{"page_id":2471884,"book_id":1601,"shamela_page_id":1,"part":"1","page_num":1,"sequence_num":1,"body":"قصة موسى والخضر [١]\rالنفس مجبولة على التأسي بغيرها، والاعتبار بما يحدث لمن حولها ولذلك فقد اعتنى القرآن الكريم بالقصص عناية كبيرة، فقد قص علينا قصصاً كثيرة لنأخذ منها العظة والعبرة، ومن القصص العظيمة التي قصها لنا القرآن، قصة موسى والخضر ﵉، ففيها عظات وعبر لا يستغني عن تدبرها المؤمن خلال سيره إلى الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471885,"book_id":1601,"shamela_page_id":2,"part":"1","page_num":2,"sequence_num":2,"body":"قصة موسى والخضر\rإن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rهذا هو الدرس الأول من الدروس المستفادة من قصة موسى والخضر ﵉.\rروى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث سعيد بن جبير ﵀، قال: قيل لـ ابن عباس ﵄: إن نوفل المثالي يزعم أن موسى الذي صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثني أبي بن كعب عن النبي ﵌ قال: (خطب موسى في بني إسرائيل يوماً حتى ذرفت العيون ووجلت القلوب، فلما انصرف تبعه رجل، فقال: يا نبي الله! هل هناك أعلم منك في الأرض؟ قال: لا.\rفعتب الله ﷿ عليه إذ لم يرجع العلم إليه، قال: بلى، إن لي عبداً في مجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: أي رب! وكيف لي به؟ قال: خذ حوتاً واجعله في مشكل) وفي رواية: (قال: خذ نوناً ميتاً -والنون: هو الحوت، وإليه نسب يونس ﵇ ((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)) [الأنبياء:٨٧] ، فالنون هو الحوت، وكل سكان البحر يعد من الحيتان، فالسمك اسمه حوت، قال ابن عباس: اشتهيت حيتاناً، أي: أسماكاً- قال: خذ نوناً ميتاً واجعله في مشكل، فحيث فقدته فهو ثم -أي حيث فقدت هذا الحوت فالخضر هناك، فانطلقا، حتى إذا كانا ببقعة من الأرض قال موسى لفتاه: لا أكلفك كثيراً، أيقضني إذا رد الله الحياة في الحوت، قال: ما كلفت كثيراً، ثم إن الحوت ارتدت إليه الحياة وقفز في البحر، فأمسك الله عليه الماء وحبسه فلم يستطع أن يذهب.\rفلما استيقظ موسى ﵇ نسي غلامه أن يخبره أن الحوت قفز في الماء، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، فلما كانا من الغد قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢] ، تذكر الفتى أن الحوت المشوي الذي كانا سيتغديان به قفز في الماء، قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣] ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:٦٤] رجعا يقصان الآثار مرة أخرى.\rفلما ذهبا إلى هناك وجدا عبداً مسجى ببردة خضراء تحت قدميه وتحت رأسه، كالذي يلتحف بلحاف فيجعله تحت رأسه وتحت قدميه، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه، وقال: وهل بأرضي سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى.\rقال: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم.\r-هذا هو السؤال الذي من أجله قال ابن عباس: كذب عدو الله؛ لأن الخضر ﵇ قال: أنت موسى بني إسرائيل؟ - قال: وما تريد؟ قال: أريد أن أتعلم.\rقال: ((إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)) [الكهف:٦٧] .\rقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩] .\rفجاء عصفور فنثر من ماء البحر نثرة، فقال الخضر: يا موسى! إن مثل علمي وعلمك بجانب علم الله ﷿ كمثل الماء الذي أخذه هذا العصفور بمنقاره ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٧٠] .\rفانطلقا، ووقفا على شاطئ البحر، فمر مركب فأراد الخضر وموسى أن يركبا، فقال الغلمان: عبد الله الصالح لا نحمله بأجر، فعمد إلى مكان في السفينة فخلع منه لوحاً بقدوم ووضع مكانه خشبة، قال موسى: قوم حملونا بغير أجره تخلع لوحاً من سفينتهم لتغرق أهلها، لقد جئت شيئاً إمراً ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٢] ، قال النبي ﵌: وكانت هذه من موسى نسياناً.\rفلما نزلا من السفينة وجدا أُغيلمة يلعبون، فعمد الخضر إلى ولد وضيء جميل ذكي، فأخذه من رأسه وأضجعه على الأرض وذبحه بالسكين، فقال موسى: عمدت إلى نفس لم تعمل الحل فقتلتها بغير نفس، لقد جئت شيئاً نكراً، قال الخضر ﵇: ((أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)) [الكهف:٧٢] ، قال النبي ﷺ: وكانت هذه شرطاًَ) ؛ لأن موسى ﵇ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف:٧٦] وهناك فرق في التحذير بين المرة الأولى والثانية، ففي المرة الأولى قال له الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٢] ، وفي المرة الثانية قال له: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٥] ، فكأنه استدار إليه وأشار إليه، ولذلك فرق النبي ﵊ بينهما وبين أن الأولى كانت من موسى نسياناً فلم يشدد الخضر عليه، وكانت الثانية شرطاً في المفارقة، لذلك كأنه التفت إليه وحذره وأشار: ألم أقل لك -أي: في المرة الثانية- إنك لن تستطع معي صبراً.\rفدخلوا إلى قرية: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف:٧٧] ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨] ، قال النبي ﵊: (يرحم الله موسى -وفي رواية: رحمة الله علينا وعلى موسى- وددنا أنه صبر حتى يقص الله ﷿ علينا من أخبارهما) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471886,"book_id":1601,"shamela_page_id":3,"part":"1","page_num":3,"sequence_num":3,"body":"فوائد ودروس من قصة موسى والخضر\rإن قصة موسى والخضر من القصص التي تشتمل على كثير من العبر، وقد عُني القرآن الكريم جد العناية في عرض القصة؛ لأن النفس مجبولة على التأسي بغيرها، كما قالت الخنساء لما قُتل أخوها: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي فبمصاب غيرك يهون عليك مصابك، إذا شعرت أن غيرك يشاركك في هذا المصاب خف عليك المصاب، وإنما يعظم الأمر إذا كنت متفرداً بالبلية، وإلى هذا المعنى إشارة في قوله ﵎: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] ، فالله ﵎ ينفي من أذهان أولئك هذه المشاركة التي يجدها العبد في الدنيا، فيقول له: ليس الأمر في الآخرة كالدنيا، إنك إذا رأيت غيرك في مثل مصابك هان عليك مصابك كلا! لا ينفعك أنك ترى جهنم كلها مليئة بالخلق يعذبون مثلك، إن هذا لا يخفف عنك شيئاً؛ لأن التسلية التي كنت تراها في الدنيا قد ذهبت: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] .\rوفي حديث الإفك أن عائشة ﵂ لما بلغتها التهمة قالت: (بكيت يومي وليلتي حتى ظننت أن البكاء فالقٌ كبدي، فاستأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي) .\rقد يقول البعض: وما الفائدة من قول عائشة ﵂: (جلست تبكي معي) ؟ فنقول: الفائدة هنا هي المشاركة التي تخفف عن الإنسان ألمه.\rولما بعث النبي ﵊ ودعاء إلى الله تعالى في مكة، وعذب أصحابه العذاب الأليم، نزل القرآن الكريم يقص عليهم كثيراً من القصص، وأكثر النبي ﵊ من ذكر القصص، فقص عليها آنذاك قصة الساحر والراهب، وفيها البلاء في الدين، حتى قال أبو ذر ﵁: (نالنا من الكفار شدة، فذهبنا إلى النبي ﵌ نستنصره، فوجدناه عند الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا؟! فاعتدل وقال: لقد كان يؤتى بالرجل من قبلكم فينشر بالمنشار حتى يشق نصفين لا يرده ذلك عن دينه) .\rفإذا علمت أن أصحاب الأنبياء جميعاً عذبوا وأوذوا؛ علمت أنك لست في الطريق وحدك، هذا الطريق المستقيم طريق الله ﷿ الممتد من لدن آدم ﵇ إلى أن تقوم الساعة، لست الضحية فيه وحدك.\rكم من العلماء عذبوا بل طارت رقابهم! بل كم من الأنبياء عذبوا وقتلوا! ألم يقتل يحيى ﵇ وتقطع رقبته وتهدى إلى امرأة بغي، وهو نبي؟! إذا تذكرت ما فعله اليهود بموسى ﵇ هان عليك مصابك، وقد جاء في الصحيحين: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﵌، فأخذ ببرده وجذبه حتى أثرت حاشية البرد في عنقه ﵊، وقال: يا محمد! أعطني من مال الله، فإنه ليس مالك ولا مال أبيك ولا مال أمك، فتبسم ﵊، وقال: يرحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) ، هنا يذكر النبي ﷺ موسى ﵇، ويقول: (قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) ، وليس المعنى أن موسى ﵇ أوذي أكثر من نبينا ﷺ في الحقيقة، لكن المعنى: أنه أوذي أكثر من هذا، أي: أكثر من هذا الفعل بعينه فصبر، فهنا يذكر سلفه في الأذى وفي البلاء فيحمله ذلك على الصبر.\rفميل الناس إلى القصص فطري، وهو ميل شديد قوي؛ لذلك فقد عني القرآن الكريم عناية كبيرة بالقصص، وقد حدد الهدف من هذه القصص، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١] ، أي: للذين يتفكرون ويأخذون الأسوة.\rفقصة موسى والخضر من القصص التي قصها علينا القرآن الكريم، وزادها النبي ﵌ وضوحاً.\rوفي هذه القصة مطالب:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471887,"book_id":1601,"shamela_page_id":4,"part":"1","page_num":4,"sequence_num":4,"body":"هل الخضر ولي أم نبي؟\rالمطلب الأولى: هل الخضر ولي أم نبي؟ وقد يقول البعض: وهل ينبني على ذلك حكم؟ نقول: نعم.\rقال ابن المنادي: أول عقده تحل من الزندقة أن يكون الخضر نبياً؛ لأن الصوفية يزعمون أن الولي أعظم من النبي، يقولون: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي إذاً: فالولي عندهم أعظم من النبي، وهذا ضلال مبين وزندقة؛ لأن النبوة ليست مكتسبه؛ بل هي منحة من الله ﷿.\rفإثبات أن الخضر نبي أول عقدة تحل من هذا الحبل الطويل من الزندقة، وقد استدل العلماء على أنه نبي بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] ، أي: ليس لي دخل في الذي فعلت، ويؤكد أنه نبي أن الله ﵎ قال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥] ، والله ﵎ لا يؤتي هذا العلم إلا لنبي.\rأما كونه لم يرسل إلى قوم فهذا هو الغالب على الأنبياء، ولذلك فإن من الفروق التي يذكرها العلماء بين الرسول والنبي: أن النبي قد يشرف بالنبوة لذاته ولكن لا تناط به رسالة، فكثير من الأنبياء لم يبلغوا رسالة تذكر، لكنهم شرفوا بهذا المنصب بأن صاروا أنبياء، بخلاف الرسول؛ فإنه لا بد أن يرسل إلى قوم.\rولذلك قال العلماء: إن عدد الرسل أقل بكثير من عدد الأنبياء؛ لأن النبوة رتبه قد يشرف بها العبد بغير رسالة إلى قوم، بخلاف الرسل.\rوأشهر الرسل خمسة هم أولو العزم الذين نوه الله ﵎ بشرفهم، وهم: نوح ﵇، وإبراهيم ﵇، وموسى وعيسى ﵉، ونبينا ﵌.\rوإنما كانوا من أولي العزم؛ لأنهم أرسلوا إلى جبابرة، وذاقوا من العذاب الأليم ما لم يذقه كثير من الرسل فضلاً عن الأنبياء؛ ولذلك وصفهم الله ﷿ بأنهم من أولي العزم.\rإذاً: الخضر ﵇ على قول أغلب العلماء نبي، فليس بعجيب أن يتعلم نبي من نبي، إن اليهود هم الذين أنكروا أن يكون موسى هو موسى بني إسرائيل؛ لأنهم قالوا: كيف يتعلم موسى من آخر وموسى نبي، والمفترض في النبي أنه أعلم أهل الأرض؟ لأنه غلب على ذهن موسى ﵇ أنه أعلم الناس، ولم يتصور قط أن يكون هناك أعلم منه، لذلك لم يتردد في الإجابة بقوله لما سئل: هل هناك أعلم منك؟ قال: لا.\rلظنه أن الله ﵎ لا يعطي أحداً علماً أكثر منه، فأنكر بنو إسرائيل أن يكون موسى هو موسى بني إسرائيل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471888,"book_id":1601,"shamela_page_id":5,"part":"1","page_num":5,"sequence_num":5,"body":"الخضر ليس أعلم من موسى ﵇\rهل الخضر أعلم من موسى ﵇؟\r\rالجواب\r لا ثم لا؛ لأن الخضر ﵇ كان أعلم منه بهذه الجزئية التي علمه الله تعالى إياها؛ ليثبت لموسى ﵇ أنه ليس أعلم من في الأرض فقط، أما في بقية العلم فلا شك أن موسى أعلم، ولا شك أن موسى أفضل من الخضر، ولذلك قال له الخضر لما نقر العصفور من ماء البحر: يا موسى! إنني على علم من الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمك هو لا أعلمه أنا.\rبل لما قال له موسى ﵇: جئت أتعلم منك، قال: أما يكفيك أن الله كتب لك التوراة بيده.\rإذاً: الخضر ﵇ إنما هو أعلم من موسى بهذه الجزئية فقط، أما أنه أعلم من موسى بكافة الجزئيات الأخرى فلا.\rوقد أراد الله ﷿ أن يؤدب موسى، وكذلك كل عالم ومفتي يجب أن يُرجع العلم إلى الله ﷿، وهذا هو مستند قول العلماء بعد ذكر الفتوى: والله أعلم.\rفليس معنى قول المفتي: (الله أعلم) أنه يشك في فتواه؛ بل إنه يكل علم ذلك على الحقيقة إلى الله ﷿، فإن المفتي قد يفتي في القضية ويرى أن هذا هو الصواب من وجهة نظره، ويكون الأمر على خلاف ذلك، وعلى هذا الأمر تُخرَّج فتاوى العلماء التي أخطئوا فيها بأنهم كانوا يظنون أن الحق فيما ذهبوا إليه.\rفهذا عمر بن الخطاب ﵁ لما جاءه رجل قد قطعت إصبعه، فقال: هل عندكم من شيء في دية الأصبع؟ فسكتوا، فاجتهد عمر ﵁ رأيه، ورأى أن دية الأصابع تختلف باختلاف منافعها، فهذه الإصبع لا تساوي هذه؛ لأن هذه الإصبع تملك حركة الأصابع الأربع الباقية، فيقول: لا أساوي بينها في الدية؛ بل هي تختلف باختلاف منافعها.\rفهل هذا هو الصواب؟ الجواب: لا.\rلكن لم يكن عند عمر بن الخطاب ﵁ علم أكثر من ذلك، فاجتهد رأيه في هذا الأمر، وظل المسلمون يعملون بهذا الحكم حتى خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵁.\rفلما بلغ هذا الأمر ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﵌ يقول: (هذه وهذه وهذه سواء، عشر من الجمال) ، فساوى النبي ﵊ بينها، فكل إصبع ديتها عشر من الجمال، فلو افترضنا أن الجمل بألفي جنيه، فإن دية الإصبع عشرون ألف جنيه.\rإذاً: عمر ﵁ أفتى بخلاف الصواب، لكن هل عليه إثم؟ الجواب: لا؛ لقوله ﵊: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران) ، أما الذي له أجر؛ فلأنه اجتهد فله أجر على الاجتهاد، وهو إفراغ الوسع في طلب الحق، فإن أصاب فله أجران: أجر إفرغ الوسع وأجر إصابة الحق.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471889,"book_id":1601,"shamela_page_id":6,"part":"1","page_num":6,"sequence_num":6,"body":"الاستدلال بحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة) على جواز حلق اللحى\rالحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\rفقد ذكرنا حديث: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران) وقد ذكَّرني هذا الحديث بقضية أثارها بعض الناس، فقد استدل بعضهم على حكم حلق اللحية بإقراره ﵌ المسلمين الذين غزوا بني قريظة واختلفوا في صلاة العصر: أيصلونها في بني قريظة أم يصلونها في وقتها؟ ولم يعنف النبي ﵊ إحدى الطائفتين، فقالوا: كذلك الذي يعفي لحيته لا يجوز له أن يعنف حالقها، كما أن النبي ﵌ لم يعنف أحداً من الطائفتين.\rوهذه فرية بلا مرية؛ إذ كيف يقيس هذا الإنسان إقرار النبي ﵌ أصحابه الذين اختلفوا في أداء العصر أفي الوقت أم في بني قريظة بعد الوقت على أمر نص النبي ﵊ نصاً واضح الدلالة أنه لا يجوز للمسلم أن يتعمد حلق لحيته؟! فقد قال ﷺ: (اعفوا اللحى وقصوا الشوارب) .\rأما الذين ذهبوا لغزو بني قريظة فقد سمعوا قوله ﵊: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) ، فقال بعضهم: إن النبي ﵊ لم يقصد ظاهر الخطاب؛ بل أراد أن يحثنا على القتال حتى ندخل بني قريظة قبل العصر فنصلي هناك، أو ندخل بني قريظة في وقت العصر فنصلي هناك، فهذا حث منه لنا ﵊ أن ندخل بني قريظة في وقت العصر، ولم يكن يقصد أننا لا نصلي العصر إلا في بني قريظة ولو كان وصولنا بعد العشاء.\rوذلك لأن عندهم أدلة واضحة على عدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها، فهذه الأدلة الواضحة لا يمكن أن يتركوها لنص فيه احتمال، والعلماء يقولون: إذا تطرق إلى الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال، فإذا كان ظاهر الخطاب يحتمل أكثر من وجه، فلا يتعين أحد الأوجه إلا بدليل مستقل خارج عنه.\rوعندهم أدلة على عدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها، فيقولون: لا نترك هذه الأدلة القاطعة بنص يحتمل أكثر من وجه، فحملوا دلالة النص على معنى الأحاديث الأخرى، وهو: استحثاث المسلمين على دخول بني قريظة في وقت العصر.\rوقال بعضهم: لا.\rبل قصد أننا لا نصلي العصر حتى نغزو بني قريظة، ولو أخذ منا الجهاد إلى وقت العشاء.\rولم يعنف بعضهم بعضاً، ولم ينشق المسلمون وهم يقاتلون بسبب هذا الاختلاف الفقهي، إنما كلٌ أخذ برأيه ولم يعنف الآخر، فالذين أبوا أن يؤخروا العصر عن وقته صلوا العصر، والآخرون لم يصلوا العصر حتى غزوا بني قريظة، فكان وقت العصر قد ذهب.\rفعندما جاءوا إلى النبي ﵊ وذكروا له ما حدث، تبسم ولم يعنف أحداً، فإقراره ﵊ حقٌ؛ لأنه لا يقر على باطل ولا خطأ، فلما سكت دل على أنه أقر كلا الطائفتين.\rفالشبهة التي يحتجون بها: أن طائفة فعلت شيئاً، وطائفة فعلت عكس الطائفة الأولى، فلم يعنف هذه ولا تلك، فكذلك المسلم إذا أعفى لحيته لا جناح عليه، فإن حلق لحيته فلا يجوز للآخر أن يعنفه، فهل واقعة بني قريظة كمثل هذا المثل الذي ضربه هذا المحتج؟\r\rالجواب\r شتان ما بين الأمرين، ولا يستقيم في الأذهان شيء إذا كانت القسمة هكذا، إذاً: فلماذا لم يعنف النبي ﵊ إحدى الطائفتين برغم أن الحق في جانب واحد منهما بلا شك؟ لأن الحق واحد لا يتعدد وإن اختلفت أفهام الناس فيه، فيستحيل أن يكون الحق متعدداً، إنما الحق واحد، وطرق الناس في الذهاب إلى الحق متباينة، لكن الذي أصاب الحق واحد فقط، فلا شك أن أحدهما مخطئ، فلماذا لم يعنفه النبي ﵊؟ لأنه ﵊ قال: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر) ، فهل يجوز أن يعنف من له أجر واحد المأجور؟ لا يعنف، إنما الذي يعنف هو المأزور، وهذا بنص الحديث، فلذلك لم يعنفه النبي ﵊؛ لا لأنه أقر الاثنين، بمعنى: أنه أقر أن ترك العصر حتى يخرج وقتها صواب، وأن الذين صلوا في الوقت على صواب، إنما لم يعنفهم؛ لأن الذي أخطأ أصاب أجراً واحداً.\rفحديث واقعة بني قريظة التي أقرها النبي ﵊ لا علاقة لها بالمثل المضروب؛ لأن المثل المضروب في أمر، وعلماء الإسلام يقولون: إن الأمر إذا خرج من النبي ﵊ يفيد الوجوب، أي: أنه لا يجوز للمسلم أن يخالف أمره ﵌.\rورحم الله الإمام المجتهد تقي الدين السبكي إذ قال في جزء له أسماه (بيان قول الإمام المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي) قال: وليتخيل أحدكم إذا سمع حديثاً للنبي ﷺ أنه واقف بين يديه، وسمع هذا الأمر منه، أكان يسعه أن يتخلف؟ الجواب: لا.\rلذلك إذا سمع المسلم حديثاً للنبي ﵊ فواجب عليه أن يمتثل.\rنسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير.\rاللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.\rاللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.\rاللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.\rاللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.\rاللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471890,"book_id":1601,"shamela_page_id":7,"part":"2","page_num":1,"sequence_num":7,"body":"قصة موسى والخضر [٢]\rأول عقدة تحل من عقد الزندقة هي إثبات أن الخضر نبي وليس مجرد ولي، والعقدة الثانية التي تحل هي إثبات أنه ميت وليس بحي، وقد دل على هذا الكتاب والسنة وإجماع المحققين من العلماء، وكذلك دلَّ المعقول من عدة أوجه على أن الخضر قد مات.\rوالكلام في هذه المسألة ليس كلاماً هامشياً، بل هو إيقاظ للآلاف ممن ظنوا حياته وانخدعوا برؤية الشياطين التي تتمثل في صورته، مما قادهم إلى الانسلاخ عن الدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471891,"book_id":1601,"shamela_page_id":8,"part":"2","page_num":2,"sequence_num":8,"body":"هل الخضر حي أم ميت؟\rإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rإن الخضر ﵇ نبي على رأي جماهير العلماء، واستدلوا بقوله ﵎: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] أي: أنه مأمور من قبل الله ﵎ بما يفعل، قالوا: وهذا لا يكون إلا لنبي.\rقال الإمام العلم أبو الحسين بن المنادي رحمه الله تعالى: (إثبات أن الخضر نبي أول عقدة تحل من الزندقة) ؛ لأن الزنادقة كما قال الحافظ ابن حجر ﵀: يقولون: إن الخضر ولي، وينشد منشدهم في ذلك قائلاً: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي أي: أن مقام الولاية أعلى من مقام النبوة والرسالة، فالذي يصفونه بأنه ولي هو أعلى عندهم من النبي والرسول، وقولهم: (فويق الرسول) -أي: فوقه بقليل (ودون الولي) فيكون الترتيب على حسب ترتيبهم: الولي، ثم النبي، ثم الرسول، ولو عكسوه لكان أولى: الرسول، ثم النبي، ثم الولي.\rفإثبات أن الخضر ﵇ نبي أول عقدة تحل من الزندقة.\rهل الخضر ﵇ حي أم مات؟ وسبب الحديث عن هذا البحث أن كثيراً من الجهال الخارجين عن الشريعة أو الذين تعلقوا منها بحبل واهٍ يشبه خيط العنكبوت، يزعم أحدهم أنه قابل الخضر، فيقول: أوصاني الخضر وأفتاني الخضر وأرشدني الخضر، ويقسم أنه رأى الخضر وأنه كلمه، ويحتج ببعض إطلاقات لبعض علمائنا كـ ابن الصلاح والنووي وغيرهما من أن الخضر حي، وأن كثيراً من العارفين رأوه وكلموه كفاحاً بغير ترجمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471892,"book_id":1601,"shamela_page_id":9,"part":"2","page_num":3,"sequence_num":9,"body":"أدلة القائلين بأن الخضر حي\rإن أقوى ما تعلقوا به في هذا المجال ما رواه الطبراني وغيره بسند ضعيف فيه مجاهيل كما قال ابن كثير ﵀، أن النبي ﵌ قال لأصحابه: (ألا أنبئكم بالخضر؟ كان رجل من بني إسرائيل مر على الخضر فسأله شيئاً لوجه الله، فقال له الخضر: إن الله قادر أن يعطيك كذا وكذا ما عندي شيء، فقال: سألتك بالله أن تعطيني شيئاً، فقال: ما عندي من شيء أعطيكه ولكني أستحي أن تسألني بالله شيئاً وأردك، خذني فبعني في السوق واقبض ثمني وأنفقه، قال: وكيف آخذك يا عبد الله وأنت كذا وكذا، قال: إنك سألتني بمن لا يرد، خذني فبعني، فأخذه فباعه بأربعمائة درهم، فاشتراه هذا الرجل ورآه شيخاً كبيراً فانياً لا يصلح للعمل.\rفقال له الخضر يوماً: كلفني بشيء، قال: إني أشفق عليك وقد رأيتك شيخاً كبيراً فانياً أن أكلفك بما لا تطيق، قال: بل كلفني -وهو لا يدري أنه الخضر- قال: فانقل هذه الحجارة -وكانت حجارة عظيمة- ريثما أذهب إلى السوق، وهذه الحجارة ما كان يحملها أقل من ستة نفر.\rوذهب الرجل إلى السوق ورجع فلم يجد حجراً واحداً فتعجب! وقال: شققنا عليك أيها الشيخ، قال: لم تكلف كثيراً، قال: فإني على سفر اخلفني في أهلي حسناً، قال: ألا كلفتني بشيء، قال: إنك شيخ كبير وأخشى أن أشق عليك، قال: لا بل كلفني، قال: اضرب لي اللَّبِن -الطوب- حتى أبني داري.\rوذهب الرجل ورجع فوجده ضرب الطوب وبنى البيت وهيأه، فأول ما رآه تعجب وقال: سألتك بالله من أنت؟ قال: بهذا دخلت العبودية -أي: أنه صار عبداً بمثل هذا السؤال لأنه سئل بالله فلم يقدر أن يرد هذا الرجل فباعه- قال: وأنت تسألني بالله أيضاً.\rقال: سألتك بالله من تكون؟ قال: أنا الخضر.\rقال: نبي الله؟ قال: نعم.\rقال له: أخيرك بين أن تكون حراً وبين أن تكون في ضيافتي، قال: بل دعني، فأعتقه) .\rفهذا من أكبر ما يحتجون به، وكما قدمت أنه ضعيف، فإذا كان أقوى ما عندهم ضعيفاً فما بالك بالذي بعده، لاشك أنه شر منه.\rثم لو فرضنا أنه صحيح، فما وجه الدلالة فيه على القضية المتنازع فيها؟ نحن الآن بصدد إثبات هل الخضر حي أيام بعثة النبي ﵊ أم لا؟ فأين في هذه القصة على طولها من الدلالة ما يثبت هذا البحث؟ والنبي ﵊ يقول: (كان رجل من بني إسرائيل) ، ونحن نعلم أن الخضر صاحب موسى ﵉ كلاهما كان في بني إسرائيل.\rإذاً: لو صحت هذه القصة لم يكن فيها متعلق على الأمر المتنازع عليه، إذاً: فما هي بقية حججهم؟ حكايات ورؤى أن أحد الصالحين قال: رأيت الخضر، وكلمني الخضر، وحدثني الخضر، وأفتاني الخضر، ليس عندهم أكثر من هذا.\rأما الأحاديث التي يحتجون بها فأجمع علماء الحديث وهم أهل الفصل في هذا الباب أن كلها أحاديث مكذوبة موضوعة مفتراة على النبي ﷺ، وأوردها ابن الجوزي في كتاب الموضوعات، وشدد النكير على واضعيها، فليس في أيديهم شيء، فالقول الصحيح في المسألة أنه مات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471893,"book_id":1601,"shamela_page_id":10,"part":"2","page_num":4,"sequence_num":10,"body":"أهمية إثبات أن الخضر قد مات\rنحن حين نهتم بهذه المسألة لا نقاتل طواحين الهواء بإثبات أن الخضر مات، فإن من وراء إثبات موت الخضر إنقاذاً لعشرات المئات بل الألوف من المغفلين، الذين يأخذون دينهم من هؤلاء الشياطين الذين يتمثلون بصورة الإنسي فيأخذون منهم الفتوى، إذاً: لماذا جاء النبي ﵊، إذا كنت تأخذ فتواك من الخضر؟ لقد قال النبي ﵊ لما رأى في يد عمر بن الخطاب ﵁ ورقة كما رواه أحمد في مسنده من حديث جابر، قال: (ما هذا يا عمر؟ قال: ورقة من التوراة كتبها لي رجل من اليهود -صفحة من التوراة يقرأها عمر - فغضب النبي ﵊، وقال: أمتهوكون فيها يـ ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء ناصعة، والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) .\rفلو سلمنا أن الخضر موجود، وأنه حي فكيف يتبع؟ وكيف تؤخذ منه الفتوى؟ وموسى ﵇ الذي هو بإجماع الخلق أجل من الخضر ولا شك في ذلك، لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباع النبي ﷺ، أفيتبع الخضر المشكوك في حياته بل المقطوع بأنه مات؟ إن في إثبات أن الخضر مات حلاً لعقدة الزندقة الأخرى التي يعيش عليها ألوف المغفلين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471894,"book_id":1601,"shamela_page_id":11,"part":"2","page_num":5,"sequence_num":11,"body":"الأدلة على أن الخضر مات\rالخضر مات لا شك في ذلك، والدليل على ذلك أربعة أشياء: القرآن، والسنة، وإجماع المحققين، والمعقول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471895,"book_id":1601,"shamela_page_id":12,"part":"2","page_num":6,"sequence_num":12,"body":"أقوى حجة للقائلين بأن الخضر حي\rلقد اطلعت على أغلب الحكايات حتى أقف على دليل ننصف به القائلين بأن الخضر حي فما وجدت شيئاً يعتمد عليه، وأقوى ما ذكروه ويذكرونه ما ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق بسند صحيح عن أبي زرعة الرازي وهو أحد الأعلام الكبار والجبال الرواسي في الحفظ ﵀ قال: قابلني رجل في الطريق شيخاً له هيئة وسمة، قال لي: يا غلام، لا تغشى أبواب الأمراء والسلاطين ثم غاب عني، ثم لقيني بعد ما كبرت بنفس هيئته، فقال: ألم أنهك أن تأتي أبواب السلاطين، قال: وما رأيته بعد ذلك.\rقال أبو زرعة: فوقع في قلبي أنه الخضر.\rوليس هذا بدليل؛ إذ أننا نقول: كيف عرفت أنه الخضر؟ قالوا: لأنه قال: لم أره بعد ذلك، أي: أنه اختفى في الحال، بمجرد أن قال له هاتين الكلمتين اختفى وبعد ذلك ما رآه.\rفنقول: هل قول أبي زرعة: (لم أره بعد ذلك) يحتمل هذا فقط، أم يحتمل أنه لم يقابله بعد ذلك؟\r\rالجواب\r يحتمل الاثنين، إذاً: لماذا أخذت هذا وتركت ذاك؟ كما يقولون: ليس حباً في علي ولكن بغضاً في معاوية.\rهم يبحثون عن أي دليل، ونحن نذكر (أدلتهم) تجوزاً، وإلا فهي على رسم جميع العلماء ليست أدلة، فلو تجوزنا وقلنا: هي دليل فهي كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، لا تقف منها على شيء، وغالب أدلتهم هكذا، فإن كان هناك قطاع من أمة محمد ﵌ خرج بهذا الباب من الدين، ودخل هذا المهيع إلى باب الشرك وعدم الاعتماد على الله ﵎ والانسلاخ من الشريعة، فكيف يقال: إن القول بحياة الخضر أو عدم القول به مسألة هامشية.\rأحياناً يدخل رجل مريض المستشفى، وبرغم أنهم يعلمون أنه ميت إلا أنهم لا يتركون صغيراً أو كبيراً من أسباب العلاج إلا طرقوه، لِمَ تفعلون ذلك؟ يقولون: هذا حياة إنسان، وإذا جئت أنا وتكلمت في الطب قالوا: اترك ليس هذا تخصصك، وإذا تكلمت في الطب ولبست لباس الأطباء وعلقت سماعة، ودخلت بالمعلومات العامة عندي وفتحت عيادة، وكشفوني متلبساً بأنني طبيب ولست بطبيب يحكمون علي بالأشغال الشاقة المؤبدة، لماذا؟ لأن هذا تتعلق به أرواح الناس.\rفإذا كنتم تعاملون أرواح الناس هذه المعاملة أفلا تعاملون دين الخلق بأجل مما تعاملون أبدانهم؟ إن إنقاذ إنسان من الكفر أفضل من إنقاذ عشرة أبدان، فنحن بإغلاقنا هذا الباب نحل العقدة الثانية من حبل الزندقة.\rلا يقولن قائل: إن الكلام في النهي عن الصلاة في المساجد التي فيها قبور، أو في النهي عن الاستعانة بغير الله ﵎، أو في النهي عن اتباع غير النبي ﷺ هي مسائل هامشية، بل هذا هو النخاع واللب وما سوى ذلك هي المسائل الهامشية.\rونذكر قصة الصحابي المزعوم عبد الله بن السلطان، ويعلم الله أنه لا يوجد صحابي بهذا الاسم، ويعلم أهل العلم جميعاً أنه لا يوجد صاحبي خلق بهذا الاسم عبد الله بن السلطان، كان زانياً سارقاً قاتلاً يفعل كل أنواع الفواحش والمنكر، هذا كتيب موجود والرسول ﵊ حزين، رآه يزني فلم يقم عليه الحد، رآه يترك الصلاة ولا يؤدي الزكاة فلم يقتله، كل هذا والرسول موجود، ولا يقال: صاحبي إلا إذا كان موجوداً مع الرسول ﵊، كل هذا يجري على عين النبي ﵊ وهو حزين فقط؛ كأنه لا حول له ولا قوة.\rفمات عبد الله بن السلطان، فذهبوا إلى الرسول وأخبروه بموت عبد الله بن السلطان، وقالوا له: تعالى فصل عليه، قال: لا أصلي عليه، ما شاء الله من هذا الذي لم يرزق ذره من العقل بعد كل هذا يذهب إلى النبي ﵊ ويقول له: يا رسول الله! صل على عبد الله بن السلطان، فالرسول لم يصل عليه.\rوإذا بجبريل ﵇ ينزل يسد الآفاق بستمائة جناح وينزل على المختار ﵊ ويقول له: إن ربك يأمرك أن تصلي على عبد الله بن السلطان.\rانظر المهازل! أليس هذا طعن في النبي ﵊ وينشر هذا الكلام؛ لأنه ليس هناك حاكم ولا ضابط على المطبوعات التي تنشر، وكما قلنا: دخل علينا الكفر بقرونه من باب سموه باب (حرية النشر وحرية الرأي) .\rحتى الطعن في الإسلام حرية.\rويذهب النبي ﵊ وهو لا يدري لماذا يصلي على عبد الله بن السلطان وهو أعلم بني آدم لكنه ذهب لأنه مأمور، ويصلي عليه، والذي يدفنه هو النبي ﵊.\rثم يخرج النبي ﷺ، إلى أين؟ إلى بيت امرأة عبد الله بن السلطان لقد رأيت عجباً، يطرقون الباب، فتقول المرأة من الداخل: من هذا الفاجر الذي يطرق الباب، قالوا: يا أمة الله! إنه رسول الله ﷺ ففتحت.\rفقال لها: يا أمة الله، ماذا كان يفعل عبد الله؟ انظر! الرسول ﷺ تحول من معلم الإنسانية الخير إلى رجل يسأل وهو جاهل! قالت: ولِمَ.\rقال: لأنني لما نزلت القبر وجدت ألف حورية، واحدة في يدها زنجبيل وواحدة في يدها عصير، وكلهن يتسابقن إليه خذ مني يا عبد الله، كلهن يتسابق بالقربى والزلفى إلى هذا الفاجر، اشرب.\rفقالت: (أما قد قلت ذلك) فإنه كان زانياً فاسقاً فاجراً داعراً قاتلاً.\rإلخ القصة المكذوبة المفتراة التي ينبغي تحذير الناس من هذه الكتب التي تحتوي على خرافات وأساطير نسأل الله تعالى أن يختم لنا بالحسنى، ويوفقنا إلى نيل المطلب الأسمى، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471896,"book_id":1601,"shamela_page_id":13,"part":"2","page_num":7,"sequence_num":13,"body":"بطلان الإجماع المزعوم على أن الخضر حي\rإننا نقطع أن الخضر ﵇ مات، وأنه لا وجود له، وأن أية دعوى للإجماع ينقلها أي عالم في الدنيا على أن الخضر حي هي دعوى بلا دليل، ونحن رأينا كما يقول العلماء وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية من المتأخرين، ومن المتقدمين الإمام أحمد بن حنبل قال: (من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا) .\rأي: من ادعى الإجماع برسمهم الموجود في أصول الفقه من أنه لا يتخلف عن هذا الإجماع عالم مجتهد من أمة محمد ﷺ، وما يدريك؟ وهل تعلم جميع المجتهدين في الكرة الأرضية حتى تقول: هذا أمر مجمع عليه؟ لذلك صار الإجماع المنقول في كتب الفقه هو عدم المعرفة بالمخالف فقط لا أنه الإجماع المعروف في الأصول.\rهذا هو الإجماع الذي يذكره العلماء، فإذا قيل: وهذه المسألة قال العلماء فيها كذا بالإجماع، لا تتصور أنه أجمع كل إنسان في الدنيا، لا بل المراد: لا نعلم مخالفاً لهذا القول فيذكره إجماعاً على سبيل التسامح والتجاوز.\rفدعوى إجماع العلماء أو إجماع الأمة على أن الخضر ﵇ موجود كما نرى ذلك في الكتب هي دعوى بلا دليل.\rلكن المكابر لا يسلم بالحق ولو شهدت عليه أعضاؤه، والسعيد من اتعظ بغيره، والمنصف يكفيه أقل من هذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471897,"book_id":1601,"shamela_page_id":14,"part":"2","page_num":8,"sequence_num":14,"body":"اعتراض على الاهتمام بقضية موت الخضر وحياته مع الجواب عنه\r\r\rالسؤال\r اشتغل بما هو أنفع وأهم وبما يعود على صالح الأمة المسلمة في زمانها بالخير، فمالك والخضر مات أو عاش، إن أكثر من (٩٠%) من قوتنا نأخذه من يد أعدائنا، وإن المسلمين قد تخلفوا تخلفاً موجعاً عن كل مظاهر التقدم، فهلا دفعتهم حتى يساووا أولئك الكفرة في القبض على منافذ الحياة، وهم بذلك يستطيعون أن ينشروا دينهم، لأن كثيراً من الكفرة ينظرون إلى التردي الذي يعيش فيه المسلمون الآن فيظنون أنه بسبب دينهم فلا يقدمون على الإسلام، لكنهم لو أخذوا بأسباب الحياة وتقدموا لعل هؤلاء الغربيين يعجبهم مثل هذا التقدم في ديار المسلمين، ويكون هذا من باب الدعوة إلى الإسلام؟\r\rالجواب\r أن هذا القائل ليس بأول سار غره قمره؛ لأن هذا الرجل إنما تعلق بأعلى الشجرة ونسي أن السوس قد اخترم جذرها، إن الله ﵎ قال في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] ، (ما) هنا: هي كل شيء يضاد الفطرة، كما قال النبي ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) ولم يقل: أو يسلمانه؛ لأن الفطرة هي الإسلام، وهذا الحديث من حجج القائلين بأن أولاد اليهود والنصارى الذين ماتوا وهم رضع أو لم يجر عليهم القلم أنهم في الجنة؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة فهو يولد على الفطرة، فبعد أن يكبر أو يعقل فأبواه إما يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه.\rفبعدما يكبر هذا الإنسان يبدأ ينحرف عن الفطرة التي ولد عليها، فيعلق به (ما) هذه، فلذلك كانت الآية توجهه إلى ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا﴾ [الرعد:١١] فـ (ما) أي: الذي علق بنفوسهم.\rفإذا كان بيننا من يعتقد أن الخضر حي ويأخذ منه دينه فهذا خرج من الإسلام من باب واسع، ونحن لو سلمنا أن الخضر حي وأنه يفتي فتاوى لما جاز أن تتلقى منه فتوى ينفرد بها عن غيره من العلماء عندنا، فالقاعدة معروفة عند علماء الأصول: أن شرع من قبلنا شرع لنا بشرط ألا يرد في شرعنا ما يخالفه.\rفالخضر ﵇ إن كان نبياً فهو تابع لنبينا ﷺ، والقائلون بحياته يستحيل أن يتخلصوا من هذا، إذ ليس من الممكن أن يكون نبياً منفرداً بذاته والنبي ﵊ موجود عمت رسالته الخافقين، فلا يجوز له أن ينفرد بفتوى؛ بل لابد أن يفتي وفق فتوى النبي ﵊.\rفإن كانت فتواه التي يفتي بها لها أصل في السنة فالتعويل على ما في السنة لا على ما قاله الخضر، إذاً: فلا قيمة لفتواه، فهي إن كانت مخالفة لما عندنا فلا اعتداد بها، وإن كانت موافقة لما عندنا فهي موافقة شكلية؛ إذ الاعتماد على الحديث الذي قاله النبي ﵊.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471898,"book_id":1601,"shamela_page_id":15,"part":"2","page_num":9,"sequence_num":15,"body":"تمثل الشيطان في صورة الخضر\rقد يغلو البعض في الخضر بأشد من ذلك، وإذا جاءك رجل صالح ما جربت عليه كذباً قط، فأقسم بالله وبالأيمان الغلاظ أنه رأى الخضر بعينيه وكلمه، وقال: أنا الخضر، وأقسم له أنه الخضر.\rغير ممكن أنك ترمي هذا الرجل بالكذب أو الوهم، إذ هو عابد عالم وأقسم أنه رأى الخضر وأن الذي رآه أقسم له أنه الخضر، لكن هذا لا يكون دليلاً على أن الخضر موجود.\rوإليكم البيان: نحن نسلم أن هناك من يرى بعض الأشخاص يقول له: أنا الخضر، وقد يراه على خلقة أعظم من خلقة بني آدم التي يراها، لكننا نقول: إن ذلك شيطان، وأبو إسحاق الحربي قال: (ما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان) .\rونحن نعلم أن الشيطان يتشكل في صورة الآدمي، ويتشكل في أي صورة، بخلاف بعض الذين قالوا: لا يتشكل إلا على شكل قطة أو هرة أو حيوان ولا يتشكل على شكل إنسان، فإن عندنا الدليل القاطع على أنه يتشكل حتى على شكل إنسان.\rوهذا الدليل هو قصة أبي هريرة مع سارق الصدقات كما في صحيح البخاري، وأن هذا السارق كان شيطاناً جنياً؛ بل صرح هو بهذا لـ أبي هريرة.\rفهذا الجني يتشكل في أي صورة، فقد يتشكل في صورة آدمي عظيم الخلقة، ثم يقول: أنا الخضر ليضل هؤلاء الناس، فيا عجباً لمن صدقه بأنه الخضر! وما يدريه أن هذا صادق عندما قال له: أنا الخضر؟ وهذا يذكرنا بقصة الثعلب الذي لبس جبة وفسطاطاً وأمسك مسبحة ودعا الديك حتى يؤذن للصلاة، فمن أين لنا أن هذا الثعلب صادق؟ أذكر أنني سمعت محاورة بين شيخنا الألباني حفظه الله وبين رجل مصري يعالج المصابين بالجن، فقال المصري للشيخ: هل يجوز لي أن أستعين بالجني المسلم في علاج الحالات؟ لأن الذي مس هذا الإنسان جني كافر، إما نصراني أو يهودي أو مجوسي، فهل يجوز لي أن أستعين بالجني المسلم الذي عنده القوة على أن يقاوم هذا الجني الكافر؟ فكان جواب الشيخ له هو جواب العالم الذي لا يترك الفرع ويدخل في الأصل مباشرة، ومن علامة عدم الوصول إلى الحق أنك لا ترسي أصلاً تنطلق منه، فقال له الشيخ: وكيف عرفت أنه مسلم؟ هذا هو الأصل، فلا نسلم أنه مسلم.\rقال: منه.\rقال: ومن أدراك؟ أليس من الجائز أن يكون أكفر جني على وجه الأرض، ثم يقول لك: أنا مسلم ويستدرجك، أليس هذا جائزاً؟ قال: جائز.\rقال: فمن أين لك أن تعلم أنه مسلم؟ إذاً: كما يقول بعض علمائنا المتأخرين: اثبت العرش ثم انقش، إذ كيف يستقيم الظل والعود أعوج.\rفنحن لا نستطيع أن نخوض في هذه المسألة إلا إذا ثبتنا هذا الأصل، وهو كيف نعرف أنه مسلم؟ من المعروف أنه عندما يكون الجني كافراً يستحل كل شيء حتى دعوى أنه مسلم، فلا نصل إذاً إلى حل، فيبقى أنه لا يجوز لك أن تعتمد على الجني المسلم بزعمه أنه مسلم حتى تثبت أنه مسلم وهيهات هيهات.\rوليست كل دعوى تخرج من فم إنسان تسلم له، وإلا فأكثر أهل الأرض أدعياء، يدعون الكرم والشجاعة والعلم والأخلاق، ويدعون كل شيء، ويتبرءون من كل رذيلة وإن كانوا هم صناعها.\rحتى أن بعضهم يقول: الغاية تبرر الوسيلة، ويجعلها قاعدة عنده ليبرر عدوانه، فكل إنسان يدعي الكمال وما ليس فيه.\rفلو قال هذا الرجل الذي يظهر على أنه الخضر: أنا الخضر، كيف سلمت له أنه الخضر، ولماذا لا تكون أنت بذاتك الخضر مثلاً؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471899,"book_id":1601,"shamela_page_id":16,"part":"2","page_num":10,"sequence_num":16,"body":"الإجماع على موت الخضر\rقال الإمام أبو إسحاق الحربي: ما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان) .\rوكذا قال الإمام أحمد بن حنبل وأبو الحسين بن المنادي والإمام البخاري وابن الجوزي وابن كثير وابن تيمية وكذا قال الإمام الحافظ ابن حجر، في آخرين يطول المقام بذكرهم، فهؤلاء أجمعوا، وقد قلت: إجماع المحققين، ولم أقل: إجماع الأمة، حتى لا يقول قائل: إن فلاناً من العلماء ﵀ يقول: إنه حي، بل إجماع العلماء المحققين على أن الخضر مات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471900,"book_id":1601,"shamela_page_id":17,"part":"2","page_num":11,"sequence_num":17,"body":"دلالة العقل على موت الخضر\rأما المعقول فمن أوجه: الوجه الأول: أن الذين ادعوا أن الخضر حي زعموا أنه من ولد آدم لصلبه، أي: أنه من صلب آدم، وهذا باطل؛ لأن الذين يدعون أنهم رأوا الخضر يصفونه بأنه إنسان عادي، جسمه جسم رجل مقبول، وفي الصحيحين أن النبي ﵌ قال: (خلق الله ﷿ آدم طوله ستون ذراعاً، فلا يزال الخلق يتناقص إلى يوم القيامة) فمن كان من ذرية آدم من صلبه سيأخذ خصائصه من كون طوله ستين ذراعاً، كما كان طول آدم ﵇، والذين يزعمون أنهم قابلوا الخضر يقولون: إن بدنه بدن رجل عادي.\rثانياً: لو كان من صلب آدم لكان له عدة ألوف من السنين، فكيف يخلو القرآن الكريم من ذكر مثل هذا الأمر الخارق الذي هو من أدل الأشياء على ربوبية الله ﵎؟ وقد ذكر الله ﵎ نوحاً ﵇ الذي دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وجعل هذا من آيات ربوبيته، لأن هذا العمر يذكر ولا يذكر ستة آلاف أو سبعة آلاف أو ثمانية آلاف سنة!! ولئن قلنا: إن القرآن الكريم لا يذكر كل شيء أفتخلو السنة المطهرة من حديث واحد صحيح أو حسن ينبه على أبهر آيات الربوبية؟ ثالثاً: لو كان من ولد آدم لصلبه لكان من الذين ركبوا مع نوح في السفينة، ولم يذكر هذا أحد قط.\rرابعاً: لو ركب مع نوح في السفينة لمات، فلقد ثبت أن جميع من كان في السفينة مع نوح ماتوا بدلالة قول الله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧] فإن كان الخضر من ذرية آدم فيستحيل أن يكون حياً؛ لأن الذي بقي هو ذرية نوح فقط، فهذا يدل دلالة قاطعة على أنه لم يكن من صلب آدم.\rثم الخضر ﵇ لو كان حياً ألا يجب عليه أن يأتي النبي ﷺ فيسلم بين يديه ويجاهد معه ويصلي معه الجماعة والجمعة خلفه، وقد قال الله ﵎ للنبي ﷺ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] أليس الخضر من الناس؟ فإن كان حياً إبان بعثة النبي ﷺ ولم يأته ولم يجاهد معه ولم يسلم بين يديه كان ذلك من أعظم الطعن عليه، وقد جعل النبي ﵊ الهجرة واجبة إلى المدينة على من يستطيع، وقد قال الله ﵎ للمسلمين: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [النساء:٨٩] لأن الهجرة كانت واجبة على الأعيان؛ لأن المدينة دار الإسلام الوحيدة آنذاك وكان يجب الهجرة إليها، فلما فتحت مكة ولم تعد المدينة هي الدار الوحيدة قال النبي ﷺ: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) أي: أن الهجرة الواجبة على الأعيان أغلقت وتوقفت بعد الفتح.\rفإن كانت الهجرة واجبة على المسلمين الذين يقيمون في مكة، ونهى الله ﵎ المسلمين أن يتخذوهم أولياء حتى يهاجروا فأين كان الخضر؟ ولم لم يذهب إلى النبي ﵊؟ خامساً: أيقول الخضر ﵇ لموسى كليم الله وأحد أولي العزم: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] ، ثم يدور مع الجهال والمغفلين الذين لا يصلون ولا يزكون، وإن فعلوا فهم يتمسكون بالإسلام بحبل واهٍ ضعيف.\rهل هذا إلا من أعظم الطعن في الخضر أن يلتقي بهؤلاء الجهلة ويدور معهم في الفلوات يسبح ويفارق كليم الله ويقول: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ هذا مستحيل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471901,"book_id":1601,"shamela_page_id":18,"part":"2","page_num":12,"sequence_num":18,"body":"الأدلة من السنة على أن الخضر مات\rثانياً: السنة المطهرة: وبها احتج الإمام البخاري ﵀ على موت الخضر، وقد روى أصحاب الصحاح هذا الحديث من حديث ابن عمر وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله الأنصاري ﵃ وكلها موجودة في صحيح مسلم، وبعضها في صحيح البخاري أن النبي ﵊ قال قبل أن يموت بشهر واحد وهذا التحديد وقع في رواية جابر بن عبد الله ﵄، قال ﵊: (أرأيتكم ليلتكم هذه ليس على ظهر الأرض أحد ممن هو عليها اليوم بعد مائة عام) ، أي: بدءاً من هذه الليلة جميع الموجودين على الكرة الأرضية بعد مائة عام لا يكون أحد منهم حي.\rوفي اللفظ الآخر: (ما من نفس منفوسة تمر عليها مائة عام وهي على ظهر الأرض حية يومئذٍ) .\rوالعجيب أن الذين ردوا هذا الحديث قالوا: إن الخضر يعيش في البحر فلذلك الحديث لا يشمله، وهذا من المضحك المبكي الموجع، وهل هناك دليل على أنه في البحر؟ ولِمَ لم تقل: إنه في السماء؟ أليس من المضحك أن ترد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا الباطل الذي لا يعجز عنه أحد، كل إنسان يستطيع أن يغفل دلالة القرآن الكريم والسنة المنزلة بمثل هذه الأقوال، أما نحن فنأتيكم بأدلة ناصعة كالشمس في رابعة النهار، ونؤصل أدلتنا ونسندها ونصححها، فهلا أبرزتم لنا دليلاً واحداً ارتقيتم به إلى النبي ﷺ في مواجهة الأدلة التي نأتي بها؟ ما عندهم شيء وإنما قالوا: هو في البحر، ولو أن الحديث قال: هو في البحر لقالوا: هو في الأرض، ولو أن الحديث قال: في البحر والأرض لقالوا: في السماء، فلابد من أن يأتوا بجهة ليست موجودة في الحديث.\rوقد استدل بهذا الإمام البخاري على أن الخضر مات، إذ لو سلمناً جدلاً أنه كان موجوداً في زمان النبي ﵊ فبدلالة هذا الحديث هو ميت لا محالة بعد مائة عام، ويستحيل أن يكون موجوداً بعد مائة عام.\rفالذين يقولون بعد المائة الأولى: رأينا الخضر وسمعنا الخضر وكلمنا الخضر! هم كذبة، والمحققون كالإمام مسلم وغيره استدلوا بهذا الحديث على انقطاع الصحبة بعد مائة عام.\rفقد قال النبي ﵊ هذا الحديث في السنة العاشرة للهجرة، فإذا اعتبرت أنه بعد مائة عام من هذه المقالة لا يوجد أحد ممن يعيش على ظهر الأرض، فإذاً: نقطع بأن الصحابة جميعاً سيكونون قد ماتوا بتمام سنة (١١٠هـ) ، وكان آخر صحابي مات كما قال مسلم هو أبو الطفيل عامر بن واثلة مات سنة (١١٠هـ) وهذا تصديق للحديث من أنه لا يوجد أحد بعد مائة عام من هذه المقالة.\rلذلك ادعى جماعة الصحبة بعد سنة (١٠٠هـ) وقالوا: بل إنهم رأوا النبي ﵊، فكذبهم أهل العلم وقالوا لهم: لستم صحابة ولم تروه؛ لأن النبي ﵊ قال: (ما من نفس منفوسة تمر عليها مائة عام وهي على ظهر الأرض حية يومئذٍ) .\rفلو سلمنا جدلاً أن الخضر حي فهو بعد سنة (١١٠هـ) يستحيل أن يكون حياً، فهذا دليل من السنة.\rودليل آخر: في غزوة بدر لما جأر النبي ﷺ إلى ربه وقد رأى أصحابه ضعافاً أذلة يقتسمون التمرات، وحالة الفقر عليهم ظاهرة، مشردون وهم سيقابلون عتاة قريش الذين خرجوا لأجل الحرب، وهؤلاء ما خرجوا لأجل الحرب، وما عندهم استعداد, نظر إليهم ورثى لحالهم، وقال: (اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض) وقد اتفق العلماء أن عدة من كان موجوداً من الصحابة يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً معروفون بأسمائهم، وهم الذين يطلق عليهم العلماء: البدريون، وهم غرة في جبين الإسلام والمسلمين، حسبهم أن النبي ﷺ قال: (لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وأن النبي ﷺ قال: (لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية) .\rومن هذا أن حاطب بن أبي بلتعة كان يقسو على غلامه ويضربه، فذهب الغلام يشكوه إلى النبي ﵊ وكان حاطب ممن شهد بدراً، فقال غلام حاطب للنبي ﵊: (والله يا رسول الله ليدخلن حاطب النار -أي: بقسوته عليَّ- فقال النبي ﵊: كذبت، لقد شهد بدراً) .\rوهؤلاء البدريون ينسبون إلى هذه الغزوة المباركة، فيقال: أبو مسعود البدري ولا يقال: فلان الأحدي ولا الخندقي ولا التبوكي ولا الرضواني، لا ينسب أحد إلى غزوة قط إلا إلى بدر؛ لجلالها وشرفها؛ لذلك حصر العلماء من كان فيها.\rفإن كان الخضر حياً أكان ممن يعبد الله أم لا؟ لا شك أنه ممن يعبد الله، فكيف قال النبي ﷺ: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض) ؟ فلا يستثني الخضر ولا غيره، فهذا دليل دلالة قاطعة على أن الخضر غير موجود، هذا من السنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471902,"book_id":1601,"shamela_page_id":19,"part":"2","page_num":13,"sequence_num":19,"body":"الأدلة من القرآن على أن الخضر مات\rأما القرآن: فقد قال الله ﵎ للنبي ﷺ ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] أي: إن كتبنا عليك الموت مع جلالتك وقربك منا واصطفائنا لك وأنت سيد ولد آدم ولا فخر، وأنت أول من يهز حلق الجنة، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول من يدخل الجنة من النبيين بل من الخلق، وأول شافع ومشفع، أفإن مت يكون هؤلاء الذين لم تتوفر لهم هذه الصفات هم الخالدون.\rونحن نسأل: هل الخضر بشر أم جني؟ لا يشك أحد أنه بشر، فإن كان من البشر شمله عموم الآية بل لا شك في ذلك عند جميع العلماء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] إن كان من البشر شملته الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ولفظة (كل) عند العلماء: تفيد العموم ولم يخرج عن هذا العموم أحد -أي: في الدنيا- إلا إبليس لعنه الله، وعيسى ﵇ بدلالة النص الخاص بكل منهما.\rولو أخذنا الآية على جميع أفرادها وجميع زمانها صار الكل فانياً.\rالدليل الثاني من القرآن: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١] .\rوالخضر نبي: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران:٨١] فلا شك أنه داخل في هذه الجملة، ولا نعلم في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف ضعفاً منجبراً أن الخضر جاء إلى النبي ﷺ وآمن به وصدقه وجاهد معه، فأين كان؟ وقد أخذ الله الميثاق على جميع الأنبياء الذين يأتي النبي ﷺ وهم أنبياء أخذ عليهم الميثاق أنه إذا ظهر هذا النبي الخاتم ﷺ أنه يجب عليهم أن يأتوه ويعزروه وينصروه، فإن كان الخضر حياً فأين كان؟ أليس هذا من الطعن في الخضر وأنه خالف ميثاق الله ﷿ ولم يجد لنصرة النبي ﵊، أليس القول ببقائه من باب الطعن فيه؟ بلى.\rوبهذا احتج ابن الجوزي ﵀ على أن الخضر مات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471903,"book_id":1601,"shamela_page_id":20,"part":"3","page_num":1,"sequence_num":20,"body":"قصة موسى والخضر [٣]\rإن الله ﷿ قد آتى الخضر ﵇ علماً لدنياً من عنده، وهذا العلم اللدني ليس هو العلم الباطني الذي يدعيه الصوفية، فيجعلون هذا العلم خفياً عن بقية الناس، ولا يدركه إلا الخواص وإن كان ظاهره مخالفاً للشريعة، وإنما العلم اللدني هو الفهم والعلم الذي يلهمه الله ويجعله لبعض العباد، وأما الرؤيا المنامية فليست طريقاً للعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471904,"book_id":1601,"shamela_page_id":21,"part":"3","page_num":2,"sequence_num":21,"body":"لقيا موسى بالخضر ﵉\rإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rلما نسي موسى وفتاه الحوت، ثم ذكراه وجعل الله علامة وجود الخضر أن يقفز الحوت في البحر، أي: بعد أن ترجع الروح إليه، هنا يكون الخضر.\rفعندما قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢] ، حينئذٍ تذكر الغلام أن الحوت قفز هناك عند الصخرة: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف:٦٣-٦٤] هذه بغيتنا وليس مهماً أن نأكل الحوت، المهم أن وجدنا المعلم والأستاذ ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:٦٤] أي: رجعا يقصان آثارهما.\rومعنى (قصصاً) : هو إعادة الشيء كما لو قلت لك: قص علي ما جرى لك، فترجع القهقرى إلى الماضي فتقص عليَّ ما جرى، فهنا: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:٦٤] أي: جعلا يعيدان المشي على آثار الأقدام مرة أخرى، (يقص قدمه) أي: يمشي على أثره تارة أخرى.\rوأول ما ذهب إلى هناك وجد الحوت المملح بعد أن ردت إليه الروح حبسه الله ﷿ في دائرة حتى تكون علامة على وجود المعلم، حينئذٍ نظر موسى ﵇ فوجد الخضر، قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥] هذا هو المعلم الذي آتاه الله ﷿ من عنده علماً لا يوجد عند موسى ﵇.\rهذا المعلم اسمه (الخضر) وسمي بهذا الاسم لأنه جلس ذات مرة على فروة بيضاء فإذا هي تهتز خضراء، وليست فروة الخروف، إنما الفروة: المكان الذي به الحشائش اليابسة، فهذا النبات اليابس صعد عليه فاهتز أخضر، فسمي الخضر لأجل هذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471905,"book_id":1601,"shamela_page_id":22,"part":"3","page_num":3,"sequence_num":22,"body":"الخلاف في الخضر أنبي هو أم ولي أم ملك\rاختلف العلماء هل الخضر نبي أم ولي أم ملك؟ على ثلاثة أقوال: وجمهور العلماء على أنه نبي، وجماعة من الصوفية وزنادقتهم يقولون: هو ولي، وجماعة يقولون: هو ملك.\rقال الإمام النووي: (وقول القائلين: هو ملك باطل، كما أنه ليس بولي) .\rوقلنا عن هؤلاء الصوفية: زنادقة؛ لأن الزنادقة يجعلون الولي أفضل من النبي والرسول، قال قائلهم: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي فقوله: (فويق الرسول) أي: فوق مقام الرسول بقليل، ودون الولي، إذاً: مقام الولاية أعلى من النبوة، والنبوة أعلى من الرسالة، فالولاية أعلى من النبوة والرسالة.\rولكن كما قال جمهور العلماء: الخضر نبي لكن لم يرسل لأحد، فهناك فرق بين النبي وبين الرسول.\rفالنبي: هو رجل اختاره الله ﷿ واجتباه وعلمه، فيقال: هذا نبي ليست معه رسالة لأحد، إنما هو مقام ورتبة شريفة.\rوالرسول: هو الذي أرسل لجماعة من الناس أو طائفة أو أسرة أو للناس جميعاً كما هو حال النبي ﵊، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً.\rفالخضر ﵇ نبي ليس برسول، إذ ليست معه رسالة لأحد ولم يبعث لأحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471906,"book_id":1601,"shamela_page_id":23,"part":"3","page_num":4,"sequence_num":23,"body":"الخلاف في الخضر أحي هو أم ميت\rاختلف الناس: هل الخضر ما زال حياً حتى الآن؟ الصوفية على أنه حي حتى الآن، وأهل التحقيق من العلماء على أنه قد مات، وكثير من الذين يأكلون أموال الناس بالباطل يأكلونها في بطونهم ناراً يدجلون على الناس بوجود الخضر، فيقولون: أتاني سيدي الخضر، وقال لي: كذا وكذا، والتابع لا يعترض.\rوقرأت حكاية عجيبة لرجل صوفي مارق كافر بالله تعالى، لا يفعل شيئاً من شعائر الإسلام إطلاقاً، ويزني بحليلة جاره، فهذا الرجل عنده بيت كبير وكان من المشهورين بأن الخضر ﵇ يتصل به ويأتيه ويعلمه، وضع في فناء داره صندوقاً خشبياً ووضع عليه كسوة كالكعبة تماماً، فإذا أراد أحد المساكين المريدين شيئاً من ذلك الشيخ يطوف حول الصندوق سبع مرات أولاً، ويدعو الله أن يجعل له القبول في قلب الشيخ، وقبل أن يدخل على الشيخ ينتظر ساعة أو ساعتين أو ثلاثاً أو أربعاً ثم يدخل فيقبل قدميه ورجليه ويديه ويقول حاجته، فالرجل يصطنع حركات يحضر الخب، والخب عفريت جان، ثم يقول له: مولانا الخضر وسيدنا الخضر يقول: افعل كذا وكذا، وهات معك ديكاً، وهات معك عجلاً، وهات معك مالاً وهات معك.\rإلخ فأكثر الذين يدعون الاتصال بالخضر دجالون كذبة، ولا أقول: مرقة عن دين الإسلام إلا إن تبين من فعله أنه مارق.\rفأول حل لعقدة الزندقة هذه أن نقرر أن الخضر مات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471907,"book_id":1601,"shamela_page_id":24,"part":"3","page_num":5,"sequence_num":24,"body":"الأدلة على أن الخضر مات\rنحن نقول ونعتقد اعتقاداً جازماً أن الخضر مات بدليل أربعة أشياء: القرآن، والسنة، وإجماع العلماء المحققين، والمعقول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471908,"book_id":1601,"shamela_page_id":25,"part":"3","page_num":6,"sequence_num":25,"body":"الأدلة من القرآن على موت الخضر\rفأما القرآن فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] أي: إن مت أنت وأنت أشرف منهم جميعاً فهل يخلدون هم؟\r\rالجواب\r لا.\rوقد احتج الحافظ ابن كثير وجماعة من محققي أهل التفسير بهذه الآية على أن الخضر مات؛ إذ أنه لو كان حياً لكان مخلداً، والله ﷿ ذكر لنا واقعة إبليس وطلبه أن يعيش إلى يوم القيامة في القرآن، وهذه معجزة ليست هينة، فكيف لم يقرن به الخضر وهو يعيش كما في بعض الروايات الكاذبة التي يحتج بها من يقول ببقائه إلى الآن وبعد الآن، بل يقولون: إنه يقتل الدجال مع عيسى بن مريم ﵇.\rفإذا كان يعيش هذا العمر الطويل لِمَ لم يأتِ ذكر نبوته في القرآن ولا في السنة الصحيحة، فهذا من أعظم القرائن على أن الخضر مات، ثم إن الله ﷿ جعل حياة نوح آية، حيث أحياه الله ألف سنة إلا خمسين عاماً للدعوة إلى الله، ولا يذكر الخضر وهم يقولون: إنه من صلب آدم، وهذه آلاف السنين لا يذكرها ويذكر صاحب الألف سنة إلا خمسين عاماً!! فهذا دليل آخر على بطلانه.\rولو كان من ذرية آدم لأدرك نوحاً، والله ﷿ يوم أهلك قوم نوح وركبوا السفينة وأخذ فيها من كل زوجين اثنين لم يكن الخضر فيها، فأين كان إذاً؟ ثم إن الله تعالى أهلك كل الأزواج في سفينة نوح، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧] ، فذرية نوح فقط هي التي بقت، إذاً: لو كان الخضر حياً لهلك؛ لأنه ليس من ذرية نوح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471909,"book_id":1601,"shamela_page_id":26,"part":"3","page_num":7,"sequence_num":26,"body":"الأدلة من السنة على موت الخضر\rأما السنة: فإن النبي ﵌ في السنة العاشرة من الهجرة قال لأصحابه فيما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄: (أرأيتكم ليلتكم هذه؟ لا يكون بعد مائة سنة على ظهر الأرض ممن يعيش اليوم أحد) ولذلك فإن هذا الحديث يعتبر من أعلام نبوته ﵌.\rفآخر صحابي مات سنة (١١٠هـ) ، إذاً: مات بعد مائة سنة تماماً؛ لأن النبي ﷺ قال هذا في السنة العاشرة من الهجرة قبل أن يموت بقليل.\rلأنه أتى أناس بعد ذلك ادعوا الصحبة، وقالوا: نحن أصحاب رسول الله وعاشرناه وجالسناه، فإذا كان هذا القائل يقول هذا الكلام في سنة (١٤٠هـ) فهو كذاب؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا يعيش بعد مائة سنة أحد ممن يعيش اليوم على ظهر الأرض) فيكون هذا المدعي قد عاش ثلاثين سنة بعد الموعد الذي حدده النبي ﵌.\rفلو كان الخضر حياً زمن النبي ﵊ لما جاءت عليه مائة سنة إلا وقد مات، وهذا واضح جداً، واحتج الإمام البخاري بهذا الحديث على أن الخضر قد مات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471910,"book_id":1601,"shamela_page_id":27,"part":"3","page_num":8,"sequence_num":27,"body":"اعتراض للقائلين بحياة الخضر والجواب عنه\rقال بعض العلماء الذين يقولون بحياة الخضر وأنه لا يزال حياً: إن هذا الحديث ليس فيه دليل على أن الخضر مات، لأن عيسى بن مريم حي والحديث لم يشمله، والدجال حي والحديث لم يشمله، فهو لم يشمل الخضر إذاً، وهذا الكلام قد يبدو وجيهاً لكنه ليس بوجيه لسببين اثنين: السبب الأول: أن النبي ﵊ قال: (لا يعيش أحد على ظهر الأرض) والمسيح في السماء، فالحديث لا يشمله بطبيعة الحال.\rالسبب الثاني: الدجال في الأرض وهو حي، ولكن ثبتت أحاديث كثيرة تدل على أنه لا يموت حتى يأتيه أجله، فحديث حياة الدجال مستثنى من ذلك العموم، ومخصوص به وحده، وهذا الحديث سارٍ على كل أحد دون الدجال.\rولم يأتِ في حديث صحيح ولا ضعيف أن الخضر حي حتى اليوم.\rثم الذين يقولون بحياة الخضر ﵇، نقول لهم: أين يعيش؟ يقولون: هو يعيش في القفار يعتزل الناس، فنقول: سبحان الله! قال الله ﷿ في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١] والخضر نبي، قال ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: (أخذ الله الميثاق على كل نبي يأتي محمد ﵌ برسالته وهو حي أن يؤمن به ويجاهد معه) ، فلو كان الخضر حياً للزمه أن يأتي إلى النبي ﷺ ويجاهد معه ويؤمن به، ولو جاء الخضر إلى النبي ﵊ لكان هذا من أعظم المعجزات؛ لأنه رجل حي من زمن آدم، فكيف لا يأتي به إسناد واحد صحيح؟ فهذا من أعظم الآيات على أن الخضر ﵇ مات.\rثم إن الخضر عندما جعل موسى ﵇ يعترض عليه في كل أمر يفعله، قال له: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] فكيف يترك الخضر صحبة موسى ﵇ ثم يصاحب المرقة الخارجين من الشرع، الذين لا يصلون ولا يزكون ولا يحضرون جمعة ولا جماعة ولا يحجون؟! وهل هذا إلا من أعظم العيب له والطعن فيه؟! وأمور كثيرة لو استقصيناها لوجدنا أن الخضر لا يمكن أن يكون حياً بل قد مات، هذا فيما يتعلق بالخضر ونبوته وأنه ﵇ مات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471911,"book_id":1601,"shamela_page_id":28,"part":"3","page_num":9,"sequence_num":28,"body":"العلم اللدني بين الفريقين\rقال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا﴾ [الكهف:٦٥] (عبداً) تنكير للتعظيم، أي: أنه ليس كأي عبد ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف:٦٥] هنا (نا) الإضافة للتشريف للخضر حيث أضافه الله ﷿ لنفسه، وكان أحد العباد يقول لربه ﷿: كفاني فخراً أن تكون لي ربا وكفاني عزاً أن أكون لك عبداً ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف:٦٥] الرحمة النبوة ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥] هنا أيضاً مرقت الصوفية الذين يقولون: بالعلم اللدني ويحتجون بهذه الآية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471912,"book_id":1601,"shamela_page_id":29,"part":"3","page_num":10,"sequence_num":29,"body":"العلم اللدني عند أهل السنة\rالعلم اللدني عند العلماء من أصحاب هذه الملة أن يكون الرجل ورعاً تقياً لا يلابس الشبهات فضلاً عن المحرمات، وأن يخلص قلبه كله لربه، وألا يفتقده ربه حيث أمره ولا يجده حيث نهاه، إذاً: يكون من طراز الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان.\rفهذا العلم اللدني هو من باب قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩] كأن تعرض عليك مسألة يلهمك الله رشدك ويلهمك صوابك فلا تنطق إلا حقاً، ولا تقول إلا ما يمليه عليك ﷾ عن طريق الإلهام، وإليه أيضاً الإشارة في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، قيل لـ علي بن أبي طالب ﵁: (هل خصكم رسول الله ﵌ آل البيت بشيء من العلم دون الناس؟) .\rالصوفية ينتسبون إلى آل البيت إلا أننا نحب آل البيت أكثر منهم، ونعرف قدر آل البيت أكثر منهم، لأننا نتبع آل البيت في سلوكهم، بينما هم لا يتبعون آل البيت في شيء، فمثلاً: تعظيمهم للحسين بن علي ﵁؟ أنه يذهب يشرك بالله ويمرغ خديه عند القبر ويقول: يا حسين أعطني، يا حسين اشفني مدد، قل: يا رب أطلب منك مدداً، أين ربك ورب الحسين؟ لو أتيت هذا الرجل فنظرت إلى بيته وإلى سلوكه لوجدته مارقاً، ما اقتدى بـ الحسين ﵁ في تقواه وورعه وسلوكه أبداً.\rولو طلبت منه أن يقص عليك سيرة الحسين كيف صلاته؟ وكيف بكاؤه في الليل؟ وكيف مناجاته ربه؟ لوجدته لا يعرف شيئاً، يأتي الرجل في مولد الحسين، يأتي الرجل من القرية ليبيع بعض مواشيه ومعه زوجته وسجائر، فيجلس هو وامرأته ثلاثة أو أربعة أيام على الرصيف، فتنام المرأة، وتنكشف عورتها ويظهر فخذها، وكل هذا لا يضر عندهم، وكل هذا في حب الحسين وهؤلاء هم الذين ينتسبون لآل البيت.\rوحاشا آل البيت، بل هم أطهر الناس، ولا ينتسب لهم إلا محب يعمل بعملهم ويقتدي بهديهم، وقد حث النبي ﵌ الصحابة في آخر حياته: الله الله في آل بيتي اتقوا الله فيهم، وجعل من علامة حبك له ﷺ أن تحب آل البيت، فنحن نحب آل البيت بحبنا للنبي ﷺ.\rفـ علي بن أبي طالب وهو عمدة آل البيت بعد النبي ﵊ يُسأل: (هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء من العلم دون الناس؟) قال: (لا.\rما خصنا إلا بهذه الصحيفة، ففتحوا فإذا فيها الجراحات -أي: جزء من الحدود وهو حكم شرعي عادل لم يكن عند علي وحده إنما كان عند غيره من الصحابة- قال: أو فهماً يؤتيه الله ﷿ لرجل في كتابه) فقط.\rوقوله: (أو فهماً يؤتيه الله ﷿ بشراً في كتابه) كان منهم علي، إذا عرضت عليه المسألة ينظر فيها، فيلهمه الله ﷿ رشده ويختصه بصواب هذه المسألة، في حين أن كثيراً من الناس لم يصل إلى الصواب فيها.\rوهذا من باب: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩] .\rوهذا عمر بن الخطاب ﵁ قال ﵌ عنه: (إنه إن يكن فيكم ملهمون فـ عمر) هذا هو العلم اللدني الملهم من السماء، (إن يكن منكم ملهمون -وفي رواية- إن يكن منكم محدثون فعمر) فكان عمر ﵁ يقول شيئاً للنبي ﵊ ثم ينزل القرآن يوافق رأي عمر.\rوفي ذات مرة قال عمر: (يا رسول الله، حجب نساءك) ولا يتصور من قوله: (حجب نساءك) أن أمهات المؤمنين كن يخرجن كاشفات شعورهن، إنما (حجب نساءك) أي: أحجبهن عن الناس ألبتة فلا يراهن الناس ولا يرين الناس، هذا هو المقصود بالحجاب، أي: أن المرأة لا تخرج من بيتها، فلا زال النبي ﵊ يتأنى؛ لأن أي شيء يتعلق بالشرع لابد فيه من الوحي، قال ﷿ في مدح نبينا ﵌: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] أي: عن هوى نفسه، لو رأى شيئاً استهواه واستحسنه لا ينطق به حتى ينزل من الله فيه وحيٌ، يقول له: افعل أو لا تفعل.\rفلذا كان لا يجيب عمر، ولا يُظنَّ أن عمر أتقى من النبي، أو أن نظرته أدق من نظرة النبي، يمكن أن يكون النبي ﷺ رأى رؤية عمر واستحسنها، لكنه لا ينطق عن هوى نفسه.\rفكل مسألة يقول عمر: يا رسول الله، افعل كذا، كان ينزل الوحي يؤيد عمر، فهذا هو العلم اللدني، وهو يحتاج إلى ورع وتقوى وإخبات وتذلل إلى أن يكون الرجل عبداً لله ﷿، وأما العلم اللدني عند الصوفية فهو أن يكون مارقاً من عبوديته لربه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471913,"book_id":1601,"shamela_page_id":30,"part":"3","page_num":11,"sequence_num":30,"body":"العلم اللدني عند الصوفية\rقرأت في أحد كتب الصوفية، وهذا الكتاب من أبشع الكتب على وجه الأرض، حتى كتب اليهود والنصارى ليس فيها هذا الكفر، رجل صوفي يذكرون هذا الذي سأقوله في مناقبه ومآثره، كما مثلاً يذكر في ترجمة أبي بكر الصديق تقواه وورعه وسبقه بالخير، وترجمة عمر أنه عادل، وفي ترجمة عثمان أنه حيي، وفي علي أنه أقضى هذه الأمة، وفي أبي بن كعب أنه أقرأ هذه الأمة، وفي أبي ذر لهجة الصدق، كما يقال: اذكروا محاسن موتاكم.\rفهذا يذكرون في مناقبه ومآثره أنه كان يأتيه الصبي الأمرد -أي: الولد الصغير الذي لا لحية له- فيتحسسه من عورته ويخلو به كما يخلو الرجل بامرأته، وهذا لواط، فلا يعترضون عليه؛ لأنه كان يعلمهم، فيقول لهم: أي شيء أفعله تضيق عنه أفهامكم فإياكم أن تعترضوا، فمن اعترض انطرد، هذا مبدؤهم، أي شيء لا تفهمه فإياك وحذارِ أن تظن بالشيخ ظن سوء.\rويسمون هذا: علم باطن، أي: أنه يخفى علينا جميعاً نحن المساكين، فيأتون بالموبقات التي ينهى الشرع عنها، وإذا اعترضت قالوا لك: أنت لم تفهم، ولم تؤت العلم اللدني، وهو ليس بعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471914,"book_id":1601,"shamela_page_id":31,"part":"3","page_num":12,"sequence_num":31,"body":"تلبس الشيطان بصورة الخضر\rقد يقول قائل: هذا الرجل الذي رأى الخضر في منامه كيف تكذبه؟ هو يقول: رأيت الخضر، فكما أنه لا يجوز أن يرى رجل النبي ﷺ وهو لم يره حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بصورة نبي، فإذا كان الخضر مات أو إذا كان الخضر حياً فجاء لرجل مناماً فهل الشيطان يتمثل بصورة نبي؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471915,"book_id":1601,"shamela_page_id":32,"part":"3","page_num":13,"sequence_num":32,"body":"عدم تمثل الشيطان في صورة النبي ﷺ\rفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: (من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) ، وكلمة (حقاً) أي: رأى صورتي فقط، لا يتصور أنه رآه بشحمه ولحمه، فهذا لم يقل به أحد، وإلا لو كان بشحمه ولحمه لما رآه في الكرة الأرضية في الليلة إلا واحد، مع أنه ربما رآه عشرة أو عشرون أو ثلاثون أو أربعون في ليلة واحدة، فكيف يحضر بشحمه ولحمه؟ هل يمزق نفسه؟ وإنما هو الشبه فقط.\rوالذين يقولون: رآه بصورته الحقيقية يلزم من ذلك أن يخرج من قبره، وأن يخلو القبر منه، ولم يقل بهذا أحد، إنما يرى صورته.\rوفي واقعة بإسناد حسن أن رجلاً من التابعين لم ير النبي ﵊ قال لـ ابن عباس: (إني رأيت النبي ﷺ في المنام ولو شئت وصفته لك، قال: صفه لي؟ فجل الرجل يقول: وجهه كذا، وشعره كذا، وطوله كذا، وعرضه كذا.\rقال ابن عباس: (لو كان حياً ورأيته ما وصفته بأبلغ من ذلك) لو كان حياً وهو أمامك وتصفه وأنت تراه لم تقل شيئاً أكثر مما قلت.\rفمن رأى النبي ﵊ في المنام فهذه رؤيا حق، (ومن كذب عليَّ) أي من قال: رأيت النبي ولم يره (فليتبوأ مقعده من النار) لأن النبي ﵊ يقول: (إن كذباً عليَّ ليس ككذباً على أحدكم) لأنه رسول وكلنا جميعاً نتلقى الدين منه، فلو جاز الكذب عليه لجاز لكل العالم أن يعمل بالكذب.\rومسألة أن الشيطان لا يتمثل بصورة النبي هذه مخصوصة بالنبي ﷺ، ولم يرد في حديث أن الشيطان لا يتمثل بصورة الخضر، إنما هذه مخصوصة بنبينا ﷺ، فكون الشيطان يتمثل بصورة الخضر هذا محل بحث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471916,"book_id":1601,"shamela_page_id":33,"part":"3","page_num":14,"sequence_num":33,"body":"الرؤيا المنامية لا تفيد علماً\rهب جدلاً أن الشيطان لا يتمثل بالخضر، فهل إذا جاء الخضر وقال لك: افعل كذا وكذا، هل يلزمك أن تفعل؟ بل لو أن النبي ﷺ جاءك في المنام حقيقة وكنت صادقاً في رؤيته، وكنا في اليوم الأخير أو قبل الأخير من شعبان، فجاءك النبي ﷺ وقال: غداً أول رمضان، هل يلزمك أن تصوم، هل يلزمك أنت أيها الراعي أن تفتي الأمة وتفتيها بهذه الرؤيا المنامية؟ أجمع العلماء على أن هذا لا يجوز؛ لأن العلم إنما يتحمل في اليقظة وليس في المنام، وأي رؤيا منامية لا يؤخذ منها أي حكم شرعي؛ إذ أن الدين قد تم، والذي رأى الرؤيا المنامية إن كان سيفتيك بشيء جاء به الشرع، فنقول له: دع رؤياك لنفسك وعندنا الدليل، وإن كان لم يأتِ به الشرع فأنت تزعم أن الشرع ناقص وهذه الرؤيا المنامية تكمل نقصان الشرع، وهذا تكذيب لله ﷿ إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] فما مات النبي ﷺ إلا وقد كمل الدين وتمت النعمة.\rحتى لو جاء الرسول ﷺ وأفتاك بشيء أو قال لك: بلغ هذا عني، فليس عليك أن تبلغ؛ لأنه ﵊ قبل أن يموت بلغ كل شيء، وهو القائل ﵊: (ما تركت شيئاً يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أمرتكم به، وما تركت شيئاً يباعدكم عن الجنة ويقربكم من النار إلا نهيتكم عنه) .\rفلو جاء الخضر فقال شيئاً فلا يلزم من هذه الرؤيا أي شيء من العلم.\rنسأل الله ﷿ أن ينجينا من البدعة، وأن يقربنا من السنن، وأن يلهمنا رشدنا.\rربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.\rاللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.\rاللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.\rرب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471917,"book_id":1601,"shamela_page_id":34,"part":"4","page_num":1,"sequence_num":34,"body":"قصة موسى والخضر [٤]\rليس في الشرع علم باطن يخالف دلالة الظاهر كما يدعي ذلك الباطنية، بل لابد للباطن من علاقة بالظاهر سواء كان هذا في الكلام أو في المعاملات والنفوس، وقد يحتاج العالم إلى كتمان بعض العلم عن الناس لئلا يكون لهم فتنة، فلا يكون هذا من العلم الباطني، إلا أن الله ﷿ يرزق بعض عباده فطنة وفراسة تميزه عن سائر الناس، وهي أيضاً ليست من العلم الباطني الذي يدعيه الباطنية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471918,"book_id":1601,"shamela_page_id":35,"part":"4","page_num":2,"sequence_num":35,"body":"العلم الباطن والظاهر\rإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rإن الشرع ليس فيه ما يسمى بعلم الباطن الذي يخالف دلالة الظاهر، فقوله تعالى إرشاداً لموسى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] ، والمسلمون جميعاً يعرفون أن فرعون رجل جبار له قصة طويلة.\rفأي مسلم قرأ القرآن أو قرأ السيرة أول ما يسمع قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] يعلم أنه فرعون موسى، وأما الباطنية فيؤولون هذه الآية ويقولون: (اذهب إلى فرعون) أي: إلى القلب، فالقلب هو فرعون الذي يجب أن يذهب إليه.\rويقولون: هذا باطن، وأنتم يا أهل الظاهر، ويا أصحاب الشريعة لا تتوصلون إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471919,"book_id":1601,"shamela_page_id":36,"part":"4","page_num":3,"sequence_num":36,"body":"الفطنة والإلهام ليس من العلم الباطني\rفظهر مما ذكرت أن حديث أبي هريرة وقوله ليس فيه أية حجة للذين يفصلون الباطن عن الظاهر.\rوكثير من الصحابة أوتي فطنة أكثر من الآخر، فمن العجب أن يأتوا إلى الفطن إذا بصر الله ﷿ له أمره فأخبره عن شيء فحدث في المستقبل كما أخبر، فيقولون: هذا عنده علم باطن لمجرد توقع واحتمال قاله فصدقه الله ﷿ في المستقبل، فيقولون: هذا عنده علم باطن.\rوالواقع أن الأمر بخلاف هذا، فعندنا في صحيح البخاري أن النبي ﵌ صعد على المنبر يوماً وقال: (إن الله ﷿ خير عبداً بين زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده) فبكى أبو بكر ﵁ وقال: (نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله) فصار الناس يتعجبون لِمَ يبكي هذا الشيخ؟ مع أن كلام النبي ﷺ كلام طبيعي.\rقال أبو سعيد: (فتعجبنا للشيخ لم يبكي؟ ثم علمنا أنه كان أفهمنا، فكان المخير هو رسول الله ﷺ، وكان هذا اقتراب أجله) أي: أنه سيموت، فهمها أبو بكر مع أن الكلام عام، ولم يفهمها الصحابة، فهذا من باب قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩] .\rعمر عندما أرسل جيشه يقاتل وبين عمر والجيش آلاف الأميال، صعد عمر على المنبر، فبينما هو يخطب إذ قال: (يا سارية! الجبل الجبل) كلام معترض لا علاقة له بالخطبة، فلما كتب الله النصر للجيش ورجع، قال الأمير: يا أمير المؤمنين، كأني سمعت صوتك وأنت تقول: (يا سارية! الجبل الجبل) ، فلما اعتصمنا بالجبل نصرنا الله ﷿.\rفـ عمر حصل عنده كشف، وهذا إلهام من الله لـ عمر: (ومعنى (الجبل الجبل) أي: الزم الجبل واجعل ظهرك بالجبل، وكان الأعداء يأتونه من قبل الجبل، قال: (يا سارية! الجبل الجبل) فلما سمع سارية هذا جعل ظهره للجبل فنصره الله ﷿.\rهذا من عاقبة الإخلاص الذي إن جمعه عبد في صدره آتاه الله ﷿ حكمة، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن يكن منكم ملهمون فـ عمر) ، وفي رواية أخرى: (إن يكن منكم محدثون فـ عمر) (محدثون) : أي: من السماء.\rوفي الحديث الحسن: (لو كان بعدي نبي لكان عمر) كل هذا توفر لـ عمر، فعندما قال: (يا سارية! الجبل الجبل) هذا إلهام من الله ﷿ ليس له علاقة بالباطن الذي يقصده القرامطة وغلاة الصوفية، وإلا فإن الباطن هنا مهم، وهو إخلاص النية لله ﷿، وأن يكون باطن الرجل كظاهره.\rإذاً: خلاصة الكلام في هذا الأمر أنه لا يوجد شيء اسمه (علم الباطن) على طريقة القرامطة والإسماعيلية وغلاة الصوفية، ولا يوجد إطلاقاً ظاهر في الشرع لا علاقة له بالباطن أبداً، إنما هناك باطن يكون ظاهراً لبعض الناس وباطناً لعامة الخلق.\rففي مثل قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] المعنى الذي ذكرته لا يتفطن إليه إلا علماء قلائل، فهو بالنسبة للناس جميعاً باطن لا يعرفونه، بل كثير من علوم الشريعة الظاهرة تعتبر باطنة لكثير من الناس لا يعرفونها، فإن كان الباطن بهذا الاعتبار كان صحيحاً بشرط أن يكون له علاقة باللفظ.\rهذا هو تفسير الباطن الذي يقره الإسلام، أما بغير هذا فقد أفضنا فيه القول.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.\rونسأل الله ﷿ أن يهدينا للتي هي أحسن وللتي هي أقوم.\rاللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.\rاللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.\rاللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471920,"book_id":1601,"shamela_page_id":37,"part":"4","page_num":4,"sequence_num":37,"body":"العلم الذي كتمه أبو هريرة ليس مما يحتاج إليه\rقال أبو هريرة: (إني أخذت جرابين من علم فأما واحد فبسطته فيكم، وأما الآخر فلو قلته لقطع مني هذا البلعوم أو هذا الحلقوم) وهذا لا دلالة فيه للباطنية للآتي: أولاً: أنه لا يجوز كتمان العلم الشرعي، فلو أتى رجل وقال: يا أبا هريرة إني بعدما توضأت أكلت طعاماً هل عليَّ وضوء؟ لا ينبغي لـ أبي هريرة أن يكتم هذا العلم؛ لأنه لو كتمه لصار هذا الرجل لا يعرف أصلاته صحيحة أم باطلة، ووضوءه صحيح أم باطل.\rولو قال له: إني قمت من النوم جنباً ووجدت ولم أجد ماء، أأترك الصلاة حتى أجد الماء أم ماذا أفعل؟ ينبغي على أبي هريرة أن يقول له\r\rالجواب\r إن فقدت الماء وأنت جنب فتيمم لرفع الجنابة ولا ينبغي لأي صحابي أو تابعي أن يكتم مثل هذا العلم.\rأما العلم الذي كتمه أبو هريرة فهو علم الفتن والملاحم التي تكون بين يدي الساعة، فإن الملوك وأعوان الملوك يدخل عليهم الغم أن يعلموا أن دولتهم ستزول، فلو قال أبو هريرة: إني سمعت النبي ﷺ يقول مثلاً: إن ملك بني أمية سيزول، لعلهم يقتلونه، مع أن هذا ليس فيه شيء من العلم الذي ينتفع به الناس، فكتمانه لا شيء فيه.\rولذلك قال عبد الله بن عمر: (والله لو حدثكم أبو هريرة فقال: إنكم تهدمون بيت الله، لقلتم: كذب أبو هريرة، ولو حدثكم أبو هريرة فقال: إن أميركم سيضرب الكعبة بالمنجنيق فيهدمها؛ لقلتم: كذب أبو هريرة) هذا هو العلم الذي خبأه أبو هريرة ولا فائدة للعامة فيه.\rولذلك مما يدل عليه أن أبا هريرة قال: (اللهم أني أعوذ بك من رأس الستين وإمارة الصبيان) ما هو رأس الستين وما هي إمارة الصبيان التي استعاذ منها أبو هريرة؟ رأس الستين، أي: سنة ستين هجرية، ففي سنة ستين هجرية صار يزيد بن معاوية هو الأمير، فهذه هي إمارة الصبيان.\rالله ﷿ استجاب لـ أبي هريرة فمات سنة ثمانية وخمسين، وفي رواية: (سنة تسع وخمسين) .\rهذا من العلم الذي كتمه أبو هريرة، ولو أتى وقال: إنك صبي غر ستأخذ الإمارة على رأس ستين لقتلوه.\rفالمقصود أن أبا هريرة كتم علماً لا يهم العامة ولا ينبني عليه عمل يذكر، إنما هو في الفتن والملاحم وفي دلائل النبوة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471921,"book_id":1601,"shamela_page_id":38,"part":"4","page_num":5,"sequence_num":38,"body":"لزوم علاقة باطن الكلام بظاهره\rالكلمة لابد أن يكون ظاهرها كباطنها، أو يكون بينهما قاسماً مشتركاً وإلا كانت خطأ.\rفمثلاً: في قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩] ، (المطهرون) : يقول الفقهاء: عند مس المصحف لابد من الطهارة من الحدث الأكبر اتفاقاً، أما الحدث الأصغر فعلى خلاف بينهم، فلو قال قائل: (لا يمسه إلا المطهرون) أي لا يدرك حقائق القرآن ولا ينتفع بها إلا طاهر القلب كان هذا معنى صحيحاً؛ لأن له علاقة بظاهر اللفظ ولا ينافيه.\rوحديث النبي ﵌: (إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو جنب) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (لو قال قائل هنا إن القلب لا تدخله حقائق الإيمان إن كان فيه كبر أو غش وسواد لكان هذا ملائماً للمعنى العام) .\rفلابد أن يكون هناك علاقة ولو من طرفٍ خفي بين ظاهر اللفظ وبين باطنه، أما أن يشرق اللفظ ويغرب الباطن فهذا من فعل القرامطة الإسماعيلية وغلاة الصوفية، وهذا باطل بلا شك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471922,"book_id":1601,"shamela_page_id":39,"part":"4","page_num":6,"sequence_num":39,"body":"العلم الباطني عند الباطنية واستدلالهم له\rقالت الصوفية الذين يحتجون على أهل السنة ويقولون لهم: أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، قالوا: إن فيما تروون ما يؤيد مذهبنا، بل هو في صحيح البخاري! قالوا: قول أبي هريرة ﵁: (أخذت من النبي ﵌ جرابين من العلم: فأما واحد فبسطته بينكم، وأما الآخر فلو ذكرته لقطع مني هذا البلعوم) قالوا: إذاً أبو هريرة كتب شيئاً من العلم أخفاه، وعنده باطن لم يقله للناس، فهذا يؤيد ما نذهب إليه من أن هناك علوماً تخالف ظاهر ما يعرفه الناس ولا ينبغي أن يعرفوها وإلا ضلوا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471923,"book_id":1601,"shamela_page_id":40,"part":"4","page_num":7,"sequence_num":40,"body":"تحديث الناس بما يعرفون أمر شرعي لا دلالة للباطنية فيه\r\r\rالجواب\r أن هذا حق اختلط بباطل كثير، ولكن لا ينبغي أن يحدث الناس إلا بما يعرفون، كذا أمرنا نبينا ﷺ وكذا فهم أصحابه.\rروى مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) وهذا شيء طبيعي أن تنزل الكلام على قدر عقول الناس، فيجوز لك أن تكتم بعض العلم عمن تتصور أنه يفسد إذا ألقيت عليه هذا العلم، هذا أمر لا ينكر في الشريعة وله شواهد كثيرة.\rفمثلاً: قام رجل يخطب في إحدى القرى والأرياف، والغالب على أهل الأرياف أنهم فلاحون بسطاء، ولعل أكثرهم لم يتلقَّ شيئاً من العلم وإنما أخذوا من القراءة والكتابة أبجدياته، فصعد على المنبر ففسر قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠] بأن الكفار هنا هم الزراع، فالقاعدون قالوا: تحكم علينا بالكفر؟ أنحن كافرون؟ فقال لهم: لا.\rوإنما المقصود كذا وكذا، فلم يسمع أحد، فكان يقول: اقرءوا ابن كثير وابن جرير والطبري والقرطبي، فلا يسمع أحد، فهذا هو الخطأ، أن يأتي على أقوام لا يفهمون أبجديات العلوم فيحدثهم كما لو كانوا جميعاً من علماء الأمة، فهذا لا ضير عليه ألا يقوله.\rكذلك أنس بن مالك ﵁ كما في صحيح البخاري حدث الحجاج بن يوسف الثقفي الأمير الظالم المشهور بحديث العرنيين، وحديث العرنيين: أن جماعة أسلموا فاجتووا المدينة، أي: كرهوها وملوها وكانت مكة أطيب هواءً من المدينة، فلما هاجر الصحابة من مكة إلى المدينة مرضوا، فمرض أبو بكر وبلال وسعد وجماعة؛ لأن جو المدينة غير صحي وفيه حمى كثيرة، ولأن المدينة ستصبح دولة الإسلام، قال ﵊: (اللهم حبب إلينا المدينة حبنا لمكة أو أشد) .\rفالقوم الذين هاجروا يجب أن يحبوا الوطن الجديد حتى يعمروا فيه، فكرهوا المدينة لخبث هوائها وسوء جوها، فقال النبي ﷺ: (اللهم حبب إلينا المدينة حبنا لمكة أو أشد، اللهم أخرج حماها إلى الجحفة) والجحفة من أعمال مكة، وهي قرية خربت الآن، وهي ميقات أهل مصر، إذا خرج الحجاج من مصر فميقاتهم الجحفة، لكن الجحفة خربت فاستبدلوها برابغ، وهي قرية قريبة من الجحفة.\rفقال ﵊: (إني ليلة أمس رأيت امرأة سوداء الشعر، سوداء الوجه، كثيرة الشعر، خرجت من المدينة وقعدت في الجحفة فأولتها الحمى) فصارت المدينة أحب إلى الصحابة من أي مكان آخر.\rفأولئك العرنيون اجتووا المدينة: أي كرهوها وكرهوا المقام بها وسقمت صحتهم، فذهبوا يشكون إلى النبي ﷺ، فقال: (الحقوا براعي كذا -وكان راعياً على إبل الصدقة- فاشربوا من أبوال الإبل وألبانها) وهذا دليل على أن بول الإبل طاهر، قال الفقهاء: وبول كل ما يؤكل لحمه طاهر أيضاً.\rفلو أن البقرة أو الجاموسة تبولت ووصل إلى ثوبك بعض البول يرون أن هذا لا شيء فيه؛ لأنه لو كان بول الإبل نجساً لما أمر النبي ﷺ أولئك العرنيين بشربه.\rفذهبوا فشربوا من أبوالها وألبانها، وقتلوا الراعي، وأخذوا الإبل، فأرسل النبي ﷺ يطلبهم، فلما جيء بهم قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، أي: يأتي بمسمار محمي فيضعه في العين، وصلبهم حتى ماتوا.\rهذا جزاء الذين يحاربون الله في الأرض، قال أبو قلابة راوي الحديث: (فأولئك كفروا بعد إيمانهم) .\rفـ أنس بن مالك حدث الحجاج بهذا الحديث فصار الحجاج كلما يجد رجلاً يخالف رأيه يقتله، ويقول: (هكذا فعل النبي ﷺ فعوتب أنس كيف يحدث بمثل هذا الحديث للحجاج، فكان أنس يندم ويبكي أنه قال هذا للحجاج.\rفهنا عليه أن يكتم العلم وليس مستحباًَ فقط، بل يجب أن يكتم مثل هذا العلم عمن يتصور أنه سيفسد إذا علمه، وقس على هذا، فمسألة أن العالم قد يكتم بعض العلم عن السائل هذه المسألة لا شيء فيها ولا علاقة لها بالظاهر ولا الباطن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471924,"book_id":1601,"shamela_page_id":41,"part":"4","page_num":8,"sequence_num":41,"body":"علاقة الباطن بالظاهر من جهة المعاملة\rفنقول: هذا باطل بداهة؛ لأن الباطن لابد أن يكون له علاقة بالظاهر، وهذا ليس في الكلام فحسب؛ بل هذا حتى على مستوى البشر، وعلى مستوى النفوس والمعاملات، فإن خالف ظاهر المرء باطنه كان منافقاً، وكذلك الكلمة إن خالف ظاهرها باطنها كانت خطأً.\rروى أبو داود والنسائي بإسناد حسن عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (لما فتحت مكة أمن رسول الله ﵌ الناس جميعاً إلا أربعة نفر وامرأتين) .\rوالأربعة هم: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس، وعبد الله بن أبي سرح، قال ﵊: (اقتلوهم في أي مكان وجدتموهم ولو كانوا معلقين بأستار الكعبة) .\rفأما عبد الله بن خطل فذهب فتعلق بأستار الكعبة يظن أنه نجا، وكان كافراً يؤذي النبي ﵊، فذهب سعيد بن حريث وعمار بن ياسر يبحثان عنه، فوجداه معلقاً بأستار الكعبة، فأرادا أن يكون لكل واحد منهما الظفر والأجر بقتله، فضربا بسيفيهما فسبق سيف سعيد فقتله.\rوأما مقيس بن ضبابة فقتلوه.\rوأما عكرمة بن أبي جهل ففر وركب البحر، فبينما هو في البحر على متن سفينة إذ هاجت ريح عاصف، فقال ربان السفينة: أيها الناس! أخلصوا فإن آلهتكم لا تنفعكم الآن، أخلصوا فإن الإخلاص ينجي، فقال عكرمة في نفسه: (والله لئن كان الإخلاص هو الذي يخلص في البحر فلا يخلص غيره في البر، أما والله لئن أنجاني الله لأذهبن إلى محمد ﵌ أسلم عنده وسأجد عفواً) فرجع فأسلم.\rبقي عبد الله بن أبي سرح وكان أخاً لـ عثمان بن عفان ﵁ من الرضاعة، فلما علم ابن أبي سرح أنه مقتول اختبأ عند عثمان، حتى جاءت البيعة العامة التي يبايع المشركون فيها نبينا ﷺ، فخرج ابن أبي السرح محتمياً بـ عثمان، فذهب عثمان وقال: (يا رسول الله! بايع عبد الله، فأعرض عنه، قال: بايع عبد الله فأعرض عنه، قال: يا رسول الله، ألا تبايع عبد الله بن أبي السرح جاء مسلماً، فقبله، ثم قال لأصحابه: (أليس فيكم رجل رشيد حين أغضيت عنه أن يقوم فيقتله، قالوا: يا رسول الله! ما أومأت لنا، ألا تومئ لنا بعينك -يغمز- قال: إنه لا ينبغي أن يكون لنبي خائنة الأعين) .\rهنا أمران: الأمر الأول: لماذا كان عبد الله بن أبي السرح بالذات هو الذي رفض النبي ﷺ إسلامه مع أنه قبل إسلام عكرمة بن أبي جهل بدون مشاكل؟\r\rالجواب\r لأن عبد الله كان مسلماً فارتد، أما عكرمة بن أبي جهل فكان كافراً فأسلم، فالفرق واضح حيث إن عبد الله بن أبي السرح أسلم وكفر في حياة النبي ﵊، فوجد عليه أشد الوجد، ولذلك قبله بشق الأنفس، قال: (أليس منكم رجل رشيد حين أغضيت عنه كان يقتله، قالوا: يا رسول الله، ما أومأت لنا بعينك، قال: إنه لا ينبغي أن يكون لنبي خائنة الأعين) هذه هي استقامة الباطن مع الظاهر؛ لأن خائنة الأعين من شأن المنافقين فقط.\rوخائنة الأعين لغة مشهورة في دنيا الناس اليوم، فأي رجل صاحب محل تجاري يعرف هذا سلفاً يدخل عليه مشترٍ عميل يقول للغلام: هات شاياً ويغمز له، أي: لا تحضر ولا تأتي، فقط لأجل أن يغبط هذا المشتري معه حتى تتم صفقه.\rخائنة الأعين هي لغة كثير من الناس، وهذا ضرب من النفاق العام الذي ابتلي الناس به، وسميت خائنة الأعين لأن اللسان صدق والعين خانت، (اللسان صدق) يقول: سأحضر لك شيئاً أو ما تطلبه سأفعله، هذا كلام اللسان، فمقتضى كلام اللسان أنه سيفي بالوعد، فلما غمزت بعينك صارت هذه خيانة وفضاً لاتفاق اللسان أو لقوله، فلذا سميت خائنة الأعين.\rفخائنة الأعين لا تنبغي أن تكون لنبي، وهذا مثال ظاهر لاستقامة الباطن مع الظاهر، فإذا خالف الظاهر الباطن كان هذا نفاقاً، والنفاق عليه عذاب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471925,"book_id":1601,"shamela_page_id":42,"part":"5","page_num":1,"sequence_num":42,"body":"قصة موسى والخضر [٥]\rإن موقف موسى من الخضر يعد درساً لطالب العلم في كيفية تعامله مع شيخه من التواضع له، والتلطف معه، وعدم الاستنكاف من السؤال، حتى ولو كان السائل أفضل وأعلم من المسئول، وبهذه الآداب عمل السلف الكرام، وكانت أفعال الخضر في ظاهرها منافية للعقل، ومع ذلك وعده موسى بأن يصبر وعلَّق هذا بمشيئة الله؛ لأن الواجب تقديم المشيئة على العمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471926,"book_id":1601,"shamela_page_id":43,"part":"5","page_num":2,"sequence_num":43,"body":"التقاء موسى بالخضر وآداب طالب العلم\rإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rفكنا انتهينا بعون الله تعالى إلى وصول موسى ﵇ إلى الخضر، فلما رآه موسى وعرفه بالعلامات التي وضعها الله له، كانفلات الحوت في البحر قال له موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانطَلَقَا﴾ [الكهف:٦٦-٧١] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471927,"book_id":1601,"shamela_page_id":44,"part":"5","page_num":3,"sequence_num":44,"body":"سؤال الأعلم لمن هو أقل منه لا غضاضة فيه\rقد يقول قائل: موسى ﵇ الأعلم يطلب من الخضر العلم وهو أقل منه منزلة وفضلاً وعلماً!! نعم! ليس هناك أي غضاضة في أن يتعلم الرجل ممن هو أقل منه، وهذا مشاهد في الحياة، فتجد الرجل العظيم الكبير الذي جمع أصناف العلوم يتعلم من رجل لا يفهم شيئاً إلا في مهنة واحدة، فمثلاً: لو ذهب الإمام الشافعي إلى خياط يحيك الملابس، فقال له: كيف تخيط هذا الثوب؟ فيقول له: هكذا وهكذا ويظل يعلمه، فهل بهذه الجزئية صار هذا الرجل أعلم من الشافعي؟\r\rالجواب\r لا.\rلكن لا يوجد رجل في الدنيا كلها يعرف كل شيء، بل لابد أن يجهل شيئاً ما ويكون هناك من هو أقل بكثير جداً منه يعلم هذه الجزئية.\rوهذا النبي ﵌ ولا يوجد أفضل منه ولا أعلم، كما في صحيح مسلم أنه مر على جماعة يؤبرون النخل -أي: يلقحونه، يأخذون لقاح الذكر ويضعونه على الأنثى- فقال: (ما أظن هذا ينفع شيئاً) فنزل الأنصار من على النخلة وتركوها، فإن هذا نبي، فانتظروا أوان حصاد أوان التمر فإذا هو شيصٌ أي: (بلح) لا يؤكل، فأخبروا النبي ﵊، فقال لهم: (أنتم أعلم بشئون دنياكم، إنما أنا بشر فلا تؤاخذوني بالظن) ، فهو ظن أن هذا لا يجدي شيئاً، فلا يقال: إن فلاناً أعلم من الرسول ﷺ؛ لأنه علم جزئية من الجزئيات فننزل كلام موسى مع الخضر هذه المنزلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471928,"book_id":1601,"shamela_page_id":45,"part":"5","page_num":4,"sequence_num":45,"body":"من آداب طالب العلم ملاطفة العالم\rفالملاطفة مع العالم أدب؛ لأنه أفضل منك، فهو معه علم وأنت أقل منه، قال الله ﷿: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]\r\rالجواب\r لا.\rفالذين يعلمون شيء والذين لا يعلمون شيء آخر، ولذلك جعل الله ﷿ أولي العلم من الشهداء على وحدانيته مع الملائكة، وقال لنبيه ﷺ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] قدم العلم، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، فالعالم لأجل هذا يرفع.\rوكان الحافظ ابن حجر العسقلاني أحد حفاظ الدنيا ممن أنجبتهم مصر كان له شيخ يسمى الحافظ العراقي، كان إذا أراد ابن حجر -صاحب كتاب فتح الباري- أن يسأل العراقي مسألة يقف بين يديه ويقول: ما يقول سيدي في كذا وكذا.\rولا يقولن رجل: هذا مخالف لقوله ﷺ لما قال له الصحابة: (أنت سيدنا قال: السيد الله) فإن قول ابن حجر لا يخالف هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ قال للأنصار: (قوموا إلى سيدكم) وكان سعد بن معاذ قدم راكباً على دابة، فقال لهم (قوموا إلى سيدكم) .\rفيقول له: ما يقول سيدي في كذا وكذا، حتى لا يوغر صدر العالم عليه، ولا يناديه بكاف الخطاب ولا تاء الخطاب فيقول له: أنت، كما لو كان شخصاً عادياً، إنما يوقره ويحترمه ويرفعه، فيقول موسى للخضر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471929,"book_id":1601,"shamela_page_id":46,"part":"5","page_num":5,"sequence_num":46,"body":"أدب موسى مع الخضر\rوانظر إلى أدب موسى ﵇ مع الخضر، مع أن موسى أفضل من الخضر، إن كان الخضر ولياً فموسى نبي، والنبي أفضل من الولي، وإن كان الخضر نبياً -وهذا هو الراجح على ما ذكرناه- فموسى يفضل عليه بالرسالة، فموسى أفضل على كل حال، ومع ذلك يقول للخضر بلهجة لطيفة جداً: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] ، أي: أتسمح لي ويطيب خاطرك أن أتبعك شريطة أن تعلمني مما علمت رشداً؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471930,"book_id":1601,"shamela_page_id":47,"part":"5","page_num":6,"sequence_num":47,"body":"آفة المسلمين عدم معرفة حقوق علمائهم\rهذه الآيات تشتمل على آداب طالب العلم، والآفة التي يعاني المسلمون منها أنهم لا يعرفون لعلمائهم حقهم ولا يوقرونهم، بدعوى: (نحن رجال وهم رجال) ، لدرجة أنني رأيت موقفاً غريباً جداً كنت أنا أحد الأطراف فيه، شاب ممن يكفر جماعة المسلمين بارتكاب المعاصي والذين أطلقوا عليهم جماعة التكفير.\rقلت له في مسألة ما: قال ابن عباس كذا وكذا، قال: هم رجال ونحن رجال!! فقلت: أنا أقول لك: قال ابن عباس، لا أقول لك قال الشافعي ولا أحمد ولا البخاري ولا مسلم ولا إسحاق برغم أنني لو ذكرت هذه الأسماء لوجب عليك أن تنصاع؛ لأنهم أئمة على نقلهم نصلي.\rقال: هم رجال ونحن رجال.\rفقلت: إن كنت تقصد بقولك: هم رجال ونحن رجال، في الذكورة فأنا أقر بهذا، أنت ذكر وهو ذكر، لك شارب وله شارب، لك لحية وله لحية، إن كانت الذكورة التي تعنيها هي هذه المواصفات فأنا لا أختلف معك.\rولكن إن كانت الذكورة هي العقل ورجاحته والتقوى ورجاحتها فأنا أختلف معك، ولا يخالف أي عاقل في ابن عباس الذي قال النبي ﵌ فيه: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) .\rقال لي: وما يدريك أن دعوة النبي ﷺ استجيبت؟ سبحان ربي! قال الله ﷿ لعباده جميعاً: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] فتكفل الله ﷿ بمقتضى هذه الآية بأنه إذا دعا أي رجل أية دعوة فإنه يستجيب له ما لم يكن بظلم أو قطيعة رحم، فإن كان الله يستجيب لآحاد الناس ألا يستجيب لنبيه؟ هم رجال، وأما نحن فلا ندانيهم ولا يساوي الواحد منا مسماراً في نعل واحد منهم، كيف وقد فتحوا الدنيا ونصروا الدين على أكتافهم، ونحن متخاذلون، وحياتنا كلها بدع، كانوا في القديم حياتهم بين بدعة وسنة، وكانت هناك بدع، ولكن كان في مقابل البدع سنن، أما نحن الآن فندور بين بدعة وردة، وأغلبنا مقلد لا يعرف شيئاً عن دينه الصحيح إلا الإمام.\rأين رجولتكم وقد ضاعت بلادكم من بين أيدكم؟ أين رجولتكم وبطونكم في أيدي عدوكم، لا تأكلون إلا فتاتاً يرميها لكم؟ أين رجولتكم؟ هم رجال ونحن رجال في الأسماء، فتشابه الألفاظ فقط هذا رجل وهذا رجل، نبينا ﷺ رجل وأبو جهل رجل لكن شتان ما بين الرجلين، هذا خير من وطئ الحصى، وذاك شر من وطئ الحصى، وإن اشتركوا في الأسماء الظاهرية فقط.\rأسلافنا رجال في تقواهم وورعهم وفي كل شيء يفعلونه، فأنظر إليهم في عنفوانهم كيف كانوا يطلبون العلم من العالم، بالرغم من أنه كان في القديم إذا مات عالم تجد مائة ألف عالم، أما في هذا العصر فإذا مات عالم شغر مكانه، وبعد سنوات طوال تجد من يسد مكان العالم، فالعالم جوهرة، يكفي أنه يبين مراد الله في الأرض، وحسبه أنه يفعل كذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471931,"book_id":1601,"shamela_page_id":48,"part":"5","page_num":7,"sequence_num":48,"body":"صورة من عدم تأدب التلميذ مع شيخه\rسأعرض عليكم صورة رأيتها بنفسي ليس بيني وبينها واسطة، مَنَّ الله ﷿ عليَّ وصحبت لفترة من الزمان أكبر محدث في هذا العصر وهو الشيخ الألباني، وهذا الرجل جليل القدر جداً، تستشعر كأنه سقط من القرون الأوائل لما عليه من الهيبة، فإن سلوكه لا ينافي قوله.\rوفيما علمت وأخبرني المخبرون أنه كان إذا عقد مجلساً أرى بعيني شباباً ينامون على ظهورهم بحضرته، ولا أبالغ إذا قلت: إن قدم أحدهم تكون متوجهة أحياناً إلى وجهه، والشيخ ساكت؛ لأن الحياء يمنعه، والحياء يفطر المرء عليه.\rوفي صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﵌ مر فوجد رجلاً يعظ أخاه في الحياء -يعلمه أن يستحي- فقال له: (دعه فإن الحياء من الإيمان) .\rالحياء قرين الإيمان ولا عليك أن لا تعلمه، فالحياء لا يعلم، بل يفطر المرء عليه، ولا خير في رجل لا حياء عنده، فهذا نائم على ظهره والشيخ يفتي أو يلقي درساً من دروس العلم، مع أن الشيخ ناصر الدين الألباني لو مات غداً لظلت الأمة تعاني سنوات طويلة حتى يخلفه رجل مثله، فانظروا إلى شبابنا مع أننا نعاني فقراً في العلماء كيف يعاملونهم، أما أسلافنا فانظروا كيف كانوا يعاملون علماءهم، مع أن العالم فيهم إذا مات تجد مائة ألف عالم يخلفه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471932,"book_id":1601,"shamela_page_id":49,"part":"5","page_num":8,"sequence_num":49,"body":"صورة من أدب السلف مع علمائهم ومشايخهم\rكان الإمام مالك بن أنس ﵀ يذهب إلى دار شيخ له يسمى شعبة، فيسمع الحديث مع الطلاب، يملي شعبة الحديث وهم يكتبون، فأراد مالك أن ينتهز فرصة ويسمع الحديث من شعبة وحده؛ لأنه من معلوم لدينا جميعاً أنه في أي مدرسة كلما كان عدد الطلاب أقل كلما كانت الاستفادة أكثر؛ حيث يستطيع المدرس أن يجيب على تساؤل كل طالب، ونحن الآن نعاني إفلاساً حتى في التعليم الدنيوي، فتجد المدرج فيه سبعة أو ستة أو أربعة آلاف، فلو عرضت لأي طالب مشكلة كيف يجيبه المدرس؟ فالمدرس يقول: ما عنده فهم الطالب أو لم يفهم، فكلما قل العدد كلما كانت الاستفادة أكثر، فالإمام مالك يريد أن ينفرد بـ شعبة، فماذا يفعل؟ صلى صلاة العيد، والناس في العادة ينصرفون إلى بيوتهم بعد صلاة العيد، إلا أنه ذهب إلى دار شعبة، فما طرق الباب، بل قعد على درج البيت على السلم، وهذا مالك، الإمام الذي ما يقارب ثلث الأمة على مذهبه، وجعل الله له لسان صدق في الأمة، كلما ذكر ترحم الناس عليه، لم يطرق باباً ولم ينادِ إنما قعد على درج البيت.\rقال شعبة لجاريته: انظري من في الباب يأكل معنا، وكانت أبوابهم مفتحة لا يمنعون مسكيناً.\rفخرجت الجارية ثم رجعت تقول: يا سيدي مالك في الباب.\rفقال: ادخل، فدخل.\rقال: كل.\rقال: ما لهذا جئت.\rقال: حاجتك؟ قال: أريد الحديث.\rقال مالك: فحفظت عنه في هذا المجلس أربعين حديثاً.\rفانظر لأدبه، لا يطرق باباً ولا يزعجه، احتراماً للشيخ ولعلمه.\rكذلك أيضاً ابن عباس مات النبي ﵌ ولم يكمل العشرين من عمره بل كان سنه ثماني عشرة سنة، فكان يذهب إلى أصحاب النبي ﵊ الكبار أمثال زيد بن ثابت، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان، قال ابن عباس: (فكنت أذهب إلى بيوتهم، فربما تلسعني شمس الظهيرة، فلا أطرق على أحد منهم الباب، فإذا رآني قال: يا ابن عم النبي لِمَ لم تطرق الباب لم لم تخبرني فآتيك؟ لشرف آل البيت.\rفيقول ابن عباس: (بل أنا آتيك، حق العالم على المتعلم) ويحكي لنا رجل أنصاري قال: (قال لي ابن عباس يوماً: ألا تأتي فنسأل أصحاب النبي ﷺ وهم متوافرون، فقال الأنصاري يهزأ بـ ابن عباس: أتظن يا ابن عباس أنه سيأتي اليوم الذي يحتاج فيه إليك، وأصحاب النبي كثر؟!) كأنما يحقر شأن ابن عباس، يقول: هل تظن أنه في يوم من الأيام سيحتاج الناس إليك، مهلاً يا ابن عباس.\rقال ابن عباس: (ولم يطاوعني، فذهبت أسأل وأستفيد، فما مات الأنصاري حتى كانت لي حلقة) صار إماماً يفتي.\rفلما رآه الأنصاري قال: (أفلح الرجل) .\rقصر هو فلم يذهب معه، ولم يقف في حر الظهيرة ينتظر العالم، مع أن هؤلاء الناس الأفاضل كان إذا ترك الواحد منهم عالماً وجد غيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471933,"book_id":1601,"shamela_page_id":50,"part":"5","page_num":9,"sequence_num":50,"body":"قيام الخضر بأعمال مخالفة للعقل والدين في الظاهر\rقال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٦-٦٧] هذه الآية تبين لنا أموراً: الأمر الأول: أن موسى ﵇ كانت فيه حجة.\rالأمر الثاني: أن ما سيفعله الخضر ينكره أي عاقل في الدنيا وأي رجل يدين بدين، والخضر يعلم هذا مقدماً، أن أفعاله التي سيفعلها سيخالفه فيها أي رجل عاقل، فظواهرها منكرة حيث يقابل شاباً فيقتله، وأناساً يحملونه في السفينة بدون أجر يخرقها لهم، ويقول لآخرين: نحن جائعون نريد أن نأكل، فيقولون: ما عندنا طعام، ومع ذلك يبني لهم جداراً.\rظواهر الحال تقول: إننا يجب أن نعامل هؤلاء بمثل معاملتهم، فالذين حملونا في السفينة بغير أجر، يجب علينا أن نحسن إليهم فلا نتلف لهم السفينة، وولد وضيء كان يلعب مع الصبيان كيف يأخذه ويقلع رأسه؟! والذين استطعمناهم فلم يطعمونا كيف تبني لهم جداراً؟ بل خذ أجراً.\rوالله ﷿ أعلم الخضر لما أوحى له بهذه الأشياء أنها تخالف ما يعلمه موسى.\rفعلم أي نبي في الدنيا هو ما يصلح به حياة البشر، أي نبي هكذا علمه الله ﷿ ما علمه إلا علماً يصلح حياة البشر، ثم يؤتيه بجانب هذا العلم معجزات وآيات وخوارق.\rإلخ تصديقاً له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471934,"book_id":1601,"shamela_page_id":51,"part":"5","page_num":10,"sequence_num":51,"body":"طموح الإنسان وآماله أكبر من عمره\rالتسوية في المشيئة ممنوع فكيف إذا قدمت؟ وكيف إذا تركت؟ تقول: أنا سأفعل وسأفعل، والله ﷿ كتبك في الأموات وأنت تبني آمالاً وأحلاماً وتقول: السنة القادمة سأذهب إلى فلان، والسنة القادمة سأبني العمارة، والسنة القادمة سأفعل كذا وكذا، وقد نزلت ورقته بأنه سيموت غداً أو بعد غد أو سيموت الشهر القادم وهو يبني أحلاماً وآمالاً لعشر سنين.\rوفي الحديث الصحيح عند البخاري: أن النبي ﷺ رسم على التراب لأصحابه مربعاً قال: (هذا أجل ابن آدم، ثم رسم خطاً طويلاً خارجاً من المربع، قال: وهذا أمله) ولو ترك المرء وأحلامه لما مات أبداً؛ لأن أحلام المرء أكبر من عمره بكثير، كما أن عين المرء أكبر من بطنه بكثير، وفي يوم الصيام يتصور أنه لو ضرب مدفع الإفطار سيأكل خروفاً وسيشرب برميلاً من الماء، فإذا أكل لقيمات فقط اكتفى وقام، فأمله أكبر من عمره: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] قل إن شاء الله أفعل، كن مؤدباً مع الله ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩] .\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471935,"book_id":1601,"shamela_page_id":52,"part":"5","page_num":11,"sequence_num":52,"body":"وجوب تقديم مشيئة الله على العمل\rقال له: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٦٧-٦٨] أي: كيف تصبر على ما لم يصل إليك علمه وخبره؟ قال له موسى بعدما رآه يتمنع: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩] هنا قدم المشيئة على ذكر الصبر ولم يذكرها مع نفي المعصية: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف:٦٩] قال بعض العلماء: لما قدم المشيئة على الصبر صبر، ولما ترك ذكرها في المعصية اعترض على الخضر وعصى أمره وتركه.\r﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] فيجب على الرجل قبل أن يبرم أمراً أن يقدم مشيئة الله ﷿، فإن الله تعالى قدر كل شيء، فتقديم المشيئة أدب، فتقدم مشيئة الله على مشيئتك أنت، ولا يجوز أن تسوي بين مشيئة الله ومشيئتك، ومن باب أولى أن تقدمها عليها.\rوفي صحيح البخاري أن النبي ﵌ سمع رجلاً يقول له: ما شاء الله وشئت، فقال: (أجعلتني لله ندا؟! قل: ما شاء الله وحده أو ماشاء الله ثم شئت) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471936,"book_id":1601,"shamela_page_id":53,"part":"5","page_num":12,"sequence_num":53,"body":"توقير العالم بعدم الاعتراض عليه\rالحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\rقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٧٠] هذا توكيد من الخضر أن ما سيفعله يأباه أي عاقل يحكم على ظاهر الأشياء، فقال له: اتبعني بشرط ألا تعترض على ما أفعل.\rوهنا سؤال بمناسبة هذه الآية، وهو: أننا ذكرنا أن من احترام المتعلم للعالم أن يوقره ويحترمه ولا يكثر من الاعتراض عليه، فهل إذا فعل العالم شيئاً منكراً على الظاهر يجوز الاعتراض عليه؟ وهل الاعتراض عليه يعد سوء أدب مع العالم؟ الجواب يحتاج إلى تفصيل: المنكر في الأمر طريقة الصوفية، أن يقول الشيخ للمريد: (كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل) ، وهذا كلام مرفوض بأن ألغي العقل تماماً، فهذا لا يقوله أحد.\rونحن عهدنا في مجالس كبار العلماء أنه كان يعترض التلميذ على شيخه ولكن بأدب، فلا مانع من الاعتراض لأن العلم لا يكون إلا بهذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471937,"book_id":1601,"shamela_page_id":54,"part":"5","page_num":13,"sequence_num":54,"body":"نماذج من اعتراض التلاميذ على مشايخهم مع مراعاة الأدب\rدخل الإمام البخاري رحمه الله تعالى ورضي عنه على شيخ له يسمى الداخلي، قال الداخلي: (حدثنا فلان عن فلان عن فلان) وساق حديثاً عن النبي ﷺ فقال له البخاري: (بل هو فلان عن فلان) قال الداخلي: (أتعترض عليَّ) ؟ قال: (ارجع إلى أصلك) أي: انظر في كتابك، ففتح الداخلي كتابه فوجد الأمر كما قال البخاري، فأثنى على البخاري.\rفليس هناك سوء أدب في عبارة البخاري مع الداخلي، وإنما صحح له خطأً.\rومن الشيوخ الأجلاء الذين لا يعرفهم الناس إنما يعرفهم أهل العلم، نعيم بن حماد من مشايخ البخاري أيضاً، كان يحدث يوماً بحديث، فقال له يحيى بن معين وهو إمام آخر من أئمة هذه الأمة الكبار جداً جداً، قال له: (بل هو كذا عن كذا وأنت أخطأت) فأرغى نعيم وأزبد وقال: (تقول لي: أخطأت؟) فقال له يحيى: (أما والله في كتابك كما أقول) فدخل نعيم بن حماد إلى كتابه ففتحه فوجد أن الصواب مع المعترض، فما تكبر عن الحق، ولا قال: أنا شيخ ولا يجوز أن يرد عليَّ تلميذ وهذا إسقاط لهيبتي.\rإلخ ويقول الإمام الشافعي يقول: (ما دفع رجل حقاً إلا سقط من نظري، وما أذعن له إلا هبته واعتقدت مودته) ويقول الإمام الشافعي أيضاً ﵀: (ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ، بل رجوت أن يظهر الله الحق على لسانه) .\rالمقصود أن يظهر الحق سواء على لساني أو على لسان أخي، لا يتناظر العلماء كأنهم أضداد، كل منهم يرجو أن يظهر على صاحبه، فهذا من حظ النفس، بل هو أخوك.\rففي معرض القصاص والقتل رجل قتل رجلاً، ولا يوجد مثل القتل شيء يمكن أن يبغض الرجل الرجل لأجله، ومع ذلك فالله ﷿ يقول: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] ، فقد قاتله ومع ذلك يقول: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨] فيذكرك أنه أخوك، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ [البقرة:١٧٨] وهذا في معرض القتل، فما بالك إذا كان مجرد جدل علمي.\rماذا قال نعيم بن حماد؟ قال: (من الذين يقولون: إن يحيى بن معين ليس بأمير المؤمنين في الحديث، والله إنك أمير المؤمنين في الحديث) .\rلأجل هذا كانت في دروسهم بركة العلم، وكثير من الناس يعظ ويعلم ولا تجد ثمرة، وجزء من هذه التبعة يقع على العالم؛ لأنه لم يخلص النية في علمه (١٠٠%) ، فهو يقول الشيء ولا يفعله، لذلك لا تجد بركة في علمه.\rإن احترامنا للشيوخ لا يمنع أن نوصل الاعتراض عليهم ولكن بأدب، قال الإمام الشافعي: تعمدني بنصحك في انفراد ولا تلق النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.\rونسأل الله ﷿ أن يهدينا للتي هي أحسن وللتي هي أقوم.\rاللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.\rاللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.\rاللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.\rاللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471938,"book_id":1601,"shamela_page_id":55,"part":"5","page_num":14,"sequence_num":55,"body":"التغافل في محله مطلوب\rسئل أعرابي: من العاقل؟ وانظروا إلى جواب الأعرابي الدقيق جداً، ولو عمل به المسلم في حياته فلن يجد أية مشاكل، والنوع الذي أقصده تهوين المرء للشيء الذي في غير محله إذا لم يتعلق بأمر شرعي.\rقيل لأعرابي: من العاقل؟ قال: الفطن المتغافل.\rهذا هو العاقل، الذي يتغاضى وهو يعلم، وكثير من المشاكل التي تقارف الحياة الزوجية تحتاج إلى هذا الصنيع، حيث تفعل المرأة شيئاً، وهذا الشيء لا يضر كثيراً من الناحية الشرعية، فيعلم الرجل فلا يتركه بل لابد أن يمكث عليه فتحدث مشكلة.\rوهنا محل جواب الأعرابي، فإن من العقل بعدما عرفت أن الأمر ليس بمهم ولا يتصل بالشرع أن تتغافل أيها الرجل، فالعاقل هو الفطن المتغافل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471939,"book_id":1601,"shamela_page_id":56,"part":"5","page_num":15,"sequence_num":56,"body":"الأدب مع المشايخ لا ينافي الاعتراض عليهم بخلاف الصوفية\rلكن الصوفي عندما يقال له: كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل كانت النتيجة أن يفعل الشيخ المناكير -أي: الشيخ باصطلاحهم هم- يفعل كل منكر والمريد لا يعترض أبداً.\rلهذه القاعدة: كن بين يدي الشيخ كالميت يقلبه المغسل يمنة ويسرة ولو أخذه وطرحه أرضاً ما اعترض.\rفالأدب مع الشيوخ لا ينافي الاعتراض عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471940,"book_id":1601,"shamela_page_id":57,"part":"6","page_num":1,"sequence_num":57,"body":"قصة موسى والخضر [٦]\rمما يستفاد من قصة موسى مع الخضر الأدب مع العلماء وتوقيرهم، ولكن هذا لا يعني إقرارهم على الخطأ والمنكر كما يقول الصوفية، بل الاعتراض على المشايخ في حدود الأدب لا ينافي الأدب، ومن هذا المنطلق فقد اعترض موسى على الخضر حين رآه يقدم على أفعال ظاهرها أنها خطأ ومنكر، حيث أن علم موسى قصر عن تفسير هذه الأفعال، بالرغم من وعوده المتكررة له بعدم سؤاله عما يفعل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471941,"book_id":1601,"shamela_page_id":58,"part":"6","page_num":2,"sequence_num":58,"body":"سيرة الإمام البخاري\rإن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rسنبدأ إن شاء الله في سيرة الإمام البخاري، وكنا وعدنا أن نبدأ في درس أو ترجمة من تراجم علماء الأمة، عسى أن يحفز بعض الشباب الغيور ليقلد هؤلاء، وفي السنوات القادمة نجد من يسد الفراغ إذا مات عالم، أو من يجيب الناس بعلم صحيح إذا أرادوا علماً.\rوبكل أسف! نظراً لخلو الساحة من العلماء الحقيقيين تجد حكم الله ﷿ الميسر منه لا يصل إلى الناس، وتجد الناس يستبشعون أحياناً الأحكام الشرعية، بحجة أنها ثقيلة، ويقولون: هذا حرج، ولا نستطيع أن نفعل هذا، وكيف هذا والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] إذاً: دين الله ﷿ الذي أنزله على رسوله ﷺ وكلام النبي ﵊ الذي قاله لا يمكن أن يكون فيه حرج، وإنما الحرج يأتي من ناحيتين اثنتين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471942,"book_id":1601,"shamela_page_id":59,"part":"6","page_num":3,"sequence_num":59,"body":"واجب الوالد في إصلاح بيته\rالقصد من سير العلماء وسير الصحابة هو الدعوة للتمسك بالإسلام، والوالد يجب عليه بمنتهى الحزم مع الرفق أن يرجع بيته إلى الله ﷿، ولا يترك الحبل على الغارب؛ لأن الرجل مسئول، وضياع الأسر كلها إنما هو بسبب رب البيت.\rإذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص إذا كان رب البيت يضرب بالطبل فلا ألوم الولد أبداً أن يرقص، وقد أنشد بعض الشعراء حول هذا البيت من غيظه من أولئك الآباء الذين لا يربون أبناءهم، فقال: إن كان رب البيت جحشاً مبردعاً فشيمة أهل البيت كلهم الرفس أي: إذا كان هذا جحشاً مبردعاً، إذاً: دعهم يرفسون أفضل.\rفرب البيت هو الذي عليه العمل الأكثر، ولا يوجد شيء اسمه أن الأب يقول: إن ابني صديقي، وأنا أعامله كصديق، بل هذا من أخطاء التربية الفادحة؛ لأن معنى صديق: أنني لا أستطيع أن أقوم خطأه وزلاته، ومعنى صديق: أنه يمكن أن يعمل معي أي حركة يفعلها مع صاحبه، وقد رأيت ولداً يقول لوالده: يا عُبَدْ وبهذه الصورة، بل أكثر من هذا.\rوهذا من جراء هذه التربية التي ليست إسلامية، بل الأب يجب أن يبقى أباً طيلة عمره، ولا يوجد شيء اسمه أن الولد صديق أبيه، والمعاملة بالطف ليس معناها أنها صداقة، بل الوالد يجب أن يبقى والداً له هيبته طوال عمره، ولا يأتي بالدنايا أمام أولاده أبداً؛ لأنه هو القدوة.\rفالمقصود أن الآباء عندما يسمعون هذا يجب أن يرجعوا أولادهم وبيوتهم إلى الله (الهوينا) ، وأرجو التدقيق على كلمة (الهوينا) ، لا يكون مفرطاً في حق بيته وحق أسرته عشرين سنة أو خمسة وعشرين سنة ثم يريد أن يرجعهم إلى الله في يوم، فبطبيعة الحال أن هذا سيسبب مشاكل كثيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471943,"book_id":1601,"shamela_page_id":60,"part":"6","page_num":4,"sequence_num":60,"body":"متى يكون الرجل أباً لابنه؟\rسمعت بعض المشايخ تأويلاً لطيفاً جداً أحببت أن أنقله لفضله، قال: (يولد المولود على الفطرة، فأبواه إما يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) فهذا الشيخ سأل سؤالاً لطيفاً جداً قال: هل أنت اليوم أبو ابنك؟ فأجاب: طبعاً لا، أبوه التلفاز، وأبوه الشارع، وأبوه الأفلام، وأبوه السينما، هؤلاء كلهم يشتركون في تربيته، إذاً: لست أنت وحدك أبا ابنك، فمتى تصير والداً لابنك؟ إذا جنبته كل هذا تصير أبوتك لابنك كاملة.\rفيجب إذا أردت أن أصلح بيتي أن أخرج منه كل عوامل الفساد بحزم، وعامل الأهل والأولاد بلطف، لكن لا أبقي التلفاز في البيت يدمر دين الرجل ودين المرأة، لكن مع مراعاة أن يفصله بالهوينا أيضاً.\rوإذا تربى الرجل على الإسلام الحقيقي فرأى امرأة كاشفة لشعرها في الشارع يقشعر ويشمئز؛ لأنه منكر، والفطرة ركبت على هذا، ومن تيسير الله على الناس أنه ركب الفطرة على تعاليمه، فإن أمر بشيء فالفطرة تقبله: ﴿هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] صنع الشيء ثم جعل تشريعاً للشيء دون أن يوجد تضاد، والإنسان إذا تربى على أن هذا منكر، فالمنكر يبقى منكراً، تشمئز منه نفسه.\rومما يقتل الغيرة التلفاز، أرى مسلسلاً وأرى مواقف الخمر والفجور وأرى الشاب والشابة وهي تقابله، وبعد ذلك يخرجون يتنزهون، كل هذا أنا أراه، وابنتي تراه أيضاً بجانبي، وفي النهاية يهربون، ثم يزني بها، ثم تطلب منه أن يصلح خطأه، فيرفض ويتركها تواجه حظها، والمجتمع كله يتعاطف مع من؟ مع التي زنت، بل لو حصل أن الأب سيذهب يأتي بالولد الهارب الذي زنى بابنته من أجل أن ينتقم منه تجد أن الموجودين متعاطفين مع الولد الذي زنى ويدعون: يا رب لا يجده، يا رب لا يمسكه، وهكذا، في أول الأمر يمكن أن ينكر الرجل، إذا رأى رجلاً يقبل امرأة، ثم بعد ذلك في المرة الثانية لو وقف المسلسل على موقف خطير ينتظره يمكن أن يؤجل مواعيده بسبب مسلسل.\rكل هذا كيف جاء؟ كيف استمرأت المنكر؟ كل هذا لم يجئ مرة واحدة، إنما جاء تباعاً بعدما قتل هذا الجهاز في نفسك الغيرة والحياء والدين وأنت لا تدري، قال الله ﷿ للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] ليس لا تتبعوا الشيطان، بل خطوات الشيطان، فهو لا يأخذك ويرميك في الكفر مرة واحدة، إنما يأخذك درجة درجة.\rويحضرني قصة حدثت فيما مضى، وهي أن رجلاً راهباً كان لا يخرج من صومعته، فتزين له الشيطان ذات مرة بصورة رجل وأحضر معه امرأة، ثم قال للراهب: أنا على سفر وأختي هذه لن أجد في الأرض آمن عليها منك، فسأجعلها في الصومعة المجاورة وأنا سأترك لها المال.\rفقال: لا.\rأنا ليس لي علاقة بها، إنما ضعها هناك.\rفأتاه الشيطان يوماً فقال له: أليس من الدين أن تسأل عن جارك؟ لا يأتيه الشيطان يقول له: اعصِ، بل يأتيه من مسالك الدين، فيقول: اسأل عن جارك، وهذا ليس من الرحمة في شيء، بل كذا، ويوسوس له حتى يقول: نعم هذا صحيح.\rفذهب وطرق على الباب وظهره للباب، فقال لها: هل تحتاجين شيئاً؟ قالت له: لا.\rوهو لم يرها حتى الآن، فقال له: أنت تسأل عليها مرة في اليوم فقط، اسألها مرتين في اليوم وهذا كله خير وثواب، حتى يستشعروا أن الذين يعبدون الله أناس طيبون وليسوا بمتعنتين، فأصبح يسأل عن المرأة أكثر من مرتين.\rثم قال له: الخير كثير، لماذا لا تضع أمامها طعاماً، فذهب ووضع اللحم أمام الباب وطرق ولم يدخل، ثم قال: يا أخي! لماذا لا ترى وجهك؟ الدنيا بخير ولم يحصل شيء، فقل لها: تفضلي لكي تستشعر أن هناك أنساً ووداً.\rثم قال: يا أخي هي جالسة لوحدها لم لا تسليها؟ أليس فيك رحمة؟ وفي النهاية وقع بها وزنى بها.\rفعندما يظل الإنسان وراء هذه الخطوات لا يستشعر إطلاقاً أن هناك شراً قادماً، بل يرى أن هذا كله من باب الدين والرحمة ولا توجد مشاكل.\rوهذا هو الذي عناه الله ﷿ بقوله: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] خطوة بعدها خطوة وأنت لا تدري، حتى يقع المرء في الشرك.\rوصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471944,"book_id":1601,"shamela_page_id":61,"part":"6","page_num":5,"sequence_num":61,"body":"أسباب وقوع الحرج على الأمة\rالناحية الأولى: أن نفس السائل خبيثة، والنفوس الخبيثة تستصعب السهل، فالصلوات الخمس لا مشقة فيها، ولكن كثيراً من الناس يقول: هذه مشقة، وأنا لا أترك عملي ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ، (يسروا ولا تعسروا) مع أنه لا دخل لهذا بالعسر ولكن النفس خبيثة تستصعب السهل.\rالناحية الثانية: أن الذي بلغ الفتيا بلغها خطأ، لم يحصل أصول العلم، فتكون فتواه خطأ، فدين الله ﷿ يضيع بين الإفراط والتفريط، رجل يشدد جداً بدعوى الاحتياط وأنه يجب أن نتورع وهي عبارة عن تشديدات على النفس، فيجد الإنسان نفسه يأخذ في كل شيء بالأشد والأشد، حتى يجد أن النهاية ترك الدين.\rورجل آخر يقول: بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا، ويترك الحبل على الغارب، بالذات في مسائل الطلاق، فيسأله شخص فيقول: يا شيخ! أنا طلقت امرأتي وأنا غضبان، فيقول له: هات عشرين جنيهاً واذهب وهات قارورة سمن، وهذه أنا رأيتها بعيني، فإذا ما أعطى له عشرين جنيهاً فلن ترجع له امرأته، فيكون دخوله بها زنا.\rوهذا منتشر وموجود، ومثلاً: لجنة الفتوى في الأزهر -وهذا شيء رأيته بعيني- واحد قال: طلقت امرأتي، فقال له: هذا شيء ما أحد يعمله، كيف لا أحد يعمله؟ أليس تسأله أولاً أنت طلقت بطهر أو بحيض أما ماذا؟ أما أن يقول له: أنت كنت غضباناً، فيقول له: نعم، إذن مرة أخرى لا تعملها، مثلاً.\rفهذا يعتبر خطأً جسيماً؛ لأن الرجل قد يطلق امرأته ثلاث مرات فتكون بائنة بينونة كبرى.\rذهب العلماء الربانيون، فإن العالم الرباني لا يتكلم عن الله ﷿ إلا بعلم لا عن اجتهادات، ونحن نطمع أن الساحة القادمة يكون فيها هذا النمط المفقود في الأمة المسلمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471945,"book_id":1601,"shamela_page_id":62,"part":"6","page_num":6,"sequence_num":62,"body":"قراءة سير العلماء من أسباب وجود أمثالهم\rلا شك أن سير العلماء من أكبر الدوافع على الوصول إلى هذا الهدف، واقرأ السيرة النبوية مثلاً تجد أنك تستمتع وتشعر أحياناً باندفاع عنيف لا تملك فيه الدموع وأنت تقرأ مثلاً موقف صحابي في غزوة، فمثلاً: الواقعة المشهورة التي كان فيها أحد الصحابة قال: (لما انتهينا من الغزوة ذهبت أتفقد أخي فصادفته بين الجرحى، وهو يقول: ماء ماء، يريد أن يشرب ماءً، وكان بجانبه أفراداً من جرحى المسلمين الذين يكابدون الموت، وكل منهم يقول: أريد ماء، فلما همَّ أن يسقي أخاه قال: سل الذي بجانبي لعله أشد ظمأً مني، فسأله فقال: سل الذي بجانبي، حتى ذهب إلى العاشر، فقال: سل غيري لعله أشد مني عطشاً.\rفرجع إلى أخيه فوجده قد مات، فرجع إلى بقية الجرحى فوجدهم قد ماتوا، فأي إيثار يمكن أن يصل بالإنسان إلى أن يموت من العطش، فهو يعاني وروحه تخرج، ومع ذلك في هذا الموقف الذي لا إيثار فيه وكل إنسان يبحث عن روحه وعن حياته يؤثر أخاه على نفسه، وهذا الموقف عندما تقرؤه يؤثر فيك، وتجد أنك لا تستطيع أن تتمالك دمعك، وعندما تقرأ أن ابن عمر كان يمشي ومعه رغيف واحد ليس معه غيره فأعطاه لمسكين، مع أن الموقف الآخر يؤثر أكثر.\rوعندما ترى مثلاً رجلاً كـ عمرو بن الجموح، رجل أعرج شديد العرج، يريد أن يحارب الكفار، وكانت الحرب في الزمن الماضي تدل على مدى شجاعة الرجل، ولا يدخلها رجل جبان إذا أفزعه أحد أو رأى ظلاً أو خيالاً يموت خوفاً، ومع ذلك يمكن أن يهدم مدينة بكاملها وهو قاعد في قاعدة صاروخ يضرب فيقتل مثلاً مائة ألف.\rبل الحرب في الزمان الماضي كان لها مقياس آخر غير اليوم، ولذلك يقول الله ﷿ في اليهود: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤] فهؤلاء (الحرب) بمعنى المواجهة الشخصية لا توجد عندهم، والحرب عند العرب كانت مواجهة شخصية، وهذا إقبال على الموت أشد من كون الشخص يركب دبابة أو يختبىء خلف جبل.\rففي الماضي كانت صورة الجهاد أوضح وأحسن، لأنه إذا دعي للمبارزة مثلاً فأقل حركة أو أقل سهو يمكن أن يطير برأسه.\rفهذا عمرو بن الجموح الأعرج يريد أن يحارب ويريد أن يفر ويكر، وكان له مجموعة من الأولاد يقاتلون في جيوش المسلمين، فقالوا: (يا أبانا! إنك ممن عذر الله) الأعرج والأعمى والمريض ليس عليهم حرج في مسائل الجهاد خاصة، فلا يقول قائل: إنه ليس عليه حرج في الصلاة ونحوها ويترك العمل، بل ليس عليه حرج في الجهاد فقط الذي يحتاج إلى كر وفر.\rفبكى الرجل وقال: (أريد أن أطأ بعرجتي هذه الجنة) دعوني، فذهب يشتكي بعينيه الدامعتين للنبي ﵊، وقال: (أريد أن أقاتل وأولادي يمنعونني) فقال النبي ﷺ: دعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة، فكان من أوائل الذين قتلوا، قال ﵊: (لقد رأيته في الجنة وما بعرجته من عرج) .\rفوطئ الرجل بعرجته الجنة، فهذا الرجل قلبه قلب شاب، وكثير من الشباب اليوم يكون عمره اثنين وعشرين سنة وقلبه قد شاخ، لا يريد أن يفعل شيئاً.\rوانظر إلى ذاك الرجل الذي كان سنه (٨٥) سنة أو أكثر وأسلم وهو في مكة، وبطبيعة الحال لن يستطيع أن يهاجر إلى المدينة لضعفه، إلا أن قلبه قلب شاب وإن كان جسمه كبر، ففي يوم من الأيام قال: (وما الذي يقعدني بين ظهراني الكفار؟ والله لأخرجن إلى رسول الله ﷺ مع أن السفر من مكة إلى المدينة (٥٠٠) ، يريد أن يمشيها ليكون عند مصدر الضوء والنور.\rفخرج رغماً عن أولاده، ثم لما كان في منتصف المسافة أو في ربعها أدركه التعب الذي يدرك العباد فغلبه، فأوشك أن يموت، فلما استشعر هذا ضرب كفاً على كف، وقال: (اللهم هذه بيعتي لك، اللهم هذه بيعتي لنبيك) ومات الرجل، فنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠] وإذا وقع أجرك على كريم فليس هناك حساب؛ لأن الله لا يتعامل مع عباده بحساب، إنما يقول: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢] ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤] .\rعندما تقرأ سير السابقين الصالحين تجد أن عندك اندفاعاً لأن تكون مثل هؤلاء، لأجل هذا لابد من مراجعة السيرة النبوية، وكيف كان الصحابة يتصرفون في أشد المواقف.\rأبو بكر الصديق ﵁ ما أسلم محمد ابنه إلا بعده بفترة، فلما تقابلا في بدر، كان محمد بن أبي بكر يقول لأبيه بعد ما أسلم: (لقد كنت أقابلك وأروغ منك خشية أن أقتلك) .\rلأن ابنه كان في صفوف الكفار وأبو بكر في صفوف المسلمين، فابنه بعدما أسلم يقول له: أنا في الغزوة الفلانية كنت أتحاشاك حتى لا يصيب سيفي رأسك فأقتلك، فقال له أبو بكر: (أما والله لو رأيتك لقتلتك) .\rعندما ترى هؤلاء الذين لا يجعلون أي إنسان مقدماً على دينهم ولا على حب نبيهم ﷺ تعلم أن حقيقة الحب لله ورسوله أن تلتزم وتعيش حياتك حياة مسلمة.\rلأجل هذا أؤكد على السيرة النبوية فيما يتعلق بالرعيل والجيل الأول، وكيف نشأ هذا الجيل، حتى ملكوا الدنيا كلها، حتى قال هارون الرشيد في القرن الثاني الهجري وقد جلس على المنبر فرأى سحابة في السماء، فقال لها: (أيتها السحابة، أمطري هنا أو أمطري هناك فسوف يأتيني خراجك) ، هذا هو عز المسلمين، أمطري هنا أو أمطري في آخر مكان في العالم فإن خراجك سيأتيني؛ لأن الإسلام هو الذي كان مسيطراً على الأرض آنذاك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471946,"book_id":1601,"shamela_page_id":63,"part":"7","page_num":1,"sequence_num":63,"body":"قصة موسى والخضر [٧]\rفي قصة موسى مع الخضر ﵉ عظات وعبر، ومنها: أنهما نزلا على أهل قرية فأبوا أن يستقبلوهما، وهذا من لؤمهم، وليس من كرم الضيافة التي جاء الشرع باستحبابها والحث عليها، ولقد كان سؤالهما لأهل القرية عن حاجة، وعليه فلا يعد من المسألة المذمومة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471947,"book_id":1601,"shamela_page_id":64,"part":"7","page_num":2,"sequence_num":64,"body":"موقف الخضر من أهل القرية\rإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rالقضية الثالثة والأخيرة التي فعلها الخضر مع موسى ﵉ ولم يصبر فيها موسى؛ لأن القضايا الثلاث تخالف مفهوم الحكم العام، والأصول الثابتة عند أي رجل، إلا أن فعل الخضر كان بوحي وصله من السماء.\rوموسى ﵇ أنكر واعترض، ولم يعترض ﵇ إلا بحق، فبعد أن قتل الخضر الغلام مع أنه لم يذنب، ومع أن القصاص في بني إسرائيل إنما يكون إذا قتل الرجل نفساً فيقتل بها، فكيف وهذا الغلام على رأي بعض المفسرين لم يبلغ الحلم ولم يصل إلى سن التكليف، لم يسع موسى إلا أن ينكر هذا الجرم، وهو يرى نفساً زكية تقتل أمامه بغير نفس.\rفقال له: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤] أي هذا منكر الفعل الذي فعلته: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٥-٧٨] هذه هي القضية الثالثة والتي بها انتهت حكاية موسى مع الخضر.\rوفي صحيح مسلم: (( (حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا)) [الكهف:٧٧] أهل قرية لئاماً) كذا وضح النبي ﷺ، أن أهل القرية كانوا لئاماً؛ لأنه لا يرد الضيف كريم أبداً، بل لا يرده إلا لئيم، لاسيما إذا كان هذا الرجل قد طلب الإطعام.\rومن مكارم الأخلاق عند أهل الفضائل أنه إذا رأى رجلاً استضافه من غير سؤال، فكيف إذا استطعمك، فإذا رددته كنت لئيماً، وهذا هو الوصف الذي وصف به النبي ﷺ أهل هذه القرية.\r(اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) انظر إلى جمال التعبير القرآني، (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا) ثم لم يقل: (فأبوا أن يطعموهما) ، بل قال: (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) .\rالرجل السائل ليس له إلا أن يملأ بطنه إذا كان جائعاً، فإن كان سيبيت ليلة فإنه يطلب محلاً، أما موسى والخضر ﵉ فما طلبا محلاً ليبيتا إنما طلبا طعاماً: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف:٧٧] وفي هذه الآية مسائل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471948,"book_id":1601,"shamela_page_id":65,"part":"7","page_num":3,"sequence_num":65,"body":"بناء الخضر للجدار\rقال تعالى: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:٧٧] وجدا جداراً مائلاً (يريد أن ينقض) أي: يسقط ﴿فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٧-٧٨] سيظهر فيما بعد أن هؤلاء الناس عوقبوا من الله ﷿ بإقامة الخضر لهذا الجدار.\rولقد ذكرت أن المرء إن عقد في نفسه لؤماً أن يعاقب بضد قصده، فلما أبوا أن يضيفوهما أقام الخضر الجدار، فحرم أهل القرية من شيء ثمين جداً.\rفلما استكمل موسى ﵇ الثلاثة الأشياء قال له الخضر من كثرة اعتراضه: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨] ، وهنا يقول النبي ﵊: (رحمة الله علينا وعلى موسى لو أنه صبر لرأى من صاحبه العجب غير أنه أخذته ذمامة منه) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471949,"book_id":1601,"shamela_page_id":66,"part":"7","page_num":4,"sequence_num":66,"body":"جواز الترحم على الأحياء\rفي هذا الحديث مشروعية الترحم على الأحياء، يقال: فلان ﵀ وهو حي.\rوهذا يذكرني بشيء أليم سمعته، مع أن الترحم على الأحياء مستحب بدلالة هذا الحديث أو مباح لا كراهة فيه، وقد قرأت في صحيفة أن المقرئ فلاناً الذي يقرأ القرآن والمشهور وما زال حياً أقام دعوى على المذيعة فلانة؛ لأنها وهي تقدمه في الإذاعة قالت: يتلو علينا من آيات الذكر المرحوم فلان، أقام دعوى على المذيعة يطالب بتعويض.\rعشرة آلاف جنيه؛ لأنها قالت: المرحوم، وهو يتأذى من هذا؛ لأنه خسر؛ لأن معنى أنه مات أنه لن تأتيه دعوات للقراءة في المكان الفلاني، وهذا سبب له خسارة مادية ومعنوية عند أحبائه!! وأنا لا أدخل في قلوب الناس إنما هذا عن سبر ما يحدث، وقلما تجد قارئاً للقرآن الكريم -بكل أسف- في هذا العصر يبغي وجه الله ﷿، وهذا يظهر من جملة أعماله.\rولا أعلم على حسب قراءتي وسؤالي للناس، ومنهم ثقات أثق بنقلهم، لا أعلم إلا رجلين اثنين، كل من عرفهما امتدحهما وأثنى عليهما بدين وتقوى وبعد عن المال، وهما: الشيخ محمد رفعت ﵀، والشيخ محمد صديق المنشاوي رحمه الله تعالى، والأخير منهما الشيخ المنشاوي ذهبت إلى بيت أبيه لأسأل عن حال هذا الرجل، فما سمعت إلا خيراً من كل من قابلني بدون استثناء على كثرة سؤالي.\rلذا تجد أن الله ﷿ ينسئ في أثر هذا الرجل، فتجده محبوباً ومترحماً عليه، وكذا عاقبة الإخلاص، إن لم تبدُ في حياتك فإن الله ﷿ ينسؤها لك، كلما ذكر اسمك قيل: ﵀، ﵁، وبين كل هؤلاء المترحمين لعل نفساً صالحة يقبل الله ﷿ منها.\rنسأل الله تعالى أن يقينا شر أعمالنا، وأن يقينا الزلل، وأن يغفر لنا خطايانا، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم.\rاللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.\rاللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471950,"book_id":1601,"shamela_page_id":67,"part":"7","page_num":5,"sequence_num":67,"body":"إحراج الضيف قد يعاقب عليه المضيف\rالضيافة أن تستقبل ضيفك وتكرمه ولا تذكر له شيئاً يحرجه، فإن المضيف إذا تعمد إحراج الضيف فإنه أحياناً يعاقب بنقيض قصده، ولا أذكر هنا حديثاً إنما أذكر وقائع وإن كانت طريفة عجيبة.\rمرة دعا سليمان بن عبد الملك -وكان أمير المؤمنين- رجلاً أعرابياً على الغداء، فأتوا له بكبش مشوي ووضعوه على المائدة، والأعراب أناس يغلب عليهم الجلافة بخلاف أهل الحضر وأهل المدنية، فأول ما وضع الجدي أمام الأعرابي أسرع يأكل فيه بحرقة وغيظ ومزقه وهو يأكل بنهم شديد.\rفقال له سليمان مداعباً: مالك تأكله بحرق -أي: بغيظ- كأن أمه نطحتك؟ فقال له: ومالك مشفق عليه كأن أمه أرضعتك؟ وهو يأكل.\rومرة دعا رجلاً أعرابياً -وكانوا كرماء ولم يكن أمير المؤمنين في وادٍ والرعية في وادٍ آخر: قال: (يا أعرابي! ألا تتغدى معي) ؟ قال: (حباً وكرامة، أكل الملوك لا نحلم به) .\rوبينما الأعرابي يأكل إذ قال له سليمان: يا أعرابي في لقمتك شعرة أزلها -يقول له عن غير قصد: اللقمة فيها شعرة- نحها حتى لا تأكلها.\rفوقف الأعرابي مزمجراً وقال: إنك لتراقبني مراقبة من يرى الشعرة في اللقمة لا آكلتك أبداً، كأنه رجل يطمع الناس جميعاً في استضافته، ثم خرج من عنده وهو يقول: للموت خير من ضيافة باخل يراقب عن عمد طعام أكيله أي رجل إذا استضفته لا تتكلم في مسائل الأكل والشرب بل أكدِّ عليه، تقول له: زد قليلاً، كُلْ، فهذا من كرم الضيافة، هذا هو القدر الزائد على مجرد الاستطعام.\rقال أعرابي لرجل: (أنا ضيفك اليوم) .\rقال: (مرحباً) فلما دخل قال لامرأته: أتاني ضيف ثقيل اذبحي لنا دجاجة واحدة، الرجل وامرأته وولدان وبنتان والضيف على دجاجة، قال الرجل: سأحرجه، أعطيه الدجاجة وأقول له: قسم علينا، فبالتالي لو أعطى كل واحد نصيبه فلن يجد لنفسه قسماً.\rفلما وضعت الدجاجة وقعد الجميع قال الرجل: قسم علينا أيها الأعرابي.\rقال: وهذا يجوز؟ بل أنت رب البيت.\rقال: لا والله لابد أن تقسم علينا، وعقد في نيته ألا يأكل ضيفه، وهنا يعاقب بنقيض قصده، فأمسك الأعرابي فقطع رأس الدجاجة وأعطاها الرجل، وقال: (الرأس للرئيس) وقطع عجز الدجاجة وأعطاها للمرأة، وقال: (العجز للعجوز) وقطع الجناحين وأعطاهما للولدين، ثم قال: (الولدان عندنا جناحان) وقطع الرجلين وأعطاهما للبنتين، ثم قال: (والزور للزائر) أي: بقية الدجاجة للزائر؛ لأن الدجاجة كلها ماعدا الأطراف عند العرب تسمى زوراً، قال: الزور للزائر.\rفالضيافة من كرم الشرقيين، ولا أقول: الشرقيين وآسف من هذه العبارة، بل من كرم المسلمين؛ لأن دينهم يحض على ذلك، فإن أتاك ضيف أكرمه وأحسن نزله.\rوفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح على شرط الشيخين من حديث أنس ﵁ أن النبي ﵊ قال لهم بينما هم جلوس: (سيطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة) فطلع رجل تنطف لحيته ماءً -متوضئ- وفي اليوم التالي قال نفس العبارة، وفي اليوم الثالث قال نفس العبارة، ويطلع نفس الرجل، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: لأرين هذا الرجل وكيف وصل أن يكون من أهل الجنة.\rفقال له: يا فلان! إنه حدث بيني وبين أبي شحناء فأقسمت ألا أبيت في البيت ثلاثاً، فهلا استضفتني؟ قال: نعم.\rفاستضافه، إلى آخر الحديث، والشاهد أنه قال: (هلا استضفتني ثلاثاً) الذي هو حق الضيف على مضيفه أن يستقبله ثلاثة أيام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471951,"book_id":1601,"shamela_page_id":68,"part":"7","page_num":6,"sequence_num":68,"body":"آداب الضيافة\rالضيافة شيء زائد على مجرد الطعام، أن تستقبله بوجه حسن، وتشعره أن هذا بيته، ولا تجرحه بأي كلمة ولو تعريضاً، وأنت جالس على المائدة، مثلاً لا تقل: قال ﵊: (ما ملأ ابن آدم وعاءً قط شراً من بطنه) هذا حديث صحيح، ولكن هذا ليس مكان التحديث.\rهذا يذكرني برجل دعي لعقد نكاح، فطلب منه بعض آيات الذكر الحكيم، فقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] ، وقرأ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] نعم صدق الله العظيم، ولكن البلاغة أن يكون الكلام على مقتضى الحال، وكان النبي ﵌ وهو أذكى وأعلم وأرحم الناس إذا أراد أن يعظ أصحابه موعظة جعل لها مناسبة، فيمشي مع أصحابه فيرى جدياً أسكاً مقطوع الأذن ميتاً ملقى على قارعة الطريق، فيقول: (من يشتري هذا؟ فيعجب الصحابة ويقولون: ومن يشتري هذا يا رسول الله؟ والله لو كان حياً ما اشتريناه -لأنه أسك مقطوع الأذن وهذا عيب فيه- فكيف وهو ميت، قال: والله للدنيا أهون على الله من هذا على أحدكم) فيختار مناسبة جيدة حتى يضمن أن الكلام قرع القلب.\rإن كثيراً من آفات الذين يَدْعُون أنهم لا يراعون مقتضى حال المخاطب، يرى أن معاملات الناس خطأ، ومع ذلك يتكلم في القصص والحكايات التي لا علاقة لها بمشكلات الناس، لذا تسمع غطيط المصلين وهم يسمعون الخطبة، وترى الرجل ينظر في ساعته متضجراً متى ينتهي هذا الخطيب؟ فالخطيب في وادٍ واحتياج قلوبهم في وادٍ آخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471952,"book_id":1601,"shamela_page_id":69,"part":"7","page_num":7,"sequence_num":69,"body":"حكم استقبال الضيف\rاستقبال الضيف مستحب في شرعنا استحباباً مؤكداً، وفي صحيح البخاري ومسلم: (أن أبا طلحة وامرأته نزل بهما ضيف، فقال لامرأته: (أعندكِ من القرى شيء؟ -القرى: طعام وشراب- قالت: ليس إلا قوت العيال، فقال: هيئيه، فلما هيأته أطفأ المصباح ووضع الطعام أمام الضيف، وجعلا يريانه أنهما يأكلان وهما لا يأكلان، فلما أصبح قال النبي ﵊: إن الله عجب من صنيعكما البارحة) فنزل قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471953,"book_id":1601,"shamela_page_id":70,"part":"7","page_num":8,"sequence_num":70,"body":"سؤال موسى والخضر أهل القرية للحاجة\rقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف:٧٧] نفد الزاد وشعرا بالجوع، فالواجب حينئذٍ أن لا يتلف الرجل نفسه، فهذا يدخل تحت المسمى الثالث: (ورجل أصابته فاقة) ، ففعلهما من الوجهة الشرعية لا شيء فيه، فقد طلبا زاداً، وقد أباح لك الإسلام أنك إذا كنت تمشي في مكان لا يستضيفك فيه أحد فمررت على بستان فيجوز لك أن تأخذ منه بغير إذن صاحبه بما يقيم صلبك.\rلكن لا أمر أنا على بستان برتقال فآكل حتى تصيبني تخمة، ثم أقول: آخذ سلة للأولاد؛ لأن هذا قدر زائد على مجرد الحاجة التي تحفظ بها نفسك، ولذا لم يطلب الشرع منك استئذاناً، بينما إذا أخذت شيئاً أو زدت شيئاً آخر فهنا يلزمك الاستئذان.\rإذاً: السؤال لا يجوز إلا لحاجة، وكذا فعل الخضر وموسى ﵉، (فَأَبَوْا) انظر إلى هذه الكلمة، مع سبق إصرار وترصد، هذا نابع من لؤم، كما وضح النبي ﵌.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471954,"book_id":1601,"shamela_page_id":71,"part":"7","page_num":9,"sequence_num":71,"body":"قوة تمسك الصحابة بالأوامر الشرعية\rفي صحيح مسلم عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى، قال: (حدثني الحبيب الأمين فأما الحبيب فإنه حبيب إلى نفسي، وأما الأمين فهو أمين عندي، وهو عوف بن مالك قال: (ذهبنا مع ثمانية نفر إلى النبي ﵌، فقال: ألا تبايعونني، قلنا: يا رسول الله! قد بايعناك، فعلى أي شيء نبايعك؟ قال: تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة ولا تسألوا الناس شيئاً) قال عوف: (فكنت أرى بعض أولئك النفر يركب أحدهم على دابته، فيسقط سوطه، فلا يطلب من أحد أن يناوله إنما ينزل عن فرسه فيأخذ سوطه) .\rفكانوا إذا ألقي عليهم الأمر التزموه.\rوبهذا سادوا الدنيا واستحوذوا -نحسبهم كذلك والله حسيبهم- على الآخرة؛ لأن اتباع النبي ﵌ وما جاء به من قرآن وسنة كبيان للقرآن إنما هذا هو سبيل الفلاح في الآخرة، وفي هذه الدنيا لا يستطيع رجل أن يطأ رأسك ولا يطأ جناحك؛ لأنك تركن إلى ملك قوي.\rتجد دولة صعلوكة ترفع رأسها وتتبجح، لماذا؟ يقولون: أمريكا معنا، وروسيا معنا، وهل هذا مسوغ؟ يقولون: نعم.\rإذا أردنا أسلحة جاءتنا، وإذا أردنا قمحاً جاءنا؛ لأننا نركن إلى دولة عظمى، فكيف إذا اعتقدت اعتقاداً عملياً ليس مجرد اعتقاد نظري أنك تركن إلى ملك الملوك الذي لا يعجزه شيء، فأصحاب الباطل أحياناً تكون عندهم من العزم ما لو وجد عند أهل الحق لم تكد ترى باطلاً في الأرض.\rفي إضرابات إيرلندا منذ مدة أضرب زعيم لهم عن الطعام حتى مات وهو يطالب بحقوق للعمال، مع أن هذه السياسة كافرة، الإسلام لا يعرف الإضراب عن الطعام حتى يهلك المرء، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (لو أن عبداً كان يمشي في صحراء فاستبد به الجوع فلم ير إلا خنزيراً منتناً فلم يأكله فمات دخل النار) ، لأن الله أحل لك هذا في وقت الضرورة، حتى لا تهلك نفسك، إذ أن حفظ النفس أحد الخمس التي جاء بها الشرع: أن تحفظ نفسك من الموت، فهذا يعاني الموت بسبب الجوع لمبدأ يراه حقاً.\rفسبحان الله! إن أهل الحق تنقصهم جرأة تنبع من صميم اعتقادهم أنها لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، إذا ركن الرجل إلى ربه ساد الدنيا، والله تعالى يقول عن الآخرة: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥] فهي له أيضاً.\rفكان أحدهم يسقط سوطه على الأرض فلا يطلبه، ولما نهى النبي ﵌ أن يمس الرجل ذكره بيمينه، أو أن تمس المرأة فرجها بيمينها، وإنما جعل اليد اليسرى للاستنجاء وما كان من أذى قال عوف: (ما مسست ذكري بيميني منذ بايعت النبي ﷺ وسمعت منه هذا) .\rهذا الالتزام العظيم إنما يقاس بحبهم لدينهم، وهذا ينقصنا الآن.\rوفي المقابل رجل طرح عليَّ هذا السؤال قال وهو يدخن: هل التدخين حرام؟ قلت: نعم.\rفأخذ نفساً عميقاً، وقال: أليس بمكروه؟ أقول له: حرام، ولا يتوقف قليلاً ليعلم لِمَ حرام، بل يرد عليَّ بنفس آخر عميق.\r-كثير جداً من الناس إذا ألقي عليهم الأمر يجيبك بمنتهى البلادة والوقاحة- إن الدين يسر.\rفقلت له: هب أنه مكروه فهل نفسك تطيب بفعل المكروه؟ فسكت، فهذه النماذج قارنها بالسلف الأول لتعلم أنهم عبروا بحراً نحن نقف على شاطئه.\rبأيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات هذا هو الفرق بيننا وبينهم، وهو فرق لا شك أنه كبير جداً.\rفالمسألة إذاً في شرعنا لا تجوز إلا في الأحوال الثلاثة التي ذكرتها، فهل هذه الآية يمكن أن نخرج معناها على واحدة من هذه الأحوال الثلاثة أم لا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471955,"book_id":1601,"shamela_page_id":72,"part":"7","page_num":10,"sequence_num":72,"body":"حكم سؤال الناس\rالمسألة الأولى: هل يجوز بدلالة هذه الآية أن نسأل الناس؟ موسى والخضر استطعما، وهذا المقطع (الألف، والسين، والتاء) ، إذا دخل على الفعل دل على الطلب مثلاً: استعمار: أناس يطلبون أن يعمروا، استجداء: طلب الجدة، استثناء.\rإلخ، وموسى والخضر استطعما! فهل سألا الطعام والإطعام؟! يذهب الحريري في مقاماته إلى أنه بدلالة هذه الآية يجوز لك السؤال، وقد علق القرطبي على هذه المقالة بقوله: (وهذا استخفاف بالمرسلين وقلة احترام للنبيين، وهي شنشنة أدبية وهفوة ظاهرية) .\rإن الإسلام لم يجز للمسلم أن يطلب من الناس شيئاً إلا ثلاثة أشياء فقط، طبقاً للحديث الذي رواه مسلم من حديث قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁: أنه كان تحمل حمالة، أي: أن طائفتين اختلفتا على دية قتيل أو على غرم أو شيء، فأبت كل طائفة أن تدفع، وطالما أنه لم يدفع أحد الطرفين فسيظل الخصام، فيقوم رجل ويقول: تصالحا وأنا سأدفع، فهذا هو معنى الحمالة.\rفـ قبيصة كان تحمل حمالة بين طائفتين اقتتلتا، فلما جاء موعد السداد لم يجد معه مالاً.\rفطلب من النبي ﷺ -وهذا يرجح أنه كان في صدر الإسلام- فقال ﵊: (إذا أتاني مال أعطيك، ثم قال: يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لرجل تحمل حمالة حتى إذا جاء موعد الوفاء لم يكن معه) هذا يجوز له أن يسأل الناس، (ورجل اجتاحت أمواله جائحة فأتت عليها) هذا يجوز له أن يطلب من الناس، (ورجل أصابته فاقة -أي: فقر- فيقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه -أي: من ذوي العقل- فيشهدون على فاقته -أي: على فقره- فيأخذ ما يسد به حاجته، يا قبيصة! بغير هذه الثلاثة فإنما تأكل أموال الناس سحتاً) .\rالإسلام دين عزيز، يعز عليه أن يرى بعض أتباعه يريقون ماء وجوههم، أعطاهم الناس أو ردوهم، ويعلم الله أن هؤلاء الذين يسألون الناس غالبهم إنما يستكثر من أموال الناس لا غير، قال الله ﷿ في صفة المؤمنين الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض، قال عنهم: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣] والإلحاف: هو كثرة السؤال.\rمرة كنت أقف في شارع، فإذا بيد تجذبني من الوراء، فالتفت فإذا امرأة تقول: لله، هذا الموقف لا أزيد فيه حرفاً، أنا تصورت أني ارتكبت جرماً لأنها كانت جذبة شديدة.\rهذه المرأة لو نظرت إليها تجدها في قوة وعافية، أين زوجها؟ أين أولادها؟ أين أبوها؟ أين أخوها؟ أين خالها؟ أين رحمها؟ تخرج، وعن عمد يلبسون الثياب المقطعة إظهاراً للفقر، مع أن هذا مناف أصلاً لديننا، لا يجوز لك على رأي بعض العلماء إن كنت تستطيع أن تلبس ثياباً حسنة أن تلبس أقل منها، فإنك مأمور من قبل الشرع أن تظهر أثر نعمة الله عليك، كما في الحديث الصحيح: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) .\rوفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر ﵄: (ما من رجل يسأل الناس إلا أتى يوم القيامة ليس على وجهه مزعة لحم) رجل أراق ماء وجهه وأزال لحم وجهه، يأتي يوم القيامة ليس على وجهه مزعة لحم.\rومن حديث أبي هريرة عند مسلم أيضاً أن النبي ﵊ قال: (من يسأل الناس استكثاراً من أموالهم ليس عن ظهر حاجة فإنما يستكثر به ناراً، فليستكثر أحدكم أو ليقل) .\rومنذ سنين نشر في الصحف -وإن كان كثير مما في الصحف لا يصدق إنما هذا ليس بمستبعد- أنهم ألقوا القبض على امرأة تقعد على كيس فلما فتحوا الكيس إذا به مال، فلما أحصوه زاد على السبعة آلاف، فمثل هذا النمط لا يكون يوم القيامة على وجوهم مزعة لحم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471956,"book_id":1601,"shamela_page_id":73,"part":"8","page_num":1,"sequence_num":73,"body":"قصة موسى والخضر [٨]\rعندما بنى الخضر الجدار لأهل القرية اعترض موسى على فعله؛ لأنه رأى أن هذا الفعل يعد مكافأة لهم على لؤمهم، وعدم استضافتهم لهما، فكانت هذه نهاية صحبة موسى للخضر، حيث بين له الخضر عندها الحكمة في أفعاله التي فعلها، ومنها بناؤه للجدار، حيث أن ذلك الجدار كان تحته كنز لغلامين يتيمين تركه أبوهما، فحفظه الله لصلاح أبيهما، وهكذا فإن الصلاح أمان، والله تعالى يكفل أهل الصلاح ويضمن عنهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471957,"book_id":1601,"shamela_page_id":74,"part":"8","page_num":2,"sequence_num":74,"body":"نهاية قصة موسى مع الخضر\rإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rسنعرض المشهد الأخير الذي به انفضت الصحبة بين موسى والخضر ﵉، ذلك المشهد أو الموقف يتعلق بالكنز الذي كان تحت الجدار، وسننظر كيف أن الله ﷿ يعاقب الرجل على قصده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471958,"book_id":1601,"shamela_page_id":75,"part":"8","page_num":3,"sequence_num":75,"body":"لطيفة قرآنية\rقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢] هنا في قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ﴾ [الكهف:٨٢] وفي الآيات السابقة (تستطع) ، فحذف حرف التاء.\rوقبل معرفة الحكمة من حذفه أقدم بقاعدة عند علماء البيان، يقولون: (إن المبنى والمعنى يشتركان في أداء الوظيفة من اللفظ، فإن زاد المبنى زاد المعنى، والعكس إن قل المبنى قل المعنى) (المبنى) : هي الأحرف، فالأحرف هي اللبنات في الكلمة كالطوبة بالنسبة للجدار، فحرف مع حرف مع حرف يعطيك كلمة.\rوالكلمة التي لها خمسة أحرف، بخلاف الكلمة التي لها أربعة أحرف، بخلاف الكلمة التي لها حرفان أو ثلاثة.\rفمثلاً: صرخ، لو قلنا: اصطرخ فزاد حرف الطاء على الكلمة، قال الله ﷿: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر:٣٧] لم يقل: يصرخون؛ لأن الاصطراخ أشد من الصراخ، (يصطرخون) : أي: بحمية، بهلع وجزع، فلفظة يصطرخون أقوى من لفظة يصرخون؛ لأنه زاد في كلمة (يصطرخون) حرف الطاء، إذاً: زيادة حرف في الكلمة يزيدها معنى بخلاف نقصانه من الكلمة.\rمثلاً: كلمة (استطاع) التي نحن بصددها الآن، قال الله ﷿ في قصة ذي القرنين التي هي بعد قصة موسى والخضر لما بنى السد وجاء يأجوج ومأجوج، قال الله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ لم يستطيعوا أن يتسلقوه ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ولا شك أن إحداث ثقب في سد عريض هائل من الحديد والقطران أصعب من أن تتسلقه، لذلك جعل التاء في (استطاعوا) في النقب؛ لأنه أشد على النفس ويحتاج إلى مجهود، وأما مجرد التسلق فسهل، ولذلك حذفت التاء، فدل على أن التسلق أسهل بكثير جداً من النقب وإحداث ثقب.\rففي الآية الأولى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ﴾ [الكهف:٧٨] أتى (بالتاء) ؛ لأن القضايا الثلاث كانت عسيرة جداً على نفس موسى، ففي كل قضية كان يعترض، فلم يقبلها.\rفقال: ذلك الذي شق عليك وعلى نفسك ولم تستطع أن تتحمله أنا سأنبئك بتأويله، فلما حل الخضر رموز القصة ظهر أنها حكمة فعلاً، وظهر أنه لم يفعل ذلك جزافاً، حينئذٍ سهل فهم المواقف كلها على موسى، حينئذٍ قال: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢] أي: أنه سهل ولم يكن شاقاً كما كنت تعترض عليَّ في أول الأمر، فلذلك حذف (التاء) ، وحذف (التاء) هنا دل على ذهاب المشقة والحرج اللذين كانا في نفس موسى: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢] .\rنسأل الله ﷿ أن يفقهنا في ديننا، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.\rاللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.\rاللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471959,"book_id":1601,"shamela_page_id":76,"part":"8","page_num":4,"sequence_num":76,"body":"من صدق مع الله صدقه الله\rلقد وفى الله ﷿ لهذا الرجل وأرسل الخشبة إلى صاحبه؛ لأنه صدق النية، ويستحيل أن يصدق الرجل نيته كلها لربه ولا يوفيه الله ﷿ حسابه، بل إذا أخلصت ضميرك يأتيك عون الله، وأما إن أخلصت نيتك (٩٠%) والعشرة أين ذهبت؟ بالتأكيد ذهبت لشريك، أو لبشر، أو لهوى نفس، والله ﷿ يقول في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من أشرك بي شيئاً تركته وشركه) فالله ﷿ يكلك إلى الـ (١٠%) هذه، ولا تغني عنك الـ (٩٠%) شيئاً (من أشرك بي شيئاً تركته وشركه) .\rفهذا الرجل لما قال له صاحبه: كفى بالله شهيداً وكفى بالله وكيلاً، قال له: فذاك، أي: أنا لا أريد أكثر من هذا، فوفى الله ﷿ عنه وسخر هذه الخشبة المأمورة: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471960,"book_id":1601,"shamela_page_id":77,"part":"8","page_num":5,"sequence_num":77,"body":"جميع الأقدار بيد الله\rقد يمشي الرجل في شارع فيقول: بل سأرجع إلى هنا، فيجد خيراً أو شراً، فيقول: لو أنني مضيت في سبيلي ما أصابني كذا، فالله هو الذي حول ناصيته من هذا الشارع إلى ذاك، ليتم قدره ولتنفذ مشيئته.\rذكر أحد الصحفيين أن رجلاً أراد أن يشاهد مباراة كرة القدم بين ألمانيا الغربية وهولندا في كأس العالم سنة أربعة وسبعين، فحجز في الطائرة ليذهب فقط يشاهد ويرجع.\rثم عرضت له ظروف، فتأخر عن موعد إقلاع الطائرة دقيقتين، فوجد الطائرة أقلعت، وبما له من نفوذ أمسك مدير المطار وشدد الكلام عليه، وأنه لابد من طائرة مخصوصة تخرج الآن حتى لا تفوته المباراة.\rقال: وبعدما استعملت كل ما عندي من نفوذ وإمكانات لم أجد بداً من القعود، قال: فرجعت مهموماً كاسف البال، فشاهد المباراة في التلفاز، وقرأ الصحف في اليوم التالي فوجد أن الطائرة قد ارتطمت بجبل في سويسرا ومات كل من عليها ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢] ، فالآن عرف ربه، وعرف أن الله متصرف في الكون، وعرف أن الله نجاه.\rفكم من أمانٍ في نفس الإنسان، تذهب نفسه حسرات أنه لم يحصلها وأنها فاتته، ولو أن الله ﷿ أطلعه على لوح الغيب لعلم أن الله أرأف به من الأم بولدها.\rفهذا الرجل صاحب المال الله هو الذي ضمنه، وإن الله ما استودع شيئاً إلا حفظه، وكان النبي ﵌ إذا ودع أخاً له يقول: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك) لا يقل: أستودع الله مالك، أستودع الله جاهك، إنما: (أستودع الله دينك) ، وكان وهو مسافر يقول: (اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في المال والأهل والولد) وإذا رجع قال: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون) .\rفاستحفاظ الله ﷿ للمؤمن ولكرامته أمر مقطوع به، والشيء الذي ينقص الآن أن يحس المسلمون به إحساساً عملياً أن تشعر أن الله ضامن فعلاً، أن تعطي أخاك الدين والمال والعون ولا تشح به: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] ، فإن الله ﷿ كما ورد في بعض الآثار جعل أجر القرض بثمانية عشر مثلاً، والقرض هو القرض الحسن الذي لا يعود بفوائد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471961,"book_id":1601,"shamela_page_id":78,"part":"8","page_num":6,"sequence_num":78,"body":"تقلب الحياة بالبشر\rإن من يقرأ التاريخ سواء التاريخ الإسلامي أو التاريخ المعاصر أو تاريخ اليهود والنصارى، رأى هذه حقيقة ثابتة لا تتخلف، فإن البشرية كلها من يوم أن خلق الله آدم حتى الآن لم تعرف أعتى ولا أضل من فرعون، ولا حتى مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة، فإن ذاك ادعى الألوهية، وكان في عز ومنعة من نفسه وقومه، ومع ذلك فالله ﷿ أجرى الأنهار له في مصر حتى أغرقه بها.\rوهكذا تنقلب النعمة إلى نقمة، الماء نعمة ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] لكن الماء يغرق، فهذا فرعون الذي افتخر بالماء، وبأن هذه الأنهار تجري من تحته، جعلها الله فوقه.\rوفي تاريخنا المعاصر قال رجل: أولادي في الجيش، وهذا الجيش لي، وهذه الأوسمة لي، ويلبس ثياباً عليها أوسمة لم يعرفها أحد من البشر، ولا أحد يمنعه، وثقته بالناس وثقته باللباس الواقي من الرصاص، لكن الله ﷿ هو الذي يحرك الناس.\rقال لي أحد الطيارين: بينما أنا أركب الطائرة في تدريب إذ نظرت إلى القاهرة، فإذا أعلى عمارة في القاهرة أقل من هذا البنان، والناس يمشون كالنمل على الأرض.\rقلت: كم كان ارتفاع الطائرة عن الأرض؟ قال: اثنان أو ثلاثة أو أربعة من الكيلو مترات؟ إذا كنت بهذا الارتفاع القصير ترى هؤلاء الناس بما فيهم من كفر وجحود وعناد وظلم تراهم كالنمل ليس لهم وزن، فكيف يرى ربنا من فوق سبع سماوات هذا البشر؟ كالنمل التي تتحرك على الأرض، فيهم الشر كله وفي بعضهم خير، وهذا الجيش الذي يحمي كان هو الآفة بالنسبة للذي يحتمي به، وكذلك يعطي الله الآيات للناس لعلهم يتفكرون، أي رجل يأتي بعد ذلك لن يكون أقوى من فرعون، ولن يكون أغنى من قارون، ولن تنتصر على البشر بقوتك أو بمالك، واعتبر بهؤلاء الذين مضوا.\rفالأرض لن تتخلص من كبوتها هذه إلا إذا عاد المسلمون بالذات وليس أي إنسان، إننا نطالب المسلمين أن يسلموا، الذين يخرجون من هذه البلاد يدعون إلى الإسلام في بلاد الكفر كأمريكا أو روسيا نقول لهم: ذوو القربى أولى، هل أسلم أولادكم أولاً حتى تذهبوا؟ قد يفتن الرجل الداعية، والسفر إلى بلاد الكفر محرم إلا لضرورة قصوى، كشيء نافع للمسلمين لابد لهم أن يدرسوه أو يعلموه، فحينئذٍ يجب السفر، لكن أن يسافر ليسكن فهذا لا يجوز.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471962,"book_id":1601,"shamela_page_id":79,"part":"8","page_num":7,"sequence_num":79,"body":"صلاح الوالد أمان للذرية\rقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:٨٢] فالله حمى الكنز بصلاح الوالد ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢] وجعل الله ﷿ كفيلاً على الذرية، وقد قال الله في سورة النساء: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٩] هل قال: يُؤَمِّنُوا عليهم؟ لا، فالتأمين على الحياة ضرب من المقامرة نهى الإسلام عنه؛ فإن الذي يقبض منك ثمن التأمين قد يموت وهو يكتب المال الذي استلمه، فالتأمين على الحياة مقامرة.\rلكن ماذا يفعل الذين يخشون أن يتركوا ذرية ضعافاً لا حيلة لهم بين الناس؟ قال: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩] هذان قسطان ادفعهما، والله ﷿ كفيل بذريتك من بعدك: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471963,"book_id":1601,"shamela_page_id":80,"part":"8","page_num":8,"sequence_num":80,"body":"كفالة الله للعبد المؤمن\rمن الحكايات الجميلة التي تهز القلب من قصص بني إسرائيل ما حكاه النبي ﵌ لنا لنأخذ منه العبرة على كفالة الله ﷿ للعبد المؤمن، كما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: (إن رجلاً من بني إسرائيل أراد ألف دينار قرضاً، فذهب لرجل آخر، فقال له: أقرضني ألف دينار إلى أجل وليكن في آخر الشهر أعطيك الألف دينار.\rقال: ائتني بشهيد.\rقال: (كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) .\rقال: ائتني بكفيل.\rقال: كفى بالله كفيلاً.\rقال: فذاك -أي: أنا لا أريد إلا هذا- وأعطاه الألف دينار لأجل، فأخذ الرجل المال وركب البحر، فعمل بالألف دينار، فعندما جاء موعد الوفاء وكان بين الدائن والمدين بحر، وكان البحر هائجاً، وكانت الرياح عاصفة، والمراكب التي تنقل الناس توقفت عن العمل.\rفوقف الرجل بالألف دينار على شاطئ البحر ينظر مركباً فلم يجد، وكان الرجل الدائن على الشاطئ الآخر ينتظر حضور الرجل بالألف دينار على حسب الموعد المعلوم.\rفلما استيئس الرجل، أخذ خشبة فنقرها -عمل فجوة فيها- ووضع الألف دينار، ووضع كتاباً مع الألف دينار أن هذا المال إلى فلان.\rثم أمسك الخشبة بعد ما سدها، وقال: يا رب! أنا جعلتك كفيلاً وجعلتك وكيلاً وضامناً فأوصل المال إلى صاحبه، وقذف بالخشبة في البحر.\rوفي بعض الروايات أن الخشبة كانت تمشي ضد الموج -مع أن الموج في ذاك اليوم ليس موجاً عادياً بل الموجة الواحدة قد ترتفع إلى أمتار، وهذه الخشبة كصندوق موسى، لما رمت أم موسى ابنها موسى في التابوت، لكن الله هو الذي يحركه؛ لأنه هو الضامن وهو الكفيل، وفي هذا نكتة أذكرها في آخر القصة-.\rوقف الرجل الدائن على البحر فلم يأتِ مركب ولا رجل ولا شيء، فلما أراد أن ينصرف إذا بالخشبة تلعب أمامه في البحر، -تذهب وتجيء- ولا تتحرك ولا ترتد مع الموج، إنما انحصرت في متر، فقال الرجل في نفسه: آخذ هذه أستدفئ بها من البرد.\rوأخذ الخشبة يستدفئ بها، ورجع مهموماً، فأتى بالقدوم وكسرها فإذا هو بصرة، فقرأ الكتاب، فعلم أن الرجل حال بينه وبينه الظروف الجوية.\rوفي نفس اليوم مساءً ذهب الرجل المدين، فأخذ ألف دينار أخرى وركب مركباً، وذهب إلى صاحب المال، فقال: والله إنه لم يمنعني أن آتيك بمالك إلا أن البحر كما ترى، خذ مالك جزاك الله خيراً.\rفقال له الرجل: هل أرسلت لي مالاً؟ قال: سبحان الله! أقول لك لم أجد مركباً.\rقال: جزاك الله خيراً، فإن الله قد أدى عنك، فارجع راشداً، فرجع بالألف دينار راشداً.\rفالله كفيل والله وكيل، وهذه القصة لو أنها لم ترد في صحيح البخاري الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿ ولا يوجد فيه إلا صحيح، لعددنا هذا ضرباً من الأساطير والحكايات الخيالية.\rفهذه القصة حكاها النبي ﵊ لهذه الأمة ليستفيدوا منها، فهذا الرجل أخذ ألف دينار لأجل، فقال: ائتني بشهيد أو كفيل، قال: كفى بالله شهيداً، كفى بالله وكيلاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471964,"book_id":1601,"shamela_page_id":81,"part":"8","page_num":9,"sequence_num":81,"body":"استحباب كتابة الدين\rليس معنى هذا أنني إن أخذت منك ديناً ألا أكتبه، فإن ذلك كان في شريعة بني إسرائيل، وقد قال علماء الأصول: (شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه) ، وما ورد في شرعنا ما ينسخ هذا الفعل بأن يجعل ربه كفيلاً أو شهيداً وإنما أتى استحباب أن يكتب الناس التداين فيما بينهم في ورقة، نظراً لكثرة الغش الذي يقع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] .\rوإلا فإن قال: إن أحببت أن نكتب الدين فبها ونعمت، وإن ائتمنتني وجعلت الله ﷿ كفيلاً وشهيداً، فإن الله يقول: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] فالله ﷿ أفسح المجال هنا للأمانة بين الناس، أن آخذ منك المال بدون صك وبدون كتابة فهذا جائز، لكن إن قلت لك: اكتب هذا الدين فلا يجوز لك أن تمتنع، ولا أن تقول: كفى بالله شهيداً وكفى بالله وكيلاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471965,"book_id":1601,"shamela_page_id":82,"part":"8","page_num":10,"sequence_num":82,"body":"اليمين على نية المستحلف\rجاء في صحيح مسلم أن النبي ﵌ قال: (يمينك على ما فهم صاحبك) أحياناً يعرض الرجل ويوري بالكلام وأحياناً يحلف، مثلاً يأتيه رجل فيقول: معك مال؟ فيضع يده هنا ويقول: لا والله ما معي مال، مع أن المال هناك لكنه أشار إلى هنا، فأنت عندما تقول: لا والله، هذه اليمين ليست على قصدك أنت بل بما فهم صاحبك، فصاحبك فهم أنه ليس معك مال قط، وأنت تقصد أنه ليس معك مال هنا، فأنت حانث في يمينك، ولا تقل: أنا قصدي كذا، بل المهم قصد صاحبك، حتى لا تتخذ الأيمان جنة للمعاصي وللخيانة والخداع، فالله ﷿ قد يعاقب الرجل على قصده بنية صاحبه.\rقال الله ﷿ على لسان الخضر: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471966,"book_id":1601,"shamela_page_id":83,"part":"8","page_num":11,"sequence_num":83,"body":"عقوبة الخضر لأهل القرية ببناء الجدار\rلعلنا نذكر دخول موسى والخضر ﵉ إلى القرية: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف:٧٧] دخلوا القرية يطلبون طعاماً ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف:٧٧] ما هي العقوبة؟ أن يبني الخضر الجدار، وهذه عقوبة؛ لأن الجدار عندما مال وقد وصفه الله ﷿ بصفة الآدمي: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧] أي: يقع، وكان تحت الجدار كنز، فلو أن الجدار وقع لظفر أهل القرية بالكنز فأخذوه، فلما أقام الخضر الجدار حرم أهل القرية من الكنز، وحفظ الله ﷿ هذا الكنز لليتيمين.\rفهذه عقوبة لهما، ولكن موسى اعترض، فقال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف:٧٧] أي: نأكل به، لكن أن يمنعونا من الضيافة والقرى وهو حق لنا ونحسن إليهم بأن نبني جداراً مجاناً!! فلما أقام الخضر الجدار حمى ذلك الكنز؛ لأنه ليتيمين، واليتيم عند البشر هو فاقد الأب، وعند الحيوانات فاقد الأم، ولكن لا يظل المرء يتيماً مدة حياته، ولا يصلح أن يطلق على إنسان ما أنه يتيم مدة حياته؛ لقوله ﵊ في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره بسند صحيح: (لا يتم بعد احتلام) فإذا بلغ الرجل انتفى عنه مسمى اليتم؛ لأن اليتم هو عبارة عن صفة تلزم عاجزاً، والطفل الصغير حتى يبلغ الحلم عاجز عن الكسب والتفكير، فإذا بلغ أشده واستوى لم يعد بحاجة إلى أبيه، حتى ولو كان أبوه حياً، فهو بحاجة إلى أبيه ما لم يبلغ.\rولذلك في الآية: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف:٨٢] فدل ذلك على أنهما كانا يتيمين صغيرين ما بلغا الحلم، فهذان اليتيمان حفظ الله ﷿ الكنز بصلاح أبيهما، وفي هذا دليل على أن الصلاح ينفع الذرية.\rأي شيء تفعله يكون لك به لسان صدق، افعل المعروف الآن يبقى لذريتك، قال الله ﷿: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] أنت اليوم في رفعة ومنعة وغداً في ذل واستضعاف وغيرك في عز ومنعة، هذه سمة لهذه الحياة حتى لا يأمن أحد بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471967,"book_id":1601,"shamela_page_id":84,"part":"8","page_num":12,"sequence_num":84,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471968,"book_id":1601,"shamela_page_id":85,"part":"8","page_num":13,"sequence_num":85,"body":"حكم إعفاء اللحية مع معارضة الوالدين\r\r\rالسؤال\r إذا أراد الرجل أن يطلق لحيته، ولكن أهله يعارضون إطلاق لحيته، فماذا يفعل؟\r\rالجواب\r بالنسبة للرجل إذا أراد أن يطلق لحيته وعارض والداه هذا الفعل، من الأصول المعروفة عند المسلمين وحدده النبي ﵊ أنه: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) .\rوحلق اللحية معصية بلا شك، ولا يجوز للمسلم تحت أي ظرف أن يحلق لحيته -حتى أكون دقيقاً- إلا في بعض الظروف الضيقة جداً التي يجوز للمسلم أن يأخذ لحيته ويحلقها.\rكما لو كان في دار حرب، أو كانت اللحية هذه يمكن أن تتلف حياة الآخرين فيجوز له في هذه الحالة أن يعمل بمبدأ الضرر.\rقال ﵊: (اعفوا اللحى، وقصوا الشارب، وخالفوا اليهود والنصارى) وقال ﵊ لما دخل عليه رسول قصرى وقد أطال شاربه وحلق لحيته قال: (من أمرك بهذا؟ قال: ربي -الذي هو كسرى- قال ﵊: ولكن ربي أمرني أن أعفي اللحى، وأن أقص الشارب) .\rفقوله ﵊: (ولكن ربي أمرني) صريح في أن السنة النبوية الصحيحة موحاة كالقرآن الكريم تماماً، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] أي: ما ينطق عن هوى نفسه.\rفكل حديث فيه أمر بطاعة الله ﷿ فهو وحي كالقرآن تماماً، وهذا الحديث أحد الشواهد التي تؤيد ذلك.\rفإعفاء اللحية واجب.\rوصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471969,"book_id":1601,"shamela_page_id":86,"part":"8","page_num":14,"sequence_num":86,"body":"نبذة مختصرة عن تحقيق الكتب القديمة\r\r\rالسؤال\r ما رأيكم في تحقيق الشيخ محمد رشيد رضا لكتاب الاعتصام؟\r\rالجواب\r أولاً: أعطي لمحة عامة عن كيفية تحقيق الكتاب المخطوط؛ لأن هذا له علاقة وطيدة جداً بالسؤال، وحتى لا يشك أحد في كتاب ما ويقول: لعل المخطوط لم يصل أو لعلها مدسوسة إلخ.\rعندما كان أسلافنا القدماء يكتبون الكتب المدونة التي يؤلفونها، إما بأيديهم أو عن طريق نساخ الأجرة، فكان بعضهم يخط لنفسه كشيخ الإسلام ابن تيمية كان كما يقول ابن القيم في الوابل الصيب: (كان يكتب في ليلة ما ينسخه الناسخ في جمعة) فيؤلف في الليلة مجلدين أو ثلاثة بحيث أنك لو أردت أن تنقل وراءه لنفسك تظل أسبوعاً تنقل الذي كتبه في ليلة واحدة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\rمع لفت النظر إلى أن التأليف أصعب من النسخ، إذ يمكن أن ينسخ الشخص وعقله فارغ، فيكتب الذي أمامه، ولكن شيخ الإسلام كان يؤلف.\rفكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بسبب السرعة الشديدة أحياناً لا يظهر خطه ولا يبين.\rلكن لم يكن شيخ الإسلام يحجر على الناس ألا يقرءوا إلا نسخته، إنما كان تلاميذه وكان لهم خطوط حسنة ينقلون عنه، ثم يعرضون النسخ التي نقلوها عليه فيقرها، فتختم بختم الدولة آنذاك، وتلحق بالكتب المخطوطة وتوضع في الخزينة.\rوهذا لكثرة الذين كانوا يؤلفون الكتب وينسبونها إلى أناس مجهولين أو مشهورين، حتى يقال: إن هذه نسخة معتمدة قرئت على المؤلف وأنه أقر كل حرف فيها، وأنه يُسأل عن كل قضية فيها، فيختم بختم الدولة ويوضع في الخزينة العامة، وكل كتاب من كتب السلف كان يعامل بهذه الصفة.\rوكان أيضاً ممن ينسخ لنفسه الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه صاحب كتاب فتح الباري، وكان رديء الخط جداً، حتى أنهم ذكروا من اللطائف أنه لم يكن يعرف أن يقرأ خطه، وعندما كان يؤلف كتاباً، ثم يريد أن يقرأه ثانياً كان يعاتب نفسه ويقول: كيف السبيل حتى نصل إلى الكلمة الحقيقية؟ فكان شيخ الإسلام ابن حجر مع رداءة خطه يكسل أن يرفع القلم ليفصل بين الكلمة والكلمة، فكل كلامه متصل، بحيث أنك لا تستطيع أن تعرف هذه الكلمة انتهت بواو أو انتهت بقاف أو انتهت بعين.\rفكانوا يجدون في المخطوطات التي خطها الحافظ ابن حجر بنفسه مشقة شديدة، إنما اعتمدوا في كتب الحافظ ابن حجر -لأنها انتشرت- على نسخ التلاميذ والنساخ الذين كان الحافظ يعطيهم الأموال لأجل نسخ الكتب.\rفيتواتر للكتاب الواحد نسخة ونسختان وثلاث وأربع، وأحياناً تصل إلى عشرين نسخة على حسب شهرة الكتاب، فعندنا في دار الكتب المصرية لصحيح البخاري فقط سبعة وعشرون نسخة، وفي كل مكتبة من مكتبات العالم لصحيح البخاري فوق العشر والعشرين نسخة.\rفتجد أنك لو جمعت كل النسخ لصحيح البخاري في العالم كله لأمكن أن تصل إلى أكثر من مائتي نسخة؛ لأنه كتاب مشهور جداً وتلقته الأمة بالقبول، فكان كل رجل من العلماء أو من الأشراف حريص على أن يكون في بيته نسخ من صحيح البخاري.\rومثلاً: نحن الآن عندنا كتاب رياض الصالحين يكاد يكون مثل المصحف في بيوت الناس، كل بيت تجد فيه رياض الصالحين بجانب المصحف، فنسخ رياض الصالحين كثيرة جداً جداً مما يجعل الثقة بالكتاب (١٠٠%) .\rلكن هناك كتب لا يوجد منها إلا نسخة أو نسختان أو ثلاث، وأحياناً عشر، لكن قامت على مؤلفه القيامة آنذاك فأحرقوا كتبه، فلم تبق من هذه النسخ إلا نسخة فريدة أو نسختان.\rولما جاءت الحملة الفرنسية (المباركة!) كما يصفونها في كتب التاريخ، لم يأتوا أصلاً لأجل احتلال ولا لأجل أن يخرجوا حجر الرشيد ولا لأي شيء من هذا إنما أتوا ليسرقوا تراثنا.\rاذهب إلى باريس تجد المكتبة الضخمة فيها نفائس المخطوطات الإسلامية مما يضطر الباحث لأجل أن يحقق كتاباً أن يسافر إلى فرنسا، وطبعاً في فرنسا سيبيت في الفنادق ويأكل من أكلها ويشرب من شرابها، وكل هذه أموال تعود لصالح الفرنسيين.\rثم يصور المخطوطة التي هي لنا، تراث أجدادنا نحن، ويرجع بها بعد شهر أو شهرين، وقد لا يوافقون أن يصوروا له.\rالاستعمار الإنجليزي أو الفرنسي أو الروسي كلهم سرقوا جميع كتبنا، ولذلك تجد مخطوطات المسلمين في كل مكان في العالم، يجعلون متاحف يضعون فيها كتب المسلمين.\rفوزعت كتب المسلمين على العالم كله، فإذا أنا الآن أريد أن أحقق كتاباً مثل الاعتصام للشاطبي: أولاً: أبحث في الخزانة المصرية، تجد أن عندنا دور مخطوطات في مصر، وهي: مكتبة البلدية، والإسكندرية، ومكتبة فؤاد للمخطوطات، ودار الكتب المصرية، والمكتبة الأزهرية، ومعرض المخطوطات، وكان هناك معرض المخطوطات في الجامعة العربية وأخذوها منا لما نقلوا الجامعة العربية إلى تونس، وهناك دار للمخطوطات بالمنصورة، فهذه الدور تجمع المخطوطات القديمة التي هي لأسلافنا.\rاليوم مثلاً: كتاب صحيح ابن حبان كبير وهو قريب من صحيح ابن خزيمة وشبيه بصحيح البخاري، فأريد أن أحققه، فأذهب أبحث في كل الدور في مصر أولاً، وأنظر في الفهارس العلمية، فأجد أنهم يقولون: موجود من صحيح ابن حبان -وهو تسعة مجلدات- موجود منه أربعة مجلدات، المجلد الأول ضاعت منه ثلاث ورق، والمجلد الثاني فيه خرم أزال مثلاً ورقتين أو ثلاثاً، والمجلد الرابع المقدمة ساقطة منه، فأجد أن الكتاب غير مكتمل، فلا أستطيع أن أحقق هذا الكتاب، فألتمس له نسخة كاملة، فأذهب أبحث في مكتبات العالم عن نسخة كاملة لصحيح ابن حبان، فأذهب مثلاً إلى باريس فأجد ثلاثة مجلدات فقط هي الموجودة من الكتاب والباقي غير موجود، لكن المجلد الأول الذي هو ناقص عندي منه أربع ورقات أجدهن في المجلد، وهذا المجلد ضاعت منه عشر ورقات وفي الآخر أجدها عندي في مجلدي، فأتعب تعباً شديداً حتى أستطيع أن أحصل نسخة صحيحة موثقة كاملة لصحيح ابن حبان.\rبعد ذلك لابد أن أكون دارساً للخطوط القديمة؛ لأن قواعد الإملاء تغيرت عن القديم، فإلى نهاية القرن الثالث الهجري أو جزء من القرن الرابع كانت مسألة التنقيط هذه غير منتشرة، فكان الكاتب يكتب ولا يضع نقطاً، وكانوا يفهمون؛ لأن هذه هي طريقة الإملاء عندهم.\rمثلاً: كتاب علل الدارقطني الموجود في دار الكتب المصرية، إذا فتحت الكتاب لا تجد ولا نقطة واحدة، وأعطيكم مثالاً واحداً فقط، هذا الشكل (عين، راء) هل هو: نمر، أو نمس أو ثمر أو تمر أو غنس أو غير أو غيض أو غضب، لا أعرف النقط أين موضعها؟ فحينئذٍ لا تستطيع أن تخرج كتاباً مخطوطاً لأجل أن تقدمه للمطابع إلا إذا كنت عليماً بالطريقة القديمة للإملاء، وهذه لها قواعد ولها كتب.\rإذاً: على كل رجل محقق أن يكون دارساً، كل هذا الهم الكبير، وكلمة (هم) ليس معناها الهم المرادف للغم، إنما الهم الذي يبعث الهمة، كما قال تعالى: ﴿هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف:٢٤] .\rفيجب أن أدرس كل هذا قبل أن أكتب خطاً واحداً، أو قبل أن أكتب سوداء في بيضاء كما يقولون.\rفبعدما يكون عندي كل هذه الأصول، أبتدئ أنظر، هذا الكتاب له نسخة أو نسختان أو ثلاث؟ إن كان له أكثر من نسخة فيجب أن أسعى لأن آتي بجميع النسخ.\rفإذا توفر لدي خمس نسخ مخطوطة من كتاب مثل: الاعتصام، لابد أن أجعل من الخمس النسخ نسخة تكون هي الأصل الذي أعتمد عليه والنسخ الباقية شواهد لها.\rوتحديد النسخة الأصل يكون بالنظر إلى أقدم نسخة، بأن يكون مكتوب عليها تاريخ قديم، وتكون أقرب النسخ للمؤلف، وكلما كانت النسخة مكتوبة في زمن قريب إلى زمن المؤلف كانت أشد ثقة وتوثيقاً من النسخة المتأخرة.\rإذا كان الشاطبي توفي مثلاً سنة ستمائة وخمسة وستين فإذا كانت النسخة التي أمامي مكتوبة سنة ستمائة وثمانين والنسخة الثانية مكتوبة سنة سبعمائة وعشرة فنسخة سنة ستمائة وثمانين هي التي يجب أن اعتمدها أصلاً للنسخة المتأخرة، وكلما اختلفت النسخ مع بعضها أقدم سياق النسخة الأم.\rفيظل الباحث شهراً وشهرين وثلاثة وسنة وسنتين وثلاثاً وساعات كثيرة في كتاب واحد، فتأتي أنت تأخذه وتشتريه وتضعه على الرف، وتنفخ عنه التراب كل شهر، ولا تستفيد منه، ولا تعرف كم بذل في هذا الكتاب من مجهود حتى وصل بين يديك مطبوعاً، فالتحقيق هذا أصعب من أن يؤلف المرء كتاباً من جديد، فالواحد خير له أن يؤلف عشرة كتب ولا يحقق كتاباً مخطوطاً واحداً.\rالذي يحصل أن الشيخ محمد رشيد رضا مثلاً يعثر على نسخة من كتاب الاعتصام فيبذل الوسع في تحقيقها، ويكون في آخر النسخة أو في آخر صفحة كلمة، ولم يجد ورقة بعد ذلك، والكلام يفترض أن يكون متصلاً، فيرجح أن هناك سقط ورقة أو ورقتين أو ثلاثاً من آخر الكتاب.\rوأحياناً يكون الكتاب كاملاً ولكن لم يضع سماعات، ولا قرأنا الكتاب على فلان، والحمد لله رب العالمين، مثلما يختمون كتبهم، فيترجح لدى الرجل أن هذا الكتاب إما تم أو لم يتم، فحينئذٍ لا يجوز أن نشك بالكتاب، ولكن نقف على ما حدده المحقق.\rالشيخ محمد رشيد رضا قال في نهاية الكتاب: إن هناك بعض الورقات ذهبت، أو أن النسخة غير كاملة مثلاً، فيبقى أن يستفاد من هذه النسخة، ولكن إذا وجدت أحد العلماء نقل نصاً عن كتاب الاعتصام ولم تجده في كتاب الاعتصام فينبغي أن تستحضر كلمة الشيخ محمد رشيد رضا لعل هذا يكون من الورقة التي سقطت.\rوحينئذٍ يجدر بالباحث أو القارئ إذا وجد كلاماً نسب إلى كتاب ما وليس في الكتاب، أن يدونه على حاشية الكتاب؛ لأنه من الممكن أن يكون سقط من النسخة شيء، أو من الممكن أن الذي نقله وهم في اسم الكتاب.\rهذه نبذه -مختصرة- عن تحقيق الكتب القديمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471970,"book_id":1601,"shamela_page_id":87,"part":"8","page_num":15,"sequence_num":87,"body":"كتاب الموافقات والاعتصام للإمام الشاطبي\r\r\rالسؤال\r ما رأيكم في كتاب الموافقات للشاطبي وكذلك كتاب الاعتصام؟\r\rالجواب\r بالنسبة لكتاب الموافقات للإمام الشاطبي فإنه يعتبر من أجل الكتب في فهم مقاصد الشريعة، وهذا يعتبر كتاباً مبتكراً مما زاد في قيمته؛ لأن الأصوليين يوم وضعوا أصول الفقه وضعوا القواعد التي يتوصل بها إلى معرفة حكم الله ﷿ من النص بأي طريقة كانت، فهذا مقصود أصول الفقه: معرفة حكم الشارع من النصوص.\rإما مقاصد الأحكام الشرعية هذه فلم يتعرض لها الأصوليون في أصول الفقه، لذا أتى الإمام الشاطبي ﵀ وصنف لمقاصد الشريعة كتاب الموافقات، ووضع قواعد كلية لم يسبق إليها.\rفلذلك تجد هذا الكتاب عبارته مغلقة، فافتح كتاب الموافقات تجده عربياً، ولكن لا تفهم كلمة إلا لماماً، فهو كتاب في غاية الصعوبة، وأتى الشيخ دراز ﵀ وأراد أن يفسره فزاده تعقيداً.\rفهذا الكتاب آخر شيء يقرأ، فلا يأتي أحد في أول العلم وفي يده كتاب الموافقات، ويظل يقرأ، فإنه لن يفهم شيئاً ويصده ذلك عن تحصيل دقيق للأصول.\rإنما الأصل أن الإنسان يبدأ في كتاب مختصر في أصول الفقه، والكتب الأصولية للأصوليين المتأخرين أو المصنفين في الأصول المتأخرين اقتبسوا فيها مقاصد الشريعة عن الشاطبي بصورة سهلة.\rولكن الأصوليين القدماء لم يدخلوا مقاصد الشريعة بصورة واضحة، إنما يمكن أن يكتب فيها سطراً بحيث أن لا يفهم أحد أن هذا يقصد أنه يحدد مقاصد الشريعة، حتى أتى الإمام الشاطبي فحدده.\rوأيضاً كتاب الاعتصام من أجل الكتب وأنفعها، ويجب على جميع المسلمين الذين يعتنون بمعرفة السنة من البدعة أن يقرءوا هذا الكتاب، فإني ما رأيت مثله في بابه، والعلماء شبه مجمعين على أن هذا الكتاب أجل كتاب في تعريف السنة العملية، وكيف يكون المرء سنياً.\rوأتى بالبدعة وأنكر تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام، كما هو تقسيم الإمام الشافعي لها، وقال: إن البدعة بدعة حقيقية وبدعة إضافية، وأنه لا يوجد في الدين شيء اسمه بدعة حسنة إطلاقاً، لأنك إن أتيتني بأي شيء لم يوجد في عصر النبوة لابد أن يكون له أصل عام يندرج تحته.\rبناء المستشفيات وغيره كل هذا داخل تحت الاستشفاء، والاستشفاء عندنا فيه أحاديث صحيحة، فإذاً: المستشفيات بدعة لغوية.\rكذلك صلاة التراويح على إمام واحد في شهر رمضان هذا لم يكن في عهد النبي ﵊ وسنَّة عمر وقال: (نعمت البدعة هذه) ، لما رأى أبي بن كعب يصلي بالمسلمين كلهم على إمام واحد بعدما كانوا يصلونها متفرقين، فقال القائلون بالبدعة الحسنة: قول عمر: (نعمت البدعة) أي: أنها بدعة حسنة، وهذا مدح للبدع.\rفبين الإمام الشاطبي أن البدعة المقصود بها هنا هي البدعة اللغوية؛ لأن عمر هو أول من جمع الناس على إمام واحد وفي مسجد وجماعة، ولكن هل صلاة التراويح جماعة ابتدعها عمر؟ الجواب: لا، بل قد صلاها النبي ﷺ ليلتين أو ثلاثاً، ولكن خشي أن تفترض على الأمة، فلم يكمل، فأصل صلاة التراويح جماعة لم يبتدعها عمر إنما صلاها النبي ﵊.\rوقول عمر: (نعمت البدعة هذه) أي: أنه أول من ابتكر القيام وراء إمام واحد وفي المسجد إلى آخره.\rفهذا الكتاب فعلاً كتاب ممتاز واسمه يدل عليه (كتاب الاعتصام) وساق فيه أحاديث الاعتصام بالسنن والفرار من البدع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2471971,"book_id":1601,"shamela_page_id":88,"part":"8","page_num":16,"sequence_num":88,"body":"الوصية المكذوبة للشيخ أحمد\rهنا وصية المزعوم الشيخ أحمد حامل مفاتيح الحرم، إذا كان هناك من يوزع هذه الورقة حتى الآن فيجب أن يمنع من أن يوزعها؛ لأن هذه الوصية مكذوبة من رجل يدعي أنه حامل مفاتيح حرم رسول الله ﵌ إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.\rيقول: إن ثلث المسلمين يموت على غير الإسلام، وأنا الرسول جاءني وكلمني وعلمني كذا.\rوالعلماء في السعودية قالوا: إنه لم يخدم الغرفة النبوية رجل اسمه أحمد إطلاقاً، وهذا من علامة كذب هذه الورقة.\rوفي هذه الورقة ما يجعل المسلم الفطن يجزم أنها كذب فضلاً عن العلماء، ثم إن المعاصرين تتابعوا جميعاً على تكذيبها، فسبحان الله ورق وزنه تسعون أو ثمانون جراماً، ويتبرع شخص بالتصوير، وينسخ ألفين أو ثلاثة آلاف نسخة وهكذا أموال المسلمين تذهب فيما لا يفيد، وكونه في شهر إبريل هذا دليل على الكذب أيضاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}