذلك) ذكره الشعراني في البدر المنير وقال الحافظ جمال الدين المزي في الأطراف حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار أنه بلغهما أن رسول الله ﷺ قال: (الأضاحي إلى هلال المحرم إذا أراد أن يستأني ذلك أخرجه أبو داود في المراسيل عن موسى بن إسماعيل عن أبان عن يحيى عن محمد بن إبراهيم عن سليمان بن يسار مولى ميمونة وأبي سلمة بن عبد الرحمن انتهى. وقال الحافظ في فتح الباري: أخرج أبو نعيم في المستخرج من طريق أحمد بن حنبل عن عباد بن العوام أخبرني يحيى بن سعيد وهو الأنصاري سمعت أبا أمامة بن سهل قال: كان المسلمون يشتري أحدهم الأضحية فيسمنها ويذبحها في آخر ذي الحجة قال أحمد: هذا الحديث عجيب انتهى. قال الحافظ: وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبي سلمة وسليمان بن يسار غيرهم وقال به ابن حزم متمسكاً بعدم ورود نص بالتقييد وأخرج ما رواه ابن أبي شيبة من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار قالا: عن النبي ﷺ مثله قال: أي ابن حزم وهذا سند صحيح إليهما لكنه مرسل انتهى. وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: وقيل إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة وبه قال إبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهو قول غريب انتهى. قلت: رواية سليمان بن يسار مرسلة لا يحتج بها. وكذا أثر أسعد أبي أمامة بن سهل لا تقوم به الحجة لأنه ليس من قبيل المرفوع بل ولا الموقوف لأن أبا أمامة بن سهل بن حنيف ولد قبل وفاة النبي ﷺ لعامين فليس مراسيله كمراسيل الصحابة] التعليق المغني على الدارقطني ٤/٢٧٥-٢٥٨.\rإذا تقرر هذا فلا يصح الاعتماد على هذا الحديث ولا على ما قاله أبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار ولا على ما قاله ابن حزم.\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز ذبح الأضاحي بعد فوات وقتها الشرعي إلا للضرورة الملحة كما في حالة فرض نظام حظر التجول طوال أيام العيد الأربعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346105,"book_id":3840,"shamela_page_id":485,"part":"11","page_num":5,"sequence_num":485,"body":"٥ - من تشرع في حقه الأضحية.\rيقول السائل: في حق من تشرع الأضحية؟\r\rالجواب: إن الأضحية سنة مؤكدة ثابتة عن الرسول ﷺ وقد واظب على فعلها الصحابة الكرام وإن تركها بعضهم خشية أن يظن الناس وجوبها كما ثبت ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄. رواه البيهقي بإسناد حسن كما قال النووي. والأضحية تطلب ممن كان موسراً مالكاً لنصاب الزكاة على قول بعض أهل العلم ومنهم من يرى أنها تشرع في حق من ملك ثمنها زائداً عن حوائجه الأصلية وأجاز بعض العلماء أن يستدين الشخص ليضحي إحياء لهذه السنة العظيمة. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346106,"book_id":3840,"shamela_page_id":486,"part":"11","page_num":6,"sequence_num":486,"body":"٦ - الأضحية أفضل من التصدق بثمنها.\rيقول السائل: أيهما أفضل أن يضحي المسلم أو أن يتصدق بثمنها؟\r\rالجواب: لا شك أن ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها لفعل الرسول ﵊ لها ومواظبته على ذلك ولما ورد في الأحاديث في فضل الأضحية ومن ذلك: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إهراق الدم وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها وإن الدم ليقع من الله ﷿ قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً. رواه ابن ماجة والترمذي وقال حسن غريب ورواه الحاكم وقال صحيح الإسناد. وعن زيد بن أرقم قال: قلت يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم. قالوا: ما لنا منها؟ قال: بكل شعرة حسنة. قالوا: فالصوف؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة. رواه أحمد وابن ماجة والحاكم وقال صحيح الإسناد. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا) رواه أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه وأقره الذهبي ورجح الحافظ ابن حجر أنه موقوف على الصحابي. وغير ذلك من الأحاديث وهي بمجموعها تدل على فضل الأضحية وأنها أحب الأعمال إلى الله ﷾ يوم النحر إذا كانت الأضحية خالصة لوجه الله وإقتداء بسنة سيد المرسلين ﷺ. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346107,"book_id":3840,"shamela_page_id":487,"part":"11","page_num":7,"sequence_num":487,"body":"٧ - أحكام الأضحية.\rالتضحية بالخصي , هل يجوز التضحية بالحيوان الخصي؟\r\rالجواب: نعم يجزئ الحيوان الخصي في الأضحية على قول اكثر أهل العلم وقد ورد في الحديث عن أبي رافع قال: (ضحى رسول الله ﷺ بكبشين موجؤين خصيين) رواه أحمد وقال الهيثمي إسناده حسن. وعن عائشة ﵂ قالت: (ضحى رسول الله بكبشين سمينين عظيمين أملحين أقرنين موجؤين) رواه أحمد. والأملح ما كان بياضه خالصاً، والأقرن: ما له قرون، والموجوء: الخصي. وكون الكبش خصياً لا يعد عيباً مانعاً من صحة الأضحية بل إن الخصي قد يكون أسمن من غير الخصي فلا بأس بالتضحية بالخصي. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346108,"book_id":3840,"shamela_page_id":488,"part":"11","page_num":8,"sequence_num":488,"body":"٨ - حديث (استسمنوا ضحاياكم) وبيان درجته\rسمعت حديثاً عن الرسول ﷺ أنه قال استسمنوا ضحاياكم فاتها على الصراط مطاياكم، فهل ثبت الحديث عن الرسول ﷺ؟\r\rالجواب: إن هذا الحديث ورد بألفاظ غير ما ذكر في السؤال منها: (استفرهوا ضحاياكم ... الخ) ومنها (عظموا ضحاياكم) . وهذا الحديث بألفاظه المختلفة غير ثابت عن الرسول ﷺ بل هو حديث ضعيف جداً، قال الحافظ ابن حجر فيه: [ألم أره ... ] وقال ابن الصلاح: [هذا الحديث غير معروف ولا ثابت فيما علمناه] ثم ذكر أن صاحب مسند الفردوس قد رواه وفيه راو ضعيف جداً. التلخيص الحبير ٤/١٣٨. وقال العجلوني: [إنه ضعيف جداً] . كشف الخفاء ١/١٣٨. وقال الألباني: [لا اصل له بهذا اللفظ (عظموا ضحايام.. الخ) ] الضعيفة ١: ١٠٢ وقال في موضع آخر: [ضعيف جداً] . الضعفية ٣ ٤١١. وينبغي أن يعلم أن تضعيف هذا الحديث وردّه لا يعني أن لا تكون الأضحية سمينة بل لا بد من ذلك وقد ورد في اختيار الأضحية السمينة أحاديث صحيحة تغني عن هذا الحديث الضعيف. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346109,"book_id":3840,"shamela_page_id":489,"part":"11","page_num":9,"sequence_num":489,"body":"٩ - الأضحية عن الميت\rيقول السائل: هل يجوز لي أن أذبح أضحية وأجعلها عن والدي المتوفى؟\r\rالجواب: نعم يجوز للابن أن يضحي عن أبيه الميت على الراجح من أقوال أهل العلم ويصل ثوابها إلى أبيه الميت بإذن الله وهذا مذهب الحنابلة واختاره شيخ الإسلام ابن تيتمة ومن قبله وأبو داود صاحب السنن حيث قال: [باب الأضحية عن الميت ثم ذكر بإسناده عن حنش قال: رأيت علياً ﵁ يضحي بكشبين فقلت له: ما هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ أوصاني أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه، وكان ذلك بعد وفاة النبي ﷺ] . وورد في الحديث عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ أخذ الكبش فأضجعه وقال: بسم الله اللهم تقبل من محمد ومن آل محمد ومن أمة محمد ثم ضحّى به ﷺ . رواه أبو داود وقال الشخ الألباني حديث حسن. وقول بعض أهل العلم الذي رخص في الأضحية عن الأموات مطابق للأدلة ومن منعها ليس فيه حجة فلا يقبل كلامه إلا بدليل أقوى منه ولا دليل عليه. والثابت عن النبي ﷺ أنه كان يضحي عن أمته ممن شهد له بالتوحيد وشهد له بالبلاغ وعن نفسه وآل بيته ولا يخفى أن أمته ﷺ ممن شهد له بالتوحيد وشهد له بالبلاغ كان كثير منهم موجوداً زمن النبي ﷺ وكثير منهم توفوا في عهده ﷺ فالأموات والأحياء كلهم من أمته ﷺ دخلوا في أضحية النبي ﷺ والكبش الواحد كما كان للأحياء من أمته كذلك للأموات من أمته ﷺ ولا تفرقة. عون المعبود ٧/٣٤٤.\r\rويؤيد ذلك أن أكثر أهل العلم على أن الميت ينتفع بسعي الحي وقد احتجوا على ذلك بأدلة كثيرة منها قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) سورة الحشر الآية ١٠. فأثنى الله ﷾ عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء. ومثل ذلك ما ثبت من أحاديث صحيحة في الدعاء والاستغفار للميت في صلاة الجنازة وبعد الدفن منها حديث عوف بن مالك قال: صلى النبي ﷺ على جنازة فحفظت منه دعائه وهو يقول: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وكرم نزله ووسّع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعاذه من عذاب القبر ومن عذاب النار) رواه مسلم.\r\rوثبت في الصحيح أن الميت ينتفع بالصدقة عنه كما ورد في حديث ابن عباس أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها فأتى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها غن تصدقت عنها؟ قال: نعم. قال: فإني أشهدك أن حائط المخراف صدقة عنها) رواه البخاري. وثبت في أحاديث أخرى انتفاع الميت بالحج عنه وبالصوم عنه وبقضاء النذر عنه والأضحية عن الميت مثل ذلك. قال بعض أهل العلم: [إن النصوص تتظاهر على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحي عنه وهذا محض القياس فإن الثواب حق للعامل فإذا هبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك كما لم يمنع من هبته ماله في حياته وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول سائر العبادات المالية ونبّه بوصول ثواب الصوم على وصول سائر العبادات البدنية وأخبر بوصول الحج المركب من المالية والبدنية] أحكام الذبائح ص ١٥٣.\r\rوخلاصة الأمر أن الأضحية عن الميت جائزة وينتفع بثوابها الميت لأن الأضحية عن الميت تعتبر من باب الصدقة وهي جائزة عنه بالنص كما في حديث ابن عباس المتقدم. ****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346110,"book_id":3840,"shamela_page_id":490,"part":"11","page_num":10,"sequence_num":490,"body":"١٠ - حكم العقيقة\rيقول السائل: سألت والدي هل عقّ عني في صغري فأجابني بأنه لم يعق فهل يصح أن أعق عن نفسي بعد أن كبرت؟\r\rالجواب: العقيقة سنة مؤكدة ثابتة عن الرسول ﷺ قولاً وفعلاً وقد وردت فيها أحاديث كثيرة منها قول الرسول ﷺ: (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق رأسه ويسمى) رواه ابو داود والترمذي والنسائي وغيرهم وهو حديث صحيح. وثبت في الحديث عن سلمان بن عامر الضبي أن الرسول ﷺ قال: (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى) رواه البخاري وغير ذلك من الأحايث. والسنة أن تكون العقيقة بعد ولادة الطفل بأسبوع كما ثبت في الحديث وقد أجاز جماعة من أهل العلم للشخص الذي لم يعق عنه صغيراً أن يعق عن نفسه كبيراً وقد استدلوا بما روي: (أن النبي ﵊ عق عن نفسه بعد النبوة) رواه البيهقي والبزار والطبراني. ولكن هذا الحديث باطل ولا يصح عن الرسول ﷺ كما قال الإمام أحمد والنووي والبيهقي وغيرهم ومع عدم ثبوت الحديث المذكور قرر الفقهاء أنه لم يرد ما يمنع من العقيقة في حال الكبر وقد وردت آثار عن بعض السلف تجيز أن يعق الإنسان عن نفسه بعد الكبر منها:\r\r١. عن الحسن البصري قال: [إذا لم يعق عنك فعق عن نفسك وإن كنت رجلاً] ذكره ابن حزم في المحلى والبغوي في شرح السنة.\r\r٢. وقال محمد بن سيرين: [عققت عن نفسي ببختية بعد أن كنت رجلاً] ذكره البغوي في شرح السنة، والبخت: نوع من الجمال.\r\r٣. ونقل عن الإمام أحمد أنه استحسن إن لم يعق عن الإنسان صغيراً أن يعق نفسه كبيراً وقال إن فعله إنسان لم أكرهه. نقل ذلك عنه ابن القيم في تحفة المودود. وبناء على ذلك لا مانع أن يعق الإنسان عن نفسه حال الكبر إن لم يعق عنه حال الصغر. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346111,"book_id":3840,"shamela_page_id":491,"part":"11","page_num":11,"sequence_num":491,"body":"١١ - أحكام الأضحية.\rيقول السائل: ما حكم الأَضحية وماذا يجب أن يتوفر فيها وما وقت ذبحها وكيف توزع؟\r\rالجواب: الأضحية: هي ما يذبح من الأنعام تقرباً إلى الله تعالى يوم النحر وأيام التشريق ... وهي سنة مؤكدة عند جماهير أهل العلم وهي مشروعة بسنة رسول الله ﷺ فعلاً وقولاً فقد ثبت في الحديث عن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ (ضحى بكبشين أقرنين أملحين وكان يسمّي ويكبر) رواه البخاري ومسلم والأملح: هو النقي البياض. وعن عائشة ﵂: (أن الرسول ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به فقال لها يا عائشة هلمي المدية ثم قال: اشحذيها بحجر ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال: باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد) رواه مسلم. وعن البراء بن عازب قال خطبنا رسول الله ﷺ في يوم النحر فقال: (لا يضحين أحد حتى يصلي فقال رجل: عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم قال: فضحِ بها ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك) رواه مسلم. والأضحية قربة يتقرب بها العبد إلى ربه إحياء لذكرى إبراهيم ﵊ عندما رأى في المنام أنه يذبح ولده إسماعيل حيث فداه الله بذبح عظيم كما في أيات سورة الصافات (فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ... ) إلى قوله تعالى: (وفديناه بذبح عظيم) .\r\rوبما أنها قربة إلى الله تعالى فيجب أن تطيب بها نفس المضحي وأن تكون سمينة طيبة خالية من العيوب التي تنقص من قيمتها وقدرها ففي الحديث عن البراء بن عازب ﵁ قال: (قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً فقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ضلعها والكبيرة التي لا تنقي) رواه أصحاب السنن وهو حديثٌ صحيح. ويقاس على هذه العيوب المذكورة في الحديث ما لم يذكر من العيوب الأشد فلا يضحى بالعمياء ولا الكبيرة ولا بالكسيرة ونحو ذلك. ومن الشروط التي يجب توفرها في الأضحية أن تبلغ سناً معينة حددها الشارع الحكيم ففي الإبل إتمام خمس سنوات من عمرها وفي البقر إتمام سنتين من عمرها وفي الغنم إتمام سنة من عمرها. وأجاز بعض أهل العلم في الضأن ما أتم أكثر السنة كثمانية أشهر إذا كان سميناً يخفى بين ما أتم السنة من الضأن. ووقت ذبح الأضحية يبدأ بعد الإنتهاء من صلاة العيد ويستمر حتى مغيب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق على الراجح من أقوال أهل العلم، أي أن مدة الذبح أربعة أيام، يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة.\r\rولا يجوز ذبح الأضحية قبل صلاة العيد فإن ذبح قبل صلاة العيد فلا تعتبر أضحية وإنما شاة لحم، كما جاء في الحديث عن البراء بن عازب ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء) رواه مسلم. وأما توزيع الأضحية فقد استحب بعض أهل العلم أن توزع أثلاثاً ثلث للأكل والإدخار وثلث للتصدق به على الفقراء وثلث هدية للأقارب والأصدقاء ومن المستحب أن يأكل المضحي من أضحيته اقتداءً بالرسول ﷺ. ومن الأمور المستحبة أيضاً أن يتولى المضحي ذبح أضحيته بنفسه إن كان يحسن الذبح وإلا وكل بذبحها غيره، ويستحب له أن يشهد ذبحها.\r\rويستحب أيضاً فيمن أراد أن يضحي أن لا يأخذ من شعره أو من أظافره شيئاً من بداية شهر ذي الحجة إلى أن يضحي لما ورد في الحديث عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظافره شيئاً حتى يضحي) رواه مسلم. والحكمة من ذلك أن يكون المضحي في أكمل هيئته فيغفر له غفراناً تاماً. ولا يجوز بيع أي شيء من الأضحية وكذلك لا يجوز إعطاء الجزار شيئاً منها على سبيل الأجرة. ولا بأس بالتضحية عن الميت على الراجح من أقوال العلماء وأن الميت ينتفع بذلك إن شاء الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346112,"book_id":3840,"shamela_page_id":492,"part":"11","page_num":12,"sequence_num":492,"body":"١٢ - حكم العقيقة\rيقول السائل: ما هي العقيقة؟ وما حكمها؟\r\rالجواب: العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود في اليوم السابع من ولادته شكراً لله تعالى على نعمة الولد ذكراً كان أو أنثى. وهي سنة مؤكدة ثابتة عن النبي ﷺ وقد ورد فيها أحاديث كثيرة منها: ١. عن سلمان بن عامر الضبي عن النبي ﷺ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مع الغلام عقيقة فأريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى) رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. ٢. عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي حسنٌ صحيح. ٣. عن أم كرز الكعبية ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة) رواه أبو داود وأحمد والبيهقي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. ٤. عن عمرو بن شعيب أن الرسول ﷺ قال: (من ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة) رواه أبو داود والنسائي وأحمد وغيرهم وقال الألباني حسنٌ صحيح. ٥. عن عبد الله بن عباس ﵄: (أن الرسول ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين كبشين كبشين) رواه النسائي وهو صحيح كما قال الألباني. وشرعت العقيقة شكراً لله تعالى على نعمة الولد فإنها من أعظم النعم والأولاد من زينة الحياة الدنيا، قال الله تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، وفطر الله ﷻ الإنسان على السرور والفرح والبهجة عند قدوم المولود فكان حرياً بالإنسان أن يشكر الله الخالق الواهب. وقد ورد في الأثر عن الحسين ﵁ في تهنئته من رزق مولوداً أن يقال له: (بارك الله لك في الموهوب وشكرت الواهب وبلغ أشده ورزقت بره) .\r\rوكذلك فإن العقيقة فكاك المولود وفديته من تسلط الشيطان عليه. وفيها أيضاً نوع من التكافل الإجتماعي في الإسلام حيث إن الذي يعق عن ولده فيذبح عنه ويطعم الفقراء والأصدقاء والجيران أو يدعوهم إليها، فيسهم كل ذلك في إشاعة المودة والمحبة بين الناس ويخفف من معناة الفقراء والمحتاجين. والعقيقة تشارك الأضحية في أكثر أحكامها عند جمهور الفقهاء فيشترط فيها أن تكون من الأنعام وهي الضأن والمعز والإبل والبقر ويشترط أن تكون سليمة من العيوب فلا يجزيء فيها العرجاء البين عرجها ولا العوراء البين عورها ولا المريضة البين مرضها ولا العجفاء الهزيلة فينبغي أن تكون سمينة طيبة فإن الله طييبٌ لا يقبل إلا طيباً. كما يشترط فيها توافر الأسنان المطلوبة شرعاً كما هو الحال في الأضحية فينبغي أن تبلغ الشاة السنة من عمرها والبقرة السنتين والناقة الخمس سنين. ويذبح عن الغلام شاتان وعن الأنثى شاة فإن ذبح شاة عن الغلام أجزأ وحصل أصل السنة. ويتصرف في العقيقة كما يتصرف في الأضحية فتوزع أثلاثاً ثلث لأهل البيت وثلث للصدقة وثلث للهدية. واستحب بعض العلماء أن لا يتصدق بلحمها نيئاً بل يطبخ ويتصدق به على الفقراء بإرساله مطبوخاً. وفضل بعض العلماء دعوة الناس إلى العقيقة بعد طبخها، وقد ورد عن الإمام مالك ﵀ أنه عق عن ولد له فوصف لنا كيف صنع بالعقيقة فقال: [عققت عن ولدي وذبحت ما أريد أن أدعو إليه إخواني وغيرهم وهيأت طعامهم ثم ذبحت شاة العقيقة فأهديت منها للجيران وأكل منها أهل البيت وكسروا ما بقي من عظمها وطبخت فدعونا إليها الجيران فأكلوا وأكلنا ... فمن وجد سعة فأحب له أن يفعل هذا ومن لم يجد فليذبح عقيقة ثم ليأكل وليطعم منها] . ويجوز أن يباع جلدها وسواقطها ويتصدق بثمنه على الفقراء والمحتاجين.\r\rوأما وقت ذبح العقيقة فقد وردت الأحاديث بتحديده باليوم السابع من ولادته المولود كما في حديث سمرة أنه ﵊ قال: (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى) وجاء في حديث عائشة ﵂: (عق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين يوم السابع) وهذا هو الوقت المستحب للعقيقة ولو أخرها عن ذلك يجوز ويفضل أن تكون في اليوم الرابع عشر من الولادة أو الحادي والعشرين وهكذا في الأسابيع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346113,"book_id":3840,"shamela_page_id":493,"part":"11","page_num":13,"sequence_num":493,"body":"١٣ - بداية وقت الأضحية ونهايته\rيقول السائل: متى يبدأ وقت ذبح الأضحية ومتى ينتهي؟\r\rالجواب: يدخل وقت ذبح الأضحية بعد طلوع شمس اليوم العاشر من ذي الحجة، وبعد دخول وقت صلاة الضحى، ومُضي زمان من الوقت يسع صلاة ركعتين وخطبتين خفيفتين، لا فرق في ذلك بين أهل الحضر والبوادي. وهذا قول الشافعية والحنابلة، وبه قال ابن المنذر وداود الظاهري والطبري، ويرى الحنابلة أيضاً أن يكون الذبح بعد صلاة الإمام وخطبته خروجاً من الخلاف. المغني ٩/٤٥٢، المجموع ٨/٣٨٧. ويدل على ذلك ما يلي: ١. حديث البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا، نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النسك في شيء) رواه البخاري ومسلم. ٢. وفي رواية أخرى عن البراء قال: خطبنا رسول الله ﷺ في يوم نحر فقال: (لا يضحين أحدٌ حتى يصلي. قال رجل: عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم. قال: فضح بها ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك) رواه مسلم. ٣. وفي رواية ثالثة قال البراء ﵁: (ذبح أبو بردة قبل الصلاة. فقال النبي ﷺ أبدلها ... الخ) رواه البخاري ومسلم. ٤. وفي رواية رابعة عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يذبحن أحد حتى يصلي) رواه مسلم. ٥. وفي رواية خامسة عن البراء ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فلا يذبح حتى ينصرف) رواه البخاري. ٦. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم النحر: (من كان ذبح قبل الصلاة فليعد فقام رجل فقال يا رسول الله ...) رواه البخاري ومسلم. قالوا إن هذه الأحاديث تدل على أن وقت الأضحية يكون بعد الصلاة. قال الحافظ ابن حجر معلقاً على الرواية الخامسة من حديث البراء ﵁: [تمسك به الشافعية في أن أول وقت الأضحية قدر فراغ الصلاة والخطبة، وإنما شرطوا فراغ الخطيب، لأن الخطبتين مقصودتان مع الصلاة في هذه العبادة فيعتبر مقدار الصلاة والخطبتين على أخف ما يجزي بعد طلوع الشمس، فإذا ذبح بعد ذلك أجزأه الذبح عن الأضحية سواء صلَّى العيد أم لا وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا، ويستوي في ذلك أهل المص والحاضر والبادي ...... قال القرطبي: ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى الشافعي أن من لا صلاة عيد عليه مخاطب بالتضحية حمل الصلاة على وقتها] فتح الباري ١٢/١١٧-١١٨. وظاهر الأحاديث السابقة اعتبار نفس الصلاة فيبدأ وقت الأضحية بعد الصلاة في حق من يصلي العيد، وأما من لا يصلي العيد كأهل البوادي , فأول وقتها في حقهم مضي قدر الصلاة والخطبتين بعد الصلاة، لأنه لا صلاة في حقهم تعتبر فوجب الاعتبار بقدرها. انظر المغني ٩/ ٤٥٢. وبناءً على ما تقدم فإن وقت الأضحية يبدأ بعد انتهاء صلاة العيد والخطبة، إن صليت صلاة العيد كما كان يصليها رسول الله ﷺ بعد طلوع الشمس وارتفاعها بمقدار رمح أو رمحين، سواء صلَّى مريدُ الأضحية العيد أم لم يصل، وسواء كان من أهل البوادي أو الحضر، وسواء ذبح الإمام أو لم يذبح، وفي زماننا هذا حيث إنه لا إمام للمسلمين، فلا يرتبط أمر الأضحية بفعل الحكام الموجودين ولا أرى التفريق بين أهل البوادي والحضر، لعموم الأحاديث الواردة كحديث أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين) رواه البخاري.\r\rوأما آخر وقت ذبح الأضحية فهو غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، أي أن أيام النحر أربعة؛ يوم العيد وثلاثة أيام بعده، وهذا أرجح أقوال العلماء في المسألة وهو قول الشافعية ونقل هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى الأسدي فقيه أهل الشام، وهو قول عطاء والحسن والأوزاعي ومكحول واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشوكاني انظر المغني ٩/٤٥٣، المجموع ٨/٣٩٠، زاد المعاد ٢/٣١٨، نيل الأوطار ٥/١٤٢. قال الإمام الشافعي: [فإذا غابت الشمس من آخر أيام التشريق ثم ضحى أحد فلا ضحية له] الأم٢/٢٢٢.. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (كل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح) رواه أحمد وابن حبان وصححه ورواه البيهقي والطبراني في الكبير والبزار والدراقطني وغيرهم. وقال البيهقي: وهو مرسل. وذكر له طرقاً متصلة، ولكنها ضعيفة كما قال إلا أنه قال أيضاً إن حديث جبير أولى أن يقال به. سنن البيهقي ٩/٢٩٥-٢٩٨. وقال الهيثمي: [رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير إلا أنه قال: (وكل فجاج مكة منحر) ورجاله موثقون] مجمع الزوائد ٣/٢٥١. وقال الحافظ ابن حجر: [أخرجه أحمد لكن في سنده انقطاع، ووصله الدارقطني ورجاله ثقات] فتح الباري ١٢/١٠٣ وذكره السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة وأقره المناوي فيض القدير ٥/٣٥. وقال الشيخ الألباني: صحيح كما في صحيح الجامع الصغير ٢/٨٣٤. وقال الشيخ أحمد الغماري: [فحديث جبير بن مطعم، رواه أحمد والبزار والطبراني وابن حبان في الصحيح، والبيهقي عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (كل عرفات موقف، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر، وكل فجاج منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح) اختصره البيهقي فاقتصر على ذكر أيام التشريق منه، وهو حديث حسن، وإن كان سند أحمد وقع فيه انقطاع. أما الاختلاف الواقع من سليمان بن موسى، فمحمول على أنه سمعه من عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم، وسمعه من نافع بن جبير عن أبيه أيضاً، ومن محمد بن المنكدر عن جبير، فهو لم يخرج بالحديث عن جبير الذي تعدد من حدثه به، وهو ثقة فالحديث حسن أو صحيح كما قال ابن حبان] الهداية في تخريج أحاديث البداية ٤٠٣-٤٠٤. واحتجوا بأن هذا القول قد نقل عن علي وابن عباس وعطاء وعمر بن عبد العزيز، فقد روى البيهقي بإسناده عن ابن عباس قال: الأضحى ثلاثة أيام بعد يوم النحر. وروى أيضاً عن الحسن وعطاء قالا: يُضَحَّى إلى آخر أيام التشريق. وروى أيضاً عن عمر بن عبد العزيز قال: الأضحى يوم النحر وثلاثة أيام بعده. سنن البيهقي ٩/٢٩٦-٢٩٧. ومما يؤيد هذا القول أن تفسير الأيام المعلومات في قوله تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) سورة الحج الآية ٢٨. بأنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده مروي عن ابن عباس وابن عمر وإبراهيم النخعي، وإليه ذهب الإمام أحمد بن حنبل في رواية عنه. .تفسير ابن كثير ٣/ ٢١٦-٢١٧ أضواء البيان ٥/٣٤٤. وكذلك فإن هذا القول منقول عن جماعة من الصحابة منهم علي وابن عباس وابن عمر وأبي سعيد الخدري ﵃. ومنقول عن جماعة من التابعين منهم الحسن وعطاء وبه قال عمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى وكان أحد أئمة أهل الشام في العلم.\r\rوخلاصة الأمر أن وقت الأضحية يبدأ بعد انتهاء صلاة العيد والخطبة وينتهي وقتها بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق وهو رابع أيام العيد كما هو معروف بين الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346114,"book_id":3840,"shamela_page_id":494,"part":"11","page_num":14,"sequence_num":494,"body":"١٤ - الأمور المشروعة في حق المضحي\rيقول السائل: سمعت أنه لا يجوز لمن نوى أن يضحي أن يحلق رأسه قبل أن يضحي أفيدونا؟\r\rالجواب: ثبت في الحديث الصحيح عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً) رواه مسلم. وفي رواية أخرى: (من كان له ذِبح يذبحه فإذا أهلَّ هلالُ ذي الحجة فلا يأخذ من شعره وأظفاره شيئاً حتى يضحي) رواه مسلم. والذِبح بكسر الذال: الذبيحة. وقد قال بمقتضى هذا الحديث طائفة من أهل العلم فيحرم على من أراد الأضحية أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية وهو قول سعيد بن المسيب وربيعة الرأي والإمام أحمد وإسحاق وداود وابن حزم الظاهريين وأبي الحسن العبادي من الشافعية، واحتجوا بحديث أم سلمة السابق وقد ورد بروايات عند مسلم وهي:\r\rأ. عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً) . قيل لسفيان: فإن بعضهم لا يرفعه. قال: لكني أرفعه.\r\rب. عن أم سلمة ﵂ ترفعه قال النبي ﷺ: (إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي فلا يأخذنَّ شعراً ولا يقلمن ظفراً) .\r\rج. عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره) .\r\rد. عن أم سلمة ﵂ قال رسول الله ﷺ: (من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذنَّ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي) .\r\rووجه الاستشهاد به أن فيه نهي عن أخذ الشعر والأظفار، ومقتضى النهي التحريم كما قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في المغني ٩/٤٣٧. وروى مسلم بإسناده عن عمرو بن مسلم بن عمار الليثي قال: (كنا في الحمام قبيل الأضحى فأطلى فيه ناس فقال بعض أهل الحمام: إن سعيد بن المسيب يكره هذا أو ينهى عنه. فلقيت سعيد بن المسيب فذكرت ذلك له فقال: يا ابن أخي هذا حديث قد نُسِيَ وترك. حدثتني أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت قال رسول الله ﷺ ... الحديث. وقوله في الحديث أطلى فيه ناس: أي أزالوا شعر العانة بالنورة. واحتجوا أيضاً بما رواه ابن حزم بإسناده أن يحيى بن يعمر كان يفتي بخراسان أن الرجل إذا اشترى أضحية ودخل العشر أن يكف عن شعره وأظفاره حتى يضحي. قال سعيد قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: نعم. فقلت: عمن يا أبا محمد؟ قال عن أصحاب رسول الله. وقد حمل طائفة من أهل العلم النهي الوارد في حديث أم سلمة على كراهة التنزيه فقط وأيدوا قولهم بما ثبت من حديث عائشة ﵂ قالت: (لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حلَّ للرجال من أهله حتى يرجع الناس) متفق عليه. قال الماوردي: [فكان هدي رسول الله ﷺ وضحاياه، لأنه كان بالمدينة وأنفذها مع أبي بكر ﵁ سنة تسع، وحكمها أغلظ لسوقها إلى الحرم، فلما لم يحرم على نفسه شيئاً كان غيره أولى إذا ضحى في غير الحرم] الحاوي الكبير ١٥/٧٤. والذي يغلب على ظني ـ بعد طولِ تأملٍ وتفكرٍ ـ رجحان القول الأول لقوة أدلته ويظهر ذلك فيما يلي:\r\rأولاً: إن حديث أم سلمة خاص، وحديث عائشة عام، والخاص مقدم على العام. قال الشيخ ابن قدامة: [وحديثهم عام وهذا خاص يجب تقديمه بتنزيل العام على ما عدا ما تناوله الحديث الخاص] المغني ٩/٤٣٧. وقال الشوكاني: [ولا يخفى أن حديث الباب – أي حديث أم سلمة – أخص منه – أي من حديث عائشة - مطلقاً فيبنى العام على الخاص ويكون الظاهر مع من قال بالتحريم ولكن على من أراد التضحية] نيل الأوطار ٥/١٢٨.\r\rثانياً: يجب حمل حديث عائشة على غير محل النزاع لوجوه منها: أ - أن النبي ﷺ لم يكن ليفعل ما نهى عنه وإن كان مكروهاً، قال الله تعالى:﴾ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عنه ﴿سورة هود الآية ٨٨. ب - ولأن أقلَّ أحوال النهي أن يكون مكروهاً، ولم يكن النبي ﷺ ليفعل المكروه فيتعين حمل ما فعله في حديث عائشة على غيره. ج - ولأن عائشة تخبر عن فعله ﷺ، وأم سلمة تخبر عن قوله ﷺ، والقول يقدم على الفعل، لاحتمال أن يكون فعله خاصاً له. ثالثاً: إن ما قاله بعض أهل العلم بأن حديث أم سلمة موقوف؛ غير صحيح، بل هو حديث مرفوع، رفعه جماعة من المحدثين، وقد رواه مسلم مرفوعاً من وجوه: أ. الرواية الأولى في صحيح مسلم بإسناده وفيها حدثنا سفيان ... قيل لسفيان: فإن بعضهم لا يرفعه. قال لكني أرفعه. ب. الرواية الثانية في صحيح مسلم وفيها: (عن أم سلمة ترفعه ...) . ج. الرواية الثالثة في صحيح مسلم مرفوعة. د. الرواية الخامسة في صحيح مسلم مرفوعة. وأجاب العلامة ابن القيم جواباً مفصلاً عن الادعاء بأن حديث أم سلمة موقوف فقال: [وقد اختلف الناس في هذا الحديث وفي حكمه. فقالت طائفة: لا يصح رفعه وإنما هو موقوف. قال الدارقطني في كتاب العلل: ووقفه عبد الله بن عامر الأسلمي ويحيى القطان وأبو حمزة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد، ووقفه عقيل على سعيد. ووقفه يزيد بن عبد الله بن قسيط عن سعيد عن أم سلمة: قولها. ووقفه عبد الرحمن بن حرملة وقتادة وصالح بن حسان عن سعيد: قوله. والمحفوظ عن مالك موقوف. قال الدارقطني: والصحيح عندي قول من وقفه. ونازعه في ذلك آخرون فصححوا رفعه منهم مسلم بن الحجاج ورواه في صحيحه مرفوعاً. ومنهم أبو عيسى الترمذي قال: هذا حديث حسن صحيح. ومنهم ابن حبان خرَّجه في صحيحه. ومنهم أبو بكر البيهقي قال: هذا حديث قد ثبت مرفوعاً من أوجه لا يكون مثلها غلطاً، وأودعه مسلم في كتابه. وصححه غير هؤلاء وقد رفعه سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد عن أم سلمة عن النبي ﷺ. ورفعه شعبة عن مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد عن أم سلمة عن النبي ﷺ. وليس شعبة وسفيان بدون هؤلاء الذين وقفوه. ولا مثل هذا اللفظ من ألفاظ الصحابة بل هو المعتاد من خطاب النبي ﷺ في قوله (لا يؤمن أحدكم) (أيعجز أحدكم) (أيحب أحدكم) (إذا أتى أحدكم الغائط) (إذا جاء أحدكم خادمه بطعام) ونحو ذلك] شرح ابن القيم على سنن أبي داود ٧/٣٤٦.\r\rوقال صاحب تحفة الأحوذي بعد أن ذكر الطرق المرفوعة لحديث أم سلمة: [وهذه الطرق المرفوعة كلها صحيحة، فكيف يصح القول بأن حديث أم سلمة الموقوف هو أصل الحديث بل الظاهر أن أصل الحديث المرفوع] تحفة الأحوذي ٥/١٠٠. وقد بيَّن الشيخ الألباني أن الصحيح أن هذا الحديث مرفوع؛ حتى وإن لم يصرح سعيد بن المسيب برفعه فله حكم الرفع لأنه لا يقال بالاجتهاد والرأي إرواء الغليل ٤/٣٧٨. وقال ابن حزم: [ ... ثم لو صح القياس لكان هذا منه عين الباطل، لأنه ليس إذا وجب أن لا يمس الشعر والظفر بالنص الوارد في ذلك، يجب أن يتجنب النساء والطيب، كما أنه إذا وجب اجتناب الجماع والطيب، لم يجب بذلك اجتناب مس الشعر والظفر، فهذا الصائم فرضٌ عليه اجتناب النساء، ولا يلزمه اجتناب الطيب، ولا مس الشعر والظفر، وكذلك المعتكف، وهذه المعتدة يحرم عليها الجماع والطيب، ولا يلزمها اجتناب قص الشعر والأظفار. ... وهذه فتيا صحت عن الصحابة ﵃، ولا يعرف فيها مخالفٌ منهم لهم] المحلى ٦/٢٦ وقال ابن القيم: [وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره لصحتة وعدم ما يعارضه ... ولهذا كان أحمد وغيره يعمل بكلا الحديثين: هذا في موضعه وهذا في موضعه. وقد سأل الإمام أحمد أو غيره عبد الرحمن بن مهدي عن هذين الحديثين؟ فقال: هذا له وجه وهذا له وجه] شرح ابن القيم على سنن أبي داود ٧/٣٤٨.\r\rوبعد هذا العرض أرجو أن يكون ما رجحته هو الراجح، وقد كنت أميل للقول بالكراهة فقط، ثم ترجح عندي القول بالتحريم، والله أعلم. والحكمة في النهي عن الأخذ من الشعر والأظفار في حق من أراد الأضحية هي ما قاله الإمام النووي: [قال أصحابنا: والحكمة في النهي أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/١٢٠. وإذا لم يلتزم مريد الأضحية بهذا النهي فأخذ شيئاً من شعره أو أظفاره فإنه يستغفر الله ﷾ ولا فدية فيه إجماعاً سواء فعله عمداً أو نسياناً كما قال الشيخ ابن قدامة في المغني ٩/٤٣٧.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346115,"book_id":3840,"shamela_page_id":495,"part":"11","page_num":15,"sequence_num":495,"body":"١٥ - أحكام الأضحية.\rبمناسبة قرب حلول عيد الأضحى المبارك، كثرت الأسئلة والإستفسارات المتعلقة بالأضحية، وهذه مجموعة من الأحكام المتعلقة بالأضحية فيها إجابات واضحة على بعض تلك الأسئلة والإستفسارات:\r\rأولاً: ينبغي أن يعلم أن الأضحية سنة مؤكدة، على الراجح من أقوال أهل العلم، وهو قول جمهور الفقهاء، ونقل عن أبي بكر وعمر وابن عباس، وجماعة من الصحابة والتابعين، ومن أصرح الأدلة على عدم وجوب الأضحية، ما ثبت في الحديث الشريف، عن أم سلمة ﵂ أن الرسول ﷺ قال: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئاً) رواه مسلم. فجعل الرسول ﷺ، أمر الأضحية مفوضاً إلى إرادة المسلم، وما كان كذلك لا يكون واجباً. وروى البيهقي عن أبي بكر وعمر، أنهما كانا لا يضحيان كراهة أن يظن من رآهما أنها واجبة، سنن البيهقي ٩/٢٦٤ - ٢٦٥. والأسانيد إليهما صحيحة كما قال: الشيخ الألباني، انظر إصلاح المساجد ص٢١. وقال ابن حزم: \" لا يصح عن أحد من الصحابة أن الأضحية واجبة، وصح أن الأضحية ليست واجبة عن سعيد بن المسيب والشعبي \" المحلى ٦/١٠. وأما ما ورد في الحديث الشريف، عن أبي هريرة ? أن رسول الله ﷺ قال: (من وجد سعة فلم يضح، فلا يقربنَّ مصلانا) رواه ابن ماجة وأحمد والحاكم وغيرهم فقد صحح الأئمة وقفه على أبي هريرة، قال الحافظ ابن حجر: \".... لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره، ومع ذلك فليس صريحاً في الإيجاب \" فتح الباري ١٢/٩٨. وقال الحافظ ابن عبد البر نحوه في التمهيد، وممن قال بأنه موقوف الإمام المنذري في الترغيب والترهيب والحافظ البيهقي، والإمام الترمذي \" انظر معرفة السنن والآثار ١٤/٣٨.\r\rثانياً: يستحب لمن أراد أن يضحي، ألا يقص شعره وأظافره، ابتداءً من أول ليلة من شهر ذي الحجة إلى أن يذبح أضحيته لما ثبت في الحديث السابق عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا دخلت العشر - أي العشر الأول من ذي الحجة - وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً) رواه مسلم. وفي رواية أخرى: (إذا دخل العشر، وعنده أضحية يريد أن يضحي، فلا يأخذنَّ شعراً ولا يقلمنَّ ظفراً) رواه مسلم. وفي رواية أخرى: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره) رواه مسلم. وفي رواية أخرى: (.... فلا يأخذنَّ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي) رواه مسلم. وقال جمهور أهل العلم: \" إن هذا النهي محمول على الكراهة وليس على التحريم، فيكره في حق من نوى الأضحية أن يقص شيئاً من شعره أو من أظفاره شيئاً ويدل على أنه مكروه وليس حراماً، ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ، ثم يقلده ويبعث به ولا يحرم عليه شيء أحله الله حتى ينحر هديه) رواه البخاري مسلم. قال الإمام النووي: \" والحكمة في النهي أن يبقى - أي المضحي - كامل الأجزاء ليعتق من النار \" شرح النووي على صحيح مسلم ٥/١٢٠. ثالثاً: يستحب في الأضحية أن تكون كبشاً أبيضاً أقرناً سميناً، فقد ثبت في الحديث، عن أنس ? قال: (ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمَّى وكبر ووضع رجله على صفاحهما) رواه مسلم. وعن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: (ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين موجوءين خصيين) رواه أحمد وهو صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٤/٣٦٠. وروى الإمام البخاري تعليقاً، عن أبي أمامة بن سهل قال: (كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون) ، قال الحافظ ابن حجر: \" وصله أبو نعيم في المستخرج....\" فتح الباري ١٢/١٠٥. رابعاً: تصح النيابة في ذبح الأضحية باتفاق أهل العلم، فإذا أناب شخص شخصاً آخر في ذبح الأضحية وتوزيعها، فلا بأس في ذلك والمستحسن أن يتولى كل مضحٍ أضحيته بنفسه فيذبحها إن كان يحسن الذبح، فقد ثبت أن الرسول ﷺ ذبح أضحيته بيديه الشريفتين، كما في الأحاديث التي سبقت، فإن كان المضحي لا يحسن الذبح، وكَّل غيره بذبحها لما روي في الحديث الشريف أنه ﷺ قال لفاطمة: (قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك) رواه الحاكم وصححه ولكن فيه ضعف، كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٤/١٤٣. خامساً: لا بد من الإلتزام في الأضحية بالسن المقررة شرعاً، فلا يصح أن ينقص منه، ويصح أن يزيد عليه، ففي الإبل لا تصح التضحية بها إلا إذا بلغت خمس سنوات ودخلت في السادسة، وفي البقر يجب أن تتم سنتين وتدخل في الثالثة وفي الغنم تفصيل ففي الماعز، لا تجوز الأضحية بما له أقل من سنة، وفي البياض تجوز التضحية بما يمضي عليه أكثر العام كسبعة أشهر أو ثمانية أشهر، إذا كان سميناً يخفى مع ما له سنة. ولا يجوز شرعاً التضحية بالعجول المسمنة التي لم تبلغ سنتين من عمرها، قال الإمام الشافعي: \" ومن ضحى فأقل ما يجزيه الثني من المعز والإبل والبقر، ولا يجزي جذع إلا من الضأن وحدها \" الأم ٢/٢٢١. وقال الإمام الشافعي أيضاً: \" الضحايا الجذع من الضأن والثني من المعز والإبل والبقر ولا يكون شيء دون هذا ضحية \" الأم ٢/٢٢٣. قال الإمام النووي: \" أجمعت الأمة على أنه لا تجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثني.... \" المجموع ٨/٣٩٤. ونقل ابن قدامة عن أئمة اللغة: \" إذا مضت الخامسة على البعير، ودخل في السادسة وألقى ثنيته، فهو حينئذ ثني.... وأما البقرة، فهي التي لها سنتان لأن النبي ﷺ قال: (لا تذبحوا إلا مسنة) رواه مسلم، والمسنة من البقر هي التي لها سنتان \" المغني ٩/٤٤٠. وقال الإمام النووي: \" قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء، من الإبل والغنم والبقر، فما فوقها وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال وهذا مجمع عليه.... \" شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/١٠١ - ١٠٢. وقد اتفق العلماء على أنه لا يجزئ الجذع من البقر، والجذع من البقر هو من وقت ولادته إلى أن يبلغ السنتين من عمره، والعجل المسمن الذي يبلغ من العمر تسعة أشهر من عمره فهو جذع فلا يجزئ في الأضحية، وكونه سميناً وأكثر لحماً من الذي بلغ السنتين من عمره، ليس سبباً في ترك السن المعتمد، وهي سنتان فأكثر. وإن المدقق في الأحاديث الشريفة التي أشارت إلى السن، يرى أنه لا يجوز تجاوز تلك السن، ويدل على ذلك الأحاديث التالية: ١ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء، فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح فقال: \" إن عندي جذعة \" فقال: إذبحها، ولن تجزئ عن أحد بعدك) رواه البخاري. ٢ - قال الإمام البخاري: \" باب قول النبي ﷺ لأبي بردة: ضح بالجذع من المعز ولن تجزئ عن أحد بعدك، ثم ساق حديث البراء المتقدم براوية أخرى: (ضحى خال لي يقال له أبو بردة، قبل الصلاة، فقال له رسول الله ﷺ: شاتك شاة لحم؟ فقال يا رسول الله: إن عندي داجناً جذعة من المعز فقال النبي ﷺ: إذبحها ولا تصلح لغيرك) . وقد ورد في عدة روايات اختصاص أبي بردة بالتضحية بالجذع من المعز وشاركه في الإختصاص عقبة بن عامر، كما في حديث آخر. والألفاظ التي تدل على الإختصاص كما بينها الحافظ ابن حجر في فتح الباري هي (ولا رخصة فيها لأحد بعدك) ، (ولا تجزئ عن أحد بعدك) ، (وليست فيها رخصة لأحد بعدك) . وهذا التخصيص من النبي ﷺ يدل على أنه لا تصح التضحية بالجذع من الإبل والبقر والماعز، وهو الذي اعتمد عليه الفقهاء في القول بأنه لا يجوز التضحية بما دون السنتين من البقر. ويجب أن يعلم أنه ليس المقصود بالأضحية اللحم فقط وتوزيعه صدقة أو هدية وإنما المقصود بها أيضاً تعظيم شعائر الله ﷾، كما قال ﷻ: (ذَلكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) سورة الحج /٣٢. وكذلك الإمتثال لأمر الله ﷿ بإراقة الدم إقتداءً بإبراهيم ﵇ قال تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) سورة الحج /٣٧.\r\rوعن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: (ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إهراق الدم وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله ﷿ بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً) رواه ابن ماجة والترمذي، وقال: حسن غريب، ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346116,"book_id":3840,"shamela_page_id":496,"part":"11","page_num":16,"sequence_num":496,"body":"١٦ - لا تصح الأضحية بالعجل السمين وعمره تسعة أشهر.\rيقول السائل: هل تجوز الأضحية بعجل سمين بلغ من العمر تسعة أشهر؟\r\rالجواب: لقد وردت الأحاديث التي أشارت إلى السن المعتبر في الأضاحي والتي اعتمد عليها الفقهاء في تحديد السن المعتبر في الأضاحي، واعتبروا ذلك شرطاً من شروط صحة الأضحية فقد اتفق العلماء على أنه تجوز التضحية بالثني فما فوقه من الإبل والبقر والغنم والمراد بالثني من الإبل، ما أكمل خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر ما أكمل سنتين ودخل في الثالثة، ومن الغنم ما أكمل سنتين ودخل في الثالثة. قال في المصباح المنير: \" الثني الجمل يدخل في السادسة.... والثني أيضاً الذي يلقي ثنيته، يكون من ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة، ومن ذوات الخف في السنة السادسة \". واتفق العلماء على أنه لا تجوز التضحية بما دون الثني من الإبل والبقر والمعز واختلفوا في الجذع من الضأن. قال الإمام النووي: \"وأجمعت الأمة على أنه لا تجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثني\" المجموع ٨/٣٩٤. ونقل ابن قدامة عن أئمة اللغة \" إذا مضت الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ ثني.... وأما البقرة فهي التي لها سنتان، لأن النبي ﷺ قال: (لا تذبحوا إلا مسنة) ومسنة البقر التي لها سنتان \" المغني ٩/٤٤٠. وقال الإمام النووي: \" قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء، من الإبل البقر والغنم فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال وهذا مجمع عليه \" شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/١٠١ - ١٠٢.\r\rوقد اتفق العلماء على أنه لا يجزئ الجذع من البقر والجذع من البقر هو من وقت ولادته إلى أن يبلغ سنتين من عمره والعجل المسمن الذي يبلغ تسعة أشهر من عمره هو جذع، فلا يجزئ في الأضحية، وكونه سميناً وأكثر لحماً من الذي بلغ سنتين من عمره ليس سبباً في ترك السن المعتمدة، وهي سنتان فأكثر. وإن المدقق في الأحاديث التي أشارت إلى السن، يرى أنه لا يجوز تجاوز تلك السن ويدل على ذلك الأحاديث التالية: - عن البراء بن عازب ﵁، قال النبي ﷺ: (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا، أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء، فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح فقال: إن عندي جذعة، فقال اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك) رواه البخاري. - قال الإمام البخاري: \" باب قول النبي ﷺ لأبي بردة: (ضح بالجذع من المعز ولن تجزئ عن أحد بعدك) ثم ساق حديث البراء المتقدم، برواية أخرى: (ضحى خال لي يقال له أبو بردة قبل الصلاة، فقال له رسول الله ﷺ: شاتك شاة لحم، فقال يا رسول الله: إن عندي داجناً جذعة من المعز، فقال النبي ﷺ: اذبحها ولا تصلح لغيرك) . وقد ورد في عدة روايات اختصاص أبي بردة بالتضحية بالجذع من المعز وشاركه في الاختصاص، عقبة بن عامر، والألفاظ التي تدل على الاختصاص كما بينها الحافظ ابن حجر في فتح الباري هي: (ولا رخصة فيها لأحد بعدك) (ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك) (وليست فيها رخصة لأحد بعدك) .\r\rوهذا التخصيص من النبي ﷺ يدل على أنه لا تصح التضحية بالجذع من الإبل والبقر والماعز، وهو الذي اعتمد عليه الفقهاء في القول بأنه لا يجوز التضحية بما دون السنتين من البقر. وبناءً على ما تقدم أقول: لا تصح الأضحية بالعجول المسمنة مهما بلغ وزنها ولا بد من الالتزام بالسن وهو سنتان، قال في الفتاوى الهندية: \" وتقدير هذه الأسنان بما قلنا يمنع النقصان ولا يمنع الزيادة، حتى ولو ضحى بأقل من ذلك شيئاً لا يجوز، ولو ضحى بأكثر من ذلك شيئاً يجوز ويكون أفضل ولا يجوز في الأضحية حمل ولا جدي ولا عجول ولا فصيل \" الفتاوى الهندية ٥/٢٩٧.\r\rوينبغي أن يعلم أنه ليس المقصود من الأضحية اللحم فقط، وتوزيعه صدقة أو هدية وإنما يقصد بالأضحية أيضاً، تعظيم شعائر الله، وإراقة الدم كوسيلة من وسائل الشكر لله تعالى وإحياءً لذكرى إبراهيم ﵊. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346117,"book_id":3840,"shamela_page_id":497,"part":"11","page_num":17,"sequence_num":497,"body":"١٧ - حكم الذبح على مقدمة السيارة.\rيقول السائل: إنه قد اشترى سيارة جديدة، ويريد أن يذبح على مقدمتها ذبيحة، فهل يجوز ذلك؟\r\rالجواب: لقد جرت عادة كثير من الناس أن يذبحوا شاةً على مقدمة السيارة الجديدة، ويجعلون دم الشاة يسيل عليها، وذلك طلباً لسلامة السيارة وصاحبها، أو دفعاً لعيون الحساد، كما يعتقدون، أو لغير ذلك من المقاصد، وهذا العمل بالشكل الذي وصفت لا يجوز شرعاً، بل هو من الأمور المبتدعة لأن الأصل في الذبح أن يكون لله تعالى. يقول ﷾: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) سورة الأنعام/ ١٦٣,١٦٢. فالمسلم عندما يذبح، يذبح بإسم الله تعالى، وحده لا شريك وهو تفسير قوله تعالى (ونسكي) ، أي ذبحي، كما قال بعض السلف. وجاء في الحديث، عن علي ﵁ قال حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: (لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثاً ولعن الله من غير منار الأرض) رواه مسلم. قال الإمام النووي: \" وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح بإسمٍ غير إسم الله كمن ذبح للصنم أو الصليب، أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما، وللكعبة، فكل ذلك حرام، ونحو ذلك فكل ذلك حرام، ولا تحل هذه الذبيحة.... \" شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/١٢٢. وهذا التفصيل الذي ذكرته فيما لو كان الذابح قد ذبح لغير الله تعالى، وأما إن ذبح الذبيحة بإسم الله تعالى، ومن باب شكر نعمة الله على هذا الإنسان لكونه قد اشترى سيارة جديدة، فلا بأس بذلك، ولا أرى له أن يذبح الذبيحة على مقدمة السيارة، لأن ذلك مشعرٌ بأن الذبح للسيارة، وتعليق سلامة السيارة وصاحبها على الذبح على مقدمتها. ولا بأس أن نذكر بهذه المناسبة، أن بعض الناس يذبح ذبيحة أو أكثر عندما يبني بيتاً جديداً، فمنهم من يذبح عند عقد البيت، أو عند السكن فيه، فهذا أيضاً فيه التفصيل الذي ذكرت، فإن كان الذبح من باب شكر نعمة الله، حيث أنعم الله على هذا الإنسان بأن سكن بيتاً جديداً، فيذبح ويطبخ ويدعو أصدقاءَه وأقرباءَه، ويسمى هذا الطعام، طعام الوكيرة، فهذا عمل لا بأس به، ويؤجر المرء عليه ن شاء الله.\r\rوالأصل في ذلك هو النية الصالحة، لقول النبي ﷺ في الحديث المشهور: (إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئٍ ما نوى) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346118,"book_id":3840,"shamela_page_id":498,"part":"11","page_num":18,"sequence_num":498,"body":"١٨ - كيفية توزيع الأضحية.\rيقول السائل: كيف توزع الأضحية؟\r\rالجواب: قال أهل العلم يكون التصرف بالأضحية بالأكل والصدقة والهدية وتفصيل ذلك كما يلي: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأكل من الأضحية مندوب. وقد استدلوا بما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (... فكلوا وادخروا وتصدقوا) متفق عليه. وما ورد في حديث جابر ? أنه ﵊ قال: (... كلوا وتزودوا) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم: (... كلوا وتزودوا وادخروا) . وقد حمل الجمهور الأوامر في هذه الأحاديث على الندب، لأن الأمر فيها جاء بعد الحظر فيحمل على الندب أو الإباحة. قال الحافظ ابن عبد البر: [وأما قوله: (فكلوا وتصدقوا وادخروا) فكلام خرج بلفظ الأمر، ومعناه الإباحة لأنه أمر ورد بعد نهي، وهكذا شأن كل أمر يرد بعد حظر أنه إباحة لا إيجاب] الاستذكار ١٥/١٧٣. وأما مقدار الأكل فقال الحنفية والحنابلة: يأكل ثلثها ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها. ولو أكل أكثر من الثلث جاز. بدائع الصنائع ٤/٢٢٣، المغني ٩/٤٤٨. وجاء عن الشافعي أنه يستحب قسمتها أثلاثاً لقوله ﷺ: (كلوا وتصدقوا وأطعموا) فتح الباري ١٢/١٢٣.\r\rواحتج ابن قدامة المقدسي بما ورد عن ابن عباس ﵁ في صفة أضحية النبي ﷺ قال: [ويطعم أهل بيته الثلث ويطعم فقراء جيرانه الثلث ويتصدق على السؤَّال بالثلث] رواه الحافظ أبو موسى الأصفهاني في الوظائف وقال: حديث حسن. المغني ٩/٤٤٨-٤٤٩. وقالوا لأنه قول ابن مسعود وابن عمر ﵄ ولم نعرف لهما مخالفاً من الصحابة فكان إجماعاً كما قال ابن قدامة في المغني ٩/٤٤٩. ومن أهل العلم من استحب أن يأكل نصفاً ويطعم نصفاً لقول الله تعالى في الهدايا: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) سورة الحج الآية ٣٦. وأما الإمام مالك فلم يحدد في ذلك شيئاً ويقول: يأكل ويتصدق. والدليل على أنه لا تحديد في المسألة بل الأمر على الاستحباب حديث ثوبان ? قال: (ذبح رسول الله ﷺ ضحيته ثم قال: يا ثوبان أصلح لحم هذه الأضحية. قال: فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة) رواه مسلم. ويستحب لمن أراد أن يضحي في يوم الأضحى أن يخرج إلى صلاة العيد ولا يأكل شيئاً حتى يصلي ثم يذبح أضحيته فيأكل منها وهذا قول أكثر العلماء. قال الشيخ ابن قدامة: [... ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي وهذا قول أكثر أهل العلم منهم علي وابن عباس ومالك والشافعي وغيرهم لا نعلم فيه خلافاً] . المغني ٢/٢٧٥. ومما يدل على ذلك ما جاء في الحديث عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: (كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي) رواه الترمذي، ثم قال: [وقد استحب قوم من أهل العلم أن لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم شيئاً ويستحب له أن يفطر على تمر ولا يطعم يوم الأضحى حتى يرجع] . والحديث رواه أيضاً ابن ماجة وابن حبان وقال الشيخ الألباني: صحيح. سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٣/٨٠، صحيح سنن الترمذي ١/١٦٨ والحكمة في امتناع النبي ﷺ عن الأكل قبل الصلاة يوم الأضحى هي: [ليكون أول ما يطعم من لحم أضحيته فيكون مبنياً على امتثال الأمر] المرقاة ٣/٥٤٤-٥٤٥. وقال الإمام أحمد: [والأضحى لا يأكل فيها حتى يرجع إذا كان له ذبح لأن النبي ﷺ أكل من ذبيحته وإذا لم يكن له ذبح لم يبالِ أن يأكل] المغني ٢/٢٧٥. وقال الشعبي: [إن من السنة أن تطعم يوم الفطر قبل أن تغدو، وأن تؤخر الطعام يوم النحر حتى ترجع] . وقال سعيد بن المسيب: [كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل المصلى ولا يفعلون ذلك يوم النحر] الاستذكار ٧/٤٠.\r\rوأما التصدق منها فقال الحنفية والمالكية إن التصدق من الأضحية مندوب وليس بواجب. وحجتهم ما سبق في الأكل من الأضحية وهو أرجح أقوال العلماء في المسألة. ويتصدق منها على المسلمين من الفقراء والمحتاجين ويهدي إلى الأقارب والأصدقاء والجيران وإن كانوا أغنياء. ونقل النووي عن ابن المنذر قوله: [أجمعت الأمة على جواز إطعام فقراء المسلمين من الأضحية واختلفوا في إطعام فقراء أهل الذمة فرخص فيه الحسن البصري وأبو حنيفة وأبو ثور. وقال مالك: غيرهم أحب إلينا. وكره مالك أيضاً إعطاء النصراني جلد الأضحية أو شيئاً من لحمها. وكرهه الليث قال: فإن طبخ لحماً فلا بأس بأكل الذمي مع المسلمين منه] . ثم قال النووي: [ومقتضى المذهب أنه يجوز إطعامهم من ضحية التطوع دون الواجبة] المجموع ٨/٤٢٥. وقال الشيخ ابن قدامة: [ويجوز أن يطعم منها كافراً وبهذا قال الحسن وأبو ثور وأصحاب الرأي ... لأنه طعام له أكله فجاز إطعامه للذمي كسائر الأطعمة ولأنه صدقة تطوع فجاز إطعامها للذمي والأسير كسائر صدقة التطوع] المغني ٩/٤٥٠. والراجح من أقوال العلماء أنه يجوز إطعام أهل الذمة منها، وخاصةً إن كانوا فقراء أو جيراناً للمضحي أو قرابته أو تأليفاً لقلوبهم.\r\rوأما الهدية من الأضحية فقد اتفق أهل العلم على أن الهدية من الأضحية مندوبة. وكثير من العلماء يرون أن يهدي ثلثاً منها كما مرَّ في حديث ابن عباس فإنه يجعل الأضحية أثلاثاً ثلث لأهل البيت وثلث صدقة وثلث هدية. ونقل هذا عن ابن مسعود وابن عمر وعطاء وإسحاق وأحمد وهو أحد قولي الشافعي. ويسن أن يجمع بين الأكل والتصدق والإهداء وأن يجعل ذلك أثلاثاً وإذا أكل البعض وتصدق بالبعض فله ثواب الأضحية بالكل والتصدق بالبعض. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346119,"book_id":3840,"shamela_page_id":499,"part":"11","page_num":19,"sequence_num":499,"body":"١٩ - لا يجوز إعطاء الجزار أجرته من الأضحية.\rيقول السائل: هل يجوز أن يعطى الجزَّار الذي يتولى ذبح الأضحية أجرته من لحمها؟\r\rالجواب: قال جمهور أهل العلم لا يجوز أن يُعطى الجزَّار شيئاً من الأضحية مقابل ذبحها وسلخها واحتجوا على ذلك بما جاء في الحديث عن علي ? قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه أي الإبل وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها وأن لا أعطي الجزَّار منها. وقال: نحن نعطيه من عندنا) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم: (ولا يعطي في جزارتها منها شيئاً) . فهذا الحديث يدل على عدم جواز إعطاء الجزَّار منها لأن عطيته عوض عن عمله فيكون في معنى بيع جزء منها وذلك لا يجوز. وأما إن كان الجزَّار فقيراً أو صديقاً فأعطاه منها لفقره أو على سبيل الهدية فلا بأس لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره بل هو أولى لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها. المغني ٩/٤٥٠. ولا يجوز بيع شيء من الأضحية لا لحمها ولا جلدها ولا أطرافها واجبة كانت أو تطوعاً. قال الإمام أحمد: [لا يبيعها ولا يبيع شيئاً منها] . وقال أيضاً: [سبحان الله كيف يبيعها وقد جعلها لله ﵎؟] . ويجوز أن ينتفع بالجلد بأن يجعله سقاءً أو فرواً أو نعلاً أو غير ذلك. فقد ورد عن عائشة ﵂ قالت: [يجعل من جلد الأضحية سقاء ينبذ فيه] ويدل على أنه لا يجوز بيع شيء من الأضحية، بما في ذلك جلدها وأطرافها. ما ورد في حديث علي ? قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها وأن لا أعطي الجزَّار منها. وقال نحن نعطيه من عندنا) رواه البخاري ومسلم. فقد أمره الرسول ﷺ أن يتصدق بلحومها وجلودها وجلالها كما أنه قد جعلها قربة لله تعالى فلم يجز بيع شيء منها كالوقف. وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (من باع جلد أضحيته فلا أضحية له) رواه الحاكم وقال: حديث صحيح. ورواه البيهقي وقال الشيخ الألباني: حسن. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346120,"book_id":3840,"shamela_page_id":500,"part":"11","page_num":20,"sequence_num":500,"body":"٢٠ - حكم الجمع بين الأضحية والعقيقة.\rيقول السائل: إنه رزق مولوداً ويريد أن يعق عنه عقيقة وسيذبحها يوم عيد الأضحى وينوي بها الأضحية والعقيقة فهل يجوز ذلك؟ وهل تقع الذبيحة عن العقيقة وعن الأضحية؟\r\rالجواب: إذا اجتمعت الأضحية والعقيقة كأن أراد شخصٌ أن يعقَ عن ولده يوم عيد الأضحى كما ورد في السؤال أو في أيام التشريق فلا تجزئ الأضحية عن العقيقة على الراجح من أقوال أهل العلم. وهذا قول المالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد فقد روى الخلال عن عبد الله بن أحمد قال: [سألت أبي عن العقيقة يوم الأضحى تجزئ أن تكون أضحية وعقيقة؟ قال: إما أضحية وإما عقيقة على ما سمّى] وعلى هذه الرواية أكثر الحنابلة. انظر تصحيح الفروع ٣/٥٦٥، تحفة المودود ص ٦٨ والذخيرة ٤/١٦٦. وحجة هؤلاء العلماء أن كلاً من الأضحية والعقيقة ذبحان بسببين مختلفين فلا يقوم الواحد عنهما كدم التمتع ودم الفدية. وقالوا أيضاً إن المقصود بالأضحية إراقة الدم في كل منهما ولا تقوم إراقة مقام إراقتين. وسئل الشيخ ابن حجر المكي عن ذبح شاة أيام الأضحية بنيتها ونية العقيقة فهل يحصلان أو لا؟ فأجاب: [الذي دل عليه كلام الأصحاب وجرينا عليه منذ سنين أنه لا تداخل في ذلك لأن كلاً من الأضحية والعقيقة سنةٌ مقصودةٌ لذاتها ولها سبب يخالف سبب الأخرى والمقصود منها غير المقصود من الأخرى إذ الأضحيةُ فداءٌ عن النفس والعقيقةُ فداءٌ عن الولد إذ بها نُمُّوهُ وصلاحهُ ورجاءُ بِرِّهِ وشفاعته وبالقول بالتداخل يبطل المقصود من كلٍ منهما فلم يمكن القول به نظير ما قالوه في سنة غسل الجمعة وغسل العيد وسنة الظهر وسنة العصر وأما تحية المسجد ونحوها فهي ليست مقصودة لذاتها بل لعدم هتك حرمة المسجد وذلك حاصلٌ بصلاة غيرها وكذا صوم نحو الاثنين لأن القصد منه إحياء هذا اليوم بعبادة الصوم المخصوصة وذلك حاصلٌ بأي صومٍ وقع فيه.\r\rوأما الأضحية والعقيقة فليستا كذلك كما ظهر مما قررته وهو واضح والكلام حيث اقتصر على نحو شاة أو سبع بدنة أو بقرة أما لو ذبح بدنة أو بقرة عن سبعة أسباب منها ضحية وعقيقة والباقي كفارات كنحو الحلق في النسك فيجزي ذلك وليس هو من باب التداخل في شيء لأن كل سبع يقع مجزياً عما نوى به. وفي شرح العباب: لو ولد له ولدان ولو في بطن واحدة فذبح عنهما شاة لم يتأدى بها أصل السنة كما في المجموع وغيره. وقال ابن عبد البر: لا أعلم فيه خلافاً أ. هـ. وبهذا يعلم أنه لا يجزي التداخل في الأضحية والعقيقة من باب أولى لأنه إذا امتنع مع اتحاد الجنس فأولى مع اختلافه والله ﷾ أعلم بالصواب] الفتاوى الكبرى الفقهية ٤/٢٥٦. وذهب بعض العلماء إلى القول بالإجزاء وقد نقل ذلك عن جماعة من فقهاء السلف. فتح الباري ١٢/١٣ وشرح السنة ١١/٢٦٧ والفروع ٣/٥٦٧.\r\rورأوا أنه يجوز أن يصلي المصلي ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسنة المكتوبة ويجوز أن يصلي بعد الطواف فرضاً أوسنة مكتوبة ويقع ذلك عنه وعن ركعتي الطواف وقالوا لو ذبح المتمتع والقارن شاة يوم النحر أجزأ عن دم المتعة وعن الأضحية. تحفة المودود ص ٦٩. والذي أراه راجحاً هو عدم إجزاء الأضحية عن العقيقة وعدم إجزاء العقيقة عن الأضحية لأن كلاً منهما لها سببها الخاص في إراقة الدم ولا تقوم إحداهما مقام الأخرى. والمسائل التي ذكروها ليست مسلَّمةً عند جميع العلماء فحصول عبادتين بنية واحدة أجازه من أجازه من أهل العلم لأنهم عدُّوها من قبيل الوسائل لا المقاصد كما لو نوى بغسله رفع الحدث الأصغر والأكبر أو نوى بالغسل الجمعة والجنابة وخالف في ذلك ابن حزم، وأمَّا حصول تحية المسجد وسنَّة المكتوبة، فلأن تحية المسجد تحصل وإن لم يقصدها وأمَّا ما صححوه من تجويز عبادتين بنيَّةٍ واحدةٍ فالذي يظهر أنَّ الشارع قد اعتبر فيه الأمرين المقصودين ولو لم يقصدهما الفاعل كمن يتصدق على ذي رحمه ينال أجرين: أجر الصدقة وأجر صلة الرحم. انظر مقاصد المكلفين ص ٢٥٥-٢٥٦. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346121,"book_id":3840,"shamela_page_id":501,"part":"11","page_num":21,"sequence_num":501,"body":"٢١ - الأضحية أفضل من التصدق بثمنها.\rيقول السائل: أيهما أفضل الأضحية أم التصدق بثمنها؟\r\rالجواب: إن الأضحية شعيرة من شعائر الله وسنة مؤكدة من سنن المصطفى ﷺ. والمطلوب من المسلم أن يعظم شعائر الله وأن يقتدي برسول الله ﷺ كما قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) سورة الحج الآية ٣٢. وقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) سورة الأحزاب الآية ٢١. لذا كانت الأضحية أفضل من التصدق بثمنها كما هو مذهب جمهور أهل العلم بما فيهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وربيعة وأبو الزناد وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم. المجموع ٨/٤٢٥ والمغني ٩/٤٣٦ ومجموع الفتاوى ٢٦/٣٠٤. روى عبد الرزاق بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: [لأن أضحي بشاة أحب إليَّ من أن أتصدق بمئة درهم] المصنف ٤/٣٣٨. قال الحافظ ابن عبد البر: [الضحية عندنا أفضل من الصدقة] وذكر أن هذا هو الصحيح من مذهب مالك وأصحابه. فتح المالك ٧/١٧-١٨. وقال ابن قدامة: [والأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها نص عليه أحمد] . المغني ٩ /٤٣٦. ونقل عن جماعة من أهل العلم أن التصدق بقيمة الأضحية أفضل فروي عن بلال ﵁ قال: [ما أبالي أن لا أضحي إلا بديك ولأن أضعها في يتيم قد ترب فوه أحبُ إليَّ من أن أضحي] وبهذا قال الشعبي وأبو ثور. والقول الأول هو الراجح، لأن النبي ﷺ ضحى والخلفاء من بعده ولو علموا أن الصدقة أفضل من الأضحية لعدلوا إليها. ولأن إيثار الصدقة على الأضحية يفضي إلى ترك سنة سنها رسول الله ﷺ ولأن فضل الأضحية لا يخفى وما يترتب عليها من منافع شيء عظيم. قال الحافظ ابن عبد البر: [الضحية عندنا أفضل من الصدقة لأن الأضحية سنة وكيدة كصلاة العيد ومعلوم أن صلاة العيد أفضل من سائر النوافل وكذلك صلوات السنن أفضل من التطوع كله] فتح المالك ٧/١٨. وقال الإمام النووي: [مذهبنا أن الأضحية أفضل من صدقة التطوع للأحاديث الصحيحة المشهورة في فضل الأضحية ولأنها مختلف في وجوبها بخلاف صدقة التطوع، ولأن الأضحية شعار ظاهر] المجموع ٨/٤٢٥.\r\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والأضحية والعقيقة والهدي أفضل من الصدقة بثمن ذلك فإذا كان معه مال يريد التقرب إلى الله كان له أن يضحي به والأكل من الأضحية أفضل من الصدقة] مجموع الفتاوى ٢٦/٣٠٤. ولا ينبغي لأحد أن يؤثر الصدقة على الأضحية لكون الصدقة أخف مئونة ولما في الأضحية من المشقة من حيث شراؤها والعناية بها وحفظها إلى أن يذبحها ولما في ذبحها وتوزيع بعضها من العناء والتعب فالمسلم له الأجر والثواب على كل ذلك إن أخلص نيته لله تعالى. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346122,"book_id":3840,"shamela_page_id":502,"part":"11","page_num":22,"sequence_num":502,"body":"٢٢ - من تشرع في حقه الأضحية.\rيقول السائل: في حق من تشرع الأضحية؟\r\rالجواب: يرى الحنفية أنه يشترط في المضحي أن يكون غنياً أي مالكاً لنصاب الزكاة فاضلاً عن حوائجه الأصلية، ودليلهم على ذلك ما ورد في الحديث ? من وجد سعةً فلم يضح فلا يقربنَّ مصلانا) فالرسول ﷺ شرط عليه السعة وهي الغنى وهو أن يكون في ملكه مئتا درهم أو عشرون ديناراً أو شيء تبلغ قيمته ذلك سوى مسكنه وما يتأثث به وكسوته وكسوة من يمونهم..تبيين الحقائق ٦/٣.\rوقال المالكية إن الأضحية لا تسن في حق الفقير الذي لا يملك قوت عامه وتشرع بحيث لا تجحف بمال المضحي بأن لا يحتاج لثمنها في ضرورياته في عامه فإن احتاج فهو فقير وقالوا إن من ليس معه ثمن الأضحية فلا يتسلف ليضحي. الذخيرة ٤/١٤٢، شرح الخرشي ٣/٣٣.\rوقال الشافعية تشرع الأضحية في حق من ملك ثمنها فاضلاً عن حاجته وحاجة من يمونه في يومه وليلته وكسوة فصله أي ينبغي أن تكون فاضلة عن يوم العيد وأيام التشريق. مغني المحتاج ٦/١٢٣.\rوأما الحنابلة فقالوا تشرع الأضحية في حق القادر عليها الذي يمكنه الحصول على ثمنها ولو بالدَّين إذا كان يقدر على وفاء دينه. كشاف القناع ٣/١٨.\rوالذي أرجحه أن الأضحية مشروعة في حق الغني الذي يملك نصاب الزكاة فاضلاً عن حوائجه الأصلية ومقداره في وقتنا الحالي (سنة ١٤٢٠هجرية وفق ١٩٩٩ م) حوالي خمسمائة وخمسون ديناراً أردنياً وثمن ما يصح أضحية لا يقل عن مائة وخمسين ديناراً تقريباً ومن لا يملك النصاب فهو فقير.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346123,"book_id":3840,"shamela_page_id":503,"part":"11","page_num":23,"sequence_num":503,"body":"٢٣ - تجوز الاستعانة في ذبح الأضحية.\rيقول السائل: ما حكم الاستعانة في ذبح الأضحية والإنابة في ذبحها؟\r\rالجواب: يجوز لمن أراد أن يذبح أضحيته أن يستعين بغيره ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي الخير: (أن رجلاً من الأنصار حدثه أن رسول الله ﷺ أضجع أضحيته ليذبحها، فقال رسول الله ﷺ: للرجل أعنِّي على أضحيتي فأعانه) رواه أحمد وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.\rوقال الحافظ ابن حجر: ورجاله ثقات. مجمع الزوائد ٤/٢٥ وفتح الباري ١٢/١١٥\rوذكر الإمام البخاري تعليقاً: [وأعان رجل ابن عمر في بدنته] .\rوقال الحافظ ابن حجر: [أي عند ذبحها وهذا وصله عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: رأيت ابن عمر ينحر بدنة بمنى وهي باركة معقولة ورجلٌ يمسك بحبل في رأسها وابن عمر يطعن] فتح الباري ١٢/١١٥.\rوأما الإنابة في ذبح الأضحية فجائزة وينبغي أن يوكل في ذبحها صاحب دين له معرفة بالذبح وأحكامه.\rقال القرافي: [كان الناس يتخيرون لضحاياهم أهل الدين لأنهم أولى بالتقرب فإن وكَّل تارك صلاة استحب له الإعادة للخلاف في حل ذكاته] الذخيرة ٤/١٥٥.\rولا ينبغي أن يوكل فاسقاً في ذبحها ولا ذمياً فإن فعل جاز مع الكراهة على قول جمهور أهل العلم.\rوينبغي أن يعلم أن بعض المسلمين من الموسرين من دول الخليج العربي وأوروبا ومريكا يوكلون لجان الزكاة في بلادنا في التضحية عنهم ويدفعون أثمان الأضاحي لدى بعض الجمعيات الخيرية في بلادهم ثم تنقل هذه المبالغ إلى لجان الزكاة في فلسطين والتي تتولى شرائها ومن ثم ذبحها وتوزيعها على الناس ولا بد هنا من بيان بعض الأمور التي يجب أن تتنبه لها لجان الزكاة:\rأولاً: يجب أن تكون الأضحية مستكملة للشروط الشرعية ولذا يجب إعلام أمثال هؤلاء الناس قبل وقت الأضحية بثمن الضحايا في بلادنا لأن أسعارها تختلف من بلد إلى آخر فيمكن أن نشتري أضحية مجزئة بثمانين ديناراً في عمان ونحتاج إلى ضعف هذا المبلغ في فلسطين لشراء أضحية مجزئة ولا يصح أن نشتري أضاحي غير مستكملة للشروط الشرعية بحجة أن المبلغ الذي دفع لا يشترى به أضحية مستكملة للشروط ولا يجوز جمع المبالغ القليلة لشراء شاة واحدة لأن الاشتراك في الشاة لا يصح.\rثانياً: لا بد من الالتزام بذبح هذه الأضاحي في الوقت المقرر شرعاً وإن تأخر وصول أثمان الأضاحي من الخارج لا يعتبر عذراً في ذبح الأضاحي بعد مضي وقتها المقرر شرعاً فإن حصل ذلك فلا تعد أضحية.\rوإن لم يتم ذبحها في الوقت المقرر شرعاً فيجب إعلام الذين دفعوا ثمنها أنه لم يتم التضحية عنهم.\rثالثاً: يجب الالتزام بتوزيع تلك الأضاحي على الفقراء والمحتاجين أولاً لأن الغالب في الناس الذين يبعثون بأثمان الأضاحي أنهم يقصدون التصدق بها على الفقراء والمحتاجين فلذلك فإني أكره أن يُعطى الأغنياء منها.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346124,"book_id":3840,"shamela_page_id":504,"part":"11","page_num":24,"sequence_num":504,"body":"٢٤ - حكم تخدير الدجاج قبل ذبحه.\rيقول السائل: إنه صاحب مسلخ للدواجن ويقوم بذبح الدجاج حسب أحكام الشريعة الإسلامية ويكون الدجاج معلقاً على خط الإنتاج إلا أن الدجاجة وبعد ذبحها تقوم بالرفرفة الشديدة مما يعرّض أجنحتها للتكسير وتصبح غير قابلة للتسويق نتيجة تكسر الأجنحة وحدوث احمرار تحت الجناح وحتى يتم التغلب على هذه المشكلة يمرر الدجاج وهو معلق على حوض ماء به كهرباء بقوة خفيفة فيلامس منقار الدجاجة حوض الماء المكهرب فتصبح الدجاجة في حالة تخدير إلا أنها بوعيها وعلى قيد الحياة وتتحرك عيناها حركة طبيعية إلا أن حركتها تكون ضعيفة وتبقى الدجاجة على هذا الحال عدة دقائق وتعود إلى طبيعتها فيما لو لم تذبح أرجو بيان الحكم الشرعي في مشروعية هذا الذبح؟\r\rالجواب: إذا كانت الصعقة الكهربائية لم تؤد إلى قتل الدجاجة وتم بعد ذلك ذبحها بالطريقة الشرعية فإن هذه الطريقة جائزة شرعاً ولا بأس بها ولكن يجب التأكيد على أن الصعقة الكهربائية لم تقتل الدجاجة فإن قتلت الدجاجة من الصعقة الكهربائية فهي حينئذ ميتة كما ويجب الانتباه إلى أن تكون هنالك مدة من الوقت بعد ذبح الدجاجة وقبل إدخالها في الماء حتى لا تموت الدجاجة خنقاً ولكي يسيل الدم منها.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346125,"book_id":3840,"shamela_page_id":505,"part":"11","page_num":25,"sequence_num":505,"body":"٢٥ - الأضحية عن الأسرة الواحدة.\rيقول السائل: نحن أسرة كبيرة مكونة من الوالدين وعدد من الأبناء المتزوجين وكلنا نسكن في بيت واحد ونأكل جميعاً فهل تجزىء عنا أضحية واحدة؟\r\rالجواب: قال جمهور أهل العلم إن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت الواحد، فإذا ضحى بها واحد من أهل البيت، تأدى الشعار والسنة بجميعهم، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والأوزاعي. المغني ٩/٤٣٨ المجموع ٨/٣٨٤. ويدل على ذلك ما يلي:\r١. روى الترمذي بإسناده عن عُمارة بن عبد الله قال ? سمعت عطاء بن يسار يقول: سألت أبا أيوب ? كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ﷺ؟ فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصارت كما ترى) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجة ومالك. قال الإمام النووي: هذا حديث صحيح. والصحيح أن هذه الصيغة تقتضي أنه حديث مرفوع. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/٢٠٣.\r٢. وروى ابن ماجة بإسناده عن الشعبي عن أبي سريحة ﵁ وهو صحابي شهد الحديبية - قال: (حملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت من السنة. كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين والآن يُبَخِّلُنا جيراننا) . قال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله موثقون. ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال الشيخ الألباني: صحيح الإسناد. المستدرك ٤/٢٤٥، صحيح سنن ابن ماجه ٢/٢٠٣.\r٣. ومما يدل على ذلك حديث جابر بن عبد الله ? قال: (شهدتُ مع رسول الله ﷺ الأضحى في المصلى فلما قضى خطبته نزل من منبره وأُتِيَ بكبشٍ فذبحه رسول الله ﷺ بيده وقال: باسم الله والله أكبر، هذا عني وعمن لم يضح من أمتي) . رواه أبو داود في باب: الشاة يضحى بها عن جماعة وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٥٤٠.\r٤. وعن عبد الله بن هشام قال: (كان رسول الله ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. المستدرك ٤/٢٥٥.\r٥. وعن عائشة ﵂: (أن رسول الله أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأُتِيَ به ليضحي به فقال لها: يا عائشة هلمي المدية.\rثم قال: اشحذيها بحجر ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال: باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد ثم ضحى به) رواه مسلم وأبو داود وغيرهما.\rقال النووي: [واستدل بهذا من جوَّز تضحية الرجل عنه وعن أهل بيته واشتراكهم معه في الثواب، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور ... ] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/١٠٥ -١٠٦.\rوقال الخطابي: [وفي قوله: (تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد) دليل على أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهله وإن كثروا، وروي عن أبي هريرة وابن عمر ﵃ أنهما كانا يفعلان ذلك، وأجازه مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد، وكره ذلك الثوري وأبو حنيفة] معالم السنن ٢/١٩٧.\r٦. ونقل ابن قدامة عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: [قلت لأبي: يُضَحَّى بالشاة عن أهل البيت؟ قال: نعم لا بأس. قد ذبح النبي ﷺ كبشين فقرَّب أحدهما فقال: بسم الله اللهم هذا عن محمد وأهل بيته. وقرَّب الآخر فقال: بسم الله اللهم هذا منك ولك عمن وَحَّدَكَ من أمتي] المغني ٩/٤٣٨.\rوحكى عن أبي هريرة ?: (أنه كان يضحي بالشاة فتجئ ابنته فتقول: عني، فيقول: وعنك) المغني ٩/٤٣٨.\rقال العلامة ابن القيم: [وكان من هديه ﷺ أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته ولو كثر عددهم] ثم ذكر حديث أبي أيوب السابق. زاد المعاد ٢/٣٢٣.\rوقال الشوكاني: [قوله: (يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته) فيه دليل على أن الشاة تجزئ عن أهل البيت، لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك في عهده ﷺ والظاهر اطلاعه فلا ينكر عليهم ... والحق أنها تجزئ عن أهل البيت، وإن كانوا مئة نفس أو أكثر كما قضت بذلك السنة] نيل الأوطار ٥/١٣٧.\rوبهذا يظهر لي بأن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته، مهما كان عددهم لقوة الأدلة على ذلك.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346126,"book_id":3840,"shamela_page_id":506,"part":"11","page_num":26,"sequence_num":506,"body":"٢٦ - أفضل أنواع الأضحية.\rيقول السائل: ما هو الأفضل في الأضحية من أنواع الأنعام؟\r\rالجواب: اختلف الفقهاء في الأفضل في الأضحية من أنواع الأنعام فمنهم من قال أفضل الأضاحي هي البدنة ثم البقرة ثم الشاة. ومنهم من قال أفضلها ما كان أكثر لحماً وأطيب، ومنهم من قال أفضلها الضأن ثم البقر ثم الإبل.\rوالذي يظهر لي رجحان قول من قال إن الأفضل في الأضحية الغنم ثم الإبل ثم البقر وهو قول المالكية ويدل على ذلك قول الله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) سورة الصافات الآية ١٠٧.\rوكان الذبح العظيم كبشاً، فالله ﷾ وصفه بالعظيم، ولم يحصل هذا الوصف لغيره. الذخيرة ٤/١٤٣.\rوقال القرطبي: [ (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) ، أي ضخم الجثة سمين، وذلك كبشٌ لا جملٌ ولا بقرة] تفسير القرطبي ١٥/١٠٧.\rوقال ابن دقيق العيد: [وقد يستدل للمالكية باختيار النبي ﷺ في الأضاحي للغنم، وباختيار الله تعالى في فداء الذبيح] إحكام الأحكام ٢/٢٩١.\rولأنه ﷺ كان يضحي بالغنم بل بالكباش وقد ثبت ذلك في أحاديث منها:\rما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ: (أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد ... وأخذ الكبش فأضجعه ... ) رواه مسلم.\rقال الشنقيطي: [وقد تكرر من الرسول ﷺ التضحية بالغنم، وهو صل الله عليه وسلم لا يضحي مكرراً ذلك عاماً بعد عام، إلا بما هو الأفضل في الأضحية، فلو كانت التضحية بالإبل والبقر أفضل لفعل ﷺ ذلك الأفضل] أضواء البيان ٥/٤٣٥.\rفعن أنس ?: (أن النبي ﷺ كان يضحي بكبشين وأنا أضحي بكبشين) رواه البخاري ومسلم. وفي قول أنس (كان يضحي) ما يدل على المداومة.\rوعن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به ... الخ) رواه مسلم.\rحديث جابر بن عبد الله ? قال: (ضحى رسول الله ﷺ يوم عيد بكبشين ... ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة.\rوعن عائشة وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ: (كان إذ أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوئين ... الخ) رواه أحمد وابن ماجة.\rوعن أبي سعيد ? قال: (ضحى رسول الله ﷺ بكبش أقرن فحيل، يأكل في سواد، ويمشي في سواد، وينظر في سواد) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\rوعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (شهدتُ مع رسول الله ﷺ الأضحى بالمصلى فلمَّا قضى خطبته نزل من منبره وأُتِيَ بكبش فذبحه رسولُ الله ﷺ بيده ... الخ) رواه أبو داود والترمذي.\rوعن ثوبان ? قال: (ضحى رسول الله ﷺ ثم قال: يا ثوبان أصلح لنا لحم هذه الشاة. فما زلت أطعمه منها حتى قدمنا المدينة) رواه مسلم.\rوعن علي ?: (أنه كإن يضحي بكبشين أحدهما عن النبي ﷺ والآخر عن نفسه. فقيل له. فقال: أمرني به يعني النبي ﷺ فلا أدعه أبداً) رواه الترمذي وأبو داود.\rومما يدل على أفضلية التضحية بالكبش، أن الصحابة ﵃ كانوا يقتدون بالرسول ﷺ في تضحيته بالكبش، كما في حديث أنس ? السابق وفيه: (كان النبي ﷺ يضحي بكبشين وأنا أضحي بكبشين) .\rفهذا يدل على اتباع أنس ? للرسول ﷺ في التضحية بالكبشين، كما يدل الحديث أيضاً على مداومة الرسول ﷺ على التضحية بالكبش.\rوعن يونس بن ميسرة بن حلس قال: (خرجت مع أبي سعيد الزرقي صاحب رسول الله ﷺ إلى شراء الضحايا. قال يونس: فأشار أبو سعيد إلى كبش أدغم ليس بالمرتفع ولا المتضع في جسمه فقال: اشتر لي هذا. كأنه شبهه بكبش رسول الله ﷺ رواه ابن ماجة، وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح. وصححه الشيخ الألباني ورواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.\rوعن النعمان بن أبي فاطمة ﵁: (أنه اشترى كبشاً أعين أقرن، وأن النبي ﷺ رآه فقال: كأنَّ هذا الكبش الذي ذبح إبراهيم. فعمد رجل من الأنصار فاشترى للنبي ﷺ من هذه الصفة، فأخذه النبي ﷺ فضحى به) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات قاله الهيثمي. وغير ذلك من النصوص.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346127,"book_id":3840,"shamela_page_id":507,"part":"12","page_num":1,"sequence_num":507,"body":"١ - الربا لا يجري في استبدال سيارة بسيارة أغلى ثمنا\rيقول السائل: لدي سيارة أريد أن أستبدلها بسيارة أخرى أغلى ثمناً مع دفع فرق السعر بين السيارتين، هل يجوز ذلك شرعاً، وهل لذلك علاقة بالربا المحرم شرعاً، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا بد أن أبين أن الأصل في بيان الأصناف التي يجري فيها الربا هو حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواءً بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) رواه مسلم. ومثله حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال الرسول ﷺ: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء) رواه البخاري ومسلم. وقد اتفق جماهير أهل العلم على أن الربا يتعدى هذه الأصناف إلى غيرها إن اتحدت معها في العلة، ولكنهم اختلفوا في علة تحريم الربا في الأصناف المذكورة في الحديث، ومع ذلك فهم متفقون على أن الأصناف الستة المذكورة في الحديث تنقسم إلى مجموعتين: المجموعة الأولى: الذهب والفضة، والمجموعة الثانية: البر والشعير والتمر والملح، والفقهاء متفقون على أن علة التحريم في المجموعة الأولى واحدة، وعلة التحريم في المجموعة الثانية واحدة، أي أن علة التحريم في الذهب والفضة هي غير علة التحريم في البر والشعير والتمر والملح، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة ثم اختلفوا في علة كل واحدٍ منهما] المغني ٤/٥. وقال الشيخ تقي الدين السبكي: [الأمة أجمعت على أن السنة المذكورة في الحديث جملتان متفاضلتان، النقدان والأشياء الأربعة، تنفرد كل جملة بعلتها] تكملة المجموع ١٠/٩١. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٢/٦٤ ما نصه: [اتفق عامة الفقهاء على أن تحريم الربا في الأجناس المنصوص عليها إنما هو لعلة، وأن الحكم بالتحريم يتعدى إلى ما تثبت فيه هذه العلة، وأن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأجناس الأربعة الأخرى واحدة] . وينبغي أن يعلم أن مسألة تحديد العلة في الأصناف الربوية محل خلاف كبير بين لعلماء، فهي مسألة اجتهادية وقد تباينت فيه أقوال العلماء: [فقال الحنفية: العلة: الجنس والقدر، وقد عرف الجنس بقوله ﷺ: (الذهب بالذهب، والحنطة بالحنطة) ، وعرف القدر بقوله ﷺ: (مثلاً بمثل) ، ويعني بالقدر الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن لقوله ﷺ: (وكذلك كل ما يكال ويوزن) ، وقوله ﷺ: (لا تبيعوا الصاع بالصاعين) ... وقال المالكية: علة الربا في النقود- أي الذهب والفضة - مختلف فيها، فقيل: غلبة الثمنية، وقيل: مطلق الثمنية ... وعلة ربا الفضل في الطعام الاقتيات والادخار ... وعلة ربا النساء مجرد الطعم ... وذهب الشافعية إلى أن العلة في تحريم الربا في الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان غالباً ... والعلة في تحريم الربا في الأجناس الأربعة وهي البر والشعير والتمر والملح أنها مطعومة ... وروي عن أحمد بن حنبل في علة تحريم الربا في الأجناس الستة ثلاث روايات: أشهرها أن علة الربا في الذهب والفضة كونهما موزوني جنس، وفي الأجناس الباقية كونها مكيلات جنس ... والرواية الثانية: أن العلة في الأثمان الثمنية، وفيما عداها كونه مطعوم جنس ... والرواية الثالثة: العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلاً أو موزوناً] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٢/٦٤-٦٧. وأرجح أقوال أهل العلم في هذه المسألة وهو اختيار الشيخ ابن قدامة المقدسي وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم واختاره كثير من العلماء المعاصرين أن العلة في الذهب والفضة هي مطلق ثمنية، وفي غيرهما الطعم أي أن يكون الشيء طعاماً مع الكيل أو الوزن. إذا تقرر هذا فقد اتفق أهل العلم على أن بيع الأصناف الربوية بعضها ببعض يكون على النحو الآتي: ١. إذا بيع الشيء بجنسه كتمر بتمر، فيشترط لذلك شرطان: التماثل والتقابض، أي تماثل الوزنين أو الكيلين مع التقابض في مجلس العقد. ولا يصح في هذه الحالة اختلافهما في القدْر - الوزن أو الكيل- ولا يصح التأجيل، لقول النبي ﷺ: (مثلًا بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى) . ٢. إذا بيع الشيء بغير جنسه مع اتحاد العلة كذهب بفضة، فيشترط لذلك التقابض دون التماثل. فيصح أن يبيع مئة غرام ذهب بخمسمائة غرام فضة بشرط القبض في المجلس. ٣. إذا بيع الشيء بغير جنسه مع عدم الاتحاد في العلة، كبيع القمح بالذهب، أو الملح بالفضة، فلا يشترط لذلك لا تقابض ولا تماثل. ويلحق بذلك بيع أحد الأصناف الأربعة وهي البر والشعير والتمر والملح وما يجري مجراها بالنقود الورقية المعروفة اليوم، فيصح أن تبيع القمح إلى أجل. ٤. إذا كان البيع بين جنسين ليسا ربويين جاز الفضل والنسيئة أي التأجيل، كأن يبيع سيارة بسيارتين أو بعيراً ببعيرين، أو ثوباً بثوبين، أو شقة بشقتين، أو كتاباً بكتابين، أو جهاز تلفزيون باثنين ونحوها فيجوز التفاضل والتأجيل. إذا تقرر هذا فإن الربا لا يجري في بيع سيارة بسيارة مع زيادة نقود من أحد الجانبين، لأن علة الربا غير متحققة، ومن المعلوم عند الأصوليين أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، وقد قرر جمهور أهل العلم أنه لا بأس أن يبيع أصناف لا يجري فيها الربا مع الزيادة كبيع بعير ببعيرين وداراً بدارين وقطعة أرض بقطعتين، فلا حرج في بيع سلعة بسلعة مماثلة مع زيادة إذا لم تكن تلك السلعة ربوية، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب بيع العبيد والحيوان بالحيوان نسيئة واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه، يوفيها صاحبها بالربذة، وقال ابن عباس: قد يكون البعير خيراً من البعيرين، واشترى رافع بن خديج بعيراً ببعيرين فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غداً رَهْواً إن شاء الله- الرهو السير السهل والمراد به هنا أن يأتيه به سريعاً من غير مطل-، وقال ابن المسيب: لا ربا في الحيوان: البعير بالبعيرين والشاة بالشاتين إلى أجل، وقال ابن سيرين: لا بأس، بعير ببعيرين نسيئة] صحيح البخاري مع الفتح ٤/٥٢٩. قال ابن بطال في شرح الباب: [وأما بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً فإن العلماء اختلفوا في ذلك، فقالت طائفة: لا ربا في الحيوان، وجائز بيع بعضه ببعض نقداً ونسيئةً اختلف أو لم يختلف، هذا مذهب علي بن أبى طالب وابن عمر وابن المسيب، وهو قول الشافعي وأبي ثور، وقال مالك: لا بأس بالبعير النجيب بالبعيرين من حاشية الإبل نسيئةً، وإن كانت من نَعَمٍ واحدةٍ إذا اختلف فبان اختلافها، وإن أشبه بعضها بعضاً واتفقت أجناسها، فلا يؤخذ منها اثنان بواحد إلى أجل، ويؤخذ يداً بيد، وهو قول سليمان بن يسار وربيعة ويحيى بن سعيد، وقال الثوري والكوفيون وأحمد: لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً، اختلفت أجناسه أو لم تختلف، واحتجوا بحديث الحسن عن سمرة بن جندب (أن النبي ﵇ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً) ، وبحديث يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال: (نهى رسول الله عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة) ومعنى النهي عن ذلك عندهم لعدم وجود مثله؛ ولأنه غير موقوف عليه، قالوا: وهذا مذهب ابن عباس وعمار بن ياسر، وأجازوا التفاضل فيه يداً بيد، وحجة القول الأول: ... عن عمرو بن حريش قال: قلت لعبد الله عمرو: (إنه ليس بأرضنا ذهب ولا فضة، وإنما نبيع البعير بالبعيرين، والبقرة بالبقرتين، والشاة بالشاتين. فقال: (إن رسول الله أمر أن يجهز جيش، فنفدت الإبل، فأمر أن نأخذ على قلائص - جمع قلوص وهي من الإبل الشابة - الصدقة بالبعيرين إلى إبل الصدقة) ... ] شرح ابن بطال على صحيح البخاري١١/٣٦٧. وما قرره جمهور أهل العلم من جواز بيع بعيرٍ ببعيرين بناءً على أن الربا لا يجري في بيع حيوان بحيوان، لن علة الربا ليست متحققة، وكذلك الحال في بيع سيارة بسارة أخرى أغلى ثمناً مع دفع الفرق في السعر بين السيارتين، فهذه أيضاً ليست من الأموال الربوية، فالسيارة ليست مطعومة ولا مكيلة ولا موزونة وليست من باب الأثمان.\rوخلاصة الأمر أن استبدال سيارة بسيارة أخرى أغلى ثمناً مع دفع فرق السعر بين السيارتين، جائز شرعاً ولا علاقة له بالربا المحرم شرعاً لأن السيارات ليست من الأموال الربوية، وهذا العقد يتم فيه شراء السيارة الثانية بثمنٍ مكونٍ من السيارة الأولى مضافاً إلى ذلك الفرق في السعر بين السيارتين، وهذا البيع داخل في عموم قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فهو جائز ولا بأس به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346128,"book_id":3840,"shamela_page_id":508,"part":"12","page_num":2,"sequence_num":508,"body":"٢ - تحريم التحايل في معاملات البنوك الإسلامية\rيقول السائل: إنه قدم طلباً لأحد البنوك الإسلامية لشراء مواد بناء مرابحة بمبلغ ثلاثين ألف دينار، وقد تمت المعاملة، وقد اتفق مع التاجر الذي باع السلع للبنك أن يعطيه عشرة آلاف دينار نقداً، والباقي مواد بناء، فما الحكم الشرعي لذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: المرابحة هي بيع سلعة بمثل الثمن الذي اشتراها به البائع مع زيادة ربح معلوم متفق عليه، بنسبة من الثمن أو بمبلغ مقطوع سواء وقعت دون وعد سابق وهي المرابحة العادية، أو وقعت بناء على وعد بالشراء من الراغب في الحصول على السلعة عن طريق بنك إسلامي وهي المرابحة المصرفية. وهو أحد بيوع الأمانة التي يعتمد فيها على بيان ثمن الشراء أو التكلفة بإضافة المصروفات المعتادة. وثبتت مشروعية المرابحة بالأدلة التي تدل على مشروعية البيع بشكل عام. والصورة المعتمدة للمرابحة في البنوك الإسلامية هي أن يتفق العميل والبنك على أن يقوم العميل بشراء البضاعة بربحٍ معلومٍ بعد شراء البنك لها ودخولها في ملك البنك الإسلامي دخولاً فعلياً، وهذه الصورة متفرعة عن بيع المرابحة المعروف عند الفقهاء قديماً. وهو بيع جائز شرعاً إذا تحققت فيه الشروط والمعايير التي قررها الفقهاء، وأهمها أن يشتري البنك السلعة محل العقد شراءً حقيقياً تترتب عليه آثاره الشرعية كدخول السلعة في ملك البنك، جاء في معيار المرابحة: [يجوز للمؤسسة أن تشتري السلعة بناءً على رغبة عميلها وطلبه مادام أن ذلك متفق مع الضوابط الشرعية لعقد البيع ... يحرم على المؤسسة أن تبيع سلعة بالمرابحة قبل تملكها لها. فلا يصح توقيع عقد المرابحة مع العميل قبل التعاقد مع البائع الأول لشراء السلعة موضوع المرابحة، وقبضها حقيقةً أو حكماً بالتمكين أو تسليم المستندات المخولة بالقبض ... كما يعتبر بيع المرابحة غير صحيحٍ إذا كان عقد الشراء الأول باطلاً لا يفيد ملكاً تاماً للمؤسسة ... يجب التحقق من قبض المؤسسة للسلعة قبضاً حقيقياً أو حكمياً قبل بيعها لعميلها بالمرابحة للآمر بالشراء. الغرض من اشتراط قبض السلعة هو تحمل المؤسسة تبعة هلاكها، وذلك يعني أن تخرج السلعة من ذمة البائع وتدخل في ذمة المؤسسة. ويجب أن تتضح نقطة الفصل التي ينتقل فيها ضمان السلعة من المؤسسة إلى العميل المشتري وذلك من خلال مراحل انتقال السلعة من طرف لآخر ... يجب أن يكون كل من ثمن السلعة في بيع المرابحة للآمر بالشراء وربحها محدداً ومعلوماً للطرفين عند التوقيع على عقد البيع. ولا يجوز بأي حالٍ أن يُترك تحديد الثمن أو الربح لمتغيرات مجهولة أو قابلة للتحديد في المستقبل؛ وذلك مثل أن يعقد البيع ويجعل الربح معتمداً على مستوى الليبور الذي سيقع في المستقبل] المعيار الشرعي رقم ٥/١٠٥-١٢٩ من كتاب المعايير الشرعية الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية. إذا تقرر هذا فإنه عند التدقيق في السؤال يظهر التحايل المحرم في عقد المرابحة المذكور في السؤال لأنه تضمن الربا، حيث إن السائل أخذ جزءً من ثمن البضاعة نقداً وهو عشرة آلاف دينار وسيسددها بأكثر من ذلك، وهذا عين الربا المحرم قطعاً في كتاب الله ﷿ وفي سنة النبي ﷺ. ويظهر أن هنالك تحايلاً محرماً قد وقع من الآمر بالشراء بالاتفاق مع البائع الذي باع للبنك، وهذا التحايل يقع في المرابحة على وجه الخصوص، لأن بعض الناس يكون بحاجة للنقد وليس بحاجة للسلعة، فيقوم بإبرام بيع مرابحة مع بنك إسلامي ومن ثم يتفق مع البائع على أنه لا يريد السلعة وإنما يريد النقد، ويكون هنالك نسبة من المبلغ للبائع، وهذا التحايل لا يتم لولا تساهل بعض موظفي البنوك الإسلامية في شراء السلع وقبضها قبضاً حقيقياً ومن ثم تسليمها فعلياً للآمر بالشراء، ومع الأسف فإن مسألة توكيل الآمر بالشراء قد كثرت لدى البنوك الإسلامية مما يسهل عملية التحايل بين الآمر بالشراء وبين البائع للبنك. [الأصل أن تشتري المؤسسة السلعة بنفسها مباشرة من البائع، ويجوز لها تنفيذ ذلك عن طريق وكيل غير الآمر بالشراء، ولا تلجأ لتوكيل العميل الآمر بالشراء إلا عند الحاجة الملحة. ولا يتولى الوكيل البيع بنفسه، بل تبيعه المؤسسة بعد تملكها العين ... يجب اتخاذ الإجراءات التي تتأكد المؤسسة فيها من توافر شروط محددة في حالة توكيل العميل بشراء السلعة، ومنها: أ- أن تباشر المؤسسة دفع الثمن للبائع بنفسها وعدم إيداع ثمن السلعة في حساب العميل الوكيل. ب- أن تحصل من البائع على وثائق للتأكد من حقيقة البيع.] كتاب المعايير الشرعية الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص١١٢. ومن المعلوم أن هذا التحايل محرم، وقد ذكر أهل العلم أدلة كثيرة على تحريم التحايل، منها قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ سورة البقرة الآية٩، ولا شك أن التحايل نوع من المخادعة فهو محرم. وقد نعى الله ﷾ تحيل اليهود لانتهاك المحرمات فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ سورة الأعراف الآية ١٦٣. قال ابن كثير: [وهؤلاء قوم احتالوا على انتهاك محارم الله، بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام. وقد قال الفقيه الإمام أبو عبد الله بن بطة، ﵀ حدثنا أحمد ... عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل\" وهذا إسناد جيد، فإن أحمد بن محمد بن مسلم هذا ذكره الخطيب في تاريخه ووثقه، وباقي رجاله مشهورون ثقات، ويصحح الترمذي بمثل هذا الإسناد كثيراً.] تفسير ابن كثير٣/٤٩٣. والحديث المذكور قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: [هذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي وغيره تارة ويحسنه تارة] إبطال الحيل ص ١١٢. ومما يدل على حرم التحايل ما ذكره الإمام الشوكاني: [عن جابر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه) . رواه الجماعة. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قومٍ أكل شيء حرم عليهم ثمنه) رواه أحمد وأبو داود ... وحديث ابن عباس فيه دليل على إبطال الحيل والوسائل إلى المحرم، وأن كل ما حرمه الله على العباد فبيعه حرام لتحريم ثمنه، فلا يخرج من هذه الكلية إلا ما خصه دليل] نيل الأوطار٥/١٦٠-١٦٢. وقد وقفت على كلام للعلامة ابن القيم ينطبق على مسألتنا حيث قال: [ ... الوسيلة إلى الحرام حرام: فبانت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول. فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردةً وخنازير لما توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة، وسمَّى أصحابُ رسول الله ﷺ والتابعون مثل ذلك مخادعة، ... وقال أيوب السختياني: \" يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل\". والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين، سواء كانت لغوية، أو شرعية، والخداع حرام. وأيضاً فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة، وإضمار ما هو من أكبر الكبائر، فلا تنقلب الكبيرة مباحة بإخراجها في صورة البيع الذي لم يقصد نقل الملك فيه أصلاً، وإنما قصده حقيقة الربا. وأيضاً فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام، فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلاً، لأن إباحتها وتحريم الغاية جمع بين النقيضين، فلا يتصور أن يباح شيء ويحرم ما يفضي إله، بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما، والثاني باطلٌ قطعاً فيتعين الأول. وأيضاً فإن الشارع إنما حرم الربا، وجعله من الكبائر، وتوعد آكله بمحاربة الله ورسوله، لما فيه من أعظم الفساد والضرر، فكيف يتصور مع هذا أن يبيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيء يكون من الحيل؟ فيالله العجب، أترى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة، وقلبتها مصلحة، بعد أن كانت مفسدة؟ وأيضاً فإن الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين وكان مقصودهم منع حق الفقراء من التمر المتساقط وقت الحصاد، فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله الثمرة جملة ... وأيضاً فقد روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال \" لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل \" وإسناده مما يصححه الترمذي. وأيضاً فإن النبي ﷺ قال \" لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها \" و \" جملوها \" يعني أذابوها وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويحدث لها اسم آخر وهو الودك، وذلك لا يفيد الحل، فإن التحريم تابع للحقيقة وهي لم تتبدل بتبدل الاسم. وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يزل تحريم الشحم بتبديل الاسم بصورة الجمل والإذابة وهذا واضح بحمد الله. وأيضاً فإن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، إنما انتفعوا بثمنه، فيلزم من وقف مع صور العقود والألفاظ، دون مقاصدها وحقائقها أن يحرم ذلك، لأن الله تعالى لم ينص على تحريم الثمن وإنما حرم عليهم نفس الشحم ولما لعنهم على استحلالهم الثمن، وإن لم ينص على تحريمه دل على أن الواجب النظر إلى المقصود وإن اختلفت الوسائل إليه، وأن ذلك يوجب أن لا يقصد الانتفاع بالعين ولا ببدلها. ونظير هذا أن يقال: لا تقرب مال اليتيم فتبيعه وتأكل عوضه، وأن يقال: لا تشرب الخمر فتغير اسمه وتشربه، وأن يقال: لا تزن بهذه المرأة فتعقد عليها عقد إجارة وتقول إنما أستوفي منافعها وأمثال ذلك. قالوا: ولهذا الأصل - وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله أو إسقاط ما أوجبه الله عليه أكثر من مائة دليل، وقد ثبت أن النبي ﷺ \" لعن المحلل والمحلل له \" مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح، لما كان مقصوده التحليل، لا حقيقة النكاح. وقد ثبت عن الصحابة أنهم سموه زانياً ولم ينظروا إلى صورة العقد] شرح ابن القيم على سنن أبي داود ٩/٢٤٣-٢٤٥.\rوخلاصة الأمر أن ما قام به السائل هو تحايل على الشرع وهو من الأمور المحرمة بل يعد من كبائر الذنوب، والواجب على موظفي البنوك الإسلامية تنفيذ عقد المرابحة للآمر بالشراء وفق الشروط والمعايير المقررة شرعاً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346129,"book_id":3840,"shamela_page_id":509,"part":"12","page_num":3,"sequence_num":509,"body":"٣ - يحرم التعامل مع شركة كويست للتسويق الشبكي\rيقول السائل: هنالك شركة أجنبية تسمى شركة كويست وهي تعتمد طريقة التسويق الشكبي وقد شرح لي السائل طريقة عمل الشركة بشكل موسع ويريد معرفة الحكم الشرعي في ذلك.\rالجواب: قرأت كتابات كثيرة عن هذه الشركة وأمثالها واطلعت على عدد كبير من الفتاوى في الموضوع والردود عليها، وقد سبق لي أن أجبت قبل بضع سنين عن عمل شركة شبيهة تعتمد التسويق الهرمي وهي شركة بزناس، كما أن السائل بعث لي ببعض الفتاوى التي أجازت عمل الشركة وبعد دراسة المسألة بتدبر وتمعن ظهر لي حرمة عمل الشركة لما يلي: أولاً: [التسويق الشبكي هو أسلوب تسويقي يعتمد على شبكة من العملاء، ويقوم النظام على أساس تجنيد شبكات من الأعضاء الجدد للترويج لمنتجات شركة ما مقابل عمولات مالية، ويعتمد النظام على شبكات في شكل شجرة ذات أفرع عديدة يتفرع بعضها عن بعض أو في شكل هرم ذي مستويات ويحصل العضو الأول في تلك الشجرة أو ذلك الهرم على عمولات عن كل عضو جديد يدخل فيها. وسمي هذا النوع من التسويق بالشبكي نسبة إلى شبكات العملاء والزبائن الذين يقومون بالدعاية والإعلان لشركة أو مؤسسة ما، وليست التسمية راجعة إلى شبكة المعلومات العالمية للإنترنت.] عن التسويق الشبكي تكييفه وأحكامه الفقهية، والتكييف الفقهي لمعاملات التسويق الشبكي أنه بيع نقود بنقود وهو من الربا المحرم شرعاً، فالمشترك يدفع مبلغاً قليلاً من المال ليحصل على مبلغ كبير، فالعملية بيع نقود بنقود مع التفاضل والتأخير، وهذا هو الربا المحرم بالنصوص القطعية من كتاب الله ﷿ ومن سنة النبي ﷺ وأجمعت الأمة على تحريمه. ثانياً: السلع التي تبيعها الشركة ليست مقصودة لذاتها وإنما هي ستار للعملية، فهي غير مقصودة للمشتركين، فلا أثر لوجودها في الحكم. جاء في فتوى اللجنة الدائمة [هذا النوع من المعاملات محرم، وذلك أن مقصود المعاملة هو العمولات وليس المنتج، فالعمولات تصل إلى عشرات الآلاف، في حين لا يتجاوز ثمن المنتج بضع مئات، وكل عاقل إذا عرض عليه الأمران فسيختار العمولات، ولهذا كان اعتماد هذه الشركات في التسويق والدعاية لمنتجاتها هو إبراز حجم العمولات الكبيرة التي يمكن أن يحصل عليها المشترك، وإغراؤه بالربح لفاحش مقابل مبلغ يسير هو ثمن المنتج، فالمنتج الذي تسوقه هذه الشركات مجرد ستار وذريعة للحصول على العمولات والأرباح] فتوى اللجنة المذكورة لاحقاً. ثالثاً: وجود القمار في معاملة شركة كويست فالمشترك يدفع مالاً مخاطراً به تحت تأثير إغرائه بعمولات التسويق التي تدر له أرباحاً كبيرةً إذا نجح في جمع عدد كبير من الأشخاص، ويعتمد نظام العمولة في شركات التسويق الشبكي على إحضار مشتركين آخرين يقسمهم إلى مجموعتين إحداهما على اليمين والأخرى على الشمال ولا بد من تساوي المجموعتين كي يحصل المشترك على العمولة، والمال الذي دفعه المشترك فيه المخاطرة فربما يحصل على العمولة إذا أحضر العدد المطلوب من المشتركين الآخرين وربما يخسر إذا لم يتمكن من إحضارهم. وهذا هو وجه المقامرة في شركة كويست، ومن المعلوم أن القمار من المحرمات، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة المائدة الآية ٩٠. وكذلك فإن أخذ العمولات كلما باع المشتري الذي جاء عن طريق المشترك الأول يعتبر من باب أكل أموال الناس بالباطل وهو من المحرمات. وأخذ العمولات المعتبر شرعاً إنما يكون مقابل الجهود الفعلية التي يبذلها الشخص الوسيط. رابعاً: إن معاملة الشركة المذكورة تقوم على الغرر وهو ما كان مجهول العاقبة لا يدرى هل يحصل أم لا؟ وقد صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر) رواه مسلم. فمعاملة الشركة كأنها نوع من القمار حيث إن الزبون يدفع مبلغاً من المال وهنالك احتمال أن يربح أو لا يربح. خامساً: التسويق الشبكي [يعد من صور الغش والاحتيال التجاري، وهو لا يختلف كثيراً عن التسويق الهرمي الذي منعت منه القوانين والأنظمة، فالتسويق الشبكي كالهرمي يجعل أتباعه يحلمون بالثراء السريع، لكنهم في الواقع لا يحصلون على شيء، لأنهم يقصدون سراباً، بينما تذهب معظم المبالغ التي تم جمعها من خلالهم إلى أصحاب الشركة والمستويات العليا في الشبكة. ولذلك منعت العديد من الدول من التسويق الشبكي، - بعض الدول العربية منعت التسويق الشبكي - وحذرت الجمهور من الوقوع في مصيدة الشركات التي تعمل في هذا النمط من التسويق، لقناعتها بأنه لا يعدو أن يكون صورة من صور الغش والخديعة.] فتوى د. نايف العجمي عن الإنترنت. وقد رأيت أنه من الفائدة أن أذكر فتويين لمجمعين علميين معتبرين في تحريم معاملات التسويق الشبكي أولاهما فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية ونصها: [إن هذا النوع من المعاملات محرم، وذلك أن مقصود المعاملة هو العمولات وليس المنتج، فالعمولات تصل إلى عشرات الآلاف، في حين لا يتجاوز ثمن المنتج بضع مئات، وكل عاقل إذا عرض عليه الأمران فسيختار العمولات، ولهذا كان اعتماد هذه الشركات في التسويق والدعاية لمنتجاتها هو إبراز حجم العمولات الكبيرة التي يمكن أن يحصل عليها المشترك، وإغراؤه بالربح الفاحش مقابل مبلغ يسير هو ثمن المنتج، فالمنتج الذي تسوقه هذه الشركات مجرد ستار وذريعة للحصول على العمولات والأرباح، ولما كانت هذه هي حقيقة هذه المعاملة، فهي محرمة شرعاً لأمور أولاً: أنها تضمنت الربا بنوعيه، ربا الفضل وربا النسيئة، فالمشترك يدفع مبلغاً قليلاً من المال ليحصل على مبلغ كبير منه، فهي نقود بنقود مع التفاضل والتأخير، وهذا هو الربا المحرم بالنص والإجماع، والمنتج الذي تبيعه الشركة على العميل ما هو إلا ستار للمبادلة، فهو غير مقصود للمشترك، فلا تأثير له في الحكم. ثانياً: أنها من الغرر المحرم شرعاً، لأن المشترك لا يدري هل ينجح في تحصيل العدد المطلوب من المشتركين أم لا؟ والتسويق الشبكي أو الهرمي مهما استمر فإنه لا بد أن يصل إلى نهاية يتوقف عندها، ولا يدري المشترك حين انضمامه إلى الهرم هل سيكون في الطبقات العليا منه فيكون رابحاً، أو في الطبقات الدنيا فيكون خاسراً؟ والواقع أن معظم أعضاء الهرم خاسرون إلا القلة القليلة في أعلاه، فالغالب إذن هو الخسارة، وهذه هي حقيقة الغرر، وهي التردد بين أمرين أغلبهما أخوفهما، وقد نهى النبي ﷺ عن الغرر، كما رواه مسلم في صحيحه. ثالثاً: ما اشتملت عليه هذه المعاملة من أكل الشركات لأموال الناس بالباطل، حيث لا يستفيد من هذا العقد إلا الشركة ومن ترغب إعطاءه من المشتركين بقصد خداع الآخرين، وهذا الذي جاء النص بتحريمه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ النساء/٢٩. رابعاً: ما في هذه المعاملة من الغش والتدليس والتلبيس على الناس، من جهة إظهار المنتج وكأنه هو المقصود من المعاملة والحال خلاف ذلك، ومن جهة إغرائهم بالعمولات الكبيرة التي لا تتحقق غالباً، وهذا من الغش المحرم شرعاً، وقد قال ﵊: (من غش فليس مني) رواه مسلم في صحيحه، وقال أيضاً: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) متفق عليه. وأما القول بأن هذا التعامل من السمسرة، فهذا غير صحيح، إذ السمسرة عقد يحصل السمسار بموجبه على أجر لقاء بيع السلعة، أما التسويق الشبكي فإن المشترك هو الذي يدفع الأجر لتسويق المنتج، كما أن السمسرة مقصودها تسويق السلعة حقيقة، بخلاف التسويق الشبكي فإن المقصود الحقيقي منه هو تسويق العمولات وليس المنتج، ولهذا فإن المشترك يسوِّق لمن يُسوِّق لمن يُسوِّق، هكذا بخلاف السمسرة التي يُسوق فيها السمسار لمن يريد السلعة حقيقة، فالفرق بين الأمرين ظاهر. وأما القول بأن العمولات من باب الهبة فليس بصحيح، ولو سُلِّمَ فليس كل هبة جائزة شرعاً، فالهبة على القرض ربا، ولذلك قال عبد الله بن سلام لأبي بردة ﵄: (إنك في أرضٍ، الربا فيها فاشٍ، فإذا كان لك على رجل حقٌ فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قَتٍّ فإنه ربا) رواه البخاري في الصحيح. والهبة تأخذ حكم السبب الذي وجدت لأجله، ولذلك قال ﵊ في العامل الذي جاء يقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فقال ﵊: (أفلا جلست في بيت أبيك وأمك فتنظر أيهدى إليك أم لا؟) متفق عليه. وهذه العمولات إنما وجدت لأجل الاشتراك في التسويق الشبكي، فمهما أعطيت من الأسماء، سواء هدية أو هبة أو غير ذلك، فلا يغير ذلك من حقيقتها وحكمها شيئاً. ومما هو جدير بالذكر أن هناك شركات ظهرت في السوق سلكت في تعاملها مسلك التسويق الشبكي أو الهرمي مثل شركة (سمارتس واي) وشركة (جولد كويست) وشركة (سفن دايموند) وحكمها لا يختلف عن الشركات السابق ذكرها، وإن اختلفت عن بعضها فيما تعرضه من منتجات] اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى رقم (٢٢٩٣٥) . وأما الفتوى الثانية فهي لمجمع الفقه السوداني وأذكرها باختصار نظراً لضيق المقام: [ ... العلة الشرعية التي بُنِيَتْ عليها فتوى حظر شركات التسويق الشبكي الصادرة من المجمع قبل خمس سنوات تتمثل في كونه قماراً (فتوى الحكم الشرعي للاشتراك في شركة بزناس وما يشابهها من شركات التسويق الشبكي ... سنة ٢٠٠٣م) ... والتسويق الشبكي في حقيقته وكما جاء في حيثيات فتوى المجمع يتكون من حلقات قمار متداخلة، مال القمار فيه مضمن في السلعة مدسوس في ثمنها، الرابح فيه هو السابق في الشبكة، والمخاطر فيه دوماً قاعدة الهرم المتعلقة بالأمل في الصعود. ومن ثمَّ كان إلغاء شرط شراء المنتج للاستفادة من حوافز التسويق الشبكي أمراً جوهرياً وأساسياً لنفي صفة القمار عند المعاملة للرابحين، بحيث لا تترتب أي خسارة على المسوِّقين في حال فشلهم لبلوغ القمة ... وعليه لا يجوز العمل بهذه الخطة لكونها قماراً يُحرِّمُهُ الشرع الحنيف] .\rوخلاصة الأمر أن ما تقوم به شركة كويست من تسويق شبكي محرم شرعاً لاشتماله على عدة أمور مبطلة للعقد كالربا بنوعيه النسيئة والفضل، والقمار والغرر والغش والخداع، وأنصح الناس أن لا ينخدعوا بما تروجه الشركة ووكلاؤها من الربح السريع فكل ذلك من الكسب غير المشروع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346130,"book_id":3840,"shamela_page_id":510,"part":"12","page_num":4,"sequence_num":510,"body":"٤ - الوكيل أمين ومخالفة شروط الوكالة خيانة للأمانة\rيقول السائل: إنه مقاول بناء وقد اتفق مع صاحب أرض غير مقيم في البلد على أن يبني عمارة في أرضه مقابل أن يعطيه شقتين بمواصفات متفق عليها، وقد وكل المالك الموجود في الخارج قريباً له ليتمم الإجراءات الرسمية، ولكن هذا الوكيل رفض إتمام الإجراءات الرسمية إلا بعد أن يحصل على شقتين مقابل ذلك وبدون علم المالك، أي الموكل، فما الحكم الشرعي في مطلب الوكيل أفيدونا.\r\rالجواب: الوكالة من العقود الجائزة شرعاً على الراجح من أقوال أهل العلم، والتوكيل أن يفوض الشخص التصرف إلى غيره، وسمي الوكيل وكيلاً لأن موكله قد فوض إليه القيام بأمره، فهو موكول إليه الأمر، وعرف الحنفية الوكالة بأنها إقامة الغير مقام نفسه في تصرف جائز معلوم. حاشية ابن عابدين ٤/٤٠٠، وجاء في مجلة الأحكام العدلية المادة رقم (١٤٤٩) : الوكالة هي تفويض أحد في شغل لآخر وإقامته مقامه في ذلك الشغل ويقال لذلك الشخص موكل ولمن أقامه وكيل ولذلك الأمر موكل به. وقد اتفق الفقهاء على أن الوكالة جائزة ومشروعة واستدلوا على ذلك بقول الله ﷾: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ سورة الكهف الآية ١٩. وبقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ سورة النساء الآية ٣٥. وعن عروة البارقي ﵁ أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه) رواه البخاري، وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله ﷺ فسلمت عليه، وقلت له: إني أردت الخروج إلى خيبر، فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته) رواه أبو داود والدارقطني، وحسن إسناده الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير ٣/٥١. وعن أبي رافع ﵁ قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة ﵂ وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما) رواه الترمذي وحسنه، وقد أجمع الفقهاء على جواز الوكالة ومشروعيتها منذ عصر رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، ولم يخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٤٥/٥-٨. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فإنه لا يمكن كل واحد فعل ما يحتاج إليه , فدعت الحاجة إليها.] المغني٥/٢٠١. إذا تقرر هذا فإن العلماء متفقون على أن الوكيل أمين، والواجب شرعاً على الوكيل أن يقوم بتنفيذ الوكالة في الحدود التي أذن له الموكل بها، أو التي قيده الشرع أو العرف بالتزامها، ولا يتصرف الوكيل إلا في حدود ما أذن له فيه موكله. ويجب على الوكيل موافاة الموكل بكل المعلومات الضرورية، ولا يجوز للوكيل التصرف إلا ضمن ما يأذن له الموكل، قال الشيخ ابن حزم الظاهري: [ولا يحل للوكيل تعدي ما أمره به موكله، فإن فعل لم ينفذ فعله، فإن فات ضمن لقول الله تعالى: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ سورة البقرة الآية ١٩٠. ولقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ سورة البقرة الآية ١٩٤] المحلى٧/٩١. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولا يملك الوكيل من التصرف إلا ما يقتضيه إذن موكله من جهة النطق أو من جهة العرف، لأن تصرفه بالإذن، فاختص بما أذن فيه، والإذن يعرف بالنطق تارة، وبالعرف أخرى] المغني ٥/٢٥١. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٤/٧٢: [الوكيل لا يملك من التصرف إلا ما يقتضيه إذن موكله من جهة النطق أو جهة العرف، لأن تصرفه بالإذن فاختص بما أذن فيه، وهو مأمور بالاحتياط والغبطة، فلو وكله في التصرف في زمن مقيد لم يملك التصرف قبله ولا بعده، لأنه لم يتناوله إذن مطلقاً، ولا عرفاً لأنه قد يؤثر التصرف في زمن الحاجة إليه دون غيره.] . وبناءً على ما سبق فإن ما قام به الوكيل يعتبر خيانة لمن وكله، لأن الأصل في الوكيل الأمانة كما سبق، وهذا الوكيل قد خان الأمانة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة الأنفال الآية ٢٧. وهذه الآية عامة تشمل كل الأمانات كما نقل القرطبي ذلك عن جماعة من الصحابة كالبراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب ﵃ قالوا: [الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع] . وقال القرطبي: [وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار] تفسير القرطبي ٥/٢٥٦. وخيانة الأمانة من صفات المنافقين كما صحَّ في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) . وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أربعٌ من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) رواه البخاري ومسلم. وقد اعتبر العلماء خيانة الأمانة من كبائر الذنوب. انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر١/٦١٧. وقد وردت أحاديث كثيرة في الترهيب من خيانة الأمانة منها: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال في الخطبة: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) رواه رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط وابن حبان في صحيحه والبيهقي وقال الإمام البغوي: هذا حديث حسن. شرح السنة ١/٧٥، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب، وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اضمنوا لي ستاً أضمن لكم الجنة اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم) رواه أحمد والبيهقي والحاكم وابن حبان وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/٤٥٤، وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه العلامة الألباني في السلسة الصحيحة حديث رقم ٤٢٤. وقال عمر بن الخطاب ﵁: [لا يغرنَّك صلاة امرئ ولا صيامه من شاء صلى ومن شاء صام ولكن لا دين لمن لا أمانة له] شرح السنة ١/٧٥. ويضاف إلى ما سبق أن هذا الوكيل يخفي عن موكله هذه المكاسب التي يريد تحقيقها من الوكالة، وما يكسبه الوكيل بهذه الطريقة يعتبر سحتاً ومن أكل أموال الناس بالباطل، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ سورة النساء الآية ٢٩. ويقول النبي ﷺ: (لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت النار أولى به) رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح، وفي رواية أخرى: (كل جسدٍ نبت من سحتٍ فالنار أولى به) رواه أحمد والطبراني والحاكم وقال العلامة الألباني صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/٨٣١. وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: ( ... يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به) رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وصححه العلامة الألباني. صحيح سنن الترمذي ١/١٨٩. ون أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة جسد غُذِيَ بحرام) رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٣٢٠. وخلاصة الأمر أن الوكيل أمين، ويحرم عليه الكسب غير المشروع الذي سيجنيه من خلال الوكالة وبدون إذن ولا علم موكله وكذلك لا يجوز للمقاول أن يحقق رغبة الوكيل الخائن للأمانة والواجب عليه أن يخبر مالك الأرض بما يحصل. وإن لم يفعل وحقق للوكيل مبتغاه فهو شريك في الإثم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346131,"book_id":3840,"shamela_page_id":511,"part":"12","page_num":5,"sequence_num":511,"body":"٥ - يحرم شرعا على المسلم أن يكون طرفا في أي عملية ربوية\rيقول السائل: إنه كان يعمل في إحدى المؤسسات، وقد استحق مكافأة نهاية الخدمة وحصته من صندوق التوفير، وتعرض عليه المؤسسة أن يأخذ مستحقاته بقرض مع فائدة من البنك، والمؤسسة هي التي ستتحمل الفائدة، فما الحكم الشرعي في هذه القضية، أفيدونا؟\r\rالجواب: فوائد البنوك هي الربا المحرم في كتاب الله ﷿ وفي سنة نبيه ﷺ، والربا من أكبر الكبائر وتحريمه قطعي في كتاب الله ﷾، وفي سنة النبي ﷺ، قال الإمام الماوردي: [أجمع المسلمون على تحريم الربا] الحاوي الكبير٥/١٣٥. والنصوص على تحريمه كثيرة منها: قول الله سبحانه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩. وثبت في الحديث عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فَرُدَّ حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا) رواه البخاري. وعن أبي جحيفة ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله ونهى عن ثمن الكلب وكسب البغي ولعن المصورين) رواه البخاري. وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما أحدٌ أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة) رواه ابن ماجة، ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وفي لفظ له قال: (الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قل) وقال فيه أيضاً صحيح الإسناد، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم ٣٥٤٢ وبرقم ٥٥١٨. وعن سلمان بن عمرو عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع يقول: (ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون ... ) رواه أبو داود وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٤١-٦٤٢. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ليأتين على الناس زمانٌ لا يبالي المرء بما أخذ المال أمِن الحلال أم مِنَ الحرام) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان يأكلون الربا، فمن لم يأكله، أصابه من غباره) . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم في المستدرك وقال: قد اختلف في سماع الحسن عن أبي هريرة، فإن صح سماعه منه، فهذا حديث صحيح. وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الربا ثلاثة وسبعون شعبة أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وصححه وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٣. وعن عبد الله بن حنظلة ﵁ غسيل الملائكة - أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشدُّ من ستٍّ وثلاثين زنية) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد ٤/١١٧. وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/٢٩. وعن ابن عباس ﵄ قال: (إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله) رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد وحسنهه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/١٧٩. وغير ذلك من النصوص الحارمة للربا. وقد نقل الأئمة الإجماع على تحريم الربا انظر المجموع٩/٣٩١. إذا تقرر هذا التحريم القطعي للربا، فيجب أن يُعلم أنه يحرم على المسلم أن يكون طرفاً في أي عملية ربوية، ويحرم عليه أن يسهم في العملية الربوية بأي شكل من الأشكال، ويدخل في ذلك أن يأخذ قرضاً ربوياً، وإن لم يدفع هو الفائدة، بل دفعتها المؤسسة التي عمل فيها، كما ورد في السؤال، أو أي جهة أخرى، ولا شك أن من يفعل ذلك فإنه يكون مشاركاً في الربا، وقد سبق قول النبي ﷺ: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم. ونلاحظ في هذا الحديث أن اللعن- ويعني الطرد من رحمة الله والعياذ بالله - شامل لآكل الربا، أي للآخذ له، ولمؤكله، أي المعطي للربا، وكذلك للكاتب للمعاملات الربوية، كما هو الحال في موظفي البنوك الربوية، وكذلك للشاهد، أي الذي يشهد على المعاملات الربوية، ويلحق بذلك من يسهم أي إسهام في العمليات الربوية، كالكفيل، ومن يشتري بما يسمى التقسيط الميسر عن طريق البنوك الربوية، ومدقق الحسابات ومن يقدم برامج الحاسوب ويركب أنظمة الحاسوب أو يقوم بصيانتها أو يقدم أي خدمة تسهم في الربا وغير ذلك من الخدمات أو المشاركات في العمليات الربوية. وقد علَّق الإمام النووي على قول الرسول ﷺ: (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) فقال: [هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابيين والشهادة عليهما. وفيه: تحريم الإعانة على الباطل.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٠٧. ومما يدل على حرمة الإسهام في العملية الربوية بأي شكل من الأشكال قول الله تعال: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ سورة المائدة الآية ٢. ولا شك أن من يقترض بالفائدة وإن لم يدفعها يكون متعاوناً على هذه الكبيرة من كبائر الذنوب. وثبت في الحديث عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاص، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) رواه مسلم. وورد في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية ١٥/٥ السؤال التالي: [ما المقصود بكاتب الربا في حديث جابر (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء. فهل كاتب الربا هو كاتب تلك الواقعة فقط؟ أم ممكن يكون أي فرد آخر بعيد تماماً عن المنشأة الربوية، إلا أنه بواقع عمله كمحاسب يقوم بجمع أرقام أو طرح أرقام في دفاتر أخرى غير المستندات الربوية، حيث يلزم ذلك، فهل يعتبر ذلك المحاسب كاتب ربا، أم اللفظ خاص بكاتب تلك الواقعة لا يتعدى لغير ولا يتعدى اللعن لغيره؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً. الجواب: حديث لعن كاتب الربا عام، يشمل كاتب وثيقته الأولى، وناسخها إذا بليت، ومقيد المبلغ الذي بها في دفاتر الحساب، والمحاسب الذي حسب نسبة الربا وجمعها على أصل المبلغ، أو أرسلها إلى المودع ونحو هؤلاء.]\rوخلاصة الأمر أنه يحرم شرعاً أخذ قرض ربوي بالفائدة وإن لم يدفعها الآخذ، لأن هذه العملية تعتبر مشاركة في الربا، وكل مشاركة في الربا فهي محرمة، لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان وهي محرمة أيضاً بنص حديث النبي ﷺ: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) ، فقوله (هم سواء) أي في الإثم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346132,"book_id":3840,"shamela_page_id":512,"part":"12","page_num":6,"sequence_num":512,"body":"٦ - حكم تأجير الأرض الزراعية بالنقود\rيقول السائل: عندي أرضٌ صالحةٌ للزراعة في قريتي، وأنا أعيش في المدينة حيث أعمل، فهل يجوز تأجيرها بمبلغ معلوم من النقود عن كل سنة، أفيدونا؟\r\rالجواب: تأجير الأرض الزراعية جائز شرعاً سواء أجرها صاحبها بمبلغ من النقود أو أجرها بنسبة شائعة مما يزرع فيها كالربع والثلث من إنتاجها، وهذا مذهب جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين والفقهاء، وهو قول الأئمة الأربعة وأتباعهم، قال الإمام ابن المنذر: [وأجمعوا على أن اكتراء الأرض بالذهب والفضة وقتاً معلوماً جائز، وانفرد طاووس والحسن فكرهاها.] كتاب الإجماع١/٣٥. وهذا قول المحققين من أهل العلم الذين دفعوا التعارض بين الأحاديث الواردة في المسألة، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب كراء الأرض بالذهب والفضة ثم ذكر عن ابن عباس أنه قال: إن أمثل ما أنتم صانعون أن تستأجروا الأرض البيضاء من السنة إلى السنة. ثم روى بإسناده عن رافع بن خديج ﵁ قال حدثني عمَّايَ أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي ﷺ بما ينبت على الأربعاء - جمع ربيع وهو النهر الصغير - أو شيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، فقلت لرافع فكيف هي بالدينار والدرهم، فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم. وقال الليث وكان الذي نهى عن ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه، لما فيه من المخاطرة] وورد في رواية أخرى عن رافع عند مسلم (كنا أكثر الأنصار حقلاً قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا - النبي ﷺ عن ذلك، وأما الورق - الفضة - فلم ينهنا.) ، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [كأنه أراد بهذه الترجمة الإشارة إلى أن النهي الوارد عن كراء الأرض محمولٌ على ما إذا أكريت بشيء مجهول وهو قول الجمهور، أو بشيء مما يخرج منها ولو كان معلوماً، وليس المراد النهي عن كرائها بالذهب أو الفضة. وبالغ ربيعة فقال: لا يجوز كراؤها إلا بالذهب أو الفضة، وخالف في ذلك طاووس وطائفة قليلة فقالوا: لا يجوز كراء الأرض مطلقاً، وذهب إليه ابن حزم وقواه واحتج له بالأحاديث المطلقة في ذلك، وحديث الباب دالٌ على ما ذهب إليه الجمهور، وقد أطلق ابن المنذر أن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، ونقل ابن بطال اتفاق فقهاء الأمصار عليه، وقد روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال: (كان أصحاب المزارع يكرونها بما يكون على المساقي من الزرع، فاختصموا في ذلك، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يكروا بذلك وقال: أكروا بالذهب والفضة) ورجاله ثقات] فتح الباري ٥/٣٢، وقال الحافظ أيضاً: [وكلام الليث هذا موافق لما عليه الجمهور من حمل النهي عن كراء الأرض على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة، لا عن كرائها مطلقاً حتى بالذهب والفضة] فتح الباري ٥/٣٣-٣٤. وقال العلامة الألباني عن حديث سعد السابق بأنه حديث حسن بشواهده في الباب، كما في صحيح وضعيف سنن النسائي، وما سبق يدل على جواز إجارة الأرض بالذهب والفضة، وأما إجارتها بنسبة شائعة كالثلث والنصف ونحو ذلك فمما يدل عليه ما قاله الإمام البخاري في صحيحه: [باب المزراعة بشطر ونحوه. وقال قيس عن أبي جعفر قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع، وزارع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين وقال عبد الرحمن ابن الأسود: كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع. وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاءوا بالبذر فله كذا) وهذه المعلقات التي رواها الإمام البخاري بصيغة الجزم وصلها غيره من أهل الحديث كما بينه الحافظ ابن حجر في الفتح فتح الباري ٥/ ٤٠٧-٤٠٨. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقاً على كلام البخاري السابق: [فإذا كان جميع المهاجرين كانوا يزارعون والخلفاء الراشدون وأكابر الصحابة والتابعين من غير أن ينكر ذلك منكر لم يكن إجماع أعظم من هذا، بل إن كان في الدنيا إجماع فهو هذا، لا سيما وأهل بيعة الرضوان جميعهم يزارعون على عهد رسول الله ﷺ وبعده إلى أن أجلى عمر اليهود إلى تيماء] مجموع الفتاوى ٢٩/٧٩. وقال العلامة ابن القيم: [وهذه – المزارعة – أمر صحيح مشهور قد عمل به رسول الله ﷺ حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدون من بعده حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعدهم ولم يبقَ في المدينة أهل بيت حتى عملوا به وعمل به أزواج النبي ﷺ من بعده، ومثل هذا يستحيل أن يكون منسوخاً لاستمرار العمل به من النبي ﷺ، إلى أن قبضه الله، وكذلك استمرار عمل خلفائه الراشدين به فنسخ هذا من أمحل المحال] شرح ابن القيم على سنن أبي داود ٩/١٨٤. ومما يدل أيضاً على جواز إجارة الأرض بالذهب والفضة، ما ورد في الحديث عن حنظلة بن قيس ﵁ قال: (سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفضة، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيءٌ معلومٌ مضمونٌ فلا بأس به) رواه مسلم، والماذيانات: ما ينبت من الزرع على مسايل المياه. وإقبال الجداول: أوائل السواقي. قال الإمام النووي: [ ... وأما الشافعي وموافقوه فاعتمدوا بصريح رواية رافع بن خديج وثابت بن الضحاك السابقين في جواز الإجارة بالذهب والفضة ونحوهما وتأولوا أحاديث النهى تأويلين: أحدهما حملها على إجارتها بما على الماذيانات أو بزرع قطعة معينة أو بالثلث والربع ونحو ذلك كما فسره الرواة في هذه الأحاديث التي ذكرناها، والثاني: حملها على كراهة التنزيه والإرشاد إلى إعارتها كما نهى عن بيع الغرر نهى تنزيه بل يتواهبونه ونحو ذلك، وهذان التأويلان لابد منهما أو من أحدهما للجمع بين الأحاديث، وقد أشار إلى هذا التأويل الثاني البخاري وغيره ومعناه عن بن عباس] شرح النووي على صحيح مسلم ١٠/١٩٨. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [المراد بذلك الكراء الذي كانوا يعتادونه من الكراء والمعاوضة اللذين يرجع كل منهما إلى بيع الثمرة قبل أن تصلح، وإلى المزارعة المشروط فيها جزء معين، وهذا نهي عما فيه مفسدة راجحة.] مجموع الفتاوى ٢٩/٨٧. ومما يدل أيضاً على جواز إجارة الأرض بالذهب والفضة، ما ورد في الحديث عن رافع بن خديج قال نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة، وقال إنما يزرع ثلاثةٌ: رجلٌ له أرضٌ فهو يزرعها، ورجل مُنح أرضاً فهو يزرع ما منح، ورجلٌ استكرى أرضاً بذهب أو فضة) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٥٢. وغير ذلك من الأدلة. وبعد هذا العرض والبيان يظهر لنا ضعف قول القائلين من المعاصرين بمنع تأجير الأراضي الزراعية منعاً مطلقاً، كما ورد في مشروع دستور حزب التحرير المادة رقم ١٣١ [يمنع تأجير الأرض للزراعة مطلقاً سواء أكانت خراجية أم عشرية، كما تمنع المزارعة] ، وأن هذا المنع لا يستند إلى دليل صحيح معتبر، وأن هذا المنع يتعارض مع الأصول والقواعد المقررة في نظام المعاملات في الفقه الإسلامي، كما أنه يتعارض مع الأحاديث الصحيحة التي سبق ذكر بعضها، ولا بد من الإشارة إلى أن من أراد أن يضع دستوراً عاماً للمسلمين ويُدخل فيه أمثال هذه المسألة، فلا بد أن يدرس المسائل الفقهية دراسة عميقة، وأن يدرس جميع النصوص الواردة في المسألة قبل أن يُصدر حكمه!! إذا تقرر جواز إجارة الأرض بالذهب والفضة، فإن النقود الورقية تقوم مقام الذهب والفضة وتأخذ أحكامهما فتثبت لها صفة الثمنية، كما ذهب إليه جماهير علماء العصر وكذا المجامع الفقهية المعتبرة، وبناءً على ذلك فإنه يجوز شرعاً تأجير الأرض الزراعية بالنقود والعملات المتداولة بشرط أن تكون الأجرة معلومة كذا أن تكون مدة الإجارة معلومة.\r\rوخلاصة الأمر أنه يجوز شرعاً إجارة الأرض الزراعية بالنقود الورقية بالشروط المقررة لعقد الإجارة. وأن ما ورد في بعض الأحاديث من نهي عن إجارة الأرض محمولٌ على ما فيه مخاطرة وجهالة وغرر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346133,"book_id":3840,"shamela_page_id":513,"part":"12","page_num":7,"sequence_num":513,"body":"٧ - الفرق بين التأمين التجاري - التقليدي – وبين التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي\rيقول السائل: هل هنالك فرق بين التأمين التعاوني والتأمين التجاري، أفيدونا؟ الجواب: \" التأمين الإسلامي هو اتفاق أشخاص يتعرضون لأخطار معينة على تلافي الأضرار الناشئة عن هذه الأخطار، وذلك بدفع اشتراكات على أساس الالتزام بالتبرع، ويتكون من ذلك صندوق تأمين له حكم الشخصية الاعتبارية، وله ذمة مالية مستقلة، (صندوق) يتم منه التعويض عن الأضرار التي تلحق أحد المشتركين من جراء وقوع الأخطار المؤمن منها، وذلك طبقاً للوائح والوثائق. ويتولى إدارة هذا الصندوق هيئة مختارة من حملة الوثائق، أو تديره شركة مساهمة بأجر تقوم بإدارة أعمال التأمين واستثمار موجودات الصندوق. وأما التأمين التقليدي فهو عقد معاوضة مالية يستهدف الربح من التأمين نفسه، وتطبق عليه أحكام المعاوضات المالية التي يؤثر فيها الغرر\" كتاب المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص ٤٣٦. وحكم التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي هو الجواز وفقاً للضوابط الشرعية، وقد أفتى بجوازه عدد كبير من علماء العصر وعدد من المجامع الفقهية والهيئات العلمية الشرعية، كالمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي وهيئة كبار العلماء في السعودية والمؤتمر الأول للاقتصاد الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة سنة ١٣٩٦هـ والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث. وأما التأمين التجاري أو التقليدي فهو محرم شرعاً عند أكثر العلماء المعاصرين، وصدرت قرارات شرعية بتحريمه عن المجمع الفقهي الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وعن هيئة كبار العلماء في السعودية، وعن مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي وغيرها. [وأما التكييف الفقهي للتأمين الإسلامي فيقوم على أساس الالتزام بالتبرع من المشتركين لمصلحتهم، وحماية مجموعهم بدفع اشتراكات يتكون منها صندوق التأمين الذي تديره هيئة مختارة من حملة الوثائق، أو تديره الشركة المساهمة المرخص لها بممارسة خدمات التأمين، على أساس اوكالة بأجر، وتقوم الهيئة المختارة من حملة الوثائق أو الشركة باستثمار موجودات التأمين على أساس المضاربة أو الوكالة بالاستثمار. وتختص الشركة المساهمة المديرة للتأمين برأس مالها وعوائده، والأجر الذي تأخذه عن الوكالة، ونسبتها المحددة من الربح المحقق عن استثمار موجودات التأمين على أساس المضاربة، أو الأجر المحدد على أساس الوكالة بالاستثمار، وتتحمل الشركة جميع مصروفاتها الخاصة بأعمالها، ومن تلك المصروفات مصروفات استثمار موجودات التأمين. ويختص صندوق حملة الوثائق بالاشتراكات وعوائدها وما يتم تكوينه من مخصصات واحتياطات متعلقة بالتأمين وبالفائض التأميني، ويتحملون جميع المصروفات المباشرة المتعلقة بإدارة عمليات التأمين. وفي التأمين الإسلامي ثلاثُ علاقاتٍ تعاقدية: أ. علاقة المشاركة بين المساهمين التي تتكون بها الشركة من خلال النظام الأساسي وما يتصل به، هي عقد المشاركة إذا كانت تديره الشركة. ب. العلاقة بين الشركة وبين صندوق حملة الوثائق هي علاقة الوكالة من حيث الإدارة، أما من حيث الاستثمار فهي علاقة مضاربة، أو وكالة بالاستثمار. ج. العلاقة بين حملة الوثائق وبين الصندوق عند الاشتراك هي علاقة التزام بالتبرع، والعلاقة بين المستفيد وبين الصندوق عند التعويض هي علاقة التزام الصندوق بتغطية الضرر حسب الوثائق واللوائح. ويقوم التأمين الإسلامي على المبادئ والأسس الشرعية الآتية التي يجب أن يُنَص عليها في النظام الأساسي للشركة، أو في اللوائح، أو في الوثائق: الالتزام بالتبرع: حيث يُنص على أن المشترك يتبرع بالاشتراك وعوائده لحساب التأمين لدفع التعويضات، وقد يلتزم بتحمل ما قد يقع من عجز حسب اللوائح المعتمدة. قيام الشركة المنظمة للتأمين بإنشاء حسابين منفصلين أحدهما خاص بالشركة نفسها: حقوقها والتزاماتها، والآخر خاص بصندوق (حملة الوثائق) حقوقهم والتزاماتهم. الشركة وكيلة في إدارة حساب التأمين، ومضاربة أو وكيلة في استثمار موجودات التأمين. يختص حساب التأمين بموجودات التأمين وعوائد استثماراتها، كما أنه يتحمل التزاماتها. يجوز أن تشتمل اللوائح المعتمدة على التصرف في الفائض بما فيه المصلحة حسب اللوائح المعتمدة مثل تكوين الاحتياطيات، أو تخفيض الاشتراكات، أو التبرع به لجهات خيرية، أو توزيعه أو جزء منه على المشتركين على أن لا تستحق الشركة المديرة شيئاً من ذلك الفائض. صرف جميع المخصصات المتعلقة بالتأمين، والفوائض المتراكمة في وجوه الخير عند تصفية الشركة. أفضلية مشاركة حملة الوثائق في إدارة عمليات التأمين من خلال إيجاد صيغة قانونية مناسبة لممارسة حقهم في الرقابة، وحماية مصالحهم، مثل تمثيلهم في مجلس الإدارة. التزام الشركة بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية في كل أنشطتها واستثماراتها، وبخاصة عدم التأمين على المحرمات، أو على أغراض محرمة شرعاً. تعيين هيئة رقابة شرعية تكون فتاواها ملزمة للشركة، ووجود إدارة رقابة وتدقيق شرعي داخلي.] انظر المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص ٤٣٦-٤٣٧. إذا تقرر هذا فإن أهم الفروق بين التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي وبين التأمين التجاري أو التقليدي تتمثل فيما يلي: الفرق الأول: يقوم التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي على فكرة التعاون على البر والتقوى، ودليله من الكتاب قول الله ﵎: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، ومن السنة حديث رسول الله ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم. أما التأمين التجاري التقليدي الربوي فيقوم على فكرة الربح للشركة، ويتمثل هذا الربح في الفرق بين الاشتراكات المحصلة من العملاء، وبين التعويضات المعطاة لمن أصابهم الضرر. الفرق الثاني: يتضمن عقد التأمين التجاري التقليدي الغرر والجهالة، وهذا غير جائز شرعاً، بينما يقوم عقد التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي على التعاون، وهذا جائز شرعاً، أي أن عقد التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار، فالأقساط المقدمة من حملة الوثائق في التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي تأخذ صفة الهبة أي التبرع كما في قرار هيئة كبار العلماء، أما التأمين التجاري فهو من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية. الفرق الثالث: تقوم شركات التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي باستثمار فائض الأموال وفقاً لصيغ الاستثمار الإسلامية، بينما تقوم شركات التأمين التجاري التقليدي باستثمار الأموال وفقاً لنظام الفائدة – الربا- المحرم شرعاً. الفرق الرابع: المؤمِّنون هم المستأمنون في التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي، ولا تستغل أقساطهم المدفوعة لشركة التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي إلا بما يعود عليهم بالخير جميعاً، أما في شركة التأمين التجاري فالمؤمِّن هو عنصر خارجي بالنسبة للشركة، كما أن شركة التأمين التجاري تقوم باستغلال أموال المستأمنين فيما يعود عليها بالنفع وحدها. فتاوى التأمين ص ٩٩. الفرق الخامس: المستأمنون في شركات التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي يُعَدُون شركاء، مما يعطيهم الحق في الحصول على الأرباح الناتجة من عمليات استثمار أموالهم. أما في شركات التأمين التجاري فالصورة مختلفة تماماً؛ لأن المستأمنين ليسوا شركاء، فلا يحق لهم أي ربح من استثمار أموالهم، بل تنفرد الشركة بالحصول على كل الأرباح. فتاوى التأمين ص ١٠٥. الفرق السادس: في التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي لا بد أن يُنص في العقد على أن ما يدفعه المستأمن ما هو إلا تبرع، وأنه يدفع القسط للشركة لإعانة من يحتاج إليه من المشتركين، أما في التأمين التجاري فلا ترد نية التبرع أصلاً، وبالتالي لا يذكر في العقد. فتاوى التأمين ص٩١. الفرق السابع: يعتمد التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي على أقساط التأمين المحصلة، وعلى استثمارها في أمور مشروعة تخلو من الربا أو المعاملات المحرمة ويتم دفع التعويضات من ذلك. كما أن شركة التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي لا تتملك أقساط التأمين وإنما تكون ملكاً لحساب التأمين وهو حق للمشتركين، وتقوم شركة التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي بإدارة الحساب نيابة عنهم. أما في التأمين التجاري فالأقساط ملك للشركة وحدها. الفرق الثامن: الفائض في التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي يعود إلى مجموع المؤمنين ولا يعود إلى شركة التأمين، ولكن شركة التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي تأخذ حصة من الفائض إما باعتبارها وكيلة بأجر أو باعتبارها مضارباً بينما في التأمين التجاري فإن الفائض يعود كله للشركة ولا علاقة للمشتركين به. وانظر غير ذلك من الفروق في بحث التأمين التعاوني للدكتور علي القرة داغي.\rوخلاصة الأمر أن التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي له ميزاته الخاصة التي تقوم على الأسس الشرعية بينما يعتبر التأمين التجاري التقليدي من إفرازات النظام الرأسمالي القائم على الربا والغرر المفسد للعقد. والفرق بينهما واضح جلي لمن دقق وحقق، والواجب على المسلمين التعامل بالتأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346134,"book_id":3840,"shamela_page_id":514,"part":"12","page_num":8,"sequence_num":514,"body":"٨ - رهن المبيع في بيع المرابحة للآمر بالشراء\rيقول السائل: اشتريت سيارة جديدة بالمرابحة من أحد البنوك الإسلامية فقام البنك برهن السيارة لدى دائرة السير فما حكم ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور وهو البنك، وحصول القبض المطلوب شرعاً، هو بيع جائز طالما كانت تقع على المأمور مسؤولية التلف قبل التسليم، وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم، وتوافرت شروط البيع وانتفت موانعه كما جاء في القرار الصادر عن المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي. ويجوز للبنك الإسلامي أن يشترط رهن السلعة المبيعة- السيارة مثلاً - ضماناً لسداد ثمنها، وهذا على الراجح من أقوال الفقهاء، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي والصحيح من مذهب أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم والعلامة العثيمين وغيرهم، وقد أخذ به مجمع الفقه الإسلامي، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي بعد أن ذكر الخلاف في المسألة: [ ... وظاهر الرواية عند أحمد صحة رهنه] المغني ٤/٢٨٥، قال العلامة ابن القيم: [وهكذا في المبيع يشترط على المشتري رهنه على ثمنه حتى يسلمه إليه، ولا محذور في ذلك أصلاً، ولا معنىً، ولا مأخذاً قوياً يمنع صحة هذا الشرط والرهن، وقد اتفقوا أنه لو شرط عليه رهن عين أخرى على الثمن جاز، فما الذي يمنع جواز رهن المبيع على ثمنه؟ . لا فرق بين أن يقبضه أو لا يقبضه على أصح القولين، وقد نص الإمام أحمد على جواز اشتراط رهن المبيع على ثمنه، وهو الصواب ومقتضى قواعد الشرع وأصوله ... وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وبعض أصحاب الإمام أحمد، وهو الصحيح] إعلام الموقعين ٤/٣٣. وقال العلامة ابن القيم أيضاً: [يجوز رهن المبيع قبل قبضة على ثمنه في أصح الوجهين، كما يصح رهنه قبل القبض بدين آخر غير ثمنه ومن غير البائع، بل رهنه على ثمنه أولى، فإنّه يملك حبسه على الثمن بدون الرهن، فلأن يصح حبسه على الثمن رهناً أولى وأحرى] إغاثة اللهفان ٢/٥٣. وقال البهوتي الحنبلي: [فيصح اشتراط رهن المبيع على ثمنه، فلو قال: بعتك هذا على أن ترهننيه على ثمنه، فقال: اشتريت ورهنتك صح الشراء والرهن] كشاف القناع٣/١٨٩. وورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم (٥٣/٢/٦) : [لا يحق للبائع الاحتفاظ بملكية المبيع، ولكن يجوز للبائ أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة] . وأجازت هيئة كبار العلماء السعودية في دورتها الثانية والخمسين أن يبيع الشيء ويرهنه على ثمنه ويحتاط لنفسه بالاحتفاظ بوثيقة العقد واستمارة السيارة ونحو ذلك. ومن المعلوم عند الفقهاء أن الرهن هو جعل عين مالية وثيقة بدين يستوفى منها أو من ثمنها إذا تعذر الوفاء، انظر المادة (٧٠١) من مجلة الأحكام العدلية، والأصل في مشروعية الرهن قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٣، وثبت في الحديث عن أنس ﵁ قال: (رهن رسول الله ﷺ درعاً عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً لأهله) رواه البخاري، وعن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ اشترى طعاماً من يهودي إلى أجل ورهنه درعاً من حديد) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية أخرى في الصحيحين (توفي النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير) . ولكن يجب أن يعلم أن الرهن المشار إليه في السؤال ما هو إلا رهنٌ رسميٌ قانوني ويسمى رهناً إئتمانياً أو رهناً تأمينياً، وهذا الرهن لا يترتب عليه نقل حيازة السلعة من المشتري إلى البائع، بل تبقى السلعة – السيارة مثلاً - في ملك المشتري وتحت تصرفه، ولكن لا يحق له التصرف بالمركبة المرهونة ببيعها أو رهنها رهناً ثانياً للغير أو رهن أي حصص فيها أو طلب ترخيصها أو طلب فك الرهن عنها أو نقل الملكية أو ترتيب أي حق أو التزام عليها إلا بموافقة البنك، ويبقى الرهن قائماً على المركبة حتى السداد النهائي والتام وإبراء ذمة المشتري لدى البنك كما ورد في صك الرهن المعمول به، ومستند الرهن الرسمي - التأميني- هو ما نصت عليه القوانين المدنية، كما في المواد (١٣٢٢-١٣٣٤) من القانون المدني الأردني، وإن كان الأصل أن محل الرهن التأميني هو العقار إلا أن القانون المدني الأردني ألحق المنقول بالعقار في سريان أحكام الرهن التأميني عليه، فقد ورد في المادة رقم ١٣٣٤ [تسري أحكام الرهن التأميني على المنقول الذي تقتضي قوانينه الخاصة تسجيله كالسيارة والسفينة] . والرهن التأميني أو الرسمي جائز شرعاً، وهو من باب حفظ الحقوق، ولضمان أداء الديون، قال العلامة محمد العثيمين جواباً على سؤال يتعلق بالرهن الرسمي: [ ... وأما من تساهل في ذلك وباعه- أي العقار - بحجة أن جمهور العلماء يرون أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض وأن هذا العقار ليس مقبوضاً من قبل الصندوق لأنه بيد صاحبه فهذا التساهل فيه نظر من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الراهن قد التزم شرطاً على نفسه، وهو أنه لا يتصرف فيه ببيع ولا غيره، فهو قد التزم بذلك، ولو فرضنا أن هذا ليس مقتضى الرهن المطلق إذا لم يُقبض، فإن هذا التزام شرطٍ لا ينافي الكتاب ولا السنة، وقد قال النبي ﷺ: (كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل) ومفهومه كل شرط لا يخالف كتاب الله فهو حق وثابت، وفي الحديث الذي في السنن المشهور (المسلمون على شروطهم إلى شرطاً أحلَّ حراماً أو حرم حلالاً) . الوجه الثاني: أن القول الصحيح في هذه المسألة أن الرهن يلزم ولو بدون القبض إذ لا دليل على وجوب قبضه إلا قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وفي الحقيقة أن هذه الآية يرشد الله فيها الإنسان إلى التوثق من حقه في مثل هذه الحال، إذا كان على سفرٍ ولم يجد كاتباً ولا طريقة إلى التوثق بحقه، في مثل هذه الحال إلا برهن مقبوض لأنه لو ارتهن شيئاً ولم يقبضه لكان يمكن أن ينكر الراهن ذلك الرهن، كما أنه يمكن أن ينكر أصل الدين، ومن أجل أنه يمكن أن ينكر أصل الدين أرشد الله تعالى إلى الرهن المقبوض، فإذن لا طريق للتوثق بحقه في مثل هذه الحال إلا إذا كان الرهن مقبوضاً، ثم إن آخر الآية يدل على أنه إذا لم يُقبض وجب على من أؤتمن عليه أن يؤدي أمانته فيه، لأنه قال: ﴿فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤدِ الذي أؤتمن أمانته﴾ فإذا كان كذلك، فإن المرتهن قد أمن الراهن بإبقائه عنده فإذا كان قد ائتمنه فإن واجب الراهن أن يؤدي أمانته وأن يتقي الله ربه، ثم إن عمل الناس عندنا على هذا فإن صاحب البستان يستدين لتقويم بستانه وبستانه بيده، وصاحب السيارة يرهن سيارته وهي في يده يكدها وينتفع بها، وكذلك صاحب البيت يرهنه لغيره وهو ساكنه والناس يعدون هذا رهناً لازماً ويرون أن لا يمكن للراهن أن يتصرف فيه بالبيع، فالقول الصواب في هذه المسألة أن الرهن يلزم وإن لم يقبض متى كان معيناً، وهذا العقار الذي استدين من صندوق التنمية له، هو رهن معين قائم، فالرهن فيه لازم، وإن كان تحت يد الراهن، إذن فلا يجوز لمن استسلف من صندوق التنمية أن يبيع عقاره الذي استسلف له إلا في إحدى الحالين السابقين أن يستأذن من المسؤولين في البنك ويأذنوا له أو أن يوفي البنك ويحرر العقار من الرهن والله الموفق.] عن موقع الشيخ على الإنترنت. وجاء في فتاوى هيئة الفتاوى والرقابة الشرعية لبنك دبي الإسلامي: [هل يجوز للمصرف الإسلامي إدخال السلعة المبيعة بالمرابحة كضمان؟ الجواب: العقد شريعة المتعاقدين فإذا اشترط البائع أن يحبس المبيع حتى أداء جميع الثمن فهو شرط يقتضيه العقد وإنما يحب البائع المبيع إذا كان الثمن حالاً أما إذا كان مؤجلاً فلا يجوز الحبس لأنه رضي بتأخير الثمن، لكن يجوز له أن يرهن المبيع رهنا ائتمانياً أي رسمياً - يُنص عليه في العقد حتى يستوفي الثمن ضماناً لحق البنك، لأن الرهن الائتماني لا يمنع المالك من التصرف في ملكه] عن الإنترنت. وورد في معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية: [ينبغي أن تطلب المؤسسة من العميل ضمانات مشروعة في عقد بيع المرابحة للآمر بالشراء. ومن ذلك حصول المؤسسة على كفالة طرف ثالث، أو رهن الوديعة الاستثمارية للعميل أو رهن أي مال منقول أو عقار، أو رهن سلعة محل العقد رهنا ائتمانياً رسمياً دون حيازة، أو مع الحيازة للسلعة وفك الرهن تدريجياً حسب نسبة السداد.] المعايير الشرعية ص ١١٥. وجاء في ضوابط عقد المرابحة الصادرة عن الهيئة الشرعية لبنك البلاد الإسلامي السعودي: [للبنك أن يطلب من العميل ضمانات مشروعة في عقد بيع المرابحة للآمر بالشراء. ومن ذلك: كفالة طرف ثالث، أو رهن أي منقول أو عقار للعميل، ولو كان المرهون مبلغاً في حساب جار أو استثماري له، أو كان المرهون هو السلعة محل العقد سواءٌ كان الرهن حيازياً، أو رسمياً دون حيازة. وينبغي فك الرهن تدريجياً حسب نسبة السداد.] موقع بنك البلاد على الإنترنت.\r\rوخلاصة الأمر أنه يجوز رهن السيارة المشتراة بالمرابحة من البنك الإسلامي رهناً تأمينياً لدى دوائر السير، وهذا الرهن من باب حفظ الحقوق ولضمان الديون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346135,"book_id":3840,"shamela_page_id":515,"part":"12","page_num":9,"sequence_num":515,"body":"٩ - التصرف في مال الغير بغير إذن\rتقول السائلة: ورثت قطعة أرض من والدي، وحاول زوجي أن يستولي عليها ليبني عليها محلات تجارية ورفضت ذلك، إلا أنني فوجئت بأن زوجي قد باع الأرض بدون موافقتي وتصرف في ثمنها، فما حكم هذا البيع، أفيدونا؟\r\rالجواب: من المقرر شرعاً أن للمرأة ذمة مالية مستقلة عن زوجها فلها أن تتملك وأن تتصرف في ملكها، ولا يتوقف ذلك على إذن زوجها، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله بالتبرع والمعاوضة. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر ... ثم قال ابن قدامة مستدلاً لذلك: [ولنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وهو ظاهر في فك الحجر عنهم وإطلاقهم في التصرف. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: (يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن) وأنهن تصدقن فقبل صدقتهن ولم يسأل ولم يستفصل. وأتته زينب امرأة عبد الله، وامرأة أخرى اسمها زينب، فسألته عن الصدقة: هل يجزيهن أن يتصدقن على أزواجهن وأيتام لهن؟ فقال: نعم ولم يذكر لهن هذا الشرط، ولأن من وجب دفع ماله إليه لرشده جاز له التصرف فيه من غير إذن كالغلام، ولأن المرأة من أهل التصرف، ولا حق لزوجها في مالها فلم يملك الحجر عليها في التصرف بجميعه ... ] المغني ٤/٣٤٨-٣٤٩. وقد قرر العلماء أنه لا يجوز للزوج أن يتصرف في مال زوجته دون رضاها وموافقتها، يقول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ سورة النساء الآية ٤. ومن القواعد المقررة شرعاً أنه لا يجوز أخذ مال المسلم – ويدخل في ذلك المسلمة - إلا بإذنه، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ سورة النساء الآية ٢٩. ويدل على ذلك أيضاً قول الرسول ﷺ: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) رواه مسلم، وقوله ﷺ: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري ومسلم. وقوله ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس) رواه أحمد والبيهقي والطبراني والحاكم وابن حبان وصححاه، وقال العلامة الألباني صحي، إرواء الغليل ٥/٢٧٩. وقوله ﷺ: (لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس) رواه البيهقي بإسناد صحيح، وقوله ﷺ (لا يحلبن أحدٌ ماشية أحدٍ إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشرُبته فينتقل طعامه، وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحدٌ ماشية أحدٍ إلا بإذنه) رواه البخاري ومسلم، والمشرُبة بضم الراء، الغرفة. قال الإمام النووي: [ومعنى الحديث أنه ﷺ شبه اللبن في الضرع بالطعام المخزن المحفوظ في الخزانة في أنه لا يحل أخذه بغير إذنه، وفي الحديث فوائد منها تحريم أخذ مال الإنسان بغير إذنه والأكل منه والتصرف فيه، وأنه لا فرق بين اللبن وغيره وسواء المحتاج وغيره إلا المضطر ... فيأكل الطعام للضرورة ويلزمه بدل عندنا وعند الجمهور ... ] شرح صحيح مسلم ٤/٣٩١. وقال الحافظ ابن عبد البر: [في الحديث النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئاً إلا بإذنه، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه فنبه به على ما هو أولى منه] فتح الباري ٦/١٤. إذا تقرر هذا فإن ما قام به الزوج من بيع أرض زوجته بغير إذنها، يسمى بيع الفضولي عند الفقهاء، ويطلق الفضولي على من يتصرف في حق الغير بلا إذنٍ شرعي، وذلك لكون تصرفه صادراً من غير ملكٍ ولا وكالةٍ ولا ولاية، انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٢/١٧١. وقد ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية، والشافعي في قوله القديم، وهو أحد قوليه في الجديد، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، إلى أن البيع صحيح إلا أنه موقوف على إجازة المالك. وذهب الشافعي في القول الثاني من الجديد، وأحمد في الرواية الأخرى عنه، إلى أن البيع باطل. قال الإمام النووي [سبق أن شروط المبيع خمسة: منها أن يكون مملوكاً لمن يقع العقد له، فإن باشر العقد لنفسه فشرطه كونه مالكاً للعين، وإن باشره لغيره بولاية أو وكالة، فشرطه أن يكون لذلك الغير، فلو باع مال غيره بغير إذن ولا ولاية، فقولان، الصحيح أن العقد باطل، وهذا نصه في الجديد، وبه قطع المصنف- أبو إسحاق الشيرازي - وجماهير العراقيين وكثيرون أو الأكثرون من الخراسانيين لما ذكره المصنف ... والقول الثاني وهو القديم أنه ينعقد موقوفاً على إجازة المالك، إن أجازه صح البيع وإلا لغا ... ثم قال الإمام النووي: فرع في مذاهب العلماء في تصرف الفضولي بالبيع وغيره في مال غيره بغير إذنه، قد ذكرنا أن مذهبنا المشهور بطلانه، ولا يقف على الإجازة، وكذا الوقف والنكاح وسائر العقود، وبهذا قال أبو ثور وابن المنذر وأحمد في أصح الروايتين عنه. وقال مالك يقف البيع والشراء والنكاح على الإجازة، فان أجازه من عقد له صح وإلا بطل، وقال أبو حنيفة إيجاب النكاح وقبوله يقفان على الإجازة، ويقف البيع على الإجازة، ولا يقف الشراء، وأوقفه اسحق بن راهويه في البيع ... ] المجموع ٩/٢٥٩. والراجح من أقوال أهل العلم في بيع الفضولي أنه صحيحٌ، ولكنه موقوفٌ على إجازة المالك، ويدل لذلك ما ورد في الحديث الذي رواه الإمام البخاري بإسناده عن شبيب بن غرقدة، قال: (سمعت الحي يحدثون عن عروة أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب أربح فيه) . [فهذا رسول الله ﷺ أجاز هذا البيع، ولو كان باطلاً لرده، وأنكر على من صدر منه، وأيضاً فإن هذا تصرف تمليك، وقد صدر من أهله فوجب القول بانعقاده، إذ لا ضرر فيه للمالك مع تخييره، بل فيه نفعه، حيث يكفي مؤنة طلب المشتري وقرار الثمن (أي المطالبة) وغيره، وفيه نفع العاقد لصون كلامه عن الإلغاء، وفيه نفع المشتري لأنه أقدم عليه طائعاً، فثبتت القدرة الشرعية تحصيلا لهذه الوجوه.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٩/١٣٦. ويدل على جواز بيع الفضولي أيضاً حديث ابن عمر في قصة الثلاثة أصحاب الغار، وفيه أن النبي ﷺ قال: (قال الثالث اللهم استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمَّرتُ أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدِ إليَّ أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت لا أستهزئ، فأخذه كله فاستاقة فلم يترك منه شيئاً) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأدلة. وبناءً على ما سبق فإن بيع الأرض الذي عقده الزوج، يعتبر عقداً موقوفاً على إجازة الزوجة، فإن أجازته جاز، وإن فسخته فُسخ، قال الزيلعي الحنفي: [ومن باع ملك غيره فللمالك أن يفسخه ويجيزه إن بقي العاقدان والمعقود عليه وله وبه لو عرضاً] أي للمالك أن يجيز العقد بشرط أن يبقى المتعاقدان والمعقود عليه والمعقود له وهو المالك بحالهم والأصل فيه أن كل تصرف صدر من الفضولي وله مجيز حال وقوعه انعقد موقوفاً على الإجازة عندنا وإن لم يكن له مجيز حالة العقد لا يتوقف ويقع باطلاً] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٤/١٠٢-١٠٣. وجاء في المادة ٣٧٨ من مجلة الأحكام العدلية: [بيع الفضولي إذا أجازه صاحب المال، أو وكيله، أو وصيه، أو وليه نفذ وإلا انفسخ إلا أنه يشترط لصحة الإجازة أن يكون كل من البائع والمشتري والمجيز والمبيع قائماً وإلا فلا تصح الإجازة] . وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: [اتفق الفقهاء على أن من شروط البيع: أن يكون المبيع مملوكاً للبائع أو له عليه ولاية أو وكالة تجيز تصرفه فيه واتفقوا أيضا على صحة بيع الفضولي، إذا كان المالك حاضراً وأجاز البيع، لأن الفضولي حينئذ يكون كالوكيل. واتفقوا أيضا على عدم صحة بيع الفضولي إذا كان المالك غير أهل للإجازة، كما إذا كان صبياً وقت البيع.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٩/١١٧. ويدل لما قرره الفقهاء أن من شروط صحة البيع أن يكون المبيع مملوكاً للبائع، ما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٦/١٧٣. وبناءً على ما سبق فإن أجازت الزوجة تصرف زوجها في أرضها فإن ثمن الأرض من حقها وحدها، تتصرف فيه كما شاءت، وما قام به الزوج من التصرف في ثمن أرض زوجته بدون إذنها، فهو تصرفٌ باطلٌ شرعاً، ويلزمه أن يرد المال إليها، وإن لم يفعل فهو من باب أكل أموال الناس بالباطل، وقد سبقت النصوص الشرعية في تحريمه. وأما إن فسخت الزوجة تصرف زوجها في بيع الأرض، فهو ملزم شرعاً أن يرد المال إلى المشتري وتبقى الأرض للزوجة.\r\rوخلاصة الأمر أن الإسلام قد قرر ذمةً ماليةً مستقلةً للزوجة، ولها أن تتملك وأن تتصرف في ملكها كما تشاء، ولا يجوز لزوجها أن يمنعها من ذلك، وأن ما قام به زوج السائلة من بيع أرضها بدون إذنها، يعتبر تصرفاً موقوفاً على إجازتها على الراجح من أقوال أهل العلم، فإن أجازته جاز، وكان ثمن الأرض من حقها وحدها، وإن فسخته فسخ ويلزم الزوج بإرجاع المال للمشتري.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346136,"book_id":3840,"shamela_page_id":516,"part":"12","page_num":10,"sequence_num":516,"body":"١٠ - حكم عمل المسلم بالكنيس\rيقول السائل: أنا أشتغل مقاولاً في أعمال البناء وقد عُرض عليَّ بناء كنيس فما الحكم الشرعي في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: يجب أن يعلم أولاً أن من أهم ضوابط العمل المباح في دين الإسلام أن لا يكون للعمل علاقة بعقائد غير المسلمين، كالعمل في بناء الكنس والكنائس، مهما كان هذا العمل، وكذا العمل في المدارس الدينية التي تدرس مللهم، وكذا العمل في طباعة كتبهم الدينية أو التجارة فيها، ويحرم العمل بكل ما له ارتباط بدينهم، ويدل لهذا الضابط قوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ﴾ سورة المائدة الآية ٢. وهذا مذهب جماهير الفقهاء المالكية والحنابلة وأكثر الشافعية وهو قول صاحبي أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد فقد نصوا على تحريم بناء معابد غير المسلمين والعمل على تشييدها وإقامتها وترميمها، فمن ذلك: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأما مذهب أحمد في الإجارة لعمل ناووسٍ ونحوه، فقال الآمدي لا يجوز رواية واحدة، لأن المنفعة المعقود عليها محرمة، وكذلك الإجارة لبناء كنيسة أو بيعة أو صومعة كالإجارة لكَتْبِ كُتُبهم المحرفة] اقتضاء الصراط المستقيم ١/٢٤٤. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ ... ولا على معصية كبيت النار والبيع والكنائس , وكتب التوراة والإنجيل لأن ذلك معصية، فإن هذه المواضع بنيت للكفر، وهذه الكتب مبدلة منسوخة، ولذلك غضب النبي ﷺ حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال: (أفيَّ شكٌ أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو كان موسى أخي حياً ما وسعه إلا إتباعي) ولولا أن ذلك معصية ما غضب منه] المغني ٦/٣٨. والحديث المذكور في كلام ابن قدامة المقدسي حديث حسن رواه أحمد والدارمي وابن أبي عاصم وابن عبد البر كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل حديث رقم ١٥٨٩. وقال الإمام الشافعي: [وأكره للمسلم أن يعمل بنَّاءً، أو نجاراً، أو غير ذلك في كنائسهم التي لصلاتهم] الأم ٤/٢٠٣، والكراهة في كلام الشافعي يقصد بها التحريم كما هو معروف في كلام السلف. وورد في المدونة المعروفة في مذهب المالكية: [أرأيت الرجل أيجوز له أن يؤاجر نفسه في عمل كنيسة في قول مالك؟ قال: لا يحل له؛ لأن مالكاً قال: لا يؤاجر الرجل نفسه في شيء مما حرم الله. قال مالك: ولا يكري داره ولا يبيعها ممن يتخذها كنيسة] المدونة ١٠/٣٦١. وقال صاحب منح الجليل شرح مختصر خليل: [ولا تجوز الإجارة على دخول حائضٍ لمسجدٍ لتكنسه لحرمة دخولها فيه، ومثلها إجارة مسلمٍ لكنس كنيسة أو رعي خنزير أو لعمل خمر فيفسخ – العقد - ويؤدب إن لم يعذر بجهل، وإن نزل وفات فاستحب ابن القاسم التصدق بالأجرة] ١٦/١٦٩. وقال الحطاب المالكي: [ ... أن يؤاجر المسلم نفسه لكنس كنيسة أو نحو ذلك، أو ليرعى الخنازير أو ليعصر له خمراً فإنه لا يجوز، ويؤدب المسلم إلا أن يتعذر بجهالة] مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ١٦/١٨٧. وقال الشيخ تقي الدين السبكي: [فقد سئلت عن ترميم الكنائس أو إعادة الكنيسة المضمحلة فأردت أن أنظر ما فيها من الأدلة ... وقفوت أثر عمر بن الخطاب وعدله وشروطه التي أخذها لما فتح البلاد وشيد الإسلام وأهله، وهذا الترميم يقع السؤال عنه كثيراً ولا سيما في الديار المصرية، ويفتي كثير من الفقهاء بجوازه وتخرج به مراسيم من الملوك والقضاة بلا إذن فيه، وذلك خطأ بإجماع المسلمين، فإن بناء الكنيسة حرام بالإجماع، وكذا ترميمها وكذلك قال الفقهاء: لو وصى ببناء كنيسة فالوصية باطلة، لأن بناء الكنيسة معصية، وكذا ترميمها ولا فرق بين أن يكون الموصي مسلماً أو كافراً، وكذا لو وقف على كنيسة كان الوقف باطلاً مسلماً كان الواقف أو كافراً، فبناؤها وإعادتها وترميمها معصية مسلماً كان الفاعل لذلك أو كافراً، هذا شرع النبي ﷺ. وهو لازم لكل مكلف من المسلمين والكفار ... وجميع الشرائع نسخت بشريعة النبي ﷺ فلا يشرع اليوم إلا شرعه، بل: أقول إنه لم يكن قط شرعٌ يسوغ فيه لأحدٍ أن يبني مكاناً يُكْفرُ فيه بالله، فالشرائع كلها متفقة على تحريم الكفر، ويلزم من تحريم الكفر تحريم إنشاء المكان المتخذ له، والكنيسة اليوم لا تتخذ إلا لذلك وكانت محرمة معدودة من المحرمات في كل ملة، وإعادة الكنيسة القديمة كذلك؛ لأنها إنشاء بناءٍ لها وترميمها أيضاً كذلك؛ لأنه جزء من الحرام، ولأنه إعانة على الحرام، فمن أذن في حرام ومن أحله فقد أحل حراماً، من توهم أن ذلك من الشرع رُدَّ عليه بقوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ ] فتاوى السبكي ٤/١٧٥. وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي تحريم بناء المسلم للكنائس والإعانة على ذلك في دورة مؤتمره الثالث في عمان بالأردن سنة ١٤٠٧هـ /١٩٨٦م ضمن الإجابة على استفسارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، فقد جاء في قراره: السؤال الخامس والعشرون والسؤال السادس والعشرون: ما حكم تصميم المهندس المسلم لمباني النصارى كالكنائس وغيرها علماً بأن هذا هو جزء من عمله في الشركة الموظفة له، وفي حالة امتناعه قد يتعرض للفصل من العمل؟ وما حكم تبرّع المسلم فرداً كان أو هيئة لمؤسسات تعليمية أو تنصيرية أو كنيسة؟ الجواب: لا يجوز للمسلم تصميم أو بناء معابد الكفار أو الإسهام في ذلك مالياً أو فعلياً] . وجاء في قرارات وتوصيات المؤتمر الخامس لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا المنعقد بالمنامة – مملكة البحرين- سنة ١٤٢٨هـ/٢٠٠٧ م: [القرار التاسع: العمل في المجال الهندسي وضوابطه عند اختلاط الحلال بالحرام خارج ديار الإسلام. لا يجوز لأصحاب شركات التصميم والإنشاء من المسلمين أن يصمموا أو يبنوا أبنية تُمَارسُ فيها المعاصي مثل الحانات وصالات القمار ومحلات بيع الخمور والمعابد التي تمارس فيها عبادات شركية، كما لا يجوز لهم تقبل مشروعات تتضمن شيئاً من ذلك] . وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية: [كل دين غير دين الإسلام فهو كفر وضلال، وكل مكان يُعدّ للعبادة على غير دين الإسلام فهو بيت كفر وضلال، إذ لا تجوز عبادة الله إلا بما شرع الله سبحانه في الإسلام، وشريعة الإسلام خاتمة الشرائع، عامة للثقلين الجن والإنس وناسخة لما قبلها، وهذا مُجمع عليه بحمد الله تعالى. ومن زعم أن اليهود على حق، أو النصارى على حق سواء كان منهم أو من غيرهم فهو مكّذب لكتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد وإجماع الأمة، وهو مرتد عن الإسلام إن كان يدّعي الإسلام بعد إقامة الحُجة عليه إن كان مثله ممن يخفى عليه ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ سورة سبأ الآية ٢٨، وقال عز شأنه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ سورة الأعراف الآية ١٥٨، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ سورة آل عمران الآية ١٩، وقال جل وعلا: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ سورة آل عمران الآية ٨٥، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ سورة البينة الآية ٦، وثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (كان النبي يُبْعَث إلى قومه خاصة، وبُعثْتُ إلى الناس عامة) . ولهذا صار من ضروريات الدين: تحريم الكفر الذي يقتضي تحريم التعبد لله على خلاف ما جاء في شريعة الإسلام، ومنه تحريم بناء معابد وفق شرائع منسوخة يهودية أو نصرانية أو غيرهما؛ لأن تلك المعابد سواء كانت كنيسة أو غيرها تعتبر معابد كفرية؛ لأن العبادات التي تُؤدى فيها على خلاف شريعة الإسلام الناسخة لجميع الشرائع قبلها والمبطلة لها، والله تعالى يقول عن الكفار وأعمالهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً﴾ سورة الفرقان الآية ٢٣. ولهذا أجمع العلماء على تحريم بناء المعابد الكفرية مثل: الكنائس في بلاد المسلمين، وأنه لا يجوز اجتماع قبلتين في بلد واحد من بلاد الإسلام، وألا يكون فيها شيءٌ من شعائر الكفار لا كنائس ولا غيرها] الفتوى رقم ٢١٤١٣ من فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية. وجاء في فتوى أخرى للجنة الدائمة جواباً عن سؤالٍ عن المسلم الذي وظيفته البناء، هل يجوز له أن يبني كنيسة، فأجابت اللجنة: [لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبني كنيسةً أو محلاً للعبادة ليس مؤسساً على الإسلام الذي بعث اللهُ به محمداً ﷺ؛ لأن ذلك من أعظم الإعانة على الكفر وإظهار شعائره، والله ﷿ يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . فتاوى اللجنة الدائمة ١٤/٤٨٢\r\rوخلاصة الأمر أنه يحرم على المسلم أن يعمل في بناء معابد غير المسلمين أو ترميمها أو أن يشتغل في أي عمل له ارتباط بعقيدة غير المسلمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346137,"book_id":3840,"shamela_page_id":517,"part":"12","page_num":11,"sequence_num":517,"body":"١١ - حكم شراء شقة قبل بنائها ووفق المخططات\rيقول السائل: ما حكم شراء شقة لم يتم بناؤها بعد، ويقع الشراء على المخططات المعدة للشقة، أفيدونا؟\r\rالجواب: يجوز شراء شقة أو عمارة على المخططات والخرائط، وهذا يعتبر عقد استصناع، بشرط أن تكون المخططات والخرائط تفصيلية ومبيناً فيها كافة المواصفات، منعاً للنزاع والخلاف مستقبلاً، وعقد الاستصناع هو عقد على بيع عين موصوفة في الذمة مطلوب صنعها، وهو عقدٌ مشروع عند عامة الفقهاء، فقد صح عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ: (اصطنع خاتماً) رواه البخاري. وثبت أيضاً أن النبي ﷺ قد استصنع منبراً كما في الصحيحين أن رسول الله ﷺ بعث إلى امرأة من الأنصار: مُري غلامَك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليهن) وفي رواية عند مسلم (انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها. فعمل هذه الثلاث درجات ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع فهي من طرفاء الغابة.) وقد تعامل المسلمون بالاستصناع في مختلف العصور وما زالوا يتعاملون به من غير نكير. وقد أقرت المجامع الفقهية والهيئات العلمية الشرعية عقد الاستصناع ووضعت له ضوابط معينة، فمن ذلك ما ورد في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي: [بعد استماعه للمناقشات التي دارت حوله - عقد الاستصناع - ومراعاة لمقاصد الشريعة في مصالح العباد والقواعد الفقهية في العقود والتصرفات، ونظراً لأن عقد الاستصناع له دور كبير في تنشيط الصناعة، وفي فتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي، قرر ما يلي: أولاً: إن عقد الاستصناع – وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة – ملزم للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط. ثانياً: يشترط في عقد الاستصناع ما يلي: أ- بيان جنس المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة. ب- أن يحدد فيه الأجل. ثالثاً: يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة. رابعاً: يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطاً جزائياً بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة.] مجلة المجمع عدد ٧ ج٢ ص ٢٢٣. وهذا القرار في عقد الاستصناع بشكل عام، وقد قرر المجمع جواز شراء المساكن قبل بنائها وفق المخططات الهندسية المفصلة فقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بالتمويل العقاري لبناء المساكن ما يلي: [تملك المساكن عن طريق عقد الاستصناع – على أساس اعتباره لازماً – وبذلك يتم شراء المسكن قبل بنائه بحسب الوصف الدقيق المزيل للجهالة المؤدية للنزاع دون وجوب تعجيل جميع الثمن بل يجوز تأجيله بأقساط يتفق عليها مع مراعاة الشروط والأحوال المقررة لعقد الاستصناع لدى الفقهاء الذين ميزوه عن عقد السلم] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٦ ج ١ ص١٨٨. ولا بد هنا من التأكيد أن لعقد الاستصناع معايير وضوابط خاصة لا بد من مراعاتها حتى يكون العقد صحيحاً فمن ذلك: ١- عقد الاستصناع ملزم للطرفين إذا توافرت فيه شروطه، وهي: بيان جنس الشيء المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة ومعلومية الثمن وتحديد الأجل إن وجد. ويثبت للمستصنِع الخيارُ إذا جاء المصنوع مخالفاً للمواصفات المشروطة. ٢- لا يجوز عقد الاستصناع إلا فيما تدخله الصنعة وتخرجه عن حالته الطبيعية. فما دام الصانع التزم بالعين المصنوعة صح الاستصناع. ٣- يجب على الصانع إنجاز العمل وفقاً للمواصفات المشروطة في العقد، وفي المدة المتفق عليها، أو في المدة المناسبة التي تقتضيها طبيعة العمل وفقاً للأصول المتعارف عليها لدى أهل الخبرة. ٤- يشترط أن يكون ثمن الاستصناع معلوماً عند إبرام العقد، ويجوز أن يكون نقوداً، أو عيناً، أو منفعة لمدة معينة، سواء كانت منفعة عين أخرى أم منفعة المصنوع نفسه. ٥- يجوز تأجيل ثمن الاستصناع، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة، أو تعجيل دفعة مقدمة وتسديد باقي الثمن على دفعات متوافقة مع مواعيد التسليم لأجزاء من المصنوع. ويجوز ربط الأقساط بمراحل الإنجاز إذا كانت تلك المراحل منضبطة في العرف ولا ينشأ عنها نزاع. ٦- إذا كان العمل مكوناً من عدة أجزاء، أو كان الثمن محدداً على أساس الوحدة، فيجوز أن يشترط الصانع على المستصنِع أن يؤدي من الثمن المؤجل بقدر ما أنجزه من العمل مطابقاً للمواصفات. ٧- يجوز اتفاق الصانع والمستصنِع بعد عقد الاستصناع على تعديل المواصفات المشروطة في المصنوع، أو الزيادة فيه، مع تحديد ما يترتب على ذلك بالنسبة للثمن وإعطاء مهلة في مدة تنفيذه، ويجوز النص في العقد على أن مقابل التعديلات أو الزيادات هو بنسبتها إلى الثمن حسبما تقتضيه الخبرة أو العرف، أو أي مؤشر معروف تنتفي به الجهالة المفضية إلى النزاع. ٨- لا يجوز زيادة الثمن لتمديد أجل السداد. أما تخفيض الثمن عند تعجيل السداد فيجوز إذا كان غير مشترط في العقد. ٩- تبرأ ذمة الصانع بتسليم المصنوع إلى المستصنع أو تمكينه منه، أو تسليمه إلى من يحدده المستصنع. ١٠- إذا كان المصنوع وقت التسليم غير مطابق للمواصفات فإنه يحق للمستصنع أن يرفضه، أو أن يقبله بحاله، فيكون من قبيل حسن الاقتضاء. ويجوز للطرفين أن يتصالحا على القبول ولو مع الحط من الثمن. ١١- يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطاً جزائياً غير مجحف لتعويض المستصنع عن تأخير التسليم بمبلغ يتفق عليه الطرفان إذا لم يكن التأخير نتيجة لظروف قاهرة أو طارئة، ولا يجوز الشرط الجزائي بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء الثمن، لأن ذلك يعتبر من باب الربا، لأن كل غرامة تفرض على المدين تعتبر من باب الربا، وإن سُميت غرامة تأخير أو سُميت شرطاً جزائياً، فإن الشرط الجزائي لا يكون في الديون، وإنما يكون في العقود المالية التي تخلو من الديون كعقود المقاولات والتوريد والاستصناع وغيرها، جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية ما يلي: [إن كل زيادة أو فائدة على الدين الذي حلَّ أجلُه وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة أو الفائدة على القرض منذ بداية العقد. هاتان الصورتان ربا محرم شرعاً] مجلة المجمع عدد ٢ ج ٢ ص ٨٧٣. وبما أن عقد الاستصناع هو عقد على العمل، فيصح أن يدخله الشرط الجزائي، فقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم ٦٥ (٣/٧) .: يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطاً جزائياً بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة] . ١٢- لا يجوز بيع المصنوع قبل تسلمه من الصانع حقيقةً أو حكماً، وبناء على ذلك لا يجوز أن تُباع الشقة التي اشتريت على المخططات قبل أن يتسلمها المشتري. ١٣- يجوز أن تجري المؤسسة بصفتها صانعاً عقد استصناع مع عميل بثمن مؤجل، وتتعاقد مع صانع أو مقاول للشراء منه بالاستصناع الموازي لمصنوعات أو مبانٍ بنفس المواصفات بثمن حال، بشرط عدم الربط بين العقدين. ١٤- لا يجوز الربط بين عقد الاستصناع وعقد الاستصناع الموازي، ولا يجوز التحلل من التسليم في أحدهما إذا لم يقع التسليم في الآخر، وكذلك التأخير أو الزيادة في التكاليف، ولا مانع من اشتراط المؤسسة على الصانع في الاستصناع الموازي شروطاً (بما فيها الشرط الجزائي) مماثلة للشروط التي التزمت بها مع العميل في الاستصناع الأول أو مختلفة عنها.] انظر المعيار الشرعي رقم (١١) من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص ١٧٣ فما بعدها.\r\rوأخيرا لا بد من التأكيد على أن بعض البائعين والمقاولين – الصانعين – لا يفون بشروط العقود التي يوقعونها مع المشترين، وبالتالي تقع المنازعات والخصومات التي تمتد لمدة طويلة، ولا شك في تحريم ذلك، لأن الوفاء بالعقود فريضة شرعية. فقد قال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ? سورة المائدة الآية١. وقال: ?وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ? سورة الإسراء الآية ٣٤. وقال: ?وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ? سورة المعارج الآية ٣٢. وقال تعالى: ?والموفون بعهدهم إذا عاهدوا? سورة البقرة الآية ١٧٧. وقال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ? سورة الصف الآيات ٢-٣. وقال: ? بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين? سورة آل عمران الآية ٧٦، وقال: ?إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ? الأنفال الآية ٥٨. وقد قال النبي ﷺ: (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم لكنه بدون الاستثناء، ورواه كذلك الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ (المسلمون عند شروطهم) أي بدون الاستثناء. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن الوفاء بها أي بالالتزامات التي التزم بها الإنسان من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل العقلاء جميعاً] مجموع الفتاوى ٢٩/٥١٦ والقواعد النورانية ص٥٣.\r\rوخلاصة الأمر أنه يجوز شراء الشقق والعمارات على المخططات الهندسية التفصيلية المبينة لكافة المواصفات، منعاً للنزاع والخلاف مستقبلاً، ويجب على البائع أن يسلم الشقة محل الاستصناع وفقاً للشروط التي تم الاتفاق عليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346138,"book_id":3840,"shamela_page_id":518,"part":"12","page_num":12,"sequence_num":518,"body":"١٢ - الفرق بين شراء سيارة من البنوك الإسلامية وبين شرائها عن طريق البنوك التجارية\rيقول السائل: ما هو الفرق بين شراء سيارة من البنوك الإسلامية وبين شرائها عن طريق البنوك التجارية، أفيدونا؟\r\rالجواب: أصبحت البنوك الإسلامية حقيقة واقعة، واتجهت الأنظار إليها وخاصةً بعد الأزمة المالية العالمية، وهي تزداد قوة وانتشاراً مع مرور الأيام، وتشهد تقدماً ونجاحاً - والحمد لله- معتمدةً على أسس وقواعد وضعها عدد كبير من علماء المسلمين في هذا العصر، من خلال دراسات وأبحاث ومجامع علمية وفقهية ومن خلال مؤتمرات علمية يشارك فيها خبراء في الاقتصاد بجانب علماء الشريعة، كما أن لكل بنك إسلامي هيئة للرقابة الشرعية، مؤلفة من أهل الخبرة والاختصاص الشرعيين والاقتصاديين لمراقبة أعمال البنك، تتولى التوجيه والإرشاد والتدقيق، ومع ذلك فإني أقول دائماً إن البنوك الإسلامية حالها كحال الناس تماماً فكما أنك تجد في أفراد المسلمين من هو ملتزم تماماً بالحكم الشرعي، وتجد فيهم من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فكذلك البنوك الإسلامية، تجد بعضها لديه التزام عالٍ بالمنهج الشرعي، وبعضها يخلط الخطأ بالصواب، وإن وجود الأخطاء في التطبيق لدى البنوك الإسلامية، لا يعني بحال من الأحوال أن الخطأ في الفكرة والقواعد التي تسير عليها البنوك الإسلامية، ولكن وجود الأخطاء من العاملين أمر عادي جداً، فالذي لا يعمل هو الذي لا يخطئ، أما الذي يعمل فلا بد أن يقع منه الخطأ. والفكرة الأساسية التي تقوم عليها البنوك الإسلامية هي البعد عن الربا في جميع معاملاتها أخذاً وإعطاءً، وهذا بناءً على أن البنوك الإسلامية هي البديل الشرعي للبنوك الربوية، وبما أن البنوك الإسلامية تسعى لإيجاد البدائل الشرعية للمعاملات الربوية، فكان عقد المرابحة المركبة أحد هذه البدائل المشروعة، وهو في الحقيقة تطوير لعقد المرابحة المعروف عند الفقهاء المتقدمين، وهو عند الفقهاء بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح. وصورة بيع المرابحة المركبة المستعملة الآن في البنوك والمؤسسات الإسلامية هي أن يتفق الآمر بالشراء والبنك على أن يقوم الآمر بالشراء بشراء البضاعة بربح معلوم بعد شراء البنك لها على أن يدفع الثمن مقسطاً، وهه الصورة هي المسماة ببيع المرابحة للآمر بالشراء، وقد قامت الأدلة الكثيرة على جواز هذا العقد على الراجح من أقوال فقهاء العصر، ومن المعلوم عند الفقهاء أن الأصل في باب المعاملات هو الإباحة، وبناءً على ذلك فإن بيع المرابحة من البيوع الجائزة شرعاً ولا كراهة فيه. يقول الله تعالى: ?وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا? سورة البقرة الآية ٢٧٥. ويدل على جواز بيع المرابحة ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ أي الكسب أفضل؟ قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور) رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله ثقات قاله الهيثمي. مجمع الزوائد ٤/٦١، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ١٩١٣. ويدل على ذلك أيضاً ما ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (إنما البيع عن تراض) رواه ابن ماجة وابن حبان والبيهقي وصححه العلامة الألباني في الإرواء ٥/١٢٥. فهذه العمومات وغيرها من كتاب الله وسنة الرسول ﷺ تدل على جواز بيع المرابحة، كما أن الحاجة تدعو لتعامل الناس بالمرابحة. وعقد المرابحة للآمر بالشراء له شروطه وضوابطه الشرعية التي أقرتها المجامع الفقهية وهيئات الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية، وتتمثل شروطه فيما يلي: ١- أن يكون الثمن الأول (الثمن الأصلي) معلوماً للمشتري. ٢-أن يكون الربح معلوماً للمشتري والبائع. ٣- ألا يكون الثمن من جنس السلعة المباعة حتى لا يكون هناك ربا. ٤- أن يكون عقد البيع صحيحاً مستوفياً الأركان والشروط ومن ضمن ذلك أن تكون السلعة متقومة شرعاً. ٥- أن تكون السلعة مملوكةً ملكيةً تامةً للبائع (البنك) . ٦- أن تكون السلعة في حوزة البائع (البنك) فعلاً أو حكماً. ٧- أن تكون السلعة معلومة ومحددة المواصفات. وهنالك خلاف فقهي حول الوعد بالشراء هل هو ملزم أم لا؟ والراجح أنه ملزم في مجال المعاملات المالية وهو المطبق في أغلب البنوك الإسلامية الآن. وحتى يتم عقد المرابحة بطريقة شرعية صحيحة لا بد من تنفيذه وفق الإجراءات الآتية: أولاً: تقديم طلب الشراء إلى البنك من الآمر بالشراء يوضح فيه رغبته في شراء سلعة معينة وبمواصفات محددة معروفة على أن يبيعها المصرف للآمر بالشراء مرابحة لأجل محدد معلوم. ويحرر الآمر بالشراء نموذجاً يسمى طلب شراء مرابحة، ويذكر فيه مواصفات السلعة المطلوب شرائها ومصدر شرائها والثمن الأصلي لهذه السلعة. ثانياً: يقوم البنك بدراسة الطلب من كافة الجوانب. ثالثاً: تحرير الوعد بالشراء وسداد مبلغ ضمان الجدية. رابعاً: الاتصال بالمورد (البائع) والتعاقد معه على الشراء باسم البنك وعلى مسئوليته ثم حيازة الشيء المشترى (البضاعة) بأي وسيلة حسب الأعراف السائدة (حيازة فعلية أو حكمية) . وبهذه الخطوة يكون البنك قد تملك السلعة وحازها وبذلك يمكن التصرف فيها بالبيع للآمر بالشراء. خامساً: إبرام عقد البيع مع الآمر بالشراء مستوفياً الأركان والشروط. سادساً: تسليم الشيء (البضاعة) للآمر بالشراء حسب المكان المتفق عليه. إذا تقرر هذا فإن الفرق بين شراء سيارة من البنوك الإسلامية وبين شرائها عن طريق البنوك التجارية هو الفرق بين الحلال والحرام، وهو ذاته الفرق بين الربح والربا، ويجب أن يُعلم أن البنوك الربوية التجارية لا تبيع ولا تشتري حقيقةً، وإنما تمول العملية تمويلاً ربوياً، وبيان ذلك أن البنك الربوي يتفق مع وكيل سيارات على تمويل مشتريات الزبائن من السيارات، فإذا تقدم زبون لوكيل السيارات لشراء سيارة فيتفق معه على أن ثمن السيارة مئة ألف شيكل مثلاً مقسطة على ثلاث سنوات، ويتفقان على أن التسديد يكون عن طريق البنك الربوي، فيرسل الزبون إلى البنك الربوي الذي يطلب من الزبون ضمانات كتحويل راتبه على البنك إن كان موظفاً أو إحضار كفيلين ونحو ذلك من الضمانات، فإن تمَّ ذلك وفق ما يطلبه البنك الربوي، بعدها يقوم البنك بدفع المبلغ نقداً إلى وكيل السيارات مخصوماً منه الفوائد الربوية حسب الاتفاق بين وكيل السيارات والبنك الربوي، وتتراوح نسبة الفائدة بين ٥% - ١٠% ثم يقوم الزبون بتسديد المبلغ كاملاً للبنك الربوي على مدى مدة التقسيط المتفق عليها. وهذه المعاملة معاملة ربوية حيث إن البنك مقرض وليس بائعاً، فالبنك أقرض وكيل السيارات مبلغاً من المال نقداً ثم استوفاه من الزبون مع زيادة وهذا هو الربا بعينه. والبنك الربوي لا علاقة له بالبيع ولا علاقة له بالسيارة ولا يتحمل أية مسؤولية تجاه الزبون، وإنما هو مجرد ممول فقط، بل إنه في حال تأخر الزبون عن سداد قسط من الأقساط فإنه يفرض عليه فائدة مركبة. بينما الذي يتم في البنوك الإسلامية يختلف تماماً عما يتم في البنوك الربوية، فالبنك الإسلامي يشتري السيارة ويتملكها، وهذا يعني دخول السيارة في ملكية البنك دخولاً حقيقياً – ولا يشترط شرعاً أن تسجل السيارة في الدوائر الرسمية باسم البنك الإسلامي، لأن التسجيل مسألة قانونية- وبعد أن يحوز البنك الإسلامي السيارة يقوم ببيعها إلى الآمر بالشراء ويتفقان على تسديد الثمن على أقساط. ومن المعلوم أنه إذا تأخر الآمر بالشراء عن تسديد الأقساط، فإن البنك الإسلامي لا يرتب عليه أية زيادة، لأنه إذا استقر الدَّين في الذمة فلا تجوز الزيادة عليه لأن ذلك عين الربا، وهذا بخلاف المتبع في البنوك الربوية كما أسلفت. وأخيراً أقول للذين ما زالوا يصرون على أنه لا فرق بين البنوك الإسلامية وبين البنوك الربوية، أن يقفوا وقفة مراجعة صادقة مع أنفسهم، وأن لا يلقوا الكلام على عواهنه، وأن لا يسووا بين البيع والربا، وأن يفرقوا بين الربح وبين الزيادة الربوية، وأن يتدبروا قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ سورة البقرة الآية٢٧٥. وغريب أمر هؤلاء فهم لا يفرقون في التعامل بين من يرفع راية الربا المحرم قطعاً في كتاب الله ﷿ وفي السنة النبوية، ومعظم معاملاته تقوم عليه، وبين من يقوم أصل عمله على المعاملات الشرعية ويرفع راية أنه لا يتعامل بالربا لا أخذاً ولا إعطاءً، فهل يستويان مثلاً!! مع أنني أؤكد أن هنالك بعض السلبيات للبنوك الإسلامية وعليها بعض المآخذ، وتقع في الأخطاء، ومع كل هذه السلبيات والمآخذ لا يصح التسوية بينها وبين البنوك الربوية. فالتسوية بين الحلال والحرام تسوية باطلة وظالمة، وأقول لهؤلاء إن الواجب الشرعي يقتضي مساندة البنوك الإسلامية وتصحيح مسيرتها وتوجيهها الوجهة الصحيحة وتشجيع الناس للتعامل معها، فإذا كان العالم الغربي قد بدأ يدرك أهمية البنوك الإسلامية، وظهرت دعوات عديدة للتعامل مع البنوك الإسلامية. فمتى تدركون أنتم ذلك؟!! وخلاصة الأمر أن هنالك اختلافاً جذرياً بين شراء سيارة من البنوك الإسلامية وبين شرائها عن طريق البنوك التجارية، فشراؤها من البنوك الإسلامية بحسب الخطوات والإجراءات المقررة السابقة يعتبر من باب البيع الحلال، بينما شراؤها عن طريق البنوك الربوية يعتبر من باب الربا المحرم شرعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346139,"book_id":3840,"shamela_page_id":519,"part":"12","page_num":13,"sequence_num":519,"body":"١٣ - الرد على مفتي الديار المصرية الذي يجيز أخذ الفائدة البنكية لأن غطاء العملات قد تغير فلم تعد كالسابق بالذهب والفضة\rقول السائل: قرأت مقالاً نشرته صحيفة القدس بتاريخ ٢٣/٢/٢٠٠٩م بعنوان (فتوى الشيخ جمعة بتحليل الفوائد البنكية تثير لغطاً بين المتعاملين مع المصارف السعودية) وجاء في المقال أن الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية يجيز أخذ الفائدة البنكية لأن غطاء العملات قد تغير فلم تعد كالسابق بالذهب والفضة، فما قولكم في هذه الفتوى، أفيدونا؟\r\rالجواب: الخلاف في جريان الربا في النقود الورقية خلاف قديم وجد منذ أن عرفت العملات الورقية، وهو مبني على مسألة مهمة وهي علة الربا في الأصناف الربوية، وقد اختلف العلماء في ثمنية النقود الورقية، فمنهم من قال إنها ليست نقوداً شرعية، وإنما هي سندات بديون على الدولة التي أصدرتها، ومنهم من قال النقود الورقية عروض ولا تأخذ صفة الثمنية وتسري عليها أحكام العروض من عدم جريان الربا فيها. وقد ذهب جماهير علماء العصر وكذا المجامع الفقهية المعتبرة إلى أن النقود الورقية تقوم مقام الذهب والفضة وتأخذ أحكامهما فتثبت لها صفة الثمنية، وبالتالي يجري فيها الربا بنوعيه النسيئة والفضل، انظر المعاملات المالية المعاصرة ص ١٥١-١٥٣، وهذا القول هو الصحيح الذي تؤيده الأدلة، والأقوال الأخرى ضعيفة لا يلتفت إليها ولا يعول عليها، وقول المفتي المذكور ومن قبله قول شيخ الأزهر ومن قال بمثل قولهما، يعتبر هدماً لتحريم الربا الذي جاءت به النصوص من كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ، حيث إن القول الصحيح عند جماهير علماء العصر أن ربا البنوك هو الربا المحرم في القرآن والسنة. ومن المعلوم أن أرجح أقوال أهل العلم في علة الربا في النقدين الذهب والفضة هي الثمنية أو مطلق الثمنية، قال العلامة ابن القيم: [وأما الدراهم والدنانير، فقالت طائفة العلة فيهما كونهما موزونين، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه ومذهب أبي حنيفة، وطائفة قالت: العلة فيهما الثمنية، وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح بل الصواب] إعلام الموقعين ٢/١٥٦. وقد آلت هذه العلة إلى النقود الورقية، فقد أصبحت العملة الورقية ثمناً للأشياء، وتدفع بها الالتزامات كما هو متعارف عليه بين الناس، قال الشيخ صالح السدلان: [الأوراق النقدية قائمة في الثمنية مقام ما تفرعت عنه، وبدل عما حلت محله من عملات الذهب والفضة، وما كان منها متفرعاً عن الذهب فله حكم الذهب، وما كان منها متفرعاً عن الفضة فله حكم الفضة، والأمور الشرعية بمقاصدها ومعانيها لا بألفاظها ومبانيها: وأنها إذا زالت عنها الثمنية أصبحت مجرد قصاصات ورق لا تساوي بعد إبطالها شيئاً مما كانت تساويه قبل إبطالها إذن: فلها حكم النقدين الذهب والفضة مطلقاً، لأن ما يثبت للمبدل عنه يثبت للبدل] عن شبكة الإنترنت. وهذا ما أقرته المجامع الفقهية المعتبرة كما ذكرت، فقد جاء في قرار هيئة كبار العلماء ما يلي: [بناء على أن النقد هو كل شيء يجري اعتباره في العادة أو الاصطلاح، بحيث يلقى قبولاً عاماً كوسيط للتبادل، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: [وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حدٌ طبعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معياراً لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها؛ ولهذا كانت أثماناً ... إلى أن قال: والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض، لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت] مجموع الفتاوى ٢٩/٢٥١، وذكر نحو ذلك الإمام مالك في المدونة من كتاب الصرف حيث قال: [ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة] المدونة الكبرى ٣/٥، وحيث إن الورق النقدي يلقى قبولاً عاماً في التداول، ويحمل خصائص الأثمان من كونه مقياساً للقيم ومستودعاً للثروة، وبه الإبراء العام، وحيث ظهر من المناقشة مع سعادة المحافظ: أن صفة السندية فيها غير مقصودة، والواقع يشهد بذلك ويؤكده، كما ظهر أن الغطاء لا يلزم أن يكون شاملاً لجميع الأوراق النقدية، بل يجوز في عرف جهات الإصدار أن يكون جزءاً من عملتها بدون غطاء، وأن الغطاء لا يلزم أن يكون ذهباً، بل يجوز أن يكون من أمور عدة: كالذهب والعملات الورقية القوية، وأن الفضة ليست غطاءً كلياً أو جزئياً لأي عملة في العالم، كما اتضح أن مقومات الورقة النقدية قوة وضعفاً مستمدة مما تكون عليه حكومتها من حال اقتصادية، فتقوى الورقة بقوة دولتها وتضعف بضعفها، وأن الخامات المحلية؛ كالبترول والقطن والصوف لم تعتبر حتى الآن لدى أي من جهات الإصدار غطاء للعملات الورقية. وحيث إن القول باعتبار مطلق الثمنية علة في جريان الربا في النقدين هو الأظهر دليلاً، والأقرب إلى مقاصد الشريعة، وهو إحدى الروايات عن الأئمة مالك, وأبي حنيفة, وأحمد، قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة، كما هو اختيار بعض المحققين من أهل العلم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما. وحيث إن الثمنية متحققة بوضوح في الأوراق النقدية؛ لذلك كله فإن هيئة كبار العلماء تقرر بأكثريتها: أن الورق النقدي يعتبر نقداً قائماً بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرها من الأثمان، وأنه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار، بمعنى: أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية: أولاً: جريان الربا بنوعيه فيها، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين: الذهب, والفضة, وفي غيرهما من الأثمان كالفلوس، وهذا يقتضي ما يلي: (أ) لا يجوز بيع بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة مطلقاً، فلا يجوز مثلاً بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر نسيئة. (ب) لا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلاً، سواء كان ذلك نسيئة أو يداً بيد، فلا يجوز مثلاً بيع عشرة أريلة سعودية ورق بأحد عشر ريالاً سعودياً ورقاً. (ج) يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقاً، إذا كان ذلك يداً بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي، ورقاً كان أو فضة، أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر إذا كان ذلك يداً بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يداً بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.] أبحاث هيئة كبار العلماء ١/٩٠-٩٣. وكذلك ورد في قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي ما يلي: [أولا: إنه بناء على أن الأصل في النقد هو الذهب والفضة وبناء على أن علة جريان الربا فيهما هي مطلق الثمنية في أصح الأقوال عند فقهاء الشريعة وبما أن الثمنية لا تقتصر عند الفقهاء على الذهب والفضة وإن كان معدنهما هو الأصل وبما أن العملة الورقية قد أصبحت ثمناً وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها، وبها تُقَوم الأشياء في هذا العصر لاختفاء التعامل بالذهب والفضة وتطمئن النفوس بتمولها وادخارها ويحصل الوفاء والإبراء العام بها، رغم أن قيمتها ليست في ذاتها وإنما في أمر خارج عنها وهو حصول الثقة بها كوسيط في التداول والتبادل وذلك هو سر مناطها بالثمنية، وحيث إن التحقيق في علة جريان الربا في الذهب والفضة هو مطلق الثمنية وهي متحققة في العملة الورقية، لذلك كله فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي يقرر أن العملة الورقية نقدٌ قائمٌ بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة، فتجب الزكاة فيها ويجري الربا عليها بنوعيه فضلاً ونسياً كما يجري ذلك في النقدين من الذهب والفضة تماماً باعتبار الثمنية في العملة الورقية قياساً عليهما وبذلك تأخذ العملة الورقية أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة فيها. ثانياً: يعتبر الورق النقدي نقداً قائماً بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان كما يعتبر الورق النقدي أجناساً مختلفةً تتعدد بتعدد جهات الإصدار في البلدان المختلفة، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وبذلك يجري فيها الربا بنوعيه فضلاً ونسياً كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة وفي غيرها من الأثمان، وهذا كله يقتضي ما يلي: (أ) لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض، أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى، من ذهب أو فضة أو غيرهما، نسيئة مطلقًا. فلا يجوز مثلاً بيع ريال سعودي بعملة أخرى متفاضلاً نسيئة بدون تقابض. (ب) لا يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلاً، سواء كان ذلك نسيئةً أو يداً بيد، فلا يجوز مثلاً بيع عشرة ريالات سعودية ورقاً، بأحد عشر ريالاً سعودية ورقاً، نسيئةً أو يداً بيد. (ج) يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقًا، إذا كان ذلك يداً بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي ورقاً كان أو فضة، أو أقل من ذلك، أو أكثر. وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة ريالات سعودية، أو أقل من ذلك، أو أكثر، إذا كان ذلك يداً بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة ريالات سعودية ورق، أو أقل من ذلك أو أكثر يداً بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه، لا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة ... ] ، ومثل ذلك ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي: [بخصوص أحكام العملات الورقية: أنها نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة، والسلم وسائر أحكامهما.] وسُقتُ قرارات المجامع الفقهية لأنني أعتبر أن الاجتهاد الجماعي الذي تمثله المجامع الفقهية، مقدمٌ على الاجتهاد الفردي الذي يصدر عن أفراد الفقهاء، فهو أكثر دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيه تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد، وهو مبدأ أصيل في تاريخ الفقه الإسلامي، كما بينت ذلك سابقاً في إحدى حلقات يسألونك.\r\rوخلاصة الأمر أن الربا بنوعيه يجري في النقود الورقية، وأن الفتوى المذكورة في السؤال باطلة حيث إنها تهدم الربا المحرم في كتاب الله ﷿ وفي سنة الرسول ﷺ. بل إن هذه الفتوى وأمثالها تهدم كل أساس في نظرية الربا المقررة في الكتاب والسنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346140,"book_id":3840,"shamela_page_id":520,"part":"12","page_num":14,"sequence_num":520,"body":"١٤ - حكم اعتماد مؤشر الليبور في المصارف الإسلامية\rقول السائل: هل يجوز شرعاً حساب الأرباح في البيوع الآجلة بربطها بمؤشر (الليبور) ، فتكون الأرباح غير ثابتة، بل متغيرة مع تغير عدد الأشهر والأيام، وتتم تسويتها مع النسبة العالمية للأرباح مثلاً: (Libour + ٢%) فما الحكم في ذلك أفيدونا؟\r\rالجواب: مؤشر الليبور كما عرفه الدكتور سامر قنطقجي: [نظام الليبور هو المؤشر الرئيسي الذي تستخدمه البنوك الربوية ومؤسسات الائتمان والمستثمرون لتثبيت تكلفة الاقتراض في أسواق المال في جميع أنحاء العالم، وكلمة Libor هي اختصار لمعدل الفائدة المعروض من قبل مصرف لندن، ويستخدم الليبور لحساب معدلات الفائدة الربوية المطبقة في قطاع كبير من العقود والقروض والتبادل التجاري على المدى القصير. ويتم وضع الليبور من قبل جمعية المصارف البريطانية BBA عند تثبيت معدل الليبور وتتبادل ال BBA الرأي مع Libor Steering Group التي تقود نشاط ممارسي سوق المال في لندن] كتاب معيار قياس أداء المعاملات المالية الإسلامية بديلاً عن مؤشر الفائدة ص ١٦ بتصرف.\r\rونظام الليبور نظام معتمد لدى البنوك الربوية في العالم العربي، ومع الأسف الشديد أن بعض البنوك الإسلامية قد انزلقت في هذا المنزلق الربوي الخطير، فصارت تربط أرباح بيع المرابحة للآمر بالشراء بنظام الليبور، فتكون الأرباح التي يحصل عليها البنك الإسلامي غير ثابتة، بل متغيرة مع تغير عدد الأشهر والأيام، ولا يتم البت بمقدار الربح عند توقيع عقد المرابحة، بل تُسجل مع نهاية كل شهر عند دفع القسط المستحق، بعد تسويتها مع نظام الليبور (Libour + ٣%) أو أكثر أو أقل.\r\rولا بد أن نقرر أن من شروط صحة بيع المرابحة أن يكون الثمن معلوماً وأن يكون الربح معلوماً، وهذا ما قررته المجامع الفقهية والمؤسسات التي تعنى بشؤون المصارف الإسلامية، فقد جاء في المعيار الشرعي رقم ٨ من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بالبحرين المتعلق بالمرابحة ما يلي: [يجب أن يكون كل من ثمن السلعة في بيع المرابحة للآمر بالشراء وربحها محدداً ومعلوماً للطرفين عند التوقيع على عقد البيع. ولا يجوز بأي حال أن يترك تحديد الثمن أو الربح لمتغيرات مجهولة أو قابلة للتحديد في المستقبل؛ وذلك مثل أن يعقد البيع ويجعل الربح معتمداً على مستوى الليبور الذي سيقع في المستقبل. ولا مانع من ذكر مؤشر من المؤشرات المعروفة في مرحلة الوعد للاستئناس به في تحديد نسبة الربح، على أن يتم تحديد الربح في عقد المرابحة للآمر بالشراء على أساس نسبة معلومة من التكلفة ولا يبقى الربح مرتبطاً بالليبور أو بالزمن. يجب أن يكون الربح في عقد المرابحة للآمر بالشراء معلوماً ولا يكفي الاقتصار على بيان الثمن الإجمالي، ويجوز أن يكون الربح محدداً بمبلغ مقطوع أو بنسبة مئوية من ثمن الشراء فقط أو من ثمن الشراء مضافاً إليه مبلغ المصروفات. ويتم هذا التحديد بالاتفاق والتراضي بين الطرفين.]\r\rوجاء في الضوابط الشرعية لهيئة الرقابة الشرعية لبنك البلاد السعودي – مصرف إسلامي – ما يلي: [للبنك أن يُفصح عن ثمن السلعة، وربحها في بيع المرابحة للآمر بالشراء على أن يكون الثمن الإجمالي للسلعة محدداً ومعلوماً للطرفين عند التوقيع على عقد البيع. ولا يجوز بأي حال أن يربط تحديد الثمن أو الربح بأمر مستقبلي مثل مؤشر الليبور (libor) أو السيبور (sibor) . ولا مانع من ذكر مؤشر من المؤشرات المعروفة في مرحلة الوعد للاستئناس به في تحديد نسبة الربح، على أن يكون الربح محدداً، ولا يبقى الربح مرتبطاً بالمؤشر أو بالزمن.]\r\rولا بد من توضيح ما ورد في الضوابط السابقة بخصوص الاسترشاد بمؤشر الليبور في مرحلة المواعدة في عقد المرابحة، وليس في مرحلة العقد، فمن المعلوم أن المواعدة في المرابحة تكون قبل عقد بيع المرابحة، ولا تعتبر عقد بيع، وبالتالي لا مانع شرعاً من الاسترشاد بمؤشر الليبور في هذه المرحلة، كمؤشرٍ لتحديد نسبة الربح في البنوك الإسلامية في بيع المرابحة للآمر بالشراء وغيره من معاملاتها [فلا يوجد في الشريعة - بحسب ما نعلم- طريقة لحساب الربح، والمعول في المعاملات هو على صيغة العقد لا على طريقة الحساب، فإذا كان بيعاً وجب أن يكون مكتمل الأركان تام الشروط خالياً من الربا والغرر والغش والغبن ... إلخ، فإذا توفر ذلك فلا أهمية للطريقة التي حسب بها الربح، وهذا يعني أن ربط هامش الربح بأسعار الفائدة مقبول إذا كانت صيغة البيع صحيحة] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد٨، ج٣/٦٨٣-٦٨٤. وانظر أيضاً الربح في الفقه الإسلامي ضوابطه وتحديده في المؤسسات المالية المعاصرة ص ٢٤٦.\r\rوهنالك فرق واضح بين الحالتين السابقتين وهما: ١- الاسترشاد بمؤشر الليبور لتحديد نسبة الربح في مرحلة المواعدة في بيع المرابحة للآمر بالشراء. ٢- ربط الأرباح بمؤشر الليبور فتكون الأرباح غير ثابتة، بل متغيرة مع تغير عدد الأشهر والأيام، وتتم تسويتها مع النسبة العالمية للمؤشر مثل: (Libour + ٢%) . ففي الحالة الأولى لا تعدو العملية عن استرشاد، فلا تؤثر في صحة العقد، بينما في الحالة الثانية يربط الربح بمؤشر الليبور، فيؤدي ذلك إلى جهالة الربح وعدم معلوميته، وهذا يؤدي إلى بطلان عقد المرابحة. لأن من شروط صحة عقد المرابحة أن يكون الربح معلوماً ومحدداً، وربطه بمؤشر الليبور ينافي ذلك حيث يجعله متذبذباً، فإذا ارتفع مؤشر الليبور ارتفع الربح وإذا انخفض مؤشر الليبور انخفض الربح. وهذا الربط بمؤشر الليبور يحول بيع المرابحة إلى معاملة باطلة، لاشتمالها على غرر فاحش مفسد للعقد.\r\rإذا تقرر هذا فإن البنوك الإسلامية بحاجة ماسة لاعتماد مؤشرات لقياس الربح بخلاف ما هو معتمد في البنوك الربوية حتى تتميز البنوك الإسلامية في أعمالها عن البنوك الربوية وحتى تبتعد ابتعاداً تاماً عن الشبهات. وقد أوصى مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الثامن، بالإسراع بإيجاد المؤشر المقبول إسلامياً الذي يكون بديلاً عن مراعاة سعر الفائدة الربوية في تحديد هامش الربح في المعاملات.] وقد بُحثت مسألة إيجاد المؤشر المقبول إسلامياً الذي يكون بديلاً عن مراعاة سعر الفائدة الربوية، في عدد من الندوات وكتبت بعض الأبحاث في ذلك، وخرجت بمقترحات جيدة لإيجاد مؤشر شرعي في المعاملات الإسلامية، منها ما قدمه الدكتور سامر قنطقجي [من طرق بديلة مقترحة عن مؤشر الليبور: ١- يمكن اللجوء إلى آخر أرباح موزعة (من الممكن اللجوء إلى التوزيعات الربع سنوية) لثمانية مصارف أو مؤسسات مالية إسلامية بأخذ وسطي أقرب رقمين، أو بأخذ وسطها الحسابي.\r\r٢- يمكن اللجوء إلى تقديرات ثمانية مصارف أو مؤسسات مالية إسلامية وأخذ وسطي أقرب رقمين.\r\r٣- البحث عن سعر التضحية المناسب لكل قطاع من قطاعات العمل واعتبار أقلها هو تكلفة الفرصة البديلة. ولما كان المؤشر هو شكل من أشكال التسعير فإن مؤشر سعر الفائدة هو عبارة عن دليل يسترشد به العاملون في السوق لتسعير أعمالهم من إقراض واقتراض أو في تقييم الاستثمارات ومقارنة ريعها وجدواها. لذلك فإن تحديد مؤشر الفائدة هو شكل من أشكال التسعير بغض النظر عن مضمونه الشرعي. ويرى ابن تيمية ضرورة التسعير عندما يخشى من الاحتكار بقوله: [إذا امتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامها بقيمة المثل، فيجب أن يلتزموها بما ألزمهم الله به] الحسبة في الإسلام ص ٢٣. أما عن آلية تحقيق ذلك، فيقول ابن تيمية: [ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهاراً على صدقهم فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون، فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد، حتى يرضوا ولا يجبرون على التسعير] الحسبة في الإسلام ص ٤٠. والرضا عامل مهم في زرع الثقة والطمأنينة بين أفراد السوق مما يعني ازدهار ونمو التبادل واستقرار في الأسعار مما يؤدي لحركة تجارية تنعش الدخول، أما العكس أي إكراه البائعين على البيع بسعر معين دون النظر لتكاليفهم فإنه يؤدي إلى [فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس] . الحسبة في الإسلام ص ٤١. وتلجأ أسواق البورصة حاليا لأمور مشابهة لتحديد أسعار الصرف، [أما أسعار الصرف الخاصة بالعملات الأجنبية فيتم تحديدها يومياً من قبل الوسطاء المقبولين أو المعتمدين من قبل البورصة المعنية، أي المصارف بما فيها المصرف المركزي] البورصة وأسس الاستثمار والتوظيف ص ٣١. فابن تيمية جمع وجوه أهل السوق وفي البورصة الوسطاء المقبولين، والإمام عند ابن تيمية قابلها المصارف وزاد ابن تيمية عند تحديده للسعر بالمنازلة أي المساومة دون الإكراه. لذلك يمكن اللجوء إلى إحدى الطرق الثلاث السابقة بعد تكوين هيئة من المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية مهمتها إعداد المعيار، إضافة إلى لجنة إشراف مؤلفة من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية وأساتذة جامعيين وممارسين وخبراء من ذوي السمعة والشهرة في عالم الاستثمار، وهي التي ستكافئ الإمام عند ابن تيمية، حيث تستأنس اللجنة بالمعيار المحسوب بإحدى الطرق المذكورة سابقًا لمقابلة هيئة المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية في المنازلة والمساومة وصولاً للرضا الذي يحقق مصلحة الطرفين دون إكراه.] كتاب معيار قياس أداء المعاملات المالية الإسلامية بديلاً عن مؤشر الفائدة ص ٢١-٢٢.\r\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز شرعاً ربط نسبة الربح في بيع المرابحة بمؤشر الليبور في مرحلة العقد، لأنه يؤدي إلى جهالة مفسدة للعقد، ولا بأس بالاستئناس بمؤشر الليبور في مرحلة المواعدة، حتى يوجد بديل لمؤشر إسلامي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346141,"book_id":3840,"shamela_page_id":521,"part":"12","page_num":15,"sequence_num":521,"body":"١٥ - ضمان المضارب بالتقصير والتعدي\rقول السائل: دفعت مبلغاً من المال لشخص يشتغل في تجارة المواد الغذائية كشريك مضارب، وقام هذا الشخص وبدون علمي بتشغيل مالي مع شخص آخر يشتغل في مجالات أخرى فخسر المال، فمن يتحمل الخسارة في هذه الحال، أفيدونا؟\r\rالجواب: عقد المضاربة عند الفقهاء هو أن يدفع شخص مبلغاً من المال لآخر ليتجر فيه، والربح مشترك بينهما على حسب ما يتفقان. والمضاربة جائزة عند عامة الفقهاء اتباعاً لما ورد عن عدد من الصحابة ﵃ الذين أجازوها وعملوا بها ولم يثبت فيها بعينها دليل لا من الكتاب ولا من السنة كما قال جماعة من أهل العلم. ويشترط في المضاربة أن يكون نصيب كل من المتعاقدين من الربح معلوماً على أن يكون جزءاً مشاعاً كنسبة مئوية ١٠% أو ١٥% أو ٤٠% على حسب ما يتفقان. ولا يجوز أن يكون الربح مبلغاً محدداً، فإن حصل ذلك أدى ذلك إلى فساد عقد المضاربة. ومن الأمور المهمة في عقد المضاربة أن الخسارة إن حصلت يتحملها صاحب المال دون العامل لأن العامل يخسر جهده وعمله، إلا إذا كانت المضاربة مقيدة ومشروطة بشروط محددة، فخالف العامل تلك الشروط فإنه حينئذٍ يضمن، والأصل المتفق عليه بين الفقهاء أن يد المضارب يد أمانة، ويد الأمانة في الفقه الإسلامي لا تضمن إلا بالتفريط أو التعدي أو التقصير. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والوضيعة (الخسارة) في المضاربة على المال خاصة , ليس على العامل منها شيء، لأن الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال، وهو مختص بملك ربه، لا شيء للعامل فيه، فيكون نقصه من ماله دون غيره، وإنما يشتركان فيما يحصل من النماء] المغني٥/٢٢. وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ما يلي: [المضارب أمين ولا يضمن ما يقع من خسارة أو تلف إلا بالتعدي أو التقصير، بما يشمل مخالفة الشروط الشرعية أو قيود الاستثمار المحددة التي تم الدخول على أساسها، ويستوي في هذا الحكم المضاربة الفردية والمشتركة] قرار رقم ١٢٢. وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة ١٤٠٨هـ، بشأن سندات المقارضة: [لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على نص بضمان عامل المضاربة رأس المال أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال، فإن وقع النص على ذلك صراحة أو ضِمناً بطل شرط الضمان] مجلة مجمع الفقه الإسلامي ٤/٣/٢١٥٩. وجاء في قرار مجمع الفقه الإسامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ما يلي: [الخسارة في مال المضاربة على رب المال في ماله، ولا يُسأل عنها المضارب إلا إذا تعدى على المال أو قصر في حفظه] . وورد في فتاوى المستشار الشرعي لمجموعة البركة الجزء ٢ الفتوى رقم (١٠٧) ما يلي: [رأس المال في شركة المضاربة أمانة في يد المضارب فلا يضمن ما يحصل فيه من خسارة إلا في حالات التعدي أو التقصير أو مخالفة الشروط.] وورد في مجلة الأحكام العدلية: المادة ١٤١٣- المضارب أمين ورأس المال في يده في حكم الوديعة، ومن جهة تصرفه في رأس المال وكيل لرب المال، وإذا ربح يكون شريكاً فيه.] والمادة التي ذكرت حكم الوديعة في المجلة هي: المادة ٧٧٧- الوديعة أمانة بيد المستودع بناء عليه إذا هلكت أو فقدت بدون صنع المستودع وتعديه وتقصيره في الحفظ لا يلزم الضمان. وقد قرر العلماء أن المضارب يضمن في حالات التعدي أو التقصير أو التفريط أو مخالفة شرط رب المال، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا تعدَّى المضارب وفعل ما ليس له فعله أو اشترى شيئاً نُهي عن شرائه فهو ضامن للمال في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن أبي هريرة وحكيم بن حزام وأبي قلابة ونافع وإياس والشعبي والنخعي والحكم وحماد ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ... ولنا أنه متصرف في مال غيره بغير إذنه فلزمه الضمان كالغاصب..] المغني ٥/٣٩. ومن المعلوم أن الأصل المقرر عند الفقهاء أن على المضارب أن يتولى العمل بنفسه، لأن صاحب المال ما أعطى ماله للمضارب إلا لحصول الثقة به وبخبرته في العمل، فلا يجوز له أن يعطي مال المضاربة لغيره إلا أن يأذن له صاحب المال، فإن أذن له في ذلك جاز وهذا مذهب جمهور الفقهاء. قال الشيخ المرداوي: [ليس للمضارب دفع مال المضاربة لآخر من غير إذن رب المال على الصحيح] الإنصاف ٢/٤٣٨. وجاء في الموسوعة الفقهية [ولو ضارب العامل شخصاً آخر بغير إذن المالك فسدت المضاربة مطلقاً، سواء أقصد المشاركة في عملٍ وربحٍ أم ربحٍ فقط أم قصد الانسلاخ، لانتفاء إذن المالك فيها وائتمانه على المال غيره، فإن تصرف العامل الثاني بغير إذن المالك فتصرف غاصب فيضمن ما تصرف فيه، لأن الإذن صدر ممن ليس بمالك ولا وكيل ... وإذا تعدى المضارب وفعل ما ليس له فعله فهو ضامن للمال لأنه متصرف في مال غيره بغير إذنه، فلزمه الضمان كالغاصب، ومتى اشترى ما لم يؤذن فيه فربح فيه فالربح لرب المال] الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٨/٦٠-٦١. وكذلك فإن على المضارب أن يلتزم بالشروط التي يفرضها صاحب المال بناءً على العقد المبرم بين الفريقين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ? سورة المائدة الآية١. ومما يدل على ذلك قول النبي ﷺ: (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم لكنه بدون الاستثناء، ورواه كذلك الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ (المسلمون عند شروطهم) أي بدون الاستثناء. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن الوفاء بها أي بالالتزامات التي التزم بها الإنسان من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل العقلاء جميعاً] مجموع الفتاوى ٢٩/٥١٦. ومن المعلوم حرص صاحب المال على ماله فهو أدرى بما يحفظ ماله، وقد كان الصحابة يشترطون في المضاربة ما يرونه مناسباً لحفظ أموالهم، فعن حكيم بن حزام صاحب رسول الله ﷺ: (أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضة يضرب له به أن لا تجعل مالي في كبدٍ رطبةٍ ولا تحمله في بحر ولا تنزل به بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي) رواه البيهقي والدارقطني وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/٢٩٥.. وروي عن ابن عباس ﵄ قال: (كان العباس بن عبد المطلب إذا دفع مالاً مضاربةً اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحراً ولا ينزل به وادياً ولا يشتري به ذات كبدٍ رطبةٍ، فإن فعل فهو ضامن فرفع شرطه إلى رسول الله ﷺ فأجازه) رواه البيهقي والدارقطني والطبراني وفي سنده ضعف. قال الإمام الماوردي: [ ... فأما تعدي العامل في مال القراض من غير الوجه الذي ذكرنا فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون تعديه فيه لم يؤمر به مثل إذنه بالتجارة في الأقوات فيتجر في الحيوان، فهذا تعدٍ يضمن به المال، ويبطل معه القراض، فيكون على ما مضى في مقارضة غيره بالمال. والضرب الثاني: أن يكون تعديه لتغريره بالمال، مثل أن يسافر به ولم يؤمر بالسفر أو يركب به بحراً ولم يؤمر بركوب البحر، فإن كان قد فعل ذلك مع بقاء عين المال بيده ضمنه، وبطل القراض بتعديه، لأنه صار مع تعديه في عين المال غاصباً] الحاوي الكبير ٧/٣٤٠-٣٤١. وقد نصت مجلة الأحكام العدلية على التزام المضارب بشروط رب المال وأن المضارب إذا خالفها فهو ضامن، فقد جاء في المادة ١٤٢٠- يلزم المضارب في المضاربة المقيدة مراعاة قيد وشرط رب المال مهما كان. وجاء في المادة ١٤٢١- إذا خرج المضارب عن مأذونيته وخالف الشرط يكون غاصباً وفي هذا الحال يعود الربح والخسارة في بيع وشراء المضارب عليه، وإذا تلف مال المضاربة يكون ضامناً. وورد في المادة ١٤٢٢- إذا خالف المضارب حال نهي رب المال إياه بقوله: لا تذهب بمال المضاربة إلى المحل الفلاني أو لا تبع بالنسيئة، فذهب بمال المضاربة إلى ذلك المحل فتلف المال أو باع بالنسيئة فهلك الثمن يكون المضارب ضامناً] . وهذا الكلام الذي ذكرته في ضمان المضارب لرأس المال في حالات التعدي أو التقصير أو التفريط أو مخالفة شرط رب المال، ينطبق على المصارف الإسلامية، فالأصل أن المصر الإسلامي لا يضمن إلا في الحالات المذكورة، فإذا حصل شيء من التعدي أو التقصير أو التفريط أو مخالفة شرط رب المال، [المسئول عما يحدث في البنوك والمؤسسات المالية ذات الشخصية الاعتبارية هو مجلس الإدارة؛ لأنه الوكيل عن المساهمين في إدارة الشركة، والحالات التي يُسأل عنها مجلس الإدارة هي الحالات التي يُسأل عنها مضارب الشخص الطبيعي، فيكون مجلس الإدارة أيضاً مسئولاً أمام أرباب المال عن كل ما يحدث في مال المضاربة من خسارة بتعدٍ أو تفريط، أما إذا لم يكن هناك تعدٍ ولا تفريط، فإن الشركة أو البنك لا يتحمل شيئاً من الخسارة، وعلى المساهمين محاسبة مجلس الإدارة على التعدي أو التقصير.] مسائل متعلقة بشركات المساهمة عن شبكة الإنترنت.\r\rوخلاصة الأمر أنه يجب على المضارب أن يعمل في المال بنفسه ولا يصح أن يعطيه لغيره بدون إذن رب المال، فإن فعل فهو ضامن ويتحمل الخسارة وحده ولا شيء على رب المال، لأنه قد تعدى بإخراج المال من يده إلى يد أخرى لم يأذن لها رب المال بالتصرف، وإن حصل ربح من ذلك فهو لرب المال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346142,"book_id":3840,"shamela_page_id":522,"part":"12","page_num":16,"sequence_num":522,"body":"١٦ - التحايل على الرابا باسم الرسوم الادارسة\rيقول السائل: هنالك بعض الجمعيات والمؤسسات تقدم قروضاً بهدف إقامة مشاريع صغيرة، زراعية، وتجارية، وصناعية، وللإسكان، وتقول هذه المؤسسات إن قروضها بدون فوائد، ولكنها تأخذ رسوماً عند استلام القرض وعند تسديد كل قسط من الأقساط، فهل هذه الرسوم تعتبر من الربا، أفيدونا؟\r\rالجواب: تغيير الأسماء لا يغير شيئاً من حقائق المسميات، فتغيير اسم الخمور إلى مشروبات روحية لا يؤثر في حقيقتها وكونها محرمة، وقد أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ فقال: (ليستحلن طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ١/١٣٦. وكذلك تغيير اسم الربا إلى فائدة أو ربح أو دخل أو غير ذلك من الأسماء، لا يغير شيئاً من حقيقة الربا المحرم، وتلاعب الناس بالألفاظ في المعاملات لا يؤثر على حقيقتها شيئاً، لأن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني كما قرر ذلك فقهاؤنا، وأذكر أنني حسبتُ مرة ما زعمت إحدى المؤسسات المقرضة أنه رسوم خدمات إدارية ورسوم تسديد قسط، فوجدته قد بلغ ١٤% زيادة على القرض، ثم يقولون هذا ليس من الربا؟! فما هو الربا إذن! لا شك أن التحايل لاستحلال ما حرم الله من أشد المحرمات، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين، وهو أن يظهر عقداً مباحاً يريد به محرماً ً، مخادعةً وتوسلاً إلى فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته أو إسقاط واجب، أو دفع حق ونحو ذلك، قال أيوب السختياني: إنهم ليخادعون الله كأنما يخادعون صبيا ًً، لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان أسهل عليَّ.] المغني ٤/٤٣. وقد نعى الله ﷾ تحيل اليهود لانتهاك المحرمات فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ سورة الأعراف الآية ١٦٣. وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا ترتكبوا ما ارتكبت يهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) رواه ابن بطة في إبطال الحيل، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [هذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي وغيره تارة ويحسنه تارة] إبطال الحيل ص١١٢، مجموع الفتاوى ٢٩/٢٩. وقال الحافظ ابن كثير: هذا إسناد جيد، وقال العلامة الألباني: [وحسن إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير] صفة الفتوى والمفتي والمستفتي ص ٣٣. وثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (قاتل الله اليهود لما حرم شحومها جملوه – أي أذابوه – ثم باعوه فأكلوا ثمنه) رواه البخاري ومسلم. وقد قرر الفقهاء أن أي زيادة مشروطة على مبلغ القرض تعتبر من الربا، فقد جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء) رواه البخاري ومسلم. ومما يدل أيضاً على منع الزيادة المشروطة على القرض، ما روي في الحديث (أن النبي ﷺ نهى عن قرض جر منفعة) رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وفي إسناده متروك كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/٣٤. ورواه البيهقي في السنن ٥/٣٥٠، بلفظ: (كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا) وقال البيهقي: موقوف. ورواه البيهقي أيضاً في معرفة السنن والآثار ٨/١٦٩ والحديث ضعيف، ضعفه الحافظ ابن حجر وضعفه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/٢٣٥. ولكن معنى الحديث صحيح وقد اتفق الفقهاء على تحريم أي منفعة يستفيدها المقرض من قرضه ولكن ليس على إطلاقها، فالقرض الذي يجر نفعاً ويكون رباً أو وجهاً من وجوه الربا هو القرض الذي يشترط فيه المقرض منفعة لنفسه فهو ممنوع شرعاً. قال الحافظ ابن عبد البر: [وكل زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلِف فهو ربا، ولو كانت قبضة من علف، وذلك حرام إن كان بشرط] . وقال ابن المنذر: [أجمعوا على أن المسلِف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة ربا] الموسوعة الفقهية ٣٣/١٣٠. وقال الإمام القرطبي: [أجمع أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب وكل ما له مثل من سائر الأطعمة جائز. وأجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف رباً ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة] تفسير القرطبي٣/٢٤١. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [كل قرضٍ شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف] المغني ٤/٢٤٠. إذا تقرر هذا فإن الزيادة على القرض التي تسمى رسوم خدمات القرض أو أجور القرض أو مصاريف إدارية أو أتعاب إدارية للقرض بين فيها أهل العلم ما يلي: أولاً: إن هذه الرسوم لا بد أن تكون مقابل خدمات فعلية لا وهمية. ثانياً: أي زيادة على الخدمات الفعلية تعتبر من الربا المحرم شرعاً، فقد جاء في قرارات مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث سنة ١٤٠٧هـ وفق ١٩٨٦م ما يلي: [ ... بخصوص أجور خدمات القروض في البنك الإسلامي للتنمية: قرر مجلس المجمع اعتماد المبادئ التالية: ١. جواز أخذ أجور عن خدمات القروض. ٢. أن يكون ذلك في حدود النفقات الفعلية. ٣. كل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة لأنها من الربا المحرم شرعًا] مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد ٣ الجزء ١/٣٠٥. ووجه جواز هذه الزيادة واعتبارها مصاريفاً إدرايةً أنها تعتبر من باب الأجرة مقابل خدمات حقيقية فعلية كمتابعة القرض والإشراف الهندسي على التنفيذ ونحو ذلك. ومن المتفق عليه بين الفقهاء أنه يشترط في الأجرة تحديدها والاتفاق عليها قبل البدء في العمل، لا بعده. ثالثاً: إن هذه الرسوم لا يجوز أن تكون مقابل استيفاء القرض بل تكون عند إنشاء عقد القرض بمعنى أنها مصاريف إدارية تغطي التكاليف الإدارية مثل أجور الموظفين والشؤون المكتبية ونحو ذلك، وإذا كانت الجهة المقرضة تتولى الإشراف على التنفيذ فيدخل في ذلك أجور المهندسين أو المراقبين كما هو الحال في بعض المؤسسات التي تقرض للبناء والإسكان. وأما إذا كانت مقابل استيفاء القرض فهي ربا، كما هو الحال في بعض المؤسسات المقرضة فإنها تحصل رسوماً تحت اسم رسوم تحصيل القرض وهو أن يدفع المقترض مبلغاً من المال مع كل قسط يسدده كرسوم تحصيل للقرض فهذا ربا محرم وإن سموه رسوماً. رابعاً: يجب أن تقدر هذه الرسوم بمبلغ مقطوع ولا تقدر بنسبة مئوية وخاصة إذا أخذت هذه الرسوم مقابل الأمور المكتبية فقط، لأنها إذا قدرت بنسبة مئوية فستختلف باختلاف مبلغ القرض لأنها لو كانت رسوماً للخدمات فعلاً لما اختلف مقدارها باختلاف حجم القرض وشروطه إذ أن الخدمات المكتبية التي تؤدى لمن يقترض ألفاً، هي ذاتها الخدمات التي تؤدى لمن يقترض عشرة آلاف، ولكنه التلاعب ومحاولة تغيير الأسماء ليخدع الناس، ويظنوا أن ذلك لا شيء، فيه ويجب أن يعلم أن هذه الرسوم بهذه الصورة هي ربا وإن غيرت أسماؤها لأن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني كما سبق. وينبغي التنبيه إلى ما ورد في تحريم الربا من نصوص الكتاب والسنة، وبيان أنه من كبائر الذنوب، وأن الله قد لعن كل من يتعامل بالربا بأي شكل من الأشكال، أو يعين عليه، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآيتان ٢٧٨-٢٧٩. وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ: (الربا اثنان وسبعون باباً أدناها إتيان الرجل أمه) رواه الحاكم وقال العلامة الألباني: صحيح. انظر السلسلة الصحيحة ٣/٤٨٨. وقال ﷺ: (الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وقال العلامة الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٣. وقال ﷺ: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية) رواه أحمد والطبراني وقال العلامة الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٦. وقال الإمام السرخسي: [وقد ذكر الله تعالى لآكل الربا خمساً من العقوبات: أحدها: التخبط قال الله تعالى: ﴿لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ ... والثاني: المحق قال الله تعالى: ﴿يمحق الله الربا﴾ والمراد: الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع، حتى لا ينتفع هو به ولا ولده بعده. والثالث: الحرب. قال الله تعالى: ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ ... والرابع: الكفر قال الله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ وقال تعالى: ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ أي: كفار باستحلال الربا أثيم فاجر بأكل الربا والخامس: الخلود في النار. قال الله تعالى: ﴿ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ المبسوط ١٢/١٠٩-١١٠.\r\rوخلاصة الأمر أن رسوم خدمات القرض يجب أن تقابل بخدمات فعلية حقيقية، حتى تخرج عن نطاق الربا، وأن تكون معلومة ومقدرة تقديراً حقيقياً. وأن أي زيادة على القرض سوى ذلك تعتبر من الربا، وختاماً أوصي من يتعرض للسؤال عن هذه القضايا وغيرها أن ينظر إلى حرمة الربا القطعية في الكتاب والسنة وإلى خطورة الربا وما يجلبه على الناس من مصائب، وما الأزمة المالية العالمية الحالية عنا ببعيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346143,"book_id":3840,"shamela_page_id":523,"part":"12","page_num":17,"sequence_num":523,"body":"١٧ - حكم شراء المال المصادر بالباطل\rيقول السائل: صادرت البلدية أرضاً لجارنا بالباطل ثم عرضتها بعد مدة للبيع فتقدمتُ لشرائها، فقيل لي لا يجوز لك شراؤها، فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: اتفق العلماء على تحريم شراء المال المغصوب والمأخوذ من صاحبه عنوةً، سواء كان من المنقولات أو غيرها كالأراضي والعقارات، لأن الغاصب فرداً كان أو جهةً أو مؤسسةً أو دولةً، لا يملك المال المغصوب، فالغصب محرمٌ شرعاً وليس من طرق التملك المعتبرة شرعاً، وقد نص الفقهاء على أن العدو إذا استولى على أموال المسلمين فإنه لا يملكها، ورد في كتاب للإمام الشافعي [العبد المسلم يأبق إلى أهل دار الحرب، سألت الشافعي عن العدو يأبق إليهم العبد أو يشرد البعير أو يغيرون فينالونهما أو يملكونهما أسهما؟ قال: لا فقلت للشافعي: فما تقول فيهما إذا ظهر عليهم المسلمون فجاء أصحابهما قبل أن يقتسما؟ فقال: هما لصاحبهما ... ثم استدل الشافعي بما ورد في الحديث عن عمران بن حصين ﵁ في قصة ناقة النبي ﷺ التي استولى عليها الكفار - وسأذكره بنصه لاحقاً - ثم قال الشافعي: [وهذا الحديث يدل على أن العدو قد أحرز ناقة رسول الله ﷺ وأن الأنصارية انفلتت من إسارهم عليها بعد إحرازهموها ورأت أنها لها فأخبر رسول الله ﷺ أنها قد نذرت فيما لا تملك ولا نذر لها وأخذ رسول الله ﷺ ناقته، ولو كان المشركون يملكون على المسلمين لم يعد أخذ الأنصارية الناقة أن تكون ملكها بأنها أخذتها ولا خمس فيها، لأنها لم توجف عليها وقد قال بهذا غيرنا ولسنا نقول به، أو تكون ملكت أربعة أخماسها وخمسها لأهل الخمس أو تكون من الفيء الذي لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فيكون أربعة أخماسها للنبي ﷺ وخمسها لأهل الخمس ولا أحفظ قولاً لأحدٍ أن يتوهمه في هذا غير أحد هذه الثلاثة الأقاويل. قال: فلما أخذ رسول الله ﷺ ناقته دل هذا على أن المشركين لا يملكون شيئاً على المسلمين ... ] الأم ٤/٢٦٨.\r\rوحديث عمران بن حصين ﵁ في قصة ناقة النبي ﷺ رواه مسلم في صحيحه وهو: (كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيفٌ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ، وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلاً من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء – اسم ناقة الرجل المأسور - فأتى عليه رسو الله ﷺ وهو في الوثاق، قال يا محمد فأتاه، فقال ما شأنك؟ فقال بم أخذتني وبم أخذت سابقة الحاج؟ – أي ناقته - فقال إعظاماً لذلك أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف، ثم انصرف عنه فناداه، فقال يا محمد يا محمد، وكان رسول الله ﷺ رحيماً رقيقاً، فرجع إليه فقال ما شأنك؟ قال: إني مسلم، قال لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، ثم انصرف فناداه، فقال يا محمد يا محمد فأتاه فقال ما شأنك؟ قال إني جائع فأطعمني وظمآن فأسقني، قال هذه حاجتك ففدي بالرجلين. قال وأسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوثاق وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ، قال وناقة منوقة - أي مذللة - فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت، ونذروا بها فطلبوها فأعجزتهم، قال ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا العضباء ناقة رسول الله ﷺ، فقالت إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له فقال: سبحان الله بئسما جزتها نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد) .\r\rقال الإمام النووي [وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه: أن الكفار إذا غنموا مالاً للمسلم لا يملكونه ... وحجة الشافعي وموافقيه هذا الحديث، وموضع الدلالة منه ظاهر. والله أعلم] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/٣٢.\r\rوقال الشيخ ابن حزم الظاهري: [ولا يملك أهل الكفر الحربيون مال مسلم , ولا مال ذمي أبداً إلا بالابتياع الصحيح , أو الهبة الصحيحة , أو بميراث من ذمي كافر , أو بمعاملة صحيحة في دين الإسلام , فكل ما غنموه من مال ذمي أو مسلم , أو آبق إليهم , فهو باق على ملك صاحبه ... وحكمه حكم الشيء الذي يغصبه المسلم من المسلم , ولا فرق. وهو قول الشافعي وأبي سليمان- أي داود الظاهري – ثم ذكر الشيخ ابن حزم كلاماً طويلاً في بيان هذه المسألة ثم قال: أخبرونا عما أخذه منا أهل الحرب أبحق أخذوه أم بباطل؟ وهل أموالنا مما أحله الله تعالى لهم أو مما حرمه عليهم؟ وهل هم ظالمون في ذلك أو غير ظالمين؟ وهل عملوا من ذلك عملاً موافقا لأمر الله تعالى وأمر نبيه ﵇ , أو عملاً مخالفا لأمره تعالى وأمر رسوله ﷺ؟ ... فالقول بأنهم أخذوه بحق أنه مما أحله الله تعالى لهم وأنهم غير ظالمين في ذلك , وأنهم لم يعملوا بذلك عملا مخالفا لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﵇ ... فسقط هذا القول , وإذ قد سقط فلم يبق إلا الآخر , وهو الحق اليقين من أنهم إنما أخذوه بالباطل وأخذوا حراماً عليهم , وهم في ذلك أظلم الظالمين , وأنهم عملوا بذلك عملاً ليس عليه أمر الله تعالى: وأمر رسوله ﷺ وأن التزام دين الإسلام فرض عليهم. فإذ لا شك في هذا فأخذهم لما أخذوا باطلٌ مردودٌ , وظلمٌ مفسوخٌ، ولا حق لهم ولا لأحدٍ يشبههم فيه; فهو على ملك مالكه أبداً.] المحلى ٥/٣٥٢-٣٥٩. وقال الإمام الماوردي: [وما غلب عليه المشركون من أموال المسلمين وأحرزوه لم يملكوه وكان باقياً على ملك أربابه من المسلمين] الأحكام السلطانية.] ١/٢٦٤.\r\rومما يدل على بطلان شراء المال المغصوب أن الفقهاء قد اتفقوا على أنه لا يجوز بيع ما لا يملك فإذا باع شخص مال غيره فالعقد باطل، فقد ورد في الحديث عن حكيم بن حزام ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل فيسألني من البيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وقال العلامة الألباني: صحيح. انظر إرواء الغليل ٥/١٣٢. وفي رواية أخرى عند الترمذي عن حكيم بن حزام قال: (نهاني رسول الله ﷺ أن أبيع ما ليس عندي) . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤/٣٦١. وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز أن يبيع المسلم ما ليس عنده أي ما ليس في ملكه عند العقد، قال المباركفوري: [وفي قوله ﷺ: (لا تبع ما ليس عندك) دليل على تحريم بيع ما ليس في ملك الإنسان ولا داخلاً تحت قدرته] تحفة الأحوذي ٤/٣٦٠. وقال الشوكاني: [وظاهر النهي تحريم ما لم يكن في ملك الإنسان ولا داخلاً تحت مقدرته وقد استثني من ذلك السلم فتكون أدلة جوازه مخصصة لهذا العموم] نيل الأوطار ٥/١٧٥. ومما يدل على بطلان شراء المال المغصوب أيضاً القاعدة المقررة عند الفقهاء وهي أن ما بُني على الباطل فهو باطل، فالاستيلاء على مال الغير باطل من أساسه وما بني على الباطل فهو باطل. قال الشيخ ابن حزم الظاهري: [وكل عقد انعقد على باطل فهو باطل، لأنه لم تعقد له صحة إلا بصحة ما لا صحة له، فلا صحة له] المحلى ٦/٣٨٢. وكذلك فإن شراء المال المغصوب يعتبر من باب التعاون على الإثم والعدوان، وهو محرم بنص كتاب الله عز، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ سورة المائدة الآية ٢. وكذلك فإنه يعتبر من باب أكل أموال الناس بالباطل، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٢٩. وجاء في الحديث من قول النبي ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) رواه أحمد والبيهقي وابن حبان وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/٢٧٩.\r\rوقال ﷺ: (لا يحلبنَّ أحدٌ ماشية أحدٍ إلا بإذنه ... ) رواه البخاري ومسلم، قال الإمام النووي: [ ... وفي الحديث فوائد منها تحريم أخذ مال الإنسان بغير إذنه والأكل منه والتصرف فيه ... ] شرح صحيح مسلم ٤/٣٩١.\r\rوخلاصة الأمر أنه يحرم شرعاً شراء المال المغصوب، لأن استيلاء الغاصب على المال لا يزيل ملكية صاحبه الأصلي. وكل ما بُني على باطلٍ فهو باطلٌ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346144,"book_id":3840,"shamela_page_id":524,"part":"12","page_num":18,"sequence_num":524,"body":"١٨ - العقد شريعة المتعاقدين\rيقول السائل: هل قاعدة (العقد شريعة المتعاقدين) قاعدة من قواعد الفقه الإسلامي؟ وما مدى صحتها، أفيدونا؟\r\rالجواب: قاعدة (العقد شريعة المتعاقدين) ليست من قواعد الفقه الإسلامي، وإنما هي قاعدة قانونية وأصلها مستمد من القوانين الغربية ونقلت إلى القوانين المدنية الوضعية، فقد نصت عليها بعض القوانين المدنية العربية، كالقانون المدني المصري حيث ورد في المادة رقم ١٤٧ منه: [العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون؛ ومع ذلك إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلاً صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة؛ جاز للقاضي تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول. ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك.] وكذلك ورد النص عليها في القانون المدني السوري مادة رقم ١٤٨.\r\rوالحكم الشرعي في هذه القاعدة أنها غير مُسلَّمةٍ على إطلاقها، وإن جرى استعمالها على ألسنة كثيرٍ من علماء العصر، قال الدكتور بكر أبو زيد: [العقد شريعة المتعاقدين: هذا من مصطلحات القانون الوضعي، الذي لا يراعي صحة العقود في شريعة الإسلام، فسواء كان العقد ربوياً أو فاسداُ، حلالاً، أو حراماً، فهو في قوة القانون ملزم كلزوم أحكام الشرع المطهر، وهذا من أبطل الباطل ويغني عنه في فقه الإسلام مصطلح: \"العقود الملزمة\". ولو قيل في هذا التقعيد: \"العقد الشرعي شريعة المتعاقدين\" لصح معناه ويبقى جلْبُ قالب إلى فقه المسلمين، من مصطلحات القانونيين فليجتنب، تحاشياً عن قلب لغة العلم] معجم المناهي اللفظية ص ٣٩٤.\r\rفالقاعدة المذكورة لا يعمل بها على إطلاقها كما قلت وتوضيح ذلك كما يلي: إن الراجح من أقوال الفقهاء أن الأصل في العقود وما فيها من شروط هو الإطلاق، وقد دلت على هذا الأصل دلائل النصوص الشرعية من كتاب الله ﷿ ومن سنة الرسول ﷺ، فيجب الالتزام والوفاء بكل ما يلتزم به المتعاقدان ويشترطانه، ما لم يكن في النصوص الشرعية أو القواعد الشرعية ما يمنع تنفيذ عقد أو شرط معين، فحينئذ يمتنع بخصوصه على خلاف القاعدة، ويعتبر الاتفاق باطلاً، كالتعاقد على الربا أو الشروط التي تحل حراماً أو تحرم حلالاً، وهذا الاجتهاد هو ما عليه كثير من الفقهاء كالحنابلة وبعض المالكية وهو مذهب شريح القاضي وابن شبرمة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، المدخل الفقهي لمصطفى الزرقا١/٤٧٩-٤٨٠.\r\rوبناءً على ذلك يجب أن تكون العقود موافقة للأحكام الشرعية، وليس العبرة بمطلق تراضي المتعاقدين فقط، وإنما تراضيهما ضمن دائرة الحكم الشرعي، فإذا اتفق المتعاقدان على عقدٍ لا يخالف الحكم الشرعي، فحينئذ يقال إن الأصل في العقود تراضي المتعاقدين، وأما إذا تراضيا على ما يخالف الحكم الشرعي فلا قيمة لتراضيهما، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ ... وإذا ظهر أن العقود لا يحرم فيها إلا ما حرمه الشارع فإنما وجب الوفاء بها لإيجاب الشارع، والوفاء بها مطلقاً إلا ما خصه الدليل، على أن الوفاء بها من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل والعقلاء جميعهم، وأدخلها في الواجبات العقلية من قال بالوجوب العقلي، ففعلها ابتداءً لا يحرم إلا بتحريم الشارع، والوفاء بها واجب لإيجاب الشرع، وكذا الإيجاب العقلي أيضاً. وأيضاً فإن الأصل في العقود رضا المتعاقدين ونتيجتها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد، لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ وقال: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ فعلَّقَ جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه، فدل على أنه سببٌ له، وهو حكمٌ معلَّقٌ على وصفٍ مشتقٍ مناسبٍ، فدلَّ على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم، وإذا كان طيب النفس هو المبيح للصداق، فكذلك سائر التبرعات قياساً بالعلة المنصوصة التي دل عليها القرآن، وكذلك قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ لم يشترط في التجارة إلا التراضي، وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة، وإذا كان كذلك فإذا تراضا المتعاقدان أو طابت نفس المتبرع بتبرعٍ ثبت حله بدلالة القرآن إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله كالتجارة في الخمر ونحو ذلك] الفتاوى الكبرى ٤/٩٠.\r\rإذا تقرر هذا فإن العقد يكون شريعة المتعاقدين إذا لم يكن فيه مخالفة لأحكام الشريعة وقواعدها، فمن المعلوم عند أهل العلم أن الإنسان ليس حراً فيما يشترطه من شروط في عقوده ومعاملاته، بل لا بد أن تكون هذه الشروط لا تتعارض مع قواعد الشريعة وأصولها، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب المكاتب وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله ... وقال ابن عمر أو عمر: كل شرطٍ خالف كتاب الله فهو باطلٌ، وإن اشترط مئة شرط] ثم روى البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: (أتتها بريرة تسألها في كتابها فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي، فلما جاء رسول الله ﷺ ذكرته ذلك قال النبي ﷺ: ابتاعيها فأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق. ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: ما بال أقوامٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله! فمن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مئة شرط) . وفي رواية في صحيح مسلم (ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله ﷿ فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق ... ) ، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وأن المراد ما خالف كتاب الله ثم استظهر على ذلك بما نقله عن عمر أو ابن عمر، وتوجيه ذلك أن يقال المراد بكتاب الله في الحديث المرفوع حكمه وهو أعم من أن يكون نصاً أو مستنبطاً فكل ما كان ليس من ذلك فهو مخالف لما في كتاب الله] فتح الباري ٦/٢٨٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وهذا الحديث الشريف المستفيض الذي اتفق العلماء على تلقيه بالقبول اتفقوا على أنه عامٌ في الشروط في جميع العقود، ليس ذلك مخصوصاً عند أحد منهم بالشروط في البيع، بل من اشترط في الوقف أو العتق أو الهبة أو البيع أو النكاح أو الإجارة أو النذر، أو غير ذلك شروطاً، تخالف ما كتبه الله على عباده، بحيث تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى الله عنه، أو النهي عما أمر به، أو تحليل ما حرمه، أو تحريم ما حلله، فهذه الشروط باطلة باتفاق المسلمين في جميع العقود، الوقف وغيره، وقد روى أهل السنن أبو داود وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (الصلح جائزٌ بين المسلمين إلا صلحاً أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً) . وحديث عائشة هو من العام الوارد على سبب، وهذا وإن كان أكثر العلماء يقولون: إنه يؤخذ فيه بعموم اللفظ، ولا يقتصر على سببه، فلا نزاع بينهم أن أكثر العمومات الواردة على أسباب لا تختص بأسبابها، كالآيات النازلة بسبب معين، مثل آيات المواريث والجهاد والظهار واللعان والقذف والمحاربة والقضاء والفيء والربا والصدقات وغير ذلك، فعامتها نزلت على أسباب معينة مشهورة في كتب الحديث والتفسير والفقه والمغازي، مع اتفاق الأمة على أن حكمها عام في حق غير أولئك المعينين، وغير ذلك مما يماثل قضاياهم من كل وجه، وكذلك الأحاديث، وحديث عائشة مما اتفقوا على عمومه وأنه من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ وبعث بها حيث قال: (من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق) ....] الفتاوى الكبرى ٤/٢٤٧. وقال العلامة ابن القيم: [والمقصود أن للشروط عند الشارع شأناً ليس عند كثير من الفقهاء، فإنهم يلغون شروطاً لم يلغها الشارع، ويفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضى فساده، وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود، وما لا يقبله، فليس لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل، فالصواب الضابط الشرعي الذي دَّ عليه النص أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالفه حكمه فهو لازم، يوضحه أن الالتزام بالشروط كالالتزام بالنذر، والنذر لا يبطل منه إلا ما خالف حكم الله وكتابه، بل الشروط في حقوق العباد أوسع من النذر في حق الله، والالتزام به أوفى من الالتزام بالنذر. وإنما بسطت القول في هذا لأن باب الشرط يدفع حيل أكثر المتحيلين ويجعل للرجل مخرجاً مما يخاف منه ومما يضيق عليه، فالشرط الجائز بمنزلة العقد، بل هو عقد وعهد وقد قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ وقال ﴿والموفون بعهدهم اذا عاهدوا﴾ . وهاهنا قضيتان كليتان من قضايا الشرع الذي بعث الله به رسوله: إحداهما أن كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطلٌ كائناً ما كان. والثانية أن كلَّ شرطٍ لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه وهو ما يجوز تركه وفعله بدون الشرط فهو لازم بالشرط، ولا يستثنى من هاتين القضيتين شيءٌ، وقد دلَّ عليهما كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واتفاق الصحابة] إعلام الموقعين ٣/٣٩٠.\r\rوخلاصة الأمر أن عبارة (العقد شريعة المتعاقدين) ليست قاعدة فقهية، ولم يستعملها الفقهاء المتقدمون، واستعملها بعض فقهاء العصر، وهي في الأصل قاعدة قانونية، وهذه القاعدة تكون صحيحة شرعاً إذا لم يكن في العقد وشروطه وقيوده ما يخالف الأحكام الشرعية، فليس للمتعاقدين حرية مطلقة فيما يتعاقدان عليه أو يشترطانه، بل لا بد من الانضباط بأحكام الشرع وقواعده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346145,"book_id":3840,"shamela_page_id":525,"part":"12","page_num":19,"sequence_num":525,"body":"١٩ - أزمة الرهن العقاري من منظور إسلامي\rيقول السائل: هل من رؤية شرعية لأزمة الرهن العقاري التي عصفت بالاقتصاد الغربي، أفيدونا؟\r\rالجواب: وصلتني رسالة على بريدي الإلكتروني من أحد خبراء الاقتصاد وفيها شرح مفصل لأسباب نشوء أزمة الرهن العقاري وخلاصتها: [إقدام كثير من الأمريكيين على شراء بيوت للسكن بالتقسيط عن طريق الحصول على قروض من البنوك مقابل رهن البيت ولكن بمعدلات فائدة عالية مع العلم أن أسعار الفائدة متغيرة وليست ثابتة. وهذه الأسعار تكون منخفضة في البداية ثم ترتفع مع الزمن. وترتفع أسعار الفائدة كلما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة، وإذا تأخر المشتري عن دفع أي دفعة فإن أسعار الفائدة تتضاعف بنحو ثلاث مرات، كما أن المدفوعات الشهرية خلال السنوات الثلاث الأولى تذهب كلها لسداد الفوائد، وهذا يعني أن المدفوعات لا تذهب إلى ملكية جزء من البيت إلا بعد مرور ثلاث سنوات. وبعد أشهر رفع البنك المركزي أسعار الفائدة فارتفعت الدفعات الشهرية ثم ارتفعت مرة أخرى بعد مرور عام كما نصت عليه عقود الشراء. وإذا تأخر المشتري في السداد فهنالك فوائد على التأخير، وقد توقف كثيرون عن الدفع، وقامت البنوك ببيع القروض على شكل سندات لمستثمرين وأخذ عمولة ورسوم خدمات منهم. وهؤلاء المستثمرين رهنوا هذه السندات، على اعتبار أنها أصول، مقابل ديون جديدة للاستثمار في شراء مزيد من السندات. وبما أن قيمة السندات السوقية وعوائدها تعتمد على تقييم شركات التقييم لهذه السندات بناء على قدرة المدين على الوفاء، وبما أنه ليس كل من اشترى البيوت له القدرة نفسها على الوفاء، فإنه ليست كل السندات سواسية. فالسندات التي تم التأكد من أن قدرة الوفاء فيها ستكون فيها أكيدة ستكسب تقدير \" أ \" وهناك سندات أخرى ستحصل على \"ب\" وبعضها سيصنف على أنه لا قيمة له بسبب العجز عن الوفاء. ولتلافي هذه المشكلة قامت البنوك بتعزيز مراكز السندات عن طريق اختراع طرق جديدة للتأمين بحيث يقوم حامل السند بدفع رسوم تأمين شهرية كي تضمن له شركة التأمين سداد قيمة السند إذا أفلس البنك أو صاحب البيت، الأمر الذي شجع المستثمرين في أنحاء العالم كافة على اقتناء مزيد من هذه السندات. ولما توقف أصحاب البيوت عن سداد الأقساط فقدت السندات قيمتها، وأفلست البنوك الاستثمارية وصناديق الاستثمار المختلفة. أما الذين اشتروا تأميناً على سنداتهم فإنهم حصلوا عى قيمتها كاملة، فنتج عن ذلك إفلاس شركات التأمين.] ولا شك أن أزمة الرهن العقاري قد سببت ضرراً بليغاً للاقتصاد الرأسمالي، ونتج عنها إفلاس عدد من البنوك وشركات الرهن العقاري وشركات التأمين وكل ذلك ينعكس سلباً على مختلف النشاطات الاقتصادية - وقد نشرت الجزيرة نت لائحةً بأسماء المصارف والمؤسسات المالية وشركات التأمين المتضررة من الأزمة المالية العالمية-. ولا شك أن أهم أسباب أزمة الرهن العقاري التعامل بالربا – الفائدة – وكذلك بيع الديون [وكشفت هذه الأزمة عن فقاعتين تحكمان الاقتصاد العالمي الأولى: فقاعة الربا، والثانية: فقاعة بيع الديون، وكل منهما ترتبط بالأخرى. وارتبطت بوادر تلك الأزمة بصورة أساسية بالارتفاع المتوالي لسعر الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ العام ٢٠٠٤م وهو ما شكل زيادة في أعباء القروض العقارية من حيث خدمتها وسداد أقساطها، خصوصا في ظل التغاضي عن السجل الائتماني للعملاء وقدرتهم على السداد حتى بلغت تلك القروض نحو ١. ٣ تريليون دولار في آذار من العام ٢٠٠٧م وتفاقمت تلك الأزمة مع حلول النصف الثاني من العام نفسه، وإلى الآن لا يعرف يقيناً المدى الذي يمكن أن تصل إليه تلك الأزمة. وسعى بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى خفض الفائدة على الدولار أكثر من مرة لدعم الاقتصاد الأمريكي، والخروج من أزمة الرهن العقاري على الرغم من مواصلة الضغوط التضخمية التي تحد من اتجاه خفض الفائدة، من دون أثر ملموس يبشر بقرب انفراج تلك الأزمة. أما فقاعة بيع الديون فجاءت من خلال “توريق” أو “تسنيد” تلك الديون العقارية وذلك بتجميع الديون العقارية الأمريكية وتحويلها إلى سندات وتسويقها من خلال الأسواق المالية العالمية. ونتج عن عمليات التوريق زيادة في معدلات عدم الوفاء بالديون لرداءة العديد منها، مما أدى إلى انخفاض قيمة هذه السندات المدعمة بالأصول العقارية في السوق الأمريكية بأكثر من ٧٠%] عن صحيفة الخليج الإماراتية عن شبكة الإنترنت.\r\rومن الأمور اللافتة للنظر في هذه الأزمة ظهور أصوات في الغرب تطالب بإعادة النظر في نظام الفائدة (الربا) ، بل إن بعض تلك الأصوات طالبت باعتماد النظام الإسلامي في المعاملات، ففي افتتاحية مجلة \"تشالينجز\"، كتب \"بوفيس فانسون\" رئيس تحريرها موضوعاً بعنوان (البابا أو القرآن) ، وقد تساءل الكاتب فيه عن أخلاقية الرأسمالية؟ ودور المسيحية كديانة والكنيسة الكاثوليكية بالذات في تكريس هذا المنزع والتساهل في تبرير الفائدة، مشيراً إلى أن هذا النسل الاقتصادي السيئ أودى بالبشرية إلى الهاوية. وتساءل الكاتب قائلاً: \"أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري؛ لأن النقود لا تلد النقود\". وطالب رئيس تحرير صحيفة \"لوجورنال دفينانس\" بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حدٍ لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة. وكتب مقالاً بعنوان: هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟ المخاطر التي تحدق بالرأسمالية وضرورة الإسراع بالبحث عن خيارات بديلة لإنقاذ الوضع، وقدَّم سلسلة من المقترحات المثيرة في مقدمتها تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية برغم تعارضها مع التقاليد الغربية ومعتقداتها الدينية. وذكر جوهان فيليب بتمان مدير البنك الألماني في فرانكفورت في كتابه \"كارثة الفائدة\" [أن الفوائد سبب رئيسي في تدهور النقد وظهور التضخم، ولو استمرت الفوائد في الازدياد فإن هناك كارثة لا مفر من حدوثها، ومن السهل التنبؤ بها، فهي ليست مصادفة، أو أنها ستأتي فجأة كنتيجة عفوية أو كسوء حظ، وإنما ستأتي نتيجة السياسة الاقتصادية الخاطئة التي تعتمد على نظام الفوائد، فهذه السياسة هي المسؤولة عن الكارثة.] ونادى بعض الاقتصاديين الغربيين، وعلى رأسهم الاقتصادي الكبير «كينز» بإلغاء نظام الفائدة الربوية ويرون أن الفائدة تعوق النمو الاقتصادي، وتعطل حركة الأموال، وأن التنمية لا تتحقق إلا إذا كان سعر الفائدة صفراً أو ما يقرب منه. وفي كتاب صدر مؤخراً للباحثة الإيطالية لووريتا نابليوني بعنوان \"اقتصاد ابن آوى\" أشارت فيه إلى أهمية التمويل الإسلامي ودوره في إنقاذ الاقتصاد الغربي. واعتبرت \"التوازن في الأسواق المالية يمكن التوصل إليه بفضل التمويل الإسلامي بعد تحطيم التصنيف الغربي ... ورأت نابليوني أن التمويل الإسلامي هو القطاع الأكثر ديناميكية في عالم المال الكوني\". عن شبكة الإنترنت. إذا تقرر أن السببين الأساسين في نشوء أزمة الرهن العقاري هما نظام الفائدة (الربا) وبيع الديون، فإن الشريعة الإسلامية قد حرمتهما، فمن المعلوم أن الربا من أكبر الكبائر وتحريمه قطعي في كتاب الله ﷾ وفي سنة النبي ﷺ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩. وثبت في الحديث عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وقد اتفق الفقهاء على أن بيع الدين بالدين ممن هو ليس عليه محرم، انظر كشاف القناع ٣/٢٦٥، وهذا ما حصل في أزمة الرهن العقاري حيث بيعت الديون مع ربطها بأسعار الفائدة. وأخيراً لا بد من الإشارة إلى أن المصارف الإسلامية لم تلحقها خسائر من أزمة الرهن العقاري التي تشهدها الأسواق المالية العالمية، وهو ما فشلت فيه عدد من أكبر البنوك العالمية، بحسب مسئولين وخبراء اقتصاد. وتوقع الخبراء أن تصب أزمة الرهن العقاري في مصلحة البنوك والمصارف الإسلامية من خلال جذب عدد أكبر من العملاء الذين سيبحثون عن البديل في ضوء تلك الأزمة، مشيرين إلى أن ذلك سيزيد من حجم التمويل الإسلامي على مستوى العالم. عن إسلام أون لاين.\r\rوخلاصة الأمر أن من أهم عوامل نشوء أزمة الرهن العقاري هو التعامل بالربا وبيع الديون، وإن هذه الأزمة لتؤكد لنا أنه لا خلاص للبشرية إلا بإتباع دين الله ﷿، وأنه المنهج الوحيد القادر على تقديم الحلول الناجعة لمشكلات البشرية جمعاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346146,"book_id":3840,"shamela_page_id":526,"part":"12","page_num":20,"sequence_num":526,"body":"٢٠ - إبطال حكم المحكمين\rيقول السائل: كنت شريكاً مع أحد الأشخاص في شركة تجارية ثم حصل نزاع بيننا على مبلغ كبير من المال، فاتفقنا على اللجوء إلى التحكيم، فاختار كل واحدٍ منا محكماً، وقدمنا حججنا مكتوبة للمحكمين، ولكن المحكمين لم يستمعا لنا، ولم يقبل المحكان أن أطلع على حجة خصمي، ولم يقبلا أن أطلع على كشف الحساب الذي قدمه خصمي، ثم أصدرا الحكم وألزماني بتنفيذه، مع أن الحكم جائر في حقي، فهل يجوز نقض حكم المحكمين، أفيدونا؟\r\rالجواب: التحكيم بين الناس في الخصومات مشروع بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وثابت عن الصحابة والتابعين. فمن كتاب الله قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) سورة النساء الآية ٣٥، وهذه الآية نص صريح في إثبات التحكيم كما قال الإمام القرطبي في تفسيرها، تفسير القرطبي ٥/١٧٩. ومن السنة النبوية ما رواه البخاري في صحيحه في قصة تحكيم سعد بن معاذ ﵁ في يهود بني قريظة، وقد رضي الرسول ﷺ بسعدٍ ﵁ حكماً. وقد وقعت حوادث كثيرة في زمن الصحابة ﵃ كانوا يحكّمون فيها بين المتخاصمين. إذا تقرر هذا فإن جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية في القول المعتمد عندهم والحنابلة وهو قول الظاهرية، ونقل عن جماعة من السلف يرون أن حكم المحكّم أو المحكّمين لازم للمتخاصمين، ولا يصح شرعاً رفض حكم المحكّم أو المحكّمين من قبل أحد المتخاصمي، ويدل على هذا أن المتخاصمين ما داما قد قبلا بالتحكيم ورضيا بالمحكّم أو المحكّمين فلا بد لهما من قبول الحكم الذي يصدر عن المحكّم أو المحكمين. ولولا أن حكم المحكّم لازم للمتخاصمين لما كان للترافع إليه أي معنىً، قياساً على الحاكم المولّى من ولي الأمر. انظر عقد التحكيم في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي ص ١٤٧- ١٤٩، الموسوعة الفقهية الكويتية ١٠/٢٤٤. وهذا ما قررته مجلة الأحكام العدلية فقد جاء في المادة ١٤٤٨ ما يلي: [كما أن حكم القضاة لازم الإجراء في حق جميع الأهالي الذين في داخل قضائهم كذلك حكم المحكّمين لازم الإجراء، على الوجه المذكور في حق من حكّمهم وفي الخصوص الذي حكموا به، فلذلك ليس لأي واحدٍ من الطرفين الإمتناع عن قبول حكم المحكّمين بعد حكم المحكّمين حكماً موافقاً لأصوله المشروعة] . وكلام العلماء هذا وارد في المحكم صاحب الأهلية والكفاءة للحكم والنظر، وهو من كان أهلاً لتولي القضاء، وعلى ذلك اتفاق المذاهب الأربعة، انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ١٠/٢٣٧. وكذلك فإن حكم المحكم يكون لازماً ومقبولاً إذا كان موافقاً للأصول الشرعية، كما ورد في مجلة الأحكام العدلية: [ ... فلذلك ليس لأي واحدٍ من الطرفين الإمتناع عن قبول حكم المحكّمين بعد حكم المحكّمين حكماً موافقاً لأصوله المشروعة] ، ومما يؤسف له أنه قد دخل في التحكيم الشرعي من ليس أهلاً له من بعض المتسلقين الجهلة الذين لا يعرفون ألف باء التحكيم الشرعي، وخاصة في القضايا المالية، وكذلك فإن هؤلاء اتخذوا التحكيم الشرعي مصدراً للتكسب فتراهم يفرضون على المتحاكمين مبالغ مالية كبيرة، وبعضهم يتقاضى نسبة مئوية من المبلغ محل الخصومة والنزاع، فكانت أجورهم بالآلاف. وقد صدرت عن هؤلاء أحكام كأحكام قراقوش، فيها من الجور والظلم ما الله به عليم.\r\rوبناءً على ما سبق فإن الفقهاء قد نصوا على أنه يمكن نقض حكم المحكم أو حكم المحكمين إذا كان مخالفاً للشرع كأن يصدر الحكم عن محكم جاهل، بل قال جماعة من الفقهاء تنقض كل أحكامه حتى لو أصاب في بعضها وإلى هذا ذهب الشافعية وهو المذهب عند الحنابلة وقول للمالكية إلى أن أحكامه – أي المحكم الجاهل - كلها تنقض وإن أصاب فيها، لأنها صدرت ممن لا ينفذ حكمه، وذهب بعض المالكية وبعض الحنابلة إلى أنه تنقض أحكامه المخالفة للصواب كلها، سواء أكانت مما يسوغ فيه الاجتهاد أم لا يسوغ، لأن حكمه غير صحيح وقضاؤه كعدمه، لأن شرط القضاء غير متوفر فيه، ولكن القول المعتبر هو ما اختاره صاحب الإنصاف الشيخ المرداوي الحنبلي ومعه جماعة من فقهاء الحنابلة بأنه لا ينقض من أحكامه إلا ما خالف كتاباً أو سنةً أو إجماعاً، وأن هذا عليه عمل الناس من زمن ولا يسع الناس غيره. انظر الإنصاف للمرداوي ١١/٢٢٥- ٢٢٦، الموسوعة الفقهية الكويتية ٤١/١٦٢- ١٦٣.\r\rوقرر جمهور الفقهاء أن الحكم إذا كان جائراً فإنه ينقض، بل إن فقهاء الحنفية قد نصوا على أنه إن كان القاضي تعمد الجور فيما قضى وأقر به فالضمان في ماله، سواء كان ذلك في حق الله أو في حق العبد، ويعزر القاضي على ذلك لارتكابه الجريمة العظيمة، ويعزل عن القضاء ونص أبو يوسف على أنه إذا غلب جوره ورشوته ردت قضاياه وشهادته. حاشية ابن عابدين ٥/٤١٨.\r\rوكذلك فإن عدم إتباع الإجراءات القضائية بشكل صحيح يعتبر سبباً في نقض حكم المحكم أو حكم المحكمين، فإذا لم يستمع المحكم أو المحكمون لأحد الخصوم أو لم يمكنوه من الاطلاع على حجة خصمه أو لم يمكنوه من الرد عليها والدفاع عن نفسه، أو قصر المحكم في الكشف عن الشهود وبيان حالهم حتى لا يكونوا شهود زورٍ، فإن هذه تعتبر أسباباً كافية لنقض الحكم الصادر عن المحكم أو المحكمين، قال صاحب درر الحكام شرح مجلة الأحكام عند شرحه المادة (١٨٤٩) : (إذا عرض حكم المحكم على القاضي المنصوب من قبل السلطان فإذا كان موافقاً للأصول صدَّقه وإلا نقضه) إذا عرض حكم المحكم على القاضي المنصوب من قبل السلطان أو على محكمٍ ثانٍ ليدقق الحكم مرةً ثانيةً فإذا كان موافقاً للأصول صدَّقه لأنه لا فائدة من نقض الحكم الموافق للأصول والحكم ثانية بذلك. وفائدة تصديق حكم المحكم من قبل القاضي هو: أنه لو عرض هذا الحكم على قاضٍ آخر يخالف رأيه واجتهاده رأي المحكم فليس له نقضه، لأن إمضاء وقبول القاضي لحكم المحكم هو بمنزلة الحكم ابتداءً من القاضي؛ أما إذا لم يصدق القاضي على حكم المحكم فيكون من الممكن للقاضي الآخر أن ينقض حكم المحكم – نقلاً عن الزيلعي في تبيين الحقائق - فإذا حكم المحكم حكماً غير موافق للأصول ينقضه القاضي والمحكم الثاني. وعدم موافقة حكم المحكم للأصول يكون على وجهين: الوجه الأول: أن يكون حكم المحكم خطأً لا يوافق أي مذهب من المذاهب؛ وبتعبير آخر أن يكون حكم المحكم غير موافق لمذهب المجتهد الذي يقلده القاضي ولا يوافق رأي أي مجتهد من المجتهدين والعلماء. وبما أن الحكم الذي يكون على هذه الصورة ظلمٌ واجبٌ رفعه فيرفع هذا الحكم وينقض، ويحكم القاضي في القضية على وجه الحق ... ] درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٤/٧٠٢. وكذلك فإن من أسباب نقض حكم المحكم أو المحكمين التهمة، فإنها تؤثر في حكم القاضي وتعرضه للنقض، فإذا كان المحكم قريباً لأحد الخصوم فهذه تهمة تعرض حكمه للنقض، جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: [اختلف الفقهاء فيما إذا حكم القاضي لنفسه أو لأحد أبويه أو ولده أو زوجته أو من لا تقبل شهادته له، ولهم في ذلك رأيان: الرأي الأول يرى الحنفية والحنابلة والمختار عند المالكية والشافعية على الصحيح نقض الحكم لكونه باطلاً لمكان التهمة، بخلاف ما إذا حكم عليهم فينفذ حكمه لانتفاء التهمة. وزاد الحنفية والشافعية أنه لا ينفذ حكمه لنفسه أو شريكه في المشترك.\r\rالرأي الثاني يرى المالكية في مقابل المختار والشافعية في مقابل الصحيح أنه ينفذ حكمه لهم بالبينة، لأن القاضي أسير البينة، فلا تظهر منه تهمة. وأضاف المالكية أنه إن كان مبنى الحكم هو اعتراف المدعى عليه يجوز الحكم عليه لابنه أو غيره ممن ذكر، أما إذا كان الحكم يحتاج إلى بينة فلا يجوز الحكم لهم لأنه يتهم بالتساهل فيها. وينقض الحكم إذا أثبت المحكوم عليه ما ادَّعاه من وجود عداوة بينه وبين القاضي، أو بينه وبين ابنه أو أحد والديه، وهو ما ذهب إليه الحنفية والمالكية والحنابلة والمشهور في المذهب عند الشافعية. وجوز الماوردي الحكم في هذه المسألة بقوله: إن أسباب الحكم ظاهرة بخلاف شهادته على عدوه.] الموسوعة القهية الكويتية ٤١/١٦٤-١٦٧. وأخيراً أنبه من يلجأ للتحكيم أن يختار محكمين من أهل الخبرة والمعرفة، فليس كل شيخٍ أو إمام مسجد أو حامل شهادة في الشريعة أو القانون، يكون أهلاً للتحكيم، وكذلك فإني أنصح بالبعد عن المتكسبين من التحكيم لأن الغالب على هؤلاء الجشع والطمع وقد تشترى أحكامهم بالمال.\r\rوخلاصة الأمر أن التحكيم مشروع في الخصومات وأن الأصل الذي قرره فقهاؤنا هو أن الحكم الذي يصدره المحكم لازم للخصوم وواجب التنفيذ، مادام المحكم أهلاً للتحكيم، وما دام الحكم غير مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية، وصدر الحكم بعد استكمال جميع الإجراءات اللازمة لإصداره من استماع حجج الخصوم وطعونهم فيها ونحو ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346147,"book_id":3840,"shamela_page_id":527,"part":"12","page_num":21,"sequence_num":527,"body":"٢١ - حكم نشر صور الممثلين على المنتجات التجارية\rيقول السائل: انتشرت ظاهرة نشر وترويج صور ممثلي بعض المسلسلات التركية التي تبثها القنوات الفضائية على بعض المنتجات الخاصة بالأطفال (كالشيبس) والدفاتر المدرسية وبعض الملابس وغيرها، فما الحكم الشرعي في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا شك أن كثيراً من القنوات الفضائية أصبحت معولاً من معاول محاربة الدين والأخلاق والفضيلة، بل هي منابر لنشر الفساد والرذيلة، ومع الأسف الشديد فإن القنوات الفضائية قد دخلت بيوتنا، وأصبحت مربيةً لأبنائنا وبناتنا، ومرشدةً لزوجاتنا، وموجهةً لشبابنا ورجالنا، إلا من رحم ربي وحماه من هذه الطوفان الهادر، والفيضان الرهيب. ومن ضمن سموم القنوات الفضائية، هذه المسلسلات الفاسدة المفسدة، الطافحة بالانحرافات الفكرية والمسلكية، التي تتعارض مع ديننا ومع أخلاقنا ومع عادتنا وتقاليدنا الأصيلة، هذه المسلسلات التي تنشر الفواحش والمنكرات، وتجعل الزنا أمراً عادياً، وتجعل العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج وما يترتب عليها من حملٍ، أموراً طبيعية، يجب على الأسرة أن تتقبلها وتقر بها، هذه المسلسلات التافهة التي تروج [للممارسات غير الأخلاقية التي اجتاحت بعض المجتمعات كهروب الفتيات والزواج السري وغيرها ... إن الدراما العربية ووسائل الإعلام ساهمت في تلك الانحرافات وأن نموذج الراقصة أو الفنانة التي تهرب من بيت الأسرة تحت دعاوى الضغوط الأسرية وإظهارها بعد ذلك بمظهر القدوة والبطولة قد أثر في وجدان العديد من الفتيات وصرن يمارسنه في الواقع كما أن الترويج لمفهوم معين للحب يقوم على التلاقي بين الفتى والفتاة بعيداً عن الأسرة والأطر الشرعية عبر الإلحاح الإعلامي بكل وسائله أثر بشكلٍ كبيرٍ على المجتمع وعلى طبيعة العلاقات التي تحكم الرجل بالمرأة فالعديد من الأفلام تصور الراقصة بطلة ولديها أخلاقيات ومثل عليا!!! ... وفي بعض الأفلام تعيش المرأة المتزوجة مع حبيبها وتقدم هذه المرأة على أنها تستحق التعاطف معها!!] من دراسة ميدانية للدكتور أحمد المجذوب الخبير الاجتماعي، عن الإنترنت. كما أن هذه المسلسلات التافهة تبرز المرأة كرمز للجنس المكشوف أو الموارب. ويضاف إلى ذلك أن هذه المسلسلات قد أسهمت في تفكيك الحياة الأسرية بزيادة المشكلات في البيوت، وزيادة عدد حالات الطلاق، يقول أحد قضاة المحاكم الشرعية في السعودية: [الفضائيات تتسبب في ارتفاع حالات الطلاق، فالفضائيات تدعو إلى تمرد المرأة على زوجها، فهي تظهر لها أن الزوج متسلط وظالم، سلب منها حقوقها وحياتها. كما أن من أسباب الطلاق مقارنة الزوج لزوجته بنساء الفضائيات، اللائي جملّتهن كاميرات التصوير حتى القبيحات منهن أصبحن جميلات بفعل أنواع الماكياج.] مجلة الأسرة العدد ١٠٥، إن هذه القنوات الفضائية ينطبق عليها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ سورة النور الآية ١٩. فما تعرضه هذه القنوات من هذه المسلسلات، تحرم مشاهدته ومتابعته، ويجب شرعاً مقاطعة كل ذلك لما فيه من المنكرات والمفاسد ولما يترتب عليه من انحرافات، ولما فيه من نشرٍ للمشاهد الفاضحة التي تؤدي إلى إثارة الغرائز وإسهامٍ في تسميم أفكار الجيل الناشئ، وتسويقٍ للقيم والسلوكيات الغربية المنافية للقيم الإسلامية، مثل مشاهد تعاطي المخدرات والمسكرات والجريمة والجنس، ويضاف إلى ذلك ما تقدمه القنوات الفضائية من برامج تؤدي إلى إشغال المرأة بعالم الموضة والأزياء وعالم الطبخ المبالغ فيه، وغير ذلك من المفاسد والمنكرات، والأمور التافهة، التي تعتبر من باب، العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر. وهذا غيض من فيض مفاسد القنوات الفضائية بشكل عام، وأما المسلسلات التركية المدبلجة باللغة العامية الشامية، التي أشار لها السائل، فقد سلبت عقول كثيرٍ من الناس- نساءً ورجالاً - في عالمنا العربي التائه الضائع، وفتنت كثيراً من الناس مما جعل بعض ضعاف النفوس من التجار يستغلون هذه الحالة للترويج لسلعهم وذلك بنشر صور ممثلي هذه المسلسلات على بضائعهم، فأصبحت الأسواق ممتلئة بالبضائع التي تحمل صور هؤلاء الذين يسمونهم أبطالاً ونجوماً!! هؤلاء الذين يمارسون بطولاتهم المزعومة في الخنا وفي الفحشاء والمنكر، فتجد في الأسواق صوراً لهؤلاء الممثلين على كثيرٍ من المنتجات التي يستهلكها الأطفال (كالشيبس) واللعب وأنواع مختلفة من القرطاسية، خاصة أننا على أبواب العام الدراسي الجديد، وكذلك تجد صورهم على الملابس، وجعلت صورهم خلفيات للجوالات والكمبيوترات وغير ذلك. إذا تقرر هذا فإن من الضوابط الشرعية التي تحكم العمل في التجارة تحريم الاتجار والعمل بالمحرمات سواء كان ذلك بانتهاك محرم أو ترك واجب. يقول الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ?سورة المنافقون الآية ٩. ومن الأمور المحرمة في التجارة الترويج للمحرمات والمنكرات كالمسلسلات المذكورة وغيرها، فنشر صور الممثلين على البضائع محرم شرعاً، لأن من المعلوم عند أهل العلم أن للوسائل أحكام المقاصد، قال الإمام العز بن عبد السلام: للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل) قواعد الأحكام ١/٤٦. فوسيلة المحرم محرمة أي إن ما أدى إلى الحرام فهو حرام. فالصور التي تشتمل على نشر الفحشاء والمنكر محرمة والترويج للرذائل والفساد والإفساد، لا يجوز استعمالها في ترويج البضائع بمختلف أشكالها، ومما يدل على تحريم هذا العمل قوله تعالى: ?وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ?سورة المائدة الآية ٢. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي ﵀: [وهذا النهي يقتضي التحريم] المغني ٤/١٦٧. فلا شك أن نشر صور هؤلاء الساقطين والساقطات، فيه نشر للفساد والرذيلة وفيه إثارة للشهوات وكل ذلك داخل في باب التعاون على الإثم والعدوان. كما إنه يدخل في إشاعة الفاحشة بين الناس وهذا من كبائر الذنوب، قال الله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ? سورة النور الآية ١٩. كما أن نشر صور هؤلاء يغرس معاني الفساد والرذيلة في نفوس أبنائنا، وخاصة أن بعض المنتجات التي عليها صور الممثلين كالدفاتر المدرسية، تستمر بأيدي طلابنا فترات طويلة، مما يؤثر سلبياً على ثقافة أبنائنا وسلوكهم. ولا بد للتجار الذين ينشرون هذا الفساد من خلال نشر صور الممثلين على منتجاتهم أن يعلموا أنهم يدخلون بعملهم هذا ضمن دائرة الكسب الحرام، والكسب الحرام نوع من أكل السحت، قال الله تعالى: ?وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ?سورة المائدة الآية ٤٢. وقال الله تعالى: ?وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ? سورة المائدة الآية ٦٢. وقوله تعالى: ?لوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ? سورة المائدة الآية ٦٣. قال أهل التفسير في قوله تعالى: ?أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ?أي الحرام، وسمي المال الحرام سحتاً، لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها. انظر تفسير القرطبي ٦/١٨٣. وقال جماعة من أهل التفسير: ويدخل في السح كل ما لا يحل كسبه] فتح المالك ٨/٢٢٣. ومن السحت الربا والغصب والقمار والسرقة ومهر البغي وثمن الخمر والخنزير والميتة والأصنام والتماثيل والصور الإباحية والأفلام الجنسية ونشر صور الممثلين والممثلات وغير ذلك، وقد جاء في الحديث عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت وكل لحم نبت من سحت كانت النار أولى به) رواه أحمد والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان. وفي رواية أخرى: (كل جسدٍ نبت من سحتٍ فالنار أولى به) رواه أحمد والطبراني والحاكم وغيرهم وقال العلامة الألباني صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/٨٣١. وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: ( ... يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به) رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وصححه العلامة الألباني. صحيح سنن الترمذي ١/١٨٩. وعن أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة جسد غُذِيَ بحرام) رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أبي يعلى ثقات وفي بعضهم اختلاف قاله الهيثمي. مجمع الزوائد ١٠/٢٩٣. وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٣٢٠. وغير ذلك من النصوص. فيا أخي التاجر ابتعد عن الكسب الحرام واحرص على الكسب الحلال واعلم أن من الواجبات على المسلم أن لا يأكل إلا الحلال بل إن الله قدم الأكل من الطيبات على العمل الصالح فقال: ?يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ?. وفي هذا الزمان تحقق ما أخبر عنه النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق حيث أخبر أن من الناس من لا يفرق في كسبه بين حلال وحرام فلا يهمه من أين اكتسب المال وكل ما يهمه أن يكون المال بين يديه ينفقه كيفما شاء. فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام) رواه البخاري. وقد ينسى بعض الناس أنه سيحاسب على ماله وأنه سيسأل عن هذا المال من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ فقد ورد في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني. وقد وردت نصوص كثيرة من كتاب الله ﷿ ومن سنة النبي ﷺ في الحث على الأكل من الطيبات منها: قول الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ? سورة البقرة آية ١٧٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ?يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ?. وقال: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ? ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: (تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال الفم والفرج) رواه الترمذي وقال حديث صحيح غريب وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٣١٨. وجاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (استحيوا من الله حق الحياء. قلنا: يا نبي الله إنا لنستحي والحمد الله. قال: ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء هو أن تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى وتتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا - يعني من الله - حق الحياء) رواه الترمذي وحسّنه العلامة الألباني. صحيح سنن الترمذي ٢/٢٩٩.\r\rوخلاصة الأمر أنه يحرم مشاهدة المسلسلات الفاسدة والمفسدة، كما يحرم نشر صور الممثلين والممثلات على المنتجات، وأن ذلك يدخل في إشاعة المنكرات والفواحش بين الناس، وأن التاجر الذي يستعمل هذه الوسائل المحرمة لترويج تجارته فإنه يُدخل في كسبه الحرام، كما يحرم بيع المنتجات التي تشتمل على صور الممثلين والممثلات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346148,"book_id":3840,"shamela_page_id":528,"part":"12","page_num":22,"sequence_num":528,"body":"٢٢ - رجوع الوالد فيما وهبه لولده\rيقول السائل: أعطاني والدي قطعة أرض فبنيت عليها بيتاً، وبنيت حوله سوراً، ووصلته بشبكة الكهرباء والماء والهاتف، وكلفني ذلك مبلغاً كبيراً من المال، وسكنته مع عائلتي، والآن وبعد مضي سنوات وبضغوط من إخوتي يطالبني والدي باسترجاع قطعة الأرض، حيث إن والدي لم يعطهم مثلما أعطاني، فهل يجوز لوالدي أن يسترجع قطعة الأرض مني، أفيدونا؟ الجواب: صح في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) رواه البخاري. وقد اعتبر الرسول ﷺ إعطاء بعض الأولاد شيئاً دون الآخرين من الجور، فقد ورد في الحديث عن جابر ﵁ قال: قالت امرأة بشير: إنحل – أي أعط – ابني غلاماً وأشهد لي رسول الله ﷺ، فأتى رسول الله فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، فقال له الرسول ﷺ: (له إخوة؟ قال: نعم. قال: فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته. قال: لا. فقال له ﵊: فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق) رواه مسلم. وفي روايةٍ أخرى قال ﷺ: (لا تشهدني على جور إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم) رواه أبو داود. وفي روايةٍ أخرى أن النبي ﷺ قال لبشير والد النعمان: (لا تشهدني على جورٍ، أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم. قال: أشهد على هذا غيري) رواه أبو داود بسندٍ صحيح. ومما يدل على أنه يجب على الأب أن يسوي بين أولاده في الهبات والعطايا قوله ﷺ: (اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو حديثٌ صحيح. وقوله ﷺ: (سووا بين أولادكم في العطية لو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء) رواه سعيد بن منصور والبيهقي، وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن. وقوله ﷺ: (اعدلوا بين أولادكم في النِِحَل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر) رواه مسلم. وبناءً على هذه النصوص قرر العلماء أن الأصل في هبة الوالد لأولاده العدل ولا ينبغي له أن يفاضل بينهم إلا لموجب شرعي. والوالدة كالوالد في المنع من المفاضلة، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والأم في المنع من المفاضلة بين الأولاد كالأب لقول النبي ﷺ: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) ، ولأنها أحد الوالدين، فمنعت التفضيل كالأب، ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من الحسد والعداوة يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها ,، فثبت لها مثل حكمه في ذلك.] المغني ٦/٥٤-٥٥.\rوقرر جمهور أهل العلم أنه لا يجوز للواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهبه لولده، لورود الأدلة المخصصة للوالد من هذا الحكم، وهو حرمة الرجوع في الهبة كما سأذكر لاحقاً، ويدل على حرمة رجوع الواهب في هبته أحاديث منها: عن قتادة قال: سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (العائد في هبته كالعائد في قيئه) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: (ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه) رواه البخاري. وعن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: (مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب، يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله) رواه مسلم. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على تحريم الرجوع في الهبة، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته] ثم ذكر حديثي ابن عباس، الأول والثاني، انظر فتح الباري ٦/١٦٢ - ١٦٣. وقال الإمام النووي: [باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ما وهبه لولده، وإن سفل] شرح صحيح مسلم ٤/٢٣٦. وينبغي للواهب أن يعلم أن العائد في هبته قد شبهه الرسول ﷺ بالكلب الذي يقيء، ثم يعود فيأكل منه، وهذا مثل سوءٍ، فلا ينبغي للمسلم أن يتمثل بالكلب، وقد جاء في الحديث أنه ينبغي تعريف الواهب الذي يريد الرجوع في هبته بهذا المثل حتى يرتدع فلا يعود في هبته، فقد روى أبو داود بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال: (مثل الذي يسترد ما وهب كمثل الكلب، يقيء فيأكل قيئه، فإذا استرد الواهب فليتوقف فليعرف بما استرد ثم ليدفع إليه ما وهب) رواه ابن ماجة، وقال العلامة الألباني: حسن صحيح، انظر صحيح سنن أبي داود ٢/٦٧٦. وأما استثناء الوالد من الحكم السابق، فيجوز للوالد الرجوع فيما وهبه لولده، كما هو مذهب جمهور الفقهاء، فلما صح في الحديث عن طاووس، عن ابن عمر وابن عباس ﵃ عن النبي ﷺ قال: (لا يحل للرجل أن يعطي عطية أو يهب هبةً فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب، يأكل فإذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه) رواه أصحاب السنن وأحمد، وقال الترمذي حسن صحيح، ورواه ابن حبان والحاكم وصححاه، وصححه العلامة الألباني أيضاً. ويؤيد ذلك أيضاً ما ورد في إحدى روايات حديث النعمان بن بشير أنه قال: إن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: (إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله ﷺ: أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا، فقال: لا، فقال: رسول الله ﷺ: فأرجعه) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم أن النبي ﷺ قال لبشير: (فاردده) . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وحجة الجمهور في استثناء الأب أن الولد وماله لأبيه فليس في الحقيقة رجوعاً وعلى تقدير كونه رجوعاً فربما اقتضته مصلحة التأديب ونحو ذلك] فتح الباري ٦/١٤٣. وقد ألحق أكثر الفقهاء الأم بالأب في جواز الرجوع في الهبة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فصل: وظاهر كلام الخرقي أن الأم كالأب في الرجوع في الهبة لأن قوله وإذا فاضل بين أولاده يتناول كل والد ثم قال في سياقه: أمر برده فيدخل فيه الأم وهذا مذهب الشافعي لأنها داخلة في قوله (إلا الوالد فيما يعطي ولده) ، ولأنها لما دخلت في قول النبي ﷺ (سووا بين أولادكم) ينبغي أن يتمكن من التسوية والرجوع في الهبة، طريق في التسوية وربما تعين طريقاً فيها إذا لم يمكن إعطاء الآخر مثل عطية الأول، ولأنها لما دخلت في المعنى في حديث بشير بن سعد، فينبغي أن تدخل في جميع مدلوله لقوله (فاردده) ، وقوله (فأرجعه) ، ولأنها لما ساوت الأب في تحريم تفضيل بعض ولدها ينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع فيما فضله به تخليصاً لها من الإثم وإزالة للتفضيل المحرم كالأب، والمنصوص عن أحمد أنه ليس لها الرجوع، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله الرجوع للمرأة فيما أعطته ولدها كالرجل؟ قال ليس هي عندي في هذا كالرجل لأن للأب أن يأخذ من مال ولده والأم لا تأخذ وذكر حديث عائشة: (أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه) أي كأنه الرجل، قال أصحابنا: والحديث حجة لنا، فإنه خص الوالد وهو بإطلاقه إنما يتناول الأب دون الأم، والفرق بينهما أن للأب ولاية على ولده ويحوز جميع المال في الميراث والأم بخلافه، وقال مالك للأم الرجوع في هبة ولدها ما كان أبوه حياً فإن كان ميتاً فلا رجوع لها، لأنها هبة ليتيم، وهبة اليتيم لازمة كصدقة التطوع، ومن مذهبه أنه لا يرجع في صدقة التطوع] المغني ٦/٥٥-٥٦. إذا تقرر هذا فإن جمهور الفقهاء الذين أجازوا للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده اشترطوا شروطاً حتى يصح رجوعه فيما وهبه لولده، الأول: أن تكون الهبة باقية في ملك الابن فإن خرجت عن ملكه ببيع أو هبة أو وقف أو إرث ونحوه من كل ما يخرج الشيء الموهوب عن ملك الموهوب له, فمثل هذا الخروج يمنع الوالد من الرجوع في الهبة.\rالثاني: عدم تعلق حق الغير بالموهوب كأن يداين الناس الموهوب له نظراً لملاءة ذمته لما وهب له, وذلك إعمالاً لقول النبي ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) ، رواه أحمد وابن ماجة والدارقطني وغيرهم وهو حديث صحيح.\rالثالث: عدم هلاك الموهوب أو استهلاكه لأنه لا سبيل إلى الرجوع في الهالك ولا سبيل إلى الرجوع في قيمته, لأنها ليست بموهوبة لعدم ورود العقد عليها, وقبض الهبة غير مضمون. الرابع: أن لا تزيد زيادة متصلة كأن يكون الموهوب أرضاً فيبني عليها. انظر المغني ٦/٥٦-٥٨.\rوخلاصة الأمر أن المطلوب من الوالد والوالدة أن يعدلا في الهبة لأولادهما، وأنه يجوز للوالد وكذا للوالدة الرجوع فيما وهبا لولدهما، ولكن بشروط ومنها أن لا يحدث الولد في الموهوب زيادة متصلة كما في السؤال، فلا يجوز للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده ما دام أن الولد قد أحدث تغييراً في الأرض بالبناء عليها حيث بنى الولد عليها بيتاً، وبنى حوله سوراً، ووصله بشبكة الكهرباء والماء والهاتف، وكلفه ذلك مبلغاً كبيراً من المال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346149,"book_id":3840,"shamela_page_id":529,"part":"12","page_num":23,"sequence_num":529,"body":"٢٣ - لا يجري الربا في بيع القمح والملح والتمر بالدين\rيقول السائل: إنه صاحب متجر للمواد الغذائية وقد اعتاد على بيع القمح والملح والتمر بالدين لزبائنه، ولكنه سمع بعض الناس يحرم ذلك ويعتبره من الربا، فما قولكم في ذلك، أفيدونا؟ الجواب: ورد في الحديث عن عبادة بن الصامت ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواءً بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) رواه مسلم. هذا الحديث أصل في بيان الأصناف التي يجري فيها الربا، وقد اتفق جماهير أهل العلم على أن الربا يتعدى هذه الأصناف إلى غيرها إن اتحدت معها في العلة، ولكنهم اختلفوا في علة تحريم الربا في الأصناف المذكورة في الحديث، ومع ذلك فهم متفقون على أن الأصناف الستة المذكورة في الحديث تنقسم إلى مجموعتين: المجموعة الأولى: الذهب والفضة، والمجموعة الثانية: البر والشعير والتمر والملح، والفقهاء متفقون على أن علة التحريم في المجموعة الأولى واحدة، وعلة التحريم في المجموعة الثانية واحدة، أي أن علة التحريم في الذهب والفضة هي غير علة التحريم في البر والشعير والتمر والملح، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة , وعلة الأعيان الأربعة واحدة ثم اختلفوا في علة كل واحدٍ منهما] المغني ٤/٥. وقال الشيخ تقي الدين السبكي: [الأمة أجمعت على أن السنة المذكورة في الحديث جملتان متفاضلتان، النقدان والأشياء الأربعة، تنفرد كل جملة بعلتها] تكملة المجموع ١٠/٩١. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٢/٦٤ ما نصه: [اتفق عامة الفقهاء على أن تحريم الربا في الأجناس المنصوص عليها إنما هو لعلة، وأن الحكم بالتحريم يتعدى إلى ما تثبت فيه هذه العلة، وأن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأجناس الأربعة الأخرى واحدة] . وينبغي أن يعلم أن مسألة تحديد العلة في الأصناف الربوية محل خلاف كبير بين العلماء، فهي مسألة اجتهادية وقد تباينت فيه أقوال العلماء: [فقال الحنفية: العلة: الجنس والقدر، وقد عرف الجنس بقوله ﷺ: (الذهب بالذهب، والحنطة بالحنطة) ، وعرف القدر بقوله ﷺ: (مثلاً بمثل) ، ويعني بالقدر الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن لقوله ﷺ: (وكذلك كل ما يكال ويوزن) ، وقوله ﷺ: (لا تبيعوا الصاع بالصاعين) ... وقال المالكية: علة الربا في النقود مختلف فيها، فقيل: غلبة الثمنية، وقيل: مطلق الثمنية ... وعلة ربا الفضل في الطعام الاقتيات والادخار ... وعلة ربا النساء مجرد الطعم ... وذهب الشافعية إلى أن العلة في تحريم الربا في الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان غالباً ... والعلة في تحريم الربا في الأجناس الأربعة وهي البر والشعير والتمر والملح أنها مطعومة ... وروي عن أحمد بن حنبل في علة تحريم الربا في الأجناس الستة ثلاث روايات: أشهرها أن علة الربا في الذهب والفضة كونهما موزوني جنس، وفي الأجناس الباقية كونها مكيلات جنس ... والرواية الثانية: أن العلة في الأثمان الثمنية، وفيما عداها كونه مطعوم جنس ... والرواية الثالثة: العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلا أو موزونا] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٢/٦٤-٦٧.\rإذا تقرر هذا فقد اتفق أهل العلم على أن بيع الأصناف الربوية بعضها ببعض يكون على النحو الآتي: ١- إذا بيع الشيء بجنسه كتمر بتمر، فيشترط لذلك شرطان: التماثل والتقابض، أي تماثل الوزنين أو الكيلين مع التقابض في مجلس العقد. ولا يصح في هذه الحالة اختلافهما في القدر – الوزن أو الكيل – ولا يصح التأجيل، لقول النبي ﷺ: (مثلًا بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى) رواه البخاري ومسلم. ٢- إذا بيع الشيء بغير جنسه مع اتحاد العلة كذهب بفضة، فيشترط لذلك التقابض دون التماثل. فيصح أن يبيع مئة غرام ذهب بخمسمئة غرام فضة بشرط القبض في المجلس. ٣- إذا بيع الشيء بغير جنسه مع عدم الاتحاد في العلة، كبيع القمح بالذهب، أو الملح بالفضة، فلا يشترط لذلك لا تقابض ولا تماثل. ويلحق بذلك بيع أحد الأصناف الأربعة وهي البر والشعير والتمر والملح وما يجري مجراها بالنقود الورقية المعروفة اليوم، فيصح أن تبيع القمح إلى أجل، أي كما يسميه الناس اليوم البيع بالدين، قال الإمام النووي: [وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلاً ومؤجلاً، وذلك كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل.] شرح النووي على صحيح مسلم ١١/٩.\rوقال الشيخ ابن حزم: [وجائز بيع القمح والشعير والتمر والملح بالذهب أو بالفضة يداً بيد ونسيئةً وجائز تسليم الذهب أو الفضة بالأصناف التي ذكرنا لأن النص جاء بإباحة كل ذلك وبالله تعالى التوفيق.] المحلى ٧/٤٣٨.\rوقال الشيخ تقي الدين السبكي: [وأما إسلام النقدين في المطعومات فصحيح إذ لم يجتمعا في علة واحدة قال محمد بن يحيى: فإن قيل ينبغي ألا يصح لأن الحديث أخذ علينا شرطين: الحلول والتقابض عند اختلاف الجنس. قلنا: ظاهر هذا الكلام يقتضي هذا تنزيلاً على اختلاف الجنسين في هذه السنة المذكورة غير أن الأمة أجمعت على أن السنة المذكورة في الحديث جملتان متفاضلتان النقدان والأشياء الأربعة، تنفرد كل جملة بعلتها، والمراد بالحديث اختلاف الجنسين من جملة واحدة كالذهب بالفضة والحنطة بالشعير، وحاصله تخصيص عام أو تقييد مطلق بالإجماع وهذا الإجماع الذى قاله محمد بن يحيى والذى قاله المصنف في آخر هذا الفصل وسأذكر من نقله غيرهما إن شاء الله تعالى] تكملة المجموع ١٠/٩١. وقال الشيخ تقي الدين السبكي أيضاً: [قاعدة: العقود بالنسبة إلى التقابض على أربعة أقسام: (منها) ما يجب فيه التقابض قبل التفرق بالإجماع وهو الصرف، ومنها ما لايجب بالإجماع كبيع المطعومات وغيرها من العروض بالنقدين الذهب والفضة ... ] تكملة المجموع ١٠/٩٣. وقال الشيخ تقي الدين السبكي أيضاً: [إذا عرف ذلك فإذا باع الربوي بربوي آخر يخالفه في علة الربا حلَّ فيه التفاضل والنساء – أي التأجيل - والتفرق قبل التقابض لما ذكره المصنف ﵀ وللإجماع المذكور نقله الشافعي رحمه الله تعالى في الإملاء واقتضاه كلامه في الأم والمختصر ولفظه في الإملاء أصرح قال فيه: [لأن المسلمين أجمعوا على أن الذهب والورق يسلمان فيما سواهما] وقال في الأم في باب الآجال في الصرف: [ولا أعلم المسلمين اختلفوا في أن الدنانير والدارهم يسلمان في كل شئ إلا أن أحدهما لا يسلم في الآخر] وقال في مختصر المزني ﵀: [ولا أعلم بين المسلمين خلافاً في أن الدينار والدرهم يسلمان في كل شئ ولا يسلم أحدهما في الآخر] تكملة المجموع ٠/١٧٣. ومما يدل على جواز بيع الحنطة والشعير والتمر والملح بالنقود إلى أجل ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (اشترى رسول الله صلى الله عله وسلم من يهودي طعاماً بنسيئة وأعطاه درعا له رهناً) رواه البخاري ومسلم. ومعنى نسيئة أي إلى أجل. ويدل عليه أيضاً ما ورد في الحديث عن ابن عباس: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: (من أسلف في شيء؛ فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم) رواه البخاري ومسلم. قال الشيخ العثيمين: [ ... وعلى هذا يجوز بيع صاع من البر بدينار من الذهب مع التفرق وعدم التساوي لاختلاف القصد؛ لأن هذا يقصد به النقد والثمنية، وهذا يقصد به القوت. فإن قيل: الحديث يدل على أنه لا يصح إلا بالقبض؛ فما هو الجواب؟ نقول: حقيقة إن هذا مقتضى الحديث أنك إذا بعت ذهباَ ببر وجب التقابض؛ لقوله ﷺ: (فإذا اختلفت هذه الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) . والجواب عن هذا أن نقول: قد دلت السنة من وجه آخر على أن القبض ليس بشرط فيما إذا كان أحدهما ثمناً، قال ابن عباس ﵄: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: (من أسلف في شيء؛ فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم) . وعلى هذا؛ فحديث: (فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) لا عموم لمفهومه؛ فلا يشترط القبض في كل صورة من صور المخالفة، وإنما يشترط القبض فيما إذا اتفقا في الغرض؛ كذهب بفضة، أو بر بشعير، وأما ذهب أو فضة بشعير ونحوه؛ فلا يشترط القبض.] مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين ٩/٥٠١-٥٠٢. وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية ١٣/٢٨٢: [أجمع العلماء على جواز بيع الحنطة والشعير والتمر والملح بنقد ذهبي أو فضي أو ما قام مقامهما من العملات النقدية، حالاً أو مؤجلاً، سواء كان المؤجل بسعر الحال، أو أكثر أو أقل] .\rوخلاصة الأمر أنه يجوز شرعاً بيع القمح والشعير والتمر والملح - وكذا كل ما يتحد معها في العلة - بالنقود إلى أجل، وأن القول بمنع ذلك قول مخالف لما دلت عليه الأدلة ولما تعارف عليه الناس منذ عهد بعيد، وما هو إلا جمود على ظاهر النص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346150,"book_id":3840,"shamela_page_id":530,"part":"12","page_num":24,"sequence_num":530,"body":"٢٤ - السحب على المكشوف\rيقول السائل: أنا موظف وراتبي محول على أحد البنوك التجارية وأقوم بسحب الراتب قبل تحويله من المؤسسة التي أعمل فيها، وأحياناً أسحب ضعف الراتب قبل نزوله فما حكم هذه العملية، أفيدونا؟ الجواب: هذه العملية تسمى السحب على المكشوف، وتكييفها الشرعي أنها قرض ربوي، لأن البنوك التجارية التي تتعامل بها ترتب فوائد ربوية عليها، فحقيقة هذه المعاملة أن البنك يقرض الموظف مبلغاً من المال قبل موعد نزول راتب الموظف لدى البنك، ثم يقوم البنك باستيفاء القرض مع الفائدة الربوية عند نزول الراتب، وهذا هو الربا بعينه، والربا من أكبر الكبائر وتحريمه قطعي في كتاب الله ﷾ وفي سنة النبي ﷺ، فقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ* يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩. وثبت في الحديث عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم.\rوعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فَرُدَّ حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا) رواه البخاري.\rوعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة) رواه ابن ماجة، ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وفي لفظ له قال: (الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قل) وقال فيه أيضاً صحيح الإسناد، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم ٣٥٤٢ وبرقم ٥٥١٨.\rوعن سلمان بن عمرو عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع يقول: (ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون، ألا وإن كل دم من دم الجاهلية موضوع، وأول دم أضع منها دم الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل، قال: اللهم هل بلّغت؟ قالوا: نعم، ثلاث مرات. قال: اللهم اشهد ثلاث مرّات) رواه أبو داود وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٤١-٦٤٢.\rوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمِن الحلال أم مِنَ الحرام) رواه البخاري.\rوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان يأكلون الربا، فمن لم يأكله، أصابه من غباره) . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم في المستدرك وقال: قد اختلف في سماع الحسن عن أبي هريرة، فإن صح سماعه منه، فهذا حديث صحيح.\rوعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الربا ثلاثة وسبعون شعبة أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وصححه وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٣.\rوعن عبد الله بن حنظلة ﵁ غسيل الملائكة - أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشدُّ من ستٍّ وثلاثين زنية) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد ٤/١١٧. وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/٢٩. وغير ذلك من النصوص الحرمة للربا.\rومن صور السحب على المكشوف في البنوك الربوية التعامل ببطاقات الإئتمان التي تتيح لحاملها أن يسحب من البنك مبالغ مالية مع أن حسابه لا يغطيها ويقوم البنك بترتيب فوائد ربوية على ذلك، وهذا لا شك في تحريمه، وقد صدر قرار عن مجمع الفقه الإسلامي وضح فيه القواعد الأساسية للتعامل مع هذه البطاقات ونصه: [ ... بعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع (بطاقات الائتمان غير المغطاة) وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله من الفقهاء والاقتصاديين، ورجوعه إلى تعريف بطاقة الائتمان في قراره رقم ٦٣/١/٧ الذي يستفاد منه تعريف بطاقة الائتمان غير المغطاة بأنه: مستند يعطيه مصدرُه (البنك المصدر) لشخص طبيعي أو اعتباري (حامل البطاقة) بناء على عقد بينهما يمكنه من شراء السلع، أو الخدمات، ممن يعتمد المستند (التاجر) دون دفع الثمن حالاً لتضمنه التزام المصدر بالدفع، ويكون الدفع من حساب المصدر، ثم يعود على حاملها في مواعيد دورية، وبعضها يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع بعد فترة محددة من تاريخ المطالبة، وبعضها لا يفرض فوائد.\rقرر ما يلي:\rأولاً: لا يجوز إصدار بطاقة الائتمان غير المغطاة ولا التعامل بها، إذا كانت مشروطة بزيادة فائدة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازماً على السداد ضمن فترة السماح المجاني.\rثانياً: يجوز إصدار البطاقة غير المغطاة إذا لم تتضمن شرط زيادة ربوية على أصل الدَّين. ويتفرع على ذلك:\rأ. جواز أخذ مصدرها من العميل رسوماً مقطوعة عند الإصدار أو التجديد، بصفتها أجراً فعلياً على قدر الخدمات المقدمة منه.\rب. جواز أخذ البنك المصدر من التاجر عمولة على مشتريات العميل منه،\rشريطة أن يكون بيع التاجر بالبطاقة بمثل السعر الذي يبيع به بالنقد.\rثالثاً: السحب النقدي من قبل حامل البطاقة اقتراضاً من مصدرها، ولا حرج فيه شرعاً إذا لم يترتب عليه زيادة ربوية، ولا يعد من قبيلها الرسوم المقطوعة التي لا ترتبط بمبلغ القرض أو مدته مقابل هذه الخدمة. وكل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة لأنها من الربا المحرم شرعاً كما نص على ذلك المجمع في قراره رقم ١٣ (١٠/٢) و ١٣ (١/٣) .\rرابعاً: لا يجوز شراء الذهب والفضة وكذا العملات النقدية بالبطاقة غير المغطاة] انتهى قرار المجمع الفقهي.\rومن صور السحب على المكشوف أيضاً إصدار شيك بدون رصيد حيث إن بعض المتعاملين مع البنوك الربوية يتفقون معها عند إصدارهم شيكات بدون رصيد، على أن يقوم البنك بتغطية قيمة هذه الشيكات التي لا رصيد لها واحتساب فوائد ربوية على مبلغ الشيكات، وهذا رباً واضح وهو محرم شرعاً.\rوخلاصة الأمر أن السحب على المكشوف الذي تتعامل به البنوك الربوية محرم شرعاً، لأنه في حقيقته عقد ربوي، كما أن التعامل ببطاقات الإئتمان التي تسمح لحاملها أن يسحب أكثر من رصيده يحرم التعامل بها، وكذا إصدار شيكات بدون رصيد على أن يقوم البنك بتغطيتها مع ترتيب فائدة ربوية من المحرمات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346151,"book_id":3840,"shamela_page_id":531,"part":"12","page_num":25,"sequence_num":531,"body":"٢٥ - حكم إصدار شيك بدون رصيد\rيقول السائل: أرجو بيان حكم إصدار شيك بدون رصيد، أفيدونا؟ الجواب: الشيك نوع من أنواع التوثيق المشروع للدين بالكتابة، كما ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي [الأوراق التجارية - الشيكات ... - من أنواع التوثيق المشروع للدين بالكتابة] مجلة المجمع العدد السابع ج ٢ ص٩. والتعامل بالشيكات الأصل فيه الجواز بشرط أن يكون وفق الضوابط الشرعية التي قررها الفقهاء المعاصرون وكذا المجامع الفقهية، وإصدار شيك بدون رصيد أمر معروف ويتعامل به الناس وخاصة التجار، حيث إنهم يشترون بضاعة ويعطون بائعها شيكاً متأخراً بلا رصيد، ويجوز إصدار شيك بدون رصيد إذا كان المصدر للشيك سيقوم بتغطية المبلغ المرقوم في الشيك قبل تاريخ استحقاقه، فإذا التزم مصدر الشيك بهذا القيد فلا حرج في إصداره شيكاً بدون رصيد.\rوأما إذا أصدر شيكاً بدون رصيد وهو عازم على عدم تغطية المبلغ المرقوم في الشيك قبل تاريخ استحقاقه، وحان موعد صرف الشيك وليس له رصيد، فإن هذا العمل محرم لما يلي: أولاً: لأن هذا يعتبر من باب تعمد إخلاف الوعد، والأصل في المسلم أن يفي بوعده، وخاصة أن مصدر الشيك إذا كان تاجراً فإنه يكون قد استلم البضاعة، وصاحب البضاعة ما سلَّمها له إلا ثقة به على أن يستلم ثمن البضاعة حين يأتي تاريخ الشيك المتأخر.\rوكثيرٌ من النصوص من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ أمرت بالوفاء بالوعد وحثت على ذلك وذمت من لم يف بوعده فمن هذه النصوص قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ سورة المائدة الآية ١. فهذه الآية الكريمة تأمر بالوفاء بالعقود والوعد داخل في ذلك. قال الزجاج: [المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم مع بعضكم مع بعض] نقله عنه القرطبي في تفسيره ٦/٣٣.\rوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ سورة الصف الآية ٣. وهذه الآية من أشد الآيات في وجوب الوفاء بالوعد لأنها تضمنت الذم الشديد لمن لم يف بما يعد. قال القرافي: [والوعد إذا أخلف قول لم يفعل فيلزم أن يكون كذباً وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقاً] الفروق ٤/٢٠. وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ سورة النحل الآية ٩١. وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ سورة الإسراء الآية ٣٤.\rوورد في السنة النبوية ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد فمن ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف) رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية أخرى عند مسلم: (من علامات المنافق ثلاث ... ) . وفي رواية ثالثة عند مسلم أيضاً: (آية المنافق ثلاث ... وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) . وجاء في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) رواه البخاري ومسلم. وجاء في الحديث عن عبد الله بن عامر ﵁ قال: (دعتني أمي يوماً ورسول الله ﷺ قاعد في بيتها فقالت: تعال أعطك. فقال لها رسول الله ﷺ: ما أردت أن تعطيه؟ فقالت: أعطيه تمراً. فقال لها رسول الله ﷺ أما إنك لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة) رواه أبو داود وحسّنه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/٩٤٣، وفي السلسة الصحيحة ٢/٣٨٤. وجاء في الحديث عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يستعيذ في صلاته كثيراً من المأثم والمغرم -الإثم والدَّين- فقيل له: يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: إن الرجل إذا غرم -أي استدان- حدث فكذب ووعد فأخلف) رواه البخاري. والذي أميل إليه وأختاره وجوب الوفاء بالوعد ديانةً وقضاءً وهذا قول جماعة من أهل العلم منهم جماعة من فقهاء السلف كالفقيه المعروف ابن شبرمة والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والقاضي سعيد بن الأشوع وإسحاق بن راهويه وغيرهم.\rثانياً: إن إصدار شيك بدون رصيد مع عدم تغطيته في موعده يُعَدُّ من باب أكل أموال الناس بالباطل ولا شك في تحريم ذلك، يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٨. ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ سورة النساء الآية ٢٩. وعن صهيب رضي الله عن أن رسول الله ﷺ قال: (أيما رجل يدين ديناً وهو مجمع على أن لا يوفيه إياه لقي الله سارقاً) رواه ابن ماجة والبيهقي وقال العلامة الألباني: حسن صحيح كما في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٥٢.\rثالثاً: بعض المتعاملين مع البنوك الربوية يتفقون معها عند إصدارهم شيكات بدون رصيد، حيث يقوم البنك بتغطية قيمة هذه الشيكات التي لا رصيد لها واحتساب فوائد ربوية على مبلغ الشيكات، وهذا رباً واضح وهو محرم شرعاً بالنصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، يقول الله ﷾: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أثيم إن الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين َفإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩. ويقول النبي ﷺ: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء) رواه مسلم. رابعاً: إن إصدار شيك بدون رصيد مع عدم تغطيته في موعده، فيه إلحاق الضرر بالناس وهو أمر محرم وقد جاء في الحديث قول النبي ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠.\rخامساً: إصدار شيك بدون رصيد مع عدم تغطيته في موعده، من المسائل المستجدة التي ينبغي أن يعاقب عليها بعقوبة تعزيرية رادعة، لأنها صارت منتشرة بين الناس بشكل كبي ويترتب عليها أضرار كثيرة، والقوانين الوضعية تعاقب عليها، فقد جاء في ذلك المادة ٤٢١ من قانون العقوبات الأردني: [يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن مائة دينار ولا تزيد على مائتي دينار كل من أقدم بسوء نية على ارتكاب أحد الأفعال التالية: أ- إذا أصدر شيكاً وليس له مقابل وفاء قائم وقابل للصرف. ب- إذا سحب بعد إصدار الشيك كل المقابل لوفائه أو بعضه بحيث لا يفي الباقي بقيمته. ج- إذا أصدر أمراً إلى المسحوب عليه بالامتناع عن صرف الشيك في غير الحالات التي يجيزها القانون. د- إذا ظهَّر لغيره شيكاً أو أعطاه شيكاً مستحق الدفع لحامله وهو يعلم أنه ليس له مقابل يفي بكامل قيمته أو يعلم أنه غير قابل للصرف.] . كما أن بعض البلدان قد وضعت عقوبات أخرى لمن يصدر شيكات بدون رصيد مثل شطب السجل التجاري لمن يصدر بشكل متكرر شيكات بدون رصيد، والتحفظ على محل التاجر أو شركته. وختاماً أنبه على أمرين: أولهما تعامل البنوك الإسلامية مع الشيكات بدون رصيد، حيث إن البنوك الإسلامية لا تتقاضى أية فوائد في حال قبلت كشف حساب الزبون المصدر للشيك بدون رصيد، لأن القاعدة الأساسية التي تقوم عليها البنوك الإسلامية هي عدم التعامل بالربا لا أخذاً ولا إعطاءً، كما أن البنوك الإسلامية لا تقبل كشف حساب الزبون المصدر للشيك بدون رصيد، إلا إذا كان عنده ضمانات مثل وديعة استثمارية، وكذلك أن يكون كشف الحساب لمدة قصيرة لا تتجاوز نهاية الشهر الذي قُدمَ فيه الشيك بدون رصيد. وثانيهما: إذا صدر شيك بدون رصيد وأرجعه البنك المسحوب عليه، فإن البنك يتقاضى رسوماً على ذلك، وهذه الرسوم يجب أن يتحملها المصدر للشيك بدون رصيد.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم إصدار شيكات بدون رصيد إذا لم يتم تغطية المبلغ المرقوم فيها، لاشتمال هذه العملية على عدة مفاسد بينتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346152,"book_id":3840,"shamela_page_id":532,"part":"12","page_num":26,"sequence_num":532,"body":"٢٦ - حكم دفع رسوم الخدمات للمجالس المحلية والبلدية\rيقول السائل: في بلدتنا لا يدفع كثير من السكان رسوم الخدمات التي يقدمها المجلس المحلي كجمع النفايات ونحوها، مما أدى إلى تراكم النفايات في الشوارع وصارت تشكل مكرهة صحية، فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟ الجواب: إن ما تقوم به البلديات والمجالس المحلية من أعمال خدمية يصب في الصالح العام للسكان، ولا شك أن من واجب جميع سكان البلد أن يتعاونوا فيما يحقق لهم المصالح ويدرأ عنهم المفاسد، وهذا التعاون واجب شرعي لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ سورة المائدة الآية ٢. ولا شك أن جمع النفايات من الأمور النافعة التي تعود بالمصلحة على جميع الساكنين من حيث النظافة والمحافظة على الصحة العامة، والمحافظة على البيئة، وكل ذلك من المقاصد الشرعية، والإسلام دين النظافة، ويظهر ذلك واضحاً جلياً في كثير من النصوص الشرعية التي تحث على النظافة والطهارة والتطيب وإزالة ما يجب إزالته من الروائح الكريهة، كقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ سورة المدثر الآية ٤، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٢. وكقوله تعالى: ﴿لا تقم فيه أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ سورة التوبة الآية١٠٨. وورد في الحديث قوله ﷺ: (طهروا هذه الأجساد طهركم الله، فإنه ليس عبد يبيت طاهراً إلا وبات معه ملك في شعاره) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد، وقال الهيثمي: أرجو أنه حسن الإسناد. وقال العلامة الألباني: إسناده حسن، انظر السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٣٩، وحسنه العلامة الألباني أيضاً في صحيح الترغيب والترهيب حديث رقم ٥٩٩. وورد في الحديث قوله ﷺ: (طهروا أفنيتكم فإن اليهود لا تطهر أفنيتها) . صححه العلامة الألباني ثم قال: رواه الطبراني في الأوسط وقال المناوي: قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني. وأخرجه الترمذي ٢/١٣١من طريق خالد بن إلياس ... قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم، ولا تشبهوا باليهود. قاله العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ١/٤١٨.\rوكذلك فإن إزالة النفايات فيه محافظة على البيئة وفيه أيضاً رفع للأذى من طريق المسلمين، وقد حثنا الرسول ﷺ على ذلك، فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون أو ستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) رواه مسلم، وعن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أماط أذىً من طريق المسلمين، كتبت له حسنة، ومن تُقبلت منه حسنة دخل الجنة) رواه الطبراني والبخاري في الأدب المفرد، وقال العلامة الألباني حديث حسن، انظر صحيح الأدب المفرد ص ٢٢١. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بينما رجل يمشي في الطريق إذ وجد غصن شوك، فأخره فشكر الله له فغفر له.) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم) رواه مسلم. وغير ذلك من الأحاديث.\rإذا تقرر هذا فإن من الواجب الشرعي على المسلم أن يدفع ثمناً للخدمات التي تقدمها البلديات والمجالس المحلية، ما دام أن تلك الخدمات تقدم بأجر، ويحرم الامتناع عن دفع تلك الرسوم أو التهرب من دفعها، ويعتبر ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٢٩. وكذلك فإن الامتناع من دفع رسوم الخدمات للبلديات والمجالس المحلية يعد من خيانة الأمانة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ سورة النساء الآية ٥٨. ويعتبر ذلك من الإخلال بالعقود والعهود والمواثيق فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ سورة المائدة الآية ١.\rوقد قال النبي ﷺ: (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم لكنه بدون الاستثناء، ورواه كذلك الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ (المسلمون عند شروطهم) أي بدون الاستثناء. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن الوفاء بها أي بالالتزامات التي التزم بها الإنسان من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل العقلاء جميعاً] مجموع الفتاوى ٢٩/٥١٦ والقواعد النورانية ص٥٣.\rوسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية: هل يجوز التحايل للامتناع عن دفع فاتورة الكهرباء أو الماء أو التليفون أو الغاز أو أمثالها؟. فأجابت: [لا يجوز؛ لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل، وعدم أداء الأمانة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ] فتاوى اللجنة الدائمة ٢٣/٤٤١.\rوجاء في فتاوى الإسلام سؤال وجواب ١/٥٧٤٩ حول سؤال يتعلق بتهرب بعض الناس من دفع الالتزامات [لا يجوز لهم ذلك، فالعقد شريعة المتعاقدين، والله جل وعلا أمر بالوفاء بالعقود ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ فهؤلاء الذين يتهربون من دفع شيء تعاقدوا عليه، ويأخذون أشياء لهم، ويمتنعون من دفع أشياء عليهم أخطأوا من وجهين: الأول: عدم الوفاء بالعقود، والثاني: أنهم يأخذون حقوقاً ليست لهم ويتهربون من دفع حقوق عليهم. فالواجب عليهم أن يدفعوا ما يطلب منهم، وإذا كانوا يتحرجون من ذلك، فلا يستفيدوا من الخدمات التي تقدم لغيرهم مقابل دفع هذه الأموال المطلوبة منهم.]\rوأخيراً أنبه على بعض الأمور القريبة من السؤال مثل سرقة المياه وسرقة الكهرباء ورمي النفايات في الشوارع وكذلك التعدي على الشوارع بالبناء وغير ذلك، فهذه الأمور كلها محرمة وتضر بمصالح الناس، وقد صح في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) رواه ابن ماجة والدارقطني والحاكم وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني، السلسلة الصححة حديث رقم ٢٥٠. وقد اعتبر الفقهاء هذا الحديث من القواعد الفقهية العامة فلا يجوز لأحد أن يتعدى على حقوق الآخرين، ومن ضمن ذلك ما يتعلق بالطرق والشوارع، فمن المعلوم أن الطريق من الحقوق العامة التي ينتفع بها الناس كافة فلا يجوز لأحد أن يؤذي غيره فيها. فاستعمال الطرق والشوارع له أحكام شرعية متعلقة به وليس للإنسان مطلق الحرية أن يتصرف في الشوارع حسبما يريد وكيفما يريد، جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إياكم والجلوس على الطرقات. فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطريق حقها. قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر وكف الأذى وردّ السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر) رواه البخاري. وفي رواية أخرى، قال ﷺ (إذ أبيتم إلا الجلوس في الطريق فأعطوا الطريق حقه قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال غض البصر، ورد السلام، وإماطة الأذى عن الطريق)\rوخلاصة الأمر أنه يحرم الامتناع عن دفع رسوم جمع النفايات للبلديات والمجالس المحلية وفي ذلك مفاسد من جهات عديدة بينتها، والأعمال الخدمية التي تقوم بها البلديات والمجالس المحلية تعتبر من المصالح العامة للسكان والتعاون في ذلك من الواجبات الشرعية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346153,"book_id":3840,"shamela_page_id":533,"part":"12","page_num":27,"sequence_num":533,"body":"٢٧ - عقد الإجارة يورث\rيقول السائل: استأجر والدي محلاً تجارياً وجعله بقالة كبيرة وبعد أقل من سنة توفي والدي ويطالبنا مالك المحل بإخلاء المحل لأن المستأجر قد توفي فهل عقد الإجارة ينتهي بوفاة والدي، أفيدونا؟ الجواب: الإجارة عند الفقهاء عقد معاوضة على تمليك منفعة بعوض، انظر الموسوعة الفقهية ١/٢٥٢. وهي عقد مشروع بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وانعقد الإجماع على ذلك يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ . وورد في الحديث عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل حديث رقم ١٤٩٨. وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: (قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حراً فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره) رواه البخاري.\rوقد اختلف أهل العلم في فسخ عقد الإجارة بوفاة أحد المتعاقدين، فذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة وبه قال إسحاق بن راهويه وعثمان البتي وأبو ثور وابن المنذر، إلى أن عقد الإجارة لا يفسخ بوفاة أحد المتعاقدين، وذهب الحنفية وبعض التابعين إلى أنه يفسخ، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [قال: (وإذا مات المكري والمكتري أو أحدهما فالإجارة بحالها) هذا قول مالك والشافعي وإسحاق والبتي وأبي ثور وابن المنذر. وقال الثوري وأصحاب الرأي والليث: تنفسخ الإجارة بموت أحدهما ; لأن استيفاء المنفعة يتعذر بالموت، لأنه استحق بالعقد استيفاءها على ملك المؤجر، فإذا مات زال ملكه عن العين، فانتقلت إلى ورثته، فالمنافع تحدث على ملك الوارث، فلا يستحق المستأجر استيفاءها، لأنه ما عقد مع الوارث، وإذا مات المستأجر، لم يمكن إيجاب الأجر في تركته]\rثم قال الشيخ ابن قدامة المقدسي مستدلاً لقول الجمهور: [ولنا أنه عقد لازم، فلا ينفسخ بموت العاقد، مع سلامة المعقود عليه، كما لو زوج أمته ثم مات، وما ذكروه لا يصح; فإنا قد ذكرنا أن المستأجر قد ملك المنافع, وملكت عليه الأجرة كاملة في وقت العقد ... ولو صح ما ذكروه لكان وجوب الأجر ها هنا بسبب من المستأجر, فوجب في تركته بعد موته, كما لو حفر بئراً , فوقع فيها شيء بعد موته, ضمنه في ماله ; لأن سبب ذلك كان منه في حال الحياة , كذا ها هنا.] المغني ٥/٣٤٧.\rوذهب جمهور الفقهاء هو الراجح لأن الإجارة عقد لازم فلا ينفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه, ولذلك تبقى العين عند المستأجر حتى يستوفي منها ما تبقى له من المنفعة، وليس لورثة المؤجر أن يمنعوه من الانتفاع بها، ويدل على ذلك أن النبي ﷺ أعطى خيبر لأهلها ليعملوا فيها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها واستمر الحال على ذلك في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه حتى أخرجهم عمر ﵁، قال الإمام البخاري في صحيحه [باب إذا استأجر أرضاً فمات أحدهما] وقال ابن سيرين ليس لأهله أن يخرجوه إلى تمام الأجل، وقال الحكم والحسن وإياس بن معاوية تمضى الإجارة إلى أجلها، وقال ابن عمر أعطى النبي ﷺ خيبر بالشطر فكان ذلك على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر ولم يذكر أن أبا بكر وعمر جددا الإجارة بعد ما قبض النبي ﷺ] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٤/٥٨٣.\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح الباب: [ (قوله باب إذا استأجر أرضا فمات أحدهما) أي هل تفسخ الإجارة أم لا؟ والجمهور على عدم الفسخ وذهب الكوفيون والليث إلى الفسخ، واحتجوا بأن الوارث ملك الرقبة والمنفعة تبع لها فارتفعت يد المستأجر عنها بموت الذي آجره، وتعقب بأن المنفعة قد تنفك عن الرقبة كما يجوز بيع مسلوب المنفعة، فحينئذ ملك المنفعة باق للمستأجر بمقتضى العقد.\rوقد اتفقوا على أن الإجارة لا تنفسخ بموت ناظر الوقف فكذلك هنا. قوله (وقال ابن سيرين ليس لأهله) أي أهل الميت (أن يخرجوه) أي يخرجوا المستأجر (إلى تمام الأجل وقال الحسن والحكم وإياس بن معاوية تمضى الإجارة إلى أجلها) وصله بن أبي شيبة من طريق حميد عن الحسن وإياس بن معاوية ومن طريق أيوب عن بن سيرين نحوه.\rثم أورد المصنف حديث ابن عمر أعطى النبي ﷺ خيبر اليهود على أن يعملوها ... وكذلك الطريق المعلقة آخر الباب وهي قوله (وقال عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر حتى أجلاهم عمر) ... والغرض منه هنا الاستدلال على عدم فسخ الإجارة بموت أحد المتآجرين وهو ظاهر في ذلك وقد أشار إليه بقوله ولم يذكر أن أبا بكر جدد الإجارة بعد النبي ﷺ وذكر فيه حديث بن عمر في كراء المزارع وحديث رافع بن خديج في النهي عنه] فتح الباري ٤/٥٨٣-٥٨٤.\rقال الماوردي مستدلاً لقول جمهور الفقهاء: [ودليلنا هو أن ما لزم من عقود المعاوضات المحضة لم ينفسخ بموت أحد المتعاقدين كالبيع، فان قيل ينتقض بموت من أجر نفسه لم يصح لأن العقد إنما يبطل بتلف المعقود عليه لا بموت العاقد، ألا تراه لو كان حياً فزمن بطلت الإجارة، وان كان العاقد حياً، ... ويتحرر من هذا الاعتلال قياسان: (أحدهما) أنه عقد لازم على منافع ملكه فلم يبطل بموته ... والثانى: ... ولأن المنافع قد تنتقل بالمعاوضة كالأعيان فجاز أن تنتقل بالإرث كالأعيان. ويتحرر من هذا الاعتلال قياسان: أحدهما: أن ما صح أن ينتقل بعوض صح أن تنقل به المنافع في الإجارات ولأن بالموت يعجز عن إقباض ما استحق تسليمه بعقد الإجارة فلم يبطل بعد العقد كالجنون والزمانة، ولأنه عقد لا يبطل بالجنون فلم يبطل بالموت كالبيع، ولان منافع الأعيان مع بقاء ملكها قد تستحق بالرهن تارة وبالإجارة أخرى. فلما كان ما تستحق منفعته بارتهانه إذا انتقل ملكه بالموت لم يوجب بطلان رهنه وجب أن يكون ما استحقت منفعته بالاجارة إذا انتقل ملكه بالموت لم يوجب بطلان إجارته، وقد استدل الشافعي بهذا في الأم. ولأن الوارث إنما يملك بالإرث ما كان يملكه الموروث، والموروث إنما كان يملك الرقبة دون المنفعة فلم يجز أن يصير الوارث مالكاً للرقبة والمنفعة، ولان إجارة الوقف لا تبطل بموت مؤجره بوفاق أبى حنيفة. وإن قال بعض أصحابنا: تبطل، فكذلك إجارة الملك لا تبطل بموت مؤجره كالوقف] الحاوي الكبير ٧/٤٠١.\rوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل استأجر بستاناً مدة عشر سنين وقام بقبض مبلغ الأجرة ثم توفي لانقضاء خمس سنين من المدة وبقي في الإجارة خمس سنين وله ورثة وأقاموا ورثة المتوفى بعد مدة سنة من وفاته. فهل يجوز للمالك فسخ الإجارة على الأيتام؟ أم لا؟ . فأجاب: ليس للمؤجر فسخ الإجارة بمجرد موت المستأجر عند جماهير العلماء؛ لكن منهم من قال: إن الأجرة على المستأجر تحل بموته وتستوفى من تركته فإن لم يكن له تركة فله فسخ الإجارة. ومنهم من يقول: لا تحل الأجرة إذا وثق الورثة برهن أو ضمين يحفظ الأجرة؛ بل يوفونه كما كان يوفيها الميت وهذا أظهر القولين.] مجموع الفتاوى ٣٠/١٥٧.\rوسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن وقف تعطل وبيع نصفه لإصلاح النصف ... واستؤجر ... من يسقي النصف الآخر عشر سنين فمات الذي استؤجر لما مضى سنتان وأراد ورثته أن يتموا باقي المدة وأراد المستأجر الفسخ؟\rفأجاب: الإجارة صحيحة ثابتة لا تنفسخ بموت المستأجر، فإذا تمم الورثة ما على ميتهم استحقوا ما استحقه، وليس للمؤجر الفسخ; ودليل هذا: أن القول بانفساخ الإجارة، أو المساقاة قول ضعيف، رده أهل العلم بالنص الثابت، من ذلك أن النبي ﷺ لما ساقى أهل خيبر، لم يجدد الخلفاء بعده عقداً، فإذا ثبت هذا فقد أمر الله بالوفاء بالعقود بقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ سورة المائدة الآية ١، وهذا لفظ عام من جوامع الكلم، فمن ادعى في صورة من العقود أنه لا يجوز، أو لا يجوز الوفاء به لأجل الموت أو غيره، فعليه الدليل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وكذلك: أن من ادعى أن مثل هذا العقد وغيره، لا يجب الوفاء به، لأجل شرط أو ترك شيء من العقد أو غيره، فعليه الدليل، وقد كمل الله الدين بمحمد ﷺ والله أعلم.] الدرر السنية في الكتب النجدية ٧/٣٥٥.\rوخلاصة الأمر أن عقد الإجارة لا يفسخ بموت المستأجر، وقد جرى عرف الناس في بلادنا على هذا القول الراجح، وإذا قلنا بالفسخ فإن ضرراً واضحاً يلحق بورثة المستأجر، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بدفع الضرر فقد: ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي والحاكم وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ووافقه الذهبي وقال الشيخ الألباني: صحيح. إرواء الغليل ٣/٤٠٨. وانظر السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠. وبناءً على ما سبق فلا يجوز لصاحب الملك أن يطالب بإخلاء المحل، لأن المستأجر قد توفي، فعقد الإجارة لا ينتهي بوفاة أحد العاقدين، المؤجر أو المستأجر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346154,"book_id":3840,"shamela_page_id":534,"part":"12","page_num":28,"sequence_num":534,"body":"٢٨ - ثبوت حق الشفعة في المنقولات كالسيارة\rيقول السائل: إنه شريك في سيارة نقل مع صديق له، لكل منهما النصف، ويريد شريكه أن يبيع حصته لشخص آخر نكاية به فهل تثبت له الشفعة، أفيدونا؟ الجواب: اتفق أهل العلم على ثبوت الشفعة في الأراضي والعقارات الثابتة وقد دل على ذلك أحاديث منها عن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا أوقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) رواه البخاري. وعن جابر ﵁ أيضاً: (أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذه وإن شاء ترك فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به) رواه مسلم. وعن جابر أن النبي ﷺ قال: (الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وحسنه. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ورجاله ثقات، بلوغ المرام ص ١٨٥، وغير ذلك من النصوص. وقد اختلف العلماء في ثبوت الشفعة في الأشياء المنقولة، فجمهور أهل العلم يرون أن الشفعة لا تثبت في المنقولات، وإنما هي خاصة بالعقارات والأراضي، وقال بعض أهل العلم بثبوت الشفعة في المنقولات، قال الإمام الترمذي: [وقال أكثر أهل العلم إنما تكون الشفعة في الدور والأرضين ولم يروا الشفعة في كل شيء، وقال بعض أهل العلم الشفعة ف كل شيء] سنن الترمذي ٤/٥١٣. والقول بثبوت الشفعة في المنقولات قال به عطاء بن أبي رباح وابن أبي ليلى، وبه قالت الظاهرية، وهو رواية عن الإمام مالك، ونقل عن الإمام مالك القول بثبوت الشفعة في السفينة، وهي تشبه السيارة محل السؤال، وقال الإمام أحمد في رواية أبي الخطاب عنه بثبوت الشفعة في الحيوان، وهو من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، انظر فتح الباري ٤/٥٥١، تحفة الأحوذي ٤/٥١٣، المغني ٥/٢٣٢. قال الشيخ ابن حزم [الشفعة واجبة في كل جزء بيع مشاعاً غير مقسوم بين اثنين فصاعداً من أي شيء كان مما ينقسم ومما لا ينقسم من أرض أو شجرة واحدة فأكثر أو عبد أو ثوب أو أمة أو من سيف أو من طعام أو من حيوان أو من أي شيء بيع لا يحل لمن له ذلك الجزء أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه أو شركائه فيه ... ] المحلى ٨/٣. واختار هذا القول جماعة من المعاصرين كالشيخ العلامة العثيمين حيث قال: [ ... وعليه فالقول الراجح أن الشفعة تثبت في كل مشترك، سواء كان أرضاً، أم أوانِيَ، أم فرشاً، أم أي شيء] الشرح الممتع عن موقع الشيخ على الإنترنت. وهذا القول هو الذي أختاره وأرجحه، فالشفعة تثبت في المنقولات كالسيارات والسفن والقطارات والآلات ونحوها، ويدل على ثبوت الشفعة في المنقولات عموم الأدلة الدالة على مشروعية الشفعة كحديث جابر ﵁: (أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم ... ) رواه البخاري، فقوله (في كل ما لم يقسم) يدخل في عمومه المنقولات، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وقد تضمن هذا الحديث ثبوت الشفعة في المشاع، وصدره يشعر بثبوتها في المنقولات، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار وبما فيه العقار. وقد أخذ بعمومها في كل شيء مالك في رواية، وهو قول عطاء. وعن أحمد تثبت في الحيوانات دون غيرها من المنقولات، وروى البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعاً (الشفعة في كل شيء) ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال، وأخرج الطحاوي له شاهداً من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته.] فتح الباري ٤/٥٥٠-٥٥١. ويؤيد ما أشار إليه الحافظ من أن الحديث مشعر بثبوت الشفعة في المنقولات ما جاء في رواية أخرى للحديث عند البخاري (الشفعة في كل مال لم يقسم) ، فقوله كل مال يدخل فيه المنقولات. قال الشيخ ابن حزم [وأما اللفظ الذي في رواية أبي سلمة عن جابر (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فلا حجة لهم فيه لأنه ليس في هذا اللفظ نص ولا دليل على أن ذلك لا يكون إلا في الأرض والعقار والبناء، بل الحدود واقعة في كل ما ينقسم من طعام وحيوان ونبات وعروض وإلى كل ذلك طريق ضرورة كما هو إلى البناء وإلى الحائط ولا فرق، وكان ذكره ﵇ للحدود والطرق إعلاماً بحكم ما يمكن قسمته وبقي الحكم فيما لا يقسم على حسبه، فكيف وأول الحديث بيانٌ كافٍ في أن الشفعة واجبة في كل مالٍ يقسم، وفى كل ما لم يقسم، وهذا عموم لجميع الأموال ما احتمل منها القسمة وما لم يحتملها، ومن الباطل الممتنع أن يكون رسول الله ﷺ يريد بهذا الحكم الأرض فقط ثم يجمل هذا الإجمال حاش لله من هذا، وهو مأمور بالبيان لا بالإيهام والتلبيس] المحلى ٨/٩. ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: (الشريك شفيع والشفعة في كل شيء) رواه الترمذي والبيهقي والطحاوي وغيرهم، وهذا الحديث محل خلاف بين المحدثين، فمنهم من احتج به، ومنهم من لم يحتج به، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ ... وروى البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعاً (الشفعة في كل شيء) ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال، وأخرج الطحاوي له شاهداً من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته.] فتح الباري ٤/٥٥٠-٥٥١. وقواه العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين ٢/١٤١، وانظر السلسلة الضعيفة للعلامة الألباني ٣/٦٠-٦٥، فقد توسع في بيان حال الحديث وضعَّفه، وانظر الإلمام بأحاديث الأحكام ١/٢٢٩، وقد بين أن الحديث ورد من عدة طرق وهو لا يقل عن درجة الحسن. وقد احتج الشيخ ابن حزم بأدلة كثيرة لثبوت الشفعة في كل شيء منها ما ذكرته آنفاً، ثم قال: [فهذه آثار متواترة متظاهرة بكل ما قلنا، جابر وابن عباس عن النبي ﷺ بأن الشفعة في كل مال وفي كل شيء وفي كل ما لم يقسم، ورواها كذا عن جابر أبو الزبير سماعاً منه وعطاء وأبو سلمة، ورواه عن ابن عباس ابن أبى مليكة، فارتفع الإشكال جملة ولله تعالى الحمد، وممن قال بقولنا في هذا ... عمر بن الخطاب قال: إذا وقعت الحدود وعرف الناس حقوقهم فلا شفعة بينهم ... عثمان قال: لا مكايلة إذا وقعت الحدود فلا شفعة، فهذان عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان ﵄ يحملان قطع الشفعة بعد وجوبها بوقوع الحدود ومعرفة الناس حقوقهم ولم يخصا أرضاً دون سائر الأموال، بل أجملا ذلك، والحدود تقع في كل جسم مبيع وكذلك معرفة كل أحد حقه] المحلى ٨/٦. ويؤيد ذلك أيضاً ما ورد في الحديث عن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذه وإن شاء ترك فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به) رواه مسلم. والشاهد قوله (لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذه وإن شاء ترك فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به) والشريك في المنقول كالسيارة داخل في ذلك. ومما يدل على ثبوت الشفعة في المنقولات المعنى والحكمة التي من أجلها شرعت الشفعة وهي إزالة الضرر عن الشريك كما ذهب إليه طائفة من أهل العلم، ولا شك أن إزالة الضرر من مقاصد الشارع الحكيم. قال الشيخ ابن حزم: [فلا تخلو الشفعة من أن تكون من طريق النص كما نقول نحن أو من طريق النظر كما يقول المخالفون، فان كانت من طريق النص فهذه النصوص التي أوردنا لا يحل الخروج عنها، وإن كانت من طريق النظر كما يزعمون أنها إنما جعلت لدفع ضرر عن الشريك، فالعلة بذلك موجودة في غير العقار كما هي موجودة في العقار بل أكثر وفيما لا ينقسم كوجودها فيما ينقسم بل هي فيما لا ينقسم أشد ضرراً] المحلى ٨/٦. وقال العلامة ابن القيم [وقالت طائفة أخرى إنما شرعت الشفعة لرفع الضرر اللاحق بالشركة فإذا كانا شريكين في عين من الأعيان بإرث أو هبة أو وصية أو ابتياع أو نحو ذلك لم يكن رفع ضرر أحدهما بأولى من رفع ضرر الآخر، فإذا باع نصبيه كان شريكه أحق به من الأجنبي، إذ في ذلك إزالة ضرره مع عدم تضرر صاحبه، فإنه يصل إلى حقه من الثمن، ويصل هذا إلى استبداده بالمبيع، فيزول الضرر عنهما جميعاً، وهذا مذهب من يرى الشفعة في الحيوان والثياب والشجر والجواهر والدور الصغار التي لا يمكن قسمتها، وهذا قول أهل مكة وأهل الظاهر ونص عليه الإمام أحمد في رواية حنبل، قال قيل لأحمد فالحيوان دابة تكون بين رجلين أو حمار أو ما كان من نحو ذلك، قال هذا كله أوكد، لأن خليطه الشريك أحق به بالثمن، وهذا لا يمكن قسمته، فإذا عرضه على شريكه وإلا باعه بعد ذلك] إعلام الموقعين ٢/١٤٠.\rوخلاصة الأمر أن الشفعة تثبت في المنقولات كالسيارة على الراجح من أقوال أهل العلم، وهذا القول تؤيده الأدلة النقلية كالعمومات التي ذكرتها، وكذا ما ورد من الحديث في ثبوت الشفعة في كل شيء، وإن كان محل خلاف بين المحدثين فهو صالح للاحتجاج، كما أن مقاصد الشريعة الغراء قد جاءت برفع الضرر وإزالته عن الشريك، فلذلك رجحت هذا القول وإن كان جمهور أهل العلم على خلافه، وأقول ما قاله الإمام الشوكاني: [وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق] نيل الأوطار ٤/٢٦٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346155,"book_id":3840,"shamela_page_id":535,"part":"12","page_num":29,"sequence_num":535,"body":"٢٩ - هل تثبت الشفعة بمطلق الجوار؟\rيقول السائل: اختلفت مع جاري عندما بعت قطعة من أرضي لابن أختي فادعى جاري أن له حق الشفعة، مع العلم أن واجهة أرضي تقع على شارع غير الشارع الذي تقع عليه واجهة أرض جاري وإنما أرضه تحد أرضي من الجهة الخلفية، فهل تثبت الشفعة لجاري، أفيدونا؟ الجواب: الشفعة حق تملك قهري ثابت على خلاف الأصل، لأن الأصل المقرر شرعاً أن المالك حر التصرف فيما يملك، يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ سورة النساء الآية ٢٩. وورد في الحديث قول النبي ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) رواه أحمد والبيهقي وابن حبان وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٥/٢٧٩. لذا قرر جمهور الفقهاء أن الشفعة استحقاق وليست بيعاً، انظر أحكام الشفعة في الفقه الإسلامي ص ٦٠. وقد ثبتت النصوص في مشروعية الشفعة منها عن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا أوقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) رواه البخاري. وفي لفظ: (إنما جعل النبي ﷺ الشفعة ... ) رواه أحمد والبخاري وأبو داود. وعن جابر ﵁ أيضاً: (أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذه وإن شاء ترك فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به) رواه مسلم. وعن جابر أن النبي ﷺ قال: (الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وحسنه. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ورجاله ثقات، بلوغ المرام ص ١٨٥، وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قسمت الدار وحدت فلا شفعة فيها) رواه أبو داود وابن ماجة. وعن سمرة أن النبي ﷺ قال: (جار الدار أحق بالدار من غيره) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. وعن الشريد بن سويد قال: (قلت: يا رسول الله أرض ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار؟ فقال: الجار أحق بسقبه ما كان) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة، وعن عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة ثم جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ فقال: يا سعد ابتع مني بيتي في دارك، فقال سعد: والله ما أبتاعها، فقال المسور: والله لتبتاعنها، فقال سعد: والله ما أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة، قال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الجار أحق بسقبه) – السقب القرب والملاصقة - ما أعطيتكها بأربعة آلاف وأنا أعطى بها خمسمائة دينار، فأعطاها إياها) رواه البخاري. وهذه الأحاديث أثبتت حق الشفعة، ولكن الفقهاء اختلفوا فيمن يثبت له هذا الحق، ومذهب جمهور الفقهاء أن الشفعة تثبت للشريك فيما لم يقسم، فإذا قسمت الأرض مثلاً فلا شفعة، وقالوا لا يثبت حق الشفعة للجار، وعند الحنفية تثبت الشفعة للشريك وللجار الملاصق، وقد اختار بعض أهل العلم قولاً وسطاً بين هذين القولين السابقين فقرروا أن الشفعة تثبت للشريك وللجار إذا كان شريكاً مع جاره في حقٍ من حقوق الإرتفاق الخاصة كأن يكون طريقهما واحداً، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والإمام الشوكاني ونقل عن الإمام أحمد، وعزاه ابن القيم إلى عمر بن عبد العزيز والبصريين من فقهاء الحديث. انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣٠/٣٨٣، الإنصاف للمرداوي ٦/٢٥٥، نيل الأوطار ٥/٣٧٦. قال الشيخ ابن القيم: [والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث أنه إن كان بين الجارين حقٌ مشترك من حقوق الأملاك من طريقٍ أو ماء أو نحو ذلك تثبت الشفعة وإن لم يكن بينهما حق مشترك البتة بل كان كل واحدٍ منهما متميزاً ملكه وحقوق ملكه فلا شفعة] إعلام الموقعين ٢/١٤٩. وقال الشيخ ابن القيم أيضاً: [والقياس الصحيح يقتضي هذا القول فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك، والضرر الحاصل بالشركة فيها كالضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه، ورفعه مصلحة للشريك من غير مضرة على البائع ولا على المشتري فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك الموجود في الخلطة في حقوقه فهذا المذهب أوسط المذاهب وأجمعها للأدلة وأقربها إلى العدل..] إعلام الموقعين ٢/ ١٥٠ - ١٥١.\rوهذا القول هو أرجح أقوال أهل العلم في المسألة، ويمكن أن يجاب عن الأحاديث التي أثبتت الشفعة للجار مطلقاً بما يلي: هذه الأحاديث قسمان: صحيح صريح، فهذه مؤولة ومصروفة عن ظاهرها، فقوله ﷺ: (الجار أحق بسقبه) يراد بالجار الشريك، [قال ابن بطال: استدل به أبو حنيفة وأصحابه على إثبات الشفعة للجار وأوَّله غيرهم على أن المراد به الشريك بناء على أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين ولذلك دعاه إلى الشراء منه] فتح الباري ٤/٥٥٢. وإطلاق الجار على الشريك معروف في لغة العرب، قال الإمام الشافعي: [ ... وذلك يدل على أن رسول الله أراد أن الشفعة لبعض الجيران دون بعض وأنها لا تكون إلا لجار لم يقاسم، قال: أفيقع اسم الجوار على الشريك؟ قلت: نعم وعلى الملاصق وعلى غير الملاصق، قال: فالشريك ينفرد باسم الشريك، قلت: أجل والملاصق ينفرد باسم الملاصقة دون غيره من الجيران ولا يمنع ذلك واحداً منهما أن يقع عليه اسم جوار، قال أفتوجدني ما يدل على أن اسم الجوار يقع على الشريك، قلت: زوجتك التي هي قرينتك يقع عليها اسم الجوار، قال حمل بن النابغة: كنت بين جارتين لي، يعني ضرتين، وقال الأعشى: أجارتنا بيني فإنك طالقه ... وموموقة ما كنت فينا ووامقة ... ] الأم ٤/٥-٦. وهذا التأويل الذي ذهب إليه الجمهور تأويل صحيح قريب يحتمله اللفظ، ودلت عليه القرينة وهي ما جاء في حديث آخر (فإذا أوقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) رواه البخاري. وفي رواية أخرى (إذا كان طريقهما واحداً) .\rوقال الإمام الشوكاني: [والحاصل أن الجار المذكور في الأحاديث الآتية إن كان يطلق على الشريك في الشيء والمجاور له بغير شركة كانت مقتضية بعمومها لثبوت الشفعة لهما جميعاً، وحديث جابر وأبي هريرة المذكوران يدلان على عدم ثبوت الشفعة للجار الذي لا شركة له، فيخصصان عموم أحاديث الجار، ولكنه يشكل على هذا حديث الشريد بن سويد، فإن قوله: (ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار) مشعرٌ بثبوت الشفعة لمجرد الجوار، وكذلك حديث سمرة لقوله فيه (جار الدار أحق بالدار) فإن ظاهره أن الجوار المذكور جوار لا شركة فيه، ويجاب بأن هذين الحديثين لا يصلحان لمعارضة ما في الصحيح، على أنه يمكن الجمع بما في حديث جابر الآتي بلفظ (إذا كان طريقهما واحداً) فإنه يدل على أن الجوار لا يكون مقتضياً للشفعة إلا مع اتحاد الطريق لا بمجرده، ولا عذر لمن قال بحمل المطلق على المقيد من هذا إن قال بصحة هذا الحديث وقد قال بهذا، أعني: ثبوت الشفعة للجار مع اتحاد الطريق، بعض الشافعية، ويؤيده أن شرعية الشفعة إنما هي لدفع الضرر، وهو إنما يحصل في الأغلب مع المخالطة في الشيء المملوك أو في طريقه، ولا ضرر على جار لم يشارك في أصل ولا طريق إلا نادراً، واعتبار هذا النادر يستلزم ثبوت الشفعة للجار مع عدم الملاصقة؛ لأن حصول الضرر له قد يقع في نادر الحالات كحجب الشمس والإطلاع على العورات ونحوهما من الروائح الكريهة التي يتأذى بها ورفع الأصوات وسماع بعض المنكرات ولا قائل بثبوت الشفعة لمن كان كذلك، والضرر النادر غير معتبر؛ لأن الشارع علق الأحكام بالأمور الغالبة، فعلى فرض أن الجار لغة لا يطلق إلا على من كان ملاصقاً غير مشارك ينبغي تقييد الجوار باتحاد الطريق، ومقتضاه: أن لا تثبت الشفعة بمجرد الجوار وهو الحق] نيل الأوطار ٥/٣٧٦.\rوأما القسم الثاني من الأحاديث المثبتة للشفعة للجار مطلقاً، فالجواب عنها أن في سندها كلاماً للمحدثين. قال الإمام الشوكاني: [فأحاديث إثبات الشفعة بالجوار مخصصة بما سلف، ولو فرض عدم صحة التخصيص للتصريح بنفي الشركة فهي مع ما فيها من المقال لا تنتهض لمعارضة الأحاديث القاضية بنفي شفعة الجار الذي ليس بمشارك] نيل الأوطار ٥/٣٧٦. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ٤/٢٩٨ ما نصه [ومقتضى الأصل أن لا يثبت حقّ الأخذ بالشّفعة أصلاً، لكنّها ثبتت فيما لا يقسم بالنص الصّريح غير معقول المعنى، فبقي الأمر في المقسوم على الأصل، أو ثبت معلولاً بدفع ضررٍ خاصٍّ وهو ضرر القسمة. وما استدلّ به الحنفيّة ومن معهم من أحاديث، فإنّ في أسانيدها مقالاً. قال ابن المنذر: الثّابت عن رسول الله ﷺ حديث جابرٍ - السّابق ذكره - وما عداه من الأحاديث الّتي استدلّ بها الحنفيّة ومن معهم، كالحديث الّذي رواه أبو رافعٍ (الجار أحقّ بسقبه) ، والحديث الّذي رواه سمرة أنّ النبيّ ﷺ قال: (جار الدّار أحقّ بالدّار) . فإنّ فيها مقالاً. على أنه يحتمل أنه أراد بالجار الشّريك، فإنّه جارٌ أيضاً. فكلّ هذا أورث شبهةً عند الجمهور، لأنّ ما استدلّ به الحنفيّة غير قويٍّ، وجاء على خلاف الأصل، ولذا لم يثبتوا الشّفعة بسبب الجوار والشّركة في مرافق العقار، وقصروها على الشّركة في العقار نفسه] . وختاماً أود أن أنبه لمفهوم خاطئ يتعلق بالشفعة شائع بين الناس، وهو أن الشفعة تثبت للقريب كالأخ وابن العم ونحوهما، وهذا كلام باطل فالشفعة لا علاقة لها بالقرابة لا من قريب ولا بعيد.\rوخلاصة الأمر أن الشفعة لا تثبت بمطلق الجوار، وإنما تثبت للشريك قبل القسمة وتثبت للجار إذا كان بينه وبين جاره شيء مشترك، وعليه فلا حق للجار المذكور في السؤال في الشفعة، لأن الحدود مبينة ولا شيء مشترك بينهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346156,"book_id":3840,"shamela_page_id":536,"part":"12","page_num":30,"sequence_num":536,"body":"٣٠ - انخفاض قيمة العملة وأثره على الديون\rيقول السائل: اقترضت قبل حوالي السنة مبلغ أربعة آلاف دولار من أحد الأقارب وكتبنا ورقة بيننا على أن سعر الدولار ٤,٣ شيكل، واتفقنا على أنه إذا ارتفع سعر الدولار فأسدد المبلغ بالدولار، وإذا انخفض سعر الدولار فأسدد بالشيكل حسب سعر صرف الدولار يوم القرض أي بسعر الدولار ٤,٣ شيكل، فما حكم هذه المعاملة، أفيدونا؟ الجواب: الشرط المذكور في الاتفاق بينكما شرط باطل، لأن المقترض يلزمه أن يرد مثل ما اقترض فقط، ولا يلزمه أن يرد قيمته، قال ابن عابدين نقلاً عن كتاب الخلاصة: [القرض بالشرط حرام، والشرط لغو] حاشية ابن عابدين. وحقيقة ما تم بين السائل وبين المقرض أنه قرض وبيع، فالسائل اقترض أربعة آلاف دولار، وفي نفس الوقت اشترها بسبعة عشر ألف ومئتي شيكل، وقد نهى النبي ﷺ عن سلف وبيع، كما ثبت في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد وغيرهم، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال العلامة الألباني: حسن. إرواء الغليل ٥/١٤٦. وقال العلامة ابن القيم: [وحرم الجمع بين السلف والبيع، لما فيه من الذريعة إلى الربح في السلف بأخذ أكثر مما أعطى] إغاثة اللهفان ١/٣٦٣.\rإذا تقرر هذا فالواب عليك أن ترد له مبلغ أربعة آلاف دولار بغض النظر عن ارتفاع سعر الدولار أو انخفاضه، لأن الأصل المقرر في الفقه الإسلامي أن الديون تقضى بأمثالها ولا تقضى بقيمتها، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (أتيت النبي ﷺ فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال ﷺ: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء) ، وفي رواية أخرى: (أبيع بالدنانير وآخذ مكانها الورق وأبيع بالورق وآخذ مكانها الدنانير) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، [فابن عمر كان يبيع الإبل بالدنانير أو الدراهم وقد يقبض الثمن في الحال وقد يبيع بيعاً آجلاً وعند قبض الثمن ربما لا يجد مع المشتري بالدنانير إلا دراهم وقد يجد مع من اشترى بدراهم ليس معه إلا دنانير أفيأخذ قيمة الثمن يوم ثبوت الدين أم يوم الأداء؟ مثلاً إذا باع بمئة دينار وكان سعر الصرف: الدينار بعشرة دراهم أي أن له ما قيمته ألف درهم وتغير سعر الصرف فأصبح الدينار مثلاً بأحد عشر درهماً أفيأخذ الألف أم ألفاً ومئة؟ وإذا أصبح بتسعة دراهم فقط أفيأخذ تسعمئة درهم يمكن صرفها بمئة دينار يوم الأداء أم يأخذ ألف درهم قيمة مئة الدينار يوم البيع؟ بين الرسول ﷺ أن العبرة بسعر الصرف يوم الأداء، وابن عمر الذي عرف الحكم من الرسول الكريم ﷺ، سأله بكر بن عبد الله المزني ومسروق العجلي عن كرَّيٍ لهما له عليهما دراهم وليس معهما إلا دنانير فقال ابن عمر: أعطوه بسعر السوق. فهذا الحديث الشريف يعتبر أصلاً في أن الدين يؤدى بمثله لا بقيمته حيث يؤدي عن تعذر المثل بما يقوم مقامه وهو سعر الصرف يوم الأداء، يوم الأداء لا يوم ثبوت الدين] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥ جزء ٣ ص١٧٢٧-١٧٢٨. وهذا مذهب أكثر الفقهاء، الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة واختار هذا القول كثير من الفقهاء والعلماء المعاصرين، حيث إنهم يرون أن الدين إذا استقر في ذمة الشخص بمقدار محدد فالواجب هو تسديد ذلك المقدار بدون زيادة أو نقصان فالديون تقضى بأمثالها في حالة الرخص والغلاء ولا تقضى بقيمتها جاء في المدونة: [كل شيء أعطيته إلى أجل فرد إليك مثله وزيادة فهو ربا] المدونة ٤/٢٥. وقال أبو إسحاق الشيرازي الشافعي: [ويجب على المستقرض رد المثل فيما له مثل لأن مقتضى القرض رد المثل] المهذب مع المجموع ١٢/١٨٥. وقال الكاساني الحنفي: [ولو لم تكسد - النقود - ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع وعلى المشتري أن ينقد مثلها عدداً ولا يلتفت إلى القيمة هاهنا] بدائع الصنائع ٥/٥٤٢. وقال الشيخ ابن عابدين في رسالته عن النقود: [...لأن الإمام الإسبيجاني في شرح الطحاوي قال: وأجمعوا على أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد] رسالة تنبيه الرقود على مسائل النقود ٢/٦٠ ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [لا يجب في القرض إلا رد المثل بلا زيادة] مجموع الفتاوى ٢٩/٥٣٥. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [والدراهم لا تقصد عينها فإعادة المقترض نظيرها كما يعيد المضارب نظيرها وهو رأس المال. ولهذا لم يستحق المقرض إلا نظير ماله، وليس له أن يشترط الزيادة عليه في جميع الأموال باتفاق العلماء، والمقترض يستحق مثل قرضه في صفته ... ] مجموع الفتاوى ٢٩/٤٧٣. وقال العلامة الغزي الحنفي: [أما إذا غلت قيمتها أو ازدادت، فالبيع على حاله، ولا يتخير المشتري، ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع، كذا في فتح القدير. وفي البزازية معزياً إلى المنتقى: [غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول والثاني أولاً ليس عليه غيرها) رسالة بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود ص ٨٣ -٨٤. وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي هذه المسألة بحثاً مستفيضاً وتوصل العلماء المشاركون في المجمع إلى القرار التالي: [العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضى بأمثالها فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥ ج ٣/٢٢٦١. وبناءً على ما سبق فإن قضاء الديون بأمثالها لا بقيمتها هو الأصل في هذه المسألة، ويعتبر قضاء الديون بقيمتها من الربا المحرم شرعاً [إن الحكم على المدين المماطل بتعويض دائنه بفرق هبوط القوة الشرائية للنقد عقب مطله غير سائغ شرعاً إذ هو وقوع في حمى الربا المحرم تحت ستار تعويض الدائن عن انخفاض القوة الشرائية للنقود، بل إن الدائن ليحصل في كثير من الأحيان باسم ذلك التعويض على ما يزيد قدراً ويفوق جوراً الفوائد التأخيرية في البنوك الربوية] قضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد ص٥٠٠. ويستثنى من الأصل المذكور حالة واحدة فقط وهي: إذا كان تغير قيمة العملة كبيراً وهنالك خلاف بين الفقهاء في مقدار التغير الكبير فمنهم من يقول الثلث ومنهم من يقول النصف.\rوأود أن أنبه على بعض القضايا المرتبطة بمسألة تغير قيمة العملة وهي: أولاً: للمقترض أن يحسن لمن أقرضه فيعوضه عن هبوط قيمة العملة، كما أحسن المقرض له عندما أقرضه، وهذا من باب الإحسان، ولا يجوز أن يكون ذلك مشروطاً، فقد ورد عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد ضحىً فقال: صل ركعتين، وكان لي عليه دين فقضاني وزادني) رواه البخاري. وفي رواية أخرى عند البخاري قال جابر ﵁: (فلما قدمنا المدينة، قال الرسول ﷺ يا بلال: اقضه وزده فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطاً) . وعن أبي رافع ﵁ قال: (استلف النبي ﷺ بكراً - الفتي من الإبل - فجاءته إبل الصدقة فأمرني أن أقضي الرجل بكره، فقلت: إني لم أجد من الإبل إلا جملاً خياراً رباعياً - جملاً كبيراً له من العمر ست سنوات - فقال: أعطه إياه فإن من خير الناس أحسنهم قضاء) رواه مسلم. وعن مجاهد قال: (استلف عبد الله بن عمر من رجل دراهم ثم قضاه دراهم خيراً منها فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن هذه خير من دراهمي التي أسلفتك، فقال عبد الله بن عمر: قد علمت ولكن نفسي بذلك طيبة) رواه مالك في الموطأ. وقال الإمام مالك: (لا بأس بأن يقبض من أسلف شيئاً من الذهب أو الورق أو الطعام أو الحيوان ممن أسلفه ذلك أفضل مما أسلفه إذا لم يكن ذلك على شرط منهما ...) . وقال الإمام القرطبي: [وأجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه لأن ذلك من باب المعروف استدلالاً بحديث أبي هريرة في البكر- الفتي من الإبل -: (إن خياركم أحسنكم قضاء) رواه الأئمة البخاري ومسلم. فأثنى ﷺ على من أحسن القضاء وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة] تفسير القرطبي ٣/٢٤١.\rثانياً: يدخل فيما سبق قيام أصحاب العمل بتثبيت سعر الدينار أو الدولار عند مقدار معين، وهذا أيضاً من باب التفضل والإحسان، ولا يجوز أن يكون بشرط سابق.\rثالثاً: لا مانع شرعاً من أن يكون هنالك اتفاقٌ بين صاحب العمل والعامل على تعديل أجر العامل دورياً مثلاً كل شهر أو شهرين بنسبة تعادل انخفاض قيمة العملة. كأن يتفق العامل مع صاحب العمل على أن يعطيه زيادة على أجره كل آخر شهر بنسبة ٢% أو ٣% أو نحو ذلك من أجل المحافظة على أجر العامل من انخفاض قوته الشرائية. وسبق لمجمع الفقه الإسلامي أن ناقش هذه القضية وأصدر القرار التالي: [يجوز أن تتضمن أنظمة العمل واللوائح والترتيبات الخاصة بعقود العمل التي تتحدد فيها الأجور بالنقود شرط الربط القياسي للأجور على أن لا ينشأ عن ذلك ضرر للاقتصاد العام. والمقصود هنا بالربط القياسي للأجور تعديل الأجور بصورة دورية تبعاً للتغير في مستوى الأسعار وفقاً لما تقدره جهة الخبرة والاختصاص والغرض من هذا التعديل حماية الأجر النقدي للعاملين من انخفاض القدرة الشرائية لمقدار الأجر بفعل التضخم النقدي وما ينتج عنه من الارتفاع المتزايد في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات\rوذلك لأن الأصل في الشروط الجواز إلا الشرط الذي يحل حراماً أو يحرم حلالاً] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٨ ج ٣ / ٧٨٧.\rوخلاصة الأمر أن الأصل في الديون أنها تقضى بأمثالها لا بقيمتها، وأنه لا يجوز ربط سعر عملة بعملة أخرى عند الاقتراض أو البيع أو عند ترتيب أي حق مالي، ويجوز للمقترض أن يعوض المقرض عن هبوط قيمة العملة بدون شرط سابق، وأن هذا من باب المعروف والإحسان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346157,"book_id":3840,"shamela_page_id":537,"part":"12","page_num":31,"sequence_num":537,"body":"٣١ - التأمين الإسلامي\rيقول السائل: هلا بينتم لنا الأسس التي يقوم عليها التأمين الإسلامي، أفيدونا؟ الجواب: الفقه الإسلامي فقه حيوي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وفقهاء الأمة في كل عصر وأوان يقدمون الحلول للمشكلات التي يواجهها المجتمع المسلم، لذا فالفقه الإسلامي فقه غني، وهو فقه عملي تطبيقيي أيضاً، وفي عصرنا الحاضر قدَّم فقهاء الأمة حلولاً للقضايا المعاصرة في مختلف جوانب الحياة، كالقضايا الطبية المعاصرة وكذا القضايا الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وكان من أهم هذه القضايا المعاصرة ما يتعلق بالمعاملات المالية المعاصرة مثل الحقوق المعنوية كحق التأليف والاختراع والاسم التجاري ونحوها ومثل قضايا النقود، ومثل البنوك الإسلامية وشركات التأمين الإسلامي وغيرها كثير، وهذه الحلول تقوم على الأصول الفقهية المقررة عند أئمتنا وفقهائنا، وكثير من هذه المسائل بحثت على مستوى المجامع الفقهية والندوات الخاصة والبحوث والرسائل الجامعية وغير ذلك.\rإذا تقرر هذا فإن تعريف التأمين الإسلامي باعتباره نظاماً: هو [اتفاق بين شركة التأمين الإسلامي باعتبارها ممثلة لهيئة المشتركين (حساب التأمين أو صندوق التأمين) وبين الراغبين في التأمين (شخص طبيعي أو قانوني) على قبوله عضواً في هيئة المشتركين والتزامه بدفع مبلغ معلوم (القسط) على سبيل التبرع به وبعوائده لصالح حساب التأمين على أن يدفع له عند وقوع الخطر تعويض طبقاً لوثيقة التأمين والأسس الفنية والنظام الأساسي للشركة.] التأمين الإسلامي د. علي القرة داغي ص ٢٠٣. وانظر أيضاً التأمين على حوادث السيارات د. حسين حامد حسان.\rوقد بدأ التأمين الإسلامي بشكل عملي وتطبيقي منذ حوالي الأربعين عاماً، وقد نشأ التأمين الإسلامي ليكون بديلاً عن التأمين التجاري ذي القسط الثابت، وقد سبقت نشأة التأمين الإسلامي وصاحبته، دراسات فقهية معمقة، لبيان حكمه وتأصيله شرعاً، ولوضع حلول للمشكلات التي تواجه التأمين الإسلامي، وكان من القرارات الصادرة بجواز التأمين الإسلامي وتأصيله شرعاً القرار الصادر عن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية سنة ١٣٩٧هـ وفق ١٩٧٧ م، وجاء فيه ما يلي [الأول: إن التأمين التعاوني من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحاً من أموال غيرهم وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر. الثاني: خلو التأمين التعاوني من الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النساء فليست عقود المساهمين ربوية ولا يستغلون ما جمع من الأقساط في معاملات ربوية. الثالث: إنه لا يضر جهل المساهمين في التأمين التعاوني بتحديد ما يعود عليهم من النفع لأنهم متبرعون فلا مخاطرة ولا غرر ولا مغامرة بخلاف التأمين التجاري فإنه عقد معاوضات مالية تجارية. الرابع: قيام جماعة من المساهمين أو من يمثلهم باستثمار ما جمع من الأقساط لتحقيق الغرض الذي من أجله أنشئ هذا التعاون سواء كان القيام بذلك تبرعاً أو مقابل أجر معين.]\rوقرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي سنة ١٣٩٨هـ وفق ١٩٧٨م وقد جاء فيه ما يلي: [قرر مجلس المجمع بالإجماع الموافقة على قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم ٥١ بتاريخ ٤/٤/١٣٩٧هـ من جواز التأمين التعاوني بدلاً عن التأمين التجاري المحرّم] . وقرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي سنة ١٤٠٦هـ وفق ١٩٨٥م وجاء فيه ما يلي: أولاً: إن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد، ولذا فهو حرام شرعاً. ثانياً: إن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون، وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني.\rثالثاً: دعوة الدول الإسلامية للعمل على إقامة مؤسسات التأمين التعاوني وكذلك مؤسسات تعاونية لإعادة التأمين، حتى يتحرر الاقتصاد الإسلامي من الاستغلال، ومن مخالفة النظام الذي يرضاه الله لهذه الأمة.] مجلة المجمع عدد ٢، ج ٢/٧٣١.\rوهذا ما أفتت به ووافقت عليه هيئات الرقابة الشرعية لعدد من البنوك الإسلامية وهيئات الرقابة الشرعية لشركات التأمين الإسلامية.\rوفي وقتنا الحاضر صار التأمين الإسلامي له حصة كبيرة من سوق التأمين، وشركات التأمين الإسلامي في ازدياد، وقد جاء في دراسة حديثة لواقع شركات التأمين الإسلامي ما يلي: [تبلغ نسبة نمو قطاع التأمين المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية \"التأمين الإسلامي\" مابين ٢٠ ـ ٢٥% سنويا بينما يبلغ نمو قطاع التأمين التجاري نسبة تتراوح ما بين ٦ ـ ٧% سنويا ويعزى ذلك إلى نمو القطاع المالي الإسلامي بوجه عام. ويعمل في سوق قطاع التأمين الإسلامي ٦٠ شركة منتشرة في ٢٣ دولة ومن المتوقع أن يصل حجم إجمالي أقساط هذا القطاع إلى ١٠ مليارات دولار بحلول عام ٢٠١٠ حسب تقديرات سوق التأمين العالمية] عن شبكة الإنترنت.\rوأما عن أهم الأسس التي يقوم عليها التأمين الإسلامي فهي:\rأولاً: التأمين الإسلامي يقوم على مبدأ التعاون والتكافل، وهو مبدأ شرعي أصيل قامت عليه عشرات الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\rثانياً: إن التأمين التعاوني من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار، فالأقساط المقدمة من حملة الوثائق في التأمين التعاوني تأخذ صفة التبرع وهو تبرع يلزم بالقول على رأي الإمام مالك ﵀. وعلى هذا يكون العضو ملتزماً بدفع القسط بمجرد توقيعه على العقد، وبالتالي يكون الأعضاء متبرعين بالأقساط التي يدفعونها، وبعوائد استثمار هذه الأقساط، في حدود المبالغ اللازمة لدفع التعويضات عن الأضرار التي تصيب أحدهم. كما يتضمن التوقيعُ على وثيقة التأمين قبولَ العضو للتبرع من مجموع أموال التأمين أي الأقساط وعوائدها الاستثمارية وفقاً لأحكام وثيقة التأمين والنظام الأساسي للشركة حسب أحكام الشريعة الإسلامية، والعضو لا يتبرع بالأقساط وعوائدها جملة، بل يتبرع منها بما يكفي لدفع التعويضات ... ولا مانع أن يحقق التأمين التعاوني أرباحاً من خلال استثمار الأرصدة المجتمعة لديه استثماراً مشروعاً، والممنوع هو أن تكون الغاية المعاوضة والاسترباح لا مجرد تحقيق الأرباح] التأمين التعاوني الإسلامي د. صالح بن حميد عن الإنترنت.\rثالثاً: تخلو عقود التأمين الإسلامي من الربا بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة، فعقود المساهمين ليست ربوية ولا يستغل ما جمع من الأقساط في معاملات ربوية. التأمين الإسلامي د. علي القرة داغي ص ٢١٠.\rرابعاً: التأمين الإسلامي يعتمد على أقساط التأمين المحصلة، وعلى استثمارها في أمور مشروعة تخلو من الربا أو المعاملات المحرمة ويتم دفع التعويضات من ذلك. كما أن شركة التأمين الإسلامي لا تتملك أقساط التأمين وإنما تكون ملكاً لحساب التأمين وهو حق للمشتركين، وتقوم شركة التأمين الإسلامي بإدارة الحساب نيابة عنهم.\rخامساً: الفائض في التأمين الإسلامي يعود إلى مجموع المؤمنين ولا يعود إلى شركة التأمين، ولكن شركة التأمين الإسلامي تأخذ حصة من الفائض إما باعتبارها وكيلة بأجر أو باعبتارها مضارباً.\rسادساً: تحتفظ شركة التأمين الإسلامي بحسابين منفصلين، أحدهما لاستثمار رأس المال، والآخر لحسابات أموال التأمين.\rسابعاً: شركات التأمين الإسلامي هي شركات خدمات، أي أنها تدير عمليات التأمين وتستثمر أمواله نيابة عن هيئة المشتركين، وعلاقة الشركة بهيئة المشتركين علاقة معاوضة، فهي الأمينة على أموال التأمين، وتقوم بالإدارة نيابة عن هيئة المشتركين، والعوض الذي تأخذه الشركة مبلغ مقطوع، أو نسبة من الأقساط التي تجمعها، أو التعويضات التي تدفعها باعتبارها وكيلاً، أو نسبة معلومة من عائد الاستثمار باعتبارها مضارباً، أو هما معاً.] التأمين التعاوني الإسلامي د. صالح بن حميد. عن الإنترنت.\rثامناً: تخضع جميع أعمال شركة التأمين الإسلامي للتدقيق من هيئة رقابة شرعية للنظر في مدى توافقها مع الأحكام الشرعية.\rوخلاصة الأمر أن التأمين الإسلامي عقد مشروع إذا تمَّ وفق القواعد والضوابط الشرعية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346158,"book_id":3840,"shamela_page_id":538,"part":"12","page_num":32,"sequence_num":538,"body":"٣٢ - جوائز حسابات التوفير في البنوك\rيقول السائل: ما حكم جوائز حسابات التوفير التي تقدمها البنوك، أفيدونا؟ الجواب: الجائزة هي العطيّة إذا كانت على سبيل الإكرام كما جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ١٥/٧٦. وقد ورد في الحديث عن أبي شريح العدوي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته) . قالوا وما جائزته يا رسول الله؟ قال: (يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه) رواه البخاري ومسلم. والأصل في الجائزة الإباحة ما دامت منضبطة بالضوابط الشرعية، ورد في الموسوعة الفقهية الكويتية ما يلي: [الأصل إباحة الجائزة على عمل مشروع سواء أكان دينيّاً أو دنيويّاً لأنّه من باب الحثّ على فعل الخير والإعانة عليه بالمال وهو من قبيل الهبة.] ١٥/٧٧.\rإذا تقرر هذا فأعود إلى جواب السؤال فأقول: إن حسابات التوفير إذا كانت في البنوك الربوية فهي محرمة، وبالتالي فإن الجوائز التي تعطيها البنوك الربوية على حسابات التوفير حرام أيضاً، وتعتبر هذه الجوائز من باب الفوائد الربوية، ويضاف إلى ذلك أنها تحرم أيضاً لأنها من باب القمار، جاء في فتاوى الشبكة الإسلامية ما يلي: [فإذا كان البنك يتعامل بالربا فلا يجوز ذلك، وهذه الجوائز هي عين الفائدة الربوية، لكن اختلفت طريقة التوزيع فقط، بل هذا جمع بين الربا والميسر، فإن العميل سيع ماله على أمل أن يكون من الفائزين، وقد يقع عليه الاختيار وقد لا يقع.] عن موقع الشبكة الإسلامية على شبكة الإنترنت. ويجب أن يعلم أن الأصل في المسلم أنه لا يتعامل مع البنوك الربوية إلا في حالات خاصة، فقد جاء في قرار مجمع الفقه برابطة العالم الإسلامي المنعقد بمكة المكرمة سنة ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦م ما يلي: [يحرم على كل مسلم يتيسر له التعامل مع مصرف إسلامي أن يتعامل مع المصارف الربوية في الداخل أو الخارج؛ إذ لا عذر له في التعامل معها مع وجود البديل الإسلامي، ويجب عليه أن يستعيض عن الخبيث بالطيب، ويستغني بالحلال عن الحرام] . وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية ما يلي: [لا يجوز إيداع النقود ونحوها في البنوك الربوية ونحوها من المصارف والمؤسسات الربوية، سواء كان إيداعها بفوائد أو بدون فوائد؛ لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ ، إلا إذا خيف عليها من الضياع، بسرقة أو غصب أو نحوهما، ولم يجد طريقاً لحفظها إلا إيداعها في بنوك ربويةٍ مثلاً، فيرخص له في إيداعها في البنوك ونحوها من المصارف الربوية بدون فوائد, محافظةً عليها؛ لما في ذلك من ارتكاب أخف المحظورين] فتاوى اللجنة الدائمة ١٣/٣٤٦.\rوأما حسابات التوفير في البنوك الإسلامية فالأصل فيها الجواز، لأن البنوك الإسلامية لا تتعامل بالربا (الفائدة) لا أخذاً ولا إعطاءً،\rوهذه حقيقة ما زال بعض الناس يجادل فيها، ويزعمون أنه لا فرق بين البنوك الربوية وبين البنوك الإسلامية، وهذا كلام باطل، فإن خاصية البنوك الإسلامية في عدم التعامل بالربا هي الخاصية الأساسية التي يتميز بها البنك الإسلامي عن البنك الربوي لأن الربا كما هو معلوم محرم بالنصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، يقول الله ﷾: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أثيم إن الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين َفإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩. ويقول النبي ﷺ: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء) رواه مسلم. يقول الدكتور غريب الجمال: [تشكل خاصية استبعاد الفوائد من معاملات المصارف الإسلامية المعلم الرئيسي لها وتجعل وجودها متسقاً مع البنية السليمة للمجتمع الإسلامي وتصبغ أنشطتها بروح راسية ودوافع عقائدية تجعل القائمين عليها يستشعرون دائماً أن العمل الذي يمارسونه ليس مجرد عمل تجاري يهدف إلى تحقيق الربح فحسب بل إضافة إلى ذلك أسلوب من أساليب الجهاد في حمل عبء الرسالة والإعداد لاستنقاذ الأمة من مباشرة أعمال مجافية للأصول الشرعية وفوق كل ذلك وقبله يستشعر هؤلاء العاملون أن العمل عبادة وتقوى مثاب عليها من الله ﷾ إضافة إلى الجزاء المادي الدنيوي] المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق ص ١٩٢-١٩٣.\rوالجوائز التي تعطيها البنوك الإسلامية على حسابات التوفير يختلف حكمها من بنك لآخر، لذا يصعب إصدار فتوى واحدة تعمها بالجواز أو المنع، والأمر يحتاج إلى تفصيل كما يلي:\rأولاً: لا يجوز أن يكون إعطاء الجائزة مشروطاً بفتح الحساب، بمعنى أنه يشترط عند فتح حساب التوفير للدخول في السحب على الجائزة شروط معينة على المتعامل كأن يفتح حساب توفير بعملة معينة كالدولار الأمريكي. وأن لا يقل رصيد الحساب عن كذا دولار. وأن يعمل على تغذية الحساب بشكل مستمر، بحيث يمنح صاحب الحساب عن كل مئة دولار فرصة للفوز بالجائزة. فهذه الجوائز تعتبر من باب الفائدة الربوية، لأن التكييف الصحيح لحساب التوفير أنه من باب القرض، ومن المعلوم أن أي زيادة مشروطة على القرض تعد من باب الربا. وقد قرر الفقهاء أن كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا، كما جاء في معنى حديث غير ثابت عن النبي ﷺ ولكن معناه صحيح، وقد اتفق الفقهاء على تحريم أي منفعة يستفيدها المقرض من قرضه، ولكن ليس على إطلاقها، فالقرض الذي يجر نفعاً ويكون رباً أو وجهاً من وجوه الربا هو القرض الذي يشترط فيه المقرض منفعة لنفسه فهو ممنوع شرعاً. قال الحافظ ابن عبد البر: [وكل زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلِف فهو ربا، ولو كانت قبضة من علف، وذلك حرام إن كان بشرط] . وقال ابن المنذر: [أجمعوا على أن المسلِف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، إن أخذ الزيادة ربا] الموسوعة الفقهية ٣٣/١٣٠.\rثانياً: إذا أعطت البنوك الإسلامية جوائز على حسابات التوفير بدون شرط مسبق عند فتح الحساب، فإن كثيراً من هيئات الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية قد أجازت ذلك، وأجازه كذلك عدد من الباحثين المعاصرين، انظر كتاب الجوائز أحكامها وصورها المعاصرة ص ١١٠ -١١٤، وجاء في فتاوى الشبكة الإسلامية ما يلي: [فالذي يترجح أن هذه الجوائز إذا كانت مقدمة من طرف بنك إسلامي فهي مباحة يجوز أخذها. فهي تشجيع من البنك لاستقطاب أكثر عدد ممكن من العملاء بطريقة لا تفضي إلى محظور شرعاً. ولا يشبه هذا القمار، لأن العميل لم يدفع شيئاً فيغنم أو يغرم كما هو الشأن في القمار، وإنما يودع ماله ليستثمر له.] عن موقع الشبكة الإسلامية على شبكة الإنترنت.\rوجاء في فتوى هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي السوداني ما يلي: [يجوز أن يمنح البنك جوائز لأصحاب ودائع الادخار دون علم سابق من جانبهم وكيف يحددها البنك بحيث تتعدد وتتباين صور هذه الجوائز في كل مرة, ولا تكون في فترات ثابتة, حتى تصبح هي الدافع للادخار ولا يجوز تقديم جوائز للمدخرين بصورة معلنة ومتكررة, وإن كانت غير مشروطة في عقد وديعة الادخار لأن ذلك سيصير بمرور الزمن عرفا وبالتالي يأخذ حكم المنفعة المشروطة في عقد الوديعة, ويما أن أصحاب الودائع أذنوا للبنك في التصرف في ودائعهم , وضمن البنك ردها إليهم فإنها تأخذ حكم القرض , ولا يجوز اشتراط منفعة للمقرض.] عن شبكة الإنترنت.\rوخلاصة الأمر أن الجوائز على حسابات التوفير في البنوك الربوية محرمة شرعاً وأما الجوائز على حسابات التوفير في البنوك الإسلامية فإذا كان هنالك شرط سابق لها فلا تجوز وأما إذا كانت بدون شرط مسبق فلا بأس بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346159,"book_id":3840,"shamela_page_id":539,"part":"12","page_num":33,"sequence_num":539,"body":"٣٣ - التلاعب بالأدوية\rالسؤال: وصلتني رسالة من نقيب الصيادلة تتضمن مجموعة من الأسئلة أختصرها فيما يلي: أولاً: ما حكم تهريب الأدوية بحجة أنها أرخص أو غير متوفرة في السوق المحلي، علماً بأن طريقة نقل هذه الأدوية لا تكون سليمة. ثانياً: ما حكم بيع وشراء الأدوية المسروقة. ثالثاً: هل يجوز شرعاً بيع الدواء إذا كان تالفاً وغير مخزن بالطرق المناسبة. رابعاً: الأدوية التي توزعها وزارة الصحة الفلسطينية مجاناً، بعض المرضى يحرمون أنفسهم منها ويبيعونها إلى بعض الصيادلة، فما حكم ذلك. خامساً: ما حكم قيام الجمعيات الخيرية ببيع الأدوية التي يتبرع بها لصالح تلك الجمعيات. سادساً: قيام الصيدلي بصرف أقل من الكمية المكتوبة في الوصفة الطبية وبدون إعلام المريض لكي يظن المريض أن أسعار الصيدلي مخفضة. سابعاً: قوانين مزاولة مهنة الصيدلة تحتم أن الصيدلي هو مالك الصيدلية الوحيد وهنالك يمين يحلفها الصيدلي فما حكم الحلف كاذباً. ثامناً: حدد قانون النقابة سعر بيع الدواء فهل يحق للصيدلي أن يبيع بأقل من السعر المحدد بقصد الإضرار بغيره من الصيادلة. تاسعاً: ما هي ضوابط الإعلان في وسائل الإعلام عن المستحضرات التي لها صفة علاجية كالأدوية الجنسية والأدوية النباتية. عاشراً: ما حكم تعامل الصيدلي مع الأدوية المزيفة، مع العلم أنها تباع بسعر أقل بكثير من الأدوية الأصلية. أفيدونا. الجواب: إن مضمون أسئلة نقيب الصيادلة يشير لى فقدان الصدق في التعامل عند بعض الناس، وتغليب الجشع والطمع، ومن المعلوم أن الصدق مطلوب من المسلم عموماً في كل أموره وأحواله ومطلوب من التاجر خصوصاً قال الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ سورة التوبة الآية ١١٩. وثبت في الحديث الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) رواه البخاري ومسلم. وعن حكيم بن حزام ﵁ أن النبي ﷺ قال: (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محق بركة بيعهما) رواه البخاري ومسلم، فالصدق في البيع والشراء سبب لحصول البركة، والكذب سبب لمحق البركة. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وجاء في الحديث عن رفاعة ﵁ أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: (يا معشر التجار فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبر وصدق) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، فالبر والصدق والتقى منجاة للتاجر من النار يوم القيامة. إذا تقرر هذا فأعود إلى الأجوبة: أولا: تهريب الأدوية محرم شرعاً إذا ترتب عليه ضرر كما هو الحال في تهريب الأدوية التي تحتاج إلى ظروف خاصة عند نقلها وتخزينها مما يؤدي إلى فسادها، وهذا يلحق الضرر بمستعمليها.\rثانياً: يحرم على المسلم أن يشتري مالاً مغصوباً أو مسروقاً أو أخذ من صاحبه بغير حق وهو يعلم، ولا شك أن في شراء المال المسروق أو المغصوب تشجيعاً للصوص الذين يأخذون أموال الناس بالباطل، ويدخل شراء المسروق في باب التعاون على الإثم والعدوان وقد نهانا الله عن ذلك بقوله تعالى: ?وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ? سورة المائدة الآية ٢. وكذلك فإننا نعلم أنه لا يحل أخذ مال المسلم إلا إذا طابت نفسه بذلك وهذه الأموال المسروقة أو المغصوبة تؤخذ بالقوة أو بالخفية ولا تطيب نفس صاحبها بها والرسول ﷺ يقول: (لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا بطيب نفس منه) رواه أحمد والبيهقي والدارقطني وهو حديث صحيح. وقد روي في الحديث عن الرسول ﷺ قوله: (من اشترى سرقة - شيئاً مسروقاً - وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في إثمها وعارها) رواه الحاكم والبيهقي وسنده مختلف فيه. ويجب أن يعلم أنه لا فرق بين أن تكون الأموال مسروقة من فرد أو جهة عامة أو خاصة أو غير ذلك، فكله حرام بل إن حرمة المال العام أشد من حرمة المال الخاص. ثالثاً: لا يجوز شرعاً بيع الأدوية بعد انتهاء صلاحيتها وكذا الأدوية التالفة، لأن في ذلك إضراراً بالناس وإلحاقاً للأذى بهم ويحرم على المسلم أن يلحق الضرر بغيره لما ورد في الحديث الشريف أن الرسول ﷺ قال: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي والحاكم، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٣/٤٠٨. وإذا ثبت أنه قد لحق ضرر بمن استهلك الأدوية المنتهية الصلاحية أو الأدوية التالفة فإن من باعها يكون مسئولاً عن ذلك وينبغي أن يعاقب على فعلته. ومن جهة أخرى فإن بيع الأدوية المنتهية الصلاحية مع علم البائع بذلك يعتبر غشاً وكتماناً لعيب السلعة عن المشتري والغش محرم في الشريعة الإسلامية، فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من غشنا فليس منا) رواه مسلم. رابعاً: الأدوية التي توزعها وزارة الصحة الفلسطينية مجاناً لبعض المرضى فيحرمون أنفسهم منها ويبيعونها إلى بعض الصيادلة، هذا العمل غير جائز شرعاً لأن المقصد من صرفها مجاناً مساعدة المرضى الفقراء والغالب أن وزارة الصحة الفلسطينية تمنع بيع هذه الأدوية. خامساً: لا يجوز شرعاً بيع الأدوية التي يتبرع بها للجمعيات الخيرية، طالما أن المتبرعين قدموها كذلك، والجمعية الخيرية التي تسلمتها هي بمثابة وكيل عن المتبرع، فلا يجوز لها أن تبيعها للصيادلة أو غيرهم. سادساً: قيام الصيدلي بصرف أقل من الكمية المكتوبة في الوصفة الطبية وبدون إعلام المريض لكي يظن المريض أن أسعار الصيدلي مخفضة، هذا نوع من الغش والغش من المحرمات كما سبق، كما أن تنقيص كمية الدواء قد يؤثر على صحة المريض فيؤخر شفاءه وقد يقلل من فاعلية الدواء، وهذا فيه إلحاق الضرر بالمريض وهو محرم شرعاً. سابعاً: الحلف الكاذب من المحرمات، قال الله تعالى: ﴿إن الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة آل عمران الآية ٧٧. ويقول الرسول ﷺ: (لا يقتطع الرجل حق امرئ مسلم بيمينه إلا حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار فقال رجل من القوم: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً، فقال ﷺ: وإن كان سواكاً من أراك) رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما وهو حديثٌ صحيح. وورد في احديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس) رواه البخاري. ثامناً: لا يجوز للصيدلي أن يبيع الدواء بأقل من السعر المحدد بقصد الإضرار بغيره من الصيادلة وقد صح في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) رواه ابن ماجة والدارقطني والحاكم وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠. تاسعاً: ضوابط الإعلان في وسائل الإعلام عن المستحضرات الطبية والأدوية وغيرها من المنتجات كما يلي: ١. أن يكون الإعلان سالماً وخالياً من المحظورات الشرعية فلا يجوز الإعلان عن السلع والأمور المحرمة كالخمور والمخدرات ونحوها. ٢. لا يجوز أن تستعمل في الإعلان وسائل محرمة كظهور النساء العاريات أو يظهر في الإعلان أناس يشربون الخمر ونحو ذلك. ٣. أن يكون الإعلان صادقاً في التعبير عن حقيقة السلعة لأننا نلاحظ أن كثيراً من الإعلانات التجارية فيها مبالغة واضحة في وصف السلع وغالباً ما تكون هذه الأوصاف كاذبة وغير حقيقية ويعرف صدق هذا الكلام بالتجربة. إن الإعلان الكاذب عن السلع والذي يظهرها على غير حقيقتها يعتبر تغريراً وغشاً وخداعاً وكل ذلك محرم في شريعتنا الإسلامية ويؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٢٩. ويدخل ضمن الغش والخداع أن يُذكر في الإعلان أوصاف للسلعة ولا تكون فيها حقيقة كما ورد في رسالة نقيب الصيادلة أن بعض الصيادلة يعلن عن أدوية نباتية تعالج أكثر من مئة مرض ولا شك أن في ذلك دجلاً وتضليلاً للمستهلك. ٤. أن لا يترتب على الإعلان عن السلعة إلحاق الضرر بسلع الناس الآخرين كأن يذم الأصناف المشابهة، لأن هذا من الضرر الممنوع شرعاً. عاشراً: يحرم على الصيدلي أن يتعامل مع الأدوية المزيفة، لما في ذلك من إلحاق الأذى والضرر بالناس.\rوخلاصة الأمر أن الصيادلة وغيرهم من المتعاملين بالأدوية يطلب منهم أن يتقوا الله ﷿ في المرضى ويطلب منهم أن يتذكروا أن مهنتهم فيها أبعاد إنسانية، ولا يصح أن ينظروا فقط إلى الربح المادي، وأن يجعلوا الصدق في المعاملة شعاراً لهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346160,"book_id":3840,"shamela_page_id":540,"part":"12","page_num":34,"sequence_num":540,"body":"٣٤ - صندوق التكافل والتقاعد\rيقول السائل: إنه يعمل في إحدى الهيئات الدولية وعندهم صندوق تقاعد ويقوم نظامه على أن يحسم من راتب الموظف ٧% شهرياً وتدفع الهيئة ١٤%، ويتم تشغيل المال بالفائدة، ثم ذكر السائل طريقتين لاستفادة الموظف من هذا الصندوق، كما وسألني شخص آخر عن صندوقين يتبعان إحدى النقابات، أحدهما يسمى صندوق إنهاء خدمة ويقوم نظامه على أن يدفع المشترك رسم اشتراك لمرة واحدة بالإضافة لقسط سنوي وعندما يبلغ المشترك سن الخامسة والستين يعطى حسب معادلة ذكرها السائل في رسالته، وأما الصندوق الآخر فيسمى صندوق التكافل الاجتماعي وهو خاص لحالة وفاة المشترك حيث يدفع كل عضو مبلغاً محدداً عند وفاة أحد المشتركين. وقد طلب السائلان بيان حكم هذه الصناديق؟ الجواب: إن الإسلام قد حث على التعاون والتكافل وإن فكرة إنشاء صناديق للتكافل الاجتماعي فكرة طيبة وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ سورة المائدة الآية ٢. ولكن يجب أن تكون صناديق التكافل الاجتماعي وما شابهها منضبطة بالضوابط الشرعية لكي يصح الاشتراك فيها وسأذكر مجموعة من هذه الضوابط:\rأولاً: يجب أن تقوم هذه الصناديق على فكرة التكافل والتعاون وينبغي النص على ذلك في اللوائح المنظمة لعمل الصندوق.\rثانياً: يحرم الاشتراك في أي صندوق إذا كانت أمواله تشغل بطرق محرمة شراً مثل تشغيل الأموال في البنوك الربوية بالفائدة، ومثل المتاجرة بأسهم الشركات التي يحرم التعامل بأسهمها، ومثل تشغيل الأموال في البورصات العالمية لأن أكثر تعاملاتها محرمة شرعاً،\rوهذا في حالة كون الاشتراك في هذه الصناديق اختيارياً، وأما إذا كان الاشتراك إجبارياً، فيجوز الاشتراك في الصندوق بشرط أن يتخلص المشترك من الفوائد الربوية كما سيأتي. وحسب ما أعلم فإن معظم صناديق التكافل وصناديق التوفير والتقاعد التابعة لكثير من المؤسسات تشغل أموالها في البنوك الربوية بالفائدة، ومن المعلوم أن تحريم الربا قطعي في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ\rولا يقولن قائلٌ إن الموظف ليس مسئولاً عما قام به الصندوق من تشغيل أمواله بالربا أو أن الإثم يقع على المسؤول عن الصندوق أو نحو ذلك من الاعتذارات التي تردها قواعد الشريعة الإسلامية فإنه ينبغي أن يعلم أنه لا يجوز للمسلم أن يكون طرفاً في أي عملية ربوية بطريق مباشر أو غير مباشر، لأن الربا محرم بنصوص صريحة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآيات ٢٧٥-٢٧٩. ويقول الرسول ﷺ: (اجتنبوا السبع الموبقات – المهلكات – قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه مسلم. وجاء في الحديث عن جابر ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم، وفي رواية النسائي عن ابن مسعود ﵁ قال ﷺ: (آكل الربا ومؤكله وشاهداه وكاتبه إذا علموا ذلك ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة) وهو حديث صحيح، وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الربا ثلاثة وسبعون شعبة أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وصححه، وقال العلامة الألباني صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٣. وغير ذلك من النصوص.\rثالثاً: إن الاتفاق على أن يدفع الصندوق مبلغاً معيناً عند بلوغ المشترك سن الستين أو الخامسة والستين أو عند وفاته قبل بلوغه تلك السن المتفق عليها، مع كون هذا المبلغ لا علاقة له بالاشتراكات التي دفعها المشترك، يعتبر من باب الربا، لأنه دفع مبلغاً محدداً وأخذ أكثر منه، وفي المعادلة التي ذكرها السائل الثاني أنه إذا ساهم مشترك في الصندوق مدة عشرين سنة وتوفي وعمره ٦٥ سنة فيحسب له كما يلي: عدد سنوات الاشتراك - ٤ × عدد المشتركين×١٠ ويقسم الناتج على ٣٠، ثم ذكر السائل نتيجة المعادلة بأن ورثته يحصلون على مبلغ قدره ٢٦٦٦٦ ديناراً مع العلم أن مجموع اشتراكاته كان ٢٠٥٠ دينار، وأما إذا توفي المشترك قبل بلوغه ٦٥ سنة فإن الصندوق يعيد له ما دفعه من أقساط فقط، والذي يتضح مما ذكر أن هذه المعاملة ربوية لأن المشترك سيحصل على مبلغ أكبر بكثير من الأقساط التي دفعها، وهذه المعاملة ليست مبنية على فكرة التكافل أو التعاون.\rرابعاً: من القواعد المقررة شرعاً لصحة أي معاملة أن لا يكون فيها غرر وهو ما كان مجهول العاقبة لا يدرى هل يحصل أم لا؟ وقد صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر) رواه مسلم، ومعاملة الصندوق حسب ما أفاد السائل الثاني فيها غرر واضح حيث إنه قد يشترك شخص في هذا الصندوق وعمره ثلاثون سنة مثلاً ولا يدري هل يصل إلى سن ٦٥ سنة أم لا؟\rخامساً: إذا كانت فكرة الصندوق قائمة على التعاون والتكافل ودفعت الأموال على سبيل التبرع فلا حرج في ذلك، بل هذا أمر حضت عليه الشريعة كما قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ، وصح في الحديث عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه؛ من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته؛ ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ: (من فرج عن مسلم كربةً فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) رواه البخاري، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ...) رواه مسلم. وقال ﷺ (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) رواه مسلم، وقال ﷺ: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال رسول الله ﷺ: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) رواه البخاري.\rإذا تقرر هذا فإن ما ذكره السائل الثاني عن صندوق التكافل الخاص بحالة وفاة المشترك حيث يدفع كل عضو مبلغاً محدداً عند وفاة أحد المشتركين، فهذا أمر جائز ومرغب فيه شرعاً.\rوأخيراً أنبه على ما ورد في رسالة السائل الأول من صرف الفوائد في تسديد الضرائب المترتبة على المشترك أو في استخراج رخصة بناء ونحو ذلك فأقول: لا يجوز الانتفاع بتلك الأموال انتفاعاً شخصياً كأن ينفقها الشخص على نفسه أو على أهله فهذه الأموال لا تحل للشخص أبداً، ولا يحل له إنفاقها في مصالحه الشخصية كتسديد الضرائب المترتبة على المشترك أو في استخراج رخصة بناء. وعليه إنفاق تلك الأموال على الفقراء والمحتاجين والغارمين والمؤسسات الخيرية ومصالح المسلمين العامة كبناء مدرسة أو مستشفى أو تجهيز شارع ونحو ذلك. وقد أفتى بذلك طائفة من علماء العصر منهم فضيلة الشيخ العلامة مصطفى الزرقا رحمة الله عليه حيث قال: [إن التدبير الصحيح الشرعي في هذه الفوائد أن يأخذها المودع من المصرف دون أن ينتفع بها في أي وجه من وجوه الانتفاع فعليه أن يأخذ تلك الفوائد التي يحتسبها له المصرف الربوي عن ودائعه ويوزعها على الفقراء حصراً أو قصراً لأنهم مصرفها الوحيد] . وهذا رأي سديد إن شاء الله ولكن لا أوافقه على قصر تلك الأموال على الفقراء فقط بل يجوز صرفها في مصالح المسلمين العامة كما ذكرت.\rوخلاصة الأمر أن الإسلام قد أقر مبدأ التكافل والتعاون على الخير وأن إنشاء صندوق للتكافل والتعاون داخل في ذلك ما دام نظام الصندوق مضبوطاً بالضوابط الشرعية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346161,"book_id":3840,"shamela_page_id":541,"part":"12","page_num":35,"sequence_num":541,"body":"٣٥ - تسمية الثمن شرط لصحة البيع بخلاف قبضه عند العقد ليس شرطا\rيقول السائل: ذهبت إلى تاجر مواد بناء فاشتريت منه كمية من حديد البناء واتفقنا على السعر على أن يتم تسليم الحديد بعد شهر من الاتفاق وعندها أدفع له الثمن، وعندما حان موعد التسليم طالبني التاجر بزيادة السعر بحجة أن سعر الحديد قد ارتفع عن سعر يوم الاتفاق وقال إنه غير ملزم بتسليمي الحديد بالسعر المتفق عليه سابقاً لأن عقد البيع لم يتم لأنني لم أدفع له الثمن، فما الحكم أفيدونا؟ الجواب: البيع هو: مبادلة المال بالمال تمليكاً وتملكاً، كما قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في المغني ٣/٤٨٠.\rوركن البيع هو الإيجاب والقبول أي الصيغة كما قرر فقهاء الحنفية وعند جمهور الفقهاء يضاف للصيغة العاقدان – البائع والمشتري - ومحل العقد – المبيع والثمن - فهذه أركان عقد البيع عندهم\rانظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٩/١٠.\rوقد اتفق الفقهاء على أن تسمية الثمن وتعيينه تعتبر من شروط صحة عقد البيع فلا بد أن يكون الثمن معلوماً، قال الإمام النووي [يشترط في صحة البيع أن يذكر الثمن في حال العقد فيقول: بعتكه بكذا , فإن قال: بعتك هذا واقتصر على هذا فقال المخاطب: اشتريت أو قبلت , لم يكن هذا بيعاً بلا خلاف] المجموع ٩/١٧١.\rوجاء في المادة رقم ٢٣٧ من مجلة الأحكام العدلية: (تسمية الثمن حين البيع لازمة فلو باع بدون تسمية ثمن كان البيع فاسدا.) وجاء في المادة ٢٣٨ (يلزم أن يكون الثمن معلوماً) .\rوجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية عند الكلام عن [شروط الثمن: اتّفق الفقهاء على وجوب تسمية الثمن في عقد البيع، وأن يكون مالاً، ومملوكاً للمشتري، ومقدور التّسليم، ومعلوم القدر والوصف، وإيضاح ذلك فيما يلي:\rالشّرط الأوّل - تسمية الثمن:\rتسمية الثمن حين البيع لازمة، فلو باع بدون تسمية ثمن كان البيع فاسداً، لأنّ البيع مع نفي الثمن باطل، إذ لا مبادلة حينئذ، ومع السّكوت عنه فاسد، كما ذكر الحنفيّة.\rفإذا بيع المال ولم يذكر الثمن حقيقة، كأن يقول البائع للمشتري: بعتك هذا المال مجّاناً أو بلا بدل فيقول المشتري: قبلت، فهذا البيع باطل.\rوإذا لم يذكر الثمن حكماً، كأن يقول إنسان لآخر: بعتك هذا المال بالألف الّتي لك في ذمّتي، فيقبل المشتري، مع كون المتعاقدين يعلمان أن لا دين، فالبيع في مثل هذه الصّورة باطل أيضاً، ويكون الشّيء هبة في الصّورتين.\rوإذا كان الثمن مسكوتاً عنه حين البيع فالبيع فاسد وليس بباطل، لأنّ البيع المطلق يقتضي المعاوضة، فإذا سكت البائع عن الثمن كان مقصده أخذ قيمة المبيع، فكأنّه يقول: بعت ما لي بقيمته، وذكر القيمة مجملة يجعل الثمن مجهولاً فيكون البيع فاسداً.\rوبيع التّعاطي صحيح عند الجمهور لأنّ الثمن والمثمّن معلومان، فيه والتّراضي قائم بينهما ولو لم توجد فيه صفة. وعند المالكيّة والشّافعيّة لا ينعقد البيع إلاّ بتسمية الثمن ... وفي المجموع قال النّوويّ: يشترط في صحّة البيع أن يذكر الثمن في حال العقد، فيقول: بعتك كذا بكذا، فإن قال: بعتك هذا، واقتصر على هذا، فقال المخاطب: اشتريت أو قبلت لم يكن هذا بيعا بلا خلاف، ولا يحصل به الملك للقابل على المذهب، وبه قطع الجمهور، وقيل: فيه وجهان أصحّهما هذا، والثاني: يكون هبة. وقال السّيوطيّ: إذا قال: بعتك بلا ثمن، أو لا ثمن لي عليك، فقال: اشتريت وقبضه فليس بيعاً، وفي انعقاده هبة قولاً تعارض اللّفظ والمعنى، وإذا قال البائع: بعتك ولم يذكر ثمناً، فإن راعينا المعنى انعقد هبة، أو اللّفظ فهو بيع فاسد. وأمّا عند الحنابلة فقد جاء في الإنصاف: يشترط معرفة الثمن حال العقد على الصّحيح من المذهب وعليه الأصحاب، واختار الشّيخ ابن تيميّة صحّة البيع وإن لم يسمّ الثمن، وله ثمن المثل كالنّكاح.] الموسوعة الفقهية الكويتية ١٥/٢٦- ٢٧.\rوأما قبض الثمن فليس ركناً لعقد البيع ولا شرطاً له ويصح البيع بدون قبض الثمن باتفاق الفقهاء يقول الله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٢. وثبت عن عائشة ﵂ قالت: (اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعاماً بنسيئة إلى أجل ورهنه درعاً من حديد) رواه البخاري ومسلم.\rفهذه الأدلة وغيرها تدل على جواز تأجيل الثمن في البيع.\rوأما بالنسبة لتأخير قبض المبيع وتسليمه فهو جائز على الراجح من أقوال أهل العلم وعلى هذا جرى تعامل الناس قديماً وحديثاً مع بعض الاستثناءات كما في بيع الطعام. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ سورة المائدة الآية ١. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ سورة النحل الآية ٩١. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ سورة الإسراء الآية ٣٤. ومما يدل على ذلك قول النبي ﷺ: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح ورواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم لكنه بدون الاستثناء ورواه كذلك الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ (المسلمون عند شروطهم) أي بدون الاستثناء.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن الوفاء بها أي بالالتزامات التي التزم بها الإنسان من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل العقلاء جميعاً] مجموع الفتاوى ٢٩/٥١٦ والقواعد النورانية ص٥٣.\rإذا تقرر هذا فإن الفقهاء قد اتفقوا على أن البيع من العقود اللازمة لا الجائزة، ومعنى لزوم العقود وجوازها: أنه يقصد بلزوم العقد عدم جواز فسخه من قبل أحد العاقدين إلا برضا العاقد الآخر, وما جاز للعاقد فسخه بغير رضا العاقد الآخر يسمّى عقداً جائزاً. فالبيع والسّلم والإجارة عقود لازمة , إذ أنّها متى صحّت لا يجوز فسخها بغير التّقايل , ولو امتنع أحد العاقدين عن الوفاء بها أجبر. الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٥/٢٣٨.\rويترتب على كون العقد من العقود اللازمة أنه بمجرد انعقاد العقد بطريقة صحيحة شرعاً يجب الوفاء بمقتضى العقد ولا يحق لأحد المتعاقدين فسخ العقد أو إبطاله أو تعديله إلا بموافقة الطرف الثاني وتوضيح ذلك في السؤال المذكور أعلاه أنه لا يجوز شرعاً أن يطالب التاجر بزيادة السعر عما تم العقد عليه إلا بموافقة المشتري وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.\rوخلاصة الأمر أن العقد الذي تم بين السائل وتاجر مواد البناء عقد صحيح وهو عقد لازم للطرفين فيجب الوفاء به ولا يجوز للتاجر أن يطلب رفع السعر لأن البيع قد تم على السعر المتفق عليه ويلزم التاجر إنفاذ العقد كما اتفق عليه مع المشتري، وقول التاجر إنه غير ملزم بتسليم الحديد بالسعر المتفق عليه سابقاً لأن عقد البيع لم يتم لأنه لم يتم دفع الثمن، قول باطل فقبض الثمن ليس شرطاً لصحة العقد، وإنما الشرط هو تسمية الثمن وقد حصلت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346162,"book_id":3840,"shamela_page_id":542,"part":"12","page_num":36,"sequence_num":542,"body":"٣٦ - دفع أجرة العقار مقدمأ\rيقول السائل: إنه قد استأجر محلاً تجارياً وقد شرط عليه المؤجر أن يدفع نصف الأجرة السنوية مقدماً عند توقيع عقد الإجارة فوافق على ذلك ولكن بعض الناس قالوا إن ذلك لا يجوز، فما الحكم في هذه المسألة، أفيدونا؟ الجواب: الإجارة عند الفقهاء عقد معاوضة على تمليك منفعة بعوض وهو عقد مشروع بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وانعقد الإجماع على ذلك يقول تعالى ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهن﴾ . وورد في الحديث عن عبد الله بن عمر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل حديث رقم ١٤٩٨.\rوجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: (قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حراً فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره) رواه البخاري.\rوعقد الإجارة يقع على المنافع فمن استأجر بيتاً فإنه يملك منفعته فقط وهي السكنى وعقد الإجارة لا يفيد تملك العين المؤجرة وإن طالت مدة الإجارة. فمهما طالت مدة الإجارة تبقى العين المؤجرة ملكاً لصاحبها فلو أن شخصاً سكن في بيت بالإجارة لمدة خمسين عاماً فيبقى البيت لصاحبه ولا يصير ملكاً للمستأجر أبداً.\rوقد أجاز كثير من أهل العلم عقد الإجارة مشاهرة بدون تحديد وقت لانتهاء العقد\rإذا تقرر هذا فإنه يجوز الاتفاق بين المستأجر والمؤجر على تعجيل الأجرة وتأجيلها إلى أجل معلوم والمرجع في ذلك هو اتفاقهما اتفاقاً واضحاً يقطع النزاع والخصومة\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي عند كلامه على أحكام الإجارة [الحكم السادس , أنه إذا شرط تأجيل الأجر فهو إلى أجله وإن شرطه منجماً - أي مقسطاً - يوماً يوماً , أو شهراً شهراً أو أقل من ذلك أو أكثر فهو على ما اتفقا عليه لأن إجارة العين كبيعها , وبيعها يصح بثمن حال أو مؤجل فكذلك إجارتها] المغني ٥/٣٣٠.\rوقال الكاساني الحنفي [فأما إذا شرط في تعجيلها ملكت بالشرط وجب تعجيلها , فالحاصل أن الأجرة لا تملك عندنا إلا بأحد معان ثلاثة: أحدها: شرط التعجيل في نفس العقد , والثاني: التعجيل من غير شرط: والثالث: استيفاء المعقود عليه أما ملكها بشرط التعجيل فلأن ثبوت الملك في العوضين في زمان واحد لتحقيق معنى المعاوضة المطلقة وتحقيق المساواة التي هي مطلوب العاقدين , ومعنى المعاوضة والمساواة لا يتحقق إلا في ثبوت الملك فيهما في زمان واحد , فإذا شرط التعجيل فلم توجد المعاوضة المطلقة بل المقيدة بشرط التعجيل فيجب اعتبار شرطهما لقوله ﷺ المسلمون عند شروطهم. فيثبت الملك في العوض قبل ثبوته في المعوض ; ولهذا صح التعجيل في ثمن المبيع وإن كان إطلاق العقد يقتضي الحلول , كذا هذا] بدائع الصنائع ٤/٦١.\rوقال الشيخ سيد سابق [اشتراط تعجيل الأجرة وتأجيلها: ... ويصح اشتراط تعجيل الأجرة وتأجيلها كما يصح تعجيل البعض وتأجيل البعض الآخر، حسب ما يتفق عليه المتعاقدان لقول الرسول ﷺ،: \" المسلمون عند شروطهم \". فإذا لم يكن هناك اتفاق على التعجيل أو التأجيل فإن كانت الأجرة مؤقتة بوقت معين فإنه يلزم إيفاؤها بعد انقضاء ذلك الوقت. فمن أجر داراً شهراً مثلاً ثم مضى الشهر فإنه تجب الأجرة بانقضائه ... وإن كان عقد الإجارة على عمل فإنه يلزم إيفاؤها عند الانتهاء من العمل. وإذا أطلق العقد ولم يشترط قبض الأجرة ولم ينص على تأجيلها: قال أبو حنيفة ومالك ﵄: إنها تجب جزءً جزءً بحسب ما يقبض من المنافع. وقال الشافعي وأحمد: إنها تستحق بنفس العقد، فإذا سلم المؤجر العين المستأجرة إلى المستأجر استحق جميع الأجرة، لأنه قد ملك المنفعة بعقد الإجارة ووجب تسليم الأجرة ليلزم تسليم العين إليه. استحقاق الأجرة: وتستحق الأجرة بما يأتي: ١ - الفراغ من العمل، لما رواه ابن ماجه أن النبي، ﷺ، قال: \" أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه \".\r٢ - استيفاء المنفعة إذا كانت الإجارة على عين مستأجرة، فإذا تلفت العين قبل الانتفاع ولم يمض شيء من المدة بطلت الإجارة.\r٣ - التمكن من استيفاء المنفعة، إذا مضت مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها ولو لم تستوف بالفعل.\r٤ - تعجيلها بالفعل أو اتفاق المتعاقدين على اشتراط التعجيل.] فقه السنة ٤/١٠٧-١٠٨.\rوتعجيل الأجرة أمر تعارف الناس عليه منذ عهد بعيد وخاصة في المنافع المضمونة كما هو الحال فيمن يشتري تذكرة لركوب طائرة أو سفينة أو قطار أو سيارة فإن دفع الأجرة يكون مقدماً وكذا عند استئجار محل تجاري فقد جرى العرف عند كثير من الناس على استيفاء بعض الأجرة مقدماً، كما أن العرف قد جرى على تأخير دفع الأجرة إذا كانت الإجارة واردة على عمل الشخص كمن يستأجر عاملاً ليشتغل في أرضه مثلاً، فإن العرف قد جرى على أن تدفع الأجرة بعد أن ينتهي العامل من العمل، ومن المعلوم عند أهل العلم أن العرف معتبر، كما قال العلامة ابن عابدين الحنفي في منظومته:\rوالعرف له اعتبار فلذا الحكم عليه قد يدار\rانظر نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف في الجزء الثاني من رسائل العلامة ابن عابدين ص١١٢.\rوخلاصة الأمر أن الاتفاق بين المؤجر والمستأجر على أن يدفع المستأجر نصف الأجرة السنوية مقدماً عند توقيع عقد الإجارة جائز ولا حرج فيه ما دام أن الاتفاق قد تم برضا المتعاقدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346163,"book_id":3840,"shamela_page_id":543,"part":"12","page_num":37,"sequence_num":543,"body":"٣٧ - جعل سعر الفائدة مؤشرا للربح في البنوك الإسلامية\rيقول السائل: إنه أراد أن يشتري سيارة من أحد البنوك الإسلامية بطريقة المرابحة على أن يقسط ثمنها لمدة سنتين وتبين له أن البنك الإسلامي يحسب نسبة الربح التي يتقاضاها حسب نسبة الفائدة في البنوك التقليدية فما الحكم في ذلك أفيدونا؟ الجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها البنوك الإسلامية هي البعد عن الربا في جميع معاملاتها أخذاً وإعطاءً بخلاف البنوك التجارية الربوية التي تقوم أكثر معاملاتها على الربا أخذاً وإعطاءً.\rوصورة بيع المرابحة للآمر بالشراء المستعملة في البنوك الإسلامية هي أن يتفق العميل والبنك على أن يقوم العميل بشراء البضاعة بربح معلوم بعد شراء البنك لها ودخولها في ملك البنك الإسلامي دخولاً فعلياً، هذه الصورة متفرعة عن بيع المرابحة المعروف عند الفقهاء قديماً وهو بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح. ولا بد أن يعلم أيضاً أن الفرق بين الربح وبين الربا (الفائدة) ، فالربح هو الزيادة على رأس المال نتيجة تقليبه في النشاط التجاري، أو هو الزائد على رأس المال نتيجة تقليبه في الأنشطة الاستثمارية المشروعة كالتجارة والصناعة وغيرها. انظر الربح في الفقه الإسلامي ص ٤٤. والربح عند الفقهاء ينتج من تفاعل عنصري الإنتاج الرئيسيين وهما العل ورأس المال، فالعمل له دور كبير في تحصيل الربح. المصدر السابق ص ٤٤-٤٥. وأما الفائدة فهي زيادة مستحقة للدائن على مبلغ الدين يدفعها المدين مقابل احتباس الدين إلى تمام الوفاء. انظر الفائدة والربا ص ١٦. فالفائدة الربوية هي زيادة في مبادلة مال بمال لأجل أي أن الفائدة هي مقابل المدة الزمنية.\rإذا تقرر هذا فنعود إلى السؤال فنقول إن البنوك الإسلامية تعمل في ظل تنافس شديد مع البنوك التجارية الربوية وتواجه البنوك الإسلامية عقبات كثيرة تحد من تقدمها وازدهارها ومع ذلك فإن كثيراً من البنوك الإسلامية ما زالت تعتمد في معاملاتها على أنواع من المعاملات الشرعية التي ترتب لها ديوناً كبيرة على جمهور المتعاملين معها كالبيوع الآجلة ومنها بيع المرابحة للآمر بالشراء، ولحساب نسبة الربح أو هامش الربح في بيع المرابحة للآمر بالشراء لابد من النظر إلى أمرين أساسين وهما تكلفة شراء السلعة على البنك الإسلامي ثم نسبة الربح التي يتقاضاها البنك الإسلامي ومن المعلوم أن هذه النسبة ليست ثابتة فإذا باع البنك الإسلامي السلعة مرابحة على أن يقسط الثمن على سنة تكون النسبة أقل مما لو باعها بالتقسيط على سنتين، وهذا الأمر جعل كيفية حساب هامش الربح شبيهة بسعر الفائدة في البنوك التجارية الربوية مما جعل الأمرين متشابهين في الصورة ولا شك أن هنالك [اختلافاً جذرياً يتمثل في أن الفائدة هي زيادة مشروطة في قرض، بينما أن هامش المرابحة هو جزء من ثمن بيع آجل صحيح؛ برغم ذلك فهي مرتبطة بأسعار الفائدة العالمية، ولا يعني ذلك أنها مساوية لها بالضرورة، ولكنها تتغير معها نزولاً وصعوداً، الأمر الذي يوحي بأنهما صنوان، ولطالما انتقدت البنوك الإسلامية، وشكك المشككون فيها بناء على ما يرون من ارتباط بين هامش الربح وأسعار الفائدة العالمية] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد٨ ج٣ /٦٨٢. ومن أسباب هذا التشابه في الصورة بين هامش الربح في البنوك الإسلامية وأسعار الفائدة في البنوك التجارية الربوية هو أن [البنوك الإسلامية تمارس نشاطها المصرفي في بيئة تتنافس فيها مع البنوك التقليدية، ويمثل الجميع أعضاءً في سوق واحد، وسواء كانت هذه البنوك تمارس نشاطها بصفة أساسية داخل بلدانها أو على نطاق دولي فإنه يبقى أن البديل لصيغ تمويلها المقبولة شرعاً هو الاقتراض بالفائدة، ولذلك فهي مضطرة في تحديد هوامش الربح (والتي تمثل ببساطة ثمن الخدمة التي تقدمها) أن تأخذ في اعتبارها هذه الحقيقة، فهي لا تستطيع أن تحدد هامش ربح يزيد كثيراً على أسعار الفائدة السائدة؛ لأنها إذا فعلت تركها الناس ومالوا إلى البنوك التقليدية (إلا من رحم ربك) ، وهي لا تستطيع أن تحدد هامش مرابحة يقل كثيراً عن أسعار الفائدة؛ لأنها عندئذٍ سوف توزع على المودعين لديها وملاك البنوك أرباحاً تقل عن أسعار الفائدة التي يمكن أن يحصلوا عليها في البنوك التقليدية فيتركونها إلى البنوك التقليدية (إلا من رحم ربك) ، لا شك في أننا نعيش في أوضاع غير مثالية، ولذلك لا نستطيع أن نفترض أن جميع المسلمين سوف يتجاهلون هذين العاملين لأنهم في الواقع لن يفعلوا، لذلك تجد البنوك الإسلامية نفسها مضطرة إلى ربط معدلات أرباحها بأسعار الفوائد الدولية] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد٨ ج٣ /٦٨٢.\rوكذلك فإن من [عوامل وجود التقارب بين هامش ربح التمويل الإسلامي مع التمويل التقليدي هو عدم وجود سوق مالية إسلامية قادرة على خلق أدوات مالية إسلامية مستقلة بذاتها قادرة على استيعاب السيولة الموجودة واستخدامها لطرق إسلامية، ومن ثم خلق مؤشر إسلامي مستقل لقياس هامش أرباح الأدوات الإسلامية بناء على مؤشرات هذا السوق] نقلاً عن صحيفة الشرق الأوسط عن شبكة الإنترنت. ومما شك فيه أن البنوك الإسلامية بحاجة إلى إيجاد مؤشر خاص بها لتحديد نسبة الربح أو هامش الربح وقد أكد على ذلك مجمع الفقه الإسلامي حيث ورد في قرار المجمع ما يلي: [الإسراع بإيجاد المؤشر المقبول إسلامياً الذي يكون بديلاً عن مراعاة سعر الفائدة الربوية في تحديد هامش الربح في المعاملات] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد٨ ج٣ /٧٩٣.\rوبناءً على ما سبق فلا يوجد ما يمنع شرعاً من أن يكون سعر الفائدة مؤشراً لتحديد نسبة الربح في البنوك الإسلامية في بيع المرابحة للآمر بالشراء وغيره من معاملاتها [فلا يوجد في الشريعة - بحسب ما نعلم- طريقة لحساب الربح، والمعول في المعاملات هو على صيغة العقد لا على طريقة الحساب، فإذا كان بيعاً وجب أن يكون مكتمل الأركان تام الشروط خالياً من الربا والغرر والغش والغبن ... إلخ، فإذا توفر ذلك فلا أهمية للطريقة التي حسب بها الربح، وهذا يعني أن ربط هامش الربح بأسعار الفائدة مقبول إذا كانت صيغة البيع صحيحة] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد٨ ج٣ /٦٨٣ - ٦٨٤. وانظر أيضاً الربح في الفقه الإسلامي ضوابطه وتحديده في المؤسسات المالية المعاصرة ص ٢٤٦.\rوخلاصة الأمر أن يجوز شرعاً جعل أسعار الفائدة مؤشراً لتحديد نسبة الربح في البنوك الإسلامية وإن التشابه بين الأمرين إنما هو تشابه في الصورة فقط مع الاختلاف في الجوهر والحقيقة والواقع، حيث إن الربح الذي تتقاضاه البنوك الإسلامية إنما هو جزء من ثمن بيع آجل صحيح لا غبار عليه من الناحية الشرعية، بينما الفائدة الربوية هي زيادة في مبادلة مال بمال لأجل، أي أن الفائدة هي مقابل المدة الزمنية. ولا بد للبنوك الإسلامية أن تسعى لإيجاد مؤشر خاص بها لتحديد هامش أرباحها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346164,"book_id":3840,"shamela_page_id":544,"part":"12","page_num":38,"sequence_num":544,"body":"٣٨ - بيع العملات بالهامش (المارجن)\rيقول السائل: إنه بدأ التعامل مع إحدى شركات الوساطة المالية لبيع وشراء العملات في البورصات العالمية بما يعرف بالبيع بالهامش (المارجن) وإن الشركة المذكورة تعتمد على فتوى لمجلس الفتوى الفلسطيني تجيز التعامل المذكور حيث وضعت الفتوى على موقع شركة الوساطة على الإنترنت، فما قولكم في ذلك؟ الجواب: لا بد أولاً من بيان حقيقة ما يسمى البيع بالهامش أو ما يعرف بالمارجن [لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فيقصد بالشراء بالهامش: شراء العملات بسداد جزء من قيمتها نقداً بينما يسدد الباقي بقرض مع رهن العملة محل الصفقة. والهامش هو التأمين النقدي الذي يدفعه العميل للسمسار ضماناً لتسديد الخسائر التي قد تنتج عن تعامل العميل مع السمسار. وفي هذه المعاملة يفتح العميل حساباً بالهامش لدى أحد سماسرة سوق العملات، الذي يقوم بدوره بالاقتراض من أحد البنوك التجارية - وقد يكون السمسار هو البنك المقرض نفسه- لتغطية الفرق بين قيمة الصفقة وبين القيمة المدفوعة كهامش. مثال ذلك: لنفرض أن عميلاً فتح حساباً بالهامش لدى أحد السماسرة، وضع فيه العميل تأميناً لدى السمسار بمقدار عشرة آلاف دولار. وفي المقابل يُمَكِّن السمسارُ العميلَ بأن يتاجر في بورصة العملات بما قيمته مليون دولار، أي يقرضه هذا المبلغ برصده في حسابه لديه - أي لدى السمسار- ليضارب العميل به، فيشتري بهذا لرصيد من العملات الأخرى كاليورو مثلاً، ثم إذا ارتفع اليورو مقابل الدولار باع اليورو، وهكذا، فيربح العميل من الارتفاع في قيمة العملة المشتراة.] عن الإنترنت\rإن ما يتم في البورصات العالمية من بيع وشراء للعملات المختلفة مخالف في أغلبه لقواعد الصرف المعروفة عند الفقهاء وأهمها التقابض في مجلس العقد، فقد اتفق أهل العلم على أن من شروط عقد الصرف تقابض البدلين من المتعاقدين في مجلس العقد قبل افتراقهما. قال ابن المنذر: [أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد] المغني٤/٤١. ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) رواه مسلم. فلذلك يشترط في عملية بيع عملة بأخرى أن يتم تبادل العملتين في المجلس ولا يجوز تأجيل قبض إحداهما وإن حصل التأجيل فالعقد باطل قال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (يداً بيد) حجة للعلماء كافة في وجوب التقابض وإن اختلف الجنس] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/١٩٩.\rوإذا تأملنا مسألة البيع بالهامش (المارجن) وجدناها قد أخلت بهذا الشرط المتفق عليه بين العلماء فلا يوجد فيه قبض لا حقيقي ولا حكمي، وقد ظن بعض المفتين أن تسجيل العملية في قيد المتعامل لدى شركة الوساطة هو قبض حكمي، وهذا ظن خاطئ لأنه يوجد ما يسمى بالتسوية المالية (Settlement) أو ما يعرف بنظام (السبوت SPOT) وهذه التسوية لا تكون إلا بعد يومي عمل على أقل تقدير وقد تزيد عن ذلك [مع مراعاة أيام العطلات الرسمية في حساب تواريخ الاستحقاق وهي: السبت والأحد في أوروبا وأمريكا والجمعة في الشرق الأوسط. ويترتب على ذلك أنه إذا تم تبادل بين عملة أوروبية أو أمريكية مقابل عملة أوروبية يوم الجمعة فسيكون التسليم الفعلي يوم الثلاثاء بإهدار يومي السبت والأحد لأنهما عطلة رسمية في أوروبا وأمريكا. وإذا تم تبادل بين عملة أوروبية أو أمريكية مقابل عملة شرق أوسطية يوم السبت فسيكون التسليم الفعلي يوم الأربعاء بإهدار أيام الجمعة والسبت والأحد؛ لأنها أيام عطلة في الشرق الأوسط فكأن العملية تمت يوم الإثنين فيكون التسليم يوم الأربعاء بعد يومي عمل، وما يحدث يوم التعاقد هو تسجيل للعملية فقط] ويقول الشيخ الدكتور سامي بن إبراهيم السويلم (باحث في الاقتصاد الإسلامي من علماء المملكة العربية السعودية) : [هناك فرق بين إجراء البيع والشراء وبين التسوية، فإجراء العقد يتم في ثوان كما أشار الأخ الكريم. أما التسوية (settlement) ، فهي تعني دخول المبلغ في حساب المشتري، ودخول العوض في حساب البائع، بحيث يمكن لكل طرف أن يتصرف في المبلغ لمصلحته الخاصة بالسحب وغيره، وبهذا يتحقق التقابض بين الطرفين. لا يوجد حتى الآن في سوق العملات الدولية تقابض أو تسوية فورية تتم في لحظة إنجاز العقد، بل يتأخر التقابض لمدة يومين (ويشار إليه بـ (T+٢) أو أكثر. في بعض الحالات يمكن للمتعامل اشتراط أن تتم التسوية في نفس اليوم (T+٠) لكن الأصل هو التأخر.] إذن يوجد فرق بين تسجيل العملية في قيد المتعامل وبين التسوية وعليه فإن من يشتري عملة فإنه لا يستطيع سحبها من حسابه قبل عملية التسوية وإن كانت قد سجلت في قيده لدى شركة الوساطة، وبالتالي لا يجوز له بيعها إلا بعد عملية التسوية. وما ورد في الفتوى المشار إليها [ولا يتم بيع أو شراء العملة إلا إذا ملكها المتعامل عن طريق تسجيلها في حسابه عبر الوسائل الحديثة ويتسلم المتعامل مستندات خاصة بكل عملية بيع وشراء بسرعة فائقة عبر وسائل الاتصالات الحديثة، هذا التسجيل في حساب المتعامل أو تسلم المستندات يعتبر في الفقه الإسلامي قبضاً حكمياً للعملة المشتراة أو المباعة فالبيع والشراء بعد القبض الحكمي لا ربا فيه لأن البائع والمشتري يملكان البدلين عند العقد ويتم تسليمها في مجلس العقد هذا ما يتفق مع شروط الصرف الصحيح] وأقول إن هذا الكلام غير صحيح فقهاً، لأنه لا يتم القبض الحكمي في العملية المذكورة إلا بعد التسوية وليس بمجرد التسجيل في حساب المتعامل كما ورد في الفتوى. وكذلك فإن الفتوى المذكورة قد أغفلت قضية هامة عندما ذكرت أن [التمويلات أو التسهيلات المالية والتي هي عبارة عن حساب جارٍ مدين يمنحه البنك للمتعامل لحساب ما يحتاجه لشراء العملات وبيعها هي عبارة عن إذن من البنك للمتعامل بالتصرف في هذا المبلغ وما يسحبه المتعامل أو وكيله هو قرض ويسجل في حساب المتعامل على أنه مدين والقرض في الشريعة الإسلامية مشروع ما دام البنك لا يتقاضى شيئاً على التمويل أو التسهيلات المالية ... ] أقول لو سلمنا بأن هذا القرض بدون فوائد فإنه قرض يجر نفعاً وهو أن البنك يشترط أن يكون التعامل عن طريقه وبهذا يكون قرضاً جرَّ نفعاً وقد اتفق الفقهاء على أن كل قرض جر نفعاً فهو من الربا المحرم. كما أن الفتوى المذكورة قد خالفت ما اتفقت عليه المجامع الفقهية المعتبرة من تحريم التعامل بالمارجن كما ورد في فتوى المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، في دورته الثامنة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من ١٠-١٤/٣/١٤٢٧هـ، الذي يوافقه ٨-١٢إبريل ٢٠٠٦م، قد نظر في موضوع: (المتاجرة بالهامش) ، والتي تعني: (دفع المشتري] العميل [جزءاً يسيراً من قيمة ما يرغب شراءه يسمّىهامشاً، ويقوم الوسيط مصرفاً أو غيره، بدفع الباقي على سبيل القرض، على أن تبقى العقود المشتراة لدى الوسيط، رهناً بمبلغ القرض) . وبعد الاستماع إلى البحوث التي قدمت، والمناقشات المستفيضة حول الموضوع، رأى المجلس أن هذه المعاملة تشتمل على الآتي: (١) المتاجرة (البيع والشراء بهدف الربح) ، وهذه المتاجرة تتم غالباً في العملات الرئيسة، أو الأوراق المالية (الأسهم والسندات) ، أو بعض أنواع السلع، وقد تشمل عقود الخيارات، وعقود المستقبليات، والتجارة في مؤشرات الأسواق الرئيسة. (٢) القرض، وهو المبلغ الذي يقدمه الوسيط للعميل مباشرة إن كان الوسيط مصرفاً، أو بواسطة طرف آخر إن كان الوسيط ليس مصرفاً. (٣) الربا، ويقع في هذه المعاملة من طريق (رسوم التبييت) ، وهي الفائدة المشروطة على المستثمر إذا لم يتصرف في الصفقة في اليوم نفسه، والتي قد تكون نسبة مئوية من القرض، أو مبلغاً مقطوعاً.\r(٤) السمسرة، وهي المبلغ الذي يحصل عليه الوسيط نتيجة متاجرة المستثمر (العميل) عن طريقه، وهي نسبة متفق عليها من قيمة البيع أو الشراء. (٥) الرهن، وهو الالتزام الذي وقعه العميل بإبقاء عقود المتاجرة لدى الوسيط رهناً بمبلغ القرض، وإعطائه الحق في بيع هذه العقود واستيفاء القرض إذا وصلت خسارة العميل إلى نسبة محددة من مبلغ الهامش، ما لم يقم العميل بزيادة الرهن بما يقابل انخفاض سعر السلعة.\rويرى المجلس أن هذه المعاملة لا تجوز شرعاً للأسباب الآتية:\rأولاً: ما اشتملت عليه من الربا الصريح، المتمثل في الزيادة على مبلغ القرض، المسماة (رسوم التبييت) ، فهي من الربا المحرم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٨-٢٧٩) .\rثانياً: أن اشتراط الوسيط على العميل أن تكون تجارته عن طريقه، يؤدي إلى الجمع بين سلف ومعاوضة (السمسرة) ، وهو في معنى الجمع بين سلف وبيع المنهي عنه شرعاً في قول الرسول ?: \" لا يحل سلف وبيع ... \" الحديث رواه أبو داود (٣/٣٨٤) والترمذي (٣/٥٢٦) وقال: حديث حسن صحيح. وهو بهذا يكون قد انتفع من قرضه، وقد اتفق الفقهاء على أن كل قرض جر نفعاً فهو من الربا المحرم.\rثالثاً: أن المتاجرة التي تتم في هذه المعاملة في الأسواق العالمية غالباً ما تشتمل على كثير من العقود المحرمة شرعاً، ومن ذلك:\r١. المتاجرة في السندات، وهي من الربا المحرم، وقد نص على هذا قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم (٦٠) في دورته السادسة.\r٢. المتاجرة في أسهم الشركات دون تمييز، وقد نص القرار الرابع للمجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة سنة ١٤١٥هـ على حرمة المتاجرة في أسهم الشركات التي غرضها الأساسي محرم، أو بعض معاملاتها ربا.\r٣. بيع وشراء العملات يتم غالباً دون قبض شرعي يجُيز التصرف.\r٤. التجارة في عقود الخيارات وعقود المستقبليات، وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم (٦٣) في دورته السادسة، أن عقود الخيارات غير جائزة شرعاً، لأن المعقود عليه ليس مالاً ولا منفعة ولا حقاً مالياً يجوز الاعتياض عنه.. ومثلها عقود المستقبليات والعقد على المؤشر.\r٥. أن الوسيط في بعض الحالات يبيع ما لا يملك، وبيع ما لا يملك ممنوع شرعاً. رابعاً: لما تشتمل عليه هذه المعاملة من أضرار اقتصادية على الأطراف المتعاملة، وخصوصاً العميل (المستثمر) وعلى اقتصاد المجتمع بصفة عامة. لأنها تقوم على التوسع في الديون، وعلى المجازفة، وما تشتمل عليه غالباً من خداع وتضليل وشائعات، واحتكار ونجش وتقلبات قوية وسريعة للأسعار، بهدف الثراء السريع والحصول على مدخرات الآخرين بطرق غير مشروعة، مما يجعلها من قبيل أكل المال بالباطل، إضافة إلى تحول الأموال في المجتمع من الأنشطة الاقتصادية الحقيقية المثمرة إلى هذه المجازفات غير المثمرة اقتصادياً، وقد تؤدي إلى هزات اقتصادية عنيفة تلحق بالمجتمع خسائر وأضراراً فادحة. ويوصي المجمع المؤسسات المالية باتباع طرق التمويل المشروعة التي لا تتضمن الربا أو شبهته، ولا تحدث آثاراً اقتصادية ضارة بعملائها أو بالاقتصاد العام كالمشاركات الشرعية ونحوها، والله ولي التوفيق.] عن الإنترنت\rوخلاصة الأمر أن بيع وشراء العملات عن طريق ما يسمى بالبيع بالهامش (المارجن) محرم شرعاً، وأدعو مجلس الفتوى الموقر إلى إعادة النظر في فتواه المذكورة والمؤرخة في ١٢/٦/٢٠٠٦، والتي تستغل من الطامعين بالثراء السريع من المضاربين بالعملات، مع العلم أن هذه المضاربات لا تعود بأي نفع على الاقتصاد المحلي، ولولا ضيق المقام لفصلت الكلام في هذه المسألة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346165,"book_id":3840,"shamela_page_id":545,"part":"12","page_num":39,"sequence_num":545,"body":"٣٩ - حق الجار في استعمل سور جاره\rيقول السائل: هل للجار أن يستخدم سور جاره لتثبيت مواسير عريش دوالي العنب التي له، أفيدونا؟ الجواب: ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره) قال ثم يقول أبو هريرة ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم) رواه البخاري ومسلم. قال القسطلاني في شرح قول أبي هريرة (ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم) : أي لأصرخن بالمقالة فيكم ولأوجعنكم بالتقريع بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته] عون المعبود ١٠/٤٦.\rوقد ورد هذا الحديث بلفظ خشبه أي جمع خشبة، وورد بالإفراد خشبة، قال الإمام النووي [ ... قال القاضي: روينا قوله: (خشبة) في صحيح مسلم وغيره من الأصول والمصنفات (خشبة) بالإفراد و (خشبه) بالجمع. قال: وقال الطحاوي عن روح بن الفرج: سألت أبا زيد والحرث بن مسكين ويونس بن عبد الأعلى عنه فقالوا كلهم: (خشبة) بالتنوين على الإفراد, قال عبد الغني ابن سعيد: كل الناس يقولونه بالجمع إلا الطحاوي.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٢٢-٢٢٣. والفرق أن وضع الخشبة الواحدة أهون من وضع الخشب فإن الجار قد يتسامح في وضع خشبة واحدة ولا يتسامح في وضع خشب كثير. وجاء في رواية أخرى عند أبي داود (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه فنكسوا فقال ما لي أراكم قد أعرضتم لألقينها بين أكتافكم) .\rوورد عند أحمد في المسند عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يمنعن رجل جاره أن يجعل خشبته أو قال خشبة في جداره) وهو حديث صحيح كما في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٣٩.\rوروى الإمام أحمد في المسند عن عكرمة بن سلمة بن ربيعة أن أخوين من بني المغيرة أعتق أحدهما - أي حلف بالعتق - أن لا يغرز خشباً في جداره فلقيا مجمع بن يزيد الأنصاري ورجالاً كثيراً فقالوا نشهد أن رسول الله ﷺ قال: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشباً في جداره فقال الحالف أي أخي قد علمت أنك مقضي لك عليَّ وقد حلفت فاجعل أسطواناً دون جداري ففعل الآخر فغرز في الأسطوان خشبة) ورواه ابن ماجة أيضاً وقال العلامة الألباني حديث حسن كما في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٣٨. وروى البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: ((إذا سأل أحدكم جاره أن يدعم جذوعه على حائطه فلا يمنعه) السنن الكبرى ٦/٦٩.\rويؤخذ من هذه الأحاديث أنه لا يجوز للجار أن يمنع جاره من استعمال الحائط الذي يكون بين أرضيهما ما دام أنه لا يلحق الضرر بجاره وقد أخذ جماعة من أهل العلم بظاهر هذه الأحاديث فقالوا من حق الجار أن يستعمل سور جاره ولو بدون إذنه قال الشوكاني [والأحاديث تدل على أنه لا يحل للجار أن يمنع جاره من غرز الخشب في جداره ويجبره الحاكم إذا امتنع وبه قال أحمد وإسحاق وابن حبيب من المالكية والشافعي في القديم وأهل الحديث] نيل الأوطار ٥/٢٩٣.\rوقال الإمام الترمذي [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول الشافعي وروي عن بعض أهل العلم منهم مالك بن أنس قالوا له أن يمنع جاره أن يضع خشبه في جداره والقول الأول أصح] سنن الترمذي ٣/٦٣٦.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [فأما إن دعت الحاجة إلى وضعه على حائط جاره أو الحائط المشترك ,، بحيث لا يمكنه التسقيف بدونه فإنه يجوز له وضعه بغير إذن الشريك] المغني ٤/٣٧٦.\rقال الإمام البيهقي: [لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن نخصها، وقد حمله الراوي على ظاهره، وهو أعلم بالمراد بما حدث به، يشير إلى قول أبي هريرة ﵁ (ما لي أراكم عنها معرضين) ] فتح الباري ٥/١٣٧.\rوقال الشيخ ابن حزم الظاهري: [وَلاَ يَحِلُّ لأََحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ خَشَباً فِي جِدَارِهِ وَيُجْبَرَ عَلَى ذَلِكَ أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْحَائِطِ هَدْمَ حَائِطِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لِجَارِهِ: دَعِّمْ خَشَبَك أَوْ انْزَعْهُ فَإِنِّي أَهْدِمُ حَائِطِي، وَيُجْبَرُ صَاحِبُ الْخَشَبِ عَلَى ذَلِكَ] ثم استدل بحديث أبي هريرة السابق ثم قال [فَهَذَا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلاَ يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا.] المحلى ٧/٨٦.\rوخالف في ذلك جماعة من الفقهاء فقالوا لا يجوز للجار أن يستعمل جدار جاره إلا بإذنه وهذا قول الحنفية والمالكية والشافعي في الجديد وقد حملوا ما ورد في الأحاديث السابقة من النهي على الكراهة ورأوا أنه يندب للجار أن يأذن لجاره أن يستعمل جداره فإن لم يأذن فلا يحل له ذلك لأن الأصل أنه لا يحل للمسلم شيء من مال أخيه المسلم إلا بإذنه واحتجوا على ذلك بقول الله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) سورة البقرة الآية ١٨٨، وبقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) سورة النساء الآية ٢٩.\rواحتجوا بما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ قال: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠.\rواحتجوا أيضاً بما جاء في الحديث من قول النبي ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) رواه أحمد والبيهقي وابن حبان وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/٢٧٩.\rوالذي يظهر لي أن الراجح من القولين هو قول من أجاز وضع الخشب في جدار الجار بدون إذنه ما دام أنه لا يلحق ضرراً بجاره ومما يؤيد هذا الترجيح ما رواه مالك في الموطأ أن الضحاك بن خليفة ساق خليجاً له من العريض فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة فأبى محمد فقال له الضحاك لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولاً وآخراً ولا يضرك فأبى محمد فكلَّم فيه الضحاك عمر بن الخطاب فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله فقال محمد لا فقال عمر لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تسقي به أولاً وآخراً وهو لا يضرك فقال محمد لا والله فقال عمر والله ليمرنَّ به ولو على بطنك فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني وسنده صحيح فتح الباري ٥/١٣٨.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني [وروى ابن إسحاق في مسنده والبيهقي من طريقه عن يحيى بن جعدة أحد التابعين قال: أراد رجل بالمدينة أن يضع خشبته على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه , فإذا من شئت من الأنصار يحدثون عن رسول الله ﷺ أنه نهاه أن يمنعه , فجبر على ذلك] فتح الباري ٥/١٣٨، وانظر السنن الكبرى ٦/٦٩.\rوقد قاس اشيخ ابن قدامة المقدسي وضع الخشب على جدار الجار على الاستناد إليه والاستظلال به. المغني ٤/٣٧٦.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للجار أن يستعمل سور جاره لتثبيت مواسير عريشه بدون أن يلحق الضرر بجاره، وهذا حق من حقوق الجار على جاره وقد وردت نصوص كثيرة في كتاب الله ﷿ وفي سنة نبيه ﷺ تحث على أداء حقوق الجيران وحسن معاملتهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346166,"book_id":3840,"shamela_page_id":546,"part":"12","page_num":40,"sequence_num":546,"body":"٤٠ - إتلاف المزارعين للمنتوجات الزراعية لعدم القدرة على تسويقها\rيقول السائل: ما قولكم فيما فعله بعض المزارعين من إتلاف كميات من المنتجات الزراعية من الفواكه والخضروات احتجاجاً على إغلاق المعابر حيث يقومون بإلقائها في الشوارع ورميها، أفيدونا؟ الجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن من مقاصد الشريعة الغراء حفظ المال حيث إن المال هو أحد الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بالمحافظة عليها قال أبو حامد الغزالي: [ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم؛ فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة ... وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح] المستصفى من علم الأصول ١/٤١٧.\rوقال الإمام الشاطبي: [تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:\rأحدها: أن تكون ضرورية. والثاني: أن تكون حاجية. والثالث: أن تكون تحسينية. فأما الضرورية: فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين ... ومجموع الضروريات خمس وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل وقد قالوا إنها مراعاة في كل ملة] الموافقات ٢/٨-١٠.\rوقد جاءت أدلة كثيرة من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه ﷺ تدل على وجوب المحافظة على المال منها قوله تعالى ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً﴾ سورة الإسراء الآيتان٢٦-٢٧. وقوله تعالى ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ سورة الفرقان الآية ٦٧. وقوله تعالى ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط﴾ سورة الأنعام الآية ١٥٢. وقوله تعالى ﴿آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير﴾ سورة الحديد الآية ٧. وقوله تعالى ﴿يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ سورة الأعراف الآية٣١. وقوله تعالى ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً﴾ سورة الإسراء الآية ٢٩. وقوله تعالى ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ سورة النساء الآية ٥.\rوثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ (إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) رواه مسلم.\rقال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً ... قال العلماء: الرضا والسخط والكراهة من الله تعالى المراد بها أمره ونهيه, وثوابه وعقابه, أو إرادته الثواب لبعض العباد, والعقاب لبعضهم, وأما الاعتصام بحبل الله فهو التمسك بعهده, وهو إتباع كتابه العزيز وحدوده, والتأدب بأدبه ... وأما (إضاعة المال) : فهو صرفه في غير وجوهه الشرعية, وتعريضه للتلف, وسبب النهي أنه إفساد, والله لا يحب المفسدين, ولأنه إذا أضاع ماله تعرض لما في أيدي الناس.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٧٥-٣٧٧. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في معنى قوله ﷺ: (إضاعة المال) [ ... والأقوى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعاً سواء كانت دينية أو دنيوية فمنع منه, لأن الله تعالى جعل المال قياماً لمصالح العباد, وفي تبذيره تفويت تلك المصالح, إما في حق مضيعها وإما في حق غيره] فتح الباري ١٠/٥٠١.\rإذا تقرر أن من مقاصد الشارع الحكيم حفظ المال فأعود إلى السؤال فأقول إن ما قام به بعض المزارعين من إتلافهم للمنتجات الزراعية ورميها في الشوارع أمر محرم شرعاً وما فعلوه إنما هو تقليد للحضارة الغربية الرأسمالية التي تهلك كل عام كميات هائلة من المنتجات الزراعية للمحافظة على مستوى الأسعار [فالولايات المتحدة الأمريكية تُغرق في البحر مئات الأطنان من المواد الغذائية سنوياً فقط لتحافظ على مستوى الأسعار التي تريدها وذلك عن طريق إتلاف الفائض عن حاجة السوق التجارية بغض النظر عن احتياجات الإنسانية في العالم ومن أجل إبقاء سعر القمح عالمياً في مستواه الثابت تلجأ أمريكا إلى إتلاف الفائض أو تخزينه وقد بلغت قيمة ما تحرقه أمريكا سنوياً من القمح مبلغ أربعين مليار دولار فيما يموت أربعين بالمائة من مواليد إفريقيا وحدها نتيجة لنقص المواد الغذائية، هذا في القمح إلاّ أن السياسة نفسها هي المتبعة بالنسبة للحليب واللحوم ومختلف أنواع المواد الاستهلاكية زراعية كانت أم صناعية ... بل إن مجموعة الدول الصناعية الأوروبية، ليست على استعداد لإلغاء ما اعتادت عليه منذ عشرات السنين، من إنفاق الملايين على إتلاف الفائض من منتجاتها الزراعية والغذائية، والمليارات على دعم المزارعين فيها، بحجة عدم انخفاض مستوى أسعار تلك المنتجات في الأسواق العالمية، أي بما في ذلك أسواق البلدان النامية، وهذا رغم انتشار المجاعات والأمراض الناجمة عن سوء التغذية ونقصها في تلك البلدان!!] عن شبكة الإنترنت.\rإن إتلاف المنتجات الزراعية ورميها في الشوارع يتناقض مع ما قصده الشارع الحكيم من حفظ المال وكذلك ما ورد من النهي عن إضاعة المال، وهذا العمل يعتبر من السفه، والسفه عند الفقهاء هو التصرف في المال على خلاف مقتضى الشرع والعقل، والشرع لا يقر إتلاف المال بهذه الطريقة وكذا العقل، ويعتبر هذا العمل من الإسراف والتبذير المحرمان شرعاً والواجب هو أن يستفيد المزارعون من هذه المنتجات فإن تعذر عليهم تصديرها فليبيعوها في السوق المحلي ولو بأسعار منخفضة، فإن لم يتيسر لهم ذلك فليتصدقوا بها على الفقراء والمساكين، أو يعطوها للجمعيات الخيرية التي ترعى الأيتام والعجزة وغيرهم، وإن تعذر ذلك وما أظنه يتعذر، فليطعموها للحيوانات فلهم الأجر والثواب في كل ذلك، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً قال ﷺ: في كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (في كل كبد رطبة أجر) معناه في الإحسان إلى كل حيوان حي بسقيه ونحوه أجر, وسمي الحي ذا كبد رطبة, لأن الميت يجف جسمه وكبده.] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٤٠١.\rوالواجب يقضي بمنع هؤلاء المزارعين من إتلاف المنتجات الزراعية لما فيه من أضرار بالمصالح العامة ولو كانوا يتلفون أموالهم الخاصة، قال الإمام قال الإمام النسائي في سننه [باب منع الحاكم رعيته من إتلاف أموالهم وبهم حاجة إليها] ثم ساق حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (أعتق رجل من الأنصار غلاماً له عن دبرٍ وكان محتاجاً وكان عليه دين فباعه رسول الله ﷺ بثمان مائة درهم فأعطاه فقال اقض دينك وأنفق على عيالك] وهو حديث صحيح.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم شرعاً إتلاف المنتجات الغذائية والزراعية بالصورة المذكورة في السؤال وغيرها ما دام أنه يمكن انتفاع الناس بها فإن لم ينتفع بها الناس بشكل من الأشكال أطعمت للحيوانات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346167,"book_id":3840,"shamela_page_id":547,"part":"12","page_num":41,"sequence_num":547,"body":"٤١ - حكم تزوير الوثائق والشهادات\rيقول السائل: ما حكم من يزور شهادة ليترقى في وظيفته ويحصل على زيادة على راتبه ولا يمكنه الحصول على الترقية إلا بالشهادة المزورة، أفيدونا؟ الجواب: الأصل في المسلم أنه صادق لا يكذب فإن الصدق فضيلة من أعظم الفضائل، والكذب رذيلة من أشنع الرذائل، وقد أمرنا الله بالصدق ونهانا عن الكذب يقول ﷻ ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ سورة التوبة الآية ١١٩. وقال تعالى ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً﴾ سورة التوبة الآية ٣٥. وقال تعالى ﴿طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم﴾ سورة محمد الآية ٢١.\rوثبت في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم. وعن أبي الحوراء السعدي قال قلت للحسن بن علي ﵄ ما حفظت من رسول الله ﷺ قال: حفظت من رسول الله ﷺ (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وثبت في الحديث الصحيح أيضاً عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) رواه البخاري مسلم. والكذب ليس من صفات المؤمنين الصادقين يقول الله ﷾: ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون﴾ سورة النحل الآية ١٠٥.\rإذا تقرر هذا فإن التزوير فيه نوع من الكذب والتدليس والتلبيس والغش والخداع [فالتزوير في اللغة: مصدر زور، وهو من الزور، والزور: الكذب، قال تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ وزور كلامه: أي زخرفه، وهو أيضاً: تزيين الكذب ... وفي الاصطلاح: تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو عليه في الحقيقة. فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق. وبين الكذب وبين التزوير عموم وخصوص وجهي، فالتزوير يكون في القول والفعل، والكذب لا يكون إلا في القول. والكذب قد يكون مزيناً أو غير مزين، والتزوير لا يكون إلا في الكذب المموه] الموسوعة الفقهية الكويتية ١١/٢٥٤- ٢٥٥. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ضابط الزور: وصف الشيء على خلاف ما هو به، وقد يضاف إلى القول فيشمل الكذب والباطل، وقد يضاف إلى الشهادة فيختص بها، وقد يضاف إلى الفعل ومنه: لابس ثوبي زور، ومنه: تسمية الشعر الموصول: زوراً.] فتح الباري ١٠/٥٠٦\rوالتزوير من المحرمات ويدل على تحريمه قوله تعالى ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ سورة الحج الآية ٣٠. وقوله تعالى في وصف عباد الرحمن ﴿والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً﴾ سورة الفرقان الآية٧٢.\rوورد في الحديث عن أنس ﵁ قال سئل النبي ﷺ عن الكبائر فقال: (الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وشهادة الزور) رواه البخاري ومسلم. كما وصح في الحديث عن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً، الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور أو قول الزور، وكان رسول الله ﷺ متكئاً فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا يا ليته سكت) رواه البخاري ومسلم.\rقال الإمام الشوكاني في شرح الحديث [قوله: (وكان متكئاً فجلس) هذا يشعر باهتمامه ﵌ بذلك حتى جلس بعد أن كان متكئاً ويفيد ذلك تأكيد تحريمه وعظيم قبحه وسبب الاهتمام بشهادة الزور كونها أسهل وقوعاً على الناس والتهاون بها أكثر فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم والعقوق يصرف عنه الطبع وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما فاحتيج إلى الاهتمام به وليس ذلك لعظمه بالنسبة إلى ما ذكر معه من الإشراك قطعاً بل لكون مفسدته متعدية إلى الغير بخلاف الإشراك فإن مفسدته مقصورة عليه غالباً وقول الزور أعم من شهادة الزور لأنه يشمل كل زور من شهادة أو غيبة أو بهت أو كذب ولذا قال ابن دقيق العيد يحتمل أن يكون من الخاص بعد العام لكن ينبغي أن يحمل على التوكيد فإنا لو حملنا القول على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة كبيرة وليس كذلك قال: ولا شك في عظم الكذب ومراتبه متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده ومنه قوله تعالى ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً﴾ . قوله: (حتى قلنا ليته سكت) أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه ﵌ والمحبة له والشفقة عليه.] نيل الأوطار ٨/٣٣٧-٣٣٨. والتزوير يدخل تحت شهادة الزور قال القرطبي المحدث: [شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصل بها إلى الباطل من إتلاف نفس أو أخذ مال أو تحليل حرام أو تحريم حلال, فلا شيء من الكبائر أعظم ضرراً منها ولا أكثر فساداً بعد الشرك بالله] فتح الباري ١٠/٥٠٦. ومن المعلوم أن شهادة الزور من كبائر الذنوب كما بين ذلك وفصلَّه الشيخ ابن حجر المكي في الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/٤٣٥-٤٣٧\rولا شك أن تزوير الوثائق والشهادات داخل في شهادة الزور فهو من المحرمات كما أنه نوع من الغش وهو محرم وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من غشنا فليس منا) رواه مسلم. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار) رواه ابن حبان والطبراني وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/١٦٤. وبهذا يظهر لنا أنه قد اجتمع في التزوير شرور كثيرة فهو كذب وغش وخداع ومكر وتضليل ويضاف إلى ذلك أنه قد يتوصل بالتزوير إلى أكل المال بالباطل كما في السؤال حيث إن المزور سيحصل على ترقية بتزوير الشهادات وقد يترتب على ذلك زيادة على راتبه وهذه الزيادة إنما يأكلها سحتاً فهي من المال الحرام قال الله تعالى: (وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون) سورة المائدة الآية ٦٢. وقال تعالى: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون) سورة المائدة الآية ٦٣. وقال تعالى ﴿سمَّاعون للكذب أكالون للسحت﴾ سورة المائدة الآية ٤٢. قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أكالون للسحت﴾ أي الحرام وسمي المال الحرام سحتاً لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها. تفسير القرطبي ٦/١٨٣. وجاء في الحديث عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت وكل لحم نبت من سحت كانت النار أولى به) رواه أحمد والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان. وفي رواية أخرى: (كل جسدٍ نبت من سحت فالنار أولى به) رواه أحمد والطبراني والحاكم وغيرهم وقال العلامة الألباني صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/٨٣١.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم تزوير الشهادات والوثائق وأن ما يترتب على التزوير من أموال فهي من السحت. والمزور مستحق لعقوبة تعزيرية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346168,"book_id":3840,"shamela_page_id":548,"part":"12","page_num":42,"sequence_num":548,"body":"٤٢ - انتزاع الملكية الخاصة للمصلحة العامة\rيقول السائل: إن المجلس البلدي لمدينته يريد أن يضع يده على قطعة أرض يملكها السائل لإقامة مركز صحي للبلد لأن موقع الأرض مناسب لذلك المشروع مع أنه يعارض ذلك فما هو الحكم في هذه القضية، أفيدونا؟ الجواب: يجب أن يعلم أولاً أن الإسلام قد قرر مبدأ الملكية الفردية أو الملكية الخاصة واحترمها احتراماً شديداً وشرع أحكاماً كثيرة للمحافظة عليها وحرَّم التعدي عليها وقد وردت النصوص الكثيرة في ذلك فمنها قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ سورة النساء الآية ٢٩. وصح في الحديث أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: (إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم) رواه البخاري ومسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) رواه مسلم. وورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس) رواه أحمد والبيهقي والطبراني والدارقطني وغيرهم وقال الشيخ الألباني: صحيح، إرواء الغليل ٥/٢٧٩. وجاء في رواية أخرى عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قال (لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه وذلك لشدة ما حرم رسول الله ﷺ من مال المسلم على المسلم) رواه أحمد وغيره وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في غاية المرام ص ٢٦٣.\rوورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حق إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة) . رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان) رواه أحمد\rوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (حرمة مال المسلم كحرمة دمه) رواه البزار وأبو يعلى. وغير ذلك من النصوص.\rوقد أجاز الفقهاء انتزاع الملكية الخاصة في حالات محددة وتحويلها إلى ملكية عامة وذلك لتحقيق مصلحة عامة كبناء المساجد وشق الطرق وبناء الجسور وبناء المدارس والمستشفيات والمرافق العامة الأخرى التي يحتاجها عامة الناس. قال الشيخ أحمد الشلبي الحنفي [ولو ضاق المسجد على الناس وبجنبه أرض لرجل، تؤخذ أرضه بالقيمة كرهاً، ولو كان بجنب المسجد أرض وقف على المسجد , فأراد أن يزيدوا شيئاً في المسجد من الأرض , جاز ذلك بأمر القاضي) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٣/٣٣١. وجاء في الموسوعة الفقهية [ويتحول الملك الخاص إلى عام، في نحو البيت المملوك إذا احتيج إليه للمسجد، أو توسعة الطريق، أو للمقبرة ونحوها من مصالح المسلمين، بشرط التعويض] الموسوعة الفقهية الكويتية ١٠/٢٨٩. ويدل على جواز ذلك ما ورد في قصة بناء المسجد النبوي حيث إن النبي ﷺ اشترى الأرض التي بني عليه المسجد من أصحابها فقد ورد في الحديث الطويل في قصة الهجرة النبوية (... فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله ﷺ ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت – الناقة - عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربداً للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: لا بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجداً) رواه البخاري.\rوعن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم النبي ﷺ المدينة فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف فأقام النبي ﷺ فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى بني النجار ... وأنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ من بني النجار فقال يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا قالوا لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله فقال أنس فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين وفيه خرب وفيه نخل فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي ﷺ معهم وهو يقول اللهم لا خير إلا خير الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره) رواه البخاري.\r[وقد حصل في عهد عمر بن الخطاب ﵁ سنة ١٧ هـ أنه أراد توسعة المسجد الحرام فاشترى عمر دوراً من أهلها، ووسعه بها، وأبى بعضهم أن يأخذ الثمن وامتنع من البيع، فوضع عمر أثمانها في خزانة الكعبة فأخذوها، وفي سنة ٢٦ هـ اشترى عثمان ﵁ دوراً وسع بها المسجد، وقد أبى قوم البيع، فهدم عليهم دورهم، فصاحوا به فأمر بحبسهم حتى شفع فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد فأخرجهم، وفي سنة ٦٤ هـ اشترى عبد الله بن الزبير ﵁ دوراً وسع بها المسجد من الجانب الشرقي والجانب الجنوبي توسعة كبيرة] عن موقع الحج والعمرة على الإنترنت.\rوقد بحث مجمع الفقه الإسلامي مسألة انتزاع الملكية الخاصة وتحويلها إلى ملكية عامة وأصدر فيها ما يلي: [إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨-٢٣ جمادي الآخرة ١٤٠٨ هـ، الموافق ٦-١١ فبراير ١٩٨٨. بعد الاطلاع على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص \"انتزاع الملك للمصلحة العامة\". وفي ضوء ما هو مسَلَّم في أصول الشريعة، من احترام الملكية الفردية، حتى أصبح ذلك من قواطع الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، وأن حفظ المال أحد الضروريات الخمس التي عرف من مقاصد الشريعة رعايتها، وتواردت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على صونها، مع استحضار ما ثبت بدلالة السنة النبوية وعمل الصحابة ﵃ فمن بعدهم من نزع ملكية العقار للمصلحة العامة، تطبيقاً لقواعد الشريعة العامة في رعاية المصالح وتنزيل الحاجة العامة منزلة الضرورة وتحمل الضرر الخاص لتفادي الضرر العام. قرر ما يلي: أولاً: يجب رعاية الملكية الفردية وصيانتها من أي اعتداء عليها، ولا يجوز تضييق نطاقها أو الحد منها، والمالك مسلط على ملكه، وله في حدود المشروع التصرف فيه بجميع وجوهه وجميع الإنتفاعات الشرعية.\rثانياً: لا يجوز نزع ملكية العقار للمصلحة العامة إلا بمراعاة الضوابط والشروط الشرعية التالية: ١- أن يكون نزع العقار مقابل تعويض فوري عادل يقدره أهل الخبرة بما لا يقل عن ثمن المثل. ٢- أن يكون نازعه ولي الأمر أو نائبه في ذلك المجال.\r٣- أن يكون النزع للمصلحة العامة التي تدعو إليها ضرورة عامة أو حاجة عامة تنزل منزلتها كالمساجد والطرق والجسور.\r٤- أن لا يؤول العقار المنزوع من مالكه إلى توظيفه في الاستثمار العام أو الخاص، وألا يعجل نزع ملكيته قبل الأوان.\rفإِن اختلت هذه الشروط أو بعضها كان نزع ملكية العقار من الظلم في الأرض والغصوب التي نهى الله تعالى عنها ورسوله ﷺ. على أنه إذا صرف النظر عن استخدام العقار المنزوعة ملكيته في المصلحة المشار إليها تكون أولوية استرداده لمالكه الأصلي، أو لورثته بالتعويض العادل.) مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٤ ج ٢ ص ١٧٩٧-١٧٩٨.\rوأخيراً يجب التأكيد على أن انتزاع الملكية الخاصة لا بد أن يكون بعوض لا يقل عن ثمن المثل كما ورد في قصة عمر وعثمان عند توسعة المسجد الحرام وكما جاء في المادة (١٢١٦) من مجلة الأحكام العدلية [لدى الحاجة يؤخذ ملك كائن من كان بالقيمة بأمر السلطان ويلحق بالطريق، ولكن لا يؤخذ من يده ما لم يؤد له الثمن] درر الحكام ٣/٢٣٣. وكما أكد عليه قرار المجمع الفقهي [أن يكون نزع العقار مقابل تعويض فوري عادل يقدره أهل الخبرة بما لا يقل عن ثمن المثل.]\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للمجلس البلدي أن ينتزع ملكية الأرض المذكورة في السؤال وفق الضوابط المذكورة سابقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346169,"book_id":3840,"shamela_page_id":549,"part":"12","page_num":43,"sequence_num":549,"body":"٤٣ - حكم عرض الملابس الداخلية للنساء\rيقول السائل: يقوم بعض أصحاب المحلات التجارية التي تبيع الملابس النسائية بعرض الملابس الداخلية للنساء على مجسمات في محلاتهم، ومنهم من يعرض صوراً إباحية لنساءٍ يلبسن الملابس الداخلية في أوضاع مخزية، ويرى هؤلاء التجار أن هذه وسيلة لتسويق بضائعهم فما قولكم في ذلك؟ الجواب: من الضوابط الشرعية التي تحكم العمل في التجارة تحريم الاتجار والعمل بالمحرمات سواء كان ذلك بانتهاك محرم أو ترك واجب. يقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ سورة المنافقون الآية ٩. ومن الأمور المحرمة استعمال الصور الإباحية في ترويج البضائع فمن المعلوم عند أهل العلم أن للوسائل أحكام المقاصد، قال الإمام العز بن عبد السلام: للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل) قواعد الأحكام ١/٤٦. فوسيلة المحرم محرمة أي إن ما أدى إلى الحرام فهو حرام. فالصور الإباحية التي تشتمل على الفحشاء والمنكر محرمة ولا يجوز استعمالها في ترويج البضائع وكذلك التماثيل التي يستعملها التجار لعرض الملابس عليها والمسماة المنيكان فهذه تعتبر من التماثيل المحرمة شرعاً، فقد ورد عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) رواه مسلم، وإن عرض الملابس النسائية الداخلية عليها يضيف منكراً إلى منكر، فلا يجوز استعمالها في عرض الملابس وخاصة الملابس الداخلية للنساء لما يترتب على ذلك من مفاسد كثيرة ففي ذلك فتنة للرجال وخاصة الشباب منهم. ويضاف إلى ما سبق أن عرض الملابس الداخلية للنساء على هذه المجسمات وهي على شكل امرأة فيه امتهان للمرأة وكرامتها واحتقار لها ومتاجرة بجسدها حيث إن جسم المرأة يستغل أبشع استغلال لكسب المال.\rومما يدل على تحريم هذا العمل قوله تعالى: ? وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ? سورة المائدة الآية ٢. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي ﵀: [وهذا النهي يقتضي التحريم] المغني ٤/١٦٧. فلا شك أن نشر الصور الإباحية المشار إليها فيه نشر للفساد والرذيلة وفيه إثارة للشهوات وكل ذلك داخل في باب التعاون على الإثم والعدوان. كما إنه يدخل في إشاعة الفاحشة بين الناس وهذا من كبائر الذنوب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ سورة النور الآية ١٩.\rإذا تقرر تحريم عرض الملابس الداخلية للنساء على التماثيل المجسمة (المانيكان) وكذلك تحريم ترويج تلك الملابس عبر الصور الإباحية فإني أنبه التجار الذين يستعملون هذه الوسائل المحرمة بأنهم يدخلون بعملهم هذا ضمن دائرة الكسب الحرام والكسب الحرام نوع من أكل السحت، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ?سورة المائدة الآية ٤٢.\rوقال الله تعالى: ?وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ? سورة المائدة الآية ٦٢.\rوقوله تعالى: ?لوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ? سورة المائدة الآية ٦٣.\rقال أهل التفسير في قوله تعالى: ?أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ? أي الحرام وسمي المال الحرام سحتاً لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها. انظر تفسير القرطبي ٦/١٨٣. وقال جماعة من أهل التفسير: ويدخل في السحت كل ما لا يحل كسبه] فتح المالك ٨/٢٢٣. ومن السحت الربا والغصب والقمار والسرقة ومهر البغي وثمن الخمر والخنزير والميتة والأصنام والتماثيل والصور الإباحية والأفلام الجنسية وقد جاء في الحديث عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت وكل لحم نبت من سحت كانت النار أولى به) رواه أحمد والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان. وفي رواية أخرى: (كل جسدٍ نبت من سحتٍ فالنار أولى به) رواه أحمد والطبراني والحاكم وغيرهم وقال العلامة الألباني صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/٨٣١.\rوعن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: ( ... يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به) رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وصححه العلامة الألباني. صحيح سنن الترمذي ١/١٨٩. وعن أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة جسد غُذِيَ بحرام) رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أبي يعلى ثقات وفي بعضهم اختلاف قاله الهيثمي. مجمع الزوائد ١٠/٢٩٣. وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٣٢٠. وغير ذلك من النصوص.\rفيا أخي التاجر ابتعد عن الكسب الحرام واحرص على الكسب الحلال واعلم أن من الواجبات على المسلم أن لا يأكل إلا الحلال بل إن الله قدم الأكل من الطيبات على العمل الصالح فقال: ?يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ?. وفي هذا الزمان تحقق ما أخبر عنه النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق حيث أخبر أن من الناس من لا يفرق في كسبه بين حلال وحرام فلا يهمه من أين اكتسب المال وكل ما يهمه أن يكون المال بين يديه ينفقه كيفما شاء. فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام) رواه البخاري. وقد ينسى بعض الناس أنه سيحاسب على ماله وأنه سيسأل عن هذا المال من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ فقد ورد في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني. وقد وردت نصوص كثيرة من كتاب الله ﷿ ومن سنة النبي ﷺ في الحث على الأكل من الطيبات منها: قول الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ? سورة البقرة آية ١٧٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ?يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ?. وقال: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ? ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: (تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال الفم والفرج) رواه الترمذي وقال حديث صحيح غريب وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٣١٨. وجاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (استحيوا من الله حق الحياء. قلنا: يا نبي الله إنا لنستحي والحمد الله. قال: ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء هو أن تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى وتتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا - يعني من الله - حق الحياء) رواه الترمذي وحسّنه العلامة الألباني. صحيح سنن الترمذي ٢/٢٩٩.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم عرض الملابس الداخلية للنساء على المجسمات المسماة بالمنيكان ويحرم نشر صور النساء الإباحية بالملابس الداخلية وغيرها وأن ذلك يدخل في إشاعة المنكرات والفواحش بين الناس وأن التاجر الذي يستعمل هذه الوسائل المحرمة لترويج تجارته فإنه يُدخل في كسبه الحرام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346170,"book_id":3840,"shamela_page_id":550,"part":"12","page_num":44,"sequence_num":550,"body":"٤٤ - التجارة في الألعاب النارية واستعمالها\rيقول السائل: كثر في الآونة الأخيرة استعمال الألعاب النارية في المناسبات المختلفة فما حكم المتاجرة بها وما حكم استعمالها؟ الجواب: قال أهل العلم إن الأصل في البيع والشراء الإباحة، ويدخل في ذلك المتاجرة في الألعاب النارية لو أنها استعملت بطريق مأمون ولم يترتب عليها ضرر وأذى وترويع للناس وإسراف وتبذير وبما أن كل المفاسد السابقة قد وجدت في الألعاب النارية فإن الحكم ينتقل من الإباحة إلى التحريم فشراء الألعاب النارية واستعمالها مباح أدى إلى الحرام وما أدى إلى الحرام فهو حرام وقد قرر العلماء أن للوسائل أحكام المقاصد. قال الإمام العز بن عبد السلام رحمة الله عليه: [للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل] قواعد الأحكام ١/٤٦ فوسيلة المحرم محرمة، أي إن ما أدى إلى الحرام فهو حرام، فإيذاء الناس حرام فما أدى إليه فهو حرام، وإلحاق الضرر بالنفس حرام، فما أدى إليه فهو حرام، وترويع الناس وإخافتهم حرام، فما أدى إليه فهو حرام وتفصيل ذلك كما يلي:\rأولاً: إن إطلاق الألعاب النارية يترتب عليه إيذاء الناس وإزعاجهم إزعاجاً شديداً وخاصة إذا إطلقت في ساعات الليل المتأخر ومن المعلوم شرعاً أنه لا يجوز إيذاء المسلم سواء كان الإيذاء معنوياً أو مادياً ب إن الإيذاء المعنوي قد يكون أشد من الإيذاء المادي. وقد وردت نصوص كثيرة تحرم إلحاق الأذى بالناس ونصوص أخرى تحث على ترك إيذاء عباد الله، فمن ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) رواه البخاري. فهذا النهي الوارد في الحديث يعم كل أذى فلا يجوز إلحاق الأذى بالجار سواء أكان الأذى مادياً أو معنوياً.\rثانياً: إن إطلاق الألعاب النارية يترتب عليه ترويع الناس وإخافتهم وخاصة الأطفال وبالتحديد النيام منهم ويحرم على المسلم أن يروع أخاه فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً) رواه أبو داود وأحمد والطبراني وصححه الشيخ الألباني في غاية المرام ص ٢٥٧.\rثالثاً: إن استعمال الألعاب النارية قد يلحق الضر والأذى بمستعمليها وخاصة الأطفال منهم، وكم سمعنا عن حالات فقد فيها الأطفال أصابعهم ولحقت الإصابات بأعينهم وبقية أجسامهم وقد بين الأطباء الضرر الكبير الذي يلحق بمستعمليها يقول د. محمد سمير عبد العاطي أستاذ طب الأطفال بجامعة عين شمس: [يعتبر الأطفال والمراهقون أكثر الفئات العمرية تعرضاً لهذه الألعاب، وتسبب لهم الحرائق والتشوهات المختلفة التي قد تكون خطيرة في أغلب الأحيان، علاوة على أن الصوت الصادر عنها يؤثر وبشكل كبير على الأطفال المتواجدين بالقرب من منطقة اللعب، ويعد هذا نوعاً من أنواع التلوث الضوضائي الذي يؤثر على طبلة الأذن وبالتالي يسبب خللاً وظيفياً في عمل المخ قد يستمر لمدة شهر أو شهرين. إضافة لذلك فإن الشرر أو الضوء والحرارة الناجمة عن استخدام المفرقعات تعد سبباً رئيسياً للإضرار بالجسم، وخاصة منطقة العين الحساسة. كما أن الرماد الناتج عن عملية الاحتراق يضر بالجلد والعين إذا ما تعرض له الطفل بشكل مباشر؛ حيث تصاب العين بحروق بالجفن والملتحمة وتمزق في الجفن، أو دخول أجسام غريبة في العين، أو انفصال في الشبكية، وقد يؤدي الأمر في إلى فقدان كلي للعين.] عن شبكة الإنترنت.\rوجاء في تقرير لوزارة الصحة الفلسطينية نشر سنة ٢٠٠٤م ما يشير إلى هذه الأضرار فقد [دعت وزارة الصحة الفلسطينية جميع الجهات المعنية ومنها البلديات، والغرف التجارية، والشرطة، إلى تكثيف الجهود من أجل منع استيراد الألعاب النارية والمفرقعات، والتكفل بعدم عرضها أو بيعها في المحال التجارية والأسواق، حفاظاً على صحة وسلامة أطفال فلسطين، وتجنيب أعينهم من التعرض لأي إصابات. ونقلت وزارة الصحة إحصائية عن مستشفى العيون في غزة، أن إجمالي الحالات التي وصلت للمستشفى خلال فترة شهر رمضان الماضي، وعيد الفطر السعيد، بلغت (١١٩) إصابة، كانت نتيجة استخدام الألعاب النارية والمفرقعات، والآلات ذات السرعات العالية والبنادق. وأضافت أن عدد الحالات التي أدخلت للمستشفى خلال شهر رمضان الماضي، من إصابات متوسطة مثل خدش العين وحروق سطحية للحروق أو الجفون بلغ (٤٣) حالة، من بينها ثلاث حالات خطيرة استدعت إجراء عمليات جراحة عاجلة مثل نزيف في الغرفة الأمامية أو الخلفية للعين، أو دخول جسم غريب أو قطع لمقلة العين أو حدوث نزيف داخلها أو انفصال في الشبكية وغيرها، وجميع هذه الحالات تحتاج إلى إجراء عمليات جراحية دقيقة، وأخرى يتم تحويلها للخارج من شدة وخطورة الإصابة، وهناك من يفقد بصره أو إحدى عينيه، أما عدد الحالات البسيطة التي تم استقبالها فقد بلغ (٧٦) حالة وجميع الإصابات من الأطفال تتراوح أعمارهم من عام إلى ١٥ عام] عن شبكة الإنترنت.\rرابعاً: إن إنفاق الأموال في شراء الألعاب النارية يعتبر إنفاقاً للمال فيما لا ينفع ويعد من باب إضاعة المال وقد نهانا الله ﷻ عن إضاعة المال كما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن الله كره لكم ثلاثاً قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال) رواه البخاري ومسلم، قال الإمام النووي [وأما إضاعة المال فهو صرفه في غير وجوهه الشرعية, وتعريضه للتلف, وسبب النهي أنه إفساد, والله لا يحب المفسدين] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٧٧.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (وإضاعة المال) تقدم في الاستقراض أن الأكثر حملوه على الإسراف في الإنفاق, وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام, والأقوى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعاً سواء كانت دينية أو دنيوية فمنع منه , لأن الله تعالى جعل المال قياما لمصالح العباد , وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح , إما في حق مضيعها وإما في حق غيره] فتح الباري ١٠/٥٠١.\rويضاف إلى ذلك ما يترتب على إنفاق المال في شراء الألعاب النارية من إثقال لكاهل العائلة من نفقات لا حاجة لها وخاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني من حصار وتضييق.\rوبناءً على ما سبق فيجب تضافر جميع الجهات المسئولة للقضاء على هذه المفسدة فيجب تعاون الأجهزة الحكومية وغيرها للقضاء على هذه الظاهرة، فمن واجب الجهات الحكومية وقف استيراد الألعاب النارية وكذلك منع بيعها وتداولها ولا بد للجهات الصحية من إصدار النشرات التي تبين أضرارها وواجب وسائل الإعلام وكذا أئمة المساجد في خطب الجمعة وغيرها بيان مخاطرها وأضرارها ويجب على الأسرة أن تثقف أطفالها حول مخاطر هذه الألعاب وكذلك المدارس لها دور في محاربة هذه الظاهرة فإذا تكاتفت جميع الجهود فيرجى تحقيق القضاء على هذه المفسدة في مجتمعنا.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم التعامل مع الألعاب النارية بيعاً وشراءً واستعمالاً ضمن الظروف التي شرحتها ولما يترتب عليها من المفاسد الغالبة لما فيها من مصالح موهومة ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح كما تقول القاعدة الفقهية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346171,"book_id":3840,"shamela_page_id":551,"part":"12","page_num":45,"sequence_num":551,"body":"٤٥ - عقد الصيانة\rيقول السائل: لدي محل وعندي عدة أجهزة حاسوب وآلات تصوير وقد اتفقت مع إحدى الشركات لعمل صيانة دورية لهذه الأجهزة على أن تقوم الشركة بالصيانة الدورية كل شهرين مرة مع تقديم ما يلزم من قطع غيار وذلك مقابل مبلغ متفق عليه، فما قولكم في ذلك، وما الحكم فيما لو كانت الصيانة عند حدوث الخلل فقط، أفيدونا؟ الجواب: الاتفاق الذي تمَّ بينك وبين الشركة المذكورة يسمى عقد صيانة وهو من العقود المستحدثة ولم يكن معروفاً لدى الفقهاء المتقدمين لأنه مرتبط بالتقدم العلمي خاصة في مجال الآلات وقد بحث الفقهاء المعاصرون عقد الصيانة وحاولوا تخريجه على عقد من العقود المعروفة عند فقهائنا المتقدمين فمنهم من خرجه على أنه عقد جعالة وهو أن يجعل الرجل للرجل أجراً معلوماً، ولا ينقده إياه على أن يعمل له في زمن معلوم أو مجهول، مما فيه منفعة للجاعل، على أنه إن أكمل العمل كان له الجعل، وإن لم يتمه فلا شيء له، مما لا منفعة فيه للجاعل إلا بعد تمامه وهذا عند المالكية. وعرفها الشافعية: بأنها التزام عوض معلوم على عمل معين معلوم، أو مجهول يعسر ضبطه. وعرفها الحنابلة: بأنها تسمية مال معلوم لمن يعمل للجاعل عملاً مباحاً ولو كان مجهولاً أو لمن يعمل له مدة ولو كانت مجهولة.\rوقد قال جمهور أهل العلم بصحة عقد الجعالة ويدل على جوازها قوله تعالى ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ سورة يوسف الآية ٧٢، ويدل على جوازها أيضاً ما ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ في قصة رقية أحد المشركين وأخذه جعلاً على الرقية. وقد أقره النبي ﷺ على ذلك، والحديث رواه البخاري ومسلم. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ١٥/٢٠٨ – ٢٠٩.\rومن الفقهاء المعاصرين من خرج عقد الصيانة على أنه من عقود المقاولات، وهو يجمع في عناصره بين عقدين جائزين في الفقه الإسلامي هما عقد الاستصناع كما يسميه الحنفية، وعقد السلم كما هو عند جمهور الفقهاء، وعقد الصيانة إذا تضمن وصفاً دقيقاً لطبيعة العمل، وما يتطلبه من قطع غيار وجهد في الإصلاح وتضمن الأجر والزمن، بحيث يكونان محددين فإنه جائز شرعاً، ولو تضمن بعض الغرر؛ لأن الغرر الذي نهى عنه النبي عليه ﷺ هو الغرر الذي يفضي إلى جهالة فاحشة تؤدي إلى نزاع بين طرفي التعاقد، أما الغرر الذي لا يفضي إلى النزاع فمعفو عنه، وهذا من رخص الشرع في المعاملات؛ ولذلك نهى النبي ﷺ عن بيع المعدوم، ورخص في السم، وقام الإجماع على صحة الاستصناع بشروطه مع وجود الجهالة فيه، وأجاز المزارعة مع وجود نوع من جهالة فيها؛ لحاجة الناس وتوسعة عليهم في معاشهم؛ لذلك فإن عقد الصيانة جائز شرعاً] نقلاً عن موقع إسلام أون لاين.\rومن الفقهاء المعاصرين من خرج عقد الصيانة على أنه شبيه بعقد التأمين التجاري في حالة عقد الصيانة المنفرد في الحالات الطارئة فقط دون الصيانة الدورية الوقائية فهذا فيه من الفساد ما في عقود التأمين من الغرر والمخاطرة وقد أبطله أكثر الفقهاء المعاصرين. مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ١١ ج ٢/ ١٩٨.\rوهنالك تخريجات أخرى لعقد الصيانة يطول المقام بذكرها.\rوقد بحث مجلس مجمع الفقه الإسلامي عقد الصيانة في الدورة الحادية عشرة سنة ١٩٩٨م وقرر ما يلي: أولاً: عقد الصيانة هو عقد مستحدث مستقل تنطبق عليه الأحكام العامة للعقود ويختلف تكييفه وحكمه باختلاف صوره، وهو في حقيقته عقد معاوضة يترتب عليه التزام طرف بفحص وإصلاح ما تحتاجه آلة أو أي شيء آخر من إصلاحات دورية أو طارئة لمدة معلومة في مقابل عوض معلوم، وقد يلتزم فيه الصائن بالعمل وحده أو بالعمل والمواد. ثانياً: عقد الصيانة له صور كثيرة منها ما تبين حكمه وهي: ١- عقد صيانة غير مقترن بعقد آخر يلتزم فيه الصائن بتقديم العمل فقط، أو مع تقديم مواد يسيره يعتبر العاقدان لها حساباً في العادة. هذا العقد يكيف على أنه عقد إجارة على عمل وهو عقد جائز شرعاً، بشرط أن يكون العمل معلوماً والأجر معلوماً. ٢- عقد صيانة غير مقترن بعقد آخر يلتزم فيه الصائن تقديم العمل ويلتزم المالك بتقديم المواد ـ تكييف هذه الصورة وحكمها كالصورة الأولى. ٣- الصيانة المشروطة في عقد البيع على البائع لمدة معلومة، هذا عقد اجتمع فيه بيع وشرط وهو جائز سواء أكانت الصيانة من غير تقديم المواد أم مع تقديمها. ٤- الصيانة المشروطة في عقد الإجارة على المؤجر أو المستأجر، هذا عقد يجتمع فيه إجارة وشرط، وحكم هذه الصورة أن الصيانة إذا كانت من النوع الذي يتوقف عليه استيفاء المنفعة فإنها تلزم مالك العين المؤجرة من غير شرط ولا يجوز اشتراطها على المستأجر أما الصيانة التي لا يتوقف عليها استيفاء المنفعة فيجوز اشتراطها على أي من المؤجر أو المستأجر إذا عينت تعيناً نافياً للجهالة. وهناك صور أخرى يرى المجمع إرجاءها لمزيد من البحث والدراسة. ثالثاً: يشترط في جميع الصور أن تعين الصيانة تعييناً نافياً للجهالة المؤدية إلى النزاع وكذلك تبين المواد إذا كانت على الصائن مما يشترط تحديد الأجرة في جميع الحالات.] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ١١ ج ٢/ ٢٧٩ – ٢٨٠.\rإذا تقرر هذا فإن عقود الصيانة لها صور عديدة وقد يختلف الحكم باختلاف الصورة وأما حكم الصورتين اللتين وردتا في السؤال\rفالصورة الأولى وهي الصيانة الدورية مع تقديم ما يلزم من قطع غيار فهذه الصورة جائزة [على أن يكون العمل المتفق عليه في الصيانة معلوماً عند التعاقد، وخالياً عن الجهالة الفاحشة المفضية للنزاع، أما الجهالة القليلة، أو الجهالة الفاحشة المنضبطة فلا تؤثر فيه، وذلك إلحاقاً له بعقود المزارعة والمساقاة والجعالة، فإن فيها جهالة وغرراً، إلا أنه يغتفر فيها، لقلته نسبياً، وعدم تأديته للنزاع غالباً، وللحاجة الماسة إليها، فكذلك هذا إذا ضبط بالشروط الآتية: ١ - تعيين الشيء المتفق على صيانته آلة أم عقاراً أو غيرهما، بوصفه أو بالإشارة إليه. ٢ - تعيين نوع الصيانة المطلوبة بدقة تمنع إثارة النزاع، وذلك بتحديد شروط ومواصفات خاصة ينص عليها العقد ويحددها الخبراء. ٣ - تعيين فترات الصيانة الدورية أسبوعياً أو شهرياً أو سنوياً، وشكلها وطبيعتها. ٤ - تعيين وصف ورتبة العامل الذي يقوم بها مهندساً أو عاملاً فنياً. فإذا أمكن تحديده بشخصه كان أولى.\r(هـ) تحديد مدة عقد الصيانة أسبوعاً أو شهراً أو سنةً، مع تحديد بدء المدة. ولا بأس بتحديد البدء بمدة متأخرة عن تاريخ التعاقد كالإجارة. (و) تحديد أجرة الصيانة وطريقة دفعها للصائن، وتاريخ كل دفعة، ومكان الدفع. (ز) تحديد الآلات اللازمة للصيانة، والطرف الذي عليه تأمينها: الصائن أو المصون له. (ح) تحديد المواد اللازمة للصيانة الدورية كالشحوم والزيوت.. والجهة التي عليها أن توفرها، وذلك محصور بما هو مظنون الحاجة إليه غالبًا. (ط) لا يدخل في أعمال الصيانة ترميم ما ينتج عن سوء تصرف المصنوع له، أو عماله، ووكلائه، كما لا يدخل فيها إصلاح الأعطال النادرة الحصول (غير المتوقعة عند التعاقد) كالأعطال الناتجة عن الحروب والكوارث.. لما فيها من الغرر الشديد، فإن اشترطت فسد عقد الصيانة كله، لما فيها من الجهالة الفاحشة المؤدية للنزاع والغرر.] (بحوث وفتاوى فقهية معاصرة) للأستاذ الدكتور أحمد حجى الكردي، نقلاً عن شبكة الإنترنت.\rوأما الصورة الثانية وهي الصيانة عند حدوث الخلل فقط فهذا العقد باطل لاشتماله على الغرر وهو ما كان مجهول العاقبة لا يدرى هل يحصل أم لا؟ انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٣١/١٤٩.\rوقد صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر) رواه مسلم. والغرر هو ما كان مجهول العاقبة لا يدرى هل يحصل أم لا؟ وفي هذه الحالة وهي الصيانة عند حدوث الخلل فقط يتحقق الغرر فقد يحدث الخلل وقد لا يحدث، فهذا لا يجوز لأن الغرر كثير في هذه الحالة فمن المعلوم أن أجهزة الحاسوب وآلات تصوير يحدث فيها خلل طارئ لأسباب عديدة ناتجة عن كثرة الاستعمال أو سوء الاستعمال أو اختلاف قوة التيار الكهربائي وغير ذلك من الأسباب. وخلاصة الأمر أن صور عقد الصيانة مختلفة وأن الصورة الأولى المذكورة في السؤال جائزة بالضوابط المذكورة وأما الصورة الثانية فباطلة لأنها مشتملة على الغرر الكثير وهو غرر غير مغتفر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346172,"book_id":3840,"shamela_page_id":552,"part":"12","page_num":46,"sequence_num":552,"body":"٤٦ - رد البضاعة بالعيب\rيقول السائل: إنه اشترى بضاعة جديدة وبعد أن استلمها تبين له وجود عيوب فيها فطالب البائع بردها فرفض البائع ردها بحجة أنه لا يعلم عن العيب شيئاً، فما الحكم في ذلك ومتى يجوز الرد بالعيب أفيدونا؟ الجواب: الأصل في المسلم أنه إذا باع سلعة وكان فيها عيب أن يبينه ولا يحل له كتمان العيب لأن هذا من الغش ومن باب أكل أموال الناس بالباطل كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ سورة النساء الآية ٢٩.\rوقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ: (مرََّ على صُبرة طعام - كومة - فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال ﷺ: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، أي المطر. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس مني) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم: (من غشنا فليس منا) . قال الإمام النووي [ومعناه ليس ممن اهتدى بهديي واقتدى بعلمي وعملي وحسن طريقتي كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله لست مني وهكذا في نظائره مثل قوله (من حمل علينا السلاح فليس منا) وكان سفيان بن عيينة يكره تفسير مثل هذا ويقول: بئس مل القول بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر اهـ.] نيل الأوطار ٤/٢٤٠.\rوعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار) رواه ابن حبان والطبراني وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٥/١٦٤.\rومما يدل على وجوب تبيين العيب في السلعة ما ورد في الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم ولا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعاً فيه عيب أن لا يبينه) رواه أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه وقال الشيخ الألباني: صحيح. إرواء الغليل ٥/١٦٥. وعن أبي سباع قال: [اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع ﵁ فلما خرجت بها أدركني رجل فقال: اشتريت؟ قلت: نعم. قال: وبين لك ما فيها. قلت: وما فيها؟ إنها لسمينة ظاهرة الصحة. قال: أردت بها سفراً أو أردت بها لحماً؟ قلت: أردت بها الحج. قال: ارتجعها فإن بخفها نقباً. فقال صاحبها: ما أردت إلى هذا أصلحك الله تفسد عليَّ. قال: إني سمعت رسول ﷺ يقول: لا يحل لأحد أن يبيع شيئاً إلا بين ما فيه ولا يحل لمن علم ذلك إلا بينه) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وعن حكيم بن حزام ﵁ (أن النبي ﷺ قال البيعان بالخيار ما لم يفترقا أو قال حتى يفترقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) . قال الإمام الشوكاني: [قوله: (فإن صدقا وبينا) أي صدق البائع في إخبار المشتري وبين العيب إن كان في السلعة، وصدق المشتري في قدر الثمن وبين العيب إن كان في الثمن، ويحتمل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد وذكر أحدهما تأكيداً للآخر] نيل الأوطار ٤/٢١١.\rوبناءً على ما سبق فقد اتفق الفقهاء على ثبوت خيار الرد بالعيب، فمن اشترى سلعة ثم ظهر فيها عيب وهو لا يعلم ثبت له خيار الرد بالعيب سواء علم البائع بالعيب أم لم يعلم. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [متى علم بالمبيع عيباً لم يكن عالماً به , فله الخيار بين الإمساك والفسخ، سواء كان البائع علم العيب وكتمه أو لم يعلم، لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافاً، وإثبات النبي ﷺ الخيار بالتصرية - وهي ربط ضرع الناقة أو البقرة أو الشاة حتى يجتمع اللبن فيه - تنبيه على ثبوته بالعيب، ولأن مطلق العقد يقتضي السلامة من العيب بدليل ما روى عن النبي ﷺ (أنه اشترى مملوكاً فكتب: هذا ما اشترى محمد بن عبد الله من العداء بن خالد , اشترى منه عبداً أو أمة لا داء به , ولا غائلة بيع المسلم المسلم) فثبت أن بيع المسلم اقتضى السلامة، ولأن الأصل السلامة والعيب حادث أو مخالف للظاهر , فعند الإطلاق يحمل عليها فمتى فاتت فات بعض مقتضى العقد فلم يلزمه أخذه بالعوض , وكان له الرد وأخذ الثمن كاملا ً] المغني ٤/١٠٩.\rوالعيب الذي ترد به السلعة هو ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجار، انظر الموسوعة الفقهية ٣١/٨٣، مجلة الأحكام العدلية المادة ٣٣٨. ويرجع في معرفة العيب إلى أهل الخبرة والعرف ولا خلاف بين الفقهاء في رد السلعة المباعة للعيب وكان العيب منقصاً للقيمة أو مفوتاً غرضاً صحيحاً شرعاً، الموسوعة الفقهية ٣١/٨٧.\rوقد قرر الفقهاء شروطاً لإثبات خيار العيب وهي: الشرط الأول: ظهور عيب معتبر بأن يكون مؤثراً في نقص قيمة السلعة أو مفوتاً غرضاً صحيحاً كفوات المنفعة من السلعة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [العيوب وهي النقائص الموجبة لنقص المالية في عادات التجار لأن المبيع إنما صار محلاً للعقد باعتبار صفة المالية , فما يوجب نقصاً فيها يكون عيباً والمرجع في ذلك إلى العادة في عرف أهل هذا الشأن وهم التجار] المغني ٤/١١٥. ومما يدل على أن فوات المنفعة يعد عيباً ما ورد عن أبي سباع قال: [اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع ﵁ فلما خرجت بها أدركني رجل فقال: اشتريت؟ قلت: نعم. قال: وبين لك ما فيها. قلت: وما فيها؟ إنها لسمينة ظاهرة الصحة. قال: أردت بها سفراً أو أردت بها لحماً؟ قلت: أردت بها الحج. قال: ارتجعها فإن بخفها نقباً ... ) حيث إنه أراد الحج على الناقة وكان في خفها نقب والنقب عيب في خف الجمل يجعل الخف رقيقاً فلا يصلح الجمل للسفر، انظر النهاية في غريب الحديث ٥/١٠٢.\rالشرط الثاني: قدم العيب بأن يكون العيب في السلعة قبل انتقال ملكيتها للمشتري أي وهي في عهدة البائع، قال الشيخ ابن رشد الحفيد [وأما شرط العيب الموجب للحكم به فهو أن يكون حادثاً قبل أمد التبايع باتفاق] بداية المجتهد ٢/١٤٦.\rالشرط الثالث: أن يكون المشتري غير عالم بالعيب عند العقد، قال الشيخ تقي الدين السبكي [إن كان عالماً – أي المشتري - فلا خلاف أنه لا يثبت له الخيار لرضاه بالعيب] تكملة المجموع١٢/ ١٢١ أما إذا علم المشتري بالعيب فسكت، فيسقط حقه في الرد. ومما يدل على هذا الشرط ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ: (مرََّ على صُبرة طعام - كومة - فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال ﷺ: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، أي المطر. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس ... ) فقوله (أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس) دليل على أن علم المشتري بالعيب يخلي البائع من المسؤولية. أحكام العيب ص ١٣٩.\rالشرط الرابع: أن لا يكون البائع قد اشترط البراءة من العيب بمعنى أنه شرط في البيع أنه غير مسؤول عن أي عيب يظهر في السلعة فقبل المشتري ذلك، فإن ظهر عيب بعد ذلك فلا خيار للشتري حينئذ.\rوبناءً عل ما تقدم فإن ظهور عيب في السلعة وفق الشروط السابقة يثبت حق الخيار للمشتري فله أن يرد السلعة ويسترجع ما دفعه من ثمنها كاملاً، وله أن يقبل بالسلعة المعيبة على أن ينقص البائع من ثمنها ما يقابل العيب. ومما ينبغي التنبيه عليه أن خيار العيب ثابت على التراخي وليس على الفور كما هو مذهب أكثر أهل العلم قال شيخ الإسلام ابن تيمية [وخيار الرد بالعيب على التراخي عند جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبهما، ولهما قول ـ كمذهب الشافعي ـ أنه على الفور، فإذا ظهر ما يدل على الرضا من قول أو فعل سقط خياره بالاتفاق. فإذا بني بعد علمه بالعيب سقط خياره.] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٩/٣٦٦.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [خيار الرد بالعيب على التراخي فمتى علم العيب , فأخر الرد لم يبطل خياره حتى يوجد منه ما يدل على الرضا ذكره أبو الخطاب وذكر القاضي شيئاً يدل على أن فيه روايتين إحداهما , هو على التراخي، والثانية هو على الفور، وهو مذهب الشافعي فمتى علم العيب , فأخر رده مع إمكانه بطل خياره لأنه يدل على الرضا به فأسقط خياره , كالتصرف فيه. ولنا أنه خيار لدفع ضرر متحقق فكان على التراخي , كالقصاص ولا نسلم دلالة الإمساك على الرضا به] المغني ٤/١٠٩.\rوخلاصة الأمر أن من اشترى سلعة ثم ظهر أنها معيبة فله أن يردها بالعيب ويسترد ما دفع من ثمنها علم البائع بالعيب أم لم يعلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346173,"book_id":3840,"shamela_page_id":553,"part":"12","page_num":47,"sequence_num":553,"body":"٤٧ - الزيادة على القرض متى تكون ربا ومتى لاتكون؟\rيقول السائل: متى تعتبر الزيادة على القرض رباً محرماً؟ ومتى تعتبر مصاريف إدارية؟ حيث إنني توجهت لإحدى المؤسسات التي تقرض مبلغاً لبناء مسكن فطلبوا نسبة ٣% كمصاريف إدارية، أفيدونا. الجواب: الأصل الذي قرره فقهاؤنا أن أي زيادة مشروطة على مبلغ القرض تعتبر من الربا المحرم ومن المعلوم أن تحريم الربا قطعي في شريعتنا وأذكر بعض النصوص الشرعية التي تحرم الربا والتعامل به: يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة الآيتان ٢٧٨-٢٧٩. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عن قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ: (الربا ثنان وسبعون باباً أدناها إتيان الرجل أمه) رواه الحاكم وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٤٨٨. وقال ﷺ: (الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٣. وقال ﷺ: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية) رواه أحمد والطبراني وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٦ وقد دلت هذه النصوص على تحريم الربا وهو كل زيادة مشروطة على القرض. ومما يدل أيضاً على منع الزيادة المشروطة ما روي في الحديث (أن النبي ﷺ نهى عن قرض جر منفعة) رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده وفي إسناده متروك كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/٣٤. ورواه البيهقي في السنن ٥/٣٥٠، بلفظ: (كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا) وقال البيهقي: موقوف. ورواه البيهقي أيضاً في معرفة السنن والآثار ٨/١٦٩ والحديث ضعيف، ضعفه ابن حجر وضعفه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٥/٢٣٥. ولكن معنى الحديث صحيح وقد اتفق الفقهاء على تحريم أي منفعة يستفيدها المقرض من قرضه ولكن ليس على إطلاقها، فالقرض الذي يجر نفعاً ويكون رباً أو وجهاً من وجوه الربا هو القرض الذي يشترط فيه المقرض منفعة لنفسه فهو ممنوع شرعاً. قال الحافظ ابن عبد البر: \" وكل زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلِف فهو ربا، ولو كانت قبضة من علف، وذلك حرام إن كان بشرط \". وقال ابن المنذر: \" أجمعوا على أن المسلِف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، إن أخذ الزيادة ربا \" الموسوعة الفقهية ٣٣/١٣٠. وأما إذا كانت الزيادة على القرض غير مشروطة عند العقد لا تصريحاً ولا تلميحاً فهي جائزة عند جمهور الفقهاء ولا تعد تلك الزيادة من الربا ويدل على جواز ذلك أحاديث واردة عن النبي ﷺ وآثار عن الصحابة ﵃ منها: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد ضحى فقال: صل ركعتين وكان لي عليه دين فقضاني وزادني) رواه البخاري. وفي رواية أخرى عند البخاري قال جابر ﵁: (فلما قدمنا المدينة، قال الرسول ﷺ يا بلال: اقضه وزده فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطاً) . وعن أبي رافع ﵁ قال: (استلف النبي ﷺ بكراً - الفتي من الإبل - فجاءته إبل الصدقة فأمرني أن أقضي الرجل بكره، فقلت: إني لم أجد من الإبل إلا جملاً خياراً رباعياً - جملاً كبيراً له من العمر ست سنوات - فقال: أعطه إياه فإن من خير الناس أحسنهم قضاء) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (استقرض رسول الله ﷺ سناً فأعطى سناً خيراً من سنه، وقال: خياركم أحاسنكم قضاء) رواه أحمد والترمذي وصححه. وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان لرجل على النبي ﷺ مسن من الإبل فجاء يتقاضاه، فقال: أعطوه فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سناً فوقها، فقال: أعطوه. فقال: أوفيتني أوفاك الله فقال النبي ﷺ إن خيركم أحسنكم قضاء) رواه البخاري ومسلم.\rوعن مجاهد قال: (استلف عبد الله بن عمر من رجل دراهم ثم قضاه دراهم خيراً منها فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن هذه خير من دراهمي التي أسلفتك، فقال عبد الله بن عمر: قد علمت ولكن نفسي بذلك طيبة) رواه مالك في الموطأ.\rوقال الإمام مالك ﵀: (لا بأس بأن يقبض من أسلف شيئاً من الذهب أو الورق أو الطعام أو الحيوان ممن أسلفه ذلك أفضل مما أسلفه إذا لم يكن ذلك على شرط منهما ...) . وقال القرطبي: [وأجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه لأن ذلك من باب المعروف استدلالاً بحديث أبي هريرة في البكر- الفتي من الإبل -: (إن خياركم أحسنكم قضاء) رواه الأئمة البخاري ومسلم. فأثنى ﷺ على من أحسن القضاء وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة.] تفسير القرطبي ٣/٢٤١. وأما الزيادة على القرض التي تسمى رسوم خدمات القرض أو أجور القرض أو مصاريف إدارية أو أتعاب إدارية للقرض فيجب أن يعلم ما يلي: أولاً: إن هذه الرسوم لا بد أن تكون مقابل خدمات فعلية لا وهمية.\rثانياً: أي زيادة على الخدمات الفعلية تعتبر من الربا المحرم شرعاً. جاء في قرارات مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث سنة ١٤٠٧هـ وفق ١٩٨٦م [ ... بخصوص أجور خدمات القروض في البنك الإسلامي للتنمية: قرر مجلس المجمع اعتماد المبادئ التالية: ١ - جواز أخذ أجور عن خدمات القروض. ٢ - أن يكون ذلك في حدود النفقات الفعلية. ٣ - كل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة لأنها من الربا المحرم شرعًا.] مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد ٣ الجزء ١/٣٠٥.\rثالثاً: إن هذه الرسوم لا يجوز أن تكون مقابل إستيفاء القرض بل تكون عند إنشاء عقد القرض بمعنى أنها مصاريف إدارية تغطي التكاليف الإدارية مثل أجور الموظفين والشؤون المكتبية ونحو ذلك وإذا كانت الجهة المقرضة تتولى الإشراف على التنفيذ يدخل في ذلك أجور المهندسين أو المراقبين كما هو الحال في بعض المؤسسات التي تقرض للبناء والإسكان. وأما إذا كانت مقابل استيفاء القرض فهي ربا لذا ما تسميه بعض المؤسسات رسوم تحصيل القرض وهو أن يدفع المقترض مع كل قسط يسدده مبلغاً من المال كرسوم تحصيل للقرض ما هو إلا ربا محرم.\rرابعاً: كثير من فقهاء العصر يرون أن تقدر هذه الرسوم بمبلغ مقطوع ولا تقدر بنسبة مئوية وخاصة إذا أخذت هذه الرسوم مقابل الأمور المكتبية فقط لأنها إذا قدرت بنسبة مئوية فستختلف باختلاف مبلغ القرض لأنها لو كانت رسوماً للخدمات فعلاً لما اختلف مقدارها باختلاف حجم القرض وشروطه إذ أن الخدمات المكتبية التي تؤدى لمن يقترض ألفاً هي ذاتها الخدمات التي تؤدى لمن يقترض عشرة آلاف ولكنه التلاعب ومحاولة تغيير الأسماء ليخدع الناس ويظنوا أن ذلك لا شيء فيه ويجب أن يعلم أن هذه الرسوم بهذه الصورة هي ربا وإن غيرت أسماؤها لأن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني كما قرر ذلك فقهاؤنا. ومن فقهاء العصر من أجاز أن تكون نسبة مئوية ضئيلة مثل ١% أو ٢% مع تحقق ما ذكرته سابقاً.\rوخلاصة الأمر أن الزيادة المشروطة على القرض تعتبر من الربا وأما الزيادة غير المشروطة فلا تعتبر من الربا كأن يهدي المقترض\rللمقرض هدية عند السداد. وأما رسوم خدمات القرض فيجب أن تقابل خدمات فعلية حقيقية وأن تكون معلومة ومقدرة تقديراً حقيقياً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346174,"book_id":3840,"shamela_page_id":554,"part":"12","page_num":48,"sequence_num":554,"body":"٤٨ - الشرط الجزائي لا يدخل في الديون\rالسؤال: اطلعت على اتفاقية تلزيم مقصف في إحدى المؤسسات وقد لفت نظري بند ينص على أنه في حالة التأخر عن الدفع يترتب على الفريق الثاني دفع مبلغ وقدره ٣٠٠ شيكل عن كل يوم تأخير وقد رأيت أن أبين حكم هذا الشرط فيما يلي. الجواب: الشرط المذكور في الاتفاقية المشار إليها يسمى شرطاً جزائياً وهو اتفاق المتعاقدين في ذات العقد أو في اتفاق لاحق، وبشرط أن يكون ذلك قبل الإخلال بالالتزام على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن عند عدم قيام المدين بتنفيذ التزامه أو تأخيره عنه فيه. انظر بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة ٢/٨٥٥.\rوالشرط الجزائي منه ما يكون في العقود التي تتضمن أعمالاً كعقود المقاولة والتوريد وعقد الاستصناع بالنسبة للصانع إذا لم ينفّذ ما التزم به أو تأخر في تنفيذه. ومنه ما يكون في العقود التي تتضمن التزاماً مالياً في الذمة وقد اتفق الفقهاء المعاصرون على جواز النوع الأول من الشروط الجزائية وأما النوع الثاني فهو محرم عند أكثر فقهاء العصر.\rويستدل على جواز النوع الأول من الشرط الجزائي بما رواه الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين أن رجلاً قال لكريِّه: (من يكري وسائل النقل) أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعاً ليس مكره فهو عليه.\rويدخل النوع الأول من الشرط الجزائي في عمو قول الرسول ﷺ: (المسلمون على شروطهم) رواه أصحاب السنن وهو حديث صحيح. وجاء في رواية أخرى: (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وكذلك الاعتماد على القول الصحيح من أن الأصل في الشروط الصحة، وأنه لا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصاً أو قياساً. انظر أبحاث هيئة كبار العلماء ١/٢١٣.\rوأما النوع الثاني من الشروط الجزائية وهو ما كان مقرراً لتأخير الوفاء بالديون اللازمة في الذمة فهو محرم لأنه عين الربا وقد قرر مجمع الفقه الاسلامي في دورته الرابعة عشرة في الفترة من ٨ إلى ١٣ ذو القعدة ١٤٢٣هـ، الموافق ١١ ـ ١٦ كانون الثاني ٢٠٠٣ ما يتعلق بالديون المتأخرة وسدادها:\rأـ بخصوص الشرط الجزائي في العقود: يؤكد المجلس قراراته السابقة بالنسبة للشرط الجزائي الواردة في قراره في السَّلم رقم ٨٥ (٢/٩) ونصه: «لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه، لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير» ، وقراره في الشرط الجزائي رقم ١٠٩ (٤/١٢) ونصه: «يجوز أن يكون الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دَيناً، فإن هذا من الربا الصريح، وبناء على هذا لا يجوز الشرط الجزائي ـ مثلاً ـ في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية سواء كان بسبب الإعسار أو المماطلة، ولا يجوز في عقد الاستصناع بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء ما عليه» .\rب ـ يؤكد المجمع على قراره السابق في موضوع البيع بالتقسيط رقم ٥١ (٢/٦) في فقراته الآتية:\rثالثا: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط لأن ذلك ربا محرم.\rرابعا: يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حلَّ من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء.]\rوبناءً على ما سبق فإن الشرط الجزائي لا يدخل في باب الديون مطلقاً فلذا لا يجوز أن يدخل الشرط الجزائي في بيع التقسيط في حالة تأخر المشتري عن السداد وكذلك لا يدخل في عقد الإجارة إذا تأخر المستأجر في دفع الأجرة وكذلك لا يدخل في عقد القرض إذا تأخر المقترض في سداد القرض.\rقال ابن المنذر: [أجمعوا على أن المسلِف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، إن أخذ الزيادة ربا] الموسوعة الفقهية ٣٣/١٣٠. وجاء في قرار مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ما يلي:\r[نظر المجمع الفقهي في موضوع السؤال التالي، إذا تأخر المدين عن سداد الدين في المدة المحددة، فهل للبنك الحق أن يفرض على المدين غرامة مالية، جزائية بنسبة معينة بسبب التأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما؟\rالجواب: وبعد البحث والدراسة، قرر المجمع الفقهي بالإجماع ما يلي: إن الدائن إذا شرط على المدين أو فرض عليه أن يدفع له مبلغاً من المال غرامة مالية جزائية محددة أو بنسبة معينة، إذا تأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما، فهو شرط أو فرض باطل، ولا يجب الوفاء به، ولا يحل سواءً أكان الشارط هو المصرف أو غيره، لأن هذا بعينه هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه.]\rويجب أن يعلم أنه يحرم على الغني أن يماطل فيما وجب عليه من حقوق، كالدين مثلاً، وكذلك من وجد أداءً لحق عليه وإن كان فقيراً تحرم عليه المماطلة، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (مطل الغني ظلم) رواه البخاري ومسلم.\rقال الحافظ ابن حجر: [والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر، والغني مختلف في تعريفه ولكن المراد به هنا من قدر على الأداء فأخره ولو كان فقيراً] فتح الباري ٥/٣٧١. وأما إذا كان المدين معسراً فإن الله ﷾ طلب إنظاره إلى ميسرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٠.\rوخلاصة الأمر أن الشرط المذكور في اتفاقية تلزيم المقصف الذي ينص على أنه في حالة التأخر عن الدفع يترتب على الفريق الثاني دفع مبلغ وقدره ٣٠٠ شيكل عن كل يوم تأخير أنه شرط ربوي محرم لا يجوز اشتراطه ويحرم الوفاء به لأنه عين الربا المحرم تحريماً قطعياً في كتاب الله ﷿ وفي سنة نبيه ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346175,"book_id":3840,"shamela_page_id":555,"part":"12","page_num":49,"sequence_num":555,"body":"٤٩ - حكم بيع الفضولي\rيقول السائل: ثلاثة شركاء يمتلكون عمارة من ثلاثة طوابق ملكاً مشاعاً فقام أحد الشركاء ببيع العمارة بدون إذن شريكيه فرفض الشريكان الآخران البيع وسألوا أحد المشايخ فأجابهم بأن البيع لازم ولا يحق لهما نقض البيع فما قولكم في ذلك، أفيدونا؟ الجواب: الشركة القائمة بين الشركاء الثلاثة المذكورين في السؤال هي شركة ملك على الشيوع وشركة الملك هي أن يختص اثنان فصاعداً بشيء واحد. وبما أن حصة كل شريك غير متميزة عن الآخر فإن ملكهم للعمارة على سبيل الشيوع. وقد بين الفقهاء أن الشريك في شركة الملك لا يملك التصرف في حصة شريكه بغير إذنه فقد جاء في المادة ١٠٧٥ من مجلة الأحكام وشرحها درر الحكام ما يلي: [كل واحد من الشركاء في شركة الملك أجنبي في حصة الآخر ولا يعتبر أحد وكيلاً عن الآخر فلذلك لا يجوز تصرف أحدهما في حصة الآخر بدون إذنه ... فلذلك لو باع أحد صاحبي الدار المشتركة نصفها لآخر فيصرف البيع الواقع على أنه في حصته وينفذ ; لأنه يجب حمل تصرف الإنسان على أنه وقع بصورة مشروعة , فلو حمل بأن نصف ما باعه في حصته ونصف ما باعه في حصة شريكه فيكون قد حمل عمله على أمر غير مشروع ... فلذلك لا يجوز تصرف أحدهما تصرفاً مضراً في حصة الآخر بدون إذنه صراحة أو دلالة وإذا تصرف يضمن. انظر المادة (٩٦) .... مثال للبيع - لو باع أحد صاحبي الدار المشتركة حصته وحصة شريكه بدون إذنه لآخر فيكون البيع المذكور فضولاً في حصة الشريك (البهجة) وللشريك المذكور إن شاء فسخ البيع في حصته وإن شاء أجاز البيع إذا وجدت شرائط الإجازة. درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٢٨-٢٩.\rوجاء في الفتاوى الهندية [ولا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الآخر إلا بأمره]\rقال الكاساني: [فأما شركة الأملاك فحكمها في النوعين جميعاً واحد , وهو أن كل واحد من الشريكين كأنه أجنبي في نصيب صاحبه , لا يجوز له التصرف فيه بغير إذنه لأن المطلق للتصرف، الملك أو الولاية ولا لكل واحد منهما في نصيب صاحبه ولاية بالوكالة أو القرابة ; ولم يوجد شيء من ذلك وسواء كانت الشركة في العين أو الدين لما قلنا] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٥/٨٧.\rوجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية [الأصل أن كل واحد من الشريكين أو الشركاء في شركة الملك أجنبي بالنسبة لنصيب الآخر. لأن هذه الشركة لا تتضمن وكالة ما, ثم لا ملك لشريك ما في نصيب شريكه, ولا ولاية له عليه من أي طريق آخر. والمسوغ للتصرف إنما هو الملك أو الولاية وهذا ما لا يمكن تطرق الخلاف إليه. ويترتب على ذلك ما يلي:\rليس لشريك الملك في نصيب شريكه شيء من التصرفات التعاقدية: كالبيع, والإجارة, والإعارة وغيرها, إلا أن يكون ذلك بإذن شريكه هذا. فإذا تعدى فآجر مثلاً , أو أعار العين المشتركة فتلفت في يد المستأجر أو المستعير , فلشريكه تضمينه حصته وهذا أيضاً مما لا خلاف فيه.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٦/٢٢-٢٣.\rإذا تقرر هذا فإن ما قام به الشريك من بيع لحصة شريكيه بغير إذنهما يسمى بيع الفضولي عند الفقهاء\rوقد ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعي في قوله القديم وهو أحد قوليه في الجديد وأحمد في إحدى الروايتين عنه إلى أن البيع صحيح إلا أنه موقوف على إجازة المالك. وذهب الشافعي في القول الثاني من الجديد وأحمد في الرواية الأخرى عنه إلى أن البيع باطل. قال الإمام النووي [سبق أن شروط المبيع خمسة منها أن يكون مملوكاً لمن يقع العقد له فان باشر العقد لنفسه فشرطه كونه مالكاً للعين وإن باشره لغيره بولاية أو وكالة فشرطه أن يكون لذلك الغير، فلو باع مال غيره بغير إذن ولا ولاية، فقولان الصحيح أن العقد باطل وهذا نصه في الجديد وبه قطع المصنف وجماهير العراقيين وكثيرون أو الأكثرون من الخراسانيين لما ذكره المصنف وسنزيده دلالة في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى والقول الثاني وهو القديم أنه ينعقد موقوفاً على إجازة المالك إن أجاز صح البيع وإلا لغا ...\rفرع في مذاهب العلماء في تصرف الفضولي بالبيع وغيره في مال غيره بغير إذنه، قد ذكرنا أن مذهبنا المشهور بطلانه ولا يقف على الإجازة وكذا الوقف والنكاح وسائر العقود وبهذا قال أبو ثور وابن المنذر وأحمد في أصح الروايتين عنه وقال مالك يقف البيع والشراء والنكاح على الإجازة فان أجازه من عقد له صح وإلا بطل، وقال أبو حنيفة إيجاب النكاح وقبوله يقفان على الإجازة ويقف البيع على الإجازة ولا يقف الشراء وأوقفه اسحق بن راهويه في البيع ... ] المجموع ٩/٢٥٩.\rوالراجح من أقوال أهل العلم في بيع الفضولي أنه صحيح ولكنه موقوف على إجازة المالك ويدل لذلك ما ورد في الحديث الذي رواه الإمام البخاري بإسناده عن شبيب بن غرقدة، قال: (سمعت الحي يحدثون عن عروة أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب أربح فيه) . ويدل له حديث ابن عمر في قصة الثلاثة أصحاب الغار أن النبي ﷺ قال (قال الثالث اللهم استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمَّرتُ أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدِ إليَّ أجري فقلت كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت لا أستهزئ فأخذه كله فاستاقة فلم يترك منه شيئا) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأدلة.\rوبناءً على ما سبق فإن القول بأن عقد البيع الذي عقده الشريك لازم في حق شريكيه، قول باطل، وإنما هو لازم في حق من عقده فقط ويملك الشريكان الآخران إبطال العقد في حصتيهما.\rقال الزيلعي الحنفي (ومن باع ملك غيره فللمالك أن يفسخه ويجيزه إن بقي العاقدان والمعقود عليه وله وبه لو عرضاً) أي للمالك أن يجيز العقد بشرط أن يبقى المتعاقدان والمعقود عليه والمعقود له وهو المالك بحالهم والأصل فيه أن كل تصرف صدر من الفضولي وله مجيز حال وقوعه انعقد موقوفاً على الإجازة عندنا وإن لم يكن له مجيز حالة العقد لا يتوقف ويقع باطلاً] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٤/١٠٢-١٠٣\rوجاء في المادة ٣٧٨ من مجلة الأحكام العدلية [بيع الفضولي إذا أجازه صاحب المال , أو وكيله , أو وصيه , أو وليه نفذ وإلا انفسخ إلا أنه يشترط لصحة الإجازة أن يكون كل من البائع والمشتري والمجيز والمبيع قائماً وإلا ; فلا تصح الإجازة]\rوجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية [اتفق الفقهاء على أن من شروط البيع: أن يكون المبيع مملوكاً للبائع أو له عليه ولاية أو وكالة تجيز تصرفه فيه واتفقوا أيضا على صحة بيع الفضولي, إذا كان المالك حاضراً وأجاز البيع, لأن الفضولي حينئذ يكون كالوكيل. واتفقوا أيضا على عدم صحة بيع الفضولي إذا كان المالك غير أهل للإجازة , كما إذا كان صبياً وقت البيع.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٩/١١٧.\rوخلاصة الأمر أن ما قام به الشريك من بيع حصة شريكيه بدون إذنهما تصرف باطل وغير لازم لهما والقول بأن تصرفه وقع لازماً لهما قول غير صحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346176,"book_id":3840,"shamela_page_id":556,"part":"12","page_num":50,"sequence_num":556,"body":"٥٠ - المقاطعة الاقتصادية\rيقول السائل: على إثر الهجمة القذرة على سيدنا رسول الله ﷺ والمتمثلة بنشر الرسوم الكاريكاتورية التي تسيء لسيدنا رسول الله ﷺ تداعى المسلمون إلى مقاطعة البضائع الدنماركية وقد سمعنا من يشكك في شرعية المقاطعة الاقتصادية فما قولكم في ذلك؟ الجواب: إن من أعظم واجبات الأمة المسلمة تجاه رسولها ﷺ هي تعظيمه ﷺ وتعزيره وتوقيره ﷺ كما قال تعالى ﴿إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً﴾ سورة الفتح الآيتان رقم ٨- ٩، قال الشيخ ابن كثير: [ ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه﴾ قال ابن عباس ﵄ وغير واحد: تعظموه ﴿وتوقروه﴾ من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام.] تفسير ابن كثير ٥/٦١٣.\rولا شك أن نصرة النبي ﷺ والدفاع عنه داخلة في تعظيمه وتوقيره ﷺ وهذا من المقاصد المطلوبة شرعاً وبناءً على ذلك فكل وسيلة شرعية تؤدي إلى هذا المقصد الشريف مطلوبة لأن للوسائل أحكام المقاصد كما قرر أهل العلم، قال الإمام العز بن عبد السلام: [للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل] قواعد الأحكام ١/٤٦. وقال الإمام القرافي: [اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح فإن الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها. ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل وإلى ما يتوسط متوسطة ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح) فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد وسيلة الوسيلة] الفروق ٢/٣٣، فالمقاطعة الاقتصادية لمنتجات الدول التي تهجم أتباعها على رسولنا ﷺ وسيلة مشروعة لنصرة النبي ﷺ وتعظيمه وتوقيره. وخاصة أننا لمسنا استكبار قادة تلك الدول في رفضهم الاعتذار للمسلمين بل نقل عن بعضهم قوله إن اعتذار أي شخص دنمركي للمسلمين يعد خيانة للوطن. ومما يدل على مشروعية المقاطعة الاقتصادية ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال بعث رسول الله ﷺ خيلاً قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم وإن تُنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد فقال ما عندك يا ثمامة؟ قال ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد فقال ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فقال رسول الله ﷺ أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إليَّ والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ زاد ابن هشام \" ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً , فكتبوا إلى النبي ﷺ: إنك تأمر بصلة الرحم , فكتب إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل إليهم] فتح الباري ٨/١١١. وما قام به ثمامة بن أثال ﵁ يعتبر نوعاً من المقاطعة الاقتصادية وقد أقره النبي ﷺ على تلك المقاطعة الاقتصادية واستمرت تلك المقاطعة إلى أن طلب الرسول ﷺ من ثمامة بن أثال وقفها. وفي ذلك قال الشاعر: وثمامةُ بن أَثالٍ الحنفيِّ قد نفض الغبار عن الحقيقة وابتهلْ\rوأبى على الكفَّار حَبَّةَ حنطةٍ إلا إذا أَذِنَ الرسولُ وقد فَعَلْ\rوينبغي التذكير بالمقاطعة التي تعرض لها الرسول ﷺ وقومه في مكة من كفار قريش فلجأوا إلى شعب أبي طالب، فقد روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال قلت يا رسول الله أين تنزل غداً في حجته قال وهل ترك لنا عقيل منزلاً ثم قال نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة المحصب حيث قاسمت قريش على الكفر وذلك أن بني كنانة حالفت قريشاً على بني هاشم أن لا يبايعوهم ولا يؤووهم قال الزهري والخيف الوادي. ومما يدل على جواز المقاطعة ما فعله النبي ﷺ أثناء حصار بني النضير من محاربتهم اقتصادياً بقطع نخيلهم وتحريقه فعن ابن عمر ﵄ قال حرق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقطع وهي البويرة فنزلت ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ رواه البخاري ومسلم ومما يدل على جواز المقاطعة أيضاً أن النبي ﷺ بدأ بعد الهجرة النبوية بمحاربة قريش اقتصادياً فكانت غزوة العشيرة وغيرها من الغزوات وبعض السرايا التي بعثها الرسول ﷺ لتحقيق ذلك الهدف ولا شك أن المقاطعة الاقتصادية داخلة في ذلك. قال الإمام البخاري [باب غزوة العشيرة أو العسيرة قال ابن إسحاق أول ما غزا النبي ﷺ الأبواء ثم بواط ثم العشيرة] قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ ... وذكر الواقدي أن هذه السفرات الثلاث كان يخرج فيها ليلتقي تجار قريش حين يمرون إلى الشام ذهابا وإياباً ... وقد تقدم في – كتاب - العلم البيان عن سرية عبد الله بن جحش وأنه ومن معه لقوا ناساً من قريش راجعين بتجارة من الشام فقاتلوهم , واتفق وقوع ذلك في رجب , فقتلوا منهم وأسروا وأخذوا الذي كان معهم , وكان أول قتل وقع ف الإسلام وأول مال غنم ... وذكر ابن سعد أن المطلوب في هذه الغزاة هي عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجارة ففاتتهم , وكانوا يترقبون رجوعها فخرج النبي ﷺ يتلقاها ليغنمها , فبسبب ذلك كانت وقعة بدر..] فتح الباري ٧/٣٤٧-٣٤٩. وغير ذلك من الأدلة الكثيرة.\rوخلاصة الأمر أن المقاطعة الاقتصادية وسيلة مشروعة للدفاع عن الرسول ﷺ لردع المعتدين ولإجبار تلك الدول لتسن التشريعات التي تعاقب كل من يسيء إلى دين الإسلام، وعلى المسلمين كافة أن يسهموا في المقاطعة حتى تكون مؤثرة وقوية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346177,"book_id":3840,"shamela_page_id":557,"part":"12","page_num":51,"sequence_num":557,"body":"٥١ - استئجار الحلي الذهبية\rيقول السائل: شاب يريد الزواج وهو فقير الحال وقد اتفق مع عروسه على استئجار الحلي الذهبية لمدة شهر وبعد إتمام الزواج يرد الحلي للصائغ ويدفع الأجرة المتفق عليها فما حكم ذلك. الجواب: الإجارة عند الفقهاء عقد معاوضة على تمليك منفعة بعوض. الموسوعة الفقهية ١/٢٥٢. ولا خلاف بين الفقهاء أنه يشترط لانعقاد الإجارة عليها أن تقع الإجارة على المنفعة لا على استهلاك العين. وينطبق ذلك على استئجار الحلي الذهبية بالنقود فإن العقد وقع على منفعة الحلي وهي التزين بها فيجوز شرعاً استئجار الحلي الذهبية بالنقود وهو قول جمهور أهل العلم وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة وهو قول في مذهب المالكية ويجب أن يعلم أن هذه المسألة من باب الإجارة ولا علاقة لها بالربا ويشبه ذلك إجارة الأراضي لأن الحلي عين ينتفع بها منفعة مباحة مقصودة مع بقائها فجازت إجارتها ولأن الحلي الذهبية من الأعيان الثابتة وقد اتفق الفقهاء على جواز استئجار الأعيان الثابتة بخلاف الأعيان المستهلكة فلا تجوز إجارتها فلو استأجر رطلاً من الأرز فالإجارة باطلة.\rوأما المالكية فقد كرهوا إجارة الحلي في قول عندهم لأن زكاة الحلي إعارته ولأنه ليس من شأن الناس وورد عن ابن عمر ﵁ أنه قال: زكاة الحلي إعارته\rوجاء في منح الجليل شرح مختصر خليل من كتب المالكية في تعليل المنع من إجارة الحلي [لأنه ليس من أخلاق الناس وليس بحرام بين ... واستثقله الإمام مالك ﵁ مرة وخففه مرة. ونقل ابن يونس عن مالك ليس كراء الحلي من أخلاق الناس، معناه أنهم كانوا يرون زكاته أن يعار، فلذلك كرهوا أن يكرى]\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فصل: فيما تجوز إجارته تجوز إجارة كل عين يمكن أن ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها بحكم الأصل , كالأرض والدار والعبد , والبهيمة والثياب والفساطيط , والحبال والخيام والمحامل , والسرج واللجام والسيف , والرمح وأشباه ذلك وقد ذكرنا كثيراً مما تجوز إجارته في مواضعه.\rوتجوز إجارة الحلي. نص عليه أحمد , في رواية ابنه عبد الله. وبهذا قال الثوري , والشافعي , وإسحاق , وأبو ثور , وأصحاب الرأي. وروي عن أحمد , أنه قال في إجارة الحلي: ما أدري ما هو؟ قال القاضي: هذا محمول على إجارته بأجرة من جنسه , فأما بغير جنسه , فلا بأس به , لتصريح أحمد بجوازه.\rوقال مالك , في إجارة الحلي والثياب: هو من المشتبهات. ولعله يذهب إلى أن المقصود بذلك الزينة , وليس ذلك من المقاصد الأصلية.\rومن منع ذلك بأجر من جنسه , فقد احتج له بأنها تحتك بالاستعمال , فيذهب منها أجزاء وإن كانت يسيرة , فيحصل الأجر في مقابلتها , ومقابلة الانتفاع بها , فيفضي إلى بيع ذهب بذهب وشيء آخر.\rولنا أنها عين ينتفع بها منفعة مباحة مقصودة , مع بقاء عينها , فأشبهت سائر ما تجوز إجارته , والزينة من المقاصد الأصلية ; فإن الله تعالى امتن بها علينا بقوله تعالى: ﴿لتركبوها وزينة﴾ وقال تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ وأباح الله تعالى من التحلي واللباس للنساء ما حرمه على الرجال , لحاجتهن إلى التزين للأزواج , وأسقط الزكاة عن حليهن معونة لهن على اقتنائه. وما ذكروه من نقصها بالاحتكاك لا يصح ; لأن ذلك يسير, لا يقابل بعوض , ولا يكاد يظهر في وزن , ولو ظهر فالأجر في مقابلة الانتفاع , لا في مقابلة الأجزاء ; لأن الأجر في الإجارة , إنما هو عوض المنفعة , كما في سائر المواضع , ولو كان في مقابلة الجزء الذاهب , لما جاز إجارة أحد النقدين بالآخر ; لإفضائه إلى الفرق في معاوضة أحدهما بالآخر قبل القبض.] المغني ٥/٤٠٣-٤٠٤\rوقال الإمام النووي [ذكر الصيمري ثم الماوردي ومتابعوهما هنا أن الأفضل إذا أكرى حلي ذهب أو فضة أن لا يكريه بجنسه بل يكري الذهب بالفضة والفضة بالذهب فلو أكرى الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة فوجهان: (أحدهما) بطلانه حذراً من الربا، والصحيح الجواز كسائر الإجارات، قال الماوردي: وقول الأول باطل؛ لأن عقد الإجارة لا يدخله الربا، ولهذا يجوز إجارة حلي الذهب بدراهم مؤجلة بإجماع المسلمين، ولو كان للربا هنا مدخل لم يجز هذا.] المجموع ٦/ ٤٦.\rوقال شمس الأئمة السرخسي [وذكر عن الحسن ﵀ قال: لا بأس بأن يستأجر الرجل حلي الذهب بالذهب وحلي الفضة بالفضة وبه نأخذ فإن البدل بمقابلة منفعة الحلي دون العين ولا ربا بين المنفعة وبين الذهب والفضة، ثم الحلي عين منتفع به واستئجاره معتاد فيجوز] المبسوط\rوجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية [الأصل إباحة إجارة كل عين يمكن أن ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها، ولهذا صرح الشافعية والحنابلة بجواز – إجارة - الثياب والحلي للتزين، فإن النفقة بهما مباحة مقصودة مع بقاء عينها، والزينة من المقاصد المشروعة، قال الله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ . وجواز إجارة حلي الذهب والفضة بغير جنسه محل اتفاق بينهم، وتردد أحمد فيما إذا كانت الأجرة من جنسها، وروي عنه جوازه مطلقاً ... وكره المالكية إجارة الحلي؛ لأنه ليس من شأن الناس، وقالوا: الأولى إعارته لأنها من المعروف ... والجواز مفهوم من قواعد المذاهب الأخرى أيضاً؛ لأن أصل التزين مشروع، والإجارة على المنافع المشروعة صحيحة] الموسوعة الفقهية الكويتية ١١/٢٧٦.\rوقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية عن مثل هذا السؤال، وهو تأجير الحليّ من الذهب والفضة لتلبسه المرأة عند الزواج ثم يعاد بعد أسبوعين مثلاً مع دفع الأجرة فأجابت: الأصل جواز تأجير الحلي من الذهب والفضة بأحد النقدين أو غيرهما بأجرة ومدة معلومتين، يرد المستأجر الحلي بعد انتهاء مدة الإجارة ولا بأس بأخذ رهن في ذلك] فتاوى اللجنة الدائمة عن الإنترنت.\rوينبغي التنبيه إلى مسألة قريبة من هذه المسألة وهي اقتراض الذهب فيجوز عند العلماء اقتراض الذهب بذهب مثله فيجوز أن يقترض شخص مئة غرام ذهب عيار ٢١ على أن يردها مئة غرام ذهب عيار ٢١ وله أن يرد ثمنها في يوم السداد إذا اتفق المتعاقدان على ذلك. ويدل عليه ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: (كنت أبيع الإبل في البقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، فقال رسول الله ﷺ: لا بأس، إذا أخذتهما بسعر يومهما فافترقتما وليس بينكما شيء) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد وغيرهم، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز استئجار الحلي الذهبية بالنقود وكذا يجوز استقراض الذهب بشرط أن يرد مثله أو قيمته يوم السداد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346178,"book_id":3840,"shamela_page_id":558,"part":"12","page_num":52,"sequence_num":558,"body":"٥٢ - حكم غرامة التأخير\rيقول السائل: إن شركة الكهرباء تقوم بفرض غرامة على كل من يتأخر بسداد الفاتورة عن موعدها فما هو الحكم الشرعي لهذه الغرامة أفيدونا؟ الجواب: لابد أن يعلم أولاً أنه يجب شرعاً سداد فاتورة الكهرباء في موعدها لأن ذلك هو مقتضى العقد القائم بين شركة الكهرباء والمشترك ولا يجوز التأخر في السداد وقد أمر الله ﷿ بالوفاء بالعقود في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ سورة المائدة الآية ١.\rإذا تقرر ذلك فإن فرض غرامة مالية على من يتأخر في سداد فاتورة الكهرباء محرم شرعاً لأنه رباً واضح وهو عين الربا الذي كان في الجاهلية. قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ سورة البقرة الآية ٢٧٥ [أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخراً كمثل أصل الثمن في أول العقد، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك، فكانت إذا حلَّ دينها قالت للغريم: إما أن تقضي وإما أن تُربي، أي تزيد في الدين. فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم بقوله الحق: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وأوضح أن الأجل إذا حلَّ ولم يكن عنده ما يؤدي أنظر إلى الميسرة. وهذا الربا هو الذي نسخه النبي ﷺ بقوله يوم عرفة لما قال: (ألا إن كل رباً موضوع وإن أول ربا أضعه ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله) . فبدأ ﷺ بعمه وأخص الناس به. وهذا من سنن العدل للإمام أن يُفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس.] تفسير القرطبي ٣/٣٥٦.\rوجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية ما يلي: [إن كل زيادة أو فائدة على الدين الذي حلَّ أجله وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة أو الفائدة على القرض منذ بداية العقد. هاتان الصورتان ربا محرم شرعاً] مجلة المجمع عدد ٢ ج ٢ ص ٨٧٣.\rويجب أن يعلم أن كل غرامة تفرض على المدين تعتبر من باب الربا وإن سميت غرامة تأخير أو سميت شرطاً جزائياً فإن الشرط الجزائي لا يكون في الديون وإنما يكون في العقود المالية التي تخلو من الديون كعقود المقاولات والتوريد وغيرهما فمثلاً لو اتفق شخص مع مقاول ليبني له بيتاً واتفقا على تسليم البيت في موعد محدد واتفقا على أنه إذا تأخر المقاول في التسليم فيدفع له مبلغاً من المال عن كل يوم تأخر فيه عن تسليم البيت صح ذلك شرعاً. ولا يعتبر هذا المبلغ من الربا. وكذلك عقود المقولات التي تتم بين الشركات والدولة أو أصحاب المشاريع وكان الاتفاق فيها على العمل يجوز شرعاً أن تتضمن شرطاً جزائياً مالياً على أن يكون التأخير في تسليم ما اتفق عليه ناتجاً عن إهمال من المقاول أو تقصير منه وأن لا يكون التأخير ناتجاً عن أمور خارجة عن إرادة المقاول كالعوامل الطبيعية مثلاً. وبشرط أن يكون مقدار الشرط الجزائي مماثلاً للضرر الفعلي الذي لحق بالطرف الآخر.\rومما يدل على جواز الشرط الجزائي قول النبي ﷺ: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح ورواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم لكنه بدون الاستثناء ورواه كذلك الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ (المسلمون عند شروطهم) أي بدون الاستثناء.\rويمكن أن يستدل على جواز الشرط الجزائي بما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين أن رجلاً قال لكريِّه: (من يكري وسائل النقل) أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعاً ليس مكره فهو عليه)\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن الوفاء بها أي بالالتزامات التي التزم بها الإنسان من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل العقلاء جميعاً] مجموع الفتاوى ٢٩/٥١٦ والقواعد النورانية ص٥٣.\rوجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية عشر والمتعلق بالشرط الجزائي ما يلي: [أولاً: الشرط الجزائي في القانون هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه من شُرِط له عن الضرر الذي يلحقه إذا لم يُنَفِّذ الطرف الآخر ما التزم به، أو تأخّر في تنفيذه.\rثانياً: يؤكد المجلس قراراته السابقة بالنسبة للشرط الجزائي الواردة في قراره في السَّلَم رقم ٨٥ (٢/٩) ، ونصه: \"لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه؛ لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير\"، وقراره في الاستصناع رقم ٦٥ (٣/٧) . ونصه: \"يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطاً جزائياً بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة\"، وقراره في البيع بالتقسيط رقم ٥١ (٢/٦) ونصه: \"إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط بعد الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرم\".\rثالثاً: يجوز أن يكون الشرط الجزائي مقترناً بالعقد الأصلي، كما يجوز أن يكون في اتفاق لاحقٍ قبل حدوث الضرر.\rرابعاً: يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها ديناً؛ فإن هذا من الربا الصريح وبناء على هذا، يجوز هذا الشرط – مثلاً – في عقود المقاولات بالنسبة للمقاول، وعقد التوريد بالنسبة للمورد، وعقد الاستصناع بالنسبة للصانع إذا لم ينفّذ ما التزم به أو تأخّر في تنفيذه. ولا يجوز - مثلاً - في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية سواء، كان بسبب الإعسار، أو المماطلة، ولا يجوز في عقد الاستصناع بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء ما عليه.\rخامساً: الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي، وما لَحِق المضرور من خسارة حقيقية، وما فاته من كسب مؤكد، ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي.\rسادساً: لا يُعمل بالشرط الجزائي إذا أثبت من شُرِط عليه أن إخلاله بالعقد كان بسببٍ خارج عن إرادته، أو أثبت أن من شرط له لم يلحقه أي ضرر من الإخلال بالعقد.\rسابعاً: يجوز للمحكمة بناء على طلب أحد الطرفين أن تُعدِّل في مقدار التعويض إذا وجدت مبرراً لذلك، أو كان مبالغاً فيه.] مجلة المجمع العدد الثاني عشر ج ٢/٩١.\rوبهذا يظهر لنا بوضوح وجلاء أن الشرط الجزائي يجوز في العقود التي لا يكون الالتزام فيها ديناً، أما ما كان الالتزام فيها ديناً فإنه لا يجوز فيها الشرط الجزائي بحال من الأحوال كالبيع بالتقسيط فلا يجوز الشرط الجزائي فيه عند تأخر المدين بالسداد وكذلك لا يجوز شرعاً فرض غرامات التأخير في عقود بيع المرابحة للآمر بالشراء فلا يجوز شرعاً أن يتفق البنك الإسلامي مع العميل المدين على أن يدفع له مبلغاً محدداً أو نسبة من الدين الذي عليه في حالة تأخره عن السداد في المدة المتفق عليها سواء أسمي هذا المبلغ غرامة تأخير أو تعويضاً عن الضرر أو شرطاً جزائياً، لأن هذا هو ربا الجاهلية المتفق على تحريمه كما سبق وهذا أصح قولي العلماء في هذه المسألة. وكذلك جميع الديون المستحقة على الانسان سواء كانت عن بيع أو قرض أو شراء منفعة أو نحو ذلك فلا يجوز شرعاً فرض غرامة تأخير فيها لأن هذا هو ربا الجاهلية فالشرط الجزائي في الديون كلها لا يجوز فهو رباً محرم. وخلاصة الأمر أنه يجب سداد فواتير الكهرباء في مواعيدها ويحرم شرعاً التهرب من ذلك بأي وسيلة كانت كما يحرم فرض غرامات تأخير على من يتأخر في السداد ويتحمل إثم فرض هذه الغرامات الربوية مجلس إدارة الشركة وكل من أسهم في فرضها وكل من حصلَّها وتعاون عل هذا الإثم لأنها رباً محرم وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم. وكذلك يحرم فرض غرامات التأخير في كل التزام أصله دين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346179,"book_id":3840,"shamela_page_id":559,"part":"12","page_num":53,"sequence_num":559,"body":"٥٣ - لا يجوز بيع الدجاج قبل القبض\rيقول السائل: إنه باع كمية كبيرة من الدجاج بسعر متفق عليه على أن يسلم الدجاج للمشتري بشكل يومي بعدد متفق عليه ولمدة معينة فقام المشتري بعد العقد مباشرة ببيع كمية الدجاج كلها لشخص آخر بربح معلوم وطلب مني أي من البائع أن أورد الدجاج للمشتري الثاني فما حكم هذه المعاملة أفيدونا؟ الجواب: العقد الأول الذي تم فيه الاتفاق على بيع كمية كبيرة من الدجاج بسعر متفق عليه على أن يسلم الدجاج للمشتري بشكل يومي بعدد متفق عليه ولمدة معينة عقد صحيح على الراجح من أقوال أهل العلم وهو ما يسمى اليوم بعقد التوريد.\rقال الشيخ العلامة مصطفى الزرقا ﵀ عن عقد التوريد [هو صحيح شرعاً غير فاسد كما هو صحيح قانوناً ... وعقد التوريد هذا المسؤول عنه يشبه إلى حد كبير بيع الاستجرار الذي نصَّ عليه الحنفية، كما أنه أولى بالصحة من البيع بما ينقطع عليه السعر الذي صححه الحنابلة، مع أن فيه كَمية محدودة والسِّعر غير محدَّد عند العَقد لذلك يكون قياسُها على أحدهما قِياسًا صحيحًا، ولا سيَّما أن الحاجة العامّة اليوم تدعو إلى ممارسة عقد التوريد، كما أنه أصبح متعارَفًا. وقد نصّ الحنفيّة على أن العرف يُصحِّح الشروط الفاسدة إذا تُعورِفت، وجرى عليها التعامل؛ لأنها بالتعارف ينتفي من طريقها النزاع؛ إذ تصبح مألوفة، ويبني العاقدان عليها حسابهما، فلا تكون مفاجأة غير مألوف قد تُخِلُّ بالتوازن بينهما وتؤدّي إلى النزاع. ولا يخفى أن عقد التوريد قد أصبح فيه عرف شامل، ولا سيما بعد أن قررته القوانين.] فتاوى مصطفى الزرقا ص٤٨٧-٤٨٨\rأما العقد الثاني الذي تم بين المشتري الأول والمشتري الثاني فعقد باطل حيث إن المشتري الأول باع الدجاج قبل أن يقبضه والبيع قبل القبض مفسد للعقد عند أهل العلم وخاصة أن البيع وقع على شيء مطعوم فإذا اشترى شخص طعاماً فلا يجوز له أن يبيعه قبل أن يقبضه باتفاق أهل العلم لأن بيع الطعام قبل القبض لا يصح شرعاً قال ابن المنذر فيما نقله عنه الشيخ ابن قدامة المقدسي [أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعاماً فليس له أن يبيعه حتى يستوفيه] المغني ٤/٨٣.\rوقال ابن رشد المالكي [وأما بيع الطعام قبل قبضه، فإن العلماء مجمعون على منع ذلك إلا ما يحكى عن عثمان البتي. وإنما أجمع العلماء على ذلك لثبوت النهي عنه عن رسول الله ﷺ من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال \"من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه] بداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢/١١٩.\rواستدل العلماء بأدلة كثيرة على المنع من بيع الطعام قبل قبضه منها: عن عبد الله بن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه) رواه البخاري ومسلم وفي رواية عند البخاري عن ابن عمر ﵄ يقول قال النبي ﷺ (من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه) وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه قال ابن عباس وأحسب كل شيء مثله) رواه مسلم\rوفي رواية أخرى عند مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه قال ابن عباس وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام) وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه قال وكنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه) رواه مسلم\rوقال أبو هريرة ﵁ (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى) رواه مسلم وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَشْتَرِي بُيُوعًا فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ عَلَيَّ؟ قَالَ: إذَا اشْتَرَيْتَ شَيْئًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ\rوعن جابر ﵁ قال: (نهى النبي ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري) رواه ابن ماجه والدارقطني. وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٢٠.\rوعن ابن عمر ﵄ قال: ابتعت زيتاً في السوق فلما استوجبته لنفسي لقيني رجل فأعطاني به ربحاً حسناً فأردت أن أضرب على يده فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفتُ فإذا زيد بن ثابت فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) رواه أبو داود. وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٦٨. قال صاحب عون المعبود [ (فلما استوجبته) : أي صار في ملكي بعقد التبايع ... (فأردت أن أضرب على يده) : أي أعقد معه البيع , لأن من عادة المتبايعين أن يضع أحدهما يده في يد الآخر عند العقد ... ] عون المعبود ٩/٢٨٦. وقال الإمام الترمذي [عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه) قال ابن عباس وأحسب كل شيء مثله) قال وفي الباب عن جابر وابن عمر وأبي هريرة قال أبو عيسى – الترمذي - حديث ابن عباس حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم كرهوا بيع الطعام حتى يقبضه المشتري. وقد رخص بعض أهل العلم فيمن ابتاع شيئاً مما لا يكال ولا يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب أن يبيعه قبل أن يستوفيه وإنما التشديد عند أهل العلم في الطعام وهو قول أحمد وإسحق] سنن الترمذي ٣/٥٨٦. وقال الإمام النووي بعد أن ذكر ما رواه مسلم في هذا الباب [باب بطلان بيع المبيع قبل قبضه ... وفي هذه الأحاديث النهي عن بيع المبيع حتى يقبضه البائع , واختلف العلماء في ذلك , فقال الشافعي: لا يصح بيع المبيع قبل قبضه سواء كان طعاماً أو عقاراً أو منقولاً أو نقداً أو غيره. وقال عثمان البتي: يجوز في كل مبيع. وقال أبو حنيفة: لا يجوز في كل شيء إلا العقار. وقال مالك: لا يجوز في الطعام ويجوز فيما سواه. ووافقه كثيرون. وقال آخرون: لا يجوز في المكيل والموزون ويجوز فيما سواهما. أما مذهب عثمان البتي فحكاه المازري والقاضي ولم يحكه الأكثرون بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه , قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه فهو شاذ متروك والله أعلم.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/١٣٠.\rوقد أشار ابن عباس ﵁ إلى العلة في منع بيع الطعام قبل قبضه لما سأله طاووس فيما رواه البخاري عن طاووس عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله نهى أن يبيع الرجل طعاماً حتى يستوفيه قلت – أي طاووس - لابن عباس كيف ذاك؟ قال ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ قال أبو عبد الله مرجئون مؤخرون] قال الإمام الشوكاني في شرحه [ ... ما علل به النهي فإنه أخرج البخاري عن طاووس قال قلت لابن عباس كيف ذاك قال دراهم بدراهم والطعام مرجأ استفهمه عن سبب النهي فأجابه بأنه إذا باعه المشتري قبل القبض وتأخر المبيع في يد البائع فكأنه باع دراهم بدراهم ويبين ذلك ما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه قال لما سأله طاووس ألا تراهم يتباعدون بالذهب والطعام مرجأ وذلك لأنه إذا اشترى طعاماً بمائة دينار ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام ثم باع الطعام إلى آخر بمائة وعشرين مثلاً فكأنه اشترى بذهبه ذهباً أكثر منه ولا يخفى أن مثل هذه العلة لا ينطبق على ما كان من التصرفات بغير عوض وهذا التعليل أجود ما علل به النهي لأن الصحابة أعرف بمقاصد الرسول ﷺ.] نيل الأوطار ٥/١٨٠-١٨١وما نقل عن عثمان البتي وهو أحد فقهاء التابعين من جواز بيع الطعام قبل قبضه فهو قول شاذ ومخالف لصريح الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ قال الحافظ ابن عبد البر: وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام , وأظنه لم يبلغه هذا الحديث ومثل هذا لا يلتفت إليه] المغني ٤/٨٦\rوقال الإمام النووي [أما مذهب عثمان البتي فحكاه المازري والقاضي ولم يحكه الأكثرون بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه , قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه فهو شاذ متروك والله أعلم.] شرح النووي على صحيح مسلم٤/١٣٠. وقال الإمام الشوكاني [وروي عن عثمان البتي أنه يجوز بيع كل شيء قبل قبضه والأحاديث ترد عليه فإن النهي يقتضي التحريم بحقيقته ويدل على الفساد المرادف للبطلان كما تقرر في الأصول] نيل الأوطار ٥/١٧٩\rوهنا أنبه على قضية هامة وهي إن بعض الناس يتعلق بالأقوال الشاذة ليبرر أقواله وأعماله فهذا طريق باطل فليس كل قول قاله عالم صحيح وليس كل ما قاله فقيه من فقهائنا مسلَّمٌ به وصحيح، إلا قولاً له حظٌ من الأثر أو النظر فلا يصح الأخذ بشواذ الأقوال وقديماً قال الإمام مالك يرحمه الله: [كلٌ يؤخذ من كلامه ويترك إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر المصطفى ﷺ]\rوخلاصة الأمر أن العقد الثاني المذكور في السؤال باطل لأن المشتري الأول باع الدجاج قبل أن يقبضه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346180,"book_id":3840,"shamela_page_id":560,"part":"12","page_num":54,"sequence_num":560,"body":"٥٤ - الظفر بالحق\rيقول السائل: لي دين على شخص وهذا الدين ثابت وقد مضى على الدين سنوات والمدين مقر به ولكنه مماطل ويرفض سداد الدين لأسباب غير مقبولة، وبينما كنت في السوق قابلني قريب للمدين وطلب مني توصيل مبلغ من المال للمدين فهل يجوز لي شرعاً أن آخذ المبلغ المستحق لي عنده وأعطيه الباقي أفيدونا. الجواب: يجب أن يعلم أولاً أنه تحرم المماطلة على الغني القادر على سداد دينه وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (مطل الغني ظلم) رواه البخاري ومسلم.\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: \" والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر، والغني مختلف في تعريفه ولكن المراد به هنا من قدر على الأداء فأخره ولو كان فقيراً \" فتح الباري ٥/٣٧١.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضاً: \" وفي الحديث الزجر عن المطل، واختلف هل يعد فعله عمداً كبيرة أم لا؟ فالجمهور على أن فاعله يفسَّق \" فتح الباري ٥/٣٧٢.\rوكذلك فينبغي أن يعلم أن الأصل عند أهل العلم أن من كان له دين فماطله المدين فعليه أن يطالب بدينه عن طريق القضاء فإن تعذر ذلك كأن يكون حكم القضاء غير نافذ أو تطول مدة النظر في القضية عدة سنوات أو غير ذلك من الأسباب فهل يجوز لصاحب الدين إن ظفر بمال للمدين أن يستوفي حقه منه أم لا؟ هذه المسألة تسمى مسألة الظفر بالحق عند أهل العلم وهي محل خلاف بينهم وأرجح أقوال أهل العلم جواز ذلك وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية وهو قول في مذهب الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقال ابن حزم الظاهري إن ذلك فرض وقد ذكر العلماء تفاصيل كثيرة تتعلق بالمسألة، انظر المغني ١٠/٢٨٦-٢٨٩، المحلى ٦/٤٩٠-٤٩٤، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣٠/٣٧١-٣٧٥، سبل السلام ٣/٨٦٨- ٨٦٩، الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٩/١٥٦-١٦٦.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا كان لرجل على غيره حق , وهو مقر به باذل له لم يكن له أن يأخذ من ماله إلا ما يعطيه , بلا خلاف بين أهل العلم فإن أخذ من ماله شيئاً بغير إذنه لزمه رده إليه , وإن كان قدر حقه لأنه لا يجوز أن يملك عليه عيناً من أعيان ماله بغير اختياره لغير ضرورة , وإن كانت من جنس حقه لأنه قد يكون للإنسان غرض في العين وإن أتلفها أو تلفت فصارت ديناً في ذمته وكان الثابت في ذمته من جنس حقه تقاضيا في قياس المذهب والمشهور من مذهب الشافعي وإن كان مانعاً له لأمر يبيح المنع كالتأجيل والإعسار , لم يجز أخذ شيء من ماله بغير لاف وإن أخذ شيئاً , لزمه رده إن كان باقياً أو عوضه إن كان تالفاً ولا يحصل التقاضي ها هنا لأن الدين الذي له لا يستحق أخذه في الحال , بخلاف التي قبلها\rوإن كان مانعاً له بغير حق وقدر على استخلاصه بالحاكم أو السلطان لم يجز له الأخذ أيضاً بغيره لأنه قدر على استيفاء حقه بمن يقوم مقامه , فأشبه ما لو قدر على استيفائه من وكيله] المغني ١٠/٢٨٧.\rومما يدل على جواز مسألة الظفر بالحق وأنه مشروع قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ سورة البقرة الآية ١٩٤. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ فَأَنْكَرَهُ وَامْتَنَعَ عَنْ بَذْلِهِ فَقَدْ اعْتَدَى , فَيَجُوزُ أَخْذُ الْحَقِّ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَبِغَيْرِ حُكْمِ الْقَضَاءِ , فَإِنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَذِنَ بِذَلِكَ.\rويدل على ذلك قَوْلُ الرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا) رواه البخاري , وَإِنَّ أَخْذَ الْحَقِّ مِنْ الظَّالِمِ نَصْرٌ لَهُ. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٩/١٦٢-١٦٣.\rومما يدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيَّ إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل عليَّ في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك) رواه البخاري ومسلم\rقال الإمام النووي عند ذكر ما يستفاد من الحديث: [ومنها: أن من له على غيره حق وهو عاجز عن استيفائه يجوز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه , وهذا مذهبنا ... ] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٧٣.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [واستدل به على أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه , وهو قول الشافعي وجماعة , وتسمى مسألة الظفر , والراجح عندهم لا يأخذ غير جنس حقه إلا إذا تعذر جنس حقه , وعن أبي حنيفة المنع , وعنه يأخذ جنس حقه ولا يأخذ من غير جنس حقه إلا أحد النقدين بدل الآخر , وعن مالك ثلاث روايات كهذه الآراء , وعن أحمد المنع مطلقاً] فتح الباري ٩/٦٣١.\rوقال الإمام ابن دقيق العيد في شرح الحديث [نَعَمْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ بِالْحَقِّ , وَأَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ , وَلَمْ يَدُلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِهَا مِنْ الْجِنْسِ , أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. وَمَنْ يَسْتَدِلُّ بِالْإِطْلَاقِ فِي مِثْلِ هَذَا: يَجْعَلُهُ حُجَّةً فِي الْجَمِيعِ.] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ٢/٢٧٠.\rوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الرجل يكون له على الرجل دين فيجحده، أو يغصبه شيئا ً. ثم يصيب له مالاً من جنس ماله. فهل له أن يأخذ منه مقدار حقه؟\rفأجاب: وأما إذا كان لرجل عند غيره حق من عين أو دين. فهل يأخذه أو نظيره، بغير إذنه؟ فهذا نوعان:\rأحدهما: أن يكون سبب الاستحقاق ظاهراً لا يحتاج إلى إثبات، مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها، واستحقاق الولد أن ينفق عليه والده، واستحقاق الضيف الضيافة على من نزل به، فهنا له أن يأخذ بدون إذن من عليه الحق بلا ريب؛ كما ثبت في الصحيحين أن هند بنت عتبة ... وكذلك لو كان له دين عند الحاكم وهو يمطله، فأخذ من ماله بقدره، ونحو ذلك ... ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣٠/٣٧١-٣٧٢.\rواحتج ابن حزم على فرضية أخذ الحق بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة والآثار منها: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ سورة النحل الآية ١٢٦. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ سورة شورى الآيتان ٤١-٤٢. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ إذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ سورة شورى الآية ٣٩. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ سورة البقرة الآية ١٩٤. وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ . سورة البقرة الآية ١٩٤ وقَوْله تَعَالَى: ﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ سورة الشعراء الاية ٢٢٧ ... ﴿قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَاءِ الَّذِي أُصِيبَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ﴾ وَهَذَا إطْلَاقٌ مِنْهُ ﷺ لِصَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى مَا وَجَدَ لِلَّذِي لَهُ عَلَيْهِ الْحَقُّ ... عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ [قَالَ: ﴿قُلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلَ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا , فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَنَا ﵇: إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا , فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ﴾ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , وَابْنِ سِيرِينَ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إنْ أَخَذَ الرَّجُلُ مِنْك شَيْئًا فَخُذْ مِنْهُ مِثْلَهُ ... عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إنْ أَخَذَ مِنْك شَيْئًا فَخُذْ مِنْهُ مِثْلَهُ ... عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَا تَخُنْ مَنْ خَانَك , فَإِنْ أَخَذْت مِنْهُ مِثْلَ مَا أَخَذَ مِنْك فَلَيْسَ عَلَيْك بَأْسٌ. وَعَنْ عَطَاءٍ حَيْثُ وَجَدْت مَتَاعَك فَخُذْهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى , فَلِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فَمَنْ ظَفَرَ بِمِثْلِ مَا ظُلِمَ فِيهِ هُوَ , أَوْ مُسْلِمٌ , أَوْ ذِمِّيٌّ , فَلَمْ يُزِلْهُ عَنْ يَدِ الظَّالِمِ وَيَرُدَّ إلَى الْمَظْلُومِ حَقَّهُ فَهُوَ أَحَدُ الظَّالِمِينَ , لَمْ يُعِنْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى بَلْ أَعَانَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ , هَذَا أَمْرٌ يُعْلَمُ ضَرُورَةً. وَكَذَلِكَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ﴾ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى كَفِّ الظُّلْمِ وَقَطْعِهِ وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ قَدَرَ عَلَى إنْكَارِ الْمُنْكَرِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ ﷿ وَخَالَفَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا أَنْ يُحَلِّلَهُ مِنْ حَقِّ نَفْسِهِ فَقَدْ أَحْسَنَ بِلَا خِلَافٍ , وَالدَّلَائِلُ عَلَى هَذَا تَكْثُرُ جِدًّا.] المحلى ٦/٤٩١-٤٩٢. والمسألة فيها كلام كثير لأهل العلم.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز شرعاً استيفاء الدين من مال المدين بدون إذنه وعلى الدائن أن يخبر المدين بأنه استوفى حقه منه ويعيد له بقية المبلغ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346181,"book_id":3840,"shamela_page_id":561,"part":"12","page_num":55,"sequence_num":561,"body":"٥٥ - الضمان في حوادث السيارات\rيقول السائل: سائق سيارة كان يسوق سيارته على طريق سريع يُمنع فيه سير المشاة فقفز رجل فجأةً أمام السيارة فصدمته فلقي حتفه، وقررت الشرطة أن الرجل المتوفى يتحمل المسؤولية، فهل على السائق كفارة؟ أفيدونا. الجواب: قرر الفقهاء أن كفارة القتل تابعة للضمان فإذا كان الشخص ضامناً في حالة القتل فتلزمه الكفارة وأما إذا لم يكن ضامناً فلا كفارة عليه.\rوينبغي أولاً أن ننظر هل هذا السائق ضامن أم لا؟ والذي يظهر من السؤال أن السائق لا دور له في موت الشخص المذكور، حيث إن الشخص المذكور قد ألقى بنفسه أمام السيارة بشكل مفاجئ للسائق، وبالتالي لا حيلة للسائق لمنع وقوع الحادث وقد قرر الفقهاء في القاعدة الفقهية (أن كل ما لا يمكن التحرز منه فلا ضمان فيه) ، حيث إن السائق المذكور لا يمكنه التحرز من الحادث، لأن الشخص الآخر هو الذي ألقى بنفسه أمام السيارة ولم يتمكن السائق من فعل أي شيء للحيلولة دون حصول الحادث فإذا لم يمكنه تفادي الحادث بأي وسيلة من الوسائل فلا ضمان عليه فلا دية، ولا كفارة عليه. ودم الميت هدر، لأنه أشبه بالمنتحر.\rجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: [قال الفقهاء: إذا كان الاصطدام بسبب قاهر أو مفاجئ كهبوب الريح أو العواصف فلا ضمان على أحد، وإذا كان الاصطدام بسبب تفريط أحد رباني السفينتين أو قائدي السيارتين كان الضمان عليه وحده، ومعيار التفريط – كما يقول ابن قدامة - أن يكون الربان – وكذلك القائد - قادراً على ضبط سفينته أو سيارته أو ردِّها عن الأخرى فلم يفعل، أو أمكنه أن يعدلها إلى ناحية أخرى فلم يفعل، أو لم يكمل آلتها من الحبال والرجال وغيرها.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٨/٢٩٣.\rوقد بحث المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي موضوع حوادث السيارات وقرر فيه ما يلي: [إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن في بروناي دار السلام من ١- ٧ محرم ١٤١٤هـ الموافق ٢١- ٢٧ حزيران (يونيو) ١٩٩٣م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع حوادث السير، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، بالنظر إلى تفاقم حوادث السير وزيادة أخطارها على أرواح الناس وممتلكاتهم، واقتضاء المصلحة سن الأنظمة المتعلقة بترخيص المركبات بما يحقق شروط الأمن كسلامة الأجهزة وقواعد نقل الملكية ورخص القيادة والاحتياط الكافي بمنح رخص القيادة بالشروط الخاصة بالنسبة للسن والقدرة والرؤية والدراية بقواعد المرور والتقيد بها وتحديد السرعة المعقولة والحمولة،\rقرر ما يلي:\rأولاً: أ- إن الالتزام بتلك الأنظمة التي لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية واجبٌ شرعاً، لأنه من طاعة ولي الأمر فيما ينظمه من إجراءات بناءً على دليل المصالح المرسلة، وينبغي أن تشتمل تلك الأنظمة على الأحكام الشرعية التي لم تطبق في هذا المجال.\rب – مما تقتضيه المصلحة أيضاً سنّ الأنظمة الزاجرة بأنواعها، ومنها التعزير المالي، لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور لردع من يُعرّض أمن الناس للخطر في الطرقات والأسواق من أصحاب المركبات ووسائل النقل الأخرى أخذاً بأحكام الحسبة المقررة.\rثانياً: الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة الإسلامية، وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ، والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار، سواء في البدن أم المال إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر ولا يعفى من هذه المسؤولية إلا في الحالات الآتية:\rأ - إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان.\rب – إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيراً قوياً في إحداث النتيجة.\rج - إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية.\rثالثاً: ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها، والفصل في ذلك إلى القضاء.\rرابعاً: إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر كان على كل واحد منهما تبعة ما تلف من الآخر من نفس أو مال.\rخامساً: أ- مع مراعاة ما سيأتي من تفصيل، فإن الأصل أن المباشر ضامن ولو لم يكن متعدياً، وأما المتسبب فلا يضمن إلا إذا كان متعدياً أو مفرِطاً.\rب – إذا اجتمع المباشر مع المتسبب كانت المسؤولية على المباشر دون المتسبب إلا إذا كان المتسبب متعدياً والمباشر غير متعدٍّ.\rج – إذا اجتمع سببان مختلفان كل واحد منهما مؤثر في الضرر، فعلى كل واحد من المتسببين المسؤولية بحسب نسبة تأثيره في الضرر، وإذا استويا أو لم تعرف نسبة أثر كل واحد منهما فالتبعة عليهما على السواء، والله أعلم] مجلة المجمع الفقهي عدد ٨، جزء٢ ص ١٧١.\rوقد نص قرار المجمع الفقهي على أن السائق يعفى من المسؤولية في الحالات الآتية:\r[أ - إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان.\rب – إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيراً قوياً في إحداث النتيجة.\rج - إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية.] وما جاء في البندين ب + ج ينطبق على الحالة التي نحن بصددها فلا ضمان على السائق ولا كفارة عليه.\rوقد قرر الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمة الله عليه هذا الحكم في رسالته عن أحكام حوادث السيارات فقال: [والقسم الثاني من الإصابة بحوادث السيارات أن تكون في غير الركاب – أي ركاب السيارة التي أصابت المتوفى - وهذا القسم له حالان:\rالحال الأولى: أن يكون بسبب من المصاب لا حيلة لقائد السيارة فيه، وذلك على سبيل التمثيل لا الحصر: مثل أن تقابله سيارة في خط سيره لا يمكنه الخلاص منها أو يفاجئه شخص برمي نفسه أمامه لا يمكنه تلافي الخطر. ففي هذه الحال لا ضمان على قائد السيارة، لأن المصاب هو الذي تسبب في قتل نفسه أو إصابته، وعلى قائد السيارة المقابلة الضمان لتعديه بسيره في خط ليس له حق السير فيه.] أحكام حوادث السيارات عن شبكة الإنترنت.\rوخلاصة الأمر أن السائق المذكور في السؤال لا ضمان عليه فلا دية ولا كفارة، ولكن إن تصدق بشيء من المال تطوعاً فهو أولى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346182,"book_id":3840,"shamela_page_id":562,"part":"12","page_num":56,"sequence_num":562,"body":"٥٦ - سرقة الدواء المدعوم\rيقول السائل: إنه صيدلاني وقد ظهرت في الآونة الأخيرة ظاهرة سلبية جداً وهي أن بعض الأطباء وبعض الصيادلة وبعض العاملين في المجالات الصحية الحكومية يقومون بسرقة الأدوية على النحو الآتي: أولاً: يقوم الطبيب بوصف أدوية لا يحتاج إليها المريض من حيث النوعية والكمية وبدون علم المريض، وتجيير هذه الأدوية للصيدلية المتعاملة بالمسروقات، فتباع بسعر أقل من سعر التكلفة لدواء مشترى بشكل رسمي ومدوّن عليه التسعيرة (لاصق النقابة) . ثانياً: يقوم الصيدلاني بتغيير كمية الأدوية المكتوبة في الوصفة بطرق غير مكشوفة، كأن يكون مكتوب في الوصفة علبة واحدة فيغير الصيدلي الرقم إلى علبتين ويأخذ العلبة الأخرى له. وكثيراً ما يكون من المسروقات أدوية يلزم حفظها بالثلاجة وبالتالي تصل للمستهلك تالفة. وقد حدثت أخطاء بسبب هذه السرقة ومن الأمثلة عليها أن الأنسولين يحفظ في الثلاجة، حيث قام الصيدلاني بسرقته ووضعه في جيبه لمدة من الزمن مما أدى إلى خراب الأنسولين قبل إعادته إلى الثلاجة فعندما اشترى المريض الأنسولين واستخدمه لابنته، حدث أن أصيبت البنت بالإغماء فذهبت للمستشفى فتبين أنها لم تأخذ جرعات الأنسولين الصحيحة. أرجو من فضيلتكم بيان هذه القضية للناس لأنها تمس المجتمع بشكل أساسي. الجواب: إن كثيراً من الناس يتساهلون في الأموال العامة التي تكون تحت تصرفهم وأقصد أموال الوزارات وأموال المؤسسات العامة حكومية كانت أو غير حكومية فترى بعض المسئولين كباراً كانونا أم صغاراً يعتبرون أن المؤسسة أو المكتب الذي يعملون فيه يعتبرونه وكأنه مزرعتهم الشخصية فالواحد منهم حر التصرف فيها كما يشاء أضف إلى ذلك خيانة الأمانة واستغلال المنصب للأمور الشخصية وأمثال هؤلاء الموظفين الذين خانوا الأمانة يتجاهلون أن أعمالهم هذه ستكون وبالاً عليهم في الآخرة فالأصل في الموظف أنه أجير والأجير لا بد أن يكون أميناً ويدخل في الأمانة حسن أداء العمل والأمانة في استخدام المال العام والمحافظة عليه. قال الله تعالى: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) . سورة القصص الآية ٢٦. ويقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) النساء الآية ٥٨. ويقول تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) سورة المؤمنون الآية ٨.\rوعن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) رواه مسلم.\rوقد دلت الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على حرمة الخوض في الأموال العامة، قال الله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) سورة البقرة ١٨٨، وقال أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) سورة النساء الآية ٢٩.\rوجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع) رواه البخاري ومسلم.\rوفي رواية أخرى: (وإن هذا المال خضر حلو ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل أو كما قال رسول الله ﷺ وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيداً يوم القيامة) رواه مسلم.\rوعن خولة الأنصارية ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة) رواه البخاري.\rقال الحافظ ابن حجر: [قوله (يتخوضون في مال الله بغير حق) أي يتصرفون في مال المسلمين بالباطل] فتح الباري ٦/٢٦٣.\rإذا تقرر هذا فأعود لما ورد في السؤال فأقول: إن الطبيب إذا وصف أدوية للمريض زائدة عن الحاجة الحقيقية للمريض فهذه خيانة للأمانة وهي محرمة شرعاً وأذكر هذا الطبيب وأمثاله بالقسم الذي أقسمه عندما تخرج من كلية الطب [أقَسِمُ باللهِ العَظِيمْ أن أراقبَ الله في مِهنَتِي. وأن أصُونَ حياة الإنسان في كافّةِ أدوَارهَا. في كل الظروف والأحَوال بَاذِلاً وسْعِي في استنقاذها مِن الهَلاكِ والمرَضِ والألَم والقَلق. وأن أَحفَظ لِلنّاسِ كَرَامَتهُم، وأسْتر عَوْرَتهُم، وأكتمَ سِرَّهُمْ. وأن أكونَ عَلى الدوَام من وسائِل رحمة الله، باذلا رِعَايََتي الطبية للقريب والبعيد، للصالح والخاطئ، والصديق والعدو. وأن أثابر على طلب العلم، أُسَخِره لنفعِ الإنسَان ... لا لأذَاه. وأن أُوَقّرَ مَن عَلَّمَني، وأُعَلّمَ مَن يَصْغرَني، وأكون أخاً لِكُلِّ زَميلٍ في المِهنَةِ الطُبّيّة مُتعَاونِينَ عَلى البرِّ والتقوى. وأن تكون حياتي مِصْدَاق إيمَاني في سِرّي وَعَلانيَتي، نَقيّةً مِمّا يُشينهَا تجَاهَ الله وَرَسُولِهِ وَالمؤمِنين. والله على ما أقول شهيد] إن هذا القسم يجب شرعاً الوفاء به وليتذكر الطبيب وأمثاله أنه سيحاسب على كل ما قدمت يداه.\rوإذا كان الطبيب متفقاً مع المريض ومع الصيدلي فهذه سرقة وهي محرمة أيضاً. وإذا قام الصيدلي بتغيير كمية الدواء المكتوبة في الوصفة الطبية فهذا تزوير وهو محرم أيضاً قال الله تعالى ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ سورة الحج الآية ٣٠.\rبل إن التزوير من أكبر كبائر الذنوب فعن أبي بكرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يقولها حتى قلت لا يسكت) رواه البخاري ومسلم.\rوعن أنس ﵁ قال سئل النبي ﷺ عن الكبائر فقال: (الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وشهادة الزور) رواه البخاري ومسلم.\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وضابط الزور وصف الشيء على خلاف ما هو به , وقد يضاف إلى القول فيشمل الكذب والباطل ; وقد يضاف إلى الشهادة فيختص بها] فتح الباري ١٠/٥٠٦.\rوإذا ترتب ضرر للمريض فتزداد جرائم هؤلاء المشاركين بهذه المعاصي المركبة وليتذكر هؤلاء وخاصة الطبيب أن المريض حينما يأتي للعلاج فإنه قد وثق بالطبيب واستأمنه على نفسه فعلى الطبيب أن يحفظ الأمانة ولا يخونها فلا يقبل أن يكون الطبيب سبباً في زيادة المرض بدل أن يكون سبباً في شفائه.\rوخلاصة الأمر أن سرقة الأدوية والتلاعب بها من الأمور المحرمة شرعاً وإذا ترتب ضرر للمريض بسبب ذلك فكل من يشارك في هذه اللصوصية فهو آثم وضامن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346183,"book_id":3840,"shamela_page_id":563,"part":"12","page_num":57,"sequence_num":563,"body":"٥٧ - يستحب الإشهاد على العقود\rيقول السائل: وقعت عقد عمل مع شخص ليعمل عندي أجيراً في محل تجاري ثم بعد مضي مدة من الزمن رفض أن يلتزم بمضمون العقد وادعى أن العقد باطل لعدم وجود شاهدين على العقد فما الحكم في ذلك؟ الجواب: إن العقود في باب المعاملات في الشريعة الإسلامية إذا تمت بإيجاب وقبول من العاقدين تكون صحيحة إذا خلت مما يبطلها. انظر الموسوعة الفقهية ٩/١٠- ١٢. والإشهاد على هذه العقود من السنن وليس من الواجبات ولا تتوقف صحة العقد المذكور في السؤال على الإشهاد. ولا شك أن الإشهاد على العقود أفضل وأولى وخاصة إذا كان العقد يتعلق بأمر ذو أهمية كبيع أرض أو إجارة عمارة أو نحو ذلك والإشهاد على العقود أقطع للنزاع وأبعد عن التجاحد وإنكار الحقوق بل فيه حفظ للحقوق وهذا الأمر ينطبق تماماً على كتابة العقود وتوثيقها فينبغي لمن وقع عقد بيع أرض مثلاً مع غيره أن يبين فيه كل التفاصيل المتعلقة بالبيع مثل موقع الأرض وحدودها ومساحتها وثمن البيع ووقت تأدية الثمن إن كان مؤجلاً أو على أقساط وينبغي له أن يستشهد شهيدين على ذلك بأن يذكر اسمهيما على أن يوقعا على وثيقة البيع وينبغي عدم إغفال تاريخ البيع بالتفصيل بالإضافة لذكر كل ما يزيد العقد توثيقاً ... إلخ\rومما يدل على مشروعية ذلك آية الدين وهي أطول آية في القرآن الكريم حيث يقول الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة الآيتان ٢٨٢-٢٨٣.\rوفي هاتين الآيتين الكريمتين أمر الله جل وعلا بالإشهاد في موضعين الأول ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ والموضع الثاني ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وهذا الأمر مصروف عن ظاهره والمراد به الندب لا الإيجاب كما قرر ذلك جمهور أهل العلم\rقال الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي [ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية ندب وإرشاد إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئا منه غير واجب. وقد نقلت الأمة خلف عن سلف عقود المداينات والأشربة والبياعات في أمصارهم من غير إشهاد، مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان الإشهاد واجباً لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به. وفي ذلك دليل على أنهم رأوه ندباً، وذلك منقول من عصر النبي ﷺ إلى يومنا هذا. ولو كانت الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها وأشريتها لورد النقل به متواتراً مستفيضاً ولأنكرت على فاعله ترك الإشهاد، فلما لم ينقل عنهم الإشهاد بالنقل المستفيض ولا إظهار النكير على تاركه من العامة ثبت بذلك أن الكتاب والإشهاد في الديون والبياعات غير واجبين] أحكام القرآن للجصاص ٢/٢٠٦\rوقال الإمام ابن العربي المالكي [الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ أَرْبَعِينَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي لَفْظِ (أَفْعِلْ) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فَرْضٌ ; قَالَهُ الضَّحَّاكُ.\rالثَّانِي: أَنَّهُ نَدْبٌ ; قَالَهُ الْكَافَّةُ ; وَهُوَ الصَّحِيحُ ; فَقَدْ بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَتَبَ وَنُسْخَةُ كِتَابِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لِأَدَاءٍ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ , بَيْعَ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ﴾ . وَقَدْ بَاعَ وَلَمْ يُشْهِدْ , وَاشْتَرَى وَرَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَلَمْ يُشْهِدْ , وَلَوْ كَانَ الْإِشْهَادُ أَمْرًا وَاجِبًا لَوَجَبَ مَعَ الرَّهْنِ لِخَوْفِ الْمُنَازَعَةِ] أحكام القرآن لابن العربي ١/٢٥٩.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [: وَيُسْتَحَبُّ الْإِشْهَادُ فِي الْبَيْعِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ.﴾ وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ. وَلِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ , وَأَبْعَدُ مِنْ التَّجَاحُدِ , فَكَانَ أَوْلَى , وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا لَهُ خَطَرٌ , فَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الْقَلِيلَةُ الْخَطَرِ , كَحَوَائِجِ الْبَقَّالِ , وَالْعَطَّارِ , وَشَبَهِهِمَا , فَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِيهَا ; لِأَنَّ الْعُقُودَ فِيهَا تَكْثُرُ , فَيَشُقُّ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا , وَتَقْبُحُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا , وَالتَّرَافُعُ إلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَجْلِهَا , بِخِلَافِ الْكَثِيرِ. وَلَيْسَ الْإِشْهَادُ بِوَاجِبٍ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا , وَلَا شَرْطًا لَهُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ , وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ , وَإِسْحَاقَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: ذَلِكَ فَرْضٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ. ....وَلَنَا , قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أََانَتَهُ﴾ . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: صَارَ الْأَمْرُ إلَى الْأَمَانَةِ. وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ , وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ﴿اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا , وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ ,﴾ ﴿وَاشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سَرَاوِيلَ﴾ , ﴿وَمِنْ أَعْرَابِيٍّ فَرَسًا , فَجَحَدَهُ الْأَعْرَابِيُّ حَتَّى شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ,﴾ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَشْهَدَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَبَايَعُونَ فِي عَصْرِهِ فِي الْأَسْوَاقِ , فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِشْهَادِ , وَلَا نُقِلَ عَنْهُمْ فِعْلُهُ , وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ﷺ وَلَوْ كَانُوا يُشْهَدُونَ فِي كُلِّ بِيَاعَاتِهِمْ لَمَا أُخِلَّ بِنَقْلِهِ. ﴿وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً. وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِشْهَادِ , وَأَخْبَرَهُ عُرْوَةُ أَنَّهُ اشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إحْدَاهُمَا , وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ تَرْكَ الْإِشْهَادِ.﴾ وَلِأَنَّ الْمُبَايَعَةَ تَكْثُرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَغَيْرِهَا , فَلَوْ وَجَبَ الْإِشْهَادُ فِي كُلِّ مَا يَتَبَايَعُونَهُ , أَفْضَى إلَى الْحَرَجِ الْمَحْطُوطِ عَنَّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . وَالْآيَةُ الْمُرَادُ بِهَا الْإِرْشَادُ إلَى حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَالتَّعْلِيمِ , كَمَا أَمَرَ بِالرَّهْنِ وَالْكَاتِبِ , وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ , وَهَذَا ظَاهِرٌ] . المغني ٤/٢٠٥-٢٠٦\rوخلاصة الأمر أنه يستحب الإشهاد على عقود البيع والشراء والإجارة ونحوها إذا كان محل العقد شيئاً مهماً كبيراً ولا ينبغي الإشهاد على كل صغير لما في ذلك من الحرج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346184,"book_id":3840,"shamela_page_id":564,"part":"12","page_num":58,"sequence_num":564,"body":"٥٨ - التعامل بالشيكات\rيقول السائل: عندي ثلاثة أسئلة تتعلق بالتعامل بالشيكات أرجو الجواب عنها وهي: أ- لدي شيكات مؤجلة قيمتها سبعة وثمانون ألف شيكل وأريد بيعها لصراف بستة وسبعين ألف شيكل فما حكم ذلك؟ وهل يجوز بيع الشيكات المتأخرة بأقل من المبلغ المرقوم فيها؟ ب – ما حكم شراء ذهب للعرس بشيكات مؤجلة؟ ج – لدي شيك مؤجل بالدولار فعرضته على صراف فأعطاني قيمة الشيك بالشيكل ولكنه حسب الدولار بأقل من سعر صرفه الآن مقابل الشيكل فما حكم ذلك؟ الجواب: التعامل بالشيكات من الأمور الجائزة شرعاً ضمن الضوابط الشرعية لذلك ومن أهم هذه الضوابط أنه لا يجوز بيع الشيكات المؤجلة بأقل من قيمتها لأن ذلك من الربا المحرم حيث إن بيع الشيك المؤجل بأقل من قيمته هو في الحقيقة بيع دين بنقد مع التفاضل وعدم التقابض في المجلس وهذا ربا النسيئة المحرم بالنصوص الشرعية وقد انعقد الإجماع على ذلك\rفعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبّر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلاًُ بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء) رواه البخاري ومسلم.\rقال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (يداً بيد) حجة للعلماء كافة في وجوب التقابض وإن اختلف الجنس] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/١٩٩.\rوفي رواية أخرى للحديث السابق قال ﷺ: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض - أي لا تزيدوا - ولا تبيعوا الورق - الفضة - بالورق إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائباً بناجز) رواه البخاري ومسلم.\rوقد اتفق أهل العلم على أن من شروط عقد الصرف تقابض البدلين من المتعاقدين في مجلس العقد قبل افتراقهما. قال ابن المنذر: [أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد] المغني٤/٤١.\rوأما بيع الشيكات التي قد مضى تاريخ استحقاقها ولم يستطع الشخص تحصيلها فيبيعها بأقل من المبلغ المرقوم فيها بكثير فهذا أمر محرم شرعاً وهو باب من أبواب الربا لما سبق من وجوب التقابض في مجلس العقد.\rوتحرم المعاملة السابقة أيضاً لما فيها من الغرر نظراً للجهالة في تحصيل قيمة الشيكات المتأخرة من مصدرها فالمشتري لهذه الشيكات المؤجلة قد يحصلها ممن أصدرها وقد لا يحصلها.\rويمكن الاستعاضة عن بيع الشيكات المتأخرة بأقل من قيمتها بأن تجعل أيها السائل مبلغاً من المال لمن يحصل لك تلك الشيكات المؤجلة على أن تدفع له المبلغ المتفق عليه بعد أن يقوم بتحصيلها وهذا ما يسمى الجعالة عند الفقهاء وهي تسمية مال معلوم لمن يعمل للجاعل عملاً مباحاً انظر الموسوعة الفقهية ١٥/٢٠٨. وقد قال جمهور أهل العلم بصحة عقد الجعالة ويدل على جوازها قوله تعالى ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ سورة يوسف الآية٧٢ ويدل على جوازها أيضاً ما ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط! الذين نزلوا لعلهم أن يكون عندهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما أنشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبَة، فقال فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ، فذكروا له ذلك، فقال: وما يدريك أنها رقية؟، ثم قال: قد أصبتم، اقتسموا، واضربوا لي معكم سهماً) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأدلة.\rولا بد من التنبيه على أن من شروط صحة الجعالة أن العامل لا يستحق شيئاً إلا بعد إنجاز العمل المتفق عليه. الموسوعة الفقهية ١٥/٢٠٩. هذا ما يتعلق بإجابة السؤال الأول.\rوأما جواب السؤال الثاني فأقول: إن شراء الذهب بالشيكات يعتبر من باب الصرف عند الفقهاء لأن الذهب يعتبر الأصل في العملات والأصل في عقد الصرف هو تقابض البدلين في مجلس العقد ويحرم تأجيل أحدهما لما سبق في الحديث (الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبّر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلاًُ بمثل، يداً بيد ... ) ومن المعلوم أن الشيكات تقوم مقام النقد.\rوبناءً على ما تقدم فإنه يجوز بيع وشراء الذهب بأنواعه وأشكاله المختلفة بالشيكات بشرط أن تكون الشيكات حالة أي يستطيع الصائغ (البائع) صرفها فوراً وبشرط أن يتم استلام الذهب والشيك في مجلس العقد وأما إذا كانت الشيكات مؤجلة أي كتب عليها تاريخ متأخر عن تاريخ شراء الذهب ولو بيوم واحد فهذه المعاملة محرمة لأنها أخلت بشرط التقابض في مجلس العقدوهنا ينبغي التذكير بأن مذهب جماهير أهل العلم أنه لا يجوز بيع حلي الذهب والفضة نسيئة أي مع تأخير قبض الثمن أو بالدين كما يقول عامة الناس بل لابد من البيع نقداً مع التقابض في مجلس العقد وقد صح في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض - أي لا تزيدوا - ولا تبيعوا الورق - الفضة - بالورق إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائباً بناجز) رواه البخاري ومسلم.\rقال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا سواء بسواء) ، قال العلماء: هذا يتناول جميع أنواع الذهب والورق من جيد ورديء وصحيح ومكسور وحلي وتبر وغير ذلك وسواء الخالص والمخلوط بغيره وهذا كله مجمع عليه] شرح النووي على مسلم ٤/١٩٥.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: (والجيد والرديء والتبر والمضروب والصحيح والمكسور سواء في جواز البيع مع التماثل وتحريمه مع التفاضل وهذا قول أكثر أهل العلم) المغني ٤/٨.\rوأما إجابة السؤال الثالث فأقول إن ما قام به الصراف يعد نوعاً من التحايل على الربا المحرم شرعاً فإن بيع الشيك بعملة أخرى هو من باب الصرف ويشترط فيه التقابض في المجلس كما سبق وعليه فلا يجوز شرعاً بيع الشيكات المؤجلة بأقل من قيمتها سواء كان ذلك بنفس العملة المذكورة في الشيك أو بغيرها من العملات وسواء كان ذلك بقيمتها أو بأقل من قيمتها.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم بيع الشيكات المؤجلة بأقل من قيمتها كما يحرم شراء حلي الذهب والفضة بالشيكات المؤجلة ويحرم صرف الشيكات المؤجلة بعملة غير المذكورة في الشيك سواء كان ذلك بقيمتها أو بأقل من قيمتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346185,"book_id":3840,"shamela_page_id":565,"part":"12","page_num":59,"sequence_num":565,"body":"٥٩ - حكم التصرف في المال الموقوف\rيقول السائل: جمعنا مبالغ من المال لإعمار مسجد الحي وقد زادت الأموال عن حاجة المسجد فقامت اللجنة المشرفة على إعمار المسجد بوضع المبلغ الزائد أمانة عند أحد التجار الثقات وتركت له حرية استثماره لنفسه على أن للمسجد المبلغ الأصلي الذي وضع عنده فما حكم ذلك؟ الجواب: إن المال الذي تم جمعه لإعمار المسجد هو مال موقوف على المسجد المذكور ولا يجوز شرعاً التصرف في المال الموقوف إلا حسب ما وقف له وما حصل من لجنة إعمار المسجد من إعطاء الإذن للتاجر بأن يستثمر مال المسجد لنفسه تصرف باطل شرعاً واللجنة المذكورة لا تملك هذا التصرف بحال من الأحوال وعلى التاجر أن يضيف ما تحقق من ربح من تشغيل مال المسجد إلى أصل المال ولا يحل له أن يأخذ منه شيئاً حيث إن المال الموقوف على المسجد يعتبر في حكم المال العام ولا يجوز لشخص أن ينتفع بالمال العام انتفاعاً شخصياً فبأي حق ينتفع هذا التاجر من مال المسجد؟ ولا شك لدي أن هذا العمل يعتبر من أكل المال بالباطل ويدخل أيضاً في باب الغلول يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) سورة النساء الآية ٢٩. وجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى: (وإن هذا المال خضر حلو ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل أو كما قال رسول الله ﷺ وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيداً يوم القيامة) رواه مسلم. وعن خولة الأنصارية ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة) رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر: [قوله (يتخوضون في مال الله بغير حق) أي يتصرفون في مال المسلمين بالباطل] فتح الباري ٦/٢٦٣.\rوروى الإمام البخاري بسنده عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: (استعمل النبي ﷺ رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال: هذا مالكم وهذا أهدي إليَّ. فقام النبي ﷺ فصعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك وهذا لي؟ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ...) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قام فينا النبي ﷺ فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره قال لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، على رقبته فرس له حمحمة، يقول يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك وعلى رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك وعلى رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك أو على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: [قوله: (ذكر رسول الله ﷺ الغلول فعظمه وعظم أمره) هذا تصريح بغلظ تحريم الغلول وأصل الغلول: الخيانة مطلقاً , ثم غلب اختصاصه في الاستعمال بالخيانة في الغنيمة , قال نفطوية: سمى بذلك لأن الأيدي مغلولة عنه , أي محبوسة , يقال: غلَّ غلولاً وأغل إغلالاً. قوله ﷺ: (لا أُلفِين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء) هكذا ضبطناه (ألفين) بضم الهمزة وبالفاء المكسورة , أي: لا أجدن أحدكم على هذه الصفة , ومعناه: لا تعملوا عملاً أجدكم بسببه على هذه الصفة , ... و (الرغاء) بالمد صوت البعير , وكذا المذكورات بعد وصف كل شيء بصوته. والصامت: الذهب والفضة. قوله ﷺ: (لا أملك لك من الله شيئاً) قال القاضي: معناه من المغفرة والشفاعة إلا بإذن الله تعالى , قال: ويكون ذلك أولاً غضباً عليه لمخالفته , ثم يشفع في جميع الموحدين بعد ذلك كما سبق في كتاب الإيمان في شفاعات النبي ﷺ ... وأجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغلول , وأنه من الكبائر , وأجمعوا على أن عليه رد ما غله] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٥٣٢.\rونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن بعض أهل العلم أن هذا الحديث يفسر قوله ﷿ ﴿يأت بما غل يوم القيامة﴾ أي يأت به حاملاً له على رقبته ثم قال [ولا يقال إن بعض ما يسرق من النقد أخف من البعير مثلاً والبعير أرخص ثمناً فكيف يعاقب الأخف جناية بالأثقل وعكسه؟ لأن الجواب أن المراد بالعقوبة بذلك فضيحة الحامل على رؤوس الأشهاد في ذلك الموقف العظيم لا بالثقل والخفة] فتح الباري ٦/٢٢٤. ويضاف إلى ما سبق أن لجنة إعمار المسجد لا تملك أن تهب التاجر المذكور حق استثمار مال المسجد لمنفعته الشخصية فمال الوقف لا تجوز هبته لأي كان وقد جاء في الحديث عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أصاب عمر ﵁ أرضاً بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منها فما تأمرني به، قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال فتصدق بها عمر، إنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب) رواه البخاري ومسلم.\rوقال الشيخ زكريا الأنصاري: [ليس للناظر أخذ شيء من مال الوقف على وجه الضمان، فإن فعل ضمنه، ولا يجوز له إدخال ما ضمنه فيه أي في مال الوقف، إذ ليس له استيفاؤه من نفسه لغيره] أسنى المطالب في شرح روض الطالب.\rوإذا كان العلماء قد نصوا على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ شيئاً مما هو موقوف على المسجد كالمصاحف والكتب والسجاد والحصير وغير ذلك من الأشياء لينتفع بها انتفاعاً شخصياً فهذه الأشياء الموقوفة يكون الانتفاع بها داخل المسجد فقط ولا يجوز لأحد أن يأخذ شيئاً لنفسه منها وإن أذن بذلك إمام المسجد أو مؤذنه لأنهما يتصرفان فيما لا يملكان فالمصاحف والكتب الموقوفة على المسجد لا يملك أحد أن يبطل وقفيتها على المسجد ويحولها إلى ملكية خاصة لبعض المصلين.\rوقد نص العلماء على تحريم مثل هذه التصرفات، قال الإمام النووي: [لا يجوز أخذ شيء من أجزاء المسجد كحجر وحصاة وتراب وغيره ... وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال بعض الرواة أراه رفعه إلى النبي ﷺ قال: (إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد) المجموع ٢/١٧٩. وقال الزركشي: [يحرم إخراج الحصى والحجر والتراب من أجزاء المسجد منه.. ومثله الزيت والشمع] إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ٢٣٩. ثم ذكر الحديث الذي ذكره الإمام النووي في كلامه السابق، هذا الحديث قال عنه المنذري: [رواه أبو داود بإسناد جيد، وذكر أن الدارقطني رجح وقفه على أبي هريرة الترغيب والترهيب ١/٢٧٩. والحديث يدل على منع إخراج الحصى من المسجد وقد كان المسجد في العهد النبوي مفروشاً بالحصى فإذا كان لا يجوز إخراج الحصى من المسجد لينتفع به انتفاعاً شخصياً فمن باب أولى أن لا ينتفع بمال المسجد انتفاعاً شخصياً. وكذلك فإن الفقهاء قد جعلوا المال العام بمنزلة مال اليتيم في وجوب المحافظة عليه وشدة تحريم الأخذ منه فهل يملك ولي اليتيم أن يعطي تاجراً شيئاً من مال اليتيم ليستثمره لنفسه. إنه لا يملك ذلك بالتأكيد.\rوخلاصة الأمر أن ما قامت به لجنة إعمار المسجد من الإذن للتاجر باستثمار مال المسجد لمنفعته الشخصية عمل باطل شرعاً لأنها لا تملك هذا التصرف ويجب إضافة ما تحقق من ربح لأصل المال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346186,"book_id":3840,"shamela_page_id":566,"part":"12","page_num":60,"sequence_num":566,"body":"٦٠ - حكم الإقالة في البيع\rيقول السائل: إنه اشترى سيارة مستعملة ثم ندم على شرائها وطلب من البائع إرجاعها فرفض إرجاعها فما حكم ذلك أفيدونا. الجواب: ما طلبه المشتري من البائع في السؤال يسمى عند أهل العلم الإقالة والإقالة فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ هي: رَفْعُ الْعَقْدِ وَإِلْغَاءُ حُكْمِهِ وَآثَارِهِ بِتَرَاضِي الطَّرَفَيْنِ. الموسوعة الفقهية الكويتية ٥/٣٢٤.\rوالإقالة أمر مندوب إليه شرعاً ومرغب فيه وقد حث النبي ﷺ على أن يقيل البائع المشتري إن ندم على الشراء لأي سبب من الأسباب فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أقال مسلماً أقاله الله عثرته يوم القيامة) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: حَدِيثُ ﴿مَنْ أَقَالَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ صَفْقَةً كَرِهَهَا , أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . أَبُو دَاوُد , وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ , وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ... قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ: هُوَ عَلَى شَرْطِهِمَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ. التلخيص الحبير ٣/٢٤. وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/١٨٢. وجاء في رواية أخرى قوله ﷺ (مِنْ أَقَالَ نَادِمًا بَيْعَتَهُ , أَقَاله اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) انظر إرواء الغليل ٥/١٨٢. وجاء في رواية أخرى قوله ﷺ (من أقال أخاه بيعاً أقاله الله عثرته يوم القيامة) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات كما قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١١٠.\rقال صاحب عون المعبود في شرح الحديث: [ (من أقال مسلماً) أي بيعه (أقاله الله عثرته) أي غفر زلته وخطيئته. قال في إنجاح الحاجة: صورة إقالة البيع إذا اشترى أحد شيئاً من رجل ثم ندم على اشترائه إما لظهور الغبن فيه أو لزوال حاجته إليه أو لانعدام الثمن فرد المبيع على البائع وقبل البائع رده أزال الله مشقته وعثرته يوم القيامة لأنه إحسان منه على المشتري , لأن البيع كان قد بت فلا يستطيع المشتري فسخه انتهى.] عون المعبود ٩/٢٣٧.\rوروى الإمام مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أنه سمعها تقول ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله ﷺ فعالجه وقام فيه حتى تبين له النقصان فسأل رب الحائط أن يضع له أو أن يقيله فحلف أن لا يفعل فذهبت أم المشتري إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال رسول الله ﷺ تألى - أي حلف - أن لا يفعل خيراً فسمع بذلك رب الحائط فأتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله هو له.] الموطأ ص٤٨٣.\rوينبغي أن يعلم أن عقد البيع إذا تم بصدور الإيجاب والقبول من المتعاقدين فهو عقد لازم والعقود اللازمة عند الفقهاء لا يملك أحد المتعاقدين فسخها إلا برضى الآخر إذا لم يكن بينهما خيار لقوله ﷺ: [البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا] رواه البخاري ومسلم.\rومع ذلك فقد اتفق أهل العلم على أن من آداب البيع والشراء الإقالة قال الإمام الغزالي عند ذكره الإحسان في المعاملة: [الخامس: أن يقيل من يستقيله فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع ولا ينبغي أن يرضى لنفسه أن يكون سبب استضرار أخيه، قال ﷺ (من أقال نادماً صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة) ] إحياء علوم الدين ٢/٨٣.\rوقال الحافظ المناوي: [ (من أقال مسلماً) أي وافقه على نقض البيع أو البيعة وأجابه إليه (أقال الله عثرته) أي رفعه من سقوطه يقال أقاله يقيله إقالة وتقاؤلاً إذا فسخا البيع وعاد المبيع إلى مالكه والثمن إلى المشتري إذا ندم أحدهما أو كلاهما وتكون الإقالة في البيعة والعهد، كذا في النهاية، قال ابن عبد السلام ... : إقالة النادم من الإحسان المأمور به في القرآن لما له من الغرض فيما ندم عليه سيما في بيع العقار وتمليك الجوار] فيض القدير شرح الجامع الصغير ٦/١٠٣.\rولا شك أن الإقالة من باب الإحسان والتراحم والتيسير على الناس والرفق بهم وتقديم العون لهم وإقالة عثراتهم وهي أمور مطلوبة من المسلم فقد قال ﷺ (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\rوقال رسول الله ﷺ (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) رواه البخاري.\rوقال ﷺ (من فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) رواه البخاري.\rوعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه؛ من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته؛ ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم.\rوقال ﷺ (الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم. وقال ﷺ (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) رواه مسلم.\rوقال ﷺ (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) رواه مسلم وقال ﵊ (كان فيمن كان قبلكم تاجر يداين الناس، فإن رأى معسراً قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه) رواه البخاري.\rوقال النبي ﷺ (اللهم من رفق بأمتي فارفق به، ومن شق عليهم فشق عليه) رواه أحمد ومسلم والنسائي.\rوقال ﷺ (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف) رواه مسلم.\rوقال النبي ﷺ (من يحرم الرفق يحرم الخير) رواه مسلم.\rوقال النبي ﷺ قال (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ﷿ رواه مسلم.\rوقال النبي ﷺ (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) رواه الترمذي وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/١٨٠.\rوإنما ذكرت هذه الأحاديث لما غلب على التعامل بين الناس من طمع وغيبة للتراحم والإحسان لعلهم يتذكرون فيتراحمون.\rوأخيراً أنبه على أمرين أولهما: ما ورد في بعض ألفاظ أحاديث الإقالة من قوله ﷺ (مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ) فإن ذكر المسلم في الحديث ورد من باب التغليب وإلا فإقالة غير المسلم كإقالة المسلم قال الإمام الصنعاني: [وَأَمَّا كَوْنُ الْمُقَالِ مُسْلِمًا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ , وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ حُكْماً أَغْلَبِيّاً وَإِلَّا فَثَوَابُ الْإِقَالَةِ ثَابِتٌ فِي إقَالَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ مَنْ أَقَالَ نَادِماً أَخْرَجَهُ الْبَزَّار] سبل السلام ٣/٧٩٦.\rوالثاني: إن الْإِقَالَةُ َتَكُونُ وَاجِبَةً إذَا كَانَتْ بَعْدَ عَقْدٍ مَكْرُوهٍ أَوْ بَيْعٍ فَاسِدٍ , لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ فَاسِداً أَوْ مكْرُوهاً وَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الرُّجُوعُ إلَى مَا كَانَ لَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ صَوْناً لَهُمَا عَنْ الْمَحْظُورِ , لِأَنَّ رَفْعَ الْمَعْصِيَةِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الإمكان , وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالْإِقَالَةِ أَوْ بِالْفَسْخِ. كَمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْإِقَالَةُ وَاجِبَةً إذَا كَانَ الْبَائِعُ غَارّاً لِلْمُشْتَرِي وَكَانَ الْغَبْنُ يَسِيراً , وَإِنَّمَا قُيِّدَ الْغَبْنُ بِالْيَسِيرِ هُنَا , لِأَنَّ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ يُوجِبُ الرَّدَّ إنْ غَرَّهُ الْبَائِعُ عَلَى الصَّحِيحِ.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٥/٣٢٥.\rوخلاصة الأمر أن عقد البيع من العقود اللازمة التي لا تفسخ إلا باتفاق البائع والمشتري والإقالة مندوبة ومستحبة وهي من باب التراحم والإحسان في المعاملة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346187,"book_id":3840,"shamela_page_id":567,"part":"12","page_num":61,"sequence_num":567,"body":"٦١ - حكم شراء المسكن عن طريق البنوك الربوية\rيقول السائل: أريد أن أشتري بيتاً لأسكن فيه أنا وعائلتي ولا يوجد مجال أمامي للحصول على البيت سوى الاقتراض بالفائدة وأنا مضطر للجوء للبنك الربوي فما حكم ذلك؟ الجواب: إن الربا من أكبر الكبائر وتحريمه قطعي في كتاب الله ﷾ وفي سنة النبي ﷺ فمن ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة / ٢٧٥ - ٢٧٩. وثبت في الحديث عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم.\rوعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الربا ثلاثة وسبعون شعبة أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وصححه وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٣.\rوقال ﷺ: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية] رواه أحمد وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد ٤/١١٧. وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/٢٩.\rوغير ذلك من الأحاديث.\rإذا تقرر هذا فإن بعض المشايخ يتساهلون تساهلاً كبيراً في الإفتاء بجواز الربا بحجج هي أوهى من بيت العنكبوت متكئين على أن الضرورات تبيح المحظورات فتراهم يفتون بجواز الاقتراض بالفائدة لشراء مسكن وبعضهم يفتي بجواز الاقتراض بالفائدة من أجل الزواج وغير ذلك من الفتاوى العرجاء التي لا تستند على دليل صحيح فضلاً عن مصادمتها للنصوص الصريحة من كتاب الله وسنة نبيه ? المحرمة للربا تحريماً قطعياً. واستناداً لهذه النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة نبيه ? قرر العلماء أن الإقراض بالرِّبا محرَّم لا تبيحه ضرورة ولا حاجة، والاقتراض بالرِّبا محرَّم كذلك لا تبيحه الحاجيات، ولا يجوز إلا في حالة الضرورة. ولكن ما هي الضرورة التي تجيز الاقتراض بالربا؟ وهل شراء المسكن داخل في مفهوم الضرورة؟ يقول الله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) سورة الأنعام الآية ١١٩. ويقول الله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) سورة البقرة الآية ١٧٣.\rوتأصيلاً على هذه النصوص وغيرها قال العلماء: [الضرورة هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها ويتعين أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعاً للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع] نظرية الضرورة الشرعية ص ٦٧-٦٨.\rوبناءً على ما سبق فإن الضرورة التي تجيز التعامل بالربا هي بلوغ الانسان حداً إن لم يتعامل بالربا المحرم هلك أو قارب على الهلاك. وبالتأكيد فإن شراء المسكن ليس داخلاً في هذه الضرورة، صحيح أن المسكن من الحاجات التي لا غنى للإنسان عنها ولكن ليس شرطاً أن يكون المسكن ملكاً للساكن بل يمكن للإنسان أن يكون مستأجراً للمسكن لا مالكاً له.\rقال الشيخ المودودي: [لا تدخل كل ضرورة في باب الاضطرار بالنسبة للاستقراض بالربا. فإن التبذير في مجالس الزواج ومحافل الأفراح والعزاء ليس بضرورة حقيقية. وكذلك شراء السيارة أو بناء المنزل ليس بضرورة حقيقية وكذلك ليس استجماع الكماليات أو تهيئة المال لترقية التجارة بأمر ضروري. فهذه وأمثالها من الأمور التي قد يعبر عنها بالضرورة والاضطرار ويستقرض لها المرابون آلافاً من الليرات لا وزن لها ولا قيمة في نظر الشريعة والذين يعطون الربا لمثل هذه الأغراض آثمون. فإذا كانت الشريعة تسمح بإعطاء الربا في حالة من الاضطرار فإنما هي حالة قد يحل فيها الحرام كأن تعرض للإنسان نازلة لا بد له فيها من الاستقراض بالربا أو حلت به مصيبة في عرضه أو نفسه أو يكون يخاف خوفاً حقيقياً حدوث مشقة أو ضرر لا قبل له باحتمالها ففي مثل هذه الحالات يجوز للمسلم أن يستقرض بالربا ما دام لا يجد سبيلاً غيره للحصول على المال غير أنه يأثم بذلك جميع أولي الفضل والسعة من المسلمين الذين ما أخذوا بيد أخيهم في مثل هذه العاهة النازلة به حتى اضطروه لاستقراض المال بالربا. بل أقول فوق ذلك أن الأمة بأجمعها لا بد أن تذوق وبال هذا الإثم لأنها هي التي غفلت وتقاعست عن تنظيم أموال الزكاة والصدقات والأوقاف مما نتج عنه أن أصبح أفرادها لا يستندون إلى أحد ولم يبق لهم من بدّ من استجداء المرابين عند حاجاتهم. لا يجوز الاستقراض حتى عند الاضطرار إلا على قدر الحاجة ومن الواجب التخلص منه ما استطاع الإنسان إليه سبيلاً لأنه من الحرام له قطعاً أن يعطي قرشاً واحداً من الربا بعد ارتفاع حاجته وانتفاء اضطراره. أما: هل الحاجة شديدة؟ .. أم لا..؟ وإذا كانت فإلى أي حدّ؟ .. ومتى قد زالت؟ فكل هذا مما له علاقة بعقل الإنسان المبتلى بمثل هذه الحالة وشعوره بمقتضى الدين والمسؤولية الأخروية. فهو على قدر ما يكون متديناً يتقي الله ويرجو حساب الآخرة يكون معتصماً بعروة الحيطة والورع في هذا الباب] الربا ص ١٥٧-١٥٨.\rوجاء في الفتوى التي أصدرها المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية والذي عقد في القاهرة سنة ١٩٦٥م ما يلي:\rأ- الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاسهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي، لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين.\rب- كثير الربا وقليله حرام، كما يشير إلى ذلك الفهم الصحيح في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) صدق الله العظيم سورة آل عمران الآية١٣٠.\rجـ - الإقراض بالربا المحرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، لا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته.]\rوخلاصة الأمر أن الاقتراض بالربا من المحرمات القطعية الثابتة التي لا مجال للتلاعب بها ولا يباح الاقتراض بالربا إلا في حالة الضرورة وأن الضرورة تقدر بقدرها ولا يدخل تملك المسكن في ذلك ومن أفتى بجواز تملك المسكن بالاقتراض الربوي ففتواه باطلة ومردودة عليه ولا يجوز الأخذ بها شرعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346188,"book_id":3840,"shamela_page_id":568,"part":"12","page_num":62,"sequence_num":568,"body":"٦٢ - البيوع\rيقول السائل: ما حكم عبارة (البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل) التي يكتبها بعض التجار على لوحة ويعلقونها في مكان بارز من متاجرهم أفيدونا؟ الجواب: هذه العبارة ليست صحيحة على إطلاقها بل في حكمها التفصيل التالي:\rأولاً: تكون عبارة \" البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل\" صحيحة فيما إذا وقع البيع خالياً من الخيار ومن العيوب فمن المعلوم أن عقد البيع إذا تم بصدور الإيجاب والقبول من المتعاقدين فهو عقد صحيح لازم والعقود اللازمة عند الفقهاء لا يملك أحد المتعاقدين فسخها إلا برضى الآخر إذا لم يكن بينهما خيار لقوله ﷺ: [البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا] رواه البخاري ومسلم. فإذا اشترى شخص سلعة ولم تكن معيبة ثم ذهب إلى بيته فبدا له أن يرجع السلعة للبائع فلا يملك المشتري ذلك إلا إذا وافق البائع وهذا ما يسمى بالإقالة والإقالة أمر مندوب إليه شرعاً ومرغب فيه وقد حث النبي ﷺ على أن يقيل البائع المشتري إن ندم على الشراء لأي سبب من الأسباب فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أقال مسلماً أقاله الله عثرته يوم القيامة) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وفي رواية أخرى قوله ﷺ: (مَنْ أَقَالَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ صَفْقَةً كَرِهَهَا , أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، ولكن إن أبى البائع أن يقيل المشتري بيعته فله ذلك وفي هذه الحالة تكون عبارة \" البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل\" صحيحة ولكن رد السلعة وإقالة المشترى أولى وفيه الأجر والثواب.\rثانياً: تكون عبارة \" البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل\" باطلة إذا اشترى شخص سلعة ولما رجع إلى بيته مثلاً وجد فيها عيباً فله كل الحق في رد السلعة وإن شرط البائع عليه أن \" البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل\" فمثلاً لو اشترى سلعة غذائية ولدى عودته إلى منزله وجدها منتهية الصلاحية أو وجدها تالفة فمن حقه أن يعود للمحل الذي اشترى السلعة منه لردها واستبدالها بسلعة غذائية صالحة وسليمة وغير منتهية الصلاحية. قال الشيخ ابن قدامة رحمه المقدسي: [أنه متى علم بالمبيع عيباً لم يكن عالماً به فله الخيار بين الإمساك والفسخ سواء كان البائع علم العيب وكتمه أو لم يعلم، لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافاً وإثبات النبي ﷺ الخيار بالتصرية تنبيه على ثبوته بالعيب ولأن مطلق العقد يقتضي السلامة من العيب] المغني ٤/١٠٩. وحديث التصرية الذي أشار إليه هو ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال (لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاع تمر) والتصرية هي حبس الحليب في الضرع لخداع المشتري وتعد التصرية عيباً عند الفقهاء وقد أثبت النبي ﷺ الخيار برد المصراة وجعله حقاً للمشتري. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن لم يعلم بالعيب أو التدليس؛ فإن الأصل في البيع الصحة وأن يكون الباطن كالظاهر. فإذا اشترى على ذلك فما عرف رضاه إلا بذلك فإذا تبين أن في السلعة غشاً أو عيباً فهو كما لو وصفها بصفة وتبينت بخلافها فقد يرضى وقد لا يرضى فإن رضي وإلا فسخ البيع. وفى الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي ﷺ أنه قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» ] مجموع الفتاوى ٢٨/١٠٤.\rوقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية [ما حكم الشرع في كتابة عبارة ((البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل)) . التي يكتبها بعض أصحاب المحلات التجارية على الفواتير الصادرة عنهم. وهل هذا الشرط جائز شرعاً. وما هي نصيحة سماحتكم حول هذا الموضوع.\rالجواب: وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأن بيع السلعة بشرط ألا ترد ولا تستبدل لا يجوز لأنه شرط غير صحيح لما فيه من الضرر والتعمية ولأن مقصود البائع بهذا الشرط إلزام المشتري بالبضاعة ولو كانت معيبة واشتراطه هذا لا يبرؤه من العيوب الموجودة في السلعة لأنها إذا كانت معيبة فله استبدالها ببضاعة غير معيبة أو أخذ المشتري أرش العيب. ولأن كامل الثمن مقابل السلعة الصحيحة وأخذ البائع الثمن مع وجود عيب أخذ بغير حق. ولأن الشرع أقام الشرط العرفي كاللفظي وذلك للسلامة من العيب حتى يسوغ له الرد بوجود العيب تنزيلاً لاشتراط سلامة المبيع عرفاً منزلة اشتراطها لفظاً] .\rفهذه الفتوى فيما أرى محمولة على الحالة الثانية من الحالتين اللتين ذكرتهما أي إلغاء خيار الرد بالعيب والعلماء متفقون على أن المشتري إذا وجد عيباً فيما اشتراه كان له حق الرد وإن لم يكن البائع يعلم مسبقاً بالعيب.\rوخلاصة الأمر أن عبارة ((البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل)) تكون صحيحة إذا وقع البيع خالياً من الخيار ومن العيوب وتكون باطلة إذا وجد المشتري في البضاعة عيباً فله ردها وأخذ بضاعة سليمة بدلاً منها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346189,"book_id":3840,"shamela_page_id":569,"part":"12","page_num":63,"sequence_num":569,"body":"٦٣ - تبرع المضارب بضمان رأس مال المضاربة\rيقول السائل: إنه اتفق مع شخص ليتاجر له بماله والمتوقع بإذن الله تعالى أن تكون التجارة رابحة واحتمالات الخسارة ضئيلة جداً ولكن صاحب المال يخشى أن تخسر التجارة فهل يجوز أن أتبرع له بما يخسره إن حصلت الخسارة أفيدونا؟ الجواب: الاتفاق المشار إليه في السؤال يسمى عند الفقهاء عقد المضاربة ويسمى أيضاً القراض، والمضاربة هي أن يدفع شخص مبلغاً من المال لآخر ليتجر فيه، والربح مشترك بينهما على حسب ما يتفقان – أي يكون المال من شخص والعمل من شخص آخر. والمضاربة جائزة شرعاً باتفاق الفقهاء وقامت الأدلة العامة على مشروعيتها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وهو المأثور عن الصحابة والتابعين فقد كانوا يتعاملون بها من غير نكير فهذا بمثابة الإجماع على جوازها. انظر الشركات للخياط ٢/٥٣.\rقال الإمام الماوردي: [والأصل في إحلال القراض وإباحته عموم قول الله ﷿: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) سورة البقرة الآية ١٩٨، وفي القراض ابتغاء فضل وطلب نماء] الحاوي الكبير ٧/٣٠٥.\rوجاء عن حكيم بن حزام صاحب رسول الله ﷺ: (أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضة يضرب له به أن لا تجعل مالي في كبد رطبة ولا تحمله في بحر ولا تنزل به بطن مسيل فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي) رواه البيهقي والدارقطني وقوى الحافظ إسناده كما ذكر الشوكاني في نيل الأوطار ٥/٣٠٠.\rوروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: (خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة فرحب بهما وسهّل ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون الربح لكما فقالا: وددنا ذلك ففعل وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهم المال فلما قدما باعا فأربحا فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما أديا المال وربحه فأما عبد الله فسكت وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه فقال عمر: أدياه فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً فقال عمر: قد جعلته قراضاً فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال) ورواه الدارقطني أيضاً، قال الحافظ ابن حجر وإسناده صحيح، نيل الأوطار ٥/٣٠٠ وانظر الاستذكار ٢١/١٢٠. وقد وردت آثار أخرى عن الصحابة كعلي وابن مسعود وابن عباس وجابر وغيرهم ﵃ أجمعين، قال الشوكاني: [فهذه الآثار تدل على أن المضاربة كان الصحابة يتعاملون بها من غير نكير إجماعاً منهم على الجواز] نيل الأوطار ٥/٣٠٠-٣٠١.\rإذا تقرر هذا فإن الفقهاء متفقون على أن يد المضارب يد أمانة وبناءً على ذلك قرر الفقهاء أنه لا يجوز أن يضمن المضارب رأس المال إلا إذا تعدى أو قصر فحينئذ يكون ضامناً قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [إذا تعدى المضارب وفعل ما ليس له فعله أو اشترى شيئاً نُهي عن شرائه فهو ضامن للمال في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن أبي هريرة وحكيم بن حزام وأبي قلابة ونافع وإياس والشعبي والنخعي والحكم وحماد ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ... ولنا أنه متصرف في مال غيره بغير إذنه فلزمه الضمان كالغاصب..] المغني ٥/٣٩.\rوأما إذا حصلت خسارة بدون تعدٍ أو تقصير من المضارب فلا شيء عليه ولا يجوز شرعاً تضمينه رأس المال ويكون المضارب قد خسر جهده وتعبه.\rوإن شرط في عقد المضاربة أن ضمان رأس المال على المضارب فالعقد فاسد لا يصح قال ابن رشد المالكي عند حديثه عن الشروط الفاسدة في القراض (المضاربة) [ومنها إذا شرط رب المال الضمان على العامل، فقال مالك: لا يجوز القراض وهو فاسد، وبه قال الشافعي ... وعمدة مالك أن اشتراط الضمان زيادة غرر في القراض ففسد ... ] بداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢/١٩٩. وانظر المغني ٥/٥٣.\rوقرر مجمع الفقه الإسلامي ذلك كما ورد في القرار رقم ٥ من الدورة الرابعة [لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على نص بضمان عامل المضاربة رأس المال أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال، فإن وقع النص على ذلك صراحة أو ضمناً بَطَلَ شرط الضمان واستحق المضارب ربح مضاربة المثل.]\rوبعد هذا العرض الموجز لمسألة ضمان المضارب أعود لقضية تبرع المضارب بتحمل الخسارة فأقول: إذا تبرع المضارب بتحمل الخسارة بدون أن يكون هذا شرطاً مكتوباً أو ملحوظاً عند الاتفاق فلا أرى مانعاً من جوازه فإذا تم العقد مع خلوه من شرط ضمان رأس المال ملفوظاً أو ملحوظاً واشتغل المضارب بالمال وعند تصفية الشركة تبين حصول خسارة فتبرع المضارب بتحملها فالقول بجواز ذلك له وجه لأن هذا التبرع تم بدون إلزام أو شرط مسبق والمفسد لعقد المضاربة عند الفقهاء أن يشترط على المضارب ضمان رأس المال عند العقد وهنا لم يشرط ذلك عند العقد وإنما تبرع هو بالضمان بعد أن تحققت الخسارة فلا مانع منه وقال بجواز ذلك جماعة من فقهاء المالكية. انظر المضاربة الشرعية ص ١٢٧. فتاوى المستشار الشرعي لمجموعة البركة الجزء ٢ الفتوى رقم ١٠٧.\rوهذا القول أخذت به بعض المؤسسات المالية التي تتعامل وفق أحكام الشريعة الإسلامية فقد جاء في فتاوى المستشار الشرعي لمجموعة البركة الجزء ١ الفتوى رقم ٤٤ [ ... على أنه لا مانع من أن تكون هناك مبادرة من العميل بتحمل ما قد يقع من خسارة في حينها - لا عند التعاقد لأن ذلك من قبيل الهبة والتصرف من صاحب الحق في حقه , دون تغيير لمقتضى العقد شرعاً. فحين وقوع الخسارة دون تعدٍ أو تقصيرٍ يطبق المبدأ الشرعي بتحميلها لرب المال (البنك هنا) إلا أن يبادر العميل لتحملها ودون مقاضاته أو إلزامه , لأنه قد يقدم على هذه المبادرة انسجاماً مع اعتبار نفسه مقصراً في الواقع ولو لم تستكمل صورة التقصير في الظاهر بما يحيل الضمان عليه. والقاعدة الشرعية أن المرء بسبيل من التصرف في ماله] .\rوينبغي أن يعلم أن مجمع الفقه الإسلامي أجاز ضمان رأس مال المضاربة من طرف ثالث عل سبيل التبرع كما ورد في القرار رقم ٥ من الدورة الرابعة [ليس هناك ما يمنع شرعاً من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين، على أن يكون التزاماً مستقلاً عن عقد المضاربة، بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطاً في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به، بحجة أنَّ هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد]\rوخلاصة الأمر أن الأصل في عقد المضاربة أنه لا يجوز ضمان رأس مال المضاربة من المضارب إلا إذا تعدى أو قصر ويجوز أن يتبرع المضارب بضمان ما يلحق صاحب المال من خسارة عند وقوعها فعلاً وليس عند انعقاد العقد على أن لا يكون التبرع بتحمل الخسارة شرطاً ملفوظاً أو ملحوظاً عند العقد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346190,"book_id":3840,"shamela_page_id":570,"part":"12","page_num":64,"sequence_num":570,"body":"٦٤ - ضوابط التعامل بالأسهم\rيقول السائل: ما هي الضوابط الشرعية للتعامل بالأسهم؟ الجواب: الأسهم عبارة عن حصص الشركاء في الشركات المساهمة حيث إن رأسمال الشركة المساهمة يقسم إلى أجزاء متساوية يسمى سهماً فالسهم هو جزء من رأس مال الشركة وهو يمثل حق المساهم مقدراً بالنقود لتحديد نصيبه في ربح الشركة أو خسارتها وكذلك تحديد مسؤولية المساهم في الشركة. والأصل في الشركة المساهمة الجواز إذا كانت خالية من الربا والتعامل المحرم، فالمساهمون فيها يتحقق فيهم معنى الشركاء حيث إنهم يقدمون أسهمهم حصصاً في رأس المال فيشتركون في رأس المال، ويقتسمون الأرباح والخسائر فيكونون شركاء بمجرد توقيع عقد الاكتتاب في الشركة فيعتبر ذلك إيجاباً وقبولاً؛ لأن الإيجاب والقبول لا يشترط فيهما التلفظ بل يصحان بالكتابة. وهؤلاء الشركاء يوكلون مجلس إدارة الشركة بالقيام بالعمل وهو توكيل صحيح. والقول بتحريم شركة المساهمة قول ضعيف جداً لا يؤيده دليل معتبر.\rوقد وضع الفقهاء المعاصرون ضوابط شرعية للتعامل بالأسهم سواء كان بشراء أسهم الشركات للاستفادة من ريعها أو كان للمتاجرة بها للاستفادة من فرق السعر بين الشراء والبيع وأهم هذه الضوابط ما يلي:\rأولاً: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالربا أخذاً وإعطاءً كما هو حال البنوك الربوية (التجارية) فهي في الأصل شركات مساهمة تقوم على الإقراض والاقتراض بالربا (الفائدة) .\rثانيً: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالمباح ولكن يدخل في تعاملها الربا مثل أن ينص نظامها الأساسي على أنها تقرض وتقترض بالربا كما هو واقع كثير من الشركات المساهمة الكبيرة التي تتعامل في مجالات الكهرباء والاتصالات والمواصلات وغير ذلك. والقول بتحريم الإسهام في هذه الشركات هو القول الراجح من قولي العلماء المعاصرين في هذه المسألة لأنه لا يجوز للمسلم أن يوقع أي عقد تضمن شروطاً ربوية وهذه الشركات يوجد في نظامها الأساسي بند ينص على أنها تقرض وتقترض بالربا. وينبغي للمسلم أن يحرص على الكسب الحلال ويبتعد عن الكسب الذي فيه شبهة.\rجاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي، في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة ما يلي:\r١- بما أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مباحة أمر جائز شرعاً.\r٢- لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم، كالتعامل بالربا أو تصنيع المحرمات أو المتاجرة فيها.\r٣- لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا، وكان المشتري عالماً بذلك.\r٤- إذا اشترى شخص – أسهماً - وهو لا يعلم أن الشركة تتعامل بالربا، ثم علم فالواجب عليه الخروج منها.\rوالتحريم في ذلك واضح، لعموم الأدلة من الكتاب والسنة في تحريم الربا، ولأن شراء أسهم الشركات التي تتعامل بالربا مع علم المشتري بذلك، يعني اشتراك المشتري نفسه في التعامل بالربا، لأن السهم يمثل جزءاً شائعاً من رأس مال الشركة، والمساهم يملك حصة شائعة في موجودات الشركة، فكل مال تقرضه الشركة بفائدة، أو تقترضه بفائدة، فللمساهم نصيب منه، لأن الذين يباشرون الإقراض والاقتراض بالفائدة يقومون بهذا العمل نيابة عنه، والتوكيل بعمل المحرم لا يجوز.]\rورد في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع ما يلي: [الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرمات، كالربا ونحوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة.]\rثالثاً: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات عملها مباح ولكنها تملك أسهماً في البنوك الربوية لأن من مصادر دخلها ما هو ربا وتحريم الربا قليلاً كان أو كثيراً قطعي في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\rرابعاً: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالمحرمات كالشركات المنتجة للخمور والدخان والتي تعمل في مجال التأمين التجاري أو القمار ونحو ذلك من المحرمات.\rخامساً: لا يجوز تداول أسهم الشركات التي ما زالت في طور التأسيس قبل أن يتحوّل رأس مال الشركة إلى سلع ومعدات وأعيان فلا يجوز بيع هذه الأسهم بأكثر من قيمتها الحقيقية لأنه حينئذٍ يكون بيع نقود بنقود مع زيادة وهذا ربا واضح، إلا إذا بِيعت الأسهم بنفس قيمتها الاسمية دون أية زيادة فهذا جائز.\rسادساً: [لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشتري لقاء رهن السهم، لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن وهما من الأعمال المحرمة بالنص على لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه.\rسابعاً: لا يجوز أيضاً بيع سهم لا يملكه البائع وإنما يتلقى وعداً من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم، لأنه من بيع ما لا يملك البائع، ويقوى المنع إذا اشترط إقباض الثمن للسمسار لينتفع به بإيداعه بفائدة للحصول على مقابل الإقراض] . من قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع.\rثامناً: التداول في الأسهم عن طريق ما يسمى البيع على المكشوف والمراد به: (قيام شخص ببيع أسهم لا يملكها، عن طريق اقتراضها من آخرين، مقابل الالتزام بإعادة شرائها، وتسليمها للمقرض، في وقت محدد) . وهذا النوع محرم لاشتماله على الربا والغرر. جاء في قرار المجمع الفقهي [إن العقود الآجلة بأنواعها التي تجري على المكشوف، أي على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع بالكيفية التي تجري في السوق المالية (البورصة) غير جائزة شرعاً؛ لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك اعتماداً على أنه سيشتريه فيما بعد ويسلمه في الموعد، وهذا منهي عنه شرعاً، لما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تبع ما ليس عندك) ، وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) .]\rوختاماً أقول إن تعامل الناس بالأسهم الربوية قد كثر في هذا الزمان طمعاً في تحقيق مكاسب سريعة ونسوا أو تناسوا أنهم سيقفون غداً بين يدي الله ﷿ وسيسألهم عن أموالهم من أين اكتسبوها؟ وفيما أنفقوها؟ فقد ورد في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني. وأذكر هؤلاء ببعض النصوص الشرعية التي تحرم الربا والتعامل به: ١. يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة الآيتان ٢٧٦-٢٧٧.\r٢. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (لعن رسو الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم. ٣. وقال ﷺ: (الربا اثنان وسبعون باباً أدناها إتيان الرجل أمه) رواه الحاكم وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٤٨٨. ٤. وقال ﷺ: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية) رواه أحمد والطبراني وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٦ وغير ذلك من الأحاديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346191,"book_id":3840,"shamela_page_id":571,"part":"12","page_num":65,"sequence_num":571,"body":"٦٥ - حكم برنامج توفير للمعلمين\rيقول السائل: ما الحكم الشرعي لما يعرف عندنا (في منطقة ٤٨) بصندوق الاستكمال وهو برنامج توفير لمعلمي المدارس التابعة للمعارف الهدف منه تشجيع المعلم على الخروج في إجازة مدفوعة الأجر لمدة سنة كاملة بعد ست سنوات عمل بشرط أن يتعلم خلال هذه السنة على حساب الصندوق ما يفيده ولكي يتجدد نشاطه عندما يعود لمزاولة عمله، ثم يدخر من جديد فترة ست سنوات أخرى كي يحصل على إجازة مدفوعة الأجر لمدة سنة كاملة كما في المرة السابقة ... وهكذا، مع العلم أن الاشتراك في هذا الصندوق اختياري وليس إلزامياً. وهذا الصندوق يعمل وفق النظام التالي: يدّخر فيه المعلم مبلغاً من المال يُقتطع من راتبه شهرياً وتضع وزارة المعارف مقابل هذا المبلغ ضعفيه في الصندوق لصالح المعلم ويستمر الادخار في هذا الصندوق ست سنوات على الأقل بحيث لا يستطيع المعلم سحب هذه الأموال قبل انتهاء المدة. وفي نهاية السنوات الست، يحق للمعلم الخروج في إجازة مدفوعة الأجر لمدة سنة كاملة، بشرط أن يتعلم خلالها (على حساب الصندوق) ما يفيده، وفي حالات معينة يستطيع سحب هذه الأموال بدل الخروج في إجازة بعد انتهاء السنوات الست إذا أثبت بأنه مدين ديناً فاحشاً لجهة ما أو أنه يعيل بالإضافة إلى زوجته وأولاده، أحد والديه أو كليهما أو أحداً من أقاربه أو أنه بحاجة إلى تجديد أو توسيع بيته ليتناسب مع ازدياد عدد أفراد عائلته. والجدير ذره أن: الاشتراك في هذا الصندوق اختياري وليس إلزامياً. هذه الأموال توضع في بنك ربوي ويعطي عليها رباً يسمونه أرباحاً وتعويضاً يعادل قيمة انخفاض العملة بسبب غلاء المعيشة أي تعويضاً عن هبوط قيمة النقد. إذا اختار المعلم سحب هذه الأموال من الصندوق فإنه يحصل على جميع الأموال التي اقتطعت من مرتبه، و٨٩% من الأموال التي وضعها المشغل لصالحه، مضافاً لكل ذلك ما يسمى بالأرباح الربا والتعويض عن هبوط قيمة النقد. أفيدونا. الجواب: هذا العقد عقد ربوي إبتداءً فلا يجوز للمسلم التوقيع عليه لأنه تضمن شرطاً ربوياً وإقراراً بالربا حيث إن المشترك في هذا الصندوق قبل التعامل بالربا مختاراً ومن المعلوم أن الربا محرم قطعاً في كتاب الله ﷾ وسنة نبيه ﷺ يقول الله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة الآيتان (٢٧٨-٢٧٩. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات – المهلكات -. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم.\rوقال ﷺ: (الربا إثنان وسبعون باباً أدناها إتيان الرجل أمه) رواه الحاكم وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٤٨٨. وقال ﷺ: (الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٣. وقال ﷺ: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية) رواه أحمد والطبراني وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٦ وغير ذلك من الأحاديث.\rومما يؤكد بطلان العقد الذي يعمل به الصندوق المشار إليه أنه يعطي تعويضاً يعادل قيمة انخفاض العملة بسبب غلاء المعيشة أي أنه يربط المال الموفر بجدول غلاء المعيشة وهذا أمر باطل شرعاً فلا يجوز شرعاً ربط الديون بمستوى الأسعار أو جدول غلاء المعيشة لأنه نوع من الربا، فقد قرر مجمع الفقه الإسلامي ما يلي: ((العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضى بأمثالها فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار)) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الخامس، الجزء الثالث / ص ٢٢٦١. والواجب على من اشترك في هذا الصندوق وهو لا يعلم حرمة المشاركة فيه أن يوقف تعامله معه وأن يتخلص من الربا الذي أعطي له وقد نص كثير من أهل العلم على أن التخلص من المال الحرام يكون بالتصدق به فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: [عن رجل مرابٍ خلَّف مالاً وولداً وهو يعلم بحاله فهل يكون المال حلالاً للولد بالميراث؟ أم لا؟ فأجاب: أما القدر الذي يعلم الولد أنه ربا فيخرجه إما أن يرده إلى أصحابه إن أمكن وإلا تصدق به. والباقي لا يحرم عليه...] مجموع الفتاوى ٢٩/٣٠٧. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [عن امرأة كانت مغنية واكتسبت في جهلها مالاً كثيراً وقد تابت ... فهل هذا المال الذي اكتسبته ... إذا أكلت وتصدقت منه تؤجر عليه؟ فأجاب بأن هذا المال لا يحل للمغنية التائبة ولكن يصرف في مصالح المسلمين ... إلخ) انظر مجموع الفتاوى ٢٩/٣٠٨-٣٠٩. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام؟ فأجاب بأنه يخرج قدر المال الحرام فيرده إلى صاحبه وإن تعذر عليه ذلك تصدق به] مجموع الفتاوى ٢٩/٣٠٨. وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: (فَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة الآية ٢٩٧. ما نصه: [قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت رباً فليردها على من أربى عليه ويطلبه إن لم يكن حاضراً فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك. وإن أخذ بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه فإن التبس عليه الأمر ولم يدر كم الحرام من الحلال مما بيده فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب رده حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عٌرف ممن ظلمه أو أربى عليه فإن أيس من وجوده تصدق به عنه، فإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبداً لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين ...] تفسير القرطبي ٣/٣٦٦. ومما يدل على ذلك أيضاً ما وردت به الروايات في قصة رهان أبي بكر ﵁ لبعض الكفار عندما نزل قوله تعالى: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بضع سنين) سورة الروم الآيات ١-٣. وجاء في بعض روايات هذه الحادثة: [أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: (هذا سحت فتصدق به) وكان هذا قبل تحريم القمار كما قال القرطبي، وقد ذكر ابن كثير والقرطبي عدة روايات لهذه الحادثة. تفسير القرطبي ١٤/٢-٤، تفسير ابن كثير ٣/٤٢٢-٤٢٤. وقال ابن كثير بعد أن ساق عدداً من روايات هذه الحادثة: [وقد روي نحو هذا مرسلاً عن جماعة من التابعين مثل عكرمة والشعبي ومجاهد وقتادة والسدي والزهري وغيرهم] تفسير ابن كثير ٣/٤٢٣.\rوخلاصة الأمر أنه تحرم المشاركة فيما يسمى صندوق الاستكمال وأن العقد الوارد فيه عقد ربوي محرم ويجب على من اشترك فيه أن يتخلص من المال الربوي الذي حصل عليه وذلك بإنفاقه في وجوه الخير والمصالح العامة للمسلمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346192,"book_id":3840,"shamela_page_id":572,"part":"12","page_num":66,"sequence_num":572,"body":"٦٦ - العمل في محل تقدم فيه الخمور\rيقول السائل: إنه يعمل في مطعم أحد الفنادق التي تقدم فيها الخمور هو وأحد زملائه وهما لا يقدمان الخمر للزبائن ولكنهما يعدان المكان ويجهزان الطاولات ويجمعان الكؤوس الفارغة ويقومان بغسلها فما حكم هذا العمل وهل المال الذي يكسبانه حلال أو حرام أفيدونا؟ الجواب: من المعلوم شرعاً تحريم الخمر تحريماً باتاً قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) سورة المائدة الآيتان ٩٠-٩١. وغير ذلك من الأدلة.\rوهنا لا بد من توضيح قاعدة هامة في العمل الذي يجوز للمسلم أن يعمل فيه وهي ما قرره العلماء من أن للوسائل أحكام المقاصد. قال الإمام العز بن عبد السلام: [للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل] قواعد الأحكام ١/٤٦ فوسيلة المحرم محرمة أي إن ما أدى إلى الحرام فهو حرام فالربا حرام فكل عمل يؤدي إليه ويساعد فيه فهو حرام فتأجير مبنىً ليكون مقراً لبنك ربوي حرام وكذا العمل في البنك الربوي حرام ولو كان حارساً ليلياً ومثل ذلك عمل برنامج كمبيوتر للمحاسبة في بنك ربوي حرام وهكذا بقية الأعمال التي لها علاقة بالربا ويدل على ذلك ما ورد في الحديث الصحيح (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم وكذا الخمر فهي محرمة فيحرم العمل في كل شيء له علاقة بالخمر فيحرم على المسلم أن يبيع العنب لمن عرف أنه يصنعه خمراً ويحرم أن يساعد في أي عمل يؤدي إليها ويدل على ذلك قول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) سورة المائدة الآية ٢. ومما يدل على ذلك أيضا ما ورد في الحديث (أن النبي ﷺ لعن الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها) رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢/٩٠٧. وقد صح في الحديث من قول الرسول ﷺ: (إن الله تعالى حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) رواه البخاري ومسلم.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً قول الخرقي: [وبيع العصير ممن يتخذه خمراً باطل]\rوجملة ذلك أن بيع العصير لمن يعتقد أنه يتخذه خمراً محرم وكرهه الشافعي , وذكر بعض أصحابه أن البائع إذا اعتقد أنه يعصرها خمراً فهو محرم وإنما يكره إذا شك فيه ... ولنا قول الله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ ، وهذا نهي يقتضي التحريم وروي عن النبي ﷺ أنه لعن في الخمر عشرة فروى ابن عباس (أن النبي ﷺ أتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها , وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وبائعها , ومبتاعها وساقيها) وأشار إلى كل معاون عليها ومساعد فيها أخرج هذا الحديث الترمذي , من حديث أنس وقال: قد روي هذا الحديث عن ابن عباس وابن عمر عن النبي ﷺ. وروى ابن بطة في تحريم النبيذ , بإسناده عن محمد بن سيرين أن قيماً كان لسعد بن أبي وقاص في أرض له فأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبيباً , ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره فأمر بقلعه وقال: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر. ولأنه يعقد عليها لمن يعلم أنه يريدها للمعصية , فأشبه إجارة أمته لمن يعلم أنه يستأجرها ليزني بها والآية مخصوصة بصور كثيرة فيخص منها محل النزاع بدليلنا ... ] ثم قال الشيخ ابن قدامة [وهكذا الحكم في كل ما يقصد به الحرام كبيع السلاح لأهل الحرب أو لقطاع الطريق , أو في الفتنة وبيع الأمة للغناء أو إجارتها كذلك , أو إجارة داره لبيع الخمر فيها أو لتتخذ كنيسة أو بيت نار , وأشباه ذلك فهذا حرام والعقد باطل لما قدمنا. قال ابن عقيل: وقد نص أحمد ﵀ على مسائل نبه بها على ذلك , فقال في القصاب والخباز: إذا علم أن من يشتري منه يدعو عليه من يشرب المسكر لا يبيعه , ومن يخترط الأقداح لا يبيعها ممن يشرب فيها - المسكر - ونهى عن بيع الديباج للرجال ولا بأس ببيعه للنساء وروى عنه لا يبيع الجوز من الصبيان للقمار وعلى قياسه البيض فيكون بيع ذلك كله باطلاً.] المغني ٤/٢٠٧. وما قرره الشيخ ابن قدامة المقدسي يصح أن يقال في كل عمل يؤدي إلى الحرام فعمل الكوافيرة التي تزين النساء فيخرجن متبرجات عمل حرام.\rوكذا العمل في إقامة أماكن العبادة لغير المسلمين أو صيانتها محرم لأنه من باب التعاون على الإثم. وكذا العمل في كل شيء يؤدي إلى الحرام فهو محرم فإذا قلنا إن التدخين حرام فيحرم العمل في زراعته وفي حصده وفي نقله وفي صنعه وفي بيعه وفي الدعاية له وهكذا يحرم العمل في كل شيء يساعد في تسويقه ... إلخ.\rوأما المال المكتسب من العمل المحرم فيجب التخلص منه وإنفاقه في مصلحة عامة ولا يجوز الانتفاع به لمكتسبه فكل مال حرام لا يجوز للمسلم أن ينتفع به انتفاعاَ شخصياً فلا يجوز أن يصرفه على نفسه ولا على زوجته ولا على أولاده ومن يعولهم لأنه مال حرام بل هو من السحت ومصرف هذا المال الحرام وأمثاله هو إنفاقه على الفقراء والمحتاجين ومصارف الخير كدور الأيتام والمؤسسات الاجتماعية ونحوها\rوعلى السائل وزميله أن يتركا عملهما المذكور في السؤال وأن يبحثا عن عمل حلال وليعلما أن أبواب العمل الحلال كثيرة وليذكرا قول الله ﷿: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) سورة الطلاق الآيتان ٢-٣. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ سورة الطلاق الآية ٤\rوخلاصة الأمر أن العمل في كل أمر يؤدي إلى الحرام فهو حرام لأن للوسائل أحكام المقاصد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346193,"book_id":3840,"shamela_page_id":573,"part":"12","page_num":67,"sequence_num":573,"body":"٦٧ - فوائد صندوق التوفير هي الربا المحرم\rيقول السائل: إنه يعمل في شركة ويوجد فيها صندوق توفير للموظفين حيث إن الشركة تقتطع نسبة من راتب الموظف وتدفع ضعفها ويوضع المال في صندوق التوفير وقد قامت الشركة بوضع المال في بنك ربوي وأخذت عليه فوائد كما وقامت الشركة بإقراض الموظفين من صندوق التوفير بالفائدة فما حكم الأرباح التي تحققت حيث إن الشركة ستوزعها على الموظفين أفيدونا؟ الجواب: إن ما سماه السائل أرباحاً إنما هو في الحقيقة الربا المحرم بالنصوص القطعية من كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ ولا شك أن الفوائد البنكية هي الربا المحرم والواجب على الموظف في الشركة المذكورة أن يتخلص من هذا المال الحرام فكل مال حرام لا يجوز للمسلم أن ينتفع به انتفاعاَ شخصياً فلا يجوز أن يصرفه على نفسه ولا على زوجته ولا على أولاده ولا على من يعولهم ولا يجوز أن يدفع منه ضريبة ولا نحوها لأنه مال حرام بل هو من السحت ومصرف هذا المال الحرام وأمثاله هو إنفاقه على الفقراء والمحتاجين ومصارف الخير كدور الأيتام والمؤسسات الاجتماعية ونحوها. ولا يجوز ترك هذه الأموال للبنوك بل تؤخذ وتنفق في جهات الخير والبر.\rويجب على الموظف في الشركة المذكورة أن يعرف مقدار المبلغ الذي حسم من راتبه ومقدار المبلغ الذي أضافته الشركة وهذا يكون حلالاً له وأما الربا فيصرفه كما ذكرت آنفاً.\rوا يقولن قائلٌ إن الموظف ليس مسئولاً عما قامت به الشركة من تشغيل أموال صندوق التوفير بالربا أو أن الإثم يقع على المسؤول عن الصندوق أو نحو ذلك من الاعتذارات التي تردها قواعد الشريعة الإسلامية فإنه ينبغي أن يعلم أنه لا يجوز للمسلم أن يكون طرفاً في أي عملية ربوية بطريق مباشر أو غير مباشر لأن الربا محرم بنصوص صريحة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فمن ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة / ٢٧٥ - ٢٧٩.\rويقول الرسول ﷺ: (اجتنبوا السبع الموبقات – المهلكات – قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه مسلم.\rوعن جابر أن النبي ﷺ قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم قال الإمام النووي: [قوله: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابين والشهادة عليهما. وفيه: تحريم الإعانة على الباطل. والله أعلم.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٠٧.\rوعن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال (الربا ثلاثة وسبعون شعبة أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وصححه\rوفي رواية النسائي عن ابن مسعود ﵁ قال: (آكل الربا ومؤكله وشاهداه وكاتبه إذا علموا ذلك ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة) وهو حديث صحيح وغير ذلك من النصوص.\rوإنني لأستغرب مما يفتي به بعض المنتسبين للعلم الشرعي من إباحة الربا تحت أسماء مختلفة مثل بدل خدمات أو أن هدف المقرض ليس الربا أو أن المشتري فيما يسمى بالتقسيط الميسر اشترى السلعة من التاجر ودفع الثمن المتفق عليه بدون زيادة وإن كان هنالك عقد ربوي بين التاجر والبنك الربوي وأن لا علاقة للمشتري بذلك العقد وإن دفع عن طريق البنك الربوي ونحو ذلك من الترهات فكل ما سبق هو من الربا الحرام وهنا يجب التذكير بالقواعد الآتية:\r١. يحرم التعاون على الإثم والعدوان بنص كتاب الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) سورة المائدة الآية ٢\r٢. إذا استقر الدين في الذمة فلا تجوز الزيادة عليه لأن ذلك عين الربا.\r٣. كل زيادة مشروطة على القرض ربا بغض النظر عن اسمها فتغيير الأسماء لا يغير من حقائق المسميات شيئاً فقد صار شائعاً عند كثير من المتعاملين بالربا التلاعب بالألفاظ والعبارات محاولةً منهم لتغيير الحقائق والمسميات بتغيير أسمائها فقط فالربا يسمى فائدة ويسمى رسم خدمات وقد أخبر النبي ﷺ عن مثل هذا التلاعب من تغيير الناس لأسماء المحرمات كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ليستحلن طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في غاية المرام ص ٢٤ وفي السلسلة الصحيحة ١/١٣٦.\rوجاء في رواية أخرى: (إن ناساً من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) رواه الحاكم والبيهقي وله شواهد تقويه، وقد صدق الصادق المصدوق فإن الخمور تسمى في زماننا بالمشروبات الروحية.\rوروي في الحديث أنه ﵊ قال: (يأتي على الناس زمان يستحلون الربا باسم البيع) ذكره ابن القيم في إغاثة اللهفان ١/٣٥٢ وضعفه الشيخ الألباني في غاية المرام ص ٢٥ ثم قال: [ ... معنى الحديث واقع كما هو مشاهد اليوم]\rويجب أن يعلم أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني كما قرر ذلك فقهاؤنا.\rوخلاصة الأمر أن فوائد صندوق التوفير هي من الربا المحرم ويجب على الموظف أن يتخلص منها بإنفاقها على الفقراء أو في المصالح العامة ولا يجوز صرفها في المساجد ولا يجوز للموظف أو من يعولهم الانتفاع بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346194,"book_id":3840,"shamela_page_id":574,"part":"12","page_num":68,"sequence_num":574,"body":"٦٨ - يجوز أن يكون الشريك أجيرا\r: يقول السائل: شاركت شخصين في عمل تجاري ولكل واحد منا ثلث رأس المال وأحدنا سيقوم بإدارة الشركة والعمل فيها منفرداً فهل يجوز أن يعطى راتباً شهرياً مقابل عمله مع العلم أننا فد اتفقنا على أن الربح سيوزع أثلاثاً، فما حكم ذلك؟ الجواب: يجوز شرعاً أن يتقاضى أحد الشركاء راتباً مقطوعاً أو نسبةً من الربح مقابل عمله للشركة بالإضافة إلى حصته من الربح مقابل رأس ماله في الشركة فلا مانع شرعاً أن يكون الشخص شريكاً وفي ذات الوقت يكون أجيراً للشركة. فمن المعلوم أنه يجوز للشركاء أن يستأجروا عاملاً ليعمل لهم في الشركة فمن باب أولى أن يستأجروا أحدهم ليعمل للشركة حيث إنه سيكون أحرص على أموال الشركة من العامل الأجنبي عنها ولكن يجب أن يعلم أن عمل أحد الشركاء للشركة يجب أن يكون بعقد أو اتفاق منفصل عن عقد الشراكة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي عند حديثه عن أقسام الشركة: [القسم الرابع: أن يشترك مالان وبدن صاحب أحدهما، فهذا يجمع شركة ومضاربة وهو صحيح، فلو كان بين رجلين ثلاثة آلاف درهم لأحدهما ألف وللآخر ألفان فأذن صاحب الألفين لصاحب الألف أن يتصرف فيها على أن يكون الربح بينهما نصفين صح، ويكون لصاحب الألف ثلث الربح بحق ماله والباقي وهو ثلثا الربح بينهما لصاحب الألفين ثلاثة أرباعه، وللعامل ربعه، وذلك لأنه جعل له نصف الربح فجعلناه ستة أسهم منها ثلاثة للعامل حصة ماله وسهم يستحقه بعمله في مال شريكه وحصة مال شريكه أربعة أسهم للعامل سهم وهو الربع] المغني ٥/٢٠.\rوقال ابن حزم الظاهري [... فإن عمل أحدهما أكثر من الآخر، أو عمل وحده تطوعاً بغير شرط فذلك جائز، فإن أبى من أن يتطوع بذلك فليس له إلا أجر مثله في مثل ذلك العمل ربح أو خسر، لأنه ليس عليه أن يعمل لغيره] المحلّى ٦/٤١٥. وقال البهوتي الحنبلي: [وعلى كل من الشركاء تولي ما جرت عادة بتوليه. لحمل إطلاق الإذن على العرف، ومقتضاه تولي مثل هذه الأمور بنفسه، فإن فعل ما عليه توليه بنائب بأجرة فهي عليه لأنه بذلها عوضاً عما عليه، وما جرت عادة بأن يستنيب فيه. فله أن يستأجر من مال الشركة إنساناً حتى شريكه لفعله إذا كان فعله، مما لا يستحق أجرته إلا بعمل، وليس للشريك فعل ما جرت العادة بعدم توليه بنفسه ليأخذ أجرته بلا استئجار صاحبه له، لأنه تبرع بما لا يلزمه فلم يستحق شيئاً] شرح منتهى الإرادات ٢/٣٢٤. ويقول الدكتور وهبة الزحيلي [... ويصح أيضاً عند الحنفية ما عدا زفر أن يتفاضل الشريكان في الربح حالة التساوي في رأس المال بشرط أن يكون العمل عليهما، أو على الذي شرط له زيادة الربح، لأن الربح كما قلنا يستحق إما بالمال، أو بالعمل، أو بالضمان، وزيادة الربح في هذه الحالة كانت بسبب زيادة العمل، لأنه قد يكون أحد الشريكين أحذق وأهدى وأكثر عملاً، وأقوى فيستحق زيادة ربح على حساب شريكه ...] الفقه الإسلامي وأدلته ٤/٨٤٢. ويقول الدكتور وهبة الزحيلي أيضاً: [ولا مانع من وجود صفتي الشركة والإجارة في شيء واحد لأن المنع من وجود عقدين أو شرطين في عقد يزول إذا زالت علته أو حكمته وهو عدم إثارة النزاع والخلاف وعدم التنازع جرى عليه العرف والعادة فلم يعد شرطاً مفسداً] الفقه الإسلامي وأدلته ٤/٨٤٢. وخلاصة الأمر أنه لا مانع شرعاً من أن يكون الشريك أجيراً في الشركة براتب مقطوع أو بزيادة نسبته في الربح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346195,"book_id":3840,"shamela_page_id":575,"part":"12","page_num":69,"sequence_num":575,"body":"٦٩ - حكم التعامل ببطاقات الائتمان\rإنه تاجر يتعامل ببطاقات الائتمان التي يحملها الزبائن\rفي بيع السلع وأحياناً يقوم بصرف عملات للزبائن فيدفع لهم شواكل مثلاً على أن\rيدخل في حسابه دولارات بواسطة بطاقة الائتمان فما حكم هذه المعاملة؟\r\rالجواب: إننا نعيش في ظل ظروف عامة فرضت على كثير من الناس أن يتعاملوا مع\rالبنوك الربوية وكثير من المعاملات التجارية صارت متوقفة على التعامل مع البنوك\rالربوية ومع ذلك فإني أنصح بعدم التعامل مع البنوك الربوية إلا في أضيق نطاق\rنظراً لخطورة الربا فهو من المحرمات القطعية في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله\rعليه وسلم ومن ذلك التعامل بهذه البطاقات فينبغي أن يكون استعمالها في أضيق\rنطاق لأن البطاقات التي تصدرها البنوك الربوية تتضمن في الغالب شروطاً ربوية\rمثل فرض زيادة ربوية (فائدة) في حال تأخر حامل البطاقة عن التسديد أو كشف\rحسابه في البنك المصدر للبطاقة، وكذلك فإن البنوك الربوية تفرض نسبةً مقطوعة\rمحددة على كلّ عمليّة سحب نقدي يجريها حامل البطاقة وهذا هو الربا المحرم قال\rالله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا\rبَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ\rفَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ\rرُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ وَإِن كَانَ ذُو\rعُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن\rكُنتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة الآيتان ٢٧٨- ٢٧٩. وصح في الحديث عَنْ\rجَابِر بن عبد الله ﵄ قَال: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله\rعليه وسلم آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ\rسَوَاءٌ) رواه مسلم.\rومن المعلوم أن موضوع السؤال من المسائل الجديدة التي لم يعرفها الفقه الإسلامي\rقديماً وقد وفدت هذه المسألة من ضمن ما وفد على المسلمين من مستلزمات\rالرأسمالية التي تقوم على نظام الربا (الفائدة) وقد درست هذه القضية من مجامع\rفقهية وحلقات علمية ودراسات فردية ولكن بداية وقبل تفصيل الجواب على السؤال\rأذكر أن شيخنا الأستاذ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان حفظه الله ورعاه يرى أن\rتسمية البطاقات التي تصدرها البنوك من أمثال: فيزا وماستر كارد وأميريكان إكس\rبريس ببطاقات الائتمان تسمية غير صحيحة وليست معبرة عن حقيقة هذه البطاقات فقد\rذكر في كتابه البطاقات البنكية الإقراضية والسحب المباشر من الرصيد أنه يجب\rتصحيح مصطلح بطاقات الائتمان وأن المصطلح الصحيح هو: بطاقات الإقراض والسحب\rالمباشر من الرصيد ليكون أبلغ في الكشف عن حقيقتها وأقسامها المتداولة، يدركه\rالمثقف والعامي، التاجر والمستهلك، من يحملها، ومن تقدم له، مصطلح ترسخ معناه\rفي أذهان الجميع، يعرفون آثاره ومسؤولياته، الحلال منه والحرام، معلومة أحكامه\rمن الدين بالضرورة، مسلم المبادئ والأحكام، وليس من سبب يدعو لهجره والعدول\rعنه] البطاقات البنكية الإقراضية والسحب المباشر من الرصيد ص٣١.\rوقد عرف مجمع الفقه الإسلامي هذه البطاقة بأنها (مستند يعطيه مصدره لشخص طبيعي\rأو اعتباري بناءً على عقد بينهما يمكنه من شراء السلع أو الخدمات ممن يعتمد\rالمستند دون دفع الثمن حالاً لتضمنه التزام المصدر بالدفع ومن أنواع هذا\rالمستند ما يمكن من سحب نقود من المصارف. ولبطاقات الائتمان صور:\r- منها ما يكون السحب أو الدفع بموجبها من حساب حاملها في المصرف وليس من حساب\rالمصدر فتكون بذلك مغطاة. ومنها ما يكون الدفع من حساب المصدر ثم يعود على\rحاملها في مواعيد دورية.\r- ومنها ما يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع خلال فترة محددة من\rتاريخ المطالبة. ومنها ما لا يفرض فوائد.\r- وأكثرها يفرض رسماً سنوياً على حاملها ومنها ما لا يفرض فيه المصدر رسماً\rسنوياً) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السابع الجزء الأول ص٧١٧. وقد صدر\rقرار عن مجمع الفقه الإسلامي وضح فيه القواعد الأساسية للتعامل مع هذه البطاقات\rونصه: ... بعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع (بطاقات\rالائتمان غير المغطاة) وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله من الفقهاء\rوالاقتصاديين، ورجوعه إلى تعريف بطاقة الائتمان في قراره رقم ٦٣/١/٧ الذي\rيستفاد منه تعريف بطاقة الائتمان غير المغطاة بأنه: \"مستند يعطيه مصدره (البنك\rالمصدر) لشخص طبيعي أو اعتباري (حامل البطاقة) بناء على عقد بينهما يمكنه من\rشراء السلع، أو الخدمات، ممن يعتمد المستند (التاجر) دون دفع الثمن حالاً\rلتضمنه التزام المصدر بالدفع، ويكون الدفع من حساب المصدر، ثم يعود على حاملها\rفي مواعيد دورية، وبعضها يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع بعد\rفترة محددة من تاريخ المطالبة، وبعضها لا يفرض فوائد.\rقرر ما يلي: أولاً: لا يجوز إصدار بطاقة الائتمان غير المغطاة ولا التعامل بها،\rإذا كانت مشروطة بزيادة فائدة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازماً على\rالسداد ضمن فترة السماح المجاني.\rثانياً: يجوز إصدار البطاقة غير المغطاة إذا لم تتضمن شرط زيادة ربوية على أصل\rالدين. ويتفرع على ذلك:\rأ. جواز أخذ مصدرها من العميل رسوماً مقطوعة عند الإصدار أو التجديد، بصفتها\rأجراً فعلياً على قدر الخدمات المقدمة منه.\rب. جواز أخذ البنك المصدر من التاجر عمولة على مشتريات العميل منه، شريطة أن\rيكون بيع التاجر بالبطاقة بمثل السعر الذي يبيع به بالنقد.\rثالثاً: السحب النقدي من قبل حامل البطاقة اقتراضاً من مصدرها، ولا حرج فيه\rشرعاً إذا لم يترتب عليه زيادة ربوية، ولا يعد من قبيلها الرسوم المقطوعة التي\rلا ترتبط بمبلغ القرض أو مدته مقابل هذه الخدمة. وكل زيادة على الخدمات الفعلية\rمحرمة لأنها من الربا المحرم شرعاً كما نص على ذلك المجمع في قراره رقم ١٣\r(١٠/٢) و ١٣ (١/٣) .\rرابعاً: لا يجوز شراء الذهب والفضة وكذا العملات النقدية بالبطاقة غير\rالمغطاة] انتهى قرار المجمع الفقهي.\rإذا تقرر هذا فأعود لقضية استعمال هذه البطاقات في عملية صرف العملات فأقول:\rاتفق أهل العلم على أن من شروط عقد الصرف تقابض البدلين من الجانبين في مجلس\rالعقد قبل افتراقهما. قال ابن المنذر: [أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن\rالمتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد] . فلذلك يشترط في عملية\rبيع عملة بأخرى أن يتم تبادل العملتين في المجلس ولا يجوز تأجيل قبض إحداهما\rوإن حصل التأجيل فالعقد باطل ويدل على ذلك حديث الرسول ﷺ\r: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل يداً بيد والفضة بالفضة مثلاً بمثل يداً بيد) رواه\rمسلم.\rوبما أن العملات الورقية تقوم مقام الذهب والفضة كما قاله كثير من علماء العصر\rوهو القول الصحيح فإنه يشترط في بيع هذه العملات بغيرها من العملات التقابض في\rمجلس العقد ولا يجوز التأجيل وبناء على ما تقدم فإذا كان التاجر يمكنه أخذ\rالدولارات بمجرد رجوعه إلى البنك المصدر للبطاقة فيجوز استعمال البطاقات\rالمذكورة في صرف العملات لأن القيد في الحساب مباشرة يقوم مقام القبض الفعلي\rوأما إذا لم يمكنه ذلك فيحرم حينئذ استعمالها.\rوخلاصة الأمر أني أنصح بعدم التعامل مع البنوك الربوية بشكل عام وإذا احتاج\rالشخص للتعامل معها فيكون ذلك في أضيق نطاق وإذا احتاج للتعامل بالبطاقات فلا\rبد من الانتباه لأمر هام وهو أن يكون حساب الشخص غير مكشوف لدى البنك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346196,"book_id":3840,"shamela_page_id":576,"part":"12","page_num":70,"sequence_num":576,"body":"٧٠ - لا يجوز ضمان رأس المال في عقد المضاربة\rيقول السائل: إنه اتفق مع أحد التجار ليدخله شريكاً في تجارته لمدة ثلاث سنوات على أن يدفع للتاجر مبلغ عشرة آلاف دينار وشرط عليه أن يعطيه مائة دينار شهرياً وأن يرد له العشرة آلاف دينار عند انتهاء المدة المتفق عليها فما حكم هذه المعاملة؟ الجواب: المعاملة المذكورة في السؤال باطلة شرعاً من وجهين: الأول منهما أنها في حقيقتها قرض ربوي فالتاجر المذكور اقترض من السائل عشرة آلاف دينار على أن يدفع له ربا (فائدة) على المبلغ وهي مئة دينار شهرياً لأن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني كما قرر ذلك فقهاؤنا\rقال العلامة ابن القيم: [قواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها لا صورها وألفاظها] زاد المعاد ٥/٢٠٠. وقال في موضع آخر: [والتحقيق أنه لا فرق بين لفظ ولفظ فالاعتبار في العقود بحقائقها ومقاصدها لا بمجرد ألفاظها] زاد المعاد ٥/٨١٣. فكون المتعاقدين قد سميا العقد بينهما شركة فهذا لا يغير من حقيقة كونها ربا شيئاً بناء على القاعدة السابقة. والشركة المقصودة هي شركة المضاربة وعقد المضاربة المعروف عند الفقهاء هو شركة تقوم على العمل من العامل والمال من صاحب المال ويجب أن يكون الربح بينهما بنسبة شائعة كالربع أو الثلث مثلاً أو نسبة مئوية مثل ٢٥% أو حسبما يتفقان عليه والخسارة تون على صاحب المال والعامل يخسر جهده وعمله وتبطل المضاربة إذا اشترط لأحدهما مبلغاً مقطوعاً\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً قول الخرقي [ولا يجوز أن يجعل لأحد من الشركاء فضل دراهم] قال ابن قدامة [وجملته أنه متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة , أو جعل مع نصيبه دراهم مثل أن يشترط لنفسه جزءً وعشرة دراهم بطلت الشركة. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة وممن حفظنا ذلك عنه مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ... وإنما لم يصح ذلك لمعنيين: أحدهما أنه إذا شرط دراهم معلومة احتمل أن لا يربح غيرها , فيحصل على جميع الربح واحتمل أن لا يربحها فيأخذ من رأس المال جزءً وقد يربح كثيرا ً فيستضر من شرطت له الدراهم والثاني أن حصة العامل ينبغي أن تكون معلومة بالأجزاء لما تعذر كونها معلومة بالقدر , فإذا جهلت الأجزاء فسدت كما لو جهل القدر فيما يشترط أن يكون معلوماً به ولأن العامل متى شرط لنفسه دراهم معلومة , ربما توانى في طلب الربح لعدم فائدته فيه وحصول نفعه لغيره بخلاف ما إذا كان له جزء من الربح] المغني ٥/٢٨.\rومن المعلوم أن الربا من كبائر الذنوب وتحريمه قطعي في كتاب الله ﷾ وفي سنة النبي ﷺ قال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) سورة البقرة الآيتان (٢٧٥ -٢٧٦) . وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) سورة البقر الآيتان (٢٧٨-٢٧٩) . وقال الرسول ﷺ: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء) رواه البخاري ومسلم.\rوالوجه الثاني لبطلان المعاملة المذكورة في السؤال هو أن التاجر قد ضمن رأس المال وهذا الشرط لا يجوز شرعاً لأن يد المضارب يد أمانة وليست يد ضمان ولا يضمن المضارب إلا إذا فرَّط أو قصَّر أو أخلَّ بما شرط عليه صاحب المال والمضاربة مشاركة بالمال من جهة وبالعمل من جهة أخرى فإذا حصلت خسارة فهي على رب المال ويخسر العامل جهده وتعبه فشرط ضمان التاجر لرأس المال ينافي مقتضى العقد فلا يجوز، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [إذا تعدى المضارب وفعل ما ليس له فعله أو اشترى شيئاً نُهي عن شرائه فهو ضامن للمال في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن أبي هريرة وحكيم بن حزام وأبي قلابة ونافع وإياس والشعبي والنخعي والحكم وحماد ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ... ولنا أنه متصرف في مال غيره بغير إذنه فلزمه الضمان كالغاصب..] المغني ٥/٣٩.\rوقال الإمام الماوردي [ ... فأما تعدي العامل في مال القراض من غير الوجه الذي ذكرنا فعلى ضربين:\rأحدهما: أن يكون تعديه فيه لم يؤمر به مثل إذنه بالتجارة في الأقوات فيتجر في الحيوان، فهذا تعد يضمن به المال، ويبطل معه القراض، فيكون على ما مضى في مقارضة غيره بالمال.\rوالضرب الثاني: أن يكون تعديه لتغريره بالمال، مثل أن يسافر به ولم يؤمر بالسفر أو يركب به بحراً ولم يؤمر بركوب البحر، فإن كان قد فعل ذلك مع بقاء عين المال بيده ضمنه، وبطل القراض بتعديه، لأنه صار مع تعديه في عين المال غاصباً] الحاوي الكبير ٧/٣٤٠-٣٤١. وقال ابن رشد المالكي عند حديثه عن الشروط الفاسدة في القراض (المضاربة) [ومنها إذا شرط رب المال الضمان على العامل، فقال مالك: لا يجوز القراض وهو فاسد، وبه قال الشافعي ... وعمدة مالك أن اشتراط الضمان زيادة غرر في القراض ففسد ... ] بداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢/١٩٩.\rوأخيراً أنبه على أنه يجوز توقيت المضاربة بمدة معينة على الراجح من أقوال العلماء وهو قول الحنفية والحنابلة قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ويصح تأقيت المضاربة مثل أن يقول: ضاربتك على هذه الدراهم سنة فإذا انقضت فلا تبع ولا تشتر قال مهنا: سألت أحمد عن رجل أعطى رجلاً ألفا مضاربة شهراً قال: إذا مضى شهر يكون قرضاً قال: لا بأس به ... ] المغني ٥/٥٠، وانظر الاختيار لتعليل المختار ٣/٢١.\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز اشتراط مبلغ مقطوع في المضاربة لأنها تتحول حينئذ إلى ربا محرم وكذلك لا يجوز أن يضمن العامل رأس المال في المضاربة إلا إذا فرَّط أو قصَّر أو تعدى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346197,"book_id":3840,"shamela_page_id":577,"part":"12","page_num":71,"sequence_num":577,"body":"٧١ - الأصل في المعاملات الإباحة\rيقول السائل: هل قاعدة الأصل في المعاملات الإباحة قاعدة صحيحة، أرجو توضيح ذلك؟ الجواب: نعم، لقد قرر العلماء أن الأصل في باب المعاملات الإباحة والمراد بكلمة الأصل أي القاعدة المطردة المستمرة التي لا تتخلف إلا نادراً والمعاملات جمع معاملة وتكون بين المتعاقدين كالبائع والمشتري في باب البيوع والمستأجر والمؤجر في الإجارة والشركاء في باب الشركة ونحو ذلك والمراد بالإباحة الجواز أي أن هذه العقود التي تجري بين المتعاقدين القاعدة المستمرة فيها أنها مباحة وجائزة ولا يصح القول بتحريم معاملة ما إلا بدليل صحيح ناقل من الجواز إلى التحريم أو الكراهة وأما إذا لم يرد في الشريعة دليل صحيح على منع المعاملة فهي باقية على الأصل وهو الجواز وبناءً على ذلك لا يجوز منع أي معاملة إلا بنص صريح من الشارع الحكيم أو قياس صحيح عليه وهذا هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ? والآثار الواردة عن سلف الأمة فمما يدل على ذلك قول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) سورة البقرة الآية ٢٩. وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) سورة لقمان الآية ٢٠. وقد ورد في الحديث عن أبي الدرداء ? أن النبي ? قال: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً وتلا قوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) سورة مريم الآية ٦٤) رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وقال العلامة الألباني حديث حسن، انظر غاية المرام ص١٤.\rومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ سورة البقرة الآية ٢٧٥. فهذه الآية تدل على حل كل أنواع البيع ولا يستثنى من ذلك إلا ما أخرجه الدليل من هذا العموم. قال الإمام الشافعي: [وذكر الله البيع في غير موقع من كتابه بما يدل على إباحته فاحتمل إحلال الله ﷿ البيع معنيين أحدهما أن يكون أحل كل بيع تبايعه المتبايعان جائزي الأمر فيما تبايعاه عن تراض منهما وهذا أظهر معانيه] الأم ٣/٣. ثم قال الإمام الشافعي: [فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعا إلا ما نهى عنه رسول الله ? منها وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله ? محرم إذ أنه داخل في المعنى المنهي عنه وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى] الأم ٣/٣.\rوبين الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية أن قول الله تعالى: [ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ أن هذا من عموم القرآن الكريم والألف واللام في قوله البيع للجنس لا للعهد فهي تدل على العموم ويخص هذا العموم بما قام الدليل على تخصيصه فالآية تدل على إباحة البيوع في الجملة والتفصيل ما لم يخص بدليل] انظر تفسير القرطبي ٣/٣٥٦-٣٥٧. ويدل على ذلك قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) سورة المائدة الآية ١. فالآية الكريمة أوجبت الوفاء بالعقود من غير تعيين قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه إذ الدين ما شرعه الله والحرام ما حرمه الله بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دين الله ما لم يحرمه الله وأشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته والحرام ما حرمته والدين ما شرعته] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٨/٣٨٦.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى، وإلا دخلنا في معني قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ سورة الشوري: الآية ٢١ والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معني قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا﴾ سورة يونس الآية ٥٩ ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لشركائنا فَمَا كَانَ لشركائهم فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شركائهم سَاء مَا يَحْكُمُونَ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ سورة الأنعام الآيتان ١٣٦ـ ١٣٨، فذكر ما ابتدعوه من العبادات، ومن التحريمات. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ? عن النبي ? قال: (قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حُنَفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرَّمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمَرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزِل به سلطانا) . وهذه قاعدة عظيمة نافعة. وإذا كان كذلك، فنقول: البيع والهبة والإجارة وغيرها هي من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم؛ كالأكل والشرب واللباس؛ فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرمت منها ما فيه فساد، وأوجبت ما لابد منه، وكرَّهت ما لا ينبغي، واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها. وإذا كان كذلك، فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا، ما لم تحرم الشريعة. كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة. وإن كان بعض ذلك قد يستحب، أو يكون مكروهًا، وما لم تحد الشريعة في ذلك حدًا، فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٩/١٧-١٨.\rوقال العلامة ابن القيم: [والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. والفرق بينهما أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين. وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه، وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفواً لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه، وما سكت عنه فهو عفو، فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه؟ وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود والعهود كلها، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ المائدة الآية١. وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ سورة الإسراء الآية ٣٤. وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ سورة المعارج الآية ٣٢. وقال تعالى ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾ سورة البقرة الآية ١٧٧ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ سورة الصف الآيات ٢-٣. وقال ﴿بل من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين﴾ سورة آل عمران الآية ٧٦ وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ الأنفال الآية ٥٨. وهذا كثير في القرآن] .\rثم ذكر ابن القيم عدداً من الأحاديث التي تدل على صحة ما قاله. إعلام الموقعين عن رب العالمين ٣/١٠٧-١١٢.\rوقال الشيخ السعيدان مستدلاً على صحة القاعدة السابقة [ ... قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ سورة النساء الآية ٢٩، قال المفسرون: ووجه الشاهد منه: أن الله جل وعلا حرم علينا تعاطي الأسباب المحرمة في المكاسب وأباح لنا المتاجر المشروعة التي تكون عن تراضٍ بين البائع والمشتري فكأنه قال: افعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال، وأطلق هذه التجارات ولم يقيدها بتجارة دون تجارة، وقد تقرر في الأصول (أن المطلق يجب إبقاؤه على إطلاقه حتى يرد المقيِّد) فهذا الدليل فيه جواز جميع أنواع التجارات، فمن حرم تجارةً وأخرجها عن هذا الإطلاق فعليه الدليل، فقولنا في القاعدة: (الأصل في المعاملات الحل والإباحة) هو قوله تعالى: ? إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ً? (النساء: ٢٩) ، وقولنا (إلا بدليل) هو قوله تعالى: ? لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ? (النساء: ٢٩) ، فهذا الدليل نص في المطلوب أيضاً والله أعلم\rومن الأدلة أيضاً: أن الصحابة على عهده ? لا يزالون يتبايعون بسائر أنواع المعاملات من غير سؤال عن حلالها وحرامها، مما يدل على أن الأصل المتقرر عندهم هو الحل والإباحة، وأقرهم النبي ? على ذلك، ولم يثبت عنه أنه أنكر عليهم ذلك إلا أنواعاً من المعاملات ثبت تحريمها لما فيها من الغرر أو الربا أو المخادعة، لكن لم يقل لهم: \" لا تتعاملوا إلا بمعاملة ثبت حلها \" مما يدل على أن الأصل الحل والإباحة، ولا أقول: الصحابة فقط! بل الناس جميعاً من زمانهم إلى زماننا هذا يتعاملون في أسواقهم بشتى أنواع المعاملات من غير نكير مما يدل على إجماعهم على أن الأصل في هذه المعاملات الحل والإباحة. ومن الأدلة أيضاً: أن المستقرئ لأدلة الشريعة في سائر أبواب كتاب البيع يجد أن الأدلة حرصت على بيان العقود المحرمة فقط، فغالب الأدلة الموجودة إنما هي في بيان ذلك، وهذا يدلنا على أن الأصل هو الحل والإباحة وإنما المراد بيان ما هو محرم فقط، كذلك باب العبادات فالأدلة فيه غالباً تبين ما يجوز منها فقط، أما ما لا يجوز فهو نزر قليل مما يدل على أن الأصل فيه المنع، فالشريعة تحرص على بيان المحرم منه، وباب المعاملات غالب الأدلة فيه إنما هي في بيان المعاملات المحرمة فدل ذلك على أن الأصل فيه الجواز والحل، والله أعلم] . قواعد البيوع وفرائد الفروع, وغير ذلك من الأدلة التي لا يتسع المقام لتفصيلها.\rوخلاصة الأمر أن الأصل في باب المعاملات الإباحة إلا ما أخرجه الدليل عن ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346198,"book_id":3840,"shamela_page_id":578,"part":"12","page_num":72,"sequence_num":578,"body":"٧٢ - التعويضات المالية\rيقول السائل: ما قولكم فيما انتشر بين الناس من أن أخذ العوض حرام شرعاً أفيدونا؟ الجواب: إن مبدأ التعويض عن الضرر مشروع في الفقه الإسلامي وقد فصل العلماء الأسباب الشرعية الموجبة للتعويض المالي ولا يتسع المقام لتفصيلها، وقد قامت على أخذ التعويض المالي أدلة كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ووردت آثار عن الصحابة والتابعين وعمل بهذا المبدأ فقهاء الأمة فمن ذلك قوله تعالى: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) سورة النساء الآية ٩٢. فقد قرر الله ﷻ مبدأ التعويض المالي عن قتل النفس المعصومة خطأً وألحق الفقهاء بذلك الدية في القتل العمد وشبه العمد لما ثبت عندهم من الأدلة في ذلك.\rوعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت على أهل اليمن هذه نسختها من محمد النبي ﷺ إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال قيل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد وكان في كتابه أن من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول وأن في النفس الدية مائة من الإبل وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية وفي الذكر الدية وفي الصلب الدية وفي العينين الدية وفي الرِجل الواحدة نصف الدية وفي المأمومة ثلث الدية وفي الجائفة ثلث الدية وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل وفي السن خمس من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل وأن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار) رواه النسائي والدارمي وغيرهما وهو حديث صحيح. وورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط أو العصا فيه مئة من الإبل ...) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان وابن القطان وغيرها. وكذلك ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها. فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها عبد أو وليده وقضى بدية المرأة على عاقلتها) رواه البخاري ومسلم.\rوكذلك ثبت التعويض المالي في الاعتداء على الإنسان فما دون النفس وهو الاعتداء على الأعضاء كقطع اليد أو الرجل وهذا يسمى الأرش عند الفقهاء وقد ثبت ذلك في كتاب عمرو بن حزم الذي سبقت الإشارة إليه.\rومن النصوص الدالة على جواز أخذ التعويض المالي قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) سورة البقرة الآية ١٩٤. وقال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) سورة النحل الآية ١٢٦. ومما يدل على مشروعية التعويض بالمال قصة داود وسليمان ﵉ في الغنم التي نفشت في الحرث قال تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّاءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) سورة الأنبياء الآيات ٧٨-٧٩. قال الشوكاني: [فإن قلت فما حكم هذه الحادثة التي حكم فيها داود وسليمان في هذه الشريعة المحمدية والملة الإسلامية قلت قد ثبت عن النبي ﷺ من حديث البراء أنه شرع لأمته أن على أهل الماشية حفظها بالليل وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها وهذا الضمان هو مقدار الذاهب عيناً أو قيمةً وقد ذهب جمهور العلماء إلى العمل بما تضمنه هذا الحديث] تفسير فتح القدير ٣/ ٤١٨.\rومما يدل على ذلك أيضاً ما ورد في الحديث عن حرام بن محيصة (أن ناقة للبراء دخلت حائطاً فأفسدت فيه فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها) رواه أحمد ومالك. وفي رواية أخرى (أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته عليهم فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل) رواه أبو داود وابن ماجة وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٨١. وقال الشافعي عن الحديث أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله، التلخيص الحبير ٤/٨٦ والحائط هو البستان إذا كان عليه جدار. عون المعبود ٩/٣٥٠ وحديث البراء يعتبر أصلاً في تضمين أصحاب الحيوانات لما أتلفته حيواناتهم ليلاً لقوله ﷺ: (وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها) . قال الحافظ ابن عبد البر: [ضامن هنا بمعنى مضمون] الاستذكار ٢٢/٢٥٠. ومعنى ذلك أنه يلزمهم تعويض أصحاب الزروع والبساتين عما أتلفته حيواناتهم.\rومما يدل على جواز أخذ التعويض المالي أيضاً ما ورد في الحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام فضربت بيدها فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام وقال كلوا وحبس الرسول ﷺ القصعة حتى فرغوا فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة) رواه البخاري وفي رواية أخرى عن أنس: (قال أهدت بعض أزواج النبي ﷺ إليه طعاماً في قصعة فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها فقال النبي ﷺ طعامٌ بطعامٍ وإناءٌ بإناءٍ) رواه الترمذي وصححه. قال الشوكاني: [قوله (إناءٌ بإناءٍ) فيه دليل على أن القيمي يضمن بمثله ولا يضمن بالقيمة إلا عند عدم المثل ويؤيده ما في رواية البخاري المتقدمة بلفظ ودفع القصعة الصحيحة للرسول وبه احتج الشافعي والكوفيون وقال مالك إن القيمي يضمن بقيمته مطلقا وفي رواية عنه كالمذهب الأول٠ وفي رواية عنه أخرى ما صنعه الآدمي فالمثل وأما الحيوان فالقيمة وعنه أيضا ما كان مكيلاً أو موزوناً فالقيمة وإلا فالمثل قال في الفتح وهو المشهور عندهم وقد ذهب إلى ما قاله مالك من ضمان القيمي بقيمته مطلقاً جماعة من أهل العلم منهم الهادوية ولا خلاف في أن المثلي يضمن بمثله] نيل الأوطار ٦/٧١.\rوروى عبد الرزاق بسنده عن الحسن قال أرسل عمر بن الخطاب ﵁ إلى امرأة مغيبة - أي زوجها غائب - كان يُدخل عليها فأنكر ذلك فأرسل إليها فقيل لها: أجيبي عمر فقالت: يا ويلها ما لها ولعمر! قال: فبينا هي في الطريق فزعت فضربها الطلق فدخلت داراً فألقت ولدها فصاح الصبي صيحتين ثم مات فاستشار عمر أصحاب النبي ﷺ فأشار عليه بعضهم أن ليس عليك شيء إنما أنت والٍ ومؤدب، قال: وصمت علي فأقبل عليه، فقال: ما تقول؟ قال: إن كانوا قالوا برأيهم أخطأ رأيهم وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك أرى أن ديته عليك فإنك أنت أفزعتها وألقت ولدها في سببك قال: فأمر علياً أن يقسم عقله – أي ديته - على قريش، يعني يأخذ عقله من قريش لأنه خطأ) .\rوروي في الأثر أن عمر ﵁ قضى في رجل نخس دابة عليها راكب فصدمت آخر فقتلته أنه على الناخس لا على الراكب. فقه عمر ٢/٨٥.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز شرعاً أخذ التعويض المالي إذا كان للتعويض سبب مشروع كما هو الحال في الدية والتعويض عن حوادث الاعتداء على الممتلكات ونحو ذلك وأما من اختار العفو فله الأجر والثواب إن كانت نيته في العفو لله تعالى لقوله ﷻ ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين﴾ سورة الشورى الآية ٤٠. ولقوله تعالى ﴿وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾ سورة التغابن الآية ١٤.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346199,"book_id":3840,"shamela_page_id":579,"part":"12","page_num":73,"sequence_num":579,"body":"٧٣ - الغش\rيقول السائل: ما قولكم فيما يفعله بعض اللحامين (الجزارين) من بيعهم اللحوم المثلجة المستوردة على أنها لحوم طازجة حيث إنهم يأتون باللحوم المجمدة ثم يطرونها ويبيعونها للناس على أنها لحوم بلدية طازجة وبأسعار اللحم البلدي مع أن الفرق كبير في السعر والجودة بين اللحم المجمد المستورد وبين اللحم البلدي الطازج، أرجو بيان الحكم الشرعي في ذلك الجواب: إن من قواعد البيع والشراء في الشريعة الإسلامية تحريم الغش بكل صوره وأشكاله وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الغش منها ما ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ: (مرََّ على صُبرة طعام - كومة - فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، أي المطر. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس مني) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم: (من غشنا فليس منا) . وفي رواية أخرى للحديث السابق عن أنس بن مالك ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ إلى السوق فرأى طعاماً مصبراً فأدخل يده فأخرج طعاماً رطباً قد أصابته السماء فقال لصاحبه: ما حملك على هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق إنه لطعام واحد قال: أفلا عزلت الرطب على حدته واليابس على حدته فيبتاعون ما يعرفون، من غشنا فليس منا) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد وقال الشيخ الألباني حسن لغيره. صحيح الترغيب والترهيب ٢/٣٣٤-٣٣٥. وجاء في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من حمل السلاح علينا فليس منا ومن غشنا فليس منا) رواه مسلم وفي قول النبي ﷺ في الحديث السابق (ليس منا) زجرٌ شديد عن الغش، ورادعٌ من الوقوع في مستنقعه الآسن..قال صاحب عون المعبود [قال الخطابي: معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا, يريد أن من غش أخاه وترك مناصحته فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي ... وهذا كما يقول الرجل لصاحبه أنا منك وإليك, يريد بذلك المتابعة والموافقة, ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿فمن تبعني فإنه مني , ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ ] . عون المعبود شرح سنن أبي داود ٩/٢٣١. وجاء في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم ولا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعاً فيه عيب أن لا يبينه) رواه أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه وقال الشيخ الألباني: صحيح. إرواء الغليل ٥/١٦٥. وعن أبي سباع قال: [اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسفع ﵁ فلما خرجت بها أدركن رجل فقال: اشتريت؟ قلت: نعم. قال: وبين لك ما فيها. قلت: وما فيها؟ إنها لسمينة ظاهرة الصحة. قال: أردت بها سفراً أو أردت بها لحماً؟ قلت: أردت بها الحج. قال: ارتجعها. فقال صاحبها: ما أردت إلى هذا أصلحك الله تفسد عليَّ. قال: إني سمعت رسول ﷺ يقول: لا يحل لأحد أن يبيع شيئاً إلا بيّن ما فيه ولا يحل لمن علم ذلك إلا بينه) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\rوهذه الأدلة ظاهرة الدلالة على تحريم الغش باعتباره وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل إذ أن حقيقة الغش هي إخفاء وكتمان ما في السلعة من نقص أو عيب. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٢٩. والغش ينافي عصمة أموال المسلمين التي جاءت بها الشريعة الإسلامية كما جاء في الحديث الشريف من قول النبي ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) رواه أحمد والبيهقي وابن حبان وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٥/٢٧٩. والغش بمقتضى الأحاديث السابقة يعتبر من كبائر الذنوب. قال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي: [تنبيه: عدُّ هذا - الغش - كبيرة هو ظاهر بعض ما في هذه الأحاديث من نفي الإسلام عنه مع كونه لم يزل في مقت الله أو كون الملائكة تلعنه ... وضابط الغش المحرم أن يعلم ذو السلعة من نحو بائع أو مشتر فيها شيئاً لو اطلع عليه مريد أخذها ما أخذها بذلك المقابل فيجب عليه أن يعلمه به ليدخل في أخذه على بصيرة، ويؤخذ من حديث واثلة وغيره ما صرح به أصحابنا أنه يجب أيضاً على أجنبي علم بالسلعة عيباً أن يخبر به مريد أخذها وإن لم يسأله عنها كما يجب عليه إذا رأى إنساناً يخطب امرأة ويعلم بها أو به عيباً أو رأى إنساناً يريد أن يخالط آخر لمعاملة أو صداقة أو قراءة ... وعلم بأحدهما عيباً أن يخبر به وإن لم يستشر به كل ذلك أداء للنصيحة المتأكد وجوبها لخاصة المسلمين وعامتهم] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٥٤٣. وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي أيضاً: [ونحن لا نحرم التجارة ولا البيع والشراء فقد كان أصحاب النبي ﷺ يتبايعون ويتجرون في البزر وغيره من المتاجر، وكذلك العلماء والصلحاء بعدهم ما زالوا يتجرون ولكن على القانون الشرعي والحال المرضي الذي أشار الله تعالى إليه بقوله عز قائلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ سورة النساء الآية ٢٩. فبين الله أن التجارة لا تحمد ولا تحل إلا إن صدرت عن التراضي من الجانبين والتراضي إنما يحصل حيث لم يكن هناك غش ولا تدليس، وأما حيث كان هناك غش وتدليس بحيث أخذ أكثر مال الشخص وهو لا يشعر بفعل تلك الحيلة الباطلة معه المبنية على الغش ومخادعة الله ورسوله فذلك حرام شديد التحريم موجب لمقت الله ومقت رسوله وفاعله داخل تحت الأحاديث السابقة والآتية، فعلى من أراد رضا الله ورسوله وسلامة دينه ودنياه ومروءته وعرضه وأخراه أن يتحرى لدينه وأن لا يبيع شيئاً من تلك البيوع المبنية على الغش والخديعة] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٥٤٦. وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي أيضاً: [كله حرام شديد التحريم موجب لصاحبه أنه فاسق غشاش خائن يأكل أموال الناس بالباطل ويخادع الله ورسوله وما يخادع إلا نفسه لأن عقاب ذلك ليس إلا عليه، وكثرة ذلك تدل على فساد الزمان وقرب الساعة، وفساد الأموال والمعاملات ونزع البركات من المتاجر والبياعات والزرعات بل ومن الأراضي المزروعات، وتأمل قوله ﷺ: (ليس القحط أن لا تمطروا، وإنما القحط أن تمطروا، ولا يبارك لكم فيه) أي بواسطة تلك القبائح والعظيمات التي أنتم عليها في تجاراتكم ومعاملاتكم، ولهذه القبائح التي ارتكبها التجار والمتسببون وأرباب الحرف والصنائع سلط الله عليهم الظلمة فأخذوا أموالهم وهتكوا حريمهم بل وسلط عليهم الكفار فأسروهم واستعبدوهم وأذاقوهم العذاب والهوان ألواناً، وكثرة تسلط الكفار على المسلمين بالأسر والنهب وأخذ الأموال والحريم، إنما حدث في هذه الأزمنة المتأخرة لما أن أحدث التجار وغيرهم قبائح ذلك الغش الكثيرة المتنوعة وعظائم تلك الجنايات والمخادعات والتخيلات الباطلة على أخذ أموال الناس بأي طريق قدروا عليها لا يراقبون الله المطلع عليهم، ولا يخشون سطوة عقابه ومقته مع أنه تعالى عليهم بالمرصاد ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ سورة غافر الآية ١٩. ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ سورة طه الآية ٧. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ سورة الملك الآية ١٤. ولو تأمل الغشاش الخائن الآكل أموال الناس بالباطل ما جاء في إثم ذلك في القرآن والسنة لربما انزجر عن ذلك أو عن بعضه، ولو لم يكن من عقابه إلا قوله ﷺ: (إن العبد ليقذف اللقمة من حرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من حرام فالنار أولى به) وقوله ﷺ: (إنه لا دين لمن لا أمانة له) .] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٥٤٧.\rوقد ذكر بعض أهل العلم مضار الغش وهي\r١. الغش طريق موصل إلى النار. ٢. الغش دليل على دناءة النفس وخبثها، فلا يفعله إلا كل دنيء نفسٍ هانت عليه نفسه فأوردها مورد الهلاك والعطب. ٣. الغش يبعد عن الله وعن الناس. ٤. الغش طريق لحرمان إجابة الدعاء. ٥. الغش طريق لحرمان البركة في المال والعمر. ٦. الغش دليل على نقص الإيمان.\rوخلاصة الأمر أن ما يقوم به اللحامون المذكورون في السؤال من بيع اللحوم المجمدة على أنها لحوم طازجة حرام قطعاً وأنه من الغش وهو كبيرة من كبائر الذنوب والمال الذي يأخذونه مال حرام وكسب خبيث والله ﷾ لا يبارك فيه والواجب عليهم أن يتوبوا من هذه المعصية الكبيرة وأن يصدقوا في تعاملهم مع الناس فإن الله ﷾ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346200,"book_id":3840,"shamela_page_id":580,"part":"12","page_num":74,"sequence_num":580,"body":"٧٤ - الربا\rيقول السائل: اشترى رجل كيس أرز من تاجر بدون الاتفاق على تسمية ثمنه على أن يدفع المشتري الثمن مؤجلاً وحسب سعر السوق وقت تسديد الثمن. فما حكم ذلك؟ الجواب: لا يصح البيع بدون ذكر الثمن عند العقد لأن ذلك من بيع الغرر؛ وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر كما رواه مسلم في صحيحه. ويدخل في الغرر الجهل بالثمن فإن الجهل بالثمن أو عدم معلومية الثمن تفضي إلى النزاع والخلاف بين المتعاقدين وكذلك فإنها جهالة مفضية إلى بطلان العقد حيث إن معرفة مقدار الثمن شرط من شروط صحة البيع عند جمهور الفقهاء. قال الشيخ أبو إسحق الشيرازي في المهذب: [ولا يجوز إلا بثمن معلوم القدر فإن باع بثمن مجهول كبيع السلعة برقمها وبيع السلعة بما باع فلان سلعته وهما لا يعلمان ذلك فالبيع باطل لأنه عوض فلم يجز مع الجهل بقدره كالمسلم فيه] المهذب مع المجموع ٩/٣٣٢.\rوقال الإمام النووي: [يشترط في صحة البيع أن يذكر الثمن في حال العقد فيقول: بعتكه بكذا، فإن قال: بعتك هذا واقتصر على هذا فقال المخاطب: اشتريت أو قبلت لم يكن هذا بيعاً بلا خلاف ولا يحصل به الملك للقابل على المذهب وبه قطع الجمهور] المجموع ٩/١٧١.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [... لأن العلم بالثمن شرط لصحة البيع فلا يثبت بدونه] المغني ٤/١٤٤.\rوذكر المرادي الحنبلي من شروط صحة البيع: [أن يكون الثمن معلوماً] الإنصاف ٤/٣٠٩.\rوجاء في المادة ٢٣٧ من مجلة الأحكام العدلية: [تسمية الثمن حين البيع لازمة فلو باع بدون تسمية ثمن كان البيع فاسداً] . وجاء في المادة ٢٣٨ من مجلة الأحكام العدلية: يلزم أن يكون الثمن معلوماً والعلم بالثمن (١) العلم بقدره (٢) العلم بوصفه صراحة أو عرفاً، وكذلك إذا كان الثمن يحتاج حمله إلى نفقة وجب العلم بمكان التسليم وكل ذلك لازم لئلا يفسد البيع فإن الجهل بالثمن مؤد إلى النزاع فإذا كان الثمن مجهولاً فالبيع فاسد ويفهم من لفظتي (قدراً، وصفاً) . إن الثمن يجب أن يكون معلوماً وصفاً كأن يقال: دينار سوري أو مصري أو إنكليزي (ابن عابدين على البحر) والمسائل التي تتفرع عن هذه المادة هي: ١ - إذا قال إنسان لآخر: بعتك هذا المال برأس ماله أو بقيمته الحقيقية أو بالقيمة التي يقدرها المخمنون أو بالثمن الذي شرى به فلان فإذا لم تقدر القيمة ويعين ثمن المبيع في المجلس فالبيع فاسد ما لم يكن المبيع مما لا تتفاوت قيمته كالخبز] شرح درر الحكام ١/٢١٧ -٢١٨.\rوكلامه في أن البيع فاسد لا باطل بناءً على أصل الحنفية في التفريق بين الباطل والفاد حيث إن الحنفية يفرقون بينهما في المعاملات فالباطل عندهم ما كان الخلل واقعاً فيه في أصل العقد والفاسد ما كان الخلل واقعاً في صفة العقد وهذا التفريق عند الحنفية تفريق عملي لا نظري.\rوخلاصة الأمر أن البيع بدون ذكر الثمن بيع باطل لا تترتب عليه آثاره شرعاً كما هو مذهب جمهور أهل العلم والمعاملة المذكورة في السؤال باطلة لا تصح.\rوبهذه المناسبة أودُّ التنبيه على أنواع من المخالفات التي تقع في البيع والشراء ويتعامل بها بعض الناس فمن ذلك الصور التالية:\rالصورة الأولى: هنالك من يشتري سلعة بثمن معلوم ولكنه مؤجل لمدة شهرين أو ستة أشهر أو نحو ذلك ويتم الاتفاق بين البائع والمشتري على أنه إن بقي سعر السلعة في السوق كما تم عليه الاتفاق في يوم البيع فإن المشتري إذا حلَّ الأجل دفع الثمن حسب الاتفاق السابق وأما إن طرأ ارتفاع على الأسعار فإنه يدفع الثمن حسب السعر الجديد عندما يحل الأجل فهذه المعاملة معاملة ربوية محرمة شرعاً لأن الثمن إذا استقر في ذمة المشتري فأي زيادة تلحق الثمن بعد ذلك تكون زيادة ربوية محرمة شرعاً.\rوقد قرر الفقهاء أن ثمن السلعة المؤجل إنما هو دين استقر في ذمة المشتري والأصل في الديون أن تقضى كما استقرت في الذمة بدون زيادة.\rالصورة الثانية: إذا اشترى شخص سلعة إلى أجل بالشيكل فإن المتعاقدين يتفقان على أن يتم السداد بالدينار الأردني.\rوهذه الصورة لا تجوز شرعاً لأن الديْن إذا استقر في الذمة بعملة معينة فيجب قضاؤه بنفس تلك العملة ولا يجوز أن يسجل في ذمة المدين بعملة أخرى.\rوقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم ٧٩/٦/٨ ما يلي: [رابعاً: الدين الحاصل بعملة معينة لا يجوز الاتفاق على تسجيله في ذمة المدين بما يعادل قيمة تلك العملة من الذهب أو من عملة أخرى على معنى أن يلتزم المدين بأداء الدين بالذهب أو العملة الأخرى المتفق على الأداء بها] مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد ٨ ج ٣/٧٨٨.\rالحالة الثالثة: إذا اشترى شخص سلعة بالشيكل ثم ماطل في سداد الثمن فإن البائع يقوم بتحويل السعر إلى الدينار الأردني فهذه الصورة شبيهة بالصورة السابقة إلا أن تحويل الدين هذا تم بإرادة البائع منفرداً وهذه الصورة لا تجوز شرعاً لما ذكرته فيما سبق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346201,"book_id":3840,"shamela_page_id":581,"part":"12","page_num":75,"sequence_num":581,"body":"٧٥ -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346202,"book_id":3840,"shamela_page_id":582,"part":"12","page_num":76,"sequence_num":582,"body":"٧٦ - الضمان\rيقول السائل: إن دابته قد انفلتت من رباطها ليلاً وهربت من مربطها وحطمت في طريقها كمية من البلاط لأحد الجيران فطالبه صاحب البلاط بالتعويض المالي فما الحكم في ذلك؟ الجواب: الأصل عند أهل العلم أن مالك الحيوانات ومن في حكمه هو الضامن إذا كان معها لما تتسبب فيه الحيوانات من جناية على نفس أو مال بضوابط وشروط عند أرباب المذاهب الفقهية\rقال الإمام النووي: [إذا كان مع البهيمة شخص ضمن ما أتلفته من نفس ومال سواء أتلفت ليلاً أو نهاراً وسواء كان سائقها أو راكبها أو قائدها وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو عضها أو ذنبها لأنها تحت يده وعليه تعهدها وحفظها وسواء كان الذي مع البهيمة مالكها أو أجيره أو مستأجراً أو مستعيراً أو غاصباً لشمول اليد وسواء البهيمة الواحدة والعدد] روضة الطالبين ٧/٤٠٠.\rوأما إذا لم يكن مع البهيمة أحد من مالك وغيره ففي ذلك تفصيل عند العلماء فقد ورد في الحديث عن حرام بن محيصة عن أبيه أن (ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته عليهم فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل) رواه أبو داود وابن ماجة وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٨١. وفي رواية أخرى عن حرام بن محصية الأنصاري عن البراء بن عازب قال: (كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدت فيه فَكُلِّم رسول الله ﷺ فيها فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل) رواه أبو داود وابن ماجة وصححه الألباني في المصدر السابق.\rوقال الشافعي عن الحديث أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله التلخيص الحبير ٤/٨٦\rوالحائط هو البستان إذا كان عليه جدار. عون المعبود ٩/٣٥٠.\rوفي رواية أخرى أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها) رواه مالك في الموطأ والدارقطني. وحديث البراء يعتبر أصلاً في تضمين أصحاب الحيوانات لما أتلفته حيواناتهم ليلاً لقوله ﷺ: (وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها) . قال الحافظ ابن عبد البر: [ضامن هنا بمعنى مضمون] الاستذكار ٢٢/٢٥٠.\rومن أهل العلم من يحتج في هذه المسألة بقصة داود وسليمان ﵉ في الغنم التي نفشت في الحرث قال تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّاءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) سورة الأنبياء الآيات ٧٨-٧٩.\rقال الشوكاني: [فإن قلت فما حكم هذه الحادثة التي حكم فيها داود وسليمان في هذه الشريعة المحمدية والملة الإسلامية قلت قد ثبت عن النبي ﷺ من حديث البراء أنه شرع لأمته أن على أهل الماشية حفظها بالليل وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها وهذا الضمان هو مقدار الذاهب عينا أو قيمة وقد ذهب جمهور العلماء إلى العمل بما تضمنه هذا الحديث] تفسير فتح القدير ٣/ ٤١٨.\rوقال الباجي: [فأما فساد الزروع والحوائط والكروم فقال مالك والشافعي وأهل الحجاز في ذلك ما ذكرناه عنهم في هذا الباب. وحجتهم حديث البراء بن عازي المذكور فيه مع ما دل عليه القرآن في قصة داود وسليمان: (إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) ولا خلاف بين أهل اللغة أن النفش لا يكون إلا بالليل. وكذلك قال جماعة العلماء بتأويل القرآن وقال الله ﷿ لمحمد ﷺ عند ذكر من ذكر من أنبيائه في سورة الأنعام: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) فجاز الإقتداء بكل ما ورد به القرآن من شرائع الأنبياء. إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له من نسخ في الكتاب أو سنة واردة عن النبي ﷺ بخلاف ذلك تبين مراد الله فيعلم حينئذ أن شريعتنا مخالفة لشريعتهم فتحمل على ما يجب الاحتمال عليه من ذلك وبالله التوفيق] فتح المالك ٨/٣٤٤-٣٤٥.\rوقد قال جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة بتضمين أصحاب المواشي ما أتلفته مواشيهم ليلاً. قال الإمام البغوي: [ذهب إلى هذا بعض أهل العلم أن ما أفسدت الماشية بالنهار من مال الغير فلا ضمان على ربها وما أفسدت بالليل يضمنه ربها لأن في عرف الناس أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار وأصحاب المواشي يسرحونها بالنهار ويردونها بالليل إلى المراح فمن خالف هذه العادة كان خارجاً عن رسوم الحفظ إلى حد التضييع هذا إذا لم يكن مالك الدابة معها فإن كان معها فعليه ضمان ما أتلفته سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها أو كانت واقفة وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو فمها وإلى هذا ذهب مالك والشافعي] شرح السنة ٨/٢٣٦\rوقال الحافظ ابن عبد البر: [وإنما وجب - والله أعلم - الضمان على أرباب المواشي فيما أفسدت من الزرع وشبهه بالليل دون النهار لأن الليل وقت رجوع الماشية إلى مواضع مبيتها من دور أصحابها ورحالهم ليحفظوها ويمسكوها عن الخروج إلى حرث الناس وحوائطهم لأنها لا يمكن أربابها من حفظها بالليل لأنه وقت سكون وراحة لهم مع علمهم أن المواشي قد آواها أربابها إلى أماكن قرارها ومبيتها وأما النهار فيمكن فيه حفظ الحوائط وحرزها وتعاهدها ودفع المواشي عنها. ولا غنى لأصحاب المواشي عن مشيتها لترعى فهو عيشها فألزم أهل الحوائط حفظها نهاراً لذلك والله أعلم وألزم أرباب الماشية ضمان ما أفسدت ليلاً لتفريطهم في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل. ولما كان على أرباب الحوائط حفظ حوائطهم في النار فلم يفعلوا كانت المصيبة منهم لتفريطهم أيضاً وتضييعهم ما كان يلزمهم من حراسة أموالهم] الاستذكار ٢٢/٢٥٤-٢٥٥.\rويؤخذ من كلام أهل العلم أن تفريق النبي ﷺ بين إفساد المواشي بالنهار وإفسادها بالليل لأنه بالنهار يمكن التحفظ من الماشية دون الليل فإذا أتلفت بالنهار فالتقصير من أصحاب المزارع في حفظ زروعهم فلا يكون الإتلاف بالنهار موجباً للضمان بخلاف الإتلاف بالليل فإن التقصير يكون من صاحب المواشي فيكون الإتلاف بالليل موجباً للضمان. انظر الضرر في الفقه الإسلامي ١/٣٥٠.\rوقد ذهب بعض أهل العلم إلى تخصيص حديث ناقة البراء بإتلاف المزروعات فقط ولم يعتبروا إتلاف الحيوانات لغير المزروعات موجباً للضمان قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإن أتلفت البهيمة غير الزرع لم يضمن مالكها ما أتلفته ليلاً كان أو نهاراً ما لم تكن يده عليها وحكي عن شريح أنه قضى في شاة وقعت في غزل حائك ليلاً بالضمان على صاحبها وقرأ شريح: (إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) قال والنفش لا يكون إلا بالليل وعن الثوري يضمن وإن كان نهاراً لأنه مفرط بإرسالها. ولنا: قول النبي ﷺ: (العجماء جرحها جبار) متفق عليه أي هدر وأما الآية فإن النفش هو الرعي بالليل فكان هذا في الحرث الذي تفسده البهائم طبعاً بالرعي وتدعوها نفسها إلى أكله بخلاف غيره فلا يصح قياس غيره عليه] المغني ٩/١٨٩. وأقول إن هذا تفريق غير مسلَّم فإن الشريعة لا تفرق بين متماثلين وما ذهب إليه شريح القاضي هو الراجح إن شاء الله فتضمينه لصاحب الشاة ما أتلفته من غزل الحائك عملاً بالمعنى الذي أرشد إليه حديث ناقة البراء حيث إن حفظ المال من مقاصد الشريعة وما قضى به شريح رواه عبد الرزاق بسنده عن الشعبي أن شاة وقعت في غزل حوَّاك فاختصموا إلى شريح فقال الشعبي: انظروه فإنه سيسألهم أليلاً وقعت فيه أو نهاراً؟ ففعل ثم قال: إن كان بالليل ضمن وإن كان بالنهار لم يضمن ثم قرأ شريح: (إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) قال: والنفش بالليل والهمل بالنهار. مصنف عبد الرزاق ١٠/٨٢. فلا معنىً للتفريق بين الزروع وغيرها.\rوقد وجدتُ إشارات إلى عدم التفرق بين الزروع وغيرها في كلام بعض أهل العلم. قال الإمام النووي: [... وأتلفت زرعاً أو غيره نظر إن أتلفته بالنهار فلا ضمان على صاحبها وإن أتلفته بالليل لوم صاحبها الضمان للحديث الصحيح ... ] روضة الطالبين ٧/٣٩٩. وينبغي أن يعلم أن القول بتضمين أصحاب الحيوانات ما أتلفته حيواناتهم ليلاً إنما يلزمهم الضمان إن قصروا في حفظ حيواناتهم ليلاً أما إن أخذوا بأسباب حفظها فانفلتت بدون تقصير منهم فأتلفت شيئاً فلا ضمان عليهم. قال الإمام النووي: [لو ربط بهيمة وأغلق بابه واحتاط على العادة ففتح الباب لص أو انهدم الجدار فخرجت ليلاً فلا ضمان إذ لا تقصير] روضة الطالبين ٧/٤٠٠.\rوخلاصة الأمر أن صاحب الدابة المذكورة في السؤال ضامن لما أتلفته دابته ليلاً إن قصر في حفظها ولم يأخذ بالأسباب الموجبة لذلك فإن لم يقصر فلا ضمان عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346203,"book_id":3840,"shamela_page_id":583,"part":"12","page_num":77,"sequence_num":583,"body":"٧٧ - الغش\r: يقول السائل: إن بعض المزارعين في بلدتهم يدهنون ثمار التين بالزيت حتى يسرع نضجها ويبيعونها في السوق مع العلم أن طعمها مختلف عن الثمار التي تنضج بشكل طبيعي فما حكم ذلك؟ الجواب: يحرم الغش في البيع والشراء بجميع أشكاله وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مرَّ على صبرة - كومة - طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غشنا فليس منا) رواه مسلم. وفي رواية أخرى للحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ إلى السوق فرأى طعاماً مصبراً فأدخل يده فأخرج طعاماً رطباً قد أصابته السماء فقال لصاحبه: ما حملك على هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق إنه لطعام واحد قال: أفلا عزلت الرطب على حدته واليابس على حدته فيبتاعون ما يعرفون، من غشنا فليس منا) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد وقال الألباني حسن لغيره. صحيح الترغيب والترهيب ٢/٣٣٤-٣٣٥.\rوبناء على ما سبق فيجب على البائع أن يبين للناس ما في السلعة من عيب إن كان فيها ويحرم عليه أن يكتم شيئاً من عيوبها فإذا أعلم المشتري بالعيب ثم اشترى السلعة مع علمه بالعيب يكون البائع قد أبرأ ذمته فقد جاء في الحديث عن أبي سباع قال: اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع فلما خرجت بها أدركني وهو يجر إزراه فقال: يا عبد الله اشتريت؟ قلت: نعم. قال: بين لك ما فيها؟ قلت: وما فيها؟ إنها لسمينة ظاهرة الصحة قال: أردت بها سفراً أو أردت بها لحماً؟ قلت: أردت بها الحج. قال: فإن بخفها نقباً. فقال صاحبها: ما أردت أي هذا أصلحك الله تفسد علي؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يحل لأحد يبيع شيئاً إلا بين ما فيه ولا يحل لمن علم ذلك إلا بينه) رواه الحاكم والبيهقي وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وقال الألباني حسن لغيره. المصدر السابق ٢/٣٣٧-٣٣٨.\rوعن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم ولا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعاً فيه عيب أن لا يبينه) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني في الكبير. وقال الألباني: صحيح. المصدر السابق ٢/٣٣٨.\rوخلاصة الأمر أن دهن التين بالزيت لينضج قبل أوانه غش محرم شرعاً إلا إذا بين البائع ذلك وقبل به المشتري.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346204,"book_id":3840,"shamela_page_id":584,"part":"12","page_num":78,"sequence_num":584,"body":"٧٨ - تغير قيمة العملة\rيقول السائل: إنه يعمل في إحدى المؤسسات وإن هذه المؤسسة قد تأخرت في دفع بعض رواتبه لعدة شهور وفي هذه الفترة انخفضت قيمة العملة فهل يجوز له أن يطالب المؤسسة بتعويضه عن انخفاض العملة؟ الجواب: إن الأصل المقرر في الفقه الإسلامي أن الديون تقضى بأمثالها ولا تقضى بقيمتها ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (أتيت النبي ﷺ فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال ﷺ: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء) وفي رواية أخرى: (أبيع بالدنانير وآخذ مكانها الورق وأبيع بالورق وآخذ مكانها الدنانير) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي (فابن عمر كان يبيع الإبل بالدنانير أو الدراهم وقد يقبض الثمن في الحال وقد يبيع بيعاً آجلاً وعند قبض الثمن ربما لا يجد مع المشتري بالدنانير إلا دراهم وقد يجد مع من اشترى بدراهم ليس معه إلا دنانير أفيأخذ قيمة الثمن يوم ثبوت الدين أم يوم الأداء؟ مثلاً إذا باع بمئة دينار وكان سعر الصرف: الدينار بعشرة دراهم أي أن له ما قيمته ألف درهم وتغير سعر الصرف فأصبح الدينار مثلاً بأحد عشر درهماً أفيأخذ الألف أم ألفاً ومئة؟ وإذا أصبح بتسعة دراهم فقط أفيأخذ تسعمئة درهم يمكن صرفها بمئة دينار يوم الأداء أم يأخذ ألف درهم قيمة مئة الدينار يوم البيع؟ بين الرسول ﷺ أن العبرة بسعر الصرف يوم الأداء وابن عمر الذي عرف الحكم من الرسول الكريم سأله بكر بن عبد الله المزني ومسروق العجلي عن كري لهما له عليهما دراهم وليس معهما إلا دنانير فقال ابن عمر: أعطوه بسعر السوق.\rفهذا الحديث الشريف يعتبر أصلاً في أن الدين يؤدى بمثله لا بقيمته حيث يؤدي عن تعذر المثل بما يقوم مقامه وهو سعر الصرف يوم الأداء يوم الأداء لا يوم ثبوت الدين] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥ جزء ٣ ص١٧٢٧-١٧٢٨. وهذا مذهب أكثر الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة واختاره كثير من الفقهاء والعلماء المعاصرين حيث إنهم يرون أن الدين إذا استقر في ذمة المشتري بمقدار محدد فالواجب هو تسديد ذلك المقدار بدون زيادة أو نقصان فالديون تقضى بأمثالها في حالة الرخص والغلاء ولا تقضى بقيمتها جاء في المدونة: [كل شيء أعطيته إلى أجل فرد إلك مثله وزيادة فهو ربا] المدونة ٤/٢٥.\rوقال أبو إسحاق الشيرازي: [ويجب على المستقرض رد المثل فيما له مثل لأن مقتضى القرض رد المثل] المهذب مع المجموع ١٢/١٨٥.\rوقال الكاساني: [ولو لم تكسد - النقود - ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع وعلى المشتري أن ينقد مثلها عدداً ولا يلتفت إلى القيمة هاهنا] بدائع الصنائع ٥/٥٤٢.\rوقال الشيخ ابن عابدين في رسالته عن النقود: [... لأن الإمام الإسبيجاني في شرح الطحاوي قال: وأجمعوا على أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد] رسالة تنبيه الرقود على مسائل النقود ٢/٦٠ ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [لا يجب في الفرق إلا رد المثل بلا زيادة] مجموع الفتاوى ٢٩/٥٣٥.\rوقال العلامة الغزي: [أما إذا غلت قيمتها أو ازدادت، فالبيع على حاله، ولا يتخير المشتري، ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع، كذا في فتح القدير. وفي البزازية معزياً إلى المنتقى: [غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول والثاني أولاً ليس عليه غيرها) رسالة بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود ص ٨٣ -٨٤.\rويضاف إلى ما سبق أن معظم فقهاء العصر يرون أن الديون تقضى بأمثالها ولا تقضى بقيمتها إلا إذا كان تغير قيمة العملة كبيراً كما ذكرت سابقاً ويرون أن قضاء الديون بقيمتها يعد من الربا المحرم شرعاً [إن الحكم على المدين المماطل بتعويض دائنه بفرق هبوط القوة الشرائية للنقد عقب مطله غير سائغ شرعاً إذ هو وقوع في حمى الربا المحرم تحت ستار تعويض الدائن عن انخفاض القوة الشرائية للنقود، بل إن الدائن ليحصل في كثير من الأحيان باسم ذلك التعويض على ما يزيد قدراً ويفوق جوراً الفوائد التأخيرية في البنوك الربوية] قضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد ص٥٠٠.\rوقد بحث مجمع الفقه الإسلامي هذه المسألة بحثاً مستفيضاً وتوصل العلماء المشاركون في المجمع إلى القرار التالي: [العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضى بأمثالها فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥ ج ٣/٢٢٦١\rومن المعلوم أيضاً أن المدين ليس له علاقة بانخفاض قيمة العملة حتى نقول بأن عليه أن يدفع الفرق فالمدين غير مسؤول عن ذلك حيث إن تغير قيمة العملة ينتج عن أمور كثيرة سياسية كانت أو اقتصادية أو غير ذلك فلا يصح أن نحمل أحد الطرفين مسؤولية ذلك الانخفاض لأن في تحميل المدين نتيجة الانخفاض رفع للظلم عن الدائن ووضعه على المدين وفي القواعد المقررة شرعاً أن الضرر لا يزال بمثله وكذلك فإن الظلم لا يزال بظلم. كما أن انخفاض قيمة العملة عندما يقع فإنه يصيب الأموال ولو كانت بأيدي أصحابها فمثلاً لو أن الموظف المذكور في السؤال قبض رواتبه من المؤسسة في أوقاتها وادخرها إلى الآن فإن انخفاض قيمة العملة سيؤثر عليها بلا شك فهذا الانخفاض ناتج عن أسباب خارجة عن إرادة الموظف والمؤسسة التي يعمل بها. انظر أحكام صرف النقود ص١٩١-١٩٢.\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز للدائن المطالبة بفرق العملة من المدين نتيجة انخفاض قيمة العملة وخاصة أن هذا الانخفاض ليس كبيراً أي لا يتجاوز الثلث الذي اعتبره الفقهاء حداً فاصلاً بين القليل والكثير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346205,"book_id":3840,"shamela_page_id":585,"part":"12","page_num":79,"sequence_num":585,"body":"٧٩ - انتهاء الشركة بموت الشريك\rيقول السائل: إن والده قد توفي وكان شريكاً في شركة تجارية مع عدد من الأشخاص فما مصير مشاركته وهل يحل الورثة محله في الشركة المذكورة؟ الجواب: اتفق الفقهاء على أن موت أحد الشريكين أو الشركاء يعتبر من أسباب انتهاء الشركة فتبطل الشركة إذا مات أحد الشركاء فإذا لم يكن في الشركة سوى اثنان فمات أحدهما بطلت الشركة وأما إذا كانت الشركة بين أكثر من اثنين فتبطل الشركة في حق من مات وأما شركة الباقين على قيد الحياة فلا تبطل وقد نص الفقهاء على أن الشركة تبطل بموت أحد الشريكين قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والشركة من العقود الجائزة تبطل بموت أحد الشريكين] المغني ٥/١٨.\rوجاء في الهداية من كتب الحنفية: [وإذا مات أحد الشريكين بطلت الشركة] وقال الكمال بن الهمام شارحاً لكلام صاحب الهداية: [وإنما بطلت بالموت لأنها تتضمن الوكالة أي مشروط ابتداؤها وبقاؤها بها ضرورة فإنها لا يتحقق ابتداؤها إلا بولاية التصرف لكل منهما في مال الآخر ولا تبقى الولاية إلا ببقاء الوكالة] شرح فتح القدير ٥/٤١٢.\rوجاء في المادة رقم ١٣٥٢ من مجلة الأحكام العدلية ما نصه: [إذا توفي أحد الشريكين أو جن جنوناً مطبقاً تنفسخ الشركة أما في صورة كون الشركاء ثلاثة أو أكثر فيكون انفساخ الشركة في حق الميت أو المجنون فقط وتبقى الشركة في حق الآخرين] . وقال شارح المجلة علي حيدر: [تنفسخ شركة العقد بثمانية أوجه:\rأولاً: إذا توفي أحد الشريكين. ثانياً: إذا جن أحدهما جنوناً مطبقاً. ثالثاً: إذا حجر أحدهما. رابعاً: إذا فسخ أحد الشريكين الشركة. خامساً: إذا أنكر أحد الشريكين الشركة. سادساً: إذا هلك مجموع رأس مال الشركة. سابعاً: إذا تلف رأس مال أحدهما قبل الخلط وقبل الشراء. ثامناً: إذا كانت الشركة مؤقتة وانقضت مدتها لأنه يقتضي أن تتضمن الشركة الوكالة كما جاء في المادة (١٣٣٣) وكما أنه يشترط وجود الوكالة المذكورة ابتداءً يشترط وجودها بقاءً أيضاً وبما أنه بوفاة الشريك أو بجنونه جنوناً مطبقاً تبطل الوكالة فتنفسخ الشركة أيضاً. انظر المادتين (١٥٢٨ و ١٥٣٠) وقد جاء في الطحطاوي (وإنما بطلت الشركة لبطلان الوكالة وإن كانت تابعة لها والمتبوع لا يبطل ببطلان التابع إلا أن الوكالة شرطها ولا يتحقق المشروط بدون شرط) . والمقصود من الشركة هنا شركة العقد كما أشير إلى ذلك شرحاً أما شركة الملك فلا تنفسخ بوفاة أحد الشريكين بل تبقى شركة بين الشريك الحي وبين ورثة الشريك الميت. ولنوضح الآن هذه الأمور الثمانية: وفاة أحد الشريكين، إذا توفي أحد الشريكين تنفسخ الشركة ولو لم يعلم الشريك الآخر بوفاته لأنه عزل حكمي فلا يشترط فيه العلم] درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/٣٦٧-٣٦٨.\rوجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية في بيان أسباب انتهاء الشركة: [موت أحدهما: لأن الموت مبطل للوكالة، والوكالة الضمنية جزء من ماهية الشركة لا تنفك عنها ابتداءً ولا بقاءً، ضرورة الحاجة إلى ثبوت واستمرار ولاية التصرف لكلا الشريكين عن الآخر، منذ قيام الشركة إلى انتهائها. إلا أن بطلان الشركة في الأموال بالموت، لا يتوقف على علم الشريك به؛ لأنه عزل حكمي غير مقصود لا يمكن تقديمه وتأخيره، إذ بمجرد الموت ينتقل شرعاً ملك مال الميت إلى ورثته، فلا يمكن إيقاف ما نفذه الشرع. وإنما تبطل الشركة بالموت بالنسبة للميت. فإذا لم يكن له سوى شريك واحد لم يبق شيء من الشركة بالضرورة، أما إذا كان له أكثر من شريك، فإن شركة الباقين على قيد الحياة باقية. ونص على هذا المبطل أيضاً الشافعية والحنابلة] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٦/٨٨-٨٩. وكذلك فإن القانون المدني قرر انتهاء الشركة بموت أحد الشريكين كما في الوسيط في شرح القانون المدني ٥/٣٦١.\rوينبغي أن يعلم أنه لا مانع شرعاً أو قانوناً من استمرار الشركة بعد وفاة أحد الشركاء ويحل الورثة محل الشريك الميت ويمكن أن ينص على ذلك في عقد الشركة ابتداءً بأنه إذا مات الشريك الفلاني حلَّ ورثته محله. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فإن مات أحد الشريكين وله وارث رشيد فله أن يقيم على الشركة ويأذن له الشريك في التصرف. وله المطالبة بالقسمة فإن كان مولياً عليه قام وليه مقامه في ذلك إلا أنه لا يفعل إلا ما فيه المصلحة للمولي عليه فإن كان الميت قد وصى بمال الشركة أو ببعضه لمعين فالموصى له كالوارث فيما ذكرنا. وإن وصى به لغير معين كالفقراء لم يجز للوصي الإذن في التصرف. لأنه قد وجب دفع إليهم فيعزل نصيبهم ويفرقه بينهم وإن كان على الميت دين تعلق بتركته فليس للوارث إمضاء الشركة حتى يقضي دينه فإن قضاه من غير مال الشركة فله الإتمام وإن قضاه بطلت الشركة في قدر ما قضى] المغني ٥/١٩. ويجوز استمرار الشركة بعد وفاة أحد الشركاء إما باستئناف عقد جديد ويعطى نصيب الشريك المتوفى إلى ورثته وإما أن تستمر الشركة مع الورثة فإن كان الورثة راشدين تولوا ذلك بأنفسهم وإن كانوا قاصرين تولى ذلك الولي أو الوصي جاء في فتح العزيز ما نصه: [تنفسخ الشركة بموت أحد المتعاقدين وجنونه وإغمائه كالوكالة ثم في صورة الموت إن لم يكن على الميت دين ولا هناك وصية فللوارث الخيار بين القسمة وتقرير الشركة إن كان بالغاً رشيداً وإن كان مولياً عليه لصغر أو جنون فعلى وليه ما فيه الحظ والمصلحة من الأمرين وإنما يقرر الشركة بعقد مستأنف وإن كان على الوارث دين فليس للوارث تقرير الشركة إلا إذا قضي الدين في موضع آخر وإن كان هناك وصية نظر إن كانت الوصية لمعين فهو كأحد الورثة وإن كانت لغير معين كالفقراء لم يجز تقرير الشركة حتى تخرج الوصية] الشركات ١/٣٤٨-٣٤٩. وقال الدكتور صالح المرزوقي: [والشركة وإن كانت من العقود الجائزة إلا أنها أيضاً عقد مستمر فقد أجاز الفقهاء في حالة وفاة أحد الشركاء استمرارها بين الآخرين إذا كانوا اثنين فأكثر ويجوز استمرارها مع ورثة المتوفى إذا اتفقوا على ذلك ومثله المجنون والمحجور عليه فهي لا تنفسخ بالموت أو بالجنون أو غيرها إلا في حق كل واحد منهم فلا تنفسخ في حق الشركاء الآخرين ولكنها تبقى مستمرة بينهم وكما ذكرنا فإنه يمكن أيضاً استمرارها مع ورثة المتوفى ومع ولي المجنون ونحو ذلك جاء في مغني المحتاج: [ولو مات أحد الشريكين وله وارث غير رشيد ورأى الولي المصلحة في الشركة استدامها] على خلاف بين الفقهاء هل هي استمرار للعقد السابق وهو الراجح أو ابتداء عقد جديد] شركة المساهمة ص٣٣١. وهذا ما قرره القانون الوضعي أيضاً انظر الوسيط ٥/٣٦٤-٣٦٥.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز استمرار الورثة برضاهم أجمعين في الشركة التي كان والدهم شريكاً فيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346206,"book_id":3840,"shamela_page_id":586,"part":"12","page_num":80,"sequence_num":586,"body":"٨٠ - حظر التجول المتواصل يلحق بالجوائح\rيقول السائل: من المعلوم أن كثيراً من المدن الفلسطينية تعاني من فرض نظام حظر التجول لفترات طويلة وقد امتدت في بعض المدن إلى شهور مما أدى إلى إغلاق المحلات التجارية خلال فترات حظر التجول، مما أوقع المستأجرين للمحلات التجارية في خسائر كبيرة نظراً لدفعهم أجرة هذه المحلات وهي مغلقة فهل حالة الإغلاق هذه تلحق بالجوائح التي ذكرت في السنة النبوية؟ الجواب: إن الظروف الطارئة التي حدثت في كثير من مدن الضفة الغربية والتي شملت فرض نظام منع التجول لفترات طويلة تشبه الجائحة التي تجتاح الثمار إلى حدٍ ما، والجائحة عند الفقهاء كل شيء لا يستطاع دفعه لو علم به كسماوي كالبرد والحر والجراد والمطر. ومثل هذه الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها وكل مصيبة عظيمة. انظر معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية ١/٥١٥. وألحق بعض أهل العلم بالآفة السماوية ما يطرأ من أمور غير سماوية كالحرب. انظر الشرح الكبير ٣/١٨٥، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٤/٤٢٦. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فالجائحة هي الآفات السماوية التي لا يمكن معها تضمين أحد مثل الريح والبرد والحر والمطر والجليد والصاعقة ونحو ذلك ... وإن أتلفها من الآدميين من لا يمكن ضمانه كالجيوش التي تنهبها واللصوص الذين يخربونها فخرَّجوا فيه وجهين: أحدهما ليست جائحة لأنها من فعل آدمي. والثاني: وهو قياس أصول المذهب أنها جائحة وهو مذهب مالك كما قلنا مثل ذلك في منافع الإجارة لأن المأخذ إنما هو إمكان الضمان ولهذا لو كان المتلف جيوش الكفار أو أهل الحرب كان ذلك كالآفة السماوية] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣٠/٢٧٨. والجائحة لها أثر واضح في التخفيف عمن أصابته ويدل على ذلك عدة أحاديث وردت عن النبي ﷺ منها:\rعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟) رواه مسلم.\rوعن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي قالوا: وما تزهي؟ قال: تحمر فقال: إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك؟) رواه مسلم.\rوعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ (أمر بوضع الجوائح) رواه مسلم\rويؤخذ من هذه الأحاديث أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح حتى لا يأكل المسلم مال أخيه بالباطل.\rوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن تعطل منافع المأجور يعد سبباً لفسخ عقد الإجارة وللتخفيف من الأجرة حيث قال: [وتعطل المنفعة يكون بوجهين: أحدهما: تلف العين كموت العبد والدابة المستأجرة والثاني زوال نفعها بأن يحدث عليها ما يمنع نفعها كدار انهدمت وأرض للزرع غرقت أو انقطع ماؤها فهذه إذا لم يبق فيها نفع فهي كالتالفة سواء لا فرق بينهما عند أحد من العلماء] .\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً [وإن تعطل نفعها بعض المدة لزمه من الأجرة بقدر ما انتفع به كما قال الخرقي فإن جاء أمر غالب يحجر المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد لزمه من الأجرة بمقدار مدة انتفاعه] مجموع الفتاوى ٣٠/٢٨٨-٢٩٠. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [ولا خلاف بين الأمة أن تعطل المنفعة بأمر سماوي يوجب سقوط الأجرة أو نقصها أو الفسخ وإن لم يكن للمستأجر فيه صنع كموت الدابة وانهدام الدار وانقطاع ماء السماء فكذلك حدوث الغرق وغيره من الآفات المانعة من كمال الانتفاع بالزرع] المصدر السابق ٣٠/٢٩٣-٢٩٤.\rوينبغي التنبيه لأمرين هامين في هذه المسألة: الأول: إن كثيراً من المستأجرين للمحلات التجارية وكذا لدور السكنى يظلمون المالكين حيث إن أجرة هذه المحلات لا تقابل المنافع التي يحصل عليها المستأجرون كما أن كثيراً من المستأجرين يتمسكون بما يقال إن المستأجر محمي بحكم القانون الوضعي فلا يستطيع المالك إنهاء عقد الإجارة كما أنه لا يستطيع المطالبة بزيادة الأجرة حيث إن كثيراً من المحلات التجارية وكذا دور السكنى مؤجر بثمن بخس إذا ما قيس بما عليه الأجرة في الوقت الحالي.\rالثاني: أرى أن مبدأ التراحم يكاد يكون مغيباً في تعامل المستأجرين والمالكين حتى إنه يمكن القول إن بعض حالات الاستئجار أشبه ما تكون بالغصب حيث إن المستأجر يدفع أجرة قليلة لا تكاد تذكر مع الأجرة الحقيقية وإذا طلب المالك إنهاء عقد الإجارة فأنى يستجاب له!! لهذا كله أرى أن يتحاكم المستأجرون والمالكون إلى شرع الله ﷿ في كل قضاياهم - وليس في هذه المسألة خاصة - وأن يتقوا الله في أنفسهم وفي إخوانهم وأن يتراحموا فيما بينهم يقول الله تعالى (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَءَامَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) سورة البلد الآية ١٧\rوورد في الحديث عن جرير بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال (من لا يرحم لا يرحم) رواه البخاري\rوجاء في رواية أخرى عن جرير بن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (لا يرحم الله من لا يرحم الناس) رواه البخاري أيضاً.\rوعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال قال رسول الله ﷺ (الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله) رواه\rأبو داود والترمذي وغيرهما وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح\rوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال وهو على المنبر (ارحموا ترحموا واغفروا يغفر الله لكم) رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وهو حديث صحيح كما قال الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٤٨٢.\rوغير ذلك من النصوص.\rوخلاصة الأمر فإني أرى يتراحم المالكون والمستأجرون فيما بينهم فالراحمون يرحمهم لله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346207,"book_id":3840,"shamela_page_id":587,"part":"12","page_num":81,"sequence_num":587,"body":"٨١ - عقد المقاولة\rيقول السائل: إنه يعمل مقاولاً في مجال البناء والطرق وإنه يقوم أحياناً بإعطاء بعض الأعمال التي يحصل عليها لمقاول آخر فما حكم ذلك؟ وما الحكم فيما لم يتمكن من الوفاء بالمدة المتفق عليها في العقد بسبب فرض نظام حظر التجول مع العلم أنه قد اشترط عليه ذلك ويوجد في العقد شرط جزائي يطبق في حالة الإخلال؟ الجواب: عقد المقاولة من العقود المستحدثة ولم يعرفه الفقهاء المتقدمون وإنما تحدث عنه القانونيون والفقهاء المعاصرون. والمقاولة عبارة عن عقد يتعهد المقاول بمقتضاه أن يصنع شيئاً أو يؤدي عملاً لقاء أجر يتعهد به الطرف الآخر ويمكن تخريج عقد المقاولة على عقد الاستصناع المعروف في الفقه الإسلامي أو على عقد الإجارة وكل منهما عقد صحيح شرعاً وقد قامت الأدلة الشرعية على اعتبارهما. انظر الوسيط في شرح القانون المدني ٧/٥.\rوينبغي أن يعلم أنه يجوز شرعاً استحداث عقود جديدة لم تكن معروفة عند الفقهاء المتقدمين إذا كانت ضمن القواعد العامة للفقه الإسلامي [وهذه المسألة تسمى بمدى الحرية التعاقدية في الفقه الإسلامي، وقد اختلف فيها الفقهاء، فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأصل في إنشاء العقود الإباحة وأن الناس أحرار في إنشاء عقود جديدة ما لم تكن مخالفة لنصوص الشرع الشريف ... وقد دافع شيخ الإسلام ابن تيمية بشدة عن مذهب القائلين بالإباحة وقد استدل الجمهور بالكتاب والسنة والمعقول. أما الكتاب فقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) سورة المائدة الآية ١. وقوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) سورة الإسراء الآية ٣٤.\rوغير ذلك من الآيات الدالة على وجوب الوفاء بالعقود يقول ابن تيمية: [فقد أمر الله ﷾ بالوفاء بالعقود وهذا عام. وكذلك أمر بالوفاء بعهد الله وبالعهد وقد دخل في ذلك ما عقده المرء على نفسه بدليل قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا) سورة الأحزاب الآية ١٥. فدل على أن عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه وإن لم يكن الله قد أمر بنفس ذلك المعهود عليه قبل العهد كالنذر والبيع ... وقال سبحانه: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) سورة النساء الآية ١. قال المفسرون (تساءلون به) تتعاهدون وتتعاقدون وذلك لأن كل واحد من المتعاقدي يطلب من الآخر ما أوجبه العقد من فعل أو ترك أو مال أو نفع أو نحو ذلك وجمع سبحانه في هذه الآية وسائر السورة أحكام الأسباب التي بين بني آدم المخلوقة كالرحم والمكسوبة كالعقود التي يدخل فيها الصهر ...] مجموع الفتاوى ٢٩/١٣٨-١٣٩.\rوكذلك تدل مجموعة كبيرة من الأحاديث الشريفة على وجوب الوفاء بالعقود والوعود والعهود وأن مخالفة الوعد من علامات النفاق إضافة إلى أحاديث خاصة في الموضوع منها قول النبي ﷺ: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح ورواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم لكنه بدون الاستثناء ورواه كذلك الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ (المسلمون عند شروطهم) أي بدون الاستثناء.\rوآثار الصحابة تشهد على ذلك بل يقول ابن تيمية: [إن الوفاء بها أي بالالتزامات التي التزم بها الإنسان من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل العقلاء جميعاً] مجموع الفتاوى ٢٩/٥١٦ والقواعد النورانية ص٥٣.\rثم إن أساس العقود هو التراضي وموجبها هو ما أوجبه العاقدان على أنفسهما] عقد الاستصناع د. علي محي الدين القرة داغي مجلة مجمع الفقه الإسلامي ٧/٢/٣٥٠-٣٥٢.\rفعقد المقاولة من العقود المعتبرة شرعاً ويصح التعامل به إذا توفرت فيه شروط الانعقاد فلا بد من توافق الإيجاب والقبول ليتم التراضي بين صاحب العمل والمقاول على ماهية العمل الذي سيؤديه المقاول لصاحب العمل والأجر الذي يتقاضاه المقاول. ولا بد من بيان ذلك بياناً واضحاً قاطعاً للنزاع والخلاف. ومن المعروف أنه في المقاولات الكبيرة يكون هنالك ملحقات للعقد تتعلق بالمواصفات والشروط التي يجب أن يلتزم بها المقاول فهذه تكون تابعة للعقد. انظر الوسيط في شرح القانون المدني ٧/٣٦-٣٨.\rإذا تقرر هذا فإنه يجوز للمقاول أن يتفق مع مقاول آخر على تنفيذ بعض الأعمال ضمن العقد الأساسي وهذا يسمى المقاولة من الباطن بشرط أن لا يكون هناك نص في العقد يمنع ذلك فإذا شرط صاحب العمل على المقاول أن ينفذ العمل بنفسه فلا يجوز للمقاول أن يتعاقد مع آخر لتنفيذ العمل كله أو بعضه وأما إذا لم يكن هذا الشرط موجوداً فحينئذ يجوز للمقاول أن يتعاقد مع آخر لتنفيذ العمل كله أو بعضه ويشترط أن يكون هنالك انفصال تام بين العقدين. فتاوى الاستصناع والمقاولات ص٦٥.\rوأما بالنسبة للإخلال بالمدة المتفق عليها في عقد المقاولة فإن الأصل أن يلتزم المسلم بما قبله من شروط لما سبق في الحديث (المسلمون عند شروطهم) وفي الغالب يكون هنالك في عقود المقاولة شرط جزائي لضبط التزام المقاول بتسليم العمل في مدة معينة فإذا أخل المقاول بهذا الشرط فإنه يتحمل نتيجة ذلك.\rهذا إذا كانت الظروف والأوضاع طبيعية وأما إذا وقع الخلل بسبب أمور خارجة عن إرادة المقاول كظروف فرض نظام حظر التجول مثلاً فأرى أن لا يطبق عليه الشرط الجزائي لأنه لم يقصر من تلقاء نفسه بل فرضت عليه ظروف قاهرة وخارجة عن إرادته ولا بد من التراحم بين المتعاقدين وأن تقدر تلك الظروف القاهرة بتقدير صحيح فالشرط الجزائي شرط صحيح معتبر شرعاً ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام الموجب له شرعاً ولا شك أن الظروف التي ذكرها السائل تعتبر عذراً شرعياً لإخلاله بالمدة المشروطة في العقد.\rوقد بحث مجمع الفقه الإسلامي عقد المقاولة في دورته الرابعة عشر وجاء في قراره ما يلي: [بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع عقد المقاولة والتعمير: حقيقته، وتكييفه وصوره وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله ومراعاة أدلة الشرع وقواعده ومقاصده ورعاية للمصالح العامة في العقود والتصرفات. ونظراً لأهمية عقد المقاولة ودوره الكبير في تنشيط الصناعة وفتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي قرر ما يلي:\r١. عقد المقاولة – عقد يتعهد أحد طرفيه بمقتضاه بأن يصنع شيئاً أو يؤدي عملاً مقابل بدل يتعهد به الطرف الآخر – وهو عقد جائز سواء قدم المقاول العمل والمادة وهو المسمى عند الفقهاء بالاستصناع أو قدم المقاول العمل وهو المسمى عند الفقهاء بالإجارة على العمل.\r٢. إذا قدم المقاول المادة والعمل فينطبق على العقد قرار المجمع رقم ٣٦٥/٧ بشأن موضوع الاستصناع.\r٣. إذا قدم المقاول العمل فقط فيجب أن يكون الأجر معلوماً.\r٤. يجوز الاتفاق على تحديد الثمن بالطرق الآتية:\rأ. الاتفاق على ثمن بمبلغ إجمالي على أساس وثائق العطاءات والمخططات والمواصفات المحددة بدقة.\rب. الاتفاق على تحديد الثمن على أساس وحدة قياسية يحدد فيها ثمن الوحدة والكمية وطبقاً للرسومات والتصميمات المتفق عليها.\rج. الاتفاق على تحديد الثمن على أساس سعر التكلفة الحقيقية، ونسبة ربح مئوية، ويلزم في هذه الحالة أن يقدم المقاول بيانات وقوائم مالية دقيقة ومفصلة وبمواصفات محددة بالتكاليف يرفعها للجهة المحددة في العقد ويستحق حينئذ التكلفة بالإضافة للنسبة المتفق عليها.\r٥. يجوز أن يتضمن عقد المقاولة شرطاً جزائياً، بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم يكن هناك ظروف قاهرة. ويطبق في هذه الحالة قرار المجمع في الشرط الجزائي رقم ٣١٠٩/١٢.\r٦. يجوز في عقد المقاولة تأجيل الثمن كله أو تقسيطه إلى أقساط لآجال معلومة أو حسب مراحل إنجاز العمل المتفق عليها.\r٧. يجوز الاتفاق على التعديلات والإضافات.\r٨. إذا أجرى المقاول تعديلات أو إضافات بإذن رب العمل دون الاتفاق على أجرة فللمقاول عوض مثله.\r٩. إذا أجرى المقاول تعديلات أو إضافات دون اتفاق عليها فلا يستحق عوضاً زائداً على المسمى ولا يستحق عوضاً عن التعديلات أو الإضافات.\r١٠. يضمن المقاول إذا تعدى أو فرط أو خالف شروط العقد كما يضمن العيوب والأخطاء التي يتسبب فيها. ولا يضمن ما كان بسبب من رب العمل أو بقوة قاهرة.\r١١. إذا شرط رب العمل على المقاول أن يقوم بالعمل بنفسه فلا يجوز له أن يتفق مع مقاول آخر من الباطن\r١٢. إذا لم يشرط رب العمل على المقاول أن يقوم بالعمل بنفسه جاز به أن يتفق مع مقاول من الباطن ما لم يكن العمل بعينه مقصوداً أداؤه من المقاول نفسه لوصف مميز فيه مما يختلف باختلاف الأجراء.\r١٣. المقاول مسئول عن عمل مقاوليه من الباطن، وتظل مسؤولية المقاول الأصلية تجاه رب العمل قائمة وفق العقد.\r١٤. لا يقبل في عقد المقاولة اشتراط نفي الضمان عن المقاول.\r١٥. يجوز اشتراط الضمان لفترة محددة.\r١٦. لا يقبل في عقد المقاولة اشتراط البراءة من العيوب طيلة فترة الضمان المنصوص عليها في العقد] قرارات مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة عشرة.\rوخلاصة الأمر أن عقد المقاولة عقد معتبر شرعاً ويجوز للمقاول أن يتفق مع مقاول آخر من الباطن بموافقة صاحب العمل ويجب الالتزام بالشرط الجزائي ما لم تكن هناك ظروف قاهرة خارجة عن إرادة المقاول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346208,"book_id":3840,"shamela_page_id":588,"part":"12","page_num":82,"sequence_num":588,"body":"٨٢ - شركة بزناس\rيقول السائل: هنالك شركة على شبكة الإنترنت تسمى بزناس تقوم بتسويق برامج كمبيوتر للتعليم وتقدم مواقع وبريد إلكتروني على شبكة الإنترنت وغير ذلك. وتقوم الشركة بتسويق برامجها بشكل مباشر للزبائن وتعطي كل زبون الحق في تسويق برامجها إلى آخرين مقابل عمولات يحصل عليها الزبون عند اكتمال عدد محدد من الزبائن المشترين الذين يقنعهم بشراء منتجات الشركة كما أن الشركة تعطي نفس الحق للزبائن الجدد وهكذا. فما قولكم في هذه الطريقة مع العلم أن المسوق قد يحصل على مبالغ كبيرة شهرياً؟ الجواب: بعد الاطلاع على نظام عمل الشركة المذكورة ونظام العمل الذي تتبعه في تسويقها لمنتجاتها والاطلاع على بعض الفتاوى التي نشرتها الشركة في موقعها على الإنترنت والتي تجيز معاملات الشركة. وبعد الاطلاع على آراء أخرى في الموضوع يظهر لي أن أسلوب تعامل الشركة غير شرعي لما يلي:\rإن معاملة الشركة المذكورة تقوم على الغرر وهو ما كان مجهول العاقبة لا يدرى هل يحصل أم لا؟ وقد صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر) رواه مسلم.\rفمعاملة الشركة كأنها نوع من القمار حيث إن الزبون يدفع مبلغاً من المال وهنالك احتمال أن يربح أو لا يربح.\rيقول د. سامي السويلم [إن الدخول في هذا البرنامج في حقيقته مقامرة: كل يقامر على أنه سيربح قبل توقف الهرم. ولو علم الشخص أنه سيكون من المستويات الدنيا حين يتوقف الهرم لم يكن ليقبل بالدخول في البرنامج ولا بربع الثمن المطلوب ولو علم أنه سيكون من المستويات العليا لرغب في الدخول ولو بأضعاف الثمن. وهذا حقيقة الغرر المحرم إذ يقبل الشخص بالدخول على أمل الإثراء حتى لو كان احتمال تحقق هذا الأمل ضعيفاً جداً من حيث الواقع. فالثراء هو الذي يغري المرء لكي يدفع ثمن الانضمام للبرنامج فهو يغره بالأحلام والأماني والوهم بينما حقيقة الأمر أن احتمال خسارته أضعاف احتمال كسبه. قد يقال بيعتان في بيعة: عن الثمن الذي يدفعه المشترك هو مقابل السلعة وليس مجرد الانضمام للبرنامج فهو ينتفع بشراء السلعة سواء استمر الهرم في النمو أم لا. وهذه هي الحجة التي تستند إليها الشركات التي تنفذ البرامج في إقناع الجمهور بأنها تختلف عن البرامج الممنوعة قانوناً. لكن الجميع يعلم أن الذي ينضم إلى هذا البرنامج لا يريد السلعة ذاتها بل يريد الانضمام للبرنامج الهرمي وهذا معنى قاعدة منع بيعتين في بيعة وأصل ذلك أن لنبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة وحقيقة بيعتين في بيعة أنها محاولة للالتفاف على الأحكام الشرعية من خلال ضم عقد غير مقصود للطرفين أو لأحدهما من أجل تنفيذ العقد الآخر ولو استقل العقد الآخر لم يكن جائزاً. وفي برامج التسويق الهرمي فإن امتلاك السلعة غير مقصود للمشتري ولا مراد له بل مراده هو الانضمام للبرنامج على أمل الثراء السريع فالشراء مجرد ستار للانضمام للبرنامج بينما الانضمام للبرنامج مقابل ثمن من الغرر وأكل المال بالباطل] مقال منشور على شبكة الإنترنت. ويقول د. حامد العلي: [ثم بعد ذلك توالت علينا أسئلة كثيرة تسأل عن بزناس وهي شركة على شبكة الإنترنت تقوم بعمليات تجارية تبين لنا بعد ذلك أنها تدخل فيما يسمى برامج التسلسل الهرمي أو شبكات التسويق وبعد النظر في حقيقة ما تقوم تبين لي أنها معاملات محرمة تشتمل على الغش والخداع والوهم وتتضمن مقامرة وغرراً وعليه فلا يجوز التعامل مع الشركة المذكورة وأرجو من كل من اغتر بإدراجهم فتواي أن يتنبه إلى أن الفتوى لا تنطبق على الشركة وإنما تدل على منطوقها المحدد بجواز المعاملة المحددة التي نصت عليها الفتوى فحسب وأما الشركة المذكورة فقد تبين لنا تحريم التعامل معها لأن معاملاتها الحقيقية أشد تعقيداً وأبعد مدى بكثير مما تظهره في سؤالها للعلماء. ونهيب بكل العلماء الذين استطاعت الشركة المذكورة أن تحصل على فتاواهم في إباحة تعاملاتها اعتماداً على إبراز سؤال لا يعبر عن حقيقتها أن ينبهوا إلى خطر ما تقوم به هذه الشركة ويحذروا من استغلال فتاواهم في إباحة تعاملاتها] فتوى منشورة على شبكة الإنترنت.\rوأنصح من يريد الحصول على معلومات أكثر عن هذا الموضوع أن يقرأ الدراسة المفصلة التي أعدها د. سامي السويلم عضو الهيئة الشرعية لشركة الراجحي وهي منشورة على الإنترنت:www.islamtoday.net\rوخلاصة الأمر يبدو لي أنه لا يجوز التعامل مع شركة بزناس لأن فكرتها كثيرة الشبه بالقمار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346209,"book_id":3840,"shamela_page_id":589,"part":"12","page_num":83,"sequence_num":589,"body":"٨٣ - الرد على فتوى مجمع البحوث في الأزهر بإباحة الربا\rيقول السائل: ما قولكم في فتوى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر التي أباحت فوائد البنوك؟ الجواب: إن تحريم الربا أمر قطعي في كتاب الله ﷾ وسنة نبيه ﷺ وقد انعقد الإجماع على ذلك منذ عهد سلف الأمة قال الله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) سورة البقرة الآيتان ٢٧٨-٢٧٩ وقال ﷺ: \"لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء\"رواه مسلم. وغير ذلك من الأدلة الكثيرة. وقد أصبح تحريم الربا من المعلوم من الدين بالضرورة، واتفق المسلمون كافة على أنه من كبائر الذنوب ومن الموبقات السبع، وقد آذن القرآن الكريم مرتكبيه بحرب من الله ورسوله كما سبق في الآية الكريمة وهذا ما أجمع عليه العلماء يقول الشيخ ابن قدامة المقدسي (وكل قرض شُرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة، أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا) المغني ٤/٢٤٠.\rوإنه لأمر مؤسف حقا أن تسمع وترى من المشايخ من يخالف هذه الأدلة الصيحة الواضحة بحجج واهية وذرائع فاسدة واجتهادات مخالفة للنصوص مخالفة صريحة ومخالفة لما اتفق عليه علماء الأمة قديماً وحديثاً وأرجو أن لا تكون هذه الفتوى مدفوعة الأجر سلفاً.\rوقد ردَّ على هذه الفتوى عدد كبير من أهل العلم وبينوا الخطأ الشنيع الذي وقع فيه مصدروها حيث إن مناط هذه الفتوى غير موجود في الواقع ولا تتعامل به البنوك الربوية مطلقاً بل إن الأنظمة المعمول بها تمنع البنوك الربوية من ممارسة ما أباحته الفتوى فهي فتوى في حادثة لا وجود لها في واقع البنوك الربوية!!!\rوفعلاً إنه لأمر محزن حقاً حينما يفتي بعض المفتين مع عدم معرفتهم بواقعة الفتوى معرفة أكيدة فتأتي فتواهم بعيدة عن الواقع وقد ذكر أهل العلم أنه يلزم المفتي معرفة الحادثة التي يفتي فيها معرفة تامة لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره يقول أستاذنا الدكتور حسين حامد حفظه الله مبيناً بطلان الفتوى المشار إليها: (هذه المعاملة بهذه الصورة لا يجري عليها العمل في البنوك التجارية ولا المتخصصة، لا في مصر، ولا في البلاد العربية، بل تناقض ما نصت عليه القوانين المدنية وقوانين التجارة وقوانين الجهاز المصرفي في هذه البلاد. فإن هذه الفتوى لا تطبق على ودائع البنوك. قد يكون البنك مقدم السؤال يطبق هذه الصيغة، ويتلقى الودائع بصفته وكيلاً عن المودعين في استثمار هذه الودائع في معاملاته المشروعة، وهذه مسألة ادعاء على واقع وتحتاج إلى إثبات!!! ومع ذلك فإن هذه الوكالة باطلة بالإجماع؛ لأن جميع عوائد وأرباح المال المستثمر بعقد الوكالة تكون للموكل؛ لأنه المالك للمال المستثمر، كما أنه يتحمل جميع خسائره التي تحدث بسبب لا يد للوكيل فيه ولا قدرة له على دفعه ولا تلافي آثاره، وللوكيل أجر معلوم يجب النص عليه في عقد الوكالة، وهو يحدد بمبلغ مقطوع أو نسبة من المال المستثمر، وهو ما لم يتحقق في الصورة المسئول عنها، بل إن الوكيل هو الذي يستحق أرباح استثمار الوديعة، ويتحمل خسائرها، ويحدد للموكل مالك الوديعة قدراً أو نسبةً من رأس المال، ويسميها ربحاً. والبنوك الإسلامية تمارس هذه الصورة بمقتضى قوانين ونظم إنشائها؛ فهي تتلقى الودائع وتستثمرها لحساب أصحابها وعلى مسئوليتهم؛ فلهم أرباح ويتحملون خسائرها التي تحدث بسبب لا يد للبنك فيه، وهو ما يسمى في القانون بالقوة القاهرة والسبب الأجنبي. ويستحق البنك أجراً محدداً في عقد الوكالة في الاستثمار، بمبلغ مقطوع أو نسبةً من الوديعة المستثمرة. وبالقطع فإن هذه الودائع مملوكة لأصحابها وليست قرضاً للبنك ولا ديناً في ذمته. والدليل على أن المعاملة موضوع السؤال والفتوى لا يجري عليها العمل، ولا تسمح بها القوانين المطبقة في البنوك، وأن المطبق إنما معاملة أخرى مختلفة عنها جملةً وتفصيلاً، يأتي وفق عدة اعتبارات، هي:\rالاعتبار الأول: الفتوى تفترض وجود بنك يتلقى الودائع والمدخرات من المتعاملين معه ليكون وكيلاً عنهم في استثمارها؛ وهو ما يعني وجود عقد وكالة مستوفٍ لشروطه، وتترتب عليه أحكام الشريعة، ينظم العلاقة بين البنك والمودع. وهذا القول مناقض لحكم القوانين المطبقة، ولا وجود له في واقع البنوك. إن الذي ينظم علاقة البنك بمودعيه هو عقد وديعة النقود، أو الوديعة الناقصة بلغة القانون. وحكم هذا العقد أنه ينقل ملكية الوديعة إلى البنك، ويخوله استخدامها لحسابه وعلى مسئوليته؛ فله وحده ربحها وعليه خسارتها، وهو يدفع للمودع فائدة وهي نسبة من رأس المال مرتبطة بالمدة ويسميها ربحاً والبنك يلتزم برد الوديعة؛ لأنه مدين بها، وهذه المعاملة قرض بالقطع، وفقاً لنصوص القانون وحكم الشريعة؛ وهو ما يجعل الزيادة المشروطة عليها رباً بالإجماع ... وكان الواجب أن تصدر الفتوى على المعاملة حسبما يقررها القانون ويجري عليها العمل دون افتراض صورة خيالية غير واقعة، حتى لا يقع اللبس لدى العامة بأن حكم هذه الصورة المتخيلة ينطبق على ما يجري عليه العمل في البنوك. فالمادة رقم ٧٢٦ من القانون المدني الجديد تنص على أنه \"إذا كانت الوديعة مبلغاً من النقود، أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودع عنده مأذوناً له في استعماله؛ اعتبر العقد قرضاً \". وهذا هو الحكم في بقية القوانين العربية ويقول الدكتور السنهوري: \"وأكثر ما ترد الوديعة الناقصة على ودائع النقود في المصارف؛ حيث تنتقل ملكية النقود إلى المصرف، ويرد مثلها بعد الطلب أو بعد أجل، بل ويدفع المصرف في بعض الأحيان فائدة عنها؛ فيكون العقد في هذه الحالة قرضاً، وقد أحسن المشرع المصري في اعتبار الوديعة الناقصة قرضاً\" ثم يقول: \"لا محل للتمييز بين الوديعة الناقصة (وديعة النقود) والقرض؛ حيث إن المودع في الوديعة الناقصة ينقل ملكية الشيء المودع إلى المودع عنده، ويصبح هذا مديناً برد مثله\" وتنص المادة ٣٠١ من القانون رقم ١٧ لسنة ١٩٩٩ بإصدار قانون التجارة المصري على أن \"وديعة النقود عقد يخول البنك ملكية النقود المودعة، والتصرف فيها بما يتفق ونشاطه، مع التزام برد مثلها للمودع، طبقاً لشروط العقد\". وتنص المادة ٣٠٠ من نفس القانون على أن أحكام الباب الثالث منه، الخاص بعمليات البنوك، ومنه المادة ٣٠١ \"تسري على العمليات التي تعقدها البنوك مع عملائها، تجاراً كانوا أم غير تجار، وأياً كانت طبيعة هذه العمليات\".) فهذه النصوص القانونية تقطع بأن وديعة النقود في البنوك قرض. وقد أكد فقهاء القانون هذا بما لا يدع مجالاً للشك. وحيث إن هناك إجماعاً على أن كل قرض جر نفعاً فهو ربا... فإن ما يصرف للمودع يعد رباً وإن سُميَ ربحاً أو عائداً... وإني لأعجب كيف غاب عن العلماء الأفاضل أعضاء المجمع هذه الحقائق مع سعة علمهم وغزارة اطلاعهم؟ غير أن عذرهم هو أنهم يجيبون على سؤال يعرض صورة محددة، هي \" تلقي البنك للودائع لاستثمارها بطريق الوكالة في صيغ استثمار مشروعة\"، وكان الجواب على قدر السؤال وإن بصورة افتراضية غير متحققة في الواقع. وإن كنا سنرى أن تحديد مبلغ مقدماً للمودع بصفته موكلاً لا يجوز شرعاً، ولو سمي ربحاً؛ لأنه يناقض أحكام الوكالة في الاستثمار التي أجمع عليها الفقهاء، وهي: أن ربح الوديعة المستثمرة كله للمودع، وأن خسارتها التي لا يد للوكيل فيها عليه. وأن أجر الوكيل يجب تحديده عند توقيع عقد الوكالة بمبلغ مقطوع أو نسبة من الوديعة المستثمرة. وهذا كله يقتضي أن يمسك الوكيل (البنك) حساباً مستقلاً للوديعة أو مجموع الودائع، يقيد فيه الإيرادات والمصروفات حتى يتحدد الربح الذي يستحقه المودع أو مجموعة المودعين، وذلك على النحو الذي تمارسه البنوك الإسلامية في عمليات الاستثمار بطريق الوكالة.\rالاعتبار الثاني: أنه على فرض أن العقد الذي ينظم علاقة البنك والمودعين فيه هو عقد وكالة في الاستثمار، وهو فرض يناقض حكم القوانين وينافي الواقع العملي؛ فإن البنوك التجارية والمتخصصة لا تملك استثمار الودائع بنفسها استثماراً مباشراً؛ بمعنى الاتجار فيه، بل تملك إقراضه للغير بفائدة. فالقانون المصري رقم ١٦٣ لسنة ١٩٥٧ والقوانين المعدلة له تنص على ما يأتي: المادة رقم ٢٦ مكرراً تنص على أنه \"تخضع جميع البنوك التي تمارس عملياتها داخل جمهورية مصر العربية لأحكام هذا القانون\". والمادة رقم ٣٨ من نفس القانون تنص على أنه \"يُعتبر بنكاً تجارياً كل منشأة تقوم بصفة معتادة بقبول ودائع تدفع عند الطلب أو بعد أجل لا يجاوز سنة\"\rوالمادة رقم ٣٩ من نفس القانون تنص على أنه \"يحظر على البنك التجاري أن يباشر العمليات الآتية:\r(أ) التعامل في المنقول أو العقار بالشراء أو البيع أو المقايضة فيما عدا:\r١. العقار المخصص لإدارة أعمال البنك ...\r٢. المنقول أو العقار الذي تئول ملكيته إلى البنك وفاءً لدين له قبل الغير قبل أن يقوم البنك بتصفيته خلال سنة من تاريخ أيلولة الملكية بالنسبة للمنقول وحتى سنوات بالنسبة للعقار ...\r(ب) امتلاك أسهم الشركات المساهمة، ويشترط \"ألا تجاوز القيمة الاسمية للأسهم التي يملكها البنك في الشركة مقدار رأسماله المصدر واحتياطياته\". والمادة رقم ٤٥ تنص على أنه \"يحظر على البنوك العقارية والبنوك الصناعية وبنوك الاستثمار نفس الأعمال المحظورة على البنوك التجارية\".\rفهذه النصوص تقطع بأنه يحظر على البنوك التجارية وغير التجارية العاملة في مصر الاستثمار عن طريق الاتجار بالشراء والبيع بصفة مطلقة، إلا إذا كان التملك وفاءً لدين، وبشرط التصرف في العقار أو المنقول خلال مدة محددة، أو كان العقار مستخدماً لإدارة البنك أو لأماكن ترفية موظفيه. وحتى في حالة المشاركة في تأسيس الشركات وشراء أسهم، يحظر على البنك أن يمس الودائع مطلقاً، بل إن له أن يتصرف في حدود حقوق المساهمين. فافتراض الفتوى محل النظر أن البنوك تقوم باستثمار الودائع بالاتجار فيها بالبيع والشراء بصفة مباشرة، أو حتى شراء أسهم الشركات افتراض غير صحيح، وبناء الفتوى عليه باطل. وإذا كنا نتكلم عن أمر واقع.. فأين هو؟ وأي بنك يقوم باستثمار الودائع بنفسه استثماراً مباشراً؟ وأين يعمل؟ أيعمل في مصر أم في الخارج؟ ... وعلى كل حال فإن الفتوى لا يتحقق مناط تطبيقها في البنوك التجارية أو المتخصصة؛ لأن الفتوى تفترض قيام البنوك التي تتلقى الودائع بصفتها وكيل استثمار، باستثمار هذه الودائع بنفسها استثماراً مباشراً بالاتجار فيها بالبيع والشراء وغيرهما، وهذا محظور على هذه البنوك ...\rالاعتبار الثالث: وعلى فرض أن البنوك تتلقى الودائع بصفتها وكيل استثمار، وعلى فرض أنها تملك استثمار الودائع بنفسها استثماراً مباشراً بالاتجار فيها بالبيع والشراء وشراء الأسهم، وهو فرض غير جائز قانوناً وغير واقع عملاً وممارسة، على فرض ذلك كله.. فإن الفتوى تنص على أن استثمار الودائع يكون في \"عمليات البنوك المشروعة\". وهذا الفرض غير واقع؛ ذلك أن البنوك تملك استخدام الودائع في عمليات الإقراض بفائدة، وهي ربا محرم باتفاق. والفتوى نفسها لم تتعرض لحكم استخدام البنك لودائعه في إقراضها بفائدة برغم كونه رباً محرَّماً باتفاق. وتنص المادة الرابعة من القانون رقم ٣٧ لسنة ١٩٩٢ على أن تُستبدَل بكلمة \"الفائدة\" أينما وردت في القانون رقم ١٦٣ لسنة ١٩٥٧ أو القانون رقم ١٢٠ لسنة ١٩٧٥ كلمة \"العائد\"، وهو لا يغير من الحكم الشرعي، وهو حرمة كل زيادة عن مبلغ القرض؛ ذلك أن الحكم الشرعي مرتبط بكلمة \"النفع\" بكل صوره وجميع أشكاله، بصرف النظر عن التسمية التي تُطلق عليه، ربحاً كانت أو عائداً أو هدية أو منحة أو مكافأة أو جائزة ... وإذا ثبت أن الودائع تستخدم بطريق الإقراض بفائدة أو عائد -كما يسميه القانون-، كان افتراض الفتوى أن البنك \"يستثمر الودائع في معاملاته المشروعة\" افتراضاً غير واقع وغير صحيح، وبناء الفتوى عليه باطل، ولو فرض أن هناك بنكاً يتلقى الودائع بصفته وكيل استثمار، ويستثمرها في معاملاته المشروعة استثماراً مباشراً بصيغ وعقود استثمار مشروعة ولا يقرضها للغير بفائدة؛ لكانت الفتوى منطبقة على هذا البنك (أي يتحقق فيه مناط الفتوى) .\rفالفتوى التي بين أيدينا أُنيطت وارتبطت وتعلقت ببنك يتلقى الودائع وفق عقد وكالة في الاستثمار، وليس وفق عقد وديعة تأخذ حكم القرض، ويقوم باستثمار هذه الودائع، والاتجار فيها بنفسه (وهذا محظور على البنوك القائمة) ، ويتم التعامل فيها بصيغ وعقود استثمار شرعية، وليس بإقراضها بفائدة كما هو الوضع في البنوك العادية. فإذا ما اختل أو انعدم أحد هذه العناصر التي تشكل مناط الفتوى فإن الفتوى لا تطبق ولقد ذكرنا أن الفتوى تنطبق على البنوك الإسلامية، مع ملاحظة أن البنوك الإسلامية تلتزم بشروط وأحكام الوكالة الشرعية، وأهمها حرمة اشتراط ربح محدد للمودع بصفته موكلاً؛ لأن هذا باطل بالإجماع، وصرف الربح كله للمودع بعد خصم أجرة البنك المحددة في عقد الوكالة، وتحميل المودع بصفته موكلاً جميع مخاطر استثمار الوديعة، وخسائرها التي لا يد للبنك فيها، ولا قدرة له على توقعها أو تلافي آثارها (أي: إذا كانت بسبب قوة قاهرة، أو بسبب أجنبي بلغة القانون) .\rولو وُجد بنك يتلقى الودائع بعقد وكالة مستوفية لشروطها، وتترتب عليها أحكامها الشرعية؛ لكانت معاملاته صحيحة. ولكن الوكالة المذكورة في الفتوى، على الرغم من أنها مجرد اختراع وخيال يناقض أحكام القوانين وواقع العمل؛ فإنها وكالة باطلة بالإجماع؛ لأن الوكيل (البنك) يأخذ أرباح الوديعة، وليس أجرًا محددًا في عقد الوكالة، ويتحمل خسائرها، ويشترط للمودع (الموكل) مبلغًا محددًا مقدمًا أسماه ربحًا، وهذه وكالة باطلة بإجماع الفقهاء طوال ١٤ قرنًا من الزمان ولا أظن أن هذا يغيب عن علم أصحاب الفضيلة أعضاء المجمع، وهم من المشهود لهم بالعلم والفضل والورع.\rوخلاصة الرد على هذا الجزء من الفتوى أنها فتوى في معاملة افتراضية؛ حيث هذه المعاملة المستفتى فيها غير جائزة قانونًا، وغير واقعة عملاً، بالنسبة للبنوك العاملة في مصر، بل وفي غيرها من البلاد العربية وغيرها. وهي صورة بنك يتلقى الودائع بصفة وكيل استثمار، ويستثمر هذه الودائع بنفسه في معاملات وبصيغ وعقود استثمار مباشرة، وهذه المعاملات وتلك الصيغ تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية.\rوإذا فرضنا جدلاً أن البنوك تقبل الودائع بصفتها وكيلاً عن المودعين لاستثمارها بنفسها والاتجار فيها استثمارًا مباشرًا؛ فإن هذا الاستثمار يجب أن يكون بصيغ استثمار شرعية كالبيع والشراء والاستصناع والمرابحة والسلم والمشاركة وغيرها من الصيغ والعقود الشرعية، وليس بصيغة الإقراض بفائدة، كما أنه يجب أن تكون الوكالة في الاستثمار مستوفية لشروطها الشرعية، وتترتب عليها الأحكام والآثار التي ترتبها الشريعة الإسلامية؛ من كون الربح كله للمودعين، وللبنك الأجر المحدد المتفق عليه في عقد الوكالة، على أن تكون خسارة الودائع التي لا يد للبنك فيها على أصحابها؛ لأنهم المالكون لها.\rوهذا يقتضي أن يُفِرد البنك للودائع التي يستثمرها بطريق الوكالة حسابًا مستقلاً منتظمًا مُدقَّقًا، تقيد فيه إيرادات ومصروفات جميع المعاملات الشرعية التي يقوم بها البنك، حتى يتحدد الربح المستحق للمودعين، بعد أن يخصم البنك الأجرة المتفق عليها عند الإيداع.\rإن كان التناول النقدي السابق يتعلق بالإشكال الذي انطوى عليه السؤال من توصيف غير حقيقي لطبيعة النشاط الاقتصادي الذي تمارسه المصارف، ومن ثم سوء الفهم المترتب على هذا التوصيف الخاطئ؛ فإن الجزء الذي بين أيدينا يتناول تجاوزات في فتوى مجمع البحوث نفسها\rلقد ذكرت الفتوى بعض الأدلة على ما توصلت إليه من حكم بأن تحديد الأرباح مقدمًا لأصحاب الودائع في البنوك حلال لا شبهة فيه. واستكمالاً للبحث فإني أذكر هذه الأدلة، أو بالأحرى التعليلات والمناسبات التي ذكرت لتأكيد هذه الفتوى:\rأولاً: جاء في الفتوى أنه \"من المعروف أن البنوك عندما تحدد للمتعاملين معها هذه الأرباح أو العوائد مقدمًا، إنما تحددها بعد دراسة دقيقة للأسواق المالية أو المحلية وللأوضاع الاقتصادية في المجتمع، ولظروف كل معاملة أو نوعها ومتوسط أرباحها\".\rوهذا التعليل أو التدليل ليس في محل النزاع؛ لأن الخلاف ليس في طريقة تحديد ما يُعطى للمودع، بل في الحكم الشرعي لما يُعطى، بصرف النظر عن مقداره وطريقة تحديده. وقد تقدم أن الوديعة تُعد قرضًا بنص القوانين وبإجماع الفقهاء، و\"كل قرض جر نفعًا فهو ربا\" بنص الحديث الشريف؛ ذلك أن واقع البنوك أنها تتلقى الودائع وتملكها، وتستقل باستخدامها في إقراض الغير بفائدة، مع التزامها بردها مع الفائدة، وهذا هو حكم القرض بنص القانون، ولا دخل بعد ذلك في كيفية أو طريقة تحديد هذا النفع أو مقداره أو مسماه؛ فقد تُسمى هذه النتيجة نفعًا أو ربحًا أو عائدًا أو فائدة أو مكافأة أو هدية؛ لأن العبرة بما يرتبه العقد من آثار بين عاقديه. والأحكام تُبنى على الواقع لا على الخيال. ودعوى أن البنك وكيل استثمار، وأنه يستثمر الودائع بنفسه في معاملات مشروعة، تقدم تفنيده وإبطاله، وتوضيح مخالفته للقانون والشرع والواقع.\rثانيًا: جاء في الفتوى أنه \"من المعروف أن هذا التحديد (للربح الذي يعطى للمودع) قابل للزيادة أو النقص؛ بدليل أن شهادات الاستثمار بدأت بتحديد العائد، ثم ارتفع إلى أكثر من ١٥%، ثم انخفض الآن إلى ما يقارب ١٠%.\rوهذا التعليل أو التعديل في غير الموضوع الذي نتحدث عنه؛ إذ الحديث عن الصفة الشرعية لما يعطيه البنك للمودِع؛ وقد تقدم أنه ربا؛ لأنه منفعة يمنحها المقترض للمقرِض (زيادة عن الدين؛ لأنها نسبة من رأس المال مقابل الأجل) . ولا يجادل أحد في أن هذا هو حقيقة الربا؛ لقوله ﵊: \"كل قرض جر نفعًا فهو ربا\"، ولإجماع الأمة على أن الزيادة على الدين في مقابل الأجل هي الربا، ساء تحددت وشُرطت مقدمًا كما جاء في السؤال والفتوى، أو كانت العادة جارية في البنوك بذلك.\rوإذا ثبت أن الوديعة النقدية قرض يفيد ملك البنك للوديعة، وحقه في استخدامها مع رد مثلها، وأن ذلك قرض بحكم القانون والشرع؛ فإن كل زيادة على القرض تُعطى للمودع تكون ربا مهما كان قدرها، أو طريقة تحديدها، أو التسمية التي تُطلق عليها، أو تغييرها بالزيادة والنقصان. ودعوى أن البنك يتلقى الودائع بصفته وكيل استثمار، وأنه يستثمرها بنفسه في معاملاته المشروعة بالاتجار والبيع والشراء وغير ذلك من عقود وصيغ الاستثمار الشرعية، دعوى يكذبها الواقع، ويحظرها القانون، كما سبق شرحه وإثباته..\rثالثًا: جاء في الفتوى أن \"الخلاصة أن تحديد الربح مقدمًا للذين يستثمرون أموالهم عن طريق الوكالة الاستثمارية في البنوك أو غيرها حلال، ولا شبهة في هذه المعاملة؛ فهي من قبيل المصالح المرسلة، وليست من العقائد أو العبادات التي لا يجوز فيها التغيير أو التبديل\".\rوالرد على ذلك يكون بتناول عدة جزئيات على النحو التالي:\rأولاً: الحكم الشرعي إذا ثبت بالدليل، وعُرف مناطه؛ فلا يجوز تغييره ولا تبديله بحال، يستوي في ذلك العقائد والعبادات وغيرها من المعاملات. غير أن تفسير النصوص الشرعية، وتحديد مجال إعمالها، يُرجع فيه إلى المصلحة التي شُرع الحكم لتحقيقها، وذلك في المعاملات بخلاف العبادات التي يقف فيها المجتهد عند النص ولا يتوسع في تفسيره. وهذا أصل أكده الإمام الشاطبي وغيره، غير أنه في جميع الحالات إذا توصل المجتهد بهذا المنهج إلى حكم شرعي فإنه لا يحل تغييره أو تبديله.\rوثمة فرق بين العبارتين؛ إذ إن عبارة التغيير والتبديل لأحكام الشريعة تُوهم أنها غير ملزمة للمكلف، وهذا رأي نسب إلى الطوفي الحنبلي، وهو منه بريء (راجع نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي – ص: ٥٣٣، وما بعدها لكاتب التعليق) ، إذ لم يقل بذلك أحد في تاريخ الاجتهاد الإسلامي. فقد نسب بعض المحدثين إلى الطوفي أنه يقدم المصلحة على النص والإجماع في المعاملات، ورموه بأنه أول من فتح باب الشر، وأن ما قاله \"باطل\" صادر عن \"مضل\" \"فاجر\" \"ساقط\"، ولا يقول بقوله إلا من هو \"أسقط منه\"، وأن رأيه في المصلحة \"إلحاد مكشوف\"، من أعار له سمعًا لم يكن له نصيب من العلم ولا من الدين، وأن مذهبه ليس غلطًا فقط من عالم حسن النية يحتمل التأويل، بل فتنة فتح بابها قاصد شر ومثير فتن. ويقول الإمام أبو زهرة عن الطوفي: \"إن مهاجمته للنصوص وفكرة نسخها بالمصالح أسلوب شيعي\"\rثانيًا: هذه المعاملة ليست من باب المصالح المرسلة؛ لأنها وكالة في الاستثمار كما جاء في الفتوى. وقد بينت الشريعة الإسلامية شروط الوكالة وأحكامها. فليست مما سكتت عنه النصوص الشرعية، وهذه الأحكام باتفاق الفقهاء، هي:\r١. وجوب النص على أجر الوكيل في عقد الوكالة، سواء كان مبلغًا مقطوعًا أو نسبة من المال المستثمر.\r٢. أن أرباح المال المستثمر كلها للموكل، وخسارته عليه بحكم أنه المالك للمال.\r٣. وجوب إمساك الوكيل حسابًا مستقلاً عن عمليات الوكالة تقيد فيه إيرادات العمليات ومصروفاتها؛ حتى تتحدد الأرباح التي يستحقها الموكل بعد خصم أجرة الوكيل.\rوالوكالة المُدَّعاة في الفتوى، رغم أنها مجرد خيال غير واقع، فهي وكالة باطلة؛ لأنها لم تستوفِ شروطها الشرعية، ولم يترتب عليها الأحكام التي رتبها الشارع عليها.\rوخلاصة ردنا على الفتوى أنها لا تطبق على البنوك التي تعمل في مصر، ولا في غيرها من البلاد العربية؛ لأن مناط الفتوى غير متحقق في هذه البنوك؛ فهي ليست وكيلة في الاستثمار، ولا تملك الاستثمار والاتجار في الودائع بطريقة مباشرة بحكم القوانين المنشئة لها، كما أن توظيفها للمال غير مشروع؛ لأنها تقرضها بفائدة محرمة.\rوإذا فُرض وجود نظام مصرفي يقوم على أساس الوكالة في الاستثمار؛ فإن هذه الوكالة يجب أن تتوافر شروطها الشرعية، وأن تترتب عليها أحكامها التي لا تُنافي مقتضاها.\rإن البنوك الإسلامية تقوم بتلقي الودائع، واستثمارها بطريق مباشر، وبصيغ وعقود شرعية في عقد الوكالة في الاستثمار بجانب صيغ أخرى.) نقلاً عن موقع الإسلام على الإنترنت.\rإن هذه الفتوى غير صحيحة حيث إنها بنيت على تصور خاطىء لما عليه العمل في البنوك الربوية حيث إن حقيقة البنك الربوي أنه تاجر ديون يقترض ويقرض وهذا يغطي أكثر من ٧٥% من أعمال البنوك الربوية وهي لا تقوم بتشغيل الأموال في المشاريع ولا تقوم بالاستثمار الحقيقي.\rويضاف لما سبق أن هذه الفتوى مخالفة لجميع ما اتفق عليه أهل العلم في عصرنا من تحريم للربا بجميع أشكاله ومن ذلك: ١. قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة فقد جاء فيه ما يلي:\rفإن مجلس المجمع الفقهي في دورته التاسعة المنعقدة بمبنى رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ١٢ رجب ١٤٠٦هـ إلى يوم السبت ١٩ رجب ١٤٠٦هـ قد نظر في موضوع (تفشي المصارف الربوية وتعامل الناس معها، وعدم توفر البدائل عنها) وهو الذي أحاله إلى المجلس معالي الأمين العام نائب رئيس المجلس.\rوقد استمع المجلس إلى كلام السادة الأعضاء حول هذه القضية الخطيرة، التي يقترف فيها محرم بيّن، ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والاجماع، وأصبح من المعلوم من الدين بالضرورة، واتفق المسلمون كافة على أنه من كبائر الإثم والموبقات السبع، وقد آذن القرآن الكريم مرتكبيه بحرب من الله ورسوله، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كمنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) البقرة ٢٧٩.\rوقد صح عن النبي ﷺ قوله (لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم.\rكما روى ابن عباس عنه: (إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله ﷿ وروى نحوه ابن مسعود.\rوقد أثبتت البحوث الاقتصادية الحديثة أن الربا خطر على اقتصاد العلم وسياسته، وأخلاقياته وسلامته، وأنه وراء كثير من الأزمات التي يعانيها العالم، وأل نجاة من ذلك إلاّ باستئصال هذا الداء الخبيث الذي هو الربا من جسم العالم، وهو ما سبق به الإسلام منذ أربعة عشر قرناً.\rومن عم الله تعالى أن المسلمين بدءوا يستعيدون ثقتهم بأنفسهم ووعيهم لهويتهم، نتيجة وعيهم لدينهم، فتراجعت الأفكار التي كانت تمثل مرحلة الهزيمة النفسية أمام الحضارة الغربية، ونظامها الرأسمالي، والتي وجدت لها يوماً من ضعاف الأنفس من يريد أن يفسر النصوص الثابتة الصريحة قسراً لتحليل ما حرم الله ورسوله.\rوقد رأينا المؤتمرات والندوات الاقتصادية التي عقدت في أكثر من بلد إسلامي، وخارج العالم الإسلامي أيضاً، تقرر بالاجماع حرمة الفوائد الربوية وتثبت للناس إمكان قيام بدائل شرعية عن البنوك والمؤسسات القائمة على الربا.\rثم كانت الخطوة العملية المباركة، هي إقامة مصارف إسلامية خالية من الربا والمعاملات المحظورة شرعاً، بدأت صغيرة ثم سرعان ما كبرت، قلية ثم سرعان ما تكاثرت حتى بلغ عددها الآن في البلاد الإسلامية وخارجها أكثر من تسعين مصرفاً.\rوبهذا كذبت دعوى العلمانيين وضحايا الغزو الثقافي الذين زعموا يوماً أن تطبيق الشريعة في المجال الاقتصادي مستحيل، لأنه لا اقتصاد بغير بنوك، ولا بنوك بغير فوائد.\rوقد وفقه الله بعض البلاد الإسلامية مثل باكستان لتحويل بنوكها الوطنية إلى بنوك إسلامية لا تتعامل بالربا أخذاً ولا عطاءً، كما طلبت من البنوك الأجنبية أن تغير نظامها بما يتفق مع اتجاه الدولة، وإلاّ فلا مكان لها، وهي سنة حسنة لها أجرها وأجر من عمل بها إن شاء الله.\rومن هنا يقرر المجلس ما يلي:\rأولاً: يجب على المسلمين كافة أن ينتهوا عما نهى الله تعالى عنه من التعامل بالربا، أخذا وعطاءً، والمعاونة عليه بأية صورة من الصور، حتى لا يحل بهم عذاب الله، وحتى لا يؤذنوا بحرب من الله ورسوله.\rثانياً: ينظر المجلس بعين الارتياح والرضا إلى قيام المصارف الإسلامية، التي هي البديل الشرعي للمصارف الربوية، ويعنى بالمصارف الإسلامية كل مصرف ينص نظامه الأساسي على وجوب الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء في جميع معاملاته ويلزم إدارته بوجوب وجود رقابة شرعية ملزمة.\rويدعو المجلس المسلمين في كل مكان إلى مساندة هذه المصارف وشد أزرها، وعدم الاستماع إلى الإشاعات المغرضة التي تحاول أن تشوش عليها، وتشوه صورتها بغير حق.\rويرى المجلس ضرورة التوسع في إنشاء هذه المصارف في كل أقطار الإٍسلام، وحيثما وجد للمسلمين تجمعاً خارج أقطاره، حتى تتكون من هذه المصارف شبكة قوية تهيئ لاقتصاد إسلامي متكامل.\rثالثاً: يحرم على كل مسلم يتيسر له التعامل مع مصرف إسلامي أن يتعامل مع المصارف الربوية في الداخل أو الخارج، إذ لا عذر له في التعامل معها بعد وجود البديل الإسلامي، ويجب عليه أن يستعيض عن الخبيث بالطيب ويستغني بالحلال عن الحرام.\rرابعاً: يدعو المجلس المسؤولين في البلاد الإسلامية والقائمين على المصارف الربوية فيها إلى المبادرة الجادة لتطهيرها من رجس الربا، استجابة لنداء الله تعالى: (وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين) وذلك يسهمون في تحرير مجتمعاتهم من آثار الاستعمار القانونية والاقتصادية.\rخامساً: كل مال جاء عن طريق الفوائد الربوية هو مال حرام شرعاً، لا يجوز أن ينتفع به المسلم ـ مودع المال ـ لنفسه أو لأحد ممن يعوله في أي شأن من شئونه، ويجب أن يصرف في المصالح العامة للمسلمين، من مدارس ومستشفيات وغيرها، وليس هذا من باب الصدقة وإنما هو من باب التطهر من الحرام.\rولا يجوز بحال ترك هذه الفوائد للبنوك الربوية، للتقوي بها، يزداد الإثم في ذلك بالنسبة للبنوك في الخارج، فإنها في العادة تصرفها إلى المؤسسات التنصيرية واليهودية، وبهذا تغدو أموال المسلمين أسلحة لحرب المسلمين وإضلال أبنائهم عن عقيدتهم، علماً بأنه لا يجوز أن يستمر في التعامل مع هذه البنوك الربوية بفائدة أو بغير فائدة.\rكما يطالب المجلس القائمين على المصارف الإسلامية أن ينتقوا لها العناصر المسلمة الصالحة، وأن يوالوها بالتوعية والتفقيه بأحكام الإسلام وآدابه حتى تكون معاملاتهم وتصرفاتهم موافقة لها.\rفإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من ١٠ - ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦هـ، الموافق ٢٢ - ٢٨ديسمبر ١٩٨٥م.\rبعد أن عرضت عليه بحوث مختلفة في التعامل المصرفي المعاصر وبعد التأمل فيما قدم ومناقشته مناقشة مركزة أبرزت الآثار السيئة لهذا التعامل على النظام الاقتصادي العالمي، وعلى استقراره خاصة في دول العالم الثالث.\rوبعد التأمل فيما جرَّه هذا النظام من خراب نتيجة إعراضه عما جاء في كتاب الله تعالى من تحريم الربا جزئيًا وكليًا تحريمًا واضحًا بدعوته إلى التوبة منه، وعلى الاقتصار على استعادة رءوس أموال القروض دون زيادة أو نقصان قل أو كثر، وما جاء من تهديد بحرب مدمرة من الله ورسوله للمرابين.\rقرر: أولا: أن كل زيادة (أو فائدة) على الدين الذي حل أجله وعجز المدي عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة (أو الفائدة) على القرض منذ بداية العقد: هاتان الصورتان ربًا محرم شرعًا.\rثانيًا: أن البديل الذي يضمن السيولة المالية والمساعدة على النشاط الاقتصادي حسب الصورة التي يرتضيها الإسلام - هي التعامل وفقًا للأحكام الشرعية - ولا سيما ما صدر عن هيئات الفتوى المعنية بالنظر في جميع أحوال التعامل التي تمارسها المصارف الإسلامية في الواقع العملي.\rثالثا: قرر المجمع التأكيد على دعوة الحكومات الإسلامية إلى تشجيع المصارف الإسلامية القائمة، والتمكين لإقامتها في كل بلد إسلامي لتغطي حاجة المسلمين كيلا يعيش المسلم في تناقض بين واقعه ومقتضيات عقيدته.\r٣. قرار المؤتمر الإسلامي الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، عام: ١٣٨٥هـ، الموافق ١٩٦٥م\r١. الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي، وما يسمى بالقرض الإنتاجي لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين.\r٢. كثير الربا وقليله حرام، كما يشير إلى ذلك الفهم الصحيح في قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة) .\r٣. الإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة ... وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته.\r٤. أعمال البنوك من الحسابات الجارية وصرف الشيكات وخطابات الاعتماد والكمبيالات الداخلية التي يقوم عليها العمل بين التُّجَّار والبنوك في الداخل: كل هذا من المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ في نظير هذه الأعمال ليس من الربا.\r٥. الحسابات ذات الأجل، وفتح الاعتماد بفائدة، وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة كلها من المعاملات الربوية وهي محرمة.\rوخلاصة الأمر أنها فتوى باطلة مصادمة للنصوص ومخالفة لما اتفق عليه علماء الأمة بل إنه قد سبق لشيخ الأزهر الذي ذيل الفتوى بتوقيعه أن أفتى سنة ١٩٨٩م بتحريم مثل هذه المعاملات الربوية فسبحان مغير القلوب وهذا نص فتواه السابقة: يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) البقرة ٢٧٨ – ٢٧٩.\rويقول الرسول ﷺ فيما روي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبّر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلاًُ بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء) رواه أحمد والبخاري ومسلم.\rوأجمع المسلمون على تحريم الربا، والربا في اصطلاح فقهاء المسلمين هو: زيادة مال في معاوضة مال بمال دون مقابل.\rوتحريم الربا بهذا المعنى أمر مجمع عليه في كل الشرائع السماوية، لما كان ذلك، وكان إيداع الأموال في البنوك أو إقراضها أو الاقتراض مناه بأي صورة من الصور مقابل فائدة محددة مقدماً زمناً ومقدراً يعتبر قرضاً بفائدة، وكل قرض بفائدة محددة مقدماً حرام، كانت تلك الفوائد التي تعود على السائل داخلة في نطاق ربا الزيادة المحرم شرعاً بمقتضى النصوص الشرعية.\rوننصح كل مسلم بأن يتحرى الطريق الحلال لاستثمار ماله، والبعد عن كل ما فيه شبهة حرام لأنه مسؤول يوم القيامة عن ماله من اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟. مفتي جمهورية مصر العربية\rتوقيع / د. محمد طنطاوي سجل ٤١/١٢٤ في ١٤ رجب ١٤٠٩هـ الموافق ٢٠/٢/١٩٨٩.\rوأخيراً فإن على الناس أن لا ينخدعوا بمثل هذه الفتاوى العرجاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346210,"book_id":3840,"shamela_page_id":590,"part":"12","page_num":84,"sequence_num":590,"body":"٨٤ - استعمال العام الهجري في عقود الإجارة\rيقول السائل: استأجر رجل شقة سكنية واتفق مع مالكها على الأجرة السنوية ولكن صاحب العمارة يطالب بأن تدفع الأجرة حسب السنة الهجرية وليس حسب السنة الميلادية مع العلم أنه لم يتم ذكر السنة الهجرية عند العقد؟\r\rالجواب: يجب أن يعلم أن التاريخ الهجري هو سمة من سمات الأمة الإسلامية لا يجوز الاستغناء عنه ولا استبداله بالتاريخ الميلادي بشكل تام.\rومن المعلوم أن عمر بن الخطاب هو الذي سنَّ فكرة التأريخ من أول محرم، قال ابن الأثير: [والصحيح المشهور أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر بوضع التأريخ والسبب في ذلك: أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تأريخ. فجمع عمر الناس للمشورة فقال بعضهم: أرخ بمبعث النبي ﷺ وقال بعضهم: بمهاجرة رسول الله ﷺ، فقال عمر: بل نؤرخ بمهاجرة رسول الله ﷺ فإن مهاجرته فرق بين الحق والباطل، قال الشعبي: وقال محمد بن سيرين: قام رجل إلى عمر، فقال: أرخوا، فقال عمر: ما أرخوا؟ فقال: شيء تفعله الأعاجم في شهر كذا من سنة كذا، فقال عمر حسن فأرخوا فاتفقوا على الهجرة ثم قالوا: من أي الشهور؟ فقالوا: من رمضان، ثم قالوا: فالمحرم هو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فأجمعوا عليه] التشبه المنهي عنه ص ٥٤٣-٥٤٤.\rإن علماء الأمة قد كرهوا استعمال التقويم الميلادي لما له من ارتباط ديني عند النصارى وهو ميلاد عيسى ﵇ ولا يجوز التشبه بهم في أمر دينهم، فالأصل عند المسلمين هو استعمال التقويم الهجري حيث إن هذا التقويم مرتبط بعبادات المسلمين كصوم رمضان والحج والزكاة وغير ذلك.\rقال القرطبي: تعليقاً على قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) سورة التوبة الآية ٣٦.\rقال: [هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام في العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهراً لأنها مختلفة الأعداد منها ما يزيد على ثلاثين ومنها ما ينقص وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص] تفسير القرطبي ٨/١٣٣.\rوالأصل أن نستعمل التقويم الهجري ولا بأس باستعمال التقويم الميلادي إلى جانبه.\rولكن ومع الأسف الشديد تخلى المسلمون بشكل عام عن التقويم الهجري واستعملوا التقويم الميلادي وصار التقويم الميلادي هو المعتمد في كل شؤون الناس تقريباً وفي مختلف شؤون الحياة ومن ضمن ذلك عقود الاستئجار وصار هذا عرفاً عاماً عند الناس فإذا استأجر شخص بيتاً لمدة سنة واحدة على أن يدفع الأجرة في آخرها. فالمعروف عند الناس أنها سنة ميلادية ويجب دفع الأجرة في ٣١ كانون الثاني.\rواستعمال التقويم الميلادي بهذه الطريقة واستبعاد التقويم الهجري لا أنه شك أمر محزن وهو من مظاهر ضعف المسلمين وهوانهم والمشتكى إلى الله.\rومع ذلك فإن عرف الناس باستعمال التقويم الميلادي في معاملاتهم معتبر شرعاً ويجب الالتزام به ما دام لم ينص على غيره والعرف والعادة يجب الالتزام بهما شرعاً. عند عدم مخالفة نص شرعي أو شرط لأحد المتعاقدين وقد وضع الفقهاء عدة قواعد فقهية مبنية على اعتبار العرف والعادة منها قاعدة (العادة محكمة) أي أن للعادة في نظر الشارع حاكمية تخضع لها أحكام التصرفات فتثبت تلك الأحكام على وفق ما تقضي به العادة أو العرف إذا لم يكن هناك نص شرعي مخالف لتلك العادة. انظر المدخل الفقهي فقرة ٦٠٤.\rومنها قاعدة (استعمال الناس حجة يجب العمل بها) .\rومنها قاعدة (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً) ومعنى ذلك إن ما تعارف الناس عليه في معاملاتهم فهو قائم مقام الشرط وإن لم يذكر صراحة في العقد.\rوبناء على ما تقدم فلا يجوز شرعاً لصاحب العمارة أن يطالب المستأجر بدفع أجرة الشقة حسب التقويم الهجري لأن العرف العام جار باستعمال التقويم الميلادي وعرف الناس معتبر.\rقال العلامة ابن عابدين الحنفي في منظومته:\rوالعرف له اعتبار فلذا الحكم عليه قد يدار\rانظر نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف في الجزء الثاني من رسائل ابن عابدين ص١١٢.\rولا يقبل تفسير مالك العمارة للسنة بأنها هجرية مع أن العرف العام يقرر أنها السنة الميلادية فلو فرضنا أن شخصاً أجّر بيتاً لآخر بمائة دينار في الشهر وكانا يسكنان في الضفة الغربية ولم يذكرا أن المقصود بالدينار هو الدينار الأردني فقال صاحب البيت أريد مائة دينار كويتي فنقول له مطالبتك باطلة لأن الدينار في بلادنا إذا أطلق ينصرف إلى الدينار الأردني فقط ولا ينصرف إلى غيره إلا بالنص عليه.\rونقل ابن عابدين عن ابن نجيم قوله: [أما العادة إنما تعتبر إذا اطردت أو غلبت ولذا قالوا في البيع لو باع بدراهم أو دنانير في بلد اختلف فيها النقود مع الاختلاف في المالية والرواج انصرف إلى الأغلب قال في الهداية لأنه هو المتعارف فينصرف المطلق إليه] رسالة رسم المفتي ص٤٤ ضمن الجزء الأول من مجموعة رسائل ابن عابدين.\rوعليه فلو نص صاحب العمارة المذكور على أن مدة الإجارة سنة هجرية فله ذلك وأما مع عدم النص على نوع السنة فإنها تنصرف إلى ما تعارف الناس عليه وهو السنة الميلادية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346211,"book_id":3840,"shamela_page_id":591,"part":"12","page_num":85,"sequence_num":591,"body":"٨٥ - اللقطة\rيقول السائل: إنه صاحب محل تجاري وقد وجد ولده مبلغاً كبيراً من المال (أوراق نقدية) في المحل فقام الولد بتمزيق بعض الأوراق النقدية ثم جاء شخص وقال إنه فقد المبلغ وأعطى صفته فهل على صاحب المحل ضمان ما أتلفه ولده من الأوراق النقدية؟\r\rالجواب: يسمى المال الضائع من صاحبه ويجده غيره لقطة والأصل في اللقطة التعريف بها والإعلان عنها إن كانت ذات قيمة وأما الأمور التافهة التي يسرع إليها الفساد كالثمار ونحوها فلا يحتاج إلى التعريف بها والإعلان عنها ويجوز لملتقطها أن ينتفع بها فقد ورد في الحديث عن أنس ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بتمرة في الطريق فقال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) رواه البخاري ومسلم\rفهذا الحديث يدل على جواز أخذ المحقرات في الحال، قال الحافظ ابن حجر: [قوله ﷺ:\r(لأكلتها) ظاهر في جواز أكل ما يوجد من المحقرات ملقى في الطرقات لأنه ﷺ ذكر أنه لم يمتنع عن أكلها إلا تورعاً لخشية أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه لا لكونها مرمية في الطريق فقط ... ولم يذكر تعريفاً فدل ذلك على أن مثل ذلك يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف] فتح الباري ٥/١٠٧-١٠٨. وقال الإمام الترمذي: [وقد رخص بعض أهل العلم إذا كانت اللقطة يسيرة أن ينتفع بها ولا يعرفها وقال بعضهم إذا كان دون دينار يعرفها قدر جمعة وهو قول اسحق بن إبراهيم] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤/٥١٨.\rويرى بعض أهل العلم أن الأمور الحقيرة التي لا يسرع إليها الفساد تعرف ثلاثة أيام واحتجوا على ذلك بما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من التقط لقطة يسيرة حبلاً أو درهماً أو شبه ذلك فليعرفها ثلاثة أيام فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام فإن جاء صاحبها وإلا فليتصدق بها) رواه أحمد والطبراني والبيهقي وفي سنده كلام لأهل العلم قال الشوكاني: [وفي إسناده عمر بن عبد الله بن يعلى وقد صرح جماعة بضعفه ولكنه قد أخرج له ابن خزيمة متابعة وروى عنه جماعات. وزعم ابن حزم أنه مجهول وزعم هو وابن القطان أن يعلى وحكيمة التي روت هذا الحديث عن يعلى مجهولان. قال الحافظ: وهو عجب منهما لأن يعلى صحابي معروف الصحبة قال ابن رسلان: ينبغي أن يكون هذا الحديث معمولاً به لأن رجال إسناده ثقات وليس فيه معارضة للأحاديث الصحيحة بتعريف سنة لأن التعريف سنة هو الأصل المحكوم به عزيمة وتعريف الثلاث رخصة تيسيراً للملتقط لأن الملتقط لليسير يشق عليه التعريف سنة مشقة عظيمة بحيث يؤدي إلى أن أحداً لا يلتقط اليسير والرخصة لا تعارض العزيمة بل لا تكون إلا مع بقاء حكم الأصل كما هو مقرر في الأصول ويؤيد تعريف الثلاث ما رواه عبد الرزاق عن أبي سعيد: (أن علياً جاء إلى النبي ﷺ بدينار وجده في السوق فقال النبي ﷺ: عرفه ثلاثاً ففعل فلم يجد أحداً يعرفه فقال: كله) وينبغي أيضاً أن يقيد مطلق الانتفاع المذكور في حديث الباب بالتعريف بالثلاث المذكور فلا يجوز للملتقط أن ينتفع بالحقير إلا بعد التعريف به ثلاثاً حملاً للمطلق على المقيد وهذا إذا لم يكن ذلك الشيء الحقير مأكولاً فإن كان مأكولاً جاز أكله ولم يجب التعريف به أصلاً كالتمرة ونحوها لحديث أنس المذكور لأن النبي ﷺ قد بين أنه لم يمنعه من أكل التمرة إلا خشية أن تكون من الصدقة ولولا ذلك لأكلها وقد روى ابن أبي شيبة عن ميمونه زوج النبي ﷺ أنها وجدت تمرة فأكلتها وقالت: لا يحب الله الفساد قال في الفتح: يعني أنها لو تركتها فلم تؤخذ فتؤكل لفسدت قال: وجواز الأكل هو المجزوم به عند الأكثر. ويمكن أن يقال إنه يقيد حديث التمرة بحديث التعريف ثلاثاً كما قيد به حديث الانتفاع ولكنها لم تجر للمسلمين عادة بمثل ذلك وأيضاً الظاهر من قوله ﷺ (لأكلتها) أي في الحال ويبعد كل البعد أن يريد ﷺ لأكلتها بعد التعريف ثلاثاً وقد اختلف أهل العلم في مقدار التعريف بالحقير فحكى في البحر عن زيد بن علي والناصر والقاسمية والشافعي أنه يعرف به سنة كالكثير وحكى عن المؤيد بالله والإمام يحيى وأصحاب أبي حنيفة أنه يعرف به ثلاثة أيام واحتج الأولون بقوله ﷺ (عرفها سنة) قالوا: ولم يفصل. واحتج الآخرون بحديث يعلى بن مرة وحديث علي وجعلوهما مخصصين لعموم حديث التعريف سنة وهو الصواب لما سلف] نيل الأوطار ٥/٣٧٩-٣٨٠.\rوأما الأمور ذات القيمة فيجب تعريفها لمدة سنة كما ثبت في الحديث عن أبي بن كعب ﵁ قال: أصبت صرة فيها مئة دينار فأتيت النبي ﷺ فقال: عرفها حولاً فعرفتها حولاً فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال: عرفها حولاً فعرفتها فلم أجد ثم أتيته ثلاثاً فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها فاستمتعت بها فلقيته بعد بمكة فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً واحداً) رواه البخاري.\rوعن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة فقال: (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها قال: فضالة الغنم قال: لك أو لأخيك أو للذئب قال: فضالة الإبل؟ قال: مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها) رواه مسلم. والعفاص هو الوعاء الذي يكون فيه المال والوكاء هو الخيط الذي يشد به الوعاء.\rوفي رواية لمسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة الذهب أو الورق فقال: (اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه) وسأله عن ضالة الإبل فقال: (مالك ولها؟ دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها) وسأله عن الشاة فقال: (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب) . قال الإمام النووي [وأما التعريف سنة فقد أجمع المسلمون على وجوبه إذا كانت اللقطة ليست تافهة ولا في معنى التافهة ... ولا بد من تعريفها سنة بالإجماع] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٨٦. ثم قال الإمام النووي: [والتعريف أن ينشدها في الموضع الذي وجدها فيه وفي الأسواق وأبواب المساجد ومواضع اجتماع الناس فيقول: من ضاع منه شيء؟ من ضاع منه حيوان؟ من ضاع منه درهم؟ ونحو ذلك ويكرر ذلك بحسب العادة قال أصحابنا: فيعرفها أولاً في كل يوم ثم في الأسبوع ثم في أكثر منه] المصدر السابق ٤/٣٨٦-٣٨٧.\rوالتعريف باللقطة إذا كانت ذات قيمة واجب على الراجح من أقوال أهل العلم قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فإنه واجب على كل ملتقط سواء أراد تملكها أو حفظها لصاحبها وقال الشافعي: لا تجب على من أراد حفظها لصاحبها. ولنا: أن النبي ﷺ أمر به زيد بن خالد وأبي بن كعب ولم يفرق ولأن حفظها لصاحبها إنما يقيد بإيصالها إليه وطريقه التعريف أما بقاؤها في يد الملتقط من غير وصولها إلى صاحبها فهو وهلاكها سيان ولأن إمساكها من غير تعريف تضييع لها عن صاحبها فلم يجز كردها إلى موضعها أو إلقائها في غيره ولأنه لو لم يجب التعريف لما جاز الالتقاط لأن بقاءها في مكانها إذاً أقرب إلى وصولها إلى صاحبها إما بأن يطلبها في الموضع الذي ضاعت فيه فيجدها وإما بأن يجدها مع من يعرفها وأخذه لها يفوت الأمرين فيحرم فلما جاز الالتقاط وجب التعريف كيلا يحصل هذا الضرر ولأن التعريف واجب على من أراد تملكها فكذلك على من أراد حفظها فإن التمليك غير واجب فلا تجب الوسيلة إليه فيلزم أن يكون الوجوب في المحل المتفق عليه لصيانتها عن الضياع عن صاحبها وهذا موجود في محل النزاع] المغني ٦/٧٤.\rإذا تقرر هذا فإن العلماء قد اتفقوا على أن يد الملتقط يد أمانة فإذا تلفت اللقطة عنده أثناء الحول بلا تعدٍ منه ولا تقصير فلا ضمان عليه وأما إذا تعدى أو قصّر فعليه الضمان.\rوفي السؤال فإن ابن صاحب المحل قد تعدّى بتمزيقه الأوراق النقدية فلا بد من ضمانها وإن كان الملتقط صبياً. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إن الصبي والمجنون والسفيه إذا التقط أحدهم لقطة ثبتت يده عليها لعموم الأخبار ولأن هذا تكسب فصح منه كالاصطياد والاحتطاب وإن تلفت في يده بغير تفريط فلا ضمان عليه لأنه أخذ ما له أخذه وإن تلفت بتفريطه ضمنها في ماله وإذا علم بها وليه لزمه أخذها لأنه ليس من أهل الحفظ والأمانة فإن تركها في يده ضمنها لأنه يلزمه حفظ ما يتعلق به حق الصبي وهذا يتعلق به حقه فإذا تركها في يده كان مضيعاً لها] المغني ٦/١٠٠.\rوخلاصة الأمر أن على ولي الصبي ضمان ما أتلفه ولده من المال الملتقط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346212,"book_id":3840,"shamela_page_id":592,"part":"12","page_num":86,"sequence_num":592,"body":"٨٦ - الضمان\rيقول السائل: إن حماراً قد رفس ابنه وأصابه بجرح بليغ، فهل على صاحب الحمار شيء؟\r\rالجواب: صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (العجماء جرحها جبار) رواه البخاري ومسلم وفي رواية للبخاري: (العجماء عقلها جبار) .\rوالعجماء هي البهيمة ومعنى جبار أي هدر والهدر الذي لا شيء فيه ومعنى العقل في الرواية الثانية أي الدية والمراد أن لا دية فيما تتلفه البهيمة. انظر فتح الباري ١٢/٣١٩ فما بعدها.\rوالذي يؤخذ من الحديث النبوي أن الدابة إذا أتلفت شيئاً بدون تقصير أو تعدٍ من مالكها أو سائقها فلا ضمان عليه وأما إذا قصر في حفظها أو تعدى بأن نخسها أو ضربها فرفست إنساناً أو عضته أو آذته فعليه الضمان.\rقال الإمام الترمذي: [ومعنى قوله ﷺ: (العجماء جرحها جبار) فسر ذلك بعض أهل العلم قالوا: العجماء الدابة المنفلتة من صاحبها فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها] سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٤/٥٢٢-٥٢٣.\rوقال الإمام النووي: [فأما قوله ﷺ (العجماء جرحها جبار) فمحمول على ما إذا أتلفت شيئاً بالنهار أو أتلفت بالليل بغير تفريط من مالكها أو أتلفت شيئاً وليس معها أحد فهذا غير مضمون وهو مراد الحديث. فأما إذا كان معها سائق أو قائد أو راكب فأتلفت بيدها أو برجلها أو فمها ونحوه وجب ضمانه في مال الذي هو معها سواء كان مالكاً أو مستأجراً أو مستعيراً أو غاصباً أو مودعاً أو وكيلاً أو غيره، إلا أن تتلف آدمياً فتجب ديته على عاقلة الذي معها والكفارة في ماله والمراد بجرح العجماء إتلافها سواء كان بجرح أو غيره قال القاضي: أجمع العلماء على أن جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها إذا لم يكن معها أحد فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفته] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٦٤.\rوخلاصة الأمر أن صاحب الحمار إن كان قد تعدى أو قصر في حفظ حماره فعليه الضمان وإلا فلا ضمان عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346213,"book_id":3840,"shamela_page_id":593,"part":"12","page_num":87,"sequence_num":593,"body":"٨٧ - معنى حديث: (نهى رسول الله ﵊ عن\rيقول السائل: ما معنى الحديث النبوي: (نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة) ؟\r\rالجواب: ورد هذا الحديث بعدة روايات عن النبي ﷺ وهي:\rعن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه النسائي وأحمد وغيرهما.\rورواه أبو داود بلفظ آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) .\rوورد الحديث بلفظ آخر عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع وسلف وعن بيعتين في صفقة واحدة وعن بيع ما ليس عندك) رواه أحمد والبيهقي.\rوجاء بلفظ آخر عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ (نهى عن صفقتين في صفقة) وورد الحديث أيضاً عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبعه ولا تبع بيعتين في بيعة) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة.\rوجميع روايات الحديث لم تخل من كلام لأهل العلم انظر تفصيل ذلك إرواء الغليل ٥/١٤٨-١٥٢.\rوعلى كل حال فالحديث لا يقل عن درجة الحسن وهو صالح للاحتجاج.\rوأما المراد بالحديث فللعلماء فيه لاثة أوجه وهي:\rالوجه الأول: قال الإمام البغوي: [أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة نقداً، أو بعشرين نسيئة إلى شهر، فهو فاسد عند أكثر أهل العلم لأنه لا يدرى أيهما الثمن وجهالة الثمن تمنع صحة العقد]\rشرح السنة ٨/١٤٣. وهذا التفسير للحديث منقول عن جماعة من السلف منهم سماك بن حرب راوي الحديث حيث قال: [هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنساء بكذا وهو بنقد بكذا وكذا رواه أحمد.\rونقل مثل ذلك عن عبد الوهاب بن عطاء: [يعني يقول هو لك بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين] رواه البيهقي في السنن الكبرى ٥/٣٤٣.\rوقال الإمام الترمذي: [وقد فسر بعض أهل العلم قالوا بيعتين في بيعة أن يقول أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين ولا يفارقه على أحد البيعين فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على واحد منهما] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤/٣٥٧-٣٥٨.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وقد روي في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر: وهو أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرة نقداً أو بخمسة عشر نسيئة أو بعشرة مكسرة أو تسعة صحاحاً. هكذا فسره مالك والثوري وإسحق وهو أيضاً باطل. وهو قول الجمهور لأنه لم يجزم له ببيع واحد فأشبه ما لو قال: بعتك هذا أو هذا ولأن الثمن مجهول فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم فلم يصح كما لو قال بعتك أحد عبيدي] المغني ٤/١٧٧.\rالوجه الثاني: [والوجه الآخر من تفسير البيعتين في البيعة أن يقول: بعتك عبدي هذا بعشرين ديناراً على أن تبيعني جاريتك فهذا فاسد لأنه جعل ثمن العبد عشرين ديناراً وشرط بيع الجارية وذلك شرط لا يلزم وإذا لم يلزم ذلك بطل بعض الثمن فيصير ما يبقى من المبيع في مقابلة الباقي مجهولاً] شرح السنة ٨/١٤٣. وهذا المعنى منقول عن الإمام الشافعي حيث قال الترمذي: [قال الشافعي: ومن معنى ما نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة أن يقول أبيعك داري هذه بكذا على أن تبيعني غلامك بكذا فإذا وجب لي غلامك وجبت لك داري وهذا تفارق عن بيع بغير ثمن معلوم ولا يدري كل واحد منهما على ما وقعت عليه صفقته] سنن الترمذي ٤/٣٥٨.\rوالوجه الثالث ما ذكره المباركفوري: [واعلم أنه قد فسر البيعتان في بيعة بتفسير آخر وهو أن يسلفه ديناراً في قفيز حنطة إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالحنطة قال بعني القفيز الذي لك عليّ إلى شهرين بقفيزين فصار ذلك بيعتين في بيعة لأن البيع الثاني قد دخل على الأول فيرد إليه أوكسهما وهو الأول كذا في شرح السنن لابن رسلان فقد فسر حديث أبي هريرة المذكور بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة بثلاثة تفاسير فاحفظها] تحفة الأحوذي ٤/٣٥٨.\rوالذي يظهر لي أن الوجه الأول في بيان المراد من الحديث هو الأظهر حيث إن راوي الحديث قد فسره به وهو أعلم بما روى كما أنه تفسير عدد كبير من أهل العلم ومع ذلك فإنه يظهر أن النهي عن بيعتين في بيعة بهذا المعنى وهو نقداً بكذا ونسيئة بكذا معلل بعلة وهي الجهالة في العقد والجهالة مبطلة للعقد وهذا المعنى واضح في كلام الإمام الترمذي: [أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين ولا يفارقه على أحد البيعين فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على واحد منهما]\rوقال الإمام البغوي: [وفسروا البيعتين في بيعة على وجهين: أحدهما أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة نقداً أو بعشرين نسيئة إلى شهر فهو فاسد عند أكثر أهل العلم لأنه لا يدرى أيهما الثمن وجهالة الثمن تمنع صحة العقد وقال طاووس: لا بأس به فيذهب به على أحدهما وبه قال إبراهيم والحكم وحماد وقال الأوزاعي: لا بأس به ولكن لا يفارقه حتى يباته بأحدهما فإن فارقه قبل ذلك فهو له بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين أما إذا باته على أحد الأمرين في المجلس فهو صحيح به لا خلاف فيه وما سوى ذلك لغو] شرح السنة ٨/١٤٣.\rوقال الشوكاني: [فسره سماك بما رواه المصنف عن أحمد عنه وقد وافقه على مثل ذلك الشافعي فقال بأن يقول بعتك بألف نقداً أو ألفين إلى سنة فخذ أيهما شئت أنت وشئت أنا ونقل ابن الرفعة عن القاضي أن المسألة مفروضة على أنه قبل على الإبهام أما لو قال قبلت بألف نقداً أو بألفين بالنسيئة صح ذلك] نيل الأوطار ٣/١٧٢.\rوخلاصة الأمر أن معنى نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة محمول على بيع سلعة بثمنين نقداً بكذا ونسيئة بكذا دون بت العقد على أحدهما فإذا كان الأمر كذلك فالعقد باطل وأما إذا بت المتبايعان الأمر واتفقا على أحد الثمنين كأن يقول البائع: أبيعك هذه السيارة بعشرة آلاف دينار نقداً وباثني عشر ألف دينار مؤجلة على عشرة أقساط فقال المشتري قبلت شرائها باثني عشر ألف دينار مقسطة واتفقا على ذلك صح البيع ولا بأس به وهو البيع المعروف عند الناس ببيع التقسيط فهو بيع صحيح ولا علاقة له بالربا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346214,"book_id":3840,"shamela_page_id":594,"part":"12","page_num":88,"sequence_num":594,"body":"٨٨ - المصارف الإسلامية\rالفرق بين البنوك الإسلامية والبنوك الربوية، يقول السائل: إنه سمع خطيب المسجد يقول إنه لا فرق بين البنوك الإسلامية وبين البنوك الربوية وأن البنوك الإسلامية تتحايل لأكل الربا فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: كثير من الناس يلقون الكلام جزافاً دون معرفة أو اطلاع على حقائق الأمور وأمثال هذا الكلام الذي قاله خطيب الجمعة يردده كثير من الوعاظ والعامة وبعض المنتسبين إلى العلم الشرعي من أرباع المثقفين وليس من أنصافهم الذين ما عرفوا الأسس الشرعية التي تقوم عليها فكرة البنوك الإسلامية وما عرفوا كيفية تطبيق المعاملات في البنوك الإسلامية ومن جهل شيئاً عاداه وبعض هؤلاء المعادين لفكرة البنوك الإسلامية يرفضونها لأنهم يعتبرونها ترقيعاً ويظنون أنه عندما تقوم للمسلمين دولة سيضغط الخليفة على زر فتتحول البنوك الربوية إلى بنوك إسلامية في لحظة واحدة ولكن هؤلاء واهمون ومخطئون. ولو سألت هؤلاء ما هو الحل لهذه المشكلة العظيمة التي يعاني منها العالم الإسلامي وهي هذا الطوفان الربوي الجارف فلا يحرون جواباً سديداً. والغريب في مقولة المحاربين لفكرة البنوك الإسلامية أنهم يسوون بين الحلال والحرام دونما بصر أو بصيرة ودعواهم هذه قالها المشركون قديماً كما حكى الله ﷾ قولهم: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) وقد رد الله ﷾ عليهم رداً قاطعاً واضحا فقال ﷻ: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) . وأقول لهؤلاء هل درستم نظام المعاملات في الشريعة الإسلامية دراسة واعية ودرستم كيفية تطبيق البنوك الإسلامية لمعاملاتها قبل أن تلقوا الكلام على عواهنه. إن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها البنوك الإسلامية هي البعد عن الربا في جميع معاملاتها أخذاً وإعطاءً فكيف تسوون بينها وبين البنوك الربوية التي تقوم أكثر معاملاتها على الربا أخذاً وإعطاءً. إن البنوك الإسلامية تعلن جهاراً نهاراً أنها لا تتعامل بالربا بجميع أشكاله وتنص أنظمتها ولوائحها الداخلية على ذلك ويأتي هؤلاء ويقولون إنه لا فرق بين البنوك الإسلامية والبنوك الربوية!!؟ إن خاصية البنوك الإسلامية في عدم التعامل بالربا هي الخاصية الأساسية التي يتميز بها البنك الإسلامي عن البنك الربوي لأن الربا كما هو معلوم محرم بالنصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، يقول الله ﷾: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أثيم إن الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين َفإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩. ويقول النبي ﷺ: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء) رواه مسلم. يقول الدكتور غريب الجمال: [تشكل خاصية استبعاد الفوائد من معاملات المصارف الإسلامية المعلم الرئيسي لها وتجعل وجودها متسقاً مع البنية السليمة للمجتمع الإسلامي وتصبغ أنشطتها بروح راسية ودوافع عقائدية تجعل القائمين عليها يستشعرون دائماً أن العمل الذي يمارسونه ليس مجرد عمل تجاري يهدف إلى تحقيق الربح فحسب بل إضافة إلى ذلك أسلوب من أساليب الجهاد في حمل عبء الرسالة والإعداد لاستنقاذ الأمة من مباشرة أعمال مجافية للأصول الشرعية وفوق كل ذلك وقبله يستشعر هؤلاء العاملون أن العمل عبادة وتقوى مثاب عليها من الله ﷾ إضافة إلى الجزاء المادي الدنيوي] عن المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق ص ١٩٢-١٩٣. كما أن البنوك الإسلامية توجه كل جهودها نحو استثمار المال بالحلال فمن المعلوم أن المصارف الإسلامية مصارف تنموية بالدرجة الأولى ولما كانت هذه المصارف تقوم على اتباع منهج الله المتمثل بأحكام الشريعة الغراء، لذا فإنها وفي جميع أعمالها تكون محكومة بما أحله الله وهذا يدفعها إلى استثمار وتمويل المشاريع التي تحقق الخير للبلاد والعباد والتقيد في ذلك بقاعدة الحلال والحرام التي يحددها الإسلام مما يترتب عليه ما يأتي: أ. توجيه الاستثمار وتركيزه في دائرة إنتاج السلع والخدمات التي تشبع الحاجات السوية للإنسان المسلم. ب. تحري أن يقع المنتج - سلعة كان أو خدمة - في دائرة الحلال. ج. تحري أن تكون كل مراحل العملية الإنتاجية (تمويل - تصنيع - بيع - شراء) ضمن دائرة الحلال. د. تحري أن تكون كل أسباب الإنتاج (أجور - نظام عمل) منسجمة مع دائرة الحلال. هـ. تحكيم مبدأ احتياجات المجتمع ومصلحة الجماعة قبل النظر إلى العائد الذي يعود على الفرد] . المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق ص ١٩٣. ويضاف إلى ذلك ما للبنوك الإسلامية من دور هام في إحياء نظام الزكاة من خلال صندوق الزكاة وتوزيع الزكاة على المستحقين لها. وكذلك دور البنوك الإسلامية الذي لا ينكره إلا مكابر أو جاهل في بعث الروح في فقه المعاملات في الشريعة الإسلامية الذي طالما كان مهجوراً فتوجهت همم الباحثين والدارسين لنفض الغبار عنه وبدأت الدراسات الكثيرة عن مفردات هذا النظام فحفلت المكتبة الإسلامية بمئات المؤلفات التي درست المرابحة والمضاربة والشركات والصرف وغير ذلك. وينبغي أن يعلم أن كلامي هذا عن البنوك الإسلامية لا يعني أنها بلغت الدرجة العالية في التطبيق والتنفيذ وأنها لا تخطئ وأنها كلها تسير على المنهج الشرعي بشكل تام. لا فإن البنوك الإسلامية حالها كحال الناس تماماً فكما أنك تجد في أفراد المسلمين من هو ملتزم تماماً بالحكم الشرعي وتجد فيهم من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فكذلك البنوك الإسلامية تجد بعضها لديه التزام عال بالمنهج الشرعي وبعضها يخلط الخطأ بالصواب وإن وجود الأخطاء في التطبيق لدى البنوك الإسلامية لا يعني بحال من الأحوال أن الخطأ في الفكرة والقاعدة التي تسير عليها البنوك الإسلامية ولكن وجود الأخطاء من العاملين أمر عادي جداً فالذي لا يعمل هو الذي لا يخطئ أما الذي يعمل فلا بد أن يقع منه الخطأ. وأخيراً يجب التنبيه إلى أن البنوك الإسلامية تسير في ميرتها التي تشهد تقدماً ونجاحاً بمرور الأيام - والحمد لله - معتمدةً على أسس وقواعد وضعها عدد كبير من علماء المسلمين في هذا العصر من خلال دراسات وأبحاث ومجامع علمية وفقهية ومن خلال مؤتمرات علمية يشارك فيها خبراء في الاقتصاد بجانب علماء الشريعة كما أن لكل بنك إسلامي هيئة للرقابة الشرعية مؤلفة من أهل الخبرة والاختصاص الشرعيين والاقتصاديين لمراقبة أعمال البنك تتولى التوجيه والإرشاد والتدقيق وغير ذلك. وأختم كلامي بعبارات نيرة لأستاذنا فقيه العصر الدكتور العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله ورعاه فقد قال: [ ... كلمة أوجهها للناقدين للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية أيا كانت دوافعهم وأعتقد أن بعضهم مخلص في نقده وكلمتي إليهم تتمثل في أمور ثلاثة: أ. أن يكونوا واقعيين ولا ينشدوا الكمال في البنوك الإسلامية وحدها في مجتمع يعج بالنواقص في كل ميدان وأن يصبروا على التجربة فهي لا زالت في بدايتها وأن يقدموا لها العون بدل أن يوجهوا إليها الطعن من أمام ومن خلف. وان يذكروا هذه الحكمة جيداً: إن من السهل أن نقول ونحسن القول ولكن من الصعب كل الصعب أن يتحول القول إلى عمل. ب. أن يقدموا حسن الظن بالناس بدل المسارعة بالاتهام للغير وسوء الظن بالآخرين وأن يتخلوا عن الإعجاب بالرأي فهو أحد المهلكات وعن الغرور بالنفس فهو أحد الموبقات وأن يذكروا قول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) سورة الحجرات الآية ١٢. وقول رسوله الكريم: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) متفق عليه. ج. أن يذكروا أن المصارف الإسلامية - وإن كان لها بعض السلبيات وعليها بعض المآخذ - لها إيجابيات مذكورة وإنجازات مشكورة نذكر منها: ١. أنها يسرت للفرد المسلم سبيل التعامل الحلال وأراحت ضمائر المسلمين من التعامل مع البنوك الربوية. ٢. زرعت الثقة والأمل في أنفس المسلمين بإمكان قيام بنوك بغير ربا وأن تطبيق الشريعة عندما تتجه الإرادة الجماعية إليه ميسور غير معسور. ٣. شجعت قاعدة كبيرة من جماهير الشعوب المسلمة على الادخار والاستثمار على حين قلما تتعامل البنوك الربوية إلا مع الأغنياء. ٤. هيئت فرصة مساعدة الفقراء ومساعدة المؤسسات الخيرية والجمعيات الإسلامية عن طريق صناديق الزكاة والبر والقرض الحسن. ٥. ساهمت في تنمية الجانب التربوي الثقافي] بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية ص ٨٦- ٨٧. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346215,"book_id":3840,"shamela_page_id":595,"part":"12","page_num":89,"sequence_num":595,"body":"٨٩ - السرقة\rيقول السائل: إنه يعمل كهربائياً وقد قامت شركة الكهرباء بقطع التيار الكهربائي عن منزل شخص لسرقته التيار الكهربائي فطلب هذا الشخص من الكهربائي أن يوصل التيار لمنزله بدون موافقة شركة الكهرباء فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن سرقة التيار الكهربائي حرام شرعاً وينطبق عليها مفهوم السرقة عند الفقهاء فالسرقة عندهم هي أخذ المال من حرزه خفية. وهذا ينطبق على سارق التيار الكهربائي فهو يأخذ التيار الكهربائي خفية من حرزه. والتيار الكهربائي ملك لشركة الكهرباء وهو مال متقوم شرعاً وهو مال له حرز معروف عرفاً فتحرم سرقته أو التعدي عليه والأدلة على تحريم ذلك كثيرة منها قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) سورة المائدة، الآية ٣٨\rوقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة، الآية ١٨٨.\rوعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده) رواه البخاري ومسلم.\rوعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) رواه البخاري.\rوعن عمرو الضمري ﵁ قال: شهدت خطبة النبي ﷺ بمنى فكان فيما خطب به أن قال:\r(ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه قال: فلما سمعت ذلك قلت: يا رسول الله أرأيت لو لقيت غنم ابن عمي فأخذت منها شاة فاجتزرتها؟ عليَّ في ذلك شيء؟ قال: إن لقيتها نعجة تحمل شفرة وأزناداً فلا تمسها) رواه أحمد والبيهقي.\rوعن أبي حميد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه) رواه أحمد والبيهقي وابن حبان وقال الشيخ الألباني صحيح، غاية المرام ص ٢٦٣.\rوعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ في مجلس فقال: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا) رواه البخاري ومسلم.\rوينبغي معاقبة سارق التيار الكهربائي بقطع التيار عنه وكذلك تغريمه مبلغاً من المال.\rومن المعروف أن سرقة التيار الكهربائي تلق ضرراً كبيراً بشركة الكهرباء وقد صح في الحديث قوله ﷺ:\r(لا ضرر ولا ضرار) .\rإذا تقرر هذا فلا يجوز للسائل أن يوصل التيار الكهربائي للشخص الذي قطعته عنه شركة الكهرباء لأن هذا العمل باطل حيث إنه من التعاون على الإثم والعدوان وقد قال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) سورة المائدة: الآية ٢.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346216,"book_id":3840,"shamela_page_id":596,"part":"12","page_num":90,"sequence_num":596,"body":"٩٠ - عقد المزارعة لا يعني تملك الأرض\rيقول السائل: ما قولكم فيما انتشر بين الناس أن من تكون عنده أرض لغيره يزرعها لفترة طويلة كعشرين سنة مثلاً ثم يريد صاحب الأرض استرجاعها وإلغاء عقد المزارعة فيطالب المزارع بتملك جزء من الأرض بحجة أنه كان يعتني بالأرض ويزرعها ويرفض إعادة الأرض لصاحبها إلا باقتطاع جزء منها فما حكم الشرع في ذلك؟\r\rالجواب: إن طرق تملك الأرض في الشريعة الإسلامية لا تخرج عن خمسة وهي:\rأولاً: تملك بالبيع والشراء كأن يشتري شخص قطعة أرض فيصبح مالكاً لها حر التصرف فيها بعد إتمام عقد البيع.\rثانياً: تملك بالهبة: كأن يهب شخص آخر قطعة أرض فيملكها الثاني مجاناً فيصبح حر التصرف فيها.\rثالثاً: تملك بإحياء الأرض الموات وهي الأرض التي لا حق فيها لأحد ولا ملك وسأفصل ما يتعلق بإحياء الموات فيما بعد.\rرابعاً: التملك بالإقطاع وهو أن يقطع إمام المسلمين بعض الرعية أرضاً مواتاً لإحيائها وإعمارها فيصير مالكاً لها\rخامساً: التملك بالميراث كأن يرث شخص أرضاً عن أبيه فيصير مالكاً لها.\rهذه هي طرق تملك الأرض عند العلماء وأما المزارعة فليست طريقاً لتملك الأرض لأن المزارعة في حقيقتها إنما هي فرع من الإجارة والإجارة تعني تملك المنفعة ولا تعني تملك العين المؤجرة فمهما طالت مدة الإجارة تبقى العين المؤجرة ملكاً لصاحبها فلو أن شخصاً سكن في بيت بالإجارة لمدة خمسين عااً فيبقى البيت لصاحبه ولا يصير ملكاً للمستأجر أبداً. فالمزارعة وهي عقد على الزرع ببعض الخارج من الأرض فلو اتفق مزارع مع صاحب أرض على أن يزرع أرضه مقابل ثلث المحصول واتفقا على أن مدة العقد عشرين سنة فلا يعني هذا العقد أن المزارع يملك شيئاً من الأرض مهما طالت مدة المزارعة.\rولعل بعض الناس يظن أنه يتملك الأرض بعد طول المدة لأنه أحياها ولعلهم يحتجون بقول النبي ﷺ: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) رواه الترمذي وقال حسن صحيح وصححه الألباني في إرواء الغليل ٦/٤.\rوهذا الفهم خاطئ تماماً لأن المقصود بإحياء الأرض الموات هي الأرض التي لا مالك لها ولا تعلق بها أي حق لمسلم أو غير مسلم.\rفقد روى البخاري في صحيحه بسنده أن النبي ﷺ قال: (من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها) .\rوقد ذكر العلماء شروطاً لصحة إحياء الأرض الموات منها أن لا تكون الأرض ملكاً لأحد مسلم أو ذمي وهذا الشرط باتفاق أهل العلم ومنهم من شرط أن يكون الإحياء بإذن الإمام ومنهم من شرط أن تكون الأرض خارج البلد. انظر تفصيل هذه الشروط في ملكية الأرض ص١١٨ فما بعدها.\rوبهذا يظهر لنا أن إحياء الأرض الموات لا يكون في الأراضي المملوكة للناس وإن ترك أصحابها استغلالها ويجب تحذير من يستولون على أراضي الناس الآخرين بغير حق وأن هذا من الظلم.\rوقد حرم الله الظلم قال الله تعالى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) سورة غافر الآية ١٨ وقال تعالى: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) سورة الحج الآية ٧١.\rوجاء في الحديث القدسي فيما يرويه النبي ﷺ عن رب العزة والجلال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) رواه مسلم.\rوعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) رواه مسلم.\rوجاء في خطبة الوداع قول النبي ﷺ: (ألا إن الله حرم عليكم دمائكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري.\rوحذر النبي ﷺ أشد التحذير من غصب الأراضي وأخذها من أصحابها بغير حق فقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين) متفق عليه\rوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أخذ من الأرض شبراً بغير حقه طوقه من سبع أرضين) رواه أحمد بإسنادين أحدهما صحيح ومسلم إلا أنه قال: (لا يأخذ أحد شبراً من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة) قوله: (طوقه من سبع أرضين) قيل: أراد طوق التكليف لا طوق التقليد وهو أن يطوق حملها يوم القيامة وقيل: إنه أراد أنه يخسف به الأرض فتصير البقعة المغصوبة في عنقه كالطوق.\rوروى البغوي بإسناده عن سالم عن أبيه قال: قال النبي ﷺ: (من أخذ من الأرض شبراً بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين) رواه البخاري.\rوعن يعلى بن مرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (أيما رجل ظلم شبراً من الأرض كلفه الله ﷿ أن يحفره حتى يبلغ به سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضى بين الناس) رواه أحمد والطبراني وابن حبان وفي رواية لأحمد والطبراني عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أخذ أرضاً بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر) . وقال الألباني: صحيح.\rوعن أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أعظم الغلول عند الله ﷿ ذراع من الأرض تجدون الرجلين جارين في الأرض أو في الدار فيقتطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعاً إذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين) رواه أحمد بإسناد حسن والطبراني في الكبير. وقال الألباني: حسن صحيح.\rوعن وائل بن حجر ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ: (من غصب أرضاً ظلماً لقي الله وهو عليه غضبان) رواه الطبراني من رواية يحيى بن عبد الحميد الحماني. وقال الألباني: صحيح. انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٧٩ – ٣٨١.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم على المسلم أن يأخذ أي جزء من أرض غيره بحجة أنه استأجرها سنوات طويلة لأن المزارعة والإجارة ليستا من طرق تملك الأرض وإنما هما ملك للمنفعة لا ملك للعين.\rوإن غصب الأرض ظلم عظيم وجريمة كبيرة عقابها في الآخرة شديد والعياذ بالله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346217,"book_id":3840,"shamela_page_id":597,"part":"12","page_num":91,"sequence_num":597,"body":"٩١ - البيع\rيقول السائل: ماذا يعني قول النبي ﷺ: (لا تبع ما ليس عندك) ؟\r\rالجواب: هذا الحديث ورد عن النبي ﷺ من رواية حكيم بن حزام قال: (سألت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل فيسألني من البيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وقال الألباني: صحيح انظر إرواء الغليل ٥/١٣٢. وفي رواية أخرى عند الترمذي عن حكيم بن حزام قال: (نهاني رسول الله ﷺ أن أبيع ما ليس عندي) . وقال الترمذي: [والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم كرهوا أن يبيع الرجل ما ليس عنده] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤/٣٦٣.\rوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤/٣٦١. وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز أن يبيع المسلم ما ليس عنده أي ما ليس في ملكه عند العقد قال المباركفوري: [وفي قوله ﷺ: (لا تبع ما ليس عندك) دليل على تحريم بيع ما ليس في ملك الإنسان ولا داخلاً تحت قدرته] تحفة الأحوذي ٤/٣٦٠.\rوقد جعل الفقهاء من شروط صحة عقد البيع أن يكون المبيع موجوداً حين العقد وأن يكون في ملك البائع ولم يجيزوا بيع المعدوم كبيع ما تنتجه الحيوانات وبيع ما في ملك جاره أو صديقه لأنه غير مملوك للبائع وقد استثني من هذا الأصل بيع السلم وألحق به عقد الاستصناع قال الإمام البغوي في شرح حديث (لا تبع ما ليس عندك) : [هذا في بيوع الأعيان دون بيوع الصفات فلو قبل السلم في شيء موصوف عام الوجود عند المحل المشروط يجوز وإن لم يكن في ملكه حال العقد] شرح السنة ٨/١٤١. وقال الشوكاني: [وظاهر النهي تحريم ما لم يكن في ملك الإنسان ولا داخلاً تحت مقدرته وقد استثني من ذلك السلم فتكون أدلة جوازه مخصصة لهذا العموم] نيل الأوطار ٥/١٧٥.\rونقل الحافظ ابن حجر عن ابن المنذر قوله: [وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين أحدهما: أن يقول: أبيعك عبداً أو داراً معينة وهي غائبة فيشبه بيع الغرر لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها وثانيهما: أن يقول: هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من صاحبها أو على أن يسلمها لك صاحبها وقصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني] فتح الباري ٤/٤٤١. وبيع السلم الذي استثناه العلماء من بيع ما ليس عند الإنسان هو بيع آجل بعاجل أو هو بيع موصو ف في الذمة ببدل يعطى عاجلاً. ومثال ذلك أن يبيع المزارع اليوم ألف كغم من الزيتون بسعر خمسة آلاف شيكل يقبضها عند العقد على أن يسلم كمية الزيتون في منتصف شهر ١١/٢٠٠٢ مثلاً وعقد السلم مشروع باتفاق العلماء وقد دل على مشروعيته الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم. قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) سورة البقرة الآية ٢٨٢. وقال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السلَّم خاصة. تفسير القرطبي ٣/٣٧٧. وصح في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم النبي ﷺ وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم. رواه البخاري ومسلم. وعقد السلم من العقود التي تعطي مرونة كبيرة للاقتصاد الإسلامي وتفتح مجالاً رحباً في الزراعة والصناعة فالمزارع يبيع إنتاجه الزراعي مقدماً وكذا صاحب المصنع يبيع إنتاجه ويحصل على ثمنه مقدماً على أن يسلمه في مدة لاحقة متفق عليها وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بالسلم وتطبيقاته المعاصرة ما يلي: [يعد السلم في عصرنا الحاضر أداة تمويل ذات كفاءة عالية في الاقتصاد الإسلامي وفي نشاطات المصارف الإسلامية من حيث مرونتها واستجابتها لحاجات التمويل المختلفة سواء أكان تمويلاً قصير الأجل أم متوسطه أم طويله واستجابتها لحاجات شرائح مختلفة ومتعددة من العملاء سواء أكانوا من المنتجين الزراعيين أم الصناعيين أم المقاولين أم من التجار واستجابتها لتمويل نفقات التشغيل والنفقات الرأسمالية الأخرى. ولهذا تعددت مجالات تطبيق عقد السلم ومنها ما يلي: أ. يصلح عقد السلم لتمويل عمليات زراعية مختلفة حيث يتعامل المصرف الإسلامي مع المزارعين الذين يتوقع أن توجد لديهم السلعة في الموسم من محاصيلهم أو محاصيل غيرهم التي يمكن أن يشتروها ويسلموها إذا أخفقوا في التسليم من محاصيلهم فيقدم لهم بهذا التمويل نفعاً بالغاً ويدفع عنهم مشقة العجز المالي عن تحقيق إنتاجهم. ب. يمكن استخدام عقد السلم في تمويل النشاط الزراعي والصناعي ولا سيما تمويل المراحل السابقة لإنتاج وتصدير السلع والمنتجات الرائجة وذلك بشرائها سلماً وإعادة تسويقها بأسعار مجزية. ج. يمكن تطبيق عقد السلم في تمويل الحرفيين وصغار المنتجين الزراعيين والصناعيين عن طريق إمدادهم بمستلزمات الإنتاج في صورة معدات وآلات أو مواد أولية كرأس مال سلم مقابل الحصول على بعض منتجاتهم وإعادة تسويقها] الفقه الإسلامي وأدلته ٩/٦٤٥-٦٤٦. وأما عقد الاستصناع الذي استثناه العلماء أيضاً من بيع ما ليس عند الإنسان فهو فرع من عقد السلم عند جمهور أهل العلم وهو عقد مع صانع على عمل شيء معين في الذمة كمن يطلب من نجار أن يصنع له خزانة بأوصاف معينة بثمن معين. وعقد الاستصناع عقد مشروع فقد صح (أن النبي ﷺ استصنع خاتماً) رواه البخاري. وعقد الاستصناع أيضاً يفتح آفاقاً واسعة في الاقتصاد الإسلامي يقول الشيخ العلامة مصطفى الزرقا: [إن عقد الاستصناع لا يجري في المنتوجات الطبيعة التي لا تدخلها الصنعة كالبقول والفواكه واللحوم الطازجة واللبن والقمح وسائر الحبوب ... إلخ فهذه السلع الطبيعية طريق بيع غير الموجود منها وقت العقد إنما هو السلم فلا يجري الاستصناع إلا فيما تدخله الصنعة كالأمثلة السابقة البيان. واليوم قد وجدت صناعة التعليب لهذه المنتوجات الطبيعية وصناعة تجميدها أيضاً لتحفظ معلبة أو مجمدة مثلجة في علب أو أكياس البلاستيك فهل تنتقل بذلك من زمرة المنتوجات الطبيعية إلى زمرة المصنعات فيصح فيها عقد الاستصناع ويجوز التعاقد مع معمل التعليب على أن يقوم بتعليب الكميات المطلوبة من كل نوع بمواصفات معينة. لا شك في كون الجواب إيجابياً لأنها انتقلت بهذا العمل الصناعي إلى زمرة المصنعات ويدخل في ذلك الأسماك واللحوم والخضروات وسواها. بطريق الاستصناع يمكن إقامة المباني على أرض مملوكة للمستصنع بعقد مقاولة فإذا كان عقد المقاولة يقوم على أساس أن المقاول هو الذي يأتي بمواد البناء ويتحمل جميع تكاليفه ويسلمه جاهزاً على المفتاح فهذا يمكن أن يعتبر استصناعاً] عقد الاستصناع ومدى أهميته ص٢٤ نقلاً عن البيوع الشائعة ص١٧٧. وبعد هذا الكلام ترى أن العلماء قد منعوا بيع ما ليس عند الإنسان واستثنوا من ذلك بيع السلم وعقد الاستصناع مع أن كلاً منهما عقد على غير مملوك للإنسان عند العقد. وأود أن أنبه إلى أن بعض الناس قد أدخل تحت النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان صوراً من التعامل الصحيحة الجائزة وزعموا أنها محرمة فمن ذلك: بيع المرابحة للآمر بالشراء الذي تتعامل به المصارف الإسلامية وإدخال بيع المرابحة المذكور تحت بيع ما ليس عندك غير صحيح وتجني على المصارف الإسلامية لأن المعروف أن المصارف الإسلامية عندما تتعامل ببيع المرابحة للآمر بالشراء فإنها لا تبيع السلعة للآمر بالشراء إلا بعد أن يتملك المصرف الإسلامي السلعة تملكاً تاماً وقد جاء في قرارات مؤتمر المصرف الإسلامي ما يلي: [يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق هو أمر جائز شرعاً طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسؤولية الهلاك قبل التسليم وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي] بيع المرابحة للآمر بالشراء ص٦٠. فإذا اتفق شخص مع آخر على أن يشتري له سلعة وصفها له وافقا على ثمنها وأن ثمنها سيكون على أقساط مؤجلة وتم الوعد بينهما على ذلك ولكن العقد لم يجر بينهما إلا بعد تملك الأول للسلعة فالعقد صحيح وهذه المعاملة غير داخلة في بيع ما ليس عند الإنسان. ومن الصور التي زعم بعض الناس دخولها تحت بيع ما ليس عندك ما تعارف عليه الناس قديماً وحديثاً مما يسميه الناس (التفصيل) يقولون فلان فصل غرفة نوم وفلان فصل بدلة وهذا في الحقيقة هو عقد استصناع وهو عقد صحيح إذا تم وفق ما قرره الفقهاء.\rومن الصور التي زعم بعض الناس أنها تدخل في بيع ما ليس عندك شراء سيارة جديدة من وكالة السيارات والسيارة ليست موجودة لدى الوكالة وإنما ما زالت في بلد الإنتاج: وهذا الزعم باطل لأنه عندما يتم بيع سيارة بالطريقة السابقة فإن جميع التفاصيل تكون مبينة وواضحة فيما يسمى بكتالوج السيارة بل إن أدق التفاصيل تكون مذكورة فيه فهذا العقد صحيح ولا يدخل تحت بيع ما ليس عند الإنسان بل هو من صور السلم.\rومن الصور الجائزة في البيع أيضاً وغير داخلة في بيع ما ليس عند الإنسان بيع عمارة أو شقة على الخارطة إذا كانت الأوصاف مبينة وواضحة فهذه الصورة لا بأس بها أيضاً وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بذلك ما يلي: [إن تملك المساكن عن طريق عقد الاستصناع – على أساس اعتباره لازماً – وبذلك يتم شراء المسكن قبل بنائه بحسب الوصف الدقيق المزيل للجهالة المؤدية للنزاع دون وجوب تعجيل جميع الثمن بل يجوز تأجيله بأقساط يتفق عليها مع مراعاة الشروط والأحوال المقررة لعقد الاستصناع لدى الفقهاء الذين ميزوه عن عقد السلم] الفقه الإسلامي وأدلته ٩/٥٦٩-٥٧٠.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346218,"book_id":3840,"shamela_page_id":598,"part":"12","page_num":92,"sequence_num":598,"body":"٩٢ - البيع\rيقول السائل: ما هو بيع العينة الذي ورد ذكره في الحديث وما الفرق بينه وبين التورق؟\r\rالجواب: ورد في الحديث عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) رواه أبو داود والبيهقي وأحمد قال الحافظ ابن حجر: [رجاله ثقات وصححه ابن القطان] بلوغ المرام ص ١٧٢. وصححه الشيخ العلامة الألباني في غاية المرام ص ١٢١ وفي السلسلة الصحيحة ١/١٥. وبيع العينة هو أن يبيع شخص شيئاً لغيره بثمن مؤجل ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر وهذه أشهر صور بيع العينة فمثلاً اشترى زيد سيارة من عمرو بمبلغ إثني عشر ألف دينار مؤجلة ثم باع زيد السيارة إلى عمرو بمبلغ عشرة آلاف دينار حالة فهنا دخلت السيارة في عملية البيع وليست مقصودة بالبيع لأن السيارة عادت إلىصاحبها فوراً وإنما المقصود النقود \" العين \" وهذه العملية تعتبر رباً حيث إن زيداً قد اقترض عشرة آلاف وسيقوم بتسديد اثني عشر ألفاً.\rفالعينة قرض ربوي مستتر تحت صورة البيع وبناء على كونها رباً قال جمهور أهل العلم بتحريم بيع العينة. انظر نيل الأوطار ٥/٢٣٤، شرح ابن القيم على مختصر سنن أبي داود ٩/٢٤١ فما بعدها، الموسوعة الفقهية ٩/٦٩.\rوقد ساق العلامة ابن القيم أدلة كثيرة على تحريم العينة منها عن ابن عباس: (أنه سئل عن العينة يعني بيع الحريرة؟ فقال: إن الله لا يُخدع، هذا مما حرم الله ورسوله) وقال ابن القيم: وهذا في حكم المرفوع اتفاقاً عند أهل العلم.\rوعن امرأة أبي إسحق قالت: [ (دخلت على عائشة في نسوة فقالت: ما حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم. قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء وإنه أراد أن يبيعها فابتعتها بستمائة درهم نقداً. فأقبلت عليها وهي غضبى فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلاً ثم إنه سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلت عليها: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) فلولا أن عند أم المؤمنين علماً لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا بالاجتهاد ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة وأن استحلال الربا كفر وهذا منه ولكن زيداً معذور لأنه لم يعلم أن هذا محرم ولهذا قالت أبلغيه.\rويحتمل أن تكون قد قصدت أن ذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئاً.\rوعلى التقديرين لجزم أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد والنزاع بين الصحابة لم تطلق عائشة ذلك على زيد فإن الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد] شرح ابن القيم على مختصر أبي داود ٩/٢٤٦. ثم ذكر ابن القيم أدلة أخرى على تحريم بيع العينة.\rوأما التورق فهو أن يشتري شخص سلعة إلى أجل ثم يبيعها لغير البائع بأقل مما اشتراها نقداً ليحصل بذلك على النقد فمثلاً اشترى زيد ثلاجة بستة آلاف مؤجلة واستلم الثلاجة من البائع وباعها إلى شخص آخر بخمسة آلاف نقداً فهذا هو التورق. انظر الموسوعة الفقهية ١٤/١٤٧، الجامع في أصول الربا ص ١٧٤.\rوهذه المعاملة جائزة عند جمهور أهل العلم وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بكراهة هذه المعاملة ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: [التورق أخية الربا] مجموع الفتاوى ٢٩/٣٠٣،\rوقال العلامة مصطفى الزرقا: [إن هذه المسألة التي سألتم عنها تسمى عند الفقهاء: مسألة التورق\r\" لأن مشتري البضاعة لا يريد البضاعة لذاتها وإنما يريد الرقة أو الورق وهي الفضة أي: مقصوده الدراهم \"وحكمها الشرعي في رأي العلماء أنها إذا كانت نتيجة تواطؤ \" تفاهم مسبق \" بين المشتري والتاجر البائع على أن يعيد بيعها للبائع بسعر أقل نقداً \" وقد كان اشتراها منه بسعر أعلى مؤجلاً \" فذلك غير جائز شرعاً، لأنه كالمرباة الصريحة. - وهذه هي العينة -\rأما إذا كان المحتاج إلى النقود \" ولا يجد من يقرضه قرضاً حسناً \" قد ذهب من تلقاء نفسه إلى السوق، فاشترى بضاعة بثمن مؤجل، ثم باعها بدون سابق تواطؤ نقداً بسعر أقل، لكي يحصل على الدراهم التي هي حاجته دون أن يلجأ إلى الاقتراض بالربا، فلا مانع منه شرعاً، بل يعتبر حسن تصرف منه كيلا يقع في المراباة والله سبحانه أعلم] فتاوى العلامة مصطفى الزرقا ص ٤٩٦.\rوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين بعد أن ذكر خلاف العلماء في المسألة: [لكن أرى أنها حلال بشروط هي: الشرط الأول: أن يتعذر القرض أو السلم أي أن يتعذر الحصول على المال بطريق مباح والقرض في وقتنا الحاضر الغالب أنه متعذر ...\rالشرط الثاني: أن يكون محتاجاً لذلك حاجة بينة.\rالشرط الثالث: أن تكون السلعة عند البائع فإن لم تكن عند البائع فقد باع مالم يدخل في ضمانه وإذا كان النبي ﷺ (نهى عن بيع السلع في مكان شرائها حتى ينقلها التاجر إلى رحله) – متفق عليه - فهذا من باب أولى لأنها ليست عنده فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة فأرجو أن لا يكون بها بأس لأن الإنسان قد يضطر أحياناً لهذه المعاملات] الشرح الممتع على على زاد المستقنع ٨/٢٣٢-٢٣٣.\rوخلاصة الأمر أن التورق جائز عند توفر الشروط السابقة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346219,"book_id":3840,"shamela_page_id":599,"part":"12","page_num":93,"sequence_num":599,"body":"٩٣ - البيع\rبيع العينة وبيع التورق, يقول السائل: ما هو بيع العينة الذي ورد ذكره في الحديث وما الفرق بينه وبين التورق؟\r\rالجواب: ورد في الحديث عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) رواه أبو داود والبيهقي وأحمد قال الحافظ ابن حجر: [رجاله ثقات وصححه ابن القطان] بلوغ المرام ص ١٧٢. وصححه الشيخ العلامة الألباني في غاية المرام ص ١٢١ وفي السلسلة الصحيحة ١/١٥. وبيع العينة هو أن يبيع شخص شيئاً لغيره بثمن مؤجل ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر وهذه أشهر صور بيع العينة فمثلاً اشترى زيد سيارة من عمرو بمبلغ إثني عشر ألف دينار مؤجلة ثم باع زيد السيارة إلى عمرو بمبلغ عشرة آلاف دينار حالة فهنا دخلت السيارة في عملية البيع وليست مقصودة بالبيع لأن السيارة عادت إلىصاحبها فوراً وإنما المقصود النقود \" العين \" وهذه العملية تعتبر رباً حيث إن زيداً قد اقترض عشرة آلاف وسيقوم بتسديد اثني عشر ألفاً.\rفالعينة قرض ربوي مستتر تحت صورة البيع وبناء على كونها رباً قال جمهور أهل العلم بتحريم بيع العينة. انظر نيل الأوطار ٥/٢٣٤، شرح ابن القيم على مختصر سنن أبي داود ٩/٢٤١ فما بعدها، الموسوعة الفقهية ٩/٦٩.\rوقد ساق العلامة ابن القيم أدلة كثيرة على تحريم العينة منها عن ابن عباس: (أنه سئل عن العينة يعني بيع الحريرة؟ فقال: إن الله لا يُخدع، هذا مما حرم الله ورسوله) وقال ابن القيم: وهذا في حكم المرفوع اتفاقاً عند أهل العلم.\rوعن امرأة أبي إسحق قالت: [ (دخلت على عائشة في نسوة فقالت: ما حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم. قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء وإنه أراد أن يبيعها فابتعتها بستمائة درهم نقداً. فأقبلت عليها وهي غضبى فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلاً ثم إنه سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلت عليها: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) فلولا أن عند أم المؤمنين علماً لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا بالاجتهاد ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة وأن استحلال الربا كفر وهذا منه ولكن زيداً معذور لأنه لم يعلم أن هذا محرم ولهذا قالت أبلغيه.\rويحتمل أن تكون قد قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئاً.\rوعلى التقديرين لجزم أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد والنزاع بين الصحابة لم تطلق عائشة ذلك على زيد فإن الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد] شرح ابن القيم على مختصر أبي داود ٩/٢٤٦. ثم ذكر ابن القيم أدلة أخرى على تحريم بيع العينة.\rوأما التورق فهو أن يشتري شخص سلعة إلى أجل ثم يبيعها لغير البائع بأقل مما اشتراها نقداً ليحصل بذلك على النقد فمثلاً اشترى زيد ثلاجة بستة آلاف مؤجلة واستلم الثلاجة من البائع وباعها إلى شخص آخر بخمسة آلاف نقداً فهذا هو التورق. انظر الموسوعة الفقهية ١٤/١٤٧، الجامع في أصول الربا ص ١٧٤.\rوهذه المعاملة جائزة عند جمهور أهل العلم وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بكراهة هذه المعاملة ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: [التورق أخية الربا] مجموع الفتاوى ٢٩/٣٠٣،\rوقال العلامة مصطفى الزرقا: [إن هذه المسألة التي سألتم عنها تسمى عند الفقهاء: مسألة التورق\r\" لأن مشتري البضاعة لا يريد البضاعة لذاتها وإنما يريد الرقة أو الورق وهي الفضة أي: مقصوده الدراهم \"وحكمها الشرعي في رأي العلماء أنها إذا كانت نتيجة تواطؤ \" تفاهم مسبق \" بين المشتري والتاجر البائع على أن يعيد بيعها للبائع بسعر أقل نقداً \" وقد كان اشتراها منه بسعر أعلى مؤجلاً \" فذلك غير جائز شرعاً، لأنه كالمرباة الصريحة. - وهذه هي العينة -\rأما إذا كان المحتاج إلى النقود \" ولا يجد من يقرضه قرضاً حسناً \" قد ذهب من تلقاء نفسه إلى السوق، فاشترى بضاعة بثمن مؤجل، ثم باعها بدون سابق تواطؤ نقداً بسعر أقل، لكي يحصل على الدراهم التي هي حاجته دون أن يلجأ إلى الاقتراض بالربا، فلا مانع منه شرعاً، بل يعتبر حسن تصرف منه كيلا يقع في المراباة والله سبحانه أعلم] فتاوى العلامة مصطفى الزرقا ص ٤٩٦.\rوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين بعد أن ذكر خلاف العلماء في المسألة: [لكن أرى أنها حلال بشروط هي: الشرط الأول: أن يتعذر القرض أو السلم أي أن يتعذر الحصول على المال بطريق مباح والقرض في وقتنا الحاضر الغالب أنه متعذر ...\rالشرط الثاني: أن يكون محتاجاً لذلك حاجة بينة.\rالشرط الثالث: أن تكون السلعة عند البائع فإن لم تكن عند البائع فقد باع مالم يدخل في ضمانه وإذا كان النبي ﷺ (نهى عن بيع السلع في مكان شرائها حتى ينقلها التاجر إلى رحله) – متفق عليه - فهذا من باب أولى لأنها ليست عنده فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة فأرجو أن لا يكون بها بأس لأن الإنسان قد يضطر أحياناً لهذه المعاملات] الشرح الممتع على على زاد المستقنع ٨/٢٣٢-٢٣٣.\rوخلاصة الأمر أن التورق جائز عند توفر الشروط السابقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346220,"book_id":3840,"shamela_page_id":600,"part":"12","page_num":94,"sequence_num":600,"body":"٩٤ - حقوق الطبع والنشر\rيقول السائل: كثيراً ما نقرأ على الكتب عبارة تقول: [حقوق الطبع محفوظة للمؤلف] فهل يجوز للمؤلف أو للناشر أن يحتفظ بحقوق الطبع ولا يسمح لغيره بنشر الكتاب وهل يعتبر المنع من باب كتمان العلم؟\r\rتقول: الجواب: إن مسألة حقوق الطبع والنشر وحقوق التأليف والترجمة ونحو ذلك من المنافع المعتبرة شرعاً على الصحيح من أقوال أهل العلم المعاصرين حيث إن هذه الأمور لم تكن معروفة عند فقهائنا المتقدمين وإنما عرفت في العصر الحديث وصارت هذه الحقوق محمية بموجب القانون في الدول الغربية.\rوقد بحث الفقهاء المعاصرون هذه المسألة بتوسع في الآونة الأخيرة وصدرت فيها فتاوى وبحوث علمية موثقة وقد ذهب أكثر العلماء المعاصرين إلى اعتبار هذه الحقوق مصونة شرعاً ويجوز شرعاً لأصحابها التصرف فيها بالبيع والشراء ولا يجوز الاعتداء على هذه الحقوق فيجوز للمؤلف أن يحتفظ بحق الطبع لنفسه كما يجوز له أن يبيع حقه هذا لصاحب دار نشر ولا يجوز لأحد أن يقوم بطبع كتاب ما لم يأذن مؤلفه أو ناشره إذا شرطا حقوق الطبع لنفسيهما وأما إذا أباحا ذلك للناس فلا بأس بطبعه ونشره كما يفعل بعض أهل العلم عندما يكتبون على كتبهم يجوز نشره لمن أراد توزيعه مجاناً ويدل على جواز ذلك ما يلي:\r١. إن المنافع تعتبر أموالاً عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وهي من الأمور المعنوية ولا ريب أن الإنتاج الذهني يمثل منفعة من منافع الإنسان فيعد مالاً تجوز المعاوضة عنه شرعاً.\rوالمراد بالمنافع: هي ما يستفاد من الأعيان: كسكنى الدار وركوب السيارة ويدل على كونها مالاً أن طبع الإنسان يميل إليها كالأعيان فيسعى إلى اقتنائها ولأن العرف العام في الأسواق يعتبرها أموالاً ولأن الشارع اعتبرها أموالاً بدليل قوله تعالى على لسان شعيب ﵇ لموسى ﵇: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) فالشارع أجاز أن يكون عمل الإنسان \" المنفعة مهراً والأصل في المهر أن يكون مالاً بدليل قوله تعالى:\r(وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) فتكون المنفعة مالاً.\r٢. أن العرف العام جرى على اعتبار حق المؤلف في تأليفه وإبداعه، فأقر التعويض عنه والجائزة عليه ولو كان هذا الحق لا يصلح محلاً للتبادل والكسب الحلال لعدت الجائزة والتعويض عنه كسباً محرماً. ومن المعلوم أن العرف العام يعد مصدراً من مصادر التشريع إذا لم يتصادم مع نص شرعي أو أصل عام في الشريعة الإسلامية كما أن العرف له دخل كبير في مالية الأشياء كما قال السيوطي: لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه وإن قلَّت وما لا يطرحه الناس.\rومفاد هذا أن العرف هو أساس مالية الأشياء لقوله: لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة، أي بين الناس عرفاً بحيث أضحى محلاً للمعاوضة، يباع بها، ومن المقرر أن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي.\r٣. إن الشريعة الإسلامية حرمت انتحال الرجل قولاً لغيره أو إسناده إلى غير من صدر منه وقضت بضرورة نسبة القول إلى قائله والفكرة إلى صاحبها لينال هو دون غيره أجر ما قد تنطوي عليه من الخير أو يتحمل وزر ما قد تجره من شر فقد روي عن الإمام أحمد: أنه امتنع عن الإقدام على الاستفادة بالنقل أو الكتابة عن مقال أو مؤلف عرف صاحبه إلا بعد الاستئذان منه فقد روى الغزالي أن الإمام أحمد سئل عمن سقطت منه ورقة كتب فيها أحاديث أو نحوها أيجوز لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها؟ قال: لا، بل يستأذن ثم يكتب.\r٤. إذا كان المؤلف مسؤولاً عما يكتبه ويتلفظ به ويحاسب عليه بدليل قوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) وقوله ﷺ: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفع الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم) فيكون له الحق فيما أبدعه من خير عملاً بقاعدة: الغنم بالغرم، وقاعدة: الخراج بالضمان.\r٥. الإبداع الذهني أصل للوسائل المادية من سيارة وطائرة ومذياع وغير ذلك مما له صفة المالية فلا بد من اعتبار الأصل له صفة المالية.\r٦. التخريج على قاعدة: المصالح المراسلة، في ميدان الحقوق الخاصة ويتحقق ذلك من جهتين كما قال الدريني: أ. من ناحية كونه ملكاً منصباً على مال: أي كونه حقاً عينياً مالياً إذ المصلحة فيه خاصة عائدة إلى المؤلف أولاً وإلى الناشر والموزع ومن إليهما وهذا ظاهر في كونه حقاً خاصاً مالياً.\rب. أن فيه مصلحة عامة مؤكدة راجعة إلى المجتمع الإنساني كله وهي الانتفاع بما فيه من قيم فكرية ذات أثر بالغ في شتى شؤون الحياة وهو بهذه المثابة حق من حقوق الله تعالى لشمول نفعه وعظيم خطره. والمصلحة المرسلة بنوعيها مرعية في الدين تبنى عليها الأحكام لأنها من مباني العدل والحق وعلى هذا فالإنتاج الفكري ملك لأن الحكم الشرعي المقدر وجوده فيه نهضت به المصلحة المرسلة والعرف] المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي ص ٥٧_- ٦٠.\rإذا تقرر هذا فإنه من المعلوم أن الكتاب بعد أن كان عبارة عن خط على ورق أو على رق أصبح هناك طباعة والطباعة معناها أن طابع الكتاب يربح في الكتاب ويأتي الناشر فيربح من الكتاب ثم يأتي الذي يبيع الكتاب صاحب المكتبة ويربح في الكتاب ٣٠% مثلاً فهذه هي المراحل التي يمر بها الكتاب والكتاب لا يمكن أن يوجد إلا بها وقيمة الكتاب التي من أجلها دفع المشتري ليست في الورق ولا في أي شيء إلا فيما يحويه فعندما نجعل الأصل لاغياً لا قيمة له وأن البقية لها قيمتها أظن أن هذا غير صحيح وأنه قلب للأوضاع وأنه إرادة تسليط الأحكام كما كان الأمر يوم كان الكتاب نسخة واحدة على حالة جديدة لا تتفق مع الماضي] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥ ج ٣ ص ٢٥٣٨.\rوقال الشيخ العلامة القرضاوي: [ ... قياس هذا الأمر على ما اختلف فيه من قضية الأذان والإمامة والخطابة والوعظ والتدريس فهذه قد اختلف فيها من قبل وكثير ممن منعوها قديماً أجازوها في العصور المتأخرة منهم الحنفية فأئمة المذهب ومشايخه السابقون منعوها ثم جاء المتأخرون فأجازوها حفظاً لمصلحة المسلمين وهذه شبيهة بها هي أشبه شيء بها تماماً وكما قال الأخوة إننا نحن الآن نعمل في الجامعات ونعلم أبناء المسلين العلوم الشرعية ونتقاضى على ذلك رواتب وأجوراً فهذه من هذه وأذكر ها هنا كلمة للإمام أبي محمد بن أبي زيد القيرواني صاحب الرسالة حينما اتخذ في بيته كلباً للحراسة فقيل له: أتتخذ كلباً وقد كرهه مالك؟ فقال لو كان مالك في زماننا لاتخذ أسداً ضارياً. فنحن في زمن غير زمن مالك وغير زمن ابن حنبل والذين قالوا كيف تأخذون حقوق التأليف وذهبوا وأخذوا كتبنا وربحوا فيها واستفادوا منها لو كانوا يوزعونها مجاناً فهذا معقول! وأنا فعلاً إذا كان هناك جمعية خيرية أو انسان يريد أن يتبرع بطبع كتاب ونشره فأرى أنه لا يجوز لإنسان أن يأخذ حقاً عليه في هذه الحالة أما وقد دخل دائرة الإجارة فهنا للمؤلف حق خصوصاً أن كثيراً من الناس يعيشون على مثل هذا الأمر] المصدر السابق عدد٥ ج ٣ ص ٢٥٤٢.\rوأما الادعاء بأن الاحتفاظ بحقوق الطبع والتأليف يعد كتماناً للعلم وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك في الحديث (من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) رواه ابن حبان والحاكم وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح الترغيب ص ٥٢.\rفالجواب أن هذه الدعوى غير مسلمة فالمؤلف لا يكتم العلم بل هو ينشره وخاصة أن الحديث منصوص العلة وهو \" الكتمان \" لا \" المعارضة \" بقوله ﵊: (من كتم علماً ... ) وما نحن فيه ليس فيه كتمان بل فيه نشر وتوزيع وإذا انتفت العلة في المعاوضة انتفى الحكم وهو التحريم.\rوإذا لوحظ أن هذا العالم أو الباحث قد وقف حياته كلها على هذا الجهد فكيف تستقيم حياته إذا حرم من حقه فيه؟ أيعيش على الصدقات وما تجود به أنفس المحسنين؟ وحقه في عمله ثابت له شرعاً؟\rعلى أنا رأينا الفقهاء الأعلام يقومون جهود الحيوانات لأصحابها ومنافع الهوام والحشرات والديدان وأصوات الببغاوات وتغريد البلابل ومنفعة الكلاب في الحراسة أفلا يكون للجهد العقلي الإنساني المبتكر - في منطق هذا الفقه - مكان في هذا التقويم الشرعي!؟ الشرع الإسلامي عدل كله ومعقول المعاني والمقاصد فثبتت المالية للابتكار الذهني بالأقيسة الأولوية.\rألم يجز الرسول ﷺ جعل تعليم بعض آيات القرآن الكريم مهراً ومعلوم أن المهر لا يكون إلا مالاً فثبت أن التعليم \" يقوّم بالمال شرعاً بدليل جعله مهراً وعوضاً وتعليم القرآن الكريم طاعة بلا ريب وهو جهد محدود لا يعدو أن يكون مجرد ترديد لآيات من القرآن الكريم ممن يحفظها ويتلوها تعليماً أو تحفيظاً لغيره فلا يرقى مثل هذا الجهد إلى مستوى الجهد العقلي للعلماء بالبداهة بما يتسم به من الابتكار الذي هو مظهر الثقافة الواسعة والتعمق الفكري بل لا سبيل إلى المقارنة بينهما فإذا كان التعليم جهداً مقوماً بالمال فالإنتاج المبتكر من باب أولى] بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي ٢/٧٢-٧٣.\rوخلاصة الأمر أن حقوق التأليف مصونة شرعاً ولأصحابها حق التصرف فيها ولا يجوز الاعتداء عليها كما ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي. انظر مجلة المجمع المذكور عدد٥ ج ٣ ص٢٥٨١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346221,"book_id":3840,"shamela_page_id":601,"part":"12","page_num":95,"sequence_num":601,"body":"٩٥ - حكم مسابقة من سيربح المليون\rيقول السائل: ما قولكم في مسابقة من سيربح المليون التي تبثها إحدى المحطات الفضائية؟\r\rالجواب: إن من آفات الأمة الإسلامية أنها تحاكي وتقلد غيرها من الأمم في كثير من الأمور وليت هذه المحاكاة وهذا التقليد كان في الأمور النافعات ولكن ومع الأسف الشديد فمعظم هذا التقليد يقع في أتفه الأمور وذميم الخصال والفعال وصدق الصادق المصدوق ﷺ عندما قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قيل يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن) رواه البخاري ومسلم.\rقال الإمام النووي: (السنن بفتح السين والنون وهو الطريق والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ فقد وقع ما أخبر به ﷺ.) شرح النووي على صحيح مسلم ٥/١٦٧.\rومن هذا التقليد الأعمى للغربيين تقليدهم في هذه المسابقات التافهة المتعددة في الأشكال والألوان التي تزخر بها برامج محطات الإفساد الفضائية.\rفهناك مسابقات ثقافية كما يزعمون تطرح فيها أسئلة تافهة مثل: أسماء الممثلين والمطربين وعناوين الأغنيات والأفلام وغير ذلك من التفاهات التي يعتبر الجهل بها خير من العلم بها.\rويضاف إلى ذلك المناظر السيئة التي تظهر فيها امذيعات والمقدمات لأمثال هذه المسابقات.\rوالمسابقات أصبحت ظاهرة منتشرة في المحطات الفضائية وكذلك لدى أصحاب المصانع والشركات الذين يروجون لبضائعهم بطرق يغلب عليها القمار المغطى باسم الجوائز.\rومن ذلك مسابقة من سيربح المليون أو مسابقة كنز الأحلام أو هل تريد أن تصبح مليونيراً أو نحو ذلك من الأسماء البراقة وهذه المسابقات تقوم على فكرة الحظ.\rفمثلاً في مسابقة كنز الأحلام ألوف الناس يتصلون بالأرقام الهاتفية المعلن عنها ويدفعون الملايين وقلة قليلة تفوز منهم اعتماداً على الحظ.\rفالشركات والمحطات التي تنظم هذه المسابقات تحقق أموالاً طائلة نتيجة هذه الاتصالات وتعطي الشيء القليل منها كجوائز وإن كان مبلغ الجائزة في نظر كثير من الناس كبير جداً كمليون ولكنهم قد جمعوا من الناس ملايين ويظهر لي أن هذا نوع من القمار والقمار من المحرمات بنص كتاب الله تعالى، يقول الله ﷻ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة المائدة الآية ٩٠.\rوينبغي أن يعلم الناس أن المكالمات الهاتفية في هذه المسابقات تكلف أكثر بكثير من المكالمات العادية وأن الشركات المنظمة لهذه المسابقات تتفق مع شركات الاتصالات على رفع أسعار المكالمات التي تتم على الأرقام المعلن عنها. فلذلك تحقق الجهات المنظمة للمسابقات مبالغ طائلة نتيجة الاتصالات الكثيرة ومن هذه المبالغ الضخمة التي يحصلون عليها تدفع الجوائز.\rويضاف إلى ذلك أن مسابقة من سيربح المليون مشتملة على أسئلة وأجوبة وكلما أجاب المتسابق على سؤال زاد رصيده في الجائزة وهكذا وأقول إن هذه مقامرة صريحة لأن المتسابق عندما يجيب على السؤال الأول يعطى مئة ريال مثلاً فهذه المئة ريال تصبح من حق المتسابق ويستطيع أن ينسحب من المسابقة ويأخذها، فعندما يسئل السؤال الثاني فإنه يقامر على المبلغ الأول، فإذا أجاب عن السؤال الثاني يتضاعف المبلغ ليصبح مئتي ريال مثلاً وإذا لم يجب الجواب الصحيح فإنه يخسر المئتين وهكذا يتكرر الموقف في كل سؤال وجواب فهذه مقامرة واضحة.\rوقد صدرت عدة فتاوى من عدد من العلماء والهيئات العلمية في تحريم هذه المسابقات وأمثالها، منها ما صدر عن لجنة الفتوى في موقع \" إسلام أون لاين \" على الإنترنت ونص السؤال هو: [هل المال الذي يربحه المتسابقون في المسابقات التلفزيونية عبر الهاتف حلال أم حرام؟\rالجواب: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد\rالسائل الكريم: المسابقات في الأصل حلال لأنها استنهاض لهمة المشاركين، شريطة أن تكون في أمور نافعة، لا في أسئلة عن أفلام هذا الممثل والدور الذي أدته الممثلة في مسرحية ما، فهذا كله مبني على ما الجهل به خير.\rعموماً هناك بعض الضوابط التي يجب أن نأخذ بها حتى نبتعد بمسابقتنا عن القمار وهي كالتالي:\rأولاً: ألا يتم الاتفاق بين الهيئة المنظمة وإحدى شركات الاتصال (وهذا غالباً ما يحدث) على إجراء مثل هذه المسابقات على أن يكون المال الوارد من المكالمات بينهما بعد أخذ ثمن الجائزة منه فهذا أقرب ما يكون إلى الميسر.\rثانياً: أن تكون المسابقات بين أفراد لا يدفعون مالاً للاشتراك فيها بطريقة أو بأخرى كزيادة سعر المكالمة إن كانت وسيلة الاشتراك الاتصال الهاتفي.\rثالثاً: أن تكون في أمور نافعة لا في أسئلة عن أفلام هذا الممثل والدور الذي أدته الممثلة في مسرحية ما فهذا كله مبني على ما الجهل به خير.\rرابعاً: ألا تقوم: على ابتزاز أموال الجمهور المشارك فتؤدي إلى الشره في الاستهلاك أملاً في الحصول على جائزة باهظة القيمة.\rوخلاصة القول: شراء الجوائز من أموال المشتركين في المسابقات المختلفة أو تقسيم أموال المشتركين بين الهيئة المنظمة وإحدى شركات الاتصالات ووجود جوائز باهظة تؤدي إلى الشره في الاستهلاك فلكل هذه الأسباب نقول: إن مثل هذه المسابقات هي أقرب للميسر من كونها مسابقات شريفة لغرض نبيل.\rوأنت تستطيع من خلال معرفة سير إجراءات المسابقات المختلفة والاستعانة بالضوابط السابقة للحكم على نوعية المسابقة] .\rومن الفتاوى الصادرة في هذه المسابقات فتوى الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي وكان نص السؤال هو [ما هو الحكم في المسابقات المليونية أو ما دون المليون عبر الهواتف الدولية والمحلية؟\rالجواب: هذه المسابقات التي يشترك فيها الناس عن طريق الاتصال بالهواتف المحلية أو الدولية على أمل أن يربحوا المليون أو ما دون المليون ثم تكون النتيجة أن الملايين منهم يخسرون أجرة الاتصالات الهاتفية التي يدفعونها لشركات الهاتف وتتقاسمها مع منظمي المسابقة ولا يحصلون في النهاية إلا على الريح.\rهذه المسابقات ليست إلا لوناً من ألوان القمار - أو الميسر بلغة القرآن - تدخله الملايين الطامعة في المليون أو ما دونه بما تدفعه للهاتف على احتمال أن تربح أو تخسر ثم تخسر الأغلبية الساحقة، ويكسب واحد في المليون أو في كل عدة ملايين.\rصحيح أنه لا يخسر مبلغاً كبيراً ولكن العبرة بالمبدأ وليس بحجم الخسارة المهم أنه دخل العملية مقامراً لعله يكسب ويصبح مليونيراً في لحظة.\rوالإسلام يحرم القمار أو الميسر تحريماً باتاً ويقرنه بالخمر في كتاب الله، ويجعله - مع الخمر والأنصاب والأزلام - رجساً من عمل الشيطان مما يدل على أنه من كبائر المحرمات لا من صغائرها وما ذلك إلا ليحمي الناس من التعلق بالأوهام والأحلام الزائفة، التي تبنى على غير أساس والإسلام لا يمنع أن يكسب الإنسان المال، ضمن شبكة الأسباب والمسببات، ووفق سنن الله في الكون والمجتمع، والأصل في هذه السنن أن يكسب الإنسان المال بكد اليمين وعرق الجبين وإعمال الفكر وإجهاد الجسم ومواصلة الليل بالنهار حتى يحقق الآمال.\rأما أن ينام على أذنه ويغرق في الأحلام ويحصل الثروة عن طريق (ضربة حظ) تواتيه، فليس هذا من هدي الإسلام، ولا من نهج الإسلام، ولا من خلق المسلمين.\rثم إن هذه الشركات التي تنظم هذه المسابقات وأمثالها تجمع من الناس أضعاف ما تدفع لهم لأنهم أعداد كبيرة فهي - من ناحية أخرى - تأكل أموال الناس بالباطل، أي هي - بصريح العبارة - عملية سرقة مقنعة ومغلفة بالمسابقة.\rومما يؤسف له أن يشيع في مجتمعاتنا المسلمة هذا النوع من المسابقات وجوائز السحب الكبرى وألوان اليانصيب ونحوها مما ينكره الإسلام ويحرمه وينشئ شبابنا المسلم على هذه التطلعات غير المشروعة ليسبح في غير ماء ويطير بغير جناح وقد حذر سيدنا علي ﵁ قديماً من ذلك ابنه الحسن في وصية له إذ قال: وإياك والاتكال على المنى فإنها بضائع النوكى (أي الحمقى) وقال الشاعر:\rولا تكن عبد المنى، فالمنى رؤوس أموال المفاليس!] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346222,"book_id":3840,"shamela_page_id":602,"part":"12","page_num":96,"sequence_num":602,"body":"٩٦ - أداء الأمانة\rيقول السائل: إنه يعمل أمين صندوق لدى إحدى الجمعيات الخيرية وأنه أخذ مبلغاً من المال من صندوق الجمعية لنفسه خفية ثم رده بعد مدة فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: لا يجوز للإنسان أن يتصرف في الأموال الموجودة تحت تصرفه بحكم عمله ووظيفته في أموره الشخصية وأخذك للمال من صندوق الجمعية التي تعمل فيها حرام شرعاً ويعتبر خيانة للأمانة وإن نويت رد المال ورددته فعلاً فهذا لا يعفيك من المسؤولية فأنت خائن للأمانة وقد وقعت في الحرام فقد استعملت مال غيرك بطريقة غير مشروعة وهذا ظلم واضح والظلم ظلمات يوم القيامة يقول الله تعالى: (إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة إبراهيم الآية ٢٢.\rوقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرً) سورة النساء الآية ١٠.\rوصح في الحديث أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: (إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم) رواه البخاري ومسلم.\rوقال النبي ﷺ: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه الترمذي وابن ماجة وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/١٨٠.\rوقال ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) رواه أحمد والبيهقي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٥/٢٧٩.\rوعلى من وقع منه هذا الظلم أن يبادر إلى التوبة الصادقة وإن من شروطها أن يعيد الحقوق إلى أصحابها قال الله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة النور الآية ٣١.\rوقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) سورة التحريم الآية ٨.\rوجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من كانت له مظلمة لأخيه أو شيء فليتحلله قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) رواه البخاري.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم، والشاة الجلحاء هي التي لا قرن لها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346223,"book_id":3840,"shamela_page_id":603,"part":"12","page_num":97,"sequence_num":603,"body":"٩٧ - الأموال التي تدقع لذوي الشهداء تجري مجرى الدية\rيقول السائل: إن له أخاً قد استشهد وأن أموالاً دفعت لهم بعد استشهاده فكيف توزع هذه الأموال علماً أن لأخيه الشهيد زوجة وأطفالاً وأباً وأماً وإخوة وأخوات؟\r\rالجواب: من المعروف عند العلماء أن ما يتركه الميت بعد وفاته يوزع على ورثته حسب التوزيع الشرعي الثابت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\rولما كانت هذه الأموال قد دفعت لذوي الشهيد بعد استشهاده فأرى أن تقاس على دية المقتول حيث إن دية المقتول تدفع بعد موته وقد دلت السنة النبوية على أن دية المقتول توزع على ورثته فالدية موروثة كسائر الأموال التي كان يملكها القتيل حال حياته يرثه فيها ورثته حسب نصيبهم الشرعي.\rفقد ورد عن سعيد بن المسيب أن عمر ﵁ كان يقول: [الدية على العاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله ﷺ كتب إليه أن ورّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها] رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم.\rقال الإمام الترمذي: [هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم] وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٦١.\rوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ: (قضى أن العقل - أي الدية - ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم) رواه أحد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٩٨.\rوعن جابر ﵁ قال: (جعل رسول الله ﷺ الدية على عاقلة القاتلة فقالت عاقلة المقتولة: يا رسول الله ميراثها لنا. قال: لا. ميراثها لزوجها وولدها) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٩٩.\rفهذه الأحاديث تدل على أن الدية موروثة كسائر الأموال، قال الإمام البغوي بعد أن ذكر حديث توريث امرأة أشيم الضبابي من ديته: [وفيه دليل على أن الدية تجب للمقتول ثم تنتقل منه إلى ورثته كسائر أملاكه وهذا قول أكثر أهل العلم] شرح السنة ٨/٣٧٢.\rوخلاصة الأمر أن الذي يظهر لي أن الأموال التي تدفع باسم الشهيد توزع على ورثته التوزيع الشرعي قياساً على دية المقتول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346224,"book_id":3840,"shamela_page_id":604,"part":"12","page_num":98,"sequence_num":604,"body":"٩٨ - إعادة المال لأصحابه عند انتفاء الغرض من جمعه\rيقول السائل: جمع رجل مالاً من أقربائه ومن أهل الخير ليدفع دية ولكن أولياء المقتول عفوا وسامحوا ولم يأخذوا شيئاً من المال، فهل يجوز لهذا الشخص أن يتصرف بهذا المال لنفسه.\r\rالجواب: بما أن هذا الشخص قد جمع المال من أهل الخير وأقربائه ليدفع الدية وقد عفا مستحقوها فإن عليه أن يعيد هذا المال إلى الناس الذين جمعه منهم ولا يجوز له أن يتصرف فيه لنفسه لأنه جمع المال لغرض معين وقد زال هذا الغرض فعليه أن يعيد المال لأصحابه وإن لم يفعل فيكون قد أكل هذا المال بالباطل والله ﷾ يقول: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) سورة النساء الآية ٢٩.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346225,"book_id":3840,"shamela_page_id":605,"part":"12","page_num":99,"sequence_num":605,"body":"٩٩ - المزارعة جائزة\rيقول السائل: ما حكم ما يفعله كثير من أصحاب شجر الزيتون في موسم قطاف الزيتون حيث إنهم يعطون شجر الزيتون لأناس آخرين لقطفه وعصره على نسبة يتفقون عليها كالنصف أو الثلث ونحو ذلك؟\r\rالجواب: هذه المعاملة المتبعة عند كثير من أصحاب شجر الزيتون جائزة شرعاً ولا بأس بها على أرجح قولي العلماء في المسألة وهو قول الحنابلة والمالكية والمزني من الشافعية وغيرهم.\rوتخرج هذه المسألة على أنها إجارة على العمل والأجرة بعض المعمول بعد العمل، وهي إجارة صحيحة لانتفاء الجهالة حيث إن الأجرة هي نسبة شائعة معلومة كالنصف أو الثلث أو الربع فإذا كان التعاقد على أخذ الأجرة من الزيتون قبل عصره فيكون نصيب العامل نصف الناتج مثلاً وكذلك الحال لو كان التعاقد على أخذ الأجرة زيتاً فلا بأس به وتكون أجرة العصر عليهما أي على صاحب الشجر وعلى العامل.\rوقد أجاز كثير من الفقهاء الإجارة بجزء من العمل، قال ابن حزم: [وجائز إعطاء الغزل للنسج بجزء مسمى منه كربع أو ثلث أو نحو ذلك ... وكذلك يجوز إعطاء الثوب للخياط بجزء منه مشاع أو معين وإعطاء الطعام للطحين بجزء منه كذلك وإعطاء الزيتون للعصر كذلك وكذلك الاستئجار لجميع هذه الزيوت المجذوذة بجزء منها كذلك كل ذلك جائز] المحلى ٧/٢٥.\rثم ذكر ابن حزم عن سفيان قال: أجاز الحكم - أحد الفقهاء - إجارة الراعي للغنم بثلثها أو ربعها وهو قول ابن أبي ليلى وروي عن الحسن أيضا وهو قول عطاء وابن سيرين وقتادة.\rوروى ابن حزم بسنده عن سعيد بن المسيب أنه قال لا بأس بأن يعالج الرجل النخل ويقوم عليه بالثلث والربع ما لم ينفق هو منه شيئاً.\rوروى بسنده عن سالم قال: النخل يعطى من عمل فيه منه.\rوذكر ابن حزم أن ذلك قول ابن أبي ليلى والأوزاعي والليث بن سعد. انظر المحلى ٧/٢٥-٢٦.\rوما قاله بعض الفقهاء من وجود جهالة في هذا العقد فغير مسلّم به لأن نصيب كل منهما معلوم وهو النسبة الشائعة كالنصف أو الثلث.\rكما أن العامل يشاهد الشجر وهو مثمر قبل أن يبدأ العمل فلا جهالة في المسألة.\rوقاس الحنابلة هذه المسألة على المساقاة والمزارعة وقد صح في الحديث: (أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر) رواه البخاري ومسلم، والشطر هو النصف. انظر المغني ٥/٨-٩.\rوجاء في المدونة: [ ... قلت: أرأيت إن قلت للرجل احصد زرعي هذا ولك نصفه؟ قال: ذلك جائز عند مالك.\rقلت: فإن قال له جدّ نخلي هذا ولك نصفها؟ قال: ذلك جائز عند مالك. فإن قال: التقط زيتوني هذا فما التقطت منه من شيء فلك نصفه، أيجوز هذا أم لا؟ قال: هذا جائز عند مالك] المدونة ٣/٤٢٠.\rوقال الإمام القرافي من المالكية: [في الكتاب - أي المدونة - يجوز حصاد الزرع وجد النخل والزيتون بنصفه ... ] الذخيرة ٦/١٦.\rوقال الدسوقي المالكي: [وجاز العقد بقوله احصد زرعي وما حصدت فلك نصفه ومثله القط زيتوني وجد نخلي وما لقطت أو جددت فلك نصفه] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤/١٠.\rوإذا قال له احصد ولك نصفه فيجوز أو جد نخلي ولك نصفه أو القط زيتوني هذا ولك نصفه أو جز صوفي هذا ولك نصفه كل ذلك جائز للعلم بالأجرة وما أوجر عليه لكون كل منهما محصوراً ومرئياً. انظر بلغة السالك ٢/٢٥٠.\rوأما ما اعتمد عليه من منع هذه المعاملة وهو ما ورد أن النبي ﷺ: (نهى عن قفيز الطحان) فإن هذا الحديث فيه كلام كثير لأهل الحديث.\rقال الحافظ ابن حجر: [حديث نهي النبي ﷺ عن قفيز الطحان، الدارقطني، والبيهقي من حديث أبي سعيد: نهى عن عسب الفحل وقفيز الطحان، وقد أورده عبد الحق في الأحكام بلفظ: نهى النبي ﷺ، وتعقبه ابن القطان بأنه لم يجده إلا بلفظ البناء لما لم يسم فاعله وفي الإسناد هشام أبو كليب راويه عن ابن أبي نعيم عن أبي سعيد لا يعرف، قاله ابن القطان والذهبي وزاد: وحديثه منكر، وقال مغلطاي: هو ثقة فينظر فيمن وثقه ثم وجدته في ثقات ابن حبان \" فائدة \" ووقع في سنن البيهقي مصرحاً برفعه لكنه لم يسنده وقفيز الطحان فسره ابن المبارك أحد رواة الحديث بأن صورته أن يقال للطحان: اطحن بكذا وكذا بزيادة قفيز من نفس الطحين، وقيل: هو طحن الصبرة لا يعلم مكيلها بقفيز منها] التلخيص الحبير ٣/٦٠.\rوقد ضعف الحافظ ابن حجر هذا الحديث في موضع آخر فقال: [رواه الدارقطني وأبو يعلى والبيهقي وفي إسناده ضعف] الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢/١٩٠.\rوقد ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية على المحتجين بالحديث السابق بقوله: [وأما الذين قالوا: لا يجوز ذلك إجارة لنهيه عن قفيز الطحان، فيقال: هذا الحديث باطل لا أصل له، وليس هو في شيء من كتب الحديث المعتمدة ولا رواه إمام من الأئمة والمدينة النبوية لم يكن بها طحان يطحن بالأجرة ولا خباز يخبز بالأجرة.\rوأيضاً فأهل المدينة لم يكن لهم على عهد البني ﷺ مكيال يسمى القفيز وإنما حدث هذا المكيال لما فتحت العراق وضرب عليهم الخراج فالعراق لم يفتح على عهد النبي ﷺ. وهذا وغيره مما يبين أن هذا ليس من كلام النبي ﷺ وإنما هو من كلام بعض العراقيين الذين لا يسوغون مثل هذا: قولاً باجتهادهم والحديث ليس فيه نهيه عن اشتراط جزء مشاع من الدقيق بل عن شيء مسمى: وهو القفيز وهو من المزارعة لو شرط لأحدهما زرعه بقعة بعينها أو شيئاً مقدراً كانت المزارعة فاسدة] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣٠/١١٣.\rومما يؤيد كلام الشيخ ابن تيمية أن أهل المدينة ما كانوا يتعاملون بالقفيز إذ القفيز كان معروفاً ومستعملاً في بلاد فارس والعراق والقفيز يعادل ستة وعشرون كيلوغراماً تقريباً. الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان ص ٧٢.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر: [وما يروى عن النبي ﷺ أنه نهى عن قفيز الطحان فحديث ضعيف بل باطل فإن المدينة لم يكن فيها طحان ولا خباز لعدم حاجتهم إلى ذلك] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٨/٨٨.\rوقال بعض أهل العلم إن النهي عن قفيز الطحان محمول على جهل قدر القفيز. البحر الزخار ٥/٥٢. هذا لو سلمنا بثبوت الحديث.\rوخلاصة الأمر أن هذه المعاملة جائزة ولا بأس بها إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346226,"book_id":3840,"shamela_page_id":606,"part":"12","page_num":100,"sequence_num":606,"body":"١٠٠ - الهدية تهدى وتباع\rيقول السائل: هل يصح ما يقوله بعض الناس أن الهدية لا تهدى ولا تباع؟\r\rالجواب: الهدية ما يتحف الإنسان به غيره على سبيل التودد والإعظام كما قال تعالى في قصة ملكة سبأ: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ) سورة النمل الآية ٣٥. ويقرب من معنى الهدية الهبة.\rوالتهادي مشروع وقد دلت على ذلك كثير من الأدلة فمن ذلك ما جاء في الحديث عن عائشة\r﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها) رواه البخاري.\rوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لو أهديت إليَّ ذراع لقبلت ولو دعيت إلى كراع لأجبت) رواه البخاري، والكراع ما دون الركبة إلى الساق من نحو شاة أو بقرة.\rوعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (تهادوا فإن الهدية تذهب الضغائن) رواه الترمذي وصحح الجزري إسناده. المرقاة ٦/٢١٥.\rوعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تهادوا تحابوا) رواه البخاري في الأدب المفرد والبيهقي في السنن وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٦/٤٤.\rوعن عائشة: (أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ رواه البخاري.\rوعن ابن عباس ﵁ قال: (أهدت أم حفيد خالة ابن عباس إلى النبي ﷺ إقطاً وسمناً وأضباً فأكل النبي ﷺ من الإقط والسمن وترك الأضب تقذراً، قال ابن عباس: فأكل على مائدة رسول الله ﷺ ولو كان حراماً ما أكل على مائدة رسول الله ﷺ رواه البخاري.\rقال الحافظ ابن عبد البر: [كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية وندب أمته إليها وفيه الأسوة الحسنة به ﷺ ومن فضل الهدية مع اتباع السنة أنها تورث المودة وتذهب العداوة على ما جاء في حديث مالك وغيره مما في معناه ... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدور) ولقد أحسن القائل: هدايا الناس بعضهم لبعض تولد في قلوبهم الوصلا\rوتزرع في الضمير هوى ووداً وتكسوهم إذا حضروا جمالاً] فتح المالك بتبويب التمهيد على موطأ مالك ٩/٣٥٨-٣٥٩.\rإذا تقرر هذا فنعود إلى العبارة المتداولة بين الناس وهي قولهم \" الهدية لا تباع ولا توهب \" أو \" الهدية لا تهدى ولا تباع \"، فهذه العبارة غير صححية شرعاً لأن الهدية إذا استقرت في ملك المهدى له فقد صار حرّ التصرف فيها فيجوز له أن يتصرف بها كما يتصرف في حرّ ماله فله أن يبيعها أو يهديها لغيره أو يتصدق بها ونحو ذلك من التصرفات.\rومما يدل على جواز تصرف المهدى إليه في الهدية بجميع أنواع التصرفات الشرعية ما ورد في الحديث عن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ أتي بلحم تصدق به على بريرة - وهي مولاة عائشة - فقال: هو عليها صدقة وهو لنا هدية) رواه البخاري ومسلم. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه يؤخذ من الحديث أن الهدية تملك بوضعها في بيت المهدى له ولا يحتاج إلى التصريح بالقبول وأن لمن تصدق عليه بصدقة أن يتصرف فيها بما يشاء. فتح الباري ١١/٣٣٤.\rوقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه لهذا الحديث بقوله \" باب إذا تحولت الصدقة \"\rوقال الإمام العيني في شرحه لعنوان الباب: [أي هذا باب يذكر فيه إذا تحولت الصدقة يعني إذا خرجت من كونها صدقة بأن دخلت في ملك المتصدق عليه] عمدة القاري ٦/٥٥٠.\rوذكر الإمام البخاري حديث أم عطية الأنصارية ﵂ قال: (دخل النبي ﷺ على عائشة ﵂ فقال: هل عندكم شيء؟ فقالت: لا إلا شيء بعثت به إلينا نسيبة - وهي أم عطية - من الشاة التي بعثت بها من الصدقة. فقال: إنها قد بلغت محلها) .\rقال الإمام العيني: [وفيه - أي الحديث السابق - دليل على تحويل الصدقة إلى هدية لأنه لما كان يجوز التصرف للمتصدق عليه فيها بالبيع والهبة لصحة ملكه لها حكم لها بحكم الهبة] عمدة القاري ٦/٥٥١.\rوبناء على ما سبق فيجوز لمن أهدي إليه شيء أن يتصرف فيه كيفما شاء ولا حرج عليه في ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346227,"book_id":3840,"shamela_page_id":607,"part":"12","page_num":101,"sequence_num":607,"body":"١٠١ - الربا\rيقول السائل: ما حكم وضع المال في بنوك الدول الغربية أو البنوك الإسرائيلية وأخذ الفائدة؟\r\rالجواب: إن الربا من أكبر الكبائر وتحريمه قطعي في كتاب الله ﷾ وفي سنة النبي ﷺ وإن المسلم إذا دقق النظر في النصوص الشرعية الواردة في تحريم الربا وقف على خطورة هذه الكبيرة والنتائج المترتبة عليها.\rيقول الله ﷾: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) سورة البقرة الآيتان (٢٧٥ -٢٧٦) .\rويقول الله ﷾: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) سورة البقر الآيتان (٢٧٨-٢٧٩) .\rوإن المتمعن في حال الأمة الإسلامية اليوم ليرى أن سوء حالها من ذلة وهوان على الناس ما هو إلا إحدى نتائج البعد عن منهج الله جل وعلا ومن ذلك التعامل بالربا فالأمة المسلمة في معظم البلدان تتعامل بالربا ويراه كثير من الناس مباحاً وبعضهم غير اسم الربا إلى فائدة متحايلاً على شرع الله فحاربهم الله تعالى وسلط عليهم الأمم من كل جانب. وينبغي أن يعلم أن آيات تحريم الربا وردت عامة فلا تفرق في تحريمه بين التعامل به مع المسلمين أو غيرهم وهذا العموم من خواص المحرمات في الشريعة الإسلامية فالشيء المحرم يكون محرماً على كل مسلم سواء كان في ديار الإسلام أو في ديار غيرهم.\rفالخمر حرام على المسلم في ديار الإسلام وحرام عليه أيضاً إذا خرج منها.\rقال الإمام الشافعي ﵀: [ومما يرافق التنزيل والسنة ويعقله المسلمون ويجتمعون عليه أن الحلال في دار الإسلام حلال في دارالكفر والحرام في دار الإسلام حرام في دار الكفر] الأم ٤/١٦٠.\rولذلك كله فلا يجوز التعامل بالربا مع أي بنك وفي أي بلد مهما كان. وهذا مذهب جمهور أهل العلم وبه قال الأئمة مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من العلماء.\rوقد نسب إلى بعض الفقهاء قولهم بجواز التعامل بالربا في غير دار الإسلام وهذا المذهب ضعيف لا تقوم الحجة به وليس عندهم دليل معتبر والصحيح في هذه المسألة حرمة التعامل بالربا مطلقاً ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء) رواه البخاري ومسلم.\rفيؤخذ من هذا الحديث أن كل من يأكل الربا ملعون. أي مطرود من رحمة الله من غير فرق بين أن يتعامل به مع المسلمين أو مع غيرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346228,"book_id":3840,"shamela_page_id":608,"part":"12","page_num":102,"sequence_num":608,"body":"١٠٢ - الربا\rيقول السائل: إذا كان لفرد أو مؤسسة أموال في البنوك سالفة الذكر متأتية عن طريق تحويلات مالية أو شيكات سياحية حيث تمكث الأموال لفترة في البنك باختياره ويترتب عليها فوائد ربوية فهل يجوز أخذ هذه الفوائد؟\r\rالجواب: لا يجوز للمسلم اصلاً أن يضع أمواله في بنك ربوي ابتداءً إلا لضرورة. فإذا حصل ووضع أمواله فيه أعطاه البنك ربا وهو ما يسميه الناس اليوم زوراً وبهتاناً فائدة فحينئذٍ يتصرف فيها كما يلي:\rأولاً: لا يجوز ترك الأموال التي تسمى فائدة للبنوك الربوية كما يدعي بعض الناس حيث يقولون إن هذا من باب التقوى والورع فهذه تقوى زائفة وفي غير محلها. ومن المعروف أن البنوك الربوية إذا تركت لها تلك الأموال تنفقها في مصالحها الشخصية.\rثانياً: لا يجوز الانتفاع بتلك الأموال انتفاعاً شخصيا ً كأن ينفقها الشخص على نفسه أو على أهله فهذه الأموال لا تحل للشخص أبداً ولا يحل له إنفاقها في مصالحه الشخصية.\rثالثاً: على المودع المذكور في السؤال أخذ تلك الأموال وإنفاقها على الفقراء وبعض مصالح المسلمين العامة كبناء مدرسة أو مستشفى أو تجهيز شارع ونحو ذلك.\rوقد أفتى بذلك طائفة من علماء العصر منهم فضيلة الشيخ العلامة مصطفى الزرقا حيث قال (إن التدبير الصحيح الشرعي في هذه الفوائد أن يأخذها المودع من المصرف دون أن ينتفع بها في أي وجه من وجوه الانتفاع فعليه أن يأخذ تلك الفوائد التي يحتسبها له المصرف الربوي عن ودائعه ويوزعها على الفقراء حصراً أو قصراً لأنهم مصرفها الوحيد) .\rوهذا رأي سديد إن شاء الله ولكن لا أوافقه على قصر تلك الأموال على الفقراء فقط بل يجوز صرفها في بعض مصالح المسلمين العامة كما ذكرت قبل قليل وينبغي أن يعلم أنَّه يجوز أن تدفع الزكاة من تلك الأموال وكذلك لا يجوز دفعها في بناء المساجد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346229,"book_id":3840,"shamela_page_id":609,"part":"12","page_num":103,"sequence_num":609,"body":"١٠٣ - الربا\rحساب التوفير ربا, يقول السائل: ما الحكم في حساب التوفير وهل يدخل ذلك في حكم الربا؟\r\rالجواب: لا شك أن للبنوك الربوية أساليب كثيرة مغرية لجلب الزبائن للتعامل معها ولإيداع أموالهم حتى توسع أعمالها وتزيد من دخلها وتزين للناس طرق كسب كثيرة ولكنها لا تخرج في حقيقة الأمر عن دائرة الربا المحرم ومن ذلك دعوة الناس إلى فتح حسابات التوفير لدى هذه البنوك بطرق دعائية براقة تستهوي كثيراً من الناس ومن ذلك ما جاء في دعاية أحد البنوك من أن حسابات التوفير هي ضمان وأمان للمستقبل ونحو ذلك من الكلام الزائف.\rومن المعلوم أن البنوك تدفع ما تسميه فوائد مجزية على حسابات التوفير وهي في الحقيقة من الربا المحرم.\rومما يؤسف له أن كثيراً من الناس يقبلون على فتح حسابات التوفير هذه ويزعمون أنهم يؤمنون مستقبل أولادهم ويدخرون لهم وهذه المدخرات تنمو بالربا الحرام والمال الحرام لا يبارك الله فيه بل يسحقه ويمحقه.\rيقول الله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) .\rوعلى المسلم أن يوقن بأن الأرزاق بيد الله وأن تأمين المستقبل كما يقولون لا يكون عن طريق الحرام وإنما يكون بالإدخار من المال الحلال فهذا الذي يدخر لأولاده من المال الحرام وبطرق حرام إنما يربي أولاده على الحرام وينفق عليهم من الحرام ويدخر لهم نار جهنم والعياذ بالله.\rيقول الرسول ﷺ: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: (يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) . وقال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذيه بالحرام فأنى يستجاب له) رواه مسلم.\rوعلى كل مسلم أن يسعى لتأمين مستقبل أولاده بالكسب المشروع الحلال ولا يكون ذلك أبدأً عن طريق الربا المحرم بنص كتاب الله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَوَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346230,"book_id":3840,"shamela_page_id":610,"part":"12","page_num":104,"sequence_num":610,"body":"١٠٤ - الربا\rالعمل في البنوك الربوية حرام, تقول السائلة: إن زوجها يعمل في البنك وتسأل هل المعاش - الراتب – حلال أم حرام؟ وهل وضع الأموال في البنوك بدون أخذ الفائدة يجوز أم لا؟\r\rالجواب: يقول الله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) .\rمما لا شك فيه أن الربا محرم شرعاً باتفاق أهل العلم، وأن النظام الإقتصادي الإسلامي يحارب الربا وكل المؤسسات الربوية، وقد شدد الإسلام في أمر الربا، فبالإضافة للآيات السابقة يقول رسول الله ﷺ: (اجتنبوا السبع الموبقات – المهلكات – قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه مسلم.\rوعن جابر أن النبي ﷺ قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) ، رواه مسلم.\rوعن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال (الربا ثلاثة وسبعون شعبة أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وصصحه، وغير ذلك من الأحاديث.\rوبناءً على ما سبق فقد قرر كثيرٌ من أهل العلم حرمة العمل في البنوك الربوية، حتى ولو كان العمل حارساً ليلياً للبنك، لأن ذلك من باب التعاون على الإثم والعدوان، وهو محرم بنص القرآن الكريم وكذلك فقد أفتى كثير من العلماء المعاصرين بحرمة تأجير المحلات أو العمارات للبنوك الربوية لذات السبب السابق.\rوأما إيداع الأموال في البنوك الربوية، فالأصل في ذلك التحريم ولا يجوز إلا في حالة الضرورة، كأن يخشى الإنسان على ماله من الضياع ولا يجد مكاناً آمنا ً لوضعه إلا في البنك كحسابٍ جارٍ ولا يأخذ ربا عليه.\rأقول هذا وأنا أعلم أن التعامل مع البنوك الربوية أصبح بلاء عاماً لا ينجو منه إلا القليل، وأعلم أن امتناع شخص أو أشخاص من العمل مع البنوك الربوية أو الإيداع فيها لا يحل المشكلة المستعصية، لأن المشكلة جزء من سيئات النظام العام الذي نعيشه وونحياه، ولكن سددوا وقاربوا واتقوا الله ما استطعتم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346231,"book_id":3840,"shamela_page_id":611,"part":"12","page_num":105,"sequence_num":611,"body":"١٠٥ - الشيكات\rيقول السائل: يتعامل بعض الناس بالشيكات مع بعض الصرافين فيأخذ الصراف الشيك من الزبون ويكون موعد صرفه بعد ستة أشهر مثلاً فإذا كانت قيمة الشيك ألف دينار يدفع الصراف تسعمائة وخمسين دينار، وفي حالة أخرى يتم صرف الشيك الذي حل موعد استحقاقه مقابل عمولة تقدر ب ١% أو ١. ٥% فما حكم التعامل بالصورتين المذكوريتن؟\r\rالجواب: إن التعامل بالصورة الأولى المذكورة في السؤال حرام شرعاً لأن ما يقوم به الصراف من أخذ الشيك الذي تبلغ قيمته ألف دينار بتسعمائة وخمسين ديناراً يعتبر أحد أبواب الربا لأن المبلغ الذي يأخذه الصراف هو مقابل المدة الباقية على صرف الشيك وهي ستة أشهر مثلاً وهذه الصورة غير جائزة لا يجوز التعامل بها.\rوأما الصورة الثانية فإن ما يتقاضاه الصراف وهو المسمى عمولة وتقدر بنسبة قليلة فيعتبر من باب الأجر ولا بأس بالتعامل بهذه الصورة ولا يعد من التعامل بالربا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346232,"book_id":3840,"shamela_page_id":612,"part":"12","page_num":106,"sequence_num":612,"body":"١٠٦ - زيادة محرمة\rيقول السائل: اشترى زوج أختي قطعة أرض مني ودفع لي بعض ثمنها ثم فسخ العقد لأسبابٍ معينة، ويطالبني الآن زوج أختي بالمبلغ الذي دفعه مع الزيادة الربوية، وأنا أرفض دفع الزيادة له، ولكن والديَّ يهدداني بالغضب عليَّ إذا لم أدفع له ما يريد، أفتوني مأجورين؟\r\rالجواب: إذا تم فسخ العقد، يعيد البائع المبلغ الذي قبضه للمشتري ويعيد المشتري العين المباعة، وهي هنا في السؤال قطعة الأرض، ولا يحق للمشتري بأن يطالب بأي زيادة على المبلغ الذي دفعه لأن هذه الزيادة تعتبر من باب الربا وهو محرم بنص كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ.\rقال الله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .\rوأما تهديد والديك بالغضب إن لم تدفع لزوج أختك الزيادة فغضبهما في غير محله وهاما غير محقين في هذا الغضب وعليك أن تبين لهما أن هذه الزيادة من الربا وتذكرهما بالله ﷾ فلعلهما يتراجعان عن ذلك.\rوإذا أصرا على موقفهما بعد البيان والتوضيح فلا عليك من غضبهما. وطاعة الله أولى ومقدمة على طاعة الوالدين وخاصة أنهما يأمران ولدهما بارتكاب معصية من المعاصي، بل كبيرة من الكبائر ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وعلى والديك أن يتقيا الله فيك وواجبهما العمل على إنقاذك من نار جهنم، لا أن يدفعاك إليها. وليذكرا قول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346233,"book_id":3840,"shamela_page_id":613,"part":"12","page_num":107,"sequence_num":613,"body":"١٠٧ - خلو الرجل\rيقول السائل: إنه استأجر بيتاً منذ مدة طويلة وقد انتهت مدة العقد ويطلب مالك البيت منه إخلاء البيت ولكنه طلب من المالك أن يدفع له مبلغاً من المال كخلو رجل فما حكم هذا المال وهل يجوز له أخذ خلو الرجل؟\r\rالجواب: لا يجوز لهذا المستأجر أن يأخذ أي مبلغ من المال مقابل إخلائه للبيت بعد انتهاء عقد الإجارة والمالك أحق بملكه ويجب على المستأجر إخلاء البيت وإذا أخذ مبلغاً من المال فإنه يأكله سحتاً وحراماً.\rوخلو الرجل عند من يقول بجوازه يشترط فيه أن يكون قد بقي شيء من مدة عقد الإجارة، فمثلاً إذا استأجر شخض محلاً تجارياً لمدة خمس سنوات ورغب المالك في إنهاء العقد بعد مضي سنتين فأجازوا للمستأجر أن يأخذ خلو الرجل لأن ذلك يكون مقابل ما بقي له من حق المنفعة في المحل المستأجر وأما إذا انتهت مدة عقد الإحارة فلا يجوز للمستأجر أخذ الخلو ويجب عليه إعادة المحل لمالكه لأن المالك أحق بملكه.\rوبهذه المناسبة أذكر المستأجرين أنه لا يجوز لهم شرعاً الامتناع عن إخلاء الدور المؤجرة أو المحلات المؤجرة إذا رغب أصحابها في عدم تجديد عقد الإجارة وما يقال أن القانون يحمي المستأجر فيمنع إخراجه ويمنع زيادة الأجرة فهذا كلام باطل شرعاً فيحق شرعاً للمالك أن لا يجدد عقد الإجارة بعد انتهاء مدة العقد المتفق عليها كما وأنه يجوز للمالك أن يزيد الأجرة بعد انتهاء مدة العقد.\rولا يعني هذا الكلام أن يقوم المالك باستغلال حاجات الناس وزيادة الأجرة بشكل غير معقول.\rوإنما تزداد الأجرة على حسب ما هو متعارف عليه في البلد بدون ظلم لأحد وعلى الناس أن يتراحموا في هذا الأمر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346234,"book_id":3840,"shamela_page_id":614,"part":"12","page_num":108,"sequence_num":614,"body":"١٠٨ - عقد الاستصناع جائز شرعا\rيقول السائل: اتفقت مع نجار على أن يقوم بتفصيل غرفة نوم مقابل مبلغ ألف وخمسمائة دينار واتفقنا على أوصافها وموعد تسليمها ولكن قال بعض الناس إن هذا العقد باطل، فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن العقد الذي اتفقت فيه مع النجار هو المسمى عند الفقهاء عقد الاستصناع وهو شراء ما يصنع وفقاً للطلب إذا كانت العين من الصانع كأن يذهب شخص إلى صانع أحذية ويطلب منه أن يصنع له زوجاً من الأحذية بأوصاف معلومة وثمن معلوم كالمثال المذكور في السؤال.\rوالاستصناع عقد مشروع عند أصحاب المذاهب الأربعة وإن كان على خلاف القياس لأنه بيع معدوم. وأجازه الفقهاء لما ورد أن النبي ﷺ استصنع خاتماً ومنبراً، ونظراً لتعامل الناس به وتعارفهم عليه في مختلف العصور ويشترط بجوازه بعض الشروط منها:\r١. بيان صفة المصنوع وصفاً تاماً يمنع النزاع.\r٢. أن يكون المصنوع مما تعارف الناس التعامل به.\rوينبغي أن تحدد فيه مدة دفعاً للخصومة وعقد الاستصناع عقد لازم لمن طلب الاستصناع فيلزمه أخذ الشيء المستصنع إذا كان موافقاً الأوصاف التي اتفق عليها دفعاً للضرر عن الصانع. وبهذا يظهر أن الزعم بأن هذا العقد باطل قول باطل لا دليل له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346235,"book_id":3840,"shamela_page_id":615,"part":"12","page_num":109,"sequence_num":615,"body":"١٠٩ - المال الحرام\rيقول السائل: إنه رجل صاحب صنعة وعمل لدى شخص يغلب على ظنه أن ماله مكتسب من الحرام، فهل أجرة هذا الصانع حلال أم حرام؟\r\rالجواب: إذا كنت تعمل في عمل جائز شرعاً وأخذت الأجرة عليه فما أخذته حلال إن شاء الله وليس لك أن تسأل الشخص الذي عملت عنده عن مصدر ماله، هل اكتسبه من حلال أم حرام؟ لأن السؤال عن ذلك نوع من التنطع والتشدد الذي لا تقره الشريعة الإسلامية والرسول ﷺ يقول: (هلك المتنطعون) رواه مسلم.\rويضاف إلى ذلك أن الإنسان مسئول عما يفعل ولا يسأل عن فعل غيره، والله ﷾ يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) فما أخذته من أجر على العمل الذي قمت به حلال ولا شيء فيه ولست مأموراً بالتنقيب عن مصدر مال الشخص الذي عملت عنده فلو أن كل شخص عمل لغيره عملاً وسأله من أين اكتسب ماله؟ لأصبح الناس في حرج شديد ولما انتهى الأمر إلى حد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346236,"book_id":3840,"shamela_page_id":616,"part":"12","page_num":110,"sequence_num":616,"body":"١١٠ - التبرع بالدم\rيقول السائل: قد يحتاج المريض إلى كميات من الدم وقد لا يوجد متبرع بها ويأبى إلا أن يبيعها فما الحكم الشرعي في ذلك؟\r\rالجواب: إن التبرع بالدم من الأمور الضرورية للناس ولا أبالغ إن قلت إن حكمه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين وذلك لما يترتب عليه من إنقاذ المرضى والجرحى في الحوادث المختلفة وعلى الإنسان أن يبذل دمه تبرعاً وحسبةً لله تعالى ولا يطلب أي مقابل عند تبرعه بدمه لإنقاذ حياة إنسان محتاج لذلك الدم.\rولا يجوز أخذ العوض مقابل هذا الدم المبذول وذلك لأن الإنسان مكرم لا يجوز بيع أي جزء منه فلا يحل أن يبيع شعره مثلاً كما تباع أصواف الحيوانات وكذلك دمه لا يحل له بيعه.\rيقول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيءَادَمَ) وأخذاً من هذا التكريم لا يجوز للإنسان أن يبيع أي جزء منه كما تباع السلع.\rوإذا لم يتيسر للإنسان المحتاج للدم الحصول على الدم تبرعاً وهبة إلا عن طريق الشراء فحينئذ يجوز شراء الدم والإثم على الآخذ دون المعطي.\rوينبغي أن يذكر هنا أن نقل الدم لا علاقة له بانتشار الحرمة بين الآخذ والمعطي كما هو الحال في الرضاع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346237,"book_id":3840,"shamela_page_id":617,"part":"12","page_num":111,"sequence_num":617,"body":"١١١ - المال الحرام\rشراء المال المسروق لا يجوز , يقول السائل: ما حكم شراء المعدات التي تتم مصادرتها من أصحابها بغير حق؟ وما حكم شراء الأجهزة المسروقة؟\r\rالجواب: يحرم على المشتري أن يشتري مالاً مغصوباً أو مسروقاً أو أخذ من صاحبه بغير حق وهو يعلم كالأجهزة التي تصادر من أصحابها لعدم دفعهم الضرائب ونحو ذلك فهذا امثاله ولا يجوز للمسلم أن يقدم على شرائه وهو يعلم لأنه قد أخذ من أصحابه بدون حق لأن هذه الأجهزة لم تنتقل ملكيتها من صاحبها بطريق شرعي وإنما هي مغصوبة أو مسروقة فإذا أقدم المسلم على شرائها فيكون قد اشتراها من غير مالكها الحقيقي.\rولا شك أن في شراء المال المسروق أو المغصوب تشجيع لهؤلاء الذين يأخذون أموال الناس بالباطل ويعتبر ذلك من باب التعاون على الإثم والعدوان وقد نهانا الله عن ذلك بقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) .\rوكذلك فإننا نعلم أنه لا يحل أخذ مال المسلم إلا إذا طابت نفسه بذلك وهذه الأموال المسروقة أو المغصوبة تؤخذ بالقوة أو بالخفية ولا تطيب نفس صاحبها بها والرسول ﷺ يقول: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) رواه أحمد والبيهقي والدارقطني وهو حديث صحيح.\rوقد روي في الحديث عن الرسول ﷺ قوله: (من اشترى سرقة – شيئاً مسروقاً – وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في إثمها وعارها) رواه الحاكم والبيهقي وسنده مختلف فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346238,"book_id":3840,"shamela_page_id":618,"part":"12","page_num":112,"sequence_num":618,"body":"١١٢ - البيع\rالمتاجرة بأفلام الفيديو, يقول السائل: إنه يملك محلاً للبيع وتأجير أشرطة الفيديو فما الحكم الشرعي في ريع هذا المحل؟\r\rالجواب: إن المتاجرة في أفلام الفيديو المعروضة في الأسواق والتي تعرض المحرمات كأفلام الجنس والخلاعة والمجون والرذائل والأفلام البوليسية التي تعلم الناس وسائل الإجرام وتسهم في نشر الجرائم والرذائل حرام شرعاً، فالتعامل في هذه الأشرطة بيعاً أو شراءاً أو إجارة أو إهداءً أو تبادلاً بدون مقابل كل ذلك محرم شرعاً لأنها تسهم بلا شك في نشر الفاحشة بين المسلمين يقول الله ﷾: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) .\rوكذلك فإنه يعد من باب التعاون على الإثم والعدوان والله ﷾ يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) .\rوينبغي أن يعلم أنه لا يجوز لمالكي العقارات والمحلات التجارية أن يؤجروها لأمثال هؤلاء تجار أشرطة الفيديو.\rوأما إذا كانت أشرطة الفيديو تعرض البرامج النافعة والمفيدة كالأشرطة العلمية والطبية والتاريخية ونحو ذلك مما لا يتعارض مع أحكام الشريعة فيجوز التعامل بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346239,"book_id":3840,"shamela_page_id":619,"part":"12","page_num":113,"sequence_num":619,"body":"١١٣ - المضاربة\rيقول السائل: لدَّي مال يبلغ خمسة آلاف دينار وقال لي شخص أعطني هذا المال أشغله لك في تجارتي على أن أعطيك مائتين وخمسين ديناراً في الشهر فما الحكم الشرعي في ذلك الأمر؟\r\rالجواب: إن العرض الذي عرضه عليك هذا الشخص يسمى عند الفقهاء عقد المضاربة، ولكن هذه المضاربة المعروضة عليك مضاربة فاسدة، وقبل بيان فسادها أبين لك معنى المضاربة عند الفقهاء:\rفالمضاربة وتسمى أيضاً القراض: هي أن يدفع شخص مبلغاً من المال لآخر ليتجر فيه، والربح مشترك بينهما على حسب ما يتفقان – أي يكون المال من شخص والعمل من شخص آخر.\rوالمضاربة جائزة عند عامة الفقهاء اتباعاً لما ورد عن عدد من الصحابة ﵃ الذين أجازوها وعملوا بها ولم يثبت فيها بعينها دليل لا من الكتاب ولا من السنة كما قال جماعة من أهل العلم.\rوبشترط أن يكون رأس المال نقداً ومعلوم المقدار ويشترط أن يكون نصيب كل من المتعاقدين من الربح معلوماً على أن يكون جزءاً مشاعاً كنسبة مئوية ١٠% أو ١٥% أو ٤٠% على حسب ما يتفقان.\rولا يجوز أن يكون الربح مبلغاً محدداً فإن حصل ذلك أدى ذلك إلى فساد عقد المضاربة ومن الأمور المهمة في عقد المضاربة أن الخسارة إن حصلت يتحملها صاحب المال دون العامل لإن العامل يخسر جهده وعمله، إلا إذا كانت المضاربة مقيدة ومشروطة بشرطٍ محدد، فخالف العامل ذلك الشرط فإنه حينئذٍ يضمن، كأن يشترط صاحب المال على العامل ألا يتاجر بالسيارات مثلاً، فتاجر العامل بالسيارات فخسر فحينئذٍ فإن العامل ضامن لأنه خالف الشرط الذي اتفق عليه.\rوأعود إلى بيان سبب فساد العقد الذي عرض على السائل فأقول: إن المضاربة تقتضي المشاركة في الربح بين صاحب المال والعامل، فإذا حدد مبلغ مقطوع سيكون لأحدهما كما في السؤال مبلغ (٢٥٠) دينارا ً فلعل المضاربة لا تربح إلا ذلك المبلغ فيكون المبلغ لأحدهما دون الآخر، وهذا الحال يتنافى مع الاشتراك في الربح فلذلك قرر الفقهاء أنه لا بد من أن يكون الربح جزءا ًشائعاً. فلو ربح مائة دينار وكان بينهما نسبة معينة مثلاً ٤٠% لصاحب المال والباقي للعامل أو حسب ما يتفقان فإن المشاركة تكون حاصلة في الربح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346240,"book_id":3840,"shamela_page_id":620,"part":"12","page_num":114,"sequence_num":620,"body":"١١٤ - الشرط الجزائي\rيقول السائل: ما الحكم الشرعي فيما يعرف هذه الأيام بالشرط الجزائي في المعاملات؟\r\rالجواب: لا بد من توضيح الشرط الجزائي فنقول:\rنظراً لتطور أساليب التجارة والتعامل بين الناس وجدت انواع من العقود والتعامل في العصور المتأخرة لم تكن معروفة في الماضي وصار لعامل الوقت أهمية قصوى في التعامل كما هو الحال في عقود التوريد إلى المصانع والمؤسسات المختلفة ونظراً لما يترتب على تأخير تسليم البضاعة إلى المصانع أو إلى المؤسسات أو تأخير تسليم المقاولين للأعمال المنوطة بهم ولما يترتب على ذلك التأخير من أضرار قد تلحق بالأطراف الأخرى في أمثال هذه العقود احتاج الناس إلى اشتراط شروط تصمن لهم حقوقهم وتلزم الطرف الذي يتأخر في تنفيذ العقد أو يخل بشيء من العقد بدفع تعويض مالي إلى الطرف الآخر وهذا ما يعرف بالشرط الجزائي.\rوالذي عليه كثير من الفقهاء المعاصرون أن الشرط الجزائي جائز وأنه من الشروط التي تعتبر في مصلحة العقد إذ هو حافز لإكمال العقد في وقته المحدد له، ويمكن أن يستدل على جوازه بما رواه البخاري في صحيحيه بسنده عن ابن سيرين أن رجلاً قال لكريه: (من يكري وسائل النقل) أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعاً ليس مكره فهو عليه.\rويضاف إلى ذلك أن الشرط الجزائي مقابل للإخلال بالإلتزام الذي قد يلحق الضرر ويفوت المنافع. والقول بجواز الشرط الجزائي سد لأبواب الفوضى والتلاعب بحقوق عباد الله وهو سبب من أسباب دفع الناس للوفاء بالعقود تحقيقاً لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) .\rوينبغي ملاحظة أمرين في قضية الشرط الجزائي:\rالأول: أنه لا ينبغي تنفيذ الشرط الجزائي إذا كان هنالك عذر شرعي في الإخلال بالالتزام فيكون العذر الشرعي مسقطاً لوجوبه حتى يزول العذر.\rالثاني: إذا كان الشرط الجزائي كثيراً عرفاً بحيث يراد به التهديد المالي ويكون بعيداً عن مقتضى القواعد الشرعية فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف ويرجع في تقدير الضرر إلى أهل الخبرة والشأن في ذلك.\rولا بد من مراعاة قواعد العدل ورفع الضرر عن الناس لقوله ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346241,"book_id":3840,"shamela_page_id":621,"part":"12","page_num":115,"sequence_num":621,"body":"١١٥ - الغرامة بالمال\rيقول السائل: ما الحكم الشرعي في فرض غرامة مالية عن المتخلفين في دفع أقساط الاشتراك في جمعية أو نقابة أو نحو ذلك؟ وهل لذلك علاقة بالربا؟\r\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً: أنه لا ينبغي للمسلم ان يشترك في جمعية أو نقابة تتعارض أهدافها أو وسائلها مع مبادئ الإسلام.\rثانياً: إن ما تأخذه هذه الجهات من المنضمين إليها إن كان على سبيل التبرع فلا يجوز لها فرض غرامة على المتأخرين في سداد هذه الأقساط لأن المتطوع أمير نفسه فيجوز شرعاً للمسلم إذا أراد أن يتبرع أن يرجع عن تبرعه وإن كان ذلك خلاف الأولى. وأما إذا كانت هذه الأقساط على سبيل الإلزام، وقد رضي المشتركون في نظام هذه الجهة وقبلوا بهذا المبدأ وهو فرض الغرامة على المتأخرين في سداد هذه الأقساط فيجوز لتلك الجهة فرض الغرامة المالية على المتأخرين عن سداد القساط.\rقال شريح القاضي: (من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه) وهذا الأمر ليس له علاقة بالربا لا من قريب ولا من بعيد لأن الربا هو الزيادة التي يؤديها المدين للدائن على رأس ماله نظير مدة معلومة من الزمن أجله إليها مع الشرط والتحديد، أو هو فضل مال بلا عوض في معاوضة مال بمال.\rفالموضوع محل السؤال ليس من الربا لأنه لا يوجد فيه معاوضة وإنما هو من باب التعزير بالعقوبات المالية وهي مشروعة عند جماعة من أهل العلم كما هو مشهور في مذهب مالك ومذهب أحمد في رواية ومذهب الشافعي في قول له ودلت على ذلك سنة الرسول ﷺ كأمر الرسول ﷺ تكسير أوعية الخمر ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة وغير ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346242,"book_id":3840,"shamela_page_id":622,"part":"12","page_num":116,"sequence_num":622,"body":"١١٦ - الغرامة بالمال\rيقول السائل: إنه اقترض مبلغاً من المال لبناء مسكن له، على أن يسدد القرض على أقساط، واشترط عليه أنه إذا تأخر في سداد قسط من الأقساط أن يدفع غرامة مالية بسبب التأخير، واشترط عليه أنه لا يجوز له بيع المسكن إلا بموافقة المقرض وإذا باع مسكنه فإنه يدفع غرامة مالية للمقرض زيادة على القرض، فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: القرض الحسن مشروع بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، فقد قال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) سورة البقرة /٢٤٥. ووجه الدلالة فيه، أن الله ﷾ شبه الأعمال الصالحة والإنفاق في سبيل الله بالمال المقرَض، وشبه الجزاء المضاعف على ذلك ببدل القرض شيئاً ليأخذ عوضه، ومشروعية المشبه تدل على مشروعية المشبه به، عقد القرض ص١٣. وثبت في الحديث الصحيح، عن أبي رافع ?، (أن النبي ﷺ استلف من رجل بكراً - أي جملاً فتياً - فقدمت على الرسول ﷺ إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره فقال: يا رسول الله، لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً - أي جملاً كبيراً -، فقال: أعطه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً) رواه مسلم. وإقراض المعسر وتفريج كربه أمر مرغَّب فيه شرعاً ويدخل ذلك في عموم قول النبي ﷺ: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم. وللمقرِض أجر عظيم عند الله ﷾ فقد جاء في الحديث عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين، إلا كان كصدقة مرة) رواه ابن حبان في صحيحه وابن ماجة والطبراني وهو حديث حسن. وينبغي أن يعلم أنَّ القروض تقضى بأمثالها، ولا يجوز شرعاً الزيادة المشروطة في رد بدل القرض، وكل زيادة تعتبر من باب الربا. قال الحافظ ابن عبد البر: \" وكل زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلِف فهو ربا، ولو كانت قبضة من علف، وذلك حرام إن كان بشرط \". وقال ابن المنذر: \" أجمعوا على أن المسلِف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، إن أخذ الزيادة ربا \" الموسوعة الفقهية ٣٣/١٣٠. وهنا لا بد من التنبيه على بعض القضايا المهمة والمتعلقة بالقروض: أولاً: يحرم على المدين الموسر أن يماطل في أداء ما حلَّ عليه من الأقساط، لقول النبي ﷺ: (مطل الغني ظلم) رواه البخاري ومسلم. ثانياً: وإن ماطل المدين الموسر، يحرم شرعاً فرض أية غرامة مالية عليه، في حال التأخر عن السداد لأن ذلك يعتبر من الربا، وهذا ما قرره أكثر الفقهاء قديماً وحديثاً، وأخذت به المجامع الفقهية المعتمدة، فقد جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، بمكة المكرمة ما يلي: ((نظر المجمع الفقهي في موضوع السؤال التالي، إذا تأخر المدين عن سداد الدين في المدة المحددة، فهل للبنك الحق أن يفرض على المدين غرامة مالية، جزائية بنسبة معينة بسبب التأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما؟ الجواب: وبعد البحث والدراسة، قرر المجمع الفقهي بالإجماع ما يلي: إن الدائن إذا شرط على المدين أو فرض عليه أن يدفع له مبلغاً من المال غرامة مالية جزائية محددة أو بنسبة معينة، إذا تأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما، فهو شرط أو فرض باطل، ولا يجب الوفاء به، ولا يحل سواءً أكان الشارط هو المصرف أو غيره، لأن هذا بعينه هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه)) . وفد يقول قائل: إن هذا الكلام يشجع المدينين على المماطلة وعدم الوفاء بالدين، ونقول يمكن للمقرض أن يشترط على المدين أنه في حالة تأخره عن سداد قسط من أقساط الدين تحلّ بقية الأقساط ويمكن اتخاذ أمور أخرى ضد المدين المماطل كمطالبة الكفلاء وغير ذلك. ثالثاً: لا يجوز شرعاً منع المقترض من بيع منزله الذي بناه بالقرض، لأن ذلك مخالف للقواعد المقررة شرعاً من حرية تصرف المالك في ملكه وغير ذلك. ولا يصح إلزام المقترض بأية غرامة مالية في حال بيعه مسكنه لأن ذلك نوع من الربا المحرم شرعاً. رابعاً: لا يجوز شرعاً ربط الديون بمستوى الأسعار أو جدول غلاء المعيشة، فقد قرر مجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة ما يلي: ((العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضى بأمثالها فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار)) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الخامس، الجزء الثالث / ص ٢٢٦١. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346243,"book_id":3840,"shamela_page_id":623,"part":"12","page_num":117,"sequence_num":623,"body":"١١٧ - الغرامة بالمال\rيقول السائل: اشترى شخص مني عقاراً بالتقسيط، ودفع بعض الأقساط، ولم يكمل دفع بقية الأقساط، وقد استلم العقار، وهذا الشخص قادر على تسديد بقية الأقساط، إلا أنه يماطل وقد مضى على موعد تسديد آخر قسط ثلاث سنوات وما يزال يماطل فهل يحق لي أن أطالبه بتعويضٍ مالي مقابل العطل والضرر الذي ألحقه بي؟\r\rالجواب: يجب أن يعلم أولاً أنه يحرم على الغني أن يماطل فيما وجب عليه من حقوق، كالدين مثلاً، وكذلك من وجد أداءً لحق عليه وإن كان فقيراً تحرم عليه المماطلة، وقد ثبت في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (مطل الغني ظلم) رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر: \" والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر، والغني مختلف في تعريفه ولكن المراد به هنا من قدر على الأداء فأخره ولو كان فقيراً \" فتح الباري ٥/٣٧١. وقال الحافظ أيضاً: \" وفي الحديث الزجر عن المطل، واختلف هل يعد فعله عمداً كبيرة أم لا؟ فالجمهور على أن فاعله يفسَّق \" فتح الباري ٥/٣٧٢. وكما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته) رواه أبو داود والنسائي وأحمد بإسناد حسن كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٥/٤٥٩. وذكره الإمام البخاري تعليقاً فقال: \" باب لصاحب الحق مقالاً، ويذكر عن النبي ﷺ: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) . قال سفيان: عرضه تقول: مطلتني، وعقوبته الحبس، والمراد بقوله (ليّ الواجد) أي مماطلة من يجد أداء الحقوق التي عليه، وقوله (يحل عرضه وعقوبته) المراد به كما فسره سفيان أن يقول صاحب الحق، أو صاحب الدين: مطلني فلان، وعقوبته أن يسجن. إذا تبين لنا حرمة مماطلة المقتدر على سداد ديونه، فنقول: اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز معاقبة المماطل بفرض غرامة مالية عليه، لأن ذلك يعتبر من باب الربا المحرم، وإنما يعاقب بالحبس فقط. ((وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي هذه القضية بحثاً موسعاً، وخلص إلى ما يلي: ١ - إذا تأخر المشتري في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط أو بدون شرط، لأن ذلك رباً محرَّم. ٢ - يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء. ٣ - يجوز شرعاً أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها ما دام الدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد)) مجلة المجمع الفقهي عدد ٦ جزء ١، ص٤٤٧ - ٤٤٨. وأخيراً ينبغي أن ننبه إلى أن هذا الحكم إنما هو في حق الغني المماطل وأما إذا كان المدين معسراً فإن الله ﷾ طلب إنظاره إلى ميسرة، كما قال تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) سورة البقرة /٢٨٠. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346244,"book_id":3840,"shamela_page_id":624,"part":"12","page_num":118,"sequence_num":624,"body":"١١٨ - الخصومات\rالنزاع على الأراضي, يقول السائل: كثرة في الآونة الأخيرة الخلافات بين الناس حول أدعاء ملكية الأراضي ويحاول بعض الناس إثبات ملكيتهم بحلف الأيمان أو إبراز الحجج والإثباتات ونحو ذلك وقد ترتب على تلك الخلافات حوادث مؤسفة من قتل وشجار وخصام بين الناس فما الحكم الشرعي في ذلك؟\r\rالجواب: لعل من أهم أسباب حدوث النزاع والخصام حول الأراضي وانتشار ذلك في هذه الأيام حيث إننا نطالع في الصحف إعلانات يدعي أصحابها ملكية أرض وإعلانات أخرى ترد على اولئك المدّعين وتنقض دعواهم ونحو ذلك من الخلافات.\rأقول: لعل من أهم أسباب ذلك التهالك على الدنيا وضعف الوازع الديني لدى كثير من الناس حيث أن بعض الناس يأكلون أموال غيرهم بالباطل ويتوصلون إلى ذلك بطرق ملتوية وغير مشروعة.\rوالإسلام والحمد الله قرر طرق إثبات الحقوق في مثل حالات الخلاف هذه فالرسول ﷺ يقول: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودمائهم لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) رواه البيهقي وأصله في الصحيحين وهو حديث حسن.\rفإذا ادعى إنسان أن قطعة الأرض الفلانية له وأقام البينة الواضحة الصحيحة على ذلك فهي حق ثابت له ولا يملك القاضي إلا أن يحكم له بذلك، وإذا تعذر ذلك توجه اليمين على المنكر.\rويؤيد ذلك ما جاء في الحديث عن الأشعث قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله: (شاهداك أو يمينه، قلت: إذاً يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله ﷺ: من حلف على يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديق ذلك ثم قرأ هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ... ) رواه البخاري ومسلم.\rوفي رواية لمسلم: (قلت: إذن يحلف ولا يبالي، قال ﵊: ليس لك إلا ذلك) وينبغي أن يعلم أن غصب الأرض وأخذها ظلماً وعدواناً يعد من الكبائر والعياذ بالله وقد وردت أحاديث كثيرة في الترهيب من ذلك منها:\r١. قول الرسول ﷺ: (من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة في سبع أرضين) رواه مسلم.\rوللعلماء أقوال في تفسير التطويق المذكور في الحديث منها أنه يحمل مثله من سبع أرضين ويكلف إطاقة ذلك.\rوقيل يجعل ذلك كالطوق في عنقه كما قال الله تعالى: (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قاله اإمام النووي ﵀.\rوقال الإمام الخطابي ﵀: معناه أنه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين ويؤيد هذا المعنى الحديث التالي:\r٢. قول الرسول ﷺ: (من أخذ من الأرض شيئاً بغير حق خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين) رواه البخاري وغيره.\r٣. عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن أروى بنت أويس خاصمته في بعض داره فقال: دعوها وإياها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أخذ شبراً من الأرض بغير حق طوقه في سبع ارضين يوم القيامة اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها واجعل قبرها في دارها.\rقال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد. فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها) رواه البخاري ومسلم.\r٤. وعن محمد بن إبراهيم أن ابا سلمة حدثه وكان بينه وبين قومه خصومة في أرض وأنه دخل على عائشة ﵂ فذكر ذلك لها، فقالت: يا أبا سلمة، اجتنب الأرض فإن رسول الله ﷺ قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين) رواه البخاري ومسلم.\r٥. وعن أبي مالك الأشجعي أن النبي ﷺ قال: (أعظم الغلول –الخيانة – عند الله ﷿ ذراع من الأرض أو في الدار فيقتطع من حظ صاحبه ذراعاً فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين إلى يوم القيامة) رواه أحمد وهو حديثٌ حسن وغير ذلك من الأحاديث.\rولا بدَّ من التنبيه إلى أن قضاء القاضي بإثبات الحق لأحد الخصمين لا يجعل ذلك حلالاً إن لم يكن ذلك في الواقع وحقيقة الأمر لأن القاضي يقضي حسب الظاهر ولعل أحد الخصمين يكون ألحن بحجته من الآخر فيظهر أمام القاضي أنه محق وهو في الحقيقة مبطل فيحكم له القاضي بذلك فإن حكم القاضي لا يجعل الحرام حلالاً.\rيقول الرسول ﷺ (إنكم تختصمون إليَّ وإنما أنا بشرٌ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي له بما يقول فمن قضيت له بشيءٍ من حق أخيه بقوله فإنما أقطع له قطعةً من النار فلا يأخذها) متفقٌ عليه.\rوإن بعض الناس يقدمون على حلف الأيمان الكاذبة ليستولوا بها على حقوق الآخرين ويظنون أن ذلك هيناً وهو عند الله عظيم ولقد شدد الله ﷾ في عقوبة هذه الجريمة النكراء يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .\rويقول الرسول ﷺ: (لا يقتطع الرجل حق امرء مسلم بيمينه إلا حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار فقال رجل من القوم: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً، فقال، وإن كان سواكاً من أراك) رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما وهو حديثٌ صحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346245,"book_id":3840,"shamela_page_id":625,"part":"12","page_num":119,"sequence_num":625,"body":"١١٩ - المزارعة جائزة\rيقول السائل: عندي أرضٌ زراعية أعطيها لبعض المزارعين لرزراعتها بالقمح والشعير على أن لي ثلث الناتج منها فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: إن ما تقوم به يسمى عند الفقهاء مزارعة وهي عقد على الزرع ببعض الخارج والمزارعة محل خلافٍ بين علماء المسلمين والراجح من أقوال أهل العلم جوازها وهي مشروعة والأدلة على ذلك كثيرة منها:\r١. ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵁: (أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطرٍ ما يخرج من ثمرٍ أو زرع) فتح الباري ٥/ ٤٠٩.\r٢. قال الإمام البخاري في صحيحه (باب المزراعة بشطر ونحوه. وقال قيس عن أبي جعفر قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع وزارع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين وقال عبد الرحمن ابن الأسود: كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع. وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاءوا بالبذر فله كذا) فتح الباري ٥/ ٤٠٧-٤٠٨.\rوهذه المعلقات التي رواها الإمام البخاري بصيغة الجزم وصلها غيره من أهل الحديث كمنا بينه الحافظ ابن حجر في الفتح.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقاً على كلام البخاري السابق (فإذا كان جميع المهاجرين كانوا يزارعون والخلفاء الراشدون وأكابر الصحابة والتابعين من غير أن ينكر ذلك منكر لم يكن إجماع أعظم من هذا، بل إن كان في الدنيا إجماع فهو هذا، لا سيما وأهل بيعة الرضوان جميعهم يزارعون على عهد رسول الله ﷺ وبعده إلى أن أحلى عمر اليهود إلى تيماء) (مجموع الفتاوى ٢٩/ ٩٧٩) .\rوقال ابن القيم: (وهذه – المزارعة – أمر صحيح مشهور قد عمل به رسول الله ﷺ حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدون من بعده حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعدهم ولم يبقَ في المدينة أهل بيت حتى عملوا به وعمل به أزواج النبي ﷺ من بعده، ومثل هذا يستحيل أن يكون منسوخاً لاستمرار العمل به من النبي ﷺ، إلى أن قبضه الله، وكذلك استمرار عمل خلفائه الراشدين به فنسخ هذا من أمحل المحال) شرح ابن القيم على سنن أبي داود ٩/ ١٨٤.\rوالقول بجواز المزارعة ومشروعيتها هو قول أكثر أهل العلم واختاره المحققون من الفقهاء والمحدثين وبه قال الإمام مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وعليه الفتوى عند الحنفية، وبه قال اسحق بن راهويه والأمام النووي وابن تيمية وابن القيم وابن قدامة والشوكاني وغيرهم كثير جداً.\rوأما الأحاديث التي ورد فيها النهي عن المزارعة كحديث رافع بن خديج (أن النبي ﷺ نهى عن كراء المزارع) رواه البخاري.\rوكحديث جابر (أن الرسول ﷺ نهى عن كراء الأرض) رواه ابن حبان وغيره وغيرها من الأحاديث التي ورد فيها النهي عن المزارعة فالجواب عنها من وجوه كثيرة أذكر أهمها:\r١. إن النهي الوارد في حديث الرافع بن خديج وغيره إنما هو في المزارعة الفاسدة التي كانت معروفة عندهم وقتئذٍ والتي فيها اشتراط صاحب الأرض لنفسه نتاج بقعة معينة من الأرض أو التبن فهذه منهي عنها ويؤكد ذلك أن رافعاً قد روى تفسير ذلك النهي، فعن رافع بن خديج قال: كنا أكثر الأنصار حقلاً فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك أما الورق فلم ينهنا، رواه البخاري ومسلم.\rوفي روايةٍ أخرى (إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات وإقبال الجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ولم يكن للناس كرىً إلا هذا فلذلك زجر عنه، فأما شيءٌ معلوم مضمون فلا بأس به) رواه مسلم.\rوالماذيانات: ما ينبت من الزرع على مسايل المياه.\rوإقبال الجداول: أوائل السواقي.\rوفي رواية أخرى عن رافع قال: (حدَّثني عمايَّ أنهما كانا يكريان الأرض على عهد رسول الله ﷺ بنا ينبت على الإربعاء وبشيءٍ يستثنيه صاحب الأرض قال فنهى الرسول ﷺ عن ذلك) رواه البخاري.\rوالأربعاء: جمع ربيع وهو النهر الصغير.\rقال شيخ الإسلام بن تيمية: [فهذا رافع بن خديج -الذي عليه مدار الحديث – يذكر أنه لم يكن لهم على عهد رسول الله ﷺ كراء إلا بزرع مكانٍ معين من الحقل وهذا النوع حرام بلا ريب عند الفقهاء قاطبة] الفتاوى ٢٩/ ١٠٧.\r٢. إن الصحابة ﵃ أنكروا على رافع روايته. قال زيد بن ثابت وقد حكي له حديث رافع (يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله أعلم بالحديث منه إنما أتى رجلان قد اقتتلا فقال ﵊ إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع فسمع رافع قوله لا تكروا المزارع) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وقال الزيعلي حديثٌ حسن. نصب الراية ٤/ ١٨١.\r٣. وكذلك ما رواه عمرو بن دينار قال: قلت لطاوس لو تركت المخابرة- أي المزرعة - فإنهم يزعمون أنالنبي ﷺ نهى عنها. فقال: إن أعملهم يعني ابن عباس أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلملم ينه عنها ولكن قال: أن يمنح أحدكم أخاه خيراً له من أن يأخذ عليها خراجاً معلوماً) رواه البخاري وغيره.\r٤. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ لم يحرم المزارعة ولكن امر ان يرفق بعضهم ببعض. رواه الترمذي وصححه.\r٥. قال ابن القيم: [إن من تأمل حديث رافع وجمع طرقه واعتبر بعضها ببعض وحمل مجملها على مفسرها ومطلقها على مقيدها علم أن الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك أمر بين الفساد وهو المزارعة الظالمة الجائرة فإنه قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه.. إلى أن قال: قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه رسول الله ﷺ أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز.\rوقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لتلك العلل. (شرح بن القيم على سنن أبي داود ٩/١٨٥ - ١٨٦) .\r٦. قال الإمام النووي: [.... ولأن المعنى المجوز للمساقاة موجود في المزارعة قياساً على القراض فإنه جائز بالإجماع وهو كالمزارعة في كل شيء ولأن المسلمين في جميع الأمصار والأعصار مستمرون على العمل بالمزارعة] شرح النووي على صحيح مسلم ١٠/٢١٠.\rوبهذا العرض الموجز يظهر لنا أن المزارعة جائزة شرعاً والمسألة تحتاج إلى بحث أطول ولكن المقام لا يتسع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346246,"book_id":3840,"shamela_page_id":626,"part":"12","page_num":120,"sequence_num":626,"body":"١٢٠ - جوائز التجار\rيقول السائل: ما حكم الجوائز التي يعلن عنها التجار لترويج سلعهم مثل من يعلن أن من يشتري بمائة دينار يحصل على رقم يخوله الدخول فيقرعة على مجموعة من الجوائز تكون الجائزة الأولى سيارة مثلاً أو جهاز تلفزيون ونحو ذلك؟\r\rالجواب: إن ترويج التجارة اليوم أصبح فناً قائماً بذاته وصار التجار يتبعون أساليب كثيرة ومختلفة من أجل تسويق تجاراتهم وبعض هذه الأسايب غير مشروع كالمثال المذكور في السؤال فهذا نوع من القمار المسمى باليناصيب لما يلي:\r١. لأن المشتري يقدم على الشراء وهو على خطر فربما يحصل على الجائزة وربما لا يحصل عليها.\r٢. إن التجار الذين يمارسون هذا النوع من الترويج لبضائعهم يقومون برفع أثمان السلع حتى يتمكنوا من تغطية قيمة الجوائز من مجموع المشترين فيربح ويربح واحد من المشترين أو اثنان مثلاً ويخسر الآخرون.\r٣. إن مثل هذه الأساليب تدفع كثيراً من الناس إلى الشراء دونما حاجة رغبة في الحصول على الجائزة الموعودة وهذا يؤدي إلى الإسراف وترسيخ النهج الرأسمالي في الاستهلاك.\r٤. إن مثل هذه الأساليب تؤدي إلى تنمية الضغينة والحقد والحسد في قلوب الخاسرين من المشترين وهم الأكثر لأن الرابحين القلة. راجع كتاب (الميسر والقمار) ص ١٦٨ – ١٦٩.\rولا شك أن هذا الأسلوب يدخل في الميسر المحرم (القمار) يقول الله ﷾: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346247,"book_id":3840,"shamela_page_id":627,"part":"12","page_num":121,"sequence_num":627,"body":"١٢١ - القروض\r، تقضى الديون بأمثالها لا بقيمتها، يقول السائل: إنه اشترى سيارة بمبلغ تسعين ألف شيكل ودفع بعض ثمنها للبائع واتفقا على أن يسدد الباقي بعد شهر ثم هبطت قيمة الشيكل ويطالبه البائع الآن بتسديد الثمن حسب سعر صرف الشيكل بالنسبة للدينار في يوم الشراء فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: لا يجوز للبائع أن يطالب بتسديد ثمن السيارة حسب سعر صرف الشيكل بالنسبة للدينار في يوم شراء السيارة لأن الدين قد استقر في ذمة المشتري وهو تسعون ألف شيكل فعلى المشتري أن يسدد الثمن الذي استقر في ذمته عدداً لا قيمةً أي تسعون ألف شيكل فقط.\rوهذا مذهب أكثر الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وكثير من الفقهاء والعلماء المعاصرين حيث إنهم يرون أن الدين إذا استقر في ذمة المشتري بمقدار محدد فالواجب هو تسديد ذلك المقدار بدون زيادة أو نقصان فالديون تقضى بأمثالها في حالة الرخص والغلاء ولا تقضى بقيمتها جاء في المدونة: [كل شيء أعطيته إلى أجل فرد إليك مثله وزيادة فهو ربا] المدونة ٤/٢٥.\rوقال أبو إسحاق الشيرازي: [ويجب على المستقرض رد المثل فيما له مثل لأن مقتضى القرض رد المثل] المهذب مع المجموع ١٢/١٨٥.\rوقال الكاساني: [ولو لم تكسد - النقود - ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع وعلى المشتري أن ينقد مثلها عدداً ولا يلتفت إلى القيمة هاهنا] بدائع الصنائع ٥/٥٤٢.\rوقال الشيخ ابن عابدين في رسالته عن النقود: [...لأن الإمام الإسبيجاني في شرح الطحاوي قال: وأجمعوا على أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد] رسالة تنبيه الرقود على مسائل النقود ٢/٦٠ ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين.\rويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً وجوب رد المثل بلا زيادة. مجموع الفتاوى ٢٩/٥٣٥.\rوقد بحث مجمع الفقه الإسلامي هذه المسألة بحثاً مستفيضاً وتوصل العلماء المشاركون في المجمع إلى القرار التالي: [العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضى بأمثالها فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥\rج ٣/٢٢٦١.\rوقد يقول بعض الناس إن رد المثل في القرض والديون فيه ضررٌ للمقرض والبائع فنقول لهم: إن الضرر لا يزال بضرر مثله كما قرر ذلك الفقهاء.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346248,"book_id":3840,"shamela_page_id":628,"part":"12","page_num":122,"sequence_num":628,"body":"١٢٢ - القروض\rيقول السائل: توفي والدي وعليه ديون كثيرة ولم يترك مالاً لسداد الديون فهل أولاده ملزمون بسداد الديون عنه؟\r\rالجواب: إذا مات المسلم وعليه ديون وكان له أموال فأول عمل يقوم به ورثته هو تجهيزه وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ومن ثم تسديد ديونه وبعد ذلك إنفاذ وصيته إن كان قد أوصى وبعد ذلك يوزع باقي المال على الورثة ,\rوأما إذا لم يكن له أموال وقد ترك ديوناً فيندب للورثة أن يسددوا ديونه عنه وهذا من باب البر والوفاء للميت وخاصة إذا كان الميت هو أحد الوالدين وليس ذلك واجباً على الورثة ولكنه مندوب إليه.\rفقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن. ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الإمام النووي.\rقال الشيخ الشوكاني معلقاً على هذا الحديث: [فيه الحث للورثة على قضاء دين الميت والإخبار لهم بأن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه وهذا مقيد بمن له مال يقضى منه دينه. وأما من لا مال له ومات عازماً على القضاء فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه ...] نيل الأوطار ٤/٢٦.\rوقد ورد في أحاديث أخرى أن نفس المؤمن معلقة بدينه فمن ذلك:\rعن سعد بن الأطول ﵁: (أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالاً. قال: فأردت أن أنفقها على عياله. قال: فقال النبي ﷺ: إن أخاك محبوس بدينه فاذهب فاقضه عنه. فذهبت فقضيت عنه ثم جئت. قلت يا رسول الله: قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليست لها بينة. قال: أعطها فإنها محقة) وفي رواية أخرى: (صادقة) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي وصححه الشيخ الألباني. انظر أحكام الجنائز ص ١٥.\rوعن سمرة بن جندب ﵁: (أن النبي ﷺ صلَّى على جنازة فلما انصرف قال: أههنا من آل فلان أحد؟ فسكت القوم وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا فقال ذلك مراراً. فقال رجل: هو ذا. قال: فقام رجل يجر إزاره من مؤخر الناس. فقال له النبي ﷺ: ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟ أما أنّي لم أنوه باسمك إلا لخير: إن فلاناً – رجل منهم – مأسور بدينه عن الجنة فإن شئتم فافدوه وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله. فلو رأيت أهله ومن يتحرون أمره قاموا فقضوا عنه حتى ما أحد يطلبه بشيء) رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الشيخ الألباني، أحكام الجنائز ص ١٥.\rوينبغي أن يعلم أن أمر الدين عظيم ولا ينبغي أن يدّان الإنسان إلا إذا احتاج للمال فعلاً وعليه أن ينوي سداد الديون حتى لو لم يكن لديه ما يقضي دينه فإن مات بهذه النية فإن الله يسدد عنه كما ورد في أحاديث سأذكر بعضها فيما بعد.\rوالدين قد يكون سبباً في حبس المؤمن والشهيد عن الجنة لما ثبت في الحديث أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: (أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر يكفر الله عني خطاياي؟ فقال النبي ﷺ: نعم. فلمّا أدبر ناداه رسول الله ﷺ أو أمر به فنودي. فقال رسول الله ﷺ: كيف قلت؟ فأعاد عليه قوله. فقال النبي ﷺ: نعم إلا الدين كذلك قال جبريل) رواه مسلم.\rوجاء في حديث آخر عن محمد بن جحش أنه قال: (كنا جلوساً في موضع الجنائز مع رسول الله فرفع رأسه في السماء ثم وضع راحته على جبهته فقال: سبحان الله ماذا أنزل الله من التشديد؟ فسكتنا وفرقنا. فلما كان الغد سألته: يا رسول الله ما هذا التشديد الذي نزل؟ قال: في الدين والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه) رواه النسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\rوعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أخذ أموال الناس يريد أدائها أدى الله عنه ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري.\rفالمسلم إذا استدان لحاجة حقيقية وكان ينوي أداء الدين لأصحابه فإن الله ييسر أمر قضاء الدين فقد ورد في الحديث عن ميمونة زوج النبي ﷺ أنه قال: (ما من مسلم يدّان ديناً يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا) رواه ابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\rوعن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (من دان بدين في نفسه وفاءه ومات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء ومن دان بدين وليس في نفسه وفاءه ومات اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة) رواه الطبراني.\rوعن ابن عمر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (الدين دينان فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليه ومن مات ولا ينوي قضاءه فذلك الذي يؤخذ من حسناته ليس يومئذ دينار ولا درهم) رواه الطبراني في الكبير وصححه الشيخ الألباني.\rأحاكم الجنائز ص ٥.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346249,"book_id":3840,"shamela_page_id":629,"part":"12","page_num":123,"sequence_num":629,"body":"١٢٣ - الربا\rيقول السائل: كثير من الناس لا يفرق بين نسبة الربح التي تتقاضاها البنوك الإسلامية ونسبة الفائدة التي تأخذها البنوك الربوية فأرجو بيان الفرق بينهما؟\r\rالفرق بين الربح والربا\r\rالجواب: إن أسس عمل البنوك الإسلامية لا زالت غير واضحة عند كثير من الناس والأمر بحاجة ماسة إلى مزيد من الشرح والتوضيح والبيان والتوعية وللأسف أن البنوك الإسلامية مقصرة في شرح فكرتها للناس فواجب البنوك الإسلامية أن تبادر إلى مخاطبة جمهور الناس ببيان قواعد العمل في البنوك الإسلامية ويمكن أن يتم ذلك بوسائل كثيرة كعقد الندوات والمحاضرات وإصدار النشرات وهذا الأمر كفيل بزيادة تفهم الناس لطبيعة عمل البنوك الإسلامية.\rومن القضايا المشكلة في أذهان كثير من الناس ما ورد في السؤال وهو عدم التفريق بين الربح والفائدة \" الربا \".\rفيقول هؤلاء إنه لا فرق بين ما يتم التعامل به في البنوك الإسلامية وبين ما يتم التعامل به في البنوك الربوية فيقول أحدهم مثلاً: إنه ذهب لشراء سيارة إلى البنك الإسلامي فأخبروه أن ثمن السيارة مثلاً مئة ألف شيكل وأنهم سيربحون منه ثمانية آلاف شيكل وأنه ذهب إلى بنك ربوي ليحصل على قرض لشراء ذات السيارة فأخبروه أنهم سيقرضونه مئة ألف شيكل بفائدة قدرها ٦. ٥% فهو يرى أنه لا فرق بين المعاملتين بل إن الفائدة في البنك الربوي أقل من الربح في البنك الإسلامي ولذلك قرر أن يختار أقل التكلفتين.\rولتوضيح الفرق بين الصورتين أقول: إن الربح في لغة العرب هو النماء في التجارة والعرب تقول: ربحت تجارته إذا ربح صاحبها فيها ويقولون تجارة رابحة كما ورد في تاج العروس ٤/٤٤.\rوقد وردت الإشارة إلى ذلك في القرآن الكريم حيث قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) سورة البقرة ص ١١٦.\rوقد ذكر الطبري في تفسيره لهذه الآية ما يلي: [... الرابح من التجار المستبدل من سلعته المملوكة عليه بدلا هو أنفس من سلعته أو أفضل من ثمنها الذي يبتاعها به فأما المستبدل من سلعته بدلاً دونها ودون الثمن الذي يبتاعها به فهو الخاسر في تجارته] تفسير الطبري ١/٣١٥-٣١٦.\rفالربح هو الزيادة على رأس المال نتيجة تقليبه في النشاط التجاري أو هو الزائد على رأس المال نتيجة تقليبه في الأنشطة الاستثمارية المشروعة كالتجارة والصناعة وغيرها. انظر الربح في الفقه الإسلامي ص ٤٤.\rوالربح عند الفقهاء ينتج من تفاعل عنصري الإنتاج الرئيسيين وهما العمل ورأس المال فالعمل له دور كبير في تحصيل الربح. المصدر السابق ص ٤٤-٤٥.\rقال د. سامي حمود: [والخلاصة أن الربح في النظر الفقهي الإسلامي هو نوع من نماء المال الناتج عن استخدام هذا المال في نشاط استثماري وأن هذا النشاط الاستثماري ملحوظ فيه عنصر تقليب راس المال من حال إلى حال كما هو الحال عند الاتجار بالمال حيث تصبح النقود عروضاً ثم تعود نقوداً أكثر بالربح أو أقل بالخسارة إذا حصلت خسارة بالفعل.\rوإن هذا التقليب المعتبر للمال والذي يحصل الربح نتيجة له ما هو إلا إظهار للجهد البشري المرتبط بعمل الإنسان في المال. وذلك لأن هذا المال الجامد لا يزيد، ولولا مخالطة العمل للمال لبقي الدينار فيه ديناراً عاماً بعد عام ولكن هذا الدينار يمكن أن يصبح دنانيراً إذا أمسكته يد الإنسان الخبير بالبيع والشراء وسائر وجوه التقليب المعتبرة فالمال الجامد لا ينمو إلا بالعمل فيه حيث إن النقود لا تلد النقود.\rولذا فإن الإسلام في نظرته لرأس المال - كما تجلت قواعده الفقهية - لم يقرر للنقود حقاً في الحصول على أي ربح إلا إذا كان ذلك على وجه المشاركة للعمل في السراء والضراء، وفي هذا دليل ملموس على مدى اعتبار هذا العنصر المعنوي المتمثل في جهد الإنسان الذي كرمه الله تكريماً لم يقدره هذا المخلوق الجزوع والذي لا يتوانى عن الخضوع ذليلاً لكل ما يشرعه أهل الأرض بينما لا يخجل من نفسه أن يتطاول - وإذا نظر للمسائل دون إيمان - على ما شرع الله لعباده بالعدل والإحسان] تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية ص ٢٥٤.\rوأما الفائدة فهي زيادة مستحقة للدائن على مبلغ الدين يدفعها المدين مقابل احتباس الدين إلى تمام الوفاء] الفائدة والربا ص ١٦.\rإذا تأملنا تعريف الفائدة فنجد أنها زيادة في مبادلة مال بمال لأجل أي أن الفائدة هي مقابل المدة الزمنية.\rفمثلاً إذا اقترض شخص ألف دينار من البنك الربوي على أن يردها ألفاً ومئة دينار فالمئة دينار هي الفائدة وهذه استحقت مقابل تأجيل السداد لمدة سنة، ولتوضيح الفرق بين الربح والفائدة \" الربا \" لا بد أن نلاحظ أن الربح ناتج عن اجتماع العمل مع رأس المال فالتاجر يشتري ويبيع فيتولد من عمله ورأس ماله ربح وأما الفائدة فهي متولدة من رأس المال فقط بلا عمل أي أن المال هو الذي يولد المال.\rوقد يقول قائل إن كلاً من الربح والفائدة يحملان معنى الزيادة في المال وهذا الكلام صحيح ولكن الزيادة في الربح مرتبطة بالتصرف الذي يتحول به المال من حال إلى حال، وأما الزيادة في الفائدة فهي حاصلة بشكل يزداد فيه المال نفسه أي أن الألف دينار صارت ألفاً ومئة.\rوينبغي التنبيه إلى ما يقال من أن نتيجة الأعمال التي تقوم بها البنوك الإسلامية هي نفس نتيجة الأعمال التي تقوم بها البنوك الربوية فلوا افترضنا أن شخصاً اشترى سلعة من بنك إسلامي وكان ثمنها أحد عشر ألف دينار وشخص آخر اقترض عشرة آلاف دينار بفائدة قدرها ١٠% لشراء ذات السلعة فإن النتيجة في الحالتين واحدة وأقول إن العبرة ليست بالنتيجة وإنما بالطريق الموصل إلى تلك النتيجة.\rفلو افترضنا أن شخصين كل منهما عنده ألف دينار فقام الأول بشراء كمية من الأرز بالألف التي يملكها ثم باع الأرز بألف ومئة دينار فإن هذا الشخص يكون قد زاد رأس ماله مئة دينار وتسمى هذه الزيادة ربحاً.\rوإذا قام الشخص الثاني بإقراض الألف التي يملكها لآخر على أن يردها ألفاً ومئة فإنه يكون قد زاد رأس ماله مئة دينار وهذه الزيادة تمسى ربا وفائدة.\rفنلاحظ أن كلاً منهما زاد رأس ماله مئة دينار فالنتيجة في الحالتين واحدة ولكن الزيادة الأولى حلال والزيادة الثانية حرام. فليست العبرة بالنتيجة وإنما العبرة بالطريق الموصل إليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346250,"book_id":3840,"shamela_page_id":630,"part":"12","page_num":124,"sequence_num":630,"body":"١٢٤ - حكم التعامل في الأسواق المالية (البورصة)\rيقول السائل: ما حكم عمليات البيع والشراء التي تتم في سوق الأوراق المالية (البورصة) ؟\r\rالجواب: سوق الأوراق المالية المسماة بالبورصة تعني المكان الذي يلتقي فيه المصرفيون وسماسرة الأوراق المالية والتجار لإجراء الصفقات التجارية في الأسهم والسندات وحصص التأسيس.\rوسوق الأوراق المالية أمر حديث نسبياً في العالم الإسلامي حيث إنه من نتاج الحضارة الرأسمالية وليس معنى ذلك أنه مرفوض شرعاً وإنما لا بد من وضع ضوابط شرعية معينة حتى يصح التعامل في الأسواق المالية، وقد وضع العلماء المعاصرون هذه القيود والضوابط للحالات التي يجوز التعامل بها في السوق المالي.\rوينبغي أولاً التذكير بأن الأصل في باب المعاملات في الشريعة الإسلامية هو الإباحة وبناءً على ذلك لا يجوز منع أي معاملة إلا بنص صريح من الشارع الحكيم أو قياس صحيح عليه.\rويدل على ذلك قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) سورة المائدة الآية ١.\rفالآية الكريمة أوجبت الوفاء بالعقود من غير تعيين قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دل الكتاب والسنة على شره إذ الدين ما شرعه الله والحرام ما حرمه الله بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دين الله ما لم يحرمه الله وأشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته والحرام ما حرمته والدين ما شرعته] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٨/٣٨٦.\rويقول العلامة الشيخ يوسف القرضاوي: [إن الأصل في المعاملات والعقود الإذن والإباحة إلا ما جاء نص صحيح الثبوت صريح الدلالة يمنعه ويحرمه فيوقف عنده ... وهذا بخلاف العبادات التي تقرر: أن الأصل فيها المنع حتى يجيء نص من الشارع لئلا يشرع الناس في الدين ما لم يأذن به الله فإذا كان الأساس الأول للدين ألا يعبد إلا الله فإن الأساس الثاني ألا يعبد الله إلا بما شرع.\rوهذه التفرقة أساسية ومهمة فلا يجوز أن يقال لعالم: أين الدليل على إباحة هذا العقد أو هذه المعاملة؟ إذ الدليل ليس على المبيح لأنه جاء على الأصل وإنما الدليل على المُحّرّم، والدليل المحرم يجب أن يكون نصاً لا شبهة فيه كما هو اتجاه السلف الذين نقل عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم ما كانوا يطلقون الحرام إلا على ما علم تحريمه جزماً] بيع المرابحة للقرضاوي ص ١٣.\rكما وأن الأصل في البيع الحل لعموم قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) سورة البقرة الآية ٢٧٥.\rإذا تقرر هذا فأعود إلى بيان حكم التعامل بالأسواق المالية (البورصة) فأقول: تتعامل البورصة بالأسهم والسندات بشكل عام، فأما الأسهم فهي عبارة عن حصص الشركاء في الشركات المساهمة حيث إن رأسمال الشركة المساهمة يقسم إلى أجزاء متساوية يطلق على كل منها سهماً فالسهم هو جزء من رأس مال الشركة وهو يمثل حق المساهم مقدراً بالنقود لتحديد نصيبه في ربح الشركة أو خسارتها وكذلك تحديد مسؤولية المساهم في الشركة.\rوالأصل في الشركة المساهمة الجواز إذا كانت خالية من الربا والتعامل المحرم فالمساهمون فيها يتحقق فيهم معنى الشركاء حيث إنهم يقدمون أسهمهم حصصاً في رأس المال فيشتركون في رأس المال ويقتسمون الأرباح والخسائر فيكونون شركاء بمجرد توقيع عقد الاكتتاب في الشركة فيعتبر ذلك إيجاباً وقبولاً لأن الإيجاب والقبول لا يشترط فيهما التلفظ بل يصحان بالكتابة وهؤلاء الشركاء يوكلون مجلس إدارة الشركة بالقيام بالعمل وهو توكيل صحيح. والقول بمنع شركة المساهمة قول ضعيف لا دليل يؤيده. انظر شركة المساهمة ص ٣٠٣ فما بعدها.\rوأما السندات فهي عبارة عن قروض طويلة الأجل تتعهد الشركة المقترضة بموجبها أن تسدد قيمتها في تواريخ محددة مع فائدة متفق عليها. المعاملات المالية المعاصرة ص ١٧٦.\rوالصحيح من أقوال أهل العلم جواز التعامل بالأسهم ضمن ضوابط معينة وحرمة التعامل بالسندات لأنها قروض ربوية.\rوأما ضوابط التعامل بالأسهم فهي:\rأولاً: أن تكون الأسهم صادرة من شركات ذات أغراض مشروعة بأن يكون موضوع نشاطها حلالاً مباحاً مثل الشركات الإنتاجية للسلع والخدمات كشركة الكهرباء وشركة الأدوية وغير ذلك، أما إذا كان موضوع نشاطها محرماً كشركات إنتاج الخمور أو شركات إنشاء البنوك الربوية فلا يجوز امتلاك شيء من أسهمها وتداوله بين المسلمين كما تحرم أرباحها لأن شراء الأسهم من تلك الشركة من باب المشاركة في الإثم والعدوان ...\rثانياً: أن تكون الأسهم صادرة عن شركة معروفة ومعلومة لدى الناس بحيث تتضح سلامة تعاملها ونزاهته لذا لا يجوز التعامل بأسهم سلة شركات مساهمة كما هو في الغرب دون أن يعرف المشتري للأسهم حقيقة تلك الشركات فمن الأساليب الجديدة في الاستثمار استثمار في سلة مشتركة لشركات مساهمة أمريكية (Mutual Fund) وكل سلة لها مدير مشرف عليها ويديرها حسب تعليمات ودراسات تجريها شركة: \" مريل لينش الاستثمارية \" فالأسهم التي يشتريها المستثمر في السلة المشتركة عرضة للربح والخسارة ففي عام ١٩٩٥ حققت سلة \" ميرل ليتس بيسك فاليو \" أرباحاً بنسبة ١٨% في ستة أشهر في حين أنها في عام ١٩٩٠ خسرت بنسبة ١٣%.\rفبالرغم من أن الاستثمار في هذه السلة عرضة للربح والخسارة إلا أن هذا الأسلوب من الاستثمار لا يجوز لأمرين:\rالأول: عدم معرفة ماهية تلك الشركات التي تتضمنها تلك السلة فهي لا تخلو من شركات مساهمة ذات أنشطة اقتصادية محرمة كشركات إنتاج الخمور أو شركات البنوك الربوية التي حرم الإسلام التعامل بأسهمها.\rوالثاني: إن هذه السلات تقوم بأنشطة اقتصادية غير مشروعة كبيع دين بدين على حساب الفائدة.\rولذلك ترفض المصارف الإسلامية التعامل مع تلك السلات واستثمار أموالها عن طريقها.\rثالثاً: أن لا يترتب على التعامل بها أي محظور شرعي كالربا والغرر والجهالة وأكل أموال الناس بالباطل فلا يجوز للمسلم قبول أسهم الامتياز التي تعطي له حق الحصول على ربح ثابت سواء أربحت الشركة أم خسرت لأن هذا ربا محرم شرعاً ولا يجوز للمسلم قبول أسهم التمتع التي تعطي صاحبها حق الحصول على الأرباح دون أن يكون شريكاً في المال والعمل لأن هذا أكل لأموال الناس بالباطل. المعاملات المالية المعاصر ص ١٦٩-١٧٣.\rوقد بحث مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمره السابع التعامل مع الأسواق المالية وقرر ما يلي:\r[أولاً: الأسهم: ١. الإسهام في الشركات:\rأ. بما أن الأصل في المعاملات الحل فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مشروعة أمر جائز.\rب. لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم كالتعامل بالربا أو إنتاج المحرمات أو المتاجرة بها.\rج. الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرمات بالربا ونحوه بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة ...\rالتعامل بالأسهم بطرق ربوية:\rأ. لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشتري لقاء رهن السهم لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن وهما من الأعمال المحرمة بالنص على لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه.\rب. لا يجوز أيضاً بيع سهم لا يملكه البائع وإنما يتلقى وعداً من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم لأنه من بيع ما لا يملك البائع ويقوى المنع إذا اشترط إقباض الثمن للسمسار لينتفع به بإيداعه بفائدة للحصول على مقابل الإقراض ...] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد٧ج١ ص ٧١١- ٧١٧.\rوأما التعامل بالسندات فهو محرم كما قلت لأنها قروض ربوية بفوائد محددة وقرر ذلك مجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة حيث جاء في قراره:\r١. إن السندات التي تمثل التزاماً بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة شرعاً من حيث الإصدار أو الشراء أو التداول لأنها قروض ربوية سواء أكانت الجهة المصدرة لها خاصة أم عامة ترتبط بالدولة ولا أثر لتسميتها شهادات أو صكوكاً استثمارية أو ادخارية أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحاً أو ريعاً أو عمولة أو عائداً.\r٢. تحرم أيضاً السندات ذات الكوبون الصفري باعتبارها قروضاً يجري بيعها بأقل من قيمتها الإسمية ويستفيد أصحابها من الفروق باعتبارها حسماً (خصماً) لهذه السندات.\r٣. كما تحرم أيضاً السندات ذات الجوائز باعتبارها قروضاً اشترط فيها نفع أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين أو لبعضهم لا على التعيين فضلاً عن شبهة القمار ...] . مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد٦ ج ٢ ص١٧٢٥ - ١٧٢٦.\rوبناء على كل ما تقدم فإنه لا يجوز شرعاً تداول أسهم البنوك الربوية وشركات التأمين وكل شركة تتعامل بالمحرمات كشركات إنتاج الخمور ونحوها كما لا يجوز إجراء عمليات البيع الآجلة لأن هذا النوع من العمليات لا يتم فيه تسليم المعقود عليه لا الثمن ولا المثمن بل يشترط تأجيلها فهذه العملية لا تجوز لأن شرط صحة العقود أن يتم تسليم العوضين أو أحدهما ولا يجوز تأجيل الاثنين حيث إنها تدخل في معنى بيع الكالئ بالكالئ فهذه العمليات تدخل في القمار الممنوع لأن البائع يضارب على هبوط السعر في اليوم المحدد والمشتري يضارب على صعوده ومن يصدق توقعه يكسب الفرق. الأسواق المالية ص ٣٢٧.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346251,"book_id":3840,"shamela_page_id":631,"part":"12","page_num":125,"sequence_num":631,"body":"١٢٥ - القروض\rالخصم من الدين إذا عجل السداد, يقول السائل: إنه اشترى بضاعة بالتقسيط لمدة أربعة وعشرين شهراً وبعد مضي سبعة أشهر توفر له ثمن البضاعة فطلب من البائع أن يحط عنه من الثمن على أن يسدده فوراً فقيل له إن هذا من الربا فلا يجوز، فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: مضمون هذا السؤال يسمى عند الفقهاء مسألة \" ضع وتعجل \" وهي مسألة خلافية بينهم فذهب جمهور أهل العلم إلى منعها وقال آخرون بالجواز وهو منقول عن ابن عباس ﵄ وبه قال إبراهيم النخعي وابن سيرين وأبو ثور وهو راوية عن الإمام أحمد ومنقول عن الإمام الشافعي وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن عابدين الحنفي وقال به جماعة من العلماء المعاصرين كما سيأتي.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا كان عليه دين مؤجل فقال لغريمه: ضع عني بعضه وأعجل لك بقيته لم يجز كرهه زيد بن ثابت وابن عمر والمقداد وسعيد بن المسيب وسالم والحسن وحماد والحكم والشافعي ومالك والثوري وهشيم وابن علية وإسحاق وأبو حنيفة وقال المقداد لرجلين فعلا ذلك كلاكما قد آذن بحرب من الله ورسوله وروي عن ابن عباس: أنه لم ير به بأساً وروي ذلك عن النخعي وأبي ثور لأنه آخذ لبعض حقه تارك لبعضه فجاز كما لو كان الدين حالَّاً] المغني ٤/٣٩.\rوقال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر القول بمنع \" ضع وتعجل \" قال: [والقول الثاني أنه يجوز وهو قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد حكاها ابن أبي موسى وغيره واختاره شيخنا] أي شيخ الإسلام ابن تيمية. إعلام الموقعين ٣/٣٥٩.\rوقد احتج هذا الفريق من أهل العلم بما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (لمَّا أراد رسول الله ﷺ أن يخرج بني النضير قالوا: يا رسول الله إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال ﷺ: ضعوا وتعجلوا) رواه الحاكم وقال هذا حديث صحيح الإسناد. المستدرك ٢/٣٦٢.\rوأخرجه الطبراني في الكبير وفيه مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف وقد وثق كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/١٣٠، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٦/٢٨، وقال إنه ضعيف لضعف مسلم بن خالد الزنجي.\rوروى البيهقي بإسناده: [أن ابن عباس كان لا يرى بأساً أن يقول أعجل لك وتضع عني] سنن البيهقي ٦/٢٨.\rوتضعيف مسلم بن خالد الزنجي غير مسلَّم قال الذهبي عنه: [الإمام فقيه مكة] ثم ذكر اختلاف العلماء في توثيقه وتجريحه فقال: [قال يحيى بن معين ليس به بأس، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال اب عدي: حسن الحديث أرجو أنه لا بأس به، وقال\rأبو داود: ضعيف. قلت - أي الذهبي -: بعض النقاد يرقي حديث مسلم إلى درجة الحسن] سير أعلام النبلاء ٨/١٧٦-١٧٧.\rوسبق كلام الهيثمي أن مسلم بن خالد الزنجي قد وثق وهو شيخ الإمام الشافعي وقد روى عنه الإمام الشافعي واحتج به!\rقال ابن القيم بعد أن ساق الحديث: [قلت هو على شرط السنن وقد ضعفه البيهقي وإسناده ثقات وإنما ضعف بمسلم بن خالد الزنجي وهو ثقة فقيه روى عنه الشافعي واحتج به] إغاثة اللهفان ٢/١٣.\rوبهذا يظهر لنا أن الحديث صالح للاحتجاج به.\rوقال هذا الفريق من أهل العلم إن مسألة ضع وتعجل تعتبر من قبيل الصلح وليس فيه مخالفة لقواعد الشرع وأصوله بل حكمة الشرع ومصالح المكلفين تقتضي أن المدين والدائن قد اتفقا وتراضيا على أن يتنازل الأول عن الأجل والدائن عن بعض حقه فهو من قبيل الصلح والصلح جائزٌ بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً وحرم حلالاً. الربا والمعاملات المصرفية ص ٢٣٧.\rوأجاب العلامة ابن القيم عن دعوى أن مسألة ضع وتعجل من باب الربا بقوله: [لأن هذا عكس الربا فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل فانتفع به كل واحد منهما ولم يكن هنا ربا لا حقيقةً ولا لغةً ولا عرفاً فإن الربا الزيادة وهي منتفية ههنا والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: إما أن تربي وإما أن تقضي، وبين قوله: عجل لي وأهب لك مائة. فأين أحدهما من الآخر؟ فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح] إعلام الموقعين ٣/٣٥٩.\rوقال ابن القيم أيضاً: [قالوا: وهذا ضد الربا فإن ذلك يتضمن الزيادة في الأجل والدين وذلك إضرار محض بالغريم ومسألتنا تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين وانتفاع صاحبه بما يتعجله فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر بخلاف الربا المجمع عليه فإن ضرره لاحق بالمدين ونفعه مختص برب الدين فهذا من الربا صورة ومعنى] إغاثة اللهفان ٢/١٣.\rوقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي مسألة ضع وتعجل عند بحثه لبيع التقسيط فقد جاء في قرار المجمع ما يلي: [الحطيطة من الدين المؤجل لأجل تعجيله سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين \" ضع وتعجل \" جائزة شرعاً لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناءً على اتفاق مسبق وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية فإذا دخل طرف ثالث لم تجز لأنها تأخذ عندئذ حكم حسم الأوراق التجارية] مجلة مجمع الفقه الإسلامي ٧/٢/٢١٨.\rكما وأجازت هذه المسألة عدد من الهيئات العلمية الشرعية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346252,"book_id":3840,"shamela_page_id":632,"part":"12","page_num":126,"sequence_num":632,"body":"١٢٦ - الشيكات\rيقول السائل: إن معه شيك مؤجل الدفع بقيمة ٦٨٠ ديناراً وأنه اشترى بضاعة من تاجر قيمتها ٦٠٠ دينار وأعطاه الشيك المؤجل وطلب من التاجر أن يدفع له ما بقي من قيمة الشيك أي ٨٠ ديناراً فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: لا مانع شرعاً من ذلك حيث إن التاجر أعطاك الثمانين ديناراً على أنها قرض حسن واستوثق لنفسه بأخذ الشيك حيث إن الشيك وثيقة بالدين في هذه الحالة فهذه المعاملة جائزة إن شاء الله.\rوأما المحظور الذي يقع فيه كثير ممن يتعاملون بالشيكات الآجلة أنهم يعطونها للتجار أو للصرافين ويأخذون أقل من المبلغ المرقوم فيها فهذا نوع من الربا حيث إن الشخص في هذه الحالة يكون قد اقترض مبلغاً من المال على أن يسدد أكثر منه. فإذا كان المبلغ المرقوم في الشيك ألف دينار مثلاً فإن التاجر أو الصراف يعطيه ٩٥٠ ديناراً. وهذا ما تفعله البنوك الربوية في الإقراض حيث إنها عندما تقرض تخصم الربا (الفائدة) سلفاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346253,"book_id":3840,"shamela_page_id":633,"part":"12","page_num":127,"sequence_num":633,"body":"١٢٧ - الشيكات\rالتعامل بالشيكات الآجلة, يقول السائل: ما قولكم في تاجر يبيع البضائع لزبائنه بشيكات مؤجلة من شهر إلى ستة أشهر ثم يقوم هذا التاجر ببيع الشيكات لأحد البنوك بأقل من قيمتها الحقيقية؟\r\rالجواب: لا يجوز شرعاً بيع الشيكات الآجلة بأقل من قيمتها الحقيقية ويعتبر ذلك من الربا المحرم حيث إن هذه العملية عند التدقيق فيها يتبين لنا أن التاجر الذي أخذ الشيكات الآجلة من زبائنه وتساوي قيمتها مثلاً مئة ألف دينار يبيعها إلى البنك بسبعة وتسعين ألف دينار فكأن البنك أقرض التاجر سبعة وتسعين ألف دينار الآن وسوف يستوفيها مئة ألف دينار عندما يقوم الزبائن بدفع قيمة هذه الشيكات فهذا هو الربا المحرم بعينه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346254,"book_id":3840,"shamela_page_id":634,"part":"12","page_num":128,"sequence_num":634,"body":"١٢٨ - المضاربة\rيقول السائل: اتفق عدد من الأشخاص على أن يدفعوا مبلغاً من المال لشخص على أن يتاجر لهم بأنواع معينة من البضائع ولكن هذا الشخص أدخل في التجارة أنواعاً أخرى من البضائع ويتاجر بها لنفسه فما حكم تصرفه؟\r\rالجواب: هذا الاتفاق يعتبر عقد مضاربة عند الفقهاء ويسميه بعض العلماء عقد قراض أيضاً، والمضاربة مشروعة عند أهل العلم وإن لم يرد نص صحيح صريح من الكتاب والسنة في خصوصها قال الشيخ ابن حزم: [كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل في القرآن والسنة حاشا القراض فما وجدنا له أصلاً فيهما البتة ولكنه إجماع صحيح مجرد] نيل الأوطار ٥/٣٠١.\rوقال ابن المنذر: [وأجمعوا على أن القراض بالدنانير والدراهم جائز] الإجماع ص ٥٨.\rوقد استدل العلماء على جواز المضاربة بأدلة عامة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واحتجوا ببعض الأحاديث والآثار في ذلك كما سأبين.\rقال الماوردي: [والأصل في إحلال القراض وإباحته عموم قول الله ﷿: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) سورة البقرة الآية ١٩٨، وفي القراض ابتغاء فضل وطلب نماء] الحاوي الكبير ٧/٣٠٥.\rوجاء عن حكيم بن حزام صاحب رسول الله ﷺ: (أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضة يضرب له به أن لا تجعل مالي في كبد رطبة ولا تحمله في بحر ولا تنزل به بطن مسيل فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي) رواه البيهقي والدارقطني وقوى الحافظ إسناده كما ذكر الشوكاني في نيل الأوطار ٥/٣٠٠.\rوروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: (خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة فرحب بهما وسهّل ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون الربح لكما فقالا: وددنا ذلك ففعل وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهم المال فلما قدما باعا فأربحا فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما أديا المال وربحه فأما عبد الله فسكت وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه فقال عمر: أدياه فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله فقال رجل م جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً فقال عمر: قد جعلته قراضاً فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال) ورواه الدارقطني أيضاً، قال الحافظ ابن حجر وإسناده صحيح، نيل الأوطار ٥/٣٠٠ وانظر الاستذكار ٢١/١٢٠.\rوقد وردت آثار أخرى عن الصحابة كعلي وابن مسعود وابن عباس وجابر وغيرهم ﵃ أجمعين، قال الشوكاني: [فهذه الآثار تدل على أن المضاربة كان الصحابة يتعاملون بها من غير نكير إجماعاً منهم على الجواز] نيل الأوطار ٥/٣٠٠-٣٠١.\rإذا ثبتت مشروعية المضاربة فنعود إلى ما ورد في السؤال فأقول:\rإذا كانت المضاربة مطلقة أي غير مقيدة بشرط يمنع المضارب من خلط ماله مع مال المضاربة فلا بأس بذلك فالمضارب في السؤال طلب منه أن يتاجر في أنواع معينة من البضائع لشركائه فأضاف هو أنواعاً أخرى لنفسه فلا بأس بذلك وعمله صحيح بشرط أن يميز ماله من مال شركائه وبشرط أن لا يعطل مال شركائه فلا يعطيه الجهد المطلوب.\rفإذا كان المضارب يستطيع العمل في المالين فله أن يخلط ماله بمال المضاربة، قال الحطاب من المالكية: [وللعامل أن يخلط القراض بماله إذا كان قادراً على التجر بهما وإن كان لا يقدر على التجر بأكثر من مال القراض لم يكن ذلك له] شرح الحطاب على مختصر خليل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346255,"book_id":3840,"shamela_page_id":635,"part":"12","page_num":129,"sequence_num":635,"body":"١٢٩ - المضاربة\rالمضارب يضارب في مالين, يقول السائل: إن المضارب في السؤال الأول بعد أن اتفق مع الشركاء ليضارب لهم بأموالهم في أنواع معينة من البضائع اتفق مع أشخاص آخرين ليتاجر لهم بنفس نوعية البضائع في المضاربة الأولى فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: إن هذا العامل ضارب في رأس مالين أخذهما من جهتين ومحل المضاربة نفس نوعية البضاعة وهذا العمل قد يلحق ضرراً بصاحب المال الأول ولا يجوز له أن يضارب للثاني إذا كان يلحق ضرراً بالأول قال الخرقي من الحنابلة: [وإذا ضارب لرجل لم يجز أن يضارب لآخرين إذا كان فيه ضرر على الأول] وقال الشيخ ابن قدامة موضحاً كلام الخرقي: [وجملة ذلك: أنه إذا أخذ من انسان مضاربة ثم أراد أخذ مضاربة أخرى من آخر فأذن له الأول جاز وإن لم يأذن له ولم يكن عليه ضرر جاز أيضاً بغير خلاف، وإن كان فيه ضرر على رب المال الأول ولم يأذن مثل أن يكون المال الثاني كثيراً يحتاج إلى أن يقطع زمانه ويشغله عن التجارة في الأول ويكون المال الأول كثيراً متى اشتغل عنه بغيره انقطع عن بعض تصرفاته لم يجز له ذلك،] المغني ٥/٣٧.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346256,"book_id":3840,"shamela_page_id":636,"part":"12","page_num":130,"sequence_num":636,"body":"١٣٠ - المضاربة\rهل للمضارب أن يعطي مال المضاربة لغيره مضاربة؟\r\rالجواب: الأصل أن المضارب عليه أن يتولى العمل بنفسه لأن صاحب المال ما أعطى ماله للمضارب إلا لحصول الثقة به وبخبرته في العمل فلا يجوز له أن يعطي مال المضاربة لغيره إلا أن يأذن له صاحب المال فإن أذن له في ذلك جاز وهذا مذهب جمهور الفقهاء.\rقال الشيخ المرداوي: [ليس للمضارب دفع مال المضاربة لآخر من غير إذن رب المال على الصحيح] الإنصاف ٢/٤٣٨.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346257,"book_id":3840,"shamela_page_id":637,"part":"12","page_num":131,"sequence_num":637,"body":"١٣١ - المضاربة\rهل يضمن المضارب مال المضاربة؟\r\rالجواب: المضاربة شركة تقوم على العمل من العامل والمال من صاحب المال ومن المعلوم أن الربح يكون بينهما بحسب ما يتفقان عليه والخسارة تكون على صاحب المال والعامل يخسر جهده وعمله ولا يجوز أن يضمن العامل رأس المال إلا إذا قصر أو تعدى وأما بدون حصول تقصير أو تعدٍ فهو غير ضامن لأن المضاربة مبنية على الأمانة والوكالة والمضارب فيها وكيل عن صاحب المال ويكون المال أمانة في يده عند قبضه أما إذا تعدى كأن يكون صاحب المال شرط عليه أن يتاجر مثلاً في المواد الغذائية فتاجر في الحيوانات فماتت فهو ضامن، وكذلك فإنه يضمن بالتقصير كأن يسرق مال المضاربة لأن العامل لم يأخذ بالأسباب التي تحافظ عليه وهكذا.\rولا يجوز أن يشترط في عقد المضاربة أن يضمن العامل رأس مال المضاربة.\rوعلى العامل أن يلتزم بالشروط التي يفرضها صاحب المال لأن صاحب المال أدرى بما يحفظ ماله وقد كان الصحابة والتابعون يشترطون ما يرونه مناسباً لحفظ أموالهم كما سبق عن حكيم بن حزام صاحب رسول الله ﷺ: (أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضة يضرب له به أن لا تجعل مالي في كبد رطبة ولا تحمله في بحر ولا تنزل به بطن مسيل فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي) رواه البيهقي والدارقطني وقوى الحافظ إسناده كما سبق.\rوروي عن ابن عباس ﵄ قال: (كان العباس بن عبد المطلب إذا دفع مالاً مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحراً ولا ينزل به وادياً ولا يشتري به ذات كبد رطبة فإن فعل فهو ضامن فرفع شرطه إلى رسول الله ﷺ فأجازه) رواه البيهقي في سننه ٦/١١١ وفيه ضعف.\rوقد جاء في فتاوى هيئة الرقابة الشرعية لبنك دبي الإسلامي ما يلي:\rالسؤال: هناك أموال أيتام يريدون استثمارها في المضاربة الشرعية وقد اشترطت الجهة القائمة على هذه الأموال ضمان هذه الأموال خوفاً عليها من الخسارة فهل يجوز ضمان هذه الأموال عن طريق إصدار خطاب ضمان يضمن فيها أموال اليتامى وهل يمكن اعتبارها إذا صح المخرج عن طريق خطاب الضمان كأمانة ترد كما هي ربحت المضاربة أم خسرت؟\rالجواب: بحثت الهيئة مسألة ضمان أموال الأيتام المستثمرة ورأت أنه لا يجوز شرعاً ضمان المال المستثمر بقصد الربح لأن الاستثمار في الإسلام يقوم على أساس الغرم بالغنم فالضمان المطلوب بهذه الصورة لا أساس له شرعاً وإنما يجب اتخاذ الحيطة والحذر لذلك باختيار المضارب الثقة الأمين المتمسك بدنه مع الأخذ بالأساليب العلمية في الاستثمار من دراسة السوق ودراسة الجدوى الاقتصادية والمتابعة والتقييم لكل الخطوات التنفيذية وغير ذلك مما تتطلبه أساليب الاستثمار السليمة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346258,"book_id":3840,"shamela_page_id":638,"part":"12","page_num":132,"sequence_num":638,"body":"١٣٢ - البيع\rيقول السائل: إنه صاحب محجر، واتفق مع شخص أن يبيعه حجارة للبناء، وأخذ منه مبلغاً من المال كعربون، ثم إن الشخص الآخر اتفق مع صاحب محجر آخر لتوريد الحجر، وجاء يطالبه بالعربون، فهل يحل له أن يأخذ العربون؟\r\rالجواب: إن بيع العربون هو أن يبيع الإنسان الشيء ويأخذ من المشتري مبلغاً من المال يسمى عربوناً لتوثيق الارتباط بينهما على أساس أن المشتري إذا قام بتنفيذ عقده احتسب العربون من الثمن، وإن نكل كان العربون للبائع، المدخل الفقهي ١/٤٩٥.\rوقد اختلف فيه الفقهاء، فجمهور الفقهاء على أنه غير صحيح، لما روي في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (نهى النبي ﷺ عن بيع العربان) رواه أحمد والنسائي وأبو داود ومالك، وهذا الحديث ضعيف.\rقال الحافظ ابن حجر: \" وفيه راوٍ لم يسمَّ، وسمي في رواية لابن ماجة ضعيفه عبد الله بن عامر الأسلمي وقيل هو ابن لهيعة وهما ضعيفان \" التلخيص الحبير٣/١٧، وضعف الحديث الشيخ الألباني في تخريجه للمشكاة ٢/٨٦٦.\rوأجاز الحنابلة بيع العربون وروي القول بصحة بيع العربون عن عمر وابنه عبد الله، وقال به محمد بن سيرين وسعيد بن المسيب، وقد ضعف الإمام أحمد الحديث الوارد في النهي عن بيع العربون، واحتج لصحته بما ورد عن نافع بن عبد الحارث \" أنه اشترى لعمر دارالسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم فإن رضي عمر كان البيع نافذاً وإن لم يرض فلصفوان أربعمئة درهم \"، قال الأثرم: قلت لأحمد: \" تذهب إليه؟ قال: أي شيء أقول؟ هذا عمر ﵁، وضعّف الحديث المروي \" المغني ٤/١٧٦.\rواحتجوا على صحته بما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن زيد ابن أسلم أن رسول الله ﷺ: (سئل عن بيع العربان فأحله) ، ولكنه مرسل وفيه ضعيف كما قال الشوكاني في نيل الأوطار ٥/١٧٣.\rوالقول بصحة بيع العربون هو أرجح القولين في المسألة لما في ذلك من تحقيق مصالح العباد وخاصة أنه لم يثبت النهي عن بيع العربون عن الرسول ﷺ.\rومن المعلوم أن طريقة العربون، هي وثيقة الارتباط العامة في التعامل التجاري في العصور الحديثة، وتعتمدها قوانين التجارة وعرفها، وهي أساس لطريقة التعهد بتعويض ضرر الغير عن التعطل والإنتظار.\rوقد أيد ذلك ابن القيم ﵀ بما رواه البخاري في صحيحه في باب ما يجوز من الاشتراط، عن ابن عون عن ابن سيرين أنه قال: \" قال رجل لكرّيه: أرحل ركابك فان لم أرحل معك في يوم كذا، فلك مئة درهم، فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طاعاً غير مكره فهو عليه \" المدخل الفقهي ١/٤٩٥ -٤٩٦، والكرّي هو المكاري الذي يؤجر الدواب للسفر، وأرحل ركابك، أي شدّ على دوابك رحالها استعداداً للسفر.\rوبناءً على ما تقدم، يجوز أخذ العربون إن تراجع المشتري عن الصفقة.\rوإن كنت أفضل أن يعاد العربون لصاحبه خروجاً من الخلاف ورحمة بالناس.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346259,"book_id":3840,"shamela_page_id":639,"part":"12","page_num":133,"sequence_num":639,"body":"١٣٣ - الربا\rيقول السائل: هل صحيح ما يقال، أنه يجوز التعامل بالربا بين المسلم وغير المسلم فيجوز للمسلم أن يضع أمواله في بنوك غير المسلمين، ويأخذ الربا ولا يكون ذلك حراماً؟\r\rالجواب: إنّ الربا محرم بنصوص صريحة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فمن ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة / ٢٧٥ - ٢٧٩.\rوإنَّ أكثر العلماء على تحريم الربا في جميع الظروف والأحوال فالربا في ديار الإسلام حرام، وكذلك هو حرام في ديار الكفر، والربا بين المسلم والمسلم حرام، وكذلك هو حرام بين المسلم وغير المسلم، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف من الحنفية، والزيدية وأهل الظاهر وغيرهم.\rونقل عن أبي حنيفة أنه يجيز الربا بين المسلم والكافر في دار الحرب فقد ورد عن أبي حنيفة قوله: \" لو أنَّ مسلماً دخل أرض حربٍ بأمان، فباعهم الدرهم بالدرهمين لم يكن بذلك بأس \".\rواستدل من أجاز الربا، بما ورد عن مكحول بن زيد الدمشقي عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب) ، وهذا الحديث ليس بثابت عن الرسول ﷺ، كما قال الإمام الشافعي \" وما احتج به لأبي حنيفة ليس بثابت فلا حجة فيه \" معرفة السنن والآثار ١٣/٢٧٦.\rوقال الإمام الزيلعي عن هذا الحديث: بأنه غريب، أي لا أصل له.\rوقال الإمام النووي عن حديث مكحول، أنه مرسل ضعيف، فلا حجة فيه.\rومذهب الجمهور هو الحق إن شاء الله، فالربا حرام في حق المسلم في كل بلدٍ سواء أكان بلد إسلام أم بلد حرب.\rقال الإمام الشافعي: \" ومما يوافق التنزيل والسنة ويعقله المسلمون، أنَّ الحلال في دار الإسلام حلالٌ في دار الكفر، والحرام في دار الإسلام حرامٌ في دار الكفر فمن أصاب حراماً فقد حدَّه الله على ما شاء منه، ولا تضع بلاد الكفر عنه شيئاً \" الأم ٤/١٦٥.\rوقال الإمام النووي: \" يستوي في تحريم الربا الرجل والمرأة والعبد والمكاتب بالإجماع، ولا فرق بين دار الإسلام ودار الحرب، فما كان حراماً في دار الإسلام كان حراماً في دار الحرب، سواءً جرى بين مسلمين أو مسلم وحربي، سواءً دخلها المسلم بأمان أم بغيره، هذا مذهبنا وبه قال الإمام مالك وأحمد وأبو يوسف والجمهور \" المجموع ٩/٣٩١ - ٣٩٢.\rومما يرد على القائلين بالجواز، أنَّ حديث مكحول ضعيفٌ لا يصلح للاستدلال به، ولو كان مقبولاً، فإنه معارضٌ لإطلاق النصوص من كتاب الله وسنة رسوله الواردة في تحريم الربا.\rقال ابن قدامة: \" ولا يجوز ترك ما ورد تحريمه بالقرآن وتظاهرت به السنة، وانعقد الإجماع على تحريمه بخبر مجهول لم يرد في صحيحٍ ولا مسند ولا كتاب موثوق، وهو مع ذلك مرسلٌ محتمل، ويحتمل أنَّ المراد بقوله (لا ربا) النهي عن الربا كقوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) سورة البقرة /١٩٧ \" المغني ٤/٣٢.\rومما يؤيد القول بالتحريم، قياس الربا على القمار وشرب الخمر بجامع أنّ كل ذلك معصية، فالقمار وشرب الخمر لا يحلان في دار الحرب وكذلك الربا، فما كان حراماً في دار الإسلام فهو حرامٌ في دار الكفر، ولا فرق.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346260,"book_id":3840,"shamela_page_id":640,"part":"12","page_num":134,"sequence_num":640,"body":"١٣٤ - القروض\rيقول السائل: هل يجوز لمن أقرض شخصاً، مبلغ عشرة آلاف شيكل مثلاً أن يتفق مع المقرض على أن يسددها بما يعادلها من الدولارات عندما يحين موعد السداد؟\r\rالجواب: لا يجوز لمن اقترض مبلغاً بعملة معينة أن يتفق مع المقترض على سداد القرض بعملة أخرى، فإذا استدان شخص ألف دينار أردني فإن الواجب عليه سداد ألف دينار أردني فقط، لأنها هي الثابتة في ذمته.\rوكذلك لا يجوز ربط قيمة الدين بالذهب عند الإستدانة ليتم السداد بالذهب يوم السداد لأن اختلاف العملة يفسح مجالاً للتفاضل مع التأجيل، فيصير قرضاً ربوياً كما تدل على ذلك الأحاديث النبوية على أن هذه المبادلة تصير بيعاً ممنوعاً، فالذهب بالفضة لا يجوز بالأجل لأنه يصير حينئذٍ صرفاً مؤجلاً، انظر الجامع في أصول الربا ص ٢٨٣.\rإلا أنه يجوز اتفاق الدائن والمدين في يوم سداد الدين على قضاء الدين بعملة أخرى بسعر صرفها في يوم السداد، فمثلاً استدان شخص من آخر مبلغ ألف دولار، على أن يسددها بعد سنة، ولما حان يوم السداد، اتفق الدائن والمدين على أن يسدد المدين الألف دولار بقيمتها بالدينار الأردني، فيجوز ذلك بشرط أن لا يبقى شيء لأحدهما في ذمة الآخر.\rوهذا مذهب جماعة من أهل العلم، ويدل عليه ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: (كنت أبيع الإبل في البقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، فقال رسول الله ﷺ: لا بأس، إذا أخذتهما بسعر يومهما فافترقتما وليس بينكما شيء) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد وغيرهم، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الشيخ الأرناؤوط: اسناده حسن على شرط مسلم.\rوعن يسار بن نمير قال: \" كان لي على رجل دراهم، فعرض عليّ دنانير، فقلت: لا آخذها حتى أسأل عمر، فسألته فقال: إئت بها الصيارفة فاعرضها فإذا قامت على سعر فإن شئت فخذها، وإن شئت فخذ دراهمك \" ذكره ابن حزم في المحلى.\r((وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي ما يلي بالنسبة إلى هذه المسألة:\rأولاً: الدين الحاصل بعملة معينة لا يجوز الاتفاق على تسجيله في ذمة المدين بما يعادل قيمة تلك العملة من الذهب أو من عملة أخرى على معنى أن يلتزم المدين بأداء الدين بالذهب أو العملة الأخرى المتفق على الأداء بها.\rثانياً: يجوز أن يتفق الدائن والمدين يو السداد لا قبله على أداء الدين بعملة مغايرة لعملة الدين إذا كان ذلك بسعر صرفها يوم السداد، وكذلك يجوز الدين على أقساط بعملة معينة الاتفاق يوم سداد أي قسط على أدائِه كاملاً بعملة مغايرة بسعر صرفها في ذلك اليوم ويشترط في جميع الأحوال أن لا يبقى في ذمة المدين شيء مما تمت عليه المصارفة في الذمة)) .\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346261,"book_id":3840,"shamela_page_id":641,"part":"12","page_num":135,"sequence_num":641,"body":"١٣٥ - يحرم أخذ الأجرة على عسب الفحل\rيقول السائل: ما حكم أخذ صاحب الثور أو التيس أجرة مقابل تلقيح الإناث من البقر أو المعز؟\r\rالجواب: ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل) رواه البخاري.\rقال الزبيدي: \" العسب ضراب الفحل أو العسب ماؤه أي الفحل فرساً كان أو بعيراً.... والعسب إعطاء الكراء على الضراب \" تاج العروس ٢/٢٣١.\rوثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل) ، قال الإمام النووي: \" معناه عن أجرة ضرابه وهو عسب الفحل المذكور في حديث آخر \" شرح النووي على صحيح مسلم ٤/١٧٧.\rوقد أخذ جمهور الفقهاء من هذين الحديثين أنه لا يجوز شرعاً أخذ الأجرة على الفحل للتلقيح، وكذلك اتفق أهل العلم على حرمة بيع عسب الفحل.\rقال الحافظ ابن حجر: \".... وعلى كل تقدير، فبيعه وإجارته حرام لأنه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه \" فتح الباري ٥/٣٦٨.\rوأما إذا لم يكن هناك شرط مسبق على بيع ماء الفحل أو أخذ الأجرة عليه، فأهدى صاحب الإناث لصاحب الفحل شيئاً يكرمه به فلا بأس في ذلك، كما هو مذهب جماعة من أهل العلم، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أنس بن مالك (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن عسب الفحل فنهاه فقال: يا رسول الله، إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص له في الكرامة) رواه الترمذي وقال: حسن غريب، تحفة الأحوذي ٤/٤١٢، وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر صحيح سنن الترمذي ٢/٢٢.\rوقال الإمام البغوي: \" أما إعارة الفحل للإنزاء وإطراقه فلا بأس به، ثم لو أكرمه المستعير بشيء يجوز له قبول كرامته \" شرح السنة ٨/١٣٩.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346262,"book_id":3840,"shamela_page_id":642,"part":"12","page_num":136,"sequence_num":642,"body":"١٣٦ - سماح صاحب الأرض لجاره بالمرور من الأرض لا يعطي الج\rيقول السائل: إنه اشترى أرضاً من آخر بموجب عقد صحيح، وكان البائع يسمح لجار له بالمرور من أرضه التي باعها للمشتري، ولم يذكر في عقد البيع أي شيء عن الطريق، واستمر المشتري بالسماح للجار بالمرور من الأرض مدة من الزمن، ثم ادعى الجار أن له حقاً شرعياً في الطريق بالتقادم، وصاحب الأرض ينفي ذلك، فما قولكم في المسألة؟\r\rالجواب: لا يحق لجار الأرض المذكور أن يطالب بالمرور من أرض جاره، وإن مضى على مروره فيها سنوات طويلة، لأن مالك الأرض أذن له بالمرور تفضلاً وإحساناً أو سكت عن ذلك، ثم إنه لما باع الأرض كاملة بحدودها المعروفة، ولم يبين للمشتري وجود حق للجار في الطريق، وبناءً على ذلك لا يثبت له حق المرور بالتقادم، فلا يعتبر التقادم في الشريعة الإسلامية سبباً صحيحاً من أسباب كسب الحقوق أو إسقاطها ديانة لأنه لا يجوز شرعاً أن يأخذ أحد مال آخر إلا بسبب شرعي، لقوله ﵊: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس) رواه أحمد والبيهقي والطبراني وقال الشيخ الألباني: صحيح، إرواء الغليل ٥/٢٧٩.\rولأن الحق في الإسلام أبدي لا يزول إلا بمسوغ شرعي ولا مسوغ شرعي في هذه المسألة.\rوعليه لا يصح ادعاء جار الأرض بحقه في المرور عبر أرض جاره إلابإذن الجار ورضاه.\rمضاربة فاسدة\rيقول السائل: إنه يملك سيارة أجرة، واتفق مع سائق ليشتغل عليها، على أن يدفع السائق خمسين ديناراً في اليوم لصاحبها، فما الحكم في ذلك؟\rالجواب: إن هذه المسألة من صور شركة المضاربة على قول بعض الفقهاء الذين يجيزون أن يكون رأس مال المضاربة، أدوات يمتلكها صاحب المال، وبهذا قال الشيخ ابن قدامة في المغني ٥/٨: \" وإن دفع الرجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً أو كيفما شرطا صح نص عليه في رواية الأثرم ومحمد بن أبي حرب وأحمد بن سعيد، ونقل الأوزاعي ما يدل على صحة هذا.... \".\rوقاس ابن قدامة جواز هذه المسألة على المزارعة لما ثبت في حديث جابر: (أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر -أي النصف-) رواه البخاري.\rهذا ما يتعلق بأصل السؤال، وأما الشرط المذكور، وهو أن يدفع السائق خمسين ديناراً لصاحب السيارة فهو شرط باطل يؤدي إلى بطلان العقد، إذ لا يصح في عقد المضاربة أن يكون نصيب أحد الشريكين مبلغاً معيناً من المال ولا بد أن يكون جزءاً مشاعاً كأن يتفقا على أن لكل واحد منهما النصف أو لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان ونحو ذلك، كما يصح إذا اتفقا على أن يكون نصيب أحدهما نسبة مئوية مثل ١٥% أو ٣٠% وهكذا.\rوبناءً على ما سبق فإن صورة التعاقد المذكورة في السؤال باطلة لا تصح.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346263,"book_id":3840,"shamela_page_id":643,"part":"12","page_num":137,"sequence_num":643,"body":"١٣٧ - الشهادة\rيقول السائل: إذا كان من قُتل في سبيل الله يُكفَّر عنه كل شيء إلا الدين، فما الحال إذا كان هذا الشخص سارقاً أو آخذاً لحقوق الناس بغير الحق فهل تكفر هذه عنه، أفيدونا؟\r\rالجواب: ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول ﷺ?قال: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين) رواه مسلم.\rقال الإمام النووي: \" وأما قوله ﷺ: (إلا الدين) ففيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفر حقوق الآدميين، وإنما يكفر حقوق الله تعالى \" شرح صحيح مسلم للنووي ٥/٢٨.\rوقال التوربشتي: \" أراد بالدين هنا ما يتعلق بذمته من حقوق المسلمين إذ ليس الدائن أحق بالوعيد والمطالبة منه من الجاني والغاصب والخائن والسارق \" تحفة الأحوذي ٥/٣٠٢.\rويؤخذ من هذا الحديث أن من كان في ذمته حقوق للعباد فلا تسقط عنه ولا تكفر، وأن التكفير خاص بما بين العبد وبين ربه من كبيرة أو صغيرة، وحقوق العباد لا تدخل ضمن ذلك، وذكر الدين لينبه على غيره من حقوق العباد، ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من كانت عنده مظلمة لأحد فليتحلله، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئاته وطرح عليه) رواه البخاري.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346264,"book_id":3840,"shamela_page_id":644,"part":"12","page_num":138,"sequence_num":644,"body":"١٣٨ - الهبة\rيقول السائل: هل يجوز لمن وهب آخر هبة، أن يعود ويرجع عن تلك الهبة؟\r\rالجواب: الهبة مشروعة ومستحبة، ومن الأمور التي تقوي المودة بين الناس، وينبغي أن تكون الهبة بطيب نفس ورضاً تام، وتتم الهبة بالإيجاب والقبول والقبض، فإذا قبض الموهوب الهبة فلا يحل للواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهبه لولده لورود الأدلة المخصصة للوالد من هذا الحكم، وهو حرمة الرجوع في الهبة ويدل على ذلك أحاديث منها: - عن قتادة قال: سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (العائد في هبته كالعائد في قيئه) رواه البخاري ومسلم.\r- عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: (ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه) رواه البخاري.\r- وعن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: (مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب، يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله) رواه مسلم.\rفهذه الأحاديث وغيرها تدل على تحريم الرجوع في الهبة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء وأهل الحديث.\rقال الإمام البخاري: \" باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته ثم ذكر حديثي ابن عباس، الأول والثاني \"، أنظر فتح الباري ٦/١٦٢ - ١٦٣.\rوقال الإمام النووي: \" باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ما وهبه لولده، وإن سفل \" شرح صحيح مسلم ٤/٢٣٦.\rويبغي للواهب أن يعلم أن العائد في هبته قد شبهه الرسول ﷺ بالكلب الذي يقيء، ثم يعود فيأكل منه، وهذا مثل سوء فلا ينبغي للمسلم أن يتمثل بالكلب، وقد جاء في الحديث أنه ينبغي تعريف الواهب الذي يريد الرجوع في هبته بهذا المثل حتى يرتدع فلا يعود في هبته، فقد روى أبو داود بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال: (مثل الذي يسترد ما وهب كمثل الكلب، يقيء فيأكل قيئه، فإذا استرد الواهب فليتوقف فليعرف بما استرد ثم ليدفع إليه ما وهب) رواه ابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح، انظر صحيح سنن ابي داود ٢/٦٧٦.\rويستثنى من حكم الرجوع في الهبة، الوالد فيما وهبه لولده، فيصح للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده، وقد دلت السنة الثابتة على ذلك، فقد ورد في الحديث عن طاووس، عن ابن عمر وابن عباس عن النبي ﷺ قال: (لا يحل للرجل أن يعطي عطية أو يهب هبةً فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب، يأل فإذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه) رواه أصحاب السنن، وأحمد، وقال الترمذي حسن صحيح، ورواه ابن حبان والحاكم وصححاه، وصححه الشيخ الألباني أيضاً.\rويؤيد ذلك ما ورد في الحديث، عن النعمان بن بشير أنه قال: إن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: (إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله ﷺ: أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا، فقال: لا، فقال: رسول الله ﷺ: فأرجعه) رواه البخاري ومسلم.\rوفي رواية عند مسلم أن النبي ﷺ قال لبشير: (فاردده) .\rقال الحافظ ابن حجر: \" وحجة الجمهور في استثناء الأب أن الولد وماله لأبيه فليس في الحقيقة رجوعاً وعلى تقدير كونه رجوعاً فربما اقتضته مصلحة التأديب ونحو ذلك \" فتح الباري ٦/١٤٣.\rوقد ألحق أكثر الفقهاء الأم بالأب في جواز الرجوع في الهبة.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346265,"book_id":3840,"shamela_page_id":645,"part":"12","page_num":139,"sequence_num":645,"body":"١٣٩ - حق التقادم\rيقول السائل: يدّعي بعض الناس ملكيتهم بعض الأراضي عن طريق ما يسمّى حق التقادم، مع أن تلك الأراضي ليست من أملاكهم فعلاً، وإنما استعملوها لسنوات طويلة ثم اَدعوا ملكيتها، فما هو قولكم في هذه القضية؟\r\rالجواب: حق التقادم، هو انقضاء زمان معين كخمسة عشر عاماً أو أكثر أو أقل على حق في ذمّة إنسان أو مرور تلك المدة على عين لغيره في يده، دون أن يطالب صاحبها، وهو قادر على المطالبة، المدخل الفقهي العام ١/٢٤٣.\rويسمّى حق التقادم أيضاً مرور الزمان أو مضي المدة أو وضع اليد.\rومن المقرر عند أهل العلم، أن أسباب الملكية في الشريعة الإسلامية أربعة وهي:\r١ - إحراز المباحات.\r٢ - العقود، كالبيع والشراء.\r٣ - الخلفية، كالميراث.\r٤ - التولد من المملوك.\rوحق التقادم ليس سبباً من أسباب التملك الصحيحة في الشريعة الإسلامية، فلا يعتبر حق التقادم سبباً صحيحاً من أسباب كسب الحقوق أو إسقاطها ديانة، فلا يجوز شرعاً لأي إنسان أن يأخذ مال غيره بلا سبب شرعي، ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس) رواه أحمد والبيهقي والطبراني، وقال الشيخ الألباني: صحيح، إرواء الغليل ٥/٢٧٩.\rولأن الحق في الإسلام أبدي لا يزول إلا بمسوغ شرعي، ولكن المجتهدين من فقهاء الإسلام بيّنوا أن حق التقادم يكون سبباً في منع الاستماع للدعوى بعد مضيّ مدة معينة كست وثلاثين سنة أو ثلاثين سنة أو خمسة عشرة سنة أو غير ذلك، لأن إهمال صاحب الحق لحقه هذه السنوات الطويلة بلا عذر، مع تمكنه من التقاضي يدل على عدم الحق غالباً فلو كان الحق لشخص ومضى عليه زمن طويل، ولم يطالب به فلا يعني هذا زوال حقه وضياعه، ولكن العلماء اجتهدوا، فمنعوا ذلك الشخص أن يترافع أمام القضاء بعد مضي تلك السنوات الطويلة وذلك تجنباً لإثارة المشكلات في الإثبات وما يتعلق بالقضاء من أمور أخرى، فمرور الزمان أو التقادم لا يسقط الحقوق مطلقاً بل الحق يبقى لصاحبه فمن وضع يده على قطعة أرض ليست له واستعملها سنوات طويلة لا يعني ذلك أن ملكيتها انتقلت إليه، فلا تبرأ ذمته إلا إذا أعادها إلى صاحبها، لأن الحقوق الثابتة لا يؤثر فيها مرور الزمن أو تقادم العهد.\rوحق التقادم المانع من سماع الدعوى أمام القضاء يكون مقبولاً إذا لم يكن هنالك عذر شرعي في عدم رفع الدعوى، وأما إذا وجد عذر شرعي في عدم رفع الدعوى فإن الدعوى تسمع ولا يعتبر حق التقادم حينئذ مانعاً من سماع الدعوى.\rجء في المادة ١٦٦٣ من مجلة الأحكام العدلية: \" والمعتبر في هذا الباب، أي في مرور الزمن المانع لاستماع الدعوى هو مرور الزمن الواقع بلا عذر فقط، وأما في الزمن الحاصل بأحد الأعذار الشرعية ككون المدعي صغيراً أو مجنوناُ أو معتوهاً، سواء كان له وصيٌ، أو لم يكن له، أو كونه في ديار أخرى مدة السفر، أو كان خصمه من المتغلبة فلا اعتبار له، فلذلك يعتبر مبدأ مرور الزمن، من تاريخ زوال واندفاع العذر، مثلاً لا يعتبر الزمن الذي مرّ حال جنون أو عته أو صغر المدّعي، بل يعتبر مرور الزمن من تاريخ وصوله حد البلوغ، كذلك إذا كان لأحد مع أحد المتغلبة دعوى، ولم يمكنه الإدعاء لامتداد الزمن زمن تغلب خصمه وحصل مرور زمن لا يكون مانعاُ لاستماع الدعوى وإنما يعتبر مرور الزمن من تاريخ زوال التغلب \".\rوأخيراً يجب أن يعلم، أن القضاء في الإسلام مظهر للحق لا مثبت له، وأن حكم القاضي لا يغير حقيقة الأشياء، لأن القاضي يحكم حسب الظاهر وبحسب اجتهاده.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346266,"book_id":3840,"shamela_page_id":646,"part":"12","page_num":140,"sequence_num":646,"body":"١٤٠ - الضمان\rيقول السائل: دهس سائق سيارة دابة لرجل، فانحرفت السيارة فأصيب السائق بجروح، وتضررت السيارة، ونفقت الدابة، فعلى من الضمان؟\r\rالجواب: إن الضمان في هذه المسألة على صاحب الدابة لأنه قصّر في حفظ دابته فإن لم يربطها ولم يتخذ الوسائل الكفيلة بعدم وصولها إلى الطريق الذي تسير فيه السيارات فهو ضامن، وعليه أن يعوض السائق عن جروحه التي أصيب بها، وكذلك عليه أن يعوضه بدل الأضرار التي لحقت بسيارته، ولا يضمن السائق الدابة.\rوالأصل في هذه المسألة ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة، أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائط -أي بستان- رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ: (أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدته المواشي بالليل ضامن على أهلها) رواه أبو داود والنسائي، وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني.\rوقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بحوادث السيارات ما يلي:\r((ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها والفصل في ذلك للقضاء)) .\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346267,"book_id":3840,"shamela_page_id":647,"part":"12","page_num":141,"sequence_num":647,"body":"١٤١ - الضمان\rلا ضمان على صاحب البيت إن مات العامل بدون تقصير من صاحب البيت، يقول السائل: سقط عامل عن سقالة أثناء عمله في بيت أحد الأشخاص، فأصيب العامل بكسور، والعامل يطالب صاحب البيت بالتعويض عن الضرر الذي لحق به، فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: إذا كان صاحب البيت ليس له علاقة بسقوط العامل لا من قريب ولا من بعيد كأن يكون العامل هو الذي نصب السقالة، فلا ضمان على صاحب البيت حتى لو أن العامل توفي، فلا شيء على صاحب البيت ما دام العامل يعرف طبيعة العمل وهو الذي تولى إعداد السقالة فجروحه هدر وكذا دمه هدر إذا مات.\rوقد ثبت في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار....) رواه البخاري ومسلم.\rوالعجماء هي الدابة، وجبار أي هدر.\rوالمراد بقوله: (العجماء جبار) أي أن الدابة إذا أتلفت شيئاً، أو قتلت إنساناً من غير تقصير من صاحبها، فلا ضمان فيما فعلت.\rوقوله (البئر جبار) أي أنه إذا سقط أحد في بئر حفرها شخص في ملكه، فدخل أحد إلى ملك صاحب البئر فوقع فيها فمات، فدم الميت هدر، ولا شيء على صاحب البئر.\r(والمعدن جبار) إي إذا حفر رجل منجماً أو محجراً، فانهار على شخص فمات فدمه هدر ولا شيء على صاحب المنجم أو المحجر.\rوهذا ينطبق على العامل الذي يُستأجر للقيام بعمل ما فيسقط عليه جدار أو تنهار به السقالة أو يحدث حادث مفاجئ للآلة التي يعمل بها فلا ضمان على صاحب البيت ولا يجوز شرعاً تحميله شيئاً من دية الميت أو مطالبته بتعويض العامل عن الضرر الذي لحق به.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346268,"book_id":3840,"shamela_page_id":648,"part":"12","page_num":142,"sequence_num":648,"body":"١٤٢ - الخصومات\rحكم المحكم لازم للمتخاصمين، يقول السائل: هل حكم المحكِّم أو المحكِّمين، ملزم للمتخاصمين اللذين رضيا بمبدأ التحكيم، ووافقا على المحكِّم أو المحكِّمين؟\r\rالجواب: إن التحكيم بين الناس في الخصومات مشروع بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وثابت عن الصحابة والتابعين.\rفمن كتاب الله قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) سورة النساء /٣٥.\rوهذه الآية نص صريح في إثبات التحكيم كما قال القرطبي في تفسيرها، تفسير القرطبي ٥/١٧٩.\rومن السنة النبوية ما رواه البخاري في صحيحه في قصة تحكيم سعد بن معاذ ﵁ في يهود بني قريظة، وقد رضي الرسول ﷺ بسعدٍ ﵁ حكماً.\rوكذلك ما رواه أبو داود بسنده عن يزيد بن المقدام عن شريح عن أبيه عن جده شريح عن أبيه هانئ: (أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه، سمعهم يكّنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: إن الله هو الحكم وإليه الحكم، فلم تكنّى أبا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الطرفين، فقال رسول الله ﷺ: ما أحسن هذا فما لك من الولد؟ قال: لي شريح ومسلم وعبد الله قال فمن أكبرهم؟ قال: قلت شريح فقال: أنت أبو شريح) ورواه النسائي أيضاً، وقال الشيخ الألباني: صحيح، إرواء الغليل ٨/٢٣٧.\rوقد وقعت حوادث كثيرة في زمن الصحابة ﵃ كانوا يحكّمون فيها بين المتخاصمين، فمن ذلك ما وقع لعمر ﵁ حين ساوم على فرس لرجل فركبه فعطب الفرس، فقال عمر للرجل: خذ فرسك، فقال الرجل: لا، فقال: إجعل بيني بينك حكماً، فقال الرجل: شريح فتحاكما إليه.... الخ \" رواه ابن سعد في الطبقات، وقال الشيخ الألباني: رجاله ثقات، رجال الشيخين إلا أن الشعبي لم يدرك عمر، وغير ذلك من الآثار.\rوإذا ثبت هذا فأقول: إن حكم المحكّم أو المحكّمين لازم للمتخاصمين، ولا يصح شرعاً رفض حكم المحكّم أو المحكّمين من قبل أحد المتخاصمين، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية في القول المعتمد عندهم، والحنابلة، وهو قول الظاهرية، ونقل عن جماعة من السلف.\rويدل على هذا، أن المتخاصمين ما داما قد قبلا بالتحكيم ورضيا بالمحكّم أو المحكّمين فلا بد لهما من قبول الحكم الذي يصدر عن المحكّم أو المحكمين.\rولولا أن حكم المحكّم لازم للمتخاصمين لما كان للترافع إليه أي معنىً، قياساً على الحاكم المولّى من ولي الأمر.\rوقد جاء في المادة ١٤٤٨ من مجلة الأحكام العدلية ما يلي:\r\"كما أن حكم القضاة لازم الإجراء في حق جميع الأهالي الذين في داخل قضائهم كذلك حكم المحكّمين لازم الإجراء، على الوجه المذكور في حق من حكّمهم وفي الخصوص الذي حكموا به، فلذلك ليس لأي واحد من الطرفين الإمتناع عن قبول حكم المحكّمين بعد حكم المحكّمين حكماً موافقاً لأصوله المشروعة \".\rومما ينبغي التنبيه عليه، أن حكم المحكّم أو المحكّمين يكون مقبولاً إذا كان موافقاً للأصول الشرعية، وينبغي أن يكون المحكّم أو المحكّمين من أهل العلم والخبرة في الشرع وفي القضية التي هي محل التحكيم.\rومن العلماء من يشترط في المحكّم أن يكون أهلاً للقضاء.\rوينبغي أن لا يكون المحكّم قريباً لأحد المتخاصمين، قرابة تمنع الشهادة، حتى يكون أقرب إلى العدل، وأبعد عن التهمة.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346269,"book_id":3840,"shamela_page_id":649,"part":"12","page_num":143,"sequence_num":649,"body":"١٤٣ - الصلح\rيقول السائل: هل يجوز لمن أصلح بين اثنين في خلاف مالي أن يطلب من أحدهما إسقاط بعض حقه عن الآخر؟\r\rالجواب: نعم، يجوز شرعاً للمصلح بين المتخاصمين أن يطلب من أحدهما إسقاط بعض حقه عن الآخر لإتمام الصلح بينهما، وإنهاء النزاع والخصومة فمن المعلوم عند أهل العلم أن الصلح جائز ومشروع بنص كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فقد قال تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) سورة النساء /١١٤.\rوقال تعالى: (وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) سورة النساء /١٢٨.\rوورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (الصلح جائز بين المسلمين، إلا ما حرّم حلالاً أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرّم حلالاً أو أحل حراماً) رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما، وهو حديث حسن.\rوقد ثبت في الحديث الصحيح، عن كعب بن مالك ﵁، أنه كان له على عبد الله ابن بي حدرد الأسلمي مال، فلقيه فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما، فمرّ بهما رسول الله ﷺ فقال: (يا كعب، فأشار بيده كأنه يقول النصف، فأخذ نصف ماله عليه وترك نصفاً) رواه الإمام البخاري.\rوفي رواية للبخاري أيضاً، عن كعب أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته - أي ستر البيت -، فنادى: (يا كعب قال: لبيك يا رسول الله، فقال: ضع من دينك هذا، وأومأ إليه، أي الشطر، قال: لقد فعلت، قال: قم فاقضه) .\rوفي هذا الحديث دلالة على جواز الشفاعة لصاحب الحق أن يسقط شيئاً من حقه حيث أشار الرسول ﷺ لكعب لكي يسقط نصف دينه عن عبد الله بن أبي حدرد ثم أمر الرسول ﷺ عبد الله بن أبي حدرد أن يسدد الشطر الثاني من الدين لكعب بن مالك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346270,"book_id":3840,"shamela_page_id":650,"part":"12","page_num":144,"sequence_num":650,"body":"١٤٤ - القروض\rيقول السائل: إنه اشترى سيارة بمبلغ تسعين ألف شيكل ودفع بعض ثمنها للبائع واتفقا على أن يسدد الباقي بعد شهر ثم هبطت قيمة الشيكل ويطالبه البائع الآن بتسديد الثمن حسب سعر صرف الشيكل بالنسبة للدينار في يوم الشراء فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: لا يجوز للبائع أن يطالب بتسديد ثمن السيارة حسب سعر صرف الشيكل بالنسبة للدينار في يوم شراء السيارة لأن الدين قد استقر في ذمة المشتري وهو تسعون ألف شيكل فعلى المشتري أن يسدد الثمن الذي استقر في ذمته عدداً لا قيمةً أي تسعون ألف شيكل فقط.\rوهذا مذهب أكثر الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وكثير من الفقهاء والعلماء المعاصرين حيث إنهم يرون أن الدين إذا استقر في ذمة المشتري بمقدار محدد فالواجب هو تسديد ذلك المقدار بدون زيادة أو نقصان فالديون تقضى بأمثالها في حالة الرخص والغلاء ولا تقضى بقيمتها جاء في المدونة: [كل شيء أعطيته إلى أجل فرد إليك مثله وزيادة فهو ربا] المدونة ٤/٢٥.\rوقال أبو إسحاق الشيرازي: [ويجب على المستقرض رد المثل فيما له مثل لأن مقتضى القرض رد المثل] المهذب مع المجموع ١٢/١٨٥.\rوقال الكاساني: [ولو لم تكسد - النقود - ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع وعلى المشتري أن ينقد مثلها عدداً ولا يلتفت إلى القيمة هاهنا] بدائع الصنائع ٥/٥٤٢.\rوقال الشيخ ابن عابدين في رسالته عن النقود: [...لأن الإمام الإسبيجاني في شرح الطحاوي قال: وأجمعوا على أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد] رسالة تنبيه الرقود على مسائل النقود ٢/٦٠ ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين.\rويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً وجوب رد المثل بلا زيادة. مجموع الفتاوى ٢٩/٥٣٥.\rوقد بحث مجمع الفقه الإسلامي هذه المسألة بحثاً مستفيضاً وتوصل العلماء المشاركون في المجمع إلى القرار التالي: [العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضى بأمثالها فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥\rج ٣/٢٢٦١.\rوقد يقول بعض الناس إن رد المثل في القرض والديون فيه ضررٌ للمقرض والبائع فنقول لهم: إن الضرر لا يزال بضرر مثله كما قرر ذلك الفقهاء.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346271,"book_id":3840,"shamela_page_id":651,"part":"12","page_num":145,"sequence_num":651,"body":"١٤٥ - تغير قيمة العملة\rيقول السائل: هل صاحب العمل ملزم شرعاً بتعويض عمّاله في حالة نقص قيمة العملة كما حصل مؤخراً؟\r\rالجواب: إن صاحب العمل غير ملزم شرعاً بتعويض العامل عن النقص الحاصل بسبب رخص العملة كما أن العامل غير ملزم برد أي شيء من أجره إذا ارتفعت قيمة العملة.\rولكن لما كان الطابع العام هو انخفاض قيمة العملة المستعملة حالياً وهي الشيكل فلا مانع شرعاً من أن يكون هنالك اتفاقٌ بين صاحب العمل والعامل على تعديل أجر العامل دورياً مثلاً كل شهر أو شهرين بنسبة تعادل انخفاض قيمة العملة.\rكأن يتفق العامل مع صاحب العمل على أن يعطيه زيادة على أجره كل آخر شهر بنسبة ٢% أو ٣% أو نحو ذلك من أجل المحافظة على أجر العامل من انخفاض قوته الشرائية.\rوسبق لمجمع الفقه الإسلامي أن ناقش هذه القضية وأصدر القرار التالي:\r[يجوز أن تتضمن أنظمة العمل واللوائح والترتيبات الخاصة بعقود العمل التي تتحدد فيها الأجور بالنقود شرط الربط القياسي للأجور على أن لا ينشأ عن ذلك ضرر للاقتصاد العام.\rوالمقصود هنا بالربط القياسي للأجور تعديل الأجور بصورة دورية تبعاً للتغير في مستوى الأسعار وفقاً لما تقدره جهة الخبرة والاختصاص والغرض من هذا التعديل حماية الأجر النقدي للعاملين من انخفاض القدرة الشرائية لمقدار الأجر بفعل التضخم النقدي وما ينتج عنه من الارتفاع المتزايد في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات.\rوذلك لأن الأصل في الشروط الجواز إلا الشرط الذي يحل حراماً أو يحرم حلالاً] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٨ ج ٣ ص ٧٨٧.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346272,"book_id":3840,"shamela_page_id":652,"part":"12","page_num":146,"sequence_num":652,"body":"١٤٦ - البيع\rيقول السائل: ما حكم بيع المزايدة وما الفرق بينه وبين البيع على بيع أخيه؟\r\rالجواب: بيع المزايدة هو أن ينادى على السلعة ويزيد فيها بعضهم على بعض حتى تقف على آخر زائد فيها فيأخذها. القوانين الفقهية ص ١٧٥.\rوبيع المزايدة مشروع وجائز ويدخل في عموم قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) ومما يدل على مشروعيته ما يلي:\r١. قال الإمام البخاري في صحيحه: (باب بيع المزايدة) ثم ذكر قول عطاء بن أبي رباح من أئمة التابعين: [أدركت الناس لا يرون بأساً في بيع المغانم فيمن يزيد] .\rثم ذكر بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر - أي بعد وفاته يكون العبد حراً - فاحتاج فأخذه النبي ﷺ فقال: (من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه) .\rوذكر الحافظ ابن حجر عن مجاهد قال: لا بأس ببيع من يزيد.\rوالشاهد في الحديث قول الرسول ﷺ: (من يشتريه مني) فعرضه للزيادة. صحيح البخاري مع الفتح ٥/٢٥٧-٢٥٨.\r٢. قال الإمام الترمذي: (ما جاء في بيع من يزيد) ثم روى بإسناده عن أنس بن مالك ? أن رسول الله ﷺ باع حلساً وقدحاً وقال: (من يشتري هذا الحلس والقدح؟ فقال رجل: أخذتهما بدرهم. فقال النبي ﷺ: من يزيد على درهم؟ من يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه) وقال الترمذي: حديث حسن. تحفة الأحوذي ٤/٣٤٣.\rوجمهور الفقهاء على جواز بيع المزايدة. نيل الأوطار ٥/١٩١.\rوبيع المزايدة ليس من باب البيع على بيع أخيه الذي ورد النهي عنه في حديث ابن عمر أن الرسول ﷺ قال: (لا يبع بعضكم على بيع أخيه) رواه البخاري ومسلم.\rوالمراد بالبيع على بيع أخيه: قال العلماء البيع على البيع حرام وكذلك الشراء على الشراء وهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار افسخ لأبيعك بأنقص أو يقول للبائع افسخ لأشتري منك بأزيد وهو مجمع عليه.\rوأما السوم فصورته أن يأخذ شيئاً يشتريه فيقول له: رده لأبيعك خيراً منه بثمنه أو مثله بأرخص.\rأو يقول للمالك استرده لأشتريه منك بأكثر ومحله بعد استقرار الثمن وركون أحدهما للآخر. فتح الباري ٥/٢٥٧.\rوقال الحافظ ابن عبد البر في بيانه: [هو أن يستحسن المشتري السلعة ويهواها ويركن إلى البائع ويميل إليه ويتذاكرن الثمن ولم يبق إلا العقد والرضا الذي يتم به البيع فإذا كان البائع والمشتري على مثل هذه الحال لم يجز لأحد أن يعترضه فيعرض على أحدهما ما به يفسد به ما هما عليه من التبايع فن فعل أحد ذلك فقد أساء وبئس ما فعل فإن كان عالماً بالنهي عن ذلك فهو عاص لله] فتح المالك ٨/١٨٠.\rوبهذا يظهر لنا الفرق بين بيع المزايدة والبيع على بيع أخيه ففي بيع المزايدة البائع\rيعرض سلعته لمن يزيد فإن عرض أحد الناس عليه مبلغاً فلم يرض به البائع فيطلب أكثر منه فيزيده شخص آخر وهكذا، وهذا كله قبل أن يستقر البيع وقبل أن يرضى البائع بالثمن.\rومن الأمور التي تصاحب بيع المزايدة وخاصة المزادات العلنية ما يسمى عند العلماء بالنجش وهو أن يزيد شخص في ثمن السلعة وهو لا يريد شرائها ولكن ليغر غيره وغالباً ما يكون النجش باتفاق بين صاحب السلعة والناجش وهو حرام شرعاً لما فيه من الخديعة فقد ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن النجش) رواه البخاري.\rوقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بعقد المزايدة ما يلي:\r[وحيث إن عقد المزايدة من العقود الشائعة في الوقت الحاضر وقد صاحب تنفيذه في بعض الحالات تجاوزات دعت لضبط طريقة التعامل به ضبطاً يحفظ حقوق المتعاقدين طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية كما اعتمدته المؤسسات والحكومات وضبطته بتراتيب إدارية ومن أجل بيان الأحكام الشرعية لهذا العقد قرر ما يلي:\r١. عقد المزايدة: عقد معاوضة يعتمد دعوة الراغبين نداء أو كتابة للمشاركة في المزاد ويتم عند رضا البائع.\r٢. يتنوع عقد المزايدة بحسب موضوعه إلى بيع وإجارة وغير ذلك وبحسب طبيعته إلى اختياري كالمزادات العادية بين الأفراد وإلى إجباري كالمزادات التي يوجبها القضاء وتحتاج إليه المؤسسات العامة والخاصة والهيئات الحكومية والأفراد.\r٣. إن الإجراءات المتبعة في عقود المزايدات من تحرير كتابي وتنظيم وضوابط وشروط إدارية أو قانونية يجب ألا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.\r٤. طلب الضمان ممن يريد دخول الشراء في المزايدة جائز شرعاً ويجب أن يرد لكل مشارك لم يرس عليه العطاء ويحتسب الضمان المالي من الثمن لمن فاز في الصفقة.\r٥. لا مانع شرعاً من استيفاء رسم الدخول (قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن القيمة الفعلية) لكونه ثمنا له.\r٦. يجوز أن يعرض المصرف الإسلامي أو غيره مشاريع استثمارية ليحقق لنفسه نسبة أعلى من الربح سواء أكان المستثمر عاملاً في عقد مضاربة مع المصرف أم لا.\r٧. النجش حرام ومن صوره:\rأ. أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شرائها ليغري المشتري بالزيادة.\rب. أن يتظاهر من لا يريد الشراء بإعجابه بالسلعة وخبرته بها ويمدحها ليغر المشتري فيرفع ثمنها.\rج. أن يدعي صاحب السلعة أو الوكيل أو السمسار ادعاءاً كاذباً أنه دُفعَ فيها ثمنٌ معينٌ ليدلس على من يسوم.\rد. ومن الصور الحديثة للنجش المحظورة شرعاً اعتماد الوسائل السمعية والمرئية والمقروءة التي تذكر أوصافاً رفيعة لا تمثل الحقيقة أو ترفع الثمن لتغر المشتري وتحمله على التعاقد] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٨ ج ٢/١٦٩-١٧٠.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346273,"book_id":3840,"shamela_page_id":653,"part":"12","page_num":147,"sequence_num":653,"body":"١٤٧ - البيع\rيقول السائل: ما قولكم في الإعلانات التجارية عن السلع والبضائع والتي يذكر فيها أوصاف السلعة بالثناء والمدح وعندما نشتري تلك السلعة لا نجدها حسب الأوصاف التي وردت في الإعلان وإنما هي على خلاف ذلك؟\r\rالجواب: الإعلانات التجارية عن السلع أمر جائز ومشروع بضوابط سأذكرها لاحقاً لأن الإعلانات تعرف الناس بأنواع السلع والبضائع وتعرفهم على أماكن بيعها وتسهل عليهم أموراً كثيرة.\rومن المعروف اليوم أن الإعلان صار فناً قائماً بذاته وله طرقه ووسائله المتقدمة والمتعددة.\rولكن يجب على التاجر المسلم ومن يرغب في الإعلان عن سلعه وبضائعه وغير ذلك أن يلتزم بالضوابط التالية حتى يكون إعلانه مشروعاً:\r١. أن يكون الإعلان سالماً وخالياً من المحظورات الشرعية فلا يجوز الإعلان عن السلع والأمور المحرمة كالخمور والمخدرات ونوادي القمار وأفلام الجنس ونحوها.\rكما لا يجوز أن تستعمل في الإعلان وسائل محرمة كظهور النساء العاريات أو يظهر في الإعلان أناس يشربون الخمر ونحو ذلك.\r٢. أن يكون الإعلان صادقاً في التعبير عن حقيقة السلعة لأننا نلاحظ أن كثيراً من الإعلانات التجارية فيها مبالغة واضحة في وصف السلع وغالباً ما تكون هذه الأوصاف كاذبة وغير حقيقية ويعرف صدق هذا الكلام بالتجربة.\rإن الإعلان الكاذب عن السلع والذي يظهرها على غير حقيقتها يعتبر تغريراً وغشاً وخداعاً وكل ذلك محرم شرعاً في شريعتنا الإسلامية ويؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل.\rيقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) سورة النساء الآية ٢٩.\rوقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ: (مرََّ على صُبرة طعام - كومة - فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال ﷺ: ما هذا يا صاحب الطعام؟\rقال: أصابته السماء يا رسول الله، أي المطر. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس مني) رواه البخاري ومسلم.\rوفي رواية أخرى عند مسلم: (من غشنا فليس منا) .\rويدخل ضمن الغش والخداع أن يذكر في الإعلان أوصاف للسلعة ولا تكون فيها حقيقة.\rوكذلك إذا كان في السلعة عيب أخفاه المعلن ولم يذكره وباع السلعة مع علمه أنها معيبة.\rفقد جاء في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (المسلم أخو السلم ولا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعاً فيه عيب أن لا يبينه) رواه أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه وقال الشيخ الألباني: صحيح. إرواء الغليل ٥/١٦٥.\rوعن أبي سباع قال: [اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسفع ? فلما خرجت بها أدركني رجل فقال: اشتريت؟ قلت: نعم. قال: وبين لك ما فيها. قلت: وما فيها؟ إنها لسمينة ظاهرة الصحة. قال: أردت بها سفراً أو أردت بها لحماً؟\rقلت: أردت بها الحج. قال: ارتجعها. فقال صاحبها: ما أردت إلى هذا أصلحك الله تفسد عليَّ. قال: إني سمعت رسول ﷺ يقول: لا يحل لأحد أن يبيع شيئاً إلا بين ما فيه ولا يحل لمن علم ذلك إلا بينه) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي\rوعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار) رواه ابن حبان والطبراني وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني، إرواء الغليل ٥/١٦٤.\r٣. أن لا يترتب على الإعلان عن السلعة إلحاق الضرر بسلع الناس الآخرين كأن يذم الأصناف المشابهة. انظر الإعلان ص ٩٦-٩٨.\rلأن هذا من الضرر الممنوع شرعاً وقد صح عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني، السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠.\rكما لا يجوز استغلال التشابه في الاسم التجاري أو العلامة التجارية من أجل التغرير بالمستهلكين وإيهامهم بأن سلعته مماثلة لتلك السلع المشهورة والمعروفة.\rوينبغي أن يعلم أن النصح واجب في المعاملة وقد ثبت في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم.\rوقد بين الإمام الغزالي ضوابط النصح المأمور به في المعاملة وهي:\r١. أن لا يثني على السلعة بما ليس فيها لأن ذلك يعد كذباً ولا بأس أن يذكر الصفات الحقيقية الموجودة في السلعة من غير مبالغة.\r٢. أن يظهر جميع عيوب المبيع ولا يكتم منها شيئاً فذلك واجب فإن أخفى شيئاً من العيوب كان ظالماً غاشاً والغش حرام وكان تاركاً للنصح في المعاملة والنصح واجب.\r٣. أن لا يكتم من مقدار السلعة شيئاً وذلك بتعديل الميزان والمكيال والاحتياط في ذلك.\rقال الله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) سورة المطففين الآيات ١-٣.\r٤. أن يصدق في سعر الوقت ولا يخفي منه شيئاً.\rثم قال الغزالي بعد ذلك: [فليس له أن يغتنم فرصة وينتهز غفلة صاحب المتاع ويخفي من البائع غلاء السعر أو من المشتري تراجع الأسعار فإن فعل ذلك كان ظالماً تاركاً للعدل والنصح للمسلمين] انظر إحياء علوم الدين ٤/٧٦-٨٠\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346274,"book_id":3840,"shamela_page_id":654,"part":"12","page_num":148,"sequence_num":654,"body":"١٤٨ - الربا\rيقول السائل: ما حكم شراء أسهم الشركات التي يكون مجال عملها مباحاً ولكن تلك الشركات قد تقرض وتقترض بالربا؟ وما حكم من له أسهم في تلك الشركات وماذا يصنع بأرباح تلك الأسهم والربا يشكل جزءاً من تلك الأرباح؟\r\rالجواب: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالربا أخذاً وإعطاءً كما هو حال كثير من الشركات المساهمة التي ينص في أنظمتها على أن من موارد الشركة الإقراض والاقتراض بالربا.\rوالنصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ صريحة في تحريم الربا تحريماً قاطعاً لا شك فيه.\rومن المسلّم به عند أهل العلم أن فوائد البنوك هي من الربا المحرم.\rوإن في طرق الاستثمار الشرعية غنىً عن الاستثمار بالطرق المحرمة كالمساهمة في شركات تتعامل بالحرام أو تتعامل بالربا أخذاً وإعطاءً وهذا القول هو أصح قولي العلماء في هذه المسألة وأقربها للتقوى إن شاء الله.\rولكن بعض أهل العلم المعاصرين لهم رأي آخر في المسألة ولا بأس من ذكره وهو أنه قد تكون الشركة المساهمة ذات أغراض مشروعة وموضع نشاطها حلالاً وتؤدي خدمات عامة للاقتصاد لكنها تتعامل مع البنوك الربوية بالفائدة فتضع أموالها في تلك البنوك وتتقاضى عليها فوائد ربوية تدخل في مواردها وأرباحها كما تقترض في بعض الحالات ما تحتاج إليه من تلك البنوك لقاء فائدة تدفعها وتدخل تلك القروض في إنتاج ما تنتجه والربح الذي تحققه، فالربا يدخل في بعض أعمالها أخذاً وإعطاءً فلا ينبغي أن نُحرِّم على الناس اقتناء أسهم هذه الشركات بصورة مطلقة ولا أن نبيحها لهم بصورة مطلقة بل نراعي ضرورة قيام هذه المؤسسات في المجتمعات ومنها المجتمعات الإسلامية وحاجة كثير من الناس إلى اقتناء أسهمها ولا سيما الذين لا يجدون طريقاً آخر لاستثمار مدخراتهم الصغيرة دون أن يجمدوها حتى تتآكل وفي الوقت نفسه يجب استبعاد العنصر الحرام من أرباح هذه الأسهم ... وذلك بأن يحسب مالك الأسهم بصورة دقيقة أو تقريبية جداً عند تعذر الحساب الدقيق ما دخل على عائدات كل سهم من العنصر الحرام في ربحه فيقرر مقداره من عائدات الأسهم ويوزعه على الفقراء دون أن ينتفع به أية منفعة ولا أن يحتسبه من زكاته ولا يعتبره صدقة من خالص ماله ولا أن يدفع به ضريبة حكومية ولو كانت من الضرائب الجائرة الظالمة لأن كل ذلك انتفاع بذلك العنصر الحرام من عائدات أسهمه.\rوإن حساب هذا العنصر ولا سيما بصورة تقريبية جداً قد أصبح ميسوراً بالوسائل والأجهزة الحديثة والاستعانة بأهل الخبرة. وها يدخل في عموم البلوى وبهذا نيسر على الناس ونجنبهم الحرام دون أن نحرمهم من طريق استثماري لا يجدون بديلاً له بسب صغر مدخراتهم مع ملاحظة أن طريق المشاركات الصغيرة التجارية والمضاربة قد أصبح شديد الخطورة بسب ندرة الأمانة - مع الأسف - في هذا الزمان حيث أصبح الذي يضع ماله في يد غيره لاستثماره يدخل في مخاطرة كبيرة لفساد الذمم ويعرضه للتبخر ولا سيما أيضاً أن كثيراً من المدخرين الصغار أيتام وأرامل لا يستطيعون العمل بأنفسهم لأنفسهم. ولكل زمان حكمه وقد قرر الفقهاء في مناسبات كثيرة أموراً استثنائية عللوها بفساد الزمان.\rهذا وفي حالة توافر شركات مساهمة تسد الحاجة وتلتزم بعدم التعامل بالربا أخذاً وإعطاءً يجب على المسلمين عدم التعامل مع الشركات المساهمة التي تقترض بالربا عند الحاجة وتودع أموالها بفائدة. المعاملات المالية المعاصرة ص ١٧٠.\rويعلق صاحب الكتاب السابق على الفتوى المذكورة بقوله: نستخلص من هذه الفتوى عدة أمور:\r١. إن هذه الفتوى خاصة بالشركات الحيوية التي تؤدي خدمات عامة للناس ويقع الناس في حرج ومشقة نتيجة انهيارها ولا تعم جميع الشركات ويؤكد هذا الدكتور عبد الله الكيلاني في رسالته حيث يقول: [سألت الأستاذ الزرقاء حول موضوع الشركات المساهمة هل هي على إطلاقها أو لا؟ فأجاب: بأن الشركة التي لا تؤمِّن مرفقاً حيوياً ضرورياً أو حاجياً للمجتمع وكانت تتعامل بالربا في ادخار أموالها فأفتي بحرمة الاكتتاب بأسهمها لأنه لا يضر المجتمع انهيارها] .\r٢. إن هذه الفتوى تستند إلى عدة أمور وهي:\rأ. سد حاجة حيوية عامة للمسلمين لا تستطيع رؤوس الأموال الفردية ولا رؤوس أموال الدولة أن تقوم بها فتعين وجودها من خلال شركات المساهمة التي قد تتعامل بالربا في إيداع أموالها والإقتراض من المصارف.\rب. تخريج المسألة على قاعدة (عموم البلوى ورفع الحرج عن الناس) ففي حالة فساد الزمان وخراب الذمم يمكن أن يفتى الناس بالأحكام الاستثنائية، فقد قرر الفقهاء عند فساد الزمان وشيوع الفسق وندرة العدالة قبول شهادة غير العدل فتقبل شهادة الأمثل فالأمثل لعموم البلوى كيلا يتعطل القضاء إذا طلبت العدالة الكاملة في الشاهد.\rج. سد حاجة فردية لصغار المساهمين الذين لا يجدون بديلاً استثمارياً بسب صغر مدخراتهم وعجزهم عن القيام بأنفسهم بالاستثمار بالإضافة إلى عدم الثقة بكثير ممن يقومون بالمشاركات الأخرى كالمضاربة لفساد ذممهم وقلة الأمانة لديهم.\r٣. الفتوى تمنع انتفاع صاحب الأسهم بالمال الحرام الذي دخل في عوائدها، وينبغي تقديره والتخلص منه بإعطائه للفقراء والمستحقين. انظر كتاب المعاملات المالية المعاصرة ص ١٧١.\rوخلاصة الأمر أني لا أجيز لمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالربا أخذاً وإعطاءً ابتداءً.\rومن له أسهم في مثل هذه الشركات فإن أراد التقوى والورع فعليه أن يبيع أسهمه تلك وأن يخلَّص رأس ماله من شوائب الربا.\rقال تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة الآية ٢٧٩.\rوإن اختار الطريق الآخر وأخذ بالرأي الثاني - وله حظ من النظر والفقه - فذلك شأنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346275,"book_id":3840,"shamela_page_id":655,"part":"12","page_num":149,"sequence_num":655,"body":"١٤٩ - حكم السندات\rيقول السائل: إنه أراد أن يشتري أسهماً في إحدى الشركات المساهمة العامة واطلع على النظام الداخلي للشركة فوجد أن الشركة يحق لها إصدار سندات عند الحاجة لزيادة رأس المال ويسأل عن هذه السندات وما حكمها؟\r\rالجواب: السندات نوع من الأوراق المالية التي يجري التعامل بها في الأسواق المالية المعاصرة وتسمى أحياناً شهادات الاستثمار وهي عبارة عن قرض طويل الأجل تتعهد الشركة المقترضة بموجبه أن تسدد قيمته في تواريخ محددة. المعاملات المالية المعاصرة ص ١٧٦.\rأو هو صك قابل للتداول يمثل قرضاً يعقد عادة بواسطة الاكتتاب العام وتصدره الشركات أو الحكومات ويعتبر حامل سند الشركة دائناً للشركة ويعطى حامل السند فائدة ثابتة سنوياً وله الحق في استيفاء قيمته عند حلول أجل معين. مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد ٦ جزء ٢ ص ١٢٨٣.\rويلاحظ في تعريف السندات أن السند عبارة عن دين ثابت على الشركة ويستوفي حامل السند فائدة ثابتة سواء ربحت الشركة أو خسرت.\rوخلاصة الأمر أن السند عبارة عن قرض ربوي مهما اختلفت أسماؤه وتعددت أوصافه.\rوبناءً على أن السند قرض ربوي فيحرم التعامل بالسندات ما دامت تصدر بفائدة ثابتة معينة لذا لا يجوز إصدار السندات ولا تداولها والقول بتحريم السندات واعتبارها من الربا المحرم هو مذهب أكثر العلماء والفقهاء المعاصرين.\rلأن السند قرض على الشركة أو الجهة التي أصدرته لأجل معين وبفائدة معينة ثابتة ومشروطة وهذا هو ربا النسيئة بعينه الذي حرمته الشريعة الإسلامية بالنصوص الصريحة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.\rقال الله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) سورة البقرة الآية ٢٧٥.\rوقد حاول بعض العلماء أن يخرج مسألة السندات على عقد المضاربة المعروف في الفقه الإسلامي ولكن هذا التخريج غير صحيح مطلقاً لأن السندات في حقيقتها قروض ربوية ولو سلمنا جدلاً بصحة تخريجها على المضاربة الشرعية فهي مضاربة فقدت شروط صحتها شرعاً كما قال الدكتور القرضاي: [والخلاصة أن شهادات الاستثمار من فئة (أ) و (ب) إما أنها من باب القرض بفائدة وهو الأمر الواضح بحسب قانون إنشائها أو من باب المضاربة التي فقدت شروطها الشرعية ففقدت بذلك إذن الشرع فيها فهي محرمة على كلا الاحتمالين] فوائد البنوك هي الربا الحرام ص ١٠٢.\rوالقول بتحريم السندات هو القول الفصل في المسألة وهو ما قرره مجمع الفقه الإسلامي الذي ضم عدداً كبيراً من العلماء والفقهاء المعاصرين فقد جاء في قرار المجمع ما يلي:\r[وبعد الاطلاع على أن السند شهادة يلتزم المصدر بموجبها أن يدفع لحاملها القيمة الاسمية عند الاستحقاق مع دفع فائدة متفق عليها منسوبة إلى القيمة الاسمية للسند أو ترتيب نفع مشروط سواء أكان جوائز توزع بالقرعة أم مبلغاً مقطوعاً أم حسماً (خصماً) .\rقرر:\r١. إن السندات التي تمثل التزاماً بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة شرعاً من حيث الإصدار أو الشراء أو التداول لأنها قروض ربوية سواء أكانت الجهة المصدرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة ولا أثر لتسميتها شهادات أو صكوكاً استثمارية أو ادخارية أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحاً أو ريعاً أو عمولة أو عائداً.\r٢. تحرم أيضاً السندات ذات الكوبون الصفري باعتبارها قروضاً يجري بيعها بأقل من قيمتها الاسمية ويستفيد أصحابها من الفروق باعتبارها خصماً لهذه السندات.\r٣. كما تحرم أيضاً السندات ذات الجوائز باعتبارها قروضاً اشترط فيها نفع أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين أو لبعضهم لا على التعيين فضلاً عن شبهة القمار.\r٤. من البدائل للسندات المحرمة - إصداراً أو شراءً أو تداولاً - السندات أو الصكوك القائمة على أساس المضاربة لمشروع أو نشاط استثماري معين بحيث لا يكون لمالكيها فائدة أو نفع مقطوع وإنما تكون لهم نسبة من ربح هذا المشروع بقدر ما يملكون من هذه السندات أو الصكوك ولا ينالون هذا الربح إلا إذا تحقق فعلاً. ويمكن الاستفادة في هذا من الصيغة التي تم اعتمادها في القرار رقم ٥ للدورة الرابعة لهذا المجمع بشأن سندات المقارضة] مجلة مجمع الفقه الإسلامي ٦/٢/١٧٢٥-١٧٢٦.\rوختاماً أقول إن تعامل الناس بالربا في هذا الزمان قد عمّ وطمّ وغلب التعامل بالربا على أكثر معاملات الناس المعاصرة بسبب ارتباط الحياة الحديثة بالبنوك الربوية وقد وقع مصداق حديث رسول الله ﷺ حيث قال: (ليأتينّ على الناس زمان لا يبقى أحد منهم إلا أكل الربا ومن لم يأكله أصابه من غباره) رواه أبو داود وابن ماجة والنسائي.\rومع انتشار التعامل بالربا في زماننا إلا أن كثيراً من الناس يقدمون على التعامل به مختارين غير مكرهين ولا مضطرين وإلى هؤلاء وغيرهم أسوق بعض النصوص الشرعية التي تحرم الربا والتعامل به:\r١. يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة الآيتان ٢٧٦-٢٧٧.\r٢. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم.\r٣. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم.\r٤. وقال ﷺ: (الربا إثنان وسبعون باباً أدناها إتيان الرجل أمه) رواه الحاكم وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٤٨٨.\r٥. وقال ﷺ: (الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٣.\r٦. وقال ﷺ: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية) رواه أحمد والطبراني وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٦ وغير ذلك من الأحاديث.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346276,"book_id":3840,"shamela_page_id":656,"part":"12","page_num":150,"sequence_num":656,"body":"١٥٠ - البيع\rيقول السائل: تعاقدت مع صاحب عقار في الأردن واتفقت معه على الثمن وبارك لي في العقار بحضور عدد من الشهود ولكني لم أدفع العربون لاعتبار أني سأعود بعد أسبوع إلى الأردن لاستكمال الإجراءات القانونية من عقود وتنازل وغيره وفوجئت بخبر عبر الهاتف بأن العقار قد بيع لشخص آخر وعندما استفسرت عن الأمر قيل إني لم أدفع العربون وقد علمت أن الشاري الجديد دفع في العقار زيادة عما دفعت.\r\rالجواب: إن عقد البيع قد تم بين البائع والمشتري إذا كانت الأمور قد جرت مثلما ذُكر في السؤال وعقد البيع من العقود اللازمة عند الفقهاء فمتى صدر الإيجاب والقبول من المتعاقدين فقد تم العقد ولا يملك أحدهما فسخه إلا برضى الآخر إذا لم يكن بينهما خيار وفي السؤال لم يرد ذكر للخيار فالعقد لازم والرسول ﷺ يقول: [البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا] رواه البخاري ومسلم.\rوهنا قد تم التفرق بينهما فلزمهما البيع فلا يجوز شرعاً للبائع أن يفسخ العقد أو يلغيه بإرادة منفردة وهذا البائع وقد فسخ العقد وباع العقار لشخص آخر فقد أثم ووقع في الحرام والله ﷾ يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) سورة المائدة الآية ١.\rوأما بالنسبة لما ذكره السائل عن الناحية القانونية فإن القانون المدني لا يعترف بأي عقد لبيع العقار ولو كان العقد خطياً إلا إذا تم تسجيله في الدائرة المختصة وبما أنه لم يتم عقد خطي ومسجل في الدوائر الرسمية فإن الموقف القانوني للمشتري ضعيف جداً.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346277,"book_id":3840,"shamela_page_id":657,"part":"12","page_num":151,"sequence_num":657,"body":"١٥١ - القروض\rحكم المماطلة وعقوبتها، يقول السائل: ما المقصود بقول النبي ﷺ: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) ؟\r\rالجواب: هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي وورد في مسند أحمد بلفظ: (لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته) .\rوالحديث قال عنه الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ ابن حجر وحسنه الشيخ الألباني أيضاً. فتح الباري ٥/٢٥٩، إرواء الغليل ٥/٢٥٩. ولي الواجد معناه مطل القادر على قضاء دينه. عون المعبود ١٠/٤١.\rوقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (مطل الغني ظلم) رواه البخاري ومسلم.\rقال الإمام النووي: [قوله ﷺ (مطل الغني ظلم) قال القاضي وغيره: المطل منع قضاء ما استحق أداؤه فمطل الغني ظلم وحرام، ومطل غير الغني ليس بظلم ولا حرام لمفهوم الحديث ولأنه معذور ...] شرح الإمام النووي على صحيح مسلم ٤/١٧٤-١٧٥.\rوهذان الحديثان الشريفان فيهما التحذير الشديد للمماطل القادر على سداد دينه ومع ذلك يماطل في سداد الدين لينتفع بالمال لنفسه ولا يؤدي حقوق العباد وهذه المماطلة سماها الرسول ﷺ ظلماً والظلم ظلمات يوم القيامة.\rقال الحافظ ابن عبد البر: [وقد أتى الوعيد الشديد في الظالمين بما يجب أن يكون من فقهه عن قليل الظلم وكثيره منتهياً وإن كان الظلم ينصرف على وجوه بعضها أعظم من بعض ... قال الله ﷿: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) سورة لقمان الآية ١٣. وقال تعالى: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) سورة طه الآية ١١١.\rأي خاب من رحمة الله تعالى ومن بعضها أو من كثير منها على حسب ما ارتكب من الظلم والله يغفر لمن يشاء.\rوروي عن النبي ﷺ أنه قال حاكياً عن الله ﵎: (يا عبادي إني حرمت عليكم الظلم فلا تظالموا) رواه مسلم.\rومن الدليل على أن مطل الغني ظلم محرم موجب للإثم ما ورد به الخبر عن النبي ﷺ من استحلال عرضه والقول فيه ولولا مطله لم يحل ذلك ...] الاستذكار ٢٠/٢٦٨-٢٦٩.\rوالغني المماطل يعدُّ فاسقاً عند جمهور أهل العلم ويدل على ذلك بأن منع الحق بعد طلبه وانتفاء العذر عن أدائه كالغصب والغصب كبيرة وتسميته ظلماً يشعر بكونه كبيرة. فتح الباري ٥/٣٧٢.\rوقال بعض العلماء إن مطل الغني بعد مطالبته وامتناعه عن الأداء لغير عذر يعتبر من كبائر الذنوب وقد عده ابن حجر المكي من الكبائر: [إذ الظلم وحل العرض والعقوبة أكبر الوعيد] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٥٧٠.\rوذهب بعض أهل العلم إلى أن الغني المماطل مردود الشهادة قال سحنون بن سعيد: [إذا مطل الغني بدين عليه لم تجز شهادته لأن النبي ﷺ سماه ظالماً] الاستذكار ٢٠/٢٧٠.\rوجاء في الحديث عن خولة زوجة حمزة ﵄: (أن رجلاً كان له على رسول الله ﷺ وسق تمر فأمر أنصارياً أن يقضيه فقضاه دون تمره فأبى أن يقبضه فقال: أترد على رسول الله ﷺ قال: نعم ومن أحق بالعدل من رسول الله ﷺ فاكتحلت عينا رسول الله ﷺ بدموعه ثم قال: صدق ومن أحق مني بالعدل لا قدس الله أمة لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها ولا يتعتعه. ثم قال: يا خوله عديه واقضيه فإنه ليس من غريم يخرج من عنده غريمه راضياً إلا صلت عليه دواب الأرض ونون البحار وليس من عبد يلوى غريمه وهو يجد إلا كتب الله عليه في كل يوم وليلة إثماً) رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/١٤٠.\rوتعتعه أي أقلقه وأتعبه بكثرة تردده إليه ومطله إياه، ويلوي أي يمطل ويسوف.\rوجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه ديناً كان عليه فاشتد عليه حتى قال له: أحرج عليك إلا قضيتني فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك تدري من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي. فقال النبي ﷺ: هلاّ مع صاحب الحق كنتم؟ ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضيك. فقالت: نعم بأبي أنت يا رسول الله. قال: فأقرضته فقضى الأعرابي وأطعمه. فقال: أوفيت أوفى الله لك. فقال ﷺ: أولئك خيار الناس إنه لا قدّست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع) رواه ابن ماجة وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/٥٥ وانظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٥٧٠.\rومعنى غير متعتع: أي من غير أن يصيبه أذى يقلقه ويزعجه.\rكما وينبغي أن يعلم هذا الغني المماطل أن الموت قد يخطفه فجأة ويبقى الدين في ذمته إلى يوم القيامة وقد صح الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال:\r(من كانت عنده مظلمة لأحد فليتحلله فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئاته وطرح عليه) رواه البخاري.\rوأما قول النبي ﷺ يحل عرضه وعقوبته فمعناه كما قال عبد الله بن المبارك:\r[يحل عرضه يغلظ له وعقوبته يحبس] عون المعبود ١٠/٤٠.\rوأخيراً ينبغي أن يعلم أنه لا يجوز فرض غرامة مالية على المدين المماطل لأن ذلك يعتبر من الربا المحرم شرعاً.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346278,"book_id":3840,"shamela_page_id":658,"part":"12","page_num":152,"sequence_num":658,"body":"١٥٢ - حكم الاختلاس\rيقول السائل: إنه يعمل في إحدى المؤسسات التي تقدم وجبة الغداء للعاملين فيها حسب نظام التذاكر ويسأل هل يجوز له أن يأخذ الطعام بدون تذكرة ودون أن يراه الموظف الذي يقدم الطعام؟ ويسأل هل يجوز للموظف الذي يقدم الطعام أن يعطي بعض زملائه طعاماً بدون تذكرة؟ ويسأل أيضاً هل يجوز له أن يأخذ بعض الأشياء من تلك المؤسسة مثل أدوات التنظيف والأدوية والقرطاسية ونحوها بدون إذن المسؤولين؟\r\rالجواب: إن الموظف مؤتمن على عمله ويجب عليه أن يحافظ على كل ما يتعلق بعمله ولا يجوز له أن يستعمل شيئاً مما أؤتمن عليه في غير محله المقرر له.\rويحرم على الموظف خيانة الأمانة التي أؤتمن عليها فلا يجوز شرعاً أن يأخذ وجبة طعام بدون ثمنها ما دام أن الطعام يباع للموظفين بيعاً وبواسطة التذاكر وكذلك لا يجوز للموظف الذي يقدم الطعام أن يعطي أحداً منه بدون تذكرة ما دام أن النظام يقضي بأن لا يعطى أحد طعاماً إلا بتذكرة وعمله هذا يعتبر خيانة للأمانة.\rوكذلك يحرم على الموظفين أخذ شيء من أموال المؤسسة مهما كانت قليلة وقد أمر الله ﷾ بأداء الأمانة وحذّر من خيانتها فقد قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) سورة النساء الآية ٥٨.\rوهذه الآية عامة تشمل كل الأمانات كما نقل القرطبي ذلك عن جماعة من الصحابة كالبراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب ﵃ قالوا:\r[الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع] .\rوقال ابن عباس ﵄: [لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة] .\rوقال القرطبي: [وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار] تفسير القرطبي ٥/٢٥٦.\r\rوقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة الأنفال الآية ٢٧.\rفنهى الله ﷾ عن خيانة الله ﷾ وخيانة الرسول ﷺ وخيانة بعضهم لبعض.\rوخيانة الأمانة من صفات المنافقين كما صحَّ في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان) رواه البخاري ومسلم.\rوفي رواية عند مسلم: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) .\rوجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان وإذا حدّث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) رواه البخاري ومسلم.\rوقد اعتبر العلماء خيانة الأمانة من كبائر الذنوب. انظر الزواجر ١/٦١٧.\rوقد وردت أحاديث كثيرة في الترهيب من خيانة الأمانة منها:\rعن أنس بن مالك ? قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال في الخطبة: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) رواه ابن حبان والبيهقي والبغوي، ثم\rقال: هذا حديث حسن. شرح السنة ١/٧٥. وحسّنه الشيخ الألباني لشواهده المشكاة ١/١٧.\rوعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اضمنوا لي ستاً أضمن لكم الجنة اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم) رواه أحمد والبيهقي والحاكم وابن حبان وصححه الشيخ الألباني. السلسلة الصحيحة ٣/٤٥٤\rوقال عمر بن الخطاب ﵁: [لا يغرنَّك صلاة امرئ ولا صيامه من شاء صلى ومن شاء صام ولكن لا دين لمن لا أمانة له] شرح السنة ١/٧٥.\rوخلاصة الأمر أن الموظف مؤتمن على العمل الذي أنيط به ومؤتمن على ما كان تحت يده من أموال أو أدوات أو طعام وغير ذلك ولا يجوز التصرف بأي شيء من ذلك إلا بإذن مسؤوله ولا يجوز أن يأخذ شيئاً من عمله دون أن يؤذن له فإن فعل فقد خان الأمانة وارتكب الإثم ووقع في المعصية.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346279,"book_id":3840,"shamela_page_id":659,"part":"12","page_num":153,"sequence_num":659,"body":"١٥٣ - الرشوة\rيقول السائل: ما المقصود بأكل السحت؟\r\rالجواب: ورد الوصف بأكل السحت في ثلاث آيات من القرآن الكريم وذلك في سورة المائدة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) سورة المائدة الآيتان ٤١-٤٢.\rوقال الله تعالى: (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة المائدة الآية ٦٢.\rوقوله تعالى: (لوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) سورة المائدة الآية ٦٣.\rقال أهل التفسير في قوله تعالى: (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) أي الحرام وسمي المال الحرام سحتاً لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها. انظر تفسير القرطبي ٦/١٨٣.\rوقيل لأنه لا بركة فيه لأهله فيهلك هلاك الاستئصال غالباً. وقيل لأنه يسحت مروءة الإنسان. والسحت المقصود في الآية هو الرشوة على الحكم وذلك على المشهور عند المفسرين وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري. تفسير الألوسي ٣/٣٠٩.\rوروى الإمام البخاري تعليقاً عن محمد بن سيرين أنه قال: [كان يقال السحت الرشوة في الحكم] .\rوقال الحافظ ابن حجر: [وأشار ابن سيرين بذلك إلى ما جاء عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت من قوله في تفسير السحت أنه الرشوة في الحكم أخرجه ابن جرير بأسانيد عنهم.\rورواه من وجه آخر مرفوعاً ورجاله ثقات ولكنه مرسل ولفظه: كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به. قيل: يا رسول الله وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم] فتح الباري ٥/٣٦٠.\rقال الحافظ ابن عبد البر: [وفيه دليل على أن كل ما أخذه الحاكم والشاهد على الحكم بالحق أو الشهادة بالحق سحت ول رشوة سحت وكل سحت حرام ولا يحل لمسلم أكله وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء المسلمين.\rوقال جماعة من أهل التفسير في قول الله ﷿: (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) قالوا: السحت الرشوة في الحكم وفي السحت كل ما لا يحل كسبه] فتح المالك ٨/٢٢٣\rويدخل تحت السحت كل مال حرام لا يحل كسبه ولا أكله ومن السحت الربا والغصب والقمار والسرقة ومهر البغي وثمن الخمر والخنزير والميتة والأصنام والتماثيل والمال المأكول بالباطل كمن يسأل الناس وهو ليس بحاجة فإن ما يأكله من المال يعتبر سحتاً فقد جاء في الحديث عن قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: (تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. قال ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال سداداً من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال سداداً من عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سحتاً) رواه مسلم.\rوجاء في الحديث عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت وكل لحم نبت من سحت كانت النار أولى به) رواه أحمد والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان.\rوفي رواية أخرى: [كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به] رواه أحمد والطبراني والحاكم وغيرهم وقال الألباني صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/٨٣١.\rقال الشيخ المناوي بعد أن ذكر الحديث: [هذا وعيد شديد يفيد أن أكل أموال الناس بالباطل من الكبائر] فيض القدير ٥/٢٣.\rوعن كعب بن عجرة قال: قال لي رسول الله ﷺ: (أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون بعدي فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد عليَّ الحوض ومن غشي أبوابهم أو لم يغش ولم يصدقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه ويرد عليَّ الحوض.\rيا كعب بن عجرة: الصلاة برهان والصوم جنة حصينة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به) رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وصححه الألباني. صحيح سنن الترمذي ١/١٨٩.\rوعن أبي بكر ? أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام) رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أبي يعلى ثقات وفي بعضهم اختلاف قاله الهيثمي. مجمع الزوائد ١٠/٢٩٣.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346280,"book_id":3840,"shamela_page_id":660,"part":"12","page_num":154,"sequence_num":660,"body":"١٥٤ - دفاع عن فقيه العصر الشيخ العلامة يوسف القرضاوي\rيقول السائل: ما قولكم في ما نسب إلى العلامة الدكتور يوسف القرضاوي أنه أباح الربا وذلك في مقال نشر في إحدى المجلات الإسلامية حيث رد الكاتب على الدكتور القرضاوي وبين أنه أحلّ الربا\r\rالجواب: قرأت المقال المشار إليه وأسفت أسفاً شديداً أن مجلة إسلامية تنشر مثل هذا المقال الذي يغلف النقد فيه بالسبّ والشتم والطعن واتهام نيات العلماء.\rأهكذا يكون النقد العلمي؟ هل هذا هو أدب الاختلاف؟ أهكذا يوجه الكلام إلى العلماء؟\rإن العبارات النابية التي استخدمها الكاتب لا توجد في كتب الاختلاف، إنها ألفاظ نابية سوقية بذيئة لا يجوز شرعاً أن توجه لعالم جليل من علماء العصر ولا لغيره من الناس وحتى لا يظن أحد أني أبالغ فيما نسبته لكاتب المقال، أسوق بعض عباراته: قال الكاتب: [ ... الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال] ، [ ... لكنهم يدسون السموم لهذه الأمة بأساليب تضليلية] ، [ ... والجريمة أنه يقول ... ] ، [وقوله هذا ضابط جريمة أكبر ... ] ، [ ... لنبين نموذجاً من خطورة فتاوى مثل هؤلاء وكيف أنهم يحكمون عقولهم في شرع الله اتباعاً للهوى دون دليل أو شبهة دليل] ، [ ... وإظهار من يخرب على المسلمين دينهم] .\rهذه بعض العبارات التي قالها الكاتب في حقّ الدكتور القرضاوي حفظه الله من سهام الحاقدين. وقد ألصق الكاتب بالدكتور القرضاوي أموراً لا تصدر عن طويلب علم مبتدئ فضلاً أن تصدر من طالب علم فكيف تصدر من عالم كالشيخ القرضاوي مضى عليه أكثر من نصف قرن من الزمان وهو يدعو إلى الله ويكتب ويؤلف ويعلّم ويحاضر؟! زعم الكاتب أن القرضاوي يخالف القطعيات التي هي من المحكمات غير المتشابهات؟! وزعم أن القرضاوي يعتبر عقله من مصادر التشريع وهذا كلام لا يقوله أحد ينسب إلى العلم فهو تجنٍ واضح على الشيخ، وزعم الكاتب أنه سيحاكم القرضاوي ونصب الكاتب نفسه قاضياً ومدعياً وشاهداً باسم النصوص الشرعية التي يتباكى على مخالفتها، فكان خصماً لدوداً وحكماً ظالماً وأنّى له أن يكون حكماً عادلاً وهو لا يملك شيئاً من مقومات الحَكَم العدل؟!\rوزعم الكاتب أنه لا يصح لأحد أن يعترض على تفنيد مثل هذه الفتاوى وإدحاضها. ثم استدل على ذلك بحديث رواه الدارقطني أنه ﷺ قال: [من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. قالوا: يا رسول الله، ما الغش؟ قال: أن يبتدع لهم بدعة فيعملوا بها] وأقول للكاتب إن هذا الحديث ضعيف جداً لا يصلح دليلاً ومن يعترض على القرضاوي وأمثاله من العلماء لا بد أن يعرف ما يصدر منه حتى لا يحتج بما لا يصلح دليلاً، وعليه أن يراجع تخريج العراقي لإحياء علوم الدين ليرى الحكم على الحديث السابق.\rوقد زعم الكاتب أن الشيخ القرضاوي أباح قليل الربا اعتماداً على قول الله تعالى:\r(لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) وقد قوّل القرضاوي ما لم يقل وأعظَمَ الفرية على الشيخ وما قرأ الكاتب كلام الشيخ القرضاوي ولا يريد أن يقرأ ما كتبه العلامة القرضاوي حول هذه الآية في كتابه \" فوائد البنوك هي الربا الحرام \" قال الشيخ القرضاوي حفظه الله تحت عنوان ربا الأضعاف المضاعفة: [ومما قيل في تبرير فوائد اليوم: إن الربا الذي حرمه القرآن هو ما كان (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) أما الربا القليل مثل ٨% أو ١٠% ونحوه فهذا لا يدخل في الربا المحظور. وهي شبهات أثيرت منذ أوائل هذا القرن الميلادي بدعوى الاستناد إلى الآية الكريمة من سورة آل عمران: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) . ومن المعلوم لمن يتذوقون العربية ويفقهون أساليبها: أن هذا الوصف للربا (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) إنما سيق لبيان الواقع وتبشيعه وأنهم بلغوا فيه إلى هذا الحدّ عن طريق الربا المركب المتصاعد. ومثل هذا الوصف لا يعتبر قيداً في المنع بحيث يجوز ما لم يكن أضعافاً مضاعفة. وهذا مثل أن نقول اليوم: قاوموا المخدرات القاتلة التي تقتل الإنسان من أول شمة! هذا الوصف لهذا النوع من المخدرات المنتشر في الواقع والذي فاق خطره كل خطر لا يعني إخراج الأنواع الأخرى من المخدرات عن دائرة الحظر والمقاومة بل هو تفظيع وتبشيع للواقع المؤسف حتى يعمل الجميع على تغييره. وقد جرت سنة التحريم في الإسلام أن يمنع القليل خشية الوقوع في الكثير وأن يغلق الباب الذي يمكن أن تهب منه رياح الفساد والإفساد. ثم ما هو القليل والكثير؟ وما الذي يجعل الـ ١٠% قليلاً؟ والـ ١٢% كثيراً؟ وما المعيار الذي يحتكم إليه؟ ولو أخذنا بظاهر ألفاظ الآية الكريمة لكانت الأضعاف المضاعفة ما بلغ ٦٠٠% \" ستمائة في المائة \" كما قال شيخنا الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀. لأن كلمة \" أضعاف \" جمع وأقله ثلاثة فإذا ضوعفت الثلاثة - ولو مرة واحدة - كانت ستة! فهل يقول بهذا أحد؟ على أن البيان الحاسم هنا هو ما جاءت به آيات سورة البقرة وهي من أواخر ما نزل من القرآن الكريم وفيها إبطال لكلّ تعلّة. يقول تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) سورة البقرة الآيتان ٢٧٨-٢٧٩] ص ٥٥-٥٧.\rوزعم الكاتب أن الشيخ القرضاوي أباح قليل الربا عندما تحدث عن الشركات المساهمة التي معظم عملها في الحلال ولكنها قد تقرض وتقترض بالربا. واعتبر الكاتب أن كلام القرضاوي فيه إباحة قليل الربا فقال الكاتب في مقاله: [إنه افترض أن الربا المحرم هو الربا الكثير] وسبق كلام الشيخ القرضاوي في تحريم قليل الربا وكثيره، وفي الحقيقة إن الكاتب لم يحرر المسألة محل النزاع التي كان القرضاوي يتحدث فيها وحتى تتضح الصورة لا بد من توضيح ما يلي:\rأولاً: إن الشركات المساهمة التي زعم الكاتب أنها باطلة من أساسها سواء تعاملت بالربا أم لم تتعامل، إن هذا الرأي الذي يتبناه الكاتب هو الباطل بعينه وإن هذا الرأي بني على أسس واهية هي أوهى من بيت العنكبوت وإذا أراد أن يعرف حقيقة فساد وبطلان هذا القول فليرجع إلى ما كتبه الدكتور عبد العزيز الخياط في نقض هذا القول في كتابه \" الشركات \" وأظنه كان يتبنى هذا القول من قبل ورجع عنه. فالشركات المساهمة صحيحة عند العلماء المعاصرين ضمن الضوابط والشروط التي وضعها أهل العلم والقول ببطلانها قول شاذ وليس هذا محل بحثها.\rثانياً: إن الشيخ القرضاوي تكلم عن شركات مساهمة كبيرة قائمة فعلاً مثل: شركة الكهرباء وشركة النفط وشركة الاتصالات، وهذه الشركات معظم تعاملها بالحلال ولكنها تتعامل بالربا فيرى الشيخ القرضاوي أنه ما دام معظم كسب هذه الشركات من حلال فلا بأس إن خالطه شيء من حرام أي لا ينبغي للمسلمين أن يتركوا هذه الشركات لغيرهم خاصة وأنها شركات تسيطر على مرافق أساسية في البلاد وإنما عليهم الدخول في مثل هذه الشركات لمحاولة أسلمتها، وضرب مثلاً بأحد رجال الأعمال المسلمين الذي دخل في عدة شركات واستطاع أن يغير أحوال كثير فيها. وقال الشيخ القرضاوي إنّه إذا لم نستطع أن نصل إلى أسلمة هذه الشركات فعلينا أن نخرج ما يقابل الفوائد الربوية. وما ذهب إليه الشيخ القرضاوي في هذه المسألة ووافقه عليه عدد من العلماء المعاصرين لا يعني إباحة الربا القليل كما زعم الكاتب وادعى. وإن كان بعض العلماء قد خالفوا الشيخ فيما ذهب إليه.\rثالثاً: إن ما ذكره الكاتب حول قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيه مغالطات وسوء فهم للقاعدة وبيان ذلك: أن الكاتب قال: [صحيح أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولكن العبرة بخصوص الموضوع ... ] وكلام الكاتب الأخير يبطل العمل بالقاعدة الأصولية لأن خصوص الموضوع هو السبب الخاص الذي ورد فيه العام فإذا حصرنا العام بالموضوع الخاص فعنئذ لا نعمل بالقاعدة ونبطل مفعولها وبيان ذلك أنه قد ثبت في حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ:\r( ... ثم خرج النبي ﷺ من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أبدأ بما بدأ الله به) رواه مسلم، وفي رواية أخرى قال النبي ﷺ: (إبدأوا بما بدأ الله به) رواه النسائي. فسبب ورود هذا الحديث كان في السعي بين الصفا والمروة وأن بداية السعي تكون بالصفا. والموضوع الذي ورد فيه الحديث هو السعي. ومع ذلك قال العلماء العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فعندما بحث العلماء مسألة الترتيب في الوضوء احتجوا بهذا الحديث مع أنه ورد في موضوع السعي وليس في الوضوء، قال الصنعاني معلقاً على إيراد الحافظ ابن حجر لهذه القطعة من حديث جابر في باب الوضوء: [وذكر المصنف هذه القطعة من حديث جابر هنا لأنه أفاد أن ما بدأ الله به ذكراً نبتدئ به فعلاً ... فإن اللفظ عام والعام لا يقتصر على سببه أعني بما بدأ الله به لأن كلمة \" ما \" موصولة والموصولات من ألفاظ العموم وآية الوضوء وهي قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) داخلة تحت الأمر بقوله ﷺ: (ابدأوا ما بدأ الله به) فيجب البداءة بغسل الوجه ثم ما بعده على الترتيب] سبل السلام ١/٥٢. فها هم العلماء يحتجون بالقاعدة المذكورة في غير الموضوع الذي وردت فيه وهذا هو المعروف عند الأصوليين وأما قول الكاتب بأن العبرة بخصوص الموضوع فهذا كلام غير صحيح.\rوذكر الكاتب أيضاً: [قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ... أيصح لنا أن نقول استناداً إلى هذه الآية إن العطايا والمنح والهبات التي يقدمها الرجل لأبنائه في حياته ينبغي أن تكون للذكر مثل حظ الأنثيين ونعتمد على القاعدة \" العبرة بعموم اللفظ \" لأن أولادكم لفظ عام لأنه مضاف ومضاف إليه. والإضافة تفيد العموم، أيصح لنا ذلك؟ إن جعل حصة الذكر مثل حظ الأنثيين خاص بالإرث فلا ينبغي أن يتعدى ذلك ويستدل به على غير هذا الموضوع] وأقول رداً على هذا الكلام نعم يصح لنا ذلك وقد استدل العلماء بهذه الآية وأجازوا ما زعم الكاتب أنه غير جائز. ففي مسألة عطية الأب لأولاده قال جماعة من أهل العلم بأنه يجوز للأب إذا أراد أن يعطي أولاده من أمواله أن يعاملهم وفق آية المواريث فيعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، قال الشوكاني: [فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية والمالكية العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث] نيل الأوطار ٦/١٠، وانظر الاستذكار لابن عبد البر ٢٢/٢٩٧، والفقه الإسلامي وأدلته ٥/٣٤.\rوبهذا يظهر لنا أن فهم الكاتب لقاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فهم غير صحيح.\rوأخيراً أذكِّر الكاتب وأمثاله ممن يتبنون مثل هذه الأساليب في التعرض للعلماء أنّ عليهم أن يتقوا الله ﷿ وأن يتأدبوا بأدب الإسلام في التعامل مع العلماء وأن يفرقوا بين النقد العلمي وبين السبّ والشتم فالعلماء غير معصومين من الوقوع في الخطأ فنقدهم شيء وسبهم والنيل من أعراضهم شيء آخر.\rقال الحافظ ابن عساكر: [اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حقّ تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ] .\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346281,"book_id":3840,"shamela_page_id":661,"part":"12","page_num":155,"sequence_num":661,"body":"١٥٥ - الربا\rيقول السائل: ما قولكم فيمن اقترض قرضاً ربوياً [بالفائدة] لشراء سيارة جديدة معللاً ذلك بأن السيارة شيء أساسي في حياة الإنسان وأنه لم يجد من يقرضه قرضاً حسناً فاضطر للاقتراض بالفائدة والضرورات تبيح المحظورات؟\r\rالجواب: لا بد أولاً من معرفة الضرورة عند العلماء وما هي المحظورات التي تباح بالضرورة لنرى هل ما فعله هذا الشخص يدخل ضمن ذلك أم لا؟\rفنقول إن الشريعة الإسلامية جاءت باليسر والسماحة ودفع المشقة ورفع الحرج عن الناس.\rيقول الله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) سورة البقرة الآية ١٧٣.\rويقول الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) سورة المائدة الآية ٣.\rويقول الله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) سورة الأنعام الآية ١٤٥.\rويقول الله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) سورة الأنعام الآية ١١٩.\rفهذه الآيات الكريمات بينت أن حالات الضرورة مستثناة من التحريم وبناءً على ذلك قال الفقهاء: [الضرورة هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها ويتعين أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام أو ترك الوجب أو تأخيره عن وقته دفعاً للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع] نظرية الضرورة الشرعية ص ٦٧-٦٨.\rوقاعدة الضرورات تبيح المحظورات ليست على عمومها ولم يقل أحد من أهل العلم أن كل محظور يباح عند الضرورة.\rفالضرورة لا تدخل في كل الأمور المحرمة بمعنى أن هنالك محرمات لا تباح بالضرورة كالقتل فلا يباح قتل المسلم بحجة الضرورة فلا يجوز لمسلم أن يقتل مسلماً ولو كان مضطراً أو مكرهاً لأن قتل النفس لا يباح إلا بالحق يقول الله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) سورة الإسراء الآية ٣٣.\rفقد اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمسلم أن يقدم على قتل غيره بحجة الضرورة.\rوكذلك فإن الزنا لا يباح بحجة الضرورة فلا يحل لمسلم أن يزني بحجة الضرورة ولو كان مكرهاً.\rولكن يجوز أكل الميتة وأكل لحم الخنزير في حال الاضطرار وكذا إساغة اللقمة بالخمر عند الغصة أو عند العطش الشديد أو عند الإكراه الملجىء فهذه الأمور ونحوها تباح عند الضرورة.\rوقد ذكر الفقهاء قديماً وحديثاً قواعد وضوابط للضرورة منها: أن يحصل فعلاً خوف الهلاك أو التلف على النفس أو المال وذلك بغلبة الظن.\rأو يتحقق المرء من وجود خطر حقيقي على إحدى الضرورات الخمس وهي الدين والنفس والعرض والعقل والمال ومنها ألا يتمكن الشخص من دفع الضرورة بوسيلة أخرى من المباحات.\rومنها أن الضرورة تقدر بقدرها فلا يصح التوسع في باب الضرورات فيقتصر المضطر على الحد الأدنى لدفع الضرر. نظرية الضرورة الشرعية ص ٦٩-٧٠.\rإذا تقرر هذا فأقول: إنه لا يجوز شرعاً الاقتراض بالربا لشراء السيارة لأن اقتناء السيارة ليس من باب الضرورة التي تبيح الحرام \" الربا \".\rلا شك أن السيارة حاجة مهمة في الحياة ولكن لا يصل الحال إلى اعتبارها من الأمور الضرورية التي يتوقف عليها حفظ إحدى الضروريات الخمس فكم من الناس لا يملكون سيارة وحياتهم تسير بشكل طبيعي.\rفلا يجوز شرعاً أن نبيح الربا باسم الضرورة وخاصة إذا كانت هذه الضرورة متوهمة وليست حقيقية كما هو الحال في شراء سيارة جديدة بقرض ربوي باسم الضرورة.\rقال الشيخ المودودي: [لا تدخل كل ضرورة في باب الاضطرار بالنسبة للاستقراض بالربا. فإن التبذير في مجالس الزواج ومحافل الأفراح والعزاء ليس بضرورة حقيقية.\rوكذلك شراء السيارة أو بناء المنزل ليس بضرورة حقيقية وكذلك ليس استجماع الكماليات أو تهيئة المال لترقية التجارة بأمر ضروري. فهذه وأمثالها من الأمور التي قد يعبر عنها بالضرورة والاضطرار ويستقرض لها المرابون آلافاً من الليرات لا وزن لها ولا قيمة في نظر الشريعة والذين يعطون الربا لمثل هذه الأغراض آثمون.\rفإذا كانت الشريعة تسمح بإعطاء الربا في حالة من الاضطرار فإنما هي حالة قد يحل فيها الحرام كأن تعرض للإنسان نازلة لا بد له فيها من الاستقراض بالربا أو حلت به مصيبة في عرضه أو نفسه أو يكون يخاف خوفاً حقيقياً حدوث مشقة أو ضرر لا قبل له باحتمالها ففي مثل هذه الحالات يجوز للمسلم أن يستقرض بالربا ما دام لا يجد سبيلاً غيره للحصول على المال غير أنه يأثم بذلك جميع أولي الفضل والسعة من المسلمين الذين ما أخذوا بيد أخيهم في مثل هذه العاهة النازلة به حتى اضطروه لاستقراض المال بالربا. بل أقول فوق ذلك أن الأمة بأجمعها لا بد أن تذوق وبال هذا الإثم لأنها هي التي غفلت وتقاعست عن تنظيم أموال الزكاة والصدقات والأوقاف مما نتج عنه أن أصبح أفرادها لا يستندون إلى أحد ولم يبق لهم من بدّ من استجداء المرابين عند حاجاتهم.\rلا يجوز الاستقراض حتى عند الاضطرار إلا على قدر الحاجة ومن الواجب التخلص منه ما استطاع الإنسان إليه سبيلاً لأنه من الحرام له قطعاً أن يعطي قرشاً واحداً من الربا بعد ارتفاع حاجته وانتفاء اضطراره.\rأما: هل الحاجة شديدة؟ .. أم لا..؟ وإذا كانت فإلى أي حدّ؟ .. ومتى قد زالت؟ فكل هذا مما له علاقة بعقل الإنسان المبتلى بمثل هذه الحالة وشعوره بمقتضى الدين والمسؤولية الأخروية. فهو على قدر ما يكون متديناً يتقي الله ويرجو حساب الآخرة يكون معتصماً بعروة الحيطة والورع في هذا الباب] الربا ص ١٥٧-١٥٨.\rوأخيراً يجب أن يعلم أن كثيراً من الناس يدخلون إلى الربا الحرام من باب الضرورة كما يزعمون وهذه دعوى باطلة كما بينت فالربا محرم بالنص القطعي من كتاب الله ﷾: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة الآية ٢٧٥-٢٧٩.\rوقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346282,"book_id":3840,"shamela_page_id":662,"part":"12","page_num":156,"sequence_num":662,"body":"١٥٦ - الربا\rكل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا، يقول السائل: ما معنى الحديث: (كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا) وهل يدخل فيه أي منفعة صارت إلى المقرض مهما كانت؟\r\rالجواب: هذا الحديث بهذا اللفظ لم يثبت عن النبي ﷺ وروي بلفظ آخر وهو:\r(أن النبي ﷺ نهى عن قرض جر منفعة) فقد رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده وفي إسناده متروك كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/٣٤.\rورواه البيهقي في السنن ٥/٣٥٠، بلفظ: (كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا) وقال البيهقي: موقوف. ورواه البيهقي أيضاً في معرفة السنن والآثار ٨/١٦٩ والحديث ضعيف، ضعفه ابن حجر كما سبق وضعفه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٥/٢٣٥.\rومعنى الحديث صحيح ولكن ليس على إطلاقه، فالقرض الذي يجر نفعاً ويكون رباً أو وجهاً من وجوه الربا هو القرض الذي يشترط فيه المقرض منفعة لنفسه فهو ممنوع شرعاً.\rوأما إذا لم يشترط ذلك فرد المقترض للمقرض القرض وهدية مثلاً بدون شرط سابق فهذا جائز ولا بأس به، بل هو من باب مكافأة الإحسان بالإحسان وقد قال ﵊: (خيركم أحسنكم قضاء) رواه البخاري ومسلم.\rوعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد ضحى فقال: صل ركعتين وكان لي عنده دين فقضاني وزادني) رواه البخاري.\rومن هذا يتبين لنا أن المنفعة التي يجرها القرض تكون محرمة إذا كانت مشروطة وينطبق عليها كل قرض جر منفعة فهو ربا.\rويلحق بالمنفعة المشروطة الهدية أو المنفعة التي يقدمها المقترض للمقرض قبل السداد. ولم تجر العادة في التهادي بينهما ففيها شبه بالربا وقد ورد في آثار عن الصحابة المنع من ذلك.\rفقد روى البخاري عن أبي بردة قال: (أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: ألا تجيء إلى البيت حتى أطعمك سويقاً وتمراً فذهبنا فأطعمنا سويقاً وتمراً، ثم قال: إنك بأرض الربا فيها فاش - أي منتشر - فإذا كان لك على رجل دين فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تقبله فإن ذلك من الربا) .\rوعن سالم بن أبي الجعد قال: (كان لنا سماك عليه لرجل خمسون درهماً فكان يهدي إليه السمك فأتى ابن عباس فسأله عن ذلك؟ فقال: قاصه بما أهدى إليك) رواه البيهقي وقال الألباني إسناده صحيح.\rوله رواية أخرى: (أن ابن عباس قال في رجل كان له على رجل عشرون درهماً فجعل يهدي إليه وجعل كلما أهدى إليه هدية باعها حتى بلغ ثمنها ثلاثة عشر درهما فقال ابن عباس: لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم) سنن البيهقي ٥/٣٤٩ - ٣٥٠ وقال الألبني إسناده صحيح. إرواء الغليل ٥/٢٣٤.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346283,"book_id":3840,"shamela_page_id":663,"part":"12","page_num":157,"sequence_num":663,"body":"١٥٧ - المصارف الإسلامية\rيقول السائل: هل يجوز شرعاً تحديد مقدار الربح مسبقاً للمستثمرين في المصارف الإسلامية بنسبة مئوية ثابتة وهل يعتبر هذا التحديد من الربا؟\r\rالجواب: كثير من الاستثمارات التي تقوم بها المصارف الإسلامية والتي يستثمر فيها المستثمرون من غير المساهمين في البنك هي في حقيقتها عقد مضاربة حيث إن المستثمر أو المستثمرين هم أصحاب الأموال والمصرف الإسلامي هو العامل.\rوالمضاربة جائزة شرعاً باتفاق الفقهاء وقامت الأدلة العامة على مشروعيتها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وهو المأثور عن الصحابة والتابعين فقد كانوا يتعاملون بها من غير نكير فهذا بمثابة الإجماع على جوازها. انظر الشركات للخياط ٢/٥٣.\rومن شروط عقد المضاربة أن يتم الاتفاق على تحديد نصيب كل من الشريكين أو الشركاء من الربح نصاً صريحاً يمنع النزاع والخلاف وليكون كل منهم على بصيرة من الأمر.\rوقال الفقهاء: لا بد أن يكون الربح نصيباً شائعاً كأن يكون مثلاً ربعاً أو ثلثاً أو نصفاً.\rقال ابن المنذر: [أجمع أهل العلم على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه أو يجمعان عليه بعد أن يكون ذلك معلوماً جزءاً من أجزاء] المغني ٥/٢٣.\rوحساب الربح بالنسبة المئوية جائز شرعاً ولا بأس به وهو بمعنى حساب الربح بالربع أو الثلث أو النصف، فإن الربع يساوي ٢٥% والثلث ٣٣% وهكذا ولا مانع مطلقاً من حساب الربح بالنسب المئوية وما يظنه كثير من الناس أن حساب الربح بالنسبة المئوية هو من باب الربا غير صحيح ويرجع هذا الظن الخاطىء إلى تعامل الناس مع البنوك الربوية التي تحسب فوائدها بالنسبة المئوية كأن يقترض شخص من البنك الربوي عشرة آلاف دينار لمدة سنتين فيقال له إن عليك فائدة بنسبة ٩% مثلاً وفي الحقيقة والواقع أن حساب المصارف الإسلامية للأرباح بالنسبة المئوية ليس له علاقة بالربا ولا بمعدلات الفائدة الربوية.\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346284,"book_id":3840,"shamela_page_id":664,"part":"12","page_num":158,"sequence_num":664,"body":"١٥٨ - القروض\rرسوم خدمات القروض، يقول السائل: هنالك إحدى المؤسسات تقدم قروضاً لمشاريع صغيرة لتوسيعها وتطويرها وجاء في النشرة التي تصدرها المؤسسة المذكورة تحت عنوان: [فوائد ورسوم القروض بأنهم لا يأخذون أية فائدة أو رسوم ولكن الأشخاص الذين يحصلون على القروض يدفعون رسوم خدمات وهذه الرسوم تختلف تبعاً لحجم وشروط القرض] فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: لقد صار شائعاً عند كثير من المتعاملين بالربا التلاعب بالألفاظ والعبارات محاولةً منهم لتغيير الحقائق والمسميات بتغيير أسمائها فقط فالربا يسمى فائدة ويسمى رسم خدمات كما في السؤال وتغيير الأسماء لا يغير من حقائق المسميات شيئاً وقد أخبر النبي ﷺ عن مثل هذا التلاعب من تغيير الناس لأسماء المحرمات كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ليستحلن طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في غاية المرام ص ٢٤، وفي السلسلة الصحيحة ١/١٣٦.\rوجاء في رواية أخرى: (إن ناساً من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) رواه الحاكم والبيهقي وله شواهد تقويه، وقد صدق الصادق المصدوق فإن الخمور تسمى في زماننا بالمشروبات الروحية.\rوروي في الحديث أنه ﵊ قال: (يأتي على الناس زمان يستحلون الربا باسم البيع) ذكره ابن القيم في إغاثة اللهفان ١/٣٥٢، وضعفه الشيخ الألباني في غاية المرام ص ٢٥ ثم قال: [ ... معنى الحديث واقع كما هو مشاهد اليوم] .\rوالملاحظ في السؤال أن ما سموه رسم خدمات يختلف مقداره تبعاً لحجم القرض وشروطه وهذه إشارة واضحة إلى أنه ربا لأنه لو كان رسماً للخدمات فعلاً لما اختلف مقداره باختلاف حجم القرض وشروطه إذ أن الخدمات التي تؤدى لمن يقترض ألفاً هي ذاتها الخدمات التي تؤدى لمن يقترض عشرة آلاف ولكنه التلاعب ومحاولة تغيير الأسماء ليخدع الناس ويظنوا أن ذلك لا شيء فيه ويجب أن يعلم أن هذه الرسوم هي ربا وإن غيرت أسماؤها لأن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني كما قرر ذلك فقهاؤنا.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346285,"book_id":3840,"shamela_page_id":665,"part":"12","page_num":159,"sequence_num":665,"body":"١٥٩ - الوفاء بالوعد\rيقول السائل: ما حكم الوفاء بالوعد في الشريعة الإسلامية؟\r\rالجواب: إن كثيراً من النصوص من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ أمرت بالوفاء بالوعد وحثت على ذلك وذمت من لم يف بوعده فمن هذه النصوص قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) سورة المائدة الآية ١.\rفهذه الآية الكريمة تأمر بالوفاء بالعقود والوعد داخل في ذلك.\rقال الزجاج: [المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم مع بعضكم مع بعض] نقله عنه القرطبي في تفسيره ٦/٣٣.\rوقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) سورة الصف الآية ٣.\rوهذه الآية من أشد الآيات في وجوب الوفاء بالوعد لأنها تضمنت الذم الشديد لمن لم يف بما يعد. قال القرافي: [والوعد إذا أخلف قول لم يفعل فيلزم أن يكون كذباً وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقاً] الفروق ٤/٢٠.\rوقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) سورة النحل الآية ٩١.\rوقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) سورة الإسراء الآية ٣٤.\rكما أن الله ﷾ ذم بعض المنافقين الذين لم يفوا بوعودهم كما في قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْءَاتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّاءَاتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) سورة التوبة الآيات ٧٥-٧٧.\rكما أن الله ﷾ مدح الموفين بعهودهم ووعودهم وأثنى عليهم كما في قول الله تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) سورة البقرة الآية ١٧٧.\rوقال تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) سورة النجم الآية ٣٧.\rومدح الله ﷾ إسماعيل بقوله: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا) سورة مريم الآية ٥٤.\rوورد في السنة النبوية ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد فمن ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا أؤتم خان، وإذا وعد أخلف) رواه البخاري ومسلم.\rوجاء في رواية أخرى عند مسلم: (من علامات المنافق ثلاث ... ) .\rوفي رواية ثالثة عند مسلم أيضاً: (آية المنافق ثلاث ... وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) .\rوجاء في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) رواه البخاري ومسلم.\rوجاء في الحديث عن عبد الله بن عامر ? قال: (دعتني أمي يوماً ورسول الله ﷺ قاعد في بيتها فقالت: تعال أعطك. فقال لها رسول الله ﷺ: ما أردت أن تعطيه؟ فقالت: أعطيه تمراً. فقال لها رسول الله ﷺ أما إنك لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة) رواه أبو داود وحسّنه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/٩٤٣، وفي السلسة الصحيحة ٢/٣٨٤.\rوجاء في الحديث عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يستعيذ في صلاته كثيراً من المأثم والمغرم - الإثم والدين - فقيل له: يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: إن الرجل إذا غرم - أي استدان - حدث فكذب ووعد فأخلف) رواه البخاري.\rوبعد عرض هذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية أقول إن أهل العلم اختلفوا في حكم الوفاء بالوعد فمنهم من قال بأنه مندوب ومنهم من قال بأنه واجب ومنهم من قال بالتفصيل ففي حالات يجب الوفاء وفي أخرى يندب.\rوالذي أميل إليه وأختاره وجوب الوفاء بالوعد ديانة وقضاء وهذا قول جماعة من أهل العلم منهم جماعة من فقهاء السلف كالفقيه المعروف ابن شبرمة والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والقاضي سعيد بن الأشوع وإسحاق بن راهويه وغيرهم.\rقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب من أمر بإنجاز الوعد وفعله الحسن - (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) - وقضى ابن الاشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة.\rوقال المسور بن مخرمة سمعت النبي ﷺ وذكر صهراً له فقال: وعدني فوفاني. قال أبو عبد الله - أي البخاري - رأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٦/٢١٧-٢١٨.\rثم ساق البخاري أربعة أحاديث في الوفاء بالوعد منها قصة أبي سفيان مع هرقل وفيه: (سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي) .\rثم ذكر حديث أبي هريرة السابق في علامات المنافق ثم ذكر حديث جابر بن عبد الله ? قال: (لما مات النبي ﷺ جاء أبا بكر مالٌ من قبل العلاء بن الحضرمي. فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا. قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يديه ثلاث مرات. قال جابر: فعدَّ في يدي خمسمئة ثم خمسمئة ثم خمسمئة) .\rثم ذكر حديث ابن عباس في قصة وفاء موسى ﵇ بوعده لوالد الفتاتين.\rفهذه الأدلة وغيرها تدل على وجوب الوفاء بالوعد.\rوقد ذكر الحافظ السخاوي تفصيلاً أكثر من هذا في كتابه القيم \" التماس السعد في الوفاء بالوعد \" وبين قوة هذا القول فقال في مقدمة كتابه: [وبعد، فهذا تصنيف لطيف سميته التماس السعد في الوفاء بالوعد، جمعت فيه ما تيسر لي الوقوف عليه من الأحاديث والآثار ومناسبات الأشعار وافتتحته بآية في المعنى مع طرف من تفسيرها الأسنى ليتوافق دليل السنة والكتاب ويظهر قوة من جنح في ذلك للوجوب من الأصحاب] التماس السعد في الوفاء بالوعد ص ٣٠.\rومن لطيف ما ذكره الحافظ السخاوي: [أن مطرفاً بن عبد الله الشخير وكان من فضلاء السلف سمع رجلاً يقول: أستغفر الله وأتوب إليه. فأخذ بذراعه وقال: لعلك لا تفعل من وعد فقد أوجب] .\rوذكر أيضاً: [أنه قيل لبعض الصالحين وقد أصبح صائماً تطوعاً: أفطر فإن المتطوع أمير نفسه. فقال: إني لأستحي من ربي ﷿ أن أعده وعداً وهو أن أصوم ولا أوفي له بوعدي] التماس السعد ص ٥٧-٥٨.\rومن كلمات السلف: [الوعد سحابة والإنجاز مطر وأحسن المواعيد ما صدقه الإمطار] التماس السعد ص ٩٦.\rوأخيراً ينبغي أن يقال إن الأخذ بقول من أوجب الوفاء بالوعد يضبط معاملات الناس وخاصة في الأمور المالية وقد أخذت كثير من المصارف الإسلامية التي تتعامل وفق الأحكام الشرعية بمبدأ الإلزام بالوعد لما في ذلك من ضبط للمعاملات المالية.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346286,"book_id":3840,"shamela_page_id":666,"part":"12","page_num":160,"sequence_num":666,"body":"١٦٠ - المواعدة على الصرف\rيقول السائل: هل يجوز شرعاً أن أتفق مع شخص على أن أبيعه عشرة آلاف دولار بما يعادلها من الدنانير بالسعر الحاضر على أن يتم التسليم والاستلام بعد شهرين؟\r\rالجواب: هذه العملية تسمى مواعدة على الصرف وهي محل خلاف بين أهل العلم قديماً وحديثاً، ومن المعروف أن الصرف هو بيع الثمن بالثمن جنساً بجنس أو بغير جنس.\rوشروط الصرف تقابض البدلين في مجلس العقد وأن يخلو عقد الصرف من الأجل ومن خيار الشرط لأنه يخل بالقبض كما قرر ذلك جمهور الفقهاء. انظر الموسوعة الفقهية ٢٤/٣٤٨ فما بعدها.\rوبناءً على اشتراط عدم التأجيل في عقد الصرف اختلف الفقهاء في جواز المواعدة على الصرف والذي أميل إليه وأطمئن إليه هو جواز المواعدة على الصرف على أن تكون المواعدة غير لازمة.\rفإذا تواعد شخصان على المصارفة بعد ستة أشهر مثلاً بأن حدَّدا نوع العملة وسعرها اليوم واتفقا على أن يتم التقابض عندما يحل الأجل وعندما حل الأجل عقد الطرفان عقداً جديداً وتم التسليم والاستلام فهذا العقد جائز ولا بأس به حيث إن المواعدة في هذه الحال ليست لازمة.\rوأما إن كانت المواعدة لازمة في عقد الصرف فلا تصح المعاملة لأن كلاً من الطرفين يكون ملزماً بتنفيذ الوعد عند حلول الأجل ولا يحتاج إلى إنشاء عقد جديد فحينئذ يكون ذلك بمثابة عقد صرف تأخر فيه تقابض البدلين وتقابض البدلين قبل التفرق شرط لصحة عقد الصرف ولا عبرة بتسمية اتفاقهم الأول مواعدة إذ العبرة ي العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.\rوقد قال بجواز هذه المعاملة الإمام الشافعي وابن حزم الظاهري وابن نافع من المالكية وبعض العلماء المعاصرين.\rقال الإمام الشافعي: [وإذا تواعد الرجلان الصرف فلا بأس أن يشتري الرجلان الفضة ثم يقرانها عند أحدهما حتى يتبايعاها ويصنعا بها ما شاءا] الأم ٣/٣٢.\rوقال ابن حزم: [والتواعد في بيع الذهب بالذهب أو بالفضة وفي بيع الفضة بالفضة وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز تبايعا بعد ذلك أو لم يتبايعا لأن التواعد ليس بيعاً. وكذلك المساومة أيضاً جائزة - تبايعا أو لم يتبايعا - لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك وكل ما حرم علينا فقد فصل باسمه قال تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) .\rفكل ما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال بنص القرآن إذ ليس في الدين إلا فرض أو حرام أو حلال فالفرض مأمور به في القرآن والسنة والحرام مفصل باسمه في القرآن والسنة وما عدا هذين فليس فرضاً ولا حراماً بالضرورة حلال إذ ليس هنالك قسم رابع - وبالله التوفيق] المحلى ٧٦/٤٦٥-٤٦٦.\rوقال الشيخ العدوي: [ ... وأما لو أراد أن يعقدا بعد ذلك فلا ضرر كأن يقول له سر بنا إلى السوق بدراهمك فإن كانت جياداً تصارفنا أي أوقعنا عقد الصرف بعد ذلك يوافقه الآخر فلا ضرر فيه] حاشية العدوي على شرح الخرشي على مختصر خليل ٥/٣٨.\rوقد أجازت المواعدة على الصرف عدد من الهيئات العلمية الشرعية فقد جاء في فتاوى ندوات البركة ما يلي:\r١. ما هو الرأي في المواعدة بشراء العملات مختلفة الجنس بسعر يوم الاتفاق \" يوم المواعدة \" على أن يكون تسليم كل من البدلين مؤجلاً لكي يتم التبادل في المستقبل يداً بيد وذلك في حالة كون مثل هذه المواعدة ملزمة وحالة كونها غير ملزمة؟\rالفتوى: إن هذه المواعدة إذا كانت ملزمة للطرفين فإنها تدخل في عموم النهي عن بيع الكالئ بالكالئ \" بيع الدين بالدين \" فلا تكون جائزة وإذا كانت غير ملزمة للطرفين فإنها جائزة. فتاوى ندوات البركة ص ٢٨.\r٢. ما حكم المواعدة في صرف العملات؟\rالفتوى: يؤكد على ما جاء في قرارات المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت في مارس ١٩٨٣ من أن المواعدة في بيع العملات مع تأجيل الثمن جائزة إذا كانت المواعدة غير ملزمة \" هذا رأي الأغلبية \" أما المواعدة إذا كانت ملزمة فهذه المعاملة غير جائزة شرعاً. فتاوى ندوات البركة ص ١٠٧.\rوجاء في الفتاوى الشرعية للبنك الإسلامي الأردني السؤال التالي: [تسهيلاً لحجاج بيت الله الحرام ترغب وزارة الأوقاف بأن يتفق البنك الإسلامي الأردني معها لبيعها ريالات سعودية بسعر محدد مسبقاً - اليوم مثلاً - خلال فترة مستقبلية محددة - ستين يوماً من تاريخه مثلاً - على أن تقوم وزارة الأوقاف بتسليم البنك خلال أي يوم من الستين يوماً ثمن الريالات السعودية بالدنانير الأردنية وأن يقوم البنك في ذات اليوم بتسليمها شيكاً بالريالات السعودية محسوباً على أساس السعر المحدد سابقاً لهذه الغاية - والذي قد يزيد أو يقل عن سعر صرف الريال في ذلك اليوم - فهل يجوز شرعاً السير في هذه المعاملة؟\rالجواب: إن الاتفاق على تبادل العملات مختلفة الأجناس بسعر يحدد حين الاتفاق على أن يتم التسليم والتسلم من قبل البنك والوزارة في وقت واحد على أساس السعر المتفق عليه سابقاً بغض النظر عن سعر العملة يوم التنفيذ يشمله ما جاء في نيل الأوطار من أن مذهب الحنفية والشافعية أنه يجوز التبادل بسعر يومها وأغلى وأرخص وإن هذا الاتجاه وإن كان يخالف ما جاء في حديث ابن عمر الذي يتضمن الإجازة بسعر يومها إلا أنه يظهر أن الأمامين أخذا بالحديث العام وهو قوله ﷺ: (إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) وعليه فإني أوافق على السير في معاملة الاتفاق على الوجه المشروح عملاً برأي الحنفية والشافعية المشار إليه والله ﷾ أعلم] فتاوى البنك الإسلامي الأردني ٢/١٠-١١.\rوجاء في فتاوى بيت التمويل الكويتي: [ما الرأي الشرعي في مدى جواز الاتفاق على بيع أو شراء العملة وبسعر يتفق عليه مقدماً على أن تنفذ العملية في زمن لاحق ويكون التسليم والاستلام بالنقد في وقت واحد؟\rالجواب: مثل هذه المعاملة تعتبر وعداً بالبيع فإن أنفذاه على الصورة الواردة في السؤال فلا مانع شرعاً والله أعلم.\rوزيادة في إيضاح هذه المسألة أقول: إن تنفيذ هذا الوعد على الصورة الواردة في السؤال يكون مشروعاً ولكنه إذا اقترن الوعد بما يدل على أنه عقد بيع بأن دفع بعض الثمن دون بعض فيكون من قبيل بيع الكالئ بالكالئ \" المؤجل بالمؤجل \" وهو ممنوع مطلقاً ولا سيما في عقد الصرف الذي يشترط لصحته تقابض كلا البدلين في مجلس العقد ويعتبر اشتراط التأجيل مفسداً له عند جميع الأئمة] فتاوى بيت التمويل ١/٢٠٣.\rومما يدل على جواز هذه المعاملة أن المواعدة في الصرف خارجة عن نطاق النصوص التي تحرم تأخير تسليم العوضين أو أحدهما لأن المراد من هذه النصوص النهي عن قبض أحد العوضين فقط دون الآخر لأن ذلك يؤدي إلى ربا النسيئة فوجود الفترة الزمنية بين قبض أحد العوضين وتأجيل قبض الآخر هو الذي أوجد الربا وهذه الصورة لا خلاف في تحريمها وهي تختلف عن المواعدة في الصرف في أن المواعدة في الصرف لا يحصل فيها تسليم أحد البدلين وتأجيل الآخر وإنما يكون فيها التسليم والتسلم في المستقبل معاً فليس هناك تسليم مسبق وتأجيل بل التسليم يتم في الموعد المحدد في نفس اللحظة التي يتم فيها تسليم العملة المحلية يتم تسلم العملة الأجنبية وما يتم حين التواعد هو تحديد السعر الذي يتم على أساسه هذا التسليم في المستقبل وليس إنشاء عقد الصرف. أحكام صرف النقود والعملات في الفقه الإسلامي ص ١٢٣.\rوهذه المعاملة تحقق مصلحة للمتعاملين بها كما أنه ليس في هذه العملية ما يقضي بحرمتها لانتفاء الغرر والجهالة والربا، غاية ما في الأمر أن العميل يطمئن من خلال هذه العملية أنه سيحصل على المبلغ الذي يريده في زمن محدد، يقول الدكتور سامي حمود: [وإذا نظرنا إلى واقع الحال بالنسبة لما تؤديه العملية من خدمة للمستورد في حال المواعدة على الشراء وللمصدِّر في حال المواعدة على البيع نجد أن اطمئنان كل من المستورد لما سيدفعه من ثمن والمصدر لما سيقتضيه أمر له اعتباره، أما المصرف فإنه إذا كانت لديه عمليات واسعة فإنه يستطيع أن يوازن بين المواعدة بالبيع مع المواعدة بالشراء] تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية ص ٣٢٠، أحكام صرف النقود والعملات ص ١٢٦.\rوخلاصة الأمر أن هذه المعاملة جائزة شرعاً بشرط أن تكون المواعدة غير لازمة.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346287,"book_id":3840,"shamela_page_id":667,"part":"12","page_num":161,"sequence_num":667,"body":"١٦١ - البيع\rيقول السائل: كثير من النساء عندما يردن بيع الحلي الذهبية القديمة التي لديهن يذهبن إلى الصائغ فيعطينه الذهب القديم ويأخذن ذهباً جديداً ويدفعن فرق السعر، فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: هذا البيع باطل ولا يجوز شرعاً لأنه يشترط في بيع الذهب بالذهب أمران أولهما اتحاد الوزن أي التساوي في الوزن والثاني التقابض في مجلس البيع والشراء وفي صورة السؤال فإن الذهب الجديد لم يساو الذهب القديم في الوزن حيث إنه تم دفع الفرق في السعر بينهما.\rوحتى يكون هذا البيع صحيحاً فإن المرأة تبيع الذهب القديم إلى الصائغ بالسعر الذي يتم الاتفاق عليه وتقبض الثمن ثم تشتري منه ذهباً جديداً بالسعر الذي يتم الاتفاق عليه والأولى والأفضل أن تبيع المرأة الذهب القديم إلى الصائغ وتقبض الثمن ثم تذهب إلى السوق فتطلب حاجتها من الذهب من غيره من الصاغة فهذا أحسن كما ذهب إليه الإمام أحمد. المغني ٤/٤٢.\rوقد صح في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض - أي لا تزيدوا - ولا تبيعوا الورق - الفضة - بالورق إلا مثلاً بمثل بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائباً بناجز) رواه البخاري ومسلم.\rقال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا سواء بسواء) ، قال العلماء: هذا يتناول جميع أنواع الذهب والورق من جيد ورديء وصحيح ومكسور وحلي وتبر وغير ذلك وسواء الخالص والمخلوط بغيره وهذا كله مجمع عليه] شرح النووي على مسلم ٤/١٩٥.\rوقال ابن قدامة المقدسي: (والجيد والرديء والتبر والمضروب والصحيح والمكسور سواء في جواز البيع مع التماثل وتحريمه مع التفاضل وهذا قول أكثر أهل العلم) المغني ٤/٨.\rوعن أبي هريرة ? قال: قال رسول الله ﷺ: (الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثل والفضة بالفضة وزناً بوزن مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا) رواه مسلم.\rوعن فضالة بن عبيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزناً بوزن) رواه مسلم.\rويؤخذ من هذه الأحاديث وغيرها أن الأموال الربوية أي التي يجري فيها الربا لا يجوز بيع بعضها ببعض إلا إذا تساوى الوزن وتم القبض في مجلس العقد.\rفلا يصح بيع الرديء منها بالجيد مع اختلاف الوزن وكذلك القديم بالجديد ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ: (بعث أخا عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر فقدم بتمر جنب - أي جيد - فقال له رسول الله ﷺ: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع - تمر رديء -، فقال رسول الله ﷺ: لا تفعلوا ولكن مثلاً بمثل أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا وكذلك الميزان) رواه مسلم.\rوفي رواية أخرى عند مسلم: فقال رسول الله ﷺ: (فلا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً) .\rويدل على ذلك أيضاً ما ثبت في الحديث عن أبي سعيد قال: (جاء بلال بتمر برني - تمر جيد - فقال رسول الله ﷺ: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: أوه عين الربا لا تفعل لكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به) رواه مسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم: فقال رسول الله ﷺ: (هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا) .\rوخلاصة الأمر أن الصحيح في هذه المعاملة أن يباع الذهب القديم بالنقود وبعد قبضها من الصائغ يشترى الذهب الجديد ولا ينبغي أن يكون هنالك تواطئ على العقدين والأفضل هو بيع القديم لصائغ وشراء الجديد من صائغ آخر.\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346288,"book_id":3840,"shamela_page_id":668,"part":"12","page_num":162,"sequence_num":668,"body":"١٦٢ - الشيكات\rيقول السائل: هل استلام الشيك في الصرف يعتبر بمثابة قبض النقود وما حكم أخذ العمولة على الشيكات الحالة والمؤجلة وما تعليقكم على ما جاء في إحدى الفتاوى التي نشرت في جريدة القدس من منع استعمال الشيك في عمليات الصرف وعدم جواز دفع العمولة عليها؟\r\rالجواب: إن الأصل في نظام المعاملات في الشريعة الإسلامية الإباحة مع الإلتزام بالقواعد العامة الحاكمة لنظام المعاملات المالية الشرعية وإن التطور الملموس الذي ظهر في باب المعاملات المالية يحتاج إلى دراسة وبحث لصور المعاملات المالية الحديثة على ضوء القواعد الشرعية وينبغي التروي في إصدار الأحكام ودراستها دراسة عميقة ومن المعروف أن التعامل بالشيكات صار من الأمور المشهورة والمعروفة والتي لا يستغني عنها الناس في معاملاتهم المالية والشيك عبارة عن أمر من العميل إلى المصرف ليدفع إلى شخص ثالث المبلغ المدون في الشيك من حسابه الجاري في المصرف. المصارف الإسلامية ص ٣١٤.\rوالشيكات على أنواع وأشكال مختلفة ولا يتسع المقام للحديث عن تفاصيل ذلك ولكن سأذكر حكم استعمال الشيك في الصرف وهل يقوم استلام الشيك مقام قبض المبلغ في الصرف لأنه من المعلوم فقهاً أنه يشترط لصحة عقد الصرف تقابض البدلين في المجلس فإذا ما تصارف اثنان أحدهما لديه ألف دينار مثلاً ويريد أن يصرفها إلى دولارات فدفع الأول الألف دينار للصراف فأعطاه الصراف شيكاً حال الأجل بالدولارات التي تقابل الدنانير فهل عملية الصرف هذه صحيحة أم لا؟\rالجواب: إذا نظرنا إلى حقيقة التعامل بالشيكات وأن منزلتها لا تقل عن منزلة التعامل بالأوراق النقدية وإذا اشترطنا في الشيك الحلول بمعنى أن يكتب تاريخ الشيك في تاريخ المصارفة وأن يكون المبلغ المكتوب فيه محدداً فإنه يجوز استعمال الشيك في هذه الحالة ويعتبر استلام الشيك بمثابة قبض المبلغ المدون فيه فقبض الشيك في هذه الحالة يقوم مقام قبض بدل الصرف ذاته.\rيقول الشيخ مصطفى الزرقا ﵀: [فإذا نظرنا إلى أن الشيكات تعتبر في نظر الناس وعرفهم وثقتهم بمثابة النقود الورقية وأنها يجري تداولها بينهم كالنقود تظهيراً وتحويلاً وأنها محمية في قوانين جميع الدول من حيث أن سحب الشيك على بنك ليس للساحب فيه رصيد يفي بقيمة الشيك المسحوب يعتبر جريمة شديدة تعاقب عليها قوانين العقوبات في الدول جميعاً، إذا نظرنا إلى هذه الاعتبارات يمكن القول معها بأن تسليم المصرف الوسيط شيكاً بقيمة ما قبض من طالب التحويل يعتبر بمثابة دفع بدل الصرف في المجلس أي أن قبض ورقة الشيك كقبض مضمونه فيكون الصرف قد استوفى شريطته الشرعية في التقابض] أحكام صرف النقود والعملات ص ١٠١.\rوبهذا يتضح لنا أن إعطاء شيك حال بمنزلة التقابض في المجلس فلا مانع من ذلك شرعاً وأما أخذ العمولة على الشيكات المؤجلة كأن تكون قيمة الشيك ألف دينار مثلاً وتاريخ الشيك بعد شهرين فيذهب حامل الشيك إلى الصراف فيعطيه ٩٥٠ ديناراً فأرى أن هذه الصورة ممنوعة شرعاً لاشتمالها على الربا.\rوأما إذا كان الشيك حالاً فلا مانع من أخذ العمولة عليه كما جرت عادة المصارف والصرافين من خصم ١% مثلاً على الشيك فهذه الصورة تخرج على أنها وكالة والوكالة تجوز بأجر وبدون أجر فهذه العملية ظاهر فيها الجواز شرعاً لأن العمولة التي يأخذها البنك هي أجرة له على التحصيل فهو وكيل مفوّض من قبل أصحاب هذه الأوراق علماً أن تحصيلها يتطلب جهداً كبيراً من البنك ويكلفه مصاريف انتقال المحصلين وإرسال الإخطارات للمدينين والإشعارات بسدادهم يقول الأستاذ الهمشري: [وبالتأمل في مفهوم كل من التحصيل للأوراق التجارية والوكالة أستطيع أن أقرر أن عملية التحصيل للأوراق التجارية لا تخرج عن كونها عملية توكيل للبنك بأجر وإذا أجزنا للمحامي الأجر مقابل وكالته في الدفاع سواء أكسب القضية أم خسرها فإن الوكيل - البنك - في عملية التحصيل للدين يستحق الأجر سواء تم التحصيل أم لا لأنه قام بالوكالة وحقق المطالبة بسداد الدين في ميعاد الاستحقاق واتخذ كافة وسائل التحصيل الممكنة ... ] البنوك الإسلامية ص ١٣٧-١٣٨.\rوأما ما جاء في الفتوى المنشورة في جريدة القدس قبل حوالي أسبوعين حيث ورد فيها ما يلي: [وأما إذا كان قبض المبلغ غير مؤجل أي أنه حال ويستطيع الصيرفي قبض المبلغ من الجهة الموجه إليها الشيك في أي وقت يريد فالأمر فيه تفصيل فإذا كانت العملية تسمى صرفاً فتكون العملية غير جائزة وذلك لأن صورة الصرف الشرعية هي مبادلة مال بمال مثلاً بمثل دون زيادة وفي نفس المجلس يستلم الطرفان كل من الآخر دون أن يفترقا وفي هذه الصورة قد استلم صاحب الشيك مبلغه نقداً وأما الصيرفي فقد استلم ورقة فيها أمر بالدفع ولم يستلم نقوداً وقدم المبلغ أيضاً ناقصاً.\rوأما إذا كانت العملية غير صورة الصرف ... فصاحب الشيك المضمون قبضه حالاً غير مؤجل لسبب من الأسباب لا يتمكن من الذهاب للجهة الموجه إليها الأمر بالقبض فيكلف شخصاً آخر سواء الصيرفي أو غيره بأن يقوم بهذه المهمة مقابل أجرة معينة فيستلم الصيرفي الشيك المضمون قبضه حالاً ويعطي صاحبه مبلغه باستثناء الأجرة المتفق عليها ... فهذه الصورة ليست فيها مخالفة شرعية ... الخ] .\rأقول هذه الفتوى فرقت بين المتماثلين في الحقيقة والواقع واعتمدت في التفريق على اختلاف الاسم فقط ففي الصورة الأولى التي تسمى صرفاً لا تجوز وفي الصورة الثانية التي تسمى مهمة مقابل الأجر تجوز وليس فيها مخالفة شرعية.\rإن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين المتماثلين وإن مضمون الصورتين واحد وإن اختلفت التسمية كما جاء في الفتوى.\rإن من القواعد المعلومة في الشريعة الإسلامية أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني وهذه القاعدة مستمدة من القاعدة الكلية الأخرى وهي الأمور بمقاصدها.\rقال العلامة ابن القيم: [قواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها لا صورها وألفاظها] زاد المعاد ٥/٢٠٠.\rوقال في موضع آخر: [والتحقيق أنه لا فرق بين لفظ ولفظ فالاعتبار في العقود بحقائقها ومقاصدها لا بمجرد ألفاظها] زاد المعاد ٥/٨١٣.\rوبهذا يظهر لنا أن تفريق الفتوى بين الصورتين المذكورتين في صرف الشيك الحال تفريق غير صحيح لأن حقيقة الصورتين واحدة وإن اختلفت التسمية كما ورد في الفتوى.\rوختاماً فالذي يظهر لي هو جواز صرف الشيكات الحالة مع دفع عمولة عليها كما هو متعارف الآن لدى البنوك والصرافين وأن هذه العمولة تخرج على أنها وكالة بأجر.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346289,"book_id":3840,"shamela_page_id":669,"part":"12","page_num":163,"sequence_num":669,"body":"١٦٣ - توثيق المعاملات بالكتابة\rيقول السائل: كثير من معاملات الناس التي تحتاج كتابة عقود واتفاقيات يعتمد الناس فيها على عامل الثقة بينهم فلا يكتبونها ولا يوثقونها فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن كتابة العقود وتوثيقها بمختلف أنواعها أمر مطلوب شرعاً وخاصة في هذا الزمان حيث خربت ذمم كثير من الناس وقل دينهم وورعهم وزاد طمعهم وجشعهم.\rوإن الاعتماد على عامل الثقة بين الناس ليس مضموناً لأن قلوب الناس متقلبة وأحوالهم متغيرة وقد يكون المتعاقدان متحابين وصديقين حميمين وقت العقد ووقت الإقراض ثم يقع بينهما من العداوة والبغضاء ما الله به عليم فتضيع الحقوق.\rأو تنكر أو تنقض لذا كان من الأمور المندوبة شرعاً توثيق الدين وغيره من العقود والاتفاقيات.\rومما يدل على مشروعية ذلك آية الدين وهي أطول آية في القرآن الكريم حيث يقول الله ﷾: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌوَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآيتان ٢٨٢-٢٨٣.\rففي هاتين الآيتين دلالة واضحة على مشروعية كتابة الدين وتوثيقه.\rقال الإمام ابن العربي المالكي: [قوله تعالى: (فَاكْتُبُوهُ) يريد أن يكون صكاً ليستذكر به عند أجله لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الأجل والنسيان موكل بالإنسان والشيطان ربما حمل على الإنكار والعوارض من موت وغيره تطرأ فشُرِع الكتاب والإشهاد] أحكام القرآن ١/٢٤٧.\rومما يرشد إلى مشروعية كتابة العقود وتوثيقها ما جاء في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه) رواه البخاري ومسلم.\rوقد روى الترمذي بإسناده عن عبد المجيد بن وهب قال: (قال لي العداء بن خالد بن هوذة: ألا أقرئك كتاباً كتبه لي رسول الله ﷺ؟ قال: قلت بلى، فأخرج لي كتاباً: هذا ما اشترى العداء ابن خالد بن هوذة من محمد ﷺ اشترى منه عبداً أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم) رواه الترمذي وحسّنه ورواه ابن ماجة ورواه البخاري تعليقاً وقال الشيخ الألباني: حسن. سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ٥/١٧٦، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٥/٢١٣، صحيح سنن الترمذي ٢/٥.\rوبناءً على هذه الأدلة قال جمهور أهل العلم إن كتابة الدين وتوثيقه أمر مندوب إليه وقال بعض العلماء بوجوب ذلك أخذاً بظاهر الآية وهو قول وجيه له حظ من النظر وينبغي حمل الناس عليه في هذا الزمان قطعاً لأكل حقوق الآخرين بالباطل وسداً لأبواب النزاع والخصومات ولما نرى في مجتمعنا من نزاع وشقاق وخلاف بسبب عدم توثيق الديون والعقود وكتابتها فكم من المنازعات حدثت بين المؤجر والمستأجر بسبب عدم كتابة عقد الإجارة وكم من خصومات حصلت بين الشركاء لاختلافهم في قضية ما ويعود ذلك لعدم كتابة اتفاق الشراكة وهكذا الحال في كل المعاملات التي لم توثق.\rلذا فإني أنصح كل متعاقدين في أي من العقود الشرعية أن يوثقا العقد بجميع شروطه وتفصيلاته الصغيرة قبل الكبيرة، قال الله تعالى: (ولا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ) .\rقال ابن العربي المالكي: [هذا تأكيد من الله تعالى في الإشهاد بالدين تنبيهاً لمن كسل فقال: هذا قليل لا أحتاج إلى كتبه والإشهاد عليه. لأن أمر الله تعالى فيه والتحضيض عليه واحد والقليل والكثير في ذلك سواء] أحكام القرآن ١/٢٥٧.\rكما أن المعاملة التي لا تكتب ولا يستشهد عليها يترتب عليها مفاسد كثيرة منها ما يكون عن عمد إذا كان أحد المتداينين ضعيف الأمانة فيدعي بعد طول الزمن خلاف الواقع ومنها ما يكون عن خطأ ونسيان فإذا ارتاب المتعاملان واختلفا ولا شيء يُرجع إليه في إزالة الريبة ورفع الخلاف من كتابة أو شهود أساء كل منهما الظن بالآخر ولم يسهل عليه الرجوع عن اعتقاده إلى قول خصمه فلج خصامه وعدائه وكان وراء ذلك من شرور المنازعات ما يرهقهما عسراً ويرميهما بأشد الحرج وربما ارتكبا في ذلك محارم كثيرة. تفسير المنار ٣/١٣٤ بتصرف.\rوكتابة الدين وتوثيقه تعود بالمنفعة على الناس من عدة وجوه:\r١. صيانة الأموال وقد أمرنا بصيانتها ونهينا عن إضاعتها.\r٢. قطع المنازعة فإن الوثيقة تصير حكماً بين المتعاملين ويرجعان إليها عند المنازعة تكون سبباً لتسكين الفتنة ولا يجحد أحدهما حق صاحبه مخافة أن تخرج الوثيقة وتشهد الشهود عليه بذلك فينفضح أمره بين الناس.\r٣. التحرز عن العقود الفاسدة لأن المتعاملين بها ربما لا يهتديان إلى الأسباب المفسدة للعقد ليتحرزا عنها فيحملهما الكاتب على ذلك إذا رجعا إليه ليكتب.\r٤. رفع الارتياب فقد يشتبه على المتعاملين إذا تطاول الزمان مقدار البدل ومقدار الأجل فإذا رجعا إلى الوثيقة لا يبقى لواحد منهما ريبة] الموسوعة الفقهية ١٤/١٣٥.\rويجب التنبيه على أن كاتب الديون أو العقود بين الناس لا ينبغي أن يكون أحد المتعاقدين حتى يكون أقرب للعدل المشار إليه في قوله تعالى: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) .\rقال القرطبي: [قوله تعالى: (بِالْعَدْلِ) أي بالحق والمعدلة أي لا يكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ولا أقل وإنما قال: (بَيْنَكُمْ) ولم يقل أحدكم لأنه لما كان الذي له الدين يهتم في الكتابة الذي عليه الدين وكذلك بالعكس شرع الله ﷾ كاتباً غيرهما يكتب بالعدل لا يكون في قلبه\rولا قلمه موادة لأحدهما على الآخر] تفسير القرطبي ٣/٣٨٣.\rوأخيراً فينبغي الإشارة إلى قوله تعالى: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) إن المدين - الذي عليه الحق - هو الذي يملي على الكاتب اعترافه بالدين ومقدار الدين وشرطه وأجله ذلك خيفة أن يقع الغبن على المدين لو أملى الدائن فزاد في الدين أو قرب الأجل أو ذكر شروطاً معينة في مصلحته والمدين في موقف ضعيف قد لا يملك معه إعلان المعارضة رغبةً في إتمام الصفقة لحاجته إليها فيقع عليه الغبن فإذا كان المدين هو الذي يملي لم يمل إلا ما يريد الارتباط به عن طيب خاطر ثم ليكون إقراره بالدين أقوى وأثبت وهو الذي يملي وفي الوقت ذاته يناشد ضمير المدين وهو يملي أن يتقي الله ربه وأن لا يبخس شيئاً من الدين الذي يقرّ به) ظلال القرآن ١/٤٩٢.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346290,"book_id":3840,"shamela_page_id":670,"part":"12","page_num":164,"sequence_num":670,"body":"١٦٤ - القروض\rالمماطلة في سداد الدين، يقول السائل: إنه صاحب محل تجاري وإن بعض الناس يشتري منه البضاعة بالدين على أن يقضيه في آخر الشهر ثم يمضي الشهر والشهران والشهور وهذا المدين لا يسدد دينه مع أنه مستطيع فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: مما يؤسف له أن كثيراً من الناس يتساهلون في الدين تساهلاً كبيراً فتراهم يشترون البضاعة ويطلبون من البائع أن يمهلهم حتى استلام رواتبهم أو حتى نهاية الشهر أو نحو ذلك ثم يماطلون ويسوفون في سداد الدين وقد تمضي عليهم الشهور والسنون وهم كذلك مع مقدرتهم على قضاء ديونهم، إن ما يقوم به هؤلاء الناس ما هو إلا أكل لأموال الناس بالباطل وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) سورة النساء الآية ٢٩.\rوقد حذر النبي ﷺ أمثال هؤلاء الذين يأخذون أموال الناس ويماطلون فيها فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ? أن النبي ﷺ قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري.\rوعن عمران بن حصين ﵄ قال: (كانت ميمونة تدان فتكثر فقال لها أهلها في ذلك ولاموها ووجدوا عليها فقالت: لا أترك الدين وقد سمعت خليلي وصفيي ﷺ يقول: ما من أحد يدان ديناً يعلم الله منه أنه يريد قضاءه إلا أداه الله عنه في الدنيا) رواه النسائي وابن ماجة وابن حبان وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجة ٢/٥٢.\rوعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من مات وعليه دينار أو درهم قضي من حسناته ليس ثم دينار ولا درهم) رواه ابن ماجة وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٥٣.\rوعن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أيما رجل يدين ديناً وهو مجمع على أن لا يوفيه إياه لقي الله سارقاً) رواه ابن ماجة والبيهقي وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح. المصدر السابق ٢/٥٢.\rوقد كان النبي ﷺ يتعوذ من الدين كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (دخل رسول الله ﷺ ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة جالساً فيه فقال: يا أبا أمامة ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلّمك كلاماً إذا قلته أذهب الله ﷿ همك وقضى عنك دينك؟ فقال: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وأمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من البخل والجبن وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. قال: فقلت ذلك فأذهب الله ﷿ همي وقضى عني ديني) رواه أبو داود.\rفلا ينبغي لأحد من الناس أن يتساهل في الدين وخاصة أن الإنسان قد يموت وهو مدين ويكون بذلك على خطر عظيم لأن نفس المؤمن تكون معلقة بدينه، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة? عن النبي ﷺ قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن، ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\rوعن جابر ﵁ قال: (توفي رجل فغسّلناه وكفّناه وحنّطناه ثم أتينا به رسول الله ﷺ يصلي عليه، فقلنا: تصلي عليه؟ فخطا نحوه خطوة ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران، فانصرف فتحملهما أبو قتادة فأتيناه، فقال أبو قتادة: الديناران عليّ، فقال رسول الله ﷺ: قد أوفى الله حق الغريم وبرئ منهما الميت؟ قال: نعم فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: ما فعل الديناران؟ قلت: إنما مات أمس، فعاد إليه من الغد فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ: الآن بردت جلدته) رواه أحمد بإسناد حسن كما قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب ٢/٥٩١.\rوقد كان النبي ﷺ يمتنع عن الصلاة عمن عليه دين حتى يقضى دينه فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه قضاء؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلّى عليه، وإلا قال: صلوا على صاحبكم. فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه دين فعليّ قضاؤه ومن ترك مالاً فهو لورثته) رواه مسلم.\rويجب أن يعلم أن هؤلاء الذين يتلاعبون بأموال الناس ويماطلون في تسديد الدين أن المماطلة في أداء الدين محرمة مع القدرة على الأداء فقد جاء في الحديث عن أبي هريرةرضي الله عنه أن الرسول ﷺ قال: (مطل الغني ظلم) متفق عليه.\rقال الإمام النووي: [قوله ﷺ (مطل الغني ظلم) قال القاضي وغيره: المطل منع قضاء ما استحق أداؤه فمطل الغني ظلم وحرام] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/١٧٤-١٧٥.\rومن المعلوم عند أهل العلم أن أداء الدين واجب باتفاق بدلالة الأحاديث الصحيحة الواردة في تحريم مال الغير كما قال القرطبي في تفسيره ٣/٤١٥.\rولأهمية قضاء الدين من أموال الميت فهو مقدم على الوصية وإن ذكرت قبله في قول الله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) سورة النساء الآية ١٢، وعلى هذا أكثر أهل العلم.\rوكذلك فإن الدين يقضى عن الميت قبل توزيع تركته.\rوأخيراً أنبه الدائنين أن يوثقوا ديونهم ويكتبوها ويشهدوا على ذلك لأن ذمم كثير من الناس قد خربت وفسدت وكثير من هؤلاء ينكرون الدين إن لم يكن موثقاً بالكتابة وقد قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآية ٢٨٢.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346291,"book_id":3840,"shamela_page_id":671,"part":"12","page_num":165,"sequence_num":671,"body":"١٦٥ - البيع\rيقول السائل: ما حكم من يبدل سيارته بسيارة أخرى مع دفع الفرق وهل يعتبر هذا البيع من الربا؟\r\rالجواب: هذا البيع جائز ولا ربا فيه لأن الربا لا يجري في بيع سيارة بسيارة فالسيارات ليست من الأموال الربوية وعادة كثير من الناس أن يتم هذا البيع باستبدال السيارة القديمة بأخرى أحدث منها ودفع الفرق. وهذا العقد يتم فيه شراء السيارة الثانية بثمن مكون من السيارة الأولى مضافاً إلى ذلك الفرق في السعر بين السيارتين وهذا البيع داخل في عموم قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) فهو جائز ولا بأس به.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346292,"book_id":3840,"shamela_page_id":672,"part":"12","page_num":166,"sequence_num":672,"body":"١٦٦ - البيع\rيقول السائل: ما حكم بيع الكلاب؟\r\rالجواب: يجب أن يعلم أولاً أنه لا يجوز اقتناء الكلب في البيوت إلا لحاجة نافعة ككلاب الصيد وكلاب الحراسة لما ثبت في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو كلب ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان) رواه مسلم.\rوأما بيع الكلاب فمحل خلاف كبير بين أهل العلم وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم بيع الكلب وأن ثمنه حرام واستدلوا على ذلك بما يلي:\r١. عن أبي مسعود الأنصاري ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب) رواه البخاري ومسلم.\r٢. وعن رافع بن خديج ﵁ قال: (سمعت رسول الله يقول: شر الكسب مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام) رواه مسلم.\rوفي رواية أخرى عند مسلم قال: قال رسول الله ﷺ: (ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث) وغير ذلك من الأحاديث.\rوأجاز جماعة من أهل العلم بيع الكلاب التي ينتفع بها ككلاب الحراسة والصيد ويلحق بها في زماننا الكلاب التي تقتفي الأثر والتي تستعمل في تعقب آثار المجرمين والكشف عن المخدرات ونحوها فيجوز بيع هذه الكلاب، وهذا قول أبي حنيفة ومالك في رواية عنه وبه قال عطاء وإبراهيم النخعي. شرح النووي على صحيح مسلم ٤/١٧٩.\rوسحنون من المالكية حيث قال: [أبيعه وأحج بثمنه] أي كلب الصيد كما نقله عنه في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/١١، وهو قول بعض الحنابلة. الإنصاف ٤/٢٨.\r\rومال إلى هذا القول الإمام الشوكاني والألباني وغيرهما وهو الذي أميل إليه، لما يلي:\rأولاً: قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) سورة المائدة الآية ٤.\rووجه الدليل في الآية الكريمة قوله تعالى: (مُكَلِّبِينَ) ، قال القرطبي: [معنى: (مُكَلِّبِينَ) ، أصحاب الكلاب وهو كالمؤدب صاحب التأديب] تفسير القرطبي ٦/٦٦.\rوهذه الآية تدل على جواز اتخاذ الكلاب للصيد ويفهم من ذلك أنها أداة للصيد ينتفع بها وما كان كذلك يجوز بيعه ما دام أنه يجوز اقتناؤه.\rثانياً: وردت بعض الأحاديث التي تستثني كلب الصيد وكلب الماشية وما في معناهما من عموم النهي المذكور في لأحاديث التي احتج بها الجمهور على المنع فمن ذلك:\r١. عن أبي هريرة أن النبي ﷺ: (نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد) رواه الترمذي وقال لا يصح من هذا الوجه، ولكن الشيخ الألباني ذكر أن الحديث حسن، صحيح سنن الترمذي ٢/٢٤.\rوقد ذكر الشيخ أحمد الغماري عدة طرق يتقوى بها حديث أبي هريرة السابق، الهداية في تخريج أحاديث البداية ٧/١٦٩ فما بعدها.\r٢. وعن جابر قال: (نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا الكلب المعلم) رواه النسائي وأحمد والدارقطني وطعن النسائي في سنده ولكن قال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، إلا أن النسائي طعن في صحته فتح الباري ٥/٣٣١.\rوقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/٤: [ورد الاستثناء من حديث جابر ورجاله ثقات] وقال الشيخ أحمد الغماري: [هذا سند على شرط الصحيح] ثم ذكر له طرقا تقويه وذكر رواية عن ابن عباس فيها استثناء كلب الصيد. الهداية ٧/١٧١.\rوقال الإمام الشوكاني بعد أن ذكر حديث جابر: [فينبغي حمل المطلق على المقيد ويكون المحرم بيع ما عدا كلب الصيد إن صلح هذا المقيد للاحتجاج به] نيل الأوطار ٥/١٦٣.\rوقال الشيخ الألباني: [ ... ولكن معنى الاستثناء صحيح دراية للأحاديث الصحيحة التي تبيح اقتناء كلب الصيد وما كان كذلك حل بيعه وحل ثمنه كسائر الأشياء المباحة كما حققه الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار ... ] السلسلة الصحيحة ٦/١١٥٦.\rوالذي حققه أبو جعفر الطحاوي أن النهي عن ثمن الكلب كان في الوقت الذي أمر فيه النبي ﷺ بقتل الكلاب كما ثبت في أحاديث كثيرة، ثم استثنى من القتل كلب الصيد والماشية والحراسة فجاز بيع هذه دون مطلق الكلاب.\rقال الطحاوي: [إن الكلاب قد كان حكمها أن تقتل كلها ولا يحل إمساك شيء منها فلم يكن بيعها حينئذ بجائز ولا ثمنها بحلال] شرح معاني الآثار ٤/٥٣. ثم ذكر طائفة من الأحاديث في قتل الكلاب ثم قال: [فكان هذا حكم الكلاب أن تقتل ولا يحل إمساكها ولا الانتفاع بها فما كان الانتفاع به حراماً وإمساكه حراماً فثمنه حرام فإن كان نهي النبي ﷺ عن ثمن الكلب كان وهذا حكمها فإن ذلك قد نسخ فأبيح الانتفاع بالكلاب] ثم ذكر طائفة من الأحاديث التي تبيح الانتفاع بكلاب الصيد والماشية ثم قال: [فلما ثبتت الإباحة بعد النهي أباح الله ﷿ في كتابه ما أباح بقوله: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) اعتبرنا حكم ما ينتفع به هل يجوز بيعه ويحل ثمنه أم لا؟ فرأينا الحمار الأهلي قد نهي عن أكله وأبيح كسبه والانتفاع به فكان بيعه إن كان هذا حكمه حلالاً وثمنه حلالاً وكان يجيء في النظرأيضاً أن يكون كذلك الكلاب لما أبيح الانتفاع بها حل بيعها وأكل ثمنها ويكون ما روي في حرمة أثمانها كان وقت حرمة الانتفاع بها وما روي في إباحة الانتفاع بها دليل على حل أثمانها. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين] شرح معاني الآثار ٤/٥٧.\rوذكر الشيخ الألباني في موضع آخر أن حديث جابر وهو: (نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد) قد رواه النسائي والبيهقي وهو على شرط مسلم وذكر له شاهدين ثم قال: [فلعل هذا الاستثناء يقوى بهذه الطرق والشواهد] التعليقات الرضية ٢/٣٤٧.\rوذكر صاحب إعلاء السنن - ١٤/٤٨٦ فما بعدها - عدداً من الشواهد تتقوى بها هذه الأحاديث ويدل على أن الحديث الوارد في استثناء كلب الصيد لا يقل عن درجة الحسن وعليه فيجوز بيع الكلاب التي ينتفع بها في الحراسة والصيد وكلاب الأثر وغير ذلك.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346293,"book_id":3840,"shamela_page_id":673,"part":"12","page_num":167,"sequence_num":673,"body":"١٦٧ - ضوابط الكسب\rيقول السائل: في عالم التجارة والمال والأعمال مجالات واسعة للكسب والحصول على الأموال ولكن هنالك أمور كثيرة يقف المرء حائراً أمامها متسائلاً، هل يجوز هذا العمل شرعاً؟! وهل هذا الكسب حلال أم حرام؟ أرجو بيان ضوابط تضبط ذلك\r\rالجواب: إن المسلم ينطلق في حياته من عقيدته الإسلامية وأنه عبد لله ﷾ ملتزم بشرعه فالإسلام لا يعطي الفرد الحرية المطلقة في أن يفعل ما يشاء وكيفما يشاء كما هو الحال في النظام الرأسمالي.\rإن الحرية المطلقة رذيلة ممقوتة حيث إنها تؤدي بالانسان إلى الشرود والجموح والانفلات من جميع القيم والمبادئ، يقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله: [إن الحرية التي شرعها الإسلام في مجال الاقتصاد ليست حرية مطلقة من كل قيد كالحرية التي توهمها قوم شعيب (أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) بل هي حرية منضبطة مقيدة بالعدل الذي فرضه الله تعالى. ذلك أن في الطبيعة الإنسانية نوعاً من التناقض خلقها الله عليه لحكمة اقتضاها عمران الأرض واستمرار الحياة.\rفمن طبيعة الإنسان الشغف بجمع المال وحبه حباً قد يخرجه عن حد الاعتدال كما قال تعال في وصف الإنسان: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) وكما صوّر الرسول ﷺ مدى طمع الإنسان بقوله: (لو كان لابن آدم واديان من تراب لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملاً جوف ابن آدم إلا التراب) متفق عليه.\rومن طبيعة الإنسان الشح والحرص كما قال تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) ، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) وقال الرسول ﵊: (يشيب ابن آدم وتشب معه خصلتان: الحرص، وطول الأمل) رواه البخاري.\rومن طبيعته حب الخلود إن لم يكن بنفسه فبذريته من بعده وحب الاستعلاء والسيطرة على الآخرين وهاتان الغريزتان كانتا الأحبولة التي أوقع إبليس بها آدم أبا البشر في شرك المخالفة بالأكل من الشجرة: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) ] دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي ص ٣٧١ - ٣٧٢.\rإذا تقرر هذا فإن الإسلام حث على العمل والسعي في الأرض للكسب، قال تعالى:\r(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) سورة الملك الآية ١٥.\rوقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا) سورة البقرة الآية ١٦٨.\rوقد وضع العلماء أصولاً وضوابط لما يحل ويحرم في باب المعاملات فمن هذه الضوابط والأصول تحريم الربا فهو محرم بنص كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، قال تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فنتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأؤلئك أصحَابُ النّارِ هُمْ فِيْها خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) سورة البقرة الآيتان ٢٧٥- ٢٧٦.\rوقال ﷺ: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم.\rويترتب على تحريم الربا تحريم العمل في البنوك الربوية مهما كان العمل لأن العمل فيها إما إعانة على الربا أو رضىً بهذا العمل المحرم وكلاهما ممنوع شرعاً.\rيقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) سورة المائدة الآية ٢.\rويدخل في ذلك تأجير المحلات والمباني للبنوك الربوية فهو حرام لما سبق من أنه تعاون على الإثم والعدوان.\rومن هذه الضوابط تحريم كل معاملة فيها غش وخداع وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من غشنا فليس منا) رواه مسلم. فهذا الحديث عام ويشمل المعاملات كلها والعمل كذلك.\rوصور الغش والخداع في زماننا كثيرةٌ جداً وخاصة في التجارة والأعمال المختلفة فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:\r١. بيع المواد الفاسدة والمنتهية الصلاحية.\r٢. التلاعب في الأوزان كأن يكتب على العبوة وزن معين ثم لا يكون وزنها في الحقيقة كذلك.\r٣. تسويق بضاعة رديئة على أنها بضاعة جيدة وذلك بوضع العلامة التجارية للبضاعة الجيدة على الرديئة.\r٤. بيع المواد الضارة بالصحة والتي تسبب الأمراض المستعصية.\r٥. وصف مكونات المواد المصنعة بأوصاف غير حقيقية.\r٦. الغش في تنفيذ المقاولات وأعمال البناء مثل تقليل الحديد والإسمنت في البنايات مما قد يتسبب في انهيار المبنى ومقتل سكانه أو إصابتهم بأذى.\rومن الضوابط التي تحكم عالم التجارة والعمل تحريم الاتجار والعمل بالمحرمات سواء كان ذلك بانتهاك محرم أو ترك واجب.\rيقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) سورة المنافقون الآية ٩.\rومن صور الاتجار في المحرمات وكذا العمل فيها:\rالتجارة في الخمر بمختلف أسمائها وكذا العمل في صناعتها والعمل في قطف العنب لتصنيعها وبيع العنب لمن يعصره خمراً.\rوقد صح في الحديث من قول الرسول ﷺ: (إن الله تعالى حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) رواه بالبخاري ومسلم.\rوجاء في الحديث: (أن النبي ﷺ لعن الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمول إليه وآكل ثمنها) رواه أبو داود والحاكم وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢/٩٠٧.\rويلحق بتحريم الاتجار بالخمر الاتجار بالمخدرات والسموم القاتلة كالهيروين والأفيون والحشيش.\rومن الصور المحرمة المتاجرة في الأفلام الساقطة الخليعة والصحف والمجلات التي تنشر الفحشاء والمنكر وكذا العمل في طباعتها وطباعة أي مادة تحارب الله ورسوله ودينه.\rومن صور العمل المحرمة الأعمال التي يجبر فيها الإنسان على ترك الفرائض كمن يعمل في مصنع ويمنع من أداء الصلاة المفروضة في وقتها فهذا عمل محرم.\rوكذا العمل الذي تكون فيه خلوة محرمة شرعاً كعمل السكرتيرة في مكتب المدير أو المحامي أو الطبيب إذا وجدت الخلوة المحرمة.\rوكذا العمل الذي يقتضي أن تتخلى المرأة المسلمة عن لباسها الشرعي المفروض.\rوكذا العمل الذي تنتهك فيه المحرمات كعمل الراقصات والمغنيات والممثلات ومن يشاركهن في ذلك من الرجال والنساء كالمصورين والمخرجين وغيرهم فهذا العبث الذي يسميه الناس في زماننا فناً والمتضمن انتهاك المحرمات كالعري والتقبيل والمعاشرة الجنسية وإن لم تكن تامة كل ذلك من المحرمات ويمنع ترويج وبيع هذه الأفلام والأشرطة أو تأجيرها أو الإعلان عنها وغير ذلك.\rومن الأعمال المحرمة الحفلات الغنائية المختلطة وما يصاحبها من رقص ماجن وعري وتهتك.\rومن الأعمال المحرمة الاشتغال بعمل أو وظيفة من شأنها الإعانة على ظلم أو حرام فهي حرام كمن يشتغل في عمل ربوي أو محل للخمر أو في مرقص أو ملهى أو نحو ذلك. الحلال والحرام ص ١٤١.\rوكذلك العمل في وظيفة تلحق الضرر والأذى بالمسلمين سواء كان الضرر أو الأذى مادياً أو معنوياً.\rومن الأعمال المحرمة المتاجرة بالمواد المسروقة والمغصوبة وهي التي أخذت من أصحابها بغير رضا كالمواد التي تصادر من الناس ظلماً وعدواناً.\rومن الضوابط في هذا المجال تحريم المعاملات التي فيها غرر وخطر كالقمار الذي هو الميسر، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) سورة المائدة الآيتان ٩٠-٩١.\rومن ذلك ما يعرف باللوتو والتوتو وكذلك اليانصيب المسمى زوراً وبهتاناً باليانصيب الخيري فكل ذلك حرام.\rوأخيراً لا يظنن أحد أن فيما تقدم من المحرمات تضييق لموارد الرزق على الناس بل إن طرق الكسب الحلال مفتوحة وهي أكثر من أن تعد وتحصى.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346294,"book_id":3840,"shamela_page_id":674,"part":"12","page_num":168,"sequence_num":674,"body":"١٦٨ - الشركات المساهمة\rيقول السائل: هل يجوز إيثار المؤسس والمساهم في الشركات المساهمة على غيره في معاملات تلك الشركات عملاً بقوله تعالى: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) ؟\r\rالجواب: كثير من الناس يخطئ في فهم الآية الكريمة المذكورة في السؤال ويحملونها على غير وجهها الصحيح فيفهمون أن معنى الآية: أن الأقرب هو الأولى بالمعروف أو بالمعاملة وبعضهم يقول الأقرب فالأقرب، وهذا فهم خاطئ تماماً وحتى نفهم الآية فهماً صحيحاً لا بد من فهم ما يسبقها من الآيات وما يلحقها وكيف فسرها علماء التفسير.\rيقول الله تعالى: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) سورة القيامة ٣١-٤٠.\rقال أهل التفسير في معنى قوله تعال: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) أي ويل لك يا أيها الشقي ثم ويل لك.\rوقال المفسرون هذه العبارة في لغة العرب ذهبت مذهب المثل في التخويف والتحذير والتهديد فاحذر وانتبه لأمرك.\rقال الراغب الأصفهاني: [وقوله تعالى: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) كلمة تهديد وتخويف يخطب به من أشرف على هلاك فيحث به على التحرز أو يخاطب به من نجا ذليلاً منه فينهى عن مثله ثانياً وأكثر ما يستعمل مكرراً وكأنه حث على تأمل ما يئول إليه أمره ليتنبه للتحرز منه] المفردات في غريب القرآن ص ٣٢.\rوقال الإمام القرطبي: [قوله تعالى: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) تهديد بعد تهديد ووعيد بعد وعيد أي فهو وعيد أربعة لأربعة كما روي أنها نزلت في أبي جهل الجاهل بربه فقال: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) أي لا صدق رسول الله ولا وقف بين يدي فصلى، ولكن كذب رسولي وتولى عن التصلية بين يدي.\rفترك التصديق خصلة والتكذيب خصلة وترك الصلاة خصلة والتولي عن الله تعالى خصلة فجاء الوعيد أربعة مقابلة لترك الخصال الأربع والله أعلم. لا يقال: فإن قوله: (ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى) خصلة خامسة فإنا نقول: تلك كانت عادته قبل التكذيب والتولي فأخبر عنها وذلك بين في قول قتادة على ما نذكره.\rوقيل: إن رسول الله ﷺ خرج من المسجد ذات يوم فاستقبله أبو جهل على باب المسجد مما يلي باب بني مخزوم فأخذ رسول الله ﷺ بيده فهزه مرةً أو مرتين ثم قال: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) فقال له أبو جهل: أتهددني؟ فوالله إني لأعز أهل الوادي وأكرمه. ونزل على رسول الله ﷺ كما قال لأبي جهل وهي كلمة وعيد ... قال قتادة: أقبل أبو جهل بن هشام يتبختر فأخذ النبي ﷺ بيده فقال: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) . فقال: ما تستطيع أنت ولا ربك لي شيئاً إني لأعز من بين جبليها. فلما كان يوم بدر أشرف على المسلمين فقال: لا يعبد الله بعد هذا اليوم أبداً. فضرب الله عنقه وقتله شرّ قتلة. وقيل: معناه الويل لك ... وعلى هذا التأويل قيل: هو من المقلوب كأنه قيل: أويل ثم أخر الحرف المعتل والمعنى: الويل لك حياً والويل لك ميتاً والويل لك يوم البعث والويل لك يوم تدخل النار ... وقيل: المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب.\rوقال أبو العباس أحمد بن يحيى: قال الأصمعي (أَوْلَى) في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك كأنه يقول: قد وليت الهلاك، قد دانيت الهلاك، وأصله من الولى وهو القرب. قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) أي يقربون منكم ... وكان أبو العباس ثعلب يستحسن قول الأصمعي ويقول: ليس أحد يفسر كتفسير الأصمعي. وقال النحاس: العرب تقول أولى لك: كدت تهلك ثم أفلت وكأن تقديره: أولى لك وأولى بك الهلكة] تفسير القرطبي ١٩/١١٤-١١٦.\rوقال ابن منظور: [وقوله ﷿ (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) معناه التوعد والتهدد أي الشر أقرب إليك وقال ثعلب: معناه دنوت من الهلكة وكذلك قوله تعالى: (فَأَوْلَى لَهُمْ) أي وليهم المكروه وهو اسم لدنوت أو قاربت وقال الأصمعي: أولى لك قاربك ما تكره أي نزل بك يا أبا جهل ما تكره ... ، قال ثعلب: ولم يقل أحد في أولى لك أحسن مما قال الأصمعي وقال غيرهما: أولى يقولها الرجل لآخر يحسره على ما فاته وبقول له: يا محروم أي شيء فاتك؟ وقال الجوهري: أولى لك تهدد ووعيد]\rلسان العرب ١٥/٤٠٤، وراجع أيضاً تفسير الألوسي ١٥/١٦٤، وتفسير ابن كثير ٤/٤٥١.\rإذا تقرر أن المراد بالآية التهديد والوعيد والآية لا تدل على الفهم الخاطئ الذي يفهمه كثير من الناس من هذه الآية، أقول بالنسبة لإيثار المساهم والمؤسس بمعاملات الشركة التي أسسها وأسهم فيها بأن ذلك لا يجوز لأن محاباة بعض المؤسسين يجعل الشركة شركة خاصة ويؤدي إلى الإضرار بمصالح جمهور المساهمين.\rوالواجب على إدارة الشركة هو القيام على مصالح جميع المساهمين ومعاملة الجميع على قدم المساواة، بل إن بعض أنظمة الشركات المساهمة تمنع التعامل مع بعض المساهمين في الشركة كأعضاء مجلس الإدارة من أجل المحافظة على مصالح الشركة بشكل عام.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346295,"book_id":3840,"shamela_page_id":675,"part":"12","page_num":169,"sequence_num":675,"body":"١٦٩ - البيع\rخُلو الرِجل، يقول السائل: ما قولكم فيما يعرف بِخُلو الرِجل المعمول به حالياً؟\r\rالجواب: بدل خلو الرجل أو المفتاحية هو مبلغ من المال يدفعه الشخص نظير تنازل المنتفع بعقار عن حقه في الانتفاع.\rومسألة خلو الرجل من المسائل الشائكة التي خاض فيها العلماء واختلفوا في حكمها اختلافاً بيناً وخاصة أنه لا يوجد فيها نصوص شرعية لأنها من المسائل المتأخرة الحدوث.\rوعلى كل حال فقد صار خلو الرجال معروفاً ومعمولاً به في كثير من بلاد المسلمين وخاصة في بلادنا.\rوتنقسم صور الاتفاق على بدل الخلو إلى أربع صور وهي:\r١. أن يكون الاتفاق بين مالك العقار وبين المستأجر عند بدء العقد وتسمى هذه الصورة المفتاحية.\rفإذا اتفق المالك والمستأجر على أن يدفع المستأجر للمالك مبلغاً مقطوعاً زائداً عن الأجرة الدورية فلا مانع شرعاً من دفع هذا المبلغ المقطوع على أن يعد جزءاً من أجرة المدة المتفق عليها، وفي حالة الفسخ تطبق على هذا المبلغ أحكام الأجرة.\r٢. أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين المالك وذلك في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها.\rفإذا تم الاتفاق بين المالك والمستأجر أثناء مدة الإجارة على أن يدفع المالك للمستأجر مبلغاً مقابل تخليه عن حقه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً لأنه تعويض عن تنازل المستأجر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك.\rأما إذا انقضت مدة الإجارة ولم يتجدد العقد صراحة أو ضمناً عن طريق التجديد التلقائي حسب الصيغة المفيدة له فلا يحل بدل الخلو لأن المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر.\r٣. أن يكون الاتفاق بين المستأجر ومستأجر جديد في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها.\r٤. أن يكون الاتفاق بين المستأجر الجديد وبين كل من المالك والمستأجر الأول قبل انتهاء المدة أو بعد انتهائها.\rفإذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد أثناء مدة الإجارة على التنازل عن بقية مدة العقد لقاء مبلغ زائد عن الأجرة الدورية فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً مع مراعاة مقتضى عقد الإجارة المبرم بين المالك والمستأجر الأول ومراعاة ما تقضي به القوانين النافذة الموافقة للأحكام الشرعية.\rعلى أنه في الإجارات الطويلة المدة خلافاً لنص عقد الإجارة طبقاً لما تسوغه بعض القوانين لا يجوز للمستأجر إيجار العين لمستأجر آخر ولا أخذ بدل الخلو فيها إلا بموافقة المالك.\rأما إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد بعد انقضاء المة فلا يحل بدل الخلو لانقضاء حق المستأجر الأول في منفعة العين.\rهذا ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة، انظر مجلة المجمع عدد ٤/ ج٣/ص ٢٣٢٩/٢٣٣٠.\rوبناءً على ذلك يتبين لنا أن ما يفعله كثير من مستأجري الدور السكنية والشقق والمحلات التجارية الذين يطالبون ببدل خلو مقابل إخلاء المأجور بعد انتهاء مدة الإجارة أن مطالبتهم تلك باطلة وإن أخذوا بدل الخلو فإنه يكون أكلاً لأموال الناس بالباطل.\rويظهر الظلم واضحاً في كثير من قضايا المطالبة بالخلو وخاصة إذا كان المستأجر قد استأجر منزلاً للسكن منذ مدة طويلة كعشرين سنة خلت والأجرة زهيدة وبقية الأجرة على حالها لأن المستأجر محمي بحكم القانون ويطالب صاحب المنزل الآن بإخلائه والمستأجر يرفض الإخلاء ويطالب بالخلو والمبلغ الذي يطلبه أضعاف الأجرة التي دفعها طوال العشرين عاماً، أليس هذا ظلماً وأكلاً لأموال الناس بالباطل.\rوأخيراً أدعو المالكين والمستأجرين إلى التراحم فيما بينهم والاحتكام إلى شرع الله ﷾.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346296,"book_id":3840,"shamela_page_id":676,"part":"12","page_num":170,"sequence_num":676,"body":"١٧٠ - الخصومات\rيقول السائل: هل يجوز لأحد الخصمين اللذين اتفقا على التحكيم في نزاع بينهما عزل المحكم قبل أن يصدر الحكم؟\r\rالجواب: إن تعيين المحكم أو المحكمين في قضية ما لا بد أن يكون بتراضي الخصمين في النزاع فإذا اتفق الخصمان على تعيين المحكم بينهما وشرع المحكم في النظر في القضية فلا ينبغي لأحد الخصمين عزل المحكم ولا بد من استمرار المحكم في القضية إلى أن يصدر الحكم لأن ذلك يؤدي إلى عدم استقرار أمور التحكيم ويقلل من هيبة المحكم وهذا قول جماعة من الفقهاء وهو رأي القانون المدني في كثير من البلاد العربية فلا يصح عزل المحكمين إلا بتراضي الخصوم جميعاً.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346297,"book_id":3840,"shamela_page_id":677,"part":"12","page_num":171,"sequence_num":677,"body":"١٧١ - البيع\rما حكم البيع بالتقسيط مع العلم أن الثمن يزيد عن البيع الحال وهل تعتبر تلك الزيادة من الربا المحرم؟ البيع بإسقاط إلى أجل،\r\rالجواب: البيع بالتقسيط جائز شرعاً ولا مانع منه ويدل على ذلك قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) وكذلك ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث فقال رسول الله من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم) رواه البخاري ومسلم.\rوثبت عن عائشة ﵂ قالت: اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعاماً بنسيئة إلى أجل ورهنه درعاً من حديد رواه البخاري ومسلم.\rوليس في بيع التقسيط ربا وليس فيه غرر ما دام العاقدان قد بتا البيع فإذا قال البائع للمشتري: أبيعك هذه السلعة بألف دينار حاله وبألف ومئة مؤجلة فقال المشتري: اشتريها بألف ومئة مؤجلة فالعقد صحيح ولا مانع منه وزيادة المئة ليست من الربا المحرم فالصورة المذكورة جائزة.\rوأما إذا قال المشتري: قبلت ولم يحدد ما الذي قبله هل هو الثمن الحال أم الثمن المؤجل؟ فلا يجوز ذلك ويعتبر العقد باطلاً لأنه بيعتين في بيعة حيث أنه لم يجزم ببيع واحد.\rوالبيع بالتقسيط فيه توسعة على الناس فالبائع يزيد مبيعاته والمشتري يستطيع الحصول على السلعة دون أن يكون لديه ثمناً حالاً بل يسدد ثمنها على أقساط.\rوقد بحث مجمع الفقه الإسلامي هذا الموضوع وقرر جوازه مع مراعاة ما يلي:\r١. تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقداً وثمنه بالاقساط لمدد معلومة ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد أو التأجيل. فإن وقع البيع مع التردد بين النقد والتأجيل بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثمن محدد فهو غير جائز شرعاً.\r٢. لا يجوز شرعاً في بيع الأجل التنصيص في العقد على فوائد التقسيط مفصولة عن الثمن الحال بحيث ترتبط بالأجل سواء اتفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة\r٣. إذا تأخر المشتري المدين في دفع القسط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط لأن ذلك ربا محرم.\r٤. يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء.\r٥. يجوز شرعاً أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد.\r٦. لا حق للبائع في الاحتفاظ بالمبيع بعد البيع ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346298,"book_id":3840,"shamela_page_id":678,"part":"12","page_num":172,"sequence_num":678,"body":"١٧٢ - البيع\rبيع المرابحة للآمر بالشراء، يقول السائل: ما هو المقصود بعقد المرابحة الذي تتعامل به بعض المؤسسات والبنوك التي تسير وفق أحكام الشريعة الإسلامية وما الفرق بينه وبين الربا؟\r\rالجواب: عقد المرابحة هو في الأصل بيع المرابحة المعروف عند الفقهاء المتقدمين وإن اختلفت بعض صوره الحديثة التي تتعامل وفقها المؤسسات والبنوك الإسلامية كبيع المرابحة للآمر بالشراء فبيع المرابحة عند الفقهاء هو بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح.\rوصورة بيع المرابحة المستعملة الآن في البنوك والمؤسسات الإسلامية هي أن يتفق العميل والبنك على أن يقوم العميل بشراء البضاعة بربح معلوم بعد شراء البنك لها وهذه الصورة هي المسماة ببيع المرابحة للآمر بالشراء ومثال ذلك أن يطلب صاحب مصنع من البنك أو المؤسسة التي تتعامل وفق الشريعة الإسلامية أن يشتري له جهازاً من الأجهزة اللازمة له ويكون طلب الشراء مصحوباً باستعداد لشراء ذلك الجهاز من البنك أو المؤسسة إذا كانت مواصفاته كما طلب ويدفع المشتري ربحاً يتم الاتفاق عليه مقابل قيام البنك أو المؤسسة بشراء ذلك الجهاز وتأجيل الثمن وجعله على أقساط فيشتري البنك أو المؤسسة الجهاز ويحوزه في ملكه ثم يبيعه للآمر بالشراء حسب الشروط التي تم الاتفاق عليها، وإذا لحق بالجهاز ضرر يكون الضرر على البنك إلى أن يقوم بتسليمه للآمر بالشراء ويكون الآمر بالشراء ملزماً بشراء السلعة إذا كانت مواصفاتها كما طلب.\rفهذه الصورة من بيع المرابحة للآمر بالشراء هي أكثر صورة منتشرة الآن وهذه الصورة جائزة شرعاً عند كثير من فقهاء العصر وصدرت بجوازها فتاوى كثيرة والأدلة على جوازها، قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) فالآية الكريمة تدل على حل جميع أنواع البيع إلا إذا ورد دليل بتحريم نوع معين والمرابحة من ضمن البيوع المباحة.\rوكذلك فإن المعاملات مبنية على مراعاة العلل والمصالح كما قرر ذلك فقهاء الإسلام يقول د. يوسف القرضاوي حفظه الله: [إن الشرع لم يمنع من البيوع والمعاملات إلا ما اشتمل على ظلم وهو أساس تحريم الربا والاحتكار والغش ونحوها أو ما خشي منه أن يؤدي إلى نزاع وعداوة بين الناس وهو أساس تحريم الميسر والغرر ...] .\rوكذلك فإن بيع المرابحة جائز قياساً على جواز عقد الاستصناع، وأما قول من قال إن هذه الصورة ما هي إلا نوع من الربا فكلام باطل ومردود وقد أجاب عن ذلك الشيخ القرضاوي فقال: [قالوا: إن القصد من العملية كلها هو الربا والحصول على النقود التي كان يحصل عليها العميل من البنك الربوي فالنتيجة واحدة وإن تغيرت الصورة والعنوان، فإنها ليست من البيع والشراء في شيء فإن المشتري الحقيقي ما لجأ إلى المصرف إلا من أجل المال والمصرف لم يشتر هذه السلعة إلا بقصد أن يبيعها بأجل إلى المشتري وليس له قصد في شرائها.\rونقول إن هذا الكلام ليس صحيحاً في تصوير الواقع فالمصرف يشتري حقيقة ولكنه يشتري ليبيع لغيره كما يفعل أي تاجر وليس من ضرورة الشراء الحلال أن يشتري المرء للانتفاع أو القنية أو الاستهلاك الشخصي، والعميل الذي طلب من المصرف الإسلامي أن يشتري له السلعة يريد شراءها حقيقة لا صورة ولا حيلة كالطبيب الذي ذكرنا أنه يريد شراء أجهزة ولجوء مثله إلى المصرف الإسلامي ليشتري له السلعة المقصودة له أمر منطقي لأن مهمة المصرف أن يقدم الخدمة والمساعدة للمتعاملين معه. من ذلك أن يشتري لهم السلعة بما يملك من ماله ويبيعها لهم بربح مقبول. نقداً أو لأجل وأخذ الربح المعتاد على السلعة لا يجعلها حراماً وبيعها إلى المشتري بأجل لا يجعلها حراماً أيضاً.\rالمهم أن هنا قصداً إلى بيع وشراء حقيقيين لا صوريين وليس المقصود الاحتيال لأخذ نقود بالربا والقول بأن هذه العملية هي نفس ما يجري في البنوك الربوية وإنما تغيرت الصورة فقط قول غير صحيح. فالواقع أن الصورة والحقيقة تغيرتا كلتاهما فقد تحولت من استقراض بالربا إلى بيع وشراء وما أبعد الفرق بين الإثنين وقد حاول اليهود قديماً أن يستغلوا المشابهة بين البيع والربا ليصلوا منها إلى إباحة الربا فرد الله تعالى عليهم رداً حاسماً بقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) سورة البقرة الآية ٢٧٥.\rعلى أن تغيير الصورة أحياناً يكون مهماً جداً وإن كانت نتيجة الأمرين واحدة في الظاهر فلو قال رجل لآخر أمام ملأ من الناس: خذ هذا المبلغ واسمح لي أن آخذ ابنتك لأزني بها فقبل وقبلت البنت لكان كل منهم مرتكباً منكراً من أشنع المنكرات ولو أنه قال له: زوجنيها وخذ هذا المبلغ مهراً لها ... فقبل وقبلت لكان كل من الثلاثة محسناً والنتيجة في الظاهر واحدة ولكن يترتب على مجرد كلمة \"زواج \" من الحقوق والمسؤوليات شيء كثير. وكذلك كلمة \" البيع \" إذا دخلت بين المتعاملين فإنه يترتب عليها بأن يكون هلاك المبيع إذا هلك على ضمان البائع حتى يقبضه المشتري. وأن يتحمل تبعة الرد بالعيب إذا ظهر فيه عيب وكذلك إذا كان غائباً واشتراه على الصفة فجاء على غير المواصفات المطلوبة.\rكما أنه إذا تأخر في توفية الثمن في الأجل المحدد لعذر مقبول لم تفرض عليه أية زيادة كما يفعل البنك الربوي بل يمهل حتى يوسر كما قال تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) البقرة ٢٨٠.\rوإن تأخر لغير عذر فهو حينئذ ظالم يستحق العقوبة كما في حديث: (مطل الغني ظلم) وحديث: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) فمن حق المصرف الإسلامي أن يطالبه بالتعويض عن الضرر الفعلي قلّ أو كثر عملاً بالقاعدة الشرعية التي عبر عنها حديث: (لا ضرر ولا ضرار) وأخذ منها الفقهاء أن الضرر يزال.\rوهذا يخالف ما تفعله البنوك الربوية لأنها تأخذ المبلغ المقترض والفائدة الربوية المقررة على كل حال من المعسر والموسر سواء حدث ضرر أم لم يحدث سواء كان الضرر قليلاً أم كثيراً بل تأخذه سواء سلمت السلعة المقترض لها المال أم لم يتسلمها أو هلكت فالبنك الربوي لا علاقة له بالسلعة بحال، انظر بيع المرابحة ص ٢٧-٣١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346299,"book_id":3840,"shamela_page_id":679,"part":"12","page_num":173,"sequence_num":679,"body":"١٧٣ - البيع\rتحديد ربح التجار ي، قول السائل: هل حدد الإسلام حداً معيناً لربح التجارة في تجارتهم؟\r\rالجواب: إن المتتبع لآيات القرآن الكريم ولأحاديث الرسول ﷺ لا يجد أنها حددت مقدار أرباحهم بل جعلت ذلك حسب ظروف التجارة والسماحة والتيسير وعدم الاستغلال.\rوقد ورد في السنة النبوية ما يدل على جواز أن يربح التاجر ضعف ثمن البضاعة فقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام البخاري بإسناده عن شبيب بن غرقدة، قال: (سمعت الحي يحدثون عن عروة أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب أربح فيه) وقول الراوي في الحديث: سمعت الحي أي قبيلته كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٧/٤٤٥.\rوقد ورد هذا الحديث براوية أطول عند الإمام أحمد في مسنده عن عروة بن الجعد البارقي ﵁ قال: (عرض للنبي ﷺ جلب فأعطاني ديناراً، وقال: أي عروة أنت الجلب فاشتر لنا شاة فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار فجئت أسوقهما فلقيني رجل فساومني فأبيعه شاة بدينار فجئت بالدينار وجئت بالشاة فقلت: يا رسول الله هذا ديناركم وهذه شاتكم. قال: وصنعت كيف؟ قال فحدثته الحديث. فقال: اللهم بارك له في صفقة يمينه، فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة أي سوقها فأربح أربعين ألفاً قبل أن أصل إلى أهلي وكان يشتري الجواري ويبيع) الفتح الرباني ١٥/٢٠.\rففي هذا الحديث نجد أن الرسول ﷺ قد أقر عروة على بيعة الشاة بدينار مع أنه اشتراها بنصف دينار فقد ربح فيها ما نسبته ١٠٠% فهذا يدل على جواز أن يربح التجار هذه النسبة بشرط أن لا يكون في البيع غش أو خداع أو احتكار أو غبن فاحش.\rفالتاجر المسلم الملتزم بدينه لا يتعامل بهذه الطرق غير المشروعة وقد ناقش مجمع الفقه الإسلامي مسألة تحديد أرباح التجار وقرر ما يلي:\rأولاً: الأصل الذي تقرره النصوص والقواعد الشرعية ترك الناس أحراراً في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها عملاً بمطلق قول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) .\rثانياً: ليس هناك تحديد لنسبة معينة للربح يتقيد بها التجار في معاملاتهم بل ذلك متروك لظروف التجارة عامة وظروف التاجر والسع مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية من الرفق والقناعة والسماحة والتيسير.\rثالثاً: تضافرت نصوص الشريعة الإسلامية على وجوب سلامة التعامل من أسباب الحرام وملابساته كالغش والخديعة والتدليس والاستغفال وتزييف حقيقة الربح والاحتكار الذي يعود بالضرر على العامة والخاصة.\rرابعاً: لا يتدخل ولي الأمر بالتسعير إلا حيث يجد خللاً واضحاً في السوق والأسعار نائشاً من عوامل مصطنعة فإن لولي الأمر حينئذ التدخل بالوسائل العادلة الممكنة التي تقضي على تلك العوامل وأسباب الخلل والغلاء والغبن الفاحش.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346300,"book_id":3840,"shamela_page_id":680,"part":"12","page_num":174,"sequence_num":680,"body":"١٧٤ - ما يحرم بيعه\rبيع العنب لمن يعصره خمراً، ما حكم بيع العنب لمن يقوم بعصره وصنع الخمر منه؟\r\rالجواب: يحرم على المسلم أن يبيع العنب لشخص يصنع منه خمراً سواء كان ذلك الشخص مسلماً أو غير مسلم ويشترط لتحريم ذلك علم البائع بأن المشتري يصنع من العنب خمراً وهذا مذهب المالكية والحنابلة والمعتمد عند الشافعية ومذهب الظاهرية، ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) قال ابن قدامة ﵀: [وهذا النهي يقتضي التحريم] المغني ٤/١٦٧.\rويدل على ذلك أيضاً ما ورد في الحديث: (لعن الرسول ﵊ في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمول إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له) رواه الترمذي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني.\rويدل على ذلك ما روي في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمراً فقد تقحم النار على بصيرة) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن كما قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام ص ١٦٧.\rوقد خالفه بعض المحدثين في تحسينه الحديث وقد روى محمد بن سيرين أن قيماً كان لسعد بن أبي وقاص في أرض له فأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبيباً ولا يصلح إلا لمن يعصره - يجعله خمراً ٠ فأمر بقلعه وقال: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر) المغني ٤/١٦٨.\rوروى ابن حزم بسنده عن عطاء قال: [لا تبعه لمن يجعله خمراً] المحلى ٧/٥٢٢.\rوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مثل هذا السؤال فقال: [لا يجوز بيع العنب لمن يعصره خمراً بل قد لعن رسول الله ﷺ من يعصر العنب لم يتخذه خمراً فكيف بالبائع له الذي هو أعظم معاونة ولا ضرورة لذلك فإنه إذا لم يمكن بيعه رطباً ولا تزبيبه فإنه يتخذه خلاً أو دبساً ونحو ذلك] مجموع الفتاوى ٢٩/٢٣٦. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346301,"book_id":3840,"shamela_page_id":681,"part":"12","page_num":175,"sequence_num":681,"body":"١٧٥ - البيع\rيقول السائل: إنه اشترى بيتاً من شخص آخر ووقعا عقد البيع بينهما حسب الأصول الشرعية إلا أن البائع وبعد مضي أكثر من سنة طلب فسخ عقد البيع بحجة أنه قد غبن غبناً فاحشاً في الصفقة فما الحكم في ذلك؟ فسخ البيع للغبن الفاحش،\r\rالجواب: إذا وقع عقد البيع حسب الأصول الشرعية بين المتبايعين كان العقد صحيحاً ولا يحق لأحدهما المطالبة بالفسخ لادعائه وقوع الغبن الفاحش في الصفقة لأن مجرد وقوع الغبن الفاحش في عقد البيع ليس مبرراً لفسخه كما ورد في المادة ٣٥٦ من مجلة الأحكام العدلية ونصها: [إذا وجد غبن فاحش في البيع ولم يوجد تغرير فليس للمغبون أن يفسخ البيع ...] .\rوما قررته المجلة هو مذهب الحنفية والشافعية والمالكية في المشهور عندهم والمقصود بالغبن أن يزيد في سعر السلعة عن سعرها الحقيقي إذا كان الغبن صادراً من البائع كأن يبيع ما قيمته عشرة بمائة.\rأو ينقص من قيمة السلعة ويشتريها بأقل من سعرها الحقيقي كأن يشتري ما يساوي مائة بعشرة هذا إذا كان الغبن من المشتري وقد يكون الغبن يسيراً أو فاحشاً وهناك خلاف في تقدير كل منهما وأما الغرر فهو وصف المبيع للمشتري بغير صفته الحقيقية. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346302,"book_id":3840,"shamela_page_id":682,"part":"12","page_num":176,"sequence_num":682,"body":"١٧٦ - حق الشفعة\rيقول السائل: حدثت بعض المشكلات عند بيع الأراضي والعقارات بسبب اختلاف الناس في فهم موضع الشفعة أرجو بيان صاحب الحق في الشفعة؟\r\rالجواب: الشفعة عند الفقهاء هي: حق تملك العقار المبيع جبراً عن المشتري بما قام عليه من ثمن وتكاليف.\rوالشفعة مشروعة وثابتة بسنة رسول الله ﷺ وقد وردت فيها أحاديث كثيرة منها:\rعن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا أوقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) رواه البخاري.\rوعن جابر ﵁ أيضاً: (أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذه وإن شاء ترك فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به) رواه مسلم.\rوعن سمرة أن النبي ﷺ قال: (جار الدار أحق بالدار من غيره) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. وغير ذلك من الأحاديث.\rوالحمكة من مشروعية الشفعة كما بينها العلامة ابن القيم: [من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد ورودها بالشفعة ولا يليق به غير ذلك فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه أبقاه على حاله وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي بعضهم على بعض شرع الله ﷾ رفع هذا بالقسمة تارة وانفراد كل من الشريكين بنصيبه وبالشفعة تارة وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي ويزول عنه ضرر الشركة ولا يتضرر البائع لأنه يصل إلى حقه من الثمن وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد.. إعلام الموقعين ٢/١٣٩.\rوتثبت الشفعة للشريك فمثلاً إذا كان هنالك قطعة أرض أو عمارة يشترك في ملكها شخصان وملكهما مشاع فإذا أراد أحدهما بيع حصته فشريكه أحق بذلك من غيره وهذا مذهب جمهور الفقهاء عدا الحنفية.\rوأما السادة الحنفية فعندهم تثبت الشفعة للشريك وللجار الملاصق ولكل من الفريقين أدلته وحججه وردوده على الفريق الآخر، وقد اختار بعض أهل العلم قولاً وسطاً بين هذين القولين السابقين فقرروا أن الشفعة تثبت للشريك وللجار إذا كان شريكاً مع جاره في حقٍ من حقوق الإرتفاق الخاصة كأن يكون طريقهما واحداً، وهذا القول اختاره العلامة ابن القيم والإمام الشوكاني ونقل عن الإمام أحمد.\rوقد استدل لهذا القول بحديث جابر أن النبي ﷺ قال:\r(الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً) ، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وحسنه.\rقال ابن القيم: والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث أنه أن كان بين الجارين حقٌ مشترك من حقوق الأملاك من طريقٍ أو ماء أو نحو ذلك تثبت الشفعة وأن لم يكن بينهما حق مشترك البتة بل كان كل واحدٍ منهما متميزاً ملكه وحقوق ملكه فلا شفعة) ، إعلام الموقعين ٢/١٤٩.\rوقال أيضاً: والقياس الصحيح يقتضي هذا القول فإن الإشتراك في حقوق الملك شقيق الإشتراك في الملك، والضرر الحاصل بالشركة فيها كالضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه، ورفعه مصلحة للشريك من غير مضرة على البائع ولا على المشتري فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك الموجود في الخلطة في حقوقه فهذا المذهب أوسط المذاهب وأجمعها للأدلة وأقربها إلى العدل..) ،\rإعلام الموقعين ٢/ ١٥٠ - ١٥١.\rوبناءً على ما تقدم فإن الشفعة تثبت للشريك وتثبت للجار إذا كان بينه وبين جاره حق مشترك لهما وفي ذلك تحقيق الحكمة من مشروعية الشفعة وهي إزالة الضرر.\r****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346303,"book_id":3840,"shamela_page_id":683,"part":"12","page_num":177,"sequence_num":683,"body":"١٧٧ - القروض\rرد القرض للمقرض مع هدية، يقول السائل: إنه استقرض مبلغاً من المال من شخص ولما قضاه القرض أهداه هدية فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: الإقراض من الأمور الطيبة التي يعين بها المسلم أخاه ويفك عسره ويفرج كربته وهو داخل في عمومات الأدلة التي تحض على قضاء حاجة المسلم وإعانته كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ: (من نفس على أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) .\rوورد في الحديث عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة) رواه ابن ماجة وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. الإرواء ٥/٢٢٦.\rوقد ثبت في الحديث: (أن النبي ﷺ استقرض جملاً من أعرابي) رواه البخاري.\rوورد في الحديث عن عبد الله بن أبي ربيعة قال: (استقرض مني النبي ﷺ أربعين ألفاً فجاءه مال فدفعه إلي وقال: إنما جزاء السلف الحمد والأداء) رواه النسائي وابن ماجة وأحمد وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني. الإرواء ٥/٢٢٤، وغير ذلك من الأحاديث.\rوالأصل في القرض أن يسدده المقترض كما اقترضه وأما إذا أقرض وشرط أن يزيد عند السداد فهذا من الربا المحرم.\rوأما إذا اقترض وزاده عند الوفاء وكانت تلك الزيادة غير مشروطة عند العقد فمذهب جمهور الفقهاء جواز ذلك. ولا تعد تلك الزيادة من الربا ومثل ذلك الهدية بعد سداد القرض كما في السؤال.\rويدل على جواز ذلك أحاديث واردة عن النبي ﷺ وآثار عن الصحابة ﵃ منها:\r١. عن أبي رافع ﵁ قال: (استلف النبي ﷺ بكراً - الفتي من الإبل - فجاءته إبل الصدقة فأمرني أن أقضي الرجل بكره، فقلت: إني لم أجد من الإبل إلا جملاً خياراً رباعياً - جملاً كبيراً له من العمر ست سنوات - فقال: أعطه إياه فإن من خير الناس أحسنهم قضاء) رواه مسلم.\r٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (استقرض رسول الله ﷺ سناً فأعطى سناً خيراً من سنه، وقال: خياركم أحاسنكم قضاء) رواه أحمد والترمذي وصححه.\r٣. وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان لرجل على النبي ﷺ مسن من الإبل فجاء يتقاضاه، فقال: أعطوه فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سناً فوقها، فقال: أعطوه. فقال: أوفيتني أوفاك الله فال النبي ﷺ إن خيركم أحسنكم قضاء) رواه البخاري ومسلم.\r٤. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد ضحى فقال: صل ركعتين وكان لي عليه دين فقضاني وزادني) رواه البخاري.\rوفي رواية أخرى عند البخاري قال جابر: (فلما قدمنا المدينة، قال الرسول ﷺ يا بلال: اقضه وزده فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطاً) .\r٥. وعن مجاهد قال: (استلف عبد الله بن عمر من رجل دراهم ثم قضاه دراهم خيراً منه فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن هذه خير من دراهمي التي أسلفتك، فقال عبد الله بن عمر: قد علمت ولكن نفسي بذلك طيبة) رواه مالك في الموطأ.\r٦. وقال الإمام مالك ﵀: (لا بأس بأن يقبض من أسلف شيئاً من الذهب أو الورق أو الطعام أو الحيوان ممن أسلفه ذلك أفضل مما أسلفه إذا لم يكن ذلك على شرط منهما ...) .\r٧. وقال القرطبي: [أجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة ويجوز أن يرد أفضل مما استلف إذا لم يشترط ذلك عليه لأن ذلك من باب المعروف استدلالاً بحديث أبي هريرة في البكر: (إن خياركم أحسنكم قضاء) رواه الأئمة البخاري ومسلم. فأثنى ﷺ على من أحسن القضاء وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة.\rوبهذا يظهر لنا أن الهدية المذكورة في السؤال جائزة ولا باس بها ولا تعتبر من الربا المحرم] .\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346304,"book_id":3840,"shamela_page_id":684,"part":"12","page_num":178,"sequence_num":684,"body":"١٧٨ - الصرافة\rصرف دولارات بعضها ببعض، يقول السائل: الدولار الأمريكي من الفئة الكبيرة هي المتداولة بين جمهور الناس في منطقتنا أما الفئة الصغيرة فهي غير متداولة ولكن البنوك تأخذ ثلاثة بالألف عمولة على تبديلها وتقول: إنها أجرة نقل للبنوك أما عامة الصرافين فيأخذونها بسعر أقل من ذلك أيضاً فهل يجوز تبديل الفئة الصغيرة بفئة كبيرة من البنوك وذلك بدفع ثلاثة بالألف أم أن تبدل بعملة أخرى بسعر أقل من السعر الحقيقي علماً بأنها لا تساوي قيمتها أي الفئة الصغيرة إلا في الولايات المتحدة الأمريكية؟\r\rالجواب: لا يجوز شرعاً بيع الفئة الصغيرة من الدولار الأمريكي بفئة كبيرة من العملات الورقية - النقود - تقوم مقام الذهب والفضة وبالتالي فإن الربا يجري فيها كما يجري في الذهب والفضة فتأخذ النقود الورقية أحكام الذهب والفضة وبناء عليه لا يجوز بيع الجنس الواحد منها بعضه ببعض متفاضلاً سواء كان ذلك نسيئة أو يداً بيد لقول الرسول ﷺ: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) رواه مسلم.\rوأرى أن يقوم الصراف بتبديل الفئات الصغيرة من الدولار بعملة أخرى بسعر أقل من السعر الذي تبدل به الفئات الكبيرة من الدولار فهذه الصورة جائزة ولا بأس بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346305,"book_id":3840,"shamela_page_id":685,"part":"12","page_num":179,"sequence_num":685,"body":"١٧٩ - الصرافة\rصرف العملة مع تأجيل القبض، يقول السائل: طلب شخص من صراف أن يبيعه مبلغاً من الدولاات على أن يسدد قيمتها بالشيكل بعد شهر فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: إن بيع عملة بعملة أخرى يسمى عند الفقهاء عقد الصرف وقد اتفق أهل العلم على أن من شروط عقد الصرف تقابض البدلين من الجانبين في المجلس قبل اقترافهما.\rقال ابن المنذر: [أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد] .\rفلذلك يشترط في عملية بيع عملة بأخرى أن يتم تبادل العملتين في المجلس ولا يجوز تأجيل قبض إحداهما وإن حصل التأجيل فالعقد باطل ويدل على ذلك حديث الرسول ﷺ: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل يداً بيد والفضة بالفضة مثلاُ بمثل يداً بيد) رواه مسلم.\rوبما أن العملات الورقية تقوم مقام الذهب والفضة كما قال كثير من علماء العصر فأنه يشترط في بيع هذه العملات بغيرها من العملات التقابض ولا يجوز التأجيل وبناء على ما تقدم لا يجوز للسائل أن يشتري دولارات بشيكلات مؤجلة الدفع.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346306,"book_id":3840,"shamela_page_id":686,"part":"12","page_num":180,"sequence_num":686,"body":"١٨٠ - الربا\rشراء الذهب بأقساط إلى أجل مسمى، تقول السائلة: اشتريت أساور ذهبية من الصائغ واتفقت معه على تسديد الثمن على أقساط فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: إن بيع الأساور الذهبية وتسديد ثمنها فيما بعد على أقساط غير جائز شرعاً بل هو محرم لأنه من الربا المحرم بالنص ولا بد في هذا البيع أن يكون دفع الثمن فوراً وفي مجلس العقد أي لا بد من التقابض من العاقدين البائع والمشتري فلا يصح تأجيل أحد البدلين.\rفمثلاً إذا قلت للصائغ: بعني أساور ذهبية. فقال: لا يوجد لدي الآن سآتيك بها في الاسبوع القادم وقبض منك ثمنها عند التعاقد فهذا أيضاً بيع باطل ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عبادة بن الصامت ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواءً بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) رواه مسلم.\rوقد قرر الفقهاء المعاصرون أن الأوراق النقدية المعمول بها الآن تقوم مقام الذهب والفضة في التعامل بيعاً وشراءً وبها تقدر الثروات وتدفع الرواتب، ولذا تأخذ أحكام الذهب والفضة ولا سيما وجوب التناجز في مبادلة بعضها ببعض وتحريم التأجيل فيها فلذلك لا يجوز بيع الذهب بالعملات الورقية ولا شراء الذهب بالعملات الورقية ولا شراء الذهب بها إلا إذا كان يداً بيد وإذا كان هنالك تأجيل لأحد البدلين فإن ذلك حرام شرعاً لأنه باب من أبواب الربا.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346307,"book_id":3840,"shamela_page_id":687,"part":"12","page_num":181,"sequence_num":687,"body":"١٨١ - الربا\rالكفالة في قرض بروي، يقول السائل: ما حكم أن يكفل شخصاً كفالة مالية من أجل سداد قرض ربوي؟\r\rالجواب: إن الإسلام إذا حرم شيئاً سد كل الطرق الموصلة إليه والميسرة له، فالربا من أشد المحرمات وبالتالي حرم الإسلام كل ما يؤدي له أو يساعد فيه ومن هذا الباب يحرم على الشخص أن يكفل من اقترض قرضاً ربوياً ويحرم عليه أيضاً أن يشهد على ذلك ويحرم عليه أن يكتب معاملة ربوية، وقد ثبت في الحديث عن ابن مسعود: (أن النبي ﷺ لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه) رواه أصحاب السنن وهو حديث صحيح وأصله في الصحيحين. وآكل الربا هو من يأخذ المال بالربا ومؤكل الربا هو دافعه ومطعمه غيره وهذا الحديث يدل دلالة صريحة على تحريم الربا وما لحق به من حيث الشهود والكاتب والكفيل أشد من ذلك.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346308,"book_id":3840,"shamela_page_id":688,"part":"12","page_num":182,"sequence_num":688,"body":"١٨٢ - شركة الأبدان\rيقول السائل: ما حكم اشتراك شخصين في القيام بالأعمال للناس ويكون ما يكسبانه من الدخل بينهما حسب ما يتفقان؟\r\rالجواب: إن الشركة المشار إليها تسمى شركة الأبدان عند الفقهاء ويسميها بعضهم شركة الأعمال أو شركة الصنائع وهذه الشركة تعتمد على عمل وجهد الشركاء ولا تعتمد على رأس المال مثل الخياطة والبناء وما يتعلق به كالقصارة والبلاط وتركيب الأدوات الصحية ونحو ذلك وهذه الشركة جائزة كما هو مذهب جمهور الفقهاء واحتجوا بما ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: (اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجيء أنا وعمار بشيء) رواه ابو داود والنسائي وابن ماجة ورجاله ثقات إلا أنه منقطع.\rوهذا الحديث يدل على جواز شركة الأبدان، وقد تعامل الناس بهذا النوع من الشركة في سائر الأمصار من غير إنكار من أحد عليهم وشركة الأبدان تشتمل على الوكالة، والوكالة جائزة والمشتمل على الجائز جائز كما أن المضاربة تنعقد على العمل فجاز أن تنعقد عليه شركة الأبدان قياساً عليها كما قال الحنفية.\rوشركة الأبدان ضرورة لا بد منها ولو قلنا بمنعها لأدى ذلك إلى تعطيل كثير من الأعمال التي تعارف الناس عليها ولفاتت كثير من المصالح. الشركات ٢/٣٧-٤١.\rولا بد لصحة هذه الشركة من معرفة نصيب كل من الشركاء كأن يكون لكل منهما النصف مثلاً ولا يجوز أن يكون نصيب الشركاء مبلغاً محدوداً كأن، يكون لأحدهما مئة دينار في الشهر مثلاً.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346309,"book_id":3840,"shamela_page_id":689,"part":"12","page_num":183,"sequence_num":689,"body":"١٨٣ - الاقتطاع من أجر العامل\rيقول السائل: إنه يقوم بإحضار عمال للعمل لدى أصحاب المصانع ويتفق مع أصحاب العمل على أن أجرة العامل عشرون ديناراً ويتفق مع العامل أن أجرة العمل خمسة عشر ديناراً ويأخذ خمسة دنانير عن كل عامل، فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: لا يجوز لهذا الشخص أن يأخذ الخمسة دنانير وهي الفرق بين ما اتفق عليه مع أصحاب العمل وما اتفق عليه مع العامل وإن هذا يعتبر أكلاً لأموال الناس بالباطل وخاصة انه لا يوجد أي جهد لهذا الشخص في عمل العامل والله ﷾ يقول: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) .\rوهذا الرجل استغل العمال استغلالاً بشعاً فأخذ ثمرة جهدهم وتعبهم وهو لم يخسر شيئاً وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: (قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حراً فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره) رواه البخاري.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346310,"book_id":3840,"shamela_page_id":690,"part":"12","page_num":184,"sequence_num":690,"body":"١٨٤ - القروض\rديون الأب بعد وفاته، يقول السائل: إن والده قد توفي وكانت عليه ديون كثيرة ولم يترك مالاً لقضائها فهل يجب على أولاده قضاء ديونه؟\r\rالجواب: يجب أن يعلم أنه إذا مات الميت وترك مالاً فالواجب على ورثته أولاً أن يقوموا بتجهيز الميت وتكفينه وما يتعلق بذلك من تركته، وبعد ذلك يجب قضاء ديونه باتفاق الفقهاء وبعد ذلك تنفذ وصاياه من ثلث المال الباقي بعد تجهيزه وبعد سداد الديون.\rوينبغي أن يعلم أن قضاء الدين مقدم على تنفيذ وصايا الميت وإن كانت الوصية مقدمة على الدين في آية المواريث، يقول الله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) .\rوبعد ذلك يوزع الباقي على الورثة حسب التقسيم الشرعي لذلك، وأما بالنسبة لديون الميت فمنها ديون الله ﷿ مثل الزكاة والكفارات والنذور وأرجح الأقوال فيها أن تقضى عن الميت إن ترك مالاً سواء أوصى بقضائها أم لم يوص ويدل على ذلك قوله ﵊: (اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري.\rوأما ديون العباد فيجب أن تقضى من مال الميت إن ترك مالاً كما ذكرت وأما إذا لم يترك مالاً وعليه ديون فيستحب للورثة أن يبادروا إلى سداد الديون على الميت إبراء لذمته ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن ولا يجب على الورثة أن يقضوا ديون الميت إن لم يترك وفاء لدينه وفي هذه الحالة يكون قضاء الدين على ولي أمر المسلمين ويدل على ذلك ما رواه الإمام البخاري في صحيحه أن الرسول ﷺ قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاءه ومن ترك مالاً فلورثته) .\rوجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى، عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه فضلاً؟ فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء صلّى وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعلي قضاءه ومن ترك مالاً فلورثته) رواه البخاري.\rوبهذا يظهر لنا أنه لا يجب على الابن قضاء الدين عن أبيه ولكن يستحب له ذلك إبراء لذمة والده ووفاء لوالده وبراً به.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346311,"book_id":3840,"shamela_page_id":691,"part":"12","page_num":185,"sequence_num":691,"body":"١٨٥ - الميراث\rالميراث الانتقالي، يقول السائل: ما هو الحكم الشرعي في توزيع الميراث حسب النظام المسمى في المحاكم الشرعية بالانتقالي والذي يتضمن مساواة الأنثى للذكر في الأراضي الأميرية؟ وهل يتعارض ذلك مع الشريعة الإسلامية؟\r\rالجواب: إن الأرض الأميرية هي التي تعود ملكيتها لبيت مال المسلمين وهذه الأراضي لم تقسم على الفاتحين المسلمين وبقيت رقبتها ملكاً للدولة الإسلامية وأعطيت منفعتها لمن يقيمون عليها وأصل ذلك يعود إلى عهد عمر بن الخطاب عندما فتح العراق ولم يقسم الأراضي المفتوحة على المقاتيلن وإنما أبقى رقبتها ملكاً لبيت مال المسلمين وملك القائمين عليها منفعتها على أن يؤدوا نصيباً مفروضاً لبيت مال المسلمين فالذي يملك التصرف في الأراضي الأميرية هو الحاكم المسلم والأراضي الأميرية لا يجري فيها الميراث الشرعي لأنه إذا مات من بيده الأرض فهو في الحقيقة غير مالك لها وإنما يملك حق المنفعة فقط فإذا مات انتقل حق المنفعة لورثته ولا يجري فيها الميراث فلا تعتبر من ضمن تركة المتوفى ولا تقضى ديونه ولا تقسم قسمة المواريث بل تنتقل بحسب ما يرى السلطان.\rوقد قامت الحكومة العثمانية بسن قانون الانتقال بالأراضي الأميرية منذ عهد السلطان سليمان القانوني وقد جرى عليه تعديلات كثيرة وأصل أحكام هذا القانون مستندة لأحكام الشريعة الإسلامية ومن التعديلات التي أدخلت على هذا القانون في عهد السلطان عبد المجيد تساوي الذكور والإناث في أحكام قانون انتقال الأراضي.\rوقضية تساوي الذكر والأنثى في هذا القانون لا تتعارض مع تفاوت نصيب الذكر والأنثى في الميراث الشرعي وذلك لأن مالك الأراضي الأميرية هو بيت مال المسلمين والذي يحق له التصرف فيها هو الحاكم المسلم ويجوز للحاكم أن يملك المنفعة في الأراضي الأميرية بالتساوي بين الذكر والأنثى ولا مانع يمنع ذلك في الشريعة الإسلامية لأن للإمام ولاية عامة على المسلمين وله أن يتصرف في مصالح المسلمين ويضاف إلى ما قلت أن الأراضي الأميرية كما لا يجري فيها الإرث الشرعي لا يجري فيها الوقف ولا الرهن ولا البيع ولا الهبة ولا الشفعة وقانون الانتقال بالأراضي الأميرية استمر العمل به في بلادنا حتى ١٦/٤/١٩٩١ ثم أوقف العمل به نظراً للظروف الخاصة التي تمر بها البلاد ومن اراد التوسع في معرفة أحكام الانتقال بالأراضي الأميرية فليرجع إلى كتاب الفريدة في حساب الفريضة للشيخ محمد نسيب البيطار ﵀.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346312,"book_id":3840,"shamela_page_id":692,"part":"12","page_num":186,"sequence_num":692,"body":"١٨٦ - أنت ومالك لأبيك\rيقول السائل: هل يجوز للأب أن يتملك مال ولده ويأخذه له اعتماداً على قول الرسول ﷺ: (أنت ومالك لأبيك) ؟\r\rالجواب: لقد اتفق الفقهاء على أنه يجب على الولد الموسر أن ينفق على والده الفقير المحتاج وإن لم يفعل فهو آثم عند الله ﷾.\rويجوز للأب أن يأكل من مال ولده ويأخذ منه قدر حاجته ما لم يكن في ذلك سرف أو سفه فقد ورد في الحديث عن عائشة قالت: (قال رسول الله ﷺ: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم) رواه أصحاب السنن الأربعة وأحمد وابن حبان والحاكم وهو حديث حسن صحيح كما قال الترمذي وفي رواية لأحمد: (ولد الرجل من أطيب كسبه فكلوا من أموالهم هنيئاً) ورواه الحاكم وصححه.\rوينبغي للابن أن يبذل ماله لأبيه ولا يمنعه منه وليس معنى ذلك أن الأب يملك مال الابن من غير طيب نفس من ابنه وأما الحديث المذكور وهو قوله: (أنت ومالك لأبيك) فهو جزء من حديث ورد بروايات مختلفة منها عن جابر بن عبد الله أن رجلاً قال: (يا رسول الله إن لي مالاً وولداً وإن أبي يجتاح مالي. فقال ﵊: أنت ومالك لبيك) رواه ابن ماجة والطحاوي والطبراني وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني وقد ورد هذا الحديث من طرق كيثرة تكلم عليها الألباني بالتفصيل في كتابه إرواء الغليل ٣/٣٢٣-٣٣٠.\rولم يأخذ أكثر الفقهاء بظاهر الحديث قال ابن حبان في صحيحه: تحت عنوان \" ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة العلم أن مال الابن يكون للأب ... \" ثم ذكر الحديث وعقب عليه بقوله: [ومعناه أنه ﷺ زجر عن معاملته أباه بما يعامل به الأجنبي وأمره ببره والرفق به في القول والفعل معاً إلى أن يصل إليه ماله فقال له: (أنت ومالك لأبيك) لا أن مال الابن يملكه الأب في حياته عن غير طيب نفس من الابن له] صحيح ابن حبان ٢/١٤٢-١٤٣.\rويرى بعض أهل العلم أن اللام في قوله ﷺ: (لأبيك) تفيد الإباحة لا التمليك فيباح للوالد أن يأخذ من مال الابن حاجته ولا تفيد أن الأب يملك مال الابن فإن مال الابن له وزكاته عليه وهو موروث عنه.\rوقال الشيخ علي الطنطاوي: [إن الحديث قوي الإسناد لكن لا يؤخذ عند جمهور الفقهاء على ظاهره بل يؤول ليوافق الأدلة الشرعية الأخرى الثابتة والقاعدة الشرعية المستنبطة منها وهي أن المالك العاقل البالغ يتصرف بماله وليس لأحد التصرف به بغير إذنه ...] فتاوى الطنطاوي ص ١٣٧.\rوأخيراً أذكر رواة للحديث السابق لما فيها من العظة والعبرة وإن كان في سندها كلام فقد روي: (أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي أخذ مالي. فقال النبي ﷺ للرجل: اذهب فائتني بأبيك. فنزل جبريل ﵇ على النبي ﷺ فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه، فلما جاء الشيخ قال له النبي ﷺ: ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: سله يا رسول الله هل أنفقه إلا على عماته أو خالاته أو على نفسي؟ فقال النبي ﷺ: إيه دعنا من هذا وأخبرنا عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذاك. فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما يزال الله يزيدنا بك يقيناً لقد قلت في نفسي شيئاً ما سمعته أذناي. فقال: قل وأنا أسمع. قال: قلت:\rتعل بما أجني عليك وتنهللسقمك إلا ساهراً أتململطرقت به دوني فعيناي تهمللتعلم أن الموت وقت مؤجلإليها مدى ما فيك كنت أؤملكأنك أنت المنعم المتفضلفعلت كما الجار والمجرور يفعلبرد على أهل الصواب موكل غذوتك مولوداً ومنتك يافعاًإذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبتكأني أنا المطروق دونك بالذيتخاف الردى نفسي عليك وأنهافلما بلغت السن والغاية التيجعلت جزائي غلظة وفظاظةفليتك إذ لم ترع حق أبوتيتراه معداً للخلاف كأنه\r\rقال فحينئذ أخذ النبي ﷺ بتلابيب ابنه وقال: أنت ومالك لأبيك) .\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346313,"book_id":3840,"shamela_page_id":693,"part":"12","page_num":187,"sequence_num":693,"body":"١٨٧ - المال الحرام\rيقول السائل: إنه يكتسب مالاً من حرام مع العلم أنه قادر على اكتساب المال بطريق حلال ولكن ما يكسبه من الحرام كثير وما يكسبه من الحلال قليل؟ فماذا يفعل؟\r\rالجواب: لا يجوز للمسلم أن يكتسب المال بطريق حرام قليلاً كان المال أو كثيراً يقول ﷾: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) وكون المال الذي يكسبه بالحلال قليلاً وما يكسبه من الحرام أكثر ليس مبرراً لاكتساب المال بالحرام وليعلم السائل وغيره أن المسلم سيسأل يوم القيامة عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه فقد ورد في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه الألباني.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346314,"book_id":3840,"shamela_page_id":694,"part":"12","page_num":188,"sequence_num":694,"body":"١٨٨ - الرشوة\rيقول السائل: هل تعتبر الهدايا التي تقدم لشخص مسوؤل عن صندوق المدرسة من قبل أولياء أمور الطلبة من باب الرشوة؟ ويسأل فيما إذا كان حديث ابن اللتبية ينطبق عليه أم لا؟\r\rالجواب: أبدأ أولاً بذكر الحديث المشار إليه في السؤال فقد روى الإمام البخاري بسنده عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: (استعمل النبي ﷺ رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال: هذا مالكم وهذا أهدي إلي. فقام النبي ﷺ فصعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك وهذا لي؟ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ...) ورواه مسلم وغيره.\rوهذا الحديث الصحيح يدل على عدم جواز الهدية للمسؤولين إذا كانت الهدية جاءتهم بحكم المسؤولية التي يحملونها وتعتبر هذه الهدية في حكم الرشوة فإذا أهدى شخص هدية إلى موظف في وظيفة ما ولم يكن بينهما تهاد قبل توليه لتلك الوظيفة فلا يجوز أن يقبل الهدية. جاء في المغني عند الكلام على الهدية للقاضي قال: [ولا يقبل هدية من لم يكن يهدي إليه قبل ولايته وذلك لأن الهدية يقصد بها في الغالب استمالة قلبه ليعتني به في الحكم فتشبه الرشوة ...] المغني ١٠/٦٨.\rوبناء على ما تقدم نقول للسائل: إذا جاءت الهدية من قبل شخص كان يهديك قبل توليك لوظيفتك فلا بأس بها وكذلك إذا لم يكن للمهدي غرض عند الشخص المهدى إليه، وأما إذا كانت الهدية بسبب تولي المنصب أو الوظيفة فلا ينبغي قبولها لأنها في الظاهر هدية وفي الباطن رشوة.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346315,"book_id":3840,"shamela_page_id":695,"part":"12","page_num":189,"sequence_num":695,"body":"١٨٩ - السمسرة\rقول السائل: شخص يعمل سائق سيارة باص ويقوم بنقل الزوار إلى أماكن معينة للزيارة ويأخذهم إلى محلات تجارية مخصوصة ليشتروا منها والسائق متفق مع أصحاب المحلات على أن يدفعوا له نسبة معينة من الربح مثل ١٠% أو ٢٠% فهل يجوز ذلك؟\r\rالجواب: الذي يظهر أن ذلك جائز ولا بأس به فهذا نوع من السمسرة المعروفة لدى التجار لدى التجار فالتاجر يقول للسمسار بع لي هذه البضاعة ولك كذا وكذا على حسب ما يتفقان أو يقول شخص للسمسار اشتر لي قطعة أرض ولك كذا وكذا على حسب ما يتفقان فهذه معاملة جائزة ولا بأس بها إن شاء الله.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346316,"book_id":3840,"shamela_page_id":696,"part":"12","page_num":190,"sequence_num":696,"body":"١٩٠ - المال الحرام\rيقول السائل: إن له أموالاً في أحد البنوك وأن البنك يعطيه على ذلك فوائد فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: لا شك أن الربا من أعظم المحرمات والربا المحرم هو الذي يسمى الآن الفائدة وهذه الفائدة مال حرام وكل مال حرام لا يجوز للمسلم أن ينتفع به انتفاعاَ شخصياً فلا يجوز أن يصرفه على نفسه ولا على زوجته وأولاده ومن يعولهم لأنه مال حرام بل هو من السحت ومصرف هذا المال الحرام وأمثاله هو إنفاقه على الفقراء والمحتاجين ومصارف الخير كدور الأيتام والمؤسسات الاجتماعية ونحوها. ولا يجوز ترك هذه الأموال للبنوك بل تؤخذ وتنفق في جهات الخير والبر.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346317,"book_id":3840,"shamela_page_id":697,"part":"12","page_num":191,"sequence_num":697,"body":"١٩١ - المال الحرام\rتفصيل كيفية التصرف بالمال الربوي\r\rكنت قد أجبت في حلقة يوم الجمعة الماضية عن سؤال يتعلق بالفوائد التي تدفعها البنوك وعن كيفية التصرف فيها وقلت في الجواب إن هذه الأموال تصرف للفقراء والمحتاجين ومصارف الخير كدور الأيتام والمؤسسات الاجتماعية ونحوها وكان جواب السؤال مقتضباً وفي هذه الحلقة أفصل الجواب لتوضيح الأمر بالتفصيل فأقول:\rإن الربا من أكبر المحرمات وقد قامت الأدلة الصريحة من كتاب الله وسنة الرسول ﷺ على تحريمه والأصل أنه يحرم على المسلم أن يضع أمواله في البنوك الربوية ابتداء إلا عند الضرورة فإذا حصل ووضع أمواله في البنك الربوي وأعطاه البنك الربوي ما يسمونه بالفائدة وهو الربا حقيقة وفعلاً فإن أمامه عدة احتمالات ليتصرف بهذا المال كما قرر ذلك بعض الفقهاء المعاصرين:\rأولاً: أن ينفق هذا المال على نفسه وعياله وفي شؤونه الخاصة.\rثانياً: أن يترك هذا المال للبنك.\rثالثاً: أن يأخذ هذا المال ويتلفه ليتخلص منه.\rرابعاً: أن يأخذه ويصرفه في مصارف الخير المختلفة للفقراء والمساكين والمؤسسات الخيرية.\rهذه هي الاحتمالات الأربعة القائمة في هذه المسألة ونريد أن نناقشها واحداً تلو الآخر.\rأما الخيار الأول وهو أن يأخذ هذا المال الحرام - الفائدة - من البنك وينفقه على نفسه وعياله وشؤونه الخاصة فهذا أمر محرم شرعاً بنص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لأنه إن أخذه وأنفقه على نفسه وعياله يكون قد استحل الربا المحرم، يقول الله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) ويقول أيضاً: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)\rوأما الخيار الثاني الذي مفاده أن تترك الفائدة للبنوك فإنه مهما اعتبره بعض الناس اقتضاء التقوى وموافقة حكم الشرع ومهما ترجح هذا الرأي لديهم لا يشك في تحريم ذلك من له أدنى معرفة بنظام البنوك الربوية وخاصة بنوك أوروبا وأميركا حيث تقوم هذه البنوك بتوزيع تلك الأموال على جمعيات معادية للإسلام والمسلمين.\rلذلك فإن إبقاء الفوائد للبنوك الربوية حرام ولا يجوز شرعاً، قال الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله: [والخلاصة أن ترك الفوائد للبنوك وبخاصة الأجنبي حرام بيقين وقد صدر ذلك عن أكثر من مجمع وخصوصاً مؤتمر المصارف الإسلامية الثاني في الكويت) فتاوى معاصرة ٢/٤١٠.\rوذكر أد علماء الهند المعاصرين أن تلك الفوائد التي كان المسلمون يتركونها للبنوك الربوية في الهند كانت تصرف على بناء الكنائس وعلى إرساليات التبشير وغير ذلك. راجع قضايا فقهية معاصرة ص ٢٤.\rوأما الخيار الثالث وهو إتلاف تلك الأموال فلا يقول به عاقل لأن المال نعمة من الله ﷾ وليس بنجس بنفسه وإنما يخبث المال إذا كسبه بطريق حرام فإتلافه إهدار لنعمة الله، قال الشيخ مصطفى الزرقا: [فالمال لا ذنب له حتى نحكم عليه بالإعدام فإتلافه إهدار لنعمة الله وهو عمل أخرق والشريعة الإسلامية حكمة كلها لأن شارعها حكيم] .\rفإذا بطلت الخيارات الثلاثة وبقي الخيار الرابع وهو أخذ المال من البنك وتوزيعه على الفقراء والمساكين وجهات الخير الأخرى وهذا شأن كل مال حرام يحوزه المسلم فيجب عليه أن يتصدق به، قال حجة الإسلام الغزالي موضحاً مسألة التصدق بالمال الحرام ما نصه: [فإن قيل: ما دليل جواز التصدق بما هو حرام وكيف يتصدق بما لا يملك؟ وقد ذهب جماعة إلى أن ذلك غير جائز لأنه حرام وحكى عن الفضيل أنه وقع في يده درهمان فلما علم أنهما من غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال: لا أتصدق إلا بالطيب ولا أرضي لغيري مالاً لا أرضاه لنفسي؟ فنقول: نعم ذلك له وجه واحتمال وإنما اخترنا خلافه للخبر والأثر والقياس.\rأما الخبر: فأمر رسول الله ﷺ بالتصدق بالشاة المصلية التي قدمت فكلمته بأنها حرام إذ قال ﷺ (أطعموها الأسارى) قال الحافظ العراقي في تخريج هذا الحديث رواه أحمد وإسناده جيد.\rولما نزل قوله تعالى: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) كذبه المشركون وقالوا للصحابة: ألا ترون ما يقول صاحبكم يزعم أن الروم ستغلب فخاطرهم أبو بكر بإذن رسول الله ﷺ فلما حقق الله صدقه وجاء أبو بكر ﵁ بما قامرهم به قال ﵊: (هذا سحت فتصدق به وفرح المؤمنون بنصر الله وكان قد نزل تحريم القمار بعد إذن رسول الله ﷺ له في المخاطرة مع الكفار.\rقال الحافظ العراقي: حديث مخاطرة ابي المشركين بإذنه ﷺ لما نزل قوله تعالى:: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) وفيه فقال صلى الله عليه وسام: (هذا سحت فتصدق به) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن عباس وليس فيه إن ذلك كان بإذنه ﷺ والحديث عند الترمذي وحسنه والحاكم وصححه دون قوله أيضاً: (هذا سحت فتصدق به) .\rوأما الاثر فإن ابن مسعود ﵁ اشترى جارية فلم يظفر بمالكها لينقده الثمن فطلبه كثيراً فلم يجده فتصدق بالثمن وقال: اللهم هذا عنه إن رضي وإلا فالأجر لي.\rوسئل الحسن ﵁ عن توبة الغال-من يأخذ من مال الغنيمة قبل أن يقسم-وما يؤخذ منه بعد تفرق الجيش فقال: يتصدق به.\rوروي أن رجلاً سوّلت له نفسه فغلّ مائة دينار من الغنيمة ثم أتى أميره ليردها عليه فأبى أن يقبضها وقال له: تفرق الناس. فأتى معاوية فأبى أن يقبضها. فأتى بعض النّساك فقال: ادفع خمسها إلى معاوية وتصدّق بما يبقى فبلغ معاوية قوله فتلهف إذ لم يخطر له ذلك. وقد ذهب أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وجماعة من الورعين إلى ذلك.\rوأما القياس: فهو أن يقال أن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير إذ قد وقع اليأس من مالكه وبالضرورة يعلم أن صرفه إلى خير أولى من إلقائه في البحر فإنا إن رميناه في البحر فقد فوتناه على أنفسنا وعلى المالك ولم تحصل منه فائدة وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه حصل للمالك بركة دعائه وحصل للفقير سد حاجته وحصول الأجر للمالك بغير اختياره في التصدق لا ينبغي أن ينكر فإن في الخبر الصحيح: (إن للزارع والغارس أجراً في كل ما يصيبه الناس من ثماره وزروعه) رواه البخاري.\rوأما قول القائل: لا نتصدق إلا بالطيب فذلك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر وترددنا بين التضييع وبين التصدق ورجحنا جانب التصدق على جانب التضييع.\rوقول القائل: لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفسنا فهو كذلك ولكنه علينا حرام لاستغنائنا عنه وللفقير حلال إذا حلّه دليل الشرع وإذا اقتضت المصلحة التحليل وجب التحليل وإذا حل فقد رضينا له الحلال.\rونقول: إنه له أن يتصدق على نفسه وعياله إذا كان فقيراً أما عياله وأهله فلا يخفى لأن الفقر لا ينتفي عنهم بكونهم من عياله وأهله بل هم أولى ولو تصدق به على فقير لجاز وكذا إذا كان هو الفقير] فتاوى معاصرة ٢/٤١٢ - ٤١٣.\rوبهذا يظهر لنا أن المصرف الوحيد لهذه الأموال-الفوائد- هو التصدق بها وقد قال بهذا القول عدد من الفقهاء المعاصرين في مؤتمر عقد سنة ١٩٧٩ وشارك فيه عدد من العلماء المسلمين المعاصرين وهو قول سديد وفقه حسن وبه أقول.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346318,"book_id":3840,"shamela_page_id":698,"part":"12","page_num":192,"sequence_num":698,"body":"١٩٢ - أتعاب العامل\rيقول السائل: إنه يملك محلاً لبيع الخضار وأنه شغل عاملاً لديه بأجرة شهرية وأن العامل ترك العمل بعد مدة وطالب بأتعاب عن المدة التي اشتغلها مع العلم أنه لا يوجد أي عقد بينهما فهل يحق للعامل أن يطالب بأتعاب؟\r\rالجواب: إذا لم يكن هناك عقد بين صاحب العمل والعامل فإن المعاملة بين الاثنين تكون حسب العرف السائد بين أصحاب العمل والعمال فإذا جرت العادة بأن يعطى العمال ما يسمى بالأتعاب بعد انتهاء عملهم فيستحق ذلك العامل الأتعاب التي أخذها أمثاله ويقدر ذلك أهل الخبرة. وأما إذا كان العرف لا يعطي العامل إلا أجرته فقط ولا يعطيه أتعاباً فلا يستحق العامل ذلك والأصل المعتمد في هذه المسألة القواعد الفقهية المقررة عند أهل العمل منها:\r\r١. العادة محكمة.\r٢. المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.\r٣. المعروف بين التجار كالمشروط بينهم.\rويجب أن يعلم أن العادة المعتبرة هنا هي العادة أو العرف الغالب المطرد فقد جاء في القاعدة الفقهية \" إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت \".\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346319,"book_id":3840,"shamela_page_id":699,"part":"12","page_num":193,"sequence_num":699,"body":"١٩٣ - القرعة\rيقول السائل: نحن ثلاثة شركاء في قطعة أرض قمنا بتقسيمها واختلفنا في تحديد حصة كل منا فعملنا قرعة لتحديد الحصص فما حكم الشرع في القرعة؟\r\rالجواب: إن القرعة مشروعة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وبيان ذلك كما يلي:\r١. يقول الله ﷾ في قصة مريم ﵍: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) سورة آل عمران الآية ٤٤.\rقال الإمام العربي المالكي في تفسيره للآية السابقة: [روي أن زكريا قال: أنا أحق بها خالتها عندي. وقال بنو إسرائيل: نحن أحق بها بنت عالمنا فاقترعوا عليها بالأقلام وجاء كل واحد منهم بقلمه واتفقوا أن يجعلوا الأقلام في الماء الجاري فمن وقف قلمه ولم يجر في الماء فهو صاحبها ... ] أحكام القرآن ١/٢٧٣.\r٢. ويقول الله ﷿ في قصة يونس ﵇: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) سوة الصافات الآيتان ١٣٩-١٤١.\rذكر الطبري: [أن يونس ﵇ لما ركب في السفينة أصاب أهلها عاصفة من الريح فقالوا هذه بخطيئة احدكم فقال يونس وعرف أنه هو صاحب الذنب: هذه خطيئتي فألقوني في البحر وأنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم (فساهم فكان من المدحضين) فقال لهم قد أخبرتكم أن هذا الأمر بذنبي وأنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم الثانية فكان من المدحضين وأنهم أبوا أن يلقوه في البحر حتى أعادوا بسهامهم الثالثة فكان من المدحضين] تفسير القرطبي ١٥/١٢٤.\rوقد استدل العلماء بهاتين الآيتين على مشروعية القرعة بالإضافة إلى الأحاديث التي سأذكرها فيما بعد. قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب القرعة في المشكلات وقوله ﷿ إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم] وقال ابن عباس: [اقترعوا فجرت الأقلام مع الجرية وعال قلم زكريا الجرية فكفلها زكريا] .\rوقوله تعالى: (فَسَاهَمَ) أقرع-فكان من المدحضين-من المسهومين) صحيح البخاري مع الفتح ٦/٢٢١.\rوقد ثبتت القرعة في شريعتنا الإسلامية بأحاديث كثيرة منها:\rأ. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا) رواه البخاري ومسلم.\rب. وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسئه فأيهن خرج سهمها خرج بها معه) رواه البخاري ومسلم.\rج. وعن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف) رواه البخاري.\rد. وعن عمران بن حصين ﵁: (أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم ثلاثاً ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة وقال له قولاً شديداً) رواه مسلم.\rوقد أخذ جمهور أهل العلم بالقرعة واعتبروها من الطرق المشروعة لإظهار الحقوق واعتبروها طريقاً من طرق الحكم في القضاء الشرعي وقد ثبت أن الرسول ﵊ قد استعملها كما سبق.\rوقد بيّن الإمام القرافي ضابط استعمال القرعة فقال: [اعلم أنه متى تعنيت المصلحة أو الحق في جهة لا يجوز الإقراع بينه وبين غيره. لأن في القرعة ضياع ذلك الحق المتعين أو المصلحة المتعينة.\rومتى تساوت الحقوق والمصالح فهذا هو موضع القرعة عند التنازع دفعاً للضغائن والأحقاد بما جرت به الأقدار وقضى بها الملك الجبار ... ] الفروق ٤/١١١.\rوما قام به الشركاء في السؤال عمل صحيح لا شيء فيه لأنهم لجأوا إلى تحديد حصة كل منهم بالقرعة وهذا من المواضع التي تستعمل فيها القرعة، وقد أجاز الفقهاء ذلك، وفي استعمال القرعة تطييب للقلوب ورضا كل شريك بحصته.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346320,"book_id":3840,"shamela_page_id":700,"part":"12","page_num":194,"sequence_num":700,"body":"١٩٤ - لا يجوز أن يكون الربح في شركة المضاربة نسبة من رأس المال\r\rيقول السائل: أعطيت شخصاً مبلغاً من المال ليتجر فيه، واتفقنا على أن تكون نسبة الربح ١٠% من رأس المال فهل تصح هذه المعاملة، أفيدونا؟\r\rالجواب: الاتفاق المذكور يسمى عند الفقهاء عقد المضاربة، ولكن هذه المضاربة تعتبر مضاربة فاسدة لما سأذكره لاحقاً، وعقد المضاربة عند الفقهاء هو أن يدفع شخصٌ مبلغاً من المال لآخر ليتجر فيه، والربح مشترك بينهما على حسب ما يتفقان - أي يكون المال من شخص والعمل من شخص آخر- والمضاربة جائزة عند عامة الفقهاء اتباعاً لما ورد عن عدد من الصحابة ﵃ الذين أجازوها وعملوا بها، وإن لم يرد نصٌ صحيحٌ صريحٌ من الكتاب والسنة بخصوصها، قال الشيخ ابن حزم الظاهري: [كل أبواب الفقه ليس منها بابٌ إلا وله أصل في القرآن والسنة، حاشا القراض- أي المضاربة - فما وجدنا له أصلاً فيهما البتة، ولكنه إجماعٌ صحيحٌ مجرد] نيل الأوطار٥/٣٠١. وقال ابن المنذر: [وأجمعوا على أن القراض بالدنانير والدراهم جائز] الإجماع ص٥٨. وقد استدل العلماء على جواز المضاربة بأدلة عامة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واحتجوا ببعض الأحاديث والآثار في ذلك كما سأبين. قال الماوردي: [والأصل في إحلال القراض وإباحته عموم قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ سورة البقرة الآية ١٩٨، وفي القراض ابتغاء فضلٍ وطلبُ نماء] الحاوي الكبير ٧/٣٠٥. وجاء عن حكيم بن حزام صاحب رسول الله ﷺ: (أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضةً يضرب له به، أن لا تجعل مالي في كبد رطبة ولا تحمله في بحرٍ، ولا تنزل به بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي) رواه البيهقي والدارقطني وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني سنده قوي، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/٢٩٣. وروى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: (خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيشٍ إلى العراق، فلما قفلا مرَّا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة فرحب بهما وسهّل ثم قال: لو أقدر لكما على أمرٍ أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون الربح لكما فقالا: وددنا ذلك ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهم المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه فقال عمر: أدياه فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً فقال عمر: قد جعلته قراضاً، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال) ورواه الدارقطني والبيهقي أيضاً، قال الحافظ ابن حجر وإسناده صحيح، نيل الأوطار ٥/٣٠٠. وقال العلامة الألباني إسناده حسن كما في إرواء الغليل ٥/٢٩٣، وانظر الاستذكار ٢١/١٢٠. وقد وردت آثار أخرى في المضاربة عن عدد من الصحابة كعلي وابن مسعود وابن عباس وجابر وغيرهم ﵃ أجمعين، قال الشوكاني: [فهذه الآثار تدل على أن المضاربة كان الصحابة يتعاملون بها من غير نكيرٍ إجماعاً منهم على الجواز] نيل الأوطار ٥/٣٠٠-٣٠١. وقد تكلم عليها العلامة الألباني وبين أنها صحيحة عن بعضهم كما في إرواء الغليل ٥/٢٩٠- ٢٩٤. إذا تقرر هذا فإن من شروط عقد المضاربة أن يكون الربح معلوماً بنسبة شائعة من مجمل الربح المتحقق، كالربع أو الثلث أو النصف مثلاً، أو نسبة مئوية مثل ١٠% أو ٢٠% ٣٥% ونحو ذلك، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً قول الخرقي: [ولا يجوز أن يجعل لأحدٍ من الشركاء فضل دراهم] قال ابن قدامة: [وجملته أنه متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة , أو جعل مع نصيبه دراهم مثل أن يشترط لنفسه جزءً وعشرة دراهم بطلت الشركة. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة، وممن حفظنا ذلك عنه مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ... وإنما لم يصح ذلك لمعنيين: أحدهما أنه إذا شرط دراهم معلومة احتمل أن لا يربح غيرها , فيحصل على جميع الربح، واحتمل أن لا يربحها فيأخذ من رأس المال جزءً وقد يربح كثيراً ً فيستضر من شرطت له الدراهم. والثاني أن حصة العامل ينبغي أن تكون معلومة بالأجزاء لما تعذر كونها معلومة بالقدر , فإذا جهلت الأجزاء فسدت، كما لو جهل القدر فيما يشترط أن يكون معلوماً به، ولأن العامل متى شرط لنفسه دراهم معلومة , ربما توانى في طلب الربح لعدم فائدته فيه وحصول نفعه لغيره بخلاف ما إذا كان له جزء من الربح] المغني ٥/٢٨. وقال الكاساني الحنفي: [وأما الذي يرجع إلى الربح فأنواع منها: إعلام مقدار الربح، لأن المعقود عليه هو الربح، وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد] بدائع الصنائع ٥/١١٨. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: [ما يتعلق بالربح من الشروط: أولاً: كون الربح معلوماً: اتفق الفقهاء على أنه يشترط لصحة المضاربة أن يكون نصيب كل من العاقدين من الربح معلوماً، لأن المعقود عليه هو الربح, وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد ... ثانياً: كون الربح جزءً شائعاً: ذهب الفقهاء إلى أنه يشترط أن يكون المشروط لكل من المضارب ورب المال من الربح جزءً شائعاً نصفاً أو ثلثاً أو ربعاً, فإن شرطا عدداً مقدراً بأن شرطا أن يكون لأحدهما مائة من الربح أو أقل أو أكثر والباقي للآخر لا يجوز والمضاربة فاسدة, لأن المضاربة نوعٌ من الشركة, وهي الشركة في الربح, وهذا شرط يوجب قطع الشركة في الربح, لجواز أن لا يربح المضارب إلا هذا القدر المذكور, فيكون ذلك لأحدهما دون الآخر فلا تتحقق الشركة, فلا يكون التصرف مضاربة. قال الكاساني: وكذا إن شرطا أن يكون لأحدهما النصف أو الثلث ومائة درهم, أو قالا: إلا مائة درهم, فإنه لا يجوز لأنه شرط يقطع الشركة في الربح, لأنه إذا شرط لأحدهما النصف ومائة، فمن الجائز أن يكون الربح مائتين، فيكون كل الربح للمشروط له, وإذا شرط له النصف إلا مائة فمن الجائز أن يكون نصف الربح مائة فلا يكون له شيء من الربح] الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٨/٥٣-٥٤. والربح المقصود في شركة المضاربة هو ما زاد عن رأس المال بعد التنضيض- تحويل العروض إلى نقود - وبعد حسم المصروفات، لأن الربح هو المقصود من شركة المضاربة، وبناءً على ما سبق فلا يجوز أن يكون الربح مجهولاً، كما لا يجوز أن يكون مبلغاً محدداً، وإن حصل ذلك كانت المضاربة فاسدة، وكذلك فلا يجوز شرعاً أن يكون الربح نسبة من رأس المال المقدم من رب المال، لأنه حينئذ يكون مبلغاً مشروطاً ومعيناً، لأن رأس المال لا بد أن يكون معلوماً، فإذا كان رأس المال عشرة آلاف دينار، واتفقا على نسبة ربح ١٠% من رأس المال، فحينئذ يكون الربح مبلغ معلوماً وهو مئة دينار، وهذا يعتبر من باب الربا، فكأنه أقرضه المال مع زيادة فهو رباً وليس ربحاً، والفرق واضحٌ بين الربح وبين الربا، فالربح هو الزيادة على رأس المال نتيجة تقليبه في النشاط التجاري، أو هو الزائد على رأس المال نتيجة تقليبه في الأنشطة الاستثمارية المشروعة كالتجارة والصناعة وغيرها. انظر الربح في الفقه الإسلامي ص ٤٤. والربح عند الفقهاء ينتج من تفاعل عنصري الإنتاج الرئيسيين وهما العمل ورأس المال، فالعمل له دور كبير في تحصيل الربح. المصدر السابق ص٤٤-٤٥. وقد حدد المعيار الشرعي رقم (١٣) المتعلق بالمضاربة الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية أحكام الربح وشروطه في شركة المضاربة كما يلي: [يشترط في الربح أن تكون كيفية توزيعه معلومة علماً نافياً للجهالة ومانعاً من المنازعة، وأن يكون ذلك على أساس نسبة مشاعة من الربح لا على أساس مبلغ مقطوع أو نسبة من رأس المال ... إذا شرط أحد الطرفين لنفسه مبلغاً مقطوعاً، فسدت المضاربة ... لا ربح في المضاربة إلا بعد سلامة رأس المال ... ] كتاب المعايير الشرعية ص ٢٢٤.\rوخلاصة الأمر أن شركة المضاربة هي شركة على الربح، فلا بد أن يكون الربح معلوماً، ولا بد أن يكون نسبة شائعةً من الربح المتحقق بعد سلامة رأس المال وبعد حسم المصاريف، ولا يجوز أن يكون الربح مبلغاً محدداً، كما لا يجوز أن يكون الربح نسبة من رأس المال، لأنه حينئذ يكون رباً وهو محرم شرعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346321,"book_id":3840,"shamela_page_id":701,"part":"12","page_num":195,"sequence_num":701,"body":"١٩٥ - حكم جائزة السداد المبكر في البنوك الإسلامية\r\rيقول السائل: اشتريت سيارة بالمرابحة من أحد البنوك الإسلامية على أقساط لمدة سنتين، وبعد مرور السنة الأولى توفر لديَّ بقية ثمن السيارة، فطلبت من البنك أن أسدد بقية الأقساط على أن يخصم لي أرباح الأقساط الباقية، ولكن البنك رفض ذلك، فما الحكم في ذلك، وهل أرباح الأقساط التي عَجلتُ سدادها من حقي، أفيدونا؟\r\rالجواب: هذه المسألة تسمى عند الفقهاء مسألة \" ضع وتعجل \" وهي مسألة خلافية بينهم، فذهب جمهور الفقهاء إلى منعها، وأجازها آخرون، والجواز منقول عن ابن عباس ﵄ وبه قال إبراهيم النخعي وابن سيرين وأبو ثور، وهو راوية عن الإمام أحمد، ومنقول عن الإمام الشافعي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن عابدين الحنفي، انظر المبدع ٤/٢٨٠، الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص١٣٤، إعلام الموقعين لابن القيم ٣/٣٥٩ حاشية ابن عابدين ٥/١٦٠. وقال به جماعة من العلماء المعاصرين وعددٌ من هيئات الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا كان عليه دين مؤجل فقال لغريمه: ضع عني بعضه وأعجل لك بقيته لم يجز، كرهه زيد بن ثابت وابن عمر والمقداد وسعيد بن المسيب وسالم والحسن وحماد والحكم والشافعي ومالك والثوري وهشيم وابن علية وإسحاق وأبو حنيفة، وقال المقداد لرجلين فعلا ذلك كلاكما قد آذن بحرب من الله ورسوله، وروي عن ابن عباس: أنه لم يرَ به بأساً، وروي ذلك عن النخعي وأبي ثور، لأنه آخذٌ لبعض حقه تاركٌ لبعضه فجاز كما لو كان الدين حالّاً] المغني ٤/٣٩. وقال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر القول بمنع \" ضع وتعجل \" قال: [والقول الثاني أنه يجوز وهو قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد حكاها ابن أبي موسى وغيره واختاره شيخنا] أي شيخ الإسلام ابن تيمية، إعلام الموقعين ٣/٣٥٩. وقد احتج هذا الفريق من أهل العلم بما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (لمَّا أراد رسول الله ﷺ أن يخرج بني النضير قالوا: يا رسول الله إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال ﷺ: ضعوا وتعجلوا) رواه الحاكم وقال هذا حديث صحيح الإسناد. المستدرك ٢/٣٦٢. وأخرجه الطبراني في الكبير وفيه مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف وقد وثق كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/١٣٠، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٦/٢٨، وقال إنه ضعيف لضعف مسلم بن خالد الزنجي. وروى البيهقي بإسناده: [أن ابن عباس كان لا يرى بأساً أن يقول أعجل لك وتضع عني] سنن البيهقي ٦/٢٨. وتضعيف مسلم بن خالد الزنجي غير مسلَّم، قال الذهبي عنه: [الإمام فقيه مكة] ثم ذكر اختلاف العلماء في توثيقه وتجريحه فقال: [قال يحيى بن معين ليس به بأس، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن عدي: حسن الحديث أرجو أنه لا بأس به، وقال أبو داود: ضعيف. قلت - أي الذهبي -: بعض النقاد يرقي حديث مسلم إلى درجة الحسن] سير أعلام النبلاء ٨/١٧٦-١٧٧. وسبق كلام الهيثمي أن مسلم بن خالد الزنجي قد وثق وهو شيخ الإمام الشافعي وقد روى عنه الإمام الشافعي واحتج به! قال العلامة ابن القيم بعد أن ساق الحديث: [قلت هو على شرط السنن وقد ضعفه البيهقي وإسناده ثقات وإنما ضعف بمسلم بن خالد الزنجي وهو ثقة فقيه روى عنه الشافعي واحتج به] إغاثة اللهفان ٢/١٣. وبهذا يظهر لنا أن الحديث صالح للاحتجاج به. ولو سلمنا ضعف الحديث فإن النظر يفيد جواز مسألة ضع وتعجل وأنها لا علاقة لها بالربا، بل تعتبر من قبيل الصلح وليس فيها مخالفة لقواعد الشرع وأصوله بل حكمة الشرع ومصالح المكلفين تقتضي أن المدين والدائن قد اتفقا وتراضيا على أن يتنازل الأول عن الأجل والدائن عن بعض حقه، فهذا من قبيل الصلح، والصلح جائزٌ بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً وحرم حلالاً. انظر الربا والمعاملات المصرفية ص ٢٣٧. ومن المعلوم أنه يجوز شرعاً الصلح بين الناس بإسقاط صاحب الحق كلَّ حقه أو بعضَه، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن كعب بن مالك ﵁، أنه كان له على عبد الله ابن أبي حدرد الأسلمي مالٌ، فلقيه فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما، فمرَّ بهما رسول الله ﷺ فقال: (يا كعب، فأشار بيده كأنه يقول النصف، فأخذ نصف ماله عليه وترك نصفاً) رواه الإمام البخاري. وفي رواية للبخاري أيضاً عن كعب أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته - أي ستر البيت - فنادى: (يا كعب قال: لبيك يا رسول الله، فقال: ضع من دينك هذا، وأومأ إليه، أي الشطر، قال: لقد فعلت، قال: قم فاقضه) . وفي هذا الحديث دلالة على أنه يجوز لصاحب الحق أن يسقط شيئاً من حقه حيث أشار الرسول ﷺ لكعب كي يسقط نصف دينه عن عبد الله بن أبي حدرد، ثم أمر الرسول ﷺ عبد الله بن أبي حدرد أن يسدد الشطر الثاني من الدين لكعب بن مالك. وقد وأجاب العلامة ابن القيم عن دعوى أن مسألة ضع وتعجل من باب الربا بقوله: [لأن هذا عكس الربا فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فانتفع به كل واحدٌ منهما، ولم يكن هنا رباً، لا حقيقةً ولا لغةً ولا عرفاً، فإن الربا الزيادة وهي منتفيةٌ ههنا، والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: إما أن تربي وإما أن تقضي، وبين قوله: عجل لي وأهب لك مائة. فأين أحدهما من الآخر؟ فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح] إعلام الموقعين ٣/٣٥٩. وقال العلامة ابن القيم أيضاً: [قالوا: وهذا ضد الربا فإن ذلك يتضمن الزيادة في الأجل والدين وذلك إضرار محض بالغريم، ومسألتنا تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين وانتفاع صاحبه بما يتعجله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر، بخلاف الربا المجمع عليه، فإن ضرره لاحق بالمدين ونفعه مختص برب الدين، فهذا (ليس) من الربا صورة ومعنى] إغاثة اللهفان ٢/١٣. وقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي مسألة \"ضع وتعجل\" فقد جاء في قرار المجمع ما يلي: [الحطيطة من الدين المؤجل لأجل تعجيله سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين \" ضع وتعجل \" جائزة شرعاً لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناءً على اتفاق مسبق، وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية، فإذا دخل طرف ثالث لم تجز، لأنها تأخذ عندئذ حكم حسم الأوراق التجارية] مجلة مجمع الفقه الإسلامي ٧/٢/٢١٨. وأجازت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية مسألة ضع وتعجل فقد ورد في فتاوى اللجنة الدائمة: [هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والصحيح من قوليهم جواز الوضع والتعجيل وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار الشيخين ابن تيمية وابن القيم ومنسوب إلى ابن عباس ﵄ ... اهـ] فتاوى اللجنة ١٣/١٦٨. وقد عملت كثيرٌ من البنوك الإسلامية بقول من يجيز مسألة \"ضع وتعجل\" بناءً على فتوى من هيئات الرقابة الشرعية فيها، وتسمى بجائزة السداد المبكر، ولكن ضمن ضوابط معينة وهي:\r١- أن لا ينص في العقد على ذلك، وألا يكون هنالك ارتباط شفوي عند العقد أو بعده وإنما يكون بإرادة منفردة من البنك أي دون شرط ملفوظ أو ملحوظ.\r٢- أن تكون إعادة الأرباح أو جزءٍ منها من قِبل البنك على سبيل التبرع دون إلزام.\r٣- أن يتم وضع سياسة عامة تطبق في كل حالات السداد المبكر دون اتفاق مع العملاء على ذلك ولا بأس إن علم العملاء مسبقاً بذلك بشرط أن لا يكونوا طرفاً فيها ولا يطلب منهم الموافقة عليها.\r٤- إذا كان هنالك حالات خاصة لتحصيل ديون البنك قبل موعدها من العملاء ويرفض العملاء السداد المبكر إلا إذا حصلوا على حسم معقول فيجوز الاتفاق مع العميل على السداد المبكر وذلك بشكل فردي.\r٥- يجب أن يكون التسديد لجميع الدين ولا يصح أن يكون لجزءٍ منه.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز شرعاً إسقاط بعض حق الدائن مقابل تعجيل سداد الدَّين، وهي المسألة المعروفة عند الفقهاء بمسألة \" ضع وتعجل\" بشرط أن لا يكون هنالك شرطٌ سابق، ولا علاقة لهذه المسألة بالربا على الصحيح من أقوال العلماء، بل هي من باب الصلح، وصاحب الحق يتبرع ببعض حقه، وليس ملزماً بذلك، فلهذا فإن إسقاط بعض الدين عند تعجيل السداد أمرٌ غير لازم للبنوك الإسلامية، وليس ذلك حقاً من حقوق المشتري بالمرابحة، وإنما هو تبرع من البنك الإسلامي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346322,"book_id":3840,"shamela_page_id":702,"part":"12","page_num":196,"sequence_num":702,"body":"١٩٦ - القسمة الرضائية\r\rقول السائل: ورثنا عن أبينا قطعة أرض كبيرة وقمنا بتقسيمها بالتراضي، وبعد مضي عدة سنوات، يطالب بعض الورثة بإعادة القسمة من جديد، فهل يحق لهم ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: القسمة عند الفقهاء عُرفت بتعريفات كثيرة منها ما قاله الكاساني الحنفي: عبارة عن إفراز بعض الأنصباء عن بعض، ومبادلة بعضٍ ببعض؛ لأن ما من جزأين من العين المشتركة لا يتجزآن قبل القسمة، إلا وأحدهما ملك أحد الشريكين، والآخر ملك صاحبه غير عين، فكان نصف العين مملوكاً لهذا، والنصف مملوكاً لذاك على الشيوع، فإذا قسمت بينهما نصفين، والأجزاء المملوكة لكل واحد منهما شائعة غير معينة، فتجتمع بالقسمة في نصيبه دون نصيب صاحبه، فلا بد وأن يجتمع في نصيب كل واحد منهما أجزاء، بعضها مملوكة له، وبعضها مملوكة لصاحبه على الشيوع.] بدائع الصنائع٥/٤٦٢. وعرفت مجلة الأحكام العدلية القسمة في المادة (١١١٤) : القسمة هي تعيين الحصة الشائعة, يعني إفراز وتمييز الحصص بعضها عن بعض بمقياس ما كالكيل والوزن والذراع.\rوالقسمة مشروعة بكتاب الله ﷿ وبسنة النبي ﷺ، فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ سورة النساء الآية ٨. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سورة الأنفال الآية٤١، وقوله سبحانه تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ سورة النساء الآية ٧، وقوله سبحانه: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ سورة القمر الآية ٢٨. وأما من السنة النبوية فقد ثبت في أحاديث كثيرة أن النبي ﷺ قسَّم الغنائم كما في حديث أنس ﵁ قال: (اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين) رواه البخاري، وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب قول الله تعالى ﴿فأن لله خمسه وللرسول﴾ يعني للرسول قسم ذلك، قال رسول الله ﷺ: (إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي) ] . وروى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناساً في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناساً من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله. قال فقلت والله لأخبرن رسول الله ﷺ، قال فأتيته فأخبرته بما قال، قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف - شجرٌ أحمر يصنع منه صبغ يدبغ به الجلود - ثم قال: (فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله) . قال ثم قال: (يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) . وعن علي ﵁ قال: بعثني النبي ﷺ فقمت على البُدن، فأمرني فقسمت لحومها، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا قُسمت الأرض وحُدَّت، فلا شفعة فيها) رواه أبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ١٣٨٥. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وأجمعت الأمة على جواز القسمة، ولأن بالناس حاجة إلى القسمة ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف على إيثاره ويتخلص من سوء المشاركة وكثرة الأيدي.] المغني ١٠/٩٩. إذا تقرر هذا فإن الفقهاء قد جعلوا القسمة على أنواع باعتبار إرادة المتقاسمين: القسمة بهذا الاعتبار قسمان: قسمة تراض، وقسمة إجبار، ولا يخالف في ذلك أحد من أهل العلم على الإجماع. ذلك أن الشركاء قد يرغبون جميعاً في قسمة المال المشترك، أو يرغب بعضهم ويوافق الباقون على أصل القسمة وعلى كيفية تنفيذها، فلا تكون بهم حاجة إلى اللجوء إلى القضاء، وتسمى القسمة حينئذ قسمة تراض. وقد يرغب واحد أو أكثر، ويأبى غيره، فإذا لجأ الراغب إلى القضاء، فإن القاضي يتولى قسمة المال وفق الأصول المقررة شرعاً، وتكون القسمة حينئذ قسمة إجبار. فقسمة التراضي: هي التي تكون باتفاق الشركاء. وقسمة الإجبار: هي التي تكون بواسطة القضاء، لعدم اتفاق الشركاء. ثم ليس حتماً في قسمة الإجبار أن يتولاها القاضي بنفسه، أو بمن يندبه لذلك، بل له أن يحبس الممتنع من القسمة حتى يجيب إليها، ويحدد له القاضي مدةً معقولةً لإتمامها بصورة عادلة.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٣/٢١٥. وورد في مجلة الأحكام العدلية المادة (١١٢١) أن قسمة الرضا هي: القسمة التي تجري بين المتقاسمين في الملك بالتراضي أو برضا الكل عند القاضي. وأما قسمة القضاء فعرفتها المادة (١١٢٢) بأنها تقسيم القاضي الملك المشترك جبراً وحكماً بطلب بعض المقسوم لهم. وإذا تمت القسمة بالتراضي أو جبراً من القاضي فحكمها اللزوم، لأنها من العقود اللازمة باتفاق الفقهاء، فلا يجوز لأحد من المتقاسمين أن يرجع عنها، فالقسمة لا تقبل الرجوع بالإرادة المنفردة، بمعنى أن ينقضها واحدٌ أو أكثر ويرد المال إلى الشركة، دون اتفاق من جميع المتقاسمين. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٣/٢٤٥. وقال ابن رشد الحفيد: [والقسمة من العقود اللازمة لا يجوز للمتقاسمين نقضها ولا الرجوع فيها إلا بالطوارئ عليها] بداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢/٢١٨. وقال الدكتور وهبة الزحيلي: [القسمة من العقود اللازمة باتفاق الفقهاء، لا يجوز نقضها، ولا الرجوع فيها إلا بالطوارئ ... ولكن لبعض المذاهب تفصيل في مبدأ اللزوم: قال الحنفية: تلزم قسمة التراضي وقسمة التقاضي بعد تمامها، فلا يجوز الرجوع عنها إذا تمت. أما قبل التمام، فكذلك تلزم قسمة التقاضي، فلو قسم القاضي المال المشترك بين قوم، فخرجت السهام كلها بالقرعة، لا يجوز لهم الرجوع، وكذا لا رجوع إذا لم تتم القسمة، كأن خرج بعض السهام دون بعض. وأما قسمة التراضي: فيجوز للشركاء الرجوع عنها قبل تمامها؛ لأن قسمة التراضي لا تتم إلا بعد خروج السهام كلها، كما هو الشأن في كل عقد كالبيع مثلاً، يجوز الرجوع عنه قبل تمامه. إلا أنه إذا خرج جميع السهام إلا واحداً، لم يجز الرجوع في قسمة التراضي، لصيرورة السهم متعيناً لمن بقي من الشركاء أو لتعيين نصيب ذلك الواحد. وأطلق المالكية القول باللزوم فقالوا: ولزم ما خرج بالقسمة، فليس لأحدهم نقضها، وكذا يلزم الشريك في قسمة التراضي، فمن أراد الفسخ لم يكن منه. وقال الشافعية: تلزم قسمة الإجبار من غير تراضٍ، ومن المعلوم أن قسمة الإفراز والتعديل فيهما الإجبار، وأما قسمة التراضي قسمة رد دون غيرها، فالأرجح عندهم أنه لا بد من الرضا بها بعد خروج القرعة، ولا يلزم حكم القاسم إلا برضا الشركاء؛ لأنه لما اعتبر الرضا بالقسمة ابتداء، اعتبر بعد خروج القرعة. والحنابلة قالوا: تلزم عندهم قسمة الإجبار، فهم كالشافعية، وفي قسمة التراضي عندهم وجهان كالشافعية، لكن الأرجح عندهم أنه إذا خرجت القرعة لزمت القسمة؛ لأن القاسم كالحاكم، وقرعته كالحاكم، لأنه مجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحق، فوجب أن تلزم قرعته.] الفقه الإسلامي وأدلته ٥/٦٨٣-٦٨٤. وقد قررت المادة (١١٥٧) من المجلة لزوم القسمة وعدم الرجوع عنها حيث ورد فيها: [لا يسوغ الرجوع عن القسمة بعد تمامها.] وجاء في شرح المادة السابقة: [أي بعد تمامها على الوجه الآنف الذكر، أي ليس للمقسوم له أن يرجع عن القسمة، كما أنه ليس لورثته بعد وفاته الرجوع عنها (علي أفندي) . لا يجوز الرجوع عن القسمة الصحيحة والتامة التي جرت على الوجه السالف الذكر] درر الحكام ٣/١٦١. وورد في القانون المدني الأردني المادة ١٠٤٨: [لا يسوغ الرجوع عن القسمة بعد تمامها إلا أنه يجوز لجميع الشركاء فسخ القسمة وإقالتها برضائهم وإعادة المقسوم مشتركاً بينهم كما كان] . ومما قرره الفقهاء أن القسمة إذا وقعت صحيحة فإنه يترتب عليها استقلال كل واحد من الشركاء بعد القسمة بملك نصيبه والتصرف فيه كأي مالك فيما يملك، لأن هذا هو ثمرة القسمة ومقصودها. الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٣/٢٤٧. وانظر مجلة الأحكام العدلية المادة ١١٦٢. وقال الدكتور وهبة الزحيلي: [يترتب على القسمة الأحكام التالية:\r١- يتعين نصيب كل شريك مستقلاً عن نصيب غيره، فيملك حصته مستقلاً بعد القسمة. ٢- يملك الشريك المقسوم له جميع التصرفات الثابتة لصاحب الملكية المطلقة، من بيع وإيجار ورهن، وبناء وهدم، ونحوها. ٣- لا تثبت الشفعة في القسمة؛ لأن حق الشفعة في المبادلة المحضة، والقسمة مبادلة من وجه واحد، فلا تحتمل الشفعة. والظاهر أن هذا الحكم متفق عليه في المذاهب] الفقه الإسلامي وأدلته ٥/٦٨٦.\rوخلاصة الأمر أن القسمة إذا تمت بتراضي وتوافق جميع الأطراف، فهي لازمة للجميع، ولا يجوز لأحد من الأطراف الرجوع عنها، ومن آثار القسمة المقررة عند الفقهاء أن كل طرفٍ يملك نصيبه ويتصرف فيه تصرف المالك فيما يملك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346323,"book_id":3840,"shamela_page_id":703,"part":"12","page_num":197,"sequence_num":703,"body":"١٩٧ - حقيقة تملك السلع وقبضها في بيع المرابحة كما تجريه البنوك الإسلامية\r\rيقول السائل: أرجو توضيح حقيقة تملك السلع وقبضها من البنك الإسلامي قبل بيعها للآمر بالشراء في بيع المرابحة المعمول به في البنوك الإسلامية؟\r\rالجواب: بيع المرابحة عند الفقهاء هو بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح. وصورة بيع المرابحة المستعملة الآن في البنوك الإسلامية هي أن يتفق العميل والبنك على أن يقوم العميل بشراء البضاعة بربحٍ معلومٍ بعد شراء البنك لها، وهذه الصورة هي المسماة ببيع المرابحة للآمر بالشراء فيجوز شرعاً للبنك الإسلامي أن يشتري السلعة بناءً على رغبة عميله وطلبه ما دام أن ذلك متفق مع الضوابط الشرعية لعقد البيع. ومن أهم الضوابط الشرعية لبيع المرابحة هو تملك البنك للسلعة تملكاً حقيقياً، جاء في معيار المرابحة: [يحرم على المؤسسة أن تبيع سلعة بالمرابحة قبل تملكها لها. فلا يصح توقيع عقد المرابحة مع العميل قبل التعاقد مع البائع الأول لشراء السلعة موضوع المرابحة، وقبضها حقيقةً أو حكماً بالتمكين أو تسليم المستندات المخولة بالقبض ... يجب التحقق من قبض المؤسسة للسلعة قبضاً حقيقياً أو حكمياً قبل بيعها لعميلها بالمرابحة للآمر بالشراء.] المعيار الشرعي رقم ٨ من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية. وما ورد في المعيار السابق من أنه يحرم البيع قبل التملك وأنه يجب التحقق من قبض المؤسسة للسلعة قبضاً حقيقياً أو حكمياً قبل بيعها لعميلها بالمرابحة للآمر بالشراء، فهذا مبني على النصوص الشرعية التي منعت البيع قبل التملك، كما في حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل فيسألني من البيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك) رواه أصحاب السنن الأربعة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/١٣٢. وأما مسألة القبض ففيها خلاف بين الفقهاء من حيث ما يشترط فيه القبض وما لا يشترط فيه، قال الشيخ ابن رشد المالكي: [فيما يشترط فيه القبض من المبيعات، وأما بيع ما سوى الطعام قبل القبض، فلا خلاف في مذهب مالك في إجازته، وأما الطعام الربوي فلا خلاف في مذهبه أن القبض شرط في بيعه. وأما غير الربوي من الطعام، فعنه في ذلك روايتان: إحداهما: المنع وهي الأشهر. وبها قال أحمد وأبو ثور، إلا أنهما اشترطا مع الطعام الكيل والوزن. والرواية الأخرى: الجواز. وأما أبو حنيفة فالقبض عنده شرطٌ في كل بيع ما عدا المبيعات التي لا تنتقل ولا تُحَول من الدور والعقار. وأما الشافعي فإن القبض عنده شرط في كل مبيع، وبه قال الثوري. وهو مروي عن جابر بن عبد الله وابن عباس، وقال أبو عبيد وإسحاق: كل شيء لا يكال ولا يوزن فلا بأس ببيعه قبل قبضه، فاشترط هؤلاء القبض في المكيل والموزون، وبه قال ابن حبيب وعبد العزيز بن أبي سلمة وربيعة، وزاد هؤلاء مع الكيل والوزن المعدود. فيتحصل في اشتراط القبض سبعة أقوال: الأول: في الطعام الربوي فقط. والثاني: في الطعام بإطلاق. الثالث: في الطعام المكيل والموزون. الرابع: في كل شيء ينقل. الخامس: في كل شيء. السادس: في المكيل والموزون. السابع: في المكيل والموزون والمعدود.] بداية المجتهد ٢/١١٧. ولا بد أن نعرف أنه لم يرد في الشرع تحديد لكيفية القبض، وإنما مرجع ذلك هو العرف والعادة، وقد قرر الفقهاء أن ما لم يرد له في الشرع تحديد فمرجعه إلى أعراف الناس ومعتادهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وتارة باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر، وتارة بالعرف كالقبض والتفريق وكذلك العقود كالبيع والإجارة والنكاح والهبة وغير ذلك، فما تواطأ الناس على شرط وتعاقدوا فهذا شرط عند أهل العرف] مجموع الفتاوى ٢٩/٤٤٨. وقال الإمام القرافي: [وأما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها] شرح تنقيح الفصول ص ٤٨٨.وقال العلامة ابن عابدين الحنفي: والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار. مجموعة رسائل ابن عابدين ٢/١١٢. إذا تقرر هذا فإن معرفة حقيقة القبض ترجع إلى العرف وما تعامل به الناس، قال الإمام النووي: [الرجوع فيما يكون قبضاً إلى العادة وتختلف بحسب اختلاف المال] المجموع ٩/٢٧٦.وورد في الموسوعة الفقهية: [تحديد القبض وتحققه: مذهب المالكية والشافعية والحنابلة أن قبض كل شيء بحسبه، فإن كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً أو مذروعاً، فقبضه بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع ... وإن كان جزافاً فقبضه نقله ... وإن كان منقولاً من عروض وأنعام، فقبضه بالعرف الجاري بين الناس كما يقول المالكية: كاحتياز الثوب، وتسليم مقود الدابة أو ينقله إلى حيز لا يختص به البائع عند الشافعية. وفصَّل الحنابلة في المنقول من العروض والأنعام فقالوا: إن كان المبيع دراهم أو دنانير، فقبضها باليد، وإن كان ثياباً فقبضها نقلها. وإن كان حيواناً، فقبضه تمشيته من مكانه، وإن كان عقاراً فقبضه بالتخلية بينه وبين المشتري، بلا حائل دونه، وتمكينه من التصرف فيه، بتسليمه المفتاح إن وجد، بشرط أن يفرغه من متاع غير المشتري عند الشافعية ... واعتبر الحنفية التخلية - وهي: رفع الموانع والتمكين من القبض - قبضاً حكماً على ظاهر الرواية، وروى أبو الخطاب مثل ذلك عن أحمد وشرط مع التخلية التمييز] الموسوعة الفقهية الكويتية ٩/١٣٢-١٣٤ بتصرف. وبما أن قبض الأشياء مبنيٌ على العرف فإن قبض الأشياء المستجدة يكون أيضاً حسب ما يتعارفه الناس، فهنالك صور للقبض مستحدثة كما في قبض الشيكات والكمبيالات والقيد على الحساب ووثائق الشحن ونحوها، وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن القبض وبخاصة صوره المستجدة ما يلي: أولاً: قبض الأموال كما يكون حسياً في حالة الأخذ باليد، أو الكيل أو الوزن في الطعام، أو النقل والتحويل إلى حوزة القابض، يتحقق اعتباراً وحكماً بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يوجد القبض حساً. وتختلف كيفية قبض الأشياء بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضاً لها. ثانياً: إن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً:١-القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية: أ - إذا أُودعَ في حساب العميل مبلغٌ من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية. ب - إذا عقد العميل عقْدَ صرفٍ ناجزٍ بينه وبين المصرف في حال شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل. ج - إذا اقتطع المصرف - بأمر العميل - مبلغاً من حسابٍ له إلى حسابٍ آخر بعملة أخرى، في المصرف نفسه أو غيره، لصالح العميل أو لمستفيد آخر، وعلى المصارف مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإسلامية. ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي، للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل، على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي.٢- تسلم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه وحجَزَه المصرف.] مجلة المجمع الفقهي ٦/١/٤٥٣.وبناءً على ما سبق فإن القبض المعمول به في البنوك الإسلامية للسلع في بيع المرابحة يكون وفق الضوابط التالية: ١- يجب التحقق من قبض البنك للسلعة قبضاً حقيقياً أو حكمياً قبل بيعها لعميله بالمرابحة للآمر بالشراء.٢- ينتقل الضمان من البائع الأول إلى البنك بالقبض أو بالتمكين منه. ويجب أن تتضح نقطة الفصل التي ينتقل فيها ضمان السلعة من البائع الأول إلى البنك، ومن البنك إلى عميله، وذلك من خلال مراحل انتقال السلعة من طرف لآخر.٣-إن كيفية قبض الأشياء تختلف بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضاً لها، فكما يكون القبض حسياً في حالة الأخذ باليد أو النقل أو التحويل إلى حوزة القابض أو وكيله يتحقق أيضاً اعتباراً وحكماً بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يوجد القبض حساً بما في ذلك المنقولات إذا جرى بها العرف.٤-يعد قبضاً حكمياً تسلم البنك أو وكيله لمستندات الشحن عند شراء البضائع من السوق الخارجية، وكذلك تسلمه لشهادات التخزين التي تعين البضاعة من المخازن التي تدار بطرق مناسبة موثوق بها.٥-فرز البضاعة المشتراة من قبل البنك في مخازن البائع بصورة مميزة يُعد قبضاً صحيحاً لها إذا اقترن بأحد الأمور الآتية: أ -إذا تم الفرز بمعاينة مندوب البنك. ب -إذا تسلم البنك أوراقاً تثبت ملكيته للسلع المفرزة. ت -إذا كانت السلع مرقمة وسجلت أرقام السلع المفرزة لصالح البنك.] ضوابط عقد المرابحة الصادرة عن الهيئة الشرعية لبنك البلاد الإسلامي. وهذه الضوابط تعتمد على التخلية وهي رفع الموانع والتمكين من القبض كما سبق، ومستندها ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفرٍ فكنت على بَكْرٍ صعبٍ - ولد الناقة أول ما يركب وهو نفور لم يذلل - لعمر فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر ويرده ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده، فقال النبي ﷺ لعمر: بعينه. قال هو لك يا رسول الله قال: بعينه. فباعه من رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت) رواه البخاري، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وقد احتج به للمالكية والحنفية في أن القبض في جميع الأشياء بالتخلية واليه مال البخاري] فتح الباري ٤/٣٣٥. وقال الكاساني: [والتخلية هي: أن يخلي البائع بين المبيع وبين المشتري برفع الحائل بينهما على وجهٍ يتمكن المشتري من التصرف فيه، فيجعل البائع مُسَلماً للمبيع والمشتري قابضاً له. فالتخلية بين المبيع وبين المشتري قبضٌ وإن لم يتم القبض حقيقةً فإذا هلك يهلك على المشتري] بدائع الصنائع ٥/٢٤٤.\rوخلاصة الأمر أن قبض السلع يحدد بناءً على العرف، حيث لم يرد له تحديد في الشرع، وما كان كذلك فالمرجع فيه للعرف، وأن صور القبض المستجدة كذلك، ومعتمد ما يتم في البنوك الإسلامية من صور للقبض موافق لمبدأ التخلية المقرر في الفقه الإسلامي وعمل به كثير من الفقهاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346324,"book_id":3840,"shamela_page_id":704,"part":"12","page_num":198,"sequence_num":704,"body":"١٩٨ - مرجعية الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية\r\rيقول السائل: نسمع أن للبنك الإسلامي رقابة شرعية تشرف عليه، فما هو دورها، وما هي مرجعيتها، أفيدونا؟\r\rالجواب: تعتبر الرقابة الشرعية صمام الأمان في البنوك الإسلامية، وهي التي تضبط أعمال البنوك الإسلامية وتبين مدى توافقها مع الأحكام الشرعية، لأنه لا يمكن لأي بنك أن يرفع لافتة أنه بنك إسلامي، دون أن تكون أعماله متفقة مع الأحكام الشرعية، ولا يمكن أن يتم تحقيق تلك الدعوى بدون وجود هيئة رقابة شرعية. [فالرقابة الشرعية هي: التأكد من مدى مطابقة أعمال المؤسسة المالية الإسلامية (شركة أو مصرف) لأحكام الشريعة الإسلامية، حسب الفتاوى الصادرة والقرارات المعتمدة من جهة الفتوى.] انظر الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية، حمزة عبد الكريم، ص٣٢. ويمكن تعريف الرقابة الشرعية أيضاً بأنها: مُراقبة سير العمل في المصارف الإسلامية، لمعرفة مدى مطابقتهِ لأحكام الشريعة الإسلامية، في معاملاته المصرفية المختلفة، للتحقق من التزام المصرف بخصائصه، والتأكد من تحقيق أهدافه] رسالة الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية لحسن صافي ص ٤١. وتعتبر الرقابة الشرعية ذات أهمية بالغة للبنوك الإسلامية لأكثر من سبب، من أبرزها: (١) الأساس الذي قامت عليه البنوك الإسلامية المعاصرة هو تقديم البديل الشرعي للبنوك الربوية غير المشروعة، ولا يخفى على أحدٍ أن الرقابة الشرعية ضرورة حيوية للبنوك الإسلامية، فهي الجهة التي تراقب وترصد سير عمل البنوك الإسلامية والتزامها وتطبيقها في معاملاتها للأحكام الشرعية. (٢) كثير من العاملين في البنوك الإسلامية ليست لديهم المعرفة الكافية بقواعد المعاملات الإسلامية. (٣) العمليات المصرفية في الاستثمار والتمويل بالذات تحتاج إلى رأي من هيئة الفتوى نظراً لتميز هذه العمليات بالتغير وعدم التكرار مع كل حالة أو عملية أو مشروع يموله المصرف، ومن ثم فالعاملون في النشاط الاستثماري يجب أن يكونوا على اتصال مستمر مع الرقابة الشرعية؛ لأنهم دائماً بحاجة إلى الفتيا في نوازل وواقعات تواجههم أثناء عملهم. (٤) وجود الرقابة الشرعية في البنك يُعطيه الصبغة الشرعية، كما يُعطي وجود الرقابة ارتياحاً لدى جمهور المتعاملين مع البنك. وبالإجمال فإنَّ وجود الرقابة الشرعية في أية مؤسسة مالية إسلامية، بنك أو غيره، يمنحُها الثقة والقوة والشرعية، علماً بأن كل البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، في نظامها الداخلي وقوانينها الأساسية، تشترط خضوع كل المعاملات المصرفية فيها للأحكام الشرعية، وهذا يُضفي عليها صفة القانونية بالإضافة إلى الشرعية. ولا بد أن يُعلم أن القرارات الصادرة عن هيئة الرقابة الشرعية تكون إلزامية لإدارة البنك وموظفيه. وأهم أهداف الرقابة الشرعية أنها تتحقق من التزام البنك الإسلامي بالأحكام والمبادئ الشرعية. وتقوم بإيجاد الصيغ والعقود والنماذج المعتمدة في البنك من الناحية الشرعية، وتدقيق المعاملات التي ينفذها البنك بحيث تكون موافقة للأحكام الشرعية. وإبداء الرأي الشرعي في كل الأنظمة والعقود والتطبيقات والاتفاقيات والقوائم المالية وتعليمات العمل، للتأكد من خلوها من أي محظور شرعي، وكل ما يتطلبه أداء ذلك من رقابة وتدقيق ومتابعة. ولا بد من الإشارة إلى أن الأنظمة والتعليمات الصدارة عن سلطة النقد الفلسطينية تلزم البنوك الإسلامية العاملة في فلسطين بأن يكون لديها هيئة رقابة شرعية وقد بينت مهامها بما يلي: [١- التأكد من أن أعمال وأنشطة المصرف الإسلامي تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية.٢- إبداء الرأي في صيغ العقود اللازمة لأعمال وأنشطة المصرف الإسلامي والاتفاقيات، والسياسات، والمنتجات، والمعاملات، والقوائم المالية، ونشر تقريرها ضمن التقارير المالية للمصرف، على أن يتضمن التقرير الأنشطة المخالفة للشريعة إن وجدت.٣- تطبيق الأهداف والغايات المبينة في النظم الداخلية وعقود التأسيس الخاصة بها. ٤- تقديم التوجيه والإرشاد والتدريب لكافة موظفي المصرف فيما يتعلق بالأحكام الشرعية والفتاوى ذات العلاقة.] وأود أن أقول لجمهور المتعاملين مع البنوك الإسلامية أنه يوجد خلف البنوك الإسلامية عددٌ كبيرٌ من العلماء والخبراء والباحثين الذين يؤسسون للعمل المصرفي الإسلامي ويوجهونه ويرشدونه ويدققون في معاملاته وفق الأسس والقواعد الشرعية. إذا تقرر هذا فإن الرقابة الشرعية في البنك الإسلامي لها مرجعية واضحة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويمكن بيان معالم هذه المرجعية فيما يلي: أولاً: المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية AAOIFI ومقرها البحرين، والمقصور بالمعايير الشرعية هي: المعايير الشرعية والمعايير المحاسبية، ومعايير الضبط والمراجعة التي أصدرتها هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، وهي اليوم تقرب من ثمانين معياراً، ويقوم بإعداد هذه المعايير المجلس الشرعي في الهيئة والمؤلف من عددٍ من المشايخ والعلماء والمتخصصين في أمور الاقتصاد المالي الإسلامي. بعضهم يمثل المصارف وبعضهم لديه خبرته ومكانته في الصناعة المالية الإسلامية، وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية في البحرين منظمة دولية مستقلة مؤلفة من أكثر من ١٤٠ عضواً من ٤٠ بلداً، ومهمتها إصدار المعايير في عدد من المجالات كالمحاسبة والمراجعة والضوابط الأخلاقية والشريعة، وهذه المعايير معتمدة في ٩٠% من المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية على مستوى العالم. وقد شملت المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية كثيراً من أنواع معاملات البنوك الإسلامية مثل: المتاجرة في العملات وبطاقة الحسم وبطاقة الائتمان والمقاصة والضمانات والمرابحة للآمر بالشراء والإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك والسلم والسلم الموازي والاستصناع والاستصناع الموازي والشركة (المشاركة) والشركات الحديثة والمضاربة والاعتمادات المستندية والأوراق التجارية وصكوك الاستثمار وبيوع السلم في الأسواق المنظمة والأوراق المالية (الأسهم والسندات) وعقود الامتياز والتأمين الإسلامي وإعادة التأمين والخدمات المصرفية في المصارف الإسلامية والتورق والغرر المفسد للمعاملات المالية والتحكيم والعوارض الطارئة على الالتزامات والتعاملات المالية بالإنترنت والحسابات الاستثمارية وتوزيع الربح وغيرها. ثانياً: فتاوى وقرارات وتوصيات الندوات والمجامع والملتقيات الفقهية. وهذه من الأهمية بمكان، حيث إن الاجتهاد الجماعي الذي تمارسه مجامع الفقه الإسلامي المعاصرة، يُعدُّ مَعْلَماً من معالم مسيرة الفقه الإسلامي في العصر الحاضر، ولا شك أن وجود هذه المجامع وصدور الآراء الفقهية الجماعية عنها يُعطي قوةً للفقه الإسلامي، وخاصة أن المجامع الفقهية تتصدى لكثير من النوازل الفقهية والقضايا المعاصرة، وهذا يجعل الفقه الإسلامي قادراً على مواجهة تطور الحياة العصرية. ولا شك أن الاجتهاد الجماعي الذي تمثله المجامع الفقهية، مقدمٌ على الاجتهاد الفردي الذي يصدر عن أفراد الفقهاء، فهو أكثر دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيه تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد، وهو مبدأ أصيل في تاريخ الفقه الإسلامي، فقد روى ميمون بن مهران: (أن أبا بكر ﵁ كان إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر، كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاءً، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنةً من رسول الله ﷺ، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمرٍ قضى به ... ) سنن الدارمي ١/٤٠. ثالثاً: المقاصد العامة للشريعة الإسلامية وقواعدها الكلية وأحكامها الجزئية المستمدة من الكتاب والسنة دون التقيد بمذهب معين. فمن المعلوم أن الأحكام الشرعية عند جماهير العلماء جملةً وتفصيلاً متضمنة لمقاصدها وأغراضها، ومنطوية على مصالح الخلق وإسعادهم في الدارين، سواء أكانت هذه المقاصد حكماً ومعاني جزئية تفصيلية، أم كانت مصالح ومنافع كلية عامة، أم كانت سماتٍ وأغراضاً كبرى تحيط بأبواب وأحكام شتى. انظر الاجتهاد المقاصدي حجيته، د. نور الدين الخادمي ص٥. لذا كان من الضرورة بمكان، معرفة مقاصد الشريعة لكل من يتصدى لدراسة المعاملات المالية المعاصرة، وأما قضية المذاهب الفقهية فيرى بعض الباحثين أن الواجب على هيئات الرقابة الشرعية أن تلتزم بالمذاهب الفقهية الأربعة، وأن لا تخرج فتاواها عنها، والذي أراه هو عدم الالتزام بمذهب فقهي معين، وإنما اختيار القول الذي يدعمه الدليل الصحيح والمتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، والموافق للقواعد والضوابط الفقهية التي تحكم نظام المعاملات المالية.\rوخلاصة الأمر أن الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية أمر ضروري وهام، ولا تقوم البنوك الإسلامية إلا به، والرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية لها مرجعيتها، وإن اعتماد المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية في البحرين، لأمرٌ جِدُ ضروري، لأنه يضبط معاملات البنوك الإسلامية، ويوحد الفتاوى الصادرة عن هيئات الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية، ويقلل الخلافات بينها. وذات الأمر يُقال عن اعتماد الفتاوى والقرارات والتوصيات الصادرة عن المجامع والملتقيات الفقهية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346325,"book_id":3840,"shamela_page_id":705,"part":"12","page_num":199,"sequence_num":705,"body":"١٩٩ - الضوابط الشرعية للتعامل مع أموال الأيتام\r\rيقول السائل: أنا وصي على أيتام ولهم أموال فما هي حدود التعامل مع أموالهم، أفيدونا؟\r\rالجواب: اليتيم في الناس من قِبل الأب، وفي البهائم من قِبل الأم، ولا يقال لمن فقد الأم من الناس يتيم، كما قال ابن السكيت من أهل اللغة، واليتيم عند الفقهاء هو من مات أبوه وهو دون البلوغ. وقد ورد في الحديث عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يتم بعد احتلام) رواه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي رجاله ثقات مجمع الزوائد٤/٢٦٦. وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/٧٩. وقد تضافرت النصوص من كتاب الله ﷿ ومن سنة النبي ﷺ على وجوب العناية باليتيم والإحسان إليه، والمحافظة على أمواله، وبينت عِظم أجر كافل اليتيم، فمن ذلك قوله تعال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ... ﴾ سورة النساء الآية ٣٦. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ سورة البقرة الآية ٨٣. وقال تعالى: ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ سورة النساء الآية ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ سورة النساء الآية ١٠.قال الفخر الرازي في تفسيره للآية السابقة: [واعلم أنه تعالى وإن ذكر الأكل، فالمراد به التصرف لأن أكل مال اليتيم كما يحرم، فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة، والدليل عليه أن في المال ما لا يصح أن يؤكل، فثبت أن المراد منه التصرف، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف] تفسير الرازي ٥/٤٤. وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ سورة الأنعام الآية ١٥٢. وقال تعالى: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر﴾ سورة الضحى الآية ٩. وثبت في الحديث عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرَّج بينهما) رواه البخاري، قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: [قال ابن بطال: حقٌ على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي ﷺ في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك] . ثم قال الحافظ ابن حجر: [قال شيخنا في شرح الترمذي: لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي ﷺ أو منزلة النبي ﷺ، لكون النبي ﷺ شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلاً لهم ومعلماً ومرشداً، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه، بل ولا دنياه، ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه، فظهرت مناسبة ذلك.] فتح الباري ١٠/٥٣٦-٥٣٧. وقال النبي ﷺ: (من ضم يتيماً بين مسلمين في طعامه وشرابه حتى يستغني عنه وجبت له الجنة) رواه أبو يعلى والطبراني وأحمد مختصراً بإسناد حسن كما قال الحافظ المنذري. وقال العلامة الألباني صحيح لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/٦٧٦. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (أتى النبيَ ﷺ رجلٌ يشكو قسوة قلبه؟ قال: أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك) رواه الطبراني وقال العلامة الألباني حسن لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/٦٧٦. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم لا يفطر) رواه البخاري ومسلم، وقال النبي ﷺ: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات.) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. إذا تقرر هذا فإن [القاعدة العامة في عقود الوصي وتصرفاته: أن الوصي مقيد في تصرفه بالنظر والمصلحة لمن في وصايته، وعلى هذا لا يكون للوصي سلطة مباشرة التصرفات الضارة ضرراً محضاً كالهبة، أو التصدق، أو البيع والشراء بغبن فاحش، فإذا باشر الوصي تصرفاً من هذه التصرفات كان تصرفه باطلاً، لا يقبل الإجازة من أحدٍ، ويكون له سلطة مباشرة التصرفات النافعة نفعاً محضاً، كقبول الهبة والصدقة والوصية والوقف، والكفالة للمال. ومثل هذا: التصرفات الدائرة بين النفع والضرر، كالبيع والشراء والإجارة والاستئجار والقسمة والشركة، فإن للوصي أن يباشرها، إلا إذا ترتب عليها ضرر ظاهر، فإنها لا تكون صحيحة.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٧/٢١٣.وهذه أهم الضوابط الشرعية للتعامل مع أموال الأيتام: أولاً: الإنفاق على الأيتام من أموالهم بالمعروف ولا بد من [الالتزام بالأولويات الإسلامية التي تخص اليتامى، أي الإنفاق على الضروريات أولاً ثم يلي ذلك الإنفاق على الحاجيات, ولا يجوز الإنفاق على الكماليات إلاّ بعد تلبية والوفاء بالضروريات والحاجيات.] انظر الضوابط الشرعية لإدارة صندوق أموال اليتامى د. حسين شحاتة ص ٢. ويشمل ذلك قضاء حاجاتهم كالطعام والكساء والمسكن والعلاج والتعليم ونحوها، وإذا وسَّع عليهم في الأعياد فلا حرج، قال الإمام مالك ﵀: [وليوسع عليهم ولا يضيق، وربما قال: أن يشتري لهم بعض ما يُلهيهم به وذلك مما يُطَيِّب به نفوسهم] مواهب الجليل شرح مختصر خليل عن الإنترنت. ثانياً: ويجب أن يكون [الإنفاق في مجال الحلال الطيب الذي يعود على اليتامى بالمنافع المعتبرة شرعاً حسب الظروف والأحوال. وتجنب الإسراف والتبذير في أموال اليتامى لأن ذلك محرم شرعاً ولا يعود عليهم بالنفع والخير] الضوابط الشرعية لإدارة صندوق أموال اليتامى د. حسين شحاتة ص٢. ثالثاً: إذا كانت أموال الأيتام زائدة عن نفقتهم فللوصي استثمار أموال اليتامى وتنميتها، حتى لا تفنى في النفقات أو في الزكاة كما سيأتي، ومما يدل على جواز استثمار أموال اليتامى ما ورد في بعض الأحاديث والآثار عن الصحابة ﵃ ومنها:١. ما روي أنه ﵊ قال: (ألا من ولي يتيماً وله مال فليتجر له بماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) رواه الترمذي وضعفه. ٢. ما رواه الشافعي بسنده عن يوسف بن ماهك أن رسول الله ﷺ قال: (ابتغوا في مال اليتيم أو أموال اليتامى لا تذهبها ولا تستهلكها الصدقة) رواه الشافعي في الأم والبيهقي في السنن الكبرى، وقال البيهقي وهذا مرسل إلا أن الشافعي ﵀ أكده بالاستدلال بالخبر الأول، وبما روي عن الصحابة ﵃. سنن البيهقي ٤/١٠٧. ٣.ما رواه البيهقي بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة) وقال البيهقي هذا إسناد صحيح وله شواهد عن عمر ﵁. ٤. ما رواه مالك في الموطأ أنه بلغه عن عمر بن الخطاب أنه قال: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة) .٥. وما رواه البيهقي بسنده أن عمر بن الخطاب قال لرجل أن عندنا مال يتيم قد أسرعت فيه الزكاة فدفعه إليه ليتجر فيه له. وغير ذلك من الأحاديث. وهنالك وسائل كثيرة لاستثمار أموال الأيتام بطرق شرعية كالمرابحة والاستصناع والمضاربة والمشاركة المتناقصة والمساقاة والمزارعة وغيرها ٠ثالثاً: الأصل في مال الأيتام هو الحرمة في حق الوصي إلا إذا كان محتاجاً فإنه يأكل بالمعروف، والأولى في حقه أن يتعفف عن مال اليتم، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ سورة الأنعام الآية ١٥٢.وقال الله تعالى في حق أموال الأيتام: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ سورة النساء الآية ٦.وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ سورة النساء الآية ١٠. رابعاً: للوصي أن يبيع ويشتري للأيتام ما دام البيع والشراء ضمن ما تعارف عليه الناس في البيع والشراء. خامساً: لا يجوز للوصي باتفاق الفقهاء أن يهب شيئاً من مال اليتيم، ولا أن يتصدق منه، ولا أن يوصي بشيءٍ منه؛ لأنها من التصرفات الضارة ضرراً محضاً، فلا يملكها الوصي، ولا الولي ولو كان أباً. ولا يجوز للوصي أن يقرض مال اليتيم لغيره، ولا أن يقترضه لنفسه؛ لما في إقراضه من تعطيل المال عن الاستثمار، والوصي مأمور بتنميته بقدر الإمكان. الموسوعة الفقهية الكويتية ٧/٢١٣ فما بعدها بتصرف. سادساً: يجب إيداع أموال الأيتام في المصارف الإسلامية إذا وجدت، ولا يجوز إيداعها في البنوك الربوية إلا لحفظها عند عدم وجود المصارف الإسلامية.\rسابعاً: أداء زكاة مال اليتيم كما هو القول الراجح من أقوال الفقهاء، لأن الزكاة حق من حقوق المال، فتجب في كل مال تحققت فيه شروط الوجوب، بغض النظر عن مالك المال، فلا ينظر فيها إلى المالك فتجب الزكاة في مال البالغ وغير البالغ.\rوخلاصة الأمر أن دين الإسلام اهتم اهتماماً كبيراً بالأيتام عامة وبأموالهم خاصة، فالآيات والأحاديث حضت الأوصياء على الإحسان للأيتام ورعايتهم وتربيتهم، ودعت إلى استثمار أموال الأيتام لمصلحتهم، وعلى من تولى مال يتيمٍ أن يضبط تصرفاته بضوابط الشرع المذكورة أعلاه، والواجب على وصي اليتيم هو عمل الصالح لليتيم، وليحذر من قربان مال اليتيم بغير التي هي أحسن. وليعلم أن التعرض لأموال الأيتام بسوء من السبع الموبقات المهلكات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346326,"book_id":3840,"shamela_page_id":706,"part":"12","page_num":200,"sequence_num":706,"body":"٢٠٠ - المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية AAOFI\r\rيقول السائل: ذكرتم في حلقة سابقة من يسألونك \"المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية\" فأرجو توضيح ما يتعلق بهذه المعايير، أفيدونا؟\r\rالجواب: هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية مقرها في البحرين، وهي منظمة دولية مستقلة مؤلفة من أكثر من ١٤٠ عضواً من ٤٠ بلداً، ومهمتها إصدار المعايير في عددٍ من المجالات كالمحاسبة والمراجعة والضوابط الأخلاقية والشرعية، لتغطي كافة جوانب العمل المصرفي والمالي الإسلامي، وحتى تجعله ينسجم مع بعضه، ومع الواقع التجاري المحيط، وتسهل على المستثمر والمستهلك من جهة، وتيسر على البنوك إدارة أموالها، وتحقيق عائد أكبر، وتوفير بيئة آمنة من حيث تقليل مستوى المخاطرة من جهة أخرى.] نقلاً عن صحيفة الشرق الأوسط العدد ١٠٢٩٠. وقد بلغ عدد المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية حتى بداية سنة ٢٠١٠م ثمانين معياراً من المعايير الشرعية، بالإضافة إلى معايير خاصة بالمحاسبة والمراجعة وأخلاقيات العمل المصرفي الإسلامي. كما ينتظر أن يضاف ١٦ معياراً آخراً حتى عام ٢٠١١.انظر موقع هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية على شبكة الإنترنت: http://www.arabic.aaoifi.com/ara-keypublications.html وتعتبر هذه المعايير في الحقيقة والواقع، أهم الضوابط الشرعية لعمل المصارف الإسلامية في وقتنا الحاضر، ويُعدُّ الالتزام بالمعايير الشرعية الصادرة من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية من عناصر التزام أي بنك إسلامي بالضوابط الشرعية في أعماله، حيث إن هذه المعايير معتمدة في ٩٠% من المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية على مستوى العالم، ويقوم بإعداد هذه المعايير المجلس الشرعي في الهيئة والمؤلف من ١٦ عالماً وباحثاً، بعضهم يمثل المصارف وبعضهم لديه خبرته ومكانته في الصناعة المالية الإسلامية، وهم من خيرة المشايخ المتخصصين في أمور الاقتصاد المالي الإسلامي. وبعد هذه المقدمة أبين أن المعايير جمع معيار، والمعيار ـ بكسر العين ـ كل ما تقدر به الأشياء من كيل أو وزن، وما اتخذ أساساً للمقارنة، وعيار النقود: مقدار ما فيها من المعدن الخالص، والمعيار هو ما يقدر به الشيء ... والمقصور بالمعايير الشرعية هي الضوابط التي تضبط العقود والأنشطة الإنسانية بأحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها، ولكن المراد بها هنا هي: المعايير الشرعية والمعايير المحاسبية، ومعايير الضبط والمراجعة التي أصدرتها هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية. وقد شملت المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية كثيراً من أنواع معاملات البنوك الإسلامية مثل: المتاجرة في العملات، بطاقة الحسم وبطاقة الائتمان، المدين المماطل، المقاصة، الضمانات، تحول البنك التقليدي إلى مصرف إسلامي، الحوالة، المرابحة للآمر بالشراء، الإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك، السَّلم والسَّلم الموازي، الاستصناع والاستصناع الموازي، الشركة (المشاركة) والشركات الحديثة، المضاربة، الاعتمادات المستندية، الجعالة، الأوراق التجارية، صكوك الاستثمار، القبض، القرض، بيوع السلم في الأسواق المنظمة، الأوراق المالية (الأسهم والسندات) ، عقود الامتياز، الوكالة وتصرف الفضولي، التمويل المصرفي المجمع، الجمع بين العقود، التأمين الإسلامي، المؤشرات، الخدمات المصرفية في المصارف الإسلامية، ضوابط الفتيا وأخلاقياتها في إطار المؤسسات، التورق، الغرر المفسد للمعاملات المالية، التحكيم، الوقف، إجارة الأشخاص، الزكاة، العوارض الطارئة على الالتزامات، الاتفاقيات الائتمانية، التعاملات المالية بالإنترنت، الرهن، الحسابات الاستثمارية وتوزيع الربح، إعادة التأمين وغيرها. وتأتي أهمية الالتزام بالمعايير الشرعية من خلال ما يلي: أولاً ـ إن وجود معيار شرعي لأي عقد، أو منتج، بصياغة قانونية واضحة يجعل المؤسسة المالية تسير على هداه بوضوح وبخطوات راسخة للوصول إلى تطبيق أحكام الشريعة دون لبس أو غموض. إن التزام المؤسسة المالية بهذه المعايير يترتب عليه كسب ثقة المتعاملين بها واحترامهم لها. ثانياً ـ إن الالتزام بهذه المعايير سيؤدي بإذن الله تعالى إلى مزيد من تحقيق التعاون بين المؤسسات المالية من خلال الأعمال المشتركة، بل إلى توحيدها من حيث العقود والضوابط والمبادئ العامة. ثالثاً ـ إن وجود هذه المعايير يفيد المتعاملين من حيث الالتزام بأحكام الشريعة، وبالتالي يعلمون ما لهم وما عليهم من واجبات وأحكام. رابعاً ـ إن المعايير الشرعية تفيد جهات القضاء أو التحكيم للوصول إلى الحكم العادل الواضح البين، وقد كانت في السابق إشكالية تثار دائماً: كيف تحكم في الخلاف: هل بالمذهب الحنفي، أو المالكي، أو الشافعي، أو الحنبلي، أو الإمامي، أو الزيدي، أو الإباضي ... ثم داخل المذهب بأي قول من أقوال المذهب أو أية رواية من رواياته؟ لذلك كانت المحاكم تلجأ إلى القوانين حتى مع نص في العقد على الالتزام بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة ... خامساً ـ إن وجود هذه المعايير والالتزام بها يفيد الدولة والمصارف المركزية وجهات الرقابة والتدقيق، بكيفية التعامل مع المؤسسات المالية الإسلامية وضبطها، والتعرف على أعمالها وعقودها، وكيفية التدقيق عليها على ضوء أسس وضوابط حددتها المعايير الشرعية. سادساً ـ إن وجود هذه المعايير الشرعية والمحاسبية يفيد شركات التدقيق الخارجي في كيفية الضبط والتدقيق الداخلي على أسس وموازين وأوزان محددة. سابعاً ـ إن الالتزام بهذه المعايير يسهل عملية التصنيف والجودة، حيث يمكن المنافسة على ما هو الأجود. ثامناً ـ وأخيراً: إن الالتزام بها يؤدي إلى التطوير، ولكن هذا إنما يتحقق بإمكانية المراجعة بهذه المعايير على ضوء ضرورة العمل والتطبيق، ففقه التطبيق والمعايشة أهم أنواع الفقه، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ومن أهم المبررات العملية للاعتراف بهذه المعايير الشرعية والمحاسبية الصادرة من هيئة المحاسبة والمراجعة: (١) إن معايير المحاسبة السائدة في أماكن مختلفة من العالم تبلورت وصدرت لتتفق مع بيئة البلد الذي صدرت فيه، ومن أهم أوجه الاختلاف المتطلبات الشرعية ذات التأثير على أعمال المصارف. (٢) وجود اختلافات بين البنوك التقليدية التي تقارن بها بالمصارف الإسلامية، وبين تلك المصارف، من أهمها المتطلبات الشرعية واختلاف الجوهر الاقتصادي للعديد من معاملاتها الهامة. (٣) اختلاف المعلومات التي يحتاجها المستفيدون من القوائم المالية للمصارف الإسلامية عن تلك التي يحتاجها مستخدمو القوائم المالية للبنوك التقليدية. (٤) وجود اختلافات هامة بين المعايير التي تستخدمها حالياً المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية نفسها من بلد لآخر، ومن مصرف لآخر في نفس البلد، وأحياناً من سنة لأخرى لنفس المصرف. واليوم توجد عدة بنوك مركزية تلزم بهذه المعايير، أو ترشد إليها مثل: البحرين، وماليزيا، وسورية، ولبنان، والسودان، وسنغافورة، وقطر، والسعودية، وجنوب أفريقيا.] بحث آلية الالتزام بالمعايير الشرعية وضرورته للدكتور علي محيى الدين علي القره داغي. عن موقعه على الإنترنت.\rإذا تقرر هذا فإن التزام المصارف الإسلامية بمعايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية يعتبر الأساس الرئيس للتحقق من استيفاءها لمتطلبات الشريعة، ولدفع عملية تطوير منتجاتها قدماً. كما يعمق الالتزام بالمعايير عنصر الشفافية في التقارير المالية للمؤسسات المالية الإسلامية. ولا شك أن من شأن التزام المصارف الإسلامية بهذه المعايير أن يوحد أسس وقواعد المعاملات المصرفية الإسلامية وتطبيقاتها، وكذلك فإن التزام هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية باعتماد هذه المعايير يقلل إلى حدٍ كبير من اختلاف الفتاوى بينها. وكما أن التزام المصارف الإسلامية بهذه المعايير يزيد من ثقة المتعاملين مع المصارف الإسلامية ويعمق الثقة بصحة معاملاتها.\rوخلاصة الأمر أن المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية في البحرين تعتبر من أهم مرجعيات الرقابة الشرعية للمصارف الإسلامية، وإن الالتزام بها يعبر عن مدى التزام المصارف الإسلامية بالأحكام الشرعية، كما أن الالتزام بها يضبط معاملات المصارف الإسلامية، ويقلل إلى حدٍّ كبير الاختلاف في الفتاوى بين هيئات الرقابة الشرعية للمصارف الإسلامية. كما أن الالتزام بهذه المعايير الشرعية يوفر حماية للمصارف الإسلامية من تلاعب المتلاعبين الذين يتسترون تحت مسميات التمويل الإسلامي المختلفة. ولذلك كله فإنني أرى أن اعتماد المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية في البحرين، لأمرٌ جِدُّ ضروري، لضبط معاملات المصارف الإسلامية، ولتوحيد الفتاوى الصادرة عن هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية، ولتقليل الخلافات بينها. وأطالب باعتماد هذه المرجعيات من قبل سلطة النقد الفلسطينية وأن تقوم السلطة بإلزام المصارف الإسلامية بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346327,"book_id":3840,"shamela_page_id":707,"part":"12","page_num":201,"sequence_num":707,"body":"٢٠١ - التجار واستغلال شهر الصيام برفع الأسعار\r\rيقول السائل: ما قولكم في ظاهرة ارتفاع الأسعار في شهر رمضان، حيث يستغل كثيرٌ من التجار إقبال الناس على الشراء في شهر رمضان المبارك، فيرفعون أسعار السلع، أفيدونا؟\r\rالجواب: وضع الإسلام مجموعةً من الضوابط والقيم الأخلاقية التي تضبط التعامل في الأسواق، وينبغي على التجار والمستهلكين التحلي بها، وهذه الضوابط والقيم مستمدة من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه ﷺ، ومن سير الصحابة والسلف في تعاملهم التجاري. قال أبو حامد الغزالي: [وقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعاً، والعدل سبب النجاة فقط، وهو يجري من التجار مجرى رأس المال، والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة، وهو يجري من التجارة مجرى الربح، ولا يُعَدُّ من العقلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ماله، فكذا في معاملات الآخرة، فلا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم ويدع أبواب الإحسان وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وقال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ وقال ﷾: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ونعني بالإحسان فعل ما ينتفع به العامل وهو غير واجب عليه ولكنه تفضلٌ منه، فإن الواجب يدخل في باب العدل وترك الظلم] إحياء علوم الدين ٢/٨٠-٨١. وكذلك فإن الصدق والأمانة والنصيحة من أعظم أخلاق التاجر المسلم، فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الها عنه أن النبي ﷺ قال: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) رواه الترمذي وقال حديث حسن. سنن الترمذي ٣/٥١٥. وفيه ضعف منجبر كما قال العلامة الألباني في غاية المرام ص ١٢٤. وعن رفاعة رضي الهـ عنه أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: (يا معشر التجار فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبرَّ وصدق) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. سنن الترمذي ٣/٥١٦، وغير ذلك من الأحاديث. ومن الأمور التي ينبغي للتجار ألا يتعاملوا بها الغبن، وهو أن يُغلبَ أحدُ المتبايعين، وهو نوعٌ من الخداع، قال أبو حامد الغزالي: [ ... فينبغي أن لا يغبن صاحبَه بما لا يتغابن به في العادة، فأما أصل المغابنة فمأذون فيه، لأن البيع للربح ولا يمكن ذلك إلا بغبن ما، ولكن يراعى فيه التقريب، فإن بذل المشتري زيادة على الربح المعتاد، إما لشدة رغبته أو لشدة حاجته في الحال إليه، فينبغي أن يمتنع من قبوله، فذلك من الإحسان ومهما لم يكن تلبيس لم يكن أخذ الزيادة ظلماً، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الغبن بما يزيد على الثلث يوجب الخيار، ولسنا نرى ذلك ولكن من الإحسان أن يحط ذلك الغبن. يروى أنه كان عند يونس بن عبيد حُللٌ -نوع من الثياب- مختلفة الأثمان، ضرب قيمة كل حلة منها أربعمائة، وضرب كل حلة قيمتها مائتان، فمرّ إلى الصلاة وخلَّف ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين فاستحسنها ورضيها فاشتراها، فمضى بها وهي على يديه فاستقبله يونس فعرف حلته فقال للأعرابي: بكم اشتريت؟ فقال: بأربعمائة. فقال: لا تساوي أكثر من مائتين فارجع حتى تردها. فقال: هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا أرتضيها. فقال له يونس: انصرف فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها. ثم ردّه إلى الدكان وردّ عليه مائتي درهم، وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله، وقال أما استحييت أما اتقيت الله تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين فقال: والله ما أخذها إلا وهو راضٍ بها. قال: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك، وهذا إن كان فيه إخفاء سعر وتلبيس فهو من باب الظلم...وروي عن محمد بن المنكدر أنه كان له شقق -نوع من الثياب- بعضها بخمسة وبعضها بعشرة فباع في غيبته غلام شقة من الخمسيات بعشرة، فلما عرف لم يزل يطلب ذلك الأعرابي المشتري طول النهار حتى وجده، فقال له: إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوي خمسة بعشرة. فقال: يا هذا قد رضيت، فقال: وإن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا، فاختر إحدى ثلاث خصال: إما أن تأخذ شقة من العشريات بدراهمك، وإما أن نردَّ عليك خمسة، وإما أن تردَّ شقتنا وتأخذ دراهمك. فقال: أعطني خمسة. فردَّ عليه خمسة وانصرف الأعرابي يسأل ويقول: من هذا الشيخ؟ فقيل له: هذا محمد بن المنكدر، فقال: لا إله إلا الله هذا الذي نستسقي به في البوادي إذا قحطنا. فهذا إحسان في أن لا يربح على العشرة إلا نصفاً أو واحداً على ما جرت به العادة في مثل ذلك المتاع في ذلك المكان، ومن قنع بربحٍ قليلٍ كثرت معاملاته واستفاد من تكررها ربحاً كثيراً، وبه تظهر البركة. كان علي رضي الهح عنه يدور في سوق الكوفة بالدرة ويقول: معاشر التجار خذوا الحق تسلموا، لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيره] إحياء علوم الدين ٢/٨١-٨٢. إذا تقرر هذا فإن رفع التجار للأسعار في رمضان منافٍ للقيم الأخلاقية التي قررها الشرع في البيع والشراء، صحيح أن الإسلام لم يحدد نسبة معينة للربح، ولكن الربح القليل والقناعة به أقرب إلي هدي السلف وأبعد عن الشبهات. وقد ناقش مجمع الفقه الإسلامي مسألة تحديد أرباح التجار وقرر ما يلي: [أولاً: الأصل الذي تقرره النصوص والقواعد الشرعية ترك الناس أحراراً في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها عملاً بمطلق قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ سورة النساء الآية ٢٩.ثانياً: ليس هناك تحديدٌ لنسبة معينةٍ للربح يتقيد بها التجار في معاملاتهم، بل ذلك متروكٌ لظروف التجارة عامة، وظروف التاجر والسلع، مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية من الرفق والقناعة والسماحة والتيسير.] ويحرم شرعاً على التجار أن يستغلوا حاجات الناس فيرفعوا الأسعار ويحتكروا السلع، وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ قال: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠. ولا يقل استغلال التجار لشهر الصيام برفع الأسعار عن الاحتكار وهو أمرٌ محرمٌ، فقد ورد في الحديث عن معمر بن عبد الله رضي الهه عنه أن الرسول ﷺ قال: (لا يحتكر إلا خاطئ) رواه مسلم. ويدخل رفع الأسعار بدون موجب في باب أكل أموال الناس بالباطل، كما قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ سورة النساء الآية ٢٩. ولا شك أن لجمهور المستهلكين دوراً واضحاً في زيادة جشع التجار في رفع الأسعار، وذلك من خلال زيادة الاستهلاك والإقبال المحموم على شراء السلع، وكأن الواحد منهم يشتري للمرة الأخيرة!! فلا بد للمستهلك أن يلتزم أيضاً بالضوابط الشرعية للاستهلاك، ومنها: مقاطعة السلع عندما يقوم التجار برفع الأسعار بدون موجب، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ وقد جاء الناس إليه فقالوا: (غلا اللحم فسعره لنا، فقال: أرخصوه أنتم. فقالوا: نحن نشتكي غلاء السعر واللحم عند الجزارين ونحن أصحاب الحاجة فتقول: أرخصوه أنتم؟ وهل نملكه حتى نرخصه؟ وكيف نرخصه وهو ليس في أيدينا؟ قال: اتركوه لهم.) وقيل لإبراهيم بن أدهم: إن اللحم غلا قال: فأرخصوه، أي لا تشتروه) . وعن رزين بن الأعرج قال: غلا علينا الزبيب بمكة فكتبنا إلى علي بن أبي طالب بالكوفة أن الزبيب قد غلا علينا، فكتب أن أرخصوه بالتمر) فأفضل حلٍ لمعالجة ظاهرة غلاء الأسعار هو المقاطعة، أو استبدال السلع الغالية بسلعٍ أخرى أرخص ثمناً، فإذا رفع التجار سعر اللحم فليتوجه الناس إلى شراء الدجاج، وإذا رفع التجار سعر البندورة الطازجة فليتوجه الناس إلى صلصة البندورة أو إلى خضارٍ أخرى وهكذا. ومن الضوابط الشرعية للاستهلاك البعد عن الإسراف والتبذير، فيشتري الشخص مقدار حاجته فقط، [فالإسلام يدعو إلى الاعتدال في الاستهلاك، فيمنع كلًا من التقتير أو الإسراف. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ سورة الفرقان الآية ٦٧. ولضمان السير على هذه الضوابط، جعل الإسلام المسلم مسؤولًا يوم القيامة عن سلوكه الاستهلاكيّ، هل كان خالصًا لوجهه سبحانه، وصوابًا على نحو ما أراد، فهو معاقبٌ لا محالة إن قصّر في هذا الجانب؛ ومن هذه النصوص قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ سورة التكاثر آية ٨. وقوله ﷺ: (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربّه حتى يسأل عن خمسٍ ومنها: عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني. انظر سلوك المستهلك ص ١٨. وكذلك فإن من ضوابط الاستهلاك أن يكون الاستهلاك في حدود مستوى الدخل أي الإنفاق بالمعروف، وهذا ما أكّدت عليه نصوص الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ سورة البقرة، آية ٢٣٣، والمعروف: هو الإنفاق بحسب الوسع بدليل قوله تعالى: ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ سورة الطلاق آية ٧، وقال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ سورة الطلاق آية ٧، قال الشيخ ابن العربي المالكي: [يعني على قدر حال الأب من السعة والضيق] أحكام القران لابن العربي ١/٢٢٧. وانظر سلوك المستهلك ص ١٢١. ولا بد من التنبيه على دور القنوات الفضائية في زيادة شره المستهلكين وخاصة في شهر رمضان، فالفضائيات تسهم بشكلٍ كبيرٍ في توجيه جمهور المستهلكين إلى زيادة الاستهلاك، من خلال الدعاية للسلع، وكذلك من خلال برامج الطبخ المختلفة، التي تؤثر في سلوك النساء في المطبخ وبالذات في شهر رمضان، لذا لا بد من توعية المستهلكين بخطر الإعلام وعدم تصديق كل ما يشاهدونه على شاشات الفضائيات وفي الصحف والمجلات، ولا بد من الانتباه إلى خطورة الفضائيات ومدى تأثيرها على الناس، وتنبيه الناس إلى أن من نتائج التربية الغربيّة عامّة، والأمريكيّة خاصّة، التي قادها مربّون أمثال جون ديوي، وجورج كونت، وبرونز، هي: (إنجاب أمّة أغنام توجّهها وسائل الإعلام) . سلوك المستهلك ص ١٧١. وأخيراً فنظراً لضعف الوازع الديني وقلة التقوى وزيادة الجشع والطمع لا بد من ضبط الأسواق ومراقبتها، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن كما قال عثمان ﵁.\rوخلاصة الأمر أن استغلال التجار لشهر الصيام برفع الأسعار بدون موجب، أمرٌ محرمٌ شرعاً، لأن فيه إلحاق الضرر بالناس، ويدخل أيضاً في باب أكل أموال الناس بالباطل، وأن الواجب على التجار أن يتقوا الله في المستهلكين، وأن يقنعوا بالربح القليل، وواجب المستهلكين أن يضبطوا استهلاكهم بالضوابط الشرعية التي أشرت لها، وإن لزم الأمر فإن أفضل وسيلة لمعالجة غلاء الأسعار هو مقاطعتها وتركها للتجار. كما أن مراقبة الأسعار أمر ضروري في ظل كثرة الجشع وزيادة الطمع وقلة التقوى وغياب الورع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346328,"book_id":3840,"shamela_page_id":708,"part":"13","page_num":1,"sequence_num":708,"body":"١ - النذر بما لا يملك\rيقول السائل: نذرت أمي إن توظفت لتوزعن أول راتب لي على الفقراء، فما حكم هذا النذر، وهل نذرها يلزمني، أفيدونا؟\r\rالجواب: النذر عند أهل العلم هو أن يلزم المكلف نفسه بقربة لم يلزمه بها الشارع الحكيم، والوفاء بالنذر واجب لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ سورة الحج الآية ٢٩، ولقول النبي ﷺ: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصه فلا يعصه) رواه البخاري ومسلم. وقد اشترط الفقهاء لصحة النذر أن يكون المنذور به ملكاً للناذر، وفي السؤال المذكور فإن الأم نذرت أن توزع راتب ابنها وهي لا تملكه، قال ابن عابدين [وشرط صحة النذر أن يكون المنذور ملكاً للناذر] حاشية ابن عابدين ٤/٤٦. وقال الإمام البخاري في صحيحه [باب النذر فيما لا يملك وفي معصية] ثم ساق مجموعة من الأحاديث يفهم منها هذا الشرط كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني، فتح الباري ١١/٧١٤. ومما يدل على أنه يشترط في المنذور به أن يكوم ملكاً للناذر ما رواه الإمام مسلم بإسناده عن عمران بن حصين ﵁ قال: (كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ، وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلاً من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء - اسم ناقة الرجل المأسور - فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق، قال يا محمد فأتاه، فقال ما شأنك؟ فقال بم أخذتني وبم أخذت سابقة الحاج؟ - أي ناقته - فقال إعظاماً لذلك أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف، ثم انصرف عنه فناداه، فقال يا محمد يا محمد، وكان رسول الله ﷺ رحيماً رقيقاً، فرجع إليه فقال ما شأنك؟ قال: إني مسلم، قال لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، ثم انصرف فناداه، فقال يا محمد يا محمد فأتاه فقال ما شأنك؟ قال إني جائع فأطعمني وظمآن فأسقني، قال هذه حاجتك ففدي بالرجلين. قال وأسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوثاق وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ، قال وناقة منوقة - أي مذللة - فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت، ونذروا بها فطلبوها فأعجزتهم، قال ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا العضباء ناقة رسول الله ﷺ، فقالت إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له فال: سبحان الله بئسما جزتها نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد) . قال الإمام النووي: [وأما قوله ﷺ: (ولا فيما لا يملك العبد) ، فهو محمول على ما إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه، بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أعتق عبد فلان، أو أتصدق بثوبه أو بداره أو نحو ذلك. فأما إذا التزم في الذمة شيئاً لا يملكه فيصح نذره، مثاله: قال: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ عتق رقبة، وهو في ذلك الحال لا يملك رقبة ولا قيمتها، فيصح نذره، وإن شفي المريض ثبت العتق في ذمته.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٦٧. وعن ثابت بن الضحاك ﵁ أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة وأن رسول الله ﷺ قال: (من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عُذِب به يوم القيامة، وليس على رجلٍ نذرٌ في شيءٍ لا يملكه) رواه مسلم. وورد في الحديث عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه النسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي ٢/ ٨٠٧. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا وفاء لنذرٍ فيما لا تملك) رواه أبو داود وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤١٢.\r\rوعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجلٌ على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً ببوانة - اسم مكان قريبٌ من ينبع - فأتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال النبي ﷺ: هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: هل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟ قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه أبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٣٧. وغير ذلك من الأحاديث.\r\rإذا تقرر أنه يشترط في المنذور به أن يكون ملكاً للناذر، فقد اختلف أهل العلم فيما يترتب على من نذر ما لا يملكه، فمنهم من قال لا شيء عليه، لا كفارة ولا غيرها، قال الحافظ ابن حجر: [واختلف فيمن وقع منه النذر في ذلك هل تجب فيه كفارة؟ فقال الجمهور: لا، وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية نعم، ونقل الترمذي اختلاف الصحابة في ذلك كالقولين] فتح الباري ١١/٧١٥، وقال الإمام النووي: [ ... لا يصح النذر فيما لا يملك، ولا يلزم بهذا النذر شيء] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٢٩٤.\r\rومن الفقهاء كالحنفية والحنابلة وبعض الشافعية وبعض أهل الحديث من ألزمه كفارة يمين، وهذا القول أرجح لعموم قول النبي ﷺ: (كفارة النذر كفارة اليمين) رواه مسلم، قال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (كفارة النذر كفارة اليمين) اختلف العلماء في المراد به, فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلاً: إن كلمت زيداً مثلاً فلله عليَّ حجة أو غيرها، فيكلمه فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه، هذا هو الصحيح في مذهبنا، وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق، كقوله: عليَّ نذر، وحمله أحمد وبعض أصحابنا على نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر، وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع النذورات بين الوفاء بما التزم، وبين كفارة يمين] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٦٩. ويؤيده ما ورد في الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما النذر يمين، كفارتها كفارة يمين) أخرجه أحمد وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٢٨٦٠. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وعليه كفارة يمين) وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٤٧٩. وبناءً على ما تقدم يلزم المرأة المذكورة في السؤال كفارة يمين، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة المائدة الآية ٨٩. ولا بد من التنبيه هنا أن مال الابن مملوك له، وليس ملكاً للأم ولا للأب، كما يفهمه بعض الناس من قول النبي ﷺ: (أنت ومالك لأبيك) والأم كذلك، رواه ابن ماجة والطحاوي والطبراني وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل ٣/٣٢٣-٣٣٠. فإن هذا الحديث ليس على ظاهره كما قال أكثر العلماء، قال ابن حبان في صحيحه: تحت عنوان [ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة العلم أن مال الابن يكون للأب...] ثم ذكر الحديث وعقب عليه بقوله: [ومعناه أنه ﷺ زجر عن معاملته أباه بما يعامل به الأجنبي وأمره ببره والرفق به في القول والفعل معاً إلى أن يصل إليه ماله فقال له: (أنت ومالك لأبيك) ، لا أن مال الابن يملكه الأب في حياته عن غير طيب نفس من الابن له] صحيح ابن حبان ٢/١٤٢-١٤٣. ويرى بعض أهل العلم أن اللام في قوله ﷺ: (لأبيك) تفيد الإباحة لا التمليك فيباح للوالد أن يأخذ من مال الابن حاجته ولا تفيد أن الأب يملك مال الابن، قال الشوكاني: [قوله: (أنت ومالك لأبيك) قال ابن رسلان: اللام للإباحة لا للتمليك، فإن مال الولد له وزكاته عليه وهو موروث عنه] نيل الأوطار ٩/٢٣٢. وقال الشيخ علي الطنطاوي: [إن الحديث قوي الإسناد لكن لا يؤخذ عند جمهور الفقهاء على ظاهره بل يؤول ليوافق الأدلة الشرعية الأخرى الثابتة والقاعدة الشرعية المستنبطة منها وهي أن المالك العاقل البالغ يتصرف بماله وليس لأحد التصرف به بغير إذنه ...] فتاوى الطنطاوي ص ١٣٧.\r\rوخلاصة الأمر أن هذه الأم قد نذرت أن توزع مالاً لا تملكه ويلزمها أن تكفر كفارة يمين، ولا يلزم ولدها شيء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346329,"book_id":3840,"shamela_page_id":709,"part":"13","page_num":2,"sequence_num":709,"body":"٢ - حكم افتداء اليمين بالمال\rيقول ال سائل: حصل نزاع بيني وبين شخص في قضية ما وتوجهت اليمين عليَّ، ولكني هبت من حلف اليمين فعرضت عليه مبلغاً من المال ليعفيني من اليمين، مع العلم أنني إذا حلفت فأنا صادق في يميني، فهل هذا الأمر جائز شرعاً، أفيدونا؟\rالجواب: إذا طُلبت اليمينُ من شخصٍ فحلف وهو صادق في يمينه فلا حرج عليه، واليمين مشروعة كما هو معلوم، ولكن مطلوب من المسلم أن يحفظ يمينه، كما قال الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ سورة المائدة الآية ٨٩. قال القرطبي: [أي بترك الحلف فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات] تفسير القرطبي ٦/٢٨٥. ونقل القرطبي أيضاً عن بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٤، [بأن المعنى لا تكثروا من اليمين بالله تعالى فإنه أهيب للقلوب ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وذمَّ من كثَّر اليمين فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ والعرب تمتدح بقلة الأيمان ... ] تفسير القرطبي٣/٩٧. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومن توجهت عليه يمين هو فيها صادق، أو توجهت له، أبيح له الحلف، ولا شيء عليه من إثم ولا غيره; لأن الله تعالى شرع اليمين، ولا يشرع محرماً. وقد أمر الله تعالى نبيه ﵇، أن يقسم على الحق، في ثلاثة مواضع من كتابه. وحلف عمر لأبيٍّ ﵄ على نخيل، ثم وهبه له، وقال: خفت إن لم أحلف أن يمتنع الناس من الحلف على حقوقهم، فتصير سنة. قال حنبل: بُلي أبو عبد الله- أي الإمام أحمد - بنحو هذا، جاء إليه ابن عمه، فقال: لي قِبَلكَ حقٌ من ميراث أبي، وأطالبك بالقاضي، وأحلفك. فقيل لأبي عبد الله: ما ترى؟ قال: أحل ف له، إذا لم يكن له قِبَلي حق، وأنا غيرُ شاكٍ في ذلك حلفت له، وكيف لا أحلف، وعمر قد حلف، وأنا من أنا؟ وعزم أبو عبد الله على اليمين، فكفاه الله ذلك، ورجع الغلام عن تلك المطالبة] المغني١٠/٢٠٨.\rوقال صاحب الهداية الحنفي: [ومن ادَّعى على آخر مالاً فافتدى يمينه أو صالحه منها على عشرة - مثلاً - فهو جائز] شرح فتح القدير. ومع ذلك فإن شأن ليمين عظيم، والتورع عن اليمين أمر معروف عند الصحابة والتابعين، قال الحافظ الهيثمي: باب الورع والخوف من الحلف، وساق فيه مجموعة من الآثار عن الصحابة والتابعين في ذلك، وأين حالهم من حالنا الذي يعبر عنه المثل العامي الدارج بين الناس: (قالوا للحرامي احلف فقال جاء فرج الله) !! فأي استخفاف هذا باليمين! قال العلامة ابن القيم: [قد ثبت وتقرر أن الإقدام على اليمين يصعب، ويثقل على كثير من الناس، سيما على أهل الدين وذوي المروءات والأقدار، وهذا أمر معتاد بين الناس على ممر الأعصار، لا يمكن جحده. وكذلك روي عن جماعة من الصحابة: أنهم افتدوا أيمانهم، منهم: عثمان، وابن مسعود وغيرهما، وإنما فعلوا ذلك لمروءتهم، ولئلا تسبق الظلمة إليهم إذا حلفوا، فمن يعادي الحالف، ويحب الطعن عليه، يجد طريقاً إلى ذلك، لعظم شأن اليمين وعظم خطرها] الطرق الحكمية١/١٢٥.\rإذا تقرر هذا فإنه يجوز لمن طلبت منه اليمين أن يفتدي يمينه بالمال على الراجح من أقوال أهل العلم، فقد ثبت افتداء اليمين بالمال عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، فقد روى الطبراني بإسناد جيد عن جبير بن مطعم ﵁ أنه افتدى يمينه بعشرة آلاف درهم ثم قال: ورب الكعبة لو حلفت، حلفتُ صادقاً وإنما هو شيء افتديت به يميني. ورواه أيضاً الدارقطني في السنن. وروى عبد الرزاق في المصنف عن معمر قال: سئل الزهري عن الرجل يقع عليه اليمين، فيريد أن يفتدي يمينه، قال: قد كان يُفعل، قد افتدى عبيد السهام - صحابي اسمه عبيد بن سليم الأنصاري الأوسي ويقال له عبيد السهام لأنه كان اشترى من سهام خيبر ثمانية عشر سهماً فقيل له ذلك كما في الإصابة- في إمارة مروان، وأصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة كثير، افتدى يمينه بعشرة آلاف. وروى عبد الرزاق في المصنف أيضاً عن الأسود بن قيس عن رجل من قومه، قال: عرف حذيفة بعيراً له مع رجل، فخاصمه، فقضي لحذيفة بالبعير، وقضى عليه باليمين، فقال حذيفة: افتدي يمينك بعشرة دراهم، فأبى الرجل، فقال له حذيفة: بعشرين، فأبى، قال: فبثلاثين، قال: فأبى، قال: فبأربعين، فأبى الرجل، فقال حذيفة: أتظن أني لا أحلف على مالي، فحلف عليه حذيفة. وروى البيهقي في كتاب المعرفة في كتاب أدب القاضي عن الإمام الشافعي قال: بلغني أن عثمان بن عفان رُدت عليه اليمين فافتداها بمال، وقال: أخاف أن يوافق قدر بلاء، فيقال: هذا بيمينه. وقال البيهقي في آخر الباب وفي كتاب المستخرج لأبي الوليد بإسناد صحيح عن الشعبي: وفيه إرسال، أن رجلاً استقرض من عثمان بن عفان سبعة آلاف درهم، فلما تقاضاه، قال له: إنما هي أربعة آلاف، فخاصمه إلى عمر، فقال: تحلف أنها سبعة آلاف؟ فقال عمر: أنصفك، فأبى عثمان أن يحلف، فقال له عمر: خذ ما أعطاك. وروى الإمام البخاري بسنده عن أبي قلابة حديثاً طويلاً وفيه: (وقد كانت هذيل خلعوا خليعاً لهم في الجاهلية، فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء، فانتبه له رجل منهم، فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل فأخذوا اليماني، فرفعوه إلى عمر بالموسم وقالوا: قتل صاحبنا، فقال: إنهم قد خلعوه، فقال: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوه، قال: فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلاً، وقدم رجل منهم من الشام، فسألوه أن يقسم، فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رجلاً آخر، فدفعه إلى أخي المقتول، فقرنت يده بيده، قالوا فانطلقنا والخمسون الذين أقسموا حتى إذا كانوا بنخلة أخذتهم السماء - أي المطر- فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا، فماتوا جميعاً وأفلت القرينان وأتبعهما حجر فكسر رجل أخي المقتول فعاش حولاً ثم مات) .\rوقد اختلف أهل العلم في أيهما أولى الحلف أم افتداء اليمين؟ والذي أرجحه هو افتداء اليمين، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [واختلف في الأولى، فقال قوم: الحلف أولى من افتداء يمينه; لأن عمر حلف; ولأن في الحلف فائدتين; إحداهما، حفظ ماله عن الضياع، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعته. والثانية، تخليص أخيه الظالم من ظلمه، وأكل المال بغير حقه، وهذا من نصيحته ونصرته بكفه عن ظلمه، وقد أشار النبي ﷺ على رجلٍ أن يحلف ويأخذ حقه. وقال أصحابنا: الأفضل افتداء يمينه; فإن عثمان افتدى يمينه، وقال: خفت أن تصادف قدراً، فيقال حلف فعوقب، أو هذا شؤم يمينه. وروى الخلال بإسناده، أن حذيفة عرف جملاً سرق له، فخاصم فيه إلى قاضي المسلمين، فصارت اليمين على حذيفة فقال: لك عشرة دراهم. فأبى، فقال لك عشرون، فأبى، فقال: لك ثلاثون، فأبى، فقال: لك أربعون، فأبى، فقال حذيفة: أتراني أترك جملي؟ فحلف بالله أنه له ما باع ولا وهب. ولأن في اليمين عند الحاكم تبذلاً، ولا يأمن أن يصادف قدراً، فينسب إلى الكذب، وأنه عوقب بحلفه كاذباً، وفي ذهاب ماله له أجر، وليس هذا تضييعاً للمال، فإن أخاه المسلم ينتفع به في الدنيا ويغرمه له في الآخرة. وأما عمر، فإنه خاف الاستنان به، وترك الناس الحلف على حقوقهم، فيدل على أنه لولا ذلك، لما حلف، وهذا أولى، والله تعالى أعلم.] المغني ١٠ ٢٠٨-٢٠٩. ويؤيد ترجيح افتداء اليمين أن في ذلك [صون عرضه وهو مستحسن عقلاً وشرعاً، ولأنه لو حلف يقع في القيل والقال، فإن الناس بين مصدقٍ ومكذب، فإذا افتدى بيمينه فقد صان عرضه وهو حسن.] البحر الرائق. ويؤيده أيضاً ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ذبوا عن أعراضكم بأموالكم) صححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٣ /٤٤٥، وفي صحيح الجامع ١/٦٤٤.\rوخلاصة الأمر أن شأن اليمين عظيم وينبغي التورع منها والخوف منها، وإذا طلب اليمين من شخص فحلف وهو صادق في يمينه فلا حرج عليه، ويجوز لمن طُلبت منه اليمين أن يفتدي يمينه بالمال على الراجح من أقوال أهل العلم، لثبوت افتداء اليمين بالمال عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم. وإذا قبل المدعي افتداء اليمين من المدَّعى عليه فإن حقه في اليمين يسقط ولا تقبل مطالبته باليمين بعد ذلك، لأن القاعدة الفقهية تقول الساقط لا يعود، يعني إذا أسقط شخصٌ حقاً من الحقوق التي يجوز إسقاطها، يسقط ذلك الحق وبعد إسقاطه لا يعود.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346330,"book_id":3840,"shamela_page_id":710,"part":"13","page_num":3,"sequence_num":710,"body":"٣ - الحلف على ترك التدخين\rيقول السائل: إنَه مدخن شره وقد حلف يميناً بالله العظيم ليلزم نفسه على ترك التدخين ولكنه لم يستطع ترك الدخان ورجع إلى التدخين فماذا يلزمه في هذه الحالة، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا شك أن الدخان خبيث من الخبائث، وإن أبى بعض المدخنين ذلك، كما أنّ التدخين حرام على الصحيح من أقوال أهل العلم، وإن أبى بعض المشايخ المدخنين ذلك، وخاصَة الذين يزعمون أنّ التدخين مباح من المباحات، فقولهم هذا قول ساقط متهافت، ولا قيمة له بعد أن اتفقت المصادر الطبيّة والعلمية والصحيَة على ضرر التدخين المتحقق على صحة المدخن وعلى نفسيّته وعلى ماله وعلى صحة من حوله، وأضرار التدخين على المجتمع بشكل عام، بل إنَ التدخين أشد فتكاً بالإنسان من مرض الإيدز، وقد اتفقت الهيئات العلمية والمجامع الطبيّة والصحيّة على أضرار التدخين، وقرّرت أنَه سبب رئيس للسرطان وتليف الكبد وأمراض الشريان التاجي والذبحة الصدريّة وسرطان الفم وغيرها من الأمراض الخبيثة، وهذا ما أكّده أهل الخبرة والاختصاص من الأطباء والكيميائيين وغيرهم، فالدخان يتكوّن من مجموعة كثيرة من المواد، منها أكثر من خمسة عشر نوعاً من السموم الفتّاكة كالنيكوتين الذي يعد من السموم القوية والفعّالة وله أثر سيء على الكلية والجهاز العصبي والدم، ومنها أوّل أكسيد الكربون وهو معروف بتأثيره السام وله تأثير سيء على الدم، ومنها القطران وهو المادة اللزجة الصفراء التي تؤدي إلى اصفرار أسنان المدخن ونخرها، وإلى التهابات اللثة، وهو أخطر محتويات الدخان على الصحة ويسبب السرطان والتهابات الشعب الهوائية وغير ذلك من المواد الضارة التي تلحق الضرر والأذى بصحة المدخن. فالتدخين يضر بالفم وبالشفاه واللثة والأسنان واللسان واللوزتين والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والأعصاب والدورة الدموية والجهاز البولي، كما أن للتدخين ضرراً على النسل لذلك تُنصح الحوامل بعدم التدخين وما كان ضرره كذلك فلا شك في حرمته، لأن الإسلام يحرم كل خبيث وضار، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ سورة الأعراف الآية ١٢٧. وصدق الرسول ﷺ إذ يقول: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني وهو حديث صحيح، كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠. والأدلة على تحريم التدخين كثيرة وليس هذا محل ذكرها. إذا تقرر تحريم التدخين فإن الواجب على المدخن أن يقلع عن هذه المعصية، وأن يترك التدخين، وترك التدخين يحتاج إلى عزيمة صادقة وإرادة قوية، وليس الأمر كما يزعم كثير من المدخنين أنهم لا يستطيعون تركه، فهذا هراء، فالإرادة القوية تلعب دوراً مهماً في السيطرة والتخلص من العادات السلبية التي تضرُّ بصحة الإنسان، ومنها عادة التدخين. وتشكل عزيمة الإنسان الصادقة نقطة البداية في ترك التدخين، ولا بد أن يقتنع المدخن أولاً بضرر الدخان الحقيقي على صحته وماله، حتى يسهل عليه تركه، ثم يعزم على ذلك مع الصبر ومخالفة الهوى، مع العلم أنه يوجد اليوم أساليب علمية تساعد في الإقلاع عن التدخين.\r\rوبعد هذا البيان الموجز لحكم التدخين وضرره أعود إلى السؤال فأقول: يجب على من حلف بالله تعالى ليلزم نفسه بترك الدخان أن يبر بيمينه، فيمتنع عن التدخين، وقد قرر الفقهاء أن من حلف على ترك معصية من المعاصي كالحلف على ترك التدخين فيلزمه البر بيمينه شرعاً، يقول الله تعالى: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ سورة النحل الآية٩١. فإن لم يفعل أي لم يترك التدخين فقد حنث بيمينه وتلزمه كفارة اليمين، يقول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة المائدة الآية ٨٩. وكفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين أو عتق رقبة على التخيير، أي أنَ الحالف يختار واحدة من هذه الخصال الثلاث، فإذا كان فقيراً عاجزاً عن التكفير بإحدى هذه الخصال فإنه يصوم ثلاثة أيام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ ... الذي يحلف على فعل ما يجب عليه، من الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وطاعة السلطان، ومناصحته وترك الخروج، ومحاربته، وقضاء الدَّين الذي عليه، وأداء الحقوق إلى مستحقيها والامتناع من الظلم والفواحش، وغير ذلك، فهذه الأمور كانت قبل اليمين واجبة، وهي بعد اليمين أوجب، وما كان محرماً قبل اليمين فهو بعد اليمين أشد تحريماً، ولهذا كان الصحابة، ﵃ يبايعون النبي ﷺ على طاعته والجهاد معه، وذلك واجب عليهم ولو لم يبايعوه، فالبيعة أكدته، وليس لأحد أن ينقض مثل هذا العقد) . مجموع الفتاوى ٣٣/١٤٥.\r\rومن الجديد بالذكر أن من نذر نذراً ليلزم نفسه فعل شيء أو تركه، كأن قال المدخن لئن رجعت إلى التدخين لأتصدقن بمئة دينار مثلاً، فهذا له حكم اليمين، لأن النذر يمين، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصه فلا يعصه) رواه البخاري، فالواجب الوفاء بهذا النذر فإن لم يف بنذره لزمته كفارة يمين. ومما يدل على لزوم الكفارة عند عدم الوفاء بالنذر، عموم قول النبي ﷺ: (كفارة النذر كفارة اليمين) رواه مسلم، قال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (كفارة النذر كفارة اليمين) اختلف العلماء في المراد به، فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلاً: إن كلمت زيداً مثلاً فلله عليَّ حجة أو غيرها , فيكلمه فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه , هذا هو الصحيح في مذهبنا , وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق، كقوله: عليَّ نذر، وحمله أحمد وبعض أصحابنا على نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر، وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع النذورات بين الوفاء بما التزم، وبين كفارة يمين] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٦٩.\r\rويؤيد ذلك ما ورد في الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما النذر يمين، كفارتها كفارة يمين) أخرجه أحمد وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٢٨٦٠. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وعليه كفارة يمين) رواه النسائي والبيهقي وغيرهما وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٤٧٩.\r\rوأخيراً أنبه على أن الحلف لا يكون إلا بالله أو بأسمائه وصفاته فقط ولا يجوز الحلف بغير الله ﷿، فالحلف أو القسم المشروع لا يكون إلا بالله ﷾ أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته وما عدا ذلك لا يجوز الحلف به. وقد علَّل أهل العلم عدم جواز الحلف إلا بالله لأن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به والعظمة إنما هي لله وحده، فلا يحلف إلا بالله وأسمائه وصفاته. فالحلف بغير الله حرام، سواء حلف بما هو معظم شرعاً كالحلف بالكعبة أو بالصلاة أو الصيام أو المسجد أو غيرها أو حلف بحياة فلان أو حلف بأبيه أو أمه أو حلف بحياة الملك أو حياة الرئيس أو غير ذلك، فكله حلف محرم، والأدلة على ذلك كثيرة منها: قوله ﷺ: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) رواه مسلم، فهذا الحديث يدل دلالة صريحة على قصر الحلف بالله فقط، وعن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ سمع عمر بن الخطاب ﵁، وهو يحلف بأبيه فقال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) رواه البخاري ومسلم، وعن سعد بن عبيدة أن ابن عمر سمع رجلاً يقول: (لا والكعبة. فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من حلف بغير الله فقد أشرك) ، وفي رواية (فقد كفر) ، رواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل حديث رقم ٢٥٦١. وكذلك النذر فلا بد أن يكون لله ﷿، فقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله) رواه أبو داود والحاكم وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ١٣٤٧٩. وعن ثابت بن الضحاك (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال: أكان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه أبو داود وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١٧٣٢، وبوانة مكان قريب من مكة المكرمة.\r\rوخلاصة الأمر أن الدخان من الخبائث وأن التدخين حرام شرعاً على الصحيح من أقوال أهل العلم، وأن من حلف على ترك التدخين فيلزمه البر بيمينه، فإن لم يفعل لزمته كفارة اليمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346331,"book_id":3840,"shamela_page_id":711,"part":"13","page_num":4,"sequence_num":711,"body":"٤ - استبدال المنذور بخير منه\rيقول السائل: إنه نذر أن يذبح عجلاً لله تعالى ويوزعه على الفقراء فهل يجوز له أن يستبدله بخروف لأن لحم الخروف أطيب، أفيدونا؟\r\rالجواب: النذر عند العلماء هو أن يلزم المكلف نفسه بقربة لم يلزمه بها الشارع الحكيم، والوفاء بالنذر واجب لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ولقوله ﷺ: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصه فلا يعصه) رواه البخاري وغيره.\r\rوالأصل أنّ الناذر يفي بنذره كما نذر فمن نذر ذبح شاة فيلزمه أن يذبح شاة، ومن نذر صلاة لزمه أن يصليها، ومن نذر مبلغاً من المال لزمه إخراجه وهكذا، ومن أهل العلم من يرى أنه يجوز استبدال المنذور بأفضل منه أو استبداله لمصلحة راجحة ,وهو قول وجيه جداً وبه قال فقهاء الحنفية واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: [مسألة: في الواقف والناذر يوقف شيئاً؛ ثم يرى غيره أحظ للموقوف عليه منه هل يجوز إبداله؛ كما في الأضحية؟ فأجاب: وأما إبدال المنذور والموقوف بخير منه كما في إبدال الهدي: فهذا نوعان: أحدهما: أن الإبدال للحاجة مثل أن يتعطل فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه: كالفرس الحبيس للغزو إذا لم يمكن الانتفاع به للغزو فإنه يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، والمسجد إذا خرب ما حوله فتنقل آلته إلى مكان آخر. أو يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه أو لا يمكن الانتفاع بالموقوف عليه من مقصود الواقف فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه. وإذا خرب ولم تمكن عمارته فتباع العرصة، ويشترى بثمنها ما يقوم مقامها: فهذا كله جائز؛ فإن الأصل إذا لم يحصل به المقصود قام بدله مقامه.\rوالثاني: الإبدال لمصلحة راجحة مثل أن يبدل الهدي بخير منه، ومثل المسجد إذا بني بدله مسجد آخر أصلح لأهل البلد منه، وبيع الأول: فهذا ونحوه جائز عند أحمد وغيره من العلماء. واحتج أحمد بأن عمر بن الخطاب ﵁ نقل مسجد الكوفة القديم إلى مكان آخر؛ وصار الأول سوقاً للتمارين فهذا إبدال لعرصة المسجد. وأما إبدال بنائه ببناء آخر، فإن عمر وعثمان بنيا مسجد النبي ﷺ بناءً غير بنائه الأول وزادا فيه؛ وكذلك المسجد الحرام فقد ثبت في الصحيحين (أن النبي ﷺ قال لعائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض؛ ولجعلت لها بابين باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرج الناس نه) . فلولا المعارض الراجح لكان النبي ﷺ يغير بناء الكعبة. فيجوز تغيير بناء الوقف من صورة إلى صورة؛ لأجل المصلحة الراجحة.... لكن النصوص والآثار والقياس تقتضي جواز الإبدال للمصلحة.] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣١/٢٥٢-٢٥٣. ومما يدل على جواز استبدال المنذور بأفضل منه ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (إن امرأة اشتكت شكوى فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس فبرأت ثم تجهزت تريد الخروج فجاءت ميمونة زوج النبي ﷺ تسلم عليها فأخبرتها ذلك فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت وصلي في مسجد الرسول ﷺ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة) رواه مسلم. ويدل عليه ما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلاً قام يوم الفتح فقال يا رسول الله: إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: صل هاهنا، ثم أعاد عليه فقال: صل هاهنا، ثم أعاد عليه فقال: شأنك إذن) رواه أبو داود والحاكم وصححه، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٨/٢٢٢، وورد في رواية أخرى عند الإمام أحمد في المسند (عن عمر بن عبد الرحمن بن عوف وعن رجال من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ يوم الفتح والنبي ﷺ في مجلس قريب من المقام فسلم على النبي ﷺ ثم قال يا نبي الله إني نذرت لئن فتح الله للنبي والمؤمنين مكة لأصلين في بيت المقدس وإني وجدت رجلاً من أهل الشام هاهنا في قريش مقبلاً معي ومدبراً فقال النبي ﷺ: هاهنا فصلّ ,فقال الرجل قوله هذا ثلاث مرات كل ذلك يقول النبي ﷺ هاهنا فصلّ ,ثم قال الرابعة مقالته هذه فقال النبي ﷺ: اذهب فصل فيه فوالذي بعث محمداً بالحق لو صليت هاهنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس) ، قال الشوكاني [قوله: (صلّ ههنا) فيه دليل على أنّ من نذر بصلاة أو صدقة أو نحوهما في مكان ليس بأفضل من مكان الناذر فإنه لا يجب عليه الوفاء بإيقاع المنذور به في ذلك المكان بل يكون الوفاء بالفعل في مكان الناذر وقد تقدم أنه ﵌ أمر الناذر بأن ينحر ببوانة يفي بنذره بعد أن سأله هل كانت كذا هل كانت كذا فدل ذلك على أنه يتعين مكان النذر ما لم يكن معصية ولكن الجمع بين ما هنا وما هناك أن المكان لا يتعين حتماً بل يجوز فعل المنذور به في غيره فيكون ما هنا بياناً للجواز ويمكن الجمع بأنه يتعين مكان النذر إذا كان مساوياً للمكان الذي فيه الناذر أو أفضل منه لا إذا كان المكان الذي فيه الناذر فوقه في الفضيلة ويشعر بهذا ما في حديث ميمونة من تعليل ما أفتت به ببيان أفضلية المكان الذي فيه الناذرة في الشيء المنذور به وهو الصلاة.] نيل الأوطار ٨/٢٨٥-٢٨٦. ويدل لذلك أيضاً ما جاء في الحديث عن أبيّ بن كعب ,قال: بعثني النبي ﷺ مصدقاً فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا - ناقة - ابنة مخاض فقلت له أدِ ابنة مخاض فإنها صدقتك، فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها فقلت له ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به وهذا رسول الله ﷺ منك قريب فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل فإن قبله منك قبلته وإن رده عليك رددته، قال فإني فاعل فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض عليَّ حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فقال له يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ﷺ ولا رسوله قط قبله فجمعت له مالي فزعم أن ما عليَّ فيه ابنة مخاض وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبى عليَّ وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله خذها فقال له رسول الله ﷺ ذاك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك قال فها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها فخذها قال: فأمر رسول الله ﷺ بقبضها ودعا له في ماله بالبركة) رواه أحمد وأبو داود، وقال العلامة الألباني حديث حسن كما في صحيح سنن أبي داود ١/٢٩٨. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وما في هذا الحديث من إجزاء سن أعلا من الواجب مذهب عامة أهل العلم الفقهاء المشهورين وغيرهم. فقد ثبت أن إبدال الواجب بخير منه جائز بل يستحب فيما وجب بإيجاب الشرع وبإيجاب العبد. ولا فرق بين الواجب في الذمة وما أوجبه معيناً؛ فإنما وجب في الذمة وإن كان مطلقاً من وجه فإنه مخصوص متميز عن غيره؛ ولهذا لم يكن له إبداله بدونه بلا ريب. وعلى هذا، فلو نذر أن يقف شيئاً فوقف خيراً منه كان أفضل، فلو نذر أن يبني لله مسجداً وصفه، أو يقف وقفاً وصفه. فبنى مسجداً خيراً منه، ووقف وقفاً خيراً منه كان أفضل. ولو عيّنه، فقال: لله علي أن أبني هذه الدار مسجداً أو وقفها على الفقراء والمساكين. فبنى خيراً منها، ووقف خيراً منها، كان أفضل، كالذي نذر الصلاة بالمسجد الأقصى وصلى في المسجد الحرام، أو كانت عليه بنت مخاض فأدى خيراً منها.] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣١/٢٤٩.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز استبدال المنذور بخير منه وبأفضل منه إذا كان في استبداله مصلحة راجحة ولا يجوز استبداله بأقل منه فلا يجوز استبدال العجل بخروف كما في ورد السؤال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346332,"book_id":3840,"shamela_page_id":712,"part":"13","page_num":5,"sequence_num":712,"body":"٥ - يحرم الوفاء بنذر المعصية\rيقول السائل: إنه نذر أن يرتكب الفاحشة مع امرأة ثم ندم على ما صدر منه ويريد أن يتراجع عما نذر فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: إنّ ما صدر عن السائل يسمى عند العلماء نذر المعصية ومجرد التلفظ بنذر المعاصي والآثام يعد ذنباً ومعصية لله تعالى , وقد اتفق أهل العلم على أنه يحرم الوفاء بنذر المعصية لما ثبت في الحديث من قول النبي ﷺ أنه قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصه فلا يعصه) رواه البخاري\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث: [ ... والخبر صريح في الأمر بوفاء النذر إذا كان في طاعة وفي النهي عن الوفاء به إذا كان في معصية] فتح الباري ١١/٧٠٩.\rوروى الإمام مسلم بإسناده عن عمران بن حصين ﵁ قال (كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلاً من بني عقيل وأصابوا معه العضباء – اسم لناقة الرجل المأسور - فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق قال يا محمد فأتاه فقال ما شأنك؟ فقال بم أخذتني وبم أخذت سابقة الحاج؟ – أي ناقته - فقال إعظاماً لذلك أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف ثم انصرف عنه فناداه فقال يا محمد يا محمد وكان رسول الله ﷺ رحيماً رقيقاً فرجع إليه فقال ما شأنك؟ قال إني مسلم قال لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح ثم انصرف فناداه فقال يا محمد يا محمد فأتاه فقال ما شأنك؟ قال إني جائع فأطعمني وظمآن فأسقني قال هذه حاجتك ففدي بالرجلين. قال وأسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء فكانت المرأة في الوثاق وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ قال وناقة منوقة - أي مذللة - فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت ونذروا بها فطلبوها فأعجزتهم قال ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا العضباء ناقة رسول الله ﷺ فقالت إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له فقال: سبحان الله بئسما جزتها نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك لعبد)\rوعن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه النسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي ٢/ ٨٠٧.\rوغير ذلك من الأحاديث. وبهذا يظهر لنا أنه يحرم الوفاء بنذر المعصية باتفاق أهل العلم ولكن يلزم الناذر كفارة يمين على الراجح من أقوال أهل العلم ليكفر ذنبه لأنه نذر ما هو حرام شرعاً\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [نذر المعصية فلا يحل الوفاء به إجماعاً ولأن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه) ولأن معصية الله تعالى لا تحل في حال ويجب على الناذر كفارة يمين روي نحو هذا عن ابن مسعود وابن عباس , وجابر وعمران بن حصين وسمرة بن جندب وبه قال الثوري , وأبو حنيفة وأصحابه ...\rووجه الأول ما روت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: (لا نذر في معصية , وكفارته كفارة يمين) رواه الإمام أحمد في \" مسنده \" وأبو داود , في \" سننه \" وقال الترمذي: هو حديث غريب وعن أبي هريرة وعمران بن حصين عن النبي ﷺ مثله روى الجوزجاني , بإسناده عن عمران بن حصين قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله , وفيه الوفاء وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه , ويكفره ما يكفر اليمين) وهذا نص ولأن النذر يمين بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (النذر حلفة) ، (وقال النبي ﷺ لأخت عقبة لما نذرت المشي إلى بيت الله الحرام , فلم تطقه: تكفر يمينها) صحيح أخرجه أبو داود وفي رواية: \" ولتصم ثلاثة أيام \" قال أحمد: إليه أذهب وقال ابن عباس في التي نذرت ذبح ابنها: كفري يمينك ولو حلف على فعل معصية لزمته الكفارة فكذلك إذا نذرها ... فأما أحاديثهم , فمعناها لا وفاء بالنذر في معصية الله وهذا لا خلاف فيه وقد جاء مصرحاً به هكذا في رواية مسلم ويدل على هذا أيضا أن في سياق الحديث: (ولا يمين في قطيعة رحم) يعني لا يبر فيها ولو لم يبين الكفارة في أحاديثهم فقد بينها في أحاديثنا] المغني ١٠/٥-٧\rوروى الترمذي بإسناده عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين) قال أبو عيسى - أي الترمذي - هذا حديث غريب وهو أصح من حديث أبي صفوان عن يونس وأبو صفوان هو مكي واسمه عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان وقد روى عنه الحميدي وغير واحد من جلة أهل الحديث وقال قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين وهو قول أحمد وإسحق واحتجا بحديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة] سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٥/١٠٢-١٠٣.\rوقال المباركفوري [قوله: (وهو قول أحمد وإسحاق) قد اختلف فيمن وقع منه النذر في المعصية هل يجب فيه كفارة , فقال الجمهور لا , وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية نعم , واتفقوا على تحريم النذر في المعصية , واختلافهم إنما هو في وجوب الكفارة , واحتج من أوجبها بأحاديث الباب (وهو قول مالك والشافعي) وهو قول الجمهور , وأجابوا عن أحاديث ضعيفة. قلت: والظاهر أنها بتعددها وتعدد طرقها تصلح للاحتجاج والله تعالى أعلم..] تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ٥/١٠٣.\rوحديث عائشة المذكور رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وقد اختلف فيه أهل الحديث فضعفه بعضهم وصححه آخرون وممن صححه العلامة الألباني فقد تكلم عليه طويلاً في إرواء الغليل وذكر أن إحدى روايات النسائي سندها متصل صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ما عدا راوٍ وهو ثقة. ثم ذكر العلامة الألباني شاهداً صحيحاً للحديث رواه ابن الجارود ولفظه (النذر نذران فما كان لله فكفارته الوفاء , وما كان للشيطان فلا وفاء فيه , وعليه كفارة يمين] انظر إرواء الغليل ٨/٢١٦-٢١٧.\rومما يدل على لزوم الكفارة في نذر المعصية عموم قول النبي ﷺ (كفارة النذر كفارة اليمين) رواه مسلم\rقال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (كفارة النذر كفارة اليمين) اختلف العلماء في المراد به , فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج , وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلاً: إن كلمت زيداً مثلاً فلله علي حجة أو غيرها , فيكلمه فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه , هذا هو الصحيح في مذهبنا , وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق , كقوله: علي نذر , وحمله أحمد وبعض أصحابنا على نذر المعصية , كمن نذر أن يشرب الخمر , وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر , وقالوا: هو مخير في جميع النذورات بين الوفاء بما التزم , وبين كفارة يمين.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٦٩.\rويؤيده ما ورد في الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما النذر يمين، كفارتها كفارة يمين) أخرجه أحمد وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٢٨٦٠.\rوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وعليه كفارة يمين) وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٤٧٩.\rوقال العلامة ابن القيم [قال الموجبون للكفارة في نذر المعصية - وهم أحمد وإسحاق والثوري وأبو حنيفة وأصحابه - هذه الآثار قد تعددت طرقها. ورواتها ثقات. وحديث عائشة احتج به الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه , وإن كان الزهري لم يسمعه من أبي سلمة , فإن له شواهد تقويه رواه عن النبي ﷺ سوى عائشة: جابر وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر , قاله الترمذي: وفيه حديث ابن عباس رفعه \" من نذر نذرا في معصية , فكفارته كفارة يمين \" رواه أبو داود , ورواه ابن الجارود في مسنده , ولفظه عن ابن عباس عن النبي ﷺ \" النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء به , وما كان للشيطان فلا وفاء فيه وعليه كفارة يمين \" وروى أبو إسحاق الجوزجاني حديث عمران بن حصين في كتابه المترجم وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول \" النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله , وفيه الوفاء , وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه , ويكفره ما يكفر اليمين \" وروى الطحاوي بإسناد صحيح عن عائشة عن النبي ﷺ \" من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ويكفر عن يمينه , وهو عند البخاري إلا ذكر الكفارة. قال الأشبيلي: وهذا أصح إسنادا , وأحسن من حديث أبي داود - يعني حديث الزهري عن أبي سلمة المتقدم. وفي مصنف عبد الرزاق: عن يحيى بن أبي كثير عن رجل من بني حنيفة , وعن أبي سلمة كلاهما عن النبي ﷺ مرسلا \" لا نذر في غضب ولا في معصية الله , وكفارته كفارة يمين \" قالوا: وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال \" كفارة النذر كفارة اليمين \". وهذا يتناول نذر المعصية من وجهين. أحدهما: أنه عام لم يخص منه نذر دون نذر. الثاني: أنه شبهه باليمين , ومعلوم: أنه لو حلف على المعصية وحنث لزمه كفارة يمين , بل وجوب الكفارة في نذر المعصية أولى منها في يمين المعصية لما سنذكره. قالوا: ووجوب الكفارة قول عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله , وعمران بن حصين وسمرة بن جندب , ولا يحفظ عن صحابي خلافهم. قالوا: وهب أن هذه الآثار لم تثبت , فالقياس يقتضي وجوب الكفارة فيه , لأن النذر يمين , ولو حلف ليشربن الخمر , أو ليقتلن فلانا , وجبت عليه كفارة اليمين وإن كانت يمين معصية فهكذا إذا نذر المعصية. وقد ثبت عن النبي ﷺ تسمية النذر يمينا - لما قال لأخت عقبة لما نذرت المشي إلى بيت الله فعجزت تكفر يمينها , وهو حديث صحيح وسيأتي. وعن عقبة مرفوعا وموقوفا \" النذر حلفة \". وقال ابن عباس في امرأة نذرت ذبح ابنها \" كفري يمينك \" فدل على أن النذر داخل في مسمى اليمين في لغة من نزل القرآن بلغتهم. وذلك أن حقيقته هي حقيقة اليمين فإنه عقده لله ملتزما له , كما أن الحالف عقد يمينه بالله ملتزما لما حلف عليه , بل ما عقد لله أبلغ وألزم مما عقد به فإن ما عقد به من الأيمان لا يصير باليمين واجبا , فإذا حلف على قربة مستحبة ليفعلنها لم تصر واجبة عليه , وتجزئه الكفارة ولو نذرها وجبت عليه ولم تجزئه الكفارة. فدل على أن الالتزام بالنذر آكد من الالتزام باليمين , فكيف يقال: إذا التزم معصية بيمينه وجبت عليه الكفارة , وإذا التزمها بنذره الذي هو أقوى من اليمين فلا كفارة فيها فلو لم يكن في المسألة إلا هذا وحده لكان كافيا. ومما يدل على أن النذر آكد من اليمين. أن الناذر إذا قال: لله علي أن أفعل كذا فقد عقد نذره بجزمه أيمانه بالله , والتزامه تعظيمه , كما عقدها الحالف بالله كذلك , فهما من هذه الوجوه سواء , والمعنى الذي يقصده الحالف ويقوم بقلبه هو بعينه مقصود للناذر قائم بقلبه ويزيد النذر عليه أنه التزمه لله , فهو ملتزم من وجهين: له , وبه. والحالف إنما التزم ما حلف عليه خاصة , فالمعنى الذي في اليمين داخل في حقيقة النذر فقد تضمن النذر اليمين وزيادة , فإذا وجبت الكفارة في يمين المعصية فهي أولى بأن تجب في نذرها. ولأجل هذه القوة والتأكيد: قال بعض الموجبين للكفارة فيه: إنه إذا نذر المعصية لم يبرأ بفعلها , بل تجب عليه الكفارة عينا , ولو فعلها لقوة النذر , بخلاف ما إذا حلف عليها , فإنه إنما تلزمه الكفارة إذا حنث , لأن اليمين أخف من النذر. وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد , وتوجيهه ظاهر جدا , فإن النبي ﷺ نهاه عن الوفاء بالمعصية , وعين عليه الكفارة عينا , فلا يخرج من عهدة الأمر إلا بأدائهما.] حاشية ابن القيم على سنن أبي داود ٩/٨٤-٨٦\rوقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: [ولكن نقول: يكفر، يكفر كفارة يمين لقول النبي ﷺ: (لا نذر في معصية الله) وعليه كفارة يمين وهذا الحديث احتج به الإمام أحمد ﵀ وإسحاق وصححه الطحاوي خلافاً لقول النووي ﵀: إنه ضعيف باتفاق المحدثين.\rالنووي ضعفه لكن الإمام أحمد احتج به واحتجاجه به يدل على صحته عنده وكذلك صححه الطحاوي وهو من الأئمة الذين يعتبر تصحيحهم. وعلى هذا فالحديث صحيح يحتج به، لكن جمهور أهل العلم قالوا: إن نذر المعصية لا كفارة فيه يحرم الوفاء به ولا يكفر واحتجوا بحديث عائشة الذي أشرنا إليه آنفاً وهو قول رسول الله ﷺ: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه) ولكن نقول: إنه ما دام قد ورد حديث فيه زيادة وهو صحيح فإنه يجب الأخذ بهذه الزيادة وهي كفارة اليمين. فنقول يكفر ولأن المعنى يقتضي ذلك لأن هذا الرجل نذر نذراً فلم يفعل ونحن نقول: نذره انعقد لأنه ألزم نفسه به ولا يمكن أن يوفي به لأنه معصية وحينئذ يكون نذر نذراً لم يوفه فعليه الكفارة كما لو حلف أن يفعل معصية فإننا نقول له: لا تفعلها وعليك كفارة يمين. فما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ وإن كان من مفرداته أقرب إلى الصواب بأنه لا يفعل المعصية وعله كفارة يمين] الشرح الممتع على زاد المستقنع ١١/٤٣٠.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم الوفاء بنذر المعصية باتفاق أهل العلم وتجب الكفارة فيه على أرجح قولي العلماء وكفارة اليمين هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة المائدة الآية ٨٩.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346333,"book_id":3840,"shamela_page_id":713,"part":"13","page_num":6,"sequence_num":713,"body":"٦ - الاستثناء في اليمين\rيقول السائل: ما صحة أن الإنسان إذا حلف يميناً وقال إن شاء الله ثم حنث بيمنه فلا كفارة عليه أفيدونا؟ الجواب: هذه المسألة تسمى مسألة الاستثناء في اليمين عند الفقهاء والمقصود بالاستثناء في اليمين أن يذكر الحالف لفظ إن شاء الله بعد الحلف أو قبله لا فرق في ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية [الاشتراط بالمشيئة: هو استثناء في كلام النبي ﷺ والصحابة والفقهاء وليس استثناء في العرف النحوي] انظر القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام الحنبلي ص ٣٢٦.\rوالاستثناء يؤثر في اليمين والنذر والظهار ونحوها في قول أكثر أهل العلم. والاستثناء مشروع في اليمين ويدل على مشروعيته، ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث) . رواه أحمد والترمذي وفي رواية أخرى (من حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى) .\rوعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك غير حنث) رواه النسائي\rوفي رواية عند أبي داود عن ابن عمر ﵄ يبلغ به النبي ﷺ قال: (من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى) .\rوفي رواية أخرى عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه) . والحديث برواياته الختلفة حديث صحيح كما بينه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٨/١٩٦ فما بعدها، وفي صحيح سنن أبي داود ٢/٦٢٩.\rوعن عكرمة عن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ قال: (والله لأغزون قريشًا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشاً ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشاً ثم سكت ثم قال: إن شاء الله ثم لم يغزهم) . رواه أبو داود وهو حديث صحيح كما بينه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٣٣. وغير ذلك من الأحاديث.\rوقول إن شاء الله بعد الحلف أو قبله له تأثير في اليمين فهو يحصن الحالف من الإثم ويعفيه من الكفارة ودل على ذلك قوله ﷺ في حديث أبي هريرة السابق (لم يحنث) وقوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵄ (فلا حنث عليه) .\rقال الشوكاني: [قوله: (لم يحنث) فيه دليل على أن التقييد بمشيئة الله مانع من انعقاد اليمين أو يحل انعقادها وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وادعى عليه ابن العربي الإجماع قال أجمع المسلمون على أن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلاً] نيل الأوطار٨/٢٤٨\rوقد ذكر الفقهاء عدة شروط حتى يكون الاستثناء مؤثراً في اليمين أولها: أن يجري لفظ إن شاء الله على اللسان ولا تكفي نية الاستثناء لأن الأصل في باب الأيمان والنذور أنها تبنى على اللفظ ولا تكفي النية بالقلب ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ ... فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ سورة مريم الآية ٢٦.\rويدل على ذلك أيضاً ما ورد في الحديث السابق: (من حلف فقال إن شاء الله) والقول يكون باللسان لا بالقلب.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويشترط أن يستثني بلسانه ولا ينفعه الاستثناء بالقلب في قول عامة أهل العلم منهم الحسن والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو حنيفة وابن المنذر ولا نعلم لهم مخالفاً لأن النبي ﷺ قال: (من حلف فقال: إن شاء الله) والقول هو النطق ولأن اليمين لا تنعقد بالنية فكذلك الاستثناء] المغني ٩/٥٢٣\rوثانيها: أن لا يكون هنالك فاصلٌ زمني بين اليمين وقول إن شاء الله بمعنى أن يكون بينهما اتصال وقتي وهذا على الصحيح من أقوال العلماء خلافاً لابن عباس ﵄ حيث أجاز الاستثناء المنفصل قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فإنه يشترط أن يكون الاستثناء متصلاً باليمين , بحيث لا يفصل بينهما كلام أجنبي ولا يسكت بينهما سكوتاً يمكنه الكلام فيه فأما السكوت لانقطاع نفسه أو صوته , أو عيٍ أو عارضٍ من عطسة أو شيء غيرها فلا يمنع صحة الاستثناء وثبوت حكمه , وبهذا قال مالك والشافعي والثوري وأبو عبيد وإسحاق وأصحاب الرأي لأن النبي ﷺ قال: (من حلف فاستثنى) وهذا يقتضي كونه عقيبه] المغني ٩/٥٢٢ ومن المعلوم أن الفاء تفيد الترتيب والتعقيب في لغة العرب.\rوثالثها: أن يقصد الحالف قول إن شاء الله وأما إذا كانت هذه العبارة تجري على لسان الحالف بدون قصد فلا أثر لها حينئذ.\rورابعها: أن الاستثناء لا يصح في الأيمان المتعلقة بحقوق العباد لأن ذلك يؤدي إلى ضياع حقوق العباد فلا يصح لمن حلف يميناً في حق من حقوق العباد أن يستثني وبالتالي يعفي نفسه من الصدق في يمينه لأن اليمين المتعلقة بحقوق العباد يجب أن تكون حسب نية طالب اليمين من خصمٍ أو قاضٍ ونحوهما.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [الحال الثاني أن يكون الحالف ظالماً كالذي يستحلفه الحاكم على حق عنده , فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف ولا ينفع الحالف تأويله وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه مخالفاً فإن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يمينك على ما يصدقك به صاحبك) رواه مسلم وأبو داود وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اليمين على نية المستحلف) رواه مسلم , وقالت عائشة ﵂: (اليمين على ما وقع للمحلوف له) ولأنه لو ساغ التأويل لبطل المعنى المبتغى باليمين إذ مقصودها تخويف الحالف ليرتدع عن الجحود , خوفاً من عاقبة اليمين الكاذبة فمتى ساغ التأويل له انتفى ذلك , وصار التأويل وسيلة إلى جحد الحقوق ولا نعلم في هذا خلافاً] المغني ٩/٥٢٢\rوخلاصة الأمر أن الحالف إذا استخدم الاستثناء في يمينه بالشروط التي ذكرتها فإن ذلك يعفيه من الكفارة ولا إثم عليه إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346334,"book_id":3840,"shamela_page_id":714,"part":"13","page_num":7,"sequence_num":714,"body":"٧ - اليمين الغموس\rيقول السائل: ما الحكم الشرعي فيمن يحلف يميناً أنه معيل لوالديه وهناك أحد من إخوته أو أخواته يساعد في الإنفاق عليهما أو على أحدهما؟ وما الحكم فيمن حلف على التصريح المشفوع بالقسم المرفق وما يترتب على ذلك؟ وما الحكم الشرعي فيمن يرسل أحد الأشخاص للمحكمة ويرسل معه الإقرار المرفق ويصادق القاضي على ذلك؟ ونص الإقرار هو: تصريح مشفوع بالقسم أنا الموقع أدناه/ من سكان هوية رقم أصرح بعد القسم بما يلي:\r\r١. أن الاسم المبين أعلاه هو اسمي الحقيقي والتوقيع أدناه توقيعي.\r\r٢. إنني المعيل والمنفق الوحيد. لا يوجد أحد غيري يقوم بالإنفاق عليها لم يتقدم أحد غيري بتقديم طلب مماثل.\r\rلذا أقدم هذا القسم القانوني للجهات المعنية. تحريراً في حضر أمامي المصرح المذكور أعلاه وأقسم على ما ورد. والمحكمة غير مسؤولة عما ورد بالقسم.\r\rالجواب: ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اليمين على نية المستحلف) رواه مسلم وفي رواية أخرى عند مسلم قال رسول الله ﷺ: (يمينك على ما يصادقك عليه صاحبك) .\rقال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (يمينك على ما يصادقك عليه صاحبك) وفي رواية: (اليمين على نية المستحلف) المستحلف بكسر اللام وهذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي , فإذا أدعى رجل على رجل حقاً فحلفه القاضي فحلف وورَّى فنوى غير ما نوى القاضي , انعقدت يمينه على ما نواه القاضي ولا تنفعه التورية , وهذا مجمع عليه , ودليله هذا الحديث والإجماع.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٨٠.\rوبناءً على ما تقدم فإن لم يكن الحالف هو المعيل فعلاً لوالديه فهذه اليمين التي حلفها يمين محرمة بل كبيرة من الكبائر والعياذ بالله فقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس) . رواه الإمام البخاري في صحيحه. قال الحافظ ابن حجر: [اليمين الغموس.. قيل سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار] فتح الباري ١٤/٣٦٣.\rوفي رواية أخرى للحديث السابق قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله. قال: ثم ماذا؟ قال: عقوق الوالدين؟ قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس) قلت- أي أحد رواة الحديث لعامر الشعبي-: [ما اليمين الغموس؟ ال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم بيمين صبر هو فيها كاذب] حديث صحيح رواه ابن حبان في صحيحه ١٢/٣٧٣. وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من حلف يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو غضبان) فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا..﴾ إلى آخر الآية. فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا. قال: فيَّ أنزلت، كان لي بئر في أرض ابن عم لي فأتيت رسول الله ﷺ فقال: (بينتك أو يمينه فقلت: إذا يحلف عليها يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ من حلف على يمين صبر هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو غضبان) صحيح البخاري مع الفتح ١٤ / ٣٦٧. وينبغي التحذير من أن كثيراً من الناس يتساهلون في أمر الأيمان فيقدمون على الحلف متعمدين للكذب وهم لا يعرفون عواقب تلك الأيمان الكاذبة أو يعرفونها ومع ذلك يتلاعبون في الأيمان ويظنون الأمر هيناً وهو عند الله عظيم. يقول الله ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة آل عمران الآية ٧٧ ففي هذه الآية عقوبات لمن يحلف كاذباً متعمداً ليأكل حقوق الناس وهي:\r\r١. لا حظ له في الآخرة ولا نصيب له من رحمة الله.\r٢. لا يكلمه الله ﷾ كلام أنس ولا لطف.\r٣. يعرض الله عنه يوم القيامة فلا ينظر إليه بعين الرحمة.\r٤. لا يطهره من الأوزار والذنوب.\r٥. يعذبه عذاباً أليماً على ما ارتكب من المعاصي.\r\rوقد ورد في أحاديث أخرى عقوبات غير ذلك منها ما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من حلف على يمين وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) رواه أبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح.\rوفي حديث آخر قال ﷺ: (لا يقتطع رجل حق امرئ مسلم بيمينه إلا حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار فقال رجل من القوم: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً قال ﵊: وإن كان سواكاً من أراك) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس شيء أُطيعَ الله فيه، أعجل ثواباً من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع) رواه البيهقي ١٠/٣٥٠، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٧٠٦، وبلاقع، جمع بلقع وبلقعة، وهي الأرض القفر التي لا شجر فيها، ذكره الزبيدي ونقل عن بعض العلماء، أن معنى الحديث \" أي يفتقر الحالف ويذهب ما في بيته من المال، أو يفرق الله شمله ويغيّر ما أولاه من نعمة \" تاج العروس ١١/٣٠. وفي رواية أخرى: (إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، وإن أهل البيت ليكونون فجاراً، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا وصلوا أرحامهم، وإن أعجل المعصية، عقوبة البغي والخيانة، واليمين الغموس يذهب المال ويثقل في الرحم، ويذر الديار بلاقع) رواه الطبراني في الأوسط وقال الشيخ الألباني: إنه صحيح بمجموع طرقه وشواهده. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اليمين الفاجرة تذهب المال) رواه البزار بسند صحيح، كما قاله ابن حجر الهيتمي، الزواجر ٢/٤٠٤.\r\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز شرعاً أن يكذب الحالف من أجل أن يحقق غرضاً مادياً أو غيره من الأغراض فإن الكذب من المحرمات التي تهدي إلى الفجور، وبالتالي إلى النار، كما ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقاً وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) وإذا ترتب على الكذب أمر آخر فيكون أكثر حرمة، حيث أضيف إلى حرمة الكذب حرمة التزوير والتدليس، ولا يجوز أن يجتمع في المسلم واحدة من هذه الخصال. فيحرم على الشخص أن يحلف اليمين المذكور في النص أو يرسله موقعاً إلى المحكمة إلا إذا كان صادقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346335,"book_id":3840,"shamela_page_id":715,"part":"13","page_num":8,"sequence_num":715,"body":"٨ - معاهدة الله\rيقول السائل: إذا عاهد شخص الله ﷻ على أن يقوم بعمل ما أو يكف عن عمل ما ثم نقض عهده فهل يكون منافقاً تنطبق عليه الآيات الواردة في الذين ينقضون عهد الله؟\r\rالجواب: وردت آيات عديدة في عهد الله أو معاهدة الله ﷾ ومنها قوله تعالى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) سورة البقرة الآية ٢٧.\rومنها قوله تعالى: (إن الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة آل عمران الآية ٧٧.\rومنها قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْءَاتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فلما ءاتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) سورة التوبة الآيات ٧٥ -٧٧. وغير ذلك من الآيات.\rقال الراغب الأصفهاني: (... وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا وتارة يكون بما أمرنا به بالكتاب وبالسنة رسله وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها وعلى هذا قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ) - (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) - (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) ] المفردات في غريب القرآن ص٣٥٠.\rوقال العلامة الألوسي في تفسير قوله تعالى:: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [والمراد بالعهد ها هنا إما العهد المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده تعالى الدالة على وجوده ووحدته وصدق رسله صلى الله تعالى عليهم وسلم وفي نقضها لهم ما لا يخفى من الذم لأنهم نقضوا ما أبرمه الله تعالى من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب مؤكداً لها والناقضون على هذا جميع الكفار.\rوأما المأخوذ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره. وذكره في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه. والناقضون حيئذ أهل الكتاب والمنافقون منهم حيث نبذوا كل ذلك وراء ظهورهم وبدلوا تبديلاً والنقض على هذا عند بعضهم أشنع منه على الأول وعكس بعض - ولكل جهة - وقيل: الأمانة التي حملها الإنسان بعد إباء السماوات والأرض عن أن يحملنها وقيل: هو ما أخذ على بني إسرائيل من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم إلى غير ذلك من الأقوال وهي مبنية على الاختلاف في سبب النزول والظاهر العموم] روح المعاني ١/١١٢-١١٣.\rوقد قرر العلماء أن من عاهد الله ﷾ ثم نقض عهده فقد ارتكب معصية من المعاصي وينطبق عليه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان) رواه البخاري ومسلم.\rوجاء في رواية أخرى أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) رواه البخاري ومسلم.\rقال الإمام النووي في شرح الحديث السابق: [هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلاً من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك. وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار فإن إخوة يوسف ﷺ جمعوا هذه الخصال. وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله. وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال ولكن اختلف العلماء في معناه. فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى الموجود في صاحب هذه الخصال ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وأئتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر. ولم يرد النبي ﷺ بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار وقوله ﷺ: كان منافقاً خالصاً معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال. قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالباً عليه. فأما من يندر ذلك منه فليس داخلاً فيه. فهذا هو المختار في معنى الحديث. وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي ﵁ معناه عن العلماء مطلقاً فقال: إنما معنى هذا عند أهل العمل نفاق العمل. وقال جماعة من العلماء: المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ فحدثوا بإيمانهم وكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا وفجروا في خصوماتهم. وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن اليصري ﵀ بعد أن كان على خلافه وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر ﵃. وروياه أيضاً عن النبي ﷺ قال القاضي عياض ﵀ وإليه مال كثير من أئمتنا وحكى الخطابي ﵀ قولاً آخر معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق. وحكى الخطابي ﵀ أيضاً: عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق وكان النبي ﷺ لا يواجههم بصريح القول فيقول: فلان منافق وإنما كان يشير إشارة كقوله ﷺ ما بال أقوام يفعلون كذا؟ والله أعلم] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٢٣٥-٢٣٦.\rومن العلماء من حمل النفاق في الحديث على نفاق العمل كما سبق في كلام النووي عن الترمذي ونص كلام الإمام الترمذي في سننه هو: [وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله ﷺ هكذا روي عن الحسن البصري شيء من هذا أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل ونفاق التكذيب] سنن الترمذي ٥/٢١.\rقال القرطبي المحدث: [إن هذا النفاق هو نفاق العمل الذي سأل عنه عمر حذيفة لما قال له هل تعلم فيَّ شيئاً من النفاق؟ أي من صفات المنافقين الفعلية ووجه هذا أن من كانت فيه هذه الخصال المذكورة كان ساتراً لها ومظهراً لنقائضها فصدق عليه اسم منافق] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ١/٢٥٠.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني بعد أن ذكر أقوال أهل العلم في تفسير النفاق: [وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي] فتح الباري ١/٩٨.\r\rوخلاصة الأمر أنه يجب على المسلم إذا عاهد الله أن يفعل خيراً أو ينتهي عن معصيه فعليه الوفاء بما عاهد عليه الله.\rقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) سورة الإسراء الآية ٣٤.\rوأما إذا نقض عهده مع الله فقد ارتكب معصية وقد عدها جماعة من العلماء من كبائر الذنوب وانظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٢٢٥-٢٢٧. فعلى من نقض عهد الله أن يبادر إلى التوبة ويفي بما عاهد الله عليه.\rوأخيراً أنبه على أن من حلف بعهد الله فهذه تعد يميناً يلزمه الوفاء بها وإذا حنث لزمته كفارة يمين قال الكاساني: [ولو قال عليَّ عهد الله أو ذمة الله أو ميثاقه فهو يمين لأن اليمين بالله تعالى هي عهد الله على تحقيقه أو نفيه ألا ترئ إلى قوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) سورة النحل الآية ٩١. ثم قال ﷾: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) سورة النحل الآية ٩١. وجعل العهد يميناً والذمة هي العهد] بدائع الصنائع ٣/١٥.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346336,"book_id":3840,"shamela_page_id":716,"part":"13","page_num":9,"sequence_num":716,"body":"٩ - اذا حلف يمينا ثم خالفها\rيقول السائل: حلفت يميناً على ألا أزور بيت خالي ثم زرته في يوم العيد وصمت ثلاثة أيام كفارة يميني فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: ينبغي أن يعلم أن اليمين التي حلفتها يمين مكروهة لأنها تضمنت الإمتناع عن بر خالك وزيارته ولا يجوز للمسلم أن يجعل اليمين حائلاً ومانعاً من القيام بالخيرات، قال الله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) . فكل يمين تحول بين الإنسان وبين فعل الخيرات مكروهة.\rوقال الله ﷾: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . سورة النور الاية ٢٢.\rقال ابن كثير ﵀: [يقول الله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ) من الآلية وهي الحلف أي لا يحلف ... وهذه الآية نزلت في الصديق ﵁ حين حلف أن لاينفع مسطح بن أثاثة بنافعة أبداً بعد ما قاله في عائشة ما قال............ فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة وطابت النفوس المؤمنة واستقرت وتاب الله على من تكلم من المؤمنين في ذلك وأقيم الحد على من أقيم عليه شرع ﵎ وله الفضل والمنّة يعطف الصديق على قريبه ونسيبه وهو مسطح بن أثاثة فإنه كان ابن خالة الصديق وكان مسكيناً لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر ﵁ وكان من المهاجرين في سبيل الله وقد زلق زلقة تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها، وكان الصديق ﵁ معروفاً بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب فلما نزلت هذه الاية إلى قوله تعالى: (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ... ) الخ الآية، فأن الجزاء من جنس العمل فكما تغفر ذنب من أذنب إليك يغفر الله لك وكما تصفح يصفح عنك فعند ذلك قال الصديق: بلى والله نحب ان تغفر لنا يا ربنا ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة وقال: والله لا أنزعها منه ابداً-في مقابلة ما كان قال: والله لا أنفعه بنافعة أبداً-فلهذا كان الصديق هو الصديق ﵁ وعن بنته] تفسير ابن كثير ٣/٢٧٦.\rهذا ما يتعلق بيمينك أما صيام الأيام الثلاثة فأنت مشيت على رأي عامة الناس الذين يظنون أن كفارة اليمين هي صيام ثلاثة أيام وهذا من الأخطاء الشائعة والمنتشرة بين الناس والصحيح أن كفارة اليمين هي المذكورة في قوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة المائدة الآية ٨٩.\rفكفارة اليمين هي إما إطعام عشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين أو عتق رقبة على التخير أي أن الحالف يختار واحدة من هذه الخصال الثلاث فإذا كان فقيراً عاجزاً عن التكفير بإحدى هذه الخصال فإنه يصوم ثلاثة أيام وبناء على ذلك لا يجوز التكفير بصيام ثلاثة أيام إذا كان الشخص قادراً على ما سبق فإذا صام ثلاثة أيام وهو مستطيع للإطعام أو الكسوة فلا يعد مكفر عن يمينه وتبقى الكفارة ديناً في ذمته ولا تبرأ ذمته إلا إذا كفّر بالإطعام أو الكسوة واستثناء العتق لأنه لا يوجد في زمننا هذا تحرير رقاب.\rوأخيراً أنبه على جواز إخراج قيمة الإطعام أو الكسوة نقداً كما هو مذهب الحنفية.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346337,"book_id":3840,"shamela_page_id":717,"part":"13","page_num":10,"sequence_num":717,"body":"١٠ - يحرم على المسلم أن يحرم الحلال وكفارة ذلك.\rيقول السائل: إن أباه حلف عليه يميناً أن لا يذهب إلى صلاة الجماعة في المسجد فما حكم هذه اليمين وما موقف الابن من يمين أبيه؟\r\rالجواب: إن أباك أخطأ في حلفه هذا ولا يجب عليك أن تبر بيمين أبيك ولا يصح للأب أن يجعل يمينه حائلاً دون فعل الطاعات لقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) . وعلى أبيك كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد يصوم ثلاثة أيام لقول الرسول ﷺ: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه) حديث صحيح.\r\rوكما قلت لا يجب عليك أن تبر بقسم أبيك لأن إبرار المقسم يكون مندوباً إذا لم يكن في اليمن مفسدة أو خوف ضرر أو أمر مكروه فإذا لم يكن في اليمين مثل ذلك يندب في حق المحلوف عليه أن يبر بقسم الحالف لما ثبت في الحديث عن البراء بن عازب ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام ... إلخ الحديث) . والأمر في الحديث على أمور مندوبة باتفاق أهل العلم كما قرره الإمام الشوكاني، وقد أقسم أبو بكر على النبي ﷺ ليخبره بتأويل الرؤيا فقال ﵊ (لا تقسم) ولم يخبره كما ثبت ذلك في الصحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346338,"book_id":3840,"shamela_page_id":718,"part":"13","page_num":11,"sequence_num":718,"body":"١١ - الأكل من الشاة المنذورة\rيقول السائل: نذر إنسان أن يذبح شاة فهل يجوز أن يأكل منها هو وأهل بيته؟\r\rالجواب: إن الوفاء بالنذر واجب لقوله ﷺ: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه) رواه البخاري ومسلم. ويجب أن يعلم أن النذر حتى يعتبر نذراً لا بد أن يكون لفظاً يجري على اللسان وأما مجرد النية بالنذر فلا يعتبر ذلك نذراً ويدل على ذلك قوله تعالى: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) سورة مريم الآية ٢٦. إذا ثبت هذا فنقول: إن من نذر شاة لله تعالى فيجب عليه أن يفي بنذره ويجب أن يصرفها مصرف الصدقات فلا يجوز له أن يأكل منها ولا يجوز لأهل بيته أن يأكلوا منها لأن الشخص وأهل بيته لا يصح صرف الزكاة إليهم وكذلك في النذر لله تعالى لا يصح ولا يجوز أن يأكلوا منه. وإذا أكلها هو وأهل بيته فعليه أن يذبح شاة أخرى بدلاً منها ويوزعها على الفقراء والمحتاجين.\r\rوهذا هو الحكم في كل نذر لله تعالى إلا إذا كان الناذر قد نوى أن يذبح الشاة ويأكل منها هو وأهله وأقاربه وجيرانه مثلاً فإن كانت نيته كذلك فله أن يأكل منها هو واهله ومن ذكر، لقول الرسول ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات وللكل امرئ ما نوى) رواه البخاري ومسلم. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346339,"book_id":3840,"shamela_page_id":719,"part":"13","page_num":12,"sequence_num":719,"body":"١٢ - الحلف بغير الله\rيقول السائل: إن كثيراً من الناس اعتادوا الحلف بشرفهم او بحياتهم فهل يجوز ذلك؟ وماذا يترتب عليه؟\r\rالجواب: إن الحلف أو القسم المشروع لا يكون إلا بالله ﷾ أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته وما عدا ذلك لا يجوز الحلف به. وقد علل أهل العلم عدم جواز الحلف إلا بالله لأن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به والعظمة إنما هي لله وحده فلا يحلف إلا بالله وأسمائه وصفاته. فالحلف بغيرالله حرام سوء الحلف بالشرف أو الحياة أو الأب أو الحرم أو حياة الملك أو حياة الرئيس أو الكعبة أو بالصلاة أو الصيام أو المسجد وغيرهما والأدلة على ذلك كثيرة منها:\r\r١. قوله ﵊: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) رواه مسلم، فهذا الحديث يدل دلالة صريحة على قصر الحلف بالله فقط.\r\r٢. وعن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ سمع عمر بن الخطاب وهو يحلف بأبيه فقال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) رواه البخاري ومسلم.\r\r٣. وعن ابن عمر أيضاً أن الرسول ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد كفر) وفي روايةٍ أخرى (فقد أشرك) رواه أبو داود والترمذي وقال حسن، والحاكم وصححه، وأحمد وغيرهم.\r\rوبهذا يظهر لنا أن الحلف بغير الله تعالى لا يجوز وقد قال ابن عبد البر ﵀: [لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع] فما حلف به هذا الشخص لا يعتبر يميناً ولا يجب عليه الوفاء بما حلف ولا تلزمه كفارة إذا حنث بذلك، وعليه أن يتوب لله تعالى ويستغفره وعليه ألا يعود للحلف بذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346340,"book_id":3840,"shamela_page_id":720,"part":"13","page_num":13,"sequence_num":720,"body":"١٣ - النذر المعلق\rتقول السائلة: إنها نذرت أن تذبح شاة لله تعالى إن شفي ولدها من مرض ألمََّ به وكيف تصنع بهذه الذبيحة؟ وهل يجوز لها ولأهل بيتها الأكل من هذه الذبيحة؟\r\rالجواب: إن النذر عند أهل العلم هو أن يلزم المكلف نفسه بقربة لم يلزمه بها الشارع الحكيم، وهذا النذر محل السؤال نذر مكروه وهو ما يعرف عند العلماء بالنذر المعلق حيث إن المكلف علق فعل القربة على حصول غرض معين فلم تكن نيته خالصة لله تعالى وإنما كانت القربة على سبيل المعاوضة وهذا شأن البخيل الذي لا يدفع شيئاً من ماله إلا بمقابل، وقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن الرسول ﷺ: (نهى عن النذر وقال إنه لا يرد شيئاً وإنما يستخرج به البخيل) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. ويجب على هذه المرأة الوفاء بنذرها إن شفي ولدها من المرض فالوفاء بالنذر واجب لقوله تعالى: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) ولقوله ﵊: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصه فلا يعصه) رواه البخاري وأصحاب السنن.\r\rفعلى هذه المراة أن تذبح شاة كما في نذرها. ولا يجزيء أن تخرج قيمة الشاة وعليها أن توزعها على الفقراء والمحتاجين ولا يجوز لها ولا لأهل بيتها الأكل من الشاة المنذورة بل يجب إخراجها وتوزيعها على الحتاجين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346341,"book_id":3840,"shamela_page_id":721,"part":"13","page_num":14,"sequence_num":721,"body":"١٤ - إبرار المقسم\rيقول السائل: حلف شخصٌ يميناً عليَّ أن أفعل فعلاً معيناً، ووقعت في الحرج لأنه حلف عليَّ ولم يكن لي رغبة أن أفعل ما حلف، فماذا يترتب عليَّ؟\r\rالجواب: تسمى هذه المسألة عند أهل العلم مسألة إبرار المقسم، وهي أن تفعل ما أراده الحالف لتصير بذلك باراً بيمينه، وهذه المسألة فيها تفصيل عند العلماء:\r\r١ - فإذا حلف شخصٌ على آخر أن يفعل أمراً واجباً كأن يصلي الظهر مثلاً، فعلى المحلوف عليه أن يبر بيمين الحالف، وكذلك إذا حلف عليه أن يترك معصية فيجب عليه أن يبر بيمينه.\r\r٢ - وأما إذا حلف شخصٌ على آخر أن يترك واجباً أو أن يفعل معصية، فيجب على المحلوف عليه أن يحنث بيمين الحالف لأنه لا طاعة إلا في المعروف، لما ثبت في الحديث الصحيح أنه ﵊ قال: (لا طاعة في معصية الله) رواه البخاري ومسلم.\r\r٣ - أما إذا حلف شخصٌ على آخر أن يفعل أمراً مباحاً أو مندوباً إليه، فيندب إبرار المقسم في هذه الحالة، كمن حلف على آخر أن يتغدى عنده في بيته، فيندب إبرار المقسم، وقد ثبت في الحديث عن البراء بن عازب ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وإبرار القسم أو المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم الذهب أو أن نتختم بالذهب وعن شربٍ بالفضة وعن المياثر وعن القسي وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم.\r\rقال الإمام النووي: \" وأما إبرار المقسم فهو سنة أيضاً مستحبة متأكدة، وإنما يندب إليه إذا لم يكن فيه مفسدة أو ضرر أو نحو ذلك، فإن كان شيءٌ من هذا لم يبر قسمه كما ثبت أن أبا بكر ﵁ لما عبر الرؤيا بحضرة الرسول ﷺ فقال له النبي ﷺ: (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً) فقال أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني، فقال: (لا تقسم ولم يخبره) \" شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/٣٢. وقال الشوكاني مبيناً الأمر بإبرار المقسم ليس على سبيل الوجوب: \" قوله (وإبرار المقسم) ظاهر الأمر الوجوب واقترانه ببعض ما هو متفق على عدم وجوبه كإفشاء السلام، قرينة صارفة عن الوجوب، وعدم إبراره ﷺ لقسم أبي بكر وإن كان خلاف الأحسن لكونه ﷺ فعله لبيان عدم الوجوب.... \" نيل الأوطار ٨/٢٦٢.\r\rوقد ثبت في أحاديث أن الرسول ﷺ أبر المقسم كما في الحديث الشريف (أن ابنة لرسول الله ﷺ أرسلت إليه، ومع رسول الله ﷺ أسامة وسعد وأبيّ، أن ابني قد احتضر فاشهدنا، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وما أعطى وكل شيء عنده مسمى، فلتصبر وتحتسب، فأرسلت إليه وتقسم عليه، فقام وقمنا معه، فلما قعد رفع إليه فأقعده في حجره ونفس الصبي تقعقع، ففاضت عينا رسول الله ﷺ، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) رواه البخاري. وفي رواية أخرى عند البخاري: (تقسم عليه ليأتينها) فبرَّ النبي ﷺ بقسم ابنته فذهب إليها. وجاء في الحديث عن مجاهد قال: (كان رجل من المهاجرين يقال له عبد الرحمن بن صفوان وكان له بلاء في الإسلام حسن وكان صديقاً للعباس، فلما كان فتح مكة، جاء بأبيه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله بايعه على الهجرة فأبى وقال: إنها لا هجرة فانطلق إلى العباس وهو في السقاية فقال: يا أبا الفضل، أتيت رسول الله ﷺ بأبي يبايعه على الهجرة فأبى، قال: فقام العباس معه وما عليه رداء، قال: فقال يا رسول الله، قد عرفت ما بيني وبين فلان وأتاك بأبيه لتبايعه على الهجرة فأبيت، فقال ﷺ: إنها لا هجرة، فقال العباس: أقسمت عليك لتبايعنه، قال: فبسط رسول الله يده، قال: فقال له: هات أبررت قسم عمي ولا هجرة) رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة، وفي سنده ضعف. وذكر الشيخ ابن قدامة \" أن النبي ﷺ أبرَّ قسم عمه العباس وأجابه إلى صورة ما أقسم عليه دون معناه حقيقةً لتعذر المعنى الحقيقي \" انظر المغني ٩/٥٣٥.\r\rوجاء في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (أهدت إليها امرأة تمراً في طبق فأكلت بعضاً وبقي بعض فقالت: أقسمت عليك إلا أكلت بقيته، فقال رسول الله ﷺ: أبريها، فإن الإثم على المحنث) رواه أحمد وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد ٤/١٨٣. والمحنث هو المتسبب في الحنث فيكون الإثم عليه. وجاء في الحديث عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرَّته، وإن أقسم عليها أبرَّته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله) رواه ابن ماجة. وعن أبي حازم أن (ابن عمر مرَّ على رجل ومعه غنيمات له فقال: بكم تبع غنمك هذه بكذا وكذا، فحلف ألا يبيعها، فانطلق ابن عمر فقضى حاجته فمر عليه فقال: يا أبا عبد الرحمن خذها بالذي أعطيتني، قال: حلفت على يمين فلم أكن لأعين الشيطان عليك وأن أحنثك) رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي، مجمع الزوائد ٤/١٨٣. فبرَّ ابن عمر بيمين الرجل.\r\rوأخيراً أقول: إن هذا الذي أقسم عليك أن تفعل أمراً معيناً إن كان هذا الأمر مباحاً وجائزاً فينبغي عليك أن تبرَّ بيمينه لما ذكرت من الأدلة وإذا لم تبر بيمينه فعلى الحالف كفارة يمين. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346342,"book_id":3840,"shamela_page_id":722,"part":"13","page_num":15,"sequence_num":722,"body":"١٥ - حكم وضع الحالف يده على المصحف الشريف\rيقول السائل: هل يشترط لصحة حلف اليمين بالله ﷾ أن يضع الحالف يده على المصحف؟\r\rالجواب: لا يشترط لصحة حلف اليمين بالله تعالى أن يضع الحالف يده على المصحف، فإن اليمين المشروع يكون بمجرد التلفظ باليمين فقط. ومن العلماء من يرى أن وضع اليد على المصحف أو وضع المصحف أمام الحالف أو في حجره، من باب تغليظ اليمين على الحالف، وتغليظ اليمين قال به جمهور الفقهاء ويكون ذلك في القضايا المهمة كقضايا الدماء والأموال الكثيرة ونحوها. وتغليظ الأيمان له أصل مشروع في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. أما من كتاب الله فقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنْ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنْ الآثِمِينَ) سورة المائدة /١٠٦. قال القرطبي: \" هذه الآية أصل في التغليظ في الأيمان \" تفسير القرطبي ٦/٣٥٣. وتغليظ اليمين يكون بأمور: منها التغليظ في الزمان ومنه الحلف بعد صلاة العصر، وهو المذكور في الآية كما قال المفسرون، قال القرطبي: \" قوله تعالى (من بعد الصلاة) يريد صلاة العصر، قاله الأكثر من العلماء، لأن أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة \" تفسير القرطبي ٦/٣٥٣.\r\rوثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً بسلعةٍ، لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفّى وإلا، لم يف له، ورجل ساوم رجلاً بسلعةٍ بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى كذا وكذا فأخذها) رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر: \" قال المهلب: إنما خص النبي ﷺ هذا الوقت بتعظيم الإثم على من حلف فيه كاذباً لشهود ملائكة الليل والنهار ذلك الوقت، انتهى. وفيه نظر لأن بعد صلاة الصبح يشاركه في شهود الملائكة ولم يأت فيه ما أتى في وقت العصر ويمكن أن يكون اختص بذلك لكونه وقت ارتفاع الأعمال \" فتح الباري ٦/٢١٢. ونقل الحافظ ابن حجر عن الخطابي قوله: \" خُص وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت، لأن الله عظم شأن هذا الوقت بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها تجرؤاً، فإن من تجرأ عليها فيه، إعتادها في غيره، وكان السلف يحلفون بعد العصر، وجاء ذلك في الحديث أيضاً \" فتح الباري ١٦/٣٢٩. ومنها التغليظ في المكان، كالمسجد والمنبر، فقد ورد في الحديث، عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر، إلا تبوأ مقعده من النار) رواه مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم كما ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/٢١٣. وورد في الحديث عن أبي أمامة بن ثعلبة أن النبي ﷺ قال: (من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئٍ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) رواه النسائي، ورجاله ثقات، كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/٢١٣.\r\rويرى الشافعية والمالكية، أن اليمين المغلظة، تكون في مكة المكرمة بين الركن والمقام وفي المدينة المنورة عند قبر النبي ﷺ، وفي بقية البلاد تكون في المسجد عند المنبر، قياساً على العمل من الخلف والسلف بالمدينة عند قبر النبي ﷺ، كما قال ابن عبد البر في الإستذكار ٢٢/٩٠. ومنها التغليظ في حال الحالف، كأن يكون قائماً مستقبل القبلة. ومنها التغليظ في اللفظ، كأن يقول الحالف: أقسم بالله الذي لا إله إلا هو، ما له عندي حق، أو يقول: أحلف بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ونحو ذلك. ومن هذا الباب ذكر بعض فقهاء الشافعية الحلف بالمصحف، ونُقل عن بعض السلف التحليف على المصحف. ولكن الصحيح أن الحلف على المصحف لم يثبت عن النبي ﷺ بل هو بدعة كما قال ابن العربي المالكي: \" وهو بدعة ما ذكرها أحد قط من الصحابة \" أحكام القرآن ٢/٧٢٥. وقال ابن المنذر: \"وأجمعوا على أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف الشريف \" تفسير القرطبي ٦/٣٥٤. وقال ابن قدامة: \" قال ابن المنذر: ولم نجد أحداً يوجب اليمين بالمصحف. وقال الشافعي: رأيتهم يؤكدون بالمصحف، ورأيت ابن مازن وهو قاضي بصنعاء يغلظ اليمين بمصحف. قال أصحابه: - أي أصحاب الشافعي - فيغلظ عليه بإحضار المصحف، لأنه يشتمل على كلام الله تعالى وأسمائه. قال ابن قدامة: \" وهذا زيادة على ما أمر به رسول الله ﷺ في اليمين، وفعله الخلفاء الراشدون وقضاتهم من غير دليل ولا حجة يستند إليها، ولا يترك فعل رسول الله ﷺ وأصحابه لفعل ابن مازن ولا لغيره \" المغني ١٠/٢٠٧. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346343,"book_id":3840,"shamela_page_id":723,"part":"13","page_num":16,"sequence_num":723,"body":"١٦ - حكم وضع الحالف يده على المصحف الشريف\rيقول السائل: هل يشترط لصحة حلف اليمين بالله ﷾ أن يضع الحالف يده على المصحف؟\r\rالجواب: لا يشترط لصحة حلف اليمين بالله تعالى أن يضع الحالف يده على المصحف، فإن اليمين المشروع يكون بمجرد التلفظ باليمين فقط. ومن العلماء من يرى أن وضع اليد على المصحف أو وضع المصحف أمام الحالف أو في حجره، من باب تغليظ اليمين على الحالف، وتغليظ اليمين قال به جمهور الفقهاء ويكون ذلك في القضايا المهمة كقضايا الدماء والأموال الكثيرة ونحوها. وتغليظ الأيمان له أصل مشروع في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. أما من كتاب الله فقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنْ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنْ الآثِمِينَ) سورة المائدة /١٠٦. قال القرطبي: \" هذه الآية أصل في التغليظ في الأيمان \" تفسير القرطبي ٦/٣٥٣. وتغليظ اليمين يكون بأمور: منها التغليظ في الزمان ومنه الحلف بعد صلاة العصر، وهو المذكور في الآية كما قال المفسرون، قال القرطبي: \" قوله تعالى (من بعد الصلاة) يريد صلاة العصر، قاله الأكثر من العلماء، لأن أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة \" تفسير القرطبي ٦/٣٥٣.\r\rوثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً بسلعةٍ، لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفّى وإلا، لم يف له، ورجل ساوم رجلاً بسلعةٍ بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى كذا وكذا فأخذها) رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر: \" قال المهلب: إنما خص النبي ﷺ هذا الوقت بتعظيم الإثم على من حلف فيه كاذباً لشهود ملائكة الليل والنهار ذلك الوقت، انتهى. وفيه نظر لأن بعد صلاة الصبح يشاركه في شهود الملائكة ولم يأت فيه ما أتى في وقت العصر ويمكن أن يكون اختص بذلك لكونه وقت ارتفاع الأعمال \" فتح الباري ٦/٢١٢. ونقل الحافظ ابن حجر عن الخطابي قوله: \" خُص وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت، لأن الله عظم شأن هذا الوقت بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها تجرؤاً، فإن من تجرأ عليها فيه، إعتادها في غيره، وكان السلف يحلفون بعد العصر، وجاء ذلك في الحديث أيضاً \" فتح الباري ١٦/٣٢٩. ومنها التغليظ في المكان، كالمسجد والمنبر، فقد ورد في الحديث، عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر، إلا تبوأ مقعده من النار) رواه مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم كما ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/٢١٣. وورد في الحديث عن أبي أمامة بن ثعلبة أن النبي ﷺ قال: (من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئٍ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) رواه النسائي، ورجاله ثقات، كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/٢١٣.\r\rويرى الشافعية والمالكية، أن اليمين المغلظة، تكون في مكة المكرمة بين الركن والمقام وفي المدينة المنورة عند قبر النبي ﷺ، وفي بقية البلاد تكون في المسجد عند المنبر، قياساً على العمل من الخلف والسلف بالمدينة عند قبر النبي ﷺ، كما قال ابن عبد البر في الإستذكار ٢٢/٩٠. ومنها التغليظ في حال الحالف، كأن يكون قائماً مستقبل القبلة. ومنها التغليظ في اللفظ، كأن يقول الحالف: أقسم بالله الذي لا إله إلا هو، ما له عندي حق، أو يقول: أحلف بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ونحو ذلك. ومن هذا الباب ذكر بعض فقهاء الشافعية الحلف بالمصحف، ونُقل عن بعض السلف التحليف على المصحف. ولكن الصحيح أن الحلف على المصحف لم يثبت عن النبي ﷺ بل هو بدعة كما قال ابن العربي المالكي: \" وهو بدعة ما ذكرها أحد قط من الصحابة \" أحكام القرآن ٢/٧٢٥. وقال ابن المنذر: \"وأجمعوا على أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف الشريف \" تفسير القرطبي ٦/٣٥٤. وقال ابن قدامة: \" قال ابن المنذر: ولم نجد أحداً يوجب اليمين بالمصحف. وقال الشافعي: رأيتهم يؤكدون بالمصحف، ورأيت ابن مازن وهو قاضي بصنعاء يغلظ اليمين بمصحف. قال أصحابه: - أي أصحاب الشافعي - فيغلظ عليه بإحضار المصحف، لأنه يشتمل على كلام الله تعالى وأسمائه. قال ابن قدامة: \" وهذا زيادة على ما أمر به رسول الله ﷺ في اليمين، وفعله الخلفاء الراشدون وقضاتهم من غير دليل ولا حجة يستند إليها، ولا يترك فعل رسول الله ﷺ وأصحابه لفعل ابن مازن ولا لغيره \" المغني ١٠/٢٠٧. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346344,"book_id":3840,"shamela_page_id":724,"part":"13","page_num":17,"sequence_num":724,"body":"١٧ - تعجيل العقوبة في الدنيا للحالف كاذبا\rيقول السائل: سمعت أنه من حلف يميناً يتعمد الكذب فيها، أن الله يعجل له العقوبة في الدنيا، فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن اليمين الكاذبة المتعمدة، والتي تؤكل بها أموال الناس وحقوقهم، من الكبائر ومن الأسباب الموجبة لدخول النار والعياذ بالله وعلى ذلك تدل الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، فمن ذلك قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة آل عمران /٧٧.\rففي هذه الآية عقوبات لمن يحلف كاذباً متعمداً، ليأكل حقوق الناس وهي:\r١. لا حظ له في الآخرة ولا نصيب له من رحمة الله.\r٢. لا يكلمه الله ﷾ كلام أنس ولطف.\r٣. يعرض الله عنه يوم القيامة، فلا ينظر إليه بعين الرحمة.\r٤. لا يطهر من الأوزار والذنوب.\r٥. يعذبه الله عذاباً أليماً على ما ارتكب من المعاصي.\rومنها ما ثبت في الحديث، أن رسول الله ﷺ قال: (من حلف على يمين وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئٍ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان) رواه أبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح.\rومنها ما ثبت في الحديث، أن الرسول ﷺ قال: (لا يقتطع رجل حق امرئٍ مسلمٍ بيمينه، إلا حرّم الله عليه الجنة، وأوجب عليه النار، فقال رجل من القوم: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً، قال ﵊: وإن كان سواكاً من أراك) رواه ابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر صحيح سنن ابن ماجة ٢/٣٦.\rوغير ذلك من النصوص، وكل ذلك في العقوبة الأخروية.\rوأما تعجيل العقوبة في الدنيا فإن الله ﷾ قد يعجل العقوبة في الدنيا على بعض الذنوب، ومن ذلك تعجيل عقوبة قاطع الرحم والظالم وحالف الأيمان الكاذبة، فقد ورد في ذلك أحاديث منها:\r١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس شيء أُطيعَ الله فيه، أعجل ثواباً من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع) رواه البيهقي ١٠/٣٥٠، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٧٠٦، وبلاقع، جمع بلقع وبلقعة، وهي الأرض القفر التي لا شجر فيها، ذكره الزبيدي ونقل عن بعض العلماء، أن معنى الحديث \" أي يفتقر الحالف ويذهب ما في بيته من المال، أو يفرق الله شمله ويغيّر ما أولاه من نعمة \" تاج العروس ١١/٣٠.\r٢ - وفي رواية أخرى: (إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، وإن أهل البيت ليكونون فجاراً، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا وصلوا أرحامهم، وإن أعجل المعصية، عقوبة البغي والخيانة، واليمين الغموس يذهب المال ويثقل في الرحم، ويذر الديار بلاقع) رواه الطبراني في الأوسط وقال الشيخ الألباني: إنه صحيح بمجموع طرقه وشواهده.\r٣ - وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اليمين الفاجرة تذهب المال) رواه البزار بسند صحيح، كما قاله ابن حجر الهيتمي، الزواجر ٢/٤٠٤.\rوقد وقع تعجيل العقوبة الدنيوية لمن حلف كاذباً ليستحل دماء الناس وأموالهم، كما ثبت في صحيح البخاري في الحادثتين التاليتين:\rالأولى: روى الإمام البخاري بسنده، عن ابن عباس ﵄ قال: \" إن أول قسامة كانت في الجاهلية، لفينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش، من فخِذٍ أخرى، فانطلق معه في إبله فمر به رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه، فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل فأعطاه عقالاً، فشد به عروة جوالقه، فلما نزلوا، عقلت الإبل إلا بعيراً واحداً، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ قال: فحذفه بعصاً كان فيها أجله، فمر رجل به من أهل اليمن فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال: فكتب، إذا أنت شهدت الموسم فناد يا آل قريش، فإذا أجابوك فناد يا آل بني هاشم، فإن أجابوك، فسل عن أبي طالب، فأخبره أن فلاناً قتلني في عقال، ومات المستأجَر، فلما قدم الذي استأجره، أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال مرض فأحسنت القيام عليه، فوليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك فمكث حيناً، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه، وافى الموسم فقال: يا آل قريش، قالوا هذه قريش، قال يا بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: من أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة، أن فلاناً قتله في عقال، فأتاه أبو طالب فقال له: إختر منا إحدى ثلاث، إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل، فإنك قتلت صاحبنا وإن شئت، حلف خمسون من قومك، أنك لم تقتله، فإن أبيت، قتلناك به، فأتى قومه، فقالوا نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجيز أبني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب، أردت خمسين رجلاً أن يحلفوا مكان مئة من الإبل، يصيب كل رجل بعيران، هذان بعيران فاقبلهما مني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون، فحلفوا، قال ابن عباس: فالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين عين تطرف \".\rالثانية: روى الإمام البخاري بسنده عن أبي قلابة حديثاً طويلاً وفيه: \" وقد كانت هذيل خلعوا خليعاً لهم في الجاهلية، فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء، فانتبه له رجل منهم، فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل فأخذوا اليماني، فرفعوه إلى عمر بالموسم وقالوا: قتل صاحبنا، فقال: إنهم قد خلعوه، فقال: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوه، قال: فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلاً، وقدم رجل منهم من الشام، فسألوه أن يقسم، فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رجلاً آخر، فدفعه إلى أخي المقتول، فقرنت يده بيده، قالوا فانطلقنا والخمسون الذين أقسموا حتى إذا كانوا بنخلة أخذتهم السماء - أي المطر - فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا، فماتوا جميعاً وأفلت القرينان وأتبعهما حجر فكسر رجل أخي المقتول فعاش حولاً ثم مات \".\rوهكذا ينتقم الله ﷿ في الدنيا من حالفي أيمان الزور والكذب، وفي ذلك عبرة للمعتبرين.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346345,"book_id":3840,"shamela_page_id":725,"part":"13","page_num":18,"sequence_num":725,"body":"١٨ - يصح تقديم الكفارة على الحنث باليمين.\rيقول السائل: إنه حلف على زوجته يميناً، أن لا تذهب إلى بيت أبيها، ثم ندم على ذلك وسمح لها بالذهاب إلى هناك، فهل يكفِّر كفارة اليمين قبل ذهاب زوجته إلى بيت أبيها، أم بعد ذلك؟\r\rالجواب: ما كان لك أيها السائل أن تحلف هذا اليمين، الذي يؤدي إلى قطيعة الرحم، لأن للزوجة حقاً مؤكداً في زيارة أبيها وقد ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (لا يمين في قطيعة رحم) رواه أبو داود والبيهقي، وإسناده حسن.\rوما دام أنك قد تراجعت عن يمينك وأذنت لها بالذهاب إلى بيت أبيها، فقد أديت ما هو المطلوب شرعاً ويجب عليك أن تكفر عن يمينك وكفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجد فتصوم ثلاثة أيام لقوله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة المائدة /٨٩.\rهذا بالنسبة لكفارة اليمين، وأما متى تكفر عن يمينك، فيجوز لك أن تكفِّر قبل ذهاب زوجتك إلى بيت أبيها، أو بعد ذهابها إليه، على الراجح من أقوال أهل العلم، فإن في الأمر سعة إن شاء الله تعالى، ويدل على ذلك أن الأحاديث الواردة في كفارة اليمين جاء في بعضها تقديم الكفارة على الحنث وجاء في بعضها تأخير الكفارة على الحنث.\rومن هذا أخذ أكثر العلماء جواز الأمرين، فمن ذلك ما ورد في الحديث، أن الرسول ﷺ قال: (لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خير منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها) متفق عليه.\rوفي رواية: (إلا كفَّرت عن يميني وفعلت الذي هو خير) متفق عليه.\rوفي رواية أخرى: (إلا أتيت الذي هو خير وكفَّرت عن يميني) متفق عليه.\rوجاء في حديث آخر، أن الرسول ﷺ قال: (إذا حلفت على يمين، فكفِّر عن يمينك، ثم ائت الخير) رواه أبو داود والنسائي.\rوفي حديث أخر: (إذا حلف أحدكم على يمين، ثم رأى غيرها خير اً منها فليكفِّرها وليأت الذي هو الخير) رواه مسلم.\rوفي رواية: (من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه) رواه مسلم.\rوبهذا يظهر لنا جواز الأمرين، فإن شئت كفَّرت عن يمينك بعد الحنث أو قبله.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346346,"book_id":3840,"shamela_page_id":726,"part":"13","page_num":19,"sequence_num":726,"body":"١٩ - كثرة حلف الأيمان.\rيقول السائل: كثير من الناس وخاصة التجار يكثرون من الحلف في تعاملهم مع بعضهم بعضاً فتسمع التاجر يحلف والسائق يحلف وصاحب الحرفة يحلف، فما حكم هذه الأيمان؟\r\rالجواب: إن كثرة حلف الأيمان من الناس تدل على نقصان ثقتهم بعضهم ببعض فيلجئون للحلف حتى يصدقوا فيما يقولون وهذه حال أكثر التجار فإنهم يكثرون من الأيمان ليصدقهم الناس في كلامهم. وكثرة الحلف مكروهة هذا إذا كان الحالف صادقاً قال الله تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) سورة المائدة الآية ٨٩. قال القرطبي: [أي بترك الحلف فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات] تفسير القرطبي ٦/٢٨٥. ونقل القرطبي أيضاً عن بعض المفسرين في قوله تعالى: (ولآ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآية ٢٢٤، [بأن المعنى لا تكثروا من اليمين بالله تعالى فإنه أهيب للقلوب ولهذا قال الله تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) وذمَّ من كثّر اليمين فقال الله تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) والعرب تمتدح بقلة الأيمان ... ] تفسير القرطبي ٣/٩٧. وأما إذا كان الحالف كاذباً متعمداً للكذب فقد وقع في الحرام قال الله تعالى: (إن الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة آل عمران الآية ٧٧. وقد نهى النبي ﷺ عن كثرة الحلف في البيع والشراء ويلحق به غيرهما من وجوه التعامل بين الناس فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ? قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي قتادة الأنصاري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق) رواه مسلم.\r\rقال الإمام النووي: [وفيه النهي عن كثرة الحلف في البيع فإن الحلف من غير حاجة مكروه وينضم إليه ترويج السلعة وربما اغتر المشتري باليمين] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٢٠. وقال الحافظ أبو العباس القرطبي المحدّث - وهو شيخ القرطبي المفسر -: [ووله: (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للربح) الرواية: منفقة ممحقة - بفتح الميم وسكون ما بعدها وفتح مابعدها - وهما في الأصل مصدران مزيدان محدودان بمعنى: النَّفاق. والمحق أي الحلف الفاجرة تنفق السلعة وتمحق بسببها البركة فهي ذات نفاق وذات محق. ومعنى تمحق البركة أي تذهبها وقد تذهب رأس المال كما قال الله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) وقد يتعدى المحق إلى الحالف فيعاقب بإهلاكه وبتوالي المصائب عليه وقد يتعدى ذلك إلى خراب بيته وبلده كما روي: أن النبي ﷺ قال: (اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع) أي: خالية من سكانها إذا توافقوا على التجرؤ على الأيمان الفاجرة. وأما محق الحسنات في الآخرة فلا بد منه لمن لم يتب وسبب هذا كله أن اليمين الكاذبة يمين غموس يؤكل بها مال المسلم بالباطل. وقوله: (إياكم وكثرة الحلف فإنه ينفق ثم يمحق) إياكم معناه الزجر والتحذير ... أي: إحذره واتقه وإنما حذر من كثرة الحلف لأن الغالب ممن كثرت أيمانه وقوعه في الكذب والفجور وإن سلم من ذلك على بعده لم يسلم من الحنث أو الندم لأن اليمين حنث أو مندمة وإن سلم من ذلك لم يسلم من مدح السلعة المحلوف عليها والإفراط في تزيينها ليروجها على المشتري مع ما في ذلك من ذكر الله تعالى لا على جهة التعظيم بل على جهة مدح السلعة فاليمين على ذلك تعظيم للسلع لا تعظيم لله تعالى وهذه كلها أنواع من المفاسد لا يقدم عليها إلا من عقله ودينه فاسد] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٤/٥٢٢-٥٢٣. وجاء في الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى ?: (أن رجلاً أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط ليوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا)) رواه البخاري. وعن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم قال: فقرأها رسول الله ثلاث مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) رواه مسلم. والمسبل هو الذي يجر رداءه تكبراً واختيالاً والمنان هو الذي لا يعطي شيئاً إلا منة. وعن سلمان ?: قال رسول الله ﷺ: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: أشيمط زان وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه) رواه الطبراني في معاجمه الثلاثة وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/٥٨٩. وجاء في رواية أخرى: (رجل اتخذ الأيمان بضاعة يحلف في كل حق وباطل) رواه الطبراني وقال الشيخ الألباني: حسن، كما في المصدر السابق. والأشيمط الزاني هو الرجل الكبير في العمر ومع ذلك يزني والعائل المستكبر هو ذو العيال المتكبر وغير ذلك من الأحاديث.\r\rفعلى التجار أن يتقوا الله في أنفسهم وأن لا يكثروا من الأيمان. قال أبو حامد الغزالي: [ولا ينبغي أن يحلف عليه البتة فإنه إن كان كاذباً فقد جاء باليمين الغموس وهي من الكبائر التي تذر الديار بلاقع. وإن كان صادقاً فقد جعل الله عرضة لأيمانه وقد أساء فيه إذا الدنيا أخس من أن يقصد ترويجها بذكر اسم الله من غير ضرورة ... فإذا كان الثناء على السلعة مع الصدق مكروهاً من حيث أنه فضول لا يزيد في الرزق فلا يخفى التغليظ في أمر اليمين] إحياء علوم الدين ٢/٧٧.\r\rوأخيراً فإن التاجر إذا كثر منه الحلف فعليه أن يكثر من الصدقة لقول النبي ﷺ: (يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة) أي اخلطوه بالصدقة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٤٠. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346347,"book_id":3840,"shamela_page_id":727,"part":"13","page_num":20,"sequence_num":727,"body":"٢٠ - إذا حلف يمينا ثم ندم عليه.\rيقول السائل: إن متسولاً ألح عليه في الطلب ليتصدق عليه وإن السائل حلف يمينأً ألا يتصدق عليه ثم ندم على يمينه فماذا يصنع؟\r\rالجواب: يقول الله تعالى: (ولآ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآية ٢٢٤. لا يجوز للمسلم أن يجعل الأيمان حائلاً دون فعل الخيرات ومن ذلك التصدق على الفقراء والمحتاجين فيجب على السائل أن يكفر عن يمينه ثم يتصدق على ذلك المتسول إن كان مستحقاً للصدقة. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) رواه مسلم.\r\rوقد ذكر الإمام القرطبي: [أن أبا بكر الصديق ﵁ لما وقعت حادثة الإفك حلف أبو بكر ? ألا ينفق على مسطح بن أثاثة وكان قد شارك في حادثة الإفك وكان أبو بكر ﵁ ينفق على مسطح حيث كان ابن خالته ومن المهاجرين البدريين المساكين فنزل قول الله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) سورة النور الآية ٢٢. فقال أبو بكر ﵁: والله إني لأحب أن يغفر لي، فأرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال أبو بكر: لا أنزعها منه أبداً. ومعنى قوله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ) أي لا يحلف مأخوذ من الألية وهي اليمين] تفسير القرطبي ١٢/٢٠٧-٢٠٨.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346348,"book_id":3840,"shamela_page_id":728,"part":"13","page_num":21,"sequence_num":728,"body":"٢١ - أحكام كفارة اليمين.\rيقول السائل: هل يجوز للشخص أن يكفر عن يمين أو أكثر كفارة واحدة؟ وما هو مقدار الإطعام في الكفارة؟ وما هو مقدار النقود في الكفارة؟ وهل يجوز أن تعطى الكفارة لشخص واحد أم يجب تفريقها على عشرة مساكين؟\r\rالجواب: إذا حلف المسلم يميناً ثم حنث بها فتجب الكفارة في حقه وقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من حلف على يمين فرأى خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) رواه مسلم. وسواء كفر عن يمينه قبل الحنث أو بعده فإن ذلك جائز على الراجح من أقوال أهل العلم. والأصل أن الكفارة تكون عن اليمين الواحدة ولكن هنالك حالات قال الفقهاء تتداخل فيها الكفارة فتجزئ الكفارة الواحدة عن الأيمان المتعددة فمن ذلك: إذا حلف شخص أيماناً مكررة على شيء واحد كأن يحلف قائلاً: والله لا آكل هذا الطعام، والله لا آكل هذا الطعام، والله لا آكل هذا الطعام. فإذا حنث بهذه الأيمان فتلزمه كفارة واحدة فقط على الراجح من أقوال العلماء وهذا هو القول المعتمد عند الشافعية وهو قول الحنابلة ونقل عن جماعة من الصحابة والتابعين كابن عمر ﵄ والحسن البصري وعروة بن الزبير وهو قول إسحاق بن راهويه والإمام الأوزاعي وابن حزم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. المغني ٩/٥١٤، المحلى ٦/٣١٢، الاستذكار ١٥/٨٢. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: حدثت أن ابن جريج قال: حدثت أن ابن عمر قال لغلام له ومجاهد يسمع وكان يبعث غلامه ذاك إلى الشام: [إنك تزمن عند امرأتك (أي تطيل المكث) فطلقها. فقال الغلام: لا. فقال ابن عمر: والله لتطلقنها. فقال الغلام: والله لا أفعل، حتى حلف ابن عمر ثلاث مرات لتطلقنها وحلف العبد أن لا يفعل. فقال ابن عمر: غلبني العبد. قال مجاهد: فقلت لابن عمر: فكم تكفرها؟ قال: كفارة واحدة] المصنف ٨/٥٠٣-٥٠٤، ورواه ابن حزم في المحلى ٦/٣١٢، وقال التهانوي: سنده صحيح، إعلاء السنن ١١/٤٧١. وقال البيهقي: [ويذكر عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ أنه أقسم مراراً فكفر كفارة واحدة] سنن البيهقي ١٠/٥٦.\r\rوروى عبد الرزاق بإسناده أن إنساناً استفتى عروة بن الزبير فقال: [يا أبا عبد الله إن جارية لي قد تعرضت لي فأقسمت أن لا أقربها ثم تعرضت لي فأقسمت أن لا أقربها ثم تعرضت لي فأقسمت أن لا أقربها، فأكفر كفارة واحدة أو كفارات متفرقات؟ قال: هي كفارة واحدة] المصنف ٨/٥٠٤-٥٠٥. وقال التهانوي: [أخرجه ابن حزم ن طريق عبد الرزاق وسنده صحيح] إعلاء السنن ١١/٤٧٢. وأما إذا حلف شخص أيماناً متعددة على أشياء متعددة كأن يقول: والله لا أزورك والله لا أكلمك والله لا أزوجك. فهذه أيمان متعددة على أمور مختلفة فإذا حنث بها جميعاً فتلزمه عن كل يمين كفارة على الراجح من أقوال العلماء وهو قول جمهور الفقهاء.\r\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإن حلف أيماناً على أجناس فقال: والله لا أكلت والله لا شربت والله لا لبست فحنث في واحدة منها فعليه كفارة فإن أخرجها ثم حنث في يمين أخرى لزمته كفارة أخرى ... ورواه المروزي عن أحمد وهو قول أكثر أهل العلم] المغني ٩/٥١٥. ثم قال ابن قدامة: [ولنا أنهن أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى فلم تتكفر إحداهما بكفارة الأخرى] المغني ٩/٥١٥. وأما مقدار الإطعام في الكفارة فينبغي القول أولاً بأن خصال الكفارة على التخيير كما قال الله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) سورة المائدة الآية ٨٩. فخصال الكفارة هي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة فإذا عجز الحانث عن هذه الخصال الثلاث انتقل إلى الصوم. وأما مقدار الإطعام فقال: جمهور أهل العلم يطعم كل مسكين مداً بمقدار مدّ النبي ﷺ من غالب قوت البلد. فقد ذكر مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين مدً من حنطة. وروى مالك عن سليمان بن يسار أنه قال: [أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مداً من حنطة بالمد الأصغر ورأوا ذلك مجزئاً عنهم] قال الحافظ ابن عبد البر: [والمد الأصغر عندهم مد النبي ﷺ] الاستذكار ١٥/٨٧-٨٨. والمد يساوي في زماننا نصف كيلو وزيادة قليلة. ويرى بعض العلماء أنه يكفي في الإطعام أن يطعم المساكين العشرة وجبتي غداء وعشاء. قال الإمام مالك: [إن غدى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه] الاستذكار ١٥/٨٩. ويجوز إخراج قيمة الطعام والكسوة في الكفارة على أرجح قولي العلماء في المسألة وهو قول الحنفية والإمام الأوزاعي إمام أهل الشام. لأن من مقاصد الكفارة بالإضافة إلى تكفير ذنب الحانث سد حاجة المسكين وسد الحاجة يقع بالقيمة كما يقع بالإطعام والكسوة بل لعل الأنفع للمسكين في زماننا أن يعطى القيمة فهي أقرب لسد حاجته فالمسكين ينتفع بالنقود أكثر من انتفاعه بالقمح أو الأرز أو الطبيخ فيستطيع المسكين أن يقضي حاجاته وحاجات أسرته ومصالحهم بالنقود.\r\rوأما إعطاء الكفارة لشخص واحد فظاهر الآية الكريمة يدل على إطعام عشرة مساكين وليس إطعام مسكين واحد وهذا قول أكثر العلماء أنه لا يجزئ إعطاء مسكين واحد بل لا بد من إطعام عشرة مساكين وقال الإمام الأوزاعي يجوز أن يعطيها لمسكين واحد. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: [إن خص بها أهل بيت شديدي الحاجة جاز بدليل أنه النبي ﷺ قال للمجامع في رمضان حين أخبره بشدة حاجته وحاجة أهله: أطعمه أهلك] متفق عليه، انظر المغني ٩/٤٤٣. وهذا الرأي يظهر لي أنه الأقوى في المسألة، فإذا أعطى الكفارة أو قيمتها لعائلة محتاجة فأرجو أن يجزئه إن شاء الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346349,"book_id":3840,"shamela_page_id":729,"part":"13","page_num":22,"sequence_num":729,"body":"٢٢ - إبرار المقسم\rحلف بالحرام على زوجته ,\r\rيقول السائل: إنه تشاجر مع زوجته وحلف عليها بالحرام أن لا تنام معه في غرفة النوم لمدة شهر كامل فما حكم ذلك ?\r\rالجواب: لا يجوز للمسلم أن يحرم ما أحل الله ﷾ ويعتبر هذا من التلاعب في الدين لقوله ﷾: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا) فالذي يحرم ما أحل الله يكون قد اعتدى وتجاوز الحد هذا من ناحية. وأما من الناحية الأخرى فما قام به السائل من الحلف بالحرام على زوجته أن لا تنام معه في غرفة النوم لمدة شهر كامل فيعتبر يميناً وعليه ألا يقرب زوجته ذلك الأشهر وإن حنث بيمينه فعليه كفارة اليمين، وهي المذكورة في قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346350,"book_id":3840,"shamela_page_id":730,"part":"14","page_num":1,"sequence_num":730,"body":"١ - ظاهرة التسول في المساجد\rيقول السائل: كثرت في بلدنا ظاهرة التسول داخل المساجد فما أن ينتهي الإمام من الصلاة بالسلام إلا وتفاجأ بتشويش المتسول على الذاكرين والمسبوقين المصلين وهو يطالب الناس بالمساعدة وإظهار المسكنة فسؤالي ما حكم التسول داخل المسجد؟ وهل يجوز للإمام أو أحد المكلفين بالمسجد أن يطالب المتسول مدعي الفقر الخروج من المسجد؟ وهل يعتبر حينئذ مخالفاً لقوله تعالى: ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ ؟ وما صحة ما يقال: أن أحد السلف قال: لو كنت قاضياً لرددت شهادة كل من يعطي متسولاً داخل المسجد؟ ، أفيدونا.\rالجواب: التسول هو طلب الصدقات من الناس في الأماكن العامة والبيوت والمساجد، والمتسول هو من يحترف مهنة التسول فأصبحت مهنته وصنعته، ومن المتسولين من يمضي حياته متسولاً، ومنهم من تبين بعد موته أنه يملك أموالاً طائلة، والحوادث في ذلك كثيرة، وقد انتشرت ظاهرة التسول وكثرت بشكل كبير ويعود ذلك لعدة عوامل منها الأحوال الصعبة التي يعشها شعبنا الفلسطيني من الحصار والإغلاق وقلة الأعمال وغير ذلك، والأصل في الشرع أن التسول حرام شرعاً إلا لضرورة أو حاجة ماسة وفق ضوابط معينة، قال أبو حامد الغزالي: [السؤال حرام في الأصل وإنما يباح بضرورة أو حاجة مهمة قريبة من الضرورة فإن كان عنها بدٌ فهو حرام، وإنما قلنا إن الأصل فيه التحريم لأنه لا ينفك عن ثلاثة أمور محرمة: الأول: إظهار الشكوى من الله تعالى إذ السؤال إظهار للفقر وذكر لقصور نعمة الله تعالى عنه وهو عين الشكوى وكما أن العبد المملوك لو سأل لكان سؤاله تشنيعاً على سيده فكذلك سؤال العباد تشنيع على الله تعالى وهذا ينبغي أن يحرم ولا يحل إلا لضرورة كما تحل الميتة.\rالثاني: أن فيه إذلال السائل نفسه لغير الله تعالى وليس للمؤمن أن يذل نفسه لغير الله بل عليه أن يذل نفسه لمولاه فإن فيه عزه، فأما سائر الخلق فإنهم عباد أمثاله فلا ينبغي أن يذل لهم إلا لضرورة وفي السؤال ذل للسائل بالإضافة إلى المسؤول.\rالثالث: أنه لا ينفك عن إيذاء المسؤول غالباً لأنه ربما لا تسمح نفسه بالبذل عن طيب قلب منه فإن بذل حياءً من السائل أو رياءً فهو حرام على الآخذ وإن منع ربما استحيا وتأذى في نفسه بالمنع إذ يرى نفسه في صورة البخلاء ففي البذل نقصان ماله وفي المنع نقصان جاهه وكلاهما مؤذيان والسائل هو السبب في الإيذاء والإيذاء حرام إلا بضرورة] إحياء علوم لدين ٤ / ٢٠٥.\rوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن السؤال في المسجد فقال: [أصل السؤال محرَّم في المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة، فإن كانت ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذ أحدًا كتخطيه رقاب الناس، ولم يكذب فيما يرويه ويذكر من حاله ولم يجهر جهراً يضر الناس مثل أن يسأل والخطيب يخطب، أو وهم يسمعون علماً يشغلهم به ونحو ذلك جاز.] نقلاً عن غذاء الألباب للسفاريني ٢ / ٢٦٧.\rوقد وردت أدلة كثيرة تنهى عن التسول، وسؤال الناس من غير ضرورة أو حاجة ملحة منها:\rحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم) رواه البخاري ومسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر) . رواه مسلم.\rوعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن المسألة كدٌ يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمر لا بد منه) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.\rوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى إما بموت عاجل، أو غنى عاجل) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.\rوعن قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: تحملت حمالةً فأتيت رسول الله ﷺ فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، قال: ثم قال: (يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة، رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلَّت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش فما سواهن في المسألة، يا قبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سحتاً) رواه مسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره فيتصدق به على الناس: خيرٌ له من أن يأتي رجلاً فيسأله أعطاه أو منعه) رواه البخاري ومسلم.\rوعن سهل بن الحنظلية ﵁ قال: قال: قدم على رسول الله ﷺ عيينة ابن حصن والأقرع بن حابس، فسألاه فأمر لهما بما سألاه وأمر معاوية فكتب لهما بما سألا فأما الأقرع: فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق وأما عيينة: فأخذ كتابه فأتى النبي ﷺ بكتابه فقال: يا محمد أراني حاملاً إلى قومي كتاباً لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمس فأخبر معاوية بقوله رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: (من سأل وعنده ما يغنيه: فإنما يستكثر من النار) وفي لفظ: (من جمر جهنم قالوا: يا رسول الله وما يغنيه) وفي لفظ: (وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة قال: قدر ما يغديه وما يعشيه) وفي لفظ: (أن يكون له شِبع يومٍ وليلة) رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٣٠٦-٣٠٧. - وصحيفة الملتمس: مثل يضرب للذي يحمل أسباب هلاكه، من غير أن يدري، وله قصة مشهورة في كتب الأدب – وغير ذلك من الأحاديث.\rإذا تقرر هذا فإنه يجب منع المتسولين داخل المساجد لما يحدثونه من التشويش على المصلين والذاكرين، وأرى أن لا يعطوا شيئاً إذا سألوا داخل المسجد، وإنما يقفون على أبواب المسجد أو في ساحاته من غير تشويش على أهل المسجد، وخاصة أن كثيراً من المتسولين ليسوا أصحاب حاجةٍ حقيقيةٍ وإنما هم محترفون لمهنة التسول والشحاذة، والمساجد يجب أن تنزه عن مثل هذه الأمور، فالمساجد بنيت لعبادة الله ﷿ بإقامة الصلاة وتلاوة القرآن الكريم وتعليم العلم النافع وغير ذلك مما ينفع المسلمين، ولا يجوز أن تكون المساجد لنشد الضالة أو للبيع والشراء أو للتسول والشحاذة، فقد ورد في الحديث أن الرسول ﷺ: (نهى عن البيع والشراء في المسجد وأن تنشد فيه ضالة وأن ينشد فيه شعر ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الترمذي وحسنه العلامة الألباني أيضاً في صحيح سنن أبي داود ١/٢٠١.\rوأما قوله تعالى ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ سورة الضحى الآية ١٠، فقد قال أهل التفسير إن الآية المذكورة تحمل على السائل عن العلم وعلى السائل للصدقة، قال ابن كثير: ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ أي: وكما كنت ضالاً فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد.] تفسير ابن كثير ٦/٤٨٣. وقال الطبري: [وأما من سألك من ذي حاجة فلا تنهره، ولكن أطعمه واقض له حاجته] تفسير الطبري.\rوقال القرطبي: [وأما السائل فلا تنهر، أي لا تزجره فهو نهي عن إغلاظ القول، ولكن رُدَّه ببذلٍ يسير، أو ردٍّ جميل.] تفسير القرطبي ٢٠/١٠١. وعدم السماح للمتسولين بالسؤال داخل المساجد لا يتنافى مع الآية الكريمة.\rوأما القول المنسوب لأحد السلف وهو: [لو كنت قاضياً لرددت شهادة كل من يعطي متسولاً داخل المسجد] فقد وجدته بعد البحث والتقصي منسوباً لخلف بن أيوب العامري البلخي المتوفى سنة ٢١٥ هـ، وهو فقيه أهل بلخ وزاهدهم أخذ الفقه عن أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة وابن أبي ليلى والزهد عن إبراهيم بن أدهم، ونسبه إليه ابن مفلح المقدسي الحنبلي: [قال خلف بن أيوب لو كنت قاضياً لم أقبل شهادة من تصدق عليه] الآداب الشرعية ٣/ ٣٩٤. ونقل ابن مفلح أيضاً قول أبي مطيع البلخي الحنفي: لا يحل للرجل أن يعطي سؤَّال المسجد. وخلاصة الأمر أن الأصل في الشحاذة والتسول التحريم إلا لضرورة أو حاجة ملحة وينبغي للمسؤلين عن المساجد منع المتسولين داخل المساجد، ويجوز إعطاء المتسولين خارج المساجد إن كانوا صادقين، ومشكلة التسول تحتاج إلى حل تسهم فيه الجهات الرسمية والخيرية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346351,"book_id":3840,"shamela_page_id":731,"part":"14","page_num":2,"sequence_num":731,"body":"٢ - الاعتداء في الدعاء\rيقول السائل: ما معنى الاعتداء في الدعاء، أفيدونا؟\rالجواب: الدعاء عبادة عظيمة وحقيقته مناداة الله تعالى لما يريد الداعي من جلب منفعة أو دفع مضرة من المضار أو رفع البلاء بالدعاء، فهو سبب لذلك واستجلاب لرحمة المولى ﷿ وقد جاءت النصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مبينة فضله وحاثة عليه ومن ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) سورة غافر الآية ٦٠. وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) سورة الأعراف الآيتان ٥٥-٥٦. وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٦. وجاء في الحديث عن النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وقال العلامة الألباني حسن. انظر صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بمأثمٍ أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذاً نكثر، قال: الله أكثر) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ووافقه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٨١. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء) رواه ابن حبان وأبو يعلى وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ١٥١٩. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي والحاكم وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ٦٢٩٠.\rإذا تقرر هذا فإن للدعاء أحكاماً وآداباً قد فصلها العلماء في كتبهم ومنها ما ذكره الإمام النووي في كتابه الأذكار ص ٣٤٠- ٣٤٢.\rوأما مسألة الاعتداء في الدعاء فد وردت الإشارة إليها في الكتاب والسنة، أما الكتاب ففي قوله تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ قال الإمام القرطبي: [يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عاماً] . تفسير القرطبي ٧/٢٢٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وقوله تعالى (إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) عقيب قوله (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) دليل على أنّ من لم يدعه تضرعاً وخفيةً فهو من المعتدين الذين لا يحبهم] مجموع الفتاوى ١٥/٢٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [وعلى هذا فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات وتارة يسأل ما لا يفعله الله مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب ويسأله بأن يطلعه على غيبه أو أن يجعله من المعصومين أو يهب له ولدا من غير زوجة ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله وفسر الاعتداء برفع الصوت أيضاً في الدعاء وبعد فالآية أعم من ذلك كله وإن كان الاعتداء بالدعاء مراداً] مجموع الفتاوى ١٥/٢٢. وورد في الحديث (أن سعداً ﵁ سمع ابناً له يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحواً من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال لقد سألت الله خيراً كثيراً، وتعوذت بالله من شرٍ كثير، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء، بحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود حديث رقم ١٣١٣. وورد في الحديث أن عبد الله بن مغفل ﵁ سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال أي بني سل الله الجنة وعُذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء) . رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة حديث رقم ٣١١٦. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [والاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع فوق الحاجة – أي في الصوت - أو بطلب ما يستحيل حصوله شرعاً أو بطلب معصية أو يدعو بما لم يؤثر خصوصاً ما وردت كراهته كالسجع المتكلف وترك المأمور] فتح الباري ٨/٣٧٨. وقال الإمام القرطبي: [والاعتداء في الدعاء على وجوه؛ منها الجهر الكثير والصياح، ومنها أن يدعو طالباً معصية وغير ذلك، ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة، فيتخير ألفاظاً مقفرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره، ويترك ما دعا به رسوله وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء] تفسير القرطبي ٧/٢٢٦. وقد نص أهل العلم على أن من الاعتداء في الدعاء أن يبالغ في تشقيق العبارات في الدعاء مثل من يقول (اللهم ارحمنا إذا ثقل منا اللسان، وارتخت منا اليدان، وبردت منا القدمان، ودنا منا الأهل والأصحاب، وشخصت منا الأبصار، وغسلنا المغسلون، وكفننا المكفنون، وصلى علينا المصلون، وحملونا على الأعناق، وارحمنا إذا وضعونا في القبور، وأهالوا علينا التراب، وسمعنا منهم وقع الأقدام، وصرنا في بطون اللحود، ومراتع الدود) ونحو ذلك من العبارات. وكذلك فإن من الاعتداء في الدعاء السجع المتكلف قال الإمام البخاري: باب ما يكره من السجع في الدعاء، ثم ذكر أثر ابن عباس ﵁ وفيه ( ... وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت الرسول ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب) انظر فتح الباري ١١/١٦٦. ومن الاعتداء في الدعاء أن يدعو على غيره ظلماً وعدواناً فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدع بإثمٍ أو قطيعة رحم) رواه البخاري ومسلم. وكذا إذا دعا الإنسان على نفسه فإن ذلك من الاعتداء في الدعاء فقد قال الرسول ﷺ: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أولادكم، ولا على أموالكم، فتُوَافِقُوا ساعة فيستجيب الله لكم) رواه مسلم، وورد في الحديث عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين قد خفت – أي ضعف ـ فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ: (هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه) قال نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ: (سبحان الله لا تطيقه - أو لا تستطيعه - أفلا قلت اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قال فدعا الله له فشفاه.) رواه مسلم. ومن الاعتداء في الدعاء المبالغة في رفع الصوت فعن أبى موسى الشعري ﵁ قال كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفاً، ولا نعلو شرفاً، ولا نهبط في وادٍ، إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا رسول الله ﷺ فقال: (يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَ ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً) رواه البخاري ومسلم. ومعنى قوله (اربعوا) أي ارفقوا. وبالإضافة إلى رفع الصوت فإن تمطيط الكلمات وتقعيرها يعتبر من الاعتداء في الدعاء، قال الفقيه الحنفي الكمال بن الهمام: [ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتغال بتحريرات النغم إظهاراً للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية، فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد، وهذا معلوم إن كان قصده إعجاب الناس به فكأنه قال اعجبوا من حسن صوتي وتحريري، ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال وما ذاك إلا نوع لعب، فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغني، نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني فاستبان أن ذاك من مقتضيات الخيبة والحرمان] نقله المناوي في فيض القدير ١/٢٩٦.\rوخلاصة الأمر أن صور الاعتداء في الدعاء كثيرة كالسجع والصياح وتشقيق الكلام والدعاء بمحال وغيرها وأن خير الدعاء هو الدعاء المأثور عن رسول الله ﷺ كما قال الإمام الغزالي: [والأولى ألا يتجاوز الداعي الدعوات المأثورة، فإنه قد يتعدى في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته] إحياء علوم الدين ١/٣٤١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346352,"book_id":3840,"shamela_page_id":732,"part":"14","page_num":3,"sequence_num":732,"body":"٣ - ترك مجالسة أهل الأهواء وآكلي لحوم العلماء\rيقول السائل: ما حكم حضور دروس الذين يتطاولون على العلماء ويشككون عامة الناس بكتب أهل العلم ويأتون بأمور غريبة مخالفة لما عليه علماء الإسلام، أفيدونا؟\rالجواب: لا بد أن يعلم أولاً أن احترام العلماء وتقديرهم أمر مطلوب شرعاً، وقد وردت نصوص كثيرة في تقدير العلماء واحترامهم، قال الإمام النووي: [باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم] . ثم ذكر قول الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) سورة الزمر الآية ٩، ثم ساق الإمام النووي طائفة من الأحاديث في إكرام العلماء والكبار وأحيل القارئ إلى كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ص ١٨٧-١٩٢.\rومما ورد أيضاً ما جاء في الحديث عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه) رواه أحمد والحاكم وقال العلامة الألباني حديث حسن، كما في صحيح الترغيب والترهيب ١/١٥٢. وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية المشهورة: [وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل] شرح العقدية الطحاوية ص ٥٥٤.\rوقد حذر العلماء من سب العلماء ومن الوقيعة بهم فقد ورد عن الإمام أحمد بن الأذرعي قوله [الوقيعة في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب] حرمة أهل العلم ص ٣١٩.\rوقال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله مخاطباً رجلاً تجرأ على العلماء: [إنما نحترمك ما احترمت الأئمة] .\rوقال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله: [اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ] . ومع كل هذه النصوص التي تحث على ما سبق وغيرها من النصوص الشرعية التي تحرم السب والشتم واللعن والوقوع في أعراض المسلمين إلا أن بعض الناس من أشباه طلبة العلم ليس لهم شغل إلا شتم العلماء وسبهم على رؤوس الأشهاد في المساجد وفي الصحف والنشرات ويحاول هؤلاء المتسلقين على حياض العلم الشرعي تشويه صورة العلماء وتنفير عامة الناس منهم والتهوين من علمهم والتهوين من قيمة كتبهم ويزعمون أن العلماء قد حرفوا دين الله ﷿ وغير ذلك من سوء الأدب مع العلماء. إن أدعياء العلم هؤلاء، الذين يأتون الناس بالغرائب والعجائب ويزعمون – والزعم مطية الكذب - أنهم يرجعون إلى كتاب الله ﷿ وما صح من سنة النبي ﷺ فقط، وهم في الحقيقة يتلاعبون في كتاب الله ولا يعرفون المبادئ الأولية لعلم الحديث، إن الموقف الشرعي من هؤلاء المبتدعة هو مقاطعتهم وعدم حضور مجالسهم ومقاطعة دروسهم ومحاضراتهم كما هو منهج السلف في عدم مجالسة أهل البدع والأهواء فعن ابن عباس ﵄ قال: \" لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلب \" أخرجه الآجري في الشريعة ص٦١، وابن بطة في الإبانة الكبرى ٢/٤٣٨. وعن أبي قلابة رحمه الله تعالى أنه كان يقول: \" لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم \" أخرجه الدارمي في سننه١/١٢٠ وعن الحسن البصري أنه قال: \" لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم \" أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/١٣٣. ويقول الحافظ ابن عبد البر: \" أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، إلا أن يكون يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه، أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه، فإن كان كذلك فقد رخص له مجانبته ورب صرمٍ جميل خير من مخالطة مؤذية] التمهيد ٦/١٢٧. هذه النصوص وغيرها ذكرها الدكتور إبراهيم الرحيلي في كتابه موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع. ومن أقوال الإمام الفضيل بن عياض في هؤلاء المبتدعة وأمثالهم: (لا تجلس مع صاحب بدعة فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة.) (من جالس صاحب بدعة لم يعط الحكمة.) (من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الاسلام من قلبه) .\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية [ومن كان متبدعاً ظاهر البدعة وجب الإنكار عليه، ومن الإنكار المشروع أن يهجر حتى يتوب، ومن الهجر امتناع أهل الدين من الصلاة عليه، لينزجر من يتشبه بطريقته ويدعو إليه، وقد أمر بمثل هذا مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة.] وإن الواجب شرعاً هو تأديب من يأتي الناس بالغرائب والمتشابهات كما فعل عمر ﵁ مع صبيغ بن عسل، فقد روى الدارمي من طريق سليمان بن يسار قال قدم المدينة رجل يقال له صبيغ بن عسل فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر فأعد له عراجين النخل فقال من أنت قال أنا عبد الله صبيغ قال وأنا عبد الله عمر فضربه حتى أدمى رأسه فقال حسبك يا أمير المؤمنين قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي)\rوروى إسماعيل القاضي في الأحكام من طريق هشام عن محمد بن سيرين قال كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى لا تجالس صبيغ واحرمه عطاءه.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية [وقصة صبيغ بن عسل مع عمر بن الخطاب من أشهر القضايا فانه بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن حتى رآه عمر فسأل عمر عن ﴿الذاريات ذرواً﴾ فقال ما اسمك قال عبد الله صبيغ فقال وأنا عبد الله عمر وضربه الضرب الشديد وكان ابن عباس إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس يقول ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام كما قال النبي ﵊ إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه) وكما قال تعالى ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾ فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد كالذي يعارض بين آيات القرآن وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك وقال (لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فان ذلك يوقع الشك في قلوبهم) ومع ابتغاء الفتنة ابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا الله فكان مقصودهم مذموماً ومطلوبهم متعذراً مثل أغلوطات المسائل التي نهى رسول الله عنها] عن الإنترنت.\rوخلاصة الأمر أنه يجب هجر المتلاعبين في كتاب الله ﷿ وآكلي لحوم العلماء والطاعنين في كتبهم ولا يجوز لعامة الناس حضور دروسهم وتكثير جمعهم، وما أحوجنا لإمام يصنع بهم كما صنع عمر ﵁ بصبيغ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346353,"book_id":3840,"shamela_page_id":733,"part":"15","page_num":1,"sequence_num":733,"body":"١ - زنا المحارم من أعظم الكبائر\rيقول السائل: زنا رجل بإحدى محارمه وحملت ويريدان إجهاض الحمل خشية الفضيحة وخشية تعرض الفتاة للقتل، فما الحكم الشرعي في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا شك أن الزنا من كبائر الذنوب، وقد وردت في تحريمه والترهيب منه نصوص كثيرة من كتاب الله ﷿ ومن سنة نبيه ﷺ، منها قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة النور الآية٢. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً﴾ سورة الفرقان الآيات ٦٨-٧١. وقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ سورة الإسراء الآية ٣٢. قال الشيخ السعدي في تفسير الآية الكريمة: [والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله، لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن (من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه) خصوصاً هذا الأمر الذي في كثير من النفوس أقوى داع إليه. ووصف الله الزنا وقبحه بأنه ﴿كان فاحشة﴾ أي: إثماً يستفحش في الشرع والعقل والفطر، لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله وحق المرأة وحق أهلها أو زوجها وإفساد الفراش واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد. وقوله: ﴿وساء سبيلاً﴾ أي: بئس السبيل سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم.] تفسير السعدي ص٤٥٧. وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله صى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه البخاري ومسلم. وعن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة) فذكر الحديث إلى أن قال: (فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، يتوقد تحته ناراً، فإذا ارتفعت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، وإذا أخمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة) الحديث، وفي رواية (فانطلقنا على مثل التنور قال فأحسب أنه كان يقول فإذا فيه لغط وأصوات، قال فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا - أي رفعوا أصواتهم مختلطة – الحديث، وفي آخره (وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني) رواه البخاري. وغير ذلك. وهذه النصوص وردت في الترهيب من الزنا عامة، فكيف بالزنا بالمحارم!؟ فإنه أعظم الزنا، وكيف لا يكون كذلك، ومطلوبٌ من المسلم أن يحافظ على عرضه، فابنته وأخته وعمته وخالته وأم زوجته ونحوهن من المحارم، يلزم المسلم أن يحفظهن وأن يحميهن، لا أن يقع في الزنا معهن والعياذ بالله. وإذا كان الزنا بزوجة الجار من أعظم الذنوب، فكيف الزنا بالأخت أو البنت أو العمة أو الخالة؟! فقد ثبت في الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك) رواه البخاري ومسلم. ورواه الترمذي والنسائي وزادا في روايتهما: وتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ والحليلة هي الزوجة. وعن المقداد بن الأسود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: ما تقولون في الزنا؟ قالوا حرام حرمه الله ﷿ ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦١٥. قال الإمام الذهبي: [وأعظم الزنا، الزنا بالأم والأخت وامرأة الأب وبالمحارم وقد صحح الحاكم (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) ، وعن البراء أن خاله بعثه رسول الله ﷺ إلى رجل عرَّس بامرأة أبيه أن يقتله ويخمس ماله) فنسأل الله المنان بفضله أن يغفر لنا ذنوبنا إنه جواد كريم] الكبائر ١/٥٠. وقال الشيخ ابن حجر المكي: [وأعظم الزنا على الإطلاق، الزنا بالمحارم فقد صحح الحاكم أنه ﷺ قال: (من وقع على ذات محرم فاقتلوه ... وعُلم مما ذكر وغيره أن الزنا له ثمرات قبيحة: منها أنه يورد النار والعذاب الشديد، وأنه يورث الفقر وأنه يؤخذ بمثله من ذرية الزاني ... وعلم من ذلك أيضاً أن الزنا له مراتب: فهو بأجنبية لا زوج لها عظيم، وأعظم منه بأجنبية لها زوج، وأعظم منه بمحرم، وزنا الثيب أقبح من البكر بدليل اختلاف حديهما، وزنا الشيخ- أي الكبير - لكمال عقله أقبح من زنا الشاب، والحر والعالم لكمالهما أقبح من القن – أي العبد – والجاهل.] الزواجر عن اقتراف الكبائر ٣/٧٤. إذا تقررت خطورة الزنا عامة والزنا بالمحارم خاصة، فإن طائفة من أهل العلم قالوا بقتل الزاني بإحدى محارمه، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن زنا بأخته ماذا يجب عليه؟ فأجاب: [وأما من زنا بإخته مع علمه بتحريم ذلك وجب قتله والحجة في ذلك ما رواه البراء بن عازب ﵁ قال: مرَّ بي خالي أبو بردة ومعه راية فقلت: أين تذهب يا خالي! قال: (بعثني رسول الله ﷺ إلى رجلٍ تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وأخمِّس ماله) مجموع الفتاوى ٣٤/١٧٧. والحديث الذي استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية رواه أحمد والترمذي والنسائي، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل حديث رقم٢٣٥١ وذهب جمهور الفقهاء إلى أن عقوبة الزاني بالمحارم هي نفس عقوبة الزاني، فإن كان محصناً فالرجم، وإن كان غير محصن فالجلد مئة، وذلك لعموم الأدلة الواردة في عقوبة الزاني، وحجة من قال بقتل الزاني بمحرم ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي والحاكم وقال: صحيح ولم يخرجاه. وحسنه جماعة وضعفه آخرون، فالحديث مختلف في إسناده، انظر إرواء الغليل حديث رقم ٢٣٥٢. وقال الشيخ ابن القيم: [فصل في حكمه ﷺ فيمن تزوج امرأة أبيه، روى الإمام أحمد والنسائي وغيرهما: عن البراء ﵁ قال لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية فقال أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله) ... وفي سنن ابن ماجة من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) ، وذكر الجوزجاني أنه رفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها، فقال احبسوه وسلوا من هاهنا من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألوا عبد الله بن أبي مطرف ﵁ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول من تخطى حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف) ، وقد ن أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات محرم فقال يقتل ويدخل ماله في بيت المال، وهذا القول هو الصحيح وهو مقتضى حكم رسول الله ﷺ، وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة: حده حد الزاني ... وحكمُ رسول الله ﷺ وقضاؤه أحق وأولى] زاد المعاد٥/١٣. وأخيراً فإن من المقرر عند أهل العلم أن الأصل هو تحريم الإجهاض قبل مرور مئة وعشرين يوماً على الحمل إلا لعذر مشروع على الراجح من أقوال العلماء، وأما بعد مضي مئة وعشرين يوماً على الحمل فقد اتفق أهل العلم على تحريم الإجهاض في هذه الحالة؛ لأن الروح تنفخ في الجنين عند مرور تلك المدة على رأي كثير من العلماء لما ثبت في حديث ابن مسعود ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيأمر بأربع: برزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح...) رواه البخاري. ويستثنى من هذا الحكم حالة واحدة فقط، وهي إذا ثبت بتقرير لجنة من الأطباء الثقات أهل الاختصاص أن استمرار الحمل يشكل خطراً مؤكداً على حياة الأم فحينئذ يجوز إسقاط الحمل. وقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ما يلي: [إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً لا يجوز إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه سواء كان مشوهاً أم لا دفعاً لأعظم الضررين] قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ص ١٢٣. وبناءً على ما سبق فإن إسقاط الجنين الناتج عن زنا المحارم قبل مضي مئة وعشرين يوماً له وجه شرعي، وخاصة إن خشي قتل الفتاة بسبب الأعراف الاجتماعية والعادات والتقاليد السائدة.\rوخلاصة الأمر أن زنا المحارم من أعظم الزنا، والواجب على الأسر أخذ الاحتياطات اللازمة لمنعه بالالتزام بالأحكام الشرعية الواردة مثل الاستئذان قبل الدخول، والتفريق بين الأولاد والبنات في المضاجع، وعدم إظهار مفاتن الجسد أمام المحارم واجتناب مشاهدة الأفلام الإباحية ونحوها، فالوقاية خير من العلاج، ولا يجوز إجهاض الجنين الناتج عن زنا المحارم إذا مضى على الحمل أربعة أشهر، وأما قبل ذلك فيجوز إجهاضه وخاصة إذا خشي على الفتاة من القتل، ومن وقع ذلك منه فعليه أن يبادر إلى التوبة النصوح، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ سورة الزمر الآيات ٥٣-٥٤.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346354,"book_id":3840,"shamela_page_id":734,"part":"15","page_num":2,"sequence_num":734,"body":"٢ - يحرم تجسس الزوج على زوجته بحجة الغيرة عليها ولضمان حسن سلوكها\rتقول السائلة: قام زوجي بتركيب آلة تسجيل على هاتف البيت لتسجيل مكالماتي، كما أنه يقوم بمراقبة هاتفي النقال باستمرار ولما فاتحته بالموضوع زعم أن ما فعله للمحافظة على أسرته وأنه شديد الغيرة على زوجته، فما حكم ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا بد من بيان معنى التجسس أولاً فهو اللغة تتبع الأخبار، يقال: جس الأخبار وتجسسها: إذا تتبعها، ومنه الجاسوس، لأنه يتتبع الأخبار ويفحص عن بواطن الأمور، والتجسس تعتريه أحكام ثلاثةٌ الحرمة والوجوب والإباحة. فالتجسس على المسلمين في الأصل حرامٌ منهيٌ عنه، لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ سورة الحجرات الآية ١٢. ولأن فيه تتبع عورات المسلمين ومعايبهم والاستكشاف عما ستروه ... قال ابن وهب: والستر واجبٌ إلا عن الإمام والوالي وأحد الشهود الأربعة في الزنا. وقد يكون التجسس واجباً، فقد نقل عن ابن الماجشون المالكي أنه قال: اللصوص وقطاع الطريق أرى أن يُطلبوا في مظانهم ويُعان عليهم حتى يقتلوا أو ينفوا من الأرض بالهرب. وطلبهم لا يكون إلا بالتجسس عليهم وتتبع أخبارهم. ويباح في الحرب بين المسلمين وغيرهم بعثُ الجواسيس لتعرف أخبار جيش الكفار من عدد وعتاد وأين يقيمون وما إلى ذلك. وكذلك يباح التجسس إذا رُفع إلى الحاكم أن في بيت فلان خمراً، فإن شهد على ذلك شهود كُشف عن حال صاحب البيت، فإن كان مشهوراً بما شُهد عليه أُخذ، وإن كان مستوراً فلا يُكشف عنه. وقد سُئل الإمام مالك عن الشرطي يأتيه رجلٌ يدعوه إلى ناس في بيت اجتمعوا فيه على شراب، فقال: إن كان في بيت لا يُعلم ذلك منه فلا يتتبعه، وإن كان معلوماً بذلك يتتبعه. وللمحتسب أن يكشف على مرتكبي المعاصي؛ لأن قاعدة ولاية الحسبة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الموسوعة الفقهية الكويتية ١٠/١٦٢ بتصرف. ومما يدل على حرمة التجسس وتتبع عورات المسلمين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثماً مُّبِيناً﴾ سورة الأحزاب الآية ٥٨. وثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والظن، فإن الظنَ أكذبُ الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره - بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله، إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) رواه مسلم. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (إياكم والظن) قال الخطابي وغيره: ليس المراد ترك العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالباً، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب بغير دليل، وذلك أن أوائل الظنون إنما هي خواطر لا يمكن دفعها، وما لا يقدر عليه لا يكلف به، ويؤيده حديث (تجاوز الله للأمة عما حدثت به أنفسها) ... وقال القرطبي: المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم رجلاً بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف عليه قوله: (ولا تجسسوا) وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة فيريد أن يتحقق فيتجسس ويبحث ويستمع، فنهى عن ذلك، وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ، فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن، فإن قال الظان أبحث لأتحقق، قيل له ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ فإن قال تحققت من غير تجسس، قيل له ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ] فتح الباري ١٠/٥٩١. وعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمانُ قلبَه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته) رواه أبو داود وقال العلامة الألباني حديث حسن صحيح، كما في صحيح سنن أبي داود ٣/٩٢٣. وعن ابن مسعود ﵁: أنه أُتِيَ برجلٍ فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً، فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيءٌ نأخذ به. قال الإمام النووي في رياض الصالحين: حديث حسن صحيح، رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم. وغير ذلك من النصوص. وقد اعتبر العلماء التجسس المحرم على المسلمين من كبائر الذنوب، قال ابن حجر الهيتمي المكي معلقاً على قوله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ : [وعلى كلٍ ففي الآية النهي الأكيد عن البحث عن أمور الناس المستورة وتتبع عوراتهم] الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/١٤. وقال أيضاً عند حديثه عن كبيرة التسمع إلى حديث قومٍ يكرهون الإطلاع عليه: [أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ( ... ومن استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك - أي بالمد وضم النون: الرصاص المذاب - يوم القيامة..) ... عَدُّ هذا هو صريح هذا الحديث وهو ظاهر وإن لم أرَ من ذكره لأن صب الرصاص المذاب في الأذنين يوم القيامة وعيدٌ شديدٌ جداً، ثم رأيت بعضهم ذكره ومر في مبحث الغيبة معنى قوله تعالى: ﴿ولا تجسسوا﴾ ، وقوله ﷺ: (ولا تجسسوا ولا تحسسوا) ، قيل هما مترادفان ومعناهما طلب معرفة الأخبار، وقيل مختلفان فهو بالحاء أن تسمعها بنفسك وبالجيم أن تفحص عنها بغيرك، وقيل بالحاء استماع حديث القوم وبالجيم البحث عن العورات؛ ومن ذلك وغيره عُلم أنه ليس للإنسان أن يسترق السمع من دار غيره، وأن لا يستنشق ولا يمس ثوب إنسان ليسمع أو يشم أو يجد منكراً، وأن لا يستخبر من صغار دار أو جيرانها؛ ليعلم ما يجري في بيت جاره.] الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/٣٥٧. إذا تقرر هذا فإنه يحرم شرعاً على الزوج أن يتجسس على زوجته ما دامت ملتزمة بالأحكام الشرعية، لأن الأصل فيها هو السلامة من المعاصي والآثام، ولأن التجسس على الزوجة يعتبر من باب إساءة الظن وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ وَلا تَجَسَّسُوا﴾ سورة الحجرات الآية ١٢. ولأن التجسس على الزوجة يؤدي إلى الفساد والإفساد، كما ورد في الحديث عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم) رواه أبو داود وابن حبان وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٢٩٣. ومما يدل على حرمة التجسس على الزوجة وتتبع العورات أن النبي ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله طُروقاً - قال أهل اللغة الطُروق بالضم المجيء بالليل من سفرٍ أو من غيره على غفلة - وقد بوبَّ الإمام البخاري في صحيحه\" باب لا يطرق أهله ليلاً إذا أطال الغيبة مخافة أن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم\"، ثم روى بإسناده عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً) ، وفي رواية عند مسلم عن جابر قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يلتمس عثراتهم) ، قال الإمام الشوكاني: [قوله (يتخونهم أو يطلب عثراتهم) ... والتخون أن يظن وقوع الخيانة له من أهله، وعثراتهم بفتح المهملة والمثلثة جمع عثرة: وهي الزلة. ووقع في حديث جابر عند أحمد والترمذي بلفظ: (لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) ] نيل الأوطار ٦/٢٤٠-٢٤١. وأما تبرير الزوج بأن يتجسس على زوجته من باب الغيرة، فهذه الغيرة مذمومة، وقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ قال: (إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير الريبة) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع ١/٤٤٢. والغيرة من غير ريبة نوع من الإفراط، وأما التفريط في الغيرة فهو من لا يغار على زوجته ومحارمه مع وجود الريبة، فهذا ينطبق عليه وصف الديوث الوارد في الحديث، والدياثة من كبائر الذنوب كما قال ابن حجر المكي في الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/١٠٩-١١١.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم شرعاً على الزوج أو الزوجة أن يتجسس كل واحد منهما على الآخر بدون موجب، وإن التجسس وسوء ظن أحد الزوجين بالآخر، يؤدي إلى الدمار، وخراب البيوت، وإفساد الحياة الزوجية ويفقدهما الشعور بالثقة والسكن المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الروم الآية ٢١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346355,"book_id":3840,"shamela_page_id":735,"part":"15","page_num":3,"sequence_num":735,"body":"٣ - يحرم تزويج شاتم الرب والدين حتى يتوب\rتقول السائلة: تقدم ابن عمي لخطبتي ومعروفٌ عنه كثرة سبه للدين والرب، ووالدي يجبرني على القبول به، وأنا أرفضه، فما حكم قبولي الزواج منه، أفيدونا؟\rالجواب: واجب الآباء والأولياء أن يتحروا عمن يتقدم لخطبة بناتهم، وأن ينظروا ويفحصوا أحوالهم، وأن يجعلوا المعيار للقبول والرد هو ما قرره الشرع، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريضٌ) رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم، وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. وجاء في الحديث عن أبي حاتم المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد. قالوا: وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ثلاث مرات. رواه الترمذي وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٣١٥. وهذا الحديث يقرر أصلاً مهماً في الزواج وهو اعتبار الكفاءة في الدين، فإن ساب الرب والدين ليس كفؤاً للمرأة الصالحة، فشاتم وساب الرب والدين لا ينبغي أن يزوج لأن أمره دائر بين الكفر والفسق على اختلافٍ بين العلماء في حاله. ولا شك أن من الأمور المقلقة والمنكرة انتشار سب الدين وسب الرب في المجتمع بشكل ظاهر وواضح، حيث إن هذه الظاهرة المنكرة أصبحت دارجة على ألسنة كثير من الناس، صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً، ونسمعها باستمرار كلما تصايح اثنان، وترى بعض الناس يسبون الدين والرب بشكل عادي جداً وكأن الأمر ليس كفراً مخرجاً من الملة، وهذه الظاهرة المنكرة تحتاج إلى علاج شامل لتستأصل من أوساط الناس، وعلاج هذه الظاهرة يحتاج إلى تضافر الجهود من أئمة المساجد والخطباء والمربين والمدرسين والآباء والأمهات وغيرهم. ولا بد أن نغرس معاني الإيمان في نفوس أبنائنا وبناتنا ونعلمهم أن سب الدين وشتم الذات الإلهية من نواقض الإيمان. والأسرة والمسجد لهما دور كبير في ذلك، وكذلك المدرسة، فالمربون من المدرسين والمدرسات عليهم واجب كبير في هذه القضية، خاصة نحو صغار الأطفال الذين قد يسمعون هذه الشتائم لأول مرة في المدرسة من زملائهم أو في الشارع، والحق يقال إن هذه الظاهرة منتشرة في بلادنا بشكل واضح مع الأسف الشديد بخلاف كثير من بلاد المسلمين فلا تكاد توجد عندهم ولا يعرفونها. ويجب أن يعلم أن العلماء قد بينوا أن سب الدين أو سب الرب أو سب الرسول ﷺ يُعد كفراً مخرجاً من الملة، وهو ردة عن دين الإسلام إذا كان الساب يعلم ما يصدر عنه، حتى لو كان مستهزئاً، يقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ سورة التوبة الآيتان ٦٥-٦٦. قال القاضي عياض: [لا خلاف أن سابَّ الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم] الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢/٢٦٧. ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام اسحق بن راهوية أحد الأئمة الأعلام قوله: [أجمع المسلمون على أن من سبَّ الله أو سبَّ رسوله ﷺ أو دفع شيئاً مما أنزل الله ﷿ أو قتل نبياً من أنبياء الله ﷿ أنه كافر بذلك وإن كان مقراً بكل ما أنزل الله] الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٩. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومن سبَّ الله تعالى، كفر سواء كان مازحاً أو جاداً وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله، أو كتبه قال الله تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ وينبغي أن لا يُكتفى من الهازئ بذلك بمجرد الإسلام حتى يؤدب أدباً يزجره عن ذلك، فإنه إذا لم يُكتف ممن سب رسول الله ﷺ بالتوبة فممن سب الله تعالى أولى] المغني ٩/٢٨. إذا تقرر أن سب الذات الإلهية وسب الدين كفر مخرج من الملة، فيجب الانتباه إلى الفرق بين كون الشيء كفراً وتكفير الشخص الذي حصل منه ذلك بعينه، فلا نستطيع أن نحكم بكفر كل إنسان إذا صدر منه ما يحكم العلماء أنه كفر، لأن تكفير المعين يحتاج إلى معرفة أن موانع التكفير منتفية عن هذا الشخص المعين، وقد ذكر أهل العلم أن موانع التكفير هي الخطأ والجهل والعجز والإكراه. قال الشيخ العلامة محمد العثيمين: [للحكم بتكفير المسلم شرطان: أحدهما: أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء مما يكفر. الثاني: انطباق الحكم على من فعل ذلك بحيث يكون عالماً بذلك قاصداً له، فإن كان جاهلاً لم يكفر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ سورة النساء الآية ١١٥. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ سورة التوبة الآية ١١٥. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ سورة الإسراء الآية ١٥. لكن إن فرط بترك التعلم والتبين لم يعذر، مثل أن يبلغه أن عمله هذا كفر فلا يتثبت ولا يبحث، فإنه لا يكون معذوراً حينئذ. وإن كان غير قاصدٍ لعمل ما يكفر لم يكفر بذلك، مثل أن يكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومثل أن ينغلق فكره فلا يدري ما يقول لشدة فرح ونحوه، كقول صاحب البعير الذي أضلها ثم اضطجع تحت شجرة ينتظر الموت فإذا بخطامها متعلقاً بالشجرة فأخذه فقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) أخطأ من شدة الفرح] فتاوى العقيدة ص٢٦٣-٢٦٤. وقد سئل الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي عن سب الدين أو الرسول ﷺ أو القرآن العظيم هل يكفر ولو كان جاهلاً؟ فقال: [هذا الباب كغيره من أبواب الكفر يُعلَّم ويؤدب فإن عُلِّم وعاند بعد التعليم والبيان كفر، وإذا قيل لا يعذر بالجهل فمعناه يُعلَّم ويؤدب وليس معناه أنه يكفر] فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي ص٣٧٢. وبناءً على ما تقدم فإن كثيراً من الناس الذين يسبون الدين والرب في بلادنا وتجري هذه الكلمة على ألسنتهم لا نستطيع أن نحكم عليهم بالكفر وبفسخ زواجهم، لأن هؤلاء يجهلون ما يترتب على التلفظ بالسب والشتم من نتائج، وكذلك فإن السب والشتم يصدر منهم من غير قصدٍ ولا إرادة وما كان كذلك فإن الله ﷾ لا يؤاخذ عليه كما في يمين اللغو التي يتلفظ بها الإنسان، ولكنه لا يقصد اليمين فهو غير مؤاخذ بذلك، يقول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ سورة المائدة الآية ٨٩. ويضاف إلى ذلك أن السب والشتم إذا صدر عن الإنسان وهو في حالة من الغضب الشديد بحيث إنه لا يدري ما يصدر منه فأرجو أن لا يؤاخذ على كلامه. ولا يفهمنَّ أحدٌ أن في هذا الكلام تهويناً من هذه الجريمة المنكرة والعادة القبيحة ألا وهي سب الدين والذات الإلهية والرسول ﷺ، فعلى من وقع منه ذلك أن يتوب إلى الله توبة صادقة نصوحاً، [وشروط التوبة الخمسة هي: الشرط الأول: الإخلاص لله بتوبته، بأن لا يكون الحامل له على التوبة رياء أو سمعة، أو خوفاً من مخلوق، أو رجاء لأمرٍ يناله من الدنيا، فإذا أخلص توبته لله وصار الحامل له عليها تقوى الله ﷿ والخوف من عقابه ورجاء ثوابه، فقد أخلص لله تعالى فيها. الشرط الثاني: أن يندم على ما فعل من الذنب، بحيث يجد في نفسه حسرةً وحزناً على ما مضى، ويراه أمراً كبيراً يجب عليه أن يتخلص منه. الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب وعن الإصرار عليه؛ فإن كان ذنبه تَرْكَ واجبٍ قام بفعله وتَدَارَكَه إن أمكن، وإن كان ذنبُه بإتيانِ محرمٍ أقلع عنه، وابتعد عنه، ومن ذلك إذا كان الذنب يتعلق بالمخلوقين، فإنه يؤدي إليهم حقوقهم أو يستحلهم منها. الشرط الرابع: العزم على أن لا يعود في المستقبل، بأن يكون في قلبه عزم مؤكد ألا يعود إلى هذه المعصية التي تاب منها. الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، فإن كانت بعد فوات وقت القبول لم تقبل، وفوات وقت القبول عام وخاص: أما العام؛ فإنه طلوع الشمس من مغربها، فالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل، لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ سورة الأنعام الآية ١٥٨. وأما الخاص؛ فهو حضور الأجل، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ سورة النساء الآية ١٨.] مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ٢/١٥٢. والمطلوب ممن تاب توبة صادقة أن يكثر من الاستغفار ومن فعل الخيرات، فلعل الله أن يتقبل منه يقول ﷾: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سورة الزمر الآية ٥٣.\rوخلاصة الأمر أن سب الدين والرب ردةٌ في حق من ارتكبه عامداً قاصداً عالماً به غير جاهل ولا مكره. وأن شاتم الرب والدين يحرم تزويجه شرعاً حتى يتوب إلى الله ﷿ توبة نصوحاً بشروطها، ولا يجوز لهذا الأب أن يجبر ابنته على الزواج من ابن أخيه ساب الرب والدين حتى يتوب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346356,"book_id":3840,"shamela_page_id":736,"part":"15","page_num":4,"sequence_num":736,"body":"٤ - مسابقة ملكة الجمال أمر محرم شرعا ومناف لقيمنا وأخلاقنا\rيقول السائل: ما الحكم الشرعي في مسابقة ملكة الجمال، وما حكم المشاركة فيها، أفيدونا؟\r\rالجواب: لعل من الأمور البدهية التي لا يجهلها مسلم، أن مسابقة ملكة الجمال تتنافى مع مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف، وما هي إلا تقليدٌ أعمى للغربيين الذين صنعوها، وما مسابقة ملكات الجمال إلا امتهانٌ للمرأة واحتقار لشأنها، وجعلِ جسدها كالسلعة التي يُقلبها المتسوقون، وفيها استغلال لجسد المرأة في الإعلانات التجارية لتسويق البضائع وترويجها، وهذه المسابقات مظهر من مظاهر الانحلال والميوعة، ومحاربة الفضيلة ودعوة للرذيلة، وإشاعة للفحشاء والمنكر في المجتمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ سورة النور الآية ١٩. ومسابقة ملكات الجمال عودة إلى سوق النخاسة، بل هي أسوأ من ذلك، حيث كانت الجواري لا يبعن لجمالهن فقط، وإنما لصفاتٍ أخرى فيهن كالفصاحة والبلاغة والتدين ونحو ذلك. وفكرة مسابقة ملكات الجمال من الإفرازات الخبيثة للثقافة الغربية، يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمة الله عليه: [من أبرز مظاهر مكر الحضارة الغربية بالمرأة ابتداعها مسابقات ملكات الجمال، وملكات الأناقة، وملكات الإغراء وملكات لا نهاية لممالكهن الوهمية، هل في ذلك إلا دليلٌ على رغبة الرجل الغربي في الاستمتاع بأنوثة المرأة، ودليلٌ على أن المرأة عندهم لا تهمُّها كرامتها بقدر ما يهمها لفت الأنظار إلى جمالها وأنوثتها؟ ... مسابقات ملكات الجمال مناسبة لاستمتاع رجال التحكيم والمتفرجين بأجسام الفتيات المتسابقات تحت ستار مشروع في رأي هذه الحضارة ... مسابقات ملكات الجمال، رقيةُ الساحر الماكر لاستخراج الفتيات من بيوت آبائهن إلى حيث يصبحن تحت سلطته وتصرفه ... التقت فتاة جميلة عاقلة، مع فتاة جميلة ساذجة دخلت مسابقة ملكات الجمال، فقالت هذه لتلك بغرور ساذج: لقد صرتُ مشهورة، تنشرُ الصحف صوري وتنقل وكالات الأنباء أخباري. فقالت الأخرى: إن اللوحة الفنية التي لم تلمسها الأيدي أغلى ثمناً وأبلغ لفتاً للأنظار من التي لمستها الأيدي حتى غيرت روعة ألوانها الطبيعية ... مرت فتاةٌ مغرورة ممن دخلت مسابقات ملكات الجمال بطائر حبيس في شبكة الصياد، فبكت حرقةً له، فقال لها الطائر الحبيس: لا تبكي على من لا تزال أمامه فرصة للإفلات من الشبكة، ولكن ابكي على من لم يعد يستطيع الإفلات منها بحال من الأحوال، ابكي على نفسك أيتها المسكينة لو كان لك عقل تفكرين به. ملكات الجمال يُنسيْنَ بعد أيام، ولكن العالمات والمخترعات والأمهات اللاتي ولدن عظماء التاريخ، سيظل يَذكُرهن التاريخ ما بقي إنسان يقرأ التاريخ] كتاب هكذا علمتني الحياة ص ١١١- ١١٢. وهذه بعض النصوص الشرعية التي تؤصل لتحريم مسابقة ملكة الجمال من جميع جوانبها، سواء تنظيمها أو المشاركة فيها بأي شكل من الأشكال، يقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ سورة الأعراف الآية ٢٧. ولا شك أن عرض الفتيات في هذه المسابقات ما هو إلا عرضٌ لأجسادهن العارية، وكشفٌ لما أمر الله ﷿ بستره وحجبه عن أعين لصوص الأجساد، يقول الله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ ... ﴾ سورة النور الآية٣١، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ الأحزاب الآية ٥٩. وقال النبي ﷺ: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة) رواه مسلم. وقد حذرنا الله ﷿ أن نسير وراء كل ناعق ممن يسعون إلى تدمير البقية الباقية من ديننا وأخلاقنا، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ١٠٠. وورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين خمسٌ إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلَّط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) رواه ابن ماجة وأبو نعيم في حلية الأولياء ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ١/١٦٧. ولا شك أن مسابقة ملكة الجمال من المنكرات التي يجب شرعاً إنكارها وعدم السكوت عليها، يقول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ سورة آل عمران الآية ١١٠. وبناءً عل ما سبق يتقرر ما يلي: أولاً: يحرم شرعاً تنظيم مسابق ملكة الجمال والدعوة للمشاركة فيها. ثانياً: يحرم المساهمة في هذه المسابقة بأي شكل من الأشكال، كالإعلان عنها، وتقديم أي شيء يسهم فيها. وكذلك يحرم حضورها. ثالثاً: يحرم شرعاً مشاركة الفتيات فيها، ويحرم على أولياء أمورهن السماح لهن بالمشاركة فيها بأي صورة من الصور، ومن يسمح لبنته أو أخته للمشاركة فيها، فهو ديوث كما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثةٌ لا ينظر الله ﷿ إليهم يوم القيامة، العاق لوالديه والمرأة المترجلة والديوث) . وجاء في رواية أخرى: (ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء) وفيها: (فما الديوث؟ قال: الذي لا يبالي بمن دخل على أهله، قيل فما الرجلة؟ قال: التي تتشبه بالرجال) رواه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقال العلامة الألباني: حسن صحيح، انظر صحيح سنن النسائي ٢/٥٤١، السلسلة الصحيحة حديث رقم ١٣٩٧. قال ابن منظور: [الديوث هو الذي لا يغار على أهله] لسان العرب ٤/٤٥٦، وقال العلامة علي القاري: [والديوث الذي يُقرُ أي يُثبتُ بسكوته على أهله، أي من امرأته أو جاريته أو قرابته، الخبث أي الزنا أو مقدماته وفي معناه سائر المعاصي كشرب الخمر وترك غسل الجنابة ونحوهما، قال الطيبي أي: الذي يرى فيهن ما يسوءه ولا يغار عليهن ولا يمنعهن فيقر في أهله الخبث] مرقاة المفاتيح ٧/ ٢٤١. وقال العلامة ابن القيم: [وذكر الديوث في هذا الحديث وما قبله يدل على أن أصل الدين الغيرة، من لا غيرة له لا دين له، فالغيرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح فترفع السوء والفواحش، وعدمها يميت القلب فتموت الجوارح، فلا يبقى عندها دفع البتة، والغيرة في القلب كالقوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة كأنه الهلاك] فيض القدير ٣/٤٣٠-٤٣١. رابعاً: يجب شرعاً منع إقامة هذه المسابقة، لأنها منكرٌ عظيم، ونوع من الإفساد في الأرض، وفي منعها محافظة على أخلاق مجتمعنا وقيمنا وعاداتنا الطيبة، ووقاية لنا من النار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ سورة التحريم الآية ٦. خامساً: واجب العلماء والدعاة والمربين وخطباء المساجد، إنكار هذه المسابقة الخبيثة والتحذير منها ومن شرورها. وأخيراً فإني لأستغرب سكوت الجمعيات النسوية - التي تزعم أنها تدافع عن المرأة وعن كرامتها- عن هذا الانتهاك الصارخ لحقوق المرأة، وعن هذا التعدي على كرامة المرأة، أم أن التعري وعرض لحوم النساء في المزادات اللاأخلاقية يندرج تحت لافتة تحرير المرأة!؟\rوخلاصة الأمر أن مسابقة ملكة الجمال فكرة وافدة خبيثة، يُحرمها دينُنا وتعارضها أخلاق شعبنا وعاداته وقيمه الطيبة، فهي أمر محرم شرعاً ويحرم تنظيمها أو المشاركة فيها بأي شكل من الأشكال. وهي من المنكرات فيجب شرعاً إنكارها، وخاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها شعبنا المرابط في بيت المقدس وأكنافه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346357,"book_id":3840,"shamela_page_id":737,"part":"15","page_num":5,"sequence_num":737,"body":"٥ - الضوابط الشرعية لممارسة المرأة الألعاب الرياضية\rيقول السائل: ما مدى صحة الاستدلال بحديث مسابقة النبي ﷺ لإحدى زوجاته، على ممارسة المرأة لمختلف الألعاب الرياضية أمام الرجال، أفيدونا؟\r\rالجواب: ورد في الحديث (عن عائشة ﵂ أنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفرةٍ، وهي جارية قالت: لم أحمل اللحم ولم أبدن - من البدانة وهي كثرة اللحم والسمنة - فقال ﷺ لأصحابه: تقدموا، فتقدموا، ثم قال: تعالي أسابقك فسابقته فسبقته على رجلي، فلما كان بعد خرجت معه في سفر فقال لأصحابه: تقدموا ثم قال: تعالي أسابقك ونسيت الذي كان وقد حملت اللحم وبدنت، فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله ﷺ وأنا على هذه الحال؟ فقال: لتفعلن فسابقته فسبقني، فجعل يضحك وقال: هذه بتلك السبقة) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والطبراني وابن ماجة وغيرهم وقال العلامة الألباني: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين وقد صححه العراقي في تخريج الإحياء، السلسلة الصحيحة١/٢٠٤. وقد أخذ العلماء من هذا الحديث مشروعية الرياضة للنساء وفق الضوابط والشروط الشرعية التي سأذكرها لاحقاً، حيث أشار الحديث إلى ذلك عندما أمر النبي ﷺ الصحابة أن يتقدموا، فتقدموا، ثم تسابق النبي ﷺ مع عائشة ﵂. إذا تقرر هذا فلا بد من البيان أن الإسلام أباح الرياضة للرجال والنساء على حدٍ سواء، وفق ضوابط شرعية لا بد من الالتزام بها، وإن الإخلال بهذه الضوابط يخرج الرياضة عن دائرة الإباحة، وقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (المؤمن القوي خيرٌ وأحبُ إلى الله من المؤمن الضعيف) رواه مسلم، ولا شك أن الرياضة من أسباب قوة الجسم، ويجب أن يُعلم أن طبيعة جسد المرأة وتكوينها الخَلْقي يختلف عن طبيعة الرجل، فليس كل ما يناسب الرجل من أنواع الرياضة يناسب المرأة، ولا يجوز تقليد غير المسلمين فيما يفعلون ويمارسون من رياضات نسوية بحجج واهية، مثل مساواة المرأة مع الرجل وباسم التقدم والحضارة والإنعتاق من الإنغلاق، ونحو ذلك من الشعارات الخداعة. فهناك أنواع من الرياضة تمارسها النساء في الغرب لا يمكن أن تقرها شريعتنا الغراء، ولا يمكن أن تقبلها عادتنا وأعرافنا الطيبة. وقد قرر اللماء مجموعة من الضوابط والشروط الشرعية لممارسة المرأة للرياضة كما يلي: أولاً: لا بد للرياضة النسوية أن تكون منسجمة مع طبيعة المرأة وتكوينها الخَلْقي، فالمرأة لها طبيعتها وخصائصها المخالفة للرجل، وهذه سنة الله في خلْق الرجل والمرأة، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ سورة النساء الآية ٣٢، فيحرم على المرأة أن تمارس رياضةً لا تتفق مع خلقتها الأنثوية، كالمصارعة وكمال الأجسام ورفع الأثقال ونحوها من الرياضات، فإن فعلت ذلك فهي امرأة مترجلة، فقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثةٌ لا ينظر الله ﷿ إليهم يوم القيامة، العاق لوالديه والمرأة المترجلة والديوث) . وجاء في رواية أخرى: (ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء) وفيها: (فما الديوث؟ قال: الذي لا يبالي بمن دخل على أهله، قيل فما الرجلة؟ قال: التي تتشبه بالرجال) رواه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقال العلامة الألباني: حسن صحيح، انظر صحيح سنن النسائي ٢/٥٤١، السلسلة الصحيحة حديث رقم ١٣٩٧. والمرأة المترجلة هي التي تتشبه بالرجال في زيهم وهيئتهم وأحوالهم. ثانياً: يحرم شرعاً على المرأة المسلمة كشف العورات في الرياضة وفي غير الرياضة، قال الله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ ... ﴾ سورة النور الآية٣١، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ الأحزاب الآية ٥٩. وقال النبي ﷺ: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة) رواه مسلم. قال الحافظ ابن عبد البر: [والذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيقٍ سابغٍ وتخمر رأسها، فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها] الاستذكار ٥/٤٤٣. وبناءً على ذلك يحرم على المرأة أن تمارس أي نوع من أنواع الرياضة يؤدي إلى كشف العورات كما هو الحال في السباحة وكرة القدم وكرة السلة وغيرها، سواء كشفت عورتها أمام الرجال أو أمام النساء ضمن الحدود المعتبرة شرعاً في حد العورة في نطاق قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ... ﴾ الآية. ثالثاً: يحرم الاختلاط أثناء ممارسة الرياضة النسوية، ويظهر هذا جلياً من خلال حديث مسابقة النبي ﷺ لعائشة حيث ورد فيه (فقال لأصحابه: تقدموا، فتقدموا، ثم قال: تعالي أسابقك فسابقته فسبقته على رجلي، فلما كان بعد خرجت معه في سفر فقال لأصحابه: تقدموا ثم قال: تعالي أسابقك) فقوله ﷺ لأصحابه تقدموا في حالتي السباق، يدل على منع ممارسة المرأة للرياضة في حال الاختلاط مع الرجال وكذا في حال حضورهم. رابعاً: لا تمارس المرأة الرياضة في حال حضور الرجال كما يحدث في مباريات كرة القدم وغيرها، وكذلك في حال تصوير الألعاب ونشر الصور سواء عبر الصحف والمجلات أو البث التلفزيوني ونحو ذلك من الوسائل. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث السابق حيث ورد فيه (فقال لأصحابه: تقدموا، فتقدموا، ثم قال: تعالي أسابقك فسابقته فسبقته على رجلي، فلما كان بعد خرجت معه في سفر فقال لأصحابه: تقدموا ثم قال: تعالي أسابقك) . وكذلك فإن النظر إلى اللاعبات خاصة وهن في الملابس الرياضية يعتبر زناً شرعاً فقد قال النبي ﷺ: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) رواه البخاري ومسلم. خامساً: أن تخلو الرياضة من كل ما يلحق الأذى والضرر بالمرأة بشكل عام، فتحرم الملاكمة والمصارعة ونحوهما من الرياضات العنيفة، التي لا تخلو من إلحاق الضرر والأذى بمن يمارسها. جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي: [فقد نظر في موضوع الملاكمة والمصارعة الحرة من حيث عدهما رياضة بدنية جائزة، وكذا في مصارعة الثيران المعتادة في بعض البلاد الأجنبية، هل تجوز في حكم الإسلام أو لا تجوز. وبعد المداولة في هذا الشأن من مختلف جوانبه والنتائج التي تسفر عنها هذه الأنواع التي نسبت إلى الرياضة وأصبحت تعرضها برامج البث التلفازي في البلاد الإسلامية وغيرها. وبعد الاطلاع على الدراسات التي قدمت في هذا الشأن بتكليف من مجلس المجمع في دورته السابقة من قبل الأطباء ذوي الاختصاص، وبعد الاطلاع على الإحصائيات التي قدمها بعضهم عما حدث فعلاً في العالم نتيجة لممارسة الملاكمة وما يشاهد في التلفزة من بعض مآسي المصارعة الحرة، قرر مجلس المجمع ما يلي: أولا: الملاكمة: يرى مجلس المجمع بالإجماع أن الملاكمة المذكورة التي أصبحت تمارس فعلاً في حلبات الرياضة والمسابقة في بلادنا اليوم هي ممارسة محرمة في الشريعة الإسلامية لأنها تقوم على أساس استباحة إيذاء كل من المتغالبين للآخر إيذاءً بالغاً في جسمه قد يصل به إلى العمى أو التلف الحاد أو المزمن في المخ أو إلى الكسور البليغة، أو إلى الموت، دون مسئولية على الضارب، مع فرح الجمهور المؤيد للمنتصر، والابتهاج بما حصل للآخر من الأذى، وهو عمل محرم مرفوض كلياً وجزئياً في حكم الإسلام لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ، وقوله ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) . على ذلك فقد نص فقهاء الشريعة على أن من أباح دمه لآخر فقال له: (اقتلني) أنه لا يجوز له قتله، ولو فعل كان مسئولاً ومستحقاً للعقاب. وبناءً على ذلك يقرر المجمع أن هذه الملاكمة لا يجوز أن تسمى رياضةً بدنيةً ولا تجوز ممارستها، لأن مفهوم الرياضة يقوم على أساس التمرين دون إيذاء أو ضرر، ويجب أن تحذف من برامج الرياضة المحلية ومن المشاركات فيها في المباريات العالمية، كما يقرر المجلس عدم جواز عرضها في البرامج التلفازية كي لا تتعلم الناشئة هذا العمل السيئ وتحاول تقليده. ثانيا: المصارعة الحرة: وأما المصارعة الحرة التي يستبيح فيها كل من المتصارعين إيذاء الآخر والإضرار به، فإن المجلس يرى فيها عملاً مشابهاً تمام المشابهة للملاكمة المذكورة، وإن اختلفت الصورة، لأن جميع المحاذير الشرعية التي أشير إليها في الملاكمة موجودة في المصارعة الحرة التي تجرى على طريقة المبارزة وتأخذ حكمها في التحريم. وأما الأنواع الأخرى من المصارعة التي تمارس لمحض الرياضة البدنية ولا يستباح فيها الإيذاء فإنها جائزة شرعاً ولا يرى المجلس مانعاً منها] . سادساً: أن لا يترتب على ممارسة الرياضة إخلال بالواجبات كتضييع الصلوات وإهمال المرأة لشؤون بيتها وأسرتها، أو وقوعٍ في المحرمات كالسباب والشتائم ونحوها أو سفر للمرأة بدون محرم. سابعاً: [الوقوف على القصد من تنظيم المسابقة: فلا يجوز أن تكون إقامة المسابقة الرياضية أياً كان شكلها \" دوري\" أو \"كأس\" مجرد تقليد للفكر الغربي، أو استجابة لمطالب لا تتناسب مع العرف القائم في بلادنا، وقد اتفق الفقهاء على اعتبار العرف في الاجتهاد الفقهي ... أما التقليد لذاته بما لا يتناسب مع أعرافنا، وما قد يتبعه من مفاسد أكبر من توافر الشروط الشرعية في الممارسة، فلا يجوز بناءً على اعتبار فقه المالآت في المسألة، إذ من المعلوم أن جهاز \" الفيفا \" الدولي يرصد مبالغ طائلة للدول الإسلامية للقيام بالألعاب الرياضية، ويشترط أن تنفق بعض النسب على الكرة النسائية، وهذا يعني أنه في بعض الأحيان تنشأ الفرق النسائية لأجل ما يأتي من الدعم المالي من الهيئات الدولية الرياضية، أو السعي وراء إثبات أن الدولة تعطي للمرأة حقوقاً إضافيةً حتى تحسن الصورة أمام الدول الغربية، دون مراعاة للأعراف والتقاليد، أو الالتفات إلى قواعد ومقاصد الشرع الحكيم، وهذا يُخرج المسألة من كونها تبيح للمرأة الممارسة، لأن المقصود ليس ممارسة النساء اللعبة الرياضية، ولكن غلب عليه مقاصد أخرى، والأمور بمقاصدها. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: (لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم، شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ تبعتموهم) . قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) . وكما ورد عن ابن مسعود: \" لا يُقلدنَّ أحدُكم دينَه رجلاً، إن آمن؛ آمن، وإن كفر؛ كفر، فإنه لا أسوة في الشر\" وليس بلازم أن يكون في بلد ممارسة معينة أن تنتقل إلى كل البلاد، فالاختلاف سنة في بني البشر، كما قال تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ .] عن إسلام أون لاين. وخلاصة الأمر أن الرياضة مشروعة للنساء والرجال وفق الضوابط الشرعية المذكورة أعلاه، وإن لم تتوفر هذه الضوابط فيحرم شرعاً على المرأة ممارسة الرياضة حينئذ، ويمكن الاستعاضة عن ذلك ببدائل مقبولة شرعاً كاللعب على الأجهزة الرياضية في البيت أو ممارسة الألعاب الرياضية في صالات خاصة بالنساء ونحو ذلك ضمن حدود الشريعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346358,"book_id":3840,"shamela_page_id":738,"part":"15","page_num":6,"sequence_num":738,"body":"٦ - النقاب من الدين وليس من العادات كما زعم شيخ الأزهر\rيقول السائل: هل ما قاله شيخ الأزهر عن النقاب بأنه ليس من الدين وإنما هو من العادات صحيح، أفيدونا؟\r\rالجواب: من المؤسف حقاً أن بعض المشايخ الرسميين لهم مواقف وأقوال تصب في محاربة الإسلام الحق، وكأنهم صاروا أدوات طيعة في أيدي أعداء الإسلام، يستعملونهم في محاربة الدين، ولا أدل على ذلك من احتفاء جهات معادية للإسلام بأقوال د. سيد طنطاوي شيخ الأزهر في قضية النقاب، ومن أراد أن يعرف برهان ذلك فليرجع إلى ما كتبته بعض الصحف الغربية وبعض القنوات الفضائية، مرحبة بمقالة السوء التي صدرت عن شيخ الأزهر. وهذه ليست أول مرة يقف فيها شيخ الأزهر مثل هذه المواقف التي تسيء إساءة بالغة لأهم مؤسسة دينية على مستوى العالم الإسلامي، فرحم الله الأزهر عندما كان منارة للعلم والعلماء ومنبراً للدفاع عن الإسلام والمسلمين. ومما يثير الغضب والاشمئزاز في موقف شيخ الأزهر من النقاب في الحادثة الأخيرة، تجاهله الصريح لما قرره العلماء في حكم النقاب، بل تجاهله لما قرره هو نفسه قبل أن يجلس على كرسي مشيخة الأزهر كما سأذكر، وكذلك أسلوبه الفج وألفاظه الجارحة في التعامل مع الفتاة ومعلمتها، بل وصل به الأمر إلى الاستهزاء بالفتاة بعد أن أجبرها على خلع نقابها وظهر له أنها ليست جميلة فقال لها ما قال، فأين الشيخ من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ سورة الحجرات الآية١١. ولو قبلنا كلام شيخ الأزهر أن النقاب من العادات – وهو ليس بمقبول- فلماذا لا تترك لها حرية الاختيار؟ وهي قد اختارت أمراً يزيد في سترها وعفافها، وأين موقف شيخ الأزهر من المتبرجات الكاسيات العاريات؟ وبدلاً من إصدار القرارات في منع المنقبات من دخول مؤسسات الأزهر، كان الواجب الشرعي يقتضي منع المتبرجات من ذلك! والحق يقال أن المتبرجات أولى بهذه الغضبة وأولى بهذا التعنيف من المنقبات. أم أن التبرج مسموح والتنقب ممنوع!!!\rإذا تقرر هذا فلا بد من بيان أن النقاب هو ما تغطي به المرأة وجهها، وأما الحجاب فهو ما تستر به المرأة جميع بدنها، وأما الخمار فهو ما تغطي به المرأة رأسها، وقد اتفق أهل العلم على وجوب تغطية المرأة لرأسها وجميع بدنها، ووقع خلاف بين أهل العلم في حكم تغطية الوجه، فمن العلماء من أوجبه، ومنهم من استحبه، فأوجبوا الخمار والحجاب، واختلفوا في النقاب ما بين الوجوب والاستحباب، ولم يقل أحد من أهل العلم - فيما أعلم - أن النقاب ليس من الدين، كما زعم د. سيد طنطاوي شيخ الأزهر، بل إن ما قاله شيخ الأزهر قول شاذ، ليس له مستند علمي صحيح، ولا أريد هنا أن أذكر كلام العلماء وأدلتهم في الخلاف في حكم النقاب، ولكن أود أن أذكر شيئاً من كلام د. سيد طنطاوي قبل أن يصبح مفتياً للديار المصرية وقبل أن يصير شيخاً للأزهر، فقد قال في تفسيره للقرآن الكريم المسمى بالوسيط عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال د. سيد طنطاوي: [ومن الأحكام والآداب التي اشتملت عليها هاتان الآيتان ما يأتي: ... أنه لا يحل للمرأة أن تبدى زينتها لأجانب، إلا ما ظهر منها، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ . قال الإمام القرطبي ما ملخصه: أمر الله تعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين، إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية، حذاراً من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، واختلف الناس في قدر ذلك. فقال ابن مسعود: طاهر الزينة هو الثياب. . . وقال سعيد بن جبير والأوزاعي: الوجه والكفان والثياب ... وقال ابن عباس وقتادة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب ونحو هذا، فمباح أن تبديه لكل من ظهر عليها من الناس. وقال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية، بأن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر، بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، \" فما ظهر \" على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه. قلت: أي القرطبي: وهذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما، عادة وعبادة، صح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما. يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة (أن أسماء بنت أبي بكر، دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) . وقال بعض علمائنا: (إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك. هذا وفى هذه المسألة كلام كثير للعلماء فارجع إليه إن شئت.]] فالدكتور طنطاوي ذكر قولين لأهل العلم في تغطية المرأة وجهها، ولم يذكر لنا أن تغطية المرأة لوجهها ليس له علاقة بالدين وأنه من العادات كما زعم، وأين شيخ الأزهر من النصوص التي ورد فيها ذكر النقاب، ومنها عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين) رواه البخاري. قال الشيخ أبو بكر بن العربي المالكي: [قوله في حديث ابن عمر: (لا تنتقب المرأة) وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئاً من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها] عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي ٤/٤٥. ولو قلنا بعدم وجوب النقاب فنهيه ﷺ المحرمة أن تتنقب يدل على جوازه في غير حالة الإحرام. وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ في حديث قصة الإفك قالت: ( ... فبينما أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان ابن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي ... فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرت ـ وفي رواية فسترت ـ وجهي عنه بجلبابي ... ) . وعن عائشة ﵂ قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه) . رواه أحمد وأبو داود وصححه العلامة الألباني في حجاب المرأة المسلمة ص ٥٠. وذكر العلامة محمد العثيمين قول ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ . سورة الأحزاب الآية ٥٩) . قال ابن عباس: [أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة] . قال العثيمين: وتفسير الصحابي حجة، بل قال بعض العلماء إنه في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ، وقوله ﵁ \" ويبدين عيناً واحدة \" إنما رخص في ذلك لأجل الضرورة والحاجة إلى نظر الطريق فأما إذا لم يكن حاجة فلا موجب لكشف العين. والجلباب هو الرداء فوق الخمار بمنزلة العباءة. قالت أم سلمة ﵂ لما نزلت هذه الآية: (خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها) . وقد ذكر عبيدة السلماني وغيره أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن من أجل رؤية الطريق.] رسالة الحجاب للعلامة العثيمين. وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن جابر بن زيد أنه كره أن تصلي المرأة وهي منتقبة أو تطوف وهي منتقبة. وروى أيضاً عن طاووس أنه كره أن تصلي المرأة وهي منتقبة. وروى عن الحسن قال كان يكره أن تصلي المرأة منتقبة. وروى عن صفية بنت شيبة قالت: (رأيت عائشة طافت بالبيت وهي منتقبة) . فهذه النصوص وغيرها تدل دلالة واضحة على أن النقاب كان معروفاً عند النساء المسلمات في عهد النبي ﷺ وفي عهد الصحابة والتابعين، وليس الأمر كم زعم الزاعمون أن النقاب دخيل على الأمة في عهود الانحطاط كما يسمونها! ومما يدل على بطلان ما زعمه شيخ الأزهر أن المجلس الأعلى للأزهر عارض شيخه بشأن موقفه من النقاب، كما ورد في البيان الصادر عن المجلس الأعلى للأزهر بتاريخ ٩/١٠/ ٢٠٠٩م فقد عارض المجلس الأعلى للأزهر موقف شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي بشأن موقفه من النقاب، معلناً أن النقاب مسموح به في المعاهد الأزهرية وجامعة الأزهر في وجود الرجال. وقال المجلس في بيانه عقب اجتماع طارئ برئاسة طنطاوي: إنه يسمح بارتداء النقاب في أفنية المعاهد الأزهرية بما فيها التي يقتصر التدريس فيها على نساء. وأضاف أن \"الممنوع فقط هو استعماله داخل الفصل الدراسي الخاص بالبنات والذي يقوم بالتدريس فيه المدرسات من النساء فقط\". وذكر المجلس في البيان الذي تلاه طنطاوي على الصحفيين أنه قرر: منع الطالبات في جميع مراحل الدراسة في الأزهر وفي جامعته من ارتداء النقاب في قاعات الامتحانات الخاصة بالفتيات والتي لا وجود للرجال معهن في هذه القاعات وتكون المراقبة عليهن أثناء الامتحانات مقصورة على النساء فقط] .\rوخلاصة الأمر أن حكم النقاب يدور بين الوجوب والاستحباب، فهو من الدين، وليس من قبيل العادات كما زعم شيخ الأزهر، وكان الواجب على شيخ الأزهر أن يوجه غضبه وتعنيفه للمتبرجات، وليس للمنقبات طالبات الستر والعفاف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346359,"book_id":3840,"shamela_page_id":739,"part":"15","page_num":7,"sequence_num":739,"body":"٧ - أخطاء شائعة متعلقة بعدة الوفاة\rتقول السائلة: توفي والدي ودخلت والدتي في العدة فقالت لها بعض النساء إنه يحرم عليها أن ترى أو تتكلم مع غير محارمها، فهل هذا الكلام صحيح، أفيدونا؟\r\rالجواب: يشيع في مجتمعنا وخاصة بين النساء كلام كثير يتعلق بعدة الوفاة، لا أصل له في الدين، فمثلاً يقال بأن المرأة المتوفى عنها زوجها تدخل عدة الوفاة متى شاءت! ويقال بأن المرأة الكبيرة في السن لا تعتد عدة الوفاة! ويقال بأن المعتدة عدة وفاة لا يجوز أن يراها الرجال الأجانب مطلقاً! وإذا رأوها بطلت عدتها! ويقال بأن المعتدة عدة وفاة لا تتكلم مع غير محارمها! ولا ترد على التلفون! ولا تنشر الغسيل! إلى غير ذلك من الأقاويل التي ليس لها مستند شرعي، والأصل أن نتلقى الأحكام من كتاب الله ﷿ ومن سنة نبيه ﷺ، وذلك لأن عدة الوفاة أمر تعبدي أوجبه الله على المرأة. ويجب أن يعلم أولاً أن عدة الوفاة فريضة على كل امرأة مات عنها زوجها، سواء كانت عجوزاً أو غير عجوز، وسواء كانت تحيض أو لا تحيض، والمدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم عدة الوفاة، لقول الله تعالى: ?وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً? سورة البقرة الآية ٢٣٤. فالآية الكريمة عامة في كل زوجة مات عنها زوجها لقوله تعالى ?أَزْوَاجاً? فيجب على كل زوجة مات عنها زوجها أن تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام، إلا إذا كانت حاملاً فتعتد بوضع الحمل على الراجح من أقوال أهل العلم. ويدل على وجوب العدة قوله تعالى ?يَتَرَبَّصْنَ? فهذا خبر بمعنى الأمر والأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب. قال العلامة ابن القيم: [وأما عدة الوفاة فتجب بالموت سواء دخل بها أو لم يدخل اتفاقاً كما دل عليه عموم القرآن والسنة] زاد المعاد في هدي خير العباد ٥/٦٦٤. ويجب أن يعلم ثانياً أن عدة الوفاة تبدأ عقيب وفاة الزوج، فتحسب المتوفى عنها زوجها عدتها من يوم موت زوجها، وهذا باتفاق الفقهاء وليس صحيحاً أن المرأة المتوفى عنها زوجها تختار وقت دخولها في عدة الوفاة. ثالثاُ: تنتهي عدة الوفاة بانقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام من تاريخ وفاة الزوج، إذا لم تكن الزوجة حاملاً، وأما الحامل فتنقضي عدتها بوضع الحمل لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ سورة الطلاق الآية ٤. رابعاً: تستقر المعتدة عدة وفاة في بيت الزوجية، فقد ورد في الحديث عن فُرَيعة بنت مالك - وهي أخت أبي سعيد الخدري ﵄ قالت: (خرج زوجي في طلب عبيدٍ له قد هربوا فأدركهم فقتلوه فأتى نعيه وأنا في دارٍ شاسعة من دور أهلي، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي ولم يدع نفقة ولا مالاً ورثته وليس المسكن له، فتحولت إلى أهلي وإخواني، فكان أرفق لي في بعض شأني، فقال: تحولي، فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني فقال: (امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك، حتى يبلغ الكتاب أجله) ، قالت: فاعتددت أربعة أشهر وعشراً) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد، وقال الترمذي: حسن صحيح. قال الإمام الشوكاني: [وقد استدل بحديثها - أي الفريعة - هذا على أن المتوفى زوجها عنها تعتد في المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه، ولا تخرج منه إلى غيره، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة والتابعين من بعدهم] وذكر الشوكاني أن هذا قول جماهير أهل العلم. نيل الأوطار ٦/٣٣٦. ولا تخرج المعتدة من بيتها إلا للأمور الحاجية والضرورية، كالذهاب إلى المستشفى للعلاج، ولشراء حوائجها من السوق كالطعام واللباس ونحو ذلك، هذا إذا لم يكن عندها من يقضي لها حوائجها. وقد أذن النبي ﷺ للمعتدة أن تخرج من بيتها للعذر فعن جابر ﵁ قال: (طُلقت خالتي ثلاثاً، فخرجت تجدُ نخلاً لها فلقيها رجلٌ فنهاها، فأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: اخرجي فجُدي نخلك لعلك أن تصدقي منه أو تفعلي خيراً) . رواه مسلم. [وروي جواز خروج المتوفى عنها للعذر عن جماعة منهم عمر ﵁، أخرج عنه ابن أبي شيبة أنه رخص للمتوفى عنها أن تأتي أهلها بياض يومها. وأن زيد بن ثابت ﵁ رخص لها في بياض يومها. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر ﵄ أنه كان له ابنة تعتد من وفاة زوجها فكانت تأتيهم بالنهار فتحدث إليهم فإذا كان بالليل أمرها أن ترجع إلى بيتها. وأخرج أيضاً عن ابن مسعود ﵁ في نساء نُعي إليهن أزواجُهن وتَشَكَّين الوحشة، فقال ابن مسعود: يجتمعن بالنهار ثم ترجع كل امرأة منهن إلى بيتها بالليل ... وروى الحجاج بن منهال أن امرأة سألت أم سلمة بأن أباها مريض وأنها في عدة وفاة فأذنت لها في وسط النهار. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن مجاهد مرسلاً أن رجالاً استشهدوا بأحد فقال نساؤهم: يا رسول الله إنّا نستوحش في بيوتنا أفنبيت عند إحدانا فأذن لهن أن يتحدثن عند إحداهن فإذا كان وقت النوم تأوي كل واحدة إلى بيتها] نيل الأوطار ٦/٣٣٦- ٣٣٧. وإذا خرجت المعتدة لغير حاجة فعدتها لا تبطل وتستغفر الله ﷿ وتتوب. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: [عن امرأة معتدة عدة وفاة، ولم تعتد في بيتها بل تخرج في ضرورتها الشرعية: فهل يجب عليها إعادة العدة؟ وهل تأثم بذلك؟ فأجاب: العدة انقضت بمضي أربعة أشهر وعشراً من حين الموت، ولا تقضي العدة. فإن كانت خرجت لأمر يحتاج إليه ولم تبت إلا في منزلها فلا شيء عليها. وإن كانت قد خرجت لغير حاجة وباتت في غير منزلها لغير حاجة، أو باتت في غير ضرورة أو تركت الإحداد، فلتستغفر الله وتتوب إليه من ذلك، ولا إعادة عليها.] مجموع الفتاوى ٣٤/٢٨. والمعتدة لا تخرج لصلاة الجمعة ولا لصلاة الجماعة فالنساء ليس عيلهن جمعة ولا جماعة.\r\rخامساً: على المعتدة عدة وفاة أن تحدَّ على زوجها ويلزمها أن تتجنب الملابس الجميلة المزينة ويجوز لها أن تلبس ما عداها، ولا يعني أن تكون هذه الملابس سوداء كما جرت عادة النساء في بلادنا. وعليها أن تتجنب جميع أنواع العطور والمكياج والكحل. وأن تتجنب التزين بالذهب والفضة ونحوهما، فقد ورد في الحديث عن أم عطية ﵂ قالت: (كنا نُنهى أن نحدَّ على ميتٍ فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار - نوع من البخور -) . رواه البخاري ومسلم، وعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة - المصبوغة - ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٣٨. سادساً: لا تسافر المعتدة عدة وفاة مطلقاً، ولا لحج أو عمرة استدلالاً بحديث الفريعة السابق، وقد ورد عن عمر ﵁ (أنه كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج) رواه مالك في الموطأ والبيهقي وعبد الرزاق. وروى عبد الرزاق عن مجاهد قال: (كان عمر وعثمان يرجعانهن حواج ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة) المصنف ٧/٣٣] ، وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولو كانت حجة الإسلام، فمات زوجها، لزمتها العدة في منزلها وإن فاتها الحج، لأن العدة في المنزل تفوت ولا بدل لها، والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام] المغني ٨/١٦٨. سابعاً: يجوز للمعتدة أن ترى الرجال الأجانب وأن ينظروا إليها، وتتكلم معهم ما دام أن كل ذلك ضمن الضوابط الشرعية المقررة كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ سورة الأحزاب الآية ٣٢، ولو رآها شخص أجنبي أو كلمها أثناء عدتها فلا تبطل عدتها، وكذلك لا يحرم عليها أمر من الأمور إلا ما ورد الشرع بتحريمه، قال شيخ الإسلام اب تيمية: [المعتدة عدة الوفاة تتربص أربعة أشهر وعشراً، وتتجنب الزينة والطيب في بدنها وثيابها، ولا تتزين ولا تتطيب ولا تلبس ثياب الزينة، وتلزم منزلها ولها أن تأكل كل ما أباحه الله.... ولا يحرم عليها عمل شغل من الأشغال المباحة، مثل التطريز والخياطة والغزل وغير ذلك مما تفعله النساء، ويجوز لها ما يباح لها في غير العدة، مثل كلام من تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت مستترة وغير ذلك، وهذا الذي ذكرته هو سنة رسول الله ﷺ الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن، مجموع الفتاوى ٣٤/٢٧-٢٨. وقال الرحيباني الحنبلي: [لها- للمعتدة - التجمل بالفرش والستور، وأثاث البيت لأن الإحداد في البدن لا في الفرش ونحوه، ولها التنظيف بالحمام إن لم يكن فيه خروج محرم وغسل الرأس، ومشطه وتقليم الأظفار والاستحداد، وإزالة الأوساخ؛ لأنها ليست من الزينة] أسنى المطالب ١٧/٤٥٠. ثامناً: لا يجوز لأحد أن يتقدم لخطبة المعتدة صراحة خلال مدة العدة، ويجوز التعريض بذلك أي التلميح لقوله تعالى: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ سورة البقرة الآية ٢٣٥\r\rوخلاصة الأمر أن عدة الوفاة فريضة شرعية وهي مسألة تعبدية لا تؤخذ أحكامها إلا من كتاب الله ﷾ ومن سنة نبيه ﷺ، ولا يعتمد في ذلك على ما هو شائع ومنتشر بين الناس، وقد بينت أهم أحكام المعتدة عدة وفاة باختصار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346360,"book_id":3840,"shamela_page_id":740,"part":"15","page_num":8,"sequence_num":740,"body":"٨ - الجندر فكرة تغريبية\rتقول السائلة: إنها دعيت للمشاركة في دورة عن (الجندر) تنظمها إحدى الجمعيات النسوية، فما هو الحكم الشرعي في المشاركة في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا بد أن نتعرف أولاً على مصطلح (الجندر) ، وهو من المصطلحات الوافدة على أيدي التغربيين وفلول الماركسيين والجمعيات النسوية المدعومة غربياً [فقد بدأ استخدام لفظ (جندر) Gender في مؤتمر السكان والتنمية الذي عقد في القاهرة عام ١٩٩٤، وهو لفظ غامض لم يحدد المؤتمرون معنىً دقيقاً له على طريقة دعاة العولمة الذين يمررون أفكارهم في مجتمعات المسلمين على صورة مصطلحات غير واضحة، فتنطلي على السذج. والراصدون لما يدخله أعداء الأمة المسلمة على دينها وثقافتها لهدم كيانها وخصوصيتها، يرون أن (الجندر) ليست مجرد كلمة، وإنما هي منظومة فلسفية متكاملة من القيم الغريبة على مجتمعنا الإسلامي، تهدف إلى إلغاء كافة الفروق بين الرجل والمرأة، والتعامل مع البشر على أنهم نوع من المخلوقات المتساوية في كل شيء من الخصائص والمقومات، وهذا النوع الإنساني في مقابل الحيوان والنبات. فالداعون إلى (الجندر) يعتبرون أن الفوارق التشريحية والفوارق بين وظائف الأعضاء والهرمونات بين الرجل والمرأة لم تعد ذات قيمة، وأنه يمكن تخطيها واعتبارها غير مؤثرة!! فهؤلاء لا يدعون إلى مجرد المساواة بين الرجل والمرأة، بل يدعون إلى إلغاء الفروق بينهما وعدم اعتبارها، بل واستغناء كل منهما عن الآخر، فلا تكامل بين الرجل والمرأة، ولا افتقار لأحدهما إلى الآخر لا في الجانب الاقتصادي ولا الاجتماعي ولا الجنسي، فالمرأة وفق هذا المفهوم تستطيع أن تقضي وطرها مع امرأة مثلها، والرجل يستطيع أن يقضي وطره مع رجل مثله. والحقيقة أن هذه الدعوة تهدف أول ما تهدف إلى هدم الكيان الأسري وتدمير المجتمع، وإحياء الفكر الماركسي، فهي تلتقي مع الفلسفة الماركسية في أمرين: الأول: فيما يتعلق بمفهوم الصراع، فأصحاب نظرية (الجندر) يؤكدون على وجود صراع بين الرجل والمرأة، ويكرسون ذلك الصراع ويؤججون ناره، ويفترضون وجود معركة بينهما!! الأمر الثاني الذي تلتقي فيه هذه النظرية مع الماركسية هو الدعوة إلى هدم الأسرة باعتبارها في نظر ماركس ـ إلى جانب الدين ـ هي أهم المعوقات التي تقف أمام تطور المجتمعات.] الشبكة الإسلامية. ويضاف إلى ما سبق أن من أهم الأفكار التي ينادي بها (الجندر) التشكيك بصحة الدين الإسلامي عن طريق بث الشبهات مثل: إن الدين الإسلامي سبب في عدم المساواة بين الرجل والمرأة في أمور عدة؛ كالقوامة والميراث ونقصان شهادة المرأة، وتعدد الزوجات، وعدم تعدد الأزواج، والحجاب حتى قضايا مثل ذكورة لفظ الجلالة، وإشارة القرآن إلى ضمير المذكر أكثر من ضمير المؤنث، لم تسلم من سموم (الجندر) . وقد بدأ مصطلح (الجندر) وتطبيقاته بالتغلغل في الدول العربية بداية التسعينيات مع تزايد نفوذ مؤسسات التمويل الأجنبي ولجان المرأة ومؤسسات الأمم المتحدة. وعبر الاتفاقيات الصادرة عن المؤتمرات الدولية، وهذه الآلية الدولية فيها طابع من الإلزام للحكومات العربية والإسلامية، بما وقعت عليه من اتفاقيات قد يتبع عدم تنفيذها ضغوط سياسية واقتصادية، أو إغراءات اقتصادية وسياسية. وقد شكلت مقررات مؤتمر بكين أساساً عملياً للسير في هذا الاتجاه، وكان بمثابة إشارة واضحة لكل الدول بحكوماتها ومنظماتها المدنية للعمل على تعزيز المساواة الاجتماعية بين الرجل والمرأة. عن الإنترنت. ويسعى (الجندريون والجندريات) إن صح التعبير فيما يسعون إليه، إلى إلغاء دور الأسرة من المجتمع المسلم وإلغاء دور الأب وإلغاء دور الأم ورفض الزواج ويدعون إلى ملكية المرأة لجسدها، وهي دعوة صريحة للإباحية، ورفض الإنجاب وإباحة الإجهاض والشذوذ الجنسي، وصدق من قال إن (الجندر) ما هو إلا مطية الشذوذ الجنسي. ومما ينادي به ويروج له (الجندريون والجندريات) [الأفكار الخطيرة التالية: أولاً: رفض أن اختلاف الذكر والأنثى راجع لصنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ سورة النجم الآيتان ٤٥-٤٦. ثانياً: فرض فكرة حق الإنسان في تغيير هويته الجنسية وأدواره المترتبة عليها. ثالثاً: الاعتراف بالشذوذ الجنسي وفتح الباب لإدراج حقوق الشواذ من زواج المثليين وتكوين أسر غير نمطية، والحصول على أبناء بالتبني ضمن حقوق الإنسان. رابعاً: العمل على إضعاف الأسرة الشرعية التي هي لبنة بناء المجتمع السليم المترابط، ومحضن التربية الصالحة، ومركز القوة الروحية، ومفخرة الشعوب المسلمة في عصر الانحطاط المادي. خامساً: إذكاء روح العداء بين الجنسين، وكأنهما متناقضان متنافران، ويكفي لتأييد هذا الاتجاه مراجعة أوراق المؤتمر الدولي لتحديات الدراسات النسوية في القرن الحادي والعشرين الذي نظمه مركز البحوث التطبيقية والدراسات النسوية في جامعة صنعاء - اليمن، فقد كان مما جاء فيه الاعتراض على كثرة وجود اسم الإشارة للمذكر في اللغة العربية أكثر من المؤنث، وكذلك ضمائر المخاطبة للمذكر أكثر منها للمؤنث. سادساً: التقليد الأعمى للاتجاهات الجنسية الغربية المتطرفة ... سابعاً: رفع المسؤولية عن الشواذ جنسياً وإظهارهم بثوب الضحية التي جنى عليها المجتمع، وهذه محاولة قديمة تتشح بثوب العلمية أحياناً وتأتزر بلباس بعض الأبحاث المغرضة- التي ترى أنّ هناك سبباً فسيولوجياً في تركيب الدماغ يسبب الشذوذ- أحياناً أخرى، وكِلا القولين مردود، ذلك أنه لا أحد ينكر أن هناك عوامل مختلفة تؤثر وربما تدعو إلى الشذوذ، لكن كما يقول د. ستيفن أر. كوفي: \"بين المؤثر والاستجابة توجد مساحة رحبة مِن حرية الاختيار\"، وهذه هي المسؤولية التي يحاسب العبد بموجبها، وينتفي الحساب بانتفائها كما في حالة المجنون والصبي ونحوه.] المرأة المسلمة والتحديات الغربية للدكتور صالح الرقب. ويجب الانتباه إلى أن فكرة الجندر وما ترتب عليها آخذة بالانتشار في بلادنا عبر الجمعيات النسوية والمراكز البحثية - زعموا - المدعومة غربياً، التي تنشط في نشر هذه الأفكار الخبيثة من خلال المؤتمرات والندوات والمحاضرات، بل إن بعض جامعتنا مع الأسف الشديد أصبحت تعتبر ذلك من ضمن الدراسات والبرامج التي تفرض على الطلبة، فهذه المراكز البحثية المزعومة تهدف إلى تثبيت دراسات الجندر كحقل أكاديمي، وإجراء الدراسات والأبحاث المتعلقة بالجندر والمساندة في صياغة السياسات والاستراتيجيات في المجتمع الفلسطيني. والمشاركة في تطوير الوعي بالنوع الاجتماعي، والتأثير على صياغة سياسات فعالة تسهم في بناء مجتمع ديمقراطي يتمتع جميع أفراده بالعدل والمساواة. وهذه العبارات المعسولة تخفي تحتها السم الزعاف. وكذلك فإن بعض جامعتنا تسعى إلى إيجاد تخصص فرعي في دراسات الجندر لطلبة البكالوريوس وطرح مساقات تخدم ذلك التوجه الخبيث. وتطوير مشاريع مشتركة مع بعض الجامعات الأمريكية، وتبادل الكتب والمنشورات والأفلام الوثائقية، وتبادل باحثات وأساتذة على مدار عام أو فصل أكاديمي، وتبادل الزيارات القصيرة بين أعضاء الهيئات التدريسية وعمل أبحاث مشتركة حول قضايا المرأة، وتطوير مناهج الدراسات النسائية والجندر وتنظيم مؤتمرات دولية حول المرأة، ولا يتسع المقام إلى تفصيل أكثر مما سبق.\r\rوخلاصة الأمر أن الجندر فكرة خبيثة هدامة يراد تسويقها بين المسلمين، لهدم البقية الباقية من الدين والأخلاق والقيم الطيبة، وهي فكرة مرفوضة إسلامياً قلباً وقالباً، ويجب على علماء الأمة والدعاة وخطباء المساجد أن يتصدوا لهذه الفكرة المشبوهة وأمثالها، وأن يقوموا بدورهم المنشود في توعية الناس، وخاصة النساء المسلمات بخطورة هذه الأفكار الخبيثة وبأضرارها المدمرة التي تعود بالخراب والفساد على المجتمع المسلم. ولا بد من التحذير من بعض المشايخ الذين يُستخدَمون لتسويق هذه الفكرة المشبوهة وأمثالها وهم يشعرون أو لا يشعرون. ويجب أن يعلم أنه يحرم شرعاً المشاركة في أي عمل له علاقة بفكرة الجندر من قريب أو بعيد، لأنها فكرة تصادم الدين الإسلامي مصادمة ظاهرة، بل تهدف إلى هدم المبادئ والأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة المسلمة خصوصاً والمجتمع المسلم عموماً، والواجب على المسلمين التمسك بدينهم فهو منهج رباني، فهو هدايتنا وطريق سعادتنا، ولسنا بحاجة إلى زبالة أفكار البشر المستوردة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346361,"book_id":3840,"shamela_page_id":741,"part":"15","page_num":9,"sequence_num":741,"body":"٩ - وثيقة حقوق المرأة الفلسطينية\rيقول السائل: أثير نقاش مؤخراً حول وثيقة حقوق المرأة الفلسطينية وأنها تتضمن بنوداً مخالفة للإسلام، فما قولكم في ذلك أفيدونا؟\r\rالجواب: إن وثيقة حقوق المرأة الفلسطينية لا تعتبر الإسلام من مرجعيتها أو من مصادرها، بل فيها ردٌ واضح للأحكام الشرعية المنصوصة في كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ، وهذه الوثيقة تجعل مرجعيتها مجموعة من الأنظمة والقوانين الوضعية مثل المواثيق الدولية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية ومنظمة العمل العربية والقانون الأساسي الفلسطيني، فقد ورد في الوثيقة ما يلي: [لم يكن للمرأة الفلسطينية أن تسمو بوضعها القانوني الخاص دون أن تستند في مطالبها إلى منظومة قانونية متكاملة، ترتكز في مجملها على مجموعة من الثوابت والحقوق القانونية التي تحقق في مجموعها نتائج ايجابية، لتحقيق المساواة المطلقة بينها وبين الرجل، حسب ما نصت عليه المواثيق والأعراف الدولية والقانون الأساسي الفلسطيني.] والمدقق في بنود هذه الوثيقة يقرأ بشكل واضح الدعوة إلى إقصاء الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة وغيرها إقصاءً تاماً، وتدعو الوثيقة باسم حقوق المرأة إلى هدم المعقل الأخير للمرأة المسلمة ألا وهو الأسرة، قال تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ سورة البقرة الآية ٦١. وهذا عرض سريع لأهم بنود الوثيقة التي تسير في هذا السياق وبيان ما تخالفه من النصوص والأحكام الشرعية: ١- ورد في الوثيقة [يحق للمرأة الفلسطينية تقلد جميع المناصب العامة في الدولة، وممارسة جميع الصلاحيات القانونية المرتبطة بعمل هذه المناصب، وذلك وفقاً للحاجات والشروط القانونية والمهنية دونما تمييز بينها وبين الرجل.] ومعلوم شرعاً أن المرأة لا تتولى الولايات العامة لقوله ﷺ: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري ولغير ذلك من الأدلة. ٢- ورد في الوثيقة: [تحقيق وحدة الأسرة الفلسطينية في وطنها وفق إعلان حقوق الإنسان] ومن المعلوم شرعاً أن الإسلام قد بين كل الأحكام المتعلقة بالأسرة بياناً واضحاً جلياً. ودين الإسلام هو خير من رعى الأسرة. ٣- ورد في الوثيقة: [يؤخذ بشهادة المرأة في جرائم الزنا على نحو مساوٍ لشهادة الرجل، على اعتبار تساويهما في شروط الأهلية القانونية.] وهذا فيه مصادمة واضحة للنصوص الشرعية، قال الله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ سورة النساء الآية ١٥. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ سورة النور الآية ٤. وقال الله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ سورة النور الآية ١٣ وروى مالك عن الزهري: (مضت السنة بأن لا شهادة للنساء في الحدود والقصاص) الموطأ. ٤- ورد في الوثيقة: [تلتزم السلطة الفلسطينية بمقاومة كافة الأعراف والتقاليد والمعتقدات الدينية التي تبيح العنف ضد المرأة] ولا شك أن هذا افتراء عظيم على الدين، فالدين الإسلامي لا يبيح العنف ضد المرأة ولكن الإسلام نظم مسألة تأديب الزوج لزوجته، يقول الله تعالى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ سورة النساء الآية ٣٤. ٥- ورد في الوثيقة: [للمرأة متى أدركت سن الثمانية عشر، حق التزوج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب العرق أو الجنسية أو الدين، وهي متساوية مع الرجل في كافة الحقوق عند الزواج وخلال قيامه ولدى انحلاله] وهذا فيه دعوة إلى تأخير سن الزواج وإلى إلغاء الولاية في النكاح وإلى زواج المسلمة من غير المسلم وإلغاء مبدأ القوامة وإلى قيام المرأة بتطليق زوجها وغير ذلك من المفاسد والمخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية. ٦- ورد في الوثيقة: [يلتزم المشرع الفلسطيني باعتبار الحد الأدنى لسن زواج الفتيات الثمانية عشرة سنة شمسية كون هذا السن متوافقاً مع ما أخذت به أحكام القانون المدني من سن الأهلية القانونية اللازم لمباشرة التصرفات القانونية.] وهذا البند كسابقه فيه دعوة إلى تأخير سن الزواج، وهذا بناءً على الفكرة الغربية التي ترى أن سن الطفولة يمتد إلى ثمانية عشر عاماً!! وهو مخالف لما هو مقرر شرعاً ومخالف لما قرره قانون الأحوال الشخصية المعمول به في بلادنا، حيث حدد أقل سن للزواج كما جاء في المادة الخامسة منه ما يلي: [يشترط في أهلية الزواج أن يكون الخاطب والمخطوبة عاقلين، وأن يتم الخاطب السنة السادسة عشرة وأن تتم المخطوبة الخامسة عشرة من العمر] . ٧- ورد في الوثيقة: [الأصل في عقد الزواج الوحدانية والديمومة، ويجوز للقاضي استثناء السماح للرجل بالزواج من ثانية شريطة إبداء أسباب ضرورية وملحة، على أن يثبت القدرة على الإنفاق والعدل، بالإضافة إلى اشتراط علم الزوجة الأولى بهذا الحق، وعلم الزوجة الثانية بوجود زوجة سابقة.] وهذا فيه تعدٍ على الأحكام الشرعية، فالإسلام أباح تعدد الزوجات بشروطه المعروفة، ولم يشترط إبداء أسباب ضرورية وملحة، وليس من شروط التعدد علم الزوجة الأولى ولا الزوجة الثانية، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ سورة النساء الآية ٣. ٨- ورد في الوثيقة: [للمرأة الحق في الحصول على تعويض عن الطلاق التعسفي، ومنحها الحق في طلب التفريق القضائي عند وجود المبرر لذلك، مثل إصابة الرجل بالعقم أو بمرض مزمن أو عدم قدرته على مباشرة حياته الزوجية أو تعدد زوجاته] فهذه الوثيقة جعلت تعدد الزوجات من أسباب طلب الطلاق وهذا مخالف للشرع مخالفة واضحة. ٩- ورد في الوثيقة: [للمرأة حق المساواة المطلق مع الرجل في جميع مجالات القانون المدني، كالمساواة في حق الملكية والتوريث] ، ونحن نؤمن [الإيمان المطلق بأن دين الإسلام هو دين العدل، ومقتضى العدل التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين ويخطىء على الإسلام من يطلق أنه دين المساواة دون قيد؛ لأن المساواة المطلقة تقتضي أحياناً التسوية بين المختلفين، وهذه حقيقة الظلم، ومن أراد بالمساواة العدل فقد أصاب في المعنى وأخطأ في اللفظ، ولم يأت حرفٌ واحدٌ في القرآن يأمر بالمساواة بإطلاق، إنما جاء الأمر بالعدل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ سورة النحل الآية٩٠، فأحكام الشريعة قائمة على أساس العدل، فتسوي حين تكون المساواة هي العدل، وتفرق حين يكون التفريق هو العدل، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ سورة الأنعام الآية١١٥، أي صدقاً في الإخبار، وعدلاً في الأحكام] وثيقة حقوق المرأة المسلمة وواجباتها. وكذلك فإن الدعوة إلى المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث فيها مصادمة صريحة للنصوص الشرعية، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ سورة النساء الآية ١١. ١٠- ورد في الوثيقة: [للمرأة حرية التنقل والسفر والعمل دون اشتراط الحصول على إذن من أحد، متى بلغت الأهلية القانونية المطلوبة لذلك دونما تمييز عن الرجل] وهذا مخالف للنصوص الشرعية، قال النبي ﷺ: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم) . رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم: (لا تسافر المرأ إلا مع ذي محرم) . وقال النبي ﷺ: (لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها) رواه مسلم.\r\rهذه طائفة من البنود الواردة في الوثيقة التغريبية للمرأة الفلسطينية. ومناقشة بنودها تحتاج إلى مجال أوسع من هذا المقام، ولكن لا بد من التأكيد على أن هذه الوثيقة ما هي إلا امتداد لحركة تغريب المرأة المسلمة وسلخها من دينها، وغلفت هذه الوثيقة بأغلفة براقة خداعة كالحقوق والمساواة، ونحن نعتقد [الاعتقاد الجازم بأن مصدر الخير والحق - فيما يتعلق بأمر الدنيا والآخرة - هو الوحي الإلهي بمصدريه الكتاب والسنة المطهرين، ومن ذلك الإجماع الثابت المعتبر، واعتبار الرجوع إليها وعدم مخالفتها، من أصل الإيمان وشرطه، قال ﷿: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ سورة النساء الآية ٦٥، ومن المعلوم بالضرورة أن من توحيد الله في ربوبيته الإيمان بأن الحكم والتشريع حق لله، في شؤون المجتمع، وشؤون أفراده، وفي الحياة كلها، ومن توحيده في ألوهيته الإيمان بوجوب التحاكم إليه في كل شيء. واليقين بصلاحية هذه الشريعة للتطبيق في كل زمان ومكان، وبشمولها لكل مناحي الحياة، والثقة التامة بهذا الدين, وأحكامه الكلية والجزئية، والإيمان بأنه هو الخير كله، والعدل كله، والرحمة كلها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ سورة الإسراء الآية ٩، وسبب هذه الثقة صدور هذه الأحكام عن الله العزيز الحكيم، اللطيف الخبير، الموصوف بالعلم الشامل والحكمة التامة، قال الله ﷿: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ سورة المائدة الآية ٥٠. لذا فإن التصحيح والإصلاح لأي خلل في أي وضع أو ممارسة, يجب أن يكون وفق معيار الشريعة في الصواب والخطأ، والحق والضلال، وليس وفق موازين الآخرين من غير المسلمين أومن تأثر بهم من أبناء المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ سورة المائدة الآية ٤٩. ونحن نعتقد أن الشريعة الإسلامية تحرم التمييز الظالم ضد المرأة، الذي يخل بحقوقها, أو يخدش كرامتها. ولا يوجد تمييز مجافٍ للعدل ومحابٍ للرجل في منهج الإسلام أو أحكامه ضد المرأة, إلا ما كان في أذهان المرضى بالهزيمة النفسية، أو عند الجاهلين بالشرع المطهر، الذين لم يدركوا الحِكَم من وجود بعض الفروق الخَلقية والجبلية، وما لزم على ذلك من وجود بعض الاختلاف في الأحكام الشرعية والوظائف والحقوق الحياتية، وكل دعوى تنافي ذلك - سواء صدرت عن عدو مغرض أو عن صديق جاهل - فهي مبنية على وهم وغفلة، أو حجة داحضة.] وثيقة حقوق المرأة المسلمة وواجباتها. ويجب شرعاً على أهل العلم وغيرهم التصدي لأهل الأهواء ومتبعي الشهوات في كل المجالات التعليمية والثقافية والإعلامية والنسوية وغيرها، وعدم تمكينهم من انتهاك الحقوق الشرعية للنساء المسلمات، أو تبني المناهج والبرامج التي تقود إلى انتهاك عفتهن، أو إشاعة الفاحشة بين المؤمنين؛ إرضاءً للمناهج الغربية، وترويجاً للمبادئ الوضعية واعتبار ذلك معياراً للتقدم والحضارة، وما ذلك إلا سراب زائف.\r\rوخلاصة الأمر أن وثيقة حقوق المرأة الفلسطينية مشتملة على جملة مخالفات صريحة وواضحة للنصوص الشرعية، وبالتالي فهذه الوثيقة ما هي إلا انسلاخ من الدين واعتداء على ثوابته، وتغريب للمرأة المسلمة، ويحرم شرعاً العمل بها أو الرضا بمضامينها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346362,"book_id":3840,"shamela_page_id":742,"part":"15","page_num":10,"sequence_num":742,"body":"١٠ - ضوابط في أسماء المواليد\rقول السائل: رزقت بمولودة سميتها سالي ولا أدري ما معناه، ثم قررت أن أغير اسمها إلى اسم آخر من الأسماء العربية المتداولة فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: تسمية المواليد صارت من ميادين التقليد والتغريب الفسيحة التي قلد فيها المسلمون غيرهم، وخاصة تقليد أسماء الغربيين ذكوراً وإناثاً فصرنا نسمع أسماء مثل: جاكلين، جولي، ديانا، سوزان، فالي، فكتوريا، كلوريا، لارا، لندا، ليسندا، مايا، منوليا، هايدي، يارا. وتلك الأسماء الأعجمية: مرفت، شيريهان، شيرين، نيفين، شادي، وتلك الأسماء التافهة مثل: زوزو، فيفي، ميمي، وتلك الأسماء الغرامية الرخوة المتخاذلة: أحلام، أريج، تغريد، غادة، فاتن، ناهد، هيام، وهو بضم الهاء: ما يشبه الجنون من العشق أو داء يصيب الإبل، وبفتحها: الرمل المنهار الذي لا يتماسك. وتلك الأسماء ذوات المعاني القبيحة كعفلق وغير ذلك من الأسماء الكثيرة. انظر تسمية المولود ص٢. ولا بد للمسلمن أن يتميزوا عن غيرهم من الأمم في كل شؤونهم وحتى بأسمائهم، وأن يلتزموا أدب الإسلام في تسمية المواليد، قال الشيخ بكر أبو زيد رحمة الله عليه: [أنادي بلسان الشريعة الإسلامية على المسلمين أن يتقوا الله، وأن يلتزموا بأدب الإسلام وسنة النبي ﷺ، وأن لا يؤذوا السمع والبصر في تلكم الأسماء المرذولة، وأن لا يؤذوا أولادهم بها، فيحجبوا بذلك عنهم زينتهم: الأسماء الشرعية. وما هذه إلا ظاهرة مرضية مؤذية، يجب على من بسط الله يده أن يصدها عن مواليد المسلمين، فليزمهم عن طريق الأحوال المدنية بالأسماء المشروعة فحسب، فلا يسجل إلا ما كان شرعياً. وإذا كانت القوانين تصدر في فرنسا وغيرها لضبط اختيار أسماء المواليد حتى لا تخرج عن تاريخهم، ولا تتعارض مع قيمهم الوطنية، وإذا ألزم المسلمون في بلغاريا بتغيير أسمائهم الإسلامية، فنحن في الالتزام بدين الله - الإسلام - أحق من أمم الكفر] تسمية المولود ص ٣. ومن المعلوم أنه ينبغي على المسلم أن يحسن تسمية أولاده، لأن الاسم يبقى مع الإنسان طوال حياته وبعد مماته، وقد ورد في الحديث عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسمائكم) رواه أبو داود بإسناد حسن كما قال العلامة ابن القيم في تحفة المودود ص٨٩. وقد اعتنى أهل العلم بهذا الموضوع ومنهم من خصَّه بالتأليف كالعلام ابن القيم حيث ألف كتابه (تحفة المودود بأحكام المولود) وجعل فيه باباً (في ذكر التسمية وأحكامها) ويقع في سبع وثلاثين صفحة، وألف الدكتور بكر أبو زيد كتاباً بعنوان (تسمية المولود) فصَّل الكلام فيه على الموضوع تفصيلاً حسناً، ويضاف إلى ذلك كلام متفرق لأهل العلم في كتبهم وفتاويهم، وقد حاولت أن أجمع أهم ضوابط تسمية المولود من كلام العلماء فكانت كما يلي: دلت الشريعة على تحريم تسمية المولود في واحد من الوجوه الآتية: ١- اتفق المسلمون على أنه يحرم كل اسم معبد لغير الله تعالى، من شمس أو وثن أو بشر أو غير ذلك، مثل: عبد الرسول، عبد النبي، عبد علي، عبد الحسين، عبد الأمير (يعني: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ، عبد الصاحب (يعني: صاحب الزمان المهدي المنتظر) ، وهي تسميات الروافض. وقد غيَّر النبي ﷺ كل اسم معبد لغير الله تعالى، مثل: عبد العزى، عبد الكعبة، عبد شمس، عبد الحارث. ومن هذا الباب: غلام الرسول، غلام محمد، أي: عبد الرسول ... وهكذا. والصحيح في عبد المطلب المنع. ومن هذا الغلط في التعبيد لأسماء يظن أنها من أسماء الله تعالى وليست كذلك مثل: عبد المقصود، عبد الستار، عبد الموجود، عبد المعبود، عبد الهوه، عبد المرسل، عبد الوحيد، عبد الطالب ... فهذه يكون الخطأ فيها من جهتين: من جهة التسمية الله بما لم يرد به السمع، وأسماؤه سبحانه توفيقية على النص من كتاب أو سنة. والجهة الثانية التعبيد بما لم يسم الله به نفسه ولا رسوله ﷺ. ٢- التسمية باسم من أسماء الله ﵎ فلا تجوز التسمية باسم يختص به الرب سبحانه، مثل: الرحمن، الرحيم، الخالق، البارئ، وقد غيَّر النبي ﷺ ما وقع من التسمية بذلك. وفي القرآن العظيم: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ سورة مريم الآية ٦٥، أي لا مثيل له يستحق مثل اسم الذي هو الرحمن. ٣- التسمية بالأسماء الأعجمية المولدة للكافرين الخاصة بهم. والمسلم المطمئن بدينه يبتعد عنها وينفر منها ولا يحوم حولها. وقد عظمت الفتنة بها في زماننا، فيلتقط اسم الكافر من أوروبا وأمريكا وغيرهما، وهذا من أشد مواطن الإثم وأسباب الخذلان، ومنها: بطرس، جرجس، جورج، ديانا، روز، سوزان ... وغيرها ... وهذا التقليد للكافرين في التسمي بأسمائهم، إن كان عن مجرد هوى وبلادة ذهن، فهو معصية كبيرة وإثم، وإن كان عن اعتقاد أفضليتها على أسماء المسلمين، فهذا على خطر عظيم يزلزل أصل الإيمان، وفي كلتا الحالتين تجب المبادرة إلى التوبة منها، وتغييرها شرط في التوبة منها. ٤ - التسمي بأسماء الأصنام المعبودة من دون الله ومنها: اللات، العزى، إساف، نائلة، هبل. ٥- التسمي بالأسماء الأعجمية، تركية، أو فارسية أو بربرية أو غيرها مما لا تتسع لغة العرب ولسانها، ومنها: ناريمان، شيريهان، نيفين، شادي - بمعنى القرد عندهم - جيهان. وأما ما ختم بالتاء، مثل: حكمت، عصمت، نجدت، هبت، مرفت، رأفت ... فهي عربية في أصلها، لكن ختمها بالتاء الطويلة المفتوحة - وقد تكون بالتاء المربوطة - تتريك لها أخرجها عن عربيتها، لهذا لا يكون الوقف عليها بالهاء. والمختومة بالياء مثل: رمزي، حسني، رشدي، حقي، مجدي، رجائي هي عربية في أصلها، لكن تتريكها بالياء في آخرها منع من عربيتها بهذا المبنى، إذ الياء هنا ليست ياء النسبة العربية مثل: ربعي، ووحشي، وسبتي (لمن ولدت يوم السبت) ، ولا ياء المتكلم، مثل: كتابي، بل ياء الإمالة الفارسية والتركية. ٦ - كل اسم فيه دعوى ما ليس للمسمى، فيحمل من الدعوى والتزكية والكذب ما لا يقبل بحال. ومنه ما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك) متفق عليه. ومثله قياساً على ما حرمه الله ورسوله: سلطان السلاطين، حاكم الحكام، شاهنشاه، قاضي القضاة. قال ابن القيم: [وقال بعض العلماء وفي معنى ذلك كراهية التسمية بقاضي القضاء وحاكم الحكام فان حاكم الحكام في الحقيقة هو الله، وقد كان جماعة من أهل الدين والفضل يتورعون عن إطلاق لفظ قاضي القضاة وحاكم الحكام قياساً على ما يبغضه الله ورسوله من التسمية بملك الأملاك وهذا محض القياس] تحفة المولود ص ٩١. وكذلك تحريم التسمية بمثل: سيد الناس، سيد الكل، سيد السادات، ست النساء. ويحرم إطلاق (سيد ولد آدم) على غير رسول الله ﷺ. وفي حديث زينب بنت أبي سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم) رواه مسلم. ٧- قال ابن القيم: التسمية بأسماء الشياطين، كخنزب، والولهان، والأعور، والأجدع، وقد وردت السنة بتغيير اسم من كان كذلك. ومن ضوابط الأسماء المكروهة ما يلي: يكره التسمي بما تنفر النفوس من معناه من الأسماء، إما لما يحمله من معنى قبيح أو مثير للسخرية، كما أن فيه مخالفة لهدي النبي ﷺ في الأمر بتحسين الأسماء، ومثال ذلك اسم حرب، وهيام وهو اسم مرض يصيب الإبل ونحوها من الأسماء التي تحمل معان قبيحة وغير حسنة. ويكره التسمي بأسماء فيها معان رخوة أو شهوانية، ويكثر هذا في تسمية الإناث، مثل بعض الأسماء التي تحمل أوصافا جنسية أو شهوانية. ويكره تعمد التسمي بأسماء الفساق من المغنيين والمغنيات والممثلين والممثلات ونحوهم، فإن كانوا يحملون أسماء حسنة فيجوز التسمي بها لكن لأجل معانيها الحسنة وليس لأجل التشبه بهم أو تقليدهم. ويكره التسمي بأسماء فيها معان تدل على الإثم والمعصية، مثل سارق وظالم، أو التسمي بأسماء الفراعنة والعصاة مثل فرعون وهامان وقارون. ويكره التسمي بأسماء الحيوانات المشهورة بالصفات المستهجنة، مثل الحمار والكلب والقرد ونحوها. وتكره التسمية بكل اسم مضاف إلى الدين والإسلام، مثل نور الدين وشمس الدين وكذلك نور الإسلام وشمس الإسلام، لما فيها من إعطاء المسمى فوق حقه، وقد كان علماء السلف يكرهون تلقيبهم بهذه الألقاب، ولكن البلوى عمت بمثل هذه الأسماء كاسمي، وقد كان الإمام النووي يكره تلقيبه بمحيي الدين، وشيخ الإسلام ابن تيمية يكره تلقيبه بتقي الدين، ويقول: لكن أهلي لقبوني بذلك فاشتهر. تسمية المولود ص٢٦. ويكره التسمي بأسماء الملائكة، وكذلك بأسماء سور القرآن مثل طه ويس ونحوها، وهذه الأسماء هي من الحروف المقطعة وليست من أسماء النبي ﷺ. وينبغي أن أذكر أن بعض أهل العلم ذكر مراتب الأسماء المستحسنة شرعاً أربعة:\r\rالمرتبة الأولى: اسميْ عبد الله وعبد الرحمن، وذلك لما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) رواه مسلم. المرتبة الثانية: سائر الأسماء المعبدة لله ﷿: مثل عبد العزيز وعبد الرحيم وعبد الملك وعبد الإله وعبد السلام وغيرها من الأسماء المعبدة لله ﷿. المرتبة الثالثة: أسماء الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ولاشك أن خيرهم وأفضلهم وسيدهم هو نبينا محمد ﷺ ومن أسمائه كذلك أحمد، ثم أولوا العزم من الرسل وهم إبراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم الصلاة والسلام، ثم سائر الأنبياء والمرسلين عليهم جميعا صلوات الله وسلامه. المرتبة الرابعة: أسماء عباد الله الصالحين، وعلى رأسهم صحابة نبينا الكريم، فيستحب التسمي بأسمائهم الحسنة اقتداء بهم وطلبا لرفعة الدرجة. المرتبة الخامسة: كل اسم حسن ذو معنى صحيح جميل.\r\rوخلاصة الأمر أنه ينبغي على الوالد أن يحسن اسم ولده، وأن ينتقي له الأسماء المشروعة، وأن لا يسميه بالأسماء المحرمة والمكروهة، ومنها اسم سالي فهو يطلق على إعصار يضرب سواحل أمريكا، وينبغي تغيير الأسماء القبيحة اقتداءً بسنة النبي ﷺ، كما هو ثابت في تغييره ﷺ لعدد من الأسماء القبيحة واستبدالها بأسماء حسنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346363,"book_id":3840,"shamela_page_id":743,"part":"15","page_num":11,"sequence_num":743,"body":"١١ - التابعة من الجن\rتقول السائلة: إنها امرأة متزوجة من عدة سنوات وكلما حملت أسقطت جنينها، وقالت لها إحدى النساء إن تابعتها قرينة من الجن تتسلط على الحمل فتسقطه فهل هذا الأمر صحيح، أفيدونا؟\r\rالجواب: الاعتقاد بوجود التابعة من الجن، فكرة قديمة وهي من موروثات عرب الجاهلية، قال الهروي في شرح حديث النبي ﷺ في النهي عن حلوان الكاهن: [والكاهن هو الذي يتعاطى الأخبار عن الكائنات في المستقبل ويدعي معرفة الأسرار، وكانت في العرب كهنةٌ يدَّعون أنهم يعرفون كثيراً من الأمور الكائنة، ويزعمون أن لهم تابعة من الجن تلقى إليهم الأخبار] تحفة الأحوذي ٤/٤١٣. وهذه الفكرة من الخرافات التي لا وجود لها، ولا يمكن عقلاً ولا شرعاً أن تؤثر هذه التابعة المزعومة في الحمل فتسقطه، فالأمور كلها بيد الله ﷿، وقد ثبت في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: كنت خلف النبي ﷺ يوماً، فقال: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن لإجهاض الحمل أسباباً كثيرةً يعرفها الأطباء، فينبغي مراجعة الأطباء فهم أهل الاختصاص في ذلك.\r\rويجب التفريق بين التابعة المزعومة وبين القرين وهو من الجن الموكل بكل إنسان، فالقرين ثابت بالكتاب والسنة، قال الله تعالى\r\r﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ سورة ق الآية٢٧. قال الإمام البخاري في باب تفسير سورة ق: [وقال قرينه: الشيطان الذي قيض له] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٨/٧٥٤. وقال الإمام الطبري في تفسير الآية السابقة: [يقول تعالى ذكره: قال قرين هذا الإنسان الكفَّار المنَّاع للخير، وهو شيطانه الذي كان موكلاً به في الدنيا كما حدثني ... عن ابن عباس قوله (قال قرينه ربنا ما أطغيته) قال: قرينه شيطانه.] تفسير الطبري ٢٢/٣٥٧. وقال تعالى ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ سورة الزخرف الآية ٣٦. وثبت في الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما منكم من أحدٍ إلا وقد وكِّل به رينُه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلمُ، فلا يأمرني إلا بالخير.) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (فأسلم) برفع الميم وفتحها، وهما روايتان مشهورتان فمن رفع قال: معناه: أسلمُ أنا من شره وفتنته، ومن فتحَ قال: إن القرين أسلمَ، من الإسلام وصار مؤمناً لا يأمرني إلا بخير، واختلفوا في الأرجح منهما فقال الخطابي: الصحيح المختار الرفع، ورجح القاضي عياض، الفتح وهو المختار، لقوله: (فلا يأمرني إلا بخير) ، واختلفوا على رواية الفتح، قيل: أسلمَ بمعنى استسلم وانقاد، وقد جاء هكذا في غير صحيح مسلم (فاستسلم) ، وقيل: معناه صار مسلماً مؤمناً، وهذا هو الظاهر، قال القاضي: واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه. وفي هذا الحديث: إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان] شرح النووي على مسلم ٦/٢٩٣. وروى مسلم بإسناده عن عروة أن عائشة زوج النبى ﷺ حدثته أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلاً، قالت فغرت عليه فجاء فرأى ما أصنع فقال: (ما لك يا عائشة أغرت) فقلت وما لي لا يغار مثلي على مثلك فقال رسول الله ﷺ: (أقد جاءك شيطانك) . قالت يا رسول الله أو معي شيطان، قال: نعم. قلت ومع كل إنسان قال: نعم. قلت ومعك يا رسول الله قال: نعم ولكن ربى أعانني عليه حتى أسلمَ) . فهذه النصوص وغيرها تثبت أن كل إنسانٍ قد وكِّل به قرينٌ من كفرة الجن، وعمل هذا القرين أنه يغوي الإنسان ويوسوس له. ونحن نؤمن أن الجن خلق من خلق الله ﷿ وأن لهم قدرات خاصة بهم كقدرتهم على سرعة الحركة مثلاً كما قال تعالى: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ سورة النمل الآية ٣٩. ولكن لا يصح أن نبالغ في قدراتهم، فهم لا يقدرون على إلحاق الضرر بالإنسان إلا بإذن الله ﷿، كما أنه لا سلطان لهم على عباد الله الصالحين كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ سورة الإسراء الآيتان ٦٤-٦٥. ولهم تسلط على الناس الضالين الغاوين كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ سورة النحل الآيتان ٩٩- ١٠٠. ويمكن للمسلم أن يحارب الشيطان وأن ينتصر عليه إذا تمسك بكتاب الله ﷿ وبسنة نبيه ﷺ، [ومن الأسباب المعينة على السلامة من شر الشيطان وجنوده: ١. الإيمان بالله وعبادته بإخلاص والتوكل عليه والاستعاذة به، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة الأعراف الآية٢٠٠، وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ سورة النحل الآيات ٩٨-١٠٠. وقد أخبر الله تعالى عن الشيطان أنه قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ سورة الحجر الآيتان ٣٩-٤٠. فأجابه الله ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ* إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ سورة الحجر الآيتان ٤١-٤٢.\r\r٢. الالتزام بالكتاب والسنة والإكثار من تلاوة القرآن ولاسيما سورة البقرة وبالأخص آية الكرسي والآيتين الأخيرتين من السورة.\r\rففي حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ خط خطاً بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً ثم خط عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.﴾ رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة.) رواه مسلم. وفي حديث أبي هريرة: (أن الشيطان قال له إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي ﷺ بقول الشيطان، قال: صدقك وهو كذوب) . رواه البخاري. وروى النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان) رواه الترمذي والحاكم والطبراني، وقال الهيثمي رجاله ثقات وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب. ٣. المحافظة على الصلاة في الجماعة والأذان لها وقيام الليل، فقد روى أبو الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية) رواه النسائي وقال: قال السائب -أحد رواة الحديث- يعني بالجماعة جماعة الصلاة، ورواه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وعن ابن مسعود قال: (ذُكر عند النبي ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنه) رواه البخاري ومسلم. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) رواه البخاري ومسلم.\r\r٤. المحافظة على ذكر الله تعالى دائماً، ولا سيما الأذكار المقيدة: صباحاً ومساء عند النوم وعند الدخول والخروج والأكل والجماع وعند الخلاء ونزع الثياب، ففي حديث الحارث الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: (وآمركم بذكر الله كثيراً، وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره حتى أتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله) رواه أحمد والترمذي والحاكم وأبو يعلى وصححه العلامة الألباني. ويمكن مراجعة كتب الأذكار للتعرف على أدعية الدخول والخروج والأكل والشرب والجماع وعند الخلاء ونزع الثياب وأذكار الصباح والمساء، ٥. الالتزام بالجماعة، ففي حديث عمر أن رسول الله ﷺ قال: (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد) رواه الترمذي والحاكم وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي.\r\r٦. البعد عن اتباع خطوات الشيطان ومظان وجوده، كالسوق ومجالس النساء ولا سيما الخلوة والانفراد بهن، ومجالس الغناء، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ سورة النور الآية٢١. وفي الحديث: (لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، ففيها باض الشيطان وفرخ) رواه مسلم، وفي الحديث: (ألا لا يخلونّ رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. ويمكن مراجعة كتاب إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان لابن القيم، وتلبيس إبليس لابن الجوزي، ووقاية الإنسان من الجن والشيطان لوحيد عبد السلام بالي، والصحيح المسند من أذكار اليوم والليلة لمصطفى العدوي والأذكار النووية وغيرها فإنها كتب نافعة في هذا الباب.\r\rوخلاصة الأمر أنه لا وجود للتابعة وإنما ذلك من الخرافات، وأما القرين فهو من الجن وهو ثابت بالكتاب والسنة، وليس من قدرة الجن إسقاط الحمل، وينبغي مراجعة الأطباء فهم أهل الاختصاص لمعرفة أسباب سقوط الحمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346364,"book_id":3840,"shamela_page_id":744,"part":"15","page_num":12,"sequence_num":744,"body":"١٢ - حكم تولي المرأة القضاء الشرعي\rيقول السائل: ما قولكم في تولي المرأة للقضاء الشرعي، أفيدونا؟\r\rالجواب: منصب القضاء الشرعي من الولايات العامة التي لا يجوز شرعاً للمرأة أن تتولاها، كما هو مقرر عند العلماء، وإن أبى ذلك الذين يدَّعون مناصرة قضايا المرأة، فمن المعلوم أن الإسلام قد أكرم المرأة أيما إكرام، وأعطاها كل حقوقها، بخلاف ما عليه الشرائع الأخرى والأنظمة الوضعية، وقضية تكريم الإسلام للمرأة قضية واضحة جلية من خلال نصوص الكتاب والسنة، وإن كان كثير ممن أعمى الله بصائرهم وأبصارهم لا يرونها كما قال الشاعر: قد تنكرُ العينُ ضوء الشمسِ من رمدٍ ويُنْكِرُ الفَمُ طَعْمَ الماء منْ سَقَم\r\rولاشك أن الله ﷻ قد خلق الذكر والأنثى وبينهما تفاوت في مجالات عدة، ومنها تفاوت وعدم تساوٍ في بعض الأحكام الشرعية كما قال ﷾: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ سورة آل عمران الآية ٣٦، فليست الأنثى كالذكر في كل الأمور، فهنالك فوارق واضحة في الخلقة الطبيعية، وكذلك في الأحكام الشرعية بين الذكر والأنثى، فالمرأة تختلف عن الرجل في أحكام تتعلق بالصلاة والصيام والحج والنفقات والديات وولاية الحكم وغيرها، والتفريق بين الذكر والأنثى مقرر في شريعتنا وفي الشرائع السابقة، وحتى في الأنظمة الوضعية، فالدعوة إلى مساواة الرجل بالمرأة في كل شيء، كذب وافتراء على دين الإسلام، قال الله تعالى ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ سورة القلم الآية ١٤. إذا تقرر هذا فإن جماهير أهل العلم لا يجيزون للمرأة أن تتولى القضاء، وقد قامت على ذلك أدلة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها كلها، ولكن أذكر أهمها: قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ سورة النساء الآية ٣٤. وهذه الآية عامة حيث إن (أل) تفيد الاستغراق فتشمل كل النساء والرجال في جميع الأحوال، ومن المقرر عند الأصوليين أن العام يبقى على عمومه حتى يأتي ما يخصصه، ولم يوجد مخصص لهذا العموم، انظر إرشاد الفحول ص ١٤. وقال الشيخ ابن كثير في تفسير الآية: [أي: الرجل قيم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت ﴿بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خيرٌ من المرأة؛ ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال وكذلك الملك الأعظم؛ لقوله ﷺ: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري ... وكذا منصب القضاء وغير ذلك ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ أي: من المهور والنفقات والكُلَف التي أوجبها الله عليهم لهنَّ في كتابه وسنة نبيه ﷺ، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيماً عليها، كما قال الله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٨] تفسير ابن كثير ٢/٢٩٣. ومما يدل على أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى القضاء ما رواه الإمام البخاري في صحيحه بإسناده عن أبى بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ لما بلغه أن أهل فارس قد ملَّكوا عليهم بنت كسرى قال: (لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة) ، فهذا الحديث يدل على أن النبي ﷺ جعل من أسباب عدم الفلاح تولي المرأة للولايات العامة، والقضاء داخل فيها، فإن قال قائل إن هذا الحديث ورد في حادثة خاصة، فنقول إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين. قال الأمير الصنعاني عند شرحه للحديث السابق: [فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقومها توليتها لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب] سبل السلام ٤/٩٦. وقال الشيخ ابن العربي المالكي: [وهذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة، ولا خلاف فيه. ونقل عن محمد بن جرير الطبري إمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية؛ ولم يصح ذلك عنه؛ ولعله كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم، إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو الاستبانة في القضية الواحدة، بدليل قوله ﷺ: (لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة) وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير] أحكام القرآن ٣/١٤٥٧. ومما يدل على أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى القضاء ما ورد في الحديث عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (القضاة ثلاثةٌ، واحدٌ في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجلٌ عرف الحق فقضى به، ورجلٌ عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار) رواه أبو داود وابن ماجة وغيرهما وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة حديث رقم ٢٣١٥. وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على اشتراط كون القاضي رجلاً، لأن النبي ﷺ حينما ذكر القضاة بينهم بقوله: رجلٌ في الحالات الثلاث، قال ابن تيمية الجد: [وهو – أي الحديث - دليل على اشتراط كون القاضي رجلاً] وقال الشوكاني: [واستدل المصنف أيضاً على ذلك بحديث بريدة المذكور في الباب لقوله فيه رجل ورجل، فدلَّ بمفهومه على خروج المرأة] نيل الأوطار ٤/١١٢. ومما يدل على أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى القضاء أنه لم يثبت في تاريخ الإسلام وعلى مدى هذه القرون المتطاولة أن تولت امرأة القضاء، فلم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحدٍ من خلفاء المسلمين لا في عهد الراشدين ولا الأمويين ولا العباسيين ولا غيرهم أنهم ولوا امرأة القضاء، ولو حصل لنقل، قال الإمام القرافي: [ولذلك لم يسمع في عصر من الأعصار أن امرأة وليت القضاء، فكان ذلك إجماعاً، لأنه غير سبيل المؤمنين] الذخيرة ١٠/٢٢. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولهذا لم يول النبي ﷺ ولا أحدٌ من خلفائه، ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً] المغني ٥/٣٤. ولا شك أن فتح هذا الباب إنما هو فتح لباب شرٍ، والمسلمون في غنىً عنه، وهو من باب من سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، كما ورد في الحديث في صحيح مسلم. ومما يؤكد أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى القضاء أن في ذلك مدخلاً للخلطة المنهي عنها شرعاً، قال الإمام البغوي: [اتفقوا على أن المرأة لا تصلح أن تكون إماماً ولا قاضياً، لأن الإمام يحتاج إلى البروز لإقامة أمر الجهاد، والقيام بأمور المسلمين، والقاضي يحتاج إلى البروز لفصل الخصومات، والمرأة عورة لا تصلح للبروز، وتعجز لضعفها عند القيام بأكثر الأمور، ولأن المرأة ناقصة، والإمامة والقضاء من كمال الولايات، فلا يصلح لها إلا الكامل من الرجال] شرح السنة ١٠/٧٧. ويضاف إلى ذلك ما يعتري المرأة من عوارض طبيعية كالحمل والرضاع والحيض والنفاس، وهذه أمور تتعارض مع توليها لمنصب القضاء الذي يحتاج إلى الصحة البدنية والنفسية، وقد قال النبي ﷺ: (لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وغير ذلك من الأدلة. ولا بد أن أذكر هنا أمرين أولهما: مستند من قال بجواز تولي المرأة للقضاء هو تعيين عمر بن الخطاب ﵁ الشفاء بنت عبد الله ﵂ على ولاية الحسبة وهي أخطر من منصب قاضي الأحوال الشخصية كذا زعموا، أقول إن هذا الاستدلال باطل، لأن قصة تولية الشفاء للسوق في عهد عمر ﵁ قصة ليست ثابتة، قال الشيخ ابن العربي المالكي: [وقد روي أن عمر قدَّم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح؛ فلا تلتفتوا إليه؛ فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث] . أحكام القرآن ٣/١٤٥٧. وهذه الحادثة روتها كتب التراجم بدون إسناد، ومع ذلك رويت بصيغة التضعيف فلا يعول عليها ولا يعتمد عليها، قال ابن سعد: [وكانت الشفاء بنت عبد الله أم سليمان بن أبي حثمة من المبايعات ... ويقال إن عمر بن الخطاب استعملها على السوق، وولدها ينكرون ذلك ويغضبون منه] طبقات ابن سعد ١/٢٥٠، ولاشك أن أولادها أعلم بحال أمهم من غيرهم. وقال الحافظ ابن عساكر: [وكانت الشفاء بنت عبد الله أم سليمان بن أبي حثمة من المبايعات، ... ويقال إن عمر بن الخطاب استعملها على السوق، وولدها ينكرون ذلك ويغضبون منه) تاريخ دمشق عن المكتبة الشاملة، وقال الحافظ المزي في ترجمة الشفاء بنت عبد الله: [وكان عمر بن الخطاب يقدمها في الرأي ويرضاها ويفضلها وربما ولاها شيئاً من أمر السوق] تهذيب الكمال عن المكتبة الشاملة، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وكان عمر يقدمها في الرأي ويرعاها ويفضلها وربما ولاها شيئا من أمر السوق.] الإصابة ٤/١٤. ثانيهما: لو سلمنا بجواز تولي المرأة للقضاء فإن من أجاز للمرأة تولي القضاء أجازه بشروط منها: أن تتوافر في المرأة المراد تقليدها القضاء الشروط المطلوبة في القضاة، من أهلية القضاء من رجحان العقل، والاتزان، وسلامة الحواس، ومن العدالة والاستقامة على طريق الحق، والقدرة على الوقوف أمام الباطل من خلال شخصية قوية متزنة، إضافة إلى العلم بالأحكام الشرعية؛ لأن القاضي الجاهل في النار، كما ورد ذلك في الحديث. وأن تهيأ للقاضيات الأجواء التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة. وألا يكون هذا المنصب على حساب تربية أولادها والحقوق المتبادلة بينها وبين زوجها. عن موقع إسلام أون لاين، وإذا نظرنا في هذه الشروط نجد أنه من الصعب جداً تحققها.\r\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز شرعاً أن تتولى المرأة منصب القضاء، وهذا هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة في هذه المسألة، وليس عند من أجاز ذلك دليل صحيح يعتمد عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346365,"book_id":3840,"shamela_page_id":745,"part":"15","page_num":13,"sequence_num":745,"body":"١٣ - العيدية\rيقول السائل: هل يجوز أن أجعل عيدية أخواتي من مال الزكاة، وإذا أعطيت عيدية لأولادي وبناتي فهل يشترط أن أعطي الجميع نفس المبلغ، فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: العيدية كما هو معروف بين الناس هي مبلغ من المال، يعطيه الشخص لقريبه بمناسبة حلول العيد – عيد الفطر أو عيد الأضحى – وهذه العيدية صارت لازمة أو شبه لازمة بحكم العرف، حيث إن الناس قد تعارفوا على ذلك، وهذا عرف صحيح يتفق مع الشرع، فالعيدية من باب البر والصلة والإحسان والمرؤة، ومن باب بذل المعروف للأقارب، وهذه المعاني مقررة شرعاً بنصوص الكتاب والسنة، والعرف الصحيح الذي لا يصادم النصوص الشرعية معتبر عند أهل العلم، قال الإمام القرافي: [وأما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها] شرح تنقيح الفصول ص ٤٨٨. وقال الشيخ العلامة ابن عابدين الحنفي: والعرف في الشرع له اعتبارُ لذا عليه الحكم قد يدارُ\r\rرسالة \" نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف \" ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين ٢/١١٢.\r\rوقد قامت الأدلة الكثيرة على اعتبار العرف ووضع الفقهاء القواعد الفقهية في ذلك كما في قولهم: العادة محكمة، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، واستعمال الناس حجة يجب العمل بها، وغير ذلك. [وسلطان العرف العملي كبير في أحكام الأفعال المعتادة والمعاملات المختلفة المتعلقة بحقوق الناس أو أحوالهم الشخصية أو القضاء أو الشهادات والعقوبات وغيرها ويعمل بالعرف ما لم يصادم نصاً شرعياً من القرآن أو السنة واضح الدلالة قطعياً أو نصاً تشريعياً كالقياس ويعتبر ما ثبت بالعرف حينئذ ثابتاً بالنص اتباعاً للقاعدة الشرعية الثابت بالعرف كالثابت بالنص أو الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي] نظرية العرف ص ٤٨. ومن أوسع مجالات إتباع العرف ما يتعلق بالأسرة مثل عشرة النساء والنفقة عليهن ومن ضمن ذلك ما تعارف عليه الناس من تقديم العيدية للأقارب، وهذا عرف صحيح ينبغي اعتباره والعمل به فهو لا يصادم النصوص الشرعية بل يؤكد مقاصد الشارع الحكيم.\r\rإذا تقرر هذا فإنه لا يصح شرعاً اعتبار العيدية للأخوات من الزكاة إن لم يكن من أهلها، وذلك لأن الزكاة لها مصارفها المقررة شرعاً، ولا يجوز صرف الزكاة إلا في تلك المصارف، يقول الله ﷾ في بيان مصارف الزكاة: ?إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ? سورة التوبة الآية ٦٠. وقد أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا تصرف إلا في المصارف الثمانية المذكورة في الآية الكريمة ولا حق لأحدٍ من الناس فيها سواهم، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: [هذه لهؤلاء] . وقد روي في الحديث عن زياد بن الحارث الصدائي ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته - وذكر حديثاً طويلاً - فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال رسول الله ﷺ: (إن الله لم يرض بحكم نبيٍ ولا غيره في الصدقة حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت في تلك الأجزاء أعطيتك حقك) رواه أبو داود والبيهقي والدارقطني وفي سنده ضعف. وإعطاء الأخوات من الزكاة يجوز شرعاً في حالة كون المزكي غير ملزمٍ شرعاً بالإنفاق عليهن، وهناك خلاف بين أهل العلم في النفقة على الأقارب غير الأصول والفروع، مثل الأخ أو الأخت والعم والعمة والخال والخالة وغيرهم. والقول الراجح في ذلك هو: إن النفقة تجب على ذي الرحم الوارث، سواء ورث بفرض أو تعصيب أو برحم، وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وبناءً على ذلك لا يجوز أن يعطي الرجل زكاة ماله لمن وجبت عليه نفقته، فمثلاً أخرج المزكي زكاة ماله وله أخت وليس لها من ينفق عليها إلا المزكي المذكور، فلا يجوز أن يعطيها من زكاة ماله. وهذا الأساس الذي بني عليه الحكم في المنع من إعطاء الزكاة للأقارب إذا كانت النفقة واجبة على المزكي، قال به جماعة من أهل العلم من السلف والخلف فمن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن أبي حفصة قال: [سألت سعيد بن جبير عن الخالة تعطى من الزكاة فقال: ما لم يغلق عليكم باباً] المصنف ٣/١٩٢، - أي ما لم يضمها إلى عياله -. وما رواه أيضاً بإسناده عن عبد الملك قال: قلت لعطاء: [أيجزي الرجل أن يضع زكاته في أقاربه، قال: نعم إذا لم يكونوا في عياله] المصنف ٣/١٩٢. وما رواه أيضاً عن سفيان الثوري أنه قال: [لا يعطيها من تجب عليه نفقته] المصنف ٣/١٩٢وروى أبو عبيد القاسم بن سلام بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا لم تعط منها أحداً تعوله فلا بأس) ، ورواه الأثرم في سننه بلفظ آخر عن ابن عباس ﵄ قال: [إذا كان ذوو قرابة فأعطهم من زكاة مالك وإن كنت تعولهم فلا تعطهم ولا تجعلها لمن تعول] نيل الأوطار ٤/٢٠٠. وقال أبو عبيد: قال لي عبد الرحمن: [إنما كرهوا ذلك لأن الرجل إذا ألزم نفسه نفقتهم وضمهم إليه ثم جعل ذلك بعده إلى الزكاة كان كأنه قد وقى ماله بزكاته] الأموال ص٦٩٥. وأما إذا لم تكن نفقة الأخوات واجبة على المزكي، فيجوز إعطاؤهن من الزكاة، بل الأخوات أولى بالزكاة من غيرهن في هذه الحالة، وللمزكي أجران أجر الصدقة وأجر الصلة، لما ثبت في الحديث عن سلمان بن عامر أن النبي ﷺ قال: (الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة) رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن، ورواه الحاكم وقال: إسناده صحيح ووافقه الذهبي وحسنه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٣/٣٨٧. قال المباركفوري: [قوله: (الصدقة على المسكين) أي صدقة واحدة (وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة) يعني أن الصدقة على الأقارب أفضل لأنه خيران ولا شك أنهما أفضل من واحد] تحفة الأحوذي ٣/٢٦١. وجاء في الفتاوى الهندية: [والأفضل في الزكاة والفطر والنذور الصرف أولاً إلى الأخوة والأخوات، ثم إلى أولادهم، ثم إلى الأعمام والعمات، ثم إلى أولادهم ثم إلى الأخوال والخالات، ثم إلى أولادهم، ثم إلى ذوي الأرحام ثم إلى الجيران ثم إلى أهل حرفته ثم إلى أهل مصره أو قريته] الفتاوى الهندية ١/١٩٠. وأما إعطاء الزكاة للأخوات – إن كن من أهلها - تحت غطاء العيدية فهذا فيه نوع إيهام غير مقبول، لأن الناس يعرفون أن العيدية من مقتضيات الأعراف الحميدة، وأما الزكاة فإنها مما أوجبه الله تعالى، وكذلك فإن إعطاء الزكاة للأخوات – إن كن من أهلها - تحت غطاء العيدية، فيه دفاع عن مال المعطي ووقاية له مما لزمه عرفاً، ولا يصح شرعاً جعل الزكاة وقايةً لمال المزكي مما لزمه شرعاً كالنفقات الواجبة أو عرفاً كالعيدية، كما أنه لا يصح جعل الزكاة وقاية من مال لا تستطيع الوصول إليه، كما يفعله بعض المزكين من احتساب ديونهم على الفقراء العاجزين عن السداد من مال الزكاة، قال أبو عبيد القاسم بن سلام، في تعليل منع احتساب الدين من الزكاة: [ ... إني لا آمن أن يكون إنما أراد أن يقي ماله بهذا الدين قد يئس منه فيجعله ردءاً لماله يقيه به إذا كان منه يائساً ... ] الأموال ص٥٣٣-٥٣٤. وأما العدل عند إعطاء الأولاد والبنات العيدية، فمطلوب شرعاً لعموم الأدلة الواردة في العدل بين الأولاد، وقد رفض الرسول ﷺ أن يشهد على إعطاء أحد الصحابة لأحد أولاده عطية دون الآخرين كما جاء في الحديث عن عامر قال: (سمعت النعمان بن بشير ﵄ وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي أعطيةً فقالت عمرة بنت رواحة – أم النعمان – لا أرضى حتى تشهد رسول ﷺ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. قال ﷺ: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، فقال ﷺ: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال فرجع فردَّ عطيته) رواه البخاري، وفي روايةٍ أخرى أن النبي ﷺ قال لبشير والد النعمان (لا تشهدني على جورٍ أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم. قال: أشهد على هذا غيري) رواه أبو داود بسندٍ صحيح. ويدل على أنه يجب على الأب أن يسوي بين أولاده في الهبات والعطايا قوله ﷺ: (اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو حديثٌ صحيح كم قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٧٧. وقوله ﷺ: (سووا بين أولادكم في العطية لو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء) رواه سعيد بن منصور والبيهقي وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن. وقال ﷺ: (اعدلوا بين أولادكم في النِحَل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البِر) رواه مسلم. ومن الجدير بالذكر أن جمهور الفقهاء يرون أن الذكر والأنثى سواءٌ في الهبات والأعطيات وكذا في العيديات، لأن النبي ﷺ قال لبشير بن سعد (فسووا بينهم) ، وفي روايةٍ أخرى (أليس يسرك أن يكونوا في البر سواء) ، والبنت كالابن في وجوب برها لأبيها. ولكن يجوز التفضيل بينهم لسبب معتبر شرعاً، والقول بجواز تفضيل بعض الأولاد لمسوغ شرعي لا بأس به ولا يخالف الأدلة الواردة في وجوب العدل بين الأولاد في العطية، جاء في فتاوى اللجنة الدائمة السعودية: [المشروع في عطية الأولاد هو التسوية بينهم في العطاء على السواء، ولا يجوز التفضيل إلا لمسوغ شرعي؛ لكون أحدهم مقعداً أو صاحب عائلة كبيرة أو لاشتغاله بالعلم، أو صرف عطية عن بعض ولده لفسقه أو بدعته، أو لكونه يعصي الله فيما يأخذه ... ] فتاوى اللجنة الدائمة ١٦/١٩٣.\r\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز للشخص أن يحتسب العيدية من زكاة ماله، بل ينبغي أن تكون العيدية من ماله الخاص، وينبغي العدل بين الأولاد في العيدية فلا يعطي بعضهم ويحرم الآخرين، وتجوز المفاضلة في مبلغ العيدية بين الأولاد، فالكبير يعطى أكثر من الصغير، ولا تشترط المساواة بينهم فيها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346366,"book_id":3840,"shamela_page_id":746,"part":"15","page_num":14,"sequence_num":746,"body":"١٤ - الحملة الفرنسية على الحجاب\rيقول السائل: ما قولكم في هذه الهجمة الشرسة التي تشن في فرنسا ضد الحجاب والنقاب، وما قولكم في موقف شيخ الأزهر بأن منع النقاب شأنٌ فرنسيٌ داخليٌ لا ينبغي للمرء أن يتدخل فيه، لأن لكل بلد قوانينها الخاصة بها كما زعم، أفيدونا؟\r\rالجواب: الحجاب أو الجلباب الشرعي فريضة من فرائض الله ﷾، وهي قضية مسلَّمة عند المسلمين، لأنها ثابتة بالنصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٥٩. وقال تعالى: ﴿قل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ سورة النور الآيتان ٣٠-٣١. وعن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: (أُمرنا أن نخرج الحُيَّض يوم العيدين وذوات الخدور فيشهدون جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزل الحيض عن مصلاهن. قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: لتلبسها أختها من جلبابها) رواه البخاري ومسلم. وجاء في حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄: (أنها كانت عند أختها عائشة وعليها ثياب واسعة الأكمام فلما نظر إليها الرسول ﷺ قام فخرج. فقالت عائشة ﵂ تنحي فقد رأى رسول الله ﷺ أمراً كرهه فتنحت فدخل رسول الله فسألته عائشة ﵂ لم قام؟ قال: أو لم تري هيئتها إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا - أي وجهها وكفيها -) رواه الطبراني والبيهقي وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة المسلمة ص ٥٩. وغير ذلك من الأدلة.\r\rوهذه الهجمة الغربية على الجلباب ما هي إلا حلقة من حلقات الهجوم على الإسلام، وعلى ثوابته، فمن السب والشتم لرسول الله ﷺ كما في الرسوم المسيئة في الدنمارك، إلى الطعن في كتاب الله ﷿، إلى الهجوم المتجدد والمحاربة للجلباب الشرعي، فقد سبق لساركوزي عندما كان وزيراً لداخلية فرنسا أن أصدر تشريعاً قانونياً حظر فيه الحجاب في المدارس، وكان ذلك بمباركة شيخ الأزهر محمد طنطاوي الذي قال وقتها: [مسألة الحجاب للمرأة المسلمة فرضٌ إلهي، وإذا قصرت في أدائه حاسبها الله على ذلك؛ ولذلك لا يستطيع أي مسلم سواء كان حاكماً أو محكوماً أن يخالف ذلك، ولا نسمح لغيرنا أن يتدخل في شئوننا كدولة مسلمة، هذا إذا كانت المرأة المسلمة تعيش في دولة إسلامية، أما إذا كانت تعيش في دولة غير إسلامية كفرنسا، وأراد المسئولون بها أن يقرروا قوانين تتعارض مع مسألة الحجاب للمرأة المسلمة، فهذا يُعد حقهم، وأكرر أن هذا حقهم الذي لا أستطيع أن أعارض فيه كمسلم لأنهم غير مسلمين... في هذه الحالة عندما تستجيب المرأة المسلمة لقوانين الدولة غير المسلمة، تكون من الناحية الشرعية في حكم المضطر] انتهى كلام شيخ الأزهر. واليوم يكرر شيخ الأزهر محمد طنطاوي موقفه المتخاذل فيقول: [أنا ليس لي شأن بقرار الرئيس الفرنسي بمنع ارتداء \"النقاب\" في بلاده لأن لكل دولة قوانينها التي تحكمها وهذا أمر داخلي تنظمه كل دولة كيفما تشاء.]\r\rويبدو أن شيخ الأزهر لم يقرأ تصريحات ساركوزي أو أنه تغافل عنها ليبرر موقفه المتخاذل، فكلام ساركوزي عن النقاب والحجاب وقد جعلهما شيئاً واحداً فقال: [إن البرقع أو النقاب الذي يغطي المرأة من رأسها إلى أخمص قدميها يشكل علامة استعباد للمرأة وان ارتداءه غير مرحب به في فرنسا. وأكد ساركوزي أن البرقع ليس رمزاً دينياً، وإنما رمز استعباد للمرأة، وأريد أن أؤكد علناً أن البرقع غير مرحب به في أراضي الجمهورية الفرنسية. وأضاف الرئيس الفرنسي: لا يمكن أن نقبل في بلادنا نساء سجينات خلف سياج ومعزولات عن أي حياة اجتماعية ومحرومات من الكرامة. هذه ليست الرؤية التي تتبناها الجمهورية الفرنسية بالنسبة لكرامة المرأة]\r\rإن كلام شيخ الأزهر كلام باطل وموقفه هذا خذلان لمسلمات فرنسا وغيرهن من المسلمات اللواتي يعشن في غير العالم الإسلامي، وفي كلام شيخ الأزهر فتحٌ لباب شر واسع على المسلمين في الغرب، فغداً ستحذو دول أخرى حذو فرنسا في اتخاذ قرارات بمنع الحجاب، وماذا لو اتخذت دول الغرب قرارات بمنع إقامة صلاة الجمعة أو إغلاق المساجد أو منع المسلمين من الأضحية وغير ذلك مما يطمس شخصية المسلمين في الغرب؟!! وكان الواجب الشرعي على شيخ الأزهر أن يطالب الحكومة الفرنسية بإتاحة حرية ممارسة الشعائر الدينية للمسلمين وفق مبادئ الحرية التي تتغنى بها فرنسا، أم أن الحرية إذا وصلت للمسلمين فإنها تتوقف!! وإنه لمن المؤسف حقاً أن يكون هذا هو موقف من يجلس على رأس الهرم في هيئة من أهم الهيئات الشرعية في العالم الإسلامي- الأزهر -، وليته سكت لكان السكوت أولى من هذا الموقف المخزي. إن الواجب على علماء الأمة وعلى الهيئات الشرعية في العالم الإسلامي أن يتصدوا لما قاله ساركوزي عن الجلباب، وأن يساندوا المسلمات في فرنسا وغيرها، وأن يبطلوا كلام شيخ الأزهر، ويبينوا له وجه الحق في هذه المسألة وغيرها من المسائل، التي كانت فيها مواقفه مدعاة للسخرية!! ومتى يدرك شيخ الأزهر أن مسألة الحجاب والجلباب ليست شأناً فرنسياً داخلياً، بل هي شأنٌ إسلاميٌ عام، وأين أنت يا شيخ الأزهر من قول النبي ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبَّك بين أصابعه) رواه البخاري ومسلم، وأين أنت يا شيخ الأزهر من قوله ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم. وأين أنت يا شيخ الأزهر من قوله ﷺ: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يدٌ على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم) رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ٦٦٦٦. وأما من يخذل المسلمين ولا يقف معهم ولا يدافع عن أخواته المسلمات، فإن الله ﷿ سيخذله، كما أخبر رسول الله ﷺ: (ما من امرئٍ يخذل امرأً مسلماً في موطن يُنتقص فيه من عرضه ويُنتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحدٍ ينصر مسلماً في موطن يُنتقص فيه من عرضه ويُنتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته.) رواه أحمد وأبو داود وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ٥٦٩٠. إذا تقرر هذان فإن الجلباب الشرعي فريضة من فرائض الله ﷿، لا يملك أحدٌ من البشر مهما كان أن يشطبها أو يلغيها، والجلباب ليس علامة استعباد للمرأة كما زعم ساركوزي، بل هو طاعة لله ﷿، واستعباد واستسلام لشرع رب العباد، وهو رمز للعفة والطهارة، وهو تاج الوقار والكرامة للمرأة المسلمة، التي اختارت طريق العفاف والطهر، لا طريق الرذيلة والعهر. ونحن لا نأخذ ديننا من غير كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ، ولا نطيع كافراً في شأن ديننا كما قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ١٠٠. ويجب أن يعلم أن كلام ساركوزي عن الحجاب ما هو إلا اعتداءٌ صريحٌ وواضحٌ على دين الإسلام، وعلى كتاب الله ﷿ وعلى سنة النبي ﷺ، وعلى فريضة من فرائض الله، ولا يقل جرماً عن الرسوم المسيئة لنبينا محمد ﷺ. والواجب عى كل مسلم الوقوف في وجه هذه الحملة الفرنسية الجديدة على الإسلام والمسلمين. وهذه الحملة الفرنسية على النقاب والحجاب تتناقض مع شعارات الحرية والمساواة التي ترفعها فرنسا!!! وتصريحات ساركوزي تتناقض مع القرار الذي أصدره مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في ٢٨ أيار ٢٠٠٨ وانتقد خلاله القانون الفرنسي الذي يقضي بحظر ارتداء الزي الديني في المدارس بما فيه الحجاب الإسلامي، ثم لماذا هذه الهجمة على الجلباب الشرعي مع أنه يوجد في فرنسا بل في كل العالم الغربي راهبات يغطين رؤوسهن، ويلبسن ما يشبه الجلباب، ولماذا لا يعتبر ساركوزي ذلك استعباداً، أم أنها الحرب لكل ما يمت للإسلام بصلة، ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ سورة البقرة الآية ١٢٠.\r\rوخلاصة الأمر أن الجلباب الشرعي فريضة ربانية، وأن الهجوم عليه تعدٍ على دين الإسلام، وأن الواجب على الأمة الإسلامية عامة، والعلماء خاصة أن يتصدوا لهذه الحملة الفرنسية الجديدة، ويجب أن يُعلم أن الحجاب إيمان وطهارة وتقوى وحياء وعفة، واستعباد وطاعة لرب العباد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346367,"book_id":3840,"shamela_page_id":747,"part":"15","page_num":15,"sequence_num":747,"body":"١٥ - الاحتياط في باب المحرمات واجب\rيقول السائل: عقد شاب نكاحه على فتاة وبعد مدة قالت أم الشاب إنها أرضعت تلك الفتاة، حيث إن الأم تقول إنها أرضعت الفتاة بعد أن طلقت من أبيه وتزوجت برجل آخر، فهل يجوز المضي في هذا الزواج، أفيدونا؟ الجواب: يقول الله تعالى عند ذكر المحرمات في النكاح ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ سورة النساء الآية ٢٣، وقال النبي ﷺ: (إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) رواه البخاري ومسلم، وفي لفظ عند النسائي: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.) وجاء في صحيح البخاري عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالت أرضعتكما، فأتيت النبي ﷺ فقلت تزوجت فلانة بنت فلان فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لي إني قد أرضعتكما وهي كاذبة، فأعرض عني فأتيته من قبل وجهه، قلت إنها كاذبة، قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟ دعها عنك.)\rوفي رواية أخرى للبخاري عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت قد أرضعت عقبة والتي تزوج. فقال لها عقبة ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني. فأرسل إلى آل أبي إهاب يسألهم فقالوا ما علمنا أرضعت صاحبتنا. فركب إلى النبي ﷺ بالمدينة فسأله، فقال رسول الله ﷺ: (كيف وقد قيل) . ففارقها، ونكحت زوجاً غيره، قل الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ (قوله كيف وقد قيل) فإنه يشعر بأن أمره بفراق امرأته إنما كان لأجل قول المرأة أنها أرضعتهما فاحتمل أن يكون صحيحاً فيرتكب الحرام فأمره بفراقها احتياطاً على قول الأكثر، وقيل بل قبل شهادة المرأة وحدها على ذلك] فتح الباري ٤/٣٧٤. وجاء في رواية أخرى عن عبد الله بن أبي مليكة قال: سمعت عقبة بن الحارث، وحدثني صاحب لي، وأنا لحديث صاحبي حافظ، قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فدخلت علينا امرأة سوداء، فزعمت أنها أرضعتهما جميعاً، فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فأعرض عني، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأعرض عني، فذكرت ذلك له فأعرض عني، فقلت: إنها كاذبة، فقال: (وما يدريك أنها كاذبة؟ وقد قالت ما قالت، دعها عنك) رواه الطبراني في المعجم الكبير. والحديث صحيح كما في إرواء الغليل للعلامة الألباني ٧/٢٢٥.\rإذا تقرر هذا فإن الشاب المذكور في السؤال يكون أخاً من الرضاعة للفتاة المذكورة من جهة الأم، فيحرم عليه أن يتزوجها لعموم قوله تعالى ﴿وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ولقول النبي ﷺ: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ، وقد ورد في شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية للأبياني، في شرح المادة رقم (٣٧٦) ما نصه: [وكذا لا يجوز للرجل أن يتزوج أخته من الرضاعة سواءً كانت شقيقةً بأن رضعا من امرأة كان سبب اللبن الذي رضعا منه واحداً أو كانت أختاً له لأب بأن رضع الصبي من امرأة ورضعت الصبية من امرأة أخرى كان السبب نزول اللبن لهما رجلاً واحداً بأن كان زوجاً لهما. أو كانت أختاً له من الأم بأن أرضعت امرأة غلاماً ثم طلقت من زوجها وتزوجت بآخر فولدت منه وأرضعت بنتاً من اللبن الذي تسبب في وجوده عندها الزوج الثاني] ٢/٥٦.\rولا بد هنا من التنبيه على أمرين هامين: أولهما: ينبغي الأخذ بالاحتياط في مسائل التحريم، ومنها مسألة الرضاع، وخاصة أن الدخول لم يتم، وقد قرر الفقهاء القاعدة الفقهية التي تقول: الاحتياط في باب الحرمة واجب، كما في المبسوط للسرخسي٣٠/٢٩٦، فالحل والحرمة حكمان شرعيان فالحلال ما أحله الشرع بدليله، والحرام ما حرمه الشرع بدليله، فإذا لم يقم الدليل على الراجح على الحل أو الحرمة, واشتبه الأمر على المكلف، فالأصل التوقف والبناء على الأحوط للدين والبعد عن الشكوك والتهمة والريبة، وتغليب جانب الحرمة لأنه المتيقن. ويؤيد هذه القاعدة ما ورد في الحديث عن الحسن بن علي ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ: (دع ما يريبك إلى مالا يريبك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة) رواه ابن حبان في صحيحه والترمذي وقال: حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي ٣/٢٣٩. فمن شك في شيءٍ من الأقوال والأعمال هل هو حلال أم حرام؟ فليتركه تورعاً ويبني أمره على اليقين البحت والتحقيق الصرف, ويكون على بصيرة في دينه، لأن ترك ما يشك فيه أصل عظيم في الورع. انظر فتح الباري ٤/٢٩٣. ويدل للقاعدة السابقة ما جاء في الحديث عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) رواه البخاري ومسلم. ففي هذا الحديث بيَّن النبي ﷺ أن الأحكام ثلاثة أقسام: الحلال وهو بيِّن، والحرام وهو بينِّ والثالث: وهو المشتبه به لخفائه فلا يدري المكلف هل هو حلال أو حرام؟ وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه لأنه إن كان في نفس الأمر حراماً فقد بريء من تبعته وإن كان حلالاً فقد أجر على تركه بهذا القصد٠انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١١/٢٧.\rوقال الإمام ابن دقيق العيد عند شرحه للحديث السابق: [هذا أحد الأحاديث العظام التي عدت من أصول الدين وأدخلت في الأربعة الأحاديث التي جعلت أصلاً في هذا الباب وهو أصل كبير في الورع وترك المتشابهات في الدين والشبهات لها مثارات منها الاشتباه في الدليل الدال على التحريم أو التحليل وتعارض الإمارات والحجج٠] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ٤/١٨٢.\rثانيهما: إن شهادة المرأة الواحدة مقبولة في مسائل الرضاع على الراجح من أقوال أهل العلم، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإذا شهدت امرأة واحدة على الرضاع حرم النكاح إذا كانت مرضية ... وجملة ذلك أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع إذا كانت مرضية وبهذا قال طاوس , والزهري والأوزاعي وابن أبي ذئب , وسعيد بن عبد العزيز ... ولنا ما روى عقبة بن الحارث قال: (تزوجتُ أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء , فقالت: قد أرضعتكما فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: وكيف , وقد زعمت ذلك) متفق عليه، وفي لفظ رواه النسائي قال: (فأتيته من قبل وجهه , فقلت: إنها كاذبة قال: كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما خل سبيلها) ، وهذا يدل على الاكتفاء بالمرأة الواحدة، وقال الزهري: فرِّق بين أهل أبياتٍ في زمن عثمان ﵁ بشهادة امرأة في الرضاع، وقال الأوزاعي: فرَّق عثمانُ بين أربعةٍ وبين نسائهم , بشهادة امرأة في الرضاع، وقال الشعبي: كانت القضاة يفرقون بين الرجل والمرأة بشهادة امرأة واحدة في الرضاع، ولأن هذا شهادة على عورة فيقبل فيه شهادة النساء المنفردات , كالولادة، وعلَّلَ الشافعي بأنه عنىً يقبل فيه قول النساء المنفردات فيقبل فيه شهادة المرأة المنفردة , كالخبر.] المغني ٨/١٩٠-١٩١.\rوقال الإمام البخاري في صحيحه: (باب شهادة المرضعة) ثم ذكر حديث عقبة بن الحارث السابق، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [واحتج به من قَبلَ شهادة المرضعة وحدها، قال علي بن سعد: سمعت أحمد – يعني الإمام ابن حنبل - يُسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع قال: تجوز على حديث عقبة بن الحارث، وهو قول الأوزاعي. ونقل عن عثمان وابن عباس والزهري والحسن وإسحاق، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب قال: \" فرَّق عثمان بين ناس تناكحوا بقول امرأة سوداء أنها أرضعتهم \" قال ابن شهاب: الناس يأخذون بذلك من قول عثمان- إلى - اليوم ... ] فتح الباري ٥/٣٣١.\rوقال الإمام الشوكاني: [ ... فالحق وجوب العمل بقول المرأة المرضعة حرة كانت أو أمة حصل الظن بقولها أو لم يحصل لما ثبت في رواية \" أن السائل قال: وأظنها كاذبة \" فيكون هذا الحديث الصحيح هادماً لتلك القاعدة المبنية على غير أساس أعني قولهم: إنها لا تقبل شهادة فيها تقرير لفعل الشاهد ومخصصاً لعمومات الأدلة كما خصصها دليل كفاية العدالة في عورات النساء عند أكثر المخالفين] نيل الأوطار ٦/٣٥٩.\rوخلاصة الأمر أنه يجب الاحتياط في مسائل التحريم، ومنها مسائل الرضاع، فلا يجوز لمن قيل إنهما رضعا من امرأة واحدة أن يتزوجا وخاصة إذا جاء الإخبار بالرضاع قبل الدخول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346368,"book_id":3840,"shamela_page_id":748,"part":"15","page_num":16,"sequence_num":748,"body":"١٦ - الزواج قسمة ونصيب\rيقول السائل: تقدمت لخطبة فتاة وتمنَّعَ أهلُها في الموافقة على الزواج، وبعد مدة وافقوا على زواجي منها، ولكنني تراجعت عن فكرة الزواج منها ثم تزوجت الفتاة من شخص آخر، ولما علمت بزواجها ندمت ندماً شديداً، فهل ما حصل معي أمر مقدر حتمي وأنه ليس لي نصيب في تلك الفتاة، أفيدونا؟\rالجواب: لاشك ولا ريب أنه لا يقع في ملك الله ﷿ إلا ما قدَّره الله وسبق في علمه ﷾، ومن ضمن ذلك زواج فلان بفلانة، فهذا من القدر، وما يقوله العامة: الزواج قسمة ونصيب، صحيح شرعاً، ويستند إلى الإيمان بالقدر، وهو ركن من أركان الإيمان، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة المرضية عند أهل السنة والجماعة: [ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم ... فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن، ليجعلوه غير كائن، لم يقدروا عليه. ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه، ليجعلوه كائناً، لم يقدروا عليه. جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ... وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه ... وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً، ليس فيه ناقض، ولا معقب ولا مزيل ولا مغير ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه ... وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديراً﴾ سورة الفرقان الآية ٢، وقال تعالى: ﴿وكان أمر الله قدراً مقدوراً﴾ سورة الأحزاب الآية ٢٨.] شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٩٢-٣٠٤. وصح في حديث جبريل المشهور لما سأل النبيَ ﷺ عن الإيمان، فقال ﷺ: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. وقال ﷺ في آخر الحديث: يا عمر أتدري من السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبرائيل، أتاكم يعلمكم دينكم) رواه مسلم. وقال الإمام الترمذي: [باب ما جاء أن الإيمان بالقدر خيره وشره، ثم روى بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلمَ أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.) وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٢٢٧.\r\rومما يدل على أن كل شيء يحصل للإنسان مقدرٌ وسابقٌ في علم الله ﷿ بما في ذلك الزواج، قوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير﴾ سورة الحديد الآية ٢٢. وقوله تعالى: ﴿ولا يعزب عن ربك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ سورة يونس ٦١. وقوله تعالى: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتاب مبين﴾ سورة الأنعام الآية ٥٩. وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ سورة يس الآية ١٢. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ سورة الحج الآية٧٠. وقوله تعالى: ﴿قُل لَن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ سورة التوبة الآية ٥١. وورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [قوله ﷺ (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء) ، قال العلماء المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير فإن ذلك أزلي لا أول له، وقوله: (وعرشه على الماء) أي قبل خلق السماوات والأرض] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٥٥. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس) . رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: [قال القاضي ... ويحتمل أن العجز هنا على ظاهره، وهو عدم القدرة. وقيل: هو ترك ما يجب فعله، والتسويف به وتأخيره عن وقته، قال: ويحتمل العجز عن الطاعات، ويحتمل العموم في أمور الدنيا والآخرة. والكيس ضد العجز، وهو النشاط والحذق بالأمور. ومعناه أن العاجز قد قدِّر عجزُه، والكَيِّس قد قدِّر كَيسُه.] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٥٦. وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله القلم، فقال له اكتب، قال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) رواه أبو داود والترمذي وصححه العلامة الألباني في تخريجه لأحاديث العقيدة الطحاوية ص٢٩٤. وعن ابن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفةً ثم يكون علقةً مثل ذلك ثم يكون مضغةً مثل ذلك ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌ أو سعيد) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من النصوص.\r\rإذا تقرر هذا فإن زواج فلان وفلانة مقدر ومكتوب وسابق في علم الله ﷿، وهنا لا بد من توضيح عدة أمور: أولها: إن المسلم لا يعلم ما قدره الله ﷿ إلا بعد وقوعه، فالقدر من الأمور الغيبية، والمسلم مأمور أن يأخذ بالأسباب، والأخذ بالأسباب لا ينافي القدر، بل هو من قدر الله ﷿، فإذا أراد شخص الزواج من فتاة فالمطلوب أن يسعى في ذلك، فسعيه للزواج من تلك الفتاة قدر من الله ﷿، فإذا تم زواجه منها فهو قدر من الله ﷾. وقد جاء في حديث عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عباس ﵃، أن عمر بن الخطاب ﵁، خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ، لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا فقال بعضهم: قد خرجت لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال: ارتفعوا عني ثم قال: ادعوا لي الأنصار فدعوتهم، فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم فقال: ارتفعوا عني ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم، فلم يختلف منهم عليه رجلان فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء فنادى عمر، في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، قال أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وان رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيباً في بعض حاجته، فقال: إن عندي في هذا علماً سمعت رسول الله ﷺ، يقول: إذا سمعتم به – أي الطاعون - بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه قال: فحمد الله عمر، ثم انصرف) رواه البخاري ومسلم.\r\rثانياً: قرر العلماء أن القدر قدران: أحدهما: القدر المثبت، أو المطلق، أو المبرم: وهو ما في أم الكتاب - اللوح المحفوظ - فهذا ثابت لا يتغير، ولا يتبدل. وثانيهما: القدر المعلق، أو المقيد: وهو ما في كتب الملائكة، فهذا هو الذي يقع فيه المحو والإثبات، فالآجال والأرزاق والأعمار، وغيرها مثبتة في أم الكتاب لا تتغير، ولا تتبدل، أما ما في صحف الملائكة فيقع فيه المحو والإثبات، والزيادة والنقص. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [والأجل أجلان: أجل مطلق يعلمه الله، وأجل مقيد) وبهذا يتبين معنى قوله ﷺ: (من سرَّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) . فإن الله أمر الملَك أن يكتب له أجلاً وقال: إن وصل رحمه زدته كذا وكذا. والملَك لا يعلم أيزداد أم لا؟ لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء الأجل لا يتقدم ولا يتأخر] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٨/٥١٧. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في موطن آخر عندما سئل عن الرزق: هل يزيد وينقص؟ [الرزق نوعان: أحدهما ما علمه الله أنه يرزقه، فهذا لا يتغير. والثاني: ما كتبه، وأعلم به الملائكة، فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب] مجموع فتاوى ٨/٥١٧. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: [كأن يقال للملَك - مثلاً - إنَّ عُمُرَ فلان مائة عامٍ -مثلاً- إن وصل رحمه، وستون إن قطعها. وقد سبق في علم الله أنه يصل أو يقطع. فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر. والذي في علم الملَك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ سورة الرعد الآية ٣٩. فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملَك. وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى فلا محو فيه ألبتة، ويُقال له: القضاء المبرم، ويقال للأول: القضاء المعلَّق. فتح الباري ١٠/٤٣٠.] عن موقع الإسلام اليوم.\r\rوخلاصة الأمر أن زواج شخص ما من امرأة ما، أمر مقدر ولا مفر منه، وقد سبق في علم الله ﷿، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ولكن الإنسان لا يعلم ما كتب له، وهو مطالب بالأخذ بالأسباب، والأخذ بالأسباب من قدر الله ﷿، وإذا تقدم شخص لخطبة فتاة ثم لم يتزوجها وتزوجت غيره، فهذا يدلنا على أن الله لم يقدر زواجهما، ونحن ما علمنا بقدر الله ﷿ إلا بعد وقوعه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346369,"book_id":3840,"shamela_page_id":749,"part":"15","page_num":17,"sequence_num":749,"body":"١٧ - لفظ \" الاختلاط \" ليس دخيلا على التراث الإسلامي\rيقول السائل: إنه سمع الشيخ يوسف القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة يتحدث عن الاختلاط وأن الشيخ قد قال: إن لفظ \" الاختلاط \" دخيل على التراث الإسلامي ولم يرد فيه مطلقاً، فما قولكم في ذلك، أفيدونا؟\rالجواب: ما قاله الشيخ يوسف القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة حول لفظة الاختلاط، ما هو إلا تكرار لما قرره في بعض مؤلفاته، فقد سبق أن قال في أحد كتبه: [دخلت مجتمعنا الحديث كلمات أصبح لها دلالات لم تكن لها من قبل، من ذلك كلمة (الاختلاط) بين الرجل والمرأة] ملامح المجتمع المسلم ص٣٦٨. وقال الشيخ يوسف القرضاوي في كتاب آخر: [وأود أن أبادر هنا فأقول: إن كلمة \" الاختلاط \" في مجال العلاقة بين الرجل والمرأة، كلمة دخيلة على \" المعجم الإسلامي \" لم يعرفها تراثنا الطويل العريض طوال القرون الماضية، ولم تعرف إلا في هذا العصر، ولعلها ترجمة لكلمة \" أجنبية \" في هذا المعنى، ومدلولها له إيحاء غير مريح بالنظر لحس الإنسان المسلم. وربما كان أولى منها كلمة \" لقاء \" أو \" مقابلة \" أو \" مشاركة \" الرجال للنساء، ونحو ذلك.] فتاوى معاصرة ٢/٢٧٩.\rهذا ما قاله الشيخ يوسف القرضاوي وقرره من أن كلمة الاختلاط في مجال العلاقة بين الرجل والمرأة، كلمة دخيلة على \" المعجم الإسلامي \" لم يعرفها تراثنا الطويل العريض طوال القرون الماضية، ولم تعرف إلا في هذا العصر، وأقول إن هذه دعوى عريضة بلا دليل ولا برهان، بل إن تراثنا الإسلامي قد عرف كلمة الاختلاط في مجال العلاقة بين الرجل والمرأة، واستعملت في تراثنا الإسلامي بنفس المعنى الذي تستعمل فيه في عصرنا الحاضر، ولا أريد هنا أن أناقش رأي الشيخ يوسف القرضاوي في مسألة الاختلاط الآن، ولعلي أعود إليه لاحقاً، ولكن سأقتصر في الرد على إثبات وجود واستعمال لفظة الاختلاط في تراثنا الإسلامي، الشيء الذي نفاه الشيخ يوسف القرضاوي، ولكن قبل ذلك أقول: إن استعمال لفظة الاختلاط في لغة العرب ليس مقصوراً على الامتزاج والذوبان كما قال الشيخ يوسف القرضاوي في البرنامج المذكور: [فكلمة الاختلاط ... لا يوجد عندنا شيء اسمه الاختلاط، كلمة الاختلاط نفسها اختلط الشيء بالشيء كأنه امتزج به وكأنه ذابت الحدود ولم يعد هناك ... ] ، وأقول: لكنها استعملت في اختلاط الشيئين مع عدم ذوبان أحدهما في الآخر قال ابن منظور: [والخلاط اختلاط الإبل والناس والمواشي ... وفي حديث أبي سعيد كنا نرزق تمر الجمع على عهد رسول الله ﷺ وهو الخلط من التمر أي المختلط من أنواع شتى ... ويكون الخلطاء أيضاً أن يخلطوا العين المتميز بالعين المتميز كما فسر الشافعي ويكونون مجتمعين كالحلة يكون فيها عشرة أبيات لصاحب كل بيت ماشية على حدة فيجمعون مواشيهم على راع واحد يرعاها معا ويسقيها معا وكل واحد منهم يعرف ماله بسمته ونجاره] لسان العرب مادة خلط. هذا من حيث اللغة وأما في الشرع فقد وردت كلمة الاختلاط بالمعنى المستعمل اليوم في السنة النبوية، فمن ذلك:\r١. ما رواه أبو داود بإسناده عن أبي أسيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله ﷺ للنساء: استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن (أي تركبن حقها وهو وسطها) الطريق ... ) ورواه أيضاً البيهقي في شعب الإيمان ٦/١٧٣ حديث رقم ٧٨٢٢، ورواه الطبراني في المعجم الكبير ١٩/٢٦١، وقال العلامة الألباني: حديث حسن، السلسلة الصحيحة ٢ / ٥٣٧.\r٢. وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب طواف النساء مع الرجال. وقال لي عمرو بن على حدثنا أبو عاصم قال ابن جريج أخبرنا قال أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال قال كيف يمنعهن، وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال قلت أبعد الحجاب أو قبل؟ قال إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب. قلت كيف يخالطن الرجال؟ قال لم يكن يخالطن كانت عائشة ﵂ تطوف حَجْرةً من الرجال لا تخالطهم - أي تعتزلهم -، ... ] قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (باب طواف النساء مع الرجال) أي هل يختلطن بهم أو يطفن معهم على حدة بغير اختلاط أو ينفردن] فتح الباري ٣/٦٠٦.\rهذا من السنة النبوية، وسأذكر نصوصاً كثيرة من أقوال أهل العلم ورد فيها استعمال لفظ الاختلاط بالمعنى الذي نستعمله اليوم، منها:\r٣. قال الإمام شمس الأئمة السرخسي المتوفى في حدود سنة ٤٩٠ هـ: [وينبغي للقاضي أن يقدم النساء على حدة والرجال على حدة ; لأن الناس يزدحمون في مجلسه، وفي اختلاط النساء مع الرجال عند الزحمة من الفتنة والقبح ما لا يخفى] المبسوط ١٦/٨٠.\r٤. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي المتوفى سنة ٦٢٠ هـ: عند كلامه على استحباب مكث الإمام والرجال بعد صلاة الجماعة قليلاً لتنصرف النساء: [ ... ولأن الإخلال بذلك من أحدهما يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء ... ] المغني ١/٤٠٢.\r٥. وقال الشيخ أبو شامة المقدسي المتوفى سنة ٦٦٥ هـ: [أما الألفية فصلاة ليلة النصف من شعبان سميت بذلك لأنها يقرأ فيها ﴿قل هو الله أحد﴾ ألف مرة لأنها مائة ركعة في كل ركعة يقرأ الفاتحة مرة وبعدها سورة الإخلاص عشر مرات وهي صلاة طويلة مستثقلة لم يأت فيها خبر ولا أثر إلا ضعيف أو موضوع، وللعوام بها افتتان عظيم والتزم بسببها كثرة الوقيد في جميع مساجد البلاد التي تصلي فيها، ويستمر ذلك كله ويجري فيه الفسوق والعصيان، واختلاط الرجال بالنساء، ومن الفتن المختلفة ما شهرته تغني عن وصفه ... وأما إن كان على الوجه الذي يجري في هذا الزمان من اختلاط الرجال والنساء ومضامة أجسامهم ومزاحمة من في قلبه مرض من أهل الريب ومعانقة بعضهم لبعض ... فيختلط الرجال والنساء والصبيان والغوغاء ... ] الباعث على إنكار البدع والحوادث ص ٥٠- ٥٨.\r٦. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ: [ولا تجب الجمعة على صبى ولا مجنون ... ولا تجب على المرأة ... ولأنها تختلط بالرجال وذلك لا يجوز) المهذب ٤/٤٨٤.\r٧. وقال الإمام النووي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ: [ ... وقوله ولأنها تختلط بالرجال وذلك لا يجوز ليس كما قال فإنها لا يلزم من حضورها الجمعة الاختلاط بل تكون وراءهم ... ولأن اختلاط النساء بالرجال إذا لم يكن خلوة ليس بحرام] المجموع ٤/٤٨٤.\r٨. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى ٧٢٨ هـ: [وأما ما يفعل في هذه المواسم مما جنسه منهي عنه في الشرع فهذا لا يحتاج إلى ذكر، لأن ذلك لا يحتاج أن يدخل في هذا الباب، مثل رفع الأصوات في المسجد أو اختلاط الرجال والنساء ... ] اقتضاء الصراط المستقيم ٢/١٤٥.\r٩. وقال العلامة ابن القيم المتوفى سنة ٧٥١ هـ: [ (فصل) ومن ذلك: أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق ... ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر ... واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا] الطرق الحكمية ص ٢٧٤ -٢٧٥.\r١٠. وقال الإمام الشاطبي المتوفى سنة ٧٩٠ هـ: [ ... ومنها اختلاط الرجال والنساء والشمع بينهم ووجوههم بارزة ... ] الاعتصام ٢/١٣٠.\r١١. وقال الشيخ ابن الحاج المالكي المتوفى ٧٣٧ هـ: [ ... وأما إن كان على الوجه الذي يجري في هذا الزمان من اختلاط الرجال والنساء ومصادمة أجسادهم ومزاحمة من في قلبه مرض من أهل الريب ... لما يجري فيه من اختلاط الرجال والنساء ... ] المدخل ٢/٤٤٦. وغير ذلك من النقول الكثيرة.\rوخلاصة الأمر أن ما ادعاه الشيخ القرضاوي من أن كلمة الاختلاط دخيلة على تراثنا الإسلامي ولم ترد فيه مطلقاً، ادعاءٌ باطلٌ لم يقم عليه أي دليل، بل إن لفظة الاختلاط عرفت قديماً، فهي مستعملة في السنة النبوية، واستعملها العلماء قديماً في مؤلفاتهم، وادعاء الشيخ القرضاوي بأنها لم تعرف إلا في هذا العصر، ادعاء غير صحيح كما ظهر ذلك جلياً من خلال كلام أهل العلم الذين ذكرتهم مع ذكر سنة وفاة كلٍ منهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346370,"book_id":3840,"shamela_page_id":750,"part":"15","page_num":18,"sequence_num":750,"body":"١٨ - تغطية المرأة لرأسها جزء من حجابها\rيقول السائل: ما قولكم فيمن يزعم أن تغطية المرأة المسلمة لرأسها ليس عليه دليل صحيح، أفيدونا؟\rالجواب: لا شك أن الإسلام يتعرض لهجمة شرسة من أعدائه ومن بعض أبنائه المنفلتين من الأحكام الشرعية، والمضبوعين بالثقافة الغربية، وما ذكره السائل مثال واضح على ذلك، حتى قال قائلهم: [غطاء رأس المرأة أو شعرها حكم ذكوري وليس قرآنياً] http://www.ahl-alquran.com/arabic/printpage.php?main_id=٨٦٩&doc_type=١\rولا شك أن هذا الكلام من المفتريات على دين الإسلام عامة، وعلى القرآن الكريم خاصة، حيث اتفق أهل العلم قديماً وحديثاً على وجوب تغطية المرأة لرأسها، وهذه المسألة لا خلاف فيها بين علماء المسلمين، وإنما جاءت هذه الدعوات المنكرة من بعض المنحرفين عن دين الإسلام كالقرآنيين منكري السنة النبوية الذين زعموا أن هذا الحكم لا نص عليه في كتاب الله ﷿ فقال أحدهم: [إن المدقق في النص القرآني كله لا يجد ذكر كلمة الرأس أو الشعر مستخدمة في النصوص المتعلقة بلباس المرأة، مما يؤكد ابتداءً انتفاء الدلالة القطعية على وجوب تغطية الرأس أو الشعر، وإن عملية الاجتهاد في مسألة إخراج حكم وجوب تغطية الرأس أو الشعر من القرآن إنما هي نتيجة ظنية أو وهمية!! ... أما السنة فهي طريقة عملية مرتبطة بالشعائر التعبدية ليس وظيفتها التشريع أبداً ... أما قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾ الأحزاب ٥٩، فهو ليس نصاً تشريعياً، وإنما هو خطاب على لسان النبي ﷺ ليقوم بتوجيه وتعليم المرأة أن تقوم باختيار لباس يحقق لها الحماية من الأذى الاجتماعي، لأن شكل اللباس يدل على الثقافة ويكون رسالة للتخاطب بين المرأة والرجال، إما خطاب ثقافي أو جنسي، وعلى المرأة أن تختار طريقة تواصلها مع الرجال، وفي حال مخالفة المرأة لهذا التوجيه فعقوبتها ما يصيبها من الأذى أثناء نشاطها الاجتماعي. والنص لا يوجد فيه دلالة على غطاء الرأس أبداً] المصدر السابق عن الإنترنت. وهذا الهراء يدل على جهل واضح بدلالات آيات الكتاب الكريم، ويشير إلى إنكار حجية السنة النبوية، وهو كلام متهافت ساقط ويدل على تهافته وسقوطه قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٥٩، فقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن الجلباب يغطي الرأس كما نقله الطبري في تفسيره عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، ونقله ابن كثير عن ابن مسعود، وعبيدة، وقتادة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء الخراساني، وغير واحد. قال ابن كثير: [وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو عبد الله الظهراني فيما كتب إلي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ ، خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها] تفسير ابن كثير ٥/٢٣١، والحديث رواه البخاري أيضاً\rويدل على إبطال دعواهم الزائفة قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ سورة النور الآية٣١. وقد ورد في المعاجم اللغوية أن الخمار: كل ما ستر، ومنه خمار المرأة، وهو ثوب تغطي به رأسها، وقال القرطبي: [الخمر: جمع الخمار، وهو ما تغطى به رأسها، ومنه اختمرت المرأة وتخمرت] تفسير القرطبي ١٢/٢٣٠.\rوقال ابن كثير في تفسير الخمر: [والخمر: جمع خمار، وهو ما يخمر به، أي: يغطى به الرأس، وهي التي تسميها الناس المقانع.\rقال سعيد بن جبير: ﴿وليضربن﴾ : وليشددن ﴿بخمرهن على جيوبهن﴾ يعني: على النحر والصدر، فلا يرى منه شيء.\rوقال البخاري: وقال أحمد بن شبيب: حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، ﵂، قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ شققن مروطهن فاختمرن به، وقال أيضاً: حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة؛ أن عائشة، ﵂، كانت تقول: لما نزلت هذه الآية: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ : أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثني الزنجي بن خالد، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة، قالت: فذكرنا نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة ﵂: إن لنساء قريش لفضلاً وإني - والله - وما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً بكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل. لقد أنزلت سورة النور: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ ، انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابة، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به، تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ الصبح معتجرات، كأن على رؤوسهن الغربان.] تفسير ابن كثير ٥/٥٣٩.\rومن الأدلة التي تبطل الرأي السابق ما أخرجه أبو داود والبيهقي وغيرهما عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب شامية رقاق فأعرض عنها ثم قال: ما هذا يا أسماء؟ إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه. قال أبو داود هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة. وقال البيهقي: مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة ﵃ في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة فصار القول بذلك قوياً وبالله التوفيق. وصححه العلامة الألباني في صحيح أبي داود حديث رقم ٣٤٥٨.\rويدل على وجوب تغطية المرأة لرأسها ما ذكره العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة الحديث رقم ٢٩٣٠ قال: [ما أخرجه الطحاوي في شرح المعاني والطبراني في المعجم الكبير والزيادة له، عن عقبة بن عامر الجهني قال: نذرت أختي أن تمشي إلى الكعبة حافية حاسرة، فأتى عليها رسول الله ﷺ فقال: ما بال هذه؟ . قالوا: نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية حاسرة! فقال: فذكره. وإسناده صحيح. وتابعه الحسن عن عقبة أنه قال: يا رسول الله! إن أختي نذرت أن تحج ماشية وتنشر شعرها، فقال النبي ﷺ: إن الله لغني عن نذر أختك، مروها فلتركب ولتهد هدياً، وأحسبه قال: وتغطي شعرها. أخرجه الروياني في مسنده ورجاله ثقات. وتابعه ابن عباس ﵄ عن عقبة بن عامر به نحوه، وقال: ولتهد هدياً. مكان الزيادة. أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح. وتابعه أبو عبد الرحمن الحبلى عن عقبة بن عامر به، إلا أنه قال: ولتصم ثلاثة أيام. مكان الزيادة. أخرجه الطحاوي أيضا وإسناده جيد. ورواه الشيخان وغيرهما من طريق أخرى: عن أبي الخير عن عقبة به مختصراً جداً بلفظ: لتمش ولتركب. وفي الحديث فوائد هامة منها: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به. وفيه أحاديث كثيرة صحيحة معروفة. ومنها أن إحرام المرأة في وجهها، فلا يجوز لها أن تضرب بخمارها عليه، وإنما على الرأس والصدر، فهو كحديث: لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين. أخرجه الشيخان. ومنها: أن الخمار إذا أطلق، فهو غطاء الرأس وأنه لا يدخل في مسماه تغطية الوجه، والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة وآثار السلف. خلافا لبعض العلماء النجديين الذين ادعوا أن الخمار غطاء الوجه أيضاً. انظر جلباب المرأة المسلمة.] وقوله ﷺ في الرواية الأخرى (وتغطي شعرها) ، دليل على وجوب تغطية المرأة لشعرها لأن كشف المرأة لشعر رأسها حرام باتفاق جماهير أهل العلم، فشعر المرأة عورة كسائر جسدها على الصحيح من أقوال العلماء.\rومما يدل على وجوب تغطية المرأة لرأسها ما ورد في الحديث من قوله ﷺ: (المرأة عورة، وإنها إذا خرجت استشرفها الشيطان، وإنها لا تكون أقرب إلى الله منها في قعر بيتها) . رواه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان، وقال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٢٦٨٨: حديث صحيح. وغير ذلك من الأدلة الكثير التي تدل على وجوب تغطية المرأة لرأسها.\rوخلاصة الأمر أن المرأة المسلمة مأمورة بتغطية رأسها وشعرها وأن ذلك ثابت بالنصوص من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ولا يجوز الالتفات لكل ناعق ممن يزعمون خلاف ذلك، فإن قولهم متهافت ساقط لا يعول عليه ولا يلتفت إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346371,"book_id":3840,"shamela_page_id":751,"part":"15","page_num":19,"sequence_num":751,"body":"١٩ - يستحب الإشهاد على الرجعة\rيقول السائل: حصل نزاع وخصام بينه وبين زوجته فقال لها أنت طالق، فغضبت وذهبت إلى بيت أبيها، ثم ندم على تطليقها وخاصة أنها أول مرة يطلق في حياته الزوجية، فطلب من بعض الأقارب التدخل فأعادوها إلى البيت، وعادت الأمور إلى وضعها الطبيعي وانتهت المشكلة، فماذا يترتب على ما حصل بينه وبين زوجته، أفيدونا؟\rالجواب: لا ينبغي للزوج أن يلجأ للطلاق في كل مشكلة تحدث بينه وبين زوجته، وإنما الواجب هو حل المشكلات الزوجية بالتفاهم وبالتي هي أحسن، وإذا كان الواقع كما ذكر السائل فإنه يكون قد طلق زوجته طلقة واحدة رجعية، والمطلقة الرجعية تعتبر زوجة فلا ينبغي أن يخرجها زوجها من البيت، ولا يجوز لها أن تخرج إلى بيت أبيها أو غيره، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ سورة الطلاق الآية ١. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن المرأة المطلقة تقضي عدتها في بيت الزوجية ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ فأضاف الله ﷿ البيوت لهن. قال القرطبي: [أي ليس للزوج أن يخرجها من مسكن النكاح ما دامت في العدة ولا يجوز لها الخروج أيضاً لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدة، والرجعية والمبتوتة في هذا سواء. وهذا لصيانة ماء الرجل. وهذا معنى إضافة البيوت إليهن كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْءَايَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فهو إضافة إسكان وليس إضافة تمليك] تفسير القرطبي ١٨/١٥٤. وينبغي للزوج أن يراجع زوجته حفاظاً على الأسرة ورعاية للأطفال حتى لا يتعرضوا للتشريد والضياع، [ ... فارْتِجَاعَ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْإِصْلَاحِ, لِذَلِكَ نَجِدُ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ قَدْ نَظَّمَتْ أَحْكَامَهَا. وَقَدْ أَشَارَ الْكَاسَانِيُّ إلَى حِكْمَةِ الرَّجْعَةِ بِقَوْلِهِ: [إنَّ الْحَاجَةَ تَمَسُّ إلَى الرّجْعَةِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا أَشَارَ الرَّبُّ ﷾ ﷻ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّدَارُكِ, فَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ الرَّجْعَةُ لَا يُمْكِنُهُ التَّدَارُكُ, لِمَا عَسَى أَنْ لَا تُوَافِقَهُ الْمَرْأَةُ فِي تَجْدِيدِ النِّكَاحِ وَلَا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَنْهَا فَيَقَعُ فِي الزِّنَا] لِذَا شُرِعَتْ الرَّجْعَةُ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَهَذِهِ حِكْمَةٌ جَلِيلَةٌ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٢/١٠٤-١٠٥. وبما أن بعض الأقارب كما ذكر السائل قد تدخلوا وأرجعوا الزوجة إلى زوجها فإن الرجعة عند جمهور الفقهاء يستحب فيها الإشهاد، أي يُشهدُ الزوجُ اثنين عدلين على أنه أرجعها إلى عصمته، قال الله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ سورة الطلاق الآية٢، قال ابن كثير: [وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي على الرجعة إذا عزمت عليها، كما رواه أبو داود وابن ماجة عن عمران بن حصين ﵁ أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد. وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل كما قال الله ﷿ إلا أن يكون من عذر] تفسير ابن كثير ٦/٢٣٩. وقد حمل أكثر أهل العلم الأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ على الندب مع أن الأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب. ومما يدل على أن الأمر مصروف عن الوجوب، ما ورد في الحديث في قصة تطليق ابن عمر ﵁ لزوجته كما رواها الإمام البخاري بإسناده عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ (أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك فقال رسول الله ﷺ مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) . قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما الشهادة ففيها روايتان – أي في مذهب الحنابلة -: إحداهما: تجب، وهذا أحد قولي الشافعي، لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وظاهر الأمر الوجوب ولأنه استباحة بضعٍ مقصود فوجبت الشهادة فيه كالنكاح وعكسه البيع. والرواية الثانية: لا تجب الشهادة، وهي اختيار أبي بكر، وقول مالك، وأبي حنيفة. لأنها لا تفتقر إلى قبول فلم تفتقر إلى شهادة كسائر حقوق الزوج، ولأن ما لا يشترط فيه الولي لا يشترط فيه الإشهاد كالبيع، وعند ذلك يحمل الأمر على الاستحباب ولا خلاف بين أهل العلم في أن السنة الإشهاد] المغني ٧/٥٢٢-٥٢٣. وقال القرطبي: [الإشهاد عند أكثر العلماء على الرجعة ندب] تفسير القرطبي ١٨/١٥٨. وقال الإمام النووي: [إن الإشهاد على الرجعة ليس شرطاً ولا واجباً في الأظهر] روضة الطالبين ٢/٢١٦.\rومع أن الإشهاد على الرجعة ليس واجباً ولا شرطاً كما قرره جمهور الفقهاء إلا أن الإشهاد على الرجعة أولى لما فيه من حفظ للحقوق وخاصة في حال حدوث شقاق وخصام بين الزوجين، وقد وردت بعض الآثار التي تؤكد على الإشهاد، فعن عمران بن حصين ﵁ أنه (سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد) رواه أبو داود وابن ماجة ولم يقل (ولا تعد) والأثر أخرجه أيضاً البيهقي والطبراني وزاد (واستغفر الله) ، قال الحافظ في بلوغ المرام وسنده صحيح] نيل الأوطار٧/٢٥. وروى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناده عن الشعبي أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثم راجعها فيجهل أن يشهد قال: يشهد إذا علم. وتصح الرجعة بالقول بأن يقول الزوج لفظاً يدل على إرجاع زوجته، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما القول فتحصل به الرجعة بغير خلاف وألفاظه: راجعتك , وارتجعتك ورددتك وأمسكتك، لأن هذه الألفاظ ورد بها الكتاب والسنة , فالرد والإمساك ورد بهما الكتاب بقوله سبحانه: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ ، وقال: ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾ ، يعني: الرجعة، والرجعة وردت بها السنة بقول النبي ﷺ: (مره فليراجعها) ، وقد اشتهر هذا الاسم فيها بين أهل العرف، كاشتهار اسم الطلاق فيه، فإنهم يسمونها رجعة , والمرأة رجعية، ويتخرج أن يكون لفظها هو الصريح وحده لاشتهاره دون غيره كقولنا في صريح الطلاق , والاحتياط أن يقول: راجعت امرأتي إلى نكاحي أو زوجتي أو راجعتها لما وقع عليها من طلاقي ... ] المغني ٧/٥٢٤.\rوتصح الرجعة عند جمهور العلماء بالفعل أيضاً، وذلك بأن يجامع الرجل مطلقته الرجعية، وكذلك تصح الرجعة بمقدمات الجماع كاللمس بشهوة والقبلة بشهوة ونحو ذلك مع نية الزوج إرجاعها وهذا أرجح أقوال أهل العلم في المسألة. فقد وروى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناده عن الحسن البصري في الرجل يطلق امرأته ثم يغشاها ولم يشهد قال: غشيانه لها مراجعة فليشهد. وروى أيضاً عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم وعن جابر عن الشعبي وعن سلان التيمي عن طاوس قالوا: الجماع رجعة فليشهد.\rوينبغي التنبيه أنه لا يجوز التلاعب بالرجعة أو الهزل فيها لما في ذلك من أضرار قد تلحق بالحياة الزوجية، فقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم، وهو حديث حسن احتج به الأئمة والعلماء كالإمام الترمذي والحافظ ابن عبد البر والحافظ ابن حجر وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والإمام النووي والإمام البغوي والشوكاني والألباني وغيرهم كثير. قال الترمذي بعد أن روى هذا الحديث: [هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤/٣٠٤. وقد ذكر الحافظ ابن حجر شواهد للحديث يتقوى بها في التلخيص الحبير ٣/٢٠٩-٢١٠. وكذلك فعل الشيخ الألباني حيث ذكر أربعة شواهد للحديث وآثاراً عن الصحابة ثم قال: [والذي يتلخص عندي مما سبق أن الحديث حسن بمجموع طريق أبي هريرة الأولى التي حسنها الترمذي وطريق الحسن البصري المرسلة وقد يزداد قوة بحديث عبادة بن الصامت والآثار المذكورة عن الصحابة فإنها ولو لم يتبين لنا ثبوتها عنهم عن كل واحد منهم تدل على أن معنى الحديث كان معروفاً عندهم والله أعلم] إرواء الغليل ٦/٢٢٨.\rوخلاصة الأمر أن الطلاق للمرة الأولى يكون رجعياً وينبغي للزوج أن يراجع زوجته لما في ذلك من محافظة على الأسرة، والإشهاد على الرجعة مندوب إليه. وتصح الرجعة بالقول وبالفعل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346372,"book_id":3840,"shamela_page_id":752,"part":"15","page_num":20,"sequence_num":752,"body":"٢٠ - حكم تصوير الفتيات بالجوال وتداول صورهن\rيقول السائل: برزت ظاهرة تصوير الفتيات خلسة بواسطة الجولات ذات الكاميرا، وصار بعض الشباب يتداولون تلك الصور عبر ما يعرف بالبلوتوث وعبر البريد الإلكتروني وبعضهم يستخدمها في أغراض خبيثة، فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟\rالجواب: أبين أولاً أن الراجح من أقوال أهل العلم هو جواز التصوير الفوتوغرافي، كالتصوير بالكاميرا ومثله التصوير بالفيديو والتصوير التلفزيوني ونحوها من الوسائل الحديثة، بشرط أن لا يعرض للتصوير ما يحرمه، كتصوير امرأة سافرة ونحو ذلك، والتصوير الفوتوغرافي بالشرط المذكور جائز، لأنه لا ينطبق عليه ما ورد من النصوص في تحريم الصور كقول النبي ﷺ (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) رواه البخاري ومسلم، وكقوله ﷺ (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة) رواه البخاري ومسلم، وكقوله ﷺ: (من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ) رواه البخاري. ومن احتج بهذه الأحاديث ونحوها على تحريم الصور الفوتوغرافية فاستدلاله غير صحيح، لأن التصوير الفوتوغرافي لم يكن معروفاً في العهد النبوي، كما أن هذه النصوص لا تتناول التصوير الفوتوغرافي في دلالتها اللغوية، قال الدكتور محمد الحسن الدّدو: [إن الصور الفوتوغرافية لم تكن موجودة في العهد النبوي ولا في عهد أئمة الاجتهاد، وإنما عرفت في العصور المتأخرة، ولذلك فالنصوص الشرعية الواردة في التصوير لا تتناولها بدلالة الألفاظ قطعاً، لأن اللفظ النبوي في التصوير إنما يتناول ما كان موجوداً إذ ذاك، فالتصوير الذي حرَّمه رسول الله ﷺ وحذر منه هو ما كان موجوداً في زمانه، وهو النحت من الحجر أو من الطين أو من الخشب أو الرسم باليد فهذا هو التصوير، وهي كذلك لا يمكن أن تقاس على الصور المحرمة، فهي لا تدخل في دلالة اللفظ قطعاً، ومن فسر الألفاظ الواردة في التصوير بها فهو بمثابة من فسر نصوص القرآن بغير معانيها، كالذي يقول في قول الله تعالى: ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم﴾ أن السيارة مثلا (كابرس) أو (لاندروفر) أو نحو هذا، فهذا فسر القرآن بغير معناه ... فلذلك تفسير هذه النصوص بغير دلالاتها اللغوية منافٍ للمقصد الشرعي، وه من القول على الله بغير علم ... وكذلك لا يمكن أن تقاس هذه الصور الفوتوغرافية على الصور الحقيقية التي وردت فيها النصوص، لأن العلة مختلفة، فالعلة التي حرم النبي ﷺ التصوير من أجلها، بينها بأنها مضاهاة خلق الله ومحاكاته، ولذلك يعذب المصور يوم القيامة (من صوِّر ذا روح عذب حتى ينفخ فيه الروح وما هو بنافخ) ، ولذلك قال: المضاهون خلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا شعيرة، فلهذا بين علة التحريم، وهذه العلة لا تتحقق في الصور الفوتوغرافية ... ] عن شبكة الإنترنت.\rإذا تقرر هذا فإن ما ذكره السائل من تصوير الفتيات بالجولات ذات الكاميرا وتداول تلك الصور بالتقنيات الحديثة المعروفة اليوم، محرم شرعاً، لأنه مشتمل على مفاسد عديدة منها:\rأولاً: الإطلاع على العورات وكشفها، وهو أمر محرم شرعاً، فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لو اطلع في بيتك أحدٌ ولم تأذن له، حذفته – أي رميته - بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح) رواه البخاري، وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: إن رجلاً اطلع في جحر في باب رسول الله ﷺ، ومع رسول الله ﷺ مدرى - مشط له أسنان يسيرة - يحك به رأسه فلما رآه رسول الله ﷺ قال: (لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك) وقال رسول الله ﷺ: (إنما جعل الإذن من أجل البصر) . رواه البخاري ومسلم.\rثانياً: إيذاء الناس وإلحاق الضرر بهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ سورة الأحزاب الآية٥٨. ولا شك أن تصوير الفتيات وتداول صورهن فيه أذىً وضررٌ كبير وتتبع لعوراتهم، فقد ورد عن ابن عمر ﵄ قال: صعد رسول الله ﷺ المنبر، فنادى بصوت رفيع فقال: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله - وفي رواية أخرى (في بيته) - ونظر ابن عمر إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وما أعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه إلا أنه قال فيه (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تطلبوا عثراتهم) والحديث حسن صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٥٨٨. وصح عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي والحاكم، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٣/٤٠٨.\rثالثاً: إن نشر صور الفتيات وتداولها عبر التقنيات الحديثة - وخاصة المتبرجات منهن – فيه إشاعة للفاحشة بين المؤمنين، ولا شك في تحريم ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النور الآية ١٩. كما إن فيه فساداً وإفساداً حيث يقوم بعض الناس بعمل دبلجة للصور ونشرها في أوضاع مخلة بالآداب الشرعية، وهذا الأمر صار ميسوراً مع التقدم العلمي واستخدامه استخداماً سيئاً.\rرابعاً: إن نشر صور الفتيات وتداولها عبر التقنيات الحديثة يحرم أيضاً لأنه يدخل في باب التجسس على الناس، وقد قال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ سورة الحجرات الآية ١٢. قال الإمام القرطبي: [ومعنى الآية: خذوا ما ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين، أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره الله.] تفسير القرطبي ١٦/٣٣٣. وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره - بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله. إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) رواه البخاري ومسلم، وهذه النصوص تدل دلالة واضحة على تحريم التجسس بكافة أشكاله وأنواعه، ولا شك أنه يدخل فيه التقاط الصور للفتيات وتداولها عبر التقنيات الحديثة.\rخامساً: إن نشر صور الفتيات وتداولها عبر التقنيات الحديثة يتسبب في وقوع كثير من المشكلات العائلية، وخاصة إذا كانت الفتاة التي نشرت صورتها متزوجة، فقد يتسبب ذلك في وقوع الطلاق وتشريد الأطفال، لأن بعض الأزواج لديهم غيرة شديدة على زوجاتهم، فيتسرعون في تطليقهن لأدنى سبب، ولا شك أن الغيرة محمودة بشكل عام، ومنها ما هو مذموم وهو ما كان في غير ريبة، فقد ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: (إن من الغيرة ما يحب الله ﷿ ومنها ما يبغض الله ﷿، ومن الخيلاء ما يحب الله ﷿ ومنها ما يبغض الله ﷿ فأما الغيرة التي يحب الله ﷿ فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله ﷿ فالغيرة في غير ريبة، والاختيال الذي يحب الله ﷿ اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة، والاختيال الذي يبغض الله ﷿ الخيلاء في الباطل) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان، وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل ٧/٥٨. والغيرة من غير ريبة نوع من الإفراط، وأما التفريط في الغيرة فهو من لا يغار على زوجته ومحارمه مع وجود الريبة، فهذا ينطبق عليه وصف الديوث، والدياثة من كبائر الذنوب كما قال ابن حجر المكي في الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/١٠٩-١١١. وقد وردت الأحاديث التي تحذر من الدياثة فمنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاثة قد حرّم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر الخبث في أهله) . وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ: (ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق والديه والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث) رواه أحمد وذكر الشيخ الألباني أن حديث ابن عمر رواه النسائي والحاكم والبيهقي في سننه من طريقين صحيحين وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وأقرهما العلامة الألباني على ذلك في جلباب المرأة المسلمة ص ١٤٥.\rوخلاصة الأمر أن تصوير الفتيات ونشر صورهن وتداولها عبر التقنيات الحديثة أمر محرم شرعاً لاشتماله على مفاسد عظيمة كما بينت بعضها، وعلى الناس أن يتقوا الله ﷿ في أعراضهم، وعلى المسلم أن يحسن التعامل مع الأجهزة الحديثة وألا يسيء استخدامها بل ينتفع بها الانتفاع الحسن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346373,"book_id":3840,"shamela_page_id":753,"part":"15","page_num":21,"sequence_num":753,"body":"٢١ - طلاق قبل الدخول\rيقول السائل: عقد رجل على امرأة ثم طلقها قبل الدخول وبعد ذلك دخل بها بدون عقد جديد ولا مهر لأنه جاهل بالحكم، وأنجب منها أولاداً وبعد عدة سنوات طلقها طلقة، فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟\rالجواب: طلاق الرجل المذكور واقع، وبما أنه لم يدخل بزوجته حيث أوقع الطلاق قبل الدخول فهذا الطلاق يكون بائناً، لأن كل طلاق يقع قبل الدخول يكون بائناً، وعليه فيلزمه عقد جديد بمهر جديد وولي وشاهدين، ويبقى له طلقتان. وهذا الطلاق بائن بينونة صغرى، حيث إن هذا الرجل قد طلق زوجته قبل الدخول بها يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ سورة الأحزاب الآية ٤٩، وقد اتفق أهل العلم على أنه إذا انتفت العدة انتفت الرجعة. وهذا ما قرره قانون الأحوال الشخصية المطبق في المحاكم الشرعية في بلادنا\rحيث جاء في المادة ٩٤ (كل طلاق يقع رجعياً إلا المكمل للثلاث والطلاق قبل الدخول والطلاق على مال والطلاق الذي نص على أنه بائن في هذا القانون) ، وبما أن الرجل المذكور قد دخل بالمرأة بدون عقد ولا مهر جديدين، فإن نكاحه باطل لفقده شروط صحة النكاح، حيث تم بدون عقد ومهر جديدين بعد طلاقه لزوجته قبل الدخول بها، ثم إنه طلق مرة أخرى بعد عدة سنوات، وهذا الطلاق الأخير يعتبر لغواً لأنه لم يصادف محلاً، حيث إن زوجته قد بانت منه بينونة صغرى عندما طلقها قبل الدخول، وبما أنه لم يعقد عليها عقداً جديداً فلم تعد محلاً للطلاق فلذا اعتبرنا طلاقه لغواً لا أثر له، كما أن دخوله بتلك المرأة حرام شرعاً، ويجب التفريق بينهما فوراً، وأما الأولاد الذين كانوا نتيجة لهذه العلاقة المحرمة فيلحقون بأبيهم، لوجود الشبهة،.\rإذا تقرر هذا فإن هذا الرجل والمرأة يستطيعان تصحيح الوضع الخاطئ بينهما بإنشاء عقد جديد بمهر جديد وولي وشاهدين فعلى هذا الرجل أن يراجع المحكمة الشرعية في بلده لإتمام ذلك.\rويجب أن نقرر هنا أن الأولاد الذين كانوا ثمرة هذه العلاقة المحرمة لا ذنب لهم، وإنما الذنب على الرجل والمرأة، فلذا فإن الواجب على المسلم أن يتفقه في أحكام دينه، وخاصة أمثال هذه القضايا الخطيرة، والتي لا يعذر الإنسان فيها بالجهل، العذر بالجهل ليس مقبولاً على إطلاقه عند أهل العلم بل المسألة فيها تفصيل فهنالك أمور من الدين، العلم بها فرض عين ولا يعذر المسلم بجهلها، فقد ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ قال (طلب العلم فريضة على كل مسلم) رواه ابن ماجة وغيره وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وانظر صحيح الترغيب والترهيب ١/١٤٠. والمقصود بالعلم الذي هو فريضة ما هو فرض عين والمقصود بفرض العين ما يجب على كل مسلم مكلف أن يحصله ولا يعذر بجهله، وحدُّ هذا القسم هو ما تتوقف عليه صحة العبادة أو المعاملة فيجب على المسلم أن يتعلم كيفية الوضوء والصلاة والأحكام الأساسية في الصوم والزكاة إن كان عنده نصاب والأحكام الأساسية في الحج إن كان من أهل الاستطاعة وكذلك يجب عليه أن يتعلم أحكام المعاملات التي يحتاج إليها. قال ابن عابدين في حاشيته نقلاً عن العلامي في فصوله: [من فرائض الإسلام تعلم ما يحتاج إليه العبد في إقامة دينه وإخلاص عمله لله تعالى ومعاشرة عباده وفرض على كل مكلف ومكلفة بعد تعلمه علم الدين والهداية تعلم علم الوضوء والغسل والصلاة والصوم وعلم الزكاة لمن له نصاب والحج لمن وجب عليه والبيوع على التجار ليحترزوا عن الشبهات والمكروهات في سائر المعاملات وكذا أهل الحرف وكل من اشتغل بشيء يفترض عليه علمه وحكمه ليمتنع عن الحرام فيه] حاشية ابن عابدين ١/٤٢. وقال الإمام النووي: [... فرض العين وهو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به ككيفية الوضوء والصلاة ونحوها] المجموع ١/٤٢.\rفهذا النوع من العلم هو الذي لا يسع المسلم أن يجهله، وهو علم العامة كما قال الإمام الشافعي: [قال لي قائل: ما العِلْمُ؟ وما يَجِبُ على الناس في العلم؟ فقلت له: العلم عِلْمان: علمُ عامَّةٍ، لا يَسَعُ بالِغاً غيرَ مغلوب على عقْلِه جَهْلُهُ. قال: ومِثْل ماذا؟ قلت: مثلُ الصَّلَوَاتِ الخمس، وأن لله على الناس صومَ شهْر رمضانَ، وحجَّ البيت إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالهم، وأنه حرَّمَ عليهم الزِّنا والقتْل والسَّرِقة والخمْر، وما كان في معنى هذا، مِمَّا كُلِّفَ العِبادُ أنْ يَعْقِلوه ويعْملوه ويُعْطُوه مِن أنفسهم وأموالهم، وأن يَكُفُّوا عنه ما حرَّمَ عليهم منه. وهذا الصِّنْف كلُّه مِن العلم موجود نَصًّا في كتاب الله، وموْجوداً عامًّا عنْد أهلِ الإسلام، ينقله عَوَامُّهم عن مَن مضى من عوامِّهم، يَحْكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم. وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط مِن الخبر، ولا التأويلُ، ولا يجوز فيه التنازعُ. قال: فما الوجه الثاني؟ قلت له: ما يَنُوبُ العِباد مِن فُروع الفرائض، وما يُخَصُّ به مِن الأحكام وغيرها، مما ليس فيه نصُّ كتاب، ولا في أكثره نصُّ سنَّة، وإن كانت في شيء منه سنةٌ فإنما هي مِن أخْبار الخاصَّة، لا أخبارِ العامَّة، وما كان منه يحتمل التأويل ويُسْتَدْرَكُ قِياسًا.] الرسالة ص ٣٥٧-٣٥٩. وقال جلال الدين السيوطي: [كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس لم يقبل منه دعوى الجهل، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك، كتحريم الزنا والقتل والسرقة والخمر والكلام في الصلاة والأكل في الصوم.] الموسوعة الفقهية الكويتية ١٦/١٩٩. وما يدل على أن المسلم لا يعذر بالجهل في هذا القسم أن النبي ﷺ لم يقبل عذر الجهل من الرجل الذي أساء الصلاة فلم يعتد بصلاته فعن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى فسلَّم على النبي ﷺ فرد وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع يصلي كما صلى ثم جاء فسلَّم على النبي ﷺ فقال ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثاً، فقال والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً وافعل ذلك في صلاتك كلها) رواه البخاري ومسلم. ويدخل في هذا القسم حكم الطلاق قبل الدخول فهذا الحكم لا يعذر المسلم بالجهل به بشكل عام ما دام يعيش في ديار الإسلام. وهنالك حالات يعذر فيها المسلم بالجهل كمن يجهل دقائق المسائل الفقهية كالفرعيات في الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها فقد عذر النبي ﷺ الرجل الذي بال في المسجد كما ورد في الحديث عن أبي هريرة أن أعرابياً بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله ﷺ دعوه وأهريقوا على بوله ذنوباً من ماء أو سجلاً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) رواه البخاري ومسلم، وكما عذر النبي ﷺ الرجل الذي أحرم في ملابس مطيبة فعن يعلى بن أمية ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجعرانة عليه جبة وعليها خلوق أو قال أثر صفرة فقال كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ... قال أين السائل عن العمرة اغسل عنك أثر الصفرة أو قال أثر الخلوق واخلع عنك جبتك واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) رواه البخاري ومسلم.\rوقد فصل العلامة محمد العثيمين مسألة العذر بالجهل فقال: [الجهل نوعان: جهل يعذر فيه الإنسان، وجهل لا يعذر فيه، فما كان ناشئاً عن تفريط وإهمال مع قيام المقتضي للتعلم، فإنه لا يعذر فيه، سواء في الكفر أو في المعاصي، وما كان ناشئاً عن خلاف ذلك، أي أنه لم يهمل ولم يفرط ولم يقم المقتضي للتعلم بأن كان لم يطرأ على باله أن هذا الشيء حرام فإنه يعذر فيه فإن كان منتسباً إلى الإسلام، لم يضره، وإن كان منتسباً إلى الكفر، فهو كافر في الدنيا، لكن في الآخرة أمره إلى الله على القول الراجح، يمتحن، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار. فعلى هذا من نشأ ببادية بعيدة ليس عنده علماء ولم يخطر بباله أن هذا الشيء حرام، أو أن هذا الشيء واجب، فهذا يعذر، وله أمثلة: منها: رجل بلغ وهو صغير وهو في بادية ليس عنده عالم، ولم يسمع عن العلم شيئاً، ويظن أن الإنسان لا تجب عليه العبادات إلا إذا بلغ خمس عشر سنة، فبقي بعد بلوغه حتى تم له خمس عشرة سنة وهو لا يصوم ولا يصلي ولا يتطهر من جنابة، فهذا لا نأمره بالقضاء لأنه معذور بجهله الذي لم يفرط فيه بالتعلم ولم يطرأ له على بال، وكذلك لو كانت أنثى أتاها الحيض وهي صغيرة وليس عندها من تسأل ولم يطرأ على بالها أن هذا الشيء واجب إلا إذا تم لها خمس عشرة سنة، فإنها تعذر إذا كانت لا تصوم ولا تصلي. وأما من كان بالعكس كالساكن في المدن يستطيع أن يسأل، لكن عنده تهاون وغفلة، فهذا لا يعذر، لأن الغالب في المدن أن هذه الأحكام لا تخفى عليه، ويوجد فيها علماء يستطيع أن يسألهم بكل سهولة، فهو مفرط، فيلزمه القضاء ولا يعذر بالجهل.] القول المفيد على كتاب التوحيد للشيخ العثيمين.\rوقال الإمام القرافي: [القاعدة الشرعية دلّت على أن كل جهل يمكن المكلف دفعه، لا يكون حجة للجاهل، فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسائله، وأوجب عليهم كآفّة أن يعلموها، ثم يعملوا بها، فالعلم والعمل بها واجبان، فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلاً فقد عصى معصيتين لتركه واجبين] الفروق ٤/٢٦٤.\rوخلاصة الأمر أن طلاق الرجل المذكور في السؤال قد وقع قبل الدخول وهو طلاق بائن وبما أنه دخل بالمرأة بدون عقد ومهر جديدين فقد وقع في الحرام، وطلاقه الثاني لغو لأنه لم يصادف محلاً، وعليه إنشاء عقد زواج جديد، وعليه أن يتوب إلى الله ﷿ توبة صادقة، وأما الأولاد فلا ذنب لهم ويلحقون بأبيهم وجهل الرجل في هذه المسألة غير مقبول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346374,"book_id":3840,"shamela_page_id":754,"part":"15","page_num":22,"sequence_num":754,"body":"٢٢ - حكم الزواج بنية الطلاق\rيقول السائل: ما قولكم في مسألة الزواج بنية الطلاق فإن بعض العلماء المعاصرين قد أفتى بجواز ذلك بناءً على أنه عقد توفرت فيه أركان وشروط العقد الصحيح، أفيدونا؟\rالجواب: الزواج بنية الطلاق هو أن يتزوج رجل امرأة وينوي بقلبه طلاقها بعد مدة من الزمن قد تطول أو تقصر بناءً على مصلحة الرجل ولا يخبر المرأة أو وليها بنيته طلاقها، وهذه المسألة بحثها الفقهاء المتقدمون وقد أثيرت حديثاً وخاصة بعد أن كثر سفر الشباب المسلم إلى ديار الغرب للدراسة والتجارة ونحو ذلك، وقد أفتى بعض العلماء المعاصرين أؤلئك الشباب بجواز النكاح بنية الطلاق صيانة لهم من الوقوع في الحرام، وعند التدقيق في كلام العلماء الذين أجازوا الزواج بنية الطلاق نجد أنهم نظروا إلى تحقق أركان وشروط العقد في هذا الزواج وأنه لا أثر لنية الزوج المبيتة بالطلاق، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [وإن تزوجها بغير شرط، إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم، إلا الأوزاعي قال: هو نكاح متعة. والصحيح: أنه لا بأس به، ولا تضر نيته، وليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته، وحسبه إن وافقته وإلا طلقها) المغني ٧/١٧٩-١٨٠.\rوقال الإمام النووي: [قال القاضي: وأجمعوا على أن من نكح نكاحاً مطلقاً ونيَّتُه أن لا يمكث معها إلا مدة نواها فنكاحه صحيح حلال، وليس نكاح متعة. وإنما نكاح المتعة ما وقع بالشرط المذكور. ولكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق الناس. وشذ الأوزاعي، فقال: هو نكاح متعة ولا خير فيه] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٥٢٩. وهذا ما قاله العلماء المعاصرون الذي أجازوا الزواج بنية الطلاق فهم قد اعتبروه من الناحية الإجرائية عقداً صحيحاً مستكملاً لأركانه وشروطه ولا أثر لنية الطلاق في صحته.\rولكن المانعين لهذا الزواج من أهل العلم قديماً وحديثاً نظروا إلى أمور أخرى هامة جداً بنوا عليه القول بمنع هذا النوع من الزواج منها:\r١. إن الأصل في عقد الزواج في شريعة الإسلام الديمومة والاستمرار ويظهر هذا واضحاً من خلال تحريم الإسلام لكل زواج مؤقت كنكاح المتعة، قال الإمام النووي: [النكاح المؤقت باطل، سواء قيد بمدة مجهولة أو معلومة، وهو نكاح المتعة] روضة الطالبين ٢/٤٢. وقال الشيخ أبو القاسم الخرقي الحنبلي [ولو تزوجها على أن يطلقها في وقت بعينه، لم ينعقد النكاح] المغني ٧/١٨٠.\r٢. إن الزواج بنية الطلاق يتنافى مع حقيقة عقد الزواج الذي سماه الله ﷾ ميثاقاً غليظاً ﴿وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾ وثبت في الحديث عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال (اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) رواه مسلم. فأين الزواج بنية الطلاق من المقاصد الشرعية للزواج.\r٣. إن الزواج بنية الطلاق ينطوي على الغش والخداع للزوجة ووليها وفيه ظلم واضح للزوجة وإيقاع الضرر بها، وكل ذلك منهي عنه شرعاً، ولو أن الزوج أظهر نيته تلك لما قبلت الزوجة ذلك، ومن المعلوم أن الغش حرام بشكل عام، كيف وهو واقع في أمر عظيم ألا وهو الزواج، وينبغي التنبيه إلى أن ما يفعله بعض أغنياء المسلمين من الزواج عندما يسافرون إلى بلدان فقيرة وفي نيتهم الطلاق ويعرف من يزوجهم أنهم سيطلقون بعدة مدة، فهذا النوع أشبه بنكاح المتعة فهو محرم، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.\r٤. إن الزواج بنية الطلاق فيه إساءة بالغة للإسلام والمسلمين وتشويه لصورة الإسلام حيث إنه يورث عند الآخرين انطباعاً بأن المسلم متحلل من القيم والأخلاق الحسنة ولا ينظر إلا لقضاء شهوته ولمصلحته الشخصية، كما أنه يسيء إساءة بالغة لحقيقة نظرة الإسلام للمرأة، حيث يهتم هذا المتزوج وهو ينوي الطلاق بقضاء شهواته\rفقط ويكرس مفهوم الجنس للجنس، وهو مفهوم لا يقبله الإسلام إلى غير ذلك من المفاهيم الخاطئة.\rإذا تقرر هذا فلا بد من التنبيه على أن الفتاوى التي نقلت عن أئمة الفقه المتقدمين إنما كانت في حالات خاصة على خلاف الأصل، فلا يجوز تعميمها لتصبح هي القاعدة العامة، وعليه فإني أرجح مذهب العلماء المانعين للزواج بنية الطلاق لما يترتب عليه من مفاسد ولمخالفته للمقاصد الشرعية، كما وأن المسلم لا يرضى هذا الزواج لابنته أو أخته فلا ينبغي أن يرضاه للناس كما ورد في الحديث عن أبي أمامة ﵁ قال: (إن فتىً شاباً أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا مه مه! فقال: ادنه. فدنا منه قريباً. قال: فجلس. قال أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال أتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال أتحبه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال أتحبه لخالتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم! اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.) رواه أحمد وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٣٧٠.\rوقد اختار القول بمنع الزواج بنية الطلاق مجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي فقد جاء في قراره ما يلي: [الزواج بنية الطلاق وهو زواج توافرت فيه أركان النكاح وشروطه، وأضمر الزوج في نفسه طلاق المرأة بعد مدة معلومة كعشرة أيام، أو مجهولة كتعليق الزواج على إتمام دراسته أو تحقيق الغرض الذي قدم من أجله. وهذا النوع من النكاح على رغم أن جماعة من العلماء أجازوه، إلا أن المجمع يرى منعه لاشتماله على الغش والتدليس. إذ لو علمت المرأة أو وليها بذلك لم يقبلا هذا العقد. ولأنه يؤدي إلى مفاسد عظيمة وأضرار جسيمة تسيء إلى سمعة المسلمين.] عن شبكة الإنترنت. وقال بتحريمه الشيخ محمد رشيد رضا والشيخ العلامة محمد الصالح العثيمين ومن المتقدمين الإمام الأوزاعي وهو القول المعتمد عند الحنابلة.\rوخلاصة الأمر أن الزواج بنية الطلاق ممنوع شرعاً ويحرم على المسلم أن يقدم عليه لمخالفته لمقاصد الشارع الحكيم ولما يترتب عليه من مفاسد كثيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346375,"book_id":3840,"shamela_page_id":755,"part":"15","page_num":23,"sequence_num":755,"body":"٢٣ - إنصاف الابن الذي يعمل في تجارة أبيه دون إخوته\rيقول السائل: أنا أكبر إخوتي وأشتغل مع والدي في محله التجاري منذ ثلاث وعشرين سنة حيث إن والدي أخرجني من المدرسة بعد الصف السادس، وخلال هذه المدة تضاعفت أموال والدي عدة مرات ووالدي الآن مريض وأخشى إن توفي والدي أن أعامل كبقية إخوتي في الميراث مع العلم أنهم لم يعملوا مع والدي بل تعلموا في الجامعات ويشتغلون في أعمالهم الخاصة، فما هي الطريقة الشرعية لأخذ حقي من أموال والدي، أفيدونا؟\rالجواب: إن ما ورد في السؤال يحدث كثيراً في مجتمعنا المحلي حيث إن أحد الأبناء يعمل مع والده في تجارته أو مصنعه أو مزرعته أو غير ذلك، ويكون لهذا الابن دور واضح في تنمية أموال أبيه دون بقية إخوته فما الواجب على الأب لكي يكون منصفاً مع ابنه الذي ساعده وعمل معه وأسهم في تنمية أمواله، إن الذي أراه في هذه المسألة أن الواجب على الوالد أن يقوم بواحد من ثلاثة أمور:\rالأول: أن يعامل الابن في هذه الحالة معاملة الأجنبي بدون محاباة فيقدر لهذا الابن جهد أمثاله في عمل مشابه لعمل أبيه فيقوم اثنان أو أكثر من أهل الخبرة والمعرفة بتقدير جهد المثل للابن عن المدة التي اشتغلها مع أبيه وبالتالي يكون الابن شريكاً لأبيه في المحل التجاري حسب النسبة التي يقدرها أهل الخبرة كالربع أو الثلث أو غير ذلك وبناءً على ذلك إذا توفي الأب فإن حصة الأب من المحل التجاري تكون حقاً للورثة ويكون الابن الأكبر أحد الوارثين.\rالثاني: أن يقدر أهل الخبرة والمعرفة للابن الذي عمل مع أبيه أجر المثل فيعامل مثل العامل الأجنبي فيعطى الابن أجراً مماثلاً لأجر عامل يقوم بمثل عمله، فيصرف له ذلك الأجر. وفي حال وفاة الأب كان الابن الذي عمل مع أبيه كغيره من الورثة.\rالثالث: أن ينصف الأب ابنه الذي عمل معه بأن يخصه بعطية من المال تقابل عمل الابن معه بشرط أن تنفذ العطية حال حياة الأب ولا تكون مضافة لما بعد الموت، وهذا الأمر جائز شرعاً على قول جماعة من أهل العلم وغير مخالف لمبدأ العدل في العطايا والهبات للأبناء فقد قرر جماعة من الفقهاء جواز تخصيص أحد الأبناء بالهبة لسبب مشروع، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية إذا لم يختص أحدهم بمعنى ييح التفضيل ... فإن خص بعضهم لمعنىً يقتضي تخصيصه , مثل اختصاصه بحاجة أو زمانة أو عمى , أو كثرة عائلة أو اشتغاله بالعلم أو نحوه من الفضائل أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه , أو بدعته أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله أو ينفقه فيها , فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس به إذا كان لحاجة وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة، والعطية في معناه ويحتمل ظاهر لفظه المنع من التفضيل أو التخصيص على كل حال لكون النبي ﷺ لم يستفصل بشيراً في عطيته، والأول أولى إن شاء الله لحديث أبي بكر ﵁، ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية , فجاز أن يختص بها كما لو اختص بالقرابة وحديث بشير قضية في عين لا عموم لها وترك النبي ﷺ الاستفصال يجوز أن يكون لعلمه بالحال فإن قيل: لو علم بالحال لما قال: \" ألك ولد غيره؟ \" قلنا: يحتمل أن يكون السؤال ها هنا لبيان العلة , كما قال ﵊ للذي سأله عن بيع الرطب بالتمر: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قال: نعم: قال: فلا إذا) وقد علم أن الرطب ينقض لكن نبه السائل بهذا على علة المنع من البيع كذا ها هنا.] المغني ٦/٥١-٥٣. وحديث أبي بكر الذي أشار إليه الشيخ ابن قدامة المقدسي هو ما رواه مسلم وغيره أن أبا بكر نحل عائشة جداد عشرين وسقاً دون سائر ولده.\r[وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عَنْ رَجُلٍ أَعْطَى بَعْضَ أَوْلادِهِ شَيْئًا وَلَمْ يُعْطِ الْآخَرَ ; لِكَوْنِ الْأَوَّلِ طَائِعًا لَهُ: فَهَلْ لَهُ بِرُّ مَنْ أَطَاعَهُ وَحِرْمَانُ مَنْ عَصَاهُ وَحَلَفَ الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لا يُكَلِّمُ أَبَاهُ إنْ لَمْ يُوَاسِهِ: فَهَلْ لَهُ مَخْرَجٌ؟ وَهَلْ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ تَجْرِي مَجْرَى الْأيمَانِ أَمْ لا؟\rفأجاب: على الرجل أن يعدل بين أولاده كما أمر الله ورسوله فقد ثبت في الصحيحين ﴿عن النبي ﷺ أنه قال لبشير بن سعد لما نحل ابنه النعمان نحلاً وأتى النبي ﷺ ليشهده على ذلك فقال له: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم وقال: لا تشهدني على هذا فإني لا أشهد على جور وقال له: اردده﴾ فرده بشير. وقال له على سبيل التهديد: ﴿أشهد على هذا غيري﴾ . لكن إذا خص أحدهما بسبب شرعي: مثل أن يكون محتاجاً مطيعاً لله والآخر غني عاص يستعين بالمال على المعصية فإذا أعطى من أمر الله بإعطائه ومنع من أمر الله بمنعه فقد أحسن.] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣١/٢٩٥.\rوجاء في فتاوى اللجنة الدائمة السعودية: [المشروع في عطية الأولاد هو التسوية بينهم في العطاء على السواء، ولا يجوز التفضيل إلا لمسوغ شرعي؛ لكون أحدهم مقعداً أو صاحب عائلة كبيرة أو لاشتغاله بالعلم، أو صرف عطية عن بعض ولده لفسقه أو بدعته، أو لكونه يعصي الله فيما يأخذه ... ] فتاوى اللجنة الدائمة ١٦/١٩٣.\rوالقول بجواز تفضيل بعض الأولاد لمسوغ شرعي لا بأس به ولا يخالف الأدلة الواردة في وجوب العدل بين الأولاد في العطية\rكالحديث الوارد عن النعمان بن بشير قال: قال النبي ﷺ: (اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو حديث صحيح.\rوعن جابر ﵁ قال: قالت امرأة بشير: انحل ابني غلاماً - عبداً - وأشهد لي رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن ابنة فلان - زوجته - سألتني أن أنحل ابنها غلامي. فقال ﵊: له أخوة؟ قال: نعم، قال ﵊: فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ قال: لا، قال ﵊: فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق) رواه مسلم.\rوعن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة - أم نعمان – لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. قال ﵊: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، فقال ﷺ: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال فرجع فرد عطيته) رواه البخاري.\rوفي روايةٍ أخرى أن النبي ﷺ قال لبشير والد النعمان (لا تشهدني على جورٍ أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم، قال: أشهد على هذا غيري) رواه أبو داود بسندٍ صحيح.\rوفي حديث آخر عن ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ قال: (سووا بين أولادكم في العطية لو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء) رواه البيهقي وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن.\rفهذه الأحاديث تحمل على التفضيل بين الأولاد لغير مسوغ شرعي أما إذا وجد مسوغ شرعي فلا حرج.\rوخلاصة الأمر أن العدل يقتضي أن ينصف الأب ابنه الذي اشتغل معه دون إخوته بطريقة من الطرق التي ذكرتها سابقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346376,"book_id":3840,"shamela_page_id":756,"part":"15","page_num":24,"sequence_num":756,"body":"٢٤ - يجوز زواج الزانيين إذا تابا توبة صادقة\rيق ول السائل: زنا شاب بفتاة واتفقت عائلتهما على تزويجهما والستر عليهما، فما الحكم في زواج الزانيين، أفيدونا؟\rالجواب: الزنا كبيرة من كبائر الذنوب ومن الجرائم الاجتماعية الفظيعة، يقول الله ﷾: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ سورة الإسراء الآية ٣٢. قال الإمام القرطبي: [قال العلماء، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أبلغ من أن يقول: ولا تزنوا، فإن معناه لا تدنوا من الزنا] تفسير القرطبي ١٠/٢٥٣. وقد جعل الله ﷾ من صفات عباد الرحمن ترك الزنا فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٦٩.\rوثبت عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة التحذير من الزنا وبيان ضرر الزنا فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) رواه البخاري ومسلم.\rوعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه تضمنت له بالجنة) رواه البخاري، وما بين لحييه أي اللسان وما بين رجليه أي فرجه.\rوورد في حديث السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. ومن المعلوم أن الأصل أن يقام الحد الشرعي على الزناة إذا بلغ الأمر للحاكم الشرعي.\rإذا تقرر هذا فإنه يجوز للزانيين الزواج ولا بد لهما من التوبة الصادقة، فإن التوبة واجبة على العاصي لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة النور الآية ٣١. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ سورة التحريم الآية ٨. وقال الله تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سورة الزمر الآية ٥٣. وجاء في الحديث عن ابن عمر ﵄: قال قال رسول الله ﷺ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) رواه ابن ماجة وغيره وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٤١٨. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي، وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٤١٨. ولا بد من التذكير بأن التوبة الصادقة لا بد لها من ثلاثة شروط: أولها: الإقلاع عن المعصية فلا توبة مع مباشرة الذنب واستمرار الوقوع في المعصية. ثانيها: الندم على ما مضى وفات فمن لم يندم على ما صدر عنه من المعاصي والآثام فلا توبة له لأن عدم ندمه يدل على رضاه بما كان منه وإصراره عليه. ثالثها: أن يعزم على عدم العودة إلى المعصية مستقبلاً وهذا العزم ينبغي أن يكون مؤكداً قوياً وعلى التائب أن يكثر من فعل الخيرات ليكسب الحسنات ﴿فإن الحسنات يذهبن السيئات﴾ . ورابعها: إذا كانت المعصية تتعلق بحق من حقوق الناس فلا بد من إعادة الحقوق لأصحابها.\rفإذا تاب الزانيان وتحققت توبتهما ورجعا إلى أمر الله تعالى وندما على ما اقترفا وأصلحا فإن الله تواب رحيم، فلهما الزواج، والقول بجواز نكاح الزانيين التائبين هو قول جمهور أهل العلم وقد وردت آثار كثيرة عن الصحابة وغيرهم من السلف فمن ذلك: ما رواه البيهقي في السنن الكبرى بإسناده عن ابن عباس رضى الله عنهما فى الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها بعد. قال: كان أوله سفاح وآخره نكاح وأوله حرام وآخره حلال. وروى البيهقي أيضاً عن سعيد عن قتادة عن جابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير فى الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها فقالوا: لا بأس بذلك إذا تابا وأصلحا وكرها ما كان.\rوروى عبد الرزاق عن شيخ من أهل المدينة قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن رجل زنى بامرأة ثم يريد أن يتزوجها، قال: ما من توبة أفضل من أن يتزوجها، خرجا من سفاح إلى نكاح. مصنف عبد الرزاق.\rوقال ابن أبي شيبة حدثنا وكيع عن ابن حباب عن بكير بن الأخنس عن أبيه قال: قرأت من الليل \" حم عسق \" فمررت بهذه الاية: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون﴾ فغدوت إلى عبد الله أسأله عنها فأتاه رجل فسأله عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها فقرأ عبد الله: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾ .\rوقال ابن أبي شيبة أيضاً حدثنا وكيع عن شريك عن عروة عن عبد الله بن بشير عن أبي الأشعث عن ابن عمر قال: أوله سفاح وآخره نكاح وأوله حرام وآخره حلال.\rوحدثنا حفص عن أشعث عن الزهري أن رجلاً فجر بامرأة وهما بكران فجلدهما أبو بكر ونفاهما ثم زوجها إياه بعد الحول.\rوحدثنا وكيع عن سفيان عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: لا بأس أن يتزوجها.\rوحدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: سأله رجل عن رجل فجر بامرأة، أيتزوجها؟ قال: نعم! وتلا هذه الآية: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ .\rوحدثنا جرير عن شعبة عن أبي نعامة قال: سئل سعيد بن جبير وأنا أسمع عن رجل فجر بامرأة، أيتزوجها؟ قال: هو أحق بها، أوله سفاح وآخره نكاح أحلها له ماله.\rوحدثنا ابن عيينة عن عمرو بن جابر بن زيد قال: سئل عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها، قال: هو أحق بها، هو أفسدها.\rوحدثنا وكيع عن سعيد بن حسان قال: سمعت حنظلة عن عكرمة قال: سألت سالماً عنه فقال: لا بأس به.\rوحدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن جابر بن عبد الله قال: إذا تابا وأصلحا فلا بأس.\rوحدثنا عباد بن عوام عن داؤد عن يزيد بن أبي منصور أو ابن منصور عن صلة بن أشيم قال: لا بأس إن كانا تائبين فالله أولى بتوبتهما وإن كانا زانيين فالخبيث على الخبيث.\rوحدثنا ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سئل ابن عباس عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها، قال: الآن أصاب الحلال. مصنف ابن أبي شيبة\rوروى عبد الرزاق قال: سمعت أبا حنيفة يحدث عن حماد عن إبراهيم قال: سئل علقمة بن قيس عن رجل زنى بامرأة، هل يصلح له أن يتزوجها؟ قال: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ .\rوروى عبد الرزاق عن معمر عن الحكم بن أبان قال: سألت سالم بن عبد الله عن الرجل يزني بالمرأة ثم ينكحها، فقال: سئل عن ذلك ابن مسعود، فقال: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾ .\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للزانيين الزواج بعد أن يرتفع عنهما وصف الزنا ولا يكون ذلك إلا بالتوبة الصادقة بشروطها السابقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346377,"book_id":3840,"shamela_page_id":757,"part":"15","page_num":25,"sequence_num":757,"body":"٢٥ - حق الزوجة بمسكن مستقل\rتقول السائلة: إن والد زوجها قد توفي ويريد زوجها أن يسكن أمه وأخاه غير المتزوج معها في نفس الشقة التي تسكنها هي وأولادها مع أن الشقة ليست كبيرة، فهل هي ملزمة بقبول ذلك، أفيدونا؟\rالجواب: قرر الشرع أن من حقوق الزوجة على زوجها حق المسكن قال الله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) سورة الطلاق الآية ٦.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ويجب لها مسكن بدليل قوله ﷾: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ فإذا وجبت السكنى للمطلقة فللتي في صلب النكاح أولى قال الله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ومن المعروف أن يسكنها في مسكن، ولأنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون وفي التصرف والاستمتاع وحفظ المتاع، ويكون المسكن على قدر يسارهما وإعسارهما لقول الله تعالى: ﴿من وجدكم﴾ ولأنه واجب لها لمصلحتها في الدوام فجرى مجرى النفقة والكسوة] المغني ٨/٢٠٠.\rوقد نص الفقهاء على شروط بيت الزوجية ومن أهمها أن يكون خاصاً بالزوجة لا يشاركها فيه أحد بدون رضاها وقرروا أنه لا يجوز للزوج أن يسكن أحداً من أقاربه مع زوجته بدون رضاها ولو كان أباه أو أمه أو أخاه أو زوجته الأخرى\rقال الكاساني الحنفي [وكل امرأة لها النفقة، لها السكنى لقوله ﷿ ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ ... ولأنهما استويا في سبب الوجوب وشرطه وهو ما ذكرنا فيستويان في الوجوب ويستوي في وجوبهما أصل الوجوب الموسر والمعسر؛ لأن دلائل الوجوب لا توجب الفصل وإنما يختلفان في مقدار الواجب منهما ... ولو أراد الزوج أن يسكنها مع ضرتها أو مع أحمائها كأم الزوج وأخته وبنته من غيرها وأقاربه فأبت ذلك؛ عليه أن يسكنها في منزل مفرد؛ لأنهن ربما يؤذينها ويضررن بها في المساكنة وإباؤها دليل الأذى والضرر ولأنه يحتاج إلى أن يجامعها ويعاشرها في أي وقت يتفق ولا يمكنه ذلك إذا كان معهما ثالث حتى لو كان في الدار بيوت ففرغ لها بيتا وجعل لبيتها غلقا على حدة قالوا: إنها ليس لها أن تطالبه ببيت آخر] بدائع الصنائع ٣/٤٢٨-٤٢٩.\rوقال ابن نجيم الحنفي [ (قوله والسكنى في بيت خالٍ عن أهله وأهلها) معطوف على النفقة أي تجب السكنى في بيت أي الإسكان للزوجة على زوجها؛ لأن السكنى من كفايتها فتجب لها كالنفقة، وقد أوجبها الله تعالى كما أوجب النفقة بقوله تعالى ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ أي من طاقتكم أي مما تطيقونه ملكاً أو إجارةً أو عاريةً إجماعاً، وإذا وجبت حقاً لها ليس له أن يشرك غيرها فيه؛ لأنها تتضرر به فإنها لا تأمن على متاعها ويمنعها ذلك من المعاشرة مع زوجها ومن الاستمتاع إلا أن تختار] البحر الرائق شرح كنز الدقائق، عن شبكة الإنترنت.\rوقال الشيخ الحطاب المالكي [قال ابن فرحون إن من حقها أن لا تسكن مع ضرتها ولا مع أهل زوجها ولا مع أولاده في دار واحدة فإن أفرد لها بيتاً في الدار ورضيت فذلك جائز وإلا قضي عليه بمسكن يصلح لها] مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل، عن شبكة الإنترنت.\rوقال الخطيب الشربيني الشافعي [ويحرم أن يجمع ... بين ضرتين فأكثر في مسكن أي بيت واحد لما بينهما من التباغض إلا برضاهما فيجوز الجمع بينهما؛ لأن الحق لهما، ولو رجعا بعد الرضا كان لهما ذلك.] مغني المحتاج عن شبكة الإنترنت.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [وليس للرجل أن يجمع بين امرأتيه في مسكن واحد بغير رضاهما صغيراً كان أو كبيراً لأن عليهما ضرراً لما بينهما من العداوة والغيرة واجتماعهما يثير المخاصمة والمقاتلة , وتسمع كل واحدة منهما حسه إذا أتى إلى الأخرى أو ترى ذلك فإن رضيتا بذلك جاز لأن الحق لهما , فلهما المسامحة بتركه وكذلك إن رضيتا بنومه بينهما في لحاف واحد، وإن رضيتا بأن يجامع واحدة بحيث تراه الأخرى , لم يجز لأن فيه دناءًة وسخفاً وسقوط مروءة فلم يبح برضاهما وإن أسكنهما في دار واحدة كل واحدة في بيت , جاز إذا كان ذلك مسكن مثلها.] المغني ٧/٣٠٠.\rوقد نص قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية في بلادنا على الأمور المتعلقة بمسكن الزوجية فقد جاء في المادة ٣٦ [يهيئ الزوج المسكن المحتوي على اللوازم الشرعية حسب حاله وفي محل إقامته وعمله.]\rوجاء في المادة ٣٨ [ليس للزوج أن يسكن أهله وأقاربه أو ولده المميز معه بدون رضاء زوجته في المسكن الذي هيأه لها ويستثنى من ذلك أبواه الفقيران العاجزان إذا لم يمكنه الإنفاق عليهما استقلالاً وتعين وجودهما عنده دون أن يحول ذلك من المعاشرة الزوجية كما انه ليس للزوجة أن تسكن معها أولادها من غيره أو أقاربه بدون رضاء زوجها]\rكما منع القانون إسكان الضرائر في مسكن واحد إلا برضاهن كما نصت عليه المادة ٤٠ [على من له أكثر من زوجة أن يعدل ويساوي بينهن في المعاملة وليس له إسكانهن في دار واحدة إلا برضاهن.]\rوينبغي على الآباء والأمهات أن يحرصوا على أن يسكن أبناؤهم المتزوجون في مساكن خاصة بهم لأن في ذلك مصالح مشتركة بينهم وبين أبنائهم وزوجات أبنائهم، حيث إن سكن الابن وزوجته في مسكن منفرد ومستقل فيه منافع كبيرة للجميع وفيه بعد عن أسباب الشحناء والبغضاء والمشكلات التي تنتج عن احتكاك الزوجة مع أهل زوجها. وهذه أمور منهي عنها والشارع الحكيم إذا نهى عن أمر من الأمور فإن ذلك يعتبر نهياً عن الوسائل المؤدية إليه، وقد قرر العلماء أن للوسائل أحكام المقاصد قال الإمام العز بن عبد السلام: [للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل] قواعد الأحكام ١/٤٦. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين [وقد قال أهل العلم للوسائل أحكام المقاصد فما كان وسيلةٌ لمطلوبٍ فهو مطلوب وما كان وسيلةً لمنهيٍ منه فهو منهيٌ عنه] عن شبكة الإنترنت.\rوكذلك فإن سكن الابن وزوجته في مسكن منفرد يوفر حرية مطلقة للزوجين في بيتهما مما يشكل عاملاً مهماً في استقرار الحياة الزوجية وفي توفير السعادة الزوجية لهما.\rوأخيراً لا بد من التنبيه على أن المسكن الخاص بالزوجين فيه بعد عن الحرمات كالاختلاط بين الزوجة وأخي زوجها فهذا أمر محرم وخاصة أن الزوج قد يغيب عن البيت. وقد حذر النبي ﷺ الرجال من الدخول على النساء وخاصة أخو الزوج فقد صح في الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) رواه البخاري ومسلم.\rقال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (الحمو الموت) قال الليث بن سعد: الحمو أخو الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج: ابن العم ونحوه. اتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة كأبيه وأخيه وابن أخيه وابن العم ونحوهم، والأختان أقارب زوجة الرجل والأصهار يقع على النوعين. وأما قوله ﷺ: (الحمو الموت) فمعناه أن الخوف منه أكثر من غيره والشر يتوقع منه والفتنة أكثر لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه بخلاف الأجنبي، والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته تجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن ليس بمحرم. وعادة الناس المساهلة فيه ويخلو بامرأة أخيه فهذا هو الموت وهو أولى بالمنع من الأجنبي ... وقال ابن الأعرابي: هي كلمة تقولها العرب كما يقال: الأسد الموت. أي لقاؤه مثل الموت، وقال القاضي: معناه الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك في الدين فجعله كهلاك الموت فورد الكلام مورد غليظ] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٣٢٩.\rوخلاصة الأمر أن للزوجة الحق في مسكن خاص بها لا يشاركها فيه أحد من أقارب الزوج ولا تشاركها أيضاً ضرتها إلا برضاها وهذا الحق ثابت للزوجة ولو لم تشترطه في العقد، ويحرم على الزوج أن يسكن أحداً من أقاربه مع زوجته بدون رضاها، وتشتد الحرمة فيما لو أسكن معها أخاه البالغ كما ورد في السؤال لما يترتب على ذلك من المفاسد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346378,"book_id":3840,"shamela_page_id":758,"part":"15","page_num":26,"sequence_num":758,"body":"٢٦ - النساء أولى بالحضانة من الرجال\rيقول السائل: ماتت امرأة وتركت أطفالاً صغاراً وعهدت بهم لأمها، وتزوج زوجها بعدها ويطالب بحضانة أولاده وجدتهم لأمهم تصر على حضانتهم فمن الأحق بحضانة الأطفال في هذه الحالة، أفيدونا؟\rالجواب: الحضانة عند الفقهاء هي القيام على شؤون الولد وحفظه وتربيته والاعتناء به في جميع مصالحه. والحضانة واجبة شرعاً قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [كفالة الطفل وحضانته واجبة لأنه يهلك بتركه فيجب حفظه عن الهلاك كما يجب الإنفاق عليه وإنجاؤه من المهالك] المغني ٨/٢٣٧.\rومما يدل على مشروعية الحضانة ما ورد في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله ﷺ: أنت أحق به ما لم تنكحي) رواه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال الشيخ العلامة الألباني حديث حسن كما في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٣٠ وانظر أيضاً إرواء الغليل ٧/٢٤٤. وغير ذلك من النصوص.\rوقد اتفق جماهير أهل العلم على أن جنس النساء أحق بالحضانة من جنس الرجال، قال الإمام النووي [الحضانة هي القيام بحفظ من لا يميز ولا يستقل بأمره وتربيته بما يصلحه ووقايته عما يؤذيه وهي نوع من ولاية وسلطنة لكنها بالإناث أليق لأنهن أشفق وأهدى إلى التربية وأصبر على القيام بها وأشد ملازمة للأطفال.] روضة الطالبين ٦/٥٠٤.\rومما يدل على أن النساء أولى بالحضانة من الرجال ما ورد في الحديث عن ابن جريج أخبرني زياد عن هلال بن أسامة أن أبا ميمونة سليم مولى من أهل المدينة رجل صدق قال بينما أنا جالس مع أبي هريرة جاءته امرأة فارسية معها ابن لها فادعياه وقد طلقها زوجها فقالت يا أبا هريرة ورطنت له بالفارسية زوجي يريد أن يذهب بابني فقال أبو هريرة استهما عليه ورطن لها بذلك فجاء زوجها فقال من يحاقني في ولدي فقال أبو هريرة: اللهم إني لا أقول هذا إلا أني سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ وأنا قاعد عنده فقالت يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني فقال رسول الله ﷺ استهما عليه فقال زوجها من يحاقني في ولدي فقال النبي ﷺ: هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه الترمذي وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٣١\rوقال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر الحديث الذي سقته أولاً وفيه قول الرسول الله ﷺ للمرأة: (أنت أحق به ما لم تنكحي) [ودل الحديث على أنه إذا افترق الأبوان وبينهما ولد فالأم أحق به من الأب ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها أو بالولد وصف يقتضي تخييره وهذا ما لا يعرف فيه نزاع وقد قضى به خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر على عمر بن الخطاب ولم ينكر عليه منكر. فلما ولي عمر قضى بمثله فروى مالك في الموطأ: عن يحيى بن سعيد أنه قال سمعت القاسم بن محمد يقول كانت عند عمر بن الخطاب ﵁ امرأة من الأنصار فولدت له عاصم بن عمر ثم إن عمر فارقها فجاء عمر قباء فوجد ابنه عاصماً يلعب بفناء المسجد فأخذ بعضده فوضعه بين يديه على الدابة فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق ﵁ فقال عمر: ابني. وقالت المرأة ابني فقال أبو بكر ﵁ خل بينها وبينه فما راجعه عمر الكلام، قال ابن عبد البر: هذا خبر مشهور من وجوه منقطعة ومتصلة تلقاه أهل العلم بالقبول والعمل وزوجة عمر أم ابنه عاصم هي جميلة ابنة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري. قال وفيه دليل على أن عمر كان مذهبه في ذلك خلاف أبي بكر ولكنه سلم للقضاء ممن له الحكم والإمضاء ثم كان بعد في خلافته يقضي به ويفتي ولم يخالف أبا بكر في شيء منه ما دام الصبي صغيراً لا يميز ولا مخالف لهما من الصحابة. وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج أنه أخبره عن عطاء الخراساني عن ابن عباس قال طلق عمر بن الخطاب امرأته الأنصارية أم ابنه عاصم فلقيها تحمله بمحسر وقد فطم ومشى فأخذ بيده لينتزعه منها ونازعها إياه حتى أوجع الغلام وبكى وقال أنا أحق بابني منك فاختصما إلى أبي بكر فقضى لها به وقال ريحها وفراشها وحجرها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه ومحسر: سوق بين قباء والمدينة. وذكر عن الثوري عن عاصم عن عكرمة قال خاصمت امرأة عمر عمر إلى أبي بكر ﵅ وكان طلقها فقال أبو بكر ﵁ الأم أعطف وألطف وأرحم وأحنى وأرأف هي أحق بولدها ما لم تتزوج. وذكر عن معمر قال سمعت الزهري يقول إن أبا بكر قضى على عمر في ابنه مع أمه وقال أمه أحق به ما لم تتزوج] زاد المعاد ٥/٤٣٥-٤٣٧.\rإذا تقرر هذا فإن أم الأم أحق بالحضانة من الأب باتفاق المذاهب الأربعة وهو ما قرره قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية في بلادنا فقد ورد في الفصل السادس عشر منه ما يلي [الحضانة، صاحب الحق في الحضانة من النساء، المادة ١٥٤: الأم النسبية أحق بحضانة ولدها وتربيته حال قيام الزوجية، وبعد الفرقة، ثم بعد الأم يعود الحق لمن تلي الأم من النساء حسب الترتيب المنصوص عليه في مذهب الإمام أبي حنيفة.]\rوالترتيب المنصوص عليه في مذهب الإمام أبي حنيفة هو تقديم الأم أولاً، ثم أم الأم، ثم أم الأب، ثم الأخوات، وتقدم الأخت من الأب والأم، ثم الأخت من الأم، ثم الأخت من الأب، ثم الخالات، ثم العمات، فإن لم يكن للصبي امرأة من أهله تستحق الحضانة، واختصم فيه الرجال فأولاهم به أقربهم تعصيباً. فيقدم الأب ثم الجد ثم الأخ، انظر تفصيل ذلك في حاشية ابن عابدين ٣/٥٥٥ فما بعدها.\rومما ينبغي ذكره أن حضانة أم الأم لأولاد ابنتها المتوفاة تستمر إلى أن يبلغ الصغير تسع سنوات وتبلغ الصغيرة الحادية عشرة من عمرها كما ورد في قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية في بلادنا في المادة ١٦١: [تنتهي حضانة غير الأم من النساء للصغير إذا أتم التاسعة وللصغيرة إذا أتمت الحادية عشرة.]\rوخلاصة الأمر أن أم الأم أحق بحضانة أولاد ابنتها المتوفاة من أبيهم وهذا هو المعمول به في المحاكم الشرعية في بلادنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346379,"book_id":3840,"shamela_page_id":759,"part":"15","page_num":27,"sequence_num":759,"body":"٢٧ - رضاع الكبير\rيقول السائل: ما قولكم في الفتوى المتعلقة برضاع الكبير والتي صدرت عن أحد مشايخ الأزهر، أفيدونا؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أن مسألة رضاع الكبير من المسائل التي يدور حولها الخلاف قديماً وحديثاً فمنذ عهد الصحابة وجد الخلاف فيها وكذا اختلف فيها الفقهاء وتعددت الآراء فيها وما زال الخلاف قائماً حتى عصرنا الحاضر وهذا الأمر ليس بمستغرب، ولكن الأمر المستهجن هو طريقة طرح هذه المسألة من بعض المشايخ وطريقة تناول وسائل الإعلام لها، فبعض القنوات الفضائية عرضت المسألة بشكل جنسي مثير واتخذها بعض الكتاب مدخلاً للطعن في السنة النبوية والطعن في السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ توصلاً للقدح في دين الإسلام.\rولا بد أن أقرر أن الحديث الوارد في رضاع الكبير حديث صحيح ثابت، فقد رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن وغيرهم من أهل الحديث وأسوق روايته كما وردت في سنن أبي داود (عن عائشة زوج النبي ﷺ وأم سلمة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان تبنى سالماً وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو مولى لامرأة من الأنصار كما تبنى رسول الله ﷺ زيداً وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث ميراثه حتى أنزل الله ﷾ في ذلك ﴿ادعوهم لآبائهم إلى قوله فإخوانكم في الدين ومواليكم﴾ فردوا إلى آبائهم فمن لم يعلم له أب كان مولىً وأخاً في الدين فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري وهي امرأة أبي حذيفة فقالت يا رسول الله: إنا كنا نرى سالماً ولداً وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فضلى - أي منكشف بعضها - وقد أنزل الله ﷿ فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه فقال لها النبي ﷺ أرضعيه فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة فبذلك كانت عائشة ﵂ تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيراً خمس رضعات ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحداً من الناس حتى يرضع في المهد وقلن لعائشة والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي ﷺ لسالم دون الناس)\rقال الإمام الشوكاني: [هذا الحديث قد رواه من الصحابة أمهات المؤمنين وسهلة بنت سهيل وهي من المهاجرات وزينب بنت أم سلمة وهي ربيبة النبي ﵌ ورواه من التابعين القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وحميد بن نافع ورواه عن هؤلاء الزهري وابن أبي مليكة وعبد الرحمن بن القاسم ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة ثم رواه عن هؤلاء أيوب السختياني وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وشعبة ومالك وابن جريج وشعيب ويونس وجعفر بن ربيعة ومعمر وسليمان بن بلال وغيرهم، وهؤلاء هم أئمة الحديث المرجوع إليهم في أعصارهم، ثم رواه عنهم الجم الغفير والعدد الكثير، وقد قال بعض أهل العلم: إن هذه السنة بلغت طرقها نصاب التواتر وقد استدل بذلك من قال إن إرضاع الكبير يثبت به التحريم] نيل الأوطار ٧/١١٩. فالحديث ثابت لا شك فيه، ولكن أهل العلم اختلفوا في توجيهه، وأكثر العلماء على أن الحديث حادثة خاصة ولا يصح حملها على العموم\rفالرضاع المؤثر ما كان في الصغر. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿والوالدات يُرضِعنَ أولادهنّ حولين كاملين لمن أراد أن يُتمّ الرضاعة﴾ سورة البقرة الآية ٢٣٣. يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: [هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة؛ وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك] . تفسير ابن كثير ١/٥٦٧.\rوثبت في الحديث أن عائشة ﵂ قالت دخل عليَّ النبي ﷺ وعندي رجل قال يا عائشة من هذا قلت أخي من الرضاعة قال يا عائشة انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة) رواه البخاري\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: قوله (فإنما الرضاعة من المجاعة) فيه تعليل الباعث على إمعان النظر والفكر , لأن الرضاعة تثبت النسب وتجعل الرضيع محرماً. وقوله \" من المجاعة \" أي الرضاعة التي تثبت بها الحرمة وتحل بها الخلوة هي حيث يكون الرضيع طفلاً لسد اللبن جوعته , لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن وينبت بذلك لحمه فيصير كجزء من المرضعة فيشترك في الحرمة مع أولادها , فكأنه قال لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة أو المطعمة من المجاعة] فتح الباري ٩ / ١٤٨.\rوروى الترمذي بإسناده عن أم سلمة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: (لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي – أي في زمن الرضاع - وكان قبل الفطام) قال أبو عيسى – أي الترمذي - هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئا) سنن الترمذي ٣/٤٥٨-٤٥٩.\rوروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن مسعود ﵁، قال: (لا رضاع إلا ما شدَّ العظم، وأنبت اللحم) . ونقل الإمام الشافعي في كتابه الأم عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله: إنما الرضاع رضاع الصغير. وغير ذلك من الأدلة.\rوقال العلامة محمد العثيمين: [من الشروط أيضاً عند جمهور أهل العلم أن يكون الرضاع في زمنه أي في الزمن الذي يتغذى فيه الطفل بالرضاع أما إذا تجاوز ذلك الزمن بأن فطم ولم يكن مرتكزاً في رضاعه على اللبن فإن تأثير اللبن في حقه غير واقع، لا يؤثر وقد ذهب بعض العلماء إلى أن رضاع الكبير محرم لعموم قوله تعالى (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) ولأن النبي ﷺ قال لامرأة أبي حذيفة بالنسبة لمولي أبي حذيفة سالم قال أرضعيه تحرمي عليه وكان كبيراً يخدمهم واستدل بعض العلماء بهذا على أن رضاع الكبير مؤثر ومحرم لكن الجمهور على خلاف ذلك وأنه لا يؤثر ولا يحرم واختار شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ التفصيل وقال إذا دعت الحاجة إلى إرضاع الكبير وأرضع ثبت التحريم وإلا إذا لم يكن ثم حاجة لم يثبت. ولكن الراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء ويدل على ذلك أن النبي ﷺ لما نهى عن الخلوة بالنساء قالوا يا رسول الله أرأيت الحمو قال الحمو الموت محذراً من خلوة قريب الزوج لزوجته ولو كان الرضاع موجباً لتحريم الخلوة لبين النبي ﷺ ذلك لدعاء الحاجة لبيانه لقال مثلاً إذا كان للزوج أخ وهو معهم في السكن فهو محتاج إلى أن يخلو بزوجته، ولو كان ثمة علاج لهذه الحالة الواقعية التي يحتاج الناس إليها لقال الرسول ﵊ ترضعه وتنتهي المشكلة، فلما لم يبين النبي ﷺ ذلك مع دعاء الحاجة إليه في هذا الأمر العظيم دل هذا على أن لا أثر في رضاع الكبير وهذا هو الراجح وأنه ينبغي تجنب إرضاع الكبير مهما كانت الظروف حتى لا يقع في مشاكل.] موقع الشيخ على الإنترنت\rوفي كلام الشيخ العثيمين أبلغ ردٍ على ما ورد في الفتوى المذكورة لحل مشكلة الاختلاط حسب ما زعمه ذلك المفتي الذي زعم أن إرضاع الكبير يضع حلاً لمشكلة الخلوة!!! وفي الحقيقة إن إثارة هذا النوع من الفتاوى بهذه الطريقة إنما هو عبث وتلاعب بالأحكام الشرعية، وقد فتحت هذه الفتوى باب شر على المسلمين ومن أراد أن يتعرف على شيء من ذلك فليقرأ ما كتب عن هذه الفتوى على شبكة الإنترنت. ولا بد من التنبيه أخيراً أن صاحب الفتوى المذكورة قد رجع عن فتواه وأنه رجع إلى قول جمهور الفقهاء أن الرضاع المحرم ما كان في الصغر. والرجوع إلى الحق فضيلة.\rوخلاصة الأمر أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الرضاع المؤثر ما كان في الصغر. والفتوى المذكورة لم تأخذ بعين الاعتبار الأسس العلمية التي تبنى عليها الفتاوى كما قررها الفقهاء والأصوليون، وينبغي على المفتين والعلماء والخطباء عدم إثارة مثل هذه المسائل التي تشوش على عامة الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346380,"book_id":3840,"shamela_page_id":760,"part":"15","page_num":28,"sequence_num":760,"body":"٢٨ - حكم الدراسة في مدرسة تمنع الفتاة من ارتداء الجلباب\rيقول السائل: ما حكم دراسة الفتاة المسلمة في مدرسة تشترط عليها أن لا تلبس الجلباب ويلزم ولي أمرها بتوقيع تعهد بذلك؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أن لبس الجلباب بشروطه الشرعية فريضة على المرأة المسلمة المكلفة شرعاً يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٥٩. فهذه الآية الكريمة أوجبت اللباس الشرعي على جميع النساء المسلمات. وقال تعالى: ﴿قل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ سورة النور الآيتان ٣٠-٣١. وثبت في الحديث عن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: (أمرنا أن نخرج الحُيَّض يوم العيدين وذوات الخدور فيشهدون جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزل الحيض عن مصلاهن. قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب؟ قال ﷺ: لتلبسها أختها من جلبابها) رواه البخاري ومسلم.\rوجاء في الحديث عن أسماء بنت أبي بكر ﵂: (أنها كانت عند أختها عائشة ﵂ وعليها ثياب واسعة الأكمام فلما نظر إليها الرسول ﷺ قام فخرج. فقالت عائشة ﵂ تنحي فقد رأى رسول الله ﷺ أمراً كرهه فتنحت فدخل رسول الله فسألته عائشة ﵂ لم قام؟ قال: أو لم تري هيئتها إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا - أي وجهها وكفيها -) رواه الطبراني والبيهقي وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في جلباب المرأة المسلمة ص ٥٩. والذي يؤخذ من هذه الأدلة أن ستر المرأة لجميع بدنها إلا ما استثني واجب وجبه الله ﷾ على المرأة المسلمة وقد بينت نصوص الكتاب والسنة شروط هذا اللباس وهي:\rأولاً: أن يكون ساتراً لجميع بدن المرأة ما عدا الوجه والكفين على قول جمهور أهل العلم لما جاء في رواية أخرى لحديث أسماء بنت أبي بكرٍ ﵂ السابق (دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثيابٌ رقاق فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال لها: يا أسماء إن المرأة إن إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا، وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه) رواه أبو داود والبيهقي وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني. فينبغي للمرأة المسلمة أن تغطي جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها ويدخل في ذلك القدمان.\rثانياً: أن يكون فضفاضاً واسعاً غير ضيق لأن الضيق يصف جسم المرأة وهذا يتنافى مع المقصود من الحجاب ولا يتحقق ذلك إلا باللباس الفضفاض الواسع.\rثالثاً: أن يكون صفيقاً غير شفاف أي ثخيناً سميكاً فلا يشف عما تحته وقد ورد في الحديث قوله ﷺ: (سيكون في آخر أمتي نساءٌ كاسياتٌ عاريات على رؤوسهن كأسمنة البخت العنوهن فإنهن ملعونات) رواه الطبراني بسندٍ صحيح كما قال الشيخ الألباني.\rرابعاً: أن لا يكون زينةً في نفسه فلا يجوز للمرأة أن تلبس ما يبهر العيون من الملابس التي عليها نقوشٌ وزخارف مذهبة ونحو ذلك لأن هذه الملابس زينة في نفسها وقد نهيت المرأة عن إظهار زينتها قال تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ..) ونهى الله ﷾ عن التبرج في قوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) .\rخامساً: أن لا يكون معطراً مطيباً فلا يحل للمرأة أن تستعمل الطيب والعطور إذا خرجت من بيتها لقوله ﷺ (أيما إمرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية) رواه النسائي وأبو داود والترمذي وقال حسنٌ صحيح.\rسادساً: أن لا يشبه لباس الرجل، إن المرأة بطبيعتها وتكوينها الجسدي تختلف عن الرجل فلها لباسها وللرجل لباسه فلذلك لا يحل للمرأة أن تتشبه بالرجل وكذلك لا يحل للرجل أن يتشبه بالمرأة فقد جاء في الحديث (لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل) رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وجاء في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال (لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال) رواه البخاري.\rسابعاً: أن لا يشبه لباس غير المسلمات لأن الإسلام نهى عن التشبه بغيرهم في أمور كثيرة وللمسلمين شخصيتهم وهيئتهم الخاصة بهم فعليهم أن يخالفوا غيرهم في ذلك فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين فقال إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها) رواه مسلم.\rثامناً: أن لا يكون لباس شهرة وهو كل ثوب قصد به الاشتهار بين الناس كأن يكون نفيساً جداً ويدل على ذلك قوله ﷺ (من لبس ثوب شهرةٍ في الدنيا ألسبه الله ثوب مذلةٍ يوم القيامة ثم ألهب فيه ناراً) رواه أبو داود وابن ماجة وهو حديثٌ حسن. فهذه الشروط إذا توفرت في اللباس كان لباساً شرعياً.\rإذا تقرر هذا فأعود إلى ما ورد في السؤال فأقول إنه يحرم على الفتاة المسلمة أن تدرس في مدرسة تمنعها من لبس الجلباب لأن لبسه فريضة كما سبق، وخاصة أن الفتاة في ديارنا ليست مضطرة للدراسة في هذه المدرسة بالذات وإن كانت هذه المدرسة متميزة في التعليم أو أنها تدرس اللغات الأجنبية، فلا يجوز شرعاً للمسلم أن يضيع فريضة من فرائض الله ﷿ من أجل مثل هذه الأمور، وكذلك يحرم على ولي أمر الفتاة أن يوقع أي تعهد أو إقرار بالموافقة على أن تنزع ابنته الجلباب أو أن لا تلبسه خلال فترة دراستها في تلك المدرسة أو غيرها من المدارس التي تشترط هذا الشرط الباطل، لأن ذلك يعتبر طاعة في معصية الله ﷿، والطاعة لها حدود لا يجوز تجاوزها فإذ أُمِرَ المسلم بالقيام بمعصية سواء أكان الآمر مسلماً أو غير مسلم حاكماً أو غير حاكم فلا يجوز للمسلم الطاعة في المعصية. وقد ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) رواه البخاري. وقد نص العلماء على أن الطاعة تكون في غير معصية فقد روى الإمام البخاري الحديث السابق في (باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية) صحيح البخاري مع فتح الباري ١٦/٢٣٩. وقال ابن خواز منداد من كبار فقهاء المالكية: [وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة ولا تجب فيما كان فيه معصية] تفسير القرطبي ٥/٢٥٩.\rوجاء في حديث آخر عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا طاعة لأحد في معصية الخالق) رواه أحمد والبزار وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: وسنده قوي. فتح الباري ٥/٢٤١، وقال العلامة الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم. وجاء في رواية أخرى: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وهي رواية صحيحة. سلسلة الأحاديث الصحيحة للعلامة الألباني ١/١٣٧-١٤٤.\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز للمسلمة أن تخلع حجابها لتدرس في مدرسة معينة ولا يجوز لها أن توافق على عدم لبسه وكذلك يحرم على وليها أن يوقع أي تعهد أو إقرار بذلك بحجة الدراسة لأن ذلك ليس من الضرورة التي تبيح المحرمات. ويجب على المسؤولين عن التعليم في بلادنا أن يلزموا هذه المدارس بإلغاء هذا الشرط ذلك الإقرار الباطل. وعلى الناس عامة أن يقاطعوا هذه المدارس مقاطعة تامة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346381,"book_id":3840,"shamela_page_id":761,"part":"15","page_num":29,"sequence_num":761,"body":"٢٩ - حكم قبول الزواج من موظف بنك ربوي\rتقول السائلة: إنها فتاة ملتزمة بالأحكام الشرعية وقد تقدم لخطبتها شاب صاحب أخلاق عالية ولكنه موظف في بنك تجاري فهل تقبل به أم لا، أفيدوني.\rالجواب: وضع الإسلام معياراً شرعياً لقبول الخاطب وهو اعتبار الكفاءة في الدين فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) رواه الترمذي وابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. قال الشيخ المباركفوري في شرح الحديث: [قوله: (إذا خطب إليكم) أي طلب منكم أن تزوجوه امرأة من أولادكم وأقاربكم (من ترضون) أي تستحسنون (دينه) أي ديانته (وخلقه) أي معاشرته (فزوجوه) أي إياها (إلا تفعلوا) أي إن لم تزوجوا من ترضون دينه وخلقه وترغبوا في مجرد الحسب والجمال أو المال (وفساد عريض) أي ذو عرض أي كبير , وذلك لأنكم إن لم تزوجوها إلا من ذي مال أو جاه , ربما يبقى أكثر نسائكم بلا أزواج , وأكثر رجالكم بلا نساء , فيكثر الافتتان بالزنا , وربما يلحق الأولياء عار فتهيج الفتن والفساد , ويترتب عليه قطع النسب وقلة الصلاح والعفة.] تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ٤/١٧٣. وجاء في الحديث عن أبي حاتم المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد. قالوا: وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ثلاث مرات. رواه الترمذي وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٣١٥.\rوقد اتفق جمهور أهل العلم على أن الأصل في الكفاءة هو الدين لقوله تعالى ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون﴾ سورة السجدة الآية ١٨. قال الشيخ ابن رشد الحفيد الفقيه المالكي المعروف: [ولم يختلف المذهب - أي مذهب مالك - أن البكر إذا زوجها الأب من شارب الخمر وبالجملة من فاسق أن لها أن تمنع نفسها من النكاح وينظر الحاكم في ذلك فيفرق بينهما، وكذلك إن زوجها ممن ماله حرام، أو ممن هو كثير الحلف بالطلاق.] بداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢/١٣.\rوبهذا يظهر جلياً أن الأصل في الكفاءة هو الدين أي التقوى والصلاح - ويدخل حسن الخلق في ذلك - ولا تمنع الشريعة الإسلامية أن تتوفر صفات أخرى طيبة في الخاطب كالسب الكريم والغنى والحرفة الحسنة والسلامة من العيوب الخلْقية.\rإذا تقرر هذا فإن الخاطب الذي يعمل في البنك التجاري أي الربوي لا يعد كفؤاً للفتاة المسلمة الملتزمة بدين الله ﷿ لأن العمل في البنوك الربوية من المحرمات ويتفرع تحريم العمل في البنوك الربوية على حرمة الربا، فإن الربا من أكبر الكبائر وتحريمه قطعي في كتاب الله ﷾ وفي سنة النبي ﷺ قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) سورة البقرةالآيات ٢٧٥ - ٢٧٩. وثبت في الحديث عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الربا ثلاثة وسبعون شعبة أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وصححه وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ١/٦٣٣. وقال ﷺ: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية] رواه أحمد وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد ٤/١١٧. وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/٢٩. وهذه النصوص تدل على تحريم العمل في البنوك الربوية فإن الله ﷾ إذا حرم شيئاً حرم كل ما يوصل إليه قال الإمام النووي في شرح قول الرسول ﷺ: لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) : [هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابين والشهادة عليهما. وفيه: تحريم الإعانة على الباطل. والله أعلم.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٠٧. ولا شك أن العمل في البنوك الربوية يدخل في عموم قول الله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله) سورة المائدة الآية ٢.\rوبناءً على ما سبق فإن الواجب على السائلة أن تشترط على خاطبها أن يترك العمل في البنك الربوي فإن وافق فبها ونعمت، وإن لم يوافق فلا يجوز لها أن تقبل به زوجاً لأنه سينفق عليها بعد الزواج من راتبه وهو مال مكتسب من حرام. والله ﷻ لا يبارك في جسد نبت من مال حرام فقد ورد في الحديث أن الرسول الله ﷺ قال: (لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت وكل لحم نبت من سحت كانت النار أولى به) رواه أحمد والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان. وفي رواية أخرى: (كل جسدٍ نبت من سحتٍ فالنار أولى به) رواه أحمد والطبراني والحاكم وغيرهم وقال العلامة الألباني صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/٨٣١. وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: ( ... يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به) رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وصححه العلامة الألباني. صحيح سنن الترمذي ١/١٨٩. وعن أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة جسد غُذِيَ بحرام) رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أبي يعلى ثقات وفي بعضهم اختلاف قاله الهيثمي. مجمع الزوائد ١٠/٢٩٣. وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٣٢٠. وإذا اعتذر الخاطب بأنه قد لا يجد عملاً آخر وخاصة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها مجتمعنا من حصار وتضييق فنقول لهل يمكنها أن تقنعه أن يطلب الانتقال إلى وظيفة في البنك ليس لها اتصال مباشر بالأعمال الربوية كالحسابات الجارية والشيكات والحوالات ونحوها من الأعمال الجائزة، حتى يجد عملاً حلالاً، وهذا من باب ارتكاب أخف الضررين. كما وينبغي أن يعلم أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه قال الله ﷻ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) سورة الطلاق الآيتان ٢-٣. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ سورة الطلاق الآية ٤.\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز تزويج الموظف في البنك الربوي الذي يباشر الأعمال الربوية إلا إذا وافق على ترك العمل فيه لأنه غير مرضي الدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346382,"book_id":3840,"shamela_page_id":762,"part":"15","page_num":30,"sequence_num":762,"body":"٣٠ - حكم سفر الطالبة لدولة أوربية وإقامتها فيها منفردة\rتقول السائلة: إنها طالبة في السنة الخامسة في كلية الطب وتريد السفر إلى إحدى الدول الأوربية في برنامج تدريبي في أحد المستشفيات لمدة لا تقل عن شهر واحد وأنها ستسافر وحدها وستقيم مع عائلة أجنبية خلال المدة التي ستقضيها هناك فما الحكم الشرعي لذلك؟\rالجواب: شرع الإسلام أحكاماً كثيرة للحفاظ على المرأة المسلمة وصيانة كرامتها ومن ذلك منعها من السفر بدون محرم أو زوج فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تسافر إلا مع محرم لها أو مع زوجها وخاصة إذا كان يخشى عليها الفتنة في سفرها كالسفر المذكور في السؤال فهذا سفر محرم باتفاق أهل العلم وليس الأمر متوقفاً على السفر بل يضاف إلى ذلك الإقامة في ذلك البلد الأوربي والسكن مع عائلة أجنبية ولا شك أن في ذلك مفاسد كثيرة على دين المرأة وخلقها كما سأبين.\rوقد ثبتت أدلة كثيرة تدل على حرمة سفر المرأة إلا مع زوجها أو ذي محرم منها والمحرم هو: من لا يحل له نكاحها من الأقارب كالأب والابن والأخ والعم ومن يجري مجراهم كما ذكره الشيخ ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث ١/٣٧٣.\rومن العلماء من يرى أن الزوج يدخل في معنى المحرم قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والمحرم زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح كأبيها وابنها وأخيها من نسب أو رضاع] المغني ٣/٢٣٠.\rومن النصوص الواردة في ذلك: عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم) . رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) . وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة) رواه البخاري والمقصود بالحرمة المحرم كما في رواية مسلم: (لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها) . وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عيها رجل إلا ومعها محرم، فقال رجل: يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج. فقال ﷺ: اخرج معها) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت أربعاً من النبي ﷺ فأعجبنني قال: لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم في يومين الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب، ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجد الحرام ومسجد الأقصى ومسجدي هذا) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها) رواه مسلم. ولا نملك أمام هذه النصوص إلا أن نقول ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ سورة الحشر الآية ٧.\rوينبغي التنبيه إلى أن أهل العلم يرون أن الأصل أن المرأة لا تسافر أي سفر إلا ومعها زوجها أو محرم لها قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال أبو عبد الله - أي الإمام أحمد -: أما أبو هريرة: فيقول: \" يوماً وليلة \" ويروى عن أبي هريرة: \" لا تسافر سفرا ً \" أيضا وأما حديث أبي سعيد يقول: \" ثلاثة أيام \" قلت: ما تقول أنت؟ قال: لا تسافر سفراً قليلاً ولا كثيراً , إلا مع ذي محرم] المغني ٣/٢٢٩. وقال الحافظ ابن عبد البر: [والذي جَمَعَ معاني آثار الحديث - على اختلاف ألفاظه - أن تكون المرأة تُمْنَع من كل سفر يُخْشى عليها فيه الفتنة، إلا مع ذي محرم أو زوج، قصيراً كان السفر أو طويلاً] الاستذكار ٢٧/٢٧٤.\rوأما ما ورد في الأحاديث من اختلاف مدة السفر فورد في بعضها التقييد بثلاثة أيام أو بيوم أو بيوم وليلة أو التقييد بمسافة بريد فمرد ذلك إلى اختلاف أحوال السائلين واختلاف مواطنهم والتحديد بذلك ليس بمراد، وإنما هو تعبير عن أمر واقع، فلا يعمل بمفهومه وقد فصلَّ الإمام النووي الجواب عن ذلك فقال [قوله ﷺ: (لا تسافر المرأة ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم) وفي رواية: (فوق ثلاث) وفي رواية: (ثلاثة) وفي رواية (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم) وفي رواية (لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها) وفي رواية (نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين) وفي رواية (لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها ذو حرمة منها) وفي رواية (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم) وفي رواية (مسيرة يوم وليلة) وفي رواية (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) . هذه روايات مسلم وفي رواية لأبي داود (ولا تسافر بريداً) والبريد مسيرة نصف يوم, قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين, واختلاف المواطن, وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة أو البريد, قال البيهقي: كأنه ﷺ سأل عن المرأة تسافر ثلاثاً بغير محرم, فقال: لا. . وسئل عن سفرها يومين بغير محرم: فقال: لا. . وسئل عن سفرها يوماً فقال: لا. وكذلك البريد, فأدى كل منهم ما سمعه, وما جاء منها مختلفاً عن رواية واحد فسمعه في مواطن, فروى تارة هذا, وتارة هذا, وكله صحيح, وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر, ولم يرد ﷺ تحديد أقل ما يسمى سفراً, فالحاصل أن كل ما يسمى سفراً تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم, سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوماً أو بريداً أو غير ذلك ; لرواية ابن عباس المطلقة, وهي آخر روايات مسلم السابقة (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) وهذا يتناول جميع ما يسمى سفراً] شرح النووي على صحيح مسلم ٩/١٠٢-١٠٤.\rويضاف إلى ما سبق أنه يحرم على المرأة المسلمة أن تقيم مع عائلة كافرة تسكن بينهم وتخالطهم كأنها فرد من أسرتهم فهذا أشد حرمةً وأعظم إثماً من مجرد السفر لما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة والفتنة التي تتعرض لها المرأة من اختلاط وخلوة بالرجال من أفراد الأسرة الأجنبية وقد ورد في الحديث قوله ﷺ: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) رواه البخاري، وقوله ﷺ: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ثالثهما الشيطان) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ورواه أحمد والحاكم وصححه. ويقول العلامة ابن القيم: [ولا ريبَ أن تمكينَ النساء من اختلاطهن بالرجال أصلُ كلِّ بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سببٌ لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتَّصلة] الطرق الحكمية ص ٤٠٧- ٤٠٨.\rوكذلك فإنه من المعلوم أن أؤلئك القوم لا يوجد عندهم ضوابط أخلاقية كما يوجد عندنا وعاداتهم تخالف في معظمها ما نحن عليه وغير ذلك من المفاسد الكثيرة التي ستؤدي غالباً إلى التأثر بمعتقداتهم وأفكارهم وتقاليدهم.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم على الطالبة المذكورة في السؤال السفر والإقامة مع أسرة أجنبية وخاصة أن سفرها لا يدخل في باب السفر الواجب ويمكن تحصيل مقاصده داخل البلاد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346383,"book_id":3840,"shamela_page_id":763,"part":"15","page_num":31,"sequence_num":763,"body":"٣١ - اختلاف قيمة مؤخر المهر\rيقول السائل: إنه متزوج من أكثر من أربعين سنة ويريد أن يعطي زوجته مؤخر مهرها وقدره مئتا دينار أردني ولكن زوجته ترفض أخذ المئتي دينار لأن قيمة العملة قد اختلفت اختلافاً كبيراً فما قولكم أفيدونا؟\rالجواب: إن المهر حق من حقوق الزوجة الواجبة على زوجها يقول الله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) سورة النساء الآية ٤.\rوكان النبي ﷺ يصدق نساءه عند الزواج فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵁ أنه قال (سألت عائشة زوج النبي ﷺ كم كان صداق رسول الله ﷺ؟ قالت كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشاً. قالت أتدري ما النش؟ قال: قلت لا. قالت: نصف أوقية فتلك خمس مائة درهم فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه) رواه مسلم.\rوكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون فعن أنسٍ ﵁ قال سأل النبي ﷺ عبدَ الرحمن بن عوف وتزوج امرأة من الأنصار كم أصدقتها؟ قال وزن نواة من ذهب) رواه البخاري\rوقد اتفق العلماء على أنه يجوز التعجيل والتأجيل في المهر المسمى في عقد الزواج فيصح أن يكون بعض المهر معجلاً وبعضه مؤجلاً على حسب ما يتم عليه الاتفاق عند عقد الزواج وسواء كان المهر معجلاً أو مؤجلاً فهو حق ثابت للزوجة ودين واجب لها في ذمة الزوج.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويجوز أن يكون الصداق معجلاً ومؤجلاً وبعضه معجلاً وبعضه مؤجلاً لأنه عوض في معاوضة فجاز ذلك فيه كالثمن ثم إن أطلق ذكره اقتضى الحلول كما لو أطلق ذكر الثمن وإن شرطه مؤجلاً إلى وقت فهو إلى أجله وإن أجله ولم يذكر أجله فقال القاضي: المهر صحيح ومحله الفرقة فإن أحمد قال إذا تزوج على العاجل والآجل لا يحل الآجل إلا بموت أو فرقة وهذا قول النخعي والشعبي ... ووجه القول الأول أن المطلق يحمل على العرف والعادة في الصداق الآجل ترك المطالبة به إلى حين الفرقة فحمل عليه فيصير حينئذ معلوماً بذلك] المغني ٧/٢٢٢.\rومن المعلوم أن العرف في بلادنا جرى على أن يكون جزء من المهر مؤجلاً تأجيلاً مطلقاً ويكون ديناً في ذمة الزوج وفي هذه الحالة يجب المهر المؤجل للمرأة في حالتين وهما: الطلاق والوفاة فإذا طلق الزوج امرأته وب لها المؤجل من مهرها وكذا إذا مات زوجها وجب لها المهر المؤجل ويخرج من التركة ويخرج قبل الوصية وقبل قسمة التركة بين الورثة.\rوكذلك إذا ماتت الزوجة ولها مهر مؤجل في ذمة زوجها فيكون مهرها المؤجل من ضمن تركتها ويوزع على الورثة بقدر نصيب كل منهم.\rوقد نصت المادة \" ٤٦ \" من قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية عندنا على ذلك ( ... وإذا لم يكن الأجل معيناً اعتبر المهر مؤجلاً إلى وقوع الطلاق أو وفاة أحد الزوجين) ويخرج قبل الوصية وقبل قسمة التركة بين الورثة.\rولا يجوز للزوجة أن تطالب زوجها بالمهر المؤجل ما دامت على ذمته لأن العرف جارٍ على تأخيره وتنص القاعدة الفقهية على أن العادة محكمة، وكذا المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً وكذا استعمال الناس حجة يجب العمل بها.\rوقيام الرجل بدفع المهر المؤجل لزوجته أمر حسن وفيه إبراء لذمته ولكنه ليس واجباً عليه بل يجب في حالتي الطلاق أو الوفاة كما سبق.\rوأما بالنسبة لعدم قبول الزوجة للمئتي دينار وهي مقدار مهرها المؤجل بحجة أن قيمة العملة قد تغيرت فلا بد أن أبين أن الأصل المقرر في الفقه الإسلامي أن الديون تقضى بأمثالها ولا تقضى بقيمتها ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (أتيت النبي ﷺ فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال ﷺ: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء) وفي رواية أخرى: (أبيع بالدنانير وآخذ مكانها الورق - الفضة المصكوكة - وأبيع بالورق وآخذ مكانها الدنانير) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي (فابن عمر كان يبيع الإبل بالدنانير أو الدراهم وقد يقبض الثمن في الحال وقد يبيع بيعاً آجلاً وعند قبض الثمن ربما لا يجد مع المشتري بالدنانير إلا دراهم وقد يجد مع من اشترى بدراهم ليس معه إلا دنانير أفيأخذ قيمة الثمن يوم ثبوت الدين أم يوم الأداء؟ مثلاً إذا باع بمئة دينار وكان سعر الصرف: الدينار بعشرة دراهم أي أن له ما قيمته ألف درهم وتغير سعر الصرف فأصبح الدينار مثلاً بأحد عشر درهماً أفيأخذ الألف أم ألفاً ومئة؟ وإذا أصبح بتسعة دراهم فقط أفيأخذ تسعمئة درهم يمكن صرفها بمئة دينار يوم الأداء أم يأخذ ألف درهم قيمة مئة الدينار يوم البيع؟ بين الرسول ﷺ أن العبرة بسعر الصرف يوم الأداء وابن عمر الذي عرف الحكم من الرسول الكريم سأله بكر بن عبد الله المزني ومسروق العجلي عن كرَّيٍ لهما له عليهما دراهم وليس معهما إلا دنانير فقال ابن عمر: أعطوه بسعر السوق. فهذا الحديث الشريف يعتبر أصلاً في أن الدين يؤدى بمثله لا بقيمته حيث يؤدي عن تعذر المثل بما يقوم مقامه وهو سعر الصرف يوم الأداء، يوم الأداء لا يوم ثبوت الدين] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥ جزء ٣ ص١٧٢٧-١٧٢٨.\rوقرر معظم فقهاء العصر أن الديون تقضى بأمثالها ولا تقضى بقيمتها إلا إذا كان تغير قيمة العملة كبيراً ويرون أن قضاء الديون بقيمتها يعد من الربا المحرم شرعاً [إن الحكم على المدين المماطل بتعويض دائنه بفرق هبوط القوة الشرائية للنقد عقب مطله غير سائغ شرعاً إذ هو وقوع في حمى الربا المحرم تحت ستار تعويض الدائن عن انخفاض القوة الشرائية للنقود، بل إن الدائن ليحصل في كثير من الأحيان باسم ذلك التعويض على ما يزيد قدراً ويفوق جوراً الفوائد التأخيرية في البنوك الربوية] قضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد ص٥٠٠.\rوقد بحث مجمع الفقه الإسلامي هذه المسألة بحثاً مستفيضاً وتوصل العلماء المشاركون في المجمع إلى القرار التالي: [العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضى بأمثالها ... ] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥ ج ٣/٢٢٦١.\rهذا هو الأصل المقرر في قضاء الديون بأمثالها لا بقيمتها إلا إذا كان التغير في قيمة العملة كبيراً وبما أن المدة المذكورة في السؤال طويلة (أربعون سنة) فلا شك أن قيمة العملة الأردنية قد اختلفت اختلافاً كبيراً خلال هذه المدة فيجب على الزوج أن يعطي زوجته قيمة المئتي دينار لا عددها والمرجع في تقدير القيمة هنا الذهب أي نسأل الصاغة والصرافين عن المئتي دينار كم كان يشترى بها غرامات ذهب؟ فيعطي الزوجة قيمة ذلك الذهب في الوقت الحاضر. وأما أن يعطيها ما كتب لها في عقد الزواج منذ أربعين سنة، فظلم واضح.\rوخلاصة الأمر أنه لا يجب على الزوج أن يدفع المهر المؤجل لزوجته ما دامت على ذمته فإن فعل فأمر حسن وعلى السائل أن يعطي زوجته قيمة مهرها المؤجل نظراً لاختلاف قيمة العملة اختلافاً كبيراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346384,"book_id":3840,"shamela_page_id":764,"part":"15","page_num":32,"sequence_num":764,"body":"٣٢ - طاعة الزوجة لزوجها قبل الزفاف\rتقول السائلة: إنه قد تم عقد قرانها وكتب عقد الزواج وسيتم الزفاف بعد سنة أي بعد تخرجها من الجامعة فهل هي ملزمة بطاعة زوجها واستئذانه في أمورها خلال هذه الفترة أم أنها ملزمة بطاعة أبيها فقط أرجو الإفادة.\rالجواب: بداية أنصح دائماً بتقصير المدة بين عقد الزواج والزفاف لما يترتب على ذلك من مصلحة للزوجين وأهلهما إلا إذا وجدت أعذار مقبولة لتطويل تلكم الفترة كإعداد الزوج لبيت الزوجية ونحو ذلك. ومن المعلوم أن عقد الزواج إذا وقع صحيحاً ترتبت عليه آثاره الشرعية ومنها وجوب طاعة الزوجة لزوجها فطاعة الزوج فريضة قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) سورة النساء الآية ٣٤. فهذه الآية قررت للرجل حق القوامة على المرأة ولا شك أنه لا قوامة بدون طاعة الزوجة لزوجها فيجب على المرأة أن تسمع وتطيع زوجها إذا أمرها بالمعروف.\rويقول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٧\rوروى الترمذي بإسناده عن سليمان بن عمرو بن الأحوص قال حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فذكر في الحديث قصة فقال ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ومعنى قوله عوان عندكم يعني أسرى في أيديكم. ومن صور الطاعة الزوجية ألا تخرج الزوجة من مسكنها إلا بإذن زوجها. وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إذا استأذنت امرأة أحدكم فلا يمنعها) رواه البخاري. وغير ذلك من النصوص التي أوجبت طاعة الزوجة لزوجها ووجوب استئذانه قبل الخروج من البيت. ولكن يجب أن يعلم أن حق الزوج في طاعة زوجته له واستئذانه قبل الخروج من البيت إنما يكون بعد أن تزف الزوجة لزوجها وبعد أن ينقلها إلى بيته، وأما ما دامت الزوجة في بيت أبيها ولما تزف بعد فحق الطاعة ثابت للأب لا للزوج وكذا الاستئذان يكون في هذه الفترة من حق الأب لا للزوج لأن الأب هو المسؤول عن البيت وما دامت ابنته تعيش معه في بيته فحق الطاعة ثابت للأب لا للزوج. ومثل ذلك يقال أيضاً في المنع من المعاشرة الزوجية بين الزوج وزوجته خلال هذه الفترة – فترة العقد وقبل الزفاف – فينبغي منع إقامة أي علاقة جنسية بينهما لما قد يترتب على المعاشرة الزوجية في الفترة التي تسبق الزفاف من مفاسد. فمثلاً إذا تمت معاشرة بينهما في تلك الفترة وحصل الحمل فقد لا يستطيع الزوج إتمام الزفاف لسبب من الأسباب فعندئذ تظهر علامات الحمل على الفتاة وهذا ينعكس سلباً عليها وعلى زوجها، وماذا لو قدر الله ﷾ وفاة هذا الزوج قبل الزفاف وكان قد عاشرها وحملت منه فلا شك أن مشكلات كثيرة ستقوم وتؤدي إلى نزاع وخصام. وهنالك احتمال أن يقع سوء تفاهم بينهما وقد يصل الأمر إلى الفراق بالطلاق أو غيره فحينئذ ستكون الفتاة في موقف صعب جداً وكذلك إذا تم الزفاف وكانت العلاقة الجنسية قد تمت قبله فقد يطعن الزوج في عفاف زوجته وهذا يوقع الفتاة وأهلها في مشكلات عويصة.\rوالمرجع في المنع من هذه الأمور هو العرف الصحيح فإن المتعارف عليه بين الناس في بلادنا أن البنت ما دامت في بيت أبيها فإن حق الطاعة ثابت لأبيها لا للعاقد عليها وكذلك فإنها تستأذن أباها في الخروج من البيت فهو صاحب الأمر والنهي لا العاقد عليها وكذلك جرى العرف في بلادنا على أنه لا يجري بين العاقدين معاشرة جنسية إلا بعد الزفاف وكذلك فقد جرى العرف في بلادنا أن الأب هو الذي ينفق على البنت المعقود عليها ما دامت عند أبيها ولا يطالب العاقد بالإنفاق عليها إلا بعد الزفاف ويجب شرعاً مراعاة هذه الأعراف الصحيحة والتي لا تعارض الأحكام الشرعية فالعرف الصحيح الذي لا يصادم النصوص الشرعية معتبر عند أهل العلم. قال الإمام القرافي: [وأما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها] شرح تنقيح الفصول ص ٤٨٨. وقال الشيخ ابن عابدين:\rوالعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار\rرسالة \" نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف \" ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين ٢/١١٢.\rوقد قامت الأدلة الكثيرة على اعتبار العرف ووضع الفقهاء القواعد الفقهية في ذلك كما في قولهم: العادة محكمة، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً واستعمال الناس حجة يجب العمل بها وغير ذلك.\r[وسلطان العرف العملي كبير في أحكام الأفعال المعتادة والمعاملات المختلفة المتعلقة بحقوق الناس أو أحوالهم الشخصية أو القضاء أو الشهادات والعقوبات وغيرها ويعمل بالعرف ما لم يصادم نصاً شرعياً من القرآن أو السنة واضح الدلالة قطعياً أو نصاً تشريعياً كالقياس ويعتبر ما ثبت بالعرف حينئذ ثابتاً بالنص اتباعاً للقاعدة الشرعية الثابت بالعرف كالثابت بالنص أو الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي] نظرية العرف ص ٤٨.\rوقال العلامة ابن القيم [وعلى هذا أبداً تجيء الفتاوى في طول الأيام، فمهما تجدد العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه وأفته به، دون عرف بلدك والمذكور في كتبك] أعلام الموقعين ٣/٧٨. وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي أن العرف معتبر بشروط معينة فقد جاء في قرار المجمع ما يلي:\rأولاً: يراد بالعرف ما اعتاده الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك، وقد يكون معتبراً شرعاً أو غير معتبر.\rثانياً: العرف، إن كان خاصاً، فهو معتبر عند أهله، وإن كان عاماً، فهو معتبر في حق الجميع.\rثالثاً: العرف المعتبر شرعاً هو ما استجمع الشروط الآتية:\rأ - أن لا يخالف الشريعة فإن خالف العرف نصاً شرعياً أو قاعدة من قواعد الشريعة فإنه عرف فاسد\rب - أن يكون العرف مطَّرداً (مستمراً) أو غالباً.\rج - أن يكون العرف قائماً عند إنشاء التصرف\rد - أن لا يصرح المتعاقدان بخلافه، فإن صرحا بخلافه فلا يعتد به.\rرابعاً: ليس للفقيه – مفتياً كان أو قاضياً – الجمود على المنقول في كتب الفقهاء من غير مراعاة تبدل الأعراف.] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥ جزء ٤ ص ٢٩٢١.\rويضاف إلى ما سبق أن المحاكم الشرعية في بلادنا تأخذ بهذه الأعراف الصحيحة فلا تثبت حق الطاعة للزوج ما لم يقم الزوج بما يجب القيام عليه لإتمام الزفاف وتهيئة أسبابه حسب العادة والعرف كما ورد ذلك في القرارات القضائية في الأحوال الشخصية ص ١٩٥ قرار رقم ٢٤٣٩٩.\rوخلاصة الأمر أن المرأة المعقود عليها ما دامت باقية في بيت أبيها فإن طاعتها واجبة لأبيها لا لزوجها وكذلك فإنها تستأذن أباها في الخروج من البيت لا زوجها وكذلك تمنع المعاشرة الجنسية بين العاقدين قبل الزفاف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346385,"book_id":3840,"shamela_page_id":765,"part":"15","page_num":33,"sequence_num":765,"body":"٣٣ - إعلان البراءة من شخص\rيقول السائل: ما قولكم فيما نقرؤه في الصحف من إعلانات البراءة حيث يتبرأ الوالد من ولده مثلاً أو تتبرأ العشيرة من أحد أفرادها أفيدونا؟\rالجواب: البراءة من الناس ومن أفعالهم لا تجوز إلا بسبب شرعي فمن ذلك البراءة من الكافرين والمشركين كما قال تعالى ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ سورة الأنعام الآية ١٩. وقال تعالى ﴿بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ سورة التوبة الآيات ١- ٣. وقال تعالى ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ سورة يونس الآية ٤١. وقال تعالى ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ سورة الشعراء الآية ٢١٦. قال الألوسي في تفسير الآية السابقة: [فإن عصوك يا محمد في الأحكام وفروع الإسلام بعد تصديقك والإيمان بك وتواضعك لهم فقل إني بريء مما تعملون من المعاصي، أي أظهر عدم رضاك بذلك وإنكاره عليهم] تفسير روح المعاني ١٠/١٣٣. وقد ضرب الله ﷾ مثلاً على سبيل المدح والثناء بسيدنا إبراهيم الخليل حيث إنه قد تبرأ من كفر أبيه وقومه فقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ سورة التوبة الآة ١١٤. وقال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ سورة الزخرف الآية ٢. وقال تعالى ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ سورة الأنعام الآية ٧٨. وقال تعالى ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ سورة الممتحنة الآية ٤.\rوتجوز البراءة أيضاً من أهل المعاصي وممن يرتكب الموبقات فيجوز التبرؤ مما يفعله المجرمون كمن يقتل أو يزني أو يغتصب\rونحو ذلك من الجرائم فقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتل منهم ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه فرفع النبي ﷺ يده فقال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين) رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) قال الخطابي: أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا] فتح الباري ٨/٧٢\rوروى الإمام البخاري في باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة ... قال حدثني أبو بردة بن أبي موسى ﵁ قال وجع أبو موسى وجعاً شديداً فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً فلما أفاق قال أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة) والصالقة هي التي ترفع صوتها بالبكاء والحالقة التي تحلق رأسها عند المصيبة والشاقة التي تشق ثوبها وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال النبي ﷺ: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) رواه البخاري. وفي هذا الحديث أعلن النبي ﷺ البراءة ممن فعل هذه الأفعال الشائنة قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (ليس منا) أي – ليس - من أهل سنتنا وطريقتنا , وليس المراد به إخراجه عن الدين , ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لست منك ولست مني , أي ما أنت على طريقتي ... والأولى أن يقال: المراد أن الواقع في ذلك يكون قد تعرض لأن يهجر ويعرض عنه فلا يختلط بجماعة السنة تأديباً له على استصحابه حالة الجاهلية التي قبحها الإسلام , فهذا أولى من الحمل على ما لا يستفاد منه قدر زائد على الفعل الموجود. وحكي عن سفيان أنه كان يكره الخوض في تأويله ويقول: ينبغي أن يمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر. وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل , أي أنه خرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله , حكاه ابن العربي. ويظهر لي أن هذا النفي يفسره التبري الأتي في حديث أبي موسى بعد باب حيث قال \" برئ منه النبي ﷺ \" وأصل البراءة الانفصال من الشيء] فتح الباري ٣/٢٠٩. وهنالك حالات أخرى أعلن النبي ﷺ فيها البراءة ممن يفعل المعاصي منها عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال (من حمل علينا السلاح فليس منا) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال (من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا) رواه مسلم. وعن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: (من انتهب نهبة فليس منا) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. والنهبة المال المأخوذ على وجه القهر والعلانية. وعن بريدة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (من حلف بالأمانة فليس منّا) رواه أبو داود وهو حديث حسن\rوعنه أيضاً قال قال رسول الله ﷺ: (ليس منا من حلف بالأمانة ومن خبب على امرئ زوجته أو مملوكه فليس منا) رواه أحمد ومعنى خبب أي أفسد المرأة على زوجها، وغير ذلك من الأحاديث. وينبغي التنبيه على أمرين هامين أولهما أن البراءة من النسب محرمة تحريماً صريحاً فلا يجوز لأحد أن يعلن براءته من نسبه كأن يتبرأ الولد من نسبه لأبيه أو يعلن الوالد براءته من نسب ابنه منه ونحو ذلك فهذا أمر محرم شرعاً فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر) رواه البخاري ومسلم.\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ ... وإنما المراد به من تحول عن نسبته لأبيه إلى غير أبيه عالماً عامداً مختاراً وكانوا في الجاهلية لا يستنكرون أن يتبنى الرجل ولد غيره ويصير الولد ينسب إلى الذي تبناه حتى نزل قوله تعالى: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) ... وقال بعض الشراح: سبب إطلاق الكفر هنا أنه كذب على الله كأنه يقول خلقني الله من ماء فلا , وليس كذلك لأنه إنما خلقه من غيره ... ] فتح الباري ١٢/٦٧. وروى مسلم يإسناده عن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه) والأمر الثاني: ينبغي التحذير من قطع الأرحام فإن البراءة من أفعال العصاة والفساق لا تعني مقاطعتهم نهائياً فإن ذلك قد يزيد في عصيانهم وفسوقهم بل لا بد من التواصل معهم ونصحهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لعلهم يتوبون ويرجعون عن غيهم وضلالهم فقد ثبت في الحديث عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) رواه البخاري ومسلم وغير ذلك من الأحاديث.\rوخلاصة الأمر أن إعلان البراءة من العصاة والفسقة جائز إن وجد له سبب شرعي معتبر وأما إعلان البراءة بدون سبب شرعي فذلك حرام شرعاً كمن يتبرأ من أبيه لأنه تزوج زوجة ثانية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346386,"book_id":3840,"shamela_page_id":766,"part":"15","page_num":34,"sequence_num":766,"body":"٣٤ - حكم الزواج العرفي\rيقول السائل: ما هي حقيقة الزواج العرفي وما الحكم الشرعي فيمن تزوج عرفياً؟\rالجواب: المشهور أن الزواج العرفي يطلق على الزواج المستكمل للأركان والشروط ولكنه غير مسجل بوثيقة رسمية كتسجيله في المحكمة الشرعية وقد تكتب ورقة بحضور الولي والشهود. وهذا ما درج عليه الكاتبون في قضايا الزواج والأحوال الشخصية.\rولكن بعض الناس يستعملون اصطلاح الزواج العرفي فيما يتم بين شاب وفتاة كأن يقول لها زوجيني نفسك فتقول له زوجتك نفسي ثم يكتبان ورقة بينهما أو عند محامٍ وهذا النوع أصبح منتشراً في بلاد كثيرة وبدأ يمارس في بلادنا. ولا شك في بطلان هذا الثاني وهو ما يسمى بالزواج المدني ولا يعتبر هذا زواجاً في الشرع بل هو زناً والعياذ بالله تعالى. وأما الأول فهو زواج معتبر شرعاً وهو ما كان سائداً بين المسلمين قديماً إلى أن صار توثيق الزواج بوثائق رسمية متعارفاً عليه بين المسلمين وصارت بعض قوانين الأحوال الشخصية تلزم تسجيل الزواج رسمياً. وهو ما نص عليه قانون الأحوال الشخصية المطبق في بلادنا، فقد جاء في المادة السابعة عشرة منه ما يأتي:\r[أ- يجب على الخاطب مراجعة القاضي أو نائبه لإجراء العقد.\rب- يجري عقد الزواج من مأذون القاضي بموجب وثيقة رسمية، وللقاضي بحكم وظيفته في الحالات الاستثنائية أن يتولى ذلك بنفسه بإذن من قاضي القضاة.\rج- وإذا جرى الزواج بدون وثيقة رسمية فيعاقب كل من العاقد والزوجين والشهود بالعقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات الأردني وبغرامة على كلّ منهم لا تزيد عن مائة دينار.\rد- وكل مأذون لا يسجل العقد في الوثيقة الرسمية بعد استيفاء الرسم يعاقب بالعقوبتين المشار إليهما في الفقرة السابقة مع العزل من الوظيفة] . وأرى أن تسجيل عقد الزواج في المحاكم الشرعية واجب شرعاً فيجب كتابة عقد الزواج خطياً وتسجيله في المحاكم الشرعية ولا يُكتفى بالإيجاب والقبول الشفويين كما أنه لا يكتفى بكتابة ورقة ولو كان ذلك بحضور الولي والشهود لأن في كتابة عقد الزواج وتسجيله في المحاكم الشرعية تحقيق لمصالح عظيمة للناس وفيه محافظة على حقوق المتزوجين وتسجيل الزواج بوثيقة رسمية يجب من باب سد الذرائع المؤدية للفساد بضياع الحقوق ولما في التسجيل من إثبات للزوجية القائمة بين الزوجين، وثبوت نسب الأولاد وحفاظاً على بناء الأسرة في المجتمع المسلم على أساس سليم ووي وقواعد الشرع العامة توجب التسجيل.\rولا شك أن عقد الزواج كان يتم قديماً بدون وثيقة وبدون تسجيل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [لم يكن الصحابة رضوان الله عليهم يكتبون صداقات لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر، بل يعجلون المهر، وإن أخّروه فهو معروف، فلما صار الناس يزوجون على المؤخر، والمدة تطول وينسى صاروا يكتبون المؤخر، وصار ذلك حجة في إثبات الصداق وفي أنها زوجة له] . مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣٢/١٣١. ولكن صار تسجيل عقد الزواج أمراً لا بد منه ولا يقال لماذا لا نمشي على ما مشى عليه السابقون من عدم التسجيل؟ فأقول شتان ما بيننا وبينهم فلقد خربت ذمم كثير من الناس وقلت التقوى وكاد الورع أن يغيب في عصرنا لذا أؤكد على وجوب تسجيل الزواج في وثيقة رسمية وأعتقد أن من تزوج عرفياً أو زوج ابنته في زواج عرفي فهو آثم شرعاً وإن كان الزواج العرفي إن تم مستكملاً لأركان الزواج وشروطه صحيحاً شرعاً وكونه صحيحاً لا يمنع من تحريمه كمن حج بمال حرام فحجه صحيح ولكنه آثم شرعاً قال الإمام النووي [إذا حج بمال حرام أو راكباً دابةً مغصوبة أثم وصح حجه وأجزأه عندنا وبه قال أبو حنيفة ومالك والعبدري وبه قال أكثر الفقهاء] المجموع ٦/٦٢. ومثله الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة مع أن الغاصب آثم قال الإمام النووي: [الصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع، صحيحة عندنا وعند الجمهور من الفقهاء وأصحاب الأصول] المجموع ٣/١٦٥. ومن المعلوم أن كتابة العقود وتوثيقها بمختلف أنواعها أمر مطلوب شرعاً وخاصة في هذا الزمان حيث خربت ذمم كثير من الناس وقل دينهم وورعهم وزاد طمعهم وجشعهم. وإن الاعتماد على عامل الثقة بين الناس ليس مضموناً لأن قلوب الناس متقلبة وأحوالهم متغيرة. وقد أمر الله ﷻ بتوثيق الدين حيث يقول الله ﷾: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ.... وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) سورة البقرة الآيتان ٢٨٢-٢٨٣. فهذا الأمر الرباني في كتابة الدنانير والدراهم لما في الكتابة من حفظ للحقوق فمن باب أولى كتابة ما يتعلق بالعرض والنسب. ويضاف إلى ما سبق أنه يجب على الناس الالتزام بما نص عليه قانون الأحوال الشخصية فطاعة هذا القانون من باب الطاعة في المعروف وخاصة أنه يحقق مصالح الناس ويحفظ حقوقهم وبالذات حقوق المرأة والأطفال. فمن المعلوم أن جميع المسلمين في هذه البلاد يرجعون إلى القضاء الشرعي في قضاياهم المتعلقة بالزواج والطلاق والميراث وغيرها ويتحاكمون إلى قانون الأحوال الشخصية وهو مستمد من الشريعة الإسلامية فيجب الالتزام به شرعاً وقد ورد في الحديث قول الرسول ﷺ: (إنما الطاعة في المعروف) رواه البخاري ومسلم، وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال (السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) رواه البخاري ومسلم.\rوأسوق للذين يفتون بعدم تسجيل الزواج في وثيقة رسمية ويشجعون الناس عليه بعض ما يحدث من أمور في الزواج العرفي: فقد ينكر الزوج أنه تزوج في الزواج غير المسجل فماذا يحدث للزوجة والأولاد. ومن المعلوم أن بعض قوانين الأحوال الشخصية قد [ألزمت المحاكم القضائية بعدم سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها إلا عند تقديم وثيقة رسمية، وهذا ما استقر عليه القضاء المصري منذ عام ١٩٣١، ونصت عليه المادة (٩٩) من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والمعدلة بالقانون رقم (٧٨) لعام ١٩٥١. وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ ١/٢/١٩٥٧ أن الفقرة الناصة على عدم سماع الدعوى عند إنكار دعوى الزوجية أو الإقرار بها إلا إذا كانت بوثيقة رسمية، فإن هذه الفقرة لا تَشترط الوثيقة الرسمية لصحة عقد الزواج، وإنما هي شرط لسماع الدعوى. ومن هذه القوانين قانون الأحوال الشخصية الكويتي، فقد جاء في المادة (٩٢) منه الفقرة: (أ) : \"لا تسمع عند الإنكار دعوى الزوجية، إلا إذا كانت ثابتة بوثيقة زواج رسمية، أو سبق الإنكار الإقرار بالزوجية في أوراق رسمية\".] مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق ص ١٤٥ – ١٤٦. وكذلك فإن الزواج غير المسجل بوثيقة رسمية من السهولة بمكان إنكاره وبالتالي التحلل من جميع التزاماته المادية والمعنوية بخلاف الزواج الموثق بوثيقة رسمية [إن الزواج الرسمي تصدر به وثيقة رسمية من الدولة، بخلاف الزواج العرفي الذي يعقد مشافهة أو تكتب فيه ورقة عرفية، وقد عرف رجال القضاء المعاصرون الوثيقة الرسمية بأنها \"التي تصدر من موظف مختص بمقتضى وظيفته بإصدارها\". والوثيقة الرسمية لا تقبل الإنكار، ولا يجوز الطعن فيها بحال، وبناءً على ذلك يثبت بها عقد النكاح قطعاً. أما عقد الزواج العرفي ولو أثبت بالشهود، أو وثيقة عرفية فإنه يقبل الطعن فيه، ويقبل الإنكار. يقول الدكتور عبد الفتاح عمرو: \"العقد العرفي يعتبر كالورقة العرفية التي تقبل الطعن والتزوير والإنكار، أما العقد الرسمي فهو كالوثائق الرسمية التي لا تقبل الطعن بالإنكار\".] المصدر السابق ص ١٣٢.\rوإذا ضاعت الورقة التي كتبت بينهما أو أتلفت عمداً فماذا بالنسبة لحقوق الزوجة والأولاد؟ وماذا عن حق الزوجة في الميراث حال وفاة الزوج في الزواج العرفي؟ وكم من المآسي قد حدثت للزوجة والأولاد بسبب عدم تسجيل الزواج بوثيقة رسمية؟\rخلاصة الأمر أنه يجب شرعاً تسجيل الزواج بوثيقة رسمية ومن لم يفعل ذلك فهو آثم وإن كان العقد صحيحاً تترتب عليه آثاره الشرعية ولا ينبغي لأحد أن يشجع على الزواج العرفي لما يترتب عليه من مفاسد وضياع لحقوق الزوجة والأولاد. وأنصح الآباء أن لا يزوجوا بناتهم زواجاً عرفياً وأن يحرصوا أشد الحرص على الزواج الصحيح الموثق بوثيقة رسمية ومسجل في المحاكم الشرعية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346387,"book_id":3840,"shamela_page_id":767,"part":"15","page_num":35,"sequence_num":767,"body":"٣٥ - عم الزوج ليس من محارم الزوجة\rتقول السائلة: إنها قد اختلفت مع زوجها في الظهور أمام عمه بدون حجاب فزوجها يقول إنها محرمة على عمه فيجوز أن تجلس معه بدون جلباب وأنه لا فرق بين عمها وعمه وتقول الزوجة إن عم زوجها أجنبي عليها وليس كعمها. فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: لا شك أن عم الزوج أجنبي على زوجته وكذا خال الزوج أجنبي على زوجته وهذا باتفاق أهل العلم بلا خلاف في ذلك وإذا كانا أجنبيين فيحرم على الزوجة أن تكشف أمام عم زوجها وخاله وإن ظهرت أمامهما فتظهر بلباسها الشرعي قال الله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة النور الآية ٣١. ففي الآية الكريمة ذكر الله تعالى من يجوز للمرأة أن تبدي زينتها أمامهم وهم محارمها من النسب، ويحرم عليها أيضاً مثلهم من الرضاع لما ثبت في الحديث أنه ﷺ قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) رواه البخاري ومسلم. وليس من هؤلاء عم الزوج ولا خاله. وأما عم المرأة وخالها فهما من المحارم فيجوز إبداء الزينة لهما وإن لم يذكرا في الآية السابقة وهذا مذهب جماهير أهل العلم\rقال الإمام القرطبي [والجمهور على أن العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر لهما إلى ما يجوز لهم. وليس في الآية ذكر الرضاع، وهو كالنسب على ما تقدم. وعند الشعبي وعكرمة ليس العم والخال من المحارم. وقال عكرمة: لم يذكرهما في الآية لأنهما ينعتان لأبنائهما.] تفسير القرطبي ١٢/٢٣٣.\rوقال الشيخ ابن كثير [وقد روى ابن المنذر حدثنا موسى يعني ابن هارون حدثنا أبو بكر يعني ابن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا داود عن الشعبي وعكرمة في هذه الاَية ﴿ولا يبدبن زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن﴾ حتى فرغ منها وقال لم يذكر العم ولا الخال لأنهما ينعتان لأبنائهما ولا تضع خمارها عند العم والخال.] تفسير ابن كثير ٤/٥٤٠. وما ذهب إليه الشعبي وعكرمة من التابعين قول مرجوح والراجح مذهب جماهير أهل العلم بأن العم والخال يجوز إبداء الزينة لهما. وقد أجاب أهل العلم على عدم ذكر أعمام المرأة وأخوالها في الآية الكريمة بما يلي:\rقالوا إن الأعمام والأخوال يندرجون تحت قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿أو آبائهن﴾ فإنهم بمنزلة الآباء وقد ورد إطلاق الأب على العم كما في قوله تعالى ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ سورة البقرة الآية ١٣٣ ومن المعلوم أن إسماعيل ﵇ هو عم يعقوب ﵇ وقد جعله الله تعالى من آباء يعقوب\rقال الألوسي: [ولم يذكر سبحانه الأعمام والأخوال مع أنهم كما قال الحسن وابن جبير كسائر المحارم في جواز إبداء الزينة لهم، قيل لأنهم في معنى الإخوان من حيث كون الجد سواء كان أب الأب أو أب الأم في معنى الأب فيكون ابنه في معنى الأخ ... وقيل لم يذكروا اكتفاء بذكر الآباء، فإنهم عند الناس بمنزلتهم، ولا سيما الأعمام وكثيراً ما يطلق الأب على العم ... ] تفسير الألوسي٩/٣٣٧-٣٣٨.\rوورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال (بعث رسول الله ﷺ عمر ﵁ على الصدقة فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله وأما العباس فهي عليَّ ومثلها معها ثم قال يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه) رواه مسلم\rقال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (عم الرجل صنو أبيه) أي مثل أبيه , وفيه تعظيم حق العم.] شرح النووي على صحيح مسلم\rوورد في الحديث عن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال (الخالة بمنزلة الأم) رواه الترمذي ثم قال [وفي الحديث قصة طويلة وهذا حديث صحيح] وأصل الحديث في الصحيحين.\rوقال الإمام الكاساني: [لِأَنَّ الْعَمَّ يُسَمَّى أَباً وَكَذَلِكَ الْخَالُ وَزَوْجُ الْأُمِّ , قَالَ اللَّهُ ﷾ ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ وَإِسْمَاعِيلُ كَانَ عَمَّ يَعْقُوبَ ﵊ وَقَدْ سَمَّاهُ أَبَاهُ , وَقَالَ ﷾ ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ وَقِيلَ: إنَّهُمَا أَبُوهُ وَخَالَتُهُ وَإِذَا كَانَتْ الْخَالَةُ أُمَّاً كَانَ الْخَالُ أَباً] بدائع الصنائع ٥/٥٠٤.\rومما يدل على جواز إبداء الزينة للأعمام والأخوال قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ سورة النساء الآية ٢٣.\rوقد قال العلماء: هنالك تلازم بين المحرمية المؤبدة وبين إبداء الزينة فبما أن المرأة تحرم على التأبيد على عمها وخالها فيجوز لها إبداء الزينة لهما.\rوقال الشيخ السعدي عند تفسير قوله تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٥٥ ما نصه [لما ذكر أنهن لا يسألن متاعاً إلا من وراء حجاب، وكان اللفظ عاماً لكل أحد احتيج أن يستثنى منه هؤلاء المذكورون، من المحارم، وأنه ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ في عدم الاحتجاب عنهم. ولم يذكر فيها الأعمام، والأخوال، لأنهن إذا لم يحتجبن عمن هن عماته ولا خالاته، من أبناء الإخوة والأخوات، مع رفعتهن عليهم، فعدم احتجابهن عن عمهن وخالهن، من باب أولى، ولأن منطوق الآية الأخرى، المصرحة بذكر العم والخال مقدمة على ما يفهم من هذه الآية.] تفسير السعدي ص ٦٧١.\rوختاماً ينبغي التنبيه على أمرين: أولهما إن عم الأب وخاله محرمان على بناته وكذلك عم الأم وخالها محرمان على بناتها.\rوثانيهما: إن نظر العم والخال جائز في حال أمن الفتنة والشهوة وأما مع النظر بشهوة فيحرم النظر من المحارم. وكذلك فإن العم والخال لا ينظران من المرأة إلا إلى ما يظهر منها غالباً.\rوقد اختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْءَابَائِهِنَّ أَوْءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ ... ) على أقوال كثيرة أرجحها: أنه يجوز للمحارم أن ينظروا من المرأة إلى مواضع الزينة وإلى ما يظهر غالباً عند الخدمة كالرأس والشعر والعنق والخد والساعد والكف والساق والركبة وهذه الأعضاء يجوز النظر إليها إذا كان النظر بدون شهوة\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالباً كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك وليس له النظر إلى ما يستتر غالباً كالصدر والظهر ونحوهما] المغني ٧/٩٨.\rوخلاصة الأمر أن عم الزوج وخال الزوج أجنبيان على الزوجة بخلاف عم الزوجة وخالها فهما من محارمها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346388,"book_id":3840,"shamela_page_id":768,"part":"15","page_num":36,"sequence_num":768,"body":"٣٦ - القتل على خلفية شرف العائلة والأخذ بالثأر\rيقول السائل: كما تعلمون فقد كثرت حوادث القتل حيث قتل بعض الناس أخذاً بالثأر كما أنه قد قتلت بعض الفتيات تحت شعار القتل على خلفية شرف العائلة فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: لاشك أن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق من أكبر الكبائر وقد وردت النصوص الكثيرة في كتاب الله ﷾ وفي سنة نبيه ﷺ في الترهيب من القتل بغير حق فمن ذلك قوله تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا﴾ سورة الإسراء الآية ٣٣. وقوله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ سورة النساء الآية ٩٣.\rوثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٤٠. وعن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٥٦. وغير ذلك من الآيات والأحاديث ومن المعلوم أن عقوبة القتل عقوبة مشروعة في حالات معينة كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) سورة البقرة الآية ١٧٨. وثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق من الدين التارك للجماة) رواه البخاري ومسلم وكذلك فإنه من المقرر شرعاً وجوب تطبيق الحدود والتعزير على من ارتكب موجباً لها والمكلف بتنفيذ جميع العقوبات المقررة شرعاً – القصاص والحدود والتعزير - هو الحاكم المسلم أو من ينيبه وليس ذلك لأفراد الناس فلا يجوز لفرد أو جماعة تطبيق العقوبات الشرعية لأن هذا يفتح باباً عريضاً من أبواب الشر والفساد. ومن الأدلة على أن تنفيذ العقوبات من اختصاص الدولة المسلمة ممثلة بالإمام أو من يقوم مقامه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ قال الإمام القرطبي في تفسير الآية: [لا خلاف في أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مَقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود] تفسير القرطبي ٢/٢٤٥. ومما يدل على ذلك قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) سورة النور الآية ٢. قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: [لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر الإمام ومن ناب منابه] تفسير القرطبي ١٢/١٦١. ويدل على ذلك أيضا ما ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال (أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله) رواه مالك في الموطأ والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وقال العلامة الألباني [وهو كما قالا] . السلسلة الصحيحة ٢/٢٧٢.\rوقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي: [لا يقيم الحدود على الأحرار إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام لأنه لم يقم حد على حر على عهد رسول الله ﷺ إلا بإذنه ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم، ولأنه حق لله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه الحيف فلم يجز بغير إذن الإمام] المهذب ٢٠/٣٤. وروى الإمام البيهقي بإسناده [عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين يُنتهى إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون لا ينبغي لأحد أن يقيم شيئاً من الحدود دون السلطان] سنن البيهقي ٨/٢٤٥وقال الشيخ عبد القادر عوده ﵀ تحت عنوان \" من الذي يقيم الحدّ \": [من المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز أن يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه لأن الحدّ حق الله تعالى ومشروع لصالح الجماعة فوجب تفويضه إلى نائب الجماعة وهو الإمام ولأن الحدّ يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب فوجب تركه لولي الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواسطة نائبه وحضور الإمام ليس شرطاً في إقامة الحد لأن النبي ﷺ لم ير حضوره لازماً فقال: اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. وأمر ﵊ برجم ماعز ولم يحضر الرجم وأتي بسارق فقال: اذهبوا به فاقطعوه. لكن إذن الإمام بإقامة الحدّ واجب، فما أقيم حدّ في عهد رسول الله ﷺ إلا بإذنه وما أقيم حدّ في عهد الخلفاء إلا بإذنهم] التشريع الجنائي الإسلامي ٢/٤٤٤. وجاء في الموسوعة الفقهية: [اتفق الفقهاء على أنه لا يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه وذلك لمصلحة العباد وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم والإمام قادر على الإقامة لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهراً وجبراً كما أن تهمة الميل والمحاباة والتواني منتفية عن الإقامة في حقه فيقيهما على وجهه فيحصل الغرض المشروع بيقين، ولأن النبي ﷺ كان يقيم الحدود وكذا خلفاءه من بعده] الموسوعة الفقهية الكويتية ١٧/١٤٤-١٤٥. إذا تقرر هذا فإنه يحرم على المسلم أن يأخذ بالثأر وخاصة إذا قتل غير القاتل كأن يقتل أخاه أو قريباً له فإن هذا من أعظم المنكرات فلا يجوز شرعاً أن يؤخذ الانسان بجريرة غيره قال الله تعالى: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ سورة الأنعام الآية ١٦٤. وعن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع للناس: (أي يوم هذا؟ قالوا يوم الحج الأكبر، قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ألا لا يجني جان إلا على نفسه ألا لا يجني جان على ولده ولا مولود على والده ... ) رواه الترمذي وقال وهذا حديث حسن صحيح وعن ابن عمر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض لا يؤخذ الرجل بجناية أبيه ولا جناية أخيه) رواه النسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي ٣/٨٦٣. وعن الأسود بن هلال عن ثعلبة بن زهدم اليربوعي قال كان رسول الله ﷺ يخطب في أناس من الأنصار فقالوا يا رسول الله هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلاناً في الجاهلية فقال النبي ﷺ وهتف بصوته ألا لا تجني نفس على الأخرى) رواه أحمد والنسائي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٧٢١. وكذلك فإن القتل على خلفية ما يسمى شرف العائلة ممنوع شرعاً لأن عقوبة الزاني من اختصاص الحاكم المسلم أومن ينيبه ولا يجوز لشخص مهما كان أن يقوم بقتل الزانية سواء أكان أباً أو أخاً أو عمّاً أو خالاً أو غير ذلك فلا يجوز لهؤلاء أن يقتلوا من تتهم بالزنا لتطهير شرف العائلة كما يدعون لأن عقوبة الزانية إن كانت بكراً الجلد لا القتل، لقله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ سورة النور الآية ٢كما أن الإسلام قد شدد في قضية ثبوت الزنا واشترط أربعة شهود، قال تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) سورة النساء الآية ١٥. ولا بد في الإقرار من أن يكون مفصلاً مبيناً كما في قصة ماعز، والقرائن لا بد أن تكون صحيحة ومعتبرة عند العلماء حتى يثبت الزنا. انظر الموسوعة الفقهية ٢٤/٣٧ فما بعدها. كما أن كثيراً من حالات القتل على خلفية شرف العائلة تكون الفتاة فيها مظلومة ظلماً شديداً فقد تقتل لمجرد الشك في تصرفاتها ولا يكون زناها قد ثبت فعلاً أو تكون قد ارتكبت مخالفة أقل من الزنا غير موجبة للحد وإنما توجب التعزير فقط. كما أن الآباء والأمهات والأخوة يتحملون جزءاً من المسؤولية عن وقوع ابنتهم في الفاحشة فالواجب هو تحصين البنات والشباب وتربيتهم تربية صحيحة وسد المنافذ التي تؤدي إلى وقوعهم في الفحشاء والمنكر فإن الوقاية خير من العلاج. وإذا تم قتل الفتاة الزانية غير المحصنة فإن قاتلها يتحمل مسؤولية قتلها وينبغي أن يعاقب العقوبة الشرعية إلا إذا وجد مانع من ذلك كالأبوة فهي مانعة من القصاص عند جماهير أهل العلم. وخلاصة الأمر أن الإسلام حرم الأخذ بالثأر ومنع القتل على خلفية شرف العائلة وقرر أن تنفيذ جميع العقوبات الشرعية إنما هو من اختصاص الحكم المسلم أو من ينيبه وليس ذلك للأفراد أو الجماعات أو الأحزاب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346389,"book_id":3840,"shamela_page_id":769,"part":"15","page_num":37,"sequence_num":769,"body":"٣٧ - الطلاق المعلق وحكم الرجوع عنه\rيقول السائل: قلت لزوجتي إن ذهبت إلى بيت أخيك فأنت طالق ولكنني تراجعت عن ذلك وأود أن آذن لها بالذهاب إلى بيت أخيها فما حكم ذلك؟\rالجواب: الواجب على الزوج أن لا يستعمل الطلاق في مثل هذه الحالات لأن الطلاق شُرع كآخر حل إن استعصت الحلول الأخرى للمشكلات الزوجية. وما صدر عن السائل يعرف عند أهل العلم بالطلاق المعلق أي أنه علق طلاقها على شرط وهو ذهابها إلى بيت أخيها والطلاق المعلق يقع عند جمهور أهل العلم بما فيهم الأئمة الأربعة إن تحقق الشرط المعلق عليه وهو هنا ذهابها إلى بيت أخيها بغض النظر عن قصد الزوج بهذا اللفظ هل قصد منعها من الذهاب أم قصد طلاقها فعلاً إن ذهبت.\rوقد أخذ قانون الأحوال الشخصية المطبق في المحاكم الشرعية في بلادنا بالرأي الذي يرى أن الطلاق المعلق على شرط لا يقع إن كان قصد المطلق هو الحث على فعل أمر ما أو المنع منه وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وجماعة من أهل العلم واعتبروه يميناً فيه كفارة يمين في حالة حصول الشرط. فقد ورد في المادة رقم ٨٩ من قانون الأحوال الشخصية الأردني ما نصه (لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه) وغير المنجز هو المعلق وقوعه على وقوع شيء. انظر شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني للدكتور عمر الأشقر ص ٢٠٣-٢٠٤.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [مِنْ الصِّيَغِ: أَنْ يُعَلِّقَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ أَوْ النَّذْرَ بِشَرْطِ ; فَيَقُولُ: إنْ كَانَ كَذَا فَعَلَيَّ الطَّلَاقُ. أَوْ الْحَجُّ. أَوْ فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ. وَنَحْوَ ذَلِكَ: فَهَذَا يُنْظَرُ إلَى مَقْصُودِهِ فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَحْلِفَ بِذَلِكَ لَيْسَ غَرَضُهُ وُقُوعَ هَذِهِ الْأُمُورِ - كَمَنْ لَيْسَ غَرَضُهُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ إذَا وَقَعَ الشَّرْطُ - فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَالِفِ ; وَهُوَ مِنْ \" بَابِ الْيَمِينِ \". وَأَمَّا إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ وُقُوعَ هَذِهِ الْأُمُورِ: كَمَنَ غَرَضُهُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ: مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ: إنَّ أبرأتيني مِنْ طَلَاقِك فأَنْتِ طَالِقٌ. فَتُبَرِّئُهُ. أَوْ يَكُونُ غرْضُهُ أَنَّهَا إذَا فَعَلَتْ فَاحِشَةً أَنْ يُطَلِّقَهَا فَيَقُولُ: ذَا فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ ; بِخِلَافِ مَنْ كَانَ غَرَضُهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهَا لِيَمْنَعَهَا ; وَلَوْ فَعَلَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي طَلَاقِهَا فَإِنَّهَا تَارَةً يَكُونُ طَلَاقُهَا أُكْرِهَ إلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ فَيَكُونُ حَالِفًا. وَتَارَةً يَكُونُ الشَّرْطُ الْمَكْرُوهُ أَكْرَهَ إلَيْهِ مِنْ طَلَاقِهَا. فَيَكُونُ مُوقِعًا لِطَلَاقِ إذَا وُجِدَ ذَلِكَ الشَّرْطُ فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ فَشُفِيَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ. فَالْأَصْلُ فِي هَذَا: أَنْ يُنْظَرَ إلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَقْصُودِهِ فَإِنْ كَانَ غَرَضُهُ أَنْ تَقَعَ هَذِهِ الْأُمُورُ وَقَعَتْ مُنْجَزَةً أَوْ مُعَلَّقَةً إذَا قُصِدَ وُقُوعُهَا عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ. وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَحْلِفَ بِهَا ; وَهُوَ يَكْرَهُ وُقُوعَهَا إذَا حَنِثَ وَإِنْ وَقْعَ الشَّرْطُ فَهَذَا حَالِفٌ بِهَا ; لَا مُوقِعٌ لَهَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ مِنْ \" بَابِ الْيَمِينِ \" ; لَا مِنْ \" بَابِ التَّطْلِيقِ وَالنَّذْرِ \" فَالْحَالِفُ هُوَ الَّذِي يَلْتَزِمُ مَا يَكْرَهُ وُقُوعَهُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ ; أَوْ نَصْرَانِيٌّ وَنِسَائِي طَوَالِقُ وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ وَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ يَمِينٌ ; بِخِلَافِ مَنْ يَقْصِدُ وُقُوعَ الْجَزَاءِ مِنْ نَاذِرٍ وَمُطَلِّقٍ وَمُعَلِّقٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْصِدُ وَيَخْتَارُ لُزُومَ مَا الْتَزَمَهُ وَكِلَاهُمَا مُلْتَزِمٌ ; لَكِنَّ هَذَا الْحَالِفَ يَكْرَهُ وُقُوعَ اللَّازِمِ وَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ الْمَلْزُومُ كَمَا إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فَإِنَّ هَذَا يَكْرَهُ الْكُفْرَ وَلَوْ وَقَعَ الشَّرْطُ: فَهَذَا حَالِفٌ وَالْمَوْقِعُ يَقْصِدُ وُقُوعَ الْجَزَاءِ اللَّازِمِ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ الْمَلْزُومِ ; سَوَاءٌ كَانَ الشَّرْطُ مُرَادًا لَهُ أَوْ مَكْرُوهاً أَوْ غَيْرَ مُرَادٍ لَهُ. فَهَذَا مُوقِعٌ لَيْسَ بِحَالِفِ. وَكِلَاهُمَا مُلْتَزِمٌ مُعَلِّقٌ ; لَكِنَّ هَذَا الْحَالِفَ يَكْرَهُ وُقُوعَ اللَّازِمِ.] مجموع الفتاوى ٣٣/٥٩-٦٠. وانظر كلام العلامة ابن القيم في المسألة في إعلام الموقعين عن رب العالمين ٤/٩٧. وما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في التفريق في الطلاق المعلق بين ما كان قصد المطلق فيه مجرد الحمل على فعل أو المنع منه وبين حصول الطلاق عند وقوع الشرط إذا كان الطلاق هو المقصود هو القوال الراجح في هذه المسألة وخاصة أن المسألة مسألة اجتهادية لم يرد فيها نصوص صريحة لا من الكتاب ولا من السنة ومما يؤيد ذلك ما يلي: [الأول إنه لم يقصد الطلاق وإنما قصد الحث أو المنع مثلاً، وقد قال النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى) . الثاني: الطلاق المعلق لقصد المنع أو الحث يسمى يميناً في اللغة وفي عرف الفقهاء ولذا دخل في أيمان البيعة، وفي عموم اليمين في حديث الاستثناء في اليمين وفي عموم اليمين في حديث التحذير من اقتطاع مال امرىء مسلم بيمين فاجرة وفي عموم الإيلاء، وفي عموم حديث (يمينك على ما يصدقك به صاحبك) وفي عموم حديث (وإياكم والحلف في البيع) كما ذكر ذلك العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من المحققين، وإذا كان يميناً دخل في عموم قوله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) وقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ... ) الآية فتجب فيها الكفارة ... وما ورد من الآثار عن الصحابة من الفتوى بوقوع الطلاق المعلق عند حصول المعلق عليه فإنه إما غير صحيح نقلاً وإما صحيح معارض بمثله وإما صحيح لكنه فيما قصد به إيقاع الطلاق لا الحث على الفعل أو المنع منه فهو في غير محل النزاع فلا يكون فيه حجة على ما نحن بصدده والصواب التفصيل ... ] أبحاث هيئة كبار العلماء ٢/٣٩٠- ٣٩٢.\rإذا تقرر هذا فأقول للسائل حيث إن زوجتك لم تذهب إلى بيت أخيها فلا يلزمك شيء ولكن الإشكال في تراجعك عن هذا الطلاق المعلق فإن كنت تقصد مجرد منعها من الذهاب فقط ولم تقصد طلاقها فهذا فيه كفارة يمين كما هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وما أخذ به قانون الأحوال الشخصية المطبق في المحاكم الشرعية في بلادنا وأما إن كنت تقصد طلاقها فعلاً إن ذهبت إلى بيت أخيها فهذا فيه إشكال كبير فعند جمهور أهل العلم لا يصح الرجوع عن الطلاق المعلق على شرط وبهذا أخذ قانون الأحوال الشخصية المطبق في المحاكم الشرعية في بلادنا فقد ورد في المادة رقم ٩٦ [تعليق الطلاق بالشرط صحيح وكذا إضافته إلى المستقبل ورجوع الزوج عن الطلاق المعلق والمضاف لزمان مستقبل غير مقبول] وأعتقد أن هذه المادة من القانون المذكور تحتاج إلى إعادة نظر حيث إنها تمنع المطلق من الرجوع عما علق عليه الطلاق فقد يكون ذلك الطلاق المعلق قد صدر عنه في وقت كانت علاقته سيئة مع شقيق زوجته ثم تحسنت العلاقة بينهما فأراد أن يأذن لزوجته بالذهاب إلى بين أخيها فلماذا لا يمكنه التراجع؟! أو لغير ذلك من الأسباب، وأرى أن فتح باب الرجوع عن الطلاق المعلق هو الأولى لأن فيه تيسيراً على الناس وفيه محافظة على الأسرة وإن كان ذلك على خلاف قول الجمهور. وقد ذكر بعض العلماء المعاصرين قولاً في مذهب الحنابلة يجيز الرجوع عن الطلاق المعلق ونسبه الشيخ ابن مفلح الحنبلي لشيخ الإسلام ابن تيمية [وقال بعض الحنابلة: إن لمن علق طلاق امرأته على شيء الرجوع عن ذلك، وإبطاله. وذلك بالتخريج على رواية جواز فسخ العتق المعلق على شرط قال ابن مفلح في الفروع (٥/١٠٣) : \" ولا يبطل التدبير برجوعه فيه, وإبطاله وبيعه ثم شراؤه كعتق معلق بصفة. وفيه رواية في الانتصار والواضح: له فسخه, كبيعه, ويتوجه في طلاق\". وقد نقل عن شيخ الإسلام ﵀ القول بأن لمن علق طلاق امرأته على شيء الرجوع عن ذلك، وإبطاله في الشرط المحض قال في الفروع نقلاً عنه (٥/٣٥٦) : ووافق على شرط محض, كإن قدم زيد] عن شبكة الإنترنت. وأرجو أن يقوم ديوان قاضي القضاة والقضاة الأفاضل بإعادة دراسة المادة رقم ٩٦ من القانون والنظر في إمكانية تعديلها وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المسألة محل اجتهاد وأن من أهل العلم من يرى أن الطلاق المعلق لاغٍ ولا عبرة به أصلاً وقد أخذت بذلك بعض مدونات الأحوال الشخصية في بعض البلدان الإسلامية كما جاء في الفصل ٥٢ من مدونة الأحوال الشخصية المغربية أن (الطلاق المعلق على فعل شيء أو تركه لا يقع) وجاء في الفقرة (ب) من المادة ٣٣ من قانون الأسرة الليبي رقم ١٠ لسنة ١٩٨٤م أنه (لا يقع الطلاق المعلق على فعل شيء أو تركه) ، وورد في المادة ١٠٥ من قانون الأحوال الشخصية الكويتي أنه (يشترط في الطلاق أن يكون منجزاً) ، وهو ما يفهم منه أن الطلاق غير المنجز لا يعتبر، وممن أخذ بهذا القول من الفقهاء المعاصرين الأستاذ علي حسب الله وصرح بميله إليه] عن شبكة الإنترنت\rوخلاصة الأمر أن الطلاق المعلق إن قصد به الحمل على فعل أمر ما أو المنع منه فحكمه حكم اليمين تلزم به كفارة يمين عند حصول ما علق عليه وإن قصد به الطلاق فعلاً فيقع الطلاق عند وقوع ما علق به وأما قضية الرجوع عن الطلاق المعلق إن قصد به الطلاق فالمسألة تحتاج إلى إعادة بحث ونظر في قول الجمهور المانعين من الرجوع عن الطلاق المعلق وهو الرأي الذي أخذ به قانون الأحوال الشخصية وهنالك رأي يجيز الرجوع عنه ولعله يجري تعديل قانون الأحوال الشخصية في هذه المسألة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346390,"book_id":3840,"shamela_page_id":770,"part":"15","page_num":38,"sequence_num":770,"body":"٣٨ - عدة الوفاة واجبة على الزوجة وإن كانت عجوزا\rيقول السائل: توفي رجل كبير في السن فهل يلزم زوجته العجوز عدة الوفاة مع أنها لا تحيض منذ عهد بعيد أفيدونا.\rالجواب: عدة الوفاة فريضة على كل امرأة مات عنها زوجها سواء كانت عجوزاً أو غير عجوز وسواء كانت تحيض أو لا تحيض والمدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم عدة الوفاة لقول الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ سورة البقرة الآية ٢٣٤.\rفلآية الكريمة عامة في كل زوجة مات عنها زوجها لقوله تعالى [أَزْوَاجاً] فيجب على كل زوجة مات عنها زوجها أن تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام إلا إذا كانت حاملاً فتعتد بوضع الحمل على الراجح من أقوال أهل العلم. ويدل على وجوب العدة قوله تعالى [يَتَرَبَّصْنَ] فهذا خبر بمعنى الأمر والأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب.\rقال العلامة ابن القيم [وأما عدة الوفاة فتجب بالموت سواء دخل بها أو لم يدخل اتفاقاً كما دل عليه عموم القرآن والسنة] زاد المعاد في هدي خير العباد ٥/٦٦٤.\rوقال ابن كثير عند تفسير الآية السابقة: [هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها فترددوا إليه مراراً في ذلك فقال أقول فيها برأيي فإن يك صواباً فمن الله وإن يك خطأً فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه: لها الصداق كاملاً وفي لفظ لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: سمعت رسول الله ﵌ قضى به في بروع بنت واشق ففرح عبد الله بذلك فرحاً شديداً وفي رواية فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قضى به في بروع بنت واشق) ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها وهي حامل فإن عدتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده سوى لحظة لعموم قوله ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ] تفسير ابن كثير ١/٥٦٩-٥٧٠.\rوقال الإمام القرطبي: [عدة الوفاة تلزم الحرة والأمة والصغيرة والكبيرة والتي لم تبلغ المحيض، والتي حاضت واليائسة من المحيض والكتابية - دخل بها أو لم يدخل بها إذا كانت غير حامل - وعدة جميعهن إلا الأمة أربعة أشهر وعشرة أيام؛ لعموم الآية في قوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ ... ] تفسير القرطبي ٣/١٨٣.\rوروى الإمام الترمذي بإسناده عن ابن مسعود ﵁ (أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: [لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث] فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت. ففرح بها ابن مسعود) وقال أبو عيسى الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح) سنن الترمذي، فهذا الحديث يدل على لزوم عدة الوفاة للزوجة وإن لم يدخل بها وهذا على خلاف المطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ سورة الأحزاب الآية ٤٩.\rإذا تقرر وجوب عدة الوفاة على كل زوجة فأعود لما ورد في السؤال من كون المرأة المتوفى عنها زوجهاً عجوزاً فأقول إن من المفاهيم المغلوطة عند بعض الناس أن الزوجات الكبيرات في السن لا تلزمهن عدة الوفاة نظراً لكبرهن ولانقطاع الحيض عنهن وهذا الفهم الباطل قائم على أن الحكمة من عدة الوفاة معرفة براءة الرحم من الحمل والذي يجب أن يعلم أولاً أن العدة فريضة يجب الالتزام به بغض النظر عما قيل فيها من الحكمة وهذا لا ينفي احتمال أن يكون أحد مقاصد العدة هو معرفة براءة الرحم من الحمل مع أن ثبوت الحمل لا يحتاج إلى أربعة أشهر وعشرة أيام وخاصة في زماننا حيث يمكن معرفة وجود الحمل خلال أسبوعين أو ثلاثة فهل معنى ذلك إلغاء عدة الوفاة ما دام أنه يمكن معرفة براءة الرحم بالوسائل الطبية الحديثة!! هذا لا يقوله مسلم.\rوقد ذكر بعض أهل العلم حكماً للعدة فمن ذلك ما قاله العلامة ولي الله الدهلوي: [اعلم أن العدة كانت من المشهورات المسلمة في الجاهلية وكانت مما لا يكادون يتركونه وكان فيها مصالح كثيرة: منها معرفة براءة رحمها من مائه لئلا تختلط الأنساب فإن النسب أحد ما يتشاح به ويطلبه العقلاء وهو من خواص نوع الإنسان ومما امتاز به من سائر الحيوان وهو المصلحة المرعية في باب الاستبراء. ومنها التنويه بفخامة أمر النكاح حيث لم يكن أمراً ينتظم إلا بجمع رجال ولا ينفك إلا بانتظار طويل ولولا ذلك لكان بمنزلة لعب الصبيان ينتظم ثم يفك في الساعة، ومنها أن مصالح النكاح لا تتم حتى يوطنا أنفسهما على إدامة هذا العقد ظاهراً فإن حدث حادث يوجب فك النظام لم يكن بد من تحقيق صور الإدامة في الجملة بأن تتربص مدة تجد لتربصها بالاً وتقاسي لها عناءً] حجة الله البالغة ٢/٢٥٦-٢٥٧.\rوقال العلامة ابن القيم: [وقد اضطرب الناس في حكمة عدة الوفاة وغيرها، فقيل: هي لبراءة الرحم، وأورد على هذا القول وجوه كثيرة.\rمنها: وجوبها قبل الدخول في – حالة - الوفاة، ... ومن الناس من يقول: هو تعبد لا يعقل معناه، وهذا فاسد لوجهين، أحدهما: أنه ليس في الشريعة حكم إلا وله حكمة وإن لم يعقلها كثير من الناس أو أكثرهم.\rالثاني: أن العدد ليست من العبادات المحضة، بل فيها من المصالح رعاية حق الزوجين والولد والناكح.\rقال شيخنا – أي شيخ الإسلام ابن تيمية -: والصواب أن يقال: أما عدة الوفاة فهي حرم لانقضاء النكاح، ورعاية لحق الزوج، ولهذا تحد المتوفى عنها في عدة الوفاة رعاية لحق الزوج، فجعلت العدة حريماً لحق هذا العقد الذي له خطر وشأن، فيحصل بهذه فصل بين نكاح الأول ونكاح الثاني، ولا يتصل الناكحان، ألا ترى أن رسول الله ﷺ لما عظم حقه، حرم نساؤه بعده، وبهذا اختص الرسول، لأن أزواجه في الدنيا هن أزواجه في الآخرة بخلاف غيره، فإنه لو حرم على المرأة أن تتزوج بغير زوجها، تضررت المتوفى عنها، وربما كان الثاني خيراً لها من الأول. ولكن لو تأيمت على أولاد الأول، لكانت محمودة على ذلك، مستحباً لها، وفي الحديث: (أنا وامرأة سفعاء الخدين، كهاتين يوم القيامة، وأومأ بالوسطى والسبابة، امرأة آمت من زوجها ذات منصب وجمال، وحبست نفسها على يتامى لها حتى بانوا أو ماتوا) . وإذا كان المقتضي لتحريمها قائماً فلا أقل من مدة تتربصها، وقد كانت في الجاهلية تتربص سنة، فخففها الله سبحانه بأربعة أشهر وعشراً، وقيل لسعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيها ينفخ الروح، فيحصل بهذه المدة براءة الرحم حيث يحتاج إليه، وقضاء حق الزوج إذا لم يحتج إلى ذلك] زاد المعاد في هدي خير العباد ٥/٦٦٥-٦٦٦.\rوقال الإمام الكاساني مبيناً أن عدة الوفاة لها حكمة أخرى وهي: [إظهار الحزن بفوت نعمة النكاح إذ النكاح كان نعمة عظيمة في حقها فإن الزوج كان سبب صيانتها وعفافها وإيفائها بالنفقة والكسوة والمسكن فوجبت عليها العدة إظهاراً للحزن بفوت النعمة وتعريفاً لقدرها] بدائع الصنائع ٣/٣٠٤.\rوخلاصة الأمر أن عدة الوفاة فريضة شرعية على كل زوجة مات عنها زوجها عجوزاً كانت أم غير عجوز مدخولاً بها أو غير مدخول بها والحكمة من العدة على وجه القطع لا يعلمها إلا الله ﷾ وليس لنا إلا أن نقول ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346391,"book_id":3840,"shamela_page_id":771,"part":"15","page_num":39,"sequence_num":771,"body":"٣٩ - المعتدة عدة وفاة لا تسافر إلى الحج\rالسؤال: تكرر السؤال عن سفر المعتدة عدة وفاة إلى الحج حيث سئلت عن ذلك مراراً وقد بينت أنه لا يجوز للمعتدة عدة وفاة أن تسافر إلى الحج وطلبت إحدى السائلات التي توفي زوجها توضيح المسألة بالتفصيل.\rالجواب: لا يجوز للمعتدة عدة الوفاة، السفر إلى الحج أو العمرة على الصحيح من أقوال أهل العلم ويجب على المرأة التي يموت عنها زوجها أن تمكث في بيتها ولا تخرج منه إلا لحاجاتها الأساسية وينبغي أن يعلم أن الحج في حق المرأة مشروط وجوبه بأن لا تكون المرأة معتدة عدة وفاة فإن كانت كذلك فليست بمستطيعة للحج ويكون الحج غير واجب عليها وهو شرط متفق عليه بين العلماء على تفاصيل فيه. نظر الموسوعة الفقهية الكويتية ١٧/٣٨/٣٨ وقال الشيخ ابن قدامةالمقدسي: [ولو كانت عليها حجة الإسلام فمات زوجها، لزمتها العدة في منزلها، وإن فاتها الحج، لأن العدة في المنزل تفوت ولا بدل لها والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام] المغني ٨/١٦٨. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن الفُرَيعة بنت مالك وهي أخت أبي سعيد الخدري ﵁ قالت: (خرج زوجي في طلب عبيد له قد هربوا فأدركهم فقتلوه فأتى نعيه وأنا في دارٍ شاسعة من دور أهلي، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي ولم يدع نفقة ولا مالاً ورثته وليس المسكن له، فتحولت إلى أهلي وإخواني، فكان أرفق لي في بعض شأني، فقال: (تحولي) ، فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني فقال: (امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك، حتى يبلغ الكتاب أجله) قالت: فاعتددت أربعة أشهر وعشراً، قالت فلما كان عثمان بن عفان أرسل إليَّ فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد وصححه الحاكم والذهلي وابن القطان وغيرهم قال أبو عيسى الترمذي: [هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم لم يروا للمعتدة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدتها وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم للمرأة أن تعتد حيث شاءت وإن لم تعتد في بيت زوجها قال أبو عيسى والقول الأول أصح] سنن الترمذي ٣/٥٠٩-٥١٠ وقال الحافظ ابن عبد البر بعد ذكر حديث الفريعة [هذا مشهور عند الفقهاء بالحجاز والعراق معمول به عندهم تلقوه بالقبول وأفتوا به وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل ,كلهم يقول: إن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها الذي كانت تسكنه وسواء كان لها أو لزوجها ولا تبيت إلا فيه حتى تنقضي عدتها ولها أن تخرج نهارها في حوائجها. وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وأم سلمة وزيد. وبه قال القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وابن شهاب. وروى مالك عن حميد بن قيس المكي عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج. وروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: لا تبيت المتوفى عنها زوجها ولا المبتوتة إلا في بيتها] الاستذكار ١٨/١٨١-١٨٢. وقال الحافظ بن عبد البر أيضاً: [قال عروة: وكانت عائشة تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها. وروى الثوري عن عبيد الله بن عمر أنه سمع القاسم بن محمد يقول: أبى ذلك الناس عليها والله أعلم. قال أبو عمر: قد أخبر القاسم أن الناس في زمن عائشة - يعني علماء زمانها- أنكروا ذلك عليها وهم طائفة من الصحابة وجلة من التابعين وقد ذكرنا من روينا ذلك عنه في هذا الباب منهم. وجملة القول في هذه المسألة أن فيها للسلف والخلف قولين مع أحدهما سنة ثابتة وهي الحجة عند التنازع ولا حجة لمن قال بخلافها. وليس قول من طعن في إسناد الحديث الوارد بها مما يجب الاشتغال به لأن الحديث صحيح ونقلته معروفون قضى به الأئمة وعملوا بموجبه وتابعهم جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق وأفتوا به تلقوه بالقبول لصحته عندهم] الاستذكار ١٨/١٨٤-١٨٥. وقال الإمام ابن العربي المالكي عن حديث الفريعة: [صحيح مليح حسن] عارضة الأحوذي ٥/١٥٦. ثم قال: [ ... والقرآن يعضد ذلك الحديث فإن الله قد أوجب التربص على المتوفى عنها زوجها فما إلى إخراجها من سبيل وقد قضى به عمر بن الخطاب وكان يرد المعتدات من طريق الحج إلى المدينة] عارضة الأحوذي ٥/١٥٨. وقد رد العلامة ابن القيم على ابن حزم في تضعيفه لحديثه الفريعة بحجة أن زينب وهي راوية الحديث عن الفريعة أنها مجهولة. قال ابن القيم [وأما قوله إن زينب بنت كعب مجهولة فنعم مجهولة عنده فكان ماذا؟ وزينب هذه من التابعيات وهي امرأة أبي سعيد روى عنها سعد ابن إسحاق بن كعب وليس بسعيد وقد ذكرها ابن حبان في كتاب الثقات] زاد المعاد ٥/٦٨٠. ثم قال: [فهذه امرأة تابعية كانت تحت صحابي وروى عنها الثقات ولم يطعن فيها بحرف واحتج الأئمة بحديثها وصححوه] زاد المعاد ٦/٦٨١. ثم قال بعد أن ذكر آثاراً عن الصحابة والتابعين في أنها لا تخرج [وهذا قول الإمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة ﵏ وأصحابهم والأوزاعي وأبي عبيد وإسحاق ... وحجة هؤلاء حديث الفريعة بن مالك وقد تلقاه عثمان بن عفان ﵁ بالقبول وقضى به بمحضر المهاجرين والأنصار وتلقاه أهل المدينة والحجاز والشام والعراق ومصر بالقبول. ولم يعلم أن أحداً منهم طعن فيه ولا في رواته وهذا مالك مع تحريه وتشدده في الرواية: وقوله للسائل له عن رجل: أثقة هو؟ فقال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي: قد أدخله في (موطئه) وبنى عليه مذهبه. قالوا: ونحن لا ننكر النزاع بين السلف في المسألة ولكن السنة تفصل بين المتنازعين قال أبو عمر بن عبد البر: أما السنة فثابتة بحمد الله وأما الإجماع فمستغنى عنه مع السنة لان الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخذ المترخصون في المتوفى عنها بقول عائشة ﵂ وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر] زاد المعاد ٥/٦٨٧. وقد ضعف الشيخ الألباني حديث الفريعة كما في إرواء الغليل ٧/٢٠٦. ولكنه تراجع عن تضعيفه كما في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ١/٥٣٣ وكما في صحيح سنن الترمذي ١/٣٥٥ وكما في صحيح سنن ابن ماجه ١/٣٤٥. وقال الشوكاني: [وحديث فريعة لم يأت من خالفه بما ينتهض لمعارضته فالتمسك به متعين] نيل الأوطار ٦/٣٣٧وقال الإمام ابن العربي المالكي عند حديثه على خروج المعتدة عدة وفاة: [الثاني خروج العبادة كالحج والعمرة ... وقد قال عمر وابن عمر: لا يحججن وقد كان عمر ﵁ يرد المعتدات من البيداء يمنعهن الحج. فرأي عمر في الخلفاء ورأي مالك في العلماء وغيرهم أن عموم فرض التربص في زمن العدة مقدم على عموم زمان فرض الحج لا سيما إن قلنا إنه على التراخي. وإن قلنا على الفور فحق التربص آكد من حق الحج لأن حق العدة لله تعالى ثم للآدمي في صيانة مائه وتحرير نسبه وحق الحج خاص لله تعالى] أحكام القرآن ١/٢٠٩-٢١٠. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن امرأة عزمت على الحج هي وزوجها فمات في شعبان فهل يجوز لها أن تحج؟ فأجاب ليس لها أن تسافر في العدة عن الوفاة إلى الحج في مذهب الأئمة الأربعة] مجموع الفتاوى ٣٤/٢٧-٢٨. وأخيراً فيجب أن يعلم أن القول المخالف في هذه المسألة قول ضعيف لا يصح التمسك به ولا الفتوى به لأنه رأي في مقابل نص صحيح عن النبي ﷺ كما قرر ذلك الحافظ ابن عبد البر وابن القيم والشوكاني وغيرهم من أهل العلم.\rوخلاصة الأمر أن المعتدة عدة وفاة لا تسافر إلى الحج ولو كانت حجة الإسلام فإن سافرت فهي آثمة لمخالفتها للنص الشرعي الآمر لها بالبقاء في بيتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346392,"book_id":3840,"shamela_page_id":772,"part":"15","page_num":40,"sequence_num":772,"body":"٤٠ - تحمل الزوج مصاريف علاج الزوجة\rتقول السائلة: إنها قرأت فتوى لبعض العلماء تنص على أنه لا يجب على الزوج تحمل مصاريف علاج زوجته ولا يلزمه شراء الدواء لها فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: اتفق أهل العلم على وجوب إنفاق الزوج على زوجته وقد دل على ذلك نصوص كثيرة من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه ﷺ فمنها قوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) سورة البقرة الآية ٢٣٣، وقوله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّاءَاتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَاءَاتَاهَا) سورة الطلاق الآية ٧. وقوله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ) سورة الطلاق الآية ٦.\rوقوله ﷺ: (أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تكتسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن) رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٠٢. وعن عائشة ﵂ قالت: (إن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال ﷺ: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) رواه البخاري ومسلم\rوعن حكيم بن معاوية ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تقبح الوجه ولا تهجر إلا في البيت) رواه أبو داود وقال الألباني حديث حسن صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود ٢/٤٠٢. وقال النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع: (ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ... ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا لهن في كسوتهن وطعامهن) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٤/٢٧٤. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٣٤١. وغير ذلك من النصوص\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب ... ] ثم ذكر النصوص الموجبة للنفقة من الكتاب والسنة ثم قال [وفيه دلالة على وجوب النفقة لها على زوجها وأن ذلك مقدر بكفايتها وأن نفقة ولده عليه دونها مقدر بكفايتهم، وأن ذلك بالمعروف وأن لها أن تأخذ ذلك بنفسها من غير علمه إذا لم يعطها إياه.\rوأما الإجماع فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن، إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهن ذكره ابن المنذر وغيره وفيه ضرب من العبرة، وهو أن المرأة محبوسة على الزوج يمنعها من التصرف والاكتساب فلا بد من أن ينفق عليها ... ] المغني ٨/١٩٥\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وقال الطبري ما ملخصه: الإنفاق على الأهل واجب والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة بل هي من صدقة التطوع وقال المهلب: النفقة على الأهل واجبة بالإجماع وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر فعرّفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم ترغيباً لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع] فتح الباري ١١/٤٢٥.\rوبعد اتفاق الفقهاء على وجوب النفقة على الزوج اختلفوا في أنواع النفقة الزوجية فأوجبوا على الزوج أن ينفق على زوجته فيما يتعلق بالمأكل والمشرب والملبس والمسكن وذهب جمهور الفقهاء بما فيهم أصحاب المذاهب الأربعة إلى عدم وجوب أجرة الطبيب ولا ثمن العلاج على الزوج وخالف آخرون فأوجبوا ذلك على الزوج ويجب أن يعلم أولاً أن المسألة ليس فيها نصوص خاصة وإنما هي مسألة اجتهادية وللعرف فيها اعتبار وقال ابن عبد الحكم الفقيه المالكي بوجوب تحمل الزوج لنفقات علاج زوجته وهو قول الزيدية وهذا قول وجيه يؤيده عموم النصوص الواردة بالإنفاق على الزوجة بالمعروف وحسن معاشرتها بالمعروف أيضاً وقد مشت معظم قوانين الأحوال الشخصية على هذا الرأي وأفتى به جماعة كبيرة من أهل العلم المعاصرين فقد ورد في المادة رقم ٦٦ من قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية في بلادنا ما يلي: [نفقة الزوجة تشمل الطعام والكسوة والسكنى والتطبيب بالقدر المعروف ... ]\rويحتج لهذا القول بالعمومات الواردة كما في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ سورة النساء الآية ١٩\rقال الإمام القرطبي: [قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة والخطاب للجميع إذ لكل أحد عشرة زوجاً كان أو ولياً ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج وهو مثل قوله تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ) وذلك توفية حقها من المهر والنفقة وألا يعبس في وجهها بغير ذنب وأن يكون منطلقاً في القول لا فظاً ولا غليظاً ولا مظهراً ميلاً إلى غيرها، والعشرة: المخالطة والممازجة ... فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على الكمال فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش وهذا واجب على الزوج ... ] تفسير القرطبي ٥/٩٧. ولا شك أن معالجة الزوجة إن مرضت وتأمين الدواء لها من المعاشرة بالمعروف وكذلك قوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) فإن أجرة العلاج وثمن الدواء داخل في الرزق\rويدل على ذلك قول النبي ﷺ لهند زوجة أبي سفيان (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) فهذا يشمل كل ما تحتاج إليه الزوجة وأولادها ويدخل فيه الأدوية وأجرة العلاج. ولعل جمهور الفقهاء الذين قالوا بعدم وجوب أجرة العلاج على الزوج بنوا هذا الحكم على ما كان معروفاً في زمانهم وخاصة أن الناس كانوا يعتنون بصحتهم ويتعالجون بأدوية طبيعية غير مكلفة وأما في زماننا فقد اختلفت الأمور كثيراً وصار العلاج مكلفاً وكذا ما يترتب على ذلك من أجور المستشفيات ونحوها قال العلامة ابن عابدين الحنفي في منظومته: والعرف له اعتبار فلذا الحكم عليه قد يدار\rانظر نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف في الجزء الثاني من رسائل العلامة ابن عابدين ص١١٢\rويجب أن يعلم أن هذا الإنفاق يؤجر عليه الزوج أجراً عظيماً فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك) رواه مسلم. وقال ﷺ: (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله) رواه مسلم.\rوعن أبي مسعود البدري أن النبي ﷺ قال: (إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة) رواه البخاري ومسلم. وعن سعد ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إنك مهما أنفقت على أهلك من نفقة فإنك تؤجر حتى اللقمة ترفعها إلى فيّ امرأتك) رواه البخاري ومسلم.\rوخلاصة الأمر أنه يلزم الزوج معالجة زوجته المريضة وعليه تحمل تكاليف علاجها ما دام مستطيعاً ويكون ذلك حسب العرف السائد في المجتمع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346393,"book_id":3840,"shamela_page_id":773,"part":"15","page_num":41,"sequence_num":773,"body":"٤١ - تحريم الزوجة زوجها على نفسها لغو\rيقول السائل: تخاصمت امرأة مع زوجها فسبها مسبة قذرة جداً ... فأقسمت المرأة أنها تُحرم العيش معه وهي تقصد بالعيش معه الحياة الزوجية فهجرته وهجرها أسبوعاً ثم اصطلحا وقد صامت ثلاثة أيام كفارة عن قسمها فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: الأصل في الحياة الزوجية أن تقوم على المودة والرحمة والمحبة والتفاهم قال تعالى: (وَمِنْءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) سورة الروم الآية ٢١. قال بعض أهل التفسير: المودة المحبة والرحمة الشفقة وقال ابن عباس ﵄: [المودة حب الرجل امرأته والرحمة رحمته إياها أن يصيبها سوء] تفسير القرطبي ١٤/١٧. ولكن من المشاهد أنه لا بد أن تشوب الحياة الزوجية مشكلات ونفور بين الزوجين ومهما حصل من مشكلات فلا يجوز استعمال الألفاظ البذيئة فذلك محرم على الزوجين فقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء) رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه. كما ينبغي أن يعلم أنه لا يجوز للزوج أن يهجر زوجته في الكلام فوق ثلاثة أيام لقول الرسول ﷺ: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) رواه البخاري ومسلم. وأما الهجر في المضجع المذكور في قوله تعال ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِع﴾ سورة النساء الآية ٣٤. فهذا الهجر سببه النشوز وأجازه جماعة من العلماء إلى شهر كما هجر النبي ﷺ نسائه شهراً.\rإذا تقرر هذا فإن تحريم المرأة العيش مع زوجها أو تحريمه على نفسها لا أثر له على الزواج ولا عبرة به ولكنه أمر محرم فلا يجوز للمسلم أن يحرم ما أحل الله له، لأن ذلك من الاعتداء على شرع الله ويدل على ذلك قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) سورة المائدة /٨٧\rوإنما يعتبر هذا التحريم يميناً على الراجح من أقوال أهل العلم. فهذه المرأة حرمت على نفسها ما أحل الله تعالى فيلزمها كفارة يمين ويدل على ذلك قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) سورة التحريم الآيتان١-٢. فالله ﷾ سمَّى تحريم ما أحل الله يميناً، وفرض تحلة اليمين، وهي كفارة اليمين، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويروى نحو هذا عن ابن مسعود والحسن وجابر بن زيد وقتادة وإسحاق وأهل العراق، وقال سعيد بن جبير، فيمن قال الحلال حرام عليَّ، يمين من الأيمان يكفرها.... وعن الضحاك، أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا الحرام يمين....] المغني ٩/٥٠٨.\rوقد ثبت في الحديث، عن عبيد بن عمير قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: (أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب ابنة جحش، ويشرب عندها عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة، أنَّ أيَتنا دخل عليها رسول الله ﷺ فلتقل: \" إني لأجد ريح مغافير، أكلت مغافير؟ - وهو نوع من النبات له رائحة كريهة - فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: لا بأس شربت عسلاً عند زينب ابنة جحش، ولن أعود، فنزلت الآية (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ.... إلى (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا (لعائشة وحفصة) (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) -لقوله بل شربت عسلاً) رواه البخاري ومسلم.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وسبب نزول هذه الآية إما تحريمه العسل وإما تحريمه مارية القبطية، وعلى التقديرين فتحريم الحلال يمين على ظاهر الآية وليس يميناً بالله، ولهذا أفتى جمهور الصحابة، كعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وغيرهم، أن تحريم الحلال يمين مكفرة] مجموع الفتاوى ٣٥/٢٧١ - ٢٧٢. وروى عبد الرزاق في المصنف بسنده عن الحسن البصري قال: \" إن قال: كل حلالٍ عليَّ حرام، فهو يمين، وكان قتادة يفتي به \" المصنف ٦/٤٠٢. وروى ابن أبي شيبة بأسانيده عن عمر وعائشة وابن عباس أنهم قالوا: \" الحرام يمين \" المصنف ٥/٣٧. وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن عمر بن ذر قال: \" سألت الشعبي عن رجلٍ قال \" كل حلالٍ عليَّ حرام \"، قال: لا يوجب طلاقاً ولا يحرم حلالاً، يكفر عن يمينه \" المصنف ٥/٧٥.\rوبناءً على ما تقدم فيلزم هذه المرأة أن تكفر كفارة يمين وصومها ثلاثة أيام لا يصح كفارةً ليمينها إلا إذا عجزت عن إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فكفارة اليمين هي المذكورة في قوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة المائدة الآية ٨٩. فكفارة اليمين إما إطعام عشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين أو عتق رقبة على التخيير أي أن الحالف يختار واحدة من هذه الخصال الثلاث فإذا كان فقيراً عاجزاً عن التكفير بإحدى هذه الخصال فإنه يصوم ثلاثة أيام وبناء على ذلك لا يجوز التكفير بصيام ثلاثة أيام إذا كان الشخص قادراً على ما سبق. ويجوز إخراج قيمة الإطعام أو الكسوة نقداً كما هو مذهب الحنفية.\rوينبغي أن يعلم أنه كما اعتبرنا تحريم المرأة زوجها على نفسها لا أثر له على الزواج فكذلك لو تلفظت المرأة بطلاق زوجها أو ظاهرت منه ونحو ذلك فكله يعتبر لغواً لا أثر له على الزواج لأن العبرة أن يصدر الطلاق أو الظهار من الزوج وعلى ذلك دلت النصوص من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ كما في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ سورة الأحزاب الآية ٤٩ وقال تعالى ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف﴾ سورة البقرة الاية٢٣١. وقال تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ سورة المجادلة الآية ٣. وقد حكم رسول الله ﷺ بأن الطلاق بيد الزوج لا بيد غيره كما في حديث ابن عباس ﵁ (قال أتى النبي ﷺ رجل فقال يا رسول الله سيدي زوجني أمته وهو يريد أن يفرق بيني وبينها. قال فصعد رسول الله ﷺ المنبر فقال: (يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) رواه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٧/١٠٨. وقال العلامة ابن القيم [وحديث ابن عباس المتقدم وإن كان في إسناده ما فيه فالقرآن يعضده وعليه عمل الناس] زاد المعاد في هدي خير العباد ٥/ ٢٧٨.\rوخلاصة الأمر أن تحريم هذه المرأة العيش مع زوجها لا أثر له على الزواج ويعتبر يميناً وتلزمها كفارة اليمين المذكورة في الآية الكريمة كما بينت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346394,"book_id":3840,"shamela_page_id":774,"part":"15","page_num":42,"sequence_num":774,"body":"٤٢ - الحمل والإجهاض\rيقول السائل: ما قولكم فيمن يقول بجواز إسقاط الحمل الناتج عن اغتصاب مهما كان عمر الجنين لأن ذلك من باب الستر على الفتاة البريئة؟\rالجواب: لاشك أن الزنا من أفظع الجرائم وتزداد فظاعته في حق الرجل عندما يكون مغتصباً قال الله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ سورة الإسراء الآية ٣٢\rوالفتاة المغتصبة لا إثم عليها حيث إنها مكرهة لما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه الطبراني والدارقطني والحاكم بألفاظ مختلفة وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.\rكما أن المكرهة لا حد عليها قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولا حد على مكرهة في قول عامة أهل العلم روي ذلك عن عمر والزهري وقتادة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفاً وذلك لقول رسول الله ﷺ: (عفي لأمتي عن الخطأ , والنسيان وما استكرهوا عليه) وعن عبد الجبار بن وائل عن أبيه (أن امرأة استكرهت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلمفدرأ عنها الحد) رواه الأثرم قال: وأتي عمر بإماءٍ من إماء الإمارة , استكرههن غلمان من غلمان الإمارة فضرب الغلمان ولم يضرب الإماء وروى سعيد بإسناده عن طارق بن شهاب: قال: أتي عمر بامرأة قد زنت , فقالت: إني كنت نائمة فلم أستيقظ إلا برجل قد جثم عليَّ فخلى سبيلها ولم يضربها، ولأن هذا شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ولا فرق بين الإكراه بالإلجاء وهو أن يغلبها على نفسها وبين الإكراه بالتهديد بالقتل ونحوه ونص عليه أحمد , في راعٍ جاءته امرأة قد عطشت فسألته أن يسقيها , فقال لها: أمكنيني من نفسك قال: هذه مضطرة وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهأن امرأة استسقت راعياً فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت , فرفع ذلك إلى عمر فقال لعلي: ما ترى فيها؟ قال: إنها مضطرة فأعطاها عمر شيئاً وتركها.] المغني ٩/٥٩-٦٠.\rإذا تقرر هذا فإن الأصل هو تحريم الإجهاض قبل مرور مئة وعشرين يوماً على الحمل إلا لعذر مشروع على الراجح من أقوال العلماء وأما بعد مضي مئة وعشرين يوماً فقد اتفق أهل العلم على تحريم الإجهاض بعد مرور مائة وعشرين يوماً على الحمل؛ لأن الروح تنفخ في الجنين عند مرور تلك المدة على رأي كثير من العلماء لما ثت في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيأمر بأربع: برزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ...) رواه البخاري. ويستثنى من هذا الحكم حالة واحدة فقط، وهي إذا ثبت بتقرير لجنة من الأطباء الثقات أهل الاختصاص أن استمرار الحمل يشكل خطراً مؤكداً على حياة الأم فحينئذ يجوز إسقاط الحمل.\rوقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ما يلي: [إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً لا يجوز إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه سواء كان مشوهاً أم لا دفعاً لأعظم الضررين] قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ص ١٢٣\rوجاء في فتوى للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية: \" من الضروريات الخمس التي دلّت عليها نصوص الكتاب والسنة دلالة قاطعة على وجوب المحافظة عليها وأجمعت الأمة على لزوم مراعاتها حفظ نفس الإنسان وهو في المرتبة الثانية بعد حفظ الدين سواء كانت النفس حملاً قد نفخ فيه الروح أم كانت مولودة ... فلا يجوز الاعتداء عليها بإجهاض إن كانت حملاً قد نفخ فيه الروح أو بإعطائها أدوية تقضي على حياتها وتجهز عليها، طلباً لراحتها أو راحة من يعولها أو تخليصاً للمجتمع من أرباب الآفات والعاهات والمشوهين والعاطلين، أو غير ذلك مما يدفع بالناس إلى التخلص لعموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقّ﴾ وذلك لأن الجنين بعد نفخ الروح أصبح نفساً، يجب صيانتها والمحافظة عليها]\rوأما إسقاط الجنين الناتج عن اغتصاب قبل المئة والعشرين يوماً فله وجه شرعي وقال به بعض أهل العلم وخاصة إن خشي قتل الأم بسبب الأعراف الاجتماعية والعادات والتقاليد السائدة.\rوبناءً على ما تقدم يحرم الإجهاض بعد مرور مئة وعشرين يوماً على الحمل بغض النظر عن سبب الحمل هل الحمل حمل شرعي أم حمل ناتج عن زنا برضاً من المرأة والرجل أو كان نتيجة اغتصاب وإكراه؟ ودعوى جواز الإجهاض لستر الفتاة المغتصبة دعوى غير مقبولة شرعاً لما في ذلك من الاعتداء على نفس معصومة وهي الجنين بعد نفخ الروح فيه فما ذنب هذه النفس لتقتل من أجل دفع العار عن أمه ولا شك أن حفظ النفس مقدم على مسألة الستر المدعاة ومن المعلوم أن الإسلام قد شرع كثيراً من الأحكام الشرعية للمحافظة على الجنين فأجاز للحامل أن تفطر في رمضان إذا خافت على نفسها أو جنينها فقد ورد في الحديث عن أنس بن مالك - رجل من بني عبد الله بن كعب ﵁: [قال أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ فأتيت رسول الله ﷺ فوجدته يتغدى فقال: ادن فكل. فقلت: إني صائم. فقال: ادن أحدثك عن الصوم أو الصيام إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحامل والمرضع الصوم أو الصيام. واللهِ لقد قالهما النبي ﷺ كليهما أو أحدهما فيا لهف نفسي أن أكون طعمت من طعام النبي ﷺ] رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن ... والعمل على هذا عند أهل العلم. عارضة الأحوذي ٣/١٨٨. وقال الشيخ الألباني: [حسن صحيح] انظر صحيح سنن الترمذي ١/٢١٨. وأجاز الشرع لها أن تؤجل الحج بسبب الحمل وإن حجت فأجاز لها أن تنيب عنها في بعض المناسك كما أن المرأة الحامل من زنا لا يقام عليها الحد حال حملها لما ورد في الحديث عن بريدة ﵁ قال [ ... جاءت امرأة من غامد من الأزد فقالت يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه فقالت أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال وما ذاك قالت إنها حبلى من الزنى فقال آنت قالت نعم فقال لها حتى تضعي ما في بطنك قال فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت قال فأتى النبي ﷺ فقال قد وضعت الغامدية فقال إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه فقام رجل من الأنصار فقال إليَّ رضاعه يا نبي الله قال فرجمها) رواه مسلم قال الإمام النووي: [قوله: (فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك) فيه: أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع , سواء كان حملها من زنا أو غيره , وهذا مجمع عليه لئلا يقتل جنينها , وكذا لو كان حدها الجلد وهي حامل لم تجلد بالإجماع حتى تضع] شرح النووي على صحيح مسلم ١١/٢٠١\rوخلاصة الأمر أن ما ذكر في السؤال من جواز إجهاض الحمل الناتج عن اغتصاب بغض النظر عن عمر الجنين هو رأي غير صحيح ومخالف لما قرره أهل العلم قديماً وحديثاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346395,"book_id":3840,"shamela_page_id":775,"part":"15","page_num":43,"sequence_num":775,"body":"٤٣ - الرجعة في الطلاق\rيقول السائل: حصل خلاف بين زوج وزوجته فطلقها فذهبت الزوجة إلى بيت أبيها وقبل انقضاء عدتها نوى الزوج في نفسه إرجاعها وبقيت الزوجة ثمانية أشهر في بيت أبيها ثم أرجعها بعد أن سأل أحد المشايخ فأفتاه بأنه لا شيء عليه ورجعته لزوجته صحيحة وهي الآن تعيش مع زوجها فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: الرجعة هي أن يرد الزوج زوجته بعد طلاق غير بائن ويكون ذلك قبل انقضاء العدة والرجعة مشروعة بكتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٩.\rقال ابن كثير: [وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي إذا طلقتها واحدة أو اثنتين فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية بين أنت تردها إليك ناوياً الإصلاح بها والإحسان إليها وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها فتبين منك وتطلق سراحها محسناً إليها لا تظلمها من حقها شيئاً ولا تضار بها] تفسير ابن كثير ١/٥٤٦-٥٤٧.\rوقال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٨.\rقال القرطبي: [ثم قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولاً بها تطليقة أو تطليقتين أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية منه لا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي وإشهاد ليس على سنة المراجعة وهذا إجماع من العلماء] تفسير القرطبي ٣/١٢٠.\rوورد في الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ﵂ ثم راجعها) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وقال الشيخ الألباني صحيح، انظر صحيح سنن أبي داود ٢/٤٣٢. وروى الإمام البخاري بإسناده عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ (أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسل مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) وغير ذلك من الأحاديث.\rوينبغي للزوج أن يراجع زوجته حفاظاً على الأسرة ورعاية للأطفال حتى لا يتعرضوا للتشريد والضياع والرجعة تصح بالقول باتفاق العلماء كأن يقول الزوج لزوجته راجعتك أو أرجعتك أو يقول أرجعت زوجتي ونحو ذلك من العبارات الصريحة الدالة على الرجعة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما القول فتحصل به الرجعة بغير خلاف وألفاظ راجعتك وارتجعتك ورددتك وأمسكتك لأن هذه الألفاظ ورد بها الكتاب والسنة فالرد والإمساك ورد بهما الكتاب بقوله سبحانه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ يعني الرجعة. والرجعة وردت بها السنة بقول النبي ﷺ: (مره فليراجعها) وقد اشتهر هذا الاسم فيها بين أهل العرف كاشتهار اسم الطلاق فإنهم يسمونها رجعة والمرأة رجعية ويتخرج أن يكون لفظها هو الصريح وحده لاشتهاره دون غيره كقولنا في صريح الطلاق، والاحتياط أن يقول: راجعت امرأتي إلى نكاحي أو زوجتي أو راجعتها لما وقع عليها من طلاقي] المغني ٧/٥٢٤. وقال جمهور أهل العلم بأن الزوج إذا أرجع زوجته فمن السنة أن يشهد على ذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ سورة الطلاق الآية ٢. قال ابن كثير: [وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي على الرجعة إذا عزمت عليها كما رواه أبو داود وابن ماجة عن عمران بن حصين ﵁ أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنة ورجعت لغير سنة أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد. وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل كما قال الله ﷿ إلا أن يكون من عذر] تفسير ابن كثير ٦/٢٣٩.\rوقد حمل أكثر أهل العلم الأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ على الندب مع أن الأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما الشهادة ففيها روايتان: إحداهما: تجب، وهذا أحد قولي الشافعي، لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وظاهر الأمر الوجوب ولأنه استباحة بضعٍ مقصود فوجبت الشهادة فيه كالنكاح وعكسه البيع. والرواية الثانية: لا تجب الشهادة، وهي اختيار أبي بكر، وقول مالك، وأبي حنيفة. لأنها لا تفتقر إلى قبول فلم تفتقر إلى شهادة كسائر حقوق الزوج، ولأن ما لا يشترط فيه الولي لا يشترط فيه الإشهاد كالبيع، وعند ذلك يحمل الأمر على الاستحباب ولا خلاف بين أهل العلم في أن السنة الإشهاد] المغني ٧/٥٢٢-٥٢٣. وقال القرطبي: [الإشهاد عند أكثر العلماء على الرجعة ندب] تفسير القرطبي ١٨/١٥٨.\rوتصح الرجعة عند جمهور العلماء بالفعل كما تصح بالقول وذلك بأن يجامع الرجل مطلقته الرجعية وكذلك تصح الرجعة بمقدمات الجماع كاللمس بشهوة والقبلة بشهوة ونحو ذلك مع نية الزوج إرجاعها وهذا أرجح أقوال أهل العلم في المسألة.\rإذا تقرر هذا فأعود إلى السؤال فأقول أولاً: الواجب أن لا تخرج المطلقة الرجعية من بيت الزوجية لقول الله ﷾: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) سورة الطلاق الآية ١. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن المرأة المطلقة تقضي عدتها في بيت الزوجية (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) فأضاف الله ﷿ البيوت لهن. قال القرطبي: [أي ليس للزوج أن يخرجها من مسكن النكاح ما دامت في العدة ولا يجوز لها الخروج أيضاً لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدة والرجعية والمبتوتة في هذا سواء. وهذا لصيانة ماء الرجل. وهذا معنى إضافة البيوت إليهن كقوله تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْءَايَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) وقوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) فهو إضافة إسكان وليس إضافة تمليك] تفسير القرطبي ١٨/١٥٤. وقد نص قانون الأحوال الشخصية المطبق في المحاكم الشرعية في بلادنا في المادة ١٤٦ على ذلك فقد جاء فيها (تعتد معتدة الطلاق الرجعي والوفاة في البيت المضاف للزوجين بالسكن قبل الفرقة) .\rثانياً: إن الرجعة لا تصح بالنية المجردة عن القول أو الفعل. فهذا الزوج المذكور في السؤال لم يرجع زوجته الرجعة المعتبرة شرعاً.\rثالثاً: بناءً على ما تقدم فإن عودة الزوجين إلى المعاشرة الزوجية حرام شرعاً لأن الرجعة الشرعية الصحيحة لم تقع وما حصل بينهما إنما هو وطء بشبهة وعليهما تجديد عقد الزواج بمهر جديد لأن العدة قد انقضت ولم يرجع الزوج زوجته بطريق شرعي صحيح فالواجب أن يجددا عقد الزواج وأن يتوبا إلى الله ﷾ توبة صادقة.\rرابعاً: إن الشيخ الذي أفتى بأن الرجعة صحيحة قد أخطأ في فتواه وقوله غير صحيح ولا أعلم أحداً من أهل العلم قال بفتواه الخاطئة وهذا من الإفتاء بغير علم ومن الجرأة على دين الله ﷿ وإن التسرع في الفتيا خطأ وخطر يفضي إلى عدم إصابة الحق والجرأة على الله تعالى والوقوع فيما نهى عنه يقول تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) ، ومن أفتى بغير علم فعمل بفتواه عامل كان إثم العامل على من أفتاه، وقال عمر بن الخطاب: \" أجرؤكم على الفتيا، أجرؤكم على النار\". فلا ينبغي لأحد أن يقتحم حمى الفتوى ولمَّا يتأهل لذلك، وقد قرر أهل العلم أن من أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية شديد الإنكار على أدعياء العلم الذين يتصدرون للفتيا فقال له بعضهم يوماً: أجعلت محتسباً على الفتوى؟ فقال له: \" يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب\"\rفعلى هذا الشيخ أن يتق الله في نفسه وفي الناس الذين يفتيهم بغير علم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346396,"book_id":3840,"shamela_page_id":776,"part":"15","page_num":44,"sequence_num":776,"body":"٤٤ - حدود طاعة الوالدين\rيقول السائل: إن الإسلام أوجب طاعة الوالدين ولكن ما هي حدود طاعة الوالدين؟\rالجواب: طاعة الوالدين من أوجب الواجبات التي أمر بها الله ﷾ في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه ﷺ وحق الوالدين عظيم ولهذا جاء حقهما في الترتيب بعد حق الله تعالى مباشرة. قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ سورة الإسراءالآيتان٢٣-٢٤. وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ سورة النساء الآية ٣٦. وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ سورة العنكبوت الآية٨ وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أفضل الأعمال أو العمل الصلاة لوقتها وبر الوالدين) رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد) رواه الترمذي وابن حبان وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٥١٦. ويجب أن يعلم أن طاعة الوالدين من أسباب تفريج الكرب والمصائب كما صح في الحديث عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها لعل الله يفرجها عنكم فقال أحدهم اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران وامرأتي ولي صبية صغار أرعى عليهم فإذا أرحت عليهم حلبت فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بني وأنه نأى بي ذات يوم الشجر فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما فحبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أسقي الصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة نرى منها السماء ففرج الله منها فرجة فرأوا منها السماء وقال الآخر اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء وطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار فتعبت حتى جمعت مائة دينار فجئتها بها فلما وقعت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه فقمت عنها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة ففرج لهم وقال الآخر اللهم إني كنت استأجرت أجيراً بفرق أرز فلما قضى عمله قال أعطني حقي فعرضت عليه فرقه فرغب عنه فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقراً ورعاءها فجاءني فقال اتق الله ولا تظلمني حقي قلت اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها فقال اتق الله ولا تستهزئ بي فقلت إني لا أستهزئ بك خذ ذلك البقر ورعاءها فأخذه فذهب به فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا ما بقي ففرج الله ما بقي) رواه مسلم. وكذلك فإن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر ومن أسباب دخول جهنم والعياذ بالله فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئاً، فقال: ألا وقول الزور. قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة لا ينظر الله ﷿ إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة والديوث) رواه أحمد والنسائي وابن حبان وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح انظر صحيح سنن النسائي ٢/٥٤١. وغير ذلك من النصوص الكثيرة، إذا تقرر هذا فإن طاعة الوالدين ليست مطلقة وإنما لها حدود لا يجوز تعديها وأهم هذه الحدود أن طاعة الوالدين إنما تكون في المعروف فإذا أمر الوالدان ولدهما بمعصية فلا طاعة لهما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ سورة لقمان: ١٥. ويدل على ذلك أيضا قول الرسول ﷺ: (إنما الطاعة في المعروف) رواه البخاري ومسلم\rوجاء في حديث آخر عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا طاعة لأحد في معصية الخالق) رواه أحمد والبزار وقال الحافظ ابن حجر: وسنده قوي. فتح الباري ٥/٢٤١، وقال الشيخ الألباني: وإسناده صحيح على شرط مسلم. وجاء في رواية أخرى: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وهي رواية صحيحة. راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني ١/١٣٧-١٤٤. وقال الحسن البصري: [إن منعته أمه عن صلاة العشاء في الجماعة شفقة لم يطعها] رواه البخاري تعليقاً. فإذا أمر الوالدان أو أحدهما ولدهما بمعصية أو منكر فلا تجب طاعتهما لما تقدم من الأدلة وعلى الولد أن يرفض طاعة والديه إذا أمراه بمعصية ولكن برفق وحكمة دون أن يسيء لهما بالقول ولا بد من معاملتهما معاملة كريمة طيبة حتى لو كانا كافرين كما قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ سورة لقمان الآية ١٥. وقد ورد في الحديث عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ، فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصِل أمي؟ قال: نعم، صِلي أمك. رواه البخاري ومسلم. وكذلك فإن الولد غير ملزم بطاعة والديه فيما يتعلق بشؤونه الخاصة ما دام أنه ملتزم فيها بشرع الله مثل أن يلزماه بأن يتزوج امرأة معينة كما تفعل بعض الأمهات من إلزام ولدها من الزواج من إحدى قريباتها أو أن يطلق زوجته بسبب خلاف وقع بين الأم وزوجة الابن وكذلك الأمر بالنسبة للبنت إذا أجبرها أبوها على الزواج من شخص لا ترضاه كأن يكون فاسقاً أو سيء الأخلاق ولو كان ابن عمها وفي هذه الحالات وأمثالها إذا امتنع الولد من طاعة والديه لم يكن عاقاً قال شيخ الإسلام ابن تيمية [ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد وأنه إذا امتنع لا يكون عاقاً وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر عنه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه كان النكاح كذلك وأولى فإن أكل المكروه مرارة ساعة وعشرة المكروه من الزوجين على طول يؤذي صاحبه كذلك ولا يمكن فراقه] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣٢/٣٠. وإن احتج أحد بما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال (كانت لي امرأة أحبها وكان أبي – أي عمر بن الخطاب ﵁ يكرهها فأمرني أبي أن أطلقها فأبيت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال يا عبد الله بن عمر طلق امرأتك) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وهذا الاحتجاج فيه نظر لأن عمر ﵁ عندما أمر ابنه بطلاق زوجته كان له سبب شرعي لذلك وأين آباء اليوم من عمر ﵁!!! وقد جاء رجل إلى الإمام أحمد بن حنبل فقال: إن أبي يأمرني أن أطلق زوجتي؟ فقال له الإمام أحمد: لا تطلقها، فقال الرجل: أليس الرسول ﷺ قد أمر عبد الله بن عمر أن يطلق زوجته حين أمره عمر بذلك؟ فقال الإمام أحمد: وهل أبوك مثل عمر؟ وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل متزوج، وله أولاد، ووالدته تكره الزوجة وتشير عليه بطلاقها هل يجوز له طلاقها؟ فأجاب: لا يحل له أن يطلقها لقول أمه؛ بل عليه أن يبر أمه، وليس تطليق امرأته من بِرِّها. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً عن امرأة ووجها مُتَّفِقَين وأمُّها تريد الفرقة فلم تطاوعها البنت فهل عليها إثمٌ في دعاء أمها عليها؟ فأجاب ﵀: [إذا تزوجت المرأة لم يجب عليها أن تطيع أباها ولا أمها في فراق زوجها ولا في زيارتهم بل طاعة زوجها عليها إذا لم يأمرها بمعصية الله أحق من طاعة أبويها (وأيما امرأة ماتت وزوجها عليها راضٍ دخلت الجنة) وإذا كانت الأم تريد التفريق بينها وبين زوجها فهي من جنس هاروت وماروت لا طاعة لها في ذلك ولو دعت عليها اللهم إلا أن يكونا مجتمعَين على معصية أو يكون أمره للبنت بمعصية الله والأم تأمرها بطاعة الله ورسوله الواجبة على كل مسلم] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣٣/١١٢.\rوخلاصة الأمر أن طاعة الوالدين فريضة من فرائض الله ﷿ كما أن عقوق الوالدين من كبائر الذنوب ولكن طاعتهما لا تكون إلا في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346397,"book_id":3840,"shamela_page_id":777,"part":"15","page_num":45,"sequence_num":777,"body":"٤٥ - التبرج من كبائر الذنوب وعقوبة المتبرجات\rتقول السائلة: هل خروج المرأة من بيتها بغير جلباب يُعد من كبائر الذنوب أم من صغائرها وما عقوبة من لا تلتزم بالجلباب الشرعي أفيدونا؟ الجواب: إن الجلباب الشرعي فريضة من فرائض الله في حق المرأة البالغة وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم بلا خلاف ونقل بعض العلماء الإجماع عليه وقد دلت على ذلك النصوص الشرعية من كتاب الله ﷾ والأحاديث النبوية فمن ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) سورة الأحزاب الآية ٥٩. وقوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) . سورة النور الآية ٣١. قال القرطبي: [وقال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن، ونحو ذلك فـ ﴿ما ظهر﴾ على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه. قلت - القائل القرطبي - هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة، وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما] تفسير القرطبي١٢/٢٢٩. وقال ابن كثير [أي: ولا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، وقال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه، لأن هذا لا يمكن إخفاؤه] تفسير ابن كثير٤/٥٣٨ وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لأسماء ﵂ (يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها شيء إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) . رواه أبو داود وحسنه الشيخ الألباني وذكر له شواهد انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/٤٦٣. وغير ذلك من الأدلة التي توجب الجلباب الشرعي إذا تقرر هذا فإن الواجب على المرأة المسلمة البالغة أن تلتزم بالجلباب الشرعي ويحرم عليها أن تخرج من بيتها بدون ذلك فإذا خرجت من بيتها بدون الجلباب فهي متبرجة وخاصة إذا أضيف إليه التعطر (والمكياج) عند الخروج من البيت ولبس الملابس الضيقة كالبنطلون والتشبه بالرجال وكذلك تصفيف الشعر والتنمص ونحو ذلك من إظهار الزينة. والتبرج من كبائر الذنوب باتفاق العلماء وقد عدَّ الشيخ ابن حجر المكي خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة من الكبائر وأن الأدلة الشرعية تدل عليه. انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/٩٦- ٩٧. وقد توعد رسول الله ﷺ المتبرجة بأنها لا تدخل الجنة ولا تشم رائحتها كما سيأتي وهذا يدل على أن التبرج من الكبائر. ومن زعم أن التبرج من صغائر الذنوب فقوله باطل مردود عليه لأنه مخالف للنصوص الصريحة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ومنها: قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) سورة الأحزاب الآية ٣٣. وقوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة النور الآية ٦٠. وورد في الحديث أن أميمة بنت رقيقة ﵂ جاءت إلى رسول ﷺ تبايعه على الإسلام فقال: أبايعك على ألا تشركي بالله شيئاً ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفتريه بين يديك ورجليك ولا تنوحي ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى.) رواه أحمد وصحح إسناده الشيخ أحمد محمد شاكر وعن أبي هريرة ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ: الرجلَ يلبسُ لِبْسَةَ المرأةِ والمرأةَ تلبس لِبْسَة الرجل) رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني. وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ (لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال) رواه البخاري. وعن ابن عمر ﵄ قال ﷺ: (ثلاثٌ لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث) رواه النسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وصححه الشيخ الألباني. وقال رسول الله ﷺ: (أيما امرأة استعطرت ثم خرجت، فمرت على قوم ليجدوا ريحها؛ فهي زانية) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح وحسنه الشيخ الألباني. انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/٤٥١. وقال رسول الله ﷺ: (لعن الله الواشمات والمُستوشمات والنامصات والمُتنمصات والمُتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) رواه البخاري ومسلم، والنامصة: هي التي ترقق الحاجبين للنساء، والمتنمصة: هي التي يتم ترقيق حواجبها. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أنه قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) رواه مسلم قال الإمام النووي: [... هذا الحديث من معجزات النبوة, فقد وقع هذان الصنفان, وهما موجودان. وفيه ذم هذين الصنفين قيل: معناه كاسيات من نعمة الله عاريات من شكرها, وقيل: معناه تستر بعض بدنها, وتكشف بعضه إظهاراً بحالها ونحوه, وقيل: معناه تلبس ثوباً رقيقاً يصف لون بدنها. وأما (مائلات) فقيل: معناه عن طاعة الله, وما يلزمهن حفظه. (مميلات) أي يعلمن غيرهن فعلهن المذموم, وقيل: مائلات يمشين متبخترات, مميلات لأكتافهن. وقيل: مائلات يمشطن المشطة المائلة, وهي مشطة البغايا. مميلات يمشطن غيرهن تلك المشطة. ومعنى (رؤوسهن كأسنمة البخت) أن يكبرنها ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوهما] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٢٩١. ويمكن أن يحمل قوله ﷺ (رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة) على اللواتي يصففن شعورهن حتى تصبح رءوسهن مثل سنام الجمل. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات. لو كانت وراءكم أمة من الأمم خدمتهن نساؤكم كما خدمنكم نساء الأمم قبلكم) . رواه أحمد وابن حبان والطبراني والحاكم، وصححه ابن حبان والحاكم وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٤٦٢وعن أبي أذينة الصدفي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (خير نسائكم الودود الولود المواتية المواسية إذا اتقين الله، وشر نسائكم المتبرجات المتخيلات وهن منافقات لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم) رواه البيهقي وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/٤٦٤. وغير ذلك من النصوص.\rوخلاصة الأمر أن التبرج من كبائر الذنوب لأن المتبرجة مستحقة للعن واللعن إنما يكون على كبائر الذنوب فقط فعلى كل متبرجة أن تتوب إلى الله ﷾ وتلتزم بالجلباب وأن تتذكر قول الله ﷿: (أَلَم يَأْنِ للَّذَينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وِ لا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلُ فَطَالَ عَلَيهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنهُمْ فَاسِقُونَ) سورة الحديد الآية ١٦. وأن تتذكر قول الرسول ﷺ: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) . واعلمي أيتها الأخت المتبرجة أن الحجاب إيمان وطهارة وتقوى وحياء وعفة وأن التبرج معصية لله ﷿ وللرسول ﷺ وموجب للطرد من رحمة الله تعالى لأن المتبرجة ملعونة وكذلك فإن التبرج موجب للنار نسأل الله العفو والعافية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346398,"book_id":3840,"shamela_page_id":778,"part":"15","page_num":46,"sequence_num":778,"body":"٤٦ - الستر على الزوجة الزانية\rيقول السائل: إنه تزوج فتاة وهي زوجة صالحة محافظة على صلاتها وأخلاقها وهو يحبها وتحبه وقد اعترفت له بأنها كانت على علاقة مع رجل قبل الزواج وقد زنت وهو في حيرة من أمره هل يطلقها أم يستر عليها أفيدونا؟ الجواب: الواجب على الإنسان ذكراً كان أو أنثى أن لا يتحدث عن ماضيه السيئ وأن يستتر بستر الله ﵎ ما دام أنه قد تاب ورجع إلى جادة الصواب وهذا الأمر أشد تأكيداً في حق الزوجين فلا ينبغي أن يتحدثا بما ارتكبا من المعاصي قبل الزواج لما في ذلك من ضرر بليغ على حياتهما الزوجية ولا ينبغي لأحد من الزوجين البحث في ماضي الآخر لأن العبرة بما عليه صاحبه الآن فما دام مستقيماً وملتزماً بدين الله فهذا هو المطلوب بغض النظر عما ارتكب من المعاصي في حياته السابقة فقد يكون الإنسان كافراً ثم يسلم فإن الإسلام يجب ما قبله والتوبة الصادقة تجب ما قبلها والواجب عليهما أن يبقيا المعاصي السالفة طي الكتمان ولا يفضحا نفسيهما فالمسلم إذا عصى الله ﵎ سراً فلا يصح له أن يخبر عن ذلك وقد ورد في الحديث عن سالم بن عبد الله قال سمعت أبا هريرة ﵁ يقول سمعت رسول الله ﵁ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه) رواه البخاري ومسلم.\rقال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (إلا المجاهرين) هم الذين جاهروا بمعاصيهم, وأظهروها , وكشفوا ما ستر الله تعالى عليهم , فيتحدثون بها لغير ضرورة ولا حاجة] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/٤١٢\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قال ابن بطال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين , وفيه ضرب من العناد لهم , وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف , لأن المعاصي تذل أهلها , ومن إقامة الحد عليه إن كان فيه حد ومن التعزير إن لم يوجب حداً , وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه , فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة , والذي يجاهر يفوته جميع ذلك] فتح الباري ١٠/٥٩٨-٥٩٩.\rوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسها فأنا هذا فاقض في ما شئت فقال له عمر لقد سترك الله لو سترت نفسك قال فلم يرد النبي ﷺ شيئاً فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي ﷺ رجلاً دعاه وتلا عليه هذه الآية ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ فقال رجل من القوم يا نبي الله هذا له خاصة، قال بل للناس كافة) رواه مسلم\rوعن أبي بكرة ﵁ أنه شهد رسول الله ﷺ على بغلته واقفاً إذ جاءوا بامرأة حبلى فقالت إنها زنت أو بغت فارجمها فقال لها رسول الله ﷺ استتري بستر الله ﷿ فرجعت ثم جاءت الثانية والنبي ﷺ على بغلته فقالت ارجمها يا نبي الله فقال استتري بستر الله ﵎ فرجعت ثم جاءت الثالثة وهو واقف حتى أخذت بلجام بغلته فقالت أنشدك الله ألا رجمتها ... إلخ الحديث) رواه أحمد\rوروى مالك في الموطأ بإسناده عن زيد بن أسلم أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ فدعا له رسول الله ﷺ بسوط فأتي بسوط مكسور فقال فوق هذا فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته فقال دون هذا فأتي بسوط قد ركب به ولان فأمر به رسول الله ﷺ فجلد ثم قال: أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله) .\rوالواجب عليك أيا الزوج أن تستر على زوجتك ما دام أنها قد تابت وتقول بأنها زوجة صالحة محافظة على صلاتها وأخلاقها فاستر عليها حتى يستر الله عليك في اليوم الآخر فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ سورة النور الآية ١٩. وثبت في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرَّجَ عن مسلم كربة فرَّجَ الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم\rوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال (لا يستر عبدٌ عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم.\rوورد في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: \"من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة\". رواه أحمد وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم٦٢٨٧\rوفي رواية أخرى قال ﷺ (من علم من أخيه سيئةً فسترها ستره الله ﷿ يوم القيامة) رواه أحمد وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥/٤٤٩-٤٥٠.\rوقال الفضيل بن عياض رحمة الله عليه: [المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير] .\rولا بد لزوجتك أن تعلم أنها قد وقعت في ذنب عظيم وجرم فظيع فيلزمها التوبة والاستغفار والندم على ما فعلت فإن الله يقبل التوبة من عبده إذا عصاه ثم آب ورجع بل إن الله ﷾ يبدل سيئاته حسنات فكيف لا نقبل نحن من قبله الله قال ﷾: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٧٠.\rوقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ سورة التحريم الآية ٨.\rوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٢\rوخلاصة الأمر فإن الواجب على المسلم إذا وقع في معصية الله أن يستر على نفسه ولا يفضحها فلا يتحدث بمعصيته مع أحد من الناس وأن يتوب إلى الله توبة نصوحاً ومن علم بمعصية أخيه فالواجب أن يستر عليه ولا يفضحه والواجب على السائل أن يستر على زوجته ولا يطلقها ما دام أنها قد تابت وصلح حالها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346399,"book_id":3840,"shamela_page_id":779,"part":"15","page_num":47,"sequence_num":779,"body":"٤٧ - ميراث القاتل خطأ\rيقول السائل: ما قولكم في مسألة توريث القاتل خطأً من مال مورثه المقتول؟\rالجواب: اتفق أهل العلم على أن القتل هو أحد موانع الميراث بشكل عام واختلفوا في مسألة القاتل خطأً هل يرث من مال مورثه المقتول خطأً والذي عليه جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والفقهاء على أن القاتل خطأً لا يرث من مال المقتول ولا من ديته وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [أجمع أهل العلم على أن قاتل العمد لا يرث من المقتول شيئاً ... فأما القاتل خطأً فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يرث أيضاً، نص عليه أحمد، ويروى ذلك عن عمر، وعلي وزيد وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، وروي نحوه عن أبي بكر ﵃. وبه قال شريح وعروة وطاووس وجابر بن زيد والنخعي والشعبي والثوري وشريك والحسن بن صالح ووكيع والشافعي ويحيى بن آدم وأصحاب الرأي وورثه قوم من المال دون الدية، وروي ذلك عن سعيد بن السيب وعمرو بن شعيب وعطاء والحسن ومجاهد والزهري ومكحول والأوزاعي وابن أبي ذئب وأبي ثور، وابن المنذر وداود، وروي نحوه عن علي لأن ميراثه ثابت بالكتاب، والسنة تخصص قاتل العمد بالإجماع، فوجب البقاء على الظاهر فيما سواه. ولنا: الأحاديث المذكورة ولأن من لا يرث من الدية لا يرث من غيرها، كقاتل العمد، والمخالف في الدين، والعمومات مخصصة بما ذكرناه] المغني ٦/٣٦٤-٣٦٥.\rوقد خالف في ذلك المالكية وبعض أهل العلم كما سبق في كلام ابن قدامة فقالوا بتوريث القاتل خطأً من مال مورثه المقتول لا من ديته وهذا القول مرجوح لما يلي: ما ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ليس للقاتل شيء وإن لم يكن له وارث فوارثه أقرب الناس إليه ولا يرث القاتل شيئاً) رواه أبو داود وغيره وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. انظر صحيح سنن أبي داود ٣/٨٦٤. وجاء في رواية أخرى عند ابن ماجة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليس لقاتل ميراث) قال صاحب الزوائد: إسناده حسن. سنن ابن ماجة ٢/٨٨٤. وقال الشيخ الألباني عنه حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة ٢/٩٨.\rوقد ورد الحديث السابق بطرق كثيرة وهو حديث حسن أو صحيح والقاتل خطأً يدخل في عموم قوله ﷺ: (لا يرث القاتل شيئاً) حيث إن لفظ القاتل لفظ عام فيشمل من قتل عمداً ومن قتل خطأً.\rوكذلك فإن الرواية الأخرى للحديث: (ليس لقاتل ميراث) تشمل القاتل خطأً لأن لفظة قاتل نكرة في سياق النفي والنكرة في سياق النفي تعم فتشمل القاتل خطأً والقاتل عمداً.\rومما يدل على حرمان القاتل خطأً من الميراث ما ورد عن عمر بن شيبة بن أبي كثير الأشجعي أنه قتل امرأته خطأً فقال ﷺ: (اعقلها ولا ترثها) رواه الطبراني.\rقال الشوكاني: [وحديث عمر بن شيبة بن أبي كثير الأشجعي نص في محل النزاع فإن النبي ﷺ قال له: (ولا ترثها) وكذلك حديث عدي الجذامي الذي أشرنا إليه ولفظه في سنن البيهقي: (إن عدياً كانت له امرأتان اقتتلتا فرمى إحداهما فماتت، فلما قدم رسول الله ﷺ أتاه فذكر له ذلك، فقال له: (اعقلها ولا ترثها) ] نيل الأوطار ٦/٨٥-٨٦. وحديث عدي الجذامي قال عنه الهيثمي: [رواه أبو يعلى بطوله والطبراني باختصار ورجاله رجال الصحيح إلا أن فيه راوٍ لم يسم] مجمع الزوائد٤/٢٣٠.\rوحديث عدي الجذامي رواه البيهقي أيضاً وروى غيره بمعناه ثم قال: [هذه مراسيل جيدة يقوي بعضها بعضاً] السنن الكبرى ٦/٢١٩. وروى البيهقي بإسناده عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: [لا يرث القاتل خطأً ولا عمداً] .\rوروى أيضاً بإسناده عن علي وزيد وعبد الله قالوا: [لا يرث القاتل عمداً ولا خطأً شيئاً] .\rوروى أيضاً بإسناده عن جابر بن زيد قال: [أيما رجل قتل رجلاً أو امرأة عمداً أو خطأً ممن يرث فلا ميراث له منهما، وأيما امرأة قتلت رجلاً أو امرأة عمداً أو خطأً فلا ميراث لها منهما، وإن كان القتل عمداً فالقود إلا أن يعفو أولياء المقتول فإن عفوا فلا ميراث له من عقله ولا من ماله، قضى بذلك عمر بن الخطاب وعلي ﵄ وشريح وغيرهم من قضاة المسلمين] السنن الكبرى ٦/٢٢٠.\rوروى عبد الرزاق بسنده عن أبي قلابة قال: قتل رجل أخاه في زمن عمر بن الخطاب، فلم يورثه، فقال: يا أمير المؤمنين! إنما قتلته خطأً، قال: لو قتلته عمداً أقدناك به] مصنف عبد الرزاق ٩/٤٠٣.\rوروى عبد الرزاق بسنده عن إبراهيم النخعي قال: لا يرث القاتل من الدية ولا من المال عمداً كان أم خطأً] وروى عبد الرزاق أيضاً عن الثوري: [ونحن على ذلك لا يرث على حال] . مصنف عبد الرزاق ٩/٤٠٤.\rومما يرد به على قول المالكية ومن وافقهم في توريث القاتل خطأً أن قولهم فيه تشجيع على القتل فقد يتعمد الوارث قتل مورثه ويدعي أنه قتله خطأً ويصعب إثبات صفة العمد في القتل وقد يحتال في ذلك ويظهر أنه قتله خطأً فمن باب سد الذرائع يجب حرمان القاتل خطأً من الميراث وقاعدة سد الذرائع قاعدة معتبرة عند الأصوليين وتشهد لها قواعد الشرع وأصوله.\rواستدل الإمام السرخسي على حرمان القاتل خطأً من الميراث بأن تهمة استعجال الشيء قبل أوانه قائمة في القتل الخطأ فمن الجائز أنه كان قاصداً إلى ذلك وأظهر الخطأ من نفسه فيجعل هذا التوهم كالمتحقق في حرمان الميراث. ويرى السرخسي أيضاً أن القاتل خطأً كما عوقب بالكفارة على قتله فكذلك يعاقب بالحرمان من الميراث. انظر المبسوط ٣٠/٤٧.\rويضاف إلى ما سبق أن دعوى المالكية تخصيص عموم الأدلة الواردة بحرمان القاتل من الميراث وإخراج القاتل خطأً منها دعوى ضعيفة وما اعتمدوا عليه لا يقوى على التخصيص. قال الشوكاني: [ولا يخفى أن التخصيص لا يقبل إلا بالدليل] نيل الأوطار ٦/٨٥.\rوما ذكره المالكية من تخصيص القاتل خطأً من العموم استدلالاً بما روي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قام يوم فتح مكة، فقال: (المرأة ترث من دية زوجها وماله. وهو يرث من ديتها ومالها. ما لم يقتل أحدهما صاحبه فإذا قتل أحدهما صاحبه عمداً، لم يرث من ديته وماله شيئاً، وإن قتل أحدهما صاحبه خطأً، ورث من ماله، ولم يرث من ديته) .\rقال في الزوائد: في إسناده محمد بن سعيد، وهو المصلوب. قال أحمد: حديثه موضوع، وقال مرة: عمداً كان يضع. وقال أبو الحاكم: كان يضع الحديث، صلب على الزندقة. وقال الحاكم أبو عبد الله: ساقط بلا خلاف] سنن ابن ماجة ٢/٩١٤.\rوقال الشيخ الألباني عن الحديث السابق إنه موضوع أي مكذوب على النبي ﷺ انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١٠/١/٢٠٥، ضعيف الجامع الصغير حديث رقم ٥٩٢٦ ص ٨٥٤. فهذا الحديث لا يصلح للاحتجاج به كما ترى من كلام أهل العلم فيه ولا يكون مخصصاً لإخراج القاتل خطأً من عموم حرمان القاتل من الميراث.\rوخلاصة الأمر أن القاتل خطأً لا يرث وهذا هو القول الراجح الذي تؤيده الأدلة ومقاصد الشريعة في المحافظة على الأنفس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346400,"book_id":3840,"shamela_page_id":780,"part":"15","page_num":48,"sequence_num":780,"body":"٤٨ - حقوق الزوجة على زوجها\rالسؤال: اشتكت مجموعة من النساء من سوء معاملة أزواجهن وقلن إن من أزواجهن من يضربهن ويشتمهن ويسب أهلهن ويسيء معاملتهن وبعضهم يقاطع زوجته الشهر والشهرين وأكثر من ذلك لأسباب تافهة وقالت إحداهن إنكم يا معشر المشايخ تتحدثون دائماً عن حق الزوج على زوجته ولا تتكلمون عن حقوق الزوجة على زوجها فلماذا؟ هلا بينتم لهؤلاء الأزواج حقوق زوجاتهم عليهم.\rالجواب: إن الحياة الزوجية في الإسلام تقوم على المودة والمحبة والتفاهم بين الزوجين قال تعالى: ﴿وَمِنْءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الروم الآية ٢١.\rإن الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه العلاقة الزوجية هو المودة والرحمة وتعني عطف قلوبهم بعضهم على بعض وقال بعض أهل التفسير: المودة المحبة والرحمة الشفقة وقال ابن عباس ﵄: [المودة حب الرجل امرأته والرحمة رحمته إياها أن يصيبها سوء] تفسير القرطبي ١٤/١٧.\rويجب على كل من الزوجين أن يعرف ما له وما عليه وقد بين الإسلام واجبات الزوجين وحقوقهما بياناً شاملاً فقد وردت نصوص كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ تبين حقوق الزوجة على زوجها\rيقول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ سورة البقرة: ٢٢٧. ويقول النبي ﷺ: (إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً) رواه الترمذي وصححه.\rفمن حقوق الزوجة على زوجها أن يعاملها معاملة كريمة فيها اللطف والرحمة وحسن المعاملة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَاءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ سورة النساء الآية ١٩. قال الإمام القرطبي: [قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة والخطاب للجميع إذ لكل أحد عشرة زوجاً كان أو ولياً ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ وذلك توفية حقها من المهر والنفقة وألا يعبس في وجهها بغير ذنب وأن يكون منطلقاً في القول لا فظاً ولا غليظاً ولا مظهراً ميلاً إلى غيرها، والعشرة: المخالطة والممازجة ... فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على الكمال فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش وهذا واجب على الزوج ... ] تفسير القرطبي ٥/٩٧.\rوقد حثّ سيدنا رسول الله ﷺ على حسن معاملة الزوجة في أحاديث كثيرة وقد بوب على بعضها الإمام البخاري بتراجم مناسبة فقال: \"باب الوصاة بالنساء\"، وقال الإمام البخاري أيضاً: \"باب المداراة مع النساء\"، وقال الإمام البخاري أيضاً: \"باب حسن المعاشرة مع الأهل\".\rومن هذه الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيراً) .\r\rقال الحافظ ابن حجر معلقاً على هذا الحديث: [وفي الحديث الندب إلى المداراة لاستمالة النفوس وتألف القلوب وفي سياسة النساء بأخذ العفو منهن والصبر على عوجهن وأن من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معاشه فتح الباري ١١/١٦٣.\rوجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إني أحرج عليكم حق الضعيفين اليتيم والمرأة) رواه ابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\rوورد في الحديث أن النبي ﷺ قال في خطبة حجة الوداع: (واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهم ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ورواه ابن ماجة وحسّنه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٣٤١. وقال ﷺ: (اتقوا الله في النساء) رواه مسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\rقال العلامة ابن علان المكي: [ (وخياركم خياركم لنسائهم) وفي رواية (خيركم خيركم لأهله) قال في النهاية هو إشارة إلى صلة الرحم والحث عليها، قيل ولعل المراد من حديث الباب أن يعامل زوجته بطلاقة الوجه وكف الأذى والإحسان إليها والصبر على أذاها قلت ويحتمل أن الإضافة فيه للعهد والمعهود هو النبي ﷺ والمراد (أنا خيركم لأهلي) وقد كان ﷺ أحسن الناس لأهله وأصبرهم على اختلاف أحوالهم] دليل الفالحين ٣/١٠٦.\rومن حقوق الزوجة على زوجها وجوب الإنفاق عليها بالمعروف من طعام وشراب وكسوة وغير ذلك من لوازم الحياة وأن لا يحرمها مما تشتهيه وأن لا يكون بخيلاً في النفقة عليها ولا على أولاده\rوكل ذلك يكون حسب حالة الزوج المالية لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ سورة البقرة الآية ٢٣٣، ولقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٦.\rوعلى الزوج أن يعلم أن المال الذي ينفقه على زوجته وأولاده له فيه أجر عظيم كما ورد في الحديث من قوله ﷺ: (إذا أنفق الرجل فهي له صدقة) رواه البخاري ومسلم.\rوقد ورد أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال: (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت) رواه أبو داود وذكر معنى لا تقبح أي لا تقل قبحك الله. وهو حديث حسن صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن أب داود ٢/٤٠٢\rومن حقوق الزوجة على زوجها أن لا يفشي أسرارها وأن لا يذكر عيوبها لما ورد في الحديث أنه ﷺ: (إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) رواه مسلم.\rومن حقوق الزوجة على زوجها أن يأذن لها بزيارة أهلها وأقاربها وجيرانها وكذلك إذا استأذنته بالخروج إلى صلاة الجماعة والجمعة بشرط أن يكون خروجها شرعياً فلا تمس طيباً ولا تخرج متزينة مع أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد ولا ينبغي لزوج منع زوجته من الذهاب إلى المسجد إلا إذا خشي الفتنة عليها أو إذا خرجت متعطرة فيجوز له حينئذ منعها لقوله ﷺ: (لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد وبيوتهن خير لهن) رواه أحمد وأبو داود وإسناده صحيح.\rوعلى المرأة إذا خرجت من بيتها قاصدة حضور الجماعة أو الجمعة أن تخرج وهي ملتزمة بأحكام الشرع من حيث اللباس والمشي وترك الزينة والطيب فقد ورد في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني ومعنى تفلات: غير متطيبات. وفي حديث آخر قوله ﷺ: (إذا شهدت إحداكن المساجد فلا تمس الطيب) رواه مسلم.\rومن حقوق الزوجة على زوجها أن يفقهها في دينها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ التحريم الآية ٦. ويجب على الزوج أن يأمرها وأولاده بالمحافظة على الصلاة لقوله الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ سورة طه الآية ١٣٢.\rهذه أهم حقوق الزوجة على زوجها باختصار وينبغي أن يعلم أنه يحرم على الزوج أن يسب زوجته وأهلها أو يلعنها فعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء) رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه\rكما ينبغي أن يعلم أنه لا يجوز للزوج أن يهجر زوجته في الكلام فوق ثلاثة أيام لقول الرسول ﷺ: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) رواه البخاري ومسلم. وأما الهجر في المضجع المذكور في قوله تعال ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِع﴾ سورة النساء الآية ٣٤. فهذا الهجر سببه النشوز وأجازه جماعة من العلماء إلى شهر كما هجر النبي ﷺ نسائه شهراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346401,"book_id":3840,"shamela_page_id":781,"part":"15","page_num":49,"sequence_num":781,"body":"٤٩ - قراءة الفتحة عند الخطبة ليست عقد زواج\rيقول السائل: هل تعتبر قراءة الفاتحة عند الخطبة بمثابة عقد الزواج؟\rالجواب: الخطبة هي مقدمة للزواج ووعد بالزواج وليست عقداً فلا يترتب على الخطبة شيء مما يترتب على عقد الزواج وإنما تبيح الخطبة نظر الخاطب إلى وجه المخطوبة وكفيها فقط، على الراجح من أقوال أهل العلم. وأما قراءة الفاتحة عند الخطبة فيجب أن يعلم أولاً أن قراءة الفاتحة في هذا المقام بدعة ليس لها أصل في الشرع. وأجابت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية برئاسة العلامة الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ عن سؤال حول حكم ما جرى العرف به من قراءة الفاتحة قبل الزواج ونحو ذلك مما اعتاد الناس قراءة الفاتحة عنده فما حكم ذلك؟ فأجابت اللجنة: [قراءة الفاتحة بعد الدعاء أو بعد قراءة القرآن أو قبل الزواج بدعة لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من صحابته ﵁ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ) ] فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية ٢/٣٨٤.\rوثانياً: إن قراءة الفاتحة عند الخطبة كما جرى العرف به عند كثير من الناس لا تعتبر عقداً للزواج إذ عقد الزواج لا بد فيه من الإيجاب والقبول والمراد بذلك الألفاظ التي تصدر عن كل واحد من المتعاقدين للدلالة على رضاه بالمعقود عليه وقد نصت المادة١٤ من قانون الأحوال الشخصية المعمول به في بلادنا على ما يلي: (ينعقد الزواج بإيجاب وقبول الخاطبين أو وكيليهما في مجلس العقد) ويكون الإيجاب والقبول بالألفاظ الصريحة كما ورد في المادة ١٥ من القانون المذكور.\rوثالثاً: يجب كتابة عقد الزواج خطياً وتسجيله في المحاكم الشرعية ولا يُكتفى بالإيجاب والقبول الشفويين لأن في كتابة عقد الزواج خطياً تحقيق لمصالح عظيمة للناس وفيه محافظة على حقوق المتزوجين وقد نص قانون الأحوال الشخصية على ذلك في المادة ١٧: (أ. يجب على الخاطب مراجعة القاضي أو نائبه لإجراء العقد. ب. يجري عقد الزواج من مأذون القاضي بموجب وثيقة رسمية.)\r\rوخلاصة الأمر أن قراءة الفاتحة ليست عقداً للزواج ولا يجوز شرعاً أن يترتب عليها ما يترتب على عقد الزواج الصحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346402,"book_id":3840,"shamela_page_id":782,"part":"15","page_num":50,"sequence_num":782,"body":"٥٠ - القواعد من النساء\rيقول السائل: ما المقصود بالقواعد من النساء اللواتي ذكرن في سورة النور وما حدود التعامل معهن من حيث النظر والمصافحة أفيدونا؟\rالجواب: قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة النور الآية ٦٠. قال الزبيدي [القاعد من النساء التي قعدت عن الولد وعن الحيض وعن الزوج والجمع قواعد. وفي الأفعال: قعدت المرأة عن الحيض: انقطع عنها وعن الأزواج: صبرت، وفي التنزيل: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال الزجاج: هن اللواتي قعدن عن الأزواج، وقال ابن السكيت: امرأة قاعد، إذا قعدت عن المحيض، فإذا أردت القعود قلت: قاعدة... وقال أبو الهيثم: القواعد من صفات الإناث، لا يقال رجال قواعد. وفي حديث أسماء الأشهلية: (إنا معاشر النساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم وحوامل أولادكم) قال ابن الأثير: القواعد: جمع قاعد، وهي المرأة الكبيرة المسنة، هكذا يقال بغير هاء، أي أنها ذات قعود، فأما قاعدة فهي فاعلة من قولك قد قعدت قعوداً، ويجمع على قواعد أيضاً] تاج العروس من جواهر القاموس ٥/ ١٩٦. وقد اتفق أهل التفسير على أن القواعد من النساء هن اللواتي لا مطمع للرجال فيهن لكبرهن في العمر وانقطاع الحيض عنهن. أخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يقول المرأة إذا قعدت عن النكاح. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني المرأة الكبيرة التي لا تحيض من الكبر ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ يعني تزويجاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ قال: لا يردنه. تفسير السيوطي ٦/٢٢٣. وقال الإمام القرطبي في تفسير الآية السابقة: [قوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ القواعد واحدتها قاعد بلا هاء ليدل حذفها على أنه قعود الكبر كما قالوا امرأة حامل ليدل بحذف الهاء أنه حمل حبل، قال الشاعر: فلو أن ما في بطنه بين نسوة حبلن وإن كن القواعد عقرا\rوقالوا في غير ذلك قاعدة في بيتها وحاملة على ظهرها بالهاء ... القواعد العجز اللواتي قعدن عن التصرف من السن وقعدن عن الولد والمحيض وهذا قول أكثر العلماء، قال ربيعة: هي التي إذا رأيتها تستقذرها من كبرها] تفسير القرطبي ١٢/٣٠٩. وقال ابن كثير: [والقواعد من النساء، قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والضحاك وقتادة: هن اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد: ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي لم يبق لهن تشوف إلى التزوج فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة أي ليس عليهن من الحجر في التستر كما على غيرهن من النساء] تفسير ابن كثير ٣/٣٠٤- ٣٠٥. فالقواعد من النساء هن الكبيرات في العمر ولا مطمع للرجال فيهن وقد انقطع الحيض عنهن فإذا كانت المرأة كذلك جاز لها التخفف من الجلباب الشرعي كما قال تعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ والمقصود بوضع الثياب الرداء الذي ترتديه المرأة فوق ثيابها وهو الجلباب المعروف الذي ترتديه المرأة فوق ثيابها عند الخروج من البيت وهذا ما ذهب إليه أهل العلم فقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عمر ﵄ في الآية قال: تضع الجلباب. وأخرج عبد الرزاق والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبرانى والبيهقى في السنن عن ابن مسعود (أن يضعن ثيابهن) قال: الجلباب والرداء. تفسير فتح القدير للشوكاني ٤/ ٥٥. وقال ابن كثير [... قال ابن مسعود في قوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال الجلباب أو الرداء وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والزهري والأوزاعي وغيرهم، وقال أبو صالح تضع الجلباب وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار، وقال سعيد بن جبير وغيره في قراءة عبد الله بن مسعود أن يضعن من ثيابهن وهو الجلباب من فوق الخمار فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق] تفسير ابن كثير ٣/٣٠٤- ٣٠٥ وقال ابن الجوزي [قوله تعالى ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ أي عند الرجال ويعني بالثياب الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار هذا المراد بالثياب لا جميع الثياب] تفسير ابن الجوزي ٦/٦٢ – ٦٣. وقد علل الإمام القرطبي جواز التخفف من الجلباب للقواعد من النساء بقوله [إنما خص القواعد بذلك لانصراف الأنفس عنهن إذ لا مذهب للرجال فيهن فأبيح لهن ما لم يبح لغيرهن وأزيل عنهن كلفة التحفظ المتعب لهن] تفسير القرطبي١٢/٣٠٩ وقد بين الله ﷾ أنه يجوز للقواعد من النساء وضع الثياب بشرط أن لا يبدين زينتهن للرجال ولا يتبرجن والتبرج عند العلماء هو أن تظهر المرأة زينتها ومحاسنها مما يجب عليها ستره وذلك قوله تعالى ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قال الإمام القرطبي [قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة لينظر إليهن فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق والتبرج التكشف والظهور للعيون] تفسير القرطبي ١٢/٣٠٩.\rومع جواز تخففهن من الثياب إلا أن الاستعفاف خير لهن بنص الآية الكريمة ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في السنن عن عاصم الأحول قال: دخلت على حفصة بنت سيرين وقد ألقت عليها ثيابها، فقلت أليس يقول الله ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قالت: اقرأ ما بعده ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ وهو ثياب الجلباب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ قال: يلبسن جلابيبهن. ذكرهما السيوطي في تفسيره ٦/٢٢٣\rوعليه فلا ينبغي للقواعد من النساء أن يتوسعن في هذا الأمر فيتساهلن في لباسهن تساهلاً كبيراً ويتبرجن فإن ذلك حرام عليهن. [وفي ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إشارة إلى تحذير النساء المتقدمات بالسن - المرخص لهن بترك شيء من الحجاب – من ادعاء كونهن قواعد ولسن كذلك، أو خروجهن – بدعوى الرخصة – متبرجات بزينة وذلك مما لم يأذن به الله تعالى، السميع لما يقلن العليم بما يتصرفن الخبير بما يكتمن في قلوبهن] حجاب المسلمة بين انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ص١١١. وأما بالنسبة للنظر إلى النساء الكبيرات فلا بأس بالنظر إليهن قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [والعجوز التي لا يشتهى مثلها لا بأس بالنظر منها إلى ما يظهر غالباً لقول الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ... وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ قال: فنسخ واستثنى من ذلك القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً الآية وفي معنى ذلك الشوهاء التي لا تشتهى] المغني ٧/١٠٢ - ١٠٣. وأما مصافحة النساء الكبيرات فلا تجوز على الراجح من أقوال أهل العلم لأن الأدلة التي حرمت مصافحة المرأة الأجنبية عامة شاملة لعموم النساء الشابات والعجائز بلا فرق بينهن قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز والشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين جواباً على السؤال التالي: هل تجوز مصافحة المرأة الأجنبية؟ وإذا كانت تضع على يدها حاجزاً من ثوب وغيره فما الحكم؟ وهل يختلف الأمر إذا كان المصافح شاباً أو شيخاً أو كانت امرأة عجوزاً؟ قال الشيخان المذكوران في الجواب: [لا تجوز مصافحة النساء غير المحارم مطلقاً سواء كن شابات أو عجائز وسواء أكان المصافح شاباً أم شيخاً كبيراً لما في ذلك من خطر الفتنة لكل منهما، وقد صح أن رسول الله ﷺ قال: (إني لا أصافح النساء) وقالت عائشة ﵂ (ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط، ما كان يبايعهن إلا بالكلام] ولا فرق بين كونها تصافحه بحائل أو بغير حائل، لعموم الأدلة ولسد الذرائع المفضية إلى الفتنة] فتاوى العلماء للنساء ص ٥٠. وقال الدكتور عبد الكريم زيدان: [ومن عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم وذكر ما جاء في السنة النبوية الشريفة بشأن المس والمصافحة بين الرجل والمرأة الأجنبية يترجح عندي عدم جواز المصافحة بين الرجل والمرأة الأجنبية سواء بدأ بالمصافحة الرجل أو بدأت بها المرأة سواء شابين أو عجوزين أو كان أحدهما شاباً والآخر عجوزاً، لأن الأحاديث التي ذكرنا وأفادت حظر المصافحة بين الرجل والمرأة الأجنبية جاءت مطلقة دون أن يرد فيها ما يقيد عدم الجواز بالشاب والشابة وجوازها بالنسبة للعجوز] المفصل في أحكام المرأة ٣/٢٣٩.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للنساء الكبيرات في العمر أن يتخففن من الجلباب بشرط أن لا يتبرجن ولا بأس بالنظر إلى ما يظهر من المرأة الكبيرة التي لا تشتهى وأما مصافحتها فحرام شرعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346403,"book_id":3840,"shamela_page_id":783,"part":"15","page_num":51,"sequence_num":783,"body":"٥١ - يحرم تقبيل المرأة الأجنبية\rيقول السائل: كما تعلمون فإن الناس في العيد يزور بعضهم بعضاً وفي أثناء زيارتنا لابنة عمي وهي امرأة متزوجة قام أخي بتقبيلها على خدها ولما أخبرته أن ذلك لا يجوز قال لي إن هذه القبلة من باب التحية ولا شهوة فيها فهي جائزة فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: لا شك أن ما قام به أخوك من تقبيل ابنة عمه من المحرمات المتفق على تحريمها عند أهل العلم\rفمن المعروف أن ابنة العم تعتبر أجنبية على ابن عمها فلا يجوز له أن يصافحها ولا يجوز له أن يقبلها مطلقاً حتى لو كانت القبلة بدون شهوة والمقصود بالمرأة الأجنبية عند العلماء هي كل امرأة يجوز للرجل نكاحها وهي غير القريبة المحرم وغير الزوجة.\rوقد نص العلماء من أرباب المذاهب الأربعة وغيرهم على حرمة تقبيل المرأة الأجنبية بشهوة أو بدون شهوة فمن أقوالهم في ذلك: قال الإمام المرغيناني الحنفي صاحب كتاب الهداية: [ولا يحل له أن يمس وجهها ولا كفيها وإن كان يأمن الشهوة] الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٨/٤٦٠. وقال صاحب الاختيار: [ولا ينظر إلى المرأة الأجنبية إلا إلى الوجه والكفين إن لم يخف الشهوة، فإن خاف الشهوة لا يجوز إلا للحاكم والشاهد ولا يجوز أن يمس ذلك وإن أمن الشهوة] . الاختيار لتعليل المختار ٤/ ١٥٦. وقال الزيلعي: [ولا يجوز له أن يمس وجهها ولا كفيها وإن أمن الشهوة لوجود المحرم وانعدام الضرورة والبلوى] . تبين الحقائق ٦/١٨. وقال ابن عابدين: [فلا يحل مس وجهها وكفها وإن أمن الشهوة] . حاشية ابن عابدين ٦/٣٦٧.\rوقال الإمام النووي: [وقد قال أصحابنا كل من حرم النظر إليه حرم مسه بل المس أشد، فإنه يحل النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوجها وفي حال البيع والشراء والأخذ والعطاء ونحو ذلك، ولا يجوز مسها في شيء من ذلك] . الأذكار ص ٢٢٨. وقال الحصني الشافعي: [وأعلم أنه حيث حرم النظر حرم المس بطريق الأولى لأنه أبلغ لذة] كفاية الأخيار ص ٣٥٣.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ويحرم النظر بشهوة إلى النساء والمردان ومن استحله كفر إجماعاً ويحرم النظر مع وجود ثوران الشهوة وهو منصوص الإمام أحمد والشافعي.. وكل قسم متى كان معه شهوة كان حراماً بلا ريب سواء كانت شهوة تمتع النظر أو كانت شهوة الوطء، واللمس كالنظر وأولى] . الاختيارات العلمية ص ١١٨ ضمن الفتاوى الكبرى المجلد الخامس. وقال صاحب منار السبيل: [ولمس كنظ وأولى لأنه أبلغ منه فيحرم المس حيث يحرم النظر] . منار السبيل ٢/ ١٤٢. وغير ذلك من أقوالهم.\rوقد احتج العلماء على تحريم تقبيل المرأة الأجنبية بأدلة كثيرة منها: إن الله تعالى ﷾ قد حرم النظر إلى المرأة الأجنبية من غير سبب مشروع فما بالك بتقبيلها قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ سورة النور الآيتان ٣٠- ٣١\rبل إن رسول الله ﷺ قد حث المسلم على أن يصرف بصره إذا وقع على امرأة أجنبية فقد ثبت في الحديث عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فقال: إصرف بصرك) رواه مسلم.\rوعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وهو حديث حسن والأدلة على تحريم النظر إلى الأجنبية بدون سبب مشروع كثيرة فإذا كان النظر محرماً فمن باب أولى القبلة لأن القبلة أعظم أثراً في النفس من مجرد النظر حيث إن القبلة أكثر إثارة للشهوة وأقوى داعياً للفتنة من النظر بالعين وكل منصف يعلم ذلك.\rومما يدل على تحريم تقبيل المرأة الأجنبية ما ورد في الحديث عن معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) رواه الطبراني والبيهقي وقال المنذري: [رجال الطبراني ثقات رجال الصحيح] . الترغيب والترهيب ٣/٣٩. وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الأول حديث رقم ٣٢٦.\rوقد اعتبر النبي ﷺ القبلة للأجنبية نوعاً من الزنا كما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال (لكل ابن آدم حظه من الزنا ... واليدان تزنيان فزناهما البطش، والرجلان تزنيان فزناهما المشي، والفم يزني فزناه القُبَل) والقُبَل جمع قُبلة والحديث رواه أحمد وأبو داود وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٠٤.\rومما يدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي اليسر قال: أتتني امرأة تبتاع تمراً فقلت: إن في البيت تمراً أطيب منه فدخلت معي في البيت فأهويت إليها فقبلتها. فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال استر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً فلم أصبر فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال استر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً فلم أصبر فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال له (أخلفت غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟) حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل النار قال: وأطرق رسول الله ﷺ طويلاً حتى أوحي إليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها عليَّ رسول الله ﷺ فقال أصحابه: يا رسول الله ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: (بل للناس عامة) . رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني حديث حسن كما في صحيح سنن الترمذي ٣/٦٣. فهذا الحديث يدل على أن تقبيل الأجنبية محرم وانظر إلى قول أبي بكر وعمر ﵄ للرجل: استر على نفسك وتب. وانظر إلى ما قاله رسول الله ﷺ للرجل وهذا فيه أبلغ دلالة على التحريم.\rوأما ادعاء أخيك بأن تقبيل ابنة عمه يعتبر من باب التحية فهذا كلام باطل لأن الدين شرع التحية وبينها كما في الأدلة الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وليس من التحية تقبيل المرأة الأجنبية!! ولا يقول بجواز تقبيل المرأة الأجنبية وأن ذلك من المباحات إلا فاسق أو جاهل بالأدلة الشرعية ومقاصد الشريعة المحمدية. وينبغي نبذ الفتاوى العرجاء التي تبيح تقبيل المرأة الأجنبية ولا تصدر هذه الفتاوى إلا من جهلة لا يعرفون ألف باء الإفتاء الشرعي.\rوخلاصة الأمر أن تقبيل المرأة الأجنبية بشهوة أو بدون شهوة من المحرمات وأن على أخيك أن يتوب إلى الله ﷾ مما اقترف ومما قال لأنه قال منكراً من القول وزوراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346404,"book_id":3840,"shamela_page_id":784,"part":"15","page_num":52,"sequence_num":784,"body":"٥٢ - تأجير الأرحام محرم شرعا\rيقول السائل: قام زوجان بعملية تلقيح صناعي لأسباب تتعلق بعدم قدرة الزوجة على الحمل وتمّت زراعة البويضة الملقحة في رحم امرأة أخرى وعمر الجنين الآن خمسة أشهر وقد علما أن هذا العملية حرام شرعاً فما العمل؟ وهل يجوز إجهاض الجنين وإن لم يجهض فلمن ينسب المولود؟ أفيدونا.\rالجواب: هذه المسألة من نتائج الحضارة الغربية غير الأخلاقية وتسمى مسألة تأجير الأرحام واتفق فقهاء العصر على تحريمها إلا من شذ فرأى جوازها قياساً على الرضاع أو غير ذلك من الشبهات الزائفة وقد بحثت هذه المسألة من المجامع العلمية والفقهية المعتبرة وكذا بحثها عدد كبير من العلماء المعاصرين وصدرت قرارات وفتاوى عديدة بتحريمها فمن ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حيث جاء في قراره ما يلي: بعد استعراضه لموضوع التلقيح الصناعي \"أطفال الأنابيب\" وذلك بالإطلاع على البحوث المقدمة والاستماع لشرح الخبراء والأطباء وبعد التداول تبين للمجلس:\rأن طرق التلقيح الصناعي المعروفة في هذه الأيام هي سبع: الأولى: أن يجري تلقيح بين نطفة مأخوذة من زوج وبييضة مأخوذ ة من امرأة ليست زوجته ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته. الثانية: أن يجري التلقيح بين نطفة رجل غير الزوج وبييضة الزوجة ثم تزرع تلك اللقيحة في رحم الزوجة. الثالثة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة متطوعة بحملها. الرابعة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي رجل أجنبي وبييضة امرأة أجنبية وتزرع اللقيحة في رحم الزوجة الخامسة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى. السادسة: أن تؤخذ نطفة من زوج وبييضة من زوجته ويتم التلقيح خارجياً ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة. السابعة: أن تؤخذ بذرة الزوج وتحقن في الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحمها تلقيحاً داخلياً. وقرر: أن الطرق الخمسة الأولى كلها محرمة شرعاً وممنوعة منعاً باتاً لذاتها أو لما يترتب عليها من اختلاط الأنساب وضياع الأمومة وغير ذلك من المحاذير الشرعية.\rأما الطريقان السادس والسابع فقد رأى مجلس المجمع أنه لا حرج من اللجوء إليهما عند الحاجة مع التأكيد على ضرورة أخذ كل الاحتياطيات اللازمة] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد٣ ج ١ص ٥١٥-٥١٦. وكذلك صدر قرار عن المجمع الفقهي الإسلامي لرابة العالم الإسلامي بتحريم الصورة المذكورة في السؤال في دورته المنعقدة عام ١٤٠٥هـ\rإذا تقرر ذلك فإن تأجير الأرحام من المحرمات لما يترتب عليه من اختلاط الأنساب ولأن المرأة الحاضنة أدخلت إلى بدنها بويضة ملقحة من مني أجنبي عليها وهذا محرم ويمكن تشبيه هذا العمل بالزنا وإن لم يكن زنا حقيقة فهو حرام لا شك فيه وينسب الولد في هذه الحالة للمرأة التي حملت به (المرأة الحاضنة) هذا إذا كانت المرأة الحاضنة غير ذات زوج وأما إن كانت ذات زوج فينسب الولد إلى زوج المرأة الحاضنة ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه قالت فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص وقال ابن أخي قد عهد إليَّ فيه فقام عبد بن زمعة فقال أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فتساوقا - أي اختصما - إلى النبي ﷺ فقال سعد يا رسول الله ابن أخي كان قد عهد إليَّ فيه فقال عبد بن زمعة أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله ﷺ هو لك يا عبد بن زمعة ثم قال النبي ﷺ الولد للفراش وللعاهر الحجر ثم قال لسودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقي الله) رواه البخاري ومسلم، قال الإمام النووي: (قوله ﷺ: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) قال العلماء: العاهر الزاني وعهر زنى وعهرت زنت والعهر الزنا , ومعنى الحجر أي له الخيبة ولا حق له في الولد... وأما قوله ﷺ: (الولد للفراش) , فمعناه أنه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشاً له فأتت بولد لمدة الإمكان منه لحقه الولد وصار ولداً يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة , سواء كان موافقاً له في الشبه أم مخالفاً) شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣١.\rوقال الحافظ ابن عبد البر: [فكانت دعوى سعد سبب البيان من الله ﷿ على لسان رسوله ﷺ في أن العاهر لا يلحق به في الإسلام ولد يدعيه من الزنا وأن الولد للفراش على كل حال والفراش النكاح أو ملك اليمين لا غير ... أجمع العلماء – لا خلاف بينهم فيما علمته - أنه لا يلحق بأحد ولد يستلحقه إلا من نكاح أو ملك يمين فإذا كان نكاح أو ملك فالولد للفراش على كل حال] الاستذكار ٢/١٦٧-١٦٨.\rولا يجوز أن ينسب الولد للرجل صاحب المني ما دام أن المرأة الحاضنة ذات زوج وأما إذا كانت المرأة الحاضنة لا زوج لها فيصح إلحاق الولد بالرجل صاحب المني إن أقر به وادَّعاه على قول جماعة من أهل العلم.\rوأما إجهاض هذا الجنين بعد أن صار عمره خمسة أشهر فهو من المحرمات لأن الأصل هو تحريم الإجهاض بعد مضي مئة وعشرين يوماً على الحمل باتفاق أهل العلم لأن الروح تنفخ في الجنين عند مرور تلك المدة على رأي كثير من العلماء لما ثبت في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيأمر بأربع: برزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ...) رواه البخاري. ويستثنى من هذا الحكم حالة واحدة فقط، وهي إذا ثبت بتقرير لجنة من الأطباء الثقات أهل الاختصاص أن استمرار الحمل يشكل خطراً مؤكداً على حياة الأم فحينئذ يجوز إسقاط الحمل.\rوقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ما يلي: [إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً لا يجوز إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه سواء كان مشوهاً أم لا دفعاً لأعظم الضررين] قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ص ١٢٣.\rوجاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية ما يلي: [من الضروريات الخمس التي دلّت عليها نصوص الكتاب والسنة دلالة قاطعة على وجوب المحافظة عليها وأجمعت الأمة على لزوم مراعاتها حفظ نفس الإنسان وهو في المرتبة الثانية بعد حفظ الدين سواء كانت النفس حملاً قد نفخ فيه الروح أم كانت مولودة ... فلا يجوز الاعتداء عليها بإجهاض إن كانت حملاً قد نفخ فيه الروح أو بإعطائها أدوية تقضي على حياتها وتجهز عليها، طلباً لراحتها أو راحة من يعولها أو تخليصاً للمجتمع من أرباب الآفات والعاهات والمشوهين والعاطلين، أو غير ذلك مما يدفع بالناس إلى التخلص لعموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقّ﴾ وذلك لأن الجنين بعد نفخ الروح أصبح نفساً، يجب صيانتها والمحافظة عليها] .\rوخلاصة الأمر أن تأجير الأرحام من المحرمات وأنه شبيه بالزنا وأن الولد ينسب للمرأة الحاضنة إن لم تكن ذات زوج فإن كانت ذات زوج فينسب إلى زوجها فإن ادَّعاه الرجل صاحب النطفة ولم ينازعه أحد في ذلك ألحق به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346405,"book_id":3840,"shamela_page_id":785,"part":"15","page_num":53,"sequence_num":785,"body":"٥٣ - الحجاب الشرعي\rيقول السائل: ما قولكم فيمن كفر شيخ الأزهر بسبب موقفه من قضية الحجاب في فرنسا؟\rالجواب: إن الحجاب أو الجلباب الشرعي فريضة من فرائض الله ﷾ وهي قضية مسلَّمة بين علماء الأمة قديماً وحديثاً لأنها ثابتة بالنصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) سورة الأحزاب الآية ٥٩. فهذه الآية الكريمة أوجبت اللباس الشرعي على جميع النساء المسلمات. وقال تعالى: (قل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) سورة النور الآيتان ٣٠-٣١. وعن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: (أمرنا أن نخرج الحُيَّض يوم العيدين وذوات الخدور فيشهدون جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزل الحيض عن مصلاهن. قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: لتلبسها أختها من جلبابها) رواه البخاري ومسلم. وجاء في حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂: (أنها كانت عند أختها عائشة وعليها ثياب واسعة الأكمام فلما نظر إليها الرسول ﷺ قام فخرج. فقالت عائشة ﵂ تنحي فقد رأى رسول الله ﷺ أمراً كرهه فتنحت فدخل رسول الله فسألته عائشة ﵂ لم قام؟ قال: أو لم تري هيئتها إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا - أي وجهها وكفيها -) رواه الطبراني والبيهقي وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة المسلمة ص ٥٩. وغير ذلك من الأدلة.\rوما قاله شيخ الأزهر طنطاوي حول الحجاب ونصه (مسألة الحجاب للمرأة المسلمة فرض إلهي، وإذا قصرت في أدائه حاسبها الله على ذلك؛ ولذلك لا يستطيع أي مسلم سواء كان حاكمًا أو محكومًا أن يخالف ذلك، ولا نسمح لغيرنا أن يتدخل في ئوننا كدولة مسلمة هذا إذا كانت المرأة المسلمة تعيش في دولة إسلامية، أما إذا كانت تعيش في دولة غير إسلامية كفرنسا، وأراد المسئولون بها أن يقرروا قوانين تتعارض مع مسألة الحجاب للمرأة المسلمة، فهذا يعد حقهم، وأكرر أن هذا حقهم الذي لا أستطيع أن أعارض فيه كمسلم لأنهم غير مسلمين... في هذه الحالة عندما تستجيب المرأة المسلمة لقوانين الدولة غير المسلمة، تكون من الناحية الشرعية في حكم المضطر) انتهى كلام شيخ الأزهر.\rوأقول إن كلام طنطاوي شيخ الأزهر فيه حق وباطل أما ما قاله عن فرضية الحجاب فهو حق وأما ما زعمه من (حرية فرنسا أن تقرر قوانين تتعارض مع مسألة الحجاب للمرأة المسلمة، فهذا يعد حقهم، وأكرر أن هذا حقهم الذي لا أستطيع أن أعارض فيه كمسلم لأنهم غير مسلمين) فهذا كلام باطل وموقفه هذا خذلان لمسلمات فرنسا وغيرهن من المسلمات اللواتي يعشن في غير العالم الإسلامي وفي كلام شيخ الأزهر فتح لباب شر واسع على المسلمين في الغرب فغداً ستحذو دول أخرى حذو فرنسا في اتخاذ قرارات بمنع الحجاب وماذا لو اتخذت دول الغرب قرارات بمنع إقامة صلاة الجمعة أو إغلاق المساجد أو منع المسلمين من الأضحية وغير ذلك مما يطمس شخصية المسلمين في الغرب؟!! وكان الواجب الشرعي على شيخ الأزهر أن يطالب الحكومة الفرنسية بإتاحة حرية ممارسة الشعائر الدينية للمسلمين وفق مبادىء الحرية التي تتغنى بها فرنسا أم أن الحرية إذا وصلت للمسلمين فإنها تتوقف!! إنه لأمر مؤسف ومحزن أن يتمكن وزير داخلية فرنسا من انتزاع صك من مشيخة الأزهر يستند إليه في تشريع قانون حظر الحجاب!! إن واجب علماء الأمة أن ينكروا على شيخ الأزهر موقفه السابق وقد حصل هذا الإنكار من عدد كبير من العلماء فقد أنكر عدد من العلماء كلام شيخ الأزهر، واعتبروه باطلاً ولا أصل له في الشرع ولكن ينبغي الحذر الشديد من السقوط في منزلق التكفير حيث إن بعض الناس تسرعوا في تكفير شيخ الأزهر وإخراجه من ملة الإسلام والمسلمين وهذا كلام خطير جداً يجب التحذير منه فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) وعن أبي ذرٍ ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك) . رواه البخاري وفي رواية عند مسلم قال: (ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه) . أي رجع عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأما التكفير فالصواب أن من اجتهد من أمة محمد، ﷺ وقصد الحق فأخطأ لم يكفر بل يغفر له خطؤه ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب ثم قد يكون فاسقاً وقد يكون له حسنات ترجح على سيئاته] مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٨٠. وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين: [للحكم بتكفير المسلم شرطان: أحدهما: أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء مما يكفر. الثاني: إنطباق الحكم على من فعل ذلك بحيث يكون عالماً بذلك قاصداً له فإن كان جاهلاً لم يكفر لقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) سورة النساء الآية ١١٥. وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) سورة التوبة الآية ١١٥. وقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) سورة الإسراء الآية ١٥. لكن إن فرط بترك التعلم والتبين لم يعذر مثل أن يبلغه أن عمله هذا كفر فلا يتثبت ولا يبحث فإنه لا يكون معذوراً حينئذ. وإن كان غير قاصد لعمل ما يكفر لم يكفر بذلك مثل أن يكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ومثل أن ينغلق فكره فلا يدري ما يقول لشدة فرح ونحوه كقول صاحب البعير الذي أضلها ثم اضطجع تحت شجرة ينتظر الموت فإذا بخطامها متعلقاً بالشجرة فأخذه فقال: [اللهم أنت عبدي وأنا ربك] أخطأ من شدة الفرح] فتاوى العقيدة ص٢٦٣-٢٦٤.\rوخلاصة الأمر أن الإقدام على التكفير أو التفسيق بغير دليل من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ يعتبر جرأة على دين الله وقولاً على الله بغير علم وهو على خلاف طريقة أهل العلم من سلفنا الصالح رضوان الله عليهم. فالحذر الحذر من إطلاق ألفاظ التكفير أو التفسيق أو التبديع بغير حجة ولا برهان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346406,"book_id":3840,"shamela_page_id":786,"part":"15","page_num":54,"sequence_num":786,"body":"٥٤ - اللعان\rيقول السائل: أنا شاب أدرس في غير بلدي، وكان لي صديق يدرس في نفس البلد، هو وزوجته، ثم ضاقت به الظروف فلم يستطع أن يدفع إيجار الشقة فنزل علي ضيفًا هو وزوجته حتى يفرغا من دراستهما وقد كان صديقي كثير الخروج لدروسه، مما سمح بوجود علاقة بيني وبين زوجته بالجماع الكامل لمدة شهرين، ثم عدت إلى دولتي. وفوجئت أن هذا الجماع أثمر طفلاً يشبهني وقد أخبرتني زوجة صديقي بأنه ولدي، ولما رأى أبوه الولد أنكره لعدم شبهه به، وهو الآن يفكر جديًّا في طلاقها؛ لأنه يكاد يجزم بأن الولد ليس ولده، وقد مرَّ على الطفل عام ونصف ولم يسجله باسمه، ولا يريد أن يفعل والسؤال: أنا أعرف أنني أخطأت، ومستعد لما تملونه عليّ. ولكن ما ذنب هذا الطفل، وباسم من يسجل، ومن ينفق عليه، ومع من يعيش؟ وهل أعترف لصديقي بالأمر؟ ماذا أفعل أرجوكم.\rالجواب: إن الزنى كبيرة من كبائر الذنوب وقد ازداد إثم هذا الزاني لأنه زنى بزوجة جاره بل بزوجة ضيفه، وعلى هذا الزاني أن يتوب إلى الله ﷿ ﷾ توبة صادقة نصوحا، حيث إنه قد وقع في ذنب عظيم، وهناك قضية مهمة أود الإشارة إليها وهي أن السبب في وقوع هذه المعاصي هو التساهل في الأحكام الشرعية، حيث إن الخلوة التي حصلت بين السائل وزوجة صديقه هي التي أوقعته في جريمة الزنا، ولو أنه التزم بالحكم الشرعي لما وقع في هذه الجريمة قال النبي ﷺ (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) رواه مسلم وقوله ﷺ (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٤٣٢.\rوأما ما يتعلق بالولد الذي هو ثمرة الزنا فقد قرر أهل العلم أن الولد للفراش أي أن الولد ينسب لزوج المرأة الزانية ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه قالت فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص وقال ابن أخي قد عهد إليَّ فيه فقام عبد بن زمعة فقال أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فتساوقا - أي اختصما - إلى النبي ﷺ فقال سعد يا رسول الله ابن أخي كان قد عهد إلي فيه فقال عبد بن زمعة أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله ﷺ هو لك يا عبد بن زمعة ثم قال النبي ﷺ الولد للفراش وللعاهر احجر ثم قال لسودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقي الله) رواه البخاري ومسلم\rقال الإمام النووي: (قوله ﷺ: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) قال العلماء: العاهر الزاني وعهر زنى وعهرت زنت والعهر الزنا , ومعنى الحجر أي له الخيبة ولا حق له في الولد... وأما قوله ﷺ: (الولد للفراش) , فمعناه أنه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشاً له فأتت بولد لمدة الإمكان منه لحقه الولد وصار ولداً يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة , سواء كان موافقاً له في الشبه أم مخالفاً) شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣١.\rوقال الحافظ ابن عبد البر: [فكانت دعوى سعد سبب البيان من الله ﷿ على لسان رسوله ﷺ في أن العاهر لا يلحق به في الإسلام ولد يدعيه من الزنا وأن الولد للفراش على كل حال والفراش النكاح أو ملك اليمين لا غير ... أجمع العلماء – لا خلاف بينهم فيما علمته - أنه لا يلحق بأحد ولد يستلحقه إلا من نكاح أو ملك يمين فإذا كان نكاح أو ملك فالولد للفراش على كل حال] الاستذكار ٢/١٦٧-١٦٨. ولا يجوز أن ينسب الولد للزاني حتى ولو اعترف الزاني بأن الولد منه ما دامت الزانية ذات زوج وأما إذا كانت الزانية لا زوج لها فيصح إلحاق الولد بالزاني إن أقر به على قول جماعة من أهل العلم.\rوأما قول السائل إن زوج المرأة قد أنكر الولد لما رأى أنه لا يشبهه فإن الشريعة قد شرعت اللعان في هذه الحالة وهي أن ينكر الزوج ولداً أنجبته زوجته قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ سورة النور الآيات ٦-٩. وقد ذكر أهل العلم أن سبب نزول هذه الآيات هو ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵁ أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك ابن سحماء فقال النبي ﷺ البينة أو حد في ظهرك فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة فجعل النبي ﷺ يقول البينة وإلا حد في ظهرك فقال هلال والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل وأنزل عليه والذين يرمون أزواجهم فقرأ حتى بلغ إن كان من الصادقين فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليها فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ يقول إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا إنها موجبة قال ابن عباس فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي ﷺ أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك ابن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي ﷺ لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن) رواه البخاري ويشترط في اللعان بين الزوجين أن يكون اللعان فورياً بأن ينفي الزوج الولد بمجرد الولادة قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: (وإذا ولدت امرأته ولداً فسكت عن نفيه مع إمكانه لزمه نسبه ولم يكن له نفيه بعد ذلك وبهذا قال الشافعي) المغني ٨/٦١ وإذا تم اللعان بين الزوجين تفرقا فرقة أبدية لما ورد في الحديث عن سهل بن سعد (... فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً) رواه أبو داود وغير وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٢٤.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346407,"book_id":3840,"shamela_page_id":787,"part":"15","page_num":55,"sequence_num":787,"body":"٥٥ - حرية المرأة في تصرفها بمالها\rيقول السائل: إنه قرأ حديثاً عن النبي ﷺ في سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني ونصه: (ليس للمرأة أن تنتهك شيئاً من مالها إلا بإذن زوجها) وقد ذكر الشيخ الألباني أن هذا الحديث وما في معناه يدل على أن المرأة لا يجوز لها أن تتصرف بمالها الخاص إلا بإذن زوجها فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: إن الإسلام قد أعطى المرأة حقوقاً كثيرة ومن ذلك أن الشريعة الإسلامية قد أثبتت للمرأة ذمة مالية مستقلة فالمرأة أهل للتصرفات المالية تماماً كالرجل فهي تبيع وتشتري وتستأجر وتؤجر وتوكل وتهب ولا حجر عليها في ذلك ما دامت عاقلة رشيدة وقد دلت على ذلك عموم الأدلة من كتاب الله ﷾ ومن سنة النبي ﷺ فمن ذلك قوله تعالى: (فَإِنْءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) سورة النساء الآية ٦.\rوالمرأة داخلة في هذا العموم على الصحيح من أقوال أهل العلم ومن قال سوى ذلك فقوله تحكم لا دليل عليه كما قال القرطبي عند تفسيره للآية الكريمة. انظر تفسير القرطبي ٥/٣٨-٣٩.\rوكذلك فإن المرأة داخلة في عموم النصوص التي وردت فيها التكاليف الشرعية بلا فرق بينها وبين الرجل إلا ما أخرجه الدليل. هذا بشكل عام وأما الأدلة بخصوص السؤال فكثيرة منها ما قاله الإمام البخاري في صحيحه:\r[باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج فهو جائز إذا لم تكن سفيهة فإذا كانت سفيهة لم يجز. وقال الله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) سورة النساء الآية ٥. ثم ذكر عدة أحاديث منها حديث كريب مولى ابن عباس: (أن ميمونة بنت الحارث ﵂ أخبرته أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي ﷺ فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال: أو فعلت؟ قالت: نعم قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك) . قال الحافظ ابن حجر: [قوله باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج] أي ولو كان لها زوج [فهو جائز إذا لم تكن سفيهة فإذا كانت سفيهة لم يجز. وقال تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) ] وبهذا الحكم قال الجمهور وخالف طاووس فمنع مطلقاً وعن مالك ﵁ لا يجوز لها أن تعطي بغير إذن زوجها ولو انت رشيدة إلا من الثلث وعن الليث لا يجوز مطلقاً إلا في الشيء التافه. وأدلة الجمهور من الكتاب والسنة كثيرة واحتج لطاووس بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه (لا تجوز عطية امرأة في مالها إلا بإذن زوجها) أخرجه أبو داود والنسائي وقال ابن بطال: وأحاديث الباب أصح وحملها مالك على الشيء اليسير وجعل حده الثلث فما دونه] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٥/٢٦٧-٢٦٨. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وظاهر كلام الخرقي: أن للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله بالتبرع والمعاوضة. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر وعن أحمد رواية أخرى: ليس لها أن تتصرف في مالها بزيادة على الثلث بغير عوض إلا بإذن زوجها وبه قال مالك] ثم قال ابن قدامة مستدلاً لقول الجمهور: [ولنا قوله تعالى: (فَإِنْءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) وهو ظاهر في فك الحجر عنهم وإطلاقهم في التصرف. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: (يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن) وأنهن تصدقن فقبل صدقتهن ولم يسأل ولم يستفصل. وأتته زينب امرأة عبد الله وامرأة أخرى اسمها زينب فسألته عن الصدقة: هل يجزيهن أن يتصدقن على أزواجهن وأيتام لهن؟ فقال: نعم ولم يذكر لهن هذا الشرط ولأن من وجب دفع ماله إليه لرشده جاز له التصرف فيه من غير إذن كالغلام ولأن المرأة من أهل التصرف ولا حق لزوجها في مالها فلم يملك الحجر عليها في التصرف بجميعه كأختها وحديثهم ضعيف وشعيب لم يدرك عبد الله بن عمرو فهو مرسل وعلى أنه صحيح محمول على أنه لا يجوز عطيتها لماله بغير إذنه بدليل أنه يجوز عطيتها ما دون الثلث من مالها وليس معهم حديث يدل على تحديد المنع بالثلث فالتحديد بذلك تحكم ليس فيه توقيف ولا عليه دليل وقياسهم على المريض غير صحيح لوجوه: أحدها: أن المرض سبب يفضي إلى وصول المال إليهم بالميراث والزوجية إنما تجعله من أهل الميراث فهي أحد وصفي العلة فلا يثبت الحكم بمجردها كما لا يثبت للمرأة الحجر على زوجها ولا لسائر الوارث بدون المرض. الثاني: أن تبرع المريض موقوف فإن برئ من مرضه صح تبرعه وههنا أبطلوه على كل حال والفرع لا يزيد على أصله. الثالث: أن ما ذكروه منتقض بالمرأة فإنها تنتفع بمال زوجها وتنبسط فيه عادة ولها النفقة منه وانتفاعها بماله أكثر من انتفاعه بمالها وليس لها الحجر عليه وعلى أن هذا المعنى ليس بموجود في الأصل ومن شرط صحة القياس وجود المعنى المثبت للحكم في الأصل والفرع جميعاً] المغني ٤/٣٤٨-٣٤٩.\rوالحديث الذي ذكره ابن قدامة في تصدق النساء بحليهن رواه البخاري ومسلم وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه قد استدل بالحديث على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها أو على مقدار معين من مالها كالثلث خلافاً لبعض المالكية ووجه الدلالة من القصة ترك الاستفصال عن ذلك كله قال القرطبي: ولا يقال في هذا إن أزواجهن كانوا حضوراً لأن ذلك لم ينقل ولو نقل فليس فيه تسليم أزواجهن لهن ذلك لأن من ثبت له الحق فالأصل بقاؤه حتى يصرح بإسقاطه ولم ينقل أن القوم صرحوا بذلك] فتح الباري ٢/٦٠٣-٦٠٤.\rواحتج الجمهور على قولهم أيضاً بما ورد في الحديث عن أم الفضل بنت الحارث ﵂ (أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ فقال بعضهم: هو صائم وقال بعضهم: ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه) رواه البخاري ومسلم.\rقال الإمام النووي في شرح الحديث إن من فوائده: [إباحة قبول هدية المرأة المزوجة الموثوق بدينها ولا يشترط أن يسأل هل هو من مالها أم من مال زوجها أو أنها أذن فيه أم لا إذا كانت موثوقاً بدينها. ومنها أن تصرف المرأة في مالها جائز ولا يشترط إذن الزوج سواء الزوج سواء تصرفت في الثلث أو أكثر وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال مالك: لا تتصرف فيما فوق الثلث إلا بإذنه وموضع الدلالة من الحديث أنه ﷺ لم يسأل هل هو من مالها ويخرج من الثلث أو بإذن الزوج أم لا؟ ولو اختلف الحكم لسأل] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٩٧-١٩٨.\rهذه أهم أدلة الجمهور على جواز تصرف المرأة في مالها بدون إذن زوجها وأما الحديث الذي ذكره السائل وهو (ليس للمرأة أن تنتهك شيئاً من مالها إلا بإذن زوجها) وما في معناه مثل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: (لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها) رواه أبو داود وابن ماجة وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: (لا تجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها) رواه أبو داود.\rوعن عبد الله بن يحيى عن أبيه عن جده: (أن جدته خيرة امرأة كعب بن مالك أتت رسول الله ﷺ بحلي لها فقالت: إني تصدقت بهذا. فقال لها رسول الله ﷺ: (لا يجوز للمرأة في مالها إلا بإذن زوجها فهل استأذنت كعباً؟ قالت: نعم. فبعث رسول الله ﷺ إلى كعب بن مالك زوجها فقال: هل أذنت لخيرة أن تتصدق بحليها؟ فقال: نعم فقبله رسول الله ﷺ منها) قال في الزوائد: في إسناده يحيى وهو غير معروف في أولاد كعب فالإسناد ضعيف] سنن ابن ماجة ٢/٧٩٨. وقال الطحاوي: حديث شاذ لا يثبت. وقال الحافظ ابن عبد البر إسناد ضعيف لا تقوم به الحجة انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٤٩٤. وهذه الأحاديث التي استدل بها المخالف أجاب عنها جمهور أهل العلم بعدة أجوبة منها: أولاً: إن هذه الأحاديث ضعيفة لا تصلح للاستدلال وبيان ذلك أن الحديث الأول وهو [ليس للمرأة أن تنتهك شيئاً من مالها إلا بإذن زوجها] حديث ضعيف قال الهيثمي [رواه الطبراني وفيه جناح مولى الوليد وهو ضعيف] مجمع الزوائد ٥/١٥. ونقل المناوي عن الهيثمي قوله [وفيه جماعة لم أعرفهم] فيض القدير ٥/٤٨٢ كما أن الشيخ الألباني ضعف الحديث بقوله: [قلت هذا إسناد ضعيف] إلا أنه قواه بشواهده في السلسلة الصحيحة ٢/٤١٩. وأما حديث عمرو بن شعيب فضعفه الإمام الشافعي فقد ذكر البيهقي عن الشافعي أنه قال: [يعني في هذا الحديث سمعناه وليس بثابت فيلزمنا نقول به والقرآن يدل على خلافه ثم السنة ثم الأثر ثم المعقول وقال في مختصر البويطي والربيع قد يمكن أن يكون هذا في موضع الاختيار كما قيل ليس لها أن تصوم يوماً وزوجها حاضر إلا بإذنه فإن فعلت فصومها جائز وإن خرجت بغير إذنه فباعت فجائز وقد اعتقت ميمونة ﵂ قبل أن يعلم النبي ﷺ فلم يعب ذلك عليها فدل هذا مع غيره على أن قول النبي ﷺ إن كان قاله أدب واختيار لها قال الشيخ الطريق في هذا الحديث إلى عمرو بن الشعيب صحيح ومن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب لزمه إثبات هذا إلا أن الأحاديث التي مضت في الباب قبله أصح إسناداً وفيها وفي الآيات التي احتج بها الشافعي ﵀ دلالة على نفوذ تصرفها في مالها دون الزوج فيكون حديث عمرو بن شعيب محمولاً على الأدب والاختيار كما أشار إليه في كتاب البويطي وبالله التوفيق] السنن الكبرى ٦/٦٠-٦١.\rوأما حديث خيرة امرأة كعب فهو حديث ضعيف أيضاً كما سبق في كلام الطحاوي وابن عبد البر.\rثانياً: قال الجمهور لو سلمنا بصحة الأحاديث التي احتج بها المخالف لقدمت عليها أحاديثنا لأنها أصح منها\rثالثاً: إن عموم الأدلة التي احتج بها الجمهور أقوى من هذه الأحاديث التي لم تسلم من الطعن.\rرابعاً: لو سلمنا بصحة هذه الأحاديث فإنها تحمل على أن ذلك من حسن معاشرة الزوجة لزوجها لا على أنه لازم لها قال الإمام الخطابي معلقاً على حديث عبد الله بن عمرو إن رسول الله ﷺ قال: لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها. قال الشيخ هذا عند أكثر العلماء على معنى حسن العشرة واستطابة نفس الزوج بذلك إلا أن مالك بن أنس قال ترد ما فعلت من ذلك حتى يأذن الزوج. قال الشيخ ويحتمل أن يكون ذلك في غير الرشيدة وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال للنساء تصدقن فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم وبلال ﵁ يتلقاها بكسائه وهذه عطية بغير إذن أزواجهن] معالم السنن ٣/١٤٨.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للمرأة أن تتصرف في مالها بدون إذن زوجها ولكن الأولى والأفضل أن تشاور زوجها في ذلك تطييباً لخاطر زوجها ومحافظة منها على العشرة الزوجية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346408,"book_id":3840,"shamela_page_id":788,"part":"15","page_num":56,"sequence_num":788,"body":"٥٦ - الطلاق\rيقول السائل: ما الحكم فيما يفعله بعض الأزواج عندما يطلق الواحد منهم زوجته طلقة رجعية فإنه يطردها من بيت الزوجية وفي حالات أخرى تخرج المرأة من بيت الزوجية بإرادتها عندما يطلقها زوجها طلقة رجعية؟\rالجواب: يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) سورة الطلاق الآية ١. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن المرأة المطلقة تقضي عدتها في بيت الزوجية (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) فأضاف الله ﷿ البيوت لهن.\rقال القرطبي: [أي ليس للزوج أن يخرجها من مسكن النكاح ما دامت في العدة ولا يجوز لها الخروج أيضاً لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدة والرجعية والمبتوتة في هذا سواء. وهذا لصيانة ماء الرجل. وهذا معنى إضافة البيوت إليهن كقوله تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْءَايَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) وقوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) فهو إضافة إسكان وليس إضافة تمليك] تفسير القرطبي ١٨/١٥٤ ومما يدل على أن المعتدة تقضي العدة في بيت الزوجية ما ورد في الحديث عن فُرَيعة بنت مالك قالت: \" خرج زوجي في طلب عبيد له قد هربوا فأدركهم فقتلوه فأتى نعيه وأنا في دارٍ شاسعة من دور أهلي، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي ولم يدع نفقة ولا مالاً ورثته وليس المسكن له، فتحولت إلى أهلي وإخواني، فكان أرفق لي في بعض شأني، فقال: (تحولي) ، فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني فقال: (امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك، حتى يبلغ الكتاب أجله) ، قالت: فاعتددت أربعة أشهر وعشراً \" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد، وقال الترمذي: حسن صحيح.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: (وممن أوجب على المتوفى عنها زوجها الاعتداد في منزلها عمر وعثمان ﵄ وروي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأم سلمة ﵃ وبه يقول مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق وقال ابن عبد البر وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر ... وإذا ثبت هذا فإنه يجب الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة به سواء كان مملوكا لزوجها أو بإجارة أو عارية لأن النبي ﷺ قال لفريعة (امكثي في بيتك) ولم تكن في بيت يملكه زوجها وفي بعض ألفاظه (اعتدي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك) وفي لفظ (اعتدي حيث أتاك الخبر) فإن أتاها الخبر في غير مسكنها رجعت إلى مسكنها فاعتدت فيه) المغني ٨ /١٥٨- ١٥٩\rوهذا الحديث وإن كان في عدة الوفاة إلا أن جمهور أهل العلم يرون أن المطلقة رجعياً لها نفس الحكم وخاصة أن الآية المذكورة أولاً دلت على ذلك، وبناء على ما سبق فإن الواجب على المطلقة رجعياً أن تبقى في بيت الزوجية ولا يجوز لزوجها أن يخرجها ولا يجوز لها أن تخرج لعل الزوج يراجعها وقد نص قانون الأحوال الشخصية المطبق في المحاكم الشرعية في بلادنا في المادة ١٤٦ على ذلك فقد جاء فيها (تعتد معتدة الطلاق الرجعي والوفاة في البيت المضاف للزوجين بالسكن قبل الفرقة) .\rوخلاصة الأمر أن المطلقة طلاقاً رجعياً تعتد في بيت الزوجية ولا يجوز إخراجها إلا إذا ارتكبت الفاحشة ولا يجوز لها أن تخرج وبقاؤها في بيت الزوجية من دواعي مراجعتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346409,"book_id":3840,"shamela_page_id":789,"part":"15","page_num":57,"sequence_num":789,"body":"٥٧ - حكم تصدق الزوجة من مال الزوج\rتقول السائلة: هل يجوز للمرأة أن تتصدق من مال زوجها بدون إذنه؟\rالجواب: لا شك أن الصدقة النافلة من أعمال البر والتقوى ويتقرب بها العبد إلى ربه جل وعلا وقد وردت نصوص كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في الحض على الصدقة فمن ذلك قوله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) سورة سبأ الآية ٣٩.\rوقال تعالى (وأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ سورة البقرة ١١٠وورد في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله [ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه] رواه البخاري ومسلم. وقوله ﷺ في الحديث ورجل لا مفهوم يعمل به فإن المرأة كذلك كما نبه عليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ٢/١٩٢ بل إن النبي ﷺ قد حض النساء على التصدق فقد ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (خرج النبي ﷺ يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبل ولا بعد ثم مال على النساء ومعه بلال فوعظهن وأمرهن أن يتصدقن فجعلت المرأة تلقي القُلب والخرص) رواه البخاري والقُلب بضم القاف وسكون اللام هو السوار والخرص هو الحلقة من ذهب أو فضة. والأصل أن الإنسان يتصدق من ماله الخاص به ولكن وردت السنة بجواز تصدق الزوجة من مال زوجها فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئاً) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له) رواه البخاري ومسلم.\rقال الإمام النووي: [قوله ﷺ في الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به أحد المتصدقين وفي رواية: (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئاً) وفي روية من طعام زوجها وفي رواية في العبد إذا أنفق من مال مواليه قال: الأجر بينكما نصفان وفي رواية ولا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له معنى هذه الأحاديث أن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر ومعنى المشاركة ومعنى المشاركة أن له أجراً كما لصاحبه أجر وليس معناه أن يزاحمه في أجره والمراد المشاركة في أصل الثواب فيكون لهذا الثواب ولهذا الثواب وإن كان أحدهما أكثر ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٩٢. واعلم أن أكثر أهل العلم يشترطون أن يأذن الزوج لزوجته في التصرف بماله ويدل عليه ما ورد في الحديث عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: (لا تنفق المرأة شيئاً من بيت زوجها إلا بإذن زوجها قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال ذلك أفضل أموالنا) رواه الترمذي وهو حديث حسن كما قال الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٢٠٦.\rقال الإمام البغوي: [العمل على هذا عند أهل العلم أن المرأة ليس لها أن تتصدق بشيء من مال الزوج دون إذنه وكذلك الخادم ويأثمان إن فعلا ذلك وحديث عائشة خارج على عادة أهل الحجاز أنهم يطلقون الأمر للأهل والخادم في الإنفاق والتصدق مما يكون في البيت إذا حضرهم السائل أو نزل بهم الضيف فحضهم على لزوم تلك العادة كما قال لأسماء: (لا توعي فيوعى عليك) وعلى هذا يخرج ما روي عن عمير مولى آبي اللحم قال: كنت مملوكاً فسألت رسول الله ﷺ أتصدق من مال موالي بشيء قال: (نعم والأجر بينكما نصفان) ] شرح السنة ٦/٢٠٥. وقال الإمام النووي: [واعلم أنه لا بد للعامل وهو الخازن وللزوجة والمملوك من إذن المالك في ذلك فإن لم يكن أذن أصلاً فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة بل عليهم وزر بتصرفهم في مال غيرهم بغير إذنه والإذن ضربان أحدهما الإذن الصريح في النفقة والصدقة والثاني الإذن المفهوم من اطراد العرف والعادة كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به واطراد العرف فيه وعلم بالعرف رضا الزوج والمالك به فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم وهذا إذا علم رضاه لاطراد العرف وعلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك والرضا به فإن اضطرب العرف وشك في رضاه أو كان شخصاً يشح بذلك وعلم من حاله ذلك أو شك فيه لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله إلا بصريح إذنه. وأما قوله ﷺ: (وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له) . فمعناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره وذلك الإذن الذي قد بيناه سابقاً إما بالصريح وإما بالعرف ولا بد من هذا التأويل لأنه ﷺ جعل الأجر مناصفة وفي رواية أبي داود فلها نصف أجره ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن صريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها بل عليها وزر فتعين تأويله. واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير يعلم رضا المالك به في العادة فإن زاد على المتعارف لم يجز وهذا معنى قوله ﷺ: (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة) فأشار ﷺ إلى أنه قدر يعلم رضا الزوج به في العادة ونبه بالطعام أيضاً على ذلك لأنه يسمح به في العادة بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس وفي كثير من الأحوال] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٩٢-٩٣.\rوقد ذكر بعض أهل العلم أن الأحاديث الواردة في المسألة فيها نوع من الاختلاف حيث ذكر في حديث أبي هريرة السابق أن المرأة لا تنفق من غير إذن الزوج وورد في حديث عائشة ما يدل على الإباحة بحصول الأجر لها في ذلك وورد في حديث عائشة بتقييده بأن تكون غير مفسدة وإن كان من غير أمره وورد في حديث سعد ﵁ قال: لما بايع رسول الله ﷺ النساء قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مضر قالت: يا رسول الله إنا كلٌّ على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: الرطب تأكلنه وتهدينه) . رواه أبو داود وإسناده جيد كما في حاشية شرح السنة. قال الإمام العيني: [قلت: كيفية الجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد وباختلاف حال الزوج من مسامحته ورضاه بذلك أو كراهته لذلك وباختلاف الحال في الشيء المنفق بين أن يكون شيئا يسيراً يتسامح به وبين أن يكون له خطر في نفس الزوج يبخل بمثله وبين أن يكون ذلك رطباً يخشى فساده إن تأخر وبين أن يكون يدخر ولا يخشى عليه الفساد] عمدة القاري ٦/٤٠١.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للمرأة أن تتصدق من مال زوجها والأصل أنها تستأذنه في ذلك إلا ما جرى به العرف من عدم الحاجة لإذنه أو لأنه لا يكره ذلك كما إذا جاء سائل إلى البيت فأعطته الزوجة طعاماً أو نحوه فلا بأس في ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346410,"book_id":3840,"shamela_page_id":790,"part":"15","page_num":58,"sequence_num":790,"body":"٥٨ - العدة\rيقول السائل: ما هي عدة المرأة المختلعة من زوجها؟\rالجواب: الخلع هو أن تفتدي المرأة نفسها بمال تدفعه لزوجها أو هو فراق الزوجة على مال. انظر فتح الباري ٩/٤٩٠.\rوالخلع مشروع بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وانعقد الإجماع على ذلك. قال الله تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّاءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) سورة البقرة الآية ٢٢٩.\rوقال تعالى: (وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) سورة النساء الآية ٤.\rويدل على مشروعيته ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكنني أكره الكفر في الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال رسول الله: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) رواه البخاري.\rوعن حبيبة بنت سهل الأنصارية أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وأن رسول الله ﷺ خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بن سهل على بابه في الغلس فقال رسول الله ﷺ: من هذه؟ فقالت: أنا حبيبة بنت سهل قال: ما شأنك؟ قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس – لزوجها – فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله ﷺ: هذه حبيبة بنت سهل وذكرت ما شاء الله أن تذكر وقالت حبيبة: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس: خذ منها فأخذ منها وجلست في أهلها) رواه أبو داود وقال الألباني صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود ٢/٤٢٠. وغير ذلك من الأدلة.\rوقد اختلف أهل العلم في الخلع هل هو طلاق أم فسخ؟ فالجمهور على أنه طلاق وقال الإمام أحمد في المشهور عنه إن الخلع يعتبر فسخاً وهو قول الشافعي في القديم ونقل عن ابن عباس وعثمان وعلي وعكرمة وطاووس وغيرهم. وهو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية والعلامة ابن القيم. وقد ترتب على اختلافهم في كونه طلاق أم فسخ خلافهم في عدة المختلعة فذهب الجمهور إلى أن المختلعة تعتد عدة الطلاق ثلاثة قروء بناء على أن الخلع طلاق وذهب الآخرون إلى أنها تعتد بحيضة بناء على أن الخلع فسخ والقول الثاني قول قوي معتمد على أدلة صحيحة فمن ذلك حديث ابن عباس: (أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وقال الألباني صحيح انظر صحيح سنن أبي داود ٢/٤٢٠. وقال الإمام الترمذي بعد أن روى حديث ابن عباس: [هذا حديث حسن غريب واختلف أهل العلم في عدة المختلعة فقال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: إن عدة المختلعة عدة المطلقة وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة وبه يقول أحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: عدة المختلعة حيضة قال إسحاق: وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوي] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤/٣٠٦.\rوعن الربيع بنت معوذ أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ فأمرها النبي ﷺ أو أمرت أن تعتد بحيضة. رواه الترمذي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما في صحيح سنن الترمذي للألباني ١/٣٤٨.\rوروى أبو داود عن ابن عمر قال: عدة المختلعة حيضة. وقال الألباني صحيح موقوف انظر صحيح سنن أبي داود ٢/٤٢٠.\rوقال الحافظ الخطابي معلقاً على قصة زوجة ثابت: [في هذا الحديث دليل على أن الخلع فسخ وليس بطلاق ولو كان طلاقاً لاقتضي فيه شرائط الطلاق من وقوعه في طهر لم تمس فيه المطلقة ومن كونه صادراً من قبل الزوج وحده من غير مرضاة المرأة فلما لم يتعرف النبي ﷺ الحال في ذلك فأذن له في مخالعتها في مجلسه ذلك دل على أن الخلع فسخ وليس بطلاق ألا ترى أنه لما طلق ابن عمر زوجته وهي حائض أنكر عليه ذلك وأمر بمراجعتها وإمساكها حتى تطهر فيطلقها طاهراً قبل أن يمسها. وإلى هذا ذهب ابن عباس واحتج بقول الله تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) سورة البقرة الآية ٢٢٩. قال ثم ذكر الخلع فقال: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) سورة البقرة الآية ٢٢٩ ثم ذكر الطلاق فقال: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) سورة البقرة الآية ٢٣٠. فلو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق أربعاً وإلى هذا ذهب طاووس وعكرمة وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور] معالم السنن ٣/٢١٩-٢٢٠. وقال الحافظ الخطابي أيضاً معلقاً على قول النبي ﷺ في حديث ابن عباس: (فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة) قال: [هذا أدل شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق وذلك أن الله تعالى قال: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) فلو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد] المصدر السابق ٣/٢٢٠.\rوقال العلامة ابن القيم: [وفي أمره ﷺ المختلعة. أن تعتد بحيضة واحدة دليل على حكمين أحدهما: أنه لا يجب عليها ثلاث حيض بل تكفيها حيضة واحدة وهذا كما أنه صريح السنة فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان ابن عفان وعبد الله بن عمر بن الخطاب والربيع بنت معوذ وعمها وهو من كبار الصحابة لا يعرف لهم مخالف منهم كما رواه الليث بن سعد عن نافع مولى ابن عمر أنه سمع الربيع بنت معوذ بن عفراء وهي تخبر عبد الله بن عمر ﵁ أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان فجاء عمها إلى عثمان بن عفان فقال له: إن ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل؟ فقال عثمان: لتنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حبل. فقال عبد الله بن عمر: فعثمان خيرنا وأعلمنا وذهب إلى هذا المذهب إسحاق بن راهويه والإمام أحمد في رواية عنه اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية.\rقال من نصر هذا القول: هو مقتضى قواعد الشريعة فإن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة فيتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء قالوا: ولا ينتقض هذا علينا بالمطلقة ثلاثاً فإن باب الطلاق جعل حكم العدة فيه واحداً بائنة ورجعية.\rقالوا: وهذا دليل على أن الخلع فسخ وليس بطلاق وهو مذهب ابن عباس وعثمان والربيع وعمها ولا يصح عن صحابي أنه طلاق البتة فروى الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد عن سفيان عن عمرو عن طاووس عن ابن عباس ﵁ أنه قال: الخلع تفريق وليس بطلاق. وذكر عبد الرزاق عن سفيان عن عمرو عن طاووس أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله عن رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أينكحها؟ قال ابن عباس: نعم ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها والخلع بين ذلك] زاد المعاد ٥/١٩٦-١٩٨.\rوقال العلامة ابن القيم أيضاً: [وهذا كما أنه موجب السنة وقضاء رسول الله ﷺ وموافق لأقوال الصحابة فهو مقتضى القياس فإنه استبراء لمجرد العلم ببراءة الرحم فكفت فيه حيضة كالمسبية والأمة المستبرأة والحرة والمهاجرة والزانية إذا أرادت أن تنكح] المصدر السابق ٥/٦٧٩.\rويجب أن يعلم أنه لا يجوز للمرأة المسلمة أن تطلب الطلاق أو الخلع من زوجها بدون عذر شرعي مقبول فقد ورد في الحديث عن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: [أيما امرأة سألت زوجها الطلاق فحرام عليها رائحة الجنة] رواه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة.\rوورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (المنتزعات والمختلعات هن المنافقات) رواه أحمد والنسائي وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن النسائي ٢/٧٣١. وصححه أيضاً في السلسلة الصحيحة ٢/٢١٠-٢١٤. وساق له عدة طرق.\rوخلاصة الأمر أن عدة المختلعة حيضة واحدة كما هو مقتضى السنة الثابتة لأن الخلع فسخ وليس بطلاق وإن قيل بأنه طلاق فيمكن أن تعتبر السنة فيه قد خصصت عموم قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) وإذا اعتدت المختلعة بحيضة واحدة فقد أصابت السنة وإن اعتدت بثلاث حيضات فذلك أحوط خروجاً من الخلاف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346411,"book_id":3840,"shamela_page_id":791,"part":"15","page_num":59,"sequence_num":791,"body":"٥٩ - الحضانة\rيقول السائل: إنه طلق زوجته طلاقاً بائناً بينونة كبرى وله ولد منها له من العمر أربع سنوات وحضانة الولد لأمه كما تعلمون وقد اتفق مع مطلقته على أن تتنازل عن حقها في حضانة الولد مقابل مبلغ من المال يدفعه لها ويؤخذ الولد منها فما الحكم في ذلك؟\rالجواب: الحضانة عند الفقهاء هي القيام على شؤون الولد وحفظه وتربيته والاعتناء به في جميع مصالحه. والحضانة واجبة شرعاً قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [كفالة الطفل وحضانته واجبة لأنه يهلك بتركه فيجب حفظه عن الهلاك كما يجب الإنفاق عليه وإنجاؤه من المهالك] المغني ٨/٢٣٧.\rووجوب الحضانة قد يكون عينياً إذا لم يوجد إلا الحاضن أو مع وجود غيره ولكن الطفل لم يقبل غيره. وقد يكون وجوبها كفائياً إذا تعدد الحاضن.\rومما يدل على مشروعية الحضانة ما ورد في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني فقال لها رسول الله ﷺ: أنت أحق به ما لم تنكحي) رواه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال الشيخ الألباني حديث حسن كما في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٣٠ وحسنه الألباني أيضاً في إرواء الغليل ٧/٢٤٤.\rوأخذاً من الحديث السابق وغيره اتفق العلماء على أن الأم أولى الناس بالحضانة ما دامت شروط الحضانة متحققة فيها قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل أو معتوه فأمه أولى الناس بكفالته إذا كملت الشرائط فيها ذكراً كان أو أنثى وهذا قول يحيى الأنصاري والزهري والثوري ومالك والشافعي وأبي ثور وإسحق وأصحاب الرأي ولا نعلم أحداً خالفهم] المغني ٨/٢٣٨.\rوقد اختلف الفقهاء في صاحب حق الحضانة من هو؟ فذهب بعض الفقهاء إلى أن الحضانة حق للحاضن وذهب آخرون إلى أنها حق للمحضون وترتب على هذا الاختلاف اختلافهم في مسائل منها إسقاط حق الحضانة فعند الحنفية إذا اختلعت المرأة من زوجها على أن تترك ولدها عند الزوج فالخلع عندهم صحيح والشرط باطل لأن هذا حق الولد أن يكون عند أمه ما دام محتاجاً إليها. وقد رجح العلامة ابن القيم أن الحضانة حق للحاضن أنظر زاد المعاد ٥/٤٥١-٤٥٢.\rومن العلماء من يرى أنه يجوز للحاضنة إسقاط حقها في الحضانة مقابل مال تتصالح عليه مع زوجها.\rوقد سئل ابن رشد المالكي عن رجل طلق امرأته وله منها ولد تحضنه فواطأت زوجها أبا الصبي على أن أسقطت الحضانة بعوض أخذته هل ينفذ هذا العقد بينهما أم لا؟\rفأجاب بما يلي: تصفحت سؤالك هذا ووقفت عليه والذي رأيت فيما سألت عنه على منهاج قول مالك الذي نعتقد صحته أن ذلك جائز لأن الحضانة حق للأم إن شاءت أخذته وإن شاءت تركته واختلف هل ذلك حق لها تنفرد به دون الابن أم لا؟ فقيل: إنها تنفرد به دونه. وقيل: إنها لا تنفرد به دونه وإن له فيها حقاً معها لأنه إنما وجبت لها من أجل أنها أرفق به من أبيه وأرأف عليه منه وهذا معنى ما يعبر به من الاختلاف في الحضانة. هل هي حق للأم أو للولد؟ فعلى القولين بأنها حق لها تنفرد به دون الابن يلزمها تركها له على عوض أو على غير عوض ولا يكون لها أن ترجع فيها. وعلى القول بأن ذلك حق للولد لا يلزمها تركها ويكون لها أن ترجع فيها إن تركتها أيضاً على عوض أو على غير عوض وترجع في العوض إن كانت تركتها على عوض. ولا وجه لقول من منع ذلك واحتج بما ذكر لأن ما اتفقنا عليه إنما هو صلح صالحها بما أعطاها على أن أسلمت إليه ابنه وتركت له حقاً في حضانتها إياه. وقد قال رسول الله ﷺ: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) . وليس في ترك الحضانة له بما بذل لها ذلك تحليل حرام أو تحريم حلال فوجب أن يجوز ذلك. وإنما جاز عند مالك وأصحابه ﵏ إذا خافت المرأة نشوز زوجها عليها وخشيت مفارقته إياها أن تترك له حقها الذي أوجب الله لها عليه في أن لا يؤثر عليها من سواها من أزواجه على مال يعطيها إياه بدليل قول الله ﷿: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) سورة النساء الآية ١٢٨. جاز أن تترك له حقها في حضانة ولدها منه على مال يعطيها إياه إذ لا فرق في المعنى بين الموضعين] . ثم ذكر كلاماً في الرد على من منع ذلك انظر فتاوى ابن رشد ٣/١٥٤٦-١٥٤٧ وانظر المعيار المعرب ٤/٥١٨-٥٢٠. وقال الشيخ محمد عليش في فتح العلي المالك [وأما إذا أسقطت الحضانة بعد وجوبها فذلك لازم لها وسواء أسقطت ذلك بعوض، أو بغير عوض] .\rوما قرره ابن رشد المالكي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: [وقياس المذهب عندي جواز أخذ العوض عن سائر حقوقها من القسم وغيره] الاختيارات الفقهية ص٢٤٩. وهذا القول قول قوي وجيه انظر ضمان المنافع ص٣٣٢.\rوأخيراً ينبغي التنبيه إلى أنه وحسب قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية عندنا فإن الحاضنة إذا اتفقت مع مطلقها على التنازل عن حق الحضانة ثم رجعت عن ذلك ورفعت أمرها إلى القضاء فإن القاضي يحكم لها باستعادة حقها في حضانة الولد لأن الحنفية يرون أن الحضانة حق للمحضون.\rوخلاصة الأمر فلا مانع شرعاً من الاتفاق على تنازل الحاضنة عن حقها في الحضانة مقابل مال تأخذه من مطلقها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346412,"book_id":3840,"shamela_page_id":792,"part":"15","page_num":60,"sequence_num":792,"body":"٦٠ - النكاح\rيقول السائل: ما قولكم فيمن يحتج على جواز نكاح المتعة بقوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) ويزعم أن نكاح المتعة غير منسوخ في الشريعة؟\rالجواب: زواج المتعة هو أن يعقد الرجل على امرأة لمدة محددة ويدفع لها مهراً معلوماً كأن يعقد عليها لمدة أسبوع أو شهر أو أكثر أو أقل. وهذا الزواج كان مباحاً في الشريعة الإسلامية ثم نسخ نسخاً مؤبداً وهذا قول عامة أهل العلم ولم يخالف في ذلك إلا بعض الشيعة الجعفرية وقولهم باطل لا دليل عليه. بل إن المنقول عن أئمتهم يدل على تحريم نكاح المتعة. وأما الآية التي ذكرت في السؤال وهي قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) فلا دلالة فيها على جواز نكاح المتعة لأن هذه الآية إنما هي في الزواج الدائم المعروف ويدل على ذلك ما سبق من الآية: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) سورة النساء الآية ٢٤. فهذه الآية جاءت عقب ذكر المحرمات من النكاح ثم جاء قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) لبيان أنه يجوز نكاح سوى من ذكر من المحرمات فإذا نكح الرجل امرأة ممن يجوز نكاحها فإذا دخل بها فيجب لها المهر كاملاً فهذه الآية توجب المهر للمنكوحة ولا علاقة لها بالمتعة لا من قريب ولا من بعيد قال القرطبي: [قال ابن خويز منداد: ولا يجوز أن تحمل الآية على جواز المتعة لأن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة وحرمه ولأن الله تعالى قال:\r(فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) ومعلوم أن النكاح بإذن الأهلين هو النكاح الشرعي بولي وشاهدين ونكاح المتعة ليس كذلك] تفسير القرطبي ٥/١٢٩-١٣٠. وقال القرطبي أيضاً: [وقال سعيد بن المسيب: نسختها آية الميراث إذ كانت المتعة لا ميراث فيها. وقالت عائشة والقاسم بن محمد: تحريمها ونسخها في القرآن وذلك في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) وليست المتعة نكاحاً ولا ملك يمين] المصدر السابق ٥/١٣٠. وقال الألوسي: [وهذه الآية لا تدل على الحل والقول بأنها نزلت في المتعة غلط وتفسير البعض لها بذلك غير مقبول لأن نظم القرآن الكريم يأباه حيث بين ﷾ أولاً المحرمات ثم قال عز شأنه: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) وفيه شرط بحسب المعنى فيبطل تحليل الفرج وإعارته وقد قال بهما الشيعة ثم قال جل وعلا: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) وفيه إشارة إلى النهي عن كون القصد مجرد قضاء الشهوة وصب الماء واستفراغ أوعية المني فبطلت المتعة بهذا القيد لأن مقصود المتمتع ليس إلا ذاك دون التأهل والاستيلاد وحماية الذمار والعرض ولذا تجد المتمتع بها في كل شهر تحت صاحب وفي كل سنة بحجر ملاعب فالإحصان غير حاصل في امرأة المتعة أصلاً ولهذا قالت الشيعة: إن المتمتع الغير الناكح إذا زنى لا رجم عليه ثم فرَّع سبحانه على حال النكاح قوله عز من قائل: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ) وهو يدل على أن المراد بالاستمتاع هو الوطء والدخول لا الاستمتاع بمعنى المتعة التي يقول بها الشيعة والقراءة التي ينقلونها عمن تقدم من الصحابة شاذة] تفسير روح المعاني ٥/٨.\rوقد دلت السنة النبوية على نسخ نكاح المتعة أيضاً فعن سبرة الجهني أنه كان مع رسول الله ﷺ فقال: (يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً) رواه مسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم (عن سبرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة وقال: ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة ومن كان أعطى شيئاً فلا يأخذه) . وروى مسلم بسنده عن عبد الله بن الزبير ﵁ أنه قام بمكة فقال: إن ناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل فناداه فقال: إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين – يريد رسول الله ﷺ فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك. قال ابن شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله أنه بينما هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة فأمره بها فقال له ابن أبي عميرة الأنصاري مهلاً قال: ما هي؟ والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين. قال ابن أبي عميرة: إنها كانت رخصة أول الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة والدم ولحم الخنزير ثم أحكم الله الدين ونهى عنها) . وعن علي ﵁ (أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر) رواه البخاري ومسلم. وقد قرر العلماء أن نكاح المتعة منسوخ، قال الإمام البخاري: [وقد بينه علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه منسوخ] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٩/٢٠٩. ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني كلام جماعة من أهل العلم في نسخ نكاح المتعة فمن ذلك ما قاله [ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها ولا أعلم اليوم أحداً يجيزها إلا بعض الرافضة ولا معنى لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله. وقال القاضي عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض. وقال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى علي وآل بيته فقد صح عن علي أنها نسخت. ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: هي الزنا بعينه. وقال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل وأنه حرم ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض] فتح الباري ٩/٢١٦-٢١٧. وقال الشوكاني بعد أن ذكر أنه قد روي عن بعض الصحابة جواز المتعة: [وعلى كل حال فنحن متعبدون بما بلغنا عن الشارع وقد صح لنا عنه التحريم المؤبد ومخالفة طائفة من الصحابة له غير قادحة في حجيته ولا قائمة لنا بالمعذرة عن العمل به. كيف والجمهور من الصحابة قد حفظوا التحريم وعملوا به ورووه لنا حتى قال ابن عمر فيما أخرجه عنه ابن ماجة بإسناد صحيح (إن رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرمها والله لا أعلم أحداً تمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة) وقال أبو هريرة ﵁ فيما يرويه عن النبي ﷺ: (هدم المتعة الطلاق والعدة والميراث) أخرجه الدارقطني وحسنه الحافظ] نيل الأوطار ٦/١٥٦.\r\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً لقول الخرقي: [ولا يجوز نكاح المتعة. معنى نكاح المتعة: أن يتزوج المرأة مدة مثل أن يقول: زوجتك ابنتي شهراً أو سنة أو إلى انقضاء الموسم أو قدوم الحاج وشبهه. سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة فهذا نكاح باطل. نص عليه أحمد فقال: نكاح المتعة حرام] المغني ٧/١٧٨. وخلاصة الأمر أن نكاح المتعة منسوخ ولا دلالة في الآية المذكورة على جوازه وأجمعت الأمة على تحريمه إلا من شذ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346413,"book_id":3840,"shamela_page_id":793,"part":"15","page_num":61,"sequence_num":793,"body":"٦١ - حق الأولاد\rيقول السائل: هل يجوز لوالدته أن تعطي أحد أبنائها منزلاً وتسجله باسمه ليصبح الابن مالكاً له في المستقبل؟\rالجواب: إن العدل بين الأولاد في الهبات والعطايا واجب شرعاً وقد ورد عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في ذلك منها: ١. عن النعمان بن بشير قال: قال النبيصلى الله عليه وسلم: (اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو حديث صحيح. ٢. وعن جابر ﵁ قال: قالت امرأة بشير: انحل ابني غلاماً - عبداً - وأشهد لي رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن ابنة فلان - زوجته - سألتني أن أنحل ابنها غلامي. فقال ﵊: له أخوة؟ قال: نعم، قال ﵊: فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ قال: لا، قال ﵊: فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق) رواه مسلم وأبو داود وأحمد وغيرهم. ٣. وعن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة - أم نعمان – لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. قال ﵊: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، فقالصلى الله عليه وسلم: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال فرجع فرد عطيته) رواه البخاري. وفي روايةٍ أخرى أن النبي ﷺ قال لبشير والد النعمان: (لا تشهدني على جورٍ أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم، قال: أشهد على هذا غيري) رواه أبو داود بسندٍ صحيح. وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (سووا بين أولادكم في العطية لو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء) رواه سعيد بن منصور والبيهقي وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن. وبناءً على هذه الأحاديث قال جماعة من أهل العلم لا يجوز تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطايا والهبات بل يجب العدل بينهم وإذا وقع التفضيل فإن العقد يكون باطلاً. فتح الباري ٥/٢١٤. ولكن جماعة أخرى من أهل العلم قالوا بكراهة التفضيل وإذا وقع صح العقد ونفذت الهبة. انظر شرح السنة ٨/٢٩٧ شرح النووي على صحيح مسلم ١١/٦٦. ولكن مذهب المانعين أصح وأقوى دليلاً لأن الأحاديث المذكورة سابقاً صريحة في النهي عن اتفضيل وخاصة أن النبي ﷺ قد سمَّى ذلك جوراً أي ظلماً. قال العلامة ابن القيم: [وأمر بالتسوية بين الأولاد في العطية وأخبر أن تخصيص بعضهم بها جور لا يصلح ولا تنبغي الشهادة عليه وأمر فاعله برده ووعظه وأمره بتقوى الله تعالى وأمره بالعدل لكون ذلك ذريعة ظاهرة قريبة جداً إلى وقوع العداوة بين الأولاد وقطيعة الرحم بينهم كما هو مشاهد عياناً فلو لم تأت السنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها بالمنع منه لكان القياس وأصول الشريعة وما تضمنته من المصالح ودرء المفاسد يقتضي تحريمه] إغاثة اللهفان ١/٣٦٥.\r\rوخلاصة الأمر أن على هذه الوالدة أن لا تعطي البيت لأحد أبنائها فقط وتحرم الآخرين لما في ذلك من إيقاع للعداوة والبغضاء بين الأبناء وعليها أن تعود في عطيتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346414,"book_id":3840,"shamela_page_id":794,"part":"15","page_num":62,"sequence_num":794,"body":"٦٢ - نفقة الزوجة\rيقول السائل: توفي رجل وترك امرأته حاملاً فهل تجب النفقة لها في مال زوجها المتوفى أفيدونا؟\rالجواب: الأصل أن نفقة الزوجة واجبة على زوجها لقوله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّاءَاتَاهُ) سورة الطلاق الآية ٧. وقال تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) سورة البقرة الآية ٢٣٣. وصح في الحديث عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اتقوا الله في النساء فإنهن أعوان عندكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) رواه مسلم. هذا هو الأصل في أن نفقة الزوجة واجبة على زوجها ولكن إذا مات الزوج فقد اختلف أهل العلم هل لزوجته نفقة أم لا؟ والراجح من أقوال العلماء في المسألة أن النفقة تسقط بوفاة الزوج سواء كانت المرأة المتوفى عنها زوجها حاملاً أو غير حامل وتكتفي بنصيبها من ميراث زوجها. وكذلك الحال بالنسبة لجنينها فإن المعروف عند أهل العلم أن الجنين يرث. وعليه فإن هذه المرأة الحامل المتوفى عنها زوجها لا تجب لها النفقة في مال زوجها المتوفى وهذا قول جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية وهو أصح القولين في مذهب أحمد ونقل عن ابن عباس وجابر وعطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم. قال القرطبي: [واختلفوا في وجوب نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها فقالت طائفة: لا نفقة لها، كذلك قال جابر بن عبد الله وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعبد الملك بن يعلى ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك وأحمد وإسحق وحكى أبو عبيد ذلك عن أصحاب الرأي. وفيه قول ثان وهو أن لها النفقة من جميع المال وروي هذا القول عن علي وعبد الله وبه قال ابن عمر وشريح وابن سيرين والشعبي وأبو العالية والنخعي وجلاس بن عمرو وحماد ابن أبي سليمان وأيوب السختياني وسفيان الثوري وأبو عبيد. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول لأنهم أجمعوا على أن نفقة كل من كان يجبر على نفقته وهو حي مثل أولاده الأطفال وزوجته ووالديه تسقط عنه فكذلك تسقط عنه نفقة الحامل من أزواجه. وقال القاضي أبو محمد: لأن نفقة الحمل ليست بدين ثابت فتتعلق بماله بعد موته بدليل أنها تسقط عنه بالإعسار فبأن تسقط بالموت أولى وأحرى] تفسير القرطبي ٣/١٨٥. وروى عبد الرزاق الصنعاني بإسناده عن عطاء قال: [لا نفقة للمتوفى الحامل إلا من مال نفسها] وروى عن ابن عباس ﵄ قال: [لا نفقة للمتوفى عنها الحامل، وجبت المواريث] . وروى عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: [ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة حسبها الميراث] . وروى عن سعيد بن المسيب في المتوفى عنها الحامل قال: [ليس لها نفقة] . وروى عن ابن جريح قال سئل ابن شهاب - الزهري - عن المتوفى عنها وهي حامل على من نفقتها؟ قال: [كان ابن عمر يرى نفقتها إن كانت حاملاً أو غير حامل فيما ترك زوجها فأبى الأئمة ذلك وقضوا بأن لا نفقة لها] مصنف عبد الرزاق ٧/٣٦-٣٩. ومما يدل على ذلك ما قاله الشيخ ابن قدامة المقدسي: [لأن المال قد صار للورثة ونفقة الحامل وسكناها إنما هي للحمل أو من أجله ولا يلزم ذلك للورثة لأنه إن كان للميت ميراث فنفقة الحمل من نصيبه وإن لم يكن له ميراث لم يلزم وارث الميت الإنفاق على حمل امرأته كما بعد الولادة] المغني ٨/٣٣٤. ورد ابن حزم على من أوجب النفقة للحامل المتوفى عنها زوجها بقوله: [وأما من أوجب النفقة من جميع المال للمتوفى عنها زوجها ... فخطأ لا خفاء به لأن مال الميت ليس له بل قد صار لغيره فلا يجوز أن ينفق على امرأته ... من مال الورثة أو مما أوصى به لغيرهما وهذا عين الظلم] المحلى ١٠/٨٩. ويمكن أن يجاب عن استدلال من أوجبوا لها النفقة استناداً إلى قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ) سورة الطلاق الآية ٦. وأن الحامل المتوفى عنها زوجها داخلة في العموم يجاب عن ذلك بأن الخطاب في الآية للأزواج وقد سقط خطابهم بالوفاة فلم يعودوا من أهل التكليف لأن تكليفهم سقط بالموت. وقد أخذ قانون الأحوال الشخصية المطبق في بلادنا برأي جمهور أهل العلم فلم يوجب النفقة للحامل المتوفى عنها زوجها وقد نصت على ذلك المادة رقم ١٤٤ فقد جاء فيها: (ليس للمرأة التي توفي زوجها سواء كانت حاملاً أو غير حامل نفقة عدة) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346415,"book_id":3840,"shamela_page_id":795,"part":"15","page_num":63,"sequence_num":795,"body":"٦٣ - كفارة الظهار\rتقول السائلة: هل كفارة الظهار واجبة على الترتيب أو على التخيير؟\rالجواب: الظهار عند الفقهاء هو تشبيه الزوج زوجته أو جزءً منها بامرأة محرمة عليه على التأبيد. والظهار من الأمور المحرمة شرعاً وهو كبيرة من الكبائر لأن الله ﷾ نص على أنه منكر من القول وزور. فقال الله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) سورة المجادلة الآيتان ١-٢. قال الشيخ ابن حجر المكي: [الكبيرة السادسة والثمانون بعد المائتين قال تعالى:: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) وحكمة (مِنْكُمْ) توبيخ العرب وتهجين عادتهم في الظهار لأنه كان من أيمان الجاهلية خاصة دون سائر الأمم (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) أي ما نساؤهم بأمهاتهم حتى يشبهوهن بهن إذ حقيقة الظهار أن يقول لزوجته: أنت علي كظهر أمي أو نحو نحوها (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ) أي ما أمهاتهم إلا والداتهم أو من في حكمهن كالمرضعة (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) أي شيئاً من القول منكراً وزوراً أي بهتاناً وكذباً إذ المنكر ما لا يعرف في الشرع والزور والكذب (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) إذ جعل الكفارة مخلصة لهم من هذا القول المنكر والزور لا يقال المظاهر إنما شبه زوجته بنحو أمه فأي منكر وزور فيه لأنا نقول: إن قصد به الإخبار فواضح أنه منكر وكذب أو الإنشاء فكذلك لأنه جعله سبباً للتحريم والشرع لم يجعله كذلك وهذا غاية في قبح المخالفة وفحشها ومن ثم اتجه بذلك كون الظهار كبيرة لأن الله تعالى سماه زوراً والزور كبيرة كما يأتي ويوافق ذلك ما نقل عن ابن عباس من أن الظهار من الكبائر] الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/١١٤. وكفارة الظهار هي المنصوص عليها في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّاذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة المجادلة الآيتان ٣-٤. وكفارة الظهار واجبة على الترتيب باتفاق أهل العلم أي أن المظاهر يبدأ أولاً بعتق رقبة فإن لم يجد يصوم ستين يوماً فإن لم يستطع وكان عاجزاً عن الصيام يطعم ستين مسكيناً. قال القرطبي: [ذكر الله ﷿ الكفارة هنا مرتبة فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكيناً لكل مسكين مدان بمد النبي ﷺ] تفسير القرطبي ١٨/٢٨٥. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إن كفارة المظاهر القادر على الإعتاق عتق رقبة لا يجزئه غير ذلك بغير خلاف علمناه بين أهل العلم والأصل في ذلك قوله تعالى:: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) إلى قوله: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) وقول النبي ﷺ لأوس بن الصامت حين ظاهر من امرأته: (يعتق رقبة قلت: لا يجد قال: فيصوم) وقوله لسلمة بن صخر مثل ذلك فمن لم يجد رقبة يستغنى عنها أو وجد ثمنها فاضلاً عن حاجته ووجدها به لم يجزئه إلا الإعتاق لأن وجود المبدل إذا منع الانتقال إلى البدل كانت القدرة على ثمنه تمنع الانتقال كالماء وثمنه يمنع الانتقال إلى التيمم] المغني ٨/٢١-٢٢. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي أيضاً: [أجمع أهل العلم على أن المظاهر إذا لم يجد رقبة أن فرضه صيام شهرين متتابعين وذلك لقوله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) وحديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر وأجمعوا على أن من وجد رقبة فاضلة عن حاجته فليس له الانتقال إلى الصيام] المغني ٨/٢٤-٢٥. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي أيضاً: [أجمع أهل العلم على أن المظاهر إذا لم يجد الرقبة ولم يستطع الصيام أن فرضه إطعام ستين مسكيناً على ما أمر الله تعالى في كتابه وجاء في سنة نبيه ﷺ سواء عجز عن الصيام لكبر أو مرض يخاف بالصوم تباطؤه أو الزيادة فيه أو الشبق فلا يصبر فيه عن الجماع فإن أوس بن الصامت لما أمره رسول الله ﷺ بالصيام قالت امرأته: (يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال: فليطعم ستين مسكيناً) ولما أمر سلمة بن صخر بالصيام قال: (وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: فأطعم) فنقله إلى الإطعام لما أخبر أن به من الشبق والشهوة ما يمنعه من الصيام وقسنا على هذين ما يشبههما في معناهما ويجوز أن ينتقل إلى الإطعام إذا عجز عن الصيام للمرض وإن كان مرجو الزوال لدخوله في قوله ﷾: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) ولأنه لا يعلم أن له نهاية فأشبه الشبق ولا يجوز أن ينتقل لأجل السفر لأن السفر لا يعجزه عن الصيام وله نهاية ينتهي إليها وهو من أفعاله الاختيارية] المغني ٨/٢٩. ونقل الشوكاني إجماع أهل العلم على أن كفارة الظهار واجبة على الترتيب. نيل الأوطار ٦/٢٩٢. وهو قول المذاهب الأربعة انظر الموسوعة الفقهية ٣٥/١٠٤-١٠٥. ويدل على وجوبها على الترتيب أيضاً ما ورد في حديث خولة بنت مالك قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه ورسول الله ﷺ يجادلني فيه ويقول: (اتقي الله فإنه ابن عمك فما برحت حتى نزل القرآن: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) إلى الفرض فقال: يعتق رقبة قالت: لا يجد قال فيصوم شهرين متتابعين قالت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال: فليطعم ستين مسكيناً قالت: ما عنده من شيء يتصدق به قالت: فأتي ساعتئذ بعرق من تمر قلت يا رسول الله فإني أعينه بعرق آخر قال قد أحسنت إذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكيناً وارجعي إلى ابن عمك] رواه أبو داود وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤١٨. ويدل على وجوب الترتيب أيضاً ما ورد في حديث سلمة بن صخر البياضي لما ظاهر من امرأته وذهب إلى النبي ﷺ فقال ﷺ: [أنت بذاك يا سلمة؟ قلت أنا بذاك يا رسول الله - مرتين - وأنا صابر لأمر الله فاحكم في ما أراك الله قال: حرر رقبة قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي قال: فصم شهرين متتابعين قال وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: فأطعم وسقاً من تمر بين ستين مسكيناً قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين مالنا طعام قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند النبي ﷺ السعة وحسن الرأي وقد أمرني أو أمر لي بصدقتكم] رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن والحاكم وصححه وابن خزيمة وقال الألباني: حسن. المصدر السابق ٢/٤١٧. إذا تقرر هذا فإن كفارة الظهار واجبة على الترتيب ومن قال إنها واجبة علىالتخيير فهو مخطئ وقوله مخالف لصريح الكتاب والسنة ومخالف لما اتفق عليه أهل العلم كافة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346416,"book_id":3840,"shamela_page_id":796,"part":"15","page_num":64,"sequence_num":796,"body":"٦٤ - دية المرأة\rيقول السائل: إذا قتلت امرأة خطأ ولها زوج وأولاد فلمن تكون ديتها ومن يملك العفو عن الدية؟\rالجواب: اتفق جماهير أهل العلم على أن دية القتيل تكون لورثته جميعاً ويستثنى من ذلك القاتل إن كان من الورثة فيحرم من الميراث. ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) سورة النساء الآية ٩٢. قال الألوسي: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) أي مؤداة إلى ورثة القتيل يقتسمونها بينهم على حسب الميراث، فقد أخرج أصحاب السنن الأربعة عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال: كتب إليَّ رسول الله ﷺ يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها. ويقضى منها الدين وتنفذ الوصية ولا فرق بينها وبين سائر التركة) روح المعاني ٣/١٠٩ وجاء في حديث أبي شريح الكعبي أن الرسول ﷺ قال: (من قتل بعده قتيلاً فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل) رواه البخاري ومسلم. والعقل هو الدية قال الإمام البغوي: [وفي قوله ﷺ: (فأهله بين خيرتين) دليل على أن القصاص والدية تثبت لجميع الورثة من الرجال والنساء] شرح السنة ٧/٣٠٣. وروى أبو داود بإسناده من حديث عمرو بن شعيب: (أن النبي ﷺ قضى أن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئاً إلا ما فضل عن ورثتها فإن قتلت فعقلها بين ورثتها) ورواه النسائي وأحمد أيضاً وقال الشيخ الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن أبي داود ٣/٨٦٣-٨٦٤. ومعنى قوله ﷺ: (فعقلها بين ورثتها) أي ديتها بين ورثتها أي سواء كانوا أصحاب الفرائض أو عصبة فإن دية المرأة المقتولة كسائر تركتها فلا تختص بالعصبة بل تقسم أولاً بين أصحاب الفرائض فإن فضل منها شيء يقسم بين العصبة بخلاف دية المرأة القاتلة التي وجبت عليها بسبب قتلها فإن العصبة يتحملونها خاصة دون أصحاب الفرائض] . انظر عون المعبود ١٢/١٩٩. وروى الترمذي بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر: الدية على العاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً فأخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله كتب إليه أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود وابن ماجة وأحمد وفي رواية أبي داود (فرجع عمر عنه) . قال الإمام الخطابي: [فيه من الفقه أن دية القتيل كسائر ماله يرثها من يرث تركته] معالم السنن ٤/٩٧. وقال الإمام الباجي: [قال ابن شهاب: وكان قتل أشيم خطأ فاقتضى ذلك تعلق هذا الحكم بقتل الخطأ إلا أن دية العمد محمولة عند جميع فقهاء الأمصار على ذلك ولم يفرق أحد منهم علمناه في ذلك بين دية العمد والخطأ وأنها كسائر مال الميت يرث منها الزوج والزوجة والإخوة للأم وغيرهم، وهذا المروي عن عمر وعلي وشريح والشعبي والنخعي والزهري وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي] المنتقى شرح الموطأ ٧/١٠٤. وروى الدارمي عدة آثار عن السلف في أن الدية تجري مجرى الميراث فروى عن إبراهيم النخعي قوله: [الدية على فرائض الله] وعن أبي قلابة قال: [الدية سبيلها سبيل الميراث] . وعن الزهري قال: [العقل – أي الدية – ميراث بين ورثة القتيل على كتاب الله وفرائضه] انظر سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان ١٠/١٩٧ فما بعدها. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ودية المقتول موروثة عنه كسائر أمواله] المغني ٦/٣٨٨. وإذا كان الورثة يملكون الدية حسب نصيب كل منهم فإنهم يملكون العفو عن الدية حسب نصيب كل منهم فالعفو عن الدية حق لجميع الورثة فإذا اتفق الورثة جميعاً على العفو عن الدية فلهم ذلك وإذا امتنع بعض الورثة عن العفو وعفا الآخرون فتسقط من الدية حصة من عفوا.\r\rوخلاصة الأمر أن دية المرأة المقتولة خطأ ولها زوج وأولاد تكون لورثتها جميعاً حسب فرائض الله ﷾ ويملك الورثة العفو عن الدية كلها لأنها من الحقوق التي تسقط بالعفو فإذا عفا بعض الورثة دون بعض فمن عفا سقط نصيبه من الدية ومن لم يعف بقي نصيبه من الدية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346417,"book_id":3840,"shamela_page_id":797,"part":"15","page_num":65,"sequence_num":797,"body":"٦٥ - أموال اليتامى\rيقول السائل: ما هو فضل كافل اليتيم وبم تكون كفالة اليتيم وكيف تقدر الكفالة المالية لليتيم؟\rالجواب: كفالة اليتيم من أعظم أبواب الخير التي حثت عليها الشريعة الإسلامية قال الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآية ٢١٥. وقال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) سورة النساء الآية ٣٦. ووردت أحاديث كثيرة في فضل كفالة اليتيم والإحسان إليه منها: عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما) رواه البخاري قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: [قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي ﷺ في الجنة ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك] . ثم قال الحافظ ابن حجر: وفيه إشارة إلى أن بين درجة النبي ﷺ وكافل اليتيم قدر تفاوت ما بين السبابة والوسطى وهو نظير الحديث الآخر: (بعثت أنا والساعة كهاتين) الحديث] . وقال الحافظ أيضاً: [قال شيخنا في شرح الترمذي: لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي ﷺ أو منزلة النبي ﷺ لكون النبي ﷺ شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلاً لهم ومعلماً ومرشداً وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه فظهرت مناسبة ذلك أهـ ملخصاً] فتح الباري ١٠/٥٣٦-٥٣٧. وقال النبي ﷺ: (من ضم يتيماً بين مسلمين في طعامه وشرابه حتى يستغني عنه وجبت له الجنة] رواه أبو يعلى والطبراني وأحمد مختصراً بإسناد حسن كما قال الحافظ المنذري. وقال الألباني صحيح لغيره. انظر صحيح التغيب والترهيب ٢/٦٧٦. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (أتى النبي ﷺ رجل يشكو قسوة قلبه؟ قال: أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك) رواه الطبراني وقال الألباني حسن لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/٦٧٦. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم لا يفطر) رواه البخاري ومسلم، وغير ذلك من الأحاديث. وكفالة اليتيم تكون بضم اليتيم إلى حجر كافله أي ضمه إلى أسرته فينفق عليه ويقوم على تربيته وتأديبه حتى يبلغ لأنه لا يتم بعد الإحتلام والبلوغ. وهذه الكفالة هي أعلى درجات كفالة اليتيم حيث إن الكافل يعامل اليتيم معاملة أولاده في الإنفاق والإحسان والتربية وغير ذلك. وهذه الكفالة كانت الغالبة في عصر الصحابة كما تبين لي من استقراء الأحاديث الواردة في كفالة الأيتام فالصحابة ﵃ كانوا يضمون الأيتام إلى أسرهم ومن الأمثلة الواضحة على ذلك حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال رسول الله ﷺ: (تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن) قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة فإته فاسأله فإن كان ذلك يجزي عني وإلا صرفتها إلى غيركم قالت: فقال لي عبد الله: بل ائتيه أنت قالت: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة قالت: فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزيء الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبره من نحن قالت: فدخل بلال على رسول الله ﷺ فسأله فقال له رسول الله ﷺ: من هما؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب. فقال رسول الله ﷺ: أي الزيانب؟ من هما؟ قال: امرأة عبد الله فقال له رسول الله ﷺ: لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة) رواه البخاري ومسلم. والشاهد في الحديث: (وعلى أيتام في حجورهما) . وعن عمارة بن عمير عن عمته أنها سألت عائشة ﵂: في حجري يتيم أفآكل من ماله؟ فقالت: قال رسول الله ﷺ: (إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن. وتكون كفالة اليتيم أيضاً بالإنفاق عليه مع عدم ضمه إلى الكافل كما هو حال كثير من أهل الخير الذين يدفعون مبلغاً من المال لكفالة يتيم يعيش في جمعية خيرية أو يعيش مع أمه أو نحو ذلك فهذه الكفالة أدنى درجة من الأولى ومن يدفع المال للجمعيات الخيرية التي تعنى بالأيتام يعتبر حقيقة كافلاً لليتيم وهو داخل إن شاء الله تعالى في قول النبي ﷺ: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) . قال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة) كافل اليتيم القائم بأموره من نفقة وكسوة وتأديب وتربية وغير ذلك وهذه الفضيلة تحصل لمن كفله من مال نفسه، أو من مال اليتيم بولاية شرعية. وأما قوله: وله أو لغيره فالذي له أن يكون قريباً له كجده وأمه وجدته وأخيه وأخته وعمه وخاله وعمته وخالته وغيرهم من أقاربه، والذي لغيره أن يكون أجنبياً] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٤٠٨. وكفالة اليتيم المالية تقدر حسب مستوى المعيشة في بلد اليتيم المكفول بحيث تشمل حاجات اليتيم الأساسية دون الكمالية فينبغي أن يتوفر لليتيم المأكل والمشرب والملبس والمسكن والتعليم بحيث يعيش اليتيم حياة كريمة ولا يشعر بفرق بينه وبين أقرانه ممن ليسوا بأيتام. وأرى أنه في الظروف الحالية التي نعيشها ينبغي ألا تقل كفالة اليتيم عن خمسين دولاراً حتى يضمن لليتيم الحد الأدنى من العيش الكريم. ولا بأس أن يشارك أكثر من شخص في كفالة اليتيم الواحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346418,"book_id":3840,"shamela_page_id":798,"part":"15","page_num":66,"sequence_num":798,"body":"٦٦ - الطلاق\rيقول السائل: إنه عاقد على زوجته ولم يتم الدخول بعد وأنه قال لها مازحاً: أنت طالق مع العلم أنه لم يقصد طلاقها فماذا يترتب عليه؟\rالجواب: إن التلاعب بألفاظ الطلاق من الأمور المنتشرة بين بعض الأزواج الذين يطلقون الألفاظ دون أن يلقوا لها بالاً ودون أن يدركوا ما يترتب على ألفاظهم من أمور قد تعصف بحياة الأسرة وتؤدي إلى تدميرها وما ذكر السائل مثال واضح على التلاعب بألفاظ الطلاق ويدعي أنه غير قاصد للطلاق ويجب أن يعلم أن جماهير أهل العلم اتفقوا على وقوع الطلاق عند صدور لفظ الطلاق عن الزوج وإن لم يكن قاصداً للطلاق وهذا هو المعروف عند أهل العلم بطلاق الهازل ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم وهو حديث حسن احتج به الأئمة والعلماء كالإمام الترمذي والحافظ ابن عبد البر والحافظ ابن حجر وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والإمام النووي والإمام البغوي والشوكاني والألباني وغيرهم كثير. قال الترمذي بعد أن روى الحديث: [هذا حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم] تحفة الأحوذي ٤/٣٠٤. وقد ذكر الحافظ ابن حجر شواهد للحديث يتقوى بها في التلخيص الحبير ٣/٢٠٩-٢١٠. وكذلك فعل الشيخ الألباني حيث ذكر أربعة شواهد للحديث وآثاراً عن الصحابة ثم قال: [والذي يتلخص عندي مما سبق أن الحديث حسن بمجموع طريق أبي هريرة الأولى التي حسنها الترمذي وطريق الحسن البصري المرسلة وقد يزداد قوة بحديث عبادة بن الصامت والآثار المذكورة عن الصحابة فإنها ولو لم يتبين لنا ثبوتها عنهم عن كل واحد منهم تدل على أن معنى الحديث كان معروفاً عندهم والله أعلم] إرواء الغليل ٦/٢٢٨. وقال الخطابي: [اتفق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل فإنه مؤاخذ به ولا ينفعه أن يقول كنت لاعباً أو هازلاً أو لم أنو به طلاقاً أو ما أشبه ذلك من الأمور] معالم السنن ٣/٢١٠. وقال الإمام البغوي: [اتفق أهل العلم على أن طلاق الهازل يقع] شرح السنة ٢/٢٢٠. [وقال القاضي اتفق أهل العلم على أن طلاق الهازل يقع فإذا جرى صريح لفظ الطلاق على لسان العاقل البالغ لا ينفعه أن يقول كنت فيه لاعباً أو هازلاً. لأنه لو قبل ذلك منه لتعطلت الأحكام وقال كل مطلق أو ناكح إني كنت في قولي هازلاً فيكون في ذلك إبطال أحكام الله تعالى فمن تكلم بشيء مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه وخص هذه الثلاث لتأكيد أمر الفرج] تحفة الأحوذي ٤/٣٠٤.\r\rوخلاصة الأمر أن طلاق السائل واقع وبما أنه لم يدخل بزوجته حيث أوقع الطلاق قبل الدخول فهذا الطلاق يكون بائناً لأن كل طلاق يقع قبل الدخول يكون بائناً وعليه فيلزمه عقد جديد بمهر جديد كما أنه يجب لمطلقته نصف المهر المذكور بعقد الزواج قال الله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) سورة البقرة ٢٣٧. وهذا ما قررته المادة الحادية والخمسين في قانون الأحوال الشخصية المطبق في المحاكم الشرعية في بلادنا. وأخيراً أذكّر الأزواج بأنه لا يجوز شرعاً التساهل والتلاعب بألفاظ الطلاق لما يترتب عليها من هدم للزواج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346419,"book_id":3840,"shamela_page_id":799,"part":"15","page_num":67,"sequence_num":799,"body":"٦٧ - حكم نشر أسرار المعاشرة الزوجية\rيقول السائل: ما حكم أن يتحدث الأزواج عما يجري بينهم وبين زوجاتهم من معاشرة؟ الجواب: اتفق أهل العلم على تحريم نشر أسرار الاستمتاع فيحرم على الزوج وكذا على الزوجة الحديث عما يجري بين الزوجين من أمور تتعلق بالمعاشرة الزوجية ويدل على ذلك قوله تعالى: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) سورة النساء الآية ٣٤. وقد ذكر الألوسي أن بعض المفسرين فسر الآية الكريمة بأن المراد منها حفظ النساء لأسرار أزواجهن أي ما يقع بينهم وبينهن في الخلوة. روح المعاني ٥/٢٤. ومما يدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) رواه مسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم قال رسول الله ﷺ: (إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) . قال الإمام النووي: [وفي هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه. فأما مجرد ذكر الجماع فإن لم تكن فيه فائدة ولا إليه حاجة فمكروه لأنه خلاف المروءة. وقد قال ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) . وإن كان إليه حاجة أو ترتب عليه فائدة بأن ينكر عليه إعراضه عنها أو تدعي عليه العجز عن الجماع أو نحو ذلك فلا كراهة في ذكره كما قال ﷺ: (إني لأفعله أنا وهذه) وقال ﷺ لأبي طلحة: (أعرستم الليلة؟) ...] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/١٠. وقال القرطبي المحدث: [ومقصود هذا الحديث هو أن الرجل له مع أهله خلوة وحالة يقبح ذكرها والتحدث بها وتحمل الغيرة على سترها ويلزم من كشفها عار عند أهل المروءة والحياء. فإن تكلم بشيء من ذلك وأبداه كان قد كشف عورة نفسه وزوجته إذ لا فرق بين كشفها للعيان وكشفها للأسماع والآذان إذ كل واحد منهما يحصل به الاطلاع على العورة ولذلك قال ﷺ: (لا تعمد المرأة فتصف المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها) فإن دعت حاجة إلى ذكر شيء من ذلك فليذكره مبهماً غير معين بحسب الحاجة والضرورة كما قال ﷺ: (فعلته أنا وهذه) وكقوله: (هل أعرستم الليلة) وكقوله: (كيف وجدت أهلك؟) والتصريح بذلك وتفصيله ليس من مكارم الأخلاق ولا من خصال أهل الدين] المفهم لم أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٤/١٦٢. وروى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة ﵁ في حديث طويل فيه خطبة للنبي ﷺ وجاء فيه: (ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ... هل منكم الرجل إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه وألقى عليه ستره واستتر بستر الله؟ قالوا: نعم قال: ثم يجلس بعد ذلك فيقول: فعلت كذا فعلت كذا قال: فسكتوا قال: فأقبل على النساء فقال: هل منكن من تحدث فسكتن فجثت فتاة على إحدى ركبتيها وتطاولت لرسول الله ﷺ ليراها ويسمع كلامها فقالت: يا رسول الله إنهم ليتحدثون وإنهن ليتحدثنه فقال: هل تدرون ما مثل ذلك؟ فقال: إنما مثل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطاناً في السكة فقضى منها حاجته والناس ينظرون إليه ...] وصححه الألباني كما في آداب الزفاف ص ١٤٤. قال الشوكاني: [والحديثان يدلان على تحريم إفشاء أحد الزوجين لما يقع بينهما من أمور الجماع وذلك لأن كون الفاعل من أشر الناس وكونه بمنزلة شيطان لقي شيطانة فقضى حاجته منها والناس ينظرون من أعظم الأدلة الدالة على تحريم نشر أحد الزوجين للأسرار الواقعة بينهما الراجعة إلى الوطء ومقدماته فإن مجرد فعل المكروه لا يصير به فاعله من الأشرار فضلاً عن كونه من شرهم. وكذلك الجماع بمرأى الناس لا شك في تحريمه وإنما خص النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الرجل فجعل الزجر المذكور خاصاً به ولم يتعرض للمرأة لأن وقوع ذلك الأمر في الغالب من الرجال] نيل الأوطار ٦/٢٢٤-٢٢٥. وقد اعتبر العلامة ابن حجر المكي أن إفشاء أسرار الاستمتاع بين الزوجين من كبائر الذنوب فقال: [الكبيرة الثالثة والرابعة والستون بعد المئتين: إفشاء الرجل سر زوجته وهي سره بأن تذكر ما يقع بينهما من تفاصيل الجماع ونحوها مما يخفى] ثم ذكر الأحاديث السابقة وغيرها ثم قال: [عدُّ هذين كبيرتين لم أره لكنه صريح ما في هذه الأحاديث الصحيحة وهو ظاهر لما فيه من إيذاء المحكي عنه وغيبته وهتك ما أجمعت العقلاء على تأكد ستره وقبيح نشره] الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/٥٩-٦٠. وخلاصة الأمر أنه يحرم على الزوجين نشر ما يجري بينهما من أمور الاستمتاع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346420,"book_id":3840,"shamela_page_id":800,"part":"15","page_num":68,"sequence_num":800,"body":"٦٨ - التعدد\rتقول السائلة: إنها امرأة متزوجة منذ أكثر من عُشرين سنة وإن زوجها قد تزوج امرأة ثانية وصار يقضي معظم وقته عند الثانية وينفق على الثانية ويبخل عليَّ مع أنني ساندته في أول حياته حتى وقف على رجليه فما حكم الشرع في ذلك؟\rالجواب: إن كثيراً من الأزواج يظلمون نسائهم وخاصة الذين يعددون فيميلون إلى الزوجة الثانية وينسون الأولى. وإن التعامل السيء للأزواج الذين يعددون مع زوجاتهم قد أساء إلى قضية تعدد الزوجات وأعطى الناس صورة سلبية عن التعدد حتى صار التعدد مقروناً بالظلم. وأصل تعدد الزوجات مشروع وقد نصت الآية الكريمة على ذلك قال الله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) سورة النساء الآية ٣. وقد أجمع المسلمون على جواز التعدد ولكن التعدد مشروط بشرطين الشرط الأول وهو العدل وهو مأخوذ من قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) . والشرط الثاني هو المقدرة على الإنفاق على الزوجتين أو أكثر ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) سورة النور الآية ٣٣. [فقد أمر الله تعالى بهذه الآية الكريمة من يقدر على النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعفف، ومن وجوه تعذر النكاح من لا يجد ما ينكح به من مهر، ولا قدرة له على الإنفاق على زوجته. وكذلك يستدل على شرط الإنفاق بقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) سورة النساء، الآية ٣. فقد روي عن الإمام الشافعي أنه قال في معنى: (ألا تعولوا) أي لا يكثر عيالكم. وفي هذا إشارة إلى شرط الإنفاق؛ لأن الخوف من كثرة العيال لما تؤدي إليه هذه الكثرة من ضرورة كثرة الإنفاق التي قد يعجز عنها من يريد الزواج بأكثر من واحدة، فيفهم من ذلك أن القدرة على الإنفاق على الزوجات عند إرادة التعدد شرط لإباحة هذا التعدد، كذلك قد يستدل على شرط القدرة على الإنفاق بالحديث الصحيح عن النبي ﷺ وهو قوله: (يا معُشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضُّ لبصر وأحفظ للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) . فإذا لم يستطع على مؤونة الزواج لم يجز له الزواج وإن كان هو زواجه الأول، فمن باب أولى أن لا يباح له الزواج بالثانية – وعنده زوجة – إذا كان عاجزاً عن الإنفاق على الثانية مع إنفاقه على الأولى ثم إن الإقدام على الزيجة الثانية – مع علمه بعجزه عن الإنفاق عليها مع الأولى- عمل يتسم بعدم المبالاة بأداء حقوق الغير، ويعتبر من أنواع الظلم، والظلم لا يجوز في شرعة الإسلام. وبناء على جميع ما تقدم، يعتبر من الظلم المحظور أن يقدم الرجل على الزواج بأخرى مع وجود زوجة عنده، ومع علمه بعجزه عن الإنفاق على زوجتيه الجديدة والقديمة] المفصل في أحكام المرأة ٦/ ٢٨٩. وينبغي أن يعلم أن العدل بين الزوجات واجب شرعي ومن آثار العدل بين الزوجات القسمة بينهن بأن يقسم وقته بين زوجاته كأن يكون عند الأولى ليلة وعند الثانية ليلة أخرى وهكذا. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [لا نعلم بين أهل العلم في وجوب التسوية بين الزوجات في القسم خلافاً، وقد قال الله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) سورة النساء الآية ١٩.، وليس مع الميل معروف، وقال الله تعالى: (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) سورة النساء الآية ١٢٩] المغني ٧/٣٠١. وقد كان النبي ﷺ يقسم بين زوجاته فيعدل بينهن وكان ﷺ يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) رواه أبو داود والترمذي والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. ولا بد لمن عدد الزوجات من العدل في النفقة والكسوة والمسكن وغير ذلك من الأمور المادية التي يملكها الإنسان وأما الأمور التي لا يملكها الإنسان كالحب أو الميل القلبي فهذه خارجة عن إرادة الإنسان فلا حرج عليه فيها وعلى ذلك يحمل قوله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) سورة النساء الآية ١٢٩. قال الإمام القرطبي: [قوله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب. فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض؛ ولهذا كان ﵊ يقول: (اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) . ثم نهى فقال: (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) ، قال مجاهد: لا تتعمدوا الإساءة بل الزموا التسوية في القسم والنفقة؛ لأن هذا مما يستطاع] تفسير القرطبي ٥/ ٤٠٧. وهذه الآية الكريمة في الأمور المعنوية وأما الأمور المادية فالعدل فيها واجب وقد حذر النبي ﷺ الأزواج من عدم العدل فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا كانت عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وهو حديث صحيح كما قال الألباني في إرواء الغليل ٧/ ٨٠. وفي رواية أبي داود (جاء يوم القيامة وشقه مائل) وهذا الحديث دليل على وجوب العدل بين الزوجات وحرمة الميل في الإنفاق والقسمة والمراد بقوله ﷺ: (وشقه ساقط أو مائل) أي نصفه مائل بحيث يراه أهل العرصات يوم القيامة ليكون هذا زيادة في التعذيب، انظر تحفة الأحوذي ٤/ ٢٤٨. وقد اعتبر الشيخ ابن حجر المكي ترجيح إحدى الزوجات على الأخرى ظلماً وعدواناً من كبائر الذنوب فقال: [أخرج الترمذي وتكلم فيه الحاكم وصححه على شرطهما عن أبي هريرة – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: (من كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط) وأبو داود (من كانت له إمرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) والنسائي: (من كانت له امرأتان يميل إلى إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل) ، وفي رواية لابن ماجة وابن حبان في صحيحهما (وأحد شقيه ساقط) . والمراد بقوله (فمال) وقوله (يميل) الميل بظاهره بأن يرجح إحداهما في الأمور الظاهرة التي حرم الشارع الترجيح فيها لا الميل القلبي لخبر أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه عن عائشة ﵂ كان ﷺ يقسم فيعدل ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني القلب) وقال الترمذي: روي مرسلاً وهو أصح. وروى مسلم وغيره (إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) . تنبيه: عدُّ هذا هو قضية هذا الوعيد الذي في هذه الأحاديث وهو ظاهر وإن لم يذكروه لما فيه من الإيذاء العظيم الذي لا يحتمل] الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/ ٨٠ – ٨١.\r\rوقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في العدل بين الزوجات وهذه صورة من عدله ﷺ بين نسائه: روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قلَّ يوم إلا هو يطوف علينا جميعاً، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها) . وروى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (إن النبي ﷺ كان إذا أراد سفراً أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل منهن يومها وليلتها) . ويقول جابر بن زيد: [كانت لي امرأتان فكنت أعدل بينهما حتى في القبل] . وقال مجاهد: [كانوا يستحبون أن يعدلوا بين النساء حتى في الطيب: يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه] . وقال ابن سيرين: [إنه يكره للزوج أن يتوضأ في بيت إحدى زوجتيه دون الأخرى] . وقال أبو القاسم: [ويكفيك ما مضى من عمل رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين في هذا، ولم يبلغنا عن أحد منهم أنه قسم إلا يوماً هاهنا، ويوماً هاهنا] . وقال ابن قدامة: [ويقسم الرجل بين نسائه ليلة ليلة، ويكون النهار في معاشه وقضاء حقوق الناس، إلا أن يكون معاشه ليلاً كالحراسة، فإنه يقسمه نهاراً، ويكون ليله كنهاره] عُشرة النساء ص ٣٢٠- ٣٢١. وخلاصة الأمر أن العدل واجب بين الزوجات في الأمور المادية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346421,"book_id":3840,"shamela_page_id":801,"part":"15","page_num":69,"sequence_num":801,"body":"٦٩ - الطلاق\rحكم كنايات الطلاق\rالجواب: اتفق أهل العلم على تقسيم الطلاق من حيث الصيغة إلى قسمين: صريح وكنائي. فالطلاق الصريح هو الذي يقع بألفاظ صريحة في الطلاق ويلحق بالطلاق الصريح ما اشتهر استعماله في الطلاق عرفاً كما نص على ذلك قانون الأحوال الشخصية المطبق في بلادنا في المادة ٩٥: [يقع الطلاق بالألفاظ الصريحة وما اشتهر استعماله فيه عرفاً دون الحاجة إلى نية] . فالطلاق الصريح يقع بمجرد صدور اللفظ ممن يملك الطلاق ولو لم يقصد فلا يحتاج الطلاق الصريح إلى نية كما قرر ذلك أهل العلم، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قد ذكرنا أن صريح الطلاق لا يحتاج إلى نية بل يقع من غير قصد ولا خلاف في ذلك] المغني ٧/٣٩٧. وأما الطلاق الكنائي فيكون باستعمال ألفاظ تحتمل الطلاق وغيره كقول الزوج لزوجته أخرجي من المنزل أو إلحقي بأهلك أو خليت سبيلك ونحو ذلك من الألفاظ. والطلاق بالكناية يقع إذا قصد الزوج الطلاق ونواه وأما إذا لم يقصده ولم ينوه فلا يقع. وهذا لأن الألفاظ الكنائية تحتمل الطلاق وغيره فلا يصرف إلى الطلاق إلا بالنية وأما وقوعه بالنية فلأن اللفظ يحتمله فيصرف إليها بها. الموسوعة الفقهية ٢٩/٢٦. ومما يدل على اعتبار النية في الطلاق الكنائي ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂: [أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك! فقال لها: (لقد عذت بعظيم؛ إلحقي بأهلك) رواه البخاري. وفي الصحيحين وغيرهما في حديث تخلف كعب بن مالك لما قيل له: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك فقال: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: (بل اعتزلها فلا تقربنها) فقال: لإمرأته الحقي بأهلك. فأفاد الحديثان أن هذه اللفظة تكون طلاقاً مع القصد ولا تكون طلاقاً مع عدمه] الروضة الندية ٢/٢٦٣-٢٦٤. إذا تقرر هذا فنعود إلى رسالة السائل وما ذكر من ألفاظ كنائية فأقول إن ما قاله المالكية بوقوع الطلاق بلفظ اسقني الماء أو ساميحني أو اعفي عني إنما جاء بناءً على قولهم إن كناية الطلاق على قسمين: كناية ظاهرة وكناية خفية. انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢/٣٧٨ فما بعدها. وما ذكره السائل من لفظ اسقني الماء ولفظ سامحيني فهو كنايات خفية فأوقعوا بها الطلاق إن نوى الزوج الطلاق ولكن الذي يظهر لي أن الطلاق لا يقع بهذين اللفظين لأن هذه الألفاظ لا تستعمل في الطلاق لا لغة ولا عرفاً وهي غير محتملة للطلاق. قال الشيخ ابن قدامة المقدي: [فأما ما لا يشبه الطلاق ولا يدل على الفراق كقوله: اقعدي وقومي وكلي واشربي واقربي وأطعميني واسقني وبارك الله عليك وغفر الله لك وما أحسنك وأشباه ذلك فليس بكناية ولا تطلق به وإن نوى لأن اللفظ لا يحتمل الطلاق فلو وقع الطلاق به لوقع بمجرد النية وقد ذكرنا أنه لا يقع بها وبهذا قال أبو حنيفة واختلف أصحاب الشافعي في قوله: كلي واشربي فقال بعضهم: كقولنا وقال بعضهم: هو كناية لأنه يحتمل كلي ألم الطلاق واشربي كأس الفراق فوقع به كقولنا ذوقي وتجرعي. ولنا: أن هذا اللفظ لا يستعمل بمفرده إلا فيما لا ضرر فيه كنحو قوله: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) سورة المرسلات الآية ٤٣. وقال: (فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) سورة النساء الآية ٤. فلم يكن كناية كقوله: أطعميني، وفارق ذوقي وتجرعي، فإنه يستعمل في المكاره كقول الله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) سورة الدخان الآية ٤٩. و (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) سورة الحج الآية ٢٢. و (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) سورة القمر الآية ٤٨. وكذلك التجرع قال الله تعالى: (يَتَجَرَّعهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) سورة إبراهيم الآية ١٧. فلم يصح أن يلحق بهما ما ليس مثلهما] المغني ٧/٣٩٥-٣٩٦. وأمام ما ذكره السائل من كتابة معلومات غير صحيحة فهذا يعتبر كذباً ولا يعتبر طلاقاً وكذلك إذا سئل فأجاب بإجابات كاذبة كما ذكر في السؤال فلا يعتبر طلاقاً. وأما قول الشخص لزوجته أنا أفكر في طلاقك في اليوم ألف مرة وكان ناوياً الطلاق فيقع طلقة رجعية. وأما قول الآخر أكبر خطأ عملته في حياتي أنني تزوجت بك. فلا يقع به الطلاق لأنه لم يصدر عنه لفظ صريح ولا كناية حتى يقع بالنية. وكذلك قوله سامحيني ... فلا يقع الطلاق لما سبق. وأما قول الشخص لزوجته إما أن تتعاوني معي وإما أن نفترق فهو طلاق معلق فإن لم يتم التعاون بينهما فهي طلقة رجعية وإن تعاونت فليس طلاقاً.\r\rوأخيراً يجب التنبه على أن الحياة الزوجية رباط مقدس يجب المحافظة عليه والمسلم لا يلجأ إلى الطلاق إلا إذا سدت جميع طرق الاصلاح وتعذرت الحياة وصارت صعبة جداً. وكذلك فإنه لا يجوز التلاعب بالزواج والطلاق من أجل تحقيق مصالح معينة كالحصول على حق الإقامة أو الحصول على معاش من تأمين أو نحو ذلك من الأغراض. ومن المعلوم عند أهل العلم أنه لا فرق بين الجد والهزل في الطلاق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346422,"book_id":3840,"shamela_page_id":802,"part":"15","page_num":70,"sequence_num":802,"body":"٧٠ - الخلوة\rيقول السائل: ما هي حدود العلاقة التي تربط بين زوج البنت وحماته (أم زوجته) من حيث الخلوة والنظر وإبداء الزينة؟\rالجواب: إن أم الزوجة (الحماة) من المحرمات على التأبيد بسبب المصاهرة قال الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) سورة النساء الآية ٢٣. فقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) يدل على تحريم أم الزوجة على زوج ابنتها حرمة مؤبدة. ويرى أكثر العلماء أن هنالك تلازماً بين المحرمية وبين الأحكام المتعلقة بالخلوة والنظر وإبداء الزينة والسفر. فمادام زوج البنت محرماً على أم زوجته تنطبق عليه الأحكام المتعلقة بذلك وقد ثبت في الحديث من قوله النبي ﷺ: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم) رواه البخاري ومسلم. وقد نص أهل العلم على أنه يجوز للمحرم أن ينظر إلى ما يظهر غالباً من محارمه، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالباً كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك وليس له النظر إلى ما يستتر غالباً كالصدر والظهر ونحوهما] المغني ٧/٩٨. ومن العلماء من يرى أنه لا يجوز لأم الزوجة إظهار زينتها لزوج ابنتها وإن كان يحرم زواجها منه على التأبيد لأن الآية الواردة في سورة النور والتي حصرت من يجوز إظهار الزينة لهم لم تذكر زوج البنت منهم قال الله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْءَابَائِهِنَّ أَوْءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة النور الآية ٣١. فالآية الكريمة حصرت الأشخاص الذين يجوز للمرأة أن تظهر زينتها لهم ولم يذكر زوج البنت منهم ونقل هذا القول عن بعض العلماء مثل سعيد بن جبير والإمام أحمد في رواية عنه كما في المغني ٧/٩٩. ولكن مذهب جمهور أهل العلم أرجح وأقوى حيث إن العم والخال لم يذكرا في الآية الكريمة واتفق جمهور العلماء على جواز إظهار الزينة أمامهما قال الجصاص الحنفي: [ولما ذكر الله تعالى مع الآباء ذوي المحارم الذين يحرم عليهم نكاحهن تحريماً مؤبداً دلّ ذلك على أن من كان في التحريم بمثابتهم فحكمه حكمهم مثل زوج الابنة] أحكام القرآن ٥/١٧٤.\r\rومما يدل على ذلك أيضاً قصة عائشة مع أفلح أخي أبي القعيس وهو عمها من الرضاعة حيث قال لها النبي ﷺ: (إنه عمك فليلج عليك) رواه البخاري ومسلم. ومع ذلك أقول إن إظهار الزينة لزوج البنت ليس أمراً واجباً وإنما هو واقع في دائرة المباح وعليه فأرى أنه يجب الأخذ بالاحتياط في مسائل الخلوة والنظر وإظهار الزينة والسفر مع زوج ابنتها وخاصة إذ لم يكن الفارق في السن بينهما كبيراً كأن تكون أم الزوجة صغيرة في السن أو جميلة فلا بد من سد كل الطرق التي تؤدي إلى الفساد وقد سمعت عن حوادث كثيرة من ارتكاب الفواحش بين أم الزوجة وزوج ابنتها ترتب عليها حصول مصائب ومآسي فظيعة ولا يغب عن أذهاننا مدى الفساد وقلة التقوى والورع الذي يعيشه الناس. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346423,"book_id":3840,"shamela_page_id":803,"part":"15","page_num":71,"sequence_num":803,"body":"٧١ - الحمل والإجهاض\rتقول السائلة: إنها امرأة متزوجة ولها رغبة في الإنجاب ولكن زوجها يتخذ الوسائل لمنع الإنجاب فما الحكم في ذلك؟\rالجواب: قرر العلماء أن للزوجة حقاً في الإنجاب فإذا قام الزوج باتخاذ الوسائل لمنع الإنجاب كاستعمال العزل عند الجماع أو استخدام الوسائل الحديثة لمنع الحمل فإنه يلحق ضرراً بزوجته ومن المعلوم عند الفقهاء أنه يحرم إلحاق الضرر بالزوجة وبغيرها. وجمهور العلماء الذين أجازوا العزل اشترطوا إذن الزوجة فيه وأنه يحرم بدون إذنها ويقاس على ذلك استخدام الوسائل الحديثة من قبل الزوج لمنع الحمل دون إذن الزوجة فيلحق بالعزل دون إذنها. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولا يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها قال القاضي – أبو يعلى – ظاهر كلام أحمد وجوب استئذان الزوجة في العزل ... لما روي عن عمر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها) رواه الإمام أحمد في المسند وابن ماجة. ولأن لها في الولد حقاً وعليها في العزل ضرر فلم يجز إلا بإذنها] المغني ٧/٢٩٨. وقال البهوتي الحنبلي: [ويحرم العزل عن الحرة إلا بإذنها] كشاف القناع ٣/١١٢. وقال الحافظ ابن حجر: [اتفقت المذاهب الثلاثة على أن الحرة لا يعزل عنها إلا بإذنها] فتح الباري ٩/٣٨٢. ويقصد الحافظ ابن حجر بالمذاهب الثلاثة الحنفية والمالكية والحنابلة وأما الشافعية فلهم قولان في المسألة أحدهما موافق للمذاهب الثلاثة وقال الحافظ ابن حجر أيضاً: [وقد اختلف السلف في حكم العزل قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها لأن الجماع من حقها ولها المطالبة به وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل. ووافقه في نقل هذا الإجماع ابن هبيرة] فتح الباري ٣/٣٨٢. وانظر كلام ابن عبد البر في فتح المالك ٧/٣٨٠. ويدل لحرمة العزل عن الزوجة بدون إذنها حديث عمر المتقدم في كلام الشيخ ابن قدامة المقدسي وهو (أن النبي هـ ﷺ نهى أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها) رواه أحمد وابن ماجة وضعفه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/١٨٨-١٨٩. ولكن صح ذلك عن ابن عباس ضي الله عنهما أنه قال: إن الحرة تستأمر في العزل) رواه عبد الرزاق بسند صحيح كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٩/٣٨٣. ووردت آثار كثيرة عن السلف تدل على ذلك منها ما رواه عبد الرزاق بسنده عن عطاء أنه كره أن يعزل عن الحرة إلا بأمرها يقول هو من حقها. وعن سعيد بن جبير قال: لا يعزل الحرة إلا بأمرها. وعن عكرمة قال: لا بأس أن يعزل الرجل عن امرأته إذا استأمرها فأذنت له] مصنف عبد الرزاق ٧/١٤٣-١٤٤. وكذلك ما رواه ابن أبي شيبة بسنده عن إبراهيم التيمي وعمرو بن مرة قالا: يعزل عن الأمة ويستأمر الحرة وعن سعيد بن جبير قال: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها. وعن عبد الله قال: يستأمر الحرة ويعزل عن الأمة. وعن جابر بن يزيد قال: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها] . ثم نقل عن جماعة من السلف اشتراط إذن الزوجة الحرة في العزل مصنف ابن أبي شيبة ٤/٢٢٢-٢٢٣. وخلاصة الأمر أن حق الزوجة في إنجاب الولد ثابت شرعاً ولا يجوز للزوج أن يحرمها منه فلا بد من إذنها عند العزل أو استعمال وسائل منع الحمل فإذا فعل ذلك بدون إذنها فهو آثم شرعاً وأتى بما ينافي المقاصد الشرعية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346424,"book_id":3840,"shamela_page_id":804,"part":"15","page_num":72,"sequence_num":804,"body":"٧٢ - عرض الأزياء\rما قولكم في الفتوى التي صدرت عن بعض المشايخ والتي يجيز فيها للمرأة المسلمة عرض الأزياء الشرعية أمام الرجال.\rالجواب: قرأت الفتوى المشار إليها أعلاه وقد ناقش المفتي عدة قضايا لها صلة بموضوع الفتوى، فذكر ما يتعلق بثياب المرأة المسلمة وذكر شروط جلبابها، وفاته أن يذكر أن من شروط جلباب المرأة المسلمة ألا يكون زينة في نفسه ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) النور الآية ٣١. وفاته أيضاً أن يذكر أن من شروط جلباب المرأة المسلمة ألا يكون مبخراً مطيباً ويدل على ذلك أحاديث منها قوله ﵊: (إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيباً) رواه مسلم. ثم تكلم المفتي على مسألة نظر الرجل إلى المرأة وساق الأدلة على ذلك وقرر أنه لايجوز أن يتعمد الرجل النظر إلى المرأة إلا لحاجة ضرورية وبين أنه لا يجوز خروج النساء بقصد نظر الرجال إليهن ثم ذكر أن الهدف من عرض الأزياء هو بيع الملابس أو تسويق لهذه الموضات، فلا يلتجئ إليها إلا عند ضرورة وجودها بما لا يخالف شيئاً من الشرع الحنيف. ثم توصل المفتي إلى الحكم بتحريم عرض الأزياء الذي تدخله المخالفات الشرعية إلا أنه استثنى عرض النساء بثياب سابغة وليس فيه مخالفات شرعية ولم يقصد من ذلك التشهي بالنظر إلى النساء فأفتى بجواز ذلك مع الكراهة. وأقول تعقيباً على ذلك، إن كلام المفتي فيه تناقض واضح حيث إنه قرر عدم جواز تعمد نظر الرجل إلى المرأة إلا عند الضرورة، ثم أجاز عرض الأزياء بقيود ذكرها، وهذه الفتوى مخالفة لقوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) سورة النور الآية ٣٠. وقال المفتي: [ولا يلجأ إلى هذه الطريقة إلا بعد فقد كل الطرق لعرض الأزياء] وأتسائل هل عرض الأزياء أمر ضروري أم حاجي حتى يباح من أجله الحرام؟! وأجيب بأن عرض الأزياء ليس أمراً ضرورياً ولا أمراً حاجياً فلا يجوز شرعاً أن يباح له الأمر المحرم لأن المحرمات لا تباح بمثل هذا الأمر ويضاف إلى ذلك أن عرض الأزياء فكرة غربية خبيثة تقف خلفها جهات مشبوهة والذين يقومون بها إنما هم من المتشبهين بالغربيين.\r\rوخلاصة الأمر أنه يحرم على المرأة المسلمة أن تقوم بعرض الأزياء أمام الرجال وهي ترتدي الملابس الشرعية، والمرأة أكرم في دين الله من أن تكون بمثابة وسيلة لعرض الأزياء كما يفعل غير المسمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346425,"book_id":3840,"shamela_page_id":805,"part":"15","page_num":73,"sequence_num":805,"body":"٧٣ - النكاح\rيحرم تزويج تارك الصلاة،\r\rتقول السائلة: إنها فتاة ملتزمة بأحكام الإسلام وقد تقدم لخطبتها شاب تارك للصلاة ويريد أبوها أن يزوجها منه وهي ترفض ذلك فما قولكم؟ الجواب: إن واجب الآباء النظر والفحص في أحوال من يتقدم لخطبة بناتهم وأن يجعلوا المعيار للقبول والرد هو ما قرره الشرع فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) رواه الترمذي وابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: حسن. وجاء في الحديث عن أبي حاتم المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد. قالوا: وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ثلاث مرات. رواه الترمذي وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني. صحيح سنن الترمذي ١/٣١٥. وهذا الحديث يقرر أصلاً مهماً في الزواج وهو اعتبار الكفاءة في الدين فإن تارك الصلاة ليس كفؤاً للمرأة الصالحة المصلية وتارك الصلاة لا ينبغي أن يزوج لأن أمره دائر بين الكفر والفسق على اختلافٍ بين العلماء في حاله. قال العلامة ابن القيم: [لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة] كتاب الصلاة ص ٣-٤. قال الله تعالى مخبراً عن أصحاب الجحيم: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) المدثر الآيتان ٤٢-٤٣. وقال الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) سورة مريم الآية ٥٩. وقد وردت أحاديث كثيرة عن الرسول ﷺ في الترهيب من ترك الصلاة تعمداً وكذلك آثار عن الصحابة والسلف أذكر طائفة منها: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) رواه مسلم. وفي رواية: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) رواه أبو داود والنسائي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. وفي رواية أخرى: (بين الكفر والإيمان ترك الصلاة) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألبني. وجاء في الحديث أنه ﵊ قال: (عُرَى الإسلام وقواعد الدين ثلاث عليهن أٌسُ الإسلام من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة المكتوبة وصوم رمضان) وإسناده حسن كما قال المنذري والهيثمي. وفي رواية أخرى: (من ترك منهن واحد فهو بالله كافر ولا يقبل منه صرف ولا عدل وقد حل دمه وماله) وسندها حسن كما قال الشيخ ابن حجر المكي في الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٢٨٤. وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله) رواه البخاري ومسلم. وعن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح وصححه الشيخ الألباني. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (أن النبي ﷺ ذكر الصلاة يوماً فقال: من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) رواه أحمد والدارمي وقال المنذري: إسناده جيد. قال بعض العلماء: وإنما حشر مع هؤلاء لأنه إن اشتغل عن الصلاة بماله أشبه قارون فيحشر معه أو بملكه أشبه فرعون فيحشر معه أو بوزارته أشبه هامان فيحشر معه أو بتجارته أشبه أبي بن خلف تاجر كفار مكة فيحشر معه. الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٢٨٩. وعن عبد الله بن شقيق العقيلي ﵁ قال: (كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) رواه الترمذي والحاكم وصححه. وقال الشيخ الألباني: صحيح. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (أوصاني خليلي ﷺ أن لا تشرك بالله شيئاً وإن قطعت أو حرقت ولا تترك صلاة مكتوبة متعمداً فمن تركها فقد برئت منه الذمة ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر) رواه ابن ماجة والبيهقي وصححه الشيخ الألباني. وعن أم أيمن ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تترك الصلاة متعمداً فإنه من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله ورسوله) رواه أحمد والبيهقي وصححه الشيخ الألباني. وعن ابن مسعود ﵁ قال: (من ترك الصلاة فلا دين له) رواه ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان والطبراني في المعجم الكبير وحسنه الشيخ الألباني. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (لا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له) رواه ابن عبد البر وصححه الشيخ الألباني. انظر هذه الأحاديث والآثار وحكم الشيخ الألباني عليها صحيح الترغيب والترهيب ص ٢٢٦-٢٣٠. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لا حظ لأحد في الإسلام أضاع الصلاة) الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٢٩٥. قال الشيخ ابن حجر المكي بعد أن ساق عدداً كبيراً من الأحاديث والآثار في تارك الصلاة: [اختلف العلماء من الصحابة ومن بعدهم في كفر تارك الصلاة وقد مرّ في الأحاديث الكثيرة السابقة التصريح بكفره وشركه وخروجه من الملة وبأنه تبرأ منه ذمة الله وذمة رسوله وبأنه يحبط عمله وبأنه لا دين له وبأنه لا إيمان له وبنحو ذلك من التغليظات وأخذ بظاهرها جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فقالوا من ترك صلاة متعمداً حتى خرج جميع وقتها كان كافراً مراق الدم منهم عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبو هريرة وابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله وأبو الدرداء ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك والنخعي والحكم بن عتيبة وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وغيرهم فهؤلاء الأئمة كلهم قائلون بكفر تارك الصلاة وإباحة دمه] الزواجر ١/٢٩٨. وقد سقت هذه النصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وآثار السلف لأؤكد على قضية خطيرة جداً ألا وهي إن ترك الصلاة الذي هو من كبائر الذنوب قد صار أمراً عادياً في مجتمعنا ولا يثير في نفوساً شيئاً ولا يحرك ساكناً ولا يعتبره كثير من الناس وبعض المشايخ مما يطعن في شخصية تارك الصلاة بل إن بعض هؤلاء يتعاملون مع تارك الصلاة بكل الحب والاحترام والتقدير الذي لا يحظى به كثير من عباد الله المصلين المحافظين على حدود الله فإنا لله وإنا إليه راجعون. ويجب التأكيد على أن تارك الصلاة لا يجوز أن يزوج والولي أباً كان أو أخاً إن أجبر ابنته أو أخته على الزواج من تارك للصلاة فقد ارتكب جرماً عظيماً. وقد ورد عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: [من زوج ابنته لتارك صلاة فكأنما ألقاها في نار جهنم] . فتارك الصلاة أقل أحواله أنه فاسق والفاسق ليس كفؤاً للمرأة المصلية الملتزمة بشرع الله. وتارك الصلاة هذا يجب أن ينصح وأن يعاد عليه النصح مراراً وتكراراً لعله يعود ويرجع ويتوب إلى الله ﷾. وأخيراً لا يجوز لهذا الأب أن يجبر ابنته على الزواج من تارك الصلاة فإن فعل فقد وقع في الحرام وعليه وزر عظيم والعياذ بالله. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346426,"book_id":3840,"shamela_page_id":806,"part":"15","page_num":74,"sequence_num":806,"body":"٧٤ - النكاح\rيقول السائل: ما قولكم في الزواج بين العيدين، عيد الفطر وعيد الأضحى حيث إنه يشاع بين الناس أن الزواج بينهما غير مرغوب في هذا الوقت ويتشاءمون منه؟\rالجواب: الأصل في المسلم أنه لا يتطير ولا يتشاءم لأن الطيرة والتشاؤم من الشرك والعياذ بالله فقد جاء في الحديث عَنْ ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الطيرة شرك الطيرة شرك) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (١٣١٤) وقال ﷺ: (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك) قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك) رواه أحمد وابن السني وإسناد ابن السني صحيح. وجاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ) رواه البخاري والتطيّر هو التشاؤم. واعتبر التطير شركاً لأن المتطيّر قطع توكّله على الله واعتمد على غيره. ولأنه تعلّق بأمر لا حقيقة له، والتشاؤم من الاعتقادات الجاهلية وما زال كثير منها منتشراً بين الناس في وقتنا الحاضر والتشاؤم من الزواج في شوال من الأمور التي كانت معروفة عند العرب في الجاهلية قال في صبح الأعشى (الشهر العاشر شوال سمي بذلك أخذا من شالت الإبل بأذنابها إذا حملت لكونه أول شهور الحج وقيل من شال يشول إذا ارتفع ولذلك كانت الجاهلية تكره التزويج فيه لما فيه من معنى الإشالة والرفع إلى أن جاء الإسلام بهدم ذلك قالت عائشة ﵂ فيما ثبت في صحيح مسلم تزوجني رسول الله في شوال وبنى بي في شوال فأي نسائه كان أحظى عنده مني) . صبح الأعشى في صناعة الإنشا ٢/ ٤٠٢. وروى مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال , وبنى بي في شوال , فأي نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده مني؟ قال: وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال) . قال الإمام النووي: قوله: (عن عائشة ﵂ قالت: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال , وبنى بي في شوال , فأي نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده مني؟ قال: وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال) فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال , وقد نص أصحابنا على استحبابه , واستدلوا بهذا الحديث , وقصدت عائشة بهذا الكلام رد ما كانت الجاهلية عليه , وما يتخيله بعض العوام اليوم من كراهة التزوج والتزويج والدخول في شوال , وهذا باطل لا أصل له , وهو من آثار الجاهلية , كانوا يتطيرون بذلك لما في اسم شوال من الإشالة والرفع. شرح النووي على صحيح مسلم ٩ / ٢٠٩. وقال الحافظ ابن عبد البر: (وكانت عائشة تنكر حديث الشؤم وتقول إنما حكاه رسول الله ﷺ عن أهل الجاهلية وأقوالهم وكانت تنفي الطيرة ولا تعتقد شيئا منها حتى قالت لنسوة كن يكرهن الابتناء بأزواجهن في شوال ما تزوجني رسول الله ﷺ إلا في شوال وما دخل بي إلا في شوال فمن كان أحظى مني عنده وكانت تستحب أن يدخلن على أزواجهن في شوال) التمهيد لابن عبد البر ٩/ ٢٨٨. وقال السيوطي: (عن عائشة قالت تزوجني رسول الله ﷺ في شوال وأدخلت عليه في شوال وكانت عائشة تحب أن تدخل نساءها في شوال فأي نسائه كانت أحظى عنده مني) قال القاضي عياض والنووي قصدت عائشة بهذا الكلام رد ما كانت الجاهلية عليه من كراهة التزويج والدخول في شوال كانوا يتطيرون بذلك لما في اسم شوال من الإشالة والرفع قال ... في طبقات ابن سعد أنهم كرهوا ذلك لطاعون وقع فيه. شرح السيوطى على سنن النسائي ٦/٧٠. وقال ملا علي القاري: قيل إنما قالت هذا ردا على أهل الجاهلية فإنهم كانوا لا يرون يمناً في التزوج والعرس في أشهر الحج. المرقاة ٦/٣٠٣. وقال الحافظ ابن كثير (عن عائشة قالت تزوجني رسول الله في شوال وبنى بي في شوال فأي نساء رسول الله كان أحظى عنده مني وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن سفيان الثوري به وقال الترمذي حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث سفيان الثوري فعلى هذا يكون دخوله بها ﵇ بعد الهجرة بسبعة أشهر أو ثمانية أشهر وقد حكى القولين ابن جرير وقد تقدم في تزويجه ﵇ بسودة كيفية تزويجه ودخوله بعائشة بعد ما قدموا المدينة وأن دخوله بها كان بالسنح نهاراً وهذا خلاف ما يعتاده الناس اليوم وفي دخوله ﵇ بها في شوال رداً لما يتوهمه بعض الناس من كراهية الدخول بين العيدين) البداية والنهاية ٣/ ٢٣١. وقال العلامة ابن القيم: (وقد كانت عائشة أم المؤمنين ﵂ تستحب أن تتزوج المرأة أو يبنى بها في شوال وتقول: \" ما تزوجني رسول الله إلا في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني \" مع تطير الناس بالنكاح في شوال، وهذا فعل أولى العزم والقوة من المؤمنين الذين صح توكلهم على الله، واطمأنت قلوبهم إلى ربهم، ووثقوا به، وعلموا أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنهم لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم، وأنهم ما أصابهم من مصيبة إلا وهي في كتاب من قبل أن يخلقهم ويوجدهم، وعلموا أنه لا بد أن يصيروا إلى ما كتبه وقدَّره ولا بد أن يجرى عليهم، وإن تطيرهم لا يرد قضاءه وقدره عنهم، بل قد يكون تطيرهم من أعظم الأسباب التي يجري عليهم بها القضاء والقدر فيعينون على أنفسهم، وقد جرى لهم القضاء والقدر بأن نفوسهم هي سبب إصابة المكروه لهم فطائرهم معهم، وأما المتوكلون على الله المفوِّضون إليه العالمون به وبأمره فنفوسهم أشرف من ذلك، وهممهم أعلى، وثقتهم بالله وحسن ظنهم به عدة لهم وقوة وجنة مما يتطير به المتطيرون ويتشاءم به المتشائمون، عالمون أنه لا طير إلا طيره، ولا خير إلا خيره، ولا إله غيره، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. مفتاح دار السعادة ٢ / ٢٦١. وذهب بعض أهل العلم إلى استحباب الزواج في شوال كما سبق في كلام الإمام النووي أخذاً من حديث عائشة السابق قال البكري: (قوله وفي شوال أي ويسن أن يكون العقد في شوال وقوله وأن يدخل فيه أي ويسن أن يدخل على زوجته في شوال أيضا والدليل عليه وعلى ما قبله خبر عائشة ﵂ قالت تزوجني رسول الله ﷺ في شوال ودخل فيه وأي نسائه كان أحظى عنده مني وفيه ردٌ على من كره ذلك) إعانة الطالبين ٣/ ٢٧٣. ولكن الإمام الشوكاني يرى أن حديث عائشة لا يدل على استحباب الزواج في شوال بل يدل على مجرد الإباحة واعترض على صاحب المنتقى بقوله (استدل المصنف بحديث عائشة على استحباب البناء بالمرأة في شوال وهو إنما يدل على ذلك إذا تبين أن النبي ﷺ وسلم قصد ذلك الوقت لخصوصية له لا توجد في غيره لا إذا كان وقوع ذلك منه ﷺ على طريق الاتفاق وكونه بعض أجزاء الزمان فإنه لا يدل على الاستحباب لأنه حكم شرعي يحتاج إلى دليل وقد تزوج ﷺ بنسائه في أوقات مختلفة على حسب الاتفاق ولم يتحر وقتاً مخصوصاً ولو كان مجرد الوقوع يفيد الاستحباب لكان كل وقت من الأوقات التي تزوج فيها النبي ﷺ يستحب البناء فيه وهو غير مسلم) نيل الأوطار ٦/ ٣٣٩ وخلاصة الأمر أنه لا يجوز التشاؤم بالزواج بين العيدين والزواج بينهما مباح ومشروع وقد تزوج النبي ﷺ بين العيدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346427,"book_id":3840,"shamela_page_id":807,"part":"15","page_num":75,"sequence_num":807,"body":"٧٥ - الميراث\rيقول السائل: طلق رجل زوجته طلاقاً رجعياً ثم مات أثناء عدة مطلقته فهل ترث منه أم لا؟\rالجواب: من المعلوم عند أهل العلم أن الزوجية من أسباب التوارث ويشترط لإثبات التوارث بين الزوجين أن تكون الزوجية صحيحة وأن تكون الزوجية قائمة وقت الوفاة حقيقة أو حكماً والمطلقة طلاقاً رجعياً تعتبر زوجة حكماً حيث إنها ما زالت في العدة فحق التوارث ثابت لها ولا يملك أحد حرمانها منه شرعاً وهذا الحكم لا خلاف فيه بين أهل العلم فيما أعلم. قال ابن حزم الظاهري: [أما المطلقة طلاقاً رجعياً فهي زوجة للذي طلقها ما لم تنقض عدتها يتوارثان ويلحقها طلاقة وإيلاؤه وظهاره ولعانه إن قذفها وعليه نفقتها وكسوتها وإسكانها فإذ هي زوجته فحلال له أن ينظر منها إلى ما كان ينظر إليه منها قبل أن يطلقها وأن يطأها إذ لم يأت نص يمنعه من شيء من ذلك وقد سماه الله تعالى بعلاً لها إذ يقول ﷿: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) ] المحلى ١٠/٢٥١. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا طلق الرجل امرأته طلاقاً يملك رجعتها في عدتها لم يسقط التوارث بينهما ما دامت في العدة سواء كان في المرض أو الصحة بغير خلاف نعلمه وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ﵃ وذلك لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه ويملك إمساكها بالرجعة بغير رضاها ولا ولي ولا شهود ولا صداق جديد] المغني ٦/٣٩٤. وخلاصة الأمر أن المطلقة رجعياً ترث زوجها ما دامت في العدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346428,"book_id":3840,"shamela_page_id":808,"part":"15","page_num":76,"sequence_num":808,"body":"٧٦ - أماكن محرمة\rيقول السائل: ما حكم دخول المطاعم التي تقدم الخمور؟\rالجواب: لا يجوز شرعاً دخول المطاعم التي تقدم الخمور والجلوس فيها بل إن على المسلم أن يقاطع كل مجلس للخمر فقد ورد في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة تدار عليها الخمر) رواه الترمذي وقال حديث حسن. وإن المسلم يُطلب منه إزالة المنكر فإن لم يستطع فلا أقل من أن يبتعد عن مواطن المنكر فلا يجلس في تلك المطاعم التي تقدم الخمور. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346429,"book_id":3840,"shamela_page_id":809,"part":"15","page_num":77,"sequence_num":809,"body":"٧٧ - اللباس والزينة\rيقول السائل: ما حكم استعمال جلد الخنزير في الملبوسة الجلدية والأحذية؟\rالجواب: لا يجوز استعمال جلد الخنزير في صناعة الملابس والأحذية بل ذلك محرم على ما قرره أكثر الفقهاء حيث قالوا إن جلد الخنزير نجس لا يطهر بالدباغة ويدل على ذلك قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) سورة الأنعام الآية ١٤٥. والضمير في قوله تعالى: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) يعود على الخنزير والرجس تعني النجس فالخنزير كله نجس كما قرره فقهاء الحنفية وغيرهم، قال العلامة ابن عابدين ﵀: [لأنه نجس العين بمعنى أن ذاته بجميع أجزائه نجسة حياً وميتاً فليست نجاسته لما فيه من الدم كنجاسة غيره من الحيوانات فلذا لم يقبل التطهير ... ] حاشية ابن عابدين ١/٢٠٤. وقال أكثر العلماء إن جلد الخنزير لا يدخل في عموم قول النبي ﷺ: (أيما إهاب دبغ فقط طهر) رواه مسلم وأحمد والترمذي. وقالوا إن العموم في الحديث مخصوص، قال القرطبي: [المشهور عندنا أن جلد الخنزير لا يدخل في الحديث ولا يتناوله العموم ... قال أبو عمر: يحتمل أن يكون أراد بهذا القول عموم الجلد المعهود الانتفاع بها فأما الخنزير فلم يدخل في المعنى لأنه غير معهود الانتفاع بجلده إذ لا تعمل فيه الذكاة ودليل آخر وهو ما قاله النضر بن شميل: إن الإهاب جلد البقر والغنم والإبل وما عداه فإنما يقال له جلد لا إهاب] تفسير القرطبي ١٠/١٥. وكلام النضر بن شميل فيه نظر. وعلى كل حال فهناك من العلماء من يرى أن جلد الخنزير يدخل في عموم الحديث السابق ولكن قول الجمهور أحوط وأبعد عن الشبهات فإن الشريعة قد حرمت أكل الخنزير ووصفت الخنزير بأنه رجس فالمفروض في المسلم أن يبتعد عن الخنزير وعن كل ما يتعلق به. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346430,"book_id":3840,"shamela_page_id":810,"part":"15","page_num":78,"sequence_num":810,"body":"٧٨ - اللباس والزينة\rيقول السائل: ما حكم استعمال الإنسان للعدسات الملونة في العيون؟\rالجواب: إن لم تكن العدسات الملونة لازمة من الناحية الطبية فلا يجوز استعمالها لأنها تتضمن تغييراً لخلق الله ﷾ وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بالمرأة فإن ذلك يعتبر من الزينة الممنوعة وقد ينطوي على الغش والخداع إذا كانت المرأة تستعملها لتخدع الخطاب. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346431,"book_id":3840,"shamela_page_id":811,"part":"15","page_num":79,"sequence_num":811,"body":"٧٩ - مسائل طبية\rيقول السائل: ما حكم زراعة الشعر؟\rالجواب: إن زراعة الشعر فيما يظهر لي جائزة إذا دعت لذلك الحاجة كأن يتساقط شعر شخص فيعالج ذلك بزراعة الشعر وأرى أن هذا من باب العلاج ولا بأس به إن شاء الله. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346432,"book_id":3840,"shamela_page_id":812,"part":"15","page_num":80,"sequence_num":812,"body":"٨٠ - النزاعات والخلافات\rيقول السائل: ما الحكم الشرعي فيما يسمية القضاء العشائري فراش العطوة والجلاء؟\rالجواب: فراش العطوة هو عبارة عن المبلغ الذي يدفعه أهل الجاني وعشيرته في جرائم القتل العمد وحوادث السيارات ونحوها لذوي المجني عليه قبل الموافقة على إعطاء العطوة العشائرية ويكون دفع هذا المبلغ عن طريق رجال الجاهة الذين يتدخلون لاحتواء المشكلة التي قد تكون قد وقعت وحكم فراش العطوة في الشرع أنه أكل لأموال الناس بالباطل لأنه في حالات كثيرة لا يحسب مبلغ فراش العطوة من شروط الصلح أو الدية وبالتالي يكون من غير عوض، وهذا غير جائز شرعاً يقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) وأما إذا اعتبر مبلغ فراش العطوة جزءاً من الدية أو من المبلغ الذي يدفع عند إجراء المصالحة بين الطرفين فيجوز ذلك. وأما الجلاء أو الجلوة كما يسيمها القضاء العشائري وتعني ترحيل ذوي الجاني من أماكن سكنهم القريبة من أهل المجني عليه إلى أماكن سكن بعيدة وغالباً ما تكون الجلوة في قضايا القتل العمد والجلوة في القضاء العشائري لا تقتصر على الجاني وإنما قد تشمل الآباء والأجداد والأخوة والأعمام وكل من له صلة بالجاني إلى الجد الثالث وأحياناً قد تصل إلى الجد الخامس وهذا يشمل النساء والأطفال. العرف العشائري ص ٣٦٣. والجلاء أو الجلوة في نظر الشريعة أمر باطل لا يجوز وهي ظلم واضح لأن الشريعة الإسلامية تقرر أن كل إنسان مسؤول عما يفعل ولا يحاسب شخص سواه على ما فعل، قال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) . وفي الجلاء ظلم يتضمن إخراج الناس من بيوتهم وترحيلهم عنها وإلحاق الضرر بهم من غير جريرة ذنب ارتكبوه وليس لهم علاقة بالجريمة فلماذا يعاقبون على شيء لم يفعلوه؟ وإن كان الأمر يقتضي المحافظة على أهل الجاني من فورة غضب أهل المجني عليه فلا بأس من إبعاد أهل الجاني عن أهل المجني عليه لمدة قصيرة لا تعدو أياماً قليلة حتى تهدأً ثورة غضبهم أما تهجيرهم من بيوتهم وأطفالهم ونساؤهم شهوراً وأحياناً سنوات فهذا أمر لا تقره الشريعة بحال من الأحوال وهذا من الظلم والعدوان يقول الرسول ﵊ (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دمائهم واستحلوا محارمهم) رواه مسلم.\r\rوعلى رجال الخير والإصلاح أن يتقوا الله ﷾ وليعلموا أنه لا يجوز لهم أن يحكموا بغير ما أنزل الله فعليهم الحكم بما أنزل الله ﷾ لأن الشريعة الإسلامية هي الكفيلة بتحقيق العدل بين الناس. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346433,"book_id":3840,"shamela_page_id":813,"part":"15","page_num":81,"sequence_num":813,"body":"٨١ - الطلاق\rيقول السائل: إن رجلاً قد طلق زوجته بعد خلاف حصل بينهما وطردها إلى بيت أهلها ويرفض أن تبقى الزوجة في بيته لقضاء العدة فما حكم ذلك؟\rالجواب: شرع الإسلام العدة في حالة الطلاق والوفاة لحكم كثيرة ومن حكمة مشروعية عدة الطلاق الرجعي أن تتاح فرصة للزوج لمراجعة مطلقته خلال مدة العدة وهذه الحكمة تكون أكثر تحققاً فيما لو بقيت الزوجة في بيت الزوج ولم تخرج منه كما جرت العادة في بلادنا أن الزوج إذا طلق زوجته فإنها تخرج من بيت الزوجية وتذهب إلى بيت أهلها وهذا الأمر ليس مشروعاً ولا يجوز للزوج أن يخرج زوجته من بيتها بطردها إلى بيت أبيها قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا النبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) سورة الطلاق الآية ١. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) أي ليس للزوج أن يخرجها من مسكن النكاح ما دامت في العدة ولا يجوز لها الخروج أيضاً لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدة. تفسير القرطبي ١٨/ ١٥٤. ثم قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) [أي هذه الأحكام التي بينها أحكام الله على العباد وقد منع التجاوز عنها فمن تجاوز فقد ظلم نفسه وأوردها مورد الهلاك. (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) الأمر الذي يحدثه الله أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها وقال جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة] تفسير القرطبي ١٨/١٥٦. وخلاصة الأمر أنه يحرم على الزوج أن يطرد مطلقته الرجعية من بيت الزوجية كما يحرم عليها أن تخرج أيضاً لقضاء العدة في بيت أبيها أو غيره وهذا باتفاق أهل العلم فيما أعلم ويستند العلماء في ذلك على النهي عن إخراجهن المذكور في الآية السابقة والأصل في النهي أنه للتحريم انظر تفسير الجصاص ٥/٣٤٨. لكل ما سبق فلا بد من إعادة النظر في العادة السيئة المنتشرة ي مجتمعنا ألا وهي ترك المرأة المطلقة رجعياً لبيت الزوجية وذهابها إلى بيت أهلها. لأن في فعلها هذا تعقيداً للمشكلة وقد يؤدي إلى إنهاء الحياة الزوجية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346434,"book_id":3840,"shamela_page_id":814,"part":"15","page_num":82,"sequence_num":814,"body":"٨٢ - الخطبة\rيقول السائل: ما هو المباح في نظر الخاطب إلى مخطوبته؟ نظر الخاطب إلى مخطوبته\r\rالجواب: نظر الخاطب إلى مخطوبته جائز ومشروع وثبت ذلك في أحاديث كثيرة منها: ١. عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امراة من الأنصار فقال رسول الله ﷺ: أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها فإن في اعين الأنصار شيئاً. رواه مسلم. ٢. وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ: (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) . ٣. وعن جابر قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: (إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل) رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ووافقهما الألباني. ٤. وعن محمد بن مسلمة ﵁ قال سمعت الرسول ﷺ يقول: (إذا ألقى الله ﷿ في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها) رواه أحمد وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححاه. وغير ذلك من الأحاديث التي تبيح نظر الخاطب للمخطوبة. وقد اختلف أهل العلم في المقدار الذي يجوز رؤيته من المخطوبة فأكثر الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية وإحدى الروايات عن أحمد أنه يجوز النظر إلى الوجه والكفين فقط. ونقل عن الإمام أحمد رواية أخرى أنه يجوز النظر إلى ما يظهر غالباً كالرقبة واليدين والقدمين. والقول الأول هو الصحيح الذي تؤيده الأدلة لأن النظر في الأصل محرم عدا نظر الفجأة وإنما أبيح النظر للحاجة والحاجة تندفع بالنظر إلى الوجه والكفين فيبقى ما عدا ذلك على التحريم كما ذكره ابن قدامة في المغني ٧/٩٧ ويدل على ذلك قوله تعالى: (ولا يبدين زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) سورة النور الآية ٣١. وقد ورد عن ابن عباس أن المراد بما ظهر منها الوجه والكفان. وقد رجح جماعة من العلماء المعاصرين قول الحنابة الثاني وهو جواز النظر لما يظهر غالباً من المرأة عند الخدمة وأجاز بعضهم أن يراها حاسرة وقد احتجوا بأدلة منها: ما ورد في حديث جابر السابق: (فقدر أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل) . ومما ورد عن جابر أنه قال: (فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجتها) . رواه أبو داود وقال الحاكم حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. والذي يظهر لي أن هذه الرواية ليس فيها إثبات أنه كان ينظر منها إلى أكثر من الوجه والكفين لأن المرأة المسلمة إذا خرجت من بيتها لا يظهر منها سوى الوجه والكفان وجابر كان يختبئ لها تحت النخل أي خارج بيتها. وكذلك احتجوا بما ورد عن سهل بن أبي حثمة قال: رأيت محمد بن مسلمة يطارد امرأة ببصره فقلت تنظر إليها وأنت من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا ألقى الله في فلب امرئ) الحديث وقد سبق ذكره. قلت وما فعله محمد بن مسلمة لا يعدو أنه نظر إلى وجهها وكفيها وإنما دقق فيها النظر وطارد المرأة ببصره حتى أنكر عليه ذلك سهل بن أبي حثمة. ولا دلالة فيه على أنه نظر إلى أزيد من من الوجه والكفين. واحتجوا أيضاً بما ورد عن عمر ﵁ (أنه خطب ابنة علي ﵁ فذكر منها صغرا ... فقال: نرسل بها إليك تنظر إليها فكشف عن ساقيها فقالت: أرسل لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينيك) رواه سعيد بن منصور في سننه وعبد الرزاق في المصنف. وهذه الرواية عن عمر مرسلة والمرسل من قسم الضعيف عند أهل الحديث ففي ثبوتها نظر ولا يصح الاحتجاج بها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346435,"book_id":3840,"shamela_page_id":815,"part":"15","page_num":83,"sequence_num":815,"body":"٨٣ - النكاح\rوليمة العرس,\r\rيقول السائل: ما حكم وليمة العرس وما وقتها وهل تكون قبل الدخول أم بعده؟ الجواب: إن وليمة العرس سنة مؤكدة على قول جماهير الفقهاء وقد ورد فيها عدد من الأحاديث منها: ١. عن أنس ﵁ قال: لما قدموا المدينة نزل المهاجرون على الأنصار فنزل عبد الرحمن بن عوف على سعد بن الربيع فقال: أقاسمك مالي وأنزل لك عن إحدى امرأتي، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك فخرج إلى السوق فباع واشترى فأصاب شيئاً من إقط وسمن فتزوج فقال النبي ﷺ: (أولم ولو بشاة) رواه البخاري ومسلم. ٢. وعن بريدة بن الحصيب قال: لما خطب علي فاطمة ﵄ قال رسول الله ﷺ: (إنه لا بد للعروس من وليمة) رواه أحمد وهو حديث حسن. ٣. وعن أنس ﵁ قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب فإنه أولم بشاة قال أنس: أطعمهم خبزاً ولحماً حتى تركوه) رواه البخاري ومسلم. ٤. وعن أنس أيضاً في قصة زواج النبي ﷺ من صفية ﵂ أن النبي ﷺ جعل وليمتها التمر والسمن والأقط) رواه مسلم. وفي رواية أخرى: (أن النبي ﷺ أقام بين خيبر والمدينة ثلاث ليالٍ يبني بصفية فدعوت المسلمين إلى وليمته ما كان فيها من خبز ولا لحم وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت فألقى عليها التمر والأقط والسمن) رواه البخاري ومسلم. والأنطاع بسط من الجلد وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على مشروعية وليمة العرس والأحاديث التي ورد فيها الأمر بالوليمة محمولة على الاستحباب ومصروفة عن الوجوب وهو قول أكثر الفقهاء. ولا يشترط في الوليمة أن تكون على لحم فقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه أولم بغير اللحم كما سبق قبل قليل. وإذا أولم بلحم فيجوز بشاة وبأكثر من شاة إذا كان موسراً. وأما وقت الوليمة الزفاف والعرس فقد ثبت أن الرسول ﷺ أولم بعد الدخول والأمر فيه سعة فلو كانت الوليمة قبل الدخول فلا بأس به. قال الحافظ ابن حجر: [وقد اختلف السلف في وقتها هل هو عند العقد أو عقبه أو عند الدخول أو عقبه أو موسع مع ابتداء العقد وانتهاء الدخول؟ على أقوال] ثم ذكر أقوال العلماء في ذلك والذي يظهر لي أن الأمر فيه سعة كما قلت فإن أولم يوم الزفاف قبل الدخول كما هي العادة عند كثير من الناس فحسن وإن أولم بعد الدخول فهو أحسن اقتداءً بلرسول ﷺ. وينبغي أن يُعلم أن أكثر الفقهاء يرون وجوب إجابة الدعوة لوليمة العرس ويدل على ذلك قول النبي ﷺ: (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) رواه البخاري. وقوله ﷺ: (إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب) رواه مسلم. وقوله ﵊ أيضاً: (شر الطعام طعام الوليمة يدعى له الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله) رواه البخاري. وإجابة الدعوة مقيدة فيما إذا لم يكن هناك عذر للمدعو لتركها فإذا ترك إجابة الدعوة لعذر فلا بأس في ذلك. وكذلك يشترط لإجابة الدعوة ألا يكون هناك منكر من المنكرات فإن كان هنالك منكر واستطاع إزالته وتغييره فحضر فهو أمر حسن وإن لم يستطع تغيير المنكر فعليه ألا يحضر. فمثلاً إذا دعي إلى وليمة عرس مختلطة والنساء متبرجات وفيها خمر وهنالك فرقة موسيقية وغير ذلك من المنكرات فيحرم في حقه الحضور لقول الرسول ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليها بالخمر) رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. قال الإمام الأوزاعي ﵀: [لا ندخل وليمة فيها طبل ولا معزاف] وسنده صحيح كما قال الشيخ الألباني. وقال ابن قدامة ﵀: [إذا دعي إلى وليمة فيها معصية كالخمر والزمر والعود ونحوه وأمكنه الانكار وإزالة المنكر لزمه الحضور والإنكار وإن لم يقدر على الإنكار لم يحضر. وإن لم يعلم بالمنكر حتى حضر أزاله فإن لم يقد انصرف ... ] المغني ٧/٢٧٩. وأخيراً يستحب لمن حضر وليمة العرس أن يدعو بخير لصاحبها فقد ورد في ذلك أحاديث منها: عن عبد الله بن بسر أن أباه صنع للنبي ﵊ طعاماً فدعاه فأجابه فلما فرغ من طعامه قال: [اللهم اغفر لهم وارحمهم وبارك لهم فيه رزقتهم) رواه مسلم وغيره. ومنها أن النبي ﷺ كان يدعو بعد الفراغ من الدعوة بهذا الدعاء: (أكل طعامكم الأبرار وصلّت عليكم الملائكة وأفطر عندكم الصائمون) رواه أحمد والبيهقي بسند صحيح. وورد أنه ﵊ كان يدعو للزوجين بقوله: (اللهم بارك فيهما وبارك لهما في أبنائهما) رواه الطبراني بسند صحيح. وفي رواية أخرى كان يدعو بهذا الدعاء: (بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير) رواه ابو داود والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346436,"book_id":3840,"shamela_page_id":816,"part":"15","page_num":84,"sequence_num":816,"body":"٨٤ - النكاح\rرفض الوالدة لزواج الابن،\r\rيقول السائل: أنه يريد أن يتزوج فتاة أعجبته وفيها الصفات الحميدة ولكن والدته ترفض ذلك الزواج فهل يجب عليه أن يطيع والدته؟ الجواب: إن طاعة الوالدين فرض وقد دلت الآيات والأحاديث على ذلك ومنها قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) . ويقول الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ... ) الآية. وثبت في الحديث عن أبي هريرة قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من احق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك) رواه البخاري ومسلم. ولا شك أن حق الأم على الإبن عظيم كما يشير ذلك الحديث السابق، ولكن الطاعة لا تكون إلا في المعروف، ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ: (إنما الطاعة في المعروف) رواه البخاري ومسلم. وبناء على ذلك لا يجب على الإبن أن يطيع والدته في عدم الزواج من الفتاة التي يريدها خاصة إذا كانت الفتاة صاحبة خلق ودين وكذلك الحال فيما لو طلب أحد الوالدين من الإبن تطليق زوجته فلا يجب طاعتهما ولا يجب أن يطلق زوجته، وقد جاء رجل إلى الإمام أحمد بن حنبل فقال: إن أبي يأمرني أن أطلق زوجتي؟ قال له الإمام أحمد: لا تطلقها، فقال الرجل: أليس الرسول ﷺ قد أمر عبد الله بن عمر أن يطلق زوجته حين أمره عمر بذلك؟ فقال الإمام أحمد: وهل أبوك مثل عمر؟ وخلاصة الأمر أنه لا يجب على الإبن أن يطيع والدته فيما طلبت من ترك الزواج من الفتاة التي يريدها الإبن، لأن ذلك يعود بالضرر على الإبن ثم في زواج الإبن من تلك الفتاة الصالحة سعادة للإبن ولا يعود أي ضرر من ذلك على والدته. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346437,"book_id":3840,"shamela_page_id":817,"part":"15","page_num":85,"sequence_num":817,"body":"٨٥ - حقوق الزوجين\rراتب الزوجة,\r\rتقول السائلة: إنها موظفة ومتزوجة وتعطي والدتها من راتبها دون علم زوجها فهل يجوز ذلك؟ وهل يجوز له أن يطالبها ببعض راتبها؟ الجواب: إن المرأة لها ذمة مالية مستقلة عن زوجها وراتبها حق لها فيجوز لها أن تتصرف به إذا كانت عاقلة رشيدة. فلها الحق أن تعطي والدتها ولا يشترط علم الزوج أو إذنه. كما أنه لا يجوز لزوجها أن يتصرف في مال زوجته دون رضاها وموافقتها ولكن ما دامت هذه الزوجة موظفة فإن خروجها من بيت الزوجية يكون على حساب بعض حق الزوج فله أن يشترط عليها أن تعطيه بعض راتبها إذا أبت ذلك ورفضت فله الحق في منعها من العمل والأولى من كل ذلك أن يتفاهم الزوجان على هذه القضية حتى لا يؤثر عملها في وظيفتها على زواجهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346438,"book_id":3840,"shamela_page_id":818,"part":"15","page_num":86,"sequence_num":818,"body":"٨٦ - الطلاق\rيقول السائل: حلف رجل على زوجته بالطلاق ثلاثاً إذا خرجت من بيته إلى بيت أهلها بدون إذنه ثم خرجت بدون إذنه وكانت الزوجة حاملاً وبقيت في بيت أهلها حتى ولدت فما الحكم في ذلك؟\rالجواب: إن الحلف بالطلاق من البدع المنكرة المنتشرة في مجتمعنا مع الأسف الشديد فقد اعتاد كثير من الناس على الحلف بالطلاق معرضين رباط الحياة الزوجية للخطر ولقد اختلف أهل العلم في الحلف بالطلاق فهل يقع الطلاق أم لا؟ فقد ذهب جمهور الفقهاء بما فيهم الأئمة الأربعة في المعتمد عندهم إلى أن الحلف بالطلاق يعتبر طلاقاً وخالف في ذلك جماعة من الفقهاء فقالوا لا يقع الطلاق بالحلف بالطلاق ويعتبر ذلك من لغو الكلام ومن الفقهاء من يرى أن الحلف بالطلاق يعتبر يميناً وإذا وقع الحنث فيه فتلزم كفارة اليمين وقد اعتبر قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية أن الحلف بالطلاق لا يقع به طلاق إذا كان يقصد به الحمل على فعل شيء أو تركه وبناء على ما تقدم أقول: إذا كان الزوج عندما حلف بالطلاق كان يقصد منع الزوجة من الخروج إلى بيت أهلها فلا يقع الطلاق وإنما هو يمين فتلزمه كفارة اليمين لأنها حنثت بيمينه فعليه ان يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد يصوم ثلاثة أيام، أما إذا كان قاصداً الطلاق فعلاً قيقع الطلاق طلقة واحدة وإن حلف عليها بالطلاق ثلاثاً لأن طلاق الثلاث بلفظ واحد يقع طلقة واحدة وبالتالي تكون هذه الزوجة قد وقع عليها طلقة. وبما أنها انقضت عدتها بوضع حملها حيث أنه لم يراجعها قبل وضع الحمل فتكون طلقة بائنة بينونة صغرى وبذلك لا تحل له إلا بعقد جديد ومهر جديد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346439,"book_id":3840,"shamela_page_id":819,"part":"15","page_num":87,"sequence_num":819,"body":"٨٧ - الطلاق\rطلب الزوجة الطلاق لعقم الزوج,\r\rتقول السائلة: ثبت لدى الأطباء أن زوجها عقيم لا ينجب وقد مضى على زواجهما سنوات ولها رغبة شديدة في الأولاد فهل يحق لها أن تطلب الطلاق من زوجها؟ الجواب: يجوز للمرأة أن تطلب من زوجها أن يطلقها إن ثبت أنه عقيم لا ينجب وتم التأكد من ذلك وإذا رفض الزوج أن يطلقها فللمرأة أن ترفع الأمر إلى القاضي الذي يحكم بالتفريق بينهما وهذا أرجح أقوال الفقهاء في المسألة لأن العقم من العيوب التي لا تتم معه مقاصد الزواج على أوجه الكمال لأن المرأة لها الحق في الأولاد ولها رغبة أكيدة أن تكون أماً، فلذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ لرجل تزوج وهو خصي: أأعلمتها أنك عقيم، قال: لا، قال: فانطلق فأعلمها ثم خيرها، رواه عبد الرزاق في المصنف ورجاله ثقات. فعمر ﵁ جعل الخيار للمرأة فإن قبلت بعقم زوجها فبها ونعمت وإن لم تقبل فلها الحق في طلب الطلاق منه.\r\rومع كل ما تقدم للمرأة أن لا تتعجل في طلب الطلاق من زوجها الذي لا ينجب وعلى الزوج أن يسعى في العلاج وخاصة في هذا الزمان الذي تقدم فيه علم الطب كثيراً وخاصة فيما يتعلق بعلاج العقم. وحبذا لو رضيت هذه الزوجة بما قسم الله لها ورضيت بزوجها العقيم لأن لله حكمه في ذلك يقول الله تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) سورة الشورى ٤٩-٥٠، وإن لم تتقبل نفسها ذلك فلها الحق في طلب الطلاق كما أسلفت. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346440,"book_id":3840,"shamela_page_id":820,"part":"15","page_num":88,"sequence_num":820,"body":"٨٨ - الحضانة\rيقول السائل: هل تسقط حضانة الزوجة المطلقة للأولاد إذا كانت فاسقة؟\rالجواب: لقد اشترط أكثر الفقهاء في الحاضنة أن تتصف بالعدالة الظاهرة والأمانة في الدين كما عبر فقهاء المالكية، وبناء على ذلك فإن فسق الحاضنة يسقط حقها في الحضانة فإذا كانت الزوجة المطلقة الحاضنة فاسقة بشرب الخمر ونحو ذلك فلا حضانة لها وينتزع المحضون منها وهذا القول قال به جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وبه أخذ قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية في بلادنا فقد جاء في المادة ١٥٥ منه \" يشترط في الحاضنة أن تكون بالغة عاقلة أمينة ... قادرة على تربيته وصيانته \". ومع قوة هذا القول ووجاهته إلا أنه لم يرد عليه دليل شرعي صريح وكذلك فإن اعتبار هذا الشرط يوقع الناس في الحرج لأن الفسق مما يغلب وجوده بين كثير من الناس وفي اعتبار هذا الشرط أيضاً إلحاق الضرر بالأولاد ولأن الفسق لا يحول بين الحاضنة وبين العناية بأمر الأولاد في الأعم الأغلب وهذا ما قرره العلامة ابن القيم والإمام الشوكاني. قال ابن القيم مفنداً قول من يشترط العدالة في الحاضنة: [ومن العجب أنهم يقولون لا حضانة للفاسق فأي فسق أكبر من الكفر وأين الضرر المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقع من الكافر مع أن الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضنة قطعاً وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم واشتراطها في غاية البعد ولو اشترط في الحاضنة العدالة لضاع أطفال العالم ولعظمت المشقة على الأمة واشتد العنت ولم يزل من حين ما قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم لا يتعرض لهم أحد في الدنيا مع كونهم الأكثرين، ومتى وقع في الإسلام انتزاع الطفل من أبويه أحدهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسر - واستمرار العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه - بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح فإنه دائم الوقوع في الأمصار والأعصار والقرى والبوادي مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق ولم يزل الفسق في الناس ولم يمنع النبي ﷺ ولا أحد من الصحابة فاسقاً من تربية ابنه وحضانته له ولا من تزويجه موليته والعادة شاهدة بأن الرجل ولو كان من الفساق فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها ويحرص على الخير لها وإن قدر خلاف ذلك فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعي ولو كان الفاق مسلوب الحضانة وولاية النكاح لكان بيان هذا للأمة من أهم الأمور واعتناء الأمة بنقله وتوارث العمل به مقدماً على كثير مما نقلوه وتوارثوا العمل به فكيف يجوز عليهم تضييعه واتصال العلم بخلافه ولو كان الفسق ينافي الحضانة لكان من زنى أو شرب الخمر أو أتى كبيرة فرق بينه وبين أولاده الصغار والتمس لهم غيره والله أعلم] . زاد المعاد ٥/٤٦١. وقال الشوكاني: [ليس على هذا دليل - اعتبار العدالة - فإن العدالة معتبرة فيما اعتبره الشرع لا في كل أمر من الأمور واعتبارها في هذا الموضوع حرج عظيم وتعسير شديد فإن غالب النساء التساهل في كثير من الأمور الدينية ولو كانت العدالة معتبرة فيهن ومسوغة لنزع أولادهن من أيديهن لم يبق صبي بيد أمه إلا في أندر الأحوال وأقلها فيكون في ذلك أعظم جناية على الصبيان بنزعهم ممن يرعى مصالحهم ويدفع مفاسدهم، وجناية على الأم بتوليها بولدها والتفريق بينها وبينه ومخالفة لما عليه أهل الإسلام سابقهم ولاحقهم] السيل الجرار ٢/٤٣٩. ويرى بعض فقهاء الحنفية أن مطلق الفسق لا يسقط الحضانة وإنما الفسق الذي يؤدي إلى إلحاق الضرر بالأولاد هو المسقط لها فقد ورد في حاشية ابن عابدين ما يلي: [قال في البحر - من كتب الحنفية - وينبغي أن يكون المراد بالفسق في كلامهم هنا الزنى المقتضي لإشغال الأم عن الولد بالخروج من المنزل ونحوه لا مطلقة الصادق بترك الصلاة لما سيأتي أن الذمية أحق بولدها المسلم ما لم يعقل الأديان فالفاسقة المسلمة أولى ... والحاصل أن الحاضنة إذا كانت فاسقة فسقاً يلزم منه ضياع الولد عندها يسقط حقها وإلا فهي أحق به إلى أن يعقل فينزع منها كالكتابية] حاشية ابن عابدين ٥/٥٥٦. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346441,"book_id":3840,"shamela_page_id":821,"part":"15","page_num":89,"sequence_num":821,"body":"٨٩ - الطلاق\rكراهية الزوج مسوغ لطلب الطلاق ,\r\rهل يجوز للزوجة التي تكره زوجها أن تطالبه بالطلاق وإذا رفض زوجها تطليقها إلا إذا دفعت له مبلغاً من المال هل ما يأخذه من المال حلال له؟ الجواب: الأصل في الزواج أن يكون عن توافق وتراض وإذا وقعت كراهية بين الزوجين أو كرهت الزوجة زوجها فإنه يجوز لها أن تطالب زوجها بطلاقها بدون سبب مشروع لما ورد في الحديث عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وقال الترمذي حديث حسن وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وأما إن كان هنالك سبب مشروع لطلبها الطلاق فلا بأس بذلك ومن الأسباب التي تجيز ذلك إذا وقع الشقاق والتنازع بين الزوجين وتعذرت سبل الإصلاح أو كرهت الزوجة زوجها وتعذر عيشهما سوية لأسباب خلقية أو دينية أو صحية ونحو ذلك. ويدل على جواز مطالبة المرأة لزوجها أن يطلقها مقابل مال تدفعه إليه هو ما يسمى عند الفقهاء بالخلع، قوله تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّاءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) سورة البقرة آية ٢٢٩. ويدل على ذلك أيضاً ما ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس ﵄: أن امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله ﷺ: ٠ أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فقال رسول الله ﷺ: إقبل الحديقة وطلقها تطليقة) رواه البخاري. وينبغي على الرجل إذا طالبته امرأته أن يطلقها مقابل مال أن يقبل ذلك ويطلقها ولا ينبغي له إمساكها على خلاف رغبتها فليس من المروءة أن يعيش رجل مع امرأة وهي له كارهة. وما يأخذه الرجل من مال أو منافع مقابل تطليقه لزوجته حلال له ولا بأس به ويدل على ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) سورة النساء آية ٤. ويدل على ذلك أيضاً ما ورد في الحديث المتقدم من قول النبي ﷺ لثابت بن قيس (اقبل الحديثة وطلقها تطليقة) . وأما مقدار المال الذي يأخذه الزوج في المخالعة فاختلف فيه الفقهاء فمنهم من يرى أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ من زوجته أكثر مما أعطاها مهراً ومنهم من يرى جوز الزيادة على ذلك. ولكني أرى الرأي الأول هو الأصح فلا يأخذ الزوج أكثر مما دفع لها في المهر. ويؤيد ذلك ما ورد في إحدى الروايات لحديث ابن عباس المتقدم في قصة مخالعة ثابت بن قيس وزوجته: (فأمر الرسول ﷺ أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني وفي رواية أخرى (ففرق بينهما رسول الله ﷺ وقال: خذ ما أعطيتها ولا تزدد) رواه البيهقي وله شواهد تقويه. وفي رواية أخرى: (أتردين عليه حديقته؟ ثم قالت: نعم وزيادة، فقال النبي ﷺ: أما الزيادة فلا) رواه الدارقطني وقال إسناده صحيح. وورد عن علي ﵁ أنه قال: (لا يأخذ منها فوق ما أعطاها) رواه عبد الرزاق في المصنف , وقال الزهري: [لا يحل له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها] . وقال ميمون بن مهران: [إن أخذ منها أكثر مما أعطاها لم يسرح بإحسان] . *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346442,"book_id":3840,"shamela_page_id":822,"part":"15","page_num":90,"sequence_num":822,"body":"٩٠ - الطلاق\rيقول السائل: ذهب أحد الأشخاص المتزوجين إلى القاضي وأعلن أنه طلق زوجته وحصل على ورقة تثبت ذلك الطلاق ويقول هذا الشخص أنه لم ينو طلاق زوجته ولكن طلاقه طلاق صوري من أجل أن يحصل على ورقة تثبت الطلاق لتقوم زوجته بتقديم تلك الورقة إلى مؤسسة التأمين أو الشؤون الإجتماعية للحصول على راتب شهري لها ولأولادها بحجة أنها مطلقة وهذان الزوجان يستمران في الحياة بشكل طبيعي فما الحكم في ذلك؟\rالجواب: إن رابطة الزوجية رابطة وثيقة مقدسة ومحترمة ولا يجوز شرعاً التلاعب بها مهما كانت الغاية من ذلك وإن مما يؤسف له أن كثيراً من الأزواج لا يقدرون هذه الرابطة حق تقديرها وصاروا يتلاعبون بألفاظ الطلاق لغايات وأهداف دنيوية فاسدة فهذا يتزوج زواجاً صورياً كما يدعي ليحصل على هوية وذاك يطلق طلاقاً صورياً كما يدّعي للحصول على أموال أو لأجل أن يتزوج ثانية لأن القانون لا يجيز التعدد. وهكذا صرنا نسمع عن حالات فيها تلاعب واضح بالنكاح والطلاق ويجب أن يعلم أولاً أنه لا يجوز ذلك مهما كانت المسوغات التي يظن كثير من الناس أنها تجيز لهم ذلك التلاعب بحجة أن نيتهم عدم الطلاق وإنما يريدون التحايل على القانون فقط. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والنكاح والرجعة) . رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة وهو حديث حسن وقد ورد عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: [كان الرجل في الجاهلية يطلق فيقول كنت لاعباً ويعتق ثم يراجع ويقول كنت لاعباً فأنزل الله: (وَلَا تَتَّخِذُواءَايَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) . فقال ﷺ: (ثلاث جدهن جد ... الخ الحديث) ابطالاً لأمر الجاهلية] . رواه ابن أبي شيبة في المصنف وهو مرسل صحيح الإسناد إلى الحسن وروى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب قال: [ثلاث ليس فيهن لعب النكاح والطلاق والعتق] . وروى الحسن عن أبي الدرداء ﵁ قال: [ثلاث لا يلعب بهن النكاح والطلاق والعتاق] رواه ابن أبي شيبة في المصنف وإسناده صحيح إلى الحسن كما قال الشيخ الألباني. وبناء على ما تقدم لا يجوز التلاعب بالطلاق مهما كانت المغريات تدفع لذلك. فإذا ذهب الزوج إلى القاضي وأعلن أمام القاضي أنه طلق زوجته فإن الطلاق يقع وتحسب عليه طلقة وإن كان لا يقصد ذلك وإنما قصده الحصول على ورقة تثبت أنه طلق زوجته لتقدمها الزوجة لى مؤسسات التأمين أو الشؤون الإجتماعية للحصول على راتب لها ولأولادها بحجة انها مطلقة مع استمرار الزوجين في حياتهما الزوجية فإنه إذا حصل ذلك وكان الطلاق بائناً فإن الزوجين يتعاشران بالحرام. وعلى من فعل ذلك أن يجدد عقد الزواج وأن يتوب إلى الله توبة صادقة ويندم على ما فات. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346443,"book_id":3840,"shamela_page_id":823,"part":"15","page_num":91,"sequence_num":823,"body":"٩١ - النكاح\rالزواج الصوري ,\r\rيقول السائل: ما الحكم فيمن يعقد عقد زواج صوري من أجل تحقيق غرض معين ريثما يحقق غرضه ثم يطلقها أو العقد على فتاة لمدة محدودة؟ الجواب: إن موضوع الزواج من الأمور المهمة في حياة الناس ولا يجوز أن تكون عقود الزواج عرضة للتلاعب فيها لما يتريب على ذلك من أضرار بغض النظر عن الغاية من وراء ذلك، فمثلاً إذا عقد رجل على امرأة عقداً صورياً من أجل الحصول على هوية أو جمع شمل أو الحصول على مال أو نحو ذلك، فهذا لا يجوز وهو من الأمور المحرمة شرعاً ويجب أن يعلم أن الإسلام قد قرر أن الغاية لا تبرر الوسيلة بل الواجب أن تكون الغاية شريفة نبيلة مشروعة والوسيلة المؤدية إليها كذلك هذا بالنسبة للشطر الأول من السؤال. وأما الشطر الثاني المتعلق بالزواج لمدة محدودة ثم يطلقها بعد أن يحقق غرضه؟ الجواب: إن فقهاء الإسلام قرروا أن الأصل في عقد الزواج التأبيد لذلك قالوا إن العقد الذي ينص فيه على مدة معينة كسنة او سنتين يكون باطلاً، وذلك لأن المقصود بعقود الزواج تحقيق العشرة الدائمة وإنجاب الأولاد وتربيتهم وغير ذلك ولم يشرع الزواج لتحقيق متعة عابرة أو تحقيق غرض معين كمن يذهبون إلى أمريكا مثلاً فيتزوج امراة من أجل الحصول على الجنسية أو نحوها فهذا أمر غير مشروع. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346444,"book_id":3840,"shamela_page_id":824,"part":"15","page_num":92,"sequence_num":824,"body":"٩٢ - الميراث\rميراث الزوجة من زوجها المتوفى قبل الدخول ,\r\rيقول السائل: عقد شخص على امرأة ثم توفي الزوج قبل الدخول فما هو حقها في المهر وهل ترث منه؟ الجواب: اتفق العلماء أنه إذا مات أحد الزوجين فيجب المهر كاملاً ولو كان ذلك قبل الدخول ما دام أن المهر قد سمي في العقد. قال ابن رشد ﵀: [واتفق العلماء على أن الصداق يجب كله بالدخول أو الموت] بداية المجتهد ٦/٤٠٩. وقال بعض أهل العلم: [إن المهر صار واجباً بالعقد والعقد لم ينفسخ بالموت بل انتهى نهايته لأنه عقد للعمر فتنتهي نهايته عند انتهاء العمر وإذا انتهى يتأكد فيما مضى ويتقرر بجميع ما يستوجبه ولأن كل المهر لما وجب بنفس العقد صار ديناً في ذمة الزوج، والموت لا يكون مسقطاً للدين فلا يسقط شيء من المهر بالموت] المفصل في أحكام المرأة ٧/٩٠. وقد أخذ قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية بما اتفق عليه الفقهاء ونص على أن الموت سبب لوجوب كامل المهر كم أشارت إلى ذلك المادة ٤٨ من القانون المذكور ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن علقمة قال: (أتي عبد الله يعني ابن مسعود - في امرأة تزوجها رجل ثم مات عنها ولم يفرض لها صداقاً ولم يكن دخل بها قال: فاختلفوا إليه فقال: أرى لها مثل مهر نسائها ولها الميراث وعليها العدة فشهد معقل بن سنان الأشجعي أن الرسول قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضى) وهو حديث صحيح. وأما بالنسبة لميراث الزوجة من زوجها المتوفى قبل الدخول بها فلا شك أن الزوجة ترث من زوجها سواء توفي قبل الدخول أو بعده وقد قررت الشريعة الإسلامية أن من أسباب الإرث الزوجية فقد قال الله ﷾: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ... ) سورة النساء آية ١٢.\r\rولا شك أن كلمة أزواجكم تشمل ما كان بعد الدخول وقبل الدخول والزوجة تكون زوجة بمجرد العقد الصحيح فإذا كان العقد صحيحاً صارت زوجة ولها حق الإرث والآية واضحة الدلالة على مشروعية الإرث بالنكاح سواء حصل فيه دخول أو لم يحصل وقد قضى الني ﷺ لبروع بنت واشق بالميراث وكان زوجها قد مات عنها قبل أن يدخل بها كما سبق في الحديث. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346445,"book_id":3840,"shamela_page_id":825,"part":"15","page_num":93,"sequence_num":825,"body":"٩٣ - المهر\rالمهر المؤجل بعد وفاة الزوجة ,\r\rيقول السائل: ما حكم المهر المؤجل إذا ماتت الزوجة؟ الجواب: إن المهر حق من حقوق الزوجة الواجبة على زوجها يقول الله تعالى: (وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) . وقد اتفق العلماء على أنه يجوز التعجيل والتأجيل في المهر المسمى في عقد الزواج فيصح أن يكون بعض المهر معجلاً وبعضه مؤجلاً على حسب ما يتم عليه الاتفاق عند عقد الزواج وسواء كان المهر معجلاً أو مؤجلاً فهو حق ثابت للزوجة ودين واجب لها في ذمة الزوج. ومن المعلوم أن العرف في بلادنا جرى على أن يكون جزء من المهر مؤجلاً تأجيلاً مطلقاً وفي هذه الحالة يجب المهر المؤجل للمرأة في حالتين وهما: الطلاق والوفاة فإذا طلق الزوج امرأته وجب لها المؤجل من مهرها وكذا إذا مات زوجها وجب لها المهر المؤجل ويخرج من التركة قبل توزيعها على الورثة. وكذلك إذا ماتت الزوجة ولها مهر مؤجل في ذمة زوجها فيكون مهرها المؤجل من ضمن تركتها ويوزع على الورثة بقدر نصيب كل منهم. وقد نصت المادة \" ٤٦ \" من قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية عندنا على ذلك ( ... وإذا لم يكن الأجل معيناً اعتبر المهر مؤجلاً إلى وقوع الطلاق أو وفاة أحد الزوجين) . *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346446,"book_id":3840,"shamela_page_id":826,"part":"15","page_num":94,"sequence_num":826,"body":"٩٤ - حقوق الزوجين\rاشتراط الزوجة الثانية طلاق الأولى ,\r\rيقول السائل: رجل متزوج ورغب أن يتزوج بثانية فاشترطت عليه أن يطلق الأولى فما حكم ذلك؟ الجواب: لا يجوز شرعاً للمرأة أن تقرن موافقتها على الزواج بشرط أن يطلق الرجل زوجته الأولى وإن حصل ذلك فالشرط باطل ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لمرأة تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها فإنما لها ما قدر لها) رواه البخاري مسلم. وفي رواية أخرى صحيحة: (نهى النبي ﷺ أن تشترط المرأة طلاق أختها) . وفي رواية ثالثة: (أن النبي ﷺ نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يبيع على بيعه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفي ما في صحفتها أو إنائها فإنما رزقها على الله تعالى) رواه البخاري ومسلم. وظاهر هذه الأحاديث تحريم اشتراط المرأة زواجها بطلاق زوجها للزوجة الأولى والمراد بأختها في الحديث الضرة فلا يجوز للمرأة أن تسأل زوجها أن يطلق ضرتها لتنفرد به وحدها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346447,"book_id":3840,"shamela_page_id":827,"part":"15","page_num":95,"sequence_num":827,"body":"٩٥ - النكاح\rالزواج أولى من الدراسة ,\r\rتقول السائلة: إنها طالبة جامعية وتقدم لخطبتها شاب ترضاه لنفسها فأيهما أولى مواصلة الدراسة\r\rأم الزواج؟ الجواب: أن الأولى في حق هذه الفتاة أن تتزوج فإن الزواج مقدم على التعليم والزواج قد يفوت والتعليم يمكن استدراكه وقد حث الإسلام على تزويج الفتاة إذا تقدم لها خطاب كفؤ. فقد ورد في الحديث قوله ﵊: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) رواه الترمذي وهو حديث حسن. وقد روي في حديث آخر أن الرسول ﷺ قال: (يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت كفؤاً) رواه الترمذي وقال حسن غريب. والأيم: هي المرأة التي لا زوج لها. وبهذا يظهر أن الزواج مقدم على الدراسة والتعلم وهو الأصلح للمراة خاصة في هذا الزمان الذي كثر فيه الفساد في مجال التعليم وغيره من مجالات الحياة. والزواج فيه محافظة على المرأة وانسجام مع طبيعتها ووظيفتها الأساسية وقد يكون الاستمرار في التعلم سبباً من أسباب عدم الزواج وخاصة إذا واصلت المرأة تعليمها إلى مراحل عليا لأنها حينئذ تتقدم بها السن وتقل الرغبة في الزواج منها فالأفضل لهذه الفتاة أن تتزوج. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346448,"book_id":3840,"shamela_page_id":828,"part":"15","page_num":96,"sequence_num":828,"body":"٩٦ - النكاح\rزواج البنت الصغرى قبل البنت الكبرى ,\r\rتقول السائلة: إن لها أخوات أكبر منها سناً وتقدّم شاب لخطبتها فرفض والدها أن يزوجها حتى تتزوج أخواتها الأكبر منها سناً فما الحكم في ذلك؟ الجواب: إن من العادات السيئة المنتشرة في مجتمعنا امتناع الأب عن تزويج البنت الصغرى قبل البنت الكبرى وقد يؤدي هذا التصرف الخاطئ إلى عدم زواج الإثنتين وهذا فيه مفاسد كبيرة، والأصل في هذه المسألة ما جاء في الحديث عن أبي حاتم المزني أن الرسول ﷺ قال: - (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، وإن لا تفعلوا تكن فتنة وفساد كبير، قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ... ثلاث مرات) رواه الترمذي وقال حديث غريب وحسنه الشيخ الألباني لشواهده. فلا ينبغي لهذا الأب وأمثاله منع زواج الصغيرة قبل الكبيرة لأن البنت الصغيرة قد ساق الله إليها زوجاً والكبيرة يرزقها الله زوجاً إن شاء والأمور كلها بيد الله، ولعل زواج الصغيرة يكون فاتحة خير وسبباً لزواج الكبيرة والبنتان أمانة بيد الأب فعليه أن يحسن القيام على هذه الأمانة فطالما تقدم لبنته الصغيرة الإنسان الكفؤ صاحب الخلق والدين فلا ينبغي له أن يمتنع عن تزويجها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346449,"book_id":3840,"shamela_page_id":829,"part":"15","page_num":97,"sequence_num":829,"body":"٩٧ - الاختلاط\rتقول السائلة: هل يجوز للطالبة الجامعية الاشتراك في رحلة مختلطة مع الطلاب؟\rالجواب: لا يجوز للطالبة أو للطالب المشاركة في رحلة مختلطة بل ذلك من المحرمات ويدل على ذلك أمور منها: قوله ﷺ: (لا تسافر المراة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعه محرم) رواه البخاري. ومنها أن الرحلات المختلطة فيها من المفاسد الشيء الكثير ونظراً لما تنطوي عليه مثل هذه الرحلات من الفتنة فلا يجوز للآباء أن يسمحوا لبناتهم أو لأبنائهم بالمشاركة فيها لأن الرحلات المختلطة بؤرة من بؤر الفساد التي تؤدي إلى أمور لا تُحمد عقباها فيحرم الاشتراك فيها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346450,"book_id":3840,"shamela_page_id":830,"part":"15","page_num":98,"sequence_num":830,"body":"٩٨ - مصافحة المرأة الأجنبية حرام شرعا\rتقبيل النساء لقريبهن الغائب ,\r\rتقول السائلة: جرت العادة عندنا أن يستقبل الرجل الغائب بالتقبيل فما حكم تقبيل النساء القريبات لقريبهن؟ الجواب: يحرم على الرجل أن يقبل غير زوجته ومحارمه وكذلك المرأة يحرم عليها تقبيل غير زوجها ومحارمها فتبادل القبلات عند قدوم المسافر أو غير ذلك من المناسبات بين الرجل وقريباته من النساء أو العكس كله محرم ما عدا المحارم منهن فيجوز للرجل أن يقبل ابنته وأخته وعمته وخالته وغيرهن من المحارم وكذلك يجوز للمرأة أن تقبل اباها وأخاها وخالها وعمها وغيرهم من المحارم ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول الله ﷺ وكانت إذا دخلت عليه رحّب بها وقام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها رحّبت به وقامت فأخذت بيده وقبلته) رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وهو حديث صحيح كما قال الشيبخ الألباني وورد: (أن أبا بكر قبل ابنته عائشة على خدها) رواه البخاري. ويشترط لجواز التقبيل بين المحارم أن يكون ذلك بغير شهوة بحيث يأمن الشهوة على نفسه وعليها وأن تكون القبلة على الخد أو على الرأس ولا ينبغي التقبيل على الفم لأنه يؤدي إلى تحريك الشهوة فينبغي تركه احتياطاً. وأما إذا قبل إحدى محارم مع الشهوة فهو حرام. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346451,"book_id":3840,"shamela_page_id":831,"part":"15","page_num":99,"sequence_num":831,"body":"٩٩ - الخلوة\rتقول السائلة: ما هو الحكم في جلوس الطالبة مع مدرسها في مكتب لوحدهما بحجة السؤال عن المادة التي يدرسها؟\rالجواب: إن جلوس الطالبة مع الأستاذ كما يحصل في كثير من الجامعات في مكتبه على انفراد ومع إغلاق الباب عليهما هو خلوة محرمة ولقوله ﷺ: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) رواه البخاري ولا يجوز لقوله ﷺ: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ثالثهما الشيطان) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ورواه أحمد والحاكم وصححه. فعلى الطالبة إذا أرادت الاستفسار من أستاذها في مكتبه أن تصحب زميلة لها حتى تنتفي الشبهة وقطعاً لدابر الشيطان ودفعاً للشبهات. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346452,"book_id":3840,"shamela_page_id":832,"part":"15","page_num":100,"sequence_num":832,"body":"١٠٠ - تدريب رجل للفتيات\rيقول السائل: هل يجوز لرجل مدرب للكراتيه أن يدرب فتيات على هذه الرياضة في صالة مغلقة؟\rالجواب: إن الإسلام حافظ على المرأة محافظة تامة ومن محافظته عليها أن جعل لها مجالات خاصة في عملها وشؤونها تتناسب مع طبيعة المرأة وأمر المرأة في الإسلام قائم على الستر والمحافظة ولا شك أن تدريب الرجل للنساء في لعبة الكراتيه يتنافى مع وضع المرأة في الشرع وهو أمر محرم لا يجوز لما يترتب على ذلك من انتهاك للحرمات، فهذا يقتضي أن تظهر المرأة أمام الرجل الأجنبي عنها بملابس غير شرعية وكذلك فإنه يقتضي أن تقوم المرأة بحركات رياضية وغير ذلك من المفاسد الكثيرة. وهذا من جانب ومن جانب آخر فما هي حاجة الفتيات لرياضة الكراتيه والكراتيه رياضة فيها شدة وخشونة وكل ذلك لا يتناسب مع طبيعة المرأة وفطرتها التي فطرها الله عليها.\r\rوخلاصة الأمر أنه يحرم على الرجل أن يقوم بتدريب الفتيات على الكراتيه أو غيرها من الألعاب ولو كان ذلك في صالة مغلقة. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346453,"book_id":3840,"shamela_page_id":833,"part":"15","page_num":101,"sequence_num":833,"body":"١٠١ - ذهاب المرأة إلى نوادي اللياقة البدنية\rيقول السائل: هل يجوز للمرأة أن تذهب إلى المسابح ونوادي اللياقة البدنية لتسبح ولتخفف من وزنها حتى تكون رشيقة الجسم؟\rالجواب: يحرم على المرأة المسلمة أن ترتاد المسابح ونوادي اللياقة البدنية لتسبح أو لتقوم بتمارين رياضية لتخفيف وزنها أو ما شابه ذلك لما يترتب على ذلك من تهتك وتبذل سواء كانت هذه الأماكن عامة يدخلها الرجال والنساء على حد سواء أو كانت خاصة بالنساء ودليل ذلك ما ورد من الأحاديث التي تمنع المرأة المسلمة أن تخلع ثيابها في غير بيت زوجها ومنها: عن أبي المليح الهذلي أن نساء من أهل حمص أو من أهل الشام دخلن على عائشة ﵂ فقالت: أنتن اللاتي يدخلن نسائكن الحمامات؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر بينها وبين ربها) رواه الترمذي وقال حديث حسن ورواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وقال صحيح على شرطهما وقال الشيخ الألباني صحيح انظر صحيح الترغيب والترهيب ص ٧١. وفي حديث آخر عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أيما امراة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عنها ستره) رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. صحيح الترغيب والترهيب ص٧٢. وعن أم الدرداء قالت: (خرجت من الحمام فلقيني رسول الله ﷺ فقال: من أين يا أم الدرداء؟ قالت: من الحمام. قال: والذي نفسي بيده ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت من بيوت أمهاتها وإلا وهي هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن) رواه أحمد بإسناد صحيح. وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام ... ) رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. والمراد بالحمام في هذه الأحاديث هو الحمام الذي يكون خارج المنزل كالحمامات العامة التي كانت معروفة في المدن في فترات سابقة. وقال صاحب عون المعبود: [إلا هتكت الستر وحجاب الحياء وجلباب الأدب ومعنى التهتك خرق الستر عما وراءه ما بينها وبين الله تعالى لأنها مأمورة بالتستر والتحفظ من أن يراها أجنبي حتى لا ينبغي لهن أن يكشفن عورتهن في الخلوة إلا عند أزواجهن فإذا كشفت أعضاءها في الحمام في غير ضررة فقد هتكت الستر الذي أمرها الله تعالى به] عون المعبود ١١/٣٢.\r\rولا يقولن قائل إن هذه الأحاديث قد وردت في الحمام فقط ولا دليل فيها على المسابح أو نوادي اللياقة لأننا نقول إن المسابح ونوادي اللياقة البدنية في معنى الحمامات العامة بل قد تكون أولى بالحكم من الحمام. ومن جانب آخر فإن التحريم في هذه المسألة له جانب آخر وهو سد الذرائع فإن الشريعة الإسلامية تسعى دائماً إلى سد الطرق المفضية إلى الفساد والإفساد والحرام كما قال الله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) فالله ﷾ حرم سب آلهة المشركين لكونه ذريعة إلى سب الله تعالى وكذلك نقول هنا: إن ذهاب النساء إلى المسابح ونوادي اللياقة البدنية لو سلمنا أنه جائز لمنعنا منه لأنه يفضي إلى الفساد. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346454,"book_id":3840,"shamela_page_id":834,"part":"15","page_num":102,"sequence_num":834,"body":"١٠٢ - المحارم\rتقول السائلة: من هو المحرم وهل تكون البنت الصغيرة محرماً؟\rالجواب: اختلف العلماء في تحديد من هو المحرم بناء على اختلاف فهمهم للأحاديث التي ورد فيها المحرم ومنها: ١. عن ابن عمر أن الرسول ﵊ قال: (لا تسافر المرأة ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم) رواه مسلم وبمعناه وردت أحاديث كثيرة. ٢. عن أبي سعيد أنه سمع الرسول ﷺ يقول: (لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها) رواه مسلم. ٣. وعنه أيضاً أن الرسول ﵊ قال: (لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها) رواه مسلم. فمن العلماء من يرى أن ضابط المحرم هم من يحرم عليه نكاح المرأة على التأبيد لذلك لا يعد زوج الأخت محرماً قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٤/٤٤٨. ومنهم من يرى أن ضابط المحرم أعم من ذلك فالمحرم هو الرجل الذي تحرم عليه المرأة بنسب كأبيها وأخيها أو سبب مباح كالزوج وأبي الزوج وابن الزوج وكالإبن من الرضاع والأخ من الرضاع ونحوهما. ورى الإمام الشوكاني أن الزوج يدخل في مسمى المحرم أو أنه يقوم مقامه أخذاً بقوله ﷺ: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجّة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال: - انطلق فحج مع امرأتك) رواه البخاري ومسلم. ويرى الحنابلة أن المحرم الذي يشترط للسفر مع المرأة للحج يشمل زوجها وأبو زوجها ودخول الزوج في مفهوم المحرم مع كونه يحل لها وتحل له لحصول المقصود بسفره معها وهو حفظها وصيانتها ويؤيد ذلك ظاهر النصوص التي ذكرت بعضها سابقاً.\r\rوعلى كل حال فإن المرأة لا تكون محرماً للمرأة وإنما المحرم هو الرجل فقط. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346455,"book_id":3840,"shamela_page_id":835,"part":"15","page_num":103,"sequence_num":835,"body":"١٠٣ - المحارم\rزوج الأخت ليس محرماً ,\r\rهل يعتبر زوج الأخت محرماً للمراة في سفرها للحج؟ الجواب: إن زوج الأخت لا يعتبر محرماً للمرأة في سفرها للحج أو لغيره وزوج الأخت يعتبر أجنبياً عن المرأة لا يجوز لها أن تتكشف أمامه. ولا يجوز أن يخلو بها ولا يثبت له من الأحكام التي تثبت للمحارم وكونها محرمة عليه من حيث الزواج لا يعني سوى ذلك. وتلك الحرمة حرمة مؤقتة فإذا ماتت زوجته أو طلقها فيجوز له أن يتزوج أختها. والمرأة لا تجد محرماً للحج فلا يجب عليها الحج لأن من ضمن الاستطاعة في حق المرأة أن يكون للمرأة محرم فإن لم يوجد فلا يجب عليها الحج. ولا بأس من التذكير بمحارم المرأة وهم: ١. الآباء والأجداد سواء من جهة الأب أو من جهة الأم. ٢. الأبناء وأبناء الأبناء وأبناء البنات. ٣. الأخوة مطلقاً. ٤. الأعمام ويدخل في ذلك عم الأب وعم الأم. ٥. الأخوال ويدخل في ذلك خال الأب وخال الأم. ٦. أبناء الإخوة وأبناء أبنائهم وأبناء بناتهم. ٧. أبناء الأخوات وأبناء أبنائهم وأبناء بناتهن. المحارم من المصاهرة: ١. أبناء زوج المرأة وأبناء أبنائه وأبناء بناته. ٢. أبناء زوج المرأة وأجداده من جهة الأب ومن جهة الأم. ٣. أزواج بنات المرأة وأزواج بنات أبنائها وأزواج بنات بناتها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346456,"book_id":3840,"shamela_page_id":836,"part":"15","page_num":104,"sequence_num":836,"body":"١٠٤ - المحارم\rما يجوز للمحرم رؤيته ,\r\rيقول السائل: ماذا يجوز للمحارم أن يروا من المرأة؟ الجواب: يقول الله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْءَابَائِهِنَّ أَوْءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ ... ) سورة النور آية ٣١. وقد اختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْءَابَائِهِنَّ أَوْءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ ... ) على أقوال كثيرة أرجحها: أنه يجوز للمحارم أن ينظروا من المرأة إلى مواضع الزينة وإلى ما يظهر غالباً عند الخدمة كالرأس والشعر والعنق والخد والساعد والكف والساق والركبة وهذه الأعضاء يجوز النظر إليها إذا كان النظر بدون شهوة وأما مع النظر بشهوة فيحرم النظر من المحارم. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346457,"book_id":3840,"shamela_page_id":837,"part":"15","page_num":105,"sequence_num":837,"body":"١٠٥ - مسائل طبية\rيقول السائل: ما حكم استعمال الأدوية التي تقلل الوزن؟\rالجواب: لا مانع من استعمال الأدوية التي تقلل الوزن وتخفف السمنة بشرط ألا يلحق الإنسان بنفسه ضرر نتيجة استعمال هذه الأدوية وكذلك يشترط أن يكون الدواء مما يجوز استعماله شرعاً. وقد حثّ الإسلام على تقليل الطعام وعلى عدم الإفراط في تناول الأطعمة وغالباً ما تكون السمنة ناتجة عن الإكثار من الأطعمة فقد جاء في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) رواه أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وقال الألباني: صحيح. وورد في الحديث: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً عظيم البطن فقال بإصبعه لو كان هذا في غير هذا لكان خيراً لك) رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد وقال الهيثمي رجاله رجل الصحيح. وقال الشيخ الساعاتي: [لو كان العظم في غير البطن من أعضائه ... كان خيراً لأن عظم البطن يثقل الرجل ويضره ولا يفيده لأنه ينشأ عن كثرة الأكل وكثرة الأكل مذمومة فكأنه ﷺ يحثه على التقليل من الأكل والشرب لأنه أصح للبدن) الفتح الرباني ١٧/٢١٨. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346458,"book_id":3840,"shamela_page_id":838,"part":"15","page_num":106,"sequence_num":838,"body":"١٠٦ - الحمل والإجهاض\rيقول السائل: ما هو موقف الإسلام من تنظيم النسل وتحديده؟\rالجواب: إن الإسلام قد اعتنى بالنسل والمحافظة عليه بل إن المحافظة عليه من مقاصد الشريعة الإسلامية وقد ورد في ذلك كثير من النصوص الشرعية منها: ١. يقول الله ﷾: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) سورة الرعد آية ٣٨. ٢. ويقول ﷾: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) سورة البقرة آية ١٨٧. ٣. وقال الرسول ﷺ: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فليصم فإنه له وجاء) رواه مسلم. ٤. وقال أيضاً: (تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة) رواه ابن ماجة وغير ذلك من الأحاديث. ولا شك أن بقاء النوع الإنساني من أهم أغراض الزواج وبقاء النوع الإنساني إنما يكون بدوام التناسل فلذلك حث الإسلام على الزواج وعلى التناسل وبارك الأولاد ذكوراً وإناثاً. وقد ظهرت دعوات كثيرة لتنظيم النسل أو تحديده أو قطعه كلياً في كثير من البلدان وأعدت لذلك برامج كثيرة وأنفقت أموال طائلة واستغلت وسائل الإعلام لذلك وقامت بعض الدول بتنظيم الحملات المتعلقة بذلك من أجل تحديد النسل وتقليله وما يجري في مصر خير مثال على ذلك. ولقد قرر الفقهاء المعاصرون أن تنظيم النسل بالنسبة للأمة محرم ولا يجوز إذا تبنته الدولة وفرضته على الناس بشكل إجباري وأما إذا كان تنظيم النسل باختيار الزوجين فيجوز ذلك متى كان لهما ما يبرره ويسوغه. ويجب أن يعلم أن هنالك فرقاً واضحاً بين تنظيم النسل وبين وتحديد النسل فتنظيم النسل عبارة عن تنظيم عملية الإنجاب باتباع وسائل معينة بحيث تكون هنالك مدة بين كل مولود وآخر. وأما تحديد النسل فهو الوقوف بالنسل عند حد معين باستعمال وسائل وقائية أو علاجية لقطع النسل كأن تنجب الزوجة ولداً واحداً فقط أو اثنين. وتنظيم النسل جائز إذا توفرت الدواعي لذلك كما سأبينها بعد قليل وأما تحديد النسل فهو محرم ولا يجوز شرعاً لما يلي: أولاً: لأن الوقوف بالنسل عند حد معين يؤدي إلى كف أجهزة النسل في الإنسان عن أدائها لوظائفها وإن تعاطي الوسائل التي تؤدي إلى قطع النسل كالإختصاء أو استئصال الرحم ونحوه من الوسائل يعد تغييراً لخلق الله. ثانياً: إن تحديد النسل فيه معارضة صريحة لقوانين الفطرة ووظائفها كما أن تحديد النسل خشية الفقر فيه مساس بالعقيدة الإسلامية ومعارضة صريحة لآيات الله البينات. فالإسلام جعل للولد حق الحياة ولا يجوز لأبيه وأمه أن يتعديا على حياته بالقتل أو الوأد كما كان يصنع الجاهليون الذين قال الله فيهم: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ) سورة الأنعام آية ١٤٠. وقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) سورة الإسراء آية ٣١. ثالثاً: إن تحديد النسل فيه معارضة للنصوص الشرعية الداعية إلى الإكثار من النسل وقد سبق ذكر بعضها. رابعاً: إن تحديد النسل يعارض أمراً ضرورياً من الضروريات الشرعية وهو حفظ النسل لذلك لا يجوز تحديد النسل فهو من المحرمات. وأما تنظيم النسل من قبل الزوجين إذا وجدت المسوغات له فجائز وأهم هذه المسوغات ما يلي: ١. الخشية على حياة الأم أو صحتها من الحمل وتبعاته فإن الولادات المتكررة مرهقة للمرأة فتحتاج المرأة إلى راحة بين الولادة والأخرى وهذه الراحة قد تطول وقد تقصر حسب حالتها الصحية وقد قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) . ٢. الخشية على الأولاد أن تسوء تربيتهم أو أن تضطرب تربيتهم فقد روى أسامة بن زيد أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أني أعزل عن امرأتي، فقال له ﷺ: لم تفعل ذلك؟ فقال الرجل: أشفق على أولادها فقال ﷺ: (لو كان ضاراً لضر فارس والروم) رواه مسلم. فكأن الرسول ﵊ رأى أن هذه الحالات الفردية لا تضر الأمة في مجموعها بدليل أنها لم تضر فارس والروم وهما أقوى دول الأرض حينذاك. ٣. الخشية من الوقوع في حرج دنيوي قد يؤدي إلى الوقوع في حرج ديني فيقع في الحرام ويرتكب المحظورات من أجل الأولاد يقول الله ﷾: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) . وخلاصة القول أن هذه الحالات الفردية هي التي يجوز فيها تنظيم النسل بشكل اختياري من الزوجين أما أن يكون ذلك سياسة عامة تفرضها الدولة على شعبها فلا يجوز ذلك. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346459,"book_id":3840,"shamela_page_id":839,"part":"15","page_num":107,"sequence_num":839,"body":"١٠٧ - تحنيط الجنين\rتقول السائلة: إنها أسقطت جنيناً عمره سبعة أشهر فأخذه الطبيب لوضعه في المختبر فما حكم ذلك؟\rالجواب: إن ما فعله الطبيب من أخذ الجنين ووضعه في المختبر عمل محرم شرعاً لا يجوز لأن مثل هذا الجنين ينبغي أن يغسل ويصلى عليه ويدفن وهذا هو حكم الجنين إذا كان قد مضى عليه في بطن أمه أربعة أشهر فأكثر فقد ورد في الحديث: ( ... والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) رواه أبو داود وابن حبان والحاكم والبيهقي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. فالسقط إذا نفخت فيه الروح يصلّى عليه وتُطبّق عليه الأحكام الشرعية التي تُطبّق على الميت البالغ وبالتالي لا يجوز تحنيطه ووضعه في المختبر. وينبغي أن يعلم أن الإسلام قد احترم الإنسان حياً وميتاً وتحنيط هذا الجنين امتهان لكرامته واعتداء على حرمته وقد ورد في الحديث: عن عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قال: (كسر عظم الميت ككسر عظم الحي) . وفي رواية أخرى (في الإثم) رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد والبيهقي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. لذلك يجب على والد الطفل أن يأخذ الجنين من الطبيب وأن يقوم بغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346460,"book_id":3840,"shamela_page_id":840,"part":"15","page_num":108,"sequence_num":840,"body":"١٠٨ - حق الأولاد\rيقول السائل: ما حكم تسمية الأولاد بالأسماء الأجنبية؟\rتسمية الأولاد بالأسماء الأجنبية\r\rالجواب: إن من حقوق الأولاد على الآباء أن يختاروا لهم أسماء حسنة فقد ورد في الحديث عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسمائكم) رواه أبو داود بإسناد حسن. وهنالك أسماء مستحبة استحبها الرسول ﷺ فينبغي أن يسمى الأولاد بها وهنالك أسماء غيرها الرسول ﷺ لكراهيته لها. فمن الأسماء المستحبة المرغب فيها ما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) رواه مسلم. فهذا الحديث يفيد أن هذين الإسمين: (عبد الله وعبد الرحمن) أفضل الأسماء ومن الأسماء المستحبة أيضاً أسماء الأنبياء كإبراهيم وموسى وعيسى ونوح ويونس وغيرها ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: [ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة) رواه مسلم. ولما ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها الحارث وهمام وأقبحها حرب ومرة) ] رواه أبو داود والنسائي وأحمد وفي سنده بعض الكلام وله شواهد تقويه، قال الإمام البغوي معلقاً على هذا الحديث: [إنما صار الحارث وهمام من أصدق الأسماء من أجل مطابقة الإسم معناه لأن الحارث الكاسب يقال حرث الرجل: إذا كسب قال الله ﷾: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ) . وهمام من هممت بالشيء: إذا أردته وما من أحد إلا وهو في كسب أو يهم بشيء وإنما صار حرب ومره من أقبح الأسماء لما في الحرب من المكاره وفي مره من المرارة والبشاعة، وكان رسول الله ﷺ يحب الفأل الحسن والإسم الحسن] شرح السنة ١٢/٣٣٤ ومن الأسماء التي لا يجوز تسمية الأولاد بها كل اسم معبد لغير الله ﷾ مثل: عبد علي وعبد الحسين وعبد النبي ونحوها. ومنها أسماء الفراعنة والجبابرة كفرعون وقارون ونحوهما، وأما الأسماء الأجنبية فإني أكره أن يسمى بها أبناء المسلمين لأن ذلك يدخل في التشبه بغير المسلمين وقد نهينا عن ذلك، كما أن في الأسماء العربية الإسلامية ما يغني عن التسمية بالأسماء الأجنبية. كما أن السماء المعروفة بين المسلمين لها معان ودلالات معينة وليس كذلك الأسماء الأجنبية. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346461,"book_id":3840,"shamela_page_id":841,"part":"15","page_num":109,"sequence_num":841,"body":"١٠٩ - حق الأولاد\rيحرم لعن المرأة لأولادها,\r\rيقول السائل: ما حكم لعن المراة لأولادها؟ الجواب: اللعن هو الإبعاد من رحمة الله ﷾ واللعن من المحرمات بل من الكبائر فيحرم على المسلم أن يلعن شخصاً بعينه ويحرم على هذه المرأة أن تلعن أولادها ويدل على ذلك أحاديث كثيرة منها: ما رواه البخاري أن النبي ﷺ قال: ( ... ومن لعن مؤمناً فهو كقتله) . وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء) رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه. وروى الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أسلم أن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجاد من عنده فلما أن كان ذات ليلة قام عبد الملك بن مروان فدعا خادمه فكأنه أبطأ عليه فلعنه فلما أصبح قالت له أم الدرداء، سمعت الليلة لعنت حين دعوته فقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة) والأنجاد المذكورة في الحديث جمع نجد وهو متاع البيت الذي يزينه من فرش وستور ونحو ذلك. قال الإمام النووي: [وأما قوله ﷺ: (أنهم لا يكونون شفعاء ولا شهداء) فمعناه: لا يشفعون يوم القيمة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات] شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/١١٥.\r\rوقال ﵊: (إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة) رواه مسلم. وقال ﷺ: (لا تتلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بجهنم) . رواه الترنمذي وقال حديث حسن صحيح ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: (إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتُغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتُغلق أبوابها دونها ثم تأخذ يميمناً وشمالاً فإذا لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن فإن كان لذلك أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها) رواه أبو داود وأحمد وقال الشيخ الألباني حديث حسن.\r\rوعن ابن عباس أن رجلاً لعن الريح فقال النبي ﷺ: (لا تلعنها فإنها مأمورة إنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه) رواه أبو داود والترمذي وقال الشيخ الألباني أنه حديث صحيح. والذي يؤخذ من هذه الأحاديث حرمة لعن الإنسان المعين وكذلك عن غير الإنسان مثل لعن الريح كما في الحديث الأخير وورد في بعض الأحاديث النهي عن لعن الحيوان فكل ذلك من اللعن المحرم. قال الإمام البغوي: [اللعن المنهي عنه أن يلعن رجلاً بعينه مواجهة براً كان أو فاجراً لأن عليه أن يوقر البر ويرحم الفاجر فيستغفر له فإذا لعنه في وجهه زاده ذلك شراً فأما لعن الكفار على العموم والفجار كما جاء في الحديث من لعن شارب الخمر ولعن الواصلة والمستوصلة وآكل الربا ونحوها فغير منهي عنه] شرح السنة ١٣/١٣٨. أي أن لعن الكفار والفجار دون تعيين الأشخاص جائز كأن تلعن شارب الخمر أو تلعن آكل الربا لورود ذلك في الحديث.\r\rوأخيراً فعلى هذه المرأة التي لعنت أولادها أن تتوب إلى الله ﷿ توبة صادقة وتكثر من الدعاء ولأولادها ويجب عليها أن لا تعود إلى لعن أولادها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346462,"book_id":3840,"shamela_page_id":842,"part":"15","page_num":110,"sequence_num":842,"body":"١١٠ - حقوق الزوجين\rالكذب عى الزوجة,\r\rتقول السائلة: أن زوجها يكذب عليها في حالات كثيرة ويدعي أن الكذب على الزوجة جائز شرعاً فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: لا شك أن الكذب خصلة ذميمة وذنب من أقبح الذنوب وقد تظاهرت الآيات والأحاديث على تحريم الكذب بشكل عام فقد ثبت في الحديث الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن والرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) رواه البخاري ومسلم. وثبت في الحديث الصحيح أيضاً عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) رواه البخاري مسلم. والكذب ليس من صفات المؤمنين الصادقين يقول الله ﷾: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) . هذا هو الأصل في الكذب أنه محرم وأنه فاحشة من فواحش الذنوب ولكن هذا الأصل له استثناء فقد أجاز الشرع الكذب في بعض المواطن وجعله مباحاً قال الإمام النووي ﵀: [اعلم أن الكذب وإن كان أصله محرماً فيجوز في بعض الأحوال إلى أن قال \" إن الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه وإن لم يمكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب، ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحاً كان الكذب مباحاً وإن كان واجباً كان الكذب واجباً فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله وسئل إنسان عنه وجب الكذب بإخفائه وكذا لو كان عنده وديعة وأراد ظالم أخذها وجب الكذب بإخفائه والأحوط في ذلك كله أن يوري ومعنى التورية أن يقصد في كلامه مقصوداً صحيحاً ليس هو كاذباً بالنسبة إليه وإن كان كاذباً في ظاهر اللفظ بالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب ولو ترك التورية وأطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذا الحال] رياض الصالحين ص٥٩٢.\r\rوخلاصة الأمر أن هنالك أحوالاً يجوز فيها الكذب وقد وردت في أحاديث عن الرسول ﷺ، ومنها: ١. ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما أن الرسول ﷺ قال: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً) . ٢. ما رواه مسلم في صحيحه أن أم كلثوم بنت عقبة قالت: ولم أسمعه أي الرسول ﷺ يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. وهذا الحديث يدل على جواز أن يكذب الرجل على زوجته وكذلك المرأة على زوجها ولكن أهل العلم قيدوا كذب الرجل على امرأته وعكسه بأن يكون الكذب فيما يتعلق بأمر المعاشرة وحصول الألفة بينهما. قال الخطابي: [كذب الرجل على زوجته أن يعدها ويمنيها ويظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه يستديم بذلك صحبتها ويصلح من خلقها] عون المعبود ١٣/١٧٩. وقال الحافظ ابن حجر [واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هو فيما لا يسقط حقاً عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها] فتح الباري ٦/٢٢٨. وقال الإمام النووي: [وأما كذبه لزوجته وكذبها له فالمراد به إظهار الود والوعد بما لا يلزم ونحو ذلك، فأما المخادعة في صنع ما عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرام بإجماع المسلمين) شرح النووي على مسلم ١٦/١٥٨.\r\rوبهذا يظهر جواز الكذب بين الزوجين إذا كان في ذلك محافظة على الحياة الزوجية ومنع لهدمه فإذا سأل الزوج زوجته هل تحبه فعليها أن تجيبه بنعم وإن كانت تكرهه محافظة على بقاء الأسرة واستمرارية الحياة الزوجية وكما قال عمر ﵁ لتلك المرأة: [فإن كانت أحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب] . *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346463,"book_id":3840,"shamela_page_id":843,"part":"15","page_num":111,"sequence_num":843,"body":"١١١ - حقوق الزوجين\rالإنفاق على الزوجة من مال حرام ,\r\rتقول السائلة: إن زوجها يتعامل في تجارته بالمحرمات بالإضافة إلى المباحات وهو ينفق عليها وعلى أولاده من هذه الأموال فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: إن الواجب على المسلم أن يكسب ماله من حلال وبطريق مشروع ويدل على ذلك قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) سورة البقرة آية ١٧٢. وقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا) سورة البقرة آية ١٦٨. وما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) رواه مسلم. وبناءً على ما سبق لا يجوز للمسلم أن يكتسب المال بطريق محرم وفي السؤال أن زوج المرأة يكتسب المال من طريقين أحدهما حرام والآخر حلال ويقوم بالإنفاق على الأسرة من مجموع المالين.\r\rوالواجب على زوجته وأولاده المكلفين أن ينصحوا أباهم أن يقلع عن المعصية وهي المتاجرة في المحرمات وأن يكتفي بالتجارة في الحلال فإن استجاب فبها ونعمت وإن لم يفعل واستطاعت الزوجة والأولاد أن يستغنوا عن أموال الزوج فهو الأفضل وإن لم يستطيعوا فلا بأس في أن يأكلوا من ماله وهذا المال المختلط من الحلال والحرام يجوز الأخذ منه والإنفاق منه والإثم يقع على الزوج، ولا شيء على زوجته وأولاده. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346464,"book_id":3840,"shamela_page_id":844,"part":"15","page_num":112,"sequence_num":844,"body":"١١٢ - اللباس والزينة\rما حكم لبس المرأة الأساور الذهبية التي تكون على شكل حيات؟\r\rالجواب: لا يجوز لبس الأساور الذهبية أو غيرها التي تكون على شكل ما فيه روح سواء على شكل حيات أو طيور أو غير ذلك، فإن هذه التماثيل محرمة شرعاً فلا يجوز صنعها ولا بيعها ولا اقتناؤها ولا لبسها وكل ذلك حرام والإسلام حرم التماثيل محافظة على التوحيد فقد ورد في الحديث: (أن علي بن أبي طالب ﵁ قال لأحد أصحابه ألا أبعثك على ما بعثني رسول الله ﷺ ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبر مشرف إلا سويته) رواه مسلم. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346465,"book_id":3840,"shamela_page_id":845,"part":"15","page_num":113,"sequence_num":845,"body":"١١٣ - انتساب الزوجة إلى زوجها\rيقول السائل: لقد شاع بين كثير من الناس انتساب المراة إلى زوجها لا إلى أبيها وصار يستعمل في الكثير من المعاملات الرسمية فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: إن من أمراض الأمة الإسلامية الشائعة اليوم تشبهها بغيرها من الأمم وتقليدها في كثير من الأمور وهذا الأمر وهو أن تسمى الزوجة باسم زوجها من التقاليد الغربية الوافدة وهي تقاليد غريبة عن المجتمع المسلم وهذا الأمر صار شائعاً ومنتشراً بين الناس ومستعملاً في كثير من المعاملات، وهو تقليد سخيف لغير المسلمين وقد أخبر رسول الله ﷺ بأن هذه الأمة وللأسف تتبع الأمم الأخرى في كثير من أمورها وهذا دليل على الضعف وعلى الهوان، إذ يقول الرسول ﷺ: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذعاً بذراع حتى لو دخل جحر ضب لدخلتموه) . وجاء في حديث آخر قوله ﷺ: (والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم سنة سنة) رواه الترمذي وأحمد وقال الترمذي حسن صحيح. وانتساب المرأة لغير أبيها لا يجوز شرعاً وهو حرام. وإذا كانت الزوجة منكرة لنسبها قد يكون كفراً والعياذ بالله فقد ورد في جملة أحاديث صحيحة وثابتة عن الرسول ﵊ منها: ١. عن أبي ذر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه إلا كفر بالله ... ) رواه البخاري ومسلم وذكر الرجل في الحديث خرج مخرج الغالب والمرأة كذلك. ٢. وعن وائلة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه ... ) رواه البخاري والفرى جمع فرية وهي الكذب. ٣. وعن أبي بكر وسعد ﵄ كلاهما يقول: سمعته أذناي ووعاه قلبي محمداً ﷺ يقول: (من ادعى لغير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام) رواه مسلم. وهذه الأحاديث تحمل على من انتسب لغير أبيه واستحل ذلك. وأما الشائع اليوم من انتساب المرأة لزوجها وإن كان لا إنكار فيه للأبوة وللعائلة إلا أنه محرم أيضاً لأن فيه تشبهاً بغير المسلمين وفيه تلبيس على الناس فعلى المرأة أن تتسمى باسم أبيها فتقول فلانة بنت فلان وزوجة فلان. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346466,"book_id":3840,"shamela_page_id":846,"part":"15","page_num":114,"sequence_num":846,"body":"١١٤ - حقوق الزوجين\rيقول السائل: إن زوجته ترفض خدمة والده فهل يحق له أن يجبرها على ذلك؟\r\rالجواب: لا يجب على الزوجة أن تخدم والد زوجها والشرع لا يلزمها بذلك ولا يجوز للزوج أن يجبر زوجته على خدمة والده أو أي أحد من أقاربه والأمر متروك للزوجة فإن خدمت والد زوجها فبها ونعمت وإن لم تفعل فلا حرج عليها. وإن كان الأفضل والأولى في حق هذه الزوجة أن تخدم والد زوجها من باب بر الزوج وطاعته إن أمرها بذلك وتكون تلك الخدمة تبرعاً منها وتفضلاً وإحساناً ولكن الأمر ليس واجباً عليها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346467,"book_id":3840,"shamela_page_id":847,"part":"15","page_num":115,"sequence_num":847,"body":"١١٥ - الضرب وسيلة مشروعة للتربية\rيقول السائل: هل يجوز استعمال الضرب كوسيلة من وسائل التربية في المدرسة من قبل المدرسين؟\r\rالجواب: إن طرق وأساليب تربية الصغار كثيرة ومنها الضرب والمقصود به الضرب غير المبرح، والضرب بشكل عام عقوبة يجوز استعمالها شرعاً فقد شرع الضرب في الحدود وفي التعزير وشرع ضرب الزوج لزوجته في حال النشوز وشرع ضرب الأولاد تأديباً لهم على ترك الصلاة وغير ذلك من الحالات ولكن ضرب الأولاد يحتاج إلى تفصيل وتوضيح. ولا يجوز للمدرس أن يضرب الولد لمجرد وقوع المخالفة منه وإنما يلجأ إلى الضرب بعد أن يستنفذ أساليب التربية الأخرى فالأصل في معاملة الأولاد والطلاب اللين والرحمة بهم والرفق بهم ثم يتدرج المربي من الأخف إلى الأشد إن لم ينفع الأخف كوسيلة للتربية فعلى المربي أن يرشد الطالب إلى الخطأ بالتوجيه كما ثبت في الحديث عن عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: (كنت غلاماً في حجر الرسول ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة - تتحرك في وعاء الطعام فيأكل من عدة أماكن-فقال لي رسول الله ﷺ: يا غلام سم الله وبكل بيمينك وكل مما يليك) رواه البخاري ومسلم.\r\rكما أن على المربي أن يرشد الطالب إلى الخطأ بالملاطفة أو بالإشارة ويجوز للمربي أن يوبخ الطالب المخطئ بالكلام الهادئ أولاً ويجوز أن يعنفه بشدة فإذا لم تفلح هذه الأساليب ولم تأت بالثمرة المرجوة منها فحينئذ يجوز استعمال الضرب كوسيلة من وسائل التربية وتقويم السلوك فقد ورد في الحديث قول الرسول ﷺ (مروا أبنائكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر) رواه أبو داود والترمذي وهو حديثٌ حسن. والضرب المقصود هو الضرب غير المبرح وغير المؤلم وخاصة إذا كان الطالب قد وقع في الخطأ للمرة الأولى ولا يجوز الضرب على الوجه أو الرأس والمواضع الحساسة من الجسم حتى لا يلحق الضرر بالمضروب. وينبغي للمربي ألا يضرب وهو في حالة الغضب لئلا يفقد السيطرة على نفسه فيضرب الطالب ضرباً مبرحاً يلحق به الأذى. انظر تربية الأولاد في الإسلام ٢/٦٧٨.\r\rكما أن بعض الفقهاء منعوا الضرب أكثر من ثلاث مرات كأن يضربه ثلاثة أسواط وأجاز بعض الفقهاء الضرب عشرة أسواط. وينبغي أن يعلم أن الدعوة إلى إلغاء عقوبة الضرب في المدارس وإلغاء ذلك فعلياً قد أثر على العملية التعليمية أثيراً سلبياً لأن كثيراً من الطلاب لا يستقيم حالهم ولا يصلح أمرهم إلا بالعقوبة أو الخوف منها وهذا أمرٌ طبيعي في الإنسان رغم كل ما يدعيه دعاة إلغاء الضرب من مبررات لإلغائه وإن حصول بعض التجاوزات من بعض المعلمين بضرب الطالب ضرباً مبرحاً قد ينتج عنه ضرر به لا يعني إلغاء الضرب نهائياً، ومن المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز التأديب بقصد الإتلاف ومن وقع منه ذلك فإنه يتحمل المسؤولية. وأخيراً فإني أؤكد على أهمية عقوبة الضرب في المدارس وفي التأديب بشكلٍ عام لأهميتها في إصلاح النفوس. وقد روي في الحديث: (رحم الله إمرءاً علق في بيته سوطاً يؤدب أهله) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346468,"book_id":3840,"shamela_page_id":848,"part":"15","page_num":116,"sequence_num":848,"body":"١١٦ - اللباس والزينة\rيقول السائل: ما حكم استعمال العطور والأدوية التي تحتوي على نسبة من الكحول؟\r\rالجواب: لا بأس باستعمال العطور والأدوية التي تشمل على نسبة من الكحول لأن ذلك لا يتخذ للأسكار ثم إن اختلاط قليل من الخمر بشيء مع عدم ظهور أثر له لا يوجب تحريم ذلك المخلوط به لأنه لما لم يظهر له أثر لم يكن له حكم إذ أن علة الحكم هي الموجبة له فإذا فقدت العلة فقد الحكم عليه فإن النسبة التي تخلط بالعطور والأودية من الكحول لا تؤدي إلى الإسكار فلا يثبت لهذه الأشياء حكم الخمر، ومن المعلوم أن الأدوية التي تحتوي على الكحول لا تسكر بمقاديرها الطبية فلا مانع من استعمالها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346469,"book_id":3840,"shamela_page_id":849,"part":"15","page_num":117,"sequence_num":849,"body":"١١٧ - النزاعات والخلافات\rتعويض المضروب بالمال,\r\rيقول السائل: تشاجر شخصان فضرب أحدهما الآخر بآلة حادة فأصابه بجرح عميق ثم أخذت عطوة بين الطرفين ودفع الطرف المعتدى مبلغاً من المال للمعتدى عليه فما حكم المال المأخوذ وهل يجوز للمعتدى عليه أخذه؟\r\rالجواب: يجوز للشخص المعتدى عليه أخذ المال الذي دفع له مقابل إصابته في الشجار ويعتبر هذا المال عند الفقهاء دية فيما دون النفس وهو أمر مشروع عند جماهير فقهاء المسلمين فقد أجازوا أخذ الدية في الجناية على ما دون النفس، والمراد بذلك الجناية على أعضاء جسم الإنسان كقطع يده أو رجله أو إصابة عينه أو أذنه أو أنفه أو جرحه ... الخ. ويدل على ذلك أدلة كثيرة منها: ما ورد في حديث عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن الرسول ﷺ كتب له في كتابه: [وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية وفي الرجل الواحدة الدية] رواه النسائي ومالك في الموطأ وصححه أحمد والحاكم وابن حبان وغيرهم. وعن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أصيب بدم أو خبل -والخبل الجراح- فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص أو يأخذ العقل-الدية-أو يعفو فإذا أراد رابعة فخذوا على يديه) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وما ورد في الحديث أيضاً: ( ... وفي كل إصبع من أصابع اليد أو الرجل عشر من الإبل وفي السن خمس من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل ... ) وهو جزء من الحديث الأول. وبناء على ما سبق يجوز أخذ المال المشار إليه في السؤال إذا كان تقدير ذلك المال مستنداً لما ورد في الشرع من الدية فيما دون النفس. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346470,"book_id":3840,"shamela_page_id":850,"part":"15","page_num":118,"sequence_num":850,"body":"١١٨ - النزاعات والخلافات\rشجرة تضر الجيران,\r\rيقول السائل: يوجد في أرض جيراني سجرة سرو قديمة وكبيرة وجذور هذه الشجرة تلحق الضرر بمنزلي وطلبت من جيراني قطعها فرفضوا قعطها فزرعت شجراً ليلحق الضرر بجيراني فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) رواه ابن ماجة والدارقطني والحاكم وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. ويدل هذا الحديث على أنه لا يجوز إلحاق الضرر بالآخرين وكذلك لا يجوز مقابلة الضرر بالضرر وهذا معنى قوله ﵊ في الحديث: (لا ضرر ولا ضرار) فيكون معنى الحديث لا يجوز إلحاق مفسدة بغيره مطلقاً ولا يجوز إلحاق مفسدة بغيره على وجه المقابلة. وقد جعل أهل العلم هذا الحديث قاعدة من القواعد المعروفة في الفقه الإسلامي: (لا ضرر ولا ضرار) . وبناء على ما تقدم نقول: يجب على أصحاب الشجرة أن يقطعوها لأنها ألحقت ضرراً بمنزل جارهم لأن الواجب عليهم إزالة الضرر عن جارهم، وقد قرر الفقهاء وجوب إزالة الضرر بعد وقوعه فقالوا في القاعدة الفقهية: \" الضرر يُزال \". وقد يقول قائل أن الشجرة تقع في أرض أصحابها والإنسان حرّ التصرف في ملكه فنقول نعم صحيح إن الإنسان حرّ التصرف في ملكه ولكن بشرط أن لا يتأذى غيره من هذا التصرف قال الحافظ ابن رجب: [ومنها-أي الأمور الممنوعة-أن يحدث في ملكه ما يضر ملك جاره من هز أو دق ونحوهما فإنه يمنع منه. وكذا إذا كان يضر بالسكان كما إذا كان له رائحة خبيثة ونحو ذلك] جامع العلوم والحكم ص ٣٨٦. وقرر الفقهاء أنه إذا طالت أغصان شجرة لشخص وتدلت على جدار جاره فأضرته يكلف رفعها أو قطعها. ولا يجوز للإنسان المتضرر من أفعال الآخرين أن يقابل الضرر بالضرر وهذا هو المعنى المشار إليه في قوله ﷺ: (ولا ضرار) وعليه فلا يجوز للسائل أن يزرع شجراً في أرضه يحلق الأذى بجيرانه. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346471,"book_id":3840,"shamela_page_id":851,"part":"15","page_num":119,"sequence_num":851,"body":"١١٩ - الرحلات\rيقول السائل: ما حكم الذهاب إلى منطقة البحر الميت في رحلات ترفيهية؟\r\rالجواب: إن منطقة البحر الميت هي المنطقة التي كان يسكنها قوم لوط ﵊ ومعلوم أن قوم لوط كذبوا نبيهم لوط وأن الله عاقبهم بتدمير قراهم ومدنهم كما قال الله تعالى: (قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) سورة هود الآيتان ٨١-٨٢. والمطلوب من المسلم أن يتعظ ويعتبر مما أصاب الذين ظلموا أنفسهم ومنهم قوم لوط كما قال تعالى: (وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) سورة الصافات الآيات ١٣٣-١٣٨. وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه نهى عن الدخول على الأقوام المعذبين إلا إذا كان المسلم باكياً ومتعظاً فإن لم يكن حاله كذلك فلا يدخل فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم) . قال الحافظ ابن حجر: [ ... ووجه هذه الخشية أن البكاء يبعثه على التفكير والاعتبار فكأنه أمره بالتفكير في أحوال توجب البكاء من تقدير الله تعالى على أولئك بالكفر مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مدة طويلة ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه وهو سبحانه مقلب القلوب فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك والمتفكر أيضاً في مقابلة أولئك نعمة الله بالكفر وإهمالهم إعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان به والطاعة له فمن مر عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتباراً بأحوالهم فقد شابههم في الإهمال ودلّ على قساوة قلبه وعدم خشوعه فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم] شرح السنة ٢/٧٧.\r\rوقال الإمام الخطابي: [معناه أن الداخل في دار قوم هلكوا بخسف أو عذاب ذا لم يكن باكيا إما شفقة عليهم وإما خوفاً من حلول مثلها به كان قاسي القلب قليل الخشوع فلا يأمن إذا كان هكذا أن يصيبه ما أصابهم] شرح السنة ١٤/٣٦٢. وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه لما مر بديار ثمود مرّ مسرعاً لم ينزل فيها فقد جاء في رواية لحديث ابن عمر قال: (مررنا مع النبي ﷺ على الحجر-ديار ثمود-فقال لنا رسول الله ﷺ: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذراً أن يصيبكم مثل ما أصابهم ثم زجر فأسرع حتى خلفها) رواه مسلم وقوله زجر أي زجر ناقته وحثها على المسير.\r\rوبناء على ما سبق أرى أنه لا ينبغي الذهاب إلى منطقة البحر الميت في رحلات ترفيهية لأن من يذهبون في هذه الرحلات أبعد ما يكونون عن البكاء والاتعاظ والاعتبار. ويضاف إلى ذلك ما في تلك المناطق من المنكرات والمحظورات التي توجد عند شواطئ البحار من عري وتهتك واختلاط وفساد وإفساد. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346472,"book_id":3840,"shamela_page_id":852,"part":"15","page_num":120,"sequence_num":852,"body":"١٢٠ - الخطبة\rخِطبة النكاح,\r\rيقول السائل: هل من السنة أن تُلقى خطبة عند عقد النكاح أفيدونا؟\r\rالجواب: خُطبة النكاح بضم الخاء غير الخِطبة بكسر الخاء فالأولى هي الكلام الذي يقال عند العقد والثانية هي مقدمة لعقد النكاح وخُطبة النكاح من مستحبات عقد النكاح عند أكثر أهل العلم وإن تم العقد بدون خطبة فالنكاح جائز ولا بأس به ولكن اتباع السنة أولى وأحسن. قال الإمام أبو داود في سننه: [باب في خطبة النكاح] ثم روى بإسناده عن عبد الله بن مسعود في خطبة الحاجة في النكاح وغيره قال: (علمنا رسول الله ﵁ خطبة الحاجة إنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)) وهو حديث صحيح رواه أيضاً الترمذي وابن ماجة وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن ابي داود ٢/٣٩٨. وقال الشيخ الألباني: [وهذه الزيادة (في النكاح وغيره) هي لأبي داود من طريق سفيان عن أبي إسحاق وظاهرها أنها من قول ابن مسعود لكن خالف شعبة فجعلها من قول أبي إسحاق حيث قال قلت لأبي إسحاق هذه في خطبة النكاح أو في غيرها؟ قال في كل حاجة] رواه الطيالسي، انظر خطبة الحاجة للألباني ص ١٣.\r\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويستحب أن يخطب العاقد أو غيره قبل التواجب ثم يكون العقد بعده لقول النبي ﷺ: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع) وقال: (كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء) رواهما ابن المنذر ويجزئ من ذلك أن يحمد الله ويتشهد ويصلي على رسول الله ﷺ والمستحب أن يخطب بخطبة عبد الله بن مسعود] ثم ذكر الحديث المتقدم ثم قال ابن قدامة: [قال الخلال: حدثنا أبو سليمان إمام طرسوس قال: كان الإمام أحمد بن حنبل إذا حضر عقد نكاح فلم يخطب فيه بخطبة عبد الله بن مسعود قام وتركهم. وهذا كان من أبي عبد الله من المبالغة في استحبابها لا على الإيجاب. فإن حرب بن إسماعيل قال: قلت لأحمد فيجب أن تكون خطبة النكاح مثل قول ابن مسعود؟ فوسع في ذلك. وقد روى عن عمر أنه إذا كان دعي ليزوج قال: لا تعصفوا علينا الناس: الحمد لله وصلى الله على محمد إن فلاناً يخطب إليكم فإن أنكحتموه فالحمد لله وإن رددتموه فسبحان الله. والمستحب خطبة واحدة يخطبها الولي أو الزوج أو غيرهما وقال الشافعي: المسنون خطبتان هذه التي ذكرناها في أوله وخطبة من الزوج قبل قبوله والمنقول عن النبي ﷺ وعن السلف خطبة واحدة وهو أولى ما اتبع] المغني ٧/٨١-٨٢. وقال الإمام النووي: [يستحب أن يبدأ الخاطب بالحمد لله والثناء عليه والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ويقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله جئتكم راغباً في فتاتكم فلانة أو في كريمتكم فلانة بنت فلان أو نحو ذلك] الأذكار ص ٢٤٠.\r\rوروى عبد الرزاق بإسناده عن إبراهيم النخعي قال: [كانوا - أي الصحابة - يحبون أن يتشهدوا إذا خطب الرجل على نفسه أو على غيره والخصمان إذا اختصما: إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم بحسب إمرىء أن يبلغ حاجته. قال: وأما الخصمان فينطقان بحجتهما] مصنف عبد الرزاق ٦/١٨٨","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346473,"book_id":3840,"shamela_page_id":853,"part":"15","page_num":121,"sequence_num":853,"body":"١٢١ - مسائل طبية\rيقول السائل: إنه يريد التقدم لخطبة فتاة ولكن يوجد في عائلتها أمراض وراثية فهل يجوز له أن يشترط عليها إجراء الفحص الطبي قبل أن يدخل في إجراءات الخطبة؟\r\rالفحص الطبي قبل الزواج\r\rالجواب: لا بأس بأن يشترط هذا الشخص على الفتاة التي سيتقدم إليها أن تقوم بإجراء فحص طبي نظراً لوجود أمراض وراثية في عائلتها. وكذلك لا مانع من إجراء الفحص الطبي قبل الزواج بشكل عام لمن يرغبون في الزواج، ولكني لا أرى أن يلزم كل من يريد الزواج بإجراء فحص طبي وإنما يبقى الأمر اختياراً لا إجبار فيه لا بقانون ولا بغيره. قال د. محمد علي البار: [ولا يوجد ما يمنع من إجراء فحص للراغبين في الزواج يثبت خلوهما من الأمراض المعدية والعيوب الوراثية الظاهرة أو الموجودة في تاريخ الأسرة، ولا بد على الأقل من التأكد من عدم وجود مرض من أمراض الزنا أو اللواط لدى أحد الخاطبين وإن كان هناك مرض تم معالجته قبل عقد الزوجية.\r\rوهناك باب جديد في الطب يسمى الاستشارة الوراثية وقد بدأ في الظهور في الدول الغربية وسيصل عما قريب إلينا مع ما يفد من حضارة الغرب خيرها وشرها] الجنين المشوه والأمراض الوراثية ص ٣٦٦. والفحص الطبي قبل الزواج مشروع ويدل على ذلك الأدلة العامة الآمرة بالتداوي ومعروف أن الفحص الطبي قبل الزواج من باب الوقاية والوقاية خير من العلاج. ومن المعلوم أيضاً أن من مقاصد الزواج في الشريعة الإسلامية طلب الأولاد ومقصود أيضاً أن تكون الذرية صالحة جسمانياً ومعنوياً ولا تكون الذرية كذلك إلا إذا كانت خالية من الأمراض وخاصة الوراثية، قال الله تعالى على لسان زكريا ﵇: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) سورة آل عمران الآية ٣٨. ودعا المؤمنون ربهم قائلين: (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) سورة الفرقان الآية ٧٤. ولا تكون الذرية قرة أعين وذرية طيبة إذا كانت ذرية مشوهة الخلقة أو ناقصة الأعضاء أو متخلفة عقلياً. وقد حث النبي ﷺ من أراد الزواج أن يحسن اختيار الزوجة فقد ورد في الحديث عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم) رواه ابن ماجة وقال الشيخ الألباني، حديث حسن، كما في صحيح سنن ابن ماجة ١/٣٣٣.\r\rوعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تزوجوا الودود الولود) رواه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم وسئل عمر بن الخطاب ﵁: (ما حق الولد على أبيه؟ قال: أن ينتقي أمه ويحسن اسمه ويعلمه القرآن) . وهذا الانتقاء للزوجة يشمل الصفات الخلقية والمعنوية ويتفق مع قول النبي ﷺ: (تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) رواه البخاري ومسلم. ومما يدل على جواز الفحص الطبي قبل الزواج للذكر والأنثى على حد سواء قول النبي ﷺ: (لا توردوا الممرض على المصح) رواه البخاري ومسلم. وكذلك فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة: (أن رجلاً خطب امرأة فقال له النبي ﷺ: انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً) رواه مسلم. فهذا الحديث يدل على أنه ينبغي للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته لئلا يكون فيها عيوب. ومما يؤيد الفحص الطبي قبل الزواج أن الفقهاء أجازوا للزوج أن يفسخ الزواج لوجود عيب جنسي في زوجته يمنع من الوصول إليها. وكذلك أجاز الفقهاء للزوجة أن تطلب التفريق بينها وبين زوجها إذا وجدت به علة تحول دون دخوله بها. فيمكن بواسطة الفحص الطبي أن يجتنب الزوجان الوصول للفراق بسبب العيوب الجسمية فيجريان فحصاً طبياً قبل الزواج وهذا خير من الزواج ثم اكتشاف العيوب التي تجيز الفسخ أو طلب التفريق بينهما فيفترقان ويقعان في المشكلات الاجتماعية والمالية.\r\rوقد ذكر قانون الأحوال الشخصية المعمول به في بلادنا العيوب التي تجيز فسخ الزواج فقد ورد في المادة ١١٣: [للمرأة السالمة من كل عيب يحول دون الدخول بها أن تراجع القاضي وتطلب التفريق بينها وبين زوجها إذا علمت أن فيه علة تحول دون بنائه بها كالجب والعنة والخصاء] وجاء في المادة ١١٦: [إذا ظهر للزوجة قبل الدخول أو بعده أن الزوج مبتلى بعلة أو مرض لا يمكن الإقامة معه بلا ضرر كالجذام أو البرص أو السل أو الزهري أو طرأت مثل هذه العلل والأمراض فلها أن تراجع القاضي وتطلب التفريق] . أما المادة ١١٧ فنصها: [للزوج حق طلب فسخ عقد الزواج إذا وجد في زوجته عيباً جنسياً مانعاً من الوصول إليها كالرتق والقرن أو مرضاً منفراً بحيث لا يمكن المقام معها عليه بلا ضرر ولم يكن الزوج قد علم به قبل العقد أو رضي به صراحة أو ضمناً] نظام الأسرة في الإسلام ٣/ ٢٣٧. وهنالك إيجابيات عديدة للفحص الطبي قبل الزواج منها: [١. تعتبر الفحوصات الطبية قبل الزواج من الوسائل الوقائية الفعالة جداً في الحدّ من الأمراض الوراثية والمعدية والخطرة. ٢. وهي تشكل حماية للمجتمع من انتشار الأمراض والحد منها والتقليل من أي كوارث تحدث هزات مالية وإنسانية للأفراد والأسر والمجتمعات، خاصة لدى ارتفاع نسب المعاقين في المجتمع وتأثيره المالي والإنساني من كون متطلباتهم أكثر من حاجات الأفراد الآخرين. ٣. تحاول هذه الفحوصات أن تضمن إنجاب أطفال أصحاء سليمين عقلياً وجسدياً من تزاوج الخاطبين المعنيين وعدم انتقال الأمراض الوراثية التي يحملها أو يظهرها أحد الخاطبين أو كلاهما. ٤. تحديد قابلية الزوجين المؤهلين للإنجاب من عدمه بصورة عامة وإلى حد ما لأن أسباب العقم ليست معروفة كلها ويحقق رغبة الخطيبين لمعرفة الأسباب المحتملة للعقم وبهذا يقدمان على الزواج وهما مطمئنين بأنهما سيكون لهما أولاد بإذن الله لأن وجود العقم في أحد الزوجين قد يكون من أهم أسباب الاختلاف والنزاع بين الزوجين وقد يصل ذلك إلى الطلاق. ٥. ويهدف الفحص الطبي إلى التحقق من قدرة كل من الزوجين المؤهلين على ممارسة علاقة جنسية سليمة مع الطرف الآخر بما يشبع رغبات كل منهما بصورة طبيعية والتأكد من عدم وجدود عيوب عضوية أو فيزيولوجية مرضية تقف أمام هذا الهدف المشروع لكل من الزوجين. ٦. كذلك يهدف الفحص الطبي للتحقق من وجود أمراض مزمنة مؤثرة على مواصلة الحياة بعد الزواج مثل السرطانات وغيرها مما له دور في إرباك استقرار الحياة الزوجية المؤملة. ٧. ضمان عدم تضرر صحة كل من الخاطبين نتيجة معاشرة الآخر جنسياً وحياتياً والتأكد من سلامتهما من الأمراض الجنسية والمعدية وغيرها من الوبائيات ويشتمل كذلك على عدم تضرر صحة المرأة أثناء الحمل وبعد الولادة نتيجة اقترانها بالزوج المأمول] مستجدات فقهية في قضايا الزواج ص ٨٤-٨٥.\r\rوخلاصة الأمر أن الفحص الطبي قبل الزواج يحقق مصالح مشروعة للفرد وللأسرة وللمجتمع ويدرأ مفاسد اجتماعية وخسائر مالية فلا مانع منه على أن يكون بشكل اختياري وليس إجبارياً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346474,"book_id":3840,"shamela_page_id":854,"part":"15","page_num":122,"sequence_num":854,"body":"١٢٢ - الحمل والإجهاض\rما يترتب على الإجهاض,\r\rتقول السائلة: إنها كانت حاملاً في الشهر الخامس وطلب منها زوجها إسقاط الحمل فذهبت هي وزوجها إلى طبيب فأسقط حملها وبعد مضي سنوات على تلك الحادثة ندمت على ما فعلت فما هو المطلوب منها؟\r\rالجواب: إن كثيراً من النساء والأزواج والأطباء يتساهلون تساهلاً كبيراً في موضوع الإجهاض ويظنون أن الأمر هين وهو عند الله عظيم وما عرفوا أن الإجهاض جناية وأنه قد يكون قتلاً ولا شك لدي أن كل من يشارك في عمليات الإجهاض يكون آثماً وعليه مسؤولية كبيرة وله عقوبة كما سأبين فيما بعد، ما لم يكن هنالك عذر شرعي لإسقاط الجنين كأن تقرر ذلك لجنة طبية متخصصة بأن استمرار الحمل يشكل خطراً مؤكداً على حياة الأم ولا بد من إستشارة علماء الشرع قبل ذلك. قال الشيخ ابن الجوزي تحت عنوان إثم المرأة إذا تعمدت الإسقاط: [لما كان موضوع النكاح لطلب الولد وليس من كل الماء يكون الولد فإذا تكون فقد حصل المقصود من النكاح فتعمد إسقاطه مخالفة لمراد الحكمة إلا أنه إن كان ذلك في أول الحمل فقبل نفخ الروح كان فيه إثم كبير لأنه مترق إلى الكمال وسار إلى التمام إلا أنه أقل إثماً من الذي نفخ فيه الروح. فإذا تعمدت إسقاط ما فيها الروح كان كقتل مؤمن وقد قال تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) الموؤدة: البنت كانوا يدفنونها حية فهي تسأل يوم القيامة لتبكت قاتليها] أحكام النساء ص ٣٧. وقد اتفق أهل العلم على تحريم الإجهاض بعد مرور مائة وعشرين يوماً على الحمل لأن الروح تنفخ في الجنين عند مرور تلك المدة على رأي كثير من العلماء لما ثبت في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيأمر بأربع: برزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ...) رواه البخاري.\r\rويستثنى من هذا الحكم حالة واحدة فقط وهي إذا ثبت بتقرير لجنة من الأطباء الثقات من أهل الاختصاص أن استمرار الحمل يشكل خطراً مؤكداً على حياة الأم فحينئذ يجوز إسقاط الحمل. وقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ما يلي: [إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً لا يجوز إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة إلا ذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه سواء كان مشوهاً أم لا دفعاً لأعظم الضررين] قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ص ١٢٣.\r\rوأما الإجهاض قبل مرور مائة وعشرين يوماً على الحمل ففي حكمه خلاف بين العلماء والذي عليه جمهور العلماء هو تحريم الإجهاض بمجرد ثبوت الحمل إلا لعذر شرعي وهذا هو القول المعتمد عند المالكية والإمام الغزالي من الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقول بعض الحنفية والحنابلة وأهل الظاهر. واختاره كثير من العلماء المعاصرين كالشيوخ محمود شلتوت والقرضاوي والزحيلي وغيرهم. وهذا القول هو الذي أميل إليه وتطمئن إليه نفسي. إذا تقرر هذا فإن العلماء قد أوجبوا الضمان المالي والكفارة على من يسقط الجنين سواء أسقطه بضرب المرأة الحامل فأدى الضرب لإسقاط الجنين أو شربت المرأة دواء فأسقطت أو قام طبيب بإسقاط الجنين أو غير ذلك من الطرق التي تؤدي إلى إسقاط الجنين. أما الضمان المالي في إسقاط الجنين فهو ما يعرف عند الفقهاء بالغرة وهو ما ورد في الحديث الشريف عن أبي هريرة ﵁: (أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها فقضى فيه النبي ﷺ بغرة عبد أو أمة) رواه البخاري ومسلم. وعن عمر ﵁ أنه استثارهم - أي الصحابة - في إملاص المرأة فقال المغيرة ﵁: (قضى النبي ﷺ بالغرة عبد أو أمة فشهد محمد بن مسلمة ﵁ أنه شهد النبي ﷺ قضى به) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضي بدية المرأة على عاقلتها) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. قال الحافظ ابن حجر: [والغرة في الأصل البياض يكون في جبهة الفرس ... وتطلق الغرة على الشيء النفيس آدمياً كان أو غيره] فتح الباري ١٥/٢٧٣. أي أن الواجب في قتل الجنين عبد أو أمة ولما كان لا يوجد في زماننا هذا رقيق فإن قيمة ذلك عشر دية المرأة أو نصف عشر دية الرجل أي خمسين من الإبل وتجب الغرة في مال الجاني أو على العاقلة بناء على اختلاف الفقهاء في ذلك وتكون حقاً لورثة الجنين. قال الخرقي: [وإذا شربت الحامل دواء فألقت به جنيناً فعليها غرة لا ترث منها شيئاً وتعتق رقبة] .\r\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً عبارة الخرقي: ليس في هذه الجملة اختلاف بين أهل العلم نعلمه إلا ما كان من قول من لم يوجب عتق الرقبة على ما قدمنا] المغني ٨/٤١٨. وقال الحافظ ابن عبد البر: [أجمع العلماء أن الغرة تجب في الجنين الذي يسقط من بطن أمه ميتاً وهي حية حين سقوطه وأن الذكر والأنثى في ذلك سواء في كل واحد منهما الغرة. واختلفوا على من تجب الغرة في ذلك فقالت طائفة منهم مالك والحسن بن حي هي في مال الجاني وهو قول الحسن البصري والشعبي وقال آخرون: هي على العاقلة وممن قال ذلك الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وهو قول إبراهيم وابن سيرين] الاستذكار ٢٥/٧٨-٧٩. هذا بالنسبة للضمان المالي في إسقاط الجنين. وأما بالنسبة للكفارة فقد أوجب جمهور أهل العلم الكفارة على من أسقط الجنين. وقد ذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي أن: [هذا قول أكثر أهل العلم منهم الحسن وعطاء والزهري والحكم ومالك والشافعي وإسحاق. قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم أوجب على ضارب بطن المرأة تلقي جنيناً الرقبة مع الغرة وروى ذلك عن عمر ﵁ وقال أبو حنيفة: لا تجب الكفارة لأن النبي ﷺ لم يوجب الكفارة حين أوجب الغرة. ولنا قول الله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) وقال: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) وهذا الجنين إن كان من مؤمنين أو كان أحد أبويه مؤمناً فهو محكوم بإيمانه تبعاً له يرثه ورثته المؤمنون ولا يرث الكافر منه شيئاً وإن كان من أهل الذمة فهو من قوم بيننا وبينهم ميثاق ولأنه نفس مضمون بالدية فوجبت فيه الرقبة كالكبير وترك ذكر الكفارة لا يمنع وجوبها كقوله ﵊: (في النفس المؤمنة مئة من الإبل) وذكر الدية في مواضع ولم يذكر الكفارة ولأن النبي ﷺ قضى بدية المقتولة على عاقلة القاتلة ولم يذكر كفارة وهي واجبة كذا هاهنا وإنما كان كذلك لأن الآية أغنت عن ذكر الكفارة في موضع آخر] المغني ٨/٤١٧-٤١٨. وبناء على ما سبق فإنه يجب على هذه المرأة الكفارة وكذلك يجب على زوجها وعلى الطبيب الذي تولى عملية الإجهاض الكفارة أيضاً وهي المذكورة في قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً) سورة النساء الآية ٩٢. وبما أنه يتعذر في زماننا عتق رقبة فعلى كل واحد من هؤلاء صيام شهرين متتابعين. كما يجب عليهم أن يتوبوا إلى الله توبة صادقة.\r\rوختاماً أقول إن على الأزواج والزوجات أن يتقوا الله ﷾ وألا يقدموا على عمليات الإجهاض إلا عند وجود العذر الذي ذكرته سابقاً. كما أن على الأطباء أن يتقوا الله ﷾ وعليهم أن يعلموا أنه لا يجوز لهم القيام بعمليات الإجهاض ولو أذن في ذلك الزوجان ما لم يكن هنالك عذر شرعي وعلى هؤلاء الأطباء ألا يبيعوا خرتهم بدراهم معدودة يجنونها. وأخيراً فإني أدعو وزارة الصحة إلى تشديد الرقابة على الأطباء الذي يمارسون عمليات الإجهاض ومعاقبة المخالفين معاقبة شديدة وإن اقتضى الأمر سحب رخص مزاولة المهنة منهم نظراً لانتشار هذا الأمر مع انعدام الرقابة عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346475,"book_id":3840,"shamela_page_id":855,"part":"15","page_num":123,"sequence_num":855,"body":"١٢٣ - الحمل والإجهاض\rتقول السائلة: إنها امرأة متزوجة وعندها تسعة أطفال وأنها تعاني من مشكلات صحية في القلب وقد نصحها الأطباء بأن لا تحمل مرة أخرى وأن تجري عملية ربط للأنابيب. فما حكم الشرع في ذلك؟\r\rالجواب: الأصل أنه لا يجوز شرعاً استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل والمرأة، إلا في حالات الضرورة والضرورة تقدر بقدرها ولعل حالة هذه المرأة تعد من الضرورات التي تبيح المحظورات إذا كان واقع حالها كما ذكرت، وقد نصحها الأطباء بأن لا تحمل ثانية نظراً لما تعانيه من مشكلات صحية فيجوز لها أن تجري عملية ربط للأنابيب لأنه قد يترتب على الحمل في هذه الحالة ضرر كبير على المرأة ويخشى على حالها فصحتها وبقاؤها مقدم على حصول الولد، حيث إن القاعدة الفقهية تقول: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وتقول القاعدة الأخرى: إذا وجد مفسدتان ارتكب أخفهما. وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي ما يلي: [أولاً: لايجوز إصدار قانون عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب. ثانياً: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة وهو ما يعرف بالإعقام أو التعقيم مالم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية. ثالثاً: يجوز التحكم المؤقت بالإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت حاجة معتبرة شرعاً بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض بشرط أن لا يترتب على ذلك ضرر وأن تكون الوسيلة مشروعة وأن لا يكون فيها عدوان على حمل قائم] مجلة المجمع الفقهي الإسلامي عدد ٥ ج١ ص ٧٤٨.\r\rوينبغي التذكير هنا أن بعض الأطباء قد يتساهلون في الأمور الموجبة لمنع الحمل أو قطعه نهائياً فتراهم ينصحون النساء بقطع الحمل والإجهاض لأسباب واهية وغير معتبرة شرعاً لذا أرى أن على النساء وأزواجهن عدم الأخذ بأقوال الأطباء على إطلاقها بل لا بد أن يكون الطبيب الذي يقبل قوله في هذه القضايا الخطيرة من أهل الاختصاص وأن يكون ثقة في دينه وحبذا لو صدر تقرير طبي في هذه الحالات وأمثالها عن لجنة طبية لا تقل عن ثلاثة أطباء ثقات ومن أهل الاختصاص فيكون هذا أولى وأحسن لأننا قد سمعنا عن حالات كثيرة وقع فيها تساهل كبير في هذه القضايا من بعض الأطباء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346476,"book_id":3840,"shamela_page_id":856,"part":"15","page_num":124,"sequence_num":856,"body":"١٢٤ - اللباس والزينة\rحكم عمليات التجميل,\r\rتقول السائلة: ما الحكم الشرعي لعمليات التجميل المسماة بشفط الدهون؟\r\rالجواب: إن الله ﷾ قد خلق الإنسان في أحسن خلقة وأتمها كما قال ﷻ: (ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) سورة التين الآية ٤. ولكن قد تطرأ على الإنسان أمراض أو إصابات في حوادث أو استعمال خاطىء للأدوية فينتج عن ذلك حدوث عيوب فطرية وتشوهات في الخلقة كشق في الشفة أو التصاق أصابع اليدين أو الرجلين أو اصبع زائدة أو سمنة مفرطة نتيجة خلل ما في الجسم أو التشوهات التي تنتج بسبب الحرائق أو حوادث السيارات ونحو ذلك من الحالات التي قد تحتاج إلى تدخل طبي إما بجراحة أو غيرها لتقويم ما أصاب بدن الإنسان فهذه الجراحة التجميلية تعتبر في حكم الأمر الحاجي أو الضروري حيث إن الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة فتجوز الجراحة التجميلية في هذه الحالات وأمثالها. وخاصة أن هذه العيوب: [يستضر الإنسان بها حساً ومعنىً وذلك ثابت طبياً ومن ثم فإنه يشرع التوسيع على المصابين بهذه العيوب بالإذن لهم في إزالتها بالجراحة اللازمة، وذلك لما يأتي: أولاً: إن هذه العيوب تشتمل على ضرر حسي، ومعنوي وهو موجب للترخيص بفعل الجراحة لأنه يعتبر حاجة، فتنزل منزلة الضرورة ويرخص بفعلها إعمالاً للقاعدة الشرعية التي تقول: الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة. ثانياً: يجوز فعل هذا النوع من الجراحة كما يجوز فعل غيره من أنواع الجراحة المشروعة ... فالجراحة العلاجية مثلاً وجدت فيها الحاجة المشتملة على ضرر الألم وهو ضرر حسي، وهذا النوع من الجراحة في كثير من صوره يشتمل على الضرر الحسي والمعنوي ولا يشكل على القول بجواز فعل هذا النوع من الجراحة، ما ثبت في النصوص الشرعية من تحريم تغيير خلقة الله تعالى وما سيأتي من الحكم بتحريم الجراحة التجميلية التحسينية وذلك لما يأتي: أولاً: إن هذا النوع من الجراحة وجدت فيها الحاجة الموجبة للتغيير، فأوجبت استثناءه من النصوص الموجبة للتحريم، قال الإمام النووي ﵀ في شرحه لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ في لعن النبي ﷺ للواشمات والمستوشمات: [وأما قوله (المتفلجات للحسن) فمعناه يفعلن ذلك طلباً للحسن وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب في السن ونحوه فلا بأس] . فبين ﵀ أن المرم ما كان المقصود منه التجميل والزيادة في الحسن وأما ما وجدت فيه الحاجة الداعية إلى فعله فإنه لا يشمله النهي والتحريم. وهذا النوع من الجراحة وجدت فيه الحاجة كما تقدم لأن هذه العيوب منها ما يشتمل على بعض الآلام كتشوهات الحالب وأورامه وأورام الحويضة وكسور الوجه ومنها ما يشتمل على ما هو في حكم الألم من تأذي المصاب به من فوات مصلحة العضو كما في الأصابع الملتصقة وانسداد فتحة الشرج والشق الموجود في الشفة فكل هذه أضرار موجبة للترخيص واستثناء الجراحة المتعلقة بها من عموم النهي عن تغيير الخلقة. ثانياً: إن هذا النوع لا يشتمل على تغيير الخلقة قصداً لأن الأصل فيه أنه يقصد منه إزالة الضرر، والتجميل والحسن جاء تبعاً. ثالثاً: إن إزالة التشوهات والعيوب الطارئة لا يمكن أن يصدق عليه أنه تغيير لخلقة الله، وذلك لأن خلقة العضو هي المقصودة من فعل الجراحة وليس المقصود إزالتها. رابعاً: إن إزالة تشوهات الحروق والحوادث يعتبر مندرجاً تحت الأصل الموجب لجواز معالجتها فالشخص مثلاً إذا احترق ظهره أذن له في العلاج والتداوي وذلك بإزالة الضرر وأثره لأنه لم يرد نص يستثني الأثر من الحكم الموجب لجواز مداواة تلك الحروق فيستصحب حكمه إلى الآثار ويؤذن له بإزالتها وبناء على ما سبق فإنه لا حرج على الطبيب ولا على المريض في فعل هذا النوع من الجراحة والإذن به ويعتبر جواز إزالة العيوب الخلقية في هذا النوع مبنياً على وجود الحاجة الداعية إلى فعله وأما العيوب الحادثة بسبب الحروق والحوادث ونحوها فإنه تجوز إزالتها بدون ذلك الشرط اعتباراً للأصل الموجب لجواز مداواة نفس الحرق والجرح] أحكام الجراحة الطبية ص ١٨٥-١٨٧.\r\rهذا هو النوع الأول من أنواع الجراحة التجميلية وكما رأينا فهو جائز ولا بأس به بعد توفر الشروط التالية: ١. أن لا يترتب على فعلها ضرر أكبر من ضرر الحالة المرضية أو من التشوه الموجود فإذا اشتملت على ضرر أكبر فلا يجوز فعلها فإن الضرر لا يزال بمثله ولا بأكبر منه كما هو معروف من القواعد الفقهية الشرعية. ٢. ألا يكون هنالك وسيلة للعلاج يكون استعمالها أهون وأسهل ولا يترتب عليها ضرر كما في الجراحة فإذا أمكن العلاج بوسائل أسهل فينبغي المصير إليها. ٣. أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاح العملية بمعنى أن تكون نسبة احتمال نجاح العملية أكبر من نسبة احتمال فشلها، فإذا غلب على ظن الطبيب الجراح فشل العملية أو هلاك المريض فلا ينبغي الإقدام على ذلك، قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام: [وأما ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه كقطع اليد المتآكلة حفظاً للروح إذا كان الغالب السلامة فإنه يجوز قطعها] انظر العمليات التجميلية ص ٣٤ فما بعدها. وأما النوع الثاني من عمليات التجميل فهي عمليات التجميل التحسينية التي يقصد بها تحسين المظهر وتحقيق الشكل الأفضل والصورة الأجمل دون وجود دوافع ضرورية أو حاجية تستلزم الجراحة. ومن هذا النوع عمليات تجميل الأنف إما بتصغيره أو تكبيره وتجميل الثديين للنساء بالتصغير أو التكبير وتجميل الوجه بشد التجاعيد، وتجميل الحواجب والتجميل بشد البطن أو التجميل بإزالة الدهون من الأرداف ونحو ذلك. [وهذا النوع من الجراحة لا يشتمل على دوافع ضرورية ولا حاجية بل غاية ما فيه تغيير خلقة الله تعالى والعبث بها حسب أهواء الناس وشهواتهم فهو غير مشروع ولا يجوز فعله وذلك لما يأتي: أولاً: لقوله تعالى - حكاية عن إبليس لعنه الله -: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) وجه الدلالة: أن هذه الآية الكريمة واردة في سياق الذم، وبيان المحرمات التي يسول الشيطان فعلها للعصاة من بني آدم ومنها تغيير خلقة الله. وجراحة التجميل التحسينية تشتمل على تغيير خلقة الله والعبث فيها حسب الأهواء والرغبات فهي داخلة في المذموم شرعاً وتعتبر من جنس المحرمات التي يسول الشيطان فعلها للعصاة من بني آدم. ثانياً: لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (سمعت رسول الله ﷺ يلعن المتنمصات والمتفلجات للحسن اللآتي يغيرن خلق الله) رواه مسلم. وجه الدلالة: إن الحديث دل على لعن من فعل هذه الأشياء وعلل ذلك بتغيير الخلقة وفي رواية: (والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) رواها أحمد فجمع بين تغيير الخلقة وطلب الحسن وهذا المعنيان موجودان في الجراحة التجميلية التحسينية لأنها تغيير للخلقة بقصد الزيادة في الحسن فتعتبر داخلة في هذا الوعيد الشديد ولا يجوز فعلها. ثالثاً: لا تجوز جراحة التجميل التحسينية كما لا يجوز الوشم والوشر والنمص بجامع تغيير الخلقة في كل طلباً للحسن والجمال. رابعاً: إن هذه الجراحة تتضمن في عدد من صورها الغش والتدليس وهو محرم شرعاً ففيها إعادة صورة الشباب للكهل والمسن في وجهه وجسده، وذلك مفض للوقوع في المحظور من غش الأزواج من قبل النساء اللاتي يفعلن ذلك وغش الزوجات من قبل الرجال الذين يفعلون ذلك] أحكام الجراحة الطبية ص ١٩٣-١٩٥. [خامساً: أن هذه الجراحة لا تخلو من الأضرار والمضاعفات التي تنشأ عنها ففي جراحة تجميل الثديين بتكبيرهما عن طريق حقن مادة السلكون أو الهرمونات الجنسية يؤدي ذلك إلى حدوث أخطار كثيرة إضافة إلى قلة نجاحها. ونظراً لخطورتها يقول بعض الأطباء المختصين: هناك اتجاه علمي بأن مضاعفات إجراء هذه العملية كثيرة لدرجة أن إجراءها لا ينصح به] المصدر السابق ص ١٩٦.\r\rإذا تقرر هذا البيان حول الجراحة التجميلية فنعود إلى عملية شفط الدهون فأقول إذا كانت عملية شفط الدهون ضرورية أو حاجية مثل حالات الترهل والسمنة المفرطة وتضخم الصدر والأرداف وتضخم الثديين فبعض النساء لديهن أثداء كبيرة مترهلة وتشكل عبئاً ثقيلاً على الجسم وتؤدي إلى أمراض وانزلاق غضروفي في الظهر وتثقل على العمود الفقري فإنه حينئذ تجوز هذه العمليات بالشروط التي ذكرتها سابقاً وخاصة أنه يمكن علاج حالات السمنة الزائدة بوسائل أسهل من الجراحة فمثلاً يمكن ممارسة التمارين الرياضية ويمكن اتباع نظام غذائي معين فيه تخفيف للسمنة ونحو ذلك من الوسائل. وأما عمليات شفط الدهون من أجل رشاقة المظهر وتقليداً للممثلات وعارضات الأزياء وغيرهن من الساقطات وهو ما يسمونه التجميل من أجل التجميل فهذه العمليات محرمة شرعاً لأن الهدف من هذه العمليات هو مراعاة مقاييس الجمال كما تصورها وسائل الإعلام المختلفة فهذه العمليات داخلة في تغيير خلق الله ﷾ وهو من عمل الشيطان واتباع لخطوات: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) ويدخل في قوله ﷺ: (والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346477,"book_id":3840,"shamela_page_id":857,"part":"15","page_num":125,"sequence_num":857,"body":"١٢٥ - مسائل طبية\rمرض الثلاسيميا,\r\rالسؤال من جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا الفلسطينية ونصه: إن مشكلة الثلاسيميا هي ما تعرفون في بلادنا وإن نسبة انتشار المرض والسمة الوراثية تصل إلى ٤% أي أن مئة وعشرين ألف مواطن يحملون سمة المرض الوراثية. فما هو الحكم الشرعي لإجراء الفحص الطبي لمثل هذه الأمراض سيما وأن السمة الوراثية لا تكتسب لاحقاً وإنما هي تبقى ملازمة للإنسان وجوداً أو نفياً طوال حياته.\r\rالجواب: أولاً لا بد من التعريف بمرض الثلاسيميا وأخطاره وطرق علاجه وأساليب الوقاية منه. (فالثلاسيميا مرض وراثي يؤثر على صنع الدم، فتكون مادة الهيموغلوبين في كريات الدم الحمراء غير قادرة على القيام بوظيفتها مما يسبب فقر الدم عند المريض. وهناك نوعان من الثلاسيميا: نوع يكون الشخص فيه حاملاً للمرض ولا تظهر عليه أعراضه، أو قد تظهر أعراض فقر دم بسيط ويكون هذا الشخص قادراً على نقل المرض لأبنائه. ونوع يكون فيه الشخص مصاباً بالمرض وتظهر عليه أعراض واضحة للمرض منذ الصغر. وينتشر مرض الثلاسيميا في جميع أنحاء العالم، ولكن بنسبة أكبر في بعض البلدان، مثل بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد أوضحت الدراسات أن حوالي ٣-٤% من السكان في فلسطين يحملون المرض أي ما يقارب ٨٠-١٠٠ ألف شخص أو أكثر من ذلك. وينتقل مرض الثلاسيميا بالوراثة من الآباء إلى الأبناء إذا كان أحد الوالدين حاملاً للمرض أو مصاباً به، فمن الممكن أن ينتقل المرض إلى بعض الأبناء بصورته البسيطة [أي أن يصبحوا حاملين للمرض] . أما إذا كان الوالدان يحملان المرض فإن هناك احتمالاً بنسبة ٢٥% أن يولد طفلهما مصاباً بالمرض بصورته الشديدة. وتظهر أعراض الإصابة بالثلاسيميا على المريض خلال السنة الأولى من العمر. ونتيجة لتكسر كريات الدم الحمراء مبكراً (السابق لأوانه) ، تظهر أعراض فقر دم شديد على النحو التالي: - شحوب البشرة، مع الاصفرار أحياناً. والتأخر في النمو. وضعف الشهية. وتكرر الإصابة بالالتهابات. ومع استمرار فقر الدم، تظهر أعراض أخرى مثل التغير في شكل العظام وخاصة عظام الوجه والوجنتين، وتصبح ملامح الوجه مميزة لهذا المرض. كما يحدث تضخم في الطحال والكبد، ويتأخر الطفل في النمو.\r\rأما في الحالات البسيطة (لدى حاملي المرض) فقد يحدث فقر دم بسيط لدرجة لا يكون المرض فيها بادياً للعيان ويعيش صاحبه بشكل طبيعي جداً ولا يحتاج إلى أي علاج وقد لا تكتشف هذه الحالات إلا صدفة. والمريض بالثلاسيميا بحاجة إلى نقل دم بشكل دوري لتعويضه عن كريات الدم التي تتكسر وللمحافظة على مستوى مقبول من الهيموغلوبين في دمه. وكثرة نقل الدم إلى المريض تسبب ترسب الحديد بشكل يحمل الضرر لأعضاء جسمه ولذلك فمن المهم أن يحصل المريض على أدوية تساعد على طرد الحديد الزائد من الجسم. ويتم علاج المضاعفات التي قد تظهر لدى المريض حسب كل حالة. وهنالك أبحاث تجري لاكتشاف علاجات أفضل للثلاسيميا وتجرى أحياناً عمليات لزرع نخاع عظمي، ولكن هذه العمليات مكلفة جداً ونتائجها ليست مضمونة. ويعتبر الفحص الطبي قبل الزواج أهم وسيلة للوقاية من الثلاسيميا ويوصى بإجراء هذا الفحص في مجتمعنا للأشخاص المقبلين على الزواج وذلك لتجنب الزواج بين شخصين حاملين للمرض، وهذه الحالة الوحيدة التي يمكن أن تؤدي إلى ولادة طفل مصاب بالمرض بصورته الشديدة كما تتوفر القدرة على فحص الجنين في الأشهر الأولى من الحمل عند الشك بإمكانية إصابته. والطريقة الوحيدة للوقاية من الثلاسيميا هي تجنب ولادة أطفال مصابين به من خلال ما يلي: - الاستشارة الطبية والفحص الطبي قبل الزواج: إجراء المقبلين على الزواج لفحص طبي للتأكد من أنهما لا يحملان الثلاسيميا في آن واحد وخاصة أن نسبة الحاملين للمرض في بلادنا كبيرة - فحص الجنين في حالة الشك بإصابته بالثلاسيميا للتأكد من الإصابة واتخاذ الإجراءات الطبية اللازمة. - التقليل من ظاهرة الزاوج بين الأقارب فمرض الثلاسيميا كسائر الأمراض الوراثية يزداد انتشاراً في حالة الزاوج بين الأقارب إذ يزيد ذلك احتمال نقل الصفات الوراثية غير الحميدة إلى الأبناء. ولكن هذا لا ينفي ضرورة أن يقوم المقبلون على الزواج الذين لا تربطهم صلة قرابة بإجراء الفحص الطبي قبل الزواج) نشرة حول الثلاسيميا إصدار جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا. هذه المعلومات الموثقة تبين لنا خطورة مرض الثلاسيميا وأثره السيء على مستقبل الأجيال وبناء على ذلك فلا بد من اتخاذ السبل للوقاية من هذا المرض. ومن المعلوم أن من مقاصد الشريعة الإسلامية المحافظة على النسل.\r\rحيث إن النسل هو أحد الكليات الخمس أو الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية بصيانتها والمحافظة عليها وشرع الإسلام أحكاماً كثيرة للمحافظة على النسل ليس هذا محل بحثها. ولكن المقصود هو وجوب المحافظة على النسل ويظهر هذا في نوعين من الأحكام الأول وقائي قبل وقوع المرض والثاني علاجي بعد وقوعه ويكون بالتداوي وأود أن أبين هنا ما يتعلق بالوقائي فمن المعلوم أن الوقاية خير من العلاج ولذا شرع الإسلام حسن اختيار الزوجة فقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قال: (تخيروا لنطفكم فأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم) رواه ابن ماجة والحاكم وصححه الشيخ الألباني بمجموع طرق كما في السلسة الصحيحة ٣/٥٦-٦٧ وحسنه في صحيح سنن ابن ماجة ١/٣٣٣. ومن الوقاية أيضاً الابتعاد عن زواج الأقارب تفادياً لضعف النسل وخاصة إذا تكرر زواج الأقارب فإن النسل يكون أكثر ضعفاً.\r\rوقد ورد في الأثر عن عمر ﵁ أنه قال لآل السائب: قد أضوأتم فانكحوا في النوابغ قال الحربي يعني تزوجوا الغرائب. ذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/١٤٦. وقد رويت بعض الأحاديث في تغريب النكاح ولكنها ليست ثابتة عن النبي ﷺ كما ذكر الحافظ ابن حجر في المصدر السابق. وذكر طرفاً منها الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٥/٣٤٨-٣٤٩. ومع ذلك فإن تغريب النكاح أمر معروف لدى الناس قديماً وحديثاً. وما دام أن العلم الحديث قد أثبت أن الزواج بين الأقارب من أسباب انتشار مرض الثلاسيميا فينبغي أخذ ذلك بالاعتبار والتقليل ما أمكن من زواج الأقارب. وإن حصل زواج بين الأقارب فينبغي أن لا يتكرر في العائلة الواحدة حيث إن توالي الزواج بين الأقارب في الآباء والأبناء يؤول إلى تأخر الذرية وانحطاطها بدناً وعقلاً ذلك الانحطاط الذي نرى آثاره ظاهرة في الأسر الكبيرة التي تلتزم ذلك فيما بين أفرادها. أما أسباب هذا الانحطاط فهي على الغالب اتحاد الأوصاف والأخلاق الموروثة المتشابهة من سيئة أو حسنة في العقب فتتجلى بوضوح أكثر مما كانت عليه في كل من الأبوين منفرداً. لهذا نرى في ثمرة هذا التزواج القريب الخوارق والتطرف في الحسن أو القبح والجودة أو الرداءة إلى غير ذلك وبما أن الأول من النوادر والثاني هو الغالب كان الأولى في التزاوج أن يكون بين الأباعد ليقل اتحاد الصفات المتشابهة. الطب النبوي والعلم الحديث ٢/٩٧-٩٨. ومن طرق وأساليب الوقاية المعروفة حديثاً الفحص الطبي قبل الزواج وهو أمر مشروع أخذاً من عموم الأدلة الآمرة بالتداوي ويدل على مشروعية الفحص الطبي قبل الزواج قوله ﷺ: (لا توردوا الممرض على المصح) رواه مسلم. ويؤيده أيضاً ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً خطب امرأة فقال له النبي ﷺ انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً) رواه مسلم.\r\rوالفحص الطبي قبل الزواج يشمل الفحوصات التي تعنى بمعرفة الأمراض الوراثية والمعدية والجنسية وغيرها. والفحص الطبي قبل الزواج له منافع كثيرة منها [١. تعتبر الفحوصات الطبية قبل الزواج من الوسائل الوقائية الفعالة جداً في الحدّ من الأمراض الوراثية والمعدية والخطرة. ٢. وهي تشكل حماية للمجتمع من انتشار الأمراض والحد منها والتقليل من أي كوارث تحدث هزات مالية وإنسانية للأفراد والأسر والمجتمعات، خاصة لدى ارتفاع نسب المعاقين في الجتمع وتأثيره المالي والإنساني من كون متطلباتهم أكثر من حاجات الأفراد الآخرين. ٣. تحاول هذه الفحوصات أن تضمن إنجاب أطفال أصحاء سليمين عقلياً وجسدياً من تزاوج الخاطبين المعنيين وعدم انتقال الأمراض الوراثية التي يحملها أو يظهرها أحد الخاطبين أو كلاهما. ٤. تحديد قابلية الزوجين المؤهلين للإنجاب من عدمه بصورة عامة وإلى حد ما لأن أسباب العقم ليست معروفة كلها ويحقق رغبة الخطيبين لمعرفة الأسباب المحتملة للعقم وبهذا يقدمان على الزواج وهما مطمئنين بأنهما سيكون لهما أولاد بإذن الله لأن وجود العقم في أحد الزوجين قد يكون من أهم أسباب الاختلاف والنزاع بين الزوجين وقد يصل ذلك إلى الطلاق. ٥. ويهدف الفحص الطبي إلى التحقق من قدرة كل من الزوجين المؤهلين على ممارسة علاقة جنسية سليمة مع الطرف الآخر بما يشبع رغبات كل منهما بصورة طبيعية والتأكد من عدم وجدود عيوب عضوية أو فيزيولوجية مرضية تقف أمام هذا الهدف المشروع لكل من الزوجين. ٦. كذلك يهدف الفحص الطبي للتحقق من وجود أمراض مزمنة مؤثرة على مواصلة الحياة بعد الزواج مثل السرطانات وغيرها مما له دور في إرباك استقرار الحياة الزوجية المؤملة. ٧. ضمان عدم تضرر صحة كل من الخاطبين نتيجة معاشرة الآخر جنسياً وحياتياً والتأكد من سلامتهما من الأمراض الجنسية والمعدية وغيرها من الوبائيات ويشتمل كذلك على عدم تضرر صحة المرأة أثناء الحمل وبعد الولادة نتيجة اقترانها بالزوج المأمول] مستجدات فقهية في قضايا الزواج ص ٨٤-٨٥. وبناءً على ذلك فإن الفحص الطبي أخذ بالأسباب المشروعة وعليه فينبغي تشجيع الناس على إجراء الفحص الطبي قبل الزواج لأنه يحقق الأهداف المشروعة من الزواج فننصح المقبلين على الزواج إجراء فحوصات للدم لتحديد ما إذا كان الشخص حاملاً للثلاسيميا أو خالياً منها ويعتبر هذا الفحص من طرق الوقاية المطلوبة شرعاً.\r\rوكذلك فإن الفحص الطبي قبل الزواج يحقق مصالح مشروعة للفرد وللأسرة والمجتمع ويدرأ مفاسد اجتماعية ومالية على المستوى الإجتماعي والاقتصادي. انظر المصدر السابق ص ٩٦-٩٧.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346478,"book_id":3840,"shamela_page_id":858,"part":"15","page_num":126,"sequence_num":858,"body":"١٢٦ - اللباس والزينة\rلا يجوز تزيين الملابس بالآيات القرآنية ,\r\rيقول السائل: إنه قرأ فتوى في إحدى الصحف تتعلق بالملابس التي كتبت عليها آيات من القرآن الكريم وقد جاء فيها: [يجوز لبس الثوب المطرز بآيات من القرآن حتى للمحدث حدثاً أكبر أو أصغر ... ] فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: القرآن الكريم كتاب هداية ودستور ومنهاج للأمة وقد أنزل القرآن ليسير الناس وفق هداه ويطبقوه في حياتهم. وتعظيم كتاب الله أمر واجب في حق كل مسلم ومن وقر القرآن فقد وقر الله ﷾ ومن استخف بالقرآن فقد استخف بالله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) وقد ورد عن عمر ﵁ أنه قال: (عظموا القرآن) تفسير القرطبي ١/٢٩. وقد ذكر العلماء جملة من الآداب التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها عند التعامل مع القرآن الكريم. انظر التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي. إذا تقرر هذا فنعود إلى السؤال فنقول: إنه لا يجوز أن يكتب شيء من القرآن على الملابس أو تطرز الملابس بالآيات القرآنية لما في ذلك من امتهان لكلام الله ﷾ واحتقار له حيث إن الإنسان إذا لبس ثوباً عليه آيات من القرآن فقد يجلس عليها أو يقضي حاجته وهو يلبس تلك الثياب فيدخل محل النجاسات، وكتاب الله ينزه عن ذلك الامتهان.\r\rوكم يكون امتهان كتاب الله كبيراً وفظيعاً إذا كتبت بعض الآيات على الملابس الداخلية للرجال والنساء أو على ملابس البحر كما فعلت بعض المصانع الأجنبية؟ كما أن القول بجواز ذلك للمحدث حدثاً أكبر أو أصغر كما جاء في الفتوى فيه استخفاف بكلام الله وتحقير له فإذن يجوز بناء على هذه الفتوى أن يجامع الرجل زوجته وهما أو أحدهما يلبس ملابس طرزت بآيات القرآن الكريم؟ هل يصح هذا شرعاً؟!! فالقول بجواز ذلك فيه فتح باب شر كبير يؤدي إلى استهانة الناس بكتاب الله ﷾ أو ببعضه وبعض المصحف له حكم المصحف كما قرر ذلك أهل العلم، انظر كشاف القناع ١/٥٩. والقول بجواز ذلك غير صحيح لما فيه من تعريض آيات القرآن للامتهان والاحتقار، فالملابس قد تتسخ أو تصيبها نجاسة كما أن الإنسان قد يخلع الثوب الذي كتب عليه بعض القرآن ويضعه مع غيره من الملابس القذرة أو في محل قذر وكذلك قد ينام فيها، فهذا كله فيه إهانة لكلام الله ﷾، فالقول بجواز ذلك لا وجه له وترده الأصول والقواعد العامة القاضية بوجوب احترام كلام الله ﷿ وقد ذكر الحافظ ابن رجب أن الإمام أحمد سئل عن الستر يكتب عليه القرآن فكره ذلك وقال: [لا يكتب القرآن على شيء منصوب لا ستر ولا غيره] أحكام الخواتم ص ١٠٣. وقد منع كثير من أهل العلم نقش جدران المساجد بآيات من القرآن الكريم والجدران مرفوعة ومصانة فكيف بالملابس التي تلبس وتتعرض للنجاسات وللدخول بها إلى محل قضاء الحاجة ولغير ذلك من الامتهان؟ فالقرآن الكريم له حرمته في قلب كل مسلم وما زال المسلمون إلى وقتنا الحاضر يرفضون كتابة آيات من القرآن الكريم أو لفظ الجلالة أو لفظ محمد ﷺ أو أي شيء مقدس على الملابس والمصنوعات أو إطلاق مثل ذلك على المحلات. وكم مرة قرأنا أو سمعنا تقديم احتجاجات من المسلمين وجمعياتهم في بلاد الغرب ضد شركات أو مصانع وضعت آيات من القرآن الكريم على منتوجاتها ثم يأتي بعض المفتين في ديارنا فيجيزون ذلك اعتماداً على أقوال بعض متأخري الفقهاء دون حجة أو دليل صحيح. وقد تكون فتواهم مناسبة لزمانهم وأما في زماننا فقد تغيرت الظروف والأحوال فيتغير مناط الحكم. إن الأصول العامة للشريعة الإسلامية ترد هذه الفتوى ولو من باب سد الذرائع لما قد تؤدي إليه من امتهان واحتقار لكلام رب العالمين ولما في ذلك من مصادمة مقاصد الشارع الحكيم في تعظيم القرآن الكريم.\r\rوقد منع أهل العلم المعاصرون مثل هذه الأمور وصدرت فتاوى كثيرة بهذا الخصوص منها فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية حيث ورد سؤال عرض على اللجنة متعلق بكتابة آية الكرسي والبسملة على ساعة حائط فأجابت اللجنة بما يلي: [أنزل الله القرآن ليتعبد الناس بتلاوته وتدبر معانيه فيعرفوا أحكامه ويأخذوا أنفسهم بالعمل بها وهكذا يكون موعظة له وذكرى تقشعر منه جلودهم وتلين به قلوبهم ويكون شفاء لما في الصدور من الجهل والضلال وطهارة للنفوس من أدران الشكوك وما ارتكبته من المعاصي والذنوب وجعله سبحانه هدى ورحمة لمن فتح له قلبه وألقى إليه السمع وهو شهيد قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) وقال: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ) الآية وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) وجعل الله سبحانه القرآن معجزة لرسوله محمد ﷺ وآية باهرة على أنه رسول الله من عند الله إلى الناس كافة رحمة بهم وإقامة للحجة عليهم قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِءَايَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وقال: (تِلْكَءَايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) وقال: (تِلْكَءَايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) إلى غير ذلك من الآيات، وإذاً فالقرآن كتاب هداية وتشريع ومواعظ وعبر وبيان للأحكام وآية بالغة ومعجزة باهرة وحجة دامغة أيد الله بها رسوله ﷺ ولم ينزله سبحانه ليكتب كلمة أو آية منه على ساعات الدليل زينة لها أو ترويجاً لها وإغراء بشرائها أو ليتخذها حاملها حرزاً له إلى جانب استخدامها في معرفة الجهات فكتابة آية من القرآن أو اكثر على ساعات الدليل أو نحوها فيه انحراف بالقرآن عما أنزل من أجله واستعماله فيما فيه إزراء به وإهانة له بتعريضه إلى ما لا يليق به من الأوساخ والأقذار ودخول بيت الخلاء به ونحو ذلك ومع هذا فهو عمل مخالف لهدي رسول الله ﷺ وهدي أصحابه ﵃ ولما كان عليه السلف الصالح فعلى من آمن بالقرآن وسنة النبي ﵊ وأراد الخير لنفسه أن يبتغي البركة وصلاح شؤونه في دينه ودنياه من الله سبحانه بتلاوة كتابه الكريم والعمل به في عباداته ومعاملاته ليفيض سبحانه عليه ويعظم له الأجر ويحفظه في كل أحواله وييسر له سائر شؤونه. وكذلك الحكم في كتابة الكلمات: (الله أكبر ولا إله إلا الله محمد رسول الله) التي جعلت داخل إطار ساعة الدليل فإنها جعلت في الشرع لإعظام الله وإكباره والثناء عليه بها ومفتاحاً للدخول في الإسلام وعلامة على الإيمان ويعصم بها دم من قالها وماله ولم تجعل لتكون رسوماً على أجهزة أو ساعات أو آلات للاستهانة بها فمن المعلوم أن ساعات الدليل وغيرها تؤدي الغرض الذي صنعت من أجله من غير أن يتوقف ذلك على كتابة الآية أو هذه الأذكار عليها أو فيها] فتاوى اللجنة الدائمة ٤/٣٤-٣٥.\r\rوسئل العلامة الشيخ عبد الله بن حميد رحمة الله عليه: [ما حكم وضع آية الكرسي على قلب من ذهب للنساء والأطفال وكذلك كلمة الله ومحمد ﷺ وحكم الدخول به في دورات المياه أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ فأجاب: هذا خطأ، القرآن لم ينزل للهو بأن يجعل على ذهب أو أواني أو ما أشبه ذلك إنما القرآن أنزله الله شفاء لأمراض القلوب وهداية للناس ونوراً ورحمة وموعظة للمؤمنين ولم ينزل القرآن من اجل أن يعلقوه على حليهم!! أو يعلقوه على ملابسهم!! ثم دخولهم به دورات المياه لقضاء حاجتهم فهذا لا يجوز ولا ينبغي. القرآن يجل ويعظم وينزه أن يسلك به هذا المسلك السيء القرآن أنزله الله هدى، قال الله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) الإسراء الآية ٨٢. فتعليق القرآن على هذه الكيفية لا يجوز، بل لا بد من محي القرآن وإزالته عن هذه المعلقات من ذهب أو غيره لأن فيها امتهان للقرآن وكذلك فإن دخولهم لدورات المياه وللحمامات ولأمكنة قضاء الحاجة وهم حاملون للقرآن فلا يجوز بكل حال بل لا بد من إزالة القرآن تعظيماً له وتوقيراً عن مثل هذا الصنيع كما قرره أهل العلم] فتاوى المرة المسلمة ١/٤٥٨.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346479,"book_id":3840,"shamela_page_id":859,"part":"15","page_num":127,"sequence_num":859,"body":"١٢٧ - المحارم\rيقول السائل: عندنا شخص لا يصافح أمه ولا أخته ولا يزور أخته المتزوجة إلا وزوجها حاضر لأنه يعتبر وجوده مع أخته في بيت واحد خلوة فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: مصافحة الرجل لأمه ولأخته ولمحارمه على التأبيد جائزة شرعاً ولا بأس بها بشرط أمن الشهوة فإذا خشي حصول الشهوة عند مصافحة إحدى محارمه فيحرم عليه مصافحتها. وقد ورد عن النبي ﷺ أنه كان يصافح ابنته فاطمة ﵂ ويقبلها فقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت أحداً من الناس كان أشبه بالنبي ﷺ كلاماً ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة. قالت: وكان النبي ﷺ إذا رآها قد أقبلت رحب بها ثم قام إليها فقبلها ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه وكانت إذا أتاها النبي ﷺ رحبت به ثم قامت إليه فأخذت بيده فقبلته] رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه الشيخ الألباني في صحيح الأدب المفرد ١/٣٥٥. وعن ابن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر قبل ابنته فاطمة) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات وفي بعضهم ضعف لا يضر كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٤٢. وروى البيهقي بإسناده: (أن أبا بكر دخل على عائشة وقد أصابتها الحمى فقال لها: كيف أنت يا بنية؟ وقبل خدها) سنن البيهقي ٧/١٠١. وأما الخلوة مع الأخت فالأصل أن الانفراد مع الأخت أو البنت وغيرهما من المحرمات على التأبيد لا يعتبر خلوة محرمة إلا إذا خشي المرء على نفسه الفتنة والشهوة فقد ورد في الحديث عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: (ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحاُ أو محرماً) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [معناه لا يبيتن رجل عند امرأة إلا زوجها أو محرم لها. قال العلماء: إنما خص الثيب لكونها التي يدخل إليها غالباً وأما البكر فمصونة متصونة في العادة مجانبة للرجال أشد مجانبة فلم يحتج إلى ذكرها ولأنه من باب التنبيه لأنه إذا نهي عن الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة فالبكر أولى. وفي هذا الحديث والأحاديث بعده تحريم الخلوة بالأجنبية وإباحة الخلوة بمحارمه وهذان الأمران مجمع عليهما وقد قدمنا أن المحرم هو كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد لسبب مباح لحرمتها. فقولنا: على التأبيد احتراز من أخت امرأته وعمتها وخالها ونحوهن ومن بنتها قبل الدخول بالأم] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٣٢٨.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346480,"book_id":3840,"shamela_page_id":860,"part":"15","page_num":128,"sequence_num":860,"body":"١٢٨ - كشف أسرار البيوت\rيقول السائل: إن زوجته تجلس مع صديقاتها كثيراً ويتحدثن في أمور حياتهن الزوجية وعن علاقتهن بأزواجهن وإن مثل هذه الأحاديث تؤدي إلى كشف بعض الأسرار عن حياته مع زوجته وهو يبغض هذا التصرف من زوجته، فما حكم الشرع في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا شك أن في الحياة الزوجية أسراراً كثيرة يجب على الزوجين أن يحافظا على كتمانها ولا يجوز إفشائها وهذا الكتمان يتناول المعاشرة بين الزوجين وأموراً أخرى خاصة بهما ويجب أن يعلم أن حفظ أسرار الحياة الزوجية واجب على الزوج والزوجة معاً وليس الأمر مخصوصاً بأحدهما وقد أثنى الله على النساء الصالحات بقوله تعالى: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) سورة النساء الآية ٣٤. قال الشهيد سيد قطب يرحمه الله: [فمن طبيعة المؤمنة الصالحة ومن صفتها الملازمة لها بحكم إيمانها وصلاحها، أن تكون قانتة مطيعة، والقنوت: الطاعة عن إرادة وتوجه ورغبة ومحبة، لا عن قسر وإرغام وتفلت ومعاظلة! ومن ثم قال: قانتات، ولم يقل طائعات، لأن مدلول اللفظ الأول نفسي وظلاله رخية ندية وهذا هو الذي يليق بالسكن والمودة والستر والصيانة بين شطري النفس الواحدة، في المحضن الذي يرعى الناشئة ويطبعهم بجوه وأنفاسه وظلاله وإيقاعاته! ومن طبيعة المؤمنة الصالحة ومن صفاتها الملازمة لها بحكم إيمانها وصلاحها كذلك أن تكون حافظة لحرمة الرباط المقدس بينها وبين زوجها في غيبته - وبالأولى في حضوره - فلا تبيح من نفسها في نظرة أو نبرة، - بله العرض والحرمة - ما لا يباح إلا له هو بحكم أنه الشطر الآخر للنفس الواحدة. وما لا يباح، لا تقرره هي ولا يقرره هو، إنما يقرره الله سبحانه (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) . فليس الأمر أمر رضاء الزوج عن ان تبيح زوجته من نفسها في غيبته أو حضوره، ما لا يغضب هو له، أو يمليه عليه وعليها المجتمع! إذا انحرف المجتمع عن منهج الله. إن هنالك حكماً واحداً في حدود هذا الحفظ فعليها أن تحفظ نفسها (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) ، والتعبير القرآني لا يقول هذا بصيغة الأمر، بل بما هو أعمق وأشد توكيداً من الأمر، إنه يقول: إن هذا الحفظ بما حفظ الله هو من طبيعة الصالحات ومن مقتضى صلاحهن! وعندئذ تتهاوى أعذار المهزومين والمهزومات من المسلمين والمسلمات، أمام ضغط المجتمع المنحرف، وتبرز حدود ما تحفظه الصالحات بالغيب: (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) مع القنوت الطائع الراضي الودود] في ظلال القرآن ٢/٣٥٧-٣٥٨.\r\rوقال الشيخ محمد رشيد رضا يرحمه الله في تفسير الآية السابقة: [هذا تفصيل لحال النساء في هذه الحياة المنزلية التي تكون المرأة فيها تحت رياسة الرجل ذكر أنهن فيها قسمان صالحات وغير صالحات وأن من صفة الصالحات القنوت وهو السكون والطاعة لله تعالى وكذا لأزواجهن بالمعروف وحفظ الغيب. قال الثوري وقتادة: حافظات للغيب يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال وروى ابن جرير والبيهقي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (خير النساء التي إذا نظرت إليك سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها) وقرأ ﷺ الآية. وقال الأستاذ الإمام: الغيب هنا هو ما يستحى من إظهاره أي حافظات لكل ما هو خاص بأمور الزوجية لكل ما هو خاص بأمور الزوجية الخاصة بالزوجين فلا يطلع أحد منهن على شيء مما هو خاص بالزوج. أقول ويدخل في قوله هذا وجوب كتمان كل ما يكون بينهن وبين أزواجهن في الخلوة ولا سيما حديث الرفث فما بالك بحفظ العرض، وعندي أن هذه العبارة هي أبلغ ما في القرآن من دقائق كنايات النزاهة تقرأها خرائد العذارى جهراً ويفهمن ما تومىء إليه مما يكون سراً وهن على بعد من خطرات الخجل أن تمس وجدانهن الرقيق بأطراف أناملها فلقلوبهن الأمان من تلك الخلجات التي تدفع الدم إلى الوجنات ناهيك بوصل حفظ الغيب (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) فالانتقال السريع من ذكر ذلك الغيب الخفي إلى ذكر الله الجلي يصرف النفس عن التمادي في التفكر فيما يكون من وراء الأستار من تلك الخفايا والأسرار وتشغلها بمراقبته ﷿ وفسروا قوله تعالى (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) بما حفظه لهن في مهورهن وإيجاب النفقة لهن يريدون أنهن يحفظن حق الرجال في غيبتهم جزاء على المهر ووجوب النفقة المحفوظين لهن في حكم الله تعالى وما أراك إلا ذاهباً معي إلى وهن هذا القول وهزاله وتكريم أولئك الصالحات بشهادة الله تعالى أن يكون حفظهن لذلك الغيب من يد تلمس أوعين تبصر أو أذن تسترق السمع معللاً بدراهم قبضن ولقيمات يرتقبن ولعلك بعد أن تمج هذا القول يقبل ذوقك ما قبله ذوقي وهو أن الباء في قوله (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) هي صنو باء لا حول ولا قوة إلا بالله، وان المعنى حافظات للغيب بحفظ الله أي بالحفظ الذي يؤتيهن الله إياه بصلاحهن فإن الصالحة يكون لها من مراقبة الله تعالى وتقواه ما يجعلها محفوظة من الخيانة قوية على حفظ الأمانة أو حافظات له بسبب أمر الله بحفظه فهن يطعنه ويعصين الهوى فعسى أن يصل معنى هذه الآية إلى نساء عصرنا اللواتي يتفكهن بإفشاء أسرار الزوجية ولا يحفظن الغيب فيها!] تفسير المنار ٥/٧٠-٧١. وقد حذر النبي ﷺ من كشف أسرار العلاقة الزوجية بين الزوجين فقد جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) رواه مسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم: (إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) . قال الإمام النووي يرحمه الله شارحاً الحديث: [باب تحريم إفشاء سر المرأة ... وفي هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه] شرح النووي على صحيح مسلم ١٠/٨-٩. وجاء في حديث طويل أن النبي ﷺ قال مخاطباً أصحابه: (هل منكم الرجل إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه وألقى عليه ستره واستتر بستر الله؟ قالوا: نعم. قال: ثم يجلس بعد ذلك فيقول فعلت كذا فعلت كذا. قال: فسكتوا. قال: فأقبل على النساء فقال: هل منكن من تحدث؟ فسكتن. فجثت فتاة على إحدى ركبتيها وتطاولت لرسول الله ﷺ ليراها ويسمع كلامها، فقالت: يا رسول الله إنهم ليتحدثون، وإنهن ليتحدثن. فقال: هل تدرون ما مثل ذلك؟ فقال: إنما مثل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطاناً في السكة فقضى منها حاجته والناس ينظرون إليه) رواه أبو داود وأحمد، وفي سنده بعض كلام وله شواهد تقويه، كما قال ابن حجر المكي الهيتمي في الزواجر ٢/٥٩. وقال صاحب عون المعبود: [والحديث يدل على تحريم إفشاء أحد الزوجين لما يقع بينهما من أمور الجماع وذلك لأن كون الفاعل لذلك بمنزلة شيطان لقي شيطانة فقضى حاجته منها والناس ينظرون، من أعظم الأدلة الدالة على تحريم نشر أحد الزوجين للأسرار الواقعة بينهما الراجعة إلى الوطء ومقدماته] عون المعبود شرح سنن أبي داو ٦/١٥٨. وقد اعتبر الشيخ ابن حجر المكي الهيتمي أن نشر أسرار العلاقة الزوجية من كبائر الذنوب واستدل على ذلك بالأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/٦٠. وكما قلت فإن المحافظة على الأسرار بين الزوجين ليست مقصورة على العلاقة الزوجية بينهما بل تتعداها إلى أمور كثيرة في الحياة الزوجية وقد لام النبي ﷺ بعض زوجاته عندما أفشت بعض الأسرار التي أطلعها عليها، قال الله تعالى: (وإذ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) سورة التحريم ٣-٤.\r\rوكذلك فإن البيوت فيها أسرار كثيرة لا ينبغي نشرها وإشاعتها وإن نشر تلك الأسرار قد يؤدي إلى وقوع الخلاف والنزاع بين الزوجين فمحافظة على استقرار الحياة الزوجية يجب كتمان أسرار الزوجين وعدم نشرها. ومما ينبغي التنبيه عليه أن كتمان الأسرار يدخل في مجالات كثيرة منها مجال العمل فالموظف الذي يعمل في شركة أو مصنع أو أية مؤسسة عليه أن يحافظ على أسرار العمل الذي يشتغل فيه ولا يجوز له أن يفشي أسرار محل عمله لما يترتب على ذلك من إلحاق الضرر والأذى وإن إفشاء مثل هذه الأسرار يعتبر خيانة للأمانة والله ﷾ يقول: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة الأنفال الآية ٢٧. فإفشاء السر خيانة للأمانة وخيانة الأمانة من المحرمات وقد جاء في الحديث عن أنس ﵁ أنه قال (أتى عليَّ النبي ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان فسلّم علينا فبعثني في الحاجة فأبطأت على أمي فلما جئت قالت: ما حبسك؟ فقلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة. قال: ما حاجته؟ قلت: إنها سر. قالت: لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ رواه مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346481,"book_id":3840,"shamela_page_id":861,"part":"15","page_num":129,"sequence_num":861,"body":"١٢٩ - الديوث\rيقول السائل: ما المقصود بالديوث الذي ورد ذكره في الحديث النبوي؟\r\rالجواب: ورد ذكر الديوث في عدة أحاديث منها: ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاثة قد حرّم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر الخبث في أهله) . وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ: (ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق والديه والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث) رواه أحمد وذكر الشيخ الألباني أن حديث ابن عمر رواه النسائي والحاكم والبيهقي في سننه من طريقين صحيحين وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وأقرهما الألباني على ذلك. جلباب المرأة المسلمة ص ١٤٥. وعن عمار ﵁ أن ﵊ قال: (ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً الديوث والرجلة من النساء ومدمن الخمر. قالوا: يا رسول الله أما مدمن الخمر فقد عرفناه فما الديوث؟ قال: الذي لا يبالي من دخل على أهله. قلنا: فما الرجلة من النساء؟ قال: التي تشبه بالرجال) رواه الطبراني والبيهقي في الشعب وهو حديث حسن، وقال المنذري: [رواه الطبراني ورواته لا أعلم فيهم مجروحاً وشواهده كثيره] الترغيب ٣/٢١٤. والديوث هو الذي يقر الخبث في أهله كما ورد مفسراً في حديث ابن عمر، وقال ابن منظور: [الديوث هو الذي لا يغار على أهله] لسان العرب ٤/٤٥٦، وفسره به ابن الأثير في النهاية ٢/١٤٧ وقال العلامة علي القاري: (والديوث الذي يقر أي يثبت بسكوته على أهله أي من امرأته أو جاريته أو قرابته الخبث أي الزنا أو مقدماته وفي معناه سائر المعاصي كشرب الخمر وترك غسل الجنابه ونحوهما، قال الطيبي أي: الذي يرى فيهن ما يسوءه ولا يغار عليهن ولا يمنعهن فيقر في أهله الخبث) مرقاة المفاتيح ٧/ ٢٤١. وخلاصة الأمر أن الديوث هو الذي لا يغار على زوجته ومحارمه والدياثة من كبائر الذنوب وقد عدها ابن حجر المكي منها وذكر الأحاديث السابقة وغيرها ثم قال: [قال الجلال البلقيني: فهذه كبيرة بلا منازع ومفسدتها عظيمة] الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/١٠٩-١١١. والديوث فاسق عند العلماء ومردود الشهادة عند الشافعية والحنابلة لأنه يرى المنكرات في أهله ومحارمه ويسكت.\r\rقال العلامة ابن القيم: [وذكر الديوث في هذا الحديث وما قبله يدل على أن أصل الدين الغيرة، من لا غيرة له لا دين له فالغيرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح فترفع السوء والفواحش وعدمها يميت اللب فتموت الجوارح فلا يبقى عندها دفع البتة والغيرة في القلب كالقوة التي تدفع المرض وتقاومه فإذا ذهبت القوة كأنه الهلاك] فيض القدير ٣/٤٣٠-٤٣١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346482,"book_id":3840,"shamela_page_id":862,"part":"15","page_num":130,"sequence_num":862,"body":"١٣٠ - تدريب رجل للفتيات\rما حكم أن يدّرب الرجل امرأة على قيادة السيارة؟\r\rالجواب: يجوز للرجل أن يدرب المرأة على قيادة السيارة بشرط أن لا يخلو بها كأن يكونا منفردين أثناء التدريب بل لا بد من وجود شخص ثالث كزوج المرأة أو أخيها أو أختها أو ابنها أو غيرهم، لأن انفراد المدرب مع المرأة قد يوقعهما في الفساد وخاصة أن بعض مدربي قيادة السيارات يأخذون المتدربين إلى مناطق خالية فسداً لطرق الفساد لا بد من وجود شخص ثالث مأمون على المرأة. والأولى أن تتعلم المرأة القيادة على يد امرأة مثلها ويوجد الآن مدربات لهذا الأمر فإن تعذر ذلك فيجوز كما قلت أن تتعلم مع رجل وخاصة أن حاجة النساء لقيادة السيارات تكاد تكون كحاجة الرجال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346483,"book_id":3840,"shamela_page_id":863,"part":"15","page_num":131,"sequence_num":863,"body":"١٣١ - الاختلاط\rتقول السائلة: إن إحدى الجمعيات تقيم حفلاً لتكريم مجموعة من النساء اللواتي أكملن حفظ أجزاء من القرآن الكريم ويحضر الاحتفال الرجال والنساء فتقوم إحدى الأخوات بتلاوة القرآن بصوت جميل أمام الجمهور ثم تقوم أخت أخرى بإلقاء خطبة وثالثة تقوم بإلقاء قصيدة ومجموعة من النساء ينشدن أنشودة على المسرح وكل ذلك أمام النساء والرجال مع العلم أنه يمكن أن يكون الاحتفال خاصاً بالنساء فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن التهاون في الأحكام الشرعية صار سمة واضحة عند بعض العاملين للإسلام وخاصة في مجال الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة وما ذكر في السؤال هو مثال واضح يتكرر دائماً تحت راية العصرنة والتقدم وعدم الجمود. إن الإسلام قرر أن النساء شقائق الرجال وأن للمرأة أن تتعلم وتتقدم في العلوم كلها وشهد تاريخ الإسلام الحافظات للقرآن الكريم والمحدثات والفقيهات والأديبات والشاعرات ... الخ، ولكن ضمن ضوابط وقواعد الشريعة. والذي أراه أن الأصل هو أن تختص النساء بنشاطاتهن بشكل عام وكذلك الحال بالنسبة للرجال. وما دام يمكن تكريم الحافظات للقرآن الكريم ضمن احتفال نسائي خاص بهن فلماذا مشاركة الرجال؟ صحيح أن صوت المرأة الطبيعي ليس عورة كما هو قول جمهور أهل العلم، ولكن عندما تنشد المرأة نشيداً فلا بد من أن تتصنع في صوتها! وكذلك الحال عندما تنشد مجموعة من النساء وكل ذلك على المسرح وأمام الرجال!! وأين ذلك من قوله تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) سورة الأحزاب الآية ٣٢. قال الشيخ ابن كثير في تفسير الآية: [ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم] تفسير ابن كثير ٣/٤٨٢. إن ترخيم صوت المرأة وتحسينه قد يثير الفتنة بها وهذا مما يحرم من باب سد الذرائع، وكذلك فإن الرجال سينظرون إلى النساء أو إلى المرأة عندما تنشد أو ينشدن؟! وخلاصة الأمر أن هذه الأمور لا تجوز شرعاً فلا يجوز القيام بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346484,"book_id":3840,"shamela_page_id":864,"part":"15","page_num":132,"sequence_num":864,"body":"١٣٢ - الاختلاط\rيقول السائل: ما حكم الشرع في لعب طالب وطالبة كرة الطاولة أمام الطلبة؟\r\rالجواب: إن الناظر إلى حال طلبتنا وطالباتنا في الجامعات ليحزن مما يشاهده من اختلاط ومناظر سيئة تتكرر يومياً في الجامعات ومن هذه المناظر جلوس طالب مع طالبة منفردين وأجسامهما متلاصقة، ومنها اتخاذ الطالب صديقة له من الطالبات يذهب ويأتي معها باستمرار ومنها جلسات صاخبة بين الطلبة والطالبات وخصوصاً أن كثيراً من هذه النوعية من الطالبات متبرجات سافرات يلبسن الملابس الضيقة والفاضحة وشعورهن منفوشة ... الخ، وهذا شيء قليل مما هو واقع في جامعاتنا وإنني عندما أرى هذه المشاهد أتساءل في نفسي: أين هؤلاء من الأحكام الشرعية؟ أين هؤلاء من قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا؟ أين أباء هؤلاء الطلبة الطالبات أليس عندهم شيء من الغيرة؟ هل يقبل هؤلاء الطلبة أن يتعامل الآخرون مع أخواتهم بهذه الطريقة؟ إلى غير ذلك من التساؤلات التي تثير المرارة والأسى في النفس. وإذا كان المسلم مطلوب منه غض البصر وكذلك المسلمة فكيف حال هذا اللاعب وتلك اللاعبة؟ ومعروف أن اللعب فيه حركة وصوت ... الخ وأين هؤلاء من قول النبي ﷺ: (يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة) رواه أبو داود وهو حديث حسن كما قال الشيخ الأباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٠٣ وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فقال: اصرف بصرك) رواه مسلم. وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (كان الفضل بن عباس رديف رسول الله فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ... الخ الحديث) رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية أخرى أن العباس ﵁ سأله: (لماذا لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما) رواه الترمذي وقال حسن صحيح.\r\rوينبغي أن يعلم أنه نظراً لعدم الالتزام بشريعة الإسلام في كثير من جوانب حياتنا ومنها التعليم المختلط وعدم وجود بدائل شرعية فلا بد من التذكير بالضوابط الشرعية لتعامل الرجال مع النساء وهذه الضوابط بينها الشيخ العلامة يوسف القرضاوي فقال: [١. الالتزام بغض البصر من الفريقين فلا ينظر إلى عورة ولا ينظر بشهوة ولا يطيل النظر في غير حاجة، قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) سورة النور الآيتان ٣١-٣٢. ٢. الالتزام من جانب المرأة باللباس الشرعي المحتشم الذي يغطي البدن ما عدا الوجه والكفين ولا يشف ولا يصف، قال تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) سورة النور الآية ٣١. وقد صح عن عدد من الصحابة أن ما ظهر من الزينة هو الوجه والكفان. وقال تعالى في تعليل الأمر بالاحتشام: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) سورة الأحزاب الآية ٥٩. أي أن هذا الزي يميز المرأة الحرة العفيفة الجادة من المرأة اللعوب المستهترة فلا يتعرض أحد للعفيفة بأذى لأن زيها وأدبها يفرض على كل من يراها احترامها. ٣. الالتزام بأدب المسلمة في كل شيء وخصوصاً في التعامل مع الرجال: أ. في الكلام بحيث يكون بعيداً عن الإغراء والإثارة وقد قال تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) سورة الأحزاب الآية ٣٢. ب. في المشي كما قال تعالى: (ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) سورة النور الآية ٣١. وأن تكون كالتي وصفها الله بقوله: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) سورة القصص الآية ٢٥. جـ. في الحركة فلا تتكسر ولا تتمايل كأولئك اللائي وصفهن الحديث الشريف بـ: (المميلات المائلات) ولا يصدر عنها ما يجعلها من صنف المتبرجات تبرج الجاهلية الأولى أو الأخيرة. ٤. أن تتجنب كل ما شأنه أن يثير ويغري من الروائح العطرية وألوان الزينة التي ينبغي أن تكون للبيت لا للطريق وللقاء مع الرجال. ٥. الحذر من أن يختلي الرجل بامرأة وليس معهما محرم فقد نهت الأحاديث الصحيحة عن ذلك وقالت: (إن ثالثهما الشيطان) إذ لا يجوز أن يخلى بين النار والحطب. وخصوصاً إذا كانت الخلوة مع أحد أقارب الزوج وفيه جاء: (إياكم والدخول على النساء. قالوا: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟! قال: الحمو الموت) أي هو سبب الهلاك لأنه قد يجلس ويطيل الجلوس وفي هذا خطر شديد. ٦. أن يكون اللقاء في حدود ما تفرضه الحاجة وما يوجبه العمل المشترك دون إسراف أو توسع يخرج المرأة عن فطرتها الأنثوية أو يعرضها للقيل والقال أو يعطلها عن واجبها المقدس في رعاية البيت وتربية الأجيال] فتاوى معاصرة ٢/٢٨٥-٢٨٦.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346485,"book_id":3840,"shamela_page_id":865,"part":"15","page_num":133,"sequence_num":865,"body":"١٣٣ - المنكرات في الحفلات\rيقول السائل: ما قولكم فيما يفعله بعض الناس في الأعراس حيث إنهم يزفون العروسين بالسيارات ويطلقون العنان لأبواق السيارات فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: إن مظاهر إزعاج الناس وإلحاق الأذى والضرر بهم كثيرة في مجتمعنا وللأسف. وإن كثيراً من الناس لا يراعون حقوق الآخرين ومشاعرهم بل يضربون بها عرض الحائط في حالات كثيرة منها: ١. ما ذكره السائل من استعمال أبواق السيارات بشكل مؤذٍ ومزعج. ٢. ومنها استعمال مكبرات الصوت في الأعراس والحفلات حتى ساعة متأخرة من الليل. ٣. ومنها إطلاق النار في الحفلات والأعراس. ٤. وإطلاق الألعاب النارية في الأعراس والمناسبات الأخرى. إن هذه الأمور وأمثالها تسبب الأذى وتلحق الضرر بالناس ومعلوم عند العلماء أن إلحاق الأذى حرام شرعاً فلا يجوز للمسلم أن يؤذي غيره سواء كان الإيذاء معنوياً أو مادياً بل إن الإيذاء المعنوي قد يكون أشد من الإيذاء المادي فشتم المسلم في عرضه أشد من صفعه وهكذا. وقد وردت نصوص كثيرة تحرم إلحاق الأذى وتحث على ترك إيذاء عباد الله. فمن ذلك أنه لا يجوز إيذاء المسلمين في طرقاتهم وشوارعهم فمن المعلوم أن الطريق من الحقوق العامة التي ينتفع بها الناس كافة فلا يجوز لأحد أن يؤذي غيره فيها. فاستعمال الطرق والشوارع له أحكام شرعية متعلقة به وليس للإنسان مطلق الحرية أن يتصرف في الشوارع حسبما يريد وكيفما يريد. جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إياكم والجلوس على الطرقات. فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطريق حقها. قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر وكف الأذى وردّ السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر) رواه البخاري.\r\rفانظر أخي المسلم إلى هذه المعاني العظيمة التي تضمنها هذا الحديث وقارنها بواقع كثير من الناس اليوم في سوء استعمالهم للطريق فستجد الشباب الذين يعاكسون الفتيات في الطرقات، وأصحاب المحلات وغيرهم الذين يلقون القاذورات في الشوارع، وأصحاب السيارات الذين يطلقون العنان لأبواق سياراتهم أو الذين يعتبرون الشوارع ملكاً خاصاً لهم، والناس الذين يتعدون على الشوارع فيأخذون منها بدل أن يعطوها شيئاً من أرضهم لتوسعة الشوارع أو يتركون فيها مخلفات البناء. إن إزالة الأذى من طرقات الناس تعتبر صدقة كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تميط الأذى عن الطريق صدقة) رواه البخاري. وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخذه فشكر الله له فغفر له) رواه البخاري ومسلم. وإزالة الأذى من طرقات الناس إحدى مراتب الإيمان كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) رواه مسلم. وعن أبي برزةرضي الله عنه قال: (قلت يا نبي الله علمني شيئاً أنتفع به قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [هذه الأحاديث المذكورة في الباب ظاهرة في فضل إزالة الأذى عن الطريق سواء كان الأذى شجرة تؤذي أو غصن شوكة أو حجراً يعثر به أو قذراً أو جيفة أو غير ذلك] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٣١.\r\rوما ذكره الإمام النووي من أنواع الأذى المادية التي كانت معروفة في زمانهم قد يكون يسيراً مع أنواع الأذى المعنوية الموجودة في زمانناً مثل استعمال مكبرات الصوت في المناسبات حتى ساعات متأخرة من الليل واستعمال أبواق السيارات وإطلاق الألعاب النارية وغيرها. فهذه مزعجة للنائم والمريض ولطالب العلم ومخيفة للأطفال فكل ذلك أذى يجب الامتناع عنه ديانة ومنع الناس منه قانوناً ونظاماً، وأنواع الأذى هذه يشملها عموم الأحاديث السابقة فإن كلمة الأذى الواردة فيها تعمها جميعاً. وكذلك ما ورد في أحاديث أخرى من تحريم للأذى بشكل عام كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) رواه البخاري. فهذا النهي الوارد في الحديث يعم كل أذى فلا يجوز إلحاق الأذى بالجار سواء أكان الأذى مادياً أو معنوياً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346486,"book_id":3840,"shamela_page_id":866,"part":"15","page_num":134,"sequence_num":866,"body":"١٣٤ - الموسيقى\rيقول السائل: إنه سمع الشيخ يوسف القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة يضعف الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه وهو: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) وإن الشيخ القرضاوي يرى أن هذا الحديث لا يصلح للاستدلال على تحريم الموسيقى والأغاني المصاحبة لها فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: ما قاله الشيخ العلامة القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة قاله منذ زمن طويل فقد ذكر في كتابه الحلال والحرام ص ٢٩٣ ما نصه: [أما ما ورد فيه - أي الغناء - من أحاديث نبوية فكلها مثخنة بالجراح لم يسلم منها حديث من طعن عند فقهاء الحديث وعلمائه، قال القاضي أبو بكر ابن العربي: لم يصح في تحريم الغناء شيء، وقال ابن حزم: كل ما روي فيها باطل موضوع] . وقال الشيخ القرضاوي نحو هذا الكلام في كتابه فتاوى معاصرة ١/٦٩٠-٦٩١. وفصّل الشيخ القرضاوي الكلام على المسألة في كتابه الإسلام والفن ص ٣٠-٩٠ وفي هذا الكتاب تكلم الشيخ القرضاوي على الحديث المذكور في السؤال فقال: [والحديث وإن كان في صحيح البخاري إلا أنه من المعلقات لا من المسندات المتصلة ولذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده ومع التعليق فقد قالوا: إن سنده ومتنه لم يسلما من الاضطراب وقد اجتهد الحافظ ابن حجر لوصل الحديث ووصله بالفعل من تسع طرق ولكنها جميعاً تدور على راوٍ تكلم فيه عدد من الأئمة النقاد ألا وهو هشام بن عمار وهو وإن كان خطيب دمشق ومقرئها ومحدثها وعالمها وثقة ابن معين والعجلي فقد قال عنه أبو داود: حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها، وقال أبو حاتم: صدوق وقد تغير فكان كل ما دفع إليه قرأه وكل ما لقنه تلقن وكذلك قال ابن سيار: وقال الإمام أحمد: طياش خفيف. وقال النسائي: لا بأس به، وهذا ليس بتوثيق مطلق ورغم دفاع الحافظ الذهبي عنه قال: صدوق مكثر له ما ينكر. وأنكروا عليه أنه لم يكن يحدث إلا بأجر ومثل هذا لا يقبل حديثه في مواطن النزاع وخصوصاً في أمر عمت به البلوى. ورغم ما في ثبوته من الكلام ففي دلالته كلام آخر فكلمة المعازف لم يتفق على معناها بالتحديد ما هو؟ فقد قيل الملاهي وهذه مجملة وقيل آلات العزف ولو سلمنا بأن معناها آلات الطرب المعروفة بآلات الموسيقى فلفظ الحديث المعلق في البخاري غير صريح في إفادة حرمة المعازف لأن عبارة يستحلون كما ذكر ابن العربي لها معنيان: أحدهما يعتقدون أن ذلك حلال. والثاني أن تكون مجازاً عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور إذ لو كان المقصود بالاستحلال المعنى الحقيقي لكان كفراً فإن استحلال الحرام المقطوع به مثل الخمر والزنا المعبر عنه بالحر كفر بالإجماع ولو سلمنا بدلالتها على الحرمة فهل يستفاد منها تحريم المجموع المذكور من الحر والخمر والحرير والمعازف أو كل فرد منها على حدة والأول هو الراجح فإن الحديث في الواقع ينعى على أخلاق طائفة من الناس انغمسوا في الترف والليالي الحمراء وشرب الخمور فهم بين خمر ونساء ولهو وغناء وخز وحرير ولذا روى ابن ماجة هذا الحديث عن أبي مالك الاشعري بلفظ: (ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير) وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه والبخاري في تاريخه وكل من روى الحديث من طريق غير طريق هشام بن عمار جعل الوعيد على شرب الخمر وما المعازف إلا مكملة وتابعة ... ] الإسلام والفن ص ٤١-٤٤. وواضح من كلام الشيخ القرضاوي أنه اتكأ فيه على كلام الشيخ ابن حزم في تضعيف الحديث ورده من حيث السند واستند إلى قول ابن حزم أن كل ما روي في الغناء باطل موضوع. وقد أخطأ الشيخ ابن حزم في هذه المسألة خطأً كبيراً وتابعه الشيخ القرضاوي في خطئه ومعلوم كما قال بعض السلف: [كل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول ﷺ] وليس أحد من أهل العلم معصوم عن الوقوع في الخطأ. وقد بين أهل الحديث والمحققون من الفقهاء خطأ ابن حزم ومن تابعه في حكمه على الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه حيث قال الإمام البخاري: [وقال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس الكلابي حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال حدثني أبو عامر أوأبو مالك الأشعري والله ما كذبني سمع النبي ﷺ يقول: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ... الخ الحديث] . وهذا الحديث رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم محتجاً به وما رواه البخاري معلقاً مجزوماً به فهو صحيح يحتج به قال الحافظ ابن حجر: [وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحاً إلى من علق عنه ولو لم يكن من شيوخه لكن إذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولاً إلى من علقه بشرط الصحة أزال الإشكال ولهذا عنيت في ابتداء الأمر بهذا النوع وصنفت كتاب تغليق التعليق وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي وفي كلامه على علوم الحديث أن حديث هشام بن عمار جاء عنه موصولاً في مستخرج الإسماعيلي قال حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا هشام بن عمار وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين فقال حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد حدثنا هشام بن عمار قال وأخرجه أبو داود في سننه فقال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن بكر حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بسنده] فتح الباري ١٢/١٥٢-١٥٣.\r\rوقال الإمام النووي: [قال الشيخ أبو عمرو ﵀ يعني ابن الصلاح - وهكذا الأمر في تعليقات البخاري بألفاظ جازمة مثبتة على الصفة التي ذكرناها كمثل ما قال فيه قال فلان أو روى فلان أو ذكر فلان أو نحو ذلك ولم يصب أبو محمد بن حزم الظاهري حيث جعل مثل ذلك انقطاعاً قادحاً في الصحة واستروح إلى ذلك في تقرير مذهبه الفاسد في إباحة الملاهي وزعمه أنه لم يصح في تحريمها حديث مجيباً عن حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري عن رسول الله ﷺ (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف.. إلى آخر الحديث) فزعم أنه وإن أخرجه البخاري فهو غير صحيح لأن البخاري قال فيه: قال هشام بن عمار وساقه بإسناده فهو منقطع فيما بين البخاري وهشام. وهذا خطأ من ابن حزم من وجوه: أحدها: أنه لا انقطاع في هذا أصلاً من جهة أن البخاري لقي هشاماً وسمع منه وقد قررنا في كتابنا علوم الحديث أنه إذا تحقق اللقاء والسماع مع السلامة من التدليس حمل ما يرويه عنه على السماع بأي لفظ كان كما يحمل قول الصحابي قال رسول الله ﷺ على سماعه منه إذا لم يظهر خلافه وكذا غير قال من الألفاظ. الثاني: أن هذا الحديث بعينه معروف الاتصال بصريح لفظه من غير جهة البخاري. الثالث: أنه وإن كان ذلك انقطاعاً فمثل ذلك في الكتابين - أي الصحيحين - غير ملحق بالانقطاع القادح لما عرف من عادتهما وشرطهما وذكرهما ذلك في كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة فلن يستجيزا فيه الجزم المذكور من غير ثبت وثبوت بخلاف الانقطاع أو الإرسال الصادر من غيرهما هذا كله في المعلق بلفظ الجزم] شرح النووي على صحيح مسلم ١/١٨-١٩، وانظر الباعث الحثيث ص٣٤-٣٥. ويرى جماعة من أهل العلم أن هذا الحديث ليس معلقاً وإنما هو في صورة المعلق قال الإمام العيني: [والحديث صحيح وإن كانت صورته صورة التعليق وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحاً إلى من علقه عنه ولو لم يكن من شيوخه] عمدة القاري ١٤/٥٩١.\r\rوقال العلامة الشيخ الألباني: [وهذا النوع من التعليق صورته صورة التعليق كما قال الحافظ العراقي في تخريجه لهذا الحديث في المغني عن حمل الأسفار ٢/٢٧١، وذلك لأن الغالب على الأحاديث المعلقة أنها منقطعة بينها وبين معلقها ولها صور عديدة معروفة وهذا ليس منها لأن هشام بن عمار من شيوخ البخاري الذين احتج بهم في صحيحه في غير ما حديث كما بينه الحافظ في ترجمته من مقدمة الفتح ولما كان البخاري غير معروف بالتدليس كان قوله في هذا الحديث قال في حكم قوله عن أو حدثني أو قال لي.... ويشبه قول العراقي المذكور قول ابن الصلاح في مقدمة علوم الحديث ص ٧٢ صورته صورة الانقطاع وليس حكمُه حكمَه، وليس خارجاً من الصحيح إلى الضعيف. ثم رد على ابن حزم إعلاله إياه بالانقطاع وسيأتي تمام كلامه إن شاء الله في الفصل الثالث. والمقصود أن الحديث ليس منقطعاً بين البخاري وشيخه هشام كما زعم ابن حزم ومن قلده من المعاصرين كما سيأتي بيانه في الفصل المذكور إن شاء الله تعالى على أنه لو فرض أنه منقطع فهي علة نسبية لا يجوز التمسك بها لأنه قد جاء موصولاً من طرق جماعة من الثقات الحفاظ سمعوه من هشام بن عمار فالمتشبث والحالة هذه بالانقطاع يكابر مكابرة ظاهرة كالذي يضعف حديثاً بإسناد صحيح متشبثاً بإسناد له ضعيف] تحريم آلات الطرب ص ٣٩-٤٠. ويضاف إلى ذلك أن الحافظ ابن حجر ذكر تسع طرق موصولة للحديث في كتابه تغليق التعليق ٥/١٧-٢٢. قال الحافظ ابن حجر في \" تغليق التعليق \": [وهذا حديث صحيح لا علة له ولا مطعن فيه وقد أعله أبو محمد بن حزم بالانقطاع بين البخاري وصدقة بن خالد وبالاختلاف في اسم أبي مالك وهذا كما تراه قد سقته من رواية تسعة عن هشام متصلاً فيهم مثل الحسن بن سفيان وعبدان وجعفر الفريابي وهؤلاء الحفاظ أثبات وأما الاختلاف في كنية الصحابي فالصحابة كلهم عدول] نقلاً عن تحريم آلات الطرب ص ٨٧. وذكر الشيخ الألباني أن الحديث قد وصله الطبراني والبيهقي وابن عساكر وابن أبي شيبة وأحمد وغيرهم انظر السلسلة الصحيحة ١/١٤، تحريم آلات الطرب ص ٤٥. وذكر الشيخ الألباني أيضاً جماعة من العلماء الذين صححوا الحديث منهم: ١. البخاري ٢. ابن حبان ٣. الإسماعيلي ٤. ابن الصلاح ٥. النووي ٦. ابن تيمية ٧. ابن القيم ٨. ابن كثير ٩. العسقلاني ١٠. ابن الوزير الصنعاني ١١. السخاوي ١٢. الأمير الصنعاني. .... إلى غير هؤلاء ممن لا يحضرني فهل يدخل في عقل مسلم أن يكون المخالفون كابن حزم ومن جرى خلفه وليس فيهم مختص في علم الحديث هل يعقل أن يكون هؤلاء على صواب وأؤلئك الأئمة على خطأ؟! (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) ] تحريم آلات الطرب ص ٨٩.\r\rوقال العلامة ابن القيم: [ولم يصنع من قدح في صحة هذا الحديث شيئاً كابن حزم نصرة لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي وزعم أنه منقطع لأن البخاري لم يصل سنده به. وجواب هذا الوهم من وجوه: أحدها أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه فإذا قال: قال هشام، فهو بمنزلة قوله عن هشام. الثاني: أنه لو لم يسمع منه فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا وقد صح عنه أنه حدث به. وهذا كثيراً ما يكون لكثرة من رواه عنه عن ذلك الشيخ وشهرته فالبخاري أبعد خلق الله من التدليس الثالث: أنه أدخله في كتابه المسمى بالصحيح محتجاً به فلولا صحته عنده لما فعل ذلك. الرابع: أنه علقه بصيغة الجزم دون صيغة التمريض فإنه إذا توقف في الحديث أو لم يكن على شرطه يقول ويروى عن رسول الله ﷺ ويذكر عنه ونحو ذلك فإذا قال: قال رسول الله ﷺ فقد جزم وقطع بإضافته إليه. الخامس: أنا لو أضربنا عن هذا كله صفحاً فالحديث صحيح متصل عند غيره] إغاثة اللهفان ١/٢٥٩-٢٦٠. وأما ما ادعاه الشيخ القرضاوي من أن الحديث مضطرب سنداً ومتناً فكلام غير مسلم، قال الإمام الشوكاني: [ويجاب عن دعوى الاضطراب في السند بأنه قد رواه أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي مالك بغير شك ورواه أبو داود من حديث أبي عامر وأبي مالك وهي رواية ابن داسه عن أبي داود ورواية ابن حبان أنه سمع أبا عامر وأبا مالك الأشعريين فتبين بذلك أنه من روايتهما جميعاً. وأما الاضطراب في المتن فيجاب بأن مثل ذلك غير قادح في الاستدلال لأن الراوي قد يترك بعض ألفاظ الحديث تارة ويذكرها أخرى. والرابع أن لفظة المعازف التي هي محل الاستدلال ليست عند أبي داود ويجاب بأنه قد ذكرها غيره وثبتت في الصحيح والزيادة من العدل مقبولة وأجاب المجوزون أيضاً على الحديث المذكور من حيث دلالته فقالوا: لا نسلم دلالته على التحريم وأسندوا هذا المنع بوجوه: أحدها أن لفظة يستحلون ليست نصاً في التحريم فقد ذكر أبو بكر ابن العربي لذلك معنيين: أحدهما أن المعنى يعتقدون أن ذلك حلال. الثاني أن يكون مجازاً عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور ويجاب بأن الوعيد على الاعتقاد يشعر بتحريم الملابسة بفحوى الخطاب وأما دعوى التجوز فالأصل الحقيقة ولا ملجأ إلى الخروج عنها وثانيها أن المعازف مختلف في مدلولها كما سلف وإذا كان اللفظ محتملاً لأن يكون للآلة ولغير الآلة لم ينتهض للاستدلال لأنه إما أن يكون مشتركاً والراجح التوقف فيه أو حقيقة ومجازاً ولا يتعين المعنى الحقيقي ويجاب بأنه يدل على تحريم استعمال ما صدق عليه الاسم والظاهر الحقيقة في الكل من المعاني المنصوص عليها من أهل اللغة وليس من قبيل المشترك لأن اللفظ لم يوضع لكل واحد على حدة بل وضع للجميع على أن الراجح جواز استعمال المشترك في جميع معانيه مع عدم التضاد كما تقرر في الأصول وثالثها أنه يحتمل أن تكون المعازف المنصوص على تحريمها هي المقترنة بشرب الخمر كما ثبت في رواية بلفظ: (ليشربن أناس من أمتي الخمر تروح عليهم القيان وتغدو عليهم المعازف) ويجاب بأن الاقتران لا يدل على أن المحرم هو الجمع فقط وإلا لزم أن الزنى المصرح به في الحديث لا يحرم إلا عند شرب الخمر واستعمال المعازف واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله وأيضاً يلزم في مثل قوله تعالى (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين) أنه لا يحرم عدم الإيمان بالل إلا عند عدم الحض على طعام المسكين فإن قيل تحريم مثل هذه الأمور المذكورة في الإلزام قد علم من دليل آخر فيجاب بأن تحريم المعازف قد علم من دليل آخر أيضاً كما سلف على أنه لا ملجأ إلى ذلك حتى يصار إليه ورابعها أن يكون المراد يستحلون مجموع الأمور المذكورة فلا يدل على تحريم واحد منها على الانفراد وقد تقرر أن النهي عن الأمور المتعددة أو الوعيد على مجموعها لا يدل على تحريم كل فرد منها ويجاب عنه بما تقدم في الذي قبله] نيل الأوطار ٨/١١٥-١١٦. ويكفي هذا القدر من كلام أهل العلم وإلا فالمسألة فيها كلام كثير للعلماء في إبطال كلام ابن حزم ومن تابعه. وينبغي أن يعلم أنه على الرغم من كون الشيخ ابن حزم من كبار الفقهاء المجتهدين إلا أن له أوهاماً ليست قليلة في علم الحديث كتسرعه في الحكم على الرجال تعديلاُ وتجريحاً فوقع في أوهام شنيعة كتضعيفه بعض أحاديث الصحيحين وتجهيله عدداً من الرواة الثقاة وغير ذلك من الأوهام ولا يتسع المقام للتفصيل ومن أراد التوسع فيه فلينظر كتاب (الصناعة الحديثية عند ابن حزم) للشيخ علي رضا فقد ذكر مئة وثمانين وهماً لابن حزم في الأحاديث. وأما كلام الشيخ القرضاوي عن هشام بن عمار الذي روى عنه الإمام البخاري الحديث السابق فكلام غير مقبول وغير مسلم. فهشام بن عمار هذا قال عنه الحافظ الذهبي: [الإمام الحافظ المقرئ عالم أهل الشام ... خطيب دمشق ... فقد كان من أوعية العلم ... وثقه يحيى بن معين وقال عنه كيّس كيس ووثقه العجلي وقال النسائي لا بأس به وقال الدارقطني: صدوق كبير المحل. وأطال الذهبي في ترجمته انظر سير أعلام النبلاء ١١/٤٢٠-٤٣٥ وهشام بن عمار احتج به البخاري والنسائي وابن ماجة وغيرهم. وترجم الحافظ المزي لهشام بن عمار وذكر في ترجمته ما يلي: [ ... وقال معاوية بن صالح وإبراهيم بن الجنيد عن يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم عن يحيى بن معين: كيّس كيّس. وقال العجلي: ثقة. وقال في موضع آخر صدوق. .... وقال عبدان بن أحمد الجواليقي: ... ما كان في الدنيا مثله] تهذيب الكمال في أسماء الرجال ٣٠/٢٤٧-٢٤٨. وخلاصة الأمر أن الشيخ القرضاوي حفظه الله قد جانب الصواب في هذه المسألة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346487,"book_id":3840,"shamela_page_id":867,"part":"15","page_num":135,"sequence_num":867,"body":"١٣٥ - الميراث\rيقول السائل: هل يرث الإبن من الرضاع من أمه؟\r\rالجواب: من المعروف عند جمهور أهل العلم أن أسباب الميراث ثلاثة وهي القرابة والزوجية والولاء. فأما القرابة فهي كل صلة بين شخصين بسبب الولادة من قبل أب وأم قريبة كانت أو بعيد. انظر العذب الفائض ١/١٩. يقول الله ﷾: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) سورة النساء الآية ١١. وقال تعالى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) سورة الأنفال الآية ٧٥. وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر) رواه البخاري. وفي رواية لمسلم: (اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر) والمستحقون للميراث بالقرابة هم أصحاب الفرائض والعصبات النسبية وذوو الأرحام وهذا فيه تفصيل كثير عند العلماء. وأما الزوجية فيدل على توارث الزوجين قوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) سورة النساء الآية ١٢. ويشترط لتوارث الزوجين أن ينعقد النكاح صحيحاً ولو لم يتم دخول أو خلوة بعد العقد الصحيح ويشترط أيضاً أن تكون الزوجية الصحيحة قائمة عند الوفاة. وأما الولاء فهو قرابة غير حقيقية أي حكمية تحصل بسبب العتق أو عقد الموالاة. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما الولاء لمن أعتق) رواه البخاري ومسلم. ونظراً لانتهاء عصر الرق فلا حاجة للحديث عن ذلك الآن. إذا تقرر هذا فإن الرضاعة ليست من أسباب الميراث باتفاق أهل العلم والإبن من الرضاع لا يرث من أمه الرضاعية ولا أثر للرضاع في الميراث. قال الإمام النووي: [الرضاع يؤثر في تحريم النكاح وثبوت المحرمية المقيدة لجواز النظر والخلوة دون سائر أحكام النسب كالميراث والفقة والعتق بالملك وسقوط القصاص ورد الشهادة وغيرها وهذا كله متفق عليه) روضة الطالبين ٦/٤١٨-٤١٩. وقال الإمام البغوي (ولا يتعلق بالرضاع من أحكام النسب إلا شيئان: تحريم النكاح والمحرمية وهي أنه يجوز للرجل أن يخلو بالمحرمة عليه بالرضاع وأن يسافر بها. أما الميراث ووجوب النفقة وحصول العتق وغيرها من أحكام النسب فلا يتعلق شيء منها بالرضاع) التهذيب ٦/ ٢٨٥.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346488,"book_id":3840,"shamela_page_id":868,"part":"15","page_num":136,"sequence_num":868,"body":"١٣٦ - الميراث\rحرمان البنات في الوقف,\r\rيقول السائل: لدينا وقفية وقد شرط الواقف فيها إعطاء الذكور من ورثته دون الإناث فما الحكم في هذا الشرط؟\r\rالجواب: الوقف قربة يتقرب بها الواقف إلى الله ﷾ وهو داخل في عموم النصوص التي تحث على أفعال البر كما في قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) سورة البقرة الآية ٢٦٧. وقوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) سورة آل عمران الآية ٩٢ ويدخل في عموم قول النبي ﷺ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه البخاري ومسلم وثبت في الحديث عن ابن عمر ﵄: (أن عمر بن الخطاب أصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه فما تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث وتصدق بها في الفقراء وفي القربي وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول) رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية أخرى أن عمر ﵁ قال للنبي ﷺ: (إن المئة سهم التي بخيبر لم أصب مالاً قط أعجب إليَّ منها وقد أردت أن أتصدق بها فقال النبي ﷺ: احبس أصلها وسبل ثمرتها) رواه النسائي وابن ماجة والبيهقي وهو حديث صحيح كما قال الألباني في إرواء الغليل ٦/٣١. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علَّمه ونشره وولداً صالحاً تركه ومصحفاً ورَّثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة وهو حديث حسن كما قال الألباني، صحيح سنن ابن ماجة ١/٤٦. وغير ذلك من النصوص. إذا تقرر هذا فنعود إلى ما ذكره السائل من شرط الواقف بحرمان البنات من وقفيتة فأقول إن كثيراً من الواقفين للوقفيات الأهلية أو الذرية يشترطون شروطاً لا تقرها الشريعة الإسلامية ومن ذلك حرمان البنات وهذا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية التي أوجبت العدل بين الذكور والإناث من المعلوم عند أهل العلم أن الإنسان ليس حراً فيما يشترطه من شروط في عقوده ومعاملاته بل لا بد أن تكون هذه الشروط لا تتعارض مع قواعد الشريعة وأصولها، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب المكاتب وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله ... وقال ابن عمر أو عمر: كل شرط خالف كتاب الله فهو باطل وإن اشترط مئة شرط] ثم روى البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: (أتتها بريرة تسألها في كتابها فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي فلما جاء رسول الله ﷺ ذكرته ذلك قال النبي ﷺ: ابتاعيها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق. ثم قام رسول الله على المنبر فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله! فمن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مئة شرط) رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر: [وأن المراد ما خالف كتاب الله ثم استظهر على ذلك بما نقله عن عمر أو ابن عمر وتوجيه ذلك أن يقال المراد بكتاب الله في الحديث المرفوع حكمه وهو أعم من أن يكون نصاً أو مستنبطاً فكل ما كان ليس من ذلك فهو مخالف لما في كتاب الله] فتح الباري ٦/٢٨٢. ولا شك أن اشتراط حرمان الإناث من الوقفية مخالف للأحكام الشرعية التي أمرت بالعدل بين الأبناء فعن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ وهو على المنبر يقول: (أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة - أم النعمان -: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. قال ﵊: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا. فقال ﷺ: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال فرجع فرد عطيته) رواه البخاري. وفي رواية أخرى أن النبي ﷺ قال لبشير والد النعمان: (لا تشهدني على جور أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء. قال: نعم. قال: أشهد على هذا غيري) رواه أبو داود بسند صحيح. وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (سووا بين أولادكم في العطية لو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء) رواه سعيد بن منصور والبيهقي وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن وغير ذلك من الأحاديث. فبناءً على ذلك فيجب إبطال هذا الشرط لمعارضته للشريعة كما سلف ولا ينبغي التمسك بما قرره الفقهاء أن شرط الواقف كنص الشارع حيث إن بعض الفقهاء اعتبروا هذه القاعدة موجبة لتنفيذ شروط الواقفين وأنه يجب العمل بها مهما كانت وإن خالفت الشرع وهذا غير مسلم وغير مقبول. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وقد اتفق المسلمون على أن شروط الواقف تنقسم إلى صحيح، وفاسد، كالشروط في سائر العقود ومن قال من الفقهاء: إن شروط الواقف نصوص كألفاظ الشارع، فمراده أنها كالنصوص في الدلالة على مراد الواقف لا في وجوب العمل بها أي أن مراد الواقف يستفاد من ألفاظه المشروطة كما يستفاد مراد الشارع من ألفاظه فكما يعرف العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والتشريك والترتيب في الشرع من ألفاظه الشارع فكذلك تعرف في الوقف من ألفاظ الواقف. مع أن التحقيق في هذا أن لفظ الواقف ولفظ الحالف والشافع والموصي وكل عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها، سواء وافقت العربية العرباء أو العربية المولدة أو العربية الملحونة أو كانت غير عربية وسواء وافقت لغة الشارع أو لم توافقها فإن المقصود من الألفاظ دلالتها على مراد الناطقين بها فنحن نحتاج إلى معرفة كلام الشارع لأن معرفة لغته وعرفه وعادته تدل على معرفة مراده وكذلك في خطاب كل أمة وكل قوم فإذا تخاطبوا بينهم في البيع والإجارة أو الوقف أو الوصية أو النذر أو غير ذلك بكلام رجع إلى معرفة مرادهم وإلى ما يدل على مرادهم من عادتهم في الخطاب وما يقترن بذلك من الأسباب. وأما أن تجعل نصوص الواقف أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص الشارع في وجوب العمل بها فهذا كفر باتفاق المسلمين إذ لا أحد يطاع في كل ما يأمر به من البشر - بعد رسول الله ﷺ والشروط إن وافقت كتاب الله كانت صحيحة. وإن خالفت كتاب الله كانت باطلة كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه خطب على منبره وقال: (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل. وإن كان مئة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق] مجموع الفتاوى ٣١/٤٧-٤٨.\r\rوقال العلامة ابن القيم: [فالصواب الذي لا تسوغ الشريعة غيره عرض شرط الواقفين على كتاب الله سبحانه وعلى شرطه، فما وافق كتابه وشرطه فهو صحيح وما خالفه كان شرطاً باطلاً مردوداً ولو كان مئة شرط وليس ذلك بأعظم من رد حكم الحاكم إذا خالف حكم الله ورسوله ومن رد فتوى للمفتي وقد نص الله سبحانه على رد وصية الجانف في وصيته والآثم فيها مع أن الوصية تصح في غير قربة وهي أوسع من الوقف وقد صرح صاحب الشرع برد كل عمل ليس عليه أمره فهذا الشرط مردود بنص رسول الله ﷺ فلا يحل لأحد أن يقبله ويعتبره ويصححه ... معنى قولهم: شرط الواقف كنص الشارع ثم إن العجب العجاب قول من يقول إن شروط الواقف كنصوص الشارع ونحن نبرأ إلى الله من هذا القول ونعتذر مما جاء به قائله ولا نعدل بنصوص الشارع غيرها أبداً وإن أحسن الظن بقائل هذا القول حمل كلامه على أنها كنصوص الشارع في الدلالة وتخصيص عامها بخاصها وحمل مطلقها على مقيدها واعتبار مفهومها كما يعتبر منطوقها وأما أن تكون كنصوصه في وجوب الإتباع وتأثيم من أخل بشيء منها فلا يظن ذلك بمن له نسبه ما إلى العلم فإذا كان حكم الحاكم ليس كنص الشارع بل يرد ما خالف حكم الله ورسوله من ذلك فشرط الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالرد والإبطال] إعلام الموقعين ١/٣١٥-٣١٦. وقال العلامة صديق حسن خان: [والحاصل أن الأوقاف التي يراد بها قطع ما أمر الله به أن يوصل ومخالفة فرائض الله ﷿ فهي باطلة من أصلها لا تنعقد بحال. وذلك كمن يقف على ذكور أولاده دون إناثهم وما أشبه ذلك فإن هذا لم يرد التقرب إلى الله تعالى بل أراد المخالفة لأحكام الله ﷿ والمعاندة لما شرعه لعباده وجعل هذا الوقف الطاغوتي ذريعة إلى ذلك المقصد الشيطاني فليكن هذا منك على ذكر فما أكثر وقوعه في هذه الأزمنة] التعليقات الرضية ٢/٥١٥-٥١٦. وخلاصة الأمر أنه ينبغي إبطال الشرط بحرمان البنات من الوقفية وإذا لم يمكن الإلغاء أمام المحكمة الشرعية فالمطلوب هو أن يصطلح المنتفعون بالوقفية على إلغاء الشرط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346489,"book_id":3840,"shamela_page_id":869,"part":"15","page_num":137,"sequence_num":869,"body":"١٣٧ - اللباس والزينة\rيقول السائل: ما حكم استعمال الحناء في اليدين في حق الرجل؟\r\rالجواب: ينبغي أن يعلم أن جمهور أهل العلم يرون أن خضاب شعر الرأس واللحية سنة ويدل على ذلك عدة أحاديث منها: عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي أمامة ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد ٥/١٦٣. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أحسن ما غير به الشيب الحناء والكتم) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وصححه الشيخ الألباني أيضاً في صحيح سنن أبي داود ٢/٧٩٢، والكتم نوع من النبات. وعن جابر بن عبد الله قال: (أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً فقال رسول الله ﷺ: غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد) رواه مسلم. والثغامة نبت أبيض الزهر. قال الشيخ ابن قدامة: [ويستحب خضاب الشيب بغير السواد قال أحمد: إني لأرى الشيخ المخضوب فأفرح به] المغني ١/٦٨. ثم ذكر حديث: [غيروا الشيب] وأن أبا بكر وعمر والمهاجرين قد خضبوا. والاختضاب مشروع في حق المرأة المتزوجة أيضاً فيجوز لها أن تخضب رأسها وكفيها وقدميها وأما غير المتزوجة فيكره لها ذلك. وأما الرجل فلا يجوز له أن يخضب كفيه وقدميه لأن في اختضابه فيهما تشبهاً بالنساء والتشبه بالنساء ممنوع. الموسوعة الفقهية ٢/٢٨١-٢٨٤.\r\rوقد ثبت في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (لعن رسول اللهصلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء) رواه البخاري. قال الإمام النووي: [أما خضاب اليدين والرجلين فمستحب للمتزوجة من النساء للأحاديث المشهورة فيه وهو حرام على الرجال إلا لحاجة التداوي ونحوه، ومن الدلائل على تحريمه قوله صلى الله ﷺ في الحديث الصحيح: (لعن الله المتشبهين بالنساء من الرجال) ويدل عليه الحديث الصحيح عن انس أن النبي ﷺ: (نهى أن يتزعفر الرجل) رواه البخاري ومسلم وما ذاك إلا للونه لا لريحه فإن ريح الطيب للرجال محبوب والحناء في هذا كالزعفران وفي كتاب الأدب من سنن أبي داود عن أبي هريرة رض الله عنه أن النبي ﷺ: (أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال: ما بال هذا، فقيل: يا رسول الله يتشبه بالنساء فأمر به فنفي إلى النقيع، فقالوا: يا رسول الله ألا نقتله، فقال: إني نهيت عن قتل المصلين) لكن إسناده فيه مجهول) المجموع ١/٢٩٤-٢٩٥. وكلام النووي يفيد أن الحديث ضعيف ولكن الشيخ الألباني صحح الحديث في صحيح سنن أبي داود ٢/٩٣١. وقد اعتبر اين حجر المكي الهيتمي خضب الرجل ليديه وقدميه من كبائر الذنوب!!. الزواجر ١/٣٤٨","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346490,"book_id":3840,"shamela_page_id":870,"part":"15","page_num":138,"sequence_num":870,"body":"١٣٨ - النكاح\rخاطب أعرج صاحب دين,\r\rتقول السائلة: إنها فتاة في سن الزواج وقد تقدم لخطبتها شاب متدين ولكنه أعرج فرفض أهلها زواجها منه وهي ترغب فيه فما الحكم الشرعي في ذلك؟\r\rالجواب: إن الإسلام قد جعل للمرأة حق إختيار الزوج، فتبقل من يتقدم لخطبتها أو ترفض ولا ينبغي لأهلها أن يقوموا بتلك المهمة نيابةً عنها. والإسلام قد جعل اعتباراً لإختيار كل من الزوجين. فمثلاً اختيار الرجل المناسب للزواج لا يكون على أساس المال والجاه أو المظهر فقط وإنما فلا بدّ من مقياس التقوى والعمل الصالح – أي صاحب دين – فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض) رواه الترمذي وهو حديث حسن. وفي حديث آخر عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله ﷺ (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفساد قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه \" ثلاث مرات \") رواه الترمذي وهو حديثٌ حسن كما قال الشيخ الألباني. والمراد وإن كان فيه نقص في أمور أخرى كجمال الخلقة أو الحسب والنسب وغير ذلك وهذا الشاب الأعرج إن كان صاحب دينٍ كما تقول السائلة فلا ينبغي لأهلها أن يردوه وخاصةً أنها راغبة فيه. وردهم لزواجه هو تعنت وتجبر ونظرتهم غير صحيحة للأمور فكم في المجتمع من أعرجٍ وأعور وصاحب عاهة فإذا كانوا هؤلاء وأمثالهم لا يزوجون فتلك طامةٌ تحل بالمجتمع. ومن المعروف أن كثيراً من الناس ينظرون إلى الزواج على أساسٍ ماديٍ بحت فيشترطون فيمن يتقدم لخطبة ابنتهم شروطاً مادية معينة كأن يكون صاحب مال أو منصب أو من عائلةٍ عريقة ولا يلقون بالاً إلى الأمور الأساسية وهي الدين والخلق حتى ولو كان فقيراً فلعله يكون أن يكون خيراً من الغني، وقد ورد في الحديث عن سهلٍ بن سعد قال: مرَّ رجل برسول الله ﷺ فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع وإن قال أن يستمع. قال: ثم سكت. فمرَّ رجل من فقراء المسلمين فقال ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع. فقال رسول الله ﷺ: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) رواه البخاري. ولا يعني كلامنا أننا ندعو إلى إهمال الجوانب المادية ولكن الأساس هو الدين والخلق وبد ذلك ينظر إلى الأمور الأخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346491,"book_id":3840,"shamela_page_id":871,"part":"15","page_num":139,"sequence_num":871,"body":"١٣٩ - النكاح\rعلاقة الخاطب بالمخطوبة ,\r\rيقول السائل: ماذا يحل للخاطب من خطيبته وماذا يترتب على فسخ الخطبة إذا كان الفسخ من قبل الخاطب أو كان من قبل المخطوبة؟\r\rالجواب: إن الخطبة مقدمة للزواج وهي مجرد وعد للزواج وليست زواجاً وقد نص الفقهاء على أن الخطبة ليست إلا وعداً بالزواج وهذا الوعد غير ملزم فيحق لكل واحدٍ منهما العدول عن الخطبة متى يشاء. كما أن الفقهاء قرروا أن عقد الزواج لا يتم بقبض أي شيءٍ على حساب المهر أو بقبول الهدية أو ما يسميه الناس اليوم (قراءة الفاتحة) فكل ذلك لا يعتبر عقداً للزواج ويجوز العدول عن ذلك. وبناءً على ذلك فيعتبر كل من الخاطب والمخطوبة أجنبياً عن الآخر فلا يحل لهما الإختلاط دون وجود محرم وما يفعله كثير من الناس اليوم مخالف للشرع، بالسماح لهما بالخروج معاً إلى الأماكن العامة والجلوس على انفراد والذهاب والإياب معاً فكل ذلك حرام شرعاً لأن الخاطب ما زال يعتبر أجنبياً عن المخطوبة ولا يحل له من المخطوبة سوى ما أباحه الشارع الحكيم ألا وهو النظر. فعن جابر أن الرسول ﷺ قال (إذا خطب أحدكم المرأة فاستطاع أن ينظر منها ما يدعو إلى نكاحها فليفعل) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه. وعن المغيرة بن شعبة أنه خطب إمرأةً فقال النبي ﷺ (انظر أليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) رواه النسائي والترمذي وابن ماجة وغيرهم وهو حديثٌ صحيح. ومعنى يؤدم بينكما: أن تقع الألفة والملائمة بينكما. وعن أبي هريرة قال: (كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج إمرأةً من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ: أنظرت إليها؟ فقال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً) رواه مسلم. ففي هذه الأحاديث أرشد الرسول ﷺ الخاطب إلى النظر إلى المخطوبة لما يترتب على النظر من فوائد لمصلحة الإثنين. فيجوز النظر إلى الوجه والكفين فقط على الراجح من أقوال أهل العلم والوجه والكفان يدلان على ما سواهما من أعضاء الجسم. وإذا فسخ أحد الخاطبين الخطبة فلا شيء عليه في ذلك لأن الخطبة كما قلت هي مجرد وعد بالزواج وإن كان الأولى ألا يعدل أحدهما عن الخطبة إلا لسبب شرعي فإذا حصل العدول عن الخطبة فيجوز للخاطب أن يسترد ما قدمه للمخطوبة على أنه من المهر سواء أكان نقداً أم ذهباً أم أثاث بيت أو نحو ذلك وسواء كان العدول من الخاطب أو المخطوبة. وأما ما قدمه للخطوبة على سبيل الهدية فهو محل خلافٍ بين الفقهاء والذي أميال إليه أن العدول إن كان من الخاطب فلا يسترد شيئاً من الهدايا التي قدمها للمخطوبة وإن كان العدول من المخطوبة فيسترد الخاطب تلك الهدايا إن أراد. وبهذه المناسبة أود التذكير بأن على الآباء إن يتقوا الله في بناتهم وألا يقدموا على تزويجهنَّ إلا بعد ما يتأكدوا من صفات الخاطب الحسنة وأنه صاحب خلقٍ ودين ولو كان فقيراً لأن السعادة التي يرجونها لبناتهم قد لا تتحقق بالمال وحده فليست المناصب والمال والجاه والحسب والنسب هي مؤهلات الزوج الصالح فقط فكم من صاحب مالٍ أو جاهٍ أو منصب أشقى زوجته وأتعسها ولكن المعيار الحقيقي هو معيار الشرع يقول ﵊ (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه فإن لم تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير) رواه الترمذي والبيهقي وهو حديثٌ حسن. وكما أذكر الشباب بأن السعادة الزوجية لا تحقق في جمال الزوجة فقط فكثيراً ما نسمع عن الصفات التي يرغب الشباب في توفرها في المرأة والتي يريدونها زوجة المستقبل بأن تكون غايةً في الجمال.\r\rنعم إن الجمال مطلوب ولكن ليس هو فقط يقول الرسول ﷺ: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) رواه البخاري ومسلم. وقال ﵊: (لا تتزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ولا تتزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين فلأمة سوداء ذات دين أفضل) رواه البيهقي وابن ماجة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346492,"book_id":3840,"shamela_page_id":872,"part":"15","page_num":140,"sequence_num":872,"body":"١٤٠ - النكاح\rالزواج المدني ,\r\rيقول السائل: ما الحكم الشرعي في زواج مسلم من كتابية بعقد زواج مدني فقط؟ وما الحكم في الأولاد منه؟ وما الذي يجب عمله من قبل الرجل المسلم في هذه الحالة؟\r\rالجواب: الأولى في حق المسلم أن يتزوج مسلمة لأن في ذلك توافقاً والتقاءً على شيءٍ أساسي في الحياة ألا وهو الدين ولأن في ذلك استمراراً للعشرة وتوافقاً في كثيرٍ من العادات والتقاليد ونحو ذلك. ومذهب جمهور فقهاء المسلمين على جواز نكاح الكتابية – النصرانية واليهودية – ويدل على ذلك قوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) . وينبغي أن يتم الزواج على حسب المعمول به في قانون الأحوال الشخصية من إجراءات إدارية لتسجيل العقد كما نصت على ذلك المادة (١٧) من القانون المذكور. فيجب على الخاطب مراجعة القاضي الشرعي أو نائبه لإجراء العقد. أي أن عقد الزواج في هذه البلاد ينبغي أن يكون عن طريق المحاكم الشرعية أو من يقوم مقامها في الخارج. والسائل أجرى عقد الزواج المدني فيكون هذا العقد صحيحاً إذا كان مستكملاً لأركانه وشروطه من الإيجاب والقبول وحضور شاهدين حتى وإن كان الشاهدان غير مسلمين في هذه الرحالة لأن الزوجة غير مسلمة وهذا العقد تترتب عليه آثاره شرعاً فيثبت نسب الأولاد لأبيهم ويجب المهر والنفقة على الزوج. ويستطيع الزوج مراجعة المحاكم الشرعية لعمل حجة تصادق على الزواج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346493,"book_id":3840,"shamela_page_id":873,"part":"15","page_num":141,"sequence_num":873,"body":"١٤١ - النكاح\rالشروط في عقد الزواج,\r\rتقول السائلة: أنها اشترطت في عقد زواجها أن تعمل في وظيفتها وبعد مضي مدة على الزواج منعها زوجها من العمل فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن مما اتفق عليه الفقهاء وجوب الوفاء بالشرط الذي يقتضيه العقد كالإنفاق على الزوجة مثلاً. واختلفوا في الشروط التي لا تنافي مقتضى عقد الزواج ولا تخل بمقصوده الأصلي كالشرط المذكور في السؤال. والذي عليه الحنابلة أنه يجب الوفاء بهذه الشروط وإذا لم يف الزوج بهذا الشرط – استمرار الزوجة في عملها – فلها أن تطلب فسخ عقد الزواج وقد أخذ قانون الأحوال الشخصية بقول الحنابلة ولكن مع تقييد ذلك بأن لا يلحق الشرط ضرراً بأحد الزوجين والذي أراه في هذه المسألة أن عمل المرأة خارج البيت إذا لم يكن متعارضاً مع مصلحة الزوج والأولاد وكان هذا العمل فيما أجازه الشرع فعلى الزوج أن يأذن لها بذلك وعليه الوفاء بالشرط. وأما إذا كان عملها خارج البيت فيه مس بمصلحة الزوج والأولاد أو كان عملها في مجال لا يجيزه الشرع فعلى الزوج منعها من ذلك ولا شيء عليه إن لم يف بالشرط. وقد استدل الحنابلة لقولهم بما ورد عن الرسول ﷺ أنه قال (إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) رواه البخاري ومسلم. وكذلك قوله ﷺ (المسلمون علىشروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح. وبما رواه البيهقي وغيره (أن رجلاً تزوج إمرأةً وشرط لها دارها ثم أراد نقلها فخاصموه إلى عمر فقال: لها شرطها فقال الرجل: إذاً يطلقننا!. فقال عمر (مقاطع الحقوق عند الشروط) وهذا أثر صحيح كما قال الشيخ الألباني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346494,"book_id":3840,"shamela_page_id":874,"part":"15","page_num":142,"sequence_num":874,"body":"١٤٢ - النكاح\rالعصمة بيد الزوجة ,\r\rيقول السائل: هل تصح أن تكون العصمة بيد الزوجة في عقد الزواج فيكون لها الحق أن تطلق نفسها متى شاءت؟\r\rالجواب: إن الله ﷾ جعل القوامة للرجل على المرأة فقال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) . والطلاق فرع عن جعل القوامة للرجل وبالتالي فإن الطلاق في الأصل هو من حق الرجل وبيده وهذا هو الذي يتفق مع الفطرة فالرجل هو المسؤول الأول عن الأسرة وبيده مفاتيح الحل والعقد والرجل أقدر من المرأة في الغالب على ضبط عواطفه وانفعالاته وتحكيم عقله وخاصة عندما تقع المشكلات بين الزوجين ويثور الغضب بينهما. كما وأن الرجل يدرك ما يترتب على إيقاع الطلاق من تبعات مختلفة كالأمور المالية وما يتعلق بالأولاد وتربهيتم والعناية بهم وغير ذلك. لذلك كله فإن أكثر فقهاء الإسلام يمنعون جعل العصمة بيد الزوجة فيكون لها الحق في أن تطلق نفسها متى شاءت وهذا هو الراجح وهو الذي ينسجم مع الفطرة ومع مبدأ القوامة. وهذا الذي ذكرته لم يأخذ به قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية في وقتنا الحاضر بل اخذ بمذهب الحنابلة بجواز اشتراط الزوجة العصمة بيدها فقد جاء في المادة ١٩ من قانون الأحوال الشخصية (إذا اشترط في العقد شرط نافع لأحد الطرفين ولم يكن منافياً لمقاصد الزواج ولم يلتزم فيه بما هو محظور شرعاً وسجل في وثيقة العقد وجبت مراعاته وفقاً لما يلي: ١. إذا اشترطت الزوجة على زوجها شرطاً تتحق لها به مصلحة غير محظورة شرعاً ولا يمس حق الغير كأن تشترط عليه أن لا يخرجها من بلدها أو أن لا يتزوج عليها أو أن يجعل أمرها بيدها تطلق نفسها إذا شاءت أو أن يسكنها في بلد معين كان الشرط صحيحاً ملزماً فإن لم يف به الزوج فسخ العقد بطلب الزوجة ولها مطالبته بسائر حقوقها الزوجية) . هذا ما قرره قانون الأحوال الشخصية. ولكني أميل إلى رأي جمهور الفقهاء القائلين بأنه لا يجوز أن تكون العصمة بيد الزوجة (وهم الحنفية والشافعية والمالكية والظاهرية) لأن هذا الشرط مناف لمفهوم الزواج ومناقض لمفهوم القوامة ومخالف للسنة النبوية لقوله ﷺ: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) رواه الطبراني والبزار وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني.\r\rولا يعني كلامي هذا أنه لا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق وأنها محرومة من هذا الحق فقد قرر الفقهاء أنه يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق إذا كانت حياتها منغصة مع زوجها ويسيء لها ولا يعاشرها بالمعروف فيجوز لها حينئذ أن تطلب من زوجها أن يطلقها فإن رفض وامتنع فلها أن ترفع الأمر للقاضي الذي يجوز له أن يطلقها إذا ثبت لديه صحة دعواها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346495,"book_id":3840,"shamela_page_id":875,"part":"15","page_num":143,"sequence_num":875,"body":"١٤٣ - حقوق الزوجين\rتقول السائلة: هل يحق للزوج أن يمنع زوجته من الذهاب إلى بيت أهلها؟ وإذا حلف عليها بالطلاق على ألا تذهب إلى بيت أهلها ثم ذهبت فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: يقول الله ﷿: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) . إن الرجل له القوامة على المرأة بنص هذه الآية الكريمة ولا شك أن طاعة الزوجة لزوجها فرض ويجب على المرأة أن تسمع وتطيع زوجها إذا أمرها بالمعروف ولا ينبغي للزوج أن يسيء استعمال هذه القوامة فيجعلها سيفاً مصلتاً على الزوجة وينبغي للزوجين التفاهم في هذه القضية وغيرها لأن الحياة الزوجية تقوم على المودة والتفاهم. ويجوز للزوج أن يمنعها من الذهاب إلى بيت أهلها ويجب عليها طاعته وتحرم مخالفته وخاصةً إذا رأى الزوج أن في منعها من الذهاب إلى بيت أهلها مصلحةً راجحةً ومحافظةً على الحياة الزوجية كأن يكون ذهابها مثلاً سبباً في تعكير صفو الحياة الزوجية وسبباً لإثارة المشاكل فإذا منعها فعليها أن تمتنع وإن ذهبت بدون إذنه فهي آثمة لأن طاعته واجبة. يقول الرسول ﷺ: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد وقال الترمذي حسنٌ صحيح وصححه ابن حبان. وكما قلت فعلى الزوج أن يحسن استعمال هذا الحق فإذا كانت العلاقة مع زوجته طيبة ولا يترتب على ذهابها أي مفسدة فله أن يأذن لها في الذهاب ويعود تقدير هذا الأمر؟ إلى الزوج لأنه أدرى بأحواله وأحوال أهل زوجته. وأما الحلف بالطلاق حتى لا تخرج إلى بيت إهلها فينبغي أن يعلم أولاً أن الطلاق لم يشرع لهذا الأمر وإنما شرع الطلاق ليكون آخر دواء للمشاكل الزوجية إذا تعذرت الأدوية الأخرى. فإذا حلف الزوج بالطلاق على زوجته ألا تذهب إلى بيت أهلها وكان يقصد منعها من الذهاب فالواجب على هذه الزوجة أن تبر بيمين زوجها. وأما إذا حنثت بيمينه فذهبت إلى بيت اهلها فقد وقع الخلاف بين العلماء في هذه المسألة: فمنهم من يرى أن الطلاق يقع. ومنهم من يرى أن هذا يعتبر يميناً وليس طلاقاً وعلى الزوج كفارة اليمين.\r\rوهذا هو الذي أختاره وهو المفتى به الآن عند كثيرٍ من العلماء وأذخذت بذلك قوانين الأحوال الشخصية في ثيرٍ من البلاد الإسلامية. وهذا القول فيه رحمة بالناس وخاصةً بالزوجات لأن كثيراً من الأزواج يحلفون بالطلاق على أتفه الأمور ويتكرر ذلك منهم كثيراً، وكثير منهم لا يقصدون تطليق زوجاتهم وإنما قصدهم منعهن من فعل شيءٍ أو نحو ذلك. فتلزم الزوج كفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد فيصوم ثلاثة أيام متتابعة أو متفرقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346496,"book_id":3840,"shamela_page_id":876,"part":"15","page_num":144,"sequence_num":876,"body":"١٤٤ - الطلاق\rيقول السائل: وقع خلافٌ بيني وبين زوجتي وكنت في حالة غضبٍ شديد فطلقتها فما حكم ذلك الطلاق؟\r\rالجواب: أكثر الناس يغضبون والغضب درجات فبعض الناس يغضب غضباً شديداً فيغلب عليه الإنفعال ويترتب على ذلك اختلال الفهم واختلال الإرادة فلا يدري ما يصدر منه وهذا ما يعرف عند العلماء بالإغلاق وهو المذكور في الحديث من قول الرسول ﷺ: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني. فإذا كانت حالة السائل كما وصفت فإن الطلاق لا يقع ولا يعتد به لفقدان الإرادة والقصد. وبعض الناس إذا غضب فإنه ينفعل إنفعالاً كثيراً ويبقى مسيطراً على نفسه ومالكاً لها فهذا إذا طلق وهو على تلك الحالة فطلاقه يقع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346497,"book_id":3840,"shamela_page_id":877,"part":"15","page_num":145,"sequence_num":877,"body":"١٤٥ - الحداد\rتقول السائلة: هل يجوز للمرأة أن تحد على زوجها المتوفى سنة أو سنتين، وما حكم اللباس الأسود للمرأة والمعتدة؟\r\rالجواب: يجب أن نعلم ما يتعلق بالعدة فقد قال الله ﷾: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .\rومن المعروف أن المرأة إذا كانت في عدة الوفاة تحد على زوجها الميت وفترة الحداد هي مدة العدة فقط (أي أربعة اشهر وعشرة أيام) ولا يجوز للمرأة أن تزيد على ذلك وهذه المدة المذكورة خاصة بالحداد على الزوج فقط إذا كانت المرأة غير حامل وأماى إذا كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها. وأما الحداد على أبيها أو أخيها أو اي من أقربائها فلا يجوز أن يزيد على ثلاثة أيام فقط.\rويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لأمرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً) رواه البخاري ومسلم.\rومن المعلوم أن معنى قوله ﷺ (لا يحل) أي يحرم.\rومن خلال ما تقدم نعلم أنه لا يجوز للمرأة تحد على زوجها المتوفى أكثر من أربعة شهور وعشرة أيام بحال من الأحوال.\rوأما لبس السواد خلال فترة الحداد فلا أصل له في الشرع وهو غير مشروع ويجوز لها أن تلبس ما شاءت من الملابس إذا كانت غير مزينة.\rوينبغي أن يعلم أن الحداد يكون بالأمور التالية:\r١. أن تلتزم المرأة بيتها الذي مات زوجها وهي تسكنه ولا تخرج منه إلا لحاجة مشروعة.\r٢. أن تتجنب الملابس الجميلة المزينة ويجوز لها أن تلبس ما عداها ولا يعني أن تكون هذه الملابس سوداء كما جرت عادة النساء في بلادنا.\r٣. أن تتجنب جميع أنواع العطور والمكياج.\r٤. أن تتجنب التزين بالذهب أو الفضة.\r٥. لا يجوز لأحد أن يتقدم لخطبتها صراحة خلال مدة العدة ويجوز التعريض بذلك أي التلميح.\rويدل على ذلك قوله تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ... ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346498,"book_id":3840,"shamela_page_id":878,"part":"15","page_num":146,"sequence_num":878,"body":"١٤٦ - حقوق الزوجين\rيقول السائل: هل يحق للزوج أن يأخذ من ذهب زوجته (المهر) إذا كان في حالة ضيق وشدة مع العلم أن الزوجة غير راضية عن ذلك؟\r\rالجواب: إن المهر حق خالص للمرأة فلا يجوز أخذ شيء منه إلا برضاها ولا بد ان يكون الرضا واضحاً وصريحاً وبدون إكراه أو حياء ونحو ذلك فلا يحل أخذ شيء من مهر الزوجة سواء أكان ذلك نقداً أو ذهباً إلا إذا رضيت رضاً تاماً والرسول ﷺ يقول: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) رواه أحمد والبيهقي والدارقطني وغيرهم وهو حديث صحيح.\rوبما أن المهر حق خالص للزوجة فلها أن تتصرف به كيفما شاءت فيجوز لها ان تبريء زوجها من مهرها كاملاً أو من بعضه ولها أن تهب له مهرها أو شيئاً منه وكل ذلك لا بد أن يكون برضاها واختيارها.\rوالزوجة الصالحة هي التي تشعر بشعور زوجها وتقف معه في الشدائد والملمات فإذا أعطته من مهرها على سبيل الهبة أو جعلت ذلك قرضاً فلها الأجر والثواب من الله ﷾ ولها التقدير والاحترام من زوجها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346499,"book_id":3840,"shamela_page_id":879,"part":"15","page_num":147,"sequence_num":879,"body":"١٤٧ - حقوق الزوجين\rيقول السائل: إن زوجته تطلب منه الذهاب إلى المسجد الأقصى لصلاة الجمعة ولكنه يمنعها فهل يجوز له ذلك؟\r\rالجواب: إن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد ومع ذلك يجوز لها أن تخرج إلى الصلاة في المساجد بإذن زوجها ولا ينبغي لزوج منع زوجته من الذهاب إلى المسجد إلا إذا خشي الفتنة عليها أو إذا خرجت متعطرة فيجوز له حينئذ منعها.\rيقول ﵊: (لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد وبيوتهن خير لهن) رواه احمد وأبو داود وإسناده صحيح.\rوعلى المرأة إذا خرجت من بيتها قاصدة حضور الجماعة أو الجمعة أن تخرج وهي ملتزمة بأحكام الشرع من حيث اللباس والمشي وترك الزينة والطيب فقد ورد في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني ومعنى تفلات: غير متطيبات.\rوفي حديث آخر قوله ﷺ: (إذا شهدت إحداكن المساجد فلا تمس الطيب) رواه مسلم.\rوينبغي أن يعلم أن النساء اليوم بحاجة ماسة للتردد على المساجد وحضور الدروس والخطب والمواعظ ليفقهن في دين الله فعليهن مسؤولية عظيمة في بناء المجتمع والنساء شقائق الرجال فلا ينبغي أن يحرمن من هذا الخير العظيم ويجب أن ترتب لهن دروس خاصة في المساجد ويفضل أن تكون في غير يوم الجمعة، لتحصن المرأة المسلمة ضد الغزو الفكري الشرس الذي يوجه إلى النساء المسلمات عبر وسائل الإعلام المختلفة وغيرها وأن تشرح لهن أحكام الإسلام عامة والأحكام المتعلقة بالنساء وتربية الولاد خاصة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346500,"book_id":3840,"shamela_page_id":880,"part":"15","page_num":148,"sequence_num":880,"body":"١٤٨ - المنكرات في الحفلات\rيقول السائل: ما قولكم بإقامة حفلات الزواج بمصاحبة الفرق الموسيقية واستخدام مكبرات الصوت فيها؟\r\rالجواب: لا شك أن من المنكرات التي انتشرت في مجتمعاتنا ما يفعله كثير من الناس في حفلات الزواج حيث ترتكب المحرمات كالاختلاط الماجن بين الرجال والنساء ورقص النساء الكاسيات العاريات بحضور الرجال واستخدام الموسيقى عبر مكبرات الصوت التي تزعج الناس وهم في بيوتهم وتناول المسكرات بمختلف أنواعها.\rكل هذه المحرمات لها من المفاسد والأخطار التي تؤدي إلى انهيار القيم الأخلاقية وتعد انتهاكاً لأحكام الشريعة الإسلامية.\rفأما الاختلاط الماجن فهو من أعظم المفاسد التي ابتلي بها الناس في هذا الزمان ولعل أبشع صور الاختلاط ما يقع في حفلات الزواج فالنساء كاسيات عاريات متبرجات يتسابقن في إظهار محاسنهن وزينتهن أمام الرجال فالملابس ألوان وأشكال وتسريحات الشعر والأصباغ بمختلف ألوانها العجيبة الغريبة وكل ذلك مسخ لطبيعة المرأة ولإنسانيتها وقد فاقت نساء اليوم نساء الجاهلية الأولى وكل ذلك يتم باسم التقدم والحضارة وحرية المرأة.\rوإذا أضيف إلى كل هذه المفاسد الرقص المختلط رجالاًونساء على أنغام الموسيقى الصاخبة والتي أبى أصحاب الحفل إلا أن يجبروا الناس الآخرين على الاستماع لها عبر مكبرات الصوت، صار الأمر منكراً عظيماً وفساداً كبيراً ولا شك إن هذا من المحرمات، فالرسول ﷺ يقول: (لا ضرر ولا ضرار) رواه مالك والحاكم والبيهقي رواه حديث صحيح.\rفلا يجوز لك أخي المسلم أن تلحق الضرر بغيرك بواسطة مكبرات الصوت أو غيرها، لأن الناس فيهم المريض والطالب والعامل وكل هؤلاء يحتاج إلى الهدوء والراحة فلا يحق لك أن تزعجهم إلى جانب أن هذا العمل محرم شرعاً.\rوليعلم أصحاب الفنادق وصالات الأفراح أن كسبهم حرام من هذه الحفلات وأن الإثم يلحقهم لأنهم شركاء مع أصحاب الحفل في الإثم والعدوان يقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) .\rوصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: (ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) رواه البخاري في صحيح تعليقاً ووصله غيره كالبيهقي والطبراني وهو حديث صحيح.\rوالمراد بالحر: الزنى، والمعازف: آلات اللهو والطرب.\rفانظر أخي المسلم كيف قرن الرسول ﷺ بين هذه المحرمات الزنا والحرير والخمور والمعازف وقد أخبر ﵊ أن طائفة من أمته يستحلون ذلك وهذا ما يقع الآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346501,"book_id":3840,"shamela_page_id":881,"part":"15","page_num":149,"sequence_num":881,"body":"١٤٩ - حقوق الزوجين\rيقول السائل: إن زوجته لا تلبس اللباس الشرعي وأن أحد أولاده لا يصلي فما هي مسؤوليته عن ذلك؟\r\rالجواب: إن المسلم عليه مسؤولية كبيرة تجاه زوجته وأولاده والحقيقية أن المسؤولية تبدأ قبل الزواج فعلى المسلم ان يختار زوجة ذات دين وخلق كريم لقول الرسول ﷺ: (تنكح المرأة لأربع: وجمالها ولحسبها وجمالها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) رواه البخاري ومسلم. ولكننا وللأسف الشديد نجد كثيراً من الشباب إذا أراد الزواج لا يعطي للجانب الديني في المخطوبة أي اهتمام إلا من رحم ربي وإنما جل الاهتمام يوجه للجمال والنسب والحسب والوظيفة ونحو ذلك. ولذلك نحن نقول يجب على المسلم أن يختار صاحبة الدين أولاً ولا يمنع ذلك من توفر الصفات الأخرى فيها فإذا اختار زوجته ذات دين فإن تربيتها لأولادهما ستكون بإذن الله بناء على ذلك الأساس. ومسؤولية الزوج تجاه زوجته وابنائه مسؤولية عظيمة يقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) .\r\rفهذه الاية الكريمة تأمر بوقاية النفس والأهل من النار وتعني إلزامهم بأحكام الشرع في حياتهم كلها قال ابن عباس: (اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله ومروا أولادكم بامتثال الأوامر واجتناب النواهي فذلك وقاية لهم من النار) . وبناء على ذلك فيجب على الزوج أن يلزم زوجته باللباس الشرعي وإذا لم يفعل يكون آثماً وإذا لم تستجب الزوجة له فهي عاصية آثمة وتكون ناشزاً، لأن اللباس الشرعي فرض كما أن الصلاة فرض وكما أن الصوم فرض فقد قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ... ) . وكذلك بالنسبة لمسؤولية الأب تجاه أولاده فهي مسؤولية تبدأ من الصغر، فيجب على الأب أن ينشيء أولاده ويربيهم على الإسلام وأن يعودهم على الالتزام بأحكام الشرع وخاصة الصلاة والصوم والأخلاق الحميدة ونحوها. يقول الله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) . ويقول الرسول ﷺ: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوه عليها وهم أبناء عشر) رواه ابو داود والترمذي وهو حديث حسن. لذلك على الأب أن يعلم أبناءه ذكوراً وإناثاً أحكام الصلاة ويعودهم عليها من الصغر ولا بأس من اصطحاب الأولاد إلى المساجد إذا بلغوا السابعة ليعتادوا على صلاة الجماعة وكذلك بالنسبة للصيام، فيتعودون عليه منذ الصغر ليكون ذلك تمريناً لهم على العبادة حتى إذا بلغوا استمروا على العبادة والطاعة. وأما أن يترك الأب أولاده فلا يأمرهم ولا ينهاهم حتى إذا كبروا وبلغوا وشبوا على الطوق حاول إصلاحهم وإرشادهم فأنى يستجيبون له وأنى يسمعون كلامه.\r\rفعلى الآباء أن يدركوا عظم مسؤوليتهم تجاه أولادهم فقد قال الرسول ﷺ: (الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها) متفق عليه. وإن الآباء إذا أخلوا بهذه الأمانة والمسؤولية كانوا كمن يلقي أولاده في النار لأنهم لم يعملوا على وقايتهم كما أمرهم الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346502,"book_id":3840,"shamela_page_id":882,"part":"15","page_num":150,"sequence_num":882,"body":"١٥٠ - الحجاب الشرعي\rيقول السائل: ما هي مواصفات جلباب المرأة المسلمة وهل يشترط فيه لونٌ معين؟\r\rالجواب: يقول الله ﷾: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) . وقال أيضاً: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) . إن ستر المرأة لجميع بدنها إلا ما استثني واجب أوجبه الله ﷾ على المرأة المسلمة وبينت نصوص الكتاب والسنة شروط هذا اللباس وهي: أولاً: أن يكون ساتراً لجميع بدن المرأة ما عدا الوجه والكفين على قول جمهور أهل العلم لما جاء في حديث عائشة عن أسماء بنت أبي بكرٍ ﵂ (دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثيابٌ رقاق فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال لها: يا أسماء إن المرأة إن إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا، وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه) رواه أبو داود والبيهقي وهو حديث حسن كما قال الشيخ ناصر الدين الألباني. فينبغبي للمرأة المسلمة أن تغطي جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها ويدخل في ذلك القدمان ويلاحظ أن بعض النساء يتساهلن في ستر أقدامهن وهذا مخالف لشرع الله.\r\rثانياً: أن يكون فضفاضاً واسعاً غير ضيق لأن الضيق يصف جسم المرأة وهذا يتنافى مع المقصود من الحجاب ولا يتحقق ذلك إلا باللباس الفضفاض الواسع.\r\rثالثاً: أن يكون صفيقاً غير شفاف أي ثخيناً سميكاً فلا يشف عما تحته وقد ورد في الحديث قوله ﵊: (سيكون في آخر أمتي نساءٌ كاسياتٌ عاريات على رؤوسهن كأسمنة البخت العنوهن فإنهن ملعونات) رواه الطبراني بسندٍ صحيح كما قال الشيخ الألباني.\r\rرابعاً: أن لايكون زينةٍ في نفسه فلا يجوز للمرأة أن تلبس ما يبهر العيون من الملابس التي عليها نقوشٌ وزخارف مذهبة ونحو ذلك لأن هذه الملابس زينة في نفسها وقد نهيت المرأة عن إظهار زينتها قال تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ..) ونهى الله ﷾ عن التبرج في قوله تعالى: (وَلَا تَبَرَجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) .\r\rخامساً: أن لا يكون معطراً مطيباً فلا يحل للمرأة أن تستعمل الطيب والعطور إذا خرجت من بيتها لقوله ﷺ (أيما إمرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية) رواه النسائي وأبو داود والترمذي وقال حسنٌ صحيح.\r\rسادساً: أن لا يشبه لباس الرجل، إن المرأة بطبيعتها وتكوينها الجسدي تختلف عن الرجل فلها لباسها وللرجل لباسه فلذلك لا يحل للمرأة أن تتشبه بالرجل وكذلك لا يحل للرجل أن يتشبه بالمرأة فقد جاء في الحديث (لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل) رواه ابن داود وابن ماجة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وجاء في الحديث عن ابن عباس قال (لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال) رواه البخاري. سابعاً: أن لا يشبه لباس غير المسلمات لأن الإسلام نهى عن التشبه بغيرهم في أمور كثيرة وللمسلمين شخصيتهم وهيئتهم الخاصة بهم فعليهم أن يخالفوا غيرهم في ذلك (فعن عبد الله بن عمرو قال رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين فقال إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها) رواه مسلم. ثامناً: أن لا يكون لباس شهرة وهو كل ثوب قصد به الإشتهار يبن الناس كأن يكون نفيساً جداً ويدل على ذلك قوله ﷺ (من لبس ثوب شهرةٍ في الدنيا ألسبه الله ثوب مذلةٍ يوم القيامة ثم ألهب فيه ناراً) رواه أبو داود وابن ماجة وهو حديثٌ حسن.\r\rهذه شورط لباس المرأة المسلمة وينبغي للمرأة المسلمة أن تحقق هذه الشروط في لباسها حتى يكون شرعياً وقبل أن أختم حديثي أود التنبيه على بعض الأمور، منها: - أن ما تلبسه النساء على شكل تنورة وبلوزة ليس شرعياً لأن مقتضى ذلك اللباس أن يصف المرأة ويكون ضيقاً في الغالب فلا يجوز لبسه. - ومنها وضع بعض النساء على رؤوسهن فوق غطاء الرأس ما يشبه العقال الذي يلبسه الرجال ويكون مزيناً ومزخرفاً فهذا مما لا يجوز لبسه لأن فيه تشبهاً واضحاً بالرجال. - ومنها أنه لا يجوز للمرأة المسلمة أن تستعمل أدوات الزينة ومساحيق التجميل والعطور عند خروجها من بيتها. - ومنها أن بعض النساء تلبس معطفاً وتحته بنطال وتزعم أن ذلك يغني عن الجلباب فهذا ليس بصحيح ولا يجوز لها الخروج على تلك الهيئة. - ومنها أنه لا يشترط في لباس المرأة المسلمة لونٌ معين فيجوز أن يكون بأي لونٍ إلا أن عليها تجنب الألون اللافتة للأنظار. وأخيراً فإنه يجب أن التنبيه على أن المرأة المسلمة ملزمة بلباسها الشرعي كلما خرجت من بيتها وليس فقط عندما تذهب إلى الصلاة كما تفعل بعض النساء عندما يذهبن إلى الصلاة في المساجد فيحملن ملابس الصلاة بأيديهن فإذا وصلنَّ إلى المسجد ارتديناها فإذا قضيت الصلاة خلعنها فهذا حرام شرعاً واستهزاء بدين الله هو كبيرة من الكبائر لأن الله ﷾ فرض على المرأة اللباس الشرعي دائماً وباستمرار.\r\rملحوظة: أنصح كل امرأةٍ أن تقرأ كتاب حجاب المرأة المسلمة للشيخ ناصر الدين الألباني أو جلباب المرأة المسلمة كما في طبعته الجديدة. ففيه خيرٌ عظيم وقد استفدت منه كثيراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346503,"book_id":3840,"shamela_page_id":883,"part":"15","page_num":151,"sequence_num":883,"body":"١٥١ - الحمل والإجهاض\rتقول السائلة: ما حكم الإجهاض سواء في بداية الحمل أو نهايته وهل فيه كفارة؟\r\rالجواب: لقد اتفق العلماء على تحريم الإجهاض بعد الشهر الرابع من الحمل أي بعد مضي مائة وعشرين ليلة حيث تنفخ الروح في الجنين لحديث ابن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفةً ثم يكون علقةً مثل ذلك ثم يكون مضغةً مثل ذلك ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌ أو سعيد) رواه البخاري ومسلم. وأما الإجهاض قبل الأربعة أشهر من مدة الحمل فالصحيح من أقوال العلماء أنه حرامٌ فلا يجوز لامرأة مسلمة أن تجهض مولودها بمجرد ثبوت الحمل إلا في حالةٍ واحدة فقط وهي إذا أخبر الأطباء الثقات أن الحمل يشكل خطراً مؤكداً على حياة الأم فيجوز حينئذٍ الإجهاض حفاظاً على حياة الأم. وأما في غير هذه الحالة فلا يجوز الإجهاض، وإذا حدث الإجهاض فإنه يعتبر جريمة موجبة للغرة – وهي دية الجنين – لأنه قتل نفس محرم وتلزم كفارة القتل الخطأ عند بعض أهل العلم. ولا يجوز الإجهاض حتى لو أثبت الأطباء أن الجنين مشوه لأن ذلك الجنين نفسٌ محرمة ونحن لم نؤمر بقتل المنفس المشوهة أو المعاقة.\r\rوبهذه المناسبة أذكر الأطباء بأن يتقوا الله في النساء وألا يسهلوا لهن عمليات الإجهاض لأن في ذلك فتحاً لباب فسادٍ عريضٍ يعود على المجتمع بالمصائب والويلات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346504,"book_id":3840,"shamela_page_id":884,"part":"15","page_num":152,"sequence_num":884,"body":"١٥٢ - الحمل والإجهاض\rتنظيم النسل ,\r\rيقول السائل: إنه وزوجته ينظمان النسل وأنهما رزقا ثلاثة أولاد ويريدان الإكتفاء بذلك وعدم الإنجاب مجدداً، ويسأل عن حكم الشرع في ذلك؟\r\rالجواب: إن المقصود من تنظيم النسل وكما هو مذكورٌ في رسالة السائل هو جعل فترة زمنية بين مولودٍ وآخر ولكن السائل يذكر أنه لا يريد أن ينجب هو وزوجته أكثر من أولادهم الثلاثة أي أنهما يريدان تحديد النسل وقطعه بعد ذلك حيث قال: (النية هي الإكتفاء بما أنعم الله علينا نظراً لظروف الحياة الصعبة وتعقيداتها) .\r\rولا بد من التذكير أن من مقاصد الشارع الحكيم الحض على الزواج وإكثار النسل كما ثبت في الحديث من قوله ﷺ (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة) رواه أحمد والبهيقي وابن حبان وصححه. وتحديد النسل أي قطعه نهائياً يتعارض مع ما ذكر، فلذلك يرى أهل العلم أن قطع النسل حرام شرعاً إلا لضرورة فلا يجوز للمسلم أن يختصي أو أن يستعمل علاجاً لقطع النسل نهائياً. وأما جعل مدة بين حملٍ وآخر فلا بأس به إذا كان لذلك مسوغات مقبولة شرعاً كالخشية على حياة الأم لأن الحمل المتكرر المتلاحق قد يلحق الأذى والضرر بصحة الأم وهذا فيه حرجٌ ومشقة والشريعة جاءت برفع الحرج والمشقة فلا بأس إذا كان هنالك مدة سنتين أو ثلاث بين كل حمل وآخر.\r\rومن المسوغات أيضاً الخشية على الأولاد من الناحية الصحية والتربوية حتى يتمكن الزوجان من العناية بأولادهم صحياً وتربوياً فلا بأس بجعل فترةٍ بين كل حملٍ وآخر، فقد جاء في الحديث عن أسامة بن زيد ﵁: (أن رجلاً جاء إلى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أعزل عن امرأتي. فقال ﷺ ولم تفعل ذلك؟ قال: شفقاً على ولدها أو على أولادها، فقال رسول الله ﷺ: لو كان ذلك ضاراً لضر فارس والروم) رواه مسلم. وبناء على ما تقدم نرى أن السائل يريد قطع النسل نهائياً والإكتفاء بأولاده الثلاثة فهذا عملٌ غير جائز شرعاً لأنه قطع للنسل بدون ضرورة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346505,"book_id":3840,"shamela_page_id":885,"part":"15","page_num":153,"sequence_num":885,"body":"١٥٣ - حقوق الزوجين\rتقول السائلة: هل المرأة ملزمة كلما خرجت من بيتها أن تستأذن زوجها في الخروج؟\r\rالجواب: الأصل أن المرأة يجب عليها القرار في البيت لقوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) . قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: [قوله تعالى - وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ – أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة] تفسيرابن كثير٣/٤٨٢. فالأصل أن تلازم المرأة بيتها وليس معنى هذا أن تبقى حبيسة البيت فلا تخرج أبداً، فقد أجاز لها الشرع الخروج لحوائجها؟ فالمرأة تخرج من بيتها للمسجد وإلى زيارة والديها ومحارمها وتخرج لشراء حوائجها الضرورية وتخرج لعملها ونحو ذلك. ويشترط في خروج المرأة إذن زوجها ويكون الإذن قبل الخروج لا بعده يقول ﷺ: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها) رواه البخاري، فالإسئذان طلب الإذن ويكون ذلك قبل القيام بالعمل. والمرأة ملزمةٌ كلما خرجت أن تستأذن زوجها في الخروج إلا ما يتعارف عليه من رضى الزوج بذلك الخروج كما لو كانت الزوجة موظفة وقد رضي الزوج بذلك فهي تخرج يومياً إلى وظيفتها ولا تحتاج كلما خرجت إلى الاستئذان لأن الإذن قد حصل لها ضمناً. ويجوز للزوج أن يمنع زوجته من الخروج وإذا منعها فعليها طاعته لأن طاعة الزوج فرض ولا ينبغي أن يكون الزوج مستبداً في استخدام هذا الحق فيفرض الحبس على زوجته في بيتها. وينبغي للمرأة عند خروجها من بيتها أن تلتزم بما يلي:\r\r١. أن تخرج وهي متسترة وملتزمة باللباس الشرعي التزماً تاماً.\r\r٢. أن لا تتطيب عند خروجها من بيتها ولا تضع أي نوع من الزينة على وجهها.\r\r٣. أن تخرج للأمور المهمة وليس لأتفه الأسباب.\r\r٤. أن تبتعد عن مواطن الفساد وأماكن الإزدحام.\r\r٥. يفضل أن يرافقها شخص عند خروجها رجلاً كان أو امرأة وخاصةً إذا كانت المرأة شابة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346506,"book_id":3840,"shamela_page_id":886,"part":"15","page_num":154,"sequence_num":886,"body":"١٥٤ - حقوق الزوجين\rيحرم على الزوج أن يمنع زوجته من الصلاة وارتداء الجلباب ,\r\rتقول السائلة في رسالة طويلة تتضمن عدة أسئلة منها أنها امرأة متزوجة وأن زوجها يمنعها من القيام بفروض دينها من أداء الصلاة ويمنعها من ارتداء اللباس الشرعي وأنها حاولت اقناعه بحقها بالقيام بما فرض الله عليها بطرقٍ كثيرة ولكن بدون فائدة وأنها تقطع صلاتها عند دخول زوجها البيت لئلا تقع في مشكلةٍ معه فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن على هذا الزوج أن يتقي الله في نفسه وفي زوجته وأن يحمد الله أن زوجته ملتزمةً بما أوجب الله كما يظهر في رسالتها فلا يجوز له بحالٍ من الأحوال أن يمنعها من أداء حقوق الله ﷾ وعليه أن يتوب ويرجع إلى الله وأن يصحو من غفلته وليعلم أن كون زوجته ملتزمة بشرع الله وترتدي اللباس الشرعي أن هذا لا ينقص من مركزه الاجتماعي كما يزعم بل إن ذلك مدعاةٌ للفخر والرفعة. وعلى هذه الزوجة أن تصبر وأن تحتسب ولتعلم أنها لا يجوز لها أن تطيعه في خلع اللباس الشرعي وإذا ألزمها ذلك فعليها أن تلزم بيتها ولا تخرج منه إلا وهي مرتديةٌ لباسها الشرعي، وعلى هذه الزوجة أن تسعى لإقناع زوجها بأنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق وإن تكلم بعض الناس الذين لهم صلة به لينصحوه ويبينوا له حكم الشرع في هذه القضايا. وليعلم هذا الزوج أنه على خطرٍ عظيمٍ لأنه محارب لله ولرسوله ﷺ لأنه يحول بين زوجته وأدائها لما أوجب الله ﷾.\r\rوأما بالنسبة لقطع صلاتها عند دخوله للبيت فهذا أمرٌ لا يجوز وعليها أن تتم الصلاة فلا يصح أن تقطع الصلاة عند دخوله البيت وعجباً لأمر هذا الزوج فمع كونه تاركاً للصلاة يريد أن يمنع زوجته من الصلاة وتخاف هي من سطوته فتقطع صلاتها إن دخل البيت وهي في الصلاة فعليه أن يتقي الله وأن يتذكر وقوفه بيدي الله في اليوم الآخر وعليه أن يعد الجواب للسؤال في ذلك الموقف العظيم يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.\r\rوأخيراً أؤكد على هذه الزوجة أن تستمر على طاعة ربها وأن تصبر وأن تكثر من الدعاء إلى الله تعالى أن يهدي زوجها إلى طريق الحق والصواب وأن يخرجها من أزمتها ويفرج كربها (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًاوَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346507,"book_id":3840,"shamela_page_id":887,"part":"15","page_num":155,"sequence_num":887,"body":"١٥٥ - حقوق الزوجين\rهجر الزوج بسبب المعصية,\r\rتقول السائلة: إنها امرأة ملتزمة بدينها وأن زوجها لا يحافظ على الصلاة أحياناً ويشاهد أفلاماً جنسية فتهجره وتنام في غرفة أطفالها فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: إن من تمام التزام هذه المرأة بدينها ألا تهجر زوجها وعليها أن تذكره بالله ﷿ وتبين له أنه عليه أن يحافظ على صلاته ولا يحل له ترك الصلاة مطلقاً فقد ورد في الحديث قول الرسول ﷺ (من حافظ عليها – الصلاة – كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاةً وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) رواه أحمد ورجاله ثقات. وعلى هذا الزوج أن يتقي الله ﷾ وليعلم أن مشاهدة الأفلام االجنسية الساقطة أمرٌ محرمٌ شرعاً ولا ينبغي لمثله أن يفعل ذلك وعلى زوجته أن تملأ وقته وأن تلبي رغبته فلعل انصرافه إلى مشاهدة الأفلام الجنسية ناتج عن عدم قيامها بحقه.\r\rولا يجوز أن تهجر زوجها بل ذلك من المعاصي وقد ورد في الحديث قوله ﷺ (إذا باتت المرأة هاجرةً فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح) رواه البخاري ومسلم، فعليها أن تصبر وأن تحتسب ولا تهجره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346508,"book_id":3840,"shamela_page_id":888,"part":"15","page_num":156,"sequence_num":888,"body":"١٥٦ - حكم قص الشعر للنساء\rتقول السائلة: ما حكم قص الشعر للنساء وما دليل ذلك؟\r\rالجواب: الأصل أنه يجوز للمرأة أن تقص شعر رأسها ما لم يكن فيه تشبه بالرجال أو تشبه بالكافرات أو تقليداً وعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تقص شعر رأسها وتجعله كشعر الرجل لأن ذلك من التشبه المنهي عنه فقد ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵊ (لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال) رواه البخاري. وعن ابن عمر ﵄ قال ﷺ (ثلاثٌ لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لولديه والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث) رواه انسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه البذهبي وصححه الألباني. ويجب أن يعلم أن رأس المرأة من العورة التي يجب سترها وما تفعله النساء اليوم من قصٍ لشعر رؤوسهن وخروجهن سافرات من أكبر المنكرات التي تدخل ضمن حديث رسول الله ﷺ (صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما بعد: نساءٌ كاسياتٌ عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن مثل أسمنة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ورجالٌ معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله) رواه مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346509,"book_id":3840,"shamela_page_id":889,"part":"15","page_num":157,"sequence_num":889,"body":"١٥٧ - رقص النساء\rيقول السائل: ما حكم اشتراك الفتيات فيما يعرف بفرق الرقص الشعبي والدبكة؟\r\rالجواب: لا يجوز شرعاً للفتاة المسلمة أن تشترك في فرق الرقص الشعبي وفرق الدبكة وهذا الفعل حرام شرعاً لما يترتب عليه من المفاسد والمحرمات فمن ذلك:\r\r١. إن هذه الفرق تكون مختلطة في الغالب فهي تتكون من شباب وشابات وهذا عمل منكر ومحرم شرعاً.\r\r٢. إن هذه الفرق حتى لو كانت خاصة بالفتيات لا يجوز الإشتراك فيها لأنها تعرض رقصاتها على الناس في الأماكن العامة وهذا حرام شرعاً.\r\r٣. إن مثل هذه الفرق رقصاتها مصحوبة بالموسيقى المحرمة شرعاً.\r\r٤. إن هذه الفرق وأمثالها مظهر من مظاهر الإنحلال والميوعة ومحاربة الفضيلة.\r\r٥. وكذلك فإنها مظهر من مظاهر الغزو الفكري الذي يركز على إحياء ما يعرف بالفلكلور الشعبي وإظهاره على أنه من تراث الأمة المسلمة مع أن تراث الأمة المسلمة أعظم وأجل من هذه الترهات وسفاسف الأمور.\r\rإن تراث هذه الأمة يتمثل بعقيدتها ودينها وما خلفه عظماؤها وقادتها الأماجد. وبناءً على ذلك كله يحرم على الفتاة المسلمة أن تشترك بمثل هذه الفرق ولا يحل للآباء ولأولياء الأمور أن يسمحوا لبناتهم أو أخواتهم أو زوجاتهم بالمشاركة بمثل هذه الفرق وأمثالها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346510,"book_id":3840,"shamela_page_id":890,"part":"15","page_num":158,"sequence_num":890,"body":"١٥٨ - علاج الطبيب للمرأة\rيقول السائل ما هي حدود نظر الطبيب إلى المرأة الأجنبية؟\r\rالجواب: ينبغي أن يعلم أن الإسلام حث على حفظ العورات وعلى عدم كشفها إلا في حالاتٍ خاصة تقتضي كشف العورة. وكذلك فإن المرأة إن أصابها المرض واحتاجت للعلاج فالمشروع في حقها أن تراجع طبيبة ولا يحل لها مراجعة الطبيب إذا وجدت الطبيبة وكان بإمكانها مراجعتها فإن لم توجد المرأة الطبيبة أو تعذرت مراجعتها أو لم تكن من أهل الاختصاص بمرض تلك المرأة فيجوز أن تراجع الطبيب الرجل وهنا لا بد من معرفة الضوابط التالية في تعامل الطبيب مع المريضة الأجنبية:\r\rأولاً: أن تتم المعاينة والكشف بحضور محرم للمرأة أو زوجها أو امرأة موثوقة خشية الخلوة المنهي عنها شرعاً.\r\rثانياً: ألا يطلع على شيء من بدنها (عدا الوجه والكفين) إلا بمقدار ما يقتضيه العلاج فيجب على الطبيب أن يستر جسم المريضة إلا موضع المعالجة. يقول الإمام الغزالي ﵀: [وتقدر الحاجة التي يجوز إظهار العورة معها بحيث لا يعد التكشف بسببها هتكاً للمروءة] .\r\rثالثاً: إذا استطاع الطبيب معالجة المرأة بالنظر دون اللمس فهو الواجب وعلى الطبيب أن يغض بصره وأن يتقي الله ربه في ذلك.\r\rرابعاً: ينبغي للمرأة إذا احتاجت للمعالجة عند طبيب رجل أن تختار الطبيب الثقة الأمين صاحب الدين. ويذكر هنا أنه لا يجوز للرجل أن يكشف عند الطبيبة الأجنبية إلا إذا لم يوجد الطبيب الرجل وهو الصحيح الذي تؤيده الأدلة الشرعية ومما يؤسف له أن بعض ذوي النفوس المريضة يرغبون في المعالجة عند الطبيبة ويفضلونها على الطبيب الرجل وقد يكون العكس صحيحاً وهو أن بعض النساء يفضلن أن يتولى علاجهن الطبيب دون الطبيبة لأغراض قد تكون صحيحة أو خبيثة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346511,"book_id":3840,"shamela_page_id":891,"part":"15","page_num":159,"sequence_num":891,"body":"١٥٩ - مصافحة المرأة الأجنبية حرام شرعا\rيقول السائل: ما هو الحكم الشرعي في مصافحة الرجل لابنة عمه أو ابنة خالته؟\r\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن المصافحة هي الأخذ باليد وكلامنا هنا في مصافحة المرأة الأجنبية وهي التي يحل للشخص نكاحها سواء كانت ابنة عمه أو ابنة خاله أو غير ذلك، فإذا علم هذا فقد اتفق علماء الأمة من السلف والخلف على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية ولم يعرف لهم مخالف على مر العصور والأزمان فيما أعلم، والأدلة متضافرة على تحريم ذلك فمنها:\r\r١. عن عائشة ﵂ قالت: (كانت المؤمنات إذا هاجرون إلى النبي ﷺ يمتحنهن في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ... الخ الآية) ، قالت: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقر بالمحنة فكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن ﷺ: أنطلقن فقد بايعتكن، لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام) رواه البخاري ومسلم. وفي روايةٍ أخرى للبخاري عن عائشة قال (فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها ﷺ قد بايعتك كلاماً لا والله وما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ما يبايعهن إلا بقوله بايعتك على ذلك) .\r\r٢. عن أميمة بنت رقيقة ﵂ قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة نبايعه فقلن: نبايعك يا رسول الله ﷺ على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف فقال رسول الله ﷺ: فيما استطعتن وأطقتن، قالت: فقلت: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا هلم نبايعك يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لمرأة واحدة) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم، وقال الترمذي حديث حسن صحيح.\r\r٣. عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ (كان لا يصافح النساء في البيعة) رواه أحمد وقال الهيثمي وإسناده صحيح.\r\r٤. عن معق بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) رواه الطبراني والبيهقي، قال المنذري ورجال الطبراني ثقات رجال الصحيح.\r\r٥. إن الإسلام حرم النظر إلى المرأة الأجنبية من غير سبب مشروع بل إن رسول الله ﷺ قد حث المسلم على أن يصرف بصره إذا وقع على امرأة أجنبية فقد ثبت في الحديث عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة، فقال: إصرف بصرك) رواه مسلم. وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: (يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة) رواه أحمد وأبو داوود والترمذي وهو حديث حسن، والأدلة على تحريم النظر إلى الأجنبية بدون سبب مشروع كثيرة وإذا كان النظر محرماً فمن باب أولى اللمس لأن اللمس أعظم أثراً في النفس من مجرد النظر حيث أن اللمس أكثر إثارة للشهوة وأقوى داعياً للفتنة من النظر بالعين وكل منصف يعلم ذلك.\r\rوقد اشتبه على قوم حديث وارد في بيعة النساء للنبي ﷺ فهموا منه جواز المصافحة وهو حديث أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: (بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا (أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة منا يدها فقالت أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها فما قال لها النبي ﷺ شيئاً فانطلقت فرجعت فبايعها) رواه البخاري. فقد زعموا أن الرسول ﷺ بايع النساء مصافحة بدليل قولها: (فقبضت امرأة منا يدها) وهذا الفهم خطأ بين لما يلي:\r\rأ. إن المراد بقبض اليد في الحديث التأخر عن القبول كما قال الحافظ ابن حجر ومثل ذلك قوله تعالى في حق المنافقين (ويقبضون أيديهم) فهو كناية عن عدم الإنفاق في سبيل الله. ومما يرد هذا الزعم ما جاء في رواية أخرى لحديث أم عطية السابق.، رواها الإمام مسلم في صحيحه عن عاصم عن حفصة عن أم عطية قالت: لما نزلت هذه الآية (يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً) قالت كان منه النياحة، قالت: فقلت: يا رسول الله إلا آل فلان كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي من أن أسعدهم. فقال ﵇: إلا آل فلان) . ومثل ذلك ما ورد في رواية أخرى لحديث أم عطية عند النسائي. فهذه الروايات الثلاث لحديث أم عطية يظهر منها أن المراد بقولها فقبضت امرأة منا يدها التأخر عن قبول المبايعة فلم تبايع مباشرة ولكنها أخرت البيعة حتى تذهب لإسعاد المرأة التي أسعدتها في الجاهلية، بدليل قولها: (ثم أجيئك فأبايعك) كما في رواية النسائي وهي رواية صحيحة.\r\rب. إن الروايات الثابتة والصريحة الواردة في بيعة النبي ﷺ للنساء تؤكد أن الرسول ﷺ لم يصافح النساء في البيعة، وحديث أم عطية ليس فيه ذكر للمصافحة أصلاً.\r\rج. وأما ما ورد في بعض الروايات من أن النبي ﷺ صافح النساء بحائل وكان على يده ثوب وأن عمر صافحهن عنه فكل ذلك لا يصح ولا يثبت كما قال أهل الحديث. وقد زعم بعض الناس أن ترك النبي ﷺ للمصافحة لا يدل على أن على المسلمين أن يتأسوا به ﷺ في ذلك. لأن التأسي لا يكون إلا بأفعاله وهو لم يفعل شيئاً سوى أنه امتنع عن المصافحة.\r\rوهذا خطأ واضح لأن التأسي يكون بالترك أيضاً فالتأسي في الحقيقة هو فعل، قال الآمدي: [أما التأسي بالغير فقد يكون بالفعل والترك] . وقال الشوكاني: [تركه ﷺ للشيء كفعله له في التأسي به] . ويكفي هذا القدر من الأدلة لأن المقام لا يحتمل مزيداً من التفصيل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346512,"book_id":3840,"shamela_page_id":892,"part":"15","page_num":160,"sequence_num":892,"body":"١٦٠ - الميراث\rيقول السائل: هل يجوز للأب أن يوصي بحرمان أحد أولاده من الميراث لأن هذا الولد عاق لوالديه؟\r\rالجواب: لا يجوز للأب أن يوصي بحرمان ولده العاق فهذه وصية باطلة لأن الله ﷾ وزع نصيب كل وارث من الورثة فقد قال رسول الله ﷺ: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه) رواه البخاري ومسلم. وعلى هذا الأب أن يحاول إصلاح ولده وأن يعين ولده على بره. ولا بد من العدل بين الأولاد في المعاملة سواء كانت مادية أو معنوية. فقد قال رسول الله ﷺ: (اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو حديث صحيح. وفي حديث آخر عن ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ قال: (سووا بين أولادكم في العطية لو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء) رواه البيهقي وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن. وينبغي أن يعلم أن عقوق الوالدين معصية عظيمة وفيه إثم كبير ولكن الشرع لم يجعله من أسباب الحرمان من الميراث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346513,"book_id":3840,"shamela_page_id":893,"part":"15","page_num":161,"sequence_num":893,"body":"١٦١ - حق الأولاد\rيقول السائل: ما حكم التسوية بين الأولاد في الهبات والعطايا؟\r\rالجواب: إن الأصل في هذه القضية أن يعدل الأب والأم بين أولادهما في المعاملات عامة وفي الهبات على وجه الخصوص لأن التفريق بين الأولاد في المعاملة يورث الحقد والحسد ويوقع العداوة والبغضاء بينهم. والأحاديث الواردة عن الرسول ﷺ في هذه المسألة يفيد ظاهرها وجوب التسوية بين الأولاد في الهبات وبهذا قال جماعة من أهل العلم ولا بأس أن نستعرض بعض هذه الأحاديث:\r\r١. عن النعمان بن بشير قال: قال النبي ﷺ: (اعدلوا بين ابنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين ابنائكم) رواه احمد وأبو داود والنسائي وهو حديث صحيح.\r\r٢. وعن جابر ﵁ قال: قالت امرأة بشير: انحل ابني غلاماً - عبداً - وأشهد لي رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن ابنة فلان - زوجته - سألتني أن أنحل ابنها غلامي. فقال ﵊: له أخوة؟ قال: نعم، قال ﵊: فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ قال: لا، قال ﵊: فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق) رواه مسلم وأبو داود وأحمد وغيرهم.\r\r٣. وعن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة - أم نعمان – لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. قال ﵊: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، فقال ﷺ: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال فرجع فرد عطيته) رواه البخاري. وفي روايةٍ أخرى أن النبي ﷺ قال لبشير والد النعمان (لا تشهدني على جورٍ أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم، قال: أشهد على هذا غيري) رواه أبو داود بسندٍ صحيح. وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (سووا بين أولادكم في العطية لو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء) رواه سعيد بن منصور والبيهقي وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن.\r\rفهذه الأحاديث يؤخذ منها وجوب التسوية بين الأولاد في الهبات والعطايا إلا أن اإمام أحمد بن حنبل يرى أنه يجوز للأب أن يفاضل بين الأبناء في الهبات والعطايا إن اختص أحدهم بأمر يقتضي المفاضلة، كأن يكون أحدهم يدرس في جامعة أو مدرسة أو يكون أحد الأولاد فيه عاهة أو أنه فقير وعنده عائلة كثيرة الأولاد. وتجوز المفاضلة أيضاً عنده إذا كان الولد فاسقاً ينفق ما يحصل عليه من مالٍ في معصية الله تعالى فيجوز للأب أن يمنع عنه العطية أو يعطي بقية أولاده أكثر منه. وما ذهب إليه الإمام أحمد نظر دقيق وفقه حسن وخاصةً أنه توجد حالات لا يكون من الإنصاف فيها التسوية بين الأبناء في الهبات والعطايا فلا يمكن للأب التسوية في دفع المصاريف اليومية لأولاده مثلاً مع اختلاف أعمارهم ودراستهم فهل يعقل أن يعطى الطالب الجامعي مثل ما يعطى الطالب في المرحلة الإبتدائية. وأما إذا كان الأمر متعلقاً بإعطاء الأبناء أراضٍ أو عقارات ونحو ذلك فلا بد من التسوية والعدل بينهم في العطاء. ومن الجدير بالذكر أن جمهور الفقهاء يرون أن الذكر والأنثى سواءٌ في البهات والأعطيات لأن النبي ﷺ قال لبشير بن سعد (فسووا بينهم) وفي روايةٍ أخرى (أليس يسرك أن يكونوا في البر سواء) والبنت كالابن في وجوب برها لأبيها. ويرى الحنابلة أن على الأب أن يسقم بين أولاده على حسب قسمة الله تعالى الميراث فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين لأن الله ﷾ قسم بينهم ذلك. وورد أن شريحاً القاضي قال لرجل قسَّم ماله بين أولاده (أرددهم إلى سهام الله تعالى وفرائضه) .\r\rوينبغي أن يعلم أن التسوية بين الأولاد ليست في الأمور المالية فقط وإنما ينبغي العدل في جميع أوجه التعامل معهم حتى أن العلماء يقولون ينبغي للأب أن يعدل بين أولاده في القبل - جمع قبلة – قال إبراهيم النخعي (كانوا يستحبون أن يسووا بينهم حتى في القبل) . وروي في حديث عن أنس (أن رجلاً كان عند النبي ﷺ فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه ثم جاءت ابنة له فأجلسها بين يديه فقال ﷺ ألا سويت بينهما) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346514,"book_id":3840,"shamela_page_id":894,"part":"15","page_num":162,"sequence_num":894,"body":"١٦٢ - حق الأولاد\rإعطاء بعض الأولاد دون بعض غير جائز ,\r\rيقول السائل: في رسالةٍ طويلة مختصرها: إن أباه أعطى ثلاثة من أولاده عمارة وخصهم بها دون بقية أولاده التسعة وبعد وفاة الأب قام الأشقاء التسعة بمطالبة إخوتهم الثلاثة بنصيبهم من العمارة المذكورة ويسألون هل يجوز لهم ذلك؟ وإذا أسقط بعض الورثة حقه من العمارة فهل يحق لهم أن يطالبوا بذلك؟\r\rالجواب: إن الأصل أن على الوالد أن يعدل في العطية والهبة لأولاده ولا ينبغي له أن يفاضل بينهم إلا لموجب شرعي والذي يظهر من السؤال أن الوالد لم يعدل في عطاياه فأعطى ثلاثة من أولاده عمارة وخصهم بها دون بقية أولاده وهذا الأمر مخالف لما ورد عن رسول ﷺ في التسوية بين الأولاد والعدل بينهم في الأعطيات والمعاملة أيضاً. يقول الرسول ﷺ: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) رواه البخاري. وقد اعتبر الرسول ﷺ إعطاء بعض الأولاد شيئاً دون الآخرين من الجور فقد ورد في الحديث عن جابر قال: قالت امرأة بشير: إنحل – أي أعط – ابني غلام وأشهد لي رسول الله ﷺ. فأتى رسول الله فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي فقال له الرسول ﷺ: (له إخوة؟ قال: نعم. قال: فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته. قال: لا. فقال له ﵊: فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق) رواه مسلم. وفي روايةٍ أخرى قال ﵊ (لا تشهدني على جور إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم) رواه أبو دواد. وفي رواية أخرى أن الرسول ﷺ أمره أن يرجع في هبته. فالذي يظهر من خلال هذه الروايات وغيرها أنه لا بد من العدل عند إعطاء الأولاد ولا يجوز تفضيل بعض الأولاد على بعض لأن هذا التفضيل بينهم يؤدي إلى العداوة والبغضاء بين الأولاد.\r\rوالذي أنصح في هذه القضية أن تكون العمارة المعطاة لثلاثة فقط من الأولاد دون البقية من ضمن التركة وتوزع على جميع الورثة إبراءً لذمة الوالد ولنزع فتيل الشقاق والخصام والأحقاد من النفوس وهذا الأمر فيه احتياط في الدين.\r\rوأما إذا أسقط بقية الورثة حقهم في هذه العمارة ثم رجعوا في ذلك فلا يجوز لهم الرجوع لأن القاعدة الفقهية تقول الساقط لا يعود يعني إذا أسقط شخص حقاً من الحقوق التي يجوز إسقاطها، يسقط ذلك الحق وبعد إسقاطه لا يعود. ولكن يشترط في إسقاطه الحق أن يكون عن رضاً نفس وبدون ضغط أو إكراهٍ أو حياء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346515,"book_id":3840,"shamela_page_id":895,"part":"15","page_num":163,"sequence_num":895,"body":"١٦٣ - حق الأولاد\rيقول السائل: ما قولكم في رجلٍ له عدد من الأولاد من زوجتين فقام بإعطاء جميع أمواله المنقولة وغير المنقولة؟ إلى ولدين من إحدى زوجتيه ويقوم هذان الولدان بإنفاق الأموال في اللهو المجنون، وحرم باقي الأولاد وهم عشرة علماً بأن بين الأولاد المحرومين أصحاب عاهات دائمة وبحاجة للمساعدة؟\r\rالجواب: إن هذا الرجل قد أساء التصرف وخالف الهدي النبوي في التسوية بين الأولاد في الأعطيات والهبات. فإن العدل بين الأولاد مطلوبٌ سواء أكان في الأمور المادية أو المعنوية وتصرف هذا الرجل يزرع العداوة والبغضاء والحقد بين الأولاد. وقد رفض الرسول ﷺ أن يشهد على إعطاء أحد الصحابة لأحد أولاده عطية دون الآخرين كما جاء في الحديث: عن عامر قال: (سمعت النعمان بن بشير ﵄ وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي أعطيةً فقالت عمرة بنت رواحة – أم نعمان – لا أرضى حتى تشهد رسول ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. قال ﵊: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، فقال ﵊: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال فرجع فرد عطيته) رواه البخاري في صحيحه. وفي روايةٍ أخرى أن النبي ﷺ قال لبشير والد النعمان (لا تشهدني على جورٍ أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم. قال: أشهد على هذا غيري) رواه أبو داود بسندٍ صحيح.\r\rويدل على أنه يجب على الأب أن يسوي بين أولاده في الهبات والعطايا قوله ﵊: (اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو حديثٌ صحيح. وقوله ﵊: (سووا بين أولادكم في العطية لو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء) رواه سعيد بن منصور والبيهقي وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن. وقوله ﵊: (اعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر) رواه مسلم. وعلى هذا فيجب على هذا الأب لأن يسترجع ما أعطاه لولديه ويعيد تقسيم تلك الأموال بين أولاده بالتساوي فالرجوع في الهبة في حق الوالد جائز على مذهب جمهور الفقهاء ويدل على ذلك قوله ﵊: (لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) رواه أصحاب السنن الأربعة وأحمد وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم. ويدل على جواز الرجوع ما جاء في حديث النعمان المتقدم قال (فرد عطيته) وفي رواية أخرى صحيحة قال ﷺ: (فأرجعه) . وفي روايةٍ ثالثة (فرجع أبي في تلك الصدقة) . وخاصةً أن الولدين الذين خصهما بأعطيته ينفقان ذلك في المحرمات فهو بعمله هذا يعينهما على الفسق والفجور والعياذ بالله، بدل أن يردعهما ويزجرهما ويأمرهما بالمعروف وينهاهما عن المنكر وكذلك بعض أولاده الذين حرمهم ممن يستحقون زيادة في العطف والمساعدة والرفق بهم وهم أصحاب العاهات الدائمة.\r\rفعلى هذا الرجل أن يتقي الله ويعود إلى رشده ويلزم طريق العدل والإنصاف وإلا فسوف يندم عندما يقف بين يدي الله يوم القيامة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346516,"book_id":3840,"shamela_page_id":896,"part":"15","page_num":164,"sequence_num":896,"body":"١٦٤ - الميراث\rحرمان النساء من الميراث حرام ,\r\rتقول السائلة: تنازلت امرأة عن ميراثها لأخيها تحت تأثير التهديد والوعد والوعيد منه مقابل أن يعطيها في كل عامٍ مالاً يكفيها لتنفق على نفسها ولكنه لم يف بالتزامه فهل يجوز أن تطالبه بإعادة نصيبها من الميراث؟\r\rالجواب: إن حرمان النساء من الميراث بصوره المختلفة من المشكلات المنتشرة في مجتمعنا، وكثيراً ما يترتب على ذلك الحرمان مآس من ظلم وقهر وأكل أموال الناس بالباطل وإن حرمان النساء من الميراث من مخلفات الجاهلية التي هدمها الإسلام قال قتادة: [كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان] وكان أكبر الأولاد هو الذي يأخذ جميع الميراث وكانوا يقولون: لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وطاعن بالرمح وضارب بالسيف وحاز الغنيمة. وهذه جاهلية جهلاء حاربها الإسلام وأعطى المرأة نصيبها من الميراث يقول الله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) . فهذه الآية الكريمة أوجبت النصيب من الميراث للرجال والنساء قليلاً كان ذلك أو كثيراً فالمرأة سواء كانت أماً أو زوجة أو أختاً أو بنتاً فلها نصيبها من الميراث وهذا النصيب حق شرعي لها وليس منةً أو تفضلاً من أحد فلا يجوز لأي كان أن يحرمها من نصيبها الذي قرره الشرع الحنيف. وكل من يحرم امرأة من نصيبها بأي وسيلة كانت كالتهديد والوعيد بإجبارها على التنازل عن ميراثيها أو بالتحايل عليها لإسقاط حقها بما يسميه عامة الناس (إرضاء الأخوات) زوراً وبهتاناً. أقول كل من يفعل ذلك فهو آثم ومعطل لحكم الله في هذه القضية ومعتد على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ,وأكل لأموال الناس بالباطل. وهذه المرأة التي هددها أخوها وأجبرها على التنازل عن ميراثها مقابل وعد زائف كاذب بالأنفاق عليها قد ظلمت ظلماً واضحاً من هذا الأخ الظالم الذي أكل مال أخته بالباطل ولها أن تطالب بحقها وتسعى في تحصيله. وإنني لأذكر هذا الأخ وكل شخصٍ يحرم النساء من الميراث بتقوى الله تعالى فاتقوا الله في إخواتكم النساء وأعطوا الحقوق لأصحابها وأعيدوا نصيب النساء لهن قبل أن ترحلوا عن هذه الدنيا وقبل أن تقفوا بين يدي الله في ذلك اليوم العظيم الذي لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم. فتوبوا إلى رشدكم ولا تغرنكم الأموال ولا العقارات وأعطوا كل ذي حقٍ حقه على وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ. وأذكر هؤلاء بأن الظلم مرتعه وخيم فقد قال ﷺ:\r\r١. عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) رواه مسلم.\r\r٢. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء – التي لا قرن لها – من الشاة القرناء) رواه مسلم.\r\r٣. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) رواه البخاري.\r\r٤. وعن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ بعث معاذ إلى اليمن فقال: اتقي دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب) رواه البخاري.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346517,"book_id":3840,"shamela_page_id":897,"part":"15","page_num":165,"sequence_num":897,"body":"١٦٥ - أموال اليتامى\rيقول السائل: أنه وصي على أيتام ولهم أموال فهل يجوز له أن يشغل أموال الأيتام في تجارة أو شركة أو نحو ذلك؟\r\rالجواب: إن على من ولي أيتاماً ولهم أموال أن يتصرف في أموالهم بما تقتضيه مصلحة هؤلاء الأيتام وكأن هذا الولي يتصرف في ماله الخاص فعليه أن يحفظ أموالهم من التلف وأن يجنبهم المخاطر، والأصل في هذا قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) . قال القرطبي في تفسير هذه الآية: [أي بما فيه صلاحه وتثميره وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه. وهذا أحسن الأقوال في هذا فإنه جامع] . قال مجاهد: [لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن] . [بالتجارة فيه ولا تشتري منه ولا تستقرض] . تفسير القرطبي٧/ ١٣٤.\r\rوبناءً على ذلك لا يجوز للولي أن يتبرع بشيءٍ من مال اليتيم أو يتصدق منه أو يهبه أو يقرضه ولا يجوز بيعه أو شراؤه مع الغبن الفاحش لأن في ذلك إضاعة لأموال اليتامى. ويجوز للولي البيع والشراء والإجارة والشركة في أموال اليتامى فاستثمار أموال اليتامى جائز بل مطلوب حتى لا يفنى مال اليتيم في النفقات أو الزكاة عند القائلين بوجوبها في مال اليتيم ويدل على جواز ذلك ما ورد في بعض الأحاديث والآثار عن الصحابة ﵃ منها:\r\r١. ما روي أنه ﵊ قال: (ألا من ولي يتيماً وله مال فليتجر له بماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) رواه الترمذي وضعفه.\r\r٢. ما رواه الشافعي بسنده عن يوسف بن ماهك أن رسول الله ﷺ قال: (ابتغوا في مال اليتيم أو أموال اليتامى لا تذهبها ولا تستهلكها الصدقة) رواه الشافعي في الأم والبيهقي في السنن الكبرى وقال البيهقي وهذا مرسل إلا أن الشافعي ﵀ أكده بالإستدلال بالخبر الأول وبما روي عن الصحابة ﵃. سنن البيهقي ٤/ ١٠٧.\r\r٣. ما رواه البيهقي بسنده عن عمر بن الخطاب أنه قال: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة) . وقال البيهقي هذا إسناد صحيح وله شواهد عن عمر ﵁.\r\r٤. ما رواه مالك في الموطأ أنه بلغه عن عمر بن الخطاب أنه قال: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة) .\r\r٥. وما رواه البيهقي بسنده أن عمر بن الخطاب قال لرجل أن عندنا ما يتيم قد أسرعت فيه الزكاة فدفعه إليه ليتجر فيه له. وغير ذلك من الأحاديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346518,"book_id":3840,"shamela_page_id":898,"part":"15","page_num":166,"sequence_num":898,"body":"١٦٦ - الميراث\rالوصية الواجبة,\r\rيقول السائل: إذا توفي الرجل في حياة أبيه وترك أولاده فهل لهم نصيب من ميراث جدهم مع وجود أعمامهم؟\r\rالجواب: إن الأصل في نظام الميراث الإسلامي أن هؤلاء الأولاد أي حفدة المتوفى لا يرثون شيئاً مع وجود أعمامهم أو عماتهم على قيد الحياة أي أنهم محجوبون بأعمامهم وعماتهم. ولكن قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية أعطى لهؤلاء الحفدة نصيباً من الميراث وهو ما يعرف بالوصية الواجبة فقد جاء في المادة (١٨٢) من القانون المذكور لسنة ١٩٦٧ ما نصه: (إذا توفي أحد وله أولاد ابن وقد مات ذلك الابن قبله أو معه وجب لأحفاده هؤلاء في تركته وصية بالمقدار والشروط التالية) سيأتي فيما بعد. وهذه الوصية الواجبة أول ما عمل بها كان ذلك ضمن قانون الأحوال الشخصية المصري الصادر ١٩٤٦ وكذلك عمل بها ضمن قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر سنة ١٩٥٣ وما زال معمولاً بها في بعض الدول العربية والإسلامية. والمستند الشرعي الذي اعتمده المشرعون للوصية الواجبة هو ما ذهب إليه بعض الفقهاء من التابعين وغيرهم من الأئمة كسعيد بن المسيب والحسن البصري وطاووس وأحمد بن حنبل وداود الظاهري وابن حزم وابن جرير الطبري وغيرهم من أن الوصية واجبة للأقربين غير الوارثين أخذاً من قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) سورة البقرة آية ١٨٠.\r\rوهذه الآية محكمة غير منسوخة كما رجحه كثير من المحققين من أهل التفسير وغيرهم فالأقارب من غير الورثة تجب لهم الوصية بمقتضى هذه الآية والحفدة من ضمن هؤلاء الأقارب غير الورثة أصلاً لوجود أعمامهم وعماتهم. يرى بعض العلماء المعاصرين أن الحكمة من تشريع نظام الوصية الواجبة هو الحفاظ على الأسرة موحدة ومتماسكة وأن فيها إقامة للعدل ومعالجة مظاهر الظلم وما ينتج عنها من بؤس وحرمان وفقر. ذلك أنه في حالات كثيرة يتوفى الابن قبل والده ويكون لذلك الوالد أبناء يمنعون أبناء المتوفى من الميراث وعندها يحرمون نصيبهم من مال ربما كان لأبيهم اليد الطولى في جمعه وتثميره فيؤول هذا المال إلى ملك الأعمام بحقهم في الميراث وينالون بسببه حظهم الوافر من المتاع الدنيوي وأبناء المتوفى إلى جانبهم يعانون شظف العيش وفي هذا تقطيع لآصرة ارحم وبعث الأحقاد واستشعار لمرارة الظلم والحرمان فجاء قانون الوصية الواجبة المستمد من نظرات صائبة لنفر من صالحي السلف فقهاء ومحدثين ليسد هذه الثلمة وليعالج مصدر من مصادر الشكوى التي غدت تتعالى وتتكر في مجتمعنا من خلال ما أذنت به مرونة آراء الفقهاء من تشريع (الوصية الواجبة) نظام الأسرة ٣/ ٥٩٢. وشروط استحقاق الوصية الواجبة كما ورد في قانون الأحوال الشخصية الأردني هي:\r\r١. الوصية الواجبة لهؤلاء الأحفاد تكون بمقدار حصة أبيهم من الميراث فيما لو كان حياً على أن لا يتجاوز ذلك ثلث التركة\r\r٢. لا يستحق هؤلاء الأحفاد وصية إذا كانوا وارثين لأصل أبيهم جداً كان أو جدة أو كان قد أوصى لهم أو أعطاهم في حياته بلا عوض مقدار ما يستحقون بهذه الوصية الواجبة فإن أوصى لهم بأقل من ذلك وجبت تكملته وإن أوصى لهم بأكثر فإن الزائد وصية اختيارية وإن أوصى لبعضهم فقد وجب للآخر بقدر نصيبه.\r\r٣. تكون الوصية لأولاد الابن ولأولاد ابن الإبن وإن نزل واحداً كان أو أكثر للذكر مثل حظ الأنثيين يحجب كل أصل فروعه دون فرع غيره ويأخذ كل فرع نصيب أصله فقط.\r\r٤. هذه الوصية الواجبة مقدمة على الوصايا الاختيارية في الاستيفاء من ثلث التركة. وينبغي أن يعلم أن الجد إذا لم يوصي لأولاد ابنه المتوفى في حياته فإن القاضي يفرض لهم تلك الوصية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346519,"book_id":3840,"shamela_page_id":899,"part":"15","page_num":167,"sequence_num":899,"body":"١٦٧ - الحمل والإجهاض\rلا يجوز إسقاط الجنين المعاق,\r\rتقول السائلة: إنها حامل في الشهر الخامس وقد قرر الطبيب أن الجنين سيولد معاقاً، فعل يجوز لها إسقاط الحمل؟\r\rالجواب: لقد اتفق العلماء على عدم حواز الإجهاض بعد الشهر الرابع من الحمل أي بعد مضي مائة وعشرين ليلة حيث تنفخ الروح في الجنين، لحديث عبد الله بن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويأمر بأربع كلمات، يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد) رواه البخاري ومسلم. ومن العلماء من حرم الإجهاض قبل الأشهر الأربعة أيضاً، وهذا هو الحق إن شاء الله، فلا ينبغي لامرأة مسلمة أن تجهض مولودها إلا إذا ثبت أن هناك خطراً محققاً على حياة الأم، ويعتبر في تحديد هذا الخطر قول الطبيب الحاذق الثقة. وأما إخبار الطبيب بأن المولود سيكون معاقاً فإن هذا الأمر لا يجيز الإجهاض، وعلى هذه المرأة أن تصبر وتحتسب. وإذا وقع الإجهاض منها فإن ذلك يعتبر جريمة موجبة للغرة – وهي دية الجنين – لأنه قتل لنفس محرمة وتلزمها كفارة القتل الخطأ عند بعض أهل العلم.\r\rوينبغي على الأطباء أن يتقوا الله في النساء المسلمات فلا يجوز لهم أن يسهلوا لهن عملية الإجهاض إلا في الحالات التي يتهدد الخطر فيها حياة الأم لأن من شأن عملية الإجهاض فتح باب الفساد على مصراعيه ويلحق أضراراً بالغة في المجتمع المسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346520,"book_id":3840,"shamela_page_id":900,"part":"15","page_num":168,"sequence_num":900,"body":"١٦٨ - صلة الأرحام\rيقول السائل: من هم الأرحام الذين تجب صلتهم وبما تكون صلة الرحم؟\r\rالجواب: الأرحام هم الأقارب وهم على نوعين: رحم محرم ورحم غير محرم. والرحم المحرم هو كل من لو فرضناه رجلاً والآخر أنثى لم يحل لهما الزواج كالآباء والأمهات والأجداد والجدات والأعمام والعمات والأخوال والخالات والأخوة والأخوات ذكوراً وإناثاً. وأما الرحم غير المحرم فهم: الأقارب الذين يجوز التناكح بينهم كبنات الأعمام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346521,"book_id":3840,"shamela_page_id":901,"part":"15","page_num":169,"sequence_num":901,"body":"١٦٩ - الحمل والإجهاض\rعلاج عدم الإنجاب,\r\rيقول السائل: إنه أحد أربعة أخوة ولهم اخت والجميع متزوج منذ فترة غير قصيرة ولم ينجب أي واحد منهم وأنهم عرضوا أنفسهم على الأطباء المختصين فأكدوا لهم عدم وجود أي مانع صحي من الإنجاب كذلك عدم وجود أي عامل وراثي يمنع منه وأن بعض الناس أخبرهم أن عدم الإنجاب مرده السحر أو أن ذلك يرجع إلى دعوة مظلوم حيث إن والدهم كان له مشكلة مع إحدى النساء وانها كانت مظلومة وهم يبحثون عن حل لمشكلتهم؟\r\rالجواب: إن على السائل أن يراجع الأطباء أصحاب الاختصاص في هذه المشكلة لاحتمال أن يكون سبب عدم الإنجاب هو أمر طبي والأطباء هم الذين يقررون ذلك. وأما إذا ثبت أنه لا يوجد عائق من الناحية الصحية أو الوراثية يمنع الأنجاب فيكون احتمال أن ذلك ناتج عن السحر أمراً وارداً وفي هذه الحالة فعليه أن يسعى لفك السحر ويكون ذلك بقراءة القرآن الكريم والأدعية الشرعية على أيدي أناس مشود لهم بالورع والتقوى.\r\rولا يجوز اللجوء إلى السحرة لفك السحر فقد جاء في حديث جابر أنه ﵊ سئل عن النشرة - وهي فك السحر - فقال: (هي من عمل الشيطان) رواه أحمد وأبو داود وإسناده حسن. وعلى السائل وإخوته أن ينيبوا لله ﷾ وأن يكثروا من قراءة القرآن الكريم وأن يحافظوا على الأذكار وكذلك الأدعية المأثورة وأن يديموا اللجوء إلى الله ﷾ طالبين إزالة ما بهم من ضر. يقول الله ﷾: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) .\r\rويقول الله ﷾: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) . وكذلك ينبغي لهؤلاء الأخوة الأربعة أن يزيلوا أي مظلمة ظلمها أبوهم بحق جارتهم وأن يعيدوا لها حقوقها المسلوبة منها وأن يكثروا من الصدقة لعل الله يفرج كربهم ويزيل همهم وغمهم. وأذكر السائل بتلاوة بعض آيات من القرآن الكريم التي تنفع بإذن الله في علاج السحر وإعادتها دائماً وهذه الآيات هي آية الكرسي و (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) . والآيات التي في سورة يونس وهي قوله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ... ) سورة يونس ٧٩ – ٨٢ والآيات من سورة طه: (قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ... ) طه ٦٥ - ٦٩.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346522,"book_id":3840,"shamela_page_id":902,"part":"15","page_num":170,"sequence_num":902,"body":"١٧٠ - النكاح\rاشتراط المرأة في عقد زواجها أن لا يتزوج عليها بأخرى,\r\rيقول السائل: هل يجوز للمرأة أن تشترط في عقد زواجها أن لا يتزوج زوجها عليها وما الحكم لو حصل هذا الشرط وقبل به الزوج عند العقد ثم ندم على ذلك بعد مدة فهل عليه الوفاء بالشرط المذكور أم لا؟\r\rالجواب: اتفق أهل العلم على وجوب الوفاء بالشروط التي يقتضيها عقد الزواج كالإنفاق على الزوجة مثلاً. واختلفوا في الشروط التي لا تنافي مقتضى عقد الزواج ولا تخل بمقصوده الأصلي كالشرط المذكور في السؤال. والذي أختاره في هذه المسألة أنه يجوز للمرأة أن تشترط في عقد زواجها أن لا يتزوج زوجها عليها وأنه يلزم الزوج الوفاء بهذا الشرط ما دام أنه قبل به عند عقد الزواج وهذا قول الحنابلة في هذه المسألة.\r\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي عند حديثه على الشروط في النكاح: [ما يلزم الوفاء به وهو ما يعود إليها نفعه وفائدته مثل أن يشترط لها أن لا يخرجها من دارها أو بلدها ولا يسافر بها أو لا يتزوج عليها... فهذا يلزمه الوفاء لها به فإن لم يفعل فلها فسخ النكاح يروى هذا عن عمر بن الخطاب ﵁ وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃ وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وطاووس والأوزاعي وإسحاق] المغني ٧/٩٣. ومما يدل لهذا القول عموم النصوص الشرعية الآمرة بالوفاء بالعهد كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) سورة المائدة آية ١. ومما يدل عليه أيضاً ما جاء في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) رواه البخاري ومسلم. وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب الشروط في النكاح وقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط. وقال المسور بن مخرمة: سمعت النبي ﷺ ذكر صهراً له فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن، قال: حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي] وقال الحافظ ابن حجر عن أثر عمر بأنه قد وصله سعيد بن منصور في سننه. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١١/١٢٤. وقد صحح الشيخ الألباني أثر عمر المذكور. ومما يدل لهذا القول ما جاء في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.\r\rوقد أخذ قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية عندنا بقول الحنابلة في هذه المسألة فقد جاء في المادة ١٩ من القانون المذكور ما يلي: [إذا شرط في العقد شرط نافع لأحد الطرفين ولم يكن منافياً لمقاصد الزواج ولم يلتزم فيه بما هو محظور شرعاً وسجل في وثيقة العقد وجبت مراعاته وفقاً لما يلي: ١. إذا اشترطت الزوجة على زوجها شرطاً تتحقق به مصلحة غير محظورة شرعاً ولا يمس حق الغير كأن تشترط عليه أن لا يخرجها من يلدها أو لا يتزوج عليها أو أن يجعل أمرها بيدها تطلق نفسها إذا شاءت أو أن يسكنها في بلد معين كان الشرط صحيحاً وملزماً فإن لم يف به الزوج فسخ العقد بطلب الزوجة ولها مطالبته بسائر حقوقها الزوجية ... الخ] . وبناءاً على ما سبق أقول بأنه يجب على الزوج الوفاء بالشرط المذكور ما دام أنه قبل به ابتداءً وعليه الالتزام بذلك. ولكني أنصح المقبلين على الزواج أن لا يقبلوا بهذا الشرط ابتداءً فلا ينبغي للرجل أن يقبل أن يشرط عليه في عقد الزواج أن لا يتزوج عليها. لأنه لا يدري ماذا يحصل معه في مستقبل أيامه فقد تمرض زوجته مرضاً يمنع استمرار الحياة الزوجية بالشكل المطلوب كأن تصاب بمرض مزمن أو معد أو قد تصيبها أمور أخرى أو قد تقع العداوة والبغضاء بينهما ولا يستطيع تطليقها لسبب ما فإنه حينئذ يستطيع أن يتزوج عليها ثانية فإن كان قد شرط على نفسه ألا يتزوج عليها فقد قطع الطريق على نفسه. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346523,"book_id":3840,"shamela_page_id":903,"part":"15","page_num":171,"sequence_num":903,"body":"١٧١ - المحارم\rيقول السائل: إنه وأخوه متزوجان من أختين ويسكنان في بيت واحد وزوجة كل منهما تظهر على زوج أختها بدون جلباب مع إظهار الزينة لأنهما تعتقدان أن زوج الأخت محرم فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن زوج الأخت يعتبر أجنبياً على أخت زوجته ولا يختلف حكمه عن الرجال الأجانب إلا في حكم واحد فقط وهو أنه لا يجوز أن يتزوج أخت زوجته ما دامت أختها في عصمته. وهنالك خطأ شائع بين الناس أن زوج الأخت محرم لأخت زوجته وهذا الفهم مغلوط ولا يستند إلى أي دليل شرعي وإنما فهم الناس هذه المحرمية غير الصحيحة شرعاً من كونه لا يجوز شرعاً الجمع بين الأختين ففهم كثير من الناس ثبوت المحرمية بين زوج الأخت وأخت زوجته. ويجب أن يعلم أن هذا التحريم المؤقت في الجمع بين الأختين في الزواج لا يجعل زوج الأخت محرماً لأخت زوجته. ومحارم المرأة هم الذين يحرم عليهم نكاحها على التأبيد وهذه المحرمية تكون بسبب النسب أو بسبب الرضاع أو بسبب المصاهرة. والمحارم من النسب هم الآباء وإن علوا من جهة الذكور والإناث كآباء الآباء وآباء الأمهات.\r\rوالمحارم من الأبناء أي أبناء النساء فيدخل فيهم أولاد الأولاد وإن نزلوا من الذكور والإناث مثل بني البنين وبني البنات أما أبناء بعولتهن فهم آبناء أزواجهن من غيرهن وهؤلاء محارم بسبب المصاهرة لا بسبب النسب. المحارم من الأخوة وهم إخوانهن سواء أكانوا أخوة لأم وأب أو لأب فقط أو لأم فقط. المحارم من بني إخوانهن وإن نزلوا من ذكران وإناث كبني بني الإخوان. المحارم من بني أخواتهن وإن نزلوا من ذكران وإناث كبني بنات الأخوات. العم والخال وهما من المحارم بالنسب ولم يذكروا في الآية الكريمة لأنهما يجريان مجرى الوالدين وهما عند الناس بمنزلة الوالدين. وأما المحارم من الرضاع فهم مثل المحارم من النسب لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) رواه مسلم. وأما المحارم من المصاهرة فهم الذين يحرم عليهم نكاحها على التأبيد مثل زوجة الأب وزوجة الابن وأم الزوجة فالمحرم بالمصاهرة بالنسبة لزوجة الأب هو ابنه من غيرها وبالنسبة لزوجة الابن هو أبوه وبالنسبة لأم الزوجة هو الزوج. المفصل في أحكام المرأة ٣/١٦١ – ١٦٢. وبين الله ﷾ المحرمات من النساء بقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) سورة النساء الآيتان ٢٢-٢٣. ولم يقل الله ﷾: (وأخوات نسائكم) وإنما قال: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) فالأمر المحظور هو الجمع بين الأختين أي في الزواج، وبهذا يظهر لنا بوضوح أن زوج الأخت ليس محرماً لأخت زوجته.\r\rوبناءاً على ذلك فإن زوج الأخت يعتبر أجنبياً على أخت زوجته وتنطبق عليه جميع الأحكام المتعلقة بالأجانب من حيث النظر واللمس والدخول والخلوة فلا يجوز أن ينظر زوج الأخت من أخت زوجته إلى شيء سوى الوجه والكفين ولا يجوز له لمسها ولا مصافحتها ولا يجوز أن يخلو بها. ولا يجوز لها أن تبدي زينتها أمام زوج أختها لقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْءَابَائِهِنَّ أَوْءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) سورة النور الآية ٣١. وأخو الزوج ليس من هؤلاء المذكورين في الآية. وقد حذر النبي ﷺ الرجال من الدخول على النساء وخاصة أخو الزوج فقد صح في الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (الحمو الموت) قال الليث بن سعد: الحمو أخو الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج: ابن العم ونحوه. اتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة كأبيه وأخيه وابن أخيه وابن العم ونحوهم، والأختان أقارب زوجة الرجل والأصهار يقع على النوعين.\r\rوأما قوله ﷺ: (الحمو الموت) فمعناه أن الخوف منه أكثر من غيره والشر يتوقع منه والفتنة أكثر لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه بخلاف الأجنبي والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته تجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن ليس بمحرم. وعادة الناس المساهلة فيه ويخلو بامرأة أخيه فهذا هو الموت وهو أولى بالمنع من الأجنبي ... وقال ابن الأعرابي: هي كلمة تقولها العرب كما يقال: الأسد الموت. أي لقاؤه مثل الموت، وقال القاضي: معناه الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك في الدين فجعله كهلاك الموت فورد الكلام مورد غليظ] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٣٢٩. وقال أبو العباس القرطبي: [وقوله: (الحمو الموت) أي دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة أي فهو محرم معلوم التحريم وإنما بالغ في الزجر عن ذلك وشبهه بالموت لتسامح الناس في ذلك من جهة الزوج والزوجة لإلْفهم لذلك حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة عادة وخرج هذا مخرج قول العرب: الأسد الموت والحرب الموت أي لقاءه يفضي إلى الموت وكذلك دخول الحمو على المرأة يفضي إلى موت الدين أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج أو برجمها إن زنت معه] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٥/٥٠١-٥٠٢. ونقل الحافظ ابن حجر عن الطبري قوله: [المعنى أن خلوة الرجل بامرأة أخيه وابن أخيه - أي زوجة ابن أخيه - تنزل منزلة الموت والعرب تصف الشيء المكروه بالموت] فتح الباري ١١/٢٤٥. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346524,"book_id":3840,"shamela_page_id":904,"part":"15","page_num":172,"sequence_num":904,"body":"١٧٢ - المحارم\rمسألة لبن الفحل ,\r\rيقول السائل: رجل له زوجتان وكل منهما قد أنجبت والأولى منهما أرضعت ولداً لأحد الأقارب فهل يجوز لهذا أن يتزوج ابنة ذلك الرجل من زوجته الثانية؟\r\rالجواب: ثبت في الحديث الصحيح من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إن الرضاعة تحرم ما يحرم من النسب) رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية أخرى: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وهو حديث صحيح. وقد اتفق العلماء على ذلك وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وفي السؤال المذكور فإن الولد المشار إليه قد رضع من زوجة الرجل فيصير الرجل أباً لذلك الولد من الرضاعة والبنت التي أراد أن يتزوجها هي أخت لأب من الرضاعة فلا تحل له. وإن كانت البنت من الزوجة الثانية للرجل. وهذه المسألة يكون التحريم فيها بسبب الرجل وتسمى عند الفقهاء مسألة لبن الفحل وهي التي تكون الحرمة فيها في جانب زوج المرضعة التي نزل لبنها بسبب من الرجل ومعنى ذلك أن المرأة إذا أرضعت طفلاً بلبن هذا الفحل أي الرجل الذي كان وطؤه لها سبباً في إدرار لبن هذه المرأة فإن الطفل الرضيع يصير ولداً لهما فالمرأة تصير أمه بالرضاعة وهو ولدها بالرضاعة والرجل أي زوج المرأة يصير أباً له وهو ولده بالرضاعة وعلى هذا تصير علاقة الرضيع بالرجل وزوجته وبأقاربهما مثل علاقة ولدهما بالنسب. المفصل في أحكام المرأة ٦/٢٣٨.\r\rقال الإمام النووي: [وأما الرجل المنسوب ذلك اللبن إليه لكونه زوج المرأة ... فمذهبنا ومذهب العلماء كافة ثبوت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع ويصير ولداً له وأولاد الرجل أخوة الرضيع وأخواته ويكون أخو الرجل أعمام الرضيع وأخواته عماته] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/١٨. ومما يدل على هذا الحكم ما ثبت في الحديث عن عروة بن الزبير عن عائشة: (أنها أخبرته أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن أنزل الله الحجاب. قالت: فأبيت أن آذن له فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعته فأمرني أن آذن له عليَّ) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى: (أن عائشة أخبرته أنه جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن عليها بعدما نزل الحجاب وكان أبو القعيس أبا عائشة من الرضاعة. فقلت: والله لا آذن لأفلح حتى أستأذن رسول الله ﷺ فإن أبا القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته. قالت عائشة: فلما دخ رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله إن أفلح أخا أبي القعيس جاءني يستأذن عليَّ فكرهت أن آذن له حتى استأذنك. قالت: فقال النبي ﷺ: إئذني له. قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول حرموا من الرضاع ما تحرمون من النسب] رواه مسلم. وقد ثبت في الحديث أيضاً أنه طلب من النبي ﷺ أن ينكح درة بنت أبي سلمة فقال: (لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبة) رواه البخاري ومسلم. وقد سئل ابن عباس عن رجل تزوج امرأتين فأرضعت إحداهما جارية وأخرى غلاماً فهل يتزوج الغلام بالجارية. فقال: لا اللقاح واحد. رواه مالك والترمذي وإسناده صحيح. والقول بأن لبن الفحل يحرم هو القول الصحيح في هذه المسألة وحديث عائشة في قصة استئذان أفلح أخي أبي القعيس نص صريح في أن لبن الفحل يحرم. قال الشيخ ابن قدامة بعد أن ساق الحديث: [وهذا نص قاطع في محل النزاع فلا يعول على ما خالفه] المغني ٧/١١٤.\r\rوقال العلامة ابن القيم: [الحكم الثاني: المستفاد من هذه السنة أن لبن الفحل يحرم والتحريم ينتشر منه كما ينتشر من المرأة وهذا هو الحق الذي لا يجوز أن يقال بغيره وإن خالف فيه من خالف من الصحابة ومن بعدهم فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع ويترك ما خالفها لأجلها ولا تترك هي لأجل قول أحد كائناً من كان ولو تركت السنن لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له أو لتأويلها أو غير ذلك لترك سنن كثيرة جداً وتركت الحجة إلى غيرها وقول من يجب اتباعه إلى قول من لايجب اتباعه وقول المعصوم إلى قول غير المعصوم وهذه بلية نسأل الله العافية منها وأن لا نلقاه بها يوم القيامة. قال الأعمش: كان عمارة وإبراهيم وأصحابنا لا يرون بلبن الفحل بأساً حتى أتاهم الحكم بن عتيبة بخبر أبي القعيس فتركوا قولهم ورجعوا عنه وهكذا يصنع أهل العلم إذا أتتهم السنة عن رسول الله ﷺ رجعوا إليها وتركوا قولهم بغيرها] زاد المعاد ٥/٥٦٤-٥٦٥. وتعليل التحريم بلبن الفحل أن اللبن هو سبب التحريم لأنه ينبت اللحم وينشز العظم واللبن في المرأة يوجد بسب ماء الرجل وماء المرأة وبارتضاعه تثبت الجزئية بين الرضيع وبين المرأة وزوجها وهما اللذان بسبب مائهما حصل اللبن واللبن هو سبب إنبات اللحم وانتشاز العظم وهذا بدوره سبب الجزئية بين الرضيع وبين مسببي الجزئية أي الرجل وامرأته والسبب يقوم مقام المسبب خصوصاً في باب الحرمات ألا ترى أن المرأة تحرم على جدها كما تحرم على أبيها وإن لم يكن تحريمها على جدها منصوصاً عليه في القرآن الكريم لأن البنت وإن حدثت من ماء الأب حقيقة دون ماء الجد ولكن الجد سبب ماء الأب فأقيم السبب مقام المسبب في حق حرمة النكاح احتياطاً كذا هاهنا. وقد أشار عبد الله بن عباس ﵄ إلى هذا المعنى فقد روي أنه سئل عن رجل له امرأتان أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاماً هل يصلح للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال ابن عباس: لا، لأن اللقاح واحد.\r\rوبهذا الجواب بين عبد الله بن عباس ﵄ الحكم وأشار إلى المعنى وهو اتحاد اللقاح لأن المحرم هو اللبن وسبب اللبن هو ماء الرجل وماء امرأته جميعا فيجب أن يكون الرضاع منهما جميعاً كما كان الولد لهما جميعاً] المفصل في أحكام المرأة ٦/٢٤٠. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346525,"book_id":3840,"shamela_page_id":905,"part":"15","page_num":173,"sequence_num":905,"body":"١٧٣ - ما هو النمص؟\rتقول السائلة: هل إزالة الشعر الذي يكون بين الحاجبين من النمص المنهي عنه؟\r\rالجواب: النمص هو نتف الشعر وإزالته كما ذكره أهل اللغة. انظر تاج العروس من جواهر القاموس ٩/٣٧٤. وقد ورد النهي عن النمص في أحاديث عن الرسول ﷺ ولكن نتف الشعر وإزالته ليست ممنوعة على إطلاقها بل هناك مواقع في الجسم يندب إزالة الشعر منها. وقد فسر العلماء النمص الوارد في الأحاديث بأنه إزالة شعر الحاجب أو ترقيقه وهو قول وجيه. قال أبو داود صاحب السنن: (والنامصة التي تنقش الحاجب حتى ترقه والمتنمصة المعمول بها) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ١١/١٥٢. وقد اتفق أهل العلم على أن ترقيق الحاجب ونتفه داخل في النمص المنهي عنه وأن فاعلته ملعونة كما ثبت في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله؟ قالت: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه وجدتيه، قال ﷿: (وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) . فقالت المرأة: فإني أرى شيئاً من هذا على امرأتك الآن. قال: اذهبي فانظري. قال: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئاً. فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئاً. فقال: أما لوكان ذلك لم نجامعها) رواه مسلم وفي رواية لأبي داود: [قالت: إني أرى بعض هذا على امرأتك. قال: فادخلي فانظري. فدخلت ثم خرجت فقالت: ما رأيت. فقال: لو كان ذلك ما كانت معنا] عون المعبود ١١/١٥١. قال الإمام النووي: [وأما النامصة ... فهي التي تزيل الشعر من الوجه والمتنمصة التي تطلب فعل ذلك بها. وهذا الفعل حرام إلا إذا نبتت للمرأة لحية وشوارب فلا تحرم إزالته بل يستحب عندنا ...] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/٢٨٨. وقول ابن مسعود في آخر الحديث: (أما لو كان ذلك لم نجامعها) معناه لم نصاحبها ولم نجتمع نحن وهي بل كنا نفارقها ونطلقها. هذا هو بيان قول ابن مسعود عند جماهير العلماء كما قال الإمام النووي وعليه تدل رواية أبي داود الأخر. وطلاقها وفراقها بسبب النمص لأنه من كبائر الذنوب نظراً للعن فاعله كما ذكره ابن حجر المكي لأن من علامات كبائر الذنوب اللعن وقد صحت الأحاديث بذلك. انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٣٠٨.\r\rواللعن هو الطرد من رحمة الله ويستحق فاعله ذلك لأنه تغيير لخلق الله وهو من إغواء الشيطان للإنسان في تغيير خلق الله كما قال ﷻ: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّءَاذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) سورة الأنعام الآيات ١١٧-١١٩. وقد نص أهل العلم على أن الشعر الذي يكون بين الحاجبين لا تجوز إزالته لأن ذلك داخل في النمص المنهي عنه. فإذا كانت المرأة مقرونة الحاجبين فلا يجوز لها إزالة ذلك لما فيه من تغيير لخلق الله. ومن شر النمص ما تفعله بعض النسوة من إزالة جميع شعر الحاجبين واستبدال ذلك بخط بقلم المكياج فهذا العمل محرم لا شك في حرمته كما أن له آثاراً ضارة من الناحية الصحية كما بين الأطباء ذلك حيث يقول د. وهبه حسون - الأستاذ بكلية الطب في جامعة الإسكندرية -: [إن إزالة شعر الحواجب بالوسائل المختلفة ثم استخدام أقلام الحواجب وغيرها من ماكياجات الجلد لها تأثيرها الضار فهي مصنوعة من مركبات معادن ثقيلة مثل الرصاص والزئبق تذاب في مركبات دهنية مثل زيت الكاكاو كما أن كل المواد الملونة تدخل فيها بعض المشتقات البترولية وكلها أكسيدات مختلفة تضر بالجلد وإن امتصاص المسام الجلدية لهذه المواد يحدث التهابات وحساسية أما لو استمر استخدام هذه الماكياجات فإن له تأثيراً ضاراً على الأنسجة المكونة للدم والكبد والكلى فهذه المواد الداخلة لها خاصية الترسيب المتكامل فلا يتخلص منها الجسم بسرعة.\r\rإن إزالة شعر الحواجب بالوسائل المختلفة ينشط الحلمات الجلدية فتتكاثر خلايا الجلد وفي حالة توقف الإزالة ينمو شعر الحواجب بكثافة ملحوظة وإن كنا نلاحظ أن الحواجب الطبيعة تلائم الشعر والجبهة واستدارة الوجه] التبرج ص ١٩١. وقد أجاز بعض العلماء إزالة ما ينبت من الشعر على وجه المرأة غير الحاجبين، قال الإمام العيني: [ولا تمنع الأدوية التي تزيل الكلف وتحسن الوجه للزوج وكذا أخذ الشعر منه] عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٢/١٩٣. وقال الشيخ ابن قدامة: [فأما حف الوجه فقال مهنا: سألت أبا عبد الله - أي الإمام أحمد - عن الحف فقال: ليس به بأس للنساء] المغني ١/٩١. ويؤيد ذلك ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني أن الطبري أخرج من طريق أبي إسحاق عن امرأته: [أنها دخلت على عائشة وكانت شابة يعجبها الجمال فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها. قالت: أميطي الأذى عنك ما استطعت] فتح الباري ١٢/٥٠٠. وقال الحافظ ابن الجوزي: [وأما الأدوية التي تزيل الكلف وتحسن الوجه للزوج فلا أرى بها بأساً وكذلك أخذ الشعر من الوجه للتحسن للزوج ... ثم نقل عن شيخه عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي قوله: إذا أخذت المرأة الشعر من وجهها لأجل زوجها بعد رؤيته إياها فلا بأس به] أحكام النساء ص٣٤١-٣٤٢. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346526,"book_id":3840,"shamela_page_id":906,"part":"15","page_num":174,"sequence_num":906,"body":"١٧٤ - علاج الطبيب للمرأة\rيقول السائل: هل يعتبر دخول المرأة إلى عيادة الطبيب منفردة لأجل الكشف والمعالجة خلوة محرمة؟\r\rالجواب: إن دخول المرأة منفردة إلى عيادة الطبيب لأجل الكشف والمعالجة يعتبر خلوة محرمة والأصل في المرأة المسلمة إذا مرضت واحتاجت للعلاج أن تراجع طبيبة مسلمة كانت أو غير مسلمة ولا يحل لها مراجعة الطبيب الرجل إذا وجدت الطبيبة وكان بإمكانها مراجعتها فإن لم توجد الطبيبة أو تعذرت مراجعتها أو لم تكن من أهل الاختصاص بمرض تلك المرأة فيجوز حينئذ أن تراجع الطبيب الرجل وهنا لا بدّ من الالتزام بالضوابط التالية في تعامل الطبيب مع المرأة الأجنبية:\r\r١. أن تتم المعاينة والكشف بحضور محرم للمرأة أو زوجها أو امرأة موثوقة خشية الوقوع في الخلوة المنهي عنها شرعاً.\r\r٢. ألا يطلع الطبيب على شيء من بدنها إلا بمقدار ما تقتضيه ضرورة العلاج فيجب على الطبيب أن يستر جسد المريضة إلا موضع المعالجة.\r\r٣. إذا استطاع الطبيب معالجة المرأة بالنظر دون اللمس فهو الواجب وعلى الطبيب أن يغض بصره وأن يتق الله ربه في ذلك.\r\r٤. ينبغي للمرأة المسلمة إذا احتاجت للمعالجة عند طبيب رجل أن تختار الطبيب الثقة الأمين صاحب الخلق والدين. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346527,"book_id":3840,"shamela_page_id":907,"part":"15","page_num":175,"sequence_num":907,"body":"١٧٥ - تقليم الأظفار\rيقول السائل: إن بعض النساء لا يقلمن أظفارهن ويجعلنها تطول وبعضهن يطولنها للزينة كما يزعمن فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: اتفق أهل العلم على أن تقليم الأظفار من سنن الفطرة الثابتة عن رسول الله ﷺ وقد ثبت ذلك في أحاديث منها: ١. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الفطرة خمس أو خمس من الفطرة الختان والاستحداد وتقليم الأظفار ونتف الإبط وقص الشوارب) رواه البخاري ومسلم. ٢. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب) رواه البخاري. قال الإمام النووي: [وأما الفطرة فقد اختلف في المراد بها هنا. فقال أبو سليمان الخطابي: ذهب أكثر العلماء إلى أنها السنة. وكذا ذكره جماعة غير الخطابي. قالوا: ومعناه أنها من سنن الأنبياء صلوات الله وسلامهم عليهم. وقيل هي الدين] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٤٩٢. وبناء على ما سبق قال العلماء إن تقليم الأظفار سنة في حق الرجل والمرأة وفي أظفار اليدين والرجلين على حد سواء. ولا ينبغي تطويل الأظفار لما في ذلك من الضرر حيث إن الأوساخ قد تجتمع تحتها كما أن الجراثيم تجد مرتعاً خصباً تحت الأظفار الطويلة القذرة التي تترك بدون تقليم وقد تجتمع تحتها البكتيريا والفطريات والفيروسات والطفيليات والتي قد تنتقل إلى الفم والأسنان أثناء تناول الطعام وتسبب مشكلات صحية كثيرة. فمن السنة والدين تقليمها فهي نظافة من سمات الإيمان والإسلام ودين الإسلام هو دين النظافة والطهارة. انظر الاستذكار ٢٦/٢٣٩ الحاشية.\r\rوينبغي للمسلم ذكراً كان أو أنثى أن يقلم أظفاره كلما طالت عن رؤوس الأصابع ولا بأس أن يتفقد أظفاره من الجمعة إلى الجمعة. ويرى بعض أهل العلم أن يقصها كل أربعين يوم مرة على الأقل كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: (وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة) صحيح مسلم بشرح النووي ١/٤٩٢. وفي رواية أخرى عند أصحاب السنن: (وقت لنا رسول الله ﷺ ...) . وهذا التوقيت قد يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والضابط في ذلك هو الحاجة كما قال الحافظ ابن حجر. فتح الباري ١٢/٤٦٧.\r\rوأما أن النساء يطلن أظفارهن زينة فهذا أمر مصادم للفطرة فإن الفطرة اسوية تأبى أن يكون للإنسان أظفار طويلة لأن طول الأظفار والمخالب ليس لبني البشر. وأي زينة في طول الأظفار؟ وما أصدق قول الشاعر: قل للجميلة أرسلت أظفارها إني لخوف كدت أمضي هارباً إن المخالب للوحوش نخالها فمتى رأينا للظباء مخالباً؟ من علم الحسناء أن جمالها في أن تخالف خلقها وتجانبا؟ إن تطويل الأظفار وتركها بدون تقليم ليس من صفات المرأة المسلمة وهو مخالف للفطرة البشرية السوية كما قلت. فإن فعلته المرأة تقليداً للكافرات فهو حرام شرعاً لأن التشبه بأهل الكفر ممنوع شرعاً وقد قال الرسول ﷺ: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أبو داود وقال الشيخ الألباني: صحيح. غاية المرام ص ٨٦. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346528,"book_id":3840,"shamela_page_id":908,"part":"15","page_num":176,"sequence_num":908,"body":"١٧٦ - التدخين\r، يجوز للزوج منع زوجته من التدخين\r\rيقول السائل: إن زوجته تدخن وهو لا يدخن فهل يحق له أن يمنعها من التدخين؟\r\rالجواب: لا شك لدي أن التدخين خبيث من الخبائث وقد ثبت ضرره قطعاً بما لا يدع مجالاً للشك في تحريمه وهذا أصح أقوال أهل العلم في حكم التدخين. وقد بين الأطباء والعلماء الأضرار الناتجة عن التدخين وآثاره السيئة على المدخن ومن حوله وآثاره الضارة على المجتمع بشكل عام. وقد سنت بعض الدول قوانين لمنع التدخين في الأماكن العامة وألزمت مصانع الدخان إثبات العبارات الدالة على ضرر التدخين على كل علبة سجائر كما وأن بعض الدول منعت الإعلان عن السجائر عبر وسائل الإعلام العامة وكل هذا وغيره من الإجراءات تمت بعد التأكد من أضرار التدخين القطعية على الإنسان. وأقول بعد هذا إنه يجب على الزوج أن يمنع زوجته من التدخين لأنه يمنعها من ارتكاب حرام لأن التدخين حرام كما قلت. والواجب على هذه الزوجة المدخنة أن تطيع زوجها وأن تمتنع عن التدخين حتى وإن لم تقتنع بحرمته فإن التدخين يترك رائحة كريهة وللزوج أن يمنع زوجته عن كل ما يؤدي للرائحة الكريهة من أكل الثوم والبصل وقد نص العلماء على حق الزوج في منع الزوجة من أكل الثوم والبصل. قال ابن عابدين: [وفي شرح العلامة الشيخ إسماعيل النابلسي والد سيدنا عبد الغني، على شرح الدرر بعد نقله أن للزوج منع الزوجة من أكل الثوم والبصل وكل ما ينتن رائحة الفم. قال: ومقتضاه المنع من شربها التتن - الدخان - لأنه ينتن الفم خصوصاً إذا كان الزوج لا يشربه أعاذنا الله تعالى منه وقد أفتى بالمنع من شربه شيخ مشايخنا المسيري وغيره] حاشية ابن عابدين ٦/٤٥٩. ومن المعلوم أنه ينبغي للزوجين أن تكون رائحتهما طيبة لأن ذلك من حق أحدهما على الآخر والتدخين يجعل الأسنان صفراء ورائحة الفم كريهة.\r\rوقد سئل النبي ﷺ أي النساء خير قال: (التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا ماله بما يكره) رواه النسائي وأبو داود وإسناده صحيح. وفي رواية أخرى: (خير النساء من تسرك إذا أبصرت وتطيعك إذا أمرت وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك) رواه الطبراني بإسناد صحيح. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346529,"book_id":3840,"shamela_page_id":909,"part":"15","page_num":177,"sequence_num":909,"body":"١٧٧ - الحمل والإجهاض\rحكم إسقاط الجنين المشوه،\r\rيقول السائل: إن زوجته حامل وقرر الأطباء أن الجنين مشوه ونصحوها بإسقاطه فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً حكم الإجهاض وإسقاط الحمل بشكل عام قبل الحديث عن إسقاط الجنين المشوه. اتفق أهل العلم على تحريم الإجهاض بعد مرور مائة وعشرين يوماً على الحمل لأن الروح تنفخ في الجنين عند مرور تلك المدة على رأي كثير من العلماء لما ثبت في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيأمر بأربع: برزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ...) رواه البخاري. ويستثنى من هذا الحكم حالة واحدة فقط وهي إذا ثبت بتقرير لجنة من الأطباء الثقات أهل الاختصاص أن استمرار الحمل يشكل خطراً مؤكداً على حياة الأم فحينئذ يجوز إسقاط الحمل. وقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ما يلي: [إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً لا يجوز إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه سواء كان مشوهاً أم لا دفعاً لأعظم الضررين] قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ص ١٢٣. وأما الإجهاض قبل مرور مائة وعشرين يوماً على الحمل ففي حكمه خلاف بين العلماء والذي عليه جمهور العلماء هو تحريم الإجهاض بمجرد ثبوت الحمل إلا لعذر شرعي وهذا هو القول المعتمد عند المالكية والإمام الغزالي من الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقول بعض الحنفية والحنابلة وأهل الظاهر. واختاره كثير من العلماء المعاصرين كالشيوخ محمود شلتوت والقرضاوي والزحيلي وغيرهم. وهذا القول هو الذي أميل إليه وتطمئن إليه نفسي. وأما إسقاط الجنين المشوه فلا بد من إثبات أن الجنين مشوه حقيقة والفحوصات الحالية قد لا تتيح التأكد من التشخيص والتأكد من التشوهات في الأسابيع الأولى للحمل. أما بعد ستة عشر أسبوعاً من الحمل فإن معظم التشوهات القاتلة في الجنين يمكن تشخيصها فعند ذلك الوقت يمكن تشخيص تشوهات القلب والدماغ وغيرها بصورة واضحة وقاطعة ... والتشوهات الخلقية لدى الجنين يمكن تشخيصها من قبل اختصاصي الأمراض النسائية أو اختصاصي الأشعة التشخيصية عن طريق السونار وغيره. ويمكن تقسيم التشوهات الخلقية عند الجنين إلى ثلاثة أقسام:\r\r١. تشوهات لا تؤثر على حياة الجنين.\r\r٢. تشوهات يمكن للجنين أن يعيش معها بعد الولادة. وبعض هذه التشوهات يمكن إصلاحها بعد الولادة مثل تشوهات المعدة والأمعاء. وبعضها قد يتدرج في شدته وفي المدة الزمنية التي يعيشها الطفل بعد الولادة مثل استسقاء الرأس الذي قد يكون بسيطاً أو شديداً يولد معه الطفل حياً ويموت خلال أيام أو أشهر. والطفل الذي يولد مختل العقل أو لديه شلل جزئي فإنه يمكن أن يعيش وكذلك الطفل الذي يولد بكلية واحدة فهو يعيش بالكلية الأخرى.\r\r٣. وهناك تشوهات خطيرة لا يرجى معها للجنيين حياة بعد الولادة فهو سيموت قطعاً عند الولادة أو بعيدها مباشرة. انظر كتاب \" قضايا طبية معاصرة في ضوء الشريعة الإسلامية \" ص ٢٧٤-٢٨٠. وينبغي أن يعلم أن ضرر الإجهاض قد يكون أكبر بكثير من الضرر المتوقع لاستمرار الحمل كما يقول الأطباء فالتدخل الطبي المبكر قد تنتج عنه أخطار في بعض الحالات فإذا قارنَّا ووازنا بين نسبة المشاكل التي قد تحدث نتيجة لإنهاء الحمل عند ١٦-٢٤ أسبوعاً سواءً بالأدوية المعتادة أو بإجراء تنظيفات فإذا قارنها بالمشاكل التي قد تحدث للأم نتيجة لاستمرار الحمل إلى حين الولادة الطبيعية فإننا نجد أن المشاكل المحتملة للأم هي أكثر بكثير منها في حالة التدخل المبكر عنها في الولادات الطبيعية. انظر كتاب \" قضايا طبية معاصرة في ضوء الشريعة الإسلامية \" ص ٢٧٥. إذا تقرر هذا فإن العلماء قد قرروا جواز إسقاط الجنين المشوه تشويهاً خطيراً قبل مرور مائة وعشرين يوماً على الحمل فقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي ما يلي: [قبل مرور مائة وعشرين يوماً على الحمل إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات وبناءً على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرية أن الجنين مشوه تشويهاً خطيراً غير قابل للعلاج وأنه إذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيئة وآلاماً عليه وعلى أهله فعندئذٍ يجوز إسقاطه بناءً على طلب الوالدين. والمجلس إذ يقرر ذلك يوصي الأطباء والوالدين بتقوى الله والتثبت في هذا الأمر] قرارات مجمع الفقه الإسلامي ص ١٢٣. وأخيراً لا بد من التنبيه على أن بعض النساء قد يبادرن إلى الإجهاض بمجرد أن يقول طبيب واحد إن الجنين مشوه. وهذا أمر خطير لا يقبل فيه رأي طبيب واحد لأن احتمالات خطأ الطبيب واردة ولا بد من وجود لجنة طبية من ثلاثة أطباء على الأقل من الأطباء الثقات العدول ومن أهل الاختصاص ومن ذوي الخبرة قبل القيام بإسقاط الجنين.\r\rوأخيراً أدعو نقابة الأطباء وغيرها من الجهات الصحية إلى تشكيل لجنة موسعة من الاختصاصيين في الأمراض النسائية والتوليد وغيرهم من ذوي التخصصات المتعلقة بهذه القضية لوضع قواعد وضوابط للحالات التي تعتبر تشوهات خطيرة في الجنين ولا يرجى للجنين معها حياة حتى لا يبقى الأمر خاضعاً لتخمينات بعض الأطباء لما قد يترتب على ذلك من مفاسد وأضرار. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346530,"book_id":3840,"shamela_page_id":910,"part":"15","page_num":178,"sequence_num":910,"body":"١٧٨ - الحمل والإجهاض\rلا يجوز استئصال القدرة على الحمل مطلقاً,\r\rتقول السائلة: إنها مرضت قبل مدة وراجعت أحد الأطباء فنصحها بإغلاق مواسير الحمل فأغلقتها ثم كتب الله لها الشفاء التام وهي نادمة الآن على إغلاق مواسير الحمل فهل عليها كفّارة؟\r\rالجواب: لا يجوز شرعاً استئصال القدرة على الإنجاب مطلقاً سواء كان عند الرجل أو المرأة إلا في حالات الضرورة التي يقدرها أهل العلم الثقات من الفقهاء والأطباء. فلا يجوز إجراء عمليات التعقيم ولا ربط قناتي الرحم أو استعمال أي وسيلة تؤدي إلى ذلك. ومنع الحمل الدائم من الأمور المحرمة شرعاً كما قلت ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّءَاذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) سورة النساء الآيات ١١٧-١١٩. قال أهل التفسير إن تغيير خلق الله من تزيين الشيطان ويدخل في ذلك خصاء بني آدم لأنه تغيير لخلق الله. قال القرطبي: [وأما الخصاء في الآدمي فمصيبة فإنه إذا خصي بطل قلبه وقوته عكس الحيوان وانقطع نسله المأمور به ثم هذه مثلة وقد نهى النبي ﷺ عن المثلة] تفسير القرطبي ٥/٣٩١. وروى البخاري ومسلم عن إسماعيل بن قيس قال عبد الله - ابن مسعود -: (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس لنا نساء فقلنا ألا نستخصي فنهانا عن ذلك) . وروى البخاري ومسلم أيضاً عن سعيد بن المسيب أنه سمع سعد بن أبي وقاص يقول أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله ﷺ ولو أجاز ذلك لاختصينا) . قال الإمام النووي: [الاختصاء في الآدمي حرام صغيراً كان أو كبيراً] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٥٢٦. وقال الحافظ ابن حجر: [وقوله (فنهانا عن ذلك) هو نهي تحريم بلا خلاف في بني آدم] فتح الباري ١٢/١٩-٢٠.\r\rوينبغي أن يعلم أن الوسائل الحديثة لمنع الحمل منعاً نهائياً تقوم مقام الخصاء في الرجل فهي تستأصل القدرة على الإنجاب نهائياً كما أنها تغيير لخلق الله لذلك فإنها تلحق بالخصاء فتكون محرمة. وقد بحث الفقهاء المعاصرون هذه القضية وقرروا حرمة قطع المقدرة على الإنجاب فقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العلم الإسلامي ما يلي: [نظراً إلى أن الشريعة الإسلامية تحض على تكثير نسل المسلمين وانتشاره وتعتبر النسل نعمة كبرى ومنة عظيمة منَّ الله بها على عباده وقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ودلت على أن القول بتحديد النسل أو منع الحمل مصادم للفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الله تعالى لعباده ونظراً إلى أن دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين لتقليل عددهم بصفة عامة وللأمة العربية المسلمة والشعوب المستضعفة بصفة خاصة حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها والتمتع بثروات البلاد الإسلامية وحيث إن في الأخذ بذلك ضرباً من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى وإضعافاً للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللبنات البشرية وترابطها. لذلك كله فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي يقرر بالإجماع أنه لا يجوز تحديد النسل مطلقاً ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها أو كان ذلك لأسباب أخرى غير معتبرة شرعياً. أما تعاطي أسباب منع الحمل أو تأخيره في حالات فردية لضرر محقق ككون المرأة لا تلد ولادة عادية وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الجنين فإنه لا مانع من ذلك شرعاً وهكذا إذا كان تأخيره لأسباب أخرى شرعية أو صحية يقرها طبيب مسلم ثقة بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقق على أمه إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير من يوثق به من الأطباء المسلمين.\r\rأما الدعوة إلى تحديد النسل أو منع الحمل بصفة عامة فلا تجوز شرعاً للأسباب المتقدم ذكرها وأشد من ذلك في الإثم والمنع إلزام الشعوب بذلك وفرضه عليها في الوقت الذي تنفق فيه الأموال الضخمة على سباق التسلح العلمي للسيطرة والتدمير بدلاً من إنفاقه في التنمية الاقتصادية والتعمير وحاجات الشعوب] قرارات المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ص ٦٢-٦٣. وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي: [يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة وهو ما يعرف بالإعقام أو التعقيم ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية. ويجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعاً بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض بشرط أن لا يترتب على ذلك ضرر وأن تكون الوسيلة مشروعة وأن لا يكون فيها عدوان على حمل قائم] مجلة المجمع الفقهي العدد ٥ جزء١ ص٧٤٨.\r\rوأخيراً فعلى السائلة أن تتوب إلى الله ﷾ توبة صادقة وأن تستغفر وتكثر من عمل الخيرات والطاعات لعل الله ﷾ أن يغفر لها كما وأني أذكر الأطباء أن يتقوا الله ﷾ وألا يبيعوا آخرتهم من أجل دراهم معدودة يقبضونها أجرة لأمثال هذه العمليات وهذه المعالجات المحرمة. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346531,"book_id":3840,"shamela_page_id":911,"part":"15","page_num":179,"sequence_num":911,"body":"١٧٩ - المنكرات في الحفلات\rيقول السائل: إذا دعي المسلم إلى حفلة وكان هنالك منكر من المنكرات فما موقف المسلم حينئذ؟\r\rالجواب: إذا كان المدعو يعلم مسبقاً بوجود المنكر في الحفلة التي دعي إليها فلا يجوز له أن يلبي الدعوة فقد نص الفقهاء على أن من شروط إجابة الدعوة عدم وجود منكر من المنكرات. وإذا لم يعلم بالمنكر إلا وقت حضوره فإن استطاع الإنكار وإزالة المنكر فبها ونعمت وإن لم يستطع انصرف. فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الإيمان) رواه مسلم. والأصل في المسلم ألا يحضر أو يجلس في الأماكن التي يعصى فيها الله ﷾ أو يستهان فيها بأحكام الشرع قال الله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْءَايَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) سورة النساء الآية ١٤٠. قال الشيخ القرطبي في تفسير هذه الآية: [... (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضا بالكفر كفر قال الله تعالى: (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء. وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذا الآية. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه أخذ قوماً يشربون الخمر فقيل له عن أحد الحاضرين إنه صائم فحمل عليه الأدب وقرأ هذه الآية (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) أي أن الرضا بالمعصية معصية ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة العاصي حتى يهلكوا بأجمعهم ...] . تفسير القرطبي ٥/٤١٨. وقد ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر) رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال الحافظ ابن حجر: إسناده جيد. قال الإمام الأوزاعي يرحمه الله: [لا تدخل وليمة فيها طبل ولا معزاف] . وقال الشيخ ابن قدام المقدسي: [إذا دعي إلى وليمة فيها معصية كالخمر والزمر والعود ونحوه وأمكنه الإنكار وإزالة المنكر لزمه الحضور والإنكار لأنه يؤدي فرضين إجابة أخيه المسلم وإزالة المنكر. وإن لم يقدر على الإنكار لم يحضر. وإن لم يعلم بالمنكر حتى حضر أزاله فإن لم يقدر انصرف ...] المغني ٧/٢٧٩. وينبغي أن يعلم أن مراتب تغيير المنكر ثلاث وهي المذكورة في الحديث المتقدم: (من رأى منكم منكراً فليغير بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم وغيره. قال القاضي عياض فيما نقله عنه الإمام النووي: [... هذا الحديث أصل في صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولاً كان أو فعلاً فيكسر آلات الباطل ويريق المسكر بنفسه أو يأمر من يفعله وينزع الغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو بأمره إذا أمكنه ويرفق في التغيير جهده بالجاهل وبذي العزة الظالم المخوف شره إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله. كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى. ويغلظ على المتمادي في غيه والمسرف في بطالته إذا أمن أن يؤثر إغلاظه منكراً أشد مما غيره لكون جانبه محمياً عن سطوة الظالم. فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكراً أشد منه من قتله أو قتل غيره بسببه كفَ يده واقتصر على القول باللسان والوعظ والتخويف فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غير بقلبه وكان في سعة وهذا هو المراد بالحديث إن شاء الله، وإن وجد من يستعين به على ذلك استعان ما لم يؤد ذلك إلى إظهار سلاح وحرب وليرفع ذلك إلى من له الأمر إن كان المنكر من غيره أو يقتصر على تغييره بقلبه. هذا هو فقه المسألة وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين خلافاً لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال وإن قتل ونيل منه كل أذى] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٢١١-٢٢٠.\r\rوبناءاً على ما سبق فإن المرتبة الأولى هي التغيير باليد وهي أعلى مراتب تغيير المنكر وأفضلها في حق من قدر عليها فمثلاً إذا وجد الرجل في بيته منكراً فعليه أن يغيره بيده لأنه يستطيع ذلك. ويجب أن يعلم أن تغيير المنكر باليد واجب على المسلم إذا كان قادراً عليه كما قلت وإذا لم يترتب مفسدة أكبر من المنكر إذا غيّره. وفي زماننا هذا منكرات كثيرة لا يستطيع الأفراد تغييرها ولا ينبغي لهم ذلك لأن ذلك سيجر منكرات أعظم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: [وليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق ويجلد الشارب ويقيم الحدود لأنه لو فعل لأفضى إلى الهرج والفساد ... فهذا ينبغي أن يقتصر فيه على وليّ الأمر ...] مختصر الفتاوى المصرية ص ٥٧٩. والمرتبة الثانية هي التغيير باللسان: وتكون هذه المرتبة لمن يعجز عن التغيير باليد وينبغي أن يكون التغيير باللسان بأسلوب حسن لطيف كما قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) سورة النحل الآية ١٢٥. وقد قال الله ﷾ مخاطباً موسى وهارون ﵉ لما أرسلهما إلى فرعون: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) سورة طه الآية ٤٤. والمرتبة الثالثة هي الإنكار بالقلب: وهي أدنى المراتب الثلاث ولا رخصة لمسلم في تركها أبداً بل يجب على المسلم أن يبغض المنكر ويكرهه دائماً وباستمرار.\r\rوأما إذا كان القلب لا يعرف المعروف ولا ينكر المنكر فهذا دليل على موته. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله مبيناً قول الرسول ﷺ: (وذلك أضعف الإيمان) مراده: [أنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان ليس مراده أن من لم ينكر لم يكن معه من الإيمان حبة خردل ولهذا قال: ليس وراء ذلك. فجعل المؤمنين ثلاث طبقات فكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه ...] مجموع الفتاوى ٢٨/١٢٧. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346532,"book_id":3840,"shamela_page_id":912,"part":"15","page_num":180,"sequence_num":912,"body":"١٨٠ - لا يجوز هجر المسلم إلا لسبب شرعي\rيقول السائل: ورد في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ...) فما موقف المسلم من أخيه المسلم الذي يأكل حقوق الناس وحقوقه ألا يجوز هجره أكثر من ثلاث ليال؟\r\rالجواب: إن رابطة الأخوة الإيمانية التي تربط المسلم بالمسلم تمنع من هجر المسلم لأخيه المسلم فوق ثلاث ليال إلا لعذر شرعي كما سأبين. يقول الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الحجرات الآية ١٠. فإذا حصل خلاف أو تشاحن أو غضب بين مسلمين فلا يجوز هجر أحدهما للآخر أكثر من ثلاث ليال وجعلت الثلاث حداً لانتهاء الغضب وسكونه لأن الآدمي مجبول على الغضب فسمح بذلك القدر ليرجع إلى رشده بعد زوال غضبه. وقد ثبت في أحاديث كثيرة عن الرسول ا? النهي عن هجران المسلم منها:\r\r١. عن أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) رواه البخاري ومسلم.\r\r٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (تعرض الأعمال في كل إثنين وخميس فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا ًإلا امرءاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا) رواه مسلم.\r\r٣. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار) رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم كما قال الإمام النووي.\r\r٤. وعن أبي خراش ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قاله الإمام النووي. رياض الصالحين ص ٦١١. ٥.\r\rوعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمناً فوق ثلاث فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه فإن ردَّ ﵇ فقد اشتركا في الأجر وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلِّمُ من الهجرة) رواه أبو داود بإسناد حسن كما قال الإمام النووي في المصدر السابق. يؤخذ من هذه الأحاديث أنه يحرم على المسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث ليال فإذا حصلت مشاحنة بين مسلمين فيجوز الهجر أقل من ثلاث ليال ويحرم أكثر من ذلك وهذا الهجر يكون لحق الإنسان وأما هجر المسلم للمسلم لارتكابه معصية من المعاصي وهو الهجر لحق الله فهو جائز ومشروع ثلاث ليال وأكثر حتى يرجع المهجور عن المعصية ويتوب إلى الله ﷾. قال الشيخ ابن العربي المالكي: [وأما إن كانت الهجرة لأمر أنكر عليه من الدين كمعصية فعلها أو بدعة اعتقدها فيهجره حتى ينزع عن فعله وعقده فقد أذن النبي ﷺ في هجران الثلاثة الذين خلفوا خمسين ليلة حتى صحت توبتهم عند الله فأعلمه فعاد إليهم] عارضة الأحوذي ٨/٩١. وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب ما يجوز من الهجران لمن عصى. وقال كعب حين تخلف عن النبي ﷺ: ونهى النبي ﷺ عن كلامنا وذكر خمسين ليلة] .\r\rوقال الحافظ ابن حجر: [أراد بهذه الترجمة بيان الهجران الجائز لأن عموم النهي مخصوص لمن لم يكن لهجره سبب مشروع فبين هنا السبب المسوغ للهجر وهو لمن صدرت منه معصية فيسوغ لمن اطلع عليها منه هجره عليها ليكف عنها. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٣/١٠٩. وقال الإمام مالك: [ويهجر أهل الأهواء والبدع والفسوق لأن الحب والبغض فيه واجب ولما في ذلك من الحث على الخير والتنفير من الشر والفسوق] . الذخيرة ١٣/٣١٣. وهجران أهل المعاصي مشروع وثابت عن الرسول ﷺ كما سبق في كلام البخاري في قصة هجر كعب بن مالك وذلك حدث بعد تخلف الثلاثة عن غزوة تبوك فهجرهم النبي ﷺ والصحابة خمسين يوماً حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ولم يكن أحد يجالسهم أو يكلمهم أو يحيهم حتى أنزل الله في كتابه توبته عليهم وهذه الرواية ثابتة في الصحيحين. كما أن النبي ﷺ هجر بعض نسائه شهراً. رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم كما قال الشيخ الألباني. غاية المرام ص ٢٣٣. وهجر عبد الله بن عمر ﵁ ابناً له إلى أن مات فقد روى الإمام أحمد أن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يمنعن رجل أهله أن يأتوا المساجد. فقال ابن لعبد الله بن عمر: فإنا نمنعهن. فقال عبد الله: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول هذا؟ قال: فما كلمه عبد الله حتى مات) وإسناده صحيح كما قال الشيخ الألباني. غاية المرام ٢٣٥. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية مبيناً أنواع الهجر: [النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب وهو هجر من يظهر المنكرات يهجر حتى يتوب منها كما هجر النبي ﷺ والمسلمون - الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم – حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر ولم يهجر من أظهر بالخير وإن كان منافقاً فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير. والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع] مجموع الفتاوى ٢٨/٢٠٤-٢٠٥.\r\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله فالطاعة لا بد أن تكون خالصة لله وأن تكون موافقة لأمره فتكون خالصة لله صواباً فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجراً غير مأمورٍ به كان خارجاً عن هذا وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهوى ظانةً أنها تفعله طاعةً لله. والهجر لأجل حظ الإنسان لا يجوز أكثر من ثلاث كما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) فلم يرخص في هذا أكثر من ثلاث كما لم يرخص في إحداد غير الزوجة أكثر من ثلاث وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (تفتح أبواب الجنة كل إثنين وخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كان بينه وبين أخيه شحناء. فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا) فهذا الهجر بحق الإنسان حرام وإنما رخص في بعضه كما رخص للزوج أن يهجر امرأته في المضجع إذا نشزت وكما رخص في هجر الثلاث. فينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق نفسه فالأول مأمور به والثاني منهي عنه لأن المؤمنين إخوة] مجموع الفتاوى ٢٨/٢٠٧-٢٠٨.\r\rوخلاصة الأمر أن على المسلم إن رأى من أخيه معصية كأكل حقوق الناس بالباطل فعليه أن ينصحه بالحكمة والموعظة الحسنة فإن استجاب فبها ونعمت وإن لم يستجب فيجوز له أن يهجره إلى أن يقلع عن المعصية. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346533,"book_id":3840,"shamela_page_id":913,"part":"15","page_num":181,"sequence_num":913,"body":"١٨١ - السحر والحسد\rيقول السائل: ما قولكم فيما يعلقه بعض الناس على بيوتهم أو سياراتهم لدفع الإصابة بالعين كتعليق الخرزة الزرقاء أو حذوة الحصان أو صورة كف فيها عين ونحو ذلك؟\r\rالجواب: ثبت عن الرسول ﷺ في الحديث الصحيح أنه قال: (العين حق) رواه البخاري ومسلم. ومعنى ذلك كما قال الحافظ ابن حجر: [أي أن الإصابة بالعين شيء ثابت وموجود وأكثر أهل العلم على إثبات الإصابة بالعين والمقصود بالإصابة بالعين هو نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر] . فتح الباري ١٢/٣٠٨. وقال العلامة ابن القيم: [وعقلاء الأمم - على اختلاف مللهم ونحلهم - لا تدفع أمر العين ولا تنكره وإن اختلفوا في سببه ووجهة تأثير العين ... ولا ريب أن الله ﷾ خلق في الأجسام والأرواح قوىً وطبائع مختلفة وجعل في كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة ولا يمكن للعاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام فإنه مشاهد ومحسوس ...] الطب النبوي ص ٢٩٠. ومما يدل على الإصابة بالعين قوله تعالى: (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) سورة القلم الآية ٥١. قال القرطبي: [يزلقونك بأبصارهم أي يعتانونك بأبصارهم أخبر بشدة عدواتهم النبي ﷺ وأرادوا أن يصيبوه بالعين ...] تفسير القرطبي ١٨/٢٥٤. وقال الله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) سورة الفلق. قال ابن القيم: [فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائناً فلما كان الحاسد أعم من العائن كانت الإستعاذة منه استعاذة من العائن] الطب النبوي ص ٢٩١.\r\rوالعلاج من الإصابة بالعين يكون بالطرق الشرعية الواردة عن رسول الله ﷺ. وأول تلك الطرق أن على المسلم إذا رأى شيئاً يعجبه فعليه التبريك والمراد به الدعاء من العائن للمعين بالبركة عند نظره إليه فذلك بإرادة الله ومشيئته يحول دون إحداث أي ضرر بالمعين ويبطل كل أثر من آثار العين. وقد قال النبي ﷺ لعامر بن ربيعة لما أصاب سهل بن حنيف لما رأى بدنه فقال ﷺ: (سبحان الله علام يقتل أحدكم أخاه؟ وإذا رأى شيئاً يعجبه فليدع له بالبركة) رواه مالك في الموطأ أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن عبد البر: [وقوله ﷺ (ألا بركت) يدل على أن من أعجبه شيء فقال: تبارك الله أحسن الخالقين اللهم بارك فيه ونحو هذا لم يضره إن شاء الله] الاستذكار ٢٧/٩. ومما تدفع به إصابة العين أن يقول الإنسان: ما شاء الله لا قوة إلا بالله فقد جاء عن بعض السلف أنه كان إذا رأى شيئاً يعجبه يقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن رأى أحدكم ما يعجبه في نفسه أو ماله فليبرك عليه فإن العين حق) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني. صحيح الكلم الطيب ص ٩٠. وثاني طرق العلاج من الإصابة بالعين استعمال الرقية الشرعية فإنها تنفع بإذن الله وقد أمر النبي ﷺ بالرقية من العين فقد ثبت في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (أمر النبي ﷺ أن يسترقى من العين) رواه البخاري , وفي حديث آخر عن أم سلمة ﵂: (أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: استرقوا لها فإن بها النظرة) رواه البخاري. والسفعة هو سواد في الوجه أو لون يخالف لون الوجه وهو محل الإصابة بالعين والنظرة أي الإصابة بالعين. فمن التعوذات والرقى المأثورة النافعة بإذن الله تعالى في رد الإصابة بالعين الإكثار من قراءة فاتحة الكتاب والمعوذتين وآية الكرسي. ومن التعوذيات النبوية: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) . ومنها: (أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامَّة ومن كل عين لامة) . ومن ذلك رقية جبريل ﵇ التي رقى بها النبي ﷺ ورواها مسلم في صحيحه وهي: (باسم الله أرقيكَ من كل داءٍ يُؤذيكَ من شرِّ كلِ نفس أو عينِ حاسدٍ الله يشفيك باسم الله أرقيك) . ومن ذلك أيضاً: (أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون) . ومنها: (اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامات من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أن تكشف المأثم والمغرم اللهم إنه لا يهزم جنُدكَ ولا يُخلف وعدك سبحانك وبحمدك) . ومنها: (أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وبأسماء الله الحسنى - ما علمت منها وما لم أعلم - من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر كل ذي شر لا أطيق شره ومن شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته إن ربي على صراط مستقيم) . ومنها: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لا حول ولا قوة إلا بالله. أعلمُ أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً. اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم) . وإن شاء قال: (تحصنت بالله الذي لا إله إلا هو إلهي وإله كل شيء. واعتصمت بربي ورب كل شيء. وتوكلت على الحي الذي لا يموت واستدفعت الشر بلا حول ولا قوة إلا بالله. حسبي الله ونعم الوكيل. حسبي الرب من العباد. حسبي الخالق من المخلوق. حسبي الرازق من المرزوق. حسبي الله هو حسبي. حسبي الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه. حسبي الله وكفى. سمع الله لمن دعا وليس وراء الله مرمى. حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) الطب النبوي ص ٢٩٣. وثالث الطرق الشرعية في معالجة الإصابة بالعين هي: الاغتسال أي أن العائن وهو الذي يصيب بالعين يغتسل ويؤخذ الماء فيصب على المعين وهو المصاب بالعين فيبرأ بإذن الله وقد ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا) رواه مسلم. وثبت في حديث سهل بن حنيف عندما أصابه عامر بن ربيعة بالعين حيث قال النبي ﷺ لعامر: (اغتسل له. فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم يصب ذلك الماء على المعين فيبرأ بإذن الله.\r\rومما ينفع في دفع الإصابة بالعين والاحتراز من ذلك ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها عنه كما قال العلامة ابن القيم في كتابه الطب النبوي ص ٢٩٧. هذه هي الطرق الشرعية في دفع الإصابة بالعين وأما ما ذكره السائل من طرق لدفع الإصابة بالعين كتعليق الخرزة الزرقاء أو تعليق حذوة حصان أو صورة كف وفيها عين وتعليق ذلك على الإنسان أو الحيوان أو السيارة أو البيت فهذا كله ليس له أصل في الشرع ولا يصح التعامل به. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346534,"book_id":3840,"shamela_page_id":914,"part":"15","page_num":182,"sequence_num":914,"body":"١٨٢ - السحر والحسد\rلا يجوز تعليق التمائم,\r\rتقول السائلة: إنها لا تحمل إلا بعمل حجاب خاص بها من قبل أحد الشيوخ وهذا الحجاب يلازمها طوال حملها ويمنعها الشيخ من الذهاب إلى الأفراح أو المآتم خشية نزول حملها وتقول إن الحجاب مكتوب فيه آيات قرآنية وبعض الكلمات غير المفهومة وتسأل عن حكم الشرع في ذلك؟\r\rالجواب: إن كثيراً من الدجالين والمشعوذين يستغلون الدين للكسب المادي ويستغلون حالات الضعف البشري عند المرضى وعند النساء وخاصة إذا واجهتهن مشكلة عدم الإنجاب. إن معالجة عدم الإنجاب لا تكون بالذهاب إلى الدجالين والسحرة والمشعوذين وإنما تكون بالمعالجة الطبية الصحيحة والحجاب لا علاقة له بالحمل أو عدم سقوطه وكل ذلك دجل وكذب ولا يجوز تعليق الحجاب فقد جاء في الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له) رواه أحمد. وجاء في رواية أخرى: (من علق تميمة فقد أشرك) رواه أحمد وصححه الشيخ الألباني. السلسلة الصحيحة حديث رقم ٤٩٢. وعن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان وصححه الشيخ الألباني. السلسلة الصحيحة حديث رقم ٣٣١. ولو كان الحجاب من الآيات القرآنية فقط فلا يجوز تعليقه لعموم نهي النبي ﷺ عن تعليق التمائم. وكذلك سداً للذريعة لأن تعليقه يؤدي إلى تعليق غيره ولأن تعليق الآيات القرآنية قد يؤدي إلى امتهانها لأن الإنسان الذي تعلق عليه يحملها في أحواله كلها ومنها وقت قضاء الحاجة ونحوها. انظر فتاوى اللجنة الدائمة ١/١٦٦.\r\rهذا إذا كان الحجاب من الآيات القرآنية فقط فكيف والسائلة تقول إن فيه كلمات غير مفهومة فهذه الطلاسم أولى بالمنع من الآيات القرآنية. وأخيراً ينبغي على السائلة أن تنزع هذه التميمة وعليها أن تراجع الأطباء ذوي الاختصاص لمعرفة أسباب سقوط حملها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346535,"book_id":3840,"shamela_page_id":915,"part":"15","page_num":183,"sequence_num":915,"body":"١٨٣ - النكاح\rعرض المرء ابنته على شخص ليتزوجها،\r\rيقول السائل: من المعلوم أن الرجل هو الذي يختار المرأة عند رغبته في الزواج فهل يجوز أن يعرض الإنسان ابنته على شخص ليتزوجها؟\r\rالجواب: لا مانع شرعاً من أن يعرض المسلم ابنته أو أخته على من يرى فيه الصلاح للزواج منها. قال الله تعالى في قصة موسى ﵊ مع والد الفتاتين اللتين سقى لهما موسى الغنم: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَجَاءَتهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَه وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) سورة القصص الآيات ٢٣-٢٨. قال القرطبي: [قوله (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ) الآية. فيه عرض الولي بنته على الرجل وهذه سنة قائمة عرض صالح مدين ابنته على صالح بني اسرائيل وعرض عمر ابن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ﵃ أجمعين وعرضت الموهوبة نفسها على النبي ﷺ فمن الحسن عرض الرجل وليته والمرأة نفسها على الرجل الصالح اقتداء بالسلف الصالح] تفسير القرطبي ١٣/٢٧١.\r\rوقال الإمام البخاري في صحيحه \" باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير \" ثم روى بسنده عن عبد الله بن عمر ﵄ حدَّث: (أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ فتوفي في المدينة، فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئاً، وكنت أوجد عليه مني على عثمان. فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لقد وجدت عليَّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك شيئاً. قال عمر: قلت: نعم، قال: أبوبكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلا أنني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ، ولو تركها رسول الله ﷺ قبلتها) . قال الحافظ ابن حجر في أول شرحه للباب بأن الإمام البخاري أورد عرض البنت في الحديث الأول وعرض الأخت في الحديث الثاني - وسيأتي ذكره - فتح الباري ١١/٨٠. ثم قال الحافظ ابن حجر: [وفيه - أي الحديث - عرض الانسان بنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيره وصلاحه لما فيه من النفع العائد على المعروضة عليه وأنه لا استحياء في ذلك] فتح الباري ١١/٨٢. ثم ذكر الإمام البخاري الحديث الثاني وفيه إشارة إلى عرض أم حبيبة ﵂ على رسول الله ﷺ أن يتزوج أختها وقد ذكر البخاري الرواية المصرحة بذلك في موضع آخر من صحيحه ونصها: (عن أم حبيبة قالت: قلت يا رسول الله هل لك في بنت أبي سفيان؟ قال: فأفعل ماذا؟ قلت: تنكح، قال: أتحبين؟ قلت: لست لك بمخلية وأحب من شركني فيك أختي، قال: إنها لا تحل لي ... الخ) الحديث. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١١/٦٢ وأم حبيبة هي بنت أبي سفيان عرضت على النبي ﷺ أن يتزوج أختها.\r\rوكذلك يجوز للمرأة أن تعرض نفسها على الرجل الصالح ليتزوج بها. قال الإمام البخاري في صحيحه \" باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح \" ثم روى بسنده عن أنس ﵁: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ تعرض عليه نفسها قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها واسوأتاه، واسوأتاه، قال هي خير منك، رغبت في النبي ﷺ فعرضت عليه نفسها) . وروى البخاري أيضاً بسنده عن سهل بن سعد: (أن امرأة عرضت نفسها على النبي ﷺ فقال له رجل: يا رسول الله زوجنيها، فقال: ما عندك؟ قال: ما عندي شيء، قال: اذهب فالتمس ولو خاتماً من حديد، فذهب ثم رجع فقال: لا، ما وجدت شيئاً ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري ولها نصفه. قال سهل: وماله رداء، فقال النبي ﷺ: وما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء، فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه النبي ﷺ فدعاه أو دعي له، فقال له: ماذا معك من القرآن؟ فقال: معي سورة كذا وسورة كذا، لسور يعددها. فقال النبي ﷺ: أملكناكها بما معك من القرآن) . صحيح البخاري ١١/٧٩. وقال الحافظ ابن حجر: [وفي الحديثين جواز عرض المرأة نفسها على الرجل وتعريفه رغبتها فيه وأن لا غضاضة عليها في ذلك وأن الذي تعرض المرأة نفسها عليه بالاختيار لكن لا ينبغي أن يصرح لها بالرد بل يكفي السكوت] فتح الباري ١١/٨٠. وعرض الرجل ابنته على الرجل الصالح ليتزوج بها أمر لا بأس به كما سبق وفعله جماعة من السلف كما جاء في قصة سعيد بن المسيب أن عبد الملك بن مروان خطب ابنته لولده الوليد حين ولاه العهد، فأبى أن يزوجها، قال أبو وداعة: [كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً، فلما جئت قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي، فاشتغلت، قال: فهّلا أخبرتنا فشهدناها؟ قال: ثم أردت أن أقوم. فقال: هل أحدثت أمرأة غيرها؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ فقال: إن أنا فعلت تفعل؟ قلت: نعم، فحمد الله تعالى وصلى على النبي ﷺ وزوجني على درهمين أو على ثلاثة، فقال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، وصرت إلى منزلي. وجعلت أفكر ممن آخذ وأستدين؟ وصليت المغرب، وكنت صائماً فقدمت عشائي لأفطر، وكان خبزاً وزيتاً، وإذا بالباب يقرع، فقلت: من هذا؟ فقال: سعيد، ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب، فإنه لم ير منذ أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد، فقمت وخرجت، وإذا سعيد بن المسيب، وظننت أنه بدا له، فقلت: يا أبا محمد! هلا أرسلت إليّ فأتيتك؟ قال: لا، أنت أحق أن تزار، قلت: فما تأمرني؟ قال: رأيتك رجلاً عزباً قد تزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك، فإذا هي قائمة خلفه في طوله، ثم دفعها في الباب، ورد الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثم صعدت إلى السطح، وناديت الجيران، فجاءوني وقالوا: ما شأنك؟ قلت: زوجني سعيد بن المسيب ابنته، وقد جاء بها على غفلة وها هي في الدار، فنزلوا إليها، وبلغ أمي فجاءت، وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام، فأقمت ثلاثاً ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظهم لكتاب الله تعالى، وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ، وأعرفهم بحق الزوج، قال: فمكثت شهراً لا يأتيني ولا آتيه، ثم أتيته بعد شهر وهو في حلقته فسلمت عليه فردَّ عليَّ ولم يكلمني حتى انفض من في المسجد، فلما لما يبق غيري، قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: على ما يحب الصديق ويكره العدو) عن عشرة النساء ص ٨٧-٨٨. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346536,"book_id":3840,"shamela_page_id":916,"part":"15","page_num":184,"sequence_num":916,"body":"١٨٤ - حقوق الزوجين\rمعاملة الزوجة بالحسنى، تقول السائلة: إن زوجها يسيء معاملتها ويهينها أمام أولادها ويقتّر عليها في الإنفاق مع العلم أنه يحافظ على الصلوات في المسجد فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: كثير من الناس عندهم انفصال ما بين القول والعمل ويعرفون الأحكام الشرعية معرفة نظرية فقط ولا يحولون تلك المعرفة إلى ممارسة عملية في الحياة وقد قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) سورة الصف الآيتان ٢-٣.\rوكثير من أمثال هذا الشخص المشار إليه في السؤال يفهمون الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة بطريقة غير صحيحة فهم يفهمون القوامة على أنها تسلط على المرأة وهكذا. وينسى هؤلاء النصوص الشرعية الكثيرة التي حثت على حسن التعامل مع الزوجة حيث إن الزوجة آية من آيات الله تعالى التي منَّ بها على عباده كما قال تعالى: (وَمِنْءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) سورة الروم الآية ٢١.\rإن الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه العلاقة الزوجية هو المودة والرحمة وتعني عطف قلوبهم بعضهم على بعض وقال بعض أهل التفسير: المودة المحبة والرحمة الشفقة وقال ابن عباس ﵄: [المودة حب الرجل امرأته والرحمة رحمته إياها أن يصيبها سوء] تفسير القرطبي ١٤/١٧.\rوقد أمر الله تعالى بحسن معاشرة الزوجة فقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَاءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) سورة النساء الآية ١٩.\rقال الإمام القرطبي: [قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة والخطاب للجميع إذ لكل أحد عشرة زوجاً كان أو ولياً ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج وهو مثل قوله تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ) وذلك توفية حقها من المهر والنفقة وألا يعبس في وجهها بغير ذنب وأن يكون منطلقاً في القول لا فظاً ولا غليظاً ولا مظهراً ميلاً إلى غيرها، والعشرة: المخالطة والممازجة ... فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على الكمال فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش وهذا واجب على الزوج ولا يلزمه في القضاء وقال بعضهم: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له، قال يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي: أتيت محمد بن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية - نوع من الطيب - فقلت: ما هذا؟ قال: إن هذه الملحفة ألقتها عليّ امراتي ودهنتني بالطيب وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن.\rوقال ابن عباس ﵁: إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين المرأة لي] تفسير القرطبي ٥/٩٧.\rوقد حثّ النبي ﷺ على حسن معاملة الزوجة وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة وقد بوب على بعضها الإمام البخاري بتراجم مناسبة فقال: \" باب الوصاة بالنساء \"، وقال الإمام البخاري أيضاً: \" باب المداراة مع النساء \"، وقال الإمام البخاري أيضاً: \" باب حسن المعاشرة مع الأهل \".\rومن هذه الأحاديث حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيراً) .\rقال الحافظ ابن حجر معلقاً على هذا الحديث: [وفي الحديث الندب إلى المداراة لاستمالة النفوس وتألف القلوب وفي سياسة النساء بأخذ العفو منهن والصبر على عوجهن وأن من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معاشه] فتح الباري ١١/١٦٣.\rوجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إني أحرج عليكم حق الضعيفين اليتيم والمرأة) رواه ابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\rوورد في الحديث أن النبي ﷺ قال في خطبة حجة الوداع: (واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهم ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ورواه ابن ماجة وحسّنه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٣٤١.\rوقال ﷺ: (اتقوا الله في النساء) رواه مسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\rقال العلامة ابن علان المكي: [ (وخياركم خياركم لنسائهم) وفي رواية (خيركم خيركم لأهله) قال في النهاية هو إشارة إلى صلة الرحم والحث عليها، قيل ولعل المراد من حديث الباب أن يعامل زوجته بطلاقة الوجه وكف الأذى والإحسان إليها والصبر على أذاها قلت ويحتمل أن الإضافة فيه للعهد والمعهود هو النبي ﷺ والمراد (أنا خيركم لأهلي) وقد كان ﷺ أحسن الناس لأهله وأصبرهم على اختلاف أحوالهم] دليل الفالحين ٣/١٠٦.\rويجب أن يعلم أن الإنفاق على الزوجة واجب على الزوج كما قال تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) سورة البقرة الآية ٢٣٣، وقال تعالى:\r(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّاءَاتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَاءَاتَاهَا) سورة الطلاق الآية ٧.\rوهذا الإنفاق يؤجر عليه الزوج أجراً عظيماً فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك) رواه مسلم.\rوقال ﷺ: (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله) رواه مسلم.\rوعن أبي مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: (إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة) رواه البخاري ومسلم.\rوقال الحافظ ابن حجر: [وقال الطبري ما ملخصه: الإنفاق على الأهل واجب والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة بل هي من صدقة التطوع وقال المهلب: النفقة على الأهل واجبة بالإجماع وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر فعرّفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم ترغيباً لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع] فتح الباري ١١/٤٢٥.\rوعن سعد ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إنك مهما أنفقت على أهلك من نفقة فإنك تؤجر حتى اللقمة ترفعها إلى فيّ امرأتك) رواه البخاري ومسلم.\rوالأصل في الإنفاق على الزوجة والأولاد هو الإنفاق بالمعروف كما في الآية المذكورة أولاً.\rوالمعروف هو المتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط ويقدر ذلك بحسب حال الزوج يسراً أو عسراً ويدل على ذلك قوله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّاءَاتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَاءَاتَاهَا) سورة الطلاق الآية ٧، وقوله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ) سورة الطلاق الآية ٦.\rوقوله ﷺ: (أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تكتسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن) رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٠٢.\rوإذا كان الزوج بخيلاً شحيحاً فإنه يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها بالمعروف لتنفق على نفسها وأولادها من دون علم الزوج فعن عائشة ﵂ قالت: (إن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال ﷺ: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) رواه البخاري ومسلم.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346537,"book_id":3840,"shamela_page_id":917,"part":"15","page_num":185,"sequence_num":917,"body":"١٨٥ - حقوق الزوجين\rمنع الزوجة من الذهاب إلى المسجد,\r\rتقول السائلة: إنها سيدة متزوجة وملتزمة بالدين وزوجها ليس كذلك وهو يمنعها من الذهاب إلى المسجد لحضور الصلوات والدروس الدينية وتقول إنها لم تدخل المسجد ولا مرة ولكنها تعوض ذلك بسماع القرآن الكريم وسماع الأشرطة الدينية وتسأل هل ينطبق عليها ما ورد في الحديث من قول النبي ﷺ: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة ... الخ) أفيدونا جزاكم الله خيراً.\r\rالجواب: كثيرون من الناس يسيؤون فهم وضع المرأة في الإسلام، وكثيرون يعاملون المرأة بشدة وقسوة بحكم عاداتهم وتقاليدهم الموروثة والتي لا تقرها الشريعة الإسلامية ويبدو أن زوج السائلة من هذا النوع. إن معاملة الإسلام للمرأة أكرم وأعظم مما يظن كثير من الناس ولا يتسع المقام لتفصيل ذلك وأقتصر على ما يتعلق بالسؤال فقط فينبغي أن يعلم أن للمرأة الحق في الذهاب إلى المسجد للصلاة وحضور الدروس وليس الأمر خاصاً بالرجال فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إنما النساء شقائق الرجال) رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني، صحيح الجامع الصغير ١/٤٦١. ومن المعلوم عند أهل العلم أن النساء كن في العهد النبوي يحضرن صلاة الجماعة بما في ذلك صلاتي الفجر والعشاء وهما وقت الظلمة فعن عائشة ﵂ قالت (كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن - أي أكسيتهن - ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس) رواه البخاري ومسلم. وكذلك كن النساء يحضرن صلاة الجمعة مع النبي ﷺ فعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: (ما حفظت: \" ق \" إلا من فيّ رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة) رواه مسلم. وثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها) متفق عليه. وقال ﷺ: (لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن) رواه أبو داود وإسناده صحيح كما قال الشيخ الألباني في تعليقه على إعلام الساجد ص ٢٢٥. وغير ذلك من الأحاديث الواردة في حضور النساء لصلاة العيدين وصلاة الكسوف وطلب النساء من النبي ﷺ يوماً ليعظهن ... الخ، فلا يجوز لهذا الزوج أن يمنع زوجه من الخروج للمسجد.\r\rوأما الحديث الذي ذكرته في السؤال وهو: (ما اجتمع قوم ... الخ) فهذا الحديث في حق من يجتمعون على تلاوة القرآن ويذكرون الله ﷿، وأما السائلة فلها الأجر والثواب من الله ﷾ لصبرها على زوجها الظالم لها ولقيامها بما أوجب الله عليها ولسماعها للقرآن ولما تقوم به من ذكر وعبادة قال الله تعالى (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) سورة الأحزاب الآية ٣٥. ووردت أحاديث كثيرة في فضل الذكر والذاكرين منها قوله ﷺ: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل) متفق عليه وغير ذلك من الأحاديث. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346538,"book_id":3840,"shamela_page_id":918,"part":"15","page_num":186,"sequence_num":918,"body":"١٨٦ - النكاح\rالمعاشرة الزوجية قبل الزفاف،\r\rيقول السائل: ما حكم المعاشرة الزوجية بين الزوجين بعد العقد وقبل الزفاف؟\r\rالجواب: من المعلوم أن عقد الزواج إذا وقع صحيحاً ترتبت عليه آثاره الشرعية ومنها حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر فهذا الأمر واضح ومعلوم. ولكن العرف قد جرى بأن المعاشرة الزوجية لا تكون إلا بعد الزفاف لا قبله أي بعد أن ينقل الزوج زوجته إلى بيت الزوجية. لذا فإني أرى تقييد هذا المباح بالعرف حيث إن هذا العرف صحيح ويحقق مقاصد الشارع الحكيم وبيان ذلك بما يلي: إن العرف قد جرى في بلادنا أن يتم عقد الزواج ويكتب وتبقى الزوجة في بيت أبيها مدة من الزمن قد تطول وقد تقصر فأحياناً تمكث الزوجة في بيت أبيها سنة أو اكثر أو أقل. وفي هذه الحال يتردد الزوج لزيارة زوجته في بيت أبيها ويسميه الناس خاطباً مع أن هذه التسمية فيها نظر لأنه ليس بخاطب وإنما هو زوج شرعاً. وعندما يتفق الزوجان وأهلهما على الزفاف ويعين موعد لذلك وتقام الأفراح وفي يوم الزواج يحضر الزوج وأقاربه لأخذ الزوجة من بيت أبيها إلى بيت الزوج فعندها تتم المعاشرة الزوجية بينهما وأما قبل ذلك فينبغي منع إقامة أي علاقة جنسية بينهما لما قد يترتب على إقامة العلاقة الزوجية في الفترة التي تسبق الزفاف من مفاسد. فمثلاً إذا تمت معاشرة بينهما في تلك الفترة وحصل الحمل فقد لا يستطيع الزوج إتمام الزفاف لسبب من الأسباب فعندئذ تظهر علامات الحمل على الفتاة وهذا ينعكس عليها سلباً وعلى زوجها، وماذا لو قدر الله ﷾ وفاة هذا الزوج قبل الزفاف وكان قد عاشرها وحملت منه فلا شك أن مشكلات كثيرة ستقوم وتؤدي إلى نزاع وخصام. وهنالك احتمال أن يقع سوء تفاهم بينهما وقد يصل الأمر إلى الفراق بالطلاق أو غيره فحينئذ ستكون الفتاة في موقف صعب جداً وكذلك إذا تم الزفاف وكانت العلاقة الجنسية قد تمت قبله فقد يطعن الزوج في عفاف زوجته وهذا يوقع الفتاة وأهلها في مشكلات عويصة. وقد يقول قائل ما دام أن العقد قد وقع صحيحاً فهي زوجته شرعاً وقانوناً فلماذا تحرمون استمتاع كل منهما بالآخر. وأقول إنني لا أحرم ما أحل الله ﷾ ولكن نقيد هذا المباح حفظاً لمصالح العباد ودفعاً للمفاسد التي قد تترتب على هذا الفعل. والعرف الصحيح الذي لا يصادم النصوص الشرعية معتبر عند أهل العلم. قال الإمام القرافي: [وأما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدم يصرحون بذلك فيها] شرح تنقيح الفصول ص ٤٨٨. وقال الشيخ ابن عابدين: والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار رسالة \" نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف \" ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين ٢/١١٢. وقد قامت الأدلة الكثيرة على اعتبار العرف ووضع الفقهاء القواعد الفقهية في ذلك كما في قولهم: العادة محكمة، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً واستعمال الناس حجة يجب العمل بها وغير ذلك. [وسلطان العرف العملي كبير في أحكام الأفعال المعتادة والمعاملات المختلفة المتعلقة بحقوق الناس أو أحوالهم الشخصية أو القضاء أو الشهادات والعقوبات وغيرها ويعمل بالعرف ما لم يصادم نصاً شرعياً من القرآن أو السنة واضح الدلالة قطعياً أو نصاً تشريعياً كالقياس ويعتبر ما ثبت بالعرف حينئذ ثابتاً بالنص اتباعاً للقاعدة الشرعية الثابت بالعرف كالثابت بالنص أو الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي] نظرية العرف ص ٤٨. ومن أوسع مجالات اتباع العرف ما يتعلق بالأسرة مثل عشرة النساء والنفقة عليهن ومن ضمن ذلك ما تعارف عليه الناس أن الزوج لا يعاشر زوجته المعاشرة الزوجية إلا بعد الزفاف وهذا عرف صحيح ينبغي اعتباره والعمل به فهو لا يصادم النصوص الشرعية بل يؤكد مقاصد الشارع الحكيم.\r\rكما أنه يمكن منع المعاشرة الزوجية بين الزوجين قبل الزفاف استناداً إلى قاعدة سد الذرائع وهي قاعدة معتبرة عند أهل العلم فمعلوم كم هي المفاسد التي قد تترتب على إقامة مثل هذه العلاقات وقد صرح بعض الآباء الذين سئلوا عن رأيهم في ذلك لو حصل هذا الأمر مع بناتهم بأن بعضهم سيقتل ابنته وزوجها لما في ذلك من مس بشرفه وشرف عائلته. وصرح بعضهم بأمور أفظع من ذلك وقد جاء هذا في دراسة واستطلاع لرأي بعض الناس قام به بعض طلبة العلم. وهذا على سبيل المثال لا على سبيل الحصر من ردود الأفعال التي قد تقع من الآباء والأهل تجاه بناتهم إن حصلت هذه المعاشرة. ومن المفاسد التي قد تقع ووقعت فعلاً أنه في إحدى الحالات التي تمت فيها المعاشرة قبل الزفاف وحصل الحمل ولم يتمكن الزوج من إتمام إجراءات الزفاف أقدم على إجهاض زوجته وأدى ذلك إلى قتل الجنين؟! فَسَدّاً لطرق الفساد هذه وغيرها ينبغي منع الزوجين من ذلك وحصره على ما بعد الزفاف فقط. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346539,"book_id":3840,"shamela_page_id":919,"part":"15","page_num":187,"sequence_num":919,"body":"١٨٧ - مسائل طبية\rإصلاح غشاء البكارة،\r\rتقول السائلة: إنها شابة في العشرينات من عمرها وأنها قد انحرفت ووقعت في الرذيلة وعاشت عدة سنوات في المنكرات والآن كما تقول فقد رجعت إلى الله وتابت توبة صادقة وتسأل عن حكم إصلاح غشاء البكارة بعملية جراحية لإعادته لوضعه السابق وتسأل عن حكم استعمال العادة السرية؟\r\rالجواب: إنه لشيء طيب أن يعود الإنسان عن غيه وضلاله وأن يرجع إلى الله ﷾ ويتوب توبة صادقة ولكن يجب على الأسرة أن تربي أبناءها على شرع الله وأن تؤدبهم بأدب الإسلام كي تجنبهم الوقوع في الفواحش والمنكرات ابتداءً فأسرة هذه الفتاة التي استمرت في انحرافها لعدة سنوات كما جاء في رسالتها عليها مسؤولية عظيمة لأنها قصرت في ذلك. وما دام أنها عادت إلى الله وصارت محافظة على الصلاة ولبست الجلباب الشرعي كما قالت فنسأل الله ﷾ أن يقبل توبتها ويغفر لها وأن يثبتها على طاعته وأما بالنسبة للشق الأول من السؤال حول إصلاح البكارة بعملية جراحية فإن إصلاح البكارة يسمى عند العلماء رتق غشاء البكارة أو عملية الرتق العذري ومن المعروف أن البكارة هي الجلدة التي تكون على فرج المرأة وتسمى عذرة ولذا يقال للفتاة البكر عذراء ورتق البكارة معناه إصلاحها وإعادتها لوضعها السابق قبل التمزق.\r\rوهنالك أسباب عديدة لزوال غشاء البكارة منها:\r\r١. الدخول في الزواج. ٢. الزنى والاغتصاب. ٣. حصول حادثة للفتاة كالقفز مثلاً ونحو ذلك. إذا تقرر هذا فإن هذه المسألة من المسائل الحديثة التي لم يرد فيها نص ولم يتعرض الفقهاء المتقدمون لها لعدم إمكان حصولها في زمانهم وإنما بحثها العلماء المعاصرون على ضوء أحكام الشرع وقواعده العامة. والذي يظهر لي بعد دراسة أقوال العلماء المعاصرين وما اعتمدوا عليه في هذه المسألة أن عملية الرتق العذري أو إصلاح غشاء البكارة غير جائزة شرعاً ولا يجوز الإقدام عليها لا من الفتاة التي زالت بكارتها بأي سبب من الأسباب ولا من الطبيبة أو الطبيب المعالج لما يلي: أولاً: إن رتق غشاء البكارة قد يؤدي إلى اختلاط الأنساب فقد تحمل المرأة من الجماع السابق ثم تتزوج بعد رتق غشاء بكارتها وهذا يؤدي إلى إلحاق الحمل بالزوج واختلاط الحلال بالحرام. ثانياً: إن رتق غشاء البكارة فيه اطلاع على المنكر.\r\rثالثاً: إن رتق غشاء البكارة يسهل على الفتيات ارتكاب جريمة الزنا لعلمهن بإمكان رتق غشاء البكارة بعد الزنا.\r\rرابعاً: إذا اجتمعت المصالح والمفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك وإن تعذر درء المفاسد وتحصيل المصالح فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة كما قرر ذلك فقهاء الإسلام. وتطبيقاً لهذه القاعدة فإننا إذا نظرنا إلى رتق غشاء البكارة وما يترتب عليه من مفاسد حكمنا بعدم جواز الرتق لعظيم المفاسد المترتبة عليه.\r\rخامسا ً: إن من قواعد الشريعة الإسلامية أن الضرر لا يزال بالضرر ومن فروع هذه القاعدة أنه لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق أرض غيره ومثل ذلك لا يجوز للفتاة وأهلها أن يزيلوا الضرر عن الفتاة برتق الغشاء ويلحقونه بالزوج.\r\rسادساً: إن مبدأ رتق غشاء البكارة مبدأ غير شرعي لأنه نوع من الغش والغش محرم شرعاً.\r\rسابعاً: إن رتق غشاء البكارة يفتح أبواب الكذب للفتيات وأهليهن لإخفاء حقيقة سبب زوال البكارة والكذب محرم شرعاً. ثامناً: إن رتق غشاء البكارة يفتح الباب للأطباء أن يلجأوا إلى إجراء عمليات الأجهاض وإسقاط الأجنة بحجة الستر على الفتيات. أحكام الجراحة الطبية ص ٤٢٩-٤٣٠. وما يقال من أن الرتق العذري فيه ستر على الفتاة التي أزيلت بكارتها باغتصاب أو إكراه على الزنا والستر مطلوب شرعاً. أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة ص ٢٢٩. فيجاب عن ذلك بأن الستر الذي ندبت إليه الشريعة الإسلامية هو المحقق لمصالح معتبرة ورتق غشاء البكارة فيه كشف للعورة بدون حاجة وفيه فتح لباب الشر وهو الزنا كما أن الحكم بجواز رتق غشاء البكارة في حالة الزنا الذي لم يشتهر فيه فتح لباب من الشر عظيم والله يأمرنا أن يشهد عذاب الزاني طائفة من المؤمنين نكاية به وتأديباً لغيره من مغبة الوقوع في الفاحشة فجواز هذه الصورة لا يعتبر ستراً بل هو ترك لمبدأ معاقبته وإشعاره بذنبه فرفض الطبيب إجراء هذه العملية فيه ردع للزانية وتأديب لغيرها. الأحكام الطبية المتعلقة بالنساء ص ٢١٨. ويضاف لذلك أن الستر المطلوب شرعاً هو الذي شهدت له نصوص الشرع باعتبار وسيلته ورتق غشاء البكارة لم يتحقق فيه ذلك بل الأصل حرمته لمكان كشف العورة وفتح باب الفساد. أحكام الجراحة الطبية ص ٤٣٢. وإن القول بجواز هذه العملية يؤدي إلى فتح أبواب الفساد وانتشار الرذيلة وما زعم من مصالح قد تترتب على ذلك إنما هي مصالح وهمية وليست حقيقية كما أن حالات تمزق غشاء البكارة بسبب حادث ما غير الزنا والاغتصاب تعتبر نادرة وقليلة ويمكن إذا حصل ذلك الحصول على تقرير طبي موثق لبيان السبب الحقيقي لزوال غشاء البكارة حتى تكون الفتاة بعيدة عن تهمة الزنا. وأخيراً فإن على الأطباء المسلمين أن يكونوا دعاة صدق فيرشدوا الفتاة وأهلها إلى عدم إجراء هذه العملية وأخذ تقرير طبي يثبت براءة الفتاة فيكونوا بذلك قد وجهوا الناس إلى الأخذ بالصدق قولاً وفعلاً كما أن على الأطباء أن يرفضوا إجراء هذه العملية لكي يسدوا على المجتمع باب الزنا والتلاعب في الأعراض وأن يحاربوا الكسب غير المشروع بإجراء هذه العمليات مهما تنوعت الأسباب فإذا انتهج الأطباء هذه السبل لمعالجة فقد الفتاة لبكارتها أمكن إقناع الناس بأن فقدها بغير الفاحشة ليس أمراً معيباً ولا يمنع من الزواج منها. الأحكام الطبية المتعلقة بالنساء ص٢٢٢.\r\rوأما بالنسبة للشق الثاني من السؤال والمتعلق بالعادة السرية أو الاستمناء فإن هذا الأمر حرام في حق الشاب والفتاة على حد سواء كما هو مذهب جماهير علماء المسلمين ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) سورة المؤمنون الآيات ٥-٧، والعادون هم الظالمون المتجاوزون الحلال إلى الحرام. وقال تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) سورة النور الآية ٣٣. وقد أرشد الرسول ﷺ إلى أنه عند ثوران الشهوة فالمطلوب هو اللجوء إلى تسكينها ويكون ذلك بالزواج إن كان مستطيعاً له وإلا فعلى الإنسان أن يصوم لما للصوم من أثر في تسكين الشهوة فعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) رواه البخاري ومسلم. فعلى هذه الفتاة السائلة أن تكثر من الصوم وأن تحاول أن تشغل نفسها بالأمور النافعة والمفيدة كتلاوة القرآن ومطالعة الكتب الثقافية وعليها أن تبتعد عن المثيرات بشتى أنواعها وخاصة الأفلام والمسلسلات وأن تحاول أن تنسى الماضي وألا تجلس لوحدها وإنما تختلط مع أسرتها لأن ذلك أصون لها وأبعد عن الشيطان. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346540,"book_id":3840,"shamela_page_id":920,"part":"15","page_num":188,"sequence_num":920,"body":"١٨٨ - النكاح\rالزواج المبكر، يقول السائل: زعم بعض المنادين بتأخير سن الزواج والمعارضين للزواج المبكر أن النبي ﷺ لما تزوج عائشة ﵂ أنها كانت في سن ثلاث وعشرين سنة أو سبع عشرين فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: لقد كثر الكلام حول قضية الزواج المبكر وكثر اللغط حول تأخير سن الزواج في هذه الأيام وأقدم قبل الجواب عن السؤال كلاماً موجزاً حول الزواج المبكر وأذكر بعض النصوص الشرعية التي تحض على الزواج:\rقال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) سورة النور ٣٢.\rوقال تعالى: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) سورة النساء الآية ٣.\rوقال رسول الله ﷺ: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) رواه البخاري.\rوقال ﷺ: (وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) رواه البخاري.\rوقال ﷺ: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) رواه مسلم.\rويجب أن يعلم أن الشريعة الإسلامية لم تحدد سناً معيناً بالسنوات لعقد الزواج بل أجاز جمهور الفقهاء المتقدمين زواج الصغير والصغيرة أي دون البلوغ ولكن قوانين الأحوال الشخصية في البلاد الإسلامية حددت سناً للزواج فقد نصّ القانون الأردني للأحوال الشخصية في المادة الخامسة منه على ما يلي: [يشترط في أهلية الزواج أن يكون الخاطب والمخطوبة عاقلين، وأن يتم الخاطب السن السادسة عشرة وأن تتم المخطوبة الخامسة عشرة من العمر] .\r[ونصَّ قانون الأحوال الشخصية لدولة الإمارات العربية في الفقرة الأولى من المادة عشرين على أن سن الزواج للفتى ثمانية عشر عاماً وللفتاة ستة عشر] .\rوكذلك فإن القوانين الأوروبية قد حددت سن الزواج فالقانون الفرنسي قد جعل سن الثامنة عشرة للفتى والخامسة عشر للفتاة. وكذلك فإن الديانات الأخرى حددت سناً للزواج ففي الشريعة اليهودية جعلت سن زواج الرجل الثالثة عشرة والمرأة الثانية عشرة.\rإن المعنى الحقيقي للزواج المبكر من الناحية الطبية والعلمية هو الزواج قبل البلوغ فبالنسبة للفتاة الزواج المبكر هو زواجها قبل الحيض.\rوأما تسمية من تتزوج قبل الثامنة عشرة بأنه زواج مبكر فهذا لا يستند إلى قاعدة علمية أو قاعدة شرعية فأمر الزواج مربوط بالبلوغ والبلوغ عند الفتاة هو الفترة الزمنية التي تتحول فيها الفتاة من طفلة إلى بالغة وعندها تصبح الفتاة بالغة.\rوأما سن البلوغ فيتراوح عالمياً ما بين ٩-١٦ سنة وفي بلادنا ما بين ١١-١٢ سنة حسب دراسة علمية صادرة عن الجامعة الأردنية.\rويقال لمعارضي الزواج المبكر ما يلي:\rإن قانون الأحوال الشخصية قد منع زواج الصغار أخذاً بالرأي الفقهي الذي يمنع ذلك واشترط بلوغ الزوجة خمسة عشرة عاماً وأما الزوج فستة عشرة عاماً وهذا السن بالنسبة للرجل والمرأة هو سن يكون كل منهما قد بلغ ويدخل سن الأهلية والتكليف، والدعوة إلى تأخير الزواج هو انتقاص لأهلية الرجل والمرأة وحجر على حريتهما التي تتبجح هذه المراكز بالمناداة بها.\rوكذلك فقد جاء في كتاب \" القانون ومستقبل المرأة الفلسطينية \" لمؤلفته أسمى خضر ص ١٣١: [الدعوة إلى تأخير سن الزواج إلى ١٨ عاماً للفتاة والفتى وذلك تمشياً مع تعريف الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل إذ أن نهاية سن الطفولة بلوغ ١٨ عاماً] .\rوأقول إنه لأمر عجيب حقاً تمديد سن الطفولة إلى بلوغ ١٨ عاماً ليتمشى ذلك مع الاتفاقيات الدولية ولماذا لا نسير وفق ما جاء في ديننا وتاريخنا وحضارتنا، لقد دق محمد بن القاسم أبواب الصين وهو دون الثامنة عشرة وقاد أسامة بن زيد جيوش المسلمين وهو ابن ستة عشرة عاماً فهل تأخير سن الطفولة إلى ثمانية عشرة عاماً في مصلحة الأمة والمجتمع.\rوبالنظر إلى سجلات عقود الزواج في المحاكم الشرعية نجد أنه قلما تتزوج فتاة دون سن السابعة عشر أو دون سن العشرين للشباب.\rإن أولياء الأمور يستطيعون تقدير أمور الزواج المتعلقة ببناتهم فإذا وجد في ابنته القدرة على ذلك زوَّجها، وإذا لم يجد فيها القدرة على ذلك لم يزوِّجها.\rإن البحوث العلمية والدراسات العالمية تثبت أنه لا يوجد زيادة في مضاعفات الحمل عند النساء اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين ١٥-١٩ سنة. وإن المضاعفات التي تحصل عند الحوامل أقل من ١٥ سنة هي نسبياً قليلة كما أن أورام الثدي والرحم والمبايض هي أقل عند النساء اللواتي يبدأن الحمل والإنجاب في السنين المبكرة.\rإن العمليات القيصرية والولادة المبكرة والتشوهات الخلقية ووفاة الجنين داخل الرحم ووفاة الأطفال بعد الولادة جميعها تزداد نسبياً كلما زاد عمر الحامل.\rإن الحمل والإنجاب هو عمل متكرر وإن المرأة بحاجة إلى فترة زمنية طويلة لإنجاب ما كتب الله لها من أطفال. فالمرأة التي تتزوج في سن متأخر فإنها سوف تنجب أطفالها وهي في سن متأخر، ومن المثبت طبياً أن الأمراض المزمنة تبدأ بالظهور أو تزيد استفحالاً كلما تقدم الإنسان عمراً وهذه الأمراض المزمنة تزيد مخاطر الحمل والإنجاب وأحياناً تقف عائقاً للحمل والإنجاب.\rإذا ثبت هذا فنعود إلى جواب السؤال ونقول إنه قد ثبت عند المحققين من أهل العلم أن عائشة ﵂ لما تزوجها رسول الله ﷺ كانت ابنة تسع سنين ولم ينقل خلاف ذلك فيما اطلعت عليه من المصادر، فقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (تزوجني النبي ﷺ أي عقد عليّ - وأنا بنت ست سنين فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن خزرج فوعكت فتمزق شعري فوفى جميمة فأتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي فصرخت بي فأتيتها لا أدري ما تريد بي فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي ثم أخذت شيئاً من ماء فمسحت به وجهي ورأسي ثم أدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين) وفي حديث آخر روى البخاري عن عروة قال: (توفيت خديجة قبل مخرج النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنين فلبث سنتين أو قريباً من ذلك ونكح عائشة وهي بنت ست سنين ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين) صحيح البخاري مع الفتح ٨/٢٢٤-٢٢٥.\rوذكر الإمام النووي في ترجمة عائشة: [أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت ست سنين ودخل بها وهي بنت تسع] تهذيب الأسماء واللغات ٢/٣٥١.\rوذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة عائشة أن قد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت ست وقيل سبع ودخل بها وهي بنت تسع وكان دخوله بها في شوال في السنة الأولى ثم ذكر الحافظ ابن حجر ما ثبت في الصحيح من رواية الأسود عن عائشة قال: (تزوجني الرسول ﷺ وأنا بنت ست سنين وبنى بي وأنا بنت تسع وقبض وأنا بنت ثمان عشرة سنة) الإصابة ٨/١٣٩.\rومثل ذلك ذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٨/٩٥ ومثله ذكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/١٣٥.\rوختاماً فإني أقول إنه لا يجوز شرعاً سن قانون يحظر الزواج قبل الثامنة عشرة لما يترتب على ذلك من مفاسد كثيرة. ومع أنني من أنصار التبكير في الزواج وأحث على ذلك ولكنني أرى أنه ينبغي أن يكون الزوجان قد أتما المرحلة الجامعية الأولى وهذا لا يعني منع حالات الزواج في أقل من ذلك وحسب ما حدده قانون الأحوال الشخصية.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346541,"book_id":3840,"shamela_page_id":921,"part":"15","page_num":189,"sequence_num":921,"body":"١٨٩ - الحجاب الشرعي\rتقول السائلة: نشرت إحدى الصحف مقالاً تعترض فيه كاتبته على الحجاب الشرعي وتقول إن قضية اللباس قضية شخصية وإن الحجاب من القشور وإن قضية الحجاب هي قضية فقهية وهي محل خلاف بين الفقهاء، فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن الحملة المعادية للباس الشرعي ليست جديدة وإنما لها جذور قديمة وقد حمل وزرها دعاة كثر مثل رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين وهدى شعراوي ونوال السعداوي وغيرهم كثير. وزعم هؤلاء أنهم من أنصار المرأة وأنهم يدافعون عن حقوقها ويعتبرون اللباس الشرعي عائقاً في سبيل تقدم المرأة المسلمة ولهم شبهات كثيرة حول هذه القضية لا يتسع المقام لبيانها والرد عليها وقد بحثت هذه القضية عشرات المؤلفات. ولكن لا بد من توضيح ما جاء في السؤال حول الإدعاء بأن اللباس الشرعي قضية شخصية، صحيح أن اللباس قضية شخصية من حيث إن الإنسان ذكراً كان أو أنثى حرّ فيما يختاره من ملابس فيختار لونها وشكلها وقماشها وغير ذلك من المواصفات ولكن اللباس ليس قضية شخصية من حيثيات أخرى فهل نقبل أن يمشي رجل في السوق وليس عليه إلا لباس البحر \" المايوه \"!!؟ إن الشريعة الإسلامية وضعت قواعد عامة للباس سواء كان لباس الرجل أو لباس المرأة فأوجبت أن يكون لباس الرجل وكذا لباس المرأة ساتراً لعورة كل منهما. فالإنسان المسلم عليه أن يلتزم بشرع الله ﷾ في جميع مجالات حياته ومن ضمن ذلك اللباس فليس اللباس الشرعي اختيارياً للمرأة بل إنه أمر واجب وفريضة شرعية كما سأذكر فيما بعد. كما أن وصف اللباس الشرعي للمرأة بأنه من القشور وأن المهم هو ما في داخل النفوس، مغالطة وخطأ واضح فأحكام الشريعة الإسلامية ليس فيها ما يوصف بأنه قشور أو لباب، فأحكام الشريعة الإسلامية كلها لباب ولا قشور فيها لأنها تعالج كل قضايا الناس فلا يصح أن نقول هذا الحكم من القشور وهذا من اللباب فهي جميعاً من عند الله ﷾ اللطيف الخبير.\r\rوأما الادعاء بأن اللباس الشرعي أو قضية الحجاب هي قضية فقهية مثارة بين الفقهاء فهذا الكلام غير صحيح أبداً فإن قضية الحجاب أو الجلباب الشرعي قضية مسلَّمة بين الفقهاء لأنها ثابتة بالنصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهو فريضة من فرائض الله ﷾، وأما الخلاف بين الفقهاء فقد وقع في قضايا تابعة لقضية الجلباب المتفق عليها. مثلاً هل يجب على المرأة أن تغطي وجهها وكفيها أم لا؟ وكذا الخلاف في بعض التفاصيل المتعلقة بالجلباب وليس الخلاف في أصل وجوب الجلباب فهذه مسألة متفق عليها بين علماء المسلمين يقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) سورة الأحزاب الآية ٥٩. فهذه الآية الكريمة أوجبت اللباس الشرعي على جميع النساء المسلمات. وقال تعالى: (قل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) سورة النور الآيتان ٣٠-٣١. وعن أم عطية الأنصارية قالت: (أمرنا أن نخرج الحُيَّض يوم العيدين وذوات الخدور فيشهدون جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزل الحيض عن مصلاهن. قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: لتلبسها أختها من جلبابها) رواه البخاري ومسلم. وجاء في حديث أسماء بنت أبي بكر: (أنها كانت عند أختها عائشة وعليها ثياب واسعة الأكمام فلما نظر إليها الرسول ﷺ قام فخرج. فقالت عائشة ﵂ تنحي فقد رأى رسول الله ﷺ أمراً كرهه فتنحت فدخل رسول الله فسألته عائشة ﵂ لم قام؟ قال: أو لم تري هيئتها إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا - أي وجهها وكفيها -) رواه الطبراني والبيهقي وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة المسلمة ص ٥٩. وغير ذلك من الأدلة. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346542,"book_id":3840,"shamela_page_id":922,"part":"15","page_num":190,"sequence_num":922,"body":"١٩٠ - دية المرأة نصف دية الرجل\rيقول السائل: إن أحد المدرسين استنكر أن تكون دية المرأة نصف دية الرجل واعتبر أن هذا القول غير صحيح فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: إن بعض الناس يحاول أن يظهر أنه من أنصار المرأة والمدافعين عن حقوقها ويجعله ذلك يتمسك بما هو أوهى من بيت العنكبوت في الاحتجاج لما يراه من أحكام يزعم أن فيها نصرة للمرأة ولا يتسع المقام للرد على أمثال هؤلاء وبيان ما أعطاه الإسلام للمرأة في جميع جوانب الحياة.\rوالمسلم الصادق لا ينخدع بالدعوات الزائفة التي تدعو لنصرة المرأة والتخلي عن الأحكام الشرعية المنصوصة في حق المرأة كإعطاء الأنثى نصف ميراث الذكر ونحو ذلك من الأحكام.\rوأما بالنسبة لدية المرأة فيجب أن يعلم أولاً أن العلماء قد بينوا أن الرجل يقتل بالمرأة إن قتلها عمداً وأما إن قتلت المرأة خطأً فإن ديتها على النصف من دية الرجل وهذا باتفاق أهل العلم إلا من شذ ولا عبرة بالأقوال الشاذة التي يحاول بعض الناس نفخ الروح فيها وأنّى لهم ذلك!!\rقال الحافظ ابن عبد البر: [أجمعوا على أن دية المرأة نصف دية الرجل] الاستذكار ٢٥/٦٣.\rوقال الإمام القرطبي: [وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل قال أبو عمر - يعني ابن عبد البر -: إنما صارت ديتها والله أعلم على النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصف ميراث الرجل وشهادة امرأتين بشهادة رجل وهذا إنما هو في دية الخطأ وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء لقوله ﷿: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ... الخ] تفسير القرطبي ٥/٣٢٥.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي معلقاً على قول الخرقي: [ودية الحرة المسلمة نصف دية الحر المسلم. قال ابن المنذر وابن عبد البر أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل] المغني ٨/٤٠٢.\rوهذا قول الأئمة الأربعة وأتباعهم وعلماء السلف والخلف ونقل عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت ﵃ ولا يعرف لهم مخالف فصار إجماعاً، الحاوي الكبير ١٢/٢٨٩.\rوقد شذّ الأصم وابن علية فقالا دية المرأة كدية الرجل وتابعهما على ذلك بعض المعاصرين كالمالكي في نظام العقوبات ص ١٢١.\rومما يدل على قول جماهير أهل العلم ما رواه الشافعي وغيره عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قوَّم دية الحرة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم فإذا كان الذي أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل ودية الأعرابية إذا أصابها الأعرابي خمسون من الإبل] رواه الشافعي في الأم ٦/٩١-٩٢ والبيهقي في السنن ٨/٩٥.\rوقد ذكر عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عدة روايات عن الصحابة تفيد أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، انظر مصنف عبد الرزاق ٩/٣٩٣-٣٩٧، مصنف ابن أبي شيبة ٩/٢٩٩-٣٠٢، سنن البيهقي ٨/٩٥-٩٦.\rوروى ابن أبي شيبة بإسناده عن شريح القاضي عن عمر ﵁ قال: [ ... دية المرأة على النصف من دية الرجل] مصنف ابن أبي شيبة ٩/٣٠٠، وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح. إرواء الغليل ٧/٣٠٧.\rوقد رويت بعض الأحاديث عن النبي ﷺ في ذلك ولكنها غير ثابتة ولكن ثبوت تنصيف دية المرأة عن عدد من الصحابة ونقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك يكفي في ثبوت هذا الحكم لأن مثل هذا الأمر لا يعرف إلا توقيفاً لأنه من المقدرات التي لا مجال للعقل فيها فيكون له حكم الرفع إلى النبي ﷺ وخاصة أن عدداً كبيراً من الفقهاء والأئمة قالوا بذلك كسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري وعطاء ومكحول والليث وابن شبرمة وهو قول الأئمة الأربعة كما سبق. انظر فقه عمر في الجنايات ٢/٤٧٤، فتح باب العناية ٣/٣٤٨.\rوأما حجة من شذ فخالف فقد قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وحكي عن ابن علية والأصم أنهما قالا: ديتها كدية الرجل لقوله ﵊: (في النفس المؤمنة مئة من الإبل) وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة الرسول ﷺ] المغني ٨/٤٠٢.\rوأما ما استدل به المالكي في نظام العقوبات ص ١٢١-١٢٢ من العمومات التي تسوي بين الذكر والأنثى في الدية فغير مسلّم لأن هذه النصوص مخصوصة يخصصها إجماع الصحابة الذي نقله العلماء ولم يعرف لهم مخالف والإجماع يخصص عموم الكتاب والسنة كما قال الأصوليون.\rقال الآمدي: [لا أعرف خلافاً في تخصيص القرآن والسنة بالإجماع ودليله المنقول والمعقول أما المنقول فهو إن إجماع الأمة خصص آية القذف بتنصيف الجلد في حقّ العبد كالأمة وأما المعقول فهو أن الإجماع دليل قاطع والعام غير قاطع في آحاد مسمياته ... فإذا رأينا أهل الإجماع قاضين بما يخالف العموم في بعض الصور علمنا أنهم ما قضوا به إلا وقد اطلعوا على دليل مخصص له نفياً للخطأ عنهم وعلى هذا فمعنى إطلاقنا أن الإجماع مخصص للنص أنه معرّ ف للدليل المخصص لا أنه في نفسه هو المخصص] الإحكام للآمدي ٢/٣٢٧. وانظر إرشاد الفحول ص ١٦٩، شرح الكوكب المنير ٣/٣٦٩.\rوأما قول المالكي: [ ... إن الذين يقولون إن دية المرأة نصف دية الرجل لا يوجد لهم دليل صحيح ... ] فكلامه غير صحيح وليس عنده إلا العمومات وقد قام الدليل على تخصيصها بالإجماع كما سبق بيانه.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346543,"book_id":3840,"shamela_page_id":923,"part":"15","page_num":191,"sequence_num":923,"body":"١٩١ - القتل على خلفية شرف العائلة\rتقول السائلة: ما قولكم فيما يسمى بالقتل على خلفية شرف العائلة وهل يجوز للأب أو الأخ قتل ابنته أو أخته الزانية مع العلم أنه قد يقع القتل بمجرد الشك في سلوك الفتاة ودون إثبات لواقعة الزنا؟\r\rالجواب: لا شك أن الزنا من كبائر الذنوب ومن الجرائم الاجتماعية الفظيعة، يقول الله ﷾: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) سورة الإسراء الآية ٣٢.\rقال الإمام القرطبي: [قال العلماء، قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) أبلغ من أن يقول ولا تزنوا فإن معناه لا تدنوا من الزنا] تفسير القرطبي ١٠/٢٥٣.\rوقد جعل الله ﷾ من صفات عباد الرحمن ترك الزنا فقال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٦٩.\rوثبت عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة التحذير من الزنا وبيان ضرر الزنا فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) رواه البخاري ومسلم.\rوعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه تضمنت له بالجنة) رواه البخاري، وما بين لحييه أي اللسان وما بين رجليه أي فرجه.\rوورد في حديث السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث.\rوقد قرر الإسلام عقوبة للزاني المحصن \" المتزوج \" وللزاني غير المحصن قال الله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) سورة النور الآية ٢.\rوهذه الآية في حق الزانية والزاني غير المحصنين وعند جمهور الفقهاء يغرب الزاني لمدة عام بعد الجلد لما جاء في الحديث عن عبادة بن الصامت أن الرسول ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مئة والرجم) رواه مسلم، ويرى بعض أهل العلم أن التغريب خاص بالزاني الرجل دون المرأة.\rوأما الزانيان المحصنين فعقوبتهما الرجم لما ثبت أن النبي ﷺ أمر برجم ماعز عندما اعترف بالزنا وكان محصناً فقال ﵊: (اذهبوا به فارجموه) رواه مسلم. وغير ذلك من النصوص.\rإذا ثبت هذا فإن تنفيذ العقوبات من اختصاص الدولة المسلمة بأمر الإمام ولي أمر المسلمين وليس من اختصاص الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو غيرها.\rقال الشيخ عبد القادر عوده ﵀ تحت عنوان \" من الذي يقيم الحدّ \": [من المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز أن يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه لأن الحدّ حق الله تعالى ومشروع لصالح الجماعة فوجب تفويضه إلى نائب الجماعة وهو الإمام ولأن الحدّ يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب فوجب تركه لولي الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواسطة نائبه وحضور الإمام ليس شرطاً في إقامة الحد لأن النبي ﷺ لم ير حضوره لازماً فقال: اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. وأمر ﵊ برجم ماعز ولم يحضر الرجم وأتي بسارق فقال: اذهبوا به فاقطعوه. لكن إذن الإمام بإقامة الحدّ واجب، فما أقيم حدّ في عهد رسول الله ﷺ إلا بإذنه وما أقيم حدّ في عهد الخلفاء إلا بإذنهم] التشريع الجنائي الإسلامي ٢/٤٤٤.\rوجاء في الموسوعة الفقهية: [اتفق الفقهاء على أنه لا يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه وذلك لمصلحة العباد وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم والإمام قادر على الإقامة لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهراً وجبراً كما أن تهمة الميل والمحاباة والتواني منتفية عن الإقامة في حقه فيقيهما على وجهه فيحصل الغرض المشروع بيقين، ولأن النبي ﷺ كان يقيم الحدود وكذا خلفاءه من بعده] ١٧/١٤٤-١٤٥.\rومما يدل على أن تنفيذ العقوبات من اختصاص الدولة المسلمة ممثلة بالإمام أو من يقوم مقامه قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) سورة النور الآية ٢.\rقال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: [لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر الإمام ومن ناب منابه] تفسير القرطبي ١٢/١٦١.\rوبناء على ما سبق لا يجوز لشخص مهما كان أن يتولى تنفيذ العقوبات الشرعية بنفسه سواء أكان أباً أو أخاً أو عمّاً أو خالاً أو غير ذلك فلا يجوز لهؤلاء أن يقتلوا من تتهم بالزنا لتطهير شرف العائلة كما يدعون.\rوهنا لا بد من بيان عدة أمور:\rأولاً: إن الزنا يثبت بأحد أمور ثلاثة: الشهادة والإقرار والقرائن.\rوقد شدد الإسلام في قضية الشهادة على الزنا واشترط أربعة شهود، قال تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) سورة النساء الآية ١٥.\rوقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثمَانِينَ جَلْدَةً) سورة النور الآية ٤.\rوالشهادة في الزنا لها شروط مفصلة مذكورة في كتب الفقه، ولا بد في الإقرار من أن يكون مفصلاً مبيناً كما في قصة ماعز، والقرائن لا بد أن تكون صحيحة ومعتبرة عند العلماء حتى يثبت الزنا. انظر الموسوعة الفقهية ٢٤/٣٧ فما بعدها.\rثانياً: إن كثيراً من حالات القتل على خلفية شرف العائلة تكون الفتاة فيها مظلومة ظلماً شديداً فقد تقتل لمجرد الشك في تصرفاتها ولا يكون زناها قد ثبت فعلاً أو تكون قد ارتكبت مخالفة أقل من الزنا غير موجبة للحد وإنما توجب التعزير فقط.\rثالثاً: ورد في بعض النصوص الشرعية جواز قتل الزناة حال تلبسهم بالجريمة فقط فقد ورد في الحديث أن سعد بن عبادة قال: (لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير منا) رواه البخاري.\rومعنى قوله: (لضربته بالسيف غير مصفح) أي أضربه بحد السيف لأقتله لا بعرض السيف تأديباً.\rوورد عن عمر بن الخطابرضي الله عنه: (أنه كان يوماً يتغذى إذ جاءه رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بالدم ووراءه قوم يعدون خلفه فجاء حتى جلس مع عر فجاء الآخرون فقالوا: يا أمير المؤمنين إن هذا قتل صاحبنا. فقال له عمر: ما يقولون؟ قال: يا أمير المؤمنين إني ضربت فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد قتلته. فقال عمر: ما يقول؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة فأخذ عمر سيفه فهزه ثم دفعه إليه وقال: إن عادوا فعد) فقه عمر ١/٣٣٤.\rوبناءاً على ذلك قال جمهور الفقهاء يجوز للزوج أن يقتل رجلاً شاهده مع زوجته متلبساً بجريمة الزنا سواء أكانت الزوجة مطاوعة أو مكرهة ودم المتلبس بالجريمة هدر إن ثبت ذلك عند القاضي بالشهادة أو بالإقرار. انظر فقه عمر ١/٣٣٧-٣٣٨.\rوهذا القتل قال الفقهاء إنه يكون في حالة ضبط الزاني متلبساً بجريمته لأن الزوج في هذه الحالة يكون في حالة غضب شديد جداً.\rرابعاً: إن كثيراً من حالات القتل على خلفية شرف العائلة تقع بعد حصول حادثة الزنا بفترة طويلة وغالباً ما تكون بعد أن تظهر على الفتاة علامات الحمل من الزنا وفي مثل هذه الحالات تكون الفتاة بكراً فلا يجوز قتلها لأن عقوبتها الشرعية ليست القتل ولو كانت متزوجة فلا تقتل لأن تنفيذ العقوبة كما سبق من اختصاص إمام المسلمين وليس الأمر للزوج أو الأب أو الأخ أو غيرهم.\rخامساً: إن الآباء والأمهات والأخوة يتحملون جزءاً من المسؤولية عن وقوع ابنتهم في الفاحشة فالواجب هو تحصين البنات والشباب وتربيتهم تربية صحيحة وسد المنافذ التي تؤدي إلى وقوعهم في الفحشاء والمنكر فإن الوقاية خير من العلاج.\rخامساً: إذا تم قتل الفتاة الزانية غير المحصنة فإن قاتلها يتحمل مسؤولية قتلها وينبغي أن يعاقب العقوبة الشرعية إلا إذا وجد مانع من ذلك كالأبوة فهي مانعة من القصاص عند جماهير أهل العلم. والمسألة فيها تفصيل لا يحتمله المقام.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346544,"book_id":3840,"shamela_page_id":924,"part":"15","page_num":192,"sequence_num":924,"body":"١٩٢ - المنكرات في الحفلات\rالمنكرات في الأعراس، يقول السائل: ظهرت في الآونة الأخيرة في حفلات الأعراس عادات مشينة وظواهر غريبة عن تعاليم ديننا منها:\r\rالجواب: إن أغلب الأعراس اليوم مخالفة لشرع الله ﷾ من جوانب كثيرة ويستسيغ الناس ذلك لأنهم يريدون أن يفرحوا كما زعموا.\rفالفرح عندهم لا يتم إلا بالاختلاط الماجن بين الرجال والنساء وفرحهم لا يتم إلا باستعمال المفرقعات المزعجة والتي قد تؤدي إلى حوادث مؤسفة.\rوفرحهم لا يتم إلا بالرقص المختلط والعري والتهتك وبشرب الخمور ولا يتم فرحهم إلا بالفرق الموسيقية ومكبرات الصوت التي تزعج أهل الحي وأهل البلد إلى ساعة متأخرة من الليل مع أن الناس فيهم المريض الذي يحتاج إلى الراحة والهدوء وفيهم طالب العلم الذي لا يستطيع الدراسة بسبب إزعاج الأفراح وفيهم العامل الذي يريد النوم ليستيقظ مبكراً ليذهب إلى عمله.\rوهكذا يبدأ الزوجان حياتهما بالمنكرات وانتهاك المحرمات الموجبة لغضب الله ﷾.\rولا شك لدي أن الرقص فيه خفة ورعونة ويكون حراماً إذا رقصت النساء أمام الرجال ولا يفعل ذلك إلا الفاسقات الفاجرات كما تفعله الراقصات في زماننا هذا.\rوأما رقص النساء فيما بينهن فإذا لم يكن كرقص الفاسقات الفاجرات فلا بأس به وأما إن كان كرقص الفاجرات الفاسقات فهو ممنوع وغير جائز شرعاً وقد عده كثير من الفقهاء من منكرات الأعراس.\rوأا رقص العروسين وسط النساء فمنكر قبيح وحرمته أشد وخاصة أنهما يقلدان في الرقص أهل الكفر والفسق والفجور.\rوأما تقبيل العريس لعروسه أمام النساء فمنكر وخلاعة وقلة أدب وفعل ذلك أمام الناس يدل على قلة الدين ويدعو إلى الفحش والوقوع في المنكرات.\rوأما الملابس الفاضحة التي تلبسها النساء في الأعراس فإن فعلن ذلك بحضور الرجال فهو حرام ومن يرضَ ذلك لزوجته أو بنته فهو ديوث كما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة لا ينظر الله ﷿ إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة والديوث) رواه أحمد والنسائي وابن حبان وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح أنظر صحيح سنن النسائي ٢/٥٤١.\rوالديوث هو الذي يرى المنكر في أهله ثم يسكت ولا ينكره كما ورد تفسيره في رواية أخرى عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة: مدمن خمر والعاق والديوث الذي يقر في أهله الخبث) رواه أحمد.\rوأما إن لم يكن بحضور الرجال فلا يخرج عن كونه تقليداً للفاسقات الفاجرات الكافرات فالصحيح المنع منه.\rوواجب المسلمة ألا تحضر مثل هذه الأعراس التي تقع فيها هذه المنكرات والمخالفات ولا يكفي في هذا المقام الإنكار بالقلب وإنما الواجب هو عدم الحضور خشية الفتنة والاندفاع إلى اقتراف الحرام.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346545,"book_id":3840,"shamela_page_id":925,"part":"15","page_num":193,"sequence_num":925,"body":"١٩٣ - الحداد\rالحداد على الأخ الميت، تقول السائلة: إن أخاها قد مات فحدت عليه لمدة عام وكانت لا تلبس إلا الملابس السوداء في ذلك العام فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: لا يشرع الإحداد على الأخ الميت أو أي قريب مات أكثر من ثلاثة أيام أما زوج المرأة إن مات فتحد زوجته عليه أربعة أشهر وعشرة أيام إلا إذا كانت حاملاً عند الوفاة فتحدّ حتى تضع حملها وهي عدة الوفاة في حقها في الحالتين.\rوالمقصود بالإحداد هو امتناع المرأة من الزينة وما في معناها خلال مدة الإحداد الشرعي.\rومما يدل على مشروعية الإحداد ما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً) رواه البخاري ومسلم.\rوعن أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة اشهر وعشراً ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار) رواه البخاري ومسلم. وثوب العصب نوع من الثياب اليمانية.\rوقوله نبذة من قسط أو أظفار - وهما نوعان من البخور - أي قطعة منهما.\rمن هذين الحديثين يؤخذ أنه لا يجوز للمرأة أن تحدّ على غير زوجها أكثر من ثلاثة أيام فإحداد المرأة على زوجها في عدة الوفاة واجب طوال العدة وأما إحدادها على غير زوجها كأبيها وأمها وأخيها وأختها وابنها وابنتها وغيرهم من الأقارب فليس بواجب بل هو جائز إن شاءت حدت وإن شاءت لم تحد.\rونقل الحافظ ابن حجر عن الحافظ ابن بطال قوله: [الإحداد امتناع المرأة المتوفى عنها زوجها من الزينة كلها من لباس وطيب وغيرهما وكل ما كان من دواعي الجماع وأباح الشارع للمرأة أن تحدّ على غير زوجها ثلاثة أيام لما يغلب من لوعة الحزن ويهجم من ألم الوجد وليس ذلك واجباً] فتح الباري ٣/٣٨٨.\rويحرم على المرأة أن تزيد مدة الإحداد عن ثلاثة أيام لموت أي قريب من أقربائها فلا يجوز الإحداد لمدة أسبوع ولا لأربعين يوماً ولا لسنة ولا لغير ذلك كما اعتاده كثير من النساء وللمرأة المسلمة اليوم أسوة حسنة في نساء النبي ﷺ أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابيات فقد ثبت في الحديث عن زينب بنت أبي سلمة قالت: (لما جاء نعي أبي سفيان من الشام دعت أم حبيبة ﵂ وهي أم المؤمنين - بصفرة في اليوم الثالث فمسحت عارضيها وذراعيها وقالت: إني كنت عن هذا لغنية لولا أني سمعت النبي ﷺ يقول: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحدّ عليه أربعة أشِهر وعشراً) رواه البخاري ومسلم.\rفهذه أم حبيبة لما مات أبوها وفي رواية أخرى أخوها وبعد مرور ثلاثة أيام طلبت صفرة والصفرة نوع من الطيب فدعت به فمسحت عارضيها أي خديها وذراعيها مع أنها ليست محتاجة للتطيب وإنما لتثبت التزامها بحديث رسول الله ﷺ.\rوثبت في الحديث عن محمد بن سيرين قال: (توفي ابن لأم عطية ﵂ فلما كان اليوم الثالث دعت بصفرة فتمسحت به وقالت: نهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلا على زوج) رواه البخاري.\rوأما لبس السواد في الإحداد واتخاذ ذلك شعاراً للنساء في فترة الإحداد فليس مشروعاً وإنما يجوز للمرأة أن تلبس ما تشاء من ثيابها بشرط ألا يكون زينة في نفسه.\rويجب أن يعلم أن الإحداد خاص بالنساء وليس على الرجال إحداد بإجماع أهل العلم. الموسوعة الفقهية ٢/١٠٤.\rلذلك فليس مشروعاً ما يفعله بعض الرجال عند موت قريب لهم من لبس ملابس سوداء وإعفاء بعض الرجال لحاهم لعدة أيام حزناً على ميتهم مع أنهم كانوا يعتادون حلق لحاهم.\rفإذا انقضت أيام الحزن عادوا إلى حلق لحاهم فهذا الأمر في معنى نشر الشعر المنهي عنه كما قال الشيخ الألباني عند ذكره لما لا يجوز فعله عند الوفاة فقال: [- نشر الشعر، لحديث امرأة من المبايعات قالت: (كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه وأن لا نخمش وجهاً ولا ندعو ويلاً ولا نشق جيباً وأن لا ننشر شعراً) أخرجه أبو داود ... بسند صحيح - إعفاء بعض الرجال لحاهم أياماً قليلة حزناً على ميتهم فإذا مضت عادوا إلى حلقها! فهذا الإعفاء في معنى نشر الشعر كما هو ظاهر يضاف إلى ذلك أنه بدعة وقد قال ﷺ: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) رواه النسائي والبيهقي في الأسماء والصفات بسند صحيح عن جابر) أحكام الجنائز وبدعها ص ٣٠.\rومن صور الإحداد الجاهلي المعاصر الإحداد العام في الدول لموت رئيس أو عظيم أو حلول مصاب عام ومن مظاهر هذا الإحداد إيقاف الأعمال وتنكيس الأعلام وتغيير برامج الإعلام بما يناسب المقام من ثناء على الميت وذكر أعماله وغير ذلك مما يندرج تحت تقديس الأشخاص وتعظيمهم.\rولا يشك عالم بقواعد الشريعة ونصوصها عارف بسيرة أهل القرون الفاضلة أن هذا الفعل ليس مما يجيء بمثله الشرع الحنيف ولا فعله السلف الصالح مع كثرة من فقدوا ﵏ من العظماء والأكابر فهؤلاء الصحابة خير القرون ﵃ مات فيهم خير الخلق وسيد البشر وخليل الرحمن النعمة المسداة والرحمة المهداة رسولنا محمد بن عبد الله ﷺ فلم يفعلوا ما فعله المتأخرون مع الصعاليك العظماء فدل ذلك على عدم مشروعيته إذ لو كان مشروعاً لفعلوه مع إمام العظماء نبينا محمد ﷺ.\rوتقدم نقل الإجماع على أن الإحداد مما اختصت به النساء دون الرجال وهي إنما تحدّ على زوجها المتوفى عنها أربعة أشهر وعشراً أو على غيره ثلاثة أيام وأما ما سوى ذلك فهو من الإحداد الممنوع.\rولا شك أن تعطيل أعمال الناس لأجل موت أحدهم فيه إفساد لمصالح الأحياء وإهدار لطاقاتهم وربطهم بالموتى وكأن الحياة لا تصلح ولا تطيب إلا بمن فقدوا ومن جهة أخرى فإن هذا الإحداد المبتدع مما أخذه بعض المسلمين عن الكفار ومعلوم من نصوص الكتاب والسنة أن التشبه بهم ممنوع قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) والتشبه بهم من موالاتهم. وقد نهى النبي ﷺ عن التشبه بهم فعن ابن عمر ﵁ قال رسول الله ﷺ: (ومن تشبه بقوم فهو منهم) رواه أحمد وأبو دواد.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد هذا الحديث: [وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم] اقتضاء الصراط المستقيم ١/٢٣٦ أحكام الإحداد ص ٢٩- ٣٠.\rومن الأمور التي أحدثها الناس في الإحداد امتناع أحدهم عن الزواج لمدة سنة بعد وفاة قريب له أو أكثر أو أقل، ومثل ذلك عدم حضورهم للأعراس بعد وفاة قريب لهم لمدة قد تطول أو تقصر حسب أهوائهم.\rفكل ذلك ليس له أصل في الشرع والخير كل الخير في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346546,"book_id":3840,"shamela_page_id":926,"part":"15","page_num":194,"sequence_num":926,"body":"١٩٤ - الحمل والإجهاض\rالاحتفاظ بالبييضات الملقحة في عمليات أطفال الأنابيب، يقول السائل: في عمليات أطفال الأنابيب يتم تلقيح عدد من البييضات ويتم زرعها في رحم الزوجة ويبقى بعد ذلك فائض من البييضات الملقحة يحتفظ بها مجمدة فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: كثر إقبال الناس الذين لا ينجبون بالطريقة الطبيعية على مراكز أطفال الأنابيب التي انتشرت في الفترة الأخيرة وهذه المراكز الطبية تقوم بممارسة أعمالها دون وجود قانون أو نظام ينظم عملها ودون وجود هيئة طبية وشرعية تشرف على أعمالها وإن الموضوع جد خطير لما قد يترتب عليه من آثار سلبية كاختلاط الأنساب مثلاً.\rلذلك لا بد من وضع ضوابط وقواعد للعمل في هذه المراكز وخاصة أن غلبة الجانب التجاري واضح في بعضها تماماً.\rومن المشكلات التي نشأت عن قضية أطفال الأنابيب القضية محل السؤال فمن المعلوم أن الأطباء يحرصون على إفراز أكبر عدد من البييضات بواسطة العقاقير وقد ذكر أحد الباحثين أنه أمكن استخراج خمسين بييضة من امرأة واحدة وأن أحد مراكز أطفال الأنابيب كان لديه أكثر من ألف ومئتي جنين فائض أودعت الثلاجة وجمدت وقد أخذت من أكثر من أربعين امرأة أجريت لهن عملية طفل الأنبوب وهذه الأجنة سميت أجنة تجاوزاً وإلا فهي في مرحلة ما قبل الجنين. انظر بحث د. محمد علي البار لمجمع الفقه الإسلامي ص ١٨٠٣، مجلة المجمع عدد٦/ج٣.\rوالأطباء يسحبون البييضات الكثيرة لأن عملية طفل الأنابيب تتطلب استنبات العديد من البييضات من المبيض عند المرأة يصل عددها في المتوسط ما بين ٤-٨ بويضات وفي العادة تسحب كل تلك البييضات من المبيض وتلقح في المختبر وينقل منها ثلاثة أجنة فقط إلى رحم الأم والفائض من تلك الأجنة يحتفظ به بعد تبريده وتجميده. انظر بحث د. عبد الله باسلامة لمجمع الفقه الإسلامي ص ١٨٤١ مجلة المجمع عدد٦/ج٣.\rإن الاحتفاظ بالبييضات الملقحة لفترة طويلة يعتبر مشكلة قد تنتج عنها أمور لا يحمد عقباها. فقد يحتفظ بالبييضات الملقحة ريثما يثبت نجاح عملية طفل الأنبوب وثبوت الحمل وقد يحتفظ بها حتى تتم عملية زرع أخرى وهكذا.\rإن الأصل الذي قرره العلماء المعاصرون في هذه المسألة هو أن لا يكون هناك فائض من البييضات الملقحة وأن لا يتم تلقيح البييضات إلا بالعدد الذي لا يؤدي إلى وجود فائض منها وإذا ما بقي شيء من البييضات الملقحة بعد عملية الزرع فلا بد من التخلص منها.\rوقد درس مجمع الفقه الإسلامي هذه المسألة في دورته السادسة سنة ١٤١٠ هـ وقرر ما يلي: [\r١. في ضوء ما تحقق علمياً من إمكان حفظ البييضات غير ملقحة للسحب منها يجب عند تلقيح البييضات الاقتصار على العدد المطلوب للزرع في كل مرة تفادياً لوجود فائض من البييضات الملقحة.\r٢. إذا حصل فائض من البييضات الملقحة بأي وجه من الوجوه تترك دون عناية طبية إلى أن تنتهي حياة ذلك الفائض على الوجه الطبيعي.\r٣. يحرم استخدام البييضة الملقحة في امرأة أخرى ويجب اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحيلولة دون استعمال البييضة الملقحة في حمل غير مشروع] مجلة المجمع الفقهي العدد السادس ج٣ص٢١٥١-٢١٥٢.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346547,"book_id":3840,"shamela_page_id":927,"part":"15","page_num":195,"sequence_num":927,"body":"١٩٥ - الميراث\rالتخارج في الميراث يقول السائل: باع شخص حصته من الميراث لأخيه قبل القسمة والآن قد باع الورثة حصصهم ويطالبهم هذا الشخص بجزء من حصته وهذا الجزء هو حصته من ثُمن والدته مع العلم أن الوالدة كانت متوفاة لما باع حصته من أخيه فهل يحق له ذلك؟\r\rالجواب: ما فعله هذا الوارث من بيع حصته في التركة لأخيه يسمى عند الفقهاء التخارج وهو أن يتصالح الورثة على إخراج بعضهم عن الميراث بشيء معلوم.\rوالتخارج جائز شرعاً بشرط التراضي من الورثة وقد روى الإمام البخاري تعليقاً عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (يتخارج الشريكان وأهل الميراث) وقال الحافظ ابن حجر وصله ابن أبي شيبة بمعناه. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٥/٣٧٠.\rوعن عمرو بن دينار: (أن امرأة عبد الرحمن بن عوف أخرجها أهله من ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألف درهم) رواه عبد الرزاق في المصنف ٨/٢٨٩، ورواه البيهقي بنحوه في السنن الكبرى ٦/٦٥.\rوما دام أن هذا الشخص قد باع حصته لأخيه قبل تقسيم الميراث وكانت الوالدة قد توفيت قبل ذلك فلا يجوز له أن يطالب بأي شيء لأنه قد خرج من الميراث بشرط أن يكون التخارج قد تم بالتراضي.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346548,"book_id":3840,"shamela_page_id":928,"part":"15","page_num":196,"sequence_num":928,"body":"١٩٦ - النكاح\rيقول السائل: ما المقصود بقول الرسول ﷺ: (غربوا النكاح، لا تضووا) ؟\r\rالجواب: إن الحديث المذكور، لم يثبت عن الرسول ﷺ، وإنما ورد من كلام عمر بن الخطاب رضي الل عنه، فقد روى إبراهيم الحربي في غريب الحديث، عن عبد الله بن المؤمل، عن أبي مليكة قال: قال عمر لآل السائب: قد أضوأتم، فانكحوا في النوابغ، قال الحربي: يعني تزوجوا الغرائب، ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير ٣/١٤٦.\rوورد في رواية أخرى، أن عمر بن الخطاب قال لبني السائب - وقد اعتادوا الزواج بقريباتهم -: \" مالي أراكم يا بني السائب قد ضويتم، غربوا النكاح لا تضووا \".\rقال العلامة ابن منظور في لسان العرب: \" وغلام ضاوي، وكذلك غير الإنسان من أنواع الحيوان، وما أدري ما أضواه، وأضوى الرجل، ولد له ولد ضاويٍ، وكذلك المرأة وفي الحديث اغتربوا لا تضووا، أي تزوجوا في البعاد الأنساب لا في الأقارب لئلا تضووا أولادكم، وقيل معناه، انكحوا في الغرائب دون القرائب فإن ولد الغريبة أنجب وأقوى وولد القريبة أضعف وأضوى،.... ومعنى لا تضووا، أي لا تأتوا بأولاد ضاوين أي ضعفاء.... الخ \" لسان العرب / مادة ضوى.\rوتغريب النكاح مطلوب لأن زواج الأقارب وخاصة إذا كان متكرراً في نطاق الأسرة الواحدة فإنه قد ينتج عنه نسل ضعيف، والزواج من الأقارب هو واسطة لإظهار الصفات المَرَضيِّة الكامنة وتكثيفها في النسل.\rوقال الإمام الشافعي: \" ليس من قوم لا يخرجون نسائهم إلى رجال غيرهم ولا يخرجون رجالهم إلى نساء غيرهم إلا جاء أولادهم حمقى \" الإنتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء ص٩٨.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346549,"book_id":3840,"shamela_page_id":929,"part":"15","page_num":197,"sequence_num":929,"body":"١٩٧ - النكاح\rقراءة الفاتحة عند عقد الزواج بدعة, يقول السائل: جرت عادة كثير من الناس أنه عندما يتم عقد قران رجل على امرأة وبعد أن يتم الإتفاق على المهر وتوابعه، فإنهم يقرأون الفاتحة، فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: إن الناس قد ابتدعوا أموراً كثيرة مخالفة لهدي النبي ﷺ فيما يتعلق بقراءة القرآن الكريم بشكل عام، وقراءة سورة الفاتحة بشكل خاص.\rفترى وتسمع قارئ القرآن بعد أن ينهي قراءته، يقول الفاتحة، ونرى المدرس بعد أن ينهي درسه يقول الفاتحة، وكذلك فإنهم يقرأون الفاتحة عند اتفاق الناس على أمر ما، مثل إقامة شركة بين اثنين مثلاً، فبعد الإتفاق يقولون الفاتحة، وكذلك بعد إجراء مراسم الصلح يقولون الفاتحة، وكذلك ما جاء في السؤال، فإنهم يقرأون الفاتحة بعد الإتفاق على التفاصيل المتعلقة بعقد النكاح، وغير ذلك من الحالات التي تقرأ فيها سورة الفاتحة.\rوكل ذلك من الأمور المبتدعة في الدين التي ليس عليها دليل من الشرع، ولم يثبت عن رسول الله ﷺ شيء في ذلك، ولا يجوز شرعاً لأحد أن يخص سورة الفاتحة أو آية من القرآن الكريم بالتلاوة قي وقت معين أو لغرض معين، إلا ما خصه الرسول ﷺ، كما ثبت في السنة من تخصيص قراءة سورة الفاتحة للرقية، وقراءة آية الكرسي عندما يريد الإنسان النوم حفظاً من الشيطان، وقراءة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) للرقية فهذا وأمثاله جائز لثبوته عن الرسول ﷺ بأدلة صحيحة.\rوأما تخصيص قراءة الفاتحة في الحالات الذي ذكرتها سابقاً فلا يجوز، لأنه أمر محدث، والرسول ﷺ يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم.\rوقال ﷺ (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي وهو حديث صحيح.\rوقال ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور) رواه أبو داود والترمذي، وقال حسن صحيح.\rوقد شرع لنا النبي ﷺ عند النكاح، خطبة النكاح، قال الإمام الترمذي: \" باب ما جاء في خطبة النكاح، ثم ذكر حديث ابن مسعود، الذي ذكره ابن القيم مضمونه في كلامه الآتي.\rوقال العلامة ابن القيم: \" فصل في هديه ﷺ في أذكار النكاح، ثم قال: ثبت عنه ﷺ أنه علمهم خطبة الحاجة، وهي (الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم يقرأ الآيات الثلاث:\r(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) سورة آل عمران /١٠٢\r(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) سورة النساء /١\r(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) سورة الأحزاب /٧٢,٧١.\rقال شعبة: \" قلت لأبي اسحاق هذه في خطبة النكاح أو في غيرها؟ قال: في كل حاجة \" زاد المعاد ٢/٤٥٤ - ٤٥٥.\rهذه هي السنة الثابتة عن الرسول ﷺ، فعلينا إتباعها، فإن الخير كل الخير في الإتباع، وإن الشر كل الشر في الإبتداع.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346550,"book_id":3840,"shamela_page_id":930,"part":"15","page_num":198,"sequence_num":930,"body":"١٩٨ - النكاح\rبطلان الدعوة إلى تأخير سن الزواج, يقول السائل: يطالب بعض الناس بتأخير سن الزواج، ويرفضون الزواج المبكر، فما قولكم في ذلك؟\r\rالجواب: حض الإسلام على الزواج ورغّب فيه والزواج من سنة النبي ﷺ ومن طريقته وهديه ﵊، والزواج المبكر أفضل وأولى من تأخير سن الزواج في حق الذكر والأنثى على السواء، يقول الله تعالى: (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) سورة النور /٣٢.\rقال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: \"هذه المخاطبة تدخل في باب الستر والصلاح أي زوجوا من لا زوج له منكم، فإنه طريق التعفف، والخطاب للأولياء.... وقوله (الأيامى منكم) ، أي الذين لا أزواج لهم من النساء والرجال \" تفسير القرطبي ١٢/٢٣٦.\rوقد حض الرسول ﷺ على التبكير في الزواج وعدم تأخيره فمن ذلك - ما جاء في حديث طويل، عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حيث قال: (اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد الطلب فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين قالا لي وللفضل بن عباس، إلى رسول الله ﷺ.... إلى أن قال: وقد بلغنا النكاح.... فقال الرسول ﷺ لمحمية - رجل كان مسؤولاً عن الصدقات -: (أنكح هذا الغلام ابنتك -للفضل بن عباس- فأنكحه وقال لنوفل بن الحارث: أنكح هذا الغلام ابنتك -لي- عبد المطلب بن ربيعة، فأنكحني....الخ الحديث) رواه مسلم.\rوالشاهد في هذا، قول عبد المطلب \" وقد بلغنا النكاح \" أي الحلم كقوله تعالى: (حتى إذا بلغوا النكاح) أي أن النبي ﷺ أمر بتزويجهما وهما غلامان.\r- ما رواه مسلم بإسناده عن فاطمة بنت قيس، وفيه أن الرسول ﷺ أمرها أن تتزوج أسامة بن زيد، حيث قال لها: (أنكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم قال أنكحي أسامة بن زيد، فنكحته فجعل الله فيه خيراً كثيراً، واغتبطت به) ، وقد كان أسامة بن زيد يوم زوجه النبي ﷺ فاطمة بنت قيس، دون السادسة عشرة من عمره.\r- وعن عائشة ﵂، أن الرسول ﷺ قال: (لو كان أسامة جارية لكسوته وحليته حتى أُنفِقَهُ) رواه ابن ماجة وأحمد، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/١٦.\rوالمراد أنه لو كان أسامة بن زيد بنتاً لزينه وألبسه الحلي حتى يتزوج.\r- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأر وفساد عريض) رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم، وهو حديث حسن، كما قال الشيخ الألباني، صحيح سنن الترمذي ١/٣١٥.\r- وعن علي ﵁، أن النبي ﷺ قال له: (يا علي، ثلاثٌ لا تؤخرها، الصلاة إذا آنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً) رواه الترمذي وقال: غريب حسن، كما نقله الألباني في المشكاة ١/١٩٢.\rوالأيم هي المرأة التي لا زوج لها.\rوبناءً على ما تقدم، نرى أن الأصل في الفتاة أن تتزوج إذا تقدم لها الخاطب الكفؤ ما دامت بالغة عاقلة، ولا يجوز لوليها أن يتأخر في تزويجها إذا وجد الكفؤ وقد ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: \" زوجوا أولادكم إذا بلغوا لا تحملوا آثامهم \" ذكره ابن الجوزي في أحكام النساء ص٣٠٤.\rوهذا يشمل الذكور والإناث فينبغي للولي أن لا يتأخر في تزويج أولاده وبناته حتى لا يقعوا في المعاصي والآثام.\rوورد عن الحسن البصري أنه قال: \" بادروا نساءَكم التزويج \".\rوذكر ابن الجوزي عن بعض السلف أنه قال: \" كان يقال العجلة من الشيطان إلا في خمس، إطعام الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب \" أحكام النساء ص٣٠٤.\rوقد أورد بعض أهل العلم أضرار تأخير زواج الفتاة فقال: \"والواقع أن في تأخير زواج الأنثى إذا بلغت، أضراراً كثيرة.\rمنها: احتمال انزلاقها إلى الفاحشة.\rومنها: أن يفوتها الزوج الكفؤ.\rومنها: قد يفوتها قطار الزواج بالكلية.\rومنها: كدورة نفسها، وكراهية وليها الذي أخر زواجها بعدم قبوله من تقدم إليها من الخطّاب الأكفاء وقد يصدر منها ما لا تحمد عقباه.\rومنها: قد يصيب نفسها شيء من التعقيد والسخط على كل من حولها، ولا شك أن الولي يتحمل قسطه من هذه النتائج والآثام بسبب تأخيره تزويجها \" المفصل في أحكام المرأة ٦/٣٠٩\rوينبغي التذكير بأن قانون الأحوال الشخصية المعمول به في بلادنا، قد حدد أقل سن للزواج كما جاء في المادة الخامسة منه ما يلي:\r((يشترط في أهلية الزواج أن يكون الخاطب والمخطوبة عاقلين، وأن يتم الخاطب السنة السادسة عشرة وأن تتم المخطوبة الخامسة عشرة من العمر)) .\rوهذا تحديد مقبول ينبغي العمل به.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346551,"book_id":3840,"shamela_page_id":931,"part":"15","page_num":199,"sequence_num":931,"body":"١٩٩ - حقوق الزوجين\rأخذ الزوجة من مال زوجها البخيل دون إذنه، تقول السائلة: إن زوجها بخيل جداً في الإنفاق عليها وعلى أولاده فتأخذ نقوداً منه خفية، فهل يجوز لها ذلك؟\r\rالجواب: إن إنفاق الزوج على زوجته وأولاده واجب باتفاق أهل العلم، ويدل على ذلك:\rقوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) سورة البقرة/٢٣٣.\rوقوله تعالى: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) سورة الطلاق/٧.\rقال الإمام البخاري في صحيحه: \" باب وجوب النفقة على الأهل والعيال \".\rوقال الحافظ ابن حجر: \" الظاهر أن المراد بالأهل في الترجمة الزوجة، وعطف العيال عليها من العام بعد الخاص....، ثم ساق الإمام البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وإبدأ بمن تعول، تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني) .\rوقد حث الرسول ﷺ على الإنفاق على الأهل والعيال والمنفق مأجور إن شاء الله حيث قال: (إذا أنفق المسلم نفقة على أهله، وهو يحتسبها كانت له صدقة) رواه البخاري.\rونقل الحافظ ابن حجر في الفتح عن المهلب قوله: \" النفقة على الأهل واجبة بالإجماع وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر فعرفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم ترغيباً لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع \" فتح الباري ١١/٤٢٥.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة - عتق رقبة -، ودينار أنفقته على أهلك) رواه مسلم.\rوعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله) رواه مسلم.\rوإذا تقرر هذا، فنعود إلى جواب السؤال فنقول: يجوز لزوجة البخيل أن تأخذ من مال زوجها البخيل ما يكفي للإنفاق عليها وعلى أولادها بالمعروف أي ما تحصل به الكفاية من غير تقتير ولا إسراف.\rويدل على ذلك ما ورد في قصة هند زوج أبي سفيان كما رواها الإمام البخاري في صحيحه حيث قال البخاري: \" باب إذا لم ينفق الرجل، فللمرأة أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف، ثم روى بسنده عن عائشة ﵂، أن هنداً بنت عتبة قالت: \" يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال رسول الله: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) .\rوالمراد بالمعروف، أي أنها تأخذ القدر الذي عرف بالعادة أن فيه الكفاية لها ولولدها.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346552,"book_id":3840,"shamela_page_id":932,"part":"15","page_num":200,"sequence_num":932,"body":"٢٠٠ - الحمل والإجهاض\rيحرم استئصال القدرة على الحمل إلا لضرورة ملحة، تقول السائلة: إنها أصيبت بمرض الأزمة وضيق التنفس، ونصحها بعض الأطباء بإغلاق مواسير الحمل، وفعلت ذلك، والآن ضميرها يؤنبها، وتسأل إن كان عليها كفارة لذلك\r\rالجواب: إن نعمة التناسل من أعظم النعم على الإنسان وقد منَّ الله ﷾ على عباده بهذه النعمة في آيات كثيرة منها، قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) سورة الحجرات /١٣.\rوقوله تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ) سورة النحل /٧٢.\rوحث النبي ﷺ على الزواج وعلى تكثير الأولاد فقال: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم) رواه ابن حبان وأحمد والطبراني وغيرهم، وقال الشيخ الألباني: صحيح، إرواء الغليل ٦/١٩٥.\rوغير ذلك من النصوص الشرعية.\rوبناءً على ما تقدم، يحرم اتخاذ وسيلة تؤدي إلى قطع النسل نهائياً إلا في حالات الضرورة بضوابطها الشرعية.\rوقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الخاص بتنظيم النسل ما يلي:\r((وبناءً على أن من مقاصد الزواج في الشريعة الإسلامية، الإنجاب والحفاظ على النوع الإنساني، وإنه لا يجوز إهدار هذا المقصد، لأن إهداره يتنافى مع النصوص الشرعية وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل والحفاظ عليه والعناية به باعتبار حفظ النسل أحد الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها قرر ما يلي:\r١ - لا يجوز إصدار قانون عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب.\r٢ - يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل والمرأة، وهو ما يعرف (بالإعقام) أو (التعقيم) ، ما لم تدع إلى ذلك ضرورة بمعاييرها الشرعية.\r٣ - يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب، بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة بحسب تقدير الزوجين، عن تشاور بينهما وتراضٍ بشرط أن لا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وأن لا يكون فيها عدوان على حمل قائم)) .\rوعليه فإن هذه المرأة قد ارتكبت إثماً عندما أقدمت على إغلاق مواسير الحمل، لأن مرضها ليس داعياً لمنع الحمل نهائيا، وكذلك فقد أثم الطيب الذي أشار عليها بذلك.\rوعلى هذه المرأة والطبيب أن يتوبا إلى الله توبة صادقة، ويكثرا من فعل الخيرات ولا أعلم كفارة معينة تلزمهما، إلا ما ذكرت من التوبة.\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346553,"book_id":3840,"shamela_page_id":933,"part":"15","page_num":201,"sequence_num":933,"body":"٢٠١ - يحرم تمزيق الملابس عند الحزن والغضب\rيقول السائل: ما حكم المرأة التي تمزق ملابسها عند الغضب من زوجها وأولادها؟\r\rالجواب: لقد ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) رواه البخاري ومسلم\rقال الحافظ ابن حجر: \" قوله (ليس منا) أي ليس من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ، المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك \" فتح الباري ٣/٤٠٦.\rوشق الجيوب يقصد به شق الملابس وتمزيقها، والأصل أن الجيب هو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، وشق الجيوب من أفعال الجاهلية وهو من علامات السخط وعدم الرضا، وكثير من النساء يقمن بشق الجيوب عند وفاة الزوج أو أحد الأقارب أو عند الغضب الشديد، وهذا أمر لا يجوز شرعاً، فقد ثبت في الحديث عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: \"وجع أبو موسى وجعاً فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً فلما أفاق قال: أنا بريء مما برئ منه رسول الله ﷺ، وإن رسول الله ﷺ (برئ من الصالقة والحالقة والشاقة) رواه البخاري ومسلم.\rوالصالقة هي التي ترفع صوتها بالبكاء وتصيح، والحالقة التي تحلق شعر رأسها عند المصيبة، كما كانت نساء الجاهلية يفعلن، والشاقة التي تشق ثوبها.\rوفي رواية أخرى عن أبي بردة قال: أغمي على أبي موسى الأشعري ﵁، فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة، ثم أفاق فقال: ألم تعلمي؟ ، وكان يحدثها أن الرسول ﷺ قال: (أنا بريء ممن حلق وصلق وخرق) رواه البخاري ومسلم.\rقال صاحب مرقاة المفاتيح: \" وكان الجميع من صنع الجاهلية، وكان ذلك في أغلب الأحوال من صنيع النساء \" مرقاة المفاتيح ٤/٢٠٩.\rوجاء في حديث آخر، عن أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: (كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا، أن لا نعصيه فيه، أن لا نخمش وجهاً، ولا ندعو ويلاً، ولا نشق جيباً، ولا ننشر شعراً) رواه أبو داود، وقال الشيخ الألباني: صحيح.\rوجاء في حديث آخر عن أبي أمامة: (أن الرسول ﷺ لعن الخامشة وجهها والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور) رواه ابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: صحيح.\rوخلاصة الأمر أن هذه الأحاديث تدل على حرمة الأمور المذكورة من لطم الخدود، وشق الجيوب ونشر الشعر، لأن ذلك يعني عدم الرضا بالقضاء.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346554,"book_id":3840,"shamela_page_id":934,"part":"15","page_num":202,"sequence_num":934,"body":"٢٠٢ - العدة\rالمعتدة عدة وفاة لا تسافر لحج أو عمرة، يقول السائل: امرأة توفي عنها زوجها، وتريد أن تسافر إلى مكة المكرمة لتؤدي العمرة، وهي ما زالت في عدتها، فما حكم ذلك؟\r\rالجواب: لا يجوز للمعتدة عدة الوفاة، السفر إلى الحج أو العمرة على الراجح من أقوال أهل العلم، والأصل أن المرأة التي يموت زوجها، ينبغي عليها أن تمكث في بيتها ولا تخرج منه إلا لحاجاتها الأساسية، ويدل على ذلك ما جاء في الحديث، أن أخت أبي سعيد الخدري، وهي الفريعة بنت مالك مات زوجها، فسألت الرسول ﷺ أن ترجع إلى أهلها، فقال لها النبي ﷺ: (.... أمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله) قالت: \" فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً \" رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.\rوالعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم لم يروا للمعتدة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدتها، تحفة الأحوذي ٤/٣٢٩.\rوقد ورد عن عمر ﵁، \" انه كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج \" رواه مالك في الموطأ والبيهقي وعبد الرزاق.\rوروى عبد الرزاق عن مجاهد قال: \" كان عمر وعثمان يرجعانهن حواج ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة \" المصنف ٧/٣٣.\rقال الشيخ ابن قدامة: \" إن المعتدة من الوفاة، ليس لها أن تخرج إلى الحج ولا إلى غيره رُويَ ذلك عن عمر وعثمان ﵄ وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي والثوري \" المغني ٨/١٦٦.\rوقال الشيخ ابن قدامة أيضاً: \" ولو كانت عليها حجة الإسلام فمات زوجها، لزمتها العدة في منزلها، وإن فاتها الحج، لأن العدة في المنزل تفوت ولا بدل لها والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام \" المغني ٨/١٦٨.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346555,"book_id":3840,"shamela_page_id":935,"part":"15","page_num":203,"sequence_num":935,"body":"٢٠٣ - العدة\rحكم خروج المعتدة عدة وفاة من بيتها, يقول السائل: ما حكم خروج المرأة المتوفى عنها زوجها من بيتها أثناء عدتها؟ وهل يجوز لها أن تسافر للحج أو للعمرة خلال العدة؟\r\rالجواب: إن الأصل في عدة المعتدة عدة وفاة أن تبقى في البيت الذي توفي فيه زوجها، وأن لا تخرج منه نهاراً إلا لحاجة، وأن لا تخرج منه ليلاً إلا لضرورة ويدل على ذلك، ما ورد في الحديث، عن فُرَيعة بنت مالك قالت: \" خرج زوجي في طلب عبيد له قد هربوا فأدركهم فقتلوه فأتى نعيه وأنا في دارٍ شاسعة من دور أهلي، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي ولم يدع نفقة ولا مالاً ورثته وليس المسكن له، فتحولت إلى أهلي وإخواني، فكان أرفق لي في بعض شأني، فقال: (تحولي) ، فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني فقال: (امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك، حتى يبلغ الكتاب أجله) ، قالت: فاعتددت أربعة أشهر وعشراً \" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد، وقال الترمذي: حسن صحيح.\rقال الشيخ الشوكاني: \" وقد استدل بحديثها - أي الفريعة - هذا على أن المتوفى زوجها عنها تعتد في المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه ولا تخرج منه إلى غيره، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة والتابعين من بعدهم \" نيل الأوطار ٦/٣٣٦.\rثم إن هذا القول نقل عن عمر وعثمان وابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء، وهو قول المالكية والحنفية والشافعية، قال ابن عبد البر: \" وقد قال بحديث الفريعة جماعة من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر ولم يَطعَن فيه أحد منهم \" نيل الأوطار ٦/٣٣٦.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" المعتدة عدة الوفاة تتربص أربعة أشهر وعشرا، وتتجنب الزينة والطيب في بدنها وثيابها، ولا تتزين ولا تتطيب ولا تلبس ثياب الزينة، وتلزم منزلها ولها أن تأكل كل ما أباحه الله.... ولا يحرم عليها عمل شغل من الأشغال المباحة، مثل التطريز والخياطة والغزل وغير ذلك مما تفعله النساء، ويجوز لها ما يباح لها في غير العدة، مثل كلام من تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت مستترة وغير ذلك، وهذا الذي ذكرته هو سنة رسول الله ﷺ الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن، مجموع الفتاوى ٣٤/٢٧-٢٨.\rوبناءً على ما سبق، يجوز للمعتدة عدة الوفاة أن تخرج في حوائجها الأصلية، كخروجها للتداوي أو لزيارة والديها المريضين أو للاكتساب إن لم يوجد من ينفق عليها كأن تكون موظفة فيجوز لها الخروج إلى وظيفتها، ويجوز لها الخروج يلاً إن اضطرت إلى ذلك، كأن تضطر للذهب إلى المستشفى ليلاً ونحو ذلك.\rوأما خروجها إلى غير حوائجها فلا يجوز، وقد نص الفقهاء على أنها لا تخرج لزيارة قريب ولا لتجارة ولا لتهنئة ولا لتعزية.\rوأما سفر المعتدة عدة الوفاة إلى الحج أو العمرة فلا يجوز حتى لو كان حج الفرض، قال الشيخ ابن قدامة: \" إن المعتدة من وفاة ليس لها أن تخرج إلى الحج أو لغيره وروي ذلك عن عمر وعثمان ﵄، وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي والثوري \" المغني ٨/١٦٧.\rوهو قول الحنابلة أيضاً.\rوقال الشيخ ابن قدامة أيضاً: \" ولو كانت حجة الإسلام، فمات زوجها، لزمتها العدة في منزلها وإن فاتها الحج، لأن العدة في المنزل تفوت ولا بدل لها، والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام \" المغني ٨/١٦٨.\rومما يدل على ذلك ما رواه سعيد بن منصور بسنده عن مجاهد عن سعيد بن المسيب قال: \" ردّ عمر بن الخطاب نساءً حاجات أو معتمرات توفي أزواجهن من ذي الحليفة \".\rوروى عبد الرزاق بسنده عن مجاهد قال: \" كان عمر وعثمان يرجعانهن حواج ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة \" المصنف ٧/٣٣.\rوأما ما ورد عن عائشة ﵂ أنها حجت بأختها في عدتها، فقد ورد أن القاسم بن محمد قال: \" أبى الناس ذلك عليها \" المصنف لعبد الرزاق ٧/٣٠.\rوكذلك لا يجوز للمعتدة عدة وفاة أن تسافر لأي غرض آخر، ويجب أن يعلم أن العدة فرض في حق المرأة المتوفى عنها زوجها، سواء دخل بها أو لم يدخل بها لأنها في الحالتين زوجته شرعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346556,"book_id":3840,"shamela_page_id":936,"part":"15","page_num":204,"sequence_num":936,"body":"٢٠٤ - حقوق الزوجين\rضرب الزوج زوجته مشروع بشروط، تقول السائلة: إن زوجها يضربها باستمرار، فهو يضربها عند حصول أي نقاش بينهما ويضربها إن قصرت في شيء، وتقول إنه يضربها ضرباً مبرحاً يترك آثاراً على وجهها وجسمها، فما حكم الشرع في ذلك؟\r\rالجواب: يقول الله تعالى: (وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) سورة النساء /٣٤.\rقال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: \" قوله تعالى (واضربوهن) أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولاً، ثم بالهجران، فإن لم ينجعا فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها ويحملها على توفية حقه، والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح.... \" تفسير القرطبي ٥/١٧٢.\rلا شك أن ضرب الزوج لزوجته مشروع، والضرب إحدى وسائل التأديب، ولكن لا يجوز للزوج أن يبادر إلى ضرب زوجته ابتداءً، ولا بد أن يعظها أولاً، فإن نفع الوعظ فبها ونعمت، وإن لم ينفعها الوعظ هجرها في المضجع، فإن أخفق الهجر في ردها إلى جادة الصواب، فإنه حينئذ يلجأ إلى الضرب، وليس المقصود بالضرب إلحاق الأذى بالزوجة كأن يكسر أسنانها أو يشوه وجهها، وإنما المقصود بالضرب هو إصلاح حال المرأة، ويكون الضرب غير مبرح، وكذلك لا يجوز الضرب على الوجه والمواضع الحساسة في الجسد، وقد ورد في ذلك أحاديث منها:\r- قوله ﷺ: (اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح) رواه مسلم.\r- قوله ﷺ في خطبة الوداع: (ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فأنهن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبتغوا عليهن سبيلاً، ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.\r- وقال الإمام البخاري: باب ما يكره من ضرب النساء، وقول الله تعالى (واضربوهن) أي ضرباً غير مبرح \"، ثم ساق البخاري بإسناده إلى النبي ﷺ أنه قال: (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم) وقال الحافظ ابن حجر معلقاً على عنوان الباب: وفيه إشارة إلى أن ضربهن لا يباح مطلقاً، بل فيه ما يكره كراهة تنزيه أو تحريم \" فتح الباري ١١/٢١٤.\r- وعن عائشة ﵂ قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله ﷿ رواه مسلم.\r- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا ضرب أحدكم، فليتق الوجه) رواه مسلم.\r- وعن معاوية بن حيدة قال: قلت يا رسول الله: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت) رواه أبو داود، وقال الألباني: صحيح.\rوخلاصة الأمر، أنه لا يجوز للزوج أن يضرب زوجته ابتداءً، وإنما يكون ذلك بعد الوعظ، وبعد الهجران.\rويجب أن يكون الضرب غير مبرح، فإن الضرب المبرح حرام لما سبق في الأحاديث، قال عطاء: \" الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه، وقال الحافظ ابن حجر: \" إن كان لا بد فليكن التأديب بالضرب اليسير \" فتح الباري ١١/٢١٥.\rوعلى الزوج أن يتجنب ضرب الوجه والمواضع الحساسة في الجسد.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346557,"book_id":3840,"shamela_page_id":937,"part":"15","page_num":205,"sequence_num":937,"body":"٢٠٥ - نظام الاحوال الشخصية\rيقول السائل: ما قولكم في الاعتراضات التي أثيرت حول قانون الأحوال الشخصية؟\r\rالجواب: اطلعت على دراسة لقانوني الأحوال الشخصية في الضفة الغربية وقطاع غزة أعدها المحامي كارم نشوان، وناقشها البرلمان الصوري الفلسطيني وأود أن أبين وأناقش بإيجاز بعض القضايا التي وردت في الدراسة المذكورة.\r١ - عرضت الدراسة لبعض التوجهات، وأكدت عليها واعتبرتها مرتكزات للتعديلات المقترحة، وقد تبين لي ضعف هذه الأسس والمرتكزات، وأنها تشتمل على مغالطات تصادم الأحكام الشرعية المستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وأول تلك التوجهات كما جاء في الدراسة: \" الشريعة الإسلامية هي مصدر أساسي من مصادر القاعدة القانونية لقانون الأحوال الشخصية \".\rوأقول: إن الشريعة الإسلامية، هي المصدر الأساسي والوحيد لنظام الأحوال الشخصية، فأحكام الأحوال الشخصية تؤخذ وتستمد من القرآن الكريم ومن السنة النبوية وما اعتمد عليهما من اجتهادات فقهاء الإسلام، ولا تؤخذ من أي مصدر آخر.\rوإذا قلنا إن الشريعة الإسلامية مصدر أساسي، فمعنى ذلك أنه يوجد مصادر أخرى وإن كانت غير أساسية، وهذا منطق مرفوض رفضاً باتّاً مخالف لشرع الله تعالى.\r٢ - قال كاتب الدراسة: إنه يريد أن يفرق في الشريعة الإسلامية بين حدود دين الله ﷾ والتي لا يجوز شرعاً تغييرها وبين حدود البشر واجتهاداتهم.\rوأقول: إن هذا الفهم خاطئ لمبدأ الاجتهاد في دين الإسلام فإن الفقهاء المسلمين لما اختلفوا في الأحكام الشرعية الفرعية، بنوا اجتهاداتهم على قواعد وأسس شرعية صحيحة فكل اجتهاد لفقيه من فقهاء الإسلام يقع ضمن دائرة الإسلام ولا يخرج عنها إلا من شذ ولا عبرة بالشاذ، والأئمة المجتهدون لا يقولون في دين الله بأهوائهم ولا برغباتهم، وإنما يعتمدون على مصادر الشريعة الإسلامية من كتاب وسنة وإجماع وقياس وغيرها من المصادر.\r٣ - إن القول بأن الأحكام الشرعية تقبل التطوير والتغيير والاستدلال على ذلك بأن الإمام الشافعي غيّر مذهبه القديم إلى مذهبه الجديد.\rإن هذا الكلام غير صحيح ولا يستند على أسس علمية معتبرة، وينم عن عدم معرفة بما غيره الإمام الشافعي في مصر من مذهبه القديم فإن علماء الإسلام متفقون إتفاقاً تاماً على أن الأحكام الشرعية الثابتة بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ لا تقبل التغيير ولا التبديل إلى يوم القيامة، وأما الأحكام التي يمكن أن يدخلها التغيير، فإنها بعض الأحكام المبنية على الاجتهاد، كالأحكام التي تبنى على المصلحة والعرف، والإمام الشافعي لما تراجع عن مذهبه القديم في العراق، وأنشأ المذهب الجديد في مصر لم يغير أي حكم من الأحكام المبنية على النصوص الصريحة من الكتاب أو السنة.\rوبناءً على ذلك، فكل حكم ثبت بالنصوص الصريحة من الكتاب أو السنة لا يقول مسلم بأنه قابل للتغيير والتبديل.\rفقضية تعدد الزوجات لا تقبل تغيراً ولا تبديلاً.\rوقضية الولاية في الزواج لا تقبل تغييراً ولا تبديلاً.\rوحق الرجل في الطلاق لا يقبل تغييراً ولا تبديلاً.\rوأحكام الميراث لا تقبل تغييراً ولا تبديلاً.\rوهكذا بقية الأحكام الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة لا يدخلها التغيير ولا التبديل.\r٤ - ينبغي أن يعلم علماً تاماً أنه لا يجوز في دين الله سبحانه أن يلتزم المسلمون بأي قانون وضعي، وضعه الإنسان مع مخالفته لشرع الله، بغض النظر عن واضع القانون البشري.\r٥ - زعم كاتب الدراسة أن \" القانون الحالي، يحمل مضامين قاسية ومجحفة بحق المرأة الفلسطينية تصل إلى التمييز الواضح والسافر، ليس لشيء، إنما لكونها امرأة.... \".\rوأقول: إن هذا الكلام جد خطير وفيه تهجم وجرأة على شرع الله ﷿.\rإن شريعة الله عدل كلها، ورحمة كلها بالإنسان ذكراً كان أو أنثى.\rإن الإسلام أعطى للمرأة حقوقاً لم تنلها في ظل أي نظام آخر، وإن الإسلام قد عامل المرأة معاملة كريمة حسنة، لم تنلها في ظل أي نظام، لا في القديم ولا في الحديث.\r٦ - إن كاتب الدراسة يتجاهل الفوارق الطبيعية بين المرأة والرجل ويريد أن يساوي بينهما مساواة تامة، ولا يدري أنه بعمله هذا يقف ضد المرأة من حيث لا يشعر.\rفلا ينكر عاقل وجود فوارق بين المرأة والرجل، وأن المساواة التي ينادي بها دعاة تحرير المرأة، ستعود على المرأة بالوبال والخسران.\rويا معشر النساء اتعظن بحال المرأة في الغرب، حيث إنها صارت سلعة تباع وتشترى، والسعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه.\rفكاتب الدراسة يريد أن يساوي في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة، وهذا إجحاف في حق المرأة، فكيف يساوي بينهما والرجل هو الملزم شرعاً بالإنفاق على زوجته وأولاده، والزوجة غير ملزمة بالإنفاق على الزوج والأولاد فكيف يساوي بينهما والزوج ملزم بتأمين المسكن ومتطلباته للزوجة والأولاد، والزوجة ليست ملزمة بذلك، فكيف يساوي بينهما، وهل المساواة بين الزوجة والزوج إنصاف للمرأة؟\r٧ - طالب كاتب الدراسة بتعديل قانوني الأحوال الشخصية في مسائل كثيرة، أشير إلى بعضها إشارات سريعة:\r- زعم أن تعريف الزواج في القانون لم ينص على ديمومة العقد، ودعا إلى النص على ذلك ولم يعلم أن الأصل في عقد الزواج في الشريعة الإسلامية هو التأبيد.\r- دعا إلى تغيير سن الزواج وجعلها ١٨ سنة للذكر والأنثى، وهذا ضد مصلحة المجتمع عامة، وضد المرأة بشكل خاص.\r- دعا إلى إلغاء الولاية في الزواج وهذا يعارض النصوص الشرعية في إثبات الولاية في الزواج، والتي هي لمصلحة المرأة ولحمايتها من الذئاب البشرية.\r- زعم أن الزوجة تستحق المهر كاملاً إذا وقع الطلاق قبل الخلوة الصحيحة، وهذا مصادم للنص الصريح من كتاب الله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) سورة البقرة/٢٣٧.\r- دعا إلى مشاركة المرأة لزوجها في أمواله الخاصة وإن لم يكن لها دور في جني المال، وهذا أكل لأموال الناس بالباطل.\r- دعا إلى غلّ يد الرجل في الطلاق وهذا مصادم للنصوص الشرعية في إعطاء الزوج حق الطلاق، وأن الطلاق لا يتوقف على حكم الحاكم مع القيود والضوابط التي فرضتها الشريعة الإسلامية في هذا المجال.\r- دعا إلى الحد من تعدد الزوجات تحت ذرائع واهية، واعتمد على أقوال ضعيفة لبعض الكتاب، وهذا مخالف للنصوص الشرعية.\r- ألمح إلى إعادة النظر في الميراث وأنه لا بد من مساواة الرجل بالمرأة في الميراث، وهذا هدم للأحكام الشرعية الصريحة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وغير ذلك من القضايا التي يضيق المقام عن تفصيل الرد عليها.\rوخلاصة الأمر: أن هذه التعديلات المطروحة لنظام الأحوال الشخصية المطبق عندنا ما هي إلا دعوة خطيرة لهدم الأسس الشرعية التي قامت عليها أحكام الأحوال الشخصية.\rوإن الكاتب قد استمد أكثر اقتراحاته من الفكر الغربي المنحرف، ويدعو بطريقة أو بأخرى، إلى تنحية الشرعية الإسلامية جانباً.\rوختاماً: أدعو الغيورين من هذه الأمة من القضاة الشرعيين والمفتين وأهل العلم وغيرهم للوقوف أمام الهجمة الشرسة الموجهة إلى آخر ما بقي من شريعة الإسلام في الأنظمة والقوانين.\r\r*****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346558,"book_id":3840,"shamela_page_id":938,"part":"15","page_num":206,"sequence_num":938,"body":"٢٠٦ - الخطبة\rماذا يترتب على العدول عن الخطبة,\r\rيقول السائل: خطب رجل امرأة، ثم تراجع أهل الزوجة عن الخطبة، فماذا يترتب على رجوعهم عن الخطبة، حيث أنه أعطى المرأة جزءاً من المهر وأهداها حلياً وملابس وتكلّف مبلغاً من المال في حفل الخطبة، وهو يطالب بذلك؟\r\rالجواب: إن الخطبة عند الفقهاء، هي وعد بالزواج، وليست عقد زواج، ويجوز شرعاً العدول عن الخطبة إذا كان العدول لسبب شرعي، كأن يظهر في أحد الخاطبين عيب يخل بالزواج أو يعرف أحد الخاطبين عن الآخر أمراً مخلاً بدينه. ويرى جماعة من أهل العلم أنه يحرم الرجوع عن الخطبة لغير سبب شرعي، لأن الخطبة وعد بالزواج، والوفاء بالوعد واجب شرعاً، فإذا أخل أحد الخاطبين بذلك فهو آثم شرعاً، وهو مذهب قوي تؤيده عمومات الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، الآمرة بالوفاء بالوعود والعهود. وبالنسبة لما دفعه الخاطب، فما دفعه على سبيل المهر، فله استرداده، فإذا دفع لها ألف دينار مثلاً، فله الحق في استرداد المبلغ كاملاً، فإذا كانت المخطوبة قد اشترت بالمبلغ ذهباً، وجب رد المبلغ إليه، وهو غير ملزم بأخذ الذهب الذي اشتري بما دفع. وأما إذا أعطاها ذهباً، فإنه يسترد الذهب الذي دفعه إليها، فإن كانت المخطوبة قد باعت الذهب مثلاً، فله أن يسترد مثل الذهب الذي أعطاها، إن كان له مثل أو قيمته. وأما بالنسبة للهدايا التي أهداها الخاطب للمخطوبة، فللخاطب أن يسترد الهدايا التي ما زالت موجودة أو قائمة، وأما الهدايا المستهلكة، فليس له استرداد قيمتها وهذا ما أخذ به قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية في بلادنا وأما بالنسبة للنفقات التي بذلها الخاطب في حفل الخطوبة، فليس له المطالبة بها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346559,"book_id":3840,"shamela_page_id":939,"part":"15","page_num":207,"sequence_num":939,"body":"٢٠٧ - الخطبة\rإخبار الطبيب الخاطب عن مرض المخطوبة,\r\rيقول السائل: إنه يريد أن يتقدم لخطبة فتاة، وقد علم أنها مريضة بمرض في القلب فذهب إلى الطبيب الذي يعالجها وسأله عن مرض الفتاة فرفض الطبيب أن يخبره بأي شيء يتعلق بمرض الفتاة، وأخبره أن ذلك من الأسرار المتعلقة بالمريض، ولا يجوز للطبيب أن يبوح بها، فما قولكم في هذه القضية؟\r\rالجواب: لا شك أن من واجبات الطبيب أن يكتم أسرار المريض فلا يبوح بها إلا في حالات خاصة، سأذكرها فيما بعد. وكتمان الأسرار أمر مطلوب شرعاً في كثير من شؤون الحياة، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، أو تفضي إليه، ثم ينشر سرها) رواه مسلم. وعن أنس بن مالك قال: (أتى عليّ رسول الله ﷺ، وأنا ألعب مع الغلمان قال: فسلم علينا فبعثني إلى حاجة فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك، قلت بعثني رسول الله في حاجة، قالت ما حاجته، قال: إنها سر، قالت: لا تحدثن بسر رسول الله أحداً) رواه مسلم. فانظر رعاك الله، إلى هذا الموقف العظيم من هذا الغلام وأمه في المحافظة على سر رسول الله ﷺ. وكشف الأسرار يلحق الأذى والضرر بالناس، وهو من خيانة الأمانة والمطلوب من الطبيب أن يكتم أسرار المريض، لأن المريض غالباً ما يبوح للطبيب المعالج بأسراره، فالأصل هو الكتمان. ((جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بقضية السر في مهنة الطب ما يلي:\r\r١) أ. السر هو ما يفضي به الإنسان إلى آخر مستكتماً إياه من قبل أو من بعد ويشمل ما حفت به قرائن دالة على طلب الكتمان، إذا كان العرف يقضي بكتمانه كما يشمل خصوصيات الإنسان وعيوبه التي يكره أن يطلع عليها الناس. ب. السر أمانة لدى من استودع حفظه، إلتزاماً بما جاءت به الشريعة الإسلامية وهو ما تقضي به المروءة وآداب التعامل. ج. الأصل حظر إفشاء السر، وإفشاؤه بدون مقتضٍ معتبر موجب للمؤاخذة شرعاً. د. يتأكد واجب حفظ السر على من يعمل في المهن التي يعود الإفشاء فيها على أصل المهنة بالخلل، كالمهن الطبية، إذ يركن إلى هؤلاء ذوو الحاجة إلى محض النصح وتقديم العون، فيفضون إليهم بكل ما يساعد على حسن أداء هذه المهام الحيوية، ومنها أسرار لا يكشفها المرء لغيرهم حتى الأقربين إليه.\r\r٢) تستثنى من وجوب كتمان السر، حالات يؤدي فيها كتمان إلى ضرر يفوق ضرر إفشائه بالنسبة إلى صاحبه، أو يكون في إفشائه مصلحة ترجح على مضرة الكتمان، وهذه الحالات على ضربين: أ. حالات يجب فيها إفشاء السر بناءً على قاعدة ارتكاب أهون الضررين، لتفويت أشدهما وقاعدة تحقيق المصلحة العامة التي تقضي بتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام، إذا تعين ذلك لدرئه، وهذه الحالات نوعان:. ما فيه درء مفسدة عن المجتمع. وما فيه درء مفسدة عن الفرد ب. حالات يجوز فيها إفشاء السر لما فيه:. جلب مصلحة للمجتمع. أو درء مفسدة عامة وهذه الحالات يجب الإلتزام فيها بمقاصد الشريعة وأولياتها من حيث حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل. ج. الإستثناءات بشأن مواطن وجوب الإفشاء أو جوازه، ينبغي أن ينص عليها في نظام مزاولة المهن الطبية وغيرها من الأنظمة موضحة ومنصوصاً عليها، على سبيل الحصر مع تفصيل كيفية الإفشاء، ولمن يكون، وتقوم الجهات المسؤولة بتوعية الكافة بهذه المواطن.\r\r٣) يوصي المجمع نقابات المهن الطبية ووزارات الصحة وكليات العلوم الصحية، بإدراج هذا الموضوع ضمن برامج الكليات والإهتمام به وتوعية العاملين في هذا المجال بهذا الموضوع ووضع المقررات المتعلقة به والإستفادة من الأبحاث المقدمة في هذا الموضوع)) مجلة المجمع الفقهي ٨/٣/٤٠٩ - ٤١٠. وبناءً على ما سبق، أنصح السائل أن يتوجه لأهل تلك الفتاة التي يريد خطبتها ويعلمهم أنه يريد خطبة ابنتهم وأنه علم أنها مريضة بالقلب ويريد أن يعرف عن مرضها من الطبيب المعالج، ويكون ذلك برفقة واحد من أهلها فيخبره الطبيب حينئذ بحقيقة مرضها وهو مطمئن أنه لا يكشف سراً. وأما ذهابه إلى الطبيب مباشرة ليسأله عن المريضة فهو غير مقبول، لأن بعض الناس قد يستغل مثل هذه الحالات في أمور لا تحمد عقباها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346560,"book_id":3840,"shamela_page_id":940,"part":"15","page_num":208,"sequence_num":940,"body":"٢٠٨ - التوقف عن الإنجاب بسبب مرض الثلاسيميا\r\rيقول السائل: تزوجت من عدة سنوات وأنجبنا طفلة وتبين أنها مصابة بمرض الثلاسيميا ونريد الآن التوقف عن الإنجاب، لأن الأطباء يقولون إن هنالك احتمالاً كبيراً بإصابة أطفالنا بهذا المرض، فما الحكم في اتخاذ وسائل لمنع الحمل والإنجاب بشكل نهائي، أفيدونا؟\r\rالجواب: [الثلاسيميا أو فقر دم البحر الأبيض المتوسط هو من أمراض الدم الوراثية والتي تتسبب في إحداث تلف في كريات الدم الحمراء، وسمي بهذا الاسم لانتشاره بشكل كبير في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ويحدث نتيجة لوجود خلل في التركيب الجيني للهيموجلوبين. والثلاسيميا مرض وراثي ينتقل عن طريق الوراثة ففي حالة وجود اضطراب في جينات كل من الأم والأب، فإن هناك احتمال بنسبة ٢٥% أن يولد الطفل مصاب بالمرض أما إذا كان أحد الأبوين سليماً والأخر يحمل جيناً مختل فمن الممكن أن ينتقل المرض لبعض الأبناء ويصبحون حاملين للصفة المرضية. وينتقل مرض الثلاسيميا من الوالدين إلى أبنائهم عن طريق الوراثة المتنحية وهذه الاحتمالات الممكنة لانتقال الثلاسيميا من الوالدين لأولادهما: أولاً: الوالد والوالدة سليمان: في حالة زواج شخصين سليمين وكل منهما لا يحمل الثلاسيميا فإن جميع أطفال هذه العائلة سليمين بإذن الله تعالى. ثانياً: الوالد حامل للمرض والوالدة سليمة: في حالة زواج شخصين أحدهما يحمل الثلاسيميا والآخر سليم، فإن في كل مرة تحمل فيها الزوجة تكون احتمالية أن يكون الأطفال سالمين ٥٠%، وأن يكون الأطفال حاملين للمرض أيضاً ٥٠%. ثالثاً: الوالد سليم والوالدة مصابة بالثلاسيميا: في حالة زواج شخصين أحدهما مصاب بالثلاسيميا والآخر سليم، فإن كل هذه العائلة تكون حاملة للمرض. رابعاً: الوالد والوالدة حاملان لمرض الثلاسيميا: في حالة زواج شخصين كلا منهم حامل لمرض الثلاسيميا، فإن أمام هذه العائلة أربع احتمالات في كل مرة تحمل فيها الزوجة نسبة أن يكون الطفل سليماً ٢٥% ونسبة أن يكون الطفل مصاباً أيضاً ٢٥% ونسبة الأطفال الحاملين للمرض تكون ٥٠%. خامساً: الوالد حامل للمرض والوالدة مصابة بالثلاسيميا: في حالة زواج شخصين أحدهما يحمل للثلاسيميا والآخر مصاب فإن في كل مرة تحمل فيها الزوجة تكون احتمالية أن يكون الأطفال مصابين ٥٠% وأن يكون الأطفال حاملين للمرض أيضاً ٥٠%. سادساً: الوالد والوالدة مصابان بمرض الثلاسيميا: في حالة زواج شخصين كلا منهم مصاب بمرض الثلاسيميا فإن جميع أطفال هذه العائلة وللأسف الشديد يكونون مصابون بالمرض نقلاً عن www.moh.gov.sa/des/sections بتصرف. [وهناك نوعان من الثلاسيميا: نوعٌ يكون الشخص فيه حاملاً للمرض ولا تظهر عليه أعراضه، أو قد تظهر أعراض فقر دم بسيط ويكون هذا الشخص قادراً على نقل المرض لأبنائه. ونوعٌ يكون فيه الشخص مصاباً بالمرض وتظهر عليه أعراض واضحة للمرض منذ الصغر. وينتشر مرض الثلاسيميا في جميع أنحاء العالم، ولكن بنسبة أكبر في بعض البلدان، مثل بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد أوضحت الدراسات أن حوالي ٣-٤% من السكان في فلسطين يحملون المرض أي ما يقارب ٨٠-١٠٠ ألف شخص أو أكثر من ذلك ... وتظهر أعراض الإصابة بالثلاسيميا على المريض خلال السنة الأولى من العمر. ونتيجة لتكسر كريات الدم الحمراء مبكراً (السابق لأوانه) ، تظهر أعراض فقرُ دمٍ شديد على النحو التالي: شحوب البشرة، مع الاصفرار أحياناً. والتأخر في النمو، وضعف الشهية. وتكرر الإصابة بالالتهابات. ومع استمرار فقر الدم، تظهر أعراض أخرى مثل التغير في شكل العظام وخاصة عظام الوجه والوجنتين، وتصبح ملامح الوجه مميزة لهذا المرض. كما يحدث تضخم في الطحال والكبد، ويتأخر الطفل في النمو. أما في الحالات البسيطة (لدى حاملي المرض) فقد يحدث فقر دم بسيط لدرجة لا يكون المرض فيها بادياً للعيان ويعيش صاحبه بشكل طبيعي جداً ولا يحتاج إلى أي علاج وقد لا تكتشف هذه الحالات إلا صدفة. والمريض بالثلاسيميا بحاجة إلى نقل دم بشكل دوري لتعويضه عن كريات الدم التي تتكسر وللمحافظة على مستوى مقبول من الهيموغلوبين في دمه. وكثرة نقل الدم إلى المريض تسبب ترسب الحديد بشكل يحمل الضرر لأعضاء جسمه ولذلك فمن المهم أن يحصل المريض على أدوية تساعد على طرد الحديد الزائد من الجسم. ويتم علاج المضاعفات التي قد تظهر لدى المريض حسب كل حالة. وهنالك أبحاث تجري لاكتشاف علاجات أفضل للثلاسيميا وتجرى أحياناً عمليات لزرع نخاع عظمي، ولكن هذه العمليات مكلفة جداً ونتائجها ليست مضمونة. ويعتبر الفحص الطبي قبل الزواج أهم وسيلة للوقاية من الثلاسيميا ويوصى بإجراء هذا الفحص في مجتمعنا للأشخاص المقبلين على الزواج وذلك لتجنب الزواج بين شخصين حاملين للمرض، وهذه الحالة الوحيدة التي يمكن أن تؤدي إلى ولادة طفل مصاب بالمرض بصورته الشديدة كما تتوفر القدرة على فحص الجنين في الأشهر الأولى من الحمل عند الشك بإمكانية إصابته. والطريقة الوحيدة للوقاية من الثلاسيميا هي تجنب ولادة أطفال مصابين به من خلال ما يلي: ١- الاستشارة الطبية والفحص الطبي قبل الزواج: إجراء المقبلين على الزواج لفحص طبي للتأكد من أنهما لا يحملان الثلاسيميا في آن واحد وخاصة أن نسبة الحاملين للمرض في بلادنا كبيرة. ٢- فحص الجنين في حالة الشك بإصابته بالثلاسيميا للتأكد من الإصابة واتخاذ الإجراءات الطبية اللازمة. ٣- التقليل من ظاهرة الزواج بين الأقارب فمرض الثلاسيميا كسائر الأمراض الوراثية يزداد انتشاراً في حالة الزواج بين الأقارب إذ يزيد ذلك احتمال نقل الصفات الوراثية غير الحميدة إلى الأبناء. ولكن هذا لا ينفي ضرورة أن يقوم المقبلون على الزواج الذين لا تربطهم صلة قرابة بإجراء الفحص الطبي قبل الزواج] نشرة حول الثلاسيميا إصدار جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا.\rإذا تقرر هذا وظهر أن مرض الثلاسيميا ينتقل من الوالدين إلى أولادهما بالوراثة فيجوز اتخاذ الوسائل المؤقتة لمنع الحمل لتجنب ذلك، بشرط عدم استعمال وسيلة تقطع النسل بشكل نهائي، لأن قطع النسل بشكل نهائي من المحرمات شرعاً، وهذا ما قررته المجامع الفقهية المعتبرة، فقد ورد في قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية رقم ٤٢ بتاريخ ١٣/٤/١٣٩٦هـ: [ ... لذلك كله فإن المجلس يقرر بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقاً ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد منه خشية الإملاق، لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ ، وأما إذا كان منع الحمل لضرورة محققة ككون المرأة لا تلد ولادة عادية وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترة ما لمصلحة يراها الزوجان فإنه لا مانع حينئذ من منع الحمل أو تأخيره عملاً بما جاء في الأحاديث الصحيحة وما روي عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم من جواز العزل، وتمشياً مع ما صرح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحققة] نقلاً عن موقع islamtoday.net/nawafeth، وورد في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت سنة ١٤٠٩هـ: [وبناءً على أن من مقاصد الزواج في الشريعة الإسلامية، الإنجاب والحفاظ على النوع الإنساني، وإنه لا يجوز إهدار هذا المقصد، لأن إهداره يتنافى مع النصوص الشرعية وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل والحفاظ عليه والعناية به باعتبار حفظ النسل أحد الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها قرر ما يلي: ١ - لا يجوز إصدار قانون عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب. ٢ - يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل والمرأة، وهو ما يعرف (بالإعقام) أو (التعقيم) ، ما لم تدع إلى ذلك ضرورة بمعاييرها الشرعية. ٣ - يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب، بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة بحسب تقدير الزوجين، عن تشاور بينهما وتراضٍ بشرط أن لا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وأن لا يكون فيها عدوان على حمل قائم] مجلة المجمع الفقهي العدد ٥ جزء١ ص٧٤٨.\rوخلاصة الأمر أن الوقاية من الأمراض الوراثية والسارية والمعدية مطلوبة شرعاً، وهذا ما قررته الشريعة الإسلامية، وهو مما يتفق مع مقاصدها، فلا شك أن من مقاصد الإسلام حفظ النسل، وقد دلت على ذلك نصوصٌ كثيرةٌ من كتاب الله ﷿ ومن سنة نبيه ﷺ، ومن هذا المنطلق فإن الفحص الطبي قبل الزواج أمرٌ مطلوبٌ شرعاً، وإذا ثبت إصابة الوالدين أو أحدهما بمرض الثلاسيميا، فالمطلوب منهما اتخاذ الأسباب الكفيلة لمعالجة المرض وما قد ينتج عنه، ويجوز استخدام وسائل منع الحمل المؤقتة لمنع انتقال المرض لأولادهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346561,"book_id":3840,"shamela_page_id":941,"part":"15","page_num":209,"sequence_num":941,"body":"٢٠٩ - حكم استعمال الجدول الصيني لتحديد جنس الجنين\r\rتقول السائلة: إنها أنجبت سبع بنات وترغب في إنجاب ولد ذكر، وقد نُصحت باستعمال الجدول الصيني، فإنه يفيد في اختيار جنس المولود، فما الحكم الشرعي في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: الأولاد من زينة الحياة الدنيا التي جبلت عليها النفوس، قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وقال ﷾ أيضاً: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ وكثيرٌ من الناس يكره قدوم الإناث ويرغب في الذكور كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ سورة النحل الآيتان ٥٨-٥٩. وإنجاب الذكور والإناث من عطاء الله ﷿ كما قال ﷾: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ سورة الشورى الآيتان ٤٩-٥٠. ومع ذلك فإن من الأنبياء من سأل الله ﷿ أن يرزقه الذكور كما قال تعال على لسان إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ سورة الصافات الآيتان ١٠٠-١٠١ وقال تعالى على لسان زكريا ﵇: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ سورة آل عمران الآيتان ٣٨-٣٩. ومحاولة اختيار جنس الجنين عُرفت على مدى العصور والأيام واتبعت وسائل كثيرة لذلك، ومنها برنامج الحمل الصيني ويسمى أيضاً\"جدول الحمل الصيني\" وهو من أشهر الجداول في العالم، وهو جدول صيني قديم يعتبر من أسرار الحضارة الصينية والذي بُني على علم الفلك، ووظيفة هذا الجدول تتلخص بأنها توضح احتمال تحديد نوع الجنين إذا كان ذكراً أم أنثى حسب نقطة تقاطع عمر المرأة مع الشهر الذي تم فيه الحمل (الإخصاب) على مدار الإثني عشر شهراً من السنة. وهو مرتبط بعلم الفلك والكون حسب زعمهم وقد ينجح مع شخص ويفشل مع آخر. ولكن هناك بعض المحللين للجدول يقولون إن الجدول الحقيقي مختلف عن الجدول المنتشر حيث إن الصينيين كانوا يتبعون الأشهر القمرية الصينية والعمر القمري وليس الميلادي] موسوعة ويكبيديا.wikipedia.org \"ويعتبر البرنامج الصيني من المحاولات الساعية للتدخل في جنس المولود، حيث قدمه الصينيون قبل ما يتجاوز سبعمائة عام، عندما عكف علماء الفلك القدامى لديهم لإيجاد علاقات فلكية خاصة بين عمر الجنين وعمر الأم وربطها بعوامل خمس هي الماء، الأرض، الخشب، النار والمعدن. كما اعتمد البرنامج الصيني على فرضيات فلكية وضعها الصينيين بهدف تحديد نوع الجنين، ويؤكد الصينيون أن صحة هذا الجدول تبلغ ٩٠%. تقول الأساطير أن المخطوطة الأصلية الصينية للمواليد كانت مدفونة في قبر ملكي بالقرب من بكين في الصين منذ سبعمائة سنة مضت. والمخطوطة اليوم معروضة في معهد بكين العلمي، يمكن من خلالها التنبؤ إذا كان المولود ذكراً أو أنثى، وذلك عن طريق مقارنة عمر الأم القمري والشهر الذي تكون فيه الجنين -التبويض- \" http://albahethah.com/GirlBoy.aspx. وواضح مما كتب ونشر عن الجدول الصيني أن له خلفيات لا يقرها شرعنا الحنيف من حيث زعمهم أن الكواكب والنجوم لها تأثير في حياة الإنسان وكونه ذكراً أو أنثى، وهذا الأمر داخلٌ في التنجيم الذي حرمه الإسلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكية والقوابل الأرضية صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل] مجموع الفتاوى ٣٥/١٩٢. فالجدول الصيني نوع من أعمال الكهان والعرافين والمنجمين، وربطه بعض الباحثين بالبوذية، وبناءً على هذه المعطيات فإن القول بتحريم استعمال الجدول الصيني هو القول الصحيح في حالة اعتقاد من تستعمله بتأثير الكواكب والنجوم في تحديد جنس الجنين، وقد صدرت عدة فتاوى بتحريم استعماله كما في فتوى اللجنة الدائمة السعودية حيث ورد فيها: [معرفة نوع المولود هل هو ذكر أم أنثى قبل تخليقه: لا يعلمه إلا الله سبحانه، وأما بعد تخليقه: فيمكن ذلك بواسطة الأشعة الطبية، مما أقدر الله عليه الخلق. وأما تحديد نوعه بموجب الجدول المشار إليه: فهو كذب، وباطل؛ لأنه من ادعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ويجب إتلاف هذا الجدول وعدم تداوله بين الناس] \" فتاوى اللجنة الدائمة ٢/١٧. وقال الشيخ محمد الحمود النجدي: [فما يسمى \" الجدول الصيني \" هو ضرب من ضروب الكهانة والرجم بالغيب، فهم يزعمون أنه من الممكن التحكم في جنس المولود عن طريق معرفة عمر الأم، ومعرفة تاريخ بداية الحمل؟ فبمعرفة عمر الأم، يمكنها تحري الإخصاب في الشهر الذي يكون معه الحمل إما ذكر، أو أنثى! وعلى الأم أن تضيف سنة على عمرها الحقيقي! لأن هذا هو العمر في التقويم الصيني! ففيه محظوران شرعيان: الأول: زعمهم أن من كان عمرها كذا، وحملت في الشهر المعيَّن: يكون حملها ذكراً، أو أنثى- بحسب الجدول -. والثاني: أنه يستعمل لمن حملت أصلاً لتعرف جنس جنينها! ولا علاقة لعمر الأم وتاريخ حملها، بتحديد جنس جنينها لا من الناحية الطبية، ولا من الشرع، وما كان كذلك، فإنه يكون شركاً، فلا يجوز جعل ما ليس بسبب سبباً، ومن فعل فقد شارك الله في فعله. ويظهر أن هذا الجدول له تعلق بالديانة الصينية البوذية، أو علم النجوم والأبراج.] موقع الشيخ الأثري www.al-athary.net. ولا بد من التذكير بما قرره أهل العلم المعاصرون في مسألة تحديد جنس الجنين، فقد بحثت هذه القضية ونوقشت في مقالات وأبحاث وناقشها المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي وصدر عنه القرار التالي: [ ... فإن المجمع يؤكد على أن الأصل في المسلم التسليم بقضاء الله وقدره، والرضا بما يرزقه الله؛ من ولد، ذكراً كان أو أنثى، ويحمد الله تعالى على ذلك، فالخيرة فيما يختاره الباري جل وعلا، ولقد جاء في القرآن الكريم ذم فعل أهل الجاهلية من عدم التسليم والرضا بالمولود إذا كان أنثى قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ، ولا بأس أن يرغب المرء في الولد ذكراً كان أو أنثى، بدليل أن القرآن الكريم أشار إلى دعاء بعض الأنبياء بأن يرزقهم الولد الذكر، وعلى ضوء ذلك قرر المجمع ما يلي: أولاً: يجوز اختيار جنس الجنين بالطرق الطبيعية؛ كالنظام الغذائي، والغسول الكيميائي، وتوقيت الجماع بتحري وقت الإباضة؛ لكونها أسباباً مباحة لا محذور فيها. ثانياً: لا يجوز أي تدخل طبي لاختيار جنس الجنين، إلا في حال الضرورة العلاجية في الأمراض الوراثية، التي تصيب الذكور دون الإناث، أو بالعكس، فيجوز حينئذٍ التدخل، بالضوابط الشرعية المقررة، على أن يكون ذلك بقرار من لجنة طبية مختصة، لا يقل عدد أعضائها عن ثلاثة من الأطباء العدول، تقدم تقريراً طبياً بالإجماع يؤكد أن حالة المريضة تستدعي أن يكون هناك تدخل طبي حتى لا يصاب الجنين بالمرض الوراثي، ومن ثم يعرض هذا التقرير على جهة الإفتاء المختصة لإصدار ما تراه في ذلك. ثالثاً: ضرورة إيجاد جهات للرقابة المباشرة والدقيقة على المستشفيات والمراكز الطبية؛ التي تمارس مثل هذه العمليات في الدول الإسلامية، لتمنع أي مخالفة لمضمون هذا القرار. وعلى الجهات المختصة في الدول الإسلامية إصدار الأنظمة والتعليمات في ذلك] . ومن أهل العلم المعاصرين من أجاز تحديد جنس الجنين للحاجة وليس للضرورة العلاجية في الأمراض الوراثية كما ورد في قرار المجمع، فأجاز هؤلاء تحديد جنس الجنين بضوابط تضبط الأمر، ومنها: الأول: ألا تكون عملية تحديد جنس الجنين قانوناً ملزماً، وسياسةً عامةً. وقصر الجواز على تحقيق الرغبات الخاصة للأزواج في اختيار جنس الجنين. الثاني: قَصْرُ عملية تحديد جنس الجنين بما إذا دعت إليه الحاجة، أما في حال عدمها فترك الأمر على طبيعته دون تدخل هو المسلك القويم. فقد أثبتت إمكانية تحديد جنس الجنين الفعالية في حل كثير من المشكلات الاجتماعية والطبية، كتحقيق رغبة الزوجين في إنجاب مولود من جنس معين، بعدما أنجبوا لمرات عدة من الجنس الآخر. كما أنها أثبتت فاعلية في التقليل من احتمالات الإصابة بالأمراض الوراثية التي تنتقل إلى أحد الجنسين ... الثالث: اتخاذ الضمانات اللازمة والتدابير الصارمة لمنع أي احتمال لاختلاط المياه المفضي إلى اختلاط الأنساب. الرابع: التأكيد على حفظ العورات وصيانتها من الهتك، وذلك من خلال قصر الكشف على موضع الحاجة قدرًا وزمانًا، وأن يكون من الموافق في الجنس درء للفتنة ومنعًا لأسبابها. الخامس: المراقبة الدائمة من الجهات ذات العلاقة لنسب المواليد وملاحظة الاختلال في النسب واتخاذ الإجراءات المناسبة من القوانين والتنظيمات لمنعه وتوقيه كما جرى في ماليزيا والصين. السادس: أن يكون تحديد جنس الجنين بتراضي الوالدين: الأب والأم. لأن لكل واحد منهما حقاً في الولد فإن اختلفا. فالأصل بقاء الأمر على حاله دون تدخل في التحديد درءً لمفسدة الشقاق. السابع: اعتقاد أن هذه الوسائل ما هي إلا أسباب وذرائع لإدراك المطلوب لا تستقل بالفعل ولا تخرج عن تقدير الله وإذنه، فلله الأمر من قبل ومن بعد ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ رؤية شرعية في تحديد جنس الجنين للمصلح ص ٢٠-٢١.\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز استخدام الجدول الصيني لاختيار جنس الجنين نظراً لربطه بين النجوم والكواكب وجنس المولود، وأنه نوع من التنجيم والكهانة، ويجوز اختيار جنس الجنين للحاجة وفق الضوابط المذكورة أعلاه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346562,"book_id":3840,"shamela_page_id":942,"part":"15","page_num":210,"sequence_num":942,"body":"٢١٠ - حكم حمل العروس للمصحف الشريف للتبرك به أثناء ما يسمى \"جلوة العروس\"\r\rيقول السائل: ما الحكم الشرعي لما يجري في بعض الأعراس، حيث تحملُ العروسُ المصحفَ الشريفَ للتبرك به أثناء ما يسمى \"جلوة العروس\"، أفيدونا؟\rالجواب: أنزل الله ﵎ القرآن الكريم ليكون نوراً مبيناً يهدي الناس سواء السبيل، وجعله كتاب هداية ومنهاجاً للأمة ليسيِّر الناس على هداه قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ سورة الإسراء الآية ٩، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ سورة الكهف الآيات ١-٣، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة يونس الآية ٥٧، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء﴾ سورة الزمر الآية ٢٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ سورة ق الآية ٣٧، وغير ذلك من الآيات الكريمات. ولا شك أن تعظيم كتاب الله أمرٌ واجبٌ شرعاً في حق كل مسلم، ومن وقَّر القرآن الكريم، فقد وقَّر الله ﷾، ومن استخف بالقرآن فقد استخف بالله ﷿، وقد أجمعت الأمة المسلمة على وجوب تعظيم القرآن الكريم، ووجوب تنزيهه وصيانته عن الامتهان والابتذال، ومن القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله، يقول الله تعالى: ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ سورة الحج الآية٣٠، قال الإمام القرطبي: [ ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم ... فشعائر الله أعلام دينه ... ] تفسير القرطبي١٢/٥٦. وقد ورد عن عمر ﵁ أنه قال: (عظِّموا القرآن) تفسير القرطبي ١/٢٩. وقال الإمام النووي: [أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه] التبيان في آداب حملة القرآن، ص ١٠٨. وقال القاضي عياض: [من استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه فهو كافر بإجماع المسلمين] الآداب الشرعية ٢/٣٩٣. وقد بحث المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي مسألة تعظيم كتاب الله ﷿ وورد في قراره: [وبعد أن استمع المجلس إلى الأبحاث المقدمة في الموضوع المسئول عنه، والمناقشات المستفيضة في ذلك حوله، يؤكد على وجوب تعظيم كتاب الله واتباع هديه، والالتزام بمقاصده؛ فقد أنزل الله ﷾ القرآن ليكون موعظةً وعبرةً، وشفاءً لما في الصدور، وليهتدي به الناس في عباداتهم ومعاملاتهم، ويطبقونه في جميع أمور حياتهم، ويتلونه حق تلاوته تدبراً وتذكراً، ويسترشدون به في جميع شؤونهم، ويأخذون أنفسهم بالعمل به في كل أحوالهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة يونس الآية ٥٧، وقال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ سورة الإسراء الآية ٨٢، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ سورة فصلت الآية ٤٤، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ سورة صّ الآية ٢٩، ويؤكد المجلس أن على المسلمين أن يعرفوا لكتاب ربهم منزلته، ويقدِّروه قدره، ويجعلوا مقاصده نصب أعينهم، ويتخذوا منه ومن سنة النبي ﷺ مناراً يهتدون بهما. والمجلس إذ يذَّكر بهذا ليهيب بالمسلمين القيام بما يجب عليهم تجاه الآيات القرآنية من احترامها والمحافظة عليها من الامتهان والعبث ويقرر ما يلي: أولاً: جواز كتابة الآيات القرآنية وزخرفتها، واستخدامها لمقصد مشروع كأن تكون وسائل إيضاح لتعلم القرآن وتعليمه، وللقراءة والتذكير والاتعاظ، وفق الضوابط الآتية: (١) أن تعامل اللوحات المكتوب فيها القرآن من حيث الصناعة والنقل معاملة طباعة المصحف، وهذا يوجب اتخاذ الإجراءات التي تضمن احترام الآيات المكتوبة، وصيانتها عن الامتهان. (٢) عدم التهاون بألفاظ القرآن ومعانيه فلا تصرف عن مدلولها الشرعي، ولا تبتر عن سياقها. (٣) أن لا تصنع بمواد نجسة أو يحرم استعمالها. (٤) أن لا تدخل في باب العبث كتقطيع الحروف وإدخال بعض الكلمات في بعض، وأن لا يبالغ في زخرفتها بحيث تصعب قراءتها. (٥) أن لا تجعل على صورة ذوات الأرواح كما لو جعلت اللوحة القرآنية على شكل إنسان، أو على شكل طائر أو حيوان؛ ونحو ذلك من الأشكال التي لا يليق وضعها قالباً لآيات القرآن الكريم. (٦) أن لا تصنع للتعاويذ المبتدعة وسائر المعتقدات الباطلة، ولا للصناعات المبتذلة ولا لترويج البضائع وإغراء الناس بالشراء. ثانياً: لا حرج في بيعها وشرائها بالضوابط السابق ذكرها وفق الراجح من أقوال العلماء في بيع المصحف وشرائه. ثالثاً: لا يجوز استخدام آيات القرآن الكريم للتنبيه والانتظار في الهواتف الجوالة وما في حكمها؛ وذلك لما في هذا الاستعمال من تعريض القرآن للابتذال والامتهان بقطع التلاوة وإهمالها، ولأنه قد تتلى الآيات في مواطن لا تليق بها. وأما تسجيل القرآن الكريم في الهاتف للتلاوة منه أو الاستماع إليه فلا حرج فيه، بل هو عون على نشر القرآن واستماعه وتدبره، ويحصل الثواب بالاستماع إليه؛ ففيه تذكير وتعليم، وإذاعة له بين المسلمين. ويوصي المجمع الجهات المسئولة في الدولة الإسلامية بضرورة مراقبة صناعة اللوحات القرآنية بما يكفل عدم حدوث تجاوزات فيها، ومنع استيراد اللوحات القرآنية وما شابهها من الجهات والدول التي لا تحترم ما في اللوحات من آيات كريمة، والله أعلم] موقع المجمع على شبكة الإنترنت.\rإذا تقرر هذا فلا بد أن نعرف أن [التبرك: معناه طلب البركة ورجاؤها واعتقادها ... والتبرك نوعان:١- تبرك مشروع: وهو ما توفرت فيه الشروط التالية: أ- ورود الدليل الشرعي على أن هذه الأعيان والأوصاف مباركة. لأن هذا أمرٌ توقيفي، متوقفٌ على ثبوت الدليل من الكتاب والسنة. ب- اعتقاد أن المبارِك هو الله ﵎، وأن هذه الأعيان والأوصاف إنما هي أسبابٌ للبركة، فقد يتحقَّق المسبب عند وجود سببه، وقد يتخلف لحكمة يعلمها الله تعالى.٢- تبرك ممنوع، وفيه التبرك الموهوم الذي يتوهمه بعض الناس، وإن كان في الواقع لا حقيقة له، مثل اعتقاد البركة في بعض القبور والمغارات والأماكن أو الأشخاص -غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- أحياءً أو أمواتاً سواء ادَّعوا ذلك أو ادُّعي فيهم. والتبرك الممنوع ما افتقد الشرطين السابقين أو أحدهما.] بين التبرك المشروع والممنوع د. عبد الله الدميجي islamtoday.net.وبعد هذا البيان يظهر لنا أن تبرك العروس بحمل المصحف الشريف من التبرك الممنوع، لاشتماله على امتهان المصحف الشريف، لأن الحال الذي تكون عليه العروس والنساء في محل العرس يشتمل على منكراتٍ كثيرة، ولا شك أن هذا الفعل فيه تعريضٌ لكتاب الله ﷿ لما يخل بحرمته، ويتنافى مع تنزيهه من كل ما يخدش تعظيمه، ويضاف إلى ذلك أن هذا التبرك أمرٌ مبتدعٌ مخالف لهدي النبي ﷺ ولهدي سلف الأمة، والتبرك بالمصحف الشريف لا يكون بأن تحمله العروس وترقص به، بل يكون التبرك المشروع بالعمل بكتاب الله ﷿ وبقراءته على الوجه المشروع، ويكون التبرك أيضاَ بفهم كتاب الله ﷻ. قال سبحانه وتعال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ سورة البقرة الآية ١٢١. وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ سورة الكهف الآية ٢٧، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ سورة فاطر الآيتان ٢٩ -٣٠، وجاء في الحديث عن أبي أمامة الباهلي ﵁: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) رواه مسلم.\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز حمل العروس للمصحف الشريف أثناء ما يسمى \"جلوة العروس\" للتبرك به كما زعموا، لأن ذلك يتنافى مع تعظيم كلام رب العالمين، ومن أراد التبرك المشروع بكتاب الله ﷿ فعليه أن يلتزم به قولاً وعملاً وأن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، فحينئذ تحل عليه البركة ويصلح الله حاله ويحفظه من كل الشرور وييسر له أموره كلها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346563,"book_id":3840,"shamela_page_id":943,"part":"16","page_num":1,"sequence_num":943,"body":"١ - الوصية بأكثر من الثلث\rقول السائل: أنا رجل موسر وليس لي أولاد ولا بنات ولي إخوة وأخوات وقد كفلت ابن أخي منذ الصغر وعمل معي في تجارتي وأريد أن أوصي له بجميع ما أملك فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: الوصية مشروعة بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ، قال تعالى: ?مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ? سورة النساء ١٢. وقال الإمام البخاري في صحيحه [باب الوصايا وقول النبي ﷺ (وصية الرجل مكتوبة عنده) ، وقول الله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ سورة البقرة الآيات ١٨٠-١٨٢. وورد في الحديث عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء. قلت يا رسول الله، أوصي بمالي كله قال: لا. قلت فالشطر قال: لا. قلت الثلث. قال: فالثلث، والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك- أي فمها - وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناسٌ ويضر بك آخرون. ولم يكن له يومئذ إلا ابنة) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ما حقُ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم (أنه سمع رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة، قال عبد الله بن عمر ﵁ ما مرت عليًّ ليلةٌ منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي) وغير ذلك من النصوص. وقد اتفق أهل العلم على أنه لا وصية لوارث، لما ثبت في الحديث من قول الرسول الله ﷺ: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. واتفق العلماء على أنه لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث، لما ورد في حديث سعد السابق من قول الرسول الله ﷺ: (الثلث والثلث كثير) ، وقال الإمام الترمذي بعد أن رواه: [حديث سعد حديث حسن صحيح وقد روي عنه من غير وجه وقد روي عنه «والثلث كبير» . والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون أن يوصي الرجل بأكثر من الثلث ويستحبون أن ينقص من الثلث. قال سفيان الثوري كانوا يستحبون في الوصية الخمس دون الربع، والربع دون الثلث، ومن أوصى بالثلث فلم يترك شيئاً لا يجوز له إلا الثلث.] سنن الترمذي ٣/٣٠٦. وعن ابن عباس ﵄ قال: (لو غض الناس إلى الربع، لأن رسول الله ﷺ قال: الثلث والثلث كثير أو كبير) رواه البخاري.\r\rإذا تقرر هذا فإن السائل له ورثة وابن أخيه ليس من الورثة، فيجوز أن يوصي له، ولكن لا يزيد في الوصية عن الثلث، فإن زادت الوصية عن الثلث فتكون الزيادة عن الثلث موقوفة على إجازة الورثة عند جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة في الصحيح من المذهب والمالكية في قول، فإن أجاز الورثة ما زاد عن الثلث، نفذت الوصية، وإن ردوا الزيادة بطلت. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومن أوصى لغير وارث بأكثر من الثلث، فأجاز ذلك الورثة بعد موت الموصي جاز وإن لم يجيزوا، رد إلى الثلث، وجملة ذلك أن الوصية لغير الوارث تلزم في الثلث من غير إجازة وما زاد على الثلث يقف على إجازتهم، فإن أجازوه جاز ,، وإن ردوه بطل في قول جميع العلماء، والأصل في ذلك (قول النبي ﷺ لسعد حين قال: أوصى بمالي كله؟ قال: لا قال: فبالثلثين؟ قال: لا قال: فبالنصف؟ قال: لا قال: فبالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير) ، وقوله ﵊: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند مماتكم) ، يدل على أنه لا شيء له في الزائد عليه، وحديث عمران بن حصين في المملوكين الذين أعتقهم المريض ولم يكن له مال سواهم، فدعا بهم النبي ﷺ فجزأهم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم فأعتق اثنين، وأرق أربعة وقال له قولاً شديداً يدل أيضا على أنه لا يصح تصرفه فيما عدا الثلث، إذا لم يجز الورثة ويجوز بإجازتهم لأن الحق لهم] المغني ٦/١٤٦.\r\rولا بد من التنبيه على أمرين هامين يتعلقان بالوصية: أحدهما عدم المضارة في الوصية حيث قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ سورة النساء الآية ١٢. قال الإمام القرطبي: [قوله تعالى: ﴿غير مضار﴾ ... فالإضرار راجع إلى الوصية والدين، أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على الثلث أو يوصي لوارث، فإن زاد فإنه يرد، إلا أن يجيزه الورثة، لأن المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى. وإن أوصى لوارث فإنه يرجع ميراثاً.] تفسير القرطبي ٥/٨٠. فإذا كان قصد الوارث من الوصية لغير الوارث المُضَارَّة بالوارث وتقليل نصيبه من الميراث، فإن ذلك حرام عليه وهو آثم بهذا القصد، لقوله تعالى: ﴿غير مضار﴾ وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار) ثم قرأ أبو هريرة ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب. قال الشوكاني: [الحديث حسنه الترمذي وفي إسناده شهر بن حوشب وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ولفظ أحمد وابن ماجة الذي أشار إليه المصنف (أن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وان الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيدخل الجنة) وفيه وعيد شديد وزجر بليغ وتهديد، لأن مجرد المضارة في الوصية إذا كانت من موجبات النار بعد العبادة الطويلة في السنين المتعددة فلا شك أنها من الذنوب التي لا يقع في مضيقها إلا من سبقت له الشقاوة، وقراءة أبي هريرة للآية لتأييد معنى الحديث وتقويته، لأن الله سبحانه قد قيد ما شرعه من الوصية بعدم الضرار فتكون الوصية المشتملة على الضرار مخالفة لما شرعه الله تعالى وما كان كذلك فهو معصية.] نيل الأوطار ٦/٤٢-٤٣.\r\rوورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (الإضرار في الوصية من الكبائر) رواه سعيد بن منصور موقوفاً بإسناد صحيح، ورواه النسائي ورجاله ثقات كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٥/٤٤١.\r\rوقد عدَّ الشيخ ابن حجر المكي الإضرار بالوصية من كبائر الذنوب، انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٦١٤.\r\rثانيهما: كتابة الوصية والإشهاد عليها، اتفق الفقهاء على أنه يستحب للمسلم إذا أوصى أن يكتب وصيته لقوله ﷺ (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة) ، ويستحب للموصي أن يبدأ الوصية بالبسملة، والثناء على الله تعالى بالحمد ونحوه والصلاة على النبي ﷺ، ثم الشهادتين كتابةً أو نطقاً، ثم الإشهاد على الوصية، لأجل صحتها ونفاذها، ومنعاً من احتمال جحودها وإنكارها. روي عن أنس ﵁ أنه قال: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله ﷺ وأن الساعة آتية لا ريب فيها. وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، أوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب (إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) . الموسوعة الفقهية الكويتية ومما يدل على الإشهاد على الوصية قوله تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الآثِمِينَ﴾ سورة المائدة الآية ١٠٦.\r\rوخلاصة الأمر أنه يجب أن لا تزيد الوصية عن الثلث، فإن زادت عن الثلث فلا بد من إجازة الورثة، وعليه فلا يجوز للسائل أن يوصي بجميع ماله لابن أخيه إلا إذا أجاز ذلك ورثته، ولا يجوز لأحد أن يضار بالوصية، ويستحب كتابة الوصية والإشهاد عليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346564,"book_id":3840,"shamela_page_id":944,"part":"16","page_num":2,"sequence_num":944,"body":"٢ - المنع من توزيع التركة\rيقول السائل: مضى على وفاة والدي أكثر من عشر سنوات، وقد ترك أموالاً وعقارات وقطعة أرض، وما زالت تركته غير مقسَّمة، وبعض الورثة ينتفع بالعقارات، ويرفض تقسيم التركة مع إلحاحي على القسمة، فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: ينبغي أن يعلم أن الواجب بعد وفاة الميت مباشرة هو تجهيزه للدفن بالسرعة الممكنة، وتكون تكلفة ذلك من مال الميت، ولا يصح تأخير دفنه، فالإسراع في دفن الميت أمرٌ مطلوبٌ شرعاً، وقد نصت السنة النبوية على ذلك، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أسرعوا بالجنازة فإن تكُ صالحةً فخير تقدمونها إليه وإن يكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) رواه البخاري ومسلم. والإسراع بالجنازة يشمل السرعة حال حملها والإسراع بها إلى الدفن، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قال القرطبي: مقصود الحديث: أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن] فتح الباري ٣/٢٣٥. ويؤيد المسارعة في الدفن ما رواه الطبراني عن ابن عمر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره) قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن، المصدر السابق. ويؤيده أيضاً ما رواه أبو داود بإسناده أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: (إني لا أُرَى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله) . ويؤيده أيضاً ما رواه الترمذي وأحمد عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاث يا علي لا يؤخرن: الصلاة إذا آنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم - هي المرأة التي لا زوج لها - إذا وجدت لها كفؤاً) ، وذكر ابن الجوزي عن بعض السلف أنه قال: (كان يقال العجلة من الشيطان إلا في خمس، إطعام الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب) أحكام النساء ص٣٠٤. فإذا تم َّ دفن الميت فهنالك عدة حقوق تتعلق بتركته وهي كما يلي: قضاء الديون التي في ذمة الميت، ويدخل فيها مهر زوجته ونحو ذلك من حقوق الآدميين، والديون المتعلقة بحقوق الله ﷿ كالزكاة وحج الفريضة والكفارات. وبعد ذلك تنفذ وصايا الميت فيما لا يزيد عن ثلث التركة، وينبغي أن يعلم أن قضاء الدين مقدم على تنفيذ وصايا الميت وإن كانت الوصية مقدمة على الدين في آية المواريث، يقول الله تعالى: (مِنْ بَعِْ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) . وبعد ذلك يوزع الباقي على الورثة حسب التقسيم الشرعي لذلك، ومن المعلوم عند أهل العلم أنه بمجرد وفاة الميت فإن ملكية أمواله تنتقل لورثته وتصير حقاً شرعياً لهم، والأصل أن تقسم التركة على الورثة بعد استيفاء الحقوق المتعلقة بالتركة كما ذكرت سابقاً، ويكون توزيع التركة على الورثة بعد وفاة الميت مباشرة وبعد حصر أمواله وحصر ورثته، وهذا أولى من تأخير التوزيع، حتى وإن تراضى الورثة على التأخير، لأنه قد يترتب على تأخير توزيع التركة مشكلات تقع بين الورثة، وأما أن يمنع بعض الورثة توزيع التركة مع انتفاعهم ببعضها، فهذا أمر محرم شرعاً، لأن هذا من التعدي على حقوق بقية الورثة، وحينئذ يكون انتفاع الوارث ببعض التركة كالعقار المذكور في السؤال من باب الغصب، وهو من الظلم المحرم قال الله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ سورة غافر الآية ١٨، وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ سورة الحج الآية ٧١. وجاء في الحديث القدسي فيما يرويه النبي ﷺ عن رب العزة والجلال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) رواه مسلم. وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) رواه مسلم. وجاء في خطبة الوداع قول النبي ﷺ: (ألا إن الله حرم عليكم دمائكم وأموالكم، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري. وحذر النبي ﷺ أشد التحذير من غصب الأراضي وأخذها من أصحابها بغير حق فقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين) متفق عليه، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أخذ من الأرض شبراً بغير حقه طوقه من سبع أرضين) رواه أحمد بإسنادين أحدهما صحيح، ورواه مسلم إلا أنه قال: (لا يأخذ أحدٌ شبراً من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة) ، وقوله: (طوقه من سبع أرضين) قيل: أراد طوق التكليف لا طوق التقليد وهو أن يطوق حملها يوم القيامة، وقيل: إنه أراد أنه يخسف به الأرض فتصير البقعة المغصوبة في عنقه كالطوق. وجاء في الحديث عن سالم عن أبيه قال: قال النبي ﷺ: (من أخذ من الأرض شبراً بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين) رواه البخاري. وعن يعلى بن مرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (أيما رجل ظلم شبراً من الأرض كلفه الله ﷿ أن يحفره حتى يبلغ به سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضى بين الناس) رواه أحمد والطبراني وابن حبان، وفي رواية لأحمد والطبراني عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أخذ أرضاً بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر) . وقال العلامة الألباني: صحيح. وعن أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أعظم الغلول عند الله ﷿ ذراع من الأرض تجدون الرجلين جارين في الأرض أو في الدار فيقتطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعاً إذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين) رواه أحمد بإسناد حسن والطبراني في الكبير. وقال العلامة الألباني: حسن صحيح. وعن وائل بن حجر ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ: (من غصب أرضاً ظلماً لقي الله وهو عليه غضبان) رواه الطبراني من رواية يحيى بن عبد الحميد الحماني، وقال العلامة الألباني: صحيح. انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٧٩ - ٣٨١. وإذا أخذ هذا الوارث- الذي يمنع قسمة التركة- مالاً من الميراث دون موافقة بقية الورثة، فإنه يكون داخلاً ضمن دائرة الكسب الحرام، والكسب الحرام نوع من أكل السحت، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ?سورة المائدة الآية ٤٢. وقال الله تعالى: ?وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ? سورة المائدة الآية ٦٢. وقوله تعالى: ?لوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ? سورة المائدة الآية ٦٣. قال أهل التفسير في قوله تعالى: ?أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ? أي الحرام وسمي المال الحرام سحتاً لأنه يسحت الطاعات، أي يذهبها ويستأصلها. انظر تفسير القرطبي ٦/١٨٣. وقال جماعة من أهل التفسير: ويدخل في السحت كل ما لا يحل كسبه] فتح المالك ٨/٢٢٣. وعقوبة هذا الغاصب النار، فقد جاء في الحديث عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت وكل لحم نبت من سحت كانت النار أولى به) رواه أحمد والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان، وفي رواية أخرى: (كل جسدٍ نبت من سحتٍ فالنار أولى به) رواه أحمد والطبراني والحاكم وغيرهم وقال العلامة الألباني صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/٨٣١. وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: ( ... يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به) رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وصححه العلامة الألباني. صحيح سنن الترمذي ١/١٨٩. وعن أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة جسد غُذِيَ بحرام) رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أبي يعلى ثقات وفي بعضهم اختلاف قاله الهيثمي. مجمع الزوائد ١٠/٢٩٣. وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٣٢٠. وغير ذلك من النصوص.\r\rوإذا أصر بعض الورثة على المنع من توزيع التركة فإن للورثة الآخرين رفع الأمر إلى القضاء لإجبار الممتنع عل القسمة، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [أما إذا طلب أحدهما - الشريكان - القسمة، فامتنع الآخر، لم يخل من حالين؛ أحدهما، يجبر الممتنع على القسمة، وذلك إذا اجتمع ثلاثة شروط: أحدها: أن يثبت عند الحاكم ملكهما ببينة؛ لأن في الإجبار على القسمة حكماً على الممتنع منهما، فلا يثبت إلا بما يثبت به الملك لخصمه، بخلاف حالة الرضا؛ فإنه لا يحكم على أحدهما، إنما يقسم بقولهما ورضاهما.\r\rالشرط الثاني: أن لا يكون فيها ضرر، فإن كان فيها ضرر، لم يجبر الممتنع؛ لقول النبي ﷺ: (لا ضرر، ولا ضرار) . رواه ابن ماجه، ورواه مالك في \" موطئه \" مرسلاً، وفي لفظ: (أن رسول الله ﷺ قضى أن لا ضرر ولا ضرار) .\r\rالشرط الثالث: أن يمكن تعديل السهام من غير شيء يجعل معها، فإن لم يمكن ذلك، لم يجبر الممتنع؛ لأنها تصير بيعاً، والبيع لا يجبر عليه أحد المتبايعين، ... فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة، أجبر الممتنع منهما على القسمة؛ لأنها تتضمن إزالة ضرر الشركة عنهما، وحصول النفع لهما؛ لأن نصيب كل واحد منهما إذا تميز، كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره، ويتمكن من إحداث الغراس والبناء والزرع والسقاية والإجارة والعارية، ولا يمكنه ذلك مع الاشتراك، فوجب أن يجبر الآخر عليه؛ لقوله ﵇: (لا ضرر ولا ضرار) .] المغني ١٠/١٠٢.\r\rوخلاصة الأمر أنه إذا مات الميت فإنه يجهز ويدفن ثم تقضى ديونه وتنفذ وصاياه في حدود الثلث، وبعد ذلك توزع تركته، وينبغي التعجيل في توزيع التركة، ولا يحل لأحد من الورثة أن يمنع توزيعها، نظراً لتعلق حقوق الآخرين بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346565,"book_id":3840,"shamela_page_id":945,"part":"16","page_num":3,"sequence_num":945,"body":"٣ - توزيع الأموال على الأولاد حال الحياة\rيقول السائل: إنه يريد أن يوزع تركته على أولاده قبل وفاته خشية أن يختلفوا بعد مماته، فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن التركة لا تكون تركة إلا بعد وفاة المورث، فقد عرَّف جمهور الفقهاء التّركة بأنها كلّ ما يخلّفه الميّت من الأموال والحقوق الثّابتة مطلقاً. الموسوعة الفقهية الكويتية ١١/٢٠٦. وتنتقل ملكيّة التّركة جبراً إلى الورثة ولا يكون ذلك إلا بعد تحقق موت المورّث، فقد اتّفق الفقهاء على أنّ انتقال التّركة من المورّث إلى الوارث يكون بعد وفاة المورّث حقيقةً أو حكماً أو تقديراً. الموسوعة الفقهية الكويتية ١١/٢١٠. إذا تقرر هذا فإن توزيع الشخص لأمواله على أولاده لا يكون من باب الميراث وإنما يكون من باب الهبة، وحتى يصح هذا التصرف شرعاً لا بد أن تتحقق الشروط الآتية: أولاً: لا بد أن يكون صاحب المال في كامل قواه العقلية والصحية، فإذا حصل هذا التصرف في مرض موته، فلا يصح، لأنه حينئذ يُعد بمثابة الوصية، ومن المقرر شرعاً أنه لا وصية لوارث إلا إذا أجازها بقية الورثة، لما ثبت في الحديث من قول الرسول الله ﷺ: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. ومرض الموت هو: المرض المخوف الّذي يتّصل بالموت، ولو لم يكن الموت بسببه، وهذا مذهب جمهور الفقهاء. وذهب الحنفيّة إلى أنّ مرض الموت: هو الّذي يغلب فيه خوف الموت، ويعجز معه المريض عن رؤية مصالحه خارجاً عن داره إن كان من الذكور، وعن رؤية مصالحه داخل داره إن كان من الإناث، ويموت على ذلك الحال قبل مرور سنة. الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٧/٥. قال ابن المنذر: [أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن حكم الهبات في المرض الذي يموت فيه الواهب: حكم الوصايا] . المغني ٦/٦١. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وحكم العطايا في مرض الموت المخوف حكم الوصية في خمسة أشياء: أحدها أن يقف نفوذها على خروجها من الثلث وإجازة الورثة، الثاني: أنها لا تصح لوارث إلا بإجازة بقية الورثة، الثالث: أن فضيلتها ناقصة عن فضيلة الصدقة في الصحة ... الرابع: أنه يزاحم بها الوصيا في الثلث، الخامس: أن خروجها من الثلث معتبر حال الموت لا قبله ولا بعده.] المغني ٦/١٩٣. ثانياً: أن يقبض الموهوب له الهبة حال حياة الواهب، أي أن يحوزها الحيازة الشرعية بحيث يصير مالكاً لها وحر التصرف فيها، لأن من شروط صحة الهبة عند جمهور الفقهاء القبض، ويدل على ذلك ما ورد عن عائشة ﵂: (أن أبا بكر ﵁ نحلها جذاذ عشرين وسقاً من ماله بالعالية، فلما مرض قال: يا بنية: كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً، ولو كنت جذذته أو قبضته كان ذلك، فإنما هو اليوم مال وارث، فاقتسموه على كتاب الله تعالى) . رواه مالك في الموطأ ورواه البيهقي كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير ٣/٧٢-٧٣. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي مستدلاً لهذا الشرط: [ولنا إجماع الصحابة ﵃ فإن ما قلناه مروي عن أبي بكر وعمر ﵄ , ولم يعرف لهما في الصحابة مخالف ... - ثم ذكر خبر عائشة ﵂ السابق – ثم قال: وروى ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري أن عمر بن الخطاب قال: ما بال أقوام ينحلون أولادهم , فإذا مات أحدهم قال: مالي وفي يدي وإذا مات هو قال: كنت نحلته ولدي؟ لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد، فإن مات ورثه وروى عثمان أن الوالد يحوز لولده إذا كانوا صغاراً قال المروذي: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة] المغني ٦/٤١-٤٢. وبهذا يتبين لنا أن ما يفعله بعض الناس من توزيع أموالهم وقسمتها على أولادهم، ثم لا يمكنونهم من التصرف فيها حال حياتهم، أي لا يقبضونها، فهذه القسمة غير ملزمة لأنها غير صحيحة ولا تعتبر هبة بل وصية للوارث وهي لا تصح لما ذكرته سابقاً. ثالثاً: لابد من العدل بين الأولاد في الهبة والعطية، فالعدل بين الأولاد مطلوبٌ سواء أكان في الأمور المادية أو المعنوية، وقد رفض الرسول ﷺ أن يشهد على إعطاء أحد الصحابة لأحد أولاده عطية دون الآخرين كما جاء في الحديث عن عامر قال: (سمعت النعمان بن بشير ﵄ وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي أعطيةً فقالت عمرة بنت رواحة – أم النعمان – لا أرضى حتى تشهد رسول ﷺ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. قال ﷺ: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، فقال ﷺ: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال فرجع فردَّ عطيته) رواه البخاري، وفي روايةٍ أخرى أن النبي ﷺ قال لبشير والد النعمان (لا تشهدني على جورٍ أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم. قال: أشهد على هذا غيري) رواه أبو داود بسندٍ صحيح. ويدل على أنه يجب على الأب أن يسوي بين أولاده في الهبات والعطايا قوله ﷺ: (اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو حديثٌ صحيح. وقوله ﷺ: (سووا بين أولادكم في العطية لو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء) رواه سعيد بن منصور والبيهقي وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن. وقال ﷺ: (اعدلوا بين أولادكم في النِحَل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البِر) رواه مسلم.\rومن الجدير بالذكر أن جمهور الفقهاء يرون أن الذكر والأنثى سواءٌ في الهبات والأعطيات لأن النبي ﷺ قال لبشير بن سعد (فسووا بينهم) وفي روايةٍ أخرى (أليس يسرك أن يكونوا في البر سواء) والبنت كالابن في وجوب برها لأبيها. ويرى الحنابلة ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة واسحاق وبعض الشافعية وبعض المالكية أن على الأب أن يقسم بين أولاده على حسب قسمة الله تعالى الميراث، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين لأن الله ﷾ قسم بينهم ذلك. وورد أن شريحاً القاضي قال لرجل قسَّم ماله بين أولاده (ارددهم إلى سهام الله تعالى وفرائضه) . ويرون أن الأب إذا لم يعدل في الهبة لأولاده فهو آثم وتصرفه باطل شرعاً قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ ... يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية، وإذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل فإن خص بعضهم بعطيته، أو فاضل بينهم فيها أثم ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين: إما رد ما فضل به البعض، وإما إتمام نصيب الآخر، قال طاوس: لا يجوز ذلك , ولا رغيف محترق، وبه قال ابن المبارك وروي معناه عن مجاهد وعروة وكان الحسن يكرهه ويجيزه في القضاء ... ] ثم استدل الشيخ ابن قدامة المقدسي لهذا القول [ولنا ما روى النعمان بن بشير قال: (تصدق عليَّ أبي ببعض ماله فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله ﷺ، فجاء أبي إلى رسول الله ﷺ ليشهده على صدقته فقال: أكلَّ ولدك أعطيت مثله؟ قال: لا قال: فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة) وفي لفظ قال: \" فاردده \" وفي لفظ قال: \" فأرجعه \" وفي لفظ: \" لا تشهدني على جور \" وفي لفظ: \" فأشهد على هذا غيري \" وفي لفظ: \" سوِ بينهم \" وهو حديث صحيح متفق عليه، وهو دليل على التحريم لأنه سماه جورا ً، وأمر برده وامتنع من الشهادة عليه والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم فمنع منه، كتزويج المرأة على عمتها أو خالتها ... ] المغني ٦/٥١-٥٢. وقال الإمام القرطبي مرجحاً القول بالرد: [فإن قيل: الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقاً، قيل له: الأصل الكلي والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص. وفي الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص، ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر، وذلك محرم، وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوع، ولذلك قال ﷺ: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) . قال النعمان: فرجع أبي فردَّ تلك الصدقة، والصدقة لا يعتصرها الأب بالإنفاق وقوله: (فأرجعه) محمول على معنى فاردده، والرد ظاهر في الفسخ، كما قال ﵇ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردود مفسوخ. وهذا كله ظاهر قوي، وترجيح جلي في المنع.] ٍ تفسير القرطبي ٦/٢١٤.\rولا بد من تذكير الآباء أنه ينبغي عند توزيع أموالهم على أولادهم أن يكون ذلك التوزيع في بعض الأموال، وليس في كلها حتى لا يحرم الأب نفسه من ماله، وخاصة إذا امتد به العمر، فيصبح عالة يتكفف الناس، وكذلك إذا وجد ورثة آخرون كما يحصل أن يتزوج زوجة أخرى وقد يرزقه الله ﷿ أولاداً آخرين، فيحرمون من أمواله، وهذا ليس عدلاً ولا إنصافاً. وهنا يأتي قول بعض أهل العلم إن الأفضل أن لا يوزع الوالد أمواله على أولاده حال حياته، بل يتركها لتوزع بعد موته توزيع الميراث الشرعي، وهذا الأمر له حسنات كثيرة. [قال – الإمام - أحمد: أحب أن لا يقسم ماله، ويدعه على فرائض الله تعالى لعله أن يولد له فإن أعطى ولده ماله، ثم ولد له ولد فأعجب إليَّ أن يرجع فيسوي بينهم، يعني يرجع في الجميع أو يرجع في بعض ما أعطى كل واحد منهم ليدفعوه إلى هذا الولد الحادث ,، ليساوي إخوته] المغني ٦/٦١.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للوالد أن يوزع أمواله على أولاده حال حياته وأن ذلك لا يعتبر ميراثاً، لأن من شرط الميراث موت المورث، ويعد ذلك من الهبة، ولكن لا بد من تحقق الشروط التي ذكرتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346566,"book_id":3840,"shamela_page_id":946,"part":"17","page_num":1,"sequence_num":946,"body":"١ - موقف الشرع من العطوة في العرف العشائري\rيقول السائل: في العرف العشائري إذا ركب رجل مع آخر في سيارة أو سفينة وحصل حادث وقتل الراكب فإن صاحب السيارة عليه أن يأخذ عطوة دم من أهل القتيل، ما حكم الشرع في ذلك؟ أفيدونا؟\r\rالجواب: العطوة في العرف العشائري تعني: [تلك الفترة الزمنية التي يمنحها أهل المجني عليه للجاني وأهله أو لأهله فقط، وذلك بعد وقوع الجناية مباشرة، فيتوسط في العطوة أهل الخير \" الجاهة \"، ويعتمد عليها المصلحون كأول خطوة في حل مشكلات الناس منذ وقوع الجناية نظراً لتوتر النفوس وتحركها نحو الشر، وتأهب الطرفين للصد والرد والضرب والقتل\". والعطوة هدنة تؤخذ بين المتخاصمين يعقدها وجهاء القوم بحيث تمنع الاعتداء من كلا الطرفين على بعضهما البعض مكفولة بوجهاء يضمنون عدم الاعتداء.] عن الإنترنت. والعطوة في العرف العشائري تؤخذ في حالات القتل غالباً، بغض النظر هل كان القتل عمداً أو خطأً، وتؤخذ أيضاً في حالات الجراحات والاغتصاب وغيرها. والعطوة في العرف العشائري على أنواع [منها (١) عطوة الدم وتسمى عطوة فورة الدم: وتكون في قضايا القتل والعرض ومدتها ثلاثة أيام وثلث وتسمى هذه الأيام المهربات المسربات. (٢) عطوة الاعتراف أو الإقرار: وتعني اعتراف المتهم بالجريمة وهو مستعد بأن يعطي ما يترتب عليه من حقوق وواجبات. (٣) عطوة حق وتعني عدم اعتراف المتهم بالجريمة، وفي هذه الحالة لا بد من التحكيم والتقاضي عند قاضٍ عشائريٍ، يثبت إدانته أو براءته التامة، وتسمى أيضاً عطوة تفتيش، أي العمل على التحري والتفتيش حول الشخص أو الأشخاص الذين تحوم حولهم الشبهات. (٤) عطوة الإقبال وتؤخذ عادة بعد صدور الحكم القضائي وسميت بهذا الاسم لإقبال الطرفين على الصلح، حيث تتم مراسم الصلح فيها. (٥) العطوة الناقصة وهي العطوة التي لا تشمل الجاني، ويكون الجاني في هذه الحالة مشمساً، أي مهدور الدم، ويكون ذلك بموافقة الطرفين المتخاصمينن وتكون هذه العطوة في حالة فرار الجاني من وجه العدالة. (٦) عطوة شرف بيضاء وتكون هذه العطوة متخصصة في قضايا العرض وحرمة البيت وتقطيع الوجه، أي إن مدار بحث العطوة يركز على الحفاظ على شرف الإنسان وكرامته، على أن عرضه لم يمس وشرفه مصون، لكن يجب الانتقام من الرجل الذي حاول أن يمس هذا الشرف أمام قضاة العشائر. - والمقصود بتقطيع الوجه هو الإخلال بالالتزام يعني حينما يكفل إنسان طرفاً من الإطراف، ويخل بهذا الالتزام يعتبر أنه قطع وجه الكفيل صاحب الوجه، وهي من أصعب وأبشع الجرائم لدى البدو- (٧) عطوة حوليه وهي العطوة التي تعطى لمدة حول كامل (أي سنة كاملة) وتجدد حولياً أي تلقائياً كل حول حتى يتم الصلح] . انظر التفصيل في: الموجز في القضاء العشائري ص ٤٤-٤٥، العرف العشائري بين الشريعة والقانون ص ٧٦. والمقصود من العطوة الهدنة بين المتخاصمين وتهدئة الخواطر ومنع حالات الثأر والانتقام والتخريب. وهذه المعاني مما يقرها الشرع، لأن فيها حفظاً للدماء والأموال، وحفظهما من مقاصد الشارع الحكيم، فإن من مقاصد الإسلام الحفاظ على النفس البشرية، فلا يجوز قتلها أو الاعتداء عليها بأي شكل من الأشكال، فالإسلام اعتبر النفس البشرية معصومة وحافظ عليها، وقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة في المحافظة على النفس، قال الله تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً﴾ سورة الإسراء الآية ٣٣. وقال تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً﴾ سورة النساء الآية ٩٣. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٦٩. وثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين، فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور. قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري. وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (إن من ورطات - جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك - الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٤٠. وغير ذلك من النصوص التي تدل على عظمة النفس المعصومة وحرمتها. وأما حفظ المال فهو من مقاصد الشارع الحكيم أيضاً، ووردت نصوص كثيرة في المحافظة عليه، فمنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ سورة النساء الآية ٢٩. وقال الرسول ﷺ: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) رواه مسلم، وقال الرسول ﷺ: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري ومسلم. وقال الرسول ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس) رواه الحاكم وابن حبان وصححاه، وقال الرسول ﷺ: (لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس) رواه البيهقي بإسناد صحيح وغير ذلك من النصوص. إذا تقرر هذا فإنه لا مانع شرعاً من أخذ العطوة في الحالة التي ذكرها السائل، حتى تهدأ نفوس ذوي المقتول، ويتم التحقق من دور السائق في الحادث، لأن الضمان في حوادث السيارات فيه تفصيل عند أهل العلم، فقد يكون السائق متسبباً في الحادث فيضمن، وقد يكون الحادث قد وقع بدون تسبب من السائق ولا مباشرته فلا ضمان عليه، [قال الفقهاء: إذا كان الاصطدام بسبب قاهر أو مفاجئ كهبوب الريح أو العواصف فلا ضمان على أحد، وإذا كان الاصطدام بسبب تفريط أحد رباني السفينتين أو قائدي السيارتين كان الضمان عليه وحده، ومعيار التفريط – كما يقول ابن قدامة - أن يكون الربان – وكذلك القائد - قادراً على ضبط سفينته أو سيارته أو ردِّها عن الأخرى فلم يفعل، أو أمكنه أن يعدلها إلى ناحية أخرى فلم يفعل، أو لم يكمل آلتها من الحبال والرجال وغيرها.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٨/٢٩٣. وقد بحث المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حوادث السيارات وما يترتب عليها، وقرر ما يلي: [الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة الإسلامية، وإن كات في الغالب من قبيل الخطأ، والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار، سواء في البدن أم المال إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر ولا يعفى من هذه المسؤولية إلا في الحالات الآتية: أ- إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان. ب– إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيراً قوياً في إحداث النتيجة. ج- إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية ... رابعاً: إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر كان على كل واحد منهما تبعة ما تلف من الآخر من نفس أو مال. خامساً: أ- مع مراعاة ما سيأتي من تفصيل، فإن الأصل أن المباشر ضامن ولو لم يكن متعدياً، وأما المتسبب فلا يضمن إلا إذا كان متعدياً أو مفرِطاً. ب – إذا اجتمع المباشر مع المتسبب كانت المسؤولية على المباشر دون المتسبب إلا إذا كان المتسبب متعدياً والمباشر غير متعدٍّ. ج – إذا اجتمع سببان مختلفان كل واحد منهما مؤثر في الضرر، فعلى كل واحد من المتسببين المسؤولية بحسب نسبة تأثيره في الضرر، وإذا استويا أو لم تعرف نسبة أثر كل واحد منهما فالتبعة عليهما على السواء، والله أعلم] مجلة المجمع الفقهي عدد ٨، جزء٢ ص ١٧١. وقد نص قرار المجمع الفقهي على أن السائق يعفى من المسؤولية في الحالات الآتية: أ - إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان. ب – إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيراً قوياً في إحداث النتيجة. ج - إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية.]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346567,"book_id":3840,"shamela_page_id":947,"part":"17","page_num":2,"sequence_num":947,"body":"٢ - تنفيذ العقوبات من اختصاص الحاكم\rقول السائل: إن شخصاً قد قتل أخاه، وقد اعتقل القاتل، ثم أفرج عنه بعد مدة قصيرة لعدم كفاية الأدلة، فهل يجوز لنا شرعاً أن نقتل القاتل مع العلم أننا متأكدون من قتله لأخي، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا شك أن حرمة دم المسلم من أعظم الحرمات عند الله ﷾، ولا شك أن قتل النفس المعصومة من أكبر الكبائر، وقد وردت الأدلة الكثيرة من كتاب الله ﷿ ومن سنة نبيه محمد ﷺ التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ سورة الإسراء الآية ٣٣. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٩٣. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٦٩.\r\rوثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين، فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قال قول الزور أو قال شهادة الزور، قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري ١٢/٢٣٣. وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله (إن من ورطات) بفتح الواو والراء، وحكى ابن مالك أنه قيد في الرواية بسكون الراء والصواب التحريك وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك يقال وقع فلان في ورطة أي في شيء لا ينجو منه، وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها. قوله (سفك الدم) أي إراقته والمراد به القتل بأي صفة كان، لكن لما كان الأصل إراقة الدم عبر به. قوله (بغير حله) في رواية أبي نعيم \" بغير حقه \" وهو موافق للفظ الآية، وهل الموقوف على ابن عمر منتزع من المرفوع فكأن ابن عمر فهم من كون القاتل لا يكون في فسحه أنه ورط نفسه فأهلكها] فتح الباري ١٢/٢٣٣-٢٣٤. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٤٠. وغير ذلك من النصوص التي تدل على عظمة النفس المعصومة.\r\rإذا ثبت هذا فإن تنفيذ العقوبات كالقصاص والحدود من اختصاص الحاكم المسلم، وليس من اختصاص الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو غيرها من الجهات. قال الشيخ أبو إسحق الشيرازي: [لا يقيم الحدود على الأحرار إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام، لأنه لم يُقمْ حدٌ على حرٍ على عهد رسول الله ﷺ إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم، ولأنه حق لله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يؤمن في استيفائه الحيف فلم يجز بغير إذن الإمام] المهذب ٢٠/٣٤. وروى الإمام البيهقي بإسناده: [عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين يُنْتَهى إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون لا ينبغي لأحدٍ أن يقيم شيئاً من الحدود دون السلطان] سنن البيهقي ٨/٢٤٥. وقال الإمام النووي: [أما الأحكام فإنه متى وجب حد الزنا أو السرقة أو الشرب لم يجز استيفاؤه إلا بأمر الإمام، أو بأمر من فوض إليه الإمام النظر في الأمر بإقامة الحد، لأن الحدود في زمن النبي ﷺ، وفي زمن الخلفاء الراشدين ﵃ لم تستوف إلا بإذنهم، ولأن استيفاءها للإمام] المجموع.\r\rومما يدل على أن تنفيذ العقوبات من اختصاص الدولة المسلمة مُمَثلةً بالإمام أو من يقوم مقامه، قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ سورة النور الآية ٢. قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: [لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر الإمام ومن ناب منابه] تفسير القرطبي ١٢/١٦١. وقال الإمام القرطبي أيضاً: [لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك، لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعاً أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود.] تفسير القرطبي ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦. وقال الإمام القرطبي أيضاً: [اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض] تفسير القرطبي ٢/٢٥٦. وقال ابن رشد القرطبي: [وأما من يقيم هذا الحد – جلد السكران - فاتفقوا على أن الإمام يقيمه وكذلك الأمر في سائر الحدود] بداية المجتهد ٢/٢٣٣. وقال البهوتي الحنبلي: [ (وإقامته) أي: الحد (للإمام ونائبه مطلقاً) أي: سواء كان الحد لله تعالى كحد زنا أو لآدمي كحد قذف، لأنه يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن فيه الحيف فوجب تفويضه إلى نائب الله تعالى في خلقه. ولأنه ﷺ كان يقيم الحدود في حياته وكذا خلفاؤه من بعده ويقوم نائب الإمام فيه مقامه لقوله ﷺ: (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها) . وأمر برجم ماعز ولم يحضره، وقال في سارق أتي به اذهبوا به فاقطعوه] منتهى الإرادات. وقال الشيخ عبد القادر عوده تحت عنوان \" من الذي يقيم الحدّ \": [من المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز أن يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه لأن الحدّ حق الله تعالى ومشروع لصالح الجماعة فوجب تفويضه إلى نائب الجماعة وهو الإمام ولأن الحدّ يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب فوجب تركه لولي الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواسطة نائبه وحضور الإمام ليس شرطاً في إقامة الحد لأن النبي ﷺ لم ير حضوره لازماً فقال: اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. وأمر ﵊ برجم ماعز ولم يحضر الرجم وأتي بسارق فقال: اذهبوا به فاقطعه. لكن إذن الإمام بإقامة الحدّ واجب، فما أقيم حدّ في عهد رسول الله ﷺ إلا بإذنه وما أقيم حدّ في عهد الخلفاء إلا بإذنهم] التشريع الجنائي الإسلامي ٢/٤٤٤. وجاء في الموسوعة الفقهية: [اتفق الفقهاء على أنه لا يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه وذلك لمصلحة العباد وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم والإمام قادر على الإقامة لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهراً وجبراً كما أن تهمة الميل والمحاباة والتواني منتفية عن الإقامة في حقه فيقيهما على وجهه فيحصل الغرض المشروع بيقين، ولأن النبي ﷺ كان يقيم الحدود وكذا خلفاءه من بعده] ١٧/١٤٤-١٤٥.\r\rوخلاصة الأمر أن القتل العمد جريمة من كبائر الذنوب، وأنه موجبٌ للقصاص كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة البقرة الآية ١٧٨، وقد اتفق أهل العلم على أن من يتولى تنفيذ العقوبة هو الحاكم المسلم أو من ينيبه، ولا يجوز لأحد من الناس أن يتولى تنفيذ العقوبات بنفسه، لأن في ذلك فتحاً لأبواب الشرور والمفاسد الكثيرة، التي لا يعلم نتائجها إلا الله عز وجل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346568,"book_id":3840,"shamela_page_id":948,"part":"17","page_num":3,"sequence_num":948,"body":"٣ - حكم من قتل في عماة\rيقول السائل: وقعت مشاجرة كبيرة بين عدد كثير من الناس وبعد انتهاء الشجار عثر على جثة شخص مقتول، ولم يعرف قاتله، فماذا يترتب على ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: إن كثرة القتل والتساهل في دماء الناس من علامات الساعة الصغرى كما ورد في الحديث عن أبي وائل قال كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى ﵄ فقالا: قال رسول الله ﷺ: (إن بين يدي الساعة أياماً يُرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل) رواه البخاري ومسلم. والهرج: القتل والفتن واضطراب الأمور. وجاء في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج قالوا وما الهرج قال: القتل) رواه مسلم. ومع الأسف فإن الناس قد تساهلوا في أمر عظيم فصار الإنسان يُقتل لأتفه الأسباب، وصارت حرمة دم المسلم لا قيمة لها، مع أن حرمة دم المسلم من أعظم الحرمات عند الله ﷾، وقتل النفس المعصومة من أكبر الكبائر، وقد وردت النصوص الكثيرة من كتاب الله ﷿ ومن سنة نبيه محمد ﷺ التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً﴾ سورة الإسراء الآية ٣٣. وقوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً﴾ سورة النساء الآية ٩٣. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٦٩. وثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين، فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم لله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لن يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يُصب دماً حراماً) رواه البخاري، ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري ١٢/٢٣٣. وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) ، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله (إن من ورطات) بفتح الواو والراء، وحكى ابن مالك أنه قيد في الرواية بسكون الراء، والصواب التحريك وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك يقال وقع فلان في ورطة أي في شيء لا ينجو منه، وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها. قوله (سفك الدم) أي إراقته والمراد به القتل بأي صفة كان، لكن لما كان الأصل إراقة الدم عبر به. قوله (بغير حله) في رواية أبي نعيم \" بغير حقه \" وهو موافق للفظ الآية، وهل الموقوف على ابن عمر منتزع من المرفوع فكأن ابن عمر فهم من كون القاتل لا يكون في فسحه أنه ورط نفسه فأهلكها] فتح الباري ١٢/٢٣٣-٢٣٤. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٤٠. وقد ورد في النصوص أن حرمة دم المسلم مقدمة على حرمة الكعبة المشرفة، بل حرمة دم المسلم أعظم عند الله ﷿ من زوال الدنيا فقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٥٦. وجاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار) وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٢٩. وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٣٠. ونظر ابن عمر ﵁ يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) رواه الترمذي.\r\rإذا تقرر هذا فإنه إذا وجد قتيلٌ بعد مشاجرة ولم يُعرف قاتلُه، أو كان هنالك شكٌ كبيرٌ في معرفة القاتل، فلا يجوز شرعاً اتهام شخص معين بالقتل، والحكم في هذه الحال هو ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من قُتل في عِمِّيَّة، أو رِمِّيَّة بحجر، أو سوطٍ، أو عصا فعقله عقل الخطأ. ومن قتل عمداً فهو قود. ومن حال بينه وبينه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والدارقطني وغيرهم بإسناد قوي كما قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، وقال العلامة الألباني حديث صحيح كما في صحيح سنن النسائي حديث رقم ٤٤٥٦. وقوله (في عِمِّيَّة) بكسر العين وتشديد الميم والياء، وهي الأمر الذي لا يستبين وجهه. وقيل كناية عن جماعة مجتمعين على أمر مجهول لا يعرف أنه حق أو باطل. ونقل الدارقطني عن الإمام أحمد بن حنبل: العِمِّيَّا هو الأمر الأعمى للعصبية لا تستبين ما وجهه. وقال إسحاق: هذا في تحارج القوم وقتل بعضهم بعضاً. فكأن أصله من التعمية وهو التلبيس. وقال ابن الأثير في تفسير اللفظين: المعنى أن يوجد بينهم قتيل يُعمَّى أمرُه، ولا يُتبين قاتلُه فحكمه حكم قتيل الخطأ تجب فيه الدية. النهاية في غريب الحديث ٣/٣٠٥. وروى الدارقطني عن طاووس قال في الرجل يصاب في الرِمِّيا - بكسر وتشديد وقصر، بوزن الهجيرى من الرمي، مصدر يراد به المبالغة - في القتال بالعصا أو السوط أو الترامي بالحجارة، يودى ولا يُقتل به من أجل أنه لا يُدرى منْ قاتلُه. قال الإمام الصنعاني في شرح الحديث السابق: [ ... إنه دليل على أن من لم يُعرف قاتلُه، فإنها تجب فيه الدية وتكون على العاقلة وظاهره من غير أيمان قسامة، وقد اختلف في ذلك: فقالت الهادوية إن كان الحاضرون الذين وقع بينهم القتل منحصرين لزمت القسامة وجرى فيها حكمها من الأيمان والدية، وإن كانوا غير منحصرين لزمت الدية في بيت المال، وقال الخطابي: اختلف هل تجب الدية في بيت المال، أو لا؟ قال إسحاق بالوجوب، وتوجيهه من حيث المعنى أن مسلمٌ مات بفعل قوم من المسلمين، فوجبت ديته في بيت مال المسلمين، وذهب الحسن إلى أن ديته تجب على جميع من يحضر، وذلك لأنه مات بفعلهم، فلا تتعداهم إلى غيرهم، وقال مالك إنه يهدر؛ لأنه إذا لم يوجد قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد. وللشافعي قول إنه يقال لوليه ادع على من شئت واحلف، فإن حلف استحق الدية، وإن نكل حلف المدعى عليه على النفي وسقطت المطالبة، وذلك لأن الدم لا يجب إلا بالطلب، وإذا عرفت هذا الاختلاف وعدم المستند القوي في أي هذه الأقوال، وقد عرفت أن سند الحديث قوي كما قاله المصنف علمت أن القول به أولى الأقوال] سبل السلام ٥/٣٨٨. وما رجحه الإمام الصنعاني هو الراجح لقوة دليله، فمن وجد مقتولاً بعد مشاجرة ولا يعرف قاتله، ففيه دية قتل الخطأ وتقسم الدية على من حضر الشجار وعلى عواقلهم، ولا يجوز شرعاً تحميل شخص بعينه القتل ما دام أنه لم يثبت أنه قاتل، وأمر القاتل إلى الله كما ورد عن عمر بن عبد العزيز أنه كُتب إليه في رجلٍ وجد قتيلاً لم يُعرف قاتله فكتب إليهم أن من القضايا قضايا لا يُحكم فيها إلا في الدار الآخرة وهذا منها. المغني ١٠/٧.\r\rوخلاصة الأمر أن حرمة المسلم حرمة عظيمة، و ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ سورة المائدة الآية ٣٢، وأن حرمة دم المسلم أعظم عند الله ﷿ من حرمة الكعبة، وأن تساهل الناس في أيامنا هذه في القتل بغير حق من علامات الساعة الصغرى، وأن من وجد مقتولاً بعد مشاجرة ولا يُعرف قاتلُه، ففيه دية قتل الخطأ وتقسَّم الدية على من حضر الشجار وعلى عواقلهم، ولا يجوز شرعاً تحميل شخص بعينه القتل ما دام أنه لم يثبت أنه قاتل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346569,"book_id":3840,"shamela_page_id":949,"part":"17","page_num":4,"sequence_num":949,"body":"٤ - تعجيل العقوبة في الدنيا لبعض المعاصي والذنوب\rيقول السائل: هلاّ وضحتم لنا مسألة تعجيل العقوبة للمذنب في الدنيا، أفيدونا؟\rالجواب: اقتضت حكمة الله ﷿ أن يعجل عقوبة بعض الذنوب في الدنيا، وقد يكون ذلك من باب الاعتبار والاتعاظ بما يصيب العصاة كما هو الحال في الظالمين وقاطعي الأرحام وحالفي الأيمان الكاذبة، وقد يكون تعجيل العقوبة من باب إرادة الخير بالمؤمن لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وتفصيل ذلك كما يلي: إن تعجيل العقوبة في الدنيا ثابت في مجموعة من الأحاديث، فمن ذلك ما ورد في تعجيل عقوبة المستهزئ بالسنة النبوية فقد ورد في الحديث عن سلمة بن الأكوع ﵁: أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال ﷺ: (كل بيمينك) قال: لا أستطيع. قال ﷺ: (لا استطعت) ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه- فمه -، أي شلت يده. رواه مسلم. فهذا الرجل لما أمره النبي ﷺ بالأكل بيمنه لم يعجبه ذلك تكبراً على سنة رسول الله ﷺ فدعا عليه فشلت يده.\rومن ذلك أيضاً ما ورد عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بينما رجل يتبختر يمشى في برديه قد أعجبته نفسه فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) رواه مسلم.\rومن الذنوب التي قد يعجل الله عقوبتها في الدنيا الظلم والبغي وقطيعة الرحم فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس شيء أُطيعَ الله فيه، أعجل ثواباً من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع) رواه البيهقي وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٧٠٦، وبلاقع، جمع بلقع وبلقعة، وهي الأرض القفر التي لا شجر فيها، ذكره الزبيدي ونقل عن بعض العلماء، أن معنى الحديث [أي يفتقر الحالف ويذهب ما في بيته من المال، أو يفرق الله شمله ويغيّر ما أولاه من نعمة] تاج العروس ١١/٣٠. وفي رواية أخرى: (إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، وإن أهل البيت ليكونون فجاراً، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا وصلوا أرحامهم، وإن أعجل المعصية، عقوبة البغي والخيانة، واليمين الغموس يذهب المال ويثقل في الرحم، ويذر الديار بلاقع) رواه الطبراني في الأوسط وقال العلامة اللباني: إنه صحيح بمجموع طرقه وشواهده. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اليمين الفاجرة تذهب المال) رواه البزار بسند صحيح، كما قال ابن حجر الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/٤٠٤. وجاء في الحديث أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.\rومن الذنوب التي قد يعجل الله عقوبتها في الدنيا حلف اليمين الكاذب ليستحل دماء الناس وأموالهم، كما ثبت في صحيح البخاري في الحادثتين التاليتين: الأولى: روى الإمام البخاري بسنده، عن ابن عباس ﵄ قال: (إن أول قسامة كانت في الجاهلية، لفينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش، من فخِذٍ أخرى، فانطلق معه في إبله فمر به رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه، فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل فأعطاه عقالاً، فشد به عروة جوالقه، فلما نزلوا، عقلت الإبل إلا بعيراً واحداً، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ قال: فحذفه بعصاً كان فيها أجله، فمر رجل به من أهل اليمن فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال: فكتب، إذا أنت شهدت الموسم فناد يا آل قريش، فإذا أجابوك فناد يا آل بني هاشم، فإن أجابوك، فسل عن أبي طالب، فأخبره أن فلاناً قتلني في عقال، ومات المستأجَر، فلما قدم الذي استأجره، أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال مرض فأحسنت القيام عليه، فوليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك فمكث حيناً، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه، وافى الموسم فقال: يا آل قريش، قالوا هذه قريش، قال يا بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: من أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة، أن فلاناً قتله في عقال، فأتاه أبو طالب فقال له: إختر منا إحدى ثلاث، إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل، فإنك قتلت صاحبنا وإن شئت، حلف خمسون من قومك، أنك لم تقتله، فإن أبيت، قتلناك به، فأتى قومه، فقالوا نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجيز أبني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب، أردت خمسين رجلاً أن يحلفوا مكان مئة من الإبل، يصيب كل رجل بعيران، هذان بعيران فاقبلهما مني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون، فحلفوا، قال ابن عباس: فالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين عين تطرف) .\rالثانية: روى الإمام البخاري بسنده عن أبي قلابة حديثاً طويلاً وفيه: (وقد كانت هذيل خلعوا خليعاً لهم في الجاهلية، فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء، فانتبه له رجل منهم، فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل فأخذوا اليماني، فرفعوه إلى عمر بالموسم وقالوا: قتل صاحبنا، فقال: إنهم قد خلعوه، فقال: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوه، قال: فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلاً، وقدم رجل منهم من الشام، فسألوه أن يقسم، فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رجلاً آخر، فدفعه إلى أخي المقتول، فقرنت يده بيده، قالوا فانطلقنا والخمسون الذين أقسموا حتى إذا كانوا بنخلة أخذتهم السماء -أي المطر- فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا، فماتوا جميعاً وأفلت القرينان وأتبعهما حجر فكسر رجل أخي المقتول فعاش حولاً ثم مات) .\rومن الذنوب التي يخشى أن يعجل الله ﷿ عقوبتها في الدنيا سب العلماء وأكل لحومهم كما قال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله: [اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ] .\rوأما كون تعجيل العقوبة في الدنيا من باب الخير للمؤمن فقد ورد في الحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة) رواه الترمذي وقال العلامة الألباني حسن صحيح. وهذا التعجيل رحمة بالمؤمن لأن عذاب الآخرة أشد وأبقى كما قال تعالى: ﴿ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾ سورة طه الآية ١٢٧. وصح في الحديث أن رسول الله ﷺ قال للمتلاعنين: (إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) رواه البخاري ومسلم.\rوأخيراً ينبغي التنبيه على أنه لا يجوز للمسلم أن يتمنى تعجيل العقوبة في الدنيا ولا يجوز له أن يدعو الله أن يعجل له عقوبة الذنوب في الدنيا قبل الآخرة بل ذلك من فعل الكفرة كما قال تعالى: ﴿وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب﴾ سورة ص الآية ١٦. وقال تعالى: ﴿وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم﴾ سورة الأنفال الآية ٣٢. وصح في الحديث عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين قد خفت – أي ضعف - فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ: (هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه) قال نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ: (سبحان الله لا تطيقه - أو لا تستطيعه - أفلا قلت اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قال فدعا الله له فشفاه.) رواه مسلم.\rوخلاصة الأمر أن الله قد يعجل عقوبة بعض الذنوب كما في عقوبة الظالم فإن الله يمهل ولا يهمل وكما هو الحال في قاطع الرحم والعاق لوالديه وآكل حقوق الناس والمعتدي عليهم بيمينه الكاذب، وقد يكون تعجيل العقوبة في الدنيا رحمة بالمؤمنين لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، أجارنا الله وإياكم منه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346570,"book_id":3840,"shamela_page_id":950,"part":"17","page_num":5,"sequence_num":950,"body":"٥ - عقوبة الزاني بمحرم وكفارة ذلك\rيقول السائل: إن الشيطان قد أغواه فوقع في الزنا مع خالته فما هي العقوبة الشرعية لهذه المعصية وما كفارة ذلك، أفيدونا؟\rالجواب: الزنا بالمحارم من أفحش الزنا وأقبحه لما فيه من انتهاكٍ لحرمات الله، يقول الله ﷾: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) سورة الإسراء الآية ٣٢. قال الشيخ ابن حجر المكي الهيتمي: [وأعظم الزنا على الإطلاق الزنا بالمحارم.] الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/٣٠١.\rوقد نص أهل العلم على تفاوت إثم الزنا كما هو الحال فيمن يزني بزوجة جاره وكذا من يزني بإحدى محارمه، ويدل عليه ما ورد في الحديث عن المقداد بن الأسود ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرَّمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال رسول الله ﷺ: لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره. فقال ما تقولون في السرقة؟ قالوا حرَّمها الله ورسوله فهي حرام قال لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره.) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات، كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/١٦٨، وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ١/٩٦.\rوجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: [يتفاوت إثم الزنا ويعظم جرمه بحسب موارده. فالزنا بذات المحرم أو بذات الزوج أعظم من الزنا بأجنبية أو من لا زوج لها, إذ فيه انتهاك حرمة الزوج, وإفساد فراشه, وتعليق نسب عليه لم يكن منه, وغير ذلك من أنواع أذاه. فهو أعظم إثماً وجرماً من الزنا بغير ذات البعل والأجنبية. فإن كان زوجها جاراً انضم له سوء الجوار. وإيذاء الجار بأعلى أنواع الأذى, وذلك من أعظم البوائق, فلو كان الجار أخاً أو قريباً من أقاربه انضم له قطيعة الرحم فيتضاعف الإثم. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) . ولا بائقة أعظم من الزنا بامرأة الجار. فإن كان الجار غائباً في طاعة الله كالعبادة, وطلب العلم, والجهاد, تضاعف الإثم، حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة, فيأخذ من عمله ما شاء. قال رسول الله ﷺ: (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم, وما من رجل من القاعدين يخلف رجلاً من المجاهدين في أهله يخونه فيهم, إلا وُقِفَ له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟) - رواه مسلم - أي: ما ظنكم أن يترك له من حسناته؟ قد حكم في أنه يأخذ ما شاء على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة, فإن اتفق أن تكون المرأة رحماً له انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها, فإن اتفق أن يكون الزاني محصناً كان الإثم أعظم, فإن كان شيخاً كان أعظم إثماً وعقوبةً, فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام, أو بلد حرام, أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلوات وأوقات الإجابة تضاعف الإثم.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٤/٢٠. وقد وردت عدة أحاديث في الزنا بالمحارم منها: عن البراء بن عازب ﵁ قال: (بينما أنا أطوف على إبل لي ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس معهم لواء فجعل الأعراب يطيفون بي لمنزلتي من النبي ﷺ إذ أتوا قبة فاستخرجوا منها رجلاً فضربوا عنقه فسألت عنه فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه) رواه أبو داود في باب الرجل يزني بحريمه، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ١٢١/٨. وفي صحيح سنن أبي داود ٣/٨٤٤. وفي رواية أخرى عن البراء ﵁ قال: (لقيت عمي ومعه راية فقلت له أين تريد قال بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله) رواه أبو داود، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ١٨/٨. وفي صحيح سنن أبي داود ٣/٨٤٤. وجاء في رواية ثالثة عن البراء ﵁ قال: (مر بي خالي ... وقد عقد له النبي ﷺ لواءً فقلت له أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده فأمرني أن أضرب عنقه) رواه أحمد وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٨/٢٠. وفي صحيح سنن ابن ماجة ٢/٩٠. وروي في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم، وقال: صحيح ولم يخرجاه. ولكن الحديث ضعيف عند المحققين من المحدثين، انظر إرواء الغليل ٨/٢٢-٢٣.\rوقد أخذ بمقتضى هذه الأحاديث جماعة من أهل العمل فقالوا بقتل من زنى بإحدى محارمه، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [اختلف في الحد فروي عن أحمد أنه يقتل على كل حال، وبهذا قال جابر بن زيد واسحاق وأبو أيوب وابن خيثمة وروى إسماعيل بن سعيد عن أحمد في رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات محرم فقال: يقتل ويؤخذ ماله إلى بيت المال] المغني ٩/٥٦.\rوجمهور الفقهاء على أن الزاني بإحدى محارمه كالزاني بأجنبية، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والرواية الثانية: حده حد الزاني وبه قال الحسن ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر] المغني٩/٥٦.\rوالقول الأول أرجح من حيث الدليل قال الشيخ ابن قدامة المقدسي بعد أن ذكر الأحاديث السابقة: [وهذه الأحاديث أخص مما ورد في الزنا فتُقدم] المغني ٩/٥٦. وقال العلامة ابن القيم [فصلٌ في حكمه ﷺ فيمن تزوج امرأة أبيه\rروى الإمام أحمد والنسائي وغيرهما: عن البراء ﵁ قال لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية فقال أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله وذكر ابن أبي خيثمة في \" تاريخه \" من حديث معاوية بن قرة عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه إلى رجل أعرس بامرأة أبيه فضرب عنقه وخمس ماله قال يحيى بن معين: هذا حديث صحيح. وفي \" سنن ابن ماجه \" من حديث ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من وقع على ذات محرم فاقتلوه وذكر الجوزجاني أنه رفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها فقال احبسوه وسلوا من هاهنا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألوا عبد الله بن أبي مطرف ﵁ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول من تخطى حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف، وقد نص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات محرم فقال يقتل ويدخل ماله في بيت المال. وهذا القول هو الصحيح وهو مقتضى حكم رسول الله ﷺ، وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة: حده حد الزاني ثم قال أبو حنيفة إن وطئها بعقد عزر ولا حد عليه وحكم رسول الله ﷺ وقضاؤه أحق وأولى.] زاد المعاد٥/١٤-١٦. وقد اختار هذا القول العلامة الشيخ محمد العثيمين كما في الشرح الممتع ١١/١٢١، ورجحه أيضاً الدكتور عبد الكريم زيدان كما في المفصل في أحكام المرأة ٥/١٣٤.\rإذا تقرر هذا فإن تطبيق العقوبات الشرعية من حق الإمام والدولة المسلمة، وقد غاب في زماننا تطبيق الحدود، فإن الواجب على من زنى بإحدى محارمه أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة يقول الله ﷾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ سورة التحريم الآية ٨. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ سورة الفرقان الآيات ٦٨-٧٠. وقال الله تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ سورة الزمر الآيتان ٥٣ - ٥٤.\rوخلاصة الأمر أن الزنا بالمحارم من كبائر الذنوب وهو من أقبح الزنا على الإطلاق، وعقوبة من يفعل ذلك القتل مطلقاً سواء أكان محصناً أو غير محصن، ونظراً لعدم تطبيق الحدود حالياً فالواجب على من وقع في ذلك أن يستتر وعليه التوبة الصادقة بشروطها، وهذه هي كفارة ذنبه الفظيع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346571,"book_id":3840,"shamela_page_id":951,"part":"17","page_num":6,"sequence_num":951,"body":"٦ - الصلح على أكثر من الدية في القتل العمد\rيقول السائل: قُتل رجلٌ ظلماً وعدواناً وكما تعلمون أن القصاص معطل في وقتنا الحاضر فتصالح أهل المقتول مع جماعة القاتل على دفع أكثر من الدية المقررة شرعاً فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟\rالجواب: لا شك أن حرمة دم المسلم من أعظم الحرمات عند الله ﷾ وقتل النفس المعصومة عمداً من أكبر الكبائر وقد وردت النصوص الكثيرة من كتاب الله ﷿ ومن سنة نبيه محمد ﷺ التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى: ?وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا? سورة الإسراء الآية ٣٣. وقوله تعالى: ?وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا? سورة النساء الآية ٩٣. وقال تعالى: ?وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا? سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٦٩. وثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها ل تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري ١٢/٢٣٣. ٢٣٤. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٤٠. وورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٥٦. وجاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار) وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٢٩.\rوعن عبد الله بن عمر ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٣٠.\rإذا تقرر هذا فقد اتفق أهل العلم على وجوب القصاص في حق القاتل عمداً لقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ سورة البقرة الآية ١٧٨. وجمهور الفقهاء يرون جواز قبول الدية بعد إسقاط حق أولياء القتيل في القصاص وهذا قول الحنابلة وبعض الشافعية وهو رواية عن الإمام مالك وبه قال أهل الظاهر وروي عن جماعة من فقهاء التابعين كسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وعطاء ومجاهد، وهذا أرجح أقوال الفقهاء في المسألة ويدل عليه قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ سورة البقرة، الآية ١٧٨. روى الإمام البخاري عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ قال: فالعفو أن يقبل الدية في العمد] صحيح البخاري مع الفتح ٨/٢٢١. ويدل على ذلك قوله ﷺ: (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يودي وإما أن يقاد) رواه البخاري ومسلم.\rوبناءً على ما سبق فإنه يجوز لأولياء القتيل أن يصلحوا على أكثر من الدية على الراجح من قولي العلماء في المسألة وهو قول جمهور الفقهاء، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [إن من له القصاص له أن يصالح عنه بأكثر من الدية وبقدرها وأقل منها ,، لا أعلم فيه خلافاً] المغني ٨/٣٦٣.\rويدل على ذلك قوله تعالى ﴿ ... فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ سورة البقرة، الآية ١٧٨.\rوورد في الحديث عن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقاً- وهو من يجمع أموال الزكاة - فلاجَّه رجل في صدقته فضربه أبو جهم فشجه فأتوا النبي ﷺ فقالوا: القود يا رسول الله فقال: لكم كذا وكذا فلم يرضوا فقال: لكم كذا وكذا فرضوا فقال: إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم قالوا: نعم فخطب فقال إن هؤلاء الذين أتوني يريدون القود فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا أفرضيتم قالوا: لا فهم المهاجرون بهم فأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا عنهم فكفوا ثم دعاهم فزادهم فقال: أفرضيتم قالوا: نعم قال: إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم قالوا: نعم فخطب فقال: أرضيتم فقالوا: نعم) . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه العلامة الألباني كما في صحيح سنن النسائي ٣/٩٩٠. قال صاحب عون المعبود: [وفي هذا الحديث من الفقه ... وجواز إرضاء المشجوج بأكثر من الدية في الدية إذا طلب المشجوج القصاص] ١٢/١٧٢. ومما يدل على جواز الصلح على أكثر من الدية ما ورد في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ (من قتل عمداً دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة وأربعين خلفة- أي حاملة - وما صولحوا عليه فهو لهم وذلك لتشديد القتل) رواه الترمذي وحسنه ورواه ابن ماجة أيضاً وحسنه العلامة الألباني كما في صحيح سنن الترمذي ٢/٥٤.\rفهذا الحديث يدل على جواز الصلح في الدماء بأكثر من الدية كما قال الشوكاني في نيل الأوطار ٥/٢٩٢.\rوقال الشيخ محمد الشنقيطي [وإن حصل صلح فيجوز أن يصالح على أكثر من الدية وفي هذا قصة هدبة المعروفة أنه قتل رجلاً وكان الرجل المقتول أولياؤه يتامى قاصرون منهم ابن المقتول فانتظر حتى بلغ الإبن حبس هدبة ووقعت الحادثة في زمان معاوية ﵁ فحبس فشفع سعيد بن العاص، وكذلك الحسن والحسين ﵃ شفعوا من أجل أن يسامح ولي المقتول وبذلوا لابن القتيل سبع ديات حتى يسامح وامتنع إلا القتل فقتل به، والشاهد في كون الصحابة بذلوا أكثر من الدية فاجتمع طبعاً دليل السُّنة ودليل الأثر عن الصحابة، وعلى هذا جمهور العلماء ﵏ على أنه يجوز في الصلح عن الديات بأكثر من الدية] عن الإنترنت وقد ذكر الحادثة الشيخ ابن قدامة المقدسي في المغني ٨/٣٦٣.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز تصالح أولياء المقتول مع جماعة القاتل عمداً على أكثر من الدية، وأرى أنه ينبغي التشديد مالياً على القاتل عمداً في زماننا هذا، نظراً لتعطل القصاص لعل ذلك يكون رادعاً للناس عن القتل عمداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346572,"book_id":3840,"shamela_page_id":952,"part":"17","page_num":7,"sequence_num":952,"body":"٧ - حكم اليمين والخمسة المعمول بها في القضاء العشائري\rيقول السائل: ما قولكم فيما يسمى باليمين والخمسة في القضاء العشائري، وهل هو معتبر في شريعتنا الإسلامية، أفيدونا؟\rالجواب: ما يعرف بالقضاء العشائري هو في الحقيقة قضاء بالعرف وهو كما يقول المهتمون به: [مجموعةٌ من القوانين والأعراف المتداولة والمتعارف عليها، والتي تحوي خلاصة تجارب السنين، وما مرَّ به المجتمع البدوي من أمور ومشاكل، تكرَّر حدوثها حتى وجد الناس لها حلولاً رضوا عنها، وصاروا يتعاملون بها حتى ثبتت وأصبحت دستوراً يتعامل به الناس ويسيرون وفق نظامه وتعاليمه. وهذا القانون قابل للتعديل والإضافة، ليتماشى مع كلّ عصر وفق بيئته وظروفه.] عن شبكة الإنترنت.\rولا شك أن للعرف العشائري جوانب إيجابية في المجتمع، حيث يلجأ الناس لرجال العشائر في الحوادث وخاصة حوادث القتل ولهم دور خاص في تهدئة النفوس عند حصول حوادث القتل بأخذ ما يعرف بالعطوة، ولكن هنالك أموراً كثيرة في الأعراف العشائرية مخالفة لشرع الله ﷿ يحرم الحكم بها.\rوأما اليمين بخمسة ويسمى أيضا يمين دين بخمسة وهو عادة وعرف عشائري يلجأ إليه في حال عدم توفير الأدلة التي تدين المتهم، ويطلب من الشخص المتهم وخمسة من حمولته أن يزكوا يمينه بأنه صادق فيما حلف، ويؤخذ يمين دين بخمسة في قضايا العرض وقضايا الدم وقضايا الأرض وفي المعاملات التي تزيد قيمتها عن ألف دينار (ثمن بعير) . [ويقول قضاة العشائر: اليمين بخمسة إما في الرقبة أو في المال الذي يعدل الرقبة والعرض والأرض وكل تهمة قد تصل إلى حدود ذلك فيحق للمدعي أن يطالب بهذه اليمين، ويقوم المدعي باختيار خمسة أشخاص ثقات من أهل الدين من عصبة المتهم نفسه فيأتون عند القاضي العشائري فيقرأ القاضي صيغة القسم على مسمعهم وصيغته: \" والله العظيم الذي ما أعظم منه عظيم إني بريء فيما اتهمت فيه، وأني لا بآلي ولا بأعلم – أي ليس عندي علم ولا دراية - ولا لي هبّة ولا سبّة \" – الهبة والسبة: أني لم أحرض أحداً ولم أتسبب في شيء مما جرى - ثم يقوم الأربعة بالتتالي فيقول كل واحد منهم: وأنا أشهد بالله العظيم أنه صادق فيما قال. فإذا حلف المتهم وزكى له الأربعة فعندها تنتهي القضية بالنسبة للمتهم أما إذا تراجع واحد منهم عن اليمين أو رفض الحلف أصلاً فيكون المته قد وقع في الحرج وخسر القضية] القضاء العشائري في بئر السبع ص ١٢٧ بتصرف. ويجب أن يعلم أولاً أن العرف له اعتبار في الشرع كما هو مذهب كثير من العلماء، قال العلامة ابن عابدين الحنفي في منظومته:\rوالعرف له اعتبار فلذا الحكم عليه قد يدار\rانظر نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف في الجزء الثاني من رسائل العلامة ابن عابدين ص١١٢.\rولكن لا يعتبر العُرف في الشرع إلا بشروط هي: الشرط الأول: أن يكون العرف عاماً أو غالباً.\rالشرط الثاني: أن يكون العرف مطرداً أو أكثرياً.\rالشرط الثالث: أن يكون العرف موجوداً عند إنشاء التصرف.\rالشرط الرابع: أن يكون العرف ملزماً؛ أي: يتحتم العمل بمقتضاه في نظر الناس.\rالشرط الخامس: أن يكون العرف غير مخالف لدليل معتمد.\rالشرط السادس: أن يكون العرف غير معارض بعُرف آخر في نفس البلد.\rفإذا توفرت هذه الشروط فإن العرف حجة ... ] الجامع في أصول الفقه\rإذا تقرر هذا فإن اليمين والخمسة وسيلة محرمة في شرعنا ولا يجوز التعامل معها لمخالفتها أدلة الشرع المعتبرة بشكل عام، وليست من طرق الإثبات المعتبرة في القضاء الشرعي لما يلي:\rأولاً: من المعلوم عند العلماء أنه إذا تعذر على المدعي تقديم بينة بدعواه فإن اليمين تتوجه للمدعى عليه لما ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجال أموال قوم ودمائهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) رواه البيهقي وأصله في الصحيحين وهو حديث حسن. والذي يطالب بالحلف هو الشخص المدعى عليه ولا يجوز لأحد أن يحلف نيابة عنه، ولا تزر وازرة وزر أخرى. ويدل على ذلك أيضا ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ (أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فسأل النبي ﷺ الطالب، البينة فلم تكن له بينة فاستحلف المطلوب فحلف بالله الذي لا إله إلا هو فقال رسول الله ﷺ بلى قد فعلت ولكن قد غفر لك بإخلاص قول لا إله إلا الله) رواه أحمد وأبو داود، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٣١.\rثانياً: إذا نكل واحد من الخمسة عن اليمين لأي سبب من الأسباب فإن التهمة تثبت على المدعى عليه، وهذا ظلم واضح وإدانة للمتهم بدون حجة ولا برهان.\rثالثاً: إذا حلف الخمسة وهم لم يحضروا الحادثة فشهادتهم شهادة زور وهي من كبائر الذنوب، قال الله تعالى ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ سورة الحج الآية ٣٠. وقد ثبت في الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً، الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور أو قول الزور، وكان رسول الله متكئاً فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا يا ليته سكت) رواه البخاري ومسلم.\rوخلاصة الأمر أن اليمين والخمسة المستعملة في الإثبات في الأعراف العشائرية وسيلة باطلة شرعاً، ويحرم استخدامها ويمكن تعديلها فيحلف الخمسة أنهم مثلاً ما علموا على المتهم أنه قام بما اتهم به ونحو ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346573,"book_id":3840,"shamela_page_id":953,"part":"17","page_num":8,"sequence_num":953,"body":"٨ - عاقلة المرأة\rيقول السائل: دهست امرأة شخصاً عن طريق الخطأ فمات وألزمت المرأة بالدية فهل زوج المرأة ملزم بتحمل الدية، أفيدونا؟\rالجواب: اتفق أهل العلم على أن موجب القتل الخطأ أمران: أولهما الدية والثاني الكفارة ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ سورة النساء الآية ٩٢. والدية الشرعية تقدر بألف دينار ذهبي وتساوي في أيامنا هذه أربعة آلاف ومئتان وخمسون غراماً من الذهب عيار ٢٤ قيراطاً، وأما الكفارة فهي صيام شهرين متتابعين نظراً لفقدان الرقاب في أيامنا هذه، حيث إن كفارة القتل على الترتيب وليست على التخيير.\rواتفق العلماء على أن الدية في القتل الخطأ تكون على عاقلة القاتل، وأصل ذلك ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضى أن دية المرأة على عاقلتها) رواه البخاري، وفي رواية عند مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم فقال حمل بن النابغة الهذلي يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل فقال رسول الله ﷺ: إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع) . والعاقلة هم العصبة، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [العاقلة: من يحمل العقل. والعقل: الدية، تسمى عقلاً؛ لأنها تعقل لسان ولي المقتول. وقيل: إنما سميت العاقلة، لأنهم يمنعون عن القاتل ... ولا خلاف بين أهل العل في أن العاقلة العصبات، وأن غيرهم من الإخوة من الأم، وسائر ذوي الأرحام، والزوج، وكل من عدا العصبات، ليس هم من العاقلة] المغني ٨/٣٩٠.\rويدخل في العاقلة أب القاتل وجده لأبيه وأبناؤه، وإخوته وأبناؤهم، وعمومته وأبناؤهم، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، انظر المغني ٨/٣٩٠- ٣٩١. وبما أن المرأة المذكورة في السؤال قد قتلت المدهوس خطأً، فالدية على عاقلتها، وقد ورد في إحدى روايات حديث أبي هريرة ﵁ السابق قال (قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضى لها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها) رواه البخاري. ولا يدخل في العصبة زوج المرأة ولا ابنها إلا إذا كانا من عصبتها كالمرأة المتزوجة من ابن عمها فزوجها وأولادها حينئذ من عصبتها، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ ... قال ابن بطال: يريد أن ولد المرأة إذا لم يكن من عصبتها لا يعقل عنها لأن العقل على العصبة دون ذوي الأرحام ولذلك لا يعقل الإخوة من الأم، قال: ومقتضى الخبر أن من يرثها لا يعقل عنها إذا لم يكن من عصبتها، وهو متفق عليه بين العلماء كما قاله ابن المنذر] فتح الباري ١٢/٣١٥. [وتقسم الدية على الأقرب فالأقرب، فتقسم على الإخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم، ثم أعمام الأب وبنيهم، ثم أعمام الجد وبنيهم] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٩/٢٢٢.\rويجب أن يعلم أن دية القتل الخطأ تؤدى مقسطة على ثلاث سنوات، قال الإمام الترمذي [وقد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين في كل سنة ثلث] ، قال المباركفوري في شرحه: [قوله: (وقد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلات سنين) روى ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي قال: أول من فرض العطاء عمر وفرض فيه الدية كاملة في ثلاث سنين، ثلثا الدية في سنتين، والنصف في سنتين، والثلث في سنة، وما دون ذلك في عامه. وأخرجه عبد الرزاق من طريق عن عمر كذا في الدراية. ولفظ عبد الرزاق في طريق أن عمر بن الخطاب جعل الدية الكاملة في ثلاث سنين، وجعل نصف الدية في سنتين، وما دون النصف في سنة. ولفظه في طريق أخرى: إن عمر جعل الدية في الأعطية في ثلات سنين، والنصف والثلثين في سنتين، والثلث في سنة، وما دون الثلث فهو في عامه، ولفظه في رواية أخرى وقضى بالدية في ثلاث سنين وفي كل سنة ثلث على أهل الديوان في أعطياتهم. وقضى بالثلثين في سنتين، وثلاث في سنة وما كان أقل من الثلث فهو في عامه ذلك.] تحفة الأحوذي ٨/٥٣٦. وذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي أنه لا خلاف بين العلماء في أن الدية مؤجلة في ثلاث سنين. فإن عمر وعلياً ﵄ جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين، ولا يعرف لهما في الصحابة مخالف. انظر المغني ٨/٣٧٥.\rولا بد من التنبيه إلى أنه إذا أخذت الدية من شركات التأمين فلا يجوز أخذها من العاقلة. وقد بحث مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي موضوع العاقلة وتطبيقاتها المعاصرة في تحمل الدية وذلك في دورته السادسة عشرة بدولة الإمارات العربية المتحدة في شهر صفر ١٤٢٦هـ الموافق نيسان٢٠٠٥م، وبعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت، قرر ما يأتي: أولاً: تعريف العاقلة: هي الجهة التي تتحمل دفع الدية عن الجاني في غير القتل العمد دون أن يكون لها حق الرجوع على الجاني بما أدته. وهي العصبة في أصل تشريعها، وأهل ديوانه الذين بينهم النصرة والتضامن. ثانياً: ما لا تتحمله العاقلة: العاقلة لا تتحمل ما وجب من الديات عمداً ولا صلحاً ولا اعترافاً. ثالثاً: التطبيقات المعاصرة: عند عدم وجود العشيرة أو العصبة التي تتحمل الدية، فإنه يجوز أن ينوب عنها عند الحاجة، بناءً على أن الأساس للعاقلة هو التناصر والتضامن، ما يلي: (أ) التأمين الإسلامي (التعاوني أو التكافلي) الذي ينص نظامه على تحمل الديات بين المستأمنين. (ب) النقابات والاتحادات التي تقام بين أصحاب المهنة الواحدة، وذلك إذا تضمن نظامها الأساسي تحقيق التعاون في تحمل المغارم. (ج) الصناديق الخاصة التي يكونها العاملون بالجهات الحكومية والعامة والخاصة لتحقيق التكافل والتعاون بينهم. رابعاً: التوصيات: • يوصي مجمع الفقه الإسلامي مختلف الحكومات والدول الإسلامية بأن تضع في تشريعاتها نصوصاً تضمن عدم ضياع الديات، لأنه لا يُطَلَّ (لا يُهدر) دم في الإسلام. • على الجهات ذات العلاقة العمل على إشاعة روح التعاون والتكافل في مختلف أفراد الجماعة والتجمعات التي تربط بيني أعضائها رابطة اجتماعية. ويتحقق ذلك بالآتي: - (أ) تضمين اللوائح والتنظيمات المختلفة مبدأ تحمل الديات. (ب) قيام شركات التأمين الإسلامية في مختلف دول العالم الإسلامي بعمل وثائق تشمل تغطية الحوادث ودفع الديات بشروط ميسرة وأقساط مناسبة. (ج) مبادرة الدول الإسلامية إلى تضمين بيت المال (الخزانة العامة) مهمة تغطية الديات عند فقد العاقلة، وذلك لتحقيق الأغراض الاجتماعية التي تناط ببيت المال – ومنها تحمل الديات – بالإضافة إلى دوره الاقتصادي. (د) دعوة الأقليات الإسلامية في مختلف مناطق العالم إلى إقامة تنظيمات تحقق التعاون والتكافل الاجتماعي فيما بينهم، والنص صراحة على تغطية تعويضات حوادث القتل وفقاً للنظام الشرعي. (هـ) توجيه رسائل إلى الحكومات والهيئات والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية لتفعيل أعمال البر والإحسان، ومنها الزكاة والوقف والوصايا والتبرعات كي تسهم في تحمل الديات الناتجة عن القتل الخطأ.] وخلاصة الأمر أن على المرأة المذكورة في السؤال صيام شهرين متتابعين وذلك كفارة القتل الخطأ الذي وقع منها، وتلزم الدية عاقلتها وهم عصبتها كما وضحت سابقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346574,"book_id":3840,"shamela_page_id":954,"part":"17","page_num":9,"sequence_num":954,"body":"٩ - دية المرأة الحامل\rيقول السائل: توفيت امرأة في حادث سير وكانت حاملاً في الشهر السادس وكان الخطأ من السائق حسب تقرير شرطة السير، فما هي الدية اللازمة شرعاً في هذه الحالة أفيدونا؟\rالجواب: إذا كان حادث السير المذكور في السؤال قد وقع بسبب خطأ السائق فإن الواجب في ذلك شرعاً ديتان دية بسبب وفاة المرأة ودية لوفاة جنينها يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ سورة النساء الآية ٩٢.\rوبما أن السائق قد قتل المرأة وجنينها خطأً فيلزمه أيضاً دية الجنين وهي المعروفة عند الفقهاء بالغرة وهي: اسم للضمان المالي الذي يجب بالجناية على الجنين، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرح جنينها فقضى فيه النبي ﷺ بغرة عبدٍ أو أمةٍ) رواه البخاري ومسلم.\rوعن عمر ﵁ أنه استثارهم - أي الصحابة - في إملاص المرأة فقال المغيرة ﵁: (قضى النبي ﷺ بالغرة عبد أو أمة فشهد محمد بن مسلمة ﵁ أنه شهد النبي ﷺ قضى به) رواه البخاري ومسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبدٍ أو وليدةٍ وقضى بدية المرأة على عاقلتها) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. قال الحافظ ابن حجر: [والغرة في الأصل البياض يكون في جبهة الفرس ... وتطلق الغرة على الشيء النفيس آدمياً كان أو غيره] فتح الباري ١٥/٢٧٣. أي أن الواجب في قتل الجنين عبد أو أمة ولما كان لا يوجد في زماننا هذا رقيق فإن قيمة ذلك عشر دية المرأة أي خمس من الإبل.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ ... في جنين الحرة المسلمة غرة. وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب ﵁ وعطاء، والشعبي، والنخعي، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقد روي عن عمر ﵁ أنه استشار الناس في إملاص – سقوط الجنين بسبب ضرب أمه - المرأة، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبدٍ أو أمةٍ. قال: لتأتين بمن يشهد معك. فشهد له محمد بن مسلمة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم) . متفق عليه] المغني ٨/٤٠٤.\rإذا تقرر لزوم ديتين في هذه الحادثة فإن دية المرأة على النصف من دية الرجل عند جماهير أهل العلم والقول بخلاف ذلك قول شاذ لايعول عليه ولا يلتفت إليه، قال الحافظ ابن عبد البر: [أجمعوا على أن دية المرأة نصف دية الرجل] الاستذكار ٢٥/٦٣. وقال الإمام القرطبي: [وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل قال أبو عمر - يعني ابن عبد البر -: إنما صارت ديتها والله أعلم على النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصف ميراث الرجل وشهادة امرأتين بشهادة رجل وهذا إنما هو في دية الخطأ وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء لقوله ﷿: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ... الخ] تفسير القرطبي ٥/٣٢٥.\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي معلقاً على قول الخرقي: [ودية الحرة المسلمة نصف دية الحر المسلم. قال ابن المنذر وابن عبد البر أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل] المغني ٨/٤٠٢. وهذا قول الأئمة الأربعة وأتباعهم وعلماء السلف والخلف ونقل عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت ﵃ ولا يعرف لهم مخالف فصار إجماعاً، الحاوي الكبير ١٢/٢٨٩.\rوقد شذّ الأصم وابن علية فقالا دية المرأة كدية الرجل وتابعهما على ذلك بعض المعاصرين كالمالكي في نظام العقوبات ص ١٢١، والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في بحث له بعنوان (دية المرأة في الشريعة الإسلامية) انظر موقع القرضاوي على شبكة الإنترنت، وقولهما مخالف لما استقر عليه عمل علماء الأمة على مر العصور والأيام.\rومما يدل على قول جماهير أهل العلم ما رواه الشافعي وغيره عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قوَّم دية الحرة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم فإذا كان الذي أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل ودية الأعرابية إذا أصابها الأعرابي خمسون من الإبل] رواه الشافعي في الأم ٦/٩١-٩٢ والبيهقي في السنن ٨/٩٥.\rوقد ذكر عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عدة روايات عن الصحابة تفيد أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، انظر مصنف عبد الرزاق ٩/٣٩٣-٣٩٧، مصنف ابن أبي شيبة ٩/٢٩٩-٣٠٢، سنن البيهقي ٨/٩٥-٩٦.\rوروى ابن أبي شيبة بإسناده عن شريح القاضي عن عمر ﵁ قال: [ ... دية المرأة على النصف من دية الرجل] مصنف ابن أبي شيبة ٩/٣٠٠، وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح. إرواء الغليل ٧/٣٠٧.\rوقد رويت بعض الأحاديث عن النبي ﷺ في ذلك ولكنها غير ثابتة ولكن ثبوت تنصيف دية المرأة عن عدد من الصحابة ونقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك يكفي في إثبات هذا الحكم لأن مثل هذا الأمر لا يعرف إلا توقيفاً لأنه من المقدرات التي لا مجال للعقل فيها فيكون له حكم الرفع إلى النبي ﷺ وخاصة أن عدداً كبيراً من الفقهاء والأئمة قالوا بذلك كسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري وعطاء ومكحول والليث وابن شبرمة وهو قول الأئمة الأربعة كما سبق. انظر فقه عمر في الجنايات ٢/٤٧٤، فتح باب العناية ٣/٣٤٨. وتقدر الدية في بلادنا بالذهب فالدية الكاملة وهي دية الرجل ٤٢٥٠ غرام ذهب ونصفها دية المرأة أي ٢١٢٥ غرام ذهب ودية الجنين عشر ذلك أي ٢١٢,٥ غرام ذهب. كما ويلزم السائق المذكور في السؤال كفارة القتل الخطأ وهي الواردة في قوله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٩٢. وبما أنه يتعذر في زماننا عتق رقبة فعليه صيام شهرين متتابعين. كما يجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة. وتجب الديتان المذكورتان في الجواب على عاقلة السائق لما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضي بدية المرأة على عاقلتها) رواه البخاري ومسلم.\rوخلاصة الأمر أنه يلزم السائق المذكور ديتان دية لقتل المرأة خطاً ودية لقتل الجنين أيضأ كما ويلزمه صيام شهرين متتابعين كفارة القتل الخطأ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346575,"book_id":3840,"shamela_page_id":955,"part":"17","page_num":10,"sequence_num":955,"body":"١٠ - موت الرضيع بسبب أمه\rيقول السائل: امرأة أرضعت طفلها ونامت أثناء الرضاعة وفي الصباح تبين أن الطفل قد مات مختنقاً بالغطاء حيث وجد على وجهه فماذا يلزم المرأة أفيدونا؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن جمهور الفقهاء قد قسموا القتل إلى ثلاثة أقسام وهي: العمد وشبه العمد والخطأ\rومنهم من جعله على أربعة أقسام: وهي العمد وشبه العمد والخطأ وما أجري مجرى الخطأ كفقهاء الحنفية وبعض الحنابلة\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي في شرح قول الخرقي [والقتل على ثلاثة أوجه عمد وشبه العمد وخطأ]\rقال [أكثر أهل العلم يرون القتل منقسماً إلى هذه الأقسام الثلاثة , روي ذلك عن عمر وعلي وبه قال الشعبي والنخعي , وقتادة وحماد وأهل العراق , والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وأنكر مالك شبه العمد , وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا وجعله من قسم العمد وحكي عنه مثل قول الجماعة وهو الصواب لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص , أن رسول الله ﷺ قال: (ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل , منها أربعون في بطونها أولادها) رواه أبو داود وفي لفظ: \" قتيل خطإ العمد \" وهذا نص يقدم على ما ذكره\rوقسمه أبو الخطاب أربعة أقسام فزاد قسماً رابعاً وهو ما أجري مجرى الخطأ , نحو أن ينقلب نائم على شخص فيقتله أو يقع عليه من علو والقتل بالسبب , كحفر البئر ونصب السكين وقتل غير المكلف أجري مجرى الخطأ وإن كان عمداً\rوهذه الصورة التي ذكرها عند الأكثرين من قسم الخطأ , فإن صاحبها لم يعمد الفعل أو عمده وليس هو من أهل القصد الصحيح فسموه خطأ , فأعطوه حكمه وقد صرح الخرقي بذلك فقال في الصبى والمجنون: عمدهما خطأ.] المغني ٨/٢٦٠.\rإذا تقرر هذا فإن كان موت الطفل بسبب تقصير من أمه حيث إنها نامت أثناء إرضاع الولد ولم تضعه في محل نومه المعتاد مما أدى إلى وفاته مختنقاً بالغطاء فتعتبر هذه المرأة متسببة في قتل طفلها ويجري هذا القتل مجرى القتل الخطأ فتلزمها الدية والكفارة قال الكاساني الحنفي [وأما القتل الذي هو في معنى القتل الخطأ فنوعان: نوع في معناه من كل وجه، وهو أن يكون على طريق المباشرة، ونوع هو في معناه من وجه، وهو أن يكون من طريق التسبب، أما الأول: فنحو النائم ينقلب على إنسان فيقتله فهذا القتل في معنى القتل الخطأ من كل وجه لوجوده لا عن قصد؛ لأنه مات بثقله فترتب عليه أحكامه من وجوب الكفارة والدية وحرمان الميراث والوصية؛ لأنه إذا كان في معناه من كل وجه كان ورود الشرع بهذه الأحكام هناك وروداً ههنا دلالة ... أما وجوب الدية فلوجود معنى الخطأ، وهو عدم القصد وأما وجوب الكفارة وحرمان الميراث والوصية فلوجود القتل مباشرة؛ لأنه مات بثقله ... ] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٦/ ٣٣٠.\rوقال الشيخ ابن حزم الظاهري: [مسألة: في امرأة نامت بقرب ابنها أو غيره فوجد ميتاً، قال علي- أي ابن حزم - أخبرنا ... عن إبراهيم النخعي في امرأة شربت دواء فألقت ولدها قال: تكفر. وقال في امرأة أنامت صبيها إلى جنبها فطرحت عليه ثوباً فأصبحت وقد مات؟ قال: أحب إلينا أن تكفر. حدثنا ... عن إبراهيم أنه قال في امرأة غطت وجه صبي لها فمات في نومه؟ فقال: تعتق رقبة. قال أبو محمد - أي ابن حزم -: إن مات من فعلها مثل - أن تجر اللحاف على وجهه ثم ينام فينقلب فيموت غماً، أو وقع ذراعها على فمه، أو وقع ثديها على فمه، أو رقدت عليه - وهي لا تشعر - فلا شك أنها قاتلته خطأً فعليها الكفارة، وعلى عاقلتها الدية، أو على بيت المال ... ] المحلى ١١/١١٥-١١٦.\rوبناءً على ما سبق يلزم هذه المرأة أحكام القتل الخطأ وهي: أولاً: وجوب الدية لقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ سورة النساء الآية ٩٢.\rوتدفع الدية لورثة الطفل الميت وتحرم الأم منها لأنها قتلته والقتل أحد موانع الميراث وكونها قتلته خطأً لا ينفي حرمانها من الميراث وهو الذي عليه جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والفقهاء على أن القاتل خطأً لا يرث من مال المقتول ولا من ديته وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.\rقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [أجمع أهل العلم على أن قاتل العمد لا يرث من المقتول شيئاً ... فأما القاتل خطأً فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يرث أيضاً، نص عليه أحمد، ويروى ذلك عن عمر، وعلي وزيد وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، وروي نحوه عن أبي بكر ﵃. وبه قال شريح وعروة وطاووس وجابر بن زيد والنخعي والشعبي والثوري وشريك والحسن بن صالح ووكيع والشافعي ويحيى بن آدم وأصحاب الرأي وورثه قوم من المال دون الدية، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وعمرو بن شعيب وعطاء والحسن ومجاهد والزهري ومكحول والأوزاعي وابن أبي ذئب وأبي ثور، وابن المنذر وداود، وروي نحوه عن علي لأن ميراثه ثابت بالكتاب، والسنة تخصص قاتل العمد بالإجماع، فوجب البقاء على الظاهر فيما سواه. ولنا: الأحاديث المذكورة ولأن من لا يرث من الدية لا يرث من غيرها، كقاتل العمد، والمخالف في الدين، والعمومات مخصصة بما ذكرناه] المغني ٦/٣٦٤-٣٦٥. وتكون الدية على عاقلة المرأة وهم عصبتها.\rثانياً: تلزمها كفارة القتل الخطأ وهي عتق رقبة مؤمنة إن وجدت وإلا فإن عليها صيام شهرين متتابعين لقوله تعالى ﴿فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٩٢. فإذا لم تستطع صيام شهرين متتابعين لعذر أبدي كمرض مزمن مثلاً فإنها تطعم ستين مسكيناً كما ذهب إليه جماعة من أهل العلم ومن المعلوم أن الفقهاء قد اختلفوا حال عجز المكفر عن الصيام على قولين الأول [وهو مذهب الجمهور أنه لا إطعام عليه، لأن الله جل وعلا لم يذكر في كفارة القتل إلا العتق والصيام، ولو كان ثمة إطعام لذكره.\rوالثاني: وهو قول عند الشافعية وهو أنه عليه الإطعام قياساً على غيره ككفارة الظهار والصوم، ولعل الصواب في المسألة هو التفصيل بين من عجز عن الصيام عجزاً أبدياً ومن كان عاجزاً عجزاً مؤقتاً، فالعاجز عجزاً أبدياً يطعم، والعاجز عجزاً مؤقتاً ينتظر القدرة على الصيام، ومما يؤيد هذا المنحى أنه جارٍ على القياس على العجز عن صوم رمضان، فمن المعلوم أنه إن كان عاجزاً عجزا مؤقتاً، فالواجب عليه إنما هو القضاء، وإن كان عاجزاً عجزاً أبدياً فالواجب عليه إطعام مسكين عن كل يوم، وإنما قسنا صوم القتل على صوم رمضان لأن كلاً منهما مستقر في الذمة على وجه الوجوب وجوباً متعيناً، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار أن وجود الرقبة أصبح متعذراً تعذراً شديداً، إن لم يكن مستحيلاً.] نقلاً عن موقع الشبكة الإسلامية على الإنترنت.\rويجب أن يعلم أن الدية تسقط عن هذه المرأة إذا عفا أولياء الطفل أما الكفارة فلا تسقط بعفو الأولياء لأنها حق لله تعالى قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى ﴿ ... وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ سورة النساء الآية ٩٢. [ ... يعني إلا أن يبرئ الأولياء ورثة المقتول القاتلين مما أوجب لهم من الدية عليهم ... وأما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم؛ لأنه أتلف شخصاً في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يخلص آخر لعبادة ربه وإنما تسقط الدية التي هي حق لهم.] تفسير القرطبي ٥/٣٢٣.\rوخلاصة الأمر أن المرأة المذكورة في السؤال قتلت ابنها خطأً وأنه يلزما الدية والكفارة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346576,"book_id":3840,"shamela_page_id":956,"part":"17","page_num":11,"sequence_num":956,"body":"١١ - حرمة دم المسلم\rيقول السائل: هل صحيح أن حرمة دم المسلم أعظم عند الله من هدم الكعبة المشرفة؟ وما صحة الحديث الوارد بهذا المعنى؟\rالجواب: لا شك أن حرمة دم المسلم من أعظم الحرمات عند الله ﷾ وقتل النفس المعصومة من أكبر الكبائر وقد وردت النصوص الكثيرة من كتاب الله ﷿ ومن سنة نبيه محمد ﷺ التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً﴾ سورة الإسراء الآية ٣٣.\rوقوله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً﴾ سورة النساء الآية ٩٣.\rوقال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٦٩.\rوثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري.\rوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم.\rوعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره , والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري ١٢/٢٣٣.\rوروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله (إن من ورطات) بفتح الواو والراء, وحكى ابن مالك أنه قيد في الرواية بسكون الراء والصواب التحريك وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك يقال وقع فلان في ورطة أي في شيء لا ينجو منه, وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها. قوله (سفك الدم) أي إراقته والمراد به القتل بأي صفة كان, لكن لما كان الأصل إراقة الدم عبر به. قوله (بغير حله) في رواية أبي نعيم \" بغير حقه \" وهو موافق للفظ الآية, وهل الموقوف على ابن عمر منتزع من المرفوع فكأن ابن عمر فهم من كون القاتل لا يكون في فسحه أنه ورط نفسه فأهلكها] فتح الباري ١٢/٢٣٣-٢٣٤.\rوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم.\rوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم.\rوعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٤٠. وغير ذلك من النصوص التي تدل على عظمة النفس المعصومة.\rإذا تقرر هذا فإن حرمة دم المسلم حرمة عظيمة ويكفي ما ورد من ترهيب مخيف في سفك دم المسلم بغير حق ولا شك أن حرمة دم المسلم مقدمة على حرمة الكعبة المشرفة، بل حرمة دم المسلم أعظم عند الله ﷿ من زوال الدنيا فقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٥٦.\rوجاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار) وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٢٩.\rوعن عبد الله بن عمر ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٣٠.\rونظر ابن عمر ﵁ يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) رواه الترمذي.\rوأما الحديث الذي أشار إليه السائل وهو (لهدم الكعبة حجراً حجراً أهون من قتل المسلم)\rفقد ذكره الشيخ العجلوني في كشف الخفاء وقال [قال في المقاصد - أي السخاوي - لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولكن معناه عند الطبراني في الصغير عن أنس رفعه (من آذى مسلماً بغير حق فكأنما هدم بيت الله) ونحوه عن غير واحد من الصحابة أنه ﷺ نظر إلى الكعبة فقال لقد شرفك الله وكرمك وعظمك والمؤمن أعظم حرمة منك] كشف الخفاء ومزيل الإلباس حديث رقم ٢٠٨٦.\rوخلاصة الأمر أن قتل المسلم بغير حق من كبائر الذنوب وأن حرمة دم المسلم أعظم عند الله ﷿ من هدم الكعبة المشرفة بل إن زوال الدنيا أهون عند الله من قتل المسلم بغير حق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346577,"book_id":3840,"shamela_page_id":957,"part":"17","page_num":12,"sequence_num":957,"body":"١٢ - لا يملك ولي الأطفال أو وصيهم التنازل عن دية والدهم\r\rقول السائل: قُتل شخصٌ خطأً في حادث شجار وترك خمسة أطفال وزوجة، وعند إقامة مراسم الصلح مع عائلة القاتل قام عم الصغار وأعلن تنازل عائلة المقتول عن الدية إكراماً لله ورسوله ﷺ، فما الحكم الشرعي في التنازل عن الدية، أفيدونا؟\r\rالجواب: اتفق أهل العلم على أن موجب القتل الخطأ أمران: أولهما الدية والثاني الكفارة ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) سورة النساء الآية ٩٢. والدية الشرعية تقدر بألف دينار ذهبي وتساوي في أيامنا هذه أربعة آلاف ومئتان وخمسون غراماً من الذهب، وأما الكفارة فهي صيام شهرين متتابعين نظراً لفقدان الرقاب في أيامنا هذه، حيث إن كفارة القتل على الترتيب وليست على التخيير. ويجب أن يعلم أن الدية حق لجميع ورثة المقتول، ويجري عليها ما يجري على التركة، فتوزع دية المقتول على ورثته، فالدية موروثة كسائر الأموال التي كان يملكها القتيل حال حياته، يرثه فيها ورثته حسب نصيبهم الشرعي. فقد ورد عن سعيد بن المسيب أن عمر ﵁ كان يقول: [الدية على العاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله ﷺ كتب إليه أن ورّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها] رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الإمام الترمذي: [هذا حديث حسنٌ صحيحٌ والعمل على هذا عند أهل العلم] وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٦١. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ: (قضى أن العقل - أي الدية - ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٩٨. وعن جابر ﵁ قال: (جعل رسول الله ﷺ الدية على عاقلة القاتلة فقالت عاقلة المقتولة: يا رسول الله ميراثها لنا. قال: لا. ميراثها لزوجها وولدها) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٩٩. فهذه الأحاديث تدل على أن الدية موروثة كسائر الأموال، قال الإمام البغوي بعد أن ذكر حديث توريث امرأة أشيم الضبابي من ديته: [وفيه دليل على أن الدية تجب للمقتول ثم تنتقل منه إلى ورثته كسائر أملاكه وهذا قول أكثر أهل العلم] شرح السنة ٨/٣٧٢. إذا تقرر هذا فإن الولي أو الوصي أو كبير العائلة أو مختارها أو شيخ القبيلة أو غيرهم لا يملكون التنازل عن حقوق الصغار في دية أبيهم المقتول، وهذا التنازل باطلٌ شرعاً، لأن الصغير نفسه وهو صاحب الحق لا يملك هذا التصرف شرعاً، حتى لو أجازه وليه أو وصيه، وكذلك الولي أو الوصي لا يملكان هذا الحق ابتداءً، ورد في الموسوعة الفقهية: [ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه ليس للوصي أن يتبرع بمال الصغير سواء أكان بالصدقة أم بالهبة بغير عوض أم بالمحاباة، لأن التبرع بمال الصغير لا حظ له فيه، وأنه ينافي مقصود الوصاية من الحفاظ على المال وتنميته والتصرف بما فيه نفعٌ يعود على الصغير، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ فقد نهى عن قربان مال اليتيم إلا بما فيه مصلحة له، والتبرع بالمال لا مصلحة لليتيم فيه، بل هو تصرفٌ في ماله على غير الوجه الذي أمر الله به، فيكون ممنوعاً ومنهياً عنه، ولقوله ﵊: (لا ضرر ولا ضرار) - رواه أحمد وابن ماجة والطبراني وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠ -، ولقوله ﵊: (ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه) - رواه أحمد والحاكم وقال العلامة الألباني حديث حسن، كما في صحيح الترغيب والترهيب ١/١٥٢- والإضرار بالصغير ليس من المرحمة في شيء، فليس له أن يهب مال الصغير من غيره بغير عوض، لأنه إزالة ملكه من غير عوض فكان ضرراً محضاً، وليس له أن يتصدق بماله ولا أن يوصي به، لأن التصدق والوصية إزالة الملك من غير عوض مالي فكان ضرراً فلا يملكه] الموسوعة الفقهية الكويتية ٤٣/١٩٨- ١٩٨. وجاء أيضاً في الموسوعة الفقهية في بيان حكم عقود الوصي وتصرفاته: [القاعدة العامة في عقود الوصي وتصرفاته: أن الوصي مقيد في تصرفه بالنظر والمصلحة لمن في وصايته، وعلى هذا لا يكون للوصي سلطة مباشرة التصرفات الضارة ضرراً محضاً كالهبة، أو التصدق، أو البيع والشراء بغبن فاحش، فإذا باشر الوصي تصرفاً من هذه التصرفات كان تصرفه باطلاً، لا يقبل الإجازة من أحد، ويكون له سلطة مباشرة التصرفات النافعة نفعاً محضاً، كقبول الهبة والصدقة والوصية والوقف، والكفالة للمال. ومثل هذا: التصرفات الدائرة بين النفع والضرر كالبيع والشراء والإجارة والاستئجار والقسمة والشركة، فإن للوصي أن يباشرها، إلا إذا ترتب عليها ضررٌ ظاهر، فإنها لا تكون صحيحة ... ولا يجوز للوصي باتفاق الفقهاء أن يهب شيئاً من مال الصغير ومنْ في حكمه، ولا أن يتصدق، ولا أن يوصي بشيء منه، لأنها من التصرفات الضارة ضرراً محضاً، فلا يملكها الوصي، ولا الولي ولو كان أباً. وكذلك لا يجوز له أن يقرض مال الصغير ونحوه لغيره، ولا أن يقترضه لنفسه، لما في إقراضه من تعطيل المال عن الاستثمار، والوصي مأمور بتنميته بقدر الإمكان.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٧/٢١٣، ٢١٥. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا وجب القصاص لصغير لم يجز لوليه العفو إلى غير مال، لأنه لا يملك إسقاط حقه] المغني ٩/٤٧٦. وقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز في جواب السؤال التالي: [حصل حادثٌ على رجل، وعلى إثر ذلك انتقل الرجل إلى رحمة الله، تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته، وقد حصل الحادث على الرجل من خلف سيارته التي يقودها، وبمناسبة أن الرجل المتوفى له أولاد وأعتقد أنهم قُصَّر، وقد حصلت محاورة بين أقربائه البعض منهم يرغب التنازل عن الرجل الذي صدم الرجل المتوفى من الخلف، والبعض منهم يرغبون دية يضعونها ويصرفون منها على الأولاد، والبعض منهم يقولون نبني له مسجداً ونحفر له بئراً بأرض فلاة ويكون الأجر له والبعض يقولون نأخذ الدية ونتصدق بها إذا حكم بها شرعاً، ويكون الأجر للمتوفى، وجهونا حول أحسن الطرق، هل هو العفو أو ما ذكرنا؟ الجواب: إذا كان المتوفى له أولاد صغار، أو أولاد مجانين، أو غير مرشدين، لم يجز العفو، بل يجب على وليهم أن يأخذ الدية، ويحفظها لهم ويصرفها في مصالحهم، ولا يجوز العفو لوليهم عن الدية، أما إذا كان الورثة مرشدين ليس فيهم قاصر، وأحبوا أن يسمحوا، فلا حرج عليهم، أو أحبوا أن يضعوها في تعمير مسجد، أو في حفر بئر بفلاة مع المسلمين، أو في صدقة على الفقراء، أو مساعدة المجاهدين كل هذا لا بأس به، هم أحرار؛ لأنهم مرشدون يتصرفون كيف شاءوا، والأولى أن يأخذوها، لا يسمحوا بها للصادم، حتى لا يتساهل الناس في الصدم والتعدي على الناس، الذي ينبغي أن يأخذوا الدية، ثم يتصرفوا فيما يرون إذا كانوا مرشدين، إما توزعوها بينهم، ويتصرفوا بها، وإما صرفوها في جهة بر كتعمير مسجد، أو صدقة على الفقراء، أو صرفها للمجاهدين في سبيل الله، أو نحو ذلك، أما إذا كانوا غير مرشدين، أو فيهم من هو ليس مرشد، فلا يجوز لولي القاصر أن يسمح في شيء منها، سواء كان القاصر صغيراً، أو معتوهاً، أو مجنوناً، أو سفيهاً، ليس لوليه أن يسمح، بل يجب أن يأخذ حقه من الدية ويحفظها للقاصر، حتى ينفق عليه منه، أو يصرفها في مصالحه كتعمير عقاره، وغير ذلك.] موقع الشيخ على شبكة الإنترنت. ويضاف إلى ما سبق أن تنازل عم الصغار عن الدية فيه مصادرة لحق الزوجة في نصيبها من دية زوجها، وهو حق ثابت كما سبق في الحديث حيث إن رسول الله ﷺ ورّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.\rوخلاصة الأمر أن الأطفال لا يملكون إسقاط حقهم في دية والدهم لأنهم فاقدون لأهلية ذلك، وكذلك حق الزوجة في نصيبها من دية زوجها لا يسقط إلا بإرادتها ورضاها واختيارها، والأولياء والأوصياء ومن في حكمهم لا يملكون إسقاط حق الصغار في دية والدهم، وإن حصل هذا الإسقاط فهو باطل شرعاً، وبناءً على ما سبق يظهر لنا مدى الظلم الذي يلحق بأطفال المقتول عندما يتم الصلح برعاية القضاء العشائري ويتم إسقاط الدية والتنازل عنها إكراماً لله ورسوله ﷺ كما يزعمون، وأي إكرام هذا الذي يكون بما لا يملكونه، ومن يريد أن يكرم فإنه يكرم بما يملك، ولا يكرم بمال غيره، بل هذا ظلم لا يقره دين الإسلام، فهذا الإسقاط للحقوق صدر عمن لا يملكه، فهو تصرف محرم شرعاً وباطل لا يترتب عليه أي أثر، وللصغار عند البلوغ أن يطالبوا بحقوقهم في دية والدهم والحقوق لا تسقط بالتقادم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346578,"book_id":3840,"shamela_page_id":958,"part":"17","page_num":13,"sequence_num":958,"body":"١٣ - يحرم على المحامي قَبول الوكالة في القضايا الظالمة\r\rيقول السائل: إنه محامٍ وقد وكله شخصٌ في قضية تملك عقار، وقد علم من خلال عرض القضية أمام المحكمة أن موكله يدعي حقاً ليس له، فما حكم الاستمرار في الوكالة بالترافع أمام القضاء، أفيدونا؟\r\rالجواب: مهنة المحاماة مبنية على عقد الوكالة المعروف عند الفقهاء، وهي إقامة الغير مقام نفسه في تصرفٍ جائزٍ معلومٍ. والمحاماة جائزة شرعاً بضوابط شرعية كثيرة، ومنها ما يتعلق بالسؤال وهو أنه لا يجوز للمحامي أن يقبل الوكالة في الخصومة في قضية فيها ظلمٌ أو إبطالُ حقٍ أو تعدٍ على حقوق الناس، أو قضيةٍ كيدية، فإذا علم المحامي أن موكله ظالمٌ ومبطلٌ، فيحرم على المحامي أن يقبل الوكالة ابتداءً، ويحرم عليه أيضاً أن يستمر في الوكالة إذا علم بذلك أثناء نظر الدعوى. ويدل على ذلك أدلة كثيرة من كتاب الله ﷿ ومن سنة النبي ﷺ، منها قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَا أَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ سورة النساء الآيات١٠٧-١٠٩. قال الإمام الشوكاني: [ ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ أي: لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم والمجادلة مأخوذة من الجدل، وهو الفتل، وقيل: مأخوذة من الجدالة، وهي وجه الأرض، لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها، وسمي ذلك خيانة لأنفسهم، لأن ضرر معصيتهم راجع إليهم، والخوان: كثير الخيانة، والأثيم: كثير الإثم، وعدم المحبة كناية عن البغض] تفسير فتح القدير ١/٧٧١. ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ سورة المائدة الآية ٢، ولا شك أن الترافع في قضية ظالمة ومبطلة، والمحاماة عن أهل الباطل أنه داخل في عموم التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله ﷿ عن ذلك فهو محرم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والمعين على الإثم والعدوان من أعان الظالم على ظلمه، أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه أو على أداء المظلمة فهو وكيل المظلوم لا وكيل الظالم] مجموع الفتاوى ٢٨/٢٨٤. ومنها ما ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجلٌ: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوماً، أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه -أو تمنعه - من الظلم فإن ذلك نصره) رواه البخاري. ومنها ما جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من حالت شفاعتُه دون حدٍ من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دَينٌ فليس ثمَّ دينارٌ ولا درهمٌ، ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطلٍ وهو يعلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه حُبس في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج مما قال) وزاد الطبراني (وليس بخارج) . وورد في رواية أبي داود: [قيل يا رسول الله وما ردغة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار] . قال العلامة الألباني: أخرجه أبو داود والحاكم والسياق له وأحمد ... وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، ورجاله ثقات رجال مسلم غير يحيى بن راشد وهو ثقة كما في التقريب. وقال المنذري في الترغيب: رواه أبو داود والطبراني بإسناد جيد] سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٧٢٢. وانظر إرواء الغليل ٧/٣٤٩. قال الإمام الشوكاني: [قوله: (من خاصم) ، قال الغزالي: الخصومة لجاج في الكلام ليستوفي بها مال أو حق مقصود، وتارة تكون ابتداءً وتارة تكون اعتراضاً، والمراء لا يكون إلا اعتراضاً على كلام سابق، قال بعضهم: إياك والخصومة، فإنها تمحق الدِّين، ويقال: ما خاصم قط ورع. قوله: (لم يزل في سخط الله) هذا ذمٌ شديدٌ له شرطان: أحدهما أن تكون المخاصمة في باطل. والثاني أن يعلم أنه باطل، فإن اختل أحد الشرطين فلا وعيد، وإن كان الأولى ترك المخاصمة ما وجد إليه سبيلاً] نيل الأوطار ٩/١٤٢. وورد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ومن أعان على خصومةٍ بظلمٍ فقد باء بغضبٍ من الله ﷿ رواه أبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٥٤٥. وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مثلُ الذي يُعين قومَه على غير الحق، كمثل بعيرٍ تردى في بئرٍ فهو ينزع منها بذنبه) رواه أبو داود وابن حبان، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٥٤٦. قال الحافظ ابن المنذر: [ومعنى الحديث أنه قد وقع في الإثم وهلك كالبعير إذا تردى في بئر فصار ينزع بذنبه ولا يقدر على الخلاص] المصدر السابق. وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه] . وقد عدَّ أهل العلم أن الإعانة على الخصومة بالباطل من كبائر الذنوب، قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتابه الكبائر ١/١٥٢: [باب من أعان على خصومة في الباطل، وقول الله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ] سورة المائدة الآية ٢، وقوله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ النساء الآية ٨٥] ثم ذكر حديث ابن عمر الأول. وقد قرر كثير من أهل العلم حرمة الوكالة بالخصومة عن موكلٍ ظالمٍ ومبطلٍ، قال ابن مفلح المقدسي: [وقال ابن عقيل في الفنون: لا تصح وكالة من علم ظلم موكله في الخصومة، فظاهره يصح إذا لم يعلم، والظاهر أن مراده بالعلم أيضاً الظن وإلا فبعيدٌ جداً القول به مع ظن ظلمه. فإن قيل ظن التحريم لا يمنع صحة العقد بخلاف العلم به ولا يلزم من هذا أن يخاصم في باطل فلا معارضة بينه وبين ما سبق قيل: ليس المراد من التوكيل وصحته إلا المخاصمة فيما وكله فيه مما يعلمه، أو يظنه باطلاً وإلا فكان يمكن تصحيح العقد مع العلم، ولا يخاصم في باطلٍ فلا مفسدة في ذلك، وقد دل كلامه على أنه لو شك في ظلمه صحت وخاصم فيه وعلى هذا عمل كثير من الناس أو أكثرهم يتوكلون ويدعون مع الشك في صحة الدعوى وعدمها؛ لأنه ليس بمخبر عن نفسه، وإنما يخبر عن الموكل ويبلغ كلامه لكونه لا يلحن بحجته، ولأن الحاجة قد تمس إلى ذلك لكثرة مشقته، وهذا بخلاف المدعي لنفسه لخبرته بأحواله وقضاياه والله أعلم.] الآداب الشرعية ١/٢٩. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويشترط في جواز الدعوى أن يعلم صدق المدعي، فأما إن لم يعلم لم يحل له دعوى بشيء لا يعلم ثبوته] المغني ٥/١٣. وقال المرداوي: [وقال القاضي في قوله تعالى ﴿وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ يدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه، وهو غير عالم بحقيقة أمره] الإنصاف ٩/٢٠٨. وقال الرحيباني الحنبلي: [لا تصح الوكالة لو ظن الوكيل ظلمه أي: ظلم موكله إجراءً للظن مجرى العلم قال في الإنصاف: قلت: وهو الصواب] مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ٩/٣٧٧. وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما يلي: [إذا كان في الاشتغال بالمحاماة أو القضاء إحقاقٌ للحق وإبطالٌ للباطل شرعاً وردٌ الحقوق إلى أربابها ونصرٌ للمظلوم، فهو مشروع ; لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى، وإلا فلا يجوز ; لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ] عن شبكة الإنترنت. وقال الشيخ مصطفى الزرقا: [ ... وأن لا يقبل - أي المحامي - دفاعاً عن موكِلٍ مبطلٍ، وإذا ظهر له أثناء سير الدعوى أن موكله مبطلٌ فعليه أن ينسحب منه شرعاً، ويستطيع أن يشرط ذلك على الموكل.] فتاوى الشيخ مصطفى الزرقا ص ٣٨٠-٣٨١. وقال الدكتور زيد بن عبد المحسن نائب رئيس هيئة حقوق الإنسان في المملكة السعودية: [يجب على المحامين أن لا يتوكلوا عن غيرهم في دعوى أو نفيها عند علمهم ببطلانها أو كذب صاحبها لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ ، وقال ﷺ: (من خاصم في باطلٍ وهو يعلمه لم يزل في سخط حتى ينزع) أو كما قال ﷺ، حيث ورد في المادة ١١/١ من لائحة تنفيذ نظام المحاماة \"على المحامي ألاّ يتوكل عن غيره في دعوى أو نفيها وهو يعلم أن صاحبها ظالمٌ ومبطلٌ، وألاّ يستمر فيها إذا ظهر له ذلك أثناء التقاضي\"] صحيفة المدينة السعودية عن شبكة الإنترنت. إذا تقرر هذا فعلى المحامين أن يحذروا المبطلين من المدَّعين الذين يزورون الحقائق، ويزينون الباطل، حتى تنطلي الأمور على موكليهم من المحامين، فيسيرون معهم في الدعاوى الباطلة التي يترتب عليها ضياع حقوق الناس، وأكل أموالهم بالباطل، أو يترتب عليها التشهير بالناس كما هو الحال في القضايا الكيدية، التي يُقصد بها تشويه صورة المدعى عليهم، وهم أبرياء مما رماهم به خصومهم، وليحذروا ممن يتلاعبون بالألفاظ لتزيين باطلهم، الذين ينطبق عليهم ما ورد في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن أخوف ما أخاف على أمتي كلُ منافقٍ عليم اللسان) رواه أحمد وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/١١. ولا شك أن [التمسك بأخلاقيات هذه المهنة يؤدي لرفض المحامي أو الوكيل بالخصومة قبول الوكالة في الدعاوى الكيدية التي لا يهدف صاحبها منها إلا الانتقام من خصمه وتوجيه الأذى له، وإشغال ساحات العدل بمجادلات طويلة لتسويف الدعوى والإضرار بخصمه مادياً ومعنوياً، مما يؤثر على إقرار العدل.] أثر أخلاقيات المحامي على العدالة والقضاء د. ناصر المعيلي. عن شبكة الإنترنت.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم على المحامي أن يقبل الوكالة في أي قضية مع علمه أنها باطلة، أو مع علمه أنه قد يترتب عليها أكل أموال الناس بالباطل، أو قضية فيها إلحاق ظلم، أو إجحافٍ بحقوق الناس، أو قضية كيدية، وكذلك يحرم على المحامي أن يستمر فيها إذا ظهر له ذلك أثناء التقاضي، ولا يجوز للمحامي الترافع في قضيةٍ إلا إذا علم مشروعية الدعوى ومضمونها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346579,"book_id":3840,"shamela_page_id":959,"part":"18","page_num":1,"sequence_num":959,"body":"١ - نظرات شرعية في فتوى مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر بتحليل بناء الجدار الفولاذي\rيقول السائل: ما قولكم في فتوى مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر في فتواه التي قالت بتحليل بناء الجدار الفولاذي، أفيدونا؟\rالجواب: ذكر جماعة من العلماء أنه يشترط في المفتي أن يكون متيقظاً بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، قال العلامة ابن عابدين: [شرط بعضهم تيقظ المفتي، قال: وهذا شرط في زماننا، فلا بد أن يكون المفتي متيقظاً، يعلم حيل الناس ودسائسهم، فإن لبعضهم مهارة في الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل في صورة الحق، فغفلة المفتي يلزم منها ضرر كبير في هذا الزمان] الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٢/٣٠. وقال العلامة ابن القيم تحت عنوان: [على المفتي ألا يعين على المكر والخداع، يحرم عليه - أي على المفتي - إذا جاءته مسألة فيها تحيل على إسقاط واجب أو تحليل محرم أو مكر أو خداع أن يعين المستفتى فيها ويرشده إلى مطلوبه أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده، بل ينبغي له أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم بل يكون حذراً فطناً فقيهاً بأحوال الناس وأمورهم يؤازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهرٌ جميل، وباطنها مكرٌ وخداعٌ وظلم! فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضى بجوازه، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها، فالأول يروج عليه زَغَل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زَغَل الدارهم، والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود، وكم من باطلٍ يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق، وكم من حقٍ يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك، بل هذا أغلب أحوال الناس ولكثرته وشهرته يستغنى عن الأمثلة ... ] إعلام الموقعين٤/٢٢٩. أقول هذا أفضل وصف ينطبق على فتوى مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر بتحليل بناء الجدار الفولاذي، حيث فقد أعضاء المجمع الذين أفتوا بتحليل إنشاء الجدار شرط تيقظ المفتي، وإذا كان العلامة ابن عابدين الحنفي قد قال: وهذا شرط في زماننا، فلا بد أن يكون المفتي متيقظاً، يعلم حيل الناس ودسائسهم، فإن لبعضهم مهارة في الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل في صورة الحق، فغفلة المفتي يلزم منها ضررٌ كبير في هذا الزمان، أقول إن كان شرط تيقظ المفتي شرطاً في زمان ابن عابدين، فهو أولى في زماننا، حتى لا يقع بعض المفتين قصيري النظر في مكر ودسائس الساسة، وينطلي عليهم ما يروج له الساسة من التزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل في صورة الحق. هذا أولاً، أما ثانياً: فإني أذكر أعضاء المجمع الذين أفتوا بتحليل إنشاء الجدار ببعض البدهيات التي لا يجهلها مسلم عادي فضلاً أن يجهلها أعضاء المجمع الأزهري! أين أنتم من قول الله ﷿: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ سورة التوبة الآية ٧١، ومن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ سورة الحجرات الآية ١٠. ومن قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ سورة الأنبياء الآية ٩٢، ومن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ سورة المؤمنون الآية ٥٢، ومن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَالمِينْ﴾ سورة المائدة الآية٥١. وأين أنتم من قَولَ رَسُول الله ﷺ: (مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى) رواه البخاري ومسلم، قال القاضي عياض: [فتشبيه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيلٌ صحيحٌ، وفيه تقريبٌ للفهم وإظهار للمعاني في الصور المرئية، وفيه تعظيم حقوق المسلمين، والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضاً. وقال ابن أبي جمرة: شبَّه النبي ﷺ الإيمان بالجسد وأهله بالأعضاء لأن الإيمان أصل وفروعه التكاليف، فإذا أخلَّ المرءُ بشيءٍ من التكاليف شأن ذلك الإخلال بالأصل، وكذلك الجسد أصل الشجرة وأعضاؤه كالأغصان، فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلها، كالشجرة إذا ضرب غصن من أغصانها اهتزت الأغصان كلها بالتحرك والاضطراب] فتح الباري ١٠/٥٤٠. ومن قوله ﷺ: (المُؤْمِنُ للْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضَاً وشبَّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ) رواه البخاري ومسلم ومن قوله ﷺ: (من لا يرحم لا يرحم) رواه البخاري ومسلم، ومن قوله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري. ومن قوله ﷺ: (كم من جارٍ متعلقٍ بجاره يوم القيامة يقول يا رب هذا أغلق بابه دوني فَمنع معروفه) أخرجه البخاري في الأدب المفرد وحسنه العلامة الألباني في صحيح الأدب المفرد. ثالثاً: ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي والحاكم وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ووافقه الذهبي وقال العلامة الألباني: صحيح. إرواء الغليل ٣/٤٠٨. وقد قرر فقهاء الإسلام قاعدة شرعية مأخوذة من الحديث النبوي السابق تقول: \" لا ضرر ولا ضرار\"، فمن حق الإنسان أن يتصرف فيما يملك، ولكن بشرط أن لا يلحق الضرر بغيره، وإذا طبقنا هذه القاعدة على واقع الجدار يعرف الجواب بأدنى تأمل. رابعاً: ألم تسمعوا بحديث النبي ﷺ: (عُذبت امرأةٌ في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) . رواه البخاري ومسلم. خامساً: ألم تسمعوا بحديث النبي ﷺ: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته) رواه البخاري ومسلم. وقد عدَّ العلماء ما ورد في هذا الحديث والذي قبله من كبائر الذنوب. انظر الكبائر للإمام الذهبي. سادساً: ألا تعلمون أيها المشايخ أن قطاع غزة كان تحت الحكم المصري منذ عام ١٩٤٨م وحتى وقع تحت الاحتلال عام ١٩٦٧م فدولتكم مسئولة عن القطاع وسكانه شرعاً وقانوناً وعرفاً. سابعاً: توافق صدور فتواكم مع قيام عدد كبير من المتضامنين الغربيين بالتظاهر وسط القاهرة مطالبين برفع الحصار عن قطاع غزة، وتزامن صدور فتواكم مع قيام مجموعة أخرى من الغربيين بتسيير قافلة شريان الحياة المحملة بمواد الإغاثة للذهاب إلى غزة، فهؤلاء الغربيين قاموا بما تمليه عليهم انسانيتهم تجاه أهل غزة!! وأنتم تناسيتم ما يمليه عليه دينكم من وجوب الوقوف مع إخوانكم في الدين وما تمليه عليكم عقيدتكم، أما عرفتم ما تقرره عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه القضية، إن كل مسلم يفهم حقيقة هذا الدين فهماً صحيحاً، لا بد أن يقدم ما يستطيع لنصرة المسلمين المستضعفين الذين يتعرضون لأشرس الحروب وأقذرها، ومن لم يفعل فعليه أن يراجع نفسه، لأن منهج أهل السنة والجماعة يقضي أن يقف المسلم مع أخيه المسلم، وأن يكون عوناً له، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند حديثه عن أصول أهل السنة ولجماعة: [ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة. ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات. ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص؛ يشدُ بعضُه بعضاً وشبَّك بين أصابعه، وقوله ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) . ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء] العقيدة الواسطية. وأما من يخذل المسلمين ويسهم في حصارهم ويمنع العون عنهم فإن الله ﷿ سيخذله، كما أخبر رسول الله ﷺ: (ما من امرئٍ يخذل امرأ مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحدٍ ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته) رواه أحمد وأبو داود وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ٥٦٩٠.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346580,"book_id":3840,"shamela_page_id":960,"part":"18","page_num":2,"sequence_num":960,"body":"٢ - المواد المضافة للأطعمة والأشربة\rيقول السائل: ما حكم المواد الغذائية والمشروبات المصنعة التي تدخلها مواد مضافة غير معلومة المصدر، ويقال إنه ينتج عن استعمالها أضرار صحية فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: من أهم المشكلات المعاصرة التي يواجهها الناس في الطعام والشراب والدواء هي المواد المضافة، وعرفتها موسوعة ويكبيديا بأنها: أي مادة تضاف إلى الغذاء وتعمل على تغيير أيٍ من صفاته، أو هي جميع المواد التي ليست من المكونات الطبيعية للأغذية وتضاف إليها قصداً في أي مرحلة من إنتاجها إلى استهلاكها، وتضاف بغرض تحسين الحفظ أو الصفات الحسية أو الطبيعية أو الحد من تعريض المستهلك للتسمم وغيره من الأضرار الصحية نتيجة الحفظ غير الجيد للغذاء ... إلخ فهي مواد تضاف إلى الأطعمة لكي تحافظ على نكهتها، أو لتحسن مذاقها أو مظهرها] ويندرج تحت المواد المضافة العديد من الأنواع على سبيل المثال: المواد الحافظة: وهي أي مواد تضاف لتثبيط أو ايقاف تحلل الأغذية بواسطة الكائنات الحية الدقيقة وبالتالي تؤدي إلى إطالة الفترة التخزينية للغذاء ومن أمثلتها بنزوات الصوديوم وحمض السورييك. والمواد المثبتة: وتسمى أحياناً بالمواد الرابطة وتستعمل لربط الماء وزيادة اللزوجة وتكوين الجل كما في حالة الجلي. والمواد الملونة وتنقسم هذه المواد إلى قسمين: المواد الملونة الطبيعية والمواد الملونة الصناعية، أما الطبيعية فهي عبارة عن مواد يتم استخلاصها من مصادر نباتية أو حيوانية أو معدنية أو أية مصادر أخرى. أما المواد الملونة الصناعية فهي مواد يتم إنتاجها صناعياً أو بأية وسيلة تركيبية وتعطي لوناً مميزاً عند إضافتها إلى المواد الغذائية. ومضادات الأكسدة وهي مواد تستخدم لحماية المنتجات الغذائية من الفساد الناتج عن الأكسدة، وذلك لمنع أو تأخير علامات التزنخ وهو تطور الرائحة الكريهة في المنتجات الغذائية المحتوية على نسبة عالية من الدهون والزيوت. عن الإنترنت. وهناك عدد من الاشتراطات الصحية لا بد من توفرها في المواد المضافة في الطعام والشراب والدواء ومنها: ١- لابد من تحديد الغرض الذي تضاف بسببه، ولابد من التأكد من صلاحيتها لهذا الغرض. ٢- يلزم المصنع ألا يضيف أي مادة بهدف خداع المستهلك، أو تغطية عيب في المنتج التجاري، كأن تضاف مادة نكهة لتخفي فساد المنتج. ٣- يجب ألا تقلل من القيمة الغذائية لمادة الغذائية التي أضيفت إليها. ٤- لابد أن يثبت أنها غير مضرة بالصحة، وأن تكون مصرحاً بها للاستخدام من المنظمات العالمية. ٥- يجب أن تتوفر طرائق لتحليلها ومعرفة كميتها في الأغذية التي أضيفت لها. وقد قررت جهات علمية وصحية تهتم بالطعام والشراب والدواء أنه قد ينتج عن استعمال المواد المضافة في الطعام والشراب والدواء أضرار صحية على المدى القريب والبعيد، يقول أحد الباحثين في التصنيع الغذائي [إن هذه المواد المضافة العديدة يمكن أن تمثل خطراً حقيقياً أو يمكن أن تحدث تغييرات خطيرة في الغذاء. إن التغييرات السلبية التي قد تحدثها المضافات للغذاء يمكن أن تأخذ إحدى صورتين: تخفيض أو تعديل مكونات غذائية مهمة، وفي هذه الحالة قد تتحطم العناصر الغذائية كلياً أو جزئياً أو تعدل كيميائياً بحيث تقل الفعالية الحيوية لها، الأمر الذي قد يؤدي إلى فقد في القيمة الغذائية للغذاء. تحول المكونات بطريقة قد تسبب ضرراً واضحا ... وقد أصبح معروفاً أن بعض المواد المضافة مسؤولة عن إصابة الإنسان بالسرطان مثل الهيدروكربونات عديدة الحلقات مثل ٢، ٣ بنزوبيرين وبعض صبغات الأنلين، والأفلاتوكسينات ... كما قد يؤدي استعمال المواد المضافة إلى تكوين مواد سامة في الغذاء ومن الأمثلة على ذلك تكون سلفوكسيمين المثيونين في الطحين نتيجة لمعاملته بمادة التبيض المسماة كلوريد النيتروجين الثلاثي، حيث وُجد نتيجة للدراسات على الكلاب أن الطحين المعامل بمادة كلوريد النيتروجين الثلاثي يؤدي إلى تشنجات، ويعود ذلك إلى تكون مادة سلفوكسيمين المثيونين..] بحث الإضافات الغذائية استخدامها وأثرها على الإنسان للدكتور إبراهيم عفانة. وهنالك سلبيات أخرى للمواد المضافة، ويمكن إيجازها فيما يلي: ١- تعمل على تغطية بعض العيوب الموجودة في الغذاء. ٢- تعمل على تحسين الصفات الظاهرية أحياناً على حساب القيمة الغذائية. ٣- تؤدي إلى التساهل في مراعاة الاشتراطات الصحية اعتماداً على إضافة مواد للغذاء. ٤- يؤدي التحسين من صفات الغذاء الحسية إلى زيادة الإقبال عليه وتناول كميات أكبر منه، ما يزيد الكمية المتناولة من المادة المضافة وفي ذلك خطورة على الأطفال خاصة، إذ يزيد إقبالهم على المواد الغذائية الملونة بألوان اصطناعية، أو التي تحتوي نكهات اصطناعية فتزيد من فرص ظهور أضرار تلك المواد عليهم. ٥- بعض المواد المضافة لها أثر سام على المدى الطويل. ٦- لا يكتفي بعض المصنعين بإضافة الحدود المسموح بها من تلك المواد وفي هذا ضرر بالمستهلك.] عن الإنترنت. إذا تقرر هذا فإن كثيراً من المصانع المنتجة للأطعمة والأشربة المصنعة لا تفصح دائماً عن حقيقة المواد المضافة في منتجاتها، فمثلاً يذكرون الدهن الحيواني ولا يذكرون أنه من دهون الخنزير أو من الأبقار مثلاً، ويذكرون الجيلاتين ولا يبينون هل هو جيلاتين نباتي أو حيواني؟ ويضاف إلى ذلك مسألة استعمال الرموز للمواد المضافة (يستعملون الحرف الإنجليزي (E ويتبعونه برقم مثلاً E١٠٥) وعدد هذه المواد كبير جداً مما يجعل معرفة حقيقة هذه المواد المضافة أمراً صعباً للغاية. وتم تقسيم المواد المضافة إلى أربعة أقسام رئيسية هي: المواد الملونة: وقد رمز لها بالحرف (E) تتبعه الأرقام من ١٠٠ إلى ١٩٩. المواد الحافظة: وقد رمز لها بالحرف (E) تتبعه الأرقام من ٢٠٠ إلى ٢٩٩. مضادات الأكسدة: وقد رمز لها بالحرف (E) تتبعه الأرقام من ٣٠٠ إلى ٣٩٩. المواد المستحلبة والمثبتة: وقد رمز لها بالحرف (E) تتبعه الأرقام من ٤٠٠ إلى ٤٩٩. وكثير من هذه المواد المضافة صدرت تحذيرات من جهات علمية وصحية بأن لها أضراراً على صحة الإنسان، وهي موجودة في كثير من المنتجات الغذائية وفي المشروبات المختلفة الموجودة في الأسواق. وبناءً على كل ما سبق ونظراً لجهالة حقيقة المواد المضافة ومدى أضرارها، ونظراً لضعف الثقة بالمنتجين، حيث يغلب عليهم الجشع والطمع، وأكثر المنتجين للأغذية المصنعة والمشروبات هم من غير المسلمين، الذين لا يعرفون حراماً ولا حلالاً، فإني أدعو إلى الحذر الشديد من المنتجات المصنعة بشكل عام، وأدعو إلى العودة إلى الأشياء الطبيعية في مجال الطعام والشراب، وأقول إنه من الصعوبة بمكان إصدار حكم دقيق يشمل المواد المضافة في الطعام والشراب والدواء، لأن ذلك لا بد أن يكون عن معرفة حقيقية بمكونات كل نوع من الأطعمة والأشربة والأدوية، وعددها قد يصل إلى مئات الألوف، وهذا أمر عسر جداً، وقد استعرضت بعض الفتاوى الصادرة عن عدد من المفتين والهيئات العلمية فوجدتها تتكلم بشكل عام وتضع قيوداً يصعب التحقق من وجودها بسبب ما أشرت إليه قبل قليل، جاء في فتاوى الشبكة الإسلامية: [المواد التي تضاف إلى الأغذية (مطعومة أو مشروبة) بغرض حفظها أو تلوينها، منها ما هو طبيعي كالملح والزيت ونحو ذلك، ومنها ما هو صناعي يدخل فيه كثير من المركبات العضوية وغير العضوية. وفائدة هذا هو: منع أو تأخير أو إيقاف تكاثر الجراثيم الملوثة للغذاء، أو تثبيت لونه بحيث يكون عامل جذب للمستهلك. وقد تظهر السلعة بصورة طازجة وليست كذلك، لما للون المستخدم من أثر فعال في ذلك، ويرمز لكل من المواد الحافظة والملونة بالرمز (E) مع رقم معين يدل على نوع المادة المضافة. وقد تدخل في هذه المواد المضافة أجزاء حيوانية مثل العظم ونحو ذلك، ولا بأس بها إن كانت من حيوان مذكى ذكاة شرعية. وأما ما أخذ من حيوان غير مذكى أو ذكي ذكاة غير شرعية، أو أخذ من آدمي فيحرم تناول الغذاء المشتمل عليه، لأن ما ذكي ذكاة غير شرعية وما لم يذك ميتة لا يجوز أكل شيء منه، ويحرم كذلك أكل شيء من آدمي، أو حيوان لا تبيحه الذكاة كالخنزير، أجمع على ذلك أهل العلم. ومكمن الضرر في المواد الحافظة والملونة- بصفة عامة - أن منها مواد تضر بصحة الإنسان، إذ تؤدي إلى حالات سرطان على المدى الطويل. وقد نصت هيئات الرقابة الغذائية على ضرورة عدم استخدام مواد معينة (للحفظ أو التلوين) ثبت ضررها، وحددت كذلك نسبة هذه المواد المسموح باستخدامها، لأنها بزيادتها عن المعدل المطلوب تتحول إلى سموم يتناولها الإنسان. فنخلص من ذلك إلى أنه لا يجوز تناول الأطعمة والأشربة التي تشتمل على مواد حافظة أو ملونه دخل في تركيبها شيء أخذ من آدمي أو حيوان غير مذكى، وإذا كان يتعذر معرفة ذلك فإنه يجتنب ما اشتمل على مادة حافظة أخذت من حيوان، إلا ما غلب على الظن أنه أخذ من حيوان مذكى ذكاة شرعية. وكذلك لا يجوز تناول الأغذية المشتملة على مواد حافظة أو ملونة ثبت ضررها، لقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ سورة النساءالآية٢٩، وقوله ﷺ (لا ضرر ولا ضرر) رواه مالك. ويحرم على الصناع استخدام المواد المحرمة أو المضرة بالصحة في الأغذية، وعلى المستهلك توخي الحذر وأخذ الحيطة عند شرائه أغذية تحتوي على مواد حافظة، ولو أمكن تجنب هذه الأغذية قدر المستطاع فهو أولى] وأقول هنالك صعوبة واضحة في التحقق مما ذكرته الفتوى.\r\rوخلاصة الأمر أنه لا شك في الأضرار التي تنتج عن المواد المضافة للأغذية والأشربة المصنعة، وأنه يصعب إصدار حكم شرعي عام في حقيقة هذه المواد، والذي ننصح به هو تجنبها بقدر الاستطاعة، وعلى أصحاب مصانع الأغذية والمشروبات والأدوية والتجار المستوردين لها في بلادنا أن يراعوا الحلال والحرام في منتجاتهم وأن يتقوا الله في ذلك، وأن يعلموا أنهم مسؤولون أمام الله ﷿ الذي لا تخفى عليه خافية، وأن يجنبوا الناس تناول المحرمات، وما فيه أضرار، وأن يبعدوهم عن الشبهات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346581,"book_id":3840,"shamela_page_id":961,"part":"18","page_num":3,"sequence_num":961,"body":"٣ - حكم عملية ربط المعدة\rيقول السائل: إنه يعاني من زيادة الوزن المفرطة مما سبب له مشكلات صحية كثيرة، وقد استعمل عدة وسائل لتخفيف الوزن بدون فائدة وقد نصحه بعض الأطباء بعملية ربط للمعدة، فهل هذا الأمر جائز شرعاً، أفيدونا؟\r\rالجواب: شرع الإسلام التداوي، فإذا مرض الإنسان أو طرأ عليه ما يخل بصحته كالسمنة المفرطة فعليه أن يعالج ما يعرض لصحته من عوارض، وقد دلت نصوصٌ كثيرةٌ على جواز التداوي، منها ما جاء في حديث أسامة بن شريك ﵁ قال: قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: (نعم عباد الله، تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً إلا داءً واحداً، قالوا يا رسول الله، وما هو؟ قال: الهرم) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وغيرهم، وقال العلامة الألباني: حديث صحيح كما في صحيح سنن أبي داود حديث رقم ٣٢٦٤. وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أنزل الله من داء، إلا أنزل له شفاء) رواه البخاري ومسلم. وجاء في الحديث عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله) رواه مسلم. وغير ذلك من النصوص.\r\rولا شك أنه يترتب على السمنة المفرطة أضرار صحية كثيرة، لذا فإن علاج السمنة المفرطة داخل تحت عموم النصوص التي تدل على جواز التداوي، وهنالك وسائل ينبغي لمن كانت عنده سمنة مفرطة أن يستعملها قبل اللجوء إلى عملية ربط المعدة، ومن أهمها تقليل الطعام والشراب، فكثرة الطعام والشراب من الأسباب الرئيسة للسمنة المفرطة، وقد وجهنا النبي ﷺ إلى التقليل منهما، بل ذكر أن كثرة الطعام من الشرور، كما ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (ما ملأ آدميٌ وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يُقْمنَ صُلْبَهُ، فإن كان لا محالة، فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنَفَسِه) رواه أحمد والترمذي والنسائي والحاكم، وقال العلامة الألباني: صحيح. سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث رقم ٢٢٦٥. وورد في الحديث: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً عظيم البطن فقال بإصبعه لو كان هذا في غير هذا لكان خيراً لك) رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح. وقال الشيخ الساعاتي: [لو كان العظم في غير البطن من أعضائه ... كان خيراً لأن عظم البطن يثقل الرجل ويضره ولا يفيده لأنه ينشأ عن كثرة الأكل وكثرة الأكل مذمومة فكأنه ﷺ يحثه على التقليل من الأكل والشرب لأنه أصح للبدن) الفتح الرباني ١٧/٢١٨.\r\rومن الوسائل التي تعين على تخفيف السمنة، المداومة على الصوم، كصيام الاثنين والخميس وغيرهما من الأيام كما ورد في الحديث\r\rعن ربيعة بن الغاز أنه سأل عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ فقالت: (كان يتحرى صيام الاثنين والخميس) رواه ابن ماجة وابن خزيمة وغيرهما وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة حديث رقم ١٤١٤. وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد، والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء، والخميس) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ومن الوسائل المعينة على التخلص من السمنة المفرطة ممارسة الرياضة، وخاصة رياضة المشي. فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) رواه مسلم.\r\rإذا تقرر هذا، فإن عملية ربط المعدة وهي عملية تجرى لتصغير المعدة، تجوز إذا استنفذت الوسائل الأخرى لعلاج السمنة المفرطة التي أشرت إليها، فحينئذ تكون هنالك حاجةٌ ماسةٌ لإجراء هذه العملية، ولا بد من تحقق الضوابط والشروط الشرعية المقررة لجواز العمليات الجراحية بشكل عام وهي:\r\r[الشرط الأول: أن تكون الجراحة مشروعة: فلا يجوز للمريض أن يطلب فعل الجراحة ولا للطبيب أن يجيبه إلا بعد أن تكون تلك الجراحة مأذوناً بفعلها شرعاً، لأن الجسد ملك لله رب السماوات والأرض وما فيهن? فلا يجوز للإنسان أن يتصرف فيه إلا بإذن المالك الحقيقي. الشرط الثاني: أن يكون المريض محتاجاً إلى الجراحة: أي بأن يخاف على نفسه الهلاك أو تلف عضو من أعضاء جسده أو دون ذلك كتخفيف الألم. الشرط الثالث: أن يأذن المريض أو وليه بفعل الجراحة: فإذا رفض المريض ولو كان يتألم فلا يجوز للطبيب أن يجري الجراحة حتى يأذن له.\r\rالشرط الرابع: أن تتوفر الأهلية في الطبيب الجراح: ويتحقق هذا الشرط بوجود أمرين: أن يكون ذا علم وبصيرة بالعملية المطلوبة، وأن يكون قادراً على تطبيقها وأدائها على الوجه المطلوب، فلو كان جاهلاً بالكلية كأن تكون خارجة عن اختصاصه أو جاهلاً ببعضها فإنه يحرم عليه فعلها، ويعتبر إقدامه عليها في حال جهله بمثابة الجاني المعتدي على الجسم المحرم بالقطع والجرح. وهنا لا بد من استشارة الأطباء الأخصائيين الثقات قبل القيام بعملية ربط المعدة.\r\rالشرط الخامس: أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاح الجراحة: بمعنى أن تكون نسبة نجاح العملية ونجاة المريض من أخطارها أكبر من نسبة عدم نجاحها وهلاكه، فإذا غلب على ظنه هلاك المريض بسببها فإنه لا يجوز له فعلها.\r\rالشرط السادس: ألا يوجد البديل الذي هو أخف ضرراً من الجراحة: كالعقاقير والأدوية، فإن وجد البديل لزم المصير إليه صيانة لأرواح الناس وأجسادهم حتى لا تتعرض لأخطار الجراحة وأضرارها ومتاعبها كالقرحة الهضمية في بدايته يتم علاجه بالعقاقير والتي ثبت مؤخراً تأثيرها على القرحة وأنها أنجح العلاجات وأفيدها. وقد أشرت لبدائل عملية ربط المعدة. أما إذا كان الدواء أشد خطراً وضرراً ولا ينفع في علاج الداء أو زواله فإنه لا يعتبر موجباً للصرف عن فعل الجراحة كبعض الأمراض العصبية حيث يمكن علاج المريض بالعقاقير المهدئة لكنها لا تنفع في زوال الداء وقد تسبب الإدمان فوجود البديل على هذا الوجه وعدمه سواء. وهنا لا بد من التأكيد أنه إذا ترتب ضرر أكبر على عملية ربط المعدة فتحرم حينئذٍ لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ سورة البقرة الآية ١٩٥، ولقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ سورة النساء الآية ٢٩.\r\rالشرط السابع: أن تترتب المصلحة على فعل الجراحة: إنما شرعت الجراحة لمصلحة الأجساد ودفع ضرر الأسقام عنها فإذا انتفت تلك المصالح وكانت ضرراً محضاً، فإنه حينئذ ينتفي السبب الموجب للترخيص بفعلها شرعاً وتبقى على أصل الحرمة، ومثال على هذا جراحة إزالة الثآليل بالقطع أو الكت الجراحي فقد ثبت طبياً أن الثآليل لا تزول بالعمل الجراحي، بل فعل القطع والكحت ينتهي بالمصاب إلى عواقب وخيمة وأضرار منها العدوى الجرثومية وتندب موضع الجراحة. وينبغي في هذه المصلحة أن تكون من جنس المصالح التي شهد الشرع باعتبارها وأنها مصلحة مقصودة، أما المبنية على الهوى كجراحة تغيير الجنس فلا يجوز فعلها لعدم اعتبار الشرع لها. الشرط الثامن: أن لا يترتب على فعلها ضرر أكبر من ضرر المرض: كجراحة التحدب الظهري الحاد فالغالب فيها أنها تنتهي بالشلل النصفي، فعلى الطبيب أن يقارن بين نتائج ومفاسد الجراحة ومفاسد المرض، فإن كانت المفاسد التي تترتب على الجراحة أكبر من المفاسد الموجودة في المرض حرمت الجراحة، لأن الشريعة لا تجيز الضرر بمثله أو بما هو أشد، وأما إذا كان العكس فتجوز.] الوجيز في أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها بتصرف يسير، وانظر للتوسع أحكام الجراحة الطبية للدكتور محمد الشنقيطي ص ١٠٤-١٢٥.\r\rوخلاصة الأمر أن عملية ربط المعدة جائزةٌ شرعاً، إذا استنفذت الوسائل الأخرى لعلاج السمنة المفرطة، ضمن الشروط الشرعية المقررة لأحكام الجراحة الطبية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346582,"book_id":3840,"shamela_page_id":962,"part":"18","page_num":4,"sequence_num":962,"body":"٤ - وفاة العلماء\rولكن العلماء لا بواكي لهم\r\rوفاة العلماء أ. د. حسام الدين عفانة / جامعة القدس\r\rقال رسول الله ﷺ: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) رواه البخاري ومسلم. وورد في الحديث من قول النبي ﷺ: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) وهو حديث حسن. وقال علي ﵁: (يموت العلم بموت حملته) رواه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه، وقال ابن مسعود ﵁: (عليكم بالعلم قبل أن يُرفع، ورفعُهُ هلاك العلماء) رواه الدارمي. ولا شك أن موت العلماء يعتبر خسارة عظيمة للأمة كما قال الشاعر: تعلَّم ما الرزيَّة فَقْدُ مالٍ ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ ولكن الرزيَّةُ فَقْدُ حُرٍّ يموت بموته بشرٌ كثيرُ\rوكما قال الآخر: الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها متى يمت عالم منها يمت طرف\rكالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها وإن أبى عاد في أكنافها التلف\rفقدت الأمة الإسلامية هذا الأسبوع عالمين جليلين من كبار العلماء المتخصصين في الفقه وأصوله، أما أولهما فهو العلامة شيخ الأصول في بلاد الشام الشيخ الدكتور مصطفى سعيد الخن الذي توفي يوم الجمعة ١ شباط ٢٠٠٨ حيث مات ميتةً كريمة في المسجد أثناء استماعه لخطبة الجمعة، وهذه نبذة موجزة عنه: هو مصطفى بن سعيد بن محمود الخن، الشَّافعي، الدِّمشقي، من أسرةٍ دمشقيةٍ عريقةٍ، وقد تتلمذ على الشَّيخ حسن حبنكة وعلى الشَّيخ علي بن عبد الغني الدقر وعلى الشَّيخ محمد أمين سويد وعلى الشَّيخ إبراهيم بن محمَّد الغلاييني وغيرهم، التحق بالجامع الأزهر عام ١٣٦٩هـ -١٩٤٩م وحصل على شهادته ثم اشتغل بعد تخرجه بالتَّدريس في كلِّية الشَّريعة بجامعة دمشق، ثم أعير لكلِّية الشَّريعة واللُّغة العربية، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، ثم رجع إلى الأزهر فسجل رسالة الدكتوراه بعنوان (أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء) بإشراف الأستاذ الدكتور مصطفى عبد الخالق، وحصل على الدكتوراه عام (١٣٩١هـ-١٩٧١م) مع مرتبة الشَّرف الأولى. عُيِّن بعدها في كلِّيي الشَّريعة والتَّربية بجامعة دمشق، ثم رجع إلى كلِّية الشَّريعة بجامعة الإمام محمَّد بن سود الإسلاميَّة، وأشرف على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه.\rأهم مؤلفاته١. أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء. وكتابه هذا يدرس في عدة جامعات لطلبة الدراسات العليا. ٢. عبد الله بن عباس: حبر الأمة وترجمان القرآن. ٣. دراسة تاريخية للفقه وأصوله والاتِّجاهات التي ظهرت فيهما. ٤. الحسن بن يسار البصري الحكيم الواعظ والزَّاهد العالم. ٥. الأدلَّة الشَّرعية وموقف الفقهاء من الاحتجاج بها. ٦. أبحاثٌ حول أصول الفقه الإسلامي (تاريخه وتطوره) . ٧. الكافي الوافي في أصول الفقه الإسلامي. ٨. (المنهل الراوي، في تقريب النواوي) ، للإمام الفقيه المحدث أبي زكريا النووي. تحقيق ٩. (تسهيل الحصول على قواعد الأصول) ، للعلامة محمد أمين سويد. تحقيق١٠. (نزهة المتَّقين شرح رياض الصَّالحين من كلام سيِّد المرسلين) ، وقد شارك بالتَّأليف الدكتور مصطفى البغا والدكتور محيي الدين مستو والأستاذ علي الشربجي، والأستاذ محمد أمين لطفي. ١١. (الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي) ، وقد شارك بالتَّأليف الدكتور مصطفى البغا والأستاذ علي الشربجي. ١٢. (العقيدة الإسلامية) : أركانها- حقائقها- مفسداتها، وقد شارك بالتَّأليف الدكتور محيي الدين مستو. ١٣. (الإيضاح في علوم الحديث والاصطلاح) ، وقد شارك بالتَّأليف الدكتور بديع اللحام ١٤. (حسن الأسوة بما ثبت عن الله ورسوله في النسوة) ، محمد صديق القَنُّوجي البخاري. بالاشتراك مع الدكتور محيي الدين مستو. ١٥. (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول) ، للإمام الشوكاني. بالاشتراك مع الدكتور محيي الدين مستو. ١٦. (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) ، للبيضاوي. بالاشتراك مع الدكتور محيي الدين مستو، والدكتور بديع اللحام. ١٧. (المنهاج القويم في مسائل التَّعليم) ، لابن حجر الهيتمي. بالاشتراك مع الدكتور محيي الدين مستو، والأستاذ علي الشربجي. وقد كتب عنه د. محيي الدين مستو كتابه: (مصطفى سعيد الخن، العالم المربِّي، وشيخ علم أصول الفقه في بلاد الشام) وقد أسلم روحه لبارئها بعد تسع وثمانين سنة أمضاها في طلب العلم والتعليم والتأليف والنصح للمسلمين.\rوأما العالم الثاني الذي فقدناه يوم الثلاثاء ٢٨/١/١٤٢٩ هـ وفق ٥/٢/٢٠٠٨م فهو فضيلة الشيخ العلامة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء سابقاً\rوهذه نبذة موجزة عنه: ولد عام ١٣٦٥ هـ. درس في كلية الشريعة بالرياض, عمل أميناً للمكتبة العامة بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ومن مشايخه الشيخ القاضي صالح بن مطلق والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز والشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان, والشيخ محمد الأمين الشنقيطي وغيرهم، نال شهادة الماجستير والدكتوراه من المعهد العالي للقضاء واشتغل قاضياً في المدينة المنورة وكان مدرساً وإماماً وخطيباً في المسجد النبوي الشريف وكان عضواً في مجمع الفقه الإسلامي الدولي, المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي ثم رئيساً للمجمع. وكان عضواً في المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي.\rأما مؤلفاته: فقد ألف في الحديث والفقه واللغة والمعارف العامة وكتبه تزيد على الستين كتاباً، أولاً في الفقه: ١ - ١٥ فقه القضايا المعاصرة: (فقه النوازل) ثلاثة مجلدات فيها خمس عشرة قضية فقهية مستجدة وهي: التقنين والإلزام والمواضعة في الاصطلاح وأجهزة الإنعاش وعلامة الوفاة وطفل الأنابيب وخطاب الضمان البنكي والحساب الفلكي والبوصلة والتأمين والتشريح وزراعة الأعضاء وتغريب الألقاب العلمية وبطاقه الائتمان وبطاقة التخفيض واليوبيل والمثامنة في العقار والتمثيل. ١٦- (التقريب لعلوم ابن القيم) مجلد. ١٧- (الحدود والتعزيرات) مجلد. ١٨- (الجناية على النفس وما دونها) مجلد. ١٩- (اختيارات ابن تيمية) للبرهان ابن القيم, تحقيق. ٢٠- (حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية) مجلد. ٢١- (معجم المناهي اللفظية) مجلد. ٢٢- (لا جديد في أحكام الصلاة) . ٢٣ - (تصنيف الناس بين الظن واليقين) . ٢٤- (التعالم) . ٢٥- (حلية طالب العلم) . ٢٦- (آداب طالب الحديث من الجامع للخطيب) . ٢٧- (الرقابة على التراث) . ٢٨- (تسمية المولود) . ٢٩- (أدب الهاتف) . ٣٠- (الفرق بين حد الثوب والأزرة) . ٣١- (أذكار طرفي النهار) . ٣٢- (المدخل المفصل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل) مجلدان. ٣٣- (البلغة في فقه الإمام أحمد بن حنبل) للفخر ابن تيمية, مجلد, تحقيق. ٣٤- (فتوى السائل عن مهمات المسائل) . ثانياً: في الحديث وعلومه: ٣٥- (التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل) . ثلاث مجلدات, طبع منها الأول. ٣٦- (معرفة النسخ والصحف الحديثية) . ٣٧- (التحديث بما لا يصح فيه حديث) . ٣٨- (الجد الحثيث في معرفة ما ليس بحديث) للغزي, تحقيق. ٣٩-٤٣- (الأجزاء الحديثية) مجلد, فيه خمس رسائل هي: ٣٩- (مرويات دعاء ختم القرآن الكريم) جزء. ٤٠- (نصوص الحوالة) جزء. ٤١- (زيارة النساء للقبور) جزء. ٤٢- (مسح الوجه باليدين بعد رفعهما بالدعاء) جزء. ٤٣- (ضعف حديث العجن) جزء. ثالثاً: في المعارف العامة: ٤٤- ٤٧- (النظائر) مجلد, ويحتوي على أربع رسائل: ٤٤- (العزاب من العلماء وغيرهم) . ٤٥- (التحول المذهبي) . ٤٦- (التراجم الذاتية) . ٤٧- (لطائف الكلم في العلم) . ٤٨- (طبقات النسابين) مجلد. ٤٩- (ابن القيم: حياته, آثاره, موارده) مجلد. ٥٠-٥٤- (الردود) مجلد, ويحتوي على خمس رسائل٥٠- (الرد على المخالف) . ٥١- (تحريف النصوص) . ٥٢- (براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة) . ٥٣- (عقيدة ابن أبي زيد القيرواني وعبث بعض المعاصرين بها) . ٥٤- (التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير) . ٥٥- (بدع القراء) رسالة. ٥٦- (خصائص جزيرة العرب) . ٥٧- (السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة) , ٣ مجلدات, للشيخ محمد بن عبد الله بن حميد مفتي الحنابلة بمكة ت سنة ١٢٩٦ هـ تحقيق بالاشتراك. ٥٨- (تسهيل السابلة إلى معرفة علماء الحنابلة) للشيخ/ صالح بن عبد العزيز بن عثيمين المكي- رحمه الله تعالى- تحقيق في مجلدين. ٥٩- (علماء الحنابلة من الإمام أحمد إلى وفيات القرن الخامس عشر الهجري) , مجلد ٦٠- (دعاء القنوت) . ٦١- (فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد) للشيخ حامد بن محمد الشارقي مجلد, تحقيق. ٦٢- (نظرية الخلط بين الإسلام وغيره من الأديان) . ٦٣- (تقريب آداب البحث والمناظرة) . ٦٤- (جبل إلال بعرفات) , تحقيقات تاريخية وشرعية. ٦٥- (مدينة النبي ﷺ رأي العين) . ٦٦- (قبة الصخرة, تحقيقات في تاريخ عمارتها وترميمها) . رحم الله مشايخنا رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته وإنَّ لله ما أخذَ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمَّى، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيراً منها. اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وارفع درجتهم في عليين اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم. وإنا لله وإنا إليه راجعون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346583,"book_id":3840,"shamela_page_id":963,"part":"18","page_num":5,"sequence_num":963,"body":"٥ - مشروبات الطاقة\rيقول السائل: هل مشروبات الطاقة المنتشرة في الأسواق من المشروبات المباحة أم لا؟ أفيدونا.\rالجواب: بدأ انتشار مشروبات الطاقة منذ بضع سنوات في الأسواق المحلية وأقبل عليها الناس وخاصة فئة الشباب لما صاحب انتشارها من دعايات جذابة حول تأثيرها الفعال [وقد نجحت أساليب الدعاية الخاصة بمشروبات الطاقة في السيطرة على ذهن المستهلك بشكل ربما لم يسبق له مثيل، خاصة في أوساط المراهقين، الذين يبحثون عن وسائل مختلفة، لإثبات أنفسهم في المجالات المختلفة، مثل القوة الجسدية والنجاح في الامتحانات، وقوة التحمل واليقظة وغير ذلك، مما له علاقة بأحلام المراهقين] عن شبكة الإنترنت.\rوعن محتويات مشروبات الطاقة تقول د. مريم الجلاهمة [هذه المنتجات تحتوي على ٤ مواد رئيسة، هي الكافيين، السكر، التورين وفيتامينات (ب) . ومعظم هذه المشروبات تحتوي على كميات عالية من الكافيين بما يعادل كوباً كبيراً من القهوة المركزة، ويكفي شرب علبةٍ واحدةٍ من هذه المشروبات لتسبب القلق ومشكلات النوم والتبول الليلي للطفل، كما يمكن أن يؤدي الكافيين إلى الإجهاض خصوصاً في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، حيث إن كوبين كبيرين يومياً من القهوة كافيان لحدوث الضرر. كما أن الكافيين يسبب الأرق، وصعوبة النوم لدى البالغين. إضافة إلى ذلك، فإن محتويات هذه المشروبات من السكر في العلبة الواحدة تعادل ١٢ ملعقة شاي، وهذه كمية كبيرة جداً تؤدي إلى السمنة. أما المادة الثالثة التي تحتويها هذه المشروبات فهي مادة التورين المستخلصة من عصارة الصفراء من الثيران وهي مادة تستخدم في عمليات حيوية بالجسم لإنتاج الطاقة، إلا أنه ليست هناك معلومات علمية متوافرة بشأن سلامتها، كما تحتوي هذه المشروبات على مجموعات من فيتامينات (ب) وهي فيتامينات يحتاجها الجسم لإنتاج الطاقة، لكن لا توجد مبررات علمية لإضافتها إلى هذه المشروبات، على اعتبار أن تناول غذاء متوازن يفي بحاجة الجسم منها. وفي ذات الإطار، فإن هذه المشروبات لها تأثيرات سلبية على الرياضيين، حيث إن محتوياتها العالية من السكر تؤدي إلى حدوث الجفاف لدى الرياضيين بسبب منع دخول الماء إلى داخل الجسم.] عن شبكة الإنترنت.\rوقال الدكتور إبراهيم بن محمد الرقيعي، أستاذ الغذاء والتغذية في معهد بحوث الموارد الطبيعية والبيئة بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية [إن هذه المشروبات تحتوي على كمية من الطاق تبلغ ٤٥ سعراً حرارياً، لكل ١٠٠مل (١٢٠ كيلو سعر لكل علبة ٢٥٠ مل) ، وعلى نسبة عالية من الكافيين تبلغ ٣٢ ملجم لكل ١٠٠ مل مشروب (٨٠ ملجم في علبة سعتها ٢٥٠ مل) ، واحتمال أن تصيب الإنسان بالجفاف، وأمراض الكلى، وارتفاع ضغط الدم، واضطراب ضربات القلب، والنوبات المرضية، والسكتة الدماغية.] عن شبكة الإنترنت.\rوقد قامت عدة جهات صحية وعلمية بدراسات حول مشروبات الطاقة وقد أكدت هذه الدراسات على أضرار تناولها وأن لمشروبات الطاقة تأثيرات سلبية ضارة لصحة الإنسان فقد جاء في دراسة للدكتور فهد بن صالح العريفي استشاري الأطفال ورئيس قسم الطوارئ والإسعاف في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض: [مشروبات طاقة المتداولة خاصة بين فئة المراهقين والتي يعتقدون أنها تمدهم بالطاقة لها أضرار لا تحمد عقباها خاصة عند تناولها بشكل متكرر خلال ٢٤ ساعة ومن خلال عملنا في أقسام الطوارئ تأتي حالات كثيرة من الأطفال والمراهقين بأعراض تتعلق بارتفاع مادة الكافيين والتي تزيد عن معدل ما هو موجود في المرطبات والتي تصل إلى ٢٠ ضعفاً في بعض تلك المشروبات، ومن الأعراض الناتجة عن ارتفاع معدل مادة الكافيين في الدم عند هؤلاء الأطفال والمراهقين التي تتمثل في ازدياد دقات القلب تصل إلى ١٥٠ في الدقيقة وارتفاع في ضغط الدم وزيادة تدفق الدم للعضلات وتقليل كمية الدم إلى الجلد وهذا ما نلاحظه من شحوب في الوجه في حالات التسمم] عن شبكة الإنترنت.\rوتقول الجمعية السعودية لعلوم الغذاء والتغذية: إن التناول المفرط لمادة الكافيين، المتوفرة بنسبة عالية في مشروبات الطاقة، من شأنه أن يثير القلق الحقيقي، لأن للكافيين تأثيرات سلبية، مثل زيادة معدل نبضات القلب، وارتفاع ضغط الدم، والجفاف، وعلى الرغم من عدم وجود معلومات كافية عن تأثير استهلاك هذه المشروبات، على المرأة الحامل، إلا أن العبوات تحمل تنبيهاً ينصح الحامل بعدم تناولها، أو عدم الإكثار منها، تماماً مثلما ينصح الأطباء الحامل بعدم الإكثار من شرب القهوة والشاي، والمشروبات الغازية التي تحتوي على المنبهات.] عن شبكة الإنترنت. وقال الدكتور عبد العزيز بن محمد العثمان الأستاذ المساعد للتغذية الإكلينيكية في كلية العلوم الطبية التطبيقية بجامعة الملك سعود بالرياض: [والذي لا يعرفه الكثيرون أن تلك المشروبات تسبب القلق بعد فترة من تناولها بسبب الكمية الكبيرة من الكافيين، فبعد فترة من الزمن يستهلك الجسم الكافيين فتقل نسبته في الدم بعد تخلص الجسم منه فيؤدي ذلك إلى حالة من القلق، وتلك حالات مشابهة لتأثير المخدرات، لو تزداد الكمية لأدت بالتأكيد إلى عدم انتظام ضربات القلب، ومشاكل النوم، وبعض الأعراض النفسية \"الانسحابية\" والصداع، وأكدت الدراسات الطبية بأن هذه المشروبات تساهم في ارتفاع ضغط القلب وزيادة نسبة السكر في الدم والأرق وآلام الصداع والقلق ونزيف الأنف والنوبات المرضية، ومشاكل تسوس الأسنان، وتقليل الاعتماد على النفس كأحد التأثيرات النفسية للمواد المخدرة.] عن شبكة الإنترنت. وأفادت حصيلة دراسة طبية أميركية جديدة بوجود ارتباط بين استهلاك مشروبات الطاقة وارتفاع ضغط الدم أو مخاطر الإصابة بأمراض القلب، حسب ما أورده تقرير لشبكة \"إي فلوكس ميديا\" العلمية. وأجرى هذه الدراسة فريق بحث طبي بقيادة الدكتور جيمس كالوس، المدير الأول لخدمات رعاية المرضى في مستشفى هنري فورد بمدينة ديترويت، وقدمت نتائجها في فعاليات المؤتمر العلمي السنوي لرابطة طب القلب الأمريكية لهذا العام (٢٠٠٧) ، الذي انعقد مؤخراً بمدينة أورلاندو بولاية فلوريدا... واكتشف الباحثون أن مستويات ضغط الدم ومعدلات دقات القلب قد ارتفعت في كل القياسات التي أجريت بعد اليوم الأول. وارتفع معدل دقات القلب بزيادة تصل إلى ١١% في اليوم السابع. وتشير هذه النتائج تحديداً إلى أنه قد تكون هناك خطورة، عندما يتجاوز تناول هذه المشروبات مقدار علبتين في اليوم الواحد، خاصة في حالة الأشخاص المرضى بأمراض القلب. وينصح الدكتور جيمس كالوس الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع في ضغط الدم ودقات القلب بأن يتجنبوا هذه المشروبات. وأضاف أنه لا ينبغي أن تؤخذ هذه المشروبات مع النشاط البدني أو مع غيرها من المشروبات التي تسبب ارتفاعاً في ضغط الدم.] عن شبكة الإنترنت. إذا تقرر أن مشروبات الطاقة ضارة بصحة الإنسان كما هو ثابت في كثير من التقارير الطبية والعلمية المنشورة على شبكة الإنترنت، فإنه يجب إخراج مشروبات الطاقة من دائرة المباح، لأننا إذا طبقنا قواعد إباحة الأطعمة والأشربة المقررة شرعاً عليها نحكم بخروجها من دائرة المباح، يقول الله تعالى ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٢٩، ويقول تعالى ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ سورة البقرة الآية ١٩٥، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) رواه ابن ماجة والدارقطني والحاكم وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠. وإذا أخرجنا مشروبات الطاقة من دائرة المباح فإنها تكون في دائرة الحرام أو المكروه، ولا أستطيع أن أجزم بالتحريم، لأن التحريم يحتاج إلى نص صحيح صريح أو إلى قياس صحيح، فتبقى مشروبات الطاقة ضمن دائرة الكراهة الشديدة القريبة من الحرام، والمسلم يجتنب ما كان كذلك. وقد صح في الحديث قول النبي ﷺ: (دع ما يريبك إلا ما لا يريبك) رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. وأخيراً فإن على التجار أن يراعوا الحلال والحرام فيما يبيعون للناس وأن يتقوا الله في ذلك وأن يعلموا أنهم مسئولون أمام الله ﷿ الذي لا تخفى عليه خافية وأن يجنبوا الناس تناول المحرمات ويبعدوهم عن الشبهات. وخلاصة الأمر أن مشروبات الطاقة ضارة بالصحة ويترتب على شربها أخطار كثيرة على صحة الإنسان وحكمها الشرعي الكراهة الشديدة وينبغي للمسلم أن لا يشربها، وفي المشروبات الحلال ما يغني عنها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346584,"book_id":3840,"shamela_page_id":964,"part":"18","page_num":6,"sequence_num":964,"body":"٦ - كتاب (قول يا طير) وما أثير حوله\rيقول السائل: ما قولكم في الضجة التي أثيرت حول كتاب (قول يا طير) من قبل بعض المثقفين، وما قامت به وزارة التربية والتعليم من سحب الكتاب من مكتبات المدارس، أفيدونا؟\rالجواب: كتاب (قول يا طير) لمؤلفيه د. شريف كناعنة من جامعة بير زيت، ود. ابراهيم مهوّي أستاذ الأدب العربي المعاصر من جامعة إدنبره سكوتلندا، هو كتاب [يضم خمساً وأربعين حكاية خرافية من مئتي حكاية روى معظمها نساء في جميع أنحاء فلسطين (الجليل والضفة الغربية وغزة) . وقد اختارها مؤلفا الكتاب باعتبارها الحكايات الأكثر رواجاً بين أبناء الشعب الفلسطيني ولقيمتها الفنية (جمالياتها وحسن أدائها) ، ولما تبرزه من ملامح عن الثقافة الشعبية في فلسطين. وكان الداعي الأساسي إلى وضع هذا الكتاب لا الحفاظ على فن قصصي نسائي كان واسع الانتشار عندما كان الشعب الفلسطيني يمارس ثقافته على كامل أرضه فحسب، بل أيضاً كي نعرض صورة علمية وموضوعية للثقافة العربية النابعة من أرض فلسطين ومن تراثها الإنساني الذي تضرب جذوره في عروق التاريخ. ولإبراز خصوصية هذه الثقافة كان علينا أن نضع الحكايات باللغة العربية الدارجة التي رويت بها، وأن نرفقها بدراسة معمقة على عدة مستويات تبرز الملامح الوطنية لهذه الثقافة، ... كذا قال المؤلفان. وقد تم توزيع عدد من نسخ الكتاب على المدارس الفلسطينية ليستفيد منه المعلمون لا الطلبة، وفي استمارة اعتمدتها وزارة التربية والتعليم لأحد المُقيمين لكتاب (قول يا طير) ... قبيل توزيعه على المدارس، جاء فيها [إن هذا الكتاب لا توجد له علاقة مباشرة بالمنهاج ولكن بعض القصص الخيالية يمكن الاستفادة منها] . ويفصح المُقيم خلال هذه الاستمارة بصورة واضحة عند إجابته عن الاتجاهات والقيم التي يؤديها هذا الكتاب، بالقول: [يمكن للأطفال أن يتعلموا بعض السلوكيات الخاطئة مثل الكذب والغش والخداع والألفاظ البذيئة، وكذلك الكبار أيضاً.] ثم يضيف [ ... ولكن ينصح أن لا يكون بأيدي الطلبة لاحتوائه على ألفاظ بذيئة ... وفي التنسيب النهائي لهذا المقيم الذي أدى مهمة فحص الكتاب، أوصى بحذف بعض العبارات أو الألفاظ البذيئة قبل توزيعه على الأطفال والطلبة. وذيل هذا الفاحص أو المقيم توصيته بأمثلة على العبارات التي طالب بحذفها مطالبا بالعودة إلى الصفحات (٩٠، ٩٧، ٩٨، ١٠٥، ١٠٦، ١١٥، ١٢٨، ١٢٩، ١٣٢، ١٤٦) من الكتاب. ورغم ذل تم توزيع الكتاب على المدارس دون أخذ هذه التوصية بعين الاعتبار] عن شبكة الإنترنت.\rوهذا الكتاب يشتمل على خرافات وقصص من تراث الفلسطيني تشتمل على أمور منكرة مثل ما ورد في الكتاب من زنى الابن بأمه وملاحقة الأب لابنته ليتزوجها ومثل حكاية الشيخ المحتال التي تعطي انطباعاً سيئاً عن قارئ القرآن الكريم ... إلخ، واشتمل الكتاب أيضاً على ألفاظ ساقطة ونابية وعبارات جنسية هابطة كما أن الكتاب قد وضع باللغة العامية الدارجة. والضجة التي أثيرت حول الكتاب ليست بريئة من أهداف غير ثقافية؟؟!! ويظهر ذلك من تعبيرات بعض المحتجين على قرار وزارة التربية بسحب الكتاب - وأتمنى أن لا تكون الوزارة قد تراجعت عنه – ومن هذه التعبيرات (يبدو أن عدوى محاكم التفتيش التي أصابت بعض البلدان العربية قد انتقلت إلى فلسطين) ، (إن هذا الإعدام – سحب الكتاب - يرقى إلى مستوى الجنون الطالباني الذي نسف تمثال بوذا في أفغانستان، رغم قيمته التاريخية والفنية) ، (هذا التفكير الذي ينتمي إلى ممارسات محاكم التفتيش في القرون الوسطى) وأخطر من ذلك أن بعضهم قارن بين كتاب (قول يا طير) وبين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فزعم أن فيهما نصوصاً تخدش الحياء!! ولقد أعظم الفرية على كتاب الله ﷿ وعلى نبينا محمد ﷺ.\rإذا تقرر هذا عن حقيقة كتاب (قول يا طير) فإن وصفه بأنه (كتاب أكاديمي علمي يعد من أمهات كتب التراث الشعبي) وصف في غير محله، وما قيل من أن سحب الكتاب إنما هو اعتداء على الترات الفلسطيني، فكلام باطل، وكأن التراث الفلسطيني مقدس لا يجوز مسه بأي حال من الأحوال. إن التراث الفلسطيني فيه الغث والسمين وفيه النافع والضار وفيه ما يتفق مع عقيدتنا وديننا وفيه ما يخالف ذلك، فيجب أن يخضع التراث الفلسطيني للنقد العلمي، لأنه تراث غير معصوم وغير مقدس، وإذا كانت النصوص المنقولة عن نبي الإسلام محمد ﷺ قد خضعت لمعايير النقد عند المحدثين أفلا تخضع الخرافات وقصص الفاحشة والرذيلة للنقد!! أم أن هؤلاء المثقفين يريدون أن يضفوا على التراث قدسية، تجعله فوق النقد وفوق المساءلة وفوق الفحص والاختبار. أم أن هؤلاء المثقفين يرددون علينا ما قاله الجاهليون كما أخبرنا الله ﷿ ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون﴾ سورة البقرة الآية ١٧٠. وقال تعالى ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون﴾ سورة المائدة الآية ١٠٤. وقال تعالى ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير﴾ سورة لقمان الآية ٢١. وقال تعالى ﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾ سورة الزخرف الآية ٢٢. وقال تعالى ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ سورة الزخرف الآية ٢٣.\rويضاف إلى ما سبق كما أشرت أن كتاب (قول يا طير) كتب باللغة العامية، والأصل أن نعلم أبنائنا اللغة العربية الفصحى\rفهي لغتنا، وهي لغة القرآن الكريم ولغة الحديث النبوي الشريف، كما قال تعالى ﴿بلسان عربي مبين﴾ سورة الشعراء الآية١٩٥، فعلينا أن نكتب وننشر بالفصحى لا بالعامية.\rوخلاصة الأمر أن كتاب (قول يا طير) يجب سحبه من مكتبات المدارس، لأن فيه ما يخالف ديننا وعاداتنا وأعرافنا الطيبة، ولا ينبغي أن يكون بين أيدي الأطفال لأن فيه ما فيه من الأمور التي أشرت لبعضها. وخلاصة الموقف الصحيح من التراث الفلسطيني وغيره من التراث العالمي أنه يجب أن يخضع لقواعد النقد العلمي فما كان صحيحاً بميزان شرعنا قبلناه وما كان غير ذلك رفضناه والحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346585,"book_id":3840,"shamela_page_id":965,"part":"18","page_num":7,"sequence_num":965,"body":"٧ - ضوابط تنفيذ وصية الميت\rيقول السائل: أوصى شخص عند موته ألا يحضر جنازته أحد أبنائه، فهل تنفيذ وصية الميت لازم بغض النظر عن الشيء الموصى به، أفيدونا؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن الوصية مشروعة بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ قال الله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين﴾ سورة البقرة الآية ١٨٠، وقال تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم﴾ سورة النساء ١٢.\rوورد في الحديث عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت فقلت يا رسول الله بلغني ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة أفأتصدق بثلثي مالي قال لا قال قلت أفأتصدق بشطره قال لا الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في في - فم – امرأتك ... ) رواه مسلم. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم (أنه سمع رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة، قال عبد الله بن عمر ﵁ ما مرت عليًّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي) . وغير ذلك من النصوص.\rإذا تقرر هذا فإن الوصية تكون بالأمور المالية وتكون أيضاً بالأمور المعنوية فيمكن للإنسان أن يوصي بمبلغ من ماله لشخص معين أو جهة خيرية وقد يوصي بقضاء دين عليه أو يوصي ولده بحفظ كتاب الله أو يوصي أن يضحى عنه فقد ورد مثل ذلك في الأحاديث والآثار فقد روى أبو داود بإسناده عن حنش قال رأيت علياً ﵁ يضحي بكبشين فقلت له ما هذا؟ فقال إن رسول الله ﷺ أوصاني أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه) رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه. وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما حضر أُحدٌ – أي غزوة أحد - دعاني أبي من الليل فقال ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ وإني لا أترك بعدي أعز عليَّ منك غير نفس رسول الله ﷺ فن عليًّ ديناً فاقض واستوص بأخواتك خيراً، فأصبحنا فكان أول قتيل ودفن معه آخر في قبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه) رواه البخاري. وعن عائشة ﵂ أنها أوصت عبد الله بن الزبير ﵄: لا تدفني معهم – أي مع النبي ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ وادفني مع صواحبي بالبقيع لا أزكى به أبداً) رواه البخاري.\rوتنفيذ الوصية واجب عند أهل العلم ما دامت ضمن دائرة الشرع ولا يجوز لأحد أن يغير شيئاً من وصية الميت ما دامت ضمن الضوابط الشرعية، قال الله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم﴾ سورة البقرة الآيتان ١٨٠- ١٨١. وأما إذا أوصى الميت بما يخالف الشرع فيجوز حينئذ تبديل الوصية باتفاق العلماء، قال الإمام القرطبي: [ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز، مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه، كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث، قاله أبو عمر. - أي الحافظ ابن عبد البر -] تفسير القرطبي ٢/٢٩٦. فإذا أوصى الميت بحرمان أحد أولاده من الميراث فلا تنفذ وصيته حتى لو كان الولد عاقاً لأبيه حال حياته، فلا يجوز للأب أن يوصي بحرمان ولده العاق فهذه وصية باطلة وإن أوصى فلا تنفذ، لأن الله ﷾ أعطى كل وارث من الورثة حقه، فقد قال رسول الله ﷺ: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه) رواه البخاري ومسلم. وكذلك إذا أوصى الميت بنقله من محل وفاته إلى بلده وكان نقله يؤدي إلى تغير الميت أو انتهاك حرمته أو تأخير دفنه، فإن وصيته لا تنفذ، لأن في تنفيذها مخالفة للشرع ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم فجاء منادي النبي ﷺ فقال: (إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم فرددناهم) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن صحيح. ويؤيد ذلك أيضاً أن النبي ﷺ أمر بالإسراع في الجنائز وتعجيل دفنها فقد ورد في الحديث: (إن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا) رواه أبو داود أي عجلوا في التجهيز والتكفين. وكذلك إذا أوصى الإنسان أن لا يحضر جنازته أحد من الناس فوصيته لا تنفذ لمخالفتها للشرع. ومثل ذلك إذا أوصى شخص أن يدفن في المسجد لأن إدخال القبور للمساجد لا يجوز شرعاً لقول النبي ﷺ (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ لما أخبرته أم سلمة وأم حبيبة ﵄ بكنيسة في الحبشة فيها تصاوير فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله) رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم، وغير ذلك من الأحاديث.\rوكذلك إذا أوصى شخص أن يوضع معه مصحف في قبره ليستأنس به حسب زعمه فيحرم تنفيذ هذه الوصية لما فيها من امتهان واحتقار للمصحف الشريف ويجب صيانة المصحف عن القاذورات والنجاسات ويجب تكريمه والمحافظة عليه.\rوكذلك لا تنفذ الوصية فيما لو أوصى لأحد الورثة، إلا إذا أجازها الورثة لما ثبت في الحديث من قول الرسول الله ﷺ: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. وكذلك لا تصح الوصية بأكثر من الثلث ولا تنفذ عند جمهور أهل العلم إلا إذا أجازها الورثة، لما ورد في حديث سعد السابق قال رسول الله ﷺ (الثلث والثلث كثير) وقال الترمذي بعد أن رواه [والعمل على هذا عند أهل العلم أنه ليس للرجل أن يوصي بأكثر من الثلث وقد استحب بعض أهل العلم أن ينقص من الثلث لقول رسول الله ﷺ والثلث كثير] سنن الترمذي ٣/٣٠٦. وعن ابن عباس ﵄ قال: (لو غض الناس إلى الربع لأن رسول الله ﷺ قال: الثلث والثلث كثير أو كبير) رواه البخاري.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز للمسلم أن يوصي بالأمور المالية وغيرها ضمن الضوابط الشرعية، فإذا خالفت الوصية الأحكام الشرعية، فلا تنفذ، ووصية الميت ليست مقدسة يلزم تنفيذها عل كل حال، بل تنفذ إذا كانت ضمن ضوابط الشرع. وعليه فإن وصية الميت المذكورة في السؤال بأن لا يحضر جنازته أحد أولاده باطلة ولا تنفذ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346586,"book_id":3840,"shamela_page_id":966,"part":"18","page_num":8,"sequence_num":966,"body":"٨ - حكم سرقة الأبحاث\rيقول السائل: ما قولكم فيما يفعله بعض الطلبة الجامعيين من أخذهم بحوث غيرهم من الطلاب وينسونها لأنفسهم ويقدمونها كأبحاث للتخرج على أنها من جهدهم أفيدونا؟\r\rالجواب: ما ذكره السائل ظاهرة بدأت تنتشر في أوساط الطلبة الجامعيين وغيرهم حيث إن بعض الطلبة يسطون على أبحاث غيرهم وينسبونها لأنفسهم بل تعدى الأمر ذلك فأصبح لدينا بعض المكتبات ومراكز الإنترنت التي تبيع بحوثاً جاهزة للطلبة وبعض الناس يقومون بكتابة بحوث ويبيعونها للطلبة مقابل مبالغ معينة فضلاً عن سرقة الأبحاث عن طريق شبكة الإنترنت فهذا الأمر صار شائعاً في أوساط طلبة الجامعات ومما يؤسف له أن بعض أساتذة الجامعات يسهمون في ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر فعندما يطلب أستاذ الجامعة بحوثاً من طلابه وعندما يتسلمها منهم لا يكلف نفسه عناء تصفحها فضلاً عن قراءتها فلا شك أن هذا يدفع الطلبة إلى سرقة البحوث لأنهم يعرفون سلفاً أن أستاذهم المذكور لا يقرأ البحوث وهذا الأمر يؤدي إلى آثار خطيرة على المسيرة التعليمية لأن الأصل أن هنالك أهدافاً يجب أن تتحقق عند تكليف الطلبة بالبحوث مثل تمرين الطلبة على الكتابة العلمية وتقوية صلتهم بالمكتبة والمراجع ونحو ذلك فعندما يحصل الطالب على بحث جاهز سواء كان ذلك مقابل أجر أو بدون أجر فإن الغايات المرجوة من تكليفه بالأبحاث لا تتحقق.\rإذا تقرر هذا فإن كتابة الأبحاث للطلبة بأجر أو بدون أجر وكذا سرقة الطلبة للأبحاث من غيرهم أو عن طريق شبكة الإنترنت كل ذلك محرم شرعاً لما يلي:\rأولاً: لأنه غش صريح فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من غشنا فليس مني) رواه البخاري ومسلم وفي رواية أخرى عند مسلم قال النبي ﷺ: (من غشنا فليس منا) .\rثانياً: إن هذا العمل يعتبر خيانة للأمانة العلمية التي يجب أن يحترمها أساتذة الجامعات قبل طلبتهم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة الأنفال الآية ٢٧. وخيانة الأمانة من صفات المنافقين كما صحَّ في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) . وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان وإذا حدّث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) رواه البخاري ومسلم. وقد اعتبر العلماء خيانة الأمانة من كبائر الذنوب. انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٦١٧. وقد وردت أحاديث كثيرة في الترهيب من خيانة الأمانة منها: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال في الخطبة: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) رواه ابن حبان والبيهقي والبغوي، ثم قال: هذا حديث حسن. شرح السنة ١/٧٥ وحسّنه الشيخ الألباني لشواهده كما في تخريجه للمشكاة ١/١٧.\rثالثا: إن الشريعة الإسلامية حرمت انتحال الانسان قولاً لغيره أو إسناده إلى غير من صدر منه وقضت بضرورة نسبة القول إلى قائله والفكرة إلى صاحبها لينال هو دون غيره أجر ما قد تنطوي عليه من الخير أو يتحمل وزر ما قد تجره من شر فقد روي عن الإمام أحمد: أنه امتنع عن الإقدام على الاستفادة بالنقل أو الكتابة عن مقال أو مؤلف عرف صاحبه إلا بعد الاستئذان منه فقد روى الغزالي أن الإمام أحمد سئل عمن سقطت منه ورقة كتب فيها أحاديث أو نحوها أيجوز لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها؟ قال: لا، بل يستأذن ثم يكتب.\rرابعاً: إن من ينسب جهود الآخرين لنفسه متشبع بما لم يعط كما ثبت في الحديث عن عائشة ﵂ أن امرأة قالت يا رسول الله: أقول إن زوجي أعطاني ما لم يعطني، فقال رسول الله ﷺ: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي في شرحه للحديث: [قال العلماء: معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده, يتكثر بذلك عند الناس, ويتزين بالباطل, فهو مذموم كما يذم من لبس ثوبي زور.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٩١. وقد صدق رسول الله ﷺ فكم في جامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية وغيرها من أمثال هؤلاء الذين ينطبق عليه حديث الرسول الله صلى الله عليه (المتشبع بما لم يعط) فهؤلاء الذين تحملهم شهاداتهم ولا يحملونها.\rخامساً: إن هذا العمل من التعاون على الباطل الذي يترتب عليه مفاسد كثيرة تنعكس على الفرد والمجتمع حيث سيتخرج أناس بالغش والتزوير وسيتولون المناصب بحصولهم على شهادات الزور (شهاداتهم الجامعية) .\rوقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بتحريم إعداد البحوث بالنيابة فقد أجابت عن السؤال التالي: [يطلب بعض المدرسين من الطلبة عمل بحث ويعطي الطالب عليه درجات، فهل يجوز لي أن أعمل هذا البحث للطالب مقابل أجر مادي آخذه منه؟\rالجواب: عمل البحث المطلوب من الدارس في المدارس الحكومية أو غيرها واجب دراسي، له أهدافه: من تمرين الطالب على البحث، والتعرف على المصادر، ومعرفة مدى قدرته على استخراج المعلومات، وترتبيها.. إلى آخر ما يهدف إليه طلب إعداد البحث؛ لهذا فإن قيام بعض المدرسين أو غيرهم بذلك نيابة عن الطالب، مقابل أجرة أو بدون أجرة، هو عمل محرم، والأجرة عليه كسب حرام؛ لما فيه من الغش والكذب والتزوير، وهذا تعاون على الإثم، والله سبحانه يقول: (وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى اْلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) سورة المائدة الآية ٢. وقال ﷺ: (مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) رواه مسلم ... ] فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٢/٢٠٣. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين [وإن مما يؤسف له أن بعض الطلاب يستأجرون من يعد لهم بحوثاً أو رسائل يحصلون على شهادات علمية أو من يحقق بعض الكتب فيقول لشخص حضر لي تراجم هؤلاء وراجع البحث الفلاني ثم يقدمه رسالة ينال بها درجة يستوجب بها أن يكون في عداد المعلمين أو ما أشبه ذلك فهذا في الحقيقة مخالف لمقصود الجامعة ومخالف للواقع وأرى أنه نوع من الخيانة لأنه لابد أن يكون المقصود من الرسالة هو الدراسة والعلم قبل كل شيء فإذا كان المقصود من ذلك الشهادة فقط فإنه لو سئل بعد أيام عن الموضوع الذي حصل على الشهادة فيه لم يجب لهذا أحذر إخواني الذي يحققون الكتب أو الذين يحضرون رسائل على هذا النحو من العاقبة الوخيمة ... ] من كتاب العلم للشيخ العثيمين عن شبكة الإنترنت.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم شرعاً كتابة الأبحاث العلمية نيابة عن الآخرين وهذا العمل لا تدخله النيابة ويحرم التعاون مع الطلبة في هذا العمل من قبل الأساتذة أو المكتبات أو مراكز الإنترنت لأنه تعاون على الإثم والباطل وقد قال الله تعالى:\r﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ سورة المائدة الآية ٢.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346587,"book_id":3840,"shamela_page_id":967,"part":"18","page_num":9,"sequence_num":967,"body":"٩ - حكم التبرع بالأعضاء البشرية لغير المسلم\rيقول السائل: ما هي الضوابط التي وضعها الفقهاء القائلون بجواز نقل الأعضاء البشرية من إنسان لآخر وخاصة ما يتعلق بالشخص المنقول إليه، أفيدونا؟\rالجواب: مسألة نقل الأعضاء من إنسان وزرعها في جسم إنسان آخر من المسائل الحديثة التي بحثت بحثاً موسعاً من العلماء والباحثين المعاصرين وقد كتبت فيها أبحاث كثيرة وآخر ما اطلعت عليه رسالة دكتوراة تناولت الموضوع من جميع جوانبه وخلاصة الشروط التي ذكرها العلماء والباحثون المعاصرون لجواز نقل الأعضاء وزرعها ما يلي:\rما جاء في القرار الصادر عن المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي في دورته المنعقدة بتاريخ ١٨ جمادى الآخرة ١٤٠٨ هـ، الموافق ٦ فبراير ١٩٨٨ م\rأولاً: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أنَّ النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهود له، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسياً أو عضوياً.\rثانياً: يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائياً، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.\rثالثاً: تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية.\rرابعاً: يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.\rخامساً: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها كنقل قرنية العين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءاً من وظيفة أساسية فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة.\rسادساً: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك. بشرط أن يأذن الميت قبل موته أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة ولي أمر المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له.\rسابعاً: وينبغي ملاحظة: أنَّ الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بواسطة بيع العضو. إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإسان للبيع بحال ما.\rأما بذل المال من المستفيد، ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريماً، فمحل اجتهاد ونظر.\rثامناً: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مما يدخل في أصل الموضوع، فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة، على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية. والله أعلم\rويلاحظ على قرار المجمع الفقهي أنه لم يشر إلى الشخص الذي سيزرع فيه العضو المنقول ولكن بعض المجامع العلمية الأخرى وبعض الباحثين نصوا على أنه يشترط في الشخص الذي سيزرع فيه العضو المنقول أن يكون مسلماً أو ذمياً معصوم الدم ولا يجوز النقل لكافر حربي.\r\rوجاء في رسالة الدكتوراه للباحث د. يوسف بن عبد الله الأحمد بعنوان (أحكام نقل أعضاء الإنسان في الفقه الإسلامي) شروط نقل الأعضاء فقال [ما يجوز نقله من الأعضاء مما ذكر، إنما يجوز وفق الشروط العامة التي لابد من اعتبارها في نقل أي عضو من الأعضاء، وهذه الشروط هي: ١. ألا يترتب على المتبرع ضرر بذهاب نفسه أو منفعة فيه؛ كالسمع والبصر والمشي ونحو ذلك؛ حفظاً لحق الله تعالى.\r٢. ألا يكون النقل إلا بإذن المنقول منه؛ حفظاً لحق العبد في بدنه. وأخذ العضو دون إذنه ظلم واعتداء.\r٣. أن يكون إذن المنقول منه وهو كامل الأهلية؛ فلا يصح من الصغير، والمجنون، أو بإسلوب الضغط والإكراه، واستعمال أساليب الحيل والإحراج؛ حفظاً لحق العبد في بدنه.\r٤. ألا يكون النقل بطريق تمتهن فيه كرامة الإنسان؛ كالبيع، وإنما تكون بطريق الإذن والتبرع.\r٥. أن يكون المنقول له معصوم الدم، فهو الذي أوجب الشرع حفظ نفسه بخلاف مهدر الدم؛ كالحربي.\r٦. أن تحفظ العورات؛ فلا يجوز الكشف عليها إلا عند الضرورة، أو الحاجة الملحة، والضروة أو الحاجة تقدر بقدرها.\r٧. إعمال الأطباء الذين يشرفون على علاج المريض قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد للمريض والمتبرع؛ فلا تجرى عملية النقل وانتفاع المريض بها مرجوح، ولا ينقل العضو من الإنسان مع إمكان علاج المريض بوسيلة أخرى. وغير ذلك من الصور والأحوال التي يدور عليها تصرف الطبيب مع المريض بإعماله لقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد.]\rوجاء في فتوى للشبكة الإسلامية عند ذكر شروط زرع الأعضاء [والتبرع بما ذكر في الحالتين مشروط بأن يكون المتبرَّع له معصوم الدم، أي أن يكون مسلماً أو ذمياً، بخلاف الكافر المحارب.] عن شبكة الإنترنت\rوجاء في فتوى أخرى للشبكة الإسلامية عند ذكر شروط زرع الأعضاء [ ... وعليه فإذا كان المسلم متأكداً من أن المستفيد من أعضائه مسلمون أو من أهل الذمة فلا مانع من توقيعه على مثل هذه الوثيقة، وأما إذا أمكن أن يستفيد منها محارب فلا يجوز له فعل ذلك.] عن شبكة الإنترنت\rوجاء في فتوى ثالثة للشبكة الإسلامية عند ذكر شروط زرع الأعضاء [وذكرنا هناك أنه يشترط أن يكون المتبرَع له معصوم الدم أي أن يكون مسلماً أو ذمياً، أما الكافر المحارب فلا يجوز التبرع له بالأعضاء]\rوجاء في قرارات مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ما يلي: [قرر مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية بالإجماع جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه إذا دعت الحاجة إليه، وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه. كما قرر بالأكثرية ما يلي:\rأ- جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه.\rب- جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك.]\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز التبرع بالأعضاء لغير المسلم ولغير الذمي فلا يجوز التبرع بالأعضاء للكافر الحربي ولا يزعمن أحد أن التبرع بالأعضاء عمل إنساني ينبغي التسوية فيه بين بني آدم جميعاً فهذه إنسانية مزيفة.\rوقديماً قال الشاعر العربي: ومن يجعل المعروف في غير أهله يكن حمده ذمّاً عليه ويندمِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346588,"book_id":3840,"shamela_page_id":968,"part":"18","page_num":10,"sequence_num":968,"body":"١٠ - حديث (لا تجوز شهادة بدوي على حضري)\rيقول السائل: إنه قرأ حديثاً عن النبي ﷺ ورد فيه أنه لا تجوز شهادة بدوي على حضري فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ أفيدونا؟\rالجواب: من المعلوم أن الأصل في الشاهد العدالة وأن يكون مرضياً كما قال تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ سورة الطلاق الآية ٢ وقال تعالى ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ سورة البقرة الآية٢٨٢. بالإضافة إلى الشروط الأخرى للشاهد التي ذكرها الفقهاء والعدالة في الأصل لا ارتباط لها بمكان إقامة الشاهد سواء أكان في البادية أو الحاضرة قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [العدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه وأفعاله قال القاضي: يكون ذلك في الدين والمروءة والأحكام ... ] المغني ١٠/١٤٨\rوأما الحديث الذي أشار إليه السائل فقد رواه أبو داود بإسناده عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية) ورواه أيضاً ابن ماجة والحاكم والبيهقي وقال الحافظ ابن دقيق العيد: ورجاله إلى منتهاه رجال الصحيح. الإلمام بأحاديث الأحكام ص ٥٢٠. وصححه العلامة الألباني كما في إرواء الغليل ٨/٢٩٠.\rوقد اختلف أهل العلم في المراد بهذا الحديث فقال جماعة من العلماء إن المقصود بالحديث هو رد شهادة البدوي مجهول العدالة وأما إذا كان عدلاً فتقبل شهادته.\rقال أبو بكر اِلْجَصَّاصِ [وَاخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْبَدْوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ , فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ هِيَ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ... قَالَ أَبُو بَكْرٍ - الجصاص-: جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلَائِلِ الْآيَةِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ شَهَادَةِ الْقَرَوِيِّ وَالْبَدْوِيِّ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِذِكْرِ الْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ وَهَؤُلَاءِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ , ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ يَعْنِي مِنْ رِجَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْأَحْرَارِ , وَهَذِهِ صِفَةُ هَؤُلَاءِ , ثُمَّ قَالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ وَإِذَا كَانُوا عُدُولاً فَهُمْ مَرْضِيُّونَ. وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى فِي شَأْنِ الرَّجْعَةِ وَالْفِرَاقِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَهَذِهِ الصِّفَةُ شَامِلَةٌ لِلْجَمِيعِ إذَا كَانُوا عُدُولاً , وَفِي تَخْصِيصِ الْقَرَوِيِّ بِهَا دُونَ الْبَدْوِيِّ تَرْكُ الْعُمُومِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ ; وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُمْ مُرَادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وَبِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ لِأَنَّهُمْ يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الْبَدْوِيِّ عَلَى بَدْوِيٍّ مِثْلِهِ عَلَى شَرْطِ الْآيَةِ. وَإِذَا كَانُوا مُرَادِينَ بِالْآيَةِ فَقَدْ اقْتَضَتْ جَوَازَ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْقَرَوِيِّ مِنْ حَيْثُ اقْتَضَتْ جَوَازَ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ , وَمِنْ حَيْثُ اقْتَضَتْ جَوَازَ شَهَادَةِ الْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدْوِيِّ.... وَقَدْ رَوَى سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ﴿شَهِدَ أَعْرَابِيٌّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ , فَأَمَرَ بلالاً يُنَادِي فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَداً﴾ فَقَبِلَ شَهَادَتَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ] أَحْكَامُ الْقُرْآنِ ٢/٢٢٩-٢٣٠\rوقال الإمام الشوكاني: [وذهب الأكثر إلى القبول قال ابن رسلان: وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم ا. هـ. وهذا حمل مناسب لأن البدوي إذا كان معروف العدالة كان رد شهادته لعلة كونه بدوياً غير مناسب لقواعد الشريعة لأن المساكن لا تأثير لها في الرد والقبول لعدم صحة جعل ذلك مناطاً شرعياً ولعدم انضباطه فالمناط هو العدالة الشرعية إن وجد للشرع اصطلاح في العدالة وإلا توجه الحمل على العدالة اللغوية فعند وجود العدالة يوجد القبول وعند عدمها يعدم ولم يذكر ﵌ المنع من شهادة البدوي إلا لكونه مظنة لعدم القيام بما تحتاج إليه العدالة وإلا فقد قبل ﷺ في الهلال شهادة بدوي.] نيل الأوطار ٨/٣٣٠.\rوقال الإمام القرطبي [ ... فعمموا الحكم، ويلزم منه قبول شهادة البدوي على القروي إذا كان عدلاً مرضياً وبه قال الشافعي ومن وافقه، وهو - أي البدوي - من رجالنا وأهل ديننا. وكونه بدوياً ككونه من بلد آخر والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوي بين البدوي والقروي، قال الله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فمنكم خطاب للمسلمين ... ] تفسير القرطبي ٨/٢٣١- ٢٣٢\rوقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ظاهر كلام الخرقي أن شهادة البدوي على من هو من أهل القرية وشهادة أهل القرية على البدوي , صحيحة إذا اجتمعت هذه الشروط وهو قول ابن سيرين وأبي حنيفة والشافعي , وأبي ثور واختاره أبو الخطاب وقال الإمام أحمد: أخشى أن لا تقبل شهادة البدوي على صاحب القرية فيحتمل هذا أن لا تقبل شهادته وهو قول جماعة من أصحابنا ومذهب أبي عبيد. وقال مالك كقول أصحابنا فيما عدا الجراح , وكقول الباقين في الجراح احتياطاً للدماء واحتج أصحابنا بما روى أبو داود في \" سننه \" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية) ولأنه متهم حيث عدل عن أن يشهد قروياً وأشهد بدوياً قال أبو عبيد: ولا أرى شهادتهم ردت إلا لما فيهم من الجفاء بحقوق الله تعالى والجفاء في الدين. ولنا , أن من قبلت شهادته على أهل البدو قبلت شهادته على أهل القرية كأهل القرى ويحمل الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو ونخصه بهذا لأن الغالب أنه لا يكون له من يسأله الحاكم فيعرف عدالته.] المغني ١٠/١٤٧-١٤٨.\rوأما الذين لم يجيزوا شهادة البدوي على الحضري فيرون أن لذلك أسباباً منها أنه يغلب على أهل البادية الجهل بأحكام الدين عامة والشهادة خاصة قال الإمام الخطابي: [يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشريعة ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عما يحيلها ويغيرها عن وجهها] معالم السنن ٤/١٥٧.\rويرى بعض أهل العلم أن رد شهادة البدوي على الحضري يعود لمكان التهمة في ترك إشهاد الحضري وإشهاد البدوي مكانه قال ابن العربي المالكي [ ... إسْقَاطُ شَهَادَةِ الْبَادِيَةِ عَنْ الْحَاضَرَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ ; فَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ , وَمَنْزِلَةٌ شَرِيفَةٌ , وَوِلَايَةٌ كَرِيمَةٌ , فَإِنَّهَا قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ , وَتَنْفِيذُ كَلَامِهِ عَلَيْهِ ; وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَمَالَ الصِّفَةِ , وَقَدْ بَيَّنَّا نُقْصَانَ صِفَتِهِ فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ. وَقِيلَ: إنَّمَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ , لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْقِيقِ التُّهْمَةِ إذَا شَهِدَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ بِحُقُوقِ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ , وَتِلْكَ رِيبَةٌ ; إذْ لَوْ كَانَ صَحِيحاً لَكَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْحَضَرِيُّونَ , فَعَدَمُ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُمْ وَوُجُودُهَا عِنْدَ الْبَدْوِيِّينَ رِيبَةٌ تَقْتَضِي التُّهْمَةَ , وَتُوجِبُ الرَّدَّ] أحكام القرآن ٢/١٠٠٦\rوقال الدسوي المالكي: [وحاصله أن تحمل الشاهد الشهادة إذا استبعده العقل أي استغربه أي نسبه للبعد والغرابة كان ذلك مبطلاً للشهادة عند أدائها. قوله: (كبدوي يستشهد) أي يطلب منه تحمل الشهادة في الحضر لحضري أو لبدوي على حضري أو على بدوي بدين أو بيع أو شراء ونحوهما مما يقصد الإشهاد عليه من سائر عقود المعاوضة ونحو الوصية والعتق والتدبير، فإذا طلب من البدوي تحمل الشهادة بشيء من ذلك في الحاضرة فلا تقبل منه إذا أداها، وذلك لأن ترك إشهاد الحضري وطلب البدوي لتحمل تلك الشهادة فيه ريبة لأن العقل يستبعد ويستغرب إحضار البدوي لتحمل الشهادة دون الحضري، وأما لو تحمل البدوي الشهادة في الحضر لحضري أو بدوي على حضري أو بدوي بحرابة أو قتل أو قذف أو جرح أو شبه ذلك كغصب وضرب وأداها، فإنها تقبل منه لعدم الاستبعاد في تحملها] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤/١٧٥.\rوخلاصة الأمر أن الحديث المشار إليه في السؤال حديث صحيح ثابت عن النبي ﷺ ولكن الحديث محمول على من لم تثبت عدالته من البدو حيث إن القاعدة عند المحققين من أهل العلم أن الأصل في الناس الجهالة لا العدالة. فإن ثبتت عدالة البدوي فشهادته مقبولة ولا فرق بينه وبين الحضري وهذا هو المتفق مع قواعد الشرع العامة التي لا تفرق بين الناس بناءً على اختلاف موطنهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346589,"book_id":3840,"shamela_page_id":969,"part":"18","page_num":11,"sequence_num":969,"body":"١١ - حكم الاستغفار والترحم لمن مات على الكفر\rيقول السائل: ذكرت بعض كتب التفسير أن قَوْل الله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ قد نزلت في قصة عم النبي ﷺ أبو طالب مع أن الآية في سورة التوبة وهي متأخرة النزول أفيدونا؟\rالجواب: روى الإمام البخاري بإسناده عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل فقال أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ: لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فنزلت ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ ونزلت ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ )\rقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: ( ﴿فنزلت: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعدما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ . ونزلت ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ أما نزول هذه الآية الثانية فواضح في قصة أبي طالب , وأما نزول التي قبلها ففيه نظر , ويظهر أن المراد أن الآية المتعلقة بالاستغفار نزلت بعد أبي طالب بمدة , وهي عامة في حقه وفي حق غيره , ويوضح ذلك ما سيأتي في التفسير بلفظ (فأنزل الله بعد ذلك ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ الآية. وأنزل في أبي طالب ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ . ولأحمد من طريق أبي حازم عن أبي هريرة في قصة أبي طالب قال: فأنزل الله ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ وهذا كله ظاهر في أنه مات على غير الإسلام] فتح الباري ٧/٢٤٥\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضاً: [قوله: (فأنزل الله: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) أي ما ينبغي لهم ذلك , وهو خبر بمعنى النهي ... وروى الطبري من طريق شبل عن عمرو بن دينار قال: قال النبي ﷺ: (استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك , فلا أزال استغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي. فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر نبينا لعمه , فنزلت) وهذا فيه إشكال , لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقاً , وقد ثبت أن النبي ﷺ أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية والأصل عدم تكرر النزول. وقد أخرج الحاكم وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق عن ابن مسعود قال: \" خرج رسول الله ﷺ يوماً إلى المقابر فاتبعناه , فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم بكى , فبكينا لبكائه , فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي , واستأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي , فأنزل عليَّ: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة عن أبيه نحوه وفيه (نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب) ولم يذكر نزول الآية. وفي رواية الطبري من هذا الوجه (لما قدم مكة أتى رسم قبر) ومن طريق فضيل بن مرزوق عن عطية (لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت) وللطبراني من طريق عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود وفيه (لما هبط من ثنية عسفان) وفيه نزول الآية في ذلك. فهذه طرق يعضد بعضها بعضاً , وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب , ويؤيده أيضاً أنه ﷺ قال يوم أحد بعد أن شج وجهه (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصاً بالأحياء وليس البحث فيه , ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر وإن كان سببها تقدم , ويكون لنزولها سببان: متقدم وهو أمر أبي طالب ومتأخر وهو أمر آمنة. ويؤيد تأخير النزول ما تقدم في تفسير براءة من استغفاره ﷺ للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك , فإن ذلك يقتضي تأخير النزول وإن تقدم السبب , ويشير إلى ذلك أيضاً قوله في حديث الباب: (وأنزل الله في أبي طالب ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره والثانية نزلت فيه وحده , ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي قال: (سمعت رجلاً يستغفر لوالديه وهما مشركان , فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله: ما كان للنبي الآية) وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وقال المؤمنون ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم لأبيه؟ فنزلت ... ] فتح الباري ٨/٦٤٤-٦٤٥.\r[ومما يؤكد تأخر نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ عن قصة أبي طالب:\r١- قوله في الآية: (والذين آمنوا) وهذا يدل على أن الاستغفار وقع من النبي ﷺ، ومن بعض المؤمنين، وقصة أبي طالب لم يكن الاستغفار فيها إلا من قبل النبي ﷺ.\r٢- أن هذه الآية وردت في سورة التوبة، وسورة التوبة مدنية، ومن أواخر ما نزل.\r٣- أن الله تعالى لم يُعاتب النبي ﷺ في صلاته على عبد الله بن أبي، وإنما أنزل النهي فقط، ولو كان قد سبق النهي عن الاستغفار لمن مات على الكفر؛ لعاتب الله تعالى نبيه على ذلك.] ملتقى أهل التفسير عن شبكة الإنترنت.\rومن أهل العلم من يرى أن نزول الآية لم يكن في قصة أبي طالب حيث إنها في سورة براءة كما قرره الحافظ ابن حجر العسقلاني وهي من أواخر ما نزل من القرآن.\rقال الألوسي [واستبعد ذلك الحسين بن الفضل بأن موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة. قال الو احدي: وهذا الاستبعاد مستبعد فأي بأس أن يقال: كان ﵊ يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول الآية فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة، وذكر نحواً من هذا صاحب التقريب، وعليه لا يراد بقوله: فنزلت في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول، فالفاء فيه للسببية لا للتعقيب. واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء وهو توجيه وجيه، خلا أنه يعكر عليه ما أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن علي ﵁ قال: أخبرت رسول الله ﷺ بموت أبي طالب فبكى فقال: \"اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه ففعلت وجعل رسول الله ?يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل ﵊ بهذه الآية ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الخ فإنه ظاهر في أن النزول قبل الهجرة لأن عدم الخروج من البيت فيه مغيا به، اللهم إلا أن يقال بضعف الحديث لكن لم نر من تعرض له، والأولى في الجواب عن أصل الاستبعاد أن يقال: إن كون هذه السورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب كما تقدم فلا ينافي نزول شيء منها في المدينة. والآية على هذا دليل على أن أبا طالب مات كافراً وهو المعروف من مذهب أهل السنة والجماعة] تفسير روح المعاني ٦/٣٢.\rومن أهل العلم من قال بتعدد سبب نزول الآية كالسيوطي حيث قال: [الحال السادس: أن لا يمكن ذلك فيحمل على تعدد النزول وتكرره.\rمثاله: ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أمية فقال: أي عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال: هو على ملة عبد المطلب فقال النبي ﷺ: لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فنزلت ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ الآية.\rوأخرج الترمذي وحسنه عن علي قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت.\rوأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: خرج النبي ﷺ يوماً إلى المقابر فجلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي فأنزل علي ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ فجمع بين هذه الأحاديث بتعدد النزول] الإتقان في علوم القرآن ١/ ١٣٢-١٣٣.\rإذا تقرر هذا فنعود إلى ما تدل عليه الآية الكريمة وهو تحريم الاستغفار والترحم على من مات كافراً من المغضوب عليهم ومن الضالين المضلين الذين ينطبق عليهم قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ سورة البقرة الآية ١٦١، وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ٩١وهذا محل اتفاق بين أهل العلم ولا يغترن أحد بما يقوله بعض الشيوخ الذين انزلقوا في هذا المنزلق الخطير فخالفوا الأدلة الصريحة من كتاب والسنة قَال الله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ قال القرطبي [هَذِهِ الْآيَة تَضَمَّنَتْ قَطْع مُوَالَاة الْكُفَّار حَيّهمْ وَمَيِّتهمْ فَإِنَّ اللَّه لَمْ يَجْعَل لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ فَطَلَبُ الْغُفْرَان لِلْمُشْرِكِ مِمَّا لَا يَجُوز.] تفسير القرطبي٨/٢٧٣\rوقال الله تعالى ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ سورة التوبة الآية٨٤.\rوثبت في الحديث الصحيح أنَّهُ ﷺ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) رواهُ مسلم.\rقال الإمام النووي: [وَقَوْلُهُ (لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ) أَيْ مِمَّنْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي زَمَنِي وَبَعْدِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَكُلُّهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِي طَاعَتِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيَّ تَنْبِيهاً عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَهُمْ كِتَابٌ فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَهُمْ مَعَ أَنَّ لَهُمْ كِتَاباً فَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٣٤٢.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية [وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ وَالدُّعَاءُ فَانْتِفَاعُ الْعِبَادِ بِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى شُرُوطٍ وَلَهُ مَوَانِعُ فَالشَّفَاعَةُ لِلْكُفَّارِ بِالنَّجَاةِ مِنْ النَّارِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ مَعَ مَوْتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ لَا تَنْفَعُهُمْ - وَلَوْ كَانَ الشَّفِيعُ أَعْظَمَ الشُّفَعَاءِ جَاهاً - فَلَا شَفِيعَ أَعْظَمُ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ الْخَلِيلُ إبْرَاهِيمُ وَقَدْ دَعَا الْخَلِيلُ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ . وَقَدْ كَانَ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأَبِي طَالِبٍ إقتداءً بِإِبْرَاهِيمَ وَأَرَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِبَعْضِ أَقَارِبِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ عُذْرَ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إنَّ إبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١/١٤٥-١٤٦.\rوقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [هذا نفي بمعنى النهي، فهو أبلغ من النهي المجرد، وهذا التعبير فيه يسمى نفي الشأن، وهو أبلغ من نفي الشيء نفسه، لأنه نفي معلل بالسبب المقتضي له. والمعنى: ما كان من شأن النبي ولا مما يصح أن يصدر عنه من حيث هو نبي - ولا من شأن المؤمنين ولا مما يجوز أن يقع منهم من حيث هم مؤمنون - أن يدعوا الله طالبين منه المغفرة للمشركين ﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ لهم في الأصل حق البر وصلة الرحم وكانت عاطفة القرابة تقتض الغيرة عليهم وحب المغفرة لهم (ولو) هذه تفيد الغاية لمعطوف عليه يحذف حذفاً مطرداً للعلم به، والمراد أنه ليس مما تبيحه النبوة ولا الإيمان ولا مما يصح وقوعه من أهلهما: الاستغفار للمشركين في حال من الأحوال، حتى لو كانوا أولي قربى، فإن لم يكونوا كذلك فعدم جوازه أولى. ثم قيد الحكم بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي من بعد ما ظهر لهم بالدليل أنهم من أهل النار الخالدين فيها بأن ماتوا على شركهم وكفرهم ولو بحسب الظاهر كاستصحاب حالة الكفر إلى الموت] ثم قال [والآية نص في تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة وكذا وصفه بذلك كقولهم المغفور له المرحوم فلان، كما يفعله بعض المسلمين الجغرافيين الآن، لعدم تحققهم بمقتضى الإيمان، وتقيدهم بأحكام الإسلام، ومنهم بعض المعممين والحاملين لدرجة العالمية من الأزهر] تفسير المنار ١١/٥٦-٥٧.\rوقال الشيخ محمد صالح العثيمين:\r[فيا عباد الله إن الله تعالى قال: (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) وقال الله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) وقال الله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وقال الله تعالى: (إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) والآيات في هذا معلومة فعلينا أن نتخذ الخطوات الآتية: إن الكافرين سواء كانوا من اليهود أو من النصارى أو من الوثنيين أو من الشيوعيين أو من أي صنف من أصناف الكفار هم أعداءنا إنهم كانوا لنا عدواً مبينا هكذا قال الله ﷿ الذي هو العالم بالخفيات وبما في القلوب كانوا أعداء عداوة بينة ظاهرة ولكنهم قد ينافقون أحياناً من أجل حظوظ أنفسهم فقط لا من أجل فائدة المسلمين.\rثانياً: أن نعلم أن الكفار مهما كانوا فإن ما يقدموا من خير لن ينفعهم عند الله تعالى لقول الله ﵎ (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا) هذا إذا تيقن أن فيه خيراً للإسلام والمسلمين فأما إذا كان فيه احتمال إن هذا الخير من أجل إبراز الدعوة النصرانية لمبرز ظاهر إنساني فان ذلك لا يكون فيه خير للمسلمين بل هو ضد المسلمين في الواقع.\rثالثاً: أن نعلم أنه لا يجوز لنا أن نترحم أو نستغفر لأحد من الكافرين المشركين أو اليهود أو النصارى لأن ذلك خلاف هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلاف هدي الذين آمنوا قال الله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربي من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) هكذا نفى الله تعالى هذا الأمر نفياً قاطعاً لأن ما كان كذا يعني أنه ممتنع شرعاً فلا يجوز لأحد من المؤمنين أن يدعو لكافر بالمغفرة أو بالرحمة لأن هذا خلاف منهج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومنهج الذين آمنوا ولقد قال النبي ﷺ في عمه أبي طالب حينما دعاه للإسلام ولكن آخر ما قال إنه على ملة عبد المطلب ولم يقل لا إله إلا الله قال النبي ﷺ: (لأستغفرن لك ما لم أنهى عنك) فنهاه الله تعالى أن يستغفر لعمه أبي طالب مع أن عمه أبا طالب نصره نصراً مؤزراً ودافع عنه وكان يقول فيه القصائد العصماء ومع ذلك نهاه الله ﷿ أن يستغفر له وقال: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) مع أن أبا طالب كان قد أفاد النبي ﷺ وأفاد الرسالة النبوية وأفاد المسلمين ولكن ذلك لم ينفعه قال الله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً) وإذا كان هذا في عم النبي ﷺ الذي دافع عنه وناصره فكيف في من لم يكن هذه حاله ولقد ثبت عن النبي ﷺ في صحيح مسلم أنه قال: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة- يعني أمة الدعوة - يهودياً أو نصرانياً ثم يموت ولم يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار) هكذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن المعلوم أن اليهود والنصارى كثير منهم قد سمع بدعوة الرسول ﷺ فإذا ماتوا ولم يؤمنوا به فهم من أصحاب النار وإذا كانوا من أصحاب النار فإنه لا يجوز لنا أن ندعوا الله لهم بالرحمة والمغفرة لأن هذا ضد حكم الله ﵎ فالله حكم بأنهم في النار فكيف نسأل الله أن يجعلهم في رحمته ومغفرته هذا من المضادة لحكم الله ﵎ ولكننا مع ذلك لا نشهد لأحد بعينه من الكفار أنه في النار ولكننا نقول كل كافر من يهودي أو نصراني أو مشرك أو ملحد فإنه من أصحاب النار لكن الشهادة بالعين أمرها عظيم فلا يشهد لأحد بعينه بجنة ولا نار إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن من مات على الكفر فإننا نجري عليه أحكام الكافرين فلا نستغفر له ولا نسأل الله له الرحمة.\rأيها الإخوة إن هذا الأمر يخفي على كثير من الناس يظنون أن الدعاء بالمغفرة والرحمة لمن يظن أنه أحسن إلى الإنسانية يظنون أنه لا بأس به ولكن كما سمعتم آيات الله ﷿ في النهي عن الاستغفار والاسترحام للمشركين فمن كان قد استغفر لأحد من اليهود أو النصارى أو المشركين فعليه أن يتوب إلى الله ﷿ وعليه أن لا يعود إلى ذلك ليحقق إيمانه وليكن على جادة النبي ﷺ والمؤمنين به ... ] عن موقع الشيخ على شبكة الإنترنت.\rوخلاصة الأمر أن من أهل العلم من يرى أن الآية نزلت في قصة أبي طالب عم النبي ﷺ ولا تنافي بين كونه قد مات قبل الهجرة وكون الآية في سورة التوبة وهي من أواخر ما نزل. وقد نصت الآية على حرمة الاستغفار لمن مات كافراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346590,"book_id":3840,"shamela_page_id":970,"part":"18","page_num":12,"sequence_num":970,"body":"١٢ - التوسل بسيدنا رسول الله ﷺ\rيقول السائل: ما حكم أن يقول المسلم: يا رسول الله استغفر لي أو يا رسول الله ادع لي سواء أكان ذلك عند قبر النبي ﷺ أو في أي مكان آخر؟\rالجواب: لا يجوز لأحد أن يقول [يا رسول الله استغفر لي أو يا رسول الله ادع لي] سواء أكان ذلك عند قبر النبي ﷺ أو في أي مكان آخر ويعتبر هذا القول وسيلة من وسائل الشرك والعياذ بالله حيث إن سيدنا رسول الله ﷺ قد انتقل من هذه الدنيا إلى دار الآخرة فهو ﷺ في حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله ﷿ وقد قال ﷾ ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ سورة الزمر الآية ٣٠.\rوالرسول ﷺ لا عمل له حيث انقطع عملة بوفاته ﷺ. وأما قول الله ﷿ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٦٤. فالمراد بها المجيء إلى سيدنا رسول الله ﷺ حال حياته وليس بعد وفاته ويدل على ذلك قوله تعالى\r﴿إِذْ﴾ ومن المعلوم أن الأصل في لفظة (إذ) في لغة العرب أنها تستعمل لما مضى من الزمان ولا تستعمل للزمان المستقبل. قال الجوهري [إذ كلمة تدل على ما مضى من الزمان ... ] الصحاح ٢/٥٦٠ وانظر لسان العرب ١/١٠١. وأما لفظة إذا فتستعمل لما يستقبل من الزمان.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من يستدل بالآية السابقة على جواز سؤال النبي ﷺ الدعاء حال موته [ومنهم من يتأول قوله تعالى ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ ويقولون إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين فإن أحداً منهم لم يطلب من النبي ﷺ بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئاً ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء وحكوا حكاية مكذوبة على مالك ﵁ سيأتي ذكرها وبسط الكلام عليها إن شاء الله تعالى ... ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١/١٥٩.\rوقال العلامة محمد بن صلح العثيمين عند حديثه عن أنواع التوسل: [النوع الرابع: أن يتوسل إلى الله بدعاء من ترجى إجابته كطلب الصحابة ﵃ من النبي ﷺ أن يدعو الله لهم مثل قول الرجل الذي دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال: ادع الله أن يغيثنا؛ وقول عكاشة بن محصن للنبي ﷺ: ادع الله أن يجعلني منهم.\rوهذا إنما يكون في حياة الداعي، أما بعد موته فلا يجوز؛ لأنه لا عمل له: فقد انتقل إلى دار الجزاء؛ ولذلك لما أجدب الناس في عهد عمر بن الخطاب ﵁ لم يطلبوا من النبي ﷺ أن يستسقي لهم؛ بل استسقى عمر بالعباس عم النبي ﷺ فقال له: قم فاستسق؛ فقام العباس فدعا، وأما ما يروى عن العتبي أن أعرابياً جاء إلى قبر النبي ﷺ فقال: \"السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ وقد جئتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي) وذكر تمام القصة؛ فهذه كذب لا تصح؛ والآية ليس فيها دليل لذلك؛ لأن الله يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم﴾ ولم يقل: (إذا ظلموا أنفسهم) و (إذ) لما مضى لا للمستقبل؛ والآية في قوم تحاكموا أو أرادوا التحاكم إلى غير الله ورسوله ﷺ كما يدل على ذلك سياقها السابق واللاحق.] التوسل حكمه وأقسامه ص ٢٢-٢٣.\rوخلاصة الأمر أنه لا يجوز أن يقال [يا رسول الله استغفر لي أو يا رسول الله ادع لي] سواء أكان ذلك عند قبر النبي ﷺ أو في أي مكان آخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346591,"book_id":3840,"shamela_page_id":971,"part":"18","page_num":13,"sequence_num":971,"body":"١٣ - شحن المحمول من كهرباء المسجد\rيقول السائل: كنا نعتكف في أحد المساجد في العشر الأواخر من رمضان وكان جماعة من المعتكفين يقومون بشحن البلفونات (التلفون المحمول) من كهرباء المسجد فما حكم ذلك؟\rالجواب: لا يجوز شحن البلفون من كهرباء المسجد لأن كهرباء المسجد لا يصح أن تستغل في الأمور الشخصية فلا يجوز لشخص مثلاً أن يمد خطاً من كهرباء المسجد إلى بيته والأصل عند العلماء أن المال الموقوف يستعمل حسب شرط الواقف إن كان هنالك شرط له فإن لم يكن له شرط فيستعمل المال الموقوف حسب ما تعارف الناس عليه وينبغي التنبيه إلى أن وجود الوصلات الكهربائية التي توصل بها البلفونات لشحنها لا يدل على أن الأوقاف قد أذنت في شحن البلفونات فهذه الوصلات إنما وضعت لخدمة المسجد من استخدام المكنسة الكهربائية أو مكبر الصوت ونحو ذلك ولا يصح القول بأن وجودها إذن للناس باستعمالها. كما أن فتح هذا الباب للناس يعني تحميل المساجد مصاريف عالية ولا يقولن أحد إن شحن البلفون ليس مكلفاً وعليه أن ينظر إلى كثرة البلفونات مع الناس.\rوبمناسبة الحديث عن البلفون والمسجد أود التذكير ببعض الأمور:\rأولاً: نلاحظ أن مستعملي البلفونات قد زودوها بنغمات موسيقية فهذا الأمر محرم شرعاً فما بالك عندما تعزف هذه الموسيقى في المسجد وأثناء الصلاة لا شك أن هذا منكر عظيم وقد قامت الأدلة الصحيحة على تحريم الموسيقى ومنها ما رواه الإمام البخاري في صحيحه قال الإمام البخاري: [وقال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس الكلابي حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله ما كذبني سمع النبي ﷺ يقول: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ... الخ الحديث] .\rوهذا الحديث يدل على تحريم الموسيقى من وجهين ذكرهما الشيخ العلامة الألباني الأول: قول النبي ﷺ (يستحلون) فإنه صريح بأن المذكورات ومنها المعازف هي في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك القوم.\rالثاني: قرن المعازف مع المقطوع بحرمته وهو الزنا والخمر، ولو لم تكن محرمة لما قرنها معها. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/١٤٤. والأدلة على تحريم الموسيقى كثيرة وليس هذا محل بحثها.\rوبناءً على ما سبق فلا يجوز وضع النغمات الموسيقية على البلفونات ويكتفى بالرني العادي.\rثانياً: نلاحظ كثرة رنين البلفونات أثناء الصلاة خاصة وفي المسجد بشكل عام على الرغم من اللوحات الإرشادية الموضوعة في المساجد والتي يطلب فيها إيقاف البلفونات عن العمل عند دخول المسجد ولا شك أن رنين البلفون وصدور النغمات الموسيقية فيه تشويش كبير على المصلين ويقطع خشوع المصلين ويتحمل الوزر والإثم حامل البلفون لأنه شوش على المصلين وقطع خشوعهم فلا يجوز لأحد أن يشوش على المصلين وأن يقطع خشوعهم فالتشويش في المسجد على المصلين والتالين لكتاب الله والذاكرين لا يجوز حتى ولو كان ذلك بقراءة القرآن الكريم فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذي بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) رواه أبو داوود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي وصححه الشيخ الألباني. وورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) رواه مالك بسند صحيح قاله الشيخ الألباني.\rوالمذكور في الحديث رفع الصوت بالقرآن الكريم فما بالك بالنغمات الموسيقية التي تصدرها البلفونات!!\rوقد همّ عمر بن الخطاب ﵁ بتعزير من يرفعون أصواتهم في المسجد فقد روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: كنت قائماً في المسجد فحصبني رجل - أي رماني بحصاة - فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: ممن أنتما؟ قال: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ؟\rوبناءً على ما سبق فيجب على من يحمل البلفون أن يوقفه عن العمل عند دخوله المسجد\rفإن نسيه شغالاً فرن أثناء الصلاة فينبغي أن يوقفه مباشرة وإن اقتضى ذلك أن يتحرك المصلي في صلاته فإن هذه الحركة مباحة على أقل تقدير إن لم تكن مستحبة نظراً للحاجة حيث إنه يترتب عليها منع ما يشوش على المصلين وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ: (أمَّ الناس في المسجد فكان إذا قام حمل أمامة بنت زينب وإذا سجد وضعها) رواه البخاري ومسلم.\rكما وأنه يجوز قتل الحية والعقرب في الصلاة وقد أمر النبي ﷺ بذلك. رواه أصحاب السنن وقال الإمام الترمذي حديث حسن.\rفيؤخذ من هذين الحديثين أن الحركة في الصلاة إن كانت لحاجة جائزةٌ ولا تبطل الصلاة أقول هذا مع التأكيد على إغلاق البلفون عند الدخول إلى المسجد فإن نسيه مفتوحاً ورنَّ أثناء الصلاة فيغلقه ولا شيء عليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346592,"book_id":3840,"shamela_page_id":972,"part":"18","page_num":14,"sequence_num":972,"body":"١٤ - العمل عند تضارب الفتوى\rيقول السائل: ما العمل عندما اختلاف فتاوى المفتين في مسألة واحدة؟\rالجواب: إن الفتوى من أخطر الأمور وأشدها لأنها في الحقيقة توقيع عن رب العالمين كما قال العالمون وكثير من الذين يتصدرون للفتوى في دين الله لا يدركون خطورة شأن الفتوى وما يجب أن يكون عليه المفتي من علم وصدق والتزام بشرع الله. قال الله تعالى (فاسْألُوا أهلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) سورة النحل الآية ٤٣، قال ابن عباس ﵄: [أهل الذكر هم أهل العلم] تفسير القرطبي ١٠/١٠٨.\rوقال العلامة ابن القيم [ولما كان التبليغ عن الله ﷾ يعتمد العلمَ بما يبلغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلغ، صادقاً فيه، ويكون مع ذلك حَسَنَ الطريقة، مرضيَّ السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان مَنصِبُ التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكَرُ فضله، ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟ فحقيقٌ بمن أقيم في هذا المنصب أن يُعدَ له عُدَّته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، فقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) ، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالةً، إذ يقول في كتابه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) ، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غداً وموقوف بين يدي الله] إعلام الموقعين عن رب العالمين ٢/ ١٦-١٧.\rإذا تقرر هذا فأعود إلى السؤال فأقول: إن الأصل في المستفتي أن يسأل من يثق في علمه ودينه فيعرض مسألته عليه فإن أفتاه لزم المستفتي أن يأخذ بفتواه. قال محمد بن سيرين من أئمة التابعين: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه) رواه مسلم في مقدمة صحيحه١/٧٦. وقال الإمام القدوة يزيد بن هارون: (إن العالم حجتك بينك وبين الله تعالى فانظر مَن تجعل حجتك بين يدي الله ﷿ ذكره الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه ٢/١٧٨.\rوقال الخطيب البغدادي: [أول ما يلزم المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محلته وجب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه، فإن لم يكن ببلده لزمه الرحيل إليه وإن بعدت داره فقد رحل غير واحد من السلف في مسألةٍ ... إلى أن قال [وإذا قصد أهل محلة للاستفتاء عما نزل به فعليه أن يسأل من يثق بدينه ويسكن إلى أمانته عن أعلمهم وأمثلهم؛ ليقصده ويؤم نحوه، فليس كل من ادعى العلم أحرزه، ولا كل من انتسب إليه كان من أهله] الفقيه والمتفقه ٢/ ١٧٧. وقال الإمام الآمدي [القائلون بوجوب الاستفتاء على العامي اتفقوا على جواز استفتائه لمن عرفه بالعلم وأهلية الاجتهاد والعدالة بأن يراه منتصباً للفتوى والناس متفقون على سؤاله والاعتقاد فيه، وعلى امتناعه فيمن بالضد من ذلك] . الإحكام في أصول الأحكام ٤/٤٥٣. وقال الإمام القرافي المالكي [ولا يجوز لأحد الاستفتاء إلا إذا غلب على ظنه أن الذي يستفتيه من أهل العلم والدين والورع] الذخيرة ١/١٤٧. وقال الإمام الشوكاني: [إذا تقرر لك أن العامي يسأل العالم والمقصر يسأل الكامل فعليه أن يسأل أهل العلم المعروفين بالدين وكمال الورع عن العالم بالكتاب والسنة العارف بما فيهما، المطلع على ما يحتاج إليه في فهمهما من العلوم الآلية حتى يدلوه عليه ويرشدوه إليه فيسأله عن حادثته طلباً منه أن يذكر له فيها ما في كتاب الله سبحانه أو ما في سنة رسول الله ﷺ فحينئذ يأخذ الحق من معدنه ويستفيد الحكم من موضعه ويستريح من الرأي الذي لا يأمن المتمسك به أن يقع في الخطأ المخالف للشرع المباين للحق ومن سلك هذا المنهج ومشى في هذا الطريق لا يعدم مطلبه ولا يفقد من يرشده إلى الحق فإن الله ﷾ قد أوجد لهذا الشأن من يقوم به ويعرفه حق معرفته وما من مدينة من المدائن إلا وفيها جماعة من علماء الكتاب والسنة وعند ذلك يكون حكم هذا المقصر حكم المقصرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم فإنهم كانوا يستروون النصوص من العلماء ويعملون على ما يرشدونهم إليه ويدلونهم عليه وقد ذكر أهل الأصول أنه يكفي العامي في الاستدلال على من له أهلية الفتوى بأن يرى الناس متفقين على سؤاله مجتمعين على الرجوع إليه ولا يستفتي من هو مجهول الحال كما صرح به الغزالي والآمدي وابن الحاجب وحكى في المحصول الاتفاق على المنع] إرشاد الفحول ص ٢٧١. وغير ذلك من أقوال أهل العلم. ولا ينبغي التنقل بالسؤال من مفت إلى آخر حتى يحصل المستفتي على الجواب الذي يوافق هواه من المفتي المتساهل فإن التساهل في الفتوى من المحرمات قال الإمام النووي رحمة الله عليه: [يحرم التساهل في الفتوى، ومن عرف به حَرُمَ استفتاؤه، فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، فإن تقدمت معرفته بالمسئول عنه فلا بأس بالمبادرة، وعلى هذا يُحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة، ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة، على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة، والتمسك بالشبه طلباً للترخيص، لمن يروم نفعه، أو التغليظ على من يريد ضره، وأما من صح قصدُه فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها للتخليص من ورطة يمين ونحوها، فذلك حسنٌ جميلٌ، وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا كقول سفيان - الثوري -: [إنما العلمُ عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد] المجموع ١/٤٦. وبهذه المناسبة فقد سئلت منذ عهد قريب عن فوائد صندوق التوفير في إحدى الشركات فأفتيت بتحريمها لأنها الربا المحرم في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وقد طرح السؤال على بعض المفتين وغير المفتين فأجابوا بأن ذلك عين الحلال بحجج هي أوهى من بيت العنكبوت، فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون. كيف أصبح الربا المحرم قطعاً في كتاب ربنا وسنة نبينا حلالاً خالصاً عند بعض المتسورين على الفتوى وعند بعض المجاهيل الذين يصدرون الفتاوى باسم حزب أو جماعة دون أن يُعرفوا بأعيانهم حتى ينظر الناس هل هؤلاء أهل للفتوى أم ليسوا لها أهلاً؟ ويجب أن يعلم أن الفتوى خاصة وأمور الدين عامة لا تقبل من المجاهيل فالمجهول مردود الرواية ولا يعتد بقوله لا في وفاق ولا في خلاف. وقد قرر العلماء أن المستفتي إن تعارضت لديه الفتاوى أنه يأخذ بقول الأعلم والأتقى والأكثر اعتماداً على الكتاب والسنة وقواعد الشرع تدل أيضاً أنه إذا تعارض الحل والتحريم فيقدم التحريم كما في مسألة صندوق التوفير لأن ذلك أحوط مع أن القول بالتحريم هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ. انظر المجموع ١/٩٢، شرح الكوكب المنير ٤/٥٨٠-٥٨١، الفتوى في الإسلام ص١٠٥-١٠٦.\rوقد حق لنا أن نبكي على أحوال المفتين كما بكى ربيعة الرأي ـ شيخ الإمام مالك ـ فقيل: ما يبكيك؟ فقال: استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم! وقال: ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق! وقال بعض العلماء: [فكيف لو رأى ربيعة زماننا؟ وإقدام من لا علم عنده على الفتيا وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها وتسلقه بالجهل والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب ... ] إعلام الموقعين عن رب العالمين ٦/١١٨.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346593,"book_id":3840,"shamela_page_id":973,"part":"18","page_num":15,"sequence_num":973,"body":"١٥ - حديث التفكر في آلاء الله ﷿\rيقول السائل: سمعت حديثاً يقول (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ وما معناه؟\rالجواب: هذا الحديث ورد عن النبي ﷺ وله عدة ألفاظ منها ما رواه الطبراني في المعجم الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان\rأن النبي ﷺ قال: (تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله) وفي رواية أخرى (فإنكم لن تدركوه إلا بالتصديق) وفي رواية ثالثة (لا تفكروا في الله وتفكروا في خلق الله) وفي رواية رابعة (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله) والحديث بمجموع طرقه حديث حسن كما بين ذلك العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٣٩٥-٣٩٧. وفي صحيح الجامع الصغير ١/٥٧٢.\rإذا تقرر هذا فإن المراد بالحديث أن يتفكر الإنسان في مخلوقات الله وفي نعم الله ﷿، وقد أمرنا الله ﷿ أن نتفكر فيما خلق في آيات كثيرة منها: قوله تعالى ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ سورة الغاشية الآية ١٧..وقوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ سورة الأنعام الآية٩٩.\rوقوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ سورة الأعراف ١٨٥. وقوله تعالى ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ سورة يونس الآية ١٠١. وقوله تعالى ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سورة العنكبوت الآية ٢٠. وقوله تعالى ﴿فَانْظُرْ إِلَىءَاثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سورة الروم الآية ٥٠. وقوله تعالى ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ سورة عبس الآية ٢٤. وغير ذلك من الآيات الكريمات.\rولا ينبغي التفكر في ذات الله لأن التفكر في ذات الله قد يقود الإنسان إلى الشك وهذا الأمر من وساوس الشيطان ومن إضلاله للمؤمن ليخرجه من الإيمان إلى الكفر والعياذ بالله ولن يستطيع الإنسان بعقله المحدود أن يعرف قدر الله ﷾، قال ﷻ: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ سورة البقرة الآية ٢٥٥. وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ سورة طه الآية١١٠. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ سورة الشورى الآية ١١.\rقال الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة المرضية عند أهل السنة والجماعة ما نصه: [ولا نخوض في الله ولا نماري في دين الله] . وقال الشيخ ابن أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية في شرح العبارة السابقة: [يشير الشيخ ﵀ إلى الكف عن كلام المتكلمين الباطل وذم علمهم فإنهم يتكلمون في الإله بغير علم وغير سلطان أتاهم ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ سورة النجم الآية ٢٣. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: [لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء بل يصفه بما وصف به نفسه ... ] شرح العقيدة الطحاوية ص ٤٢٧.\rوقد علَّمنا النبي ﷺ كيفية معالجة شكوك ووساوس الشيطان عندما يعرض لنا فقد ورد في الحديث أنه ﷺ قال: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله) رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل: آمنت بالله ورسوله) رواه أحمد والطبراني وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ١٦٥٦. وقال النبي ﷺ: (يوشك الناس يتساءلون، حتى يقول قائلهم: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك؛ فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً، وليستعذ من الشيطان) رواه أحمد وأبو داود وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٢٤. وقال النبي ﷺ: (إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلقك؟ فيقول الله. فيقول: فمن خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليقرأ آمنت بالله ورسله فإن ذلك يذهب عنه) رواه أحمد وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٢٢. وفي صحيح الجامع حديث رقم ١٦٥٧. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من وجد من هذا الوسواس، فليقل: آمنا بالله ورسوله ثلاثاً فإن ذلك يذهب عنه) رواه أحمد وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٢٢. وفي صحيح الجامع حديث رقم ٦٥٨٧. وقد ذكر بعض أهل العلم أنه يؤخذ من هذه الأحاديث ست وسائل للتغلب على وساوس الشيطان: ١- أن يقول المرء إذا انتابته هذه الخواطر: آمنت بالله ورسوله. ٢- أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فيقول مثلاً: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه) . ٣- أن يتفل عن يساره ثلاثاً. ٤- أن ينتهي عما هو فيه، كما قال ﷺ: (ولينته) ، وهذه وسيلة مهمة؛ فإن الاستطراد مع الشيطان في هذه الوساوس يزيد نارها اشتعالاً وضراماً، والواجب أن يقطع المسلم هذه الخواطر بقدر المستطاع، وأن يشغل ذهنه بالمفيد النافع. ٥- أن يقرأ سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) فإن فيها ذكر صفات الرحمن، ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن، وقراءة هذه السورة العظيمة وتدبرها كفيل بقطع هذه الوساوس. ٦- أن يتفكر الإنسان في خلق الله، وفي نعم الله، ولا يتفكر في ذات الله، لأنه لن يصل بعقله القاصر إلى تصور ذات الله، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ انتهى. وقال الشيخ العلامة الألباني بعد أن ذكر الأحاديث السابقة: [دلت هذه الأحاديث الصحيحة على أنه يجب على من وسوس إليه الشيطان بقوله: من خلق الله؟ أن ينصرف عن مجادلته إلى إجابته بما جاء في الأحاديث المذكورة، وخلاصتها أن يقول: [آمنت بالله ورسله، الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. ثم يتفل عن يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من الشيطان، ثم ينتهي عن الانسياق مع الوسوسة وأعتقد أن من فعل ذلك طاعة لله ورسوله، مخلصاً في ذلك أنه لا بد أن تذهب الوسوسة عنه، ويندحر شيطانه لقوله ﷺ: (فإن ذلك يذهب عنه) . وهذا التعليم النبوي الكريم أنفع وأقطع للوسوسة من المجادلة العقلية في هذه القضية، فإن المجادلة قلما تنفع في مثلها. ومن المؤسف أن أكثر الناس في غفلة عن هذا التعليم النبوي الكريم، فتنبهوا أيها المسلمون وتعرفوا إلى سنة نبيكم واعملوا بها، فإن فيها شفاؤكم وعزكم] السلسلة الصحيحة ٢/٢٥.\rوخلاصة الأمر أن الحديث ثابت عن النبي ﷺ وأن المطلوب من المسلم أن يتفكر في مخلوقات الله ﷿ وآلائه وأن لا يتفكر ي ذات الله لأن التفكير في ذات الله من المضلات والعياذ بالله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346594,"book_id":3840,"shamela_page_id":974,"part":"18","page_num":16,"sequence_num":974,"body":"١٦ - إتيان الزوجة في الدبر من الكبائر\rتقول السائلة: إن زوجها أجبرها على الوطء في الدبر وهي تعلم أن ذلك محرم شرعاً ولكنها سمعت أن المرأة تصير طالقاً إذا أتاها زوجها في دبرها فما الحكم في هذه المسألة أفيدونا؟\rالجواب: إن شريعة الإسلام المباركة قد بينت للناس كل الأحكام التي يحتاجون إليها في جميع نواحي حياتهم ومن ذلك طريقة المعاشرة الزوجية الصحيحة والموافقة للفطرة الإنسانية يقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٢ وقال الله تعالى في الآية بعدها ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٣ قال أهل التفسير إن المراد هو إتيان الزوجة في محل الولد وهو المحل الذي أمر الله ﷿ أن تؤتى الزوجة فيه ومن المعلوم عند الناس كافة أن محل الولد هو القبل لا الدبر. انظر تفسير القرطبي ٣/٩٠.\rوقد وردت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في تحريم إتيان الزوجة في دبرها فمن ذلك:\rعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ملعون من أتى امرأة في دبرها) . رواه أحمد وأبو داود وهو حديث حسن.\rوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أتى حائضاً أو امرأةً في دبرها أو كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ رواه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود. وقال: (فقد بريء مما أنزل على محمد ﷺ . وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٧/٦٨. وعن خزيمة بن ثابت ﵁ (أن النبي ﷺ نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها) . رواه أحمد وابن ماجة. وعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تأتوا النساء في أعجازهن أو قال في أدبارهن) . رواه أحمد.\rوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبي ﷺ قال في الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى) . رواه أحمد.\rوعن علي بن طلق قال سمعت رسول الله ﷺ: (يقول لا تأتوا النساء في أستاههن فإن الله لا يستحي من الحق) . رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن وصححه ابن حبان. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا ينظر الله إلى رجل يأتي امرأته في دبرها) . رواه الترمذي وحسنه وصححه ابن حبان وصححه ابن راهويه انظر آداب الزفاف ص١٠٥، زاد المعاد ٣/٢٥٧. وعن خزيمة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٧/٦٥\rوهذه الأحاديث وإن كان في بعضها كلام لأهل الحديث فهي صالحة للاحتجاج ومثبتة لتحريم إتيان الزوجة في دبرها قال الحافظ ابن حجر العسقلاني عن هذه الأحاديث: [طرقها كثيرة فمجموعها صالح للاحتجاج به] فتح الباري ٨/٢٤١.\rوقال الشوكاني: [ولا شك أن الأحاديث المذكورة في الباب القاضية بتحريم إتيان النساء في أدبارهن يقوي بعضها بعضاً] نيل الأوطار٦/٢٢٨ وقد أخذ أهل العلم من هذه النصوص تحريم إتيان المرأة في دبرها قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وطء المرأة في دبرها حرام في قول جماهير العلماء] مختصر الفتاوى المصرية ص ٣٧. ولم يصح عن أحد من العلماء إباحة ذلك وما روي من أقوال منسوبة لبعض أهل العلم بإباحة ذلك فهي أقوال ضعيفة شاذة وغير ثابتة عنهم. قال الحافظ ابن كثير: [وقال أبو بكر بن زياد النيسابورى... حدثني إسرائيل بن روح سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟ لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول ذلك- أي إباحة الوطء في الدبر- قال: يكذبون عليَّ يكذبون عليَّ، فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة، وهو قول سعيد بن المسيب وأبي سلمة، وعكرمة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر، والحسن وغيرهم من السلف أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على فعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء] تفسير ابن كثير ١/٢٦٥ وقال القرطبي: [والصحيح في هذه المسألة ما بيناه - تحريم الوطء في الدبر - وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرءون من ذلك لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث لقوله تعالى ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ... وهذا هو الحق وقد قال أصحاب أبي حنيفة: إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم ... وقال ابن العربي في قبسه: قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه: ... وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة. فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة. وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناساً بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل فقال: كذبوا عليَّ، كذبوا عليَّ، كذبوا علي! ثم قال: ألستم قوما عرباً؟ ألم يقل الله تعالى: \"نساؤكم حرث لكم\" وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت! وما استدل به المخالف من أن قوله ﷿: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله ﷺ اثنا عشر صحابياً بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه \"تحريم المحل المكروه\". ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه (إظهار إدبار، من أجاز الوطء في الأدبار) . قلت: وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه. وقد حذرنا من زلة العالم. وقد روي عن ابن عمر تكفير من فعله، وهذا هو اللائق به ﵁. وكذلك كذَّب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي] تفسير القرطبي ٣/٩٤-٩٥\rوقد اعتبر الشيخ ابن حجر المكي إتيان المرأة في دبرها من كبائر الذنوب وهذا هو الحق الذي تؤيده الأدلة فإن النبي ﷺ قد لعن من فعل ذلك واللعن لا يكون إلا على كبائر الذنوب. انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/٦٢.\rوذكر الشيخ ابن القيم حكماً كثيرة في حرمة وطء المرأة في دبرها فقال [وإذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض فما الظن بالحش – الدبر - الذي هو محل الأذى اللازم ... للمرأة حق على الزوج في الوطء ووطؤها في دبرها يفوّت حقها ولا يقضي وطرها ولا يُحصّل مقصودها ... فإنه يذهب بالحياء جملة والحياء هو حياة القلوب فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن وحينئذ فقد استحكم فساده] زاد المعاد ٣/ ٢٦٢-٢٦٣\rوقد أثبت العلم الحديث انتقال عدد كبير ن الأمراض الجنسية الخطيرة عن طريق الوطء في الدبر أو اللواط ومنها داء نقصان المناعة المكتسب (الإيدز) وهو مرض قاتل غالباً ما ينتشر بين الشاذين جنسياً الذين يمارسون اللواط (أكثر من ٧٠% من حالات الإيدز) ] الموسوعة الطبية الفقهية ص٤٥٦.\rوخلاصة الأمر أنه يحرم إتيان المرأة في دبرها وأنه من كبائر الذنوب. ولا يجوز للمرأة أن تطاوع زوجها في ذلك فإن فعلاه فيجب عليهما أن يتوبا إلى الله توبة صادقة ولا يعودا لذلك مستقبلاً ولا علاقة لإتيان المرأة في دبرها بالطلاق أو تحريم الزوجة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346595,"book_id":3840,"shamela_page_id":975,"part":"18","page_num":17,"sequence_num":975,"body":"١٧ - فتوى المفتي لا تحل حراما ولا تحرم حلالا\rالسؤال: يسألني بعض الناس أسئلة تتعلق بمشكلات مالية أو خصومات مع غيرهم وأجيبهم بناء على أسئلتهم وبعد ذلك يأتيني الطرف الثاني في المشكلة ويشرح لي المشكلة على خلاف ما قال السائل حيث إن السائل قد أخفى بعض المعلومات الهامة في السؤال لذا أحببت أن أوضح بعض الأمور المتعلقة بالفتوى والمفتي والمستفتي والمرتبطة بما سبق.\rالجواب: يجب أن يعلم أولاً أن العلماء قد فرقوا بين الفتوى وحكم القاضي أو حكم الحاكم أو حكم المحكم.\rفالفتوى أن يخبر المفتي بحكم الله ﷾ لمعرفته بدليله كما ذكر الشيخ ابن حمدان الحنبلي في صفة الفتوى والمفتي والمستفتي ص٤. بينما حكم القاضي أو الحاكم أو المحكم هو إنشاء لا إخبار فالقاضي ينشئ الالتزام للشخص المعين بما يعلم أن شرع الله يأمر به. انظر مباحث في أحكام الفتوى ص٣٣. وقد فصل الإمام شهاب الدين القرافي المالكي المتوفى ٦٨٤هـ الفرق بين الفتوى والقضاء في كتابيه المهمين وهما الفروق والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام.\rقال القرافي: [مثال الحاكم والمفتي مع الله تعالى – ولله المثل الأعلى- مثال قاضي القضاة يولّي شخصين، أحدهما نائبه في الحكم، والآخر ترجمان بينه وبين الأعاجم. فالترجمان يجب عليه اتباع تلك الحروف والكلمات الصادرة عن الحاكم، ويخبر بمقتضاها من غير زيادة ولا نقص. فهذا هو المفتي يجب عليه اتباع الأدلة بعد استقرائها، ويخبر الخلائق بما ظهر له منها من غير زيادة ولا نقص إن كان المفتي مجتهداً، وإن كان مقلداً كما في زماننا فهو نائب عن المجتهد في نقل ما يخص إمامه لمن يستفتيه، فهو كلسان إمامه والمترجم عن جنانه. ونائب الحاكم في الحكم ينشىء من إلزام الناس وإبطال الإلزام عنهم ما لم يقرره مستنيبه الذي هو القاضي الأصلي، بل فوّض ذلك لنائبه، فهو متبع لمستنيبه من وجه، وغير متبع له من وجه. متبع له في أنه فوّض له ذلك وقد امتثل، وغير متبع له في أن الذي صدر منه من الإلزام لم يتقدم مثله في هذه الواقعة من مستنيبه بل هو أصل فيه. فهذا مثال الحاكم مع الله تعالى، هو ممتثل لأمر الله تعالى في كونه فوض إليه ذلك، فيفعله بشروطه. وهو منشئ لأن الذي حكم به تعيّن، وتعيُّنه لم يكن مقرراً في الشريعة، وليس إنشاؤه لأجل الأدلة التي تعتمد في الفتاوى، لأن الأدلة يجب فيها اتباع الراجح. هاهنا له أن يحكم بأحد القولين المستويين على غير ترجيح ولا معرفة بأدلة القولين إجماعاً، بل الحاكم يتبع الحِجاج. والمفتي يتبع الأدلة. والمفتي لا يعتمد على الحجاج بل على الأدلة. والأدلة: الكتاب والسنة ونحوهما. والحِجاج: البيِّنة والإقرار ونحوهما. فهذا مثال الحاكم والمفتي مع الله تعالى، وليس له أن ينشئ حكماً بالهوى واتباع الشهوات بل لا بد من أن يكون ذلك القول الذي حكم به قال به إمام معتبر لدليل معتبر كما أن نائب الحاكم ليس له أن يحكم بالتشهي عن مستنيبه.] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص٤٣-٤٥.\rومن الأمور المهمة التي يجب أن تكون معلومة للمستفتي أن القاضي والحاكم والمحكم مطلوب من كل منهم أن يستمع إلى الخصوم وإلى حججهم وأدلتهم ولا يجوز له أن يقضي قبل أن يسمع من الخصوم وهذا بخلاف المفتي فليس مطلوباً منه ذلك فالمفتي يجيب المستفتي حسب سؤاله فإذا أخفى المستفتي بعض المعلومات عن المفتي فإنما الإثم على المستفتي لا على المفتي.\rإذا تقرر هذا فيجب أن يعلم أنه يحرم على المستفتي أن يتحايل على المفتي بصياغة السؤال بطريقة تؤدي إلى تضليل المفتي وخداعه ليحصل على الجواب الذي يريده، فالمفتي كالقاضي تماماً يفتي حسب الظاهر والفتوى لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً. وقد قرر النبي ﷺ القول الفصل في هذا الباب وهو أن الحكم يكون حسب الظاهر في حديث صحيح مشهور عند أهل العلم رواه أصحاب الكتاب التسعة وأسوق رواية تامة للحديث بزياداته لتوضيح المقام نظراً لأهميته وخطورته، فعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: سمع رسول الله ﷺ خصومة بباب حجرته، فخرج فإذا رجلان من الأنصار جاءا يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست ليس عندهما بينه إلا دعواهما في أرض قد تقادم شأنها، وهلك من يعرف أمرها، فقال لهما رسول الله ﷺ: إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولم ينزل عليّ فيه شيء، وإني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن - أبلغ بحجَّته - من بعض، فأحسب أنه صادق فأقضي له، فإني إنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً ظلماً بقوله فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، يطوّق بها من سبع أرضين يأتي بها سِطاماً في عنقه يوم القيامة، فليأخذها أو ليدعها. فبكى الرجلان جميعاً لما سمعا ذلك وقال كل واحد منهما: يا رسول الله حقي هذا الذي اطلب لأخي، فقال رسول الله ﷺ: أما إذ قلتما هذا فاذهبا واقتسما، ثم توخيّا الحق فاجتهدا في قسم الأرض شطرين، ثم استهما، ثم ليُحَلل كل واحد منكما صاحبه] السطام هي الحديدة التي تحرك بها النار وتسعر، انظر الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص١٠٠-١٠١.\rوقد ظهر جلياً من هذا الحديث أن حكم الحاكم لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً وكذلك فتوى المفتي، قال الإمام البخاري في صحيحه باب من قُضي له بحق أخيه فلا يأخذه فإن قضاء الحاكم لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ثم ذكر إحدى الروايات حديث أم سلمة ﵂ السابق. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٣/٢١٤.\rوأخيراً فإن المستفتي إذا حصل على فتوى توافق هواه وكان مخادعاً في سؤاله ومحتالاً للحصول على الجواب المناسب لحاله فعليه أن يعرض تلك الفتوى على قلبه ليرى هل قلبه مطمئن لها أم لا؟ فقد ورد في الحديث عن وابصة بن معبد ﵁ قال أتيت رسول الله ﷺ جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم، قال: استفت قلبك البر ما اطمئنت إليه النفس واطمئن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك) رواه أحمد والدارمي والطبراني وهو حديث حسن كما قال الإمام النووي والشيخ الألباني. قال العلامة ابن القيم: [لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله، وتردد فيها، لقوله ﷺ: (استفت نفسك، وإن أفتاك الناس وأفتوك) ، فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولاً، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي ﷺ: (من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار) والمفتي والقاضي في هذا سواء، ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهل المفتي أو محاباته في فتواه، أو عدم تقييده بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها، فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي سأل ثانياً وثالثاً حتى تحصل له الطمأنينة، فإن لم يجد، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة] إعلام الموقعين عن رب العالمين ٦/١٩٢-١٩٣.\rوخلاصة الأمر أن المستفتي مطالب شرعاً بأن يصدق في كل المعلومات التي يذكرها في سؤاله للمفتي ويحرم عليه أن يتحايل أو يخادع حتى يحصل على الجواب الذي يوافق هواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346596,"book_id":3840,"shamela_page_id":976,"part":"18","page_num":18,"sequence_num":976,"body":"١٨ - لا يؤخذ حكم شرعي من رؤيا النبي ﷺ\rيقول السائل: ما الحكم الشرعي فيمن يزعم أنه رأى النبي ﷺ في المنام وطلب منه أن يفعل فعلاً كأن يطلق زوجته فهل يلزمه طلاقها أفيدونا\rالجواب: رؤية سيدنا رسول الله ﷺ في المنام ممكنة وهذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة وقد وردت عدة أحاديث في ذلك منها عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي) قال ابن سيرين: إذا رآه في صورته. رواه البخاري.\rوعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ (من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) رواه البخاري ومسلم وغير ذلك من الأحاديث. ويؤخذ من الأحاديث الصحيحة الواردة في رؤية سيدنا رسول الله ﷺ أنه قد يرى في النوم وأن من رآه في النوم على صورته المعروفة فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل في صورته ﷺ ولكن الأمر الهام الذي يجب أن يعلم أن العلماء قد قرروا أنه لا يؤخذ أي حكم شرعي من رؤية النبي ﷺ في المنامات لأن الشريعة الإسلامية قد تمت وكملت قبل وفاة سيدنا محمد ﷺ قال الله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ سورة المائدة الآية ٣. كما أن مصادر التشريع معلومة ومعروفة وقد بينها الأصوليون وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمصادر التبعية على خلاف بينهم فيها وليس منها الرؤى ولا المنامات ولا يحتج بالرؤى في باب الأحكام الشرعية إلا من ضعف عقله وزاغ عن طريق الحق والصواب. فليست الرؤى والمنامات من مصادر التشريع وهذا هو الحق والصواب وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وأكثر ما يؤخذ من الرؤى أن تكون بشارة أو نذارة لا أن تكون مصدراً للتشريع\rقال الإمام النووي عند كلامه على رؤى الرواة [قال القاضي عياض ﵀: هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان لا أنه يقطع بأمر المنام ولا أنه تبطل بسببه سنة ثبتت ولا تثبت به سنة لم تثبت وهذا بإجماع العلماء , هذا كلام القاضي. وكذا قاله غيره من أصحابنا وغيرهم فنقلوا الاتفاق على أنه لا يغير بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع. وليس هذا الذي ذكرناه مخالفاً لقوله ﷺ (من رآني في المنام فقد رآني) فإن معنى الحديث أن رؤيته صحيحة وليست من أضغاث الأحلام وتلبيس الشيطان ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي به لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي, وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظاً لا مغفلاً ولا سيئ الحفظ ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط , والنائم ليس بهذه الصفة فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه هذا كله في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة , أما إذا رأى النبي ﷺ يأمره بفعل ما هو مندوب إليه أو ينهاه عن منهي عنه أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه لأن ذلك ليس حكماً بمجرد المنام بل تقرر من أصل ذلك الشيء] . شرح النووي على صحيح مسلم ١/١١٥وقال الإمام النووي أيضاً: [لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان, ولم ير الناس الهلال, فرأى إنسان النبي ﷺ في المنام، فقال له: الليلة أول رمضان لم يصح الصوم بهذا المنام، لا لصاحب المنام ولا لغيره] المجموع ٦/٢٩٢وقال الإمام النووي أيضاً عند كلامه على خصائص النبي ﷺ: [ومنه أن من رآه في المنام فقد رآه حقاً فإن الشيطان لا يتمثل في صورته ولكن لا يعمل بما يسمعه الرائي منه في المنام مما يتعلق بالأحكام إن خالف ما استقر في الشرع لعدم ضبط الرائي لا للشك في الرؤيا لأن الخبر لا يقبل إلا من ضابط مكلف والنائم بخلافه] تهذيب الأسماء واللغات١/٤٣\rوقال الشاطبي: [وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله ﷺ الرائي بالحكم فلا بد من النظر فيها أيضاً لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته فالحكم بما استقر وإن أخبر بمخالف فمحال لأنه ﷺ لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية لأن ذلك باطل بالإجماع فمن رأى شيئاً من ذلك فلا عمل عليه وعند ذلك نقول عن رؤياه غير صحيحة إذ لو رآه حقاً لم يخبر بما يخالف الشرع] الاعتصام ١/٣٢١. وانظر أيضاً الموافقات للشاطبي١/١١٤-١١٥. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [الرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق] مجموع الفتاوى ٢٧/٤٥٧وقال ابن حزم الظاهري [الشرائع لا تُؤْخَذ بالمنامات] المحلى ٦ / ٥٠٧. وقال الشوكاني: [المسألة السابعة: في رؤيا النبي ﷺ ذكر جماعة من أهل العلم منهم الأستاذ أبو إسحاق أن يكون حجة ويلزم العمل به وقيل حجة ولا يثبت به حكم شرعي وإن كانت رؤية النبي ﷺ رؤية حق والشيطان لا يتمثل به لكن النائم ليس من أهل التحمل للرواية لعدم حفظه وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعاً ثابتاً، ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا ﷺ قد كمله الله ﷿ وقال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته ﷺ إذ قال فيها بقول أو فعل فيها فعلاً يكون دليلاً وحجة بل قبضه الله إليه عند أن كمَّل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبينها بالموت وإن كان رسولاً حياً وميتاً وبهذا تعلم أن لو قدَّرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله ﷺ أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة] إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ص٢٤٩. وقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز: [، ولا يجوز أن يعتمد عليها في شيء يخالف ما علم من الشرع، بل يجب عرض ما سمعه الرائي من النبي من أوامر أو نواهي أو خبر أو غير ذلك من الأمور التي يسمعها أو يراها الرائي للرسول ﷺ على الكتاب والسنة الصحيحة، فما وافقهما أو أحدهما قبل، وما خالفهما أو أحدهما ترك؛ لأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها وأتم عليها النعمة قبل وفاة النبي ﷺ فلا يجوز أن يقبل من أحد من الناس ما يخالف ما علم من شرع الله ودينه سواء كان ذلك من طريق الرؤيا أو غيرها وهذا محل إجماع بين أهل العلم المعتد بهم، أما من رآه ﵊ على غير صورته فإن رؤياه تكون كاذبة كأن يراه أمرد لا لحية له، أو يراه أسود اللون أو ما أشبه ذلك من الصفات المخالفة لصفته ﵊، لأنه قال ﵊: \" فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي \" فدل ذلك على أن الشيطان قد يتمثل في غير صورته ﵊ ويدعي أنه الرسول ﷺ من أجل إضلال الناس والتلبيس عليهم. ثم ليس كل من ادعى رؤيته ﷺ يكون صادقا وإنما تقبل دعوى ذلك من الثقات المعروفين بالصدق والاستقامة على شريعة الله سبحانه، وقد رآه في حياته ﷺ أقوام كثيرون فلم يسلموا ولم ينتفعوا برؤيته كأبي جهل وأبي لهب وعبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وغيرهم، فرؤيته في النوم ﵊ من باب أولى] ونقل صاحب تهذيب الفروق والقواعد السنية عن العلامة العطار قوله: ولا يلزم من صحة الرؤيا التعويل عليها في حكم شرعي لاحتمال الخطأ في التحمل وعدم ضبط الرائي] تهذيب الفروق والقواعد السنية ٤/٢٧٠. وقد وجدت كلاماً للإمام القرافي في مسألة قريبة من مسألة الطلاق الزوجة بناءً على الرؤية حيث قال: [فلو رآه ﵊ فقال له: إن امرأتك طالق ثلاثاً , وهو يجزم بأنه لم يطلقها فهل تحرم عليه ; لأن رسول الله ﷺ لا يقول إلا حقاً وقع فيه البحث مع الفقهاء واضطربت آراؤهم في ذلك بالتحريم وعدمه لتعارض خبره ﵊ عن تحريمها في النوم وإخباره في اليقظة في شريعته المعظمة أنها مباحة له , والذي يظهر لي أن إخباره ﵊ في اليقظة مقدم على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبط المثال , فإذا عرضنا على أنفسنا احتمال طروء الطلاق مع الجهل به واحتمال طروء الغلط في المثال في النوم وجدنا الغلط في المثال أيسر وأرجح , ومن هو من الناس يضبط المثال على النحو المتقدم إلا أفراد قليلة من الحفاظ لصفته ﵊ وأما ضبط عدم الطلاق فلا يختل إلا على النادر من الناس والعمل بالراجح متعين , وكذلك لو قال له عن حلال: إنه حرام , أو عن حرام إنه حلال , أو عن حكم من أحكام الشريعة قدمنا ما ثبت في اليقظة على ما رأى في النوم لما ذكرناه كما لو تعارض خبران من أخبار اليقظة صحيحان فإنا نقدم الأرجح بالسند أو باللفظ أو بفصاحته أو قلة الاحتمال في المجاز أو غيره فكذلك خبر اليقظة وخبر النوم يخرجان على هذه القاعدة] الفروق ٤/٢٤٥-٢٤٦.\rوأخيراً أذكر ما قاله الشاطبي: [وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنّة نعم يأتي المرئي تأنيساً وبشارة ونذارة خاصة بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكماً ولا يبنون عليها أصلاً وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها] الاعتصام ١/٣٢٢. وبعد هذه النقول عن فحول أهل العلم أقول لا شك أنه لا يصح في دين الإسلام الاعتماد على الرؤى والأحلام في إثبات الأحكام ولا يجوز للسائل أن يطلق زوجته بناءً على تلك المنامات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346597,"book_id":3840,"shamela_page_id":977,"part":"18","page_num":19,"sequence_num":977,"body":"١٩ - النهي عن ترجيل الشعر يوميا ليس للتحريم\rيقول السائل: إنه سمع حديثاً نبوياً فيه (أن النبي ﷺ نهى أن يمتشط الرجل كل يوم) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ وما دلالته إن صح أفيدونا\rالجواب: الحديث المذكور رواه أبو داود والنسائي والبيهقي ولفظه (عن حميد بن عبد الرحمن قال لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة ﵁ أربع سنين قال نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله أو يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعاً) والحديث قال عنه الإمام النووي: رواه أبو داود بإسناد حسن. المجموع ١/٢٩٣ وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٩\rويجب أن يعلم أن النهي في الحديث ليس للتحريم وإنما لكراهة التنزيه فليس كل نهي وارد في الشرع يدل على التحريم، فإن كثيراً من النواهي الشرعية تدل على الكراهة التنزيهية وقد عجبت ممن جمعوا أحاديث النواهي الواردة عن النبي ﷺ وحشروها في باب واحد وكأنها كلها تدل على التحريم مما أوقع كثيراً من طلبة العلم الشرعي في إشكالات كثيرة وكان الواجب أن يبينوا إما بياناً إجمالياً أو بياناً تفصيلياً أن من أحاديث النواهي ما هو محمول على الكراهة التنزيهية حتى يكون طلبة العلم على بصيرة والمراد من الحديث المذكور في السؤال أنه لا ينبغي أن يكون المسلم مترفهاً منعماً يهتم كثيراً بتسريح شعره على سبيل المبالغة في ذلك وخير الأمور الوسط ومثله ما ورد في حديث آخر أن النبي ﷺ (نهى عن الترجل إلا غباً) رواه أبو داود والترمذي وصححه والترجل والترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه\rوقوله ﷺ (إلا غباً) أي يوماً بعد يوم فلا يكره بل يسن فالمراد النهي عن المواظبة عليه والاهتمام به لأنه مبالغة في التزيين وتهالك به كما قاله المناوي في فيض القدير ٦/٤٠٤.\rومما يدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عبد الله بن بريدة أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر فقدم عليه وهو يمد ناقة له فقال إني لم آتك زائراً إنما أتيتك لحديث بلغني عن رسول الله ﷺ رجوت أن يكون عندك منه علم فرآه شعثاً فقال ما لي أراك شعثاً وأنت أمير البلد؟ قال إن رسول الله ﷺ كان ينهانا عن كثير من الإرفاه) رواه\rأبو داود والنسائي وغيرهما والإرفاه من الرفاهية وهي السعة والدعة والتنعم\rويضاف إلى ذلك أنه قد وردت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في العناية بالشعر وتنظيفه وتسريحه منها: عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ قال: من كان له شعر فليكرمه) . رواه أبو داود وقال صاحب عون المعبود: [قوله (من كان له شعر فليكرمه) أي فليزينه ولينظفه بالغسل والتدهين والترجيل ولا يتركه متفرقاً فإن النظافة وحسن المنظر محبوب] عون المعبود شرح سنن أبي داود ١١/١٤٧\rوقال الشوكاني: [الحديث قال في الفتح: وإسناده حسن وله شاهد من حديث عائشة في الغيلانيات وإسناده حسن أيضاً وسكت عنه أبو داود والمنذري وقد صرح أبو داود أيضاً أنه لا يسكت إلا عما هو صالح للاحتجاج ورجال إسناده أئمة ثقات. وفيه دلالة على استحباب إكرام الشعر بالدهن والتسريح وإعفائه عن الحلق لأنه يخالف الإكرام إلا أن يطول كما ثبت عند أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث وائل بن حجر ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ ولي شعر طويل فلما رآني قال: ذباب ذباب قال: فرجعت فجززته ثم أتيته من الغد فقال: إني لم أعنك) وقوله: ذباب. قال صاحب النهاية: الذباب الشؤم أي هذا شؤم\rوأخرج مالك عن عطاء بن يسار قال: (أتى رجل النبي ﷺ ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول ﷺ كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته ففعل ثم رجع فقال ﷺ أليس هذا خير من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان) والثائر الشعث بعيد العهد بالدهن والترجيل.\rوعن أبي قتادة ﵁ (أنه كانت له جمة ضخمة فسأل النبي ﷺ فأمره أن يحسن إليها وأن يترجل كل يوم) . رواه النسائي.\rقال الشوكاني أيضا ً: [الحديث رجال إسناده كلهم رجال الصحيح وأخرجه أيضًا مالك في الموطأ ولفظ الحديث عن أبي قتادة قال: (قلت يا رسول اللَّه إن لي جمة أفأرجلها قال: نعم وأكرمها) فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين من أجل قوله ﷺ نعم وأكرمها.] نيل الأوطار ١/٢٣٩-٢٤١ بتصرف\rوذكر المناوي أن حديث أبي قتادة محمول على أنه كان محتاجاً للترجيل كل يوم لغزارة شعره أو هو لبيان الجواز وذكر الحافظ السيوطي في حاشية أبي داود قال الشيخ ولي الدين العراقي في حديث أبي داود نهى رسول الله ﷺ (أن يمتشط أحدنا كل يوم) هو نهي تنزيه لا تحريم , والمعنى فيه أنه من باب الترفه والتنعم فيجتنب , ولا فرق في ذلك بين الرأس واللحية فيض القدير ٦/٤٠٤.\rوروى الإمام البخاري بإسناده عن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ (يصغي إلي رأسه وهو مجاور في المسجد فأرجله وأنا حائض)\rوأخرج الترمذي في الشمائل عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ (يكثر دهن رأسه , وتسريح لحيته)\rوذكر العلامة ابن القيم: حديث (من كان له شعر فليكرمه) وحديث أن النبي ﷺ (نهى عن الترجل إلا غباً) وردَّ على من قال بوقوع التعارض بينهما فقال: [والصواب: أنه لا تعارض بينهما بحال , فإن العبد مأمور بإكرام شعره , ومنهى عن المبالغة والزيادة في الرفاهية والتنعم , فيكرم شعره , ولا يتخذ الرفاهية والتنعم ديدنه , بل يترجل غباً. هذا أولى ما حمل عليه الحديثان , وبالله التوفيق.] حاشية ابن القيم مطبوعة مع عون شرح سنن أبي داود ١١/١٤٧\rوخلاصة الأمر أنه ينبغي للمسلم أن يحافظ على شعره ويكرمه وينظفه دون مبالغة في ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346598,"book_id":3840,"shamela_page_id":978,"part":"18","page_num":20,"sequence_num":978,"body":"٢٠ - حديث السجود لقبر آدم لا يصح\rيقول السائل: إنه قرأ الحديث التالي ويسأل عن صحته والحديث هو: (ذكر أن إبليس جاء إلى موسى صلوات الله تعالى وسلامه عليه فقال له: أنت الذي اصطفاك الله تعالى برسالته وكلمك تكليماً، وإنما أنا خلق من خلق الله تعالى أردت أن أتوب إلى ربك فاسأله أن يتوب عليّ ففرح بذلك موسى فدعا وصلّى ما شاء الله تعالى. ثم قال: يا رب إنه إبليس خلق من خلقك يسألك التوبة فتب عليه. فقيل له: يا موسى إنه لا يتوب. فقال: يا رب إنه يسألك التوب. فأوحى الله تعالى: إني استجبت لك يا موسى فمره أن يسجد لقبر آدم فأتوب عليه فرجع موسى مسروراً فأخبره بذلك، فغضب من ذلك واستكبر ثم قال: أنا لم أسجد له حياً أأسجد له ميتاً..)\rالجواب: هذا الحديث ليس ثابتاً عن النبي ﷺ وإنما ذكره بعض أهل التفسير كالسيوطي حيث ذكره عند تفسير قوله تعالى ﴿وَعَلَّمَءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ سورة البقرة الآيات ٣١- ٣٣، قال السيوطي في الدر النثور: [أخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان عن ابن عمر قال: لقي إبليس موسى فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلمك تكليماً إذ تبت؟ وأنا أريد أن أتوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب عليَّ قال موسى: نعم. فدعا موسى ربه فقيل: يا موسى قد قضيت حاجتك، فلقي موسى إبليس قال: قد أمرت أن تسجد لقبر آدم ويتاب عليك. فاستكبر وغضب وقال: لم أسجد له حياً أأسجد له ميتا ً؟ ثم قال إبليس: يا موسى إن لك عليَّ حقاً بما شفعت لي إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن. اذكرني حين تغضب فإني أجري منك مجرى الدم، واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف. فأذكره ولده وزوجته حتى يولي، وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها.] وذكره السيوطي أيضاً في الجامع الصغير ورمز لضعف الحديث انظر فيض القدير ٣/١٦٦.\rوكذلك فإن الشيخ الألباني قد ضعف الحديث في ضعيف الجامع الصغير ص ٣٢٦ حديث رقم ٢٢١٣ وذكر أن الحكيم الترمذي رواه في كتاب أسرار الحج.\rوقد ورد هذا الحديث في حادثة أخرى مع نوح ﵇ كما ذكره السيوطي في الدر المنثور في تفسير سورة هود فقال [ ... وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر في مكايد الشيطان عن أبي العالية قال: لما رست السفينة سفينة نوح ﵇ إذا هو بإبليس على كوتل السفينة. . .! فقال له نوح ﵇: ويلك قد غرق أهل الأرض من أجلك.؟ ! قال له إبليس: فما أصنع؟ قال: تتوب. قال: فسل ربك هل لي من توبة؟ فدعا نوح ربه، فأوحى إليه أن توبته أن يسجد لقبر آدم. قال: قد جعلت لك توبة قال: وما هي؟ قال: تسجد لقبر آدم. قال: تركته حياً وأسجد له ميتاً؟ ! .]\rوبهذا يظهر لنا أن الحديث غير ثابتٍ روايةً كم أنه مردود درايةً فالله ﷾ لا يأمر أحداً من خلقه أن يسجد لقبر فإن السجود لغير الله شرك أكبر ويبدو أن الحديث من وضع بعض عباد القبور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346599,"book_id":3840,"shamela_page_id":979,"part":"18","page_num":21,"sequence_num":979,"body":"٢١ - دعوة الناس يوم القيامة بآبائهم وليست بأمهاتهم\rالسؤال الأول: يقول السائل: سمعت حديثاً ينص على أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم فهل ثبت ذلك عن النبي ﷺ أفيدونا؟\r\rالجواب: روي في الحديث أنه ﷺ قال: (يدعى الناس يوم القيامة بأمهاتهم ستراً من الله ﷿ عليهم) وهذا الحديث مكذوب على النبي ﷺ. ذكره ابن الجوزي في كتابه الموضوعات ٣/٢٤٨ والسيوطي في اللآلئ المصنوعة ٢/٤٤٩ وقال العجلوني: [أخرجه ابن عدي عن أنس وقال منكر، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات.] كشف الخفاء ٢/٣٩٤. وبهذا يظهر لنا أن الحديث المذكور حديث مكذوب على النبي ﷺ وقد ثبت عن النبي ﷺ خلاف ذلك أي أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء آبائهم فقد روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان) وقال الحافظ ابن حجر: [حديث ابن عمر في الغادر يرفع له لواء لقوله فيه (غدرة فلان ابن فلان) فتضمن الحديث أنه ينسب إلى أبيه في الموقف الأعظم ... وقال ابن بطال: في هذا الحديث ردٌ لقول من زعم أنهم لا يدعون يوم القيامة إلا بأمهاتهم ستراً على آبائهم. قلت: هو حديث أخرجه الطبراني من حديث ابن باس وسنده ضعيف جداً , وأخرج ابن عدي من حديث أنس مثله وقال: منكر أورده في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الطبري. قال ابن بطال: والدعاء بالآباء أشد في التعريف وأبلغ في التمييز. وفي الحديث جواز الحكم بظواهر الأمور. قلت: وهذا يقتضي حمل الآباء على من كان ينسب إليه في الدنيا لا على ما هو في نفس الأمر وهو المعتمد] فتح الباري١٠/٦٩١. وقال الشيخ ابن القيم: [الفصل العاشر في بيان أن الخلق يدعون يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم هذا الصواب الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة ونص عليه الأئمة كالبخاري وغيره فقال في صحيحه باب يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم ثم ساق في الباب حديث ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع الله لكل غادر لواء يوم هذه غدرة فلان بن فلان) وفي سنن أبي داود بإسناد جيد عن أبي الدرداء قال قال رسول الله ﷺ (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم) فزعم بعض الناس أنهم يدعون بأمهاتهم واحتجوا في ذلك بحديث لا يصح وهو في معجم الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ (إذا مات أحد ما إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيبه ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله الحديث وفيه فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه قال فلينسبه إلى أمه حواء يا فلان ابن حواء) قالوا وأيضا فالرجل قد لا يكون نسبه ثابتاً من أبيه كالمنفي باللعان وولد الزنى فكيف يدعى بأبيه؟ والجواب أما الحديث فضعيف باتفاق أهل العلم بالحديث، وأما من انقطع نسبه من جهة أبيه فإنه يدعى بما يدعى به في الدنيا فالعبد يدعى في الآخرة بما يدعى به في الدنيا من أب أو أم والله أعلم] تحفة المودود ص ١٣٩. وقال الشيخ ابن القيم في موضع آخر: [وفي هذا الحديث – حديث أبي الدرداء -: رد على من قال: إن الناس يوم القيامة إنما يدعون بأمهاتهم , لا آبائهم وقد ترجم البخاري في صحيحه لذلك فقال \" باب يدعى الناس بآبائهم \" وذكر فيه حديث نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال \" الغادر يرفع له لواء يوم القيامة؟ يقال له: هذه غدرة فلان بن فلان \". واحتج من قال بالأول. بما رواه الطبراني في معجمه من حديث سعيد بن عبد الله الأودي قال \" شهدت أبا أمامة - وهو في النزع - قال: إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ , فقال: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره , فليقم أحدكم على رأس قبره , ثم ليقل يا فلان بن فلانة , فإنه يسمعه ولا يجيبه , ثم يقول: يا فلان بن فلانة فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله - فذكر الحديث - وفيه فقال رجل يا رسول الله , فإن لم يعرف أمه , قال: فلينسبه إلى أمه حواء فلان بن حواء \". ولكن هذا الحديث متفق على ضعفه فلا تقوم به حجة فضلا عن أن يعارض به ما هو أصح منه.) وحديث التلقين الذي ورد في كلام العلامة ابن القيم السابق احتج به من يرى أن الميت يدعى بأمه ففيه (يا فلان بن فلانة) فهذا الحديث ورد عن جابر بن سعيد الأزدي قال: (دخلت على أبي أمامة وهو في النزع فقال لي: يا أبا سعيد إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمر رسول الله ﷺ أن يصنع بموتانا فإنه قال: إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: يا فلان ابن فلانة! فإنه يستوي قاعداً فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه سيقول أرشدني رحمك الله فليقل: اذكر ما خرجت عليه من دار الدنيا شهادة أن لا إله الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول له: ما نصنع عند رجل لقن حجته؟ فيكون الله حجيجهما دونه) قال الشيخ الألباني: منكر. أخرجه القاضي الخلعي في الفوائد ٢/٥٥. قلت - أي الألباني -: [وهذا إسناد ضعيف جداً لم أعرف أحداً منهم غير عتبة بن السكن. قال الدارقطني: متروك الحديث. وقال البيهقي: واهٍ منسوب إلى الوضع. والحديث أورده الهيثمي ... وقال: رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده جماعة لم أعرفهم] ثم ذكر الشيخ الألباني أن الأئمة النووي وابن الصلاح والحافظ العراقي قد ضعفوا الحديث. السلسلة الضعيفة ٢/٦٤-٦٥. ونقل ابن علان قول الحافظ ابن حجر بعد تخريج حديث أبي أمامة: [هذا حديث غريب وسند الحديثين من الطريقين ضعيف جداً] الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٤/١٩٦. وقال الصنعاني: [ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله] سبل السلام ٢/٢٣٤. وورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال (أتدرون ما هذان الكتابان) ؟ فقلنا لا إلا أن تخبرنا يا رسول الله، قال (هذا كتاب رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم.....) الحديث رواه أحمد والترمذي والنسائي والطبراني وابن عاصم وغيرهم، وقال الشيخ الألباني حديث حسن. وهذا الحديث يدل على أن الناس يدعون بآبائهم يوم القيامة. وخلاصة الأمر أن الناس يدعون يوم القيامة بآبائهم كما صحت الأحاديث بذلك ولا يدعون بأمهاتهم. وعلى المسلم أن يستعد لليوم الآخر بالعمل الصالح فإن إستعد بالعمل الصالح فلا يؤثر عليه إن دعي بأبيه أو أمه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346600,"book_id":3840,"shamela_page_id":980,"part":"18","page_num":22,"sequence_num":980,"body":"٢٢ - ضوابط العلاج بالرقية\rوردني السؤال التالي حول الرقية الشرعية: يقول السائل: إني أمارس العلاج بالقرآن الكريم منذ سنة ١٩٩٣ حتى كتابة هذه السطور لأرضي ربي أولاً وعوناً للناس وكفايتهم عن التردد على السحرة والمشعوذين. ألخص طريقة العلاج وبحضور محارم المريضة فقط كالآتي: ١. أضع يدي على رأس المريض أو المريضة، مع وضع حاجز بيننا عند القراءة عليها، وأقرأ ما تيسر من القرآن وآيات الرقية في أذنها (المرأة) من خلال ماسورة بلاستيك. ٢. لا أعالج أي مريضة إطلاقاً إلا إذا لبست طويل أو غطت الرأس بإشارب إن كانت متبرجة وبحضور صاحبات أو من الأهل أو محارمها. ٣. أستغل العلاج بالقرآن الكريم وأوظفه في الدعوة إلى الله حيث تلبس المرأة بعد تماثلها للشفاء وتصلي وكذلك الرجال. ٤. في الجلسة الأولى وبعد قراءة آيات الكشف على المصروع (وحسب الحاجة) أسأل أسئلة كثيرة هي علامات الصرع أو تأثير سحر أعرفها من خلال معرفة أحوال وأعمال الممسوس وكذلك من خلال التجربة. ٥. من هذه الأسئلة ما يتعلق بالجنس خلال المنام أو اليقظة وعن رفض المرأة لزوجها في الفراش دون إرادتها، أو ربط الرجل عن زوجته بسحر أو أمور متعلقة بعقم المرأة والزوج من خلال الجماع وغيره. أو العادة السرية عند رفض المرأة لزوجها – بعد فترة طويلة – أو عند المراهقين. ٦. إذا صرعت المرأة ممكن أن تتكشف ونغطيها مباشرة. ٧. إذا صرعت المريضة فإنها تحاول إنزال يدي عن رأسها فتلمسني. ٨. إذا صرع الجان المرأة أو الرجل يمنعها عن متابعة العلاج من غير إرادتها ويمنع إدخال أي سائل مقروء عليه قرآن – آيات الرقية وغيرها – إلى جوف المريض فاضطر إلى لمس الوجه لتثبيته بهدف إدخال الماء أو الزيت إلى فم المريض. وكذلك بعض نقاط في الأنف إذا خاف محارمها هذا العمل بأنفسهم. ٩. لتعميم الجسد جميعه بالماء المقروء عليه قرآناً نرش المريض على ملابسه ثم أطلب من أهلها رش البنطلون، فحينما يخشون ذلك أرش البنطلون بنفسي من خلال مضخة دون أن نكشف جسدها وبحضور أهلها. ١٠. ويمسح جسد المصروعة بزيت حبة البركة المقروء عليه قرآن حتى إذا اقتضت الضرورة لكل الجسد حينها يخرج كل الرجال من الجلسة وأنا كذلك. ١١. مرات قليلة أو نادرة جداً أمسح الوجه أو الرقبة بدون حائل أنا بدل أهلها وذلك لخوف الاقتراب منها غالباً حين الصرع. ١٢. لكشف أماكن تأثير الجن أو الشيطان الصارع في الجسد اضطر إلى تحسس بعض أماكن مع حائل طبعاً كالظهر أو الصدر أو البطن أو الكتف أو الأطراف. ١٣. يحتاج المريض إلى شرطة قرآن للسماع خاصة آيات الرقية وسورة البقرة وآية الكرسي والمعوذتين والإخلاص، وكذلك إلى زيت حبة البركة بثمنه كما في السوق. ١٤. بعضهم برفض أخذ الباقي من النقود فيتبرعوا بها لدعم العلاج. ١٥. يتبرع أهل المريض بشيء من المال في سبيل الله دون أن أطلب منهم غير ثمن المواد المساعدة في العلاج. ١٦. وهل في ذلك شيء حتى لو طلبت أجراً بسيطاً أردّ به بعض الناس لأخفف عني كثيراً من الحالات في الوقت نفسه. ١٧. لم يختلف شيء في طريقة العلاج منذ أن بدأت حتى الآن فحسب إحصاء خاص تبين أن ٨٠% من الناس يتماثلون للشفاء حين يلتزمون بالعلاج من خلال هذه الطريقة. أفتوني في ذلك يرحمكم الله وجزاكم الله خيراً\rالجواب:\rبعد الاطلاع على رسالة السائل أفيده بما يلي:\rالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المسلمين وعلى آله وصحبه الطيبين ... وبعد فهذه أهم ضوابط المعالجة بالرقية الشرعية:\rإن العلاج بالقرآن والرقية بآياته من الأمور المشروعة، يقول الله ﷾: (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا) سورة الإسراء الآية ٨٢.\rوثبت في الحديث الصحيح، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذتين) رواه مسلم.\rولا بد أن تكون الرقية شرعية فلا تصح الرقى الشركية، لقوله ﷺ (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) رواه مسلم\rويشترط في الرقية الشرعية ما يلي:\rأولاً: أن تكون بكلام الله، أو بأسمائه، أو صفاته، أو بالأدعية النبوية المأثورة عن النبي ﷺ في ذلك\rثانياً: أن تكون باللسان العربي فكل كلام مجهول فليس لأحد أن يرقي به فضلاً عن أن يدعو به ولو عرف معناه لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعاراً فليس من دين الإسلام كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.\rثالثاً: أن تكون مفهومة المعنى.\rرابعاً: ألا تشتمل على شيء غير مباح، كالاستغاثة بغير الله أو دعاء غيره، أو اسم للجن، أو ملوكهم ونحو ذلك.\rخامساً: ألا يعتمد عليها.\rسادساً: أن يعتقد أنها لا تؤثر بذاتها، بل بإذن الله تعالى.\rسابعاً: لا يجوز اللجوء لأي إنسان يدعي المعالجة بالقرآن أو أنه يستطيع إخراج الجن من المصروع إلا بعد التأكد من أن هذا الشخص من الصالحين الملتزمين بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وأنه يتبع الطرق المشروعة في الرقية والعلاج ولا يستخدم شياطين الجن الذين لا يخدمونه إلا إذا وقع في المحرمات.\rوكذلك فإن بعض هؤلاء المعالجين يستخدمون الطلاسم في المعالجة، أو يذكرون كلاماً غير مفهوم المعنى، فهذا لا يجوز استعماله.\rثامناً: لا ينبغي لأحد من الناس أن يتفرغ لعلاج الناس بالرقى القرآنية أو بالأذكار الواردة، والإعلان عن نفسه بأنه المعالج بالقرآن والبديل الشرعي لفك السحر ومس الجان والعين والعقم والأمراض المستعصية، أو يعلن عن نفسه العيادة القرآنية، ويوزع الكروت، ويحدد المواعيد كالأطباء المختصين، لأن ذلك ليس من منهج الصحابة والتابعين والصالحين، ولم يكن معروفاً مثل هذا التفرغ عندهم مع أن الناس لا زالوا يمرضون على مر العصور والأزمان، ولأن فتح هذا الباب قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة، ويلج منه الدجالون والمشعوذون وأمثالهم.\rتاسعاً: لا يجوز للراقي مس شيء من بدن المرأة التي يرقيها لما في ذلك من الفتنة، وإنما يقرأ عليها بدون مس، وهناك فرق بين عمل الراقي وعمل الطبيب، لأن الطبيب قد لا يمكنه العلاج إلا بمس الموضع الذي يريد أن يعالجه، بخلاف الراقي فإن عمله ـ وهو القراءة والنفث ـ لا يتوقف على اللمس كما أفتت بذلك اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية، ولا يصح مس جسد المرأة إلا عند الحاجة.\rعاشراً: لا يجوز للراقي أن يخلو بالمريضة أبداً ولا بد من وجود زوجها أو محرم أو أكثر من امرأة لقوله ﷺ (ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم ٢٥٤٦.\rأحد عشر: يجب أن تكون المريضة لابسةً للباس الشرعي أثناء العلاج.\rثاني عشر: لا يجوز إلصاق الأوراق المكتوب فيها شيء من القرآن أو الأدعية على الجسم أو على موضع منه، أو وضعها تحت الفراش ونحو ذلك على الراجح من أقوال أهل العلم لأنه من تعليق التمائم المنهي عنه بقوله ﷺ: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له) وقوله ﷺ: (إن الرُّقى والتمائم والتولة شرك) رواه أحمد وأبو داود.\rويمنع ذلك سداً للذرائع أيضاً خشية أن يفضي إلى تعليق ما ليس من القرآن. ولأن التعليق قد يعرضه للامتهان فيحمله معه عند قضاء الحاجة والاستنجاء.\rقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز [واختلف العلماء في التمائم إذا كانت من القرآن أو من الدعوات المباحة هل هي محرمة أم لا؟ والصواب تحريمها لوجهين: أحدهما: عموم الأحاديث المذكورة، فإنها تعم التمائم من القرآن وغير القرآن. والوجه الثاني: سد ذريعة الشرك فإنها إذا أبيحت التمائم من القرآن اختلطت بالتمائم الأخرى واشتبه الأمر وانفتح باب الشرك بتعليق التمائم كلها ومعلوم أن سد الذرائع المفضية إلى الشرك والمعاصي من أعظم القواعد الشرعية]\rوذكر الشيخ العلامة محمد بن صلح العثيمين عن جماعة من العلماء أنه [... لا يجوز تعليق القرآن للاستشفاء به؛ لأن الاستشفاء بالقرآن ورد على صفة معينة، وهي القراءة به، بمعنى أنك تقرأ على المريض به؛ فلا نتجاوزها، فلو جعلنا الاستشفاء بالقرآن على صفة لم ترد؛ فمعنى ذلك أننا فعلنا سبباً ليس مشروعاً ... ولولا الشعور النفسي بأن تعليق القرآن سبب للشفاء؛ لكان انتفاء السببية على هذه الصورة أمراً ظاهراً؛ فإن التعليق ليس له علاقة بالمرض، بخلاف النفث على مكان الألم؛ فإنه يتأثر بذلك.\rولهذا نقول؛ الأقرب أن يقال: إنه لا ينبغي أن تعلق الآيات للاستشفاء بها، لا سيما وأن هذا المعلق قد يفعل أشياء تنافي قدسية القرآن؛ كالغيبة مثلاً، ودخول بيت الخلاء، وأيضاً إذا علق وشعر أن به شفاء استغنى به عن القراءة المشروعة؛ فمثلاً علق آية الكرسي على صدره، وقال: ما دام أن آية الكرسي على صدري فلن أقرأها، فيستغنى بغير المشروع عن المشروع، وقد يشعر بالاستغناء عن القراءة المشروعة إذا كان القرآن على صدره] مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين ١/٥٨.\rوقال الشيخ عبد الله الجبرين [ولم يثبت عن النبي ﷺ وهو الذي نزل عليه القرآن، وهو بأحكامه أعرف وبمنزلته أعلم أنه علق على نفسه أو غيره تميمة من القرآن أو غيره، أو اتخذه أو آيات منه حجاباً يقيه الحسد أو غيره من الشر، أو حمله أو شيئاً منه في ملابسه أو في متاعه على راحلته لينال العصمة من شر الأعداء أو الفوز والنصر عليهم أو لييسر له الطريق ويذهب عنه وعثاء السفر أو غير ذلك من جلب نفع أو دفع ضر. فلو كان مشروعاً لحرص عليه وفعله، وبلغه أمته، وبينه لهم، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٦٧) سورة المائدة، ولو فعل شيئاً من ذلك أو بينه لأصحابه لنقلوه إلينا، ولعملوا به، فإنهم أحرص الأمة على البلاغ والبيان، وأحفظها للشريعة قولاً وعملاً، وأتبعها لرسول الله ﷺ، ولكن لم يثبت شيء من ذلك عن أحد منهم؛ فدل ذلك على أن حمل المصحف أو وضعه في السيارة أو متاع البيت أو خزينة المال لمجرد دفع الحسد أو الحفظ أو غيرهما من جلب نفع أو دفع ضر لا يجوز]\rأحد عشر: أن يكون الراقي مسلماً عدلاً من أهل الصلاح والتقوى معتقداً أن الله ﷿ هو الذي يشفي ملتزماً بأحكام الشرع ويحسن القراءة على المرقي وعارفاً بأحكام الرقية الشرعية ويفضل أن يكون من أهل العلم وليس ذلك بشرط على الصحيح من أقوال العلماء يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين [الذي أرى أنه لا يشترط أن يكون من أهل العلم إذا كان حافظاً لكتاب الله معروفاً بالتقى والصلاح ولم يقرأ إلا بالقرآن أو ما جاء عن النبي محمد ﷺ فلا بأس، وليس من شرطه أن يكون عالماً، وبعض العلماء يكون عالماً لكن في القراءة يكون أقل من الآخرين أي من بعض الناس]\rويقول الشيخ عبد الله بن جبرين [الصواب أنه يجوز استعمال الرقية من كل قارئ يحسن القرآن ويفهم معناه ويكون حسن المعتقد صحيح العمل مستقيماً في سلوكه، ولا يشترط إحاطته بالفروع ولا دراسته للفنون العلمية، وذلك لقصة أبي سعيد في الذي رقى اللديغ قال: وما كنا نعرف منه الرقية أو كما قال، وعلى الراقي أن يحسن النية وأن يقصد نفع المسلم ولا يجعل همه المال والأجرة ليكون ذلك أقرب إلى الإنتفاع بقراءته]\rثالث عشر: يجوز أخذ الأجرة على الرقية بضوابطها الشرعية، فقد أقر رسول الله ﷺ ذلك كما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط! الذين نزلوا لعلهم أن يكون عندهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما أنشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبَة، فقال فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ، فذكروا له ذلك، فقال: وما يدريك أنها رقية؟، ثم قال: قد أصبتم، اقتسموا، واضربوا لي معكم سهماً) رواه البخاري ومسلم.\rومع القول بجواز أخذ الأجرة فالأولى أن يكون الراقي متبرعاً بعمله لله تعالى قال الشيخ عبد الله الجبرين [يفضل أن الراقي يتبرع برقيته لنفع المسلمين واحتساب الأجر من الله في شفاء مرضى المسلمين وإزالة الضرر عنهم وأن لا يطلب أجرة على رقيته بل يترك الأمر إلى المرضى فإن دفعوا له أكثر من تعبه زهد فيها وردها وإن كانت دون حقه تغاضى عن الباقي وهذا من أكبر الأسباب لتأثير الرقية]\rوخلاصة الأمر أن المعالجة بالقرآن وبالأدعية النبوية المأثورة أمر مشروع وينبغي للراقي أن يكون من أهل الخير والصلاح والتقى ومن المتمسكين بدين الله ومن المحافظين على الصلوات وغيرها من العبادات وأن يكون صحيح العقيدة وبعيداً عن البدع والخرافات وغير ذلك من المنكرات. وعلى الراقي أن يلتزم بالأحكام الشرعية للعلاج المذكورة سابقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346601,"book_id":3840,"shamela_page_id":981,"part":"18","page_num":23,"sequence_num":981,"body":"٢٣ - احاديث ضعيفة\rيقول السائل: إنه سمع حديث استئذان ملك الموت على النبي ﷺ عند وفاته وأنه ما استأذن على آدمي قبل النبي ﷺ ولا يستأذن على آدمي بعده، فهل هذا الحديث ثابت أفيدونا؟\rالجواب: حديث استئذان ملك الموت على النبي ﷺ ورد بعدة روايات منها:\rعن جعفر بن محمد، عن أبيه أن رجلاً من قريش دخل على أبيه علي بن الحسين، فقال: ألا أحدثك عن رسول الله ﷺ قال: بلى حدثنا عن أبي القاسم ﷺ قال: لما مرض رسول الله ﷺ أتاه جبريل فقال: يا محمد! إن الله أرسلني إليك تكريماً لك، وتشريفاً لك، خاصة لك؛ يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟ قال: أجدني يا جبريل! مغموماً، وأجدني يا جبريل مكروباً، ثم جاءه اليوم الثاني، فقال له ذلك، فرد عليه النبي ﷺ كما رد أول يوم، ثم جاءه اليوم الثالث، فقال له كما قال أول يوم، ورد عليه، كما رد عليه، وجاء معه ملك - يقال له إسماعيل - على مئة ألف ملك، كل ملك على مئة ألف ملك، فاستأذن عليه، فسأله عنه؟ ثم قال جبريل: هذا ملك الموت يستأذن عليك؛ ما استأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، فقال: ائذن له، فأذن له، فسلم عليه، ثم قال: يا محمد! إن الله أرسلني إليك؛ فإن أمرتني أن أقبض روحك قبضت، وإن أمرتني أن أتركه تركته! فقال: وتفعل يا ملك الموت؟!، قال: نعم، بذلك أمرت، وأمرت أن أطيعك، قال: فنظر النبي ﷺ إلى جبريل ﵇ فقال جبريل: يا محمد! إن الله قد اشتاق إلى لقائك، فقال النبي ﷺ لملك الموت: امض لما أمرت به، فقبض روحه، فلما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية؛ سمعوا صوتاً من ناحية البيت! السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله فاتقوا وإياه فارجوا؛ فإنما المصاب من حرم الثواب! فقال علي: أتدرون من هذا هو الخضر ﵇ رواه البيهقي في دلائل النبوة وذكره صاحب مشكاة المصابيح وقال الشيخ الألباني في تعليقه على المشكاة: [إسناده واهٍ وكل حديث فيه حياة الخضر إلى عهده ﷺ لا يصح] مشكاة المصابيح ٣/١٦٨٥.\rوقال العلامة ابن القيم عند تعداده للضوابط التي يعرف بها أن الحديث لا يثبت عن النبي ﷺ\r[ومنها الأحاديث التي يذكر فيها الخضر وحياته، كلها كذب ولا يصح في حيته حديث واحد] المنار المنيف ص ٦٧.\rوقال الشوكاني [وفي إسناده القاسم بن عبد الله بن عمر وهو متروك وقد كذبه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقال أحمد إنه كان يضع الحديث] تحفة الذاكرين ص ٣١٦\rوقال الشيخ الألباني أيضاً عن الحديث السابق: [موضوع – أي مكذوب – أخرجه الإمام الشافعي في السنن عن القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص عن جعفر ... وهذا إسناد ضعيف جداً على إرساله، آفته القاسم هذا – وهو العمري المدني – قال الإمام أحمد: ليس بشيء كان يكذب ويضع الحديث. وكذبه ابن معين أيضاً، ولهذا قال الحافظ في التقريب: متروك رماه أحمد بالكذب.] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١١/٢/٦٤٢-٦٤٣.\rوقال محقق كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من وظائف: [وهذا الحديث بطوله فيه انقطاع فإن محمداً الباقر والد جعفر الصادق وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب تابعي لم يدرك رسول الله ﷺ هو ولا أبوه زين العابدين] لطائف المعارف ص ٢١٢.\rوجاء في رواية أخرى عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: لما كان قبل وفاة رسول الله ﷺ بثلاثة أيام هبط عليه جبريل فقال: يا محمد إن الله ﷿ أرسلني إليك إكراماً لك، وتفضيلاً لك، وخاصةً لك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟ فقال النبي ﷺ: أجدني يا جبريل مغموماً وأجدني يا جبريل مكروباً، فلما كان اليوم الثالث، هبط جبريل وهبط مع ملك الموت وهبط معهما ملك في الهواء يقال له: إسماعيل على سبعين ألف ملك، ليس فيهم ملك إلا على سبعين ألف ملك يشيعهم جبريل فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك إكراماً لك، وتفضيلاً لك، وخاصة لك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟ فقال رسول الله ﷺ أجدني يا جبريل مغموماً، وأجدني يا جبريل مكروباً، فاستأذن ملك الموت على الباب فقال له جبريل: يا محمد هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولا استأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، فقال: ائذن له، فأذن له جبريل فأقبل حتى وقف بين يديه فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك، فيما أمرتني به، إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها، وإن كرهت تركتها، فقال له رسول الله ﷺ: أتفعل يا ملك الموت؟ قال: نعم وبذلك أمرت أن أطيعك فيما أمرتني به، فقال له جبريل: إن الله قد اشتاق إلى لقائك، فقال له رسول الله ﷺ: امض لما أمرت به، فقال له جبريل: هذا آخر وطئي الأرض، إنما كنت حاجتي في الدنيا، فلما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية جاء آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كل نفس ذائقة الموت، إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل ما فات، فبالله ثقوا، وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته) رواه الطبراني وفيه: عبد الله بن ميمون القداح، قال أبو حاتم وغيره متروك.\rوقال الهيثمي [رواه الطبراني وفيه عبد الله بن ميمون القداح ذاهب الحديث] مجمع الزوائد ٩/٣٥\rوقال الشيخ الألباني عن عبد الله بن ميمون القداح: [قلت: والقداح هذا، قال أبو حاتم: متروك. وقال البخاري:: ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به. وفي التقريب: منكر الحديث متروك. وبه أعله الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٥.] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١١/٢/٦٤٣.\rوخلاصة الأمر أن حديث استئذان ملك الموت على النبي ﷺ عند وفاته لا يصح ولا يثبت عن رسول الله ﷺ بل هو من الأحاديث الواهية ولا تجوز رواية مثل هذا الحديث إلا مع بيان درجته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346602,"book_id":3840,"shamela_page_id":982,"part":"18","page_num":24,"sequence_num":982,"body":"٢٤ - احاديث ثابتة\rيقول السائل: هل الحديث الوارد في قصة غدير خم وأن النبي ﷺ عهد إلى علي ﵁ بالخلافة ثابت عن رسول الله ﷺ أفيدونا؟\rالجواب: أولاً أذكر أن غَديرُ خُم هو موضع بين مكة والمدينة، وهو واد عند الجحفة به غدير، يقع شرق رابغ البلدة المعروفة في الحجاز. وأما الحديث فقد روى مسلم بإسناده عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي) وروى الإمام أحمد في مسنده عدة أحاديث في قصة غدير خم منها (عن زاذان أبي عمر قال سمعت علياً في الرحبة وهو ينشد الناس من شهد رسول الله ﷺ يوم غدير خم وهو يقول ما قال فقام ثلاثة عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله ?وهو يقول من كنت مولاه فعلي مولاه) ومنها عن سعيد بن وهب وزيد بن يثيع قالا نشد علي الناس في الرحبة من سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم إلا قام قال فقام من قبل سعيد ستة ومن قبل زيد ستة فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله ﷺ يقول لعلي ﵁ يوم غدير خم أليس الله أولى بالمؤمنين قالوا بلى قال اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) وغير ذلك. وقصة غدير خم صحيحة ثابتة كما قال أهل الحديث ولكن ما يدعيه الشيعة من أن النبي ﷺ عهد إلى علي ﵁ بالخلافة وأوصى بالخلافة له محض افتراء وكذب على رسول الله ?قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ليس في هذا الحديث – حديث غدير خم – ما يدل على أنه نص على خلافة علي، إذ لم يرد به الخلافة أصلاً، وليس في اللفظ ما يدل عليه، ولو كان المراد به الخلافة لوجب أن يبلغ مثل هذا الأمر العظيم بلاغاً بيناً] منهاج السنة ٤/٨٤-٨٥\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً عند ذكره حديث غدير خم مرجعه ﷺ من حجة الوداع، فإنه ﷺ خطب فيه خطبة وصَّى فيها بإتباع كتاب الله، ووصَّى فيها بأهل بيته، كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم ﵁ فزاد بعض أهل الأهواء في ذلك، حتى زعموا أنه عهد إلى علي ﵁ بالخلافة بالنص الجلي، بعد أن فرش له، وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلاماً وعملاً قد علم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة تمالؤا على كتمان هذا النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسَّقوا وكفَّرُوا إلا نفراً قليلاً ...] اقتضاء الصراط المستقيم ١/٢٩٣. وقال الشيخ ابن كثير: [وأما ما يفتريه كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء من أنه أوصى - أي النبي ﷺ – إلى علي بالخلافة فكذب وبهت وافتراء عظيم، يلزم منه خطأ كبير من تخوين الصحابة وممالأتهم بعده على ترك تنفيذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه وصرفهم إياها إلى غيره لا لمعنى ولا لسبب] البداية والنهاية ٧/٢٢٥\rوخلاصة الأمر أن حديث الغدير صحيح ولكن إدعاء الشيعة بأن النبي ﷺ أوصى لعلي ﵁ بالخلافة كذب وافتراء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346603,"book_id":3840,"shamela_page_id":983,"part":"18","page_num":25,"sequence_num":983,"body":"٢٥ - منكرات في العيد\rيقول السائل: في يوم العيد وأثناء زيارتنا للأقارب تخرج بعض النساء متبرجات ويمددن أيديهن للمصافحة فإذا لم نصافحهن يغضبن ونعتبر عندهن من المتشددين ويقلن لنا هذا يوم عيد لا يجوز أن تزورونا بدون مصافحتنا؟\rالجواب: يجب أن يعلم أولاً أن أيام العيد هي أيام طاعة لله ﷾ وذكرٍ له ﷻ ففي هذه الأيام المباركة التي قال الله فيها: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) سورة البقرة الآية ٢٠٣. وهي أيام التشريق. وقال النبي ﷺ: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ﷿ رواه مسلم.\rوأيام التشريق هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة. قال الإمام النووي: [وفي الحديث استحباب الإكثار من الذكر في هذه الأيام من التكبير وغيره] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٠٩.\rوقد ورد عن طائفة من السلف التكبير في هذه الأيام المباركة مطلقاً ومقيداً بعد الصلوات الخمس وقد سبق أن بينت ذلك مفصلاً في الحلقة السابقة من يسألونك.\rفهذه الأيام المباركة لا يجوز التحلل من الأحكام الشرعية فيها بحجة أنها أيام عيد، وهذا مفهوم خاطئ لدى كثير من الناس بل يجب أن تزداد طاعتنا لله ﷿ في هذه الأيام المباركة الفاضلة.\rوأما تبرج النساء في العيد فلا شك في تحريمه سواء كان في العيد أو في غير العيد بل هو مجمع على تحريمه، يقول الله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَءَاتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) سورة الأحزاب الآية ٣٣.\rوقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسمنة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) رواه مسلم\rقال الإمام النووي: [هذا الحديث من معجزات النبوة فقد وقع هذان الصنفان وهما موجودان وفيه ذم هذين الصنفين قيل: معناه كاسيات من نعمة الله عاريات من شكرها. وقيل: معناه تستر بعض بدنها وتكشف بعضه إظهاراً بحالها ونحوه. وقيل: معناه تلبس ثوباً رقيقاً يصف لون بدنها. وأما مائلات فقيل: معناه عن طاعة الله وما يلزمهن حفظه. مميلات أي يعلمن غيرهن فعلهن المذموم. وقيل: مائلات يمشين متبخترات مميلات لأكتافهن. وقيل: مائلات يمشطن المشطة المائلة، وهي مشطة البغايا. مميلات يمشطن غيرهن تلك المشطة. ومعنى رؤوسهن كأسنمة البخت أن يكبرنها ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوهما] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٢٩١.\rويجب على الآباء والأزواج والأولياء عامة منع بناتهم وزوجاتهم وأخواتهم من التبرج ومن قَبل تبرجهن فهو ديوث ينطبق عليه ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاثة قد حرّم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر الخبث في أهله) . رواه الإمام أحمد في مسنده\r\rوفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ: (ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق والديه والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث) رواه أحمد وذكر الشيخ الألباني أن حديث ابن عمر رواه النسائي والحاكم والبيهقي في سننه من طريقين صحيحين وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وأقرهما الألباني على ذلك. جلباب المرأة المسلمة ص ١٤٥.\rوعن عمار ﵁ أن ﵊ قال: (ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً الديوث والرجلة من النساء ومدمن الخمر. قالوا: يا رسول الله أما مدمن الخمر فقد عرفناه فما الديوث؟ قال: الذي لا يبالي من دخل على أهله. قلنا: فما الرجلة من النساء؟ قال: التي تشبه بالرجال) رواه الطبراني والبيهقي في الشعب وهو حديث حسن، وقال المنذري: [رواه الطبراني ورواته لا أعلم فيهم مجروحاً وشواهده كثيره] الترغيب ٣/٢١٤.\rوالديوث هو الذي يقر الخبث في أهله كما ورد مفسراً في حديث ابن عمر، وقال ابن منظور: [الديوث هو الذي لا يغار على أهله] لسان العرب ٤/٤٥٦، وفسره به ابن الأثير في النهاية ٢/١٤٧.\rوقال العلامة علي القاري: [والديوث الذي يقر أي يثبت بسكوته على أهله أي من امرأته أو جاريته أو قرابته الخبث أي الزنا أو مقدماته وفي معناه سائر المعاصي كشرب الخمر وترك غسل الجنابه ونحوهما، قال الطيبي أي: الذي يرى فيهن ما يسوءه ولا يغار عليهن ولا يمنعهن فيقر في أهله الخبث] مرقاة المفاتيح ٧/ ٢٤١.\rويجب التحذير مما يحصل من بعض الرجال في العيد من دخولهم على النساء في البيوت وهن لوحدهن بحجة أنها زيارة يوم العيد فهذا لا يجوز شرعاً وقد حذر النبي ﷺ من ذلك فقال في الحديث: (إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) رواه البخاري ومسلم.\rقال الإمام النووي [وأما قوله ﷺ: (الحمو الموت) فمعناه أن الخوف منه أكثر من غيره والشر يتوقع منه والفتنة أكثر لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه بخلاف الأجنبي والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه. فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته تجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن ليس بمحرم.\rوعادة الناس المساهلة فيه ويخلو بامرأة أخيه فهذا هو الموت. وهو أولى بالمنع من الأجنبي لما ذكرناه فهذا الذي ذكرته هو صواب معنى الحديث] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٣٢٩.\rوروى الإمام مسلم بسنده عن عبد الرحمن بن جبير أن عبد الله بن عمرو بن العاص حدثه أن نفراً من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يومئذ – أي زوجته – فرآهم فكره ذلك فذكر ذلك لرسول الله ﷺ وقال: لم أر إلا خيراً فقال رسول الله ﷺ (لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان) .\rقال الإمام النووي: [المغيبة بضم الميم وكسر الغين المعجمة وإسكان الياء وهي التي غاب عنها زوجها والمراد غاب زوجها عن منزلها سواء غاب عن البلد بأن سافر أو غاب عن المنزل وإن كان في البلد هكذا ذكره القاضي وغيره وهذا ظاهر متعين. قال القاضي: ودليله هذا الحديث وأن القصة التي قيل الحديث بسببها وأبو بكر ﵁ غائب عن منزله لا عن البلد، والله أعلم] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٣٣٠.\rوأما مصافحة النساء الأجنبيات فهي حرام سواء في العيد أو غير العيد باتفاق العلماء والخلاف في ذلك شاذ غير معتبر بل مردود وقد دل على تحريم المصافحة أدلة كثيرة منها:\rحديث عائشة ﵂ قالت: (كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى النبي ﷺ يمتحنهن بقول الله تعالى:\r(يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ...) الخ الآية. قالت: من أقر بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقر بالمحنة فكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله ﷺ انطلقن فقد بايعتكن. لا والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام) رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما.\rوفي رواية للبخاري عن عائشة قالت: (فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ قد بايعتك كلاماً. لا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك) .\rوفي رواية أخرى لحديث عائشة عند ابن ماجة: [ولا مست كف رسول الله ﷺ كف امرأة قط وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن قد بايعتكن كلاماً) . صحيح سنن ابن ماجة رقم ٢٣٢٤\rقال الحافظ ابن حجر: [قوله قد بايعتك كلاماً أن يقول ذلك كلاماً فقط لا مصافحة باليد كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة] فتح الباري ١٠/٢٦١.\rوعن أميمة بنت رقيقة ﵂ قالت: [أتيت رسول الله ﷺ في نسوة نبايعه فقلن نبايعك يا رسول الله على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله ﷺ (فيما استطعتن وأطقتن) ، قالت: فقلن الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا هلم نبايعك يا رسول الله. فقال: (إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة أو مثل قولي لامرأة واحدة) ] رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة ومالك وأحمد وابن حبان والدارقطني\rوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح سنن الترمذي ٤/١٥٢. وقال الحافظ ابن كثير: هذا إسناد صحيح تفسير ابن كثير ٤/٣٥٢\rوعن معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) رواه الطبراني والبيهقي. قال المنذري: [رجال الطبراني ثقات رجال الصحيح] . الترغيب والترهيب ٣/٣٩. وقال الشيخ الألباني: [رواه الروياني في مسنده، وهذا سند جيد رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين غير شداد بن سعيد فمن رجال مسلم وحده، وفيه كلام يسير لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن ... والمِخيَط بكسر الميم وفتح الياء ما يخاط به كالإبرة والمسلة ونحوهما وفي الحديث وعيد شديد لمن مس امرأة لا تحل له، ففيه دليل على تحريم مصافحة النساء لأن ذلك مما يشمله المس دون شك] . سلسلة الأحاديث الصحيحة، المجلد الأول، الحديث رقم ٣٢٦\rوخلاصة الأمر أن تبرج النساء في العيد وغيره حرام شرعاً ولا يجوز الدخول على النساء الأجنبيات منفردات وتحرم مصافحتهن وعلى الناس أن يتقوا الله في تصرفاتهم في أيام العيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346604,"book_id":3840,"shamela_page_id":984,"part":"18","page_num":26,"sequence_num":984,"body":"٢٦ - تخزين المواد الغذائية وعلاقته بالتوكل على الله\rيقول السائل: في هذه الأيام العصيبة يكثر الناس من شراء المواد الغذائية وتخزينها. فهل هذا الأمر يتنافى مع التوكل على الله ﷾؟\rالجواب: إن التوكل على الله ﷾ أمر مطلوب شرعاً وجزء من عقيدة المسلم قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) سورة آل عمران الآية ١٥٩. وقال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) سورة آل عمران الآية ١٢٢.\rوقال تعالى: (وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْءَامَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) سورة يونس الآية ٨٤.\rوقال تعالى أيضاً: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) سورة الفرقان الآية ٥٨ وغير ذلك من الآيات.\rفالمسلم يعتمد على الله سبحانه ويتوكل عليه وحده ولكن التوكل على الله ﷾ لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب فالمطلوب من المسلم أن يأخذ بالأسباب ثم يتوكل على الله ﷻ. فقد ورد في الحديث عن أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل على الله فقال ﷺ: (اعقلها وتوكل) . رواه الترمذي وابن حبان وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٣٠٩.\rقال الإمام ابن العربي المالكي: [قد ورد صحيحاً بقريب من هذا المعنى صحيح. وذلك أن حقيقة التوكل لا ينافيه النظر في الأسباب بعد المعرفة بمقادير وإنزال منزلتها فأما التفويض فقطع الأسباب فلا يقدر عليه البشر وإنما هو لآحاد من الخلق وقليل ما هم وقد كان النبي ﷺ يعمل بالأسباب سنة للخلق وتطييباً لنفوسهم وإلا فمنزلته أعظم من منزلة مريم ولكنه ﷺ بعث صلاحاً للدين والدنيا ومقيماً لقانونيهما] عارضة الأحوذي ٩/٢٣٥.\rإذا تقرر هذا فإن ادخار الأطعمة وغيرها لا ينافي التوكل على الله ﷾ بل هو أخذ بالأسباب الشرعية وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يدخر قوت سنة لأهله قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب حبس الرجل قوت سنة على أهله، وكيف نفقات العيال؟\rثم قال: [حدثني محمد بن سلام أخبرنا وكيع عن ابن عيينة قال: قال لي معمر قال لي الثوري: هـ سمعت في الرجل يجمع لأهله قوت سنتهم أو بعض السنة؟ قال معمر: فلم يحضرني. ثم ذكرت حديثاً حدثناه ابن شهاب الزهري عن مالك بن أوس عن عمر ﵁: (أن النبي ﷺ كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم) . قال الحافظ ابن حجر: [قال ابن دقيق العيد: في الحديث جواز الادخار للأهل قوت سنة وفي السياق ما يؤخذ منه الجمع بينه وبين حديث (كان لا يدخر شيئاً لغد) فيحمل على الادخار لنفسه وحديث الباب على الادخار لغيره ولو كان له في ذلك مشاركة لكن المعنى أنهم المقصد بالادخار دونه حتى لو لم يوجدوا لم يدخر قال: والمتكلمون على لسان الطريقة جعلوا أو بعضهم ما زاد على السنة خارجاً عن طريقة التوكل انتهى. وفيه إشارة إلى الرد على الطبري حيث استدل بالحديث على جواز الادخار مطلقاً خلافاً لمن منع ذلك وفي الذي نقله الشيخ تقييد بالسنة اتباعاً للخبر الوارد لكن استدلال الطبري قوي بل التقييد بالسنة إنما جاء من ضرورة الواقع لأن الذي كان يدخر لم يكن يحصل إلا من السنة إلى السنة لأنه كان إما تمراً وإما شعيراً فلو قدر أن شيئاًَ مما يدخر كان لا يحصل إلا من سنتين إلى سنتين لاقتضى الحال جواز الادخار لأجل ذلك والله أعلم. ومع كونه ﷺ كان يحتبس قوت سنة لعياله فكان في طول السنة ربما استجره منهم لمن يرد عليه ويعوضهم عنه وذلك مات ﷺ ودرعه مرهونة على شعير اقترضه قوتاً لأهله. واختلف في جواز ادخار القوت لمن يشتريه من السوق قال عياض: أجازه قوم واحتجوا بهذا الحديث ولا حجة فيه لأنه إنما كان من مغل الأرض ومنعه قوم إلا إن كان لا يضر بالسعر وهو متجه إرفاقاً بالناس ثم محل هذا الاختلاف إذا لم يكن في حال الضيق وإلا فلا يجوز الادخار في تلك الحالة أصلاً] فتح الباري ٩/٦٢٢-٦٢٤.\rويجب التنبيه إلى أمرين في هذه المسألة: الأول: إنه لا ينبغي للناس التهافت الكبير على شراء المواد الغذائية بحيث أن الأسواق تكاد تفرغ مما فيها وأن يشتري الإنسان قدر حاجته ولا يبالغ في ذلك لما في المبالغة من أضرار قد تلحق بالمجتمع بشكل عام.\rالثاني: على التجار أن يتقوا الله فلا يرفعوا الأسعار ولا يستغلوا إقبال الناس على الشراء برفع الأسعار بحجج واهية كما أن على التجار أن يتقوا الله وينصحوا للناس حيث إن بعض التجار الجشعين قد استغلوا الظروف الحالية فباعوا للناس بضائع قديمة انتهت صلاحيتها فهذا حرام شرعاً لما انطوى عليها من الغش والإضرار بالناس فقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من غشنا فليس منا) رواه مسلم.\rوخلاصة الأمر أنه يجوز ادخار المواد الغذائية وغيرها بشرط أن لا يلحق هذا الأمر الضرر بالناس والادخار لا يتنافى مع التوكل على الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346605,"book_id":3840,"shamela_page_id":985,"part":"18","page_num":27,"sequence_num":985,"body":"٢٧ - استعمال سيارة العمل في الشؤون الخاصة\rيقول السائل: إنه يعمل في إحدى المؤسسات العامة وإن المؤسسة قد جعلت تحت تصرفه سيارة ليستخدمها في العمل فما مدى حريته في استخدام سيارة المؤسسة؟\rالجواب: إن من الموظفين العاملين في المؤسسات العامة كالوزارات والجامعات والشركات العامة يسيؤون استخدام الأموال العامة وما هو في حكمها كالتلفونات والسيارات والمعدات والقرطاسية وغير ذلك.\rوينبغي التوضيح أولاً أن أموال هذه الجهات وما في حكمها من أدوات مختلفة تعتبر من المال العام المملوك لعامة المسلمين في ذلك البلد والمال العام له حرمة في الشرع كالمال الخاص بل أشد لذا يحرم التساهل في استخدام المال العام وكأنه لا مالك له.\rوقد دلت الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على حرمة الخوض في الأموال العامة، قال الله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) سورة البقرة ١٨٨، وقال أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) سورة النساء الآية ٢٩.\rوجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع) رواه البخاري ومسلم.\rوفي رواية أخرى: (وإن هذا المال خضر حلو ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل أو كما قال رسول الله ﷺ وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيداً يوم القيامة) رواه مسلم.\rوعن خولة الأنصارية ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة) رواه البخاري.\rقال الحافظ ابن حجر: [قوله (يتخوضون في مال الله بغير حق) أي يتصرفون في مال المسلمين بالباطل] فتح الباري ٦/٢٦٣.\rومن العلماء من جعل المال العام كمال اليتيم بالنسبة للولي لا يتصرف فيه إلا بما يحقق مصلحة اليتيم ونقل مثل ذلك عن عمر ﵁ ومن القصص المشهورة عن عمر بن عبد العزيز أنه كان عنده مصباحان أحدهم للدولة يستعمله عند قضاء مصالحها والآخر مصباح شخصي له يشعله إذا انتهى من مصالح الدولة.\rإذا تقرر هذا فأعود إلى السؤال فأقول إن السيارة التي أعطتك إياها المؤسسة لتستخدمها في العمل يجب أن يكون استخدامها في نطاق العمل وما يخدمه وبالتالي لا يجوز استخدامها في الأمور الخاصة كالذهاب بها في الرحلات أو العمل عليها كسيارة أجرة ونحو ذلك فهذا كسب لا شك حرام.\rومثل ذلك استخدام تلفون المؤسسة فينبغي أن يكون في الأصل في شؤون العمل وأما استخدام التلفون في الأمور الشخصية كمن يتصل بمن يريد من أهله وأقاربه خارج البلاد مستعملاً تلفون المؤسسة فلا يجوز ذلك. وقد يغض النظر عن بعض الاتصالات الداخلية التي يجريها الموظف لبعض شؤونه الخاصة وكذا استخدام بعض الأدوات اليسيرة في شؤونه الخاصة مما تعارف الناس عليه كاستخدام ورقة أو تصويرها ونحو ذلك ومن المعروف أن العرف له اعتبار فلذا الحكم عليه قد يدار ولكن لا يجوز التوسع في هذا الباب لأن الأصل حرمة المال العام. وأظن أنه يوجد في بعض المؤسسات العامة أنظمة وتعليمات لتنظيم استخدام الأموال العامة وما في حكمها كالسيارات فإن وجدت مثل هذه الأنظمة والتعليمات فيجب الالتزام بها.\rوينبغي التذكير أن الموظف في الأصل هو بمثابة الأجير والأجير لا بد أن يكون أميناً ويدخل في الأمانة الأمانة في حسن أداء العمل وتشمل أيضاً الأمانة في استخدام المال العام وتشمل الأمانة في استخدام أدوات العمل وغير ذلك. قال الله تعالى: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) .\rويقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) سورة النساء الآية ٥٨.\rويقول تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) سورة المؤمنون الآية ٨.\rوعن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) رواه مسلم.\rوخلاصة الأمر أن الأصل حرمة الأموال العامة وما في حكمها من الأدوات كالسيارات فلا يجوز استعمالها في الشؤون الشخصية إلا بالمقدار الذي يحقق مصلحة جهة العمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346606,"book_id":3840,"shamela_page_id":986,"part":"18","page_num":28,"sequence_num":986,"body":"٢٨ - احاديث مكذوبة\rيقول السائل: وزعت ورقة مطبوعة في المسجد عندنا وفيها هذا الحديث قال رسول الله ﷺ: (من قرأ في مصبح أو ممسى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً * وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً) سورة الإسراء الآيات ١١٠-١١١. لم يمت في ذلك اليوم ولا في تلك الليلة.) فهل هذا الحديث وارد عن النبي ﷺ أفيدونا؟ الجواب: إن ملامح الوضع ظاهرة على هذا الحديث أي الكذب وقد بحثت عنه في مظانه فوجدت أن الزبيدي ذكره بلفظ آخر حيث قال: (وروى الديلمي من حديث أبي موسى: من قرأ في مصبح أو ممسى (قل ادعوا الله ... إلى آخر السورة لم يمت قلبه ذلك اليوم ولا في تلك الليلة) اتحاف السادة المتقين ٥/١٦١.\rولفظه هنا (لم يمت قلبه) وفي لفظ الحديث المذكور في السؤال (لم يمت في ذلك اليوم) والفرق بين الأمرين كبير.\rوالديلمي المذكور هو صاحب مسند الفردوس وكتابه هذا من مظان الأحاديث الضعيفة والمكذوبة. انظر الأجوبة الفاضلة ص ١١١-١١٢.\rومن علامات الحديث المكذوب أن يشتمل على أمر معلوم بطلانه قطعاً وهو في هذا الحديث أن الإنسان إذا قرأ آية من القرآن الكريم فإنه لا يموت يومه ذاك أو ليلته. انظر قواعد التحديث ص١٥٦.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346607,"book_id":3840,"shamela_page_id":987,"part":"18","page_num":29,"sequence_num":987,"body":"٢٩ - السباب\rيقول السائل: ما قولكم فيمن يزعم أن معاوية ﵁ ليس صحابياً ولا يترضى عنه بل يسبه ويشتمه ويلعنه؟ الجواب: لا ريب أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ صحابي ابن صحابي ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو متجاهل. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في تعريف الصحابي: [وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على الإسلام فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو ومن غزا معه أو لم يغز ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ومن لم يره لعارضٍ كالعمى] الإصابة في تمييز الصحابة ١/٤.\rوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضاً بعد أن شرح التعريف السابق: [وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما ووراء ذلك أقوال أخرى شاذة كقول من قال لا يعد صحابياً إلا من وصف بأحد أوصاف أربعة: من طالت مجالسته، أو حفظت روايته، أو ضبط أنه غزا معه أو استشهد بين يديه وكذا من اشترط في صحة الصحبة بلوغ الحلم أو المجالسة ولو قصرت] الإصابة ١/٥.\rوأما من زعم [أن معاوية أسلم وعمره ١٣ سنة ولم يرو أنه ذهب إلى المدينة وسكن فيها في حياة الرسول ﷺ وصاحبه والرسول ﷺ مكث في مكة مدة قصيرة لا يتحقق فيها معنى الصحبة وعليه فمعاوية ليس من الصحابة] فهذا الزعم باطل مردود ومعاوية ﵁ صحابي جليل بل أطلق عليه العلماء أنه خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين. فهو خال المؤمنين لأن أخته حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ زوجة النبي ﷺ ومن أمهات المؤمنين وهو من كتبة الوحي فكان يكتب للنبي ﷺ القرآن وقد عدد الحافظ ابن كثير كتاب الوحي وذكر منهم معاوية.\rوكذلك فإن معاوية ﵁ قد روى عن النبي ﷺ ١٦٣ حديثاً وخصص له الإمام أحمد في كتابه مسنداً خاصاً وروى له أكثر من مائة حديث. وكذا أبو يعلى الموصلي في مسنده والحميدي في مسنده. والطبراني في المعجم الكبير وغيرهم.\rوقال الذهبي: مسنده في مسند بقي – يعني ابن مخلد - مئة وثلاثة وستون حديثاً، وقد عمل الأهوازي مسنده في مجلد واتفق له البخاري ومسلم على أربعة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة.\rأخرج له أصحاب الكتب الستة ستون حديثاً] من سب الصحابة ص٨٠.\rقال الإمام النووي: [وأما معاوية ﵁ فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء ﵁] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٥٣٠.\rوقد ورت أحاديث نبوية في فضل معاوية ﵁ منها عن عبد الرحمن بن أبي عميرة وكان من أصحاب رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: (اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني: صحيح كما في السلسلة الصحيحة ١٩٦٩ وصحيح سنن الترمذي ٣/٢٣٦.\rوعن أبي إدريس الخولاني قال: [لما عزل عمر بن الخطاب عمير بن سعد عن حمص ولى معاوية فقال الناس: عزل عميراً وولى معاوية!؟ فقال عمير: لا تذكروا معاوية إلا بخير فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: اللهم اهد به] رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٢٣٦.\rوروى الإمام البخاري بسنده عن ابن أبي مليكة قال: [أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس فأتى ابن عباس فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله ﷺ.\rوروى البخاري أيضاً بسنده: قيل لابن عباس هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: إنه فقيه] صحيح البخاري مع الفتح ٨/١٠٤-١٠٥.\rقال الحافظ ابن حجر: [وقوله دعه: أي اترك القول فيه والإنكار عليه فإنه قد صحب أي فلم يفعل شيئاً إلا بمستند وفي قوله في الرواية الأخرى أصاب إنه فقيه ما يؤيد ذلك] فتح الباري ٨/١٠٥.\rوقال الإمام الذهبي في حق معاوية: [حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم وهو ثقة فيضبطه ويقوم به أتم قيام ويرضي الناس بسخائه وحلمه وإن كان بعضهم تألم مرة منه وكذلك فليكن الملك وإن كان غيره من أصحاب رسول الله ﷺ خيراً منه بكثير وأفضل وأصلح فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وفرط حلمه وسعة نفسه وقوة دهائه ورأيه وله هنات وأمور والله الموعد] سير أعلام النبلاء ٣/١٣٢-١٣٣. وقال الذهبي أيضاً: [ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم وما هو ببرئ من الهنات والله يعفو عنه] سير أعلام النبلاء ٣/١٥٩.\rوينبغي أن يعلم أن معاوية ﵁ هو أحد كتبة الوحي الذين استكتبهم رسول الله ﷺ لكتابة القرآن الكريم. انظر الإصابة ٦/١١٣، معاوية بن أبي سفيان لمحمود شاكر ص ٨٨] يسألونك ٧/٣٣٩-٣٤٠.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومعاوية قد استكتبه رسول الله ﷺ وقال: (اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب) ] الفتاوى الكبرى ٤/٢٥٩\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولهذا كانوا – أي الرافضة – أبهت الناس وأشدهم فرية مثل ما يذكرون عن معاوية. فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمَّره النبي ﷺ كما أمره غيره وجاهد معه وكان أميناً عنده يكتب له الوحي وما اتهمه النبي ﷺ في كتابة الوحي وولاه عمر بن الخطاب الذي كان من أخبر الناس بالرجال وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ولم يتهمه في ولايته] مجموع الفتاوى ٤/٤٧٢.\rوقد قامت الأدلة على تحريم سب الصحابة ﵃ فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه) رواه البخاري ومسلم.\rوقال الإمام النووي: [واعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون ...] ثم نقل عن القاضي عياض قوله: [وسب أحدهم - أي الصحابة - من المعاصي الكبائر] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٧٢-٧٣.\rوقال الإمام الآجري: [ومن سبهم فقد سب رسول الله ﷺ ومن سب رسول الله ﷺ استحق اللعنة من الله ﷿ ومن الملائكة ومن الناس أجمعين] .\rوقال الإمام الآجري أيضاً: [لقد خاب وخسر من سب أصحاب رسول الله ﷺ لأنه خالف الله ورسوله ولحقته اللعنة من الله ﷿ ومن رسوله ومن الملائكة ومن جميع المؤمنين ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً لا فريضة ولا تطوعاً وهو ذليل في الدنيا وضيع القدر كثر الله بهم القبور وأخلى منهم الدور] من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية ص١٥.\rوقال الإمام أحمد: [إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام] البداية والنهاية ٨/١٤٢.\rوقال الإمام أحمد أيضاً: [ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين والكف عن الذي شجر بينهم فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو واحداً فهو مبتدع رافضي حبهم سنة والدعاء لهم قربة والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآرائهم فضيلة] السنة للإمام أحمد.\rوقال الإمام البربهاوي: [إذا رأيت الرجل يطعن على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه صاحب قول سوء وهوى] شرح السنة ص١٢٣\rوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيمن يلعن معاوية فماذا يجب عليه؟ فأجاب: الحمد لله من لعن أحداً من أصحاب النبي ﷺ معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ونحوهما من هو أفضل من هؤلاء كأبي موسى الأشعري وأبي هريرة ونحوهما أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة والزبير وعثمان وعلي بن أبي طالب أو أبي بكر الصديق وعمر أو عائشة أم المؤمنين غير هؤلاء من أصحاب النبي ﷺ فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين وتنازع العلماء هل يعاقب بالقتل أو ما دون القتل كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) واللعنة أعظم من السب وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لعن المؤمن كقتله فقد جعل النبي ﷺ لعن المؤمن كقتله وأصحاب رسول الله ﷺ خيار المؤمنين كما ثبت عنه أنه قال (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وكل من رأى رسول الله ﷺ مؤمناً به فله من الصحبة بقدر ذلك... الخ] الفتاوى الكبرى ٤/ ٢٥٥- ٢٥٦\rوسئل الإمام أحمد بن حنبل ﵁ أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لغبار لحق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله خيرٌ من عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه وأماتنا على محبته. شذرات الذهب ١/٦٥\rقال الإمام الذهبي في ترجمة معاوية ﵁ [فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق واتضح من الطرفين وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين وتبصرنا فعذرنا واستغفرنا وأحببنا باقتصاد وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة أو بخطأ إن شاء الله مغفور وقلنا كما علمنا الله [ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا] وترضينا أيضا عمن اعتزل الفريقين كسعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسعيد بن زيد وخلق وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا عليا وكفروا الفريقين] سير أعلام النبلاء ٣/١٢٨.\rوخلاصة الأمر أن معاوية ﵁ صحابي جليل يجب تقديره واحترامه والترضي عنه ويحرم سبه وشتمه ولعنه وينبغي أن يعلم أن من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346608,"book_id":3840,"shamela_page_id":988,"part":"18","page_num":30,"sequence_num":988,"body":"٣٠ - حكم القراءة بالقراءات الشاذة\rيقول السائل: إن إمام المسجد عندهم قرأ آيات من سورة الإسراء ومنها قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) حيث قرأ (أمّرنا) بتشديد الميم فما حكم ذلك؟ الجواب: من المعلوم أن القراءة المشهورة في بلادنا ويتداولها القراء وحفظة القرآن وطلاب العلم وغيرهم هي قراءة حفص بن سليمان الكوفي عن عاصم بن أبي النجود الكوفي. وهذه القراءة من القراءات المتواترة وهي عشر قراءات على الراجح من أقوال أهل العلم. وقد اتفقوا على جواز القراءة بها في الصلاة وخارج الصلاة وأما ما عداها من قراءات فهي شاذة لم تثبت بطريقة التواتر فالقراءة الشاذة ما نقل قرآناً من غير تواتر واستفاضة أو ما عبر عنه بأنها ما دون القراءات العشر المتواترة التي قبلتها الأمة عن الأئمة العشرة.\rومن القراءات الشاذة قراءة (أمّرنا) بتشديد الميم من الآية المذكورة في السؤال حيث نص علماء القراءات على أنها قراءة شاذة كما في المختصر في شواذ القرآن ص ٧٩ وفي كتاب المحتسب في تبيين وجوه شواذ القرآن ٢/٦٠ وبما أن هذه القراءة شاذة فلا تصح القراءة بها في الصلاة وغيرها بل نقل الحافظ ابن عبد البر الإجماع على ذلك فقال: [الذي عليه جماعة الأمصار من أهل الأثر والرأي أنه لا يجوز لأحد أن يقرأ في صلاته نافلة كانت أو مكتوبة بغير ما في المصحف المجتمع عليه سواء كانت القراءة مخالفة له منسوبة لابن مسعود أو إلى أبي أو إلى ابن عباس أو إلى أبي بكر أو عمر أو مسندة إلى النبي ﷺ] الاستذكار ٨/٤٧-٤٨.\rوقال الإمام النووي: [وتجوز قراءة القرآن بالقراءات السبع المجمع عليها ولا يجوز بغير السبع ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبعة، وسيأتي في الباب السابع إن شاء الله تعالى بيان اتفاق الفقهاء على استتابة من أقرأ بالشواذ أو قرأ بها وقال أصحابنا وغيرهم: لو قرأ بالشواذ في الصلاة بطلت صلاته إن كان عالماً وإن كان جاهلاً لم تبطل ولم تحسب له تلك القراءة وقد نقل الإمام أبو عمر بن عبد البر الحافظ إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ وأنه لا يصلى خلف من يقرأ بها. قال العلماء: من قرأ الشاذ إن كان جاهلاً به أو بتحريمه عرف بذلك فإن عاد إليه أو كان عالماً به عزر تعزيراً بليغاً إلى أن ينتهي عن ذلك ويجب عل كل متمكن من الإنكار عليه ومنعه الإنكار والمنع] التبيان في آداب حملة القرآن ص٥٠-٥١.\rوقال الإمام النووي أيضاً: [قال أصحابنا وغيرهم تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بكل واحدة من القراءات السبع ولا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة لأنها ليست قرآناً فإن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وكل واحدة من السبع متواترة هذا هو الصواب الذي لا يعدل عنه ومن قال غيره فغالظ أو جاهل وأما الشاذة فليست متواترة فلو خالف وقرأ بالشاذة أنكر عليه قراءتها في الصلاة أو غيرها وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ وقد ذكرت قصة في التبيان في آداب حملة القرآن ونقل الإمام الحافظ\rأبو عمر بن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ وأنه لا يصلى خلف من يقرأ بها قال العلماء فمن قرأ بالشاذ إن كان جاهلاً به أو بتحريمه عرف ذلك فإن عاد إليه بعد ذلك أو كان عالماً به عزر تعزيراً بليغاً إلى أن ينتهي عن ذلك ويجب على كل مكلف قادر على الإنكار أن ينكر عليه] المجموع ٣/٣٩٢.\rوقال ابن عابدين الحنفي: [القرآن الذي تجوز به الصلاة بالاتفاق هو المضبوط في مصاحف الأئمة التي بعث بها عثمان ? إلى الأمصار وهو الذي أجمع عليه الأئمة العشرة وهذا هو المتواتر جملة وتفصيلاً فما فوق السبعة إلى العشرة غير شاذ وإنما الشاذ ما وراء العشرة وهو الصحيح] حاشية ابن عابدين ١/٤٨٦.\rوقال الزركشي: [قال أبو شامة رحمة الله وقد ورد إلى دمشق استفتاء من بلاد العجم عن القراءة الشاذة هل تجوز القراءة بها وعن قراءة القارىء عشراً كل آية بقراءة قارىء فأجاب عن ذلك جماعة من مشايخ عصرنا منهم شيخا الشافعية والمالكية حينئذ وكلاهما أبو عمر وعثمان يعنى ابن الصلاح وابن الحاجب قال شيخ الشافعية: يشترط أن يكون المقروء به على تواتر نقله عن رسول الله ﷺ قرآنا واستفاض نقله بذلك وتلقته الأمة بالقبول كهذه القراءات السبع لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع على ما تقرر وتمهد في الأصول فما لم يوجد فيه ذلك ما عدا العشرة فممنوع من القراءة به منع تحريم لا منع كراهة في الصلاة وخارج الصلاة وممنوع منه ممن عرف المصادر والمعاني ومن لم يعرف ذلك وواجب على من قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقوم بواجب ذلك وإنما نقلها من نقلها من العلماء لفوائد منها ما يتعلق بعلم العربية لا القراءة بها هذا طريق من استقام سبيله ... ويجب منع القارىء بالشواذ وتأثيمه بعد تعريفه وإن لم يمتنع فعليه التعزير يشرطه وأما إذا شرع القارىء في قراءة فينبغي ألا يزال يقرأ بها ما بقى للكلام متعلق بما ابتدأ به وما خالف هذا فمنه جائز وممتنع وعذره مانع من قيامه بحقه والعلم عند الله تعالى. وقال شيخ المالكية ﵀: لايجوز أن يقرأ بالقراءة الشاذة في صلاة ولا غيرها عالماً بالعربية كان أو جاهلاً.] البرهان في علوم القرآن ١ /٣٣٢ – ٣٣٣.\rوخلاصة الأمر أن قراءة (أمّرنا) بتشديد الميم من الآية المذكورة في السؤال قراءة شاذة تحرم القراءة بها في الصلاة وخارج الصلاة محافظة على كتاب الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346609,"book_id":3840,"shamela_page_id":989,"part":"18","page_num":31,"sequence_num":989,"body":"٣١ - مكانة الصحيحين البخاري ومسلم\rيقول السائل: ما قولكم فيمن يزعم أن كون الحديث في الصحيحين لا يكفي للحكم بصحته؟ الجواب: كثرت السهام التي توجه للإسلام وللقضايا المسلَّمة عند جماهير علماء الأمة في هذا الزمان وهذه الهجمات ليست جديدة ولا يستبعد أن تكون هنالك أيدٍ خفيةً تحرك مثل هذه الدعوات المغرضة لتشكيك المسلمين عامة وطلبة العلم الشرعي خاصة في قضايا صارت من القطعيات في دين الإسلام كقول بعض من ينسب للعلم الشرعي إن السنة ليست مصدراً للتشريع ويجب الاكتفاء بما في القرآن الكريم، وكقول بعضهم إنه لا يوجد حديث واحد قاله النبي ﷺ بلفظه بل كل ما ورد إنما هو بالمعنى، وكقول بعضهم إن أصول الفقه بدعة وإنه لا قياس في الشرع ونحو ذلك من الترهات والخزعبلات. وقد تصدى العلماء للرد على هذه القضايا وأمثالها قديماً وحديثاً ولا يتسع المقام لكل ذلك فلعلي أذكر شيئاً يسيراً في إبطال الفرية المذكورة في السؤال فأقول:\rاتفق علماء الأمة قديماً وحديثاً على أن صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم هما أصح كتابين بعد كتاب الله ﷿ وأن الأحاديث المسندة المتصلة المذكورة فيهما أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ.\rقال الإمام النووي: [اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول. وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة. وقد صح أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٢٤.\rوقال الإمام النسائي: [ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخاري] المصدر السابق.\rوقال ابن الصلاح: [أول من صنف في الصحيح، البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه فإنه يشارك البخاري في كثير من شيوخه وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز] هدي الساري ١/١٢.\rوقال الذهبي: [وأما جامع البخاري الصحيح فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى] الحطة في ذكر الصحاح الستة ص٣١٢.\rوقال ولي الله الدهلوي: [أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع وأنهما متواتران إلى مصنفيهما وأن كل من يهون أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين] حجة الله البالغة ١/٢٤٩.\rوقال العلامة أحمد محمد شاكر: [الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الأمر: أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها. ليس في واحد منها مطعن أو ضعف. وإنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث. على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل واحد منهما في كتابه. وأما صحة الحديث في نفسه فلم يخالف أحد فيها. فلا يهولنك إرجاف المرجفين. وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة وتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها وانقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم واحكم عن بينة. والله الهادي إلى سواء السبيل] الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص٣٥.\rوقال محدث العصر الشيخ الألباني: [... كيف والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم فقد امتازا على غيرهما من كتب السنة بتفردهما بجمع أصح الأحاديث الصحيحة وطرح الأحاديث الضعيفة والمتون المنكرة على قواعد متينة وشروط دقيقة وقد وفقوا في ذلك توفيقاً بالغاً لم يوفق إليه من بعدهم ممن نحا نحوهم في جمع الصحيح كابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم حتى صار عرفاً عاماً أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما فقد جاوز القنطرة ودخل في طريق الصحة والسلامة. ولا ريب في ذلك وأنه هو الأصل عندنا] مقدمته لشرح العقيدة الطحاوية ص١٤-١٥.\rوبعد أن ذكرت هذه الباقة العطرة من أقوال أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين في الثناء على الصحيحين فيجب أن يعلم أن هؤلاء العلماء وغيرهم لم يطلقوا هذه الأحكام على الصحيحين جزافاً وإنما جاءت هذه الأحكام بعد أن درسوا الصحيحين دراسة واعية على بصيرة وهدى. فقد درس آلاف العلماء من الحفاظ وغيرهم أسانيد البخاري ومسلم دراسة مستفيضة فوصلوا إلى ما وصلوا إليه وهو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال. فالأحاديث المرفوعة في الصحيحين أو أحدهما صحيحة بدون أدنى شك. وأما الحديث المتفق عليه فهو ما اتفق البخاري ومسلم على روايته في صحيحيهما والحديث المتفق عليه هو أعلى درجة من درجات الحديث الصحيح. قال الإمام النووي: [الصحيح أقسام أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم ثم ما انفرد به البخاري ثم مسلم ثم على شرطهما ثم على شرط البخاري ثم مسلم ثم صحيح عند غيرهما] تدريب الراوي شرح التقريب ١/١٢٢-١٢٣.\rوقال الشوكاني: [واعلم أن ما كان من الأحاديث في الصحيحين أو أحدهما جاز الاحتجاج به من دون بحث لأنهما التزما الصحة وتلقت ما فيهما الأمة بالقبول] نيل الأوطار ١/٢٢.\rوينبغي أن يعلم أن من أهل العلم من انتقد على الصحيحين أو أحدهما أحاديث كالدارقطني وقد فصل الحافظ ابن حجر الكلام على الأحاديث المنتقدة على صحيح البخاري في الفصل الثامن من مقدمته لفتح الباري والمسماة هدي الساري فذكر الأحاديث المنتقدة وأجاب عليها جواباً إجمالياً وجواباً مفصلاً فقال في الأول منهما: [والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل ... فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضاً لتصحيحهما ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة] هدي الساري ص٥٠٦. ثم ذكر الجواب التفصيلي عن كل حديث انتقد على البخاري.\rوخلاصة الأمر أن من طعن في أحاديث البخاري ومسلم فكلامه مردود عليه حيث إن أهل هذا الشأن من الحفاظ وأهل الحديث أجابوا عن ذلك أجوبة قاطعة واضحة. وإن الطعن في البخاري ومسلم ما هو إلا طعن في السنة النبوية ومن يطعن في السنة النبوية يخشى عليه من الزندقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346610,"book_id":3840,"shamela_page_id":990,"part":"18","page_num":32,"sequence_num":990,"body":"٣٢ - الحجامة\rيقول السائل: هل التداوي بالحجامة من السنة وما أفضل وقت للحجامة؟ الجواب: الحجامة مأخوذة من حجم بمعنى مصَّ، والحجامة تعني مص الدم وإخراجه من البدن. انظر لسان العرب ٣/٦٧-٦٨. وجاء في الموسوعة الطبية الفقهية ص٣٢٧ ما يلي: [والحجامة وسيلة قديمة كانت تستخدم لعلاج معظم الأمراض لأن الناس كانوا يجهلون أسباب الأمراض وكانت الوسائل العلاجية محدودة جداً وقد تجرى الحجامة باستخدام العلق الذي يوضع على الجلد فيمص الدم وقد تجرى الحجامة أيضاً دون تشريط الجلد، وذلك باستخدام كؤوس فارغة تسخن من باطنها لخلخلة الهواء وإحداث ضغط سلبي بداخلها ثم توضع على مناطق مختارة من الجلد فتجذب الدم في العروق إلى موضع الحجامة وهي طريقة تساعد في تخفيف الوجع وتعالج بعض الآفات الموضعية مثل التهاب العضلات والتهاب المفاصل والرثية ونحوها.\rوفي العصر الحديث عاد الاهتمام بمثل هذه الطرق القديمة من العلاج فيما يعرف بالطب الطبيعي أو الطب البديل الذي أنشئت له في أنحاء متفرقة من العالم عيادات متخصصة أخذ روادها يتزايدون يوماً بعد يوم وبخاصة بعد اكتشاف الأضرار الجانبية الخطيرة لكثير من الأدوية الكيميائية وتحول كثير من الأطباء عن الأدوية المصنعة إلى المعالجات الطبيعية] .\rوالتداوي بالحجامة من المندوبات في الشريعة الإسلامية، وقد ورد في فضل التداوي بالحجامة أحاديث كثيرة منها: عن أنس ﵁ أنه سئل عن أجر الحجام فقال: احتجم رسول الله ﷺ حجمه أبو طيبة وأعطاه صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه. وقال ﷺ: (إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقُسْط البحري) رواه البخاري ومسلم. والقُسْط البحري من عقاقير البحر انظر عمدة القاري ١٤/٦٨١.\rوروى البخاري بسنده أن جابر بن عبد الله ﵄ عاد المقنع - أحد التابعين - ثم قال: لا أبرح حتى يحتجم فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول إن فيه شفاء.\rوعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء وما أحب أن أكتوي) رواه البخاري مسلم.\rوعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به. رواه البخاري.\rوقد ذكر الأطباء والعلماء قديماً وحديثاً فوائد كثيرة للحجامة قال العلامة ابن القيم: [وأما منافع الحجامة فإنها تنقي سطح البدن أكثر من الفصد والفصد لأعماق البدن أفضل والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد] الطب النبوي ص١٦٩.\rوقال الدكتور عبد الرزاق الكيلاني: [وتفيد الحجامة الجافة في تسكين الآلام جميعها إذا طبقت في مكان الألم أو قريباً منه وقد سقط النبي ﷺ على وركه فأصيب بوثي فيه فعالجه بالحجامة كما تفيد في الصداع والآلام الوربية والقطنية والآلام المفصلية وألم ذات الجنب وتفيد في التهاب القصبات وذات الرئة واحتقانات الكبد والتهاب التأمور وقصور القلب الخفيف كما تقوم مقام الاستدماء الذاتي لمكافحة أمراض الحساسية كالأكزيما والشري وغيرها وإذا أجريت في الرأس أفادت كثيراً من أمراض العين.\rأما الحجامة المدماة فإنها عدا الأمراض التي تفيد فيها الحجامة الجافة تفيد في ارتفاع الضغط الشرياني بخاصة لأنها تكون كالفصادة وكذلك في قصور القلب الشديد ووذمة الرئة الحادة واحتقانات الكبد الشديدة وقصور الكلى الحاد والتسممات ... وقد استعمل النبي ﷺ الحجامة لعلاج الوثي ولعلاج الصداع والشقيقة والتسمم واستعملها الصحابة فوق ذلك لتبيغ الدم وأظن أنهم كانوا يقصدون به ارتفاع الضغط الشرياني] الحقائق الطبية في الإسلام ص٢٨٤-٢٨٥.\rوذكر الدكتور محمود النسيمي استطبابات الحجامة ومنها: احتقانات الرئة واحتقان الكبد والتهاب الكلية الحاد والآلام العصبية ... إلخ. انظر الطب النبوي والعلم الحديث ٣/٩٤-٩٦.\rوذكر الدكتور عبد المعطي قلعجي استعمال الحجامة في الطب المعاصر وذلك في تعليقه على الطب النبوي لابن القيم في هامش الصفحتين ١٦٢-١٦٣ وذكر المصادر الطبية التي ذكرت استطبابات الحجامة في الطب المعاصر.\rوأما وقت الحجامة فقد وردت بعض الأحاديث التي تفيد أن أفضل الحجامة ما يكون بعد النصف الثاني من الشهر الهجري بقليل فمن ذلك: عن أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين) رواه الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٢٠٤. وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة ويوم تسع عشرة ويوم واحد وعشرين) رواه الترمذي وحسنه ضمن حديث طويل وقد ذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٢٠٤ وغير ذلك من الأحاديث انظر الطب النبوي للسيوطي ص ٢٤٤ - ٢٤٦.\rقال ابن القيم بعد أن ذكر الحديثين السابقين: [وهذه الأحاديث موافقة لما أجمع عليه الأطباء أن الحجامة في النصف الثاني وما يليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع من أوله وآخره وإذا استعملت عند الحاجة إليها نفعت أي وقت كان من أول الشهر وآخره. قال الخلال: أخبرني عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل قال: كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت] الطب النبوي ص١٧٤-١٧٥.\rوقال الدكتور محمود النسيمي: [ليس للحجامة الجافة وقت معين لإجرائها وإنما تنفذ لدى وجود استطباب لها أما الحجامة المبزغة (الدامية) فلها أوقات مفضلة في الطب النبوي والعربي إذا استعملت بشكل وقائي أما في حالة الاستطباب العلاجي الإسعافي فإنها تجرى في أي وقت. ولقد مر أن النبي ﷺ احتجم بعدما سم واحتجم على وركه من وثء كان به واحتجم وهو محرم على ظهر قدمه من وجع أو وثء كان به، وفي رأسه من شقيقة ألمت به ولم يرد عنه ﷺ أنه انتظر في تلك الأحوال يوماً معيناً أو ساعة معينة من اليوم. ولذا تحمل أحاديث تفضيل أيام معينة من الشهر لإجراء الحجامة الدامية على إجرائها لأغراض وقائية كما في الدمويين لدى اشتداد الحر والله تعالى أعلم] الطب النبوي والعلم الحديث ٣/١٠٢-١٠٣.\rوخلاصة الأمر أن التداوي بالحجامة من الأمور المستحبة ويجوز استخدامها في أي وقت إن كانت علاجاً لداء معين وأما إن كان استعمالها على سبيل الوقاية فيستحب أن تكون في الأيام التي ذكرت في الأحاديث السابقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346611,"book_id":3840,"shamela_page_id":991,"part":"18","page_num":33,"sequence_num":991,"body":"٣٣ - صلاة الحفظ\rيقول السائل: قرأت في نشرة وزعت في بعض المساجد بعنوان الدعاء لحفظ القرآن وفيها حديث طويل يتضمن صلاة أربع ركعات لتقوية الحفظ فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ؟ الجواب: روى الترمذي بإسناده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه علي بن أبي طالب ﵁ قال: بأبي أنت تفلت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه فقال له رسول الله ﷺ يا أبا الحسن أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع بهن من علمته ويثبت ما تعلمت في صدرك؟ قال: أجل يا رسول الله فعلمني. قال إذا كان ليلة الجمعة، فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب فقد قال أخي يعقوب لبنيه: سوف أستغفر لكم ربي. يقول حتى تأتي ليلة الجمعة فإن لم تستطع فقم في وسطها فإن لم تستطع فقم في أولها فصل أربع ركعات: تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب وألم تنزيل (السجدة) وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله وأحسن الثناء على الله وصل علي وأحسن وعلى سائر النبيين واستغفر للمؤمنين والمؤمنات ولإخوانك الذين سبقوك بالإيمان ثم قل في آخر ذلك: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبداً ما أبقيتني وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني اللهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني اللهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تنور بكتابك بصري وأن تطلق به لساني وتشرح به صدري وأن تستعمل به بدني فإنه لا يعينني على الحق غيرك ولا يؤتينيه إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\rيا أبا الحسن تفعل ذلك ثلاث جمع أو خمساً أو سبعاً تجاب بإذن الله والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمناً قط. قال ابن عباس ﵄: فوالله ما لبث علي إلا خمساً أو سبعاً حتى جاء رسول الله ﷺ في ذلك المجلس فقال: يا رسول الله إني كنت فيما خلا لا آخذ إلا أربع آيات ونحوهن فإذا قرأتهن على نفسي تفلتن وأنا أتعلم اليوم أربعين آية ونحوها فإذا قرأتهن على نفسي فكأنما كتاب الله بي عيني ولقد كنت أسمع الحديث فإذا رددته تفلت وأنا اليوم أسمع الأحاديث فإذا تحدثت بها لم أخرم منها حرفاً فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: مؤمن ورب الكعبة يا أبا الحسن) .\rقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم. سنن الترمذي مع شرحه التحفة ١٠/١٤-١٦.\rوقد اختلف أهل الحديث في الحكم على هذا الحديث فحسنه الترمذي كما سبق إلا أن الشيخ الألباني ذكر أن الحافظ ابن عساكر قد نقل حكم الترمذي على الحديث دون لفظة حسن وكذلك الحافظ الضياء المقدسي ثم قال الألباني: [وهو الأقرب إلى الصواب واللائق بهذا الإسناد فإن الوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية كما سيأتي فهو علة الحديث وإن خفيت على كثير كالحاكم وغيره فإنه قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي بقوله: هذا حديث شاذ أخاف أن لا يكون كذا ولعل الصواب أن يكون موضوعاً وقد حيرني والله جودة سنده] السلسة الضعيفة ٧/٣٨٤-٣٨٥.\rوقال المنذري عن هذا الحديث [طرق أسانيد هذا الحديث جيدة ومتنه غريب جداً] . وقد عده ابن الجوزي في الموضوعات وذكره الشوكاني في كتابه في الأحاديث الموضوعة ص٤٢.\rوذكر الذهبي الحديث في سير أعلام النبلاء في ترجمة الوليد بن مسلم وساقه بطوله ثم قال: [هذا عندي موضوع والسلام] سير أعلام النبلاء ٩/٢١٨.\rوقال الذهبي أيضاً معلقاً على تصحيح الحاكم للحديث: [هذا حديث منكر شاذ وقد حيرني والله جودة إسناده] وقال الذهبي أيضاً في الميزان بأنه حديث منكر جداً. انظر المصدر السابق الحاشية.\rوقد حكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه منكر وتكلم عليه كلاماً طويلاً ثم قال: [وجملة القول أن هذا الحديث موضوع كما قال الذهبي في الميزان وقال أيضاً وهو من أنكر ما أتى به الوليد بن مسلم وابن الجوزي ما أبعد عن الصواب حين أورده في الموضوعات ومن تعقبه فلم يأت بشيء يستحق النظر فيه] السلسلة الضعيفة ٧/٣٨٧-٣٨٨.\rإذا تقرر هذا فإن الصحيح من أقوال العلماء أنه لا يجوز إثبات صلاة بناء على هذا الخبر الموضوع أو الضعيف جداً وخاصة أنه يثبت صلاة غريبة والأصل في العبادات التلقي عن النبي ﷺ بطريق ثابت صحيح ولا يجوز شرعاً تخصيص وقت معين بعبادة معينة وبكيفية معينة بدون دليل شرعي صحيح وكذلك فإن في الحديث تخصيص ليلة الجمعة بعبادة خاصة وهذا يعارض ما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم) رواه مسلم.\rقال الإمام النووي: [وفي هذا الحديث النهي الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي ويومها بصوم كما تقدم وهذا متفق على كراهيته] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢١١.\rولا يصح العمل بهذا الحديث الموضوع على أساس أنه وارد في فضائل الأعمال لأن الحديث الموضوع لا يعمل به في فضائل الأعمال ولا غيرها، ولا يجوز أن ينسب إلى النبي ﷺ.\rوخلاصة الأمر أن الحديث المذكور لا يصح الاعتماد عليه لأنه موضوع أي مكذوب وصلاة الحفظ التي وردت فيه صلاة مبتدعة غير مشروعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346612,"book_id":3840,"shamela_page_id":992,"part":"18","page_num":34,"sequence_num":992,"body":"٣٤ - كفارة القتل الخطأ\rيقول السائل: ما الحكم فيمن لزمته كفارة القتل الخطأ ولا يوجد اليوم رقاب ليعتق وهو عاجز عن الصوم فماذا يصنع؟ الجواب: يقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) سورة النساء الآية ٩٢.\rفمن قتل مؤمناً خطأً فتلزمه الدية والكفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة ومن المعلوم اليوم أن عهد الرق قد ولى فيتعذر عتق رقبة مؤمنة وحينئذ يصار إلى صوم شهرين متتابعين كما نصت الآية الكريمة: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فإذا كان القاتل عاجزاً عن الصوم لهرم أو مرض أو نحو ذلك فجمهور العلماء يرون أنه لا يطالب بغير الصوم ولا يجب عليه أي شيء آخر ومن العلماء من قال إن عجز عن صوم الشهرين المتتابعين ينتقل إلى إطعام ستين مسكيناً قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وكفارة القتل عتق رقبة مؤمنة بنص الكتاب سواء كان القاتل أو المقتول مسلماً أو كافراً فإن لم يجدها في ملكه فاضلة عن حاجته أو لم يجد ثمنها فاضلاً عن كفايته فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وهذا ثابت بالنص أيضاً فإن لم يستطع ففيه روايتان: إحداهما: يثبت الصيام في ذمته ولا يجب شيء آخر , لأن الله تعالى لم يذكره ولو وجب لذكره والثاني: يجب إطعام ستين مسكيناً لأنها كفارة فيها عتق وصيام شهرين متتابعين فكان فيها إطعام ستين مسكيناً عند عدمها ككفارة الظهار والفطر في رمضان. وإن لم يكن مذكوراً في نص القرآن فقد ذكر ذلك في نظيره فيقاس عليه. فعلى هذه الرواية: إن عجز عن الإطعام ثبت في ذمته حتى يقدر عليه وللشافعي قولان في هذا كالروايتين والله أعلم] المغني ٨/٥١٧.\rوقال صاحب الهداية الحنفي: [وكفارته عتق رقبة مؤمنة لقوله تعالى: (وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ َمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) بهذا النص ولا يجزئ فيه الإطعام لأنه لم يرد به نص والمقادير تعرف بالتوقيف] الهداية ٩/٢٠٥.\rوقال ابن كثير: [واختلفوا فيمن لا يستطيع الصيام هل يجب عليه إطعام ستين مسكينا كما في كفارة الظهار على قولين أحدهما نعم كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار وإنما لم يذكر ههنا لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص والقول الثاني لا يعدل إلى الطعام لأنه لو كان واجبا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة] تفسير ابن كثير ١ /٥٣٦\rومن قال من العلماء إنه إن كان عاجزاً عن صوم الشهرين المتتابعين ينتقل إلى الإطعام اعتمد على القياس على الكفارة في الظهار بجامع أن كلاً منهما كفارة. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة المجادلة الآيات ٣-٤.\rولعل الأخذ بالرأي الثاني أولى، لأن فيه تحقيق المقصود من شرعية الكفارة، وهو شعور الإنسان بذنبه فينزجر عن معاودة الإثم، قياساً على جريمة أخرى انتقل فيها العاجز عن الصيام إلى الإطعام\rوخلاصة الأمر أن من الأفضل في حق من عجز عن صيام الشهرين المتتابعين أن يطعم ستين مسكيناً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346613,"book_id":3840,"shamela_page_id":993,"part":"18","page_num":35,"sequence_num":993,"body":"٣٥ - معنى قوله ﵊: (استفت قلبك)\rيقول السائل: ما معنى قول النبي ﷺ: (استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك) ؟ الجواب: ما ذكره السائل جزء من حديث رواه أحمد عن وابصة الأسدي قال أتيت رسول الله ﷺ وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والإثم إلا سألته عنه وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه فجعلت أتخطاهم قالوا إليك يا وابصة عن رسول الله ﷺ قلت دعوني فأدنو منه فإنه أحب الناس إلي أن أدنو منه قال دعوا وابصة ادن يا وابصة مرتين أو ثلاثا قال فدنوت منه حتى قعدت بين يديه فقال يا وابصة أخبرك أو تسألني قلت لا بل أخبرني فقال جئت تسألني عن البر والإثم فقال نعم فجمع أنامله فجعل ينكت بهن في صدري ويقول يا وابصة استفت قلبك واستفت نفسك ثلاث مرات البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك) رواه أحمد بإسناد حسن كما قال المنذري في الترغيب وحسنه النووي أيضاً وقال الألباني: حسن لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/٣٢٣.\rورواه الدارمي بسنده عن وابصة بن معبد الأسدي أن رسول الله ﷺ قال لوابصة جئت تسأل عن البر والإثم قال قلت نعم قال فجمع أصابعه فضرب بها صدره وقال استفت نفسك استفت قلبك يا وابصة ثلاثا البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك)\rقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [ومعنى قوله ﷺ: (استفت قلبك ...) يعني أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم فهذه مرتبة ثانية وهو أن يكون الشيء مستنكراً عند فاعله دون غيره وقد جعله أيضاً إثماً وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان وكان المفتي يفتي له بمجرد ظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي. فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي فالواجب على المفتى الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره وهذا كالرخصة الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال فهذا لا عبرة به] جامع العلوم الحكم ص٣٢٠\rوقال القاضي البيضاوي: [المعنى أن الشيء إذا أشكل على السالك والتبس ولم يتبين أنه من أي القبيلين هو فليتأمل فيه إن كان من أهل الاجتهاد وليسأل المجتهدين إن كان من المقلدين فإن وجد ما تسكن إليه نفسه ويطمئن به قلبه وينشرح به صدره فليأخذ به وليختره لنفسه وإلا فليدعه وليأخذ بما لا شبهة فيه ولا ريبة. وهذا طريقة الورع والاحتياط وحاصله راجع إلى حديث الحسن بن علي ﵄. ولعله إنما عطف اطمئنان القلب على اطمئنان النفس للتقرير والتأكيد فإن النفس إذا ترددت في أمر وتحيرت فيه وزال عنها القرار استتبع ذلك خفقاناً للقلب للعلاقة التي بينها وبين القلب الذي هو متعلق الأول لها فتنقل العلاقة إليه من تلك الهيئة أثراً فيحدث فيه خفقان واضطراب ثم ربما يسري هذا الأثر إلى سائر القوى فتحس بها الحلال والحرام فإذا زال ذلك عن النفس وحدث لها قرار وطمأنينة انعكس الأمر وتبدلت الحال على ما لها من الفروع والأعضاء وقيل المعني بهذا الأمر أرباب البصائر من أهل النظر والفكر المستقيمة وأصحاب الفراسات من ذوي النفوس المرتاضة والقلوب السليمة فإن نفوسهم بالطبع تصبو إلى الخير وتنبو عن الشر فإن الشيء ينجذب إلى ما يلائمه وينفر عما يخالفه ويكون ملهمة للصواب في أكثر الأحوال. قال التوربشتي ﵀: وهذا القول وإن كان غير مستعبد فإن القول بحمله على العموم فيمن يجمعهم كلمة التقوى وتحيط بهم دائرة الدين أحق وأهدى] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٦/٢٦.\rوخلاصة الأمر أن معنى الحديث هو أن من تعارضت عنده أقوال العلماء فإنه يجب عليه أن يقلد الأعلم الأورع، فإن لم يترجح عنده شيء في ذلك رجع إلى صدره وقلبه، فما وجد في صدره منه حرجاً تركه وابتعد عنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346614,"book_id":3840,"shamela_page_id":994,"part":"18","page_num":36,"sequence_num":994,"body":"٣٦ - احتفال الشيعة بأربعينية الحسين ﵁\rيقول السائل: عرضت المحطات الفضائية مشاهد من احتفالات الشيعة في كربلاء بمناسبة أربعينية الحسين وقد شاهدنا أموراً غربية يفعلونها فما حكم الشرع في ذلك؟ الجواب: يجب أن يعلم أولاً أن الخلاف بين أهل السنة والشيعة خلاف في العقائد والأصول وليس خلافاً في الفروع كما يظن كثير من الناس فعند الشيعة الكثير من العقائد الباطلة ويعرف ذلك من يقرأ في مصادرهم المعتمدة وإن حاول بعض مراجعهم الدينية المعاصرون إخفاء ذلك أو عدم الحديث عنه وهم يفعلون ذلك انطلاقاً من مبدأ التقية وهي عقيدة دينية تبيح لهم التظاهر بغير ما يبطنون ويقولون: (من لا تقية له لا دين له) . ومن مظاهر انحراف الشيعة عن دين الإسلام غلوهم الشديد في أئمتهم وقبور أئمتهم وما عرضته المحطات الفضائية غيض من فيض من الفظائع والمنكرات التي يفعلونها عند ما يسمونه العتبات المقدسة كما زعموا وليس من منهج الإسلام الصحيح شد الرحال والسفر إلى القبور ولا تقديسها ولا إقامة الشعائر الدينية عندها كما يفعل هؤلاء فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم. فهذا الحديث يدل على تحريم شد الرحال والسفر بقصد زيارة أي مسجد سوى المساجد الثلاثة لأنه لا يوجد لأي مسجد من مساجد المسلمين ميزة على مسجد آخر سوى المساجد الثلاثة المذكورة في الحديث فشد الرحال إلى مساجد كربلاء والنجف وقم باطل شرعاً هذا أولاً. وأما ثانياً فإنه لا يجوز شرعاً بناء المساجد على القبور وأن هذا كان من أسباب الشرك حيث عبد الناس أصحاب القبور من دون الله قال العلامة ابن القيم: [ومن أعظم مكايده\r- أي الشيطان - التي كاد بها أكثر الناس وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديماً وحديثاً إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور. حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله وعبدت قبورهم واتخذت أوثاناً وبنيت عليها الهياكل وصورت صور أربابها فيها ثم جعلت تلك الصور أجساداً لها ظل ثم جعلت أصناماً وعبدت مع الله تعالى. وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه حيث يقول: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّءَالِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا) سورة نوح الآيات ٢١-٢٤] إغاثة اللهفان ١/١٨٢-١٨٣. ثم قال العلامة ابن القيم: [فقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسراً واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي ﷺ قال شيخنا: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين وتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب ونحو ذلك فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيراً يتضرعون عندها ويخشعون ويخضعون ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقاً. وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون سداً للذريعة قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركاً بالصلاة في تلك البقعة. فهذا عين المحادة لله ولرسوله والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله ﷺ أن الصلاة عند القبور منهي عنها وأنه لعن من اتخذها مساجد فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك: الصلاة عندها واتخاذها مساجد وبناء المساجد عليها وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه. فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة. وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك. وطائفة أطلقت الكراهة والذي ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم إحساناً للظن بالعلماء وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله ﷺ لعن فاعله والنهي عنه. ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: (لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا) متفق عليه. وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله قال: (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) . وفي رواية مسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) . فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك. قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً) متفق عليه. وقولها (خشي) هو بضم الخاء تعليلاً لمنع إبراز قبره. وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن من أشرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد) ] المصدر السابق ١/١٨٤-١٨٦. ثالثاً: إن بعض وسائل الإعلام أطلقت على ما فعله الشيعة في كربلاء وتجمع العدد الكبير منهم هناك بأنه حج إلى كربلاء وهذا من أبطل الباطل فلا يعرف للمسلمين حج إلا إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة ومن اعتقد بغير ذلك فهو خارج عن ملة الإسلام والمسلمين ويوجد في مصادر الشيعة بعض الروايات في هذا المعنى المنحرف منها ما يتضمن الاستغناء عن الحج فالذي لا يستطيع الحج يكفيه زيارة قبر الحسين فعن أبي عبد الله قال: (إذا أردت الحج ولم يتهيأ لك، فائت قبر الحسين فإنها تكتب لك حجة، وإذا أردت العمرة ولم يتهيأ لك فائت قبر الحسين فإنها تكتب لك عمرة) وسائل الشيعة ١٠/٣٣٢\rبل تدرج بهم الغلو إلى الاعتقاد بأفضلية زيارة قبر الحسين في كربلاء على الحج فعن أبي عبد الله قال:\r(من زار قبر \" الحسين \" يوم عرفة كتب الله له ألف ألف حجة مع القائم ﵇ وألف ألف: عمرة مع رسول الله، وعتق ألف نسمة وحملان ألف فرس في سبيل الله، وسماه الله ﷿ عبدي الصديق آمن بموعدي وقالت الملائكة: فلان صديق زكاه الله من فوق عرشه، وسمي في الأرض كروبيا) وسائل الشيعة ١٠/٣٦٠. وفي هذا يقول علامتهم آية الله السيد عبد الحسين: (لقد جعل رب العالمين لطفاً بعباده قبر الحسين ﵇ بدلا من حج بيت الله الحرام ليتمسك به من لم يوفق إلى الحج بل إن ثوابه لبعض المؤمنين وهم اذين يراعون شرائط الزيارة أكثر من ثواب الحج كما صريح الروايات الواردة في هذا المعنى) الثورة الحسينية ص١٥. بل زعموا أن الله ينظر إلى زوار الحسين يوم عرفة قبل أن ينظر إلى أهل عرفات، فعن أبي عبد الله قال: (قلت له - أي الراوي –: إن الله يبدأ بالنظر إلى زوار الحسين ﵇ عشية عرفة قبل نظره إلى أهل الموقف؟ فقال: نعم، قلت: وكيف ذلك؟ قال: لأن في أولئك أولاد زناء وليس في هؤلاء أولاد زناء) وسائل الشيعة ١٠/٣٦١. وفي رواية: (إن الله ينظر إلى زوار قبر الحسين نظر الرحمة في يوم عرفة قبل نظره إلى أهل عرفات) الثورة الحسينية ص ١٥ ولا شك أن كل هذا من الكذب الواضح على دين الإسلام. قال صاحب تيسير العزيز الحميد: [وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجاً ووضعوا لها مناسك حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً سماه \" مناسك حج المشاهد \" مضاهاة منه القبور بالبيت الحرام ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عبادة الأصنام فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز عن حصره.\rفمنها: تعظيم المواقع في الافتتان بها ومنها اتخاذها أعياداً ومنها السفر إليها ومنها: مشابهة عبادة الأصنام بما يفعل عندها من العكوف عليها والمجاورة عندها وتعليق الستور عليها وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام ويرون سدنتها أفضل من خدمة المساجد والويل عندهم لقيمها ليلة يطفىء القنديل المعلق عليها ومنها: النذر لها ولسدنتها ومنها: اعتقاد المشركين فيها أن بها يكشف البلاء وينصر على الأعداء ويستنزل غيث السماء وتفرج الكروب وتقضى الحوائج وينصر المظلوم ويجار الخائف إلى غير ذلك. ومنها: الدخول في لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج عليها ومنها: الشرك الأكبر الذي يفعل عندها] ص ٦٣٧-٦٣٨. ويجب أن يعلم أنه ليس لكربلاء ولا للنجف ولا لقم أي قداسة في دين الإسلام وهذه المواطن من ديار الإسلام ليس لها أي ميزة على غيرها من المواطن الأخرى وما يعتقده الشيعة من قداسة هذه المواطن فاعتقاد باطل وما يروونه من أحاديث وآثار في هذا الباب فكله من الكذب الصريح كما في حديثهم المكذوب: قال جعفر ((إن أرض الكعبة قالت من مثلي وقد بني بيت الله على ظهري يأتيني الناس من كل فج عميق وجعلت حرم الله وأمنه. فأوحى الله إليها أن كفي وقري ما فضل ما فضلت به فيما أعطيت كربلاء إلا بمنزلة الإبرة غرست في البحر فحملت من ماء البحر ولولا تربة كربلاء ما فضلتك ولولا من تضمه أرض كربلاء ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي به افتخرت فقري واستقري وكوني ذنباً متواضعاً ذليلاَ مهيناً غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء وإلا سخت بك وهويت بك في نار جهنم)) كامل الزيارات ص ٢٧٠ بحار الأنوار للمجلسي ١٠١/ ١٠٩.\rومثل ذلك ما جاء في كتاب الكافي وهو من أهم مصادرهم: (إن المؤمن إذا أتى قبر الحسين يوم عرفة واغتسل من الفرات ثم توجه إليه كتب الله له بكل خطوة حجة بمناسكها) وهذا من أكذب الكذب.\rرابعاً: أما ما يفعله الشيعة من اللطم وضرب القامات بالسيوف ونحوها فمنكر عظيم ومن أعظم المحرمات وقد سبق أن ذكرت الأدلة على تحريمه في حلقة سابقة ويضاف إلى ذلك أن بعض مراجعهم قد سمى ذلك تخلفاً لما فيه من إساءة لدين الإسلام أمام الناس حيث إن هذا العمل لا يقره شرع ولا عقل بل هو نوع من الجنون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346615,"book_id":3840,"shamela_page_id":995,"part":"18","page_num":37,"sequence_num":995,"body":"٣٧ - احاديث مكذوبة\rيقول السائل: إنه قرأ في إحدى المجلات الإسلامية مقالاً ذكر الكاتب فيه أن اسم النبي ﷺ مكتوب مع اسم الله تعالى على العرش وسائر الملكوت وذكر حديثاً عن عمر بن الخطاب ﵁ وفيه: (لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك ورفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليَّ ادعني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك) فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: إن من أسباب انحراف بعض المسلمين في فهمهم لحقائق الإسلام الغلو. والغلو هو مجاوزة الحد الشرعي بالزيادة. وقد حارب الإسلام الغلو ومجاوزة الحد فقد قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) سورة النساء الآية ١٧١.\rوقال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) سورة التوبة الآيتان ٣٠-٣١.\rوصح في الحديث عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: هات القط لي سبع حصيات. فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا ثم قال: أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك الذين من قبلكم الغلو في الدين) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الألبان في السلسلة الصحيحة حديث رقم ١٢٨٣.\rوصح في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون) رواه مسلم.\rوصح في الحديث عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري.\rإذا تقرر هذا فأقول إن ما ذكره الكاتب المشار إليه في السؤال من أن اسم النبي ﷺ مكتوب مع اسم الله تعالى على العرش من الكذب الممجوج على دين الإسلام والحديث الذي احتج به الكاتب مكذوب على النبي ﷺ فهذا الحديث رواه الحاكم وغيره وانتقد الإمام الذهبي رواية الحاكم لهذا الحديث فقال: إنه حديث موضوع أي مكذوب. انظر المستدرك ٣/٥١٧.\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه فإنه نفسه قد قال في كتابه \" المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم \": عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه. قلت: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيراً ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم. وقال أبو حاتم ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك. وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهو مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة في الحديث ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح لكن هو في الصحيحين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه وإن الصواب أغلب عليه وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه] مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية ١/٤٠٧-٤٠٨.\rوقال شيخ الإسلام أيضاً: [ومثل هذا لا يجوز أن تبنى عليه الشريعة ولا أن يحتج به في الدين باتفاق المسلمين فإن هذا من جنس الإسرائيليات ونحوها التي لا يعلم صحتها إلا بنقل ثابت عن النبي ﷺ وهذه لو نقلها مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما ممن ينقل أخبار المبتدأ وقصص المتقدمين عند أهل الكتاب لم يجز أن يحتج بها في دين المسلمين باتفاق المسلمين فكيف إذا نقلها من لا ينقلها لا عن أهل الكتاب ولا عن ثقات علماء المسلمين بل إنما ينقلها عمن هو عند المسلمين مجروح ضعيف لا يحتج بحديثه واضطرب عليه اضطراباً يعرف به أنه لم يحفظ ذلك ولا ينقل ذلك ولا ما يشبه أحد من ثقات علماء المسلمين الذين يعتمد على نقلهم وإنما هي من جنس ما ينقله إسحاق بن بشر وأمثاله في كتب المبتدأ وهذه لو كانت ثابتة عن الأنبياء لكانت شرعاً لهم وحينئذ فكان الاحتجاج بها مبنياً على أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا؟ والنزاع في ذلك مشهور لكن الذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه وهذا إنما هو فيما ثبت أنه شرع لمن قبلنا من نقل ثابت عن نبينا محمد ﷺ أو بما تواتر عنهم لا بما يروى على هذا الوجه فإن هذا لا يجوز أن يحتج به في شرع أحد من المسلمين] مظاهر الانحرافات العقدية ١/٤٠٨-٤٠٩.\rوقال الشيخ محمد خليل هراس معلقاً على الحديث السابق: [هذا الحديث باطل والله لم يخلق آدم ولا غيره من أجل أحد وإنما خلق الكل لعبادته كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) سورة الذاريات الآية ٥٦. كما لا يجوز أن يسأل الله بحق أحد من خلقه فلا حق لأحد على الله] المصدر السابق ١/٤١٠.\rوقال الشيخ الألباني عن هذا الحديث إنه موضوع أي مكذوب وفصل الكلام عليه ثم قال: [وجملة القول أن هذا الحديث لا أصل له عنه ﷺ فلا جرم أن حكم عليه بالبطلان الحافظان الجليلان الذهبي والعسقلاني كما تقدم النقل عنهما ومما يدل على بطلانه أن الحديث صريح في أن آدم ﵇ عرف النبي ﷺ عقب خلقه وكان ذلك في الجنة وقبل هبوطه إلى الأرض وقد جاء في حديث إسناده خير من هذا أنه لم يعرفه إلا بعد نزوله إلى الهند وسماعه في اسمه بالآذان] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/٤٠-٤١.\rوالحديث الذي أشار إليه الألباني هو: (نزل آدم بالهند واستوحش فنزل جبريل فنادى بالأذان الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله مرتين وأشهد أن محمداً رسول الله مرتين قال آدم: من محمد؟ قال: آخر ولدك من الأنبياء ﷺ ثم حكم الألباني على هذا الحديث بأنه ضعيف ثم قال: [وهذا الحديث مع ضعفه أقوى من الحديث المتقدم بلفظ: (لما اقترف آدم الخطيئة يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمد ولم أخلقه؟ ...) وهو صريح في أن آدم ﵇ كان يعرف النبي ﷺ وهو في الجنة قبل هبوطه إلى الأرض ولذلك سأل جبريل: ومن محمد؟ فهذا من أدلة بطلان ذلك الحديث كما سبق بيانه عند تحقيق الكلام على وضعه فتذكر أو راجع إن شئت. وأنا لا أجيز لنفسي الاحتجاج بمثل هذا الحديث كما هو ظاهر ولكن التحقيق العلمي يسمح برد الحديث الواهي بالحديث الضعيف ما دام ضعفه أقل منه كما لا يخفى على من مارس هذا العلم الشريف] سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/٣٩٦-٣٩٧.\rولعل من سيئات الكذب على النبي ﷺ بهذا الحديث أن صار الناس يكتبون في كثير من اللوحات (الله، محمد) وهذا لا يجوز شرعاً لأنه يوحي بأن الله ﷻ ومحمداً ﷺ في منزلة واحدة وقال النبي ﷺ لرجل قال له: ما شاء الله وشئت قال: أجعلتني لله نداً بل ما شاء الله وحده) رواه البخاري في الأدب المفرد وهو حديث صحيح كما قال الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ١٣٩.\rوقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بأنه لا تجوز كتابة اسم الجلالة (الله) وكتابة (محمد) اسم الرسول ﷺ محاذياً له في ورقة أو في لوحة أو على جدار لما يتضمنه هذا العمل من الغلو في حق الرسول ﷺ ومساواته بالله وهذا وسيلة من وسائل الشرك وقد قال ﷺ: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) والواجب منع تعليق هذه اللوحات أو الورقات وطمس الكتابات التي على الجدران التي على هذا الشكل حماية للعقيدة وعملاً بوصية الرسول ﷺ] .\rوخلاصة الأمر أن الحديث المذكور في السؤال مكذوب على رسول الله ﷺ وأنه لا يجوز الاحتجاج به.\rفالواجب على المسلم أن لا يجعل اسم النبي ﷺ مقروناً مع لفظ الجلالة في لوحة واحدة أو ورقة واحدة أو على حجر يوضع على البيت ويجب إزالة مثل هذه اللوحات والورقات ونحوها حماية للتوحيد والعقيدة الصحيحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346616,"book_id":3840,"shamela_page_id":996,"part":"18","page_num":38,"sequence_num":996,"body":"٣٨ - معركة هرمجدون\rيقول السائل: إ نه قرأ مقالاً في إحدى المجلات بعنوان هرمجدون وذكر الكاتب كلاماً عن هذه المعركة وأن الرسول ﷺ أخبر عنها في صحاح الآثار. فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: قرأت المقال المشار إليه وقد استغربت أن ينشر مثل هذا الهراء في مجلة إسلامية محترمة على أنه حقائق شرعية صحيحة وقد بدأ الكاتب مقاله بأسلوب مثير حيث قال: [ما أدراك ما هرمجدون؟ إنها الواقعة العظيمة والحرب المدمرة ... إنها الحرب التحالفية القادمة التي ينتظرها جميع أهل الأرض اليوم. إنها الحرب الدينية السياسية إنها أعظم وأشرس حروب التاريخ إنها المعركة الحاسمة والتي يجري إعداد مسرحها الآن إنها الحرب النووية العالمية متعددة الأطراف إنها الحرب التي يعم قبلها السلام المشبوه فيقول الناس حل السلام وحل الأمن إنها بداية النهاية إنها الحرب التي سيخسر فيها اليهود ويكسرون] ثم ذكر الكاتب أقوال عدد من القساوسة والزعماء الغربيين عن المعركة ثم قال الكاتب تحت عنوان المسلمون وهرمجدون: [بدأ بعض الكتاب المسلمين يهتم بأمر هذه المعركة ويصدر المقالات الهامة على حين نجد أقواماً من المسلمين لا يدرون ما هرمجدون!! وما تعني هذه الكلمة في قواميس أهل الكتاب. إن رسولنا الأمين محمداً ﷺ قد أخبرنا في صحاح الآثار عن هذه المنازلة الاستراتيجية الضخمة القريبة وإنها ستكون حرباً تحالفية عالمية: فقد روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجة وابن حبان أن رسول الله ﷺ قال: (ستصالحون الروم صلحاً آمناً فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائهم فتسلمون وتغنمون ثم تنزلون بمرج ذي تلول فيقوم رجل من الروم فيرفع الصليب ويقول: غلب الصليب فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله فيغدر الروم وتكون الملاحم فيجتمعون لكم ثمانين غاية (علم وراية) مع كل غاية اثنا عشر ألفاً) وكما هو واضح من نص الحديث أن ثمة حربين ستقعان: الأولى: وهي هرمجدون العالمية وهي التي يعرفها جميع أهل الكتاب ويتوقعونها. والثانية: الملحمة الكبرى والتي ستكون بعد حرب \" هرمجدون \" بين المسلمين من جهة وأوروبا وأمريكا من جهة أخرى نتيجة غدر الروم بنا. فحرب \" هر مجدون \" ستكون حرباً مدمرة نووية تفني معظم الأسلحة الاستراتيجية وعالمية يكون المسلمون والروم (أوروبا وأمريكا) طرفاً واحداً لا محالة فيقاتلون عدواً مشتركاً يقول الرسول ﷺ: (عدواً من ورائهم) والطرف الآخر لن يكون إلا المعسكر الشرقي وسيكون النصر حليف معسكرنا تدور رحاها في أرض فلسطين حيث تلتقي جيوش جرارة تقضي على جميع الأسلحة النووية والاستراتيجية وتعود الكلمة إلى السيوف والرماح والخيل] إلى آخر ما جاء في المقال. وأقول جواباً على هذا الكلام: إن ظاهرة القصص والحكايات والخرافات لا زالت منتشرة ومصدقة عند المسلمين ومن المعروف أن القصاص مولعون بنشر الغرائب والخرافات ليجذبوا إليهم الناس ويستميلوهم ومن هؤلاء القصاص الجدد من يسعى إلى تحقيق أهداف مادية من وراء نشر كتب حافلة بالغرائب والعجائب مثل كتاب \" هرمجدون آخر بيان يا أمة الإسلام \" وكتاب \" عمر أمة الإسلام \" وغيرهما من الكتب. إن هؤلاء جميعاً يعتمدون على مصادر غير إسلامية في كتاباتهم بشكل أساسي ثم يطعمونها بمجموعة من أحاديث الفتن والملاحم ومعظم هذه الأحاديث مكذوب على رسول الله ﷺ أو ضعيف لا يصح الاستدلال به. إن مصادرنا الإسلامية ليس فيها ذكر لمعركة هرمجدون فيما أعلم. وإنما ورد ذكر هذه المعركة في المصادر النصرانية كما في رؤيا يوحنا اللاهوتي حيث ذكر معركة هرمجدون ونص الرؤيا: [ورأيت في فم التنين ومن فم الوحش ومن فم النبي الكذاب ثلاثة أرواح نجسة شبه ضفادع فإنهم أرواح شياطين صانعة آيات تخرج على ملوك العالم وكل المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم يوم الله القادر على كل شيء ها أنا آتي كلص طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلا يمشي عرياناً فيروا عريته فجمعهم إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدون] سفر الرؤيا ١٦/١٦ نقلاً عن كتاب تخريج الأحاديث والآثار الواردة في كتاب هرمجدون ص ٨. وأما الحديث الذي ذكره صاحب المقالة فلا ذكر فيه لمعركة هرمجدون ولا أدري كيف يجزم صاحب المقالة [بأن رسولنا الأمين محمداً ﷺ قد أخبرنا في صحاح الآثار عن هذه المنازلة الاستراتيجية الضخمة القريبة] ثم ذكر الحديث: (ستصالحون الروم ...إلخ) ثم قال: وكما هو واضح من نص الحديث أن ثمة حربين ستقعان الأولى: وهي هر مجدون العالمية ... وما زعمه الكاتب أنه واضح من نص الحديث فكذب على رسول الله ﷺ لأن الحديث ليس فيه شيء عن هرمجدون فكيف يكون واضحاً من نص الحديث؟ إن تنزيل النصوص الشرعية على وقائع حدثت أو ستحدث لمن المنزلقات الكبرى التي وقع فيها كثير من القصاص الجدد ومنهم صاحب كتاب هرمجدون حيث إنه ذكر عدداً من أحاديث الفتن والملاحم وزعم أنها تنطبق على هذه المعركة وقد قام زميلنا الدكتور موسى البسيط بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في ذلك الكتاب ووصل إلى نتيجة مفادها: [أولاً: إن ما يزيد عن ٨٥% من الأحاديث والآثار والروايات التي استدل بها المؤلف إنما هي ضعيفة أو ضعيفة جداً أو مكذوبة أو لا يجزم بصحتها. ثانياً: أورد المؤلف نصاً زعم أنه في مخطوط نادر يعود إلى القرن الثالث الهجري ونسبه إلى كتاب والنص ليس له سند ولم يورد لنا ما يوثق المخطوط وقد نسب النص إلى الصحابة أبي هريرة وابن عباس وعلي ﵃ زوراً وبهتاناً زاعماً أن مثل هذا أخفاه أبو هريرة في الجراب الذي لم يبثه. ثالثاً: ما أورده المؤلف من الأحاديث الصحيحة لها معان محتملة لا يقطع بإنزالها على الواقع وأحداثه. رابعاً: أكثر الروايات منبعها كتاب الفتن \" لنعيم بن حماد \" ونعيم على الرغم من إمامته في السنة وتوثيق بعض العلماء له إلا أنهم عابوا عليه كثرة مناكيره وما تفرد به من روايات كثيرة في الفتن حتى إن من العلماء من أطلق الضعف فيه. خامساً: وروايات نعيم التي ساقها المؤلف غالباً ما تنتهي إلى كعب الأحبار وكعب وإن كان ثقة إلا أنه أكثر من الرواية عن أهل الكتاب حتى اتهم بالكذب بمعنى أنه يخبر بأحداث ووقائع أنها ستقع فلا تقع. وقال ابن الجوزي: إن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذباً لا أنه يتعمد الكذب. سادساً: ومع الضعف الشديد في الروايات ومع أنها في كثير من الأحيان هي في أساسها ومنبعها إسرائيليات لا يوثق بها بتاتاً أو هي أقوال رجال من التابعين. إلا أن المؤلف أطلق لخياله العنان في تنزيل الروايات ولو ذهب به الأمر إلى تحريف الألفاظ على الواقع وهذا ضرب من التزوير كما في رواية: (رجل أخنس بمصر \" انظر رقم ١، ٢، ورواية \" الأعرج الكندي \" رقم ١٣. سابعاً: لا ينبغي أن نتبع أهل الكتاب في حمى تحديد نهاية للعالم والمصادر التي يستندون إليها مصادر ليس لنا ثقة في كلمة منها فكيف نبني عليها عقيدة! ومعلوم أن المنهج الإسلامي في الضبط والنقد والتوثيق منهج متميز والله تعالى ينهى عن اتباع الظن والرجم بالغيب فيقول الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) سورة الإسراء الآية ٣٦.] تخريج الأحاديث والآثار الواردة في كتاب هر مجدون ص٧٦-٧٧. ومن أعظم الكذب والدجل الذي ساقه صاحب كتاب هر مجدون نقلاً عن كتاب مخطوط زعم أنه موجود بإحدى المكتبات في تركيا وجاء فيه ما يلي: [حرب آخر الزمان حرب كونية المرة الثالثة بعد اثنين كبريين يموت فيهما خلائق كثيرة الأولى أشعلها رجل كنيته السيد الكبير وتنادي الدنيا باسم هتللر ... ثم قال: وهذا مما رواه أبو هريرة وابن عباس وعلي بن أبي طالب ﵁ وفي رواية خاف أن يحدث بها أبو هريرة ولما أحس الموت خاف أن يكتم علماً فقال لمن حوله: (في نبأ علمته عما هو كائن في حروب آخر الزمن فقالوا: أخبرنا ولا بأس جزاك الله خيراً فقال: في عقود الهجرة بعد ألف وثلاثمائة واعقدوا عقوداً يرى ملك الروم أن حرب الدنيا كلها يجب أن تكون فأراد الله له حرباً ولم يذهب طويل زمن عقد وعقد فسلط رجل من بلاد اسمها جرمن له اسم الهر أراد أن يملك الدنيا ويحارب الكل في بلاد ثلج وخير فأمسى في غضب الله بعد سنوات نار أراده قتيلاً سر الروش أو الروس. وفي عقود الهجرة بعد الألف وثلاثمائة عد خمساً أو ستاً يحكم مصر رجل يكنى ناصر يدعوه العرب شجاع العرب وأذله الله في حرب وحرب وما كان منصوراً ويريد الله لمصر نصراً له حقاً في أحب شهوره وهو له فأرضى مصر رب البيت والعرب بأسمر سادا أبوه أنور منه لكنه صالح لصوص المسجد الأقصى بالبلد الحزين وفي عراق الشأم رجل متجبر ... و... سفياني في إحدى عينيه كسل قليل واسمه من الصدام وهو صدام لمن عارضه الدنيا جمعت له في كوت صغير دخلها وهو مدهون ولا خير في السفياني إلا بالإسلام وهو خير وشر والويل لخائن المهدي الأمين. وفي عقود الهجرة الألف وأربعمائة واعقد اثنين أو ثلاثاً ... يخرج المهدي الأمين ويحارب كل الكون يجمعون له الضالون والمغضوب عليهم والذين مردوا على النفاق في بلاد الإسراء والمعراج عند جبل مجدون وتخرج له ملكة الدنيا والمكر زانية اسمها أمريكا. ... إلخ هذا الدجل والهراء) ولنا أن نسأل بعد التأمل في هذا النص كيف يستخف بالعقول بمثل هذا المخطوط المزعوم؟ فأين هذا المخطوط؟ وما رقمه؟ وأين هي صورته؟ وما إسناده؟ ومن الذي كتبه وألفه؟ ولماذا ظهرت القطعة في هذه الأيام تحديداً ثم لماذا توقفت في رؤساء مصر عند عهد السادات ولم تأت بشيء بعده؟ إنها مخطوطة سحرية عجيبة حفلت بتفاصيل لا بل قل أكاذيب منسوبة إلى الصحابة ونراها تحدد اسم الرئيس واسم والده وتبين صفة عينه ولون بشرته ...إن علامات الوضع والكذب الصريح على الرسول ﷺ واضحة في هذه الورقة التي لا يصدق نسبها إلى رسول الله إلا رجل أبله مختل العقل لا يفقه عن الأحاديث وضوابط رواياتها شيئاً. ثم إن مقتضى أن يروى هذا النص عن الصحابة الثلاثة أن تشتهر هذه الرواية فكل صحابي من هؤلاء مفترض أن يسمع منه هذا النص اثنان من التابعين على الأقل ثم في الطبقة الثالثة يذيع ويشيع ويتواتر حتى نجده في كل كتب الحديث فأين هذا الذيوع وهذه الشهرة؟؟؟] تخريج الأحاديث والآثار الواردة ص٢٤-٢٦. وخلاصة الأمر أنه لا يشك كل من شمَّ رائحة العلم، أن هذا الكتاب المدَّعى كذب وإفك، جازى الله واضعه أسوأ الجزاء، وجلله بالفضيحة والخزي في الدنيا والآخرة إن أدلة وضع تلك النقول على رسولنا ﷺ أكثر من أن تحصى: منها انفراد ذلك الكاتب المجهول بها، وانفراد ذلك المخطوط المزعوم بها، وانفراد مؤلفه المجهول بها مع كثرة ما كتبه أئمة الإسلام في جميع عصوره عن المهدي وعلامات الساعة، وجمعهم ما صح في ذلك وما ضعف وما بطل، وليس فيها تلك النقول، ثم أين إسناد ذلك المؤلف المزعوم أنه من علماء القرن الثالث؟ حتى ننظر في إسناد خبره ذاك، وهذه هي فضيلة الإسناد! إذ (لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء) ، كما كان يقول عبد الله بن المبارك وغيره من أئمة الإسلام، ثم من يخفى عليه ما تضمنته تلك النقول من الركاكة والسماجة في الألفاظ والأسلوب، التي هي أبعد ما تكون عن بيان وجلالة الأحاديث النبوية، مما لا يخفى كذبه على عاقل، فضلاً عن عالم!!. إن اعتماد مؤلف كتاب (هرمجدون) على مثل هذه النقول، يدل على أحد أمرين: إما على جهل بالغ بالسنة، لا يجوز معه أن يتفوه فيها إلا بما صححه الأئمة المعتبرون، أو أنه ضم مع الجهل السابق غرضاً دنيوياً فاسداً، أراد من ورائه الشهرة والمال، أو إفساد دين الأمة وتصوراتها. راجع موقع الإسلام اليوم على شبكة الإنترنت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346617,"book_id":3840,"shamela_page_id":997,"part":"18","page_num":39,"sequence_num":997,"body":"٣٩ - استعمال أسماء الله الحسنى للتداوي\rيقول السائل: وزعت ورقة في بعض المساجد عنوانها كيف تعالج نفسك بطاقة الشفاء الموجودة في أسماء الله الحسنى وسألني عن صحة ما ورد فيها وهذا نصها [اكتشف الدكتور إبراهيم كريم مبتكر علم البايوجيومتري أن أسماء الله الحسنى لها طاقة شفائية لعدد ضخم من الأمراض وبواسطة أساليب القياس الدقيقة المختلفة في قياس الطاقة داخل جسم الإنسان، واكتشف أن لكل اسم من أسماء الله الحسنى طاقة تحفز جهاز المناعة للعمل بكفاءة مثلى في عضو معين بجسم الإنسان، واستطاع الدكتور إبراهيم بواسطة تطبيق قانون الرنين أن يكتشف أن مجرد ذكر اسم من أسماء الله الحسنى يؤدي إلى تحسين في مسارات الطاقة الحيوية داخل جسم الإنسان وبعد أبحاث استمرت ثلاث سنوات توصل الدكتور إبراهيم إلى ما يلي: اسم الله اسم المرض اسم الله اسم المرض النافع الرؤوف ﷻ النور العظام الركبة قشر الشعر القلب السميع الجبار البديع القوي الأذن العمود الفقري الشعر العضلات الوهاب المغني الغني الجبار أوردة القلب الأعصاب الصداع النصفي الغدة الدرقية الرزاق الجبار ﷻ اللطيف والغني والرحيم عضلة القلب الشريان السرطان الجيوب الأنفية النور والبصير والوهاب الرزاق الحي الصبور العين المعدة الكلى الأمعاء الرافع المتعال الرؤوف النافع الفخذ الشرايين بالعين القولون الكبد البارئ الخالق المهيمن القوي البنكرياس الرحم الروماتيزم الغدة التيموسية الرشيد النافع الهادي الهادي البروستاتة أكياس دهنية المثانة الغدة الصنوبرية الظاهر الخافض عصب العين ضغط الدم البارئ الرزاق الغدة فوق الكلوية الرئة ويشير الدكتور إلى أنه أول شخص تجري عليه الأبحاث حيث عالج عينيه من الالتهاب وانتهى بنطق التسبيح باسم النور والوهاب والخبير وخلال عشر دقائق تم الشفاء وزال احمرار العين ويلاحظ أن نفس أسماء الجلالة تستخدم للوقاية أيضاً وقد اكتشف أن طاقة الشفاء تتضاعف عند تلاوة آيات الشفاء بعد ذكر التسبيح بأسماء الله الحسنى وهذه الآيات هي: (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) .. (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) .. (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) .. (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ) .. (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) .. (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَءَامَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) . طريقة العاج: وضع اليد على مكان الألم وذكر التسبيح إلى ما شاء الله ... ويكرر ذلك حتى بإذن الله يزول الألم] .\r\rالجواب: يقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة الأعراف الآية ١٨٠. قال القرطبي: [قوله تعالى: (فادعوه بها) أي اطلبوا منه بأسمائه فيطلب بكل اسم ما يليق به يا رحيم ارحمني يا حكيم احكم لي يا رزاق ارزقني يا هادي اهدني يا فتاح افتح لي يا تواب تب علي هكذا. فإن دعوت باسم عام قلت: يا مالك ارحمني يا عزيز احكم لي يا لطيف ارزقني وإن دعوت بالأعم الأعظم فقلت يا الله فهو متضمن لكل اسم ولا تقول يا رزاق اهدني إلا أن تريد يا رزاق ارزقني الخير قال ابن العربي: وهكذا رتب دعاءك تكن من المخلصين] تفسير القرطبي ٧/٣٢٧. وقد صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن لله تسعة وتسعين اسماً مئة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية: (من حفظها دخل الجنة) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: [وأما قوله ﷺ (من أحصاها دخل الجنة) فاختلفوا في المراد بإحصائها فقال البخاري وغيره من المحققين: معناه حفظها وهذا هو الأظهر لأنه جاء مفسراً في الرواية الأخرى (من حفظها) وقيل: أحصاها عدها في الدعاء بها وقيل: أطاقها أي أحسن المراعاة لها والمحافظة على ما تقتضيه وصدق بمعانيها وقيل: معناه العمل بها والطاعة بكل اسمها والإيمان بها لا يقتضي عملاً وقال بعضهم: المراد القرآن وتلاوته كله لأنه مستوف لها وهو ضعيف والصحيح الأول] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٧٧-١٧٨. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قال الأصيلي الإحصاء للأسماء العمل بها لا عدها وحفظها لأن ذلك قد يقع للكافر والمنافق كما في حديث الخوارج يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم وقال ابن بطال الإحصاء يقع بالقول ويقع بالعمل فالذي بالعمل أن لله أسماء يختص بها كالأحد والمتعال والقدير ونحوها، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها وله أسماء يستحب الاقتداء بها في معانيها: كالرحيم والكريم والعفو ونحوها، فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها فبهذا يحصل الإحصاء العملي وأما الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها ولو شارك المؤمن غيره في العد والحفظ فإن المؤمن يمتاز عنه بالإيمان والعمل بها] فتح الباري ١٣/٤٦٢. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين: [وليس معنى أحصاها أن تكتب في رقاع ثم تكرر حتى تحفظ ولكن معنى ذلك: أولاً: الإحاطة بها لفظاً. ثانياً: فهمها معنى. ثالثاً: التعبد لله بمقتضاها ولذلك وجهان: الوجه الأول: أن تدعو الله بها لقوله تعالى: (فادعوه بها) بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك فتختار الاسم المناسب لمطلوبك فعند سؤال المغفرة تقول يا غفور اغفر لي وليس من المناسب أن تقول: يا شديد العقاب اغفر لي بل هذا يشبه الاستهزاء بل تقول: أجرني من عقابك. الوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء فمقتضى الرحيم الرحمة فاعمل العمل الصالح الذي يكون جالباً لرحمة الله هذا هو معنى أحصاها فإذا كان كذلك فهو جدير لأن يكون ثمناً لدخول الجنة] فتاوى العقيدة ص٥٥-٥٦. وينبغي أن يعلم أن قول النبي ﷺ (إن لله تسعة وتسعين اسماً) لا يدل على أن أسماء الله الحسنى محصورة في تسعة وتسعين اسم بل هي أكثر ولا يعلم عددها إلا الله ﷾. قال الإمام النووي: [واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ﷾ فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة وتسعين وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة وتسعين من أحصاها دخل الجنة فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء ولهذا جاء في الحديث الآخر: (أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) وقد ذكر الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي عن بعضهم أنه قال: لله تعالى ألف اسم. قال ابن العربي: وهذا قليل فيها والله أعلم] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٧٧. إذا تقرر هذا فأعود إلى الجواب عما ورد في الورقة المذكورة أعلاه فأقول: إن ما ورد من مزاعم بأن لكل اسم من أسماء الله الحسنى طاقة لشفاء الأمراض إنما هو من باب الكذب والدجل وليس لهذا الكلام أي أساس شرعي ولا أدري كيف عين هذا الدكتور لكل اسم من أسماء الله الحسنى الشفاء من مرض معين ولا أدري ما هي العلاقة التي تربط اسم الله الهادي مع المثانة وما العلاقة التي تربط بين اسم الله الباري وبين البنكرياس وما العلاقة بين اسم الله الجبار وبين الغدة الدرقية إلى آخر الترهات التي ذكرت في الورقة. ويضاف إلى ذلك أن الذكر الشرعي لم يرد فيه الذكر بالأسماء المفردة كأن يقول الشخص الله الله الله رحيم رحيم رحيم رزاق رزاق رزاق. وإنما الإنسان يدعو بجملة مفيدة كأن يقول يا رب اغفر لي، يا الله اهدني يا رحيم ارحمني وهكذا. وقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية فتوى في إبطال الورقة المذكورة جاء فيها: [وهذا العمل باطل لأنه من الإلحاد في أسماء الله وفيه امتهان لها. لأن المشروع في أسماء الله دعاؤه بها كما قال الله تعالى: (فادعوه بها) وكذلك إثبات ما تتضمنه من الصفات العظيمة لله لأن كل اسم منها يتضمن صفة لله ﷻ لا يجوز أن تستعمل في شيء من الأشياء غير الدعاء بها إلا بدليل من الشرع. ومن يزعم بأنها تفيد كذا وكذا أو تعالج كذا وكذا بدو دليل من الشرع فإنه قول على الله بلا علم وقد قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) سورة الأعراف الآية ٣٣. فالواجب إتلاف هذه الورقة والواجب على المذكورين وغيرهم التوبة إلى الله من هذا العمل وعدم العودة إلى شيء منه مما يتعلق بالعقيدة والأحكام الشرعية. وبالله التوفيق) . وخلاصة الأمر أن الشرع الإسلامي قد بين طرق العلاج من الأمراض وذلك بمراجعة أهل الاختصاص من الأطباء كما أن الرقية بالقرآن الكريم والأذكار والدعوات النبوية مشروعة بضوابطها الشرعية ولا ينبغي تصديق كل ناعق في هذا المجال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346618,"book_id":3840,"shamela_page_id":998,"part":"18","page_num":40,"sequence_num":998,"body":"٤٠ - معنى قوله ﵊: (لا يرد القضاء إلا\rيقول السائل: ما معنى قول النبي ﷺ: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) ؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن سؤال الله تعالى ودعائه من الأمور المرغب فيها شرعاً قال الإمام النووي: [اعلم أن المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف أن الدعاء مستحب، قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) سورة غافر الآية ٦٠. وقال تعالى: (ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) سورة الأعراف الآية ٥٥. الأذكار ص٣٤٠. وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من سرّه أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن الترمذي ٣/١٤٠. وعن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) سورة غافر الآية ٦٠. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وصححه الألباني في المصدر السابق. وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من سوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) رواه الترمذي وحسنه الشيخ الألباني المصدر السابق ٣/١٤٠. وعن عبادة بن الصامت ﵁ (ما على الأرض من مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بمأثم أو بقطيعة رحم. فقال رجل من القوم إذاً نكثر؟ قال: الله أكثر) رواه الترمذي وقال حسن صحيح وكذا قال الألباني في المصدر السابق ١/١٨١. إذا تقرر هذا فنعود للحديث النبوي محل السؤال فأقول هذا الحديث ورد بلفظ آخر وهو: (لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ورواه الترمذي بلفظ: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) وهو حديث حسن كما قال الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٢٢٥. وقد قرر العلماء: [أن الدعاء سبب في حصول الخير وأن هناك أشياء مقدرة ومربوطة بأسباب فإذا تحقق السبب وقع المقدر وإذا لم يتحقق السبب لم يقع، فإذا دعا المسلم ربه حصل له الخير وإذا لم يدع وقع به الشر كما جعل الله صلة الرحم سبباً لطول العمر وقطيعة الرحم سبباً لضده] المنتقى من فتاوى الفوزان ٢/١٠٣. وقال العلامة ابن القيم: [والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل وهو سلاح المؤمن كما روى الحاكم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض وله مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه، الثاني أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفاً الثالث أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه وقد روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (لا يغني حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة) وفيه أيضاً من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء. وفيه أيضاً من حديث ثوبان عن النبي ﷺ لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) ] . الجواب الكافي ص٤. وقال العلامة ابن القيم أيضاً: [وها هنا سؤال مشهور وهو أن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه دعا به العبد أو لم يدع وإن لم يكن قد قدر لم يقع سواء سأله العبد أو لم يسأله فظنت طائفة صحة هذا السؤال فتركت الدعاء وقالت لا فائدة فيه وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون فإن اطرد مذهبهم لوجب تعطيل جميع الأسباب فيقال لأحدهم إن كان الشبع والري قد قدرا لك فلا بد من وقوعهما أكلت او لم تأكل وإن لم يقدرا لم يقعا أكلت أو لم تأكل وإن كان الولد قدر لك فلا بد منه وطأت الزوجة والأمة أو لم تطأهما وإن لم يقدر لم يكن فلا حاجة إلى التزويج والتسري وهلم جرا فهل يقال هذا عاقل أو آدمي بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً وتكايس بعضهم وقال الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض يثيب الله عليه الداعي من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما ولا فرق عند هذا الكيس بين الدعاء والإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت ولا فرق وقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه أمارة على قضاء الحاجة فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أن حاجته قد قضيت وهذا كما إذا رأيت غيماً أسوداً بارداً في زمن الشتاء فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر قالوا وهكذا حكم الطاعات مع الثواب والكفر والمعاصي مع العقاب هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لأنها أسباب له وهكذا عندهم الكسر مع الإنكسار والحرق مع الإحراق والإزهاق مع القتل ليس شيء من ذلك سبباً ألبتة ولا إرتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا بمجرد الإقتران العادي لا التأثير السببي وخالفوا بذلك الحس والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء بل أضحكوا عليهم العقلاء. والصواب أن ههنا قسماً ثالثاً غير ما ذكره السائل وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب ومن أسبابه الدعاء فلم يقدر مجرداً عن سببه ولكن قدر بسببه فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور ومتى لم يأت بالسبب انتقى المقدور وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب ... وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال ودخول النار بالأعمال وهذا القسم هو الحق ... وحينئذٍ فالدعاء من أقوى الأسباب فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال لا فائدة في الدعاء كما لا يقال لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب ولما كان الصحابة ﵃ أعلم الأمة بالله ورسوله وأفقههم في دينه كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم وكان عمر ﵁ يستنصر به على عدوه وكان أعظم جنده وكان يقول للصحابة لستم تنصرون بكثرة وإنما تنصرون من السماء وكان يقول إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه] الجواب الكافي ص ٨-٩. وقال أبو حامد الغزالي: [فإن قلت فما فائدة الدعاء والقضاء لا مرد له فاعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم والماء سبب لخروج النبات من الأرض فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يحمل السلاح وقد قال تعالى - خذوا حذركم - وأن لا يسقي الارض بعد بث البذر فيقال إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر وإن لم يسبق لم ينبت بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كملح البصر أو هو أقرب وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر والذي قدر الخير قدره بسبب والذي قدر الشر قدر لدفعه سبباً فلا تناقص بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته ثم في الدعاء من الفائدة ما ذكرناه في الذكر فإنه يستدعي حضور القلب مع الله وهو منتهى العبادات ولذلك قال ?: (الدعاء مخ العبادة) والغالب على الخلق أنه لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله ﷿ إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملمة فإن الإنسان إذا مسه الشر فذو دعاء عريض فالحاجة تحوج إلى الدعاء والدعاء يرد القلب إلى الله ﷿ بالتضرع والاستكانة فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات ولذلك صار البلاء موكلاً بالأنبياء ﵈ ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل لأنه يرد القلب بالإفتقار والتضرع إلى الله ﷿ ويمنع من نسيانه وأما الغنى فسبب للبطر في غالب الأمور فإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى] إحياء علوم الدين ١/٣٣٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346619,"book_id":3840,"shamela_page_id":999,"part":"18","page_num":41,"sequence_num":999,"body":"٤١ - قاعدة العمل بالحديث الضعيف\rيقول السائل: أرجو توضيح قاعدة العمل بالحديث الضعيف إذا تعددت طرقه؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن الله ﷾ قد حفظ لهذه الأمة كتابها - القرآن الكريم - حيث قال ﷻ: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) سورة الحجر الآية ٩. كما أن السنة النبوية قد حفظت حفظاً إجمالياً فقد هيأ الله ﷻ العلماء الأعلام لحفظ السنة النبوية من التحريف والتزوير والتغيير والتبديل فوضعوا لنا علم الحديث وما تفرع عنه من علوم لخدمة السنة النبوية والدفاع عنها وتنقيتها مما دخلها وليس منها كالإسرائيليات والأحاديث الموضوعة المكذوبة. فعلم الحديث هو علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن كما عرفه الشيخ عز الدين بن جماعه كما في تدريب الراوي ١/٤١. بهذه القواعد الحاكمة لدراسة السند والمتن وبجهود علماء أهل الحديث العظيمة جزاهم الله خير الجزاء حفظت السنة النبوية. قال الشيخ جمال الدين القاسمي: [من أين للبليغ أن يحصي أيادي المحدثين وهم الذين عشقوا الهدي النبوي دون العالمين فتتبعوه ممن بدا وحضر وكابدوا لأخذه أهوال السفر! فكم جابوا صحارى تتلظى تلظي الرمضاء وقطعوا عن العمران فيافي تستدعي اليأس وتروع الأحشاء! فحفظوا ووعوا ولعهد النفر للتفقه في الدين رعوا ودافعوا عن الدين صنع الوضاعين وانتحال المفترين وذبّوا الكذب عن كلام الرسول الصادق بما مهدوه من تحري كل راوٍ موافق فدونوا ما سمعوه بالسند فراراً عن الرمي باتباع الأهواء وتحكيم الآراء فاستبرؤا لدينهم بجليل هذا الاحتياط ودربوا الأمة على التثبت في توثيق عرى الارتباط! رحماك اللهم! فالاعتراف بمآثرهم الحسنة أمر واجب وشكر فضلهم لا يقصر عنه إلا من هو عن الاتباع ناكب. أفليست دواوينهم بعد القرآن دعائم الإسلام التي قامت عليها صروحه وأعضاد الدين التي بان منها صريحه؟ لا جرم لولا أخذهم بناصية ما دونوه من صحيح السنة لانثالت على الناس جراثيم الأباطيل المستكنة التي رزئ بها الدين في عصر الوضاعين المنافقين الذين دخلوا في دين الله للتشويش فرد الله كيدهم بتنقيب المحدثين عن خرافاتهم ودأبهم في التفتيش حتى أشرقت شموس صحاح الأخبار وأنبعثت أشعتها في الأقطار وتمزقت عن البصائر حجب الجهالة وأغشية الضلالة فرحم الله تلك الأنفس التي نهضت لتأييد الدين ورضي عمن أحيا آثارهم من اللاحقين آمين] . قواعد التحدث ص٥٩. وقد بين أهل الحديث أن الحديث ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف. فالحديث الصحيح هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً. وأما الحديث الحسن فهو الحديث الذي اتصل سنده بنقل عدل خف ضبطه غير شاذ ولا معلل. وأما الحديث الضعيف فهو ما لم يجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن. انظر الباعث الحثيث ص ٤٤، ٣٧، ٢١. وقد اتفق المحدثون على الإحتجاج بالحديث الصحيح والحسن وأما الحديث الضعيف فقد اختلف العلماء في حكمه على مذاهب. [الأول: لا يعمل به مطلقاً لا في الأحكام ولا في الفضائل حكاه ابن سيد الناس في (عيون الأثر) عن يحيى بن معين ونسبه في (فتح المغيث) لأبي بكر بن العربي. والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضاً يدل عليه شرط البخاري في صحيحه وتشنيع الإمام مسلم على رواة الضعيف كما أسلفناه وعدم إخراجهما في صحيحهما شيئاً منه وهذا مذهب ابن حزم ﵀ أيضاً حيث قال في الملل والنِحل: [ما نقله أهل المشرق والمغرب، أو كافة عن كافة، أو ثقة عن ثقة، حتى يبلغ إلى النبي ﷺ إلا أن في الطريق رجلاً مجروحاً بكذب أو غفلة أو مجهول الحال فهذا يقول به بعض المسلمين ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه ولا الأخذ بشيء منه] . الثاني: أنه يعمل به مطلقاً قال السيوطي: [وعزي ذلك إلى أبي داود وأحمد لأنهما يريان ذلك أقوى من رأي الرجال] . الثالث: يعمل به في الفضائل بشروطه الآتية وهذا هو المعتمد عند الأئمة. قال ابن عبد البر: [أحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى من يحتج به] . وقال الحاكم: [سمعت أبا زكريا العنبري يقول: [الخبر إذا ورد لم يحرم حلالاً ولم يحل حراماً ولم يوجب حكماً وكان في ترغيب أو ترهيب أغمض عنه وتسوهل في رواته] . ولفظ ابن مهدي فيما أخرجه البيهقي في (المدخل) : [إذا روينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا في الرجال وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال] . ولفظ أحمد في رواية الميموني عنه: [الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شيء فيه حكم] . وقال في رواية عباس الدوري عنه: [ابن اسحق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث]- يعني المغازي ونحوها - وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا - وقبض أصابع يده الأربع -] قواعد التحديث ص١١٦-١١٧. إذا تقرر هذا فإن أرجح أقوال أهل العلم في هذه المسألة هو العمل بالحديث الضعيف فيما عدا الأحكام الشرعية أي يعمل به في فضائل الأعمال بالشروط الآتية: الأول: متفق عليه وهو أن يكون الضعف غير شديد فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين ومن فحش غلطه. والثاني: أن يكون مندرجاً تحت أصل عام فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلاً. والثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته لئلا ينسب إلى النبي ﷺ ما لم يقله. الأجوبة الفاضلة ص٤٣-٤٤. وأما قاعدة تقوية الحديث الضعيف بكثرة الطرق وهي محل السؤال فإن المحققين من أهل الحديث يرون أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها وإنما هي مقيدة ببعض القيود. قال الإمام النووي: [إذا روي الحديث من وجوه ضعيفة لا يلزم أن يحصل من مجموعها حسن بل ما كان ضعفه لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر وصار حسناً وكذا إذا كان ضعفها لإرسال زال بمجيئه من وجه آخر وأما الضعف لفسق الراوي فلا يؤثر فيه موافقة غيره] التقريب مع شرحه تدريب الراوي ١/١٧٦-١٧٧. ونقل السيوطي عن الحافظ ابن حجر: [وأما الضعيف لفسق الراوي أو كذبه فلا يؤثر فيه موافقة غيره له إذا كان الآخر مثله لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر، نعم يرتقي بمجموع طرقه عن كونه منكراً أو لا أصل له صرح به شيخ الإسلام قال: بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجته المستور سيء الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن] تدريب الراوي ١/١٧٧. وقال العلامة المحدث الألباني: [من المشهور عند أهل العلم أن الحديث إذا جاء من طرق متعددة فإنه يتقوى بها ويصير حجة وإن كان كل طريق منها على إنفراده ضعيفاً ولكن هذا ليس على إطلاقه بل هو مقيد عند المحققين منهم بما إذا كان ضعف رواته في مختلف طرقه ناشئاً من سوء حفظهم لا من تهمة في صدقهم أو دينهم وإلا فإنه لا يتقوى مهما كثرت طرقه وهذا ما نقله المحقق المناوي في (فيض القدير) عن العلماء قالوا: [وإذا قوي الضعف لا ينجبر بوروده من وجه آخر وإن كثرت طرقه ومن ثم اتفقوا على ضعف الحديث: [من حفظ على أمتي أربعين حديثاً] مع كثرة طرقه لقوة ضعفه وقصورها عن الجبر خلاف ما خف ضعفه ولم يقصر الجابر عن جبره فإنه ينجبر ويعتضد] ... وعلى هذا فلا بد لمن يريد أن يقوي الحديث بكثرة طرقه أن يقف على رجال كل طريق منها حتى يتبين له مبلغ الضعف فيها ومن المؤسف أن القليل جداً من العلماء من يفعل ذلك ولا سيما المتأخرين منهم فإنهم يذهبون إلى تقوية الحديث بمجرد نقلهم عن غيرهم أن له طرقاً دون أن يقفوا عليها ويعرفوا ماهية ضعفها] تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص٣١-٣٢.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346620,"book_id":3840,"shamela_page_id":1000,"part":"18","page_num":42,"sequence_num":1000,"body":"٤٢ - شهر رجب\rيقول السائل: وزعت في بعض المساجد نشرة تضمنت فضائل شهر رجب وقد ذكرت فيها مجموعة من الأحاديث نرجو بيان الحكم عليها؟\rالجواب: ورد في النشرة المذكورة في السؤال ما يلي: يقول الرسول ﷺ: [ (رجب شهر الله. وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي) رجب خص بالمغفرة من الله تعالى وشعبان بالشفاعة ورمضان بتضعيف الحسنات. وقد قيل رجب شهر التوبة وشعبان شهر المحبة ورمضان شهر القربة. قال النبي ﷺ: (أكثروا من الاستغفار في رجب فإن لله تعالى في كل ساعة منه عتقاء من النار وأن لله مدائن لا يدخلها إلا من صام رجب ويسن الصيام في أوله وأوسطه وآخره ويوم الاثنين والخميس في ليلة السابع من رجب ليلة فضيلة تسمى ليلة الرغائب - ليلة نزول نطفة النبي ﷺ من والده عبد الله إلى رحم أمه آمنة - وصيام نهارها فضيل حيث يعطي الله ﷿ لعبده الصائم ذلك اليوم ما يتمنى على الله ﷿ ويرغب. عن النبي ﷺ: (لا تغفلوا عن ليلة أول جمعة من رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة ليلة الرغائب وذلك لأنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك في السموات والأرضين إلا ويجتمعون في الكعبة وحولها فيطلع الله تعالى عليهم فيقول يا ملائكتي سلوني إذا شئتم فيقولون ربنا حاجتنا إليك أن تغفر لصوام رجب فيقول الله قد فعلت. وفي أواخره ليلة عظيمة وهي ليلة الإسراء والمعراج ليلة السابع والعشرين منه وقيام ليلها فضيل وصيام نهارها مستحب لكل مسلم ومسلمة. عن النبي ﷺ: (من صام يوم السابع والعشرين من رجب كتب الله له ثواب ستين شهراً] . وأقول إن كثيراً من الناس مولعون بنشر الأحاديث المختلقة والمكذوبة على رسول الله ﷺ ويعرضون عن الأحاديث الصحيحة الثابتة والتي فيها غنى عن تلك. ومن ذلك ما ورد في النشرة فالحديث الأول وهو: (رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي) حديث موضوع كما قال الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص١٠٠. وقال الحافظ العراقي: [حديث ضعيف جداً هو من مرسلات الحسن رويناه في كتاب الترغيب والترهيب للأصفهاني ومرسلات الحسن لا شيء عند أهل الحديث ولا يصح في فضل رجب حديث] فيض القدير ٤/٢٤ وقد عدَّه ابن الجوزي من الموضوعات أيضاً. وأما الحديث الثاني وهو: (أكثروا من الاستغفار في رجب فإن لله تعالى في كل ساعة منه عتقاء من النار وأن لله مدائن لا يدخلها إلا من صام رجب) فهو حديث مكذوب أيضاً ذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة وابن طاهر المقدسي في تذكرة الموضوعات وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة ص٤٣٩. وأما ما جاء في النشرة أنه يسن الصيام في أوله وأوسطه وآخره ويوم الإثنين والخميس فهذا الكلام ليس بصحيح لأنه لم يثبت في فضل صيام رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه كما قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف ص٢٢٨. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فاتخاذه - أي شهر رجب - موسماً بحيث يفرد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره كما روي عن عمر بن الخطاب وأبي بكرة وغيرهما من الصحابة] اقتضاء الصراط المستقيم ٢/١٣٥. وقال الحافظ ابن حجر: [لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معين ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة] رسالة تبين العجب ص٣. وقال السيوطي: [ويكره إفراد رجب بالصوم] الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع ص١٧٤. وقال الإمام المحدث ابن دحية: [قال المؤتمن بن أحمد الساجي الحافظ: كان الإمام عبد الله الأنصاري شيخ خراسان لا يصوم رجباً وينهى عن ذلك ويقول: ما صح في فضل رجب وفي صيامه عن رسول الله ﷺ شيء وقد روي كراهة صومه عن جماعة من الصحابة ﵃ منهم الصهر الأكرم والصاحب في الغار والرفيق الإمام أبو بكر الصديق خليفته على الأمة كلها بعد وفاته والقاتل لأهل الردة بجيوشه المنصورة وعزماته. وكان أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب الذي أجرى الله الحق على لسانه ووافقه في آيات محكمات تتلى علينا من قرآنه يضرب بالدرة صوامه وينهى عن ذلك قوامه روى ذلك الفاكهي في كتاب (مكة) له وأسنده الإمام المجمع على عدالته المتفق في (الصحيحن) على إخراج حديثه وروايته أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني قال: حدثنا سفيان عن مسعر عن وبرة عن خرشة بن الحر: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوا عن طعامه حتى يضعوا فيه ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه] أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب ص٥٥-٥٧. وأما الإدعاء الكاذب المذكور في النشرة وهو: [أن ليلة السابع من رجب ليلة فضيلة تسمى ليلة الرغائب ليلة نزول نطفة النبي ﷺ من والده عبد الله إلى رحم أمه آمنة] فهذا من أكذب الكذب والزور والبهتان حيث لا دليل على ذلك من الشرع. وأما حديث: [لا تغفلوا عن ليلة أول جمعة من رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة ليلة الرغائب وذلك لأنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك في السموات والأرضين إلا ويجتمعون في الكعبة وحولها فيطلع الله تعالى عليهم فيقول يا ملائكتي سلوني إذا شئتم فيقولون ربنا حاجتنا إليك أن تغفر لصوام رجب فيقول الله قد فعلت] فهذا الحديث مكذوب موضوع باتفاق المحدثين كما قال العلامة عبد الحي اللكنوي في الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص٦٣ حيث ذكر كلام الحافظ العراقي أن هذا الحديث موضوع وكذلك كلام ابن الجوزي أنه مكذوب ص٦٤. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء. وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري وأبو بكر بن السمعاني وأبو الفضل بن ناصر وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم. وإنما لم يذكرها المتقدمون لأنها أحدثت بعدهم وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها] لطائف المعارف ص٢٢٨. وقال العلامة ابن القيم: [وكذلك أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب كلها كذب مختلق على رسول الله ﷺ. وأمثلها: ما رواه عبد الرحمن بن منده - وهو صدوق - عن ابن جهضم - وهو واضع الحديث - حدثنا علي ... عن أنس - يرفعه - (رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي) الحديث. وفيه: (لا تغفلوا عن أول جمعة من رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة ليلة الغائب) وذكر الحديث المكذوب بطوله. قال ابن الجوزي: اتهموا به ابن جهضم ونسبوه إلى الكذب وسمعت عبد الوهاب الحافظ يقول: رجاله مجهولون فتشت عليهم جميع الكتب فما وجدتهم! قال بعض الحفاظ: بل لعلهم لم يخلقوا. وكل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض الليالي فيه: فهو كذب مفترى كحديث (من صلى بعد المغرب أول ليلة من رجب عشرين ركعة ... جاز على السراط بلا حساب) . وحديث (من صام يوماً من رجب وصلى أربع ركعات يقرأ في أول ركعة مئة مرة (آية الكرسي) وفي الثانية مئة مرة (قل هو الله أحد) : لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة ...) . وحديث: (من صام من رجب كذا وكذا) الجميع كذب مختلق] المنار المنيف ص٩٥-٩٧. وأما ما ورد في النشرة: [وفي أواخره ليلة عظيمة وهي ليلة الإسراء والمعراج ليلة السابع والعشرين منه وقيام ليلها فضيل وصيام نهارها مستحب لكل مسلم ومسلمة] . فهذا عين الكذب كما قال ذلك الإمام المحدث ابن دحية ووافقه على ذلك الحافظ ابن حجر وأنكر ذلك الإمام إبراهيم الحربي وغيره. قال ابن دحية: [وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب] أداء ما وجب ٥٣-٥٤. وانظر ما قاله الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف ص٢٣٣ وما قاله العلامة المحدث الألباني في تعليقه على أداء ما وجب ص٥٣. وأما حديث: (من صام يوم السابع والعشرين من رجب كتب الله له ثواب ستين شهراً) فهذا الحديث باطل موضوع لا يصح عن النبي ﷺ. وقد ذكر العلماء عدداً من الأحاديث المكذوبة في فضل صوم رجب منها ما ذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة ص١٠٠-١٠١ فانظرها. وخلاصة الأمر أن المشروع في رجب هو المشروع في غيره من الشهور وليس لرجب أي خصوصية في صوم أو صلاة وأن ما رد في هذه النشرة من أحاديث كلها باطلة مكذوبة وأن هؤلاء الذين ينشرون مثل ذلك يشملهم الوعيد الوارد في قول النبي ﷺ: (من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين) رواه مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346621,"book_id":3840,"shamela_page_id":1001,"part":"18","page_num":43,"sequence_num":1001,"body":"٤٣ - معنى حديث: (اختلاف أمتي رحمة)\rيقول السائل: ما معنى قول النبي ﷺ: (اختلاف أمتي رحمة) ؟\rالجواب: هذا الكلام المنسوب إلى النبي ﷺ لم يثبت عنه ﷺ وقد رواه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى ١/١٤٧ بلفظ: [واختلاف أصحابي لكم رحمة] . ورواه الطبراني والديلمي وغيرهم وقد بين السخاوي حال الحديث في المقاصد الحسنة ص٢٦-٢٧. وكذلك العجلوني في كشف الخفاء ١/٦٤-٦٥. وفصل الشيخ الألباني الكلام عليه حيث قال: [لا أصل له ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا حتى قال السيوطي في الجامع الصغير: [ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا] . وهذا بعيد عندي إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه ﷺ وهذا مما لا يليق بمسلم اعتقاده. ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: [وليس بمعروف عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع] . وأقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على تفسير البيضاوي (ق٩٢/٢) . ثم إن معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء، فقال العلامة ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام ٥/٦٤ بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: [وهذا من أفسد قول يكون لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً وهذا ما لا يقوله مسلم لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف وليس إلا رحمة أو سخط] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/٧٦. فالحديث ليس بثابت عن النبي ﷺ ولكن معناه صحيح إذا حملناه على الاختلاف في الفروع الفقهية كما قال بعض أهل العلم كما سيأتي. وأما قول الشيخ ابن حزم في رد الحديث دراية: [لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً] فغير مسلم لأن كون الاختلاف رحمة لا يعني أن يكون الاتفاق سخطاً كما قال وهذا الكلام من ابن حزم إنما هو أخذ بمفهوم المخالفة وابن حزم لا يأخذ بمفهوم المخالفة أصلا فكيف يحتج به هذا أولاً. وأما ثانياً فقد قال الإمام النووي: [قال الخطابي: وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (اختلاف أمتي رحمة) فاستصوب عمر ما قاله. قال: وقد اعترض على حديث اختلاف أمتي رحمة رجلان أحدهما مغموض عليه في دينه وهو عمرو بن بحر الجاحظ والآخر معروف بالسخف والخلاعة وهو إسحق بن إبراهيم الموصلي فإنه لما وضع كتابه في الأغاني وأمكن في تلك الأباطيل لم يرض بما تزود من إثمها حتى صدر كتابه بذم أصحاب الحديث وزعم أنهم يروون ما لا يدرون وقال هو والجاحظ: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذاباً ثم زعم إنما كان اختلاف الأمة رحمة في زمن النبي ﷺ خاصة فإذا اختلفوا سألوه فبين لهم والجواب عن هذا الاعتراض الفاسد أنه لا يلزم من كون الشيء رحمة أن يكون ضده عذاباً ولا يلتزم هذا ويذكره إلا جاهل أو متجاهل وقد قال تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه) فسمى الليل رحمة ولم يلزم من ذلك أن يكون النهار عذاباً وهو ظاهر لا شك فيه. قال الخطابي: والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام: أحدها في إثبات الصانع ووحدانيته وإنكار ذلك كفر والثاني في صفاته ومشيته وإمكارها بدعة والثالث في أحكام الفروع المحتملة وجوهاً فهذا جعله الله تعالى رحمة وكرامة للعلماء وهو المراد بحديث اختلاف أمتي رحمة هذا آخر كلام الخطابي ﵀] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٥٨. وأما ثالثاً فالاختلاف المذكور هو الاختلاف في الفروع الفقهية والاختلاف فيها ليس فيه حرج ما دام أنه قد صدر عن أهل الاجتهاد. والاختلاف في الفروع موجود منذ عهد النبي ﷺ كما حصل في نهاية غزوة الأحزاب عندما قال النبي ﷺ لأصحابه: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) رواه البخاري ومسلم. فقد اختلف الصحابة في ذلك فمنهم من قال إنه أراد منا الإسراع فصلى العصر في الطريق إلى ديار بني قريظة ومنهم من لم يصل العصر إلا في بني قريظة وصلوها بعد أن غابت الشمس ولما عرض الأمر على النبي ﷺ لم يعنف أحداً من الفريقين. كما أن كبار الصحابة قد اختلفوا في مسائل الفروع وهذا أمر مشهور معروف واختلافهم فيه توسعة على الأمة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في مقدمة كتابه العظيم المغني ما نصه: [أما بعد: فإن الله برحمته وطَوْله وقوته وحوله ضمن بقاء طائفة من هذه الأمة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك وجعل السبب في بقائهم بقاء علمائهم واقتدائهم بأئمتهم وفقهائهم وجعل هذه الأمة مع علمائها كالأمم الخالية مع أنبيائها وأظهر في كل طبقة من فقهائها أئمة يقتدى بها وينتهى إلى رأيها وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام مهد بهم قواعد الإسلام. وأوضح بهم مشكلات الأحكام اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة. تحيا القلوب بأخبارهم وتحصل السعادة باقتفاء آثارهم ثم اختص منهم نفراً أعلى قدرهم ومناصبهم وأبقى ذكرهم ومذاهبهم فعلى أقوالهم مدار الأحكام وبمذاهبهم يفتي فقهاء الإسلام] المغني ١/٣-٤. وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر عن جماعة من فقهاء السلف أن الاختلاف في الفروع فيه سعة فروى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: [لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي ﷺ في أعمالهم لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة ورأى أنه خير منه قد عمله ... وعن القاسم بن محمد قال: لقد أوسع الله على الناس باختلاف أصحاب محمد ﷺ أي ذلك أخذت به لم يكن في نفسك منه شيء ... وعن رجاء بن جميل قال: اجتمع عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد فجعلا يتذاكران الحديث قال فجعل عمر يجيء بالشيء مخالفاً فيه القاسم قال وجعل ذلك يشق على القاسم حتى تبين فيه فقال له عمر لا تفعل فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم ... وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز ما أحب أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا لأنه لو كانوا قولاً واحداً كان الناس في ضيق وأنهم أئمة يقتدى بهم فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة. قال أبو عمر هذا فيما كان طريقه الاجتهاد ... وعن أسامة بن زيد قال سألت القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه فقال إن قرأت فلك في رجال من أصحاب رسول الله ﷺ أسوة وإذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله ﷺ أسوة ... وعن يحيى بن سعيد قال ما برح أولو الفتوى يفتون فيحل هذا ويحرم هذا فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه] جامع بيان العلم وفضله ٢/٨٠. وقال الشيخ شاه ولي الله الدهلوي تحت عنوان اختلاف الصحابة في الأحكام كثير، ما نصه: [وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرؤها ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها وكان منهم من يقنت في الفجر ومنهم من لا يقنت في الفجر ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ مما مسته النار ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل ومنهم من لا يتوضأ من ذلك. ثم قال الشيخ الدهلوي: ما كان خلاف الأئمة تعصباً أعمى: ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم ﵃ يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سراً ولا جهراً. وصلى الرشيد إماماً وقد احتجم فصلى الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد. وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب. وروي أن أبا يوسف ومحمداً كانا يكبران في العيدين تكبير ابن عباس لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده. وصلى الشافعي ﵀ الصبح قريباً من مقبرة أبي حنيفة ﵀ فلم يقنت تأدباً معه وقال أيضاً: ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق ... وفي البزازية عن الإمام الثاني وهو أبو يوسف ﵀ أنه صلى يوم الجمعة مغتسلاً من الحمام وصلى بالناس وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام فقال: إذاً نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً] حجة الله البالغة ١/٢٩٥-٢٩٦. وبعد اختلاف الصحابة والتابعين وتابعيهم اختلف الأئمة والعلماء في فروع الدين وما الاختلاف بين أصحاب المذاهب الأربعة عنا ببعيد. ولا يجوز أن يقال إن اختلاف هؤلاء الفقهاء شر وسخط وعذاب بل فيه السعة والرأفة والرحمة بالأمة. وينبغي أن لا تضيق صدورنا بالخلافات الفقهية فهي أمر تعارف عليه المسلمون منذ الصدر الأول للإسلام بل إن الإمام مالك بن أنس رفض حمل جميع المسلمين على مذهب واحد لما عرض عليه بعض الخلفاء العباسيين أن يحملوا المسلمين على ما قرره مالك في موطئه فرفض حمل الناس على ذلك حباً في التوسعة على المسلمين وعدم التضييق عليهم. قال ابن أبي حاتم: [قال مالك: ثم قال لي أبو جعفر المنصور: قد أردت أن أجعل هذا العلم علماً واحداً فأكتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القضاة فيعملون به فمن خالف ضربت عنقه! فقلت له: يا أمير المؤمنين أو غير ذلك قلت: إن النبي ﷺ كان في هذه الأمة وكان يبعث السرايا وكان يخرج فلم يفتح من البلاد كثيراً حتى قبضه الله ﷿ ثم قام أبو بكر ﵁ بعده فلم يفتح من البلاد كثيراً ثم قام عمر ﵁ بعدهما ففتحت البلاد على يديه فلم يجد بداً من أن يبعث أصحاب محمد ﷺ معلمين فلم يزل يؤخذ عنهم كابراً عن كابر إلى يومهم هذا فإن ذهبت تحولهم مما يعرفون إلى ما لا يعرفون رأوا ذلك كفراً. ولكن أقر أهل كل بلدة على ما فيها من العلم خذ هذا العلم لنفسك فقال لي: ما أبعدت القول اكتب هذا العلم لمحمد يعني ولده المهدي الخليفة من بعده] أدب الاختلاف ص٣٦-٣٧. ولكن المذموم في الاختلاف في الفروع هو التعصب للرأي وإن ثبت أن هذا الرأي مخالف لما صح عن رسول ﷺ فالتعصب صفة ذميمة لا ينبغي للمسلم أن يتصف بها. وخلاصة الرأي أن الاختلاف في الفروع لا بأس به وأن فيه توسعة على الأمة ما دام صادراً عن أهل العلم والاجتهاد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346622,"book_id":3840,"shamela_page_id":1002,"part":"18","page_num":44,"sequence_num":1002,"body":"٤٤ - تأثير الإكراه في المحرمات\rيقول السائل: ما هو تأثير الإكراه في المحرمات؟\rالجواب: الإكراه هو إجبار شخص بغير حق على أمر لا يرضاه والإكراه من عوارض الأهلية عند الأصوليين وهي أمور تعترض على أهلية المكلف فتحدث فيها تغييراً. ومن المعروف عند أهل العلم أن الإكراه هو أحد أسباب الضرورة وقد جعل كثير من العلماء الإكراه على نوعين: وهما الإكراه الملجئ وهو ما كان التهديد فيه بالقتل وهذا هو الإكراه الكامل. والإكراه غير الملجئ وهو إكراه ناقص كالتهديد بالحبس أوالتهديد بحبس قريب المكره كحبس أمه أو أبيه أو ابنه أو غيرهم. وأما تأثير الإكراه في المحرمات فقد جعل العلماء ذلك على أربعة اقسام: الأول: تباح بعض المحرمات في حالة الإكراه كأكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر وذلك إذا كان الإكراه ملجئاً قال الله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) سورة الأنعام الآية ١١٩. والمكره مضطر فيدخل في الحكم. الثاني: [يرخص في الفعل أي أن الإكراه لا يبيحه لأن حرمته مؤبدة ولكن يمنع الإثم والمؤاخذة الأخروية. مثل إجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان. فإن ذلك يباح بالإكراه الملجئ فقط وإن صبر الشخص على ما أكره عليه وقتل صار شهيداً والأفضل عند الحنفية والحنابلة عدم التلفظ بالكفر إظهاراً لعزة الإسلام وإعلاءً لكلمة الحق عملاً بقصة خبيب بن عدي وعمار حيث قتل المشركون أهل مكة خبيباً لأنه لم يوافقهم على ما زعموا فكان عند المسلمين أفضل من عمار الذي نال في الظاهر من الرسول ﷺ وذكر آلهتهم بخير وأقره الرسول على فعله وقال له: (إن عادوا فعد) أي فإن عادوا إلى الإكراه فعد إلى الترخص أو فإن عادوا إلى الإكراه فعد إلى طمأنينة القلب. الثالث: لا يباح الفعل ولكن يرخص فيه في الجملة وهي حقوق العباد كإتلاف مال الغير وتناول المضطر مال غيره فإن ذلك حرام ولكن هذه الحرمة قد تزول بإذن صاحب المال بالتصرف وإذا أكره الشخص على الإتلاف إكراهاً ملجئاً أواضطر إلى أخذ المال للانتفاع به فإنه يرخص له فيه مع بقاء الحرمة كالقسم السابق لأن إتلاف المال في ذاته ظلم وبالإكراه ونحوه لا تزول عصمة المال في حق صاحبه لبقاء حاجته إليه فيكون إتلافه وإن رخص فيه باقياً على الحرمة فإن صبر المستكره على ما هدد به كالقتل مثلاً وقتل كان شهيداً لأنه بذل نفسه لدفع الظلم] نظرية الضرورة الشرعية ص٢٨١-٢٨٢. الرابع: لا يباح الفعل ولا يرخص فيه أصلاً كالقتل بغير حق والاعتداء على عضو من الأعضاء والزنا فهذه الأمور لا تحل بالإكراه مطلقاً. وقد اتفق أهل العلم على أن قتل المسلم لا يباح تحت أي ظرف من ظروف الإكراه والاضطرار فقتل المسلم لا يحله إكراه ولا اضطرار. قال القرطبي: [أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره ويصبر على البلاء الذي نزل به ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة] تفسير القرطبي ١٠/١٨٣. وقال الزيلعي الفقيه الحنفي: [لو أكره على قتل غيره بالقتل لا يرخص له القتل لإحياء نفسه لأن دليل الرخصة خوف التلف والمكره والمكره عليه في ذلك سواء فسقط الإكراه وإن قتله أثم لأن الحرمة بما فيه وكذا الإكراه على الزنا لا يرخص له] تبيين الحقائق ٥/١٨٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والمقصود أنه إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل بل عليه إفساد سلاحه وأن يصبر حتى يقتل مظلوماً فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام؟! كمانعي الزكاة والمرتدين ونحوهم فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين وكما لو أكره رجل رجلاً على قتل مسلم معصوم فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس] مجموع الفتاوى ٢٨/٥٣٩. وقد وردت النصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة النبي ﷺ في تحريم قتل المسلم قال تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) سورة الإسراء الآية ٣٣. وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً) سورة النساء الآية ٩٢. وقال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) سورة النساء الآية ٩٣. وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه البخاري ومسلم. وقال ﵊: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من النصوص. ولا يجوز أن يقال إن الإكراه يبيح قتل المسلم لأن الضرورات تبيح المحظورات. فإن هذه القاعدة الفقهية (الضرورات تبيح المحظورات) ليست على إطلاقها فإنها لا تدخل في بعض الأمور وخاصة القتل والزنا. قال العلامة علي حيدر في شرح المجلة: [إن الضرورات لا تبيح كل المحظورات بل يجب أن تكون المحظورات دون الضرورات أما إذا كانت الممنوعات أو المحظورات أكثر من الضرورات فلا يجوز إجراؤها ولا تصبح مباحة مثال: لو أن شخصاً هدد آخر بالقتل أو بقطع العضو وأجبره على قتل شخص فلا يحق للمكره أن يوقع القتل لأن الضرورة هنا مساوية للمحظور بل أن قتل المكره أخف ضرراً من أن يقتل شخصاً آخر في الحالة هذه إذا أوقع ذلك المكره القتل يكون حكمه حكم القاتل بلا إكراه أما من جهة القصاص فينفذ في حق كل من المجبر والمكره] درر الحكام شرح مجلة الحكام ١/٣٨ ويضاف لما سبق أن دفع الإنسان الضرر عن نفسه مقيد بألا يلحق بغيره الضرر وقد ورد في القاعدة الفقهية (الضرر لا يزال بمثله) . فلا يجوز للمكره على القتل ان ينجي نفسه بقتل غيره لأن النفوس متساوية وغير متفاوتة. وخلاصة الأمر أن قتل المسلم لا يباح لا بالإكراه ولا بالضرورة وكذا الزنا على مذهب جمهور أهل العلم ويجوز للمسلم أن يتلفظ بكلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان كما يجوز تناول المحرمات من الأطعمة والأشربة في حالتي الإكراه الملجئ والاضطرار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346623,"book_id":3840,"shamela_page_id":1003,"part":"18","page_num":45,"sequence_num":1003,"body":"٤٥ - صفات من يدخلون الجنة بغير حساب\rيقول السائل: إنه قرأ في حلقة سابقة من يسألونك الحديث الذي ذكر فيه عكاشة بن محصن ﵁ وأنه سأل النبي ﷺ أن يدعو الله أن يكون من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب فمن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب وما صفاتهم؟\rالجواب: ثبت في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة عن النبي ﷺ أحاديث تخبر أن طائفة من أمة سيدنا محمد ﷺ يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ومن هذه الأحاديث ما ثبت في الحديث عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت قال: فماذا صنعت؟ قلت: استرقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي فقال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن حصيب الأسلمي أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ولكن حدثنا ابن عباس عن النبيصلى الله عليه وسلم قال: (عرضت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى ﵊ وقومه ولكن انظر إلى الأفق فإذا سواد عظيم فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم. صحيح مسلم بشرح النووي ١/٤٤٩-٤٥٠. وقد رواه الإمام البخاري في باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٤/١٩٧. وشرحه الإمام النووي تحت عنوان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب. شرح النووي على صحيح مسلم ١/٤٤٦. وقد جعل العلامة ابن القيم ف كتابه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح أو وصف الجنة) باباً بعنوان فيمن يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب وذكر أوصافهم. ص١٨٥. وأما صفات هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم فهي المذكورة في الحديث: (لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) . وفي رواية في الصحيحين: (هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون) . وقوله ﷺ: (لا يرقون ولا يسترقون) مأخوذ من الرقية وهي العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة. والرقية الشرعية تكون بقراءة القرآن الكريم والأدعية المأثورة ونحوها لطلب الشفاء من المرض أو لدفع الضرر. والرقية مشروعة عند أكثر أهل العلم بشروط. وقد ذكر النبي ﷺ من خصائص الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يرقون ولا يسترقون وفي هذا إشارة إلى عظيم توكلهم على الله ﷾ فتركوا الرقى لأنفسهم ولغيرهم. فتركهم للرقى على جهة التوكل على الله تعالى والرضا بما يقضيه من قضاء وينزل به من بلاء وهذه أرفع درجات المحققين بالإيمان كما قال الإمام الخطابي. انظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ١/٤٦٤. وقوله ﷺ: (لا يكتوون) مأخوذ من الكي بالنار وهو أسلوب معروف في العلاج وهو مشروع وثابت في عدد من الأحاديث وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (وما أحب أن أكتوي) رواه البخاري ومسلم. وقوله ﷺ: (لا يتطيرون) مأخوذ من الطيرة وهي التشاؤم والطيرة محرمة شرعاً وقد صح في الحديث من قول النبي ﷺ: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر) رواه البخاري ومسلم. وقوله ﷺ: (وعلى ربهم يتوكلون) والتوكل على الله هو الثقة بالله تعالى والإيقان بأن قضاءه نافذ واتباع سنة نبيه ﷺ في السعي فيما لا بد منه من المطعم والمشرب والتحرز من العدو كما فعله الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين فالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١/٤٤٨. قال الشيخ سليمان بن عبد الوهاب: [قوله: (وعلى ربهم يتوكلون) ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال وهو التوكل على الله وصدق الالتجاء إليه والاعتماد بالقلب عليه الذي هو خلاصة التفريد ونهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف من المحبة والخوف والرجاء والرضى به رباً وإلهاً والرضى بقضائه بل ربما أوصل العبد إلى التلذذ بالبلاء وعده من النعماء فسبحانه من يتفضل على من يشاء بما يشاء والله ذو الفضل العظيم. واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلاً كما يظنه الجهلة فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه حتى الحيوان البهيم بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) أي كافيه إنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلاً على الله كالاسترقاء والاكتواء فتركهم له ليس لكونه سبباً لكن لكونه سبباً مكروهاً لا سيما والمريض يتشبث بما يظنه سبباً لشفائه بخيط العنكبوت أما نفس مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهية فيه فغير قادح في التوكل فلا يكون تركه مشروعاً كما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: [ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء] وعن أسامة بن شريك قال: كنت عند النبي ﷺ وجاءت الأعراب فقالوا يا رسول الله: أنتداوى؟ فقال: (نعم يا عباد الله تداووا فإن الله ﷿ لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد فقالوا: وما هو؟ قال: الهرم) رواه أحمد. قال ابن القيم: [فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها والأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدداها بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً وإن تعطيلها يقدح بمباشرته في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلا كان معطلاً للأمر والحكمة والشرع فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً] تيسير العزيز الحميد ص٨٦-٨٧.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346624,"book_id":3840,"shamela_page_id":1004,"part":"18","page_num":46,"sequence_num":1004,"body":"٤٦ - مكفرات الذنوب\rيقول السائل: ما هي الأعمال التي تكفر الذنوب؟\rالجواب: ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة أن أعمالاً صالحة تكفر الذنوب وتمحها ومنها ما يلي: أولاً: الوضوء وقد جاء فيه أحاديث كثيرة منها: عن حمران أنه قال فلما توضأ عثمان قال والله لأحدثنكم حديثا والله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه إني سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها قال عروة الآية إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى قوله اللاعنون. رواه مسلم وعن عثمان أنه دعا بطهور ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله رواه مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقول ذلك يبقي من درنه قالوا لا يبقي من درنه شيئا قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا رواه البخاري. ثانياً: الصلوات الخمس: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر رواه مسلم وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن رواه مسلم ثالثاً: موافقة تأمين المأموم لتأمين الملائكة: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وقال بن شهاب وكان رسول الله ﷺ يقول آمين رواه البخاري ومسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه رواه مسلم رابعاً: المشي إلى المساجد: وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إسباغ الوضوء في المكاره وإعمال الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلاً) رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وقال الألباني: صحيح. خامساً: المحافظة على صلاة الجمعة: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر باب الذكر المستحب عقب الوضوء رواه مسلم سادساً: صيام نهار رمضان وقيام ليله: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه رواه البخاري ومسلم سابعاً: صيام عاشوراء: عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صومه قال فغضب رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁ رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وببيعتنا بيعة قال فسئل عن صيام الدهر فقال لا صام ولا أفطر أو ما صام وما أفطر قال فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم قال ومن يطيق ذلك قال وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين قال ليت أن الله قوانا لذلك قال وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم قال ذاك صوم أخي داود ﵇ قال وسئل عن صوم يوم الإثنين قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه قال فقال صوم ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان صوم الدهر قال وسئل عن صوم يوم عرفة فقال يكفر السنة الماضية والباقية قال وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال يكفر السنة الماضية. رواه مسلم ثامناً: صيام يوم عرفه: عن أبي قتادة رجل أتى النبي ﷺ فقال كيف تصوم فغضب رسول الله ﷺ فلما رأى عمر ﵁ غضبه قال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله فجعل عمر ﵁ يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه فقال عمر يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله قال لا صام ولا أفطر أو قال لم يصم ولم يفطر قال كيف من يصوم يومين ويفطر يوما قال ويطيق ذلك أحد قال كيف من يصوم يوما ويفطر يوما قال ذاك صوم داود ﵇ قال كيف من يصوم يوما ويفطر يومين قال وددت أني طوقت ذلك ثم قال رسول الله ﷺ ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله رواه مسلم. تاسعاً: الحج والعمرة: عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه رواه البخاري وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة رواه البخاري ومسلم عاشراً: الصدقة عن أبي وائل عن حذيفة قال قال عمر ﵁ من يحفظ حديثا عن النبي ﷺ في الفتنة قال حذيفة أنا سمعته يقول فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة قال ليس أسأل عن هذه إنما أسأل عن التي تموج كما يموج البحر قال وإن دون ذلك بابا مغلقا قال فيفتح أو يكسر قال يكسر قال ذاك أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة فقلنا لمسروق سله أكان عمر يعلم من الباب فسأله فقال نعم كما يعلم أن دون غد الليلة رواه البخاري ومسلم. أحد عشر: الحمد بعد الطعام عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومن لبس ثوبا فقال الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر رواه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب. ثاني عشر: المرض والتعب عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت قال رسول الله ﷺ ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها رواه البخاري وعن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه رواه البخاري. ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأعمال الصالحة تكفر صغائر الذنوب وأما الكبائر فلا تُكَفَر بمجرد فعل الأعمال الصالحة بل لا بد من التوبة بشروطها حتى تُكَفَر. نيل الأوطار ٣/٥٧. قال القاضي عياض: [هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٤٤٦. وانظر نيل الأوطار ٣/٥٧. وقال الإمام ابن العربي المالكي: [الخطايا المحكوم بمغفرتها هي الصغائر دون الكبائر لقول النبي ﷺ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) فإذا كانت الصلاة مقرونة بالوضوء لا تكفر الكبائر فانفراد الوضوء بالتقصير عن ذلك أحرى) عارضة الأحوذي ١/١٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346625,"book_id":3840,"shamela_page_id":1005,"part":"18","page_num":47,"sequence_num":1005,"body":"٤٧ - حق الله وحق الناس\rيقول السائل: قرأت في كتاب فقه كلاماً عن الحقوق وأن منها ما هو حق لله تعالى ومنها ما هو حق للناس فأرجو بيان الفرق بينهما وما أثر ذلك على المعاصي التي ارتكبها الإنسان ثم تاب منها؟\rالجواب: قسم جمهور أهل العلم الحق باعتبار صاحب الحق إلى أربعة أقسام وهي: أولاً: حق الله تعالى ويسمى الحق العام: وهو ما قصد به التقرب إلى الله تعالى وتعظيمه وإقامة شعائر دينه، أو قصد به تحقيق النفع العام دون اختصاص بأحد، ونسب هذا الحق لله تعالى لعظم خطره وشمول نفعه كما قال ابن نجيم الحنفي في فتح الغفار ٣/٥٩. وحق الله تعالى يشمل الإيمان به ﷻ والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وإقامة الحدود والكفارات وغير ذلك. انظر الفروق ١/١٤٠-١٤١ الموسوعة الفقهية ١٨/١٤-١٩. ثانياً: حق العبد المحض: وهو ما كان متعلقاً بمصالح الإنسان الخالصة، قال القرافي: [وحق العبد مصالحه] الفروق ١/١٤٠. وحق العبد المحض يشمل الحقوق المالية، قال الشيخ محمد أبو زهرة: [حقوق العباد الخالصة وذلك كالديون والأملاك وحق الوراثة وغير ذلك مما يتعلق بالأموال نقلاً وبقاءً، فهذه كلها حقوق العباد خالصة والاعتداء على حقوق العباد ظلم، ولا يقبل الله تعالى توبة عبد قد أكل حقاً من حقوق العباد إلا إذا أداه أو أسقطه صاحبه وعفا] أصول الفقه ص٣٢٤. وحق العبد يقبل الإسقاط، فإذا أسقط إنسان حقاً له على غيره فله ذلك، قال القرافي: [ونعني بحق العبد المحض أنه لو أسقطه لسقط] الفروق ١/١٤١. ثالثاً: ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد وحق الله غالب: ومثاله حد القذف فهو من جهة أن فيه مساً بأعراض الناس علناً فهو حق لله تعالى، ومن جهة أن المقذوف بالزنى قد اتهم في عرضه فهو حق له ولكن حق الله غالب فيه. وكذلك حد السرقة بعد أن يبلغ الإمام، وكذلك عدة المطلقة وعدة المتوفى عنها زوجها، فحق الله فيها صيانة الأنساب عن الاختلاط وحماية المجتمع من الفوضى، وأما حق العبد فيها فهو المحافظة على نسب أولاد الزوج وحق الله غالب. نظرية الحكم القضائي ص ٢٤٢، الفقه الإسلامي وأدلته ٤/١٥ رابعاً: ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد وحق العبد الغالب: ومثاله القصاص وعقوبات الدماء بشكل عام كالديات. [فالقصاص لله فيه حق لأنه اعتداء على المجتمع واعتداء على مخلوق الله وعبده الذي حرم دمه إلا بحق ولله في نفس العبد حق الاستعباد حيث قال ﷿: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) سورة الذاريات الآية ٥٦. وللعبد في القصاص حق لأن القتل العمد اعتداء على شخصه لأن للعبد المقتول في نفسه حق الحياة وحق الاستمتاع بها فحرمه القاتل من حقه وهو اعتداء على أولياءالمقتول لأنه حرمهم من رعاية مورثهم واستمتاعهم بحياته فكان القتل العمد اعتداء على حق الله وحق العبد ولذلك كان في شرعية القصاص إبقاء للحقين وإخلاء للعالم من الفساد، تصديقاً لقول الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) سورة البقرة الآية ١٧٩. وغلب حق العبد لأن ولي المقتول يملك رفع دعوى القصاص أو عدم رفعها وبعد المطالبة بالقصاص والحكم على الجاني القاتل يملك التنازل عنه والصلح على مال أو الصلح بغير عوض كما يملك تنفيذ حكم القصاص على القاتل إن أراد ذلك وكان يتقن التنفيذ ولا يجوز ذلك إلا بإذن الحاكم لئلا يفتات عليه فلو فعل وقع القصاص موقعه واستحق التعزير] الموسوعة الفقهية ١٨/ ١٨-١٩. وأما إذا ارتكب الإنسان المعاصي ثم تاب منها فإن العلماء قد بينوا ما هو أثر التوبة على حقوق الله وحقوق العباد فإذا كانت المعصية متعلقة بحقوق الله المالية فلا بد للتائب منها أن يؤدي حقوق الله تعالى ولا يكفي مجرد الإقلاع عن المعصية. قال الإمام النووي: [... ثم إن كانت المعصية لا يتعلق بها حق مالي لله تعالى ولا للعباد كقبلة الأجنبية ومباشرتها فيما دون الفرج فلا شيء عليه سوى ذلك، وإن تعلق بها حق مالي كمنع الزكاة والغصب والجنايات في أموال الناس وجب مع ذلك تبرئة الذمة عنه] روضة الطالبين ١١/٢٤٥- ٢٤٦. وذكر الخطيب الشربيني أن حق الله تعالى كالزكاة والكفارات لابد من أدائها. مغني المحتاج ٤/٤٤٠. وقال الإمام النووي أيضاً: [وإن تعلق بالمعصية حق ليس بمالي فإن كان حدا لله تعالى بأن زنى أو شرب الخمر فإن لم يظهر عليه فله أن يظهره ويقر به ليقام عليه الحد ويجوز أن يستر على نفسه وهو الأفضل، فإن ظهر فقد فات الستر فيأتي الإمام ليقيم عليه الحد] روضة الطالبين ١١/ ٢٤٦- ٢٤٧ وكلام النووي يدل على أن الحدود المختصة بالله تعالى كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر لا تسقط بمجرد التوبة ولا بد من إقامة الحد وهذا مذهب جمهور الفقهاء. انظر الموسوعة الفقهية ١٨/١٨-١٩. وكذلك فإنه من المقرر عند العلماء أن من شروط التوبة من المعصية المتعلقة بالناس رد الحقوق لأصحابها قال الإمام النووي: [وإن تعلق بها حق مالي كمنع الزكاة والغصب والجنايات في أموال الناس وجب مع ذلك تبرئة الذمة عنه بأن يؤدي الزكاة ويرد أموال الناس إن بقيت، ويغرم بدلها إن لم تبق، أو يستحل المستحق فيبرئه، ويجب أن يعلم المستحق إن لم يعلم به، وأن يوصله إليه إن كان غائباً إن كان غصبه منه هناك، فإن مات سلَّمه إلى وارثه، فإن لم يكن له وارث وانقطع خبره، دفعه إلى قاضٍ تُرضى سيرتهُ وديانته، فإن تعذر تصدق به على الفقراء بنية الغرامة له إن وجده ... وإن كان معسرا نوى الغرامة إذا قدر، فإن مات قبل القدرة فالمرجو من فضل الله تعالى المغفرة. قلت - أي النووي - ظواهر السنن الصحيحة تقتضي ثبوت المطالبة بالظلامة، وإن مات معسراً عاجزاً إذا كان عاصياً بالتزامها، فأما إذا استدان في مواضع يباح له الاستدانة واستمر عجزه عن الوفاء حتى مات، أو أتلف شيئاً خطأً وعجز عن غرامته حتى مات، فالظاهر أن هذا لا مطالبة في حقه في الآخرة إذ لا معصية منه والمرجو أن الله تعالى يعوض صاحب الحق] . روضة الطالبين ١١/٢٤٥- ٢٤٦. وقال النووي أيضاً: [وإن كان حقاً للعباد كالقصاص وحد القذف فيأتي المستحق ويمكنه من الاستيفاء فإن لم يعلم المستحق وجب في القصاص أن يعلمه فيقول أنا الذي قتلت أباك ولزمني القصاص، فإن شئت فاقتص وإن شئت فاعف ... وأما الغيبة إذا لم تبلغ المغتاب فرأيت في فتاوى الحناطي أنه يكفيه الندم والاستغفار وإن بلغته ... فالطريق أن يأتي المغتاب ويستحل منه فإن تعذر لموته أو تعسر لغيبته البعيدة استغفر الله تعالى ولا اعتبار بتحليل الورثة هكذا ذكره الحناطي] . روضة الطالبين١١/ ٢٤٧. وقال الشيخ أحمد النفراوي المالكي: [وأما تبعات العباد فلا يكفرها التوبة بل لا بد من استحلال أربابها لأن حقوق العباد لا يقال لها ذنوب] الفواكه الدواني ٢/ ٣٠٢.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346626,"book_id":3840,"shamela_page_id":1006,"part":"18","page_num":48,"sequence_num":1006,"body":"٤٨ - شهر رجب\rيقول السائل: وزعت في بعض المساجد نشرة تضمنت فضائل شهر رجب وقد ذكرت فيها مجموعة من الأحاديث نرجو بيان الحكم عليها؟\rالجواب: ورد في النشرة المذكورة في السؤال ما يلي: يقول الرسول ﷺ: [ (رجب شهر الله. وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي) رجب خص بالمغفرة من الله تعالى وشعبان بالشفاعة ورمضان بتضعيف الحسنات. وقد قيل رجب شهر التوبة وشعبان شهر المحبة ورمضان شهر القربة. قال النبي ﷺ: (أكثروا من الاستغفار في رجب فإن لله تعالى في كل ساعة منه عتقاء من النار وأن لله مدائن لا يدخلها إلا من صام رجب ويسن الصيام في أوله وأوسطه وآخره ويوم الاثنين والخميس في ليلة السابع من رجب ليلة فضيلة تسمى ليلة الرغائب - ليلة نزول نطفة النبي ﷺ من والده عبد الله إلى رحم أمه آمنة - وصيام نهارها فضيل حيث يعطي الله ﷿ لعبده الصائم ذلك اليوم ما يتمنى على الله ﷿ ويرغب. عن النبي ﷺ: (لا تغفلوا عن ليلة أول جمعة من رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة ليلة الرغائب وذلك لأنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك في السموات والأرضين إلا ويجتمعون في الكعبة وحولها فيطلع الله تعالى عليهم فيقول يا ملائكتي سلوني إذا شئتم فيقولون ربنا حاجتنا إليك أن تغفر لصوام رجب فيقول الله قد فعلت. وفي أواخره ليلة عظيمة وهي ليلة الإسراء والمعراج ليلة السابع والعشرين منه وقيام ليلها فضيل وصيام نهارها مستحب لكل مسلم ومسلمة. عن النبي ﷺ: (من صام يوم السابع والعشرين من رجب كتب الله له ثواب ستين شهراً] . وأقول إن كثيراً من الناس مولعون بنشر الأحاديث المختلقة والمكذوبة على رسول الله ﷺ ويعرضون عن الأحاديث الصحيحة الثابتة والتي فيها غنى عن تلك. ومن ذلك ما ورد في النشرة فالحديث الأول وهو: (رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي) حديث موضوع كما قال الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص١٠٠. وقال الحافظ العراقي: [حديث ضعيف جداً هو من مرسلات الحسن رويناه في كتاب الترغيب والترهيب للأصفهاني ومرسلات الحسن لا شيء عند أهل الحديث ولا يصح في فضل رجب حديث] فيض القدير ٤/٢٤ وقد عدَّه ابن الجوزي من الموضوعات أيضاً. وأما الحديث الثاني وهو: (أكثروا من الاستغفار في رجب فإن لله تعالى في كل ساعة منه عتقاء من النار وأن لله مدائن لا يدخلها إلا من صام رجب) فهو حديث مكذوب أيضاً ذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة وابن طاهر المقدسي في تذكرة الموضوعات وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة ص٤٣٩. وأما ما جاء في النشرة أنه يسن الصيام في أوله وأوسطه وآخره ويوم الإثنين والخميس فهذا الكلام ليس بصحيح لأنه لم يثبت في فضل صيام رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه كما قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف ص٢٢٨. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فاتخاذه - أي شهر رجب - موسماً بحيث يفرد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره كما روي عن عمر بن الخطاب وأبي بكرة وغيرهما من الصحابة] اقتضاء الصراط المستقيم ٢/١٣٥. وقال الحافظ ابن حجر: [لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معين ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة] رسالة تبين العجب ص٣. وقال السيوطي: [ويكره إفراد رجب بالصوم] الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع ص١٧٤. وقال الإمام المحدث ابن دحية: [قال المؤتمن بن أحمد الساجي الحافظ: كان الإمام عبد الله الأنصاري شيخ خراسان لا يصوم رجباً وينهى عن ذلك ويقول: ما صح في فضل رجب وفي صيامه عن رسول الله ﷺ شيء وقد روي كراهة صومه عن جماعة من الصحابة ﵃ منهم الصهر الأكرم والصاحب في الغار والرفيق الإمام أبو بكر الصديق خليفته على الأمة كلها بعد وفاته والقاتل لأهل الردة بجيوشه المنصورة وعزماته. وكان أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب الذي أجرى الله الحق على لسانه ووافقه في آيات محكمات تتلى علينا من قرآنه يضرب بالدرة صوامه وينهى عن ذلك قوامه روى ذلك الفاكهي في كتاب (مكة) له وأسنده الإمام المجمع على عدالته المتفق في (الصحيحن) على إخراج حديثه وروايته أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني قال: حدثنا سفيان عن مسعر عن وبرة عن خرشة بن الحر: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوا عن طعامه حتى يضعوا فيه ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه] أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب ص٥٥-٥٧. وأما الإدعاء الكاذب المذكور في النشرة وهو: [أن ليلة السابع من رجب ليلة فضيلة تسمى ليلة الرغائب ليلة نزول نطفة النبي ﷺ من والده عبد الله إلى رحم أمه آمنة] فهذا من أكذب الكذب والزور والبهتان حيث لا دليل على ذلك من الشرع. وأما حديث: [لا تغفلوا عن ليلة أول جمعة من رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة ليلة الرغائب وذلك لأنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك في السموات والأرضين إلا ويجتمعون في الكعبة وحولها فيطلع الله تعالى عليهم فيقول يا ملائكتي سلوني إذا شئتم فيقولون ربنا حاجتنا إليك أن تغفر لصوام رجب فيقول الله قد فعلت] فهذا الحديث مكذوب موضوع باتفاق المحدثين كما قال العلامة عبد الحي اللكنوي في الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص٦٣ حيث ذكر كلام الحافظ العراقي أن هذا الحديث موضوع وكذلك كلام ابن الجوزي أنه مكذوب ص٦٤. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء. وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري وأبو بكر بن السمعاني وأبو الفضل بن ناصر وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم. وإنما لم يذكرها المتقدمون لأنها أحدثت بعدهم وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها] لطائف المعارف ص٢٢٨. وقال العلامة ابن القيم: [وكذلك أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب كلها كذب مختلق على رسول الله ﷺ. وأمثلها: ما رواه عبد الرحمن بن منده - وهو صدوق - عن ابن جهضم - وهو واضع الحديث - حدثنا علي ... عن أنس - يرفعه - (رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي) الحديث. وفيه: (لا تغفلوا عن أول جمعة من رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة ليلة الغائب) وذكر الحديث المكذوب بطوله. قال ابن الجوزي: اتهموا به ابن جهضم ونسبوه إلى الكذب وسمعت عبد الوهاب الحافظ يقول: رجاله مجهولون فتشت عليهم جميع الكتب فما وجدتهم! قال بعض الحفاظ: بل لعلهم لم يخلقوا. وكل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض الليالي فيه: فهو كذب مفترى كحديث (من صلى بعد المغرب أول ليلة من رجب عشرين ركعة ... جاز على السراط بلا حساب) . وحديث (من صام يوماً من رجب وصلى أربع ركعات يقرأ في أول ركعة مئة مرة (آية الكرسي) وفي الثانية مئة مرة (قل هو الله أحد) : لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة ...) . وحديث: (من صام من رجب كذا وكذا) الجميع كذب مختلق] المنار المنيف ص٩٥-٩٧. وأما ما ورد في النشرة: [وفي أواخره ليلة عظيمة وهي ليلة الإسراء والمعراج ليلة السابع والعشرين منه وقيام ليلها فضيل وصيام نهارها مستحب لكل مسلم ومسلمة] . فهذا عين الكذب كما قال ذلك الإمام المحدث ابن دحية ووافقه على ذلك الحافظ ابن حجر وأنكر ذلك الإمام إبراهيم الحربي وغيره. قال ابن دحية: [وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب] أداء ما وجب ٥٣-٥٤. وانظر ما قاله الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف ص٢٣٣ وما قاله العلامة المحدث الألباني في تعليقه على أداء ما وجب ص٥٣. وأما حديث: (من صام يوم السابع والعشرين من رجب كتب الله له ثواب ستين شهراً) فهذا الحديث باطل موضوع لا يصح عن النبي ﷺ. وقد ذكر العلماء عدداً من الأحاديث المكذوبة في فضل صوم رجب منها ما ذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة ص١٠٠-١٠١ فانظرها. وخلاصة الأمر أن المشروع في رجب هو المشروع في غيره من الشهور وليس لرجب أي خصوصية في صوم أو صلاة وأن ما رد في هذه النشرة من أحاديث كلها باطلة مكذوبة وأن هؤلاء الذين ينشرون مثل ذلك يشملهم الوعيد الوارد في قول النبي ﷺ: (من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين) رواه مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346627,"book_id":3840,"shamela_page_id":1007,"part":"18","page_num":49,"sequence_num":1007,"body":"٤٩ - أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة\rيقول السائل: كيف نوفق بين ما ورد عن النبي ﷺ: أن (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة) وبين ما ورد عن النبي ﷺ (إن أول ما يقضى بين الناس في الدماء) ؟\rالجواب: أما الحديث الأول المتعلق بالصلاة فقد تقدمت رواياته في إجابة السؤال السابق وأما الحديث الثاني فقد رواه البخاري بإسناده عن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (أول ما يقضى بين الناس في الدماء) وفي رواية مسلم: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) . ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة في أن أول ما يحاسب عليه الصلاة لأن حديث أبي هريرة متعلق بحقوق الله ﷾ والحديث الآخر متعلق بحقوق العباد أي إن أول حق من حقوق الله تعالى يحاسب عليه العبد هو الصلاة وأول حق من حقوق العباد يحاسب عليه العبد هو الدماء قال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) فيه تغليظ أمر الدماء وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة وهذا لعظم أمرها وكثير خطرها وليس هذا الحديث مخالفاً للحديث المشهور في السنن: (أول ما يحاسب به العبد صلاته) لأن هذا الحديث الثاني فيما بين العبد وبين الله تعالى وأما حديث الباب فهو فيما بين العباد والله أعلم بالصواب] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣١٩. وقال الحافظ ابن حجر: [ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة ﵁ رفعه: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته) الحديث أخرجه أصحاب السنن لأن الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق وقد جمع النسائي في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين ولفظه: (أول ما يحاسب العبد عليه صلاته وأول ما يقضي بين الناس في الدماء) ] فتح الباري ١١/٤٨٢. وقال العلامة القاري: [الأظهر أن يقال لأن ذلك من المنهيات وهذا في المأمورات أو الأول في المحاسبة والثاني في الحكم لما أخرج النسائي عن ابن مسعود مرفوعاً: (أول ما يحاسب العبد عليه صلاته وأول ما يقضى بين الناس في الدماء) وفي الحديث إشارة إلى أن الأول الحقيقي هو الصلاة فإن المحاسبة قبل الحكم] المرقاة ٧/٩. وقال العلامة القاري في موضع آخر: [قال الأبهري: وجه الجمع بين هذا وبين قوله ﷺ: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيمة الدماء) أن الأول من حق الله تعالى والثاني من حقوق العباد أو الأول من ترك العبادات والثاني من فعل السيئات] المرقاة ٢/٤٢٠. وخلاصة الأمر أن التوفيق بين الحديثين يكون بحمل حديث أولية المحاسبة على الصلاة بأن ذلك متعلق بحقوق الله وأولية القضاء في الدماء بأن ذلك متعلق بحقوق العباد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346628,"book_id":3840,"shamela_page_id":1008,"part":"18","page_num":50,"sequence_num":1008,"body":"٥٠ - من البدع\rيقول السائل: يجلس جماعة من المصلين بعد صلاة الفجر لعقد مجلس للصلاة على النبي ﷺ ويأتون بأذكار كثيرة وفي لحظة من اللحظات يقفون قياماً ويزعمون أن النبي ﷺ يحضر مجلسهم فيقومون احتراماً وتقديراً وإكباراً لرسول الله ﷺ كما يزعمون فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: لا شك أن الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ من الأمور المطلوبة شرعاً وقد ورد الأمر بذلك في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) سورة الأحزاب الآية ٥٦ ووردت الأحاديث الكثيرة في الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ وقد جمعها العلامة ابن القيم في كتابه (جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام) وتحدث عن المسائل المتعلقة بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ بشكل مفصل مع بيان الأدلة فهو كتاب نافع ومفيد في بابه. وأما ما ذكره السائل من عقد مجلس للصلاة على النبي ﷺ بشكل جماعي ومع ما يصاحب ذلك من المخالفات فهذا من البدع المحدثة ولم يقم عليه دليل صحيح ولا كان عليه عمل السلف الصالح فالمسلم يصلي ويسلم على رسول الله ﷺ انفراداً لا جماعة وأما ما يزعمه بعض الدجالين من أن النبي ﷺ يحضر المجالس المشار إليها في السؤال فهو كلام باطل لا يقوم عليه دليل. بل الثابت أن النبي ﷺ قد مات بنص القرآن الكريم قال الله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) سورة الزمر الآية ٣١. وقال الله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) سورة الرحمن الآيات ٢٦-٢٧. وقال الله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) سورة الأنبياء الآية ٣٤. وقد اتفق العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم على أن النبي ﷺ قد مات فعلاً ويدل على ذلك أن الصحابة ﵃ قاموا على غسل النبي ﷺ وتكفينه والصلاة عليه ودفنه وطلبت فاطمة بنت رسول الله ﷺ بميراثه من أبي بكر خليفة المسلمين. وخلاصة الأمر أن حياة النبي ﷺ الدنيوية قد انتهت بوفاته باتفاق أهل العلم ومن قال بخلاف ذلك فقوله باطل مردود ومن الثابت أن للنبي ﷺ حياة برزخية في قبره لا يعلم حقيقيتها إلا الله ﷾ وقد ورد في الحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) رواه أبو يعلى والبزار والبيهقي وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٦٢١. ولكن هذه الحياة لا يعلم كنهها إلا الله قال العلامة الألباني: [إن حياته ﷺ بعد وفاته مخالفة لحياته قبل الوفاة ذلك أن الحياة البرزخية غيب من الغيوب ولا يدري كنهها إلا الله ﷾ ولكن من الثابت والمعلوم أنها تختلف عن الحياة الدنيوية ولا تخضع لقوانينها فالإنسان في الدنيا يأكل ويشرب ويتنفس ويتزوج ويتحرك ويتبرز ويمرض ويتكلم ولا أحد يستطيع أن يثبت أن أحداً بعد الموت حتى الأنبياء ﵈ وفي مقدمتهم نبينا محمد ﷺ تعرض له هذه الأمور بعد موته. ومما يؤكد هذا أن الصحابة ﵃ كانوا يختلفون في مسائل كثيرة بعد وفاته ﷺ ولم يخطر في بال أحد منهم الذهاب إليه ﷺ في قبره ومشاورته في ذلك وسؤاله عن الصواب فيها لماذا؟ إن الأمر واضح جداً وهو أنهم كلهم يعلمون أنه ﷺ انقطع عن الحياة الدنيا ولم تعد تنطبق عليه أحوالها ونواميسها فرسول الله ﷺ بعد موته حي أكمل حياة يحياها إنسان في البرزخ ولكنها حياة لا تشبه حياة الدنيا ولعل مما يشير إلى ذلك قوله ﷺ: (مما من أحدٍ يسلم عليَّ إلا ردَّ الله علي روحي حتى أرد ﵇ وعلى كل حال فإن حقيقتها لا يدريها إلا الله ﷾ ولذلك لا يجوز قياس الحياة البرزخية أو الحياة الأخروية على الحياة الدنيوية كما لا يجوز أن تعطى واحدة منهما أحكام الأخرى بل لكل منها شكل خاص وحكم معين ولا تتشابه إلا في الاسم أما الحقيقة فلا يعلمها إلا الله ﵎] التوسل ص٦٥-٦٦. إذا تقرر هذا فإن الزعم بأن النبي ﷺ يحضر إلى المجلس المذكور في السؤال إنما هو كذب وافتراء على دين الله ومن الخرافات والخزعبلات التي ابتدعها جهلة المتصوفة ومن الغلو الذي حذر منه النبي ﷺ كما في الحديث عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري. ومن المعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أشد الناس حباً للنبي ﷺ ومع ذلك ما كانوا يفعلون ما يفعله هؤلاء ولم يكن من دأب الصحابة ﵃ القيام عند السلام على النبي ﷺ مطلقاً لا في وقت زيارة قبره ولا غيره ولم يكن من عادتهم أن يقصدوا إلى قبره للسلام عليه ﷺ كلما دخلوا المسجد النبوي ويقفوا عنده من أجل السلام عليه لكن روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا جاء من سفره دخل المسجد النبوي فإذا صلى جاء إلى قبره ﵊ فسلَّم عليه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه] فتاوى إسلامية ١/١١٠-١١١. وخلاصة الأمر أن الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ عبادة والأصل في باب العبادات هو التلقي عن رسول الله ﷺ ولم يرد أي دليل على القيام عند الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ، وإن الخير كل الخير في الاتباع وإن الشر كل الشر في الابتداع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346629,"book_id":3840,"shamela_page_id":1009,"part":"18","page_num":51,"sequence_num":1009,"body":"٥١ - رؤية النبي ﷺ في المنام\rيقول السائل: إذا رأى شخص في المنام النبي ﷺ فأمره أو نهاه فما الحكم الشرعي لذلك؟\rالجواب: قامت الأدلة الصحيحة على إمكانية رؤية الرسول ﷺ في المنام فقد روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي) . وروى البخاري بسنده أيضاً عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة) . وروى بسنده عن أبي قتادة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فمن رأى شيئاً يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثاً وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره وإن الشيطان لا يتراءى بي) . وروى بسنده أيضاً عن أبي قتادة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (من رآني فقد رأى الحق) . وروى بسنده أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ سمع النبي ﷺ يقول: (من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتكونني) . وقد دلت هذه الأحاديث على جواز رؤية النبي ﷺ في المنام وهذا أمر مشهور ومعروف عن أهل العلم. وأما إذا رأى شخص النبي ﷺ في المنام فأمره بشيء أو نهاه عن شيء فهل يعتبر ذلك تبليغاً من النبي ﷺ يجب العمل بمقتضاه؟ فالصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن رؤية النبي ﷺ في المنام وأمره بشيء أو نهيه عن شيء أو كلامه في أمر شرعي لا يثبت بذلك كله حكم شرعي ولا يكون ذلك حجة ولا دليلاً إلا أن يكون ما ورد في رؤية النبي ﷺ أمر ثابت في الشريعة الإسلامية فالحجة لما هو ثابت في الشريعة ولا حجة لما ورد في الرؤيا بل الأصل هو ما ورد في الشريعة، قال الإمام الشاطبي: [ربما قال بعضهم: رأيت النبي ﷺ في النوم فقال لي كذا وأمرني بكذا فيعمل بها ويترك بها معرضاً عن الحدود الموضوعة في الشريعة وهو خطأ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعاً على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعاض عنها وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأما استفادة الأحكام فلا] الاعتصام ٢/٣١٨. وقال الشاطبي أيضاً: [ولا يقال: إن الرؤيا من أجزاء النبوة فلا ينبغي أن تهمل وأيضاً إن المخبر في المنام قد يكون النبي ﷺ وهو قد قال: (من رآني في النوم فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي) وإذا كان فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة. لأنا نقول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة فليست إلينا من كمال الوحي بل جزء من أجزائه والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه وقد صرفت إلى جهة البشارة والنذارة وفيها كاف] الاعتصام ٢/٣١٩. وقال الشاطبي أيضاً: [وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله ﷺ الرائي بالحكم فلا بد من النظر فيها أيضاً لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته فالحكم بما استقر وإن أخبر بمخالف فمحال لأنه ﷺ لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية لأن ذلك باطل بالإجماع فمن رأى شيئاً من ذلك فلا عمل عليه وعند ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة إذ لو رآه حقاً لم يخبره بما يخالف الشرع] المصدر السابق ٢/٣٢١. وقال الشاطبي أيضاً: [وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنة نعم يأتي المرئي تأنيساً ونذارة خاصة بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكماً ولا يبنون عليه أصلاً وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها والله أعلم] المصدر السابق ٢/٣٢٢. وقال الإمام القرافي: [فلو رآه ﷺ فقال له إن امرأتك طالق ثلاثاً وهو يجزم بأنه لم يطلقها فهل تحرم عليه؟ لأن رسول الله ﷺ لا يقول إلا حقاً. وقع فيه البحث مع الفقهاء واضطربت آراؤهم في ذلك بالتحريم وعدمه لتعارض خبره ﷺ عن تحريمها في النوم وإخباره في اليقظة في شريعته المعظمة أنها مباحة له والذي يظهر لي أن إخباره ﵊ في اليقظة مقدم على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبط المثال فإذا عرضنا على أنفسنا احتمال طروء الطلاق مع الجهل به واحتمال طروء الغلط في المثال في النوم وجدنا الغلط في المثال أيسر وأرجح ومن هو من الناس يضبط المثال على النحو المتقدم إلا أفراداً قليلةً من الحفاظ لصفته ﷺ وأما ضبط عدم الطلاق فلا يختل إلا على النادر من الناس والعمل بالراجح متعين وكذلك لو قال له عن حلال إنه حرام أو عن حرام إنه حلال أو عن حكم من أحكام الشريعة قدمنا ما ثبت في اليقظة على ما رأى في النوم لما ذكرناه كما لو تعارض خبران من أخبار اليقظة صحيحان فإنا نقدم الأرجح بالسند أو باللفظ أو بفصاحته أو قلة الاحتمال في المجاز أو غيره فكذلك خبر اليقظة وخبر النوم يخرجان على هذه القاعدة] الفروق ٤/٢٤٥-٢٤٦. وذكر الحافظ ابن حجر عن أبي محمد بن أبي جمرة أحد شراح الحديث قوله: [وكذلك يقال في كلامه ﷺ في النوم أنه يعرض على سنته ﷺ فما وافقها فهو هو وما خالفها فالخلل في سمع الرائي فرؤيا الذات الكريمة حق والخلل إنما هو في سمع الرائي أو بصره قال: وهذا خير ما سمعته في ذلك] فتح الباري ١٢/٤٨٤. وقال الحافظ ابن حجر: [ويؤخذ من هذا ما تقدم التنبيه عليه أن النائم لو رأى النبي ﷺ يأمره بشيء هل يجب عليه امتثاله ولا بد؟ أو لا بد أن يعرضه على الشرع الظاهر فالثاني هو المعتمد كما تقدم] المصدر السابق ١٢/٤٨٦. وقال الشوكاني بعد أن ذكر أقوال أهل العلم في المسألة: [ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا ﷺ قد كمله الله ﷿ وقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته ﷺ إذا قال فيها بقول أو فعل فيها فعلاً يكون دليلاً وحجة بل قبضه الله إليه عند أن كمل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبيينها بالموت وإن كان رسولاً حياً وميتاً وبهذا تعلم أن لو قدرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله ﷺ أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة] إرشاد الفحول ٢٤٩. وبعد هذا العرض لأقوال العلماء في مسألة رؤية النبي ﷺ نخلص إلى أنه لا يجوز الاعتماد على رؤية النبي ﷺ في إثبات حكم شرعي أو نفي حكم شرعي لأن الرسالة قد تمت وكملت قبل وفاة النبي ﷺ ولم يكن من شأن الصحابة رضوان الله عليهم ولا سلف الأمة الاعتماد على رؤية النبي ﷺ في إثبات الأحكام الشرعية أو نفيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346630,"book_id":3840,"shamela_page_id":1010,"part":"18","page_num":52,"sequence_num":1010,"body":"٥٢ - احاديث مكذوبة\rيقول السائل: هنالك حديث متداول بين الناس نريد أن نعرف حكمه وهو: (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة) أفيدونا؟\rالجواب: هذا الحديث المشهور ليس ثابتاً عن النبي ﷺ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [لا أعرفه كما نقله السخاوي في المقاصد الحسنة ص٢٠٨ حديث رقم ٤٦٨] . وقال العجلوني: [قال ابن حجر المكي في الفتاوى الحديثية: [لم يرد بهذا اللفظ وإنما يدل على معناه الخبر المشهور [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ...] كشف الخفاء ١/٣٩٦. وقال الشيخ الألباني عن الحديث المذكور: لا أصل له. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/٥١ حديث رقم ٣٠. وبهذا يظهر لنا أن هذا الحديث ليس له أصل فلا تجوز نسبته إلى النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346631,"book_id":3840,"shamela_page_id":1011,"part":"18","page_num":53,"sequence_num":1011,"body":"٥٣ - حكم إقامة الجمعيات الخيرية\rيقول السائل: ما قولكم فيمن يحرم إقامة الجمعيات الخيرية التي تهتم بشؤون الأسر الفقيرة ومساعدة الطلبة المحتاجين ونحو ذلك من الأعمال الخيرية؟\rالجواب: إن مما ابتليت به الأمة المسلمة في زماننا هذا كثرة المتسورين على حمى العلم الشرعي من أشباه طلبة العلم ومن أدعياء الوعي والثقافة الذين يظنون أنهم بلغوا رتبة الاجتهاد وصاروا كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بل إنهم قد يخطئون هؤلاء الأئمة الكبار وبعض هؤلاء المتعالمين لا يحسن ألف باء العلم الشرعي!! إن قضية التحليل والتحريم من أخطر القضايا الشرعية يقول الله ﷾: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) سورة النحل الآية ١١٦. قال القرطبي في تفسير هذه الآية: [ومعنى هذا أن التحليل والتحريم إنما هو لله ﷿ وليس لأحد أن يقول ويصرح بهذا في عين من الأعيان إلا أن يكون الباري تعالى يخبر بذلك عنه] تفسير القرطبي ١٠/١٩٦. وقال الشوكاني: [وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة – هو المنذر بن مالك من التابعين - قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) إلى آخر الآية فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا. قلت – القائل الشوكاني -: صدق ﵀ فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتيا من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنة رسوله ? كما يقع كثيراً من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاويهم ويمنعوا من جهالاتهم فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير فضلوا وأضلوا فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل: كبهيمة عمياء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق الجائر] تفسير فتح القدير ٣/٢٠١. وقال الله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا) سورة يونس الآية ٥٩. إذا تقرر هذا فأعود إلى السؤال فأقول إن إقامة الجمعيات الخيرية لتي تساعد الفقراء والمحتاجين وتقف مع أصحاب الحاجات من طلبة العلم وغيرهم هي في الحقيقة والواقع وسيلة من الوسائل التي تحقق مقاصد الشريعة الإسلامية في رعاية الفقراء والمحتاجين وقد قرر العلماء أن للوسائل أحكام المقاصد قال الإمام العز بن عبد السلام: [للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل] قواعد الأحكام ١/٤٦. وقال الإمام القرافي: [اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح فإن الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج. وموارد الأحكام على قسمين مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها ووسائل وهي الطرق المفضية إليها وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل وإلى ما يتوسط متوسطة ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخصمة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح) فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد وسيلة الوسيلة] الفروق ٢/٣٣. ومن المعلوم أن الإسلام قد اعتنى برعاية أصحاب الحاجات من الفقراء والمساكين واليتامى والأرامل وطلبة العلم ونحوهم وقد وردت النصوص الشرعية الكثيرة في هذا الباب منها: عن أبي هريرة ? قال: قال رسول الله ?: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي لا يفطر) رواه البخاري ومسلم. وعن سهل بن سعد ? قال: قال ?: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما) رواه البخاري. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ? قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ? عن النبي ? قال: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) رواه مسلم. وغير ذلك من النصوص. ومن المعلوم أن القيام على شؤون الفقراء والمساكين واليتامى والأرامل وطلبة العلم ونحوهم يحتاج في زماننا هذا إلى جهات مرتبة تقوم على مصالحهم وخاصة في ظل غياب دولة الإسلام التي من واجبها رعاية شؤونهم. وبما أن هذا المقصد لا يتحقق غالباً إلا من خلال إقامة الجمعيات الخيرية فتبقى إقامة الجمعيات الخيرية والمساهمة فيها لمن كان عنده المقدرة والصبر والتحمل على القيام بمثل هذه الأمور فإن ذلك من الوسائل المشروعة لتحقيق مقاصد الشارع الحكيم. ويجب التنبيه أن الجمعيات الخيرية التي أتحدث عنها هي الجمعيات التي تنطلق في أهدافها من شرع الله وتتبع في وسائلها ما شرعه الله ﷾ ولا تتعامل بالمحرمات. وأما ما يزعمه الزاعمون من أن إقامة الجمعيات الخيرية ما هو إلا تعطيل لقيام دولة الإسلام فمجرد أوهام وسراب ولا حقيقة له والواقع يكذبه ولو اتبع المسلمون هذا الرأي منذ غياب دولة الإسلام لسار المسلمون من ضياع إلى ضياع ولو عمل المسلمون بهذا الرأي لتركنا هذا العمل الخيري لأعداء المسلمين ولجمعياتهم التنصيرية فهل نترك اليتامى والفقراء والأرامل للجمعيات التنصيرية لتفعل بفقراء المسلمين الأفاعيل ولتفسد عليهم دينهم وإذا لم ننشئ المدارس والمساجد والمراكز الطبية ولجان الزكاة فمن سيتولى القيام بذلك. إن على هؤلاء الذين يحرمون الحلال أن يعلموا أنهم على خطر عظيم إن تحريم الحلال لا يقل في خطورته عن تحليل الحرام وإن العلماء قد قرروا أن الأصل في الأشياء الإباحة يقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) سورة البقرة الآية ٢٩. وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) سورة لقمان الآية ٢٠. وقد ورد في الحديث عن أبي الدرداء ? أن النبي ? قال: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً وتلا قوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) سورة مريم الآية ٦٤) رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وقال العلامة الألباني حديث حسن، انظر غاية المرام ص١٤. وقال الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله ورعاه: [وأحب أن أنبه هنا على أن أصل الإباحة لا يقتصر على الأشياء والأعيان بل يشمل الأفعال والتصرفات التي ليست من أمور العبادة وهي التي نسميها (العادات والمعاملات) فالأصل فيها عدم التحريم وعدم التقييد إلا ما حرمه الشارع وألزم به وقوله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) سورة الأنعام الآية ١١٩ , عام في الأشياء والأفعال. وهذا بخلاف العبادة فإنها من أمر الدين المحض الذي لا يؤخذ إلا عن طريق الوحي وفيها جاء الحديث الصحيح: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) . وذلك أن حقيقة الدين تتمثل في أمرين: ألا يعبد إلا الله وألا يعبد الله إلا بما شرع فمن ابتدع عبادة من عنده كائناً من كان فهي ضلالة ترد عليه لأن الشارع وحده هو صاحب الحق في إنشاء العبادات التي يتقرب بها إليه. وأما العادات أو المعاملات فليس الشارع منشئاً لها بل الناس هم الذين أنشؤوها وتعاملوا بها والشارع جاء مصححاً لها ومعدلاً ومهذباً ومقراً في بعض الأحيان ما خلا عن الفساد والضرر منها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله ﷾ وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأموراً بها فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه محظور؟ ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) سورة الشورى الآية ٢١. والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه وإلا دخلنا في معنى قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا) سورة يونس الآية ٥٩ وهذه قاعدة عظيمة نافعة وإذا كان كذلك فنقول: البيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم كالأكل والشرب واللباس فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت ما لا بد منه وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها. وإذا كان كذلك فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف يشاؤون ما لم تحرم الشريعة كما يأكلون ويشربون كيف شاؤوا ما لم تحرم الشريعة وإن كان بعض ذلك قد يستحب أو يكون مكروهاً وما لم تحد الشريعة في ذلك حداً فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي] القواعد النورانية ١١٢-١١٣. ومما يدل على هذا الأصل المذكور ما جاء في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: [كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن] فدل على أن ما سكت عنه الوحي غير محظور ولا منهي عنه وأنهم في حل من فعله حتى يرد نص بالنهي والمنع. وهذا من كمال فقه الصحابة ﵃ وبهذا تقررت هذه القاعدة الجليلة: (ألا تشرع عبادة إلا بشرع الله ولا تحرم عادة إلا بتحريم الله) ] الحلال والحرام ص٢١-٢٣. وخلاصة الأمر أنه ينبغي إقامة الجمعيات الخيرية المنطلقة في أهدافها ووسائلها وتعاملها من شرع الله. وإن إقامة هذه الجمعيات الخيرية يدخل في عموم قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346632,"book_id":3840,"shamela_page_id":1012,"part":"18","page_num":54,"sequence_num":1012,"body":"٥٤ - بعض الاحاديث\rيقول السائل: ما صحة الحديث الوارد عن النبي ﷺ: (نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر) ؟\rالجواب: هذا الحديث بين حاله أهل الحديث فمن كلامهم فيه ما قاله الحافظ ابن حجر: [قوله روي أنه ﷺ قال: (إنما نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر) هذا الحديث استنكره المزني فيما حكاه ابن كثير عنه في أدلة التنبيه. وقال النسائي في سننه باب الحكم بالظاهر ثم أورد حديث أم سلمة الذي قبله وقد ثبت في تخريج أحاديث المنهاج للبيضاوي سبب وقوع الوهم من الفقهاء في جعلهم هذا حديثا مرفوعا وأن الشافعي قال في كلام له وقد أمر الله نبيه أن يحكم بالظاهر والله متولي السرائر وكذا قال ابن عبد البر في التمهيد: أجمعوا أن أحكام الدنيا على الظاهر وأن أمر السرائر إلى الله وأغرب إسماعيل بن علي بن إبراهيم بن أبي القاسم الجنزوي في كتابه إدارة الأحكام فقال إن هذا الحديث ورد في قصة الكندي والحضرمي اللذين اختصما في الأرض فقال المقضي عليه قضيت علي والحق لي فقال ﷺ: (إنما أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر) . وفي الباب حديث عمر إنما كانوا يؤخذون بالوحي على عهد النبي ﷺ وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم أخرجه البخاري وحديث أبي سعيد رفعه إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس وهو في الصحيح في قصة الذهب الذي بعث به علي وحديث أم سلمة الذي قبله وحديث ابن عباس الذي بعده] التلخيص الحبير ٤/١٩٢. وقال ابن كثير [قوله وأيضاً نحن نحكم بالظاهر هذا الحديث كثيراً ما يلهج به أهل الأصول ولم أقف له على سند وسألت عنه الحافظ أبا الحجاج المزي فلم يعرفه لكن له معنى في الصحيح وهو قوله ﷺ: (إنما أقضي بنحو مما أسمع] تحفة الطالب ١/ ١٧٤.. وقال الشوكاني: [وكذلك حديث (إنما نحكم بالظاهر) وهو وإن لم يثبت من وجه معتبر فله شواهد متفق على صحتها ومن أعظم اعتبارات الظاهر ما كان منه ﷺ مع المنافقين من التعاطي والمعاملة بما يقتضيه ظاهر الحال] . نيل الأوطار ١/٣٦٩.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346633,"book_id":3840,"shamela_page_id":1013,"part":"18","page_num":55,"sequence_num":1013,"body":"٥٥ - يوم عاشوراء\rيقول السائل: ما هي فضائل يوم عاشوراء وما حكم ما يفعله بعض المسلمين من ضرب أنفسهم بالسلاسل والأدوات الحادة حتى تسيل الدماء منهم في هذا اليوم؟\rالجواب: الصحيح من أقوال أهل العلم أن ليوم عاشوراء فضيلة واحدة فقط ألا وهي صيامه وأما ما عدا ذلك مما زعم أنه من فضائل عاشوراء فليس له مستند صحيح وإنما كل ذلك من الافتراء والكذب. أما صوم عاشوراء فثابت عن رسول الله ﷺ في عدة أحاديث منها عن ابن عباس ﵁ أنه سئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: [ما رأيت رسول الله ﷺ صام يوماً فتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني عاشوراء وهذا الشهر يعني رمضان] رواه البخاري ومسلم. وعن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: [سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء صام ومن شاء أفطر] روه البخاري ومسلم. وعن أبي قتادة ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن صيام عاشوراء فقال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) رواه مسلم وغير ذلك من الأحاديث. وقد اتفق أهل العلم على أن صيام عاشوراء من السنن الثابتة عن النبي ﷺ ويستحب للمسلم أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده وهو الأفضل قال العلامة ابن القيم: [فمراتب صومه ثلاثة أكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم] زاد المعاد ٢/٧٦. هذا هو الثابت في فضل عاشوراء وهو الصيام وأما ما روي من أمور أخرى في فضل عاشوراء فليس بثابت عن النبي ﷺ كالتوسعة على الأهل في يوم عاشوراء حيث روي في الحديث: (من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته) وهذا الحديث روي من وجوه متعددة لم يصح منها شيء كما قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف ص١١٣. وقال الشيخ الألباني بعد أن تكلم على طرق الحديث: [وهكذا سائر طرق الحديث مدارها على متروكين أو مجهولين ومن الممكن أن يكونوا من أعداء الحسين ﵁ الذين وضعوا الأحاديث في فضل الإطعام والاكتحال وغير ذلك يوم عاشوراء معارضة منهم للشيعة الذين جعلوا هذا اليوم يوم حزن على الحسين ﵁ لأن قتله كان فيه. ولذلك جزم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأن هذا الحديث كذب وذكر أنه سئل الإمام أحمد عنه فلم يره شيئاً وأيد ذلك بأن أحداً من السلف لم يستحب التوسعة يوم عاشوراء وأنه لا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة] تمام المنة ص٤١١ –٤١٢. وكذلك ما روي في إحياء ليلة عاشوراء أو صلاة أربع ركعات ليلة عاشوراء ويومها أو زيارة القبور في يوم عاشوراء وقراءة سورة فيها ذكر موسى ﵇ فجر يوم عاشوراء فكل ذلك لا أصل له شرعاً وهو من البدع المحدثة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جواب سؤال حول ما يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور وعزوا ذلك إلى الشارع فهل ورد عن النبي ﷺ في ذلك حديث صحيح أم لا وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟ أجاب: الحمد لله رب العالمين لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئاً لا عن النبي ﷺ ولا الصحابة ﵃ ولا التابعين لا صحيحاً ولا ضعيفاً لا في كتب الصحيح ولا السنن ولا المسانيد ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث مثل ما رووا أن من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام وأمثال ذلك ورووا فضائل في صلاة يوم عاشوراء ورووا أن في يوم عاشوراء توبة آدم واستواء السفينة على الجودي ورد يوسف على يعقوب وإنجاء إبراهيم من النار وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك ورووا ذلك في حديث موضوع على النبي ﷺ ورووا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته ورواية هذا عن النبي ﷺ كذب] الفتاوى الكبرى ٢/٢٤٨ –٢٤٩. وأما ما يفعله بعض المسلمين من الرافضة في يوم عاشوراء من ضرب أنفسهم بالسلاسل والسيوف حتى تسيل دماؤهم بحجة الحزن على مقتل الحسين بن علي ﵄ فإن هذا العمل منكر لا يقره الإسلام بحال من الأحوال كما سأبين ولكن ينبغي أن يعلم أولاً أنه (لا نزاع في فضل الحسين ﵁ ومناقبه؛ فهو من علماء الصحابة، ومن سادات المسلمين في الدنيا والآخرة الذين عرفوا بالعبادة والشجاعة والسخاء ... ، وابن بنت أشرف الخلق ﷺ، والتي هي أفضل بناته، وما وقع من قتله فأمر منكر شنيع محزن لكل مسلم، وقد انتقم الله ﷿ من قتلته فأهانهم في الدنيا وجعلهم عبرة، فأصابتهم العاهات والفتن، وقلَّ من نجا منهم. والذي ينبغي عند ذكر مصيبة الحسين وأمثالها هو الصبر والرضى بقضاء الله وقدره، وأنه ـ تعالى ـ يختار لعبده ما هو خير، ثم احتساب أجرها عند الله ـ تعالى ـ. ولكن لا يحسن أبداً ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي يُلحَظُ التصنع والتكلف في أكثره، وقد كان أبوه عليٌّ أفضل منه وقُتل، ولم يتخذوا موته مأتماً، وقتل عثمان وعمر ومات أبو بكر ﵃، وكلهم أفضل منه.. ومات سيد الخلق ﷺ، ولم يقع في يوم موته ما هو حاصل في مقتل الحسين. وليس اتخاذ المآتم من دين المسلمين أصلاً، بل هو أشبه بفعل أهل الجاهلية) يوم عاشوراء أحكام وفوائد ص٩. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فصارت طائفة جاهلة ظالمة إما ملحدة منافقة وإما ضالة غاوية تظهر موالاتها وموالاة أهل بيته تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية والذي أمر الله به ورسوله في المصيبة إذا كانت جديدة إنما هو الصبر والاحتساب والاسترجاع كما قال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) سورة البقرة الآيات ١٥٥-١٥٧. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) وقال (أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة) وقال ((النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعاً من جرب وسربالاً من قطران) وفي المسند عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت فيحدث لها استرجاعاً إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها) وهذا من كرامة الله للمؤمنين فإن مصيبة الحسين وغيره إذا ذكرت بعد طول العهد فينبغي للمؤمن أن يسترجع فيها كما أمر الله ورسوله ليعطى من الأجر مثل أجر المصاب يوم أصيب بها وإذا كان الله تعالى قد أمر بالصبر والاحتساب عند حدثان العهد بالمصيبة فكيف مع طول الزمان فكان ما زينه الشيطان لأهل الضلال والغي من اتخاذ يوم عاشوراء مأتماً وما يصنعونه فيه من الندب والنياحة وإنشاد قصائد الحزن ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير والصدق منها ليس فيه إلا تجديد الحزن والغضب وإثارة الشحن والحرب وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام والتوسل بذلك إلى سب السابقين الأولين وكثرة الكذب والفتن في الدين] الفتاوى الكبرى ٢/٢٥٢. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وأما اتخاذه مأتماً كما تفعله الرافضة لأجل قتل حسين بن علي ﵄ فيه فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً فكيف بمن دونهم] لطائف المعارف ص١١٣. وقد أنكر هذا المنكر العيم عدد من علماء الشيعة مثل الدكتور موسى الموسوى حيث قال: [الضرورة تملي أن نفرد فصلاً خاصاً في ضرب السلاسل على الأكتاف وشج الرؤوس بالسيوف والقامات في يوم العاشر من محرم حداداً على الإمام الحسين. وبما أن هذه العملية البشعة ما زالت جزءاً من مراسم الاحتفال باستشهاد الإمام الحسين ...] الشيعة والتصحيح ص٩٨. وقال أيضاً: [ولا ندري على وجه الدقة متى ظهر ضرب السلاسل على الأكتاف في يوم عاشوراء وانتشر في أجزاء من المناطق الشيعية مثل إيران والعراق وغيرهما ولكن الذي لا شك فيه أن ضرب السيوف على الرؤوس وشج الرأس حداداً على الحسين في يوم العاشر من محرم تسرب إلى إيران والعراق من الهند وفي إبان الاحتلال الإنجليزي لتلك البلاد وكان الإنجليز هم الذين استغلوا جهل الشيعة وسذاجتهم وحبهم الجارف للإمام الحسين فعلموهم ضرب القامات على الرؤوس وحتى إلى عهد قريب كانت السفارات البريطانية في طهران وبغداد تمول المواكب الحسينية التي كانت تظهر بذلك المظهر البشع في الشوارع والأزقة] المصدر السابق ص٩٩. وقال أيضاً: [وهنا اذكر كلاماً طريفاً مليئاً بالحكمة والأفكار النيرة سمعته من أحد أعلام الشيعة ومشايخهم قبل ثلاثين عاماً لقد كان ذلك الشيخ الوقور الطاعن في السن واقفاً بجواري وكان اليوم هو العاشر من محرم والساعة الثانية عشرة ظهراً والمكان هو روضة الإمام الحسين في كربلاء وإذا بموكب المطبرين الذين يضربون بالسيوف على رؤوسهم ويشجونها حداداً وحزناً على الحسين دخلوا الروضة في أعداد غفيرة والدماء تسيل على جباههم وجنوبهم بشكل مقزز تقشعر من رؤيته الأبدان ثم أعقب الموكب موكباً آخر وفي أعداد غفيرة أيضاً وهم يضربون بالسلاسل على ظهورهم وقد أدموها وهنا سألني الشيخ العجوز والعالم الحر ما بال هؤلاء الناس وقد أنزلوا بأنفسهم هذه المصائب والآلام؟ قلت: كأنك لا تسمع ما يقولون إنهم يقولون واحسيناه أي لحزنهم على الحسين. ثم سألني الشيخ من جديد أليس الحسين الآن في \" مقعد صدق عند مليك مقتدر \" قلت: بلى. ثم سألني مرة أخرى: أليس الحسين الآن في هذه اللحظة في الجنة \" التي عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين \"؟ قلت: بلى. ثم سألني: أليس في الجنة \" حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون \"، قلت: بلى وهنا تنفس الشيخ الصعداء وقال بلهجة كلها حزن وألم: ويلهم من جهلة أغبياء لماذا يفعلون بأنفسهم هذه الأفاعيل لأجل إمام هو الآن في \" جنة ونعيم \" ويطوف عليه ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين \". وفي عام ١٣٥٢ هجري وعندما أعلن كبير علماء الشيعة في سوريا السيد محسن الأمين العاملي تحريم مثل هذه الأعمال وأبدى جرأة منقطعة النظير في الإفصاح عن رأيه وطلب من الشيعة أن يكفوا عنها لاقى معارضة قوية من داخل صفوف العلماء ورجال الدين؟! الذين ناهضوه وورائهم \" الهمج الرعاع \" على حد تعبير الإمام علي. وكادت خطواته الإصلاحية تفشل لولا أن تبنى جدنا السيد أبو الحسن بصفته الزعيم الأعلى للطائفة الشيعية موقف العلامة الأمين ورأيه في تلك الأعمال معلناً تأييده المطلق له ولفتواه] ص١٠٠-١٠١. وخلاصة الأمر أنه يندب صوم عاشوراء ويوماً قبله ويوماً بعده وأما يفعله الشيعة من ضرب بالسيوف وغيرها حتى تسيل الدماء فمن المنكرات والإسلام منها بريء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346634,"book_id":3840,"shamela_page_id":1014,"part":"18","page_num":56,"sequence_num":1014,"body":"٥٦ - أحداث أفغانستان والتلاعب بآيات القرآن الكريم\rيقول السائل: ما قولكم فيمن يربطون الأحداث التي وقعت في أفغانستان وما تعلق بها بالآيات القرآنية الواردة في قصة موسى ﵇ مع فرعون ربطاً تفصيلياً حيث إنهم يجعلون لكل حدث من الأحداث مهما كان صغيراً ارتباطاً بآية قرآنية وإن كثيراً من عامة الناس قد صدقوا هذه التفسيرات؟\rالجواب: عرف التاريخ الإسلامي جماعة من الوعاظ والقصاص الذين كانوا يحدثون الناس في المساجد بالغرائب والأباطيل والأكاذيب وكان هؤلاء القصاص يستميلون قلوب العامة إليهم بذلك قال ابن قتيبة: [... القصاص فإنهم يميلون وجه العوام إليهم ويشيدون ما عندهم بالمناكير والأكاذيب من الأحاديث ومن شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجيباً خارجاً عن نظر المعقول أو كان رقيقاً يحزن القلب ...] تأويل مختلف الحديث ص٣٥٧. والعامة في كل عصر مولعون بالغريب ويعجبون بالخرافة ويستمتعون بالعجائب وقد ظهر في زماننا هذا نوع جديد من القصاص يهواهم العامة ويتحلقون حولهم ويظنونهم من المجددين لدين الإسلام وهؤلاء القصاص الجدد يزعمون أن عندهم فهماً جديداً لآيات القرآن وينزلون آيات الكتاب الكريم على الواقع الذي تعيشه الأمة المسلمة اليوم وهو واقع مرير بلا شك. ويتعلق العامة بالقصاص الجدد بسبب حالة الضعف والذلة والهوان التي تعيشها الأمة المسلمة ونظراً لحالة العداء الشديدة للغرب عامة ولأمريكا خاصة السائدة اليوم في العالم الإسلامي فلما سمع عامة الناس كلام القصاص الجدد حول دمار أمريكا وغرقها وتدمير أبراجها إلى آخر المقولة التي يرددها القصاص الجدد تعلق العامة بهذا الكلام كتعلق الغريق بالقشة. وأذكر هنا أمثلة من ربط الأحداث الحالية بالآيات القرآنية مما يروج على العامة وأشباه طلبة العلم فمن ذلك: إن قصة موسى ﵇ المذكورة في سورة القصص تنطبق على أمريكا اليوم وأن أمريكا ستغرق كما غرق فرعون وسيكون غرق أمريكا خلال سنة أو سنتين!!! قال الله تعالى: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَب أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّاءَاسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ) سورة الزخرف، الآيات ٥١-٥٦ - الزعم بأن كلمة فرعون تعني البيت العظيم ويوجد اليوم البيت الأبيض قال الله تعالى (... سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ) - الزعم بأن ما ورد في سورة القصص من ذكر لبعض الأمور بصيغة المثنى مثل (رجلين) (امرأتين) (الأجلين) (فذانك برهانان) (سحران تظاهرا) (أهدى منهما) (أجرهم مرتين) إن هذه التثنية تدل على أن القصة ستحدث مرتين الأولى مع فرعون والثانية مع أمريكا!!! - الزعم بأن قصة قارون المذكورة في سورة القصص تنطبق على السعودية لأن قارون كان من قوم موسى واليوم أسامة بن لادن سعودي فقارون هي السعودية. فالله آتى قارون من الكنوز: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَاتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة) والله ﷾ أعطى السعودية آبار النفط. - الزعم بأن المراد بقوله تعالى على لسان فرعون: (فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى) أن الصرح هو المرصد الفلكي وأمريكا أطلقت التلسكوب الفضائي هابل. - الزعم بأن فرعون كان يقاتل القاعدة: (فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا) وأمريكا اليوم تقاتل شبكة القاعدة والناس تقول للقاعد فز!!! - الزعم بأن قوله تعالى مخاطباً موسى: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ) ينطبق على انضمام جماعة الجهاد إلى القاعدة والآية قالت (عضدك) والظواهري اسمه أيمن!!! - الزعم بأن قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ) بأنه ينطبق على مصاهرة أسامة بن لادن للملا عمر!!! الزعم بأن قوله تعالى: (فسقى لهما) ينطبق على حفر أسامة بن لادن لآبار المياه في أفغانستان!!! - الزعم بأن تحالف الشمال الأفغاني ينطبق عليه قوله تعالى: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) وقوله تعالى (والذين ظاهروهم) هم بنو قريظة والنسبة إليهم قرظي وقرظاي هو زعيم الحكومة الأفغانية الآن!!! - الزعم بأن قوله تعالى: (وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا) هي ١٠% من أرض أفغانستان التي كانت بأيدي تحالف الشمال الأفغاني حيث إن الطالبان والقاعدة سينتصرون عليهم ويطؤوا تلك الأرض التي لم يطؤوها من قبل!!! - الزعم بأن هناك توافقاً بين اسم موسى ﵇ واسم أسامة بن لادن ففي قصة موسى في سورة القصص قال تعالى: (طسم) وأن السين والميم هما الحرفان المركزيان في اسم موسى وكذلك هما في اسم أسامة. والزعم بأن أوصاف موسى تنطبق على أسامة بن لادن من حيث الطول والسواد والأنف وحمل العصا فأسامة كذلك، إلى غير ذلك من المزاعم والترهات التي حاولوا إلصاقها بآيات الكتب المبين وبهر بها العامة. إنه نوع جديد من التلاعب بكلام رب العالمين إن كلام الله أجل وأعظم من هذه الأباطيل والترهات. وأقول في إبطال هذا الكلام ما يلي: ينبغي أن يعلم أنني لا أكتب هذا الكلام إلا دفاعاً عن كتاب الله ﷾ وكلامي لا يعني أنني حريص على بقاء أمريكا بل إن كل مسلم يتمنى أن يقصم الله ظهر دول الكفر وعلى رأسها أمريكا. ولكنه الدفاع عن كلام رب العالمين حتى لا يكون لعبة للمتلاعبين بأقدس ما يملك المسلمون وألخص ردي فيما يلي: أولاً: إن تفسير كلام رب العالمين ليس من شأن العوام ولا من شأن أشباه طلبة العلم. إن تفسير كلام رب العالمين له قواعده وضوابطه التي قررها العلماء ولا بد من معرفتها قبل أن يخوض أي أحد في تفسير القرآن الكريم وقد حذر النبي ﷺ من الجرأة على الخوض في كلام الله تعالى بغير علم فقد روى الترمذي بسنده عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وحسنه البغوي في شرح السنة ١/٢٥٨. وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس ﵁ أنه ﷺ قال: (اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) رواه الترمذي وقال حديث حسن وحسنه البغوي في شرح السنة ١/٢٥٧. وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) رواه الترمذي ثم قال: [هكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم] سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ١١/٥٠-٥١. وقد ذكر الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره باباً بعنوان (ما جاء في الوعيد في تفسير القرآن بالرأي والجرأة على ذلك) وذكر فيه الأحاديث السابقة ثم ذكر أقوال أهل العلم في التحذير الشديد من التلاعب بكلام الله وتفسيره حسب الآراء والأهواء التي لا تقوم على أساس صحيح ونقل عن ابن عطية قوله: [وكان جلة من السلف الصالح كسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وغيرهما يعظمون تفسير القرآن ويتوقفون عنه تورعاً واحتياطاً لأنفسهم مع إدراكهم وتقدمهم قال أبو بكر الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف الماضي يتورعون عن تفسير المشكل من القرآن؛ فبعض يقدر أن الذي يفسره لا يوافق مرا الله ﷿ فيحجم عن القول. وبعض يشفق من أن يجعل في التفسير إماماً يبنى على مذهبه ويقتفى طريقه. فلعل متأخراً أن يفسر حرفاً برأيه ويخطئ فيه ويقول: إمامي في تفسير القرآن بالرأي فلان الإمام من السلف وعن ابن أبي مليكة قال: سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن تفسير حرف من القرآن فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني! وأين أذهب! وكيف أصنع! إذا قلت في حرف من كتاب الله تعالى بغير ما أراد ﵎ تفسير القرطبي ١/٣٣-٣٤. وقال الإمام بن العربي المالكي: [من تسور على تفسير القرآن فصور صورة خطأ فله الويل، ومن أصاب فمثله، كما روى أبو عيسى وهكذا قال النبي ﵇ في القاضي أنه إذا حكم بجهل وأصاب فله النار لإقدامه على ما لا يحل في أمر يعظم قدره وهو الإخبار عن الله بما لم يشرع في حكمه أو إخباره عن ما لم يرده بقوله في وحيه) عارضة الأحوذي ١١/٥٢. ثانياً: لا شك أن الله ﷾ حث على الاتعاظ والاعتبار بآيات القرآن الكريم قال الله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) سورة القمر الآية ١٧. وهذه الآية تمسك بها القصاص الجدد ليفتحوا لأنفسهم باب القول في القرآن الكريم وفق أهوائهم وشهواتهم فيرون أنه لا يوجد أية شروط لمن أراد الادكار أي التفسير حتى لو كان كافراً. وهذا الكلام الباطل يرده ما قاله المفسرون في معنى الآية وهو (والله لقد سهلنا القرآن للحفظ والتدبر والاتعاظ لما اشتمل عليه من أنواع المواعظ والعبر (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أي فهل من متعظ بمواعظه معتبر بقصصه وزواجره) انظر تفسير الألوسي ١٤/٨٣. تفسير ابن كثير ٦/٥٠، صفوة التفاسير ٣/٢٨٦. إن الادكار والاتعاظ والاعتبار شيء والتلاعب بكتاب الله شيء آخر ولا يقبل بحال من الأحوال أن يقول إنسان مهما كان برأيه في كتاب الله ثم يقول إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان فلو قال إنسان مثلاً إن المراد بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) البقرة هي عائشة ﵂ ثم يقول هذا رأيي فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فالله ورسوله منه بريئان!!! هل يكون هذا الكلام مقبولاً؟ بالتأكيد لا، لأن التفسير له قواعده وأصوله. قال الشيخ مناع القطان ﵀: ذكر العلماء للمفسر شروطاً نجملها فيما يلي: ١-صحة الاعتقاد: فإن العقيدة لها أثرها في نفس صاحبها، وكثيراً ما تحمل ذويها على تحريف النصوص والخيانة في نقل الأخبار، فإذا صنف أحدهم كتاباً في التفسير أوَّل الآيات التي تخالف عقيدته، وحملها باطل مذهبه، ليصد الناس عن اتباع السلف، ولزوم طريق الهدى. ٢-التجرد عن الهوى: فالأهواء تدفع أصحابها إلى نصرة مذهبهم، فيغرون الناس بلين الكلام ولحن البيان، كدأب طوائف القدرية والرافضة والمعتزلة ونحوهم من غلاة المذاهب. ٣-أن يبدأ أولاً بتفسير القرآن بالقرآن، فما أُجمل منه في موضع فإنه قد فصل في موضع آخر، وما اختصر منه في مكان فإنه قد بسط في مكان آخر. ٤-أن يطلب التفسير من السنة فإنها شارحة للقرآن موضحة له، وقد ذكر القرآن أن أحكام رسول الله ﷺ إنما تصدر منه عن طريق الله (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) [النساء: ١٠٥] وذكر الله أن السنة مبينة للكتاب: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) [النحل: ٤٤] ، وقال رسول الله ﷺ: \"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه\" يعني السنة. وقال الشافعي ﵁: \"كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن\" وأمثلة هذا في القرآن كثيرة –جمعها صاحب الإتقان مرتبة مع السور في آخر فصل من كتابه كتفسير السبيل بالزاد والراحلة، وتفسير الظلم بالشرك، وتفسير الحساب اليسير بالعرض. ٥-فإذا لم يجد التفسير من السنة رجع إلى أقوال الصحابة ﵃ فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال عند نزوله، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح. ٦-فإذا لم يجد في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، والربيع بن أنس وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين، ومن التابعين من تلقى جمع التفسير عن الصحابة، وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال، والمعتمد في ذلك كله النقل الصحيح، ولهذا قال أحمد: \"ثلاث كتب لا أصل لها، المغازي والملاحم والتفسير\" يعني بهذا التفسير الذي لا يعتمد على الروايات الصحيحة في النقل. ٧-العلم باللغة العربية وفروعها: فإن القرآن نزل بلسان عربي، ويتوقف فهمه على شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع، قال مجاهد: \"لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالماً بلغات العرب\". والمعاني تختلف باختلاف الإعراب، ومن هنا مست الحاجة إلى اعتبار علم النحو، والتصريف الذي تعرف به الأبنية، والكلمة المبهمة يتضح معناها بمصادرها ومشتقاتها. وخواص تركيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، ومن حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها. ثم من ناحية وجوه تحسين الكلام- وهي علوم البلاغة الثلاثة: المعاني والبيان والبديع –من أعظم أركان المفسر. إذ لابد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يدرك الإعجاز بهذه العلوم. ٨-العلم بأصول العلوم المتصلة بالقرآن، كعلم القراءات لأن به يعرف كيفية النطق بالقرآن ويترجح بعض وجوه الاحتمال على بعض، وعلم التوحيد، حتى لا يؤول آيات الكتاب التي في حق الله وصفاته تأويلاً يتجاوز الحق، وعلم الأصول، وأصول التفسير خاصة مع التعمق في أبوابه التي لا يتضح المعنى ولا يستقيم المراد بدونها، كمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، ونحو ذلك. ٩-دقة الفهم التي تمكن المفسر من ترجيح معنى على آخر، أو استنباط معنى يتفق مع نصوص الشريعة. مباحث في علوم القرآن ص ٣٤٠ – ٣٤٢. ثالثاً: إن الاتكاء على قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) سورة الكهف الآية ٥٤. وقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) سورة يوسف الآية ١١١. ونحوها من الآيات التي أخذ منها القصاص أن كل شيء يحدث في هذا الكون لا بد وأن يكون مذكوراً في القرآن الكريم. فإن هذا فهم خاطىء لكلام الله والواقع يكذبه فإن أحداثاً كثيرة وقعت ليس لها ذكر في القرآن الكريم وإنما القرآن الكريم فيه عمومات تحمل عليها الحوادث قال الشيخ العلامة السعدي: [وينبغي أن تنزل جميع الحوادث والأفعال الواقعة والتي لا تزال تحدث على العمومات القرآنية فبذلك تعرف أن القرآن بيان لكل شيء وأنه لا يحدث حادث ولا يستجد أمر من الأمور إلا وفي القرآن بيانه وتوضيحه] تفسير السعدي ص١١. وأما القول بأن كل حادث صغير أو كبير مذكور في القرآن الكريم فادعاء باطل باطل. وخلاصة الأمر أنني أوجه نداء عبر هذا المنبر إلى هؤلاء الناس أن يثوبوا إلى رشدهم وأن يكفوا عن التلاعب بآيات القرآن الكريم وأن يكفوا عن إيقاع عامة الناس في الأوهام. وأن يعلموا أن لله ﷾ سنناً في نصر المؤمنين وهزيمة الكافرين قال الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) سورة النور الآية ٥٥، فقد علق الله تعالى نصر المؤمنين وتمكينهم في الأرض على اتباع أوامر الله ﷻ وعبادته والبعد عن الشرك فهل هذا متحقق في الأمة المسلمة اليوم؟؟؟ وقال الله تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) فهل وجد الشرط حتى يتحقق المشروط؟؟؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346635,"book_id":3840,"shamela_page_id":1015,"part":"18","page_num":57,"sequence_num":1015,"body":"٥٧ - انهيار مبنى التجارة العالمي والتلاعب بالقرآن\rالسؤال: سألني عدد من المصلين عن ورقة وزعت في بعض المساجد وهي بعنوان إحدى معجزات القرآن الكريم نقدمها للمسلمين واليهود والنصارى وجاء فيها: (انهار مركز التجارة العالمي بمدينة نيويورك في ١١/٩/٢٠٠١ والذي يقع على ناصية شارع (جرف هار) ، وفي هذا يقول الله رب العزة العلي القدير قبل ١٤٠٠سنة وقبل أن يأتي العالم بشارع (جرف هار) ويقيم فيه هذا المبنى ... بسم الله الرحمن الرحيم (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) سورة التوبة آية ١٠٩ وبالبحث في المصحف الشريف نجد أن تقع الآية ١٠٩ من سورة التوبة في الجزء (١١) (يوم الانهيار) رقم سورة التوبة في المصحف الشريف هو (٩) (شهر الانهيار) عدد كلمات السورة من أولها وحتى نهاية هذه الآية (٢٠٠١) كلمة (عام الانهيار) . فسبحان الله العلي القدير، فهل للملحدين ومن ليس لهم دين أن يؤمنوا بإله واحد لا شريك له، الذي أخبرنا بكل الأحداث في كتابه الكريم منذ ١٤٠٠سنة على لسان نبيه الأمين (محمد) ﷺ نرجو تصوير وإهداء هذه المعجزة للكثير من الأحباب وجزاكم الله خيراً)\rالجواب: لابد أن أبين أولاً أن بعض الناس قد تجاوزوا حدودهم ووصل بهم الأمر إلى أن يتلاعبوا بكتاب الله ﷾ وقالوا في القرآن الكريم بمجرد آرائهم السقيمة التي لا تعتمد على أي أصل علمي معتبر عند أهل العلم وإنما هي الأهواء والشهوات. إن هؤلاء الجهلة يفسرون القرآن الكريم حسب أهوائهم وشهواتهم وما علموا أن تفسير كلام رب العالمين له قواعد وأصول وضوابط لا بد من معرفتها قبل أن يخوض أي أحد في تفسير القرآن الكريم وقد حذر النبي ﷺ من الجرأة على الخوض في كلام الله تعالى بغير علم فقد روى الترمذي بسنده عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وحسنه البغوي في شرح السنة ١/٢٥٨. وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس ﵁ أنه ﷺ قال: (اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) رواه الترمذي وقال حديث حسن وحسنه البغوي في شرح السنة ١/٢٥٧. وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) رواه الترمذي ثم قال: [هكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم] سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ١١/٥٠-٥١. وقد ذكر الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره باباً بعنوان (ما جاء في الوعيد في تفسير القرآن بالرأي والجرأة على ذلك) وذكر فيه الأحاديث السابقة ثم ذكر أقوال أهل العلم في التحذير الشديد من التلاعب بكلام الله وتفسيره حسب الآراء والأهواء التي لا تقوم على أساس صحيح ونقل عن ابن عطية قوله: [وكان جلة من السلف الصالح كسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وغيرهما يعظمون تفسير القرآن ويتوقفون عنه تورعاً واحتياطاً لأنفسهم مع إدراكهم وتقدمهم قال أبو بكر الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف الماضي يتورعون عن تفسير المشكل من القرآن؛ فبعض يقدر أن الذي يفسره لا يوافق مراد الله ﷿ فيحجم عن القول. وبعض يشفق من أن يجعل في التفسير إماماً يبنى على مذهبه ويقتفى طريقه. فلعل متأخراً أن يفسر حرفاً برأيه ويخطئ فيه ويقول: إمامي في تفسير القرآن بالرأي فلان الإمام من السلف وعن ابن أبي مليكة قال: سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن تفسير حرف من القرآن فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني! وأين أذهب! وكيف أصنع! إذا قلت في حرف من كتاب الله تعالى بغير ما أراد ﵎ تفسير القرطبي ١/٣٣-٣٤. وقال الإمام بن العربي المالكي: [من تسور على تفسير القرآن فصور صورة خطأ فله الويل، ومن أصاب فمثله، كما روى أبو عيسى وهكذا قال النبي ﵇ في القاضي أنه إذا حكم بجهل وأصاب فله النار لإقدامه على ما لا يحل في أمر يعظم قدره وهو الإخبار عن الله بما لم يشرع في حكمه أو إخباره عن ما لم يرده بقوله في وحيه) عارضة الأحوذي ١١/٥٢. إذا تقرر أنه لا يجوز لأحد أن يقدم على تفسير كلام رب العالمين إلا إذا حصلت عنده أهلية لذلك فأعود إلى ما جاء في الورقة المذكورة في السؤال فأقول إن كاتب هذه الورقة قد أعظم الفرية على كلام رب العالمين وقال في القرآن بهواه وتلاعب بالذكر الحكيم فالويل له ثم الويل له عندما يقف بين يدي الله ﷾ فإنه قد جزم قائلاً بأن الله ﷻ قد قال في انهيار مركز التجارة العالمي الآية الكريمة: [وفي هذا يقول الله رب العزة العلي القدير ...] ثم يفسر هذا المتلاعب قوله تعالى: (عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) بأنه اسم للشارع الذي يقع فيه مركز التجارة العالمي (جرف هار) وهذا كذب واضح وقول في كتاب الله بغير علم وجرأة عجيبة غريبة على كلام الله ﷾ ولنرجع إلى ما قاله أهل العلم في معنى جرف هار، قال الراغب الأصفهاني: [قال ﷿: (عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) يقال للمكان الذي يأكله السيل فيجرفه أي يذهب به جرف وقد جرف الدهر ماله أي اجتاحه تشبيهاً به] المفردات ص٩١. وقال الراغب أيضاً: [هار: يقال بئر هائر وهارٌ وهارٍ ومهار ويقال انهار فلان إذا سقط من مكان عال ورجل هار وهائر ضعيف في أمره تشبيهاً بالبئر الهائر] المفردات ص٥٤٧. وذكر الألوسي أن معنى قوله تعالى: (عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) أي طرفه ومنه أشفى على الهلاك أي صار على شفاء وشفي المريض لأنه صار على شفاء البرء والسلامة ... وقيل هو الهوة وما يجرفه السيل من الأودية لجرف الماء له أي أكله وإذهابه (هار) أي متصدع مشرف على السقوط وقيل ساقط وهو نعت لجرف] تفسير الألوسي ١١/٢١. وبهذا يظهر لنا أن الجرف الهار هو البئر الساقط أو المنهار وهما كلمتان عربيتان فصيحتان وليستا اسم شارع في نيويورك كما زعم هذا الأفاك الأثيم. ثم زعم الكاتب والزعم مطية الكذب أن الآية ١٠٩ من سورة التوبة وأنها واقعة في الجزء الحادي عشر من القرآن ورقم سورة التوبة هو التاسع في ترتيب سور القرآن الكريم وأن عدد كلمات سورة التوبة حتى نهاية الآية هو ٢٠٠١ ويشير بذلك إلى تاريخ حادثة انهيار مركز التجارة العالمي ١١/٩/٢٠٠١ وأقول إن هذا من التخرص والقول في كتاب الله بغير علم. والسؤال الذي يطرح نفسه من أي أتى هذا الكاتب بهذا التفسير العددي الذي تفوح منه رائحة الكذب والدجل بل هو دجل بلا خجل وتكلف باطل وتحميل لكلام الله تعالى ما لا يحتمل ومما يؤكد أن هذا الكلام زور وبهتان أن الكاتب زعم أن عدد كلمات سورة التوبة من أولها وحتى نهاية الآية التي استدل بها هو ٢٠٠١ كلمة وهذا غير صحيح حيث إنني قمت بعدِّ الكلمات فوجدت أن عددها هو ٢٠٨٣ كلمة حسب رسم المصحف ويزيد العدد عن ذلك إن لم نعتبر رسم المصحف وهذا يثبت كذب هذه الدعوى العريضة. ثم لماذا يؤرخ القرآن بالتاريخ الميلادي؟؟!! ويذكرني هذا الكلام بما قاله الشيخ عبد الحميد كشك ﵀ في أحد أشرطته أنه لما زار القاهرة رئيس يوغسلافيا السابق (تيتو) ظهر أحد الدجالين من اللابسين لباس العلماء وقال إن الله قد ذكر (تيتو) في القرآن الكريم ألا ترون قوله تعالى: (أوتيتم) فلفظها بطريقة توافق اسم تيتو؟ وهكذا يكون التلاعب في كتاب الله تعالى لخدمة الأهواء والشهوات. إن الآية الكريمة من سورة التوبة نزلت في حادثة مسجد الضرار الذي بناه بعض المنافقين يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْل وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآيات ١٠٧-١١٠. قال ابن كثير: [سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها رجل من الخزرج يقال له: أبو عامر الراهب , وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب وكان فيه عبادة في الجاهلية وله شرف في الخزرج كبير. فلما قدم رسول الله ﷺ مهاجراً إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم الله يوم بدر شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها وخرج فاراً إلى كفار مكة من مشركي قريش فألبهم على حرب رسول الله ﷺ فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أحد فكان من أمر المسلمين ما كان وامتحنهم الله وكانت العاقبة للمتقين وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين فوقع في إحداهن رسول الله ﷺ وأصيب ذلك اليوم فجرح في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى وشج رأسه ﷺ وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق يا عدو الله ونالوا منه وسبوه. فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر. وكان رسول الله ﷺ قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه من القرآن فأبى أن يسلم وتمرد فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يموت بعيداً طريداً فنالته هذه الدعوة وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ورأى أمر الرسول ﷺ في ارتفاع وظهور ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي ﷺ فوعده ومناه وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ﷺ ويغلبه ويرده عما هو فيه وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج النبي ﷺ إلى تبوك وجاءوا فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته ﵇ فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية. فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: (إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله) فلما قفل ﵇ راجعاً إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل عليه الوحي بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله ﷺ إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة. كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا) وهم أناس من الأنصار ابتنوا مسجداً فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجداً واستعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم وأخرج محمداً وأصحابه فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة. فأنزل الله تعالى: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ... الظالمين) تفسير ابن كثير ٣/ ٤٤٠- ٤٤١. وخلاصة الأمر أنه يحرم التلاعب بكلام رب العالمين كما فعل كاتب الورقة محل السؤال وأقول إنه يحرم تصوير هذه الورقة كما يحرم توزيعها على الناس لما فيها من الكذب على الله والدجل والخزعبلات والخرافات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346636,"book_id":3840,"shamela_page_id":1016,"part":"18","page_num":58,"sequence_num":1016,"body":"٥٨ - العيد\rيقول السائل: ما هو المشروع من الأعمال في ليلة عيد الأضحى؟\rالجواب: لم يصح عن رسول الله ﷺ شيء في إحياء ليلة العيد سواء كان ذلك ليلة عيد الفطر أو ليلة عيد الأضحى وما ورد من روايات فهي أحاديث ضعيفة جداً وبعضها مكذوب على رسول ﷺ كما سأبين بعد قليل. لذا فإن إحياء ليلة العيد بدعة غير مشروعة فلا يشرع إحياؤها بصلاة خاصة أو أذكار خاصة أو غير ذلك من الطاعات قال العلامة ابن القيم في وصف هدي النبي ﷺ ليلة عيد الأضحى: [ثم نام حتى أصبح ولم يحي تلك الليلة ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيد شيء] زاد المعاد ٢/٢٤٧. بل ليلة العيد كغيرها من الليالي ليس لها خاصية تمتاز بها على غيرها وأما ما ورد من أحاديث فقد بين أهل الحديث حالها ودرجتها وأذكر بعضها: ١. ما روي عن أبي أمامه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من قام ليلتي العيدين محتسباً لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) وفي رواية (من أحيا) رواه ابن ماجة وذكره الدارقطني في العلل وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية وفي سنده متهم بالوضع وقال الحافظ ابن حجر: [حديث مضطرب الإسناد وذكر أن فيه متهماً بالوضع قاله المناوي في فيض القدير ٦/٣٩، وقال الألباني: موضوع انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ١١. ٢. ما روي عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر وليلة الفطر) رواه الأصبهاني ونصر المقدسي وفي إسناده عبد الرحيم بن زيد العمي وهو متروك كما قال النسائي والحافظ ابن حجر وقال يحيى ابن معين كذاب وحكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه موضوع كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ١١. ٣. ما روي عن عبادة أن رسول الله ﷺ قال: (من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفي سنده عمر بن هارون البلخي وهو كذاب كما قال يحيى بن معين وابن الجوزي انظر السلسلة الضعيفة ٢/. وحكم عليه الألباني بأنه حديث موضوع في المصدر السابق وكذا في ضعيف الترغيب والترهيب ١/٣٣٤. ٤. ما روي عن كردوس أن النبي ﷺ قال: (من أحيا ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) قال ابن الجوزي: [هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وفيه آفات ثم ذكر من آفاته مروان بن سالم قال فيه النسائي والدارقطني والأزدي متروك العلل المتناهية ٢/٥٦٢. وقال الحافظ ابن حجر عنه: [ومروان هذا متهم بالكذب] . الإصابة ٥/٥٨٠. وقال الحافظ عنه في لسان الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٤/٣٩١. وقال الذهبي في الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٥/٣٧٢. ومن أهل العلم من قوى هذه الأحاديث بمجموع طرقها كما في مصباح الزجاجة ٢/٨٥. حيث قال: [فيقوى بمجموع طرقه] ومن أهل العلم من قال يتسامح في هذه الأحاديث لأنها في فضائل الأعمال كما قال الحافظ ابن حجر: [اعلم أنه يستحب إحياء ليلتي العيدين في ذكر الله تعالى والصلاة وغيرهما من الطاعات للحديث الوارد في ذلك: (من أحيا ليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) وروي: (من قام ليلتي العيدين لله محتسباً لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) هكذا جاء في رواية الشافعي وابن ماجة وهو حديث ضعيف رويناه من رواية أبي أمامه مرفوعاً وموقوفاً وكلاهما ضعيف لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها كما قدمناه في أول الكتاب] الأذكار ص ١٤٥. وما قاله الحافظ ابن حجر من التساهل في أحاديث الفضائل سبق له وأن قيده في أول كتابه الأذكار كما أشار إليه فقال [يجوز العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعا] الأذكار ص ٥. وهذه الأحاديث المذكورة في إحياء ليلتي العيد قد حكم عليها جماعة من المحدثين بأنها موضوعة أو فيها من هو كذاب أو متهم بالوضع فلا تنطبق عليها القاعدة السابقة. وخلاصة الأمر أن إحياء ليلتي العيدين بدعة لم يثبت فيه حديث يصلح للاحتجاج به أو الاعتماد عليه. السؤال الثاني: يقول السائل: إنه صاحب محل لبيع الورود وأنه يحضر الأزهار والورود لبيعها في يوم ١٤شباط بمناسبة عيد الحب فما حكم ذلك؟ الجواب: إن الأمة الإسلامية أمة مستقلة في شخصيتها وأعيادها وأمة الإسلام لها عيدان معروفان عيد الفطر وعيد الأضحى وليس لها أعياد سواهما. وقضية العيد جزء من شعائر الإسلام لا يجوز أخذها عن غيرها من الأمم أو الملل قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: (إن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله سبحانه: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) وقال: (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه) كالقبلة والصلاة والصيام فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره , ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه. وأما مبدؤها فأقل أحواله أن يكون معصية وإلى هذا الاختصاص أشار النبي ﷺ بقوله: (إن لكل قوم عيدا وإن هذا عيدنا) اقتضاء الصراط المستقيم ١/٥٢٨-٥٢٩. والحديث الذي ذكره شيخ الإسلام رواه البخاري ومسلم ولفظه (عن عائشة ﵂ قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث قالت: وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ وذلك في يوم عيد. فقال رسول الله ﷺ: يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا) فهذا الحديث أوجب اختصاص الأمة الإسلامية بأعيادها فقط وعليه لا يجوز للمسلمين أن يحتفلوا بأي عيد آخر. وعيد الحب لا علاقة للمسلمين به لا من قريب ولا من بعيد بل أصله من أعياد الرومان الوثنيين وله في تاريخهم أساطير موروثة. ومما قيل في سبب هذا العيد أنه لما دخل الرومان في النصرانية بعد ظهورها وحكم الرومان الإمبراطور الروماني (كلوديوس الثاني) في القرن الثالث الميلادي منع جنوده من الزواج لأن الزواج يشغلهم عن الحروب التي كان يخوضها فتصدى لهذا القرار (القديس فالنتين) وصار يجري عقود الزواج للجند سراً فعلم الإمبراطور بذلك فزج به في السجن وحكم عليه بالإعدام وفي سجنه وقع في حب ابنة السجان وكان هذا سراً فنفذ فيه حكم القتل يوم ١٤ فبراير عام ٢٧٠ ميلادي ليلة ١٥ فبراير عيد (لوبر كيليا) ومن يومها أطلق عليه لقب قديس. وعيد الحب هذا له مظاهر كثيرة في أوروبا وأمريكا حيث يتم تبادل الورود الحمراء وتوزيع بطاقات التهنئة وتبادل كلمات الحب والعشق وتقام الحفلات الراقصة المختلطة ويقع فيها من المنكرات ما الله به عليم. وبناء على ما سبق فإنه يحرم على المسلمين الاحتفال بعيد الحب لأنه من الشعائر الوثنية ولأنه مرتبط بالقديس فالنتين وهو مرتبط بخرافات وأساطير باطلة ونحن أمة الإسلام قد نهينا عن التشبه بغيرنا وقد قال الله تعالى: (ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) سورة آل عمران الآية ١٠٥. وصح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع الصغير الحديث رقم ٦٠٢٥. وكذلك يحرم بيع كل ما له علاقة بهذا العيد أو الاستعداد له بتحضير الورود الحمراء أو المناديل الحمراء وغير ذلك مما هو مختص بهذا العيد ولا يجوز للمسلم المشاركة بهذا العيد بأي شكل من الأشكال. وينبغي أن يعلم أن الإسلام قد بين أسس وقواعد للحب فالإسلام هو دين المحبة المبنية على أسس سليمة متفقة مع الفطرة الإنسانية فالزوج يحب زوجته والزوجة تحب زوجها والمسلم يحب والديه والعكس صحيح والمسلم يحب أخاه وهكذا فالحب أشمل وأعم من هذا الحب المزعوم في عيد الحب فالحقيقة أن الحب في عيد الحب هو العشق واتخاذ الأخدان والعشيقات خارج نطاق الزواج والأسرة إنه دعوة للتحلل والإباحية. وختاماً فإن عدداً من علماء المسلمين المعاصرين قد أفتوا بتحريم الاحتفال بعيد الحب فمن ذلك ما أفتت به اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية جواباً على السؤال التالي (يحتفل بعض الناس في اليوم الرابع عشر من شهر فبراير ١٤/٢، من كل سنة ميلادية بيوم الحب (فالنتين داي) ، ويتهادون الورود الحمراء ويلبسون اللون الأحمر ويهنئون بعضهم وتقوم بعض محلات الحلويات بصنع حلويات باللون الأحمر ويرسم عليها قلوب وتعمل بعض المحلات إعلانات على بضائعها التي تخص هذا اليوم فما هو رأيكم؟ فأجابت اللجنة: ... يحرم على المسلم الإعانة على هذا العيد أو غيره من الأعياد المحرمة بأي شيء من أكلٍ أو شرب أو بيع أو شراء أو صناعة أو هدية أو مراسلة أو إعلان أو غير ذلك لأن ذلك كله من التعاون على الإثم والعدوان ومعصية الله والرسول والله جل وعلا يقول: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) . ويجب على المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة في جميع أحواله لاسيما في أوقات الفتن وكثرة الفساد، وعليه أن يكون فطناً حذراً من الوقوع في ضلالات المغضوب عليهم والضالين والفاسقين الذين لا يرجون لله وقاراً ولا يرفعون بالإسلام رأساً، وعلى المسلم أن يلجأ إلى الله تعالى بطلب هدايته والثبات عليها فإنه لا هادي إلا الله ولا مثبت إلا هو سبحانه وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346637,"book_id":3840,"shamela_page_id":1017,"part":"18","page_num":59,"sequence_num":1017,"body":"٥٩ - التنجيم\rيقول السائل: يلاحظ في هذه الأيام ظهور المنجمين على المحطات الفضائية ومعهم أجهزة كمبيوتر ويتصل بهم المشاهدون ويعطونهم تواريخ ميلادهم ومعلومات أخرى فيقوم المنجمون بإدخال ذلك على الكمبيوتر ثم يذكرون نبوءاتهم فما حكم الشرع في ذلك؟\rالجواب: لا بد أولاً من التذكير بأن التنجيم قد عرف قديماً وكانت العرب تؤقت بطلوع النجوم لأنهم ما كانوا يعرفون الحساب وإنما يحفظون أوقات السنة بالأنواء. المصباح المنير ص٥٩٤. وأما التنجيم في اصطلاح علماء الشريعة فينقسم إلى قسمين: الأول: حسابي وهو تحديد أوائل الشهور بحساب سير النجوم فبواسطة هذا الحساب يعرفون الأوقات والأزمنة والفصول واتجاه القبلة ونحو ذلك. الموسوعة الفقهية ١٤/٥٣. مجموع الفتاوى ٣٥/١٨١. حاشية ابن عابدين ١/٤٣-٤٤. وهذا النوع من التنجيم هو أحد فروع علم الفلك وما زال كثير من الناس يسمون علم الفلك بالتنجيم مع أن [ثمة فرق كبير بين المنجمين والفلكيين وبين التنجيم وعلم الفلك. فالمنجم أو (النجام) هو الذي يزعم معرفة حظوظ الناس ومستقبلهم ومصير حياتهم بحسب مواقع النجوم عند ولادتها وهو الذي ينظر إلى النجوم ويحسب مواقيت شروقها وغروبها وسيرها فيتوهم من خلالها أحوال الناس والعالم وعملية التنجيم المعروفة بـ (اوسترولوجي) هي عملية ربط مواقع النجوم وحركاتها بسلوك وأعمال ومصير الإنسان ويعتقد المنجم ويعلن أن النجوم تؤثر في حياة وموت الناس ويقف رجال العلم بمن فيهم علماء الفلك مع الفقهاء في رفض عمليات التنجيم وأقوال المنجمين ... ] محاضرة بعنوان علم الفلك وأوائل الشهور القمرية للدكتور يوسف مروة. وهذا النوع أجازه علماء الشريعة على تفصيل عندهم في اعتماده في دخول شهر رمضان وخروجه قال الشيخ ابن رسلان: [وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة وكم مضى وكم بقي فغير داخل فيما نهي عنه] نيل الأوطار ٧/٢٠٦. الثاني: الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية. مجموع الفتاوى ٣٥/١٩٢. وهذا النوع يقوم على تأثير التشكلات الفلكية في الحوادث التي تقع على الأرض. حاشية ابن عابدين ١/٤٣. وهو المقصود بصناعة التنجيم. والتنجيم حرام شرعاً وقد نهي عنه حيث إن المنجمين يزعمون ربط الحوادث التي تقع للناس بحركات الكواكب والنجوم وأن لها تأثيراً في الحوادث بذاتها. وقد اتفق علماء الإسلام على تحريم التنجيم بهذا المعنى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكي والقوابل الأرضية صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل] مجموع الفتاوى ٣٥/١٩٢. وقال الشيخ ابن رسلان في شرح السنن: [والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها وهذا تعاط لعلم استأثر الله بعلمه] نيل الأوطار ٧/٢٠٦. وقال العلامة ابن عثيمين: [والتنجيم نوع من السحر والكهانة وهو محرم لأنه مبني على أوهام لا حقيقة لها فلا علاقة لما يحدث في الأرض لما يحدث في السماء ولهذا كان من عقيدة أهل الجاهلية أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم فكسفت الشمس في عهد النبي ﷺ في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم ﵁ فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم فخطب النبي ﷺ الناس حين صلى الكسوف وقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) فأبطل النبي ﷺ ارتباط الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية وكما أن التنجيم بهذا المعنى نوع من السحر والكهانة فهو أيضاً سبب للأوهام والانفعالات النفسية التي ليس لها حقيقة ولا أصل فيقع الإنسان في أوهام وتشاؤمات ومتاهات لا نهاية لها] فتاوى العقيدة ص٣٣٦. والأدلة على تحريم التنجيم كثيرة منها: ١. عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبةً من السحر زاد ما زاد) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٣/١٧٣ وانظر السلسلة الصحيحة ٢/٤٣٥. قال الشوكاني: [قوله: (زاد ما زاد) أي زاد من علم النجوم كمثل ما زاد من السحر والمراد أنه إذا ازداد من علم النجوم فكأنه ازداد من علم السحر وقد علم أن أصل علم السحر حرام والازدياد منه أشد تحريماً فكذا الازدياد من علم التنجيم] نيل الأوطار ٧/٢٠٧. ٢. وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: من اقتبس باباً من علم النجوم لغير ما ذكر الله فقد اقتبس شعبة من السحر. المنجم كاهن والكاهن ساحر والساحر كافر) رواه رزين في مسنده. انظر مشكاة المصابيح ٢/١٢٩٦. ٣. وعن أبي محجن مرفوعاً أن النبي ﷺ قال: (أخاف على أمتي من بعدي ثلاثاً: حيف الأئمة وإيماناً بالنجوم وتكذيباً بالقدر) رواه ابن عساكر وابن عبد البر في جامع بيان العلم وصححه الألباني في صحيح الجامع ١/١٠٣. ٤. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) رواه مسلم. ٥. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أتى عرافا ً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) رواه أصحاب السنن وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٣/١٧٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [العراف اسم للكاهن والمنجم والرَّمَّال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق) مجموع الفتاوى ٣٥/١٧٣. ونلاحظ في الحديثين الأخيرين أن مجرد إتيان الكاهن وسؤاله عن شيء يعاقب المسلم عليه بأن لا تقبل له صلاة أربعين يوماً وأما إذا صدقه فيما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ وذلك لأنه مما أنزل على محمد قوله تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) سورة النمل الآية ٦٥. وقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) سورة الجن الآيات ٢٦-٢٧. ٦. وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أخاف على أمتي من بعدي خصلتين: تكذيباً بالقدر وتصديقاً بالنجوم) رواه أبو يعلى وابن عدي والخطيب وصححه الألباني في المصدر السابق وانظر السلسلة الصحيحة ٣/١١٨-١٢٠. وخلاصة الأمر أن التنجيم يقوم على الكذب والدجل وليس له أي أساس علمي صحيح وإن استخدام المنجمين للكمبيوتر على الفضائيات ما هو إلا من باب الكذب والدجل وخداع الناس ليوهموهم بأن القضية قضية علمية والحقيقة أن العلم بريء من هذا الدجل والسخف فقد أثبت العلم أنه لا يوجد أي دليل علمي قاطع يثبت وجود علاقة بين مواقع الكواكب في وقت معين وشخصية وتصرفات ومستقبل شخص ولد في هذا الوقت ولقد كذب التاريخ المنجمين قديماً وحديثاً في وقائع كثيرة من أشهرها ما حدث للمعتصم الخليفة العباسي عندما أراد فتح عمورية فنصحه المنجمون بوقت غير الوقت الذي أراده فلم يصدقهم فسار بجيشه إلى عمورية وفتحها وفي ذلك قال أبو تمام قصيدته المشهورة ومطلعها: السيف أصدق إنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب والعلم في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشهب أين الرواية أم أين النجوم وما صاغوه من زخرف فيها ومن كذب وفي العصر الحديث تنبأ المنجمون بحدوث أشياء كثيرة وكل ذلك ثبت أنه دجل وكذب فقد تنبأ بعض المنجمين بنهاية العالم بحلول سنة ١٩٨٦ وتنبأ بعضهم بحدوث براكين وزلازل وحروب وكل ذلك لم يقع فدلّ على كذبهم وجهلهم. وأخيراً أقول ما النجوم والكواكب إلا آية من آيات الله ﷾ وليس لها أدنى تأثير على سعادة الناس أو شقائهم وصدق من قال: كذب المنجمون ولو صدقوا)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346638,"book_id":3840,"shamela_page_id":1018,"part":"18","page_num":60,"sequence_num":1018,"body":"٦٠ - الطائفة الظاهرة\rيقول السائل: من هي الطائفة الظاهرة التي أخبر عنها النبي ﷺ في الحديث (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) وأين توجد هذه الطائفة؟\rالجواب: صح عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة ذكر الطائفة الظاهرة التي تبقى في هذه الأمة المحمدية متمسكةً بدينها وقائمةً على أمر الله حتى قيام الساعة، وهذه مجموعة عطرة من هذه الأحاديث: ١. عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين والله المعطي وأنا القاسم ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون. رواه البخاري. ٢. وعن المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا يزال ناسٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون. رواه البخاري ومسلم. ٣. وعن عمير بن هانئ أنه سمع معاوية ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ يقول: لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك. قال عمير فقال مالك بن يخامر: قال معاذ وهم بالشام، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول وهم بالشام. رواه البخاري. ٤. وعن حميد قال سمعت معاوية بن أبي سفيان ﵁ يخطب قال سمعت النبي ﷺ يقول: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسمٌ ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله ٥. وعن جابر بن عبد الله ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة. رواه مسلم. إن أحاديث النبي ﷺ الواردة في ذكر الطائفة الظاهرة تؤكد لنا أن هذه الطائفة كانت موجودة على مر العصور والأيام ولم ينقطع وجودها في أي عصر من العصور. [اعلم أن أول صفة تتميز بها الطائفة المنصورة عن الطوائف الضالة الأخرى هي: صفة الاستمرارية أي إن الطائفة المنصورة مستمرة بوجودها ومقوماتها وأصولها ودعوتها ومنهجها ورجالها من لدن رسول الله ﷺ إلى ساعتنا هذه بل إلى يوم القيامة ودليل هذا قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) سورة التوبة الآية ١٠٠، ففي قوله تعالى: (السابقون الأولون) إشارة إلى تاريخ بدء هذه الجماعة ... وفي قوله تعالى: (والذين اتبعوهم) إشارة إلى استمرارية هذا الوجود وعموميته وعدم انقطاعه وأن ثمة رجالاً مستمرين على هذا السبيل وأن قوام هذا الاستمرار هو الاتباع (اتبعوهم) ... ويؤيد هذا ويوضحه قوله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) ففي قوله ﷺ: (لا تزال) دلالة واضحة وبينة ناصعة على صفة الاستمرارية للطائفة المنصورة] صفات الطائفة المنصورة ص١٣-١٤. وهذه أقوال العلماء في بيان هذه الطائفة الظاهرة: ١. قال الإمام البخاري: [باب قول النبي ﷺ: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق وهم أهل العلم] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٣/٣٥٨. ٢. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وأخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟] فتح الباري ١٣/٣٥٩. ٣. وقال عبد الله بن المبارك: [هم عندي أصحاب الحديث] . ٤. وقال أحمد بن سنان الثقة الحافظ: [هم أهل العلم وأصحاب الآثار] سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٣/١٣٦-١٣٧. ٥. وقال القاضي عياض: [إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث] إتحاف الجماعة ١/٣٣٠. ٦. وقال الإمام النووي: [وأما هذه الطائفة فقال البخاري: هم أهل العلم , وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. قلت: ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٥٨-٥٩. ٧. وقال الإمام ابن العربي المالكي: [وأما الطائفة المنصورة فقيل هم أصحاب الحديث وقيل هم العباد وقيل هم المناضلون على الحق بألسنتهم وقيل هم المجاهدون في الثغور بأسنتهم] عارضة الأحوذي ٥/٣٤. وانظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٣/٧٦٣. وأما محل هذه الطائفة فقد جاء في الروايات أنها في الشام: فقد ورد في صحيح البخاري في حديث معاوية أن معاذ بن جبل قال: هم بالشام. صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٥٤٧. وورد أنهم أهل الغرب ففي صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) . قال الإمام النووي: [قوله: (لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) قال علي بن المديني: المراد بأهل الغرب العرب، والمراد بالغرب الدلو الكبير لا ختصاصهم بها غالباً. وقال آخرون: المراد به الغرب من الأرض، وقال معاذ: هم بالشام. وجاء في حديث آخر هم ببيت المقدس، وقيل: هم أهل الشام وما وراء ذلك. قال القاضي: وقيل: المراد بأهل الغرب أهل الشدة والجلد، وغرب كل شيء حده] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٦٠. وورد أنها في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس فقد ورد في حديث أبي أمامة عند الطبراني قوله ﷺ: (هم ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس) . وورد أنها في دمشق وبيت المقدس فعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم خذلان من خذلهم إلى يوم القيامة) رواه الطبراني في الأوسط وفيه الوليد بن عبّاد وهو مجهول كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٢٨٨. قال الشيخ حمود التويجري: [وقد اختلف في محل هذه الطائفة: فقال ابن بطال: [إنها تكون في بيت المقدس كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة ?: (قيل: يا رسول الله أين هم؟ قال بيت المقدس) وقال معاذ ?: هم بالشام. وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائماً، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة ... فعلى هذا فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تفترق وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره فإن حديث أبي أمامة وقول معاذ لا يفيد حصرها بالشام وإنما يفيد أنها تكون في الشام في بعض الأزمان لا في كلها. قلت: الظاهر من حديث أبي أمامة وقول معاذ أن ذلك إشارة إلى محل هذه الطائفة في آخر الزمان عند خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵊ ويدل على ذلك ما تقدم ذكره من حديث أبي أمامة الذي رواه ابن ماجة وفيه: (فقالت أم شريك: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل وجلهم يومئذ ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح ... فأما في زماننا وما قبله فهذه الطائفة متفرقة في أقطار الأرض كما يشهد له الواقع من حال هذه الأمة منذ فتحت الأمصار في عهد الخلفاء الراشدين إلى اليوم وتكثر في بعض الأماكن أحياناً ويعظم شأنها ويظهر أمرها ببركة الدعوة إلى الله تعالى وتجديد الدين] اتحاف الجماعة ١/٣٣٢-٣٣٤. قال الإمام النووي: (... ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٥٨-٥٩.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346639,"book_id":3840,"shamela_page_id":1019,"part":"18","page_num":61,"sequence_num":1019,"body":"٦١ - التوبة\rيقول السائل: ما هي الأعمال التي تكفر الذنوب؟\rالجواب: ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة أن أعمالاً صالحة تكفر الذنوب وتمحها ومنها ما يلي: أولاً: الوضوء وقد جاء فيه أحاديث كثيرة منها: عن حمران أنه قال فلما توضأ عثمان قال والله لأحدثنكم حديثا والله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه إني سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها قال عروة الآية إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى قوله اللاعنون. رواه مسلم وعن عثمان أنه دعا بطهور ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله رواه مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقول ذلك يبقي من درنه قالوا لا يبقي من درنه شيئا قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا رواه البخاري. ثانياً: الصلوات الخمس: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر رواه مسلم وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن رواه مسلم ثالثاً: موافقة تأمين المأموم لتأمين الملائكة: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وقال بن شهاب وكان رسول الله ﷺ يقول آمين رواه البخاري ومسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه رواه مسلم رابعاً: المشي إلى المساجد: وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إسباغ الوضوء في المكاره وإعمال الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلاً) رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وقال الألباني: صحيح. خامساً: المحافظة على صلاة الجمعة: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر باب الذكر المستحب عقب الوضوء رواه مسلم سادساً: صيام نهار رمضان وقيام ليله: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه رواه البخاري ومسلم سابعاً: صيام عاشوراء: عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صومه قال فغضب رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁ رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وببيعتنا بيعة قال فسئل عن صيام الدهر فقال لا صام ولا أفطر أو ما صام وما أفطر قال فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم قال ومن يطيق ذلك قال وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين قال ليت أن الله قوانا لذلك قال وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم قال ذاك صوم أخي داود ﵇ قال وسئل عن صوم يوم الإثنين قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه قال فقال صوم ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان صوم الدهر قال وسئل عن صوم يوم عرفة فقال يكفر السنة الماضية والباقية قال وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال يكفر السنة الماضية. رواه مسلم ثامناً: صيام يوم عرفه: عن أبي قتادة رجل أتى النبي ﷺ فقال كيف تصوم فغضب رسول الله ﷺ فلما رأى عمر ﵁ غضبه قال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله فجعل عمر ﵁ يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه فقال عمر يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله قال لا صام ولا أفطر أو قال لم يصم ولم يفطر قال كيف من يصوم يومين ويفطر يوما قال ويطيق ذلك أحد قال كيف من يصوم يوما ويفطر يوما قال ذاك صوم داود ﵇ قال كيف من يصوم يوما ويفطر يومين قال وددت أني طوقت ذلك ثم قال رسول الله ﷺ ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله رواه مسلم. تاسعاً: الحج والعمرة: عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه رواه البخاري وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة رواه البخاري ومسلم عاشراً: الصدقة عن أبي وائل عن حذيفة قال قال عمر ﵁ من يحفظ حديثا عن النبي ﷺ في الفتنة قال حذيفة أنا سمعته يقول فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة قال ليس أسأل عن هذه إنما أسأل عن التي تموج كما يموج البحر قال وإن دون ذلك بابا مغلقا قال فيفتح أو يكسر قال يكسر قال ذاك أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة فقلنا لمسروق سله أكان عمر يعلم من الباب فسأله فقال نعم كما يعلم أن دون غد الليلة رواه البخاري ومسلم. أحد عشر: الحمد بعد الطعام عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومن لبس ثوبا فقال الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر رواه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب. ثاني عشر: المرض والتعب عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت قال رسول الله ﷺ ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها رواه البخاري وعن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه رواه البخاري. ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأعمال الصالحة تكفر صغائر الذنوب وأما الكبائر فلا تُكَفَر بمجرد فعل الأعمال الصالحة بل لا بد من التوبة بشروطها حتى تُكَفَر. نيل الأوطار ٣/٥٧. قال القاضي عياض: [هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٤٤٦. وانظر نيل الأوطار ٣/٥٧. وقال الإمام ابن العربي المالكي: [الخطايا المحكوم بمغفرتها هي الصغائر دون الكبائر لقول النبي ﷺ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) فإذا كانت الصلاة مقرونة بالوضوء لا تكفر الكبائر فانفراد الوضوء بالتقصير عن ذلك أحرى) عارضة الأحوذي ١/١٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346640,"book_id":3840,"shamela_page_id":1020,"part":"18","page_num":62,"sequence_num":1020,"body":"٦٢ - التوبة\rيقول السائل: قرأت في كتاب فقه كلاماً عن الحقوق وأن منها ما هو حق لله تعالى ومنها ما هو حق للناس فأرجو بيان الفرق بينهما وما أثر ذلك على المعاصي التي ارتكبها الإنسان ثم تاب منها؟\rالجواب: قسم جمهور أهل العلم الحق باعتبار صاحب الحق إلى أربعة أقسام وهي: أولاً: حق الله تعالى ويسمى الحق العام: وهو ما قصد به التقرب إلى الله تعالى وتعظيمه وإقامة شعائر دينه، أو قصد به تحقيق النفع العام دون اختصاص بأحد، ونسب هذا الحق لله تعالى لعظم خطره وشمول نفعه كما قال ابن نجيم الحنفي في فتح الغفار ٣/٥٩. وحق الله تعالى يشمل الإيمان به ﷻ والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وإقامة الحدود والكفارات وغير ذلك. انظر الفروق ١/١٤٠-١٤١ الموسوعة الفقهية ١٨/١٤-١٩. ثانياً: حق العبد المحض: وهو ما كان متعلقاً بمصالح الإنسان الخالصة، قال القرافي: [وحق العبد مصالحه] الفروق ١/١٤٠. وحق العبد المحض يشمل الحقوق المالية، قال الشيخ محمد أبو زهرة: [حقوق العباد الخالصة وذلك كالديون والأملاك وحق الوراثة وغير ذلك مما يتعلق بالأموال نقلاً وبقاءً، فهذه كلها حقوق العباد خالصة والاعتداء على حقوق العباد ظلم، ولا يقبل الله تعالى توبة عبد قد أكل حقاً من حقوق العباد إلا إذا أداه أو أسقطه صاحبه وعفا] أصول الفقه ص٣٢٤. وحق العبد يقبل الإسقاط، فإذا أسقط إنسان حقاً له على غيره فله ذلك، قال القرافي: [ونعني بحق العبد المحض أنه لو أسقطه لسقط] الفروق ١/١٤١. ثالثاً: ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد وحق الله غالب: ومثاله حد القذف فهو من جهة أن فيه مساً بأعراض الناس علناً فهو حق لله تعالى، ومن جهة أن المقذوف بالزنى قد اتهم في عرضه فهو حق له ولكن حق الله غالب فيه. وكذلك حد السرقة بعد أن يبلغ الإمام، وكذلك عدة المطلقة وعدة المتوفى عنها زوجها، فحق الله فيها صيانة الأنساب عن الاختلاط وحماية المجتمع من الفوضى، وأما حق العبد فيها فهو المحافظة على نسب أولاد الزوج وحق الله غالب. نظرية الحكم القضائي ص ٢٤٢، الفقه الإسلامي وأدلته ٤/١٥ رابعاً: ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد وحق العبد الغالب: ومثاله القصاص وعقوبات الدماء بشكل عام كالديات. [فالقصاص لله فيه حق لأنه اعتداء على المجتمع واعتداء على مخلوق الله وعبده الذي حرم دمه إلا بحق ولله في نفس العبد حق الاستعباد حيث قال ﷿: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) سورة الذاريات الآية ٥٦. وللعبد في القصاص حق لأن القتل العمد اعتداء على شخصه لأن للعبد المقتول في نفسه حق الحياة وحق الاستمتاع بها فحرمه القاتل من حقه وهو اعتداء على أولياءالمقتول لأنه حرمهم من رعاية مورثهم واستمتاعهم بحياته فكان القتل العمد اعتداء على حق الله وحق العبد ولذلك كان في شرعية القصاص إبقاء للحقين وإخلاء للعالم من الفساد، تصديقاً لقول الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) سورة البقرة الآية ١٧٩. وغلب حق العبد لأن ولي المقتول يملك رفع دعوى القصاص أو عدم رفعها وبعد المطالبة بالقصاص والحكم على الجاني القاتل يملك التنازل عنه والصلح على مال أو الصلح بغير عوض كما يملك تنفيذ حكم القصاص على القاتل إن أراد ذلك وكان يتقن التنفيذ ولا يجوز ذلك إلا بإذن الحاكم لئلا يفتات عليه فلو فعل وقع القصاص موقعه واستحق التعزير] الموسوعة الفقهية ١٨/ ١٨-١٩. وأما إذا ارتكب الإنسان المعاصي ثم تاب منها فإن العلماء قد بينوا ما هو أثر التوبة على حقوق الله وحقوق العباد فإذا كانت المعصية متعلقة بحقوق الله المالية فلا بد للتائب منها أن يؤدي حقوق الله تعالى ولا يكفي مجرد الإقلاع عن المعصية. قال الإمام النووي: [... ثم إن كانت المعصية لا يتعلق بها حق مالي لله تعالى ولا للعباد كقبلة الأجنبية ومباشرتها فيما دون الفرج فلا شيء عليه سوى ذلك، وإن تعلق بها حق مالي كمنع الزكاة والغصب والجنايات في أموال الناس وجب مع ذلك تبرئة الذمة عنه] روضة الطالبين ١١/٢٤٥- ٢٤٦. وذكر الخطيب الشربيني أن حق الله تعالى كالزكاة والكفارات لابد من أدائها. مغني المحتاج ٤/٤٤٠. وقال الإمام النووي أيضاً: [وإن تعلق بالمعصية حق ليس بمالي فإن كان حدا لله تعالى بأن زنى أو شرب الخمر فإن لم يظهر عليه فله أن يظهره ويقر به ليقام عليه الحد ويجوز أن يستر على نفسه وهو الأفضل، فإن ظهر فقد فات الستر فيأتي الإمام ليقيم عليه الحد] روضة الطالبين ١١/ ٢٤٦- ٢٤٧ وكلام النووي يدل على أن الحدود المختصة بالله تعالى كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر لا تسقط بمجرد التوبة ولا بد من إقامة الحد وهذا مذهب جمهور الفقهاء. انظر الموسوعة الفقهية ١٨/١٨-١٩. وكذلك فإنه من المقرر عند العلماء أن من شروط التوبة من المعصية المتعلقة بالناس رد الحقوق لأصحابها قال الإمام النووي: [وإن تعلق بها حق مالي كمنع الزكاة والغصب والجنايات في أموال الناس وجب مع ذلك تبرئة الذمة عنه بأن يؤدي الزكاة ويرد أموال الناس إن بقيت، ويغرم بدلها إن لم تبق، أو يستحل المستحق فيبرئه، ويجب أن يعلم المستحق إن لم يعلم به، وأن يوصله إليه إن كان غائباً إن كان غصبه منه هناك، فإن مات سلَّمه إلى وارثه، فإن لم يكن له وارث وانقطع خبره، دفعه إلى قاضٍ تُرضى سيرتهُ وديانته، فإن تعذر تصدق به على الفقراء بنية الغرامة له إن وجده ... وإن كان معسرا نوى الغرامة إذا قدر، فإن مات قبل القدرة فالمرجو من فضل الله تعالى المغفرة. قلت - أي النووي - ظواهر السنن الصحيحة تقتضي ثبوت المطالبة بالظلامة، وإن مات معسراً عاجزاً إذا كان عاصياً بالتزامها، فأما إذا استدان في مواضع يباح له الاستدانة واستمر عجزه عن الوفاء حتى مات، أو أتلف شيئاً خطأً وعجز عن غرامته حتى مات، فالظاهر أن هذا لا مطالبة في حقه في الآخرة إذ لا معصية منه والمرجو أن الله تعالى يعوض صاحب الحق] . روضة الطالبين ١١/٢٤٥- ٢٤٦. وقال النووي أيضاً: [وإن كان حقاً للعباد كالقصاص وحد القذف فيأتي المستحق ويمكنه من الاستيفاء فإن لم يعلم المستحق وجب في القصاص أن يعلمه فيقول أنا الذي قتلت أباك ولزمني القصاص، فإن شئت فاقتص وإن شئت فاعف ... وأما الغيبة إذا لم تبلغ المغتاب فرأيت في فتاوى الحناطي أنه يكفيه الندم والاستغفار وإن بلغته ... فالطريق أن يأتي المغتاب ويستحل منه فإن تعذر لموته أو تعسر لغيبته البعيدة استغفر الله تعالى ولا اعتبار بتحليل الورثة هكذا ذكره الحناطي] . روضة الطالبين١١/ ٢٤٧. وقال الشيخ أحمد النفراوي المالكي: [وأما تبعات العباد فلا يكفرها التوبة بل لا بد من استحلال أربابها لأن حقوق العباد لا يقال لها ذنوب] الفواكه الدواني ٢/ ٣٠٢.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346641,"book_id":3840,"shamela_page_id":1021,"part":"18","page_num":63,"sequence_num":1021,"body":"٦٣ - الشهداء\rيقول السائل: هل تأكل الأرض أجساد الشهداء أم لا؟\rالجواب: الثابت عند أهل العلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء فقط وهذا هو ما ورد به النص فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: إن الله ﷿ حرم على الأرض أجساد الأنبياء) رواه أبو داود وغيره وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٩٦. هذا هو الثابت وهو أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأما غيرهم من الناس فإن الأرض تأكل أجسادهم سواء أكانوا أولياء أم شهداء أم غيرهم ولكن هذا لا ينفي أن بعض الناس تكون لهم كرامة بأن لا تأكل الأرض أجسادهم وهذا أمر وقع قديماً وحديثاً في أشخاص بأعيانهم فمن ذلك ما رواه البخاري عن جابر ﵁ قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ وإني لا أترك بعدي أعز عليَّ منك غير نفس رسول الله ﷺ وإن عليَّ ديناً فاقض واستوص بأخواتك خيراً فأصبحنا فكان أول قتيل ودفن معه آخر في قبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه. فتح الباري ٣/٢٧٣. وذكر الحافظ ابن حجر أن ذلك كان كرامة لوالد جابر: [وكرامته بكون الأرض لم تبل جسده مع لبثه فيها والظاهر أن ذلك لمكان الشهادة] فتح الباري ٣/٢٧٧. وقد وردت قصة والد جابر وهو عبد الله بن عمرو الأنصاري عند الإمام مالك في الموطأ بلاغاً: أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين كانا قد حفر السيل قبرهما وكان قبرهما مما يلي السيل وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وكان أحدهما قد جرح فوضع يده عل جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة] موطأ مالك ١/٣٧٤. قال الحافظ ابن عبد البر عن الحديث السابق إنه متصل من وجوه صحاح بمعنى واحد متقارب فتح المالك ٦/٣٥٨. وقال الإمام الباجي معلقاً على هذه الحادثة: [وقوله فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وهذه على ما نعتقده كرامة من الله تعالى خصهما بها ولعله قد خص بذلك أهل أحد ومن كان له مثل فضلهما فإن تلك الأرض تسرع التغيير إلى من دفن فيها ولو كان ذلك أمراً معتاداً في تلك الأرض لما ذكره في هذا الحديث على وجه التعجب منه] المنتقى وفي رواية أخرى عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: [استصرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد وأجرى معاوية بن أبي سفيان العين فاستخرجهم بعد ستة وأربعين سنة لينة أجسادهم تنثني أطرافهم. قال أبو عمر _ ابن عبد البر -: هذا هو الصحيح – والله أعلم – انهم استخرجوا بعد ست وأربعين سنة لأن معاوية لم يجر العين إلا بعد اجتماع الناس عليه خليفة وكان اجتماع الناس عليه عام أربعين من الهجرة في آخرها وقد قيل: عام إحدى وأربعين وذلك حين بايعه الحسن بن علي وأهل العراق فسمي عام الجماعة وتوفي سنة ستين. وقد روى أبو مسلمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن جابر أنهم أخرجوا بعد ستة أشهر فإن صح هذا فمرتين أخرج والد جابر من قبره وأما خروجه وخروج غيره في حين إجراء معاوية العين فصحيح وذلك بعد ستة وأربعين عاماً على ما في حديث مالك وغيره] فتح المالك ٦/٣٥٩. وفي رواية أخرى عن جابر قال: [لما أراد معاوية أن يجري العين بأحد نودي بالمدينة من كان له قتيل فليأت قتيله قال جابر: فأتيناهم فأخرجناهم رطاباً يتثنون فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فانفطرت دماً قال أبو سعيد الخدري لا يَنكر بعد هذا منكرٌ أبداً. قال أبو عمر: الذي أصابت المسحاة إصبعه هو حمزة ﵁ رواه عبد الأعلى بن حماد قال: حدثنا عبد الجبار يعني ابن الورد قال: سمعت أبا الزبير يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: رأيت الشهداء يخرجون على رقاب الرجال كأنهم رجال نوم حتى إذا أصابت المسحاة قدم حمزة ﵁ فانبثقت دماً وبالله التوفيق] المصدر السابق ٦/٣٦٠. قال الحافظ ابن حجر (وقد ذكر ابن إسحق القصة في المغازي حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء انفجرت العين عليهم فجئنا فأخرجناهما - يعني عمراً وعبد الله – وعليهما بردتان قد غطي بهما وجوههما وعلى أقدامهم شيء من نبات الأرض فأخرجناهما يتثنيان تثنياً كأنهما دفنا بالأمس] وله شاهد بإسناد صحيح عند ابن سعد من طريق أبي الزبير عن جابر] فتح الباري ٣/٢٧٦. وذكر ابن قتيبة في المعارف وغيره أن طلحة بن عبد الله أحد العشرة ﵃ دفن فرأته بنته عائشة بعد دفنه بثلاثين سنة في المنام فشكا إليهما النز فأمرت به فاستخرج طرياً فدفن في داره بالبصرة قال غيره قال الراوي كأني انظر إلى الكافور في عينيه لم يتغير إلا عقيصته فمالت عن موضعها واخضر شقه الذي يلي النز] المجموع ٥/٣٠٣. وقد روى الترمذي في قصة أصحاب الأخدود حديثاً طويلاً وذكر في آخره: [فأما الغلام فإنه دفن قال: فذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل] وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب، سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٩/١٨٦ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٠. ونقل المباركفوري عن ابن إسحق قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلاً من أهل نجران كان زمان عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته فوجد عبد الله بن التامر تحت دفن فيها قاعداً واضعاً يده على ضربة في رأسه ممسكاً عليها بيده فإذا أخذت يده عنها انبعث دماً وإذا أرسلت يده ردت عليها فأمسكت دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره فكتب عمر إليهم أن أقروه على حاله وردوا عليه الذي كان عليه ففعلوا] تحفة الأحوذي ٩/١٨٦. وخلاصة الأمر أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء فقط وأما الشهداء فتأكل الأرض أجسادهم كغيرهم من الأموات ولكن هنالك كرامات لبعض الشهداء بأن الأرض لا تأكل أجسادهم. وهذا الكلام لا يعني أن من أكلت الأرض أجسادهم ليسوا شهداء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346642,"book_id":3840,"shamela_page_id":1022,"part":"18","page_num":64,"sequence_num":1022,"body":"٦٤ - شروط الفتوى في دين الإسلام\rيقول السائل: ما قولكم فيمن يفتون في دين الله بغير علم ولا هدى؟\rالجواب: كثر المجترئون من طلبة العلم الشرعي وغيرهم على الإفتاء في دين الله ﷾، ويظنون أن الأمر هين، وهو عند الله عظيم، وكثر الخائضون في دين الله بغير علم، حتى إنك إذا جلست في مجلس وطرحت مسألة شرعية، ترى كثيراً من الجالسين يدلون برأيهم من غير أن يُطلب منهم، ويعضهم قد لا يحسن الوضوء. وصار دين الله وشرعه مع الأسف الشديد حمىً مستباحاً لأشباه المتعلمين، وظن كثيرٌ من طلبة العلم الشرعي، أنهم بمجرد حصولهم على الشهادة الجامعية الأولى يحق لهم الإفتاء في دين الله، وما دروا أن شهادة (البكالوريوس) في الشريعة الإسلامية في زماننا هذا، تعني محو أمية في العلوم الشرعية فقط، هذا إذا وزناها بالميزان الصحيح ولا يشذ عن هذا إلا القليل جداً. وإلى المجترئين على الفتوى في أيامنا هذه، أسُوق بعض كلام أهل العلم في الفتيا لعل أحدهم يعرف قدره وحده فيقف عنده فلا يتجاوزه. قال العلاّمة ابن القيم في بيان الشروط التي تجب فيمن يبلغ عن الله ورسوله: \" ولما كان التبليغ عن الله ﷾ يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلغ صادقاً فيه ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟ ، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، ويتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، فقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) سورة النساء /١٢٧، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالة إذ يقول في كتابه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) سورة النساء /١٧٦، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غداً وموقوف بين يدي الله \" إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/١١. ولكن كثيراً من المجترئين على الفتوى لا يفهم هذا الكلام لا من قريب ولا من بعيد، والمهم عندهم أن يظهروا أمام العامة بمختلف الوسائل ليشار إليهم بالبنان، فيجيبوا عن كل مسألة توجه لهم ولا يعرفون قول (لا أدري) ، لأنهم يعتبرون ذلك عاراً وشناراً أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل لأن الناس يصفونهم بالجهل إن فعلوا ذلك، وما دروا أن سلفنا الصالح كانوا يحرصون على قول لا أدري، كحرص هؤلاء المتعالمين على الإجابة، وقديماً قال العلماء: \" لا أدري نصف العلم \"، قال ابن أبي ليلى: \" أدركت مئة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وما منهم أحد يحدث بحديث أو يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه. وقال عمر بن الخطاب: \" أجرؤكم على الفتيا، أجرؤكم على النار. وقال ابن عباس: \" إذا أخطأ العالم (لا أدري) أصيبت مقاتله \". فلا ينبغي لأحد أن يقتحم حمى الفتوى ولما يتأهل لذلك، وقد قرر أهل العلم أن من أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية شديد الإنكار على أدعياء العلم الذين يتصدرون للفتيا فقال له بعضهم يوماً: أجعلت محتسباً على الفتوى؟ فقال له: \" يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب \" انظر الفتوى - د. يوسف القرضاوي ص٢٤. وأدعياء العلم هؤلاء اقتحموا هذه العقبة الكؤود، ولم يستعدوا لها، فلو سألت أحدهم عن مبادئ وقواعد أصول الفقه، لما عرفها، فلو سألته ما العام؟ وما الخاص؟ وما المطلق وما المقيد؟ وما القياس؟ وما الحديث المرسل؟ لما أحرى جواباً. ولو سألته عن أمهات كتب الفقه المعتبرة لما عرفها، ولو سألته عن آيات الأحكام من كتاب الله وعن أحاديث الأحكام من سنة رسول الله ﷺ، لما عرف شيئاً. ويزداد الأمر سوءاً عندما نرى هؤلاء الناس المتعالمين يجعلون واقع الناس حاكماً على النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فترى وتسمع من الفتاوى الغريبة والعجيبة، فترى من يحلل الربا المحرم في كتاب الله وسنة رسوله، لأنه ضرورة اقتصادية كما يدعي، أو لأن ربا الجاهلية لا ينطبق على ربا البنوك الربوية كما يزعم. وهكذا ترى من هؤلاء العجب العجاب في اتباع الأهواء وإرضاء الأسياد، ونسوا أو تناسوا قول الله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) سورة الجاثية /١٨. وقوله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) سورة المائدة /٤٩. وختاماً، فعلى كل من يتصدى للفتوى أن يتق الله ﷾، وأن يأخذ للأمر عدته، وليعلم أنه يوقع عن رب العالمين، ويبلغ عن الرسول الأمين ﷺ. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346643,"book_id":3840,"shamela_page_id":1023,"part":"18","page_num":65,"sequence_num":1023,"body":"٦٥ - حكم الاحتفال بعيد الحب\rيقول السائل: إنه صاحب محل لبيع الورود وأنه يحضر الأزهار والورود لبيعها في يوم ١٤شباط بمناسبة عيد الحب فما حكم ذلك؟\rالجواب: إن الأمة الإسلامية أمة مستقلة في شخصيتها وأعيادها وأمة الإسلام لها عيدان معروفان عيد الفطر وعيد الأضحى وليس لها أعياد سواهما. وقضية العيد جزء من شعائر الإسلام لا يجوز أخذها عن غيرها من الأمم أو الملل قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: (إن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله سبحانه: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) وقال: (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه) كالقبلة والصلاة والصيام فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره , ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه. وأما مبدؤها فأقل أحواله أن يكون معصية وإلى هذا الاختصاص أشار النبي ﷺ بقوله: (إن لكل قوم عيدا وإن هذا عيدنا) اقتضاء الصراط المستقيم ١/٥٢٨-٥٢٩. والحديث الذي ذكره شيخ الإسلام رواه البخاري ومسلم ولفظه (عن عائشة ﵂ قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث قالت: وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ وذلك في يوم عيد. فقال رسول الله ﷺ: يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا) فهذا الحديث أوجب اختصاص الأمة الإسلامية بأعيادها فقط وعليه لا يجوز للمسلمين أن يحتفلوا بأي عيد آخر. وعيد الحب لا علاقة للمسلمين به لا من قريب ولا من بعيد بل أصله من أعياد الرومان الوثنيين وله في تاريخهم أساطير موروثة. ومما قيل في سبب هذا العيد أنه لما دخل الرومان في النصرانية بعد ظهورها وحكم الرومان الإمبراطور الروماني (كلوديوس الثاني) في القرن الثالث الميلادي منع جنوده من الزواج لأن الزواج يشغلهم عن الحروب التي كان يخوضها فتصدى لهذا القرار (القديس فالنتين) وصار يجري عقود الزواج للجند سراً فعلم الإمبراطور بذلك فزج به في السجن وحكم عليه بالإعدام وفي سجنه وقع في حب ابنة السجان وكان هذا سراً فنفذ فيه حكم القتل يوم ١٤ فبراير عام ٢٧٠ ميلادي ليلة ١٥ فبراير عيد (لوبر كيليا) ومن يومها أطلق عليه لقب قديس. وعيد الحب هذا له مظاهر كثيرة في أوروبا وأمريكا حيث يتم تبادل الورود الحمراء وتوزيع بطاقات التهنئة وتبادل كلمات الحب والعشق وتقام الحفلات الراقصة المختلطة ويقع فيها من المنكرات ما الله به عليم. وبناء على ما سبق فإنه يحرم على المسلمين الاحتفال بعيد الحب لأنه من الشعائر الوثنية ولأنه مرتبط بالقديس فالنتين وهو مرتبط بخرافات وأساطير باطلة ونحن أمة الإسلام قد نهينا عن التشبه بغيرنا وقد قال الله تعالى: (ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) سورة آل عمران الآية ١٠٥. وصح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع الصغير الحديث رقم ٦٠٢٥. وكذلك يحرم بيع كل ما له علاقة بهذا العيد أو الاستعداد له بتحضير الورود الحمراء أو المناديل الحمراء وغير ذلك مما هو مختص بهذا العيد ولا يجوز للمسلم المشاركة بهذا العيد بأي شكل من الأشكال. وينبغي أن يعلم أن الإسلام قد بين أسس وقواعد للحب فالإسلام هو دين المحبة المبنية على أسس سليمة متفقة مع الفطرة الإنسانية فالزوج يحب زوجته والزوجة تحب زوجها والمسلم يحب والديه والعكس صحيح والمسلم يحب أخاه وهكذا فالحب أشمل وأعم من هذا الحب المزعوم في عيد الحب فالحقيقة أن الحب في عيد الحب هو العشق واتخاذ الأخدان والعشيقات خارج نطاق الزواج والأسرة إنه دعوة للتحلل والإباحية. وختاماً فإن عدداً من علماء المسلمين المعاصرين قد أفتوا بتحريم الاحتفال بعيد الحب فمن ذلك ما أفتت به اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية جواباً على السؤال التالي (يحتفل بعض الناس في اليوم الرابع عشر من شهر فبراير ١٤/٢، من كل سنة ميلادية بيوم الحب (فالنتين داي) ، ويتهادون الورود الحمراء ويلبسون اللون الأحمر ويهنئون بعضهم وتقوم بعض محلات الحلويات بصنع حلويات باللون الأحمر ويرسم عليها قلوب وتعمل بعض المحلات إعلانات على بضائعها التي تخص هذا اليوم فما هو رأيكم؟ فأجابت اللجنة: ... يحرم على المسلم الإعانة على هذا العيد أو غيره من الأعياد المحرمة بأي شيء من أكلٍ أو شرب أو بيع أو شراء أو صناعة أو هدية أو مراسلة أو إعلان أو غير ذلك لأن ذلك كله من التعاون على الإثم والعدوان ومعصية الله والرسول والله جل وعلا يقول: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) . ويجب على المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة في جميع أحواله لاسيما في أوقات الفتن وكثرة الفساد، وعليه أن يكون فطناً حذراً من الوقوع في ضلالات المغضوب عليهم والضالين والفاسقين الذين لا يرجون لله وقاراً ولا يرفعون بالإسلام رأساً، وعلى المسلم أن يلجأ إلى الله تعالى بطلب هدايته والثبات عليها فإنه لا هادي إلا الله ولا مثبت إلا هو سبحانه وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346644,"book_id":3840,"shamela_page_id":1024,"part":"18","page_num":66,"sequence_num":1024,"body":"٦٦ - دعاء غير مشروع\rيقول السائل: ما قولكم في الدعاء المسمى دعاء سيدنا عكاشة حيث أنه مطبوع في كتيب صغير ويوزع؟\rالجواب: قرأت الدعاء المشار إليه ومقدمته فوجدته من جملة الأدعية المبتدعة التي احتوت على مبالغات ومجازفات فارغة وفيه أنواع من الضلال والشرك. وأول ما يلفت النظر فيه أنه منسوب إلى الصحابي الجليل عكاشة وأن الذي جمعه هو منشئ ضريح الصحابي عكاشة كما جاء على صفحة الغلاف ومن المعلوم أن الصحابي الجليل عكاشة بن محصن الأسدي ﵁ استشهد في حروب الردة في خلافة أبي بكر ﵁ وذلك في موقعة بزاخة وقاتله هو طليحة الأسدي. انظر سير أعلام النبلاء ١/٣٠٧-٣٠٨. وعكاشة بن محصن الأسدي ﵁ هو الذي بشره النبي ﷺ بدخول الجنة بغير حساب كما هو ثابت في الصحيحين في حديث طويل: (أن النبي ﷺ عرضت عليه الأمم فرأى سواداً عظيماً فقيل له هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم فسرهم النبي ﷺ فقال هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال النبي ﷺ: سبقك بها عكاشة) تهذيب الأسماء واللغات ١/٣٣٨. فعكاشة لم يمت في بيت المقدس حتى يكون له ضريح منسوب إليه ولا يعرف أحد غيره من الصحابة اسمه عكاشة مات في بيت المقدس فيما أعلم. والدعاء المنسوب إلى عكاشة جاء في مقدمته في ثواب من قرأه أمور لا يقبلها شرع ولا عقل فقد جاء فيها ما يلي: [أما بعد فهذادعاء كامل عظيم ومنافعه كثيرة حملا وتلاوة لا يعلم ثواب هذا الدعاء إلا الله تعالى ولو كانت الأشجار أقلاماً والبحار مداداً والأولون والآخرون كُتَّاباً لعجزوا أن يكتبوا ثواب هذا الدعاء ومن قرأه فكأنما قرأ الدعوات كلها ويغفر الله ذنوبه جميعاً وإذا قرأه مريض شفاه الله تعالى ومن قرأه لدفع الجوع والقحط دفع الله عنه ذلك وإذا قرأه عطشان روي وإذا قرأه مديون قضى الله دينه وحمله ينفع إن شاء الله تعالى من جميع الأمراض والأرياح والآلام والأسقام ونافع إن شاء الله تعالى للدخول على الملوك والوزراء وأرباب الأقلام للمحبة والقبول والسفر في الليل والنهار وكذا البحار ومنع السحر عن حامله في البر والبحر ونافع إن شاء الله من لدغة الحية والعقرب والثعبان ونافع من الضرب بالسيف والنشاب والخناجر بإذن الله تعالى ولدفع شر الشياطين وكيدهم ومن كتبه في إناء صيني بماء وزعفران سبعة أيام وشربه على الريق رزقه الله ذهناً بليغاً وفهماً واسعاً وإن شرب منها المريض شفي ومن قرأه في عمره مرة واحدة جعل الله له ثواباً مثل ثواب الأولياء والأصفياء والزهاد من الرجال والنساء وينال ما يطلب من أمر الدنيا وتقضى حوائجه بإذن الله تعالى ومن علَّقه في محل بيعه تروج بضاعته وتكثر أرباحه ويحفظ المحل الذي هو فيه من الحرق والسرق وإذا وضع في سفينة نجت من الغرق إن شاء الله تعالى وحامله يفتح له أبواب الرزق من حيث لا يحتسب وتكون مقاصده ناجحة وإذا وضع في مزرعة بمحل طاهر بارك الله في محصولها وزاد نموها وحفظت من العاهات والآفات كما جرب ذلك مراراً ومع ذلك فإن فوائده لا تحصى ومنافعه لا تستقصى ومن عظيم فوائده أنه ينفع لكل شيء وإنما يلزم ذلك كله أن يستعمل بكل احترام واعتقاد ونية خالصة ولا يستعمل إلا فيما يرضي الله تعالى والله أعلم] . وهذا الثواب المزعوم المرتب على هذا الدعاء لم يرد مثله في الشرع حتى للقرآن الكريم ولا للأدعية النبوية الثابتة عن النبي ﷺ. فهذا دجل وكذب وافتراء على الله ﷿ وعلى رسوله ﷺ. كما أن هذا الدعاء فيه من الأمور الباطلة كقوله: [بحق عزرائيل وقبضته] فمن المعلوم أنه لم يثبت لا في الكتاب ولا في السنة تسمية ملك الموت بعزرائيل وإنما هذا من الإسرائيليات. وكذلك قوله: [وبحق نوح وسفينته] ولا أدري ما هو حق سفينة نوح؟ وقوله: [وبحق يوسف وغربته ... وبحق صالح وناقته ودانيال وكرامته ... إلخ ما ورد فيه من الترهات والخرافات. فهذا الدعاء وأمثاله من الأدعية المبتدعة التي ألزم دعاة التصوف أنفسهم ومريديهم بها ليست مشروعة وقد صح في الحديث قول النبي ﷺ: (من عمل عملاً ليس من أمرنا فهو رد) وهذا الدعاء وأمثاله ليس من أمر النبي ﷺ يقول الشيخ الإمام أبو بكر بن العربي في معرض رده على الذين يخترعون أدعية من عند أنفسهم ويأمرون الناس أن يدعوا بها الله عند تفسير قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) . قال ﵀: [ويقال ألحد ولحد إذا مال والإلحاد يكون بوجهين بالزيادة فيها أو النقصان منها كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الباري بغير أسمائه ويذكرونه بما لم يذكره من أفعاله إلى غير ذلك مما لا يليق به فحذار منها ولا يدعونَّ أحدٌ منكم إلا بما في الكتب الخمسة وهي كتاب البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي فهذه الكتب هي بدء الإسلام وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف وذروا سواها ولا يقولنَّ أحدٌ أختار دعاء كذا فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك الخلق رسوله] . أحكام القرآن ٢/٨١٦. ويقول الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) ، قال: [فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه ولا يقولنَّ أختار كذا فإن الله تعالى قد اختار لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف يدعون] تفسير القرطبي ٤/٢٣١.. ويقول القرطبي أيضاً عند تفسير قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) . بعد أن ذكر وجوهاً من الاعتداء في الدعاء قال: [ومنها أن يدعو الله بما ليس في الكتاب العزيز ولا في السنة فيتخير ألفاظاً مفقرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لهؤلاء (يعني المشايخ) لا أصل لها ولا معول عليها فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله ﷺ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء] تفسير القرطبي ٧/٢٢٦. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية منكراً على الذين يبتدعون أشياء من عند أنفسهم ويعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى: [وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال إنه قربة أو طاعة فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله ولا التعبد به ولا اتخاذه ديناً فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول ولا بإرادة وعمل وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرماً لا ينهى عنه بل يقال إنه جائز ولا يفرق بين اتخاذه ديناً وطاعة وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة ومعلوم أن اتخاذه ديناً بالاعتقاد أو بالقول أو بالعمل من أعظم المحرمات وأكبر السيئات وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم المعاصي التي يعلم أنها معاصٍ وسيئات] مجموعة الرسائل والمسائل ١/١٣٨ نقلاً عن مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية ٣/١١٨٣-١١٨٥. وخلاصة الأمر أن هذا الدعاء المسمى دعاء عكاشة دعاء مبتدع لا يجوز لأحد أن يأتي به ولا يعتقد صحته ومن أراد الدعاء فعليه بالأدعية القرآنية والأدعية النبوية ففيها الكفاية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346645,"book_id":3840,"shamela_page_id":1025,"part":"18","page_num":67,"sequence_num":1025,"body":"٦٧ - احاديث ثابتة\rيقول السائل: ما صحة ما ورد في بعض الأحاديث أن من يتمسك بدينه في آخر الزمان له أجر خمسين من الصحابة ﵃؟\rالجواب: وردت عدة أحاديث عن النبي ﷺ يشد بعضها بعضاً تدل على أن المتمسك بدينه له أجر خمسين من الصحابة ﵃ فمن ذلك: ما جاء في الحديث عن عتبة بن غزوان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: بل منكم) أخرجه ابن نصر في كتاب السنة وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة المجلد الأول حديث رقم ٤٩٤. وله شاهد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل فيها أجر خمسين قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم أو خمسين منا. قال: خمسين منكم) قال الهيثمي رواه البزار والطبراني بنحوه إلا أنه قال (للمتمسك أجر خمسين شهيداً فقال عمر: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال منكم) ورجال البزار رجال الصحيح غير سهيل بن عامر البجلي وثقه ابن حبان. مجمع الزوائد ٧/٢٨٢. وقال الشيخ الألباني عن إسناد الطبراني: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. السلسلة الصحيحة المجلد الأول حديث رقم ٤٩٤. وعن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني ﵁ فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) سورة المائدة الآية ١٠٥؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً سألت رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل قبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله قال: وزادني غيره يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: خمسين منكم) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي حسن غريب ورواه ابن حبان وصححه ورواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره الشيخ الألباني شاهداً لحديث عتبة بن غزوان المتقدم انظر المصدر السابق. وعن عتبة بن غزوان ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بمثل ما أنتم عليه له كأجر خمسين منكم قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم - ثلاث مرات أو أربع -) رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن شيخه بكر بن سهل عن عبد الله بن يوسف قال الهيثمي وكلاهما قد وثق وفيهما خلاف. فمجموع هذه الأحاديث يدل على الأجر العظيم لمن يتمسك بدينه وأنه يعادل أجر خمسين من الصحابة وانظر إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة ٢/٩٠ - ٩١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346646,"book_id":3840,"shamela_page_id":1026,"part":"18","page_num":68,"sequence_num":1026,"body":"٦٨ - القرآن الكريم\rيقول السائل: ما حكم استعمال الآيات القرآنية في التعليقات الساخرة والمزاح؟\rالجواب: إن القرآن الكريم كلام الله ولا يجوز للمسلم أن يتلاعب بكلام الله بأي حال من الأحوال لأن ذلك من الاستهانة بالقرآن، وكلام الله يجب احترامه وصيانته عن كل ما لا يليق به وبالتالي لا يجوز استعماله في المزاح أو التعليقات والرسوم الساخرة لأن ذلك يتضمن إستخفافاً واستهانة بل على المسلم عندما يقرأ كلام الله ﷾ أن يقرأه بتدبر وتفكر وأن يكون على طهارة لأن قراءة كلام الله ﷾ عبادة من العبادات والقرآن أنزل ليكون دستوراً ومنهج حياة، يقول ﷾: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) سورة القمر الآية ١٧. وقال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) سورة الحشر الآية ٢١. وقال تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) سورة مريم الآية ٥٨. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346647,"book_id":3840,"shamela_page_id":1027,"part":"18","page_num":69,"sequence_num":1027,"body":"٦٩ - التوبة\rالتوبة الصادقة, يقول السائل: أنا شاب عصيت الله أربعة أعوام فأهملت الصيام وشتمت هذا وضربت ذاك، ووقعت في النميمة والغيبة والرياء والآن تبت إلى الله دون أن أعتذر لأصحاب الحقوق وما زلت أقع في الغيبة ولكن بشكل أقل من السابق فماذا أصنع؟\rالجواب: لا شك أن التوبة من المعاصي والآثام واجبة على المسلم استجابة لأمر الله ﷾: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ولقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) . وهذا الأخ السائل عليه أن يحمد الله على توبته ولكن هذه التوبة ليست توبة نصوحاً لأن التوبة النصوح لا بد أن تتحقق فيها شروط أربعة وهي: الأول: أن يقلع الإنسان عن المعاصي والآثام فإذا كان يغتاب الناس فعليه أن يترك ذلك. الثاني: أن يندم ندماً حقيقاً وصادقاً على ما مضى. الثالث: أن يعزم عزماً أكيداً على أن لا يعود للمعاصي. الرابع: إذا كانت المعصية تتعلق بحق من حقوق الناس فلا بد من إعادتها لأصحابها. فعلى هذا السائل أن يحقق هذه الشروط في نفسه حتى تكون توبته صادقة وأما أن يتوب الإنسان من الذنب اليوم ويعود إليه غداً فما هذه بتوبة. وأما بالنسبة لتركك الصوم لأربعة أعوام فيلزمك القضاء فعيلك الصيام ولا تبرئ ذمتك إلا بالقضاء. كما أن عليك أن تكثر من فعل الخيرات والأعمال الصالحات فهذه تمحو السيئات بإذن الله ﷾ حيث يقول: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) وقال ﷺ: (أتبع السيئة الحسنة تمحها) رواه أحمد والترمذي وهو حديث حسن. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346648,"book_id":3840,"shamela_page_id":1028,"part":"18","page_num":70,"sequence_num":1028,"body":"٧٠ - الغش\rيقول السائل: يغش بعض الطلبة في الامتحان ويزعمون أن في الغش تحقيق مصلحة لهم فما حكم ذلك؟\rالجواب: لا شك أن الغش حرام مطلقاً سواء كان في المعاملات أو في الامتحانات أو غيرها ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن الرسول ﷺ مر على صبرة طعام-كومة قمح أو شعير-فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بلللاً فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله- أي المطر-قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس منا) رواه مسلم وغيره. ومن المعلوم عند أهل العلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فألفاظ الحديث تعم كل غش سواء كان في الامتحانات أو غيرها. وأما زعمهم بأن الغش يحقق مصلحة لهم فهذا زعم باطل وكلام مردود لا يصح أبداً فإن المصلحة المعتبرة عند أهل العلم يجب أن لا تعارض نصاً-من الكتاب أو السنة-أو إجماعاً أو قياساً صحيحاً. وما يسمونه مصلحة هنا هو في الحقيقة مصلحة موهومة وملغاة بنص الشارع، فأين هي المصلحة في غش؟ إنها كمصلحة المرابي في زيادة أمواله عن طريق الربا وينبغي أن يعلم أن كثيراً من الناس يحملون المصلحة أكثر مما تحتمل ويقومون بتصرفات كثيرة معارضة لكتاب الله وسنة رسوله ويزعمون أن دليلهم هو المصلحة، وهم في الحقيقة والواقع لا يعرفون المصلحة على حقيقتها فالمصلحة هي المنفعة التي يقصدها الشرع من أجل حفظ مقاصد الشريعة ولا ينطبق هذا الكلام على الغش في الامتحانات لأن الغش محرم بالنص ولأن الغش يتعارض مع مقاصد الشريعة المطهرة. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346649,"book_id":3840,"shamela_page_id":1029,"part":"18","page_num":71,"sequence_num":1029,"body":"٧١ - العيد\rيقول السائل: كيف تكون التهنئة بحلول العيد؟\rالجواب: إن أصل التهنئة مشروع في الجملة فقد ثبت في الحديث الصحيح في قصة توبة كعب بن مالك ﵁ حين تاب الله عليه بعد تخلفه عن غزوة تبوك حيث ورد في قصة توبته: (قال سمعت صوت صارخ يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك، أبشر فذهب الناس يبشروننا وأنطلقت أتأمم رسول الله ﷺ أقصده - يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنؤني بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ حوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني وكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك) رواه البخاري ومسلم. وهذا الحديث في التهنئة بشكل عام وأما التهنئة بالعيد والدعاء فيه فقد ورد في الحديث عن محمد بن زياد قال: [كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب الرسول ﷺ فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض يتقبل الله منا ومنك] قال الإمام أحمد بن حنبل إسناده إسناد جيد وجوَّده أيضاً العلامة ابن التركماني، الجوهر النقي ٣/٣١٩. ونقل ابن قدامة عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ قال: [ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد تقبل الله منا ومنك] . وقال حرب: [سئل أحمد عن قول الناس في العيدين: تقبل الله منا ومنكم قال: لا بأس به يرويه أهل الشام عن أبي أمامة قيل وواثلة بن الأسقع؟ قال: نعم، قيل فلا تكره أن يقال هذا يوم العيد: قال: لا] المغني ٢/٢٩٥-٢٩٦. وسئل الإمام مالك عن قول الرجل لأخيه يوم العيد تقبل الله منا ومنك يريد الصوم فقال: ما أعرفه ولا أنكره، قال ابن حبيب المالكي معناه لا يعرفه سنة ولا ينكره على من يقوله لأنه قول حسن ولأنه دعاء. وقد عقد الإمام البيهقي باباً في سننه الكبرى بعنوان: [باب ما روي في قول الناس يوم العيد بعضهم لبعض تقبل الله منا ومنك] . ثم ساق فيه بعض الأحاديث الواردة في ذلك وضعّفها وساق فيه أيضاً أثراً عن عمر بن عبد العزيز فقال: [عن أدهم مولى عمر بن عبد العزيز قال: كنا نقول لعمر بن عبد العزيز في العيد تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين فيرد علينا ولا ينكر ذلك علينا] سنن البيهقي ٣/٣١٩. وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة فلا بأس أن يعمل بها في مثل هذا الأمر الذي يعد من فضائل الأعمال وخاصة إذا أضفنا إليها الحديث الذي لم يذكره البيهقي وهو حديث أبي أمامة المذكور ساباً، وخلاصة الأمر أنه لا بأس أن يقال في التهنئة بالعيد تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال أو نحوها من العبارات. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346650,"book_id":3840,"shamela_page_id":1030,"part":"18","page_num":72,"sequence_num":1030,"body":"٧٢ - العلم\rيقول السائل: ما هي الأمور التي يجب على المسلم أن يعلمها من أمر دينه؟\rالجواب: إن العلماء قسموا العلم الشرعي إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما هو فرض عين والمقصود بفرض العين ما يجب على كل مسلم مكلف أن يحصله ولا يعذر بجهله، وحد هذا القسم هو ما تتوقف عليه صحة العبادة أو المعاملة فيجب على المسلم أن يتعلم كيفية الوضوء والصلاة والأحكام الأساسية في الصوم والزكاة وإن كان عنده نصاب والأحكام الأساسية في الحج إن كان من أهل الاستطاعة وكذلك يجب عليه أن يتعلم أحكام المعاملات التي يحتاج إليها فمثلاً لو كان شخص يعمل في الصرافة مثلاً فيجب عليه أن يتعلم أحكام الصرف في الشرعية الإسلامية وهكذا بالنسبة للأمور التي يحتاج لها في عباداته ومعاملاته. قال ابن عابدين في حاشيته نقلاً عن العلامي في فصوله: [من فرائض الإسلام تعلم ما يحتاج إليه العبد في إقامة دينه وإخلاص عمله لله تعالى ومعاشرة عباده وفرض على كل مكلف ومكلفة بعد تعلمه علم الدين والهداية تعلم علم الوضوء والغسل والصلاة والصوم وعلم الزكاة لمن له نصاب والحج لمن وجب عليه والبيوع على التجار ليحترزوا عن الشبهات والمكروهات في سائر المعاملات وكذا أهل الحرف وكل من اشتغل بشيء يفترض عليه علمه وحكمه ليمتنع عن الحرام فيه] حاشية ابن عابدين ١/٤٢. وقال الإمام النووي: [ ... فرض العين وهو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به، ككيفة الوضوء والصلاة ونحوها وعليه حمل جماعات الحديث المروي في مسند أبي يعلى الموصلي عن أنس عن النبي ﷺ: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) وهذا الحديث وإن لم يكن ثابتاً فمعناه صحيح ... ] المجموع ١/٢٤. والحديث الذي ذكره الإمام النووي وهو: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) حديث مختلف فيه فمن العلماء من يرى أنه حديث ضعيف، قال الإمام البيهقي: [وهذا حديث متنه مشهور وإسناده ضعيف وقد روي من أوجه كلها ضعيف] وضعفه الإمام أحمد أيضاً كما قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين. ويرى بعض أهل الحديث أن الحديث يصلح للاحتجاج لتعدد طرقه كالسيوطي والألباني وعلى كل حال فالمقصود بالعلم في الحديث هو العلم الذي يكون فرض عين فقط وليس مطلق العلم. الثاني: فرض الكفاية وهو ما إذا قام به البعض كفى، وعرّفه الإمام النووي بقوله: [وهو تحصيل ما لا بد للناس منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية كحفظ القرآن والأحايث وعلومهما والأصول والفقه والنحو واللغة والتصريف ومعرفة رواة الحديث والإجماع والخلاف. وأما ما ليس علماً شرعياً ويحتاج إليه في قوام أمر الدنيا كالطب والحساب ففرض كفاية أيضاً ... ] المجموع ١/٢٦. الثالث: النفل: وهو كالتوسع في العلوم الشرعية. ويجب أن يعلم أن طلب العلم الشرعي أفضل من نوافل العبادات، قال الإمام النووي: [فصل في ترجيح الاشتغال بالعلم على الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات القاصرة على فاعلها] ثم ذكر عدداً من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة والتابعين والعلماء التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى: (ِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ومنها ما رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (خرج رسول الله ﷺ فإذا في المسجد مجلسان مجلس يتفقهون ومجلس يدعون الله ويسألونه فقال: كلا المجلس إلى خير وأما هؤلاء فيدععون الله تعالى وأما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل هؤلاء أفضل بالتعليم أرسلت ثم قعد معهم) . وقال عطاء: [مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج وأشباه هذا] . وقال أبو هريرة: [باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع] . وسأل رجل بان المبارك: [يا أبا عبد الرحمن في أي شيء أجعل فضل يويم في تعلم القرآن أو في تعلم العلم؟ فقال: هل تحسن من القرآن ما تقوم به صلاتك؟ قال: نعم. قال: عليك بالعلم] الآداب الشرعية ٢/٣٤. وينبغي أن يعلم أيضاً أنه لا يصح قول من يقول بوجوب ترك الصلاة النافلة أو ترك قراءة القرآن ووجوب الإنصات عندما يبدأ مدرس بإعطاء درس في المسجد احتجاجاً بالحديث السابق: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) ولأن طلب العلم فرض والصلاة النافلة وقراءة القرآن مندوبة، فهذا الكلام لا يصح لأن العلم المقصود بالحديث هو ما كان فرض عين فقط كما بينت سابقاً وأما مطلق العلم فليس كذلك. وما قررته هنا لا يتنافى مع ما سبق من أن طلب العلم الشرعي بشكل عام أفضل من نافلة الصلاة وقراءة القرآن. وأما أنه يجب على كل مصلي قطع صلاته أو أنه يجب على كل قارئ للقرآن قطع قراءته والاستماع للدرس فهذا مما لا دليل عليه وليس بصحيح. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346651,"book_id":3840,"shamela_page_id":1031,"part":"18","page_num":73,"sequence_num":1031,"body":"٧٣ - من البدع\rالاحتفال بالإسراء والمعراج لا أصل له في الشرع, يقول السائل: متى أسري بالنبي ﵊ وما حكم الاحتفال بمناسبة الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من رجب؟\rالجواب: إن حادثة الإسراء والمعراج حق وصدق ولا شك في ذلك ولا ريب وقد ثبت ذلك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأشارت إلى ذلك أول آية من سورة الإسراء حيث يقول تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) . وأما أنه ﷺ أسري به في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب فلم يثبت ذلك بسند صحيح وقد اختلف العلماء في وقت الإسراء والمعراج وعلى أقوال كثيرة، قال الحافظ ابن حجر: [وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث ثم اختلفوا فقيل قبل الهجرة بسنة قاله ابن سعد وغيره وبه جزم النووي وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه وهو مردود فإن في ذلك اختلافاً كثير يزيد على عشرة أقوال] فتح الباري ٨/٢٠١. ثم ذكر الحافظ هذه الأقوال وهي: - قبل الهجرة بثمانية أشهر. - قبل الهجرة بستة أشهر. - قبل الهجرة بسنة. - قبل الهجرة بأحد عشر شهراً. - قبل الهجرة بسنة وشهرين. - قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر. - قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر. - قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً. - قبل الهجرة بثلاث سنوات. - قبل الهجرة بخمس سنوات. وكما أنهم اختلفوا في تحديد السنة التي وقعت فيها حادثة الإسراء والمعراج فكذلك اختلفوا في الشهر الذي وقعت فيه فقيل كان ذلك في السابع والشعرين من رجب، وقيل في شهر رمضان، وقيل في شهر شوال، وقيل في شهر ربيع الأول، وقيل في شهر ربيع الثاني وقد ذكر هذه الأقوال كلها الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٨/٢٠٨. وقد بحث المسألة أيضاً الإمام القرطبي في تفسيره وذكر الاختلاف الكبير في تحديد وقت الإسراء والمعراج وزاد أنه قد روي أن الإسراء كان بعد مبعثه بخمس سنين. تفسير القرطبي ١٠/٢١٠. وأضاف الحافظ ابن كثير أن من العلماء من يرى أن الإسراء والمعراج وقع قبل الهجرة بستة عشر شهراً وكان ذلك في شعر ذي القعدة وذكر أن بعض الناس ادعى أن ذلك كان أول ليلة جعة من شهر رجب وعقب على ذلك بأنه لا أصل له. البداية والنهاية ٣/١٠٧. وقال العلامة أبو شامة المقدسي: [وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب] الباعث ص ١١٦. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة ولم يصح شيء من ذلك فروي أن النبي ﷺ ولد في أول ليلة منه وأنه بعص في السابع والعشرين منه وقيل في الخامس والعشرين ولا يصح شيء من ذلك وروي بإسناد لا يصح عن القاسم بن محمد أن الإسراء بالنبي ﷺ كان في سابع وعشرين من رجب وأنكر ذلك إبراهيم الحربي وغيره وروي عن قيس بن عباد قال: في اليوم العاشر من رجب ... ] لطائف المعارف ص ٢٣٣. وبعد هذا العرض للأقوال الواردة في وقت حادثة الإسراء والمعراج أقول إن لم يثبت بحديث صحيح توقيت هذه الحادثة لا في السابع والعشرين من رجب ولا غيره وبناء على ذلك فإن تحديد السابع والعشرين من رجب على أنه وقتها غير صحيح وينقصه الدليل الثابت وقد رأينا أن أهل العلم لم يثبتوا تلك الروايات الواردة في تعيين وقت هذه الحادثة وحتى لو سلمنا جدلاً أن وقت حادثة الإسراء والمعراج معلوم لا يجوز للمسلمين الاحتفال بهذه المناسبة لأن ذلك لم يرد عن رسول الله ﷺ ولا يجوز لهم أن يعتبروها عيداً من أعياد المسلمين تعطل فيه الأعمال وتقام فيه الاحتفالات لأن ذلك زيادة في الدين وشرع لم يأذن به الله قال بعض أهل العلم: [وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي ﷺ عند أهل العلم بالحديث ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصّوها بشيء من العبادات فلم يجز لهم أن يحتفلوا بها لأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لم يحتفلوا بها ولم يخصوها بشيء ولو كان الاحتفال بها أمراً مشروعاً لبينه الرسول ﷺ للأمة إما بالقول أو بفعل ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر ولنقله الصحابة ﵃ فقد نقلوا عن نبيهم ﷺ كل شيء تحتاجه الأمة ولم يفرطوا في شيء من الدين بل هم السابقون إلى كل خير فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعاً لكانوا أسبق الناس إليه والنبي ﷺ هو أنصح الناس للناس وقد بلغ الرسالة غاية البلاغ وأدى الأمانة فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الإسلام لم يغفله النبي ﷺ ولم يكتمه فلما لم يقع شيء من ذلك علم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليس من الإسلام في شيء وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها وأتم عليها النعمة وأنكر على من شرع في الدين ما لم يأذن به الله قال ﷾ في كتابه المبين من سورة المائدة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) وقال ﷿ في سورة الشورى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وثبت عن رسول ﷺ في الأحاديث الصحيحة التحذير من البدع والتصريح بأنها ضلالة تنبيهاً للأمة على عظم خطرها وتنفيراً لهم من اقترافها ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية لمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وفي صحيح مسلم عن جابر ﵂ قال: (كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته يوم الجمعة: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) فتاوى الهيئة الدائمة للبحوث العلمية ٣/٤٥. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346652,"book_id":3840,"shamela_page_id":1032,"part":"18","page_num":74,"sequence_num":1032,"body":"٧٤ - احاديث مكذوبة\rحوار مكذوب بين الرسول ﷺ وإبليس تقول السائلة: هناك ورقة مطبوعة يقوم بعض الناس بتوزيعها بعنوان: \" حوار بين الرسول ﷺ وإبليس لعنه الله \" وذكر تحت هذا العنوان حديث عن معاذ بن جبل عن ابن عباس قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بيت رجل من الأنصار في جماعة فنادى مناد يا أهل المنزل أتأذنون لي بالدخول ولكم إلي حاجة؟ قال رسول الله ﷺ: أتعلمون من المنادي؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ: هذا إبليس لعنه الله تعالى ... الخ. ثم ساق حديثاً طويلاً جداً على شكل حوار بين الرسول ﷺ وإبليس وذكر في آخره أنه مأخوذ من كتاب شجرة الكون لمحي الدين بن عربي، وتسأل السائلة عن صحة هذا الحديث وهل ثبت ذلك عن الرسول ﵊؟\rالجواب: لا شك أن هذا الحديث المشار إليه مكذوب مختلق ورسول الله ﷺ منه بريء وهو محض اختلاق وعلامات الوضع عليه ظاهرة جداً فإن للحديث النبوي نوراً يدل عليه، قال بعض أهل العلم: [إن للحديث ضوءاً كضوء النهار يعرفه وظلمة كظلمة الليل تنكره] وقال ابن الجوزي: [الحديث المنكر يقشعر له جلد طالب العلم وينفر منه قلبه في الغالب] . وهذا الكلام وما قبله ينطبق على الحديث المشار إليه ويضاف إلى ذلك طوله المستغرب وركاكة ألفاظه كما أن المصدر الذي نقل منه لا يعتبر ولا يعتد به ولا بمؤلفه فهو دجال من الدجاجلة ومخرف من المخرفين وشيطان من شياطين الإنس والعياذ بالله. قال عنه العز بن عبد السلام سلطان العلماء: [شيخ سوء كذّاب] . وقال الحافظ الذهبي عنه: [ ... ومن أردأ مؤلفاته كتاب \" الفصوص \" فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر ... ] سير أعلام النبلاء ٢٣/٤٨. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346653,"book_id":3840,"shamela_page_id":1033,"part":"18","page_num":75,"sequence_num":1033,"body":"٧٥ - احاديث مكذوبة\rيقول السائل: ينتشر بين الناس حديث منسوب إلى الرسول ﷺ ونصه: سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا اسمه همهم بطونهم ودينهم دراهمهم وقبلتهم نسائهم. فهل هذا حديث ثابت عن الرسول ﷺ؟\rالجواب: لقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة ويتناقله كثير من الناس مع تفاوت في ألفاظه وعباراته وقد طبعه بعض الناس في نشرات وزعت على الناس وعلقت في بعض المساجد وهذا حديث باطل غير ثابت عن الرسول ﷺ وقد روى بعض ألفاظه الديلمي في مسند الفردوس وهو موطن الروايات الواهية والموضوعة المكذوبة وذكر بعض ألفاظه صاحب كنز العمال وغيرهما وخلاصة الأمر أن الحديث غير ثابت عن الرسول ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346654,"book_id":3840,"shamela_page_id":1034,"part":"18","page_num":76,"sequence_num":1034,"body":"٧٦ - خاتم النبوة\rيقول السائل: ما قولكم في هذه الورقة المطبوعة والتي توزع في المساجد ومكتوب عليها ما يلي: هذا مثال خاتم النبوة الذي كان بين كتفيه ﷺ ومكتوب من الشعر بقلم القدرة: توجه حيث شئت فإنك منصور الله وحده لا شريك له محمد رسول الله فإنك منصور. ثم كتب في أسفل الورقة ما يلي: ومن خواصه ما نقله الترمذي أن من توضأ ونظر إليه وقت الصبح حفظه الله تعالى إلى وقت المغرب ومن نظر إليه وقت المغرب حفظه الله تعالى إلى وقت الصبح ومن نظر إليه أول الشهر يحفظه الله إلى آخره ومن نظر إليه أول السنة يحفظه الله إلى آخرها من البلاء والآفات ومن نظر إليه أول الشهر يصير ذلك مباركاً عليه وإن مات في تلك السنة يختم له بالإيمان.\rالجواب: إن خاتم النبوة حق وصدق وكان بين كتفي النبي ﷺ وهو من علامات النبوة التي كان أهل الكتاب يعرفونه بها وقد ورد ذكر خاتم النبوة في أحاديث كثيرة منها: عن السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن ابن أختي وجع، فنمسح رأسي ودعا لي بالبركة ثم توضأ فشربت من وضوئه ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: (فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زر الحجلة) . وعن جابر بن سمرة قال: (كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته ... ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده) رواه مسلم. وعن عاصم بن عبد الله بن سرجس قال: (رأيت النبي ﷺ وأكلت معه خبزاً ولحماً أو قال ثريداً قال: فقلت له: أستغفر لك النبي ﷺ؟ قال: نعم ولك ثم تلا هذه الآية: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) قال: ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل) رواه مسلم. وعن أبي نضرة العوقي قال: سألت أبي سعيد الخدري عن خاتم رسول الله ﷺ؟ يعني خاتم النبوة فقال: كان في ظهره بضعة ناشزة) رواه الترمذي في مختصر الشمائل وقال الشيخ الألباني: وسنده جيد. ثم قال الألباني: [أي كان الخاتم في ظهره الشريف قطعة لحم ظاهرة] . هذه بعض الأحاديث التي وردت في إثبات خاتم النبوة وصفته ومحله من جسده الشريف ﵊، وقد ورد في الخاتم أحاديث أخرى لا يعول عليها ولا يعتمد عليها وهي إما ضعيفة أو مكذوبة باطلة. ومن الأحاديث الباطلة الحديث المذكور في آخر الصفحة المشار إليها فإنه حديث باطل لم يروه الترمذي صاحب السنن ولعل الترمذي المذكور هو الحكيم الترمذي صاحب النوادر وكتابه موطن للأحاديث الضعيفة والواهية. وأما ما ذكر من أن خاتم النبوة مكتوب من الشعر بقلم القدرة وذكروا الكلمات التي كتبت على ظهر الرسول ﷺ بالشعر فهذا كلام باطل من الخرافات التي لا تصح. قال الحافظ ابن حجر: [وأما ما ورد من أنها-أي خاتم النبوة-كانت كأثر محجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء أو مكتب عليها محمد رسول الله أو سر فأنت منصور أو نحو ذلك فلم يثبت منها شيء وقد أطنب الحافظ قطب الدين في استيعابها في شرح السيرة وتبعه مغلطاي في الزهر الباسم ولم يبين شيئاً من حالها. والحق ما ذكرته ولا تغتر بما وقع في صحيح ابن حبان فإنه غفل حيث صحح ذلك والله أعلم] فتح الباري ٧/٣٧٤. وقال الحافظ الهيثمي: [اختلط على بعض الرواة خاتم النبوة بالخاتم الذي كان يختم به الكتب] يعني أن الخاتم الذي اتخذه الرسول ﵊ وكان يختم به الكتب نقش عليه محمد رسول الله كما ورد في بعض الأحاديث، فظنوا أن تلك الكلمات كانت على خاتم النبوة الذي كان في ظهره الشريف ﵊ وليس الأمر كذلك. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346655,"book_id":3840,"shamela_page_id":1035,"part":"18","page_num":77,"sequence_num":1035,"body":"٧٧ - إحذروا هذه الخرافة\rوصية الشيخ أحمد المكذوبة: يسأل كثير من الناس في هذه الأيام عن صحة الوصية المذكورة لاحقاً والمنسوبة إلى الشيخ أحمد حامل مفاتيح الحرم النبوي والتي توزع بكثرة وتداولها الناس وهذا هو نص الوصية وبعض نسخها يختلف عن البعض الآخر بزيادة أو نقصان. تقول الوصية: [هذه التوصية من المدينة المنورة من الشيخ أحمد حامل مفاتيح حرم الرسول ﷺ في مشارق الأرض ومغاربها إليكم هذه التوصية: يقول الشيخ أحمد: إنه كان في ليلة يقرأ القرآن في حرم الرسول وفي تلك اللحظة غلبني النوم ورأيت في نومي رسول الله أتى إلي وقال: إنه قد مات هذا الأسبوع أربعون ألفاً من الناس على غير إيمانهم وإنهم ماتوا ميتة الجاهلية وإن النساء لا يطيعون أزواجهن ويظهرن أمام الرجال بزينتهن من غير ستر ولا حجاب عاريات الجسد ويخرجن من بيوتهن من غير علم أزواجهن وأن الأغنياء من الناس لا يؤدون الزكاة ولا يحجون إلى بيت الله الحرام ولا يساعدون الفقراء ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر. وقال لي رسول الله أن تبلغ الناس أن يوم القيامة قريب قريباً يظهر لكم نجمة في السماء ترونها جلياً وتقترب الأرض إلى السماء. ويقول الشيخ أحمد أن رسول الله قال إنه إذا قام أحد الناس بنشر هذه الوصية بين المسلمين فإنه سيحظى بشافعة رسول الله يوم القيامة ويحصل على الخير الكثير ويقضي حوائجه في الدنيا ويصونه من جميع البليات وشرور نفسه ويقضي الله دينه ويحصل على الخير الكثير والرزق الوفير ... أما إذا اطلع أحد على هذه الوصية ورماها بعيداً فإنه آثم إثماً كبيراً أو إذا اطلع عليها وما قام بنشرها فإنه يحرم من رحمة الله يوم القيامة ... ولهذا أطلب من الذين يقرأون هذه الوصية أن يقوموا بقراءة الفاتحة للنبي هذا وقد طلب مني رسول الله أن أبلغ أحد خدم الحرم الشرف أن القيامة قريبة فاستغفروا الله ... وحلمت يوم الإثنين بأنه من قام بنشر ثلاثون ورقة من هذه الوصية بين المسلمين فإن الله يزيل عنه الهم والغم ويوسع الله عليه في رزقه ويحل كل مشاكله ويرزقه خلال أربعين يوماً تقريباً وقد علمت أن أحدهم قام بنشره فرزقه الله بستة آلاف روبية ... وأن شخصاً كذب الوصية فقد ابنه في نفس اليوم وأشهد أن هذه المعلومات لا شك فيها ولا عفو فآمنوا بالله واعملوا صالحاً حتى يوفقنا الله في أعمالنا ويصلح شأننا في الدنيا والآخرة ويرحمنا برحمته. ويقول الله تعالى: (فَالَّذِينَءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) سورة الأعراف الىية ١٥٧. (الَّذِينَءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) سورة يونس الآية ٦٣-٦٤. (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) سورة إبراهيم الآية ٢٧. لقد وزعت هذه التوصية حول العالم سبع مرات علماً أن هذه الوصية ستجلب لك بعد توزيعها الفلاح والخير بع أربعة أيام بإذن الله من وصولها إليك وليس الدين لهواً أو لعباً ... لذلك عليك أن تنشر نسخاً من هذه الوصية بعد ستة وتسعون ساعة من قرائتك لها ... وسبق أن وصلت هذه الوصية إلى أحد رجال الأعمال فوزعها فوراً ومن ثم جاءته أخبار بنجاح صفقة تجارية بتسعين ألف دينار بحيرني زيادة عما كان يتوقعه وأن أحد الأطباء وصلته هذه الوصية فأهملها فجاء مصرعه في حادث سيارة وغدا جثة هامدة تحدث عنها الجميع ... كما اغفلها أحد المقاولين توفي ابنه الأكبر في بلد عربي شقيق ... لذا يرجى إرسال خمسة وعشرين نسخة من هذه الوصية وينشر المرسل بما يحصل له في اليوم الرابع ... وحيث إن مهمة هذه الوصية الطواف حول العالم كله ... فيجب إرسال خمسة وعشرين نسخة متطابقة إلى أحد أصدقائك إلى معارفك ... وبعد أيام إن شاء الله ستفاجئ بالأخبار الطيبة وكما أسلفنا فإن من سبق ذكره ليس هواجس أو وساوس ... فآمنوا بالله واعملوا صالحاً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته] . الجواب: إن هذه الوصية معروفة لدى أهل العلم منذ زمن طويل وليست جديدة وقد بين كثير من أهل العلم كذب هذه الوصية المزعومة ونشروا في ذلك فتاوى خاصة ولا بأس من توضيح بعض الأمور المتعلقة بهذه الوصية المكذوبة: أولاً: ذكر في الوصية المكذوبة أن عدد من مات من الناس خلال أسبوع بلغ أربعين الفاً ماتوا على غير الإيمان وهذا الكذب الصراح والتقول على الله ﷾ لأن معرفة عدد الأموات سواء كانوا مؤمنين أو غيرهم لا يعلمه إلا الله ﷾ وهو من الغيب وطريق معرفة الغيب من الوحي ولا وحي بعد وفاة الرسول ﷺ. ثانياً: ما ورد في الوصية المكذوبة من أخبار عن قرب يوم القيامة وعن تحلل الناس من الأحكام الشرعية ونحو ذلك عن الأمور المعروفة والثابتة في الكتاب والسنة ولا يحتاج الأمر إلى هذه الوصية المكذوبة. ثالثاً: ما ورد في الوصية المكذوبة من الأجر العظيم على كتابتها وأنه يحظى بشفاعة الرسول ﷺ فهو من أعظم الكذب والدجل لأن الأجر والثواب لا يعلمه إلا الله وشفاعة رسول الله ﷺ لا تنال بمجرد كتابة القرآن كله فضلاً عن كتابة هذه الوصية المكذوبة وكذلك ما ورد من الوعيد الشديد لمن لم يكتبها أو ينشرها وأنه يحرم من رحمة الله فهو كذب على الله وافتراء عظيم. رابعاً: إن الله ﷾ أتم الإسلام وأكمله قبل وفاة الرسول ﷺ قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ففي كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ يغني عن هذه الخزعبلات والترهات الفارغة. خامساً: يحرم على المسلم نشر هذه الوصية المكذوبة وتداولها ويجب تنبيه الناس إلى أنها كذب وافتراء على دين الله. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346656,"book_id":3840,"shamela_page_id":1036,"part":"18","page_num":78,"sequence_num":1036,"body":"٧٨ - السحر والشعوذة والاستعانة بالحن\rيقول السائل: ما هي الآيات التي تنفع في إبطال السحر؟\rالجواب: لا شك أن القرآن الكريم فيه شفاء للناس وقد ذكر العلماء عدداً من الآيات القرآنية على وجه الخصوص تنفع وتفيد في إبطال السحر بإذن الله ﷾ وهذه الآيات هي: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) ، (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ) ، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) ، (قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) ، بسم الله الرحمن الرحيم (يس وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَءَابَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) ، (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) آمين، اللهم إني أعيذ ... باسمائك وصفاتك العليا أن تحفظ من كل سوء وإني أعيذ ... بكلمات الله التامات من شر ما خلق. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346657,"book_id":3840,"shamela_page_id":1037,"part":"18","page_num":79,"sequence_num":1037,"body":"٧٩ - السحر والشعوذة والاستعانة بالحن\rيقول السائل في رسالة طويلة ما ملخصه: أنه يوجد عندهم امرأة تستعين بالجن في علاج المرضى فما حكم ذلك؟\rالجواب: استعانة الإنس بالجن على أحوال كما فصلها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: [فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسوله من عبادة الله وحده وطاعة نبيه ويأمر الإنس بذلك فهذا من أفضل أولياء الله تعالى وهو في ذلك من خلفاء الرسول ونوابه. ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له كأن يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حرم عليهم ويستعملهم في مباحات له فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك وهذا إذا قدر أنه من أولياء الله تعالى فغايته أن يكون في عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ومن كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله إما في الشرك وإما في قتل معصوم الدم أو في العدوان عليهم بغير القتل كتمريضه وإنسائه العلم وغير ذلك من الظلم وإما في فاحشة كجلب من يطلب منه الفاحشة فهذا قد استعان بهم على الإثم والعدوان ثم إن استعان بهم على الكفر فهو كافر وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص إما فاسق وإما مذنب غير فاسق وإن لم يكن تام العلم بالشريعة فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات، مثل أن يستعين بهم على الحج أو أن يطيروا به عند السماع البدعي أو أن يحملوه إلى عرفات ولا يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله وأن يحملوه من مدينة إلى مدينة ونحو ذلك فهذا مغرور قد مكرا به] مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/٣٠٧ -٣٠٨.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346658,"book_id":3840,"shamela_page_id":1038,"part":"18","page_num":80,"sequence_num":1038,"body":"٨٠ - السحر والشعوذة والاستعانة بالحن\rفك السحر بالسحر, تقول السائلة: هل يجوز الذهاب إلى العراف لسؤاله هل فلان من الناس مسحور أم لا؟ وهل يجوز أن نطلب منه فك السحر أم لا؟\rالجواب: يحرم شرعاً الذهاب إلى العرافين والسحرة والكهنة وأمثالهم ولا يجوز للمسلم أن يصدقهم فيما يقولون ويخبرون به فقد ثبت في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) رواه مسلم. وورد في حديث آخر أن الرسول ﷺ قال: (من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد) رواه أصحاب السنن وغيرهم وهو حديث صحيح. ولا يجوز فك السحر بالسحر وهو المعروف بالنشرة أي حل السحر وإبطاله بسحر آخر ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ: (ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له) رواه الطبراني وهو حديث حسن كما قال الألباني. وقد سئل الرسول ﷺ عن النشرة-فك السحر بالسحر-فقال: (هي من الشيطان) رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد. والطريق المشروع لفك السحر وإبطاله يكون بالقرآن الكريم والأدعية الشرعية الثابتة عن الرسول ﷺ ومن ذلك قراءة آية الكرسي من سورة البقرة و (قل يا أيها الكافرون) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) و (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ) سورة الأعراف الآيات ١١٧-١١٩. وقوله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) سورة يونس الآيات ٧٩-٨٢. والآيات من سورة طه:، (قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) سورة طه ٦٥-٦٩. ومن الأدعية الثابتة عن الرسول ﷺ في علاج السحر وغيره: (اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً) . ومنه رقية جبريل التي رقى بها النبي ﷺ وهي: (باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك) ويكرر ذلك ثلاث مرات وغير ذلك من الأدعية والأذكار. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346659,"book_id":3840,"shamela_page_id":1039,"part":"18","page_num":81,"sequence_num":1039,"body":"٨١ - الزمن والمواقيت\rالأشهر الحرم, يقول السائل: ما هي الأشهر الحرم وما هي الأمور التي لا يجوز فعلها فيها؟\rالجواب: يقول الله ﷾: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) سورة التوبة الآية ٣٦. الأشهر الحرم المقصودة في الآية هي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب الذي هو بين جمادى الآخرة وشعبان وقد حدد الرسول ﷺ رجباً بهذا لأن بعض العرب كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجباً فقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) رواه البخاري ومسلم. والأشهر الحرم لها فضل عظيم فضلها الله ﷾ على سائر الأشهر ولله ﷾ حكمة عظيمة في ذلك قال ابن عباس ﵄ خص الله من شهور العام أربعة أشهر فجعلهن حرماً وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن والعمل الصالح والأجر أعظم. وعن قتادة قال: [الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها وإن كان الظلم في كل حال عظيماً ولكن الله يعظم من أمره إن شاء فإن الله تعالى اصطفى صفايا من خلقه اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس رسلاً واصطفى من الكلام ذكره-جل وعلا-واصطفى من الأرض المساجد واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم واصطفى من الأيام يوم الجمعة واصطفى من الليالي ليلة القدر] . قال قتادة: [فعظموا ما عظم الله إنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم والعقل] . وقد كان العرب في الجاهلية يحرمون القتال في الأشهر الحرم وأقر الإسلام هذا الحكم يقول الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) سورة البقرة الآية ٢١٧، ثم نسخ هذا الحكم كما قال جماعة من المفسرين بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) سورة التوبة الآية ٣٦. وقد حث النبي ﷺ على صيام الأشهر الحرم كما ورد في الحديث عن رجل من باهلة قال: (أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أنا الرجل الذي أتيتك عام الأول. فقال: مالي أرى جسمك ناحلاً؟ قال: يا رسول الله، ما أكلت طعاماً بالنهار ما أكلت إلا بالليل. قال: من أمرك أن تعذب نفسك؟ قلت: يا رسول الله إني أقوى. قال: صم شهر الصبر ويوماً بعده. قلت: إني أقوى. قال: صم شهر الصبر ويومين بعده. قلت: إني أقوى. قال صم شهر الصبر وثلاثة ايام بعده وثم أشهر الحرم) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وسنده جيد. وجاء في الحديث أن النبي ﷺ سئل: (أي الصيام بعد رمضان أفضل؟ قال: شهر الله المحرم) رواه البخاري ومسلم. ونظراً لتعظيم هذه الأشهر وفضلها قال جماعة من الفقهاء بتغليظ الدية على من قتل في الأشهر الحرم خطأ. قال الإمام الشافعي: [تغلظ الدية في النفس وفي الجراح في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وذوي الرحم] والصحيح عدم التغليظ. وأخيراً فإني أنبه على أن بعض الناس يظنون أن الصيد في الأشهر الحرم ممنوع والصحيح أن الصيد لا يحرم في الأشهر الحرم ما عدا من يصيد في مكة والمدينة لأن كلا منها حرم فلا يحل الصيد فيهما وكذلك من كان محرماً بحج أو عمرة فلا يحل له صيد البر وأما ما عدا ذلك فيجوز الصيد سواء كان في الأشهر الحرم أو في غيرها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346660,"book_id":3840,"shamela_page_id":1040,"part":"18","page_num":82,"sequence_num":1040,"body":"٨٢ - الزمن والمواقيت\rيقول السائل: ما قولكم في أن كثيراً من الناس والمؤسسات الرسمية وغيرها تستعمل الأشهر الميلادية في التأريخ لمراسلاتها وكتاباتها وقد أدى هذا الأمر إلى أن كثيراً من الناس لا يكادون يعرفون الأشهر الهجرية وكذلك فهنالك دعاوى لتغيير الأرقام العربية إلى أرقام أوروبية، أفيدونا وجزاكم الله خيراً؟\rالجواب: مما يؤسف له أن هجمة التغريب التي تعرضت لها الأمة المسلمة قد امتدت إلى كل ما يتعلق بالأمة الإسلامية، دينها ولغتها وعاداتها وتقاليدها. وقد لقيت دعوات التغريب آذاناً صاغيةً وأيادٍ منفذة لهذه الأفكار ولم يسلم شيء تقريباً من هذه الهجمات التغريبية ومن ضمن ذلك اعتماد التأريخ الميلادي في مختلف شؤون الحياة والدعوة إلى استبدال رسم الأرقام العربية بالأرقام الأوروبية. أما بالنسبة لاعتماد التأريخ الميلادي فيجب أن يعلم أن التاريخ الهجري هو سمة من سمات الأمة الإسلامية لا يجوز الاستغناء عنه واستبداله بالتاريخ الميلادي بشكل تام. ومن المعلوم أن عمر بن الخطاب هو الذي سن فكرة التأريخ من أول محرم، قال ابن الأثير: [والصحيح المشهور أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر بوضع التأريخ والسبب في ذلك: أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تأريخ. فجمع عمر الناس للمشورة فقال بعضهم: أرخ بمبعث النبي ﷺ وقال بعضهم: بمهاجرة رسول الله ﷺ، فقال عمر: بل نؤرخ بمهاجرة رسول الله ﷺ فإن مهاجرته فرق بين الحق والباطل، قال الشعبي: وقال محمد بن سيرين: قام رجل إلى عمر، فقال: أرخوا، فقال عمر: ما أرخوا؟ فقال: شيء تفعله الأعاجم في شهر كذا من سنة كذا، فقال عمر حسن فأرخوا فاتفقوا على الهجرة ثم قالوا: من أي الشهور؟ فقالوا: من رمضان، ثم قالوا: فالمحرم هو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فأجمعوا عليه] التشبه المنهي عنه ص ٥٤٣-٥٤٤. إن علماء الأمة كرهوا استعمال التقويم الميلادي لما له من ارتباط ديني عند النصارى وهو ميلاد عيسى ﵇ ولا يجوز التشبه بهم في أمر دينهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وما زال السلف يكرهون تغيير شعائر العرب في المعاملات وهو التكلم بغير العربية إلا لحاجة كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد. بل قال مالك من تكلم في مسجدنا بغير العربية أخرج منه مع أن سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها ولكن سوغوها للحاجة وكرهوها لغير الحاجة. ولحفظ شعائر الإسلام فإن الله أنز كتابه باللسان العربي وبعث نبيه العربي وجعل الأمة العربية خير الأمم فصار حفظ شعارهم من تمام حفظ الإسلام] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣٢/٢٥٥. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [وأما الرطانة وتسمية شهورهم بالأسماء العجمية فقال أبو محمد الكرماني - المسمى بحرب -: باب تسمية الشهور بالفارسية: قلت لأحمد: فإن للفرس أياماً وشهوراً يسمونها بأسماء لا تعرف؟ فكره ذلك أشد الكراهة وروى فيه عن مجاهد حديثاً أنه كره أن يقال: آذرماه، وذي ماه - أسماء شهور فارسية - قلت: فإن كان اسم رجل أسميه به؟ فكرهه. قال: وسألت إسحاق قلت: تاريخ الكتاب يكتب بالشهور الفارسية مثل: آذرماه، وذي ماه؟ قال: إن لم يكن في تلك الأسامي اسم يكره فأرجو. قال وكان ابن المبارك يكره إيزدان يحلف به، وقال: لا آمن أن يكون أضيف إلى شيء يعبد وكذلك الأسماء الفارسية قال: وكذلك أسماء العرب كل شيء مضاف. قال: وسألت إسحاق مرة أخرى قلت: الرجل يتعلم شهور الروم والفرس؟ قال: كل اسم معروف في كلامهم فلا بأس. فما قاله أحمد من كراهة الأسماء له وجهان: أحدهما: إذا لم يعرف معنى الاسم جاز أن يكون معنى محرماً فلا ينطق المسلم بما لا يعرف معناه ولهذا كرهت الرقى العجمية كالعبرانية أو السريانية أو غيرها خوفاً أن يكون فيها معان لا تجوز. وهذا المعنى هو الذي اعتبره إسحاق لكن إن علم أن المعنى مكروه فلا ريب في كراهته وإن جهل معناه فأحمد كرهه وكلام إسحاق يحتمل أنه لم يكرهه. الوجه الثاني: كراهته أن يتعود الرجل النطق بغير العربية فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون] اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٥١٨-٥١٩. وكذلك فإن في اعتماد التأريخ الميلادي ربطاً لأجيال المسلمين بتأريخ النصارى وأعيادهم وإبعاداً لهم عن تأريخهم الهجري الذي ارتبط برسولهم ﵊ وبشعائر دينهم وعبادتهم. قال القرطبي: تعليقاً على قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) سورة التوبة الآية ٣٦. قال: [هذه الآية تدل على أن تعلق الأحكام في العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهراً لأنها مختلفة الأعداد منها ما يزيد على ثلاثين ومنها ما ينقص وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص] التشبه المنهي عنه ص ٥٤٤-٥٤٥. وخلاصة الأمر أنه لا يجوز إهمال استعمال التقويم الهجري واستعمال التقويم الميلادي بدلاً عنه. والأصل أن نستعمل التقويم الهجري ولا بأس باستعمال التقويم الميلادي إلى جانبه. وأما بالنسبة لتغيير الأرقام العربية إلى الأرقام الأوروبية فيجب أن يعلم أن الزعم بأن الأرقام التي نستعملها حالياً \" ١، ٢، ٣ ... \" هي أرقام هندية وأن الأرقام الأوروبية \" ١,٢,٣ ... \" هي الأرقام العربية كلام غير صحيح لم تقم عليه أدلة معتبرة وإنما ذلك مجرد دعوى وقد بحث هذه المسألة المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي وكذلك هيئة كبار العلماء السعودية وقد صدر عن المجمع القرار التالي: [فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد نظر في الكتاب الوارد ... المتضمن أن هناك نظرية تشيع بين بعض المثقفين مفادها أن الأرقام العربية في رسمها الراهن هي أرقام هندية وأن الأرقام الأوروبية هي الأرقام العربية الأصلية ويقودهم هذا الإستنتاج إلى خطوة أخرى هي الدعوة إلى اعتماد الأرقام في رسمها الأوروبي في البلاد العربية داعمين هذا المطلب بأن الأرقام الأوروبية أصبحت وسيلة للتعامل الحسابي مع الدول والمؤسسات الأجنبية التي باتت تملك نفوذاً واسعاً في المجالات الاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية وإن ظهور أنواع الآلات الحسابية والكمبيوتر التي لا تستخدم إلا هذه الأرقام يجعل اعتماد رسم الأرقام الأوروبي في البلاد العربية أمراً مرغوباً فيه إن لم يكن شيئاً محتوماً لا يمكن تفاديه. واطلع المجلس على قرار مجلس هيئة كبار العلماء ... في هذا الموضوع والمتضمن أنه لا يجوز تغيير رسم الأرقام العربية المستعملة حالياً إلى رسم الأرقام المستعملة في العالم الغربي للأسباب التالية: أولاً: أنه لم يثبت ما ذكره دعاة التغيير من أن الأرقام المستعملة في الغرب هي الأرقام العربية بل إن المعروف غير ذلك والواقع يشهد له كما أن مضي القرون الطويلة على استعمال الأرقام الحالية في مختلف الأحوال والمجالات يجعلها أرقاماً عربيةً وقد وردت في اللغة العربية كلمات لم تكن في أصولها عربية وباستعمالها أصبحت من اللغة العربية حتى أنه وجد شيء منها في كلمات القرآن الكريم - وهي التي توصف بأنها كلمات معربة -. ثانياً: إن الفكرة لها نتائج سيئة وآثار ضارة فهي خطوة من خطوات التغريب للمجتمع الإسلامي تدريجياً يدل لذلك ما ورد في الفقرة الرابعة من التقرير المرفق بالمعاملة ونصها: [صدرت وثيقة من وزراء الإعلام في الكويت تفيد بضرورة تعميم الأرقام المستخدمة في أوروبا لأسباب أساسها وجوب التركيز على دواعي الوحدة الثقافية والعلمية وحتى السياحية على الصعيد العالمي] . ثالثاً: إنها- أي هذه الفكرة - ستكون ممهدة لتغيير الحروف العربية واستعمال الحروف اللاتينية بدل العربية ولو على المدى البعيد. رابعاً: إنها أيضاً مظهر من مظاهر التقليد للغرب واستحسان طرائقه. خامساً: إن جميع المصاحف والتفاسير والمعاجم والكتب المؤلفة كلها تستعمل الأرقام الحالية في ترقيمها أو ف الإشارة إلى المراجع وهي ثروة عظيمة هائلة وفي استعمال الأرقام الإفرنجية الحالية - عوضاً عنها - ما يجعل الأجيال القادمة لا تستفيد من ذلك التراث بسهولة ويسر. سادساً: ليس من الضروري متابعة بعض البلاد العربية التي درجت على استعمال رسم الأرقام الأوروبية فإن كثيراً من تلك البلاد قد عطلت ما هو أعظم من هذا وأهم وهو تحكيم شريعة الله كلها مصدر العز والسيادة والسعادة في الدنيا والآخرة فليس عملها حجة. وفي ضوء ما تقدم يقرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي ما يلي: أولاً: التأكيد على مضمون القرار الصادر عن مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في هذا الموضوع والمذكور آنفاً والمتضمن عدم جواز تغيير رسم الأرقام العربية المستعملة حالياً برسم الأرقام الأوروبية المستعملة في العالم الغربي للأسباب المبينة في القرار المذكور. ثانياً: عدم جواز قبول الرأي القائل بتعميم رسم الأرقام المستخدمة في أوروبا بالحجة التي استند إليها من قال ذلك، وذلك أن الأمة لا ينبغي أن تدع ما اصطلحت عليه قروناً طويلة لمصلحة ظاهرة وتتخلى عنه تبعاً لغيرها. ثالثاُ: تنبيه ولاة الأمور في البلاد العربية إلى خطورة هذا الأمر والحيلولة دون الوقوع في شرك هذه الفكرة الخطيرة العواقب على التراث العربي والإسلامي] قرارات المجمع الفقهي والإسلامي ص ١٢٩-١٣١. وخلاصة الأمر أن استعمال رطانة الأعاجم في شهورهم وسنينهم وحساباتهم وغيرها تضعف الأمة بجعلها تابعة لغيرها مفضلة له على نفسها وتضعف لغتها وسائر روابطها كما هو مشاهد في الأمصار التي قلدت الإفرنج في هذه الأمور وأمثالها حتى ضاع استقلالهم وعزهم. الآداب الشرعية ٣/٤٣٢. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346661,"book_id":3840,"shamela_page_id":1041,"part":"18","page_num":83,"sequence_num":1041,"body":"٨٣ - فتوى حول الهجرة من فلسطين\rيقول السائل: ما رأيكم فيما نقل عن الشيخ ناصر الدين الألباني في فتواه حول دعوته لأهل فلسطين للهجرة، وما رأيكم فيما نشر من ردود على تلك الفتوى؟\rالجواب: لا شك لدي بأن ما نقل عن الشيخ الألباني-إن صح ذلك عنه-أنه خطأ واضح وأن الشيخ الألباني قد جانب الصواب في هذه الفتوى. ولا أريد أن أناقش هذه الفتوى لأن الحق فيها واضح ولكني أريد أن أتحدث عن بعض الردود وخاصة أن بعضها قد صدر عمن ينتسبون للعلم الشرعي ولا أعتب على بعض الصحافيين الذين وصفوا الشيخ الألباني بأوصاف لا تليق واستخدموا عبارات مجانبة للحوار والاختلاف البناء ولكني أسفت لما صدر عن بعض المشايخ من تفوهات وألفاظ مؤسفة وصف الشيخ الألباني بها بل أن بعضهم قد جرده من كل مؤهل وأنه يهرف بما لا يعرف وأنه دعي من الأدعياء ونقول لهؤلاء وأولئك: أنى لأي عالم مهما بلغ في العلم أن ينجو من الوقوع في الخطأ؟ فكل العلماء معرضون للوقوع في الأخطاء وكما يقال لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة ولا عصمة لغير رسول الله ﷺ. ولله در الإمام مالك إمام جار الهجرة ﵀ عندما قال: [كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر] وأشار بيده إلى قبر المصطفى ﷺ، ولو ذهبنا نحصي أخطاء علماء المسلمين لما سلم من ذلك إلا من رحم الله منهم. إن وقوع أي عالم في خطأ ما مهما كان هذا الخطأ لا يعني أن نجرده من كل علم وأن نصفه بأقبح الأوصاف وأن نلصق به شتى التهم ومختلف النقائص فإن هذا ليس من منهج علماء المسلمين في نقد آراء العلماء لأن النقد العلمي يجب أن يبنى على الحجج والبراهين والأدلة بأسلوب يتضمن الأدب والخلق الرفيع وينطوي على احترام الآخرين فالتهجم والتجريح ليس من شيم علماء المسلمين وكذلك الطعن في المخالفين وتجريدهم من الدين والعلم والفضل والخلق ليس من منهج النقد العلمي البناء. إن علماء المسلمين لهم احترامهم ولهم مكانتهم في قلوب المسلمين وينبغي التعامل معهم بكل أدب واحترام يليق بهم وإن صدرت عنهم آراء مجانبة للحق والصواب ولا يحق لأحد مهما كان أن يتناول العلماء بلسانه فإن لحوم العلماء مسمومة كما قال الحافظ ابن عساكر في كلمته النيرة التي تستحق أن تكتب بحروف من ذهب: [اعلم يا أخي - وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب] . وأود ان أذّكر من لا يعرف الشيخ الألباني وفضله وخدمته الجليلة لسنة المصطفى ﷺ ببعض ذلك فأقول: لا شك أن الشيخ الألباني هو محدث الديار الشامية في القرن الرابع عشر الهجري بلا منازع وأن جهوده الضخمة في خدمة السنة النبوية لا ينكرها إلا مكابر ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل فالشيخ الألباني قام ومنذ سنين طويلة بالعمل على خدمة السنة النبوية وأصدر عشرات المؤلفات التي استفاد منها طلبة العلم الشرعي في الجامعات والمعاهد وفي حلقات العلم في المساجد وأذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر: ١. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، وهو كتاب ضخم يقع في ثمانية مجلدات خرج فيه أحاديث كتاب منار السبيل من كتب فقه الحنابلة وبلغ عدد أحاديثه أكثر من ٢٧٠٠ حديث. ٢. سلسلة الأحاديث الصحيحة وصدر منها إلى الآن خمس مجلدات بلغت أحاديثها ٢٥٠٠ حديث. ٣. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة صدر منها إلى الآن أربع مجلدات بلغت أحاديثها ٢٠٠٠ حديث. ٤. صحيح الجامع الصغير وزيادته في ثلاثة مجلدات كبيرة مع ضعيف الجامع وبلغت أحاديثه أكثر من أربعة عشر ألف حديث. ٥. صفة صلاة النبي ﷺ. ٦. أحكام الجنائز. ٧. جلباب المرأة المسلمة. ٨. تخريج أحاديث الحلال والحرام. ٩. الأجوبة النافعة. هذه بعض مؤلفات الشيخ الألباني وله غيرها كثير. وفي الختام أدعو المنتسبين للعلم الشرعي أني يراعوا أدب الأسلام في الاختلاف وأن يتبعوا المنهج العلمي في النقد وأن يرتفعوا عن المهاترات وأن يلتزموا بقول الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) . *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346662,"book_id":3840,"shamela_page_id":1042,"part":"18","page_num":84,"sequence_num":1042,"body":"٨٤ - السباب\rيقول السائل: سبَّ شخص الدين في حالة غضب فقال له بعض الناس إنك قد كفرت وخرجت من ملة الإسلام والمسلمين وإن زواجك قد صار مفسوخاً فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: إن من الأمور المقلقة في المجتمع انتشار سب الدين وسب الرب بشكل ظاهر وواضح حيث إن هذه الظاهرة المنكرة أصبحت دارجة على ألسن كثير من الناس صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً ونسمعها باستمرار كلما تصايح اثنان وهذه الظاهرة المنكرة تحتاج إلى علاج شامل لتستأصل من أوساط الناس وعلاج هذه الظاهرة يحتاج إلى تضافر الجهود من أئمة المساجد والخطباء والمربين والمدرسين والآباء والأمهات وغيرهم. ولا بد أن نغرس معاني الإيمان في نفوس أبنائنا وبناتنا ونعلمهم أن سب الدين وشتم الذات الإلهية من نواقض الإيمان. والأسرة والبيت لهما دور كبير في ذلك وكذلك المدرسة فالمربون من المدرسين والمدرسات عليهم واجب كبير في هذه القضية وخاصة نحو صغار الأطفال الذين قد يسمعون هذه الشتائم لأول مرة في المدرسة من زملائهم أو في الشارع والحق يقال إن هذه الظاهرة منتشرة في بلادنا بشكل واضح مع الأسف الشديد بخلاف كثير من بلاد المسلمين فلا تكاد توجد عندهم ولا يعرفونها. ويجب أن يعلم أن العلماء قد بينوا أن سب الدين أو سب الرب أو سب الرسول ﷺ يعد كفراً مخرجاً من الملة وهو ردة عن دين الإسلام إذا كان الساب يعلم ما يصدر عنه حتى لو كان مستهزئاً. يقول الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) سورة التوبة الآيات ٦٥-٦٦. قال القاضي عياض: [لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم] الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢/٢٦٧. وقال القاضي عياض أيضاً: [قد تقدم من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ما يجب من الحقوق للنبي ﷺ وما يتعين له من بر وتوقير وتعظيم وإكرام وبحسب هذا حرم الله تعالى أذاه في كتابه وأجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) سورة الأحزاب الآية ٥٧. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة التوبة الآية ٦١. وقال الله تعالى (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) سورة الأحزاب الآية ٥٣. وقال تعالى في تحريم التعريض به: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة البقرة الآية ١٠٤. وذلك أن اليهود كانوا يقولون راعنا يا محمد أي أرعنا سمعك واسمع منا ويعرضون بالكلمة يريدون الرعونة فنهى الله المؤمنين عن التشبه بهم وقطع الذريعة بنهي المؤمنين عنها لئلا يتوصل بها الكافر والمنافق إلى سبه والاستهزاء به] الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢/٢١٧. وقال القاضي عياض أيضاً: [اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له فهو ساب له والحكم فيه حكم الساب يقتل كما نبينه ولا نستثني فصلاً من فصول هذا الباب على هذا المقصد ولا نمتري فيه تصريحاً كان أو تلويحاً. وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه. وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرَّا] الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢/٢٢٠. ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام اسحق بن راهوية أحد الأئمة الأعلام (أجمع المسلمون على أن من سب الله أو سب رسوله ﷺ أو دفع شيئاً مما أنزل الله ﷿ أو قتل نبياً من أنبياء الله ﷿ أنه كافر بذلك وإن كان مقراً بكل ما أنزل الله] . الصارم المسلول على شاتم الرسول ص٩. إذا تقرر أن سب الذات الإلهية وسب الرسول ﷺ وسب الدين كفر مخرج من الملة فيجب الانتباه إلى الفرق بين كون الشيء كفراً وتكفير الشخص الذي حصل منه ذلك بعينه فلا نستطيع أن نحكم بكفر كل إنسان إذا صدر منه ما يحكم العلماء أنه كفر لأن تكفير المعين يحتاج إلى معرفة أن موانع التكفير منتفية عن هذا الشخص المعين وقد ذكر أهل العلم أن موانع التكفير هي الخطأ والجهل والعجز والإكراه. قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين: [للحكم بتكفير المسلم شرطان: أحدهما أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء مما يكفر. الثاني: إنطباق الحكم على من فعل ذلك بحيث يكون عالماً بذلك قاصداً له فإن كان جاهلاً لم يكفر لقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) سورة النساء الآية ١١٥. وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) سورة التوبة الآية ١١٥. وقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) سورة الإسراء الآية ١٥. لكن إن فرط بترك التعلم والتبين لم يعذر مثل أن يبلغه أن عمله هذا كفر فلا يتثبت ولا يبحث فإنه لا يكون معذوراً حينئذ. وإن كان غير قاصد لعمل ما يكفر لم يكفر بذلك مثل أن يكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ومثل أن ينغلق فكره فلا يدري ما يقول لشدة فرح ونحوه كقول صاحب البعير الذي أضلها ثم اضطجع تحت شجرة ينتظر الموت فإذا بخطامها متعلقاً بالشجرة فأخذه فقال: [اللهم أنت عبدي وأنا ربك] أخطأ من شدة الفرح] فتاوى العقيدة ص٢٦٣-٢٦٤. وقد سئل الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي عن سب الدين أو الرسول ﷺ أو القرآن العظيم هل يكفر ولو كان جاهلاً؟ فقال: [هذا الباب كغيره من أبواب الكفر يعلّم ويؤدب فإن علّم وعاند بعد التعليم والبيان كفر وإذا قيل لا يعذر بالجهل فمعناه يعلم ويؤدب وليس معناه أنه يكفر] فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي ص٣٧٢. وبناء على ما تقدم فإن كثيراً من الناس الذين يسبون الدين والرب في بلادنا وتجري هذه الكلمة على ألسنتهم لا نستطيع أن نحكم عليهم بالكفر وبانفساخ زواجهم لأن هؤلاء يجهلون ما يترتب على التلفظ بالسب والشتم من نتائج وكذلك فإن السب والشتم يصدر منهم من غير قصد ولا إرادة وما كان كذلك فإن الله ﷾ لا يؤاخذ عليه كما في يمين اللغو التي يتلفظ بها الإنسان ولكنه لا يقصد اليمين فهو غير مؤاخذ بذلك، يقول الله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) سورة المائدة الآية ٨٩. ويضاف إلى ذلك أن السب والشتم إذا صدر عن الإنسان وهو في حالة من الغضب الشديد بحيث أنه لا يدري ما يصدر منه فأرجو أن لا يؤاخذ على كلامه. ولا يفهمن أحد أن في هذا الكلام تهويناً من هذه الجريمة المنكرة والعادة القبيحة ألا وهي سب الدين والذات الإلهية والرسول ﷺ فعلى من وقع منه ذلك أن يتوب إلى الله توبة صادقة وأن يكثر من الاستغفار ومن فعل الخيرات فلعل الله أن يتوب عليه يقول ﷾: (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) سورة الزمر الآية ٥٣. وخلاصة الأمر أن سب الدين والرب ردة في حق من ارتكبه عامداً قاصداً عالماً به غير جاهل ولا مكره. وأما من لم يتحقق فيه ذلك فهو مرتكب لذنب عظيم وعليه التوبة بشروطها ولا ينفسخ زواجه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346663,"book_id":3840,"shamela_page_id":1043,"part":"18","page_num":85,"sequence_num":1043,"body":"٨٥ - التدخين\rالقول المبين في حكم التدخين, يقول السائل: القول المبين في حكم التدخين, يقول السائل: هل لكم أن تبينوا لنا حكم التدخين بياناً شافياً؟\rالجواب: إن نبتة الدخان لم تكن معروفة في ديار الإسلام لذلك لم يتعرض لها الفقهاء المتقدمون في مؤلفاتهم وأول ما عرف الدخان في بلاد المسلمين في حوالي الألف للهجرة كما ذكر بعض العلماء ولما شاع التدخين اختلف الفقهاء في حكمه فمنهم من رأى أنه مباح ومنهم من رأى أنه حرام وخلافهم هذا كان قبل وقوفهم على أضرار التدخين أما الآن فقد أصبحت أضرار التدخين معلومة علماً تاماً ومقطوعاً بها. فقد اتفقت على أضراره الهيئات العلمية والمجامع الطبية وقرروا أنه سبب رئيس للسرطان وتليف الكبد وأمراض الشريان التاجي والذبحة الصدرية وسرطان الفم وغيرها من الأمراض الخبيثة لذلك رأى كثير من العلماء المعاصرين أن التدخين حرام وهذا هو القول الصحيح إن شاء الله وهذا التحريم مستند لما يلي: أولاً: ضرر التدخين المؤكد لصحة الإنسان المدخن وغيره: وهذا ما أكده أهل الخبرة والاختصاص من الأطباء والكيميائين وغيرهم فالدخان يتكون من مجموعة كثيرة من المواد منها أكثر من خمسة عشر نوعاً من السموم الفتاكة كالنيكوتين الذي يعد من السموم القوية والفعالة وله أثر سيء على الكلية والجهاز العصبي والدم، ومنها أول أكسيد الكربون وهو معروف بتأثيره السام وله تأثير سيء على الدم. ومنها القطران وهو المادة اللزجة الصفراء التي تؤدي إلى اصفرار الأسنان ونخرها وإلى التهابات اللثة وهو أخطر محتويات الدخان على الصحة ويسبب السرطان والتهابات الشعب الهوائية وغير ذلك من المواد الضارة التي تلحق الضرر والأذى بصحة المدخن فالتدخين يضر بالفم وبالشفاه واللثة والأسنان واللسان واللوزتين والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والأعصاب والدورة الدموية والجهاز البولي كما أن للتدخين ضرراً على النسل لذلك تُنصح الحوامل بعدم التدخين وما كان ضرره كذلك فلا شك في حرمته لأن الإسلام يحرم كل ضار يقول ﵊: (لاضرر ولا ضرار) رواه البيهقي وغيرهما وهو حديثٌ صحيح. وقال الإمام النووي: كل ما أضر أكله كالزجاج والحجر والسم يحرم أكله] . ثانياً: ضرر التدخين المالي: لا شك أن الملايين تنفق على التدخين وما يتعلق به وكذلك فإن الملايين تنفق في علاج الأمراض التي تنتج عن التدخين وأن الأرقام التي تذكر في هذا المجال أرقام كبيرة جداً مما يؤكد الضرر البالغ للتدخين على الناحية الإقتصادية على مستوى الأفراد الشعوب والإسلام لا يقر أبداً إنفاق الأموال في هذه الجوانب فإن إنفاق المال في التدخين إنفاق له فيما لا ينفع لا في الدنيا ولا في الآخرة. ثالثاً: يقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله: [وهناك ضرر آخر يغفل عنه عادة الكاتبون في هذا الموضوع وهو الضرر النفسي وأقصد به أن الإعتياد على التدخين وأمثاله يستعبد إرادة الإنسان، ويجعلها أسيرة لهذه العادة السخيفة بحيث لا يستطيع أن يتخلص منها بسهولة إذا رغب في ذلك يوماً لسببٍ ما. كظهور ضررها على بدنه أو سوء أثرها في تربية ولده أو حاجته إلى ما ينفق فيها لصرفه في وجوه أخرى أنفع وألزم أو نحو ذلك من الأسباب لهذا الإستعباد النفسي لدى بعض المدخنين يجور على قوت أولاده والضروري من نفقة أسرته ومن أجل إرضاء مزاجه هذا لأنه لم يعد قادراً على التحرر منه وإذا عجز مثل هذا يوماً عن التدخين لمانع داخلي أو خارجي فإن حياته تضطرب وميزانه يختل وحاله تسوء وفكره يتشوش وأعصابه تثور لسبب أو لغير سبب] ولا ريب في أن مثل هذا الضرر جدير بالإعتبار في إصدار حكم على التدخين. رابعاً: إن التدخين خبيث عند ذوي الطباع السليمة ولا ينكر ذلك إلا مكابر ولا يقول أحد من العقلاء إنه من الطيبات والله ﷾ يقول: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) والدخان خبيث فهو من المحرمات. خامساً: إن الدخان مفتر من المفترات وهذا معروف عند المدخنين وكونه لا يفتر المدمنين عليه فهذا لا يعتبر في إثبات التحريم لأن بعض المدمنين على الخمر لا يسكر من كأس أو كأسين ويحتاج إلى كمية أكبر حتى يسكر فلا يقال إن الخمر في حقه غير محرم وكذلك الحال في الدخان وقد ثبت في الحديث عن أم سلمة ﵂: (أن الرسول ﵊ نهى عن كل مسكر ومفتر) حديثٌ صحيح رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، والأصل في النهي أنه يفيد التحريم ما لم ترد قرينه تصرفه عن ذلك. وبعد هذا العرض الموجز لأهم الأدلة الدالة على تحريم التدخين أقرر ما قاله بعض العلماء المعاصرين من حرمة التدخين بلا شك ولكن حرمته ليست كحرمة الخمر أو الزنا فالمحرمات تتفاوت فهي على درجات فبعضها يعد من الكبائر وبعضها صغائر وأظن أن التدخين من الأخيرة ومع ذلك فينبغي الإقلاع عن هذه العادة السيئة ولا يجوز التعامل مع كل ما يتعلق بالتدخين كصناعته وبيعه وتوزيعه والدعاية له وتقديمه للناس وغير ذلك. وأخيراً ينبغي أن تعلم أن قول من يرى أن التدخين مباح قول ضعيف لا وجه له بعد أن ثبت الضرر المؤكد للتدخين عند العامة والخاصة يقول الدكتور القرضاوي: [ويتبين من هذا التمحيص الذي ذكرناه أن إطلاق القول بإباحة التدخين لا وجه له بل هو غلط صريح وغفلة عن جوانب الموضوع كله ويكفي ما فيه من إضاعة لجزء من المال فيما لا نفع فيه وما يصحبه من نتن الرائحة المؤذية وما فيه من ضرر بعضه محقق وبعضه مظنون أو محتمل] . وإن كان لهذا القول وجه فيما مضى عند ظهور استعمال هذا النبات في سنة ألف من الهجرة حيث لم يتأكد علماء ذلك العصر من ثبوت ضرره فليس له أي وجه في عصرنا بعد أن أفاضت الهيئات العلمية الطبية في بيان أضراره وسيء آثاره وعلم بها الخاص والعام وأيدتها لغة الأرقام. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346664,"book_id":3840,"shamela_page_id":1044,"part":"18","page_num":86,"sequence_num":1044,"body":"٨٦ - أهل البيت\rيقول السائل: إنه قرأ في إحدى الصحف تعليقاً حول حديث الرسول ﷺ: (تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب الله وأهل بيتي) وقال المعلق على الحديث: بأن النص الصحيح عند أهل السنة وهم أهل هذه البلاد وبالمنطق السليم هو: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي) فهل صحيح ما قاله المعلق؟\rالجواب: إن الحكم على الحديث لا يخضع لشيء اسمه المنطق السليم أو المنطق غير السليم وإنما الحكم على الحديث يكون خاضعاً للقواعد والضوابط التي وضعها أهل الحديث المتخصصون في الحكم على الحديث من حيث الثبوت أو الرد. والحديث الذي أنكره المعلق هو حديثٌ صحيح ثابت عن الرسول ﷺ ورد برواياتٍ كثيرةٍ أذكر بعضها: ١. عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله ﷺ فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ثم قال: (أما بعد ... ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به. فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأذكركم الله في أهل البيت ... ) رواه الإمام مسلم في صحيحه حديث رقم ١٤٠٨. وعن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: (إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض) رواه الإمام أحمد في المسند ورواه الطبراني وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. وغير ذلك من الروايات وهي كثيرة وقد صححها جماعة من المحدثين كالحاكم والذهبي والطبراني وغيرهم، والمراد بالحديث إن عملتم بالقرآن واهتديتم بهدي عترتي العلماء العاملين لم تضلوا ومثلهم العلماء العاملون من غير العترة فالتمسك بهديهم يوصل إلى المقصود وإنما خص أهل بيته ﷺ لأن التمسك بالعلماء منهم أقوى من علماء غيرهم في التأثير بالقلوب. انظر الفتح الرباني ١/١٨٦. ولعل الكاتب أنكر صحة الحديث لورود عبارة (أهل بيتي) أو (عترتي) فيه، وقد استكشل الكاتب ذلك مع أن المشهور من الحديث (وسنتي) كما ورد عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي) رواه الحاكم وغيره وهو حديث صحيح. وقد أجاب الشيخ الألباني عن هذا الإشكال من وجهين فقال: [الأول: إن المراد من الحديث في قوله ﷺ: (عترتي) أكثر مما يريده الشيعة ولا يرده أهل السنة بل هم مستمسكون به وألا وهو أن العترة فيه هم أهل بيته ﷺ وقد جاء ذلك موضحاً في بعض طرقه كحديث: (وعترتي أهل بيتي) وأهل بيته في الأصل هم نساؤه ﷺ وفيهن الصديقة عائشة ﵅ جميعاً كما هو صريح قوله تعالى في الأحزاب: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) بدليل الآية التي قبلها والتي بعدها: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَءَاتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْءَايَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) وتخصيص الشيعة: (أَهْلَ الْبَيْتِ) في الآية بعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ دون نسائه ﷺ من تحريفهم لآيات الله تعالى انتصاراً لأهوائهم كما هو مشروح في موضعه وحديث الكساء وما في معناه غاية ما فيه توسيع دلالة الآية ودخول علي وأهله فيها كما بينه الحافظ ابن كثير وغيره وكذلك حديث العترة قد بيّن النبي ﷺ أن المقصود أهل بيته ﷺ بالمعنى الشامل لزوجاته وعلي وأهله، ولذلك قال التوربشتي، كما قال في المرقاة ٥/٦٠٠: عترة الرجل: أهل بيته رهطه الأدنون ولاستعمالهم (العترة) على أنحاء كثيرة بيّنها رسول الله ﷺ بقوله: (أهل بيتي) ليعلم أنه أراد بذلك نسله وعصابته الأدنين وأزواجه. الوجه الآخر: إن المقصود من أهل البيت إنما هم العلماء الصالحون منهم والمتمسكون بالكتاب والسنة، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى: (العترة) هم أهل بيته ﷺ الذين هم على دينه وعلى التمسك بأمره) وذكر نحوه الشيخ علي القاري في الموضع المشار إليه آنفاً ثم استظهر أن الوجه في تخصيص أهل البيت بالذكر ما أفاده بقوله: إن أهل البيت غالباً ما يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته والواقفون على طريقته العارفون بحكمه وحكمته وبهذا يصلح أن يكون مقابلاً لكتاب الله سبحانه كما قال: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346665,"book_id":3840,"shamela_page_id":1045,"part":"18","page_num":87,"sequence_num":1045,"body":"٨٧ - حقوق الناس\rيقول السائل: هل يجوز الأكل من ثمار البساتين بدون إذن أصحابها؟\rالجواب: إن من القواعد المقررة شرعاً أنه لا يجوز أخذ مال المسلم إلا بإذنه ويدل على ذلك قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) سورة النساء الآية ٢٩. ويدل على ذلك أيضاً قول الرسول ﷺ: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) وقوله ﵊: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري ومسلم. وقوله ﵊: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس) رواه الحاكم وابن حبان وصححاه وقوله ﵊: (لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس رواه البيهقي بإسناد صحيح، وقوله ﷺ: (لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فينتقل طعامه وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه) رواه البخاري ومسلم والمشربة بضم الراء الغرفة. قال الإمام النووي: [ومعنى الحديث أنه ﷺ شبه اللبن في الضرع بالطعام المخزن المحفوظ في الخزانة في أنه لا يحل أخذه بغير إذنه، وفي الحديث فوائد منها تحريم أخذ مال الإنسان بغير إذنه والأكل منه والتصرف فيه، وأنه لا فرق بين اللبن وغيره وسواء المحتاج وغيره إلا المضطر ... فيأكل الطعام للضرورة ويلزمه بدل عندنا وعند الجمهور ... ] شرح صحيح مسلم ٤/٣٩١. وقال ابن عبد البر: [في الحديث النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئاً إلا بإذنه وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه فنبه به على ما هو أولى منه] فتح الباري ٦/١٤. وبناء على ما تقدم لا يجوز الأكل من ثمار الأشجار في البساتين أو على جوانب الطرقات إلا بإذن أصحابها وكذلك الأكل من الزروع لا يجوز إلا بإذن أصحابها وهذا القول الذي ذكرته هو الأقوى دليلاً والأحوط ديناً وأبعد عن الشبهات. قال ابن قدامة بعد أن ذكر الخلاف في المسألة: [والأولى في الثمار وغيرها ألا يأكل إلا بإذن لما فيه من الخلاف والأخبار الدالة على التحريم) المغني ٩/٤١٨. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346666,"book_id":3840,"shamela_page_id":1046,"part":"18","page_num":88,"sequence_num":1046,"body":"٨٨ - يحرم الطعن في العلماء\rيقول السائل: ما حكم من سب وشتم فقهاء المسلمين وما حكم الصلاة خلف ذلك الشخص؟\rالجواب: لا شك أن سب وشتم فقهاء الإسلام من المعاصي الكبيرة وأن الطعن في علماء الإسلام طعن في دين الله وإن شتم الفقهاء والعلماء يدل على جهل وضاح وينبئ عن قلة تقوى ودين ويشير إلى جهل هذا الطاعن بمكانة العلماء في الإسلام، يقول الله ﷾: (ِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) سورة الزمر الآية ٩، ويقول الله ﷾: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) سورة المجادلة الآية ١١. وروى ابو الدرداء عن الرسول ﷺ: (فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ليلة البدر والعلماء هم ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهم إنما ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر) رواه أبو داود والترمذي وهو حديث حسن. ويجب أم يعلم أن احترام العلماء وتقديرهم واجب على المسلم، قال الإمام الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية المشهورة: [وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل] شرح العقدية الطحاوية ص ٥٥٤. وقال الشاعر: أبوهم آدم والأم حواء يفاخرون به فالطين والماء على الهدى لمن استهدى أدلاء والجاهلون لأهل العلم أعداء الناس من جهة التمثال أكفاء فإن يكن لهم في أصلهم نسب ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم وقدر كل امرئ ما كان يحسنه وقال الحافظ ابن عساكر ﵀: [اعلم يا أخي-وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته-أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب] . وأخيراً فإن على هذا الطاعن في الفقهاء والعلماء أن يتوب إلى الله توبة صادقة بأن يكف لسانه عن الوقيعة في أعراض العلماء ويستغفر ربه ويتوب إليه ويكثر من الدعاء والاستغفار للعلماء، وأما بالنسبة للصلاة خلف من يسب العلماء ويقع فيهم فالصلاة خلفه تصح وإن كان هذا وأمثاله لا ينبغي أن يكونوا من أئمة المساجد بل يجب أن يزجروا وينهروا حتى يرتدعوا عن ضلالتهم. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346667,"book_id":3840,"shamela_page_id":1047,"part":"18","page_num":89,"sequence_num":1047,"body":"٨٩ - الوقف\rصرف المال الموقوف في غير ما وقف له, يقول السائل: إن شخصاً دفع مبلغاً من المال لفرش مسجد ولكن المسجد مفروش ولا يحتاج لفرش آخر فهل يجوز صرف المبلغ في شراء كتب للمسجد وهل تجب استشارة صاحب المال؟\rالجواب: إن الأولى والأحوط في هذه المسألة أن يصرف المال فيما خصصه له من دفعه وأما إذا كان الواقع كما ذكر في السؤال من أن المسجد لا يحتاج إلى فرش فلا بأس بشراء كتب شرعية نافعة للمسجد وإذا أمكن استشارة ذلك الشخص فهو الأفضل وإن لم يمكن فلا بأس بفعل ذلك دون استشارته. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346668,"book_id":3840,"shamela_page_id":1048,"part":"18","page_num":90,"sequence_num":1048,"body":"٩٠ - الوقف\rقدم شخص بيته للصلاة فيه مؤقتاً ثم استرده, يقول السائل: إن شخصاً قدم بيتاً له ليصلي فيه أهل الحي حتى يتمكنوا من بناء مسجد وشرط عليهم إعادة البيت في الوقت الذي يطلبه، وبعد مضي سنوات طلب ذلك الشخص بيته فما حكم ذلك؟\rالجواب: ما دام أن الاتفاق تم كذلك بين صاحب البيت وأهل الحي فيجب إعادة البيت لصاحبه حيث أنه لم يوقفه مسجداً وإنما قدمه لهم ليصلوا فيه مدة من الزمان حتى يطلبه فلما طلبه وجبت إعادته إليه والرسول ﵊ يقول: [المسلمون على شروطهم] رواه أصحاب السنن وغيرهم وهو حديث صحيح. وجاء في رواية أخرى: (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وأما لو وقفه مسجداً فلا يحق له الرجوع في وقف المسجد كما اتفق على ذلك أكثر الفقهاء. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346669,"book_id":3840,"shamela_page_id":1049,"part":"18","page_num":91,"sequence_num":1049,"body":"٩١ - الوقف\rلا يجوز استرداد الأرض الموقوفة على المسجد, يقول السائل: أوقف رجل قطعة أرض لبناء مسجد وبعد أن تم البناء اقتطع الواقف جزءاً من الأرض الموقوفة وضمها إلى أرضه فما حكم ذلك؟\rالجواب: إن الوقف من الأعمال الخيرية التي يتقرب بها العبد إلى الله وهو داخل في عموم قوله ﷺ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم. ولا شك أن الوقف على المساجد فيه أجر عظيم وأجر مستمر لا ينقطع وهذا الرجل الذي أوقف الأرض لبناء المسجد فعل خيراً ولكنه أخطأ عندما تراجع عن بعض ما وقف وضم جزءاً من الأرض الموقوفة لأرضه الخاصة وما فعله هذا الشخص لا يجوز لأن الوقف على المساجد باتفاق الفقهاء لا يجوز نقضه فهو وقف لازم فلا يجوز الرجوع في وقف المسجد سواء كان الرجوع من الواقف أو من ورثته لأن الوقف حين يتم يصير حقاً خالصاً لله تعالى لأن المساجد لله وخلوصه لله تعالى يقتضي عدم الرجوع فيه. ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ في الحديث السابق: (صدقة جارية) فهذا يشعر بأن الوقف يلزم ولا يجوز الرجوع فيه ولو جاز فيه الرجوع لكان صدقة منقطعة وقد وصفه الرسول ﷺ في الحديث بعدم الانقطاع وبالتالي على هذا الشخص أن يعيد ذلك الجزء من الأرض ويلحقه بأرض المسجد حتى لا يبطل عمله. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346670,"book_id":3840,"shamela_page_id":1050,"part":"18","page_num":92,"sequence_num":1050,"body":"٩٢ - كتابة البسملة على الأوراق الرسمية\rيقول السائل: كثيراً ما نرى أوراقاً كتبت عليها البسملة وقد رميت في الطرقات والشوارع وغيرها فهل يجوز كتابة البسملة على مثل هذه الأوراق التي تُرمى؟\rالجواب: لا بأس بكتابة البسملة والحمدلة في الكتب والنشرات والأوراق الرسمية وغير ذلك لما روي في الحديث أنه ﵊ قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع) وفي رواية أخرى: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر) والحديث ورد بروايات أخرى غير ما ذكر وقد رواه أحمد ,وأبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وفي سنده كلام كثير وضعفه الألباني وجماعة من المحدثين. وحسنه ابن الصلاح والنووي حيث قال بعد أن ذكر الحديث السابق بألفاظه المختلفة: [روينا هذه الألفاظ كلها في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي وهو حديث حسن ... ] الأذكار ص ٩٤. وبعد هذا أقول يستحب كتابة البسملة والحمدلة في أول الكتب والنشرات وغيرها وكل من وقعت في يده ورقة أو نشرة كتب فيها شيء من ذكر الله كالبسملة والحمدلة وغيرها يجب عليه أن يحافظ عليها محافظة تامة ولا يجوز له رميها في الطرقات والشوارع وأماكن القاذورات وإذا لم يكن له حاجة بها فليلقها في مكان لائق وإن استغنى عنها فلا بأس بدفنها في مكان طاهر أو حرقها. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346671,"book_id":3840,"shamela_page_id":1051,"part":"18","page_num":93,"sequence_num":1051,"body":"٩٣ - حكم اقتناء الكلاب في البيوت\rيقول السائل: إن لهم جيراناً يقتنون كلباً في بيتهم ويعتنون به عناية كبيرة وينتقل الكلب في غرف البيت ويلعب مع أهل البيت ويركبونه في سيارتهم عند خروجهم من البيت ويشترون له طعاماً خاصاً فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: إن اقتناء الكلاب في البيوت لغير حاجة مشروعة من التقليد الأعمى لحضارة الغرب التي صارت تعتني بالكلاب في بلادها أكثر من عنايتها بالإنسان في آسيا وإفريقيا فالكلاب في أوروبا وأمريكا لها قيمة كبيرة فتراهم يهتمون بشؤونها اهتماماً عظيماً وينفقون عليها المليارات من الدولارات فقد جاء في إحصائية نشرت قبل حوالي عشر سنوات أن ما أنفق على الكلاب والقطط في أمريكا قد بلغ ثلاثة مليارات من الدولارات؟!! والكلاب في الغرب محترمة ومرفهة وتجد الكلاب من الطعام ما لا يجده ملايين البشر في إفريقيا وآسيا وتقام للكلاب الحفلات والمسابقات لاختيار أجمل كلب وتنشأ لها فنادق ومستشفيات وتستعمل الكلاب في ديار الغرب لأمور كثيرة ومنها أمور تتعلق بالشذوذ الجنسي؟!! وأمور يندى الجبين من ذكرها. هذا شيء قليل من اهتمام الغربيين بالكلاب والذي أصبح مثلاً يحتذى به في ديار المسلمين مع الأسف الشديد. ومعلوم أن الإسلام قد بين ووضح الأحكام الشرعية المتعلقة بالكلاب واقتنائها. فقد جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ: (من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية أو ضارٍ نقص من عمله كل يوم قيراطان) رواه مسلم، والكلب الضاري هو كلب الصيد كما قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم ٤/١٨٣. وفي رواية أخرى عند مسلم: [من اتخذ كلباً إلا كلب زرع أو غنم أو صيد ينقص من أجره كل يوم قيراط] . وعن سفيان بن أبي زهير وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: (من اقتنى كلباً لا يغني عنه زرعاً ولا ضرعاً نقص من عمله قيراط) رواه البخاري ومسلم، وغير ذلك من الأحاديث. وقد أخذ جمهور أهل العلم من هذه الأحاديث تحريم اقتناء الكلاب لغير حاجة مشروعة. انظر المغني ٤/١٩١. ككلاب الصيد والحراسة وكلاب تتبع أثر اللصوص أو التي تكشف عن المخدرات ونحوها وأما عدا ذلك فيحرم اقتناؤها كما تدل على ذلك الأحاديث السابقة. قال الحافظ أبو العباس القرطبي: [واختلف في معنى قوله: (نقص من عمله كل يوم قيراطان) وأقرب ما قيل في ذلك قولان: أحدهما: أن جميع ما عمله من عمل ينقص لمن اتخذ ما نهي عنه من الكلاب بإزاء كل يوم يمسكه فيه جزءان من أجزاء ذلك العمل وقيل: من عمل ذلك اليوم الذي يمسكه فيه وذلك لترويع الكلب للمسلمين وتشويشه عليهم بنباحه ومنع الملائكة من دخول البيت ولنجاسته على ما يراه الشافعي. الثاني: أن يحبط من عمله كله عملان أو من عمل يوم إمساكه - على ما تقدم - عقوبة له على ما اقتحم من النهي والله تعالى أعلم] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٤/٤٥١-٤٥٢. والكلب نجس العين على الراجح من أقوال أهل العلم وهو قول الشافعية والحنابلة وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وغيرهم. انظر المجموع ٢/٥٦٧، المغني ١/٣٦. ويدل على ذلك قول النبي ﷺ: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) رواه مسلم. فهذا الحديث يدل على نجاسة الكلب لأنه لا غسل إلا من حدث أو نجس وليس هنا حدث فتعين النجس كما قال الصنعاني في سبل السلام ١/٢٢. ويجب أن يعلم أن النبي ﷺ قد أخبر وخبره صدق وحق أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب فقد ثبتت الأحاديث في ذلك ومنها عن أبي طلحة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة) رواه البخاري ومسلم. وعن عائشة ﵂ أنها قالت: (واعد رسول الله ﷺ جبريل ﵇ في ساعة يأتيه فيها فجاءت تلك الساعة ولم يأته وفي يده عصا فألقاها من يده وقال: ما يخلف الله وعده ولا رسله. ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره، فقال: يا عائشة متى دخل هذا الكلب ههنا؟ فقالت: والله ما دريت فأمر به فأخرج فجاء جبريل، فقال رسول اله ﷺ: واعدتني فجلست لك فلم تأت. فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة) رواه مسلم. وعن ابن عباس قال: (أخبرتني ميمونة أن رسول الله ﷺ أصبح يوماً واجماً، فقالت ميمونة: يا رسول الله لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم. قال رسول الله ﷺ: إن جبريل كان وعدني أن يلقاني فلم يلقني أم والله ما أخلفني. قال: فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا فأمر به فأخرج ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه فلما أمسى لقيه جبريل فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة. قال: أجل ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ فأمر بقتل الكلاب حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير ويترك كلب الحائط الكبير) رواه مسلم. قال الإمام النووي قوله ﷺ: [ (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة) قال العلماء: سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى. وسبب امتناعهم من بيت فيه كلب لكثرة أكله النجاسات ولأن بعضها يسمى شيطاناً كما جاء به الحديث والملائكة ضد الشياطين ولقبح رائحة الكلب والملائكة تكره الرائحة القبيحة ولأنها منهي عن اتخاذها فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته وصلاتها فيه واستغفارها له وتبريكها عليه وفي بيته ودفعها أذى للشيطان وأما هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتاً فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت ولا يفارقون بني آدم في كل حال لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٢٦٩-٢٧٠. وقد أيد العلم الحديث ما ورد في السنة النبوية من النهي عن اقتناء الكلاب لما في ذلك من أضرار كثيرة على صحة الإنسان. [فالكلب ناقل لبعض الأمراض الخطيرة إذ تعيش في أمعائه دودة تدعى المكورة المقنفذة تخرج بيوضها مع برازه وعندما يلحس دبره بلسانه تنتقل هذه البيوض إليه ثم تنتقل منه إلى الأواني والصحون وأيدي أصحابه ومنها تدخل إلى معدتهم فأمعائهم فتنحل قشرة البيوض وتخرج منها الأجنة التي تتسرب إلى الدم والبلغم وتنتقل بهما إلى جميع أنحاء الجسم وبخاصة إلى الكبد لأنه المصفاة الرئيسة في الجسم فتتوضع فيه كما قد تتوضع في الدماغ أو الرئتين أو العظام أو العضلات أيضاً. ولكن توضعها في الكبد أكثر ثم تنمو في العضو الذي تتوضع فيه وتشكل كيساً مملوءً بالأجنة الأبناء وبسائل صاف كماء الينبوع وقد يكبر الكيس حتى يصبح بحجم رأس الجنين وقد تكون الأكياس متعددة. ويسمى المرض داء الكيسة المائية وتكون أعراضه على حسب العضو الذي تتوضع فيه وأخطرها ما كان في الدماغ أو في عضلة القلب. ولم يكن له علاج سوى العملية الجراحية ثم ظهرت بعض الأدوية التي تفيد فيه وإن كانت لا تزال تحت التجربة وثمة داء آخر خطر ينقله الكلب وهو داء الكلب الذي سببه حمة راشحة فيروس - يصاب به الكلب أولاً ثم ينتقل منه إلى الإنسان عن طريق لعاب الكلب بالعض أو بلحسه جرحاً في جسم الإنسان وقد ينتقل المرض قبيل ظهور أعراض المرض على الكلب أو بعد ظهورها ومتى ظهرت أعراض الداء على الإنسان أصبح الموت محتماً ١٠٠% إلا بمشيئة الله تعالى لذلك يلجأ إلى إعطاء الإنسان اللقاح الواقي من المرض منذ أن يعضه كلب حتى يثبت عدم إصابته الكلب بداء الكلب] الحقائق الطبية في الإسلام ص ١٠٦. ونشرت مجلة العربي في عددها رقم ٣٩٥ لسنة ١٩٩١ تحت عنوان \" في بيتنا كلب \" ما يلي: من ضمن الأمراض التي يصاب بها الكلب ما يأتي: ١. الكَلَبْ: مرض يصيب الكلب بفعل فيروس خاص تستهويه الأنسجة العصبية في الجسم فيصاب بالجنون أو السعار من مظاهره التيه والشرود واحمرار في العينين مع فك متدل ولعاب يسيل فإذا أصاب الإنسان يصبه بتشنجات وهذيان وتكون خاتمته الموت الزؤام حيث لا علاج إلا الوقاية. ٢. داء اللينتمانيا: طفيليات وحيدة الخلية إذا ما أصابت الإنسان تمرضه بإحدى صورتين: أ. جلدية فينفرج الجلد ويعاني من قرحة مزمنة. ب. إصابة الأحشاء فيعاني المريض بها من حمى وصداع وتضخم في الكبد والطحال. وهذه الطفيليات تنقلها بعوضة صغيرة والكلب أحد ضحايا المرض لجانب الإنسان فلهذا هو مصدر خطر كامن لهذا الداء. ٣. الديدان الشرطية. وخلاصة الأمر أنه لا يجوز اقتناء الكلاب إلا للحاجات التي أقرها الشرع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346672,"book_id":3840,"shamela_page_id":1052,"part":"18","page_num":94,"sequence_num":1052,"body":"٩٤ - تكره الأسئلة التي لا يترتب عليها عمل\rيقول السائل: يسألني بعض الناس أسئلة لا يترتب عليها عمل ولا نفع فيها للسائل كالسؤال عن المدة التي مكثها يونس ﵇ في بطن الحوت وأمثال ذلك، فما الحكم في السؤال عن مثل هذه الأمور؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أن أهل العلم والفتوى قد بينوا ووضحوا أن على المسلم إن أراد السؤال والاستفتاء فعليه أن يسأل عما ينفعه في دينه ودنياه فلا بأس بالسؤال عما يعترض المسلم في شؤونه كلها فيسأل عن أمور العبادات والمعاملات وعن قضايا العقيدة وما يتعلق بذلك. وأما السؤال عما لا نفع فيه للمسلم في حياته وآخرته فلا ينبغي السؤال عن ذلك ولا يجب على المسؤول أي العالم أو المفتي أن يجيبه على أمثال هذه الأسئلة كأن يسأل كيف هبط جبريل؟ وعلى أي صورة رآه النبي ﷺ؟ وحين رآه على صورة البشر هل بقي ملكاً أم لا؟ وأين الجنة وأين النار؟ ومتى الساعة ونزول عيسى ﵇؟ وإسماعيل أفضل أم إسحاق؟ وأيهما الذبيح؟ وفاطمة أفضل من عائشة أم لا؟ وأبوا النبي ﷺ كانا على أي دين؟ وما دين أبي طالب؟ ومن المهدي؟ إلى غير ذلك مما لا حاجة بالإنسان إليه ولا ينبغي أن يسأل عنه لأنه ليس تحته عمل ولا تجب عليه معرفته ولم يرد التكليف به. كما ذكره العلامة ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على الدر المختار. وقد أرشد ابن عباس ﵁ مولاه عكرمة إلى قاعدة هامة في أمر الفتوى حين أمره أن يفتي الناس فقال له: (انطلق فأفت الناس وأنا عون لك فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفته ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته) . وقال القاضي إياس بن معاوية: من المسائل ما لا ينبغي للسائل أن يسأل عنها ولا للمسؤول أن يجيب فيها. ومن سؤال الفراغ والفضول ما وقع للإمام الشعبي فقد أتاه رجل فقال له: ما اسم امرأة إبليس؟ قال: ذاك عرس ما شهدته! . ومن سؤال الفراغ أيضاً ما وقع لأحد كبار السادة المالكية (زياد بن عبد الرحمن القرطبي الملقب بشبطون) تلميذ مالك حكى القاضي عياض في ترجمته في \" ترتيب المدارك \" ما يلي: قال حبيب: كنا جلوساً عند زياد فأتاه كتاب من بعض الملوك ... فكتب فيه ثم طبع الكتاب ونفذ به الرسول فقال زياد: أتدرون عما سأل صاحب هذا الكتاب؟ سأل عن كفتي ميزان الأعمال يوم القيامة أمن ذهب هي أم من ورق؟ - أي فضة - فكتبت إليه: حدثنا مالك عن ابن شهاب قال: قال رسول الله ﷺ: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) وسترد فتعلم. وجاء في \" ترتيب المدارك \" للقاضي عياض في باب تحري مالك في العلم والفتيا والحديث وورعه فيه وإنصافه، وسأل مالكاً رجل عن رجل وطئ بقدمه دجاجة ميتة فأخرجت منها بيضة فأفقست البيضة عنده عن فرخ أيأكله؟ فقال مالك: سل عما يكون ودع ما لا يكون، وسأله آخر عن نحو هذا فلم يجبه فقال له: لم لا تجيبني يا أبا عبد الله؟ فقال له: لو سألت عما تنتفع به لأجبتك. وسأله رجل عمن قال للآخر: يا حمار؟ قال: يجلد. قال: فإن قال له يا فرس؟ قال: تجلد أنت، ثم قال: يا ضعيف! وهل سمعت أحداً يقول لآخر: يا فرس؟! . وجاء في \" الآداب الشرعية \" لابن مفلح الحنبلي: قال أحمد بن حنبل سألني رجل مرة عن يأجوج ومأجوج أمسلمون هم؟ فقلت له: أحكمت العلم - كله - حتى تسأل عن ذا؟! قال الحافظ ابن حجر: وقد ذم السلف البحث عن أمور معينة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحس كالسؤال عن الساعة والروح ومدة هذه الأمة إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف وأكثر ذلك لم يثبت فيه شيء فيجب الإيمان به بغير بحث] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص ٢٦٤-٢٦٦ الهامش. وقد فصل الإمام الشاطبي المواضع التي يكره السؤال عنها فقال: [ويتبين من هذا أن لكراهية السؤال مواضع نذكر منها عشرة مواضع: أحدها السؤال عما لا ينفع في الدين، كسؤال عبد الله بن حذافة: من أبي وروي في التفسير أنه ﵇ الصلاة والسلام: (سئل ما بال الهلال يدو رقيقاً كالخيط ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدراً ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) الآية، فإنما أجيب بما فيه منافع الدين. والثاني: أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته كما سأل الرجل عن الحج أكل عام؟ مع أن قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) قاض بظاهره أنه للأبد لإطلاقه، ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) . والثالث: السؤال من غير احتياج إليه في الوقت وكأن هذا - والله أعلم - بما لم ينزل فيه حكم وعليه يدل قوله: (ذروني ما تركتمكم) وقوله: (وسكت عن أشياء رحمة لكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها) . والرابع: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها كما جاء في النهي عن الأغلوطات. والخامس: أن يسأل عن علة الحكم وهو من قبيل التعبدات التي لا يعقل لها معنى أو السائل ممن لا يليق به ذلك السؤال كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة. والسادس: أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق وعلى ذلك يدل قوله تعالى: (مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) ولما سأل الرجل: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ قال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا. الحديث. والسابع: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي ولذلك قال سعيد: أعراقي أنت؟ وقيل لمالك بن أنس الرجل يكون عالماً بالسنة أيجادل عنها؟ قال: لا ولكن يخبر بالسنة فإن قبلت منه وإلا سكت. والثامن السؤال عن المتشابهات وعلى ذلك يدل قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) الآية. وعن عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضا للخصومات أسرع التنقل. ومن ذلك سؤال من سأل مالكاً عن الاستواء فقال الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة. والتاسع: السؤال عما شجر بين السلف الصالح وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين فقال: تلك الدماء كف الله عنها يدي فلا أحب أن يلطخ بها لساني. والعاشر: سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام وفي القرآن في ذم نحو هذا: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) وقال: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) وفي الحديث: (أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم) . هذه جملة المواضع التي يكره السؤال فيها يقاس عليها ما سواها وليس النهي فيها واحداً بل فيها ما تشتد كراهيته ومنها ما يخف، ومنها ما يحرم ومنها ما يكون محل اجتهاد وعلى جملة منها يقع النهي عن الجدال في الدين كما جاء (إن المراء في القرآن كفر) وقال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية! وأشباه ذلك من الآيات والأحاديث فالسؤال في مثل ذلك منهي عنه والجواب بحسبه] الموافقات ٤/٣١٩-٣٢١. وقد روى أحمد عن ابن عباس ﵄ أنه قال عن الصحابة ﵃: (ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم) . الفتوى في الإسلام ص ١٧٥. وقال الشيخ القرافي: [وينبغي للمفتي: إذا جاءته فتيا في شأن رسول الله ﷺ أو فيما يتعلق بالربوبية يسأل عن أمور لا تصلح لذلك السائل لكونه من العوام الجلف أو يسال عن المعضلات ودقائق أصول الديانات ومتشابه الآيات والأمور التي لا يخوض فيها إلا كبار العلماء ويعلم أن الباعث له على ذلك إنما هو الفراغ والفضول والتصدي لما لا يصلح له: فلا يجيبه أصلاً ويظهر له الإنكار على مثل هذا، ويقول له: اشتغل بما يعنيك من السؤال عن صلاتك وأمور معاملاتك ولا تخض فيما عساه يهلكك لعدم استعدادك له. وإن كان الباعث له شبهة عرضت له: فينبغي أن يقبل عليه ويتلطف به في إزالتها بما يصل إليه عقله فهداية الخلق فرض على من سئل. والأحسن أن يكون البيان له باللفظ دون الكتابة فإن اللسان يفهم ما لا يفهم القلم لأنه حي والقلم موات فإن الخلق عيال الله وأقربهم إليه أنفعهم إلى عياله لا سيما في أمر الدين وما يرجع إلى العقائد] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص ٢٦٤-٢٦٦. وخلاصة الأمر أن المسلم لا يسأل إلا عن الأمور التي يتعلق بها عمل وتكليف وأما الأمور التي لا يترتب عليها عمل فلا ينبغي السؤال عنها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346673,"book_id":3840,"shamela_page_id":1053,"part":"18","page_num":95,"sequence_num":1053,"body":"٩٥ - السباب\rحكم سب الصحابة, يقول السائل: ما قولكم فيمن يسب واحداً من الصحابة وينتقص منه كالذين يسبون معاوية بن أبي سفيان ويتهمونه باتهامات باطلة فما حكم الشرع في ذلك؟\rالجواب: حب الصحابة الكرام جزء من عقيدة المسلم عقيدة أهل السنة والجماعة، قال صاحب العقيدة الطحاوية ص ٦٨٩: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ] شرح العقيدة الواسطية ص ١٤٢. وقد قامت على صحة هذه العقيدة ألا وهي حب الصحابة ﵃ أجمعين وحرمة سبهم وحرمة بغضهم عشرات الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وانعقد إجماع الصحابة على ذلك. فمن الآيات الكريمات الدالة على ذلك وفيها ثناء الله على الصحابة ﵃ قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) سورة التوبة الآية ١٠٠. وقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) سورة آل عمران الآية ١١٠ وقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) سورة الفتح الآية ٢٩. وقال تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) سورة الحديد الآية ١٠. وقال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجُِونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَايَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) سورة الحشر الآيات ٨-١٠. وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) سورة الأنفال الآية ٦٤. وأما الأحاديث النبوية فمنها عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه) رواه البخاري ومسلم. وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب بالجابية فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي فيكم فقال: (استوصوا بأصحابي خيراً ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... الخ) رواه أحمد والبيهقي والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ورواه ابن حبان وقال محققه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. صحيح ابن حبان ١٦/٢٤٠. ونص أهل العلم على وجوب احترام الصحابة ﵃ أجمعين وأنه يحرم الطعن فيهم أو سبهم أو الانتقاص منهم. قال أبو زرعة الرازي: [إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق] ولتكن ممن يقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَايَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) سورة الحشر الآية ١٠] انظر صب العذاب على من سب الأصحاب للألوسي ص ٣٩١-٣٩٢. وقال الإمام أحمد: [وخير الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر بعد أبي بكر وعثمان بعد عمر وعلي بعد عثمان ووقف قوم وهم خلفاء راشدون مهديون ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة خير الناس لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه وعقوبته ليس له - أي الحاكم - أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب قبل منه وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلّده في الحبس حتى يموت أو يراجع] الصارم المسلول ص ٥٧٠. وقال الإمام النووي: [واعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون ...] ثم نقل عن القاضي عياض قوله: [وسب أحدهم - أي الصحابة - من المعاصي الكبائر] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٧٢-٧٣. وقال الحافظ ابن حجر: [اتفق أهل السنة على أن الجميع - أي جميع الصحابة - عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك فقال عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم فمن ذلك قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) وقوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) وقوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) وقوله: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وقوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) إلى قوله: (إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) في آيات كثيرة يطول ذكرها وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأبناء والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على تعديلهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم كافة أفضل من جميع الخالفين بعدهم والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله، ثم روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة وهؤلاء (وهم) يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة انتهى. والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة من أدلها على المقصود ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه، وقال أبو محمد ابن حزم الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً قال الله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) فثبت أن الجميع من أهل الجنة وأنه لا يدخل أحد منهم النار لأنهم المخاطبون بالآية السابقة] الإصابة في تمييز الصحابة ص ٦-٧ إذا تقرر هذا في فضل الصحابة وحرمة سبهم فإن معاوية بن أبي سفيان ﵄ واحد من الصحابة بل هو من فضلائهم فيحرم سبه وشتمه واتهامه بالاتهامات الباطلة. قال الإمام النووي: [وأما معاوية ﵁ فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء ﵁] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٥٣٠. وقد وردت أحاديث نبوية في فضل معاوية ﵁ منها عن عبد الرحمن بن أبي عميرة وكان من أصحاب رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: (اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني: صحيح كما في السلسلة الصحيحة ١٩٦٩ وصحيح سنن الترمذي ٣/٢٣٦. وعن أبي إدريس الخولاني قال: [لما عزل عمر بن الخطاب عمير بن سعد عن حمص ولى معاوية فقال الناس: عزل عميراً وولى معاوية!؟ فقال عمير: لا تذكروا معاوية إلا بخير فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: اللهم اهد به] رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٢٣٦. وروى الإمام البخاري بسنده عن ابن أبي مليكة قال: [أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس فأتى ابن عباس فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله ﷺ. وروى البخاري أيضاً بسنده: قيل لابن عباس هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: إنه فقيه] صحيح البخاري مع الفتح ٨/١٠٤-١٠٥. قال الحافظ ابن حجر: [وقوله دعه: أي اترك القول فيه والإنكار عليه فإنه قد صحب أي فلم يفعل شيئاً إلا بمستند وفي قوله في الرواية الأخرى أصاب إنه فقيه ما يؤيد ذلك] فتح الباري ٨/١٠٥. وقال الإمام الذهبي في حق معاوية: [حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم وهو ثقة فيضبطه ويقوم به أتم قيام ويرضي الناس بسخائه وحلمه وإن كان بعضهم تألم مرة منه وكذلك فليكن الملك وإن كان غيره من أصحاب رسول الله ﷺ خيراً منه بكثير وأفضل وأصلح فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وفرط حلمه وسعة نفسه وقوة دهائه ورأيه وله هنات وأمور والله الموعد] سير أعلام النبلاء ٣/١٣٢-١٣٣. وقال الذهبي أيضاً: [ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم وما هو ببرئ من الهنات والله يعفو عنه] سير أعلام النبلاء ٣/١٥٩. وينبغي أن يعلم أن معاوية ﵁ هو أحد كتبة الوحي الذين استكتبهم رسول الله ﷺ لكتابة القرآن الكريم. انظر الإصابة ٦/١١٣، معاوية بن أبي سفيان لمحمود شاكر ص ٨٨","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346674,"book_id":3840,"shamela_page_id":1054,"part":"18","page_num":96,"sequence_num":1054,"body":"٩٦ - السباب\rحكم سب العلماء\rلا ريب أن احترام العلماء وتقديرهم من الأمور الواجبة شرعاً وإن خالفناهم الرأي فالعلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء قد ورثوا العلم وأهل العلم لهم حرمة. وقد وردت نصوص كثيرة في تقدير العلماء واحترامهم، قال الإمام النووي: [باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم] . ثم ذكر قول الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) سورة الزمر الآية ٩، ثم ساق الإمام النووي طائفة من الأحاديث في إكرام العلماء والكبار وأحيل القارئ إلى كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ص ١٨٧-١٩٢. ومع كل هذه النصوص التي تحث على ما سبق وغيرها من النصوص الشرعية التي تحرم السب والشتم واللعن والوقوع في أعراض المسلمين إلا أن بعض الناس من أشباه طلبة العلم ليس لهم شغل إلا شتم العلماء وسبهم على رؤوس الأشهاد في المساجد وفي الصحف والمجلات ويحاول هؤلاء الصبية تشويه صورة العلماء وتنفير عامة الناس منهم لأن هؤلاء العلماء علماء السلاطين - كما يزعم هؤلاء النكرات - ومن العلماء الفضلاء الذين تعرضوا وما زالوا يتعرضون لهذه الهجمة الشرسة العلامة الفقيه الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله ورعاه، فالشيخ القرضاوي لا ينكر علمه وفضله إلا حاقد أو جاهل. والشيخ القرضاوي لا يحبه ويقدره إلا من تأدب بأدب الإسلام ولا يبغضه ولا يشتمه إلا سفيه أو جاهل أو حاقد ليس له نصيب من أدب الإسلام. إن أدعياء الوعي وأدعياء الفكر والثقافة يشتمون الشيخ القرضاوي بغير وعي ولا يعرفون ماذا يصدر منهم من فظائع لا يجوز أن تقال في حق واحد من عامة الناس فضلاً أن تقال في حق عالم من علماء الأمة كالشيخ القرضاوي. إن هجمتهم الشرسة على العلامة القرضاوي تثير التساؤل، فهذه الهجمة تخدم أعداء الأمة الذين طالبوا بإغلاق السبل أمام الشيخ القرضاوي كيلا يخاطب الأمة الإسلامية. وأتسائل لمصلحة من يهاجم علماء الأمة؟ ولمصلحة من يشتم العلماء؟ هل هذه هي الطريق لإقامة الخلافة؟ هل علماء الأمة حالوا دون إقامة دولة الخلافة؟ أم أن بعض الناس يعلق فشله وعجزه على الآخرين؟ لماذا يوصف العلماء بالخيانة أو السذاجة والبلاهة؟ هل يصح أن يقال في علماء الأمة: \" ومن الملمَّعين المنافقين \"؟ كيف عرفتم أنهم منافقون؟ هل شققتم على قلوبهم؟ ألم تسمعوا قول النبي ﷺ لأسامة بن زيد ﵁ لما قتل رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله: (أفلا شققت على قلبه؟) رواه مسلم. ألم تسمعوا قول النبيصلى الله عليه وسلم: (إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم) رواه البخاري ومسلم. هل علمتم دخيلة الشيخ القرضاوي ونيته وأنه لا يريد من برامجه إلا المحافظة على مكاسب الشهرة؟! هل كلام الشيخ القرضاوي ينضح بالجهل أو التجاهل؟ أم أن كل إناء بما فيه ينضح؟ إن الشيخ القرضاوي محل ثقة أهل العلم وجماهير الناس شرقاً وغرباً والشيخ القرضاوي ليس بحاجة لينال ثقة أشباه طلبة العلم وصغارهم. فالناس يأخذون علمهم عن الشيخ القرضاوي وأمثاله من العلماء الكبار ولا يأخذون عن الأصاغر فإن الأخذ عن الأصاغر هَلَكَةٌ في الدين. قال عبد الله بن مسعود ﵁: (لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ﷺ ومن أكابرهم فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا) رواه أبو عبيد والطبراني في الكبير والأوسط، وقال الهيثمي رجاله موثقون. ورواه أبو نعيم في الحلية ولفظه قال عبد الله بن مسعود ﵁ (لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من علمائهم وكبرائهم وذوي أسنانهم فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفهائهم فقد هلكوا) . وورد في رواية أخرى عند الخطيب في تاريخه بلفظ (فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفلتهم فقد هلكوا) . إتحاف الجماعة ٢/ ١٠٥. إن الأمة بحاجة ماسة لعلم الشيخ القرضاوي وفهمه النير لأحكام الإسلام، وليست بحاجة إلى العلم بطلب النصرة من الكفرة وأعداء الدين حتى يقدموا الخلافة على طبق من ذهب لبعض الناس! وهم فقط ينتظرون حدوث ذلك الأمر البعيد إن لم يكن المستحيل. إن مبدأ طلب النصرة من غير المقتنعين بالفكرة مبدأ خاطئ ليس عليه دليل صحيح من سيرة النبي ﷺ ومنهجه وإن حاولوا إثباته. إن الأمة لن تنظر إن شاء الله بارتياب إلى فتاوى وآراء العلامة القرضاوي، بل تتقبلها قبولاً حسناً، ولكن الأمة لتنظر بارتياب لمن يهاجم القرضاوي ويسبه ويشتمه لأن هؤلاء السابين الشاتمين هم الذين خرجوا عن أدب الحوار والخلاف ووصل بهم الأمر إلى اتهام نيات العلماء وطعنهم في إيمانهم!! أهكذا يكون النقد العلمي؟ قال الإمام الذهبي يرحمه الله: [ما زال الأئمة يخالف بعضهم بعضاً ويرد هذا على هذا ولسنا ممن يذم العالم بالهوى والجهل] سير أعلام النبلاء ١٩/٣٤٢. أيها الناس تأدبوا مع العلماء، واعرفوا لهم مكانتهم، فما فاز من فاز إلا بالأدب وما سقط من سقط إلا بسوء الأدب. واعلموا أن الأمة لا تحترم ولا تقدر إلا من يحترم العلماء والأئمة. قال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله مخاطباً رجلاً تجرأ على العلماء: [إنما نحترمك ما احترمت الأئمة] وأخيراً أختم بكلمة نيرة مضيئة قالها الحافظ ابن عساكر يرحمه الله: [اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346675,"book_id":3840,"shamela_page_id":1055,"part":"18","page_num":97,"sequence_num":1055,"body":"٩٧ - السباب\rحكم سب الأموات, يقول السائل: ما حكم سب الأموات وذكر مساوئهم؟\rالجواب: وردت أحاديث عن النبي ﷺ تنهى عن سب الأموات عامة كما في حديث عائشة ﵂ قالت، قال رسول الله ﷺ: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) رواه البخاري في باب ما ينهى عن سب الأموات. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٣/٥٠٢. وورد في الحديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحيائنا) رواه أحمد والنسائي. وفي رواية عند ابن حبان: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء) وقال محقق صحيح ابن حبان: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وذكر أن الحديث رواه أحمد والطبراني. انظر صحيح ابن حبان ٧/٢٩٢. ورواه الترمذي أيضاً وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/١٩٠. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (إذا مات صاحبكم فدعوه) رواه أبو داود والترمذي وابن حبان وفي رواية أبي داود: (إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه) وقال الألباني: صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود ٣/٩٢٦. وجاء في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم) رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحديث فيه اختلاف فقد سكت عنه أبو داود وصححه ابن حبان، وقال الحافظ ابن حجر: إنه من شرط الحسن. شرح ابن علان على الأذكار ٤/٢١١، وذكر محقق الأذكار أن الحديث حسن بشواهده ص ١٤١. وعن عائشة ﵂: (أنه ذكر عند النبي ﷺ هالك - أي ميت - بسوء فقال: لا تذكروا هلكاكم إلا بخير) رواه النسائي وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ٢/٤١٧. ويرى كثير من أهل العلم أن عموم هذه الأحاديث مخصوص ويرى بعض شراح صحيح البخاري أن ترجمة البخاري للباب بما ذكر أعلاه يشير إلى ذلك. قال الحافظ ابن حجر: [قال الزين بن المنير: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير منهي، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السب مطلقاً، والجواب أن عمومه مخصوص بحديث أنس السابق حيث قال ﷺ عند ثنائهم بالخير وبالشر: (وجبت وأنتم شهداء الله في الأرض) ولم ينكر عليهم. ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية والمراد به المسلمون لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبهم. وقال القرطبي في الكلام على حديث وجبت: يحتمل أجوبة: الأول: أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مستظهراً به فيكون من باب لا غيبة لفاسق أو كان منافقاً ثانيها: يحمل النهي على ابعد الدفن والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه. ثالثها: يكون النهي العام متأخراً فيكون ناسخاً وهذا ضعيف. وقال ابن رشيد ما محصله: إن السب ينقسم في حق الكفار وفي حق المسلمين أما الكافر فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم. وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك كأن يصير من قبيل الشهادة وقد يجب في بعض المواضع وقد يكون فيه مصلحة للميت كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور ومات الشاهد فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن ذلك المال يرد إلى صاحبه. قال ولأجل الغفلة عن هذا التفصيل ظن بعضهم أن البخاري سهى عن حديث الثناء بالخير والشر وإنما قصد البخاري أن يبين أن ذلك الجائز كان على معنى الشهادة وهذا الممنوع وهو على معنى السب ... وتأول بعضهم الترجمة الأولى على المسلمين خاصة والوجه عندي حمله على العموم إلا ما خصصه الدليل بل لقائل أن يمنع ما كان على جهة الشهادة، وقصد التحذير يسمى سباً في اللغة. وقال ابن بطال: سب الأموات يجري مجرى الغيبة فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد تكون منه الفلتة فالاغتياب له ممنوع وإن كان فاسقاً معلناً فلا غيبة له فكذلك الميت ويحتمل أن يكون النهي على عمومه فيما بعد الدفن والمباح ذكر الرجل بما فيه قبل الدفن ليتعظ بذلك فسّاق الأحياء فإذا صار إلى قبره أمسك عنه لإفضاءه إلى ما قدم وقد عملت عائشة راوية هذا الحديث بذلك في حق من استحق عندها اللعن فكانت تلعنه وهو حي فلما مات تركت ذلك ونهت عن لعنه ... قوله: (أفضوا) أي وصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر واستدل به على منع سب الأموات مطلقاً وقد تقدم أن عمومه مخصوص وأصح ما قيل في ذلك أن أموات الكفار والفساق يجوز ذكر مساوئهم للتحذير منهم والتنفير عنهم. وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياءاً وأمواتاً] فتح الباري ٣/٥٠٢-٥٠٣. وقال الإمام النووي: [قال العلماء يحرم سب الميت المسلم الذي ليس معلناً بفسقه وأما الكافر والمعلن بفسقه من المسلمين ففيه خلاف للسلف وجاءت فيه نصوص متقابلة وحاصله أنه ثبت في النهي عن سب الأموات ما ذكرناه في هذا الباب وجاء في الترخيص في سب الأشرار أشياء كثيرة منها ما قصه الله علينا في كتابه العزيز وأمرنا بتلاوته وإشاعة قراءته ومنها أحاديث كثيرة في الصحيح كالحديث الذي ذكر فيه ﷺ عمرو بن لحي وقصة أبي رغال الذي كان يسرق الحاج بمحجنه وقصة ابن جدعان وغيرهم. ومنها الحديث الصحيح الذي قدمناه لما مرّت جنازة فأثنوا عليها شراً فلم ينكر عليهم النبي ﷺ بل قال: (وجبت) . واختلف العلماء في الجمع بين هذه النصوص على أقوال أصحها وأظهرها أن أموات الكفار يجوز ذكر مساوئهم وأما أموات المسلمين المعلنين بفسق أو بدعة أو نحوهما فيجوز ذكرهم بذلك إذا كان فيه مصلحة لحاجة إليه للتحذير من حالهم والتنفير من قبول ما قالوه والاقتداء بهم فيما فعلوه وإن لم تكن حاجة لم يجز، وعلى هذا التفصيل تنزل هذه النصوص. وقد أجمع العلماء على جرح المجروح من الرواة والله أعلم] الأذكار ص ١٤١. وخلاصة ما يؤخذ من هذه الأحاديث ما يلي: ١. تحريم سب الأموات لأنهم قد أفضوا إلى ما قدموا من خير أو شر فلا فائدة من سبهم ولأن ذلك يؤذي الأحياء. ٢. حرمة الأموات من المسلمين كحرمة الأحياء منهم. ٣. يجوز ذكر الأموات بما فيهم إن كان لمصلحة شرعية لا تتحقق إلا بذلك كتحذير الناس من بدعته والاقتداء بآثاره والتخلق بأخلاقه. ٤. الكافر والمنافق معلوم النفاق كلام أهل الإيمان فيه شهادة عليه فمن ذكره المؤمنون بشر فقد وجبت له. انظر موسوعة المناهي الشرعية ٢/٤٩-٥٠.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346676,"book_id":3840,"shamela_page_id":1056,"part":"18","page_num":98,"sequence_num":1056,"body":"٩٨ - حكم من مات وليس في عنقه بيعة\rيقول السائل: ما معنى قول النبي ﷺ: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) ؟\rالجواب: هذا بعض حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه بإسناده عن زيد بن محمد عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر ﵁ إلى عبد الله بن مطيع حين كان أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة. فقال: إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثاً، سمعت رسول الله ﷺ يقوله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية] صحيح مسلم ٤/٥٤٩. والمراد بالبيعة في هذا الحديث بيعة إمام المسلمين أو خليفة المسلمين الذي يبايعه أهل الحل والعقد من أمة الإسلام وهذا الحديث لا ينطبق على حكام هذا الزمان أو زعماء الأحزاب والجماعات المختلفة لأن كلاً منهم ليس إماماً لجماعة المسلمين وقد ذكر أهل العلم شروطاً لصحة البيعة منها أن يكون في المبَايَعُ له شروط الإمامة وقد فصلها العلماء في كتبهم وأن يكون المتولي لعقد البيعة – بيعة الانعقاد – أهل الحل والعقد، قال الماوردي: [فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلاً وأكملهم شروطاً ومن يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون عن بيعته] الأحكام السلطانية ص ١٩. وعليه فإن أهل الحل والعقد من المسلمين هم الذين يتولون اختيار إمام المسلمين وخليفتهم ولا عبرة بقول العوام في بيعة الانعقاد قال الرملي الشافعي: [أما بيعة غير أهل الحل والعقد من العوام فلا عبرة لها] نهاية المحتاج ٧/٣٩٠. ولا يصح دعوى بعض الحزبيين أن من لم يبايع أمير حزبهم فإنه إذا مات مات ميتة جاهلية فهذه الدعوى تعدٍ على سنة النبي ﷺ وتنزيل للنصوص على غير محلها الصحيح وتلاعب بعقول العوام وترهيب لهم في غير موضعه فإن المقصود بالحديث إمام جماعة المسلمين وليس زعيم فئة من فئات المسلمين الكثيرة والمتناحرة فيما بينها. وإمام المسلمين الذي تجب له البيعة له شروط ذكرها أهل العلم كما أشرت سابقاً وهذه الشروط لا تنطبق على قادة الأحزاب والجماعات الموجودة حالياً. وحديث ابن عمر محل السؤال ذكره الإمام النووي في: [باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين ... ] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٥٤٦. فالمقصود بالحديث: [من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية أي عند وجود الإمام الشرعي فقط وهذا هو الفهم الصحيح للحديث أنه إذا كان هناك إمام شرعي توفرت فيه شروط صحة البيعة وانتفت نواقضها فإنه يجب على المسلم أن يبادر إلى البيعة إذا كان من أهل الحل والعقد أو طلبت منه ولا يجوز له أن يبيت ولا يراه إماماً أما إذا لم تكن شروط صحة البيعة متوفرة في هذا الحاكم فليس عليه واجب البيعة بل عليه أن يسعى لإيجاد الإمام الشرعي حسب طاقته ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. والذي يدل على أن الحديث خلاف ظاهره ما يلي: ١. أن البيعة واجبة وجوباً كفائياً إذا قام به البعض سقط عن الباقين كما هو قول الجمهور. ٢. فعل رواي الحديث عبد الله بن عمر ﵄ نفسه فهو أولى بفهم الحديث على وجهه الصحيح من غيره فقد قال عنه الحافظ ابن حجر: أنه امتنع أن يبايع لعلي أو معاوية، ثم بايع لمعاوية لما اصطلح مع الحسن بن علي واجتمع عليه الناس، وبايع لابنه يزيد بعد موت معاوية لاجتماع الناس عليه ثم امتنع من المبايعة لأحد حال الاختلاف إلى أن قتل ابن الزبير وانتظم الملك كله لعبد الملك بن مروان فبايع له حينئذ. فلو فهم الحديث على ظاهره لما بات ليلة إلا وفي عنقه بيعة لأحدهما يعطيها من يدله عليه اجتهاده على أنه أقرب للصواب وقد روي عنه قوله: ... لكني أكره أن أبايع أميرين قبل أن يجتمع الناس على أمير واحد. فالمقصود أنه أخذ مدة وليس في عنقه بيعة لأحد وهذا على خلاف ظاهر الحديث لانتفاء أحد شروط صحة البيعة وهو أن يكون المبايع واحداً كما مرّ] الإمامة العظمى ص ٢١٤-٢١٥. وخلاصة الأمر أن البيعة المقصودة في الحديث هي بيعة إمام جماعة المسلمين وليس زعيم جماعة من جماعات المسلمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346677,"book_id":3840,"shamela_page_id":1057,"part":"18","page_num":99,"sequence_num":1057,"body":"٩٩ - الكرب والمصيبة\rيقول السائل: ما موقف المسلم عندما تحل عليه المصائب كموت عزيز عليه؟\rالجواب: المطلوب من المسلم أن يصبر ويحتسب ويسترجع فيقول \" إنا لله وإنا إليه لراجعون \" ويحرم شق الجيوب أي تمزيق الثياب ولطم الخدود ونشر الشعر والنياحة أما الصبر فقد حث الله ﷾ المؤمنين في كتابه الكريم على الصبر وكذلك النبي ﷺ فقد وردت نصوص كثيرة في كتاب الله ﷾ وسنة نبيه ﷺ في الصبر منها: قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة آل عمران الآية ٢٠٠. وقال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) سورة البقرة ٤٥. وقال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) سورة البقرة الآية ١٥٥-١٥٧. وقال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) سورة محمد الآية ٣١. وقال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) سورة الزمر الآية ١٠. وقال تعالى: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) سورة النحل الآية ١٢٦. وقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) سورة الشورى الآية ٤٣. وصح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (والصبر ضياء) رواه مسلم. وعن صهيب الرومي ﵁ قال: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) رواه مسلم. وعن أم سلمة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به -إنا لله وإنا إليه راجعون - اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها) رواه مسلم وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: (أرسلت بنت النبي ﷺ: إن ابني قد احتضر فاشهدنا أرسل يقرئ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب. فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها. فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال ﵃ فرفع إلى رسول الله ﷺ الصبي فأقعده في حجره ونفسه تقعقع ففاضت عيناه فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده) وفي رواية: (في قلوب من شاء من عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) متفق عليه. وعن أنس ﵁ قال: (مرّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري. فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي! ولم تعرفه فقيل لها: إنه النبي ﷺ فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك. فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: (يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة) رواه البخاري. فالصبر على البلاء بشتى أنواعه وأشكاله مطلوب من المسلم فإنه وإن كان شديداً على النفس وصعباً عليها فعلى المسلم أن يصبر نفسه فالصبر على البلاء بضاعة الصديقين ويدل على قوة اليقين بالله تعالى فلذا كان النبي ﷺ يقول في دعائه: (وأسألك من اليقين ما تهون عليَّ به مصائب الدنيا) رواه الترمذي وقال حديث حسن، ورواه النسائي والحاكم وصححه. ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس وخاصة من النساء إذا أصابتهم مصيبة كموت ولد أو أخ أو زوج أو قريب أنهم يفقدون السيطرة على أعصابهم فيقعون في أمور محرمة نهى عنها رسول الله ﷺ. وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أن من أمور الجاهلية الباقية في الأمة النياحة على الأموات فقد جاء في الحديث عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) رواه مسلم. وعن أبي هريرة أنه ﵊ قال: (اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (لما مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ صاح أسامة بن زيد، فقال رسول الله ﷺ: ليس هذا مني وليس بصائح حق، القلب يحزن والعين تدمع ولا نغضب الرب) رواه ابن حبان والحاكم وسنده حسن كما قال الشيخ الألباني في أحكام الجنائز ص ٢٧. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) متفق عليه. وجاء في حديث إحدى النساء اللواتي بايعن رسول الله ﷺ قالت: (كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه وأن لا نخمش وجهاً ولا ندعو ويلاً ولا نشق جيباً وأن لا ننشر شعراً) رواه أبو داود والبيهقي بسند صحيح، قاله الشيخ الألباني في أحكام الجنائز ص ٣٠","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346678,"book_id":3840,"shamela_page_id":1058,"part":"18","page_num":100,"sequence_num":1058,"body":"١٠٠ - الكرب والمصيبة\rيقول السائل: هل يثاب الإنسان على المصائب التي تصيبه كالمرض والعمى وموت قريب؟\rالجواب: الذي عليه جمهور العلماء أن الإنسان المؤمن يثاب على المصائب التي تنزل به وتكفر خطاياه وترفع درجته ويزاد في حسناته وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في ذلك منها: عن عائشة رضي الله قالت سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول: (ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له حسنة أو حطت عنه بها خطيئة) رواه مسلم. وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته) رواه البخاري ومسلم واللفظ له، والوصب هو المرض والنصب هو التعب. وفي رواية البخاري: (ما يصب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك فمسسته بيدي فقلت يا رسول الله: إنك لتوعك وعكاً شديداً. فقال رسول الله ﷺ أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. قال فقلت: ذلك أن لك أجرين. فقال رسول الله ﷺ: أجل. ثم قال رسول الله ﷺ: ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها) رواه البخاري ومسلم واللفظ له، وغير ذلك من الأحاديث. قال الإمام النووي: [في هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين فإنه قلما ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها وإن قلت مشقاتها وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور وزيادة الحسنات وهذا هو الصحيح الذي عليه الجماهير] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/٩٩-١٠٠. وينبغي أن يعلم أن الذنوب التي تكفرها المصائب والأمراض والهم والغم هي صغائر الذنوب لا كبائرها كما قال جمهور العلماء. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن لأن الآدمي لا ينفك غالباً من ألم بسب مرض أو هم أو نحو ذلك مما ذكر وأن الأمراض والأوجاع والآلام بدنية كانت أو قلبية تكفر ذنوب من تقع له. وسيأتي في الباب الذي بعده من حديث ابن مسعود: (ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتَّ الله عنه خطاياه) وظاهرة تعميم جميع الذنوب لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر للحديث الي تقدم التنبيه عليه في أوائل الصلاة (الصلوات الخمس والجمعة للجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) فحملوا المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد ويحتمل أن يكون معنى هذه الأحاديث التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة لتكفير الذنوب فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة المرض وخفته. ثم المراد بتكفير الذنب ستره أو محو أثره المرتب عليه من استحقاق العقوبة] فتح الباري ١٢/٢١٢. وقد اشترط بعض أهل العلم لحصول الثواب والتكفير عن الخطايا والذنوب بأن يصبر المصاب بها ويحتسب أما إذا لم يصبر ولم يحتسب فلا أجر له. قال الإمام أبو العباس القرطبي المحدث: [ومقصود هذه الأحاديث أن الأمراض والأحزان وإن دقت والمصائب وإن قلت أجر المؤمن على جميعها وكفرت عنه بذلك خطاياه حتى يمشي على الأرض وليست له خطيئة كما جاء في الحديث الآخر لكن هذا كله إذا صبر المصاب واحتسب وقال ما أمر الله به في قوله: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) سورة البقرة ١٥٦. فمن كان كذلك وصل إلى ما وعد الله به ورسوله من ذلك] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٦/٥٤٦. ولكن الحافظ ابن حجر لم يوافق القرطبي على ذلك ويرى أن مجرد حصول المرض أو غيره مما ذكر يترتب عليه التكفير المذكور سواء انضم إلى ذلك صبر المصاب أم لا. فتح الباري ١٢/٢١٢. ويرى بعض أهل العلم أن الذنوب والمصائب تكون كفارة للذنوب فقط ولا يثاب الإنسان عليها. والذي تؤيده الأدلة أن الذنوب والمصائب تكفر الذنوب ويثاب المؤمن عليها فقد ورد في إحدى روايات حديث عائشة المتقدم أن النبي ﷺ قال: (ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له درجة ومحيت عنه بها خطيئة) رواه مسلم. وجاء في حديث آخر قوله ﷺ: (ما ضرب على مؤمن عرق قط إلا حط الله به عنه خطيئة وكتب له حسنة ورفع له درجة) رواه الطبراني في الأوسط وسنده جيد كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١٢/٢٠٨. وورد في الحديث عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عجب للمؤمن إذا أصابه خير حمد الله وشكر وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر فالمؤمن يؤجر في كل أمره حتى يؤجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته) رواه أحمد، وسنده قوي كما قال محقق شرح السنة ٥/٤٤٨. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وممن جاء عنه أن المريض يكتب له الأجر بمرضه أبو هريرة فعند البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عنه أنه قال: (ما من مرض يصيبني أحب إليَّ من الحمى لأنها تدخل في كل عضو مني وإن الله يعطي كل عضو قسطه من الأجر) ومثل هذا لا يقوله أبو هريرة برأيه] فتح الباري ١٢/٢١٣. وقال الحافظ أيضاً: [والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها وبالرضا يؤجر على ذلك فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه] المصدر السابق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346679,"book_id":3840,"shamela_page_id":1059,"part":"18","page_num":101,"sequence_num":1059,"body":"١٠١ - أول خلق الله\rيقول السائل: إنه قرأ في إحدى النشرات التي وزعت في بعض المساجد أن نبينا محمد ﷺ هو أول مخلوقات الله، فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: إن الزعم بأن سيدنا رسول الله ﷺ هو أول خلق الله كما يقول بعض الدجالين ما هو إلا كذب وافتراء على دين الله والإسلام منه بريء. وهذا من الغلو في رسول الله ﷺ وقد نهى الرسول ﷺ عن الغلو فقد جاء في الحديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (إياكم والغلو في الدين إنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ١٢٨٣. وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري. والزعم بأن سيدنا رسول الله ﷺ هو أول مخلوقات الله من ترهات الصوفية وضلالاتهم فمن المعروف عند أهل العلم أن المتصوفة قد انحرفوا انحرافاً خطيراً تجاه رسول الله ﷺ وتجاوزا به المنزلة التي أنزله الله ﷾ فادعوا أنه أول مخلوق وأنه مخلوق من نور وأن جميع ما في هذا الكون تفرع عنه بعد ذلك وأن جميع علوم الرسل الذين أرسلوا من قبله فاضت عليهم من علمه بل ادعوا بأن علم اللوح والقلم من علمه ﷺ وأن الدنيا وما فيها والآخرة وما فيها من جوده ﷺ إلى غير ذلك من الأباطيل التي قالها هؤلاء كشيخهم الأكبر ابن عربي فقد قال: [قال تعالى: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) فشبه نوره بالمصباح فلم يكن أقرب إليه تعالى قبولاً في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد ﷺ المسماة بالعقل فكان سيد العالم بأسره وأول ظاهر في الوجود فكان وجوده من ذلك النور الإلهي ...) الفتوحات المكية ٢/٢٢٧. وقد اعتمد هؤلاء الدجاجلة على بعض الأحاديث المكذوبة لتأييد مزاعمهم الباطلة هذه فمنها ما نسبوه إلى النبي ﷺ أنه قال: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين) فهذا الحديث مكذوب موضوع ومثله ما نسبوه إلى النبي ﷺ أنه قال: (كنت نبياً ولا آدم ولا ماء ولا طين) فهذا الحديث أيضاً مكذوب موضوع كما قال العلامة الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/٣١٦. وذكره السيوطي في ذيل الأحاديث الموضوعة وقال الزركشي لا أصل له بهذا اللفظ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [لا أصل له من نقل ولا من عقل فإن أحداً من المحدثين لم يذكره ومعناه باطل فإن آدم ﵇ لم يكن بين الماء والطين فإن الطين ماء وتراب وإنما كان بين الروح والجسد ثم هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي ﷺ كان حينئذ موجوداً وأن ذاته خلقت قبل الذوات ويستشهدون على ذلك بأحاديث مفتراة مثل حديث فيه أنه كان نوراً حول العرش فقال: يا جبريل أنا كنت ذلك النور ويدعي أحدهم أن النبي ﷺ كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل] السلسلة الضعيفة ١/٣١٦. واحتجوا أيضاً بالحديث المكذوب: [كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث] وهذا الحديث موضوع ذكره ملا علي القاري في الموضوعات الكبرى وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٣٢٦، وذكر أن الصغاني قال أنه موضوع واحتجوا بما ورد في الحديث المكذوب أن النبي ﷺ قال: (يا جابر إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك ... الخ) فحديث جابر هذا المنسوب إلى عبد الرزاق موضوع لا أصل له وقد عزاه غير واحد إلى عبد الرزاق خطأ فهو غير موجود في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره. ومن الذين نسبوه إلى عبد الرزاق ابن العربي الحاتمي في \" تلقيح الأذهان \" والديار بكري في كتاب \" الخميس في تاريخ أنفس نفيس \" والعجلوني في \" كشف الخفاء \" وفي \" الأوائل العجلونية \" وقال السيوطي في الحاوي في الفتاوى: أما حديث أولية النور المحمدي فلا يثبت. وقد حكم الشيخ عبد الله بن الصديق في رسالة \" مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر \" على هذا الحديث بالوضع وقد سبقه إلى ذلك أخوه أحمد بن الصديق فليتنبه إلى ذلك] شرح الزرقاني على المواهب ١/٨٩. وذكر الشيخ الألباني أنه باطل. السلسلة الصحيحة ٤٥٩ وبين بطلانه الشيخ أحمد الشنقيطي في رسالته بعنوان تنبه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور المنسوب لمصنف عبد الرزاق. فهذه الأحاديث التي احتج بها هؤلاء مكذوبة لا تصلح لأن يثبت بها أمر من أمور العقيدة فالرسول محمد ﷺ ليس أول مخلوق ولا هو مخلوق من نور كما يزعم المتصوفة بل الرسول ﷺ مخلوق بشري خلق مما يخلق منه البشر ومرَّ بنفس الأدوار التي يمر بها البشر في بطن أمه ثم وضعته أمه كما تضع الأمهات ثم توفي عنه أبوه وتربى يتيماً مع أعمامه ومع هذا أقول: كوننا نقول إنه بشر مثلنا لا يحط هذا من مكانة الرسول ﷺ بل الكل يقر بأن الرسول ﷺ أفضل الخليقة على الإطلاق من إنس وجن وملائكة وله خصائص كثيرة خصه الله بها دون غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام. وبما أن الرسول محمداً ﷺ من ذرية آدم ﵇ كغيره من البشر وآدم أصله من تراب فإن أصل الرسول محمد أيضاً من تراب ومما يدل على أن أصل البشر من تراب الآيات التالية: قول الله تعالى: (وإذ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) سورة ص الآيات ٧١-٧٤. وقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًاءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) سورة المؤمنون الآيات ١٢-١٤. وعلى هذا نقول إن أول مخلوق بشري هو آدم ﵇ وبما أن الرسول ﷺ من ذرية آدم ﵇ فهو بشر إذن وقد خلق مما يخلق منه البشر وهو الماء كما في قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) سورة الإنسان الآية ٢. والرسول ﷺ بشر فهو مخلوق إذاً من نطفة كغيره من البشر وقد أمره الله أن يقول إنه بشر بقوله تعالى: (قل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) سورة الكهف الآية ١١٠. ومعلوم أن الرسول ﷺ ولد من أبوين قرشيين معروفين في القرن السادس الميلادي ولذا أقول إن اعتقاد المتصوفة أن الرسول ﷺ أول مخلوق وأنه مخلوق من نور اعتقاد باطل يصطدم مع النصوص القرآنية والحديثية القاطعة التي تثبت بشرية الرسول محمد ﷺ] مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية ١/٣٧٤-٣٧٥. إن الغلو في شخصية المصطفى ﷺ مخالف للعقيدة الصحيحة التي عليها أهل السنة والجماعة ومخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإن الاعتقاد الصحيح في شخصية المصطفى ﷺ هو كما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ. قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) سورة فصلت الآية ٦. وقال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) سورة آل عمران الآية ١٤٤. وقال تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) سورة الضحى الآيتان ٥-٦. وقال تعالى: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) سورة الشورى الآية ٥٢. وقال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) سورة النساء الآية ١١٣. وقال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) سورة الإسراء الآية ١. فسيدنا رسول الله ﷺ هو عبد الله ورسوله وهو بشر يجري عليه ما يجري على البشر في الأمور العادية وأوحى الله إليه وختم به النبوات والرسالات عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات ونحن حينما نعتقد في شخصية محمد ﷺ ما أخبر به القرآن الكريم وما جاء عنه ﵊ إنما نضع الأمور في موضعها الصحيح كما أراد الله ﷾ وهذا هو الحق إن شاء الله وماذا بعد الحق إلا الضلال ولقد جاء في الحديث عن أنس أن رجلاً قال للنبي ﷺ: (يا سيدنا وابن سيدنا ويا خيرنا وابن خيرنا فقال النبي ﷺ: يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله ورسول الله والله ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله ﷿ رواه أحمد وسنده صحيح ورجاله ثقات كما قال الشيخ الساعاتي في الفتح الرباني ٢٢/٢١ وقال الشيخ الألباني: صحيح على شرط مسلم. غاية المرام ص ٩٩.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346680,"book_id":3840,"shamela_page_id":1060,"part":"18","page_num":102,"sequence_num":1060,"body":"١٠٢ - احاديث ضعيفة\rيقول السائل: علقت في المسجد نشرة بعنوان علامات اقتراب الساعة ذكر فيها حديث طويل أخرجه أبو نعيم في الحلية أرجو بيان الحكم عليه ونص الحديث هو: قال رسول الله ﷺ: (من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة: إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة وأضاعوا الأمانة وأكلوا الربا واستحلوا الكذب واستخفوا بالدماء واشتغلوا بالبناء وباعوا الدين بالدنيا وتقطعت الأرحام ويكون الحكم ضعفاً والكذب صدقاً والحرير لباساً وظهر الجور وكثر الطلاق وموت الفجأة وائتمن الخائن وخوَّن الأمين وصدق الكاذب وكذب الصادق وكثر القذف وكان المطر قيظاً والولد غيظاً وفاض اللئام فيضاً وغاض الكرام غيضاً وكان الأمراء فجرة والوزراء كذبة والأمناء خونة والعرفاء ظلمة والقراء فسقه إذا لبسوا مسوك الضأن قلوبهم أنتن من الجيفة وأمرّ من الصبر يغشيهم الله فتنه يتهاوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة وتظهر الصفراء وتطلب البيضاء وتكثر الخطباء ويقل الأمر بالمعروف وخليت المصاحف وصورت المساجد وطولت المنابر وخربت القلوب وشربت الخمور وعطلت الحدود وولدت الأمة ربتها وترى الحفاة العراء قد صاروا ملوكاً وشاركت المرأة زوجها في التجارة وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال وحلف لغير الله وشهد المرء من غير أن يستشهد وسلم للمعرفة وتفقه لغير دين الله وطلبت الدنيا بعمل الآخرة واتخذ المغنم دولاً والأمانة مغنماً والزكاة مغرماً وكان زعيم القوم أرذلهم وعق الرجل أباه وجفا أمه وبر صديقه وأطاع امرأته وعلت أصوات الفسقة في المساجد واتخذ القينات والمعازف وشربت الخمور في الطرق واتخذ الظلم فخراً وبيع الحكم وكثرت الشرط واتخذ القرآن مزاميراً وجلود السباع صفاقاً ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء وخسفاً ومسخاً وقذفاً وآيات) .\r\rالجواب: هذا الحديث ضعيف كما قال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة ٣/ ٣١٤ وهذا نص كلامه: [ضعيف أخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق سويد بن سعيد فرج بن فضالة عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي عن حذيفة بن اليمان مرفوعاً، قال أبو نعيم: غريب من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير لم يوره عنه فيما أعلم إلا فرج بن فضالة. قلت - الألباني - وهو ضعيف كما قال الحافظ العراقي وفيه علة أخرى وهي الانقطاع فقد قال أبو نعيم في ترجمة عبد الله بن عبيد هذا: أرسل عن أبي الدرداء وحذيفة وغيرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346681,"book_id":3840,"shamela_page_id":1061,"part":"18","page_num":103,"sequence_num":1061,"body":"١٠٣ - مسائل طبية\rحكم تشريح الجثث, يقول السائل: إنه طالب في كلية الطب وأنه يدرس علم التشريح وتتم دراستهم العملية على جثث آدمية فما هي الضوابط الشرعية لعملية تشريح الجثث؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن مسألة تشريح جثث الموتى من المسائل العصرية التي لم يبحثها الفقهاء المتقدمون بحثاً مفصلاً وإن وجدت بعض الإشارات لمثل ذلك في كلامهم كما نص جمهور الفقهاء على جواز شق بطن الحامل إذا ماتت وكان جنينها حياً فأجازوا شق بطنها لإخراج الجنين. المجموع ٥/٣٠١. وقد بحث الفقهاء المعاصرون مسألة التشريح بحثاً موسعاً فكانوا بين مبيح ومانع والذي ترجح لدي بعد دراسة ما وقفت عليه من أبحاث في المسألة القول بإباحة التشريح بضوابط سأبينها لاحقاً. ولكن أذكر أولاً الغاية من التشريح المباح وهي: ١. التحقيق في دعوى جنائية لمعرفة أسباب الوفاة المرتكبة وذلك عندما يشكل على القضاء معرفة أسباب الوفاة ويكون التشريح هو السبيل الوحيد لمعرفة هذه الأسباب. ٢. التحقق من الأمراض الوبائية التي تستدعي التشريح لاتخاذ الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها. ٣. تعليم الطب. ومما يدل على جواز التشريح لهذه الدواعي ما يلي: أولاً: القياس على جواز شق بطن الحامل لاستخراج جنينها الذي ترجى حياته حيث أجاز ذلك فقهاء الحنفية والشافعية وبعض المالكية والحنابلة. المجموع ٥/٣٠١، الإنصاف ٢/٥٥٦، أبحاث هيئة كبار العلماء ٢/٢٧-٣٣. ويجوز التشريح قياساً على جواز تقطيع الجنين لإنقاذ أمه إذا غلب على الظن هلاكها بسببه. ومن العلماء من قاسه أيضاً على جواز شق بطن الميت إذا كان قد ابتلع مالاً ثميناً مغصوباً قبل وفاته. وهذه الأوجه الثلاثة من القياس اشتمل الأصل فيها على التصرف في جثة الميت بالشق، والقطع، طلباً لمصلحة الحي المتمثلة في إنقاذه من الموت كما في الوجه الأول، والثاني، وهي مصلحة ضرورية، كما اشتمل الوجه الثالث منها على مصلحة حاجية وهي رد المال المغصوب إلى صاحبه. وكلتا هاتين المصلحتين موجودتان في حال تعلم الجراحة الطبية، إذ يقصد منها تارة إنقاذ حياة المريض وهي المصلحة الضرورية، كما يقصد منها تارة أخرى إنقاذ المريض من آلام الأمراض والأسقام المضنية وهي المصلحة الحاجية، وأما إهانة الميت بتشريح جثته فقد رخص فيها أصحاب هذا القول بناء على القياس أيضاً، حيث استندوا على ما قرره بعض الفقهاء المتقدمين ﵏ من جواز نبش قبر الميت، وأخذ كفنه المسروق أو المغصوب، فقاسوا إهانته بالتشريح على إهانته بنبش كفنه، وكشف عورته بجامع تحصيل مصلحة الحي المحتاج إليها] أحكام الجراحة الطبية ص ١٧٢. ثانياً: ومما يدل على جواز التشريح للأغراض السابقة أن قواعد الشريعة الإسلامية تجيزه فإن من قواعد الشريعة الكلية ومقاصدها العامة أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما تفادياً لأشدهما ومسألة التشريح داخلة في هذه القاعدة على كل حال فإن مصلحة حرمة الميت مسلماً كان أو ذمياً تعارضت مع مصلحة أولياء الميت والأمة والمتهم عند الاشتباه فقد ينتهي الأمر بالتشريح والتحقيق مع المتهم إلى إثبات الجناية عليه وفي ذلك حفظ لحق أولياء الميت وإعانة لولي الأمر على ضبط الأمن وردع لمن تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الجريمة خفية وقد ينتهي الأمر بثبوت موته موتاً عادياً وفي ذلك براءة المتهم كما أن في التشريح المرضي معرفة ما إذا كان هناك وباء ومعرفة نوعه فيتقى شره بوسائل الوقاية المناسبة وفي هذا المحافظة على نفوس الأحياء والحد من أسباب الأمراض وقد حثت الشريعة على الوقاية من الأمراض وعلى التداوي مما أصابها وفي هذا مصلحة للأمة ومحافظة على سلامتها وإنقاذها مما يخشى أن يصيبها جرياً على ما اقتضت به سنة الله شرعاً وقدراً. وفي تعريف الطلاب تركيب الجسم وأعضائه الظاهرة والأجهزة الباطنة ومواضعها وحجمها صحيحة ومريضة وتدريبهم على ذلك عملياً وتعريفهم بإصابتها وطرق علاجها في هذا وغيره مما تقدم بيانه ... وما ذكره الأطباء مصالح كثيرة تعود على الأمة بالخير العميم فإذا تعارضت مصلحة المحافظة على حرمة الميت مع هذه المصالح نظر العلماء أي المصلحتين أرجح فبني عليها الحكم منعاً أو إباحة وقد يقال ان مصلحة الأمة في مسألتنا أرجح لكونها كليةً عامة ولكونها قطعية كما دل على ذلك الواقع والتجربة وهي عائدة إلى حفظ نفوس الناس وحفظها من الضروريات التي جاءت بمراعاتها وصيانتها جميع شرائع الأنبياء وقد وجدت نظائر لمسألة التشريح بحثها فقهاء الإسلام ... فلا يبعد أن يقال يجوز التشريح إلحاقاً له بهذه النظائر في الحكم] أبحاث هيئة كبار العلماء ٢/٦٣-٦٤. وكذلك فإن قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب تدل على جواز التشريح للأغراض السابقة فإن تعلم الجراحة الطبية فرض كفاية أي أنها واجبة على الأمة فيجب على الأمة سد حاجة الناس من هذه العلوم النافعة، ولا بد لمن أراد مزاولة الطب وعلاج الناس وإجراء الجراحات العملية أن يعرف الأعضاء وأماكنها علمياً وعملياً وواقعياً، ولا تتأتى هذه المعرفة إلا بالتشريح فإذا كان الطب تعلماً وتعليماً ومباشرة فرض كفاية، كان ما لا يتم هذا الفرض إلا به واجباً ولا يتم التعلم للطب إلا بذلك التشريح فيعتبر مشروعاً بل واجباً من هذا الوجه. حكم تشريح الإنسان ص٤١. هذه هي أهم الأدلة التي تدل على جواز التشريح وقد صدرت عدة فتاوى من هيئات علمية شرعية معتبرة تجيز ذلك فمنها ما صدر عن هيئة كبار العلماء في السعودية بجواز ذلك وقد جاء في قرار الهيئة ما يلي: [وظهر أن الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: التشريح لغرض التحقق عن دعوى جنائية. الثاني: التشريح لغرض التحقق عن أمراض وبائية لتتخذ على ضوئه الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها. الثالث: التشريح للغرض العلمي تعلماً وتعليماً. وبعد تداول الرأي والمناقشة ودراسة البحث المقدم من اللجنة المشار إليه أعلاه قرر المجلس ما يلي: بالنسبة للقسمين الأول والثاني فإن المجلس يرى أن في إجازتهما تحقيقاً لمصالح كثيرة في مجالات الأمن والعدل ووقاية المجتمع من الأمراض الوبائية ومفسدة انتهاك كرامة الجثة المشرحة مغمورة في جنب المصالح الكثيرة والعامة المتحققة بذلك، وإن المجلس لهذا يقرر بالإجماع إجازة التشريح لهذين الغرضين سواء كانت الجثة المشرحة جثة معصوم أم لا. وأما بالنسبة للقسم الثالث وهو التشريح للغرض التعليمي فنظراً إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وبدرء المفاسد وتقليلها، وبارتكاب أدنى الضررين لتفويت أشدهما، وأنه إذا تعارضت المصالح أخذ بأرجحها، وحيث إن تشريح غير الإنسان من الحيوانات لا يغني عن تشريح الإنسان وحيث إن في التشريح مصالح كثيرة ظهرت في التقدم العلمي في مجالات الطب المختلفة: فإن المجلس يرى جواز تشريح جثة الآدمي في الجملة إلا أنه نظراً إلى عناية الشريعة الإسلامية بكرامة المسلم ميتاً كعنايتها بكرامته حياً وذلك لما روى أحمد وأبو داود وابن ماجة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (كسر عظم الميت ككسره حياً) ونظراً إلى أن التشريح فيه امتهان لكرامته، وحيث أن الضرورة إلى ذلك منتفية بتيسر الحصول على جثث أموات غير معصومة: فإن المجلس يرى الاكتفاء بتشريح مثل هذه الجثث وعدم التعرض لجثث أموات معصومين والحال ما ذكر] أبحاث هيئة كبار العلماء ٢/٦٨-٦٩. ومنها قرار مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ونصه: [بناء على الضرورات التي دعت إلى تشريح جثث الموتى والتي يصير بها التشريح مصلحة تربو على مفسدة انتهاك كرامة الإنسان الميت. قرر مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي ما يأتي: أولاً: يجوز تشريح جثث الموتى لأحد الأغراض التالية: أ. التحقيق في دعوى جنائية لمعرفة أسباب الموت أو الجريمة المرتكبة وذلك عندما يشكل على القاضي معرفة أسباب الوفاة ويتبين أن التشريح هو السبيل لمعرفة هذه الأسباب. ب. التحقق من الأمراض التي تستدعي التشريح ليتخذ على ضوئه الاحتياطات الواقية والعلاجات المناسبة لتلك الأمراض. جـ. تعليم الطب وتعلمه كما هو الحال في كليات الطب] قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ص ١٧. وصدرت فتاوى أخرى بجواز التشريح كفتوى دار الإفتاء المصرية ولجنة الفتوى الأردنية ولجنة الفتوى الكويتية وغيرها. وينبغي أن يعلم أنه لا بد من مراعاة الضوابط التالية عند تشريح جثة الآدمي ١. التيقن من موت الشخص قبل إجراء التشريح عليه لأن تشريح الإنسان قبل موته فيه إيذاء وهو محرم شرعاً. ٢. موافقة الشخص قبل موته على تشريح جثته إذا مات أو موافقة ذويه بعد موته ولا تشترط موافقة الميت ولا ذويه في الحالات الجنائية لما في التشريح في مثل هذه الحالات من مصلحة راجحة ولأن ممانعة الأهل قد تفوت حقاً من الحقوق العامة أو الخاصة. ويجوز تشريح جثث المتوفين المجهولين الذين ليس لهم أهل تؤخذ موافقتهم كما جاء مثلاً في الفتوى التي صدرت عن دار الإفتاء المصرية \" يجوز شرعاً الحصول على جثث بعض المتوفين ممن لا أهل لهم للإفادة العلمية من تشريحهم مراعاة للمصلحة العامة على أن يقتصر في ذلك على ما تقضي به الضرورة القصوى\"] الموسوعة الطبية الفقهية ص ٢٠١. ٣. أن تراعى آداب تكريم الميت فلا يساء التصرف في جسده بما لا يخدم البحث العلمي والغرض التعليمي ولا تبقى الجثة مقطعة الأجزاء على منصات التشريح تتقاذفها أيدي الطلبة دون رادع أو زاجر بل لا بد من احترام إنسانية الميت والاقتصار فقط على موضع الحاجة والضرورة. ولا يجوز العبث بالجثة ويحسن أن يكون درس التشريح درساً جاداً يوجهه مدرس التشريح لبيان قدرة الله في الخلق وحكمته من خلق الإنسان في أحسن تقويم. ٤. تجميع أجزاء الجثة بعد الفراغ من تشريحها ودفنها وفقاً للأحكام الشرعية المتعلقة بوجوب دفن الميت. ٥. إذا كانت الجثة جثة امرأة فيجب أن يقتصر نظر الطالب ومسه على مواضع الضرورة والحاجة فقط ولا يمسها بدون ضرورة. ٦. أن تكون الجثة لغير معصوم الدم فإذا وجد غير المعصوم فلا يجوز تشريح جثة المسلم إلا عند الضرورة كما جاء في قرار المجمع الفقهي ص ١٧. فهذه جملة من الضوابط لا بد من الالتزام بها من قبل الأطباء وطلبة الطب حتى لا يتجاوزوا الحد المشروع ويقتصر فيه على موضع الحاجة فمهنة الطب خلق في المقام الأول لأنه يتعامل مع خلق كريم. قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيءَادَمَ) . يقول الشيخ إبراهيم اليعقوبي: (وكلامنا مع الأطباء والأساتذة والطلاب فالكل مسؤول أمام الله تعالى عن مثل هذه التصرفات ونخص بالذكر الأطباء المشرحين والطلاب الذي يتعلمون منهم ونأمرهم بتقوى الله ﷿ وباحترام الإنسان الآدمي الذي كرمه الله تعالى، وفضله على كل من سواه. ونأمرهم بأن لا يتخذوه هدفاً للعبث أو آلة للعب، بل يضعون نصب أعينهم مخافة الله ﷿، وحرمة الآدمي، ويقصدون بهذا العمل تقديم النفع والعلم الصحيح لطلابهم ويقصد الطلاب من ذلك أيضاً وجه الله تعالى بهذا التعلم وخدمة الإنسانية واضعين نصب أعينهم خوف الله تعالى وحرمة الإنسان وكرامته] حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون ص ٥٩-٦٠.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346682,"book_id":3840,"shamela_page_id":1062,"part":"18","page_num":104,"sequence_num":1062,"body":"١٠٤ - معالجة مياه المجاري\rيقول السائل: هل يجوز استعمال مياه المجاري التي تمت تنقيتها في الوضوء والغسل والشرب ونحو ذلك من الاستعمالات؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن الماء الطاهر الذي يصح استعماله في جميع الاستعمالات هو الماء المطلق الباقي على أصل خلقته ولم يتغير أحد أوصافه الثلاثة وهي اللون والطعم والرائحة فإذا تغير أحد أوصافه الثلاثة فينظر فيما خالطه أطاهر أم نجس؟ وقد فصل الفقهاء الكلام على أحكام المياه في كتبهم والذي يهمنا هنا أن مياه المجاري نجسة بلا ريب. فإذا تمت تنقيتها في محطات تنقية مياه المجاري بالوسائل العلمية الحديثة حيث إن التنقية تتم بإزالة النجاسة من مياه المجاري على أربعة مراحل وهي الترسيب والتهوية وقتل الجراثيم والتعقيم بالكلور، وهذه الطرق كفيلة بإزالة كل أثر للنجاسة في الطعم واللون والرائحة فإذا تمت التنقية بإزالة كل أثر للنجاسة فإن الماء يعود إلى أصل طهوريته لأن الحكم بنجاسة الماء معلل بعلة تغيره فإذا زالت هذه العلة رجع الحكم إلى أصله، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث: (أن النبي ﷺ سئل عن الوضوء من بئر بضاعة فقال ﷺ: الماء طهور لا ينجسه شيء) رواه أحمد والترمذي وأبو داود والشافعي وغيرهم وقال الترمذي: حديث حسن. وصححه جماعة من أهل الحديث منهم أحمد ويحيى بن معين وابن حزم من المتقدمين والألباني من المتأخرين. انظر التلخيص الحبير ١/١٢ فما بعدها، إرواء الغليل ١/٤٥. وقد ورد في بعض روايات الحديث السابق: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه) . وفي رواية أخرى: (إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه) . وقد اتفق المحدثون على أن الاستثناء الوارد وهو قوله: (إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه] لم يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ ولكن معناه صحيح ثابت بالإجماع. قال الحافظ ابن حجر: [قال الشافعي: ما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء وريحه ولونه كان نجساً، يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله وهو قول العامة لا أعلم بينهم خلافاً. قال النووي: اتفق المحدثون على تضعيفه وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعماً أو لوناً أو ريحاً فهو نجس] التلخيص الحبير ١/١٥. وبناءً على ما سبق فإن المياه التي تنقى في محطات التنقية إذا تمت إزاة كل أثر للنجاسة منها فيجوز استعمالها في الوضوء والغسل وفي سائر الاستعمالات الأخرى. وقد بحثت هذه المسألة سابقاً من عدة مجامع علمية معتبرة فمن ذلك ما صدر عن هيئة كبار العلماء في السعودية حيث جاء في القرار ما يلي: [بناءً على ما ذكره أهل العلم من أن الماء الكثير المتغير بنجاسةٍ يطهر إذا زال تغيره بنفسه أو بإضافة ماء طهور إليه أو زال تغيره بطول مكث أو تأثير الشمس ومرور الرياح عليه أو نحو ذلك لزوال الحكم بزوال علته. وحيث إن المياه المتنجسة يمكن التخلص من نجاستها بعدة وسائل وحيث إن تنقيتها وتخليصها مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنية الحديثة لأعمال التنقية يعتبر من أحسن وسائل الترشيح والتطهير حيث يبذل الكثير من الأسباب المادية لتخليص هذه المياه من النجاسات كما يشهد بذلك ويقرره الخبراء المختصون بذلك ممن لا يتطرق الشك إليهم في عملهم وخبرتهم وتجاربهم. لذلك فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خلقتها الأولى لا يُرى فيها تغيرٌ بنجاسة في طعم ولا لون ولا ريح ويجوز استعمالها في إزالة الإحداث والأخباث وتحصل الطهارة بها منها كما يجوز شربها إلا إذا كانت هناك أضرار صحية تنشأ عن استعمالها فيمتنع ذلك محافظة على النفس وتفادياً للضرر لا لنجاستها. والمجلس إذ يقرر ذلك يستحسن الاستغناء عنها في استعمالها للشرب متى وجد إلى ذلك سبيل احتياطاً للصحة واتقاء للضرر وتنزهاً عما تستقذره النفوس وتنفر منه الطباع] غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام ١/١٢٨-١٢٩. وجاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ما يلي: [إن ماء المجاري إذا نقى بالطرق المذكورة أو ما يماثلها ولم يبق للنجاسة أثر في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه صار طهوراً يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به بناء على القاعدة الفقهية التي تقرر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها أثر فيه، والله أعلم] قرارات المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ص ٩١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346683,"book_id":3840,"shamela_page_id":1063,"part":"18","page_num":105,"sequence_num":1063,"body":"١٠٥ - الأجر على قدر المشقة\rيقول السائل: الأجر على قدر المشقة عبارة تتردد على الألسن كثيراً فما مدى صحة ذلك؟\rالجواب: إن الإسلام دين اليسر والتخفيف والرحمة ومن مقاصده رفع الحرج عن المكلفين ودفع الأذى عنهم ويدل على ذلك نصوص كثيرة من الكتاب والسنة. يقول الله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) . ويقول أيضاً: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) . ويقول تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) . وقال رسول الله ﷺ: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا) رواه البخاري. وقال رسول ﷺ أيضاً: (إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً) رواه مسلم. وقال ﵊ لمعاذ بن جبل ولأبي موسى الأشعري عندما بعثهما إلى اليمن: (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا) رواه البخاري. والآيات والأحاديث كثيرة جداً في هذا الباب والخلاصة أن الإسلام قرر قاعدة رفع الحرج عن المكلفين ودفع المشقات عنهم ولكن المشقة قد تكون مشقة لا تنفك عن التكاليف الشرعية أي ملازمة لها وهذه لا بد منها إذ لا يكاد ذلك يخلو من مشقة ولو كانت قليلة، والتاكليف الشرعية لا تخلو عادةً من مثل هذه المشقات فمثلاً الصوم فيه نوع من المشقة وخاصةً إذا وقع في أشهر الصيف الحارة والوضوء فيه مشقة وخاصةً إذا كان الماء البارد أيام الشتاء، والحج فيه مشقة وهكذا بقيت التكاليف الشرعية فيها نوع من المشقة ولكن هذه المشقة محتملة وغير مقصودة في ذاتها ولكن لما يترتب عليها من المصالح تماماً كالطبيب الذي يعطي المريض الدواء المر الذي فيه شفاؤه فإن الطبيب لا يقصد إيذاء المريض بذلك الدواء المر ولكن يقصد ما يترتب عليه من الشفاء. وكذلك الشارع يقصد ما يترتب على تلك المشقة من مصالح تعود على المكلف بالنفع العظيم. وهنالك نوع من المشقة الشديدة وغير المحتملة وهذه لم تقع في التكاليف الشرعية وبالتالي لا يجوز للمكلف أن يوقعها على نفسه مثل صوم الوصال والصيام قائماً في الشمس والحج ماشياً ونحو ذلك فهذه مشقات صعبة وشديدة على النفس ولم يرد التكليف الشرعي بها بل نهى الشارع الحكيم عن التشديد على النفس. يقول ﷺ (خذوا من الأعما ما تطيقون) رواه البخاري ومسلم. وقال ﵊: (هلك المتنطعون) رواه مسلم. والمتنطع: هو المشدد على نفسه في غير موطن الشدة. وهذه المشقة الشديدة إذا أوقع المكلف نفسه فيها قيعتبر عمله غير مشروع ولا أجر له على ذلك لأن الأجر يكون على قدر الشمقة إذا كانت المشقة لازمة للتكاليف الشرعية. وأما إذا كانت المشقة غير لازمة لها فلا يصح للمكلف أن يجلبها على نفسه ظاناً أن ذلك طريقة للأجر والثواب لأن هذا المسلك مخالف للسنة وفيه تعذيبٌ للنفس وعناءٌ لها وهذا غير مقصود للشارع بل إن النبي ﷺ قد نهى عن ذلك. فقد ورد في الحديث أنه بينما النبي ﷺ يخطب فإذا برجلٍ قائم في الشمس فسأل عنه فقالوا إنه أبو اسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ويصوم ولا يتكلم فقال (مروه فليستظل وليقعد وليتكلم وليتم صومه) رواه البخاري. وعن أنس أن النبي ﷺ رأى شيخاً يهادي بين ابنيه فقال: (ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي، قال: إن الله عن تعذيب نفسه لغني وأمره أن يركب) رواه البخاري ومسلم. وقد دخل الرسول ﷺ المسجد فإذا حبلٌ ممدود بين ساريتين فقال: ما هذا؟ فقالوا: حبل لزينب فإذا فترت تعلقت به. فقال عليه الصلاة والاسلام: حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد) رواه البخاري، وغير رذلك من الأحاديث. ففي هذه الأحاديث جلب الصحابة على أنفسهم مشقات غير مقصودة للشارع، فالشرع لا يطلب من الصائم أن يقف في الشمس طول النهار ولا يطلب من الحاج أن يمشي على قدميه إلى بيت الله الحرام ولا يطلب منه أن يشدد على نفسه ويحملها فوق طاقتها فهذه مشقات لا أجر فيها ولا ثواب عليها. فلا يجوز للمكلف أن يوقع نفسه فيها ولا يكون الأجر على قدر المشقة إلا إذا كانت المشقة لا تنفك عن التكاليف الشرعية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346684,"book_id":3840,"shamela_page_id":1064,"part":"18","page_num":106,"sequence_num":1064,"body":"١٠٦ - المذاهب الفقهية\rتعدد المذاهب الفقهية, يقول السائل: لماذا يوجد لدى المسلمين مذاهب فقهية متعددة ومختلفة مع أن القرآن الكريم واحد والسنة النبوية واحدة؟\rالجواب: إن تعدد المذاهب الفقهية لدى المسلمين له أسبابه ودواعيه المعتبرة وقبل بيانها لا بد من الإشارة إلى قضيتن هامتين: الأولى: إن الإختلافات الفقهية بين علماء الإسلام كأصحاب المذاهب الأربعة (أبو حينفة ومالك والشافعي وأحمد) هي اختلافات في الفروع أي في المسائل الفقهية والقواعد والأسس التي بنيت عليها تلك الفروع. وأما أصول الإسلام وقواعد العقيدة فهي محل اتفاق بين عامة علماء الإسلام لا خلاف بينهم فيها. الثانية: إن الإختلافات في فروع الإسلام موجودة منذ عهد الرسول ﷺ وصحابته الكرام ﵃ ومن الشواهد على ذلك: عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم الأحزاب (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحداً منهم) رواه البخاري. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماءً فتيمما صعيداً طيباً فصليا ثم وجد الماء في الوقت، فتوضأ أحدهما وأعاد اصلاة ولم يعد الآخر، ثم أتيا الرسول ﷺ فذكرا ذلك له، فقال: للذي لم يعد أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد لك الأجر مرتين) رواه أبو داود والنسائي وهو حديثٌ صحيح. ونلاحظ في هذين الحديثين أن الرسول ﷺ لم ينكر على الصحابة اختلافهم في قضايا فرعية بل أقر كل طرف على ما وصل إليه اجتهاده. واختلاف فقهاء المسلمين في أبواب الفقه الإسلامي له أسبابه المعتبرة وكل إمام من أئمة الفقه بنى مذهبه الفقهي على قواعد وأسس وضوابط معروفة. وهؤلاء الأئمة ما كانوا يصدرون في اجتهاداتهم وآرائهم الفقهية عن هوىً أو تشهٍ أو قولٍ في دين الله بغير دليل وإنما لدى كل منهم أصولٌ بنى مذهبه عليها، وأشير بإيجاز إلى بعض الأسباب التي نتج عنها الإختلاف الفقهي منها: - أن لا يبلغ الحديث أحد الفقهاء فيقول قولاً بخلاف حديث رسول الله ﷺ وخاصةً أننا نعلم أنه يصعب على أحد من أهل العلم الإحاطة بجميع سنة رسول الله ﷺ وقد خفيت بعض الأحاديث على عدد من كبار الصحابة كأبي بكر وعمر، فمن اب أولى أن تخفى على الفقهاء الذين جاؤوا بعد ذلك أحاديث نبوية فاجتهدوا بخلافها. - ومنها: أن الحديث قد يصل إلى الإمام ولكنه لا يكون ثابتاً عنده لعلة من علل الحديث المعتبرة وقد يكون هذا الحديث قد وصل إلى إمام آخر بطريق صحيح فيأخذ به الثاني دون الأول فيقع اختلاف بينهما لذلك. - ومنها: الاختلاف في فهم النصوص من كتاب الله وسنة الرسول ﵊ لكون لفظ وقع في النص وهو مشترك أو مجمل أو غريب له عدة معان كما في قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) . فالقرء في لغة العرب استعمل في الطهر واستعمل في الحيض فهو لفظ مشترك فمن الفقهاء من أخذ بالأول ومنهم من أخذ بالثاني. - ومنها: إن الأدلة قد تتعارض في نظر المجتهد فيقدم دليلاً على آخر لأمور يعتقدها المجتهد من المرجحات. - وغير ذلك من الأسباب التي أدت إلى وقوع الاختلافات الفقهية التي يصعب شرحها في هذا المقام ومحل بحثها كتب أسباب الاختلافات الفقهية ولكن ينبغي أن يعلم أن الاختلافات الفقهية التي وقعت بين علماء الإسلام لم تفسد المودة والمحبة بينهم وكان كل منهم يحترم الآخر ويقدره وكل منهم يلتمس العذر للصاحبه وإن خالفه ويقدر وجهة نظره، وما أوصلهم ذلك الاختلاف إلى الخصام أو تفسيه العقول أو الحط من مكانة المخالف أو الطعن فيه، بل كان كل منهم يثني على مخالفه ويمدحه بما فيه من خصال حميدة ومن علم واسع وفق دقيق. قال الإمام الشافعي: (الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة) . وقال الإمام الشافعي أيضاً: [مالك بن أنس معلمي وعنه أخذت العلم وإذا ذكر العلماء فمالك النجم] . وعن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قال: (قلت لأبي أي رجل كان الشافعي فإني أسمعك تكثر الدعاء له. فقال: كان الشافعي ﵀ كالشمس للدنيا وكالعافية للناس فانظر هل لهذين من خلف أو عرض؟ وقال الإمام الشافعي: [خرجت من بغداد فما خلفت بالعراق رجل أفضل ولا أعلم ولا أتقى من أحمد بن حنبل] . فانظر يا أخي المسلم إلى هذا الأدب الجم والخلق الرفيع الذي كان يتحلى به علماء الإسلام واقتبس منه قبساتهم واستضئ بنورهم (اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346685,"book_id":3840,"shamela_page_id":1065,"part":"18","page_num":107,"sequence_num":1065,"body":"١٠٧ - المذاهب الفقهية\rاتباع مذهب فقهي واحد, يقول السائل: هل المسلم ملزم باتباع مذهب فقهي من المذاهب العروفة اليوم كالمذاهب الأربعة؟\rالجواب: إن المسلم غير ملزم باتباع مذهب فقهي كالمذهب الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي لأننا نعلم أن هذه المذاهب حدثت بعد عهد الصحابة والتابعين وأتباعهم وما لا يكون ديناً في عهد رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين وتابعيهم لا يكون ديناً للناس بعد ذلك. ولأننا نعلم أن أكثر الناس من العوام، والعوام لا مذهب لهم وإنما مذهبهم هو مذهب من يفتيهم، يقول الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) . ويقول العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه القيم أعلام الموقعين ما نصه (وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟ فيه مذهبان: أحدهما: لا يلزم وهو الصواب المقطوع به. إذا لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأٌ أهلها من هذه النسبة بل لا يصلح للعامي مذهب ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظرٍ واستدلال ويكون بصيرأً بالمذاهب على حسبه أو لمن قرأ كتاباً في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله. وأما من لم يتأهل لذلك البته بل قال أنا شافعي أو حنبلي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول كما لو قال: أنا فقيهٌ أو نحوي أو كاتب لم يصر كذلك بمجرد قوله. يوضحه أن القائل أنه شافعي أو حنفي أو مالكي يزعم أنه متبع لذلك الإمام سالك طريقه وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال. فأما مع جهله وبعده جداً عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى؟ والعامي لا يتصور أن يصح له مذهب ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره ولا يلزم أحد قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره. وهذه بدعةٌ قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام وهم أعلى رتبة وأجل قدراً وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك. وأبعد منه قول من قال يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء وأبعد منه قول من قال يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة. أعلام الموقعين ٤/ ٢٦٢. ويضاف إلى ما قاله ابن القيم أن الأئمة الأربعة وغيرهم قد حذروا الناس من اتباعهم في كل ما قالوا وفي كل ما ذهبوا إليه. ونقول هذا الذي يزعم أن على المسلم اتباع مذهب فقهيٍ أنه ملزم بأخذ أقوال ذلك المذهب وعدم الخروج عنها بأن هذا زعم باطل ترده أقوال الأئمة أصحاب المذاهب المعروفة، وإليك بعضها: ١. قال الإمام أبو حنيفة مخاطباً صاحبه أبا يوسف: [ويحك يا يعقوب لا تكمتب كل ما تسمع مني فإني أرى الرأي اليوم وأتركه غداً، وأرى الرأي غداً وأتركه بعد غد] . ٢. قال الإمام مالك: [ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ] . ٣. وقال الإمام الشافعي: [أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسوله ﷺ لم يحل له أن يدعها لقول أحد] . وإن مما يدل على فساد القول بإلزام المسلم بإتباع مذهب فقهي معين أن اتباع المذهب ليس أمراً هيناً ولا يتيسر لكل أحد من الناس بل يحتاج إلى فقه وعلم في أصول ذلك المذهب حتى يعرف الأسس والقواعد التي بني عليها المذهب. يقول أبو حنيفة ﵀ (لا يحل لأحدٍ أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه) وفي روايةٍ أخرى عنه (حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي) . وبعد هذا القول الفصل من أبي حنيفة هل يستطيع عوام الناس الذين يزعمون أنهم على مذهب أبي حنيفة مثلاً أن يعرفوا لِمَ قال أبو حنيفة أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء أو لِمَ يرى أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام وغير ذلك من المسائل الفقهية. إن إلزام المسلمين باتباع مذهب فقهي دعوى باطلة ومن نسج الخيال ويردها ويكذبها واقع المسلمين الذين عاشوا في العصور الثلاثة التي شهد لها الرسول ﷺ بالخيرية وهي دعوى منكرة لا يوجد دليل شرعي على صحتها وما هي إلا إلزام للناس بما لم يلزمهم به الإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346686,"book_id":3840,"shamela_page_id":1066,"part":"18","page_num":108,"sequence_num":1066,"body":"١٠٨ - مفهوم العبادة في الإسلام\rيقول السائل: ما معنى قوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ؟\rالجواب: إن مفهوم هذه الآية الكريمة من سورة الذاريات يخطيء كثير من المسلمين في فهمه على حقيقته فيظن كثير من الناس أن عبادة الله مقتصرة على الصلاة والصيام والزكاة والحج وبعض الذكار ويعتقدون أنهم بعملهم ذلك أقاموا الإسلام في حياتهم وهذا فهم ناقص لحقيقة العبادة في الإسلام. فأصل العبادة في اللغة: الطاعة والخضوع والتذلل كما قال الجوهري وغيره. أما مفهوم العبادة في الشرع فمفهوم واسع شامل يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالته القيمة العبودية: [العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث والمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضى بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله] العبودية ص ٣٨. من خلال هذا الفهم النير لمفهوم العبادة في الإسلام نعلم خطأ من يقصرون العبادة على بعض الجوانب الروحية من الإسلام فالهدف الذي خلق الإنسان من أجله هو عبادة الله وعبادة الله تشمل الدين كله وتشمل الحياة كلها، فالإنسان المسلم عليه أن يكون عبداً لله طوال حياته طوال ليله ونهاره وطوال الشهور والسنوات وليست العبادة هي تلك التي تؤدى في أوقات محددة لا تستغرق إلا وقتاً يسيراً في حياة الإنسان فالمسلم يستمر في عبادة الله حتى يفارق هذه الدنيا. يقول الله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) . إن المفهوم الحق للعبادة الذي أشرت إليه ينسجم مع النظرة الواعية في فهم الإسلام فهماً صحيحاً قائماً على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ومبنياً على فهم السلف الصالح لهذا الدين بعمومه وشموله وأنه يغطي جميع جوانب الحياة وليس قاصراً على جانب واحد منها مع إهمال الجوانب الأخرى. إن من يظن أن مجرد الصلاة والصيام والحج وبعض الذكار هـ الدين كله وهي العبادة كلها لاشك أن مخطئ خطأً شنيعاً في تصوره لحقيقة الدين وفهمه لحقيقة العبادة. لا شك أن الصلاة والصيام والحج من أعظم الشعائر ومن أركان الإسلام ولكنها تبقى جزءاً من هذا البناء العظيم ومن هذا النظام الشامل لجميع نواحي الحياة، حتى الأمور التي يظنها كثير من الناس أنها من الأمور البسيطة وقد يعتبرها بعضهم لا علاقة للدين بها كقضاء الشهوة كما في قوله ﷺ لبعض الصحابة: (وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر. قالوا: نعم. قال: كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم. فانظر أخي المسلم إلى هذه الشهوة الغريزية كيف تكون عبادة لله تعالى إذا نوى المسلم أن يعف نفسه وأن يحصن زوجه فعمله يكون عبادة لله تعالى له الأجر والثواب وهذا الأمر قد يعتبره بعض الناس تافهاً فما بالك بالأمور الأخرى؟ وفي الحقيقة إن شرح مفهوم العبادة في الإسلام لا يسعه هذا المقام الضيق فيحتاج إلى رسائل ومؤلفات ولكن لا بد من التأكيد على أن مفهوم العبادة في الإسلام مفهوم واسع شامل لكل نواحي الحياة وأن كل عمل يصدر عن المسلم يمكن أن يكون عبادة إذا توفرت فيه بعض الشروط. أولها: أن يكون العمل خالصاً لله تعالى فإذا قصد العامل أن يغني أسرته وينفع الناس فعمله عبادة. ثانيها: أن يكون العمل ضمن حدود الشرع فلا يجوز للمسلم أن يعمل فيما حرم الله فينبغي ان يكون على حسب ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. ثالثها: أن يكون عمله غير شاغل له عن القيام بما أوجب الله عليه، فإذا تحققت هذه الشروط كان العمل عبادة لله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346687,"book_id":3840,"shamela_page_id":1067,"part":"18","page_num":109,"sequence_num":1067,"body":"١٠٩ - الخلافة الراشدة\rيقول السائل: يتحدث الناس عن الخلافة الراشدة في آخر الزمان ويدعون الله أن تأتي فهل هذا صحيح وإن كان كذلك فمن هو المهدي المنتظر؟\rالجواب: إن الخلافة الراشدة ستكون إن شاء الله وقد أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ كما ثبت في الحديث من قوله ﷺ: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكاً جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت) رواه أحمد والبزار والطبراني وصححه الحافظ العراقي والشيخ الأباني وغيرهما. وهذا الحديث يبشر بقيام خلافة على منهاج النبوة ولكنه لم يحدد زماناً بعينه لذلك وهذه الخلافة الراشدة غير التي تكون في زمن المهدي المنتظر – والله أعلم – لأن ظهور المهدي المنتظر من علامات الساعة أو قربها ويكون حكمه قبيل نزول عيسى ﵊ كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة. وأما الخلافة الراشدة فأظن أن زمانها قد قرب لأن العالم الإسلامي يعيش فيزمن الملك الجبري في هذه الأيام كما قاله بعض أهل العلم. وينبغي أن يعلم أن الاعتقاد بظهور المهدي المنتظر هو جزء من عقيدة المسلم وقد دلت على ذلك أحاديث كثيرة وردت عن الرسول ﷺ بلغت حد التواتر كما قال المحققون من أهل الحديث. قال الإمام الشوكاني: [والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً فيها الصحيح والحسن والضعيف والمنجبر وهي متواترة بلا شك ولا شبهة بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضاً لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك ... ] . وقال السفاريني في عقيدته المسماة لوامع الأنوار البهية \" الإيمان بالمهدي من جملة عقيدة أهل السنة والجماعة.. \". وقال في موضع آخر: \" وقد كثرت الأقوال في المهدي إلا عيسى ﵇ وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي ... \". والأحاديث الواردة في المهدي نقلت عن أكثر من عشرين من الصحابة ﵃ وقد احتج بها أهل الحديث وقبلوها وذكر صاحب كتاب (عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر) أكثر من خمسين من علماء الحديث الذين رووا تلك الأحاديث واحتجوا بها فلا مجال لإنكارها. وبعد هذا أقل لا بد من التنبيه على بعض الأمور المتعلقة بالمهدي: ١. أن المهدي رجل يعود نسبه إلى آل البيت ﵃ ويحكم بشرع الله كما وردت بذلك الأحاديث، قال الإمام أبو الحسن السجستاني: \" وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله بذكر المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلاً \". ٢. إن المهدي الذي يعتقد به أهل السنة والجماعة هو غير المهدي المنتظرعند الشيعة الإمامية فالشيعة يعتقون أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري الذي دخل السرداب وعمره تسع سنين وذلك سنة (٢٦٥ هـ) وهم ينتظرون خروجه وهذه عقيدة باطلة فاسدة وخرافة لا حقيقة لها. ٣. لا يصح الاعتقاد بأنه لن تقوم للإسلام قائمة ولا دولة إلا بظهور المهدي المنتظر ولا يجوز للمسلمين ترك العمل لقيام دولة الإسلام اعتماداً على ظهور المهدي فهذا أمر باطل. قال الشيخ الألباني حفظه الله: واعلم أخي المسلم أن كثيراً من المسلمين قد انحرفوا عن الصواب في هذا الموضوع فمنهم من استقر في نفسه أن دولة الإسلام لن تقوم إلا بخروج المهدي وهذه خرافة وضلال ألقاها الشيطان في قلوب كثير من العامة وبخاصة الصوفية منهم وليس في شيء من أحاديث المهدي ما يشعر بذلك مطلقاً بل هي كلها لا تخرج عن أن النبي ﷺ بشر برجل من أهل بيته ووصفه بصفات بارزة من أهمها أنه يحكم بالإسلام وينشر العدل بين الأنام فهو في الحقيقة من المجددين الذين يبعثهم الله في رأس كل مائة سنة كما صح عنه ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346688,"book_id":3840,"shamela_page_id":1068,"part":"18","page_num":110,"sequence_num":1068,"body":"١١٠ - احاديث مكذوبة\rحديث الصيحة المكذوب, يقول السائل: ما مدى صحة الحديث الذي يتناقله كثير من الناس في هذه الأيام حول حدوث صيحة في شهر رمضان وبالذات ليلة الجمعة الموافقة للنصف من رمضان هذا العام ١٤١٤ هـ؟\rالجواب: إن الحديث الوارد في هذا وهو عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: (إذا كانت صيحة في رمضان فإنه تكون معمعة في شوال وتميز القبائل في ذي القعدة وتسفك الدماء في ذي الحجة والمحرم.. قال: قلنا: وما الصيحة يا سول الله؟ قال: هذه في النصف من رمضان ليلة الجمعة من سنة كثيرة الزلازل فإذا صليتم الفجر من يوم الجمعة فادخلوا بيوتكم وأغلقوا أبوابكم وسدوا كواكم ودثروا أنفسكم وسدوا آذنكم إذا أحسستم بالصيحة فخروا لله سجداً وقولوا سبحان الله القدوس، سبحان الله القدوس، ربنا القدوس فمن يفعل ذلمك نجا، ومن لم يفعل ذلك هلك) رواه نعيم بن حماد في كتاب الفتن بسند ضعيف فيه محمد بن ثابت البناني قال فيه الحافظ بن حجر ضعيف وفيه ايضاً الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، قال فيه الحافظ ايضاً: كذبه الشعبي في رأيه ورمي بالرفض وفي حديثه ضعف. وهذا الحديث ذكره صاحب كنز العمال وأشار إلى أن الحديث رواه نعيم وهذا الحديث على كل حال ضعيف ولا تقوم الحجة به. وقد وردت روايات أخرى ضعيفة كرواية أبي أمامة عن الصيحة التي تكون في النصف من رمضان.. ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وقال بعد أن ساقها بإسناده \" هذا حديث لا يصح.. قال العقيلي وهو متروك الحديث – يعني أحد رواته – وقال ابن حبان كان يسرق الحديث ولايحل الاحتجاج به وقال الدارقطني منكر الحديث.. الخ \". وأما رواية الحاكم التي أشرت إليها فقد قال الذهبي عنها (ذا موضوع – أي مكذوب- ومسلمة ساقط متروك) وذكره ابن الجوزي في الموضوعات أيضاً. وبهذا يظهر لنا أن الأحاديث لا تثبت عن الرسول ﷺ وعلى الناس أن يحذروا من نشر الأحاديث الساقطة وإنما عليهم الرجرع إلى ما صح عن الرسول ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346689,"book_id":3840,"shamela_page_id":1069,"part":"18","page_num":111,"sequence_num":1069,"body":"١١١ - التوبة\rيقول السائل: سرقت مالاً من شخص آخر ثم تبت ورجعت إلى الله، وأريد أن أعيد المال المسروق إلى صاحبه ولكني أخشى الخزي ولعار، فهل يجوز أن أتصدق بذلك المال وتكون تلك الصدقة عن صاحب المال؟\rالجواب: إن التوبة الصادقة لا بد لها من شروط أربعة وهي: ١. الإقلاع عن المعصية. ٢. الندم على ما فات. ٣. العزم على عدم العود إلى المعصية. ٤. إعادة الحقوق لأصحابها إذا كانت المعصية تتعلق بحق آدمي كما في السؤال فيجب عليك أن تعيد الأموال المسروقة إلى أصحابها إن كنت تعرفهم ولا تبرأ ذمتك بغير ذلك ولا يجوز لك أن تتصدق بذك المال لأنك لا تملكه ولأنك لم توكل بالتصدق عنهم حيث أخذته بغير حق والرسول ﷺ يقول (لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا عن طيب نفسٍ) رواه أحمد والبيهقي وابن حبان وهو حديثٌ صحيح. وأما إذا كان عن أصحاب المال غير معروفين لك فإن تصدقت بذلك المال عنهم فأرجو أن تبرأ ذمتك منه إن شاء الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346690,"book_id":3840,"shamela_page_id":1070,"part":"18","page_num":112,"sequence_num":1070,"body":"١١٢ - احاديث مكذوبة\rحديث (صنفان من أمتي إذا صلحا) , يقول السائل:: يدور على ألسنة كثيرٍ من الخطباء والوعاظ الحديث (صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس، الأمراء والعلماء) فهل هذا الحديث ثابت عن الرسول ﷺ؟\rالجواب: قال الشيخ المحدث ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى عن هذا الحديث: [إنه موضوع، أي مكذوب على رسول الله ﷺ ثم قال أخرجه تمام في الفوائد (٢٣٨/١) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٦) وابن عبد البر في (جامع بيان العلم) ١/ ١٨٤. من طريق محمد بن زياد اليشكري عن ميمون بن مهران عن ابن عباس مرفوعاً وهذا سند موضوع محمد بن زياد هذا قال أحمد: (كذاب أعور يضع الحديث) وقال ابن معين والدارقطني (كذاب) وكذبه أبو زرعه وغيره. الحديث مما أورده السيوطي في الجامع خلافاً لشرطه: وأورده الغزالي في الأحياء (١/ ٦) جازماً بنسبته إليه ﷺ وقال مخرجه الحافظ العراقي بعد أن عزاه لابن عبد البر وأبي نعيم (سنده ضعيف) ولا منافاة بين قول الحافظ هذا وبين حكمنا عليه بالوضع إذ أن الموضوع من أنواع الحديث الضعيف كما هو مقرر في علم الأصول] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346691,"book_id":3840,"shamela_page_id":1071,"part":"18","page_num":113,"sequence_num":1071,"body":"١١٣ - احاديث ضعيفة\rحديث (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم) , يقول السائل: ما مدى صحة الحديث (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم) ؟\rالجواب: إن هذا الحديث ضعيف عند أهل الحديث، قل البزار: لا أصل له وكذلك قال عبد الحق الإشبيلي، وممن ضعفه الحافظ ابن حجر وابن الجوزي والمنذري والهيثمي وغيرهم. وظن عامة الناس أن هذا الحديث ثابت عن رسول الله ﷺ جعلهم يطردون الأطفال من المساجد وينكرون على من يحضرهم إلى المساجد وهذا موقف غير صحيح. والحق أن الإسلام اعتنى بالأطفال، وأمر الآباء والأولياء بأن يأمروا أبنائهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين. وإن المكان الصحيح لتعليمهم الصلاة وغيرها من أحكام الشرع هو المسجد. ولقد كان الأطفال يحضرون إلى المسجد في عهد الرسول ﷺ وكان ﵊ يخفف الصلاة ويقصرها عندما يسمع بكاء طفل في المسجد بل إنه ﵊ قطع خطبته وحمل الحسن والحسين، لما دخلا المسجد فرآهما يعثران في ملابسهما فحملهما. فعلينا أن نقتدي برسول الله ﷺ وأن نعود أطفالنا على ارتياد المساجد بدلاً من بقائهم في الأزقة والحارات عرضة لفساد الأخلاق وسوء الرفاق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346692,"book_id":3840,"shamela_page_id":1072,"part":"18","page_num":114,"sequence_num":1072,"body":"١١٤ - المزروعات المروية بماء نجس\rيقول السائل: ما حكم الزروع والثمار التي تسقى بماء نجس أو التي تنبت في مكان نجس؟\rالجواب: إن هذه الزروع والثمار ليست نجسة العين ولكن إذا أصابتها النجاسة فهي نجسة ويجب تطهيرها قبل استعمالها فإذا غسلت فقد طهرت. وأما إذا لم تصبها النجاسة مباشرة فهي طاهر قطعاًُ ولا حاجة لغسلها وإن نبتت في مكان نجس أو سقيت بماء نجس. وإن المسلمين قد توارثوا استخدام الزبل الطبيعي في تسميد مزروعاتهم وهو نجس عند كثير من الفقهاء ولكنهم لم يقولوا بنجاسة الثمار والمزروعات التي تنبت عليه. قال الإمام النووي ﵀: [الزرع النابت على السرجين (الزبل الطبيعي) قال الأصحاب ليس هو نجس العين لكن ينجس بملاقات النجاسة نجاسة مجاورة وإذا غسل طهر. وإذا سنبل فحباته طاهرة قطعاً ولا حاجة لغسلها وهكذا القثاء والخيار وشبههما يكون طاهراً ولا حاجة لغسله.. وكذا الشجرة إذا سقيت ماء نجساً فأغصانها وأوراقها وثمارها طاهرة] المجموع ٢ / ٥٧٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346693,"book_id":3840,"shamela_page_id":1073,"part":"18","page_num":115,"sequence_num":1073,"body":"١١٥ - القرآن الكريم\rالوقف في قراءة القرآن, يقول السائل: سمعت قارئاً من قراء القرآن الكريم يتلو قوله تعالى: (طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى) وقف على قوله تعالى (عَلَيْكَ) أي أنه قرأ الآية هكذا (طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ) وقرأ الآية الأخرى من نفس السورة هكذا (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) فوقف على لفظ الجلالة ومد بها صوته فما حكم قراءته وهل يجوز ذلك؟\rالجواب: إن قراءة القرآن الكريم لها أصولها المعروفة عند العلماء ولها آداب خاصة قررها أهل العلم وما فعله القارئ المذكور من وقوف على لفظ (عَلَيْكَ) في الآية الأولى إن لم يكن وقفه ضرورياً فهو تلاعب في كتاب الله وسوء أدب مع كلام الله ﷾، لأن وقوفه على لفظ عليك وقف قبيح يخل بالمعنى فإنه ينفي أن الله ﷾ أنزل على عبده شيئاً وهذا كذب صراح. وأما ما فعله في الآية الأخرى فهو وقف قبيح ايضاً لأنه يغير المعنى، ونحن نعلم أن كثيراً من القراء يقصدون الوقوف على لفظ الجلالة أينما ورد ويمدون به أصواتهم ليستثيروا مشاعر السامعين فتسمع جمهور الحاضرين يرددون وراء القارئ لفظ الجلالة (الله – الله – الله) أو يطلقون عبارات المدح والثناء على القارئ كقولهم (الله يفتح عليك) ونحو ذلك ولا يلقون بالاً للتفكر بالآيات القرآنية ولا يتدبرون معانيها. ومن العجب أن يقرأ القارئ آيات تصف تعذيب الكافرين في جحهنم والمستمعون يرددون (الله – الله – الله) عوضاً عن اتعاظهم واستعاذتهم بالله العظيم من نار جهنم. وينبغي أن يعلم أن لقراءة القرآن الكريم آداباً كثيرة لا يلتزم بها أكثر القراء وسأشير إلى بعضها باختصار: أولاً: القراءة مع التدبر وتفهم المعاني يقول الله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ) ويقول ﷻ: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا) . ثانياً: اجتناب الكلام واللغط والضحك خلال القراءة إلا كلاماً يضطر إليه، يقول ﷾: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) . وقد ورد عن ابن عمر ﵄: (أنه كان إذا قرئ القرآن لا يتكلم حتى يفرغ منه) . ومن الأمور المنكرة التي يفعلها بعض القراء أنهم أثناء قرائتهم لآية والانتهاء منها يتحدثون مع من حولهم ثم يتلون الآية التي بعدها وهكذا شأنهم. ثالثاً: قال الإمام النووي: (وينبغي أن يرتل قراءته وقد اتفق العماء ﵃ على استحباب الترتيل. قال تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا) . وثبت عن أم سلمة ﵂ أنها: (نعتت قراءة رسول الله ﷺ قراءة مفسرة حرفاً حرفاً) رواه ابو داود والنسائي والترمذي وقال الترمذي حديث صحيح، التبيان في آداب حملة القرآن ص ٤٦ – ٤٧. فقراءة رسول الله ﷺ كانت ترتيلاً يقف على رؤوس الآيات لا كما يفعله كثير من القراء الذين يقرأون الآيات الكثيرة بنفس واحد حتى يمدحوا ويسمعوا عبارات الثناء والتعظيم. رابعاً: وهذا من الأمور التي يجب أن تكون معلومة، إن على القارئ الالتزام بأحكام التلاوة والتجويد وهو علم قائم بذاته ولكن لا بد من الإشارة إلى مسألة مهمة منه لارتباطها الوثيق بالسؤال ألا وهي مسألة الوقف والابتداء. لا بد للقارئ أن يكون على علم بهذه المسألة لأهميتها، قال بعض علماء التلاوة والتجويد: (تعلم الوقف ومواضعه شطر علم التجويد) وقال الهذلي: [الوقف حلية التلاوة وزينة لاقارئ وبلاغ التالي وفهم المستمع ... ] . فعلى القارئ أن يتدبر معاني القرآن الكريم حتى يعرف الأماكن التي يجوز فيها الوقف وينبغي أن يعلم أن المعنى والتدبر هو الأصل واللفظ تابع له. فالوقف إذا كان على ما يؤدي معنى صحيحاً فهو وقف تام وحسن وإذا وقف على ما لا يؤدي معنى صحيحاً فهو وقف قبيح كما في المثالين المذكورين في السؤال. ومثله الوقف على لفظ بينهما، قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) ومثله الوقف على لفظ يستحيي، في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) ومثله الوقف على لفظ (فَأَكَلَهُ) في قوله تعالى: (وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) ومثله الوقف على لفظ (أَرْسَلْنَاكَ) في قوله تعالى: (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) فهذه الوقوف وأمثالها واضحة الفساد وتؤدي إلى اختلال المعنى فكل من تعمد الوقوف على هذه المواضع وأمثالها مع علمه بالمنع فقد أثم واعتدى وجهل وافترى وإذا كان معانداً فقد يكفر والعياذ بالله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346694,"book_id":3840,"shamela_page_id":1074,"part":"18","page_num":116,"sequence_num":1074,"body":"١١٦ - التحية\rيقول السائل: نلاحظ أن بعض الناس عندما يصافحون غيرهم يحنون رؤوسهم فما حكم ذلك؟\rالجواب: إن حني الظهر أو الرأس من مظاهر الإذلال والخنوع، والإسلام يرفض ذلك. وقد سئل الرسول ﷺ عن ذلك كما ورد في حديث أنس ﵁ قال: قال رجل يا رسول الله: الرجل منا يلقى أخاه او صديقه أينحني له؟ فقال ﵊: لا) رواه الترمذي وابن ماجة وقال الترمذي حديث حسن. وهذا الحديث واضح الدلالة على عدم جواز حني الظهر، ومنهج الإسلام في هذا الموضع هو طرح السلام والمصافحة دون حني الظهر أو الرأس مهما كانت منزلة الشخص المقابل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346695,"book_id":3840,"shamela_page_id":1075,"part":"18","page_num":117,"sequence_num":1075,"body":"١١٧ - الاحتفال بأعياد الميلاد حرام شرعا\rيقول السائل: ما ملخصه، ما قولكم في الظاهرة المنتشرة في مجتمعنا وهي احتفال كثير من الناس بأعياد ميلادهم أو أعياد ميلاد أولادهم؟\rالجواب: إن الأمة الإسلامية لها شخصيتها المتميزة ولها أفكارها ومبادؤها المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولكن للأسف فإن الأمة الإسلامية تخلت عن شخصيتها وأفكارها ومبادئها واستعارت أموراً كثيرة من غيرها من الأمم غير المسلمة وأولع كثير من المسلمين بتقليد غيرهم فوفدت على ديارنا كثير من العادات والتقاليد من غير المسلمين والتي لا تتفق مع الإسلام ومن ضمن هذه الأمور الوافدة الاحتفال بأعياد الميلاد على مختلف المستويات فهذا الأمر تقليد لغير المسلمين فإن الإسلام في أيامه الناصعة المضيئة ما عرف مثل هذه البدع المستوردة. فهذا رسول الله ﷺ وهو قدوتنا وأسوتنا ما نقل عنه انه احتفل بعيد ميلاده وها هم الصحابة الأجلاء ﵃ ما عرف عنهم ذلك وهؤلاء هم الذين قال فيهم رسول الله ﷺ: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم الخ) حديث صحيح. وعلى هذا فإن الاحتفال بعيد الميلاد بدعة ولا يجوز القيام به لقوله ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) . والاحتفال بأعياد الميلاد تشبه بغير المسلمين وقد قال رسول الله ﷺ: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أبو داود وهو حديث صحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346696,"book_id":3840,"shamela_page_id":1076,"part":"18","page_num":118,"sequence_num":1076,"body":"١١٨ - حكم الوقوف تحية للشهداء\rيقول السائل: ما هو الحكم الشرعي في الوقوف دقيقة أو دقائق مع الصمت التام تحية للشهداء؟\rالجواب: إن الأمة الإسلامية أمة متميزة عن غيرها من الأمم بثقافتها ومنهجها في حياتها كلها. فالإسلام له نهجه الخاص في تكريم الشهداء واحترامهم وتقديرهم يقول ﷾: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) . وقد حث الإسلام على الدعاء للأموات والتصدق عنهم وذكر محاسنهم والإمساك عن مساوئهم. ولم يرد في الشرع ما يجيز الوقوف حداداً على أرواحهم بل هذا أمر محدث نقله المقلدون عن غير المسلمين وإن مما يؤسف له أن كثيراً المسلمين في هذه الأزمان المتأخرة أصبحوا مولعين بتقليد غير المسلمين والتشبه بهم واعتبر هذا التقليد من التقدم والحضارة عند هؤلاء الذين خدعهم سراب الحضارة الغربية وأعمى أبصارهم وطمس على بصائرهم واعتقدوا أن التمسك بالآداب الإسلامية تخلف ورجعية وصاروا يجارون غير المسلمين بمثل هذه الأمور وصدق فيهم قول رسول الله ﷺ إذ قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم) رواه البخاري ومسلم. فليس من منهج الإسلام الوقوف حداداً لأرواح الشهداء أو لما يعرف بالسلام الوطني فكل ذلك من الأمور المبتدعة التي لا يقبلها الإسلام ولا يقرها وإن اعتادها كثير من الناس. وينبغي أن يعلم أن فعل كثير من الناس لها لا يجعلها جائزة شرعاً لأن المقياس في الشريعة الإسلامية هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما بني عليها. ولله در الفضيل بن عياض وهو من كبار العباد الزهاد عندما قال: [اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطريق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346697,"book_id":3840,"shamela_page_id":1077,"part":"18","page_num":119,"sequence_num":1077,"body":"١١٩ - الأفلام والصحون اللاقطة\rمشاهدة الأفلام الإباحية حرام شرعاً , يقول السائل: ما حكم مشاهدة الأفلام الإباحية والصور العارية؟\rالجواب: إن الإسلام يحارب الفساد والإنحلال بمختلف ألوانه وأشكاله ويقطع كل الطرق التي تؤدي إليه ولا شك أن الأفلام الإباحية والصور العارية مظهر من مظاهر الإنحلال والفساد وأنها من الوسائل المؤدية إليه لذلك لا شك لدي في حرمة مشاهدة الأفلام الإباحية والصور الخليعة لأن للوسائل أحكام المقاصد كما قرر فقهاء الإسلام. قال العز بن عبد السلام: [للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل] . ومن المعروف عند العقلاء أن مشاهدة الأفلام الجنسية والصور الخليعة وسيلة من وسائل انتشار الفساد الخلقي والإنحلال وانتشار الموبقات وقد تؤدي إلى الزنا واللواط واستعمال العادة السرية فما أدى إلى الحرام فهو حرام وقد سمعنا وقرأنا عن حوادث كثيرة كان سببها مشاهدة تلك الأفلام الساقطة والصور الخليعة كالزنا واللواط وغير ذلك من المفاسد الأخلاقية. وانظر يا أخي إلى قول الرسول ﷺ: (لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها) رواه البخاري. ومعنى الحديث أن الرسول ﷺ ينهى المرأة أن ترى إمرأة أخرى وهي عارية وبعد ذلك تقوم بوصفها لزوجها فتجعله يفتتن بالمرأة الموصوفة. ومن المعلوم أن هذا الوصف يجعل الزوج يتخيل تلك المرأة بصفاتها التي نقلت إليه من زوجته ومع أن الأمر يتعلق بالخيال فقط فقد نهى الرسول ﷺ عنه فما بالك بمشاهدة الأفلام الجنسية حيث الصوت والصورة فهذا يؤدي إلى مفسدة أعظم من مجرد التفكير بامرأة وصفت له. قال الشيخ علي بن الحسن الحموي الشافعي ﵀ معلقاً على الحديث السابق [ ... فصلى الله وسلم على منقذ العباد من الردى نبي الرحمة والهدى، تالله لقد صدق لأن الرجل الأجنبي إذا سمع وصف امرأة أجنبية تشكلت في قلبه وانطبعت في مرآة نفسه ويوحي الشيطان لعنه الله له عند ذلك كلاماً من غروره وأمانيه ويحول بينه وبين تقوى الله ومراضيه وتخطر له هنالك خواطر قبيحة وهواجس ذميمة فتارة بالزنا والفحشاء ... ] أحكام النظر ص ٥٨ – ٥٩. وكل هذا يحدث نتيجة التفكير في امرأة وإن ما ينتج عن مشاهدة الأفلام الجنسية لهو أعظم وأخطر بكثير مما وصف الشيخ المذكور ﵀. ولا أظن أن مسلماً تقياً يعرف مقاصد الشرع الشريف يقول بجواز ذلك هذا إذا أضفنا إلى ما تقدم أن إعداد الأفلام الجنسية والصور العارية حرام لأن فيها انتهاكاً للمحرمات والنظر إلى ما حرم الله كما أن نشر تلك الأفلام حرام أيضاً وطبع تلك الصور حرام أيضاً وترويج ذلك ونشره حرام أيضاً فالقضية كلها تدور ضمن دائرة التحريم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346698,"book_id":3840,"shamela_page_id":1078,"part":"18","page_num":120,"sequence_num":1078,"body":"١٢٠ - الأفلام والصحون اللاقطة\rيقول السائل: ما حكم استعمال الصحون التي تلتقط بث برامج التليفزيون عبر الأقمار الصناعية؟\rالجواب: إن الصحون المشار إليها في السؤال كغيرها من الأدوات مثل التلفزيون والفيديو والمسجل والراديو، لا حكم لها في ذاتها وإنما الحكم في لاستعمالها فهي أدوات قد تستعمل في الخير وفي الشر ولكن هذه الأدوات وأمثالها من وسائل الإعلام صار شرها أكثر من خيرها وضررها أكثر من نفعها، ولا يستطيع كثير من الناس ضبط استعمالها في بيوتهم فمثلاً إن ما يعرف بالصحون اللاقطة لبرامج التلفزيون تستعمل استعمالاً سيئاً فأكثر البرامج التي تبث عليها برامج فساد وأفلام جنسية ساقطة وأفلام بوليسية تنشر الفحشاء والمنكر وتشجع الإجرام وصارت من معاول هدم الأخلاق ومحاربة الفضيلة. ولو سألت من عندهم مثل هذه الأجهزة لأخبروك عن البرامج الرهيبة التي تلتقط فبعض تلك المحطات مخصصة لبث الأفلام الجنسية باستمرار وبعضها لأفلام الإجرام والقتل وغير ذلك من المصائب. وهذه وتلك تترك آثاراً سيئة على المشاهدين عامة والشباب خاصةً وقد سمعنا عن بعض المآسي التي تحدث نتيجة لمشاهدة الأفلام الساقطة. وبناء على مفاسد هذه الأجهزة فإن المرء المسلم عليه أن يحتاط لدينه ويحافظ على أهله وأولاده أمام هذه الهجمة الشرسة ويمتنع عن إدخالها إلى بيته لأنه إن فعل ذلك يكون كمن وضع السم في الدسم وعرض نفسه وأهله وأولاده للفساد والإفساد ولا يزعم أحد أنه يستطيع أن يراقب استعمال هذه الصحون في بيته فإن ذلك يكاد يكون مستحيلاً. وعلى الآباء أن يتقوا الله في أولادهم وأسرهم فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتقهم، فقد قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) ، وقال الرسول ﷺ: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346699,"book_id":3840,"shamela_page_id":1079,"part":"18","page_num":121,"sequence_num":1079,"body":"١٢١ - من البدع\rالاحتفال بذكرى الهجرة النبوية بدعة, يقول السائل: اعتاد كثير من الناس على الاحتفال بذكرى هجرة الرسول ﷺ في الأول من شهر محرم من كل عام ويتخذ هذا اليوم على أنه عيد وعطلة للمسلمين فما مدى صحة ذلك؟\rالجواب: من المعلوم لدى أهل الحديث والسيرة أن النبي ﷺ هاجر من مكة إلى المدينة في أوئل شهر ربيع الأول من السنة الثالثة عشرة لبعثته ﷺ حيث وصل إلى قباء إحدى ضواحي المدينة النبوية لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول يوم الاثنين كما قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٣ / ١٨٨. ولم تكن هجرته ﷺ في الأول من محرم كما يظن كثير من الناس. وفي عهد عمر بن الخطاب ﵁ اتخذ التاريخ واختار الصحابة ﵃ التأريخ بهجرة المصطفى ﷺ. قال الإمام البخاري في الصحيح [باب التاريخ من أين أرخوا؟ ثم روى بسنده عن سهل بن سعد قال: ما عدوا من مبعث النبي ﷺ ولا من وفاته ما عدوا إلا من مقدمه المدينة] . وقال الحافظ ابن حجر: [وإنما أخروه – التاريخ – من ربيع الأول إلى المحرم لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة وهي مقدمة الهجرة فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم فناسب أن يجعل مبتدأ. وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء من محرم ... ] فتح الباري ٨ /٢٧٠. وبالتالي فإن الأول من محرم هو بداية السنة الهجرية وليس هو موعد هجرة الرسول ﷺ. وعلى كلا الحالين لا يجوز اتخاذ الأول من محرم عيداً أو تخصيصه بنوع من العبادة لأن هذا الأمر بدعة لم يفعلها الرسول ﷺ ولم يفعلها أحد من خلفائه ولا من صحابته وقد ثبت عنه ﷺ قوله: (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي حسن صحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346700,"book_id":3840,"shamela_page_id":1080,"part":"18","page_num":122,"sequence_num":1080,"body":"١٢٢ - السباب\rيقول السائل: ما المقصود بالحديث (لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر) ؟\rالجواب: وردت أحاديث صحيحة في النهي عن سب الدهر أذكر بعضها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: قال الله تعالى: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر) رواه البخاري ومسلم وغير ذلك من الأحاديث. وكان سب الدهر من عادات العرب فإذا أصابهم مكروه أو أمر سوء سبوا الدهر وذموه لأن العرب كانوا ينسبون ما كان يصيبهم من المصائب والكوارث إلى الدهر فنهينا عن ذلك لأن الله ﷾ هو مصرف الأمور وكما جاء في الحديث (أقلب الليل والنهار) وما الدهر إلا ظرف لوقوع الحوادث فيه. قال الإمام الخطابي في بيان المراد في قوله (أنا الدهر) معناه. أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي تنسبوها إلى الدهر فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعلها وإنما الدهر زمان جعل ظرفاً لواقع الأمور وكانت عادتهم إذا أصابهم مكروه أضافوه إلى الدهر فقالوا بؤساً للدهر وتباً للدهر) فتح الباري ١٠ / ١٩٦. وينبغي أن يعلم أن الدهر ليس من أسماء الله ﷾ على الصحيح من أقوال أهل العلم. وسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام كما حققه بعض أهل العلم: الأول: أن يقصد مجرد الخبر دون اللوم كأن يقول تعبنا من حر هذا اليوم ونحوه فهذا جائز ولا شيء فيه. الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل لأن الدهر هو المتصرف في الأمور خيرها وشرها فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقاً حيث نسب الحواديث لغير الله ﷾. الثالث: أن يسب الدهر معتقداً أن الفاعل هو الله ﷾ ولكنه يسب الدهر لأنه محل لهذه الأمور المكروهة فهذا حرام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346701,"book_id":3840,"shamela_page_id":1081,"part":"18","page_num":123,"sequence_num":1081,"body":"١٢٣ - السباب\rيقول السائل: ما حكم سب الدين وسب الرب وشتم الرسول ﷺ؟\rالجواب: إن من أسوأ الظواهر المنتشرة في بلادنا ما ذكره السائل من شتم الذات الإلهية وسب الدين وشتم الرسول ﷺ. ولا شك أن المسؤولية في انتشار هذه الظاهرة المنكرة تقع على عاتق الآباء والأمهات والمربين والمربيات وغيرهم الذين يجب عليهم أن يبينوا للناس مغبة هذا الأمر المنكر وعواقبه الوخيمة ولا شك أن سب الدين وسب الذات الإلهية وكذلك شتم الرسول ﷺ كفر صريح وخروج عن ملة الإسلام حتى لو كان الإنسان مازحاً لقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) . وعلى من حصل منه ذلك أن يبادر إلى التوبة الصادقة والرجوع إلى جادة الحق والصواب وعلى من سمع هذا المنكر أن يبادر إلى إنكاره وأن ينصح من صدر منه ذلك لعله يتوب ويرجع عن ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346702,"book_id":3840,"shamela_page_id":1082,"part":"18","page_num":124,"sequence_num":1082,"body":"١٢٤ - حكم الاستهزاء بحكم شرعي\rيقول السائل: ما حكم الاستهزاء بحكم من أحكام الإسلام كالاستهزاء باللحية وهل هناك فرق بين ان يكون المستهزيء جاداً أو مازحاً؟\rالجواب: إن الاستهزاء بما ثبت في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ يعتبر كفراً والعياذ بالله لقوله ﷾: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) . فهذه الآية نزلت في بعض المنافقين كما قال ابن كثير ﵀: قال أبو معشر المديني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فجاء إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب فقال: (أبالله وآياته كنتم تستهزؤون؟ إلى قوله – كانوا مجرمين.. الخ) . وذكر ابن كثير ﵀ بعض الروايات الأخرى في سبب نزول الآيات: منها أن جماعة من المنافقين كانوا يسيرون مع الرسول ﷺ وهو منطلق إلى غزوة تبوك فقال بعضهم لبعض أتحسبون جلاد بني الأصفر- قتال الروم – كقتال العرب بعضهم بعضاً والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال إرجافاً وترهيباً للمؤمنين.. الخ. تفسير ابن كثير ٢ /٣٦٧. لذلك فإن الاستهزاء بدين الله والاستهزاء برسول الله ﷺ والاستهزاء بسنته ﵊ يعد كفراً مخرجاً عن دين الاسلام. وإن الاستهزاء بمن يلتزم بأحكام الشرع، هو استهزاء بالشرع ذاته، فمن يسخر ويستهزئ بمن يطلق لحيته اتباعاً لأحكام الشرع يكون مستهزئاً بالشرع. وهذا كفر والعياذ بالله. ولا فرق بين أن يكون المستهزء جاداً أو مازحاً هزلاً. إن أحكام الشرع محترمة لا يجوز اللعب بها لا في حال الجد ولا في حال المزاح والله ﷾ يقول: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) وهؤلاء الذين نزلت فيهم الآية قالوا للرسول ﵊ إنهم كانوا يمزحون ويتكلمون كلاماً لا يقصدونه وإنما يتحدثون ليصرفرا عنهم عناء الطريق فلذلك هذه الأمور لا يدخلها المزاح ولا الهزل بحال من الأحوال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346703,"book_id":3840,"shamela_page_id":1083,"part":"18","page_num":125,"sequence_num":1083,"body":"١٢٥ - السحر والشعوذة والاستعانة بالحن\rعلاج عرق النسا بالشعوذة, يقول السائل: هناك طريقة شعبية لعلاج مرض يسمى (عرق النسا) حيث يقوم شخص اسمه محمد أو محمود ويقطع جذر نبتة تعرف بنفس الإسم ولا يتكلم مع أحد عند ذهابه أو إيابه ويقطعها عند سماع الأذان ويتلو بعض آيات القرآن الكريم ويسمي المريض بنسبته إلى أمه ويسأل هل تتعارض هذه الطريقة مع الإسلام وهل يجوز أخذ الأجرة على ذلك؟\rالجواب: إذا مرض إنسان فعليه أن يذهب إلى الأطباء للمعالجة وهذا من باب الأخذ بالأسباب ولا ينافي التوكل على الله ولا يجوز اللجوء إلى المشعوذين أو الدجالين ونحوهم للمعالجة وإن تحقق على أيديهم شفاء بعض الحالات المرضية فلا يجوز أن ينخدع بصدقهم فإنهم دجالون كذبة. والقضية المطروحة في السؤال نوع من ذلك ولا علاقة لمثل هذه الأمور بالعلاج والشفاء من الأمراض بل هذه الطريقة غير مشروعة لمعالجة الأمراض. والصحيح هو الذهاب إلى أهل الاختصاص من الأطباء وهنالك بعض الأمراض التي تعالج بقراءة القرآن الكريم وبعض الأدعية المأثورة عن الرسول ﷺ ويتم ذلك على أيدي الصادقين من الصالحين وليس على أيدي المشعوذين والدجالين. ولا يجوز أخذ الأجر على ما هو مذكور في الؤال والله أعلم. وأحيل السائل إلى كتاب الطب النبوي لابن القيم فقد ورد فيه وصفة طبية لعلاج (عرق النسا) ص ١٨٩.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346704,"book_id":3840,"shamela_page_id":1084,"part":"18","page_num":126,"sequence_num":1084,"body":"١٢٦ - السحر والشعوذة والاستعانة بالحن\rيقول السائل: يدّعي بعض الناس معالجة المرضى، عن طريق استخدام الجن وقراءة القرآن على الماء أو على بعض الأشربة، وكذلك القراءة على بعض الأدوات كالموسى، فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: لقد كثر في زماننا هذا الذين يدَّعون العلاج بالقرآن الكريم، والذين يدَّعون أنهم يتعاملون مع الجن في معالجة المرضى، وأكثر هؤلاء من الدجالين والمشعوذين الذين يستغلون جهل الناس وضعف المرضى، فيبتزونهم ويأخذون منهم الأموال الكثيرة بغير حق ويرتكبون مخالفات شرعية كثيرة، ولا بد من توضيح الأمور التالية: ١ - إذا مرض الإنسان فعليه مراجعة الأطباء أهل الاختصاص، لأن الله تعالى خلق الداء والدواء، فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أنزل الله من داء، إلا أنزل له شفاء) رواه البخاري ومسلم. وجاء في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: (لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله) رواه مسلم. ٢ - إن العلاج بالقرآن والرقية بآياته من الأمور المشروعة، يقول الله ﷾: (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا) سورة الإسراء /٨٢. وروى الإمام البخاري في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري- ﵁، أن رهطاً من أصحاب رسول الله ﷺ انطلقوا في سفرة سافروها حتى نزلوا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين قد نزلوا بكم لعله أن عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ فسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحدكم شيء، فقال بعضهم: نعم والله إني لراق، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحهم على قطيع من الغنم فانطلق فجعل يتفل ويقرأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمينَ) حتى لكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي ما به قلبة، قال فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: أقسموا، فقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له فقال: (وما يدريك أنها رقية، أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم بسهم) . وثبت في الحديث الصحيح، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذتين) رواه مسلم. ٣ - لا ينبغي لأحد من الناس أن يتفرغ لعلاج الناس بالرقى القرآنية أو بالأذكار الواردة، والإعلان عن نفسه بأنه المعالج بالقرآن والبديل الشرعي لفك السحر ومس الجان والعين والعقم والأمراض المستعصية، أو يعلن عن نفسه العيادة القرآنية، ويوزع الكروت، ويحدد المواعيد كالأطباء المختصين، لأن ذلك ليس من منهج الصحابة والتابعين والصالحين، ولم يكن معروفاً مثل هذا التفرغ عندهم مع أن الناس لا زالوا يمرضون على مر العصور والأزمان، ولأن فتح هذا الباب قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة، ويلج منه الدجالون والمشعوذون وأمثالهم. ٤ - لا بأس بقراءة آيات من القرآن الكريم على إناء فيه ماء، ثم يشربه المريض ويغتسل به قال ابن القيم: \" ورأى جماعة من السلف أن يكتب له الآيات من القرآن ثم يشربها قال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض ومثله عن أبي قلابة \". ٥ - إن مس الجن للإنسان ثابت، وقد قامت الأدلة على ذلك من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، والواقع يؤيد ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجن في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك، فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك \" مجموع الفتاوى ٢٤/٢٧٦. ويكون العلاج من صرع الجن للإنسان بقراءة الآيات القرآنية والأوراد النبوية الثابتة عن رسول الله ﷺ. ٦ - لا يجوز اللجوء لأي إنسان يدعي المعالجة بالقرآن أو أنه يستطيع إخراج الجن من المصروع إلا بعد التأكد أن هذا الشخص من الصالحين الملتزمين بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وأنه يتبع الطرق المشروعة في الرقية والعلاج ولا يستخدم شياطين الجن الذين لا يخدمونه إلا إذا وقع في المحرمات. وكذلك فإن بعض هؤلاء المعالجين يستخدمون الطلاسم في المعالجة، أو يذكرون كلاماً غير مفهوم المعنى، فهذا لا يجوز استعماله. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346705,"book_id":3840,"shamela_page_id":1085,"part":"18","page_num":127,"sequence_num":1085,"body":"١٢٧ - السحر والشعوذة والاستعانة بالحن\rالذهاب إلى السحرة حرام, تقول السائلة: إنها ذهبت مع ابنتها إلى امرأة ساحرة تحل السحر والحجاب فما حكم ذلك؟ الجواب: يحرم شرعاً الذهاب إلى السحرة من أجل فك السحر لقوله ﷺ: (ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له) رواه الطبراني وإسناده جيد. وقال ﵊ لما سئل عن النشرة: (هي عمل الشيطان) رواه أبو داود وأحمد وإسناده جيد. والنشرة هي حل السحر عن المسحور بالسحر. ويجوز أن يحل السحر بالرقية بقراءة القرآن الكريم والأذكار الواردة عن الرسول ﷺ وكذلك بالدعاء وطلب الشفاء من الله ﷾. وإليك أيها القاريء بعض الآيات والأذكار التي تفيد وتنفع بإذن الله ﷾ في إتقاء السحر قبل وقوعه ودفع ضرره بعد وقوعه وهي: قراءة آية الكرسي وهي أعظم آية في القرآن الكريم: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ... ) سورة البقرة ٢٥٥. وقراءة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثلاثاً بعد صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب. قراءة آخر أيتين من سورة البقرة بعد صلاة المغرب وهي قوله تعالى: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ... ) فقد صح عن الرسول ﷺ أنه قال: (من قرأ آية الكرسي ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح) وثبت عنه ﷺ أنه قال: (من قرأ الآيتيتن من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه) . ومن الأذكار النافعة بإذن الله الإكثار من التعوذ (بكلمات الله التامات من شر ما خلق) في الليل والنهار وعند النزول في مكان ونحو ذلك. ومنها أيضاً (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في السموات ولا في الأرض وهو السميع العليم) ثلاث مرات في أول الليل والنهار. ومنه (اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً) ومن ذلك رقية جبريل ﵇ التي رقى بها النبي ﷺ (بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك) وغير ذلك من الأذكار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346706,"book_id":3840,"shamela_page_id":1086,"part":"18","page_num":128,"sequence_num":1086,"body":"١٢٨ - نشرة كاذبة\rيقول السائل: ما قولكم في هذه النشرة التي توزع بين الناس ويعتقد بها بعضهم، وهذا نصها: أما بعد أنا فتاة في الثالثة عشرة من عمري، عجز الأطباء عن علاجي عند ذلك زرت مقام السيدة زينب ﵂ أخت الإمام الحسين ﵁ حامل راية كربلاء لما طلبت من الله شفائي وبقيت حتى غالبني النوم في مقام السيدة زينب ﵂ وفي منامي فسكبت الماء في حلقي وقالت لي قومي قد شفيت بإذن الله وأوصتني كتابة الواقعة (١٢) مرة وتوزيعها على الناس ووضعت الورقة في يد رجل فقير فقام بتوزيعها على الناس وبعد (١٢) يوماً أصبح غنياً، ووضعت الورقة في يد رجل موظف فلم يهتم بها وبعد (١٢) يوم فقد وظيفته. ووضعت الورقة في يد رجل عجوز فلم يهتم بها وبعد (١٢) يوم وضع في السجن ووضعت الورقة في يد رجل غني فلم يهتم بها وبعد (١٢) يوم فقد ثروته فعلى كل رجل وامرأة أن يصور الورقة (١٢) مرة يحصل بإذن الله وبركات السيدة زينب ﵂ ما يتمناه بعد (١٢) يوم فإن لم يفعل فسوف تصيبه مصيبة بعد ١٢ يوما.\r\rالجواب: إن هذه النشرة وأمثالها من عمل الدجالين والخرافيين والمجترئين على الله ﷾ وما جاء فيها كذب ودجل وتقول على الله ﷾ ورجم بالغيب. ودين الإسلام لا يقر بهذه الخزعبلات والخرافات البالية والإسلام قد شرع الأخذ بالأسباب لعلاج الأمراض ولم يشرع الذهاب إلى أصحاب القبور الذين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً. وما جاء في هذه النشرة أن من وزعها يصير غنياً بعد اثني عشر يوماً لهو من الكذب الصراح والواقع يكذبه. وكذلك ما جاء بتهديد من لم يكتبها بأن مصيبة تلحق به بعد اثني عشر يوماً فهذا تقول على الله ﷾ فما يصيب الإنسان في غده لا يعلمه إلا الله وهو مما استأثر الله بعلمه، فقد قال ﷾: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) . فهذه أمور غيبية لا يعلمها إلا الله ﷻ. يقول الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) . ويقول أيضاً: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) . وعلى الناس أن يحذروا من هذه الخرافات وأمثالها ولا يجوز لهم نشرها وتوزيعها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346707,"book_id":3840,"shamela_page_id":1087,"part":"18","page_num":129,"sequence_num":1087,"body":"١٢٩ - مسائل طبية\rالمسؤولية الطبية، يقول السائل: متى يتحمل الطبيب المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالمريض أو التي تؤدي إلى وفاة المريض؟\rالجواب: من المعلوم أنه لا يجوز لأي إنسان ممارسة مهنة الطبيب إلا من درس الطب في كليات الطب وأتم سنوات الدراسة بنجاح وأعطي الشهادة الأولى في الطب وقام بالممارسة العملية تحت إشراف الأطباء الأكثر خبرة منه من خلال ما يعرف بسنة الامتياز. وأما من يمارس التطبيب دونما دراسة ودراية فهو متطبب جاهل يضمن كل تصرف يصدر عنه فقد ورد في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: (من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. وجاء في حديث آخر قول ﵊: (أيما طبيبُ تَطَببَ على قوم لا يعرف له تَطَبُبٌ قبل ذلك فأعنت فهو ضامن) رواه أبو داود وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. انظر صحيح سنن أبي داود ٣/٨٦٦-٨٦٧. وقال العلامة ابن القيم شارحاً الحديث الأول: [... وأما الأمر الشرعي فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل. فإذا تعاطى علم الطب وعمله ولم يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهل على إتلاف الأنفس وأقدم بالتهور على ما لم يعلم فيكون قد غرر بالعليل فيلزمه الضمان لذلك وهذا إجماع من أهل العلم. قال الخطابي: لا أعلم خلافاً في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامناً. والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعدٍ. فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط عنه القود - أي القصاص - لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض ...] . ثم بين العلامة ابن القيم الحالات التي يكون فيها الطبيب مسئولاً عن وفاة المريض أو عن الأضرار التي تلحق بالمريض وألخصها فيما يلي: الأولى: أن يكون الطبيب حاذقاً ماهراً أعطى المهنة حقها ولم تجن يده فتولد من فعله المأذون به من جهة الشارع ومن جهة المريض تلف العضو أو موت المريض فهذا الطبيب لا يتحمل شيئاً من المسؤولية باتفاق الفقهاء لأن وفاة المريض أو تلف العضو ناتج عن فعل مأذون به شرعاً ومأذون به من المريض أو وليه إذا كان عمل الطبيب وفق قواعد الطب المعروفة ولم تخطئ يده. الثانية: متطبب جاهل باشرت يده المريض فتلف عضو منه أو مات فإن هذا المتطبب ضامن لما جنت يداه ويجب أن يعاقب أيضاً على تعديه وممارسته الطب دون أن يكون مؤهلاً لذلك. الثالثة: أن يكون الطبيب حاذقاً ماهراً أذن له وأعطى الصنعة حقها ولكن أخطأت يده وتعدت إلى عضو صحيح فأتلفته فتقوم لجنة طبية من أهل الاختصاص بفحص ما أقدم عليه الطبيب وتبين أن ما قام به خطأً فحينئذ فإن الطبيب يضمن ما أقدم عليه. الرابعة: أن يكون الطبيب ماهراً حاذقاً اجتهد فوصف للمريض دواء فأخطأ في اجتهاده فقتله فهذا يخَّرج على قولين عند الفقهاء: فمنهم من يرى أن دية المريض القتيل على بيت المال. ومنهم من يرى أن الدية على عاقلة الطبيب. الطب النبوي بتصرف ص٢٦٤-٢٦٦. ويرى العلماء المعاصرون أن المسؤولية الطبية تنقسم إلى قسمين: ١. المسؤولية الأخلاقية الأدبية والجنائية: وهي متعلقة بسلوك الطبيب والهيئة الطبية من ممرضين وفنيين في المختبرات والأشعة ... الخ. ومن أمثلتها: قضايا الغش والكذب والتزوير في الشهادات والتقارير الطبية سواء أكانت لمصلحة المريض أو ضده. ومن أمثلتها: إجراء عملية جراحية مثل الزائدة الدودية لشخص لا يعاني من التهاب الزائدة ويجريها الطبيب للحصول على المال. وكذلك المستشفيات الخاصة التي تطلب من الأطباء في بعض الأحيان أن يزيدوا من الفحوص الطبية وإن كانت غير مطلوبة لتشخيص المرض ولكن للحصول على المال فينبغي تحميل الأطباء والمشرفين على المستشفيات المسؤولية عن مثل هذه الحالات وخاصة إذا لحق ضرر بالمريض. ٢. المسؤولية المهنية: ويسأل الطبيب والهيئة الطبية عن الأضرار التي تلحق بالمريض عمداً أو جهلاً أو خطأً. أما العمد فلا يتصور من الطبيب أن يتعمد الإضرار بالمريض لأن وظيفة الطبيب هي مساعدة المريض على الشفاء. ولكن إن ثبت بالأدلة الصحيحة وجود الاعتداء عن عمد فإن الطبيب يعاقب ويضمن ما لحق بالمريض من الأضرار. وأما الجهل: فإن الطبيب يسأل عن الجهل بالمهنة سواء أكان جاهلاً بجميع الطب كمن ادعى الطب وهو لا يعلمه أو كان جاهلاً بجزء من الطب كالطبيب يعلم فرعاً من الطب ولا يعرف غيره كالطبيب الباطني إذا أجرى عملية لمريض في عينه فأتلفها فإنه يضمن. وأما الخطأ فإن الطبيب يسأل عن الخطأ الفاحش الذي يتجاوز فيه الطبيب الحد المعتبر عند أهل الاختصاص ولم يلتزم بأصول الطب المعتبرة حسب الزمان والمكان كأن يجري الطبيب عملية جراحية قد استغني عنها بعملية جراحية أخرى أو أن يداوي قرحة الإثني عشر بإزالة جزء من المعدة والإثني عشر مع وجود أدوية تقوم بمداوة القرحة وشفائها. وكأن يخطئ الجراح نتيجة الإهمال وعدم الانتباه مثل نسيان الشاش وبعض أدوات الجراحة في جوف المريض أو إصابة شريان أو عضو بسبب من خطأ الجراح أو مساعده أو حدوث إنتان بسبب عدم تعقيم الأدوات الجراحية ... فإن الطبيب وطاقمه الطبي يضمنون كل ضرر يلحق بالمريض لأن ما قاموا به يعتبر خروجاً عن الأصول الطبية المعتبرة. وينبغي أن يعلم أن الخطأ الذي يقع فيه الطبيب يضمنه الطبيب أولاً وكذلك المستشفى أو الجهة التي يعمل فيها الطبيب فإن إدارة المستشفى تتحمل جزءاً من المسؤولية لأن المريض عندما يتعامل مع المستشفى فإنه يتعامل مع شخص معنوي وهو لا يتعامل مع الطبيب بصفته الشخصية ولكن بصفته موظفاً لدى المستشفى. لذلك فإذا حصل خطأ أو تقصير من الطبيب أو أي فرد في الهيئة الطبية في المستشفى فإن إدارة المستشفى مسؤولة بالتضامن مع موظفيها حيث إن إدارة المستشفى تملك سلطة التوجيه والإشراف والرقابة. انظر المسؤولية الطبية ص ١٢٣. وأخيراً ينبغي التنبيه على أن تكون العلاقة بين الطبيب ومريضه علاقة طيبة فيتلطف الطبيب بالمريض ويكون به رحيماً وعليه حليماً وبجيبه رفيقاً فلا يطلب منه الأموال الطائلة ولا يحمله ما لا يطيق. ونلاحظ في أيامنا هذه أن مهنة الطب تلك المهنة الإنسانية تحولت عند بعض الأطباء وعند كثير من أصحاب المستشفيات إلى حسابات مادية خالصة. وختاماً أذكر وصف الطبيب المسلم كما تبنته الجمعية الطبية الإسلامية بأمريكا الشمالية سنة ١٩٧٧ م والذي يعكس الفكرة الإسلامية لآداب مهنة الطب فالطبيب المسلم: [يجب أن يؤمن بالله وبتعاليم الإسلام وسلوكياته في حياته الخاصة والعامة. وأن يكون عارفاً لجميل والديه ومعلميه ومن هم أكبر منه. وأن يكون بسيطاً متواضعاً رفيقاً رحيماً صبوراً متحملاً. وأن يسلك الطريق المستقيم ويطلب من الله دوام التوفيق. وأن يظل دائماً على دراية بالعلوم الطبية الحديثة وينمي مهارته باستمرار طلب العون عندما يلزمه ذلك. وأن يستشعر أن الله هو الذي يخلق ويملك جسد المريض وعقله فيعامل المريض في إطار تعاليم الله متذكراً أن الحياة هي هبة الله للإنسان وأن الحياة الآدمية تبدأ من لحظة الإخصاب ولا يمكن سلبها إلا بيد الله أو برخصة منه ويتذكر أن الله يراقب كل فكر وعمل. وأن يلتزم بالقوانين التي تنظم مهنته وأن يتبع أوامر الله كمنهج وحيد حتى لو اختلفت مع متطلبات الناس أو رغبات المريض. وألا يصف أو يعطي أي شيء ضارٍ وأن يقدم المساعدة اللازمة دون اعتبار للقدرة المادية أو أصل المريض أو عمله وأن يقدم النصيحة اللازمة للجسم والعقل وأن يحفظ سر المريض. وأن يتوخى الأسلوب المناسب في التخاطب وأن يفحص المريض من الجنس الآخر في وجود شخص ثالث ما تيسر ذلك. وألا ينتقد زملاءه الأطباء أمام المرضى أو العاملين في الحقل الطبي. وأن يسعى دائماً إلى تبني الحكمة في كل قراراته] . مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٨ ج ٣/١١٤. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346708,"book_id":3840,"shamela_page_id":1088,"part":"18","page_num":130,"sequence_num":1088,"body":"١٣٠ - مسائل طبية\rعلاج الطبيب للمرأة، يقول السائل: هل يعتبر دخول المرأة إلى عيادة الطبيب منفردة لأجل الكشف والمعالجة خلوة محرمة؟\rالجواب: إن دخول المرأة منفردة إلى عيادة الطبيب لأجل الكشف والمعالجة يعتبر خلوة محرمة والأصل في المرأة المسلمة إذا مرضت واحتاجت للعلاج أن تراجع طبيبة مسلمة كانت أو غير مسلمة ولا يحل لها مراجعة الطبيب الرجل إذا وجدت الطبيبة وكان بإمكانها مراجعتها فإن لم توجد الطبيبة أو تعذرت مراجعتها أو لم تكن من أهل الاختصاص بمرض تلك المرأة فيجوز حينئذ أن تراجع الطبيب الرجل وهنا لا بدّ من الالتزام بالضوابط التالية في تعامل الطبيب مع المرأة الأجنبية: ١. أن تتم المعاينة والكشف بحضور محرم للمرأة أو زوجها أو امرأة موثوقة خشية الوقوع في الخلوة المنهي عنها شرعاً. ٢. ألا يطلع الطبيب على شيء من بدنها إلا بمقدار ما تقتضيه ضرورة العلاج فيجب على الطبيب أن يستر جسد المريضة إلا موضع المعالجة. ٣. إذا استطاع الطبيب معالجة المرأة بالنظر دون اللمس فهو الواجب وعلى الطبيب أن يغض بصره وأن يتق الله ربه في ذلك. ٤. ينبغي للمرأة المسلمة إذا احتاجت للمعالجة عند طبيب رجل أن تختار الطبيب الثقة الأمين صاحب الخلق والدين. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346709,"book_id":3840,"shamela_page_id":1089,"part":"18","page_num":131,"sequence_num":1089,"body":"١٣١ - التدخين\rيجوز للزوج منع زوجته من التدخين، يقول السائل: إن زوجته تدخن وهو لا يدخن فهل يحق له أن يمنعها من التدخين؟\rالجواب: لا شك لدي أن التدخين خبيث من الخبائث وقد ثبت ضرره قطعاً بما لا يدع مجالاً للشك في تحريمه وهذا أصح أقوال أهل العلم في حكم التدخين. وقد بين الأطباء والعلماء الأضرار الناتجة عن التدخين وآثاره السيئة على المدخن ومن حوله وآثاره الضارة على المجتمع بشكل عام. وقد سنت بعض الدول قوانين لمنع التدخين في الأماكن العامة وألزمت مصانع الدخان إثبات العبارات الدالة على ضرر التدخين على كل علبة سجائر كما وأن بعض الدول منعت الإعلان عن السجائر عبر وسائل الإعلام العامة وكل هذا وغيره من الإجراءات تمت بعد التأكد من أضرار التدخين القطعية على الإنسان. وأقول بعد هذا إنه يجب على الزوج أن يمنع زوجته من التدخين لأنه يمنعها من ارتكاب حرام لأن التدخين حرام كما قلت. والواجب على هذه الزوجة المدخنة أن تطيع زوجها وأن تمتنع عن التدخين حتى وإن لم تقتنع بحرمته فإن التدخين يترك رائحة كريهة وللزوج أن يمنع زوجته عن كل ما يؤدي للرائحة الكريهة من أكل الثوم والبصل وقد نص العلماء على حق الزوج في منع الزوجة من أكل الثوم والبصل. قال ابن عابدين: [وفي شرح العلامة الشيخ إسماعيل النابلسي والد سيدنا عبد الغني، على شرح الدرر بعد نقله أن للزوج منع الزوجة من أكل الثوم والبصل وكل ما ينتن رائحة الفم. قال: ومقتضاه المنع من شربها التتن - الدخان - لأنه ينتن الفم خصوصاً إذا كان الزوج لا يشربه أعاذنا الله تعالى منه وقد أفتى بالمنع من شربه شيخ مشايخنا المسيري وغيره] حاشية ابن عابدين ٦/٤٥٩. ومن المعلوم أنه ينبغي للزوجين أن تكون رائحتهما طيبة لأن ذلك من حق أحدهما على الآخر والتدخين يجعل الأسنان صفراء ورائحة الفم كريهة. وقد سئل النبي ﷺ أي النساء خير قال: (التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا ماله بما يكره) رواه النسائي وأبو داود وإسناده صحيح. وفي رواية أخرى: (خير النساء من تسرك إذا أبصرت وتطيعك إذا أمرت وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك) رواه الطبراني بإسناد صحيح. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346710,"book_id":3840,"shamela_page_id":1090,"part":"18","page_num":132,"sequence_num":1090,"body":"١٣٢ - ملك الموت لا يقال له عزرائيل\rيقول السائل: إنه قرأ في إحدى المجلات الدينية أن ملاك الموت هو عزرائيل فهل صحيح أن ملك الموت يسمى [عزرائيل] ؟\rالجواب: لا شك أن الإيمان بالملائكة هو أحد أركان الإيمان والملائكة من عالم الغيب وطريق معرفة الغيب الخبر الصحيح فقط أي ما ورد في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وهذا هو السبيل الوحيد لمعرفة أي شيء عن الملائكة وملك الموت ورد ذكره في القرآن الكريم في آية واحدة فقط قال تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) سورة السجدة الآية ١١. ولم يذكر في القرآن الكريم اسمه وإنما قال الله تعالى: (مَلَكُ الْمَوْتِ) . وكذلك لم يسمَّ ملك الموت في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ فقد ورد ذكر ملك الموت في خمسة عشر حديثاً في كتب السنة التسعة وهي صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وموطأ مالك ومسند أحمد وسنن الدارمي وفي جميع هذه الأحاديث ورد ذكره بملك الموت ولم يسمَّ بعزرائيل أو بغيره. وقد ذكر الحافظ ابن كثير أن ملك الموت قد سمي بعزرائيل في بعض الآثار. تفسير ابن كثير ٣/٤٥٨. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: [... ولم يجئ مصرحاً باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحيحة ...] أصول الإيمان ص ١٤. وبناءً على ذلك فمن عقيدة المسلم الصحيحة الثابتة الإيمان بملك الموت ولا نسميه إلا بذلك ولا نسميه عزرائيل لأن ذلك لم يثبت. قال صاحب العقيدة الطحاوية: [ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين] شرح العقيدة الطحاوية ص ٤٠٤. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346711,"book_id":3840,"shamela_page_id":1091,"part":"18","page_num":133,"sequence_num":1091,"body":"١٣٣ - احاديث مكذوبة\r(اطلبوا العلم ولو في الصين) ليس حديثاً، يقول السائل: إنه سمع خطيب الجمعة يقول: صح الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (اطلبوا العلم ولو في الصين) فهل هذا الحديث صحيح كما زعم ذلك الخطيب؟\rالجواب: إن هذا الحديث باطل بل قد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات أي الأحاديث المكذوبة على الرسول ﷺ. وقال الشوكاني: (رواه العقيلي وابن عدي عن أنس مرفوعاً. قال ابن حبان: وهو باطل لا أصل له وفي إسناده أبو عاتكة وهومنكر الحديث ...) الفوائد المجموعة ص ٢٧٢ وانظر المقاصد الحسنة ص ٩٣ وكشف الخفاء ١/١٣٨. وقال الشيخ الألباني عن الحديث بأنه باطل ثم ذكر من رواه ثم قال: [وخلاصة القول أن هذا الحديث بشطره الأول - أي اطلبوا العلم ولو بالصين - الحق فيه ما قاله ابن حبان وابن الجوزي - أي باطل ومكذوب - إذ ليس له طريق يصلح للاعتضاد به] السلسلة الضعيفة ١/٤١٥-٤١٦. وأخيراً فإن من الواجب على خطباء المساجد أن يتأكدوا من درجة الأحاديث التي يذكرونها في خطبهم حتى لا يسهموا في الكذب على رسول الله ﷺ وإن في الأحاديث الصحيحة والحسنة ما يغني ويكفي عن الأحاديث الباطلة والمكذوبة. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346712,"book_id":3840,"shamela_page_id":1092,"part":"18","page_num":134,"sequence_num":1092,"body":"١٣٤ - الغيبة\rيقول السائل: ورد في الحديث: (لا غيبة لفاسق) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ؟ وهل تجوز غيبة الفاسق؟\rالجواب: يجب أن يعلم أولاً أن الغيبة هي أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواء ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه أو خلقه أو في فعله أو قوله أو دينه أو دنياه كما قال أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين ٣/١٤٠. وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) رواه مسلم. والغيبة من كبائر الذنوب عند جمهور أهل العلم. قال القرطبي: [لا خلاف أن الغيبة من الكبائر وأن من اغتاب أحداً عليه أن يتوب إلى الله ﷿] تفسير القرطبي ١٦/٣٣٧. والغيبة من المعاصي التي يتساهل فيها كثير من الناس لأنها كلام يجري على اللسان ومعظم الناس لا يلقون بالاً لما يتكلمون ولا يقدرون عواقب أمر الغيبة فقد ورد في شأنها من الترهيب ما تقشعر له قلوب المؤمنين فمن ذلك قول الله تعالى: (ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) سورة الحجرات الآية ١٢. وقال ﷺ: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه مسلم , وعن عائشة ﵂ قالت: (قلت للنبي ﷺ: حسبك من صفية كذا وكذا - قال بعض الرواة: تعني قصيرة - فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) رواه الترمذي وأبو داود والبيهقي وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/٩٢٣. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) رواه أحمد وأبو داود وصححه الشيخ الألباني في السلسة الصحيحة ٢/٥٩. وغير ذلك من الأحاديث راجعها إن شئت في كتاب \" الزواجر عن اقتراف الكبائر \" لابن حجر الهيتمي المكي ٢/١٦-٢٤. إذا تقرر هذا فنعود إلى السؤال فأقول أما ما ورد أنه (لا غيبة لفاسق) فهذا ليس حديثاً عن النبي ﷺ وقد ورد من طرق كلها لا تثبت عن النبي ﷺ. قال العلامة ابن القيم: [قال الدارقطني والخطيب قد روي من طرق وهو باطل] المنار المنيف ص ١٣٤. وقال الشيخ الألباني: [باطل رواه الطبراني في الكبير وأبو الشيخ في التاريخ وابن عدي ... الخ] سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/٥٣. وقال الشيخ المناوي: [قال الحاكم هذا حديث غير صحيح ولا يعتمد عليه وقال ابن عدي عن أحمد بن حنبل حديث منكر] فيض القدير ٥/٤٨١. وقال الشيخ العجلوني بعد أن ذكر أقوال المحدثين في الحديث: [وبالجملة فالحديث كما قال العقيلي ليس له أصل وقال الفلاس إنه منكر] كشف الخفاء ومزيل الإلباس ٢/١٧٢. وذكر مثل كلامه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٧/٥٥٨. وبهذا يظهر لنا أن هذا الحديث باطل وغير ثابت عن النبي ﷺ ولكن أهل العلم يرون أن الفاسق المجاهر بفسقه تجوز غيبته ضمن الحالات التي تجوز فيها الغيبة. قال الإمام النووي: [اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهو ستة أسباب: الأول: التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه فيقول ظلمني فلان بكذا. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر فلان يعمل كذا فازجره عنه ونحو ذلك ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر فإن لم يقصد ذلك كان حراماً. الثالث: الاستفتاء فيقول للمفتي ظلمني أبي أو أخي أو زوجي أو فلان بكذا فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه وتحصيل حقي ودفع الظلم؟ ونحو ذلك فهذا جائز للحاجة ولكن الأحوط والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل أو شخص أو زوج كان من أمره كذا؟ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين ومع ذلك فالتعيين جائز ... الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائز بإجماع المسلمين بل واجب للحاجة. ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو إيداعه أو معاملته أو غير ذلك أو مجاورته. ويجب على المشاوَر أن لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة. ومنها إذا رأى متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك فعليه نصيحته ببيان حاله بشرط أن يقصد النصيحة وهذا مما يغلط فيه وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد ويلبس الشيطان عليه ذلك ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك. ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها إما بأن لا يكون صالحاً لها وإما بأن يكون فاسقاً أو مغفلاً ونحو ذلك. فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله ويولي من يصلح أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله ولا يغتر به وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستبدل به. الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر ومصادرة الناس وأخذ المكس وجباية الأموال ظلماً وتولي الأمور الباطلة فيجوز ذكره بما يجاهر به ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه. السادس: التعريف فإذا كان الإنسان معروفاً بلقب كالأعمش والأعرج والأصم والأعمى والأحول وغيرهم جاز تعريفهم بذلك ويحرم إطلاقه على جهة التنقص ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى. فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء وأكثرها مجمع عليه ودلائلها من الأحاديث الصحيحة مشهورة فمن ذلك: عن عائشة ﵂ أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فقال: (ائذنوا له بئس أخو العشيرة - أي القبيلة -) متفق عليه. احتج به البخاري في جواز غيبة أهل الفساد وأهل الريب. وعنها قالت: قال رسول الله ﷺ: (ما أظن فلاناً وفلاناً يعرفان من ديننا شيئاً) رواه البخاري. قال الليث بن سعد أحد رواة هذا الحديث: [هذان الرجلان كانا من المنافقين] . وعن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: (أتيت النبي ﷺ فقلت: إن أبا الجهم ومعاوية خطباني؟ فقال رسول الله ﷺ: أما معاوية فصعلوك – أي فقير – لا مال له. وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه) متفق عليه. وفي رواية لمسلم: (فأما أبو الجهم فضرَّاب للنساء) . وهو تفسير لرواية (لا يضع العصا عن عاتقه) وقيل معناه كثير الأسفار] رياض الصالحين ص ٥٨٠-٥٨٣. والفاسق الذي تجوز غيبته هو المجاهر بفسقه والفسق هو الخروج عن الطاعة وتجاوز الحد بالمعصية والفسق يقع بالقليل من الذنوب إذا كانت كبائر وبالكثير وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقرَّ به ثم أخلَّ بجميع أحكامه أو ببعضها. الموسوعة الفقهية ٣٣/١٤٠. فتارك الصلاة فاسق عند كثير من العلماء وبعضهم يكفره وشارب الخمر فاسق ومرتكب المحرمات فاسق كالزاني والديوث فاسق وهو الذي يرى المنكر في أهله ويسكت فهؤلاء الفسقة وأمثالهم تجوز غيبتهم ليحذرهم الناس ويعرفوا حالهم. قال القرطبي: [ليس من هذا الباب غيبة الفاسق المعلن به المجاهر ... وروي عن الحسن أنه قال: ثلاثة ليست لهم حرمة صاحب الهوى والفاسق المعلن والإمام الجائر] تفسير القرطبي ١٦/٣٣٩. وقال الحسن البصري: [أترغبون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه يحذره الناس] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٨/٢١٩. وقال إبراهيم النخعي: [ثلاث كانوا لا يعدونهن من الغيبة: الإمام الجائر والمبتدع والفاسق المجاهر بفسقه] . وعن الحسن البصري قال: [ليس بينك وبين الفاسق حرمة] . وورد عن عمر بن الخطاب أنه قال: [ليس للفاجر حرمة] . روى هذه الآثار ابن أبي الدنيا في كتابه الصمت ص ١٢٨-١٣٠. وخلاصة الأمر أن غيبة الفاسق المجاهر بفسقه جائزة بل قد تكون واجبة في بعض الحالات. والمجاهرة بالمعاصي من المصائب التي ابتلي بها الناس ومن كثرة المجاهرة بالمعاصي صار كثير من الناس لا يعدونها شيئا ًكترك الصلاة فهو عند ثير من الناس شيء هين وسهل والعياذ بالله. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) رواه مسلم. وهم الذين يجاهرون بمعاصيهم. وأخيراً ينبغي التنبيه على أمر مهم ألا وهو نصيحة الفسقة بأن يتوبوا ويرجعوا إلى الله ﷾ وأنه لا بد من الإنكار عليهم لما ثبت في الحديث من قول النبي ﷺ: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346713,"book_id":3840,"shamela_page_id":1093,"part":"18","page_num":135,"sequence_num":1093,"body":"١٣٥ - الحياء\rيقول السائل: يتداول الناس عبارتين تتعلقان بالحياء الأولى قولهم: لا حياء في الدين، والثانية ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام\rالجواب: ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه. وجاء في الحديث أن النبي ﷺ سمع رجلاً يعظ أخاه في الحياء فقال: (الحياء من الإيمان) رواه مسلم. وفي حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: (الحياء لا يأتي إلا بخير) رواه مسلم. وفي رواية أخرى: (الحياء خير كله) أو قال: (الحياء كله خير) رواه مسلم. والحياء خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق كما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١/٥٨. والحياء من الخصال المطلوبة في المسلم الصادق مع الله ﷾ وقال العلماء: [الحياء من الحياة وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء وقلة الحياء من موت القلب والروح] الموسوعة الفقهية ١٨/٢٦٢. وأولى الحياء هو الحياء من الله ﷾ والحياء من الله ﷾ ألا يراك حيث نهاك فيكون ذلك عن معرفة ومراقبة وهو معنى قوله ﷺ: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) رواه البخاري ومسلم. وجاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (استحيوا من الله حق الحياء. قلنا يا نبي الله إنا لنستحي والحمد الله. قال: ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء هو أن تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى وتتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا - يعني من الله - حق الحياء) رواه الترمذي وحسّنه الشيخ الألباني. صحيح سنن الترمذي ٢/٢٩٩. إذا تقرر هذا فنعود إلى الجملة الأولى وهي: [لاحياء في الدين] إن مراد العامة من هذه الجملة هو أن الحياء لا يمنع من السؤال في الدين ولو كان السؤال مما يستحي منه الناس وهذه الجملة صحيحة المعنى فقد ورد في حديث أم سلمة ﵁ قال: (جاءت أم سليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم إذا رأت الماء. فقالت أم سلمة: يا رسول الله وتحتلم المرأة؟ فقال: تربت يداك فبم يشبهها ولدها) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [قولها \" إن الله لا يستحي من الحق \" معناه لا يمتنع من بيان الحق وضرب المثل ...] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٥٥٠. وروى مسلم في صحيحه أن عائشة ﵁ قالت: (نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) . فينبغي على المسلم أن يسأل عن أمر دينه ولا يمنعه الحياء من ذلك. وأما العبارة الثانية وهي: [ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام] فمعناها صحيح أيضاً فلا يجوز للمسلم أن يأخذ مال غيره بالحياء فيمد يده إلى مال أخيه المسلم والآخذ يعلم أن صاحب المال يمنعه من أخذه ويؤيد هذا المعنى ما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) رواه أحمد والبيهقي والدارقطني وصححه الشيخ الألباني. إرواء الغليل ٥/٢٧٩. وجاء في رواية أخرى: (لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه) رواه أحمد وغيره. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346714,"book_id":3840,"shamela_page_id":1094,"part":"18","page_num":136,"sequence_num":1094,"body":"١٣٦ - احاديث ثابتة\rيقول السائل: إنه سمع أحد المشايخ على إحدى المحطات الفضائية ينكر حديث سحر النبي ﷺ لأنه بزعمه يتنافى مع عصمة رسول الله ﷺ، فما قولكم في ذلك؟ الجواب: ما قاله الشيخ المذكور أثار تساؤلات كثيرة عند من شاهدوا برنامجه وقد طرح آرائه حول الإمام البخاري وحديث سحر النبي ﷺ وغير ذلك. وقد شاهدت بعض حديثه المتعلق بهذه المسألة وسمعته يقول: [إن كان النبي ﷺ سحر فإن نصف أحكام الإسلام الثوابت تسقط] . واحتج بحديث مكذوب من وضع الزنادقة لتأكيد كلامه وهو أنه ﵊ قال: (ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه وإلا فاضربوا به عرض الحائط) . واعتبر رده لحديث سحر النبي ﷺ دفاعاً عن الرسول ﷺ وعن دينه وأن البخاري مجرد راوٍ للأحاديث ... إلى آخر كلامه. وأقول: إن الشيخ المذكور ليس أول من أنكر حديث سحر النبي ﷺ ولن يكون آخرهم فإن كثيراً من الفلاسفة والعقلانيين الذين يحكّمون العقل في النصوص قد ردّوا هذا الحديث. وحديث سحر النبي ﷺ حديث صحيح رواه الإمامان الجليلان البخاري ومسلم في صحيحيهما فهو حديث متفق عليه ومعلوم عند أهل العلم أن الحديث الذي يرويه الإمامان البخاري ومسلم هو في أعلى درجات الحديث الصحيح كما أن الحديث قد رواه غيرهما أيضاً كالإمام أحمد وابن ماجة وابن حبان. فحديث سحر النبي ﷺ حديث ثابت صحيح لا شك في ذلك ولا ريب وكون النبي ﷺ قد سحر لا يطعن في نبوته ولا في عصمته ولا في رسالته ﷺ. وقد أجاب علماء الحديث وشرّاحه عن هذا الحديث وبينوا المراد منه. قال الحافظ ابن حجر: [قال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثَمَ، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء. قال المازري: وهذا كله مردود لأن الدليل قد قام على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ والمعجزات شاهدات بتصديقه فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين. قال: وقد قال بعض الناس إن المراد بالحديث أنه كان ﷺ يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطئهن وهذا كثيراً ما يقع تخيله للإنسان في المنام فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة. قلت - أي الحافظ ابن حجر -: وهذا قد ورد صريحاً في رواية ابن عيينة في الباب الذي يلي هذا ولفظه (حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن) وفي رواية الحميدي (أنه يأتي أهله ولا يأتيهم) قال الداودي: يُرى بضم أوله أي يظن ... قال عياض: فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وسائر جوارحه لا على تمييزه ومعتقده ...] فتح الباري ١٢/٣٣٧– ٣٣٨. وقال العلامة ابن القيم: فصل في هديه ﷺ في علاج السحر الذي سحرته اليهود به وقد أنكر هذا طائفة من الناس وقالوا لا يجوز هذا عليه وظنوه نقصاً أو عيباً وليس الأمر كما زعموا بل هو من جنس ما كان يضرّ به ﷺ من الأسقام والأوجاع وهو مرض من الأمراض وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: سحر رسول الله ﷺ حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن وذلك أشد ما يكون من السحر. قال القاضي عياض: والسحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه ﷺ كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها ولا فضل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيد من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه لما كان] زاد المعاد في هدي خير العباد ٤/١٢٤. وقال الإمام الخطابي: [قد أنكر قوم من أصحاب الطبائع السحر وأبطلوا حقيقته ودفع آخرون من أهل الكلام هذا الحديث وقالوا: لو جاز أن يكون له تأثير في رسول الله ﷺ لم يؤمن أن يؤثر ذلك فيما يوحى إليه من أمر الشرع فيكون فيه ضلال الأمة. والجواب أن السحر ثابت وحقيقته موجودة ... وقد قال الله تعالى: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) وأمر بالاستعاذة منه فقال ﷿: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) . وورد في ذلك عن رسول الله ﷺ أخبار لا ينكرها إلا من أنكر العيان والضرورة ... فأما ما زعموا من دخول الضرر في الشرع بإثباته فليس كذلك لأن السحر إنما يعمل في أبدانهم وهم بشرٌ يجوز عليهم من العلل والأمراض ما يجوز على غيرهم وليس تأثير السحر في أبدانهم بأكثر من القتل وتأثير السم وعوارض الأسقام فيهم وقد قتل زكريا وابنه وَسُمَّ نبينا ﷺ بخيبر فأما أمر الدين فإنهم معصومون فيما بعثهم الله جلّ ذكره وأرصدهم له وهو جل ذكره حافظ لدينه وحارس لوحيه أن يلحقه فساد أو تبديل وإنما كان خيّل إليه أنه يفعل الشيء من أمر النساء خصوصاً وهذا من جملة ما تضمنه قوله: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) فلا ضرر إذاً يلحقه فيما لحقه من السحر على نبوته وشريعته والحمد لله على ذلك] شرح السنة ١٢/١٨٧-١٨٨. وبهذه النقول عن هؤلاء العلماء الأعلام يظهر لنا جلياً أنه لا يجوز أن تكذب الأحاديث الصحيحة بمجرد فهم سيء فهمه من فهمه. وإني لأعجب من هذا الشيخ إذ يردّ حديثاً في الصحيحين ويستدل على ذلك بحديث مكذوب على رسول الله ﷺ وهو: [ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه وإلا فاضربوا به عرض الحائط] . قال الحافظ ابن عبد البر: [قال عبد الرحمن بن مهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث يعني ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فأنا قلته وإن خالف كتاب الله فأنا لم أقله وإنما أنا موافق كتاب الله وبه هداني] . وهذه الألفاظ لا تصح عنه ﷺ عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل الحديث وقالوا نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء ونعتمد على ذلك قالوا فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفاً لكتاب الله لأنا لم نجد في كتاب الله ألا يقبل من حديث رسول الله ﷺ إلا ما وافق كتاب الله بل وجدنا كتاب الله يطلق التآسي به والأمر بطاعته ويحذر من المخالفة عن أمره جملة على أي حال] جامع بيان العلم وفضله ٢/١٩١. وقال البيهقي: [والحديث الذي روي في عرض الحديث على القرآن باطل لا يصح وهو ينعكس على نفسه بالبطلان فليس في القرآن دلالة على عرض الحديث] مفتاح الجنة ص ٦ نقلاً عن السنة ومكانتها في التشريع ص١٦١. وقال الإمام يحيى بن معين عن الحديث السابق: وضعته الزنادقة. ومثل قوله قال الخطابي وابن حزم والصغاني والشوكاني وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. انظر الفوائد المجموعة ص٢٩١ والإحكام لابن حزم ١/٢٤٩-٢٥٣ وكشف الخفاء ١/٨٦ والمقاصد الحسنة ص ٣٦. وقد فصل الشيخ الألباني الكلام على هذا الحديث وما في معناه في السلسلة الضعيفة ٣/٢٠٣-٢١١. وأما ما قاله ذلك الشيخ عن الإمام البخاري: [أنه مجرد راوٍ للحديث] فهذا كلام لا يقال في حق إمام أهل الحديث في زمانه والمقتدى به في أوانه والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه كما وصفه الحافظ ابن كثير. وقال ابن السبكي عن الإمام البخاري: [هو إمام المسلمين وقدوة الموحدين وشيخ المؤمنين والمعول عيه في أحاديث سيد المرسلين وحافظ نظام الدين] . وقد كتب العلماء عنه كثيراً وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكر كلام العلماء فيه: [ولو فتحت باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخر عن عصره لفني القرطاس ونفدت الأنفاس فذاك بحر لا ساحل له] هدى الساري ٢/٢٥٨. وأما صحيح الإمام البخاري فهو أصح كتاب في الدنيا بعد كتاب الله ﷿ قال الإمام النووي: [اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد الكتاب العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ...] . وقال ابن السبكي: [وأما كتابه الجامع الصحيح فأجل كتب الإسلام بعد كتاب الله] انظر عشرون حديثاً من صحيح البخاري ص ٨ فما بعدها. ولا يتسع المقام لذكر ما قاله العلماء في الإمام البخاري وفي صحيحه. وأخيراً فهل مثل الإمام البخاري يقال فيه: إنه مجرد راوٍ؟ هذا كلام من لا يعرف مكانة الإمام البخاري ولا عرف فضله! *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346715,"book_id":3840,"shamela_page_id":1095,"part":"18","page_num":137,"sequence_num":1095,"body":"١٣٧ - تغير الأحكام الشرعية\rلا أثر للبيئة في تغير الأحكام الشرعية الثابتة بالنصوص، يقول السائل: إنه قرأ مقالاً يذكر فيه كاتبه أن الإمام الشافعي ﵀ كان له مذهب فقهي في العراق ولمّا سافر إلى مصر كان له مذهب آخر وأن الشافعي غيَّر مذهبه الأول بسبب اختلاف البيئتين والمجتمعين العراقي والمصري. فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: الإمام الشافعي ثالث الأئمة الأربعة ومدوّن علم أصول الفقه في كتابه العظيم \" الرسالة \" وصاحب كتاب \" الأم \" في الفقه. هذا الإمام العظيم قال عنه تلميذه الإمام أحمد: [كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن فهل ترى لهذين من خَلَفٍ أو عنهما من عوض] . وقال فيه الإمام الحافظ المحدّث عبد الرحمن بن مهدي: [لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني لأنني رأيت كلام رجل عاقل فصيح ناصح فإني لأكثر الدعاء له ما ظننت أن الله خلق مثل هذا الرجل] . وقد أثنى عليه العلماء المتقدمون والمتأخرون وهو أهل لذلك. انظر الإمام الشافعي فقيه السنة الأكبر ص ٥. ومن المعلوم أن فقه الإمام الشافعي مرّ بعدة مراحل أثناء حياة الإمام ومن المشهور أن الشافعي له مذهبان قديم وجديد أما القديم فكان في العراق وأما الجديد فكان في مصر ومن هنا جاءت المقولة المشهورة بين طلبة العلم أن الشافعي قد غيَّر مذهبه عندما سكن مصر ونريد أن ندقق في هذه القضية ونسأل هل فعلاً أن الإمام الشافعي غيَّر مذهبه؟ وما مدى هذا التغيير؟ الحقيقة أنه ليس صحيحاً أن الإمام الشافعي غير مذهبه القديم وألغاه تماماً ثم وضع مذهباً جديداً في مصر وخاصة أن فترة إقامته في مصر كانت قصيرة حيث إن إقامته لم تزد على أربع سنوات وهذه مدة لا تكفي لتغيير المذهب جملة وتفصيلاً. إن الفترة التي عاشها الشافعي في مصر جاءت بعد أن نضجت آراؤه وتكامل اجتهاده فأخذ يمحص آرائه السابقة ويعيد النظر فيها ودرس فيها أصوله التي بنى أقواله عليها ناقداً لها فاحصاً كاشفاً فهذا الإمام الذي كان يتسامى فلا يترك قولاً من غير نقد ولا تمحيص وكشف لمحاسنه ومساويه، وقربه من السنة أو بعده عنها قد أخذ أيضاً يدرس آراء نفسه هذه الدراسة الناقدة الفاحصة الكاشفة. ثم هو يدون ما انتهى إليه من دراسته فيدون رسالته ويكتب مسائل كثيرة له أو يملي أخرى ويروي عنه أصحابه جملة آرائه في تلك الفترة وينقلون خلافاته مع غيره من الفقهاء. انظر كتاب \" الإمام الشافعي حياته وعصره – آراؤه وفقهه \" للشيخ محمد أبو زهرة ص ١٢٩. وفي مدة إقامت في مصر أعاد كتابة رسالته في الأصول كتابة جديدة زاد فيها وحذف منها وأبقى لب رسالته القديمة ودرس آراءه في الفروع فعدل عن بعضها إلى جديد لم يقله وكان له بذلك قديم قد رجع عنه وجديد قد اهتدى إليه وقد يتردد بين الجديد والقديم فيذكر الرأيين من غير أن يرجع عن أولهما. المرجع السابق ص ١٢٨. وليس صحيحاً أنه بدّل جميع أقواله أو أكثرها وإنما بدّل بعضها وليس عليه في ذلك جناح فالعالم المجتهد المتجرد لطلب الحق يدور مع الحق حيث دار ومن الطبيعي لإمام مثل الشافعي له ذكاؤه وعقله وفهمه وله الثروة الضخمة من الأدلة وأقوال الصحابة ومن بعدهم وفتاوى العلماء وأدلة أولئك وهؤلاء – أن يقارن ويوازن ويهمل رأياً كان يراه ويعود إلى رأي لم يكن يراه أو يأتي برأي جديد. وليس الشافعي في هذا بدعاً من المجتهدين فالأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم كثيراً ما رأوا رأياً فثبت لديهم غيره بالأثر أو النظر فرجعوا عن الأول وكثيراً ما ينقل رواة المذهب روايتين أو أكثر في مسألة واحدة عن إمامهم. الإمام الشافعي / عبد الغني الدقر ص ١٥٣-١٥٤. إن الإمام الشافعي كما سبق في بداية الجواب هو أول من دوّن علم أصول الفقه فهو رأس هذا العلم ومعلوم أن علم أصول الفقه هو العلم الذي يبين فيه قواعد وضوابط استنباط الأحكام الشرعية أي الفقه فالشافعي أعلم العلماء في قواعد الاستنباط وأصول الاجتهاد وقد بين الأصول التي بنى عليها مذهبه وليس من هذه الأصول تغير المجتمعات أو البيئات فأصول مذهب الشافعي الجديد هي: ١. الكتاب والسنة. ٢. الإجماع فيما ليس فيه نص كتاب أو سنة. ٣. قول الصحابي الذي لا يعرف له مخالف من الصحابة. ٤. التخير من أقوال الصحابة عند اختلافهم. ٥. القياس على ما سبق. ونلاحظ أن اختلاف البيئات أو المجتمعات ليس من أصول الشافعي ولا من أصول أحد من أئمة الإسلام فأصول الأحكام الشرعية ثابتة لا تقبل التغيير ولا التبديل. كما لو أننا لو ألقينا نظرة سريعة على بعض المسائل التي اختلف فيها اجتهاد الإمام الشافعي وغير رأيه فيها فكان له فيها قولان قديم وجديد لرأينا يقيناً أن لا علاقة لتغير البيئات والمجتمعات بها وسأورد ثلاث مسائل من التي اختلف فيها اجتهاد الشافعي فكان له فيها مذهبان: المسألة الأولى: قال الإمام الشافعي في القديم: لا يُسن قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الثالثة والرابعة. وقال في الجديد: يستحب قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الثالثة والرابعة. المجموع ٣/٣٨٦ وفرائد الفوائد ص ٦١. المسألة الثانية: قضاء الصوم عن الميت قال في القديم: يصوم عنه وليه. وقال في الجديد: لا يصوم عنه وليه. الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨١٣ والمجموع ٦/٣٦٨. المسألة الثالثة: اشترط الإمام الشافعي في الركاز الذي يجب فيه الخمس أن يبلغ نصاباً وهذا قوله في الجديد أما في القديم فلم يشترط ذلك. المجموع ٦/٧٧. ونلاحظ أنه لا أثر لاختلاف البيئة والمجتمع في اختلاف قولي الإمام الشافعي القديم والجديد في هذه المسائل. وإنما يرجع سبب اختلاف قولي الإمام الشافعي في هذه المسائل إلى الأدلة الشرعية في كل منها. ففي المسألة الأولى لماّ ثبت عند الإمام الشافعي حديث أبي قتادة ﵁ قال به وهو أن رسول الله ﷺ: (كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة وكان يسمعنا الآية أحياناً وكان يطيل في الأولى ما لا يطيل في الثانية وكان يقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب) رواه البخاري ومسلم. وفي المسألة الثانية احتج الشافعي بما جاء عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من مات وعليه صيام فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين) . وحجة القديم بصحة صوم الولي عنه حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) وقد نقل عن الشافعي أنه قال: قد روي في ذلك خبر فإن صح قلت به. المجموع ٦/٣٦٨-٣٦٩. وفي المسألة الثالثة: استدل الشافعي لعدم اشتراط بلوغ النصاب في الركاز بعموم الحديث (وفي الركاز الخمس) حيث لم يحدد فيه نصاب. وفي الجديد اشترط النصاب اعتماداً على أن الركاز مال مستفاد من الأرض فاختص بما تجب فيه الزكاة قدراً أو نوعاً كالمعدن. مغني المحتاج ٢/١٠٣. وهكذا يمكن أن يقال في جميع المسائل التي رجع فيها الشافعي عن قوله القديم وقال بالقول الجديد لأن المجتهد يرجع عن قول اجتهد فيه بناءاً على الدليل. فمن المعلوم عند أهل العلم أن تغيير الفتوى في المسألة الواحدة من العالم الواحد لا بدّ له من سبب صحيح فإذا بنى المجتهد فتواه على اجتهاد ثم بلغه حديث نبوي لم يكن قد سمع به من قبل والفتوى تعارضه يلزمه العدول فوراً عن قوله إلى قول الرسول ﷺ. وأخيراً ينبغي التنبيه على أن الفقهاء والعلماء قد قرروا أن الأحكام الاجتهادية التي تبنى على العرف والمصلحة يمكن أن تتغير بتغير الأزمنة نظراً لاختلاف الأعراف من زمان إلى زمان وأما الأحكام المنصوص عليها فهذه ثابتة لا يمكن أن يدخلها التغيير والتبديل. قال العلامة ابن عابدين: [كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو لفساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزم منه المشقة والضرر بالناس ولخالف قواعد الشريعة الإسلامية المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لهذا نرى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً من قواعد مذهبه] المدخل الفقهي العام ٢/٩٨٣. وقال علي حيدر شارح المجلة: (إن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف والعادة لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس وبناءً على هذا التغير يتبدل أيضاً العرف والعادة وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام حسبما أوضحنا آنفاً بخلاف الأحكام المستندة إلى الأدلة الشرعية التي لم تبن على العرف والعادة فإنها لا تتغير ...) درر الحكام ١/٤٧. وقال الشيخ مصطفى الزرقا: [وقد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية أي التي قررها الاجتهاد بناءاً على القياس أو على دواعي المصلحة وهي المقصودة بالقاعدة الآنفة الذكر. أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية كحرمة المحرمات المطلقة وكوجوب التراضي في العقود ... إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان] المدخل الفقهي العام ٢/٩٣٤-٩٣٥. وبعد هذا البيان يظهر لنا جليا أن القول بأن الإمام الشافعي غير مذهبه لما حلَّ في مصر نظراً لاختلاف البيئة والمجتمع قول باطل يؤدي إلى نقض أصول الشريعة والتلاعب بها والإمام الشافعي ذلك الأصولي العظيم مبرؤ مما ينسب إليه. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346716,"book_id":3840,"shamela_page_id":1096,"part":"18","page_num":138,"sequence_num":1096,"body":"١٣٨ - البيئة والحكم الشرعي\rلا أثر للبيئة في تغير الأحكام الشرعية الثابتة بالنصوص، يقول السائل: إنه قرأ مقالاً يذكر فيه كاتبه أن الإمام الشافعي ﵀ كان له مذهب فقهي في العراق ولمّا سافر إلى مصر كان له مذهب آخر وأن الشافعي غيَّر مذهبه الأول بسبب اختلاف البيئتين والمجتمعين العراقي والمصري. فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: الإمام الشافعي ثالث الأئمة الأربعة ومدوّن علم أصول الفقه في كتابه العظيم \" الرسالة \" وصاحب كتاب \" الأم \" في الفقه. هذا الإمام العظيم قال عنه تلميذه الإمام أحمد: [كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن فهل ترى لهذين من خَلَفٍ أو عنهما من عوض] . وقال فيه الإمام الحافظ المحدّث عبد الرحمن بن مهدي: [لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني لأنني رأيت كلام رجل عاقل فصيح ناصح فإني لأكثر الدعاء له ما ظننت أن الله خلق مثل هذا الرجل] . وقد أثنى عليه العلماء المتقدمون والمتأخرون وهو أهل لذلك. انظر الإمام الشافعي فقيه السنة الأكبر ص ٥. ومن المعلوم أن فقه الإمام الشافعي مرّ بعدة مراحل أثناء حياة الإمام ومن المشهور أن الشافعي له مذهبان قديم وجديد أما القديم فكان في العراق وأما الجديد فكان في مصر ومن هنا جاءت المقولة المشهورة بين طلبة العلم أن الشافعي قد غيَّر مذهبه عندما سكن مصر ونريد أن ندقق في هذه القضية ونسأل هل فعلاً أن الإمام الشافعي غيَّر مذهبه؟ وما مدى هذا التغيير؟ الحقيقة أنه ليس صحيحاً أن الإمام الشافعي غير مذهبه القديم وألغاه تماماً ثم وضع مذهباً جديداً في مصر وخاصة أن فترة إقامته في مصر كانت قصيرة حيث إن إقامته لم تزد على أربع سنوات وهذه مدة لا تكفي لتغيير المذهب جملة وتفصيلاً. إن الفترة التي عاشها الشافعي في مصر جاءت بعد أن نضجت آراؤه وتكامل اجتهاده فأخذ يمحص آرائه السابقة ويعيد النظر فيها ودرس فيها أصوله التي بنى أقواله عليها ناقداً لها فاحصاً كاشفاً فهذا الإمام الذي كان يتسامى فلا يترك قولاً من غير نقد ولا تمحيص وكشف لمحاسنه ومساويه، وقربه من السنة أو بعده عنها قد أخذ أيضاً يدرس آراء نفسه هذه الدراسة الناقدة الفاحصة الكاشفة. ثم هو يدون ما انتهى إليه من دراسته فيدون رسالته ويكتب مسائل كثيرة له أو يملي أخرى ويروي عنه أصحابه جملة آرائه في تلك الفترة وينقلون خلافاته مع غيره من الفقهاء. انظر كتاب \" الإمام الشافعي حياته وعصره – آراؤه وفقهه \" للشيخ محمد أبو زهرة ص ١٢٩. وفي مدة إقامت في مصر أعاد كتابة رسالته في الأصول كتابة جديدة زاد فيها وحذف منها وأبقى لب رسالته القديمة ودرس آراءه في الفروع فعدل عن بعضها إلى جديد لم يقله وكان له بذلك قديم قد رجع عنه وجديد قد اهتدى إليه وقد يتردد بين الجديد والقديم فيذكر الرأيين من غير أن يرجع عن أولهما. المرجع السابق ص ١٢٨. وليس صحيحاً أنه بدّل جميع أقواله أو أكثرها وإنما بدّل بعضها وليس عليه في ذلك جناح فالعالم المجتهد المتجرد لطلب الحق يدور مع الحق حيث دار ومن الطبيعي لإمام مثل الشافعي له ذكاؤه وعقله وفهمه وله الثروة الضخمة من الأدلة وأقوال الصحابة ومن بعدهم وفتاوى العلماء وأدلة أولئك وهؤلاء – أن يقارن ويوازن ويهمل رأياً كان يراه ويعود إلى رأي لم يكن يراه أو يأتي برأي جديد. وليس الشافعي في هذا بدعاً من المجتهدين فالأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم كثيراً ما رأوا رأياً فثبت لديهم غيره بالأثر أو النظر فرجعوا عن الأول وكثيراً ما ينقل رواة المذهب روايتين أو أكثر في مسألة واحدة عن إمامهم. الإمام الشافعي / عبد الغني الدقر ص ١٥٣-١٥٤. إن الإمام الشافعي كما سبق في بداية الجواب هو أول من دوّن علم أصول الفقه فهو رأس هذا العلم ومعلوم أن علم أصول الفقه هو العلم الذي يبين فيه قواعد وضوابط استنباط الأحكام الشرعية أي الفقه فالشافعي أعلم العلماء في قواعد الاستنباط وأصول الاجتهاد وقد بين الأصول التي بنى عليها مذهبه وليس من هذه الأصول تغير المجتمعات أو البيئات فأصول مذهب الشافعي الجديد هي: ١. الكتاب والسنة. ٢. الإجماع فيما ليس فيه نص كتاب أو سنة. ٣. قول الصحابي الذي لا يعرف له مخالف من الصحابة. ٤. التخير من أقوال الصحابة عند اختلافهم. ٥. القياس على ما سبق. ونلاحظ أن اختلاف البيئات أو المجتمعات ليس من أصول الشافعي ولا من أصول أحد من أئمة الإسلام فأصول الأحكام الشرعية ثابتة لا تقبل التغيير ولا التبديل. كما لو أننا لو ألقينا نظرة سريعة على بعض المسائل التي اختلف فيها اجتهاد الإمام الشافعي وغير رأيه فيها فكان له فيها قولان قديم وجديد لرأينا يقيناً أن لا علاقة لتغير البيئات والمجتمعات بها وسأورد ثلاث مسائل من التي اختلف فيها اجتهاد الشافعي فكان له فيها مذهبان: المسألة الأولى: قال الإمام الشافعي في القديم: لا يُسن قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الثالثة والرابعة. وقال في الجديد: يستحب قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الثالثة والرابعة. المجموع ٣/٣٨٦ وفرائد الفوائد ص ٦١. المسألة الثانية: قضاء الصوم عن الميت قال في القديم: يصوم عنه وليه. وقال في الجديد: لا يصوم عنه وليه. الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨١٣ والمجموع ٦/٣٦٨. المسألة الثالثة: اشترط الإمام الشافعي في الركاز الذي يجب فيه الخمس أن يبلغ نصاباً وهذا قوله في الجديد أما في القديم فلم يشترط ذلك. المجموع ٦/٧٧. ونلاحظ أنه لا أثر لاختلاف البيئة والمجتمع في اختلاف قولي الإمام الشافعي القديم والجديد في هذه المسائل. وإنما يرجع سبب اختلاف قولي الإمام الشافعي في هذه المسائل إلى الأدلة الشرعية في كل منها. ففي المسألة الأولى لماّ ثبت عند الإمام الشافعي حديث أبي قتادة ﵁ قال به وهو أن رسول الله ﷺ: (كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة وكان يسمعنا الآية أحياناً وكان يطيل في الأولى ما لا يطيل في الثانية وكان يقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب) رواه البخاري ومسلم. وفي المسألة الثانية احتج الشافعي بما جاء عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من مات وعليه صيام فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين) . وحجة القديم بصحة صوم الولي عنه حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) وقد نقل عن الشافعي أنه قال: قد روي في ذلك خبر فإن صح قلت به. المجموع ٦/٣٦٨-٣٦٩. وفي المسألة الثالثة: استدل الشافعي لعدم اشتراط بلوغ النصاب في الركاز بعموم الحديث (وفي الركاز الخمس) حيث لم يحدد فيه نصاب. وفي الجديد اشترط النصاب اعتماداً على أن الركاز مال مستفاد من الأرض فاختص بما تجب فيه الزكاة قدراً أو نوعاً كالمعدن. مغني المحتاج ٢/١٠٣. وهكذا يمكن أن يقال في جميع المسائل التي رجع فيها الشافعي عن قوله القديم وقال بالقول الجديد لأن المجتهد يرجع عن قول اجتهد فيه بناءاً على الدليل. فمن المعلوم عند أهل العلم أن تغيير الفتوى في المسألة الواحدة من العالم الواحد لا بدّ له من سبب صحيح فإذا بنى المجتهد فتواه على اجتهاد ثم بلغه حديث نبوي لم يكن قد سمع به من قبل والفتوى تعارضه يلزمه العدول فوراً عن قوله إلى قول الرسول ﷺ. وأخيراً ينبغي التنبيه على أن الفقهاء والعلماء قد قرروا أن الأحكام الاجتهادية التي تبنى على العرف والمصلحة يمكن أن تتغير بتغير الأزمنة نظراً لاختلاف الأعراف من زمان إلى زمان وأما الأحكام المنصوص عليها فهذه ثابتة لا يمكن أن يدخلها التغيير والتبديل. قال العلامة ابن عابدين: [كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو لفساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزم منه المشقة والضرر بالناس ولخالف قواعد الشريعة الإسلامية المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لهذا نرى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً من قواعد مذهبه] المدخل الفقهي العام ٢/٩٨٣. وقال علي حيدر شارح المجلة: (إن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف والعادة لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس وبناءً على هذا التغير يتبدل أيضاً العرف والعادة وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام حسبما أوضحنا آنفاً بخلاف الأحكام المستندة إلى الأدلة الشرعية التي لم تبن على العرف والعادة فإنها لا تتغير ...) درر الحكام ١/٤٧. وقال الشيخ مصطفى الزرقا: [وقد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية أي التي قررها الاجتهاد بناءاً على القياس أو على دواعي المصلحة وهي المقصودة بالقاعدة الآنفة الذكر. أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية كحرمة المحرمات المطلقة وكوجوب التراضي في العقود ... إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان] المدخل الفقهي العام ٢/٩٣٤-٩٣٥. وبعد هذا البيان يظهر لنا جليا أن القول بأن الإمام الشافعي غير مذهبه لما حلَّ في مصر نظراً لاختلاف البيئة والمجتمع قول باطل يؤدي إلى نقض أصول الشريعة والتلاعب بها والإمام الشافعي ذلك الأصولي العظيم مبرؤ مما ينسب إليه. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346717,"book_id":3840,"shamela_page_id":1097,"part":"18","page_num":139,"sequence_num":1097,"body":"١٣٩ - البيئة والحكم الشرعي\rالتزام المسلمين بالأحكام الشرعية في بلاد غير المسلمين, يقول السائل: إنه سمع قولاً لأحد العلماء حول التزام المسلم الذي يعيش في بلاد غير المسلمين بالقوانين التي يضعها غير المسلمين وأن على المسلم احترام تلك الأنظمة وإن خالفت الدين الإسلامي مثل منع المرأة المسلمة من ارتداء الجلباب الشرعي فعلى المسلمة أن تطيع ذلك ولا تلبس الجلباب الشرعي فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: إن على المسلم الذي يقيم في ديار غير المسلمين أن يفرق بين الأنظمة التي يضعها أهل تلك البلاد والتي لا تتعارض مع أحكام ديننا الإسلامي الحنيف وبين الأنظمة والقوانين التي تعارض أحكام الشرع الثابتة بنصوص صريحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أو التي اتفق عليها أكثر أهل العلم. فمثلاً إذا كان نظام السير في دولة غربية يفرض على السائق أن لا يحصل على رخصة السياقة إلا إذا بلغ سناً معيناً وأن على السائق أن يجري فحصاً سنوياً لسمعه وبصره أو نحو ذلك فالمسلم الذي يعيش في تلك البلاد يطيع ذلك النظام ولا بأس عليه. وأما إذا فرض القانون على المسلم الذي يعيش في ديار غير المسلمين أن لا يصلي أو أن لا يصوم أو فرضوا على المرأة المسلمة ألا تلبس الجلباب الشرعي وأن تخرج سافرة فيحرم على المسلم طاعتهم لأن الطاعة لها حدود لا يجوز تجاوزها فإذ أُمِرَ المسلم بالقيام بمعصية سواء أكان الآمر مسلماً أو غير مسلم حاكماً أو غير حاكم فلا يجوز للمسلم الطاعة في المعصية. وقد ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) رواه البخاري. وقد نص العلماء على أن الطاعة تكون في غير معصية فقد روى الإمام البخاري الحديث السابق في (باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية) صحيح البخاري مع فتح الباري ١٦/٢٣٩. وقال ابن خواز منداد من كبار فقهاء المالكية: [وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة ولا تجب فيما كان فيه معصية] تفسير القرطبي ٥/٢٥٩. ومما يدل على أن الطاعة تكون في المعروف ما ثبت في الحديث الصحيح عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية وأمَّر عليهم رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه. فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبي ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: عزمت عليكم لما جمعتم حطباً وأوقدم ناراً ثم دخلتم فيها. فجمعوا حطباً فأوقدوا ولما هموا بالدخول نظر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنما تبعنا رسول الله ﷺ فراراً من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً إنما الطاعة في المعروف) رواه البخاري. وجاء في حديث آخر عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا طاعة لأحد في معصية الخالق) رواه احمد والبزار وقال الحافظ ابن حجر: وسنده قوي. فتح الباري ٥/٢٤١، وقال الألباني: وإسناده صحيح على شرط مسلم. وجاء في رواية أخرى: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وهي رواية صحيحة. راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني ١/١٣٧-١٤٤. إذا ثبت هذا فأقول إن على المسلم الذي يعيش في ديار غير المسلمين أن ينظر وأن يقيس الأمور بمقياس الشرع فإذا كان ما ألزم به من أنظمة وقوانين تلك البلاد لا يعد معصية فلا بأس أن يعمل بها وأما إن كان في ذلك معصية ومخالفة واضحة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فتحرم عليه الطاعة. قال الحافظ ابن حجر: (فإذا داهن فعليه الإثم ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض) فتح الباري ٥/٢٤١. وأوضح الأمر بمثال عملي مما يتعرض له المسلمون في بعض البلاد الغربية فقد ألزمت بعض المؤسسات التعليمية في إحدى الدول الغربية الفتيات المسلمات بخلع الجلباب الشرعي ومنعتهن من الدخول إلى تلك المؤسسات إلا باللباس الذي يظهر العورة ولا يستر البدن. والسؤال الذي طرح نفسه هو: ما حكم ارتداء المرأة المسلمة للجلباب الشرعي؟ الجواب: إن اللباس الشرعي الذي يستر ما أمر الله بستره فرض في حق المرأة المسلمة فلا يجوز لها الخروج من البيت إلا إذا سترت ما أمر الله بستره قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) سورة الأحزاب ٥٩. وقال تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) سورة النور الآية ٣١. وبناءاً على هذه النصوص الشرعية وغيرها يحرم على المرأة المسلمة أن تخرج من بيتها إلى السوق أو المدرسة أو الجامعة أو المؤسسة التي تعمل فيها إلا وهي ملتزمة باللباس الشرعي الذي أوجبه الله تعالى فإذا ألزمت المرأة المسلمة بنظام أو قانون بأن تخلع اللباس الشرعي فلا يجوز لها أن تطيع من أمرها بذلك لأنه يأمرها بمعصية الله ﵎ ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وينبغي التنبيه على أنه لو تعلق الأمر بمسألة خلافية بين فقهاء المسلمين فاخذ الإنسان بالرأي الأخف فلا حرج في ذلك وإن كان فيه موافقة لنظام وقوانين غير المسلمين. فمثلاً لو منعت امرأة من تغطية وجهها في مؤسسة أو جامعة أو مصنع فالتزمت بذلك فلا حرج عليها إن لم تغط وجهها لأن تغطية الوجه ليس فرضاً متفقاً عليه بين علماء المسلمين فكثير من الفقهاء يرون عدم وجوب تغطية المرأة لوجهها وهذا الرأي معتبر ومستند على أدلة قوية فلو أن المرأة المسلمة أخذت بهذا الرأي فلا حرج عليها إن شاء الله. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346718,"book_id":3840,"shamela_page_id":1098,"part":"18","page_num":140,"sequence_num":1098,"body":"١٤٠ - إخفاء العمل عن الناس ثم علمهم\rيقول السائل: ما قولكم في رجل يُسئل: هل صليت العصر؟ فيقول: لقد أتيت الآن من المسجد الأقصى حيث صليت جماعة. وفي آخر صائم ويسر أشد السرور إذا دعاه أحد لتناول شراب أو طعام لينتهز الفرصة ويقول: إني صائم. وفي آخر تصدق بصدقة وأخفاها ثم انكشف أمرها فانتعش صدره فرحاً بأن الناس عرفوا أنه قصد إخفاءها. وفي آخر أيضاً تبرع ببناء مسجد وعندما يذكر الموضوع أمامه يقول: بل وتنازلت أيضاً عن أجرة دكان لي لتنفق على ذلك المسجد. أفتونا مأجورين؟\rالجواب: إن السرور الحاصل للإنسان عندما تعرف طاعته وفرحه بعلم الناس بعبادته ليس من الرياء لأن هذا الأمر طرأ بعد الفراغ من العبادة. وليس من الرياء أيضاً أن يسر الإنسان بفعل الطاعة لأن ذلك دليل إيمانه وقد قال النبي ﷺ: (من سرته حسنته وساءته سيئتة فذلك المؤمن) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (قلت يا رسول الله: بينما أنا في بيتي في مصلاي إذا دخل عليَّ رجل فأعجبني الحال التي رآني عليها. فقال رسول الله ﷺ: رحمك الله يا أبا هريرة لك أجران أجر السر وأجر العلانية) رواه البغوي في شرح السنة ١٤/٣٢٨. وجاء في رواية أخرى عن أبي هريرة: (أن رجلاً قال: يا رسول الله ﷺ إن الرجل يعمل العمل ويُسِرُهُ - أي يخفيه - فإذا اطُّلع عليه سَرَّهَ؟ قال: له أجران أجر السر وأجر العلانية) رواه الترمذي وقال: حديث غريب؟ ورواه ابن حبان وصححه ورواه ابن ماجة. وقال الإمام الترمذي: [وقد فسر بعض أهل العلم هذا الحديث بأن معناه أن يعجبه ثناء الناس عليه بالخير لقول النبي ﷺ (أنتم شهداء الله في الأرض) فيعجبه ثناء الناس عليه لهذا فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير ويكرّم ويعظّم على ذلك فهذا رياء. وقال بعض أهل العلم: إذا اطلع عليه فأعجبه رجاء أن يعمل بعمله فتكون له مثل أجورهم] تحفة الأحوذي ٧/٥٠. وقال ابن حبان: [- قوله إن الرجل يعمل العمل ويُسِرُهُ فإذا اطُّلع عليه سَرَّهَ - فمعناه أنه يُسُرُه أن الله تعالى وفقه لذلك العمل فعسى أن يستن به فيه فإذا كان كذلك كتب له أجران وإذا سره ذلك لتعظيم الناس إياه أو ميلهم إليه كان ضرباً من الرياء لا يكون له أجران ولا أجر واحد] صحيح ابن حبان ٢/١٠٠. وروى مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: (قيل لرسول الله ﷺ: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال تلك عاجل بشرى المؤمن) . قال الإمام النووي: [قال العلماء معناه هذه البشرى المعجلة له بالخير وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه ومحبته له فيحببه إلى الخلق كما سبق في الحديث ثم يوضع له القبول في الأرض. هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم وإلا فالتعرض مذموم] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٤٤. وخلاصة الأمر أن الأمور المذكورة في السؤال وأن معرفة الناس بها بعد حصولها ليس من الرياء وسرور الإنسان بعمله ليس من الرياء ولكن إن أحب أن يحمده الناس لتعرف مكانته وتقضى حوائجه ولكي يعظموه ويمدحوه فهذا مكروه مذموم. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346719,"book_id":3840,"shamela_page_id":1099,"part":"18","page_num":141,"sequence_num":1099,"body":"١٤١ - حكم اقتناء الكلاب في البيوت\rيقول السائل: ما حكم تربية الكلاب في البيوت؟\rالجواب: يجوز اقتناء الكلاب في البيوت لحاجة نافعة ككلاب الصيد والحراسة وكذا الكلاب التي تستعمل في الكشف عن المخدارت ونحوها فيصح اقتناؤها. وقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو كلب ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان) رواه مسلم. وفي رواية أخرى أنه ﵊ قال: (من اتخذ كلباً إلا كلب زرع أو غنم أو صيد ينقص من أجره كل يوم قيراط) رواه مسلم. وفي حديث آخر عن السائب بن يزيد أنه سمع سفيان بن أبي زهير وهو رجل من أزد شنؤة - وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اقتنى كلباً لا يغني عنه زرعاً ولا ضرعاً نقص كل يوم من عمله قيراط. قلت: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: إي ورب هذا المسجد) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. وقد أخذا الفقهاء من هذه الأحاديث أنه لا يجوز اقتناء الكلب إلا لحاجة كالصيد والحرث والحراسة ونحوها من وجوه الانتفاع التي أجازها الشرع الحنيف. قال الحافظ ابن عبد البر: [وفي معنى هذا الحديث تدخل عندي إباحة اقتناء الكلاب للمنافع كلها ودفع المضار إذا احتاج الإنسان إلى ذلك إلا أنه مكروه اقتناؤها في غير الوجوه المذكورة في هذه الآثار لنقصان أجر مقتنيها والله أعلم. وقد أجاز مالك وغيره من الفقهاء اقتناء الكلاب للزرع والصيد والماشية ولم يجز ابن عمر اقتناؤه للزرع ووقف عندما سمعه. وزيادة من زاد في هذا الحديث: الحرث والزرع مقبولة فلا بأس باقتناء الكلب للزرع والكرم وأنها داخلة في معنى الحرث وكذلك ما كان مثل ذلك كما يقتنى للصيد والماشية وما أشبه ذلك. وإنما كره من ذلك اقتناؤها لغير منفعة وحاجة وكيدة فيكون حينئذ فيه ترويع للناس وامتناع دخول الملائكة في البيت والموضع الذي فيه الكلب فمن هاهنا والله أعلم كره اتخاذها. وأما اتخاذها للمنافع فما أظن شيئاً من ذلك مكروهاً لأن الناس يستعملون اتخاذها للمنافع ودفع المضرة - قرناً بعد قرن في كل مصر وبادية فيما بلغنا - والله أعلم. وبالأمصار علماء ينكرون المنكر ويأمرون بالمعروف ويسمع السلطان منهم فما بلغنا عنهم تغيير ذلك إلا عند أذى يحدث من عقر الكلب ونحوه وإن كنت ما أحب لأحد أن يتخذ كلباً ولا يقتنيه إلا لصي ماشية أو في بادية أو ما يجري مجرى البادية من المواضع المخوف فيها الطرق والسرق فيجوز حينئذ اتخاذ الكلاب فيها للمزارع وغيرها لما يخشى من عادية الوحش وغيره والله اعلم. وقد سئل هشام بن عروة عن الكلب يتخذ للدار فقال: لا بأس به إذا كانت الدار مخوفة] فتح المالك ١٠/٣٠٨. وأما نقصان العمل المذكور في الأحاديث السابقة بسبب اقتناء الكلاب لغير حاجة فقد اختلف أهل العلم في سبب ذلك النقصان. قال الإمام النووي: [واختلف العلماء في سبب نقصان الأجر باقتناء الكلب. فقيل: لامتناع الملائكة من دخول بيته بسببه. وقيل: لما يلحق المارين من الأذى من ترويع الكلب لهم وقصده إياهم. وقيل: إن ذلك عقوبة له لاتخاذه ما نهي عن اتخاذه وعصيانه في ذلك. وقيل: لما يبتلى به من ولوغه في غفلة صاحبه ولا يغسله بالماء والتراب. والله أعلم] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/١٨٤. وقال الحافظ ابن عبد البر: [ووجه قوله ﷺ في هذا الحديث من نقصان الأجر محمول عندي والله أعلم على أن المعاني المتعبد بها في الكلاب من غسل الإناء سبعاً إذا ولغت فيه لا يكاد يقام بها ولا يكاد يتحفظ منها لأن متخذها لا يسلم من ولوغها في إنائه ولا يكاد يؤدي حق الله في عبادة الغسلات من ذلك الولوغ فيدخل عليه الإثم والعصيان فيكون ذلك نقصاً في أجره بدخول السيئات عليه وقد يكون ذلك من أجل أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ونحو ذلك. وقد يكون ذلك بذهاب أجره في إحسانه إلى الكلاب لأن معلوماً أن في الإحسان إلى كل ذي كبد رطبة أجراً لكن الإحسان إلى الكلب ينقص الأجر فيه أو يبلغه ما يلحق مقتنيه ومتخذه من السيئات لترك أدبه لتلك العبادات في التحفظ من ولوغه والتهاون بالغسلات منه ونحو ذلك مثل ترويع المسلم وشبهه والله أعلم بما أراد رسول الله ﷺ من قوله ذلك. روى حماد بن زيد عن واصل مولى أبي عيينة قال: [سأل الرجل الحسن فقال: يا أبا سعيد أرأيت ما ذكر من الكلب أنه ينقص من أجر أهله كل يوم قيراط. قال: يذكر ذلك. فقيل له: مم ذلك يا أبا سعيد؟ قال: لترويعه المسلم] . وذكر ابن سعدان عن الأصمعي قال: [قال أبو جعفر المنصور لعمرو بن عبيد: ما بلغك في الكلب؟ فقال: بلغني أنه من اقتنى كلباً لغير زرع ولا حراسة نقص من أجره كل يوم قيراط. قال: ولما ذلك؟ قال: هكذا جاء الحديث. قال: خذها بحقها إنما ذلك لأنه ينبح الضيف ويروع السائل] فتح المالك ١٠/٣١٠. إذا تقرر هذا فينبغي التحذير من اقتناء الكلاب لغير حاجة والاعتناء بها عناية كبيرة قد تصل إلى أكثر من العناية بالإنسان كما هو الحال في الحضارة الغربية الحديثة التي تهتم بالكلاب أكثر من اهتمامها بالإنسان ففي الوقت الذي يموت فيه الناس جوعاً ومرضاً في مناطق كثيرة من العالم نرى أن الدول الغربية تنفق الملايين على الكلاب وهذا من انحدار الحضارة الغربية وانحطاطها. وأخيراً يجب التنبيه أنه في حالة اقتناء الكلب لحاجة فيجب أن يعلم أنه نجس فإذا ولغ في إناء فيجب غسل الإناء سبعاً لما ثبت في الحديث من قول النبي ﷺ: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) رواه مسلم. كما يجب الإحسان إلى الكلب إذا اقتني لحاجة ولا يجوز إلحاق الأذى والضرر به فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال: قد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب. قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجراً؟ قال: في كل كبد رطبة أجر) رواه البخاري ومسلم. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346720,"book_id":3840,"shamela_page_id":1100,"part":"18","page_num":142,"sequence_num":1100,"body":"١٤٢ - الفن\rرسم الكاريكاتير، يقول السائل: ما قولكم في الرسم المسمى - الكاريكاتير - وما يتضمنه من إشارات ساخرة واستعمال بعض النصوص الشرعية في الرمز والتعبير فيه؟\rالجواب: الرسم الساخر المعروف بالكاريكاتير من الأمور المشهورة في الصحافة بحيث لا تكاد تخلو منه صحيفة أو مجلة ويقدم رسام الكاريكاتير الأحداث والأشخاص بقالب نقدي أو حالة هزلية مضحكة. وهو وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي إن أحسن استخدامه ولكن الواقع والمشاهد في الصحافة المحلية والعربية أن بعض رسامي الكاريكاتير يطلقون العنان لرسوماتهم فنراهم يسخرون من بعض الأمور الدينية ويستهزؤون ببعض الناس وبعضهم قد يرسم النساء في صور لا تقرها الشريعة الإسلامية كما أن بعضهم قد يستخدمون الآيات القرآنية بطريقة تنطوي على السخرية والاستهزاء. ولا بد من وضع الضوابط لرسم الكاريكاتير وأهمها عندي: أولاً: لا ينبغي أن يكون المقصد من الكاريكاتير السخرية والتشهير بل لا بد أن يكون المقصد منه هو النقد البناء والإصلاح. فالسخرية بالأشخاص من الأمور الممنوعة شرعاً يقول الله ﷾: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ولا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ولا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) سورة الحجرات الآية ١١. وقال تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) سورة الهمزة الآية ١. وجاء في الحديث عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ قال: (بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) رواه مسلم في صحيحه. ثانياً: لا يجوز أن يمس رسم الكاريكاتير بعقيدة الأمة وتحرم السخرية بأمور الدين وقد تؤدي إلى الكفر والعياذ بالله كالاستهزاء بالصلاة أو باللحية ونحوهما. قال الله تعالى: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) سورة التوبة الآيتان ٦٥- ٦٦. ثالثاً: لا يجوز استخدام النصوص الشرعية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في التعليقات الساخرة مع رسم الكاريكاتير لما في ذلك من التلاعب بها وخاصة كلام رب العالمين ﷾ الذي يجب احترامه والتأدب معه وصيانته عن كل مالا يليق بل المطلوب من المسلم أن يقرأ كلام الله ﷻ بتدبر وتفكر. قال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) سورة القمر الآية ١٧. رابعاً: ينبغي أن يكون رسم الكاريكاتير متفقاً في عرضه للأحداث والأشخاص مع الأحكام الشرعية والآداب المرعية فلا تستعمل فيه العبارات البذيئة والألفاظ الخسيسة ولا تستعمل فيه رسومات للأشخاص بأشكال وأوضاع لا يقرها الشرع الحنيف. انظر الشريعة الإسلامية والفنون ص ١٠٣ –١٠٤. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346721,"book_id":3840,"shamela_page_id":1101,"part":"18","page_num":143,"sequence_num":1101,"body":"١٤٣ - احذروا هذه الكتب\rكتاب (الرحمة في الطب والحكمة) فيه دجل وأكاذيب، أحضر لي أحد طلابي كتاباً بعنوان (الرحمة في الطب والحكمة) تأليف جلال الدين السيوطي وقال إنه قرأ فيه أموراً غريبة عجيبة، وطلب مني أن أبين رأيي في هذا الكتاب\rالجواب: هذا الكتاب المنسوب للعلامة جلال الدين السيوطي كتاب مكذوب عليه ونسبته إلى السيوطي باطلة فهو من الكتب المنحولة حيث إن السيوطي لم يورده في ثبت كتبه ولا في (التحدث بنعمة الله) . والسيوطي عالم جليل يصان عن مثل ما في هذا الكتاب من أباطيل وترهات وخزعبلات كما سأذكر أمثلة منها بعد قليل. وقد نسبه صاحب كتاب (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) لمهدي بن علي بن إبراهيم الصبنري اليمني المهجمي المتوفى سنة ٨١٥ هجرية. قال ابن الجزري في ترجمته [... وطبيب حاذق وهو مؤلف كتاب الرحمة في الطب والحكمة] . انظر كتب حذر منها العلماء ٢/٣٣٠. وهذا الكتاب مملوء بالدجل والخرافات والترهات والخزعبلات والأمور الساقطة التي لا يقرها شرع ولا عقل، وفيه وصفات لعلاج كثير من الأمراض التي لا يقول بها إلا جاهل أو دجال أو مخرف. وقد تصفحت الكتاب ورأيت فيه العجب العجاب وطلاسم وكلمات غير مفهومات فمنها ما جاء في ص٣٢ [علاج وجع الرأس تكتب هذه الأحرف م ح أك ك ح ع ح أم ألصداع الرأس قال الرقيشي: من كتب في رق ظبي خشن عشرين دالاً كاملة وأضاف إليها ثلاث ياآت... الخ. لوجع الرأس تكتب البسملة ... وبحرمة أنوش فريوش بربوش أنوش أحياش ترش تربوش ... الخ هذه الطلاسم. وجاء في ص٩٩ من الكتاب [في علاج الطحال بالكتابة ... وهذا ما تكتب ح أب فاح ناخ وديوح ع هرخ ماع ويروج وحاميا وطايرا ووع ع ع محا حا وسلوهم ليكطاع لح دلي أجيبوا يا خدام هذه الأسماء برفع الطحال عن هذا الآدمي بحق هذه الأحرف] إلى آخر هذا الدجل والخزعبلات. وخلاصة الأمر أن هذا الكتاب كتاب دجل وخرافة وأباطيل فلا يجوز اقتناؤه ولا القراءة فيه لما فيه من الأباطيل وينبغي إتلافه. ولا يصح الاعتماد على الوصفات الواردة فيه لعلاج الأمراض وإنما ينبغي مراجعة الأطباء أهل الاختصاص لتشخيص الداء ومن ثم وصف الدواء. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346722,"book_id":3840,"shamela_page_id":1102,"part":"18","page_num":144,"sequence_num":1102,"body":"١٤٤ - شروط الفتوى في دين الإسلام\rيقول السائل: هنالك عدة أصناف من الناس يتحدثون ويكتبون في الأمور الشرعية فمنهم حملة الشهادات الشرعية ومنهم الموظفون الرسميون في الوظائف الدينية ومنهم المثقفون الذين ثقفوا أنفسهم بأنفسهم وجميع هؤلاء يتكلمون في قضايا الدين وقد يفتي بعضهم في المسائل الشرعية، فمن يجوز له أن يتكلم في أمور الدين من هؤلاء؟\rالجواب: كثر في زماننا المتسورون على العلم الشرعي والمتصدون له من غير أن يكونوا أهلاً لذلك وهذه سيئة من سيئات الواقع المرير الذي تعيشه الأمة الإسلامية في هذا العصر والأوان، ولعل انتشار وسائل الإعلام العصرية قد أسهم في ذلك وأذكر مثالاً واحداً على ذلك وهو أن محطات التلفزة العربية والمحلية كثرت بشكل واضح، ومن ضمن الديكورات التي تقدمها تخصيص برامج دينية للإجابة على المسائل المختلفة وهذه المحطات تستضيف أصنافاً من المنتسبين للعلم الشرعي للإجابة على أسئلة المشاهدين وهؤلاء المشايخ منهم من هو أهل للإفتاء والحديث في العلم الشرعي بلا ريب ومنهم من ليس كذلك، فبعض محطات التلفزيون المحلية تستضيف مشايخ ليتحدثوا في أمور الدين وهم ليسوا أهلاً لذلك فتصدر منهم أخطاء بشعة وتقول على دين الله وخاصة إذا كان الحديث على الهواء مباشرة وكانت الأسئلة في موضوعات مختلفة فيخبطون خبط عشواء. ويظن كثير من الناس أن إطلاق لقب شيخ على شخص ما يكفي ليكون فقيهاً ومفتياً كما ويظن آخرون أنه إذا حصل أحد المشايخ على شهادة جامعية عليا كانت أو دنيا فهذا مؤهل كاف للفتوى في دين الله كما يظن آخرون أن أئمة المساجد هم أهل الفتوى. ويظن آخرون أنه إذا قرأ كتاباً من الكتب الشرعية فإنه قد صار شافعي زمانه، وهكذا. وأود أن أنبه أننا نعيش في عصر اعتبر فيه الاختصاص شيئاً أساسياً فالاختصاص معتبر في جميع نواحي الحياة تقريباً. فمثلاً يشترط في أعضاء هيئة التدريس في الجامعات أن يكون الواحد منهم متخصصاً في العلم الذي يدرّسه وكذلك يشترط الاختصاص في الطب وفروعه المتعددة وكذلك يشترط الاختصاص في الحرف والمهن وغيرها. بل إن الاختصاص تطور وصار هنالك في العلم الواحد تخصصات كثيرة وقد يكون المتخصص في أحد فروع العلم المعاصر عامياً في فرع آخر من فروع ذلك العلم. وإذا كان الاختصاص له كل هذا الاعتبار في مجتمعنا فلماذا لا يعتبر في العلوم الشرعية؟ إن العلم الشرعي بحر لا ساحل له وفرو العلم الشرعي عديدة كعلوم القرآن وعلوم الحديث والفقه وأصول الفقه والعقيدة وغيرها ونحن في هذا الزمان كدنا نفقد ذلك العالم الموسوعي الذي يحيط بمعظم العلوم الشرعية فنحن نقرأ في كتب التراجم في وصف عالم من علمائنا المتقدمين أنه كان مفسراً محدثاً فقيهاً عالماً بالأصلين ... الخ. وهذا في زماننا صار نادراً بل إن كثيراً من حملة الشهادات في العلوم الشرعية لا يكادون يتقنون تخصصهم الذي كانت معظم دراستهم فيه فضلاً أن يتقنوا تخصصاً آخر من التخصصات الشرعية. وبناء على ذلك أقول: إنه لا يكفي أن يتعرض للفتوى في دين الله من ليس له صلة بالفقه والأصول وإن كان قد درس التفسير أو علوم القرآن أو الحديث أو السياسة الشرعية وكذلك فإن كثيراً من الموظفين الرسميين في الوظائف الدينية ليسوا أهلاً للإفتاء في دين الله وإن لبسوا لباس العلماء. وكذلك المثقفون بالثقافة الدينية الذين قرأوا الكتب بأنفسهم أو على أقرانهم فهؤلاء لا يوثق بعلمهم لأن العلم الشرعي لا بد فيه من التلقي على أيدي العلماء والشيوخ ولا يكفي أخذه من الكتب أو أن يأخذه طالب علم عن طالب علم مثله بل الصحيح أن يأخذه طالب العلم عن شيخه، قال الإمام الشافعي: [من تفقه من الكتب ضيع الأحكام] مقدمة المجموع للنووي ٢/٣٨. وقال الإمام النووي: [قالوا ولا تأخذ العلم ممن كان أخذه له من بطون الكتب من غير قراءة على شيوخ أو شيخ حاذق فمن لم يأخذه إلا من الكتب يقع في التصحيف ويكثر منه الغلط والتحريف] مقدمة المجموع للنووي ١/٣٦. وقديماً قالوا: [من كان شيخه كتابه غلب خطؤه صوابَه] . ويضاف إلى ذلك أن من المشاهد في الذين يثقفون أنفسهم بأنفسهم أو يتثقفون على أقرانهم أنه يغلب عليهم الغرور والكبر فيتيهون على الناس لأنهم لم يجالسوا العلماء ولم يتأدبوا بأدبهم. وقد ذكر العلماء كثيراً من الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يفتون ويوقعون عن رب العالمين. فمن ذلك أن يكون عالماً بالكتاب والسنة بشكل عام وبآيات وأحاديث الأحكام على وجه الخصوص فلابد أن يعرف وجوه دلالات النصوص على الأحكام وأن يعرف أسباب نزول الآيات وأسباب ورود الحديث لما لذلك من فائدة عظيمة في معرفة المقصود بالنصوص الشرعية وإن كان الراجح عند الأصوليين أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولابد من معرفة الناسخ والمنسوخ في الكتاب والسنة ولا بد من معرفة ما يتعلق بعلم أصول الحديث، فلا بد أن يكون ممن له تمييز بين الصحيح والحسن والضعيف من الأحاديث ولا بد أن يكون عارفاً بمسائل الإجماع حتى لا يفتي بخلاف ما وقع الإجماع عليه ولابد من معرفة اللغة العربية معرفة تيسر له فهم لغة العرب ليفهم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فهما عربيان. ومما لا بد من معرفته والتمكن منه علم أصول الفقه فإن هذا العلم هو عماد فسطاط الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه كما قال الإمام الشوكاني في إرشاد الفحول ص ٢٥٢. وقال العلامة الدكتور يوسف القرضاوي: [وقد رأينا عجباً ممن يقحمون أنفسهم في ميدان الاجتهاد والفتوى وهم لم يتقنوا علم الأصول بل أحياناً دون أن يقرأوا كتاباً واحداً فيه فكثيراً ما يستدلون بالمطلق وينسون المقيد ويحتجون بالعام ويهملون الخاص ويأخذون بالقياس ويغفلون النص أو يقيسون على غير أصل أو يقيسون مع عدم وجود علة مشتركة أو مع وجود فارق معتبر بين الفرع المقيس والأصل المقيس عليه] الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ص ٢٦. ولا بد من معرفة مقاصد الشرع الحكيم ولا بد من معرفة اختلاف الفقهاء، قال قتادة: [من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه] وقال غيره: [من لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه] . وقال الإمام أحمد: [ينبغي لمن أفتى أن يكون عالماً بقول من تقدم وإلا فلا يفتي] وقال عطاء: [لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالماً باختلاف الناس فإن لم يكن كذلك ردَّ من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه] ، وقال سعيد بن أبي عروبة: [من لم يسمع الاختلاف فلا تعدوه عالماً] . وقال سفيان بن عيينة [أجسر الناس على الفتوى أقلهم علماً باختلاف العلماء] الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ص ٣٦. وفوق كل ذلك لا بد أن يكون هؤلاء المتصدين للفتوى وبيان الأحكام الشرعية من أهل التقوى والورع الذين يخافون الله ﷾ ولا يبيعون آخرتهم بدنياهم أو بدنيا غيرهم. فقد ورد في الحديث عن علي بن أبي طالب قال: (قلت يا رسول الله: إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان أمر ولا نهي فما تأمرني؟ فقال ﷺ: شاوروا فيه الفقهاء والعابدين ولا تمضوا فيه رأي خاصة) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون من أهل الصحيح كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/١٧٨. وروى الدارمي في سننه عن أبي سلمة الحمصي أن النبي ﷺ: (سئل عن الأمر يحدث ليس في كتاب ولا سنة؟ فقال: ينظر فيه العابدون من المؤمنين) ورجاله رجال الصحيح، انظر شرح الدارمي ٢/٦٥. وما أحسن ما قاله الإمام أحمد بن حنبل [لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال، أولها: أن تكون له نية فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة. والثالثة: أن يكون قوياً على ما هو فيه وعلى معرفته. والرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس. والخامسة: معرفة الناس] قال العلامة ابن القيم معلقاً على كلام الإمام أحمد: [وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحله من العلم والمعرفة فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى وأي شىء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه] . ثم شرح ابن القيم عبارة الإمام أحمد وأذكر بعض كلامه: [فأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يبنى فإنها روح العمل وقائده وسائقه والعمل تابع لها يبنى عليها يصح بصحتها ويفسد بفسادها ... وقد جرت عادة الله التي لا تبدل وسنته التي لا تحول أن يُلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه ويلبس المرائي اللابس ثوبي الزور من المقت والمهانة والبغضاء ما هو اللائق به فالمخلص له المهابة والمحبة وللآخر المقت والبغضاء. وأما قوله أن يكون له حلم ووقار وسكينة فليس صاحب العلم والفتيا إلى شيء أحوج منه إلى الحلم والسكينة والوقار فإنها كسوة علمه وجماله وإذا فقدها كان علمه كالبدن العاري من اللباس وقال بعض السلف: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم] إعلام الموقعين ٤/١٩٩ فما بعدها. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346723,"book_id":3840,"shamela_page_id":1103,"part":"18","page_num":145,"sequence_num":1103,"body":"١٤٥ - مسألة اجتهاد النبي ﷺ\rيقول السائل: إنه سمع الدكتور يوسف القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة يتكلم عن مسألة اجتهاد النبي ﷺ وأنه قال إن النبي ﷺ يمكن أن يخطئ في الاجتهاد في الأمور الدنيوية وأن كثيراً من الناس قد احتجوا عليه واستفظعوا صدور ذلك منه ونالوا من الدكتور القرضاوي وطعنوا فيه، فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: جزى الله خيراً الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على جهوده العلمية المميزة في التأليف والمحاضرات والبرامج التلفزيونية وغيرها، فإنه حقاً فقيه العصر والأوان ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل. وإن من مصائب الأمة الإسلامية في هذا الزمان أن يتكلم في مسائل العلم الشرعي أشباه طلبة العلم الذين إن قرأ الواحد منهم كتاباً أو كتابين ظن نفسه من كبار العلماء ومن أهل الاجتهاد المطلق فيجعل من نفسه حكماً يحكم بين العلماء فيرد عليهم ويصحح ويخطىء كما يشاء ويهوى من دون سند ولا أثارة من علم وهذا مع الأسف نشاهده ونسمعه باستمرار. إن ما قاله الدكتور يوسف القرضاوي سبقه إليه عدد من كبار علماء الإسلام وهو مسطور في كتب أصول الفقه من مئات السنين ولكن ما ذنب الشيخ القرضاوي أن شاتميه لا يقرأون ولا يفقهون. إن مسألة اجتهاد النبي ﷺ مسألة اختلف فيها العلماء قديماً وتفرع عليها مسألة جواز خطأ اجتهاده ﷺ وليست من المسائل الجديدة وقد ذكرها العلماء في كتبهم وحكوا فيها اختلاف العلماء فما سبوا ولا شتموا وإن كان بعض العلماء قد خطأ بعض الآراء وصوب غيرها. ولكنهم علماء علماء علماء وليسوا طلبة علم مبتدئين في طلب العلم، قال أبو إسحاق الشيرازي: [كان للنبي ﷺ أن يجتهد في الحوادث ويحكم فيها بالاجتهاد وكذلك سائر الأنبياء ﵈. ومن أصحابنا من قال ما كان له ذلك وبه قال بعض المعتزلة] التبصرة في أصول الفقه ص ٥٢١. وجاء في جمع الجوامع وشرحه لجلال الدين المحلي ٢/٣٨٦: [والصحيح جواز الاجتهاد للنبي ﷺ ووقوعه لقوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) ، (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) عوتب على استبقاء أسرى بدر بالفداء وعلى الإذن لمن ظهر نفاقهم في التخلف عن غزوة تبوك ولا يكون العتاب فيما صدر من الوحي فيكون عن اجتهاد. وقيل يمنع ... الخ] . وفصل الشوكاني مسألة اجتهاد الأنبياء فذكر خلاف العلماء فقال: [المذهب الأول ليس لهم ذلك لقدرتهم على النص بنزول الوحي ... المذهب الثاني أنه يجوز لنبينا ﷺ ولغيره من الأنبياء وإليه ذهب الجمهور ... ] إرشاد الفحول ص ٢٥٥-٢٥٦. هذه بعض النقول في مسألة الاجتهاد وأما في مسألة الخطأ في الاجتهاد فقال أبو إسحاق الشيرازي: [يجوز الخطأ على رسول ﷺ في اجتهاده إلا أنه لا يقر عليه بل ينبه عليه. ومن أصحابنا من قال لا يجوز عليه الخطأ] التبصرة في أصول الفقه ص ٥٢٤ ثم ساق أدلة الفريقين وانتصر للقول الأول. وقال الآمدي: [القائلون بجواز الاجتهاد للنبي ﵊ اختلفوا في جواز الخطأ عليه في اجتهاده فذهب بعض أصحابنا إلى المنع من ذلك. وذهب أكثر أصحابنا والحنابلة وأصحاب الحديث والجبائي وجماعة من المعتزلة إلى جوازه لكن بشرط أن لا يقر عليه وهو المختار ودليله المنقول والمعقول ... الخ] الإحكام في أصول الأحكام ٤/٢١٦. وقال الكمال بن الهمام: [وقد ظهر أن المختار جواز الخطأ في اجتهاده ﵊ إلا أنه لا يقر على خطأ بخلاف غيره] تيسير التحرير ٤/١٩٠. ويكفي هذا من كتب الأصول لأن المقام لا يتسع لاستقصاء ما قال الأصوليون في المسألة. وأنا هنا لست في مقام بحث مسألة اجتهاد النبي ﷺ وهل يخطئ في اجتهاده أم لا؟ ولست في مقام الترجيح بين أقوال العلماء في ذلك والذي أريد أن أصل إليه هو أن هذه المسائل وغيرها لا يبحثها ولا يناقشها العوام من طلبة العلم وأشباه المتعلمين وأنه ليس في مقدرتهم الترجيح بين أقوال العلماء في هذه المسائل الاجتهادية الخلافية وكون عالم قال بأحد الأقوال في المسألة لا ينبغي الإنكار عليه والهجوم عليه وسبه وشتمه لأن قوله لا يوافق ما نهوى ونتمنى. إن العلماء كما ترى أخي القارئ قد اختلفوا في هذه المسألة الاجتهادية وأمثالها من المسائل التي لا يوجد فيها نص صريح من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ فلا يصح الإنكار على عالم قال برأي فيها. وقديماً قال العلماء: [لا يصح الإنكار في مسائل الخلاف] والمقصود بذلك مسائل الخلاف الاجتهادية التي لا يوجد فيها نصوص صريحة من الكتاب أو السنة. فكل مسألة اختلف فيها العلماء ولم يثبت فيها نص صريح يدل على صحة أحد الأقوال فيها وإنما المستند فيها الاجتهاد فلا يجوز الإنكار على العالم فيما قال باجتهاده. لأن المجتهد لم يخالف نصاً بل خالف اجتهاد مجتهد آخر وهذه المسائل لا يعرف فيها المجتهد المصيب على وجه القطع لذا لا ينبغي الإنكار على من خالف رأياً لم يثبت بأنه صواب قطعاً. راجع حكم الإنكار في مسائل الخلاف ص ٧٢-٧٣. قال الإمام النووي: [ولا ينكر محتسب ولا غيره على غيره وكذلك قالوا ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٤. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن يقلد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد فهل ينكر عليه أم يهجر؟ وكذلك من يعمل بأحد القولين؟ فأجاب: [الحمد لله، مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٠/٢٠٧. وختاماً فينبغي على طلبة العلم وعلى عامة الناس أن تتسع صدورهم لسماع خلاف العلماء في مسائل العلم الشرعي وعلى هؤلاء وأولئك أن يعلموا أن العلماء عندما يختلفون فإنهم لا يصدرون في اختلافهم عن هوى أو تشهي أو قول في دين الله بغير علم أو مستند. وعليهم أن يعلموا أن الخلافات العلمية في المسائل التي لا يوجد فيها نصوص قطعية ليست مذمومة والخلاف فيها قديم والأمر فيه سعة، فلا تحجروا واسعاً. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فإن الله برحمته وطوله وقوته وحوله ضمن بقاء طائفة من هذه الأمة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك وجعل السبب في بقائهم بقاء علمائهم واقتدائهم بأئمتهم وفقهائهم وجعل هذه الأمة مع علمائها كالأمم الخالية مع أنبيائها وأظهر في كل طبقة من فقهائها أئمة يقتدى بها وينتهى إلى رأيها وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام مهد بهم قواعد الإسلام وأوضح بهم مشكلات الأحكام اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة تحيا القلوب بأخبارهم وتحصل السعادة باقتفاء آثارهم ثم اختص منهم نفراً أعلى قدرهم ومناصبهم وأبقى ذكرهم ومذاهبهم فعلى أقوالهم مدار الأحكام وبمذاهبهم يفتي فقهاء الإسلام] المغني ١/ ٤-٥. ولا بد أن يتأدب طلبة العلم وعامة الناس مع العلماء وأن ينزلوهم منزلة الإكرام والاحترام وإن لم ترق لبعضنا آراؤهم واجتهاداتهم، فلكل مجتهد نصيب. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346724,"book_id":3840,"shamela_page_id":1104,"part":"18","page_num":146,"sequence_num":1104,"body":"١٤٦ - بعض الاحاديث\rيقول السائل: هل حديث: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) حديث ثابت عن النبي ﷺ؟\rالجواب: إن هذا الحديث المشهور على الألسنة محل اختلاف بين علماء الحديث فمنهم من يضعفه ومنهم من يرى أنه حديث حسن أو صحيح. والحديث ورد بدون زيادة (ومسلمة) فهذه اللفظة لم ترد في أي من طرق الحديث الكثيرة، قال الحافظ السخاوي [تنبيه: قد ألحق بعض المصنفين بآخر هذا الحديث (ومسلمة) وليس لها ذكر في شيء من طرقه وإن كان معناها صحيحاً] المقاصد الحسنة ص ٢٧٧. ولفظ مسلم الوارد في الحديث يشمل المسلمة. قال الإمام النووي: [وهذا الحديث وإن لم يكن ثابتاً فمعناه صحيح] المجموع ١/٢٤. وقال البيهقي [متنه مشهور وإسناده ضعيف وقد روي من أوجه كلها ضعيفه] المقاصد الحسنة ص ٢٧٦. وضعفه آخرون كأحمد وإسحاق وابن الصلاح وغيرهم. وترى طائفة من أهل العلم أن الحديث وإن ورد من طرق ضعيفة إلا أنه يتقوى ويرتقي إلى درجة الحسن أو الصحيح لغيره. قال السيوطي: [جمعت له خمسين طريقاً وحكمت بصحته لغيره. ولم أصحح حديثاً لم أسبق لتصحيحه سواه] فيض القدير ٤/٣٥٣. وقال السخاوي [ ... ولكن له شاهد عند ابن شاهين في الأفراد ... ورجاله ثقات بل يروى عن نحو عشرين تابعياً عن أنس ... ] المقاصد ص ٢٧٥. وقال العلامة القاري [لكن كثرة الطرق تدل على ثبوته ويقوى بعضه ببعض. قال المزي تلميذ النووي إن طرقه تبلغ رتبة الحسن] المرقاة ١/٤٧٨. وحكم بصحة الحديث الشيخ أبو الفيض الغماري بعد أن استوعب طرقه، وحكم بصحته أيضاً الألباني فقد صححه في صحيح الترغيب والترهيب ص ٣٤، وفي صحيح سنن ابن ماجه ١/٤٤ ونقل تصحيح الحديث عن غيرهم من العلماء، انظر شرح السنة ١/٢٩٠، الحطة ص ٤٨. وخلاصة الأمر أن الحديث لا يقل عن درجة الحسن والله أعلم. إذا تقرر هذا فلا بد من الإشارة إلى أن أهل العلم قد اختلفوا في المراد من الحديث وما هو العلم الذي طلبه فريضة على أكثر من عشرين قولاً وأجود ما قيل فيه ما قاله الحافظ ابن عبد البر: [ ... قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ في خاصته بنفسه ومنه ما هو فرض على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع واختلفوا في تلخيص ذلك والذي يلزم الجميع فرضه من ذلك ما لا يسع الإنسان جهله من جملة الفرائض المفترضة عليه نحو الشهادة باللسان والإقرار باللقب بأن الله وحده لا شريك له لا شبه له ولا مثل لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد خالق كل شيء وإيه مرجع كل شيء المحيي المميت الحي الذي لا يموت والذي عليه جماعة أهل السنة أنه لم يزل بصفاته وأسمائه ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء وهو على العرش استوى. والشهادة بأن محمداً عبده ورسوله وخاتم أنبيائه حق وأن البعث بعد الموت للمجازاة بالأعمال والخلود في الآخرة لأهل السعادة بالإيمان والطاعة في الجنة ولأهل الشقاوة بالكفر والجحود في السعير حق وأن القرآن كلام الله وما فيه حق من عند الله يجب الإيمان بجميعه واستعمال محكمه وأن الصلوات الخمس فرض ويلزمه من علمها علم ما لا تتم إلا به من طهارتها وسائر أحكامها وأن صوم رمضان فرض ويلزمه علم ما يفسد صومه ومالا يتم إلا به وإن كان ذا مال وقدرة على الحج لزمه فرضاً أن يعرف ما تجب فيه الزكاة ومتى تجب وفي كم تجب ويلزمه أن يعلم بان الحج عليه فرض مرة واحدة في دهره إن استطاع إليه سبيلاً إلى أشياء يلزمه معرفة جملها ولا يعذر بجهلها نحو تحريم الزنا والربا وتحريم الخمر والخنزير وأكل الميتة والأنجاس كلها والغصب والرشوة على الحكم والشهادة بالزور وأكل أموال الناس بالباطل وبغير طيب من أنفسهم إلا إذا كان شيئاً لا يتشاح فيه ولا يرغب في مثله وتحريم الظلم كله وتحريم نكاح الأمهات والأخوات ومن ذكر معهن وتحريم قتل النفس المؤمنة بغير حق وما كان مثل هذا كله مما قد نطق الكتاب به وأجمعت الأمة عليه] جامع بيان العلم وفضله ١/١٠-١١. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346725,"book_id":3840,"shamela_page_id":1105,"part":"18","page_num":147,"sequence_num":1105,"body":"١٤٧ - بعض الاحاديث\rيقول السائل: ورد في الحديث قول النبي ﷺ: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) فكيف نفهم هذا الحديث ونحن نرى أن هنالك ممن ينتسب إلى العلم وهم من الفسقة؟\rالجواب: روى هذا الحديث جماعة من الصحابة ﵃ ولهذا الحديث طرق كثيرة عنهم وهو حديث حسن لتعدد طرقه قال العلامة إبراهيم بن الوزير: [وهو حديث مشهور صححه ابن عبد البر] . وروي عن أحمد أنه قال: هو حديث صحيح. قال زين الدين: [وفي كتاب العلل للخلال عن أحمد سئل عنه فقيل له كأنه كلام موضوع؟ فقال: لا هو صحيح فقيل له: ممن سمعته؟ فقال من غير واحد ... ] العواصم والقواصم ١/٣٠٨، وذكر العلامة ابن القيم طرق الحديث في مفتاح دار السعادة ص ١٦٣-١٦٤، وجزم الحافظ العلائي بأن الحديث حسن. انظر الحطة ص ٧١. والمقصود بهذا الحديث أن علم الكتاب والسنة يحمله من كل قرن يخلف السلف عدوله أي ثقاته يعني من كان عدلاً صاحب التقوى والديانة نافين عنه أي طاردين عن هذا العلم تحريف الغالين أي المبتدعة الذين يتجاوزون في كتاب الله وسنة رسوله عن المعنى المراد فينحرفون عن جهته. وانتحال المبطلين أي الادعاءات الكاذبة وتأويل الجاهلين أي تأويل الجهلة لبعض القرآن والسنة إلى ما ليس بصواب. المرقاة ١/٥٠٨-٥٠٩. وقال الإمام النووي: [ ... وفي الحديث الآخر (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) وهذا إخبار منه ﷺ بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه وأن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلفاً من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف وما بعد فلا يضيع وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر وهكذا وقع ولله الحمد وهذا من أعلام النبوة ولا يضر مع هذا كون بعض الفساق يعرف شيئاً من العلم فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئاً منه والله أعلم] تهذيب الأسماء واللغات ١/١٧. فالأصل في أهل العلم أن يكونوا عدولاً ثقاة يجمعون بين العلم والعمل كما كان علماؤنا المتقدمون ولكن كثيراً ممن ينتسبون للعلم أغرتهم الدنيا بملذاتها ومتعها وشهواتها المادية والمعنوية فانغمسوا فيها. وواجب العلماء أن يصونوا العلم وأن يبتعدوا عن مواطن الريب ومن ذلك إتيان السلاطين والحكام فقد جاء في الحديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (من سكن البادية فقد جفا ومن اتبع الصيد فقد غفل ومن أتى أبواب السلاطين فقد افتتن) رواه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي وغيرهم وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢/١٠٧٩. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: [لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم فهانوا عليهم] رواه ابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان. انظر ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين ص ٥٤-٥٥. وقال الشاعر: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346726,"book_id":3840,"shamela_page_id":1106,"part":"18","page_num":148,"sequence_num":1106,"body":"١٤٨ - احاديث مكذوبة\rقصة الظبية التي تكلمت مع النبي ﷺ مكذوبة، يقول السائل: إنه سمع خطيب الجمعة يذكر قصة الظبية التي تكلمت مع النبي ﷺ وأن الظبية نطقت بالشهادتين فهل هذه القصة ثابتة أفيدونا؟\rالجواب: كثير من الخطباء والمدرسين لا يهتمون بمعرفة درجة الأحاديث التي يذكرونها في خطبهم ودروسهم مع أن ذلك واجب عليهم لأن المصلين يتلقون كلامهم ويسمعونه ومعظم المصلين لا يعرفون شيئاً عن الحكم على الأحاديث وأن هنالك أحاديث باطلة وأخرى مكذوبة وأخرى ضعيفة. إن واجب كل من يتصدى للتدريس أو الخطابة أو الوعظ أو التأليف أن يكون على بينة وبصيرة من الأحاديث التي يذكرها وينسبها إلى رسول الله ﷺ فإن الكذب على الرسول ﷺ ليس كالكذب على غيره فقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من كذب عليَّ عامداً متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وهو حديث صحيح متواتر رواه البخاري ومسلم. فإن هؤلاء الخطباء والوعاظ وإن لم يتعمدوا الكذب على رسول الله ﷺ مباشرة فقد ارتكبوه تبعاً لنقلهم الأحاديث التي يقفون عليها جميعاً وهم يعلمون أن فيها ما هو ضعيف وما هو مكذوب قطعاً وقد أشار إلى هذا المعنى قوله ﷺ: (كفى بالمرء إثماً أن يحدّث بكل ما سمع) رواه مسلم. قال ابن حبان في صحيحه: فصل: \" ذكر أسباب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته \" ثم ساق بسنده عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) وسنده حسن وأصله في الصحيحين بنحوه. ثم ذكر حديث سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: (من حدّث بحديث يُرى - بضم الياء- أنه كذب فهو أحد الكاذبين) رواه مسلم. يتبين من هذه الأحاديث أنه لا يجوز نشر الأحاديث وروايتها دون التثبت من صحتها ومن فعل ذلك فهو حسبه من الكذب على رسول الله ﷺ القائل: إن كذباً عليّ ليس كالكذب على أحد فمن كذب عليّ عامداً متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) رواه مسلم. ولو قلنا بأنه يجوز التساهل في الترغيب والترهيب ولكن لا يجوز أن يصل الأمر إلى ذكر الأحاديث الباطلة والمكذوبة وإنما العلماء تساهلوا بذكر الأحاديث الضعيفة في باب الترغيب والترهيب ولكنهم بينوا أسانيدها. قال الحافظ ابن الصلاح: [ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع - أي المكذوب - من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام ببيان ضعفها فيما سوى صفات الله وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد] علوم الحديث ص ١١٣. إذا تقرر هذا فنعود إلى حديث الظبية لبيان حاله وقبل ذلك أذكر نصه: عن زيد بن أرقم قال: (كنت مع النبي ﷺ في بعض سكك المدينة فمررنا بخباء أعرابي فإذا ظبية مشدودة إلى الخباء فقالت: يا رسول الله إن هذا الأعرابي صادني ولي خشفان - ولدان - في البرية وقد تعقد اللبن في أخلافي - ضرعي - فلا هو يذبحني فأستريح ولا يدعني فأرجع إلى خشفي في البرية فقال لها رسول الله ﷺ: إن تركتك ترجعين؟ قالت: نعم، وإلا عذبني الله عذاب العشار - قابض العشور أي الضرائب - فأطلقها رسول الله ﷺ فلم تلبث أن جاءت تلمظ فشدها رسول الله إلى الخباء وأقبل الأعرابي ومعه قربة. فقال رسول الله ﷺ: أتبيعها مني؟ فقال الأعرابي: هي لك يا رسول الله. قال: فأطلقها رسول ﷺ. قال زيد بن أرقم: وأنا والله رأيتها تسيح في البر وهي تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله] . وقد وردت روايات أخر لهذه القصة الطريفة وقد رواها أبو نُعَيم في دلائل النبوة والبيهقي في دلائل النبوة أيضاً. قال العلامة ملا علي القاري: [حديث تسليم الغزالة اشتهر على الألسنة وفي المدائح النبوية. قال ابن كثير ليس له أصل ومن نسبه إلى النبي ﷺ فقد كذب] المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص ٨٠. وقال الحافظ ابن حجر: [وأما تسليم الغزالة فلم نجد له إسناداً لا من وجه قوي ولا من وجه ضعيف والله أعلم] فتح الباري ٧/٤٠٤. وقد تكلم الحافظ ابن حجر بالتفصيل على هذه القصة وذكر عدة روايات لها في كتابه \" تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب \" فقال: [وأما تسليم الغزالة فمشتهر على الألسنة وفي المدائح النبوية ولم أقف لخصوص السلام على سند وإنما ورد الكلام في الجملة. وبالسند الماضي إلى البيهقي قال: باب كلام الظبية إن صح الخبر] . ثم ذكر أن هذه القصة وردت منسوبة إلى عيسى ﵇. ثم قال الحافظ ابن حجر: [وقد ورد كلام الظبية من طرق أخرى أشد وهاءً من الأول] انظر تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب ١/٢٤٥-٢٤٦. كما أن الحافظ الذهبي ذكره في ميزان الاعتدال وأشار إلى أنه خبر باطل. ميزان الاعتدال ٤/٤٥٦، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن هذا الحديث باطل موضوع في \" لسان الميزان \" ٦/٣١١. وقد ضعف هذه القصة بروايتها المختلفة الحافظ ابن كثير أيضاً في تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب ص ١٨٦-١٨٩. وقال العلامة السخاوي: [حديث تسليم الغزالة الذي اشتهر على الألسنة وفي المدائح النبوية وليس له أصل كما قال ابن كثير ومن نسبه إلى النبي ﷺ فقد كذب] المقاصد الحسنة ص ١٥٦. وقال العجلوني مثل كلام السخاوي انظر كشف الخفاء ١/٣٠٦. وذكر الشيخ عبد الفتاح أبو غده يرحمه الله كلام الحافظ ابن حجر والسخاوي وابن كثير وذكر أن للقصة روايات متعددة. ثم قال الشيخ أبو غدة: [هي أحاديث ضعيفة واهية لا يصح الاعتماد عليها في إثبات ما هو خرق للعادة وإن كانت لتعدد طرقها لا يحكم الحديثي عليها بالوضع فإن إثبات مضمونها لا يقبل ولا يثبت إلا بالحديث الصحيح الرجيح ولدى النظر في أسانيدها يتبين أنها لا تخلو من مطاعن شديدة مردية فلا تغفل. وبالنظر في متونها يتبدّى تعارض شديد فيما بينها وفي الجمع بينها تعسف ظاهر] المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص ٨٠. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346727,"book_id":3840,"shamela_page_id":1107,"part":"18","page_num":149,"sequence_num":1107,"body":"١٤٩ - احاديث ضعيفة\rيقول السائل: قرأت حديثاً معلقاً في المسجد ونصه: (عن أبي سعيد الخدريرضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: من قال حين يأوي إلى فراشه: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات غفر الله له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر وإن كانت عدد ورق الشجر وإن كانت عدد رمال عالج وإن كانت عدد أيام الدنيا) فما درجة هذا الحديث؟\rالجواب: هذا الحديث رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الوصافي عبيد الله بن الوليد، سنن الترمذي ٥/٤٣٩، ورواه أحمد في المسند كما في الفتح الرباني ١٤/٢٤٨. وقد ضّعف العلماء هذا الحديث، قال الحافظ ابن حجر في تخريج الأذكار: [هذا الحديث غريب والوصافي وشيخه - يعني عطية العوفي - ضعيفان لكن رواه غيره عن عطية عن أبي سعيد بنحوه] الأذكار ص ٧٧. وضعف الحديث أيضاً الشيخ الألباني في ضعيف سنن الترمذي ص ٤٤٤، وفي ضعيف الجامع الصغير الحديث رقم ٥٧٢٨. ويغني عن هذا الحديث الضعيف ما ثبت من أحاديث صحيحة في الذكر قبل النوم ومنها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) رواه البخاري ومسلم. وعن البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت فإن مت مت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول) رواه البخاري ومسلم. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346728,"book_id":3840,"shamela_page_id":1108,"part":"18","page_num":150,"sequence_num":1108,"body":"١٥٠ - الكلام باللغات الأجنبية\rيقول السائل: بعض الناس يتحدثون باللغة الإنجليزية في بيوتهم مع أولادهم وكذلك في أعمالهم يكون معظم كلامهم بالإنجليزية ويعتبرون ذلك نوعاً من التقدم والرقي فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: يجب أن يعلم أولاً أن تعلم اللغات الأخرى أمر لا بد منه وخاصة اللغات الحية كالإنجليزية، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه طلب من بعض الصحابة أن يتعلموا بعض اللغات. ونص العلماء على جواز ذلك وخاصة في زماننا حيث إن اللغة الإنجليزية هي لغة العلوم والتقدم في مختلف مجالات الحياة. ويجب أن يعلم أن تعلم اللغات الأخرى لا يجوز أن يكون على حساب لغتنا الأصلية اللغة العربية، ومن المؤسف جداً أن بعض الناس يتفاخرون بأنهم يدرسون أبنائهم اللغات الأجنبية في المدارس الأجنبية مع تقصيرهم الشديد في تعليمهم اللغة العربية إن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم ولغة رسوله ﷺ قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا) سورة يوسف الآية ٢، وقال تعالى: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) سورة الشعراء الآية ١٩٥، وقال تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) سورة النحل ١٠٣. والمسلم مطلوب منه أن يتعلم اللغة العربية وأن يعلمها أبنائه وأن يتحدث بها وقد كره العلماء أن يخلط الإنسان في كلامه بين العربية وغيرها من اللغات فقد ورد عن عمررضي الله عنه قال: [تعلموا العربية فإنها تزيد في العقل والمروءة] . وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: [أن مر من قبلك بتعلم العربية فإنها تدل على صواب الكلام ومرهم برواية الشعر فإنه يدل على معالي الأخلاق] . وورد عن عمر ﵁: [أنه مرَّ على قوم يقرئ بعضهم بعضاً فقال: اقرأوا ولا تلحنوا] . وورد عنه أنه قال: [عليكم بالفقه في الدين والتفهم في العربية وحسن العباره] . وورد عنه أنه قال: [لا تعلموا رطانة الأعاجم] . وسئل الحسن البصري: [ما تقول في قوم يتعلمون العربية؟ فقال: أحسنوا، يتعلمون لغة نبيهم] . وقال ابن شهاب الزهري: [ما أحدث الناس مروءة أعجب من تعلم الفصاحة] انظر الصقعة الغضبية ص ٢٤٣ -٢٥٠. ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الشافعي قوله: [سمى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع تجاراً ولم تزل العرب تسميهم التجار ثم سماهم رسول الله بما سمى الله به من التجارة بلسان العرب والسماسرة اسم من أسماء العجم فلا نحب أن يسمى رجل يعرف العربية تاجراً إلا تاجراً ولا ينطق بالعربية فيسمي شيئاً بالعجمية وذلك أن اللسان الذي اختاره الله ﷿ لسان العرب فأنزل به كتابه العزيز وجعله لسان خاتم أنبيائه ﷺ ولهذا نقول ينبغي لكل واحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها لأنها اللسان الأولى مرغوباً فيه من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بالعجمية] اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٠٤. وبين شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يكره تعود الرجل النطق بغير العربية فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون. المصدر السابق ص ٢٠٣. وقال شيخ الإسلام: [وأما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله ولأهل الدار وللرجل مع صاحبه ولأهل السوق أو للأمراء أو لأهل الديوان أو لأهل الفقه فلا ريب أن هذا مكروه فإنه من التشبه بالأعاجم وهو مكروه] الاقتضاء ص ٢٠٦. وقال ابن تيمية أيضاً: [وما زال السلف يكرهون تغيير شعائر العرب حتى في المعاملات وهو - التكلم بغير العربية - إلا لحاجة كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد بل قال مالك: من تكلم في مسجدنا بغير العربية أخرج منه] مجموع الفتاوى ٣٢/٢٥٥. وهذا الذي ذكره الشافعي وشيخ الإسلام من كراهة الرطانة أي الحديث بغير العربية قال به كثير من أهل العلم من الأئمة والصحابة والتابعين وغيرهم. وقال حرب الكرماني - من أصحاب الإمام أحمد -: [باب تسمية الشهور بالفارسية، قلت لأحمد: فإن للفرس أياماً وشهوراً يسمونها بأسماء لا تعرف؟ فكره ذلك أشد الكراهة!] اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٠٢، الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/٤٣٢-٤٣٣. واللغة العربية التي وسعت القرآن الكريم وسنة رسول الله ﷺ ووسعت شعر العرب وأدبهم قادرة على أن تسع أسماء المخترعات الجديدة والعلوم الحديثة فلا يظنن أحد أن اللغة العربية عاجزة وإنما العجز في الناطقين بها. قال الإمام الشافعي: [ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً وأكثر ألفاظاً] الرسالة ص ٤٢. وقال الشافعي منبهاً إلى فضل العربية: [وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي ﷺ ولا يجوز والله أعلم أن يكون أهل لسانه أتباعاً لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد بل كل لسان تبع للسانه وكل أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه وقد بين الله ذلك في غير آية من كتابه قال الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) ، وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا) وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) وقال تعالى: (حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ، وقال تعالى: (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ... الخ] الرسالة ص ٤٦-٤٧. وصدق حافظ إبراهيم شاعر النيل عندما قال مدافعاً عن اللغة العربية: رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي وناديت قومي فاحتسبت حياتي رموني بعقم في الشباب وليتني عقمت فلم أجزع لقول داتي ولدت ولما لم أجد لعرائسي رجالاً وأكفاءً وأدت ـناتي وسعت كتاب الله لفظاً وغايةً وما ضقت عن آي به وعظات فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعات أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346729,"book_id":3840,"shamela_page_id":1109,"part":"18","page_num":151,"sequence_num":1109,"body":"١٥١ - لا يسمى المسجد الأقصى حرما\rيقول السائل: هل تصح تسمية المسجد الأقصى \" بالحرم \"؟\rالجواب: شاعت تسمية المسجد الأقصى المبارك بالحرم عند عامة الناس في ديار فلسطين وعند بعض الكاتبين المعاصرين فنجدهم يطلقون على المسجد الأقصى الحرم. وهذه التسمية غير صحيحة لأن المعلوم عند أهل العلم أنه لا يوجد عند المسلمين إلا حرمان وهما حرم مكة وحرم المدينة وهذا باتفاق أكثر العلماء وأضاف الشافعية ثالثاً وهو وادي وج بالقرب من الطائف، المجموع ٧/٤٨٣. وإليك تفصيل ذلك: أولاً: قال الله تعالى: (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًاءَامِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) سورة القصص الآية ٥٧. والمقصود بالحرم في هذه الآية الكريمة هو حرم مكة المكرمة. وقال تعالى: (أو لم يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًاءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) سورة العنكبوت الآية ٦٧. والمقصود أيضاً بالحرم في هذه الآية الكريمة هو حرم مكة المكرمة. وثبت في الحديث عن عبد الله بن زيدرضي الله عنه عن النبي ﷺ: (أن إبراهيم حرّم مكة ودعا لها وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة) متفق عليه. وحرم مكة وحرم المدينة ثابتان بالأدلة الصحيحة واتفق أهل العلم على ذلك وأما وادي وج بالقرب من الطائف فقد اعتبره الشافعية حرماً وخالفهم بقية العلماء واحتج الشافعية بما ورد في حديث الزبيررضي الله عنه قال: (لما أقبلنا مع رسول الله ﷺ من لية حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله ﷺ في طرف القرن الأسود حذوها فاستقبل نخباً ببصره وقال: مرة واديه ووقف حتى اتقف الناس كلهم ثم قال: إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره لثقيف) رواه أبو داود وأحمد والبيهقي. وقوله: (من لية) هو جبل قرب الطائف، (وطرف القرن) جبل قرب الطائف أيضاً وقوله: (فاستقبل نخباً) ، هو واد بالطائف وقوله: (اتقف) أي حتى وقف الناس وقوله: (وعضاهه) هو كل شجر فيه شوك. عون المعبود ٦/٩ وهذا الحديث ضعفه جماعة من أهل العلم. قال البخاري: لا يصح. ونحوه قال الأزدي وذك الخلال أن أحمد ضعّفه، وضعّفه ابن حبان وضعّفه النووي. التلخيص الحبير ٢/٢٨٠. والراجح من أقوال أهل العلم أن \" وج \" ليس بحرم لضعف الحديث كما سبق. وبناء على ما تقدم لا يصح إطلاق اسم الحرم إلا على الحرمين حرم مكة وحرم المدينة ولا يجوز شرعاً إطلاق اسم الحرم على المسجد الأقصى المبارك ولا على المسجد الإبراهيمي في الخليل وتسميتهما حرماً بدعة لا أصل لها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وليس ببيت المقدس مكان يسمى حرماً ولا بتربة الخليل ولا بغير ذلك من البقاع إلا ثلاثة أماكن أحدها: هو حرم باتفاق المسلمين وهو حرم مكة شرفها الله تعالى والثاني حرم عند جمهور العلماء وهو حرم النبي ﷺ من عير إلى ثور بريد في بريد فإن هذا حرم عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وفيه أحاديث صحيحة مستفيضة عن النبي ﷺ والثالث \" وج \" وهو واد بالطائف فإن هذا روي فيه حديث رواه أحمد في المسند وليس في الصحاح وهذا حرم عند الشافعي لاعتقاده صحة الحديث وليس حرماً عند أكثر العلماء وأحمد ضعف الحديث المروي فيه فلم يأخذ به وأما ما سوى هذه الأماكن الثلاثة فليس حرماً عند أحد من علماء المسلمين فإن الحرم ما حرّم الله صيده ونباته ولم يحرم الله صيد مكان ونباته خارجاً عن هذه الأماكن الثلاثة] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٧/١٤- ١٥. وقال شيخ الإسلام أيضاً: [ ... والأقصى اسم للمسجد كله ولا يسمى هو ولا غيره حرماً وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة. وفي وادي وج بالطائف نزاع بين العلماء] اقتضاء الصراط المستقيم ص ٤٣٤. ولم تثبت تسمية المسجد الأقصى حرماً عن أحد من العلماء المحققين ولما تكلم الإمام بدر الدين الزركشي عن الأحكام المتعلقة بالمسجد الأقصى لم يذكر منها شيئاً في تسميته حرماً وإنما سماه المسجد الأقصى كما هو شأن بقية العلماء. إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ١٩١ فما بعدها. كما أن الشيخ مجير الدين الحنبلي لم يستعمل كلمة الحرم في وصف المسجد الأقصى في كتابه \" الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل \" وكذلك الشيخ عبد الغني النابلسي في كتابه \" الحضرة الأنسية في الرحلة المقدسية \". ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346730,"book_id":3840,"shamela_page_id":1110,"part":"18","page_num":152,"sequence_num":1110,"body":"١٥٢ - القرآن الكريم\rيقول السائل: لدي مصحف قديم قد بلي وتمزقت أوراقه فماذا أصنع فيه؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أنه يجب على المسلم المحافظة على المصحف والاعتناء به جيداً على أكمل الوجوه، قال الإمام النووي: [أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه] التبيان في آداب حملة القرآن ص ١٠٨. ومن المحافظة على المصحف صيانته من التمزق والعناية بتجليده ولا ينبغي وضع أي كتاب عليه. وإنما يوضع المصحف فوق الكتب واستحب بعض أهل العلم أن يوضع المصحف في مكان خاص كأن يوضع على كرسي خاص به كذا ذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية ٢/٣٣٣. وأما إذا بلي المصحف وتمزقت أوراقه ولم يعد صالحاً للقراءة فيه فحينئذ يجوز حرقه على رأي جماعة من أهل العلم، أو دفنه في أرض طيبه على قول آخرين من العلماء. وأما حرق المصحف إذا بلي فيؤيده ما رواه الإمام البخاري في صحيحه بإسناده عن أنس بن مالك ﵁: (أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة، إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) . والشاهد من هذا الحديث قوله: (وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) . وقد ورد في بعض روايات الحديث السابق: (أن يخرق) بالخاء وليس بالحاء ولكن صحح كثير من العلماء رواية (أن يحرق) بالحاء ورجحوها على الرواية بالخاء. قال الحافظ ابن حجر: [وقد وقع في رواية شعيب عند ابن أبي داود والطبراني وغيرهما: وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به، قال: فذلك زمان حرقت المصاحف في العراق بالنار، وفي رواية سويد بن غفلة عن علي قال: لا تقولوا لعثمان في إحراق المصاحف إلا خيراً، وفي رواية بكير بن الأشج: فأمر بجمع المصاحف فأحرقها ثم بث في الأجناد التي كتب. ومن طريق مصعب بن سعد قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك أو قال لم ينكر ذلك منهم أحد، وفي رواية أبي قلابة: فلما فرغ عثمان من المصحف كتب إلى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا وكذا، ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم، والمحو أعم أن يكون بالغسل أو التحريق. وأكثر الروايات صريح في التحريق فهو الذي وقع ويحتمل وقوع كل منهما بحسب ما رأى من كان بيده شيء من ذلك وقد جزم عياض بأنهم غسلوها بالماء ثم أحرقوها مبالغة في إذهابها، قال ابن بطال: في هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار وأن ذلك إكرام لها وصون عن وطئها بالأقدام، وقد أخرج عبد الرزاق من طريق طاووس أنه كان يحرق الرسائل التي فيها البسملة إذا اجتمعت وكذا فعل عروة وكرهه إبراهيم وقال ابن عطية: الرواية بالحاء المهملة أصح، وهذا الحكم هو الذي وقع في ذلك الوقت وأما الآن فالغسل أولى لما دعت الحاجة إلى إزالته] فتح الباري ١٠/٣٩٥. وروى أبو بكر بن أبي داود عن طاووس بإسناده: [أنه لم يكن يرى بأساً أن تحرق الكتب، وقال: إن الماء والنار خلق من خلق الله] وإسناده صحيح غاية المرام ٢/١٢٢. وروى عبد الرزاق بإسناده عن ابن طاووس قال: [كان أبي يحرق الصحف إذا اجتمعت عنده فيها الرسائل فيها: بسم الله الرحمن الرحيم] مصنف عبد الرزاق ١١/٤٢٥. وقال ابن جرير الطبري فيما فعله عثمان: [وجمعهم على مصحف واحد وحرف واحد وحرق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه وعزم على كل من كان عنده مصحف مخالف للمصحف الذي جمعهم عليه أن يحرقه فاستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية] تفسير ابن جرير الطبري ١/٦٤-٦٥، نقلاً عن مباحث في علوم القرآن ص ١٣٢. وقال الشيخ القرطبي: [وذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد عن سويد بن غفلة، قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: يا معشر الناس اتقوا الله! وإياكم والغلو في عثمان وقولكم: حرّاق المصاحف فوالله ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب محمد ﷺ. وعن عمير بن سعيد قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان. قال أبو الحسن بن بطال: وفي أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى وأن ذلك إكرام لها وصيانة عن الوطء بالأقدام وطرحها في ضياع من الأرض. روى معمر عن ابن طاووس عن أبيه: أنه كان يحرق الصحف إذا اجتمعت عند الرسائل فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، وحرق عروة بن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرّه، وكره إبراهيم أن تحرق الصحف إذا كان فيها ذكر الله تعالى وقول من حرقها أولى بالصواب وقد فعله عثمان وقد قال القاضي أبو بكر لسان الأمة: جائز للإمام تحريق الصحف التي فيها القرآن إذا أداه الاجتهاد إلى ذلك] تفسير القرطبي ١/٥٤-٥٥. وأما دفن المصحف إذا بلي وتمزق فنص عليه الإمام أحمد ﵀ وذكر الإمام أحمد أن أبا الجوزاء بلي له مصحف فحفر له في مسجده فدفنه، ذكره ابن مفلح في الفروع ١/١٩٤. وروى عبد الرزاق بإسناده عن إبراهيم النخعي أنه كره أن تحرق الصحف إذا كان فيها ذكر الله. مصنف عبد الرزاق ١١/٤٢٥. وعند الحنفية يدفن المصحف في أرض طيبة كما قال الإمام العيني: [قال أصحابنا الحنفية إن المصحف إذا بلي بحيث لا ينتفع به يدفن في مكان طاهر بعيد عن وطء الناس] عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١٣/٥٣٧، وانظر الفتاوى الهندية ٥/٣٢٣. وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: [وأما المصحف العتيق والذي تخرق وصار بحيث لا ينتفع به بالقراءة فيه فإنه يدفن في مكان يصان فيه كما أن كرامة بدن المؤمن دفنه في موضع يصان فيه] مجموع الفتاوي ١٢/٥٩٩. وخلاصة الرأي الذي أراه جواز الأمرين وهما الحرق والدفن في أرض طيبة لأن فيهما صيانة للمصحف من الإهانة ومحافظة على حرمته وقد أجازت الأمرين اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية. فتاوى اللجنة ٤/٥٢. وأخيراً ينبغي أن يعلم أنه يلحق بالمصحف الذي بلي ولم يعد صالحاً للقراءة فيه المصحف الذي يقع في طباعته أخطاء كإسقاط بعض الآيات أو تقديم بعض الآيات عن محلها أو تأخيره وأود تنبيه الأخوة القراء بأن هنالك طبعة للقرآن الكريم مع تفسير الجلالين ومعه أسباب النزول للسيوطي صادرة عن دار العربية للطباعة والنشر والتوزيع في بيروت لبنان سنة ١٩٦٨ م قد وقع فيها سقط في بعض آيات القرآن الكريم كما يلي: - في الآية ١٩٧ من سورة البقرة حيث سقط آخر الآية. - وسقط أول الآية ١٩٨. - وسقط جزء من الآية ٢٠١. - وفي سورة الأعراف سقط جزء من الآية ٤٤. - وسقط آخر الآية ٥٥. - وفي سورة الإسراء سقط معظم الآية ٣٥. - وفي سورة الحج كتب أول الآية الثانية بشكل معكوس. فينبغي الانتباه إلى ذلك وأنصح بإتلاف نسخ الطبعة المشار إليها بحرقها أو دفنها في مكان طاهر. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346731,"book_id":3840,"shamela_page_id":1111,"part":"18","page_num":153,"sequence_num":1111,"body":"١٥٣ - حكم إقامة نصب للشهداء\rيقول السائل: ما حكم إقامة نصب للشهداء تكتب عليه أسماؤهم وبعض الآيات القرآنية؟\rالجواب: ليس من منهج الإسلام في تكريم الشهداء إقامة ما يسمى بنصب الشهداء أو نصب الجندي المجهول أو نحو ذلك من الأمور المبتدعة والتي عملها بعض المسلمين تقليداً لغير المسلمين. ومن المعلوم عند أهل العلم أن البناء على القبور محرم شرعاً وعلى ذلك دلت الأحاديث النبوية الشريفة فقد ثبت في الحديث عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه) رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها) رواه أبو يعلى وقال الهيثمي: رجاله ثقات وغير ذلك من الأحاديث. وقد اتفق العلماء من لدن صحابة النبي ﷺ إلى هذا الوقت على حرمة البناء على القبور. ويضاف إلى ذلك أن إقامة نصب للشهداء ما هو إلا تشبه بغير المسلمين وقد نهينا عن التشبه بهم في مثل هذه الأمور وقد قامت على إثبات هذا الأصل الأدلة الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فمن ذلك قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَءَامَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) سورة الحديد الآية ١٦. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فقوله (وَلَا يَكُونُوا) نهي مطلق عن مشابهتهم وهو خاص أيضاً في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي] اقتضاء الصراط المستقيم ص ٤٣. وكما في قوله ﷺ: (خالفوا المشركين) رواه البخاري ومسلم. ومن المعلوم أن الشهداء لهم مكانة عظيمة عند الله ﷾ فلا يحتاجون إلى إقامة هذه النصب لتكريمهم. قال الله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) سورة النساء الآية ٦٩. وقال تعالى: (وَالَّذِينَءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) سورة الحديد الآية ١٩. وثبت في الحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وأن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة) رواه البخاري. وغير ذلك من الأحاديث. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346732,"book_id":3840,"shamela_page_id":1112,"part":"18","page_num":154,"sequence_num":1112,"body":"١٥٤ - لا يجوز المزاح في الأمور الشرعية\rيقول السائل: كنا في أحد المجالس وكان هنالك شخص يمازح الآخرين ويذكر بعض النكت التي تتضمن الاستخفاف بالأمور الشرعية كالاستخفاف بمعرفة الله ﷾ والاستخفاف بالجنة فما حكم ذلك؟\rالجواب: المزاح مفتاح من مفاتيح الشر كما هو معلوم لأنه قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة ولكن الإنسان لا يستغني عن شيء من المزاح فلذا وضع العلماء له ضوابط معينة حتى يكون المزاح جائزاً فلذلك قال العلماء: لا بأس بالمزاح إذا راعى المازح فيه الحق وتحرى الصدق فيما يقوله في مزاحه وتحاشى عن فحش القول. الموسوعة الفقهية ٣٧/٤٣. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يمزح فمن ذلك ما ورد في الحديث عن الحسن قال: (إن امرأة عجوزاً جاءته تقول: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال لها: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز. وانزعجت المرأة وبكت ظناً منها أنها لن تدخل الجنة فلما رأى ذلك منها، بين لها غرضه: أن العجوز لن تدخل الجنة عجوزاً بل ينشئها الله خلقاً آخر فتدخلها شابة بكراً ... ) رواه الترمذي في الشمائل وقال الشيخ الألباني حديث حسن. مختصر الشمائل المحمدية ص ١٢٨، غاية المرام ٢١٥. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قالوا: يا رسول الله! إنك تداعبنا. قال: نعم غير أني لا أقول إلا حقاً) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وصححه الشيخ الألباني في مختصر الشمائل المحمدية ص ١٢٦، وفي السلسلة الصحيحة ٤/٣٠٤. وعن أنس بن مالك ﵁: (أن رجلاً استحمل رسول الله ﷺ أي سأله أن يحمله على دابه - فقال ﷺ: إني حاملك على ولد ناقة. فقال الرجل: يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة؟ فقال ﷺ: وهل تلد الإبل إلا النوق) رواه الترمذي في الشمائل وابن حبان وأحمد وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح على شرط الشيخين. مختصر الشمائل المحمدية ص ١٢٧. وعن أنس بن مالك ﵁: (أن النبي ﷺ قال له: يا ذا الأذنين - يعني يمازحه -) رواه الترمذي في الشمائل وأبو داود وصححه الشيخ الألباني، مختصر الشمائل ص ١٢٤. وعن أنس بن مالك ﵁ أيضاً: (أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام، قال: وكان النبي ﷺ يحبه وكان دميماً فأتاه النبي ﷺ يوماً وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصر قال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ، فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه وجعل النبي ﷺ يقول: من يشتري العبد. فقال: يا رسول الله إذاً والله تجدني كاسداً. فقال النبي ﷺ: ولكن عند الله لست بكاسد - أو قال: لكن عند الله غال) رواه الترمذي في الشمائل وأحمد وصححه الحافظ ابن حجر والألباني. مختصر الشمائل المحمدية ص ١٢٧. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان ابن لأم سليم يقال له أبو عمير، كان النبي ﷺ ربما مازحه إذا جاء فدخل يوماً يمازحه فوجده حزيناً فقال: ما لي أرى أبا عمير حزيناً؟ فقالوا: يا رسول الله مات نغره الذي كان يلعب به. فجعل يناديه ﷺ: يا أبا عمير ما فعل النغير) رواه البخاري. وغير ذلك من الأحاديث. ولكن المزاح قد يخرج عن الإباحة إلى التحريم إذا اشتمل المزاح على سخرية واستهزاء فيحرم شرعاً المزاح الذي يشتمل على تحقير مسلم أو استخفاف به، يقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) سورة الحجرات الآية ١١. وثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) رواه مسلم. ولا يجوز أن يشتمل المزاح على اللمز والتنابز بالألقاب لقوله تعالى: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) سورة الحجرات الآية ١١. ولا يجوز أن يشتمل المزاح على ترويع المسلم وإخافته لما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً) رواه أبو داود وأحمد والطبراني وصححه الشيخ الألباني في غاية المرام ص ٢٥٧. وقال ﷺ: (لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعباً ولا جاداً ومن أخذ عصا أخيه فليردها) رواه أبو داود والترمذي وأحمد وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. صحيح سنن أبي داود ٣/٩٤٤. وكذلك لا يجوز أن يشتمل المزاح على الكذب من أجل أن يضحك الناس لما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له! ويل له) رواه أبو داود والترمذي وأحمد وحسّنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٢٦٨. فالحديث نص صريح مؤكد على حرمة اختلاق أفعال وأقوال ذريعة لإضحاك الناس. قال المناوي في الحكمة من تكرار الويل في الحديث: [كرره إيذاناً بشدة هلكته، وذلك لأن الكذب وحده رأس كل مذموم وجماع كل فضيحة فإذا انضم إليه استجلاب الضحك الذي يميت القلب ويجلب النسيان ويورث الرعونة كان أقبح القبائح ومن ثم قال الحكماء: إيراد المضحكات على سبيل السخف نهاية القباحة] فيض القدير ٦/٣٦٩. والحكمة من هذا المنع أنه يجرّ إلى وضع أكاذيب ملفقة على أشخاص معينين يؤذيهم الحديث عنهم كما أنه يعطي ملكة التدرب على اصطناع الكذب وإشاعته فيختلط في المجتمع الحقّ بالباطل والباطل بالحقّ ومن هذا المنطلق حرّم الإسلام الكذب على وجه العموم وتوعّد المتخلق به عاقبة سوء فقد جاء في الحديث عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) رواه البخاري ومسلم] قضايا اللهو والترفيه بين الحاجة النفسية والضوابط الشرعية ص ٢١٠-٢١١. هذا بالنسبة للمزاح وأما اشتمال النكات والمزاح على الاستخفاف بالأمور الشرعية فهذا حرام شرعاً وقد يكون في بعض الحالات كفراً مخرجاً من الملة والعياذ بالله. فالاستخفاف بالله ﷾ كوصف الله ﷾ بما لا يليق فهذا كفر صريح مخرج من الملة والعياذ بالله كوصف الله ﷾ بالإجرام عند وفاة شخص عزيز على الإنسان فهذا كفر لا شك فيه. وقد اتفق العلماء على أن الاستخفاف بالله تعالى بالقول أو الفعل أو الاعتقاد حرام وفاعله مرتد عن الإسلام سواء أكان مازحاً أم جاداً. الموسوعة الفقهية ٣/٢٤٩. ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) سورة التوبة الآية ٦٥. وكذلك الاستخفاف بالعقيدة الإسلامية بشكل عام كالاستخفاف والاستهزاء بالملائكة والأنبياء والمرسلين، قال تعالى: (إن الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) سورة الأحزاب الآية ٥٧. ومن ذلك الاستخفاف بالجنة والاستهزاء بما أعده الله من جزاء للطائعين فيها كمن يستهزئ بما أعده الله لعباده الصالحين من الحور العين وغير ذلك فهذا حرام قطعاً. ومثله الاستخفاف والاستهزاء بالأحكام الشرعية ومثله الاستهزاء والاستخفاف بالصحابة رضوان الله عليهم. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346733,"book_id":3840,"shamela_page_id":1113,"part":"18","page_num":155,"sequence_num":1113,"body":"١٥٥ - حكم التسليم بالإشارة\rيقول السائل: ما حكم التسليم على المسلم بالإشارة، وما قولكم في استعمال عبارات صباح الخير ومساء الخير ونحوها بدلاً من لفظ السلام عليكم؟\rالجواب: التسليم أي طرح السلام من السنن الثابتة عن الرسول ﷺ فقد صح في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلاً سأل النبي ﷺ: (أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) رواه البخاري ومسلم. وثبت في الحديث أيضاً عن البراء بن عازب ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بسبع: بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس ونصر الضعيف وعون المظلوم وإفشاء السلام وإبرار المقسم) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم. والأصل في التسليم أن يكون باللسان أي باللفظ وليس باليد أو بالرأس بدون تلفظ. والسلام بالإشارة باليد أو بالرأس بدون تلفظ مكروه عند أهل العلم لما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى بالكف) رواه الترمذي وضعفه ولكن له شواهد تقويه لذا حسنه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٣٤٦، وفي السلسلة الصحيحة ٥/٢٢٧. ويؤيد ذلك ويقويه ما رواه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٢٨٨ عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرؤوس والأكف والإشارة) ، قال الحافظ ابن حجر: أخرجه النسائي بسند جيد. فتح الباري ١٣/٢٥٥. ويؤيد ذلك أيضاً أن السلف كانوا يكرهون التسليم باليد فقد روى الإمام البخاري في الأدب المفرد عن عطاء بن أبي رباح قال: كانوا يكرهون التسليم باليد. وقال الشيخ الألباني: صحيح الإسناد. صحيح الأدب المفرد ١/٣٨٥. وقال الشيخ الألباني في موضع آخر: وإسناده صحيح على شرطه في الصحيح. حجاب المرأة المسلمة ص ٩٩. ويجوز التسليم بالإشارة مع التلفظ إذا كان المسلًّم عليه بعيداً بحيث لا يسمع التسليم قال العلامة فضل الله الجيلاني: [والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حساً وشرعاً وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس وكذا الأصم] فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ٢/٤٨٩. وقال الحافظ ابن حجر: [واستدل بالأمر بإفشاء السلام على أنه لا يكفي سراً بل يشترط الجهر وأقله أن يسمع في الابتداء وفي الجواب. ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه ... ويستثنى من ذلك حالة الصلاة فقد وردت أحاديث جيدة أنه ﷺ ردَّ السلام وهو يصلي إشارة ... وكذا من كان بعيداً بحيث لا يسمع التسليم يجوز السلام عليه إشارة ويتلفظ مع ذلك بالسلام) فتح الباري ١٣/٢٥٥. ويجب أن يعلم أن تحية المسلمين هي السلام وليس صباح الخير ولا مساء الخير ولا أي عبارة أخرى سواء أكانت بالعربية أو بغيرها من اللغات كما يفعل بعض الناس حيث إنهم يحيون بعضهم بعضاً بألفاظ غير عربية. فالسلام هو تحية أهل الإسلام بل إنها تحية أهل الجنة أيضاً، قال الله تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْءَابَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) سورة الرعد الآيتان ٢٣-٢٤. وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) سورة النور الآية ٢٧. وقال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) سورة الذاريات الآيتان ٢٤ - ٢٥. فتحية الأنبياء والملائكة والمسلمين هي السلام فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خلق الله ﷿ آدم على صورته - أي صورة آدم - فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أؤلئك، نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله) رواه البخاري ومسلم. فالسلام هي تحيتنا التي ينبغي أن نستعملها وهي تحية عظيمة تحمل معنى عظيماً فهي دعاء بالسلامة من الآفات في الدين والنفس ولأن في تحية المسلمين بعضهم لبعض بهذا اللفظ عهداً بينهم على صيانة دمائهم وأعراضهم وأموالهم. الموسوعة الفقهية ٢٥/١٥٦. ولا ينبغي للمسلمين أن يستبدلوا هذه التحية العظيمة بألفاظ مستوردة مثل: Good morning، أو بونجور، أو صباح الخير، أو مساء الخير. قال الله تعالى: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) سورة البقرة الآية ٦١. وقد كره العلماء استعمال هذه الألفاظ وأمثالها، قال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي: [مطلب على أنه تكره التحية بصباح الخير بخلاف صبحك الله بالخير] الفتاوى الحديثية ص ١٣٣. وقال الأستاذ عمر فروخ: [ومعظم الناس إذا حيا بعضهم بعضاً قالوا: صباح الخير أو مساء الخير! والرد على هذه التحية هو: صباح النور، مساء النور، وهذه التحية هي التحية المجوسية يعتقد المجوسي بقوتين: الخير والشر يمثلهما النور والظلمة. وللمجوسي إله للخير أو النور، وإله للشر أو الظلمة وهما يتنازعان السيطرة على العالم فكان من المعقول أن يحي المجوس بعضهم بعضاً بقولهم: صباح الخير - صباح النور! ومع أن الإسلام قد أمرنا بأن نأخذ تحية الإسلام: (السلام عليكم) مكان كل تحية أخرى فلا يزال العرب في معظمهم - من المسلمين ومن غير المسلمين - يتبادلون التحية بقولهم صباح الخير-صباح النور] معجم المناهي اللفظية ص ٣٣٤-٣٣٥. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346734,"book_id":3840,"shamela_page_id":1114,"part":"18","page_num":156,"sequence_num":1114,"body":"١٥٦ - التعامل مع غير المسلم\rيقول السائل: إنه يعمل عند شخص غير مسلم وقد أهداه هدية فقبلها فما حكم ذلك؟\rالجواب: يجوز للمسلم أن يقبل الهدية من غير المسلم بشرطها كما سأذكر فيما بعد ويدل على ذلك أن النبي ﷺ قبل هدية غير المسلمين وأهدى لهم. قال الإمام البخاري: [\" باب قبول الهدية من المشركين \" وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ هاجر ابراهيم ﵇ بسارة فدخل قرية فيها ملك أو جبار، فقال: أعطوها آجر - هاجر -. وأُهديت للنبي ﷺ شاة فيها سم. وقال أبو حميد: أهدى ملك أيلة للنبي ﷺ بغلة بيضاء فكساه برداً وكتب إليه ببجرهم] . ثم روى البخاري بسنده عن أنس قال: (أهدي للنبي ﷺ جبة من سندس وكان ينهى عن الحرير فعجب الناس منها فقال: والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا. وقال سعيد عن قتادة عن أنس: إن أكيدر دومة أهدى إلى النبي ﷺ . وعن أنس بن مالك ﵁: (أن يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها فقيل: ألا نقتلها؟ قال: لا. فما زلت أعرفها في لهوات - جمع لهات وهي سقف الحلق - رسول الله ﷺ . وعن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: (كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة، فقال النبي ﷺ: هل مع أحد منكم طعام؟ فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ: بيعاً أم عطية؟ أو قال: أم هبة؟ قال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاة فصنعت وأمر النبي ﷺ بسواد البطن أن يشوى وأيم الله ما في الثلاثين ومائة إلا وقد حز النبي ﷺ له حزة من سواد بطنها إن كان شاهداً أعطاها إياه وإن كان غائباً خبأ له فجعل منها قصعتين فأكلوا أجمعون وشبعنا ففضلت القصعتان فحملناه على البعير أو كما قال] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٦/١٥٨-١٦٠. قال الحافظ ابن حجر: [قوله باب قبول الهدية من المشركين، أي جواز ذلك وكأنه أشار إلى ضعف الحديث الوارد في رد هدية المشرك وهو ما أخرجه أبو موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ورجال من أهل العلم أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة قدم على رسول الله ﷺ وهو مشرك فأهدى له فقال: إني لا أقبل هدية مشرك، الحديث. رجاله ثقات إلا أنه مرسل وقد وصله بعضهم عن الزهري ولا يصح. وفي الباب حديث عياض بن حمار أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من طريق قتادة عن يزيد بن عبد الله عن عياض قال: أهديت للنبي ﷺ ناقة فقال: أسلمت؟ قلت: لا، قال: إني نهيت عن زبد المشركين. والزبد بفتح الزاي وسكون الموحدة الرفد صححه الترمذي وابن خزيمة] فتح الباري ٦/١٥٨. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن النهي عن قبول هدية المشركين المذكور في الحديث السابق منسوخ كما ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/١٥٨. ونقل العيني عن الخطابي قوله: [يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخاً لأنه ﷺ قبل هدية غير واحد من المشركين أهدى له المقوقس مارية والبغلة وأهدى له أكيدر دومة فقبل منهما] عمدة القاري ٩/٤٣٦. وقد ذكر العيني عدداً من الأحاديث في قبول النبي ﷺ لهدايا الكفار منها: (عن أنس أن أكيدر دومة الجندل أهدى إلى رسول الله ﷺ جبة من سندس) رواه مسلم. ومنها حديث بلال ﵁ الطويل في قصة الدين الذي تحمله بلال ﵁ فقال له رسول الله: (أبشر فقد جاء الله بقضائك. ثم قال: ألم تر الركائب المناخات الأربع؟ فقلت: بلى. فقال: إن لك رقابهن وما عليهن فإن عليهن كسوة وطعاماً أهداهن إلي عظيم فدك فاقبضهن واقض دينك. ففعلت) رواه أبو داود وقال الشيخ الألباني صحيح الإسناد. صحيح سنن أبي داود ٢/٥٩٢. وعن عبد الله بن الزبير قال: (قدمت قتيلة ابنة عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر ﵄ بهدايا ضباب وأقط وسمن وهي مشركة فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي ﷺ فأنزل الله ﷿: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) فأمرها أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها) رواه أحمد والطبراني وجوّده، كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/١٥٢. وغير ذلك من الأحاديث. وخلاصة الأمر أنه يجوز قبول هدية غير المسلمين بشرط أن تكون الهدية مما له قيمة في عرف الشرع فلا يجوز للمسلم أن يقبل الخمر كهدية لأن الخمر مال غير متقوم شرعاً. كما أنه يجوز أن للمسلم أن يهدي لغير المسلم وخاصة إذا كان ذا رحم للمسلم، قال الإمام البخاري: [باب الهدية للمشركين وقوله الله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) . ثم روى البخاري بإسناده عن ابن عمر ﵄ قال: (رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي ﷺ ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفد، فقال: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة، فأتي رسول الله ﷺ منها بحلل فأرسل إلى عمر منها بحلة فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: إني لم أكسكها لتلبسها تبيعها أو تكسوها فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم) . وروى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ، قلت إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: نعم، صلي أمك) صحيح البخاري مع الفتح ٦/١٦٠-١٦٢. وذكر الحافظ ابن حجر أن المراد من سياق الآية التي ذكرها البخاري بيان من يجوز بره من المشركين وأن الهدية للمشرك إثباتاً ونفياً والتواد المنهي عنه في قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فتح الباري ٦/١٦٠. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346735,"book_id":3840,"shamela_page_id":1115,"part":"18","page_num":157,"sequence_num":1115,"body":"١٥٧ - التعامل مع غير المسلم\rيقول السائل: كيف نعزي غير المسلمين بموتاهم؟\rالجواب: يجوز للمسلم أن يعزي غير المسلم في ميته وهذا قول جمهور أهل العلم وذكر العلماء عدة عبارات تقال في هذه التعزية منها: - أخلف الله عليك ولا نقص عددك. - أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحداً من أهل دينك. المغني ٢/٤٦. - ألهمك الله الصبر وأصلح بالك، ومنها: أكثر الله مالك وأطال حياتك أو عمرك. - ومنها لا يصيبك إلا خير. أحكام أهل الذمة ١/١٦١. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346736,"book_id":3840,"shamela_page_id":1116,"part":"18","page_num":158,"sequence_num":1116,"body":"١٥٨ - دخول النجاسة في المصنوعات\rيقول السائل: إن كثيراً من الأدوية ومواد التنظيف مثل بعض أنواع الصابون والشامبو يدخل في تركيبها عناصر مأخوذة من حيوانات ميتة أو من الخنزير أو الكحول، فما حكم استعمالها؟ الجواب:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346737,"book_id":3840,"shamela_page_id":1117,"part":"18","page_num":159,"sequence_num":1117,"body":"١٥٩ - احاديث مكذوبة\r..... وأما الثاني: عن خالد بن الوليد ﵁ قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: جئت أسألك عما يغنيني في الدنيا والآخرة فقال رسول الله ﷺ: سل عما بدا لك: قال: أريد أن أكون أعلم الناس. فقال ﷺ: اتق الله تكن أعلم الناس. قال: أريد أن أكون أغنى الناس ... أعطاني أحد المصلين نشرتين وجدهما معلقتين في المسجد تتضمن الأولى منهما حديثاً قدسياً وتتضمن الأخرى حديثاً طويلاً وسألني هل هذين الحديثين ثابتين؟! عن النبي ﷺ أنه قال: قال الله ﷿: يا ابن آدم لا تخف من ذي سلطان ما دام سلطاني باقياً وسلطاني لا يزول أبداً، يا ابن آدم لا تخشى من ضيق\r\rأعطاني أحد المصلين نشرتين وجدهما معلقتين في المسجد تتضمن الأولى منهما حديثاً قدسياً وتتضمن الأخرى حديثاً طويلاً وسألني هل هذين الحديثين ثابتين؟!\rعن النبي ﷺ وهذا هو نص الحديث الأول كما جاء في النشرة وعنوانها \" حديث قدسي جليل \": [عن النبي ﷺ أنه قال: قال الله ﷿: يا ابن آدم لا تخف من ذي سلطان ما دام سلطاني باقياً وسلطاني لا يزول أبداً، يا ابن آدم لا تخشى من ضيق رزق ما دامت خزائني مملوءة وخزائني لا تنفذ أبداً، يا ابن آدم لا تطلب غيري وأنا لك فإن طلبتني وجدتني وإن فتني فتك وفاتك الخير كله، يا ابن آدم خلقتك للعبادة فلا تلعب وقسمت لك رزقاً فلا تتعب فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت لك قلبك وبدنك وكنت عندي محموداً وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته لك وكنت عندي مذموماً، يا ابن آدم خلقت السموات السبع والأرضين السبع ولم أعيَ بخلقهنّ أَفيعييني رغيف عيش أسوقه لك بلا تعب! يا ابن آدم إنه لم أنسى من عصاني فكيف من أطاعني وأنا رب رحيم وعلى كل شيْ قدير! يا ابن آدم لا تسألني رزق غدٍ كما لم أطلب منك عمل غد، يا ابن آدم أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محباً] عن أحمد والترمذي وابن ماجه.\rوأما نص الحديث الثاني فقد جاء في النشرة بعنوان \" الحديث الشريف الذي جمع فأوعى \": [عن خالد بن الوليد ﵁ قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: جئت أسألك عما يغنيني في الدنيا والآخرة فقال رسول الله ﷺ: سل عما بدا لك: قال: أريد أن كون أعلم الناس. فقال ﷺ: اتق الله تكن أعلم الناس. قال: أريد أن أكون أغنى الناس. فقال ﷺ: كن قانعاً تكن أغنى الناس. قال: أحب أن أكون أعدل الناس. فقال ﷺ: أحب للناس ما تحب لنفسك تكن أعدل الناس. قال: أحب أن أكون خير الناس. فقال ﷺ: كن نافعاً للناس تكن خير الناس. قال: أحب أن أكون أخص الناس إلى الله. فقال ﷺ: أكثر ذكر الله تكن أخص الناس إلى الله. قال: أحب أن يكمل إيماني. فقال ﷺ: حسن خلقك يكمل إيمانك. قال: أحب أن أكون من المحسنين. فقال ﷺ: اعبد الله كأنك تراه وإن لم تكن تراه فإنه يراك تكن من المحسنين. قال: أحب أن أكون من المطيعين. فقال ﷺ: أد فرائض الله تكن من المطيعين. قال: أحب أن ألقى الله نقياً من الذنوب. فقال ﷺ: اغتسل من الجنابة متطهراً تلقى الله نقياً من الذنوب. قال: أحب أن أحشر يوم القيامة في النور. فقال ﷺ: لا تظلم أحداً تحشر يوم القيامة في النور. قال: أحب أن يرحمني ربي يوم القيامة. فقال ﷺ: ارحم نفسك وارحم عباده يرحمك ربك يوم القيامة. قال: أحب أن تقل ذنوبي. فقال ﷺ: أكثر من الاستغفار تقل ذنوبك. قال: أحب أن أكون أكرم الناس. فقال ﷺ: لا تشكو من أمرك شيئاً إلى الخلق تكن أكرم الناس. قال: أحب أن أكون أقوى الناس. قال ﷺ: توكل على الله تكن أقوى الناس. قال: أحب أن يوسع الله علي في الرزق. قال ﷺ: دم على الطهارة يوسع الله عليك في الرزق. قال: أحب أن أكون من أحباب الله ورسوله. قال ﷺ: أحب ما أحبه الله ورسوله تكن من أحبابهم. قال: أحب أن أكون آمناً من سخط الله يوم القيامة. قال ﷺ: لا تغضب على أحدٍ من خلق الله تكن آمناً من سخط الله يوم القيامة. قال: أحب أن تٌستجاب دعوتي. قال ﷺ: اجتنب أكل الحرام تستجاب دعوتك. قال: أحب أن يسترني ربي يوم القيامة. قال ﷺ: استر عيوب إخوانك يسترك الله يوم القيامة. قال: ما الذي ينجي من الذنوب؟ أو قال من الخطايا؟ قال ﷺ: الدموع والخضوع والأمراض. قال: أي حسنة أعظم عند الله تعالى؟ قال ﷺ: حسن الخلق والتواضع والصبر على البلاء. قال: أي سيئة أعظم عند الله تعالى؟ قال ﷺ: سوء الخلق والشح المناع. قال: ما الذي يسكن غضب الرب في الدنيا والآخرة؟ قال ﷺ: الصدقة الخفية وصلة الرحم. قال: ما الذي يطفئ نار جهنم يوم القيامة؟ قال ﷺ: الصبر في الدنيا على البلاء والمصائب] .\rقال الإمام المستغفري: ما رأيت حديثاً أعظم وأشمل لمحاسن الدين وأنفع من هذا الحديث جمع فأوعى. رواه الإمام أحمد بن حنبل.\rالجواب: هذان الحديثان الطويلان ليس لهما أصل في كتب السنة النبوية وعلامات الوضع ظاهرة عليهما أي الكذب ومن المعلوم أن الحديث الموضوع هو الكذب المختلق كما ذكره الشيخ القاسمي في قواعد التحديث ص ١٥٥.\rفالحديث الأول وهو حديث قدسي كما جاء في النشرة ما هو إلا كذب على الله سبحانه وعلى النبي ﷺ كما أنه كذب على الأئمة الذين ذكروا في النشرة على أنهم خرجوا الحديث في كتبهم وهم أحمد والترمذي وابن ماجة وقد بحثت عنه في كتبهم وهي المسند للإمام أحمد وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة فلم أجد الحديث فيها ولا ذكره أحد من الذين صنفوا الفهارس الحديثية، وكذلك فإن الحديث لا يوجد في الكتب التي اعتنت بالأحاديث القدسية.\rوأما الحديث الثاني فواضح أنه مكذوب باطل. وينبغي أن يعلم أن جماعة من أدعياء الزهد والورع والدجاجلة يزعمون أنهم يرغبون الناس في السنة النبوية فيكذبون على رسول الله ﷺ فيحتسبون وضعهم للأحاديث في الترغيب والترهيب ظناً منهم أنهم يتقربون إلى الله ويخدمون دين الإسلام ويحببون الناس في العبادات والطاعات ولما أنكر العلماء عليهم ذلك وذكروهم بقوله ﷺ: (من كذب عليّ عامداً متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) قالوا: نحن نكذب له ﷺ لا عليه، وهذا كله من الجهل بالدين وغلبة الهوى والغفلة ومن أمثلة ما وضعوه في هذا السبيل حديث فضائل القرآن سورة سورة فقد اعترف بوضعه نوح بن أبي مريم واعتذر لذلك بأنه رأى الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق ومن هؤلاء الوضاعين غلام خليل وقد كان زاهداً متخلياً عن الدنيا وشهواتها منقطعاً إلى العبادة والتقوى محبوباً من العامة حتى أن بغداد أغلقت أسواقها يوم وفاته حزناً عليه ومع ذلك فقد زين له الشيطان وضع أحاديث في فضائل الأذكار والأوراد حتى قيل له: هذه الأحاديث التي تحديث بها من الرقائق؟ فقال: وضعناها لنرقق بها قلوب العامة انظر كتاب السنة ومكانتها في التشريع ص ٨٧.\rوقال الإمام أبو حامد الغزالي: [وقد ظن ظانون أنه يجوز وضع الأحاديث في فضائل الأعمال وفي التشدد في المعاصي وزعموا أن القصد منه صحيح وهو خطأ محض إذ قال ﷺ: (من كذب علي عامداً متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وهذا لا يترك إلا لضرورة ولا ضرورة إذ في الصدق مندوحة عن الكذب ففيما ورد من الآيات والأخبار كفاية عن غيرها وقول القائل: إن ذلك قد تكرر على الأسماع وسقط وقعه وما هو جديد فوقعه أعظم فهذا هوس إذ ليس هذا من الأغراض التي تقام محذور الكذب على رسول الله ﷺ وعلى الله تعالى ويؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة فلا يقاوم خير هذا شره أصلاً والكذب على رسول الله ﷺ من الكبائر التي لا يقاومها شيء نسأل الله العفو عنا وعن جميع المسلمين] إحياء علوم الدين ٢/٦٨.\rإن من واجب أهل العلم أن يتصدوا لهؤلاء الذين ينشرون مثل هذه الأحاديث المكذوبة بين الناس ويعلقونها في المساجد وأن يبينوا لهؤلاء أن في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ما يغني ويكفي عن مثل هذه المكذوبات.\rقال الإمام الشوكاني: [فلما كان تمييز الموضوع من الحديث على رسول الله ﷺ من أجل الفنون وأعظم العلوم وأنبل الفوائد من جهات يكثر تعدادها ولو لم يكن منها إلا تنبيه المقصرين من علم السنة على ما هو مكذوب على رسول الله ﷺ ويحذروا من العمل به واعتقاد ما فيه وإرشاد الناس إليه. كما وقع لكثير من المصنفين في الفقه والمتصدرين للوعظ والمشتغلين بالعبادة والمتعرضين للتصنيف في الزهد فيكون لمن بين لهؤلاء ما هو كذب من السنة أجر من قام بالبيان الذي أوجبه الله مع ما في ذلك من تخليص عباد الله من معرة العمل بالكذب وأخذه على أيدي المتعرضين لما ليس من شأنه من التأليف والاستدلال والقيل والقال، وقد أكثر العلماء ﵏ من البيان للأحاديث الموضوعة وهتكوا أستار الكذابين ونفوا عن حديث رسول الله ﷺ انتحال المبطلين وتحريف الغالين وافتراء المفترين وزور المزورين] الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٣.\r\r?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346738,"book_id":3840,"shamela_page_id":1118,"part":"18","page_num":160,"sequence_num":1118,"body":"١٦٠ - قول عبارة \"﵇ \" عند ذكر علي بن أبي طالب\rيقول السائل: إنه لاحظ أن بعض كتب الحديث كلما ذكر فيها علي بن أبي طالب ﵁ قالوا: علي ﵇. فلماذا يخص علي بن أبي طالب ﵁ بذلك دون غيره من الصحابة؟\rالجواب: اتفق أهل العلم على أن آل النبي ﷺ يصلى عليهم بغير خلاف بين الأمة كما قال العلامة ابن القيم في جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص ٢٥٩ والمسلمون يصلون على النبي وآله في صلواتهم. وأما إفراد علي بن أبي طالب ﵁ بالسلام فهذا من فعل الشيعة وتأثر بهم بعض نساخ الكتب الدينية على مرّ العصور والأزمان. قال العلامة القسطلاني: [وقد جرت عادة بعض النساخ أن يفردوا علياً وفاطمة ﵄ بالسلام فيقولوا عليه أو ﵍ من دون سائر الصحابة ﵃ في ذلك. وهذا وإن كان معناه صحيحاً لكن ينبغي أن يساوى بين الصحابة ﵃ في ذلك فإن هذا من باب التعظيم والتكريم والشيخان وعثمان أولى بذلك منهما] المواهب اللدنية ٣/٣٥٥. وقد كره أهل العلم إفراد عليرضي الله عنه بالسلام دون غيره من الصحابة ولم يرد دليل يخصص علياً ﷺ بذلك بل هو من فعل الشيعة وسرى ذلك إلى أهل السنة. قال الإمام النووي: [وأما السلام فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو في معنى الصلاة فلا يستعمل في الغائب فلا يفرد به غير الأنبياء فلا يقال علي ﵇ وسواء في هذا الأحياء والأموات] الأذكار ص ١٠٠. وعلل الحافظ ابن حجر المنع من ذلك لكونه صار شعاراً للرافضة. فتح الباري ١٣/٤٢٤. وما ذكره السائل في رسالته عن استعمال هذه العبارة كثيراً في نيل الأوطار للشوكاني وأحياناً في صحيح البخاري فهذا من فعل النساخ والعلم عند الله تعالى. وأخيراً أنبه على عبارة دارجة ومستعملة أيضاً في حق علي بن أبي طالب ﵁ حيث يقولون عند ذكر علي كرّم الله وجهه، فاستعمال هذه العبارة من غلو الشيعة في علي ابن أبي طالب ﵁ وليس لتخصيصه بذلك أي دليل شرعي فلا ينبغي استعمالها. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346739,"book_id":3840,"shamela_page_id":1119,"part":"18","page_num":161,"sequence_num":1119,"body":"١٦١ - محدث العصر العلامة محمد ناصر الدين الألباني\rمحدث العصر العلامة محمد ناصر الدين الألباني إن هذا العام لجدير أن يسمى عام الحزن على العلماء، لقد فقد العالم الإسلامي ثلة خيرة طيبة من علماء المسلمين، فقدنا الشيخ الشعراوي والشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ علي الطنطاوي والشيخ مصطفى الزرقا وفقدنا أول أمس السبت محدث هذا العصر والأوان العلامة محمد ناصر الدين الألباني ﵏ رحمة واسعة وتقبلهم في الصالحين وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) رواه البخاري ومسلم. وفي هذه المقالة القصيرة أحببت أن أقوم ببعض الواجب تجاه محدثنا الراحل فأذكر بعض ما كان فيه وبعض جوانب خدمته للسنة النبوية الشريفة وأنا أعلم أنني لن أوفيه حقه في هذه المقالة فإن الأمر يحتاج إلى مؤلفات ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله فأقول، هو محدث هذا العصر والزمان العالم الرباني أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الأرناؤوط الألباني وكما يظهر من سياق نسبه أنه ليس عربي الأصل وإنما هو من مسلمي ألبانيا وهذا لا يضيره فإن كبار علماء المسلمين كانوا من غير العرب كالبخاري ومسلم وإمام الحرمين الجويني والغزالي وغيرهم كثير جداً. اشتغل الشيخ الألباني بالحديث النبوي الشريف منذ عهد بعيد وقام على خدمة سنة رسول الله ﷺ وقدم لنا أعمالاً جليلة وترك ثروة علمية كبيرة فقد مضى عليه أكثر من ستين عاماً وهو في هذا العمل الجليل دراسةً وتدريساً تأليفاً وتحقيقاً وعملاً ودعوة فرسخ في رياض الفقه قدمه وسبح في بحار التخريج قلمه فأتى بتحقيقات جليلة خلت عنها الدفاتر وأشار إلى تدقيقات نفيسة لم تحوها كتب الأكابر شهد له بذلك شائنوه قبل محبيه ومخالفوه قبل موافقيه. ولذلك فإنني لست بمبالغ إذا قلت: إنه لا يستغني باحث هذه الأيام عن الرجوع إلى آرائه في التضعيف والتصحيح فإنها محض النصح النصيح ومخض عن زبد الحق الصريح ينقح فيها ما لا يستغني عن التنقيح ويرجح ما هو مفتقر إلى الترجيح ويوضح ما لا بد من التوضيح. انظر مقدمة الجامع المفهرس ١/١١-١٢. كان الشيخ الألباني يرحمه الله كما وصفه الشيخ محمد إبراهيم شقرة: [راحلة علم عالية السنام تامة الخلق متماسكة البناء تغدو إليها رواحل العلم خفافاً خماصاً وتروح عنها ثقالاً بطاناً فقد أنعم الله عليه بعلم أوثقه إلى القرون الأولى وأقامه على جادتها وأراه فيها من آيات العلم الكبرى فكان لزاماً عليها أن تقصده في رغبة مقسطة تعرف له بها حقاً لا تؤديه إياه إلا أن تأتيه بهذه الرغبة فلا يرتد طرفها عنه إلا بأخذها منه حظاً وافراً تعرف به أنه حظ لا يكون إلا منه وأن الشيخ ما نيل منه بأذى ولا ينال - إن نيل - إلا بسب الحسد فالحسد في الناس قديم ... وللشيخ - نفع الله بعلومه - تفرد علمي يقوم على أسس قوية وأهمها: ١. وضوح منهجه العلمي بكل مراحله وسماته وقواعده وأصوله التي يقوم عليها. ٢. قدرته الحوارية التي أمكنت لها في عقله إحاطته الواسعة بالسنن والآثار والأخبار. ٣. حجته البالغة التي تداعت إليها الحجج وتناهت عندها الأدلة فأصاب منها قدراً وأعجز بها خصمه. وهذه الثلاثة أفضت به إلى رابعة وهي: ٤. شدته في الحق الذي يراه بما عنده من دليل وجرأته فيه لو عاد عليه بعداوة رعاع الناس فالعالم لا ترهبه عداوة الأعداء ولا ينعشه حب الأصدقاء والأولياء. وفتاواه الصريحة الجريئة التي تناقلها الناس وشاعت في أرجاء الأرض في مناسبات شتى، شاهد عدل على ذلك] فتاوى الشيخ الألباني ص ٣-٤. ولقد استفاد من علم الشيخ الألباني طلاب العلم الشرعي بل إن العلماء كانوا يطلبون منه أن يخرج لهم الأحاديث النبوية التي وردت في كتبهم كما في كتاب فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي يرحمه الله وكتاب الحلال والحرام للشيخ العلامة يوسف القرضاوي يحفظه الله. خلف الشيخ الألباني ثروة علمية ضخمة أذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر: ١. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل. وهذا الكتاب أعظم مؤلفات الشيخ الألباني وقد خرج فيه ٢٧٠٧ حديثاً أوردها العلامة الشيخ إبراهيم بن محمد بن ضويان في كتابه منار السبيل شرح الدليل للشيخ مرعي الكرمي ويقع في ثماني مجلدات وكانت مدة عمل الشيخ الألباني فيه أكثر من عشر سنوات وألحق به جزء للفهارس. ٢. سلسلة الأحاديث الصحيحة وصدر منها سبع مجلدات تضم ثلاثة ألاف حديث خرجها تخريجاً علمياً دقيقاً وموسعاً. ٣. سلسلة الأحاديث الضعيفة وصدر منها خمس مجلدات تضم ألفين وخمسمئة حديث. ٤. صحيح الجامع الصغير وزيادته في ثلاثة مجلدات كبيرة مع ضعيف الجامع وبلغ مجموع أحاديثه أربعة عشر ألف حديث. ٥. صحيح السنن الأربعة وضعيفها. وهو مشروع علمي جليل حيث قام العلامة الألباني بالحكم على الأحاديث الواردة في كتب السنن الأربعة وهي سنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وجعل عمله على قسمين: قسم لصحيح السنن وقسم آخر لضعيفها وأخرج لنا مجموعة علمية قيمة يقع الصحيح منها في أحد عشر مجلداً من الحجم الكبير ويقع الضعيف منها في أربع مجلدات. هذا غيض من فيض من مؤلفات العلامة الألباني يرحمه الله والتي بلغت أكثر من ثمانين كتاباً مطبوعاً وخمسين كتاباً مخطوطاً. وقد أثنى على الشيخ الألباني عدد كبير من علماء العصر كالشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين والشيخ محمد المجذوب ﵏ والشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله. ومن شعر الشيخ محمد المجذوب في الشيخ الألباني: فما عسى أن يقول الشعر في رجل يدعوه حتى عداه ناصر الدين وأي خير إذا فرد تجاهله وقد فشا فضله بين الملايين وقال فيه الشيخ ابن عثيمين: [.. فالرجل طويل الباع واسع الاطلاع قوي الإقناع] . وقال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: [كان ناصر الدين وما زال كالمطر لا يبالي على أي أرض سقط] انظر حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه. وأخيراً فإن هذا العالم الرباني قد تطاول عليه كثيرون من أشباه طلبة العلم حسداً أو جهلاً أو إنكاراً لجهوده أو لأنهم لا يعترفون بأي عالم في عالمنا الإسلامي إلا إذا كان على مشربهم فإلى هؤلاء وأؤلئك أسوق كلمة الحافظ ابن عساكر النيرة وهي: [إعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وإن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب] . رحم الله الشيخ الألباني رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ونفعنا والمسلمين بعلمه. ?????","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346740,"book_id":3840,"shamela_page_id":1120,"part":"18","page_num":162,"sequence_num":1120,"body":"١٦٢ - إحذروا هذه الخرافة\rيقول السائل: أحضر لي أحد طلابي في الكلية، قطعة من اللحم -- هكذا تبدو --، وقال إن هذه القطعة تنمو وتكبر إذا وضعت في سائل كالشاي مثلاً، وزعم بعض الناس أن السائل الذي ينتج عنها مفيد في علاج الأمراض المستعصية، وأن هذه القطعة أحضرت من الخارج، وتداولها الناس، فتباع وتشترى، وهنالك إشاعات كثيرة حول فوائدها، فما قولكم في القضية؟\rالجواب: إن الإسلام شرع التداوي، والتداوي من باب الأخذ بالأسباب، فقد روي في الحديث قول الرسول ﷺ: (إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بالحرام) رواه أبو داود. وجاء في حديث أسامة بن شريك ﵁ قال: قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: (نعم عباد الله، تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً إلا داءً واحداً، قالوا يا رسول الله، وما هو؟ قال: الهرم) رواه الترمذي وابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. وقد قرر العلماء أن الذي يتولى المداواة لا بد أن يكون من أهل الطب والخبرة وقد ورد في الحديث، أنه ﵊ قال: (من طبب ولم يُعلم منه طب فهو ضامن) رواه أبو داود وابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. وجاء في رواية أخرى (أيما طبيب تطبب على قوم لا يُعرف له تطبب قبل ذلك فأعنت فهو ضامن) رواه أبو داود، وقال الشيخ الألباني: حديث حسن، انظر صحيح سنن أبي داود ٣/٨٦٦ - ٨٦٧. فهذا الحديث أصل من أصول الطب الإسلامي وتصريح بأن العلاج يكون بالدواء لا بالتعزيمات السحرية أو الدجل الذي يدعيه بعض الجهلة لأكل أموال الناس بالباطل. وقد جرد الإسلام علم الطب من الخرافات والتعاويذ السحرية في دفع الأمراض ووضع الأسس الأولية التي تصلح لدفع جميع الأمراض البدنية، راجع الطب النبوي ص٢٦١. فالمشروع في حق المسلم إذا مرض وأراد التداوي أن يسأل الأطباء، فهم أدرى الناس بالداء والدواء، ولا يجوز له الذهاب إلى الدجالين والمشعوذين والسحرة والكهان وأضرابهم. وقد أردت أن أمهد بهذا الكلام قبل الحديث عن قطعة اللحم المزعومة حتى نكون على بينة من أمر التداوي الصحيح. فإذا ثبت هذا أقول بالنسبة لقطعة اللحم المزعومة، إن بعض الصحف نشرت صورة لها وأجرت مقابلات مع بعض الناس الذين ادّعوا أنهم استعملوها، وزعم بعضهم أنه شرب من الشاي الذي تحول إلى خل بعد وضع قطعة اللحم المشار إليها فيه، وأنه كان يعاني من التهاب شديد في المفاصل، فاستخدم ذلك السائل لمرة وادة، فمسح على مفاصله فتلاشى المرض، وزعم آخر أنه كان يعاني من آلام في الظهر، فمسح ظهره بذلك السائل فشفي، وغير ذلك من الادعاءات. وحتى نكون على بينة من أمر قطعة اللحم المزعومة، فقد طلبت من رئيس قسم التصنيع الغذائي، في كلية العلوم والتكنلوجيا - جامعة القدس، إجراء الفحوص المخبرية على قطعة اللحم المزعومة، فقام مشكوراً بإجراء الفحوصات عليها بالتعاون بين مختبري التصنيع الغذائي والعلوم البحرية في الكلية وكانت النتيجة في الخطاب التالي: ((الدكتور حسام الدين عفانة المحترم.. تحية طيبة وبعد. رداً على تساؤلات بعض الأخوة حول كتلة اللحم المزعومة ومضار استعمالها أو منافعها، فإنه وبناءً على نتائج الفحوصات المخبرية التي أجريناها على هذه المادة نؤكد ما يلي: - إن هذه الكتلة ليست قطعة من اللحم ولا حيواناً بحرياً كما يعتقد البعض، حيث إن فحصها مجهرياً دل على أنها لا تتكون من أنسجة أو خلايا سواء كانت حيوانية أو نباتية. - إن هذه المادة ما هي إلا إفرازات لكائنات حية دقيقة لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، ولكن يمكن رؤيتها فقط عند فحص هذه الكتلة مجهرياً. - إن اللون اللحمي الذي تأخذه هذه الإفرازات هو ناتج عن مادة الشاي، فعند نقل جزء من هذه الكتلة إلى محلول السكر في الماء، ينتج عنها كتلة من الإفرازات الشفافة. - إن رائحة الخل التي تنبعث عن هذه الكتلة هي دليل على عملية تخمر مادة السكر المضافة إلى محاول الشاي، والتي تقوم بها بعض الكائنات الدقيقة الموجودة داخل هذه الإفرازات كما أن درجة الحامضية العالية للسائل تدل على تكوين أحماض منها حامض الخل، نتيجة عملية التخمر. - من المعروف أن أنواعاً مختلفة من الكائنات الحية الدقيقة تسبب الأمراض المعدية للإنسان كما أن هناك أنواعاً أخرى تفيد الإنسان، غير أننا في هذه الحالة وبما أننا لا زلنا نجهل كنه هذه المادة، لا يمكننا الإشارة إلى أي فائدة من استعمالها أو اقتنائها، بل نخشى من أن تسبب هذه الكائنات الدقيقة أو السائل الحامضي مضاراً للذين يستعملونها)) أ. هـ. وأخيراً وبناءً على هذا التحليل العلمي، أنصح الأخوة القراء ألا يستعملوا قطعة اللحم المزعومة وألا يصدقوا الشائعات التي تقال حولها، وألا يدفعوا أموالهم لشرائها، وأن يتعالجوا حسب الطرق المعروفة للعلاج من خلال الأطباء وليس من خلال الدجالين والمشعوذين وآكلي أموال الناس بالباطل. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346741,"book_id":3840,"shamela_page_id":1121,"part":"18","page_num":163,"sequence_num":1121,"body":"١٦٣ - مداراة الناس\rيقول السائل: ما المقصود بحديث الرسول ﷺ: (إنا لنبش في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم) ؟\rالجواب: إن النص المذكور، ذكره الإمام البخاري معلقاً غير مجزوم به عن أبي الدرداء ﵁، حيث قال الإمام البخاري: \" باب مداراة الناس، ويذكر عن أبي الدرداء، وإنا لنكشر في وجوه أقوام إن قلوبنا لتلعنهم \". فهذا الكلام ليس عن النبي ﷺ، وإنما هو من كلا م أبي الدرداء ﵁. والكشر هو ظهور الأسنان وأكثر ما يطلق عند الضحك قاله الحافظ في فتح الباري ١٣/١٤٤. ومن المعروف عند أهل العلم أن التعليقات في صحيح البخاري كثيرة، والتعليق هو حذف راوٍ أو أكثر من أول السند ولو إلى آخر الإسناد. وحكم التعليقات في صحيح البخاري أن ما كان منها بصيغة الجزم، كقال وروى وجاء ونحو ذلك مما بني الفعل فيه للمعلوم فهو صحيح إلى من علقه عنه. وما كان بصيغة منها التمريض، كقيل وروي ويروى ويذكر ونحو ذلك مما بني الفعل فيه للمجهول، فلا يستفاد منها صحة ولا ينافيها، هذا ما قرره أئمة المحدثين. قال الحافظ ابن حجر: \" إن الأثر المذكور الموقوف على أبي الدرداء، قد وصله جماعة من المحدثين ولكنه ضعيف \"، وقد بين وصله في الفتح ١٣/١٤٤. وقال الشيخ الألباني: \" لا أصل له مرفوعاً \" أي إلى النبي- ﷺ، ثم قال: \" وبالجملة فالحديث لا أصل له مرفوعاً، والغالب أنه ثابت موقوفاً \" أي على أبي الدرداء، انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/٢٥٢. وإذا تقرر هذا فأقول: إن المراد بالنص السابق المنسوب إلى أبي الدرداء، هو مداراة الناس، وهي أمر مطلوب شرعاً، نقل الحافظ ابن حجر عن ابن بطال قوله: \" المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أقوى أسباب الألفة. وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فأخطأ لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة بالاتفاق والفرق أن المداهنة من الدهان، الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه. والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حتى لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك \" فتح الباري ١٣/ ١٤٤ - ١٤٥. وقد ذكر الحافظ أيضاً حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مداراة الناس صدقة) ثم بين الحافظ ابن حجر من رواه وذكره أنه ضعيف. وروى حديث جابر المذكور الحافظ ابن حبان، ثم قال: \" المداراة التي تكون صدقة للمداري هي تخلق الإنسان الأشياء المستحسنة مع من يدفع إلى عشرته ما لم يشبها بمعصية الله. والمداهنة هي استعمال المرء الخصال التي تستحسن منه في العشرة، وقد يشوبها ما يكره الله جل وعلا \" صحيح ابن حبان ٢/٢١٨. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346742,"book_id":3840,"shamela_page_id":1122,"part":"18","page_num":164,"sequence_num":1122,"body":"١٦٤ - يكره تسمية العنب كرما\rيقول السائل: لماذا نه النبي ﷺ عن تسمية العنب بالكرم؟\rالجواب: ثبت في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تسموا العنب الكرم، ولا تقولوا خيبة الدهر، فإن الدهر هو الله) رواه البخاري. وفي رواية لمسلم: (ولا يقولن أحدكم للعنب الكرم فإن الكرم الرجل المسلم) رواه مسلم. وفي رواية أخرى: (لا تقولوا كرم فإن الكرم قلب المؤمن) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية ثالثة: (لا تقولوا الكرم، ولكن قولوا الحبلة، يعني العنب) رواه مسلم. وغير ذلك من الروايات الصحيحة الثابتة عن الرسول- ﷺ التي تدل على كراهة تسمية العنب كرماً. قال الإمام النووي: \" قال العلماء: سبب كراهة ذلك أن لفظة الكرم كانت العرب تطلقهاعلى شجر العنب، وعلى العنب، وعلى الخمرالمتخذة من العنب، سموها كرماً لكونها متخذة منه ولأنها تحمل على الكرم والسخاء، فكره الشرع إطلاق هذه اللفظة على العنب وشجره، لأنهم إذا سمعوا اللفظة ربما تذكروا بها الخمر وهيجت نفوسهم إليها فوقعوا فيها أو قاربوا ذلك، وقال: إنما يستحق هذا الاسم الرجل المسلم أو قلب المؤمن، لأن الكرم مشتق من الكَرَم بفتح الراء، وقد قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) سورة الحجرات /١٣. فسمى قلب المؤمن كرماً لما فيه من الإيمان والهدى والنور والتقوى والصفات المستحقة لهذا الاسم \" شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/٤٠٧. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346743,"book_id":3840,"shamela_page_id":1123,"part":"18","page_num":165,"sequence_num":1123,"body":"١٦٥ - من البدع\rيقول السائل: ما حكم عمل وليمة عند ختان المولود، وعمل مولد بهذه المناسبة، ودعوة الأقارب والأصدقاء والجيران؟\rالجواب: من المعلوم أن الختان من سنن الفطرة، وهو واجب في حق الذكور دون الإناث والوليمة عند الختان تسمّى الإعذاريقال أعذر إعذاراً كما ذكره في المصباح المنير. ووليمة الختان ليست واجبة بل مستحبة، قال الإمام البغوي: \" ويستحب للمرء إذا أحدث الله له نعمة أن يحدث له شكراً، ومثله العقيقة، والدعوة على الختان، وعند القدوم من الغيبة، كلها سنن مستحبة شكراً لله تعالى على ما أحدث له من النعمة وآكدها استحباباً، وليمة العرس والإعذار والخُرس، الإعذار دعوة الختان، والخرس دعوة السلامة من الطلق \" شرح السنة ٩/١٣٧ - ١٣٨. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: \".... فحكم الدعوة للختان وسائر الدعوات غير الوليمة - أي وليمة الزواج - أنها مستحبة لما فيها من إطعام الطعام، والإجابة إليها مستحبة غير واجبة وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه....، وإجابة كل داعٍ مستحبة لهذا الخبر، ولأن فيه جبر قلب الداعي، وتطييب قلبه، وقد دعي الإمام أحمد إلى ختان فأجاب وأكل.... \" المغني ٧/٢٨٦. وقد وردت أحاديث كثيرة في إجابة الدعوة للوليمة سواءً أكانت وليمة عرس أو غير عرس، ويدخل في ذلك وليمة الختان، فمن ذلك: عن ابن عمر ﵄ أن الرسول ﷺ قال: (إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها) رواه البخاري ومسلم. وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من دعي إلى طعام فليجب، فإن شاء أكل وإن شاء ترك) رواه مسلم. وعن ابن عمر ﵁ كان يقول عن النبي ﷺ: (إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه) رواه مسلم. وهذه الأحاديث وغيرها تدل على استحباب دعوة الختان وعلى استحباب إجابتها، وهذا مذهب جمهور أهل العلم. وأما ما ورد في الحديث عن الحسن البصري قال: \" دعي عثمان بن أبي العاص فأبى أن يجيب، فقيل له، فقال: إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله ﷺ ولا ندعى له \" رواه أحمد في المسند فهذا الحديث لا يقتضي منع دعوة الختان. وقد أجاب الإمام أحمد الدعوة إلى ختان كما سبق في كلام ابن قدامة والأئمة الثلاثة على استحباب الدعوة لها والإجابة. هذا ما يتعلق بالدعوة إلى وليمة الختان، وأما ما يتعلق بعمل المولد عند الختان فأقول: إن عمل المولد ليس مشروعاً في الدين، بل هو من الأمور المبتدعة التي لا أصل لها، فعمل الملد بدعة منكرة، سواء كان ذلك بمناسبة المولد النبوي أو بمناسبة ختان أو غير ذلك من المناسبات التي اعتاد عوام الناس عمل المولد فيها فلا يجوز شرعاً إقامة الموالد، لأن الرسول- ﷺ لم يفعلها ولا خلفاؤه الراشدون ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولا التابعون لهم بإحسان في القرون الثلاثة المفضلة، التي شهد لها الرسول- ﷺ بالخيرية، وهم أعلم الناس بالسنة النبوية، وقد صحّ الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ) متفق عليه، أي مردود. وفي رواية أخرى: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ) . وثبت في الحديث الصحيح أيضاً، أن الرسول ﷺ قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وغيرهم، وغير ذلك من الأحاديث. وهذه الموالد أحدثت في الإسلام بعد أكثر من أربعمئة عام من تاريخ الإسلام، فأين كان المسلمون الأوائل عنها، أين كان الصحابة والتابعون والعلماء والأعلام الذين عاشوا في تلك القرون المفضلة؟ ومن المعلوم أن رسول الله ﷺ قد بين لنا أحكام الشرع الحنيف وبلغ عن ربه البلاغ المبين، وما ترك طريقاً يقربنا من الجنة، ويباعدنا من النار إلا وبينه للأمة، كما ورد في الحديث الصحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: (ما بعث الله من نبيٍ إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه، وينذرهم شر ما يعلمه لهم) رواه مسلم. فالموالد غير مشروعة من حيث أصلها، ومن حيث ما يصاحبها من الأمور المنكرة كالغلو في رسول الله ﷺ ووصفه بأوصاف مخالفة للشرع، واختلاط الرجال بالنساء، واستعمال آلات الملاهي، وغير ذلك من الأمور المنكرة. وأخيراً أقول للسائل، إن شئت أن تدعو الأقارب والجيران والأصدقاء بمناسبة ختان ولدك فافعل، واصنع لهم طعاماً وأطهمهم، ولا تصنع لهم مولداً، لأنه بدعة، ولا تَنسَ أن تدعو الفقراء والمحتاجين إلى وليمتك، فإن رسول الله ﷺ قال: (شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء ويترك المساكين) رواه البخاري ومسلم. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346744,"book_id":3840,"shamela_page_id":1124,"part":"18","page_num":166,"sequence_num":1124,"body":"١٦٦ - العدوى في المرض\rتقول السائلة: هل هناك عدوى في المرض وكيف نوفق بين قول الرسول ﷺ (لا عدوى) ، وبين قولهصلى الله عليه وسلم: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) ؟\rالجواب: روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفر من الجذام كما تفر من الأسد) ورواه مسلم أيضاً. وقد اختلف أهل العلم في التوفيق بين الأحاديث التي تنفي العدوى وهذا منها، وبين الأحاديث التي تأمر باجتناب المرضى المصابين بأمراض خطيرة، كالجذام والطاعون وغيرهما. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح عدة مسالك في ذلك، أحسنها ما قاله الإمام البيهقي: \" وأما ما ثبت عن النبي- ﷺ أنه قال: (لا عدوى) فهو على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من هذه العيوب، سبباً لحدوث ذلك، ولهذا قال رسول الله ﷺ: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) ، وقال: (لا يورد ممرض على مصح) وقال في الطاعون: (من سمع به بأرض فلا يقدم عليه) وكل ذلك بتقدير الله تعالى\" فتح الباري ١٢/٣٦٧. فالرسول ﷺ لا ينكر العدوى ولا ينفيها، وعلى الناس ألا يعتقدوا أن العدوى تضر بنفسها، وإنما تضر بأمر الله تعالى، فهي سبب من الأسباب. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346745,"book_id":3840,"shamela_page_id":1125,"part":"18","page_num":167,"sequence_num":1125,"body":"١٦٧ - يحرم الطعن في العلماء\rيقول السائل: إنه سمع بعض المدرسين يطعن في الفقهاء، ويصفهم بأنهم علماء الحيض والنفاس، لأنهم يتكلمون في مسائل الحيض والنفاس ومسائل الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها، ويهملون على زعمه مسائل مهمة تتعلق بالحكم والسياسة، فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: لا شك لدي بأن قائل هذا الكلام جاهلٌ متغطرس، لا يعرف منزلة العلم ولا العلماء، ولا يعرف شيئاً عن جهود العلماء والفقهاء في نشر العلم وتبيانه للناس وأكبر دليلٍ على ذلك كتب العلماء التي خلفوها، وهي ناطقة بصدق حالهم، وأنهم أخذوا الإسلام جملةً واحدة، فما قصروه على جانب واحد من جوانبه، فإذا استعرضت أي كتاب من كتب فقهائنا وعلمائنا لوجدتها تتحدث عن الأحكام الشرعية في جميع أبواب الفقه، وليست مقصورة على أحكام الحيض والنفاس، كما زعم القائل. إن هذا التطاول على العلماء والفقهاء حرامٌ شرعاً، وإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يدينون الله ﷾ باحترام العلماء الهداة ولا بد أن نعرف لعلمائنا فضلهم. ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فالتطاول على العلماء والفقهاء وإيذاؤهم حرامٌ شرعاً، ويودي بالمتطاول المؤذي للعلماء، وقد قال بعض أهل العلم: \" أعراض العلماء على حفرةٍ من حفر جهنم \" وورد عن ابن عباس ﵄: \" من آذى فقيهاً، فقد آذى رسول الله ﷺ ومن آذى رسول الله ﷺ فقد آذى الله ﷿ \". ويضاف لما سبق، أن المتطاول ما عرف مكانة أحكام الحيض والنفاس في الفقه الإسلامي، وأهميتها وكثرة الأحكام المترتبة على معرفة أحكام الحيض والنفاس. فقد قال الإمام النووي يرحمه الله: ((إعلم أن باب الحيض من عويص الأبواب ومما غلط فيه كثيرون من الكبار لدقة مسائله واعتنى به المحققون وأفردوه بالتصنيف في كتب مستقلة. وأفرد أبو الفرج الدارمي من أئمة العراقيين مسألة المتحيرة في مجلد ضخم ليس فيه إلا مسألة المتحيرة وما يتعلق بها، وأتى فيه بنفائس لم يُسبق إليها، وحقق أشياء مهمة من أحكامها، وقد اختصرت أنا مقاصده في كراريس، وسأذكر في هذا الشرح ما يليق به منها إن شاء الله. وجمع إمام الحرمين في النهاية في باب الحيض نحو نصف مجلد وقال بعد مسائل الصفرة والكدرة: لا ينبغي للناظر في أحكام الإستحاضة أن يضجر من تكرير الصور وإعادتها في الأبواب. وبسط أصحابنا ﵏ مسائل الحيض أبلغ بسط وأوضحوه كامل إيضاح واعتنوا بتفاريعه أشد اعتناء وبالغوا في تقريب مسائله بتكثير الأمثلة وتكرير الأحكام، وكنت جمعت في الحيض في شرح المهذب مجلداً كبيراً مشتملاً على نفائس، ثم رأيت الآن اختصاره والإتيان بمقاصده، ومقصودي بما نبهت عليه، ألا يضجر مطالعه بإطالته فإني أحرص إن شاء الله على ألا أطيله إلا بمهمات وقواعد مطلوبات وما ينشرح به قلب من به طلب مليح وقصد صحيح، ولا ألتفت إلى كراهة ذوي المهانة والبطالة، فإن مسائل الحيض يكثر الإحتياج إليها لعموم وقوعها وقد رأيت ما لا يحصى من المرات من يسأل من الرجال والنساء عن مسائل دقيقة وقعت فيه، لا يهتدي إلى الجواب الصحيح فيها، إلا أفراد من الحذاق المعتنين بباب الحيض، ومعلوم أن الحيض من الأمور العامة المتكررة ويترتب عليه ما لا يحصى من الأحكام، كالطهارة والصلاة والقراءة، والصوم والإعتكاف والحج، والبلوغ والوطء، والطلاق والخلع والإيلاء، وكفارة القتل وغيرها والعدة والإستبراء، وغير ذلك من الأحكام، فيجب الإعتناء بما هذه حاله، وقد قال الدارمي في كتاب المتحيرة: الحيض كتاب ضائع لم يصنف فيه تصنيف يقوم بحقه ويشفي القلب، وأنا أرجو من فضل الله تعالى أن ما أجمعه في هذا الشرح يقوم بحقه أكمل قيام وإنه لا تقع مسألة إلا وتوجد فيه نصاً أو استنباطاً، لكن قد يخفى موضعها على من لا تكمل مطالعته وبالله التوفيق)) المجموع ٢/٣٤٤ - ٣٤٥. وقال العلاّمة البركوي: \" فقد اتفق الفقهاء على فرضية علم الحال على كل من آمن بالله واليوم الآخر من نسوة ورجال. فمعرفة أحكام الدماء المختصة بالنساء واجبة عليهن، وعلى الأزواج والأولياء ولكن هذا العلم كان في زماننا مهجوراً، بل صار كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، لا يفرقون بين الحيض والنفاس والإستحاضة....\". ونقل ابن عابدين عن ابن نجيم قال: \" واعلم أن باب الحيض من غوامض الأبواب خصوصاً المتحيرة وتفاريعها، ولهذا اعتنى به المحققون. وأفرده محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة ﵀ في كتاب مستقل ومعرفة مسائله من أعظم المهمات، لما يترتب عليها مما لا يحصى من الأحكام، كالطهارة والصلاة وقراءة القرآن والصوم والاعتكاف والحج والبلوغ والوطء والطلاق والعدة والإستبراء، وغير ذلك من الأحكام، وكان من أعظم الواجبات لأن عظم منزلة العلم بالشيء بحسب منزلة ضرر الجهل به، وضرر الجهل بمسائل الحيض أشد من ضرر الجهل بغيرها، فيجب الاعتناء بمعرفتها وإن كان الكلام فيها طويلاً، فإن المحصل يتشوف إلى ذلك ولا التفات إلى كراهة أهل البطالة \" انظر الرسالة الرابعة من مجموعة رسائل ابن عابدين المسماة منهل الواردين من بحار الفيض، على ذخر المتأهلين في مسائل الحيض ص٦٩ - ٧٠. وأخيراً، فإن على طلبة العلم أن يتأدبوا مع العلماء، ويعرفوا للعلماء مكانتهم وفضلهم: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعلَمُونَ) سورة الزمر /٩. وقال تعالى: (يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) سورة المجادلة ١١ قال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله: \" اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب (فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة النور /٦٣. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346746,"book_id":3840,"shamela_page_id":1126,"part":"18","page_num":168,"sequence_num":1126,"body":"١٦٨ - الفرق بين كبائر الذنوب وصغائرها\rيقول السائل: ما المقصود بكبائر الذنوب، وما الفرق بينها وبين صغائر الذنوب وما هي كبائر الذنوب؟\rالجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن كل مخالفة لأوامر الله أو نواهيه قبيحة، سواءً كان الذنب كبيراً أو صغيراً، وعلى المسلم أن يعلم أنه عندما يرتكب ذنباً أنه يعصي الله ﷿، وقد قال بعض السلف: \" لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر من عصيت \". فالمسلم ملتزم بشرع الله التزاماً كاملاً ولا يدفعه أن هذا الذنب صغير إلى التساهل في الوقوع في المعاصي، فإن الله ﷿ قال: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) سورة النساء /١٢٣. فالأصل في المسلم أن يجتنب كل ما نهى الشارع الحكيم عنه، ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح أن ﵊ قال: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) رواه البخاري ومسلم. إذا تقرر ذلك فأقول إن جماهير العلماء قالوا: إن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد اختلفوا في حقيقة الكبيرة، وهذه بعض أقوالهم: فمنهم من يرى أن الكبيرة هي ما لحق صاحبها بخصوصها وعيد شديد بنص من القرآن الكريم أو السنة النبوية، قال ابن عباس ﵄: \" الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب \" تفسير القرطبي ٥/١٥٩. ومن العلماء من يرى أن الكبيرة هي كل معصية أوجبت الحد. ومنهم من يرى أن الكبيرة هي كل محرم لعينه منهيٌ عنه لمعنى في نفسه فأن فعل على وجه يجمع وجهين أو وجوهاً من التحريم كان فاحشة، فالزنا كبيرة، وأن يزني الرجل بزوجة جاره فاحشة. وقال المفسر الواحدي: \" الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله ﷿ أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاءً أن تجتنب الكبائر، ونظائره إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة ونحو ذلك، وغير ذلك من الأقوال \" الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/١٤ - ١٦. وكل ما ذكره أهل العلم في تعريف الكبيرة إنما هو على وجه التقريب، وليس على وجه التحديد. وكبائر الذنوب كثيرة، وليس محصورة في عدد معين عند أهل العلم، وإن ذكر في بعض الأحاديث عددها، فليس المراد الحصر، فمن ذلك ما ورد في الحديث، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: (ألا أنبئكم بأكبر البائر ثلاثاً، الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور أو قول الزور، وكان رسول الله متكئاً فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا يا ليته سكت) رواه البخاري ومسلم. وعن أنس ابن مالك ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: (الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال قول الزور، أو قال شهادة الزور) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: \" وأما قوله ﷺ (الكبائر سبع) فالمراد به من الكبائر سبع، فإن هذه الصيغة وإن كانت للعموم، فهي مخصوصة بلا شك، وإنما وقع الاقتصار على هذه السبع وفي الأخرى ثلاث، وفي الرواية الأخرى أربع، لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيما فيما كانت عليه الجاهلية ولم يذكر في بعضها ما ذكر في الأخرى، وهذا مصرح بما ذكرته من أن المراد البعض\" شرح النووي على صحيح مسلم ١/٢٦٤. ويؤيد عدم انحصار الكبائر في سبع أو ثلاث أو أربع ما ورد عن ابن عباس ﵁، أنه لما سئل عن الكبائر أسبع هي؟ فقال: هي إلى سبعين أقرب. وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار \" تفسير القرطبي ٥/١٥٩. وهذا هو الراجح إن شاء الله، وهو أن الكبائر ليست محصورة في عدد معين، وقد ذكر الإمام ابن حجر المكي يرحمه الله عدداً كبيراً من الذنوب التي تعد من الكبائر وساق الأدلة على ذلك فمن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتابه القيم الزواجر عن اقتراف الكبائر. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346747,"book_id":3840,"shamela_page_id":1127,"part":"18","page_num":169,"sequence_num":1127,"body":"١٦٩ - حكم الإكرام بالقيام\rيقول السائل:: ما حكم قيام الناس لشخص يدخل إلى مجلسهم؟\rالجواب: يجوز القيام للقادم إذا كان القيام بقصد إكرام أهل الفضل كالعلماء والوالدين لأن احترام هؤلاء وأمثالهم مطلوب شرعاً. وقد ثبت في الحديث الصحيح، عن أبي سعيد الخدري، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال النبي ﷺ: (قوموا إلى سيدكم، أو قال خيركم.... الحديث) رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري. قال الإمام النووي: \" قوله ﷺ: قوموا إلى سيدكم أو خيركم فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا، هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام....، قلت القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاء فيه أحاديث ولم يصح في النهي عنه شيء صريح \" شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/٤٤٠. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت أحداً من الناس كان أشبه بالنبي ﷺ كلاماً ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة، قالت كان النبي ﷺ إذا رأها قد أقبلت، رحب بها ثم قام إليها فقبلها، ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه، وكانت إذا أتاها النبي ﷺ رحبت به، ثم قامت إليه فأخذت بيده فقبلته....) رواه أبو داود والترمذي، وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني، انظر صحيح الأدب المفرد ص٣٥٦. ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث الطويل في قصة توبة كعب بن مالك، حين تخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فتاب الله عليه، وفيه: (وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا برسول الله ﷺ وحوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني....) رواه البخاري ومسلم وغير ذلك من الأحاديث. وينبغي التنبيه، أنه ورد النهي عن القيام للقادم إذا كان بقصد المباهاة والتفاخر والسمعة والكبرياء، فقد ورد في الحديث عن معاوية بن أبي سفيان أن النبي ﷺ قال: (من سرّه أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار) رواه أبو داود والترمذي وحسنه. وقد جعل ابن رشد المالكي، القيام للقادم على أربعة أوجه: ١ - محظور، وهو أن يقع لمن يريد أن يقام له تكبراً وتعاظماً على القائمين إليه. ٢ - مكروه، وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين، ولكن يخشى أن يدخل إلى نفسه بسبب ذلك ما يحذر، ولما فيه من التشبه بالجبابرة. ٣ - جائز، وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك، ويؤمن معه التشبه بالجبابرة. ٤ - مندوب، وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحاً بقدومه، أو إلى من تجددت له نعمة، فهنئه بحصولها، أو مصيبة فيعزيه بسببها. \" فتح الباري ١٣/٢٩٠. قال الشيخ أحمد بن قدامة المقدسي: \" وقد قال العلماء: يستحب القيام للوالدين والإمام العادل، وفضلاء الناس، وقد صار هذا كالشعار بين الأفاضل، فإذا تركه الإنسان في حق من يصلح أن يفعله في حقه، لم يأمن أن ينسبه إلى إهانته والتقصير في حقه، فيوجب ذلك حقداً، واستحباب هذا في حق القادم لا يمنع الذي يقام له أن يكره ذلك ويرى أنه ليس بأهل لذلك \" مختصر منهاج القاصدين ص ٢٥١. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346748,"book_id":3840,"shamela_page_id":1128,"part":"18","page_num":170,"sequence_num":1128,"body":"١٧٠ - فساد ذات البين\rيقول السائل: ما المراد بقول النبي ﷺ في الحديث: (فإن فساد البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين) ؟\rالجواب: إن المذكور في السؤال جزء من حديث رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة) قال الترمذي هذا حديث صحيح. وقال: يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين) . وهذا الحديث فيه حث وترغيب على إصلاح ذات البين وقوله ﵊: (فإن فساد ذات البين هي الحالقة) ، أي هي الخصلة التي من شأنها أن تحلق الدين وتستأصله كما يستأصل الموسى الشعر، كما قال صاحب، عون المعبود ١٣/١٧٨. وقال ابن منظور: \" الحالقة أي التي من شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما تستأصل الموسى الشعر.... \" لسان العرب ٣/٢٩٣. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346749,"book_id":3840,"shamela_page_id":1129,"part":"18","page_num":171,"sequence_num":1129,"body":"١٧١ - احاديث مكذوبة\rيقول السائل: يتداول بعض الخطباء والمدرسين حديثاً عن النبي ﷺ وهو (الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم) فهل هذا الحديث ثابت عن الرسول ﷺ؟\rالجواب: هذا الحديث حديث مكذوب على رسول الله ﷺ، قال الصغاني: \"وهذا الحديث مفترى ملحون والصواب في الإعراب العالمين والعاملين والمخلصين \". وقال الشيخ الألباني: موضوع أي مكذوب، انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة١/١٠٢ وكشف الخفاء٢/٣١٢. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346750,"book_id":3840,"shamela_page_id":1130,"part":"18","page_num":172,"sequence_num":1130,"body":"١٧٢ - احاديث مكذوبة\rيقول السائل: وزع بعض الناس الورقة المطبوعة التالية، وفيها صيغة للصلاة على النبي ﷺ، فهل هذه الصيغة واردة عن الرسول ﵊؟ ونصها كما يلي:\r: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المرسلين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المرسلين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الشاهدين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الخائفين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الخاشعين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الطائعين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد التائبين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد العابدين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الحامدين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الصالحين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الراكعين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الساجدين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد القائمين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد القاعدين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المتقين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المستغفرين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد النادمين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الشاكرين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الحافظين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الذاكرين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد العاقلين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المحسنين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الأكرمين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المنذرين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المبشرين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الطيبين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد النبيين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد العالمين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيدنا النبي الزكي النقي اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد القرشي الهاشمي اللهم صل وسلم على سيدنا محمد المدني العربي المكرم يوم القيامة اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد أهل الجنة اللهم صل وسلم على سيدنا محمد صاحب المقام المحمود اللهم صل وسلم على سيدنا صاحب الصراط المستقيم اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد أفضل الأولين والآخرين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى جميع الملائكة المقربين، وعلى عباد الله الصالحين من أهل السماوات وأهل الأرضين وعلينا معهم أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ﷺ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: (والذي بعثني بالحق بشيراً ونذيراً من دعا بهذه الصلاة في عمره مرةً أو ساعةً أو جمعةً أو شهراً إلا أدخله الله الجنة بغير حساب وقال ﷺ من كتبها وعلقها على نفسه كفاه الله شر من يخاف، ومن مات وجعلها في كفنه كانت له شهيداً يوم القيامة ويوكل الله به ملائكة يحفظونه من كل هول وشدة. وقال ﷺ بينما أنا أصلي خلف المقام فلما فرغت دعوت الله ﷿، وسألته المغفرة لأمتي إنه غفور رحيم، فنزل عليَّ جبريل ﵇ فقلت يا أخي يا جبريل أنت حبيبي وحبيب أمتي، علمني شيئاً يكون لي ولأمتي من بعدي، لينالوا إحساناً لهم ورحمة بهم، فقال جبريل ﵇، ما من مسلم يدعو بهذه الصلاة في عمره مرة واحدةً إلا جاء يوم القيامة ووجهه يتلألأ نوراً كالقمر ليلة البدر، فيتعجب الناس منه ويقولون هذا نبي مرسل أو ملك مقرب، إنه عبد دعا بهذه الصلاة في عمره مرةً. وقال جبريل ﵇ يا محمد ما دعا بهذه الصلاة أحد خمسة عشر مرة في عمره إلا قمت أنا وأنت يوم القيامة على قبره ويهدي الله فرساً من الجنة سرجها من الياقوت الأحمر فيأتونه ويقولون يا عبد الله ما جزاؤك اليوم إلى الجنة إنزل في جوار النبي ﷺ ثم قال جبريل يا محمد هذه الصلاة فيها اسم الله الأعظم فمن قرأها كان آمناً يوم القيامة من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر. وقال رسول الله ﷺ يا أخي يا جبريل ما ثواب من يدعو بهذ الصلاة، فقال يا محمد سألتني عن شيء لا يعلمه إلا الله تعالى، يا محمد لو كانت الأشجار أقلاماً والبحار مداداً والجن والإنس كتاباً ما قدروا على كتابة ثواب هذه الصلاة يا محمد ما من أحد من أمتك يدعو بهذه الصلاة إلا كتب الله له ثواب أربعة من الملائكة واربعة من الأنبياء فأما الأنبياء فثوابك يا محمد صلوات الله عليك وسلامه وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين وأما الملائكة فثوابي أنا وميكائيل واسرافيل وعزرائيل ﵈ فعجبت من هذه الصلاة وأن الملائكة يستغفرون لمن يدعو بها ثم قال الرسول- ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ولم يؤمن بهذه الصلاة فأنا بريء منه وهو بريء مني ومن كانت هذه الصلاة عنده ولم يعلمها للمسلمين فأنا بريء منه وهو بريء مني وقال عمر بن الخطاب ﵁ ما رأيت رسول الله ﷺ ترك هذه الصلاة يوماً قط وقال عثمان بن عفان ﵁ كنت لم أحفظ القرآن فعلمني رسول الله ﷺ هذه الصلاة فرزقني الله حفظ القرأن......الخ)) . الجواب: هذه الصيغة في الصلاة والسلام على النبي- ﷺ صيغة باطلة لم ترد عن الرسول ﷺ وهي افتراء وكذب على الرسول ﷺ وتعتبر من الغلو في الدين، حيث قال ﷺ: (إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وصححه الإمام النووي. وقد وردت صيغ معتمدة عند المحدثين في الصلاة على النبي- ﷺ تغني عن هذه الصورة الباطلة، فعلى المسلم أن يلتزم بالصيغ الصحيحة، ويتجنب الصيغ المكذوبة، فإن الخير كل الخير في الإتباع، والشر كل الشر في الإبتداع. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346751,"book_id":3840,"shamela_page_id":1131,"part":"18","page_num":173,"sequence_num":1131,"body":"١٧٣ - أحاديث الأبدال\rيقول السائل: إنه قرأ في إحدى المجلات مقالة حول الأبدال وأنهم يكونون بالشام كما ورد في الحديث المذكور في المقال، وهو عن الإمام علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات منهم رجل، أبدل الله مكانه رجلاً، يسقى بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء) رواه الترمذي، فما قولكم في ذلك؟\rالجواب: لم يثبت عن النبي ﷺ حديث صحيح في الأبدال وكل ما ورد من الأحاديث في الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد، كلها أحاديث باطلة على رسول الله ﷺ، كما قرر ذلك المحققون من أهل العلم حديثاً وقديماً. ومن هذه الأحاديث الباطلة، الحديث المذكور أعلاه، فإنه حديث منقطع وهو ضعيف قال الشيخ أحمد محمد شاكر يرحمه الله في تعليقه على مسند الإمام أحمد ٢/١٧١، قال: \" وإسناده ضعيف لانقطاعه....\". وقال ابن القيم: \" ذكره الإمام أحمد ولا يصح أيضاً فإنه منقطع \" المنار المنيف ص١٣٦. وقال الشيخ الألباني: ضعيف، انظر ضعيف الجامع الصغير ص٣٣٤. ويضاف إلى ذلك كله أن الحديث لم يروه الترمذي كما ورد في السؤال. وأحاديث الأبدال لم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة إلا حديثاً واحداً رواه أبو داود في سننه، وورد فيه ذكر الأبدال، وهو حديث أم سلمة وهو حديث ضعيف لا يصح وفيه \" فإذا رأى الناس ذلك، أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه....\" وهذا الحديث ضعيف، فهو من رواية قتادة عن صالح أبي الخليل عن صاحب له لم يسمَّ عن أم سلمة، فالحديث ضعيف، كما أن قتادة لم بصرح بالسماع، وقد ضعفه الشيخ الألباني وغيره. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" والحديث المروي في الأبدال، أربعون رجلاً، حديث ضعيف، فإن أولياء الله المتقين، يزيدون وينقصون بحسب كثرة الإيمان والتقوى، وبحسب قلة ذلك، كانوا في أول الإسلام أقل من أربعين، فلما انتشر الإسلام كانوا أكثر من ذلك \" مجموع الفتاوى ٢٧/٤٩٨. وخلاصة الأمر كما قال العلاّمة ابن القيم: \" إن أحاديث الأبدال والأقطاب وألأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد، كلها باطلة عن رسول الله ﷺ \" المنار المنيف ص١٣٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \".... كل حديث يروى عن النبي ﷺ في عدة الأولياء والأبدال والنقباء والنجباء والأوتاد والأقطاب مثل أربعة أو سبعة أو اثني عشر أو أربعين أو سبعين أو ثلاثمئة وثلاثة عشر، أو القطب الواحد، فليس في ذلك شيء صحيح عن النبي ﷺ ولم ينطق السلف بشيء من هذه الألفاظ إلا بلفظ الأبدال، وروي فيهم حديث أنهم أربعون رجلاً وأنهم بالشام وهو في المسند من حديث علي ﵁، وهو حديث منقطع ليس بثابت \" مجموع الفتاوى ١١/١٦٧. وقال الحافظ السخاوي: \" حديث الأبدال له طرق عن أنس- ﵁ مرفوعاً بألفاظ كثيرة كلها ضعيفة \" المقاصد الحسنة ص٨. وقد ضعف الشيخ الألباني حفظه الله الأحاديث الواردة في الأبدال كما في السلسلة الضعيفة ٢/٣٤٠ - ٣٤١. ورد الشيخ الألباني على السيوطي تصحيحه لها، وذكر حديث عبادة: \" الأبدال في هذه الأمة ثلاثون، مثل إبراهيم خليل الرحمن ﷿، كلما مات رجل، أبدل الله ﵎ مكانه رجلاً \"، ثم قال: \" منكر رواه الأمام أحمد.... وقال أحمد عقبه: وهو حديث منكر.... الخ \". كما ضعف الشيخ الألباني أحاديث الأبدال الواردة عن أنس رواه الخلال في كرامات الأولياء، وقال الشيخ الألباني: ضعيف. وحديث عون بن مالك رواه الطبراني، وقال الشيخ الألباني: ضعيف. وحديث عطاء مرسلاً رواه الحاكم في الكنى، وقال الشيخ الألباني: ضعيف، انظر ضعيف الجامع الصغير، الأحاديث من رقم ٢٢٦٥ إلى ٢٢٧٠ وانظر أيضاً السلسلة الضعيفة ٣/٦٧٧ حيث ذكر الشيخ الألباني حديث عطاء السابق وقال: منكر. ونقل عن الذهبي أنه قال: \" والخبر منكر \". ولا ينخدعن أحد بما ذكره السيوطي في رسالته: \" الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال \" فإنها أحاديث ضعيفة مثخنة بالجراح. وذكر الحافظ ابن الجوزي أحاديث الأبدال وطعن فيها واحداً واحداً وحكم بوضعها. وقال الشيخ ملا علي القاري: \" حديث الأبدال من الأولياء، له طرق عن أنس مرفوعاً بألفاظ مختلفة كلها ضعيفة \" ذكره ابن الديبع. وعن ابن الصلاح: أقوى ما روينا في الأبدال قول علي أنه بالشام يكون الأبدال وأما الأدباء والنجباء والنقباء، فقد ذكرها بعض مشايخ الطريقة، ولا يثبت ذلك \" الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص١٠١ - ١٠٢. وجاء في تذكرة الموضوعات للفتني الهندي: \" وعن أبي هريرة: \" لن تخلو الأرض من ثلاثين، مثل إبراهيم خليل الرحمن، بهم يعانون وبهم يرزقون وبهم يمطرون \" وفيه واضع ضعيف،.... وعن أنس: البدلاء أربعون.... فيه العلاء روى عن أنس نسخة موضوعة....، وعن أنس بطريق آخر: الأبدال أربعون رجلاً وأربعون امرأة كلما مات.... الخ فيه مجاهيل.... الخ \" تذكرة الموضوعات ١٩٤. وقال ابن عرَّاق الكناني بعد أن ساق عدداً من أحاديث الأبدال: \".... ولا يصح منها شيء \". *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346752,"book_id":3840,"shamela_page_id":1132,"part":"18","page_num":174,"sequence_num":1132,"body":"١٧٤ - هل كان الرسول ﷺ يكرر الحديث في أك\rيقول السائل: هل كان الرسول عيه الصلاة والسلام يكرر الحديث الواحد في أكثر من مجلس؟\rالجواب: إن تعدد روايات الصحابة للحديث الواحد مع اختلاف هذه الروايات، إما بزيادة أو نقص، يشير إلى تكرار الحديث في عدة مواطن، ولا نزعم أن هذا كان ديدناً له ﵊، ولعل في المثال التالي ما يشير إلى ذلك، وهو روايات حديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا.... الخ) من مسند أحمد، فهذا الحديث، رواه جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وأبو بكر وأنس وجابر وأوس وغيرهم، وكلهم يروي الحديث نفسه مع زيادة أو نقص، وبعضهم يذكر مناسبة للحديث وهذه الروايات هي: ١ - عن أبي هريرة: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها، عصموا مني دماءَهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله) . ٢ - قال عمر: يا أبا بكر، كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه , وحسابه على الله تعالى) . ٣ - عن أبي هريرة (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) . ٤ - عن أبي هريرة (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ثم قد حُرِّم عليَّ دماؤُهم وأموالهم، وحسابهم على الله ﷿ . ٥ - حديث أنس (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا، فقد حُرِّمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم) . ٦ - حديث جابر (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عَصَموا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿ . ٧ - حديث جابر (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عَصَموا مني بها دماءَهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ثم قرأ: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) سورة الغاشية /٢٢,٢١) . ٨ - حديث أوس (أتيت رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، فكنا في قبة فقام من كان فيها غيري وغير رسول الله ﷺ، فجاء رجل فقال: اذهب فاقتله، ثم قال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله، قال بلى، ولكن يقولها تعوذاً، فقال ردَّه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها حُرِّمت عليَّ دماؤُهم وأموالهم إلا بحقها....) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346753,"book_id":3840,"shamela_page_id":1133,"part":"18","page_num":175,"sequence_num":1133,"body":"١٧٥ - القرآن الكريم\rيقول السائل: هل الاستماع والإنصات لقارئ القرآن الكريم، إذا كان يقرأ من الإذاعة أو في المسجد واجب لقوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ؟\rالجواب: يرى كثير من أهل العلم أن هذه الآية الكريمة (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) سورة الأعراف /٢٠٤، قد نزلت في الصلاة، وهذا يدل على أن الإستماع لقراءة القرآن يكون واجباً حال قراءة الإمام للقرآن في الصلاة سواء كانت فرضاً أو نفلاً، ونقل ابن جرير الطبري شيخ المفسرين، أن هذه الآية نزلت في الصلاة عن جماعة من السلف، فقد روى ابن جرير بسنده عن أبي هريرة قال: (كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ) ، أمروا بالإنصات. ورويَ مثل ذلك عن ابن عباس وابن مسعود والزهري وعطاء وعبيد بن عمير وعن سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وقتادة وغيرهم. وهذا أرجح أقوال أهل العلم في سبب نزول هذه الآية وبناءً عليه يكون الإستماع واجباً لقراءة الإمام في الصلاة. وأما الإستماع والإنصات لقراءة القارئ خارج الصلاة، سواء كان يقرأ من الإذاعة أو في المسجد أو كان يقرأ من المسجل فمندوبة، قال ابن عبد البر: \" في قول الله ﷿: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، مع إجماع أهل العلم أن مراد الله من ذلك في الصلوات المكتوبة أوضح الدلائل على أن المأموم إذا جهر إمامه في الصلاة أنه لا يقرأ معه بشيء، وأن يستمع له وينصت \" فتح المالك بترتيب التمهيد لابن عبد البر على موطأ مالك ٢/١٢٦. وذكر ابن عبد البر في الإستذكار وفي التمهيد خبر أبي عياض عن أبي هريرة قال: (كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا)) . وقال إبراهيم بن مسلم: \" فقلت لأبي عياض: لقد كنت أظن أن لا ينبغي لأحد يسمع القرآن ألا يسمع، قال: إنما ذلك في الصلاة المكتوبة، فأما في الصلاة غير المكتوبة فإن شئت سمعت وإن شئت مضيت ولم تسمع \" الإستذكار ٤/٢٣٠. وقال ابن جرير الطبري بعد أن ساق أقوال العلماء في تأويل الآية السابقة: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: أمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإمام وكان من خلفه ممن يأتم به يسمعه في الخطبة، وإنا قلنا ذلك أولى بالصواب لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا قرأ الإمام فأنصتوا) وإجماع الجميع على أن من سمع خطبة الإمام ممن عليه الجمعة الإستماع والإنصات لها مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك عن رسول الله ﷺ وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات لسماعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين على اختلاف في إحداهما وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به، وقد صح الخبر عن رسول الله ﷺ بما ذكر من قوله: (إذا قرأ الإمام فأنصتوا) ، فالإنصات خلفه لقراءته واجب على من كان مؤتماً سامعاً قراءته بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ \" تفسير الطبري ٦/١٦٦. وروى الطبري بإسناده عن سعيد بن جبير أن الآية (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا) قال: \"الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما يجهر به الإمام في الصلاة\" تفسير الطبري ٦/١٦٥. وعلق القرطبي على قول سعيد بن جبير بعد أن نقله بقوله: \" وهو الصحيح لأنه يجمع ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات \" تفسير القرطبي ٧/٣٥٣ - ٣٥٤. ثم نقل القرطبي عن النقاش قوله: \" أجمع أهل التفسير أن هذا الإستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة \". وحكى ابن المنذر الإجماع على عدم وجوب الاستماع والإنصات في غير الصلاة والخطبة وذلك أن إيجابهما على كل من يسمع أحداً يقرأ فيه حرج عظيم لأنه يقتضي أن يترك له المشتغل بالعلم علمه والمشتغل بالحكم حكمه، والمتبايعان مساومتهما وتعاقدهما وكل ذي شغلٍ شغله \" تفسير المنار ٩/٥٥٢ - ٥٥٣. وقال العز بن عبد السلام: \" الاستماع للقرآن والتفهم لمعانيه من الآداب المشروعة المحثوث عليها، والاشتغال عن ذلك بالتحدث بما لا يكون أفضل من الاستماع سوء أدب على الشرع \" فتاوى العز بن عبد السلام ص٤٨٥ - ٤٨٦. وقال جلال الدين السيوطي: \" يسن الاستماع لقراءة القرآن، وترك اللغط والحديث بحضور القراءة، قال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) \" الإتقان ١/١٤٥. ومما يدل على أن الاستماع لقراءة القرآن خارج الصلاة والخطبة مندوب ما ورد من الأدلة في جواز الكلام خارج الصلاة والخطبة. ومما ينبغي التنبيه عليه، أن ترك الاستماع والإنصات للقرآن والاشتغال بالأحاديث المختلفة مكروه كراهة شديدة، وتكون الكراهة أشد إذا كان المتحدثون بأمور الدنيا قرب قارئ القرآن، وأما إذا كان المجلس فيه كثير من الناس يستمعون وينصتون فتنحى بعضهم وتحدثوا بصوت منخفض من غير تشويش على الآخرين فالخطب هين ويسير. ولا يعني قولنا إن الاستماع لقارئ القرآن في المسجد أو في الإذاعة أو من المسجل مندوب أن يتساهل الناس في الاستماع لكلام الله، فينبغي لكل مسلم أن يحرص على الاستماع والإنصات لقراءة القرآن وأن يتأدب في مجلس قراءة القرآن. كما وينبغي التنبيه أن بعض القراء يسيئون في قرائتهم للقرآن الكريم، ويشوشون على عباد الله، كالقراء الذين يقرأون في المآتم عبر مكبرات الصوت، فإن ذلك حرام شرعاً، وكذلك القراء الذين يقرأون عبر مكبرات الصوت قبل صلاة الجمعة وقبل الأذان للصلوات الخمس، فكل ذلك من البدع المخالفة للشرع لأن هؤلاء وأولئك يشوشون على عباد الله، وخاصة يوم الجمعة، فإن الوقت قبل صلاة الجمعة هو وقت للتنفل وللدعاء وللذكر والاستغفار، ولا ينبغي لأحد أن يشوش على عباد الله في قراءة القرآن ولا بالدروس ولا بالمواعظ، وإنما كل مسلم يقرأ إن رغب أو يصلي أو يدعو أو يستغفر لوحده. وقد ورد في الحديث أن النبي- ﷺ قال: (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) رواه الإمام مالك، وقال الشيخ الألباني: سنده صحيح. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346754,"book_id":3840,"shamela_page_id":1134,"part":"18","page_num":176,"sequence_num":1134,"body":"١٧٦ - احذروا هذه الكتب\rأحضر لي أحد طلابي كتاباً صغير الحجم، بعنوان (مولد العروس) للعلاّمة والحبر الفهامة، الإمام ابن الجوزي، هكذا جاء في على غلافه، ويحتوي على نثر وشعر يتعلق بالمولد النبوي، وسألني عن هذا الكتاب؟\rالجواب: إن هذا الكتاب المسمى (مولد العروس) والمنسوب لابن الجوزي مكذوب عليه وفيه كثير من المخالفات الشرعية، ولم تثبت نسبته بطريق صحيح إلى الإمام ابن الجوزي ولم ينسبه أحد إليه إلا كارل بروكلمان، وفي نسبة هذه المخطوطة لإبن الجوزي - أي مخطوط مولد العروس - نظر، فهو يخلو من الإسناد الذي اعتاد عليه ابن الجوزي في كتبه، كما يخلو من تعليق أو نقد ابن الجوزي لما يرد فيه من أخبار، وكل ما ورد فيه يتعلق بولادة الرسول ﷺ، وأشعار مدحه، مما يدل على أن أحد العوام قد وضعه ثم إن الذين ترجموا لابن الجوزي، لم يذكروه ضمن كتبه. وورد فيه أيضاً أمور كثيرة مخالفة للعقيدة الإسلامية وللنصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما ورد في ص١٥ منه (وفي الحديث الصحيح أن البيت الذي فيه اسم محمد وأحمد فإن الملائكة تزوره في كل يوم وليلة سبعين مرة) ، ومن المعلوم أن هذا الحديث مكذوب على رسول الله ﷺ، بل إن ابن الجوزي نفسه ذكره في كتابه الموضوعات وحكم عليه بالوضع والكذب، انظر كتب حذر منها العلماء ٢/٣٠٣ - ٣٠٤ وانظر أيضاً نفس المصدر ٢/٣٨٨ - ٣٨٩. *****","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346755,"book_id":3840,"shamela_page_id":1135,"part":"18","page_num":177,"sequence_num":1135,"body":"١٧٧ - احذروا هذه الكتب\rيقول السائل: أحضرت لي سائلة كتاباً بعنوان (عرائس المجالس في قصص الأنبياء) وذكرت لي أن فيه أموراً غريبة وطلبت بيان القول فيما اشتمل عليه من الأخبار?وسائلة أخرى، أحضرت لي كتيباً بعنوان (المجموعة المباركة في الصلوات المأثورة والأعمال المبرورة) ، وسألتني عن صحة الأحاديث المذكورة فيه؟\rالجواب: أما الكتاب الأول وهو (عرائس المجالس في قصص الأنبياء) تأليف أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى ٤٢٧ هـ. وهو كتاب يشتمل على قصص الأنبياء المذكورة في القرآن الكريم، وفيه كثير من الإسرائيليات والأخبار الواهيات والغرائب وفيه أيضاً بلايا ورزايا، انظر كتب حذر منها العلماء ٢/٢٠. والثعلبي معروف عند أهل العلم أنه ينقل في كتبه كثيراً من الأحاديث المكذوبة ولهذا قالوا عنه إنه كحاطب ليل، كما قال العلامة اللكنوي في الأجوبة الفاضلة ص١٠١ -١٠٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" علماء الجمهور متفقون على أن ما يرويه الثعلبي وأمثاله لا يحتجون به، لا في فضيلة أبي بكر وعمر، ولا في إثبات حكم من الأحكام، إلا أن يعلم ثبوته بطريقه \" منهاج السنة ٤/٢٥، نقلاً عن المصدر السابق. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: \" والثعلبي هو نفسه كان فيه خير ودين، ولكنه كان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع \". وقال الشيخ ابن كثير عن الثعلبي: \" وكان كثير الحديث واسع السماع، ولهذا يوجد في كتبه الغرائب شيء كثير \" انظر التعليق على سير أعلام النبلاء ١٧/٤٣٦. وخلاصة القول في كتاب (عرائس المجالس) للثعلبي، أنه لا يجوز شرعاً الإعتماد عليه في الأحاديث التي ينقلها، إلا بعد البحث والتنقيب عن حال تلك الأحاديث، ولذا لا أنصح أحداً باقتناء هذا الكتاب إلا أن يكون من أهل العلم بالحديث. وأما الكتاب الثاني وهو (المجموعة المباركة في الصلوات المأثورة والأعمال المبرورة) فإنه كتاب دجل وخرافات وكذب على رسول الله ﷺ في معظم ما احتواه، كما في الخبر الذي ساقه \"عن صحابي يقال له عبد الله السلطان، هكذا زعم، وأن عبد الله السلطان هذا كان مشهوراً بشرب الخمر والزنا والفسق والفجور وترك الصلاة وترك الصوم....، وأن الرسول ﷺ سأل زوجة عبد الله السلطان عن حاله وما كان يفعل، فقالت: ما رأيت منه إلا الأفعال القبيحة وشرب الخمر والفسوق والفجور، ولا رأيته يصلي في جميع عمره ركعة واحدة ولا يصوم أبداً، ولكني رأيته إذا جاء شهر رجب يقوم ويدعو بهذا الدعاء، ثم ذكرته.... فقال النبي ﷺ: من قرأ هذا الإستغفار وجعله في بيته أو في متاعه جعل الله له ثواب ألف صديق وثواب ثمانين ألف حجة وثمانين ألف مسجد.... \" إلى آخر ما قاله من الدجل بلا خجل، والكذب على الرسول ﷺ. وهذه أخبار مكذوبة على رسول الله ﷺ، وضعها وكذبها أدعياء الزهد والمنحرفون عن منهج الرسول ﷺ في الذكر والعبادة. وقد قال الشيخ علي الطنطاوي في فتاويه ص٢٨٧ تحت عنوان كتاب يجب أن يمنع، ما نصه: \" سألني كثيرون عن كتيب صغير ما أدري من أين يشترونه اسمه (المجموعة المباركة) ، وليس مباركاً ولا صحيحاً، لأن فيه أحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله ﷺ، فلا يجوز للمسلم أن يصدقة، ولا يقرأه ولا يبيعه وينبغي لمن قدر على إنكار هذا المنكر أن ينكره ويمنع تداول هذا الكتاب وأن يبيد النسخ الموجودة منه في الأسواق \". وينبغي تذكير أصحاب المكتبات وأصحاب دور النشر، أن يتقوا الله عندما يبيعوا كتاباً أو ينشرونه، فليس كل كتاب ينشر أو يباع. فإن كتب أهل البدعة والضلالة يحرم بيعها ونشرها، وكذا كتب السحر والشعوذة والتمائم الشركية وتحضير الأرواح، والكتب الساقطة الهابطة، كالقصص والروايات الجنسية، والمجلات الخليعة التي تنشر الصور العارية الفاضحة والمقالات الجنسية وأمثالها. قال الشيخ ابن القيم: \" وكذلك الكتب المشتملة على الشرك وعبادة غير الله، فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها، وبيعها ذريعة إلى اقتنائها واتخاذها، فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها، فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها \". وقد نص كثير من العلماء على حرمة المتاجرة بكتب أهل البدع والضلالة، راجع الكتاب النافع المفيد بعنوان كتب حذر منها العلماء للشيخ مشهور سلمان ١/٥٢ - ٥٣.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346756,"book_id":3840,"shamela_page_id":1136,"part":"18","page_num":178,"sequence_num":1136,"body":"١٧٨ - الميل الشرعي\rيقول السائل: هل الميل المذكور في كتب الفقه هو الميل المعروف الآن والمستخدم في قياس المسافات والمعروف باللغة الإنجليزية Mile؟\rالجواب: ورد استعمال كلمة الميل في السنة النبوية في عدد كثير من الأحاديث منها: ما ورد في حديث المقداد بن الأسود في صفة يوم القيامة قال سمعت رسول الله ? يقول: (تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل) رواه مسلم. قال سليم - أحد رواة الحديث -: [فوالله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين) . وعن ابن عمر ﵄ قال: (أجرى النبي ﷺ ما ضمر من الخيل من الحقباء إلى ثنية الوداع وأجرى ما لم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى. قال عبد الله: حدثنا سفيان قال: حدثني عبد الله، قال سفيان بين الحقباء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة وبين ثنية إلى مسجد بني زريق ميل) رواه البخاري. عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع ثم تجيء الجمعة فلا يجيء ولا يشهدها وتجيء الجمعة فلا يشهدها وتجيء الجمعة فلا يشهدها حتى يطبع الله على قلبه) رواه ابن ماجة والحاكم وصححه وقال الألباني: حسن، صحيح سنن ابن ماجة ١/١٨٦. وغير ذلك من الأحاديث. وقد استعملت لفظة الميل في كتب الفقهاء أيضاً وعادة ما يذكرونها عند حديثهم عن مسافة القصر في الصلاة. فقد قال الإمام الشافعي: [وإذا سافر الرجل سفراً يكون ستة وأربعين ميلاً بالهاشمي فله أن يقصر الصلاة سافر رسول الله ﷺ أميالاً فقصر الصلاة، وقال ابن عباس: اقصر إلى جدة وإلى الطائف وإلى عسفان، قال الشافعي: وأقرب ذلك إلى مكة ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي] الحاوي الكبير ٣/٣٥٨. وقال القرافي عند حديثه عن مسافة السفر: [وهو في الكتاب سفر ثمانية وأربعين ميلاً: أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ وكل فرسخ ثلاثة أميال وقيل: أربعة وعشرون فرسخاً وروي عن مالك خمسة وأربعون ميلاً وقال ابن حبيب أربعون ميلاً وروي عن ابن القاسم من صلى في ستة وثلاثين ميلاً لا يعيد، وقال ابن عبد الحكم يعيد في الوقت، وفي الجواهر: وروي عن مالك اثنان وأربعون ميلاً لنا ما في البخاري: كان ابن عباس وابن عمر يقصران ويفطران في أربعة برد. ويروى عنه ﵇: لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان ... والميل يشبه أن يكون من الميل بفتح الميم لأن البصر يمل فيه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه وفيه سبعة مذاهب: قال صاحب التنبيهات هو عشرة غلى والغلوة طلق الفرس وهو مائتا ذراع فيكون الميل ألفي ذراع قاله ابن حبيب وقال ابن عبد البر أصح ما قيل فيه ثلاثة آلاف وخمسمائة ونقل صاحب البيان ثلاثة آلاف ذراع وقيل أربعة آلاف ذراع كل ذراع ستة وثلاثون أصبعاً كل إصبع ست شعيرات بطن أحدها إلى ظهر الأخرى كل شعيرة ست شعرات شعر البرذون وقيل أمد البصر قاله صاحب الصحاح، وقيل ألف خطوة بخطوة الجمل وقيل أن ينظر الشخص فلا يعلم أهو آت أم ذاهب رجل أو امرأة] الذخيرة ٢/ ٣٥٨-٣٥٩. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قيل لأبي عبد الله في كم تقصر الصلاة؟ قال: في أربعة برد، قيل له: مسيرة يوم تام؟ قال: لا. أربعة برد: ستة عشر فرسخاً ومسيرة يومين. فمذهب أبي عبد الله: أن القصر لا يجوز في أقل من ستة عشر فرسخاً، والفرسخ: ثلاثة أميال، فيكون ثمانية وأربعين ميلاً. قال القاضي: والميل اثنا عشر ألف قدم وذلك مسيرة يومين قاصدين، وقد قدّره ابن عباس فقال: من عسفان إلى مكة والطائف ومن مكة إلى الطائف ومن جدة إلى مكة، وذكر صاحب المسالك: أن من دمشق إلى القطيفة أربعة وعشرين ميلاً ومن دمشق إلى الكسوة اثنا عشر ميلاً وممن الكسوة إلى حاسم أربعة وعشرين ميلاً فعلى هذا تكون مسافة القصر يومين قاصدين. وهذا قول ابن عباس وابن عمر وإليه ذهب مالك والليث الشافعي وإسحاق] المغني ٢/١٨٨. وكذلك تحدث اللغوييون في كتبهم عن الميل فقال ابن منظور: [والميل من الأرض قدر منتهى مد البصر ... وقيل للأعلام المبنية في طريق مكة أميال لأنها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل وكل ثلاثة أميال منها فرسخ] لسان العرب ١٣/٢٦٣. وجاء في المصباح المنير، ٢/٥٨٨: [والميل بالكسر عند العرب مقدار مدى البصر من الأرض قاله الأزهري وعند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع وعند المحدثين أربعة آلاف ذراع والخلاف لفظي لأنهم اتفقوا على أن مقداره ست وتسعون ألف إصبع والإصبع ست شعيرات بطن كل واحدة إلى الأخرى ولكن القدماء يقولون الذراع اثنتان وثلاثون إصبعاً والمحدثون يقولون أربع وعشرون إصبعاً فإذا قسم الميل على رأي القدماء كل ذراع اثنين وثلاثين كان المتحصل ثلاثة آلاف ذراع وإن قسم على رأي المحدثين أربعاً وعشرين كان المتحصل أربعة آلاف ذراع (والفرسخ) عند الكل ثلاثة أميال وإذا قدر (الميل) بالغلوات وكانت كل غلوة أربعمائة ذراع كان ثلاثين غلوة وإن كان كل غلوة مائتي ذراع كان ستين غلوة ويقال للأعلام المبينة في طريق مكة أميال لأنها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل وإنما أضيف إلى بني هاشم فقيل (الميل الهاشمي) لأن بني هاشم حددوه وأعلموه] . وقال ابن الرفعة: [وأما الذراع فلم أظفر به مبيناً في كلام أصحابنا إلا في مسافة القصر إذ قالوا هي أربعة برد وكل بريد على المشهور أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال بالهاشمي ومجموع ذلك ثمانية وأربعون ميلاً. والميل الهاشمي منسوب إلى هاشم بن عبد مناف بن قصي جد رسول الله ﷺ فإنه الذي قدر أميال البادية وبردها وهو بالخطا أربعة آلاف خطوة كل خطوة ثلاثة أقدام فالميل إذن اثنا عشر ألف قدم وهو بالأذرع ستة آلاف ذراع كل ذراع أربع وعشرون إصبعاً معترضات معتدلات والإصبع ست شعرات معتدلات معترضات وزاد بعضهم: وعرض كل شعيرة سبع شعرات أو ست شعرات من شعر البغل لأنها متناسبة] الإيضاح والبيان في معرفة المكيال والميزان ص ٧٧-٧٩ وقد اختلف الفقهاء في تحديد الميل فذهب الحنفية إلى أنه أربعة آلاف ذراع وللمالكية قولان: ذهب ابن عبد البر إلى أنه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع وقال ابن حبيب: والميل ألف باع والباع ذراعان فيكون الميل ألفي ذراع، قال الدسوقي: والمشهور أن الميل ألفا ذراع والصحيح أنه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمئة. وقال الشافعية: الميل أربعة آلاف خطوة. قال الحنابلة: الميل الهاشمي ستة آلاف ذراع بذراع اليد وهي اثنا عشر ألف قدم] الموسوعة الفقهية ٣٨/٣٢٥. وقد ذكر بعض المعاصرين تقدير الميل بالأقيسة المعروفة الآن فذكر أن الميل يعادل ألف باع والباع أربعة اذرع شرعية فتكون مسافته ٤×١٠٠٠×٤٦. ٢ = ١٨٤٨ متراً. إذا ثبت هذا فإن الميل وهو وحدة قياس أوروبية أو أمريكية ويساوي (١٦٠٩ متراً عندهم) من الممكن أن تكون مأخوذة من الميل المستخدمة عند الفقهاء. ولكن مما يؤسف له أن المسلمين اليوم قد تخلوا عن استعمال وحدات المقاييس والموازيين والمكاييل الإسلامية وتحولوا إلى استخدام أنظمة المعايير الغربية: [مع أن العمل بوحدات التعامل الإسلامية ظل جارياً في المجتمعات الإسلامية على المستويات الشعبية والرسمية مدة تزيد على ثلاثة عشر قرناً ونيف إلى أن تم إلغاء التعامل بها قصراً وبصورة تدريجية منذ بداية النصف الأول من هذا القرن مما أدى إلى طمس سريع وعجيب لمعالم هذه الوحدات حتى غدت أثراً بعد عين وتناستها الأوساط الرسمية والشعبية الإسلامية بعد أن كانت مشخصة المعالم معروفة المقادير والأعيان يعرفها العام والخاص من المدن والأرياف معرفة الأب لأبنائه وإن كثروا ولم يبق منها مشخصاً ومعروفاً إلا الوحدات التي حفظتها الشريعة الإسلامية ولا يستخدم الناس منها سوى ما له صلة بأمور العبادات كمقادير الزكاة وصدقة الفطر ومسافة القصر في الصلاة ورخصة الصائم وحتى هذه أصبحت الحاجة ماسة إلى مقارنتها بوحدات النظم العرفية السائدة اليوم وقد كان هذا نتيجة لتسلط الدول الاستعمارية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً على الأمة الإسلامي التي توزعت أوطانها بين هذه الدول بعد أن تم القضاء على دولة الخلافة الإسلامية ... ورافق هذا كله تسرب وحدات نظم الغرب والشرق إلى داخل الأسواق الإسلامية وذلك بقصد إحداث ازدواجية في وحدات نظم التعامل وفعلاً تم هذا ولم يمض وقت طويل حتى تفوقت الوحدات الاستعمارية على الوحدات الإسلامية ثم حلت محلها من التعامل على جميع المستويات وكان ذلك مدعوماً بقوة القوانين الاستعمارية وهكذا أصبحت الوحدات الفرنسية هي الرسمية في الأقطار التي نكبت بالاستعمار الفرنسي وصار الحال كذلك في الأقطار التي نكبت باستعمار بريطانيا أو البرتغال أو إسبانيا أو إيطاليا أو هولندا غير أن وحدات نظم التعامل الفرنسية كانت لها الغلبة في معظم أجزاء العالم الإسلامي واليوم وقد غدت وحدات نظم التعامل الإسلامية رموزاً لمصطلحات لا وجود لها إلا في التراث الإسلامي كالتي يرد ذكرها متفرقاً بين الكثير من مؤلفات الفقه والتفسير والحديث النبوي الشريف وتاريخ الحضارة العام ... الخ] مقدمة محقق الإيضاح والبيان في معرفة المكيال والميزان لابن الرفعة ص ٦-٧.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346757,"book_id":3840,"shamela_page_id":1137,"part":"18","page_num":179,"sequence_num":1137,"body":"١٧٩ - العيد\rيقول السائل: ما هو هدي المصطفى ﷺ في يوم العيد؟\rالجواب: كان من هدي رسول الله ﷺ صلاة العيد في مصلى العيد وهو ليس المسجد النبوي وإنما كان أرض خلاء وكان ﵊ يأمر بإخراج النساء يشهدن الصلاة ويسمعن الذكر حتى الحيض منهن فقد جاء في الحديث عن أم عطية ﵂ قالت: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور. فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال: لتلبسها أختها جلبابها) رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية أخرى: (والحيّض يكن خلف الناس يكبرن مع الناس) رواه مسلم، والعواتق أي الشابات، والحيّض: جمع حائض، وذوات الخدور: ربات البيوت. وكان من هدي المصطفى ﷺ الاغتسال للعيد. وكان يلبس أجمل ثيابه يوم العيد، فإن التجمل باللباس يوم العيد والجمعة واجتماع الناس من الأمور المشروعة الثابتة عن رسول الله ﷺ وكان من هديه ﵊ الخروج ماشياً إلى الصلاة فإذا وصل إلى المصلى بدأ الصلاة من غير أذان ولا إقامة فكان يصلي ركعتين فيهما تكبيرات زوائد. وأصح ما ورد في صفة صلاة العيد وعدد التكبيرات الزوائد ما جاء في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ: (كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة ولم يصل قبلها ولا بعدها) رواه أحمد وابن ماجة وقال الحافظ العراقي إسناده صالح ونقل الترمذي تصحيحه عن البخاري. ويكون التكبير سبعاً في الأولى بعد القراءة وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة. وأما ما ورد في التكبير ثلاثاً في الأولى قبل القراءة وثلاثاً في الثانية بعد القراءة فإن الحديث فيه ضعيف لا يعول عليه وما تقدم أصح. وكان ﵊ يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة (ق) وفي الركعة الثانية سورة القمر. كما جاء في الحديث عن أبي واقد الليثي وقد سأله عمر: ما كان رسول الله يقرأ به في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ (ق والقرآن المجيد، واقتربت الساعة وانشق القمر) رواه مسلم. وأحياناً كان يقرأ في الأولى سورة الأعلى وفي الثانية سورة الغاشية كما في الحديث عن سمرة ﵁: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين بـ سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية) رواه أحمد. وبعد انتهائه علي الصلاة والسلام من الصلاة كان يشرع في الخطبة وكان يبدؤها بالحمد لله وليس بالتكبير كما يفعل أكثر الخطباء اليوم. قال العلامة ابن القيم ﵀: [وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير] زاد المعاد ١ /٤٤٧ وكان ﵊ يكبر كثيراً خلال خطبتي العيد. ومما يجدر ذكره أن التكبير في عيد الأضحى يبدأ من فجر يوم عرفة ويستمر حتى عصر اليوم الثالث من أيام التشريق وقد صح ذلك عن جماعة من الصحابة منهم عمر وعلي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود , فصح عنهم التكبير من غداة عرفة إلى آخر أيام التشريق. ويكون التكبير في أعقاب الصلوات المفروضة وغيرها من الأوقات. قال الإمام الشوكاني: [والظاهر أن تكبير التشريق لا يختص استحبابه بعقب الصلوات المفروضة بل هو مستحب في كل وقت من تلك الأيام] نيل الأوطار ٣/٣٥٨. وينبغي أن يعلم أن أيام العيد هي أيام ذكر لله تعالى وليست أياماً للتحلل من الأحكام الشرعية كما يظن كثير من الناس قال ﵊ (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ﷿ رواه مسلم. وكان ﵊ بعد انتهاء الصلاة والخطبة يأتي النساء فيعظهن ويذكرهن فقد جاء في الحديث عن جابر ﵁ قال: (شهدت مع النبي ﷺ يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكأً على بلال فأمر بتقوى الله وحث على الطاعة ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن) رواه مسلم. وكان ﵊ يعود من المصلى من طريق غير الطريق الذي سلكه في ذهابه ليكثر الناس الذين يسلم عليهم أو لغير ذلك من الحكم. وبعد رجوعه إلى منزله كان يتولى أضحيته بنفسه أو يوكل أحداً بذبحها فعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ... ) رواه مسلم. وأخيراً ينبغي التذكير بصلة الأرحام والإحسان إلى الفقراء والمساكين يوم العيد وكذلك فلا بأس بالتهنئة بالعيد والتوسعة على الأهل والأولاد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346758,"book_id":3840,"shamela_page_id":1138,"part":"18","page_num":180,"sequence_num":1138,"body":"١٨٠ - ضوابط العلاج بالخلايا الجذعية\r\rيقول السائل: ما هو الحكم الشرعي في استعمال الخلايا الجذعية في العلاج، أفيدونا؟\r\rالجواب: الخلايا الجذعية Stem Cells هي خلايا موجودة في الجنين الباكر ثم يقل عددها بعد ذلك، ولكنها تستمر إلى الإنسان البالغ في مواضع معينة، وهذه الخلايا لها القدرة بإذن الله تعالى لتشكل مختلف أنواع خلايا الجسم والتي تقدر بأكثر من ٢٢٠ نوعاَ من الخلايا المختلفة الأشكال والأحجام والوظائف، وتوجد هذه الخلايا في التكوين الجنيني لما بعد ولادته، وتعتبر مصدراً لبعض أنواع الأنسجة، خاصة الخلايا الجرثومي Germ cells وهي تعطي الخلايا الجنسية، وخلايا الدم، وخلايا الجلد، وقد عرفت فيما بعد باسم الخلايا الجذعية البالغة Adult stem cells،أما الخلايا الجذعية التي حركت المعامل وتعلقت بها الآمال بعد الله ﷾ في علاج العديد من الأمراض فهي الخلايا الجذعية الجنينية Embryonic stem cells التي وصفت بأنها سيدة الخلايا لأنها بمثابة (الكل) ، حيث لها قابلية التحول إلى أي نوع من أنواع خلايا الجسم وفق معاملات بيئية محددة في المختبر، ومصادر الخلايا الجذعية هي:\r١ ـ الجنين الباكر (الكرة الجرثومية أو البلاستولا) وبالذات من كتلة الخلايا الداخلية.\r٢ ـ الجنين الباكر (الخلايا الجنسية الأولية، أو ما يعرف بالخلايا الجرثومية الأولية Primordial Germ Cells) ، وهذا الجنين عمره عدة أسابيع (٤ ـ ٥ أسابيع) ، على عكس الخلايا الجذعية المأخوذة من كتلة الخلايا الداخلية من البلاستولا، التي لا يزيد عمرها عن بضعة أيام (أربعة إلى ستة أيام) .\r٣ ـ الأجنة المسقطة في أي مرحلة من مراحل الحمل.\r٤ ـ المشيمة والحبل السري بعد الولادة مباشرة.\r٥ ـ من خلال الأطفال الأصحاء. ويمكن استعمال الخلايا الجذعية في علاج عدة أمراض كالشلل الرعاش والزهايمر وأمراض القلب والسكري وإصابات النخاع الشوكي كما يقول الطب الحديث، عن شبكة الإنترنت. وقضية الخلايا الجذعية من القضايا الطبية التي أثارت عاصفة دينية وأخلاقية وأثارت إشكالات عديدة على مستوى العالم، وقد تدارست المجامع الفقهية الإسلامية هذه القضية المعاصرة ووضعت لها ضوابط معينة لجواز استعمالها في العلاج، فمن ذلك ما صدر عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في السعودية في شعبان ١٤١٠ الموافق ١٩٩٠م، فبعد إطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت في ربيع الأول ١٤١٠هـ وبالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، قرر ما يلي:\r\rأولاً: لا يجوز استخدام الأجنة مصدراً للأعضاء المطلوب زرعها في إنسان آخر إلا في حالات بضوابط لابد من توافرها: أ- لا يجوز إحداث إجهاض من أجل استخدام الجنين لزرع أعضائه في إنسان آخر، بل يقتصر الإجهاض على الإجهاض الطبعي غير المتعمد والإجهاض للعذر الشرعي، ولا يلجأ لإجراء العملية الجراحية لاستخراج الجنين إلا إذا تعينت لإنقاذ حياة الأم. ب- إذا كان الجنين قابلاً لاستمرار الحياة، فيجب أن يتجه العلاج الطبي إلى استبقاء حياته والمحافظة عليها، لا إلى استثماره لزراعة الأعضاء، وإذا كان غير قابل لاستمرار الحياة، فلا يجوز الاستفادة منه إلا بعد موته بالشروط الواردة في القرار رقم ٢٦ (١/٤) لهذا المجمع.\rثانياً: لا يجوز أن تخضع عمليات زرع الأعضاء للأغراض التجارية على الإطلاق.\rثالثاً: لا بد أن يسند الإشراف على عمليات زراعة الأعضاء إلى هيئة متخصصة موثوقة. والله أعلم. مجلة المجمع (العدد السادس، ج٣ ص ١٧٩١) . كما أن المجمع المذكور اتخذ قراراً آخر في نفس الدورة حول زراعة خلايا المخ والجهاز العصبي ورد فيه: [فبعد إطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت في ربيع الأول ١٤١٠هـ بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، وفي ضوء ما انتهت إليه الندوة المشار إليها من أنه لا يقصد من ذلك نقل مخ إنسان إلى إنسان آخر، وإنما الغرض من هذه الزراعة علاج قصور خلايا معيّنة في المخ عن إفراز مادتها الكيميائية أو الهرمونية بالقدر السويّ فتودع في مواطنها خلايا مثيلة من مصدر آخر، أو علاج فجوة في الجهاز العصبي نتيجة بعض الإصابات، قرر ما يلي:\r\rأولاً: إذا كان المصدر للحصول على الأنسجة هو الغدة الكظرية للمريض نفسه، وفيه ميزة القبول المناعي، لأن الخلايا من الجسم نفسه، فلا بأس من ذلك شرعاً.\r\rثانياً: إذا كان المصدر هو أخذها من جنين حيواني، فلا مانع من هذه الطريقة إن أمكن نجاحها ولم يترتب على ذلك محاذير شرعية. وقد ذكر الأطباء أن هذه الطريقة نجحت بين فصائل مختلفة من الحيوان، ومن المأمول نجاحها للإنسان باتخاذ الاحتياطات الطبية اللازمة لتفادي الرفض المناعي.\r\rثالثاً: إذا كان المصدر للحصول على الأنسجة هو خلايا حية من مخ جنين باكر - في الأسبوع العاشر أو الحادي عشر - فيختلف الحكم على النحو التالي:\rأ- الطريقة الأولى: أخذها مباشرة من الجنين الإنساني في بطن أمه، بفتح الرحم جراحياً، وتستتبع هذه الطريقة إماتة الجنين بمجرد أخذ الخلايا من مخه، ويحرم ذلك شرعاً إلاّ إذا كان بعد إجهاض طبعي غير متعمد أو إجهاض مشروع لإنقاذ حياة الأم، وتحقق موت الجنين، مع مراعاة الشروط التي سترد في موضوع الاستفادة من الأجنّة في القرار رقم ٥٩ (٨/٦) لهذه الدورة.\rب- الطريقة الثانية: وهي طريقة قد يحملها المستقبل القريب في طياته باستزراع خلايا المخ في مزارع للإفادة منها ولا بأس في ذلك شرعاً إذا كان المصدر للخلايا المستزرعة مشروعاً، وتم الحصول عليها على الوجه المشروع.\r\rرابعاً: المولود اللادماغي: طالما ولد حياً، لا يجوز التعرض له بأخذ شيء من أعضائه إلى أن يتحقق موته بموت جذع دماغه، ولا فرق بينه وبين غيره من الأسوياء في هذا الموضوع، فإذا مات فإن الأخذ من أعضائه تراعى فيه الأحكام والشروط المعتبرة في نقل أعضاء الموتى من الإذن المعتبر، وعدم وجود البديل، وتحقق الضرورة وغيرها، مما تضمنه القرار رقم ٢٦ (١/٤) من قرارات الدورة الرابعة لهذا المجمع. ولا مانع شرعاً من إبقاء هذا المولود اللادماغي على أجهزة الإنعاش إلى ما بعد موت جذع المخ - والذي يمكن تشخيصه- للمحافظة على حيوية الأعضاء الصالحة للنقل، توطئة للاستفادة منها بنقلها إلى غيره بالشروط المشار إليها. والله أعلم. مجلة المجمع (العدد السادس، ج٣ ص١٧٣٩) . وكذلك فقد ناقش مجلس مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة بمكة المكرمة سنة ٢٠٠٣ هـ موضوع\" نقل وزراعة الخلايا الجذعية بتفصيل مصادر تلك الخلايا \"، وبما يتفق مع توصيات المنظمة في ندوتها السادسة سنة ١٩٨٩ م سالفة الذكر، فقد جاء في القرار الثالث من قرارات مجلس مجمع الفقه الإسلامي ما يلي:\"الخلايا الجذعية\" وهي خلايا المنشأ التي يخلق منها الجنين، ولها القدرة -بإذن الله- في تشكل مختلف أنواع خلايا جسم الإنسان، وقد تمكن العلماء حديثاً من التعرف على هذه الخلايا، وعزلها، وتنميتها، وذلك بهدف العلاج وإجراء التجارب العلمية المختلفة، ومن ثم يمكن استخدامها في علاج بعض الأمراض، ويتوقع أن يكون لها مستقبل، وأثر كبير في علاج كثير من الأمراض، والتشوهات الخلقية، ومن ذلك بعض أنواع السرطان، والبول السكري، والفشل الكلوي والكبدي، وغيرها. ويمكن الحصول على هذه الخلايا من مصادر عديدة منها:\r١.الجنين الباكر في مرحلة الكرة الجرثومية\" البلاستولا \"، وهي الكرة الخلوية الصانعة التي تنشأ منها مختلف خلايا الجسم، وتعتبر اللقائح الفائضة من مشاريع أطفال الأنابيب هي المصدر الرئيس، كما يمكن أن يتم تلقيح متعمد لبييضة من متبرعة وحيوان منوي من متبرع للحصول على لقيحة وتنميتها إلى مرحلة البلاستولا، ثم استخراج الخلايا الجذعية منها.\r٢. الأجنة السقط في أي مرحلة من مراحل الحمل.\r٣. المشيمة، أو الحبل السري.\r٤. الأطفال، والبالغون.\r٥. الاستنساخ العلاجي، بأخذ خلية جسدية من إنسان بالغ، واستخراج نواتها ودمجها في بييضة مفرغة من نواتها، بهدف الوصول إلى مرحلة البلاستولا، ثم الحصول منها على الخلايا الجذعية.\r\rوبعد الاستماع إلى البحوث المقدمة في الموضوع، وآراء الأعضاء، والخبراء، والمختصين، والتعرف على هذا النوع من الخلايا، ومصادرها، وطرق الانتفاع منها: اتخذ المجلس القرار التالي:\r\rأولاً: يجوز الحصول على الخلايا الجذعية، وتنميتها، واستخدامها بهدف العلاج، أو لإجراء الأبحاث العلمية المباحة، إذا كان مصدرها مباحاً، ومن ذلك- على سبيل المثال - المصادر الآتية:\r١. البالغون، إذا أذنوا، ولم يكن في ذلك ضرر عليهم.\r٢. الأطفال، إذا أذن أولياؤهم، لمصلحة شرعية، وبدون ضرر عليهم.\r٣. المشيمة أو الحبل السري، وبإذن الوالدين.\r٤. الجنين السقط تلقائيّاً، أو لسبب علاجي يجيزه الشرع، وبإذن الوالدين. مع التذكير بما ورد في القرار السابع من دورة المجمع الثانية عشرة، بشأن الحالات التي يجوز فيها إسقاط الحمل.\r٥. اللقائح الفائضة من مشاريع أطفال الأنابيب إذا وجدت، وتبرع بها الوالدان، مع التأكيد على أنه لا يجوز استخدامه في حمل غير مشروع.\r\rثانياً: لا يجوز الحصول على الخلايا الجذعية واستخدامها إذا كان مصدرها محرَّماً، ومن ذلك على سبيل المثال:\r١. الجنين المسقط تعمُّداً بدون سبب طبي يجيزه الشرع.\r٢. التلقيح المتعمد بين بييضة من متبرعة وحيوان منوي من متبرع.\r٣. الاستنساخ العلاجي. والله أعلم.\r\rوخلاصة الأمر أن الإسلام لا يعارض البحث العلمي الذي يحقق منافع للناس، فيجوز العلاج باستعمال الخلايا الجذعية، ولكن ضمن الضوابط الشرعية، فلا يجوز شرعاً الحصول على الخلايا الجذعية من مصادر محرمة كالحصول عليها بطريقة الاستنساخ أو بطريق إهلاك الأجنة، ويجوز الحصول عليها من مصادر مباحة بواسطة الحبل السري أو المشيمة أو من الأنسجة أو الأجنة المجهضة تلقائيّاً، وكذلك يجب أخذ الاحتياطات اللازمة لمنع حدوث أضرار نتيجة العلاج الجيني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3346759,"book_id":3840,"shamela_page_id":1139,"part":"18","page_num":181,"sequence_num":1139,"body":"١٨١ - عقوبة الظالم الدنيوية والأخروية\r\rيقول السائل: إنه تعرض لظلمٍ شديدٍ من بعض أقاربه، حيث سلبوا حقوقاً له، واستولوا على أرضه ظلماً، واستعانوا ببعض وجوه العشائر في تحقيق مآربهم، فما الحكم الشرعي في ذلك، أفيدونا؟\r\rالجواب: لا شك أن الظلم مرتعه وخيم، والظلم من أقبح المعاصي وأشدها عقوبة، وقد حرم الله ﷻ الظلم في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه الأمين ﷺ، ومن يستعرض القرآن الكريم والسنة النبوية يقف على مئات الآيات والأحاديث التي تحدثت عن الظلم والظالمين، وتوعدت الظلمة ولعنتهم، قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ٥٧، وقال الله تعالى: ﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ٨٦، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ سورة الأنعام الآية ٢١، وقال الله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ سورة الأعراف الآية ٤٤، وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ سورة هود الآية ١٠٢، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة إبراهيم الآية ٢٢ وقال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً﴾ سورة الإسراء الآية ٨٢،وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً﴾ سورة الكهف الآية ٢٩،وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ سورة الحج الآية ٥٣، وقال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ الفرقان٣٧ الآية وقال الله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ سورة غافر الآية ١٨، وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ غافر الآية٥٢ وقال الله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ سورة الحج الآية ٧١. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِين ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ سورة يونس الآيتان١٣-١٤. وقال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ سورة الكهف الآية ٥٩،وقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ سورة إبراهيم الآيتان٤٢-٤٣، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة الشورى الآية ٤٢، وغير ذلك من الآيات، وأما الأحاديث فمنها: ما ورد في الحديث القدسي الذي يرويه النبي ﷺ عن رب العزة والجلال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا) رواه مسلم. وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) رواه مسلم. وجاء في خطبة الوداع قول النبي ﷺ: (ألا إن الله حرم عليكم دمائكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم، والأصل في المسلم أنه لا يظلم، فقد قال النبي ﷺ: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) رواه البخاري، وغير ذلك من الأحاديث. إذا تقرر هذا فإن مظاهر الظلم المتعلقة بحقوق العباد في مجتمعنا الحاضر قد تعددت وتنوعت أشكالها، ومنها ما ذكره السائل من الظلم في أخذ الحقوق وأكل أموال الناس بالباطل وغصب الأراضي، فقد حذر النبي ﷺ أشد التحذير من غصب الأراضي وأخذها من أصحابها بغير حق، فقد ورد في الحديث عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طوقه من سبع أرضين) رواه البخاري ومسلم، وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ: (من أخذ من الأرض شبراً بغير حقه خُسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين) رواه البخاري. ومن أشكال الظلم القتل وسفك الدماء، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ سورة الإسراء الآية ٣٣. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٩٣.وثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الكبائر فقال: (الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين) رواه البخاري. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري. وعن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجلٍ مسلم) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٥٦. وغير ذلك من الآيات والأحاديث. ومن أشكال الظلم التعدي على أعراض الناس، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثمًا مُبِينًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٥٨، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ سورة النور الآية ٢٣. ومن أشكال الظلم ما يكون بين الموظفين فيجور المدير على من هم تحت مسؤوليته، فصرنا نرى من يتولى مسؤولية ما، يصير كالفراعنة الجبابرة فيسوم الناس سوء المعاملة، ونسي هؤلاء قول النبي ﷺ: (اللهم من وَليَ من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم؛ فاشقق عليه. ومن وَلِيَ من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم؛ فأرفق به) رواه مسلم. وقال النبي ﷺ: (من ولاه الله ﷿ شيئاً من أمر المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره) رواه أبو داود والترمذي وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٢٦٠. [قال القاضي: المراد باحتجاب الله عنه أن لا يجيب دعوته ويخيب آماله] عون المعبود ٦/٤٢٦. ويلحق بذلك ظلم العمال وصغار الموظفين الذين تضيع حقوقهم وأجورهم، وورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل حديث رقم ١٤٩٨. ومن أشكال الظلم ما يكون بين أفراد الأسرة فيظلم الزوج زوجته، والزوجة زوجها، ويكون ذلك بتضييع حقوقهما، وكذلك ظلم ذوي الأرحام بقطع صلتهم ومن الظلم أكل أموال اليتامى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ سورة النساء الآية ١٠. ومن جوانب ظلم العباد تأخير رد الديون والمماطلة فيها، فقد قال النبي ﷺ: (مطل الغني ظلم) رواه البخاري. وغير ذلك من أشكال الظلم، وعلى كل حال فالظلم بجميع أشكاله وأنواعه محرم. وأما عقوبة الظالم، فقد تكون في الدنيا قبل الآخرة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ سورة الأنعام الآية ١٢٩، قال ابن كثيرٍ في تفسير الآية: [نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاءً على ظلمهم وبغيهم] تفسير ابن كثير ٣/٩٢. وقال الفخر الرازي: [الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين، فالله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم، فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم] التفسير الكبير ١٣/١٩٤. ويجب أن يُعلم أن الظلم من الذنوب التي قد يعجل الله عقوبتها في الدنيا، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس شيء أُطيعَ الله فيه، أعجل ثواباً من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع) رواه البيهقي وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٧٠٦، وبلاقع، جمع بلقع وبلقعة، وهي الأرض القفر التي لا شجر فيها. والله ﷻ قد يملي للظالم ثم يأخذه أخذةً شديدةً، كما ورد في حديث أَبي موسى ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ رواه البخاري ومسلم. وأما عقوبة الظالم في الآخرة فقد قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ سورة طه الآية١١١،وقال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ سورة هود الآية ١٨، وقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ سورة الشورى الآية ٤٥ وقال النبي ﷺ: (الظلم ظلماتٌ يوم القيامة) كما سبق. وأما إعانة الظالم على ظلمه فمن المهلكات التي توجب غضب الله ﷿، فقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أعان على خصومةٍ بظلمٍ، لم يزل في سخط الله حتى ينزع) رواه ابن ماجة وحسنه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/١٩، وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أعان ظالماً بباطلٍ ليدحض بباطله حقاً، فقد برئ من ذمة الله ﷿ وذمة رسوله) رواه الطبراني والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/١٧.\rوخلاصة الأمر أن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، وأن إعانة الظالم على ظلمه موجبة لسخط الله ﷿، وعلى الظالم أن يرجع عن ظلمه وأن يتحلل من المظالم، لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) رواه البخاري. وليحذر الظلمة دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب كما في الحديث في صحيح البخاري. وقال الإمام الشافعي:\rلا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً ... فالظلم ترجع عقباه إلى الندم\rتنام عيناك والمظلوم منتبهٌ ... يدعو عليك وعين الله لم تنم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}