{"page_id":276293,"book_id":167,"shamela_page_id":1,"part":"مقدمة 1","page_num":5,"sequence_num":1,"body":"تصدير بقلم الأستاذ: محمد أبو الفضل ابراهيم رئيس لجنة احياء التراث\r﷽\rفى سنة عشرين من تاريخ الهجرة، تمّ للقائد العربىّ، والصحابىّ الجليل، عمرو ابن العاص، فتح مصر؛ ومن ذلك الحين دخل هذا الإقليم فى الدولة الإسلامية وتلوّن بالصّبغة العربية؛ وأخذ يتوافد إليه أعيان الصحابة والتّابعين، وأعلام الفقهاء والمحدّثين؛ حيث وجدوا الظلّ الوارف، والمورد العذب السّائغ، والمقام المحمود؛ ولم يلبث أن دخلت الجمهرة من المصريّين فى دين الإسلام أفواجا، وانتشر فى كلّ النواحى من أقصى الصعيد إلى بلاد الشمال؛ حتى أصبحت مصر بمعالمها وحضارتها ووفرة مواردها من أهم الأقطار الإسلامية، بل إنها حملت لواء الزعامة فى كثير من عصورها التاريخية؛ مما دوّنه المؤرخون كابن عبد الحكم والقضاعىّ والمسبّحىّ وأبو عمر الكندىّ وابن ميسّر وغيرهم.\rوكانت الدولة الفاطمية من أعظم الدول التى عاشت فى مصر أكثر من قرنين من الزّمان؛ وكان لها تاريخ حافل، ولخلفائها فى الحضارة الإسلامية أثر بعيد؛ فهم الّذين أسسوا القاهرة المعزّية؛ فكانت قبّة الإسلام، وحاضرة الأنام، وغرّة جبين الزمان، وأنشئوا الجامع الأزهر؛ فكان منبعا للعلوم الإسلامية ومنارة للمعارف والآداب على مر الزمان، كما أقاموا دور الكتب والخزائن، وجلبوا إليها الكتب والأسفار، وأرصدوا لها الأموال، وأعدوا لطلاّب المعرفة القوّام والنّساخ، وهوت إليها أفئدة العلماء من شتّى الجهات، ينهلون العلم من أعذب مورد وأصفاه؛ هذا إلى ما كان لهم من أثر فى بناء المساجد والقصور والبساتين فى جنبات القاهرة وعلى ضفاف النيل، وما تجردت له همتهم من إعداد الجيوش وإنشاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276294,"book_id":167,"shamela_page_id":2,"part":"مقدمة 1","page_num":6,"sequence_num":2,"body":"الأساطيل تجوب المياه، فضلا عما كان لهم من عادات فى المواسم والأعياد؛ تميّزت بها دولتهم، وما زالت تتصل بحياتنا الاجتماعية إلى اليوم.\rوقد كان تاريخ هذه الدولة موزّعا فى كتب التاريخ والأدب والعقائد، ممتزجا بغيره من تاريخ الدول، إلى أن جاء الإمام تقى الدين أحمد بن على المقريزى، فجمع أشتاته، وضم ما تفرق منه، وأضاف إليه ما اجتمع اليه من ثمرات مطالعاته، وما تهيأ له من المناصب التى تولاها، ووضع هذا الكتاب الذى أسماه «اتّعاظ الحنفا، بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء» أداره على تاريخ من ملك القاهرة من الخلفاء وعلى جملة أخبارهم وسيرهم، وجعله حلقة من سلسلة كتبه الّتى وضعها فى تاريخ مصر والقاهرة.\rوالمقريزىّ شيخ مؤرخى الإسلام غير مدافع، وفارس هذه الحلبة غير معارض فى كلّ ما ألّف وصنّف، وفى جميع ما نقل وروى؛ مما جعل كتبه المصدر الأصيل فى تاريخ مصر الإسلامية وحضارتها وخططها وآثارها ومعارفها وفنونها وآدابها وعلمائها وأعيانها.\rهذا وقد سبق للمستشرق هوجو بونز أن قام بنشر هذا الكتاب سنة ١٩٠٩ م على نسخة مخطوطة ناقصة محفوظة بمكتبة جوتا بألمانيا، وهى النسخة الوحيدة التى كانت معروفة فى ذلك الحين. وفى سنة ١٩٤٥ قام الدكتور جمال الدين الشيال باعادة نشره عن هذه النسخة أيضا بعد أن رجع إلى الأصول التى أخذ المقريزىّ عنها كتابه. ومع مضىّ الأيام وتتابع البحث، وجد من هذا الكتاب نسخة أخرى كاملة محفوظة بمكتبة سراى أحمد الثالث باستانبول، فجد معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية فى تصويرها، ثم قام الدكتور جمال الدين الشيال باعادة تحقيق الكتاب عليها مرة ثانية، بعد أن أضاف إلى جهده السابق مزيدا من التحرير والتحقيق، وشرح المصطلحات، والتّعريف بالأعلام، ما شاءت له معارفه التّاريخية وأمانته العلمية واطّلاعه الغزير الوافر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276295,"book_id":167,"shamela_page_id":3,"part":"مقدمة 1","page_num":7,"sequence_num":3,"body":"والدكتور جمال الدين الشيال يعدّ فى الرّعيل الأول من أساتذة التاريخ الإسلامىّ فى العصر الحاضر، وأعظمهم إخلاصا ونشاطا، وأكثرهم خصبا وإنتاجا، فيما حقّق وصنّف، وألقى من محاضرات، وشهد من مؤتمرات، ونشر من بحوث ومقالات؛ وكانت له عناية خاصة بتراث المقريزىّ، فحقق منها كتاب «الذّهب المسبوك بذكر من حجّ من الخلفاء والملوك»، وكتاب «نحل عبر النّحل»، وكتاب «إغاثة الأمة بكشف الغمة»، كما حقق كتاب «مفرج الكروب فى دول بنى أيوب» لابن واصل، وألّف كتابا فى أعلام الاسكندرية، وآخر فى تاريخ دمياط فضلا عن بحوثه المتنوعة فى نواحى التاريخ الإسلامىّ.\rوتقديرا للجهد الّذى بذله فى تحقيق هذا الكتاب، ورغبة فى إحياء آثار المقريزىّ، رأت لجنة إحياء التراث أن تقوم بنشره، وتيسير الانتفاع به.\rوإنه لمن كمال التوفيق، وجميل الصّنع أن يظهر هذا الكتاب، والقاهرة توشك أن تحتفل بعيدها الألفىّ منذ أنشأها الفاطميون … إنها تحية طيبة لهذه الذكرى الكريمة.\rومن الله العون والتوفيق.\rمحمد أبو الفضل ابراهيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276296,"book_id":167,"shamela_page_id":4,"part":"مقدمة 1","page_num":9,"sequence_num":4,"body":"الإهداء\rإلى عاصمتنا العظيمة الخالدة\rإلى مدينتنا الزاهرة الساحرة إلى المعزية القاهرة\rفى عيدها الألفى\rأهدى هذا الجهد المتواضع الذى بذلته فى إحياء أكبر وأوثق مؤلّف وضع للتأريخ للدولة التى أنشأتها - الدولة الفاطمية - بقلم كبير مؤرخى مصر الإسلامية تقى الدين أحمد بن على المقريزى\rجمال الدين الشيال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276297,"book_id":167,"shamela_page_id":5,"part":"مقدمة 1","page_num":11,"sequence_num":5,"body":"﷽\r\rمقدمة المحقق\r- ١ -\r\rولد تقى الدين أحمد بن على المقريزى فى حارة برجوان بالقاهرة فى سنة ٧٦٦ هـ (١٣٦٤ - ١٣٦٥)، وتنتمى أسرته أصلا إلى مدينة بعلبك - إحدى مدن لبنان الحالية - وكانت تسكن حارة بها تسمى «حارة المقارزة»، وليس من المعروف هل سميت الحارة باسم الأسرة، أم أن الأسرة حملت اسم الحارة لسكنها بها، كما أن المراجع التى ترجمت للمقريزى تخلو جميعا من أى تفسير لمعنى كلمة «مقريزى» أو «مقارزة».\rوقد كفل أحمد فى طفولته وشبابه الأول جدّه لأمه ابن الصائغ وكان حنفى المذهب، فنشأ السّبط على هذا المذهب، وظل من أتباعه إلى أن توفى أبوه فى سنة ٧٨٦ هـ (١٣٨٤) فانقلب شافعيا.\rوقد درس المقريزى على كبار شيوخ عصره وعلمائه فى الفقه والحديث والتاريخ، واشتغل كثيرا - كما يقول السخاوى - وطاف على الشيوخ ولقى الكبار، وجالس الأئمة فأخذ عنهم (¬١) وتأثر أكثر ما تأثر بأستاذه المؤرخ الكبير عبد الرحمن بن خلدون أثناء إقامته بالقاهرة وتوليه قضاء المالكية بها (¬٢).\rوالتحق المقريزى فى شبابه بعدد من الوظائف الحكومية، فعمل أول ما عمل فى سنة ٧٨٨ (١٣٨٦) وهو فى الثانية والعشرين من عمره موقعا بديوان الانشاء، ثم تنقّل فى وظائف أخرى،","footnotes":"(¬١) السخاوى: التبر المسبوك فى ذيل السلوك ج ٢ ص ٢٢.\r(¬٢) انظر: مقدمتنا لكتاب اغاثة الأمة بكشف الغمة للمقريزى، ومحمد عبد الله عنان: ابن خلدون وتراثه الفكرى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276298,"book_id":167,"shamela_page_id":6,"part":"مقدمة 1","page_num":12,"sequence_num":6,"body":"فعيّن نائبا من نواب الحكم عن قاضى القضاة الشافعى - أى قاضيا -، ثم خطيبا بجامع عمرو وبمدرسة السلطان حسن، وإماما بجامع الحاكم، ومدرسا للحديث بالمدرسة المؤيدية.\rوفى سنة ٧٩١ (١٣٨٩) اختاره السلطان برقوق - وكان حفيّا به - محتسبا للقاهرة والوجه البحرى، وقد ولى هذه الوظيفة وعزل عنها أكثر من مرة، يقول السخاوى: «وحمدت سيرته فى مباشراته».\rوفى سنة ٨١٦ (١٤١٣) سافر إلى دمشق صحبة السلطان الناصر فرج بن برقوق، وعاد معه، وعقدت أواصر الصداقة بينه وبين الأمير يشبك الدوادار «ونالته منه دنيا» - على حد قول السخاوى فى ترجمته له -.\rوكان السلطان برقوق قد عرض عليه مرارا أن يوليه قضاء دمشق ولكنه أبى، وفى عهد ابنه ولى النظر على أوقاف القلانسى والبيمارستان النورى بمدينة دمشق، وقام فى نفس الوقت بالتدريس فى عدد من مدارسها، وبخاصة فى المدرستين الأشرفية والإقبالية، وقضى بمدينة دمشق عشر سنوات عاد بعدها إلى القاهرة، فعزف عن الوظائف الحكومية منذ ذلك الوقت، ولزم داره حيث توفّر على القراءة والدرس والتأليف.\rوفى سنة ٨٣٤ (١٨٣٠) خرج - وفى صحبته أسرته - إلى مكة لأداء فريضة الحج، وجاور هناك نحو خمس سنوات شغل فيها بالتدريس والتأليف كذلك، ثم عاد إلى داره بحارة برجوان فلزمها إلى آخر حياته يكتب ويؤلف فى علوم مختلفة، وبوجه خاص فى علم التاريخ، حتى نبغ فيه وبزّ أقرانه ومعاصريه من مؤرخى القرن التاسع الهجرى (¬١) (١٥ م).","footnotes":"(¬١) انظر ترجمة المقريزى فى: (السخاوى: التبر المسبوك فى ذيل السلوك، ص ٢١ - ٢٤) و (السخاوى: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ج ٢، ص ٢١ - ٢٥) و (الزركلى: الأعلام) و (سركيس: معجم المطبوعات العربية) و (محمد مصطفى زيادة: المؤرخون فى مصر فى القرن الخامس عشر) و (الشوكانى: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، ج ١، ص ٧٩ - ٨١) و (ابن تغرى بردى: المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى - والكتاب لا زال مخطوطا - وقد نقل ترجمة المقريزى عنه على مبارك فى كتابه الخطط التوفيقية الجديدة، ج ٩، ص ٧٠)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276299,"book_id":167,"shamela_page_id":7,"part":"مقدمة 1","page_num":13,"sequence_num":7,"body":"وتوفى المقريزى إلى رحمة الله عصر يوم الخميس سادس عشرى رمضان بالقاهرة، ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة بحوش الصوفية البيبرسية.\r\r- ٢ -\r\rويعتبر المقريزى كبير مورخي مصر الإسلامية وزعيمهم دون منازع، وقد أهلّه لهذه الزعامة إنتاجه الضخم الخصب.\rومؤلفات المقريزى نوعان:\r- كتب أو كتيبات صغيرة.\r- وكتب موسوعية كبيرة.\rوكتبه الصغيرة ذات أهمية خاصة، وهى لا تقتصر على التاريخ، بل تمثل أنواعا مختلفة من العلوم، ويمكننا أن نصنفها إلى أصناف أربعة:\r١ - صنف عنى فيه المقريزى بمناقشة بعض مشكلات أو نواحى التاريخ الإسلامى العام، ومنها:\r- كتاب «النزاع والتخاصم فيما بين بنى أمية وبنى هاشم».\r- وكتاب «ذكر ما ورد فى بنيان الكعبة المعظمة» (¬١).\r- وكتاب «ضوء السارى فى معرفة أخبار تميم الدارى» (¬٢).","footnotes":"(¬١) يبدو أن المقريزى وضع أول الأمر كتابا كبيرا فى تاريخ الكعبة، ثم اختصره فى مؤلف صغير يحمل هذا العنوان المذكور فى المتن هنا، بدليل قول السخاوى وهو يحصى مؤلفات المقريزى: «الاشارة والاعلام ببناء الكعبة والبيت الحرام، ومختصره».\r(¬٢) توجد من هذا الكتاب نسخ خطية فى:\r- المتحف البريطانى\r- لا يدن ضمن مجموعة رسائل المقريزى تحت رقم ٢٤٠٨\r- باريس، المكتبة الأهلية، ضمن مجموعة رسائل المقريزى تحت رقم ٤٦٥٧، وقد نشره ماتيوز فى سنة ١٩٤١، انظر:\rCharles D.Matthews.The Journal of the Palestine Oriental Society ١٩٤١.vol.XIX. PP.١٥٠ - ١٧٩ and Introd.PP .١٤٧ - ١٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276300,"book_id":167,"shamela_page_id":8,"part":"مقدمة 1","page_num":14,"sequence_num":8,"body":"ب - وصنف عنى فيه المقريزى بذكر عرض موجز لتاريخ بعض أطراف العالم الإسلامى مما لم يعن به مؤرخون آخرون، ومنها:\r- كتاب «الالمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام».\r- وكتاب «الطرفة الغريبة من أخبار حضر موت العجيبة».\r(وقد ألف هذين الكتابين أثناء مجاورته فى مكة فى سنة ٨٣٩ وسنة ٨٤١).\rح - صنف عنى فيه المقريزى بالترجمة المختصرة لمجموعة من الملوك، ومنه:\r- كتاب «تراجم ملوك الغرب».\r- وكتاب «الذهب المسبوك بذكر من حج من الخلفاء والملوك» (¬١).\rد - وصنف عنى فيه المقريزى بدراسة بعض النواحى العلمية البحتة، أو بالتاريخ لبعض النواحى الاجتماعية والاقتصادية فى العالم الإسلامى عامة، أو فى مصر الإسلامية خاصة، ويمثل هذا الصنف كتب كثيرة، منها:\r- كتاب «المقاصد السنية لمعرفة الأجسام المعدنية».\r- وكتاب «شذور العقود فى ذكر النقود».\r- وكتاب «الأكيال والأوزان الشرعية».\r- وكتاب «نحل عبر النّحل» (¬٢).\r- وكتاب «البيان والإعراب فيمن نزل أرض مصر من الأعراب».\r- وكتاب «إغاثة الأمة بكشف الغمة» (¬٣).","footnotes":"(¬١) قام المحقق بنشر هذا الكتاب لأول مرة فى سنة ١٩٥٤\r(¬٢) قام المحقق بنشر هذا الكتاب لأول فى مرة فى سنة ١٩٤٦\r(¬٣) قام المحقق بنشر هذا الكتاب لأول مرة بالاشتراك مع الدكتور محمد مصطفى زيادة فى سنة ١٩٤٠، وطبع طبعة ثانية فى سنة ١٩٥٧","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276301,"book_id":167,"shamela_page_id":9,"part":"مقدمة 1","page_num":15,"sequence_num":9,"body":"- وكتاب «إزالة التعب والعناء فى معرفة حلّ الغناء» (¬١) … الخ.\r***\r\rوهناك ظاهرتان تلفتان النظر عند دراسة مؤلفات المقريزى الصغيرة:\rأولاهما: أن المقريزى كان عالما بكل ما تحمله كلمة عالم من معنى، يحب المعرفة لذاتها، ويجد المتعة فى البحث والدراسة والاستقصاء، فهو ينصّ فى مقدمات معظم هذه المؤلفات الصغرى على أنه لم يقدم على كتابتها استجابة لطلب أمير أو عظيم، وإنما ألفها إشباعا لذاته المتطلعة إلى الاستزادة من العلم والمعرفة، ولمن يريد أن يشاركه هذا النزوع نحو العلم والمعرفة، أو على حد قوله هو فى مقدمة رسالته «المقاصد السنية لمعرفة الأجسام المعدنية»:\r«وبعد، فهذه مقالة وجيزة فى ذكر المعادن، قيدتها تذكرة لى ولمن شاء الله تعالى من عباده».\rوكرّر نفس المعنى فى مقدمته لكتاب «البيان والإعراب فيمن نزل أرض مصر من الأعراب»، فقال:\r«وبعد، فهذه مقالة وجيزة فى ذكر من بأرض مصر من طوائف الأعراب قيدتها لنفسى، ولمن شاء الله من أبناء جنسى».\rوثانيتهما: أن المقريزى ألف معظم هذه الكتيبات الصغيرة فى أخريات حياته، وبعد أن تم نضجه الفكرى، واتسعت قراءاته، وعمقت معرفته -، وبصفة خاصة فى سنة ٨٣٩ هـ، أثناء مجاورته فى مكة، أو فى سنة ٨٤١ هـ بعد عودته إلى مصر -، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهو يقول فى حرد كتابه «الطّرفة الغريبة من أخبار حضرموت العجيبة».\r«وبعد، فهذه جملة من أخبار وادى حضرموت، علقتها بمكة - شرّفها الله تعالى - أيام مجاورتى بها فى عام ٨٣٩، حدثنى بها ثقات من قدم مكة من أهل حضرموت».","footnotes":"(¬١) للمقريزى مؤلفات صغيرة أخرى لا تدخل تحت المجموعات التى ذكرناها، ومنها: (تجريد التوحيد، وهو مطبوع) و (معرفة ما يجب لأهل البيت من الحق على من عداهم) و (حصول الانعام والمير فى سؤال خاتمة الخير، و (الاخبار عن الاعذار) و «قرض سيرة المؤيد لابن ناهض)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276302,"book_id":167,"shamela_page_id":10,"part":"مقدمة 1","page_num":16,"sequence_num":10,"body":"ويقول فى مقدمة كتابه «الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام»:\r«وبعد، فهذه جملة من أخبار الطائفة القائمة بالملة الإسلامية ببلاد الحبشة، المجاهدين فى سبيل الله من كفر به وصدّ عن سبيله، تلقيتها بمكة - شرّفها الله تعالى - أيام مجاورتى بها فى سنة ٨٣٩ من العارفين بأخبارهم».\rويبدو أنه جمع مادة هذا الكتيب فى تلك السنة، ولكنه لم ينسق بينها ويخرجها فى شكل رسالة إلا فى سنة ٨٤١ هـ، فقد قال فى نهاية الرسالة:\r«حرّره جامعه ومؤلفه أحمد بن على المقريزى فى ذى القعدة سنة ٨٤١».\rومن الكتب التى ألفها فى سنة ٨٤١ هـ، كتاب «تجريد التوحيد المفيد»، فقد جاء فى حرد مخطوطة باريس من هذا الكتاب:\r«قال مؤلفه ﵀ إنه صححه جهد الطاقة ومبلغ القدرة فى سنة ٨٤١».\rومنها كذلك كتابه «المقاصد السنية لمعرفة الأجسام المعدنية»، فقد قال فى ختامه:\r«وحررته فى شوال سنة ٨٤١».\rومنها كتابه «نبذة على عظم قدر أهل البيت»، فقد نصّ فى نهايته على أنه ألفه فى ذى القعدة سنة ٨٤١ هـ.\rومنها كتابه «الذهب المسبوك بذكر من حجّ من الخلفاء والملوك» (¬١) فقد قال ناسخ مخطوطة الاسكوريال من هذا الكتاب:\r«كتب من أصل بخطّ. مصنفه، قال مؤلفه ﵀ حررته جهد القدرة فصح، مؤلفه أحمد بن على المقريزى، فى ذى القعدة سنة ٨٤١».\rوكتب الصنف الرابع التى ذكرنا آنفا تعتبر - فيما نرى - أهم كتب المقريزى الصغرى وأكثرها قيمة، وأطرفها موضوعا، لأنه عالج فيها موضوعات قلما عالجها غيره من المؤرخين","footnotes":"(¬١) قام المحقق بنشر هذا الكتاب لأول مرة فى سنة ١٩٥٤","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276303,"book_id":167,"shamela_page_id":11,"part":"مقدمة 1","page_num":17,"sequence_num":11,"body":"المسلمين، وبعد فيها قليلا عن تاريخ الخلفاء والملوك والسلاطين والأمراء، وعنى فيها حينا بالموضوعات العلمية البحتة، وحينا آخر بالشعب ومشكلاته الاجتماعية والاقتصادية؛ ونلاحظ كذلك أن المقريزى فى هذا الصنف من الكتب لم يكن مؤرخا راوية وحسب، بل هو مؤرخ مبدع أيضا، جرؤ فناقش - أحيانا - الأحداث والموضوعات، وأدلى بآرائه الخاصة، وعلّل الأسباب، واقترح العلاج (¬١).\rومعلوماته فى هذه الكتيبات وثيقة أكيدة تدل على قراءة واسعة ومعرفة متثبتة، وفكر واضح منظم، ومنهج علمى سليم، وساعده على ذلك أمور كثيرة، منها:\r١ - أنه كان يملك مكتبة كبيرة ضخمة تضم العديد من الكتب فى مختلف أنواع العلم والمعرفة المتداولة فى عصره، والدليل واضح فى الكثرة الكثيرة من المراجع التى أشار فى مؤلفاته إلى أنه رجع إليها وأخذ عنها.\r٢ - أنه ولى وظائف كثيرة مختلفة مكنته من التعرف على دولاب الحكومة وكيف يدار، وعلى مختلف النظم الإدارية والمالية، وعلى أحوال الشعب الاجتماعية والاقتصادية، فقد بدأ حياته الوظيفية موقّعا - أى كاتبا - بديوان الانشاء بالقاهرة، ثم كان مدرسا وقاضيا وناظرا للأوقاف، ثم ولى الحسبة غير مرة، ولم يكن للمحتسب - فيما نعلم - من عمل غير الإشراف على شئون الشعب الاجتماعية والاقتصادية.\r٣ - اشتغاله بعلمى الحديث والتاريخ، وهما علمان يعتمدان أصلا على الجرح والتعديل، والنقد والتحليل، والتثبت من صحة كل قول أو رواية أو حقيقة علمية.","footnotes":"(¬١) انظر مقدماتنا لكتب المقريزى الصغرى التى نشرناها من قبل، وهى (اغاثة الأمة بكشف الغمة) و (نحل عبر النحل) و (الذهب المسبوك بذكر من حج من الخلفاء والملوك).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276304,"book_id":167,"shamela_page_id":12,"part":"مقدمة 1","page_num":18,"sequence_num":12,"body":"- ٣ -\r\rأما مؤلفات المقريزى الكبيرة فيمكن تصنيفها كذلك إلى أنواع:\r- فمنها ما عنى فيه بتاريخ العالم: ككتاب «الخبر عن البشر».\r- ومنها ما عنى فيه بالتاريخ الإسلامى العام.\rككتاب «امتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأحوال والحفدة والمتاع».\rوكتاب «الدرر المضيئة فى تاريخ الدولة الإسلامية».\r- وأكثرها ما عنى فيه بتاريخ مصر الإسلامية، فقد وضع لنفسه خطة واضحة تهدف للتأريخ لمصر فى العصر الإسلامى من جميع نواحيها: العمرانية والسياسية والبشرية:\r***\r\rففى تاريخها العمرانى وضع موسوعته الكبيرة «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار».\rوقد قدّم المقريزى لكتابه هذا تقدمة ممتازة رائعة، لم يشبهه أو يدانيه فيها مورخ آخر من المؤرخين الإسلاميين المعاصرين أو السابقين، فهى تدل على أصالة فى الرأى، وتجديد فى الفكرة، وتحديد للغرض الذى يهدف إليه من تأليف الكتاب، وشعور مبكر بالوطنية المصرية، وإحساس منه عميق بحبه لوطنه مصر.\rفهو لم يؤلف كتابه هذا - كما كان يفعل المؤلفون الآخرون - ليخدم به خزانة ملك من الملوك، أو ليجعله قربى يتقرّب بها إلى أمير من الأمراء أو ثرى من الأثرياء، وإنما هو قد ألفه ليشبع عاطفته الوطنية، فهو يقول فى مقدمته:\r« .... وكانت مصر هى مسقط رأسى، وملعب أترابى ومجمع ناسى، ومغنى عشيرتى وحامتى، وموطن خاصتى وعامتى، وجؤجئى الذى ربى جناحى فى وكره، وعش مأربى فلا تهوى الأنفس غير ذكره؛ ولا زلت مذ شذوت العلم، وأتانى ربى الفطانة والفهم، أرغب فى معرفة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276305,"book_id":167,"shamela_page_id":13,"part":"مقدمة 1","page_num":19,"sequence_num":13,"body":"أخبارها، وأحب الإشراف على الاغتراف من آبارها، وأهوى مساءلة الركبان عن سكان ديارها، فقيدت بخطى فى الأعوام الكثيرة، وجمعت فى ذلك فوائد قلّ ما يجمعها كتاب، أو يحويها لعزتها وغرابتها إهاب، إلا أنها ليست بمرتبة على مثال، ولا مهذبة بطريقة ما نسج على منوال، فأردت أن ألخص منها أنباء ما بديار مصر من الآثار الباقية، عن الأمم الماضية، والقرون الخالية … الخ».\rهذا الشعور الوطنى القوى الممتاز كان شعورا مبكرا سبق به المقريزى عصره، فنحن لا نجد له شبيها حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادى حين يبدأ الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى يشيد بذكر الوطن والوطنية فى كتابه القيم «مناهج الألباب المصرية»، وفى أناشيده الشعرية الكثيرة.\rوقد أرضى مؤرخنا المقريزى شعوره الوطنى حين أرّخ فى كتابه «المواعظ والاعتبار» للمدن المصرية الهامة، وما كان يكتنفها من خطط وحارات ودروب وأزقة وأسواق، وما كان يتناثر فيها من دواوين ودور وقصور، وما كان يزينها من مساجد وكنائس وبيع، وما كان يتخللها من مدارس ومكتبات ودور للحكمة والعلم.\rوقد تعرّض وهو يؤرخ لهذا كله لبعض الشخصيات التى ساهمت فى عمران هذه المدن أو إقامة هذه المنشآت، فترجم لها ترجمات مفصلة حينا، وموجزة فى معظم الأحيان.\r***\rويبدو أن هذا التأريخ العمرانى لمصر لم يشبع عاطفة مؤرخنا، فأراد أن يؤرخ لمصر تأريخا سياسيا كاملا منذ الفتح العربى إلى عصره الذى عاش فيه (القرن التاسع الهجرى - الخامس عشر الميلادى).\rوقد اتخذ المقريزى لنفسه منهجا علميا سليما حين أراد أن يكتب هذا التاريخ السياسى، فقسّم تاريخ مصر الإسلامية عصورا ثلاثة، وخصّ كلّ عصر منها بكتاب:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276306,"book_id":167,"shamela_page_id":14,"part":"مقدمة 1","page_num":20,"sequence_num":14,"body":"أما العصر الأول فكانت مصر فيه ولاية تابعة للخلافة، وإن كانت قد بدأت المحاولات الأولى للانفصال والاستقلال فى عهدى الطولونيين والإخشيديين، وقد أرّخ له المقريزى فى كتابه:\r«عقد جواهر الأسفاط فى أخبار مدينة الفسطاط»\rوأما العصر الثانى فقد استقلت فيه بمصر دولة شيعية، وقامت فيه خلافة فاطمية تنافس الخلافتين السنيتين القائمتين حينذاك فى المشرق والأندلس (العباسية والأموية)، وقد أرّخ له المقريزى فى كتابه هذا الذى نقدم له:\r«اتعاظ الحنفا بذكر الأئمة الفاطميين الخلفاء»\rوأما العصر الثالث فقد قضى فيه على دولة الفاطميين وعلى نفوذ المذهب الشيعى معا، وقامت فيه دولة بنى أيوب التى دانت بالولاء ثانية للخلافة العباسية، ثم دولة المماليك التى احتضنت هذه الخلافة بعد استيلاء التتار على بغداد، وقد أرّخ المقريزى لهذا العصر فى موسوعته الكبيرة:\r\r«السلوك لمعرفة دول الملوك»\rأما الكتاب الأول فمفقود أو فى حكم المفقود، فقد كان المعروف حتى قبيل الحرب العالمية الثانية أنه توجد منه نسخة وحيدة فريدة فى مكتبة الدولة ببرلين ضمن مجموعة خطية تحت رقم ٩٨٤٥، ولسنا نعرف ماذا كان أثر الحرب المدمرة فى مكتبة الدولة وفيما كان بها من مخطوطات\rوأما الكتاب الثالث فيعمل على نشره نشرا علميا دقيقا منذ نيف وثلاثين عاما أستاذنا الجليل الدكتور محمد مصطفى زيادة، وقد أخرج منه حتى الآن جزءين فى ستة مجلدات تنتهى بنهاية عصر الناصر محمد بن قلاوون وأولاده.\rوأما الكتاب الثانى فهو هذا الذى نقدمه اليوم للقارئ العربى بعد تحقيقه تحقيقا علميا دقيقا، ومقارنته بأصوله، وشرح غريبه ومصطلحاته، والتعليق عليه، معتمدين على النسخة الكاملة الوحيدة الموجودة من الكتاب فى مكتبة سراى أحمد الثالث باستانبول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276307,"book_id":167,"shamela_page_id":15,"part":"مقدمة 1","page_num":21,"sequence_num":15,"body":"وقد بقى أخيرا الصنف الثالث من مؤلفات المقريزى التاريخية الكبرى عن مصر الاسلامية، وهو الخاص بالتاريخ البشرى، وقد ألف المقريزى فى هذا النوع كتابين كبيرين أفردهما للترجمة لرجال مصر:\r١ - الأول هو «كتاب المقفى الكبير فى تراجم أهل مصر والوافدين عليها»، وهو كما يتضح من عنوانه مخصص للترجمة للبارزين من أبناء مصر، أو ممن وفدوا عليها أو أقاموا بها خلال العصر الاسلامى، وكان يقدر له أن يخرج فى ثمانين مجلدا، ولكنه لم ينجز منه إلا ستة عشر مجلدا، وتوفى قبل أن يتمه، ومع هذا لم تصلنا كل الأجزاء التى أتمها، وإنما وصلنا بعضها وضاع البعض الآخر.\r٢ - والثانى هو «درر العقود الفريدة فى تراجم الأعيان المفيدة (¬١)»، وقد خصصه لتراجم الأعلام البارزين من معاصريه.","footnotes":"(¬١) لا يوجد من هذا الكتاب الهام فى العالم كله الا نسخة وحيدة فى مكتبة خاصة هى مكتبة اسرة الجليلى بمدينة الموصل، وقد نشر الدكتور محمود الجليلى أخيرا مقالين عن هذا الكتاب فى المجلد الثالث عشر من مجلة المجمع العلمى العراقى (ص ٢٠١ - ٢٤٦) الصادر فى سنة ١٩٦٥، قدم فى المقالة الأولى وصفا للكتاب وتعريفا به، ونشر فى المقالة الثانية ترجمة حياة عبد الرحمن ابن خلدون كما كتبها تلميذه المقريزى فى كتابه هذا «درر العقود»\rويتبين من المقالة الأولى المعنونة «درر العقود الفريدة من تراجم الأعيان المفيدة للمقريزى» أن الكتاب يقع فى مجلدين، يتكون الأول منهما من ٣٨٨ صفحة، فى كل صفحة ٢٩ سطرا، وفى كل سطر ١٤ كلمة، ومقياس الصفحة ٢٧ * ١٩ سم والمكتوب منها ٥ ر ١٨ * ١٢ سم، ونسخ هذا المجلد على بن محمد بن عبد الله الفيومى فى ١٩ شعبان ٨٧٨ هـ (١/ ١٤٧٤/١١)\rأما المجلد الثانى فيقع فى ٥٨٤ صفحة، فى كل صفحة ١٩ سطرا، وفى كل سطر ١٣ كلمة ومقياس الصفحة ٢٧ * ١٩ سم والمكتوب منها ٢٠ * ٥ ر ١٢ سم، ونسخ هذا المجلد أحمد بن محمد التلوانى الأزهرى فى ١٧ شوال ٨٧٨ هـ (٣/ ١٤٧٤/٧)، فالكتاب بجزئيه قد نسخ بعد وفاة المؤلف بثلاث وثلاثين سنة، وعن نسخة بخط المؤلف كما ذكر فى احدى حواشى المخطوطة\rوالكتاب بجزئيه يشتمل على ٥٥٦ ترجمة، مائتان وست تراجم فى المجلد الأول، وثلاثمائة وخمسون ترجمة فى الجزء الثانى.\rوقد نشر الدكتور الجليلى فى مقالته هذه نص المقدمة التى قدم بها المقريزى لكتابه وثبتا بأسماء بعض الشخصيات الهامة التى ترجم لها المقريزى فى كتابه هذا، وعدد صفحات كل ترجمة. -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276308,"book_id":167,"shamela_page_id":16,"part":"مقدمة 1","page_num":22,"sequence_num":16,"body":"ولهذه الكتب الكبيرة (¬١) جميعا أهمية خاصة، لأن المقريزى انفرد فيها بايراد كثير من الوثائق والحقائق التاريخية التى لا نجد لها ذكرا عند غيره من المؤرخين، ولأنه نقل فيها كذلك عن كتب كثيرة أخرى فقدت ولم تصل إلينا نسخ منها، أو عن كتب أخرى ما زالت مخطوطة، وهو إلى هذا كله مؤرخ ثقة ثبت يمتاز بالدقة فيما يروى، والعناية بما يكتب.\r\r- ٤ -\r\rوعنوان الكتاب الذى نقدم له اليوم فيه خلاف:\r- فهو عند جمال الدين أبى المحاسن يوسف بن تغرى بردى (¬٢): «اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الخلفاء».\r- وهو عند السخاوى (¬٣)، وعند السيوطى (¬٤): «اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء».","footnotes":"= - وفى المقالة الثانية نشر الدكتور الجليلى ترجمة ابن خلدون بقلم تلميذه المقريزى، وهى أول صفحات تنشر من هذا الكتاب القيم، وانا لنتقدم بالرجاء الى الصديق العزيز الدكتور محمود الجليلى أن يعمل على نشر الكتاب مكتملا خدمة للطلاب والدارسين والمشتغلين بعلم التاريخ\rوقد ذكر هذا الكتاب ضمن مؤلفات المقريزى: (السخاوى فى الضوء اللامع والتبر المسبوك) و (حاجى خليفة فى كشف الظنون) و (بروكلمان فى تاريخ الآداب العربية).\r(¬١) للمقريزى كتابان كبيران آخران لا يقلان أهمية عن هذه الكتب التى ذكرناها، غير أنهما مفقودان للاسف الشديد، وقد احصاهما السخاوى ضمن مؤلفات المقريزى فى ترجمته له فى كتابيه: الضوء اللامع والتبر المسبوك أما الاول فهو كتاب «مجمع الفرائد ومنبع الفوائد»، وقد وصفه السخاوى بقوله: «ويشتمل على علمى العقل والنقل، المحتوى على فنى الجد والهزل، بلغت مجلداته نحو المائة، وما شاهده وسمعه مما لم ينقل فى كتاب» والثانى هو كتاب «شارع النجاة»، ووصفه السخاوى بقوله: «يشتمل على جميع ما اختلف فيه البشر من أصول ديانتهم وفروعها مع بيان أدلتها وتوجيه الحق منها»\r(¬٢) فى ترجمته لأستاذه المقريزى فى: (المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى) وقد نقل هذه الترجمة على مبارك فى خططه، ج ٩، ص ٧٠\r(¬٣) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ج ٢، ص ٢٢\r(¬٤) حسن المحاضرة، ج ١، ص ٢٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276309,"book_id":167,"shamela_page_id":17,"part":"مقدمة 1","page_num":23,"sequence_num":17,"body":"- وهو عند حاجى خليفة (¬١): «اتعاظ الحنفا بأخبار الفاطميين الخلقا»، ثم فسّر اللفظ الأخير من العنوان بقوله: «الخلقا - بالقاف - من خلق الافك».\rأما العنوان عند المقريزى نفسه فهو تارة «اتعاظ الحنفا بأخبار الخلفاء» (¬٢)، وهو تارة ثانية «اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الخلفاء (¬٣)»، وهو تارة ثالثة «اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء (¬٤)»، ويبدو أن المقريزى سمى كتابه حين بدأ تأليفه «اتعاظ الحنفا بأخبار الخلفاء»، ثم عاد وأضاف لفظ «الأئمة» قبل لفظ «الخلفاء» تأكيدا للمعنى الذى كان يهدف الفاطميون إلى إيضاحه من أنهم أئمة وورثة للامامة عن جدهم الأعلى الإمام على بن أبى طالب، ثم عاد مرة أخرى فأضاف كلمة «الفاطميين» قبل كلمة «الخلفاء» إيضاحا وتخصيصا، ولهذا آثرنا اختيار هذا العنوان الأخير لطبعه على غلاف الكتاب لأنه أوضح العناوين جميعا وأدلها على محتويات الكتاب، ولأنه هو الذى نصّ عليه المؤلف فى مقدمة وخاتمة النسخة الكاملة من الكتاب التى نقدمها اليوم للقراء.\rأما العنوان الذى ذكره حاجى خليفة فواضح فيه التحريف، وهذا التحريف صدى للكره الشديد الذى أشاعته الدول السنية اللاحقة للعصر الفاطمى، ومن الغريب أن هذا الكره ظل يتداول فى النفوس حتى العصر العثمانى، وهو العصر الذى عاش فيه حاجى خليفة.","footnotes":"(¬١) كشف الظنون\r(¬٢) هكذا سماه فى مقدمة كتابه: (السلوك)\r(¬٣) هكذا سماه فى مقدمة نسخة «جوتا» من كتاب الاتعاظ، وفى صفحة العنوان من نسخة استانبول الكاملة\r(¬٤) هكذا سماه فى مقدمة وخاتمة نسخة سراى أحمد الثالث الكاملة","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276310,"book_id":167,"shamela_page_id":18,"part":"مقدمة 1","page_num":24,"sequence_num":18,"body":"- ٥ -\r\rوكان المعروف حتى الأربعينات من هذا القرن أنه لا توجد من هذا الكتاب فى مكتبات العالم إلا نسخة وحيدة ناقصة فى مكتبة جوتا بألمانيا تحت رقم ١٦٥٢، وعن هذه النسخة نشر المستشرق «هوجو بونز «Hugo Bunz الكتاب فى سنة ١٩٠٩، فطبع النص العربى فى «مطبعة دار الأيتام السورية فى القدس الشريف»، وقدّم له بمقدمة ألمانية طبعها فى «ليبزج Leipzig» وفى هذه المقدمة وصف للمخطوطة ملخصه:\rأنها تتكون من ٥٠ ورقة - أى مائة صفحة -، وطول كل صفحة ٥/ ٢٤ سم، وعرضها ١٦ سم، وعدد سطور الصفحة الواحدة ٢٧ سطرا؛ ويتخلل النسخة ثمانى ورقات أخرى أقل حجما من سابقتها، وقد وضعت فى غير مواضعها الصحيحة، وهى الصفحات: «٤ و ٨ و ١٢ و ١٣ و ٣٢ و ٤١ و ٥٠).\rوالصفحة الأولى من المخطوطة، وهى التى تحمل عنوان الكتاب أصابها تلف كبير، ومع هذا فقد ملأ المولف كل فراغها بهوامش كثيرة دقيقة الخط، فهى تحتوى - عدا عنوان الكتاب واسم المؤلف - على نصوص كثيرة لا صلة لها بموضوع الكتاب، منها نص يتضمن أسماء حكام بغداد البويهيين ومدد حكمهم، ونص آخر عنوانه: «فصل فى قوانين دولة الترك السلاجقة»، وفى أعلى الصفحة هامش ثالث يشتمل على قائمة ببعض ولاة الاسكندرية، وتحت عنوان الكتاب سطران يفيدان ملكية من يدعى «محمد المظفرى» لهذه النسخة، ونصهما:\r«ملكه محمد المظفرى وطالعه أجمع عفا الله عنه آمين»\rوعناوين الفصول مكتوبة بالحبر الأحمر، وكذلك وضعت على بدايات بعض الفقرات وعلى بعض أسماء الأعلام علامات حمراء، أما النص كله فقد كتب بالحبر الأسود، وهو خال من النقط فى معظمه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276311,"book_id":167,"shamela_page_id":19,"part":"مقدمة 1","page_num":25,"sequence_num":19,"body":"وبعض صفحات الكتاب تحمل هوامش وتعليقات، غير أن الكتاب عند جمع ورقاته قصت أطرافه، فأضاع هذا القصّ أجزاء من هذه الهوامش حتى غدت عسيرة القراءة، وهناك ثلاث صفحات قد أصابها التلف والمحو الشديدان حتى أصبح من العسير قراءة محتوياتها، وهى الصفحات (١ ا، ٤٧ ب، ٥٣ ب).\rوقد برهن «بونز» فى مقدمته على أن هذه النسخة كانت نسخة المؤلف الخاصة، وقد كتبت بخط يده، وذلك بعد المقارنة بين خط هذه النسخة وخطوط المقريزى فى كتب أخرى مختلفة (¬١).\rوفى سنة ١٩٤٥ فكرت فى إعادة نشر هذا الكتاب لأسباب كثيرة، منها أن طبعة بونز كانت قد نفدت تماما من السوق، وأنها قد أصبحت ناقصة لا يحسن الاعتماد عليها - إذا قورنت بالطبعات الحديثة للمخطوطات العربية - وأن بونز لم يفعل - حين نشر الكتاب - أكثر من أن نسخ النص وقدمه للمطبعة، دون أن يرجع إلى الأصول التى أخذ عنها المؤلف للمقارنة، ولضبط نص المقريزى وتحقيقه، يضاف إلى هذا كله أن الناشر لم يحسن قراءة النص فى كثير من مواضعه (¬٢)، كما أن نشرته خرجت مليئة بالأخطاء المطبعية التى أثبت بعضها فى نهاية الكتاب، وترك البعض الآخر دون إشارة.\rوأردت بنشرتى الجديدة للكتاب أن أتلافى كل هذه الأخطاء وكل هذا النقص، فاتخذت نسخة جوتا أصلا، ثم رجعت إلى كل الأصول التى أخذ عنها المقريزى، واتخذت منها نسخة أخرى، وقارنت بين نصه ونصوص هذه الأصول مقارنة بطيئة دقيقة، وأثبت فى الهوامش","footnotes":"(¬١) انظر مقدمة بونز الألمانية، ص ٤ - ٥، واللوحة الملحقة بنشرته.\r(¬٢) انظر تصحيحاتنا لهذه الأخطاء فى طبعتنا لهذا الكتاب التى ظهرت فى سنة ١٩٤٨ (ص ١٠٦، هوامش ٤، ٥،؛ ص ١٠٧، هوامش ٢، ٣، ٤؛ ص ١٢٨، هوامش ٢، ٣، ٤؛ ص ٣٠، هامش ٢، ص ١٥٠، هامشى ٢، ٣ ص ١٥٦، هامش ٢ .. الخ) وفى ص ١٠٦ أبيات شعرية أخطأ بونز فأثبتها فى سطور متصلة كأنها نثر لا شعر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276312,"book_id":167,"shamela_page_id":20,"part":"مقدمة 1","page_num":26,"sequence_num":20,"body":"نتائج هذه المقارنة، وبعض المراجع التى أخذ عنها المقريزى موجودة كتاريخ الأمم والملوك للطبرى، والفهرست لابن النديم، والكامل لابن الأثير، والعبر وديوان المبتدأ والخبر ومقدمته لابن خلدون، والمواعظ والاعتبار للمقريزى نفسه؛ والبعض الآخر مفقود، كسيرة المعز لدين الله للحسن بن زولاق، والطعن على أنساب الخلفاء الفاطميين لأخى محسن، وتاريخ إفريقية والمغرب لعبد العزيز بن شداد، والخطط لابن عبد الظاهر … الخ.\rوقد كان المقريزى يصرح أحيانا بأخذه عن هذه المراجع، وينقل عنها - دون الإشارة إليها - فى معظم الأحايين، ولكننى تتبعته فى المراجع الموجودة، وأثبت نقوله عنها ما استطعت إلى ذلك سبيلا، ثم تتبعته مرة أخرى فى المراجع المفقودة بطريق غير مباشر، فإن الكثير من نصوص هذه المراجع قد نقلها المؤرخون اللاحقون فى كتبهم، فكنت أقارن بين ما جاء فى اتعاظ الحنفا من هذه النصوص وبين ما جاء منها فى كتب هؤلاء المؤرخين المتأخرين كلما عثرت على شيء منها.\rوقد لاحظت كذلك أن المقريزى - فى الجزء الذى تضمنته الطبعة الأولى التى ظهرت فى سنة ١٩٤٨ - قد اعتمد اعتمادا كبيرا على كتاب الكامل لابن الأثير، مما يرجح أنه كان ينقل عنه مع تصرف يسير، أو أن المؤرخين كانا ينقلان عن أصل واحد لا نعرفه.\r\r-٦ -\r\rظهرت طبعتي الأولى لهذا الكتاب - المعتمدة على مخطوطة جوتا الناقصة التى تنتهى بالحديث عن دخول المعز لدين الله إلى مصر - فى سنة ١٩٤٨، وسرعان ما وصلنى من المستشرق كلود كاهن Claude Cahen أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة ستراسبورج خطاب ينبئنى بوجود نسخة كاملة وحيدة من هذا الكتاب فى مكتبة سراى أحمد الثالث باستانبول، وكان رجال الجامعة العربية - لحسن الحظ - يعملون فى ذلك الوقت لتصوير المخطوطات العربية الهامة الموجودة فى مكتبات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276313,"book_id":167,"shamela_page_id":21,"part":"مقدمة 1","page_num":27,"sequence_num":21,"body":"استانبول، فأرسلت أرجرهم العناية بتصوير هذه المخطوطة النادرة، فتفضلوا - مشكورين - بتحقيق الرجاء، وبعد وصول الفيلم صورت لنفسى نسخة كبيرة من هذه المخطوطة وعكفت منذ ذلك الوقت على قراءتها ودراستها، فتبين لى أنها تضم بين دفتيها ثروة علمية قيمة نادرة، لأنها النسخة الوحيدة الكاملة من هذا الكتاب فى العالم كله، ولأنها تشتمل على التاريخ الحقيقى لمصر والشرق الأدنى فى العصر الفاطمى.\rولا يمكن المقارنة - بأية حال من الأحوال - بين النشرتين السابقتين - نشرة بونز ونشرتى لهذا الكتاب - وبين نسخته الكاملة المخطوطة لا كما ولا كيفا، فإن مخطوطة جوتا التى اعتمدت عليها النشرتان تنتهى بدخول الخليفة الفاطمى الرابع المعز لدين الله مصر، أى أنها تحتوى على الجزء الذى يؤرخ لنشأة الدولة الفاطمية وقيامها فى المغرب فقط، أما الجزء الكبير والهام الذى يؤرخ للدولة الفاطمية مدى قرنين من الزمان منذ انتقالها إلى مصر حتى زوالها فلا وجود له فى هذا الجزء الصغير المنشور.\rوبمقارنة هذا الجزء بالمخطوطة الكاملة تبين لى أنه يشغل ما يقابل ٣١ ورقة منها (أى ٦٢ صفحة) فى حين أن المخطوطة الكاملة تشتمل على ١٧٢ ورقة (٣٤٤ صفحة) أى أن ما نشر من الكتاب يساوى نحو السدس فقط من النص الكامل.\rويضاف إلى هذا أن النص الكامل الذى لم ينشر يتضمن تاريخا مفصلا وافيا وممتعا لخلفاء الفاطميين فى مصر، ولوزرائهم وقضاتهم وقواد جيشهم ورجال دولتهم، وبالكتاب كذلك معلومات قيمة نادرة عن الحياة العلمية والأدبية، وعن نظم الحكم وعلاقات مصر الخارجية فى العصر الفاطمى، كما أن به تفصيلات وافية عن الحركات الصليبية الأولى وموقف الفاطميين منها.\rويكفى للدلالة على قيمة هذه المخطوطة الكاملة وأهميتها أن أذكر أنها أوفى ما وصلنا عن تاريخ الدولة الفاطمية، وتؤيدنى فى رأيى هذا مقارنة بسيطة بين نص ابن تغرى بردى فى النجوم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276314,"book_id":167,"shamela_page_id":22,"part":"مقدمة 1","page_num":28,"sequence_num":22,"body":"الزاهرة - وهو أوسع نص مطبوع عن تاريخ الدولة الفاطمية - وبين نص المقريزى فى هذه المخطوطة الكاملة:\r- فترجمة الخليفة الحاكم بأمر الله - على سبيل المثال - تقع عند ابن تغرى بردى فى ٢٠ صفحة (والصفحة بها ١٦ سطرا فى المتوسط والسطر به ١٣ كلمة)، فى حين أن هذه الترجمة تقع فى ٤٦ صفحة من صفحات المخطوطة الكاملة من اتعاظ الحنفا (والصفحة بها ٣٠ سطرا، والسطر به ٢١ كلمة)، أى أن هذه الترجمة تقع فى ما يقابل ١٤٠ صفحة من صفحات كتاب النجوم الزاهرة.\r- وكذلك ترجمة ابن تغرى بردى للخليفة المستنصر تقع فى ١٦ صفحة من نفس الحجم، فى حين أن المقريزى قد ترجم له فى المخطوطة الكاملة للاتعاظ فى ٥٦ صفحة من نفس الحجم المذكور سابقا، أى أن هذه الترجمة تقع فى ما يقابل ١٧٥ صفحة من صفحات النجوم الزاهرة.\rويزيد فى أهمية هذه المخطوطة الكاملة أن المقريزى قد استوعب فيها خلاصة ما أورده جمهرة المؤرخين الذين أرخوا للدولة الفاطمية فى كتبهم، ممن عاصروا الدولة وممن أتوا بعدها، ومعظم هذه الكتب ضاع مع الزمن ولم يصلنا منه شيء للأسف الشديد، اللهم إلا هذه الفقرات والاقتباسات التى أثبتها المقريزى فى مؤلفه هذا وفى مؤلفاته الأخرى، وخاصة كتاب الخطط، ويكفى أن نشير هنا إلى عدد من هؤلاء المؤرخين ومؤلفاتهم المفقودة التى نقل عنها المقريزى فى هذا الجزء الأول الذى نقدم له، وسنشير فى مقومات الأجزاء التالية إلى عدد آخر منهم:\r- الحسن بن زولاق - إتمام أخبار أمراء مصر للكندى\r- سيرة المعز لدين الله.\r- ابن شداد (الأمير أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز بن باديس)\r- تاريخ إفريقية والمغرب.\r- ابن الطوير - تاريخه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276315,"book_id":167,"shamela_page_id":23,"part":"مقدمة 1","page_num":29,"sequence_num":23,"body":"- ابن عبد الظاهر - الروضة البهية الزاهرة فى خطط المعزية القاهرة.\r- أخو محسن - الطعن على أنساب الخلفاء الفاطميين.\r- ابن حزم - الجماهير فى أنساب المشاهير.\r- ابن مهذب (ابن العلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين).\r- سيرة الأئمة.\r- عبد الجبار بن عبد الجبار البصرى\r- تثبيت نبوة نبينا ﷺ.\rالصابى (أبو الحسن هلال بن الحسين بن إبراهيم، وابنه غرس الدولة)\r- كتابهما فى التاريخ\r- عبد الله بن رزام - الرد على الإسماعيلية. إلخ … إلخ.\rوقد رجع المقريزى فى مؤلفه هذا - إلى جانب المراجع المفقودة سالفة الذكر - إلى عدد كبير من المؤلفات التاريخية وغير التاريخية التى لا تزال موجودة، ومنها على سبيل المثال كتاب العبر ومقدمته لابن خلدون، وكتاب المغرب فى حلى المغرب لابن سعيد، وكتاب الفهرست لابن النديم وكتاب الكامل لابن الأثير .. الخ.\rولكنا نحب أن نلفت الأنظار إلى أن المقريزى لم يكن - ككثيرين من المورخين غيره - ناقلا وحسب، بل كان مؤرخا ممتازا، يحسن اختيار نصوصه والتنسيق بينها وعرضها، كما كان يخضع النصوص للمقارنة والتحليل والنقد، سعيا وراء الحقيقة، ويقدم بين يدى هذا كله المنهج السليم الذى يجب على المؤرخ اتباعه للتفرقة بين الخطإ والصواب فى أقوال سابقيه ممن يأخذ عنهم، وعنده أن مؤرخى كل بلد أعرف من غيرهم بتاريخ بلدهم، فرأيهم أولى بالتصديق إذا اختلفت الآراء، ومن الأمثلة الواضحة على هذا ما أورده فى الفصل الخاص بالمعز لدين الله، فقد نقل عن ابن الأثير نصا يقول بأن المعز اختفى مدة - قبل وفاته بسنة - فى سرداب أنشأه،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276316,"book_id":167,"shamela_page_id":24,"part":"مقدمة 1","page_num":30,"sequence_num":24,"body":"وأنه استخلف ابنه نزارا (العزيز) قبل اختفائه، ثم ألحقه برأى آخر فى نفس الموضوع نقله عن كتاب «سيرة المعز» للمؤرخ المصرى الحسن بن زولاق، وخلاصته أن المعز إنما عهد لابنه العزيز قبل موته بيومين اثنين، وعقّب المقريزى على الرأيين بقوله:\r«وإن ابن زولاق أعرف بأحوال مصر من ابن الأثير، خصوصا المعز، فإنه كان حاضرا ذلك ومشاهدا له، وممن يدخل إليه ويسلم مع الفقهاء عليه، ويروى فى هذه السيرة (سيرة المعز) أشياء بالمشاهدة، وأشياء مدّته بها ثقات الدولة وأكابرها، إلا أن ابن الأثير تبع مؤرخى العراق والشام فيما نقلوه، وغير خاف على من تبحر فى علم الأخبار كثرة تحاملهم على الخلفاء الفاطميين وشنيع قولهم فيهم، ومع ذلك فمعرفتهم بأحوال مصر قاصرة عن الرتبة العلية، فكثيرا ما رأيتهم يحكون فى تواريخهم من أخبار مصر ما لا يرتضيه جهابذة العلماء، ويرده الحذاق العالمون بأخبار مصر، وأهل كل قطر أعرف بأخباره، ومؤرخو مصر أدرى بما جرياته» (¬١).\r\r-٧ -\r\rوالمخطوطة الكاملة الموجودة فى مكتبة سراى أحمد الثالث باستانبول تحت رقم ٣٠١٣ هى النسخة الوحيدة من هذا الكتاب فى العالم، وتقع فى ١٧٢ ورقة (٣٤٤ صفحة) من القطع الكبيرة، قياسها ١٨ * ٢٧ سم، وفى كل صفحة ٣٠ سطرا، وفى كل سطر ٢١ كلمة فى المتوسط، وقد كتبت بقلم تعليق، ونقلت عن نسخة المؤلف الخاصة المكتوبة بخطه، كما نص على ذلك فى أكثر من موضع بالمخطوطة، وفى نهاية الكتاب، وقد تم نسخها فى سنة ٨٨٤ هـ (أى بعد وفاة المؤلف بتسع وثلاثين سنة فقط) على يد محمد بن أحمد الجيزى الأزهرى.","footnotes":"(¬١) انظر ما يلى فى هذا الجزء، ص ٢٣٢","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276317,"book_id":167,"shamela_page_id":25,"part":"مقدمة 1","page_num":31,"sequence_num":25,"body":"فقد جاء فى حرد الكتاب بصفحته الأخيرة:\r«هذا آخر ما وجد بخط مؤلفه عفا الله عنه.\rآخر كتاب اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء للمقريزى\rمن كتابة فقير رحمة ربه محمد بن أحمد\rالجيزى الأزهرى الشافعى لطف الله تعالى [به]\rوغفر ذنوبه وستر عيوبه والمسلمين أجمعين\rفى سنة أربع وثمانين وثمانمائة\rأما الصفحة الأولى فقد أثبت عليها العنوان على ثلاثة سطور فى أعلى الصفحة، وتحته إلى اليسار خاتم مستدير يحمل نصا مكتوبا بالخط النسخى على أربعة سطور، وفى السطر الخامس طغراء غير مقروءة، ويتوسط أسفل الصفحة بيتان من الشعر عن إعارة الكتب، وتحتهما طغراء أخرى غير مقروءة، وفى الركن الأيسر من الصفحة فى أسفلها تملك لمن يسمى يوسف بن عبد ..\rالشهير بابن الطحان، ويمكن رسم ما ورد على صفحة العنوان على الوجه الآتى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276318,"book_id":167,"shamela_page_id":26,"part":"مقدمة 1","page_num":32,"sequence_num":26,"body":"كتاب الفاطميين اتعاظ الحنفا بأخبار الخلفاء للعلامة تقى الدين المقريزى رحمه الله تعالى\r٣ -\rيا مستعير الكتب دعنى … فان إعارتى للكتب عار\rفمحبوبى من الدنيا كتابى … فهل أبصرت محبوبا يعار\rالحمد لله ملك يوسف بن عبد الهادى الشهير يا ابن الطحان عفا الله عنهما\r١ - طغراء غير مقروءة - ١\r٢ - طغراء اخرى غير منفرده - ٢\r٣ - أيا من يستعير الكتب دعنى - ٣","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276319,"book_id":167,"shamela_page_id":27,"part":"مقدمة 1","page_num":33,"sequence_num":27,"body":"وهذه المخطوطة منقولة - كما أسلفنا - عن نسخة المؤلف الأصلية التى كتبها أثناء تأليفه الكتاب قبل أن يتمه ويبيضه فى صورته النهائية، بدليل:\r- الإلحاقات الكثيرة المثبتة على هوامش الكتاب والمتضمنة لمعلومات جديدة عثر عليها المؤلف بعد كتابة الصورة الأولى من الكتاب، فأراد أن يثبتها فى الهامش ليضيفها إلى المتن عند تبييض مؤلفه، وقد حرص ناسخ هذه المخطوطة على أن يثبت أن هذه الهوامش للمؤلف نفسه، فقدم لكل هامش دائما بقوله: «بخطه (¬١)».\r- كان المؤلف يثبت الإضافة الجديدة إذا كان النص طويلا فى ورقة صغيرة منفصلة أو «طيارة» - كما كانت تسمى - ويلصقها بالصفحة التى يريد الحاق الإضافة بها، وكان ناسخ المخطوطة ينقل هذه الطيارات فى أمانة ويقدم لها بقوله: «فى ورقة ملصوقة بهذا المحل بخطه\r- أى بخط المؤلف - ما قاله (¬٢)»\r- وردت فى بعض هوامش المخطوطة إشارات كثيرة نقلها الناسخ كما هى، تقول: «بياض قدر صفحة» أو «بياض قدر نصف صفحة» أو «بياض نحو نصف صفحة (¬٣)». الخ مما يدل على أن المؤلف كان يزمع أن يضيف فى هذا المكان معلومات جديدة - لاستيفاء الموضوع - تملأ هذا القدر من البياض.","footnotes":"(¬١) انظر مثلا: ص ٢٠٦، هامش ١\r(¬٢) انظر مثلا: ص ٢٠٣، هامش ١، حيث ورد على ورقة منفصلة من هذا النوع نص نادر بالغ الأهمية عن «محاريق القرامطة» والقبة التى كانوا يستعملونها فى حروبهم، وهو نص لم أجد له شبيها فى أى مرجع أخر من المراجع التى أرخت للقرامطة، وفيه شرح طريف لأسلوب من أساليبهم فى الحرب والقتال.\r(¬٣) انظر مثلا ما يلى هنا فى هذا الجزء، ص ١٢٧، هامش ١ و ص ٢٠٧، هامش ١","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276320,"book_id":167,"shamela_page_id":28,"part":"مقدمة 1","page_num":34,"sequence_num":28,"body":"- ٨ -\r\rوقد اتخذنا نسخة استانبول أصلا للنشر - لأنها النسخة الكاملة الوحيدة فى العالم - وقارنا - عند النشر - بينها وبين نسخة جوتا الناقصة التى سبق نشرها، وأثبتنا الفروق بين النسختين فى الهوامش، وإذ كانت مخطوطة جوتا هى نسخة المؤلف المنقول عنها فقد أفادت كثيرا فى تصويب النص الذى ننشره اليوم، وساعدت مساعدة واضحة على قراءة كثير من الكلمات الممحوة أو التى تعذر علىّ قراءتها (¬١) فى نسخة استانبول.\rورغبة منا فى ضبط النص وإخراجه إخراجا علميا لم نقنع بالمقارنة بين المخطوطتين، وإنما راجعنا النص كذلك على المصادر التى نقل عنها المقريزى - إن وجدت -، أو المصادر اللاحقة له التى نقلت عنه. وقد تبين لى أن المؤلف ينقل فى هذا الجزء كثيرا عن: الكامل لابن الأثير، وذيل تاريخ دمشق لابن القلانسى، وأخبار مصر لابن ميسر، وإن كان قد نصّ أحيانا على النقل عن هذه المراجع، ونقل دون النص أحيانا أخرى.\rويعنينى أن أشير هنا إلى أهمية كتاب «تاريخ مصر لابن ميسر»، لأننى اعتبرته عند تحقيق هذا الجزء - وسأعتبره عند تحقيق بقية الأجزاء - نسخة ثالثة للكتاب.\rوابن ميسر هو أبو عبد الله تاج الدين محمد بن على بن يوسف بن شاهنشاه - وقيل ابن جلب راغب - مؤرخ مصرى عاش فى القرن السابع الهجرى (١٣ م)، وصنف كتاب «قضاة مصر»، وله تاريخ كبير ذيّل به على تاريخ المؤرخ الفاطمى المسبّحى، وقد بقى من هذا الأخير جزء نشره المستشرق الفرنسى ماسيه تحت عنوان «الجزء الثانى من أخبار مصر» ضمن مطبوعات المعهد الفرنسى بالقاهرة، سنة ١٩١٩","footnotes":"(¬١) انظر مثلا: ص ٤/ ١ و ٢، ٥٩/ ١، ٦٠/ ١، ١٢٤/ ٤، ١٢٥/ ١ و ٢، ١٧٩/ ٤، ١٨٢/ ١ ١٨٥٢/ ٧، ١٨٧/ ١ .. الخ","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276321,"book_id":167,"shamela_page_id":29,"part":"مقدمة 1","page_num":35,"sequence_num":29,"body":"(Ibn Muyassar:Annales d'Egypte-Les Khalifes Fatimides-editePar M.Henri Masse.Le Caire،١٩١٩.Publications de l'Institut Francais d'Archeologie Orientale)¬\rوالمخطوطة التى اعتمد عليها ماسيه عند نشر الكتاب كانت موجودة فى المكتبة الأهلية بباريس تحت رقم ١٦٨٨، وتشتمل على الجزء الثانى من الكتاب فقط، وبها حوادث السنوات ٤٣٩ - ٥٥٣، وبها خروم كثيرة، وجاء فى ختامها:\r«آخر المنتقى من تاريخ مصر لابن ميسر، وتم على يد أحمد بن على المقريزى فى مساء يوم السبت لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربعة عشر (كذا) وثمانمائة».\rوقد تبيّن لى بمقارنة هذا الجزء بمخطوطة اتعاظ الحنفا الكاملة هذه والتى ننشرها اليوم لأول مرة، أن المقريزى اعتمد اعتمادا كبيرا على ابن ميسر (¬١) عند التأريخ للفاطميين، لهذا أستطيع أن أقول إن المخطوطة التى كتبها المقريزى بخط يده كانت تحت يده عند تأليف كتابه اتعاظ الحنفا، ولهذا قلت إننى اعتبرتها نسخة ثالثة عند إعداد الكتاب للنشر، وقد أفادنى","footnotes":"(¬١) وقد توفى ابن ميسر يوم السبت ثامن عشر المحرم سنة ٦٧٧ هـ، انظر ترجمته فى:\r- تاريخ ابن الفرات، نشر قسطنطين زريق، ج ٧، ص ١٢٧، بيروت ١٩٤٢.\r- المقريزى: المقفى، مخطوطة ليدن، ج ٢.\r- ابن تغرى بردى: المنهل الصافى، مخطوطة المكتبة الأهلية، رقم ٢٠٧٢، ص ١٦٥ - ١٧٦\r- جمال الدين الشيال: مجموعة الوثائق الفاطمية، ص ٦٦، ٦٧، ٧٧، ٧٨، ٧٩، ٨٠ - ٨٢، ٨٦ ١١١، ١٨٣\r- سركيس: معجم المطبوعات العربية\r- حاجى خليفة: كشف الظنون.\r- الصفدى: الوافى بالوفيات، نشر ريتر، ج ١، ص ٤٩\r- Emile Amar:Traduction de Khalil Ibn Aibak as Safadi،Prolegamenes ?l'Etudo des Historiens Arabes.J.A.Mars-Avril،١٩١٢.P .٢٨١.\r-G.Wiet:ed.des Khitat de Maqrizi.t.II.P.١٨٤.\r-Cl.Cahen:Quel ques Chroniques des Derniers Fatimides in B.I.F.A.O.١٩٣٧.P.٥.\rهذا وقد توفى ابن ميسر يوم السبت الثامن عشر من المحرم سنة ٦٧٧ هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276322,"book_id":167,"shamela_page_id":30,"part":"مقدمة 1","page_num":36,"sequence_num":30,"body":"تاريخ ابن ميسر كثيرا فى ضبط النص وتصويبه فى الصفحات الأخيرة من هذا الجزء المشتملة على عصرى المعز والعزيز.\rوهذا الجزء الأول الذى نقدمه اليوم يقع فى ٣٠٠ صفحة من القطع الكبير، ينتهى نص نسخة جوتا - السابق نشره - فى الصفحة ٢٠٠، أما الصفحات المائة الأخيرة فجديدة كل الجدة وتنشر لأول مرة عن نسخة استانبول، وتشتمل على: خطاب المعز إلى الحسن الأعصم زعيم القرامطة، ورده عليه، وبقية أخبار القرامطة والصراع الحربى بينهم وبين جيوش الفاطميين على حدود مصر وفى جنوبى الشام، وبقية أخبار المعز لدين الله فى مصر خلال السنوات ٣٦٣ - ٣٦٥، ثم أخبار الخليفة الفاطمى الثانى فى مصر العزيز بالله، وأخبار الشام فى عهده، وخاصة نضاله ضد القرامطة وثورة القائد التركى أفتكين.\r\r- ٩ -\r\rوفى مجال ضبط النص عنينا عناية كبرى بتخريج الآيات القرآنية وضبطها بالشكل، وكذلك فعلنا بالأبيات الشعرية (¬١) فقد قابلناها على دواوين الشعراء المستشهد بشعرهم - إن وجدت - وضبطناها بالشكل كذلك.\rوقد ترجمنا فى الهوامش للشخصيات التاريخية الهامة المذكورة فى النص، كما شرحنا الألفاظ اللغوية الغريبة، وعرفنا بالأماكن والمواقع الجغرافية والجماعات والفرق المذهبية.\rوالتزاما لمنهجنا فى النشر والتحقيق قدمنا فى الهوامش شرحا وافيا لكل الألفاظ والمصطلحات الادارية والاجتماعية والاقتصادية والحضارية بوجه عام مع ذكر المصادر التى رجعنا إليها ليستزيد القارئ معرفة إن أراد، ومنها على سبيل المثال:: الشعوذة (¬٢)، والنار نجيات (¬٣)، والسّكة (¬٤)،","footnotes":"(¬١) انظر مثلا ص: ٣٢، ٣٣، ٧٣ و ٨٧ و ٢٣٥ الخ.\r(¬٢) ص ٣٩/ ١\r(¬٣) ص ٣٩/ ٢\r(¬٤) ص ٦٤/ ١","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276323,"book_id":167,"shamela_page_id":31,"part":"مقدمة 1","page_num":37,"sequence_num":31,"body":"والاهراء (¬١)، والمصنعة (¬٢)، والمظلة (¬٣)، والمثقل (¬٤)، والديباج (¬٥)، والفنك (¬٦)، وصاحب الستر (¬٧) والمناخ (¬٨)، والشرطة (¬٩)، ودار الضرب (¬١٠)، والبراطيل (¬١١)، والدينار الأبيض (¬١٢)، والغيار (¬١٣)، والطيلسان (¬١٤)، والجواشن (¬١٥)، والشمسة (¬١٦)، والمودع (¬١٧)، والرستاق، والدراعة (¬١٨)، والبرنس (¬١٩)، … الخ .... الخ.\rوقد أوليت المصطلحات الحربية ما تستحقه من عناية فشرحتها شرحا وافيا، لما لها من أهمية قصوى لمن يريد التأريخ لنظم الدولة الفاطمية الحربية والبحرية، ومن بينها فى هذا الجزء على سبيل المثال: الطبر (¬٢٠)، ودار الصناعة (¬٢١)، والشينى (¬٢٢)، والدبابة (¬٢٣)، والمنجنيق (¬٢٤) واللت (¬٢٥)، والأحداث (¬٢٦)، والكراع (¬٢٧) … الخ.","footnotes":"(¬١) ص ٧١/ ١\r(¬٢) ص ٧١/ ٢\r(¬٣) ص ٨٢/ ٢\r(¬٤) ص ٩٥/ ١\r(¬٥) ص ٩٥/ ٢\r(¬٦) ص ٩٥/ ٣\r(¬٧) ص ٩٧/ ٣\r(¬٨) ص ١٠٦/ ١\r(¬٩) ص ١١٠/ ١\r(¬١٠) ص ١١٥/ ٢\r(¬١١) ص ١١٧/ ٣\r(¬١٢) ص ١٢٢/ ٤\r(¬١٣) ص ١٣٢/ ١\r(¬١٤) ص ١٣٢/ ٢\r(¬١٥) ص ١٣٨/ ١\r(¬١٦) ص ٢١٤/ ١\r(¬١٧) ص ١٤٨/ ١\r(¬١٨) ص ١٧٢/ ٤\r(¬١٩) ص ١٧٢/ ٥\r(¬٢٠) ص ١٢/ ٥\r(¬٢١) ص ٧٠/ ١\r(¬٢٢) ص ٧٠/ ٢\r(¬٢٣) ص ٨١/ ٣\r(¬٢٤) ص ٨٢/ ١\r(¬٢٥) ص ٢١٩/ ١\r(¬٢٦) ص ٢٢٠/ ١ و ٢٣٩/ ٣\r(¬٢٧) ص ٢٣٩/ ١","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276324,"book_id":167,"shamela_page_id":32,"part":"مقدمة 1","page_num":38,"sequence_num":32,"body":"- ١٠ -\r\rوكتاب «اتعاظ الحنفا» يؤرخ للدولة الفاطمية كلها، فيبدأ بذكر ثبت كامل واف لأولاد على بن أبى طالب من نسل الحسن والحسين، وتتبع الأسماء فى هذا الفصل أمر شاق عسير، ولهذا فرّغت هذه الأسماء فى جدولين ألحقتهما بآخر هذا الجزء، أحدهما يتضمن أولاد على من نسل الحسن، والآخر يتضمن أولاده من نسل الحسين، وأضفت إليهما جدولين آخرين أثبت فى أحدهما أولاد على من زوجاته المختلفات، مع بيان من أعقب منهم ومن لم يعقب، وأثبت فى الثانى أسماء بنات على، وهذه الجداول الأربعة تمتاز بجدتها فهى غير موجودة فى أى مرجع آخر.\rوعرض المقريزى بعد هذا لمشكلة النسب الفاطمى، ولهذا الفصل أهميته لأن المقريزى من المؤرخين السنيين القلائل الذين أيدوا النسب الفاطمى، وإن كان بعض المؤرخين الآخرين يتهمون المقريزى فى تأييده للنسب قائلين بأنه فعل هذا لانتسابه إليهم (¬١)، كما اتهم هذا البعض ابن خلدون (¬٢) فى نفس الموضوع، فقالوا إنه لم يؤيد النسب الفاطمى تمجيدا للفاطميين ودفاعا عنهم، وإنما تجريحا لهم وحطا من قيمتهم.\rوطريقة المقريزى فى الحديث عن هذا الموضوع طريقة علمية صحيحة، فقد نقل أقوال الطاعنين فى النسب، كأخى محسن وابن النديم، وأثبت أنهما ينقلان عن ابن رزّام (¬٣)، وأنه أول من أشاع قصة انتمائهم إلى عبد الله بن ميمون بن ديصان الثنوى القدّاح؛ ثم فنّد أقوال هؤلاء الطاعنين مستعينا بأقوال المؤرخين الآخرين المؤيدين للنسب، مضيفا إليها براهينه الخاصة.","footnotes":"(¬١) السخاوى: الضوء اللامع، ج ٢، ص ٢٣\r(¬٢) نفس المرجع، ج ٤، ص ١٤٧ - ١٤٨.\r(¬٣) انظر طبعتنا هذه، ص ٢٢، هامش ٥","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276325,"book_id":167,"shamela_page_id":33,"part":"مقدمة 1","page_num":39,"sequence_num":33,"body":"ومشكلة النسب مشكلة قديمة حديثة، شغلت كل من تعرضوا للتأريخ للفاطميين من عرب ومستعربين من قديم حتى اليوم، ولهذا عرضت وأنا أحقق النص لآراء هؤلاء المؤرخين جميعا، فلخصتها وقارنت بينها فى الهوامش، وخاصة الآراء والمذاهب الحديثة التى عرضها. Ivanow و Bernard Lewis و Mamour فى كتبهم (¬١).\rوأرّخ المقريزى بعد هذا لقيام الدولة الفاطمية فى المغرب، فتحدث عن جهود الدعاة الأوائل كأبى سفيان والحلوانى، وعن رحلة أبي عبد الله الشيعى من اليمن إلى المغرب وجهوده فى التمهيد لإقامة الدولة، ثم انتقال عبيد الله المهدى من سلمية بالشام إلى المغرب.\rوفى فصل تال أرّخ المقريزى للخلفاء الفاطميين الأربعة الذين حكموا فى المغرب، وفصّل الحديث عن الصعوبات التى اعترضتهم - وخاصة ثورة أبى يزيد -، وعن الجهود التى بذلوها لتدعيم أسس الدولة الجديدة، كإنشاء المهدية عاصمتهم الجديدة، ومدّ فتوحهم غربا إلى المحيط الأطلسى.\rوتحدث بعد هذا عن الفتح الفاطمى لمصر وتأسيس مدينة القاهرة وبناء الجامع الأزهر، وعرض للخطر القرمطى الذى كان يهدد مصر وقتذاك، فعقد فصلا طويلا أرّخ فيه للقرامطة وتحركاتهم وحروبهم على حدود مصر وفى جنوبى الشام على عهدى الخليفتين المعز لدين لله والعزيز بالله.\rوأفرد المقريزى لكل من الخليفتين الأولين فى مصر - المعز والعزيز - فصلا تحدث فيه عن شخصيته وعصره وأهم الأحداث الداخلية والخارجية فى عهده، وبانتهاء عهد العزيز ينتهى هذا الجزء الأول، وفى تقديرنا أن تخرج بقية الكتاب فى جزءين آخرين من نفس الحجم، وسيبدأ الجزء الثانى إن شاء الله بعصر الحاكم بأمر الله ثالث الخلفاء الفاطميين فى مصر.","footnotes":"(¬١) انظر مثلا: ص ٢٢، هامش ٥/ ٢٣، هامش ١ و ٣ و ص ٣٥، هامش ١ و ص ٣٩، هامش ٥ .. الخ","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276326,"book_id":167,"shamela_page_id":34,"part":"مقدمة 1","page_num":40,"sequence_num":34,"body":"- ١١ -\r\rوقد شحن الناسخ صفحات المخطوطة بالنص متتابعا، فلم يفصل بين خليفة وخليفة، أو بين معنى ومعنى، أو بين سنة وسنة، ولكننا رسمنا للكتاب عند طبعه نظاما يوضح النص ويقربه لفهم القارئ، فبدأنا عهد كل خليفة، وكل موضوع ذى عنوان، وكل سنة جديدة بصفحة جديدة، كما وضعنا خطا تحت كل تاريخ، وتحت كل سنة جديدة، مع طبع كلمات السنة بحروف أكبر حجما من حروف المتن، ووضعنا كذلك خطا تحت اسم كل مؤلف وكل كتاب نصّ المؤلف على نقله عنه.\rوقد قدمت بين يدى المتن - وبعد المقدمة - قائمة كاملة بمراجع التحقيق عربية وغير عربية، وهى فى جملتها عون كبير للدارسين والباحثين فى التاريخ الفاطمى بصفة عامة على استيفاء بحوثهم ودراساتهم.\rوقد اكتفيت فى هذا الجزء بإضافة فهرس لموضوعات الكتاب، وأرجأت الفهارس التفصيلية الأبجدية إلى الجزء الثالث والأخير بإذن الله لتكون شاملة للكتاب كله\rوبعد ففى سبيل الله والعلم وتاريخ بلدنا العزيزة وأمتنا العربية بذلت هذا الجهد الشاق المضنى فى تحقيق هذا الكتاب، نسأل الله أن يمدنا بتوفيق من عنده حتى نتمكن من إخراج بقية الأجزاء، منه تعالى نستمد العون وبه نستعين.\rجمال الدين الشيال\rالاسكندرية ١٥ من ربيع الأول ١٣٨٧\r٢٣ يونيو ١٩٦٧","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276327,"book_id":167,"shamela_page_id":35,"part":"مقدمة 1","page_num":51,"sequence_num":35,"body":"مراجع التحقيق\r١ - المراجع العربية\rابن الأثير (عز الدين أبو الحسن على الشيبانى).\r- الكامل فى التاريخ، ١٢ جزءا، المطبعة الأزهرية بالقاهرة، ١٣٠١ هـ.\r- اللباب فى تهذيب الأنساب، ٣ أجزاء، القاهرة، ١٣٥٦ و ١٣٥٧ و ١٣٦٩.\rابن الأكفانى (محمد بن ابراهيم بن ساعد الأنصارى السنجارى).\r- نخب الذخائر فى أحوال الجواهر، نشره الأب أنستاس مارى الكرملى، القاهرة، ١٩٣٩ م (ونشره قبل ذلك الأب لويس شيخو فى مجلة المشرق، السنة ١١).\rأحمد (محمود)\r- جامع عمرو بن العاص، بولاق، ١٩٣٨ م.\rالأزدى (على بن ظافر)\r- الدول المنقطعة، صور شمسية بدار الكتب المصرية بالقاهرة، رقم ٨٩٠.\rالأسفرايينى (شاهفور بن طاهر بن محمد أبو المظفر)\r- التبصير فى الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، القاهرة، ١٣٥٩ هـ (١٩٤٠).\rالأصفهانى (أبو الفرج على بن الحسين بن محمد بن أحمد)\r- مقاتل الطالبيين، المطبعة الحيدرية بالنجف، ١٣٥٣ هـ.\rأمارى (ميشيل)\r- المكتبة العربية الصقلية، ليبسيا، ١٨٥٧ - ١٨٨٧ م.\rالبتانونى (محمد لبيب)\r- رحلة الأندلس، الطبعة الثانية، القاهرة (بدون تاريخ).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276328,"book_id":167,"shamela_page_id":36,"part":"مقدمة 1","page_num":52,"sequence_num":36,"body":"البغدادى (أبو منصور عبد القاهر)\r- الفرق بين الفرق، نشره محمد بدر، القاهرة، ١٩١٠ م.\rالبغدادى (عبد اللطيف)\r- الافادة والاعتبار فى الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر، مطبعة المجلة الجديدة بالقاهرة (بدون تاريخ).\rالبكرى (أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز).\r- المغرب فى ذكر بلاد افريقية والمغرب، نشره البارون دى سلان، الجزائر، ١٩١١.\rالبلوى (أبو محمد عبد الله بن محمد المدينى)\r- سيرة أحمد بن طولون، نشره محمد كرد على، دمشق، ١٣٥٨ هـ (١٩٣٩).\rبهجت (على)\r- قاموس الأمكنة والبقاع، القاهرة، ١٣٢٤ هـ (١٩٠٦ م).\rابن تغرى بردى (جمال الدين أبو المحاسن يوسف)\r- النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، ظهر منه ١٢ جزءا، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، ١٩٢٩ - ١٩٥٦ م.\rثابت (نعمان)\r- الجندية فى الدولة العباسية، بغداد ١٣٥٨ هـ (١٩٣٩ م).\rثقة الامام علم الاسلام (الداعى)\r- المجالس المستنصرية، نشره محمد كامل حسين، القاهرة، ١٩٤٧ م.\rالجواليقى (أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد الخضر)\r- المعرب من الكلام الأعجمى على حروف المعجم، تحقيق أحمد محمد شاكر، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة ١٣٦١ هـ.\rابن الجيعان (شرف الدين يحيى)\r- التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية، نشره المستشرق مورتز، القاهرة، ١٣١٦ هـ (١٨٩٨ م).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276329,"book_id":167,"shamela_page_id":37,"part":"مقدمة 1","page_num":53,"sequence_num":37,"body":"ابن حجر (شهاب الدين بن على، العسقلانى)\r- رفع الاصر عن قضاة مصر، مخطوطة دار الكتب المصرية، القاهرة، رقم ١٠٥.\rابن حزم (أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح، الأندلسى، الظاهرى)\r- الفصل فى الملل والنحل، القاهرة ١٣١٧ هـ.\rحسن (حسن ابراهيم)\r- الفاطميون فى مصر، القاهرة، ١٩٣٢ م.\r- (بالاشتراك مع طه محمد شرف) عبيد الله المهدى، القاهرة، ١٩٤٧ م.\r- (بالاشتراك مع طه محمد شرف) المعز لدين الله، القاهرة، ١٩٤٨.\rالحسن بن عبد الله\r- آثار الأول فى ترتيب الدول، بولاق، ١٢٩٥ هـ.\rحسين (محمد كامل)\r- فى أدب مصر الفاطمية، القاهرة، ١٩٥٠ م.\rالحميرى (أبو عبد الله محمد بن عبد الله)\r- صفة جزيرة الأندلس (منتخبة من كتاب الروض المعطار فى خبر الأقطار)، نشره ليفى بروفنسال، القاهرة، ١٩٣٧ م.\rابن حوقل (أبو القاسم محمد بن حوقل البغدادى)\r- المسالك والممالك والمفاوز والمهالك، ليدن، ١٨٧٣\rالخضرى (محمد)\r- محاضرات فى تاريخ الأمم الاسلامية (الدولة العباسية)، القاهرة، ١٣٤٩ هـ (١٩٣٠ م).\rالخفاجى (شهاب الدين أحمد)\r- شفاء الغليل فيما فى كلام العرب من الدخيل، بولاق، ١٢٨٢ هـ.\rابن خلدون (عبد الرحمن)\r- كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، ٧ أجزاء، بولاق، ١٢٨٤ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276330,"book_id":167,"shamela_page_id":38,"part":"مقدمة 1","page_num":54,"sequence_num":38,"body":"ابن خلكان (شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد)\r- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ٣ أجزاء، القاهرة، ١٢٩٩ هـ.\r( .... )\r- دائرة المعارف الاسلامية، مواد: «ادريس»، و «الادريسية» و، «ابن حزم»، و «أغالبة»، و «الباقلانى»، و «أصبهان»، و «بلكين»، و «ابن عبد الظاهر». الخ\rابن دقماق (ابراهيم بن محمد بن أيدمر العلائى)\r- الانتصار لواسطة عقد الأمصار، الجزءان ٤ و ٥، بولاق، ١٣٠٩ هـ.\rالدورى (عبد العزيز)\r- دراسات فى العصور العباسية المتأخرة، بغداد، ١٩٤٥ م.\rدونلدسن\r- عقيدة الشيعة، ترجمه الى العربية ع. م.، القاهرة، ١٩٤٧ م.\rالرازى (أبو عبد الله بن عمر بن الحسين، فخر الدين)\r- اعتقادات فرق المسلمين، نشره على النشار، القاهرة، ١٩٣٨ م.\rالرفاعى (سراج الدين عبد الله محمد بن عبد الله المخزومى)\r- صحاح الأخبار فى نسب السادة الفاطمية الأخيار، القاهرة، ١٣٠٦ هـ.\rالزبيدى (السيد المرتضى)\r- تاج العروس من جواهر القاموس، ١٠ أجزاء، القاهرة، ١٣٠٦ - ١٣٠٧ هـ.\rزيدان (جورجى)\r- تاريخ آداب اللغة العربية، ٤ أجزاء، القاهرة، ١٩٣٠ - ١٩٣١ م.\rسبط ابن الجوزى (شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزأوغلى، المعروف بسبط ابن الجوزى)\r- مرآة الزمان فى تاريخ الأعيان، صور شمسية بدار الكتب المصرية بالقاهرة، رقم ٥٥١ تاريخ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276331,"book_id":167,"shamela_page_id":39,"part":"مقدمة 1","page_num":55,"sequence_num":39,"body":"السخاوى (شمس الدين محمد بن عبد الرحمن)\r- الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، القاهرة، ١٣٤٩ هـ.\r- التبر المسبوك فى ذيل السلوك، القاهرة، ١٨٩٦ م.\r- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ١٢ جزءا، القاهرة، ١٣٥٣ - ١٣٥٤ هـ.\rسركيس (يوسف اليان)\r- معجم المطبوعات العربية والمعربة، القاهرة، ١٩٤٦ هـ (١٩٢٨).\rابن سمرة الجعدى (عمر بن على)\r- طبقات فقهاء اليمن، نشر فؤاد السيد، القاهرة، ١٩٥٧ السمعانى (أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور)\r- الأنساب، نشره مرجليوث، لايدن، ١٩١٢.\rابن سيدة (أبو الحسن على بن اسماعيل)\r- المخصص، ١٧ جزءا، بولاق، ١٣١٦ - ١٣٢١ هـ.\rالسيوطى (جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر)\r- تاريخ الخلفاء أمراء المؤمنين، القاهرة، ١٣٥١ هـ.\r- حسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة، جزءان، القاهرة، ١٣٢٧ هـ.\rشرف (طه محمد) - (انظر: حسن ابراهيم حسن)\rالشريف الرضى\r- ديوانه، مطبعة نخبة الأخيار، بمباى، ٣١٠٦ هـ ابن شهرآشوب\r- معالم العلماء، نشره اقبال، طهران، ١٩٣٤ م.\rالشهرستانى (أبو الفتح محمد بن عبد الكريم)\r- الملل والنحل، القاهرة (بدون تاريخ).\rالشيال (جمال الدين)\r- دراسات فى التاريخ الاسلامى، بيروت، ١٩٦٦ م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276332,"book_id":167,"shamela_page_id":40,"part":"مقدمة 1","page_num":56,"sequence_num":40,"body":"- معجم السفن العربية (مخطوطة لم تطبع بعد).\r- تاريخ مصر الاسلامية، جزءان، الاسكندرية ١٩٦٧.\r- مجموعة الوثائق الفاطمية، القاهرة، ١٩٥٨.\rأبو صالح الأرمنى (أبو المكارم جرجس بن مسعود)\r- كتاب الديارات، اوكسفورد، ١٨٩٥.\rالصيرفى (أمين الدين أبو القاسم على بن منجب)\r- الاشارة الى من نال الوزارة، القاهرة، ١٩٢٤ م.\rالطبرى (أبو جعفر محمد بن جرير)\r- تاريخ الأمم والملوك، ١١ جزءا، القاهرة، ١٣٢٦ هـ.\rالطوسى (أبو جعفر)\r- فهرست كتب الشيعة، نشره سبرنجر ومولوى عبد الحق، كلكتة، ١٨٥٣ م.\rعبد الباقى (محمد فؤاد)\r- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، ١٣٦٤ هـ.\rابن العديم (كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله، المولى الصاحب)\r- زبدة الحلب من تاريخ حلب، نشر سامى الدهان، الجزءان الأول والثانى، دمشق، ١٩٥١ و ١٩٥٤ م.\rابن عذارى (أبو عبد الله محمد)\r- البيان المغرب فى أخبار المغرب، جزءان، نشر دوزى، ليدن، ١٨٤٨ - ١٨٤٩ ابن العماد (أبو الفلاح عبد الحى)\r- شذرات الذهب فى أخبار من ذهب، ١٢ جزءا، القاهرة، ١٣٥٠ - ١٣٥٣ هـ.\rالعماد الكاتب الأصفهانى (أبو عبد الله محمد بن محمد)\r- الفتح القسى فى الفتح القدسى، القاهرة، ١٣٢١ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276333,"book_id":167,"shamela_page_id":41,"part":"مقدمة 1","page_num":57,"sequence_num":41,"body":"عمارة اليمنى (أبو محمد بن أبى الحسن على بن زيدان بن أحمد الحكمى، الملقب بنجم الدين)\r- تاريخ اليمن، نشره Henri Cassels Kay ، لندن، ١٣٠٩ هـ (انظر المراجع الأوربية).\rعنان (محمد عبد الله)\r- الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية، ١٩٣٧ م.\r- مصر الاسلامية، القاهرة، ١٩٣١ م.\r- ابن خلدون وتراثه الفكرى، القاهرة، ١٩٣٣ م.\rأبو الفداء (عماد الدين اسماعيل، الملك المؤيد، صاحب حماة)\r- المختصر فى أخبار البشر، ٤ أجزاء، الطبعة الأولى، المطبعة الحسينية المصرية بالقاهرة، ١٣٢٥.\rالفيروزآبادى (مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازى)\r- القاموس المحيط، ٤ أجزاء، بولاق، ١٣٠١ - ١٣٠٢ هـ.\rابن قتيبة (أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينورى)\r- المعارف، القاهرة، ١٩٣٥.\rابن القفطى (جمال الدين أبو الحسن على)\r- اخبار العلماء بأخبار الحكماء، القاهرة، ١٣٢٦ هـ.\rابن القلانسى (أبو يعلى حمزة)\r- ذيل تاريخ دمشق، نشره مع مقدمة انجليزية آمدروز، بيروت، ١٩٠٨ م.\rالقلقشندى (أبو العباس أحمد)\r- صبح الأعشى فى صناعة الانشا، ١٤ جزءا، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، ١٩١٣ - ١٩١٩ م.\rابن كثير (عماد الدين أبو الفداء اسماعيل بن عمر)\r- البداية والنهاية، ١٤ جزءا، القاهرة، ١٣٥٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276334,"book_id":167,"shamela_page_id":42,"part":"مقدمة 1","page_num":58,"sequence_num":42,"body":"كرزويل (الكابتن)\r- تأسيس القاهرة، بحث ترجمه الى العربية السيد محمد رجب، المقتطف، نوفمبر وديسمبر ١٩٣٤ م.\rالكرملى (الأب أنستاس مارى).\r- النقود العربية وعلم النميات، القاهرة، ١٩٣٩ م.\rالكشى (أبو عمر محمد بن عمر بن عبد العزيز)\r- معرفة أخبار الرجال، بمباى، ١٣١٧ هـ.\rالكندى (أبو عمر محمد بن يوسف)\r- الولاة والقضاة، طبعة جست، بيروت، ١٩٠٨ م.\rلويس (برنارد)\r- أصول الاسماعيلية، ترجمه الى العربية خليل أحمد جلو وجاسم محمد الرجب، وقدم له تقدمه تحليلية وافية عبد العزيز الدورى، القاهرة، ١٩٤٨ م. (انظر الأصل بقائمة المراجع الأجنبية).\rماسينيون (لويس)\r- سلمان الفارسى والبواكير الروحية للاسلام فى ايران (بحث نشر فى باريس سنة ١٩٣٤ م، وترجمه الى العربية عبد الرحمن بدوى فى كتابه: شخصيات قلقة فى الاسلام، القاهرة، ١٩٤٦ م) - انظر الأصل بقائمة المراجع الأجنبية -.\rابن مالك (محمد بن أبى الفضائل الحمادى اليمانى)\r- كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة، القاهرة ١٩٣٩ م.\rالماوردى (أبو الحسن على بن محمد)\r- الأحكام السلطانية، القاهرة، ١٢٩٨ هـ.\rمبارك (على)\r- الخطط التوفيقية الجديدة، ٢٠ جزءا، القاهرة، ١٠٣٤ - ١٣٠٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276335,"book_id":167,"shamela_page_id":43,"part":"مقدمة 1","page_num":59,"sequence_num":43,"body":"متز (آدم)\r- الحضارة الاسلامية فى القرن الرابع، ترجمة محمد عبد الهادى أبو ريدة، جزءان القاهرة، ١٩٤٠ - ١٩٤١ م.\rمختار (اللواء محمد)\r- التوفيقات الالهامية، بولاق، ١٣١١ هـ مرزوق (محمد عبد العزيز)\r- الزخرفة المنسوجة فى الأقمشة الفاطمية، القاهرة، ١٩٤٢ م.\rالمسعودى (أبو الحسن على بن الحسين)\r- التنبيه والاشراف، القاهرة، ١٩٣٨ م.\r- مروج الذهب ومعادن الجوهر، ٤ أجزاء، القاهرة، ١٣٥٧ هـ (١٩٣٨ م).\rمسكويه (أبو على أحمد بن محمد)\r- تجارب الأمم، نشره آمدروز، والذيل عليه للوزير أبى شجاع محمد، ٣ أجزاء، القاهرة، ١٩١٥ - ١٩١٦ م.\rمشرفة (عطية مصطفى)\r- نظم الحكم بمصر فى عصر الفاطميين، القاهرة، ١٩٤٨ مصلحة المساحة المصرية\r- فهرس مواقع الأمكنة، بولاق، ١٩٣٢ م.\rالمقريزى (تقى الدين أحمد بن على)\r- اغاثة الأمة بكشف الغمة، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال، القاهرة ١٩٤٠ م و ١٩٥٧\r- الأوزان والأكيال الشرعية، نشره Tychsen ، روستوك، ١٧٩٧ م.\r- جنى الأزهار من الروض المعطار، مخطوطة بدار الكتب المصرية بالقاهرة.\r- الذهب المسبوك بذكر من حج من الخلفاء والملوك، نشر جمال الدين الشيال، القاهرة، ١٩٥٤ م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276336,"book_id":167,"shamela_page_id":44,"part":"مقدمة 1","page_num":60,"sequence_num":44,"body":"- السلوك لمعرفة دول الملوك، نشره محمد مصطفى زيادة (ظهر منه ٦ مجلدات)، القاهرة، ١٩٣٤ - ١٩٥٨ م.\r- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ٤ أجزاء، مطبعة النيل بالقاهرة، ١٣٢٤ - ١٣٢٦ هـ.\r- نحل عبر النحل، نشره جمال الدين الشيال، القاهرة، ١٩٤٦ م.\r- النقود الاسلامية، مطبعة الجوائب، القسطنطينية، ١٢٩٨ هـ.\rابن مماتى (الأسعد بن مليح)\r- قوانين الدواوين، مطبعة الوطن بالقاهرة، ١٢٩٩، ونشرة عزيز سوريال عطية، مطبعة مصر بالقاهرة، ١٩٤٣ م.\rابن منظور الافريقى المصرى (أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأنصارى الخروجى)\r- لسان العرب، ٢٠ جزءا، بولاق، ١٣٠٢ - ١٣٠٧ هـ.\rالمؤيد فى الدين داعى الدعاة (هبة الله الشيرازى)\r- ديوان شعره، تحقيق محمد كامل حسين، من سلسلة مخطوطات الفاطميين، القاهرة، ١٩٤٩\r- سيرة المؤيد فى الدين داعى الدعاة، نشر محمد كامل حسين، من سلسلة مخطوطات الفاطميين، القاهرة، ١٩٤٩ م.\rابن ميسر (محمد بن على بن يوسف بن جلب راغب)\r- أخبار مصر، مطبعة المعهد العلمى الفرنسى بالقاهرة، ١٩١٩.\rابن النديم (أبو الفرج محمد بن اسحاق)\r- الفهرست، المطبعة الرحمانية، القاهرة، ١٣٤٨ هـ.\rابن النعمان (أبو حنيفة محمد)\r- دعائم الاسلام، نشر آصف على فيضى، القاهرة، ١٩٥١ أبو نعيم (أحمد بن عبد الله الأصبهانى)\r- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ١٠ أجزاء، القاهرة، ١٣٥١ - ١٣٥٧ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276337,"book_id":167,"shamela_page_id":45,"part":"مقدمة 1","page_num":61,"sequence_num":45,"body":"النويرى (شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب)\r- نهاية الأرب فى فنون الأدب، ظهر منه الى الآن ١٨ جزءا، طبع دار الكتب المصرية بالقاهرة، ١٩٢٣ - ١٩٥٦ م.\rابن هانى الأندلسى\r- ديوانه، تحقيق زاهد على، طبع القاهرة.\r( ...... )\r- الهمة فى اتباع آداب الأئمة، تحقيق محمد كامل حسين، من سلسلة مخطوطات الفاطميين، طبع دار الفكر العربى، القاهرة (بدون تاريخ) الواسعى (الشيخ عبد السميع بن يحيى اليمانى)\r- فرجة الهموم والحزن فى حوادث تاريخ اليمن، القاهرة، ١٣٤٦ هـ.\rابن واصل (جمال الدين محمد بن سالم)\r- مفرج الكروب فى أخبار بنى أيوب، ٣ أجزاء، نشر جمال الدين الشيال، القاهرة، ١٩٥٤ و ١٩٥٧ و ١٩٦١ م.\rياقوت (شهاب الدين أبو عبد الله الحموى)\r- معجم الأدباء، طبعة فريد رفاعى، ٢٠ جزءا، القاهرة، ١٩٣٦ م.\r- معجم البلدان، ليبزج، ١٨٧٠ م اليمانى (محمد بن محمد)\r- سيرة الحاجب جعفر بن على وخروج المهدى من سلمية ووصوله الى سجلماسة، (نشرها ايقانوف فى مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة، ديسمبر ١٩٣٦ م)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276338,"book_id":167,"shamela_page_id":46,"part":"مقدمة 1","page_num":62,"sequence_num":46,"body":"ب - المراجع غير العربية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276339,"book_id":167,"shamela_page_id":47,"part":"1","page_num":3,"sequence_num":47,"body":"﷽\rعونك اللهم (¬١)\rوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون (¬٢).\rالحمد لله الذى برأ سماوات طباقا رفيعات، ولما (¬٣) دونها محيطات، وجعلها فى الأقدار متفاوتات، وبالحركة متباينات، وفى التراكيب مختلفات، ذات بروج معدودة، وأقسام مقدّرة محدودة، وكواكب نيّرة موّارة، فى أفلاك بها دوّارة، تتحرك لأنفسها تارة فتردها أفلاكها بقدرته تعالى مقسورة؛ كلّ ذلك يجرى على ما قدّر له من إسراع وتأثير، وإبطاء وتدبير، وإنماء وتغيير، بأمر الحكيم القدير، وتقدير العليم الخبير؛ ودحا (¬٤) الأرض فسطحها مهادا، وأرسى عليها الجبال فصارت أوتادا.\rثم خلق الإنسان من طين، وأنشأ منه البشر من سلالة من ماء مهين، واستعمرهم فى الأرض لينظر كيف يعملون، وسخّر لهم ما فى السماوات وما فى الأرض لعلهم يشكرون، ومكّنهم من الاقتدار على إظهار العجائب، فأبدوا ما شاءوا من البدائع والغرائب، وتخوّلوا فيما اشتهوا من النعماء، وتبسطوا فى فنون الأفضال والآلاء، وأثاروا الأرض وعمروها، واتخذوا المدائن واستوطنوها، وقهروا الأعداء ممن ناوأهم، وخضّدوا بالقهر شوكة من عاندهم أو شانأهم.\rحتى إذا كفروا النعم، ولم يخشوا العقوبة والنقم، أبادهم الله الذى أيّدهم، وأهلكهم القادر الذى مكّنهم، جزاء بما اكتسبوا من السيئات، وعقوبة لهم على اجتراح الخطيئات، وسيعيدهم أجمعين إليه، ويوقفهم كلّهم للحساب بين يديه.","footnotes":"(¬١) مكان هذه الجملة فى (ج): «رب زدنى علما».\r(¬٢) هذه التصلية غير موجودة فى (ج) وانما يبدأ النص بالحمد له مباشرة.\r(¬٣) (ج) «وبنى».\r(¬٤) فى النسختين: «دحى»، ويقال: دحى يدحو أو يدحى، أى بسط يبسط.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276340,"book_id":167,"shamela_page_id":48,"part":"1","page_num":4,"sequence_num":48,"body":"أحمده حمدا يليق بجلاله، وينبغى لعظمته وكماله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير، ولا معاون له فيما يريده ولا وزير، شهادة تعبّر عن قلب قد عمر بالإخلاص، وذخيرة للنجاء من النار والخلاص (¬١).\rوأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ونبيّه وخليله، الذى أنقذ الله به العباد من الهلاك، وخلّصهم به من أشراك الإشراك، حتى قاموا لله سبحانه بما شرع له من طاعته، وأنزل عليه من أحكام عبادته (¬٢).\rصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأوليائه ومتبعيه وأحبابه، وشرّف وكرّم.\rوبعد:\rفإنى لما أعاننى الله جلّت قدرته، وتعالت عظمته، على إكمال كتاب: «عقد جواهر الأسفاط فى أخبار مدينة الفسطاط» (¬٣)، وضمنته ما وقفت عليه، وأرشدنى الله سبحانه إليه من أحوال مدينة الفسطاط منذ افتتح أرض مصر أصحاب رسول الله ﷺ وصارت دار إسلام، إلى أن قدمت جيوش الإمام المعز لدين الله أبى تميم معدّ من بلاد الغرب مع عبده وقائده وكاتبه أبى الحسين جوهر القائد الصّقلى فى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، ونزلت فى شمالى الفسطاط بالمناخ، وأسس مدينة القاهرة وحلّ بها، أحببت أن أضع لمن ملك القاهرة من الخلفاء ديوانا يشتمل على جمل خبرهم، ويعرب عن أكثر سيرهم، فجمعت هذا الكتاب وسميته كتاب:\r«اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء».\rوالله تعالى أسأل أن يحفظنى فيه، وفيما خوّلنى من دنيا ودين، ويجعلنى يوم الفزع الأكبر من الآمنين بمنّه وكرمه.","footnotes":"(¬١) الأصل: «والاخلاص» والتصحيح عن (ج).\r(¬٢) هذا اللفظ ممحو فى الاصل، وقد أثبتناه عن نسخة (ج)\r(¬٣) وضع المقريزى لنفسه خطة واضحة عند ما أراد التأريخ لمصر فى العصر الاسلامى، فبدأ بكتاب «عقد جواهر الأسفاط» وأرخ فيه لمصر من الفتح العربى الى الفتح الفاطمى (٢١ - ٣٥٨ هـ)، ثم ثنى بهذا الكتاب «اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء» مؤرخا لها فى العصر الفاطمى، ثم ثلث بكتاب «السلوك لمعرفة دول الملوك» مؤرخا لها فى العهدين الأيوبى والمملوكى الى سنة ٨٤٥ هـ وهى سنة وفاته، وتوجد - فيما يقال - من الكتاب الأول نسخة خطية فريدة فى مكتبة الدولة ببرلين ضمن مجموعة خطية تحت رقم ٩٨٤٥، ويعمل الدكتور محمد مصطفى زيادة منذ سنوات على نشر الكتاب الثالث، وقد انجز منه جزءين فى ستة مجلدات، وقد أشار المقريزى الى تتابع هذه المؤلفات الثلاثة فى مقدمته للسلوك. انظر: (السلوك، ج ١، ق ١، ص (د) و ٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276341,"book_id":167,"shamela_page_id":49,"part":"1","page_num":5,"sequence_num":49,"body":"ذكر أولاد أمير المؤمنين على بن أبى طالب - كرّم الله وجهه -\rاعلم أن أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ قتل ليلة الجمعة لإحدى عشرة، وقيل لثلاث عشرة، وقيل لثمانى عشرة ليلة خلت (¬١) من شهر رمضان سنة أربعين (¬٢) من سنى الهجرة بالكوفة.\rوولد له من الأولاد الذكور:\rالحسن، والحسين - أمهما فاطمة (¬٣) بنت رسول الله ﷺ.","footnotes":"(¬١) (ج): «مضت».\r(¬٢) ذكر هذه الروايات المختلفة أيضا: (ابن الاثير: الكامل، ج ٣، ١٩٦) فقال: «قتل على فى شهر رمضان لسبع عشرة خلت منه، وقيل لاحدى عشرة، وقيل لثلاث عشرة بقيت منه، وقيل فى شهر ربيع الآخر سنة أربعين، والأول أصح»، وقال (أبو الفرج الأصفهانى: مقاتل الطالبيين، ص ٢٧) انه توفى «سنة أربعين فى ليلة الأحد لاحدى وعشرين ليلة مضت من شهر رمضان»، وذكر (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ٧، ص ٣٣٠) أنه «ضرب يوم الجمعة، فمكث يوم الجمعة وليلة السبت، وتوفى ليلة الأحد لاحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة»، وبالرجوع الى كتب التقاويم يتضح أن التاريخ الصحيح لوفاته هو ما ذكره ابن كثير، فاليوم الثامن عشر من رمضان سنة ٤٠ هـ يوافق يوم الأحد ٢٥ يناير سنة ٦٦١ م، انظر: (التوفيقات الالهامية).\r(¬٣) توفى أولاد الرسول جميعا قبله الا السيدة فاطمة الزهراء فقد ماتت بعده بستة اشهر، وهى أول زوجة تزوجها على، ولم يتزوج عليها حتى توفيت عنده، ويقال انها أنجبت له - غير الحسن والحسين - ابنا ثالثا يدعى محسنا، وأنه مات صغيرا، وبنتين هما: زينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى. راجع: (ابن الأثير: الكامل، ج ٣ ص ٢٠١) و (المخزومى: صحاح الأخبار، ص ٩) و (أبو نعيم: حلية الاولياء، ج ٢، ص ٤٢ - ٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276342,"book_id":167,"shamela_page_id":50,"part":"1","page_num":6,"sequence_num":50,"body":"ومحمد الأكبر المعروف بابن الحنفية (¬١) - أمه خولة (¬٢) بنت قيس بن جعفر الحنفى -.\r[والعباس الأكبر] (¬٣)، وعبد الله (¬٤)، وعثمان الأكبر (¬٥) وجعفر الأكبر (¬٦) - أمهم أم البنين بنت المحل بن الديّان بن حرام الكلابى -، وقتل هؤلاء الأربعة مع الحسين بن على ﵇ بالطّفّ (¬٧).","footnotes":"(¬١) أبو القاسم محمد - المعروف بابن الحنفية - كان كثير العلم والورع، شديد القوة، حمل راية أبيه يوم الجمل، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وقد اختلف المؤرخون فى تحديد تاريخ ومكان وفاته: فيقال انه توفى أول المحرم سنة ٨١ أو سنة ٨٣، وقيل سنة ٧٢ أو ٧٣، وروى أنه توفى بالمدينة وصلى عليه أبان بن عثمان بن عفان - وكان والى المدينة يومئذ - دفن بالبقيع، وقيل انه خرج الى الطائف هاربا من ابن الزبير فمات هناك، وقيل انه مات ببلاد أيلة، والفرقة الكيسانية تعتقد فى امامته، وأنه مقيم بجبل رضوى فى شعب منه ولم يمت، دخل اليه ومعه أربعون من أصحابه، ولم يوقف لهم على خبر، وهم أحياء يرزقون. انظر: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ٢١٨ - ٢٢١).\r(¬٢) هناك اختلاف فى اسمها، فقد جاء فى: (المخزومى: صحاح الأخبار، ص ٩) أنها: خولة بنت قيس بن سلمة بن عبد الله بن ثعلبة الوائلى، وحكى الكلبى أنها خولة بنت قيس بن جعفر بن قيس بن سلمة» وروى (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ٢١٨) أنها كانت من سبى اليمامة وصارت الى على، وقيل بل كانت سندية سوداء، وكانت أمة لبنى حنيفة، ولم تكن منهم وانما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق ولم يصالحهم على أنفسهم. انظر أيضا: «ابن الأثير: الكامل، ج ٣، ص ٢٠١، و (ابن قتيبة: المعارف، ص ٩١).\r(¬٣) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج)، وكان يقال للعباس هذا «قمر بنى هاشم»، وكان يحمل لواء الحسين يوم قتل، وهو آخر من قتل من اخوته، قتله زيد بن رقاد الجهنى، وفى (ابن الأثير، ج ٤، ص ٤٧): «زيد بن داود الجنبى وحكيم بن الطفيل الطائى انظر: (الاصفهانى: مقاتل الطالبيين، ص ٥٩ - ٦٠).\r(¬٤) قتل عبد الله وهو ابن خمس وعشرين سنة، ولا عقب له، انظر: (المرجع السابق، ص ٥٧).\r(¬٥) قتل عثمان وهو ابن احدى وعشرين سنة، رماه خولى بن يزيد بسهم فقتله، انظر: (المرجع السابق، ص ٥٨) و (ابن الأثير ج ٤، ص ٤٧).\r(¬٦) قتل جعفر وهو ابن تسع عشرة سنة، قتله قاتل أخيه عثمان، أى خولى بن يزيد. (مقاتل الطالبين، ص ٥٨).\r(¬٧) ذكر (ابن الأثير، ج ٤، ص ٤٧) هؤلاء الأربعة ضمن من قتلوا مع الحسين بالطف، والطف فى اللغة ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق - من أطف على الشئ بمعنى أطل - والطف أرض بضاحية الكوفة فى طريق البرية، فيها كان مقتل الحسين بن على. انظر: (ياقوت: معجم البلدان).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276343,"book_id":167,"shamela_page_id":51,"part":"1","page_num":7,"sequence_num":51,"body":"وعمر الأصغر (¬١) أمه الصهباء أم حبيبة بنت ربيعة التغلبى.\rوعبد الرحمن - الذى يكنى (¬٢) أبا بكر -، وعبيد الله. أمهما ليلى بنت مسعود بن خالد التميمى.\rويحيى [و] عون - أمهما أسماء (¬٣) بنت عميس الخثعمية -.\rومحمد الأصغر (¬٤) - أمه أمامة (¬٥) بنت أبى العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس -، وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ.\rوجعفر الأصغر - من أم ولد - (¬٦).\r[و] محمد الأوسط (¬٧) -، وعباس الأصغر - أمهما أم ولد.\rوعمر الأصغر [و] عثمان الأصغر.\rفهؤلاء [هم] الذكور (¬٨) من ولد أمير المؤمنين على بن أبى طالب، منهم من مات فى حياة أبيه وهو طفل صغير، ومنهم من قتل ولا عقب له.","footnotes":"(¬١) فى النسختين: «الأكبر»، والتصحيح عن: (صحاح الأخبار، ص ١٠)، وفيه أيضا أنه كان «يقال له الأطرف، وأمه الصهباء أم حبيب بنت عباد بن ربيعة العلقمى، اشتراها أمير المؤمنين .. من سبى خالد بن الوليد .. ثم أعتقها وتزوجها، وولدها أحد المعقبين من بنى الامام .. » وفى «ابن الأثير، ج ٢، ص ٢٠١) أنها كانت من سبى خالد بعين التمر .. وولدت له عمر بن على ورقية بنت على، فعمر عمر حتى بلغ خمسا وثمانين سنة، فحاز نصف ميراث على، ومات بينبع .. ».\r(¬٢) (ج): «يكنا»، وهناك من يرى أن أبا بكر هذا قد قتل مع أخيه الحسين بالطف. (ابن الأثير، ج ٤، ص ٤٧).\r(¬٣) رواية (ابن الأثير، ج ٢، ص ٢٠١) عن أولاد على من أسماء تختلف عن رواية المقريزى، وهى «وتزوج أسماء بنت عميس فولدت له محمدا الأصغر، ويحيى، ولا عقب لهما، وقيل ان محمدا لأم ولد، وقتل مع الحسين، وقيل انها ولدت له عونا .. ».\r(¬٤) فى (ابن الأثير): «الأوسط».\r(¬٥) جاء فى (صحاح الأخبار، ص ٩): أن عليا تزوج أمامة بعد السيدة فاطمة، وبوصية منها.\r(¬٦) الأصل: «من أول ولد» والتصحيح عن (ج).\r(¬٧) فى الأصل: «الأصغر» والتصحيح عن (ج). وفى (مقاتل الطالبيين، ص ٦٠). انه قتل محمد هذا مع أخيه الحسين فى وقعة الطف، وقتله رجل من بنى دارم. انظر: «ابن الاثير، ج ٤، ص ٤٧».\r(¬٨) عدة الأولاد السابقين ١٨ ولدا، وان كان (ابن الأثير، ج ٣، ص ٢٠٢) يذكر أن (جميع ولده أربعة عشر ذكرا، وسبع عشرة امرأة»، ورواية المقريزى تتفق مع رواية «صحاح الأخبار، ص ٩» حيث يذكر أنه كان لعلى خمسة وثلاثون ولدا منهم ثمانية عشر ذكورا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276344,"book_id":167,"shamela_page_id":52,"part":"1","page_num":8,"sequence_num":52,"body":"وولد له أيضا إناث (¬١).\r[و] لم يعقب من أولاده الذكور سوى خمسة، هم: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، والعباس، وعمر؛ وسائرهم لم يعقب.\rفولد للحسن بن على بن أبى طالب ﵇:\rزيد من أم ولد.\rوالحسن بن الحسن من أم ولد.\rوالقاسم (¬٢)، [و] أبو بكر (¬٣)، [و] عبد الله، لا عقب لهم، قتلوا مع عمهم الإمام الحسين (¬٤) بن على ﵇ بالطفّ.\rوعمرو بن الحسن، وعبد الرحمن بن الحسن، والحسين، ومحمد، ويعقوب، وإسماعيل بنو الحسن (¬٥).\rفهؤلاء [هم] الذكور (¬٦) من ولد الحسن بن على بن أبى طالب ﵇.\rولم يعقب - من ولد الحسن بن على - سوى رجلين: هما الحسن بن الحسن [و] زيد بن الحسن، وسائر ولد الحسن بن على لا عقب لهم.","footnotes":"(¬١) ذكر (ابن الأثير: المرجع السابق) أسماء من ولد لعلى من الاناث، فقال: «وتزوج على أيضا أم سعد ابنة عروة بن مسعود الثقفية، فولدت له أم الحسن، ورملة الكبرى، وأم كلثوم؛ وكان له بنات من أمهات شتى، لم يذكرن لنا، منهن: أم هانئ، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأمامة، وخديجة؛ وأم الكرام؛ وأم سلمة؛ وأم جعفر، وجمانة، ونفيسة، كلهن من أمهات أولاد؛ وتزوج أيضا مخبئة بنت امرئ القيس بن عدى الكلبية فولدت له جارية هلكت صغيرة، كانت تخرج الى المسجد فيقال لها: «من أخوالك؟» فتقول: «وه .. وه .. ، تعنى كلبا». انظر أيضا: (ابن قتيبة: المعارف، ص ٩١ - ٩٢).\r(¬٢) ذكر (ابن الأثير، ج ٤، ص ٤٧) أن الذى قتله هو سعد بن عمرو بن نفيل الأزدى، وفى (مقاتل الطالبيين، ص ٦٢) أن اسمه «عمرو بن سعد بن نفيل».\r(¬٣) أمه أم ولد، وقد رماه حرملة بن الكاهن بسهم فقتله، انظر المرجع السابق.\r(¬٤) الأصل: «الامام بن الحسين» وهو خطأ واضح.\r(¬٥) الأصل: «بنو الحسين» وهو خطأ واضح ..\r(¬٦) عدة هؤلاء ١١ ولدا، وقد جاء فى (المخزومى: صحاح الأخبار، ص ١١) أن الحسن أعقب تسعة عشر ولدا، الذكور منهم سبعة عشر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276345,"book_id":167,"shamela_page_id":53,"part":"1","page_num":9,"sequence_num":53,"body":"فولد الحسن (¬١) بن الحسن بن على بن أبى طالب محمدا، وبه كان يكنى، وعبد الله (¬٢) - أعقب -، وحسنا (¬٣)، [و] إبراهيم (¬٤)، وجعفر، وداود - وهذه الخمسة قد أعقبوا -، ولم يعقب محمد بن الحسن بن الحسن [بن على] (¬٥) بن أبى طالب ولدا ذكرا.\rفولد عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب محمدا - وهو الذى قتل بمدينة رسول الله ﷺ، وإبراهيم المقتول بالبصرة -، قتلا (¬٦) فى الحرب أيام الخليفة أبى جعفر المنصور سنة خمس وأربعين ومائة.\rوموسى بن عبد الله.\rويحيى (¬٧) بن عبد الله - وهو الذى كان بالديلم، ونزل بالأمان على يد الفضل بن يحيى","footnotes":"(¬١) ويسمى «الحسن المثنى»، انظر المرجع السابق ص ١٢.\r(¬٢) ويسمى «عبد الله المحض» وكنيته «أبو محمد»، وكان شيخ بنى هاشم فى زمنه. انظر المرجع السابق ص ١٢ - ١٣.\r(¬٣) ويسمى: «الحسن المثلث» انظر المرجع السابق.\r(¬٤) ويسمى «ابراهيم الغمر» انظر المرجع السابق.\r(¬٥) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج).\r(¬٦) محمد هذا هو الملقب «بالنفس الزكية»، وقد خرج فى المدينة يطالب بالخلافة لنفسه، كما خرج أخوه فى البصرة، وقد قتل محمد فى المدينة - لأربع عشرة خلت من رمضان سنة ١٤٥ هـ - أثناء حربه مع جيش العباسيين بقيادة عيسى بن موسى، وقتل ابراهيم عند باخمرى فى حربه مع نفس القائد العباسى، وذلك لخمس بقين من ذى القعدة من نفس السنة، انظر تفاصيل نضالهما واضطهاد ومطاردة المنصور لبنى الحسن عامة فى: (مقاتل الطالبيين، ص ١٦٠ - ٢٠٦) و (الخضرى: الدولة العباسية، ص ٨٢ - ٩٦).\r(¬٧) نجا يحيى بن عبد الله مع من نجا من وقعة فخ - التى كانت فى عهد الهادى - ثم سار الى بلاد الديلم، وزاد بها سلطانه، وكثر أنصاره، فندب الرشيد لقتاله الفضل بن يحيى بن خالد البرمكى فى خمسين ألفا، غير أن الفضل صانعه ولاطفه حتى أجاب الى الصلح على أن يكتب له الرشيد أمانا، فكتبه وأشهد عليه الفقهاء والقضاة ومشايخ بنى هاشم، ثم أتى الى بغداد فأقام بمنزل يحيى بن خالد أياما، ثم دفعه الى جعفر فحبسه، وأكرمه فى حبسه، ويذهب بعض المؤرخين الى أن السبب فى نكبة الرشيد للبرامكة هو اطلاق جعفر سراح يحيى بن عبد الله، انظر: (الخضرى: الدولة العباسية ص ١٤٠، ١٦٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276346,"book_id":167,"shamela_page_id":54,"part":"1","page_num":10,"sequence_num":54,"body":"ابن خالد بن برمك، ثم حبسه الخليفة هارون الرشيد، ومات فى حبسه، ويقال إنه قتل عند سندى بن شاهك - (¬١).\rوسليمان - الذى قتل فى وقعة فخ (¬٢) -\rوإدريس الأصغر (¬٣) - الذى صار إلى بلاد المغرب، وبه عقبه وعقب أخيه سليمان -\rفولد محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب - المقتول بالمدينة - عبد الله الأشتر (¬٤) - وهو المعقب (¬٥) من ولده -، قتل بكابل، وعليا (¬٦) - أخذ بمصر، وحبس فى سجن المهدى حتى مات -، والحسين بن محمد - قتل بفخ -، وطاهر [و] إبراهيم (¬٧) - ابنا محمد، لا عقب لهما -.\rوولد إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على - وهو المقتول بالبصرة - حسنا، فولد حسن بن إبراهيم عبد الله - ومات متغيبا -، ومحمدا، وإبراهيم.\rوولد يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على محمدا.","footnotes":"(¬١) السندى بن شاهك مولى المنصور، وخدم الرشيد والامين، انظر أخباره فى: (الطبرى، طبعة دى خويه، القسم الثالث؛ ص ١٤٥، ١٥١، ٥٨٠، ٦٨١، ٦٨٢؛ ٧٣٤؛ ٧٦٤؛ ٩١٢، ٩١٤، ٩٧٩، ١٠١٦؛ ٢٥٠٩).\r(¬٢) خرج الحسين بن على بن الحسن المثلث فى عهد الهادى فى سنة ١٦٩، فسار لقتاله القائد العباسى محمد بن سليمان، وتقابل الجيشان فى وقعة فخ، فانتصر محمد بن سليمان، وقتل الحسين وجماعة ممن معه، انظر: (مقاتل الطالبيين، ص ٢٨٨ - ٢٨٩) و (الخضرى: المرجع السابق، ص ١٣٢ - ١٣٥)، وفخ واد بمكة دفن فيه عبد الله بن عمر وجماعة من الصحابة، انظر: (معجم البلدان).\r(¬٣) ويقال له أيضا «ادريس الأول»، شهد وقعة فخ، فلما هزم ابن أخيه الحسن بن على بن الحسن اختفى هو مدة، ثم فر الى مصر ومنها الى المغرب حيث استطاع أن ينشئ أول دولة علوية، وذلك فى سنة ١٧٢ هـ، وقد ظلت هذه الدولة تحكم المغرب الاقصى قرابة قرنين من الزمن. انظر: (دائرة المعارف الاسلامية، مادة ادريس والادريسية، وما بها من المراجع).\r(¬٤) انظر أخبار قتله فى: (مقاتل الطالبيين ص ٢١١ - ٢١٣). حيث يروى أن مؤدبه عبد الله بن محمد بن مسعدة كان قد أخرجه - بعد قتل أبيه - الى السند فقتل بها، ووجه برأسه الى جعفر المنصور.\r(¬٥) الأصل: (الملقب)، والتصحيح عن (ج).\r(¬٦) الأصل و (ج): «على».\r(¬٧) جاء فى (صحاح الاخبار، ص ١٣)، أنه أنجب ولدا آخر غير هؤلاء يسمى محمدا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276347,"book_id":167,"shamela_page_id":55,"part":"1","page_num":11,"sequence_num":55,"body":"وولد سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على - المقتول بفخ - محمدا، فرّ إلى المغرب، وولده هناك.\rوولد إدريس الأصغر بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على - وهو الذى صار إلى المغرب، وغلب على موضع منه فى أيام المنصور، فدسّ إليه المنصور بمتطبب فسقاه فقتله - إدريس بن إدريس، ولد بالمغرب وأمه بربرية، وعقبه بالمغرب.\rوولد الحسن بن الحسن بن الحسن بن على أبا جعفر عبد الله، وعليا - مات فى حبس المنصور مع أبيه -، وحسنا - درج ولا عقب له -، والعباس، وطلحة ابنا الحسن بن الحسن بن الحسن بن على - انقرضا -.\rوولد إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن على إسماعيل - أعقب -، وإسحاق - أعقب ثم انقرض -، ويعقوب - لا عقب له -، ومحمدا - الذى يسمى (¬١) الديباج الأصغر، - لا عقب له -، وعليا (¬٢) أعقب الحسن، وولد الحسن محمدا وإبراهيم.\rوولد إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن على حسنا وإبراهيم - أعقبا -.\rوولد جعفر بن الحسن بن الحسن بن على الحسن، فولد الحسن بن جعفر عبد الله، وولد عبد الله عبيد الله - ولاّه المأمون الكوفة ثم مكة -، وإبراهيم بن جعفر؛ فولد إبراهيم عبد الله - كان له بنات -.\rوولد داود بن الحسن بن الحسن بن على سليمان وعبد الله، كان عبد الله من أهل الفضل والورع؛ وقد أعقب سليمان [و] عبد الله ابنا داود.\rوولد زيد بن الحسن بن على الحسن - لا عقب له إلا منه -، وكان فاضلا، ولاّه المنصور المدينة.\rفولد الحسن بن زيد بن الحسن بن على إسماعيل [و] القاسم، وعبد الله، وإبراهيم، وزيدا، وعليا، وإسحاق.","footnotes":"(¬١) (ج): «يدعى»\r(¬٢) الاصل: «وعلى»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276348,"book_id":167,"shamela_page_id":56,"part":"1","page_num":12,"sequence_num":56,"body":"فمن بيوت بنى الحسن بن على بن أبى طالب:\rبنو طباطبا (¬١).\rوالرّسيون (¬٢).\rوبنو المطوّق.\rوبنو تج - واسمه الحسن -.\rوولد الهادى (¬٣) باليمن الذى له الإمارة.\rوبنو الأذرع.\rوولد الداعى إلى الحق (¬٤) بطبرستان (¬٥).","footnotes":"(¬١) نسبة الى ابراهيم طباطبا بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن المثنى، وكان ابنه محمد بن طباطبا أحد أئمة اليمن، ولد سنة ٧٣، وتوفى سنة ١٩٩، وله من العمر ١٢٦ سنة، انظر: (الواسعى: فرجة الهموم الحزن، ص ١٨).\r(Key:Yaman Its Eoaly Medicval History،P .٣٠٢ - ٣٠٣)\r(¬٢) نسبة الى الامام القاسم الرسى ترجمان الدين، أحد أئمة اليمن، ولد سنة ١٦٩، وتوفى سنة ٢٤٦، وله من العمر ٧٧ سنة، تولى الامامة بعد موت أخيه محمد بن طباطبا (انظر الهامش السابق)، وسمى الرسى لأنه مات فى الرس، وهو جبل أسود بالقرب من ذى الحليفة، وهى قرية على بعد ستة أو سبعة أميال من المدينة. انظر أخباره المفصلة فى: (الواسعى، المرجع السابق، ص ١٨ - ١٩) و (Key:OP.Cit.P.P .٣١٤ - ٣١٦)\rثم انظر أسماء من تولى منهم الحكم فى صعدة وصنعاء فى:\r(Zambaur:Manuel de Gen.etc.: P.P .١٢٢ - ١٢٣) .\r(¬٣) هو الامام الهادى الى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرسى، ولد سنة ٢٤٥، وتوفى سنة ٢٩٨، خرج فى عهد المأمون الخليفة العباسى، وملك ما بين صنعاء وصعدة، ووقعت بينه وبين عمال بنى العباس باليمن وقائع، وخطب له بمكة سبع سنين، وكان عالما جليلا، وله مؤلفات كثيرة، انظر أخباره بالتفصيل فى: (الواسعى: فرجة الهموم والحزن، ص ٢١ - ٢٣) و (العرشى: بلوغ المرام، ص ٣١، ٣٢ - ٣٤، ٣٨)\rو (Key:Op.Cit.P.P .١٤٢،١٤٣،١٨٥،١٨٦)\rوراجع أيضا: (Lane-Poole:Mohammadan Dynasties.P.P .١٠٢ - ١٠٣)\rففيه بيان كامل بأسماء الأئمة الرسيين الذين حكموا فى صعدة وصنعاء.\r(¬٤) لمعرفة من تولى الامامة بطبرستان والديلم من أولادهما انظر:\r(Key:Op.Cit.P.P .٣٠٢ - ٣٠٣) و (Lane-Poole:Op.Cit.p .١٢٧)\rوقائمة النسب بين الصفحتين.\r(¬٥) الطبر فى الفارسية ما يشقق به الأحطاب، و «ستان» الموضع أو الناحية، فمعنى طبرستان «ناحية الطبر»، والنسبة اليها طبرى، قال (ياقوت فى معجم البلدان): -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276349,"book_id":167,"shamela_page_id":57,"part":"1","page_num":13,"sequence_num":57,"body":"وولد الحسن بن زيد الذى له الإمارة بالديلم.\rوولد الناصر الحسنى (¬١) الذى كان باليمن.\rوغير ذلك من بيوتات ولد الحسن بن على بن أبى طالب ﵃.\rوأما ولد الحسين بن على بن أبى طالب فإن الحسين:\rولد عليا الأكبر (¬٢) وقتل بالطفّ، ولا عقب له؛ وعليا الأصغر - وفيه البقية -، وجعفرا - لا عقب له -؛ [و] عبد الله (¬٣)، - قتل صغيرا بالطف، ولا عقب له -.\rهؤلاء [هم] الذكور من ولد الحسين بن على، وهم لأمهات شتى.\rفولد علىّ الأصغر (¬٤) بن الحسين حسنا، وحسينا - لا عقب لهما -؛ وأبا جعفر محمدا؛ وعبد الله، - أمهما أم ولد -.\rوزيدا؛ وعمر؛ وعليا، ومحمدا الأوسط - ولا عقب له -؛ وعبد الرحمن، وحسينا الأصغر؛ وسليمان؛ والقاسم - ولا عقب له -.","footnotes":"= - «والذى يظهر لى، وهو الحق ويعضده ما شاهدناه منهم، أن أهل تلك الجبال كثيرو الحروب، وأكثر أسلحتهم بل كلها الاطبار، حتى انك قل أن ترى صعلوكا أو غنيا الا وبيده الطبر، صغيرهم وكبيرهم، فكأنها لكثرتها فيهم سميت بذلك». وقصبة طبرستان آمل، وقد كانت تحت حكم الفرس، ثم فتحها سعيد بن العاصى (وقد ولى الكوفة من قبل عثمان سنة ٢٩)، وفى ولاية سليمان بن عبد الله بن طاهر على طبرستان خرج عليه الحسن بن زيد ابن محمد بن اسماعيل بن حسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب فى سنة ٢٤٩ فأخرجه عنها، وغلب عليها الى أن مات، فخلفه أخوه محمد بن زيد (٢٧٠ - ٢٨٧، انظر:\r(Zambaur:Op.Cit.P .١٩٢)\rولمعرفة حدود هذه الولاية فى العهد الاسلامى انظر: (ياقوت: معجم البلدان)، وتبين موقعها فى (خريطة العالم الاسلامى لأمين بك واصف).\r(¬١) ويقال له الناصر الديلمى، وهو أبو الفتح الامام الناصر بن الحسين بن محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن على بن الحسن بن زيد، قام باليمن بعد عودته من ناحية الديلم سنة ٤٢٠، وكان غزير العلم، وله مؤلفات منها تفسير فى أربع مجلدات كبار، قتله الصليحى سنة ٤٤٧، انظر (الواسعى: المرجع السابق، ص ٢٧) و (Zambaur:Op.Cit.P.١٢٣)، (Key:Op.Cit.P .٣٠٢ - ٣٠٣)\r(¬٢) انظر بعض أخباره فى (مقاتل الطالبيين، ص ٥٥ - ٥٦).\r(¬٣) قتل عبد الله صغيرا، جاءته نشابة وهو فى حجر أبيه فذبحته. انظر (مقاتل الطالبيين، ص ٦٣ - ٦٤).\r(¬٤) هو أبو الحسن على بن الحسين، المعروف بزين العابدين، وليس للحسين عقب الا من ولده هذا، وعلى زين العابدين أحد الأئمة الاثنى عشر، وأمه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس، ولد سنة ٣٨، وتوفى سنة ٩٤ هـ، وقيل سنة ٩٢، ودفن فى البقيع فى قبر عمه الحسن بن على، انظر: (ابن خلكان، ج ١، ص ٢٧٥ - ٢٧٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276350,"book_id":167,"shamela_page_id":58,"part":"1","page_num":14,"sequence_num":58,"body":"وهؤلاء [هم] الذكور من ولد على بن الحسين بن على؛ وعدتهم ثلاثة عشر (¬١) ذكرا، أعقب منهم ستة وهم:\rمحمد المكنى بأبى جعفر.\rوعبد الله.\rوزيد.\rوعمر.\rوعلى.\rوالحسين الأصغر.\r[فولد] (¬٢) أبو جعفر محمد (¬٣) بن على بن الحسين بن على جعفرا الصادق؛ وعبد الله - أمهما أم ولد -، وإبراهيم، وعبيد الله - لا بقية لهما، درجا، وأمهما أم ولد -؛ وعليا - لا عقب له، وأمه أم ولد -.\r[فولد] جعفر بن محمد الصادق (¬٤) إسماعيل - أعقب -؛ وعبد الله - لا عقب له -، أمهما فاطمة ابنة الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب؛ وموسى (¬٥)، وإسحاق، ومحمدا - لأم","footnotes":"(¬١) الأسماء المذكورة عددها اثنا عشر لا ثلاثة عشر.\r(¬٢) ما بين الحاصرتين عن (ج) وبها يستقيم المعنى.\r(¬٣) أبو جعفر محمد بن على زين العابدين، الملقب بالباقر، أحد الأئمة الاثنى عشر - فى اعتقاد الامامية - كان عالما كبيرا، وقيل له الباقر لأنه تبقر فى العلم أى توسع فيه، أمه أم عبد الله بنت الحسين بن الحسن بن على بن أبى طالب ولد بالمدينة يوم الثلاثاء ثالث صفر سنة ٥٧، والأقوال مختلفة فى سنة وفاته فهى سنة ١١٣ أو ١١٤ أو ١١٧ أو ١١٨، وكانت وفاته فى الحميمة، ثم نقل الى المدينة، فدفن فى البقيع فى قبر أبيه وعم أبيه الحسن ابن على، انظر: (ابن خلكان، ج ٢ ص ٢٢١).\r(¬٤) أبو عبد الله جعفر الصادق، أحد الأئمة الاثنى عشر، لقب بالصادق لصدقه فى مقالته، أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، اشتغل بالكيمياء والزجر والفأل، ويقال أن من تلاميذه أبو موسى جابر بن حيان، وأنه ألف كتابا يشتمل على ألف ورقة تتضمن رسائل أستاذه جعفر الصادق وهى خمسمائة رسالة، ولد جعفر سنة ٨٠، وقيل سنة ٨٣، وتوفى فى شوال سنة ١٤٨ بالمدينة، ودفن بالبقيع، انظر: (ابن خلكان، ج ١ ص ١٨٥).\r(¬٥) هو أبو الحسن موسى الكاظم الامام السابع فى رأى الاثنى عشرية، كان كثير الورع والتقوى، ولد بالمدينة سنة ١٢٩ أو ١٢٨، وأقام بها حتى أقدمه المهدى بغداد وحبسه، ثم رده الى المدينة الى أن ولى هارون الرشيد، فحمله الى بغداد سنة ١٧٩؛ فحبسه بها الى أن توفى فى محبسه، وكانت وفاته سنة ١٨٣ أو ١٨٦، وكان الموكل به مدة حبسه السندى بن شاهك جد كشاجم الشاعر المعروف، انظر: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٣ ص ١٣ - ١٥) و (Mamour:The Origin Of the Fatimid Caliphs،p.p .٩٣ - ١٠٠ - )","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276351,"book_id":167,"shamela_page_id":59,"part":"1","page_num":15,"sequence_num":59,"body":"ولد -؛ والعباس - لا عقب له، وأمه أمّ ولد -[و] عليا - المعروف بالعريضى -[و] أمه أم ولد -.\r***\rوحيث انتهينا إلى ذكر إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب فإنه الغرض، [و] إليه ينسب الخلفاء الفاطميون بناة القاهرة، فنقول:\rإن إسماعيل بن جعفر الصادق مات فى حياة أبيه جعفر سنة ثمان وثلاثين ومائة، [و] خلّف من الأولاد محمدا، وعليا، وفاطمة.\rفأما محمد بن إسماعيل فإنه الذى إليه الدعوى؛ وكان له من الولد جعفر، وإسماعيل فقط، - أمهما أم ولد -:\r[فولد] (¬١) جعفر بن محمد بن إسماعيل محمدا، وأحمد؛ أما أحمد فلا عقب له.\rوأما محمد فولد جعفرا، وإسماعيل، وأحمد، والحسن.\rوقال أبو محمد علىّ بن أحمد بن سعيد بن حزم (¬٢):\r«وولد إسماعيل بن جعفر: علىّ، ومحمّد فقط؛ وإمامة محمد هذا تدّعى القرامطة والغلاة بعد أبيه إسماعيل.\r[فولد] (¬١) محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد جعفر، وإسماعيل، منهم بنو جعفر البغيض بن الحسن بن محمد الحبيب بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.","footnotes":"(¬١) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج) وبها يستقيم المعنى.\r(¬٢) هو أبو محمد على بن محمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح الظاهرى الأندلسى، ولد فى قرطبة يوم الأربعاء سلخ رمضان سنة ٣٨٤ هـ (٧ نوفمبر ٩٩٤)، كان أبوه وزيرا للحاجب المنصور محمد بن أبى عامر، وقد ثقف ابن حزم ثقافة عالية، وحصل علوما كثيرة، وألف فيها، روى ابنه أنه اجتمع عنده بخط أبيه من تأليفه نحو أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة، ويقال انه كان كثير الوقوع فى العلماء المتقدمين، لا يكاد يسلم أحد من لسانه، فاستهدف لفقهاء وقته، وأقصته الملوك، فانتهى الى البادية حيث مات فى سنة ٤٥٦ هـ، وأهم مؤلفات ابن حزم كتاب «الفصل فى الملل والنحل» طبع فى المطبعة الأدبية بالقاهرة سنة ١٣١٧، وبهامشه الملل والنحل للشهرستانى، انظر ترجمته بالتفصيل وبيان مؤلفاته فى (ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج ٢، ص ٢١ - ٢٤) و (القفطى: أخبار العلماء، ص ١٥٦) و (دائرة المعارف الاسلامية، مادة ابن حزم، وما بها من مراجع).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276352,"book_id":167,"shamela_page_id":60,"part":"1","page_num":16,"sequence_num":60,"body":"وادعى عبيد الله القائم بالمغرب أنه أخو حسن بن محمد هذا، وشهد له بذلك رجل من بنى البغيض، وشهد له أيضا بذلك جعفر بن محمد بن الحسين بن أبى الجنّ على بن محمد الشاعر بن على بن إسماعيل بن جعفر، ومرة ادعى أنه ولد الحسين بن محمد بن إسماعيل بن جعفر؛ وكل هذه [دعوى] مفتضحة، لأن محمد بن إسماعيل بن جعفر لم يكن له قط ولد اسمه الحسين.\rوهذا كذب فاحش، لأن مثل هذا النسب لا يخفى على من له أقل علم بالنسب، ولا يجهل أهله إلا جاهل».\r[قلت] (¬١): وأما ما ذكره أبو محمد من انتسابهم إلى الحسين بن محمد بن إسماعيل قول افتعله معاديهم، فقد كان أبو محمد بقرطبة، وملوكها بنو أمية، وهم أعدى أعادى القوم، فنقل ما أشاعه هناك ملوك بلده، حتى اشتهر كما هى عادة الأعداء.\rوالذى يقوله أهل هذا البيت ويذهبون إليه: أن الإمام من ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه من بعده، وأنّ الإمام بعد إسماعيل بن جعفر [هو] ابنه محمد، ويلقبونه بالمكتوم (¬٢)، وبعد المكتوم ابنه جعفر بن محمد بن إسماعيل، ويلقبون جعفرا هذا «بالمصدق»، وبعد جعفر المصدق ابنه محمد الحبيب بن جعفر المصدق بن محمد المكتوم بن إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق.\rقالوا: فولد محمد الحبيب عبيد الله بن محمد بن جعفر المصدق بن محمد المكتوم بن الإمام إسماعيل.","footnotes":"(¬١) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج).\r(¬٢) أمام اضطهاد العباسيين، وسعيا لا نجاح الدعوة اضطر الأئمة من أبناء اسماعيل الى التكتم واخفاء شخصياتهم، فلقبوا بالأئمة المكتومين، وأولهم محمد بن اسماعيل، ويرى (Mamour:Op.Cit .٤٣ - ٩٢) أن محمدا المكتوم هو ميمون القداح نفسه، وأنه فى تكتمه انتحل هذا اللقب، وامتهن مهنة القداحة ليختفى وراءها وليكون أكثر اتصالا بأكبر عدد ممكن من الناس، ويخالفه فى هذا الأستاذان: Bernard Lewis و H.A.R.Gibb انظر:\r(Bernard Lewis:The Origins Of Ismailism.P .٢١ - ٢٢)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276353,"book_id":167,"shamela_page_id":61,"part":"1","page_num":17,"sequence_num":61,"body":"وعبيد الله هذا هو القائم بالمغرب، الملقب بالمهدى، المنسوب إليه سائر الخلفاء الفاطميين بالمغرب وبمصر.\rهذا هو الثابت فى درج نسبهم.\rوقال الشريف محمد [بن] (¬١) أسعد بن على الحسينى الجوانى النقيب:\r«وأما إسماعيل بن جعفر - يعنى الصادق -، فعقبه من ابنيه: محمد وعلى.\rفأما على فمن ولده أبو الجن بن الحسين بن على بن محمد بن على بن إسماعيل بن جعفر وهم بدمشق ويقال لهم: «بنو أبى الجن» - بجيم ونون -.\rوأما محمد بن إسماعيل فينسب إليه الذين تغلبوا على إفريقية الغرب، ثم تغلبوا على مصر والشام.\rففى النسابين من أثبتهم، وفيهم من نفاهم، وفيهم من أمسك.\rسألت الشريف النسّابة جمال الدين أبا جعفر محمد بن عبد العزيز بن أبى القاسم الإدريسى الحسنى بمدينة القاهرة عن هؤلاء، فقال:\rالمثبتون لأنساب أهل القصر بالقاهرة [هم]: شيخ الشرف العبيدلى، وابن ملقطة العمرى، وأبو عبد الله البخارى.\rوالنافون لأنسابهم [هم]: الشريف ابن العابد، وابن وكيع من أصحاب سحنون، وابن حزم الأندلس صاحب كتاب «الجماهير فى أنساب المشاهير».\rوالمتوقفون فى أنسابهم [هم]: محمد المبرقع، وأخوه الحسن الزيديان، فى جماعة كثيرة من النسابين، كابن خداع، وشبل بن تكين، وغيرهم.\rوالذى قاله شيخ الشرف:","footnotes":"(¬١) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج)، وهو محمد بن أسعد بن على بن معمر ابو على الجوانى، صاحب كتاب «النقط بعجم ما أشكل من الخطط»، ولم يظهر للآن ما يثبت وجود هذا الكتاب، غير أن المؤلفين المتأخرين قد نقلوا عنه كثيرا، وخاصة المقريزى فى خططه حيث يقول عنه انه نبه على معالم قد جهلت وآثار قد دثرت، وقد ولد الشريف سنة ٥٢٥ هـ وتوفى سنة ٥٨٨ هـ (١١٣١ - ١١٩٢) انظر: (المقريزى: الخطط، ج ١، ص ٦ - ٧) و (أبو المحاسن: النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٤٣، ج ٦، ص ١١٩، ٢١٨) و «محمد عبد الله عنان: مصر الاسلامية، ص ٣٩، ٥٥، ٨٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276354,"book_id":167,"shamela_page_id":62,"part":"1","page_num":18,"sequence_num":62,"body":"«وبنو عبد الله بالمغرب فى نسب القطع».\rهذا ما أملاه علىّ الإدريسى، وكان من العلماء بالنسب والتاريخ.\rقال: ووجدت فى كتاب أبى الغنائم عبد الله النسّابة الزيدى الحسينى فى ذكره ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر: المعقب من جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر رجل واحد [هو] محمد، أمه فاطمة بنت على بن جعفر بن عمر بن على بن الحسين بن على، وأمها أروى ابنة الهيثم ابن العريان بن الهيثم بن الأسود الجشمى؛ والمعقب من محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل رجل واحد، وهو الحسن الحبيب (لأم ولد)، وكان له: جعفر، وإسماعيل، وأحمد، وعبيد الله، وعلى (اغتربوا فلم يعلم كيف جرى أمرهم، وهل اعقبوا أم لا؟).\rويقال إن ولد عبد الله بالمغرب؛ وآخر من ذكره من عقب محمد بن إسماعيل: الحسين ابن أبى طالب، على بن الحسين، أبى القاسم بن الحسين بن الحسن بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق (؟).\rوأما غيرهم فيقول: إن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ولد جعفرا، وإسماعيل، وأحمد، والحسن.\rوولد الحسن جعفرا - توفى بمصر سنة ثلاث وتسعين ومائتين -.\rفولد جعفر بن الحسن بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا جعفر محمدا.\rفولد محمد أبا عبد الله جعفرا، وعليا، وأحمد، والحسن، ويحيى.\rهؤلاء الذكور من ولد الحسن بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق - وكانوا بمصر -.\rوولد إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب أحمد، ويحيى، ومحمدا، وعليا، - درج ولا عقب له -.\rفولد أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق إسماعيل - توفى بمصر فى ذى القعدة سنة أربع وسبعين ومائتين -.\rومحمدا - لا عقب له -.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276355,"book_id":167,"shamela_page_id":63,"part":"1","page_num":19,"sequence_num":63,"body":"وزيدا، وعليا، والحسين - لأم ولد -.\rفولد إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا عبد الله أحمد - توفى سنة خمس وعشرين وثلاثمائة بمصر -.\rوأبا جعفر محمدا - توفى سنة اثنتين وثلاثمائة بمصر -.\rوأبا القاسم جعفرا - توفى سنة أربع وسبعين ومائتين بمصر -، وحمزة - درج فى سنة خمس وسبعين ومائتين ولا عقب له -.\rوأبا عبد الله الحسين (توفى سنة أربع وتسعين ومائتين).\rوأبا الحسن عليّا - توفى فى طريق مكة سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة -.\rفولد أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا محمد إسماعيل، وأبا الحسن عليا، وأبا القاسم جعفرا، - وتوفى سنة ثلاثمائة -، وموسى - ولا عقب له -.\rفولد إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا الحسن عليا، وأبا عبد الله الحسين، والحسن.\rوولد علىّ بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بنتا - لم يلد غيرها -.\rوولد جعفر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا عبد الله الحسين، وأبا إبراهيم إسماعيل، وأبا جعفر محمدا، وأبا الحسين محمدا.\rهؤلاء هم بنو أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق - وهم بمصر -.\rوولد محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر [الصادق] عليّا، والحسين، وموسى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276356,"book_id":167,"shamela_page_id":64,"part":"1","page_num":20,"sequence_num":64,"body":"وولد علىّ بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق الحسن، - وتوفى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة ولا عقب له -.\rوولد الحسين بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر زيدا - ولا عقب له -، ومحمدا [و] جعفرا، وأحمد، وإسماعيل - ولد بالمغرب ولا عقب له -.\rوولد موسى بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر يحيى، وجعفرا، وعليّا، وإبراهيم، وإسماعيل - ولا عقب له -.\rفهؤلاء بنو محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر - وهم بمصر -.\rوولد الحسين بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق محمدا أبا الحسين، ومحمدا أبا عبد الله - وهم بمصر -.\rوولد جعفر بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر زينب - لم يلد غيرها -.\rوولد علىّ بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق إسماعيل، ومحمدا، والحسين، والحسن، وجعفرا.\rوولد إسماعيل بن على بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر محمدا - ولا عقب له -، وعبد الله.\rوولد محمد بن على بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر إبراهيم، وزيدا، وعبد الله، ومحسنا، وعليا.\rوولد الحسين بن على بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق حمزة وجعفرا - وهم بمصر -.\rوولد زيد بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر [الصادق] موسى - ولا عقب له -.\rوولد علىّ بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر فاطمة - ماتت بدمشق -.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276357,"book_id":167,"shamela_page_id":65,"part":"1","page_num":21,"sequence_num":65,"body":"وولد الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر زيدا - مات ببغداد -، ومحمدا، وإسماعيل - النقيب بدمشق -، وأحمد، والحسن، وعليا، وجعفرا - ولا عقب له -.\rفولد زيد بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الحسين - ولا عقب له -، وأمّ سلمة، وخديجة - وكان لها ولد ببغداد -، وموسى - لا عقب له -.\rوولد محمد بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر فاطمة - لم يخلف غيرها -.\rوولد إسماعيل بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق محمدا، وموسى، وإبراهيم، والحسين، وطاهرا.\r[فولد] محمد بن إسماعيل بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ابن جعفر أحمد.\rوولد أحمد بن الحسين حمزة، ومحمدا - وقد انقرضا ولا عقب لهما من الذكور -.\rوولد الحسن بن الحسين بن أحمد محمدا، وعقيلا، وإبراهيم - ولا عقب له -، وعبيد الله، ومحسنا - ولا بقية لهما -.\rوولد علىّ بن الحسين بن أحمد المحسن، وأحمد، ومحمدا - المعروف بأخى محسن -، كان سكن دمشق، ولا عقب لأحمد ومحمد هذين.\rوولد يحيى بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر أحمد وفاطمة - درجا -.\rوولد محمد إسماعيل، بن محمد بن إسماعيل بن جعفر محمدا.\rفولد محمد هذا الحسن، والحسين، ومحمدا.\rوولد الحسن بن محمد الحسين، وأحمد - وهم بالكوفة -.\rفهؤلاء جميع ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.\rوأما بقية أولاد إسماعيل بن جعفر الصادق فلا حاجة بنا إلى ذكرهم هنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276358,"book_id":167,"shamela_page_id":66,"part":"1","page_num":22,"sequence_num":66,"body":"ذكر ما قيل فى أنساب خلفاء الفاطميين\rقال مؤلفه (¬١) - رحمة الله تعالى عليه -.\rوقد وقفت على مجلد يشتمل على بضع وعشرين كراسة فى الطعن على أنساب الخلفاء الفاطميين، تأليف الشريف العابد المعروف بأخى محسن (¬٢)، وهو محمد بن على بن الحسين ابن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق - ويكنى بأبى الحسين -؛ وهو كتاب مفيد.\rوقد غبرت زمانا أظن أنه قائل ما أنا حاكية حتى رأيت محمد بن إسحاق النديم (¬٣) فى كتاب «الفهرست» ذكر هذا الكلام بنصّه (¬٤)، وعزاه إلى أبى عبد الله بن رزّام (¬٥)، وأنّه","footnotes":"(¬١) ج: «قال كاتبه، وقد وقفت .. الخ»\r(¬٢) علوى عاش فى النصف الثانى من القرن الرابع، ويرجح أنه كان معاصرا للمعز لدين الله، انظر: (B.Lewis:Op.Cit.P .٧)\r(¬٣) انظر ترجمته فى (ابن خلكان: الوفيات) و (معجم الأدباء لياقوت) و (مقدمة الفهرست)\r(¬٤) ورد فى الفهرست لابن النديم، ص ٢٦٤ - ٢٦٥ نص تحت عنوان «الكلام على مذهب الاسماعيلية» يشبه نص المقريزى فى المعنى ولكنه يختلف عنه كثيرا فى اللفظ، كذلك أورد المقريزى فى الخطط، ج ٢، ص ١٥٨ - ١٥٩ فصلا عنوانه «ذكر ما قيل فى نسب الخلفاء الفاطميين بناة القاهرة» يتفق مع النص المذكور هنا فى المعنى، ويختلف عنه فى اللفظ اختلافا يسيرا جدا، والأصل الذى ينقل عنه المؤرخان هو ابن رزام.\r(¬٥) هو أبو عبد الله محمد بن على بن رزام الطائى الكوفى، عاش على الأرجح فى النصف الأول من القرن الرابع الهجرى، انظر: (المسعودى: التنبيه والاشراف، ص ٣٤٣) حيث يذكره ضمن المؤرخين الذين كتبوا قبله عن القرامطة، والمسعودى توفى سنة ٣٤٥ هـ، وابن رزام أقدم كاتب - فيما نعلم حتى الآن - أشاع قصة انتماء الفاطميين الى ميمون القداح، ووصل بينه وبين القرامطة، وكتاب ابن رزام مفقود حتى الآن، ولكن هذه الأجزاء التى تشكك فى نسب الفاطميين قد نقلها عنه مؤرخون لاحقون كثيرون، أشار المقريزى هنا الى أن أخا محسن واحد منهم، ومنهم المقريزى نفسه، فقد نقل جزءا من هذا النص هنا، وفى الخطط، ج ٢، ص ٢٣٣ - ٢٣٤، وفى المقفى، انظر:\r(Quatremer:: Memoires Historiques J.A .١٨٣٦) -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276359,"book_id":167,"shamela_page_id":67,"part":"1","page_num":23,"sequence_num":67,"body":"ذكره فى كتابه الذى ردّ فيه على الإسماعيلية، قال - وأنا برئ من قوله -:\rهؤلاء القوم من ولد ديصان (¬١) الثنوى، الذى ينسب إليه الثنوبة (¬٢) - وهو مذهب يعتقدون فيه خالقين، أحدهما يخلق النور، والآخر يخلق الظلمة - فولد ديصان هذا ابنا يقال له ميمون القدّاح (¬٣).","footnotes":"= - وفى (نهاية الأرب اللنويرى - فى الجزء الخاص بتاريخ الفاطميين ولا يزال مخطوطا -) قسم كبير من هذا الكتاب، وكذلك نقل ابن النديم فى الفهرست، ص ٢٦٤ - ٢٦٦ كلام ابن رزام بلفظه.\rوعلى أساس الشكوك الشائعة فى هذا النص كتب المحضر العباسى الأول (٤٠٢ - ١٠١١) بانكار النسب الفاطمى الذى ظل المرجع الموثوق به لكثير من المؤرخين الطاعنين فى النسب الفاطمى، وقد ناقش نص ابن رزام هذا (B.Lewis:Op.Cit.PP .٥٥،٦٩)\r(¬١) من البراهين القوية التى يتذرع بها مؤيد والنسب الفاطمى أن ديصانا هذا عاش ومات قبل ظهور الدعوة الاسماعيلية بنحو أربعة قرون، يقول البغدادى مثلا (الفرق بين الفرق، ص ٣٣٣) عند كلامه عن الأصول التى اجتمع عليها أهل السنة: «وقالوا بتكفير كل متنبى سواء كان قبل الاسلام كزرادشت ويوداسف ومانى وديصان ومزفيور ومزدك، أو بعده كمسيلمة وسجاح الخ»، انظر أيضا: (الرازى: اعتقادات فرق المسلمين، ص ٨٨) و (Mamour:Op.Cit.P .٣٠ - ٤٢) وما به من مراجع،\rو (O'Leary:A Short History of the Fatimid Khalifate.P .١٨)\r(¬٢) الثنوية مذهب قديم كان أتباعه يعتقدون أن للعالم أصلين، هما النور والظلمة، والثنوية أربع فرق:\r١ - المانوية أتباع مانى، وكانوا يقولون ان النور والظلمة حيان.\r٢ - والديصانية أتباع ديصان، ويقولون ان النور حى والظلمة ميتة.\r٣ - والمرتونية، وهم يثبتون متوسطا بين النور والظلمة ويسمونه المعدل.\r٤ - والمزدكية، أتباع مزدك بن نامدان.\rانظر تفصيل الكلام عن هذه الفرق فى: (الشهرستانى: الملل والنحل، ص ١٤٣، ١٤٧) و (الرازى: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، ص ٨٨ - ٨٩)\r(¬٣) اختلفت الآراء اختلافا كبيرا عند بيان حقيقة ميمون القداح، فكتاب السنة من مؤرخين وفقهاء ينكرون انتساب الدولة الفاطمية الى على وفاطمة، ويؤكدون نسبتها الى ميمون القداح، ويقولون انه كان فارسيا مجوسيا من الأهواز، وأنه تظاهر بالاسلام والتشيع والدعوة لآل البيت، فقبض عليه وأودع سجن الكوفة فى أواخر عهد المنصور، وبعد خروجه من السجن ادعى أنه من ولد محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق، الى أن نجحت دعوته فى عهد أولاده الخلفاء الفاطميين. انظر مثلا:","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276360,"book_id":167,"shamela_page_id":68,"part":"1","page_num":24,"sequence_num":68,"body":"وإليه تنسب الميمونية (¬١)، وكان له مذهب فى الغلو؛ فولد لميمون هذا ابن يقال له عبد الله كان أخبث من أبيه، وأعلم بالحيل، فعمل أبوابا عظيمة من المكر والخديعة على بطلان الإسلام؛ وكان عارفا عالما بجميع الشرائع والسنن، وجميع علوم المذاهب كلها، فرتّب ما جعله من المكر فى سبع دعوات، يتدرج الإنسان من واحدة إلى أخرى، حتى ينتهى إلى الأخيرة، فيبقى معرّا عن جميع الأديان، لا يعتقد غير التعطيل والإباحة، ولا يرجو ثوابا، ولا يخشى عقابا، ويقول إنه على هدى هو وأهل مذهبه، وغيرهم ضالّ مغفل.","footnotes":"= - (الحمادى اليمانى: كشف أسرار الباطنية، ص ١٦ - ٢٠) و (عبد القاهر البغدادى: الفرق بين الفرق، ص ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٧، ٢٧٨) و (عنان: الحاكم بأمر الله، ص ٣٣، ١٧٣).\rأما المراجع الاسماعيلية فترى أنه: لما آن لاسماعيل الأجل … أوصى والده الصادق الأمين أن يقيم لولده حجبا ومستودعا، كما أوصى هارون موسى أن يقيم لولده كفيلا، فأقام له يوشع بن النون سترا عليه وحجابا له، فسلمه - أعنى مولانا محمد بن اسماعيل - الى ميمون ابن غيلان بن بيدر بن مهران بن سليمان الفارسى - قدس الله روحه - فرباه وأخفى شخصه، وهو ابن ثلاث سنين مع ميمون القداح، وهو كفيل له ومستودع أمره، وميمون من أولاد سلمان، وسلمان من أولاد اسحاق بن يعقوب أهل الاستيداع، والقائمين بالبلاغ والابلاغ»، أى أن ميمونا وابنه عبد الله من بعده كانا حاجبين ومستودعين لأسرار أولاد اسماعيل بن جعفر الصادق. انظر ص ٤٧ و ٤٩ من كتاب «زهر المعانى» الذى نشره أخيرا المستشرق Ivanow فى كتابه\" Ismaili Tradition Concerning the Rise of the Fatimids .)\rوقد ناقش Ivanow فى كتابه هذا، ص ١٣٣ و ١٥٣ و ٢٣٣ و ٢٣٦ جميع الآراء والأقوال المتصلة بحقيقة شخصية ميمون القداح، وخرج منها برأى يدافع عنه، خلاصته أن قصة انتساب الفاطميين الى ميمون خرافة لا يؤيدها المنطق أو المراجع الاسماعيلية أو الحوادث التاريخية.\rويرى (Mamour:Op.Cit.P .٤٣،٩٢) أن ميمونا هو محمد بن اسماعيل نفسه، أما (B.Lewis:Op.Cit.P .٤٤ - ٦٥) فيرى أن عهد التكتم شهد نوعين من الأئمة: الأئمة المستودعون وينتسبون لميمون القداح، والأئمة المستقرون وينتسبون لمحمد بن اسماعيل\r(¬١) يفهم من النص أن الميمونية فرقة تنتسب لميمون القداح، غير أن الشهرستانى ذكر فى (الملل والنحل، ج ١، ص ٧٣) أن الميمونية هم: «أصحاب ميمون بن خالد، كان من العجاردة الا أنه تفرد عنهم باثبات أن القدر - خيره وشره - من العبد … والقول بأن الله تعالى يريد الخير دون الشر، وليس له مشيئة فى معاصى العباد .. وأن الميمونية يجيزون نكاح بنات البنات وبنات أولاد الاخوة والاخوات .. الخ» انظر أيضا: (الرازى: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، ص ٤٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276361,"book_id":167,"shamela_page_id":69,"part":"1","page_num":25,"sequence_num":69,"body":"وكان عبد الله بن ميمون يريد بهذا فى الباطن أن يجعل المخدوعين أمة له يستمد من أموالهم بالمكر والخديعة، وأما فى الظاهر فإنه يدعو إلى الإمام من آل البيت: محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ليجمع الناس بهذه الحيلة.\rوكان عبد الله بن ميمون هذا أراد أن يتنبأ فلم يتم له، وأصله من موضع بالأهواز (¬١) يعرف «بقورج العباس (¬٢)»، ثم نزل «عسكر مكرم (¬٣)» وسكن «ساباط» أبى نوح (¬٤) فنال بدعوته مالا، وكان يتستر بالتشيع والعلم، وصار له دعاة، فظهر ما هو عليه من التعطيل والإباحة والمكر والخديعة، فثارت به الشيعة والمعتزلة (¬٥)، وكسروا (¬٦) داره، ففرّ إلى البصرة ومعه رجل من أصحابه يعرف بالحسين الأهوازى، فادعى أنه من ولد عقيل (¬٧) بن أبى","footnotes":"(¬١) يقال ان الأهواز جمع هوز، وأصله حوز، والحوز فى الأرضين أن يتخذها رجل ويبين حدودها فيستحقها فلا يكون لأحد فيها حق، ولما كثر استعمال الفرس لهذه اللفظة غيرتها لأنه ليس فى كلامهم حاء مهملة، فاذا تكلموا بكلمة فيها حاء قلبوها هاء، وقد كان اسمها فى أيام الفرس خوزستان، ويقال فى رأى آخر انما كان اسمها بالفارسية الأخواز فعربت الى الأهواز، والأهواز - كما قال ياقوت فى معجمه - سبع كور بين البصرة وفارس، وذكر أنها فتحت على يد حرقوص بن زهير بتأمير عتبة بن غزوان اياه، سيره اليها فى أيام تمصيره البصرة وولايته عليها، وقال البلاذرى: غزا المغيرة بن شعبة سوق الأهواز فى ولايته بعد أن شخص عتبة بن غزوان من البصرة فى آخر سنة ١٥ هـ أو أول سنة ١٦ فقاتله البيروان دهقانها ثم صالحه على مال، ثم نكث فغزاها أبو موسى الأشعرى حين ولاه عمر البصرة بعد المغيرة ففتح الأهواز عنوة. انظر: (ياقوت: معجم البلدان).\r(¬٢) لم أجد فى المراجع التى بين يدى تعريفا لموضع هذا البلد.\r(¬٣) عسكر مكرم بلد من نواحى خوزستان، منسوب الى مكرم بن معزاء الحارث صاحب الحجاج بن يوسف، وقد نسب اليها قوم من أهل العلم منهم العسكريان أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد بن اسماعيل بن زيد بن حكيم اللغوى، أخذ عن ابن دريد وأقرانه، والحسن ابن عبد الله أبو هلال العسكرى. انظر: (معجم البلدان لياقوت).\r(¬٤) صيغة ابن النديم: «فنزل عسكر مكرم فكبس بها، فهرب منها، فنقضت له داران فى موضع يعرف بساباط أبى نوح، فبنيت احداهما مسجدا، والأخرى خراب الى الآن».\r(¬٥) للتعريف بالمعتزلة وفرقها انظر مثلا: (الشهرستانى: الملل والنحل، ج ١، ص ١٢٢ - ١٢٤)، (الرازى: اعتقادات، ص ٣٨ - ٤٥).\r(¬٦) (ج): «وكبسوا»\r(¬٧) لاحظ هذا النص حيث يقول ان عبد الله بن ميمون ادعى أنه من ولد عقيل، والمقريزى هنا ينقل عن ابن رزام، وعن نفس المرجع ينقل ابن النديم فى الفهرست، ولكن صيغة الفهرست ص ٢٦٤: «وسار الى البصرة، فنزل على قوم من أولاد عقيل بن أبى طالب» وهى أوثق لأن ابن النديم ينقل نص ابن رزام بلفظه، وقال النويرى نقلا عن أخى محسن ان عبد الله بن ميمون فر الى البصرة عند قبيلة باهلة من أتباع عقيل بن أبى طالب، وعن عقيل وأخباره انظر: (ابن قتيبة: المعارف، ص ٨٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276362,"book_id":167,"shamela_page_id":70,"part":"1","page_num":26,"sequence_num":70,"body":"طالب، وأنه يدعو إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ثم اشتهر خبره، فطلبه العسكريون، فهرب هو والحسين الأهوازى إلى سلمية ليخفى أمره بها، فولد له بها ابن يقال له أحمد، ومات عبد الله بن ميمون، فقام من بعده ابنه أحمد هذا فى ترتيب الدعوة، وبعث الحسين الأهوازى داعية إلى العراق، فلقى حمدان بن الأشعث قرمط (¬١) بسواد الكوفة.\rوولد لأحمد بن عبد الله بن ميمون القدّاح ولدان، هما: الحسين ومحمد - المعروف بأبى الشلعلع (¬٢) -، ثم هلك أحمد، فخلفه ابنه الحسين فى الدعوة؛ فلما هلك الحسين بن أحمد خلفه أخوه محمد بن أحمد - المعروف بأبى الشلعلع -.\rوكان للحسين (¬٣) ابن اسمه سعيد، فبقيت الدعوة له حتى كبر، وكان قد بعث محمد هذا داعيين إلى المغرب، وهما؛ أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد، وأخوه أبو العباس محمد بن أحمد بن محمد؛ فنزلا فى قبيلتين من البربر، وأخذا على أهلها.","footnotes":"(¬١) فى المراجع تفسيرات كثيرة لهذا اللفظ، منها أن حمدان سمى بهذا الاسم لأنه كان يقرمط فى سيره اذا مشى، أى يقارب بين خطواته، ومنها أنه لقب بهذا اللقب لأنه كان أحمر البشرة تشبيها له بالقرمد وهو الطوب الأحمر (الآجر)، وأصل هذا اللفظ يونانى Keramidi انظر: (ابن مالك: المرجع السابق، ص ١٨) و (متز: الحضارة الاسلامية ج ٢، ص ١٨٥ من الترجمة العربية) و (الجواليقى: المعرب، ص ٢٥٤ - ٢٥٥) ويرى البعض أن هذا اللفظ مأخوذ من «اقرمط» أى غضب أو عبس. انظر القاموس، وممن يأخذ بهذا الرأى De Lacy و (B.Lewis:Op.Cit.PP .٨٢ - ٨٣) وعندهما أسباب للبرهنة على هذا الرأى\rويرى الأب أنستاس مارى الكرملى عند شرحه لهذا اللفظ فى (العرشى: بلوغ المرام، ص ٣٤٠ - ٣٤١) أن هذه اللفظة «آرامية» (نبطية) من قرمطونا أى المدلس أو الخبيث أو المكار أو المحتال، أو من (قرمطا) وهى التدليس أو الخبث أو المكر أو الاحتيال، لما اشتهر عنهم من هذه الأمور، ولا جرم أن هذه التسمية لم يتخذها الباطنية أو القرامطة أنفسهم، بل نبذهم بها من لم يكن من نحلتهم»\rولاحظ أن ابن النديم، ص ٢٦٥ يثبت اعتناق حمدان للمذهب فى عهد عبد الله بن ميمون، أما نص المقريزى هنا فيفيد اعتناقه اياه فى عهد أحمد بن عبد الله بن ميمون.\r(¬٢) رسم هذا اللفظ فى بعض المراجع بالغين المعجمة هكذا «الشلغلغ»، كذلك اختلف المؤرخون عند ذكر من خلف ميمون من أولاده، انظر قوائم النسب الميمونى كما رواها المؤرخون المختلفون فى: (B.Lewis:Op.Cit:p .٧٢ - ٧٣) و (Mmour:Op.Cit.P .٤٠ - ٤١)\r(¬٣) فى (الخطط، ج ٢، ص ١٥٨): ««وكان لأحمد بن عبد الله ولد اسمه سعيد».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276363,"book_id":167,"shamela_page_id":71,"part":"1","page_num":27,"sequence_num":71,"body":"وقد كان اشتهر أمرهم بسلمية، وأيسروا، وصار لهم أملاك كثيرة، فبلغ خبرهم السلطان، فبعث فى طلبهم، ففرّ سعيد من سلمية يريد المغرب، وكان على مصر يومئذ عيسى النوشرى (¬١)، فدخل سعيد على النوشرى ونادمه، فبلغ السلطان خبره، وكان يتقصّى عنه، فبعث إلى النوشرى بالقبض عليه، فقرئ الكتاب وفى المجلس ابن المدبّر (¬٢)، وكان مؤاخيا لسعيد، فبعث إليه يحذّره، فهرب سعيد، وكبس النوشرى داره فلم يوجد، وسار إلى الاسكندرية، فبعث النوشرى إلى والى الاسكندرية بالقبض على سعيد، - وكان رجلا ديلميا يقال له على بن وهسودان.\rوكان سعيد خداعا، فلما قبض عليه ابن وهسودان قال:\r«إنى رجل من آل رسول الله».\rفرقّ له، وأخذ بعض ما كان معه وخلاّه، فسار حتى نزل سجلماسة - وهو فى زىّ","footnotes":"(¬١) عيسى النوشرى أول وال على مصر بعد زوال دولة بنى طولون، دخلها بعد ولايته من قبل الخليفة المكتفى فى جمادى الآخرة سنة ٢٩٢ هـ، ولما توفى المكتفى (ذو القعدة ٢٩٥) وتولى الخلافة المقتدر بالله أقر النوشرى على ولاية مصر، وفى عهد عيسى قدم على مصر زيادة الله بن الأغلب أمير افريقية مهزوما من أبى عبد الله الشيعى فى شهر رمضان ٢٩٦، ونزل بالجيزة وأراد الدخول الى مصر فمنعه، ووقعت بينهما مناوشات الى أن وقع الصلح بينهما على أن يعبر زيادة الله الى مصر وحده من غير جند، فدخلها وأقام بها، وقد مات عيسى بعد قليل فى شعبان ٢٩٧ وهو على امرة مصر، ودفن بها (ويقول أبو المحاسن انه نقل الى دمشق فدفن بها)، وكانت مدة ولايته على مصر خمس سنين وشهرين ونصف شهر (٢٩٢ - ٢٩٧ - ٩٠٥ - ٩١٠) انظر: (الكندى: الولاة والقضاة، ص ٥٢٨ - ٢٦٧) و (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج ٣، ص ١٤٥ - ١٥٦) و (المقريزى: الخطط، ج ٢، ص ١٢٤ - ١٢٥).\r(¬٢) هذا القول يبعث على الشك، لأن ابن المدبر كان واليا على خراج مصر عند ما قدم اليها أحمد بن طولون، وذلك فى سنة ٢٥٤، وقد كان بين الرجلين منافسات ومؤامرات كثيرة انتهت بعزل ابن المدبر عن خراج مصر، وتولية ابن طولون على خراجها وصلاتها، وقد كان فرار عبيد الله المهدى الى المغرب ومروره بمصر فى سنة ٢٩٥ هـ، فليس من المعقول أن يكون أحمد بن محمد بن المدبر هذا حيا حتى تلك لسنة، ولا يؤيد رواية المقريزى هنا الا أن يكون هناك فى تلك السنة ابن مدبر آخر، انظر أخبار ابن المدبر التفصيلية فى: (البلوى: سيرة أحمد بن طولون، الصفحات المذكورة فى فهرس الأعلام) و (المقريزى: والخطط، ج ٢ ص ١٠٥ - ١٠٦ و ١١٣) و (ابن تغرى بردى: النجوم، ج ٣، ص ٤٣) و (الكندى: الولاة والقضاة، ص ٢١٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276364,"book_id":167,"shamela_page_id":72,"part":"1","page_num":28,"sequence_num":72,"body":"التجار - فتقرّب إلى واليها وخدمه، وأقام عنده مدة، فبلغ المعتضد (¬١) خبره، فبعث فى طلبه، فلم يقبض عليه والى سجلماسة؛ فورد عليه كتاب آخر، فقبض عليه وحبسه؛ وكان خبره قد اتصل بأبى عبد الله الداعى - الذى تقدم ذكر خروجه هو وأخوه إلى البربر -، فسار حينئذ بالبربر إلى سجلماسة، وقتل واليها، وأخذ سعيدا، وصار صاحب الأمر، وتسمى بعبيد الله، وتكنى بأبى محمد، وتلقب بالمهدى؛ وصار إماما علويا من ولد محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق؛ ولم يلبث إلا يسيرا حتى قتل أبا عبد الله الداعى، وتملك البربر، وقلع بنى الاغلب (¬٢) ولاة المغرب.\rقال:\r«فعبيد الله - الملقب بالمهدى -: هو [سعيد] (¬٣) بن الحسين بن أحمد بن عبد الله ابن ميمون القداح بن ديصان الثنوى الأهوازى، وأصلهم من المجوس».\rقال:\rأما سعيد هذا الذى استولى على المغرب، وتسمى بعبيد الله، فإنه كان بعد أبيه يتيما فى","footnotes":"(¬١) المعروف أن أبا عبد الله الداعى وصل الى المغرب فى سنة ٢٨٨ هـ (انظر ما يلى)، فلما تغلب على افريقية أرسل يستدعى عبيد الله الذى وصل الى المغرب فى سنة ٢٩٥ - ٢٩٦، فلا يعقل اذن أن يكون الخليفة العباسى الذى أرسل فى طلبه هو المعتضد، لأنه حكم بين سنتى ٢٧٩ - ٢٨٩ - ٨٩٢ - ٩٠٢، انظر\r(Lane-Poole:Op.Cit.P .١٢) و (Zambaur:Op.Cit.P .٤)\rوالأرجح أن يكون من أرسل فى طلبه هو الخليفة المكتفى (٢٨٩ - ٢٩٥ - ٩٠٢ - ٩٠٨) أو الخليفة المقتدر (٢٩٥ - ٣٢٠ - ٩٠٨ - ٩٣٢).\r(¬٢) فى سنة ١٨٤ (٨٠٠ م) ولى ابراهيم بن الأغلب على افريقية من قبل هارون الرشيد وقد خلف هذا الوالى دولة من أسرته استقلت بالحكم، وكان لها شأن عظيم، فقد أنشأت لنفسها أسطولا كبيرا نشر نفوذها فى شواطئ البحر الأبيض المتوسط الاوربية، وخاصة شواطئ ايطاليا وفرنسا وقورسيقة وسردينيا، وافتتح هذا الاسطول جزيرة صقلية سنة ٢١٢ (٨٢٧)، وضمها الى ملك الأغالبة، وظل الأغالبة يحكمون افريقية نيفا وقرنا (١٨٤ - ٢٩٦ - ٨٠٠ - ٩٠٩) حتى ضعف أمرهم، وحتى مهد ملك الادارسة فى المغرب الأقصى وانتشار المذهب الشيعى لنجاح الدعوة الفاطمية فى سنة ٢٩٦ - ٢٩٧. انظر\r(Zambaur:Op.Cit.P .٦٧) و (Lane-Poole:Op.Cit.P .٣٦ - ٣٧)\rو (دائرة المعارف الاسلامية: مادة أغالبة، وما بها من مراجع).\r(¬٣) ما بين الحاصرتين زيادة عن (الخطط، ج ٢، ص ١٥٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276365,"book_id":167,"shamela_page_id":73,"part":"1","page_num":29,"sequence_num":73,"body":"حجر عمه - الملقب بأبى الشلعلع -، وكان على ترتيب الدعوة بعد أخيه، فرتب أمرها لسعيد؛ فلما هلك وكبر سعيد، وصار على الدعوة، وترتيب الدعاة والرئاسة، ظهر أمره، وطلبه المعتضد، فهرب إلى المغرب من سلمية.\rويقال إنه ترسّم بالتعليم كى يخفى أمره، وكان يقول عن محمد أنه ربيب فى حجره، وأنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر، وذلك لضعف أمره فى مبدئه، ولذلك يقال عن محمد ابن عبيد الله «يتيم المعلم».\rوزعم آخر أن عبيد الله كان ربيبا فى حجر بعض الأشراف، وكان يطلب الإمامة، فلما مات ادعى عبيد الله أنه ابنه؛ وقيل بل كان عبيد الله من أبناء السوقة صاحب علم».\rانتهى ما ذكره الشريف.\rقال:\rولم يدّع سعيد هذا - المسمى عبيد الله - نسبا إلى على بن أبى طالب إلا من بعد هربه من سلمية، وآباؤه - من قبله - لم يدّعوا هذا النسب؛ وإنما كانوا يظهرون التشيع والعلم، وأنهم يدعون إلى الإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأنه حىّ لم يمت.\rوهذا القول باطل، وباطنهم غير ظاهرهم، وليس يعرف هذا القول إلا لهم؛ وهم أهل تعطيل وإباحة، وإنما جعلوا علاقتهم بآل رسول الله ﷺ بابا للخديعة والمكر.\rولم يتم لسعيد أمر بالمغرب إلا أن قال: «أنا من آل رسول الله ﷺ» فتم له بذلك الحيلة والخديعة، وشاع بين الناس أنه علوى فاطمى من ولد إسماعيل بن جعفر، فاستعبدهم بهذا القول، وخفى أمر مذهبه عليهم إلا من كشف له من خاصته ودعاته فى تعطيل البارئ، والطعن على جميع الأنبياء، وإباحة أنفس أممهم وأموالهم وحريمهم، ومع ما كانوا يظهرون لم يكن لهم جسارة أن يذكروا لهم نسبا على منبر، ولا فى مجمع بين الناس، سوى ما يشيعون أنهم من آل رسول الله ﷺ بغير نسب ينتسبونه، تمويها على العامة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276366,"book_id":167,"shamela_page_id":74,"part":"1","page_num":30,"sequence_num":74,"body":"ولم يكن أحد من السلاطين المتقدمين كاشفهم فى أمر نسبهم احتقارا منه بهم وببلدهم، ولبعد ما بينهم من المسافة، فجرى أمرهم على ما ذكرنا - منذ ملك سعيد المسمى بعبيد الله المغرب إلى أن جلس نزار بن معدّ يعنى العزيز - بمصر.\rثم ملك فنّا خسرو (¬١) بن الحسن الديلمى بغداد، فقرّب ما بينهما من المسافة، فجمع العلويين ببغداد، وقال لهم:\r«هذا الذى بمصر يقول إنه علوى منكم».\rفقالوا:\r«ليس هو منا».\rفقال لهم.\r«ضعوا خطوطكم».\rفوضعوا خطوطهم أنه ليس بعلوى، ولا من ولد أبى طالب.\rثم أنفذ إلى نزار بن معد رسولا يقول له:\r«نريد نعرف ممن أنت؟».","footnotes":"(¬١) فى الأصل: فناخسر، وهو عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو ابن ركن الدولة أبى على الحسن بن بويه الديلمى، كانت مدة حكمه (٣٦٧ - ٣٧٢)، اتسع ملكه حتى شمل ملك سابقيه من البويهيين، وضم الى ذلك الموصل وبلاد الجزيرة، وهو أول من خوطب بالملك فى الاسلام، وأول من خطب له على المنابر ببغداد بعد الخليفة، وكان من ألقابه تاج الملة، فلما صنف له أبو اسحاق الصابى كتاب التاجى فى أخبار بنى بويه أضافه الى هذا اللقب، وكان عضد الدولة محبا للفنون مكرما لأهلها، فقصده فحول الشعراء ومدحوه، وخاصة المتنبى الذى وفد عليه وهو بشيراز فى جمادى الأولى سنة ٣٥٤، ومدحه بقصائد كثيرة كان آخرها قصيدته الكافية التى ودعه فيها وهى آخر شعر المتنبى، وقد أنشأ فناخسرو البيمارستان العضدى ببغداد، وفرغ من بنائه سنة ٣٦٨، وتوفى سنة ٣٧٢ ببغداد، ودفن بدار الملك، ثم نقل الى الكوفة، ودفن بمشهد على بن أبى طالب. انظر: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ١٥٩ - ١٦٢) و (المقريزى: نحل عبر النحل، نشر الشيال، ص ٨٣، ٩٣، ٩٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276367,"book_id":167,"shamela_page_id":75,"part":"1","page_num":31,"sequence_num":75,"body":"فعظم ذلك عليه، فذكر أن قاضيه ابن النعمان (¬١) ساس الأمر، لأنه كان يلى أمر الدعوة والمكاتبة فى أمرها، فنسب نزارا إلى آبائه، وكتب نسبه، وأمر به أن يقرأ على المنابر، فقرئ على منبر جامع دمشق صدر الكتاب، ثم قال:\rنزار العزيز بالله بن معد المعز لدين الله، بن إسماعيل المنصور بالله، بن محمد القائم بأمر الله، ابن عبيد الله المهدى، بن الأئمة الممتحنين - أو قال المستضعفين - وقطع.\rثم إن رسول فنّا خسرو سار راجعا، فقتل بالسم فى طرابلس، فلم يأتهم من بعده رسول، وهلك فنّا خسرو.\rوذكر (¬٢) أبو الحسين (¬٣) هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابى، وابنه غرس الدولة","footnotes":"(¬١) هو القاضى على بن النعمان بن حيون، ولد فى رجب سنة ٣٢٨ بالمغرب، وقدم مع المعز الى مصر، فأمره بالنظر فى الحكم، فكان يحكم هو وأبو الطاهر (القاضى السابق) الى أن أصابه الفالج، ففوض العزيز لابن النعمان الانفراد بالقضاء، وكان ذلك فى سنة ٣٦٦، فاتبع فى أحكامه المذهب الاسماعيلى، لا المذهب الشافعى، وهو أول من لقب بقاضى القضاة فى مصر، توفى فى رجب سنة ٣٧٤ هـ، وقد تولى عدد كبير من أسرته القضاء فى العصر الفاطمى. انظر: (الكندى: الولاة والقضاة، ص ٤٩٥ - ٤٩٧، ٥٨٩ - ٥٩١، ٥٩٢ - ٥٩٥، ٥٩٦، ٦٠٣، ٦١٣).\r(¬٢) هذه الفقرة الطويلة المنقولة عن تاريخ الصابى، وردت فى المتن بنسخة (ج)، ولكنها لم ترد بالمتن فى نسخة الأصل وانما كتبت على ورقة صغيرة منفصلة، وقدم لها بهذه الجملة «فى ورقة ملصوقة مكتوب فيها بخط المصنف فى هذا المحل ما مقاله»، ومنها يتضح أن كاتب هذه النسخة نقلها عن نسخة المؤلف التى كانت لا تزال فى مرحلة التأليف، فكان يضيف اليها بين الحين والآخر اضافات من قراءاته يثبتها على بطاقات أو طيارات صغيرة ويشير بعلامة فى المتن الى أمكنة هذه الاضافات.\r(¬٣) فى الأصل: «أبو الحسن»، والتصحيح عن تاريخه المطبوع، وقد ولد هلال سنة ٣٥٩ هـ، وتوفى سنة ٤٤٨، جده أبو أبيه ابراهيم صاحب الرسائل، انظر ترجمته فى (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ٢٠ - ٢١)، كان صابئا، وكان أبو المحسن صابئا كذلك، أما هلال فقد أسلم متأخرا، انظر قصة اسلامه سنة ٤٠٣ - كما ذكرها سبط بن الجوزى فى مرآة الزمان - فى أول كتابه المطبوع فى تاريخ الوزراء، ولهلال التاريخ الذى ذيل به على تاريخ ثابت بن سنان، وفيه يؤرخ للسنوات من ٣٦١ الى ٤٤٧، وذيل عليه ابنه غرس النعمة، وكتاب الدولة البويهية وكتاب رسوم دار الخلافة، وكتاب أخبار بغداد، وكتاب الوزراء ذيله على كتاب الجهشيارى .. الخ انظر: (القفطى فى ترجمته ثابت بن سنان) وقد طبع لهلال كتاب تحفة الأمراء فى تاريخ الوزراء، بدأه بالكلام عن أبى الحسن على بن محمد بن موسى بن الفرات، وانتهى فيه بالكلام -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276368,"book_id":167,"shamela_page_id":76,"part":"1","page_num":32,"sequence_num":76,"body":"محمد - فى تاريخهما - أن القادر بالله عقد مجلسا أحضر فيه الطاهر أبا أحمد الحسين (¬١) ابن موسى بن محمد بن (¬١) إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق، وابنه أبا القاسم عليا المرتضى (¬٢)، وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء، وأبرز إليهم أبيات الشريف الرضى (¬٣) أبى الحسن محمد بن أبى أحمد الحسين التى أولها:\rما مقامى على الهوان وعندى … مقول صارم، وأنف حمىّ\rوإباء محلّق بى عن الضّيم، … كما راغ طائر وحشىّ\rأىّ عذر له إلى المجد إن ذلّ … غلام فى غمده المشرفىّ\rأحمل الضيم (¬٤) فى بلاد الأعادى، … وبمصر الخليفة العلوىّ","footnotes":"= - عن أبى الحسن على بن عيسى المتوفى سنة ٣٣٤ هـ، وطبع معه فى مجلد واحد الجزء الثامن من كتابه التواريخ، وهو الجزء الوحيد الذى وجد من تاريخه وحوادثه من ٢٩٩ الى ٣٩٩، وقد نشر الكتابين معا وقدم لهما المستشرق آمدروز، هذا ولم أعثر فى هذا الجزء من تاريخه على أثر لهذا الحادث المروى هنا لمقارنة النصين أحدهما بالآخر.\r(¬١) راجع: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ٣٦٦) و (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٥٦ و ١٥٧ و ١٦٧ و ٢٢٣) و (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١١، ص ٣٤٢).\r(¬٢) أبو القاسم على الشريف المرتضى، ولد سنة ٣٥٥ وتوفى سنة ٤٣٦، تولى نقابة الطالبيين نيابة عن أبيه مدة حياته، ثم وليها وحده فى سنة ٤٠٦ بعد وفاة أخيه الشريف الرضى، كان شاعرا مجيدا كأخيه، وله ديوان ومؤلفات فى المذهب الشيعى، ويقول ابن خلكان: وقد اختلف الناس فى كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الامام على بن أبى طالب، هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضى، وقد قيل انه ليس من كلام الامام على بن أبى طالب، هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضى، وقد قيل أنه ليس من كلام على وانما الذى جمعه ونسبه اليه هو الذى وضعه، انظر: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ١٤ - ١٧) و (النجوم الزاهرة، ج ٣ و ٤ الصفحات المذكورة فى الفهرس) و (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٥٣) انظر أيضا بيان مؤلفاته التى طبعت فى (معجم سركيس).\r(¬٣) أبو الحسن محمد الشريف الرضى، ولد سنة ٣٥٩ وتوفى سنة ٤٠٦ ببغداد، ولى نقابة الطالبيين والنظر فى المظالم والحج بالناس نيابة عن أبيه، ثم وليها وحده سنة ٣٨٨ وأبوه حى، وكان شاعرا ممتازا، وله ديوان كبير طبع مرتين فى بيروت، وفى بمباى، وقد راجعنا شعره الوارد هنا على الطبعة الثانية. انظر ترجمته بالتفصيل فى (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ٣٦٢ - ٣٦٧) و (النجوم الزاهرة، ج ٣ و ٤، الصفحات المذكورة بالفهرس) و (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣ و ٤).\r(¬٤) فى الديوان: «ألبس الذل»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276369,"book_id":167,"shamela_page_id":77,"part":"1","page_num":33,"sequence_num":77,"body":"من أبوه أبى، ومولاه مولا … ى، إذا ضامنى البعيد القصىّ\rلفّ عرقى بعرقه سيدا النا … س جميعا: محمد وعلىّ\rإنّ جوعى بذلك الربع شبع … وأوامى بذلك الظلّ رىّ\rمثل من يركب الظلام وقد أس … رى ومن خلفه هلال مضىّ (¬١)\rوقال الحاجب للنقيب أبى أحمد:\r«قل لولدك محمد: أىّ هوان قد أقام فيه عندنا؟ وأىّ ضيم لقى من جهتنا؟ وأىّ ذل أصابه فى مملكتنا؟ وما الذى يعمل معه صاحب مصر لو مضى إليه؟ أكان يصنع إليه أكثر من صنيعنا؟ [ألم نوله النقابة؟] (¬٢) ألم نوله المظالم؟ ألم نستخلفه على الحرمين والحجاز وجعلناه أمير الحجيج؟ فهل كان يحصل له من صاحب مصر أكثر من هذا؟ ما نظنه كان يكون - لو حصل عنده - إلا واحدا من أبناء الطالبيين بمصر».\rفقال النقيب أبو أحمد:\r«أما هذا الشعر فمما لم نسمعه منه، ولا رأيناه بخطه، ولا يبعد أن يكون بعض أعدائه نحله إياه، وعزاه إليه».\rفقال القادر:\r«إن كان كذلك فليكتب الآن محضر يتضمن القدح فى أنساب ولاة مصر، ويكتب محمد خطّه فيه».\rفكتب محضر بذلك، شهد فيه جميع من حضر المجلس، منهم: النقيب أبو أحمد، وابنه المرتضى.\rوحمل المحضر إلى الرضىّ ليكتب فيه خطّه، حمله أبوه وأخوه، فامتنع، وقال:\r«لا أكتب، وأخاف دعاة صاحب مصر».","footnotes":"(¬١) توجد للقصيدة تتمة فى الديوان لم يذكرها المقريزى هنا.\r(¬٢) ما بين الحاصرتين زيادة عن ج.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276370,"book_id":167,"shamela_page_id":78,"part":"1","page_num":34,"sequence_num":78,"body":"وأنكر الشعر، وكتب بخطه أنه ليس بشعره، ولا يعرفه؛ فأجبره أبوه على أن يسطر خطّه فى المحضر، فلم يفعل، وقال:\r«أخاف دعاة المصريين وغلبتهم (¬١)، فإنهم معروفون بذلك».\rفقال أبوه:\r«يا عجبا! أتخاف من بينك وبينه ستمائة فرسخ، ولا تخاف من بينك وبينه مائة ذراع؟» وحلف أن لا يكلمه، وكذلك المرتضى، فعلا ذلك تقية وخوفا من القادر، وتسكينا له.\rفلما انتهى الأمر إلى القادر سكت على سوء أضمره له، وبعد ذلك بأيام صرفه عن النقابة، وولاها محمد بن عمر النهرسابسى (¬٢).","footnotes":"(¬١) ج: «وغيلتهم»\r(¬٢) عند هذا اللفظ تنتهى الفقرة الملحقة بالورقة الاضافية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276371,"book_id":167,"shamela_page_id":79,"part":"1","page_num":35,"sequence_num":79,"body":"وقال الإمام على بن محمد بن عبد الكريم بن الأثير الجزرى فى كتاب «الكامل فى التاريخ»!\r\rذكر ابتداء الدولة العلوية بافريقية\rهذه الدولة اتسعت أكناف مملكتها، وطالت مدتها، فنحتاج نستقصى ذكرها، فنقول:\rأول من ولى منهم: أبو محمد عبيد الله، فقيل هو محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب؛ ومن ينسبه هذا النسب يجعله: عبد الله بن ميمون القداح - الذى ينسب إليه القداحية -.\rوقيل هو عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثانى بن محمد بن إسماعيل بن جعفر - يعنى الصادق -، وقد اختلف العلماء فى صحة نسبه (¬١).\rفقال: - هو وأصحابه القائلون بإمامته - إن نسبه صحيح، ولم يرتابوا فيه. وذهب كثير من العلماء بالأنساب إلى موافقتهم أيضا، وشهد بصحة هذا القول ما قاله الشريف الرضىّ (¬٢).\rما مقامى على الهوان؟ وعندى … مقول صارم، وأنف حمىّ\rألبس الذلّ فى بلاد الأعادى! … وبمصر الخليفة العلوىّ؟\rمن أبوه أبى، ومولاه مولا … ى إذا ضامنى البعيد القصىّ\rلفّ عرقى بعرقه سيّدا النا … س جميعا: محمد وعلىّ\rإنّ ذلّى بذلك الحىّ عزّ، … وأوامى بذلك الرّبع رىّ","footnotes":"(¬١) ناقش موضوع النسب الفاطمى عدد كبير من المؤرخين القدامى والمحدثين، راجع أحدث ما كتبه فى هذا الموضوع B.Lewis\"The Origins of Ismailism \"\r(¬٢) يوجد فى هامش نسخة الأصل تعريف بالشريف الرضى، هذا نصه:\r«بخطه: الشريف الرضى أبو الحسن محمد بن أبى أحمد حسين بن موسى بن محمد بن موسى بن ابراهيم بن موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين ابن على بن أبى طالب، ولد سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، ومات فى المحرم سنة أربع وأربعمائة».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276372,"book_id":167,"shamela_page_id":80,"part":"1","page_num":36,"sequence_num":80,"body":"قال (أى ابن الأثير):\rإنما لم يودعها ديوانه خوفا، ولا حجة فيما كتبه فى المحضر المتضمن القدح فى أنسابهم، فإن الخوف يحمل على أكثر من هذا، على أنه قد ورد ما يصدّق ما ذكرته، وهو أن القادر بالله لما بلغته هذه الأبيات أحضر القاضى أبا بكر الباقلانى (¬١)، وأرسله إلى الشريف أبى أحمد الموسوى - والد الشريف الرضى - يقول له:\r«قد عرفت منزلك منا، وما لا نزال عليه من صدق الموالاة، وما تقدم لك فى الدولة من مواقف محمودة، ولا يجوز أن تكون أنت على خليقة نرضاها، ويكون ولدك على ما يضادها؛ ولقد بلغنا أنه قال شعرا، وهو كذا وكذا، فيا ليت شعرى على أى مقام ذلّ أقام؟ وهو ناظر فى النقابة والحج - وهما من أشرف الأعمال - ولو كان فى مصر لكان كبعض الرعايا».\rوأطال القول.\rفحلف أبو أحمد أنه ما علم بذلك، وأحضر ولده، فقال له فى المعنى، فأنكر الشعر، فقال له:\r«اكتب خطّك إلى الخليفة بالاعتذار، واذكر فيه أن نسب المصرى مدخول، وأنه مدّع فى نسبه».\rفقال: «لا أفعل».\rفقال أبوه: «أتكذبنى فى قولى؟»","footnotes":"(¬١) هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم المعروف بالباقلانى البصرى، كان أشعرى المذهب ومن أئمة علماء الكلام فى وقته، وله تصانيف كثيرة، (انظر بيانها فى: البداية والنهاية، وبروكلمان)، لم يطبع منها الا كتاب «اعجاز القرآن»، ومن أهم كتبه التى لم تصلنا كتاب يتصل بموضوع هذا الكتاب وضعه للرد على الباطنية وعنوانه: (كشف الأسرار وهتك الأستار)، وقد نقل عنه ابن تغرى بردى فى (النجوم، ج ٤، ص ٧٥) فقرات تتضمن الطعن فى نسب الفاطميين، وقد كان الباقلانى موفور الذكاء، ويروى ابن كثير أن عضد الدولة بعثه فى رسالة الى ملك الروم، وقد بدرت منه أثناء رسالته بوادر عرف منها ملك الروم وفور همته وعلو عزيمته، توفى سنة ٤٠٣ هـ. انظر: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ٢٧٨ - ٢٧٩) و (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١١، ص ٣٥٠ - ٣٥١) و (ابن تغرى بردى: النجوم، ج ٤، ص ٢٣٤) و «دائرة المعارف الاسلامية، مادة الباقلانى وما بها من مراجع).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276373,"book_id":167,"shamela_page_id":81,"part":"1","page_num":37,"sequence_num":81,"body":"فقال: «ما أكذّبك، ولكن أخاف الديلم، وأخاف من المصرى، ومن الدعاة التى له فى البلاد».\rفقال أبوه: «أتخاف من هو بعيد منك وتراقبه، وتسخط من أنت بمرأى منه ومسمع، وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك؟».\rوتردد القول بينهما، ولم يكتب الرضىّ خطّه، فحرد عليه أبوه وغضب، وحلف أن لا يقيم معه فى بلد، فآل الأمر إلى أن حلف الرضىّ أنه ما قال هذا الشعر.\rواندرجت القصة على هذا.\rففى (¬١) امتناع الرضىّ من الاعتذار، ومن أن يكتب طعنا فى نسبهم دليل قوىّ على صحة نسبهم.\rوسألت أنا جماعة من أعيان العلويين عن نسبه فلم يرتابوا فى صحته.\rوذهب غيرهم إلى أن نسبه مدخول ليس بصحيح، وغلا طائفة منهم إلى أن جعلوا نسبه يهوديا.\rوقد كتب فى الأيام القادرية محضر يتضمن القدح فى نسبه ونسب أولاده، وكتب فيه جماعة من العلويين (¬٢) وغيرهم: أن نسبه إلى أمير المؤمنين على - كرّم الله وجهه - غير صحيح.\rوزعم القائلون بصحة نسبه أن العلماء ممن كتب فى المحضر إنما كتبوا خوفا وتقية، ومن لا علم عنده بالأنساب فلا احتجاج بقوله.\rوزعم الأمير عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شدّاد بن تميم بن المعز بن باديس - صاحب تاريخ إفريقية والغرب - أن نسبه معرق فى اليهودية، ونقل فيه عن جماعة من العلماء، وقد استقصى ذلك فى ابتداء دولتهم وبالغ.","footnotes":"(¬١) الأصل «فبقى»، والتصحيح عن ابن الأثير، وبه يستقيم المعنى\r(¬٢) ذكر (ابن الأثير: الكامل، ج ٨، ص ١٠) أسماء العلويين الذين وقعوا على المحضر، فراجعها هناك وراجع كذلك (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١١، ص ٣٤٦) و (ابن تغرى بردى: النجوم، ج ٤، ص ٢٣٠ - ٢٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276374,"book_id":167,"shamela_page_id":82,"part":"1","page_num":38,"sequence_num":82,"body":"وأنا أذكر معنى ما قاله مع البراءة من عهدة طعنه فى نسبه، وما عداه فقد أحسن فيما ذكر، قال:\r«لما بعث الله محمدا ﷺ عظم ذلك على اليهود والنصارى والروم والفرس وسائر العرب، لأنه سفّه أحلامهم، وعاب أديانهم، فاجتمعوا يدا واحدة عليه، فكفاه الله كيدهم، وأسلم منهم من هداه الله، فلما قبض ﷺ نجم النفاق، وارتدّت العرب، وظنوا أن أصحابه يضعفون بعده، فجاهد أبو بكر ﵁ فى سبيل الله، فقتل مسيلمة وأهل الردّة، ووطّأ جزيرة العرب، وغزا فارس والروم، فلما حضرته الوفاة ظنوا أن بوفاته ينتقض الإسلام، فاستخلف عمر بن الخطاب ﵁ فأذلّ فارس والروم، وغلب على ممالكهما، فدسّ عليه المنافقون أبا لؤلؤة فقتله، ظنا منهم أن بقتله ينطفئ نور الإسلام، فولى عثمان ﵁، فزاد فى الفتوح، فلما قتل وولى على ﵁ قام بالأمر أحس قيام، فلما يئس أعداء الإسلام من استئصاله بالقوة أخذوا فى وضع الأحاديث الكاذبة، وتشكيك ضعفة العقول فى دينهم، بأمور قد ضبطها المحدثون، وأفسدوا الصحيح بالتأويل والطعن عليه.\rوكان أول من فعل ذلك أبو الخطاب محمد بن أبى زينب - مولى بنى أسيد (¬١)، وأبو شاكر، ميمون بن ديصان، وغيرهما، فألقوا إلى كل من وثقوا به أن لكل شيء من العبادات باطنا، وأن الله لم يوجب على أوليائه ومن عرف [من] الأئمة والأبواب صلاة ولا زكاة ولا غير ذلك، ولا حرّم عليهم شيئا، وأباحوا لهم نكاح الأمهات والأخوات، وقالوا: هذه قيود للعامة، وهى ساقطة عن الخاصة، وكانوا يظهرون التشيع لآل النبى ﷺ ليستروا أمرهم، ويستميلوا العامة.","footnotes":"(¬١) كذا فى الأصل، وعند ابن الأثير: «بنى أسد»، انظر تفصيل الحديث عن ابن الخطاب وعن الخطابية فى: (الكشى: معرفة الرجال، ص ١٨٧ - ١٩٩) و (الرازى: اعتقادات المسلمين، ص ٥٨) و (النوبختى: فرق الشيعة، ص ٤٢ و ٤٤ و ٦٩).\r(B.Lewis:Op.Cit.P .٣٢ - ٤٣) و (الاسفرايينى: التبصير فى الدين، ص ٧٣ - ٧٤).\rو (المقريزى: الخطط، ج ٤ ص ١٧٤ - ١٧٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276375,"book_id":167,"shamela_page_id":83,"part":"1","page_num":39,"sequence_num":83,"body":"وتفرق أصحابهم فى البلاد، وأظهروا الزهد والعبادة، يغرون الناس بذلك وهم على خلافه، فقتل أبو الخطاب وجماعة من أصحابه بالكوفة، وكان أصحابه قالوا له: «إنا نخاف الجند» فقال لهم: «إن أسلحتهم لا تعمل فيكم».\rفلما ابتدءوا فى ضرب أعناقهم، قال له أصحابه:\r«ألم تقل إن سيوفهم لا تعمل فينا؟»\rفقال: «إذا كان قد بدا لله فما حيلتى؟»\rوتفرقت هذه الطائفة فى البلاد، وتعلموا الشعبذة (¬١)، والنارنجيات (¬٢)، والنجوم، والكيمياء، فهم يحتالون على كل قوم بما ينفق عليهم، وعلى العامة بإظهار الزهد.\rونشأ لابن ديصان ابن يقال له «أبو عبد الله القداح (¬٣)» علّمه الحيل، وأطلعه على أسرار هذه النحلة، فحذق وتقدم.\rوكان بنواحى أصبهان (¬٤) رجل يعرف بمحمد بن الحسين، ويلقب بدندان (¬٥)، يتولى","footnotes":"(¬١) يقال شعوذ وشعبذ، والشعوذة أو الشعبذة خفة فى اليد، وأخذ كالسحر، يرى الشئ بغير ما عليه أصله فى رأى العين، وهو مشعوذ ومشعوذ، والشعوذى رسول الأمراء على البريد (القاموس).\r(¬٢) النارنجيات أو النيرنجيات عرفها (Dozy:Supp.Dict.Arab) بأنها الرقى أو الطلاسم أو السحر (enchantements) ، وجاء فى القاموس أن النيرنج أخذ كالسحر وليس به، انظر الفصل الذى عقده (ابن النديم فى الفهرست، ص ٤٢٩ - ٤٣٥) عن أخبار المعزمين والمشعبذين والسحرة، وأصحاب النارنجيات والحيل والطلسمات.\r(¬٣) كذا فى الأصل وفى ج، وعند ابن الأثير «عبد الله القداح».\r(¬٤) جاء فى (معجم البلدان لياقوت) نقلا عن حمزة بن الحسن أن أصبهان اسم مشتق من الجندية لأنه اذا رد الى أصله بالفارسية كان «أسباهان»، وهى جمع أسباه أى الجند، ويقال لها أيضا أصفهان، وقد اختلفت الروايات عند ذكر السنة التى فتحها فيها المسلمون، فهى سنة ١٩ أو ٢١ أو ٢٣، انظر أخبارها بالتفصيل فى: (أبو نعيم: أخبار أصفهان، جزءان) و (دائرة المعارف الاسلامية، مادة أصفهان وما بها من مراجع).\r(¬٥) فى الأصل: «ديدان»، وقد اختلفت المراجع فى رسم هذا الاسم، فهو زيدان، وزندان، وذيذان .. الخ، كذلك اختلفت المراجع السنية والشيعية عند التعريف به، فهو فى المراجع السنية: محمد بن الحسين الملقب بدندان أو ذيذان، كان رجلا ثريا يعيش بنواحى كرخ وأصفهان، كما كان فارسيا شعوبيا، كارها للعرب، اجتمع وعبد الله بن ميمون فى سجن -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276376,"book_id":167,"shamela_page_id":84,"part":"1","page_num":40,"sequence_num":84,"body":"تلك المواضع، وكان يبغض العرب، ويجمع مساويهم، فسار إليه القداح، وعرّفه من ذلك ما زاد به محله، وأشار إليه أن لا يظهر ما فى نفسه ويكتمه، ويظهر التشيع والطعن على الصحابة، فاستحسن قوله، وأعطاه مالا ينفقه على الدعاة إلى هذا المذهب، فسيّر دعاته إلى كور الأهواز، والبصرة، والكوفة، والطالقان (¬١)، وخراسان، وسلمية من أرض حمص.\rوتوفى القدّاح ودندان، فقام من بعد القدّاح ابنه أحمد، وصحبه انسان يقال له أبو القاسم رستم بن الحسين بن فرج (¬٢) بن حوشب بن زاذان النجار، من أهل الكوفة، وألقى إليه مذهبه فقبله، وسيّره إلى اليمن، وأمره بلزوم العبادة والزهد، ودعا الناس إلى المهدى، وأنه خارج","footnotes":"= - والى العراق حيث أسسا مذاهب الباطنية، ثم قدم دندان لعبد الله ألفا ألف دينار ليصرف منها على نشر الدعوة، ثم بدأ دندان ينشر دعوته فى منطقة الجبل، فتبعه جماعة من الأكراد، انظر (الفهرست لابن النديم، ص ٢٦٧) و (البغدادى: الفرق بين الفرق، ص ٢٧٠) و (الاسفرايينى: التبصير فى الدين، ص ٨٣) .. الخ\rوهو فى المراجع الشيعية أبو جعفر أحمد بن الحسين بن سعيد بن حماد بن سعيد بن مهران من الأهواز، وكان من الغلاة، وله تصانيف كثيرة، وكان أبوه الحسين من الثقات، روى الكثير عن على الرضا (٢٠٢ - ٨١٧) ومحمد الجواد (٢٢٠ - ٨٣٥) وعلى الهادى (٢٤٥ - ٨٦٨)، وهو أصلا من الكوفة، ثم رحل الى الأهواز حيث ولد له أحمد، ثم ارتحل الى قم حيث مات بها. انظر مثلا: (الفهرست للطوسى، ص ٢٦، ١٠٤) و (ابن شهرآشوب: معالم العلماء، ص ١٠ و ٣٥)، ولتوضيح حقيقة دندان انظر:\r(Lewis:Op.Cit.P .١٢،٥٦ - ٥٨،٦٩ - ٧١) :\r(¬١) الطالقان بلدتان احداهما بين قزوين وأبهر، والثانية بخراسان بين مروالروذ وبلخ، ولعل الثانية هى التى يقصدها النص هنا. انظر (معجم البلدان لياقوت).\r(¬٢) فى ابن الاثير: «ابن الحسين بن حوشب بن دادان»، وهناك اختلافات كبيرة عند ذكر اسمه فى المراجع المختلفة، كما يتبين عند مقارنة نصى الأصل وابن الأثير، وهو فى الخطط للمقريزى: «أبو القاسم الحسين بن فرج بن حوشب الكوفى» ويسمى أيضا منصور اليمن، ويرى (Key:Op.Cit.P .٣٢٣) أن هذه الكنية ليست جزءا من اسمه الحقيقى، وانما هى صفة يقصد بها أنه الرجل الذى انتصر على يده المذهب فى اليمن، وقد ذكر (البهاء الجندى: تاريخ القرامطة الملحق بتاريخ اليمن لعمارة، ص ١٤١) - نقلا عن ابن الجوزى - أن ابن حوشب وصل مع على بن الفضل الى اليمن فى سنة ٢٧٩، وقد قارن (Kay:P .٢٢٥) نصوص المراجع المختلفة وأثبت أنهما وصلا الى اليمن سنة ٢٦٨، وقد روى (الجندى، ص ١٥٠) أن ابن حوشب توفى سنة ٣٠٢ بعد وصوله بأربع وثلاثين سنة، انظر أيضا: (ابن مالك: كشف أسرار الباطنية، ص ٢٢ - ٢٨) و (Kay:Op.Cit.P.١٩١،٢٨٢ ctc .)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276377,"book_id":167,"shamela_page_id":85,"part":"1","page_num":41,"sequence_num":85,"body":"فى هذا الزمان، فنزل بعدن بقرب قوم من الشيعة يعرفون ببنى موسى، فأظهر أمره، وقرّب أمر المهدى، وأمرهم بالاستكثار من الخيل والسلاح.\rواتصلت أخباره بالشيعة الذين بالعراق، فساروا إليه، وكثر جمعهم، وعظم بأسهم، وأغاروا على من جاورهم، وسبوا، وجبوا الأموال، وأرسل إلى من بالكوفة من ولد القداح هدايا عظيمة.\rوأوفدوا إلى المغرب رجلين: أحدهما الحلوانى، والآخر أبو سفيان (¬١)، وقالوا لهما:\r«إن المغرب أرض بور، فاذهبا فاحرثا حتى يجئ صاحب البذر».\rفسارا، ونزل أحدهما بأرض كتامة، فمالت قلوب أهل تلك النواحى إليهما، وحملوا إليهما الأموال والتحف، فأقاما سنين كثيرة وماتا، وكان من إرسال أبى عبد الله الشيعى إلى المغرب ما كان.\rفلما توفى عبد الله بن ميمون القداح ادّعى ولده أنه من ولد عقيل بن أبى طالب، وهم مع هذا يسترون أمرهم، ويخفون أشخاصهم.\rوكان ولده أحمد هو المشار إليه منهم، فتوفى وخلّف ولده محمدا، ثم توفى محمد وخلّف أحمد والحسين، فسار الحسين إلى سلمية، وله بها ودائع من جهة جده عبد الله القداح، ووكلاء وغلمان.\rوبقى ببغداد من أولاد القداح أبو الشلعلع، وكان الحسين يدّعى أنه الوصىّ وصاحب الأمر، والدعاة باليمن المغرب يكاتبونه، واتفق أنه جرى بحضرته حديث النساء بسلمية،","footnotes":"(¬١) يوجد بالهامش فى نسخة الأصل ونسخة (ج) تعريف بالحلوانى وأبى سفيان منقول عن المؤلف وخطه، ونصه: «بخطه: الحلوانى وأبو سفيان أنفذهما جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين السبط بن أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵈ الى بلاد المغرب فى سنة خمس وأربعين ومائة، وقال لهما: انكما تدخلان أرضا بورا لم تحرث قط، فاحرثاها وكرماها وذللاها حتى يأتى صاحب البذر، فيضع فيها حبه، فنزل أبو سفيان من أرض المغرب مدينة مرماجنة، ونزل الحلوانى بموضع يسمى سوق حماد، فلم يزالا يدعوان الناس لطاعة آل البيت حتى استمالا قلوب جمع كثير من كتامة وغيرها الى محبة آل البيت، وصاروا شيعة لهم الى أن دخل اليهم صاحب البذر أبو عبد الله الشيعى بعد مائة وخمس وثلاثين سنة، وكان من أمره ما كان».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276378,"book_id":167,"shamela_page_id":86,"part":"1","page_num":42,"sequence_num":86,"body":"فوصفوا له امرأة رجل يهودى حداد مات عنها زوجها [وهى فى غاية الحسن] (¬١) ولها ولد من الحداد يماثلها فى الجمال، فأحبها وحسن موقعها منه، وأحب ولدها، وأدّبه وعلمه، فتعلم العلم، وصارت له نفس عظيمة، وهمة كبيرة، فمن العلماء من أهل هذه الدعوة من يقول إن الإمام الذى كان بسلمية - وهو الحسين - مات ولم يكن له ولد، فعهد إلى ابن اليهودى (¬٢) الحداد","footnotes":"(¬١) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج)\r(¬٢) اعتاد المؤرخون السنيون أن يرددوا هذا الرأى القائل بانتساب الفاطميين الى أصل يهودى، وترداد هذا الرأى - الى جانب القول بانتمائهم الى ميمون القداح - دليل قوى على بعده عن الحقيقة، وعلى أنه وضع لتجريح الفاطميين والتشكيك فى صحة نسبهم، مما دفع (Lacy O'Leary:The Fatimid Caliphate،P .٣٣ - ٣٤)\rأن يسمى هذا الرأى «الخرافة اليهودية «The Jewish Legend ، وقد اتخذت هذه الخرافة فى تلك المراجع أشكالا أربعة:\r١ - أول اشارة اليها توجد فى (ابن مالك: كشف أسرار الباطنية، ص ١٧ وما بعدها)، وقد نقلها عنه باختصار (الجندى: أخبار القرامطة، ص ١٤٠)، وخلاصة رأى ابن مالك أن عبد الله بن ميمون «كان يعتقد اليهودية ويظهر الاسلام، وهو من اليهود من ولد الشلعلع من مدينة سلمية، وكان من أحبار اليهود، وأهل الفلسفة، وكان صائغا يخدم شيعة اسماعيل ابن جعفر الصادق، وكان حريصا على هدم الشريعة المحمدية .. الخ».\r٢ - وتروى بعض المراجع الأخرى. انظر مثلا (Maqrizi،Quatremere P .١١٥) و (ابن الأثير: الكامل، ج ٨) و (أبو الفداء، ج ٢ ص ٦٣ - ٦٤) نفس الرواية المذكورة هنا فى المتن، وخلاصتها أن الحسين - من نسل ميمون - وقد تزوج امرأة يهودى وتبنى ولدها، ونقل اليه الدعوة، وقد روى هذه القصة أيضا عبد العزيز بن شداد، ورواها منسوبة الى القاضى عبد الجبار البصرى كل من (أبى المحاسن: النجوم، ٤، ص ٧٥) و (السيوطى: تاريخ الخلفاء، ص ٣).\r٣ - أما الشكل الثالث لهذه الرواية فيتلخص فى أن سعيدا كان ابنا لجارية من جوارى جعفر الصادق، وقد أولدها اياه رجل يهودى كان يحبها. انظر: (ابن عذارى: البيان المغرب، ج ١، ص ١٥٨).\r٤ - أما الشكل الرابع فيتلخص فى أن سعيدا قتل فى سجنه بسلمية، وحفظا للدعوة أظهر أبو عبد الله - مكان سعيد - عبدا يهوديا، ونادى به خليفة. انظر:\r(Maqrizi،Quatermere،P .١٠٨)\rومن الواضح أن هذا الاختلاف فى الروايات دليل آخر على ضعف هذه القصة وبعدها عن الصحة، ويرى (B.Lewis:Op.Cit.P .٦٨) أن استعانة الفاطميين باليهود وتوليتهم الوظائف الكبرى فى الدولة مما دفع أعداءها الى ابتداع هذه القصة، واتهامهم بالانتماء الى أصل يهودى، ويؤيد لويس رأيه هذا بأن ابن مالك - وهو أول راو لهذه القصة - كان يعيش فى عهد المستنصر، وقد تولى الوزارة فى عهد هذا الخليفة اثنان من اليهود، هما: ابن سهل التسترى، وصدقة الفلاحى. انظر: (ابن -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276379,"book_id":167,"shamela_page_id":87,"part":"1","page_num":43,"sequence_num":87,"body":"- وهو عبيد الله -، وعلّمه أسرار الدعوة من قول وفعل، وأين الدعاة، وأعطاه الأموال والعلامات، وتقدّم إلى أصحابه بطاعته وخدمته، وأنه الإمام والوصىّ، وزوّجه ابنة عمه أبى الشلعلع، وجعل لنفسه نسبا، وهو:\rعبيد الله بن الحسين بن على بن محمد بن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب.\rوبعض الناس يقول: إن عبيد الله هذا من ولد القداح».\rوقال [أى ابن الأثير]: هذه الأقوال فيها ما فيها، فيا ليت شعرى، ما الذى حمل أبا عبد الله الشيعى وغيره ممن قام فى إظهار هذه الدعوة حتى يخرجوا الأمر من أنفسهم ويسلموه إلى ولد يهودى؟! وهل يسامح نفسه بهذا الأمر [من] يعتقده دينا يثاب عليه؟!\rقال: فلما عهد الحسين إلى عبيد الله قال له: إنك ستهاجر بعدى هجرة بعيدة، وتلقى محنا شديدة» فتوفى الحسين، وقام بعده عبيد الله، وانتشرت دعوته، وأرسل إليه أبو عبد الله رجالا من كتامة من المغرب ليخبروه بما فتح الله عليه، وأنهم ينتظرونه.\rوشاع خبره عند الناس أيام المكتفى، فطلب، فهرب هو وولده أبو القاسم - الذى ولى بعده وتلقب بالقائم - وهو يومئذ غلام، وخرج معه خاصته ومواليه يريد المغرب، وذلك أيام زيادة الله بن الأغلب.».\rانتهى ما ذكره ابن الأثير.\rقال المؤلف (¬١) - رحمة الله عليه -: وأما المحضر فنسخته:\r«هذا ما شهد به الشهود:","footnotes":"= - منجب الصيرفى: الاشارة الى من نال الوزارة ص ١٩ - ٢٣ و ٣٧ و ٥٢) و (صبح الأعشى، ج ٣، ص ٤٨٦)، فأثار هذا العمل شعور المسلمين، ولا يعتمد لويس عند ابداء رأيه هذا على استقراء الحوادث فقط، وانما يستعين بقول ابن مالك نفسه (ص ١٩ - ٢٠) وهو، «والدليل على أنهم من اليهود استعمالهم اليهود فى الوزارة والرئاسة، وتفويضهم اليهم تدبير السياسة، ما زالوا يحكمون فى دماء المسلمين وأموالهم .. الخ».\r(¬١) ج: «قال كاتبه»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276380,"book_id":167,"shamela_page_id":88,"part":"1","page_num":44,"sequence_num":88,"body":"أن معدّ بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد ينسب إلى ديصان بن سعيد الذى تنسب إليه الديصانية.\rوأن هذا الناجم بمصر هو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والخزى والدمار - ابن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد - لا أسعده الله -.\rوأن من تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس - عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين - أدعياء خوارج، لا نسب لهم فى ولد على بن أبى طالب ﵁:\rوأن ما ادعوه من الانتساب إليه زور وباطل.\rوأن هذا الناجم فى مصر - هو وسلفه - كفّار، فساق، زنادقة، ملحدون، معطلون، وللإسلام جاحدون، أباحوا الفروج، وأحلّوا الخمور، وسبّوا الأنبياء، وادعوا الربوبية».\rوفى آخره: «وكتب فى شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة».\rوقال العلامة أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون (¬١) فى كتاب: «العبر وديوان المبتدأ والخبر»:\rومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرخين فى العبيديين خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة، من نفيهم عن أهل البيت - صلوات الله عليهم - والطعن فى نسبهم إلى إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق، يعتمدون فى ذلك على أحاديث لفقت للمستضعفين من خلفاء بنى العباس، تزلفا إليهم بالقدح فيمن ناصبهم، وتفننا فى الشمات بعدوهم، حسب ما تذكر بعض هذه الأحاديث فى أخبارهم؛ ويغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات، وأدلة الأحوال التى اقتضت","footnotes":"(¬١) من المعروف أن المقريزى كان تلميذا لابن خلدون، وقد تأثر به تأثرا كبيرا. انظر (مقدمة اغاثة الأمة للمقريزى نشر الدكتورين زيادة والشيال)، وهو هنا ينقل عنه دفاعه عن الفاطميين وتأييده لصحة نسبهم، غير أن (السخاوى: الضوء اللامع، ج ٤، ص ١٤٧ - ١٤٨) يقول: «والعجب أن صاحبنا المقريزى كان يفرط فى تعظيم ابن خلدون، لكونه كان يجزم بصحة نسب بنى عبيد الى على، ويخالف غيره فى ذلك، ويدفع ما نقل عن الأئمة من الطعن فى نسبهم، ويقول: انما كتبوا ذلك المحضر مراعاة للخليفة العباسى، وكان صاحبنا - أى المقريزى - ينتمى الى الفاطميين، فأحب ابن خلدون لكونه أثبت نسبهم، وغفل عن مراد ابن خلدون، فانه كان لانحرافه عن آل على يثبت نسب الفاطميين اليهم لما اشتهر من سوء معتقد الفاطميين، وكون بعضهم نسب الى الزندقة وادعى الالهية .. الخ» انظر أيضا: (السخاوى: الاعلان بالتوبيخ، ص ٩٤) و (عنان: ابن خلدون، حياته وتراثه الفكرى).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276381,"book_id":167,"shamela_page_id":89,"part":"1","page_num":45,"sequence_num":89,"body":"خلاف ذلك من تكذيب دعواهم، والرد عليهم، فإنهم متفقون فى حديثهم عن مبدأ دولة الشيعة أن أبا عبد الله المحتسب لما دعا - بكتامة - للرضى من آل محمد، واشتهر خبره، وعلم تحويمه على عبيد الله المهدى، وابنه أبى القاسم خشيا على أنفسهما، فهربا من المشرق - محل الخلافة -، واجتازا بمصر.\rوأنهما خرجا من الاسكندرية فى زىّ التجار، ونمى خبرهما إلى عيسى (¬١) النوشرى - عامل مصر - فسرّح فى طلبهما الخيّالة، حتى إذا أدركا خفى حالهما على تابعهما بما لبسوا من الشارة والزىّ، فأقبلوا إلى المغرب.\rوأن المعتضد أوعز إلى الأغالبة - أمراء إفريقية بالقيروان -، وبنى مدرار (¬٢) - أمراء سجلماسة - بأخذ الآفاق عليهما، وإذكاء العيون فى طلبهما، فعثر اليسع (¬٣) - صاحب سجلماسة ابن آل مدرار - على خفىّ مكانهما ببلده، واعتقلهما مرضاة للخليفة.\rهذا قبل أن تظهر الشيعة على الأغالبة بالقيروان.\rثم كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بإفريقية والمغرب، ثم باليمن، ثم بالاسكندرية، ثم بمصر والشام والحجاز؛ وقاسموا بنى العباس فى ممالك الإسلام شق الأبلمة (¬٤)، وكادوا (¬٥) يلجون عليهم مواطنهم، ويديلون من أمرهم.","footnotes":"(¬١) الأصل: «موسى»، وهو خطأ واضح.\r(¬٢) بنو مدرار أمراء سجلماسة حكموا هذه المدينة قرنين من الزمان (١٥٥ - ٣٥٢ - ٧٧٢ - ٩٦٣) ألا ثلاث فترات استولى فيها الفاطميون على هذه المدينة، المرة الاولى فى ٢٩٦ ولبثوا فيها الى ٢٩٨، وكان ذلك فى عهد اليسع الثانى المستنصر، والمرة الثانية فى سنة ٣٠٩ فى عهد أحمد بن ميمون، والمرة الثالثة فى سنة ٣٤٧ وهى آخر سنة من حكم محمد الشاكر لله. انظر: (Zambaur:Op.Cit.P .٦٤ - ٦٥)\r(¬٣) هو اليسع الثانى المستنصر ثامن حكام سجلماسة من آل مدرار، حكمها بين سنتى (٢٧٠ - ٢٩٦ - ٨٨٣ - ٩٠٩)، وهو الذى قبض على عبيد الله المهدى وأودعه السجن الى أن أطلق سراحه واستولى على المدينة أبو عبد الله الشيعى.\r(¬٤) شق الأبلمة أى نصفين\r(¬٥) فى الأصل: «وكانوا» وما هنا صيغة ابن خلدون.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276382,"book_id":167,"shamela_page_id":90,"part":"1","page_num":46,"sequence_num":90,"body":"ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الأمير البساسيرى (¬١) - من موالى الديلم المتغلبين على خلفاء بنى العباس - فى مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم، وخطب لهم على منابرها حولا كاملا.\rوما زال بنو العباس يغصّون بمكانهم ودولتهم، وملوك بنى اميه - وراء البحر - ينادون بالويل والحرب منهم.\rوكيف يقع هذا كله لدعىّ فى النسب، يكذب فى انتحال الأمر؟!\rواعتبر حال القرمطى إذ كان دعيّا فى انتسابه، كيف تلاشت دعوته، وتفرّق اتباعه، وظهر سريعا على خبثهم ومكرهم، فساءت عاقبتهم، وذاقوا وبال أمرهم، ولو كان أمر العبيدين كذلك لعرف ولو بعد مهلة.\r(٦ - ب)\rفمهما تكن عند امرئ من خليقة … وإن خالها تخفى على الناس تعلم\rفقد اتصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة، وملكوا مقام إبراهيم ومصلاه، وموطن الرسول ومدفنه، وموقف الحجيج، ومهبط الملائكة، ثم انقرض أمرهم وشيعتهم فى ذلك كله على أتم ما كانوا عليه من الطاعة لهم (¬٢)، والحب فيهم، واعتقادهم ينسب الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق.\rولقد خرجوا مرارا - بعد ذهاب الدولة ودروس أثرها - داعين إلى بدعتهم، هاتفين بأسماء صبيان من أعقابهم، يزعمون استحقاقهم للخلافة، ويذهبون إلى تعيينهم بالوصية ممن سلف قبلهم من الأئمة، ولو ارتابوا فى نسبهم لما ركبوا أعناق الأخطار فى الانتصار لهم، فصاحب البدعة لا يلبس [فى] أمره، ولا يشبه فى بدعته، ولا يكذب نفسه فيما ينتحله.","footnotes":"(¬١) هو أبو الحارث أرسلان - الملقب بالمظفر - البساسيرى، وهذا الاسم نسبة شاذة الى المدينة الفارسية «بسا» أو (فسا). انظر (ياقوت: معجم البلدان)، وكان البساسيرى أحد القواد العباسيين آخر أيام بنى بويه، ثم حدث نزاع بينه وبين ابن مسلمة وزير الخليفة العباسى القائم بأمر الله، لأنه طلب مساعدة السلاجقة للتخلص من بنى بويه، فلما دخل طغرل بك بغداد سنة ٤٤٧ (١٠٥٥ م) اضطر البساسيرى الى الفرار، ثم كاتب الخليفة المستنصر الفاطمى، فأمده هذا بالمال والسلاح، وفى سنة ٤٥٠ (١٠٥٨ م) دخل بغداد ظافرا، وأقام الخطبة للمستنصر، وبعث البشائر الى مصر، وفى سنة ٤٥١ تغلب عليه ثانية طغرل بك وقتله، وأعاد الخطبة للخليفة العباسى، انظر تفصيل هذه الثورة وأخباره فى (النجوم الزاهرة، ج ٥، ص ٥ - ١٢) و (الوفيات لابن خلكان، ج ١، ص ١٠٧) و (دائرة المعارف الاسلامية).\r(¬٢) فى الأصل: «الصاغية اليهم»، وما هنا عن ابن خلدون.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276383,"book_id":167,"shamela_page_id":91,"part":"1","page_num":47,"sequence_num":91,"body":"والعجب فى القاضى أبى بكر الباقلانى - شيخ النظار من المتكلمين - يجنح إلى هذه المقالة المرجوحة، ويرى هذا الرأى الضعيف، فإن كان ذلك لما كانوا عليه من الإلحاد فى الدين، والتعمق فى الرافضية، فليس ذلك بدافع فى صدد بدعتهم، وليس إثبات منتسبهم بالذى يغنى عنهم من الله شيئا فى كفرهم، وقد قال تعالى لنوح ﵇ فى شأن ابنه:\r«إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (¬١) [و] قال ﷺ لفاطمة يعظها: «يا فاطمة: اعملى، فلن أغنى عنك من الله شيئا».\rومتى عرف امرؤ قضية، أو استيقن أمرا، وجب عليه أن يصدع به «وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ» (¬٢).\rوالقوم كانوا فى مجال لظنون الدول بهم، وتحت رقبة من الطغاة لتوفر شيعتهم، وانتشارهم فى القاصية بدعوتهم، وتكرر خروجهم مرة بعد أخرى، فلاذت رجالاتهم بالاختفاء، ولم يكادوا يعرفون. كما قيل:\rفلو تسأل الأيام ما اسمى ما درت … وأين مكانى؟ ما عرفن مكانى\rحتى لقد سمى محمد بن إسماعيل الإمام - جد عبيد الله المهدى - بالمكتوم، سمّته بذلك شيعتهم لما اتفقوا عليه من اخفائه حذرا من المتغلبين عليهم، فتوصّل شيعة آل العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن فى نسبهم، وازدلفوا بهذا الرأى الفائل (¬٣) إلى المستضعفين من خلفائهم، وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم، المتولون لحروبهم مع الأعداء، يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرّة العجز عن المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشام ومصر والحجاز من البربر الكتاميين - شيعة العبيديين وأهل دعوتهم -، حتى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم من هذا النسب، وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة، منهم:","footnotes":"(¬١) السورة ١١، الآية ٤٦.\r(¬٢) السورة ٤، الآية ٣٣.\r(¬٣) الرأى الفائل أى الخاطئ أو الضعيف، فقد جاء فى القاموس: «قال رأيه يفيل فيولة وفيلة أخطأ وضعف».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276384,"book_id":167,"shamela_page_id":92,"part":"1","page_num":48,"sequence_num":92,"body":"الشريف الرضى (¬١).\rوأخوه المرتضى (¬٢).\rوابن البطحاوى.\rومن العلماء:\rأبو حامد الاسفرايينى (¬٣).\rوالقدورى (¬٤).\rوالصميرى (¬٥).","footnotes":"(¬١) أبو الحسن محمد الشريف الرضى، ولد سنة ٣٥٩، وتوفى سنة ٤٠٦ ببغداد، ولى نقابة الطالبيين والنظر فى المظالم والحج بالناس نيابة عن أبيه ثم وليها وحده سنة ٣٨٨ - وأبوه حى - وكان شاعرا ممتازا، وله ديوان كبير طبع أكثر من مرة. انظر ترجمته بالتفصيل فى: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ٣٦٢ - ٣٦٧) و (النجوم الزاهرة، ج ٣ و ٤) و (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣ - ٤).\r(¬٢) أبو القاسم على الشريف المرتضى، ولد سنة ٣٥٥، وتوفى سنة ٤٣٦، تولى نقابة الطالبيين نيابة عن أبيه - مدة حياته - ثم وليها وحده فى سنة ٤٠٦ بعد وفاة أخيه الشريف الرضى، كان شاعرا مجيدا كأخيه، وله ديوان ومؤلفات فى المذهب الشيعى، ويقول ابن خلكان: «وقد اختلف الناس فى كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الامام على بن أبى طالب، هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضى، وقد قيل انه ليس كلام على، وانما الذى جمعه ونسبه اليه هو الذى وضعه».\rانظر: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ١٤ - ١٧) و (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج ٣ و ٤، الصفحات المذكورة بالفهرس) و (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٥٣). انظر أيضا بيان مؤلفاته فى: (معجم سركيس).\r(¬٣) أحمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الاسفرايينى امام الشافعية فى زمانه، ولد سنة ٣٤٤، له مصنفات كثيرة، وكان يتوسط بين الخليفة القادر وبين السلطان محمود بن سبكتكين، توفى سنة ٤٠٦، انظر: (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ح ٤، ص ٢٤٩) و (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢ - ٣).\r(¬٤) أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان أبو الحسن القدورى الحنفى، انتهت اليه رئاسة أصحاب أبى حنيفة فى بغداد، وكان ثبتا مناظرا، وهو الذى تولى مناظرة الشيخ أبى حامد الاسفرايينى شيخ الشافعية توفى سنة ٤١٨ عن ست وخمسين سنه.\rانظر: (أنساب السمعانى) و (البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٤) و (النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٢٣٠).\r(¬٥) الحسين بن على بن محمد بن جعفر أبو عبد الله الصيمرى - نسبة الى نهر بالبصرة يقال له صيمر - ولد سنة ٣٥١، انتهت اليه رئاسة الحنفية ببغداد، وولى قضاء المدائن ثم قضاء ربع الكرخ، توفى فى شوال سنه ٤٣٦ عن خمس وثمانين سنة.\rانظر: (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٥٢) و (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج ٥، ص ٣٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276385,"book_id":167,"shamela_page_id":93,"part":"1","page_num":49,"sequence_num":93,"body":"وابن الاكفانى (¬١).\rوالأبيوردى (¬٢).\rوأبو عبد الله بن النعمان (¬٣) - فقيه الشيعة -.\rوغيرهم من أعلام الأئمة ببغداد، فى يوم مشهود وذلك سنة اثنتين وأربعمائة فى أيام القادر؛ وكانت شهادتهم فى ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغداد، وغالبها شيعة بنى العباس، الطاعنون فى هذا النسب، فنقله الأخباريون - كما سمعوه -، ورووه - حسبما وعوه -، والحق من ورائه.\rوفى كتاب المعتضد - فى شأن عبيد الله - إلى ابن الأغلب بالقيروان، وابن مدرار بسجلماسة أصدق شاهد، وأوضح دليل على صحة نسبهم، فالمعتضد أقعد بنسب أهل البيت من كل أحد، والدولة والسلطان سوق للعالم تجلب إليه بضائع العلوم والصنائع، وتلتمس فيه ضوال الحكم، وتحدى إليه ركائب الروايات والأخبار، وما نفق فيها نفق عند الكافة، فإن تنزهت الدولة عن التعسف والميل والأفن والشقشقة، وسلكت النهج الأمم، ولم تجر عن قصد السبيل، نفق بأسواقها الإبريز الخالص، واللجين المصفى، وإن ذهبت مع الأغراض والحقود، وماجت","footnotes":"(¬١) عبد الله بن محمد بن عبد الله أبو محمد المعروف بابن الأكفانى، قاضى قضاة بغداد، ولد سنة ٣١٦، وتوفى سنة ٤٠٥ عن خمس وثمانين سنة، ولى الحكم منها أربعين سنة نيابة واستقلالا. انظر: (البداية والنهاية، ج ١١، ص ٣٥٤) و (النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٢٣٧)\r(¬٢) أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد أبو العباس الأبيوردى، أحد أئمة الشافعية من تلاميذ أبى حامد الاسفرايينى، كانت له حلقة فى جامع المنصور للفتيا، وولى الحكم ببغداد نيابة عن ابن الأكفانى، وكان يقول الشعر الجيد، توفى سنة ٤٢٥.\rانظر: (البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٧) و (النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٢٧٩).\r(¬٣) محمد بن محمد أبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة، قال ابن كثير: «شيخ الامامية الروافض والمصنف لهم، والمحامى عن حوزتهم»، كانت له منزلة عند بنى بويه وملوك الأطراف لميلهم الى المذهب الشيعى، وكان يحضر مجلسه خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف، ومن تلاميذه الشريفان الرضى والمرتضى، توفى سنة ٤١٣.\rانظر: (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ١٥ - ١٦) و (أبو المحاسن: النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٢٥٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276386,"book_id":167,"shamela_page_id":94,"part":"1","page_num":50,"sequence_num":94,"body":"بسماسرة البغى والباطل، نفق البهرج (¬١) والزائف، والناقد البصير قسطاس نظره، وميزان بحثه وملتمسه» (¬٢).\rقال (أى ابن خلدون):\r«وكان الإسماعيلية من الشيعة يذهبون إلى أن الإمام من ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه من بعده، وأن الإمام بعده ابنه محمد المكتوم، وبعده ابنه جعفر المصدق، وبعده ابنه محمد الحبيب، وكانوا أهل غلو فى دعاويهم فى هؤلاء الأئمة.\rوكان محمد بن جعفر هذا يؤمل ظهور أمره والظفر بدولته.\rوكان باليمن من هذا المذهب كثير بعدن فى قوم يعرفون ببنى موسى؛ وكذلك كان بإفريقية من لدن جعفر الصادق بمرماجنة، وفى كتامة، وفى نفزة (¬٣) وسماتة، تلقوا ذلك من الحلوانى (¬٤) وابن بكار (¬٥) - داعيتى جعفر الصادق -، وقدم على جعفر بن محمد - والد عبيد الله -","footnotes":"(¬١) البهرج الباطل أو الردئ أو الزائف، وأكثر ما يوصف به الدرهم الذى فضته رديئة، أو الدينار الذى ذهبه ردئ. انظر: (المقريزى: اغاثة الأمة بكشف الغمة، ص ٦٢، حاشية ١، ص ٦٧، حاشية ٣).\r(¬٢) الى هنا ينتهى ما نقله المقريزى عن مقدمة ابن خلدون، ثم ينقل بعد ذلك عن تاريخه مع اختلاف فى النصين ايجازا واضافة، انظر: (تاريخ ابن خلدون، ج ٤، ص ٣١ - ٣٣، ج ٣، ص ٣٦٠ - ٣٦١).\r(¬٣) قال (ياقوت فى معجم البلدان) «انها مدينة بالمغرب بالأندلس»، وفى (الحميرى: الروض المعطار، ص ٩) ما يفيد أن نفزة ليست بالأندلس، وانما على الشاطئ المقابل لها فى المغرب الأقصى.\r(¬٤) المتواتر هنا وفى المراجع المختلفة أن الداعيتين اللذين أرسلا الى المغرب هما الحلوانى وأبو سفيان، ولم أجد فى غير هذا المكان ذكرا لابن بكار هذا، ولعل هذه كنية أخرى لأبى سفيان.\r(¬٥) توجد بالهامش فى النسختين فقرة ايضاحية، هذا نصها:\r«كان بعث أبى عبد الله جعفر بن محمد الصادق بأبى سفين (كذا) وبالحلوانى الى المغرب فى سنة خمس وأربعين ومائة، وأمرهما أن يبسطا علم الأئمة، ولا يتجاوزا افريقية، ثم يفترقان فينزل كل واحد منهما ناحية، فامتثلا ذلك، وكان الحلوانى يقول: بعثت أنا وأبو سفين، فقيل لنا: اذهبا الى المغرب فانكما تأتيان أرضا بورا، فاحرثاها وكرماها وذللاها، الى أن يأتيها صاحب البذر فيجدها مذللة فيبذر حبه فيها، وكان بين دخولهما المغرب ودخول صاحب البذر - وهو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن زكريا - مائة وخمس وثلاثون سنة» انظر ما فات هنا ص ٤٠، هامش ٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276387,"book_id":167,"shamela_page_id":95,"part":"1","page_num":51,"sequence_num":95,"body":"من أهل اليمن رجل من أولئك الشيعة، يعرف بعلى بن الفضل، فأخبره بأخبار اليمن، فبعث معه أبا القاسم رستم بن الحسين بن فرج بن حوشب الكوفى - من رجالات الشيعة -، وقال له: «ليس لليمن إلا أنت»، فخرجا من القادسية سنة ثمان وستين ومائتين، ودخلا اليمن، على حين انخلع محمد بن يعفر (¬١) من الملك، وأظهر التوبة، فدعوا للرضى من آل محمد، وظهرت الدعوة سنة سبعين، وتسمى أبو القاسم بالمنصور، وابتنى حصنا بجبل لاعة (¬٢)، وزحف بالجيوش، وفتح مدائن اليمن، وملك صنعاء، وأخرج بنى يعفر، وفرّق الدعاة فى اليمن والبحرين، واليمامة، والسند، والهند، ومصر والمغرب.\rوكان أبو عبد الله المحتسب داعى المغرب، وأصله من الكوفة، واسمه الحسين بن أحمد ابن محمد بن زكريا، من رام هرمز (¬٣) وكان محتسبا بسوق الغزل من البصرة، وقيل إنما المحتسب أخوه أبو العباس محمد.\rويعرف أبو عبد الله بالمعلم، كان يعلّم الناس مذهب الإمامية الباطنية، واتصل بالإمام محمد بن جعفر، ورأى أهليته، فأرسله إلى ابن حوشب - صاحب اليمن -، وأمره بامتثال أمره، والاقتداء بسيرته، ثم يذهب بعدها إلى المغرب، ويقصد بلد كتامة، فلما بلغ إلى ابن حوشب لزمه، وشهد مجالسه، وأفاد علمه، ثم خرج مع حاج اليمن إلى مكة حتى أتى الموسم، ولقى به رجالات كتامة واختلط بهم، ووجد لديهم بذرا من ذلك المذهب - كما قدمنا -، فاشتملوا عليه، وسألوه الرحلة فارتحل معهم إلى بلدهم، ونزل بها، وجاهر","footnotes":"(¬١) محمد بن يعفر ثانى ولاة اليعفريين على صنعاء والجند، ولى من ٢٥٩ الى ٢٧٩ (٨٧٢ - ٨٩٢).\r(¬٢) فى المراجع الجغرافية مدينة عدن لاعة، ووادى لاعة، وليس بها جبل لاعة، وعلى كل فقد كانت منطقة لاعة باليمن من المواضع الأولى التى ظهرت بها الدعوة الفاطمية، وقد كانت مقرا للداعيتين على بن الفضل، وأبى عبد الله الشيعى. انظر «معجم البلدان لياقوت» و (Kay:Op.Cit.P .٢٣٢ - ٢٣٣)\r(¬٣) رسمها ياقوت متصلة، وذكر أنها مركبة من لفظين: رام لفظة فارسية ومعناها مقصود أو مراد، وهرمز أحد الأكاسرة، وقال حمزة: رامهرمز اسم مختصر من رامهرمز أردشير، وقال ياقوت انها «مدينة مشهورة بنواحى خوزستان، والعامة يسمونها رامز كسلا منهم عن تتمة اللفظ».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276388,"book_id":167,"shamela_page_id":96,"part":"1","page_num":52,"sequence_num":96,"body":"بمذهبه، وأعلن إمامة أهل البيت، ودعا للرضى من آل محمد - على عادة الشيعة -، وأطاعته قبائل كتامة بعد فتن وحروب، ثم اجتمعوا على تلك الدعوة.\rثم هلك الإمام محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بعد أن عهد لابنه عبيد الله المهدى، وشاع خبر دعاته باليمن وإفريقية، وطلبه المكتفى، وكان يسكن عسكر مكرم، فانتقل إلى الشام، ثم طلب ففر بنفسه وبابنه أبى القاسم - وكان غلاما حدثا -، وبلغ مصر، وأراد قصد اليمن، فبلغه أن على بن المفضل أحدث فيها الأحداث من بعد ابن حوشب، وأساء السيرة، فكره دخول اليمن، واتصل به شأن أبى عبد الله، وما فتح الله عليه بالمغرب، فاعتزم على اللحاق به؛ وسرّح عيسى النوشرى - عامل مصر - فى طلبه، وكانوا خرجوا من الإسكندرية فى زىّ التجار، فلما أدركت الرفقة خفى حالهم، بما اشتبه من الزى، فأفلتوا إلى المغرب».\rانتهى كلام ابن خلدون ﵀\rقال المؤلف - رحمة الله عليه -:\rوأنت إذا سلمت من العصبية والهوى، وتأملت ما قد مرّ ذكره من أقوال الطاعنين فى أنساب القوم علمت ما فيها من التعسف والحمل مع ظهور التلفيق فى الأخبار، وتبيّن لك منه ما تأبى الطباع السليمة قبوله، ويشهد الحسّ السليم بكذبه، فإنه قد ثبت أن الله تعالى لا يمد الكذاب المفتعل بما يكون سببا لانحراف الناس إليه، وطاعتهم له على كذبه.\rقال تعالى عن نبيه محمد ﷺ؛ «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ» (¬١).\rوقال تعالى فى الدلالة على صدقه: «أَ فَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ» (¬٢).\rوقد علم أن الكذب على الله تعالى، والافتراء عليه فى دعوى استحقاق الخلافة النبوية على الأمة، والإمامة لهم شرعا بكونه من ذرية رسول الله ﷺ وآل بيته، من","footnotes":"(¬١) السورة ٦٩ (الحاقة) الآيات ٤٤ - ٤٦\r(¬٢) السورة ٢١ (الأنبياء) آية ٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276389,"book_id":167,"shamela_page_id":97,"part":"1","page_num":53,"sequence_num":97,"body":"أعظم الجنايات، وأكبر الكبائر، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يظهر من تعاطى ذلك واجترأ عليه، ثم يمده فى ظهوره بمعونته، ويؤيده بنصره حتى يملك أكثر مدائن الإسلام، ويورثها بنيه من بعده، وهو تعالى يراه يستظهر بهذه النعم الجليلة على كذبه، ويفتن بمخرقته العباد، ويحدث بباطله الفتن العظيمة والحروب المبيدة فى البلاد، ثم يخليه - تعالى - وما تولى من ذلك بباطله من غير أن يشعره شعار الكذابين، ويحلّ به ما من عادته تعالى أن يحلّ بالمفسدين، فيدمره وقومه أجمعين.\rكما لا يليق بحكمته تعالى أن يخذل من دعا إلى دينه، وحمل الكافة على عبادته، ولا يؤيده على إعلاء كلمته، بل يسلمه فى أيدى أعداء دينه المجاهرين بكفرهم وطغيانهم، حتى يزيدهم ذلك كفرا إلى كفرهم، وضلالا إلى ضلالهم، فإنّ فعله هذا بالصادق فى دعائه إليه تعالى كتأييده الكاذب فيها سواء، بل الحكمة الإلهية والعادة الربانية، وسنة الله التى قد خلت فى عباده، اقتضت أنه تعالى إذا رأى الكذاب يستظهر بالمحافظة على التنمس بالباطل، ويتوصل إلى إقامة دولته بالكذب، ويحيلها بالزور فى ادعائه نسبا إلى رسول الله ﷺ غير صحيح، وصرفه الناس عن طاعة بنى العباس - الثابتة أنسابهم، المرضية سيرتهم، العادلة بزعمهم أحكامهم ومذاهبهم - أن يحول بينه وبين همه بذلك، ويسلبه الأسباب التى يتمكن بها من الاحتراز، ويعرضه لما يوقعه فى المهالك، ويسلك به سبيل أهل البغى والفساد.\rفلما لم يفعل ذلك بعبيد الله المهدى، بل كتب تعالى له النصر على من ناوأه، والتأييد بمعونته على من خالفه وعاداه، حتى مكّن له فى الأرض، وجعله وبنيه من بعده أئمة، وأورثهم أكثر البسيطة، وملّكهم من حدّ منتهى العمارة فى مغرب الشمس إلى آخر ملك مصر، والشام، والحجاز، وعمان، والبحرين، واليمن، وملّكهم بغداد وديار بكر مدة، ونشر دعوتهم إلى خراسان، ونصرهم على عدوهم أىّ نصر، تبيّن أن دعواهم الانتساب إلى رسول الله ﷺ صحيحة، وهذا دليل يجب التسليم له.\rوقد روى موسى بن عقبة أن هرقل لما سأل أبا سفيان بن حرب عن رسول الله ﷺ كان مما قاله له: «أتراه كاذبا أو صادقا؟» قال أبو سفيان: «بل هو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276390,"book_id":167,"shamela_page_id":98,"part":"1","page_num":54,"sequence_num":98,"body":"كاذب»، قال هرقل: «لا تقولوا ذلك. فإن الكذب لا يظهر به أحد، «وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ» (¬١).\rوقد نقل عن أئمة أهل البيت ﵈ الإشارة إلى أمر عبيد الله المهدى، فمن ذلك: أن موسى الكاظم بن جعفر الصادق سئل عن ظهور القائم متى يكون؟ فقال:\r«إن ظهور القائم مثله كمثل عمود من نور سقط من السماء إلى الأرض، رأسه بالمغرب، وأسفله بالمشرق».\rوكذلك كان بداية أمر المهدى عبيد الله، فإنه ابتدأ من المغرب، وانتهى أمره على يد بنيه إلى المشرق، فإنه ظهر بسجلماسة - فى ذى الحجة سنة تسعين ومائتين -، وهى أقصى مسكون المغرب، ودعا للمستنصر ببغداد فى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة.\rوكان علىّ بن محمد بن على بن موسى الكاظم يقول: «فى سنة أربع وخمسين ومائتين ستكشف عنكم الشدة، ويزول عنكم كثير مما تجدون إذا مضت عنكم سنة اثنتين وأربعين؛ يشير بذلك إلى أن البداية من تاريخ وقته، فيكون المراد سنة ست وتسعين ومائتين، وفى ذى الحجة منها كان ظهور الإمام المهدى بالله - رحمة الله عليه (¬٢) -.","footnotes":"(¬١) سورة ٣٣ (الأحزاب)، آية ٤، وقد وردت هذه الآية فى نسخة (ج) قبل هذا بقليل بعد الجملة: «وهذا دليل يجب التسليم له».\r(¬٢) يوجد بهامش نسخة ج أمام هذا اللفظ تعليق هذا نصه:\r«انما حمل المؤلف ﵀ على رد ما قاله أهل النسب فى حق الفواطم والاحتجاج لهم والاكثار فى مدحهم، والانتصار لمذهبهم الذى اشتهر بين الأمة خلافه، وهو معذور فيه، لأنه ﵀ ينتهى نسبه لهم، وهو يذكره لا سيما فى أول الكتاب بخطه أنه ينتهى الى تميم، وانظر الى قوله:» ان الكاذب لا يملك البلاد ولا يمكن له فى الأرض»، وقد سمعنا قديما عن بختنصر، وحديثا عن التتار وتيمور، وقبل ذلك بنى أمية وهم متغلبون على آل البيت من مدة أمير المؤمنين وأولاده الحسن والحسين وأولادهم يفعلون بهم الأفاعيل، وهم فى غاية من القوة والتمكن فى السلطان».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276391,"book_id":167,"shamela_page_id":99,"part":"1","page_num":55,"sequence_num":99,"body":"ذكر ما كان من ابتداء الدولة الفاطمية إلى أن بنيت القاهرة\r«وذلك أن أبا عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الشعيى، سار إلى أبى القاسم رستم بن الحسن بن فرج بن حوشب بن ذاذان الكوفى باليمن، وصحبه وصار من كبار أصحابه، وكان له علم وفهم ودهاء ومكر، فلما ورد على ابن حوشب موت الحلوانى ورفيقه بالمغرب، قال لأبى عبد الله الشيعى:\r«إن أرض كتامة (¬١) من المغرب قد حرثها الحلوانى وأبو سفيان، وقد ماتا، وليس لها غيرك، فبادر فإنها موطأة ممهدة لك».\rفخرج أبو عبد الله إلى مكة، وقد أعطاه ابن حوشب مالا، فلما قدم مكة سأل عن حجاج كتامة، فأرشد إليهم، واجتمع بهم، ولم يعرّفهم قصده، وذلك أنه جلس قريبا منهم، فسمعهم يتحدثون بفضائل آل البيت، فاستحسن ذلك، وحدّثهم فى معناه، فلما أراد القيام سألوه أن يأذن لهم فى زيارته، فأذن لهم، وسألوه أين مقصده؟ فقال: مصر، ففرحوا بصحبته، فرحلوا، وهو لا يخبرهم بغرضه، وأظهر العبادة والزهد، فازدادوا فيه رغبة، وخدموه.\rوكان يسألهم عن بلادهم وأحوالهم وقبائلهم، وعن طاعتهم لسلطان إفريقية؛ فقالوا:\r«ما له علينا طاعة، وبيننا وبينه عشرة أيام».","footnotes":"(¬١) يوجد بالهامش فى النسختين تعريف بكتامة هذا نصه:\r«يقال ان كتامة من ولد كتامة بن افريقش بن صيفى بن سبأ الأصغر، وقيل: افريقش ابن زرعه وهو حمير الأصغر، وقيل: هو قيس بن زرعة بن زهير بن أيمن ابن هيسع (كذا) ابن حمير الأكبر، ويقال: افريقين بن صيفى، وقيل: ان كتامة اخوة صنهاجة».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276392,"book_id":167,"shamela_page_id":100,"part":"1","page_num":56,"sequence_num":100,"body":"قال:\rأتحملون السلاح؟\rقالوا:\r«هو شغلنا»\rولم يزل يتعرف أحوالهم حتى وصلوا إلى مصر، فلما أراد وداعهم قالوا له:\r«أىّ شيء تطلب بمصر؟»\rقال:\r«أطلب التعليم بها»\rقالوا:\r«إذا كنت تقصد هذا، فبلادنا أنفع لك، ونحن أعرف بحقك»\rولم يزالوا به حتى أجابهم إلى المسير معهم.\rفلما قاربوا بلادهم لقيهم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبره، فرغبوا فى نزوله عندهم، وأقرعوا فيمن يضيفه منهم.\rثم ارتحلوا حتى وصلوا إلى أرض كتامة منتصف ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائتين، فسأله قوم أن ينزل عندهم حتى يقاتلوا دونه، فقال لهم:\r«أين يكون فجّ الأخيار؟»\rفعجبوا من ذلك، ولم يكونوا ذكروه له، فقالوا له:\r«عند بنى سليمان».\rفقال: -\rإليه نقصد، ثم نأتى كلّ قوم منكم فى ديارهم، ونزورهم فى بيوتهم»\rفأرضى بذلك الجميع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276393,"book_id":167,"shamela_page_id":101,"part":"1","page_num":57,"sequence_num":101,"body":"وسار إلى جبل يقال له «إيكجان (¬١)»، وفيه «فجّ الأخيار»، فقال:\r«هذا فجّ الأخيار، وما سمى إلا بكم، ولقد جاء فى الآثار: للمهدى هجرة تنبو عن الأوطان، ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان، قوم اسمهم مشتق من الكتمان، وبخروجكم فى هذا الفج سمى فجّ الأخيار».\rفتسامعت القبائل، وأتاه البرابر من كل مكان، فعظم أمره إلى أن تقاتلت كتامة عليه مع قبائل البربر، وهو لا يذكر فى ذلك اسم المهدى، فاجتمع أهل العلم على مناظرته وقتله، فمنعه الكتاميون من المناظرة، وكان اسمه عندهم «أبا عبد الله المشرقى»\rوبلغ خبره إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب - أمير إفريقية -، فأرسل إلى عامله على مدينة ميلة (¬٢) ليسأله عن أمره، فصغّره عنده، وذكر أنه يلبس الخشن، ويأمر بالخير والعبادة، فسكت عنه.\rثم إن أبا عبد الله قال للكتاميين.\rأنا صاحب البذر الذى ذكر لكم أبو سفيان والحلوانى.\rفازدادت محبتهم له، وتعظيمهم لأمره، فلما ظهر لأهل المغرب علمه وفضله، قال أحد الأولياء لأصحابه:\r«لولا واحدة كان الحلوانى يقولها ما تخالجنى الشك فى أن هذا الرجل هو الذى كان الحلوانى يبشّر به».","footnotes":"(¬١) يوجد فى الهامش بالنسختين تعريف بجبل ايكجان هذا نصه:\r«ايكجان جبل بالقرب من قسنطينة، فيه قبائل كتامة، وهم كرام وقد فنوا».\rوقال الدكتور حسن ابراهيم حسن فى كتابه «الفاطميون فى مصر، ص ٥٦» ان ايكجان يقع فى منتصف الطريق بين طنجة وفاس، وايكجان جمع حاج، وكانوا يطلقون عليه من قديم الزمان Tzajjan وهو محل اجتماع الحجاج من الأندلس وشمال المغرب الأقصى.\r(¬٢) ميلة عرفها ياقوت بأنها مدينة صغيرة بأقصى افريقية، بينها وبين بجاية ثلاثة أيام، وبينها وبين قسنطينة يوم واحد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276394,"book_id":167,"shamela_page_id":102,"part":"1","page_num":58,"sequence_num":102,"body":"قالوا:\r«وما هى؟\rقال:\r«كان إذا وصفه قال: فى فيه إصبع»\rفبلغ ذلك أبا عبد الله فتبسم وقال:\r«هذا لا يكون»\rفلما أخذ العهد بعد ذلك على من سمع هذا القول، واشترط عليهم الكتمان، وضع إصبعه على فيه وقال:\r«هذا هو الإصبع الذى كان يقوله الحلوانى، أمركم بالصمت والكتمان، فأما أن يكون فى فم رجل إصبع فلا»\rفقالوا «كذلك والله هو»\rوتفرقت البرابر وكتامة بسببه، وأراد بعضهم قتله، فاختفى، ووقع بينهم قتال شديد، واتصل الخبر بالحسن بن هارون - من أكابر كتامة - فأخذ أبا عبد الله إليه، ودافع عنه، ومضى به إلى مدينة تاصروت، فأتته القبائل من كل مكان، وعظم شأنه، وصارت الرئاسة للحسن بن هارون، وسلّم إليه أبو عبد الله أعنّة الخيل، وظهر من الاستتار، وشهد الحروب، فكان الظفر له، وغنم الأموال، وخندق على مدينة تاصروت، وقد زحفت إليه قبائل المغرب، فاقتتلوا عدة مرار، كان له فيها الظفر، وصار إليه أموالهم، فاستقام له أمر البربر وعامة كتامة، وزحف إلى مدينة ميلة، وقاتل أهلها قتالا شديدا، وأخذ الأرباض، ثم ملك البلد بأمان، فبعث إليه إبراهيم بن الأغلب ابنه الأحوال فى اثنى عشر ألفا، وأتبعه بمثلهم، فالتقى مع أبى عبد الله، فانهزم أبو عبد الله، وقتل كثير من أصحابه، وتبعه الأحول، فحال بينهما الثلج، ولحق أبو عبد الله بجبل إيكجان، وملك الأحول مدينة تاصروت، وأحرقها وأحرق مدينة ميلة، فبنى أبو عبد الله دار هجرة بإيكجان، وقصده أصحابه، وعاد الأحول إلى إفريقية،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276395,"book_id":167,"shamela_page_id":103,"part":"1","page_num":59,"sequence_num":103,"body":"فمات إبراهيم بن الأغلب، وقتل ابنه أبو العباس، وولى زيادة الله بن الأغلب، واشتغل باللهو واللعب، فاشتد سرور أبى عبد الله.\rثم إن أبا مضر زيادة الله قتل الأحوال، فانتشرت حينئذ جنود أبى عبد الله فى البلاد، وصار يقول:\r«المهدى يخرج فى هذه الأيام، ويملك الأرض، فيا طوبى لمن هاجر إلىّ، وأطاعنى».\rوأخذ يغرى الناس بزيادة الله ويعيبه، وكان أكثر من عند زيادة الله من الوزراء شيعة، فلم يكن يسوءهم ظفر أبى عبد الله، خصوصا وقد كان يذكر لهم من كرامات المهدى، وأنه يحيى الموتى، ويرد الشمس [من مغربها]، ويملك الأرض بأسرها، وهو مع ذلك يبعث إلى الوزراء، ويعدهم، (¬١) وبعث أبو عبد الله برجال (¬١).","footnotes":"(¬١) أضيفت هذه الجملة عن (ج).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276396,"book_id":167,"shamela_page_id":104,"part":"1","page_num":60,"sequence_num":104,"body":"ذكر خروج عبيد الله المهدى الى المغرب\rوكان من خبر ذلك أن أبا عبد الله سيّر إلى عبيد الله رجالا من كتامة يخبرونه (¬١) بما فتح الله عليه، وأنهم ينتظرونه، فوافوه بسلمية من أرض حمص، قد كان اشتهر خبر عبيد الله عند الناس، فطلبه المكتفى، ففرّ من سلمية ومعه ابنه أبو القاسم نزار - الذى قام بالأمر من بعده، وخرج معهما خاصته (¬٢) ومواليه.\rفلما انتهى إلى مصر أقام مستترا بزى التجار، فأتت الكتب إلى عيسى النوشرى - أمير مصر - من المعتضد بالله العباسى بصفة عبيد الله وحليته، وأنه يأخذ عليه الطرق ويقبضه وكلّ من يشبهه؛ فلما قرئت الكتب كان فى المجلس ابن المدير الكاتب، فبلّغ ذلك عبيد الله، فسار من مصر مع أصحابه ومعه أموال كثيرة، فأوسع فى النفقة على من صحبه، وفرّق النوشرى الأعوان فى طلب عبيد الله، وخرج بنفسه، فلما رآه لم يشك فيه، وقبض عليه، ووكل به وقد نزل فى بستان، ثم استدعاه ليأكل معه، فأعلمه أنه صائم، فرقّ له، وقال:\r«أعلمنى حقيقة أمرك حتى أطلقك».\rفخوّفه الله تعالى وأنكر حاله، وما زال يتلطف به حتى أطلقه وخلّى سبيله، وأراد أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته، فقال: «لا حاجة إلى ذلك»، ودعا له.\rوقيل إنه أعطاه مالا فى الباطن حتى أطلقه، فرجع بعض أصحاب النوشرى عليه باللوم، فندم على إطلاقه، وأراد أن يبعث الجيش وراءه ليردّه.\rوكان عبيد الله قد لحق بأصحابه، فإذا ابنه أبو القاسم قد ضيّع كلبا كان يصيد به،","footnotes":"(¬١) الأصل: «يخبر فيه» والتصحيح عن (ج).\r(¬٢) الأصل: «من مواليد» و (ج): «وخرج معهما مواليه»، والتصحيح عن (ابن الأثير: الكامل، ج ٨، ص ١٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276397,"book_id":167,"shamela_page_id":105,"part":"1","page_num":61,"sequence_num":105,"body":"وهو يبكى عليه، فعرّفه عبيده أنهم تركوه فى البستان الذى كانوا فيه، فرجع عبيد الله بسبب الكلب حتى دخل البستان ومعه عبيده، فلما رآه النوشرى سأل عن خبره، فقيل إنه عاد بسبب كلب لولده، فقال النوشرى لأصحابه:\r«قبحكم الله، أردتم أن تحملونى على هذا الرجل حتى آخذه، فلو كان يطلب ما يقال أو لو كان مريبا لكان يطوى المراحل ويخفى نفسه، ولا كان يرجع فى طلب كلب (¬١)»، وتركه، ولم يعرض له.\rفسار عبيد الله وخرج عليه عدة من اللصوص بموضع يقال له: «الطاحونة»، فأخذوا بعض متاعه، منه كتب وملاحم كانت لآبائه، فعظم أمرها عليه (¬٢)، فيقال إنه لما خرج ابنه أبو القاسم فى المرة الأولى إلى الديار المصرية أخذها من ذلك المكان.\rثم إن عبيد الله انتهى - هو وولده - إلى مدينة طرابلس، ففارق التجار، وكان فى صحبته أبو العباس أخو أبى عبد الله، فقدّمه عبيد الله إلى القيروان، فسار إليها، فوجد خبر عبيد الله قد سبق إلى زيادة الله بن الأغلب، فقبض على أبى العباس وقرّره، فأنكر، وقال:\r«أنا رجل تاجر صحبت رجلا فى القفل»، فحبس.\rوبلغ الخبر إلى عبيد الله، فسار إلى قسنطينة.\rووصل كتاب زيادة الله إلى ناظر (¬٣) طرابلس بأخذ عبيد الله، فلم يدركه، ووافى عبيد الله قسطنطينة، فلم يقصد أبا عبد الله، لأن أخاه أبا العباس كان قد أخذ، وسار إلى سجلماسة، فوافت الرسل فى طلبه، وقد سار فلم يوجد، ووصل إلى سجلماسة فأقام بها، وقد أقيمت له المراصد بالطرقات.","footnotes":"(¬١) من النصوص الاسماعيلية الهامة التى نشرها المستشرق ايفانوف نص هام يتحدث عن رحلة المهدى من الشام الى المغرب، ومؤلف هذا النص هو محمد بن محمد اليمانى، وعنوانه «سيرة الحاجب جعفر بن على وخروج المهدى من سلمية ووصوله الى سجلماسة» وقد نشر هذا النص فى (مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة، ديسمبر ١٩٣٦) وقد وردت فيه قصة القائم مع الكلب، ولكن على أنها حدثت فى الطريق من دمشق الى الرملة لا بعد خروج المهدى من مصر كما ذكر هنا.\r(¬٢) راجع المصدر المذكور فى الهامش السابق.\r(¬٣) ج: «عامل».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276398,"book_id":167,"shamela_page_id":106,"part":"1","page_num":62,"sequence_num":106,"body":"وكان على سجلماسة اليسع بن مدرار، فأهدى إليه عبيد الله وواصله، فقرّبه اليسع وأحبه، فأتاه كتاب زيادة الله يعرّفه أن الرجل الذى يدعو إليه أبو عبد الله الشيعى عنده، فلم يجد بدّا من القبض على عبيد الله وحبسه.\rوأخذ زيادة الله فى جمع العساكر، فقدّم إبراهيم بن حنيش (¬١) من أقاربه على أربعين ألفا، وسلّم إليه الأموال والعدد، وسار وقد انضاف إليه مثل جيشه، فنزل مدينة قسنطينية، وأتاه كثير من كتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله، وقتل فى طريقه خلقا كثيرا من أصحاب أبى عبد الله هذا، وأبو عبد الله متحصن بالجبل، فأقام إبراهيم بقسنطينية ستة أشهر، فلما رأى أن أبا عبد الله لا يتقدم إليه زحف بعساكره، فأخرج إليه أبو عبد الله خيلا، فلما رآها إبراهيم قصد إليها بنفسه، والأثقال على ظهور الدواب لم تحط، فقاتلهم قتالا كثيرا، وأدركهم أبو عبد الله، فانهزم إبراهيم بمن معه وجرح، فغنم أبو عبد الله جميع ما معهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، فسار إبراهيم إلى القيروان، وعظم أمر أبى عبد الله، واستقرت دولته.\rوكتب كتابا إلى عبيد الله - وهو بسجن سجلماسة - يبشره، وسيّر الكتاب مع بعض ثقاته، فدخل عليه السجن فى زى قصّاب يبيع اللحم، فاجتمع به وعرّفه.\rونازل أبو عبد الله عدة مدائن فأخذها بالسيف، وضايق زيادة الله، فحشد وجمع عساكره، وبعث إليه هارون الطيبى (¬٢) فى خلق كثير، فقتل هارون فى خلائق لا تحصى.\rفاشتد الأمر على زيادة الله، وخرج بنفسه، فوصل إلى الأربس فى سنة خمس وتسعين ومائتين، وسيّر جيشا مع ابن عمه إبراهيم بن الأغلب.\rواشتغل زيادة الله بلهوه ولعبه، وأبو عبد الله يأخذ المدائن - شيئا بعد شيء - عنوة وصلحا، فأخذ «مجّانة (¬٣)»، و «تيفاش (¬٤)»، و «مسكيانة» و «تبسّة (¬٥)»، وسار إلى إبراهيم، فقتل من أصحابه، وعاد إلى جبل إيكجان.","footnotes":"(¬١) ج: «حنبش».\r(¬٢) ج: «الطبنى».\r(¬٣) بلد بافريقية فتحه به سر بن أرطاة، وهى تسمى قلعة به سر، وبينها وبين القيروان خمس مراحل، معجم ياقوت\r(¬٤) ذكر المقريزى فى جنى الأزهار، ص ٢١ ب أنها على ست مراحل من بجاية.\r(¬٥) ذكر ياقوت أنها بلد مشهور من أرض افريقية بينه وبين قفصة ست مراحل وهو بلد قديم به آثار للملوك وقد خرب الآن أكثرها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276399,"book_id":167,"shamela_page_id":107,"part":"1","page_num":63,"sequence_num":107,"body":"فلما دخل فصل الربيع، وطاب الزمان، جمع أبو عبد الله عسكره فبغلت مائة ألف فارس وراجل، وجمع زيادة الله ما لا يحصى، وسار أول جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ومائتين، فالتقوا مع أبى عبد الله، واقتتلوا أشد قتال، وطال زمنه، وظهر أصحاب زيادة الله، ثم إن أبا عبد الله كادهم بخيل بعثها من خلفهم، فانهزم أصحاب زيادة الله، وأوقع فيهم القتل، وغنم أموالهم، وكان ذلك فى آخر جمادى الآخرة، ففرّ زيادة الله إلى ديار مصر، فدخل إبراهيم بن الأغلب إلى القيروان، فقصد قصر الإمارة، ونادى بالأمان، وتسكين الناس، وذكر زيادة الله وذمّه، وصغّر أمر أبى عبد الله، ووعد الناس بقتاله، وطلب منهم الأموال، فقالوا:\r«إنما نحن فقهاء وعامة وتجار، وما فى أموالنا ما يبلغ غرضك»، ثم إنهم ثاروا به ورجموه.\rفخرج عنهم.\rودخل أبو عبد الله إلى مدينة رقادة، فأمّن الناس، ومنع من النهب، وخرج الفقهاء ووجوه أهل القيروان إلى لقاء أبى عبد الله، وسلموا عليه، وهنوه بالفتح، فردّ عليهم ردّا حسنا، وأمّنهم، وقد أعجبوا به وسرّهم، فأخذوا فى ذم زيادة الله وذكر مساوئه، فقال لهم:\r«ما كان إلا قويا وله منعة ودولة شامخة، وما قصّر فى مدافعته، ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع»:\rفامسكوا عن الكلام.\rوكان دخول أبى عبد الله رقادة يوم السبت مستهل رجب سنة ست وتسعين ومائتين، فنزل ببعض قصورها، وفرق دورها على كتامة، ونادى بالأمان، فرجع الناس إلى أوطانهم، وأخرج العمال إلى البلاد، وطلب أهل الشر فقتلهم، وأمر بجمع ما كان لزيادة الله من الأموال والسلاح وغيره، فاجتمع منه كثير، وكان له عدة من الجوارى لهن حظ من الجمال، فلم ينظر إلى واحدة منهن، وأمر لهن بما يصلحهن.\rفلما كان يوم الجمعة أمر الخطباء بالقيروان ورقادة فخطبوا ولم يذكروا أحدا، وأمر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276400,"book_id":167,"shamela_page_id":108,"part":"1","page_num":64,"sequence_num":108,"body":"بضرب السكة (¬١) وألا يتسم (¬٢) عليها اسم، وجعل فى الوجه الواحد: «بلغت حجة الله»، وفى الآخر: «تفرّق أعداء الله».\rونقش على السلاح: «عدة فى سبيل الله».\rووسم الخيل على أفخاذها: «الملك لله».\rوأقام على ما كان عليه من لباس الخشن الدون، والقليل من الطعام الغليظ.\rولما استقرت الأمور لأبى عبد الله فى رقادة وسائر بلاد إفريقية أتاه أخوه أبو العباس أحمد المخطوم، ففرح به، وكان هو الكبير.","footnotes":"(¬١) عرف (المواردى: الأحكام السلطانية، ص ١٤٩) السكة بأنها الحديدة التى تطبع عليها الدراهم، ولذلك سميت الدراهم المضروبة سكة، وقد شرح (المقريزى: الأوزان والأكيال الشرعية، نشر Tychsen ، ص ٨٦) السكة بأنها الدينار والدرهم المضروبان، سمى كل منهما سكة لأنه طبع بالحديدة المعلمة ويقال لها السكة، وكل مسمار عند العرب سكة. انظر أيضا. (المقريزى: اغاثة الأمة، نشر زيادة والشيال، ص ٥٥، حاشية ١، ص ٦٠ - ٦١).\r(¬٢) ج: «ينقش».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276401,"book_id":167,"shamela_page_id":109,"part":"1","page_num":65,"sequence_num":109,"body":"ذكر ظهور عبيد الله المهدى من سجلماسة\rوذلك أن أبا عبد الله الشيعى لما دخل شهر رمضان سنة ست وتسعين ومائتين سار من رقادة - وقد استخلف أخاه أبا العباس على إفريقية - فى جيوش عظيمة، فاهتز المغرب لخروجه، وخافته زناتة، وزالت القبائل عن طريقه، وأتته رسلهم فدخلوا فى طاعته، فلما قرب من سجلماسة بعث اليسع بن مدرار صاحبها إلى عبيد الله - وهو فى جيشه - يسأله عن نسبه وحاله، وهل أبو عبد الله قصد إليه؟ فحلف له أنه ما رأى أبا عبد الله، «وإنما أنا رجل تاجر»، فأفرده معتقلا بدار وحده، وأفرد ابنه أيضا، فجعل عليهما الحرس، وقرّر ولده، فما حال عن كلام أبيه، وقرّر رجالا كانوا معه وضربهم، فلم يقروا بشئ.\rوبلغ ذلك أبا عبد الله، فشقّ عليه، وأرسل إلى اليسع يتلطف به وأنه لم يقصده للحرب، وإنما له حاجة مهمة عنده، فرمى الكتب وقتل الرسل، فعاوده بالملاطفة خوفا على عبيد الله، ولم يذكره، فقتل الرسول ثانيا، فأسرع أبو عبد الله فى السير، ونزل عليه، فخرج إليه اليسع وقاتله يومه كلّه، فلما جنّه الليل فرقّ أصحابه من أهله وبنى عمه، وبات أبو عبد الله فى غم عظيم خوفا على عبيد الله.\rفلما أصبح خرج إليه أهل البلد، وأعلموه بهرب اليسع، فدخل هو وأصحابه البلد، وأتوا مكان عبيد الله وأخرجوه وأخرجوا ابنه فى يوم الأحد لسبع خلون من ذى الحجة سنة ست وتسعين ومائتين، وقد انتشر فى الناس سرور عظيم كادت تذهب منه عقولهم؛ فأركبهما أبو عبد الله، ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديهما، وأبو عبد الله يقول للناس: «هذا مولاكم»، وهو يبكى من شدة الفرح، حتى وصل [إلى] فسطاط ضربه له فنزل فيه، وبعث الخيل فى طلب اليسع، فأدرك وأخذ، فضرب بالسياط وقتل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276402,"book_id":167,"shamela_page_id":110,"part":"1","page_num":66,"sequence_num":110,"body":"وأقام عبيد الله المهدى بسجلماسة أربعين يوما، ثم سار إلى إفريقية، وأحضر الأموال من إيكجان فجعلها أحمالا، وصار بها إلى رقادة فى العشر الأخير من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين.\rوزال ملك بنى الأغلب من إفريقية، وملك بنى مدرار من سجلماسة، وملك بنى رستم (¬١) من تاهرت (¬٢).\rوملك المهدىّ جميع ذلك، فلما قرب من رقادة تلقاه أهلها وأهل القيروان وأبو عبد الله ورؤساء كتامة مشاة بين يديه، وابنه خلفه، فسلموا عليه، فردّ عليهم ردا جميلا، وأمرهم بالانصراف، ونزل بقصر من قصور رقادة.\rوأمر يوم الجمعة أن يذكر [اسمه] فى الخطبة، ويلقب بالمهدى أمير المؤمنين فى جميع البلاد، فلما كان بعد صلاة الجمعة جلس رجل يعرف بالشريف - ومعه الدعاة -، وأحضروا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم، وقتل من لم يوافق.\rوعرض المهدى جوارى زيادة الله فاختار منهن لنفسه ولولده، وفرّق ما بقى على وجوه كتامة، وقسّم عليهم أعمال إفريقية، ودوّن الدواوين، وجبا الأموال، واستقرت قدمه، ودانت له أهل البلاد، واستعمل العمال عليها:","footnotes":"(¬١) انظر: (Zambaur:Op.Cit.P .٢١)\r(¬٢) قال ياقوت: تاهرت: اسم لمدينتين متقاربتين فى أقصى المغرب، يقال لاحداهما تاهرت القديمة والأخرى تاهرت المحدثة، بين تلمسان وقلعة بنى حماد وقال (على بهجت: قاموس الأمكنة والبقاع، ص ٧١) ولا تزال مدينة تاهرت قائمة ليومنا هذا، وهى احدى موانى الجزائر تابعة لولاية وهران وتبعد عنها بنحو ٢٢٠ كم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276403,"book_id":167,"shamela_page_id":111,"part":"1","page_num":67,"sequence_num":111,"body":"ذكر قتل أبى عبد الله الشيعى\rوكان سبب قتله أن المهدى لما استقامت له البلاد باشر الأمور بنفسه، وكفّ يد أبى عبد الله ويد أخيه أبى العباس، فداخل أبا العباس الحسد، وعظم عليه الفطام عن الأمر والنهى، والأخذ والعطاء، فأقبل يزرى على المهدى فى مجلس أخيه، ويتكلم فيه، وأخوه ينهاه، ولا يزيده ذلك إلا لجاجا، ولام أخاه وقال له:\r«ملكت أمرا، فجئت بمن أزالك عنه، وكان الواجب عليه أن لا يسقط حقّك».\rوما زال به حتى أثّر فى قلب أبى عبد الله، وقال للمهدى:\r«لو كنت تجلس فى قصرك وتتركنى مع كتامة آمرهم وأنهاهم، لأنى عارف بعاداتهم لكان ذلك أهيب لك فى أعين الناس».\rوكان قد بلغ المهدى ما يجهر به أبو العباس، فردّ ردا لطيفا، وأسرّ ذلك فى نفسه.\rوأخذ أبو العباس يسرّ إلى المقدمين بما فى نفسه، ويقول.\r«ما جازاكم على ما فعلتم، بل أخذ هو الأموال من إيكجان، ولم يقسمها فيكم».\rوكل ذلك يبلغ المهدى وهو يتغافل، فزاد أبو العباس فى القول، حتى قال:\r«إن هذا ليس بالذى كنا نعتقد طاعته وندعو إليه، لأن المهدى يأتى بالآيات الباهرة».\rفأثّر ذلك فى قلوب كثير من الناس، حتى إن بعضهم من كتامة واجه المهدىّ بذلك وقال:\r«إن كنت المهدى فأظهر لنا آية، فقد شككنا فيك».\rفقتله المهدى.\rوخافه أبو عبد الله، وعلم أن المهدى قد تغيّر عليه، فاتفق مع أخيه بجماعة من كتامة على المهدى، ودخلوا عليه مرارا، فلم يجسروا على قتله، ونقل ذلك إلى المهدى من رجل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276404,"book_id":167,"shamela_page_id":112,"part":"1","page_num":68,"sequence_num":112,"body":"كان يوافقهم على ما هم فيه، ثم يأتى المهدىّ فيخبره، فأخذ المهدى فى تفريق القوم فى البلاد، وكان كبيرهم أبو زاكى تمام بن معارك الإيكجانى، فسيّره واليا على طرابلس، وكتب إلى عاملها سرا بقتله عند وصوله، فلما وصل أبو زاكى قتله العامل، وأرسل برأسه إلى المهدى، فأمر حينئذ بقتل جماعة، وأعد رجالا لأبى عبد الله وأخيه أبى العباس، فلما وصلا إلى قرب القصر حمل القوم على أبى عبد الله، فقال: «لا تفعلوا» فقالوا له: «إن الذى أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك»، فقتل هو وأخوه فى اليوم الذى قتل فيه أبو زاكى، وذلك يوم الاثنين للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين بمدينة رقادة، وصلى عليه المهدى، وقال:\r«رحمك الله أبا عبد الله وجزاك خيرا بجميل سعيك».\rوثارت فتنة بسبب قتلهما، وجرّد أصحابها السيوف، فركب المهدى وأمّن الناس فسكنوا، ثم تتبعهم حتى قتلهم.\rوثارت فتنة ثانية بين كتامة وأهل القيروان قتل فيها خلق كثير، فخرج المهدى وسكّن الفتنة، وكفّ الدعاة عن طلب التشيع من العامة.\rوكان أبو عبد الله من الرجال الدهاة الخبيرين بما يصنعون، أحد رجالات العالم القائمين بنقض الدول وإقامة الممالك العظيمة من غير مال ولا رجال.\rولما قتل أبو عبد الله واستقام أمر المهدى عهد إلى ولده أبى القاسم بالخلافة، ورجعت كتامة إلى بلادهم فأقاموا طفلا، وقالوا: «هذا هو المهدى»، ثم زعموا أنه يوحى إليه، وزعموا أن أبا عبد الله لم يمت، فبعث إليهم المهدى ابنه أبا القاسم، فقاتلهم حتى هزمهم، واتبعهم إلى البحر، وقتل منهم خلقا كثيرا، وقتل الطفل الذى أقاموه.\rثم إن أهل صقلية خالفوا على المهدى، فأنفذ إليها، وقتل من أهلها.\rوخالف عليه أهل تاهرت، فغزاها، وقتل أهل الخلاف، وتتبع بنى الأغلب، فقتل منهم جماعة برقادة.\rفلما كان سنة إحدى وثلاثمائة جهّز المهدىّ العساكر من إفريقية مع ولده أبى القاسم إلى مصر، فساروا إلى برقة، واستولوا عليها فى ذى الحجة، وساروا إلى الاسكندرية والفيوم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276405,"book_id":167,"shamela_page_id":113,"part":"1","page_num":69,"sequence_num":113,"body":"فضيق على أهلهما، وبعث المقتدر بالله مؤنسا الخادم (¬١) فى جيش كثيف، فحاربهم وأجلاهم عن مصر إلى المغرب.\rوكان سبب تحرك أبى القاسم بن المهدى إلى حرب أهل مصر أنه وجّه إلى بغداد قصيدة يفخر فيها بنسبه، وبما فتح من البلاد، فأجابه الصولى (¬٢) بقصيدة على وزنها ورويها، فمنها:\rفلو كانت الدنيا مثالا لطائر … لكان لكم منها بما حزتم الذّنب\rفحرّك همته هذا البيت، وقال:\r«والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت، وإلا أهلك دونه».\rوكابد على ديار مصر من الحروب أهوالا، ومات ولم يظفر بها، وأوصى ابنه المنصور بما كان فى عزمه، فشغلته الفتن، وكان الظافر بها المعز.\rفلما كان فى سنة اثنتين وثلاثمائة أنفذ المهدى جيشا مع قائد من قواده يقال له حباسة فى البحر، فغلب على الاسكندرية، ثم سار منها يريد مصر، فأرسل المقتدر بالله مؤنسا فى عسكر إلى مصر، وأمدّه بالسلاح والأموال، فالتقى بحباسة فى جمادى الأولى، فكانت بينهما حروب كثيرة، قتل فيها من الفريقين جمع عظيم، وانهزم حباسة فى سلخ جمادى الآخرة، ويقال إنه قتل فى هذه الواقعة سبعة آلاف [و] لما صار حباسة إلى المغرب قتله المهدى.\rوفيها، خالف عليه عروبة بن سيف (¬٣) الكتامى بالقيروان، واجتمع عليه خلق كثير من كتامة والبرابر، فأخرج إليهم المهدى مولاه غالبا، فاقتتلوا، فقتل غالب فى عالم لا يحصى، وجئ بعدة رءوس إلى المهدى فى قفّة، فقال:","footnotes":"(¬١) راجع أخباره فى (النجوم الزاهرة، ج ٣، الصفحات المذكورة بالكشاف) و (الكندى: الولاة، ص ٢٦٨ و ٢٧٤) و (مسكويه: تجارب الأمم، ج ١، ص ٣٢ و ٣٦).\r(¬٢) أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول تكين المعروف بالصولى الشطرنجى، توفى مستترا فى سنة ٣٣٥ أو ٣٣٦ لأنه روى خبرا فى حق على بن أبى طالب، فطلبته الخاصة والعامة لقتله، فلم تقدر عليه، وكان قد خرج من بغداد، وله كتب فى الأخبار والأدب والتاريخ، أهمها: أدب الكتاب وطبع فى القاهرة ١٣٤١ هـ، والاوراق فى أخبار آل العباس وأشعارهم، نشر جزءين منه المستشرق جمال الدين هيوارث دن.\r(¬٣) ج: «يوسف»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276406,"book_id":167,"shamela_page_id":114,"part":"1","page_num":70,"sequence_num":114,"body":"«ما أعجب أمور الدنيا، قد جمعت هذه القفّة رءوس هؤلاء، وقد كان يضيق بهم فضاء المغرب».\rثم إن المهدى خرج بنفسه يرتاد موضعا على ساحل البحر يتخذ فيه مدينة، وكان يجد فى الكتب خروج أبى يزيد النكّارى على دولته، فلم يجد موضعا أحسن ولا أحصن من موضع المهديّة، وهى جزيرة متصلة بالبر كهيئة كفّ متصلة بزند، فبناها، وجعلها دار ملكه، وجعل لها سورا محكما، وأبوابا عظيمة، زنة كل مصراع مائة قنطار.\rوكان ابتداء بنائها فى يوم السبت لخمس خلون من ذى القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة، فلما ارتفع السور أمر راميا بالقوس يرمى سهما إلى ناحية المغرب، فرمى بسهم فانتهى إلى موضع المصلى، فقال: «إلى موضع هذا يصل صاحب الحمار» - يعنى أبا يزيد الخارجى فإنه كان يركب حمارا -.\rوكان يأمر الصناع بما يعملون، وأمر أن تنقر دار صناعة (¬١) فى الجبل تسع مائة شينى (¬٢)،","footnotes":"(¬١) دار الصناعة، ويقال الصناعة فقط، وقد عرفها (المقريزى: الخطط، ج ٣، ص ٣٩٧) بأنها «اسم لمكان قد أعد لانشاء المراكب البحرية»، وقد عنيت الدول الاسلامية المختلفة بانشاء الأساطيل، وكان أكثرها عناية بها الدولة الفاطمية، وذلك منذ قيام الدولة فى المغرب كما يتضح من النص هنا ثم زادت عنايتهم بدور الصناعة والأسطول بعد نزوحهم الى مصر، انظر المرجع السابق، ص ٣١٣ - ٣١٥، وقد أخذ الأوربيون فى العصور الوسطى هذا اللفظ عن العربية فهو فى الفرنسية Arsenale ، وفى الانجليزية Arsenal ، وفى الأسبانية Darsena ، ومن عجب أننا نسينا اللفظ العربى عند ما قلت عنايتنا بالأساطيل، فلما كان عصر محمد على وبدأنا نعنى من جديد بانشاء دار للصناعة أخذنا اللفظ الأجنبى المحرف وزدنا فى تحريفه فكان الترسانة.\r(¬٢) الشينى أو الشانى أو الشينية أو الشونة، والجمع شوانى، السفينة الحربية وقال (الزبيدى: تاج العروس) انها من أصل مصرى، وذكر (ابن مماتى: قوانين الدواوين، طبعة الدكتور عطيه، ص ٣٤٠، ٣٥٦) أن الشينى كانت تسير بمائة وأربعين مجدافا وفيها المقاتلة والجدافون، وظل هذا اللفظ مستعملا حتى العصر العثمانى. انظر (القاموس) و (على مبارك، الخطط، ج ١٤، ص ٨١) و (المقريزى: الخطط، ج ١، ص ٣٥١ - ٣٥٢ و ٣٥٦ و ٣٥٨) و (النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ١٥١، هامش ٣) و (البتانونى: رحلة الأندلس، ص ١٤١)، وهذه المادة موجز عن مخطوطتنا التى لم تنشر بعد وعنوانها «معجم أسماء السفن العربية».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276407,"book_id":167,"shamela_page_id":115,"part":"1","page_num":71,"sequence_num":115,"body":"وعليها باب مغلق، ونقر فى أرضها أهراء (¬١) للطعام، ومصانع (¬٢) للماء، وبنى فيها القصور والدور، فلما فرغ منها قال: «اليوم آمنت على الفاطميات» - يعنى بناته -، وارتحل عنها.\rولما رأى إعجاب الناس بها وبحصانتها قال: «هذه بنيتها لتعتصم بها الفواطم ساعة من نهار»، فكان كذلك، لأن أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف فيه ساعة [وعاد] ولم يظفر.\rفلما كان فى سنة ست وثلاثمائة جهّز المهدىّ جيشا كثيفا مع ابنه أبى القاسم إلى مصر، وهى المرة الثانية، فوصل الاسكندرية فى ربيع الآخر، ودخلها القاسم، ثم سار منها، وملك الأشمونين وكثيرا من الصعيد، وكتب إلى أهل مكة (¬٣) يدعوهم إلى طاعته، فلم يقبلوا منه، فبعث المقتدر مؤنسا الخادم فى شعبان، فوصل إلى مصر، وكانت بينه وبين القائم عدة وقعات.\rووصل من إفريقية ثمانون مركبا نجدة للقائم من أبيه، فأرست بالاسكندرية، وعليها سليمان الخادم، ويعقوب الكتامى، وكانا شجاعين. فأمر المقتدر أن تسير مراكب طرسوس، فسار إليهم خمس وعشرون مركبا، فيها النفط والعدد، فالتقت المراكب على رشيد، فظفرت مراكب المقتدر، وأحرقوا كثيرا من مراكب إفريقية، وأهلك أكثر أهلها، وأسر منهم كثير، فيهم سليمان ويعقوب، فمات سليمان بمصر فى الحبس، وحمل يعقوب إلى بغداد، فهرب منها، وعاد إلى إفريقية.\rوغلب مؤنس عساكر القائم، ووقع فيهم الغلاء والوباء، فمات كثير منهم، ورجع من بقى إلى","footnotes":"(¬١) عرف صاحب القاموس الهرى (ج: أهراء) بأنه بيت كبير يجمع فيه طعام السلطان، والذى جرى عليه مصطلح الدول الاسلامية فى العصور الوسطى أن الأهراء هى الأماكن التى تخزن بها الغلال والأتبان الخاصة بالخليفة والسلطان احتياطا للطوارئ، وكانت لا تفتح الا عند الضرورة، ويؤكد هذا المعنى استعمال اللفظ بالمتن هنا، وفيما يلى عند حصار أبى يزيد للمهدية، والأهراء بهذا غير الشون التى كان يخزن بها ما يستهلك طول السنة من غلال وأحطاب وأتيان. انظر: (المقريزى: السلوك، ج ١، ص ٥٠٨، حاشية الدكتور زيادة) و (اغاثه الأمة، ص ٢٨، حاشية ٤ و ص ٣١ و ٣٣)\r(¬٢) المصنعة مكان كالحوض يجمع فيه ماء المطر، والجمع مصانع (القاموس).\r(¬٣) كان حاكم مكة فى تلك السنة هو الشريف محمد بن موسى. راجع\r(Zamb.Op.Ctt.P .٢١)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276408,"book_id":167,"shamela_page_id":116,"part":"1","page_num":72,"sequence_num":116,"body":"إفريقية، وفيهم القائم، وتلقّب مؤنس الخادم من حينئذ بالمظفّر، لغلبته عساكر المغرب غير مرة.\rفلما كانت سنة خمس عشرة وثلاثمائة سيّر المهدى ابنه أبا القاسم من المهدية إلى المغرب فى جيش كثير، فى صفر، بسبب خارجى خرج عليه، وقتل خلقا، فوصل إلى ما وراء تاهرت.\rوعاد فخطّ برمحه فى الأرض صفة مدينة سماها «المحمديّة»، وكانت خطّة لبنى كملان، فأخرجهم منها إلى فحص القيروان، كالمتوقّع منهم أمرا، فلذلك أحب أن يكونوا قريبا منه، وهم كانوا أصحاب أبى يزيد الخارجى.\r«(¬١) وكان المهدى يشبّه فى خلفاء بنى العباس بالسفاح، فإن السّفاح خرج من الحميمة (¬٢) بالشام، يطلب الخلافة والسيف يقطر دما، والطلب مراصد، وأبو سلمة الخلّال (¬٣) يؤسس له الأمر، ويبث دعوته؛ وعبيد الله خرج من سلمية فى الشام، وقد أذكيت (¬٤) العيون عليه، وأبو عبد الله الشيعى ساع فى تمهيد دولته، وكلاهما تمّ له الأمر، وقتل من قام بدعوته (¬١)».\rوانتقل كثير من الناس إلى المحمدية، وأمر عاملها أن يكثر من الطعام، ويخزنه ويحتفظ به، ففعل ذلك، فلم يزل مخزونا حتى خرج أبو يزيد، ولقيه المنصور بن القائم بن المهدى، ومن المحمدية كان يمتار ما يريد إذ ليس بالموضع مدينة سواها.\rفلما كان يوم الاثنين الرابع عشر، وقيل وقت صلاة المغرب ليلة الثلاثاء النصف من ربيع الأول، سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة توفى أبو محمد عبيد الله المهدى بالمهدية، وأخفى ابنه أبو القاسم موته سنة لتدبير كان له، فإنه كان يخاف الناس إذا علموا بموت المهدى.","footnotes":"(¬١) هذه الفقرة وردت فى نسخة (ج) فى نهاية الكلام عن المهدى، وقبل الكلام عن القائم بأمر الله مباشرة.\r(¬٢) الأصل: «الخيمة»، والتصحيح عن ج\r(¬٣) حفص بن سليمان أبو سلمة الخلال من كبار دعاة العباسيين الأول، كانت له جهود مشكورة فى الحوادث التى مهدت لسقوط الامويين، مثل سنة ١٣٢ هـ. انظر: (الوفيات لابن خلكان، وتاريخ الطبرى، والكامل لابن الأثير، ج ٥).\r(¬٤) ج: «أو كتب».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276409,"book_id":167,"shamela_page_id":117,"part":"1","page_num":73,"sequence_num":117,"body":"وكان عمر المهدى لما توفى ثلاثا وستين سنة - لم تكمل -.\rوكانت ولايته - منذ دخل رقادة ودعى له بالإمامة إلى أن توفى - أربعا وعشرين سنة، وعشرة أشهر، وعشرين يوما.\rوقيل: كانت ولادته بسلمية من أرض الشام فى سنة تسع وخمسين، وقيل سنة ستين ومائتين؛ وقيل: ولد بالكوفة.\rودعا له على منابر رقادة والقيروان يوم الجمعة لسبع بقين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين.\rوتوفى ليلة الثلاثاء منتصف ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.\rونقش خاتمة: «بنصر الإله الممجد، ينتصر الإمام أبو محمد».\rوقال فيه سعدون الورجيلى:\rكفّى عن التثبيط إنّي زائر … من أهل بيت الوحى خير مزور\rهذا أمير المؤمنين تضعضعت … لقدومه أركان كلّ أمير\rهذا الإمام الفاطمىّ ومن به … أمنت مغاربها من المحذور\rوالشرق ليس لشامه وعراقه … من مهرب من جيشه المنصور\rحتى يفوز من الخلافة بالغ … ويفاز منه بعدله المنشور","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276410,"book_id":167,"shamela_page_id":118,"part":"1","page_num":74,"sequence_num":118,"body":"القائم بأمر الله أبو القاسم محمد (وقيل عبد الرحمن) بن المهدى عبيد الله\rولد بسلمية فى المحرم سنة ثمانين - وقيل سبع وسبعين - ومائتين، ورحل مع أبيه إلى المغرب، وعهد إليه من بعده.\rفلما مات أبوه، وفرغ من جميع ما يريده، وتمكّن، أظهر موت أبيه، وتبع سنّة أبيه، وثار عليه جماعة، فتمكّن منهم.\rوخرج عليه ابن طالوت فى ناحية طرابلس، فبعث إليه وقتله، وجهّز جيشا كثيرا إلى المغرب، فهزم خارجيّا هناك.\rوسيّر جيشا فى البحر إلى بلد الروم، فسبى وغنم فى بلد جنوه.\rوسيّر جيشا بالغ فى النفقة عليهم إلى مصر، فدخلوا الاسكندرية، فبعث الأخشيد فهزمهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276411,"book_id":167,"shamela_page_id":119,"part":"1","page_num":75,"sequence_num":119,"body":"ذكر أبى يزيد مخلد بن كيداد الخارجى وحروبه\rوذلك أنه لما كان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة خرج أبو يزيد بن كيداد النّكّارى الخارجى بإفريقية، واشتدت شوكته، وكثرت أتباعه، وهزم الجيوش.\rوكان ابتداء أمره أنه من زناتة من مدينة توزر، وكان أبوه يختلف إلى بلاد السودان للتجارة، فولد له بها أبو يزيد من جارية صفراء هوّاريّة، فأتى به إلى توزر، فنشأ بها، وتعلّم القرآن، وخالط جماعة من النّكاريّة، فمالت نفسه إلى مذهبهم، ثم سافر إلى تاهرت، فأقام بها يعلّم الصبيان إلى أن خرج أبو عبد الله الشيعى إلى سجلماسة فى طلب عبيد الله المهدى، فانتقل إلى تقيوس (¬١)، واشترى ضيعة، وأقام يعلّم الناس فيها.\rوكان مذهبه تكفير أهل الملة، واستباحة الأموال والدماء، والخروج على السلطان، فابتدأ يحتسب على الناس فى أفعالهم، وصار له جماعة يعظمونه، وذلك فى أيام المهدى سنة ست عشرة وثلاثمائة.\rوتزايدت شوكته، وكثرت أتباعه فى أيام القائم، وحاصر باغاية، (¬٢) وهزم الجيوش الكثيرة، ثم حاصر قسطيلية (¬٣) سنة ثلاث وثلاثين، وفتح تبسّة ومجانة، وهدم سورها، ودخل مدينة مرمجنة (¬٤)، فلقيه رجل من أهلها، وأهدى له حمارا أشهب مليح الصورة،","footnotes":"(¬١) مدينة بافريقية قريبة من توزر. (ياقوت: معجم البلدان)\r(¬٢) يوجد بالهامش فى النسختين تعريف بهذه المدينة نصه:\r«باغاية مدينة بافريقية، ذات أنهار ومزارع على مقربة من جبل أوراس المتصل بالسوس، الذى يعرف بحبل المصامدة، المسمى بدرن».\r(¬٣) ذكر (البكرى: المغرب فى ذكر بلاد افريقية والمغرب، ص ١٨٢) أن بين قسطيلية والقيروان مسيرة سبعة أيام.\r(¬٤) هكذا رسمها البكرى فى (المغرب، ص ١٤٥)، وذكر أنها قريبة من مجانة، وأنها مدينة لطيفة بها جامع وفندق وسوق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276412,"book_id":167,"shamela_page_id":120,"part":"1","page_num":76,"sequence_num":120,"body":"فركبه من ذلك اليوم، وصار يعرف براكب الحمار، وكان قصيرا أعرج يلبس جبة صوف قصيرة، وكان قبيح الصورة.\rثم إنه هزم كتامة، وافتتح سبتية (¬١)، وصلب عاملها، وفتح مدينة الأربس (¬٢)، وأحرقها ونهبها، والتجأ الناس إلى الجامع فقتلهم فيه، وبلغ ذلك أهل المهدية فاستعظموه، وقالوا للقائم: «الأربس باب إفريقية، ولما أخذت زالت دولة بنى الأغلب»، فقال: «لا بد أن يبلغ أبو يزيد المصلى، وهى أقصى غايته».\rوأخرج القائم الجيوش لضبط البلاد، وجمع العساكر، وبعث جيشا مع فتاه ميسور، وجيشا مع فتاه بشرى، فسار أبو يزيد وواقع بشرى على باجة، فانهزم أبو يزيد، وصار فى أربعمائة، فمال إلى خيام بشرى وانتهبها، فانهزم بشرى إلى تونس وقتل كثير من عسكره، وملك أبو يزيد باجة، وحرقها، ونهبها، وقتل الأطفال، وأخذ النساء، وكتب إلى القبائل يدعوهم إلى نفسه فأتوه، وعمل الأخبية (¬٣) والبنود (¬٤) وآلات الحرب.\rوجمع بشرى جيشا وأنفذه إلى أبى يزيد، فسير إليهم أبو يزيد جيشا، والتقوا، وانهزم أصحاب أبى يزيد.\rوكانت فتنة بتونس، وهرب عاملها، وكاتبوا أبا يزيد فأمّنهم، وولى عليهم رجلا منهم، فخافه الناس، وانتقلوا إلى القيروان، وأتاه كثير منهم، ثم لقيه بشرى، فانهزم عسكر أبى يزيد، وقتل منهم أربعة آلاف، وأسر خمسمائة، وبعث بهم إلى المهدية فى السلاسل، فقتلهم العامة.\rفغضب لذلك أبو يزيد، وجمع الجموع.","footnotes":"(¬١) ج: «سبيبة».\r(¬٢) ذكر ياقوت أن الأربس مدينة وكورة بافريقية بينها وبين القيروان ثلاثة أيام من جهة المغرب، وقال البكرى: الأربس مدينة مسورة لها ربض كبير، واليها سار ابراهيم بن الأغلب حين خرج من القيروان سنة ٢٩٦. انظر أيضا: (ياقوت: معجم البلدان).\r(¬٣) جاء فى القاموس: «الخباء من الابنية يكون من وبر أو صوف أو شعر\r(¬٤) البند - العلم الكبير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276413,"book_id":167,"shamela_page_id":121,"part":"1","page_num":77,"sequence_num":121,"body":"وسار إلى قتال الكتاميين فتلاقى مع طلائعهم، فانهزمت الطلائع، وتبعهم البربر إلى رقادة، فنزل أبو يزيد بالقرب من القيروان فى مائة ألف مقاتل، وقاتل أهل رقادة، فقتل من أهل القيروان خلقا كثيرا، ودخل القيروان عسكره فى أواخر صفر، فانتهبوا البلد وقتلوا، وأخذ عامل القيروان (¬١) فحمل إلى أبى يزيد فقتله.\rوخرج شيوخ القيروان إلى أبى يزيد - وهو برقادة - فطلبوا الأمان فماطلهم، وأصحابه يقتلون وينهبون، فعادوا إلى الشكوى وقالوا:\r«خربت المدينة».\rفقال: «وما تكون؟ خربت مكة والبيت المقدس؟!»\rثم قدم ميسور فى عساكر عظيمة، فالتقى (¬٢) بأبى يزيد، واشتد القتال بينهما، وقتل ميسور، وحمل رأسه إلى أبى يزيد، فانهزم عامة عسكره.\rوسيّر أبو يزيد الكتب إلى عامة (¬٣) البلاد يخبر بهذا الظفر، فخاف القائم ومن معه بالمدينة، وانتقل الناس من أرباضها، فاحتموا بالسور، فمنعهم القائم، ووعدهم الظفر، فعادوا إلى زويلة واستعدوا، وأقام أبو يزيد شهرين وثمانية أيام فى خيم ميسور، وهو يبعث السرايا إلى كل ناحية، فيغنمون ويعودون؛ وفتح سوسة (¬٤) بالسيف، وقتل الرجال، وسبى النساء، وأحرق البلد، وشقّ أصحابه فروج النساء، وبقروا البطون، حتى لم يبق موضع فى إفريقية معمور، ولا سقف مرفوع، ومضى جميع من بقى إلى القيروان حفاة عراة، فمات أكثرهم جوعا وعطشا.","footnotes":"(¬١) كان قائد جيش أبى يزيد اسمه «أيوب الزويلى»، أما عامل رقادة فاسمه خليل، انظر تفصيلا أكثر للحوادث فى: (ابن الأثير: الكامل، ج ٨، ص ١٦٥)\r(¬٢) الأصل: «فالتقيا» والتصحيح عن (ج).\r(¬٣) الأصل: «عاملة»، والتصحيح (ج).\r(¬٤) ذكر ياقوت فى معجمه أنها مدينة صغيرة بنواحى افريقية بينها وبين سفاقس يومان، كان أكثر أهلها حاكة ينسجون الثياب السوسية الرفيعة، وبينها وبين المهدية ثلاثة أيام، وبين القيروان وبينها ستة وثلاثون ميلا، ويحيط بها البحر من ثلاث نواح من الشمال والجنوب والشرق، وقال: «وحاصرها أبو يزيد مخلد بن كيداد الخارجى شهورا ثم انهزم عنها، وكان عليها فى ثمانين ألفا».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276414,"book_id":167,"shamela_page_id":122,"part":"1","page_num":78,"sequence_num":122,"body":"وفى أواخر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة حفر القائم الخنادق حول أرباض المهدية، وكتب إلى زيرى (¬١) بن مناد سيد صنهاجة، وإلى سادات كتامة والقبائل يحثهم على الاجتماع بالمهدية، فتأهبوا للمسير إليه.\rورحل أبو يزيد نحو المهديّة، فنزل على خمسة عشر ميلا منها، وبثّ سراياه فانتهبوا ما وجدوا، وقتلوا من أصابوا.\rفلما كان يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الأولى من السنة خرجت كتامة وأصحاب القائم إلى أبى يزيد، فالتقوا على ستة أميال من المهدية، واقتتلوا مع أصحاب أبى يزيد، وأدركهم أبو يزيد وقد انهزم أصحابه وقتل كثير منهم، فلما رآه الكتاميون انهزموا من غير قتال، وأبو يزيد فى أثرهم إلى باب الفتح.\rواقتحم قوم من البربر باب الفتح، وأشرف أبو يزيد على المهدية، ثم رجع إلى منزله، وعاد إلى المهدية، ووقف على الخندق المحدث، وقاتل عليه حتى وصل إلى باب المهدية عند المصلى الذى للعيد - وبينه وبين المهدية رمية سهم -، وتفرّق أصحابه فى زويلة ينهبون ويقتلون، وهم لا يعلمون ما صنع أبو يزيد فى ذلك الجانب، فحمل الكتاميون على البربر، وهزموهم وقتلوا منهم.\rووصل زيرى بن مناد فعظم القتال (¬٢)، وتحيّر أبو يزيد، وقد مالوا عليه ليقتلوه، فتخلّص إلى منزله بعد المغرب، ورحل إلى ترنوطة (¬٣)، وحفر على عسكره خندقا، واجتمع","footnotes":"(¬١) الاصل: «ابن زيرى» والتصحيح عن (ج)\r(¬٢) انظر تفصيل الحديث عن هذا القتال فى: (ابن الأثير: الكامل، ج ٨، ص ١٦٦ - ١٦٧) ولاحظ أن هذا الفصل كله موجز عن ابن الأثير، فالمقريزى ينقل عنه بعض الجمل نقلا حرفيا، ويختصر بالحذف أو التغيير البسيط عند نقل البعض الآخر.\r(¬٣) ذكرها (البكرى: المغرب، ص ٣١) على أنها ترنوط - لا ترنوطة -، وقال انها فحص على ستة أميال من المهدية، ومنها زاحف أبو يزيد المهدية، وبهذا الفحص كانت محلته أيام حصار المهدية».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276415,"book_id":167,"shamela_page_id":123,"part":"1","page_num":79,"sequence_num":123,"body":"إليه خلق عظيم من إفريقية والبربر ونفوسة، (¬١) والزاب، وأقاصى المغرب، فحصر المهدية حصارا شديدا، ومنع الناس من الدخول إليها والخروج منها.\rثم زحف إليها لسبع بقين من جمادى الآخرة، فجرى قتال عظيم قتل فيه جماعة من وجوه عسكر القائم، واقتحم أبو يزيد بنفسه حتى وصل قرب الباب، فعرفه بعض العبيد فقبض على لجامه وصاح:\r«هذا أبو يزيد فاقتلوه».\rفأتاه بعض أصحابه وقطع يد العبد وخلص أبو يزيد؛ وكتب إلى عامل القيروان بإرسال مقاتلة أهلها إليه، ففعل ذلك، وزحف بهم آخر رجب، فجرى قتال شديد، وانهزم أبو يزيد هزيمة منكرة، وقتل جماعة من أصحابه وأكثر أهل القيروان.\rثم زحف الزحفة الرابعة فى العشر الآخر من شوال، فجرى قتال عظيم، وانصرف إلى منزله، وكثر خروج الناس إليه من الجوع والغلاء، ففتح عند ذلك القائم الأهراء التى عملها أبوه المهدى، وفرّق ما فيها على رجاله، وعظم البلاء على الرعية، حتى أكلوا الدواب والميتة، وخرج من المهدية أكثر السوقة والتجار، ولم يبق بها سوى الجند، فكان البربر يأخذون من خرج، ويشقّون بطونهم طلبا للذهب.\rثم وصلت كتامة فنزلت بقسطنطينة، فخاف أبو يزيد، وكان البربر يأتون إلى أبى يزيد من كل ناحية فينهبون ويرجعون إلى منازلهم، حتى أفنوا ما كان فى إفريقية، فلما لم يبق مع أبى يزيد سوى أهل أوراس وبنى كملان أخرج عسكره، فكان بينهم قتال شديد لست خلون من ذى القعدة، ثم صبحوهم من الغد فلم يخرج إليهم أحد.\rثم زحفت عساكر القائم إليه، فخرج من خندقه، واشتد بينهم القتال، ثم عادوا إلى","footnotes":"(¬١) قال ياقوت: «نفوسة جبال فى المغرب بعد افريقية عالية نحو ثلاثة أميال فى أقل من ذلك … وطول هذا الجبل مسيرة ستة أيام من الشرق الى الغرب، وبين جبل نفوسة وطرابلس ثلاثة أيام، وبينه وبين القيروان ستة أيام … وافتتح عمرو بن العاص نفوسه وكانوا نصارى، ومن جبل نفوسه رجع عمرو بن العاص بكتاب ورد عليه من عمر بن الخطاب»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276416,"book_id":167,"shamela_page_id":124,"part":"1","page_num":80,"sequence_num":124,"body":"القتال، فانهزم عسكر القائم، وعاد الحصار على ما كان عليه، وهرب كثير من أهل المهدية إلى جزيرة صقلية، وطرابلس، ومصر، وبلد الروم.\rفلما كان آخر ذى القعدة اجتمع لأبى يزيد جمع عظيم، وتقدم إلى المهدية، فقاتل عليها، وكاد أن يؤخذ، ثم خلص.\rودخلت سنة أربع وثلاثين.\rوهو مقيم على المهدية.\rوفى المحرم منها ظهر بإفريقية رجل يدعو إلى نفسه، فأجابه كثير من الناس، وادعى أنه رجل عباسى ورد من بغداد، ومعه أعلام سود، فظفر به أصحاب أبى يزيد وساقوه إليه فقتله.\rوفرّ بعض أصحاب أبى يزيد إلى المهدية، وخرجوا مع أصحاب القائم، فقاتلوا أبا يزيد فظفروا، وتفرّق عند ذلك أصحاب أبى يزيد، ولم يبق معه غير هوّارة وبنى كملان وكان اعتماده عليهم.\rورحل بقية أصحابه إلى القيروان، ولم يشاوروا (¬١) أبا يزيد، فرحل مسرعا فى طائفة، وترك جميع أثقاله، وذلك فى سادس صفر، فنزل مصلى القيروان، فخرج أهل المهدية إلى أثقاله، فغنموا طعاما كثيرا وخياما، فحسنت حالهم، ورخصت الأسعار، وبعث القائم إلى البلاد عمالا يطردون عمال أبى يزيد.\rثم إن أبا يزيد بعث عسكرا إلى (¬٢) تونس فدخلوها بالسيف فى العشرين من صفر، فنهبوا جميع ما فيها، وسبوا النساء والأطفال، وقتلوا الرجال، وهدموا المساجد، والتجأ كثير من الناس إلى البحر فغرقوا. فسيّر القائم عسكرا لقتال أصحاب أبى يزيد فى تونس، فانهزم عسكر القائم، وتبعهم أصحاب أبى يزيد، فكرّ عليهم عسكر القائم وصبروا، فانهزم أصحاب أبى يزيد، وقتل منهم خلق كثير.","footnotes":"(¬١) الأصل: «لم يشاور»، والتصحيح عن (ج)\r(¬٢) الأصل: «فى تونس» والتصحيح عن (ج)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276417,"book_id":167,"shamela_page_id":125,"part":"1","page_num":81,"sequence_num":125,"body":"ودخلوا إلى تونس خامس ربيع الأول، فأخرجوا من فيها من أصحاب أبى يزيد، فبعث أبو يزيد ابنه (¬١) فقتل أهل البلد، وأحرق ما بقى فيه، وتوجه إلى باجة (¬٢)، فقتل من بها من أصحاب القائم، ودخلها بالسيف وأحرقها؛ وكان فى هذه المدة من القتل والسبى والتخريب ما لا يوصف.\rوهمّ جماعة من أصحاب أبى يزيد بقتله، وكاتبوا القائم بذلك، فظفر بهم أبو يزيد فقتلهم، وكثر النهب والسبى فى القيروان.\rوكان القائم قد بعث يجمع العساكر من المسيلة وغيرها، فاجتمع له خلق كثير، فطرقهم أيوب بن أبى يزيد على حين غفلة فقتل منهم، وغنم أثقالهم، وسيّر جريدة إلى تونس، فأوقعوا بعسكر القائم، وتكررت الحرب بينهم، فانهزم أصحاب أبى يزيد، وقتلوا قتلا ذريعا، وأخذت أثقالهم، وانهزم أيوب إلى القيروان فى ربيع الأول، فعظم على أبى يزيد، وجمع على ابنه أيوب فسار (؟)، وتوالت بينه وبين أصحاب القائم الحروب إلى أن هزمت أصحاب القائم من عسكر أبى يزيد، ثم تجمعت عسكر القائم، وواقعت أصحاب أبى يزيد على قسنطينة، فانهزمت أصحاب أبى يزيد.\rفجدّ حينئذ أبو يزيد فى أمره، وجمع العساكر، وسار إلى سوسة سادس جمادى الآخرة، وبها جيش القائم، فحصرها حصرا شديدا، وعمل عليها الدبابات (¬٣)","footnotes":"(¬١) اسم هذا الابن «أيوب»، راجع ابن الأثير فعنده تفصيلات وافية عن القتال حول المهدية.\r(¬٢) قال ياقوت فى معجمه: «باجة فى خمسة مواضع، منها باجة بلد بافريقية تعرف بباجة القمح، سميت بذلك لكثرة حنطتها» وهى المقصودة هنا فقد قال البكرى: «وامتحن أهل باجة فى أيام أبى يزيد مخلد بالقتل والسبى والحريق .. الخ»\r(¬٣) الدبابات جمع دبابة، وقد وصفها (الحسن بن عبد الله: آثار الأول، ص ١٩٢) بقوله «هى آلة سائرة تتخذ من الخشب الثخين المتلزز، وتغلف باللبود والجلود المنقعة فى الخل لدفع النار، وتركب على عجل مستديرة، وتحرك فتنجر، وربما جعلت برجا من الخشب، ودبر فيها هذا التدبير، وقد يدفعها الرجال فتندفع على البكر، وقد وصف (العماد الأصفهانى فى كتاب الفتح القسى)، و (ابن واصل فى مفرج الكروب) احدى دبابات الفرنج فقالا انها كانت دبابة عظيمة هائلة ولها أربع طباق وهى خشب ورصاص وحديد ونحاس، انظر أيضا (نعمان ثابت: الجندية فى الدولة العباسية) و (المقريزى: السلوك، ج ١، ص ٥٦، حاشية ٨) و (Dozy:Supp.Dict.Arab)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276418,"book_id":167,"shamela_page_id":126,"part":"1","page_num":82,"sequence_num":126,"body":"والمنجنيقات (¬١)، وقتل من أهلها خلق كثير.\rفلما كان فى شهر رمضان مات القائم، وقام من بعده ابنه المنصور، فكتم موت أبيه خوفا من أبى يزيد، وعمل المراكب وشحنها بالرجال، وسيّرها إلى سوسة، وسار بنفسه إليها، ثم عاد، وقدمت المراكب فواقعت أبا يزيد حتى انهزم هو وأصحابه، وأحرقوا خيامه، فدخل أبو يزيد إلى القيروان: وفرّ البربر على وجوههم، فمات أكثرهم جوعا وعطشا.\rومنع أهل القيروان أبا يزيد من دخول البلد، وحصروا عامله بها، فالتحق به، وأخذ أبو يزيد امرأته - أم أيوب -، وتبعه أصحابه بعيالاتهم على سببية، - وهى على يومين من القيروان - فنزلوها.\r[و] سار المنصور إلى مدينة سوسة لسبع بقين من شوال، وبعث فنادى فى الناس بالأمان، ورحل إلى القيروان لست بقين من شوال، فخرج إليه الناس فأمّنهم، ووجد بالقيروان حرما وأولادا لأبى يزيد، فحملهم [إلى المهدية] وأجرى عليهم الأرزاق.\rوجمع أبو زيد العساكر، وبعث سريّة يتخبرون له، فأرسل إليهم المنصور سرية، فالتقوا واقتتلوا، وهزموا أصحاب المنصور، وبلغ الناس، ذلك فتسرعوا إلى أبى يزيد وكثر جمعه، وزحف إلى القيروان، فواقعه المنصور حتى ظفر، وباشر بنفسه القتال، وجعل يحمل يمينا وشمالا، والمظلة (¬٢) على رأسه كالعلم، ومعه نحو خمسمائة فارس، وأبو يزيد فى قدر","footnotes":"(¬١) المنجنيق - بفتح الميم وكسرها - أو المنجنوق، أو المنجنيق، والجمع مجانيق ومناجيق لفظ أعجمى معرب، وهو آلة من آلات الحصار فى العصور الوسطى، وقد وصفه صاحب صبح الأعشى (ج ٢، ص ١٤٤) بأنه آلة خشب لها دفتان قائمتان بينهما سهم طويل، رأسه ثقيل، وذنبه خفيف تجعل كفة المنجنيق التى يجعل فيها الحجر يجذب حتى ترفع أسافله على أعاليه، ثم يرسل فيرتفع ذنبه الذى فيه الكفة فيخرج الحجر منه، فما أصاب شيئا الا أهلكه\rوانظر أيضا لتفسير اللفظ وأصله اللغوى: (الجواليقى: المعرب، ص ٣٠٥ - ٣٠٧)، وفى (كتاب آثار الأول، ص ١٩١ - ١٩٣) وصف واف ممتع للمنجنيق وطرق استعماله. انظر أيضا: (نعمان ثابت: الجندية فى الدولة العباسية، ص ١٩٠ - ١٩٣).\r(¬٢) عرف (القلقشندى: صبح الاعشى، ج ٤، ص ٧ و ٨) المظلة بأنها قبة من حرير أصفر مزركش بالذهب، على أعلاها طائر من فضة، مطلية بالذهب، تحمل على رأس السلطان فى العيدين، ثم قال بأنها كانت تستعمل فى العهد المملوكى، وأنها من بقايا الدولة الفاطمية، ويفهم من المتن هنا أنهم كانوا يستعملونها فى المغرب أولا، انظر أيضا (نفس المرجع، ج ٣، ص ٤٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276419,"book_id":167,"shamela_page_id":127,"part":"1","page_num":83,"sequence_num":127,"body":"ثلاثين ألفا، فانهزم أصحاب المنصور هزيمة عظيمة حتى دخلوا الخندق، وبقى المنصور فى نحو عشرين فارسا وقصده أبو يزيد، فلما رآه شهر سيفه، وثبت مكانه، وحمل بنفسه على أبى يزيد، حتى كاد يقتله، فولى أبو يزيد هاربا، وقتل المنصور من أدرك منهم، وتلاحقت به العساكر، فقتل من أصحاب أبى يزيد خلقا كثيرا.\rوكان يوما من الأيام المشهودة التى لم يكن فيما مضى من الأيام مثله، وعاين الناس من شجاعة المنصور ما لم يظنوه، فزادت مهابته فى قلوبهم.\rورحل أبو يزيد عن القيروان أواخر ذى القعدة، ثم عاد إليها غير مرّة، فلم يخرج إليه أحد، [و] نادى المنصور:\r«من أتى برأس أبى يزيد فله عشرة آلاف دينار».\rوأذن للناس فى قتال أبى زيد، فجرى قتال شديد انهزم فيه أصحاب المنصور حتى دخلوا الخندق، ثم عادوا فهزموا أصحاب أبى يزيد، وافترقوا وقد انتصف بعضهم من بعض، وكثرت القتلى من الفريقين، وعادت الحرب بينهما غير مرة، وأبو يزيد يبعث السرايا فيقطع الطريق بين المهدية والقيروان وسوسة.\rثم إنه بعث إلى المنصور يسأل حرمه وعياله الذين خلّفهم بالقيروان وأخذهم المنصور، ليدخل فى طاعته، على أن يؤمنه وأصحابه، وحلف على ذلك بأغلظ الأيمان، فسيّر إليه المنصور عياله مكرمين، بعد أن وصلهم وكساهم، فلما وصلوا إليه نكث، وقال:\r«انما وجّههم خوفا منى».\r[و] انقضت سنة أربع وثلاثين وهم على حالهم.\rففى خامس المحرم سنة خمس وثلاثين زحف أبو يزيد، وركب المنصور، وكان بينهما قتال ما سمع بمثله، وحملت البربر على المنصور، وحمل عليها، وجعل يضرب فيهم، فانهزموا بعد أن قتل خلق كثير.\rفلما انتصف المحرم عبّى المنصور عسكره، فجعل على ميمنته أهل إفريقية، وعلى ميسرته كتامة، وركب فى القلب ومعه عبيده وخاصته، فوقع بين الفريقين قتال شديد،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276420,"book_id":167,"shamela_page_id":128,"part":"1","page_num":84,"sequence_num":128,"body":"وحمل أبو يزيد على ميمنة المنصور فهزمها، ثم حمل على القلب فوقع إليه المنصور، وقال:\r«هذا يوم الفتح إن شاء الله تعالى».\rوحمل فيمن معه حملة رجل واحد، فانهزم أبو يزيد، وأخذت السيوف أصحابه، فولوا منهزمين، وأسلموا أثقالهم، وفرّ أبو يزيد على وجهه، وقد قتل من أصحابه ما لا يحصى كثرة، حتى أن الذى أخذه أطفال أهل القيروان خاصة من رءوس القتلى عشرة آلاف رأس.\rوأقام المنصور يتجهز، ثم رحل أواخر ربيع الأول، فأدرك أبا يزيد، ففرّ منه فتبعه، وصار كلما قصد أبو يزيد موضعا يتحصن فيه يسبقه المنصور إليه، واستأمن بعض أصحابه فأمّنه المنصور، واستمر الهرب بأبى يزيد حتى وصل إلى جبل البربر - وأهله على مذهبه -، وسلك الرمال، فاجتمع معه خلق كثير، وواقع عسكر المنصور، فهزم الميمنة، وحمل عليه المنصور بنفسه فانهزم، وتبعه المنصور إلى جبال وعرة، وأودية عميقة خشنة الأرض، فمنعت الأدلاء المنصور من سلوك تلك الأرض، وقالوا إنه لم يسلكها جيش قط.\rواشتدّ الأمر على عسكر المنصور، فبلغ عليق كلّ دابة دينارا ونصفا، وبلغت قربة الماء دينارا، هذا وما وراء ذلك رمال وقفار وبلاد السودان التى ليس فيها عمارة، وقيل للمنصور:\r«إن أبا يزيد اختار الموت جوعا وعطشا على القتل بالسيف».\rفلما سمع المنصور ذلك رجع إلى بلاد صنهاجة، فاتصل به الأمير زيرى بن مناد الصنهاجى، بعساكر صنهاجة، فأكرمه المنصور، وأتته الأخبار بموضع أبى يزيد من الرمال.\rونزل بالمنصور مرض شديد أشفى منه، فلما أفاق من مرضه رحل إلى المسيلة ثانى رجب، فإذا أبو يزيد قد سبقه إليها لما سمع بمرض المنصور وهو يحاصرها، فلما علم بالمنصور هرب منه يريد بلاد السودان، فخذعه بنو كملان - هم وهوارة - ومنعوه من ذلك، وأصعدوه إلى جبال كتامة وغيرهم فتحصن بها، واجتمع إليه أهلها، وصاروا ينزلون ويتخطفون الناس، فسار المنصور عاشر شعبان إليه، فلم ينزل أبو يزيد، فلما أخذ المنصور فى العود، نزل أبو يزيد إلى ساقة العسكر، فرجع المنصور، ووقعت الحرب، فانهزم أبو يزيد، وأسلم أصحابه وأولاده، وأدركه فارسان فعقرا فرسه، فسقط عنه، فأركبه بعض أصحابه،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276421,"book_id":167,"shamela_page_id":129,"part":"1","page_num":85,"sequence_num":129,"body":"وأدركه الأمير زيرى فطعنه وألقاه، وكثر عليه القتال حتى خلّصه أصحابه، وخلصوا به، وتبعهم المنصور فقتل منهم ما يزيد على عشرة آلاف.\rوسار المنصور فى أثره أول رمضان، فاقتتلوا أشد قتال، ولم يقدر أحد الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وخشونته، ثم انهزم أبو يزيد، وطلع أصحابه على رءوس الجبال يرمون بالصخر، واشتد الأمر حتى تؤاخذوا بالأيدى، وكثر القتل حتى ظنوا أنه الفناء، وافترقوا على السواء.\rوالتجأ أبو يزيد إلى قلعة [كتامة وهى] (¬١) منيعة فاحتمى بها، وأقبلت هوّاره وأكثر من مع أبى يزيد يطلبون الأمان، فأمّنهم المنصور، وسار فحصر القلعة، وفرّق جنده حولها، فناشبه أبو يزيد القتال، وزحف إليها المنصور غير مرّة حتى ملك بعض أصحابه مكانا من القلعة، وألقوا فيها النيران، فانهزم أصحاب أبى يزيد، وقتلوا قتلا ذريعا، وامتنع أبو يزيد وأولاده فى قصر بالقلعة ومعه أعيان أصحابه، فاجتمع أصحاب المنصور، وأحرقوا شعارى الجبل حتى لا يهرب أبو يزيد فصار الليل كالنهار.\rفلما كان آخر الليل خرج أصحاب أبى يزيد وهم يحملونه على أيديهم، وحملوا على الناس حملة منكرة، فأفرجوا له، ونجوا به، ونزل من القلعة خلق كثير، فأخذوا وأخبروا بخروج أبى يزيد، فأمر المنصور بطلبه، وقال:\r«ما أظنه إلا قريبا منا».\rفبينما هم كذلك إذ جاء الخبر أن ثلاثة من أصحاب أبى يزيد حملوه من المعركة لقبح عرجه، فذهب لينزل من الوعر فسقط فى مكان صعب، فأخذ وحمل إلى المنصور يوم الأحد لخمس بقين من المحرم، وبه جراحات، فلما رآه سجد شكرا لله. وقدم به والناس يكبرون حوله، فأقام عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة؛ فمات من جراح كانت به، فأمر [المنصور] بادخاله فى قفص عمل له، وجعل معه قردين يلعبان عليه، وأمر بسلخ جلده، وحشاه تبنا، وكتب إلى سائر البلاد بالبشارة.","footnotes":"(¬١) زيد ما بين الحاصرتين بعد مراجعة (ابن الأثير: الكامل، ج ٨، ص ١٧٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276422,"book_id":167,"shamela_page_id":130,"part":"1","page_num":86,"sequence_num":130,"body":"وخرج عليه - بعد أبى يزيد - عدة خوارج، فظفر بهم المنصور.\rثم عاد المنصور إلى المهدية فى شهر رمضان سنة ست وثلاثين.\rوكانت وفاة القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدى لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.\rوقام بالأمر من بعده ابنه أبو الطاهر إسماعيل المنصور بنصر الله، وكتم موته خوفا أن يعلم أبو يزيد، فإنه كان على سوسة قريبا منه، فأبقى الأمور على حالها، ولم يتسمّ بالخليفة، ولا غيّر السكّة ولا الخطبة ولا البنود، وبقى كذلك حتى فرغ من أمر أبى يزيد، فلما فرغ منه أظهر موت أبيه، وتسمّى بالخلافة، وعمل آلات الحرب.\rويقال إن القائم لم يرق سريرا، ولا ركب دابة صيد منذ أفضى إليه الأمر حتى مات، وإنه صلّى مرّة على جنازة، وصلّى مرة العيد بالناس.\rوكانت مدة خلافته ثنتى عشرة سنة، وسبعة أشهر، واثنى عشر يوما.\rوعمره ثمانيا وخمسين سنة، وقيل أربعا وخمسين سنة، وتسعة أشهر، وستة أيام.\rوأولاده:\rأبو الطاهر إسماعيل.\rوأبو عبد الله جعفر - ومات فى أيام (¬١) المعز -\rوحمزة، وعدنان، وأبو كنانة - قبضوا بالمغرب - ويوسف - مات ببرقة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة -\rوعبد الجبار - توفى بمصر سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة -\rوأربع بنات.\rوترك سبع سرارى.","footnotes":"(¬١) الأصل: «فى أيامه»، والتصحيح عن (ج)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276423,"book_id":167,"shamela_page_id":131,"part":"1","page_num":87,"sequence_num":131,"body":"وكانت قضاته:\rإسحاق بن أبى المنهال، ثم مات، فولى أحمد بن يحيى - وقتله أبو يزيد لما فتح إفريقية فى صفر سنة ثلاث وثلاثين -، ثم أحمد بن الوليد.\rونقش خاتمه: «بنصر الدائم، ينتصر الإمام أبو القاسم».\rوقال فيه أيوب بن إبراهيم:\r\rيا ابن الإمام المرتضى، وابن الو … صىّ المصطفى، وابن النبىّ المرسل\rالله أعطاك الخلافة واهبا … ورآك للإسلام أمنع معقل\rنلت الخلافة، وهى أعظم رتبة … نيلت، وليست من علاك بأفضل\rفمنعت حوزتها، وحطت حريمها … بالمشرفيّة والوشيج الذّبّل\rوقال خليل بن إسحاق لما بعثه لقتال أبى يزيد:\rوما ودّعت خير الخلق طرّا … ولا فارقته عن طيب نفس\rولكنّى طلبت به رضاه … وعفو الله يوم حلول رمس\rفعاش مملّكا ما لاح نجم … على الثّقلين من جنّ وإنس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276424,"book_id":167,"shamela_page_id":132,"part":"1","page_num":88,"sequence_num":132,"body":"المنصور بنصر الله أبو الطاهر اسماعيل ابن محمد القائم بن عبيد [الله] المهدى\rولد بالمهدية فى أول ليلة من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثمائة، وقيل ولد بالقيروان (¬١) فى سنة اثنتين وثلاثمائة، وقيل بل فى سنة إحدى وثلاثمائة.\rوبويع له فى شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.\rوتوفى يوم الأحد الثالث وعشرين من شوال، وقيل يوم الجمعة مع الظهر سلخ شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وسترت وفاته إلى يوم الأحد سابع ذى الحجة منها.\rوكان له من العمر إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر.\rوكانت ولايته الخلافة - بعد أبيه - ثمانى سنين، وقيل: سبع سنين وعشرة أيام، وقيل: كان عمره تسعا وثلاثين سنة.\rوكان فصيحا بليغا خطيبا حاد الذهن، حاضر الجواب، بعيد الغور، جيد الحدس، يخترع الخطبة لوقته؛ وأحواله التى تقدم ذكرها مع أبى يزيد وغيره تدل على شجاعته وعقله.\rقال أبو جعفر أحمد بن محمد المروروذى (¬٢):\r«كنت مع المنصور فى اليوم الذى أظهره الله بمخلد بن كيداد أبى يزيد، وهزمه، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، وقبلت يده، ودعوت له بالنصر والظفر، فأمرنى بالركوب - وقد جمع عليه سلاحه وآلة حربه، وتقلد سيف جده ذا الفقار، وأخذ بيده رمحين - فحدثته ساعة، فجال به الفرس، وردّ أحدهما إلى يده اليسرى، فسقط إحدى الرمحين من يده إلى الأرض،","footnotes":"(¬١) الأصل: «بالعراق» وهو خطأ واضح، والتصحيح عن (ج).\r(¬٢) المرورذى نسبة الى مروالروذ، وهى - كما ذكر ياقوت - مدينة قريبة من مرو الشاهجان، بينهما خمسة أيام، وينسب اليها أيضا بمروذى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276425,"book_id":167,"shamela_page_id":133,"part":"1","page_num":89,"sequence_num":133,"body":"فتفاءلت له بالظفر، ونزلت مسرعا، فرفعت الرمح من الأرض، ومسحته بكمى، فرفعته إليه، وقبلت يده، وقلت:\rفألقت عصاها واستقرّ بها النوى … كما قرّ عينا بالإياب المسافر\rفأخذ المنصور الرمح من يدى وقال:\r«هلاّ قلت ما هو خير من هذا وأصدق؟».\rقال، قلت: «وما هو؟».\rقال: قال الله ﷿: «وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ؛ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، * فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ اِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ (¬١)».\rقال: فقلت: «يا مولانا: أنت ابن رسول الله ﷺ، وإمام الأمة، عليكم نزل القرآن، ومن بيتكم درجت الحكم، فقلت أنت بما عندك من نور النبوة، وقال عبدك بما بلغه من علمه ومعرفته بكلام العرب وأهل الشعر».\rوكان الأمر كما قال، فما هو إلا أن أشرف على عسكر أبى يزيد حتى ضرب الله فى وجوههم، فقتلوا، وأحرق عسكرهم وخيامهم بالنار، وولى أبو يزيد فى بقية أصحابه خائبين إلى داخل المغرب.\rولما صارت الخلافة إلى المنصور فى الشهر الذى توفى أبوه فيه، لم يغيّر السكة ولا البنود، وأقام على ذلك إلى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فأظهر موت أبيه بعد أن ظفر بأبى يزيد.\rوكان سبب موته: أنه خرج إلى سفاقس (¬٢) وتونس، ثم إلى قابس (¬٣)، وبعث يدعو","footnotes":"(¬١) الأصل: «فألقى موسى عصاه فاذا هى تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين» وهذا خلط واضح، فان الآية الأولى «فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ» هى الآية رقم ٤٥ من سورة الشعراء، والآيتان التاليتان من سورة الأعراف. وقد رويت الآيات صحيحة فى نسخة (ج) وهى الآيات ١١٧ - ١١٩ من سورة الأعراف.\r(¬٢) ذكر ياقوت أنها مدينة من نواحى افريقية جل غلاتها الزيتون، وهى على ضفة الساحل بينها وبين المهدية ثلاثة أيام، وبين سوسة يومان، وبين قابس ثلاثة أيام»\r(¬٣) ذكر ياقوت أنها «مدينة بين طرابلس وسفاقس ثم المهدية، على ساحل البحر، فيها نخل وبساتين غربى طرابلس الغرب، وبينها وبين طرابلس ثمانية منازل. وكان فتحها مع فتح القيروان سنة ٢٧» وقال البكرى: «وبين قابس والبحر ثلاثة أميال».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276426,"book_id":167,"shamela_page_id":134,"part":"1","page_num":90,"sequence_num":134,"body":"أهل جربة (¬١) إلى الطاعة فأجابوه، وأخذ منهم رجالا وعاد، وكانت سفرته شهرا.\rوعهد إلى ابنه معدّ وجعله ولى عهده.\rفلما كان شهر رمضان سنة إحدى وأربعين خرج متنزها إلى مدينة جلولاء (¬٢) - وهو موضع كثير الثمار، وفيه من الأترج ما لا يحمل الجمل منه غير أربع أترجّات لعظمه - فحمل منه إلى قصره، وكانت له حظيّة (¬٣) يحبها، فلما رأت الأترج استحسنته، وأحبت أن تراه فى أغصانه، فأجابها إلى ذلك، ورحل بها فى خاصته، وأقام بها أياما ثم عاد إلى المنصورية، فأصابه فى الطريق ريح شديد، وبرد ومطر أقام أياما، وكثر الثلج، فمات جماعة ممن معه.\rواعتلّ المنصور علّة شديدة، ووصل المنصورية، فأراد عبور الحمام فنهاه طبيبه إسحاق ابن سليمان الإسرائيلى عن ذلك، فلم يقبل، ودخل الحمام ففنيت الحرارة الغريزية منه، ولازمه السهر، فأخذ طبيبه يعالج المرض دون السهر، فاشتد ذلك على المنصور وقال لبعض خواصه:\r«أما فى القيروان طبيب غير إسحاق؟»\rفأحضر إليه شاب من الأطباء يقال له: «أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبى خالد بن الجزار»، فجمع له أشياء مخدّرة (¬٤)، وكلّفه شمّها، فنام، وخرج وهو مسرور بما فعله، فجاء إسحاق ليدخل على المنصور، فقيل له إنه نائم، فقال: «إن كان صنع له شيء ينام منه فقد مات»، فدخلوا عليه فإذا هو ميّت، فدفن فى قصره.\rوأرادوا قتل ابن الجزار الذى صنع له المنوّم، فقام معه إسحاق، وقال:","footnotes":"(¬١) جربة - بكسر الجيم أو فتحها - جزيرة بالمغرب من ناحية افريقية قرب قابس انظر: (ياقوت: معجم البلدان).\r(¬٢) هناك مدينتان تحملان هذا الاسم «جلولاء، الأولى طسوج من طساسيج السواد فى طريق خراسان، بينهما وبين خانقين سبعة فراسخ، والثانية - وهى المقصودة هنا مدينة بافريقية بينها وبين القيروان أربعة وعشرون ميلا، راجع: (ياقوت: معجم البلدان).\r(¬٣) ذكر (ابن خلكان، ج ١، ص ١٣٥) أن هذه الجارية كانت تسمى «قضيب».\r(¬٤) فى ابن الأثير وابن خلكان: «منومة»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276427,"book_id":167,"shamela_page_id":135,"part":"1","page_num":91,"sequence_num":135,"body":"«لا ذنب له، إنما داواه بما ذكره الأطباء، غير أنه جهل أصل المرض، وما عرّفتموه، وذلك أننى فى معالجته أقصد تقوية الحرارة الغريزية، وبها يكون النوم، فلما عولج بما يطفئها علمت أنه قد مات».\rوكان نقش خاتمه: «بنصر الباطن الظاهر، ينتصر الإمام أبو الطاهر».\rوكان يشبّه بأبى جعفر المنصور - من خلفاء بنى العباس - لأن كلا منهما اختلت عليه الدولة، وأصفقت (¬١) عليه الحروب، وكاد يسلّ من الخلافة، فهبّ له ريح النصر، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف.\rوأولاده:\rأبو تميم المعز لدين الله:\rوحيدرة - مات بمصر فى جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وصلى عليه العزيز بالله -.\rوهاشم - مات بمصر فى ربيع الأول سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وصلى عليه العزيز بالله -.\rوطاهر - مات فى المحرم سنة تسع وخمسين وثلاثمائة بالمغرب -.\rوأبو عبد الله الحسين - مات بالمغرب -.\rوخمس بنات:\rهبة، وأروى، وأسماء - متن بمصر أيام المعز لدين الله.\rوأمّ سلمة - ماتت بمصر أيام العزيز بالله -.\rومنصورة - ماتت بالمغرب -.\rوكان له أمهات أولاد ثلاث.\rوقضاته:\rأحمد بن محمد بن أبى الوليد.","footnotes":"(¬١) أصفقت أى أطبقت (القاموس).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276428,"book_id":167,"shamela_page_id":136,"part":"1","page_num":92,"sequence_num":136,"body":"ثم محمد بن أبى المنصور.\rثم عبد الله بن قاسم (¬١).\rثم على بن أبى سفيان.\rثم أبو محمد زرارة.\rثم أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمى.\rوحاجبه: جعفر بن على.","footnotes":"(¬١) ج: ابن هاشم","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276429,"book_id":167,"shamela_page_id":137,"part":"1","page_num":93,"sequence_num":137,"body":"المعز لدين الله أبو تميم معد ابن المنصور أبى الطاهر بن القائم أبى القاسم محمد ابن عبيد الله المهدى\rقال: ولى الأمر بعد أبيه سلخ شوال - وقيل يوم الجمعة سابع عشر - سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.\rوأقام فى تدبير الأمور إلى سابع ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وأذن للناس فدخلوا عليه وقد جلس لهم، فسلّموا عليه بالخلافة، وكان عمره أربعا وعشرين سنة.\rومولده بالمحمدية على أربع ساعات وأربع أخماس ساعة من يوم الاثنين الحادى عشر من رمضان سنة تسع (¬١) عشرة وثلاثمائة.\rومدة أيامه ثلاث وعشرون سنة، وخمسة أشهر، وسبعة عشر يوما.\rفلما كان فى سنة اثنتين وأربعين جالت عساكره فى جبل أوراس، وكان ملجأ كلّ منافق على الملوك، يسكنه بنو كملان ومليلة وبعض هوّارة، ولم يدخلوا فى طاعة من تقدمه، فأطاعوا المعز، ودخلوا معه البلاد، وتقدّم إلى نوابه بالإحسان إلى البربر، فلم يبق منهم إلا من أتاه وشمله إحسان المعز، فعظم أمره.\rوفى سنة سبع وأربعين عظم أمر أبى الحسين جوهر عند المعز، وعلا محله، وصار فى رتبة الوزارة، فسيّره فى صفر منها على جيش كثيف، فيهم الأمير زيرى بن مناد (¬٢) الصنهاجى","footnotes":"(¬١) كذا فى الأصل، وفى «ج» والخطط «سبع عشرة»\r(¬٢) جاء فى الهامش بالأصل تتمة لهذا الاسم ونصها: «بخطه - أى بخط المؤلف -: زيرى بن مناد بن منفوس؟؟؟ (بدون نقط) بن زناك».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276430,"book_id":167,"shamela_page_id":138,"part":"1","page_num":94,"sequence_num":138,"body":"وغيره، فسار إلى تاهرت، وحارب قوما، وافتتح مدنا، ونهب وأحرق، وسار إلى فاس (¬١) فنازلها مدة، وسار إلى سجلماسة، وقد قام بها رجل (¬٢) وتلقب بالشاكر لله، وخوطب بأمير المؤمنين، ففرّ من جوهر فتبعه حتى أخذه أسيرا.\rومضى [جوهر] إلى البحر المحيط، فأمر أن يصاد من سمكه، وبعثه فى قلال الماء إلى المعز، وسلك ما هنالك من البلاد فافتتحها، ثم عاد فقاتل أهل فاس حتى افتتحها عنوة، وقبض على صاحبها، وجعله مع صاحب سجلماسة فى قفصين، وحملهما إلى المعز بالمهدية، وعاد فى أخريات السنة.\rوفى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة كان إعذار (¬٣) المعز لدين الله الأمراء بنيه: عبد الله، وتزار، وعقيل؛ فحين عزم على طهورهم كاتب عمّاله وولاته من لدن برقة إلى أقصى سجلماسة، وما بين ذلك، وما حوته مملكته إلى جزيرة صقلية وما والاها، فى حضر وبدو، وبحر وبر، وسهل وجبل، بطهور من وجد من أولاد سائر الخلق، حرّهم وعبدهم، وأبيضهم وأسودهم، ودنيئهم وشريفهم، ومليهم وذميهم، الذين حوتهم مملكته، لمدة شهر، وتوعّد على ترك ذلك، وأمرهم بالقيام بجميع نفقاتهم وكسوتهم، وما يصلح أحوالهم من مطعم ومشرب وملبس وطيب وغيره بمقدار رتبهم وأحوالهم، فكان من جملة المنفق فى ذلك مما حمل إلى جزيرة صقلية وحدها من المال - سوى الخلع والثياب - خمسون حملا من الدنانير، كلّ حمل عشرة آلاف دينار، ومثل ذلك إلى كل عامل من عمال مملكته ليفرقه على أهل عمله.\rوابتدئ بالختان فى مستهل ربيع الأول منها، فكان المعز يطهر فى اليوم من أيام الشهر","footnotes":"(¬١) قال ياقوت: «هى مدينة كبيرة على بر المغرب من بلاد البربر، وهى حاضرة المغرب وأجل مدنه قبل أن تختط مراكش .. وليس بالمغرب مدينة يتخللها الماء غيرها الا غرناطة بالأندلس»، وقال البكرى: «مدينة فاس مدينتان مفترقتان مسورتان، عدوة القرويين وعدوة الأندلسيين … وأسست عدوة الأندلسيين .. فى سنة ١٩٢، وعدوة القرويين فى سنة ١٩٣ فى ولاية ادريس بن ادريس .. الخ».\r(¬٢) يوجز المقريزى هنا فى هذا الفصل عن: (الأثير: الكامل، ج ٨، ص ٢٠٧) واسم هذا الرجل هناك: «محمد بن واسول».\r(¬٣) أعذر الغلام وعذره أى ختنه، وللقوم عمل طعام الختان (القاموس)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276431,"book_id":167,"shamela_page_id":139,"part":"1","page_num":95,"sequence_num":139,"body":"بحضرته اثنا (¬١) عشر ألف صبى وفوقها ودونها، وختن من أهل صقلية وحدها خمسة عشر ألف صبى، وكان وزن خرق الأكياس المفرغة مما أنفق فى هذا الإعذار مائة وسبعين قنطارا (¬٢) بالبغدادى.\rواستدعى المعز - وهو بالمنصورية - فى يوم شات باردة الريح عدّة شيوخ من شيوخ كتامة، وأمر بادخالهم إليه من غير الباب الذى جرى الرسم به، فإذا هو فى مجلس مربع كبير مفروش باللبود على مطارح، وحوله كساء، وعليه جبة، وحواليه أبواب مفتحة تفضى إلى خزائن كتب، وبين يديه مرفع ودواة، وكتب حواليه، فقال:\r«يا إخواننا: أصبحت اليوم فى مثل هذا الشتاء والبرد، فقلت لأم الأمراء - وإنها الآن بحيث تسمع كلامى -: أترى إخواننا يظنون أنا فى مثل هذا اليوم نأكل ونشرب ونتقلّب فى المثقل (¬٣) والديباج (¬٤) والحرير والفنّك (¬٥) والسّمّور والمسك والخمر والغناء كما يفعل أرباب الدنيا؟!\rثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضركم لتشاهدوا حالى إذا خلوت دونكم واحتجبت عنكم، وأنى لا أفضلكم فى أحوالكم إلا فيما لا بد لى منه من دنياكم، وبما خصّنى الله به من إمامتكم، وأنى مشغول بكتب ترد على من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطى، وأنى لا أشتغل بشئ من ملاذ الدنيا إلا بما صان أرواحكم، وعمّر بلادكم، وأذلّ أعداءكم، وقمع أضدادكم.","footnotes":"(¬١) فى النسختين: «اثنى»، وما أثبتناه هو الصحيح\r(¬٢) هذا اللفظ من أصل لاتينى هو \" Quintale \" ، ومقابله بالفرنسية والاسبانية والانجليزية\" Quintal \"\r(¬٣) المثقل من الثياب ما كان منسوجا بالذهب.\r(¬٤) الديباج من أقدم الاقمشة الثمينة المعروفة فى الشرق قبل الاسلام، وكان يصنع فى الصين وأرمينية، ويغلب أن يكون من الحرير. انظر: (عبد العزيز مرزوق: الزخرفة المنسوجة فى الأقمشة الفاطمية، ص ٣٩، هامش ٣)\r(¬٥) عرف (Dozy:Supp.Dict.Arab) الفنك بأنه نوع صغير جدا من الثعالب فى حجم القط يسكن الأقاليم الحارة فى افريقية من الحبشة ودارفور الى شمال القارة، وجاء فى (محيط المحيط) أن الفنك حيوان فروته أحسن الفراء وأعدلها، قيل هو نوع من جراء الثعلب التركى، وقيل يطلق على جرو ابن آوى فى بلاد الترك» والمقصود باللفظ هنا الفراء لا الحيوان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276432,"book_id":167,"shamela_page_id":140,"part":"1","page_num":96,"sequence_num":140,"body":"فافعلوا يا شيوخ فى خلوتكم مثل ما أفعله، ولا تظهروا التجبر والتكبر، فينزع الله النعمة عنكم، وينقلها إلى غيركم، وتحننوا على من وراءكم ممن لا يصل إلىّ كتحننى عليكم، ليتصل فى الناس الجميل، ويكثر الخير، وينتشر العدل.\rوأقبلوا بعدها على نسائكم، والزموا الواحدة التى تكون لكم، ولا تشرهوا إلى التكثير منهن، والرغبة فيهن، فيتنغص عيشكم، وتعود المضرة عليكم، وتنهكوا أبدانكم، وتذهب قوتكم، وتضعف نحائزكم (¬١)؛ فحسب الرجل الواحد الواحدة، ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم.\rواعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به رجوت أن يقرّب الله علينا أمر المشرق كما قرّب أمر المغرب بكم. انهضوا رحمكم الله ونصركم».\rوفى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة أمر [المعز] بحفر الآبار فى طريق مصر، وأن يبنى له فى كل منزلة قصر، ففعل ذلك.\rوفى يوم الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من السنة وردت النجب من مصر بموت كافور الإخشيدي يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الأولى (¬٢).\rواستدعى [المعز] يوما أبا جعفر بن حسين بن مهذب - صاحب بيت المال - وهو بالمغرب، فوجده فى وسط القصر جالسا على صندوق، وبين يديه ألوف صناديق مبددة فى صحن القصر، فقال له:\r«هذه صناديق مال، وقد شذّ عنّى ترتيبها، فانظرها ورتبها».\rقال: «فأخذت أجمعها إلى أن صارت مرتبة، وبين يدىّ جماعة من خدام بيت المال والفراشين»، وأنفذت إليه أعلمه، فأمر برفعها فى الخرائن على ترتيبها، وأن يغلق عليها، وتختم بخاتمه، وقال: «قد خرجت عن خاتمنا وصارت إليك» ففعل.","footnotes":"(¬١) نحائزكم أى أصولكم، فالنحاز - بكسر النون وضمها - الأصل (القاموس)\r(¬٢) يفهم من النص هنا أن كافورا توفى فى العشرين من جمادى الأولى سنة ٣٥٥ هـ، والصحيح أن الوفاة حدثت فى هذا التاريخ من سنة ٣٥٧، فهذا اليوم من سنة ٣٥٥ ليس يوم أربعاء، وانما هو يوم أربعاء فى سنة ٣٥٧. انظر: (النجوم الزاهرة، ج ٤ ص ١٠ و ٢١) و (التوفيقات الالهامية).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276433,"book_id":167,"shamela_page_id":141,"part":"1","page_num":97,"sequence_num":141,"body":"وكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار، وذلك فى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، فأنفقها أجمع على العساكر التى سيّرها إلى مصر - فى سنتى ثمان وتسع وخمسين - مع القائد جوهر.\rوكان رحيله فى رابع عشر ربيع الأول منها، ومعه ألف حمل مال، ومن السلاح والخيل والعدد ما لا يوصف، فقدم جوهر إلى مصر، ووصلت البشارة بفتحها فى نصف رمضان سنة ثمان وخمسين، فسرّ المعز سرورا كثيرا وأنشده ابن هانئ قصيدة أولها:\rيقول بنو العباس: هل فتحت مصر؟ … فقل لبنى العباس: قد قضى الأمر\rولما وصلت البشارة من الشام بكسر عسكر أبى عبد الله الحسن بن أحمد القرمطى - المعروف بالأعصم (¬١) - أنشده ابن هانئ قصيدة منها:\rما شئت لا ما شاءت الأقدار، … فاحكم فأنت الواحد القهّار\rوأنشد أيضا أخرى أولها:\rوعلى (¬٢) أمير المؤمنين مظلّة … زاحمت تحت لوائها جبريلا\rوفى سنتى ستين وإحدى وستين قال: ولقد وصلنا إلى برقة ومعنا خمسون ألف دينار.\rولما أنفذ جوهر إلى مصر، وبرز يريد المسير إلى مصر، بعث [المعز] خفيفا الصّقلبى - صاحب السّتر (¬٣) - إلى شيوخ كتامة، يقول:","footnotes":"(¬١) أحد زعماء القرامطة، ولد بالأحساء، وفى سنة ٣٦٠ خرج الى دمشق فاقتتل مع جيش جعفر بن فلاح وقتله بظاهر دمشق، وملك دمشق وولى عليها ظالم بن موهوب العقيلى، ثم عاد الى بلاد هجر، وهاجم مصر فى أوائل سنة ٣٦٢، ثم تقهقر الى الشام، ومات بالرملة فى رجب سنة ٣٦٦، انظر: (النجوم الزاهرة، ج ٤ ص ٣١، ٥٦، ٥٨، ٥٩، ٧٠، ٧٤، ٧٥، ١٢٨).\r(¬٢) كذا فى الأصل، وفى (ج): «وخيل أمير المؤمنين مطلة»، وليس فى الديوان قصيدة تنتهى بهذا الروى الا قصيدة واحدة مطلعها: «أتظن راحا فى الشمال شمولا» وليس فى هذه القصيدة بيت ينتهى بلفظ «جبريلا» الا هذا البيت:\rأمديرها من حيث دار لشد ما … زاحمت حول ركابه جبريلا\rانظر: (الديوان، ص ٥٦٠ و ٥٦٦).\r(¬٣) لعل المقصود بهذه الوظيفة أن صاحبها هو الذى كان يتولى أمر الستار التى تحجب الخليفة الفاطمى على عرشه حتى يتم اعداد المجلس - فى مجالسه العامة - ثم ترفع بعد ذلك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276434,"book_id":167,"shamela_page_id":142,"part":"1","page_num":98,"sequence_num":142,"body":"«يا إخواننا: قد رأينا أن ننفذ رجالا من.؟؟؟ بلدان كتامة، يقيمون بينهم، ويأخذون صدقاتهم ومراعيهم، ويحفظونها علينا فى بلادهم، فإذا احتجنا إليها أنفذنا خلفها فاستعنا بها على ما نحن بسبيله».\rفقال بعض شيوخهم لخفيف - وقد بلّغهم ذلك -:\r«قل لمولانا: والله لا فعلنا هذا أبدا. كيف تؤدى كتامة الجزية، ويصير عليها فى الديوان ضريبة؟؟ وقد أعزّها الله قديما بالإسلام، وحديثا معكم بالإيمان، وسيوفنا بطاعتكم فى المشرق والمغرب؟».\rفعاد خفيف بذلك إلى المعز، فأمر باحضار جماعة كتامة، فدخلوا عليه وهو راكب فرسه، فقال:\r«ما هذا الجواب الذى صدر عنكم؟».\rفقالوا: «نعم هو جواب جماعتنا، ما كنا يا مولانا بالذى يؤدى جزية تبقى علينا».\rفقام [المعز] فى ركابه، وقال: «بارك الله فيكم، فهكذا أريد أن تكونوا، وإنما أردت أن أجربكم، فانظروا كيف أنتم بعدى إذا سرنا عنكم إلى مصر، هل تقبلون هذا أو تفعلونه وتدخلون تحته ممن يرومه منكم؟ والآن سررتمونى بارك الله فيكم».\rوكتب إلى جوهر - وهو بمصر - من الغرب:\r«وأما ما ذكرت يا جوهر من أن جماعة من بنى حمدان وصلت إليك كتبهم، يبذلون الطاعة، ويعدون بالمسارعة فى المسير إليك، فاسمع لما أذكره لك: احذر أن تبتدئ أحدا من بنى حمدان بمكاتبة - ترهيبا له ولا ترغيبا -، ومن كتب إليك منهم فأجبه بالحسن الجميل، ولا تستدعه إليك؛ ومن ورد إليك منهم فأحسن إليه، ولا تمكّن أحدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طرف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة أشياء، عليها مدار العالم، وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدين، وليس لهم فيه نصيب؛ ويتظاهرون بالكرم وليس لواحد منهم كرم فى الله؛ ويتظاهرون بالشجاعة، وشجاعتهم للدنيا لا للآخرة؛ فاحذر كل الحذر من الاستنامة إلى أحد منهم»","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276435,"book_id":167,"shamela_page_id":143,"part":"1","page_num":99,"sequence_num":143,"body":"ولما عزم [المعز] على المسير إلى مصر أجال فكره فيمن يخلفه بالمغرب، فوقع اختياره على أبى أحمد جعفر بن على الأمير، فاستدعاه، وأسرّ إليه أنه يريد استخلافه بالمغرب، فقال:\r«تترك معى أحد أولادك أو إخوتك جالسا فى القصر وأنا أدبّر، ولا تسألنى عن شيء من الأموال إن كان ما أجبيه (¬١) بازاء ما أنفقه؛ وإذا أردت أمرا فعلته ولم أنتظر ورود الأمر فيه، لبعد ما بين مصر والمغرب، ويكون تقليد القضاء والخراج وغيره من قبل نفسى».\rفغضب المعز وقال:\r«يا جعفر: عزلتنى عن ملكى، وأردت أن تجعل لى شريكا فى أمرى» واستبددت بالأموال والأعمال دونى، قم فقد أخطأت حظّك، وما أصبت رشدك».\rفخرج.\rواستدعى المعزّ يوسف بن زيرى الصنهاجى، وقال له:\r«تأهب لخلافة المغرب»\rفأكبر ذلك وقال:\r«يا مولانا: أنت وآباؤك الأئمة من ولد رسول الله ﷺ ما صفا لكم المغرب، [فكيف] يصفو لى وأنا صنهاجى بربرى؟ قتلتنى يا مولاى بلا سيف ولا رمح».\rولم يزل به حتى أجاب وقال:\r«يا مولانا: بشريطة أن تولى القضاء والخراج لمن تراه وتختاره، والخبر لمن تثق به، وتجعلنى أنا قائما بين أيديهم، فمن استعصى عليهم أمرونى به حتى أعمل فيه ما يجب، ويكون الأمر لهم وأنا خادم بين ذلك».\rفحسن هذا من المعز [وشكره، فلما انصرف] (¬٢) قال له عم أبيه أبو طالب أحمد بن المهدى عبيد الله:\r«يا مولانا: وتثق بهذا القول من يوسف أنه يفى بما ذكره؟»\rفقال [المعز]: «يا عمنا: كم بين قول يوسف وقول جعفر؟ واعلم يا عم أن الأمر الذى طلبه","footnotes":"(¬١) ج: «لأن ما أجبيه ..\r(¬٢) ما بين الحاصرتين زيادة عن (المقريزى: الخطط، ج ٢، ص ١٦٦)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276436,"book_id":167,"shamela_page_id":144,"part":"1","page_num":100,"sequence_num":144,"body":"جعفر ابتداء هو آخر ما يصير إليه أمر يوسف، فإذا تطاولت المدة سينفرد بالأمر، ولكن هذا أولى وأحسن وأجود عند ذوى العقل، وهو نهاية ما يفعله من يترك دياره».\rووجّهت أمّ الأمراء من المغرب بصبيّة ربّتها لتباع فى مصر، فطلب الوكيل فيها ألف دينار، فجاءت امرأة شابة على حمار، فلم تزل حتى اشترتها منه بستمائة دينار، وقيل له يا مغربى: «هذه بنت الاخشيد اشترت الجارية تتمتع بها، وهى ست كافور».\rفلما عاد أخبر المعز بذلك، فأمر بإحضار الشيوخ، وأمر الرجل فحدثهم بخبر الجارية، ثم قال:\r«يا إخواننا: انهضوا إليهم، فلن يحول بينكم وبينهم شيء، وإذا كان قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات ملوكهم تخرج وتشترى لنفسها جارية تتمتع بها فقد ضعفت نفوس رجالهم، وذهبت الغيرة منهم، فانهضوا بنا إليهم».\rفقالوا: «السمع والطاعة».\rفقال: «خذوا فى حوائجكم، فنحن نقدم الاختيار لمسيرنا إن شاء الله».\rولما عزم المعز على الرحيل إلى مصر أتاه بلكّين (¬١) بن زيرى بألفى جمل من إبل زناتة، وحمل ما له بالقصور من الذخائر، وسبك الدنانير على شكل الطواحين، جعل على كل جمل قطعتين، فى وسط كل قطعة ثقبا تجمع به القطعة إلى الأخرى، فاستعظم ذلك الجند والرعيّة، وصاروا يقفون فى الطرق لرؤية بيت المال المحمول.\rوخرج المعز من المغرب يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وخرج من المنصورية ومعه بلكّين - واسمه يوسف - إلى سردانية (¬٢) من بلاد إفريقية، فسلم إليه إفريقية والمغرب يوم الأربعاء لتسع بقين من ذى الحجة، وأمر سائر الناس له بالسمع والطاعة، وفوّض","footnotes":"(¬١) كان بلكين زعيم قبيلة صنهاجة وهى من أكثر القبائل المغربية اخلاصا وتأييدا للفاطميين، وقد ولاه المعز حكم المغرب نيابة عنه عند خروجه الى مصر كما هو واضح بالمتن هنا، وتوفى فى ٢١ ذى الحجة سنة ٣٧٣ فى مكان بين سجلماسة وتلمسان، وخلفه على المغرب ابنه المنصور، انظر: (دائرة المعارف الاسلامية، مادة «بلكين» وما بها من مراجع).\r(¬٢) سردانية قرية قريبة من القيروان، انظر: (البكرى: المغرب، ج ٢، ص ٣٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276437,"book_id":167,"shamela_page_id":145,"part":"1","page_num":101,"sequence_num":145,"body":"إليه أمور البلاد، ما خلا جزيرة صقلية - فإنه ترك أمرها لحسن بن على بن أبى الحسين (¬١) -، وطرابلس وأعمالها.\rوقال له:\r«إن نسيت، ما وصيناك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إياك أن ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا ترفع السيف عن البربر، ولا تولّ أحدا من إخوتك وبنى عمك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك؛ وافعل مع أهل الحاضرة خيرا».\rوفارقه.\rوكان قيصر ومظفر الصقلبيان قد بلغا رتبة عظيمة عند المنصور والمعز، وكان المظفر يدلّ على المعز لأنه علّمه الخطّ وهو صغير، فاتفق أنه حرد يوما، فسمعه المعز يتكلم بكلمة صقلبية استراب بها، فأخذ المعزّ نفسه بحفظ اللغات، فابتدأ بالبربرية فأحكمها، ثم بالرومية، ثم بالسودانية، ثم استدعى الصقلبية فمرّت به تلك الكلمة فيها، فإذا هى شتمة، فبقيت فى نفسه حتى قتلهما.\rوبلغه - وهو بالمغرب - أمر الحرب من بنى حسن وبنى جعفر بن أبى طالب [بالحجاز]، وأنه قتل من بنى الحسن أكثر ممن قتل بنو حسن من بنى جعفر، فأنفذ مالا ورجالا سرا سعوا بين الطائفتين حتى اصطلحوا، وتحملوا الحمالات عنهما.\rوكان فاضل القتلى لبنى حسن عند بنى جعفر سبعين قتيلا، فأدّى القوم ذلك إليهم، وعقدوا بينهم فى المسجد الحرام صلحا، وتحملوا دياتهم من مال المعز، وذلك فى سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فصار ذلك جميلا عند بنى حسن للمعز، فلما دخل جوهر [مصر] بادر حسن بن جعفر الحسنى فملك مكة ودعا للمعز، وكتب إلى جوهر بذلك، فبعث بالخبر إلى المعز، فأنفذ من المغرب إليه بتقليد الحرم وأعماله.","footnotes":"(¬١) الحسن بن على بن أبى الحسين هو ثالث من تولى حكم صقلية من الأسرة الكلبية، وقد حكمها مرتين من سنة ٣٣٦ الى ٣٤١، ثم من ٣٥٣ الى ٣٥٩، والمذكور فى المتن هنا أنه هو الذى كان يلى حكم صقلية عند خروج المعز الى مصر، أى فى أواخر سنة ٣٦١، والذى تذكره المراجع أن حاكم صقلية من ٣٥٩ الى ٣٧١ هو ابنه على بن الحسن بن على. انظر:\r(Zambaur:Op.Cit.P .٦٧ - ٦٩)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276438,"book_id":167,"shamela_page_id":146,"part":"1","page_num":102,"sequence_num":146,"body":"[١٦] ذكر بناء القاهرة\rقال أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق (¬١) المصرى فى كتاب «إتمام أخبار أمراء مصر للكندى» - رحمهما الله -:\r«وفى جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة صحت الأخبار بمسير عساكر المعز لدين الله من المغرب إلى مصر، عليها عبده جوهر، وكانت بمصر للمعز دعاة استدعوا خلقا فى البلد؛ وكانوا يقولون: «إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعزّ لدين الله الأرض كلّها، وبيننا وبينكم الحجر الأسود - يعنون كافور الإخشيدى -»، فلما مات كافور أنفذ المعزّ إلى دعاته بنودا، وقال: «فرقوها على من يبايع من الجند»، وأمرهم إذا قربت العساكر ينشرونها، فلما قربت العساكر من الإسكندرية جمع الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد ابن موسى بن الحسن بن الفرات (¬٢) الناس وشاورهم، فاتفقوا على مراسلة جوهر، وأن يشترطوا","footnotes":"(¬١) هذا أول نص ينقله المقريزى هنا عن ابن زولاق، والحسن بن زولاق (٣٠٦ - ٣٨٧ - ٩١٩ - ٩٩٧) مؤرخ مصرى عاصر الدولتين الاخشيدية والفاطمية، له مؤلفات هامة منها هذا الذى ينقل عنه المقريزى، وذيل آخر على قضاة الكندى، وله أيضا كتاب فى سيرة الاخشيد وهو الذى نقله مختصرا عنه المؤرخ ابن سعيد فى كتاب «المغرب فى حلى المغرب» وسماه «العيون الدعج فى حلى دولة بنى طغج»، ولعل أهم مؤلفاته سيرة المعز لدين الله، غير أن مؤلفات ابن زولاق لم تصلنا للاسف، وانما وصلت شذرات منها - تدل على أهميتها القصوى - فى المؤلفات المتأخرة، انظر ما يلى عند كلام المقريزى عن المعز، فانه ينقل فصلا كبيرا عن «سيرة المعز» السالف ذكرها.\r(¬٢) جعفر بن الفرات (٣٠٨ - ٣٩١) كان أبوه وزير المقتدر بالله الخليفة العباسى، ثم وفد هو الى مصر ووزر بها لأونوجور بن أبى بكر الأخشيد، ثم لأخيه أبى الحسن على، ثم لكافور، وبقى وزيرا الى أن انتهت الدولة الإخشيدية ودخل الفاطميون مصر، ويقال ان المعز لما أتى الى مصر عرض عليه الوزارة فامتنع، فقال: اذا لم تل لنا شغلا فيجب أن لا تخرج عن بلادنا، فانا لا نستغنى أن يكون فى دولتنا مثلك، فأقام بها ولم يرجع الى بغداد، وجعفر هذا هو الذى استجلب الدارقطنى من بغداد الى مصر، وأنفق عليه نفقة واسعة، وله صنف مسنده، وقد مات جعفر فى عهد الحاكم، فحمل تابوته الى المدينة، ودفن بها حسب وصيته، وقد ولى ابن له الوزارة للحاكم سنة ٤٠٥، فقتله بعد خمسة أيام من ولايته، انظر: (ياقوت: معجم الأدباء).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276439,"book_id":167,"shamela_page_id":147,"part":"1","page_num":103,"sequence_num":147,"body":"عليه شروطا، وأنهم يسمعون له ويطيعونه، ثم اجتمعوا على محاربته، ثم انحل ذلك، وعادوا إلى المراسلة بالصلح.\rوكانت رسل جوهر ترد سرّا إلى ابن الفرات، ثم اتفقوا على خروج أبى جعفر مسلم الحسينى، وأبى إسماعيل الرسّى، ومعهما القاضى أبو طاهر، وجماعة، فبرزوا إلى الجيزة لاثنتى عشرة بقيت من رجب، ولم يتأخر عن تشييعهم قائد، ولا كاتب، ولا عالم، ولا شاهد، ولا تاجر، وساروا فلقوا جوهر بتروّجة (¬١) ووافقوه، واشترطوا عليه، فأجابهم إلى ما التمسوه، وكتب لهم:\r«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من جوهر الكاتب - عبد أمير المؤمنين المعز لدين الله - صلوات الله عليه - لجماعة أهل مصر الساكنين بها، من أهلها ومن غيرهم:\rأنه قد ورد من سألتموه الترسل والاجتماع معى، وهم:\rأبو جعفر مسلم الشريف - أطال الله بقاءه -\rوأبو إسماعيل الرسّى - أيّده الله -\rوأبو الطيّب الهاشمى - أيّده الله -.\rوأبو جعفر أحمد بن نصر - أعزّه الله -\rوالقاضى - أعزّه الله -.\rوذكروا عنكم أنكم التمستم كتابا يشتمل على أمانكم فى أنفسكم وأموالكم وبلادكم وجميع أحوالكم، فعرفتم ما تقدّم به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - وحسن نظره لكم.\rفلتحمدوا الله على ما أولاكم، وتشكروه على ما حماكم، وتدأبوا فيما يلزمكم، وتسارعوا إلى طاعته العاصمة لكم، العائدة بالسلامة لكم، وبالسعادة عليكم، وهو أنه - صلوات الله عليه -","footnotes":"(¬١) حقق محمد رمزى موقع هذه القرية فى (النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٣٠، هامش ٣) بقوله: هذه القرية كانت موجودة لغاية القرن التاسع الهجرى، حيث وردت فى كتاب التحفة السنية لابن الجيعان ص ١٢٤ وقد درست مساكنها، ومحلها كوم تروجة بحوض تروجة بأراضى زاوية صقر، بمركز أبى المطامير، بمديرية البحيرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276440,"book_id":167,"shamela_page_id":148,"part":"1","page_num":104,"sequence_num":148,"body":"لم يكن إخراجه للعساكر المنصورة، والجيوش المظفرة إلا لما فيه إعزازكم وحمايتكم والجهاد عنكم، إذ قد تخطفتكم الأيدى، واستطال عليكم المستذل وأطمعته نفسه بالاقتدار على بلدكم فى هذه السنة، والتغلب عليه وأسر من فيه، والاحتواء على نعمكم وأموالكم حسب ما فعله فى غيركم من أهل بلدان المشرق، وتأكد عزمه، واشتد كلبه، فعاجله مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - بإخراج العساكر المنصورة، وبادره بانفاذ الجيوش المظفرة دونكم، ومجاهدته عنكم وعن كافة المسلمين ببلدان المشرق، الذين عمّهم الخزى، وشملتهم الذلّة، واكتنفتهم المصائب وتتابعت الرزايا، واتصل عندهم الخوف وكثرت استغاثتهم، وعظم ضجيجهم، وعلا صراخهم، فلم يغثهم إلا من أرمضه أمرهم، ومضّه حالهم، وأبكى عينه ما نالهم، وأسهرها ما حلّ بهم، وهو مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -، فرجا - بفضل الله، وإحسانه لديه، وما عوّده وأجراه عليه - استنقاذ من أصبح منهم فى ذل مقيم، وعذاب أليم، وأن يؤمن من استولى عليه الوهل (¬١)، ويفرخ روع من لم يزل فى خوف ووجل، وآثر إقامة الحج الذى تعطل وأهمل العباد فروضه وحقوقه لخوف المستولى عليهم، وإذ لا يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم، وإذ قد أوقع بهم مرة بعد أخرى، فسفكت دماؤهم، وابتزت أموالهم، مع اعتماد ما جرت به عادته من صلاح الطرقات، وقطع عبث العابثين فيها، ليتطرق الناس آمنين، ويسيروا مطمئنين، ويتحفوا بالأطعمة والأقوات، إذ كان قد انتهى إليه - صلوات الله عليه - انقطاع طرقاتها، لخوف مادتها، إذ لا زاجر للمعتدين، ولا دافع للظالمين.\rثم تجديد السّكّة (¬٢)، وصرفها إلى العيار الذى عليه السكة الميمونة المنصورية المباركة، وقطع الغش منها، إذ كانت هذه الثلاث خصال هى التى لا يتسع لمن ينظر فى أمور المسلمين إلا إصلاحها، واستفراغ الوسع فيما يلزمه منها.","footnotes":"(¬١) فى الأصل و ج: «المهل»، وما أثبتناه قراءة ترجيحية، والوهل معناها الفزع\r(¬٢) عرف (الماوردى: الاحكام السلطانية، ص ١٤٩) السكة بأنها «الحديدة التى يطبع عليها الدراهم، ولذلك سميت الدراهم المضروبة السكة»، وقد شرح (المقريزى: كتاب الاوزان والأكيال الشرعية، طبعة Tychsen ص ٨٦) لفظ السكة بأنها «الدينار والدرهم المضروبين، سمى كل منهما سكة، لأنه طبع بالحديدة المعلمة، ويقال لها السكة، وكل مسمار عند العرب سكة».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276441,"book_id":167,"shamela_page_id":149,"part":"1","page_num":105,"sequence_num":149,"body":"وما أوعز به مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - إلى عبده من نشر العدل، وبسط الحق، وحسم الظلم، وقطع العدوان، ونفى الأذى، ورفع المؤن، والقيام فى الحق، وإعانة المظلوم مع الشفقة والإحسان، وجميل النظر، وكرم الصحبة، ولطف العشرة، وافتقاد الأحوال، وحياطة أهل البلد فى ليلهم ونهارهم، وحين تصرفهم فى أوان ابتغاء معاشهم، حتى لا تجرى أمورهم إلا على ما لمّ شعثهم، وأقام أودهم، وأصلح بالهم، وجمع قلوبهم، وألّف كلمتهم، على طاعة وليّه ومولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - وما أمر به مولاه من إسقاط الرسوم الجائرة التى لا يرتضى - صلوات الله عليه - بإثباتها عليكم.\rوأن أجريكم فى المواريث على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأضع ما كان يؤخذ من تركات موتاكم لبيت المال من غير وصيّة من المتوفى بها، فلا استحقاق لمصيرها لبيت المال.\rوأن أتقدم فى رمّ مساجدكم، وتزيينها بالفرش والإيقاد، وأن أعطى مؤذنيها وقومتها ومن يؤمّ الناس فيها أرزاقهم، وأدرها عليهم، ولا أقطعها عنهم، ولا أدفعها إلا من بيت المال، لا بإحالة على من يقبض منهم.\rوغير ما ذكره مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - مما ضمنه كتابه هذا [ما ذكره] من ترسل عنكم - أيدهم الله، وصانكم أجمعين بطاعة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - من أنكم ذكرتم وجوها التمستم ذكرها فى كتاب أمانكم، فذكرتها إجابة لكم، وتطمينا لأنفسكم.\r[وإلا] فلم يكن لذكرها معنى، ولا فى نشرها فائدة، إذ كان الإسلام سنة واحدة، وشريعة متبعة، وهى إقامتكم على مذهبكم، وأن تتركوا [على] ما كنتم عليه من أداء الفروض فى العلم، والاجتماع عليه فى جوامعكم ومساجدكم، وثباتكم على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة ﵃ والتابعين بعدهم، وفقهاء الأمصار الذين جرت الأحكام بمذاهبهم وفتواهم، وأن يجرى الأذان، والصلاة، وصيام شهر رمضان وفطره، وقيام لياليه، والزكاة، والحج، والجهاد على أمر الله وكتابه، و [ما] نصّه نبيّه ﷺ فى سنته، واجراء أهل الذمة على ما كانوا عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276442,"book_id":167,"shamela_page_id":150,"part":"1","page_num":106,"sequence_num":150,"body":"ولكم علىّ أمان الله التام العام، الدائم المتصل، الشامل الكامل، المتجدد المتأكد على الأيام وكرور الأعوام، فى أنفسكم، وأموالكم، وأهليكم، ونعمكم، وضياعكم، ورباعكم، وقليلكم وكثيركم.\rوعلى أنه لا يعترض عليكم معترض، ولا يتجنى عليكم متجن، ولا يتعقب عليكم متعقب.\rوعلى أنكم تصانون وتحفظون وتحرسون، ويذبّ عنكم، ويمنع منكم، فلا يتعرض إلى أذاكم، ولا يسارع أحد فى الاعتداء عليكم، ولا فى الاستطالة على قويكم - فضلا عن ضعيفكم -.\rوعلى أن لا أزال مجتهدا فيما يعمكم صلاحه، ويشملكم نفعه، ويصل إليكم خيره، وتتعرفون بركته، وتغتبطون معه بطاعة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -.\rولكم علىّ الوفاء بما التزمته، وأعطيتكم إياه، عهد الله، وغليظ ميثاقه وذمته، وذمة أنبيائه ورسله، وذمة الأئمة موالينا أمراء المؤمنين - قدّس الله أرواحهم -، وذمة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين المعز لدين الله - صلوات الله عليه - فتصرّحون بها وتعلنون بالانصراف إليها، وتخرجون إلىّ وتسلمون علىّ، وتكونون بين يدىّ، إلى أن أعبر الجسر، وأنزل فى المناخ (¬١) المبارك، وتحافظون - من بعد - على الطاعة، وتثابرون عليها، وتسارعون إلى فروضها، ولا تخذلون وليّا لمولانا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -، وتلزمون ما أمرتم به، وفقكم الله وأرشدكم أجمعين».\rوكتب القائد جوهر الأمان بخطه فى شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.\rوصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين الأخيار».","footnotes":"(¬١) المناخ هو المكان الذى أنيخت فيه دواب الجيش الفاطمى عند نزوله خارج الفسطاط وحيث بنيت القاهرة بعد ذلك، وقد كان له شأن بعد ذلك فى عهد الدولة، ويسميه (المقريزى: الخطط، ج ٢، ص ٣١١) «المناخ السعيد»، ويقول انه كان من وراء القصر الكبير فيما يلى ظهر دار الوزارة الكبرى والحجر، وأنه كان موضعا «برسم طواحين القمح التى تطحن جرايات القصور، وبرسم مخازن الاخشاب والحديد ونحو ذلك».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276443,"book_id":167,"shamela_page_id":151,"part":"1","page_num":107,"sequence_num":151,"body":"وكتب بخطه فى هذا الكتاب:\r«قال جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين - صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين -:\rكتبت هذا الأمان على ما تقدم به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -، وعلىّ الوفاء بجميعه لمن أجاب من أهل البلد وغيرهم على ما شرطت فيه.\rوالحمد لله رب العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين.\rوكتب جوهر بخطه فى التاريخ المذكور:\rوأشهد جوهر على نفسه جماعة الحاضرين وهم:\rأبو جعفر مسلم بن محمد بن عبيد الله الحسينى.\rوأبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الرسّى الحسنى.\rوأبو الطيب العباس بن أحمد الهاشمى.\rوالقاضى أبو الطاهر محمد بن أحمد.\rوابنه أبو يعلى محمد بن محمد.\rومحمد بن مهلب بن محمد.\rوعمرو بن الحرث بن محمد.\rوأخذ منه أبو جعفر مسلم كتابا إلى أبى الفضل جعفر بن الفرات - الوزير - وجماعة وجوه الدولة، وخاطب ابن الفرات - فى كتابه - بالوزير بعد مراجعة، وكان قد توقف فى مخاطبته بالوزير، وقال: «ما كان وزير خليفة»، وأجاز الجماعة وحمّلهم، ولم يقبل أبو جعفر مسلم شيئا منه، وأكلت الجماعة معه، وودعوه وانصرفوا، فوافوا لثمان خلون من شعبان».\rقال ابن زولاق:\r«سألت أبا جعفر مسلم عند رجوعه عن مقدار العسكر، فقال: «هو مثل جمع عرفات كثرة وعدة»؛ وسألته عن سن القائد جوهر، فقال لى: «نيف وخمسون سنة».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276444,"book_id":167,"shamela_page_id":152,"part":"1","page_num":108,"sequence_num":152,"body":"فلما قدم الجماعة انتقض الإخشيدية والكافورية، وكان قد بلغهم ذلك وهم عند القائد جوهر، فتسرعوا فى الانصراف من عنده، وبلغ جوهر - بعد انصرافهم - انتقاض الصلح، فأدرك الجماعة، وأعلمهم بأن القوم قد نقضوا الصلح، وطلب إعادة أمانه إليه، فرفقوا به، فقال للقاضى أبى طاهر:\rما تقول يا قاضى فى هذه المسألة؟»\rفقال: «ما هى»؟\rفقال: «ما تقول فيمن أراد العبور إلى مصر ليمضى إلى الجهاد لقتال الروم فمنع، أليس له قتالهم؟»\rفقال له القاضى: «نعم».\rفقال: «وحلال قتالهم؟»\rقال: «نعم».\rولما وافى أبو جعفر مسلم ومن معه من عند جوهر جاءه الناس، وركب إليه ابن الفرات فى موكب عظيم، وعنده جماعة الوجوه، فقرأ عليهم كتاب جوهر بالأمان والشرط، وأوصل كتاب ابن الفرات وكتب الجماعة، فامتنع القوم من قبول ذلك، وقال فرح البجكمى للشريف مسلم:\r«لو جاءنا جدّك بهذا ضربنا وجهه بالسيف».\rفلامهم ابن الفرات على ذلك، وقال: «أنتم سألتم الشريف هذه المسألة، فلم يقنع حتى أخذ معه أبا إسماعيل - وهو رجل حسنى -، وأخذ معه قاضى المسلمين، وأخذ معه رجلا عباسيا».\rوسكت الشريف مسلم، فلم يزد على أن قال: «خار الله لكم».\rواشتغل ابن الفرات يسارر الشريف مسلم، والإخشيدية والكافورية فى خوض، فقالوا كلهم:\r«ما بيننا وبين جوهر إلا السيف»:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276445,"book_id":167,"shamela_page_id":153,"part":"1","page_num":109,"sequence_num":153,"body":"فسلموا على نحرير شويزان بالإمارة، وخرجوا يحجبونه إلى داره، وبقى أحمد بن على بن الإخشيد لا يفكّر فيه.\rواستعدوا للحرب، وساروا لعشر خلون من شعبان، فنزلوا الجزيرة بالرجال والسلاح، ووافى جوهر الجزيرة، فلما شاهد ما فعلوه عاد إلى منية شلقان (¬١)، وعبر إلى مصر من ذلك الموضع، وأرسل فاستقبل المراكب الواردة من تنّيس (¬٢) ودمياط وأسفل الأرض (¬٣) فأخذها، وتولى العبور إليهم جعفر (¬٤) بن فلاح عريانا فى سراويل مع جمع من المغاربة، وبلغ الإخشيدية، فأنفذوا نحرير الأرغلى، ويمن الطويل، ومبشر الإخشيدى فى خلق، فساروا إلى الموضع، وكانوا قد وكلوا به مزاحم بن محمد بن رائق فلقوه راجعا، ووقع القتال فقتل خلق من المصريين.\rوانصرف الناس عشية الأحد النصف من شعبان، فلما كان نصف الليل انصرف من كان بالجزيرة إلى دورهم، وأصبحوا غادين إلى الشام، وقد قتل جماعة، منهم: نحرير الأرغلى، ومبشر الإخشيدى، ويمن الطويل، وخلق كثير.\rوأصبح الناس على خطة عظيمة، فبكروا فى يوم الاثنين إلى دار الشريف مسلم يسألونه الكتاب إلى جوهر فى إعادة أمانهم، فكتب إليه، وجلس الناس عنده، وقد طاف علىّ بن","footnotes":"(¬١) تعرف اليوم باسم شلقان، وهى قرية شرقى القناطر الخيرية بمركز قليوب\r(¬٢) كانت تنيس مدينة قديمة وهى جزيرة وسط بحيرة تحمل نفس الاسم، وهى التى تسمى اليوم بحيرة المنزلة، وقد كان لتنيس فى العصور الوسطى شأن خطير من الناحيتين الحربية والصناعية، فقد كان الروم يغيرون عليها بأساطيلهم كلما فكروا فى غزو مصر، ولهذا كانت بها دار صناعة وأسطول مقيم، وكانت بها حصون وقلاع قوية، كما كانت تنيس مركزا هاما من مراكز صناعة النسيج فى مصر فى تلك العصور، ويرى المقريزى أنه فى سنة ٥٨٨ هـ صدرت الأوامر باخلاء تنيس فأخليت ونقل أهلها الى دمياط،\rوفى شوال سنة ٦٢٤ هـ أمر الكامل محمد الأيوبى بهدم تنيس. انظر: (الخطط، ج ١، ص ٢٨٤ - ٢٩٣).\r(¬٣) المقصود بأسفل الأرض فى تلك العصور الوجه البحرى.\r(¬٤) جعفر بن فلاح من أكبر قواد المعز، صحب جوهر، واشترك فى فتح مصر، ثم سار لفتح الشام فاستولى على الرملة فى آخر سنة ٣٥٨ هـ، وعلى دمشق فى أول سنة ٣٥٩ هـ، وأقام بها الى سنة ٣٦٠ حيث قصده الحسن بن أحمد القرمطى وقاتله وقتله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276446,"book_id":167,"shamela_page_id":154,"part":"1","page_num":110,"sequence_num":154,"body":"الحسين بن لؤلؤ - صاحب الشرطة السفلى (¬١) - ومعه رسول جوهر، وبند (¬٢) عليه اسم المعز لدين الله، وبين أيديهما الأجراس بأن لا مئونة ولا كلفة، وأمّن الناس، وفرقت البنود، فنشر كلّ من عنده بند بنده فى درب حارته.\rوجاء الجواب إلى الشريف وقت العصر، ونسخته بعد البسملة:\r«وصل كتاب الشريف الجليل - أطال الله بقاءه، وأدام عزّه وتأييده وعلوه - وهو المهنأ بما هنأ به من الفتح الميمون؛ فوقفت على ما سأل من إعادة الأمان الأول، وقد أعدته على حاله.\rوجعلت إلى الشريف - أعزّه الله - أن يؤمّن كيف رأى وكيف أحب، ويزيد على ما كتبته كيف يشاء، فهو أمانى، وعن إذنى وإذن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -.\rوقد كتبت إلى الوزير - أيّده الله - بالاحتياط على دور الهاربين إلى أن يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا فيما دخلت فيه الجماعة، ويعمل الشريف - أيّده الله تعالى - على لقائى فى يوم الثلاثاء لسبع عشرة تخلو من شعبان».\rفاستبشرت الجماعة وابتهجوا، وعملوا على الغدو (¬٣) إلى الجيزة للقاء جوهر مع الشريف مسلم، وبات الناس على هدوء وطمأنينة.\rفلما كان غداة يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان خرج الشريف أبو جعفر مسلم، وجعفر بن الفضل بن الفرات، وسائر الأشراف والقضاة والعلماء والشهود ووجوه التجار والرعية إلى الجيزة، فلما تكامل الناس أقبل القائد جوهر فى عساكره، فصاح بعض حجابه:","footnotes":"(¬١) الشرطة هم الجنود الذين يحافظون على الأمن، وقد كان بالفسطاط شرطة منذ الفتح العربى، وكان صاحبها فى المكان الثانى بعد الوالى، فلما أسست العسكر أنشئت فيها دار أخرى للشرطة سميت الشرطة العليا، لعلو العسكر عن الفسطاط، كما سميت شرطة الفسطاط بالشرطة السفلى منذ ذلك الحين، ولما فتح جوهر مصر وأنشأ القاهرة نقل اليها الشرطة العليا، وقد ظلت بها طول عهود الفاطميين والأيوبيين والمماليك. انظر (صبح الأعشى، ج ٤، ص ٢٣) حيث يذكر أنه كانت هناك شرطة ثالثة فى القرافة، وأنها ضمت فى أيامه الى شرطة الفسطاط أى السفلى.\r(¬٢) ذكر فى ابن خلكان أن هذا البند كان أبيض اللون.\r(¬٣) ج: «المسير»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276447,"book_id":167,"shamela_page_id":155,"part":"1","page_num":111,"sequence_num":155,"body":"«الأرض، إلا الشريف والوزير».\rوتقدّم الناس واحدا واحدا، فلما فرغوا من السلام عليه عاد الناس إلى الفسطاط.\rفلما زالت الشمس أقبلت العساكر، فعبرت الجسر، ودخلت أفواجا أفواجا، ومعهم صناديق المال على البغال، - ويقال إن المال كان فى ألف وخمسمائة صندوق -، وأقبلت القباب، وأقبل جوهر فى حلة مذهبة مثقل فى فرسانه ورجالته، وقاد العسكر بأسره إلى المناخ الذى رسم له المعز موضع القاهرة؛ واختطّ موضع القصر، وأقام عسكره سبعة أيام يدخل - من يوم الثلاثاء إلى [آخر] يوم الاثنين -، واستقرت به الدار.\rوجاءته الألطاف والهدايا فلم يقبل من أحد طعاما إلا من الشريف مسلم، ويقال: لما أناخ جوهر فى موضع القاهرة الآن اختطّ القصر، فأصبح المصريون ليهنئوه، فوجدوه قد حفر أساس القصر فى الليل.\rويقال إن جوهر لما بنى القصور، وأدار عليها السور سماها: «المنصورية (¬١)»، فلما قدم المعز لدين الله إلى الديار المصرية سماها «القاهرة» (¬١).","footnotes":"(¬١) أورد المقريزى هنا وفى (الخطط، ج ٢، ص ٢٠٤) رأيين فى سبب تسمية عاصمة الفاطميين بالقاهرة.\rأولهما أن جوهر سماها المنصورية، فلما أتى المعز بعد أربع سنوات سماها القاهرة تفاؤلا بأنها ستقهر الدولة العباسية المنافسة.\rوثانيهما قصة الحبال والجرس والغراب.\rوالنظرة العلمية الصحيحة ترجح صحة الرأى الأول، فقد اختار جوهر لبناء القاهرة موقعا خارج العاصمة القديمة كما كانت منصورية المغرب خارج القيروان، وقد سمى بابان من أبواب المدينة المصرية باسمى زويلة والفتوح وهما اسمان لبابين فى منصورية المغرب، كذلك من المرجح أن يكون جوهر سمى العاصمة المصرية الجديدة المنصورية تقربا لسيده وخليفته المعز باحياء ذكرى والده المنصور.\rأما قصة الغراب فهى أقرب الى الخيال، ومما ينفيها نفيا باتا - رغم أخذ الكثيرين من المؤرخين بها - أن (المسعودى: مروج الذهب، ج ١، ص ٢١٥) يروى قصة شديدة الشبه جدا بهذه القصة وينسبها الى الاسكندر عند بنائه للاسكندرية، والذى أرجحه أن المقريزى نقل الرأى الأول الصحيح عن مصادر فاطمية، ثم نقل القصة الثانية عن مراجع متأخرة شبه عليها الأمر عند الكلام عن قاهرة المعز، فاقتبست ما قيل عن اسكندرية الاسكندر، انظر أيضا (كرزويل: تأسيس القاهرة، الترجمة العربية للسيد محمد رجب، مجلة المقتطف، نوفمبر وديسمبر سنة ١٩٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276448,"book_id":167,"shamela_page_id":156,"part":"1","page_num":112,"sequence_num":156,"body":"ويقال فى سبب تسميتها بالقاهرة أن القائد جوهر لما أراد بناء القاهرة أحضر المنجمين، وعرّفهم أنه يريد عمارة بلد ظاهر مصر ليقيم بها الجند، وأمرهم باختيار طالع لوضع الأساس، بحيث لا يخرج البلد عن نسلهم، فاختاروا طالعا لحفر السور، وطالعا لابتداء وضع الحجارة فى الأساس، وجعلوا بدائر السور قوائم من خشب، بين كل قائمتين حبل فيه أجراس، وقالوا للعمال:\r«إذا تحركت الأجراس ارموا ما بأيديكم من الطين والحجارة».\rفوقفوا ينتظرون الوقت الصالح لذلك، فاتفق أن غرابا وقع على حبل من تلك الحبال المعلق فيها الأجراس، فتحركت الأجراس كلها، وظنّ العمال أن المنجمين حركوها، فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة وبنوا، فصاح المنجمون:\r«القاهر فى الطالع».\rفمضى ذلك وفاتهم ما قصدوه.\rويقال إن المريخ كان فى الطالع عند ابتداء وضع أساس القاهرة، وهو قاهر الفلك، [فسموها القاهرة] (¬١)، فحكموا لذلك أن القاهرة لا تزال تحت حكم الأتراك.\rوأدار السور اللبن حول بئر العظام، وجعلها فى القصر، وجعل القاهرة حارات (¬٢) للواصلين [صحبته و] صحبة [مولاه] المعز، وعمل القصر بترتيب ألقاه إليه المعز.\rويقال إن المعز لما رأى القاهرة لم يعجبه مكانها فى البرية بغير ساحل، وقال لجوهر:\r«يا جوهر فاتتك عمارتها هاهنا» - يعنى المقس (¬٣) بشاطئ النيل -.","footnotes":"(¬١) ما بين الحاصرتين زيادة عن ج\r(¬٢) قال ابن سيده: الحارة كل محلة دنت منازلها، والمحلة منزل القوم، هذا وقد كانت أحياء القاهرة عند تأسيسها تسمى الحارات، كما كانت احياء الفسطاط تسمى الخطط، انظر باب الحارات فى (المقريزى: الخطط، ج ٣، ص ٣٢ - ٣٦).\r(¬٣) عرف (ابن تغرى بردى - نقلا عن القضاعى - النجوم الزاهرة، ج ٤ ص ٥٣) المقس بقوله: كانت ضيعة تعرف بأم دنين، وانما سميت المقس لأن العشار وهو المكاس كان فيها يستخرج الاموال، فقيل له المكس، ثم قيل المقس، وقد عقب على ذلك محمد رمزى بقوله: المقس والمكس والمقسم وأم دنين كلها أسماء مترادفة لقرية كانت واقعة على شاطئ النيل وقت أن كان النيل يجرى فى عهد الدولة الفاطمية فى المكان الذى يمر فيه اليوم شارع عماد الدين وميدان محطة مصر وما بعده الى الشمال بشارع الملكة نازلى (شارع رمسيس حاليا) .. الخ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276449,"book_id":167,"shamela_page_id":157,"part":"1","page_num":113,"sequence_num":157,"body":"فلما رأى سطح الجرف المعروف اليوم بالرّصد (¬١)، قال:\r«يا جوهر: لما فاتك الساحل كان ينبغى عمارة القاهرة بهذا الجبل على هذا السطح، وتكون قلعة لمصر».\rحكاه ابن الطوير (¬٢).\rقال: «وكان المعز عارفا بالأمور، مطلعا على الأحوال بالذكاء، وكان يضرب فى فنون منها النجامة، فرتّب فى القصر ما يحتاج إليه الملوك بل الخلفاء، بحيث لا يراهم العيان فى النقلة من مكان إلى مكان، وجعل لهم فى ساحاته البحر والميدان والبستان، وتقدّم بعمارة المصلى ظاهر القاهرة لأهلها، لخطبتهم فيها والصلاة فى عيدى الفطر والنحر، والآخر بالقرافة لأهل مصر».\rوقال ابن عبد الظاهر (¬٣):\r«فلما تحقق المعز وفاة كافور جهّز جوهر وصحبته العساكر، ثم نزل بموضع يعرف برقادة، وخرج فى أكثر من مائة ألف [فارس]، وبين يديه أكثر من ألف صندوق من المال،","footnotes":"(¬١) جبل الرصد مكان مرتفع كان موقعه جنوبى الفسطاط، ويذكر محمد رمزى فى تعليقاته (النجوم الزاهرة، ج ٦، ص ٣٨٢) أن هذا الجبل هو الذى يسمى الآن جبل اصطبل عنتر.\r(¬٢) ابن الطوير مؤرخ فاطمى لم يصلنا شيء من كتبه، وانما ينقل عنه كثيرا المؤرخون اللاحقون كالمقريزى والقلقشندى وابن تغرى بردى .. الخ.\r(¬٣) هو محيى الدين أبو الفضل عبد الله بن عبد الظاهر القاضى، كان كاتبا وشاعرا، ولى ديوان الانشاء فى عهود الظاهر بيبرس والمنصور قلاوون والأشرف خليل، وهو الذى حرر التقليد بتولية الملك السعيد وليا للعهد، وأهم كتبه: الروضة البهية الزاهرة فى خطط المعزية القاهرة، وقد اعتمد عليه كثيرا المقريزى فى خططه، وليس هناك حتى الآن ما يدل على وجود هذا الكتاب، وله أيضا سيرة السلطان الملك الظاهر بيبرس، ألفها نظما، والألطاف الخفية من السيرة الشريفة السلطانية الأشرفية، وقد نشر النص العربى مع ترجمة سويدية Moberg تحت عنوان\" Axel Moberg:wr Abdallah b.Abd Az-Zahir's Biografi Over Sultanen ElmeliK Al-Ashraf Halil،London .١٩٠٢) .\rوقد ولد ابن عبد الظاهر سنة ٦٢٠، وتوفى سنة ٦٩٢، انظر أخباره بالتفصيل فى (جورجى زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج ٣، ص ١٥٤) و (دائرة المعارف الاسلامية. مادة ابن عبد الظاهر) و (Casanova:Ibn Abd Elzahir.Memoires publies Par les Membres de la Mission Archeologiques au Caire t.VI.p .٤٩٣ - ٥٠٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276450,"book_id":167,"shamela_page_id":158,"part":"1","page_num":114,"sequence_num":158,"body":"وكان المعز يخرج إلى جوهر فى كل يوم ويخلو به، وأمره أن يأخذ من بيوت الأموال ما يريد زيادة على ما أعطاه.\rوركب إليه المعز يوما فجلس وقام جوهر بين يديه، فالتفت المعز إلى المشايخ الذين وجههم معه وقال:\r«والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر، وليدخلنّ إلى مصر بالأردية من غير حرب، ولينزلنّ فى خرابات ابن طولون، وتبنى مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا».\rقال: «ونزل جوهر مناخه موضع القاهرة الآن فى يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، واختط القصر، وبات الناس، فلما أصبحوا حضروا للهناء فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل، وكانت فيه زورات غير معتدلة، فلما شاهد ذلك جوهر لم يعجبه، ثم قال:\r«قد حفر فى ليلة مباركة وساعة سعيدة» فتركه على حاله».\rوقال ابن زولاق: «ولما أصبح أنفذ علىّ بن الوليد القاضى لعسكره، وبين يديه أحمال مال ومناد ينادى: «من أراد الصدقة فليصر إلى دار أبى جعفر»، فاجتمع خلق من المستورين والفقراء، فصاروا بهم إلى الجامع العتيق (¬١) ففرّق فيهم.\rولما كان يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان نزل جوهر فى عسكر إلى الجامع العتيق لصلاة الجمعة، وخطب بهم هبة الله بن أحمد - خليفة عبد السميع بن عمر العباسى - ببياض، فلما بلغ إلى الدعاء قرأه من رقعة وهو:\r«اللهم صلّ على عبدك ووليك، ثمرة النبوة، وسليل العترة الهادية المهدية، عبد الله الإمام معدّ أبى تميم المعز لدين الله، أمير المؤمنين، كما صليت على آبائه الطاهرين وأسلافه الأئمة الراشدين».","footnotes":"(¬١) هو جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وقد سمى أيضا فى عهد ازدهاره «تاج الجوامع» ثم لما تقادم به العهد، وكثرت الى جوانبه جوامع الفسطاط سمى «الجامع العتيق» انظر: (محمود أحمد: جامع عمرو بن العاص).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276451,"book_id":167,"shamela_page_id":159,"part":"1","page_num":115,"sequence_num":159,"body":"اللهم ارفع درجته واعل كلمته، وأوضح حجته، واجمع الأمة على طاعته، والقلوب على موالاته وصحبته، واجعل الرشاد فى موافقته، وورّثه مشارق الأرض ومغاربها، وأحمده مبادئ الأمور وعواقبها، فإنك تقول وقولك الحق:\r«وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ» (¬١).\rفقد امتعض لدينك، ولما انتهك من حرمتك، ودرس من الجهاد فى سبيلك، وانقطع من الحج إلى بيتك وزيارة قبر رسولك ﷺ؛ فأعدّ للجهاد عدته، وأخذ لكل خطب أهبته، فسيّر الجيوش لنصرتك، وأنفق الأموال فى طاعتك، وبذل المجهود فى رضاك، فارتدع الجاهل، وقصر المتطاول، وظهر الحقّ وزهق الباطل، فانصر اللهم جيوشه التى سيّرها، وسراياه التى انتدبها، لقتال المشركين، وجهاد الملحدين، والذبّ عن المسلمين، وعمارة الثغور والحرم، وإزالة الظلم والتهم والنهم، وبسط العدل فى الأمم.\rاللهم اجعل راياته عالية مشهورة، وعساكره غالبة منصورة، وأصلح به وعلى يديه، واجعل لنا منك واقية علية».\rوأمر جوهر بفتح دار الضرب (¬٢)، وضرب السكّة الحمراء (¬٣)، وعليها:","footnotes":"(¬١) الآية ١٠٥، سورة ٢١ (الأنبياء).\r(¬٢) هذا نص هام يفيد أنه كان بمصر قبل الفتح الفاطمى دار للضرب، وليس فى المراجع ما يحدد الزمن الذى أنشئت فيه دار الضرب بمصر لأول مرة، وانما فى (المقريزى: النقود الاسلامية ص ١٣) أن أحمد بن طولون عثر مرة على كنز مصرى قديم به دنانير جيدة العيار، «فتشدد حينئذ أحمد بن طولون فى العيار حتى لحق ديناره بالعيار المعروف له وهو الأحمدى، الذى لا يطلى بأجود منه»، فكأن أحمد بن طولون أول من ضرب الدينار باسمه فى مصر، فلعله أيضا أول من أنشأ دار الضرب بها، وفى (الكندى: القضاة، ص ٥٦٢ - ٥٦٣» ما يفيد أن الحسين ابن زرعة ولى قضاء مصر سنة ٣٢٤ هـ - أى فى عهد الاخشيد - وأنه نظر أيضا فى «المواريث والاحباس ودار الضرب»، غير أن هذه المراجع لم توضح أين كانت تقوم دار الضرب هذه، ويتضح من المراجع المختلفة أن هذه الدار ظلت تعمل الى أن أنشئت دار ضرب جديدة فى العصر الفاطمى فى عهد الخليفة الآمر بالله، أنشأها الوزير المأمون البطائحى بالقشاشين، ويشغل مكانها اليوم - كتحديد المرحوم رمزى بك فى النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٥٣؛ هامش ٣ مجموعة المبانى التى يحدها من الشمال شارع الصناديقية، ومن الغرب شارع الغورى، ومن الجنوب شارع الأزهر. انظر وصف هذه الدار وغيرها من دور الضرب التى أنشئت بعد ذلك فى الاسكندرية وقوص وصور وعسقلان .. الخ فى (ابن مماتى: قوانين الدواوين، ص ٣٣٠ - ٣٣١) و (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٣، ص ٤٦٩ و ج ٤ ص ٤٦٥) و (المقريزى: الأوزان والأكيال الشرعية، ص ٤٧ - ٥٠) و (الخطط، ج ٢، ص ٣١٢ - ٣١٣ و ٣٢١) و (اغاثة الأمة، ص ١٥) و (الكرملى: النقود العربية، ص ١١٥ - ١١٦).\r(¬٣) لم أعثر فى المراجع التى أفدت منها على ما يوضح معنى «السكة الحمراء»، وانما جاء -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276452,"book_id":167,"shamela_page_id":160,"part":"1","page_num":116,"sequence_num":160,"body":"«دعا الإمام معد بتوحيد الإله الصمد» - فى سطر.\rوفى السطر الآخر:\r«المعز لدين الله أمير المؤمنين».\rوفى سطر آخر:\r«بسم الله. ضرب هذا الدينار بمصر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة»،\r- وفى الوجه الآخر -:\r«لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. علىّ أفضل الوصيين وزير خير المرسلين».\rورجع مزاحم بن رائق - وكان قد سار مع الإخشيدية - ومعه جيش كبير.\rوأفطر جوهر يوم الفطر على عدد بغير رؤية (¬١)، وصلى صلاة العيد بالقاهرة، صلى به علىّ بن وليد الإشبيلى وخطب، ولم يصلّ أهل مصر، وصلوا من الغد فى الجامع العتيق، وخطب لهم رجل هاشمى. وكان أبو طاهر القاضى قد التمس الهلال على [رسمه فى] سطح الجامع فلم يره، وبلغ ذلك جوهر فأنكره وتهدّد عليه.","footnotes":"= - فى (المقريزى: النقود الاسلامية، ص ١٤) ما يفيد أنه بعد زوال الدولة الفاطمية «عمت بلوى المصارفة بأهل مصر، لأن الذهب والفضة خرجا منها وما رجعا، وعدما فلم يوجدا، ولهج الناس بما عمهم من ذلك، وصاروا اذا قيل دينار أحمر فكأنما ذكرت حرمة له، وأن حصل فى يده فكأنما جاءت بشارة الجنة له .. الخ»، فلعله يعنى بالسكة الحمراء الدينار الأحمر أى المصنوع من الذهب الجيد العيار الذى كان يمتاز به العصر الفاطمى.\rانظر أيضا (الكرملى: النقود العربية، ص ٥٩).\r(¬١) المذهب الشيعى لا يقيد أتباعه عند صيام رمضان بضرورة رؤية انهلال، وهى «المجالس المستنصرية، ١٢٨ - ١٢٩» ملخص رأيهم فى هذا الموضع، وهو «والذى يقتضيه المذهب الشريف المصون عن التبديل والتحريف أن التعبد فى دخول الصوم والخروج منه بالرؤية والحساب جميعا، أنهما كالظاهر والباطن، اذا أشكل الأمر فى أحدهما التمس فى الآخر، ولأجل ذلك احتيج فيه الى الامام عليه أفضل السلام، يستخرج حقيقته، ويوضح طريقته، فالهلال كالظاهر لأنه مشاهد، والحساب كالباطن لأنه معقول، والحساب يستعمل من أول كل سنة، ثم يراعى طلوع الهلال، فان وافق الحساب الرؤية، فقد اتفق الظاهر والباطن، وزال الاشكال، وزكت الأعمال، وان وفى الحساب ولم يطلع الهلال علم أنه قد غم أو وقع فى نظره اخلال».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276453,"book_id":167,"shamela_page_id":161,"part":"1","page_num":117,"sequence_num":161,"body":"وجلس جوهر للمظالم (¬١) فى كل [يوم] سبت، ثم ردّ المظالم إلى أبى عيسى مرشد.\rوفى شوال صرف على بن لؤلؤ عن الشرطة السفلى، وردّ شبل المعرضى، وولى عدة من جهات الخراج، وعلى الضياع.\rوفى ذى الحجة قدم ستة آلاف من الإخشيدية والكافورية، فأنزلوا خارج القاهرة وزيد فى الخطبة (¬٢):\r«اللهم صلّ على محمد [النبى] المصطفى، وعلى علىّ المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول، الذين أذهبت عنهم الرجس وطهّرتهم تطهيرا، اللهم صلّ على الأئمة الراشدين آباء أمير المؤمنين، الهادين المهديين».\rونودى برفع البراطيل (¬٣)، وقائم الشرطتين، وسائر رسوم البلد.\rوورد الخبر بدخول القرامطة الرملة.\rوورد كتاب المعز من المغرب بوصول رأس نحرير ومبشّر ويمن وبلال.\rوتولى الحسبة (¬٤) رجل يعرف بأبى جعفر الخراسانى.\rوفى نصف ذى الحجة تكاملت الإخشيدية والكافورية (¬٥) المستأمنة بمصر، وهم أربعة عشر رئيسا، فى عسكر عدته خمسة آلاف كانوا فى معسكر لهم عند مصلى العيد بالقاهرة، فهرب","footnotes":"(¬١) فى (ابن خلكان: الوفيات، ج ١ ص ٢١٢) أن جوهرا كان يجلس للمظالم بحضرة الوزير والقاضى وجماعة من أكابر الفقهاء، وللتعريف بهذه الوظيفة انظر: (الأحكام السلطانية للماوردى).\r(¬٢) فى (ابن خلكان: المرجع السابق) أن هذه الزيادة حدثت فى يوم الجمعة الثامن من ذى القعدة.\r(¬٣) عرف (المقريزى: الخطط، ج ١ ص ١٧٩) البراطيل بأنها «الأموال التى تؤخذ من ولاة البلاد ومحتسبيها وقضاتها وعمالها، فأول من عمل ذلك بمصر الصالح بن رزيك فى ولاة النواحى فقط، ثم بطل وعمل فى أيام العزيز بن صلاح الدين أحيانا .. الخ»، وللنص هنا أهمية خاصة فهو يشير الى أن جوهرا أمر فى ذى الحجة سنة ٣٥٨ برفع البراطيل، فكأنها كانت موجودة فى مصر قبل دخول الفاطميين، فى حين يذكر فى الخطط أن أول من عمل ذلك بمصر هو الصالح بن رزيك».\r(¬٤) لاحظ أن هذا أول محتسب فى العصر الفاطمى.\r(¬٥) جماعة من أمراء الجيش ينسبون الى الاخشيد والى مولاه كافور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276454,"book_id":167,"shamela_page_id":162,"part":"1","page_num":118,"sequence_num":162,"body":"منه فاتك الهيكلى إلى الشام، فلم يدركه الطلب، وبلغ جوهر أن المستأمنة من الإخشيدية والكافورية اتفقوا على فساد.\rوتوفى ابن لجعفر بن فلاح، فحضر جوهر الجنازة، وحضر الناس وفيهم الإخشيدية والكافورية، وانصرفوا معه، فقال لهم فى طريقه:\r«قد حضر كتاب مولانا ومولاكم بما تسروا به، فسيروا حتى تقفوا عليه».\rفساروا معه إلى مضاربه بالقاهرة، ودخلوا معه، فقبض على ثلاثة عشر من وجوههم.\rوهم: نحرير شويزان. وقنك الخادم الأسود، ودرى الصقلى، وحكل الإخشيدى، ولؤلؤ الطويل، ومفلح الوهبانى؛ وقيلق التركى، وفرح الحكمى؛ واعتقلهم ستة أشهر حتى سيّرهم مع الهدية إلى المعز، ومعهم الحسن بن عبيد الله بن طغج، وقبض على ضياع نحرير الأرغلى وأمواله، وقبض من يحيى بن مكى بن رجاء ثمانين ألف دينار عينا؛ وصاريين من عود رطب.\rوورد كتاب المعز إلى جوهر، وإلى أبى جعفر مسلم، وإلى أبى إسماعيل الرّسّى، وإلى الوزير جعفر بن الفرات.\rوولّى جوهر مزاحم بن محمد بن رائق الحوف (¬١) والفرما (¬٢).\rودخل جوهر والغلاء شديد، فزاد فى أيامه حتى بلغ القمح تسعة أقداح بدينار.","footnotes":"(¬١) جاء فى (اللسان) «الحافة والحوف الناحية والجانب، وحوف الوادى حرفه وناحيته»، هذا وقد كان أسفل الأرض - أو الوجه البحرى - ينقسم فى العصر الاسلامى الى أربع نواح: الحوف الشرقى وكان يشمل عين شمس وما يسمى الآن مديرية القليوبية ومديرية الشرقية ومدينتى الفرما والعريش، وبطن الريف وكان يشغل ما يسمى الآن مديرية الدقهلية وجزءا من شمال مديرية الغربية، والجزيرة وهى الأرض التى بين فرعى النيل والحوف الغربى أى مديرية البحيرة. انظر: (صبح الأعشى، ج ٣، ص ٣٨١ - ٣٨٧) والمقصود بالحوف هنا الحوف الشرقى.\r(¬٢) كانت الفرما احدى ثغور مصر الحصينة الشمالية على البحر الأبيض المتوسط، وقد كانت لها فى العصور الوسطى أهمية خاصة من الناحيتين الحربية والتجارية، وفى سنة ٥٤٥ هـ نزل الفرنج فى الفرما ونهبوها وأحرقوها، وفى سنة ٥٥٩ هـ أكمل حرقها الوزير الفاطمى شاور أثناء نزاعه مع ضرغام، فلم تقم لها قائمة بعد ذلك، وأطلالها الآن موجودة شرقى محطة الطينة على بعد ٢٥ كم منها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276455,"book_id":167,"shamela_page_id":163,"part":"1","page_num":119,"sequence_num":163,"body":"وكان عامل الخراج على بن يحيى بن العرمرم، فأقرّه جوهر شهرا، ثم أشرك معه رجاء ابن صولان.\rوأقرّ ابن الفرات على وزارته.\rوأزال جوهر من مصر السواد.\rومنع من قراءة «سبح اسم ربك» فى صلاة الجمعة.\rوأزال التكبير بعد صلاة الجمعة (¬١).\rولم يدع عملا إلا جعل فيه مغربيا شريكا لمن فيه (¬١).\rوكان القاع ثلاثة أذرع وتسعة عشر إصبعا، وبلغ الماء سبعة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا؛ وخلع جوهر على ابن أبى الردّاد (¬٢)، وحمله فأجازه.","footnotes":"(¬١) لاحظ هذه التغييرات التى أحدثها جوهر فى شئون مصر الدينية والادارية.\r(¬٢) ابن أبى الرداد هو الموظف الذى كان يشرف على أمور مقياس النيل بالروضة، ويعلن وفاء النيل، قال صاحب صبح الأعشى (ج ٣، ص ٢٩٥): «وكانت النصارى تتولى قياسه، فعزلهم المتوكل عنه، ورتب فيه أبا الرداد عبد الله بن عبد السلام بن أبى الرداد المؤدب، وكان رجلا صالحا، فاستقر قياسه فى بنيه الى الآن» ويعنى بالجملة الأخيرة أن بنى أبى الرداد ظلوا يلون القياس حتى عهده، أى حتى القرن التاسع عشر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276456,"book_id":167,"shamela_page_id":164,"part":"1","page_num":120,"sequence_num":164,"body":"ودخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة:\rوفى المحرم أنفذ بشير (¬١) الإخشيدى من تنّيس نحو مائة وخمسين رجلا طيف بهم.\rوكثر الفساد فى الطرق فضرب جوهر أعناق جماعة وصلبهم فى السكك.\rولاثنتى عشرة بقيت منه سار جعفر بن فلاح بن أبى مرزوق إلى الشام، وقاتل القرامطة بالرملة وهزمهم، وأسر الحسين بن عبيد الله بن طغج وجماعة، وبعثهم فى القيود إلى جوهر.\rوسيّر جوهر إلى الصعيد فى البر والبحر.\rوفى ربيع الأول قبض على دواب الإخشيدية والكافورية، وصرفهم مشاة، وأمرهم بطلب المعيشة.\rوسيّر الهديّة جعفر بن الفضل بن الفرات مع ابنه أحمد فى ربيع الآخر.\rوفى سلخ ربيع الآخر زاد الغلاء، ونزعت الأسعار؛ وتوفى أبو جعفر المحتسب، فردّ جوهر أمر الحسبة إلى سليمان بن عزّة. فضبط الساحل، وجمع القماحين فى موضع واحد؛ ولم يدع كف قمح يجمع إلا بحضرته؛ وضرب أحد عشر رجلا من الطحانين وطيف بهم.\rوفى يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الأولى صلى جوهر الجمعة فى جامع ابن طولون، وأذّن المؤذنون بحى على خير العمل، وهو أول ما أذن به بمصر (¬٢)، وصلى به عبد السميع الجمعة فقرأ سورة الجمعة: و «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ» وقنت (¬٣) فى الركعة الثانية، وانحطّ إلى","footnotes":"(¬١) كذا فى الأصل، وفى (ج): «تبر»\r(¬٢) ذكر (المقريزى: الخطط، ج ٤، ص ٤٤ - ٤٩) تأريخا للأذان فى مصر منذ دخلها الاسلام، فقال انه كان بها أولا كأذان أهل المدينة الى أن دخل جوهر، فأمر فى التاريخ المذكور فى المتن فأذن بحى على خير العمل، ثم ذكر هناك تفصيلات وافية عن تطور الأذان بعد ذلك الى عهده.\r(¬٣) جاء فى هامش نسخة (ج) أمام هذا اللفظ ما يلى:\r«عن طاوس وابراهيم قالا: القنوت فى الجمعة بدعة، وكان مكحول يكرهه، ولا يوجد عن أحد من الصحابة أنه قنت فى الجمعة، وقال أبو بكر بن أبى شيبة: نا يحيى بن أبى بكير قال جد أبى قال: «أدركت الناس قبل عمر بن عبد العزيز يقنتون فى الجمعة، فلما كان زمن عمر ابن عبد العزيز ترك القنوت فى الجمعة».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276457,"book_id":167,"shamela_page_id":165,"part":"1","page_num":121,"sequence_num":165,"body":"السجود، ونسى الركوع، فصاح به على بن الوليد - قاضى عسكر جوهر -: «بطلت الصلاة، أعد ظهرا أربعا».\rثم أذن بحى على خير العمل فى سائر مساجد العسكر، وأنكر جوهر على عبد السميع أنه لم يقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» فى كل سورة، ولا قرأها فى الخطبة، فصلى به الجمعة الأخرى وفعل ذلك، وكان قد دعا لجوهر فى الجمعة الأولى فى الخطبة، فأنكر ذلك ومنعه.\rوقبض جوهر الأحباس من القاضى أبى طاهر، وردها إلى غيره.\rولأربع بقين منه أذّن فى الجامع العتيق بحى على خير العمل، وجهر فيه بالبسملة فى الصلاة ولسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة أنفذ جوهر هديته إلى المعز ومعها المعتقلون فى القيود (¬*)، فكان فيما أهداه تسع وتسعون (¬١) بختية، وإحدى وعشرون (¬٢) قبة عليها الديباج المنسوج بالذهب، ولها مناطق من ذهب مكللة بالجوهر، ومائة وعشرون ناقة بأجلّة (¬٣) الديباج، وأعنّة محلاة بالفضة، وخمسمائة جمل عرابا، وستة وخمسون جلاّ، وثمانية وأربعون دابة منها بغلة واحدة، وسبعة وأربعون فرسا بأجلّة حرير منقوش، وسروج كلها ما بين ذهب وفضة، ولجمها كذلك؛ وعودان كأطول ما يكون العود الذى يتبخر به.\rوكان الأسرى: الحسن بن عبيد الله بن طغج، وابن غزوان - صاحب القرامطة - وفاتك الهنكرى، والحسن بن جابر الرياحى - كاتب الحسن بن عبيد الله بن طغج -، ونحرير شويزان، ومفلح الوهبانى، ودرى الخازن، وفرقيك، وقيلغ التركى الكافورى، وأبو منحل،","footnotes":"(¬*) هذه الفقرة الطويلة الواردة بين نجمتين وردت فى الأصل بعد تفصيل الهدية مما يفهم منه أن هذه الأشياء وهى مما أهداه جعفر بن الفرات، ولكن الصحيح أن هذه تفصيلات الهدية التى أهداها جوهر الى المعز، وهكذا ورد النص فى نسخة (ج) فالتزمناه هنا لأفضليته.\r(¬١) فى النسختين: «تسعا وتسعين».\r(¬٢) الأصل: «احدى وعشرين»\r(¬٣) جاء فى (اللسان): «جل الدابة وجلها، بضم الجيم وفتحها» الذى تلبسه لتصان به، والجمع جلال واجلال» ثم قال: «وجمع الجلال اجلة، وجلال كل شيء عطاؤه، وتجليل الفرس أن تلبسه الجل».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276458,"book_id":167,"shamela_page_id":166,"part":"1","page_num":122,"sequence_num":166,"body":"وحكل الإخشيدى، وفرح الحكمى، ولؤلؤ الطويل، وقنك الطويل [الخادم]، فحملوا فى المراكب إلى الإسكندرية، وساروا منها إلى القيروان فى البر.\rونافق بشير (¬١) الإخشيدى بأسفل الأرض، فاستعطفه جوهر، فلم يجب، فسيّر إليه العساكر، فحاربها بصهرجت (¬٢) ونهبها، ومضى منهزما إلى الشام فى البحر، فأخذ بصور. وأدخل به على فيل ومعه جماعة، وبعث به جعفر بن فلاح.\rوفى رمضان حفر جوهر سوارى الجامع العتيق الخشب (¬٣).\rوفى ذى القعدة ردّت الحسبة إلى سليمان بن عزّة المغربى، فجمع سماسرة الغلات فى مكان.\rوسدّ الطرق إلا طريقا واحدا، فكان البيع كله هناك، ولا يخرج قدح غلة حتى يقف عليه.\rومنع جوهر من الدينار الأبيض (¬٤)، وكان بعشرة دراهم، فأمر أن يكون الراضى بخمسة عشر درهما، والمعزى بخمسة وعشرين درهما ونصف، فلم يفعل الناس ذلك. فردّ الأبيض إلى ستة دراهم، فتلف وافتقر خلق.\rوضربت أعناق عدة من أصحاب تبر والإخشيدية، وصلبوا حتى دخل المعز من المغرب.\rوأنفذ المعز عسكرا وأحمال مال - علتها عشرون حملا - للحرمين، وعدة أحمال متاع.\rوورد الخبر بفتح جعفر بن فلاح دمشق ودخولها، وكان من خبر جعفر بن فلاح:\rأنه لما سار من القاهرة فى عسكره كان على الرملة ودمشق الحسن بن عبيد الله بن طغج، فلما بلغه دخول جوهر القائد إلى مصر بعساكر المعز سار عن دمشق فى شهر رمضان، واستخلف","footnotes":"(¬١) كذا فى الأصل، وفى (ج): «تبر»\r(¬٢) صهرجت احدى قرى مديرية الدقهلية الحالية، وهى الآن قريتان: صهرجت الصغرى وتتبع مركز أجا، وصهرجت الكبرى وتتبع مركز ميت غمر. انظر: (فهرس مواقع الأمكنة).\r(¬٣) هذا السطر غير موجود فى (ج)\r(¬٤) لم أعثر فى المراجع التى بين يدى على تعريف للدينار الأبيض ولم سمى بهذا الاسم أو فى عهد من ضرب، وانما ورد فى كتاب (النقود للمقريزى، ص ٤٢، نشر الكرملى) ذكر للدراهم البيض، وأنها مما ضرب الحجاج، هذا ويتضح من المتن أن هذا الدينار كان قليل القيمة جدا، فلعله كان يشتمل على كمية كبيرة من الفضة مما اتضعت به قيمته، ومما جعل القوم يسمونه بالأبيض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276459,"book_id":167,"shamela_page_id":167,"part":"1","page_num":123,"sequence_num":167,"body":"عليه شمول الإخشيدى، وكان شمول يحقد فى نفسه منه، ويكاتب جوهر القائد، فنزل ابن طغج الرملة، وتأهب لحرب من يسير إليه من مصر. فوردت عليه الأخبار بمسير القرامطة إليه، ووافوه بالرملة، فلقيهم وحاربهم، فانهزم منهم، ثم صالحهم وصاهرهم فى ذى الحجة.\rورحل عنه القرمطى بعد ما أقام بظاهر الرملة ثلاثين يوما، فبعث إلى شمول بالمسير إليه لمحاربة من تقدّم من مصر، وأنفذ إلى الصباحى - والى بيت المقدس - بالقدوم عليه، فتقاعد عنه شمول، وقرب منه جعفر بن فلاح، وقد انتشرت كتبه إلى ولاة الأعمال يعدهم الإحسان، ويدعوهم إلى طاعة المعز، فالتقى مع ابن طغج وحاربه، فانهزم منه واحتوى على عسكره، فقتل كثيرا من أصحابه، وأخذه أسيرا فى النصف من رجب سنة تسع، فأقام بالرملة يتبع ما كان لابن طغج ولأصحابه، وسار إلى طبرية فبنى قصرا عند الجسر ليحارب فاتك غلام ملهم - وكان عليها من قبل كافور الإخشيدى - فلم يعرض له ملهم، وملك [جعفر] طبرية.\rوكان بحوران (¬١) والبثنيّة (¬٢) بنو عقيل - من قبل الإخشيد - وهم: شبيب، وظالم بن موهوب، وملهم بن … (¬٣) قد ملكوا تلك الديار، فأخذ جعفر بن فلاح يستميل إليه من العرب فزارة ومرّة، وباطنهم على قتل ملهم، فرتبوا له رجالا قتلوه على حين غفلة، وأظهر جعفر أن ذلك من غير علمه، وقبض على من قتله وبعث بهم إلى ملهم، فعفا (¬٤) عنهم.\rوسار من دمشق مشايخ أهلها إلى طبرية للقاء جعفر، فاتفق وصولهم إليها يوم قتل فاتك، قد ثارت بها فتنة، فأخذوا وسلبوا ما عليهم، فلقوا جعفر بن فلاح. وعادوا إلى دمشق وهم غير شاكرين ولا راضين، فبسطوا ألسنتهم بذم المغاربة حتى استوحش أهل دمشق منهم.","footnotes":"(¬١) ذكر (ياقوت: معجم البلدان) أنها كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة، ذات قرى كثيرة ومزارع وقصبتها بصرى.\r(¬٢) هكذا ضبطها ياقوت، وذكر أنها قرية من نواحى دمشق.\r(¬٣) بياض بالاصل.\r(¬٤) الاصل: «مغفى» والمعنى فى هذه الفقرة مضطرب، اذ كيف يتفق أن يقتل رجال جعفر ملهما ثم يرسل جعفر هؤلاء الرجال الى ملهم - المقتول - فيعفو عنهم؟!","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276460,"book_id":167,"shamela_page_id":168,"part":"1","page_num":124,"sequence_num":168,"body":"وكان شمول قد خرج منها إلى جعفر، فلقيه بطبرية، وصار البلد خاليا من السلطان، فطمع الطامع، وكثر الذعّار (¬١) وحمال السلاح به وجهّز جعفر من طبرية من استمالهم من مرة وفزارة لحرب بنى عقيل بحوران والبثنيّة، وأردفهم بعسكر من أصحابه، فواقعو بنى عقيل، وهزموهم إلى أرض حمص وهم خلفهم؛ ثم رجعوا إلى الغوطة (¬٢)، وامتدت أيهديهم إلى أخذ الأموال - وهم سائرون - حتى نزلوا بظاهر دمشق، فثار عليهم أهل البلد، وقاتلوهم وقتلوا منهم كثيرا من العرب، فانهزموا عنها، وذلك لثمان خلون من ذى الحجة، فلحقوا بطلائع جعفر، فساروا معها إلى دمشق، وخرج إليهم الناس مستعدين لمحاربتهم - فى خيل ورجل - فاقتتلوا يومهم ثم انصرفوا، وأصبحوا يوم الجمعة فاقتتلوا، وصاح الناس فى الجامع بعد الصلاة: «النفير»، فخرج النفير، واشتد القتال إلى آخر النهار.\rونزل جعفر يوم السبت لعشر خلون منه بالشماسيّة، وأصبح الناس للقتال، ولم يصلوا ذلك اليوم فى المصلى صلاة العيد، فاستمروا طول النهار ومعهم الجند الذين كانوا مع شمول، فكلوا، وحملت معهم المغاربة فانهزموا، وتمكن السيف منهم وهم منهزمون إلى أرض عاتكة (¬٣) وقصر حجاج، فقتل خلق كثير؛ وكان رئيس أهل الشام فى هذه الحروب أبو القاسم ابن أبى يعلى العباسى، ومحمد بن عصودا وصدقة الشوا.\rفلما ملك المغاربة ظاهر البلد طرحوا النار فيما هنالك من الأسواق وغيرها، وصاروا إلى باب الجابية، وأصبحوا وقد ضبط الرعية أبواب البلد، فاستمرت [الحرب] (¬٤) طول النهار مما يلى المصلى، ثم كفوا عن القتال وباتوا؛ فلما أصبح النهار خرج قوم من مشايخ البلد لمخاطبة جعفر - وهو بالشماسيّة - فى إصلاح أمر البلد، فأخذهم قوم من المغاربة، وسلبوهم","footnotes":"(¬١) الزعار والزعرة والزعر جمع زاعر وهو اللص المحتال والعيار والحرفوش والمتشرد (Filou،Vaurien) انظر: (Dozy:Supp.Dict.Arab)\r(¬٢) الغوطة فى اللغة الأرض المطمئنة، وهى هنا - كما ورد عند ياقوت - الكورة التى منها دمشق.\r(¬٣) توجد فى النسختين بالهامش حاشية أمام هذا اللفظ نصها:\r«أرض عاتكة خارج باب الجابية من دمشق، تنسب الى عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وكان لها بها قصر فيه مات زوجها عبد الملك بن مروان».\r(¬٤) ما بين الحاصرتين عن (ج).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276461,"book_id":167,"shamela_page_id":169,"part":"1","page_num":125,"sequence_num":169,"body":"ثيابهم، وقتلوا منهم وجرحوا عدة، وعلم بذلك أهل البلد، فصاحوا من أعلى المواذن بالناس يعلمونهم الخبر، ثم قدم المأخوذون فارتاع الناس واشتد خوفهم وتحيروا، ثم جرت بينهم - بعد ذلك - وبين جعفر مراسلة، فخرجوا إليه، فاشتد عليهم وخوّفهم بالنار والسيف، فعادوا وقد ملئوا رعبا، فبلغوا قوله للناس وقد تحيّروا، فاقتضى رأيهم معاودة جعفر فى طلب العفو، فرجع المشايخ إليه، وما زالوا بتضرعون إليه حتى قال:\r«ما أعفو عنكم حتى تخرجوا إلىّ ومعكم نساؤكم مكشوفات الشعور فيتمرغن [فى التراب] (¬١) بين يدى لطلب العفو».\rفقالوا له:\r«نفعل ما يقول القائد».\rوما برحوا يذلون له حتى انبسط معهم فى الكلام، وتقرر الأمر على أنه يدخل يوم الجمعة إلى الصلاة فى الجامع.\rفلما كان يوم الجمعة ركب فى عسكره، ودخل البلد فصلى بالجامع وخرج، فوضع أصحابه أيديهم ينهبون الناس، فثاروا عليهم، وقتلوا منهم كثيرا؛ وخرج إليه المشايخ فأنكر عليهم، وقال لهم: «دخل رجال أمير المؤمنين للصلاة فقتلتموهم» وهددهم، فلطفوا معه القول وداروه، فأومأ إلى مال يأخذه من البلد دية من قتل من رجال أمير المؤمنين، فأجابوه، وكان فى الجماعة أبو القاسم أحمد المعروف بالعقيقى العلوى [وهو أحمد بن الحسن الأشل بن أحمد بن على - الرئيس بالمدينة كان - بن محمد العقيقى بن جعفر بن عبد الله ابن الحسين بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب ﵈] (¬٢) فانصرفوا من عنده، وفرضوا له المال، فعمّ الناس البلاء فى جبايته.\rونزل بظاهر سور دمشق فوق نهر يزيد أصحاب جعفر [فبنوا] (¬٣) المساكن، وأقاموا بها الأسواق، وصارت شبه المدينة، واتخذ لنفسه قصرا عجيبا من الحجارة، وجعله عظيما","footnotes":"(¬١) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج)\r(¬٢) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج).\r(¬٣) أضفنا ما بين الحاصرتين ليتضح المعنى","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276462,"book_id":167,"shamela_page_id":170,"part":"1","page_num":126,"sequence_num":170,"body":"شاهقا فى الهواء غريب البناء، وتطلب حمال السلاح فظفر بقوم منهم، وضرب أعناقهم، وصلب جثثهم، وعلّق رءوسهم على الأبواب، وفيها رأس إسحاق بن عصودا.\rوكان ابن أبى يعلى لما انهزم خرج إلى الغوطة يريد بغداد، فقبض عليه ابن عليان العدوى عند تدمر، وجاء به إلى جعفر بن فلاح، فشهّره على جمل، وفوق رأسه قلنسوة (¬١) وفى لحيته ريش وبيده قصبة، ثم بعث به إلى مصر.\rوأما محمد بن عصودا فإنه لحق بالقرامطة فى الأحساء (¬٢) - هو وظالم بن موهوب العقيلى - لما انهزم بنو عقيل عن حوران والبثنيّة، فحثوهم على المسير إلى دمشق.\rفلما كان فى ربيع الأول سنة ستين أنفذ جعفر غلامه فتوح على عسكر إلى أنطاكية، وكان لها فى أيدى الروم نحو من ثلاث سنين، وسيّر إلى أعمال دمشق وطبرية وفلسطين فجمع منها الرجال، وبعث عسكرا بعد عسكر إلى أنطاكية، وكان الوقت شتاء، فنازلوها حتى انصرم الشتاء، وسارت القوافل وهم ملحون فى القتال، فأردفهم جعفر بعساكر فى نحو أربعة آلاف مددا لهم، فظفروا بنحو مائتى بغل تحمل علوفة لأهل أنطاكية فأخذوها وقد أشرفوا على اسكندرونة وعليها عساكر الروم فواقعوهم، فانهزم العسكر، وقتلوا منهم كثيرا.\rوورد على ابن فلاح خبر هزيمة عسكره، وخبر مسير القرامطة إلى الشام، وأنهم وردوا الكوفة. فأمدهم صاحب بغداد بالسلاح، وكتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبى تغلب ابن حمدان، تقوية لهم على حرب المغاربة، فبعث إلى غلامه فتوح برحيله عن أنطاكية ومصيره إليه، فوافاه ذلك أول رمضان، فسار بمن معه، وتركوا كثيرا من العلف والطعام، وأتوه إلى دمشق، فصار كل قوم منهم إلى أماكنهم.","footnotes":"(¬١) القلنسوة والقلنسية ما يلف على الرأس تكويرا مثل العمامة. انظر:\r(Dozy:Dict.des Vets) .\r(¬٢) الاحساء لغة جمع حسى وهو الماء الذى تنشقه الأرض من الرمل فاذا صار الى صلابة أمسكته، فتحفر العرب عند الرمل فتستخرجه، والاحساء (كما ذكر ياقوت فى معجم البلدان): «مدينة بالبحرين كان أول من عمرها وحصنها وجعلها قصبة هجر أبو طاهر الحسن بن أبى سعيد الجنابى القرمطى، وهى الى الآن - أى القرن السابع الهجرى - مدينة مشهورة عامرة»!","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276463,"book_id":167,"shamela_page_id":171,"part":"1","page_num":127,"sequence_num":171,"body":"وقدم القرمطى إلى الرحبة، فأمده أبو تغلب بالمال، وبمن كان عنده من الإخشيدية الذين كانوا بمصر وفلسطين، صاروا إليه لما انهزموا من المغاربة، وصار بهم القرمطى حتى قرب من دمشق، فخرج إليهم جعفر بن فلاح - وقد استهان بهم - وواقعهم، فانهزم منهم، وأخذ السيف أصحابه، وقتل - فلم يدر قاتله - لست خلون من ذى القعدة سنة ستين، ووجد مطروحا على الطريق خارج دمشق، فجاءه محمد بن عصودا فقطع رأسه، وصلبه على حائط داره؛ أراد بذلك أخذ ثأر أخيه إسحاق لما قتله جعفر وصلبه. وملك القرامطة دمشق، وأمنوا أهلها، ثم ساروا إلى الرملة فملكوها، واجتمع إليهم كثير من الإخشيدية.\rوفيها اصطلح قرعويه - مولى سيف الدولة بن حمدان - متولى حلب، وأبو المعالى شريف ابن سيف الدولة، فخطب له قرعويه بحلب، وخطبا جميعا فى معاملتيهما للإمام المعز بحلب وحمص (¬١).","footnotes":"(¬١) يوجد بهامش نسخة الأصل أمام هذا اللفظ: «بياض ثلثى صفحة» مما يدل على أن هذه النسخة نقلت عن نسخة المؤلف التى كانت لا تزال فى مرحلة التأليف والاستيفاء، وسترد فيما يلى ملاحظات مشابهة كثيرة سنشير اليها فى مواضعها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276464,"book_id":167,"shamela_page_id":172,"part":"1","page_num":128,"sequence_num":172,"body":"ودخلت سنة ستين وثلاثمائة:\rففى المحرم اشتدت الأمراض والوباء بالقاهرة، وورد جماعة من الوافدين إلى المغرب بجوائز وخلع.\rوفى صفر ضرب تبر بالسياط، وقبضت ودائعه.\rوفى ربيع الآخر جرح تبر [القائد أبو الحسن] (¬١) نفسه، ومات بعد أيام، فسلخ بعد موته وصلب حتى مزقته الرياح [عند المنظر] (¬١).\rوفى جمادى الأولى منع جوهر من بيع الشواء مسموطا، وأن يسلخ من جلده.\rوفى جمادى الآخرة نقل جوهر مجلس المظالم إلى يوم الأحد، وأطلق لأصحاب الراتب ألف دينار فرقت فيهم؛ وورد شمول من الشام مستأمنا، فخلع عليه سبع خلع، وحمل على فرسين، وأعطى اثنا عشر كيسا عينا وورقا؛ وقدم سعادة بن حيّان من المغرب فى جيش كبير، فتلقاه جوهر فترجل له سعادة.\rوفى شعبان وردت الرسل من المغرب برأس محمد بن خزر، ومعه ثلاثة آلاف رأس، فقرأ عبد السميع يوم الجمعة كتاب المعز بخبر المذكور، وكان محمد بن الخير بن محمد بن خزر الزناتى أكبر ملوك المغرب سلطانا على زناتة وغيرهم، هجم عليه أبو الفتوح يوسف بن زيرى ابن مناد وهو فى قليل من أصحابه يشرب، فلما أحيط به قتل نفسه بسيفه فى سابع عشر ربيع الآخر سنة ستين وثلاثمائة، فقدم رأسه على المعز لثلاث بقين منه.\rوفى شوال أنفذ جوهر سعادة بن حيان إلى الرملة واليا عليها، وقد كثر الإرجاف بالقرامطة،","footnotes":"(¬١) ما بين الحاصرتين ورد فى الهامش بالأصل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276465,"book_id":167,"shamela_page_id":173,"part":"1","page_num":129,"sequence_num":173,"body":"وأن جعفر بن فلاح قتل منهم، وملكوا دمشق، فتأهب جوهر لقتالهم، وعمل الخندق (¬١)، ونصب عليه البابين الحديد اللذين كانا على ميدان الإخشيدى (¬٢)، وبنى القنطرة على الخليج، وفرّق السلاح على المغاربة والمصريين؛ ووكل بابن الفرات خادما يبيت معه فى داره، ويركب معه حيث سار؛ ووثب أهل تنّيس على واليهم وقتلوا جماعة منهم الإمام فى القبلة ووجدت رقاع فى الجامع العتيق فيها التحذير من جوهر، فجمع الناس ووبخهم فاعتذروا.\rوفى ذى الحجة كبست القرامطة مدينة القلزم (¬٣)، وأخذوا واليها عبد العزيز (¬٤) بن يوسف، وما كان له من خيل وإبل.\rوكان القاع خمسة أذرع، وبلغ ماء النيل سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، وخلع جوهر على ابن أبى الرداد، وأجازه وحمله.\rوفيها مات أبو سعيد يانس أحد قواد الإخشيدية فى المحرم.\rوقتل تبر القائد أبو الحسن نفسه [بسكين الدواة (¬٥) فى شهر ربيع الآخر، فسلخه القائد جوهر، وصلبه عند المنظر حتى مزقته الرياح] (¬٦).","footnotes":"(¬١) ذكر (المقريزى: الخطط، ج ٢ ص ١٧٩ - ١٨٠) أن جوهرا قصد باختطاط القاهرة حيث هى «أن تصير حصنا فيما بين القرامطة وبين مدينة مصر، ليقاتلهم من دونها، فأدار السور اللبن على مناخه الذى نزل فيه بعساكره، واحتفر الخندق من الجهة الشامية ليمنع اقتحام عساكر القرامطة الى القاهرة وما وراءها من المدينة».\r(¬٢) أنشأ هذا الميدان الأمير أبو بكر محمد بن طغج الاخشيد بجوار بستانه الذى عرف فيما بعد بالبستان الكافورى، وكانت تقف فيه الخيول السلطانية فى الدولة الاخشيدية، انظر: (المقريزى: الخطط، ج ٣، ص ٣٢٠ - ٣٢١).\r(¬٣) القلزم مدينة قديمة كانت ميناء مصر فى أقصى شمال خليج القلزم، وبها سمى البحر الأحمر بحر القلزم أيضا، وقد خربت هذه المدينة فى القرن الخامس الهجرى، وعلى أنقاضها نشأت مدينة السويس الحالية فى القرن السادس الهجرى، انظر تحقيقات محمد رمزى فى «النجوم الزاهرة، ج ٨. ص ١٥١، ١٥٢».\r(¬٤) توجد فى الهامش بالنسختين حاشية أمام هذا الاسم، نصها:\r«عبد العزيز هذا هو الذى أعان المتنبى حين هرب من مصر حين اجتاز به، فأضافه وحوزه «كذا»، وله فيه أبيات فى ديوانه».\r(¬٥) عقد صاحب صبح الأعشى فصلا طويلا تحدث فيه باسهاب عن الآلات التى تشتمل عليها الدواة كالأقلام والمقلمة والمقط والمحبرة والجونة، وذكر من بينها: المدية أو السكين، ثم ذكر أنواعها وأجزاءها وصفاتها وما قيل فيها. انظر (ج ٢، ص ٤٦٥ و ٤٦٧).\r(¬٦) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276466,"book_id":167,"shamela_page_id":174,"part":"1","page_num":130,"sequence_num":174,"body":"ودخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة:\rوفى المحرم دخل برءوس من بنى هلال.\rوفيه كبست الفرما، وعصى أهل تنيس، وغيروا الدعوة وسوّدوا، فحاربهم العسكر، ودخل بعض المنهزمين من القرامطة، وتبعهم القرامطة إلى عين شمس، فاستعد جوهر لقتالهم، وغلّق أبواب الطابية، وضبط الداخل والخارج، وقبض على أربعة من الجند المصريين، وضرب أعناقهم وصلبهم، وبعث فأخرج ابن الفرات من داره وأسكنه بالقاهرة.\rوفى مستهل ربيع الأول التحم القتال مع القرامطة على باب القاهرة.\rوكان يوم جمعة، فقتل من الفريقين جماعة، وأسر عدة، وأصبحوا يوم السبت متكافئين، وغدوا يوم الأحد للقتال، فسار الحسن بن أحمد بهرام الذى يقال له الأعسم - زعيم عسكر القرامطة - بجميع عسكره على الخندق، والباب مغلق، فلما زالت الشمس فتح جوهر الباب، واقتتلوا قتالا شديدا قتل فيه خلق كثير، وانهزم الأعسم ونهب سواده بالجب، وأخذت صناديقه وكتبه، وهو فى الليل على طريق القلزم، فنهبت بنو عقيل وبنو طىّ كثيرا من مواده، ونادى جوهر فى المدينة:\r«من جاء بالقرمطى أو برأسه فله ثلاث مائة ألف درهم، وخمسون خلعة، وخمسون سرجا بحلى على دوابها».\rفلما كان الغد من وقعة القرمطى ورد أبو محمد الحسن بن عمّار من المغرب؛ وسار عسكر لقتال أهل تنّيس، وقبض على تسعمائة من جند مصر فى ساعة واحدة وقيدوا؛ وردّ جوهر تدبير الأموال إلى جعفر بن الفرات، وخرج سعادة بن حيّان فى عسكر إلى الرّملة بسبب القرامطة فدخلها، ثم قدم عليه الأعسم القرمطى، فعاد سعادة بمن معه إلى مصر.\rوفى شهر رمضان قبض على عجوز عمياء تنشد فى الطريق وحبست، ففرح جماعة من الرعية، ونادوا بذكر الصحابة، وصاحوا:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276467,"book_id":167,"shamela_page_id":175,"part":"1","page_num":131,"sequence_num":175,"body":"«معاوية خال المؤمنين، وخال على».\rفبعث جوهر ونادى فى الجامع العتيق:\r«أيها الناس: أقلوا القول، ودعوا الفضول، فإننا حبسنا العجوز صيانة لها، فلا ينطقن أحد إلا حلت عليه العقوبة الموجعة».\rثم أطلقت العجوز.\rوخرج عبد العزيز بن إبراهيم الكلابى بالصعيد، وسوّد، ودعا لبنى العباس، فبعث إليه جوهر فى البحر أربعين مركبا عليها بشارة النوبى، وأنفذ بأزرق فى البر على عسكر، فأخذ وأدخل به فى قفص مغلولا، وطيف به وبمن معه.\rووافى الأسطول من المغرب، وسار إلى الشام فأسر وغنم.\rوأمر جوهر برفع الدنانير البيض.\rوفى آخر ذى الحجة نهبت المغاربة مواضع بمصر، فثارت الرعية، فاقتتلوا قتالا شديدا، وركب إليهم سعادة بن حيّان، وغرم جوهر للناس ما نهب لهم، وقبل قولهم فى ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276468,"book_id":167,"shamela_page_id":176,"part":"1","page_num":132,"sequence_num":176,"body":"ودخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمائة:\rففى المحرم قدّر جوهر قيمة الدنانير، فجعل الأبيض بثمانية دراهم.\rولخمس بقين منه توفى سعادة بن حيّان، فحضر جوهر جنازته، وصلى عليه الشريف مسلم.\rوفى ربيع الأول عزل سليمان بن عزّة المحتسب جماعة من الصيارفة، فشغب طائفة منهم، وصاحوا:\r«معاوية خال على بن أبى طلب».\rفهمّ جوهر بإحراق رحبة الصيارفة، لولا خوفه على الجامع.\rوفيه أمر ألا يظهر يهودىّ إلا بالغيار (¬١).\rودخل الحسن بن عمّار ببضع وتسعين أسيرا، وشهّروا.\rودخل عبد الله بن طاهر الحسينى على جوهر بطيلسان (¬٢) كحلى - وفى مجلسه القضاة والعلماء والشهود - فأنكر الطيلسان الكحلى، ومدّ يده فشقّه، فغضب ابن طاهر وتكلم، فأمر جوهر بتمزيقه فمزّق، وجوهر يضحك، وبقى حاسرا بغير رداء، فقام جوهر وأخرج له عمامة، ورداء أخضر، وألبسه وعمّمه بيده.\rوفى يوم الثلاثاء رابع المحرم المذكور زلزلت دمشق وأعمالها زلزلة عظيمة وقتا من الزمان، ثم هدأ، وانهدم بها من أنطاكية عدة أبرجة.","footnotes":"(¬١) الغيار الملابس التى كان يتميز بها أهل الذمة عن المسلمين فى العصور الوسطى، وهذا ما يفهم من مدلول اللفظ، أى الملابس التى تغاير ملابس المسلمين. انظر: (محيط المحيط) و (Dozy:Supp.Dict.Arab) و (السلوك، ج ١، ص ١٣٥، هامش ٤).\r(¬٢) الطيلسان - بفتح اللام وكسرها وضمها، والفتح أرجح - لفظ فارسى معرب، ويقال فيه أيضا الطيلس والطالسان، وجمعه طيالسة، وهو فى المراجع المختلفة ثوب يحيط بالبدن خال من التفصيل والخياطة، وكان يختص بلبسه فى العالم الاسلامى فى العصور الوسطى الفقهاء والعلماء والقضاة، وفى النصوص ما يفيد أنه كان ينسج من ألوان مختلفة، انظر: (الجواليقى: المعرب، ص ٢٢٧) و (اللسان) و (Dozy:Dict.des Vets)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276469,"book_id":167,"shamela_page_id":177,"part":"1","page_num":133,"sequence_num":177,"body":"وفى شهر ربيع الآخر تواترت الأخبار بمسير المعز إلى مصر، وورد كتابه من قابس فتأهّب جوهر لذلك، وأخذ فى عمارة القصر والزيادة فيه.\rوفى النصف من جمادى الأولى مات عبد العزيز بن هيج فسلخ وصلب.\rوفى أول رجب كدّ جوهر الناس للقاء المعز، فتأهبوا لذلك، وخرج أبو طاهر القاضى، وسائر الشهود والفقهاء ووجوه التجار إلى الجيزة مبرزين للقاء المعز، فأقاموا بها أربعين يوما حتى ورد الكتاب بوصول المعز إلى برقة، فسار القاضى ومن معه.\rوسار الحسن بن عمار إلى الحوف فى عشرة آلاف فواقعوا القرامطة هناك.\rولخمس بقين من شعبان ورد الخبر بوصول المعز إلى الاسكندرية، ولقيه أبو طاهر القاضى ومن معه، فخاطبهم بخطاب طويل، وأخبرهم أنه لم يسر لازدياد فى ملك ولا رجال، ولا سار إلا رغبة فى الجهاد ونصرة للمسلمين؛ وخلع على القاضى وأجازه وحمله.\rولقيه أبو جعفر مسلم فى جماعة الأشراف، ومعهم وجوه البلد بنواحى محلة حفص، وترجلوا له كلّهم - وكان سائرا فوقف -، وتقدّم إليه أولا أبو جعفر مسلم، ثم الناس على طبقاتهم، وقبّلوا له الأرض وهو واقف، حتى فرغ الناس من السلام عليه، ثم سار وسايره أبو جعفر مسلم - وهو يحادثه - وسأل عن الأشراف، فتقدّم إليه أكابرهم:\rأبو الحسن محمد بن أحمد الأدرع.\rوأبو إسماعيل الرسى.\rوعيسى أخو مسلم.\rوعبد الله بن يحيى بن طاهر بن السويح (¬١)\rثم عزم على الشريف مسلم، وأمره بركوب قبة لأن الحرّ كان شديدا وكان الصوم، فقدمت إليه قبة محلاة على ناقة، وعادله غلام له، ونزل المعز إلى الجيزة، فكانت مدة القائد أبى الحسن جوهر أربع سنين وتسعة عشر يوما.","footnotes":"(¬١) كذا فى النسختين، ولعلها «الشويخ».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276470,"book_id":167,"shamela_page_id":178,"part":"1","page_num":134,"sequence_num":178,"body":"ذكر قدوم المعز لدين الله أبى تميم معد الى مصر وحلوله بالقصر من القاهرة المعزية\rوما كان من ولاية الخلفاء من بعده حتى انقضت أيامهم وأناخ بهم حمامهم.\rفى يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة دخل المعز لدين الله إفريقية.\rوفى يوم الاثنين رابع عشرين (¬١) جمادى الأولى سنة ثنتى وستين نزل بقصره خارج برقة.\rووصل إلى الإسكندرية يوم الجمعة لست بقين من شعبان، ونزل تحت منارتها ثم سار.\rونزل المعز إلى الجيزة فخرج إليه جماعة من بقى، وعقد جوهر جسر (¬٢) الجيزة، وعقد جسرا آخر عند المختار بالجزيرة حتى سار عليه إلى الفسطاط، ثم إلى القاهرة. وزينت له الفسطاط فلم يشقها، ودخل معه جميع من كان وفد إليه، وجميع أولاده وأخوته وعمومته، وسائر ولد المهدى، وأدخل معه توابيت آبائه: المهدى والقائم والمنصور. وكان دخوله إلى القاهرة، وحصوله فى قصره يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، فصارت مصر دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة.\rقال الفقيه الحسن بن إبراهيم بن زولاق ﵀ ومن خطه نقلت -:","footnotes":"(¬١) كذا فى الأصل، وفى (ج): «أربع عشر».\r(¬٢) كان يربط الجزيرة بالفسطاط فى العصر الاسلامى جسر يمر عليه الناس والدواب، كما كان يربطها بالجيزة جسر آخر، وكان هذان الجسران - كما يروى (المقريزى: الخطط، ج ٣، ص ٢٧٦) يتكونان من مراكب مصطفة بعضها بحذاء بعض، وهى موثقة، ومن فوق المراكب أخشاب ممتدة فوقها تراب، وكان عرض الجسر ثلاث قصبات. انظر كذلك (ابن حوقل: المسالك والممالك، ص ٩٦) و (صبح الأعشى، ج ٣، ص ٣٣٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276471,"book_id":167,"shamela_page_id":179,"part":"1","page_num":135,"sequence_num":179,"body":"«حدثنى أحمد بن جعفر قال: كان القائم بأمر الله ﵇ يوما فى مجلس أبيه المهدى جالسا بين يديه، وكان ابنه المنصور قائما بين يدى جدّه، فقال المهدىّ لابن ابنه المنصور: «ايتنى بابنك» - يعنى المعز لدين الله -، فجاءت به دايته - وله سنة أو فوقها -، فأخذه المهدى فى حجره وقبّله، وقال لابنه القائم بأمر الله: «يا أبا القاسم: ما على ظهر الأرض مجلس أشرف من هذا المجلس، اجتمع فيه أربعة أئمة، يعنى المهدى نفسه، وابنه القائم، وابن ابنه المنصور، وابن ابنه المعز لدين الله؛ وزادنى أبو الفضل ريدان (¬١) - صاحب المظلة - فى هذا الخبر (¬٢) أن المهدى جمعهم فى دوّاج (¬٣) وقال: «جمع رسول الله ﷺ معه ثلاث أئمة فى كساء سوى نفسه، وقد جمع هذا الدوّاج أربعة أئمة».\rقال [ابن زولاق]:\r«ولما وصل المعز إلى قصره خرّ ساجدا، ثم صلى ركعتين، وصلى بصلاته كل من دخل معه، واستقر فى قصره بأولاده وحشمه وخواص عبيده، والقصر يومئذ مشتمل على ما فيه من عين وورق [٢١ ب؟؟؟] وجوهر وحلى وفرش وأوان وثياب وسلاح وأسفاط وأعدال وسروج ولجم؛ وبيت المال بحاله بما فيه، وفيه جميع ما يكون للملوك.\rوخرج غد هذا اليوم - وهو يوم الأربعاء - جماعة الأشراف والقضاة والعلماء والشهود ووجوه أهل البلد وسائر الرعية لتهنئة المعز.\rولعشر خلون من رمضان أمر المعز بالكتاب على المشايخ فى سائر مدينة مصر: «خير الناس بعد رسول الله ﷺ [أمير المؤمنين] (¬٤) علىّ بن أبى طالب ﵇»، وأثبت اسم المعز لدين الله، واسم ابنه عبد الله الأمير.\rووقّع المعز بيده إلى محمد بن الحسين بن مهذب (¬٥) - صاحب بيت المال -:","footnotes":"(¬١) الأصل: «زيدان» والتصحيح عن (ج).\r(¬٢) الأصل: «الجزء»، والتصحيح عن (ج).\r(¬٣) الدواج ضرب من الثياب (اللسان).\r(¬٤) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج).\r(¬٥) الأصل: «مهدى»، والتصحيح عن (ج).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276472,"book_id":167,"shamela_page_id":180,"part":"1","page_num":136,"sequence_num":180,"body":"«تقدّم يا محمد بابتياع لنا ولمولاك عبد الله فى كل يوم من الفاكهة الرطبة واليابسة كذا وكذا بسعر الناس، ولا تعرف الرسول لئلا تقع محاباة ولا مسامحة، وكذلك حوائج المطبخ».\rوللنصف منه جلس المعز فى قصره على السرير (¬١) الذهب الذى عمله جوهر فى الإيوان الجديد، وأذن بدخول الأشراف أولا، ثم بعدهم الأولياء وسائر وجوه الناس، وجوهر قائم بين يديه يقدّم الناس قوما بعد قوم؛ ثم مضى جوهر وأقبل بهديته ظاهرة يراها الناس، وهى:\rمن الخيل: مائة وخمسون فرسا مسرجة ملجمة، منها مذهب، ومنها مرصع، ومنها بعنبر (¬٢).\rوإحدى (¬٣) وثلاثون قبة على بخاتى بالديباج والمناطق والفرش، منها تسعة بديباج مثقل.\rوتسع نوق مجنوبة مزينة بمثقل.\rوثلاثة وثلاثون بغلا، منها سبعة مسرجة ملجمة.\rومائة وثلاثون بغلا للنقل.\rوتسعون نجيبا.\rوأربعة صناديق مشبكة يرى ما فيها، وفيها أوانى الذهب والفضة.\rومائة سيف محلى بالذهب والفضة.\rودرجان (¬٤) من فضة مخرّقة فيها جوهر.\rوشاشية مرصعة فى غلاف.\rوتسعمائة ما بين سفط وتخت (¬٥) فيها سائر ما أعدّه له من ذخائر مصر.","footnotes":"(¬١) السرير هنا بمعنى العرش، وقد سمى سريرا لأن من جلس عليه من أهل الرفعة والجاه يكون مسرورا، والجمع أسره وسرر (محيط المحيط).\r(¬٢) فى النسختين: «بذهب وبعنبر» والتصحيح عن (الخطط، ج ٢، ص ٢١٧)\r(¬٣) النسختان: «وواحد» والصحيح ما أثبتناه.\r(¬٤) فى النسختين: «ودرجات»، والتصحيح عن الخطط.\r(¬٥) التخت وعاء تصان فيه الثياب، فارسى معرب (اللسان).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276473,"book_id":167,"shamela_page_id":181,"part":"1","page_num":137,"sequence_num":181,"body":"وأذن المعزّ لابنه عبد الله فى الجلوس فى مجلسه.\rوحمل أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الحسينى هديته، وهى:\rأحد عشر سفطا من متاع تونة (¬١) وتنيس ودمياط.\rوخيلا وبغالا.\rوقال:\r«كنت أشتهى أن يلبس منها المعز لدين الله ثوبا أو ينعم بالعمامة التى فيها، فما عمل لخليفة قطّ مثلها».\rوأذن المعز لجماعة بالجلوس فى مجلسه، وأطلق جماعة المعتقلين من الإخشيدية والكافورية الذين اعتقلهم جوهر، وعدتهم نحو الألف.\rوقال للقاضى أبى طاهر: «كم رأيت من خليفة؟»\rفقال: «ما رأيت خليفة غير مولانا المعز لدين الله - صلوات الله عليه -».\rفاستحسن ذلك منه على البديهة، مع علم المعز أن أبا طاهر رأى المعتضد، والمكتفى، والمقتدر، والقاهر، والراضى، والمتقى، والمستكفى، والمطيع؛ فشكره وأعجب بقوله.\rوركب المعزّ يوم الفطر - لصلاة العيد - إلى مصلى (¬٢) القاهرة الذى بناه جوهر، وكان محمد بن أحمد بن الأدرع الحسينى قد بكّر وجلس فى المصلى تحت القبة، فجاء الخدم وأقاموه وأقعدوا موضعه أبا جعفر مسلم، وأقعدوه دونه، فكان أبو جعفر مسلم خلف المعز عن يمينه وهو يصلى.\rوأقبل المعز فى زيه وبنوده وقبابه، وصلى بالناس صلاة العيد صلاة تامة طويلة، قرأ فى الأولى بأم الكتاب، و «هل أتاك حديث الغاشية»؛ ثم كبر بعد القراءة، وركع فأطال، وسجد فأطال.","footnotes":"(¬١) قرية قديمة كانت قريبة من تنيس ودمياط، وكانت مشهورة بثيابها وطرزها.\r(¬٢) لاحظ أن المقريزى ينقل هنا عن ابن زولاق المؤرخ المعاصر للمعز، وهو يسمى الجامع الذى بناه جوهر «مصلى القاهرة» ولا يسميه الجامع الأزهر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276474,"book_id":167,"shamela_page_id":182,"part":"1","page_num":138,"sequence_num":182,"body":"قال ابن زولاق:\r«أنا سبّحت خلفه فى كل ركعة وفى كل سجدة نيفا وثلاثين تسبيحة، وكان القاضى النعمان بن محمد يبلغ عنه التكبير؛ وقرأ فى الثانية بأم الكتاب وسورة «والضحى»، ثم كبّر أيضا بعد القراءة؛ وهى صلاة جده على بن أبى طالب، وأطال أيضا فى الثانية الركوع والسجود، وأنا سبّحت خلفه نيفا وثلاثين تسبيحة فى كل ركعة وفى كل سجدة؛ وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فى كل سورة، وأنكر جماعة يترسمون بالعلم قراءته قبل التكبير، لقلة علمهم وتقصيرهم فى العلوم.\rفلما فرغ من الصلاة صعد المنبر، وسلّم على الناس يمينا وشمالا، ثم نشر البندين اللذين كانا على المنبر فخطب وراءهما، وكان فى أعلى درجة من المنبر وسادة ديباج مثقل، فجلس عليها بين الخطبتين، واستفتح الخطبة ببسم الله الرحمن الرحيم.\rوكان معه على المنبر جوهر، وعمار بن جعفر، وشفيع - صاحب المظلة -، ثم قال:\r«الله أكبر الله أكبر»، استفتح بذلك «وخطب وأبلغ وأبكى الناس، وكانت خطبته بخضوع وخشوع.\rفلما فرغ من خطبته انصرف فى عساكره، وخلفه أولاده الأربعة بالجواشن (¬١) والخوذ على الخيل بأحسن زى، وساروا بين يديه بالفيلين. فلما حصل فى قصره أحضر الناس فأكلوا ونشطهم إلى الطعام، وعتب على من تأخر، وتهدّد من بلغه عنه صيام العيد».\rوردّ إلى أبى سعيد عبد الله بن أبى ثوبان أحكام المغاربة ومظالمهم.\rوتحاكم إليه جماعة من المصريين فحكم بينهم وسجّل، فكان شهود مصر يشهدون عنده ويشهدون على أحكامه، ولم ير هذا بمصر قبل ذلك؛ واستخلف [أبو سعيد] أحمد بن محمد الدوادى.\rومنع المعز من النداء بزيادة النيل، وألا يكتب بذلك إلا إليه وإلى جوهر، فلما تمّ أباح النداء [يعنى لما تم ست عشرة ذراعا] (¬٢).","footnotes":"(¬١) الجواشن: جمع جوشن وهو الدرع (محيط المحيط).\r(¬٢) ما بين الحاصرتين زيادات عن: المقريزى: الخطط، ج ١، ص ٩٧) حيث نقل هذه الحقيقة أيضا عن سيرة المعز لدين الله لابن زولاق، وعقب عليها بتفسير الحكمة فى هذا -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276475,"book_id":167,"shamela_page_id":183,"part":"1","page_num":139,"sequence_num":183,"body":"وخلع على جوهر خلعة مذهبة، وعمامة حمراء، وقلّده سيفا، وقاد بين يديه عشرين فرسا مسرجة ملجمة» وحمل بين يديه خمسين ألف دينار، ومائتى ألف درهم، وثمانين تختا من ثياب.\rوركب المعز إلى المقس، وأشرف على أسطوله (¬١)، وقرأ عليه وعوّذه، وخلفه جوهر والقاضى النعمان ووجوه أهل البلد، ثم عاد إلى قصره.\rوضربت أعناق جماعة عاثوا بنواحى القرافة.\rوفى ذى القعدة احترق سوق القاهرة، وأعيد.\rوركب المعز لكسر خليج (¬٢) القاهرة، فكسر بين يديه، وسار على شط النيل، ومرّ على سطح الحرف، وعطف على بركة الحبش (¬٣)، ثم على الصحراء إلى الخندق الذى حفره جوهر فى موكب عظيم، وخلفه وجوه أهل البلد، وأبو جعفر أحمد بن نصر يعرّفه بالمواضع، وبلغ المعز أن محمدا أخا أبى إسماعيل الرّسّى يريد الفرار إلى الشام، فقبض عليه وسجن مقيّدا.","footnotes":"= - الاجراء، فقال ما ملخصه: «فتأمل ما أبدع هذه الساسة، فان الناس دائما اذا توقف النيل فى أيام زيادته أو زاد قليلا يقلقون، ويحدثون أنفسهم بعدم طلوع النيل، فيقبضون أيديهم على الغلال، ويمتنعون عن بيعها رجاء ارتفاع السعر، ويجتهد من عنده مال فى خزن الغلة، إما لطلب السعر، أو لطلب ادخار قوت عياله، فيحدث بهذا الغلاء، فان زاد الماء انحل السعر، والا كان الجدب والقحط ففى كتمان الزيادة عن العامة أعظم فائدة وأجل عائدة».\r(¬١) ذكر المقريزى فى (الخطط، ج ٣، ص ٣١٧) - نقلا عن ابن أبى طى - أن المعز هو الذى أنشأ دار الصناعة التى بالمقس، وانه انشأ بها ستمائة مركب «لم ير مثلها فى البحر على ميناء».\r(¬٢) مما يستحق الالتفات أن هذا اول ركوب للمعز لكسر الخليج، وقد كان الفاطميون يحتفلون بهذا الركوب احتفالا خاصا رائعا بعد ذلك، انظر فى وصفه: (صبح الاعشى، ج ٣، ص ٥١٢ - ٥١٧).\r(¬٣) كانت تقع هذه البركة جنوبى الفسطاط بين النيل والجبل، وذكر المقريزى عند كلامه عن البرك فى الجزء الثانى من الخطط أنها كانت تعرف ببركة المغافر، وبركة حمير، واصطبل قرة، واصطبل قامش، وبركة الاشراف، وبركة الحبش. وهو الاسم الذى اشتهرت به، وقال محمد رمزى فى تحقيقاته (النجوم، ج ٦، ص ٣٨٢): «وهذه البركة لم تكن عميقة فيها ماء راكد بالمعنى المفهوم الآن من لفظ بركة، وانما كانت تطلق على حوض من الاراضى الزراعية التى يغمرها ماء النيل وقت فيضانه سنويا بواسطة خليج بنى وائل الذى كان يأخذ ماءه من النيل جنوبى مصر القديمة، فكانت الارض وقت أن يغمرها الماء تشبه البرك، ولهذا سميت بركة، ويستفاد مما ذكره أبو صالح الارمنى فى كتاب الديارات أن هذه الجنان عرفت بالحبش لأنها كانت لطائفة من الرهبان الحبش».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276476,"book_id":167,"shamela_page_id":184,"part":"1","page_num":140,"sequence_num":184,"body":"وفى يوم عرفة نصب المعزّ الشّمسة (¬١) التى عملها للكعبة على إيوان قصره، وسعتها اثنا عشر","footnotes":"(¬١) هذا نص هام وطريف، وقد ذكر طرفا منه المقريزى فى كتابه الآخر الخطط»، وقد أخطأ القائمون على نشر جميع طبعات الخطط، فقرءوا هذا اللفظ على أنه «الشمسية» لا «الشمسة»، وطبع فى جميع النشرات على أنه «الشمسية» كذلك، وهذه القراءة الخاطئة أوقعت كثيرين من الباحثين فى تاريخ الدولة الفاطمية من غربيين وشرقيين فى أخطاء متلاحقة، ففهموا الشمسية على أنها مظلة، وعلى أنها أصل لفكرة المحمل، وعلى انها نوع من الكسوة للكعبة، وعلى أنها نوع من المنسوجات الرائعة الممتازة التى كانت تصنع فى مصر الفاطمية. انظر عن هذه المحاولات والتفسيرات: (حسن ابراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية، ص ٥٨٣) و (محمد عبد العزيز مرزوق: الزخرفة المنسوجة فى الأقمشة الفاطمية، ص ٥٢ - ٥٣)\rو (Quatremere،J.A.٣ e.serie،III،١٨٣٧). (M.Inostranzeff:La sortie solennelle des Khalifes Fatimides. P.XXIII،S ١٧،P.XXVIII،S ٢٠). (J.Jomier:Le Mahmal et la Caravane Egyptienne des Pelerins de la Mecque، Le Caire،١٩٥٣.P .٢٤ - ٢٦) .\rوكنت قد وقعت فى نفس الخطأ فى نشرتى الأولى لهذا الكتاب، ولكننى لحسن الحظ وجدت هذه الكلمة مكتوبة فى المخطوطة الحالية لكتاب «اتعاظ الحنفا» على أنها «الشمسة» لا «الشمسية»، فوقفت عندها طويلا، وأعدت قراءة وصفها مرارا فاذا بى أجد أنها شيء مختلف كل الاختلاف عن الشمسية، وأنه لا صلة بينها وبين المنسوجات الا الأرضية المنسوجة من الديباج، وتبين لى أن «الشمسية» حلية ضخمة كانت ترسل الى الكعبة فى موسم الحج فى صحبة قائد خاص لتعلق فى وجه الكعبة، وانها تشبه الشمس، ولها اثنا عشر ذراع تشبه أشعة الشمس، وأرجح أن عدد الأشعة لم يجعل اثنى عشر عفوا بل قصدا ليمثل عدد شهور السنة، فموسم الحج يحل بعد مضى اثنى عشر شهرا أى سنة كاملة، والأهلة الموجودة فى نهاية الأشعة تمثل الشهور القمرية الهجرية.\rوتبين لى من النص كذلك أن الخليفة المأمون العباسى أرسل فى عهده ياقوتة متصلة بسلسلة ذهبية لتعلق فى الكعبة، وان العباسيين سبقوا الفاطميين بارسال الشمسة، وأول من أرسلها منهم هو الخليفة المتوكل، وكان المعز أول من أعد شمسة للكعبة، وقد أراد أن يتفوق على منافسيه العباسيين فصنعها أكبر وأضخم حجما وأثمن وأغلى قيمة بدليل ما قاله (ابن ميسر: تاريخ مصر» ص ٤٤) بعد وصفه لحفلة عرض الشمسة: «ولم يبق أحد حتى دخل من أهل مصر والشام والعراق فذكروا أنهم لم يروا قط مثل الشمسية (الشمسة)، وذكر اصحاب الجوهر انه لا قيمة لها، وان شمسية (شمسة) بنى العباس مساحتها مثل ربع هذه، وكذلك كانت شمسية (شمسة) كافور التى عملها لمولاه أنوجور، وكان يسير بها الى الحرم».\rويؤكد صحة النص وصحة تفسيراتنا كذلك حقيقتان لست أدرى كيف غفل عنهما من تناولوا هذا الموضوع من قبل، أولاهما أن المراجع العربية القديمة كلها لم تعرف لفظ «الشمسية» بمعنى المظلة أبدا، وفى رأيى أن لفظ الشمسية بهذا المعنى عرفه العرب والمصريون بصفة خاصة لاول مرة فى القرن التاسع عشر ابان حركة الترجمة عن اللغات الاوربية، وأن هذا -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276477,"book_id":167,"shamela_page_id":185,"part":"1","page_num":141,"sequence_num":185,"body":"شبرا فى مثلها، وأرضها ديباج أحمر، ودورها اثنا عشر هلال ذهب، وفى كلّ هلال أترجة ذهب مشبّك، جوف كل أترجّة خمسون درّة كبيض الحمام، وفيها الياقوت (¬١) الأحمر والأصفر والأزرق، وفى دورها مكتوب آيات الحج بزمرد أخضر (¬٢)، وحشو الكتابة درّ كبار لم ير مثله، وحشو الشّمسة المسك المسحوق؛ فرآها الناس فى القصر ومن خارجه لعلوّ موضعها؛ ونصبها عدّة فراشين، وجرّوها لثقل وزنها.\r[وأول من عمل الشّمسة للكعبة أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله، فبعث سلسلة من ذهب كانت تعلّق مع الياقوتة التى بعثها المأمون، وصارت تعلّق كلّ سنة فى وجه الكعبة، وكان يؤتى بهذه السلسلة فى كل موسم وفيها شمسة مكللة بالدرّ والياقوت والجوهر قيمتها شيء كثير، فيقدم بها قائد يبعث من العراق، فتدفع إلى حجبة الكعبة، ويشهد عليهم بقبضها، فيعلقونها يوم سادس الثمان، فتكون على الكعبة، ثم تنزع يوم التروية] (¬٣).\rوغدا المعز لصلاة عيد النحر فى عساكره، وصلى كما ذكر فى صلاة الفطر من القراءة والتكبير وطول الركوع والسجود، وخطب وانصرف فى زيّه، فلما وصل إلى القصر أذن للناس عامة فدخلوا والشمسة منصوبة على حالها، فلم يبق أحد حتى دخل - من أهل مصر والشام والعراق - فذكر أهل العراق وأهل خراسان، ومن يواصل الحج أنهم لم يروا قط مثل هذه","footnotes":"= - اللفظ الشمسية هو ترجمة للكلمة الفرنسية Parasol ، وثانيهما أن المعاجم العربية ذكرت هذا اللفظ ولكن بصفة المذكر «الشمس»، وقالت ان من معانيه أنه ضرب من القلائد أو الحلى، جاء فى (اللسان): «والشمس ضرب من القلائد، والشمس معلاق القلادة فى العنق، والجمع شموس، قال الشاعر:\rوالدر واللؤلؤ فى شمسه … مقلد ظبى التصاوير.\rقال اللحيانى: الشمس ضرب من الحلى، مذكر ومؤنث، والشمس قلادة الكلب».\r(¬١) ذكر ابن الاكفانى (نخب الذخائر، ص ص ٢ - ١٣) أن الياقوت أربعة أصناف: الأحمر: وهو اعلاها رتبة واغلاها قيمة. والاصفر. والارزق. والابيض. ثم قسم كل صنف من هذه الى انواع. هذا وقد ذكر صاحب اللسان أن لفظ «ياقوت» فارسى معرب، بينما ذكر الاب انستاس الكرملى (المرجع السابق، ص ٢، هامش ١) أنه معرب عن اللاتينية.\r(¬٢) انظر الكلام عن الزمن بتفصيل فى: نخب الذخائر، ص ٤٨ - ٥٢).\r(¬٣) هذه الفقرة وردت فى الهامش فى نسخة الأصل، ولكنها وردت فى المتن فى نسخة (ج)، وقد آثرنا ضمها للمتن هنا لأنها تزيده ايضاحا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276478,"book_id":167,"shamela_page_id":186,"part":"1","page_num":142,"sequence_num":186,"body":"الشمسة؛ وذكر أصحاب الجوهر ووجوه التجار أنه لا قيمة لما فيها، وأن شمسة بنى العباس كان أكثرها مصنوعا ومن شبه (¬١)، وأن مساحتها مثل ربع هذه.\rوكذلك كانت شمسة كافور التى عملها لمولاه أونوجور بن الإخشيد، وكان يسير بها إلى الحرم جعفر بن محمد الموسوى، ثم ابنه أبو الحسين، ثم بعده ابنه مسلم، ثم أبو تراب بعد أخيه، إلى أن أخذها القائد جوهر من أبى تراب.\rوأمر المعز للناس بالطعام فأكلوا.\rوورد الخبر بوصول أسطول القرامطة إلى تنّيس فى البحر، فكانت بينهم وبين أهل تنّيس حرب انهزم فيها أصحاب القرامطة، وأخذ منهم عدة مراكب، وأسر طائفة منهم، وأن أسكر (؟) نهبت، فعظم ذلك [على] (¬٢) المعز، واشتد خوف الناس فى المقابر حتى كانوا يصلون على الجنائز ولا يتبعونها، ويمضى بها الحفارون؛ فأنكر المعز ذلك، وأمّن الناس.\rولثمانى عشرة من ذى الحجة، وهو يوم غدير خمّ (¬٣)، تجمّع خلق من أهل مصر والمغاربة للدعاء، فأعجب المعز ذلك، وكان هذا أول ما عمل عيد الغدير بمصر.\rوقدم من تنّيس مائة وثلاثة وسبعون رجلا أسارى، وعدة رءوس، ومعهم أعلام القرامطة","footnotes":"(¬١) الأصل: «مصبوغا وشبه»، والتصحيح عن (ج).\r(¬٢) ما بين الحاصرتين عن (ج).\r(¬٣) نقل (المقريزى: الخطط، ج ٢، ص ٢٢٢ - ٢٢٣) نبأ الاحتفال بعيد الغدير فى عهد المعز عن ابن زولاق، هذا وخم موضع بين مكة والمدينة به غدير أو بطيحة، وحوله شجر كثير، ويقال ان الرسول ﵇ لما عاد من مكة بعد حجة الوداع سنة ١٠ هـ نزل بغدير خم وآخى عليا بن أبى طالب، ثم قال «على منى كهارون من موسى، اللهم وال من والاه وعادى من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله»، ويعلق الشيعة على هذا الحديث أهمية كبرى اذ يعتبرونه بمثابة مبايعة علنية من الرسول قبيل وفاته لعلى بن أبى طالب.\rانظر (دونلدسن: عقيدة الشيعة، الترجمة العربية، ص ٢٣ - ٢٦)، ويذكر المقريزى فى الصفحات المذكورة سابقا أن هذا العيد لم يكن «مشروعا ولا عمله أحد من سالف الأمة المقتدى بهم، وأول ما عرف فى الاسلام بالعراق أيام معز الدولة بن بويه، فانه أحدثه فى سنة ٣٥٢، فاتخذه الشيعة من حينئذ عيدا، وهو أبدا يوم الثامن عشر من ذى الحجة». وفى الصفحات السالف ذكرها من الخطط تفاصيل ممتعة عن مراسم الاحتفال بهذا العيد فى العصر الفاطمى، انظر كذلك: (معجم البلدان لياقوت).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276479,"book_id":167,"shamela_page_id":187,"part":"1","page_num":143,"sequence_num":187,"body":"منكوسة، وسلاح لهم، فشهّر ذلك فى البلد، وجلس المعز حتى مروا بين يديه وهو فى علو باب قصره.\rوكانت فتنة فى البلد نهبت المغاربة فيها جماعة من الرعية، فركب جوهر فى طلب النّهابة، وأخذهم وجلدهم.\rوفى سلخ ذى الحجة سلخ (؟) إمام جامع القرافة محمد بن عبد السميع فى طريق القرافة، وانصرف الناس من جامع القرافة من غير جمعة.\rوأحضر جوهر جماعة من أهل تنيس، وطالبهم بديات المغاربة الذين قتلوا عندهم، وألزموا بمائتى ألف دينار، ثم استقر أمرهم على ألف ألف درهم (¬١).\rوانتهى النيل فى نقصانه إلى ست أذرع وإصبعين، وبلغ زيادة الماء الجديد سبع عشرة ذراعا وإصبعين، وأطلق المعزّ لمتولى المقياس الجائزة والخلع والحملان، فزاده على رسمه.\rوفيها مات أبو عمرو محمد بن عبد الله السهمى - قاضى مكة -، ومات الإشبيلى - قاضى المغاربة (¬٢) بمصر -.","footnotes":"(¬١) كذا فى الأصل، وفى (ج): «ألف ألف دينار».\r(¬٢) لاحظ هذا، فكأنه كان للمغاربة قاض خاص بهم فى مصر بعد الفتح الفاطمى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276480,"book_id":167,"shamela_page_id":188,"part":"1","page_num":144,"sequence_num":188,"body":"ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة:\rوأمير المؤمنين المعز لدين الله.\rوخليفته القائد جوهر.\rوالقاضى أبو طاهر محمد بن أحمد.\rوالخراج نصفين: إلى على بن محمد بن طباطبا، وعبد الله بن عطاء الله؛ والنصف الآخر إلى الحسن بن عبد الله، والحسين بن أحمد الروذبارى.\rوصاحب بيت المال محمد بن الحسين بن مهذب.\rوصاحب المظلة شفيع الصقلى (¬١).\rوطبيبه موسى بن العازار.\rوالشرطة السفلى إلى عروبة بن إبراهيم، وشبل المعرضى.\rوالشرطة العليا إلى خير [بن القاسم] (¬٢).\rوإمام الجامع العتيق والخطبة إلى عبد السميع بن عمر العباسى.\rوإمام الصلوات الخمس الحسن بن موسى الخياط.\rولست (¬*) عشرة بقيت من المحرم قلّد المعزّ الخراج، ووجوه الأموال جميعها، والحسبة، والسواحل، والجوالى، والأحباس، والمواريث، والشرطتين، وجميع ما ينضاف إلى ذلك، وما يطوى فى مصر وسائر الأعمال أبا الفرج يعقوب بن يوسف الوزير، وعسلوج بن الحسن،","footnotes":"(¬١) ج: «الصقلبى».\r(¬٢) أكملنا الاسم بعد مراجعة ما يلى من النص هنا، انظر ص ١٤٤ و ١٤٧.\r(¬*) أورد المقريزى هذا الخبر وبنصه كذلك فى: (الخطط، ج ١، ص ١٣٢).\rوذكر هناك أنه ينقله عن سيرة المعز لدين الله لابن زولاق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276481,"book_id":167,"shamela_page_id":189,"part":"1","page_num":145,"sequence_num":189,"body":"وكتب لهما بذلك سجلا. قرئ يوم الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون؛ وقبضت أيدى سائر العمال والمتضمنين.\rوجلسا غد هذا اليوم فى دار الإمارة (¬١) فى جامع أحمد بن طولون للنداء على الضياع وسائر وجوه الأموال، وحضر الناس للقبالات، وطالبوا بالبقايا من الأموال مما على المالكين والمتقبلين والعمال *، واستقصيا فى الطلب، ونظرا فى المظالم.\rوفيه تبسطت المغاربة فى نواحى القرافة والمعافر، فنزلوا فى الدور، وأخرجوا الناس من دورهم، ونقلوا السكان وشرعوا فى السكنى فى المدينة، وكان المعز أمرهم أن يسكنوا فى أطراف المدينة، فخرج الناس واستغاثوا إلى المعز، فأمر أن يسكنوا نواحى عين شمس، وركب المعز بنفسه حتى شاهد المواضع التى ينزلون فيها، وأمر لهم بمال يبنون به، وهو الموضع الذى يعرف اليوم بالخندق، وخندق العبيد؛ وجعل [لهم] واليا وقاضيا؛ وأسكن أكثرهم فى المدينة مخالطين لأهل مصر، ولم يكن جوهر يبيحهم سكنى المدينة ولا المبيت فيها، وحظر ذلك عليهم، وكان مناديه ينادى كل عشية: «لا يبيتن فى المدينة أحد من المغاربة».\rوفى يوم عاشوراء انصرف خلق من الشيعة وأتباعهم من المشاهد من قبر كلثم بنت محمد بن جعفر بن محمد الصادق، ونفيسة (¬٢)، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالتهم بالنياحة والبكاء على الحسين، وكسروا أوانى السقائين فى الأسواق، وشققوا الروايا، وسبّوا من ينفق فى هذا","footnotes":"(¬١) يذكر المقريزى هنا أن هذه الدار كانت فى جامع ابن طولون، غير أنه عقد لها فصلا خاصا فى (الخطط، ج ٤، ص ٤٢) ذكر فيه ان هذه الدار كانت بجوار الجامع الطولونى «انشأها احمد بن طولون عند ما بنى الجامع، وجعلها فى الجهة القبلية، ولها باب من جدار الجامع يخرج منه الى المقصورة بجوار المحراب والمنبر .. ولم تزل هذه الدار باقية الى أن قدم المعز لدين الله من بلاد المغرب، فكان يستخرج فيها أموال الخراج .. » ثم ذكر هذا الخبر الوارد هنا نقلا عن ابن زولاق.\r(¬٢) هى السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب، ولى أبوها امرة المدينة لأبى جعفر المنصور مدة، ثم قبض عليه وحبسه الى أن أطلقه المهدى ورد عليه جميع ما كان أخذه المنصور منه، ورحلت السيدة نفيسة مع زوجها اسحاق بن جعفر الصادق من المدينة الى مصر، فأقامت بها الى أن ماتت فى شهر رمضان سنة ٢٠٨، وقبرها معروف بالقاهرة يزار حتى اليوم. انظر: (النجوم الزاهرة، ج ٢، ص ١٨٥ - ١٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276482,"book_id":167,"shamela_page_id":190,"part":"1","page_num":146,"sequence_num":190,"body":"اليوم، وثارت إليهم جماعة، فخرج إليهم أبو محمد الحسن بن عمّار، ومنع الفريقين، ولولا ذلك لعظمت الفتنة، لأن الناس كانوا غلقوا الدكاكين وعطلوا الأسواق، وقويت أنفس الشيعة بكون المعز بمصر.\rوكانت مصر لا تخلو من الفتن فى يوم عاشوراء عند قبر كلثم وقبر نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب فى الأيام الإخشيدية والكافورية، وكان سودان كافور يتعصبون على الشيعة، ويتعلق السودان فى الطرق بالناس ويقولون للرجل: «من خالك؟» فإن قال: «معاوية» أكرموه، وإن سكت لقى المكروه، وأخذت ثيابه وما معه، حتى كان كافور يوكل بأبواب الصحراء، ويمنع الناس من الخروج.\rولما جلس يعقوب بن كلّس وعسلوج بن الحسن الونهاجى لعقد الضياع توفرت الأموال، وزيد فى الضياع، وتكاشف الناس.\rوفى صفر طيف بنحو مائتى رأس قدم بها من المغرب.\rومات ابن عم للمعز، فصلى عليه المعز، وكبّر سبعا، وكبّر على غيره خمسا، وهذا مذهب على بن أبى طالب: أنه يكبر على الميت على قدر منزلته.\rومات إسحاق بن موسى طبيب المعز، فجعل موضعه أخاه إسماعيل بن موسى.\rوامتنع يعقوب وعسلوج أن يأخذ فى الاستخراج إلا دينارا معزيا، فاتضع الدينار الراضى وانحط، ونقص من صرفه أكثر من ربع دينار، فخسر الناس من أموالهم، وكان صرف المعزى خمسة عشر درهما ونصف.\rواشتد الاستخراج، وأكّد المعز فيه ليرد ما أنفقه من أمواله على مصر، لأنه قدم مصر يظن أن الأموال مجتمعة، فوجدها قد فرقتها مؤن مصر وكثرة عساكرها، وكان الذى أنفقه المعز على مصر ما لا يضبط أو يعرفه إلا هو أو خزانه.\rوحدثنى بعض كتاب بيت (¬١) ماله قال:","footnotes":"(¬١) هذا اللفظ غير موجود فى (ج).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276483,"book_id":167,"shamela_page_id":191,"part":"1","page_num":147,"sequence_num":191,"body":"«حملنا إلى مصر أكياسا فارغة - أنفق ما كان فيها - فى أربعة أعدال على جملين».\rوكدّ يعقوب وعسلوج أنفسهما فى الاستخراج، فاستخرج فى يوم نيف وخمسون ألف دينار معزية، وكان استخراجا بغير براءة ولا خرج ولا حوالة؛ واستخرج فى يوم مائة وعشرون ألف دينار معزية، وفى يوم آخر من مال تنّيس ودمياط والأشمونين أكثر من مائتى ألف وعشرين ألف دينار، وهذا لم يسمع بمثله قط فى بلد، إلا أن فى أيام العزيز استخرج خير بن القاسم، وعلى بن عمر العدّاس، وعبد الله بن خلف المرصدى فى ثلاثة أيام مائتى ألف دينار وعشرين ألف دينار عزيزية، منها فى أول يوم أربعة وسبعين ألف دينار والباقى [فى] يومين، وذلك فى سنة أربع وسبعين وثلاثمائة.\rوفى شهر ربيع الآخر كثر الإرجاف بالقرامطة وانتشارهم فى أعمال الشام، وكان معهم عبد الله بن عبيد الله أخو أبى جعفر مسلم، فكتب إليه المعز بعد ما شكاه إلى أخيه مسلم.\rوفيه دخل الناس إلى قصر المعز وفيهم: الأشراف، والعمال، والقواد، وسائر الأولياء من كتامة وغيرهم، فقال إنسان لبعض الأشراف: «اجلس يا شريف»، فقال بعض الكتاميين:\r«وفى الدنيا شريف غير مولانا؟! لو ادعى هذا غيره قتلناه».\rخرج الإذن للناس، وبلغ المعز هذا، فلما جلس على سريره وأذن للناس بالجلوس قال:\r«يا معشر الأهل وبنى العم من ولد فاطمة: أنتم الأهل، وأنتم العدة، وما نرضى بما بلغنا من القول، وقد أخطأ من تكلم بما قيل لنا، لكم بحمد الله الشرف العالى، والرحم القريبة، ولئن عاود أحد لمثل ما بلغنا لننكلن به نكالا مشهورا».\rفقبّلت الجماعة الأرض، ودعوا وشكروا، وكان المتكلم حاضرا فانقمع وندم.\rوحدّث المعز أنه رأى فى منامه رسول الله ﷺ كان جالسا وبين يديه سيوف منها ذو الفقار، فأخذ على بن أبى طالب ذا الفقار فضرب به عنق القرمطى الأعسم، وضرب حمزة عنق أخى الأعسم، وضرب جعفر عنق آخر؛ وانكبّ المعز يقبّل رجل النبى ﷺ، فنسخ الناس هذه الرؤيا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276484,"book_id":167,"shamela_page_id":192,"part":"1","page_num":148,"sequence_num":192,"body":"وحمل مال الأحباس من المودع (¬١) إلى بيت المال الذى لوجوه البرّ، وطولب أصحاب الأحباس بالشرائط ليحملوا عليها.\rولما وقف المعز على حبس عمرو بن العاص، وأن محمد بن أبى بكر كان قبضه وضرب عليه صافية لأمير المؤمنين على بن أبى طالب - أهل الحق -، وأن عمرو بن العاص إنما حبسه لما عاد إلى مصر فى أيام معاوية، أخرج ذلك - من كتاب أبى عمر الكندى (¬٢) - القاضى النعمان بن محمد، فحمله إلى المعز فقال: «هذا مال لنا، فليحمل إلينا مفردا من مال الأحباس»، ففعل ذلك.\rوفى ربيع الآخر ثارت المغاربة فى صحراء المقابر، ونهبوا الناس، فأنكر المعز ذلك، وقبض على جماعة.\rوفيه اعتلّ المعز واحتجب، فاضطربت الرعية، ولم يره أحد.\rوفى جمادى الأولى أرجف بالقرامطة، وقوى الاستخراج، ومنع الناس من الحضور فى الديوان لئلا يقفوا على مبلغه؛ وجلس المعز للناس، فسرّوا بسلامته.\rوحمل أبو جعفر مسلم إلى المعز المصحف الكبير الذى كان يذكر أنه كان ليحيى بن خالد ابن برمك، وكان شراؤه أربعمائة دينار على مسلم، فلما رآه المعز قال:\r«أراك معجبا به، وهو يستحق الإعجاب، ولكن نفاخرك نحن أيضا».","footnotes":"(¬١) المودع: صندوق كان يعد لحفظ مال مخصص لجهة معينة أو لغرض معين، ويعهد بحفظه الى القاضى، وأول ما استعمل فى مصر الاسلامية لحفظ أموال اليتامى، وأول من استحدثه القاضى عبد الرحمن بن عبد الله العمرى (١٨٥ - ١٩٤)، وكان هذا المودع يسمى ايضا «تابوت القضاة». انظر (الكندى: القضاة، ص ٤٠٥) حيث يذكر أن العمرى: «أول من عمل تابوت القضاة الذى كان فى بيت المال .. أنفق عليه أربعة دنانير، كانت تجمع فيه أموال اليتامى ومال من لا وارث له، وكان مودع القضاة بمصر» وذكر المقريزى (الخطط، ج ٣، ص ١٤٩) أن «مودع الحكم الذى فيه أموال اليتامى والغياب» كان فى عهده فى فندق مسرور. انظر أيضا: (المقريزى: السلوك، ج ١، ص ٨٦٤) و (Dozy:Sup.Dict.Arab)\r(¬٢) هو المؤرخ المصرى المعروف، ولعله يقصد هنا كتابه «الولاة والقضاة».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276485,"book_id":167,"shamela_page_id":193,"part":"1","page_num":149,"sequence_num":193,"body":"فدعا بمصحف نصفين ما رؤى أحسن منهما خطا وإذهابا وتجليدا، فقال:\r«هذا خط المنصور، وإذهابه وتجليده بيده».\rفقال له مسلم:\r«فثمّ مصحف بخط مولانا المعز لدين الله ﵇؟».\rفقال: «نعم».\rوأخرج له نصفين.\rفقال: «ما رأيت أصبح من هذا الخط».\rفقال المعز: «بعد مشاهدتك لخط المنصور تقول: ما رأيت أصبح من هذا الخط، ولكنه أصبح من خطك».\rثم ضحك وقال: «أردت مداعبتك».\rوكان أبو جعفر مسلم إذا ذكر المعز يقول:\r«وددت أن أبى وجدي شاهداه ليفتخرا به، فما أقدر أن أقرن به أحدا من خلفاء بنى أمية ولا بنى العباس».\rوتوفى محمد بن الحسن بن أبى الحسين - أحد خواص المعز -، فخرج المعز وهو فى بقايا علته، وتقدّم إلى القاضى النعمان بن محمد بغسله وبكفنه، وصلى عليه المغرب، وفتح تابوته وأضجعه.\rوبعد تسعة عشر يوما توفى القاضى النعمان بن محمد أول رجب، فخرج المعز يبين الحزن عليه، وصلى عليه، وأضجعه فى التابوت، ودفن فى داره بالقاهرة.\rوفى شعبان دخل أبو جعفر مسلم علي المعز، فلما توسّط صحن الإيوان قال له أخوه عيسى:\r«إن الأمير عبد الله فى المجلس فسلّم عليه».\rوكان فى المجلس جماعة، فدخل أبو جعفر على المعز وقبّل الأرض، وقام قائما، وقال:\r«يا أمير المؤمنين: حدثنى أبى عن أبيه عن جده عن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد قال: «دخلت أنا وأخى عبد الله على يعقوب بن صالح بن المنصور - وهو يومئذ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276486,"book_id":167,"shamela_page_id":194,"part":"1","page_num":150,"sequence_num":194,"body":"أمير المدينة - فقال: من أين أقبل الشيخان؟ فقالا: من عند رسول الله ﷺ، سلمنا عليه وأتيناك، فقال: سلمتما على صاحبيه؟ فقلنا: لا، فقال سبحان الله، كيف لم تسلما على صاحبيه؛ فقال له أخى عبد الله: سألتك بالله أيها الأمير أيهما أقرب؟ ابنك هذا منك أو صاحبى رسول الله من رسول الله؟ فقال: ابنى هذا، فقال: ما سلمنا على ابنك فى مجلسك إجلالا لك، فنسلم على صاحبى رسول الله بحضرة رسول الله؟ فقال: والله ما قصرتما»، ثم قال مسلم: «تأذن يا أمير المؤمنين فى السلام على الأمير عبد الله؟» فأذن له، قال عيسى: «وكان المعزّ لمسلم مكرما».\rوفيه كثر الإرجاف بالقرامطة ودخول مقدمتهم أرياف مصر وأطراف المحلة، [وأنهم] ونهبوا واستخرجوا الخراج ثم رجعوا إلى أعمال الشام.\rوأمر المعزّ المغاربة بالخروج من مصر والسكنى بالقاهرة ففعلوا.\rوردّ المعز الشرطة العليا إلى خير بن القاسم فاستقصى على المغاربة فى الخروج إلى القاهرة.\rوعاودت المعز العلة فاحتجب أياما لا يراه أحد، ثم جلس للناس فهنوه، وعرضوا أنفسهم للقتال، فشكرهم على ذلك.\rووصلت سريّة القرامطة إلى أطراف الحوف، وأنفذ القرمطىّ عبد الله بن عبيد الله - أخا مسلم - إلى الصعيد، فنزل فى نواحى أسيوط وإخميم، وحارب العمال، واستخرج الأموال، فثقل ذلك على المعز، وعاتب أبا جعفر مسلم، فاعتذر إليه، وتبرّأ من أفعاله، ونزل الأعسم القرمطى بعسكره بلبيس، وتأهّب المعزّ لمنعه وردّه.\rوقد أحببت أن أورد هنا جملة من أخبار القرامطة لتكرر دخولهم إلى مصر:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276487,"book_id":167,"shamela_page_id":195,"part":"1","page_num":151,"sequence_num":195,"body":"ذكر طرف من أخبار القرامطة\rوذلك أن الحسين الأهوازى لما خرج داعية إلى العراق لقى حمدان بن الأشعث قرمط بسواد الكوفة، ومعه ثور ينقل عليه، فتماشيا ساعة، فقال حمدان للحسين:\r«إنى أراك جئت من سفر بعيد، وأنت معيى فاركب ثورى هذا».\rفقال الحسين: «لم أومر بذلك».\rفقال له حمدان: «كأنك تعمل بأمر أمر لك؟».\rقال: «نعم».\rقال: «ومن يأمرك وينهاك؟».\rقال: «مالكى ومالكك، ومن له الدنيا والآخرة».\rفبهت حمدان قرمط يفكر، ثم قال له:\r«يا هذا: ما يملك ما ذكرته إلا الله».\rقال: «صدقت، والله يهب ملكه لمن يشاء».\rقال حمدان: «فما تريد فى القرية التى سألتنى عنها؟».\rوكان الحسين لما رأى قرمط فى الطريق سأله:\r«وكيف الطريق إلى قسّ بهرام (¬١)».\rفعرّفه قرمط أنه سائر إليه، فسأله عن قرية تعرف «بباتنورا (¬١)» فى السواد، فذكر أنها","footnotes":"(¬١) لم اعثر فى المراجع الجغرافية التى بين يدى على تعريف لهذه المواقع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276488,"book_id":167,"shamela_page_id":196,"part":"1","page_num":152,"sequence_num":196,"body":"قريبة من قريته، (¬١) وكان قرمط من قرية تعرف (¬١) «بالدور (¬٢)» على نهر «هد (¬٢)» من رستاق (¬٣) «مهروسا» من طسّوج (¬٤) «فرات بادفلى (¬٢)».\rوإنما قيل له قرمط لأنه كان قصيرا ورجلاه قصيرتين، وخطوه متقاربا، فسمى لذلك قرمطا.\rفلما قال للحسين: «ما تريد فى القرية التى سألتنى عنها؟» قال له: «رفع إلى جراب فيه علم وسرّ من أسرار الله، وأمرت أن أشفى هذه القرية، وأغنى أهلها وأستنقذهم، وأملكهم أملاك أصحابهم».\rوابتدأ يدعوه، فقال له حمدان قرمط:\r«يا هذا: نشدتك الله، إلا رفعت إلىّ من هذا العلم الذى معك، وأنقذتنى ينقذك الله؟».\rقال له: «لا يجوز ذلك أو آخذ عليك عهدا وميثاقا أخذه الله على النبيين والمرسلين، وألقى إليك ما ينفعك».\rفما زال يضرع إليه حتى جلسا فى بعض الطريق، وأخذ عليه العهد، ثم قال له:\r«ما اسمك؟».\rقال له قرمط: «قم معى إلى منزلى حتى تجلس فيه، فإن لى إخوانا أصير بهم إليك لتأخذ عليهم العهد للمهدى».\rفصار معه إلى منزله، وأخذ على الناس العهد، وأقام بمنزل حمدان قرمط، فأعجبه أمره، وعظّمه؛ وكان الحسين على غاية ما يكون من الخشوع صائما نهاره، قائما ليله، فكان المغبوط من أخذه إلى منزله ليلة؛ وكان يخيط لهم الثياب ويكتسب بذلك، فكانوا يتبركون به وبخياطته.","footnotes":"(¬١) هذه الجملة ساقطة من الأصل، وقد زيدت عن «ج».\r(¬٢) لم أعثر فى المراجع الجغرافية التى بين يدى على تعريف لهذه المواقع.\r(¬٣) الرستاق - والرسداق -، والجمع: رساتيق، عرفها (الجواليقى: المعرب، ص ١٥٨) بأنها أرض السواد والقرى، واللفظ معرب عن الفارسية. انظر أيضا: (شفاء الغليل، ص ١٠٧)\r(¬٤) جاء فى (اللسان) أن الطسوج معرب، وهو الناحية، ثم قال: والطسوج واحد من من طساسيج السواد، والطسوج أيضا وزن من الاوزان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276489,"book_id":167,"shamela_page_id":197,"part":"1","page_num":153,"sequence_num":197,"body":"وأدرك الثمر، فاحتاج أبو عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدوى - وكان أحد وجوه الكوفة ومن أهل العلم والفضل - إلى عمل ثمره، فوصف له الحسين الأهوازى، فنصّبه لحفظ ثمره، والقيام فى حظيرته، فأحسن حفظها، واحتاط فى أداء الأمانة، وظهر منه من التشدد فى ذلك ما خرج به عن أحوال الناس فى تساهلهم فى كثير من الأمور، وذلك فى سنة أربع وستين ومائتين.\rواستحكمت ثقة الناس به، وثقته هو بحمدان قرمط، وسكونه إليه، فأظهر له أمره، وكان مما دعا إليه أنه جاء بكتاب فيه:\r«بسم الله الرحمن الرحيم: يقول الفرج بن عثمان إنه داعية المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدى، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، وهو جبريل؛ وأن المسيح تصوّر فى جسم إنسان، وقال إنك الداعية، وإنك الحجة، وإنك الناقة، وإنك الدابة، وإنك يحيى بن زكريا، وإنك روح القدس؛ وعرّفه أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها؛ وأن الأذان فى كل صلاة أن يقول المؤذن:\rالله أكبر ثلاث مرات.\rأشهد أن لا إله إلا الله مرتين.\rأشهد أن آدم رسول الله.\rأشهد أن نوحا رسول الله.\rأشهد أن إبراهيم رسول الله.\r[أشهد أن موسى رسول الله (¬١)].\rأشهد أن عيسى رسول الله.\rأشهد أن محمدا رسول الله.\rأشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية [رسول الله] (¬٢).","footnotes":"(¬١) أضيف ما بين الحاصرتين عن: (ابن الأثير: الكامل، ج ٧، ص ١٧٩)\r(¬٢) مكان هذين اللفظين بياض فى الأصل، وقد ذكرا فى نسخة (ج).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276490,"book_id":167,"shamela_page_id":198,"part":"1","page_num":154,"sequence_num":198,"body":"والقراءة فى الصلاة:\r«الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المنجد لأوليائه بأوليائه، «قل إن الأهلة مواقيت للناس ظاهرها ليعلموا عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها لأوليائى الذين عرّفوا عبادى وسيلتى، فاتقونى يا أولى الألباب، وأنا الذى لا أسأل عما أفعل وأنا العليم الحكيم، وأنا الذى أبلو عبادى وأمتحن خلقى، فمن صبر على بلائى ومحنتى واختبارى أدخلته فى جنتى، وأخلدته فى نعيمى؛ ومن زال عن أمرى، وكذّب رسلى أخلدته مهانا فى عذابى، وأتممت أجلى، وأظهرت أمرى على ألسنة رسلى، وأنا الذى لم يعل جبار إلا وضعته، ولا عزيز إلا أذللته، وليس الذى أصرّ على أمره، وداوم على جهالته، وقال إن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين، أولئك هم الكافرون».\rثم يركع (¬١).\rومن شرائعه:\rصيام يومين فى السنة هما: المهرجان (¬٢)، والنوروز (¬٣).\rوأن الخمر حلال.\rولا غسل من جنابة، ولكن الوضوء كوضوء الصلاة.","footnotes":"(¬١) فى (ابن الاثير: الكامل، ج ٧، ص ١٧٩) بعد هذا اللفظ جملة تكميلية هذا نصها: «ويقول فى ركوعه: سبحان ربى رب العزة وتعالى عما يصف الظالمون، بقولها مرتين، فاذا سجد قال: «الله أعلى، الله أعلى، الله أعظم. الله اعظم».\r(¬٢) كان المهرجان من أعياد الفرس القديمة، وقد عرفه (الخفاجى: شفاء الغليل، ص ٢٠٦) فقال: «هو أول نزول الشمس فى برج الميزان، وقع فى شعر السرى والبحترى، ولم يرد فى الكلام القديم».\r(¬٣) النوروز - ويقال النيروز - لفظ فارسى معرب، ومعناه اليوم الجديد؛ وكان الفرس يتخذونه عيدا أيضا، وكان يوافق عندهم يوم الاعتدال الربيعى - ٢١ مارس - وذكر المقريزى فى (الخطط، ج ٢، ص ٣٨٩ - ٣٩١) أن القبط كانوا يحتفلون به، وانما كان يوافق عندهم أول توت، أى أول السنة القبطية، كما ذكر أن الفاطميين كانوا يحتفلون به عيدا من أعيادهم، وأن أول من فعل ذلك المعز فى سنة ٣٦٣، أى بعد مجيئه الى مصر بسنة واحدة، ثم دأبوا على الاحتفال به الى آخر الدولة وانظر مراسم الاحتفال به فى نفس المرجع، ولتفسير اللفظ انظر أيضا المعرب للجواليقى).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276491,"book_id":167,"shamela_page_id":199,"part":"1","page_num":155,"sequence_num":199,"body":"وأن لا يؤكل ما له ناب ولا مخلب.\rولا يشرب النبيذ.\rوأن القبلة إلى بيت المقدس، والحجّ إليه.\rوأن الجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شغل.\rولما حضرته الوفاة جعل مكانه حمدان بن الأشعث قرمط، وأخذ على أكثر أهل السواد، وكان ذكيا داهية.\rفكان ممن أجابه: مهرويه بن زكرويه السّلمانى، وجلندى الرّازى، وعكرمة البابلى، وإسحاق السورانى (¬١)، وعطيف النيلى، وغيرهم، وبثّ دعاته فى السواد يأخذون على الناس.\rوكان أكبر دعاته عبدان، وكان فطنا خبيثا، خارجا عن طبقة نظرائه من أهل السواد، ذا فهم وحذق، وكان يعمل عند نفسه على نصب له من غير أن يتجاوز به إلى غيره، ولا يظهر غير التشيع والعلم، ويدعو إلى الإمام من آل رسول الله ﷺ محمد ابن إسماعيل بن جعفر.\rفكان أحد من تبع عبدان زكرويه بن مهرويه، وكان شابّا ذكيّا فطنا من قرية بسواد الكوفة على نهر هد، فنصّبه عبدان على إقليم نهر هد وما والاه، ومن قبله جماعة دعاة (¬٢) متفرقون (¬٣) فى عمله.\rوكان [٢٤ ب؟؟؟] داعية عبدان على فرات بادفلى: الحسن (¬٤) بن أيمن؛ وداعيته على طسّوج تستر: المعروف بالبورانى - وإليه نسب البورانية -؛ وداعيته على جهة أخرى: المعروف بوليد؛ وفى أخرى: أبو الفوارس. وهؤلاء رؤساء دعاة عبدان، ولهم دعاة تحت أيديهم؛ فكان كلّ داع يدور فى عمله ويتعاهده فى كلّ شهر مرة، وكل ذلك بسواد الكوفة.","footnotes":"(¬١) ج: السودانى\r(¬٢) الأصل: «دعاة جماعة» وماهنا صيغة (ج).\r(¬٣) فى النسختين: «متفرقين».\r(¬٤) الأصل: «بادفلى بن يمن» والتصحيح عن (ج).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276492,"book_id":167,"shamela_page_id":200,"part":"1","page_num":156,"sequence_num":200,"body":"ودخل فى دعوته من العرب طائفة، فنصب فيهم دعاة، فلم يتخلف عنه رفاعى ولا ضبعى، ولم يبق من البطون المتصلة بسواد الكوفة بطن إلا دخل فى الدعوة منه ناس كثير أو قليل:\rمن بنى عابس، وذهل، وعنزة، وتيم الله، وبنى ثعل، وغيرهم من بنى شيبان؛ فقوى قرمط، وزاد طمعه، فأخذ فى جمع الأموال من قومه:\rفابتدأ يفرض عليهم أن يؤدوا درهما عن كل واحد، وسمى ذلك: «الفطرة»، على كل أحد من الرجال والنساء، فسارعوا إلى ذلك.\rفتركهم مديدة، ثم فرض «الهجرة»، وهو دينار على كلّ رأس أدرك، وتلا قوله تعالى:\r«خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها، وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ، إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ، وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (¬١).\rوقال: «هذا تأويل هذا».\rفدفعوا ذلك إليه، وتعاونوا عليه، فمن كان فقيرا أسعفوه.\rفتركهم مديدة، ثم فرض عليهم «البلغة» وهى سبعة دنانير، وزعم أن ذلك هو البرهان الذى أراد الله بقوله:\r«قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (¬٢).\rوزعم أن ذلك بلاغ من يريد الإيمان، والدخول فى السابقين المذكورين فى قوله تعالى:\r«وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» (¬٣).\rوصنع طعاما طيبا حلوا لذيذا، وجعله على قدر البنادق، يطعم كل من أدّى إليه سبعة دنانير منها واحدة، وزعم أنه طعام أهل الجنة نزل إلى الإمام، فكان ينفذ إلى كلّ داع منها مائة بلغة، ويطالبه بسبعمائة دينار، لكل واحدة منها سبعة دنانير.","footnotes":"(¬١) الآية رقم ١١٣ م، السورة ٩ (التوبة)\r(¬٢) الآية ١١١ م، السورة ٢ (البقرة)\r(¬٣) الآية ١٠ ك، السورة ٥٦ (الواقعة)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276493,"book_id":167,"shamela_page_id":201,"part":"1","page_num":157,"sequence_num":201,"body":"فلما توطّأ له الأمر فرض عليهم أخماس ما يملكون وما يتكسبون، وتلا عليهم: «واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه (¬١) - الآية» -، فقوّموا جميع ما يملكونه من ثوب وغيره وأدّوا ذلك إليه، فكانت المرأة تخرج خمس ما تغزل، والرجل يخرج خمس ما يكسبه.\rفلما تمّ ذلك فرض عليهم الألفة، وهو أن يجمعوا أموالهم فى موضع واحد، وأن يكونوا فيه أسوة واحدة لا يفضل أحد منهم صاحبه وأخاه فى ملك يملكه، وتلا عليهم: «وَ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً﴾ (¬٢)» - الآية -، وقوله تعالى: «لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (¬٣)».\rوعرّفهم أنه لا حاجة بهم إلى أموال تكون معهم، لأن الأرض بأسرها ستكون لهم دون غيرهم، وقال: «هذه محنتكم التى امتحنتم بها ليعلم كيف تعملون».\rوطالبهم بشراء السلاح وإعداده.\rوذلك كله فى سنة ست وسبعين ومائتين.\rوأقام الدعاة فى كل قرية: رجلا مختارا من ثقاتها يجمع عنده أموال أهل قريته من بقر وغنم وحلى ومتاع وغيره، وكان يكسو عاريهم، وينفق على سائرهم ما يكفيهم، ولا يدع فقيرا بينهم ولا محتاجا ولا ضعيفا؛ وأخذ كل رجل منهم بالانكماش فى صناعته والكسب بجهده (¬٤)، ليكون له الفضل فى رتبته؛ وجمعت المرأة كسبها من مغزلها، والصبى أجرة نظارته للطير، وأتوه به، فلم يتملك أحد منهم إلا سيفه وسلاحه.\rفلما استقام له ذلك أمر الدعاة أن يجمعوا النساء ليلة معروفة، ويختلطن بالرجال، ويتراكبن ولا يتنافرن، فإن ذلك من صحة الود والألفة بينهم.","footnotes":"(¬١) الآية ٤١ م، السورة ٨ (الأنفال)\r(¬٢) الآية ١٠٣ م، السورة ٣ (آل عمران)\r(¬٣) الآية ٦٣ م، السورة ٨ (الأنفال)\r(¬٤) (ج) «والمكسب جهده».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276494,"book_id":167,"shamela_page_id":202,"part":"1","page_num":158,"sequence_num":202,"body":"فلما تمكن من أمورهم، ووثق بطاعتهم، وتبيّن مقدار عقولهم، أخذ فى تدريجهم، وأتاهم بحجج من مذهب الثنوية، فسلكوا معه فى ذلك حتى يقضى ما كان يأمرهم به فى مبدأ أمرهم من الخشوع والورع والتقوى، وظهر منهم بعد تدين كثير إباحة الأموال والفروج، والغناء عن الصوم والصلاة والفرائض، وأخبرهم أن ذلك كله موضوع عنهم - وأن أموال المخالفين ودماءهم حلال لهم، وأن معرفة صاحب الحق تغنى [عن] كل شيء، ولا يخاف معه إثم ولا عذاب - يعنى إمامه الذى يدعو إليه، وهو محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق - وأنه الإمام المهدى الذى يظهر فى آخر الزمان ويقيم الحق، وأن البيعة له، وأن الداعى إنما يأخذها على الناس له، وأن ما يجمع من الأموال مخزون له إلى أن يظهر، وأنه حى لم يمت، وأنه يظهر فى آخر الزمان، وأنه مهدى الأمة.\rفلما أظهر هذه الأمور كلها بعد تعلقه بذكر الأئمة والرسل والحجّة والإمام، وأنه المعول والمقصد والمراد، وبه اتسقت هذه الأمور، ولولا هذه لهلك الخلق وعدم الهدى والعلم، ظهر فى كثير منهم الفجور، وبسط بعضهم أيديهم بسفك الدماء، وقتلوا جماعة ممن خالفهم، فخافهم الناس واستوحشوا من ظهور؛ السلاح بينهم، فأظهر موافقتهم كثير من مجاوريهم - جزعا منهم -.\rثم إن الدعاة اجتمعوا واتفقوا على أن يجعلوا لهم موضعا يكون وطنا ودار هجرة يهاجرون إليها، ويجتمعون بها، فاختاروا من سواد الكوفة - فى طسّوج الفرات من ضياع السلطان المعروفة بالقاسميات - قرية تعرف «بمهتماباد (¬١)»، فحاذوا (¬٢) إليها صخرا عظيما، ثم بنوا (¬٣) حولها سورا منيعا عرضه ثمانى أذرع، ومن ورائه خندق عظيم، وفرغوا من ذلك فى أسرع وقت، وبنوا فيها البناء العظيم، وانتقل إليها الرجال والنساء من كل مكان، وسميت «دار الهجرة»، وذلك فى سنة سبع وتسعين ومائتين؛ فلم يبق حينئذ أحد إلا خافهم، ولا بقى أحد يخافونه لقوتهم وتمكنهم فى البلاد.","footnotes":"(¬١) (ج): «بمهتماباز»، وما فى الاصل هو الصواب.\r(¬٢) الأصل: «فجاروا»، وماهنا صيغة (ج).\r(¬٣) (ج): «وبنوا».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276495,"book_id":167,"shamela_page_id":203,"part":"1","page_num":159,"sequence_num":203,"body":"وكان الذى أعانهم على ذلك تشاغل الخليفة بفتنة الخوارج، وصاحب الزّنج بالبصرة، وقصريد السلطان، وخراب العراق، وتركه لتدبيره، وركوب الأعراب واللصوص بعد السبعين ومائتين بالقفر، وتلاف الرجال، وفساد البلدان، فتمكّن هؤلاء، وبسطوا أيديهم فى البلاد، وعلت كلمتهم.\rوكان منهم مهرويه أحد الدعاة فى مبدأ أمره ينطر (¬١) النخل ويأخذ أجرته تمرا فيفرغ منه النوا ويتصدق به، ويبيع النوا ويتقوت به، فعظم فى أعين الناس قدره، وصارت له مرتبة فى الثقة والدين، فصار إلى صاحب الزّنج لما ظهر على السلطان وقال له.\r«ورائى مائة ألف ضارب سيف أعينك بهم».\rفلم يلتفت إلى قوله، ولم يجد فيه مطمعا، فرجع وعظم بعد ذلك فى السواد، وانقاد إليه خلق كثير، فادعى أنه من ولد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر، فقيل له:\r«لم يكن لمحمد بن إسماعيل ابن يقال له عبد الله».\rفكفّ عن هذه الدعوى، وصار بعد ذلك فى قبة على جمل، ودعا بالسيد، وظهر بسواد الكوفة؛ وسيأتى ذكر ابنه زكرويه، وابن ابنه الحسين بن زكرويه إن شاء الله.\rوكان رجل من أهل قرية جنّابة (¬٢) يعمل الفراء، يقال له أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنّابى (¬٣)، أصله من الفرس، سافر إلى سواد الكوفة، وتزوج من قوم يقال لهم: «بنو","footnotes":"(¬١) ينطر بمعنى ينظر أو يحرس، ومنها الناطور - أو الناظور - وهو ما يقام من أشباه الناس وسط الزرع لحراسته من الطير. انظر: (المعرب للجواليقى، ص ٣٣٤ - ٣٣٥)\r(¬٢) فى الاصل: «جنابا» دون ضبط، وما هنا عن (ياقوت: معجم البلدان) حيث عرفها بقوله أنها بلدة صغيرة من سواحل فارس، ثم ذكر أنه رآها غير مرة، وانها ليست على ساحل البحر الأعظم، انما يدخل عليها فى المراكب فى خليج من البحر الملح يكون بين المدينة والبحر نحو ثلاثة أميال أو أقل، وقبالتها فى وسط البحر جزيرة خارك، وفى شمالها من جهة البصرة مهروبان .. الخ».\r(¬٣) يوجد بالهامش فى النسختين تعريف بهذا الرجل، نصه:\r«اختلف فى أبى سعيد الجنابى، فقال قوم: اسمه الحسن بن على بن محمد بن عيسى ابن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، وأنه صاحب الزنج القائم بالبصرة بعد سنة خمسين ومائتين، وأن على بن محمد كان مقيما بهجر، ويعرف أنه شريف ويكرم ويعطى، ثم أنه خرج وجمع، فقاتله العريان بن ابراهيم بأرض البحرين، فانصرف الى القطيف، وبنى بأم أبى سعيد على سبيل الاستحلال، وخرج من القطيف الى الاحساء، وظهر الحمل بأم أبى سعيد، فلما ولدته سمته الحسن، وكنته بأبى سعيد، وكتمته سنة خوفا عليه، وتزوجت برجل من أهل جنابة، فنسب أبو سعيد اليه، ونشأ على أنه رجل من أهل جنابة، ينتسب الى من هو ربيب له، وقيل ما ذكر فى الأصل».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276496,"book_id":167,"shamela_page_id":204,"part":"1","page_num":160,"sequence_num":204,"body":"القصّار» كانوا من أصول هذه الدعوة، فأخذ عن عبدان، وقيل بل أخذ عن حمدان قرمط، وسار داعية، فنزل القطيف - وهى حينئذ مدينة عظيمة - فجلس بها يبيع الرقيق، فلزم الوفاء والصدق، وكان أول من أجابه الحسين بن سنبر، وعلى بن سنبر، وحمدان بن سنبر، فى قوم ضعفاء، ما بين قصّاب وحمّال وأمثال ذلك، فبلغه أن بناحيته داعيا يقال له أبو زكريا، أنفذه عبدان قبل أبى سعيد وكان قد أخذ على بنى سنبر من قبل، فعظم أمره على أبى سعيد (¬١) وقبض عليه (¬١) وقتله، فحقد عليه بنو سنبر قتله.\rواتفق أن البلد كان واسعا، ولأهله عادة بالحروب، وهم رجال شداد جهّال، فظفر أبو سعيد باشتهار دعوته فى تلك الديار، فقاتل بمن أطاعه من عصاه، حتى اشتدّت شوكته.\rوكان لا يظفر بقرية إلا قتل أهلها ونهبها، فهابه الناس، وأجابه كثير منهم، وفرّ منه خلق كثير إلى بلدان شتى خوفا من شرّه، ولم يمتنع عليه إلا هجر (¬٢) - وهى مدينة البحرين (¬٣) ومنزل سلطانها، وبها التجار والوجوه - فنازلها شهورا يقاتل أهلها، ثم وكل بها رجلا.\rوارتفع فنزل الأحساء (¬٤) - وبينها وبين هجر ميلان - فابتنى بها دارا، وجعلها منزلا، وتقدم فى زراعة الأرض وعمارتها، وكان يركب إلى هجر، ويحارب أهلها، ويعقب قومه على حصارها.\rودعا العرب فأجابه بنو الأضبط من كلاب، وساروا إليه بحرمهم وأموالهم، فأنزلهم (¬٥) الأحساء، وأطمعوه فى بنى كلاب، وسائر من يقرب منه من العرب فضم إليهم رجالا، وساروا فأكثروا من القتل، وأقبلوا بالحريم والأموال والأمتعة إلى الأحساء، فدخل الناس فى طاعته، فوجّه جيشا إلى بنى عقيل فظفر بهم، ودخلوا فى طاعته.","footnotes":"(¬١) هذان اللفظان ساقطان من (ج).\r(¬٢) لم يزد ياقوت فى تعريفه هجر عما جاء فى المتن هنا، فقد قال: «وهى قاعدة البحرين»، وانما ذكر أن هناك عدة مدن - غير هجر البحرين - تحمل نفس الاسم.\r(¬٣) قال ياقوت: «البحرين اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان».\r(¬٤) ذكر فى هامش ج أمام هذا اللفظ: «الأحساء مدينة على البحر الفارسى تقابل جزيرة أوال، والأحساء مدينة صغيرة بها أسواق»\r(¬٥) الأصل: «فأنزلوه والتصحيح عن (ج)».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276497,"book_id":167,"shamela_page_id":205,"part":"1","page_num":161,"sequence_num":205,"body":"فلما اجتمع إليه العرب منّاهم ملك الأرض كلها، وردّ إلى من أجابه من العرب ما كان أخذ منهم من أهل وولد، ولم يرد عبدا ولا أمة ولا إبلا ولا صبيا إلا أن يكون دون الأربع سنين.\rوجمع الصبيان فى دور وأقام عليهم قوما، وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه، ووسمهم لئلا يختلطون بغيرهم، ونصب لهم عرفاء، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل والطعان، فنشئوا لا يعرفون غير الحرب، وقد صارت دعوته طبعا لهم.\rوقبض كلّ مال فى البلد، والثمار، والحنطة، والشعير.\rوأقام رعاة للإبل والغنم، ومعهم قوم لحفظها، والتنقل معها على نوب معروفة.\rوأجرى على أصحابه جرايات فلم يكن يصل لأحد غير ما يطعمه.\rهذا وهو لا يغفل عن هجر، وطال حصاره لهم على نيف وعشرين شهرا حتى أكلوا الكلاب، فجمع أصحابه، وعمل دبابات، ومشى بها الرجال إلى السور، فاقتتلوا يومهم، وكثر بينهم القتلى، ثم انصرف عنهم إلى الأحساء، وباكرهم فناوشوه، فانصرف إلى قرب الأحساء، ثم عاد فى خيل، فدار حول هجر يفكر فيما يكيدهم به، فإذا لهجر عين عظيمة كثيرة الماء، تخرج من نشز من الأرض غير بعيد منها، فيجتمع ماؤها فى نهر يستقيم حتى يمر بجانب هجر، ثم ينزل إلى النخل فيسقيه، فكانوا لا يفقدون الماء فى حصارهم.\rفلما تبيّن له أمر العين انصرف إلى الأحساء، ثم غدا فأوقف على باب المدينة رجالا كثيرا، ورجع إلى الأحساء، وجمع الناس كلهم، وسار فى آخر الليل فورد العين بكرة بالمعاول والرمل وأوقار الثياب الخلقان ووبر وصوف، وأمر بجمع الحجارة ونقلها إلى العين، وأعدّ الرمل والحصى والتراب، ثم أمر بطرح الوبر والصوف وأوقار الثياب فى العين، وطرح فوقها الرمل والحصى والتراب والحجارة، فقذفته العين، ولم يعن (¬١) ما فعله شيئا، فانصرف إلى الأحساء بمن معه.","footnotes":"(¬١) (ج): «فلم يغير».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276498,"book_id":167,"shamela_page_id":206,"part":"1","page_num":162,"sequence_num":206,"body":"وغدا فى خيل فضرب البر حتى عرف أن منتهى العين بساحل البحر، وأنها تنخفض كلما نزلت، فردّ جميع من كان معه، وانحدر على النهر نحوا من ميلين، ثم أمر بحفر نهر هناك، وأقبل يركب هو وجمعه فى كل يوم والعمال يعملون حتى (¬١) حفره إلى السباخ، ومضى الماء كله فصبّ فى البحر ثم سار فنزل على هجر - وقد انقطع الماء عنهم - ففر بعضهم فركب البحر، ودخل بعضهم فى دعوته، وخرجوا إليه فنقلهم إلى الأحساء، وبقيت طائفة لم يفرّوا لعجزهم، ولم يدخلوا فى دعوته فقتلهم، وأخذ ما فى المدينة، وأخربها فبقيت خرابا، وصارت مدينة البحرين هى الأحساء.\rثم أنفذ سريّة إلى عمان فى ستمائة، وأردفهم بستمائة أخرى، فقاتلهم أهل عمان حتى تفانوا، وبقى من أهل عمان خمسة نفر، ومن القرامطة ستة نفر، فلحقوا بأبى سعيد، فأمر بهم فقتلوا، وقال:\r«هؤلاء خاسوا بعهدى ولم يواسوا أصحابهم الذين قتلوا».\rوتطيّر بهلاك السريّة، وكفّ عن أهل عمان.\rواتصل بالمعتضد بالله خبره، فخاف منه على البصرة، فأنفذ العباس بن عمرو الغنوى (¬٢) فى ألفى رجل، وولاّه البحرين، فخرج فى سنة تسع وثمانين ومائتين والتقى مع أبى سعيد، فانهزم أصحابه، وأسر العباس فى نحو من سبعمائة رجل من أصحابه، واحتووا على عسكره، وقتل من غده (¬٣) جميع الأسرى، ثم أحرقهم وترك العباس؛ ومضى المنهزمون فتاه أكثرهم فى البر، وتلف كثير منهم عطشا، وورد بعضهم إلى البصرة، فارتاع الناس وأخذوا فى الرحيل عن البصرة.\rثم لما كان بعد الوقعة بأيام أحضر أبو سعيد العباس بن عمرو وقال له.","footnotes":"(¬١) (ج): «فى حفره».\r(¬٢) الغنوى، هكذا ضبطها (ابن الأثير: اللباب فى تهذيب الأنساب)، وقال: «هذه النسبة الى غنى بن أعصر - وقيل يعصر - واسمه منبه بن سعد بن قيس عيلان، ينسب اليه كثير .. الخ»\r(¬٣) (ج): «من غد يومه».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276499,"book_id":167,"shamela_page_id":207,"part":"1","page_num":163,"sequence_num":207,"body":"«أتحب أن أطلقك»؟\rقال: «نعم».\rقال: «على أن تبلّغ عنى ما أقول صاحبك».\rقال: «أفعل».\rقال: «تقول له: الذى أنزل بجيشك ما أنزل بغيك، هذا بلد خارج عن يدك، غلبت عليه، وقمت به، وكان بى من الفضل ما آخذ به غيره، فما عرضت لما كان فى يدك، ولا هممت به، ولا أخفت لك سبيلا، ولا نلت أحدا من رعيتك بسوء؛ فتوجيهك إلىّ الجيوش لأى سبب؟ اعلم أنى لا أخرج عن هذا البلد، ولا توصل إليه وفى هذه العصابة التى معى روح، فاكفنى نفسك، ولا تتعرض لما ليس لك فيه فائدة، ولا تصل إلى مرادك [منه] (¬١) إلا ببلوغ القلوب الحناجر».\rوأطلقه، وبعث معه من يرده إلى مأمنه، فوصل إلى بغداد فى شهر رمضان، وقد كان الناس يعظمون أمره ويكثرون ذكره، ويسمونه «قائد الشهداء»، فلما وصل إلى المعتضد عاتبه على تركه التحرز فاعتذر، ولم يبرح حتى رضى عنه.\rوسأله عن خبره، فعرّفه جميعه، وبلّغه ما قال القرمطى، فقال:\r«صدق، ما أخذ شيئا كان فى أيدينا».\rوأطرق مفكرا، ثم رفع رأسه وقال:\r«كذب عدو الله الكافر، المسلمون رعيتى حيث كانوا من بلاد الله، والله لئن طال بى عمرى لأشخصن بنفسى إلى البصرة وجميع غلمانى، ولأوجهن إليه جيشا كتيفا، فإن هزمه وجهت جيشا، فإن هزمه خرجت فى جميع قوادى وجيشى إليه حتى يحكم الله بينى وبينه».\rفشغل المعتضد عن القرمطى بأمر وصيف غلام أبى الساج.\rثم توفى فى ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، وما يزال يذكر أبا سعيد الجنابى فى مرضه، ويتلهف ويقول:","footnotes":"(¬١) ما بين الحاصرتين عن (ج).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276500,"book_id":167,"shamela_page_id":208,"part":"1","page_num":164,"sequence_num":208,"body":"«حسرة فى نفسى كنت أحب أن أبلغها قبل موتى، والله لقد كنت وضعت عند نفسى أن أركب ثم أخرج نحو البحرين، ثم لا ألقى أحدا أطول من سيفى إلا ضربت عنقه، وإنى أخاف أن يكون من هناك حوادث عظيمة».\rوأقبل أبو سعيد - بعد إطلاق العباس - على جمع الخيل، وإعداد السلاح، ونسج الدروع والمغافر، واتخاذ الإبل، وإصلاح الرجال، وضرب السيوف والأسنة، واتخاذ الروايا والمزاد والقرب (¬١)، وتعليم الصبيان الفروسية، وطرد الأعراب من قريته، وسدّ الوجوه التى يتعرف منها أمر بلده وأحواله بالرجال، وإصلاح أراضى المزارع وأصول النخل، وإصلاح مثل هذه الأمور وتفقدها، ونصب الأمناء على ذلك، وأقام العرفاء على الرجال، واحتاط على ذلك كله، حتى بلغ من تفقده أن الشاة إذا ذبحت يتسلم العرفاء اللحم ليفرقوه على من ترسم لهم، ويدفع الرأس والأكارع والبطن إلى العبيد والإماء، ويجز الصوف والشعر من الغنم ويفرقه على من يغزله، ثم يدفعه إلى من ينسجه عبيا وأكسية وغرائر وجوالقات، ويفتل منه حبال، ويسلم الجلد إلى الدباغ، ثم إلى خرّازى القرب والروايا، والمزاد؛ وما كان من الجلود يصلح نعالا وخفا فأعمل (¬٢) منه، ثم يجمع ذلك كله إلى خزائن.\rفكان ذلك دأبه لا يغفله، ويوجه كلّ قليل خيلا إلى ناحية البصرة، فتأخذ من وجدت، وتصير بهم إليه ويستعبدهم، فزادت بلاده، وعظمت هيبته فى صدور الناس.\rوواقع بنى ضبة وقائع مشهورة فظفر بهم، وأخذ منهم خلقا، وبنى لهم حبسا عظيما جمعهم فيه، وسدّه عليهم، ومنعهم الطعام والشراب، فصاحوا فلم يغثهم، فمكثوا على ذلك شهرا، ثم فتح عليهم فوجد أكثرهم موتى، ويسيرا بحال الموتى وقد تغذوا بلحوم الموتى، فحصاهم وخلاهم فمات أكثرهم.\rوكان قد أخذ من عسكر العباس خادما له جعله على طعامه وشرابه، فمكث مدة طويلة لا يرى أبا سعيد فيها مصليا صلاة واحدة، ولا يصوم فى شهر رمضان ولا فى غيره، فأضمر الخادم قتله، حتى إذا دخل الحمام معه - وكانت الحمام فى داره - فأعدّ الخادم خنجرا ماضيا","footnotes":"(¬١) (ج): «والقوت».\r(¬٢) (ج): «عمل منه».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276501,"book_id":167,"shamela_page_id":209,"part":"1","page_num":165,"sequence_num":209,"body":"- والحمام خال - فلما تمكن منه ذبحه، ثم خرج فقال: «يدعى فلان»، لبعض بنى سنبر فأحضر، فلما دخل قبضه وذبحه، فلم يزل ذلك دأبه حتى قتل جماعة من الرؤساء والوجوه، فدخل آخرهم فإذا فى البيت الأول دم جار، فارتاب وخرج مبادرا، وأعلم الناس، فحصروا الخادم حتى دخلوه، فوجدوا الجماعة صرعى، [٢٦ ب؟؟؟] وذلك فى سنة إحدى وثلاثمائة، وقيل اثنتين وثلاثمائة، وكان قتله بأحساء من البحرين.\rوكانت سنّه يوم قتله نيفا وستين سنة.\rوترك أبو سعيد من الأولاد:\rأبا القاسم سعيدا.\rوأبا طاهر سليمان.\rوأبا منصور أحمد.\rوأبا إسحاق إبراهيم.\rوأبا العباس محمدا.\rوأبا يعقوب يوسف.\rوكان أبو سعيد قد جمع رؤساء دولته، وأوصى إن حدث به موت يكون القيم بأمرهم سعيد ابنه إلى أن يكبر أبو طاهر، وكان أبو طاهر أصغر سنا من سعيد، فإذا كبر أبو طاهر كال المدبر؛ فلما قتل جرى الأمر على ذلك.\rوكان قد قال لهم سيكون الفتوح له، فجلس سعيد يدبر الأمر بعد قتل [أبيه]، وأمر فشدّ الخادم بحبال، وقرض لحمه بالمقاريض حتى مات؛ فلما كان فى سنة خمس وثلاثمائة سلّم سعيد إلى أخيه أبى طاهر سليمان الأمر، فعظموا أمره.\rوكان ابتداء أمر أبى سعيد الحسن (¬١) بن بهرام الجنابى بالقطيف وما والاها فى سنة ست وثمانين ومائتين؛ فكانت مدته نحو خمس عشرة سنة.","footnotes":"(¬١) الأصل: «أبى سعيد بن بهرام»، وما هنا صيغة (ج).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276502,"book_id":167,"shamela_page_id":210,"part":"1","page_num":166,"sequence_num":210,"body":"الصناديقى\rوفيها استولى النجار أبو القاسم الحسن بن فرج الصناديقى على اليمن، وكانت جيوشه بالمذيخرة (¬١) وسهفنة (¬٢)، وكان ابن أبى الفوارس - أحد دعاة عبدان - أنفذه داعيا إلى اليمن، وكان من أهل النرس (¬٣) - موضع يعمل فيه الثياب النرسى، وكان يعمل من الكتان - فصار إلى اليمن، ودخل فى دعوته خلق كثير، فأظهر العظائم وقتل الأطفال، وسبا النساء، وتسمّى برب العزّة، وكان يكاتب بذلك، وأعلن سبّ النبى ﷺ وسائر الأنبياء، واتخذ دارا خاصة (¬٤) سماها «دار الصفوة» يجتمع فيها النساء ويأمر الرجال بمخالطتهن ووطئهن، ويحفظ من تحبل منهن فى تلك الليلة ومن تلد من ذلك، ويتخذ تلك الأولاد لنفسه خولا، ويسميهم «أولاد الصّفوة».\rقال بعضهم:\r«دخلت إليها لأنظر فسمعت امرأة تقول: «يا بنى»، فقال: يا أمة نريد أن نمضى أمر ولى الله فينا».\rوكان يقول: «إذا فعلتم هذا لم يتميز مال من مال، ولا ولد من ولد، فتكونوا كنفس واحدة».\rفعظمت فتنته باليمن، وأجلى أكثر أهله عنه، وأجلى السلطان، وقاتل أبا القاسم محمدا","footnotes":"(¬١) عرفها ياقوت بأنها قلعة حصينة فى رأس جبل صبر من أعمال صنعاء باليمن.\r(¬٢) (ج): «سهغنة» وما بالأصل هو الصواب، وسهفنة قرية قبلى الجند على ثلاث مراحل منها لدى سفال، وتسمى الآن سفنة، بحذف الهاء على التخفيف. انظر: (عمر بن على ابن سمرة الجعدى: طبقات فقهاء اليمن، نشر فؤاد السيد، ص ٣١٨).\r(¬٣) ذكر ياقوت أن نرس نهر يأخذ من الفرات، عليه عدة قرى، واليه تنسب الثياب النرسية، وقال صاحب تاج العروس: نرس - بالفتح ثم السكون - بلدة بالعراق .. منها الثياب النرسية.\r(¬٤) (ج): «دار افاضة» وهو خطأ واضح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276503,"book_id":167,"shamela_page_id":211,"part":"1","page_num":167,"sequence_num":211,"body":"ابن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسنى الهادى (¬١)، وأزاله عن عمله من صعدة ففرّ منه بعياله إلى الرسّ، ثم أظفره الله به فهزمه بأمر إلهى، وهو أن الله جلّت قدرته ألقى على عسكره وقد بايته بردا وثلجا قتل به أكثر أصحابه فى ليلة واحدة، وقلّما عرف مثل ذلك فى تلك الناحية.\rوسلّط الله عليه الأكلة، وذلك أن القاسم أنفذ إليه طبيبا بمبضع مسموم فصده به فقتله؛ وأنزل الله بالبلدان التى غلب عليها بثرا يخرج فى كتف الرجل منهم بثرة فيموت سريعا، فسمى ذلك البثر - بتلك البلاد - «حبّة القرمطى» مدة من الزمان.\rوأخرب الله أكثر تلك البلاد التى ملكها، وأفنى أهلها بموت ذريع، فاعتصم ابنه بجبال وأقام بها، وكاتب أهل دعوتهم، وعنون كتبه:\r«من ابن ربّ العزّة».\rفأهلكه الله، وبقى منهم بقية، فاستأمنوا إلى القاسم بن أحمد الهادى، ولم يبق للنجار - لعنه الله - ولا لمن كان على دعوته بقية.\rوكان قرمط يكاتب من بسلمية، فلما مات من كان فى وقته، وخلفه ابنه من بعده كتب إلى قرمط فأنكر منه أشياء، فاستراب وبعث ابن مليح - أحد دعاته - ليعرف الخبر فامتنع، فأنفذ عبدان، وعرف موت الذى كانوا يكاتبونه، فسأل ابنه عن الحجّة، ومن الإمام الذى يدعو إليه، فقال الابن:\r«ومن الإمام؟»\rفقال عبدان: «محمد بن إسماعيل بن جعفر صاحب الزمان».\rفأنكر ذلك وقال: «لم يكن إمام غير أبى، وأنا أقوم مقامه».","footnotes":"(¬١) فى الأصل: «القاسم بن أحمد بن يحيى .. الخ» والصواب ما ذكرناه، وقد تولى أبو القاسم محمد بن يحيى الامامة الزيدية من ٢٩٩ الى ٣٠١ وخلفه أخوه الامام الناصر أحمد ابن يحيى بن الحسين واستمر على مقاتلة الداعيتين على بن الفضل الذى توفى سنة ٣٠٢ ومنصور اليمن الذى توفي سنة ٣٠٣ هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276504,"book_id":167,"shamela_page_id":212,"part":"1","page_num":168,"sequence_num":212,"body":"فرجع عبدان إلى قرمط؛ وعرّفه الخبر، فجمع الدعاة وأمرهم بقطع الدعوة حنقا من قول صاحب سلمية: «لا حق لمحمد بن إسماعيل فى هذا الأمر ولا إمامة».\rوكان قرمط إنما يدعو إلى إمامة محمد بن إسماعيل، فلما قطعوها من ديارهم لم يمكنهم قطعها من غير ديارهم، لأنها امتدت فى سائر الأقطار، ومن حينئذ قطع الدعاة مكاتبة الذين كانوا بسلمية (¬١).\rوكان رجل منهم قد نفذ إلى الطّالقان يبثّ الدعوة، فلما انقطعت المكاتبة طال انتظاره، فشخص يسأل عن قرمط، فنزل على عبدان بسواد الكوفة، فعتبه وعتب الدعاة فى انقطاع كتبهم، فعرّفه عبدان قطعهم الدعوة، وأنهم لا يعودون فيها، وأنه تاب من هذه الدعوة حقيقة، فانصرف عنه إلى زكرويه بن مهرويه ليدعو كما كان أبوه، ويجمع الرجال، فقال زكرويه:\r«إن هذا لا يتم مع عبدان لأنه داعى البلد كله والدعاة من قبله، والوجه أن نحتال على عبدان حتى نقتله».\rوباطن (¬٢) على ذلك جماعة من قرابته وثقاته، وقال لهم:\r«إن عبدان قد نافق وعصى وخرج من الملة».\rفبيتوه ليلا وقتلوه، فشاع ذلك، وطلب الدعاة وأصحاب قرمط زكرويه بن مهرويه ليقتلوه فاستتر، وخالفه القوم كلهم إلا أصل دعوته، وتنقل فى القرى - وذلك فى سنة ست وثمانين - والقرامطة تطلبه إلى سنة ثمان وثمانين، فأنفذ ابنه الحسن إلى الشام، ومعه من القرامطة رجل يقال له أبو الحسين القاسم بن أحمد، وأمره أن يقصد بنى كلاب، وينتسب إلى محمد بن إسماعيل، ويدعوهم إلى الإمام من ولده، فاستجاب له فخذ من بنى العليص ومواليهم وبايعوه، فبعث إلى زكرويه يخبر بمن استجاب له بالشام، فضم إليه","footnotes":"(¬١) المقصود بالذين بسلمية دعاة الفاطميين قبل انتقالهم الى المغرب وظهورهم، وهذه اشارة هامة الى بدء قطع العلاقات بين دعاة الفاطميين فى الشام والقرامطة بعد ان كانت الدعوتان متفقتين.\r(¬٢) (ج): «وما ظن»، ولا معنى لها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276505,"book_id":167,"shamela_page_id":213,"part":"1","page_num":169,"sequence_num":213,"body":"ابن أخيه - فتسمى بالمدثّر لقبا، وبعبد الله اسما، وتأول أنه المذكور فى القرآن بالمدثّر ويقال (¬١) إن المدثر هذا اسمه عيسى بن مهدى، وأنه تسمى عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق، وعهد إليه صاحب الخال من بعده (¬١)، وغلاما من بنى مهرويه يتلقب بالمطوّق (¬٢) - وكان سيافا (¬٣) -\rوكتب إلى ابنه الحسن يعرّفه أنه ابن الحجة، ويأمره بالسمع والطاعة له، وابن الحجة هذا ادعى أنه محمد بن عبد الله، وقيل (¬٤) على بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأنكر قوم هذا النسب، وقالوا إنما اسمه يحيى بن زكرويه بن مهرويه، وكنيته أبو القاسم، ويلقب بالشيخ ويعرف بصاحب الناقة، وبصاحب الجمل، وهو أخو صاحب الخال، القائم من بعده (¬٤)، فسار حتى نزل فى بنى كليب (¬٥)، فلقيه الحسن بن زكرويه، وسرّ به، وجمع له الجمع، وقال: «هذا صاحب الامام»، فامتثلوا أمره، وسروا به، فأمرهم بالاستعداد للحرب، وقال: «قد أظلكم النصر»، ففعلوا ذلك.\rواتصلت أخبارهم بشبل الديلمى - مولى المعتضد - فى سنة تسع وثمانين، فقصدهم، فحاربوه وقتلوه فى عدة من أصحابه بالرّصافة من غربى الفرات، ودخلوها فأحرقوا مسجدها ونهبوا.\rوساروا نحو الشام يقتلون ويحرقون القرى وينهبونها إلى أن وردوا أطراف دمشق، وكان عليها طغج بن جفّ من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون - فبرز إليهم فهزموه وقتل كثير من أصحابه، والتجأ إلى دمشق فحصروه وقاتلوه.\rوكان القرمطى يحضر الحرب على ناقة، ويقول لأصحابه:\r«لا تسيروا من مصافكم حتى تنبعث بين أيديكم، فإذا سارت فاحملوا، فإنه لا تردّ لكم راية، إذ (¬٦) كانت مأمورة».","footnotes":"(¬١) هذه الجملة وردت فى الهامش فى نسخة (ج)، أما فى الأصل فقد وضعت فى المتن كما أثبتناها هنا\r(¬٢) (ج): «المطوف».\r(¬٣) (ج): «شيافا».\r(¬٤) هذه الفقرة وردت فى الهامش فى نسخة (ج)، ولكنها أدخلت فى المتن فى نسخة الأصل.\r(¬٥) كذا فى الأصل، وفى (ج): «بنى كلب».\r(¬٦) كذا بالأصل، وفى (ج): «اذا».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276506,"book_id":167,"shamela_page_id":214,"part":"1","page_num":170,"sequence_num":214,"body":"فسمى بذلك: «صاحب الناقة».\rفأقام طغج سبعة أشهر محصورا بدمشق، فكتب إلى مصر بأنه محصور وقد قتل أكثر أصحابا وضرب البلد، فأنفذ إليه بدر الكبير - غلام ابن طولون المعروف بالحمّامى - فسار حتى قرب من دمشق، فاجتمع هو وطغج على محاربة القرمطى بقرب دمشق، فقتل القرمطى واحتمى أصحابه وانحازوا، فمضوا، وكان [القرمطى] قد ضرب دراهم ودنانير وكتب عليها:\r«قل جاء الحق وزهق الباطل».\rوفى الوجه الآخر: «(¬١) لا إله إلا الله (¬١)، قل لا أسألكم عليه أجرا (¬٢) إلا المودة فى القربى».\rفلما انصرف القرامطة عن دمشق وقد قتل محمد بن عبد الله «صاحب الناقة» بايعوا الحسن بن زكرويه - وهو الذى يقال له أحمد بن عبد الله، ويقال عبد الله بن أحمد بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر الصادق، ويعرف «بصاحب الخال» -، فسار بهم، وافتتح عدة مدن من الشام، وظهر على حمص، وقتل خلقا، وتسمى بأمير المؤمنين المهدى على المنابر وفى كتبه، وذلك فى سنة تسع وثمانين وبعض سنة تسعين.\rثم صاروا إلى الرقّة، فخرج إليهم مولى المكتفى وواقعهم فهزموه وقتلوه، واستباحوا عسكره، ورجعوا إلى دمشق وهم ينهبون جميع ما يمرون به من القرى، ويقتلون ويسبون، فخرج إليهم جيش كثيف عليه بشير - غلام طغج - وقاتلهم حتى قتل فى خلق من أصحابه.\rواتصل ذلك بالمكتفى بالله فندب أبا الأغرّ السلمى - فى عشرة آلاف - وخلع عليه لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة تسعين، فسار حتى نزل حلب، ثم خرج فوافاه جيش القرامطة غفلة يقدمهم المطوّق، فانهزم أبو الأغرّ، وركبت القرامطة أكتاف الناس يقتلون ويأسرون حتى حجز بينهم الليل وقد أتوا على عامة العسكر، ولحق أبو الأغر بطائفة من","footnotes":"(¬١) هذه الجملة ساقطة من (ج).\r(¬٢) هذا اللفظ ساقط من (ج).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276507,"book_id":167,"shamela_page_id":215,"part":"1","page_num":171,"sequence_num":215,"body":"أصحابه، فالتجئوا بحلب، وصار فى نحو الألف، فنازله القرامطة، فلم يقدروا منه على شيء فانصرفوا.\rوجمع الحسن بن زكرويه بن مهرويه أصحابه، وسار بهم إلى حمص، فخطب له على منابرها.\rثم سار إلى حماة والمعرة، فقتل الرجال والنساء والأطفال، ورجع إلى بعلبك فقتل عامة أهلها.\rثم سار إلى سلمية فحارب أهلها وامتنعوا منه فأمّنهم، ودخلها فبدأ بمن فيها من بنى هاشم - وكانوا جماعة - فقتلهم.\rثم كرّ على أهلها فقتلهم أجمعين، وخرّبها، وخرج عنها وما بها عين تطرف، فلم يمر بقرية إلا أخربها، ولم يدع فيها أحدا، فخرّب البلاد وقتل الناس، ولم يقاومه أحد، وفنيت رجال طغج (¬١)، وبقى فى عدة يسيرة، فكانت القرامطة تقصد دمشق فلا يقاتلهم إلا العامة وقد أشرفوا على الهلكة، فكثر الضجيج ببغداد، واجتمعت العامة إلى يوسف بن يعقوب القاضى، وسألوه إنهاء الخبر إلى السلطان.\rووردت الكتب من مصر إلى المكتفى بخبر قتل عسكرهم الذى خرج إلى الشام بيد القرامطة، وخراب الشام، فأمر المكتفى الجيش بالاستعداد، وخرج إلى مضربه فى القواد والجند لاثنتى عشرة خلت من رمضان، ومضى نحو الرقّة بالجيوش حتى نزلها، وانبثت الجيوش بين حلب وحمص، وقلّد محمد بن سليمان حرب الحسن بن زكرويه، واختار له جيشا كثيفا - وكان صاحب ديوان العطاء -.\rوعارض الجيش فسار إليهم والتقاهم لست خلون من المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين بموضع بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى حجز الليل بينهم، وقتل عامة رجال القرامطة فولوا مدبرين.","footnotes":"(¬١) هذا اللفظ غير موجود فى (ج).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276508,"book_id":167,"shamela_page_id":216,"part":"1","page_num":172,"sequence_num":216,"body":"وكان الحسن بن زكرويه (¬١) لما أحسّ بالجيوش (¬١) اصطفى مقاتلة ممن معه، ورتّب أحوالهم، فلما (¬١) انهزم أصحابه (¬١) رحل من وقته، وتلاحق به من أفلت، فقال لهم: «أتيتم من قبل أنفسكم وذنوبكم وأنكم لم تصدقوا الله»؛ وحرّضهم على المعاودة إلى الحرب، فاعتلوا بفناء الرجال وكثرة الجراح فيهم، فقال لهم:\r«قد كاتبنى خلق من أهل بغداد بالبيعة لى ودعاتى بها ينتظرون أمرى، وقد خلت من السلطان الآن، وأنا شاخص نحوها لأظهر بها، ومستخلف عليكم أبا الحسين القاسم بن أحمد - صاحبى -، وكتبى ترد عليه بما يعمل، فاسمعوا وأطيعوا».\rفضمنوا ذلك له، وشخص معه قريبه عيسى ابن أخت مهرويه المسمى «بالمدثّر»، وصاحبه المعروف «بالمطوّق»، وغلام له رومى، وأخذ دليلا يرشدهم إلى الطريق، فساروا يريدون سواد الكوفة، وسلك البر، وتجنّب القرى والمدن حتى صار قريبا من الرحبة بموضع يقال له الدالية، فأمر الدليل فمال بهم إليها، ونزل بالقرب منها خلف رابية، ووجّه بعض من معه لابتياع ما يصلحه، فدخل القرية فأنكر بعض أهلها زيّه، وسأله عن أمره، فورّى وتلجلج (¬٢)، فارتاب به وقبض عليه، وأتى به واليها - ويقال له أبو خبزة يخلف أحمد بن كشمرد صاحب الحرب بطريق الفرات، والدالية قرية من عمل (¬٣) الفرات - فسأله أبو خبزة ورهب عليه، فعرّفه أن القرمطى الذى خرج الخليفة المكتفى فى طلبه خلف رابية أشار إليها، فسار الوالى مع جماعة بالسلاح فأخذوهم وشدوهم وثاقا، وتوجّه بهم إلى ابن كشمرد، فصار بهم إلى المكتفى - وهو بالرقّة -، فشهّرهم بالرقة، وعلى الحسن بن زكرويه درّاعة ديباج وبرنس حرير، وعلى المدثّر درّاعة (¬٤) وبرنس (¬٥) حرير، وذلك لأربع بقين من المحرم.","footnotes":"(¬١) مكان هذه الألفاظ بياض فى نسخة (ج).\r(¬٢) (ج): «وانخلج».\r(¬٣) هذا اللفظ ساقط من (ج).\r(¬٤) الدراعة، والمدرع، ضرب من الثياب التى تلبس، وقيل جبة مشقوقة المقدم انظر: (اللسان) و (Dozy:Dict.Vets;Supp.Dict.Arab .)\r(¬٥) البرنس - ويقال برنوس بفتح الباء وضمها - قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها فى صدر الاسلام، أو هى كل ثوب رأسه منه - دراعة كان أو جبة أو ممطرا -، ومنه: برنسه فتبرنس أى ألبسه البرنس فلبسه. انظر: (محيط المحيط)\rو (Dozy Dict.Vets;Supp.Dict.Arab .)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276509,"book_id":167,"shamela_page_id":217,"part":"1","page_num":173,"sequence_num":217,"body":"وقدم محمد بن سليمان بجيوشه إلى الرقّة - ومعه الأسرى - فخلّف المكتفى عساكره مع محمد ابن سليمان بالرقّة، وشخص فى خاصته وغلمانه، وتبعه وزيره القاسم بن عبيد الله إلى بغداد، ومعه القرمطى وأصحابه.\rفلما صار إلى بغداد عمل له كرسى سمكه ذراعان ونصف، وركّب على فيل وأركب عليه، ودخل المكتفى وهو بين يديه مع أصحابه الأسرى، وذلك ثالث ربيع الأول، ثم سجنوا.\rفلما وصل محمد بن سليمان ببقية القرامطة لاثنتى عشرة خلت منه أمر المكتفى القواد بتلقيه والدخول معه، فدخل فى زىّ حسن وبين يديه نيف وسبعون أسيرا، فخلع عليه، وطوّق بطوق من ذهب، وسوّر سوارين من ذهب، وخلع على جميع من كان معه القواد وطوقوا وسوّروا.\rوأمر [المكتفى] ببناء دكّة فى الجانب الشرقى مربعة، ذرعها عشرون ذراعا فى مثلها، وارتفاعها عشرة أذرع، يصعد إليها بدرج، فلما كان لأربع بقين منه خرج القواد والعامة، وحمل القرامطة على الجمال إلى الدكّة، وقتلوا جميعا وعدتهم ثلاثمائة وستون، وقيل دون ذلك.\rوقدم الحسن بن زكرويه، وعيسى ابن أخت مهرويه إلى أعلى الدكة ومعهما أربعة وثلاثون إنسانا من قبل (¬١) وجوه القرامطة ممن عرف بالنكاية (¬٢)، وكان الواحد منهم يبطح على وجهه، وتقطع يده اليمنى، فيرمى بها إلى أسفل ليراها الناس، ثم تقطع رجله اليسرى، ثم رجله اليمنى ويرمى بهما، ثم يضرب عنقه ويرمى بها.\rثم قدّم المدثّر ففعل به كذلك بعد ما كوى ليعذب، وضربت عنقه.\rثم قدّم الحسن بن زكرويه فضرب مائتى سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوى، وضربت عنقه، ورفع رأسه على خشبة، وكبّر من على الدكة، فكبّر الناس وانصرفوا.\rوحملت الرءوس فصلبت على الجسر وصلب بدن القرمطى فمكث نحو سنة.","footnotes":"(¬١) كذا فى الأصل، وفى (ج): «من وجوه القرامطة».\r(¬٢) (ج): «بانكائه».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276510,"book_id":167,"shamela_page_id":218,"part":"1","page_num":174,"sequence_num":218,"body":"ومن كتب الحسن بن زكرويه إلى عماله ما هذه نسخته بعد البسملة:\r«من عند المهدى (¬١)، المنصور بالله، الناصر لدين الله، القائم بأمر الله [الحاكم بحكم الله] (¬٢)، الداعى إلى كتاب الله، الذاب عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله، أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، ومذل المنافقين، وخليفة الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المستبصرين [وضياء المستضيئين] (¬٢)، ومشتت المخالفين، والقيّم بسنة [سيّد] (¬٢) المرسلين، وولد خير الوصيين - صلى [الله] عليه وعلى آله الطيبين وسلّم [كثيرا] (¬٢)» -.\rكتاب إلى فلان (¬٣):\r«سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلى على محمد جدى رسول الله.\rأما بعد:\rفقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة، وما فعلوه بناحيتك من الظلم والعبث والفساد فى الأرض، فأعظمنا ذلك، ورأينا أن ننفذ إلى ما هنالك من جيوشنا من ينتقم الله به من أعدائه الظالمين الذين يسعون فى الأرض فسادا؛ فأنفذنا [عطيرا] (¬٤) داعيتنا وجماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص [وأمددناهم بالعساكر] (¬٤)، ونحن فى أثرهم، وقد أوعزنا إليهم فى المصير إلى ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا، ونحن نرجو أن يجزينا الله فيهم على أحسن عوائده عندنا فى أمثالهم.\rفينبغى أن تشد قلبك وقلوب من اتبعك (¬٥) من أوليائنا، وتثق بالله وبنصره الذى لم يزل","footnotes":"(¬١) (ج): «من عبد الله المهدى»، وفى (الطبرى، ج ١١ ص ٣٨٤): «من عبد الله أحمد بن عبد الله المهدى».\r(¬٢) ما بين الحاصرتين زيادات عن: (الطبرى ج ١١ ص ٣٧٤)\r(¬٣) ذكر (الطبرى، ج ١١، ص ٣٨٤) اسم الرجل الذى أرسل اليه الكتاب، وهو «جعفر بن حميد الكردى»\r(¬٤) ما بين الحاصرتين زيادات عن: (الطبرى، ج ١١، ص ٣٨٤)\r(¬٥) فى الطبرى: «من معك»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276511,"book_id":167,"shamela_page_id":219,"part":"1","page_num":175,"sequence_num":219,"body":"يعودنا فى كل من مرق عن الطاعة، وانحرف عن الإيمان، وتبادر إلينا بأخبار الناحية وما يحدث (¬١) فيها، ولا تخف عنا شيئا من أمرها [إن شاء الله] (¬٢).\rسبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله - على جدى [محمد] (¬٢) رسوله، وعلى أهل بيته وسلم كثيرا».\rوكانت عماله تكاتبه بمثل هذا الصدد.\rوسلم القاسم بن أحمد أبو الحسين - خليفة الحسن بن زكرويه - فقدم سواد الكوفة إلى زكرويه بن مهرويه، فأخبره بخبر (¬٣) القوم الذين استخلفهم ابنه عليهم، وأنهم اضطربوا فخافهم وتركهم، فلامه زكرويه على قدومه لوما شديدا، وقال له:\r«ألا كاتبتنى قبل انصرافك إلىّ؟».\rووجده مع ذلك على خوف شديد من طلب السلطان ومن طلب أصحاب عبدان.\rثم إنه أعرض عن أبى الحسين، وأنفذ إلى القوم - فى سنة ثلاث وتسعين - رجلا من أصحابه - كان معلما - يقال له محمد بن عبد الله بن سعيد، ويكنى بأبى غانم، فتسمى نصرا ليعمى أمره، وأمره أن يدور أحياء كلب ويدعوهم، فدار ودعاهم، فاستجاب له طوائف من الأصبغيين، ومن بنى [٢٨ ب؟؟؟] العليص، فسار بهم نحو الشام، وعامل المكتفى بالله يومئذ على دمشق والأردن أحمد بن كيغلغ، وهو بمصر فى حرب ابن الخليج (¬٤)، فاغتنم ذلك محمد (¬٥) ابن عبد الله المعلم، وسار إلى بصرى وأذرعات فحارب أهلها، وسبى ذراريهم وأخذ جميع أموالهم، وقتل مقاتليهم، وسار يريد دمشق، فخرج إليه جيش مع صالح بن الفضل خليفة أحمد بن كيغلغ، فظهروا عليه، وقتلوا عسكره، وأسروه فقتلوه، وهموا بدخول دمشق فدافعهم أهلها، فمضوا إلى طبرية، فكانت لهم وقعة على الأردن غلبوا فيها، ونهبوا طبرية، وقتلوا وسبوا النساء.","footnotes":"(¬١) فى الطبرى: «وما يتجدد»\r(¬٢) ما بين الحاصرتين زيادات عن (الطبرى ج ١١ ص ٣٨٤)\r(¬٣) (ج): «فأخبرهم خبر».\r(¬٤) انظر أخبار ثورة ابن الخليج فى: (الكندى: الولاة، ص ٢٥٨ - ٢٦٣)\r(¬٥) المقريزى يلخص هنا عن الطبرى، وهو يسمى هذا الرجل هناك: «عبد الله بن سعيد»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276512,"book_id":167,"shamela_page_id":220,"part":"1","page_num":176,"sequence_num":220,"body":"فبعث المكتفى بالحسين بن حمدان فى طلبهم مع وجوه من القواد، فدخل دمشق وهم بطبرية، فساروا نحو السماوة، وتبعهم ابن حمدان فى البرية، فأخذوا يغوّرون ما يرتحلون عنه من الماء، فانقطع [ابن حمدان] (¬١) عنهم لعدم الماء، ومال نحو رحبة مالك بن طوق، فأسرى القرامطة إلى هيت، وأغاروا عليها لتسع بقين من شعبان سنة ثلاث وتسعين، ونهبوا الرّبض والسفن التى فى الفرات، وقتلوا نحو مائتى إنسان.\rثم رحلوا بعد يومين بما غنموه، فأنفذ المكتفى إلى هيت محمد بن إسحاق بن كنداج فى جماعة من القواد بجيش كثيف، وأتبعه بمؤنس، فإذا هم قد غوّروا المياه، فأنفذ إليهم من بغداد بالروايا والزاد، وكتب إلى ابن حمدان بالنفوذ إليهم من الرحبة.\rفلما أحسوا بذلك ائتمروا بصاحبهم المعلم، ووثب عليه رجل من أصحابه يقال له الذئب بن القائم فقتله، وشخص إلى بغداد متقربا بذلك، فأسنيت له الجائزة، وكفّ عن طلب قومه، وحملت رأس القائم (¬٢) المسمى بنصر المعلم إلى بغداد.\rثم إن قوما من بنى كلب أنكروا فعل الذئب وقتله المعلم، ورضيه آخرون، فاقتتلوا قتالا شديدا، وافترقوا فرقتين، فصارت الفرقة التى رضيت قتل المعلم إلى عين التمر، وتخلفت الأخرى؛ وبلغ ذلك زكرويه - وأحمد بن القاسم عنده - فردّه إليهم، فلما قدم عليهم جمعهم ووعظهم وقال:\r«أنا رسول وليكم، وهو عاتب عليكم فيما أقدم عليه الذئب بن القائم، وأنكم قد ارتددتم عن الدين».\rفاعتذروا، وحلفوا ما كان ذلك بمحبتهم، وأعلموه بما كان بينهم من الخلف والحرب، فقال لهم:\r«قد جئتكم الآن بما لم يأتكم به أحد تقدمنى، يقول لكم وليكم: قد حضر أمركم، وقرب ظهوركم، وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفا، ومن أهل سوادها أكثر، وموعدكم اليوم","footnotes":"(¬١) أضيف ما بين الحاصرتين عن: (الطبرى، ج ١١، ص ٣٩٤) وبه يستقيم المعنى\r(¬٢) (ج): «القاسم»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276513,"book_id":167,"shamela_page_id":221,"part":"1","page_num":177,"sequence_num":221,"body":"[الذى] (¬١) ذكره الله [فى شأن موسى ﷺ وعدوه فرعون إذ يقول: موعدكم] (¬١) يوم الزينة، وأن يحشر الناس ضحى» فأجمعوا أمركم، وسيروا إلى الكوفة، فإنه لا دافع لكم عنها، ومنجز وعدى الذى جاءتكم به رسلى».\rفسروا بذلك، وارتحلوا نحو الكوفة، فنزلوا دونها بستة وثلاثين ميلا قبل يوم عرفة بيوم من سنة ثلاث وتسعين، فخلّفوا هناك الخدم والأموال، وأمرهم أن يلحقوا به على ستة أميال من القادسية.\rثم شاور الوجوه من أصحابه فى طروق الكوفة أى وقت، فاتفقوا على أن يكمنوا فى النجف، فيريحوا الخيل والدواب، ثم يركبوا عمود الصبح فيشنوها غارة والناس فى صلاة العيد.\rفركبوا وساروا، ثم نزلوا فناموا، فلم يوقظهم إلا الشمس يوم العيد لطفا من الله بالناس، فلم يصلوا إلى الكوفة إلا وقد انقضت الصلاة، وانصرف الناس وهم متبددون فى ظاهر الكوفة، ولأمير البلد طلائع تتفقد، وكان قد أرجف فى البلد بحدوث فتن فأقبلوا ودخلت خيل منهم الكوفة، فوضعوا السيف وقتلوا كثيرا من الناس وأحرقوا، فارتجت الكوفة، وخرج الناس بالسلاح، وتكاثروا عليهم يقذفونهم بالحجارة، فقتلوا منهم عدة، وأقبل بقيتهم فخرج إليهم إسحاق بن عمران فى يسير من الجند، وتلاحق به الناس، فاقتتلوا قتالا شديدا فى يوم صائف شديد الحر، فانصرف القرامطة مكدودين، فنزلوا على ميلين من الكوفة، ثم ارتحلوا عشاء نحو سوادهم، واجتازوا بالقادسية وقد تأهبوا لحربهم، فانصرفوا عنها، وبعث أمير الكوفة بخبر ذلك إلى بغداد.\rوسار القرامطة إلى سواد الكوفة، فاجتمع أحمد بن القاسم بزكرويه بن مهرويه - وكان مستترا - فقال للعسكر:\r«هذا صاحبكم وسيدكم ووليكم الذى تنتظرونه».\rفترجّل الجميع وألصقوا خدودهم بالأرض، وضربوا لزكرويه مضربا عظيما، وطافوا به، وسروا سرورا عظيما، واجتمع إليهم أهل دعوته من السواد، فعظم الجيش جدا.","footnotes":"(¬١) أضيف ما بين الحاصرتين عن: (ابن الأثير: الكامل، ج ٧، ص ٢١٥) وبه يستقيم المعنى","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276514,"book_id":167,"shamela_page_id":222,"part":"1","page_num":178,"sequence_num":222,"body":"وسيّر المكتفى جيشا عظيما، فساروا بالأثقال والبنود والبزاة على غير تعبئة مستخفين بالقوم، فوصلوا وقد تعب ظهرهم وقل نشاطهم، فلقيهم القرامطة وقاتلوهم وهزموهم، ووضعوا فيهم السيوف، فقتل الأكثر، ونجا الأقل إلى القادسية، فأقاموا فى جمع الغنائم ثلاثا، فكان من قتل من الجيش نحو الألف وخمسمائة، فقويت القرامطة بما غنموا، وبلغ المكتفى فخاف على الحاج، وبعث محمد ابن إسحاق بن كنداج لحفظ الحاج، وطلب القرامطة، وضم إليه خلقا عظيما.\rفسار القرامطة وأدركوا الحاج، فأخذوا الخراسانية لإحدى عشرة خلت من المحرم سنة أربع وتسعين، ووضعوا فيهم السيف وقتلوا خلقا عظيما، واستولى زكرويه على الأموال.\rوقدم ابن كنداج فأقام بالقادسية - وقد أدركه من هرب من حاج خراسان - وقال:\r«لا أغدر بجيش السلطان».\rوقدمت قافلة الحاج الثانية والثالثة، فقاتلوا القرامطة قتالا شديدا حتى غلبوا، وقتل كثير من الحاج، واستولوا على جميع ما فى القافلة، وأخذوا النساء ولم يطلقوا منهم إلا من لا حاجة لهم فيها، ومات كثير من الحاج عطشا، ويقال إنه هلك نحو من عشرين ألفا، فارتجت بغداد لذلك.\rوأخرج المكتفى الأموال لإنفاذ الجيوش من الكوفة - لإحدى عشرة بقيت من المحرم -.\rوخزائن السلاح.\rورحل زكرويه فلم يدع ماء إلا طرح فيه جيف القتلى، وبثّ الطلائع فوافته القافلة التى فيها القواد والشّمسة - وكان المعتضد جعل فيها جوهرا نفيسا -، ومعهم الخزانة ووجوه الناس والرؤساء ومياسير التجار، وفيها من أنواع المال ما يخرج عن الوصف، فناهضهم زكرويه بالهبير (¬١)، وقاتلهم يومه، فأدركتهم قافلة العمرة، وكان المعتمرون يتخلفون للعمرة","footnotes":"(¬١) قال (ياقوت فى معجم البلدان: «الهبير من الأرض أن يكون مطمئنا وما حوله أرفع منه .. والهبير رمل زرود فى طريق مكة كانت عنده وقعة ابن أبى سعيد الجنابى القرمطى بالحاج يوم الاحد لاثنى عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ٣١٢، قتلهم وسباهم وأخذ أموالهم».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276515,"book_id":167,"shamela_page_id":223,"part":"1","page_num":179,"sequence_num":223,"body":"بعد خروج الحاج، ويخرجون إذا دخل المحرم، ويتفردون قافلة، وانقطع ذلك من تلك السنة، فاجتمع الناس وقاتلوا يومهم وقد نفد الماء، فملك القافلة، وقتل الناس، وأخذ ما فيها من حريم ومال وغيره، وأفلت ناس فمات أكثرهم عطشا، وسار فأخذ أهل فيد (¬١).\rوأما بغداد فإنه حصل بها وبالكوفة وجميع العراق مصاب بحيث لم يبق دار إلا وفيها مصيبة، وعبرة سائلة، وضجيج وعويل، واعتزل المكتفى النساء هما وغما، وتقدم بالمسير خلف زكرويه، وأنفذ الجيوش فالتقوا مع زكرويه لسبع بقين من ربيع الأول، فاقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان حتى انهزم زكرويه وقتل أكثر من معه، وأسر منهم خلق كثير، وطرحت النار فى قبته، فخرج من ظهرها، وأدركه رجل فضربه حتى سقط إلى الأرض، فأدركه رجل يعرفه. فأركبه نجيبا فارها، وسار به إلى نحو بغداد، فمات من جراحات كانت به، وصبّر وأدخل به إلى بغداد ميتا فشهّر كذلك، ومعه حرمه وحرم أصحابه وأولادهم أسرى (¬٢) ورءوس من قتل بين يديه فى الجوالقات، ومات خبر (¬٣) القرامطة بموت زكرويه.\rودعوتهم ذكرها شائع.\rفلما دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين خرج رجل من السواد من الظطّ يعرف بأبى حاتم الظطّى، فقصد أصحاب البورانى داعيا - وهم يعرفون بالبورانية - وحرّم عليهم الثوم والبصل والكرات والفجل، وحرّم عليهم إراقة الدم من جميع الحيوان، وأمرهم أن يتمسكوا بمذهب البورانى، وأمرهم بما لا (¬٤) يقبله إلا أحمق، وأقام فيهم نحو سنة، ثم زال، فاختلفوا بعده، فقالت طائفة:\r«زكرويه بن مهرويه حىّ، وإنما شبّه على الناس به».\rوقالت فرقة:\r«الحجة لله محمد بن إسماعيل».","footnotes":"(¬١) عرفها ياقوت فى معجمه بأنها «بليدة فى نصف طريق مكة من الكوفة، عامرة، يودع الحجاج فيها أزوادهم وما يثقل من أمتعتهم عند أهلها، فاذا رجعوا أخذوا أزوادهم ووهبوا لمن أودعوها شيئا من ذلك»\r(¬٢) (ج): «وأولادهم والأسرى»\r(¬٣) (ج): «خير»\r(¬٤) الأصل: «بأن لا» والتصحيح عن (ج).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276516,"book_id":167,"shamela_page_id":224,"part":"1","page_num":180,"sequence_num":224,"body":"ثم خرج رجل من بنى عجل قرمطىّ يقال له محمد بن قطبة، فاجتمع عليه نحو مائة رجل، فمضى بهم نحو واسط، فنهب وأفسد فخرج إليه آمر الناحية، فقتلهم وأسرهم.\rثم خمدت أحوال القرامطة إلى أن تحرك أبو طاهر بن أبى سعيد الجنّابى، وعمل على أخذ البصرة سنة عشر وثلاثمائة، فعمل سلالم عراضا يصعد على كل مرقاة اثنان سورافيت (¬١)، إذا احتيج إليها نصبت، وتخلع إذا حملت، فرحل يريد البصرة، فلما قاربها فرّق السلاح، وحشى الغرائر بالرمل، وحملها على الجمال، فسار إلى السور قبل الفجر، فوضع السلالم، وصعد عليها قوم، ونزلوا فوضعوا السيف وكسروا الأقفال، فدخل الجيش، فأول ما عملوا أن طرحوا الرمل المحمول فى الأبواب ليمنع من غلقها، وبدر لهم الناس ومعهم الأمير، فقاتلوا وقتل الأمير، فأقاموا النهار يقتتلون حتى حجز بينهم الظلام، فخرجوا وقد قتل من الناس مقتلة عظيمة، فباتوا ثم باكروا البلد فقتلوا ونهبوا.\rثم رحلوا إلى الأحساء، فأنفذ السلطان عسكرا - وكان أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان قد قلّد أعمال الكوفة والسواد وطريق مكة - فدخل (¬٢) فى أثرهم وأسر منهم وعاد.\rفلما قدمت قوافل الحاج اعترضها أبو طاهر القرمطى فقتل منهم؛ وأدركهم أبو الهيجاء ابن حمدان بجيوش كثيرة، فحملت القرامطة عليهم فهزموهم، وأخذ أبو الهيجاء أسيرا، فلما رآه أبو طاهر تضاحك وقال له:\r«جئناك عبد الله، ولم نكلفك قصدنا».\rفتلطف له أبو الهيجاء حتى استأمنه، وأمر بتمييز الحاج، وعزل الجمالين والصناع ناحية، فأخذوا ما مع الحاج وخلوهم، فردوا بشرّ حال فى صورة الموتى، ورحل من الغد من بعد أن أخذ من أبى الهيجاء وحده نحو عشرين ألف دينار مع أموال لا تحصى كثرة، ثم أطلق أبا الهيجاء بعد أشهر، فورد بغداد.\rفلما كان فى سنة اثنتى عشرة وثلاثمائة خرج من بغداد جيش كثيف لحفظ الحاج، فلقى أبو طاهر القرمطى الحاج بالعقبة، فرجع الحاج إلى الكوفة، فتبعهم القرمطى حتى نزل بظاهرها","footnotes":"(¬١) كذا فى الأصل، وفى (ج): «بزرا فبن».\r(¬٢) (ج): «فزحل».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276517,"book_id":167,"shamela_page_id":225,"part":"1","page_num":181,"sequence_num":225,"body":"لثلاث عشرة (¬١) خلت من ذى القعدة، فناوشه الناس وانكفأ راجعا، ثم باكرهم بالقتال وخرجت إليه جيوش السلطان، فقاتلهم وهزمهم، وقتل قوادهم وكثيرا من العامة، ونهب البلد إلى العشرين منه، فرحل عن البلد.\rفلما كان فى سنة خمس عشرة وثلاثمائة خرج القرمطى من بلده لقتال ابن أبى الساج، وقد كان السلطان أنزله فى جيش كثير بواسط ليسير إلى بلد القرمطى، فاستصعب مسيره لكثرة من معه، وثقل عليه سيره فى أرض قفر، فاحتال على القرمطى، وكاتبه باظهار المواطأة، وأطمعه فى أخذ بغداد ومعاضدته، فاغتر بذلك، ورحل بعيال وحشم وأتباع، وجيشه على أقوى ما يمكنه، وأقبل يريد الكوفة.\rورحل ابن أبى الساج بجيشه عن واسط إلى الكوفة، وقد سبقه القرمطى، ودخلها لسبع خلون من شوال، فاستولى عليها، وأخذ منها الميرة، وأعد ما يحتاج إليه؛ وأقبل ابن أبى الساج على غير تعبئة، وعبر مستهينا بأمر القرمطى مستحقرا له، ثم واقعه وهو فى جيش يضيق عنه موضعه، ولا يملك تدبيره، وقد تفرق عنه عسكره، وركبوا - من نهب القرى وأذى الناس وإظهار الفجور - شيئا كثيرا، فأقبل إليه القرمطى وقاتله، فانهزمت عساكر ابن أبى الساج بعد ما كثرت بينهما القتلى والجراح، فقتلوا الناس قتلا ذريعا حتى صاروا فى بساط واحد نحو فرسخين أو أربع، واحتوى على عسكره، ونهب الأكرة من أهل السواد ما قدروا عليه، وأقام أربعين يوما؛ وخرج بعد أن يئس من مجيء عسكر إليه، فقصد بغداد، ونزل بسواد الأنبار، وعبر الفرات إلى الجانب الغربى، وتوجه بين الفرات ودجلة يريد بغداد، فجيّش الجيش إليه؛ وسار مؤنس حتى نازله على نحو ثلاثة فراسخ من بغداد، وقاتل القرامطة قتالا شديدا، وورد كتاب المقتدر يأمر مؤنسا بمعاجلته القتال، ويذكر ما لزم من صرف الأموال إلى وقت وصوله.\rفكتب إليه: «إن فى مقامنا - أطال الله بقاء مولانا - نفقة المال، وفى لقائنا نفقة الرجال؛ ونحن أحرياء باختيار نفقة المال على نفقة الرجال».","footnotes":"(¬١) (ج): «لثلاث خلت».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276518,"book_id":167,"shamela_page_id":226,"part":"1","page_num":182,"sequence_num":226,"body":"ثم أنفذ إلى القرمطى يقول له:\r«ويلك، ظننتنى كمن لقيك أبرز لك رجالى، والله ما يسرنى أن أظفر بك بقتل رجل مسلم من أصحابى، ولكنى أطاولك وأمنعك مأكولا ومشروبا حتى آخذك أخذا بيدى إن شاء الله».\rوأنفذ يلبق فى جيش للإيقاع بمن فى قصر ابن هبيرة، فعظم ذلك على القرمطى فاضطرب، وأخذ أصحابه يحتالون فى الهرب، وتركوا مضاربهم، فنهب مؤنس ما خلّفوه، وسار جيش القرمطى من غربى الفرات، وسار مؤنس من شرقيه، إلى أن وافى القرمطى الرّحبة، ومؤنس يحتال فى إرسال زواريق فيها فاكهة مسمومة (¬١)، فكان القرامطة يأخذونها، فكثرت الميتة فيهم، وكثر بهم الذّرب، وظهر جهدهم، فكروا راجعين وقد قل (¬٢) الظهر معهم، فقاتلوا أهل هيت وانصرفوا مفلولين، فدخل الكوفة على حال ضعف وجراحات وعلل - لثلاث خلون من رمضان سنة ست عشرة وثلاثمائة - فأقام بها إلى مستهل ذى الحجة، ولم يقتل ولا نهب، ثم رحل.\rفلما كان فى سنة سبع عشرة رحل بجيشه، فوافى مكة لثمان خلون من ذى الحجة، فقتل الناس فى المسجد قتلا ذريعا، ونهب الكعبة، وأخذ كسوتها [وحليها] (¬٣)، ونزع الباب وستائره، وأظهر الاستخفاف به، وقلع الحجر الأسود وأخذه معه - وظن أنه مغناطيس القلوب -، وأخذ الميزاب أيضا.\rوعاد إلى بلده فى المحرم سنة ثمانى عشرة وقد أصابه كدّ شديد، وقد أخذ ستة وعشرين ألف حمل خفا، وضرب آلاتهم وأثقالهم بالنار، واستملك من النساء والغلمان والصبيان.\rما ضاق بهم الفضاء كثرة (¬٤)، وحاصرته هذيل فأشرف على الهلكة حتى عدل به دليل إلى غير الطريق المعروف إلى بلده.\rفلما كان فى شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة سار إلى الكوفة، فعاث عسكره فى","footnotes":"(¬١) الأصل: «مشمومة»، والتصحيح عن (ج).\r(¬٢) كذا فى الأصل، وفى (ج): «فل».\r(¬٣) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج).\r(¬٤) ج: «ما ضاق بهم النعت».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276519,"book_id":167,"shamela_page_id":227,"part":"1","page_num":183,"sequence_num":227,"body":"السواد، وأسروا خلقا، واشتروا أمتعة، ورجعوا - بعد خمسين ليلة أقاموا بها - إلى بلدهم.\rوبعث أبو طاهر سريّة فى البحر نحو أربعين مركبا فوضعوا السيف فى أهل الساحل، ولم يلقوا أحدا إلا قتلوه - من رجل وامرأة وصبى - فما نجا منهم إلا من لحق بالجبال، وسبوا النساء، واجتمع الناس، فقتلوا منهم - فى الحرب معهم - خلقا كثيرا، وأسروا جماعة، ثم تحاملوا عليهم، وتبادوا بالشهادة، وجدوا فقتلوا أكثرهم، وأخذوا جميع من بقى أسرا بحيث لم يفلت منهم أحد، وحملت الأسرى إلى بغداد مع الرءوس - وهم نحو المائة رجل ومائة رأس - فحبسوا ببغداد.\rثم خلصوا وصاروا إلى أبى طاهر فكانوا يتحدثون بعد خلاصهم إلى أبى طاهر أن كثيرا من الكبراء وغيرهم كانوا يرسلون إليهم بما يتقربون به إليهم، وكان سبب خلاصهم مكاتبة جرت بينهم بالمهادنة على أن يردوا الحجر الأسود، ويطلق الأسرى، ولا يعترضوا الحاج، فجرى الأمر على ذلك.\rودخل القرمطى - فى سنة ثلاث وعشرين - إلى الكوفة والحاج قد خرج فى ذى القعدة، وعاد الحاج إلى الكوفة، ولم يقدر على مقاومتهم، فظفر بمن ظفر منهم، فلم يكثر القتل، وأخذ ما وجد.\rوبلغ القرمطى أن رجلا من أصحابه قال:\r«والله ما ندرى ما عند سيدنا أبى طاهر من تمزيق هؤلاء الذين من شرق الأرض وغربها، واتخاذهم ومن وراءهم أعداء، وما يفوز بأكثر أموالهم إلا الأعراب والشّذاذ من الناس، فلو أنه حين ظفر بهم دعاهم إلى أن يؤدى كل رجل منهم دينارا ويطلقهم ويؤمنهم لم يكره ذلك منهم أحد، وخفّ عليهم وسهل، وحجّ الناس من كل بلد، لأنهم ظمأى إلى ذلك جدا، ولم يبق ملك إلا كاتبه وهاداه واحتاج إليه فى حفظ أهل بلده وخاصته، وجاء فى كل سنة من المال ما لا يصير لسلطان مثله من الخراج، واستولى على الأرض وانقاد له الناس؛ وإن منع من ذلك سلطان اكتسب المذمة، وصار عند الناس هو المانع من الحج».\rفاستصوب القرمطى هذا الرأى، ونادى من وقته فى الناس بالأمان، وأحضر الخراسانية،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276520,"book_id":167,"shamela_page_id":228,"part":"1","page_num":184,"sequence_num":228,"body":"فوطّأ أمرهم على أنهم يحجوا ويؤدوا إليه المال فى كل سنة، ويكونوا آمنين على أنفسهم وأموالهم؛ وأخرج أهل مصر أيضا عن الحاج ضرائب من مال السلطان؛ ثم ولى تدبير العراق من لم ير ذلك دناءة ولا منقصة، فصار لهم على الحاج رسما بالكوفة.\rفلما كان سنة خمس وعشرين كبس أبو طاهر الكوفة، وقبض على شفيع اللؤلؤى - أميرها - بأمان، فبعثه إلى السلطان يعرفه أنهم صعاليك لا بد لهم من أموال، فإن أعطاهم مالا لم يفسدوا عليه، وخدموه فيما يلتمسه، وإلا فلا يجدوا بدا من أن يأكلوا بأسيافهم، وبرّ [أبو طاهر] شفيعا ووصله، فوصل شفيع إلى السلطان وعرّفه، فبعث إليهم رجلا فناظر القرمطى، وملأ صدره من السلطان وأتباعه، فزاده انكسارا، وسار عن البلد، فابتلاه الله بالجدرى وقتله؛ فملك التدبير بعده أخوته وابن سنبر.\rفلما كان فى سنة تسع وثلاثين أرادوا أن يستميلوا الناس فحملوا الحجر الأسود إلى الكوفة، ونصبوه فيها على الاسطوانة بالجامع.\rوكان قد جاء عن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب - الملقب زين العابدين (¬١) -:\r«أن الحجر الأسود يعلق فى مسجد الجامع بالكوفة فى آخر الزمان».\rثم قدم به سنبر بن الحسن بن سنبر إلى مكة - وأمير مكة معه - فلما صار بفناء البيت أظهر الحجر من سفط كان به (¬٢) مصونا، وعلى الحجر ضباب فضّة قد عملت (¬٣) عليه، تأخذه طولا وعرضا، تضبط شقوقا حدثت فيه بعد انقلاعه؛ وكان قد أحضر له صانع معه جصّ يشدّ به الحجر، وحضر جماعة من حجبة البيت، فوضع سنبر بن الحسن بن سنبر الحجر بيده فى موضعه - ومعه الحجبة - وشدّه الصانع بالجصّ - بعد وضعه - وقال لما ردّه:\r«أخذناه بقدرة الله، ورددناه بمشيئته».","footnotes":"(¬١) الملقب بزين العابدين هو على بن الحسين، لا محمد ابنه.\r(¬٢) (ج): «معه».\r(¬٣) (ج): «حملت».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276521,"book_id":167,"shamela_page_id":229,"part":"1","page_num":185,"sequence_num":229,"body":"ونظر الناس إليه وقبّلوه والتمسوه (¬١)، وطاف سنبر بالبيت.\rوكان قلع الحجر من ركن البيت يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من ذى القعدة سنة سبع عشرة وثلاثمائة.\rوكان ردّه يوم الثلاثاء لعشر خلون من ذى الحجة - يوم النحر - سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.\rفكانت مدة كينونته عند الجنابى وأصحابه اثنين وعشرين سنة إلا أربعة أيام.\rوكان فى سنة (¬٢) ست عشرة وثلاثمائة (¬٢) قد تحركت القرامطة بسواد الكوفة عند انصراف أبى طاهر القرمطى عن بغداد إلى نحو (¬٣) الشام، وتداعوا إلى الاجتماع (¬٤) فى دار هجرتهم فكثروا، وكبسوا نواحى الوسط (¬٥)، وقتلوا خلقا كثيرا، وملكوا ما حواه العسكر هناك من سلاح وغيره، فقوى أمرهم، وسار بهم عيسى بن موسى والحجازى (¬٦) - وهما داعيان - وكان الحجازى بالكوفة يبيع (¬٧) الخبز، فصحب يزيد النقاش، واجتمع عليهما غلمان، وساروا فنهبوا وأخافوا، والبلد ضعيف لاتصال الفتن وتخريب البورانى لسواده وضعف يد السلطان، وطالبوا جميع أهل السواد بالرحيل إليهم، فاجتمعوا نحو العشرة آلاف، وفرقوا العمال، ورحلوا إلى الكوفة فدخلوها عنوة، وهرب واليها، وولوا على خراجها وعلى حربها، وأحدثوا فى الأذان ما لم يكن فيه، فأنفذ السلطان إليهم جيشا فواقعهم فانهزموا، وقتل منهم مالا يحصى، وغرق منهم وهرب الباقون، وحملت الأسرى إلى بغداد فقتلوا وصلبوا، وحبس عيسى بن موسى مدة، ثم تخلّص بغفلة السلطان وحدوث الفتن آخر أيام المقتدر، فأقام ببغداد يدعو الناس، ووضع كتبا نسبها إلى عبدان الداعى، نسبه فيها إلى الفلسفة، وأنه يعلم ما يكون قبل كونه، فصار له أتباع، وأفسد فسادا عظيما، وصار له خلفاء من بعده مدة.","footnotes":"(¬١) (ج) «واقتمسوه» ولا معنى لها.\r(¬٢) هذه الكلمات ساقطة من (ج).\r(¬٣) هذا اللفظ غير موجود فى (ج).\r(¬٤) النص فى (ج): «ووافوا الى دار هجرتهم».\r(¬٥) كذا فى الأصل، وفى (ج): «نواحى واسط»\r(¬٦) (ج): «الحجارى».\r(¬٧) الأصل: «يبتاع» والتصحيح عن (ج).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276522,"book_id":167,"shamela_page_id":230,"part":"1","page_num":186,"sequence_num":230,"body":"وأما خراسان فقدم إليها بالدعوة أبو عبد الله الخادم فأول ما ظهرت بنيسابور، فاستخلف عند موته أبا سعيد الشعرانى (¬١)، وصار منهم خلق كثير هناك من الرؤساء وأصحاب السلاح.\r(¬٢) وانتشرت فى الرى (¬٢) من رجل يعرف بخلف (¬٣) الحلاج، وكان يحلج القطن، فصرف بها طائفة «الخلفية (¬٤)»، وهم خلق كثير، ومال إليهم قوم من الديلم وغيرهم، وكان منهم أسفار (¬٥) فلما قتل مرداويج أسفار عظمت شوكة القرامطة فى (¬٦) أيامه بالرى وأخذوا (¬٦) يقتلون الناس غيلة حتى أفنوا خلقا كثيرا.\rثم خرج مرداويج إلى جرجان لقتال نصر بن أحمد السامانى، فنفر (¬٧) عليهم وقتلهم مع صبيانهم ونسائهم حتى لم يبق منهم أحد، وصار بعضهم إلى مفلح - غلام ابن أبى الساج - فاستجاب له، ودخل فى دعوته (¬٨).\rفلما كان فى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وقد استعد الحسن بن عبيد الله بن طغج بالرملة لقتال من يرد عليه من قبل جوهر القائد، فورد (¬٩) عليه الخبر بأن القرامطة تقصده، ووافت (¬٩) الرملة فهزموا الحسن بن عبيد الله، ثم جرى بينهم صلح، وصاهر إليهم فى ذى الحجة منها، فأقام القرمطى بظاهر الرملة ثلاثين يوما ورحل.\rوسار جعفر بن فلاح من مصر فهزم الحسن بن عبيد الله بن طغج، وقتل رجاله، وأخذه أسيرا، فسار إلى دمشق فنزل بظاهرها، فمنعه أهل البلد وقاتلوه قتالا شديدا؛ ثم إنه دخلها بعد حروب، وفرّ منه جماعة - منهم ظالم بن موهوب العقيلى، ومحمد بن عصودا - فلحقا بالأحساء إلى القرامطة، وحثوهم على المسير إلى الشام، فوقع ذلك منهم بالموافقة، لأن الإخشيدية","footnotes":"(¬١ و ٢) مكان هذا اللفظ فى (ج) بياض.\r(¬٣) (ج): «بخلق».\r(¬٤) (ج): «فعرف بها طاعته بالخلفية».\r(¬٥) مكان هذا الاسم فى (ج) بياض\r(¬٦) هذه الجملة غير موجودة فى (ج).\r(¬٧) الأصل: «فيغر» و (ج) «فيعز»، وما اثبتناه قراءة ترجيحية.\r(¬٨) (ج): «ودخل القرامطة الشام».\r(¬٩) هذه الجملة لا وجود لها فى (ج)، وانما مكانها بياض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276523,"book_id":167,"shamela_page_id":231,"part":"1","page_num":187,"sequence_num":231,"body":"كانت تحمل إليهم (¬١) فى كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، فلما صارت عساكر المعز إلى مصر مع جوهر، وزالت الدولة الاخشيدية انقطع المال عن القرامطة، فسارت … (¬٢) بعد أن بعثوا عرفاءهم لجمع العرب، فنزلوا الكوفة وراسلوا السلطان ببغداد، فأنفذ إليهم خزانة سلاح، وكتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبى تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان، ورحلوا إلى الرحبة - وعليها أبو تغلب - فحمل إليهم العلوفة والمال الذى كتبا به لهم.\rوجمع جعفر بن فلاح أصحابه واستعدّ لحربهم، فتفرّق الناس عنه إلى مواضعهم، ولم يفكروا بالموكلين على الطرق، وكان رئيس القرامطة الحسن بن أحمد بن أبى سعيد الجنابى، فبعث إليه أبو تغلب يقول:\r«هذا شيء أردت أن أسير أنا فيه بنفسى وأنا مقيم فى هذا الموضع إلى أن يرد علىّ خبرك، فإن احتجت إلى مسيرى سرت إليك».\rونادى فى عسكره:\r«من أراد المسير من الجند الإخشيدية وغيرهم إلى الشام مع الحسن بن أحمد فلا اعتراض لنا عليه؛ فقد أذنا له فى المسير، والعسكران واحد».\rفخرج إلى عسكر القرمطى جماعة من عسكر أبى تغلب، وفيهم كثير من الإخشيدية الذين كانوا بمصر، صاروا إليه - لما دخل جوهر - من مصر وفلسطين؛ وكان سبب هذا الفعل من أبى تغلب أن جعفر بن فلاح كان قد أنفذ إليه من طبرية داعيا يقال له أبو طالب التنوخى - من أهل الرملة - يقول له: «إنى سائر إليك فنقيم الدعوة»، فقال له أبو تغلب - وكان بالموصل -:\r«هذا ما لا يتم لأنا فى دهليز بغداد، والعساكر قريبة منا، ولكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار أمكن ما ذكرتم».\rفانصرف من عنده على غير شيء.\rوبلغ ذلك القرمطى فسرّه وزاده قوة، وسار عن الرّحبة، فأشار أصحاب جعفر - لما قارب","footnotes":"(¬١) الأصل: «عليهم»، والتصحيح عن (ج).\r(¬٢) مكان هذه النقط بياض بالنسختين","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276524,"book_id":167,"shamela_page_id":232,"part":"1","page_num":188,"sequence_num":232,"body":"القرامطة دمشق - أن يقاتلهم بطرف البرية، فخرج إليهم وواقعهم، فانهزم، وقتل لست خلون من ذى القعدة سنة ستين وثلاثمائة.\rونزل القرمطى ظاهر المزّة فجبى مالا، وسار يريد الرملة - وعليها سعادة ابن حيان - فالتجأ إلى يافا، ونزل عليه القرمطى، وقد اجتمعت إليه عرب الشام وأتباع من الجند، فناصبها القتال حتى أكل أهلها الميتة، وهلك أكثرهم جوعا [ثم سار عنها، وترك على حصارها ظالم العقيلى وأبا الهيجا (¬١) بن منجا] (¬٢)، وأقام القرامطة الدعوة للمطيع لله العباسى فى كل بلد فتحوه، وسوّدوا أعلامهم، ورجعوا عما كانوا يمخرقون به، وأظهروا أنهم كأمراء النواحى الذين من قبل الخليفة العباسى.\rونزل على مصر أول ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلاثمائة، فقاتله جوهر على الخندق وهزمه، فرحل إلى الأحساء.\rوأنفذ جوهر جيشا نحو يافا فملكوها، ورحل المحاصرون لها إلى دمشق، ونزلوا بظاهرها، فاختلف ظالم العقيلى وأبو الهيجا بسبب الخراج، فكان كل منهما يريد أخذه للنفقة فى رجاله، وكان أبو الهيجا أثيرا عند القرمطى يولج إليه أموره، ويستخلفه على تدبيره.\rورجع الحسن بن أحمد القرمطى من الأحساء فنزل الرملة ولقيه أبو الهيجا وظالم، وبلغه ما جرى بينهما من الاختلاف، فقبض على ظالم واعتقله مدة ثم خلّى عنه.\rوطرح القرمطى مراكب فى البحر، وشحنها بالمقاتلة، وسيّرها إلى تنّيس وغيرها من سواحل","footnotes":"(¬١) ورد أمام هذا الاسم فى الهامش بالنسختين تعريف به، نصه:\r«أبو الهيجا» هو عبد الله بن على بن المنجا، أحد أصحاب أبى على الحسين بن أحمد بن الحسين بن بهرام القرمطى المنعوت بالأعصم، وكان يرجع اليه لرأيه وسياسته، واستخلفه على دمشق حين رحل الى الأحساء بعد انهزامه من أبى محمود ابراهيم بن جعفر الكتامى، فقصده ظالم بن موهوب العقيلى من بعلبك بمراسلة، فاستأمن الى ظالم عدة من أصحاب أبى الهيجا لمنعه عنهم العطاء وقلة ماله، فأسره ظالم يوم السبت لعشر خلون من رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وجهزه أبو محمود هو وابنه فى قفصين الى مصر فحبسا بها».\r(¬٢) هذه الجملة وردت فى نسخة الأصل بعد لفظى «الخليفة العباسى» أى بعد السطرين التاليين وهذا مكانها فى نسخة (ج) وهو أنسب للمعنى والسياق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276525,"book_id":167,"shamela_page_id":233,"part":"1","page_num":189,"sequence_num":233,"body":"مصر، وجمع من قدر عليه من العرب وغيرهم، وتأهّب للمسير إلى مصر، هذا بعد أن كان القوامطة أولا يمخرقون بالمهدى، ويوهمون أنه صاحب المغرب، وأن دعوتهم إليه، ويراسلون الإمام المنصور إسماعيل بن محمد القائم بن عبيد الله المهدى، ويخرجون إلى أكابر أصحابهم أنهم من أصحابه إلى أن افتضح كذبهم بمحاربة القائد جوهر لهم، وقتله كثيرا منهم، وكسره القبة التى كانت لهم.\rفلما نزل المعز لدين الله القاهرة عند ما قدم من المغرب وقد تيقن أخبار القرامطة كتب إلى الحسن بن أحمد القرمطى كتابا عنوانه:\r«من عبد الله ووليّه، وخيرته وصفيه، معد أبى تميم المعز لدين الله، أمير المؤمنين، وسلالة خير النبيين، ونجل على أفضل الوصيين إلى الحسن بن أحمد»:\r﷽\rرسوم النطقاء، ومذاهب الأئمة والأنبياء، ومسالك الرسل والأوصياء، السالف والآنف منا، صلوات الله علينا وعلى آبائنا، أولى الأيدى والأبصار، فى متقدم الدهور والأكوار، وسالف الأزمان والأعصار، عند قيامهم بأحكام الله، وانتصابهم لأمر الله، الابتداء بالإعذار، والانتهاء بالإنذار، قبل إنفاذ الأقدار، فى أهل الشقاق والإصار لتكون الحجة على من خالف وعصى، والعقوبة على من باين وغوى، حسب ما قال الله جلّ وعزّ:\r«وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً» (¬١).\rو «وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ» (¬٢).\rوقوله سبحانه: «قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي، وَ سُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) الآية ١٥، السورة ١٧ (الاسراء)\r(¬٢) الآية ٢٤، السورة ٣٥ (فاطر)\r(¬٣) الآية ١٠٨، السورة ١٢ (يوسف).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276526,"book_id":167,"shamela_page_id":234,"part":"1","page_num":190,"sequence_num":234,"body":"«فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ» (¬١).\rأما بعد، أيها الناس فإنا نحمد الله بجميع محامده، ونمجده بأحسن مماجدة، حمدا دائما أبدا، ومجدا عاليا سرمدا، على سبوغ نعمائه، وحسن بلائه، ونبتغى إليه الوسيلة بالتوفيق والمعونة على طاعته، والتسديد فى نصرته، ونستكفيه ممايلة الهوى والزيغ عن قصد الهدى، ونستزيد منه إتمام الصلوات، وإفاضات البركات، وطيب التحيات، على أوليائه الماضين، وخلفائه التالين، منا ومن آبائنا الراشدين المهديين المنتخبين، الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون.\rأيها الناس: «قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها» (¬٢) ليذكر من يذكر، وينذر من أبصر واعتبر.\rأيها الناس: إن الله جلّ وعزّ إذا أراد أمرا قضاه، وإذا قضاه أمضاه، وكان من قضائه فينا قبل التكوين أن خلقنا أشباحا، وأبرزنا أرواحا، بالقدرة مالكين، وبالقدوة قادرين، حين لاسماء مبنية، ولا أرض مدحية، ولا شمس تضئ، ولا قمر يسرى، ولا كوكب يجرى، ولا ليل يجن، ولا أفق يكن، ولا لسان ينطق، ولا جناح يخفق، ولا ليل ولا نهار، ولا فلك دوّار، ولا كوكب سيّار.\rفنحن أول الفكرة وآخر العمل، بقدر مقدور، وأمر فى القدم مبرور، فعند تكامل الأمر وصحة العزم، وإنشاء الله - جلّ وعزّ - المنشآت، وإبداء الأمهات من الهيولات، طبعنا أنوارا وظلما، وحركة وسكونا.\rوكان من حكمه السابق فى علمه ما ترون من فلك دوّار، وكوكب سيّار، وليل ونهار، وما فى الآفاق من آثار معجزات، وأقدار باهرات، وما فى الأقطار من الآثار، وما فى النفوس من الأجناس والصور والأنواع، من كثيف ولطيف، وموجود ومعدوم، وظاهر وباطن، ومحسوس وملموس، ودان وشاسع، وهابط وطالع.","footnotes":"(¬١) الآية ١٣٧، السورة ٢ (البقرة).\r(¬٢) الآية ١٠٤، السورة ٦ (الانعام).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276527,"book_id":167,"shamela_page_id":235,"part":"1","page_num":191,"sequence_num":235,"body":"كلّ ذلك لنا ومن أجلنا، دلالة علينا، وإشارة إلينا، يهدى به الله من كان [له] لب سجيح، ورأى صحيح، (¬١) قد سبقت له منا (¬٢) الحسنى، فدان بالمعنى.\rثم إنه - جلّ وعلا - أبرز من مكنون العلم ومخزون الحكم، آدم وحوا أبوين ذكرا وأنثى، سببا لإنشاء البشريّة، ودلالة لإظهار القدرة القويّة؛ وزواج بينهما فتوالدا الأولاد، وتكاثرت الأعداد، ونحن ننتقل فى الأصلاب الزكيّة، والأرحام الطاهرة المرضية، كلما ضمنا صلب ورحم أظهر منا قدرة وعلم، وهلم جرّا إلى آخر الجدّ الأول، والأب الأفضل، سيد المرسلين، وإمام النبيين، أحمد ومحمد صلوات الله عليه وعلى آله فى كل ناد ومشهد، فحسن آلاؤه، وبان غناؤه، وأباد المشركين، وقصم الظالمين، وأظهر الحق، واستعمل الصدق، وظهر بالأحديّة، ودان بالصمدية؛ فعندها سقطت الأصنام، وانعقد الإسلام، وانتشر الإيمان، وبطل السحر والقربان، وهربت الأوثان، وأتى بالقرآن، شاهدا بالحق والبرهان، فيه خبر ما كان وما يكون إلى يوم الوقت المعلوم، منبئا عن كتب تقدمت، فى صحف قد تنزلت، تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة ونورا وسراجا منيرا.\rوكل ذلك دلالات لنا، ومقدمات بين أيدينا، وأسباب لإظهار أمرنا، هدايات وآيات وشهادات، وسعادات قدسيات، إلهيات أزليات، كائنات منشآت، مبدئات معيدات،\rفما من ناطق نطق، ولا نبى بعث، ولا وصىّ ظهر، إلا وقد أشار إلينا، ولوّح بنا، ودلّ علينا فى كتابه وخطابه، ومنار أعلامه، ومرموز كلامه، فيما هو موجود غير معدوم، وظاهر وباطن، يعلمه من سمع الندا، وشاهد ورأى، من الملأ الأعلى؛ فمن أغفل منكم أو نسى، أو ضلّ أو غوى، فلينظر فى الكتب الأولى، والصحف المنزلة، وليتأمل آى (¬٣) القرآن، وما فيه من البيان، وليسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم، فقد أمر الله ﷿ بالسؤال، فقال:\r«فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) أضيف ما بين الحاصرتين عن (ج)، وبه يستقيم المعنى.\r(¬٢) هذا اللفظ غير موجود فى (ج).\r(¬٣) (ج): «الى»\r(¬٤) الآية ٤٣، السورة ١٦ (النحل)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276528,"book_id":167,"shamela_page_id":236,"part":"1","page_num":192,"sequence_num":236,"body":"وقال ﷾: «فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (¬١)».\rألا تسمعون قول الله حيث يقول: «وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (¬٢)» وقوله تقدست أسماؤه: «ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (¬٣).\rوقوله له العزة: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ» (¬٤).\rومثل ذلك فى كتاب الله تعالى جده كثير، ولولا الإطالة لأتينا على كثير منه\rومما دل به علينا، وأنبأ به عنا،، قوله ﷿:\r«كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ، وَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (¬٥).\rوقوله فى تفضيل الجد الفاضل والأب الكامل محمد - صلى الله عليه، وعليه السلام - إعلاما بجليل قدرنا، وعلو أمرنا:\r«وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» (¬٦).\rهذا مع ما أشار ولوّح، وأبان وأوضح، فى السرّ والإعلان، من كل مثل مضروب، وآية وخبر وإشارة ودلالة، حيث يقول:\r«وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ» (¬٧).","footnotes":"(¬١) الآية ١٢٢، السورة ٩ (التوبة)\r(¬٢) الآية ٢٨، السورة ٤٣ (الزخرف).\r(¬٣) الآية ٣٤، السورة ٣ (آل عمران).\r(¬٤) الآية ١٣، السورة ٤٢ (الشورى).\r(¬٥) الآية ٣٥، السورة ٢٤ (النور).\r(¬٦) الآية ٨٧، السورة ١٥ (الحجر).\r(¬٧) الآية ٤٣، السورة ٢٩ (العنكبوت).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276529,"book_id":167,"shamela_page_id":237,"part":"1","page_num":193,"sequence_num":237,"body":"وقال ﷾:\r«إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَ اِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (¬١)».\rوقوله جل وعز:\r«سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (¬٢)».\rفإن اعتبر معتبر، وقام وتدبر ما فى الأرض وما فى الأقطار والآثار، وما فى النفس من الصور المختلفات، والأعضاء المؤتلفات، والآيات والعلامات، والاتفاقات والاختراعات، والأجناس والأنواع، وما فى كون الإبداع من الصور البشرية، والآثار العلوية، وما يشهد به حروف المعجم، والحساب المقوّم، وما جمعته الفرائض والسنن، وما جمعته السنون من فصل وشهر ويوم، وتصنيف القرآن من تحزيبه وأسباعه، ومعانيه وأرباعه، وموضع الشرائع المتقدمة، والسنن المحكمة، وما جمعته كلمة الإخلاص فى تقاطيعها وحروفها وفصولها، وما فى الأرض من إقليم وجزيرة، وبرّ وبحر، وسهل وجبل، وطول وعرض، وفوق وتحت، إلى ما اتفق عليه فى جميع الحروف من أسماء المدبرات السبعة النطقا، والأوصياء والخلفاء، وما صدرت به الشرائع من فرض وسنة وحدوثة (¬٣)، وما فى الحساب من أحاد وأفراد، وأزواج وأعداد، تثاليثه وترابيعه واثنى عشريته وتسابيعه، وأبواب العشرات والمئين والألوف، وكيف تجتمع وتشتمل على ما اجتمع عليه ما تقدم من شاهد عدل وقول صدق، وحكمة حكيم وترتيب عليم.\rفلا إله إلا هو له الأسماء الحسنى والأمثال العلى.\r«وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها» (¬٤).\r«وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» (¬٥).","footnotes":"(¬١) الآية ١٩٠، السورة ٣ (آل عمران).\r(¬٢) الآية ٥٣، السورة ٤١ (فصلت).\r(¬٣) (ج): «وحدوسة».\r(¬٤) الآية ٣٤، السورة ١٤ (ابراهيم).\r(¬٥) الآية ٧٦، السورة ١٢ (يوسف).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276530,"book_id":167,"shamela_page_id":238,"part":"1","page_num":194,"sequence_num":238,"body":"«وَ لَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ﴾ ﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ» (¬١).\rوليعلم من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أنا كلمات الله الأزليات، وأسماؤه التامات، وأنواره الشعشعانيات، وأعلامه النّيّرات، ومصابيحه البينات، وبدائعه المنشآت، وآياته الباهرات، وأقداره النافذات، لا يخرج منا أمر، ولا يخلو منا عصر.\rوإنا لكما قال الله ﷾: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (¬٢).\rفاستشعروا النظر فقد نقر فى الناقور، وفار التنور، وأتى النذير بين يدى عذاب شديد، فمن شاء فلينظر، ومن شاء فليتدبر، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.\rوكتابنا هذا من فسطاط مصر، وقد جئناها على قدر مقدور، ووقت مذكور، فلا نرفع قدما ولا نضع قدما إلا بعلم موضوع، وحكم مجموع، وأجل معلوم، وأمر قد سبق، وقضاء قد تحقق.\rفلما دخلنا وقد قدّر المرجفون من أهلها أن الرجفة تنالهم، والصعقة تحلّ بهم، تبادروا وتعادوا شاردين، وجلوا عن الأهل والحريم والأولاد والرسوم، وإنا لنار الله الموقدة، التى تطّلع على الأفئدة، فلم أكشف لهم خبرا، ولا قصصت لهم أثرا، ولكنى أمرت بالنداء، وأذنت بالأمان، لكل باد وحاضر، ومنافق ومشاقق، وعاص ومارق، ومعاند ومسابق، ومن أظهر صفحته وأبدى لى سوءته، فاجتمع الموافق والمخالف، والبائن والمنافق، فقابلت الولىّ بالإحسان، والمسئ بالغفران، حتى رجع النادّ والشارد، وتساوى الفريقان، واتفق الجمعان، وانبسط القطوب، وزال الشحوب، جريا على العادة بالإحسان، والصفح والامتنان، والرأفة والغفران، فتكاثرت الخيرات، وانتشرت البركات.","footnotes":"(¬١) الآية ٢٧، السورة ٣١ (لقمان).\r(¬٢) الآية ٧، السورة ٥٨ (المجادلة).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276531,"book_id":167,"shamela_page_id":239,"part":"1","page_num":195,"sequence_num":239,"body":"كلّ ذلك بقدرة ربانية، وأمرة برهانية، فأقمت الحدود، بالبينة والشهود، فى العرب والعبيد، والخاص والعام، والبادى والحاضر، بأحكام الله ﷿ وآدابه، وحقه وصوابه، فالولى آمن جذل، والعدو خائف وجل.\rفأما أنت الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدى آبائه وأجداده، المنسلخ عن دين أسلافه وأنداده، والموقد لنار الفتنة، والخارج عن الجماعة والسنة، فلم أغفل أمرك، ولا خفى عنى خبرك، ولا استتر دونى أثرك، وإنك منى لبمنظر ومسمع، كما قال الله جلّ وعزّ:\r«إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى﴾ (¬١)»، «ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (¬٢)».\rفعرفنا على أى رأى أصلت، وأى طريق سلكت: أما كان لك بجدك أبى سعيد أسوة، وبعمل أبى طاهر قدوة؟\rأما نظرت فى كتبهم وأخبارهم ولا قرأت وصاياهم وأشعارهم؟\rأكنت غائبا عن ديارهم وما كان من آثارهم؟\rألم تعلم أنهم كانوا عبادا لنا أولى بأس شديد، وعزم سديد، وأمر رشيد وفعل حميد، يفيض إليهم موادنا، وينشر عليهم بركاتنا، حتى ظهروا على الأعمال، ودان لهم كلّ أمير ووال، ولقبوا بالسادة فسادوا، منحة منا واسما من أسمائنا، فعلت أسماؤهم، واستعلت هممهم، واشتد عزمهم، فسارت إليهم وفود الآفاق، وامتدت نحوهم الأحداق، وخضعت لهيبتهم الأعناق، وخيف منهم الفساد والعناد، وأن يكونوا لبنى العباس أضداد، فعبئت الجيوش، وسار إليهم كل خميس بالرجال المنتجبة، والعدد المهذبة، والعساكر الموكبة، فلم يلقهم جيش إلا كسروه (¬٣)، ولا رئيس إلا أسروه، ولا عسكر إلا كسروه، وألحاظنا ترمقهم، ونصرنا يلحقهم، كما قال الله جلّ وعزّ:\r«إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (¬٤)»، «وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (¬٥)»، وإن حزبنا لهم المنصورون.","footnotes":"(¬١) الآية ٤٦، السورة ٢٠ (طه).\r(¬٢) الآية ٢٨، السورة ١٩ (مريم).\r(¬٣) فى النسختين: «كروه».\r(¬٤) الآية ٥١، السورة ٤٠ (غافر)\r(¬٥) الآية ١٧٣، السورة ٣٧، (الصافات)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276532,"book_id":167,"shamela_page_id":240,"part":"1","page_num":196,"sequence_num":240,"body":"فلم يزل ذلك دأبهم، وعين الله ترمقهم، إلى أن اختار لهم ما اختاره (¬١) من نقلهم من دار الفناء، إلى دار البقاء، ومن نعيم يزول إلى نعيم لا يزول، فعاشوا محمودين، وانتقلوا مفقودين، إلى روح وريحان وجنّات النعيم، فطوبى لهم وحسن مآب.\rومع هذا فما من جزيرة فى الأرض ولا إقليم إلا ولنا فيه حجج ودعاة يدعون إلينا، ويدلون علينا، ويأخذون بيعتنا، ويذكرون رجعتنا، وينشرون علمنا، وينذرون بأسنا، ويبشرون بأيامنا، بتصاريف اللغات واختلاف الألسن، وفى كل جزيرة وإقليم رجال منهم يفقهون، وعنهم يأخذون، وهو قول الله ﷿.\r«وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (¬٢)».\rوأنت عارف بذلك.\rفيا أيها الناكث الحانث ما الذى أرداك وصدّك؟\rأشيء شككت فيه؛ أم أمر استربت به، أم كنت خليا من الحكمة، وخارجا عن الكلمة، فأزالك وصدّك، وعن السبيل ردّك؟ إن هى إلا فتنة لكم ومتاع إلى حين.\rوأيّم لله لقد كان الأعلى لجدك، والأرفع لقدرك، والأفضل لمجدك، والأوسع لوفدك، والأنضر لعودك، والأحسن لعذرك، الكشف عن أحوال سلفك وإن خفيت عليك، والقفو لآثارهم وإن عميت لديك، لتجرى على سننهم، وتدخل فى زمرهم، وتسلك فى مذهبهم، أخذا بأمورهم فى وقتهم، وزيهم (¬٣) فى عصرهم، فتكون خلفا قفا سلفا بجد وعزم مؤتلف، وأمر غير مختلف.\rلكن غلب الران على قلبك، والصدى على لبك، فأزالك عن الهدى، وأزاغك عن البصيرة والضيا، وأمالك عن مناهج الأولياء، وكنت من بعدهم كما قال الله ﷿:\r«فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا» (¬٤).","footnotes":"(¬١) ج: «اختاره لهم ما اختاروه».\r(¬٢) الآية ٤، السورة ١٤ (ابراهيم).\r(¬٣) (ج) «وزمرهم».\r(¬٤) الآية ٥٩، السورة ١٩ (مريم).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276533,"book_id":167,"shamela_page_id":241,"part":"1","page_num":197,"sequence_num":241,"body":"ثم لم تقنع فى انتكاسك، وترديتك فى ارتكاسك، وارتباكك وانعكاسك، من خلافك الآباء ومشيك القهقرى، والنكوص على الأعقاب، والتسمى بالألقاب، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، وعصيانك مولاك، وجحدك ولاك، حتى انقلبت على الأدبار، وتحملت عظيم الأوزار، لتقيم (¬١) دعوة قد درست، ودولة قد طمست، إنك لمن الغاوين، وإنك لفى ضلال مبين.\rأم تريد أن ترد القرون السالفة، والأشخاص الغابرة؟\rأما قرأت كتاب السفر، وما فيه من نص وخبر؟\rفأين يذهبون إن هى إلا حياتكم الدنيا، تموتون وتظنون أنكم لستم بمبعوثين، «قُلْ بَلى وَ رَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ» (¬٢).\rأما علمت أن المطيع آخر ولد العباس، وآخر المترايس فى الناس؟\rأما تراهم «كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ» (¬٣)؟\rختم والله الحساب، وطوى الكتاب، وعاد الأمر إلى أهله، والزمان إلى أوله، وأزفت الآزفة، ووقعت الواقعة، وقرعت القارعة، وطلعت الشمس من مغربها، والآية من وطنها، وجئ بالملائكة والنبيين وخسر هنالك المبطلون، هنالك الولاية لله الحق والملك لله الواحد القهار، فله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر الله من يشاء، «يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ، وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ» (¬٤).\rفقد ضلّ عملك، وخاب سعيك، وطلع نحسك، وغاب سعدك (¬٥)، حين آثرت الحياة","footnotes":"(¬١) أمام هذا اللفظ بالهامش فى النسختين: «يعنى أنه يريد اقامة دولة بنى العباس بكونه أخذ منهم السلاح والمال من أبى تغلب بن حمدان، وقدم يقاتل المعز نصرة لهم».\r(¬٢) الآية ٧، السورة ٦٤ (التغابن).\r(¬٣) الآيتان ٧ و ٨، السورة ٦٩ (الحاقة)\r(¬٤) الآية ٢، السورة ٢٢ (الحج).\r(¬٥) ج: «سعيك».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276534,"book_id":167,"shamela_page_id":242,"part":"1","page_num":198,"sequence_num":242,"body":"الدنيا على الآخرة، ومال بك الهوى، فأزالك عن الهدى، فإن تكفر أنت ومن فى الأرض جميعا فإن الله هو الغنى الحميد.\rثم لم يكفك ذلك - مع بلائك وطول شقائك - حتى جمعت أرجاسك وأنجاسك، وحشدت أوباشك وأقلاسك، وسرت قاصدا إلى دمشق وبها جعفر بن فلاح فى فئة قليلة من كتامة وزويلة، فقتلته وقتلتهم، - جرأة على الله وردّا لأمره -، واستبحت أموالهم، وسبيت نساءهم، وليس بينك وبينهم ترة ولا ثأر، ولا حقد ولا أضرار، فعل بنى الأصفر والترك والخزر؛ ثم سرت أمامك ولم ترجع، وأقمت على كفرك ولم تقلع، حتى أتيت الرملة وفيها سعادة بن حيان فى زمرة قليلة وفرقة يسيرة، فاعتزل عنك إلى يافا، مستكفيا شرك، وتاركا حربك، فلم تزل ماكثا على نكثك باكرا وصابحا، وغاديا ورائحا، تقعد لهم بكل مقعد، وتأخذ عليهم بكل مرصد، وتقعدهم بكل مقصد، كأنهم ترك وروم وخزر، لا ينهك عن سفك الدماء دين، ولا يردعك عهد ولا يقين، قد استوعب من الردى حيزومك، وانقسم على الشقاء خرطومك.\rأما كان لك مذكر، وفى بعض أفعالك مزدجر؛ أو ما كان لك فى كتاب الله ﷿ معتبر حيث يقول:\r«وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً» (¬١)؟\rفحسبك بها فعلة تلقاك يوم ورودك وحشرك حين لا مناص، ولا لك من الله خلاص، ولم تستقبلها، وكيف تستقبلها وأنى لك مقيلها؟\rهيهات، هيهات، هلك الضالون، وخسر هنالك المبطلون، وقلّ النصير، وزال العشير؛ ومن بعد ذلك تماديك فى غيّك، ومقامك فى بغيك، عداوة لله ولأوليائه، وكفرا لهم وطغيانا، وعمى وبهتانا.\rأتراك تحسب أنك مخلّد أم لأمر الله راد؟","footnotes":"(¬١) الآية ٩٣، السورة ٤ (النساء).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276535,"book_id":167,"shamela_page_id":243,"part":"1","page_num":199,"sequence_num":243,"body":"أم «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ [يَأْبَى] اللهُ [إِلاّ أَنْ] يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (¬١).\rهيهات لا خلود لمذكور، ولا مردّ لمقدور، ولا طافئ لنور، ولا مقر لمولود، ولا قرار لموعود، لقد خاب منك الأمل، وحان لك الأجل، فإن شئت فاستعد للتوبة بابا، وللنقلة جلبابا، فقد بلغ الكتاب أجله، والوالى أمله، وقد رفع الله قبضته عن أفواه حكمته، ونطق من كان بالأمس صامتا، ونهض من كان هناك خائفا، ونحن أشباح فوق الأمر والنفس، دون العقل وأرواح فى القدس، نسبة ذاتية، وآيات لدنية، نسمع ونرى، «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا» (¬٢)، «وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ» (¬٣).\rونحن معرضون ثلاث خصال - والرابعة أردى لك، وأشقى لبالك، وما أحسبك تحصل إلا عليها - فاختر:\rإما قدت نفسك لجعفر بن فلاح، وأتباعك بأنفس المستشهدين معه بدمشق والرملة من رجاله ورجال سعادة بن حيّان، ورد جميع ما كان لهم من رجال وكراع ومتاع إلى آخر حبة من عقال ناقة وخطام بعير - وهى أسهل ما يرد عليك -.\rوإما أن تردهم أحياء فى صورهم وأعيانهم وأموالهم وأحوالهم - ولا سبيل لك إلى ذلك ولا اقتدار -.\rوإما سرت ومن معك بغير زمام ولا أمان فأحكم فيك وفيهم بما حكمت، وأجريك على إحدى ثلاث: إما قصاص، وإما منا بعد؟ وإما فدى، فعسى أن يكون تمحيصا لذنوبك، وإقالة لعثرتك.","footnotes":"(¬١) الآية ٣٢، السورة ٩ (التوبة)\r(¬٢) الآية ٥٢، السورة ٤٢ (الشورى)\r(¬٣) الآية ١٩٨، السورة ٧ (الأعراف).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276536,"book_id":167,"shamela_page_id":244,"part":"1","page_num":200,"sequence_num":244,"body":"وإن أبيت إلا فعل اللعين: «فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، * وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (¬١)».\rأخرج منها فما يكون لك أن تتكبر (¬٢) فيها، وقيل اخسئوا فيها ولا تكلمون، فما أنت إلا كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فلا سماء تظلك ولا أرض تقلك، ولا ليل يجنك، ولا نهار يكنك، ولا [علم يسترك] (¬٣)، ولا فئة تنصرك؛ قد تقطعت بكم الأسباب، وأعجزكم الذهاب، فأنتم كما قال الله ﷿: «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ (¬٤)».\rفلا ملجأ لكم من الله يومئذ ولا منجى منه؛ وجنود الله فى طلبك قافية، لا تزال ذو أحقاد، وثوار أهجاد، ورجال أنجاد، فلا تجد فى السماء مصعدا، ولا فى الأرض مقعدا، ولا فى البر ولا فى البحر منهجا، ولا فى الجبال مسلكا، ولا إلى الهواء سلما، ولا إلى مخلوق ملتجا.\rحينئذ يفارقك أصحابك، ويتخلى عنك أحبابك، ويخذلك أترابك، فتبقى وحيدا فريدا، وخائفا طريدا، وهائما شريدا، قد ألجمك العرق، وكظك القلق، وأسلمتك ذنوبك، وازدراك خزيك، «كَلاّ لا وَزَرَ، * إِلى رَبِّكَ (¬٥) يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (¬٦)»، «هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ» (¬٧)، «و-ُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ، * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ * أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ» (¬٨).\rواعلم أنا لسنا بممهليك ولا مهمليك إلا ريثما يرد كتابك، ونقف على فحوى","footnotes":"(¬١) الآيتان ٣٤ و ٣٥، السورة ١٥ (الحجر).\r(¬٢) ج: «تنكب».\r(¬٣) أضيف ما بين الحاصرتين عن (ج)\r(¬٤) الآية ١٤٣، السورة ٤ (النساء)\r(¬٥) بهذا اللفظ تنتهى نسخة (ج)، وكل ما أتى بعد ذلك تنفرد به نسخة الأصل وهى نسخة وحيدة لا ثانى لها فى العالم - فيما نعلم حتى الآن.\r(¬٦) الآيتان ١٠ و ١١، السورة ٧٥ (القيامة).\r(¬٧) الآيتان ٣٤ و ٣٥، السورة ٧٧ (المرسلات).\r(¬٨) الآيتان ٤٠ - ٤٢،، السورة ٨٠ (عبس).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276537,"book_id":167,"shamela_page_id":245,"part":"1","page_num":201,"sequence_num":245,"body":"خطابك، فانظر لنفسك يا شقى ليومك ومعادك قبل انغلاق باب التوبة، وحلول وقت النوبة، حينئذ لا ينفع نفسا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا.\rوإن كنت على ثقة من أمرك، ومهل فى أمر عصرك وعمرك، فاستقر بمركزك، وأربع على ضلعك، فلينالنّك ما نال من كان قبلك من عاد وثمود، «وَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَ قَوْمُ تُبَّعٍ، كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ» (¬١)، فلنأتينكم بجنود لا قبل لكم بها ولنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون بأولى بأس شديد، وعزم سديد، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، بقلوب نقية، وأرواح تقية، ونفوس أبية، يقدمهم النصر، ويشملهم الظفر، تمدهم ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.\rفما أنت وقومك إلا كمناخ نعم، أو كمراح غنم؛ فإما نرينك الذى وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون، وأنت فى القفص مصفودا، ونتوفينك فإلينا مرجعهم فعندها تخسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، «فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى، * لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلّى﴾ (¬٢)»، «كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ، بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ»﴾.\rفليتدبر من كان ذا تدبر، وليتفكر من كان ذا تفكر، وليحذر يوم القيامة من الحسرة والندامة، «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (¬٣)»، ويا حسرتنا على ما فرطنا، ويا ليتنا نردّ فنعمل غير الذى كنا نعمل، هيهات غلبت عليكم شقاوتكم وكنتم قوما بورا.\rوالسلام على من اتبع الهدى، وسلم سن عواقب الردى، وانتمى إلى الملأ الأعلى، وحسبنا الله وكفى، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير.\rالحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا النبى [الأمى] والطيبين من عترته، وسلم تسليما.\rفأجاب [الحسن بن الأعصم] بما نصه:\r«من الحسن بن أحمد القرمطى الأعصم:","footnotes":"(¬١) الآية ١٤، السورة ٥٠ (ق).\r(¬٢) الآيات ١٤ - ١٦، السورة ٩٢ (الليل)\r(¬٣) الآية ٥٦، السورة ٣٩ (الزمر).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276538,"book_id":167,"shamela_page_id":246,"part":"1","page_num":202,"sequence_num":246,"body":"﷽\rوصل إلينا كتابك الذى كثر تفصيله، وقلّ تحصيله، ونحن سائرون على إثره، والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل» (¬١).\rوسار الحسن بن أحمد القرمطى بعد ذلك إلى مصر، فنزل بعسكره بلبيس، وبعث إلى الصعيد بعبد الله بن عبيد الله أخى الشريف مسلم، وانبثت سراياه فى أرض مصر، فتأهب المعزّ وعرض عساكره فى ثالث رجب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وأمر بتفرقة السلاح على الرجال، ووسّع عليهم فى الأرزاق، وسيّر معهم الأشراف والعرب.\rوسيّر معهم المعزّ ابنه الأمير عبد الله، فسار بمظلته وبين يديه الرجال والسلاح والكراع والبنود وصناديق الأموال والخلع، وسيّر معه أولاده وجميع أهله وجمعا من جند المصريين خلا الشريف مسلم، فإنه أعفاه من ذلك.\rوانبسطت سرية القرمطى فى نواحى أسفل الأرض (¬٢)، فأنفذ المعز عبده ريّان الصقلبى فى أربعة آلاف، فأزال القرامطة عن المحلة ونواحيها وقتل وأسر.\rولثمان خلون منه قدمت سرية القرامطة إلى الخندق، فبرز إليهم المغاربة فهزموهم، ثم كرّوا على المغاربة فقتلوا منهم جماعة وأسروا؛ وفر إليهم علىّ بن محمد الخازن فالتحق بالقرامطة.\rوورد الخبر بأن عبد الله بن عبيد الله أخا مسلم أوغل فى الصعيد، وقتل، واستخرج الأموال، وأسرف فى قتل المغاربة وأسرهم، ثم كر راجعا إلى خميم.\rولست عشرة خلت منه جمع المعزّ أولاد الإخشيدية وغيرهم من الجند واعتقلهم.\rوفى سلخه طيف بتسعة من القرامطة على الإبل بالبرانس ومعهم ثلاث رءوس؟","footnotes":"(¬١) انظر كذلك نص هذا الرد فى: (على بن ظافر الأزدى: الدول المنقطعة، مخطوطة دار الكتب المصرية، ص ٤٩ ا).\r(¬٢) أى الوجه البحرى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276539,"book_id":167,"shamela_page_id":247,"part":"1","page_num":203,"sequence_num":247,"body":"وفيه سار عسكر المعز مع ابنه عبد الله فنزل جبّ عميرة، ونزلت عسكر القرمطى نصفين:\rنصف مع النعمان أخى الحسن بن أحمد الأعصم مواجهة لعبد الله بن المعز، ونصف مع الحسن بسطح الجب.\rفبعث عبد الله العساكر، فأحاطت بالحسن بن أحمد، وعسكر وزحف إلى النعمان فقاتله فانهزم، وقتل من أصحابه، وواقع الآخرون الحسن حتى كاد أن يؤخذ، فإنهم أحاطوا به، وصار فى وسطهم؛ فاغتنم فرجة مضى منها على وجهه؛ ونهب سواده وأخذت قبته (¬١)، وأسر رجاله، وأخذ من عسكره وعسكر أخيه خلق كثير، وأخذ جماعة ممن كان مع المصريين.\rووصل الكتاب مع الطائر إلى عبد الله بن عبيد الله أخى مسلم بهزيمة القرامطة - وهو بالصعيد -، فعدّى إلى الجانب الشرقى لينقلب إلى الشام، فبلغه مسير عساكر المعز فعاد إلى الجانب الغربى.","footnotes":"(¬١) ورد فى ورقة منفصلة بين الصفحتين شرح للقبة هذا نصه: «فى ورقة ملصوقة بهذا المحل بخطة ما مقاله»:\rكان من محاريق القرامطة القبة، وهى ان أبا طاهر بن أبى سعيد الجنابى كانت عادته فى الحرب أن يفرد طائفة من عسكره - فرسانا ورجالة - عن القتال، يقفون معه ولا يقاتل .. ولا يقاتلون، فاذا كل المقاتلة عن القتال حمل هو بنفسه فى الطائفة المستريحة التى لم تحضر القتال، فقاتل وقد كلوا منهزمين عنه، فلما مات ضعفت هيبة القرامطة بعده عن .. رجالهم، وترتيب وقوفهم - كما ذكرنا -، فرجعوا الى المحرقة، وأقاموا قبة كالعمارية على جمل وقالوا: «ان النصر ينزل من هذه القبة فى وقت معلوم»، وأخذوا من حب الكحل ومن اللؤلؤ الكبار وجعلوه فى صرة مع فحمة ومدخنة بداخل القبة، واذا أرادوا الحمل على عسكر من يحاربوه صعد رجل منهم الى القبة، وقدح النار فى المجمرة، وأخبر حب الكحل، وأرى القواد والناس بياضه (كذا) من بعيد وهم لا يعرفونه، ثم يطرحه على النور، فيفرقع فرقعة شديدة، ويبعد من غير دخان، فيظن القوم ذلك شيئا، ويحملون على أعدائهم ومعهم القبة، ولا .. منها شيء، ولا يوقد ذلك الا عند ما يقول صاحب العسكر: «قد نزل النصر» وذلك أنه يقف مع القبة قطعة من الجيش مستريحة لا تقاتل، وهو مستخف معهم، وأكثر القوم يقاتلون وهم بالقبة من وراء المقاتلة، فمن انهزم من مقاتلتهم وحل دمه وقتل فاذا أحس بأنهم قد كلوا أمر بعمل ما قلنا فى القبة، وحمل بها فى الطائفة المستريحة فهزم من عساه يكون، وما زالت محرقتهم هذه يموهون بها الى أن كسرت هذه القبة فى الرملة، ثم أخذها عبد الله بن المعز خارج القاهرة، فقلت عند ذلك مهابة القرامطة بما ذهب من قيمتهم، وبهذا قدروا على قتل جعفر بن فلاح، وانهم كانوا لا يسيرون بالقبة الا كمن يسير الى أمر ممهد، فيقولون: نزل النصر، وتشد قلوبهم وتقوى، فلما سارت القبة من غير معارضة حتى يكون الظفر لهم».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276540,"book_id":167,"shamela_page_id":248,"part":"1","page_num":204,"sequence_num":248,"body":"وورد كتاب الطائر إلى المعز من الأمير عبد الله ابنه بأنّ عبد الله أخا مسلم قد أخذ، فأرسل المعز إلى أخيه أبى جعفر مسلم يخبره، فخلع على البشير.\rوكانت فى البرية سرية للمعز قد أخذوا الطريق على عبد الله أخى مسلم، فوقع فى أيديهم فى الليل رجل بدوى، فقال: «أنا عبد الله أخو مسلم» فجاء إلى الأمير عبد الله، فكتب إلى الطائر يأخذ عبد الله، فلما جئ بالبدوى من الغد إلى الأمير عبد الله وهو فى معسكره - وكان فى مجلسه عبد الله بن الشويخ - فقال للأمير عبد الله:\r«ما هذا عمى عبد الله».\rفبطل القول.\rوكان خبر هذا البدوى أنه كان معه عبد الله أخى مسلم بالصعيد، وعبر معه يريد الشام، فأراد أن يسقى دوابه، فقال له البدوى:\r«ما نأمن أن يكون على الماء طلب، فدعنى أتقدمك، فإن لم أجد أحدا جئتك، وإن أبطأت عليك فاعلم أنى أخذت».\rفلما وافى البدوى البئر أخذ فقال لهم: «أنا عبد الله أخو مسلم» ليشغلهم عن طلبه، فلما أبطأ البدوى على عبد الله علم أن الطلب قد أخذوه، فكرّ راجعا وعاد إلى الجانب الغربى، وركب البحر إلى عينونا، ومضى إلى الحجاز.\rوكان هاروق على عسكر للمعز، فرأى أصحابه عبد الله، فأفلت منهم على فرس دهماء عربية بعد ما حط قبته وقطعها بسيفه، فظفر هاروق بنوقه، ووصل عبد الله إلى المدينة النبوية، وجلس يتحدث فى المسجد، فقبل له:\r«إن الكتب قد سبقتك، وبذلك فيك مال عظيم».\rفنهض لوقته، وتوجه إلى الأحساء، فاستنهض القرامطة، فلم يكن فيهم نهضة، فوبخهم لما رأى من عجزهم، وقال:\r«أرونى ما عندكم من القوة التى تقاومون بها صاحب مصر».\rفأوقفوه على ما عندهم من المال والسلاح والكراع، فاستقلّه وقال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276541,"book_id":167,"shamela_page_id":249,"part":"1","page_num":205,"sequence_num":249,"body":"«بهذا تقاومون صاحب مصر والشامات والمغرب؟».\rوانصرف عنهم إلى العراق، فأتبعوه برجل يقال إنه من بنى سنبر، فسمّه فى لبن بموضع يقال له النصيرية - على ميلين من البصرة - فقام مائتى مجلس فى ليلة ومات بموضعه، فغسّل وكفن وأدخل البصرة، فصلى عليه ودفن بها إلى أن جاء حسن بن طاهر بن أحمد فحمله إلى المدينة.\rوورد الخبر بذلك إلى المعز، فأخبر الناس بموته وموت المطيع، فإنّ ابنه سمّه أيضا، كما سمت القرامطة عبد الله أخا مسلم.\rوأما أخبار القرامطة ففى كتب المؤرخين من المشارقة المتعصبين على الدولة الفاطمية أن سبب انهزام الحسن بن أحمد القرمطى من عساكر المعز أن العرب لما أنكت بمسير سراياها بأرض مصر رأى المعز أن يفل عساكر القرامطة وجموعهم بمخادعة حسّان (¬١) بن الجراح الطائى - أمير العرب ببلاد الشام -، وكان قدم مع القرمطى فى جمع عظيم قوى به عسكر القرمطى؛ فبعث المعز إلى ابن الجراح وبذل له مائة ألف دينار على أن يفل عسكر القرمطى، فأجاب إلى ذلك، وأن المعز استكثر المال، فعمل دنانير من نحاس وطلاها بالذهب، وجعلها فى أكياس، ووضع على رأس كل كيس منها دنانير يسيرة من الذهب ليغطى ما تحتها، وشدت الأكياس وحملت إلى ثقة من ثقات ابن الجراح بعد ما كانوا استوثقوا منه وعاهدوه أنه لا يغدر بهم، فلما وصل إليه المال تقدّم إلى كبراء أصحابه بأن يتبعوه إذا تواقف العسكران وقامت الحرب، فلما اشتد القتال ولى ابن الحراج؟؟؟ منهزما واتبعه أصحابه - وكان فى جمع كبير -\rفلما رآه القرمطى - وقد انهزم تحيّر، فكان جهده أن قاتل بمن معه حتى تخلص،","footnotes":"(¬١) ورد فى الهامش بالأصل تعريف بهذا الرجل، نصه:\r«حسان بن على بن مفرج بن دغفل بن حرام بن شبيب بن مسعود بن سعيد بن … بن … بن … بن علقى بن حوط بن عمرو بن خالد بن معدان بن … أفلت بن سلسلة بن عمرو بن سلسلة بن غانم بن ثور بن معن بن … بن عنين بن سلامان بن … بن عمرو بن الغوث بن طى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276542,"book_id":167,"shamela_page_id":250,"part":"1","page_num":206,"sequence_num":250,"body":"وكانوا قد أحاطوا به من كل جانب، فخشى على نفسه وانهزم، واتبعوه ودخلوا عسكره، فظفروا منه بنحو من (ص ٣٥ ا) ألف وخمسمائة رجل، فأخذوهم أسرى، وانتهبوا العسكر.\rولما كان لخمس بقين من شعبان أنفذ المعز أبا محمود إبراهيم بن جعفر إلى الشام خلف القرمطى فى عسكر يقال مبلغه عشرون ألفا، فظفر فى طريقه بجماعة من أصحاب القرمطى، فبعث بهم إلى مصر.\rوسار الحسن بن أحمد القرمطى فنزل أذرعات، وأنفذ أبا الهيجا فى طائفة إلى دمشق.\rوبعث المعز إلى ظالم بن موهوب العقيلى (¬١) لما بلغه ما وقع بينه وبين القرمطى، فاستماله ليكون عونا على القرمطى، فسار يريد بعلبك، فوافاه الخبر بهزيمة القرمطى ونزول أبى الهيجا دمشق، فسار القرمطى ودخل البرية يريد بلده وفى نيته العود.\rوكان للحسن بن أحمد القرمطى هذا شعر، فمنه فى أصحاب المعز لدين الله:\rزعمت رجال الغرب أنّى هبتها … فدمى إذا ما بينهم مطلول\rيا مصر إن لم أسق أرضك من دم … يروى ثراك، فلا سقاك النيل\rولما كان فى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ورد إسحاق وجعفر الهجريان من القرامطة فملكا الكوفة، وخطبا لشرف الدولة، فانزعج الناس لذلك لما فى النفوس من هيبتهم وبأسهم، وكان من الهيبة ما أنّ عضد الدولة بن بويه وبختيار أقطعاهم الكثير، وكان لهم ببغداد نائب يعرف بأبى بكر بن ساهويه يتحكّم تحكم الوزراء، فقبض عليه صمصام الدولة بن عضد الدولة، فلما ورد القرامطة الكوفة كتب إليهما صمصام الدولة يتلطفهما ويسألهما عن سبب حركتهما،","footnotes":"(¬١) توجد بهامش الأصل أمام هذا اللفظ اضافة نصها:\r«بخطه: فبعث عضد الدولة فناخسرو الديلمى من العراق عسكرا الى الأحساء، وبها يومئذ أبو يعقوب بن أبى سعيد الجنابى، عم الحسن بن أحمد الأعصم، ففر أبو يعقوب، وأخذ العسكر ما كان فى الأحساء، فقدم الاعصم منهزما من الشام فيمن بقى معه، فانضم اليه عمه، وسار وأوقع بالعسكر، واستباحه قتلا ونهبا، فقويت نفسه، وكاتب العرب فأتوه، وبعث رسولا الى المعز يطلب الموادعة».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276543,"book_id":167,"shamela_page_id":251,"part":"1","page_num":207,"sequence_num":251,"body":"فذكرا أنّ قبض نائبهم هو السبب فى قصدهم البلاد، وبثّا أصحابهما فجبوا المال، فأرسل صمصام الدولة العساكر ومعهم العرب، فعبروا الفرات إليه وقاتلوه وأسروا، فانجلت الوقائع بينهم وبين العساكر عن هزيمة القرامطة، وقتل مقدمتهم فى جماعة، وأسر عدة، ونهب سوادهم، فرحل من بقى منهم من الكوفة، وتبعهم العساكر إلى القادسية فلم يدركوهم، وزال من حينئذ بأسهم.\rوفى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة جمع شخص يعرف بالأصفر من بنى المتفق جمعا كثيرا [وكان] بينه وبين جمع من القرامطة وقعة شديدة قتل فيها مقدم القرامطة، وانهزم أصحابه وقد قتل منهم وأسر كثير، فسار الأصفر إلى الأحساء وقد تحصّن منه القرامطة بها، فعدّى إلى القطيف وأخذ ما كان فيها من مال وعبيد ومواشى، وسار بها إلى البصرة (¬١).","footnotes":"(¬١) يوجد بهامش الأصل أمام هذا اللفظ: «بياض نحو نصف صفحة» مما يدل على أن المؤلف كان يريد أن يضيف هنا معلومات أخرى تملأ نصف صفحة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276544,"book_id":167,"shamela_page_id":252,"part":"1","page_num":208,"sequence_num":252,"body":"ولنرجع إلى بقية أخبار المعز لدين الله أبى تميم معد الفاطمى بانى القاهرة فنقول:\rلما انهزم الحسن بن أحمد القرمطى خرج فى شعبان من سنة ثلاث وستين وثلاثمائة الأشراف والقاضى أبو طاهر، والفقهاء، والشهود، ووجوه التجار، وكثير من الرعيّة إلى المعسكر لتهنئة الأمير عبد الله بن المعز بالفتح، وكان معسكره بظاهر مشتول، فأكرمهم وأضافهم، وانصرفوا من الغد.\rوللنصف من شعبان صرف المعزّ الحسن بن عبد الله عن الأحباس بمحمد بن أبى طاهر القاضى، ومحمد بن إقريطش ضمانا بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم فى كل سنة، تدفع إلى المستحقين حقوقهم، ويحمل الباقى إلى بيت المال.\rوطيف بأربعين رأسا جئ بها من الصعيد من أصحاب أخى مسلم.\rوفى أول شهر رمضان دخل الأمير عبد الله بعساكره إلى القاهرة - بعد فراغه من قتال القرامطة - بالأسارى والرءوس - وهو بمظلته - فجلس له أبوه المعزّ فى القبة على باب قصره لينظره، فلما عاين الأمير عبد الله مجلس أبيه المعز ترجل وقبّل الأرض، ونزل أهل العسكر كلهم بنزوله، ومشى إلى القصر والناس معه مشاة.\rوورد الخبر بدخول أبى محمود إلى الرملة بغير قتال، وأنه استأمن إليه جماعة من عسكر القرامطة.\rوفيه قبض المعز على جماعة من السعاة والعيّارين الذين يؤذون الناس وسجنهم.\rووافى رسول ملك الروم برسالة، فاجتمع الناس للنظر إليه، وجلس له المعز على السرير الذهب، فدخل إليه، وقبل الأرض مرارا، وأذن له بالجلوس على وسادة، وكان علىّ بن الحسين - قاضى أذنة - حاضرا فقال:\r«يا أمير المؤمنين صلى الله عليك، هذا - وأشار إلى الرسول - آفة على الإسلام، والمؤذى للمسلمين والأسارى».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276545,"book_id":167,"shamela_page_id":253,"part":"1","page_num":209,"sequence_num":253,"body":"فنظر إليه المعز منكرا عليه وأخرج؛ وتكلم الرسول فى الهدنة، وأخذ المعز كتابه، وأنزل فى دار.\rوفيه أطلق المعز طنجمية (؟)، وهم عشرة لكل واحد ثمانمائة رباعى ذهبا، وزنها مائتى مثقال.\rووردت الأخبار بأن القرمطى فرّ على وجهه، وتمزقت عساكره، فلم يفلحوا إلى اليوم.\rوطيف بأسارى من القرامطة على الإبل بالبرانس، وعدتهم ألف وثلاثمائة، مقدمهم مفلح المنجمى ببرنس كبير على جمل بثوب مشهر مكتوب على ظهره اسمه وما عمل، وخلفه جماعة من وجوه القرامطة، وبين أيديهم الرءوس على الحراب وعدتها آلاف، وكان يوما عظيما واجتماعا كثيرا؛ فلما فرغوا من التطواف اعتقلوا بالقاهرة.\rوفيه خرج المعز على فرس، وقد اجتمع الناس من الأشراف والقواد والعمال والكتاب والمغاربة، فوقفوا بين يديه، فقال لهم:\r«قد أنعم الله ﷿ وتفضّل وخوّل، ومكّن، ونريد الحجّ وزيارة قبر جدى رسول الله ﷺ والجهاد، فايش يقصر عن هذا؟ إن قلت ليس عندى مال، إنى لكاذب؛ وإن قلت ليس عندى كراع وسلاح، إنى لكاذب؛ وإن قلت ليس عندى رجال، إنى لكاذب؛ اللهم أعنى بنية أقوى من نيتى».\rوفيه خرج الأمر بقتل الأسارى الذين فى الاعتقال، فقتلوا عن آخرهم، وحفرت لهم أخاديد ودفنوا، فلما بلغ المعز ذلك قال:\r«والله ما أمرت بقتلهم، ولقد أمرت بإطلاقهم، ويدفع لكل منهم ثلاثة دنانير».\rواغتمّ لذلك وتصدّق وأعتق.\rوورد الخبر بقتل على بن أحمد العقيقى من الأشراف، وابنه ذا من يح (كذا) الحسينى وأن البادية قتلهم بالصعيد، وكانوا من أصحاب أخى مسلم.\rوفيه قبض أبو إسماعيل الرّسّى على ابنه على بن إبراهيم، وأخبر المعز، فقال له المعز:\r«يكون عندك محتفظا به»، وكان أيضا من أصحاب أخى مسلم الذين ظاهروا مع القرمطى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276546,"book_id":167,"shamela_page_id":254,"part":"1","page_num":210,"sequence_num":254,"body":"وبعث أبو محمود بعمال الشام، فجاسوا فى بستان الإخشيد بالقاهرة.\rوفى يوم عيد الفطر ركب المعز وصلى بالناس على رسمه وخطب.\rوفيه ورد الخبر بدخول أبى محمود إبراهيم بن جعفر إلى دمشق، وتمكّن سلطانه بها وقوته، وأنه قبض على جماعة أبى الهيجاء القرمطى وابنه، واستأمن إليه جماعة من الإخشيدية والكافورية، وأخذ محمد بن أحمد بن سهل النابلسى، وسيّره مع الجماعة إلى المعز.\rوكان من خبر أبى محمود إبراهيم بن جعفر أنه سار من الرملة، ونزل على أذرعات، وقد سار ظالم بن موهوب العقيلى نحو دمشق بمراسلة أبى محمود ليتفقا على أبى الهيجاء القرمطى، وكان أبو الهيجاء بن منجا القرمطى بدمشق فى نحو الألفى رجل، وقد طلب منه الجند مالا، فقال: «ما معى مال»، ووافى ظالم بن موهوب العقيلى عقبة دمر، فخرج إليه أبو الهيجاء وابنه بمن معه، ففرّ عدة من الجند، ولحقوا بظالم مستأمنين إليه، فقوى بهم، وسار بهم فأحاط بأبى الهيجاء، فلم يقدر على الفرار، فأخذه وابنه، بعد أن وقعت فيه ضربة، وانقلب العسكر كله مع ظالم، فملك دمشق لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وستين، فحبس أبا الهيجاء وابنه، وقبض على جماعة من أصحابه، وأخذ أموالهم.\rثم إنه طلب شيخا من أهل الرملة يقال له أبو بكر محمد بن أحمد النابلسى - كان يرى قتال المغاربة وبغضهم ويرى أن ذلك واجب - ويقول: «لو أن معى عشرة أسهم لرميت تسعة فى المغاربة وواحدا فى الروم».\rوكان الحسن بن أحمد القرمطى لما انهزم عن مصر، سار أبو بكر النابلسى إلى دمشق، فأخذه ظالم بن موهوب وحبسه، ونزل أبو محمود على دمشق لثمان بقين من رمضان، فتلقاه ظالم، فأنس به أبو محمود، فأخرج إليه أبا الهيجاء بن منجا القرمطى وابنه وأبا بكر بن النابلسى، فعمل لكل واحد منهم قفصا من خشب، وحملهم إلى مصر، فدخلوا إلى القاهرة فى شوال، فطيف بهم على الإبل بالبرانس والقيود، وابن النابلسى ببرنس على جمل وهو مقيد، والناس يسبونه ويشتمونه ويجرون برجله من فوق الجمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276547,"book_id":167,"shamela_page_id":255,"part":"1","page_num":211,"sequence_num":255,"body":"وكان معهم بضع وعشرون رجلا من القرامطة على الإبل، فلما فرغوا من التطواف، ردوا إلى القصر، فعدل بأبى الهيجا وابنه وبقية القرامطة إلى الاعتقال، وسيق ابن النابلسى إلى المنظر ليسلخ، فلما علم بذلك رمى بنفسه على حجارة ليموت، فردّ على الجمل، فعاد ورمى نفسه ثانيا، فردّ وشدّ وأسرع به إلى المنظر، فسلخ وحشى جلده تبنا، ونصبت جثته وجلده على الخشب عند المنظر.\rوأقام أبو محمود بدمشق وهى مضطربة قد كثر فيها الغوغاء وحمّال السلاح، وعظم النهب فى القرى، وأخذت القوافل، فلم يقدر أبو محمود على ضبط أصحابه لقلة ماله، فلم يكونوا يفكرون فيه ولا يرجعون عن شيء ينهاهم عنه، وأخذوا فى النهب، وظالم بن موهوب يأخذ أموال السلطان من البلد ولا يدفع إلى أبى محمود شيئا منها، ويحتج أنه أخذ البلد من أبى الهيجاء وسار إليه بمكاتبة المعزّ له.\rهذا وكلّ من الفريقين يخاف الآخر، وقد علم ظالم أن أهل دمشق تكره المغاربة، فكان يدارى الأمر، وكثر قطع المغاربة للطريق، فامتنع الناس من الذهاب والمجئ، وهرب أهل القرى إلى المدينة، وأوحش ظاهر البلد، فوقع بين المغاربة وبين أهل البلد الحرب [أياما] كثيرة، قام فيها ظالم مع أهل البلد وقاتل المغاربة، فانهزم وسار إلى بعلبك، ووقع الحريق فى البلد، واشتدّ القتال، فخرج وجوه أهل البلد إلى أبى محمود ولطفوا به، فقال لهم:\r«ما نزلت لقتالكم، وإنما نزلت لأرد هؤلاء الكلاب عنكم» - يعنى أصحابه -.\rففرح الناس واستبشروا وجاءوا إلى خيمته، واختلطت الرعية بأصحابه، وزال عنهم الخوف، ودخل المغاربة فيما يحتاجون إليه، فولى أبو محمود الشرطة لرجلين: أحدهما مغربى، والآخر من الإخشيدية، فدخلا فى جمع عظيم إلى المدينة بالزمر، فجلسوا فى الشرطة، وكان يطوف لهم طوف فى الليل، ومع ذلك فلم ينكسر حمّال السلاح ممن يطلب الفتنة، فرهب أبو محمود على مشايخ البلد وتهددهم، فثار أهل الشر من الدماشقة، ورأس الشطّار فيهم ابن الماورد بسبب منازعة أهل البلد مع مغربى بسبب صبى، فأراد المغربى أخذه، فرفع البلدى السيف وقتل المغربى فى السوق، فعادت الفتنة، وشهروا السلاح، فاضطرب البلد، وغلقت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276548,"book_id":167,"shamela_page_id":256,"part":"1","page_num":212,"sequence_num":256,"body":"الأسواق، وثار العسكر من جهة المقتول، وصاح الناس فى البلد بالنفير، وكبّروا على الأسطحة، وخرج ابن الماورد فى جماعة، فاشتدّ القتال بين الفريقين، وألقى المغاربة النار فى الدور، فخرج وجوه البلد ومشايخهم إلى أبى محمود، وما زالوا به حتى بعث إلى العسكر - وقد كادوا يغلبون أهل البلد - فكفّهم عن القتال؛ وكان ذلك فى آخر ذى الحجة، فسكن الأمر، وخرج الناس إلى أبى محمود، ودخل صاحب الشرطة المغربى، إلا أن أهل الغوطة كانوا قد أووا إلى البلد خوفا من النهب، وكان فيهم ذعّار، وفى المدينة قوم من أهل الشر، فاجتمعوا يأخذون المستضعفين، ويجبون مستغلات الأسواق، ويكبسون المواضع وينتهبونها، فحسنت أحوالهم، وكانوا يكرهون تمكن السلطان، فهلك لذلك كثير من الناس.\rومرّ صاحب الشرطة فى الليل - وهو يطوف البلد - برجل معه سيف، فأخذه وقتله، فأصبح أهل الشر وقد خشوا من تنديد (؟) السلطان لهم، فثاروا بالسلاح إلى صاحب الشّرطة، ففرّ منهم هو وأصحابه إلى معسكرهم، وصعد العامة إلى المآذن، فصيحوا:\r«النفير إلى الجامع».\rفثار الناس بالسلاح، وركب عسكر أبى محمود وطرحوا النار فيما بقى، واشتد القتال، وكثر القتل والحريق، وعظم الخوف على البلد، وعلا الضجيج، وذلك لثلاث خلون من المحرم سنة أربع وستين.\rفبات الناس على ذلك، وأصبحوا وقد اشتدت الحرب وقويت الدماشقة ونشأ فيهم من أهل الشر غلام يقال له ابن شرارة وقد ترأّس، وآخر يقال له ابن بوشرات وابن المغنية، وقسّم لكل واحد منهم حزب بأعلام وأبواق، فأظهرت المغاربة قوتها وبذلوا سيوفهم فى كل من قدروا عليه من الرعية ممن وجدوه بظاهر البلد.\rواستمر القتال أكثر المحرم، فخرج قوم المستورين إلى أبى محمود وما زالوا به حتى أجابهم إلى الصلح، وصرف صاحبى شرطته، وولى أبا الثريا - من بانياس - أميرا كان على الأكراد، فعبر البلد أول صفر وقد أكمن له عدّة من أهل الشر، فثاروا به، ووضعوا السلاح فى أصحابه، فقتل من أصحابه، وانهزم إلى أبى محمود، فركب العسكر وأخذوا كثيرا من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276549,"book_id":167,"shamela_page_id":257,"part":"1","page_num":213,"sequence_num":257,"body":"الناس، ووقع النفير فى البلد، واستمر القتال بين الفريقين صفر وربيع الأول، ثم وقع الصلح فى أثناء ربيع الآخر.\rوولى محمود جيش بن الصمصامة البلد، فأقام أياما؛ ثم إن الناس ثاروا وقتلوا عدة من المغاربة، وساروا يريدون جيشا، ففرّ منهم، ونهبوا ما كان له، فعادت الحرب وطرح النار فى المواضع.\rوأمر أبو محمود بأن تقصد أهل الشر دون غيرهم من الناس، غير أن الرعية كانت تقاتل معهم، فاشتد القتال إلى أول جمادى الأولى، ونصبوا الحرب يوما بعد يوم من بكرة النهار إلى آخره، والبلد ممتنع فى جميع هذه الحروب، والقتال من ظاهره، ومعظمه على باب كيسان إلى باب شرقى، وباب الصغير إلى باب الجابية.\rوكان عسكر أبى محمود من المغاربة عشرة آلاف سوى من تبعهم من غيرهم ومن حضروا من الساحل، فكانت الحرب مستمرة، تارة تظهر المغاربة على الدماشقة، وتارة تهزم الدماشقة المغاربة، وكانت المغاربة لا تظفر بأحد إلا قطعوا رأسه، فقتلوا خلقا كثيرا.\rوخلت الغوطة بحيث لم يبق فيها أحد، وانحصر البلد فلم يقو واحد يدخل إليه بشئ البتة، فغلت الأسعار، وبطل البيع والشراء، وقطع الماء عن البلد، فعدم الناس القنى والحمامات، فكانت الأسواق مغلقة، والنساء جلوس على الطرق، والرجال تصيح: «النفير»، فساءت حال كثير من الناس فى هذه الفتنة، وماتوا على الطرق من القرّ والبرد، وهم مع ذلك مجتهدون فى القتال، ونصبوا العرّادات على أبواب البلد، فلم تبطل الحرب يوما من الأيام، وفى الليل تضرب الأبواق فيثور الناس من فرشهم، ويسيرون بالمشاعل فيقيمون إلى الصباح.\rفلما تفاقم الأمر، واشتد البلاء، وقوى أهل الشر من أهل البلد، وأكلوا أموال الناس، كتب مشايخ البلد إلى محمود فى الصلح، وأحضروا ابن الماورد وابن شرارة وزجروهم، وانصرفوا على أن أحدا لا يعارض السلطان فى البلد، وقد فتح المسلمون المصاحف، والنصارى الإنجيل، واليهود التوراة، واجتمعوا بالجامع، وضجوا بالدعاء، وداروا المدينة - وهى منشورة على رءوسهم -.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276550,"book_id":167,"shamela_page_id":258,"part":"1","page_num":214,"sequence_num":258,"body":"وبلغ المعزّ ما وقع بدمشق من الحروب، وما صارت إليه من الخراب، فكتب إلى ريّان الخادم - وهو بطرابلس - أن يسير إلى دمشق، وينظر فى أمر الرعية، ويصرف أبا محمود عن البلد؛ فقدم ريّان إلى دمشق، وأمر أبا محمود بالرحيل، فسار فى عدد قليل من عسكره، وتأخّر أكثرهم مع ريّان، ونزل أبو محمود فى الرملة، وورد عليه كتاب المعز يوبخه؛ وكان صرف أبى محمود عن دمشق فى شعبان سنة أربع وستين.\rهذا ما كان من خبر دمشق.\rوأما القاهرة فإنّه طيف [فيها] فى ذى القعدة سنة ثلاث وستين بنيف وأربعين رأسا جئ بها من الصعيد.\rوفى ذى الحجة نودى أن لا تلبس امرأة سراويل كبارا (¬١)، ووجد سراويل فيه خمس شقاق، وآخر قطع من ثمانى شقاق دبيقى (¬٢).\rوفيه هلك رسول ملك الروم، فسيّره المعز فى تابوت إلى بلد الروم.\rوركب المعز لكسر الخليج.\rوفيها منع المعز من وقود النيران ليلة النيروز فى السكك [و] من صبّ الماء يوم النوروز (¬٣).\rوكثر الإرجاف بمسير الروم إلى أنطاكية.\rوفى يوم عرفة نصبت الشمسة فى القصر.","footnotes":"(¬١) الأصل: «كبيرا».\r(¬٢) نسبة الى دبيق احدى المدن المشهورة بصناعة النسيج فى مصر فى العصر الاسلامى، راجع الخطط للمقريزى.\r(¬٣) نقل المقريزى هذا النص بكلماته فى كتابه (الخطط، ج، ٢، ص ٣١) ونسبه الى الحسن ابن زولاق، والنوروز أو النيروز كلمة فارسية معناها اليوم الجديد، وعيد النوروز هو عيد اول السنة القبطية، وكان الاقباط يحتفلون به قديما، وظلوا يحتفلون به فى العصر الاسلامى فى أول يوم من شهر توت وهو اول شهور السنة القبطية، وكان من عادة الأقباط فى الاحتفال بهذا العيد أن يشربوا الخمر ويتراشوا بالماء وبالخمر فى الطرقات، انظر تفصيل الحديث عن عيد النوروز فى نفس المرجع، ص ٣٠ - ٣٣، وانظر كذلك ما يلى هنا فى حوادث سنة ٣٦٤ هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276551,"book_id":167,"shamela_page_id":259,"part":"1","page_num":215,"sequence_num":259,"body":"وصلّى المعز صلاة العيد، وخطب على الرسم الذى تقدم ذكره، وانصرف إلى القصر، فأطعم على الناس.\rوانتهت زيادة ماء النيل إلى سبع عشرة ذراعا، وجرى الرسم فى الجائزة والخلع والحملان لابن أبى الردّاد (¬١) على العادة.\rوفيها حدث وباء بمصر فمات خلق كثير.\rومات القاضى أبو حنيفة النعمان (¬٢) بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون.","footnotes":"(¬١) كان المتفق عليه فى تاريخ مصر الاسلامية أن يحتفل بوفاء النيل اذا بلغ الفيضان ستة عشر أو سبعة عشر ذراعا، ويعتبر النيل مقصرا اذا قل عن الرقم الأول.\rويعتبر الفيضان خطرا اذا زاد عن الرقم الثانى.\rوكانت النصارى تتولى قياس النيل منذ الفتح العربى الى زمن الخليفة المتوكل، فعزلهم واختار رجلا مسلما صالحا يسمى عبد الله بن عبد السلام بن أبى الرداد المؤدب، وأجرى عليه سليمان بن وهب صاحب خراج مصر يومئذ سبعة دنانير فى كل شهر، وبقيت هذه الوظيفة فى نسل هذا الرجل «ابن أبى الرداد» حتى القرن التاسع الهجرى، كما يقرر ذلك السيوطى فى حسن المحاضرة، والمقريزى فى الخطط، والقلقشندى فى صبح الأعشى. انظر كذلك (الاحتفال بوفاء النيل فى مصر الاسلامية) فصل من كتاب (دراسات فى التاريخ الاسلامى للدكتور جمال الدين الشيال، بيروت، ١٩٦٥، ص ٧٨ - ٨٤)\r(¬٢) فى الاصل: «القاضى أبو حنيفة محمد بن النعمان بن محمد. الخ» وهو غير صحيح، فهو القاضى أبو حنيفة النعمان، ولم يكن محمد من اسمائه، بل محمد ابنه، وقد اختلفت المراجع فى ذكر سنة ولادته، والمرجح أنه ولد فى العشر الأخير من القرن الثالث وتوفى سنة ٣٦٣ بالقاهرة. ويعرف فى تاريخ الدعوة الفاطمية باسم القاضى النعمان تمييزا له عن سميه ابى حنيفة النعمان صاحب المذهب السنى المعروف، وكان فقيها كبيرا واتصل بخلفاء الفاطميين منذ قيام الدولة، وأتى الى مصر صحبة المعز وولى بها القضاء مشاركة مع أبى الطاهر الذهلى الذى كان يلى القضاء قبل الفتح الفاطمى، وكان النعمان فقيه الشيعة الأكبر وهو الذى دون الفقه الشيعى الاسماعيلى فى كتب كثيرة أهمها كتاب «دعائم الاسلام» الذى نشره أخيرا فى القاهرة آصف على فيضى، ولا زال هذا الكتاب عمدة طائفة البهرة بالهند.\rوقد نبغ من أسرة بنى النعمان عدد كبير من العلماء والفقهاء تولوا جميعا القضاء، وتولى بعضهم الدعوة بالقاهرة وتركوا أثرا كبيرا فى الحياة العقلية بمصر فى العصر الفاطمى قرابة قرن من الزمان، ولاستيفاء ترجمة القاضى النعمان وأسرته راجع: (مقدمة آصف على فيضى لكتاب دعائم الاسلام، القاهرة ١٩٥١) و (محمد كامل حسين: فى أدب مصر الفاطمية، القاهرة ١٩٥٠) و (A.A.A.Fyzee:Qadi an-Nu'man،THe Fatimid Judye and author.J.R.A.S. ١٩٣٤.P.I - ٣٢) . و (ديوان المؤيد فى الدين داعى الدعاة، نشر محمد كامل حسين) و (الكندى: الولاة والقضاة) و (مقدمة الدكتور محمد كامل حسين لكتاب الهمة فى آداب أتباع الأئمة) و (ابن خلكان: وفيات الأعيان) و (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج ٤ و (ابن حجر: رفع الأصر عن قضاة مصر، النسخة الخطية بدار الكتب) و (Ivanow:Guide to Ismaili Literature) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276552,"book_id":167,"shamela_page_id":260,"part":"1","page_num":216,"sequence_num":260,"body":"ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة\rوالخليفة أمير المؤمنين المعز لدين الله معد.\rوالخراج ووجوه الأموال إلى يعقوب بن كلّس وعسلوج.\rوالقاضى أبو طاهر محمد بن أحمد.\rوالشرطة السفلى إلى جبر بن القاسم.\rوالشرطة العليا إلى جبر المسالمى.\rوصاحب المظلّة شفيع الخادم الصقلبى.\rوالطبيب موسى بن العازار.\rوإمام الجمعة عبد السميع بن عمر العباسى.\rوصاحب بيت المال محمد بن الحسين بن مهذب.\rوإمام الخمس الحسن بن موسى الخيّاط.\rوالمحتسب عبد الله بن ذلال.\rوفى المحرم قدم أفلح الناشب من برقة، فخرج إليه بالجيزة وجوه الدولة والقاضى والرعية وأنزل بمكان.\rوورد الخبر بخلع نفسه وبيعة ابنه الطائع.\rوأطلق أبو الهيجاء بن منجا القرمطى وابنه، وخلع عليه وحمل، وأطلق معه بضعة عشر من القرامطة.\rولست بقين من ربيع الآخر توفيت أم المعز.\rوفى جمادى الأولى أطلق المعزّ الجائزة لوفد الحجاز من الأشراف وغيرهم، ومبلغها أربعمائة ألف درهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276553,"book_id":167,"shamela_page_id":261,"part":"1","page_num":217,"sequence_num":261,"body":"وقلّد أبا الحسن محمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن الحسينى الكوفى قضاء الشامات، ودار الضرب، والحسبة، وحمل على بغلة وبرذون ومعه ثلاثة عشر تخت، وستة آلاف درهم، وكتب له سجل.\rوضمّن أبو عبد الله الحسن بن إبراهيم الرسّى، وأبو طاهر سهل بن قمامة خراج الأشمونين وحربها، وخلع عليهما، وسارا بالبنود والطبول.\rوضمّن أبو الحسن على بن عمر العدّاس كورة بوصير وأعمالها، وخلع عليه وحمل، وسار بالبنود والطبول.\rواعتلّ الأمير عبد الله بن المعز، ومات لسبع بقين منه - بعد جدته بتسعة عشر يوما - فجلس المعز للعزاء، ودخل الناس بغير عمائم، وفيهم من شوّه نفسه وأظهر الجزع الشديد، فكان المعز يسكنهم ويقول:\r«اتقوا الله، وارجعوا إلى الله».\rوغلّقت الأسواق، ثم جلس الناس بزيهم، ومنهم قيام، فأمر القاضى محمد بن النعمان بغسله، والمعز يتحدث، ويسأل عن آى من القرآن، وعن معانيها، لأن القراء كانوا يقرءون، ووصف ابنه عبد الله بالفضل والبر، فقال له أبو جعفر مسلم:\r«أعوذ بالله من فقد الولد البار»\rفقال له المعز:\r«فما تقول فى الولد العاق والأخ العاق؟» - يعرّض له بابنه جعفر وبأخيه عبد الله، وكونهما مع القرامطة -.\rفقال له أبو جعفر مسلم:\r«إذا بليت بالولد العاق والأخ العاق كان فى الله وفى بقاء مولانا منهما عوض.\rفقال له المعز: «لا صان الله من لا يصونك، ولا أكرم من لا يكرمك، ولا أعزّ من لا يعزك، ولا أجلّ من لا يجلك».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276554,"book_id":167,"shamela_page_id":262,"part":"1","page_num":218,"sequence_num":262,"body":"فقام أبو جعفر وقبّل الأرض هو وجماعة من فى المجلس، وشكروه على قوله.\rثم خرج تابوت عبد الله، وحوله أهل الدولة بالصراخ والبكاء، فصلى عليه المعز، ودخل معه حتى واراه فى القصر.\rوفى جمادى الآخرة ورد الخبر بموت عبد الله أخى مسلم بظاهر البصرة - كما تقدّم -، وبموت المطيع ببغداد، وأن موته كان فى المحرم، وأن ابنه الطائع سمّه، وأن فتنة وقعت ببغداد بين الترك والديلم، وبين الرعية والشيعة، وغلا السعر، ونهبت الأسواق والدور، وأن أبا تغلب بن حمدان رحل إلى بغداد متوسطا بين الطائع وبختيار.\rوفيه سار نصير الخادم الصقلبى - عبد المعز - إلى الشام فى عسكر كثير، ودخل بيروت.\rوفى أول رجب أصلح جسر القسطاط، ومنع الناس من ركوبه، وقد كان أقام سنين (¬١) معطلا.\rوركب المعز إلى المقس، وسار على شط النيل، ومعه أبو طاهر القاضى يحدثه، حتى عبر الجسر إلى الجزيرة، فمضى إلى المختار.\rوفيه وردت رءوس من المغرب عدتها ثلاثة آلاف، فطيف بها، وذلك أن خلف بن جبر صعد فى بنى هواس إلى قلعه منيعة، فاجتمع عليه كثير من البربر، فزحف إليه يوسف ابن زيرى، فكانت بينه وبينهم حروب عظيمة قتل فيها خلائق كثيرة حتى أخذ القلعة فى عاشر شعبان، ففرّ خلف، وقتل بها آلافا كثيرة، بعث منها سبعة آلاف رأس إلى القيروان، فطيف بها، ثم حمل منها إلى مصر ما ذكر.\rوفيه وقع الجدرى فى كثير من الناس، وأقام شهورا.\rوكانت وقعة مع الروم بطرابلس.\rوفى شعبان وصل أفتكين بعسكر من الأتراك إلى دمشق، وورد كتابه على المعز وهو يستأذن فى المسير، فشاور المعز أبا جعفر مسلم، فقال:","footnotes":"(¬١) الأصل: سنينا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276555,"book_id":167,"shamela_page_id":263,"part":"1","page_num":219,"sequence_num":263,"body":"«هم قوم غدر، فإن تأذن لهم غلبوا على دمشق».\rفشرع المعز فى تعبئة العساكر وإنفاذها لقتاله.\rوكان من خبر أفتكين أن الديلم والأتراك اختلفوا ببغداد، فأراد عز الدولة أبو منصور بختيار بن معز الدولة أبى الحسين أحمد بن بويه الديلمى سلطان العراق أن يقبض على سبكتكين التركى، وكانت الأتراك تتعصّب معه وهم فى أربعة آلاف هو أميرهم، فغلبوا بختيار وخرج عن بغداد، وغلب سبكتكين التركى عليها، وكان فى قوة من المال والسلاح والرجال، فلم تطل مدته بعد غلبته على بغداد وهلك، فاستخلف من بعده على الأتراك أفتكين الشرابى مولى معز الدولة بن بويه، وكان شجاعا ثابتا فى الحرب، فسار بالأتراك من بغداد لحرب الديلم، فجرى بينهم قتال عظيم.\rوقاتل أفتكين حتى تفرّق من حوله إلا يسيرا، وانهزم صاحب رايته، فلحقه وضربه باللّتّ (¬١) وأخذها من يده، وحمل على الديلم فقتل منهم كثيرا باللتوت، ثم حمل عليهم الديلم فانهزموا وأفتكين فى نحوا الأربعمائة من الأتراك، فأخذ على الفرات حتى نزل الرحبة، ثم أخذ فى البر وقد أظهر من المهابة ما لم يتجاسر العرب على نهبه، فنزل جوشية من قرى الشام، فجمع له ظالم بن موهوب العقيلى - وهو حينئذ على بعلبك - من قدر عليه من العرب، وأنفذ إلى أبى محمود قبل أن يسير عن دمشق يطلب منه عسكرا، فأنفذ إليه جماعة، وخرج يريد أفتكين - وهو فى ألفين - فسار يريد جوشية.\rوبعث أبو المعالى ابن حمدان بشارة الخادم من حمص فى ثلاثمائة رجل إلى جوشية مددا لأفتكين على ظالم، فبعث بشارة إلى ظالم فصرفه عن محاربة أفتكين وعاد إلى بعلبك، وسار بشارة بأفتكين، فنزل بأفتكين بظاهر حمص، ووعده عن مولاه أبى المعالى بكل جميل، وحمل إليه أبو المعالى وأكرمه، فسار إلى أبى المعالى، فأجلسه على كرسى.\rوسأله أفتكين أن يوليه كفر طاب ويكون تبعا له، فما هو إلا أن ورد عليه رسول بن الماورد الشاطر من دمشق بأن يسير إلى دمشق، وأنه يخرج إليه بأهل البلد، ويقاتلوا عسكر المغاربة، ويملكوه عليهم، فوقع ذلك منه بموقع، فبعث إلى أبى حمدان يقول:","footnotes":"(¬١) اللت (والجمع لتوت) لفظ فارسى معناه القدوم أو الفأس الكبيرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276556,"book_id":167,"shamela_page_id":264,"part":"1","page_num":220,"sequence_num":264,"body":"«إنى نظرت فى الذى وليتنى فإذا هو لا يقوم بمن معى من الغلمان، وإنى أريد أن أرجع إلى بغداد».\rفقال:\r«افعل ما تراه».\rفسار كأنه يريد أن يأخذ طريق البرية إلى بغداد، وأخذ نحو دمشق، وقد نزل ريّان عليها، وجاءته أخبار طرابلس: بأن العدو قد خرج، ونحن نخاف علي البلد أن يؤخذ، فانزعج وخاف على طرابلس، وإذا بالخبر ورد عليه بأن أفتكين قد توجّه نحوه بموافقة أهل البلد، فعرض عساكره، وبرز يريد عقبة دمر.\rوأصبح أفتكين على ثنية العقاب، ولم يعلم بأن ريّان الخادم قد ارتحل عن البلد بجميع أصحابه حتى لم يبق منهم أحد، فوصل إلى البلد وقد أجهده وأصحابه التعب لأيام بقيت من شعبان.\rونزل بظاهر البلد، فخرج الناس إليه، واستبشروا به، وسألوه أن يملكهم ويزيل المصريين ويكفّ عن الأحداث (¬١)، فأجابهم، واستحلفهم على الطاعة والمساعدة، وحلف لهم على الحماية وكف الأذى عنهم منه ومن غيره.\rوقطع خطبة المعز وخطب للطائع، وقمع أهل العبث، فهابته الكافة، وصلح به كثير من أمر البلد، وأقام أياما، وشاع خبر العدو أنه قد أقبل فى جيش عظيم، فاستعدوا لقتاله، ونزل العدو على حمص، (ص ٣٨ ا) فلم يعرض لأحد بأرض حمص، لهدنة كانت بينه وبين أبى المالى ابن حمدان.\rوسار أفتكين إلى بعلبك فى طلب ظالم، ففر منه، فنزل أفتكين بعلبك، وكانت العرب قد استولت على ما خرج عن سور دمشق، فأوقع بهم أفتكين، وقتل كثيرا منهم، وظهر منه حسن تدبير وقوة نفس وشجاعة، فأذعن الناس له، وأقطع البلاد، فكثر جمعه، وتوفرت أمواله، وثبت قدمه، وملك بعلبك من ظالم بن موهوب، فقصده الروم وعليهم الدمستق، فقاتلهم أشدّ قتال، ثم كثروا عليه فانهزم.","footnotes":"(¬١) هذا نص آخر عن «الأحداث»، راجع ما يلى هنا ص ٢٣٩، هامش ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276557,"book_id":167,"shamela_page_id":265,"part":"1","page_num":221,"sequence_num":265,"body":"ودخل الروم بعلبك، فأخذوا منها ومما حولها سلبا كثيرا، وأحرقوا؛ وذلك فى شهر رمضان، وانتشرت خيلهم وسراياهم فى أعمال بعلبك والبقاع تحرق وتسبى، وامتدوا إلى الزبدانى، فأخذ الناس عليم المضايق، ومنعوهم من الدخول إلى الوادى.\rوخرج من دمشق قوم فخاطبوا كبير الروم فى الهدنة، فطلب منهم مالا لينصرف عن البلد، فخرج إليه أفتكين ليخاطبه عن البلد، وأهدى إليه من كل ما كان معه من بغداد، فأكرمه وقرّبه، فخاطبه أفتكين فى أمر البلد، وأعلمه بأنه خراب ليس فيه غير حمّال السلاح ولا مال فيه، فقال له:\r«ما جئنا لنأخذ مالا، وإنما جئنا لنأخذ الديار بأسيافنا، وقد جئتنا بهدية، وقد أجبناك إلى ما طلبت، وغرضنا فيما نأخذه من المال أن يقال بلد ملكناه فأخذنا هديته».\rفقال أفتكين:\r«هذا بلد ليس لى فيه إلا أيام يسيرة، ولم آمر فيه ولم أنه، وقد خرج معى إليك رجل له يد فى البلد، يمنعنى من كل ما أفعله».\rوقد كان خرج معه علاء بن الماورد، فقال:\r«ومن يدفعك عما تريد»؟\rقال:\r«هذا وأصحابه».\rفأمر بالقبض على بن الماورد، فقبض وقيد، وجرت الموافقة مع أفتكين على أنه يجبى المال ويكون على سبيل الهدنة، ويكف عن دمشق وأعمالها، فعاهده ملك الروم على ذلك،\rوعاد أفتكين إلى دمشق، فثار أصحاب ابن الماورد بالسلاح يريدون أفتكين، فمنعهم الناس.\rوكان أبو محمود إبراهيم بن جعفر حينئذ بطبرية، فبلغه خروج أفتكين إلى الروم، فسيّر جيش بن الصمصامة فى نحو الألفين ليأخذ دمشق، فسرى من طبرية، وكان شبل بن معروف العقيلى على شينيه وليس لجيش به علم، فركب إليه شبل فى جمع من العرب فواقعوه فانهزم، وأتى الخبر إلى أفتكين وقد خرج من عند ملك الروم، فخرج الأتراك وأدركوهم فقتلوا منهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276558,"book_id":167,"shamela_page_id":266,"part":"1","page_num":222,"sequence_num":266,"body":"كثيرا، وأخذ جيش أسيرا، فبعث به أفتكين إلى الروم وهو مقيم على عين الجر ينتظر الملل.\rوجبى له أفتكين من دمشق ثلاثين ألف دينار بالعنف، ورحل فنزل على بيروت - وبها نصير الخادم من قبل المعز -، فلم يزل الرومى يراسل أهل بيروت:\r«إنى لا أريد خراب بلدكم، وإنما أريد أن تسلموا إلىّ هذا الخادم ومن معه، وأجعل عندكم من قبلى من يدفع عن بلدكم».\rحتى خرج إليه نصير الخادم ومن معه، فأخذهم، وولّى على بيروت من قبله شخصا فى مائتى رجل.\rوسار فنزل على طرابلس - وفيها ريّان الخادم الذى كان على دمشق فى خلق من المغاربة -، فقاتلوه أشد قتال.\rونزل بالرومى مرض فرحل إلى بلده، وهلك فى الطريق.\rوتمكّن أفتكين من دمشق، فأنفذ شبل بن معروف العقيلى إلى طبرية، ففرّ عنها أبو محمود بمن معه إلى الرملة.\rوقدمت جيوش المعز، وفيها كثر مخافتهم العرب، واقتتلوا بجوار بيت المقدس مع العرب، فظهر العرب عليهم وهزموهم، وقتلوا كثيرا منهم وسيّروا عدة منهم إلى دمشق، فطيف بهم فى الأسواق على الجمال، وملئوا بهم الحبوس، فأقاموا فى ضرّ، ثم ضربوا أعناقهم؛ وكان - مع ذلك - أفتكين - طوال مقامه بدمشق - يكاتب القرامطة ويكاتبونه.\rوركب المعز يوم عيد الفطر، فصلى وخطب على رسمه المعتاد، وورد عليه الخبر بوقعة ريّان بالرومى وهزيمة الروم - وقد أسر ريّان منهم وقتل وغنم - فسرّ المعز بذلك وتصدّق، ودخل الناس عليه فهنئوه، وقال الشعراء فى ذلك، وفى خلع المطيع شعرا كثيرا.\rوبعث إلى الحجاز بالأموال والنفقة وكسوة الكعبة.\rووردت رءوس من المغرب فطيف بها.\rوقدم إليه من المغرب ماء للشرب من العين التى أجراها.\rوأنفذ رسولا إلى القرامطة برسالة إلى الأحساء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276559,"book_id":167,"shamela_page_id":267,"part":"1","page_num":223,"sequence_num":267,"body":"وفيه ثارت فتنة بين المصريين والمغاربة، فقبض على جماعة وضربوا.\rوفى ذى العقدة نودى لخمس خلون منه فى الجامع العتيق: «الحجّ فى البر».\rوكان قد انقطع منذ سنين.\rوفيه مات عبد الله بن أبى ثوبان، وكان قد نصّبه المعز للنظر فى مظالم المغاربة، فتبسط فى الأحكام بين المصريين، وقال فى كتبه: «قاضى مصر والاسكندرية»، وشهدت عنده شهود مصر من المعدلين.\rوفيه خاطب المعز علىّ بن النعمان بالقضاء، وأذن له فى النظر فى الأحكام، فجلس فى داره ومسجده ونظر فى الأحكام.\rوطيف برءوس من الأعراب والروم وردت من الشام ومن الصعيد.\rوقدم للنصف منه جواب القرامطة من الأحساء، فخلع على الرسول وعلى جماعة معه، وحملوا.\rوفيه طلع نجم الذنب عند الفجر وله شعاع كبير، فأقام أياما، واضطرب الناس، ولما رآه المعز استعاذ منه.\rوطلبت العبيد الصقالبة من جميع الناس، وأخذوا بالثمن.\rوانفرد عسلوج بن الحسن بالديوان والنظر فى أبواب المال كلها.\rوفى مستهل ذى الحجة طيف برءوس على رماح يقال عدتها اثنا عشر ألف رأس، وردت من المغرب، فيها رأس خلف بن جبر، وقد ثار بالمغرب واجتمع عليه البربر، فظفر به يوسف ابن زيرى، وقتل لخمس خلون من رمضان هو وجماعة من أهله.\rواعتقل جماعة من الإخشيدية والكافورية وطولبوا ببيع عقارهم وردّ ما باعوا منه.\rووردت هدية أبى محمود من الشام، وهى مائة فارس، وأحمال مال.\rوبرز ركب المعز يوم عيد النحر على رسمه، فصلى وخطب، وأطعم الناس بالقصر.\rوكسر الخليج، ولم يركب إليه المعز.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276560,"book_id":167,"shamela_page_id":268,"part":"1","page_num":224,"sequence_num":268,"body":"وفى يوم النوروز (¬١) زاد اللعب بالماء ووقود النيران، وطاف أهل الأسواق وعملوا فيلة (¬٢)، وخرجوا إلى القاهرة بلعبهم، فأقاموا على ذلك ثلاثة أيام، وأظهروا السماجات فى اللعب بالأسواق، (¬٣) فأمر بالنداء أن يكفّ عن اللعب، وأخذ قوم فطيف بهم وحبسوا (¬٣).\rوأمر أن يكون فى الشرطة السفلى فقيهان يجلسان، ثم صرفا.\rوورد الخبر بوقعة كانت لأبى محمود مع ابن الجراح الطائى بناحية طبريّة.\rوأمر المعز بتغيير المكاييل والموازين، وجعلت الأرطال من رصاص.\rوأمر المعز القاضى أبا طاهر وشهوده أن يرفعوا إليه أخبار البلد ولا يكتموه شيئا، ونصبوا لذلك رجلا فامتنع.\rوبلغ النيل بزيادة الجديد سبع عشرة ذراعا وتسعة عشر إصبعا، فأمر لابن أبى الرداد بالجائزة والخلع والحملان على عادته.\r\rومات فى هذه السنة:\rأبو جعفر أحمد بن القاضى النعمان بن محمد بمصر يوم الثلاثاء خامس ربيع الأول.\rوحسن بن سعيد الأفرنجى بالقاهرة، فصلى عليه المعز ودفن بها.\rوإسماعيل بن لبون الدنهاجى، وصلى عليه المعز.\rوعلى بن الحرسى صاحب الخراج.\rومات حسن بن رستق الدنهاجى.\rومات أيضا أبو الفرج محمد بن إبراهيم بن سكرة فى ربيع الآخر","footnotes":"(¬١) انظر ما ذكره المؤلف فى هذا الكتاب عن النوروز فى حوادث سنة ٣٦٣، وقد نقل هذا النص المقريزى فى كتابه الخطط، ج ٢ ص ٣١ و ص ٣٨٩ منسوبا الى الحسن بن زولاق.\r(¬٢) فى الأصل: «قبلة» والتصحيح عن: (الخطط، ج ٢، ص ٣٨٩)\r(¬٣) النص فى الخطط مختلف قليلا عما ورد هنا، وهو هناك: «ثم امر المعز بالنداء بالكف وان لا توقد نار ولا يصب ماء، وأخذ قوم فحبسوا، وأخذ قوم فطيف بهم على الجمال».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276561,"book_id":167,"shamela_page_id":269,"part":"1","page_num":225,"sequence_num":269,"body":"ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة والأمر على حاله.\rإلا أن القضاء بيد أبى طاهر محمد بن أحمد، واشترك معه القاضى على بن النعمان، فكان كل منهما ينظر فى داره.\rوتثاقل يعقوب بن كلّس عن حضور الديوان، وانفرد بالنظر فى أمور المعز فى قصره.\rوفى المحرم عمّرت كنيسة بقصر الشمع.\rوورد سابق الحاج فأخبر بإقامة الدعوة بمكة ومسجد إبراهيم يوم عرفة ومدينة الرسول، وسائر أعمال مكة، وبتمام الحج.\rوكان هذا أول موسم دعا فيه للمعز بمكة ومدينة رسول الله (¬١) ﷺ فسرّ المعز بذلك، وتصدّق شكرا لله.\rوورد كتاب أمير مكة جعفر بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، وكتاب أخيه الحسن بن محمد الحسنى - وهو أخو صفية امرأة عبد الله بن عبيد الله أخى مسلم - يسأل الإحسان إلى أخته صفية - وكانت مستترة - فأمر برد ضياعها وريعها وتسليم ذلك إليها، فأحضر يعقوب بن كلّس القاضى أبا طاهر وشهوده، وأشهدهم فى كتاب عن المعز أنه أمره برد ضياعها ورياعها (¬٢) إليها، فظهرت وأمنت.\rوكتب جعفر بن محمد الحسنى أمير مكة يسأله فى بنى جمح أن يردّ حبسهم إليهم الذى بمصر، وفى ولد عمر وبنى العاص أن يردّ حبسهم بمصر إليهم، فأطلق المعز ذلك لبنى جمح.\rوورد رسول ملك الروم، فغلّقت الحوانيت، وخرج الناس تنظر إليه.","footnotes":"(¬١) لهذه الاشارة أهميتها فمعناها أن الحجاز أصبح يدين بالولاء للفاطميين فى مصر منذ تلك السنة.\r(¬٢) كذا فى الأصل، ولعلها «ورباعها» أى ما لها من عقار.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276562,"book_id":167,"shamela_page_id":270,"part":"1","page_num":226,"sequence_num":270,"body":"قال ابن الأثير\r«وكان سبب موت المعز أن ملك الروم بالقسطنطينية أرسل إليه رسولا كان يتردد إليه بإفريقية، فخلا به المعز بعض الأيام، وقال له:\r«أتذكر إذ أتيتنى رسولا وأنا بالمهدية، فقلت لك: «لتدخلن علىّ وأنا بمصر مالكا لها؟»\rقال:\r«نعم»\rقال:\r«وأنا أقول لك لتدخلنّ علىّ ببغداد وأنا خليفة».\rفقال له الرسول:\r«إن أمّنتنى ولم تغضب، قلت لك ما عندى».\rفقال له المعز:\r«قل وأنت آمن».\rفقال:\r«بعثنى إليك الملك ذلك العام، فرأيت من عظمتك فى عينى وكثرة أصحابك ما كدت أموت منه، ووصلت إلى قصرك فرأيت عليه نورا غطّى بصرى، ثم دخلت عليك فرأيتك على سريرك فظننتك خالقا، فلو قلت لى إنك تعرج إلى السماء لتحققت ذلك، ثم جئت إليك الآن فما رأيت من ذلك شيئا، أشرفت على مدينتك فرأيتها فى عينى سوداء مظلمة، ثم دخلت عليك فما وجدت من المهابة ما وجدته ذلك العام، فقلت إن ذلك كان أمرا مقبلا، وإنه الآن بضد ما كان عليه».\rفأطرق المعز، وخرج الرسول من عنده، وأخذت المعز الحمّى لشدّة ما وجد، واتصل مرضه حتى مات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276563,"book_id":167,"shamela_page_id":271,"part":"1","page_num":227,"sequence_num":271,"body":"وقال ابن سعيد فى كتاب المغرب:\rإن المعز أنفذ إلى ابن السوادكى فقال: «من لك بالحجاز من التجار تكاتبه، اكتب إلى من تراه منهم بأن يكتب إلى عدن بحمل ما يقدر عليه من خشب الأبنوس الحسن التلميع التام الطول، الغليظ مما لا غاية وراءه».\rفكتب إلى تاجر بمكة، وأكّد عليه، فما كان إلا نحو شهرين حتى عاد جوابه أنه وجد منه ما ليس له فى الدنيا نظير، وحمله فى مركب، فسرّ بذلك، وبكّر إلى المعز فأخبره الخبر، وأنه فى القلزم، فأطرق وتغيّر لونه، فقال له:\r«يا مولانا هذا يوم فرح وسرور بأن تطلب أمرا يكون بعد مدة فيسهله الله فى أقرب وقت».\rفقال:\r«يا محمد ليس يدرى إلى حيث خرجت».\rثم سار خارجا إلى ظاهر القاهرة وهو يقرأ سورة الفتح إلى آخرها، ويرددها كلما فرغ منها، ورجع فاعتلّ بعد جمعة، وتردّدت به العلّة، فمات فى الشهر الخامس، وما طلبه منى، ولا أذكرته به، وكان قد تأوّل أن أجله نعى إليه حين رأى الأشياء منقادة له.\r\rقال ابن زولاق:\rولأربع خلون من صفر ورد حاج البرّ، وقد كان البر أقام سنين (¬١) لم يسلك.\rوفيه حضر على بن النعمان القاضى جامع القاهرة (¬٢)، وأملى مختصر أبيه فى الفقه عن أهل البيت، ويعرف هذا المختصر «بالاقتصار»، وكان جمعا عظيما.\rوفى ربيع الآخر وردت رسالة القرامطة بأنهم فى الطاعة.\rوفيه أذن المعز لجماعة المصريين فدخلوا عليه وخاطبهم - وهو على سرير الملك -، فصاح به رجل منهم:","footnotes":"(¬١) الأصل: «سنينا».\r(¬٢) لاحظ أن ابن زولاق يسمى الجامع الذى بنى فى القاهرة «جامع القاهرة» ولم يسمه «الجامع الأزهر».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276564,"book_id":167,"shamela_page_id":272,"part":"1","page_num":228,"sequence_num":272,"body":"«يا أمير المؤمنين»، قال الله ﷿: «وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» (¬١). يا أمير المؤمنين لننظر كيف تعملون.\rوقال: «صدق الله، كذا قال ﷿، ونسأل الله التوفيق».\rواعتلّ المعزّ لثمان خلون من ربيع الأول، فأقام ثمانيا وثلاثين يوما، ووصف له البطيخ البرلسى يؤخذ ماؤه، فطلب بمصر فلم يوجد سوى واحدة اشتريت بخمسة دنانير، ثم وجد منها ثمانى عشرة بطيخة اشتريت بثمانية عشر دينارا، وكان الناس يغدون إلى القصر ويروحون، والذى يمرضه طبيبه موسى بن العازار وعبده جوهر.\rفلما كان لأربع عشرة بقيت من ربيع الآخر اشتدت العلّة. وعرّف باجتماع الناس وكثرة الرقاع فى الظلامات والحوائج، وسئل فيمن ينظر فى ذلك، فأمر أن ينظر فيه ولىّ عهده نزار فاستخلفه، وخرج السلام إلى الناس فانصرفوا.\rوخرج القائد جوهر وموسى بن العازار الطبيب بالعزيز فأجلسوه، وخرج إليه إخوته وعمومته وسائر أهله (ص ٣٩ ب) فبايعوه، ثم أدخل إليه أكثر الأولياء فبايعوه وسلموا عليه بالإمرة وولاية العهد، فابتهج الناس بذلك.\rودخل عليه من الغد القاضى أبو طاهر وجماعة الشهود والفقهاء فسلموا عليه بولاية العهد، وقبّلوا له الأرض، فردّ عليهم أحسنّ رد، وأخبرهم بأن المعز بخير، قال:\r«مولانا - صلوات الله عليه - فى كل عافية وسلامة فى أحواله، وفى رأيه لكم» وانصرفوا.\rوكان يوم جمعة، فدعا له عبد العزيز بن عمر العباسى على منبر الجامع العتيق (¬٢) بعد أن دعا للمعز، فقال:\r«اللهم صلّ على عبدك ووليّك، ثمرة النبوة، ومعدن الفضل والإمامة، عبد الله معدّ أبى تميم الإمام المعز لدين الله، كما صليت على آبائه الطاهرين، وأسلافه المنتخبين من قبله.","footnotes":"(¬١) الآيتان ١٣ و ١٤، السورة ١٠ (يونس)\r(¬٢) يقصد جامع عمرو بن العاص بالفسطاط","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276565,"book_id":167,"shamela_page_id":273,"part":"1","page_num":229,"sequence_num":273,"body":"اللهم أعنه على ما وليته، وأنجز له ما وعدته، وملّكه مشارق الأرض ومغاربها.\rواشدد - اللهم - أزره، وأعزّ نصره بالأمير نزار أبى المنصور ولىّ عهد المسلمين، ابن أمير المؤمنين، الذى جعلته القائم بدعوته، والقائم بحجته.\rاللهم أصلح به العباد، ومهد لديه البلاد، وأنجز له به ما وعدته، إنك لا تخلف الميعاد».\rوتوفى المعز لدين الله عشيّة هذا اليوم ليلة السبت السادس عشر من شهر ربيع الآخر، وقيل يوم الجمعة حادى عشر، وقيل ثالث عشر، ولم يظهر ذلك ولا نطق به أحد مدة ثمانية أشهر.\rوقيل إن السيدة - لما اشتدت علّة المعز - أحضرت القائد جوهر وهو ملتف فى برد من … (¬١)\rوحضر يعقوب بن يوسف بن كلّس وعسلوج القائد وأفلح الناشب (¬٢)، وطارق الصقلبى، فقالوا للمعز:\r«نريد أن تبصرنا رشدنا وتعلمنا لمن الأمر».\rفلم يجبهم، فقال له جوهر:\r«قد كنت سمعت منك قولا فى هذا استغنيت به عن إعادة السؤال، غير أنهم أكرهونى على الدخول».\rوقال لهم:\r«قابلتمونى بما لا يجب» وبكى.\rفخرجوا، فلما كان اليوم الثالث مات، فصار العزيز إذا رفعت إليه الأمور يدخل كأنه يشاوره ويخرج بالأمر.\r\rقال ابن زولاق:\rوكان - يعنى المعز - فى غاية الفضل والاستحقاق للإمامة، وحسن السياسة.","footnotes":"(¬١) مكان هذه النقط كلمة غير مقروءة.\r(¬٢) كذا بالأصل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276566,"book_id":167,"shamela_page_id":274,"part":"1","page_num":230,"sequence_num":274,"body":"وكان مولده سنة تسع عشرة وثلاثمائة، أدرك من أيام المهدى جدّ أبيه أربع سنين، وتوفى القائم وللمعز ست عشرة سنة.\rواجتمع للمعز بمصر ما لا يجتمع لآبائه، وذلك أنه حصل له بالمغرب أربعة وعشرون بيتا من المال: منها أربعة عشر خلّفها المهدى، ولم يخلّف القائم عليها شيئا، وخلّف المنصور بيتا واحدا وكسوة، وأضاف إليها المعز تسعة، فصارت أربعة وعشرين بيتا، أنفق أكثرها على مصر إلى أن فتحت ودخلها، وحصل له من مال مصر أربعة بيوت سوى ما أنفقه وسوى ما قدم به معه.\rواجتمع له أن خلفاءه بمصر استخرجوا له ما لم يستخرج لأحد بمصر، فاستخرج له فى يوم واحد مائة ألف دينار وعشرون ألف دينار.\rوهزمت القرامطة فى أيامه أربع مرار: مرتين فى البر على باب مصر، ومرتين فى البحر، وما تم عليهم هذا قط منذ ظهر أمرهم.\rوأقيمت له الدعوة يوم عرفة فى مسجد إبراهيم ﵇ وبمكة والمدينة وسائر أعمال الحرمين، ولم تودّ له راية.\rوسار ابن السميسق ملك الروم إلى ريّان عبد المعز - وهو بطرابلس - فانهزم وأخذت غنائمه وأسر رجاله.\rوكتب اسمه على الطّرز بتنيس ودمياط والقيس والبهنسى قبل أن يملك مصر (¬١).\rوتتابعت له الفتوح.\rودعا لفاطمة ولعلى ﵉ فى أيامه على المنابر فى سائر أعماله وفى كثير من أعمال العراق.\rونصبت الستائر على الكعبة وعليها اسمه.\rونصبت له المحاريب الذهب والفضة داخل الكعبة وعليها اسمه.","footnotes":"(¬١) يقصد فى المدة التى مضت منذ تم لجوهر فتح مصر الى أن انتقل اليها المعز واتخذها مقرا لخلافته.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276567,"book_id":167,"shamela_page_id":275,"part":"1","page_num":231,"sequence_num":275,"body":"وكاتبه أهل العراق وأهل اليمن وأهل خراسان وأهل الحرمين والترك بالخلافة.\rوكان على التجهز للمسير للحج ثم إلى قسطنطينية للجهاد.\rوكان مقامه بمصر سنتين وسبعة أشهر وعشرة أيام.\rقال ابن الأثير:\rوأمه أم ولد.\rوولد بالمهدية من إفريقية حادى عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة.\rومات وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا.\rوكانت ولايته الأمر ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أيام.\rوهو أول الخلفاء العلويين، ملك مصر وخرج إليها.\rوكان مغرى بالنجوم، ويعمل بأقوال المنجمين، قال له منجم إن عليه قطعا فى وقت كذا، وأشار عليه بعمل سرداب يختفى فيه إلى أن يجوز ذلك الوقت، ففعل ما أمره، وأحضر قواده وقال لهم: «إن بينى وبين الله عهدا أنا ماض إليه، وقد استخلفت عليكم ابنى نزار، فاسمعوا له وأطيعوا».\rونزل السرداب، فكان أحد المغاربة إذا رأى سحابا، نزل وأومى إليه بالسلام ظنا منه أن المعز فيه، فغاب سنة ثم ظهر، وبقى مدة ومرض وتوفى، فستر ابنه نزار العزيز موته إلى عيد النحر من السنة، فصلى بالناس وخطبهم، ودعا لنفسه، وعزّى بأبيه.\rوذكر القاضى عبد الجبار بن عبد الجبار البصرى فى كتاب «تثبيت نبوة نبينا ﷺ» المعز لدين الله، وقال:\r«واحتجب عن الناس مدة، ثم ظهر وجلس فى حرير فائق أخضر مذهب، وعلى وجهه الجواهر واليواقيت، وأوهم أنه كان غائبا، وأن الله رفعه إليه، وكان يتحدث بما يأتيه أهل الأخبار فى حال غيبته، وتوهم أن الله أطلعه على تلك الغيوب».\rوتعرض بالجمل دون التفصل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276568,"book_id":167,"shamela_page_id":276,"part":"1","page_num":232,"sequence_num":276,"body":"قال مصنفه - رحمة الله عليه -:\r«ليس الأمر كما قال ابن الأثير، فقد حكى الفقيه الفاضل المؤرخ أبو الحسن بن إبراهيم بن زولاق المصرى فى كتاب سيرة المعز - وقد وقفت عليها بخطه ﵀\rأخبار المعز منذ دخل مصر إلى أن مات يوما يوما، وأن المعز إنما عهد لابنه يوم الخميس لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر قبل موته بيومين؛ وذكر أن سبب العهد إليه. اجتماع الناس بباب القصر وكثرة الرقاع، وأنه سئل فيمن ينظر فى ذلك، فأمر ابنه نزار العزيز أن ينظر فيه فاستخلفه؛ وقد ذكرت ملخص هذه السيرة فيما مرّ من أخبار المعز؛ وأن ابن زولاق أعرف بأحوال مصر من ابن الأثير خصوصا المعز، فإنه كان حاضرا ذلك ومشاهدا له، وممن يدخل إليه ويسلم مع الفقهاء عليه، ويروى فى هذه السيرة أشياء بالمشاهدة، وأشياء مدّته بها ثقات الدولة وأكابرها، كما هو مذكور فيها؛ إلا أن ابن الأثير تبع مؤرخى العراق والشام فيما نقلوه، وغير خاف على من تبحر فى علم الأخبار كثرة تحاملهم على الخلفاء الفاطميين وشنيع قولهم فيهم، ومع ذلك فمعرفتهم بأحوال مصر قاصرة عن الرتبة العليّة، فكثيرا ما رأيتهم يحكون فى تواريخهم من أخبار مصر ما لا يرتضيه جهابذة العلماء، ويردّه الحذاق العالمون بأخبار مصر؛ وأهل كل قطر أعرف بأخباره، ومؤرخو مصر أدرى بماجرياته (¬١)، وفوق كل ذى علم عليم.\r\rقال ابن الأثير:\r«وكان المعز عالما فاضلا جوادا جاريا على منهاج أبيه، حسن السيرة وإنصاف الرعية، وستر ما يدعون إليه إلا عن الخاصة، ثم أظهره، وأمر الدعاة بإظهاره، إلا أنه لم يخرج فيه إلى حدّ يذمّ به».\r\rوقال ابن سعيد فى كتاب المغرب:\r«إن جوهر القائد لما كان على عسقلان، وهجم عليه العدو، وأحرقوا خيمته وما قدروا عليه، وقاتل الناس إلى أن كشفوا العدو وعادوا إلى مكانهم، ترجّل جوهر وقبّل الأرض وقال:","footnotes":"(¬١) هذه نظرة نقدية هامة للمؤلف - المقريزى - للمراجع التى أرخت للفاطميين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276569,"book_id":167,"shamela_page_id":277,"part":"1","page_num":233,"sequence_num":277,"body":"«حذرنى مولانا المعز بالمغرب، وقال لى: احذر النار فى عسكرك ببرقة» فلما جزت بها تحفظت من النار، فلما صرت فى مصر: قلت الحق ما يقول مولانا، وما هو إلا أن أعود إلى المغرب، فيكون ذلك فيها، فلما نزلت هذا المنزل عرفت أنه يقال له برقة، وكنت - والله - خائفا من قول مولانا حتى رأيته عيانا.\rقال:\r«ولما بلغ المعز أن يوسف بن زيرى خليفته على المغرب قبض على صاحب خراجه بالمغرب غضب واستدعى إسماعيل بن اسباط، ودفع إليه كتابا مختوما، وقال له:\r«أنت عندى موثوق به، غير مستراب بك، قل له يا يوسف، تغير ما أمرتك به، وتنسب ما فعلته لى؟ والله لئن هممت بالعود إليك لآتينك، ولئن أتيتك لا تركت من آل مناد أحدا، بل من بلكانة، لا بل من صنهاجة؛ أخرج ابن الأديم فاردده إلى النظر فى الخراج على رسمه، وامتثل جميع ما أمرتك به، ولا تخالف شيئا منه».\rقال: «فسرت بأحسن حال حتى دخلت القيروان فلم أجده، فسرت إليه، فلما رآنى نزل وقبّل الأرض لما ترجلت له، وقبّل بين عينىّ، وقال:\r«هذه العين الذى رأت مولانا».\rوأوصلت إليه السجل، فقرأه سرا مع كاتبه وترجمانه، وأديت إليه الرسالة بينى وبينه، فعهدى به يرتعد وينتفخ ويسودّ، ويقول: نفعل والله، وكتب بردّ زيادة الله بن الأديم إلى نظره، وأقمنا مدة.\rقال ابن أسباط: «فأنا راكب معه ذات يوم إذ ورد إليه نجّاب بكتاب لطيف، فقرأه عليه راكبا الترجمان، فرأيته ضرب الفرس وحرّكه فأقامه وأقعده، وهزّ رمحه فى وجوه رجاله يمينا وشمالا، وجعل يقول: «أبلكين، أمليح اسم أمه؟ أزيرى، أمليح اسم أبيه؟ أمناد، أمليح اسم جده؟».\rقال: «فقلت فى نفسى: خبر ورد إليه سرّه، وأدرت فكرى فوقف فى أن مولانا المعز مات».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276570,"book_id":167,"shamela_page_id":278,"part":"1","page_num":234,"sequence_num":278,"body":"فنظر إلى وجهى متغيرا، فأخذنى ونزل إلى دار إمارته، فأدار إلىّ وجهه، وقال:\r«مالك تغيّر وجهك؟».\rفقلت له:\r«مات مولانا المعز، فأحسن الله عزاك عنه».\rفقال:\r«من أخبرك؟».\rقلت:\r«أنت أخبرتنى».\rقال:\r«وكيف!».\rقلت:\r«رأيتك قد عملت بعد قراءة الكتاب عليك ما لا أعرفه منك».\rفقال:\r«قد صدقت، قد مات مولانا المعز».\rقلت له:\r«فيقدر أن أحدا لا يقوى من بعده فى مجلسه».\rفقال:\r«لا بد من ذلك».\rفقلت له:\r«ينبغى أن تنتظر كتاب ولده الذى أتى من بعده، فسيأتيك ما تحب».\rقال:\r«صدقت، واكتم ما جرى، ولكن يا ابن اسباط بعدت مصر من المغرب، وقد صار المغرب والله فى أيدينا إلى دهر طويل».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276571,"book_id":167,"shamela_page_id":279,"part":"1","page_num":235,"sequence_num":279,"body":"وأقمت، فورد كتاب العزيز إليه يعزيه ويوليه، فسرّ وخلع علىّ، وسيّرنى».\rقال ابن سعيد عن كتاب «سيرة الأئمة» لابن العلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين بن مهذب.\rوأورد ليوسف بن زيرى خطبة كتب بها إلى العزيز بن المعز جوابا عن كتابه يقول فيها:\r«وأعوذ بالله أن أقول ما شنّعه أهل الزور والجحود، بل أنا عبد من عبيده، أيّدنى بنور هدايته، وألبسنى قميص حكمته، وتوّجنى بعزّ سلطانه، وحمّلنى أثقال علم ربوبيته، واختصنى بنفس كلايته، وذكر أنه ولى عهده بعد ابنه الشاعر تميما ثم عزله، وولى ابنه عبد الله إفريقية، ثم ولى ابنه بمصر العزيز الذى صحّت له الخلافة بعده».\rقال ابن سعيد:\r«وهذا أعجب ما سمعته فى تولية العهد، لا أعلم لهذه الكائنة نظيرا».\rوقال ابن الطوير:\r«لما دخل المعز قرأ أحد القراء عند دخوله - وكان منجما -:\r«وحمله وفصاله ثلاثون شهرا».\rفقال المعز: «العاقبة».\rفقال «حميدة».\rقال المعز: «الحمد لله».\rومن أحسن ما مدح به المعز قول الحسن بن هانى فيه:\rإذا أنت لم تعلم حقيقة فضله … فسائل عليه الوحى المنزّل تعلم\rفأقسم لو لم يأخذ الناس فضله … عن الله، لم يعلم ولم يتوهّم\rوأىّ قوافى الشعر فيك أجولها … وهل ترك القرآن من يترنّم\rوكان نقش خاتمه: «بنصر العزيز العلم ينتصر الإمام أبو تميم».\rوكان يشبّه فى بنى العباس بالمأمون فى سفره من القيروان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276572,"book_id":167,"shamela_page_id":280,"part":"1","page_num":236,"sequence_num":280,"body":"العزيز بالله أبو المنصور ابن المعز لدين الله أبى تميم معد ابن المنصور بنصر الله أبى الطاهر إسماعيل ابن القائم بأمر الله أبى القاسم محمد ابن المهدى عبيد الله\rأمه أم ولد، واسمها درزان (¬١).\rولد بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.\rوولى العهد بمصر وبويع لسبع بقين من ربيع الآخر (¬٢) سنة خمس وستين وثلاثمائة.\r\rومن كتاب ابن مهذب:\rسمعت مولانا العزيز يقول:\r«خرج مولانا المعز يوما بمصر يمشى فى قصره، وأنا، وأخى تميم، وعبد الله، وعقيل، نمشى خلفه، فخطر ببالى أن قلت:\r«ترى يصير هذا الأمر إلىّ، أو إلى أخى عبد الله، أو إلى أخى تميم؛ وإن صار (¬٣) إلىّ، ترى أمشى هكذا وهؤلاء حولى؟».\rقال:\r«وانتهى مولانا المعز إلى حيث أراد، ووقفنا بين يديه، وانصرفت الجماعة، وأراد","footnotes":"(¬١) كذا فى الأصل، وقد ذكرها نفس المؤلف فى (الخطط، ج ٤، ص ٦٧) باسم «درزارة».\r(¬٢) عند (ابن ميسر: تاريخ مصر ص ٤٧): «الحادى عشر من ربيع الآخر».\r(¬٣) الأصل: «صارت» والتصحيح عن المرجع السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276573,"book_id":167,"shamela_page_id":281,"part":"1","page_num":237,"sequence_num":281,"body":"لانصراف، فقال: «لا تبرح يا نزار»، فوقفت حتى إذا لم يبق أحد بين يديه غيرى استدنانى وقال:\r«بحياتى يا نزار إذا سألتك عن شيء تصدقنى؟».\rقلت: «نعم يا مولانا».\rقال: «التفتّ إليك [فرأيتك] (¬١) وقد أعجبتك نفسك، وأنت تنظر إلىّ وإلى نفسك وإلى إخوتك، وأنا أسارقك النظر - وأنت لا تعلم -، فقلت فى نفسك: ترى هذا الأمر يصير إلىّ وإخوتى حولى؟».\rقال: «فاحمرّ وجهى، ودنوت منه فقبّلت بين يديه (¬٢)، وقلت - وقد غلبنى البكاء:\r«يجعل الله جميعنا فداك».\rفقال: «دع عنك هذا؛ كان كذا؟».\rقلت: «نعم يا مولانا، فكيف عرفته؟».\rقال: «حزرته عليك، ثم لم أجد نفسى تسامحنى فى إعجابك بنفسك على شيء سوى هذا الأمر، فهو صائر إليك، فأحسن إلى إخوتك وأهلك، خار الله لك ووفّقك».\rوقد تقدّم أن المعزّ لما مات كتم موته إلى يوم النحر فأظهرت وفاته، فركب العزيز بالمظلّة، وخطب بنفسه، وعزّى نفسه، والناس تسلّم عليه بالخلافة، وركب إلى قصره فسلّم عليه عمّاه: حيدرة وهاشم، وعمّ أبيه: أبو الفرات، وعمّ جدّه: «أحمد بن عبيد الله».\r\rوقال ابن الأثير:\r«لما استقرّ العزيز فى الملك أطاعه العسكر واجتمعوا عليه، وكان هو يدبّر الأمر منذ مات والده إلى أن أظهره؛ ثم سيّر إلى المغرب دنانير عليها اسمه فرّقت فى الناس؛ وأقرّ يوسف ابن بلكّين على ولاية إفريقيّة، وأضاف إليه ما كان أبوه استعمل عليه غير يوسف، وهى","footnotes":"(¬١) ما بين الحاصرتين عن (ابن ميسر: تاريخ مصر، ص ٤٨)\r(¬٢) النص عند ابن ميسر: «فقبلت يديه»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276574,"book_id":167,"shamela_page_id":282,"part":"1","page_num":238,"sequence_num":282,"body":"طرابلس وغيرها (¬١)، فاستعمل عليها يوسف عمّاله، وعظم أمره، وأمن ناحية العزيز، واستبدّ بالملك، وكان يظهر الطاعة مجاملة لا طائل تحتها».\rوخطب للعزيز بمكة بعد أن أرسل إليها جيشا فحصرها، وضيقوا على أهلها ومنعوهم الميرة، فغلت الأسعار بها، ولقى أهلها شدة شديدة.\rوأما أخبار الشام: فإن أفتكين (¬٢) لم يزل طول مقامه بدمشق يكاتب القرامطة ويكاتبونه بأنهم سائرون إلى الشام، إلى أن وافوا دمشق بعد موت المعز فى هذه السنة، وكان الذى وافى منهم: إسحاق، وكسرى (¬٣)، وجعفر، فنزلوا على ظاهر دمشق، ومعهم كثير من العجم أصحاب أفتكين الذين تشتتوا فى البلاد وقت وقعته مع الدّيلم، لقوهم بالكوفة فى الموقعات، فأركبوهم الإبل، وساروا بهم إلى دمشق، فكساهم أفتكين وأركبهم الجبل؛ فقوى عسكره بهم وتلقى (¬٤) أفتكين القرامطة وحمل إليهم وأكرمهم وفرح بهم، وأمن من الخوف؛ فأقاموا على دمشق أياما ثم ساروا إلى الرملة - وبها أبو محمود إبراهيم بن جعفر - فالتجأ إلى يافا، ونزل القرامطة الرّملة، ونصبوا القتال على يافا حتى ملّ كلّ من الفريقين القتال، وصار يحدّث بعضهم بعضا.\rوجبى القرامطة المال فأمن أفتكين من مصر، وظنّ أن القرامطة قد كفوه ذلك الوجه، وعمل على أخذ الساحل، فسار بمن اجتمع إليه، ونزل على صيدا، وبها ابن الشيخ، ورؤساء المغاربة (¬٥)، ومعهم ظالم بن موهوب العقيلى، فقاتلوه قتالا شديدا، فانهزم عنهم أميالا،","footnotes":"(¬١) عند (ابن الأثير: الكامل، ج ٨، ص ٢٦٤): «وهى طرابلس وسرت واجد ابيه».\r(¬٢) كذا فى الأصل، وهو عند (ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق) و (ابن الأثير: الكامل): «الفتكين».\r(¬٣) أضيف فى هامش الأصل أمام هذا الاسم تعليق هذا نصه:\r«كسرى بن أبى طاهر سليمان بن أبى سعيد الجنابى، طالب أصحابه بتسليم الأمر للمعز لدين الله، لما كان يسمعه من أبيه وعمومته أنه الامام وصاحب الأمر والقائم والمهدى وصاحب الزمان، فاجتمع عمومته ودعوه للمناظرة فى هذا فلما حضر معهم فى الدار خبطوه بسيوفهم حتى قتلوه».\r(¬٤) الأصل: (وتلقا».\r(¬٥) المؤلف ينقل هنا عن (ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق) مع بعض التصرف، ونفس هذه الجملة عند ابن القلانسى: «فكان بها ابن الشيخ واليا ومعه رءوس من المغاربة ومعهم ظالم .. الخ».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276575,"book_id":167,"shamela_page_id":283,"part":"1","page_num":239,"sequence_num":283,"body":"فخرجوا إليه، فواقعهم وهزمهم وقتل منهم، وصار ظالم إلى صور؛ فيقال إنه قتل يومئذ أربعة آلاف من [عساكر] (¬١) المغاربة، قطعت أيمانهم وحملت إلى دمشق، فطيف بها.\rونزل أفتكين على عكّا، وبها جمع من المغاربة، فقاتلوه، فسيّر العزيز القائد جوهر بخزائن السلاح والأموال إلى بلاد الشام فى عسكر عظيم لم يخرج قبله مثله إلى الشام من كثرة الكراع (¬٢) والسلاح والمال والرجال، بلغت عدّتهم عشرين ألفا بين فارس وراجل، فبلغ ذلك أفتكين وهو على عكّا، والقرامطة بالرّملة، فسار أفتكين من عكا ونزل طبرية، وخرج القرامطة من الرّملة، ونزلها جوهر.\rوسار إسحاق وكسرى من القرامطة بمن معهم إلى الأحساء، لقلة من معهم من الرجال الذين يلقون بها جوهر، وتأخر جعفر من القرامطة فلحق بأفتكين وهو بطبرية، وقد بعث فجمع فى حوران والبثنية؛ وسار جوهر من الرملة يريد طبرية، فرحل أفتكين، واستحثّ الناس فى حمل الغلّة من حوران والبثنية إلى دمشق، وصار أفتكين إلى دمشق، ومعه جعفر القرمطى، فنزل جوهر على دمشق لثمان بقين من ذى القعدة فيما بين داريا والشّماسية، فجمع أفتكين أحداث (¬٣) البلد، وأمّن من كان قد فزع منه، فاجتمع حمّال السلاح والذعّار إليه، ورئيسهم قسّام.","footnotes":"(¬١) هذا اللفظ وارد فى الهامش بالأصل، وفى المتن علامة تشير اليه.\r(¬٢) الكراع السلاح، وقيل هو اسم يجمع الخيل والسلاح (اللسان).\r(¬٣) الأحداث جمع حدث، ومعناها هنا الشبان الصغار، وقد كان الأحداث يكونون نوعا من الحرس الوطنى، ولعبوا دورا هاما فى مدن سوريا وبلاد الجزيرة فى المدة ما بين القرنين الرابع والسادس الهجريين، وخاصة فى مدينتى حلب ودمشق، وكان عملهم الرسمى يشبه فى كثير عمل رجال الشرطة فقد كانوا مكلفين بحفظ النظام واطفاء الحريق وما أشبه ذلك من أعمال، وعند الضرورة كانوا يسهمون فى اعمال الدفاع الحربى كأمداد لفرق الجيش العاملة. وكان الحدث يمنح راتبا من حصيلة بعض المكوس المدنية، والفارق الوحيد بين «الاحداث» ورجال الشرطة هو طريقه تجنيدهم المحلية غير الرسمية التى جعلت لهم أثرا فعالا فى سير الحوادث، فقد كانوا يكونون - كرجال مسلحين من أهل البلد - قوة مدنية فعالة لمواجهة السلطات السياسية - التى كانت فى معظم الأحوال تمثل أجانب عن البلد - أو لمواجهة أى عدو خارجى بصفة عامه. وكان يتولى قيادتهم فى الأوقات الحرجة (وعلى سبيل المثال فى دمشق بعد الفتح الفاطمى) عناصر وطنية من أهل البلد، وكانوا فى غالب الأحوال ينقادون لزعامة الطبقة البورجوازية، -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276576,"book_id":167,"shamela_page_id":284,"part":"1","page_num":240,"sequence_num":284,"body":"وأخذ جوهر فى حفر خندق عظيم على عسكره، وجعل له أبوابا، وكان ظالم بن موهوب معه، فأنزله بعسكره خارج الخندق، وصار أفتكين فيمن جمع من الدعّار، وأجرى لكبيرهم قسّام رزقا.\rووقع النفير على قبة الجامع والمنابر، وساروا فجرى بينهم وبين جوهر وقائع وحروب شديدة وقتال عظيم، وقتل بينهم خلق كثير من يوم عرفة، فجرى بينهم اثنتا عشرة وقيعة إلى سلخ ذى الحجة.\rولم يزل إلى الحادى عشر من ربيع الأول سنة ست وستين فكانت بين الفريقين وقعة عظيمة، انهزم فيها أفتكين بمن معه، وهمّ بالهرب إلى أنطاكية، ثم إنه استظهر.\rورأى جوهر أن الأموال قد تلفت، والرجال قد قتلت والشتاء قد هجم، فأرسل فى الصلح، فلم يجب أفتكين، وذلك أن الحسين بن أحمد الأعصم القرمطى بعث إلى ابن عمه جعفر المقيم عند أفتكين بدمشق: «إنى سائر إلى الشام»، وبلغ ذلك جوهر، فترددت الرسل بينه وبين أفتكين حتى تقرّر الأمر أن جوهر يرحل، ولا يتبع عسكره أحد، فسرّ أفتكين بذلك، وبعث إلى جوهر بجمال ليحمل عليها ثقله لقلة الظهر عنده؛ وبقى من السلاح والخزائن ما لم يقدر جوهر على حمله فأحرقه، ورحل عن دمشق فى ثالث جمادى الأولى.\rوقدم البشير من الحسن بن أحمد القرمطى إلى عمه جعفر بمجيئه، وبلغ ذلك جوهر، فجدّ فى السير، وكان قد هلك من عسكره ناس كثير من الثلج، فأسرع بالمسير من طبرية،","footnotes":"= - ويكونون من أنفسهم هيئة من المؤيدين لأسرة أو أسرتين من كبار الأسر فى المدينة، ومنها يختار قائدهم الذى كان يلقب بلقب «الرئيس»، وكان هذا الرئيس يفرض على السلطات الرسمية أن تعترف به «كرئيس للبلد» وهو نوع من العمدة أو المحافظ، وكان نفوذه يماثل أو يفوق أحيانا نفوذ القاضى وقد اضمحل نظام الأحداث وانتهى عند ما أسس السلاجقة وخلفاؤهم من الأتابكة نظام الشحنة أو الشحنكية، وعينوا لكل مدينة شحنة تعاونه حامية من جنود الجيش النظاميين. هذا وقد وردت نصوص كثيرة تشير الى «الأحداث» فى: (ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق، نشر آمدروز، وانظر المقدمة التى كتبها جب للترجمة الانجليزية لهذا الكتاب) و (ابن العديم زبدة الطلب فى تاريخ حلب، نشر سامى الدهان) و (ابن الأثير: الكامل) و (سبط ابن الجوزى: مرآة الزمان) .. الخ وانظر كذلك:\r(C.Cahen:art:Ahdath.in Enc.Isl.٢ nd edition) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276577,"book_id":167,"shamela_page_id":285,"part":"1","page_num":241,"sequence_num":285,"body":"ووافى (¬١) الحسن بن أحمد من البرية إلى طبرية، فوجد جوهر قد سار عنها، فبعث خلفه سرية أدركته، فقابلهم جوهر، وقتل منهم جماعة، وسار فنزل ظاهر الرملة، وتبعه القرمطى، وقد لحقه أفتكين، فسارا إلى الرملة؛ ودخل جوهر زيتون الرملة، فتحصّن به، فلما نزل الحسن بن أحمد القرمطى الرملة هلك فيها، وقام من بعده بأمر القرامطة ابن عمه أبو جعفر، فكانت بينه وبين جوهر حروب كثيرة.\rثم إن أفتكين فسد ما بينه وبين أبى جعفر القرمطى، فرجع عنه إلى الأحساء، وكان حسّان ابن على بن مفرّج بن دغفل بن الجرّاح الطائى أيضا مع أفتكين على محاربة جوهر، فلم ير منه ما يحب، وراسله العزيز فانصرف عن أفتكين، وقدم القاهرة على العزيز، واشتدّ الأمر على جوهر، وخاف على رجاله، فسار يريد عسقلان، فتبعه أفتكين.\rواستولى قسّام على دمشق وخطب للعزيز، فسار أبو تغلب بن حمدان إلى دمشق، فقاتله قسّام ومنعه، فسار إلى طبرية.\rوأدرك أفتكين جوهر، فكانت بينهما وقعة امتدت ثلاثة أيام انهزم فى آخرها جوهر، وأخذ أصحابه السيف، فجلوا عما معهم، والتحقوا بعسقلان، فظفر أفتكين من عسكر جوهر بما يعظم قدره، واستغنى به ناس كثيرون.\rونزل أفتكين على عسقلان، فجدّ جوهر حتى بلغ من الضر والجهد مبلغا عظيما، وغلت عنده الأسعار، فبلغ قفيز القمح أربعين دينارا، وأخذت كتامة تسبّ جوهر وتنتقصه، وكانوا قد كايدوه فى قتالهم، فراسل أفتكين يسأله: ماذا يريد بهذا الحصار، فبعث إليه:\r«لا يزول هذا الحصار إلا بمال تؤدّيه إلىّ عن أنفسكم».\rفأجابه إلى ذلك؛ وكان المال قد بقى منه شيء يسير، فجمع من كان معه من كتامة، وجمع منهم مالا؛ وبعث إليه أفتكين يقول:\r«إذا أمّنتكم لا بد أن تخرجوا من هذا الحصن من تحت السيف»\rوأمّنهم، وعلّق السيف على باب عسقلان، فخرجوا من تحته.","footnotes":"(¬١) الأصل: وافا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276578,"book_id":167,"shamela_page_id":286,"part":"1","page_num":242,"sequence_num":286,"body":"وسار جوهر إلى مصر، فكان مدة قتالهم على الزيتون وقفلتهم إلى عسقلان حتى خرجوا منها نحوا من سبعة عشر شهرا - بقيّة سنة ست إلى أن دنا خروج سنة سبع وستين -.\rوقدم جوهر على العزيز، فأخبره بتخاذل كتامة، فغضب غضبا شديدا، وعذر جوهر فى باطنه، وأظهر التنكير له، وعزله عن الوزارة، وولّى يعقوب بن كلّس عوضه فى المحرّم سنة ثمان وستين.\rوخرج العزيز فضربت له خيمة ديباج رومىّ عليها صفريّة (¬١) فضة، فخرج إليه أهل البلد كلّهم حتى غلّقت الأبواب، وسألوه فى التوقف عن السفر، فقال:\r«إنما أخرج للذبّ عنكم، وما أريد ازديادا (¬٢) فى مال ولا رجال».\rوصرفهم.\rومنع العزيز فى هذه السنة - وهى سنة سبع وستين - النصارى من إظهار ما كانوا يفعلونه فى الغطاس (¬٣): من الاجتماع، ونزول الماء، وإظهار الملاهى، وحذّر من ذلك.\rوسار العزيز، وعلى مقدمته حسّان بن على بن مفرج بن دغفل بن الجرّاح الطائى، فتنحّى (¬٤) أفتكين عن الرملة، ونزل طبرية.\rواتفق أن عضد الدولة أبا شجاع فنّاخسرو بن ركن الدين أبى يحيى الحسن بن بويه أخذ بغداد من ابن عمه بختيار بن أحمد بن بويه، فسار بختيار إلى الموصل، واتفق مع أبى تغلب الغضنفر بن ناصر الدولة ابن حمدان على قتال فنّاخسرو، فسار إليهم فنّاخسرو وأوقع بهم، فانهزموا، وأسر بختيار وقتله، وفرّ حينئذ من أولاد بختيار إعزاز الدولة المرزبان، وأبو كاليجار وعمّاه (¬٥): عمدة الدولة أبو إسحاق، وأبو طاهر محمد، ابنا معز الدولة أحمد بن بويه، وساروا","footnotes":"(¬١) الصفرية اناء من النحاس الأصفر؛ قدر أو دست، ويبدو أن معناها هنا كرة من النحاس الأصفر تعلو الخيمة. انظر (Dozy;Supp.Dict.Arab .)\r(¬٢) الأصل: «ازدياد».\r(¬٣) ليلة الغطاس هى الليلة الحادية عشرة من طوبة، انظر الكلام عن الاحتفال بالغطاس فى مصر الاسلامية فى: (المسعودى: مروج الذهب) و (المقريزى: الخطط، ج ٢ ص ٣٩١ - ٣٩٢).\r(¬٤) الأصل: «فتنحا».\r(¬٥) الأصل: «وعماده» وما أثبتناه تصحيح يقتضيه السياق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276579,"book_id":167,"shamela_page_id":287,"part":"1","page_num":243,"sequence_num":287,"body":"إلى دمشق فى عسكر، فأكرمهم خليفة أفتكين، وأنفق فيهم، وحملهم وصيّرهم إلى أفتكين بطبرية، فقوى بهم، وصار فى اثنى عشر ألفا، فسار بهم إلى الرملة، ووافى (¬١) بها طليعة العزيز، فحمل عليها أفتكين مرارا، وقتل منها نحو مائة رجل، فأقبل عسكر العزيز فى زهاء سبعين ألفا، فلم يكن غير ساعة حتى أحيط بعسكر أفتكين، وأخذوا رجاله، فصاح الدّيلم الذين كانوا معه:\r«زنهار، زنهار (¬٢)»، يريدون: «الأمان، الأمان».\rواستأمن إليه أبو إسحاق إبراهيم بن معز الدولة، وابن أخيه إعزاز الدولة، والمرزبان بن بختيار؛ وقتل أبو طاهر محمد بن معز الدولة، وأخذ أكثرهم أسرى، ولم يكن فيهم كبير قتلى، وأخذ هفتكين (¬٣) نحو القدس، فأخذ وجئ به إلى [حسّان بن على بن] (¬٤) مفرج ابن دغفل بن الجرّاح، فشدّ عمامته فى عنقه، وساقه إلى العزيز، فشهّر فى العسكر، وأسنيت الجائزة لابن الجرّاح.","footnotes":"(¬١) الأصل: «ووافا».\r(¬٢) زنهار كلمة فارسية بمعنى الدفاع أو الحماية أو الأمان. راجع أيضا:\r(Dozy:Supp.Dict Arab .)\r(¬٣) هكذا ورد الاسم فى الأصل، مرة «أفتكين» وأخرى «هفتكين».\r(¬٤) أضفنا ما بين الحاصرتين لتصحيح الاسم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276580,"book_id":167,"shamela_page_id":288,"part":"1","page_num":244,"sequence_num":288,"body":"وكانت هذه الوقعة لسبع بقين من المحرم سنة ثمان وستين.\rفورد كتاب العزيز إلى مصر بنصرته على أفتكين، وقتل عدة من أصحابه وأسره، فقرئ على أهل مصر فاستبشروا وفرحوا.\rوكتب أبو إسماعيل الرسّى إلى العزيز يقول:\r«يا مولانا: لقد استحق هذا الكافر كلّ عذاب، والعجب من الإحسان إليه».\rفلم يرد عليه جوابا.\rوسار العزيز - ومعه أفتكين - مكرما من الرملة، وبقية الأسرى إلى مصر.\rقال المسبّحى:\rفخرج الناس إلى لقائه وفيهم أبو إسماعيل الرسّى، فلما رآه العزيز قال:\r«يا إبراهيم: قرأت كتابك فى أمر أفتكين، وفيما ذكرته، وأنا أخبرك: اعلم أنّا وعدناه الإحسان والولاية (¬١) فما قبل، وجاء إلينا فنصب فازاته وخيامه حذاءنا، وأردنا منه الانصراف فلجّ وقاتل، فلما ولّى منهزما وسرت إلى فازاته (¬٢) ودخلتها سجدت لله الكريم شكرا، وسألته أن يفتح لى بالظفر به، فجئ به بعد ساعة أسيرا؛ ترى يليق بى غير الوفاء؟!».\rفقبّل أبو إسماعيل رجله.\rودخل العزيز إلى القاهرة ومعه أفتكين والأسرى، وعليه تاج مرصّع بالجوهر، فأنزل أفتكين فى دار، وأوصله بالعطاء والخلع حتى قال:\r«لقد احتشمت من ركوبى مع مولانا العزيز بالله ونظرى إليه مما غمرنى من فضله وإحسانه»، فلما بلغ العزيز ذلك، قال لعمّه حيدرة:","footnotes":"(¬١) الأصل: «الولاء» وقد صححت بعد مراجعة (المقريزى: الخطط، ج ٤، ص ٦٦).\r(¬٢) الفازة بناءة من خرق وغيرها، تبنى فى المعسكرات؛ والجمع «فاز» و «فازات» وقال الجوهرى: «والفازة مظلة تمد بعمود، عربى فيما أرى» (اللسان).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276581,"book_id":167,"shamela_page_id":289,"part":"1","page_num":245,"sequence_num":289,"body":"«يا عمّ: أحب أن أرى النّعم عند الناس ظاهرة، وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهرة ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار، وأن يكون ذلك كلّه من عندى».\rوبلغ العزيز أن الناس من العامة يقولون:\r«ما هذا التركى؟»\rفأمر به فشهّر فى أجمل حال، فلما رجع من تطوافه وهب له مالا جزيلا، وخلع عليه.\rوأمر الأولياء بأن يدعوه إلى دورهم، فما منهم إلا من أضافه، وقاد إليه، وقاد يديه دوابّا.\rثم سأله العزيز بعد ذلك:\r«كيف رأيت دعوات أصحابنا»\rفقال:\r«يا مولاى: حسنة فى الغاية، وما فيهم إلا من أنعم وأكرم».\rوكان الذى أنفق العزيز على هفتكين حتى أسره ألف ألف دينار.\rوقال العزيز عند خروجه إلى حربه لحسين الرابض:\r«كم عدد ما تحت يدك من الدواب»؟\rفقال:\r«عشرة آلاف رأس».\rفقال العزيز:\r«لقد أوجلتنى يا حسين».\rوفيها نافق حمزة بن يعله؟؟؟ (¬١) الكتامى - متولى أسوان -، فخرج إليه جعفر بن محمد","footnotes":"(¬١) هكذا فى الأصل دون نقط، ولم أجد فى المراجع التى بين يدى ما يعين على ضبط الاسم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276582,"book_id":167,"shamela_page_id":290,"part":"1","page_num":246,"sequence_num":290,"body":"ابن أبى الحسين الصّقلىّ، وأخذه وأتى به وبأمواله، فأنعم بها العزيز على هفتكين، ودفعه إليه فقتله شرّ قتلة.\rوفيها قدم حسّان بن على بن مفرج بن دغفل بن الجرّاح الطائى على العزيز، فخلع عليه، وحمل على خمسة أرؤس من الخيل، وقاد إليه - بين يديه - خمسة أحمال مال، وأنزله دارا.\rوفيها جهّز الفضل بن صالح على جيش إلى الشام، وقلّد الشام كلّه، ولقّب بالقائد، وخلع عليه ثوب مذهّب، ومنديل مذهّب، وقلّد بسيف محلىّ (¬١) بذهب، وحمل على فرس، وبين يديه أربعة أفراس بمراكبها، ومائة ألف درهم، وخمسون قطعة من الثياب الملونة؛ فركب بالطبول والبنود، وسار.\rوخرجت قافلة الحاج فى ذى القعدة، وفيها صلات الأشراف، والقمح والشعير والدقيق والزيت، وسائر الحبوب والزيت، ومحراب من ذهب (¬٢) للكعبة.\rوفيها كان بمصر وباء عظيم، مات فيه خلائق، فحكى بعض من سمع نواب السلطان يقول:\r«الذى قبر من الديوان (¬٣) سبعة آلاف وسبعمائة وستون (¬٤)، سوى من لم يعلم بموته، أما من دفن بلا كفن فكثير».","footnotes":"(¬١) الأصل: «محلا».\r(¬٢) هذا المحراب من الذهب الذى أرسله العزيز للكعبة يسترعى الانتباه، وهذا النص يدل على مبلغ عناية الخلفاء الفاطميين بالكعبة وبالحج وقافلته، مع ملاحظة أن أحدا من خلفاء الفاطميين لم يخرج لأداء فريضه الحج، راجع المقدمة التى كتبتها لكتاب (المقريزى: الذهب المسبوك بذكر من حج من الخلفاء والملوك، نشر وتحقيق جمال الدين الشيال، القاهرة؛ ١٩٥٥).\r(¬٣) لاحظ استعمال «الديوان» هنا بمعنى موظفى الدواوين.\r(¬٤) الأصل: «وستين».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276583,"book_id":167,"shamela_page_id":291,"part":"1","page_num":247,"sequence_num":291,"body":"وكان الماء فى المقياس خمسة (¬١) أذرع وثلاثا وعشرين إصبعا، وبلغ خمسة عشر ذراعا (¬٢) وتسعة عشر (¬٣) إصبعا.\rوأما بلاد المغرب فإن الأمير أبا الفتوح يوسف بن زيرى كتب إلى العزيز فى سنة سبع وستين يسأله فى طرابلس وسرت وأجدابيه، وكان عليها عبد الله بن خلف، فأنعم له بها، فرحل عنها عبد الله، وتسلمها (¬٤) أبو الفتوح.\rوفى سنة ثمان كتب أبو طالب أحمد بن أبى القاسم محمد بن أبى المنهال - قاضى المنصورية - إلى العزيز يسأله فى القدوم، فأجابه إلى ذلك، فسار بأهله وأولاده فى آخر شوّال، وقدم القاهرة، فأجرى له العزيز فى كلّ سنة ألف دينار.\rوكتب أبو الفتوح إلى العزيز يشاوره من يولّى القضاء؟ فكتب إليه:\r«قد رددت هذا الأمر إليك، فولّ من شئت».\rفاختار محمد بن إسحاق الكوفى، وولاّه آخر ذى الحجة سنة ثمان وستين، وكتب إلى العزيز يخبره بذلك، فأجاز فعله، وبعث إليه سجلاّ بالقضاء (¬٥).\rوفى يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة خمس وستين سيّر الأمير أبو الفتوح الهدية من رقادة، ومعها المال مع محمد بن صالح - صاحب بيت المال -، وعيسى بن خلف المرصدى، وقائد المهدية زروال بن نصر، فقدموا إلى القاهرة والعزيز آخذ فى حركة السير لحرب هفتكين، فأمر برد المال الذى أحضره الأمير زيرى مع الهدية، وذلك أن عبد الله بن محمد الكاتب لما وصل إليه السجلّ من العزيز بموت أبيه المعز وقيامه بعده فى الخلافة، قرأه على الناس بالمنصورية من القيروان، وفرّق ما بعثه العزيز من الدنانير والدراهم التى ضربت باسمه على رجال الدولة، ثم بسط رداءه، وألقى فيه دنانير، وقال:","footnotes":"(¬١) الأصل: «خمس» و «ثلاث».\r(¬٢) الأصل: «خمس عشرة».\r(¬٣) الأصل: «تسع عشرة».\r(¬٤) الأصل: «وسلمها».\r(¬٥) لاحظ أن الخليفة الفاطمى كان يصدر السجلات من القاهرة بتعيين القضاة فى المغرب","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276584,"book_id":167,"shamela_page_id":292,"part":"1","page_num":248,"sequence_num":292,"body":"«ليلق كلّ واحد فيه ما يستطيع من التقرب».\rثم جمع أهل القيروان وصادرهم، فأخذ من عشرة آلاف دينار إلى دينار واحد، حتى عمّ أكثر أهل البلد وسائر أعمال إفريقية، فجبى (¬١) زيادة على أربعمائة ألف دينار عينا.\rفلما بلغ ذلك العزيز كتب برد المال لأربابه، فرأى عبد الله بن محمد بردّ المال نقضا (¬٢) عليه وحمله إلى العزيز مع الهدية، وجعل مال الهدية خاصة فى صرر، وكتب على كل صرّة اسم صاحبها، فردّ العزيز صررا نفيسة إلى أصحابها، وهم يومئذ بمصر، وأمر بردّ باقى المال إلى المغرب ليفرّق على أربابه، فقال له الوزير يعقوب بن كلّس:\r«هذه أموال عظيمة، ونحن محتاجون إليها للنفقة على هذه العساكر، وإن رجعت أمرت بردها إليهم من بيت المال».\rفقبل منه، وأنفقها على العسكر.","footnotes":"(¬١) الأصل: «فجبا».\r(¬٢) كذا فى الأصل، والتعبير ركيك، والمقصود أن عبد الله رأى أن رد المال يعتبر نقضا لما فعل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276585,"book_id":167,"shamela_page_id":293,"part":"1","page_num":249,"sequence_num":293,"body":"ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمائة\rفى أول … (¬١)\rوفيها استحضر أخويه وعميه وجماعة من أهله، ورسم لهم الأكل معه على مائدته.\rوفيها أرسل أفلح - أمير برقة - للعزيز هدية، فيها مائتا فرس مجلّلة (¬٢)، ومائة بغل مجلّلة، ومائة وخمسون بغلا بأكف، وخمسمائة جمل، ومائة نجيب، ومائة صندوق فيها المال.\rوفيها سار ناصر الدولة أبو تغلب من طبرية إلى الرّملة - فى المحرم - وبها الفضل بن صالح، وقد انضمّ إليه دغفل بن مفرّج بن الجرّاح، فقاتلا أبا تغلب قتالا كثيرا حتى لم يبق معه إلا نحو سبعمائة من غلمانه وغلمان أبيه، فولّى منهزما، وأتبعوه، فأخذ وقتل، وبعث الفضل ابن صالح برأس أبى تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان، وعدّة أسارى، فأمر العزيز بإطلاق الأسرى، وقدّم هديته - وهى:\rأحمال محزومة، ومائتا فرس، وخمسون بختيا، ومائة بغل، ومائة ناقة، فخلع عليه، وأركب على فرس، وقيد بين يديه خمسة أفراس، ومائة قطعة من الثياب، وعشرون ألف دينار.\rوكان من خبر الفضل بن صالح أن العزيز لما سار من الرّملة بأفتكين إلى مصر جعل بلد فلسطين لمفرّج بن دغفل بن الجرّاح الطائى، فأنفذ إلى دمشق واليا من المغرب، يقال له حميدان بن جواس العقيلى فى نحو مائتى رجل، وقد غلب عليها قسّام التراب السقاط عند ما وردت عليه كتب العزيز عند مسيره إلى محاربة أفتكين … (¬٣) من ورائه فأظهر","footnotes":"(¬١) بياض بالأصل مقدار ثلاث كلمات.\r(¬٢) جاء فى (اللسان): «جل الدابة - وجلها - (بفتح الجيم وضمها) الذى تلبسه لتصان به، والجمع جلال واجلال»، ثم قال «وجمع الجلال أجلة؛ وجلال كل شيء غطاؤه، وتجليل الفرس أن تلبسه الجل».\r(¬٣) هنا نحو ثلاث كلمات ممحوة بالأصل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276586,"book_id":167,"shamela_page_id":294,"part":"1","page_num":250,"sequence_num":294,"body":"قسّام الكتب وقرأها فى الجامع، ووعد الرعية بالإحسان، وبترك الخراج لهم إن منعوا أفتكين من دخول البلد فقصدت يد الرياشى نائب أفتكين عنه، لقوة قسّام، وكثرة أصحابه، ودالتهم بأنهم قاتلوا جوهرا القائد ومنعوه من البلد، فأخذ الخفارة من القرى وأنفق سوق الرياشى، فتمكّن وأمن، وكثر الطامع فى البلد، فولى أفتكين رجلا يقال له «تكين» من الأتراك، فلم تنبسط يده لكثرة من غلب على دمشق من أهل الشر، فلما نزل أخوا (¬١) بختيار دمشق قوى تكين، وأراد أن يقهر قسّاما، فأوقع بطائفة من أصحابه بالغوطة، ثم اصطلحا.\rوكان من مجئ القرامطة ما ذكر، فنزلوا على دمشق، فمنعهم قسّام من البلد، وعمل على قتالهم، فصار له بذلك يد عند العزيز، فلما رحلوا إلى بلادهم، وتمكن ابن الجرّاح من فلسطين إلى طبرية، استولت فزارة ومرة على حوران والبثنية وخربتها حتى بطل الزرع منها، وجلا أهلها، فهلكوا من الضرّ، وصار كثير منهم إلى حمص وحماة وشيزر وأعمال حلب، فعمرت بهم البلاد.\rثم إن قسّاما وقع بينه وبين حميدان العقيلى، فثار به ونهبه، ففر منه، وقوى قسّام، وكثرت رجاله، وزاد ماله، فولى دمشق بعد حميدان أبو محمود فى نفر يسير، فكان تحت يد قسّام، لا أمر له ولا نهى.\rواتفق فى هذه السنة أن ولى دمشق ظالم بن موهوب العقيلى، والقرمطى، ووشّاح، وحميدان، وأبو محمود.\rوكانت واقعة فنّاخسرو مع بختيار بالعراق، فكان ممن انهزم أبو تغلب فضل الله بن ناصر الدولة ابن حمدان، فسارت خلفه عساكر فنّاخسرو، وكتب فيه إلى الأكراد والروم أن لا يجيره أحد، ففر أبو تغلب إلى آمد، وسار منها إلى الرّحبة، وكتب إلى العزيز أن يقيم فى عمله، وسار فى البر إلى حوران، فنزل على دمشق، وكتب العزيز إلى قسّام يمنعه من البلد، فمنعه، ثم أذن أن يتسوّق أصحابه من المدينة.\rوطمع أبو تغلب فى ولاية دمشق من قبل العزيز، فخافه قسّام، وأشير على العزيز فى مصر","footnotes":"(¬١) الأصل: «أخوى».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276587,"book_id":167,"shamela_page_id":295,"part":"1","page_num":251,"sequence_num":295,"body":"أن لا يمكّن ابن حمدان من دمشق، فإنه إن مكّن عظم شرّه، فكوتب بكل ما يحب، وكتب إلى قسّام بأن لا يمكّنه.\rهذا وأبو تغلب بن حمدان نازل بظاهر المزّة، فأقام شهورا، وثقل على قسّام مقامه، وخاف أن يلى البلد، فأكمن لأصحابه فى البلد، وأخذ منهم سبعين، وقتل جماعة، وسلب الباقى، فلحقوا بأبى تغلب، فلم يطق فعل شيء، وكتب إلى العزيز، وكتب قسّام أيضا:\r«بأن أبا تغلب قد حاصر البلد، ومدّ يده إلى الغوطة، وقتل رجالى، ونحن على الحرب معه»، فخرج الفضل بن صالح - كما تقدّم - ونزل الرملة، وبعث إلى ابن الجرّاح من مصر بسجلّ فيه ولايته على الرملة.\rوكان أبو تغلب قد سار عن دمشق، وسار الفضل، فنزل طبرية، واجتمع به أبو تغلب بمكاتبة، وقرّر معه أن يكون على الرملة، وقدم الفضل دمشق.\rفجبى (¬١) الخراج، وزاد فى العطاء، واستكثر من الرجال، وخرج عنها، فأخذ طريق الساحل.\rوكان أبو تغلب قد استولى على أهراء (¬٢) كانت بحوران والبثنية، فاجتمعت إليه العرب من بنى عقيل، فيهم شبل بن معروف العقيلى، فسار بهم إلى الرملة فخرج منها ابن الجرّاح، وأخذ فى جمع العرب، وهو واثق بأن الفضل معه على أبى تغلب، وفى ذهن أبى تغلب أن الفضل معه على ابن الجرّاح، ونزل الفضل عسقلان، فواقع ابن الجراح بجموعه أبا تغلب، وأدركه الفضل، فاجتمع العسكران، وفرّ من كان مع أبى تغلب، فلحقوا بالفضل، ووقع القتال، فانهزم أبو تغلب، وأدركه القوم، فأخذ وحمل إلى ابن الجراح، فأركبه جملا، وشهّر بالرملة، ونزع جميع ما عليه حتى بقى بثوب رقيق، وحبسه، فطلب شيئا يتوسد عليه، فقال ابن الجرّاح:","footnotes":"(¬١) الأصل: «فجبا».\r(¬٢) عرف صاحب القاموس الهرى (ج: أهراء) بأنه بيت كبير يجمع فيه طعام السلطان والذى جرى عليه مصطلح الدول الاسلامية أن الاهراء هى الاماكن التى تخزن بها الغلال والأتبان الخاصة بالخليفة أو السلطان احتياطا للطوارئ وكانت لا تفتح الا عند الضرورة؛ والأهراء غير الشون (مفرد: شونة) التى كان يخزن بها ما يستهلك طول السنة من غلال وأحطاب وأتبان انظر: (المقريزى: اغاثة الأمة، ص ٢٨، حاشية ٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276588,"book_id":167,"shamela_page_id":296,"part":"1","page_num":252,"sequence_num":296,"body":"«اجعلوا تحته شوكا يتوسده».\rفحمل إليه، وقالوا له:\r«توسّد بهذا».\rفأغلظ فى القول، وشتم ابن الجراح، فبلغه ذلك، فغضب، وأمر بقتله، فقتل، وأحرق ليومين بقيا من صفر سنة تسع وستين. وبعث برأسه إلى العزيز مع الفضل، وخلة الديار لابن الجرّاح، فأتت طىّ عليها فتعطلت الزروع من القرى.\rوكان فنّاخسرو البويهى قد عزم على إرسال العساكر إلى مصر، فخالف عليه أخ له، واستنجد بصاحب خراسان، فأمدّه بعساكر عظيمة، فسيّر إليه فنّاخسرو العساكر من بغداد، فشغل بذلك عن مصر.\rوفيها ولد للوزير يعقوب بن كلّس ولد ذكر فأرسل إليه العزيز مهدا من صندل مرصّعا (¬١) وثلاثمائة ثوب، وعشرة آلاف دينار عزيزية، وخمسة عشر فرسا بسروجها ولجمها، منها اثنان ذهب، وطيب كثير، فكان مقدار ذلك مائة ألف دينار.\rوعقد العزيز على امرأة فأصدقها مائتى ألف دينار، وأعطى الذى كتب الكتاب ألف دينار، وخلع على القاضى والشهود، وحملهم على البغال، فطافوا البلد بالطبول والبوقات.\rوبعث متولى برقة هدية، وهى: أربعون فرسا بتجافيف (¬٢)، وأربعون بغلا بسروجها ولجمها، وستة عشر حملا من المال، ومائة بغلة، وأربعمائة جمل.\rوجهّز الحاج وكسوة الكعبة (¬٣)، وصلات الأشراف، والطيب والشمع والزيت فبلغ مصروف ذلك مائة ألف دينار","footnotes":"(¬١) الأصل: «مرصع».\r(¬٢) التجفاف - والجمع تجافيف - ما جلل به الفرس من سلاح وآلة تقيه الجراح - وفرس مجفف عليه تجفاف (اللسان).\r(¬٣) لاحظ أن الكسوة كانت ترسل الى الكعبة من مصر منذ أوائل العصر الفاطمى، راجع: (المقريزى: الذهب المسبوك بذكر من حج من الخلفاء والملوك، نشر وتحقيق جمال الدين الشيال، القاهرة، ١٩٥٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276589,"book_id":167,"shamela_page_id":297,"part":"1","page_num":253,"sequence_num":297,"body":"وكثر حلف الناس برأس أمير المؤمنين، فنودى:\r«برئت الذمة من أحد قال هذا، وحلّت به العقوبة، فلا يحلفن إلا بالله وحده».\rفانتهى الناس.\rوفيها قدم كتّاب ومغنين (¬١) ابنا زيرى بن مناد إلى القاهرة فارّين من سجن أخيهما الأمير أبى الفتوح يوسف بن زيرى، فأكرمهما العزيز، وخلع عليهما، ووصلهما.\rوفيها أخرج العزيز باديس بن زيرى من القاهرة فى خيل كثيرة إلى مكة مع الحاج، فلما وصل إلى مكة أتاه الطرّارون (¬٢) فقالوا:\r«نتقبل هذا الموسم بخمسين ألف درهم».\rفقال لهم:\r«اجمعوا أصحابكم حتى أعقد هذا على جميعهم».\rفلما اجتمعوا أمر بقطع أيديهم، وكانوا نيفا وثلاثين رجلا، فقطعوا أجمعين.\rوأما الشام فإن العزيز بعث سلمان بن جعفر بن فلاح فى أربعة آلاف، فنزل الرملة - وبها ابن الجرّاح - فتباعد، وقد استوحش كلّ منهما من صاحبه، فأقام أياما، ورحل إلى دمشق، فوجد قسّاما قد غلب عليها، فنزل بظاهر البلد، وقد ثقل على قسّام، وأراد سلمان يأمر وينهى فى البلد فلم يقدر على ذلك، وطال مقامه فى غير شيء، وقلّ المال عنده، وأراد إقامة الحرمة فأمر قسّاما ألا يحمل أحد السلاح، فأبوا عليه، وبعث إلى الغوطة ينهاهم عن حمل السلاح:\r«وأن لا يعارضوا السلطان فى بلده، ومن وجدناه بعد هذا يحمل السلاح ويأخذ الخفارة ضربنا عنقه».\rفقال لهم قسّام: «لا نفكر فيه، كونوا على ما أنتم عليه»، وطاف العسكر الغوطة، فوجدوا قوما يحملون السلاح، ويأخذون الخفارة، فقطعوا رءوسهم، فثار قسّام ومن معه إلى","footnotes":"(¬١) كذا فى الأصل، وليس فى المراجع ما يعين على ضبط الاسم.\r(¬٢) هكذا فى الأصل، ولم أجد لهذا اللفظ معنى فى المعاجم، ولعلها «الطوافون».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276590,"book_id":167,"shamela_page_id":298,"part":"1","page_num":254,"sequence_num":298,"body":"الجامع، وثار الغوغاء، وأخرج إلى سلمان قوما فقاتلوه، وأقام بالجامع ومعه شيوخ البلد، وكتب محضرا أشهد فيه على نفسه أنه متى جاء عسكرا من قبل فنّاخسرو (¬١)، وأغلق البلد وقاتلهم، وكتب بما جرى، وسيّر ذلك إلى العزيز، فبعث إلى سلمان أن يرحل عن دمشق، فرحل بعد ما أقام شهورا.\rوقدم أبو محمود من طبرية بعد مسير ابن فلاح فى نفر، وخرج الفضل بن صالح من عند العزيز ليحتال على ابن الجرّاح وعلى قسّام، وأظهر أنه يريد حمص وحلب، ليأخذ تلك البلاد، فنزل على دمشق، وفطن ابن الجرّاح لما يريده، فأخذ حذره، وسار عن الفضل، فرحل فى طلبه، ومعه شبل بن معروف، فكانت بينه وبين ابن الجراح وقعة فى صفر سنة سبعين، فأوقع ببنى سنبس، فقتل شبل بن معروف، طعنه بعض بنى سنبس، فمات.\rوبعث ابن الجرّاح إلى العزيز يتلطف به، ويسأله العفو، فأرسل إلى الفضل يأمره بالكفّ عن ابن الجرّاح، وأن لا يعرض له، فوافاه ذلك وهو يجهّز العساكر خلف ابن الجرّاح، فكفّ عن قتاله، وعاد إلى مصر.\rورجع ابن الجرّاح إلى بلاد فلسطين على ما كان، فأهلك العمل حتى كان الإنسان يدخل الرملة لطلب شيء يأكله فلا يجده وهلك الفلاحون وغيرهم من الضرّ، ومات أكثرهم.\rهذا ودمشق تمتار من حمص، وكان عليها بكجور من قبل أبى المعالى شريف بن سيف الدولة ابن حمدان، وقد عمّر حمص بعد خرابها من الروم لما دخلوها فى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.\rواتفق خراب دمشق كما تقدّم، فرحل أهل القوافل من حمص إلى دمشق، ودمشق قد طمع فى عملها العرب حتى كانت مواشيهم تدخل الغوطة، وأبو محمود إبراهيم بن","footnotes":"(¬١) كذا بالأصل، والجملة ناقصة غير مفهومة والنص عند (ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق، ص ٢٣) - ولعله المرجع الذى يأخذ عنه المقريزى هنا لتشابه النصين - واضح، ولهذا آثرنا نقله هنا للمقارنة والايضاح: «وثار قسام ومعه الى الجامع؛ ولم يشهد الحرب مع أصحابه، وقد أحضر المشايخ وكتب بما جرى الى مصر؛ وعمل محضرا على نفسه أنه «متى جاء للملك عضد الدولة عسكر أغلق الأبواب وقاتله ليكون لك معونة على ما يريده» فلما وقف عليه العزيز وافق غرضه وأنفذ رسله وكتابه الى سليمان بن فلاح يأمره بالرحيل من دمشق … الخ».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276591,"book_id":167,"shamela_page_id":299,"part":"1","page_num":255,"sequence_num":299,"body":"جعفر واليا عليها تحت مذلة قسّام، فهلك فى صفر سنة سبعين، فكاتب بكجور العزيز، فوعده بولاية دمشق، فورد الخبر بموت فنّاخسرو، فأمن العزيز ممّا كان يخاف، وجهّز عسكرا عليه رشيق المصطنع.\rوكان بشارة الخادم الإخشيدى قد فسد أمره مع أبى المعالى بحلب، ففرّ منه فى مائة رجل إلى مصر، فأكرمه العزيز، وولاّه طبرية، فاستمال رجالا من أهل حلب، وضبط البلد وعمّره فقوى أمره، وابن الجرّاح بفلسطين يخرّب ويأخذ الأموال.\rوقدم أيضا على العزيز رخا الصّقلى فى ثلاثمائة غلام من الحمدانية، فولاّه عكّا، وقدم رخا فى عدة منهم، فولاه أيضا قيسارية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276592,"book_id":167,"shamela_page_id":300,"part":"1","page_num":256,"sequence_num":300,"body":"فلما كان فى سنة اثنتين وسبعين\rخرج عسكر من مصر إلى الشام عليه بلتكين التركى أحد اصحاب أفتكين ليكون على دمشق بدل رشيق، وكوتب بشارة بمعاونة العسكر على حرب ابن الجرّاح، ونزل العسكر الرملة، وسار بشارة من طبرية، واجتمعت العرب من قيس إليهم، فكانت الحرب بينهم وبين ابن الجرّاح، فانهزم، وقتل كثير من أصحابه؛ وصار إلى أنطاكية مستجيرا بصاحبها.\rوكان الروم قد خرجوا من القسطنطينية فى عسكر عظيم يريدون أرض الشام، فخاف ابن الجرّاح، فكاتب بكجور، وسار بلتكين فنزل على دمشق فى ذى الحجة، فجمع قسّام الرجال من الغوطة وغيرها، ورمّ شعث السور وضبط الأبواب بالرجال، ونصب … (¬١)\rوكان مع قسّام فى البلد منشّا اليهودى على عطاء العسكر وتدبيره، وجيش بن الصمصامة شبه وال فى طائفة من المغاربة، قد ولى بعد خاله أبى محمود، فخرج إلى بلتكين بمن معه، وقد صار معه أيضا بشارة بعسكره، فبعث إلى قسّام أن يسلم البلد، ويكون آمنا هو ومن معه، فأبى.","footnotes":"(¬١) بياض بالأصل مقدار كلمة، ولعلها «المجانيق».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276593,"book_id":167,"shamela_page_id":301,"part":"1","page_num":257,"sequence_num":301,"body":"فلما كان التاسع عشر من المحرم سنة ثلاث وسبعين.\rابتدأ القتال مع قسّام، ووقع النفير فى البلد، فلم يخرج مع قسّام إلا حزبه من العيّارين، وقوم من أهل القرى كانوا يأخذون الخفارة، ويطلبون الباطل، وقد كره جمهور الناس قسّاما وأصحابه، فلما تقاصر عنه أهل البلد انكسر قلبه، وأصحابه ثابتون على القتال، وقتلوا جماعة من الجند، وكثر فيهم الجراح من نشاب أصحاب بلتكين، وتبيّن الانكسار على قسّام لتقصير الرعيّة عن معاونته ومقتهم إياه، وقوة أمر السلطان، وكان قد كثر عليه الصلب من أصحابه للمال وقت الحرب، فأمسك عنهم، وشحّ بماله، فقالوا: «على أى شيء نقتل أنفسنا؟» فتفرّقوا عنه إلا وجوه أصحابه وخاصته.\rواستمرّ القتال أياما، فاجتمع الخلق إلى قسّام فى أن يخرج إلى بلتكين ويصلحوا الأمر معه، فلان وذلّ بعد تجبّره، وقال: «افعلوا ما شئتم».\rوكان العسكر قد قارب أن يأخذ البلد فخرجوا إلى بلتكين وكلّموه فى ذلك، فأمر بكفّ العسكر عن القتال، وأمر قسّاما وأصحابه فعاد القوم إليه وأخبروه وهو ساكت حائر قد تبيّن الذلّ فى وجهه، واجتمع أكثر الناس، فصاح من كان قد احترقت داره - وهم كثير - بقسّام:\r«انتقم الله ممن أذلّنا وأحرق دورنا، وشتتنا، وتركنا مطرحين على الطرق».\rفعجب قلبه من سماع صياحهم، وقال: «أسلّم البلد».\rفولى بلتكين حاجبا يقال له خطلخ، فدخل المدينة فى خيل ورجل، فلم يعرض لقسّام ولا لمن معه، فتفرق عن قسّام أصحابه، فمنهم من استأمن، ومنهم من هرب، ومنهم من أخذ، واختفى (¬١) قسّام بعد يومين، فأصبح القوم أول صفر وقد علموا باختفائه، فأحاطوا","footnotes":"(¬١) الأصل: «واختفا».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276594,"book_id":167,"shamela_page_id":302,"part":"1","page_num":258,"sequence_num":302,"body":"بداره، وأخذوا ما فيها، ونزلوها وما حولها من دور أصحابه، وبعثوا الخيل فى طلبه فلم يوقف له على خبر، ونودى فى البلد.\r«من دلّ على قسّام فله خمسون ألف درهم، ومن دلّ على أولاده فله عشرون ألف درهم».\rوكان له من الأولاد: أحمد، ومحمد، وبنت.\rفظفروا بامرأته وابن لها معها، فحبسا.\rفلما مضى لقسّام جمعة وهو مختف قلق وجاء فى الليل إلى منشّا بن الغرار اليهودى، فأوصله إلى بلتكين، فقيّده وحمله إلى مصر، فعفا (¬١) عنه العزيز.\rوكان قسّام من بطن من العرب يقال لهم «الحارثيون»، من قرى الشام، فنشأ بدمشق وكان يعمل على الدواب فى التراب، ثم إنه صحب رجلا يقال له «ابن الجسطار»، ممن يطلب الباطل (¬٢) ويحمل السلاح، فصار من حزبه، وترقى إلى ما تقدم ذكره.\rوكتب بكجور إلى العزيز يسأله فى إرسال جيش ليأخذ به حلب، فأنفذ إليه عسكرا من دمشق، وجمع بنى كلاب فسار بهم إلى حلب وحاصرها، فقدم دمستق (¬٣) الروم إلى أنطاكية، وقصد أن يكبس بكجور، فكتب إليه ابن الجرّاح يحذره، فارتحل عن حلب، فسار عسكر الروم خلفه، ونزلت حمص، وبعث بأمواله إلى بعلبك، وارتحل إلى جوسيّة.","footnotes":"(¬١) الأصل: «فعفى».\r(¬٢) لاحظ هذا الوصف، و (ابن القلانسى ص ٢٧) يصف ابن الجسطار بأنه كان «من مقدمى الأحداث وحملة السلاح وطالبى الشر»\r(¬٣) الدمستق هو أكبر البطارقة، ورئيسهم هو خليفة الملك (الخوارزمى: مفاتيح العلوم، ص ١٢٩) ويقابل هذا اللفظ Domesticus ويطلق عادة على قائد قوات اللواء، وتطلق عبارة Domestic of the Grand Scholae أو Grand Domestic على القائد الأعلى للجيش. انظر (Camb.Med.Hist.vol.IV.PP .٧٣١ - ٧٣٩) و «والسيد الباز العرينى: ضبط وتحقيق الألفاظ الاصطلاحية التاريخية الواردة فى كتاب مفاتيح العلوم للخوارزمى، المجلة التاريخية المصرية، المجلد السابع، ١٩٥٨، ص ٢٧٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276595,"book_id":167,"shamela_page_id":303,"part":"1","page_num":259,"sequence_num":303,"body":"ودخل ملك الروم إلى حمص فلم يعرض لأحد، ورحل يريد طرابلس، وسيّر يريد مالا من حمص، فامتنع أهلها، فرجع ونهب، وسبا، وأحرق الجامع وغيره، فاحترق كثير من الناس، وذلك فى تاسع عشر جمادى الأولى، وهى دخلة الروم الثانية حمص.\rويقال إن أبا المعالى بن حمدان لخوفه من بكجور سيّر إلى برديس ملك الروم أن يخرّب حمص، وفارق أصحاب بلتكين بكجور، وصاروا إلى دمشق، فبعث بكجور إلى العزيز يسأله ولاية دمشق، فورد جوابه: «إنا قد وليناك»، فبعث إلى بعلبك واليا، وإلى بعلبك غلامه وصيف، فأبى عليه بلتكين، لكتاب ورد عليه من الوزير يعقوب بن كلّس، فتحيّر بكجور، وما زال بشارة والى طبرية يتوسط لبكجور فى ولاية دمشق حتى أمسك عنه الوزير، فسار إلى القابون، ثم تسلّم البلد بعد أمور.\rورحل بلتكين أول رجب وفى نفسه حقد على الوزير يعقوب بن كلّس لمعارضته له فى ولاية دمشق، فعمل على كاتبه ابن أبى العود اليهودى حتى قتله بعض الأحداث (¬١) الذين كانوا مع قسّام فى غيبته عن دمشق ببلاد حوران، فعظم ذلك على الوزير، وأخذ بكجور فى ظلم الناس، وجمع الأموال، ومخالفة ما يأمر به من مصر، وبعث غلامه وصيف فأخذ الرّقّة فى سنة ست وسبعين، فعصى عليه بها.\rوأخذ الوزير فى قتل بكجور فبعث إلى دمشق فهمّوا به، فلم يتم لهم، وظفر بهم بكجور، وقبض على من أراد ذلك، وقتلهم فى شهر رمضان سنة سبع وسبعين، فازداد حنق الوزير، وعلم بكجور بما دبّره الوزير، فأخذ يعارضه فى ضياعه، ويهين عماله، وتحزّق بابن أبى العود الصغير، وكان قد ولى بعد قتل أخيه.\rواشتدّ جور بكجور وكثر قتله وصلبه للناس والبناء عليهم، وكثرت مخالفته لما يرد عليه من العزيز، فخرج إليه منير الخادم من مصر فى سنة ثمان وسبعين بعسكر كبير، وكتب إلى أهل الأعمال بالمسير معه إلى دمشق لحرب ابن الجرّاح، فنزل الرملة وقد اختلف بكجور مع بشارة والى طبرية، وأنزل ابن الجرّاح السواد وأطمعه فى ضياع الوزير، وجعله ضد البشارة، وكاشف بالعصيان","footnotes":"(¬١) عن «الأحداث» انظر ما فات هنا ص ٢٣٩ هامش ٣","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276596,"book_id":167,"shamela_page_id":304,"part":"1","page_num":260,"sequence_num":304,"body":"فجمع منير العرب من قيس وعقيل وفزارة، وسار إلى عمّان، فسار إليه منير، وصاروا جميعا إلى عمل دمشق، فجمع بكجور بنى كلاب، وبعث منير سريّة إلى ابن الجرّاح وهو فى طرف عمل دمشق، فأوقعوا بقومه، وغنموهم، فانهزم.\rوكتب منير إلى بكجور:\r«إنا لم نجئ لقتالك، وإنما جئنا لنخرج ابن الجرّاح من العمل، لأنه أفسد وعصى، فتكون معينا لنا فى هذا الأمر، لنسير إلى حلب وأنطاكية».\rفعلم أنّ هذا خداع، وقد اشتدّ خوفه وقلقه من أهل البلد لكثرة إساءته لهم، وجوره وتعديه لئلا يثوروا به، فجمع عسكره وبعثهم إلى قتال منير، وأقام بالبلد، فكانت بينهم وقعة انهزموا فيها، فخاف وبعث إلى منير: «أنى أسلّم البلد وأرحل عنه»، فأجيب إلى ذلك.\rورحل للنصف من رجب ومعه ابن الجرّاح يريد الرّقّة، وتسلّم منير دمشق، وسيّر إلى مصر بذلك، وبثلاثمائة من أصحاب بكجور استأمنوا، فبعث العزيز إلى بكجور على لسان الوزير يقول:\r«ما أردنا أن تبرح عن البلد، وإنما بعثنا إلى ابن الجرّاح من يخرجه عن العمل لما أفسد فيه، وما كان لك من الغلات والضياع فهو على رسمه، أفعل فيه ما أحببت، فما لنا فيه من حاجة».\rفأقام بكجور على ما كان له بدمشق من الضياع والأهراء من يتولّى أمرها، وبقى بالرقّة يقيم الدعوة للعزيز ويراسله، ويراسل كرديّا قد غلب على ميّافارقين يقال له «باد»، ويكاتب أبا المعالى سعد الدولة، واسمه شريف بن سيف الدولة على بن حمدان بحلب أن يرده إلى حمص، فولاّه حمص، فبعث من يتسلمها، فقلق لذلك الوزير يعقوب بن كلّس، فبعث إلى ناصح الطبّاخ وهو بعمّان أن يسير إلى حمص ويأخذ من بها من أصحاب بكجور، فأسرى إليها وقد حذروا منه، وخرجوا قادمين بأموالهم، فأخذهم وسار إلى دمشق، فبعث بكجور إلى صاحب بغداد فلم ير منه ما يحب، ووقع بينه وبين أبى المعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276597,"book_id":167,"shamela_page_id":305,"part":"1","page_num":261,"sequence_num":305,"body":"سنة سبعين وثلاثمائة:\rفيها تمكنت حال يعقوب بن كلّس مع العزيز، فأذلّ كتامة وقهرهم، وقدّم الأتراك، عزل القائد جوهر عن الوزارة، وكان العزيز يستشيره فى الباطن.\r\rسنة إحدى وسبعين وثلاثمائة:\rفيها تقدّم العزيز إلى بعض من فيه جرأة وشهامة بالتوجه إلى بغداد، ليسرق السبع الفضة الذى على صدر (¬١) زبزب عضد الدولة فسار إلى بغداد وسرقه، فعجب الناس من ذلك.","footnotes":"(¬١) الأصل: «صور» والتصحيح عن (متز): الحضارة الاسلامية فى القرن الرابع؛ ترجمة محمد عبد الهادى أبو ريدة، ج ١؛ ص ٤، حيث قال:\r«وكان على صدر زبزب السلطان عضد الدولة صورة لسبع من فضة» والزبزب - والجمع زبازب - سفينة صغيرة تسير فى نهرى دجلة والفرات. انظر أيضا (اللسان)، و (شفاء الغليل)، وجاء فى (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة. ج ٤. ص ١٥٩): «وحمل - الخليفة الطائع - فى زبزب فى الدجلة وأصعد الى دار الملك».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276598,"book_id":167,"shamela_page_id":306,"part":"1","page_num":262,"sequence_num":306,"body":"سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة.\rفى يوم الاثنين لثلاث خلت من شوال قبض العزيز بالله على الوزير يعقوب بن كلّس وعلى الفضل بن صالح وأخوته، وحمل ما فى دورهم إلى القصر، فكان ما حمل من دار الوزير يعقوب مائة ألف دينار، واعتقل كلّ واحد بمفرده، فارتجّت المدينة، ونهبت الأسواق، وكانت الدواوين (¬١) تجلس فى دار الوزير، فنقلوا إلى القصر.\rوعملت أوراق ما كان للوزير من أنواع البرّ فبلغت ألف دينار كل شهر، فأمر العزيز باجرائها على أربابها، ثم أفرج عنهم بعد شهرين، وأعيد موجودهم، وأعيد الوزير إلى وزارته، ورد إليه المائة ألف دينار التى أخذت له، وأعيد اسمه إلى الطراز (¬٢) بعد ما محى.\rوفيها كان غلاء عظيم عمّ بلاد الشام والعراق.\rوفيها مات هفتكين، فاتهم الوزير يعقوب بأنه سمّه، فقبض عليه.\rومات القاضى محمد بن الحسن بن أبى الربس (¬٣).\rومات أبو العباس بن سبك من الإخشيدية.","footnotes":"(¬١) الدواوين هنا بمعنى موظفى الدواوين.\r(¬٢) هذا تقليد جديد أن يثبت اسم الوزير مع اسم الخليفة على الطراز، أى على المنسوجات التى تنسج فى دار الطراز الخاصة، وقد بدأ هذا التقليد كما نرى منذ أوائل العصر الفاطمى.\rو «الطراز كلمة ايرانية معربة كانت تعنى المدبج (البرودرى): ثم أطلقت على الرداء المحلى بالمدبج اذا كانت تلك الحلية أشرطة من الكتابة، واخيرا صارت تطلق على المصنع الذى تطرز فيه هذه الأشرطة؛ ولقد كان من عادة ملوك ايران قبل الاسلام أن يزينوا ملابسهم بصور الملوك وبأشكال معينة، تمييزا لها عن غيرها واشعارا بما للابسها من السلطان، ويتخذون ذلك شعارا لهم يختصون به دون سواهم، ولقد ورث المسلمون عنهم هذه العادة ولكنهم اعتاضوا عن الصور والرسوم بكتابة أسماء خلفائهم مصحوبة بصيغة خاصة من صيغ الدعاء أو المدح؛ وقد كانت هذه الكتابة تنسج فى لحمة الثوب وسداه؛ أو تطرز بعد نسجه بخيوط من الذهب أو الفضة أو الحرير الذى يختلف لونه عن لون الثوب المزركشة عليه، وقد اتخذ الخلفاء ذلك حقا لهم وحدهم اختصوا به أنفسهم دون غيرهم، واعتبروه من علامات سلطانهم كذكر اسمهم فى خطبة الجمعة والعيدين، أو نقشه على السكة سواء بسواء، واعتنوا به عناية خاصة، فأنشئوا مناسج حكومية كانوا يعهدون اليها بعمل تلك الثياب؛ وأطلقوا عليها اسم «دور الطراز».\r(مرزوق: الزخرفة المنسوجة، ص ٢١ وما بعدها؛ وما به من مراجع).\r(¬٣) كذا فى الأصل دون نقط.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276599,"book_id":167,"shamela_page_id":307,"part":"1","page_num":263,"sequence_num":307,"body":"(¬*) وأما المغرب فإنّ العزيز بالله بعث فى سنة ست وسبعين أبا الفهم حسن - الداعى الخراسانى - إلى القيروان، فأكرم إكراما كثيرا، ثم توجّه إلى بلاد كتامة، فدعاهم، وعظم عندهم، حتى ضرب السكّة، وركب فى عساكر عظيمة.\rثم بعث العزيز فى سنة سبع وسبعين أبا العزم ومحمد بن ميمون الوزّان، فلقيا الأمير أبا الفتح منصور بن يوسف بن زيرى، فسبّهما وأهانهما لسبب ما فعله أبو الفهم، ووكل بهما، ثم خرج وهما معه فى طلب أبى الفهم، حتى أخذه وقتله شرّ قتلة، وأخذه العبيد فشرّحوا لحمه وأكلوه كلّه، وأمر أبا العزم ورفيقه أن يمضيا إلى مصر، ويخبرا العزيز بما شاهداه، فقدما عليه وقالا: «رأينا شيئا … (¬١) … » (¬٢).\rومن خط ابن الصيرفى (¬٣): كان رجل من التجار الغرباء ينزل فى قيسارية الإخشيد التى","footnotes":"(¬*) هذا النص والنص الذى يليه وردا فى المخطوطة بعيدا عن المتن، وقد أثبتناهما هنا فى المتن لأنهما يحتويان على بعض حوادث سنتى ٣٧٦ و ٣٧٧، وقد أثبت النص الأول المتضمن حوادث سنة ٣٧٦ على هامش ص ٤٥ أ، أما النص الثانى المتضمن حوادث سنة ٣٧٧ فقد أثبت فى ورقة منفصلة بين صفحتى ٤٤ ب و ٤٥ أوقدم الناسخ للنص الأول بقوله: «وورد بخطه فى هذا المحل»، وقدم للنص الثانى بقوله: «فى الأصل المنقول منه بخطه» - أى بخط المؤلف -\r(¬١) تتمة الجملة غير مقروءة فى الأصل.\r(¬٢) الى هنا ينتهى النص الأول.\r(¬٣) ابن الصيرفى هو تاج الرئاسة أمين الدين أبو القاسم على بن منجب بن سليمان الشهير بابن الصيرفى، كان أبوه صيرفيا، واشتهى هو الكتابة فمهر فيها، واشتغل بكتابة الجيش والخراج مدة، ثم استخدمه الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالى فى ديوان المكاتبات فى سنة ٤٩٥ هـ فى عهد الخليفة الآمر، وظل يعمل فى هذا الديوان نحو نصف قرن من الزمان الى أن توفى فى سنة ٥٤٢ هـ فى أواخر عهد الخليفة الحافظ، وقد ترجم له المقريزى فى كتابه هذا (اتعاظ الحنفاء ص ١٤١ أ) فى حوادث سنة ٥٤٢، قال: «وفيها مات الشيخ تاج الرئاسة -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276600,"book_id":167,"shamela_page_id":308,"part":"1","page_num":264,"sequence_num":308,"body":"يسكنها البزّازون خلف الجامع العتيق (¬١)، فقتل فى منزله، وأخذ ماله، فأصبح رشيق","footnotes":"= - أبو القاسم على بن منجب بن سليمان المعروف بابن الصيرفى الكاتب فى يوم الأحد لعشر بقين من صفر، ومولده يوم السبت الثانى والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وكان أبوه صيرفيا، وجده كاتبا، وأخذ صناعة الترسل عن ثقة الملك أبى العلا صاعد بن مفرج، وتنقل حتى صار صاحب ديوان الجيش، ثم انتقل منه الى ديوان الانشاء، ومات الشريف سناء الملك أبو محمد الزيدى الحسينى، ثم تفرد (أى ابن الصيرفى) بالديوان، فصار فيه بمفرده وله الانشاء البديع والشعر الرائع والتصانيف المفيدة فى التاريخ والأدب».\rومعظم الرسائل والسجلات التى وصلتنا عن العصر الفاطمى هى من انشاء ابن الصيرفى، ومؤلفاته كثيرة، منها:\r- رسائله، وقد ذكر (ابن سعيد: عنوان المرقصات، ص ١١١) أنه رأى مجموعة من رسائل ابن الصيرفى فى ٢٠ مجلدا، ولا يزال عدد كبير منها منتثرا فى الكتب التاريخية والادبية التى بين أيدينا.\r- قانون ديوان الرسائل، نشره على بهجت فى القاهرة، ١٩٠٥، غير أنه ذكر فى مقدمته أن ابن الصيرفى ألف هذا الكتاب وقدمه للوزير الافضل شاهنشاه، وقد أثبتنا نحن فى كتابنا (مجموعة الوثائق الفاطمية، الوثيقة رقم ٦) أنه ألفه للوزير أبى على كتيفات ابن الافضل شاهنشاه، وقد ترجم «ماسيه Masce» هذا الكتاب الى الفرنسية:\r(Masee.Le Code de la Chancellerie.B.I.F.A.O.Le Caire .١٩١٤) .\r- الاشارة الى من نال الوزارة، نشره عبد الله مخلص فى (B.I.F.A.Le Caire ١٩٢٤)\r- الافضليات، مجموعة من سبع رسائل قدمها للافضل شاهنشاه.\rانظر أيضا: (ابن ميسر: تاريخ مصر، ص ٣٥ و ٤٠ و ٨٧) و (ياقوت: معجم الأدباء، ج ١٥؛ ص ٧٩) و (المقريزى: الخطط، ج ٣، ص ١٤٠) و (الزركلى: الاعلام) و (سركيس: معجم المطبوعات العربية) و (محمد كامل حسين: فى ادب مصر الفاطمية، ص ٣٣٣ - ٣٣٨) و Brockelmann:G A.L.supp.I.P .٤٨٩ - ٤٩٠)\rو (Stern:The Epistle of the Fatimid Caliph al Amir … ctc P .٣٠) .\rو (فهرس المخطوطات العربية المصورة بمعهد المخطوطات العربية، القاهرة ١٩٥٤، ج ١، ص ١٤٦).\r(¬١) هو جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وقد سمى أيضا فى عهد ازدهاره (تاج الجوامع) ثم لما تقادم به العهد وكثرت الى جانبه جوامع الفسطاط والقطائع والقاهرة، سمى «الجامع العتيق» وسميت الفسطاط كذلك ولا زالت تسمى «مصر العتيقة»، انظر: (محمود أحمد باشا: جامع عمرو بن العاص)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276601,"book_id":167,"shamela_page_id":309,"part":"1","page_num":265,"sequence_num":309,"body":"- غلام ميمون دبّة صاحب الشرطة السفلى (¬١) - فاعتقل جماعة من أولاد التجار ومن كان ساكنا حول قيسارية الإخشيد، فشنّع الناس عن رشيق أنه دسّ على الرجل من قتله وأخذ ماله، ورفع إلى العزيز ذلك، وأنه اعتقل أبرياء مستورين، فوقّع على ظهر الرقعة إلى الوزير يعقوب بن يوسف فى ذى الحجة سنة سبع وسبعين وثلاثمائة:\r«سلّم الله الوزير، وأبقى نعمته عليه.\rهذه رقعة رفعت إلينا بالأمس، الوزير - سلّمه الله -[يطلع] عليها ويتدبّرها، والأمر والله فظيع، يسوء الأولياء، ويسرّ الأعداء، وبالأمس كنا نضحك من فنّاخسرو، واليوم ألجمنا بعار منى علينا فى بلد نحن ساكنوه، والأخبار تسير به فى البلدان، وحسبك بقتل الأنفس فى مواضع الأمن والطمأنينة فى وسط عمارة المسلمين وتؤخذ الأموال، وقد وكل الأمر إلى رجلين لا يخافان الله ﷿ ولا يتقيانه، والدنيا فانية، والآجال متقاربة، وإن أصبح الناس فما يدرى أنه يمسى .... الله ﷿ .... هذه الجرائم.\rعليه منها يحرم أجره .... فى .... (¬٢) المتغافل عنه، فو الله لو جرى مثل هذا فى بلد يبعد عنا لوجب الاحتساب لله فيه، فكيف تحت كنفنا وفى بلدنا؟! فليستقص الوزير - سلّمه الله - عن هذه القصة، ويوتر الله ويوترنا، ويغسل هذا العار عن الدولة ولا يغمها به.\rفو الله الذى لا إله إلا هو، وحق جدى رسول الله ﷺ ما كتبت إلى الوزير - سلّمه الله - هذه الرقعة إلا وأنا خائف من نقم الله - جلّ اسمه -، لكثرة تغافلنا وإهمالنا، إلى أن صارت المعاملة فى سفك الدماء وقتل الأنفس، فليس على هذا صبر، ولا بدّ لك من","footnotes":"(¬١) الشرطة هم الجنود الذين يحافظون على الامن، وقد كان للفسطاط شرطة منذ الفتح العربى، وكان صاحبها فى المكان الثانى بعد الوالى، فلما أسست العسكر أنشئت فيها دار أخرى للشرطة سميت الشرطة العليا - لعلو العسكر عن الفسطاط - كما سميت شرطة الفسطاط بالشرطة السفلى منذ ذلك الحين، ولما فتح جوهر مصر وأنشأ القاهرة نقل اليها الشرطة العليا، وقد ظلت بها طول عهود الفاطميين والأيوبيين والمماليك. انظر: (صبح الاعشى، ج ٤، ص ٢٣) حيث يذكر أنه كانت هناك شرطة ثالثة فى القرافة، وأنها ضمت فى العصر المملوكى الى شرطة الفسطاط أى السفلى.\r(¬٢) مكان هذه النقط فى الاصل كلمات ممحوة استحال على الناشر قراءتها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276602,"book_id":167,"shamela_page_id":310,"part":"1","page_num":266,"sequence_num":310,"body":"الاستقصاء على هذه القصة، فأوثق الناس إلى أن تنكشف، فينتقم من فاعلها، وتبرأ إلى الله تعالى منه\rفليعمل الوزير - سلمه الله - فى ذلك عملا يأجره الله عليها ونشكره، ولا يتوانى عنه، ليس ما نغسله عن أنفسنا بانكشاف هذه القصة قليلا عند الله - جلّ وعلا -، وعند عبيده من بعد.\rوأنا أقسم على الوزير بحياتى ألا يتوانى عن هذا الأمر، وليسرع بالفراغ منه، وخلاص هؤلاء الرجال المساكين من مدّ يد من يطلب أموالهم وأنفسهم ظلما وعدوانا، والشّرط والولاية قد صارت إرثا، فلينظر الوزير - سلّمه الله - أن يولى الشرطتين إنسانين يخافان الله ﷿ ويتقيانه، فلا جمع الله ما لهما، ولا ما يجئ منهما بتقلد، فقدّم ما أمرناك به فى الوجوه، وأظهره فى الناس لتطيب أنفسهم، وليعلموا أنا لا نغفل عن شيء يبلغنا لله فيه رضى، ولهم فيه صيانة.\rوالله حسبى، وعليه توكلى.\r«والسلام على الوزير ورحمة الله».\rقال [ابن الصيرفى]: «فنسخ أهل مصر كافة هذا التوقيع، وصار الصبيان فى المكاتب يعلّمونه كما يعلّمون الحمد».\rوصرف الوزير .... (¬١) ورشيقا عن الشرطتين.","footnotes":"(¬١) بياض بالاصل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276603,"book_id":167,"shamela_page_id":311,"part":"1","page_num":267,"sequence_num":311,"body":"سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة:\rفى سابع عشر ذى الحجة حدث بالقاهرة ومصر رعد شديد ورياح عاصفة، فاشتدّت الظلمة حتى شنعت، وظهر فى السماء عمود نار، ثم احمرّت السماء والأرض حمرة زائدة، وظهرت الشمس متغيرة إلى يوم الثلاثاء ثانى المحرم سنة تسع وسبعين، وظهر كوكب له ذؤابة فأقام اثنين وعشرين يوما.\rوفيها مات أبو الحسين أحمد أخو طغج فى المحرم.\r\rوفى رجب سنة ثمانين:\rخرج الناس فى لياليه على رسمهم فى الليل، ليالى الجمعة وليالى النصف إلى جامع (¬١) القاهرة عوضا عن القرافة، فزيد فى الوقيد.\rوفى يوم الجمعة عشرة شهر رمضان ركب العزيز إلى جامع القاهرة بالمظلّة فخطب وصلى.\rوفيه خطّ أساس الجامع الجديد مما يلى باب الفتوح وبدئ بالبناء فيه، وتحلّق الفقهاء الذين يتحلّقون بجامع القاهرة فيه، وخطب به العزيز وصلى يوم الجمعة النصف منه، وحمل يانس الصقلى صاحب الشرطة السفلى السماط، وبنيت مصاطب ما بين القصر والمصلى ظاهر باب النصر يكون عليها المؤذنون والفقهاء، حتى يتصل التكبير من المصلى إلى القصر، وتقدّم أمر القاضى محمد بن النعمان بإحضار المتفقهة والمؤمنين، وأمرهم بالجلوس يوم العيد عليها، وركب العزيز فصلى وخطب.\rوفى ذى القعدة ورد من دمشق مال الموسم وهو ستون حملا.\rوفى النصف منه سارت قافلة الحاج فى البر بالكسوة للكعبة والطيب والصلات، فجلس العزيز للنظر إليهم، وكانت قافلة عظيمة.","footnotes":"(¬١) المقصود «جامع الازهر»، ولاحظ أنه كان يسمى حتى عصر العزيز بجامع القاهرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276604,"book_id":167,"shamela_page_id":312,"part":"1","page_num":268,"sequence_num":312,"body":"وفيها مات الوزير يعقوب بن كلّس (¬١) يوم الخامس من ذى الحجة، فكفّن فى خمسين ثوبا ما بين وشى، ومثقل (¬٢)، وشرب دبيقى مذهّب، وجفت كافور، وقارورتين من مسك، وخمسين منّا ماء ورد، وصلى عليه العزيز، فكان ما كفن به وحنّط به عشرة آلاف دينار.","footnotes":"(¬١) أورد (ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق، ص ٣٢) ترجمة وافية ليعقوب بن كلس، نجملها فيما يلى تبيانا لمكانة هذا الوزير وللدور الخطير الذى لعبه، قال «وكان الوزير ابن كلس يهوديا من أهل بغداد خبيثا ذا مكر وحيلة ودهاء وذكاء وفطنة وكان فى قديم أمره خرج الى الشام فنزل بالرملة فجلس وكيلا للتجار، فلما اجتمعت الاموال التى للتجار كسرها وهرب الى مصر فى أيام كافور الإخشيدي صاحب مصر؛ فتاجره وحمل اليه متاعا كثيرا؛ ويحال بماله على ضياع مصر، وكان اذا دخل ضيعة عرف غلتها وارتفاعها وظاهر أمرها وباطنها، وكان ماهرا فى اشغاله لا يسأل عن شيء من أمورها الا أخبر به عن صحة، فكبرت حاله، وخبر كافور بخبره وما فيه من الفطنة والسياسة، فقال: «لو كان هذا مسلما لصلح أن يكون وزيرا»؛ فبلغه ما قال كافور، فطمع فى الوزارة؛ فدخل جامع مصر فى يوم الجمعة، وقال: «أنا أسلم على يد كافور»، فبلغ الوزير ابن حنزابة - وزير كافور - ما هو وما طمع فيه، فقصده، وخاف منه، فهرب الى المغرب؛ وقصد يهودا كانوا هناك مع أبى تميم المعز لدين الله - أصحاب أمره - فصارت له عندهم حرمة، فلم يزل معهم الى ان أخذ المعز مصر؛ فسار معه اليها.\rفلما توفى المعز وأصحابه اليهود، وولى العزيز بالله استوزره فى سنة ٣٦٥، وكان هذا الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس كبير الهمة قوى النفس والمنة؛ عظيم الهيبة، فاستولى على أمر العزيز، وقام به، واستصحه؛ فعول عليه وفوض أمره اليه، وكانت أموره مستقيمة بتدبيره فلما اعتل علة الوفاة ركب اليه العزيز عائدا، فشاهده على حال اليأس، فغمه أمره وقال له: «وددت بأنك تباع فأبتاعك بملكى؛ أو تفتدى وافديك بولدى، فهل من حاجة توصى بها يا يعقوب؟» فبكى وقبل يده وتركها على عينه، وقال:\r- «أما ما يخصنى يا أمير المؤمنين فلا، لأنك أرعى بحقى من أن أسترعيك اياه، وأرأف على من أخلفه من أن أوصيك به، لكنى أنصح لك فيما يتعلق بدولتك»\rقال: «قل يا يعقوب، فقولك مسموع؛ ورأيك مقبول».\rقال: «سالم يا أمير المؤمنين الروم ما سالموك، واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة ولا تبق على المفرج بن دغفل بن الجراح متى عرضت لك فيه فرصة».\rوتوفى فى ذى الحجة سنة ٣٨٠، فأمر العزيز أن يدفن فى داره بالقاهرة فى قبة كان بناها لنفسه، وحضر جنازته وصلى عليه وألحده بيده فى قبره، وانصرف عنه حزينا بفقده؛ وأغلق الدواوين، وعطل الأعمال أياما، واستوزر أبا عبد الله الموصلى بعده مديدة؛ ثم صرفه، وقلد عيسى ابن نسطوروس وكان نصرانيا من أقباط مصر .. الخ» انظر كذلك: (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج ٤؛ ص ١٥٨).\r(¬٢) المثقل من الثياب ما كان منسوجا بالذهب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276605,"book_id":167,"shamela_page_id":313,"part":"1","page_num":269,"sequence_num":313,"body":"وحزن عليه العزيز حزنا شديدا، ولم يأكل ذلك اليوم على مائدة، ولا حضر أحد للخدمة وأقام كذلك ثلاثا، وأقيم العزاء على قبره مدة شهر، وأوفى العزيز عنه دينه، وهو ستة عشر ألف دينار.\rوكان إقطاعه فى كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، سوى الرباع.\rواشتملت تركته على أربعة آلاف ألف دينار، سوى ما سوّى لابنته، وهو مائتا ألف دينار.\rوفى يوم عرفة حمل يانس [ص ٤٥ ب] السماط، وصلّى العزيز، وخطب يوم النحر، ونحر النوق بيده، ومضى إلى القصر، ونصب له السماط والموائد، وفرّق الضحايا على أهل الدولة.\rوطمع بكجور فى أخذ حلب، فسار، وجمع له أبو المعالى ابن حمدان، وواقعه أول صفر، فانهزم بكجور، فبعث إليه وسيق له، فضرب عنقه ثانى صفر وصلبه، وسار فملك الرقّة، وأخذ ما كان فيها، وملك الرّحبة وعاد.\rوبلغ العزيز أن منير يكاتب صاحب بغداد، فجهّز عسكرا عليه منجوتكين فيمن اصطنعه من الأتراك، وأعطاه مالا وسلاحا، وولاّه الشام، فبرز إلى منية الأصبغ (¬١) فى صفر سنة إحدى وثمانين، وخلع عليه، وحمل إليه مائة ألف دينار ومائة قطعة من الثياب الملونة، وعشر قباب بأغشية،. ومناطق مثقلة، وأهلّة وفرش، وخمسين بندا، وعشر منجوقات (¬٢)، وعشرة أفراس، فأقام بمنية الأصبغ شهرين وسبعة عشر يوما يخرج إليه العزيز فى كل غدوة وعشية، وينفذ إليه فى كل يوم الجوائز والخلع، ورفع من منية الأصبغ فى رابع عشرين جمادى الأولى، وخلع على ابن الجرّاح وحمل، وسار مع منجوتكين فلم يزل بالقصور إلى ثالث شعبان، فسار وودعه العزيز، وجدّ فى السير، وكان ما أنفق عليه العزيز ألف ألف دينار ونيف، وقدم قبل مسير ابن أبى العود الصغير، وكان على الخراج بدمشق، وكاشف بالعصيان، فسار العسكر إلى الرملة، ولقيه بشارة والى طبرية، وكتب إلى والى طرابلس نزال، وجمع منير رجاله،","footnotes":"(¬١) عرفها ياقوت بأنها فى شرقى مصر، وأنها تنسب الى الاصبغ بن عبد العزيز بن مروان أخى عمر بن عبد العزيز بن مروان.\r(¬٢) المنجوقات نوع من الاعلام والبنود: (Dozy;Supp،Dict،Arab .) والمفرد «منجوق».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276606,"book_id":167,"shamela_page_id":314,"part":"1","page_num":270,"sequence_num":314,"body":"واعتدّ للحرب، وسار إليه، فالتقى مع منير بمرج عذرا، وكانت الحرب، فانهزم منير فى تاسع عشر رمضان، وأخذ فحمل إلى منجوتكين، فشهّره على جمل ومعه قرد يصفعه فى مائة من أصحابه، وقائل ينادى:\r«هذا منير لعنه الله، أصبحت دياره خالية، وكلابه عاوية، ونساؤه صائحة، طاعنته الرماة، ونازلته الحماة، هذا جزاء من نافق على الله ﷿، وعلى مولانا العزيز بالله».\rوأقام منجوتكين فى دمشق ومعه ثلاثة عشر ألفا فساءت سيرتهم فى الناس.\rومات أبو المعالى بن حمدان فى رمضان، فسار منجوتكين يريد أخذ حلب من الحمدانية، ونزل عليها وبها أبو الفضل بن أبى المعالى، فقاتله أشدّ قتال، وأقام نحو الشهرين، ثم عاد إلى دمشق، وترك معضاد على حمص.\rوفى سنة ثمانين وثلاثمائة طمع باد صاحب ديار بكر فى أبى طاهر إبراهيم وأبى عبد الله الحسين ابنى ناصر الدولة بن حمدان، وقاتلهما، فقتل باذ، فسار بن أخته أبو على بن مروان إلى حصن كيفا، وبه امرأة خاله باد وأهله، فخدعها حتى صعد إليها، وملك الحصن وغيره من بلاد خاله، وجرت بينه وبين ابنى ناصر الدولة عدّة حروب، وقدم القاهرة على العزيز بالله، فقلّده تلك النواحى، وعاد إليها حتى ثار به عبد البر شيخ آمد، وقتله عند خروجه بالسكاكين شخص يقال له ابن دمنة، واستولى عبد البر على ما بيده، وزوّج ابن دمنة بابنته، فوثب ابن دمنة على عبد البر وقتله، وملك آمد.\rوكان ممهّد الدولة أخو أبى على بن مروان لما قتل أخوه أبو على سار إلى ميّافارقين وملكها فى عدة من بلاد أخيه، فثار عليه سروة أحد أكابر أصحابه وقتله، وقتل غالب بنى مروان، وذلك فى سنة اثنتين وأربعمائة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276607,"book_id":167,"shamela_page_id":315,"part":"1","page_num":271,"sequence_num":315,"body":"ودخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة:\rفورد سابق الحاج أول محرم، فأخبر بتمام الحج، وإقامة الدعوة للعزيز، فخلع عليه، وطيف به المدينة.\rووصل مفرّج بن دغفل بن الجرّاح، فخلع عليه.\rوأمر [العزيز] بازالة المنكرات، وهدم مواضعها، فكسر لرجل واحد خمسون ألف جرة وردت من الصعيد.\rوولد لأبى القاسم على بن القائد الفضل بن صالح ولد، فبعث إليه العزيز ثلاثين ثوبا فاخرة، وعشرة أردية، وعشر عمائم، وثوبا مثقلا، ومنديلا طوله مائة ذراع، ومنديلا دونه، وخمسمائة دينار، وحملت إليه السيدة العزيزية مائة ثوب صحاحا من كل فن، وثلاثمائة دينار، ومهدين، أحدهما أبنوس محلّى بذهب، والآخر صندل محلّى بفضة مخرقة، ولهما أغشية ومخاد (¬١) وثياب وفرش مثقلة.\rوركب العزيز لفتح الخليج.\rوفى جمادى الآخرة زفّت أخت كاتب (¬٢) السيدة العزيزية إلى زوجها بلتكين (¬٣) التركى، ومعها جهاز بمائة ألف دينار، سوى صناديق (¬٤) محملة على ثلاثين بغلا، وعمل له صنيع ذبح فيه عشرون ألف حيوان (¬٥)، ما بين كبش وخروف وجدى وإوزة ودجاجة [وفروج] (¬٦)، ونزلت إليه فى عشرين قبة، وخلع عليه وحمل، وأقامت عنده خمسة أشهر وأحد عشر يوما، ومات.","footnotes":"(¬١) الاصل: «ومخد».\r(¬٢) عند (ابن ميسر: تاريخ مصر، ص ٤٩): «كاتبه»\r(¬٣) كذا فى الاصل، وفى المرجع السابق: «بكتكين».\r(¬٤) عند ابن ميسر «صناديق لم تفتح يحملها ثلاثون بغلا».\r(¬٥) فى المرجع السابق «رأس».\r(¬٦) ما بين الحاصرتين زيادة عن المرجع السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276608,"book_id":167,"shamela_page_id":316,"part":"1","page_num":272,"sequence_num":316,"body":"وفى رجب كان عيد الصليب (¬١)، فمنع العزيز من الخروج إلى بنى وائل، وضبط الطرقات والدروب، فإنه كان يظهر فيه من المنكرات والفسوق ما يتجاوز الوصف.\rوبعث العزيز إلى منجوتكين إنعاما بمائة ألف دينار، وكان المهرجان، فسيّر إليه أيضا هدايا، وأهدى خواص الدولة إلى العزيز فى المهرجان.\rوفى ليلة النصف من شعبان كان الاجتماع بجامع القاهرة.\rوفى رمضان صلى العزيز الجمعة وخطب بجامعه، وعليه طيلسان وبيده القضيب، وفى رجله الحذاء، وصلى أيضا بجامع القاهرة وخطب.\rواعتلّ منصور بن العزيز، فتصدّق العزيز على الفقراء بعشرة آلاف دينار، وحمل السماط للعيد على العادة.\rوصلى العزيز صلاة عيد الفطر، وخطب على رسمه.\rوأهدت إليه امرأة من البلدة سبعا قد ربّته، فكانت ترضعه ولا يصرعها، وهو فى قدر الكبش الكبير.\rوسارت قافلة الحاج فى رابع عشر ذى القعدة بكسوة الكعبة والصلات.\rواعتلّ القائد جوهر، فركب العزيز إليه، وبعث له خمسة آلاف دينار، ومزينة بمثقل، وبعث إليه منصور بن العزيز خمسة آلاف دينار؛ وتوفى لسبع بقين من ذى القعدة، فكفّن فى سبعين ثوبا ما بين مثقل ووشى مذهّب، وصلّى عليه العزيز؛ وخلع على ابنه الحسين، وجعله فى رتبة أبيه، ولقّبه القائد ابن القائد، ولم يعرض لشيء مما تركه.\rومن بديع توقيعات القائد جوهر ما حكاه أبو حيان التوحيدى فى كتاب «بصائر القدماء» قال:\r«كتب جوهر عبد الفاطمى بمصر موقعا فى قصّة (¬٢) رفعها أهلها إليه:","footnotes":"(¬١) كان يحتفل به عادة فى اليوم السابع عشر من شهر توت. انظر حديثا مفصلا عنه فى: «المقريزى: الخطط، ج ٢، ص ٢٨ - ٣٠».\r(¬٢) القصة هى الشكوى، وهذا مثل طيب للتواقيع فى العصر الفاطمى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276609,"book_id":167,"shamela_page_id":317,"part":"1","page_num":273,"sequence_num":317,"body":"«سوء الاجترام، أوقع بكم حلول الانتقام، وكفر الإنعام، أخرجكم من حفظ الذمام، فاللازم فيكم ترك الإنجاب (؟) واللازم لكم ملازمة الاجتناب، لأنكم بدأتم فأسأتم، وعدتم فتعد يتم، فابتداؤكم ملوم، وعودكم مذموم، وليس بينهما فرجة تقتضى إلا التبرم بكم، والإعراض عنكم، ليرى أمير المؤمنين صلوات الله عليه رأيه فيكم».\rوحملت أسمطة عيد النحر على العادة، وصلّى العزيز بالناس صلاة العيد، وخطب، ثم نحر بالقصر ثلاثة أيام، وفرّق الضحايا.\rوفى غد يوم النحر وصل منير الخادم من دمشق، فشهّر على جمل بطرطور طويل، فخرجت الكافة للنظر إليه، ومعه سبعمائة رأس على رماح فطيف به، ثم خلع عليه وعفى عنه.\rوعمل عيد الغدير (¬١) على رسمه.\rوضرب رجل وطيف به المدينة، من أجل أنه وجد عنده موطّأ مالك ﵁.\rوفى تاسع عشره جلس علىّ بن عمر العدّاس بالقصر، فأمر ونهى، ونظر فى الأموال، ورتّب العمال، وتقدم أن لا يطلق لأحد شيء إلا بتوقيعه، ولا ينفذ إلا ما قدّره وأمر به ألا يرتفق ولا يرتزق ولا تقبل هدية ولا يضيع دينار ولا درهم.\rوفيها كان بدمشق زلزلة عظيمة سقط منها ألف دار، وهلك خلق كثير، وخسف بقرية من قرى بعلبك، وخرج الناس إلى الصحارى؛ وكان ابتداؤها فى ليلة السبت سابع عشر المحرم، وخرج الناس إلى الصحراء؛ ولم تزل الزلازل تتابع إلى يوم الجمعة سابع عشر صفر بلاء.","footnotes":"(¬١) المقصود بالغدير «غدير خم» وخم موضع بين مكة والمدينة به غدير أو بطيحة وحوله شجر كثير، ويقال ان الرسول ﵇ لما عاد من مكة بعد حجة الوداع سنة ١٠ هـ نزل بغدير خم وآخى على بن أبى طالب ثم قال: «على منى كهارون من موسى، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله»، «ويعلق الشيعة على هذا الحديث أهمية كبرى، اذ يعتبرونه بمثابة مبايعة علنية من الرسول قبيل وفاته لعلى بن أبى طالب. انظر: (دنلدسن: عقيدة الشيعة، الترجمة العربية، ص ٢٣ - ٢٦)، ويذكر (المقريزى: الخطط، ج ٢ ص ٢٢٢ - ٢٢٣) أن هذا العيد لم يكن «مشروعا ولا عمله أحد من سالف الامة المقتدى بهم، وأول ما عرف فى الاسلام بالعراق أيام معز الدولة ابن بويه، فانه أحدثه فى سنة ٣٥٢، فاتخذه الشيعة من حينئذ عيدا .. وهو أبدا الثامن عشر من ذى الحجة»، وفى خطط المقريزى تفاصيل ممتعة عن مراسم الاحتفال بهذا العيد فى مصر فى العصر الفاطمى. انظر أيضا: (معجم البلدان لياقوت).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276610,"book_id":167,"shamela_page_id":318,"part":"1","page_num":274,"sequence_num":318,"body":"ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة:\rفورد سابق الحاج بتمام الحج، وإقامة الدعوة للعزيز بالموصل واليمن، وضربت السّكة باسمه فى هذه البلاد.\rوقدم رسول القرامطة بأنهم فى دعوة العزيز ونصرته.\rوفى صفر سيّر إلى منجوتكين خمسون حملا من المال، وأربعون حملا من ثياب محزومة، وخزانة سلاح، وخمسمائة فارس.\rوقدمت قافلة الحجاج فى سابع عشره.\rوجرى فى الأسعار ما يعجب منه، وهو أن اللحم أبيع فى أول ربيع الأول رطل ونصف بدرهم، ثم [أبيع فى سادسة عشر] (¬١) أواقى بدرهم، ثم أبيع أربعة أرطال بدرهم (¬٢)، ولحم البقر ستة أرطال بدرهم، والخبز السميذ اثنا عشر رطلا بدرهم، وما دونه (¬٣) سبعة عشر رطلا بدرهم، والدراهم (¬٤) كل خمسة عشر درهما ونصف بدينار، وبلغت القطع الدراهم (¬٥) سبعة وسبعين درهما بدينار، ثم وصلت كلّ مائة درهم منها بدينار، واضطربت الأسعار والصرف، فضربت دراهم [جدد] (¬٦)، وبيعت القطع المسبك (¬٧) كل خمسة دراهم منها بدرهم جديد، وكان على الدرهم الجديد:\r«الواحد الله الغفور».","footnotes":"(¬١) مكان هذه الكلمات بياض بالاصل، وقد اضيفت عن (ابن ميسر: تاريخ مصر، ص ٤٩).\r(¬٢) النص عند (ابن ميسر، ص ٤٩): «وهو أن اللحم بيع فى الخامس منه رطل ونصف بدرهم، وبيع فى سادسة عشر أواقى بدرهم، وبيع فى سابعه أربعة أرطال بدرهم».\r(¬٣) عند ابن ميسر: «وغيره».\r(¬٤) النص عند ابن ميسر: «وكانت الدراهم القروية خمسة عشر درهما … الخ»\r(¬٥) فى المرجع السابق «الدراهم: القطع».\r(¬٦) أضيف ما بين الحاصرتين عن المرجع السابق.\r(¬٧) عند ابن ميسر: «أبيعت القطع من الصيارف لسبك كل خمسة … الخ».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276611,"book_id":167,"shamela_page_id":319,"part":"1","page_num":275,"sequence_num":319,"body":"وفى الوجه الآخر.\r«الإمام أبو المنصور (¬١)».\rوفى ربيع الآخر ورد الخبر بفتح منجوتكين حمص وحماة وشيزر، وأنه محاصر لحلب، فجعل الطائر الذى قدم بالخبر فى قفص عليه ثوب ديباج وطيف به القاهرة ومصر.\rوسعى (¬٢) بعض النصارى بالكتاب إلى العزيز فانكف عليه وهدد، فقيل إنه جائع، فرتب له فى كل شهر عشرون دينارا، ونهى عن العود لمثل ذلك، فخاف السعاة وانكفوا (¬٢).\rوخلع القاضى محمد بن النعمان على مالك بن سعيد الفارقى، وقلّده قضاء القاهرة، فركب بالخلع وشقّ الشارع إلى القاهرة.\rوفى جمادى الأولى ورد الخبر على جناح الطائر بأن سعد الدولة شريف بن سيف الدولة على بن حمدان بذل لمنجوتكين ألف ألف درهم، وألف ثوب ديباج، ومائة فرس مسرجة، ليرحل عنه، فامتنع، وقدم الروم فواقعهم منجوتكين، وقد استخلف على قتال حلب عسكرا، وكان منجوتكين فى خمسة وثلاثين ألفا، والروم فى سبعين ألفا، وانهزم الروم عند جسر الجديد، وأخذ سوادهم، وقتل منهم وأسر كثير، فقرأ العزيز الكتاب بنفسه على الناس، ونزل القاضى محمد بن النعمان فقرأه على الكافة فوق المنبر بالجامع العتيق، وقال فى كلامه:\r«فاحمدوا الله أيها الناس، فإن الله تعالى قد صانكم وصان أموالكم بمولانا وسيدنا الإمام العزيز بالله ﵇، فما بالعراق تاجر معه عشرة دنانير أو أكثر إلا وتؤخذ منه».\rوسقط الطائر بعده بأن منجوتكين غنم غنيمة عظيمة من الأموال والرجال والدواب، وأنه ظفر بعشرة آلاف أسير فأخذهم، وأنهم قاتلوا معه وهو محاصر للروم فى أنطاكية، فقرأ القاضى الكتاب على المنبر، وتصدّق العزيز بصدقات كثيرة.\rوسقط الطائر بوصول منجوتكين إلى مرعش، وعاد إلى حلب.\rوركب العزيز لفتح الخليج بالمظلة، وعليه قميص ديباج مثقل، وتاج مرصّع بالجوهر.","footnotes":"(¬١) عند ابن ميسر: «أبو منصور».\r(¬٢) هذه الجملة غير واضحة المعنى، ويبدو أنه ينقصها بعض الفقرات أو الالفاظ ولم أجد فى المراجع الاخرى ما يعين على اكمالها أو توضيحها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276612,"book_id":167,"shamela_page_id":320,"part":"1","page_num":276,"sequence_num":320,"body":"ولأربع عشرة خلت من رجب كان عيد الصليب (¬١)، فجرى الناس فى الاجتماع فيه للهو على ما كانوا عليه.\rوسقط الطائر بعود منجوتكين عن حلب إلى دمشق ليشتى بها.\rوردّت الحسبة إلى حميد بن المفلح، وخلع عليه، فطاف البلد بالطبول والبنود، وصمن ضياعا بمبلغ ثلاثمائة ألف دينار ليقوم بالعلف.\rوخطب العزيز فى رمضان فى جامع القاهرة، وصلى، وركب يوم الفطر فصلى بالناس، وخطب على الرسم.\rوسارت قافلة الحاج للنصف من ذى القعدة (¬٢).\rونودى فى السقائين أن يغطّوا روايا الجمال والبغال كى لا يدنسوا ثياب الناس.\rوعمل سماط عيد النحر، وركب العزيز فصلّى بالناس صلاة عيد النحر، وخطب على رسمه، ونحر، وفرّق الضحايا.\rوعمل عيد الغدير (¬٣) على العادة.\rوفيها سار بكجور من الرقّة إلى قتال سعد الدولة أبى المعالى شريف بن سيف الدولة على بن حمدان بحلب، فاقتتلا، وانهزم بكجور، ثم قبض عليه، وحمل إلى سعد الدولة أسيرا فقتله.\rوفيها كتب العزيز سجلا بولاية العهد بالمغرب لأبى مناد باديس بن منصور بن زيرى بعد أبيه، فسرّ بذلك أبوه.","footnotes":"(¬١) كان يحتفل بهذا العيد فى اليوم السابع عشر من شهر توت كل عام؛ وقد أسهب (المقريزى: الخطط؛ ج ٢، ص ٢٨ - ٣٠) فى الحديث عن تاريخ هذا العيد ورسوم الاحتفال به فى مصر، ويعنينا أن ننقل هنا ما قاله عن الاحتفال بهذا العيد فى العصر الفاطمى بصفة خاصة، قال: «وقد كان لعيد الصليب بمصر موسم عظيم يخرج الناس فيه الى بنى وائل بظاهر فسطاط مصر، ويتظاهرون فى ذلك اليوم بالمنكرات من أنواع المحرمات، ويمر لهم فيه ما يتجاوز الحد؛ فلما قدمت الدولة الفاطمية الى ديار مصر وبنوا القاهرة واستوطنوها وكانت خلافة أمير المؤمنين العزيز بالله أمر فى رابع شهر رجب فى سنة احدى وثمانين وثلاثمائة - وهو يوم الصليب - فمنع الناس من الخروج الى بنى وائل وضبط الطرق والدروب … الخ».\r(¬٢) أضاف (ابن ميسر: تاريخ مصر، ص ٤٩) بعد هذه الكملة ما يلى: «ومبلغ ما انفقه العزيز على الكسوة والصلات وغيره عينا وورقا ثلاثمائة ألف دينار».\r(¬٣) للتعريف بعيد الغدير انظر ما فات هنا ص ٢٧٣، هامش ١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276613,"book_id":167,"shamela_page_id":321,"part":"1","page_num":277,"sequence_num":321,"body":"ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة:\rفى المحرم ردّت الحسبة إلى الوبرة النصرانى ضمانا مع السواحل، فأمر أبو محمد الحسن ابن عمار بالنظر فى الظلامات وحوائج الناس، وتدبير الأموال، ومحاسبة أرباب الدواوين، فجلس لذلك، ثم أعفى منه، وأمر القائد الفضل بن صالح بالجلوس لذلك، فجلس بالقصر ومعه القاضى محمد بن النعمان.\rوقدم سابق الحاج فخلع عليه، وطيف به.\rويخرج العزيز إلى الجيزة لصيد سبع، وعاد وهو بين يديه على بغل.\rوظهر بمصر جراد لم يعهد مثله، فبيع بالأسواق منه شيء يجلّ عن الوصف، وكان يباع أربعة أرطال بدرهم.\rووصلت قافلة الحاج لأربع بقين من صفر.\rوعرض على العزيز عمل الخراج ووجوه الأعمال وتقدير ذلك، وابتدئ فيه بمصروف مئونته ومطابخه وموائده فحذفه، ولعن من عمله، وقال:\r«أشبع أنا وتجوع الناس، أطلقوا أرزاق الناس على الأدوار، فقد كدت أن أعطل المائدة»\rوفى أول ربيع الأول أمر العزيز الكتّاب كلّهم أن يمتثلوا ما يأمر هو به أبو الفضل جعفر ابن الفرات، فركبوا إليه، وأمر ونهى، وتكلم فى الدواوين.\rوكانت وقعة فى البحر مع الروم بنواحى الإسكندرية، وأسر فيها من الروم سبعون.\rوأمر بنصب أزيار الماء على الحوانيت مملوءة ماء؛ ووقود المصابيح على الدور وفى الأسواق.\rوقرئ سجلّ بألا يؤخذ على الموازين والأرطال حقّ طبع، وألا يأخذ أعوان المحتسب من أحد شيئا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276614,"book_id":167,"shamela_page_id":322,"part":"1","page_num":278,"sequence_num":322,"body":"ووردت مراكب الروم إلى الإسكندرية، فسار إليها العسكر فى البر، والأسطول فى البحر، فولوا من غير حرب إلى الشام، فسار الأسطول إليهم، وزيد فيه ثمانية عشر مركبا، مشحونة بالسلاح والمقاتلة.\rوذكر عند العزيز كتاب العين فى اللغة، فأخرج منه نيفا وثلاثين نسخة من خزائنه، منها واحدة بخط الخليل بن أحمد مؤلفها.\rوحملت إليه نسخة من تاريخ الطبرى اشتراها بمائة دينار، فأمر الخزّان فأخرجوا من خزائنه عشرين نسخة، منها نسخة بخط محمد بن جرير جامعه.\rوذكرت عنده جمهرة ابن دريد فأخرج منها مائة نسخة\rوفيها ركب العزيز (¬١) لفتح الخليج بزيّه.\rوظهر رجل من الرسيّين يقال له القاسم بن على يطلب الخلافة بأعمال الحجاز.\rوفى جمادى وردت هدية منصور بن يوسف بن زيرى من المغرب، وهى:\rمائة وخمسون فرسا (¬٢).\rوخمس عشرة بغلة مسرجة.\rومائة وثمانون فرسا ذكورا.\rوخمسون حجرة.\rوخمسون بغلة بأجلّة (¬٣).\rوثلاثمائة بغل بأكف، منها مائة بغل تحمل صناديق المال.\rوخمسمائة وخمسة وثلاثون جملا تحمل البر (¬٤) (؟) وغيره،؟؟؟ مائة عليها أحمال المال.","footnotes":"(¬١) الاصل: «المعز» وهو خطأ واضح.\r(¬٢) الاصل: «فرسخا» وهو خطأ واضح\r(¬٣) انظر ما فات هنا ص ٢٤٩ هامش ٢.\r(¬٤) هذه الكلمة شبه ممحوة فى الاصل، وما أثبتناه قراءة ترجيحية، ومن المحتمل أن تقرأ «التبر».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276615,"book_id":167,"shamela_page_id":323,"part":"1","page_num":279,"sequence_num":323,"body":"وكلاب الصيد.\rوخمسة أفراس بسروجها لولد العزيز، وعشرون فرسا بأجله.\rوخمسة عشر خادما صقالبة.\rوجلس العزيز عند المصلى وعلى رأسه المظلة، وسارت العساكر بين يديه قبيلة قبيلة، وعرضت عليه الخيول والرجال على الرسم فى كل سنة.\rوحضر الفقهاء وغيرهم فى رجب بجامع القاهرة فى ليالى الجمع، وفى ليلة النصف على العادة.\rوفى تاسع عشر شعبان ركب العزيز فوقف على فرسه تحت شراع نصب له، ومرّت العساكر بالخيل والجواشن والخوذ، فمروا قائدا قائدا، كل واحد بعسكره فى حجّابه وشاكريته (¬١) وبنوده، وكانوا مائة وستين قائدا، فيهم من عسكره ثلاثة آلاف إلى ألفين، وكان الغرض بهذا العرض أن يرى رسول منصور بن زيرى العساكر.\rواستعفى جعفر بن الفرات من النظر فى الأموال، فأعفى وحوسب، وضمن عدة من الكتاب القيام بوجوه الأموال، وألزم ابن الفرات بمال.\rوخطب العزيز فى رمضان بجامعه، وصلى بالناس صلاة الجمعة، ومعه ابنه منصور، فجعلت المظلّة على الأمير منصور بن العزيز، وصار العزيز بغير مظلة، وصلى أيضا صلاة عيد الفطر، ومعه ابنه على الرسم.\rوسارت قافلة الحاج للنصف من ذى القعدة بالكسوة للكعبة والصّلات، فخرج حاجّ كبير، وخرج معهم ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل، وبلغت النفقة على الكسوة والصلات ثلاثمائة ألف دينار.\rووصل البقط (¬٢) من النوبة على العادة، ومعهم فيل وزرافة.","footnotes":"(¬١) الشاكرى معناها الساعى أو الرسول، ومن معانيها كذلك السيف العريض المنحنى ذو الحدين. راجع (Dozy:Supp.Dict.Arab .)\r(¬٢) البقط اسم أطلق على الهدنة التى عقدت بين عبد الله بن سعد بن أبى السرح وملك النوبة بعد غزوه لها سنة ٣١ هـ، وكانت بمثابة معاهدة سياسية وتجارية بين مصر ومملكة النوبة المسيحية، ومن شروطها ألا يعتدى أحدهما على الآخر، وأن تؤدى النوبة الى مصر عددا معينا من الرقيق كل سنة، وأن ترسل مصر الى النوبة قدرا معينا من القمح والعدس وغيرهما من محاصيل مصر كل سنة. أما اللفظ من الناحية اللغوية فيقال انه مأخوذ من الكلمة اللاتينية Pactum ، ومعناها عقد أو اتفاق، ويقال كذلك أنها مأخوذة عن الكلمة المصرية القديمة Bakt بمعنى عبد. انظر (Enc.Isl.art.Bakt)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276616,"book_id":167,"shamela_page_id":324,"part":"1","page_num":280,"sequence_num":324,"body":"وفيها كثر بخس الباعة فى البيع من المكاييل والموازين، فكتب سجلّ فى الأسواق بالنهى عن ذلك، وخوّفوا بأن من وجدت عنده صنجة أو كيل أو ميزان بعد ثلاث وفيها عيب حلّت به العقوبة، كائنا من كان من ساكن فى عقار الدواوين الخاصة والأملاك أو فى رباع أحد من خواص الدولة، أو ظهر عليه بأنه بخس الناس أو غشّ.\rوحمل سماط العيد، وخطب العزيز بالمصلى بعد ما صلى صلاة عيد النحر بزيّه، وفرّق الضحايا ونحر.\rوخرّج على جعفر بن الفرات خراج ضياعه بالشام مبلغ خمسة وخمسون ألف دينار، فألزم بذلك، وتسلمت ضياعه المذكورة حتى استوفى ذلك منها، فأصابه عنت عظيم.\rوعمل عيد الغدير على العادة.\rوفى هذه السنة كسفت الشمس بأجمعها فى سلخ جمادى الآخرة، فأظلمت الدنيا وظهرت النجوم حتى لم ير الإنسان كفّه، ثم انجلى الكسوف آخر النهار.\rوفيها حمل من تنّيس صبىّ يعرف بحسين بن عمر إلى القاهرة لم يبل قطّ، فاعتبر حاله بها فكان كذلك، وسقى أدوية مدرّة للبول فلم يبل، فأحسن إليه، وأعيد إلى تنّيس، وأقام بها مدة حتى مات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276617,"book_id":167,"shamela_page_id":325,"part":"1","page_num":281,"sequence_num":325,"body":"سنة أربع وثمانين وثلاثمائة:\rفى المحرم قدم عيسى بن جعفر الحسنى أمير مكة بالقاسم بن على الرسّى الثائر بالحجازا، فأكرمهما العزيز، وأحسن إليهما.\rووصلت قافلة الحاج لست عشرة خلت من صفر.\rونزل منصور بن مقشر طبيب العزيز لتعهده وبين يديه الجنائب، وعلى الصبى شاشية مرصعة، وبين يديه أسطال فضة، وثلاثون شمعة موكبيّة، وشمع معنبر، فشقّ الشارع نهارا إلى الكنيسة.\rوفى ربيع الأول جلس منصور بن العزيز فى المكتب.\rوورد صندل عامل برقة بالهدية من المال والخيل والبغال والأحمال المحزومة، والجمال، فخلع عليه وحمل.\rوفيه حمل إلى القصر بستان من فضة فيه أنواع الأشجار المثمرة وجميع الأزهار، كلّ ذلك من فضة.\rوفى ربيع الآخر سار منجوتكين من دمشق فى ثلاثين ألفا لقتال ابن حمدان بحلب، وقد اجتمعت عساكر الروم بأنطاكية، فأقام بفامية، وسيّر إلى ما حول أنطاكية من القرى فأخربها.\rثم رحل عنها لكثرة الحرّ والذباب إلى جبلة، فأخذها وما حولها، فنال منها شيئا كثيرا.\rوسار إلى حلب، فحاصرها نحوا من شهرين، فعزم الروم على نجدة ابن حمدان بحلب، وقد أتتهم أمدادهم وجموع كثيرة وساروا يريدون حلب، فبرز إليهم منجوتكين، وواقعهم فهزمهم، وقتل منهم نحو خمسة آلاف، ومضى من بقى منهم إلى أنطاكية، وذلك فى شعبان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276618,"book_id":167,"shamela_page_id":326,"part":"1","page_num":282,"sequence_num":326,"body":"فلما انقضى أمر الوقعة عاد منجوتكين، فنزل على حلب، وضايق أهلها بالحصار والقتال:\rحتى أكلوا الميتة من الجوع، وخرج منها خلق كثير إلى منجوتكين، وأقام على حصارها بقية السنة.\rوفى جمادى الأولى وصل غزاة البحر إلى القاهرة بمائة أسير، فزينت القاهرة ومصر أعظم زينة، وركب العزيز وابنه منصور، وشقّا الشوارع، ثم ركب فى عشارى (¬١)، ومعه العشاريات سائرة إلى المقس، ثم ركب من المقس إلى القصر فكان يوما عظيما لم ير بمصر مثله، وقال فيه الشعراء.\rوفى جمادى الآخرة سار عيسى بن جعفر أمير مكة بالجوائز والخلع ومعه القاسم الثائر.\rواشتدت المطالبة على ابن الفرات، وأحيل عليه بمال، فأعنته المحتالون عليه، ولحقه منهم مكروه، وألقوه عن فرسه فكسرت إصبعه، وامتدت أيديهم إليه، فالتجأ إلى دار القائد أبى عبد الله الحسين بن البازيار، فأصلح قضيته.\rوجهزت هدية إلى ابن زيرى بالمغرب، وهى:\rفيل.\rومائة فرس مسرجة ملجمة.","footnotes":"(¬١) العشارى - ويقال العشيرى - نوع من السفن العربية القديمة، وقد وصفه (عبد اللطيف البغدادى، الافادة والاعتبار، ص ٥٤) وصفا دقيقا، قال: «وأما سفنهم (أى المصريين) فكثيرة الاصناف والاشكال، وأغرب ما رأيت فيها مركب يسمونه «العشيرى» شكله شكل شبارة داخلة (وهى سفينة عراقية) الا أنه أوسع منها بكثير وأطول وأحسن هنداما وشكلا؛ قد سطح بألواح من خشب ثخينة محكمة، وأخرج منها أفاريز كالرواشن نحو ذراعين، وبنى فوق هذا السطح بيت من خشب، وعقد عليه قبة، وفتح له طاقات وروازن بأبواب الى البحر من سائر جهاته، ثم تعمل فى هذا البيت خزانة مفردة ومرحاض، ثم يزوق بأصناف الاصباغ، ويدهن بأحسن دهان، وهذا يتخذ للملوك والرؤساء بحيث يكون الرئيس جالسا فى وسادته وخواصه حوله، والغلمان والمماليك قيام بالمناطق والسيوف على تلك الرواشن، وأطعمتهم وحوائجهم فى قعر المركب، والملاحون تحت السطح أيضا وفى باقى المركب يقذفون به، ولا يعلمون شيئا من أحوال الركاب، ولا الركاب تشتغل خواطرهم بهم، بل كل فريق بمعزل عن الآخر، ومشغول بما هو بصدده، واذا أراد الرئيس الاختلاء بنفسه عن أصحابه دخل المخدع، واذا أراد قضاء حاجته دخل المرحاض … الخ»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276619,"book_id":167,"shamela_page_id":327,"part":"1","page_num":283,"sequence_num":327,"body":"وبغال.\rونوق، وبخاتى.\rوثلاثون قبة مثقلة.\rوأحمال محزومة، فيها بزّ وكسوة من عمل تنّيس ودمياط وغيره.\rوبلور، وصينى، وغرائب.\rوعشر خلع مذهّبة بمناديلها.\rوعشرة أفراس من خاص العزيز بمراكب ذهب.\rوركب العزيز بابنه لفتح الخليج وأمر ألا تباع دار بما فوق مائتى دينار إلا بعد عرضها على من يلى ديوان الأملاك.\rوورد سبكتكين من صقلية، فخلع عليه؛ ووردت هدية متولى صقلية، وهى: خيل، وجمال، وصناديق مال.\rوصلى العزيز بالناس الجمعة بعد ما خطب بجامع القاهرة وبجامعه، ومعه ابنه فى أيام الجمع من شهر رمضان، وعمل فى آخره سماطا للعيد، وصلى العزيز بالناس صلاة عيد الفطر، وخطب على الرسم.\rوتسلّم عيسى بن نسطورس سائر الدواوين، ونظر فى جميعها، وأمر ونهى، وخاطب سائر الكتّاب عن العزيز، وخاطبه سائر الأولياء وكافة الناس فى مهماتهم وتوقيعاتهم.\rوقدم يحيى بن النعمان من تنّيس ودمياط والفرما بأسفاط وتخوت وصناديق مال، وخيل وبغال وحمير، وثلاث مظلات وكسوتين للكعبة (¬١).\rولاثنتى عشرة خلت من ذى القعدة عرض العزيز العساكر بظاهر القاهرة، فنصب له مضرب ديباج رومى فيه ألف ثوب بصفريّة فضة (¬٢)، وفازة (¬٣) مثقل، وقبة مثقل بالجوهر،","footnotes":"(¬١) هذا نص هام آخر يؤكد أن كسوة الكعبة كانت تصنع فى العصر الفاطمى فى دور الطراز بتنيس ودمياط.\r(¬٢) انظر ما فات هنا ص ٢٤٢، هامش ١.\r(¬٣) انظر ما فات هنا ص ٢٤٤، هامش ٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276620,"book_id":167,"shamela_page_id":328,"part":"1","page_num":284,"sequence_num":328,"body":"وضرب لابنه منصور مضرب آخر، وعرضت العساكر، فكانت مائة عسكر، وأحضرت أسارى الروم، وهم مائتان وخمسون، منهم ثمانى بطارقة، وثمانية عشر من أصحاب ابن حمدان وطيف بهم؛ وخلع على الحمدانية، فكان يوما عظيما.\rوسارت قافلة الحاج لأربع عشرة بقيت منه بالكسوة والصلات.\rوصلى العزيز صلاة عبد النحر وخطب بالمصلى على رسمه، ونحر وفرّق الضحايا.\rوجرى الرسم فى عيد الغدير على العادة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276621,"book_id":167,"shamela_page_id":329,"part":"1","page_num":285,"sequence_num":329,"body":"سنة خمس وثمانين وثلاثمائة:\rفى المحرم ورد سابق الحاج، وأخبر أنه لم يحج سوى أهل مصر واليمن.\rوحضر العزيز لمنجوتكين مائة ألف دينار وعسكرا يتبع بعضه بعضا.\rوورد البقط من النوبة.\rووصل الحاج فى ثامن صفر.\rوجلس فى ربيع الأول القاضى محمد بن النعمان على كرسى بالقصر لقراءة علوم آل البيت، وحضره الناس، فمات فى الزحام أحد عشر رجلا.\rووردت من منجوتكين أسرى من الروم والحمدانية، وعدة رءوس، فعفا (¬١) عن الحمدانية، وطيف بمن عداهم.\rوورد من برقة أربعة وأربعون صندوقا على اثنين وعشرين جملا فيها المال.\rوبعث مفرّج بن دغفل الجرّاح برجل من أعمال الشام، زعم أنه السّفيانى، فشهر على جمل وهو يصفع.\rوفى ربيع الآخر ورد الخبر بوصول الروم إلى أنطاكية، فأخرجت مضارب العزيز إلى منية الأصبغ، وذلك أن منجوتكين لم يزل محاصرا لابن حمدان بحلب من شعبان سنة أربع إلى ربيع الأول من هذه السنة، حتى أشرف على أخذ البلد، وراسل ابن حمدان يرد على ملك الروم بما هو فيه.\rوكانت فى هدنة الروم وبنى حمدان أنه إن جاء إلى حلب عدو يدفعه ملك الروم، فخاف بسيل ملك الروم من العزيز أن يتمكن عساكره من حلب، فيأخذ أنطاكية من الروم، فجمع نحو أربعين ألفا، وسار من قسطنطينية، فكدّ أصحابه فى السير، والجنائب والبغال تتقطع، حتى وصل إلى إعزاز فى سبعة عشر يوما، وهى مسافة شهرين لسير الاتصال، وقد تقطع","footnotes":"(¬١) الأصل: «فعفى».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276622,"book_id":167,"shamela_page_id":330,"part":"1","page_num":286,"sequence_num":330,"body":"أصحابه حتى بقى فى سبعة عشر ألفا، فأنفذ إلى ابن حمدان يعلمه بنزوله إعزاز، وكان قد وكل بالدروب والمضائق، ومنع أن يخرج أحد من بلاده حتى يخفى خبر مسيره على منجوتكين، فيأخذه على غفلة، فلما بعث إلى ابن حمدان يعلمه بأنه قد نزل بنفسه إعزاز فأقيموا الحروب مع منجوتكين من الغد حتى … (¬١) وهو فى الحرب.\rوكانت هذه الرسالة مع رجلين من قبله، فلقيهما رجل من أصحاب منجوتكين فى الليل فسألهما:\r«من أين جئتما؟».\rفظناه من الحمدانية، فأخبراه، فقبض عليهما، وأتى بهما إلى منجوتكين، فأخبراه أن بسيل ملك الروم على إعزاز، فلما أصبح طرح النار فى خزائن السلاح، وفى بيوت وحوانيت كان قد بناها عسكره، فاحترقت؛ ورحل فى آخر ربيع الأول إلى دمشق، ووقع الصارخ فى الناس بأن منجوتكين قد انهزم عن حلب، وأن عسكر الروم يطلبه، فهرب الناس من المدن والقرى، من دمشق إلى حلب، وغلت الأسعار، وكانت أيام الحصاد، فترك الناس غلالهم ودورهم.\rوسار ملك الروم، فنزل إلى حلب، واجتمع بابن حمدان، ثم سار عنها إلى فامية، وبها طائفة من عسكر منجوتكين، فقاتلهم يوما واحدا، ثم سار فنزل على طرابلس، وراسل أهلها، ووعدهم بالإحسان إن يثبتوا على ما يكون بينهم وبينه من العهد، فخرج إليه ابن نزال والى البلد ليوافقه على أمر، فاجتمع أهل البلد على أن ينصبوا أخاه مكانه، ويمنعونه من الدخول، ولا يسلموا البلد إلى الروم، فلما رجع منعوه من الدخول، فصار إلى ملك الروم.\rوصار ملك الروم عن طرابلس، فنزل على انطرسوس وهى خراب، فعمّر حصنها، وجعل فيه أربعة آلاف، وسار إلى انطاكية، فكثرت فيه الاعلال، فسار بمن معه إلى القسطنطينية.","footnotes":"(¬١) بياض بالاصل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276623,"book_id":167,"shamela_page_id":331,"part":"1","page_num":287,"sequence_num":331,"body":"وخرج منجوتكين من دمشق فى شوال، فنزل على انطرسوس، فأقام يقاتل من فيها نحوا من شهر، ثم عاد إلى دمشق.\rوأخذ العزيز لما بلغه مسير ملك الروم إلى بلاد الشام فى التاهب للمسير، وأطلق خمسين ألف دينار لابتياع ما يحتاج إليه (¬١)، وأخرج للكتاميين أربعة آلاف فرس، وأمر أن يشترى لهم ألف فرس أخرى، وأخرج (¬٢) الفازة الكبيرة وهى بعمود واحد طوله أربعة وأربعون ذراعا، وفتح الفلكة التى على رأسه (¬٣) سبعة عشر شبرا، وطول ثيابها خمسون ذراعا، وفى رأسها صفريّة (¬٤) فضة زنتها سبعة عشر ألف درهم، ويحمل هذه الفازة سبعون بختيّا (¬٥).\rوقرئ سجلّ فى الأسواق بالنفير فاضطربت البلد.\rووصلت هدية من الهند فيها شجرة عود رطب.\rوظهر بمصر من الوطواط شيء كثير.\rواجتمع من الرعية وطوائف الناس بالسلاح للسفر مع العزيز ألوف كثيرة، وخرج جيش ابن الصمصامة (¬٦) فى عسكر كبير إلى الشام، وسيّر لابن الجرّاح خمسون ألف دينار، ولمنجوتكين مائة ألف وخمسون ألف دينار.\rوخرج العزيز بسائر العساكر إلى منية الأصبغ فى عاشر رجب، فأقام (¬٧) شهرا ثم رجع إلى منا جعفر، وقتل هناك الذى زعم أنه السّفيانى.\rوأحصيت الخيول التى سارت مع العزيز فى اسطبلاته فكانت اثنى عشر ألفا، والجمال","footnotes":"(¬١) النص عند (ابن ميسر: تاريخ مصر، ص ٤٩): «لابتياع كراع بسبب المسير».\r(¬٢) النص فى المرجع السابق: «أخرى، وسار جمع كثير من الاتراك والعزيزية والعبيد فى سلاح كثيرة ومال جزيل، ونصبت الفازة الكبيرة للعزيز وهى بعمود .. الخ)\r(¬٣) الاصل: «الفلكة على التمام رأسه»، والتصحيح عن (ابن ميسر: تاريخ مصر، ص ٥٠).\r(¬٤) انظر ما فات هنا ص ٢٤٢، هامش ١.\r(¬٥) عند ابن ميسر: «جملا من البخاتى».\r(¬٦) فى المرجع السابق: «ابن صمصامة».\r(¬٧) فى المرجع السابق: «فأقام فى الفازة»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276624,"book_id":167,"shamela_page_id":332,"part":"1","page_num":288,"sequence_num":332,"body":"المحملة للعزيز ولوجوه خاصته فكانت ثلاثين ألفا، سوى ما هو مع وجوه الدولة، وحملت الخزانة السائرة على عشرين جملا (¬١) سوى خزائن الوجوه والخاصة، وكان معه من المال خمسة آلاف حمل، على كل جمل صندوقان كبيران مملوءان مالا، وألف وثمانمائة بختية وبختى، على كل واحد صندوقان فى كل منهما مثل ما فى الصندوقين المحمولين على الجمل.\rوخرج خلق من التجار ووجوه الرعية مرتين إلى العزيز يسألونه المقام، وأن لا يخرج من مصر ويسيّر العساكر، فشكرهم، وقال:\r«إنما أسير لنصرة الإسلام والذبّ عن بلدانه، وصيانة أهله».\rفقدم رسول ملك الروم يخبر بوصوله إلى بلده، ويعتذر عن مسيره، ويسأل الهدنة، فأجيب إلى الصلح.\rوورد كتاب ابن حمدان يسأل فيه العفو وأن يقرّ على عمله، فأجيب بالعفو عنه، وخلع على رسوله، وحمل.\rونودى فى رمضان بالقاهرة ومصر:\r«من كان من أهل السلاح فليخرج ليأخذ الرزق الكثير».\rوأنفذت العساكر لحفظ الأطراف.\rوسيّر إلى الإسكندرية والصعيد بالعساكر.\rوصلّى منصور بن العزيز بالناس صلاة عيد الفطر، وخطب بمنا جعفر على رسم أبيه وزيه، وعليه المظلة والجوهر.\rوفى نصف شوال ماتت أم ولد العزيز وزوجته بمنا جعفر (¬٢) فحملت إلى القصر، وصلى عليها العزيز، وكفنها بما مبلغه عشرة آلاف دينار، وأخذت الغاسلة ما كان تحتها من الفرش وعليها","footnotes":"(¬١) الاصل: «عشرين الف جمل» وهو غير معقول، والتصحيح عن المرجع السابق.\r(¬٢) كذا فى الأصل، وعند (ابن ميسر، ص ٥٠): «بالمخيم فى منى جعفر».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276625,"book_id":167,"shamela_page_id":333,"part":"1","page_num":289,"sequence_num":333,"body":"من الثياب، فكان مبلغ ما نالها ستة آلاف دينار، ودفع إلى الفقراء ألفا دينار، وللقراء الذين قرءوا على قبرها ثلاثة آلاف دينار.\rورثاها جماعة من الشعراء فأجيزوا، ففيهم من كانت جائزته خمسمائة دينار.\rورجع العزيز إلى مضاربه، وأقامت ابنتها على قبرها شهرا تقيم العزاء، والعزيز يأتيها كلّ يوم، والناس تطعم كلّ ليلة أصناف الأطعمة والحلوى، وفرّق فى الشعراء ألفى دينار.\rوسارت قافلة الحاج بالكسوة والصّلات فى سادس عشر ذى القعدة.\rوتوفيت أمّ العزيز، فرجع العزيز إلى القاهرة، وصلّى عليها، وأمر بالصدقة، ورجع إلى مضاربه.\rوصلى العزيز بالناس صلاة عيد النحر وخطب فى مضاربه ونحر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276626,"book_id":167,"shamela_page_id":334,"part":"1","page_num":290,"sequence_num":334,"body":"سنة ست وثمانين وثلاثمائة:\rفى محرم ورد سابق الحاج، فخلع عليه بالمخيّم، وقدم الحاج لثمان بقين من صفر.\rوفى ربيع الأول جهزت المراكب الحربية، وأشحنت بالمقاتلة.\rوفى العشرين منه رفع العزيز إلى غيفة فنزل بالعقاربة بعد أن أقام فى مناخه أربعة أشهر وخمسة وعشرين يوما، فأقام بها ليلة، ورفع إلى بلبيس (¬١) فنزل بظاهرها.\rونودى فى البلد لا يتأخر أحد عن المسير فى الأسطول، فوقعت فى الأسطول نار، فاحترق وقت صلاة الجمعة لست بقين من ربيع الآخر، فأتت على ما فيه من عدّة وسلاح، حتى لم يبق منه غير ست مراكب، لا شيء فيها، فاتهم بذلك الروم الأسارى، وكانوا فى دار بجوار الصناعة (¬٢) بالمقس، فنهبتهم العامة، وقتلوا منهم مائة وسبعة أنفس.\rوحضر عيسى بن نسطورس ويانس الصقلبى متولى الشرطة إلى الروم، فاعترفوا بأنهم أحرقوا الأسطول (¬٣)، فكان ما ذهب فى النهب نحو تسعين ألف دينار، فنودى ترد؟؟؟ النهب، وتوعد عليه.\rوشرع عيسى بن نسطورس فى إنشاء اسطول جديد، وظفر بعده من النهابة، فقتل بعضهم، وحبس بعضهم بعد الضرب الشديد، فأحضر كثير مما نهب.\rووردت غزاة البحر بمائتى أسير وعشرين أسيرا طيف بهم البلد.\rووصل من برقة ستون فرسا، منها عشرة بسروجها ولجمها، وعشرون بغلة عليها صناديق المال، وخمسمائة جمل عليها قطران وغيره، وعدّة من صبيان وعلوج من السبر (؟)","footnotes":"(¬١) عند (ابن ميسر، ص ٥٠): «تنيس»، وهو خطأ، وما بالمتن هو الصحيح.\r(¬٢) المقصود دار صناعة السفن.\r(¬٣) فصل (المقريزى: الخطط؛ ج ٣، ص ٣١٧ - ٣١٩) الحديث عن حرق الأسطول والفتنة التى أعقبته الى أنه انتهت بقتل عيسى بن نسطوروس فى أوائل عهد الحاكم بأمر الله، فراجعه هناك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276627,"book_id":167,"shamela_page_id":335,"part":"1","page_num":291,"sequence_num":335,"body":"ونزع السعر، فمنع من بيع القمح لغير الطحانين\rولخمس بقين من رجب ابتدأ بالعزيز المرض، فأقام به إلى ثامن عشرين رمضان، فاستدعى القاضى محمد بن النعمان والحسين بن عمّار لليلتين بقيتا منه، وخاطبهما فى أمر ولده، ثم استدعى ولده وخاطبه.\rثم توفى من يومه بين صلاتى الظهر والعصر من مرض القولنج والحصاة فى مسلخ الحمام ببلبيس (¬١)، فلم يكتم موته.\rورحلت سيدة الملك ابنة العزيز فى الليل، وسار بمسيرها القيصرية لأنهم كانوا برسمها، ومعهم القاضى محمد بن النعمان، وريدان صاحب المظلة، وأبو سعيد ميمون دبّة، فوافوا القاهرة، وأقيم المأتم والصياح بالقصر، وضبط الناس أحسن ضبط، فلم يتحرك أحد، ولم يبق شارع ولا زقاق. إلا وفيه صراخ ونحيب.\rوبادر برجوان إلى أبى على منصور بن العزيز فإذا هو على شجرة جميز يلعب فى دار ببلبيس (¬١)، فقال له: «بسك تلعب؟ انزل».\rفقال له: «ما أنزل والله الساعة».\rفقال له: «انزل، ويحك! الله فينا وفيك»، وأنزله، ووضع على رأسه العمامة بالجوهر وقبّل له الأرض، وقال:\r«السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته».\rوأخرج به إلى الناس، فقبّل جميعهم له الأرض، وسلموا عليه بالخلافة.\rوخرج الناس من الغد للقائه، فدخل إلى القاهرة، وبين يديه البنود والبوقات بالمظلة (¬٢) يحملها ريدان، والعساكر كلّها معه، والعزيز بين يديه على عمارية، وقد خرج قدماه منها ونودى فى البلد:","footnotes":"(¬١) عند (ابن ميسر، ص ٥٠): «تنيس»، وما بالمتن هو الصحيح.\r(¬٢) عند (ابن ميسر: تاريخ مصر، ص ٥١): «وعلى رأسه المظلة».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276628,"book_id":167,"shamela_page_id":336,"part":"1","page_num":292,"sequence_num":336,"body":"«لا مئونة ولا كلفة، وقد أمنكم الله على أنفسكم، فمن عارضكم أو خاطبكم فقد حلّ دمه وماله».\rوتولى القاضى ابن النعمان غسل العزيز، ودفن مع آبائه فى تربة القصر بعد عشاء الأخيرة وأصبح الناس والأحوال مستقيمة.\rوقد لقب أبو على المنصور «الحاكم بأمر الله». فاتفق كل المغاربة واشترطوا أن لا ينظر فى أموالهم إلا ابن عمّار.\rوباتوا ليلة العيد وأصبحوا يوم الفطر، فصلى بالناس القاضى محمد بن النعمان، وهو متقلد للسيف، فعند ما صعد المنبر قبّل موضع جلوس العزيز وبكى، فضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وخطب فندب العزيز وبكاه، ودعا للمحاكم، وعاد إلى القصر، والعساكر صفين من المصلى إلى باب القصر، فحضر الحاكم السماط.\rوكانت مدة العزيز فى الخلافة بعد أبيه المعز إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر ونصف، ومات وعمره اثنتان وأربعون سنة، وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما.\rوكان نقش خاتمه:\r«بنصر العزيز الجبّار، ينتصر الإمام نزار».\rوخلّف من الولد: ابنه منصورا، وسيدة الملك - وولدت بالمغرب فى ذى القعدة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.\rوكان أسمر طوالا، أصهب الشّعر، أعين، أشهل، عريض المنكبين، شجاعا، حسن العفو والقدرة، لا يعرف سفك الدماء، حسن الخلق، قريبا من الناس، بصيرا بالخيل وجوارح الطير، محبا للصيد، مغرى به، حريصا على صيد السباع خاصة.\rووزر له:\rيعقوب بن كلّس اثنتى (¬١) عشرة سنة وشهرين وتسعة عشر يوما.","footnotes":"(¬١) الاصل: «اثنتا».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276629,"book_id":167,"shamela_page_id":337,"part":"1","page_num":293,"sequence_num":337,"body":"ثم أبو الحسن على بن عمر العدّاس بعد ابن كلّس سنة واحدة\rثم أبو الفضل جعفر بن الفرات سنة.\rثم أبو عبد الله الحسين بن الحسن البازيار سنة وثلاثة أشهر.\rثم أبو محمد بن عمّار شهرين.\rثم الفضل بن صالح أياما.\rثم عيسى بن نسطورس سنة وعشرة أشهر.\rوكانت قضاته:\rأبو طاهر محمد بن أحمد.\rثم أبو الحسن على بن النعمان.\rثم أبو عبد الله محمد بن النعمان.\rوكانت خرجاته إلى السفر:\rأولها ثامن صفر سنة سبع وستين، ثم عاد من العباسة.\rوالثانية سار إلى الرملة، وظفر بأفتكين التركى.\rوالثالثة سار إلى مضربه بعين شمس فى صفر سنة اثنتين وسبعين، ورجع منه بعد شهر والرابعة نزل منية الأصبغ (¬١) فى ربيع الأول سنة أربع وسبعين، ثم عاد بعد ثمانية أشهر واثنى عشر يوما.\rوالخامسة برّز فى عاشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين، فأقام مبرزا أربعة عشر شهرا وعشرين يوما، وفيه مات.\rوهو أول من اتخذ من أهل بيته وزيرا أثبت اسمه على الطّرز (¬٢)، وقرنه باسمه وأول من لبس منهم الخفتان والمنطقة.","footnotes":"(¬١) ابن ميسر، ص ٥٢: «منية مطر».\r(¬٢) انظر ما فات هنا ص ٢٦٢، هامش ٢","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276630,"book_id":167,"shamela_page_id":338,"part":"1","page_num":294,"sequence_num":338,"body":"وأول من اتخذ منهم الأتراك، واصطنعهم، وجعل منهم القواد.\rوأول من رمى منهم بالنّشّاب (¬١).\rوأول من ركب منهم بالذؤابة الطويلة والحنك (¬٢)، وضرب بالصوالجة، ولعب بالرمح.\rوأول من عمل مائدة فى الشرطة السفلى فى شهر رمضان، يفطر عليها أهل الجامع العتيق.\rوأقام طعاما فى جامع القاهرة لمن يحضر فى رجب وشعبان ورمضان\rواتخذ الحمير لركوبه إياها (¬٣).\rوتجدّد فى أيامه من العمائر:\rقصر الذهب (¬٤) بالقاهرة.\rوجامع القرافة.\rوجامع القاهرة. المعروف بجامع الحاكم (¬٥)\rوبستان سردوس.\rوالفوارة بالجامع العتيق.","footnotes":"(¬١) النشاب: السهام.\r(¬٢) الذؤابة: العذبة؛ وقال صاحب صبح الأعشى (ج ٣، ص ٤٧٧) فى تعريفه للاستاذين المحنكين: «وهم الذين يدورون عمائمهم على أحناكهم كما تفعل العرب والمغاربة».\r(¬٣) كذا فى الاصل، وفى (ابن ميسر: تاريخ مصر، ص ٥٢): «لركوبه أياما مفردة عن غيره».\r(¬٤) قصر الذهب هو أحد قاعات القصر الكبير الذى بناه المعز، والعزيز هو الذى بنى قصر الذهب وكان يدخل اليه من باب الذهب الذى هو اليوم المارستان المنصورى، ومن باب البحر الذى كان تجاه المدرسة الكاملية، وجدد هذا القصر فيما بعد المستنصر بالله فى سنة ٤٢٨، وبه كان يجلس الخلفاء فى الموكب يومى الاثنين والخميس؛ وكان يعمل سماط شهر رمضان للامراء وسماط العيدين، وبها كان سرير الملك أى العرش. راجع: (المقريزى: الخطط، ج ٢، ص ٢١٦ - ٢١٧).\r(¬٥) بدئ بتأسيس هذا الجامع فى عهد العزيز فى رمضان سنة ٣٨٠، ثم أكمل بناءه ابنه الحاكم بأمر الله؛ وبه عرف، انظر تفصيل الحديث عنه فى: (المقريزى: الخطط، ج ٤، ص ٥٥ - ٦١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276631,"book_id":167,"shamela_page_id":339,"part":"1","page_num":295,"sequence_num":339,"body":"والقصور بعين شمس (¬١).\rوالمصلّى الجديد بالقاهرة.\rوحصن الرسيين.\rوالمنظرة على الخليج.\rوقنطرة الخليج القديمة - التى بناها عبد العزيز بن مروان -\rوقنطرة بنى وائل.\rوالحمامات التى بالقاهرة.\rودار الصناعة التى بالمقس (¬٢).\rوالمراكب مما لم ير مثله قبله كبرا ووثاقة وحسنا.\rوهو أول من ركب فى الجمع شهر رمضان وصلى بالناس.\rوأول من بنى دار الفطرة (¬٣)، وقرّر فيها ما يحمل إلى الناس فى العيد.\rوبلغت عدة جواريه عشرة آلاف جارية (¬٤).\rوبلغ راتب مطبخه ومائدته فى كل يوم مالا عظيما، فلم يكن أحد من الأتراك والعبيد إلا وله وظيفة راتبة كل يوم.","footnotes":"(¬١) ذكر (ابن خلكان: الوفيات، ج ٣، ص ٥٣) - نقلا عن المسبحى - المنشآت التى بناها العزيز؛ وهى لا تختلف عما ورد هنا، وانما اضاف اليها قوله: «وفى أيامه بنى قصر البحر بالقاهرة الذى لم يبن مثله فى شرق ولا غرب». ولعله يقصد «قصر الذهب» فقد كان يدخل اليه من باب البحر.\r(¬٢) انظر تفصيل الحديث عن دار صناعة المقس فى (المقريزى: الخطط، ج ٣ ص ٣١٧ - ٣١٩).\r(¬٣) انظر تفصيل الحديث عن دار الفطرة فى (المقريزى: الخطط، ج ٢، ص ٢٨١ - ٢٨٣).\r(¬٤) جاء فى (ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق، ص ٤٤ - ٤٥): «وكان فى القصر عشرة آلاف جارية وخادم، فبيع منهم من اختار البيع، وأعتق من سأل العتق، ووهب من الجوارى لمن أحب وآثر .. الخ»","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276632,"book_id":167,"shamela_page_id":340,"part":"1","page_num":296,"sequence_num":340,"body":"وكان يعلف له من الخيل فى كل يوم والبغال والحمير والجمال عشرون ألف رأس، منها لركوبه ألف فرس، سوى البغال.\rوقال ابن سعيد عن «كتاب سيرة الأئمة لابن مهذب»: قال: كتب أبو جعفر محمد ابن حسين بن مهذب صاحب بيت المال إلى العزيز:\r«يا مولانا - صلى الله عليك -: ربما سألنى أهلى وكتابى وبعض الكتاب المتصرفين من عبيد الدولة الموثوق بهم فى قرض مال، ومالى لا يحتمل ذلك، ومال مولانا فلا تبسط فيه يدى إلا بإذنه، وقد كتبت هذه الرقعة إلى مولانا أستأذنه فيما أعوّل عليه».\rفوقّع العزيز عليها:\r«يا محمد: سلّمك الله، من أتاك من أهلك وكتابك وخزانك والمتصرفين معك، ومن سائر عبيدنا والمتمسكين بأذيالنا يطلب منك سلفا، ورأيت منه ما يدل على صحة ما شكاه من ضرورته، وعلمت صدقه فى ديانته، فادفع إليه ما رأيته، وخذ منه خطّه، ولا تطلب منه؛ فإن ردّه إليك عفوا من ذات نفسه، فخذ منه؛ وإن لم يرده إليك، وعلمت أن يده لا تصل إلى ردّه، فاعذره فى تأخير ما قبضه؛ وإن طلب زيادة زدته على شرطه، واسكت عن طلبه؛ ومن عرفت أنه قادر على ردّ ما قبضه، ولم يعده إليك، فأمسك عن طلبه، وامنعه من مثله».\rوأنفذ العزيز إلى أبى عبد الله حسين بن البازيار ببلبيس - وقد اشتدّ به الوجع -، فبكى؟؟؟ رآه، فقال له العزيز:\rتبكى يا حسين؟! لا تبك علىّ الساعة، ولكن إذا ضرب مولاك الأمير ابنى بيده على لحيته فابك البكاء الطويل إن قدرت».\rفلما كان فى سنة أربع وتسعين قتل الحاكم ابن البازيار عند خروج لحيته.\rوكان رشيق الحمدانى يقول عن الحاكم:\r«هذا يقتلنى».\rفسئل عن ذلك، فقال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276633,"book_id":167,"shamela_page_id":341,"part":"1","page_num":297,"sequence_num":341,"body":"«دخلت على العزيز - وهو مطرق - كأنه يخاطب نفسه، فبعد وقت رفع رأسه، وقال:\r«أىّ وقت جئت؟»\r«فقلت: من ساعة».\rفقال: كنت مفكرا فى قوم أشجوا صدرى، وملئوا بالغيظ قلبى، ولا أدرى ما أعمل.\rفقلت: «يا مولانا ابعث إليهم فاقتلهم».\rفقال: «ما هذا يكون بيدى، ولكنه والله سوف يجئ من يقتلهم ويقتلك معهم».\rوأرى الحاكم قد قتل جماعة ولا بد له منى». وكذا كان.\rوقال القرطى:\r«كان المثل يضرب بأيام العزيز فى مصر، لأنها كانت كلها أعيادا وأعراسا».\rوقال ابن الأثير (¬١):\r«قيل إنه ولى عيسى بن نسطورس النصرانى كتابته، واستناب بالشام يهوديا اسمه منشّا إبراهيم بن القزاز (¬٢)، فاعتزّ بهما النصارى واليهود، وآذوا المسلمين، فعمد أهل مصر وكتبوا قصة وجعلوها فى يد صورة عملوها من قراطيس، فيها:\r«بالذى أعزّ اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذلّ المسلمين بك، إلاّ كشفت ظلامتى».\rوأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز، والرقعة بيدها؛ فلما رآها أمر بأخذها، فإذا الصورة من قراطيس، فعلم ما أريد بذلك، فقبض عليهما، وأخذ من عيسى بن نسطورس ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليهودى شيئا كثيرا».\rوكان يحب العفو ويستعمله، فمن حلمه:","footnotes":"(¬١) الكامل لابن الاثير ٤٠:٩\r(¬٢) كذا فى الأصل، وهو عند (ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق، ص ٢٨ - ٣٣ و ٤٠): «ابن الفرار».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276634,"book_id":167,"shamela_page_id":342,"part":"1","page_num":298,"sequence_num":342,"body":"أنه كان بمصر شاعر اسمه الحسن بن بشر الدمشقى، وكان كثير الهجاء، فهجا يعقوب بن كلّس وزير العزيز، وكاتب الإنشاء من جهته - أبا نصر عبد الله بن الحسين القيروانى -، فقال\rقل لأبى نصر كاتب القصر … والمتأتى لنقض ذلك الأمر\rانقض عرى الملك الوزير … تفز منه بحسن الثنا والذكر\rواعط وامنع، ولا تخف أحدا، … فصاحب القصر ليس فى القصر\rوليس يدرى ماذا يراد به، … وهو إذا درى فما يدرى\rفشكاه ابن كلّس إلى العزيز، وأنشده الشعر، فقال: «هذا شيء اشتركنا فيه فى الهجاء فشاركنى فى العفو عنه».\rثم قال هذا الشاعر أيضا وعرّض بالفضل القائد:\rتنصّر، فالتنصر دين حقّ، … عليه زماننا هذا يدلّ\rوقل بثلاثة عزوا وجلوا، … وعطّل ما سواهم فهو عطل\rفيعقوب الوزير أب، وهذا … العزيز ابن، وروح القدس فضل\rفشكاه الوزير إلى العزيز، فامتعض منه، إلا أنه قال:\r«اعف عنه».\rفعفا عنه.\rثم دخل الوزير على العزيز، فقال:\r«لم يبق للعفو عن هذا معنى، وفيه غضّ من السياسة، ونقص لهيبة الملك، فإنه قد ذكرك وذكرنى وذكر ابن رباح نديمك، وسبّك بقوله:\rزيارجىّ نديم، وكليسىّ وزير … نعم، على قدر الكلب يصلح الساجور\rمغضب الوزير، وأمر بالقبض عليه، فقبض عليه لوقته، ثم بدا للعزيز إطلاقه، فأرسل إليه يستدعيه، وكان للوزير عين فى القصر فأخبره بذلك، فأمر بقتله فقتل، فلما وصى رسول العزيز فى طلبه أراه رأسه مقطوعا، فعاد إليه وأخبره، فاغتمّ له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276635,"book_id":167,"shamela_page_id":343,"part":"1","page_num":299,"sequence_num":343,"body":"وقال ابن الأثير (¬١):\r«أبو الفتيان محمد بن حيّوس»:\r«لما مات العزيز وحضر الناس للتعزية بالقصر، واجتمع الناس على اختلاف طبقاتهم أفحم الناس بأجمعهم عن أن يوردوا فى ذلك المقام شيئا مما يليق بالوقت، ومكثوا مطرقين، فقام صبى من أولاد الأمراء الكتاميين. وأنشد:\rانظر إلى العلياء كيف تضام، … ومآتم الأحساب كيف تقام\rخبّرتنى ركب الركاب ولم يدع … للسفر وجه ترحّل فأقاموا\rفاستحسن الناس من إيراد الصبى لذلك، وطرق الناس إلى إيراد المراثى، ونهض الشعراء والخطباء فعزوا، وأنشد كل إنسان ما عمل فى التعزية.\rوكان الصبى هو الذريعة إلى إيراد ما أوردوه، وكشف ما نزل بهم من المهابة والمخافة (¬٢).","footnotes":"(¬١) كذا فى الاصل: ولعله سقط بعد اسم ابن الأثير كلمة (قال) أى: قال أبو الفتيان محمد بن حيوس.\r(¬٢) الى هنا ينتهى الكلام عن عهد العزيز؛ وسنبدأ الجزء الثانى باذن الله بعهد الحاكم بأمر الله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276636,"book_id":167,"shamela_page_id":344,"part":"1","page_num":301,"sequence_num":344,"body":"الملاحق\r١ - الملحق الأول: زوجات على بن أبى طالب وأبناؤه منهن.\r٢ - الملحق الثانى: بنات على.\r٣ - الملحق الثالث: نسل الحسن.\r٤ - الملحق الرابع: نسل الحسين.\r٥ - الملحق الخامس: الخلفاء الفاطميون.\r٦ - الملحق السادس: الخلفاء الفاطميون وأولادهم.\r(لبيان صلة القربى بين كل خليفة والآخر)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276637,"book_id":167,"shamela_page_id":345,"part":"1","page_num":303,"sequence_num":345,"body":"الملحق الأول: زوجات على بن أبى طالب وأبناؤه من كل منهن على بن أبى طالب\r• فاطمة بنت محمد ﵇: [الحسن (¬*)، الحسين (¬*)]\r• خولة بنت قيس بن جعفر الحنفى: محمد الأكبر بن الحنفية (أبو القاسم) (¬*)\r• أم البنين بنت المحل بن الديان ابن حرام الكلابى: [العباس الأكبر (¬*)، عبد الله، عثمان الأكبر] (قتلوا مع الحسين فى وقعة الطفّ)، [جعفر الأكبر]\r• أم حبيبة بنت ربيعة التغلبى: عمر الأصغر (¬*)\r• ليلى بنت مسعود بن خالد التميمى: [عبد الرحمن (أبو بكر)،\rعبيد الله]\r• أسماء بنت عميس الخثعمية: [يحيى، عون]\r• أمامة بنت أبى العاص (أمها زينب بنت الرسول ﵇: محمد الأصغر\r• أم ولد: جعفر الأصغر\r• أم ولد: [محمد الأوسط، عباس الأصغر]\r•؟: [عمر الأصغر، عثمان الأصغر]","footnotes":"(¬*) هذه العلامة وضعت امام الابناء الدين اعقبوا، أما الباقون من ولد على فلم يعقبوا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276638,"book_id":167,"shamela_page_id":346,"part":"1","page_num":305,"sequence_num":346,"body":"الملحق الثانى: بنات على\r• رقية: أمها الصهباء، أم حبيبة بنت ربيعة التغلبى، فهى أخت عمر الأصغر\r• أم الحسن، رملة الكبرى، أم كلثوم: من أم سعد ابنة عروة بن مسعود الثقفية\r• أم هانئ، ميمونة، زينب الصغرى، رملة الصغرى، أم كلثوم الصغرى، فاطمة، أمامة، خديجة، أم الكرام، أم سلمة، أم جعفر، جمانة، نفيسة: من أمهات أولاد\r•بنت صغيرة (؟): من مخبئة بنت امرئ القيس بن عدى الكلبية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276639,"book_id":167,"shamela_page_id":347,"part":"1","page_num":307,"sequence_num":347,"body":"الملحق الثالث: نسل الحسن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276640,"book_id":167,"shamela_page_id":348,"part":"1","page_num":309,"sequence_num":348,"body":"الملحق الرابع: نسل الحسين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276641,"book_id":167,"shamela_page_id":349,"part":"1","page_num":311,"sequence_num":349,"body":"الملحق الخامس: الخلفاء الفاطميون (لبيان ترتيب وتاريخ توليهم الخلافة)\r١ - (٤ ربيع الآخر ٢٩٧) (٩٠٩) المهدى أبو محمد عبيد الله ت ١٤ ربيع الأول ٣٢٢\r٢ - (١٤ ربيع الأول ٣٢٢) (٩٣٤) القائم أبو القاسم محمد ت ١٣ شوال ٣٣٤\r٣ - (١٣ شوال ٣٣٤) (٩٤٥) المنصور أبو طاهر إسماعيل ت ٢٩ شوال ٣٤١\r٤ - (أول ذى القعدة ٣٤١) (٩٥٢) المعز أبو تميم معد ت ٣ ربيع الآخر ٣٦٥\r(وفى شعبان ٣٥٨ فتحت مصر، وفى رمضان ٣٦٢ دخل المعز القاهرة)\r٥ - (٥ ربيع الآخر ٣٦٥) (٩٧٥) العزيز أبو منصور نزار ت ٢٨ رمضان ٣٨٦\r٦ - (٢٩ رمضان ٣٨٦) (٩٩٦) الحاكم أبو على منصور اختفى فى ٢٧ شوال ٤١١\r٧ - (١٠ ذو الحجة ٤١١) (١٠٢٠) الظاهر أبو الحسن على ت ١٥ شعبان ٤٢٧\r٨ - (١٥ شعبان ٤٢٧) (١٠٣٥) المستنصر أبو تميم معد ت ١٨ ذو الحجة ٤٨٧\r٩ - (ذو الحجة ٤٨٧) (١٠٩٤) المستعلى أبو القاسم أحمد ت ١٤ صفر ٤٩٥\r١٠ - (١٤ صفر ٤٩٥) (١١٠١) الآمر أبو على المنصور قتل ٢ ذو القعدة ٥٢٤\r١١ - (١٥ المحرم ٥٢٥) (١١٣٠) الحافظ أبو ميمون عبد المجيد ت ٥ جمادى الآخرة ٥٤٤\r١٢ - (٦ جمادى الآخرة ٥٤٤) (١١٤٩) الظافر أبو منصور إسماعيل قتل ٣٠ المحرم ٥٤٩\r١٣ - (أول صفر ٥٤٩) (١١٥٤) الفائز أبو القاسم عيسى ت ١٧ رجب ٥٥٥\r١٤ - (رجب ٥٥٥) (١١٦٠) العاضد أبو محمد عبد الله خلع ٣ المحرم ومات ١٠ المحرم ٥٦٧\r١٠ المحرم ٥٦٧ (١١٧٠) الأيوبيون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276642,"book_id":167,"shamela_page_id":350,"part":"1","page_num":313,"sequence_num":350,"body":"الملحق السادس: الخلفاء الفاطميون وأولادهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276643,"book_id":167,"shamela_page_id":351,"part":"مقدمة 2","page_num":5,"sequence_num":351,"body":"تصدير بقلم الأستاذ: محمد أبو الفضل إبراهيم رئيس لجنة احياء التراث\r﷽\rفى سنة عشرين من تاريخ الهجرة، تمّ للقائد العربىّ، والصحابىّ الجليل عمرو ابن العاص، فتح مصر، ومن ذلك الحين دخل هذا الاقليم فى الدولة الإسلامية وتلوّن بالصّبغة العربية، وأخذ يتوافد إليه أعيان الصحابة والتّابعين، وأعلام الفقهاء والمحدّثين؛ حيث وجدوا الظّل الوارف، والمورد العذب السائغ؛ والمقام المحمود؛ ولم يلبث أن دخلت الجمهرة من المصريّين في دين الإسلام أفواجا، وانتشر في كل النواحى، من أقصى الصّعيد إلى بلاد الشمال؛ حتى أصبحت مصر بمعالمها وحضارتها ووفرة مواردها من أهم الأقطار الإسلامية، بل إنها حملت لواء الزعامة في كثير من عصورها التّاريخية، مما دونه المؤرخون كابن عبد الحكم والقضاعيّ والمسيّحىّ وأبى عمر الكندىّ وابن ميسر وغيرهم.\rوكانت الدولة الفاطمية من أعظم الدول التى عاشت في مصر أكثر من قرنين من الزمان؛ وكان لها تاريخ حافل، ولخلفائها فى الحضارة الإسلامية أثر بعيد؛ فهم الذين أسّسوا القاهرة المعزّية؛ فكانت قبة الإسلام، وحاضرة الأنام، وغرة جبين الزمان، وأنشئوا الجامع الأزهر؛ فكان منبعا للعلوم الاسلامية ومنارة للمعارف والآداب على مر الزمان، كما أقاموا دور الكتب والخزائن، وجلبوا إليها الكتب والأسفار، وأرصدوا لها الأموال، وأعدوا لطلاب المعرفة القوّام والنّساخ، وهوت إليها أفئدة العلماء من شتى الجهات، ينهلون العلم من أعذب مورد وأصفاه؛ هذا إلى ما كان لهم من أثر فى بناء المساجد والقصور والبساتين فى جنبات القاهرة وعلى ضفاف النيل،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276644,"book_id":167,"shamela_page_id":352,"part":"مقدمة 2","page_num":6,"sequence_num":352,"body":"وما تجردت له همّتهم من إعداد الجيوش وانشاء الأساطيل تجوب المياه، فضلا عما كان لهم من عادات فى المواسم والأعياد، تميزت بها دولتهم، وما زالت تتصل بحياتنا الاجتماعية إلى اليوم.\rوقد كان تاريخ هذه الدولة موزعا فى كتب التاريخ والأدب والعقائد، ممتزجا بغيره من تاريخ الدول، إلى أن جاء الإمام تقى الدين أحمد بن على المقريزى، فجمع أشتاته وضمّ ما تفرق منه، وأضاف إليه ما اجتمع له من ثمرات مطالعاته، وما تهيأ له من المناصب التى تولاها، ووضع هذا الكتاب الذى أسماه «اتعاظ الحنفا، بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء». أداره على تاريخ من ملك القاهرة من الخلفاء وعلى جملة أخبارهم وسيرهم، وجعله حلقة من سلسلة كتبه التى وضعها فى تاريخ مصر والقاهرة.\rوالمقريزى شيخ مؤرخى الاسلام غير مدافع، وفارس هذه الحلبة غير معارض؛ فى كل ما ألف وصنّف، وفى جميع ما نقل وروى، مما جعل كتبه المصدر الأصيل فى تاريخ مصر الإسلامية وحضارتها، وخططها وآثارها ومعارفها وفنونها وآدابها وعلمائها وأعيانها.\rهذا وقد سبق للمستشرق هوجو بونز أن قام بنشر هذا الكتاب سنة ١٩٠٩ م على نسخة مخطوطة ناقصة محفوظة بمكتبة جوتا بألمانيا، وهى النسخة الوحيدة التى كانت معروفة فى ذلك الحين، وفى سنة ١٩٤٥ م قام الدكتور جمال الشيال بإعادة نشره عن هذه النسخة أيضا، بعد أن رجع إلى الأصول التى أخذ المقريزى عنها كتابه. ومع مضى الأيام وتتابع البحث، وجد من هذا الكتاب نسخة أخرى كاملة محفوظة بمكتبة سراى أحمد الثالث بإستانبول، فجدّ معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية فى تصويرها، ثم قام الدكتور جمال الشيال بإعادة نشر الكتاب عليهما مرة ثانية، بعد أن أضاف إلى الجهد السابق مزيدا من التحرير والتحقيق، وشرح المصطلحات، والتّعريف بالأعلام، ما شاءت له معارفه التاريخية وأمانته العلمية واطلاعه الغزير الوافر (¬١).","footnotes":"(¬١) من تصدير الجزء الأول","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276645,"book_id":167,"shamela_page_id":353,"part":"مقدمة 2","page_num":7,"sequence_num":353,"body":"وقد كان من تمام التوفيق ظهور الجزء الأول من هذا الكتاب، والقاهرة تحتفل بعيدها الألفىّ منذ أنشأها الفاطميون؛ فكان تحية طيبة ومشاركة كريمة من المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فى الاحتفال بهذه الذكرى.\rثم كان من دواعى الأسف وعميم الحزن؛ أن اختار الله لجواره، المرحوم الدكتور جمال الدين الشيال؛ ولمّا يشرع بعد فى تحقيق الجزء الثانى؛ فكان لوفاته رحمة الله عليه فجيعة ألم وأسى فى الأوساط العلمية، وعند محبيه وعارفى فضله؛ لما كان عليه من غزير العلم والثقافة الواسعة والمعارف التاريخية المستفيضة؛ إلى ما كان يتجمّل به من الخلق الرضىّ والتواضع الجم والسجايا الكريمة المحمودة ﵀.\rوقد رأت لجنة إحياء التراث بالمجلس الإسلامى إسناد تحقيق بقية الكتاب إلى صديقه العلامة الأستاذ الدكتور محمد حلمى محمد أحمد أستاذ التاريخ الإسلامى بكلية دار العلوم؛ فقام بهذا العبء خير قيام، وسلك فى تحقيقه المنهج العلمىّ الأصيل؛ فكان خير خلف لخير سلف.\rوهذا هو الجزء الثانى يتلوه الجزء الثالث؛ وهو آخر الكتاب؛ ومعه الفهارس العامة، ومن الله التوفيق والسداد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276646,"book_id":167,"shamela_page_id":354,"part":"مقدمة 2","page_num":8,"sequence_num":354,"body":"قائمة ببيان بعض المراجع المستخدمة فى التحقيق مما لم يرد لها ذكر فى الجزء الاول\rأولا: مراجع عربية:\rإحسان عباس (بالتعاون مع أحمد أمين وشوقى ضيف): فريدة القصر وجريدة العصر. للعماد الأصفهانى الكاتب قسم شعراء مصر: ج: ١، ٢؛ القاهرة: ١٣٧٠ (١٩٥١)\rأحمد بن عبد الوهاب (شهاب الدين النويرى): نهاية الأرب: ج: ٢٨ (¬*)\rأحمد بن على المقريزى (تقى الدين): المواعظ والاعتبار فى الخطط والآثار (فى جزءين). القاهرة: ١٢٧٠ هـ.\rراشد البراوى حالة مصر الاقتصادية فى عصر الفاطميين.\rزكى محمد حسن (بالتعاون مع حسن أحمد محمود): معجم الأنساب والأسرات الحاكمة فى التاريخ الإسلامى للمستشرق زامباور؛ ترجمة فى جزءين؛ القاهرة: ١٩٥١ - ١٩٥٢.\rشكرى فيصل فريدة القصر وجريدة العصر للعماد الأصفهانى.\rقسم شعراء الشام: ج: ١؛ دمشق: ١٩٥٥\rعبد الرحمن بن إسماعيل (أبو شامة، شهاب الدين المقدسى): كتاب الروضتين فى أخبار الدولتين. انظر: محمد حلمى محمد أحمد","footnotes":"(¬*) لا يزال هذا الجزء فى دور الإعداد للطبع بالمؤسسة العامة للتأليف والترجمة والنشر. ولذلك اكتفى فى الإشارة إليه بالتعليقات باسم المؤلف والكتاب دون إشارة إلى الصفحة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276647,"book_id":167,"shamela_page_id":355,"part":"مقدمة 2","page_num":9,"sequence_num":355,"body":"على ابن محمد (ابن الأثير أبو الحسن): الباهر فى تاريخ أتابكة الموصل.\rالفتح بن على بن محمد البندارى تاريخ دولة آل سلجوق (مختصر لكتاب العماد الأصفهانى)، القاهرة: ١٣١٨ (١٩٠٠)\rمحمد حلمى محمد أحمد ١ - كتاب الروضتين فى أخبار الدولتين، لأبى شامة. تحقيق: الجزء الأول: القسم الأول؛ ١٩٥٦؛ القسم الثانى ١٩٦٢.\rمحمد كامل حسين ٢ - نهاية الأرب، للنويرى؛ ج: ٢٨. تحقيق (تحت الطبع) (¬*) فى أدب قصر الفاطمية. القاهرة ١٩٥٠.\rمحمد بن محمد (العماد الأصفهانى). انظر: إحسان عباس؛ شكرى فيصل؛ الفتح بن على بن محمد البندارى.\r\rثانيا: مراجع أوربية:\rBarker:The Crusades;London ،١٩٢٣.\rDe Slane:Recueil des Historiens des Croisades،Historiens Orien- taux.\rGibb،H.A.R.: The Damascus Chronicle of the Crusades;London،١٩٣٢.\rLane-Poole(S.): Saladin and the Fall of the Kingdom of Jerusalem;Lon- don،١٨٩٨.\rSetton،K.M:A History of the Crusades;Vol.I،Philadelphia،(Univer- sity of Pensylvania Press).\rStevenson;W.B.The Crusaders in the East،Cambridge،١٩٠٧.","footnotes":"(¬*) (انظر هامش الصفحة السابقة).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276648,"book_id":167,"shamela_page_id":356,"part":"مقدمة 2","page_num":10,"sequence_num":356,"body":"﷽\r\rبين يدى الكتاب\rالحمد لله فاتحة كل خير، وتمام كلّ نعمة؛ وصلاة البرّ الرحيم وسلامه على محمّد أكرم خلقه، باعث معالم المجد التى حفل بها تاريخ الإسلام والمسلمين؛ ورضى الله عمّن سار على نهجه، واهتدى بهديه، وأسهم بجهده بإضافة لبنة من لبنات المعرفة إلى بناء صرح الثقافة الإسلامية، التى نتّجه إليها الآن بالنّظرة الفاحصة والعزم الدءوب، لإحياء تراثها، وكشف الأستار عن مكنون مفاخرها وذخائرها.\rوتحيّة التّقدير والوفاء إلى روح الأستاذ العالم المرحوم الدّكتور جمال الدّين الشّيّال، الذى أكرمه الله بدعوته إلى سكنى رياض جنّته، فآثر أن يلبّى دعوة العزيز الكريم، تاركا من بعده أدلّة هادية على طريق الكفاح العلمىّ، يتمثّل آخر مصابيحها فى الجزء الأول من هذا الكتاب، الذى أقدّم اليوم جزءه الثانى، سائرا على دربه، ضامّا جهدى المقلّ إلى جهوده القيّمة، اعتمادا على ما يسّره الله لنا من وسائل البحث والدّرس.\r***\r\rويشمل هذا الجزء من «اتّعاظ الحنفا» تاريخ دولة الفاطميين على امتداد مائة واثنتين والسّتين، منذ تولّى الحاكم بأمر الله شئون هذه الدّولة فى أواخر شهر رمضان، سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة، إلى نهاية سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وهى السّنة التى توفى المستنصر بالله فى ذى الحجّة آخر شهورها.\rوقد شهدت هذه السنوات تداول ثلاثة من الفاطميين عرش الخلافة: الحاكم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276649,"book_id":167,"shamela_page_id":357,"part":"مقدمة 2","page_num":11,"sequence_num":357,"body":"بأمر الله، والظّاهر لإعزاز دين الله، والمستنصر بالله؛ وكان لآخر الثلاثة القسم الأكبر من هذه المرحلة، إذ تولى منصبه وعمره سبع سنوات، وشغله بعد ذلك ستّين عاما كاملة. ولم يسبقه أحد من خلفاء المسلمين، من الفاطميين أو من غيرهم، يمثل هذا، إذ كان أطول زمن قضاه خليفة فى خلافته أربعة وأربعون عاما وبضعة أشهر تولّى فيها القائم بأمر الله العبّاسىّ، معاصر المستنصر بالله، زمام القسم الشّرقى من البلاد (¬١).\rولا تحظى هذه السنوات الطّوال من المقريزى برعاية متكافئة أو متعادلة، إذ نجده يختصّ بعضها بحديث مسهب مطوّل، يمكّن القارئ من تتبّع أحداثها شهرا بعد شهر، بل يستطيع تتبع أحداث الشهر الواحد تتبّعا مفصّلا؛ بينما يعالج بعضا آخر فى إيجاز واختصار، يصل أحيانا إلى درجة لا يتوقّعها من يتطلع إلى إشباع حاجته إلى المعرفة المتعمقة. فمن صور النوع الأوّل الحديث عن أخبار سنة خمس عشرة وأربعمائة، إذ يقع هذا الحديث فى أربعين صفحة من هذا الجزء، ومن أمثلة النّوع الثانى أخبار سنة ستّ عشرة وأربعمائة، التى أعقبت هذه الصفحات الأربعين، إذ أنّها لم تجاوز ثلاثة أسطر؛ وحديث أنباء سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة الذى يقتصر فيه المقريزى على قوله: فيها أقيمت دعوة المستنصر بحرّان.\rولا يقف الأمر عند هذا إذ نجده يهمل سنوات أخرى فلا يذكر منها إلاّ عنوانها (¬٢)، بل قد يغفل إغفالا تاما الإشارة إليها بعنوان مستقل (¬٣).\rلكنّ هذا كلّه لا ينقص من أهمية هذا الكتاب القيّم مصدرا رئيسيا، يتصدّر ما بين أيدينا من مؤلفات تعرضت لتاريخ الفاطميّين فى إيجاز أو فى تطويل.","footnotes":"(¬١) توفى القائم بأمر الله سنة سبع وستين وأربعمائة.\r(¬٢) وذلك فى سنتى ٤٣٠، ٤٣٢.\r(¬٣) وذلك فى السنوات: ٣٩٣، ٤١١ - ٤١٤، ٤١٩، ٤٤٥، ٤٧٣ - ٤٧٦، ٤٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276650,"book_id":167,"shamela_page_id":358,"part":"مقدمة 2","page_num":12,"sequence_num":358,"body":"ومعالجة المقريزى للجوانب المتعدّدة للدّراسة التاريخيّة، كما تبين فى هذا الكتاب، معالجة متوازنة، لا فضل لجانب منها على الآخر، ولا تميّز لأحدها أو لبعضها من وجهة نظر المؤلف. فهو يعامل الأحداث السياسية والعسكريّة معاملة متعادلة، ويتحدث عن التطورات الاجتماعية والاقتصادية بمثل ما يتحدّث به عن الأحداث الدينيّة أو الإداريّة، بحياد وموضوعية، دون أن يخصّ أيّا من هذه الجوانب بعناية تبرز بعضها دون البعض الآخر، أو تدلّ على ميل من جانب المؤلف إلى الاهتمام بناحية دون غيرها.\rولعلّ السرّ فى هذا التوازن فى المعالجة أن المقريزى أراد أن يكون كتابه الذى خصّصه لمرحلة بعينها شاملا للموضوعات التاريخيّة المتنوعة ليمدّ الدارس بالمادة الغزيرة التى تتيح له معرفة شاملة متنوعة تمكنه من إشباع اتّجاهه الثقافى من مورد قيّم للمعرفة، متعدّد الاهتمامات.\r***\r\rوفى ضوء هذه المادّة العلميّة الغزيرة أود أن أضع بين يدى القارئ بعض الحقائق التاريخية التى يساعد هذا الكتاب على إبرازها، والتى كان بعضها فى حاجة إلى ما يكشفه أو ما يزيده وضوحا وبيانا.\rوأول هذه الإشارات يتعلّق بشخصيّة الحاكم بأمر الله وعصره. فقد ذاع بين الدّارسين والمؤرخين اتّهام الحاكم بالتقلّب فى أحواله والشّذوذ فى تصرّفاته، وأن هذا الشّذوذ وذلك التقلّب قد أدّيا إلى أن يحفل عصره بالاضطرابات، مما أفقد النّاس الاطمئنان على أنفسهم وأموالهم. لكنّ المقريزى يتيح لهؤلاء فرصة إعادة النّظر فى هذه الأحكام التى أدانت الحاكم، وجعلت منه مثالا وأنموذجا للشذوذ والاستبداد جميعا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276651,"book_id":167,"shamela_page_id":359,"part":"مقدمة 2","page_num":13,"sequence_num":359,"body":"وفى مقدّمة ما يلزم الباحث بعين فاحصة إلى شخصية هذا الخليفة وفى عصره أن يدخل فى تقديره أنّ الحاكم تولّى الخلافة وسنّه لم تجاوز الحادية عشرة إلا بقليل وأنّه وضع بسبب هذه السّنّ الصغيرة تحت وصاية تنازعته فيها قوى مختلفة من رجال الجيش وأستاذى الخلافة وسيّدات القصر، فكان لهذا تأثيره فى تصرّفاته عند ما استطاع إمساك الزّمام بيده عازما على أن يكون بشخصيّته قوّة فعّالة فى إدارة شئون الدولة، متحرّرة من الضّغوط المتباينة التى كانت لا تزال تحاول أن تتجاذبه فيما بينها لتستميله إلى جانبها وتخضعه لتأثيرها. وخير مثل لمحاولته التحرّر من هذه الضغوط موقفه من أخته سلطانة ست الملك التى كانت تتدخّل من وراء ستار فى شئون الدّولة، مستعينة ببعض رجالاتها وقادتها، مما أسخط الحاكم عليها، وحمله على تهديدها وتخويفها. لكن ستّ الملك، بإصرارها على موقفها من الدولة ومن أخيها، دبّرت مؤامرة محكمة للتخلّص منه بقتله، فنجحت فى هذه المؤامرة وأجلست ابنه الظاهر من بعده على عرش الخلافة. ولم يخفف هذا الإصرار من جانب ستّ الملك على الحاكم الذى كان على علم بتصرفاتها، والذى كان يخشى على أمّه أيضا منها، يدلّ على ذلك حديثه إلى أمّه قبيل اختفائه - ومقتله - ودفعه إليها خمسمائة ألف دينار ذخيرة لها، تستعين بها على شئونها إذ أنه كان «لا يخاف عليها أضرّ من أخته».\rوقد كان للثّورة العنيفة التى تزعّمها أبو ركوة (¬١) أثرها فى تحديد موقفه من رجاله الذين فشل بعضهم فى التغلّب عليها وفى إخماد نارها؛ وقد كلّفه القضاء على هذه الثورة ألف ألف دينار أنفقها فى الجيش وفى القادة الذين استعان بهم فى مواجهتها.","footnotes":"(¬١) بدأت هذه الثورة فى برقة، وتدخل الحاكم بنفسه فى مواجهة أخطارها إذ أوحى إلى بعض رجاله بمكاتبة زعيمها وإيهامه بأنهم يؤيدونه وسيدخلون فى طاعته إذا قدم إلى البلاد لأنهم يعانون من عسف الحاكم وبطشه، فاستجاب الثائر لهم وقدم إلى الوجه البحرى ثم إلى الجيزة، ثم إلى الفيوم حيث هزم هزيمة واضحة فلجأ إلى النوبة وهناك تم التغلب عليه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276652,"book_id":167,"shamela_page_id":360,"part":"مقدمة 2","page_num":14,"sequence_num":360,"body":"ولما ذكر له أن قائدة الفضل ابن صالح كانت له جهود واضحة فى إنهائها والقبض على زعيمها، قال: وماذا فعل الفضل؟ لقد قبض عليه ملك النّوبة وأرسله إلينا.\rوهكذا كانت مشكلة الحاكم الأولى أنه كان يحاول طوال عهده العمل على أن يكون بشخصه قوة فعالة فى إدارة شئون الدولة، متحررا من الضغوط التى كانت تتجاذبه من داخل القصر وخارجه على السّواء. وفى سبيل هذا كان يكثر من الرّكوب منفردا فى غير موكب، ليلا ونهارا، ويطوف بالأسواق للتعرّف بنفسه على أحوال الناس، وكان هؤلاء يتقدّمون إليه بظلاماتهم وشكاواهم، فيتسلّمها منهم بنفسه ويعمل على إنصافهم.\rوقد مكنه هذا من اتخاذ قرارات عدّة تحتسب لصالحه وتعدّ من مفاخره:\r١ - فمن ذلك أنّه أصدر - فى أكثر من مناسبة - قرارات بمنع ذبح البقر الولود أو العاملة، حتى يتوفّر بذلك من الإنتاج الحيوانى ما يسدّ حاجة البلاد ومن حيوانات الحقل ما يمكّن الفلاحين من العناية بالمزروعات وتحسين محصولها.\r٢ - وأصدر قرارا بإنشاء دار يحتفظ فيها بأموال اليتامى الذين يشرف القضاة وأعوانهم على رعايتهم؛ ونظم طريقة الإشراف، إذ أمر «ألاّ يودع عند عدل ولا أمين شيء من أموال اليتامى، وأن يكتروا مخزنا تودع فيه هذه الأموال؛ فإذا أرادوا دفع شيء منها حضر أربعة من ثقات القاضى وجاء كلّ أمين فأطلق لمن يلى عليه رزقه بعد مشورة القاضى فى ذلك، ويكتب على الأمين وثيقة بما يقبضه من المال لمن يلى عليه» (¬١). والسبب المباشر لهذا التنظيم وفاة القاضى محمد بن النعمان تاركا دينا عليه للأيتام وغيرهم قدّر بعشرين ألف دينار، أو بستة وثلاثين ألف","footnotes":"(¬١) راجع هذا فى أحداث سنة ٣٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276653,"book_id":167,"shamela_page_id":361,"part":"مقدمة 2","page_num":15,"sequence_num":361,"body":"دينار، مما دعا الحاكم - إلى جانب قراره هذا - إلى مصادرة أموال القاضى المتوفّى وأموال أعوانه استيفاء لهذه الحقوق.\r٣ - وعند ما تبيّن للحاكم، بعد فترة من الزمن، أن القاضى حسين بن النعمان لم يمتنع عن أكل أموال اليتامى بالباطل أمر بضرب رقبته ثمّ بإحراقه بالنار عقوبة له وردعا لغيره. ويسوق لنا المقريزى قصة هذه الحادثة - كأنّه يخشى أن نبادر إلى اتهام الحاكم بالقسوة والظلم - فيقول: « … وذلك أن متظلّما رفع رقعة إلى الحاكم يذكر فيها أن أباه توفّى وترك له عشرين ألف دينار وأنها فى ديوان القاضى، وأن القاضى عرّفه أن ماله قد نجز. فدعا (الحاكم)، وأوقفه على الرقعة، فقال كقوله للرّجل من أنه استوفى ماله من أجرة. فأمر بإحضار ديوان القاضى فأحضر من ساعته، فوجد أن الذى وصل إلى الرّجل أيسر ماله. فعدّد على القاضى حسين، ما أقطعه وأجرى له وما أزاح من علله لئلاّ يتعرض إلى ما نهاه عنه من هذا وأمثاله. فقال: العفو والتّوبة. فأمر به فضربت عنقه وأحرق» (¬١).\r٤ - وفى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة أمر الحاكم بضرب جماعة من الخبازين وتشهيرهم لتعذر وجود الأخباز بالعشايا، ولأنهم كانوا يغشون الخبز ويبيعونه مبلولا، إذ كان التّعامل فيه بالوزن.\r٥ - وعند ما صدر قراره بقتل القضاة مالك بن سعيد الفارقى، فى سنة خمس وأربعمائة، لاتهامه بموالاة ست الملك وتدخله فى شئون الدولة بتحريضها، «وكان الحاكم قد انفلق منها»، استدعى أولاد القاضى وأرضاهم، «ولم يتعرّض لشيء من تركة أبيهم، وأمر ابنه أبا الفرج أن يركب فى الموكب، وأقره على إقطاعه ومبلغه فى السنة خمسة عشر ألف دينار».","footnotes":"(¬١) انظر أحداث سنة ٣٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276654,"book_id":167,"shamela_page_id":362,"part":"مقدمة 2","page_num":16,"sequence_num":362,"body":"٦ - وأصدر الحاكم قرارات بإلغاء كثير من المكوس التى كانت قد ابتدعت، من ذلك مكس الرّطب ومكس دار الصابون ومكس بعض التجارات التى كانت تصل بحرا إلى مدينة القلزم، والمكوس التى كانت تجبى لدارى الشرطة بالقاهرة ومصر. ويتحدث المقريزى عن هذا كله فى مناسباته ..\r٧ - وفى سنة عشر وأربعمائة ورد على مصر رجل من سجلماسة يريد الحج، فأودع ماله عند رجل فى السّوق. فلمّا عاد من الحج طلب ماله فأبى أن يدفعه إليه؛ فتوصّل إلى أن أطلع الحاكم على أمره، فقال له: «اجلس فى دكان مقابلا لدكانه، فإذا جزت فى ذلك السّوق فاعمل كأنك تعرفنى وكأنى أعرفك. فلمّا مرّ الحاكم وقف على الرّجل وسأل عن حاله وأكثر معه الوقوف، وانصرف. فجاء الرجل الذى عنده الوديعة إلى الرجل وأكبّ عليه وسأله الصفح عمّا سلف منه، وأحضر إليه جميع ماله. فعرف الحاكم بذلك، فأصبح الذى أنكر الوديعة مقتولا معلّقا برجله».\r٨ - أما من الناحية المذهبيّة، فقد اتّهم الحاكم بتنكيله بأهل السنّة بعد أن كان قد خفف عنهم القيود، وأباح لهم دراسة مذاهبهم، ومكّنهم من ذلك فى دار العلم التى أنشأها للدّرس والبحث. وهذا الاتّهام يعوزه شيء من تعرّف الظّروف التى أقدم الحاكم فيها على تقريب المالكية ثم على العدول إلى مذهبه القديم. ذلك أن المعزّ بن باديس صاحب القيروان كتب إليه يستنكر بعض أفعاله، فأراد الحاكم أن يسترضيه ويستميله إليه، فأظهر اهتمامه بدراسة مذهب المالكية، وأحضر العلماء لمناظرتهم فى مذهبهم، وأمر بمحو سبّ الصحابة من المساجد والأسواق، ونهى عن ذكرهم بغير ما يجب لهم من الإعزاز والتقدير. ثم تغيّرت الأحوال فعاد الحاكم إلى مذهبه القديم الذى نشأ أسلافه عليه والذى تمسك خلفاؤه به إلى أن قضى الله بزوال دولة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276655,"book_id":167,"shamela_page_id":363,"part":"مقدمة 2","page_num":17,"sequence_num":363,"body":"الفاطميّين. فالحاكم بهذا لم يقدم على ما أقدم عليه إلاّ بدافع سياسىّ، ولم يعدل عنه إلاّ بعد أن تبيّن زوال أسبابه وخطورة الإبقاء على موقفه من تأييد السنّة فى دولة تحول كلّ تنظيماتها العقديّة والمذهبية والعسكرية دون هذا. وما أشبه هذا بما فعله المأمون العبّاسى - مع مراعاة فارق العصر والظروف - حين قرّب منه العلويين ولبس شعارهم وخلع السواد شعار العباسيين، وبايع بولاية عهده لعلىّ الرضا وتزوج ابنته؛ ثم لم يلبث أن عدل عن هذا الاتجاه العلوى بتأثير تحرّك بغداد ضدّه وتغيّر موقف البيت العباسىّ منه.\r٩ - وخير ما نختم به هذه الملحوظات عن الحاكم وعصره ما قاله المقريزى:\r«وكان الأمر فى مدّة العزيز، فيه انحلال وعفو كبير عن الناس، فظنّوا أن ذلك يجوز فى مدّة الحاكم وجروا على رسمهم؛ فتجرّد لهم منه مطّلع على جميع أمورهم، غير مطّرح لعقوبة، فهلك الجمّ الغفير منهم».\rونحن لا ندّعى بعد هذا أن الحاكم خير كلّه، لكننا ندعو إلى الاقتصاد فى اتهامه والحكم عليه دون تقدير كامل لظروفه وظروف عصره، فبمثل هذا التقدير ننصف الحاكم المفترى عليه، ونبيّن مدى الجهد الذى بذله فى محاولة الإصلاح، ولا نبخسه أجره الذى يستحقه لهذا الجهد الذى استغرقه، خمسا وعشرين سنة كاملة هى مدة خلافته\r***\r\rويتولى الظاهر لإعزاز دين الله خلافة الفاطميين عقب غيبة الحاكم التى ذاع بعدها أنه قتل، وكان الظاهر إذ ذاك قد جاوز السادسة عشرة من عمره، وبقى فى منصبه حتى توفّى سنة سبع وعشرين وأربعمائة، بعد نحو ستّ عشرة سنة من خلافته. وفى مناسبة وفاته يقول المقريزى: «وكانت أيامه كلّها سكونا ولينا،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276656,"book_id":167,"shamela_page_id":364,"part":"مقدمة 2","page_num":18,"sequence_num":364,"body":"وهو مشغول بلذاته ونزهه وسماع المغنى». لكن استعراض الأحداث التى جرت فى عصره والتى فصّل المقريزى الحديث عنها، لا يؤيد القسم الأول من حكم المقريزى بأن «أيّامه كانت كلّها سكونا ولينا».\r١ - فقد أسلم الظاهر أمره فى السنوات الأولى من خلافته إلى عمّته ست الملك التى نجحت فى قتل الحاكم وإقامة الظاهر مقامه، ولم تلبث أن أخضعته لسلطانها وأدارت الدّولة بوساطة أعوانها، ونكّلت بكل من اعترض طريقها. وكان من أوائل من نكلت بهم أولئك الذين ساعدوها فى التخلّص من أخيها بإحكام التّدبير ثم بإتقان التنفيذ.\rوفى ظل سيطرة ست الملك تولّى أبو الفتوح موسى بن الحسن الوساطة - الوزارة - فى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، بعد أن كان يشرف على ديوان الإنشاء، ولم يلبث أن نكب بعد تسعة أشهر إذ صدر أمر ستّ الملك بإخراجه من مجلس الوزارة مسحوبا وبسجنه، ثم قتل بعد ذلك بأمرها.\r٢ - وبعد وفاة ست الملك استسلم الظاهر لوزرائه ورجال دولته، فتنافس هؤلاء على مركز الصدارة، وقرر ثلاثة منهم: «أن يكون دخولهم على الخليفة الأخير فى كل خلوة، وأنهم يكفونه أمر الاهتمام بالدولة ليتوفّر على لذاته وينفردوا بالتدبير». فتم لهم ذلك، ولم يعترض الظاهر على تدبيرهم.\r٣ - وشهد عصر هذا الخليفة بدء تفلّت البلاد الشامية من قبضة الدولة وتحرّك الثورات المحلية بها، وعجز الإدارة المركزية بالقاهرة عن حسم خطر هذه الثورات إذ كيف تستطيع القاهرة ذلك ورجال الدولة والقصر يتنافسون فى محاولاتهم إخضاع الخليفة لنفوذهم والخليفة فى شغل بملذاته ومواكبه الرسمية التى يتنقل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276657,"book_id":167,"shamela_page_id":365,"part":"مقدمة 2","page_num":19,"sequence_num":365,"body":"بها بين القاهرة ومصر للتنزّه والترويح. أين هذا مما كان يفعله الحاكم من الخروج منفردا، ليلا أو نهارا، للتعرّف على أحوال الناس وتلقى ظلاماتهم وشكاياتهم، وعمله على إرضائهم وإنصافهم.\r٤ - وفى سنة عشرين وأربعمائة «كانت فتنة بمصر بين المغاربة والأتراك، وكان الظفر للأتراك، ثم استظهرت المغاربة بمعاونة العامّة لهم، فقتلوا عدة كثيرة منهم، وأخرجوا من بقى منهم عن مصر».\r٥ - وفى سنة أربع عشرة وأربعمائة غلت الأسعار وقلت. الأخباز. وحدث مثل هذا مرة أخرى فى السنة التالية إذ اشتدّ الغلاء والقحط، وعدمت الأقوات، فلم يصرف هذا الظّاهر عن الخروج فى موكبه التقليدى إلى الفسطاط للنزهة والترويح «وخلفه المقوّدون والمصطنعة، وبين يديه الرّقّاصون؛ فاستغاث الناس بضجة واحدة: الجوع يا أمير المؤمنين، الجوع!! لم يصنع بنا هكذا أبوك ولا جدّك». ولما جاء عيد الأضحى «مدّ السّماط بحضرة الظاهر؛ فلمّا جلس أهل الدولة عليه للأكل كبس العبيد القصر وهم يصيحون: الجوع! نحن أحق بسماط مولانا. ونهبوا جميع ما على السماط، وضرب بعضهم بعضا، والصقالبة تضربهم فلا يبالون».\r٦ - وفى سنة خمس عشرة وأربعمائة اجتمع الناس بقنطرة المقس للاحتفال بعيد الفصح «فى لهو وتهتّك قبيح، واختلط الرجال بالنساء وهم يعاقرون الخمر، حتى حملت النّساء فى قفاف الحمّالين من شدة السكر، فكان المنكر شديدا». وقد شرب الظاهر الخمر فى سنة ثمانى عشرة وأربعمائة «وترخّص فيه للناس وفى سماع الغناء وشرب الفقّاع. فأقبل الناس على اللهو».\rوبعد؛ فأظننا لا نستطيع أن نتّفق مع المقريزى فى قوله عن الظاهر: «وكانت أيامه كلّها سكونا ولينا»، وإن كنا نؤيده فى قوله: «وهو مشغول بملاذّه ونزهه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276658,"book_id":167,"shamela_page_id":366,"part":"مقدمة 2","page_num":20,"sequence_num":366,"body":"وسماع المعنى»؛ وفى كلتا الحالتين نستند إلى الأحداث التى سجّلها المقريزى نفسه فى كتابه هذا بتفصيل وتطويل.\r***\r\rأمّا الشدة العظمى التى حدثت أيام المستنصر بالله فيكفى فى توضيح بعض ظروفها أن نقتبس قول المقريزى: « … ولم يكن هذا الغلاء عن قصور مدّ النّيل فقط، وإنما كان من اختلاف الكلمة ومحاربة الأجناد بعضهم مع بعض، وكان الجند عدّة طوائف مختلفة الأجناس: فتغلبت لواتة والمغاربة على الوجه البحرى، وتغلب السّودان على أرض الصّعيد، وتغلّب الملثّمة والأتراك بمصر والقاهرة، وتحاربوا فكانت السبع سنين المذكورة يمدّ فيها النيل ويطلع وينزل فى أوقاته، فلا يوجد فى الإقليم من يزرع الأراضى، ولا من يقيم جسوره، من كثرة الاختلاف وتواتر الحروب.\rولم يوجد ما يبذر فى الأراضى للزراعة، فإن القمح ارتفع الأردب منه من ثمانين دينارا إلى مائتى دينار، ثم نفد فلم يقدر عليه».\r١ - فكيف يستطيع المستنصر مواجهة هذه المشكلة وهو الذى كان قد بدأ عهده فى الخلافة طفلا صغيرا، فى السابعة من عمره، خاضعا لوصاية الأوصياء المتنافسين فيما بينهم، الحريصين على الاحتفاظ بالنفوذ والسّلطان فى قبضة أيديهم؛ ولم يستطع الخليفة التصرّف فى الدّولة إلاّ بعد أن أفلت الزّمام من أيديهم، وعند ما حدث هذا لم يجد من رجال الدولة القادرين من يعينه على الإصلاح، فاضطرّ إلى تغيير وزرائه أربعين مرة فى تسع سنوات.\r٢ - وكيف يستطيع بدر الجمالى، أمير الجيوش، الّذى استغاث المستنصر به واستقدمه من الشام أن يباشر سلطاته إلاّ إذا اطمأنّ إلى قدرته على التصرّف بحرية فى مواجهة مشكلات الجيش والقصر وتدهور الاقتصاد؟ ولقد طمأنه الخليفة ومنحه الحريّة التى كان يطمع فيها، و «فوّضه» فى التصرف بما يرى فيه صالح الدّولة والخلافة. ونجح الجمالى فى مهمته وتوّج نجاحه بأن «استناب ابنه وجعله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276659,"book_id":167,"shamela_page_id":367,"part":"مقدمة 2","page_num":21,"sequence_num":367,"body":"ولىّ عهده فى السلطنة» - أى الوزارة - وبدأت السلطة تنتقل فعلا ورسميّا من أيدى الوزراء إلى أيدى الخلفاء، وأصبح هؤلاء ألعوبة فى أيدى أولئك يحجرون عليهم ويتحكمون فى مصائرهم كما يريدون.\r٣ - ولا ينتظر فى ظلّ الاضطرابات التى عمّت البلاد فى القسم الأكبر من عصر المستنصر، ثم فى ظل المحاولات التى بدأها الجمالى للإصلاح الداخلى فى مصر أن تستطيع الدولة الاحتفاظ بقبضتها قويّة على الشام أو بنفوذها محسوسا واضحا فى المغرب. إنّ منطق التطوّر فى ظلّ هذه الظروف يقضى انحسار النفوذ الفاطمىّ تدريجيا عن هذه البلاد وتلك الأقاليم. وهذا ما حدث فعلا، إذ تقدّم السّلاجقة من الشّرق، ومدّوا سلطانهم إلى بلاد الشام، واستقرّوا فى معظم أنحائها، ولم يبق فى أيدى الفاطميين إلاّ بعض المدن الساحلية (¬١).\rوآخر النّقاط التى تلفت النّظر بفضل المقريزى الّذى أشار إليها فى مناسباتها نقطة ذات شعبتين.\rأولاهما مظهر من مظاهر إقامة شعائر المذهب الفاطمى فى صورة من صوره، هى طريقة إعلان بدء الشهور القمريّة وبخاصة فى مواسم رمضان والعيدين، ذلك أنّ الفاطميين كانوا لا يتقيّدون برؤية الهلال ولا يحكّمونها فى إعلان دخول الشهر الجديد وإنما كانوا يحتكمون معها إلى الحساب ويقولون: الرؤية والحساب كالظاهر والباطن، فالهلال كالظاهر لأنه مشاهد، والحساب كالباطن لأنّه معقول. وقضيّة «الظاهر والباطن» هذه قضية أساسية فى مذاهب الشيعة جميعا، ولها فى الدعوة الإسماعيليّة والفاطميّة أهمية بالغة.\rوتطبيقا لهذه القاعدة نجد المقريزى يذكر فى هذا الكتاب:","footnotes":"(¬١) ثم تقع الأحداث الخطيرة التى يأتى تفصيلها - بعون الله - فى الجزء الثالث من هذا الكتاب، والتى تتمثل فى الصدام العنيف بين الشرق والغرب فى شكل الحروب الصليبية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276660,"book_id":167,"shamela_page_id":368,"part":"مقدمة 2","page_num":22,"sequence_num":368,"body":"١ - أن شهر رجب من سنة ست وتسعين وثلاثمائة استهل بيوم الأربعاء، فصدر أمر الخليفة بتأريخه بيوم الثلاثاء.\r٢ - وفى شعبان من سنة إحدى وأربعمائة وقّع قاضى القضاة سجلاّ يعلن فيه خروج «الأمر العالى المعظّم» بأن يكون الصّوم يوم الجمعة والعيد يوم الأحد.\r٣ - واستهلّ شعبان فى سنة اثنتين وأربعمائة يوم الاثنين فأمر الخليفة بأن يكون أول الشهر يوم الثلاثاء.\rوثانى الشعبتين تبيّن مدى تحكّم بعض رجال الدّولة - فى فترات ضعف الخلفاء - واستبدادهم فى مجال نفوذهم. فقد ذكر المقريزى من أمثلة ذلك:\r١ - فى أخبار سنة ست عشرة وأربعمائة، على زمن الخليفة الظاهر، أن شابّا حدثا قد غرق فى النيل فى عشية أحد أيام السبت، فى منطقة دار الصناعة (¬١) فمنع رجال الشريف أبى طالب العجمى، متولّى الصّناعة، تسليمه لأهله إلا بعد دفع «واجب» الصناعة «من حقّ من غرق فى النّيل»، وطالبوهم عنه بدينارين وقيراطين؛ فدفع إليهم ذلك، وحمل الرجل وغسل ودفن فى يوم الأربعاء.\r٢ - وفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة، فى خلافة المستنصر بالله، كان لعريف الخبازين (¬٢) بأحد أسواق مصر (الفسطاط) دكان يبيع فيه الخبز، وبحذائها دكّان خباز «صعلوك»، وكان سعره يومئذ أربعة أرطال بدرهم وثمن؛ فخاف الصعلوك كساد خبزه لأنّه كاد يبرد، «ومن عادة الأخباز فى أزمنة المساغبة متى بردت لا يرجع منها إلى شيء لكثرة ما تغشّ به» فخفض الصعلوك سعر خبزه «فغضب العريف ووكل به عونين من الحسبة أغرماه دراهم».","footnotes":"(¬١) دار صناعة الأسطول (الترسانة).\r(¬٢) نقيب الخبازين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276661,"book_id":167,"shamela_page_id":369,"part":"مقدمة 2","page_num":23,"sequence_num":369,"body":"ولا يبقى بعد هذا إلاّ أن أشير إلى طريقة التحقيق والتّعليق، فقد اتبعت فى هذا أسلوب محاولة إبراز المتن فى صورته السليمة الواضحة التى أرادها له مؤلفه، جاعلا نصب عينى العمل على توضيح ما يحتاج إلى توضيح، وتصحيح ما يبدو أن المؤلف، أو النّاسخ، سها عنه بمعاونة المراجع المختلفة التى تعالج نفس المرحلة التاريخية التى يشملها هذا الكتاب. أمّا ما ورد فى المتن من أخبار أعلام السياسة والحرب، والعلم والأدب، فقد نال نصيبه - قدر الطاقة - من التعليقات التى تعرّف به وتشير إلى المصادر التى قد يحتاج إليها فى طلب المزيد من التعريف. ومثل هذا حدث فى الألفاظ الاصطلاحية التى يحتاج القارئ إلى فهم مدلولاتها، وللأماكن التى جرت بها الأحداث وتردّد ذكرها فى هذا الكتاب. وقد جرى ذلك كله فى قصد ودون تفريط.\rوهنا أودّ أن يتكرّم القارئ فيلحظ فى التعريف بالأماكن خاصة أننى لجأت إلى أسلوب العصر الذى يتناوله الكتاب بالحديث المفصّل حتى تتلاءم التعليقات الموضّحة مع الأحداث فى عصرها الذى ظهرت فيه. ولهذا نجد فى التعريف بمدينة سرت، على سبيل المثال، أنها تقع على عشر «مراحل» من طرابلس وعلى ستّ «مراحل» من أجدابية، وفى التّعريف بمدينة سنجار أنها تبعد عن الموصل ثلاثة «أيام».\rوقد أدرك القلقشندى - من كتاب الانشاء وأساتذة إدارة الأعمال - كما أدرك غيره من علماء الجغرافيا المسلمين أهمية تقدير المسافات بين البلدان بهذا الأسلوب فى عصورهم - لشدة حاجة الناس، على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم ووظائفهم، إلى هذا النوع من التقدير. والقلقشندى الذى أراد لكتابه أن يكون وثيقة علمية فى أيدى كتاب الإنشاء وموظّفى الدّواوين يلاحظ على كتاب «التعريف بالمصطلح الشريف» أن مؤلّفه أحمد بن فضل الله العدوى العمرى «قد أهمل من مقاصد المصطلح أمورا لا يسوغ تركها، ولا ينجبر بالفدية لدى الفوات نسكها، كالبطائق والملطّفات والمطلقات … فلم يقع الغنى به عمّا سواه». ولهذا فصّل هو الكلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276662,"book_id":167,"shamela_page_id":370,"part":"مقدمة 2","page_num":24,"sequence_num":370,"body":"على هذه الجوانب التى يحتاج إليها فى الرسائل والمكاتبات والتنقلات، فذكر أن «البريد» مسافة معلومة مقدرة باثنى عشر ميلا، أو بأربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ثلاثة آلاف بذراع بالهاشمى. وكان لهذا البريد «مراكز» بين كل اثنين منها مسافة «بريد»، وقد تطول أو تقصر إذا ألجأت الضرورة لذلك لبعد ماء أو للأنس بقرية. كما ذكر أن المسافرين كانوا يضبطون تنقلاتهم ويحتسبونها «بالمراحل»؛ وكان الحجاج منهم فى كل يوم وليلة «مرحلتين» من مراحل البريد (¬١). وهنا تتضح أهمية اتّباع هذا الأسلوب، فإذا كانت المسافة بين بلدين «ثلاثة أيام» كان معنى هذا أن بينهما ستّ مراحل أو اثنين وسبعين ميلا. وهذا التّصور ييسر تتبع حركات الجيوش وتنقلات الولاة ورسائل الملوك والحكام وغير ذلك.\rومن أجل هذا حرصت على أن أهيّئ للقارئ، بالتمسك بهذا الأسلوب فى التعريف، أن يعيش مع الأحداث فى عصرها، ليتمكّن من تفهم ظروفها وتصوّر تطوراتها.\r***\r\rوأخيرا أرجو أن أكون بهذا الجهد قد أسهمت فى تحقيق رغبة الأستاذ المرحوم الدكتور جمال الدين الشيال فى كشف الأستار عن هذا الكتاب، تلك الرغبة التى هيّأت لجنة إحياء التراث بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ظروف تحقيقها حين مكّنت سيادته من إخراج الجزء الأول منه، ثم عهدت إلىّ، بعد رحيله، بإتمام مهمته.\rفللأستاذ الراحل الكريم الرضوان، وللّجنة الموقّرة موفور الشّكر لثقتها التى وضعتها فىّ؛ وأرجو أن أكون قد حققت ظنّها.\r«وما توفيقى إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب».\rمحمد حلمى محمد أحمد\rدار العلوم فى ٢٠ من ذى القعدة ١٣٩٠\r١٩ من يناير ١٩٧١","footnotes":"(¬١) انظر خاتمة كتاب صبح الأعشى: ١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276663,"book_id":167,"shamela_page_id":371,"part":"2","page_num":3,"sequence_num":371,"body":"﷽\r\rالحاكم بأمر الله أبو على منصور ابن العزيز بالله\rأبى المنصور نزار ابن المعزّ لدين الله أبى تميم معدّ\rولد فى القصر بالقاهرة ليلة الخميس (¬*) الثالث والعشرين من شهر ربيع الأوّل سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، فى الساعة التاسعة، الموافق صبيحتها الثالث عشر من شهر آب (¬١). والطالع من السرطان سبع وعشرون درجة (¬٢)، والشمس فى برج الأسد على خمس وعشرين درجة، والقمر بالجوزاء على إحدى عشرة درجة، وزحل بالعقرب على أربع وعشرين درجة، والمشترى بالميزان على ثمان درج، والمريخ بالميزان على ثلاث عشرة درجة، والزهرة بالميزان على تسع عشرة درجة، وعطارد بالأسد على عشر درج، والرأس بالدلو على خمس درج.\rوسلّم عليه بالخلافة فى الجيش بعد الظهر من يوم الثلاثاء ثامن عشرى شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة (¬٣). وسار إلى قصره فى يوم الأربعاء بسائر أهل الدولة، والعزيز فى قبة على ناقة بين يديه، وعلى الحاكم دراعة (¬٤) مصمتة (¬٥) وعمامة فيها الجوهر، وبيده رمح وقد تقلد السيف؛ فوصل إلى القصر ولم يفقد من جميع ما كان مع العساكر شيء، ودخله قبل صلاة المغرب؛ وأخذ فى جهاز أبيه العزيز ودفنه.","footnotes":"(¬*) يبدأ المتن هنا بما يقابل السطر الخامس والعشرين من الورقة (١٥٠) من المخطوط الذى اعتبر أصلا النشر.\r(¬١) أغسطس، سنة ٩٩٦. وقيل ولد لأربع بقين من شهر ربيع الأول. النجوم الزاهرة: ١٧٦:٤.\r(¬٢) فى الأصل سبعة وعشرون درجة. ومثل هذا الخطأ يتكرر كثيرا فى المخطوط، وسنكتفى بالإشارة إلى بعضه.\r(¬٣) بايع له أبوه العزيز بالله قبل وفاته ببلبيس، وجددت البيعة - كما يقول النويرى فى نهاية الأرب - صبيحة وفاة أبيه، يوم الأربعاء لليلة بقيت من شهر رمضان. وكانت بيعة بلبيس يوم الثلاثاء عشرى رمضان. الخطط: ٢٨٥:٢.\r(¬٤) الدراعة والمدرعة نوع من الثياب، وقيل جبة مشقوقة المقدم، ولا تكون إلا من الصوف. لسان العرب.\r(¬٥) الثوب المصمت الذى لا يخالط لونه لون آخر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276664,"book_id":167,"shamela_page_id":372,"part":"2","page_num":4,"sequence_num":372,"body":"ثم بكر سائر أهل الدّولة إلى القصر يوم الخميس، وقد نصب للحاكم سرير من ذهب عليه مرتبة مذهبة فى الإيوان الكبير. وخرج من قصره راكبا وعليه معمّمة الجوهر؛ فوقف الناس بصحن الإيوان وقبّلوا الأرض ومشوا بين يديه، حتى جلس على السرير، فوقف من مهمّته الوقوف، وجلس من له عادة الجلوس. فسلم عليه الجماعة بالإمامة واللّقب الذى اختير له، وهو الحاكم بأمر الله. وكان سنّه يومئذ إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وستة أيام.\rوكان جماعة من شيوخ كتامة تخلفوا عن الحضور (¬١) وتجمعوا نحو المصلّى (¬٢). فخرج إليهم أبو محمّد بن الحسن بن عمار (¬٣) فى طائفة من شيوخهم، وما زالوا بهم حتى أحضروهم بعد امتناعهم من الحضور، وشكوا من عيسى بن نسطورس (¬٤)، وسألوا صرفه، وأن تكون الوساطة لرجل منهم. فندب لذلك أبو محمّد الحسن بن عمار. فقرر أحوالهم فيما يطلق لهم من الرزق بعد خطاب طويل، على أن يطلق لهم ثمانى إطلاقات فى كل سنة، وأن يكون لكل واحد ثمانية دنانير؛ وأن يطلق هذا الفضل (¬٥) فى يومهم بحضرة أمير المؤمنين. فأحضر المال ودفع إليهم بحضرة الحاكم الفضل، وهو عشرون دينارا لكل واحد منهم. وحلّفهم ابن عمار بعد ما حلف.","footnotes":"(¬١) كان الوزير يعقوب بن كلس قد أضعف شوكتهم بعض الشئ، أيام العزيز فكان تخلفهم نوعا من الاحتجاج والرغبة فى استعادة مكانتهم التى كانت لهم، قارن نهاية الأرب للنويرى.\r(¬٢) كان الجامع الأزهر يسمى عقب انشائه مصلى القاهرة. لكن لعل المقصود هنا مصلى العيد خارج باب النصر، أحد أبواب القاهرة.\r(¬٣) وهو من أصول أسرة بنى عمار التى تولت حكم مدينة طرابلس بالشام، كما سيأتى تفصيل ذلك فى حينه. انظر: معجم الأنساب لزامباور، وكذلك mohammadan Dynasties تأليف: S.Lane-Poole\r(¬٤) تولى الوزارة - الوساطة - العزيز بالله، وكان يتولاها عند خلافة الحاكم. وسر الغضبة عليه يتمثل فيما ينسب إليه من قول رد به الشاكين من سوء تصرفه ومن تقديمه النصارى فى مناصب الدولة: «إن شريعتنا متقدمة، والدولة كانت لنا ثم صارت إليكم، فجرتم علينا بالجزية والذلة. فمتى كان منكم إلينا إحسان حتى تطالبونا بمثله! إن منعناكم قاتلتمونا، وإن سالمناكم أهنتمونا، فإذا وجدنا لكم فرصة فماذا تتوقعون أن نصنع بكم». نهاية الأرب.\r(¬٥) المقصود به الأموال التى كانت تمنح لرجال الدولة، والجنود خاصة، فى المناسبات كمثل مناسبة تولى الخليفة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276665,"book_id":167,"shamela_page_id":373,"part":"2","page_num":5,"sequence_num":373,"body":"وخلع على أبى الحسن يانس الخادم الصقلبى وحمل على فرسين، وقال: يتولى القصور.\rوفى أول شوال فرش على سرير الذّهب فى الإيوان مرتبة نسيج فضة، وخرج الحاكم على فرس أدهم بمعمّمة الجوهر وقد تقلّد السيف، وفى ركابه الايمن حسين بن عبد الرحمن الرابض، وفى ركابه الأيسر برجوان، والنّاس قيام؛ فقبلوا له الأرض، ودعوا. فقال ابن عمار للقاضى محمد بن النّعمان: مولانا يأمرك بالخروج إلى المصلّى للصّلاة بالناس وإقامة الدعوة لأمير المؤمنين. فنهض قائما، وقلّده برجوان بسيف محلّى بذهب من سيوف العزيز، ومضى فصلّى وأقام الدعوة، ثم قدم.\rونصب السّرير الذهب فى صفّة الإيوان، ونصب السّماط (¬١) الفضّة؛ وخرج الحاكم من القصر، وكان قد دخل إليه، وهو على فرس أشقر، فجلس على السماط، وحضر من له رسم، فأكلوا وانصرفوا.\rوفى ثالثه خلع على ابن عمّار، وقلّد بسيف من سيوف العزيز، وحمل على فرس بسرج ذهب، وكناه الحاكم، ولقّبه بأمين الدولة (¬٢) وقال له: أنت أمينى على دولتى ورجالى.\rوقاد بين الخيل، وعمل خمسين ثوبا ملونة من البزّ الرفيع. ومضى فى موكب عظيم إلى داره.\rوكتب سجل من إنشاء أبى منصور بن سورين (¬٣) وبخطّه، قرأه القاضى محمّد بن النعمان (¬٤)","footnotes":"(¬١) أما سماط الطعام فيعقد مرتين فى عيد الفطر ومرة واحدة فى عيد النحر ويصفه صاحب النجوم الزاهرة: ٤: ٩٧ - ٩٨ فيقول ما بعضه: طوله ثلاثمائة ذراع وعرضه سبعة ويعبى بأنواع المآكل فى الليل .. ويحط فى وسط السماط واحد وعشرون خروفا، ومن الدجاج ثلاثمائة وخمسون طائرا، ومن الفراريج مثلها، ومن فراخ الحمام مثلها. ويمكن الناس منه فيحتملون وينهبون مالا يأكلونه، ويبيعونه ويدخرونه.\r(¬٢) يقول النويرى وهو أول من لقب من رجالهم - رجال الفاطميين - وذكر المقريزى ذلك أيضا فى الخطط: ٣٦:٢ ويقول صاحب النجوم الزاهرة: ١٢٢:٤: «وهو أول من تلقب من المغاربة وكان شيخ كتامة وسيدها».\r(¬٣) وهو أبو منصور بشر بن عبد الله بن سورين الكاتب النصرانى. الخطط: ١٤:٢.\r(¬٤) وكان القاضى أحد اثنين حضرا وصاية العزيز بالله بولاية العهد لولده، وثانيهما أمين الدولة أبو محمد الحسن بن عمار. النجوم الزاهرة: ١٢٢:٤؛ الخطط: ٣٦:٢. وقد أقام القضاء فى أسرة بنى النعمان فترة طويلة بدأت أيام المعز لدين الله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276666,"book_id":167,"shamela_page_id":374,"part":"2","page_num":6,"sequence_num":374,"body":"بالجامع يتضمّن وراثة الحاكم الملك من أبيه، ويعد الرعيّة فيه بحسن النّظر لهم؛ وأمر فيه بإسقاط مكوس كانت بالساحل (¬١). ففرح الناس.\rوكانت عدّة ممّن قتلهم ابن نسطورس - لما احترق الأسطول - على الخشبة، فأمر بتسليمهم إلى أهليهم، وأطلق لكل واحدة عشرة دنانير من أجل كفنه، فكثر الدعاء من الرعيّة للحاكم. وأمر بقلع الالواح التى على دور الأخباز وسلمت لأربابها ومستحقّيها، فبلغت شيئا كثيرا (¬٢).\rوخلع على القائد أبى عبد الله الحسين بن جوهر القائد، وردّ إليه البريد والإنشاء، فكان يخلفه ابن سورين؛ وحمل بين يديه كثير من الخيل والثياب، وحمل على فرس بمركبين.\rواستكتب أمين الدولة ابن عمار أبا عبد الله الموصلى، واستخلفه على أخذ رقاع الناس وتوقيعاتهم.\rوأقرّ عيسى بن نسطورس على ديوان الخاص. وخلع على جماعة بولايات عديدة وقرى سجل، قرأه القاضى بالجامع، يتضمن ولاية ابن عمّار الوساطة، وتلقيبه بأمين الدولة، وأمر الناس كلهم أن يترجلوا لابن عمار، فترجّلوا بأسرهم له.\rوفى ثانى ذى القعدة تجمّع الكتاميون عند المصلّى، فأنفذ إليهم واستحضرهم، وتقرّر أمرهم على النّفقة فيهم، فأنفق عليهم (¬٣). وحمل راجلهم على الخيل؛ وكانوا نحو الألف رجل، وأركبت شيوخ كتامة بأسرهم على الخيول بالمراكب الحسنة.","footnotes":"(¬١) الساحل المصرى تغير بتغير السلطة الحاكمة فى مصر. ففى عهد الفتح العربى إلى زمن الإخشيذ كان بجزيرة الروضة على ساحلها الجنوبى الشرقى، وأصبح فى عهد الإخشيذ فى الجانب الشرقى، شرقى فم الخليج حيث كان مجرى النيل قد تحول قليلا إلى ذلك المكان. ثم أصبح القاهرة الفاطمية ساحل آخر عند المقس فى موقع ميدان محطة مصر الحالية مجاورا لجامع أولاد عنان.\r(¬٢) فى الأصل: فبلغ شيء كثير.\r(¬٣) فى الأصل: فنفق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276667,"book_id":167,"shamela_page_id":375,"part":"2","page_num":7,"sequence_num":375,"body":"وفى ثانى عشره، خلع على أبى تميم سلمان بن جعفر بن فلاح، وقلّد السيف، وحمل على فرس بمركب ذهب؛ وقيد بين يديه أربعة أفراس مسرجة ملجمة؛ وحمل بين يديه ثياب كثيرة من كل نوع؛ وجرّد معه عسكر ليسير إلى الشام.\rوسارت قافلة الحاجّ بكسوة الكعبة والصّلات والنفقة على الرّسم المعتاد فى النصف منه.\rوركب الحاكم يوم الأضحى فصلّى بالناس صلاة العيد بالمصلى (¬١) وخطب، وأصعد معه المنبر القاضى محمد بن النّعمان وبرجوان وابن عمّار وجماعة.","footnotes":"(¬١) سبق أن أشرنا إلى أن مصلى العيد كانت خارج باب النصر من أبواب القاهرة. ويصف صاحب النجوم الزاهرة: ٩٤:٤ موكب العيد، فيقول ما بعضه: « .. يركب الخليفة بالمظلة واليتيمة (الجوهرة التى تتوسط عمامة الخليفة) ولباسه الثياب البياض، والمظلة أبدا زيها تابع لزىّ الخليفة. ويخرج من باب العيد إلى المصلى، وعساكره وأجناده من الفرسان والرجالة زائدة على العادة، فيقفون صفين من باب العيد إلى المصلى. ويكون صاحب بيت المال قد فرش الطراحات فى المحراب، وعلق سترين يمنة ويسرة، على الستر الأيمن الفاتحة وسبح اسم ربك الأعلى، وعلى الأيسر الفاتحة وهل أتاك حديث الغاشية … ويدخل الخليفة من شرقى المصلى إلى مكان يستريح فيه قليلا ثم يخرج (للصلاة والخطبة) محفوظا كما يخرج الجمعة .. ويقف أسفل المنبر ومعه قاضى القضاة وصاحب الباب وصاحب السيف وصاحب الرسالة وإمام الأشراف الأقارب … وغيرهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276668,"book_id":167,"shamela_page_id":376,"part":"2","page_num":8,"sequence_num":376,"body":"سنة سبع وثمانين وثلاثمائة (¬١):\rفى المحرّم ورد سابق الحاج، فأخبر بتمام الحج والدّعاء للحاكم فى الحرمين.\rوفيه نزع سعر القمح وغيره، وعزّ وجوده، واشتدّ الغلاء. ووقع فى البلد خوف شديد من طرف رجل من اللّصوص فى الليل وكبسه دور الناس فتحارسوا فى الليل، وأخذت نساء من الطّرقات، وعظم الأمر فى ذلك.\rوفيه ضربت رقبة عيسى بن نسطورس.\rووصل الحاج فى رابع عشر صفر؛ فخلع على سبكتكين، مقدّم القافلة، وحمل على عدد من الخيل.\rووقف سعر الخبز على أربعة أرطال بدرهم.\rوسار أبو تميم [سلمان بن (¬٢)] جعفر بن فلاح بعد أن خلع عليه وقيد بين يديه عدّة خيول، وحمل معه شيء كثير من الثياب، وأنفق فى أهل عسكره؛ فنزل مسجد تبر (¬٣)، فأقام إلى تاسع عشر ربيع الأول؛ فخرج إليه الحاكم وحلّفه ومن معه، وعاد. فرحل ابن فلاح إلى القصور فأقام بها. وقرئ سجل يوم الجمعة للنصف منه بمدح كتامة ولعن منجوتكين","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الرابع عشر من يناير سنة ٩٩٧.\r(¬٢) ما بين الحاصرتين تصحيح استنادا إلى ما تقدم فى نهاية الحديث عن حوادث سنة ست وثمانين وثلاثمائة، واستعانة بما جاء فى ذيل تاريخ دمشق: ٤٦.\r(¬٣) خارج القاهرة مما يلى الخندق قريبا من المطرية، وكان يسمى مسجد التبن. ويقال إنه بنى على رأس إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن على، ويعرف أيضا بمسجد البئر والجميزة. وتبر هذا أحد الأمراء على زمن كافور الإخشيذى وقد اضطر جوهر الصقلى إلى محاربته حربا طويلة انتهت بفراره إلى مدينة صور بالشام حيث قبض عليه وأدخل القاهرة وضرب بالسياط وحبس حتى مرض ومات فسلخ جلده وصلب. الخطط: ٤١٣:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276669,"book_id":167,"shamela_page_id":377,"part":"2","page_num":9,"sequence_num":377,"body":"على سائر منابر مصر وفى القصر. وخلع على جماعة من الحمدانية (¬١) وجهّزوا إلى ابن فلاح، فساروا معه.\rوفى آخره أخرج ابن عمّار إلى سلمان [بن جعفر [بن فلاح بخزانة مال، على ثمانية وستين بغلا، فى صناديق، فيها أربعمائة ألف دينار وسبعمائة ألف درهم؛ وستة وأربعين حملا من السلاح؛ وعشر جمازات (¬٢) عليها دروع؛ وست قباب (¬٣) بفرشها وأهلّتها ومناطقها وجميع آلاتها، منها قبتان قرقرى مثقل وباقيها ديباج؛ وستّ جمازات تجنب بآلة الدّيباج الملون؛ وثلاثين جمازة بأجلتها (¬٤)؛ وعشرة أفراس وثلاث بغلات بمراكبها، ومنديل حمله خادم فيه ثياب شرف، بها من ثياب العزيز وسيف من سيوفه.\rوفى ثالث ربيع الآخر ركب الحاكم وابن عمّار إلى القصور فودّعا ابن فلاح، وسار فى ثلاثة من كتامة وسبعمائة فارس من الغلمان، وانضم إليه من عرب الرملة (¬٥) ثمانية آلاف.\rوفى النصف منه شق الحاكم المدينة وقد زينت زينة عظيمة، وزيدان يحمل مظلة عن يمينه، وابن عمّار عن يساره، ويرجوان وحده خلفه، فدخل الصناعة.","footnotes":"(¬١) من رجال الأسرة التى حكمت كلا من الموصل وحلب، مجتمعتين أو مستقلتين. وكان لأصحاب حلب صلة بالفاطميين، وقد ولى بعضهم قيادة الجيش أو الوزارة بمصر على فترات متباينة، ولم يكونوا خاضعين للفاطميين فى جميع الظروف. وسيرد بعض التفصيل لذلك. انظر أيضا: معجم الأنساب لزامباور: ٢.\r(¬٢) جمز البعير من باب ضرب، والجماز بالفتح والتشديد البعير الذى يركبه المجمز، والجمازة ناقة المجمز، والناقة تعدو الجمزى بالقصر أى تسرع.\r(¬٣) القبة كانت من مستلزمات الجيوش المقاتلة، تضرب فى ميدان المعركة ويلجأ إليها مجموعة من المقاتلة تستريح ولا تشترك فى القتال حتى تشتد المعركة وعندئذ تبادر إلى الاشتباك فترجح كفة المقاتلين ويشتد أزرهم. وقد استعملها القرامطة على نطاق واسع فى حروبهم. وتطلق القبة أيضا على المظلة.\r(¬٤) الجل للدابة كالثوب للإنسان يلبس ليقى من البرد، والجمع جلال وأجلال، وجمع الجلال أجلة.\r(¬٥) بينها وبين بيت المقدس ثمانية عشر ميلا. معجم البلدان: ٢٨٦:٤ - ٢٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276670,"book_id":167,"shamela_page_id":378,"part":"2","page_num":10,"sequence_num":378,"body":"وأما منجوتكين فإنه لمّا بلغه ما فعله ابن عمار من إكرام كتامة وحطّه من مراتب المصطنعين الذين اصطنعهم العزيز من الأتراك خاف (¬١). فلم يكن غير قليل حتى بلغه خروج سلمان بن جعفر بن فلاح إلى الشام بالكتاميين، فسار إلى الرملة مستعدّ القتال من يجيئه من مصر؛ فالتقيا برفح. وكانت الوقعة بين الطوالع، فانهزم أصحاب منجوتكين؛ وسار ابن فلاح إلى منجوتكين، فلقيه بظاهر عسقلان وقد انضم إليه ابن الجراح فى كثير من العرب؛ فاستأمن إلى ابن فلاح عدة من أصحاب منجوتكين. واقتتلا يوم الجمعة، رابع جمادى الأولى، فقتل كثير من أصحاب منجوتكين وأسر عدّة منهم؛ وانهزم منجوتكين بمن بقى معه، فقطع من عسقلان إلى دمشق فى ثلاثة أيام، وأهلها فى مجاعة من غلاء الأسعار وقلة الطعام وقد راجت الغلال. فاجتمع أهل البلد إلى الجامع وهم كثير، فيهم حمّال السلاح ومن يطلب الفتن. فقال الناس: نرحّل منجوتكين عنّا؛ وقال طلاب الفتن:\rلا، ما نقاتل معه، وساروا إلى داره ومعهم قوم من المرج (¬٢) يقال لهم الهياجنة، أهل شر وفساد، فنهبوها وما حولها من دور أمرائها. وخرج منهزما فى يسير من الجند فراسخ، فنزل على ابن الجرّاح.\rوبلغ ذلك ابن فلاح فأرسل بأخيه علىّ بن جعفر بن فلاح فى ألفى رجل؛ فنزل بظاهر دمشق، لستّ بقين منه، وبعث إلى ابن الجرّاح رسولا بأن ينفذ منجوتكين إلى مولانا","footnotes":"(¬١) يصور سراف ابن عمار فى إكرام قومه من كنامة ما ذكره النويرى فى نهاية الأرب، فى سبب الفتنة التى ثارت فى دمشق بزعامة منجوتكين: «كان سبب ذلك أن ابن عمار أظهر الكتاميين وبالغ فى الإحسان إليهم وخولهم فى الأموال وبسط أيديهم وفرق فيهم ما خلفه العزيز. قال بعض المؤرخين إن العزيز كان عنده عشرون ألف عليقة ما بين فرس وبغل وجمل وحمار، ومن الأموال ما لا يدخل تحت الإحصاء، ففرق ابن عمار ذلك فيمن أراد اصطناعه» .. الخ. ويقول ابن القلانسى: ٤٦: «وندب أبا تميم سلمان بن جعفر بن فلاح وأطلق كل ما التمس من المال والعدد والرجال والسلاح والكراع، وأسرف فى ذلك إلى حد لم يقف عنده».\r(¬٢) المرج الأرض الواسعة فيها نبت كثير تمرج فيها الدواب أى تذهب وتجيء. وبالقرب من دمشق ثلاثة مروج هى مرج عذراء، ومرج الصفر، ومرج راهط وهو الذى يقصد عادة إذا ذكر مفردا غير مضاف. معجم البلدان: ١٥:٨ - ١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276671,"book_id":167,"shamela_page_id":379,"part":"2","page_num":11,"sequence_num":379,"body":"فإنّا لا نريد به سوءا، وهو آمن، وبذل له مالا. فسار منجوتكين ودخل القاهرة فى ثانى عشرى رجب، فأنزله ابن عمّار فى دار، وكان يركب فى خدمته، وإذا لقيه وهو راكب ترجّل له. وكان ابن عمّار ينزله أدون المراتب، وغيّر رسومه كلها.\rوأما علىّ بن [جعفر بن] فلاح فإنّه لمّا قدم من عند أخيه ولّى البلد لرجل من المغاربة لم يكن عنده ما رآه، بل كان فظّا غليظا، فشاقّ العامّة وواجههم، فثاروا عليه بالسلاح، وركب المغاربة، وكانت بينهم حروب. ثم إن شيوخ البلد خرجوا إليه وأصلحوا الأمر.\rوسار علىّ من الرملة فنزل على دمشق فى عسكر عظيم يوم الاثنين لستّ بقين من رجب، وأقام لا يأمر بخير ولا شر.\rوأما ابن عمّار فإنه لما نظر فى الأمر كان ينزل على باب الحجرة التى فيها الحاكم، ويدخل القصر راكبا، فيشق قاعة الدواوين، ويدخل من الباب الذى يجلس فيه خدم الخاصة (¬١)، ثم يعدل منه إلى باب الحجرة، فينزل ويركب منه. وكان النّاس من الشيوخ والرؤساء على سائر طبقاتهم يبكرون إلى داره والباب مغلق فيفتح بعد وقت، فيدخل إليه الوجوه فيجلسون فى قاعة الدّار على حصير وهو فى مجلسه لا يدخل إليه أحد، فإذا مضت لهم ساعة أذن للوجوه فالقاضى، وبعده كتامة والقواد، فيدخل أعيانهم؛ ثم يأذن لسائر الناس فلا يقدر أحد على الوصول إليه، فمنهم من يومى إلى تقبيل الأرض، ومنهم من يقبّل الركاب، ومنهم من يقبل ركبته.\rوتسلّم النّظر والإسطبلات عامرة؛ فأخرج لرجال كتامة وأحداثهم ألفا وخمسمائة فرس،","footnotes":"(¬١) خدم الخاص، أو الخاصكية: فرقة من الخدم أو المماليك تختص بخدمة الخليفة أو السلطان أو الأمير. وتشرف على حوائجه وملابسه، وقد يشرف رئيسها على دخول الأمراء والكتاب للخدمة. ويختارون من بين الخدم الذين دخلوا فى الخدمة صغارا، ويدخلون على مخدومهم فى خلوته، ويركبون لركوبه ليلا ونهارا، ولا يتخلفون فى قرب أو بعد، ويتميزون عن غيرهم من المماليك والخدم بحملهم سيوفهم وبملابسهم المزركشة. صبح الأعشى. انظر كذلك: السلوك: ٦٤٤:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276672,"book_id":167,"shamela_page_id":380,"part":"2","page_num":12,"sequence_num":380,"body":"ولم يبق من شيوخهم إلاّ من قاد إليه الفرسين والثلاثة بمراكبها. وحمل لسلمان [بن جعفر] ابن فلاح ما يتجاوز ألف رأس، وجلّ رحل العزيز وأمتعته. وباع من الخيل والبغال والنّجب والحمر ما يتجاوز الألوف؛ حتى بيعت الناقة بستة دنانير، والحمار الذى قيمته أربعون دينارا بأربعة دنانير. وقطع أكثر الرسوم التى كانت لأولياء الدولة من الأتراك والعبيد، وقطع أكثر ما كان فى المطابخ. وقطع أرزاق جماعة أرباب الراتب، وفرّق كثيرا من الجوارى طلبا للتّوفير.\rواصطنع أحداث (¬١) المغاربة، فكثر عبث أشرارهم وامتدت أيديهم إلى أخذ الحرم فى الطرقات، وعرّوا جماعة من الناس، فكثرت الشكاية منهم ولم يبد كبير نكير؛ فأفرط الأمر حتى تعرضوا إلى الأتراك يريدون أخذ ثيابهم، فثار لذلك شرّ قتل فيه واحد من المغاربة وغلام تركىّ؛ فسار أولياء الكتامى ليأخذوا (¬٢) التركى قاتله ويأتوا به إلى قبر المقتول فيعتقوه هناك؛ فلما أخذوه قتلوه على قبر الكتامى. فاجتمعت أكابر الطائفتين وتحزّبوا، فوقعت الحرب بينهما وقتل جماعة، وانطلقت ألسن كل منهما فى الآخرين بالقبيح. وأقاموا على مصافهم (¬٣) يومين آخرهما تاسع شعبان، فركب ابن عمّار فى عاشره بآلة الحرب وقد حفّت به المغاربة؛ وتبادر إليه الاتراك؛ فاقتتل الفريقان وقتل منهما جماعة وجرح كثير.\rوجئ لابن عمّار بعدّة رءوس طرحت بين يديه، فأنكر ذلك وظهر له الخطأ فى ركوبه، فعاد إلى داره.\rوجاء برجوان ليصلح الأمر، فثار الغلمان وركبوا دار ابن عمّار للفتك به، فأركب","footnotes":"(¬١) الأحداث: رجال الشرطة المكلفون بإخماد الفتن والاضطرابات وعقاب مثيرى الشغب، وهم أيضا رجال الحرس الإقليمى. انظر Dozy;Supp.Dict.Ar وكذلك Reinaud;J.A;١٨٤٨.II .\r(¬٢) فى الأصل: أن يأخذوا.\r(¬٣) المصاف جمع مصف وهو الموقف فى الحرب، وموضع الصف فى القتال. لسان العرب، انظر أيضا:\rDozy:supp.Dict.Ar .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276673,"book_id":167,"shamela_page_id":381,"part":"2","page_num":13,"sequence_num":381,"body":"برجوان إلى القصر وانبسطت أيدى المغاربة وأحداث الغلمان والنهابة، فانتهبوا دار ابن عمار واسطبلاته، ودار رشا غلامه، وأخذوا ما لا يحصى كثرة (¬١).\rوانعزل لثلاث بقين منه، وتحوّل من القاهرة إلى داره بمصر. فكانت أيام نظره أحد عشر شهرا غير خمسة أيام. فأقام بمصر سبعة وعشرين يوما، ثم عاد إلى القاهرة بأمر الحاكم فأقام بها لا يركب ولا يجتمع به سوى خدمه؛ وأطلقت له رسومه وجراياته وجرايات حشمه على رتبه فى أيام نظره.\rوتقدم [الحاكم] إلى برجوان أن ينظر فى التّدبير على ما كان ابن عمار، فنظر فى ذلك لثلاث بقين من رمضان، وسار إلى القصر وجمع الغلمان الأتراك ونهاهم عن التعرض لأحد من الكتاميين والمغاربة. وقبض على عريف الباطلية (¬٢)، فإنهم كانوا قد نهبوا شيئا كثيرا لابن عمّار، وألزمه بإحضار ما نهب أصحابه. وأجرى الرّسوم والرواتب التى قطعها ابن عمّار، وأجرى لابن عمّار ما كان يجرى له فى أيام العزيز، ولآله وحرمه؛ ومبلغ ذلك من اللحم والتوابل والفاكهة خمسمائة دينار فى كل شهر، يزيد على ذلك تارة وينقص أخرى على قدر الأسعار، مع ما كان له من الفاكهة، وهو فى كل يوم سلة بدينار، وعشرة أرطال شمع كل يوم، وحمل ثلج عن يومين؛ فأجرى له ذلك مدة حياته.","footnotes":"(¬١) يذكر ابن القلانسى أن برجوان خشى على نفسه من ابن عمار والكتاميين، فانتهز فرصة غيبة كثير من الكتاميين فى الشام مع سلمان بن جعفر بن فلاح فاتفق مع شكر العضدى على الإيقاع بابن عمار «وقررا أن يركبا ويركب على أثرهما جماعة من الغلمان، فإن أحسوا وأحسسنا ما يريبنا رجعنا وفى ظهورنا من يمنع منا». فلما وصلا دار ابن عمار أحسا بما كان يدبره هو أيضا للإيقاع بهما فرجعا، وجرد غلمانهما السيوف لحمايتهما. ثم دخل برجوان وشكر قصر الحاكم يبكيان، وثارت الفتنة واجتمع الأتراك والديلم والمشارقة وعبيد الشراء بالسلاح … ثم دار قتال عنيف بين الفريقين فى الصحراء فهزم ابن عمار ونهبت داره ودور رجاله. ذيل تاريخ دمشق: ٤٨ - ٤٩. ويشرك النويرى معهما منجوتكين.\r(¬٢) بدأ ظهور الباطلية جماعة متميزة - على ما يبدو - زمن المعز لدين الله، ذلك أنه قسم العطاء فى إحدى المناسبات على الناس، فجاءت إليه طائفة وسألته نصيبها فى العطاء، فقال: فرغ المال. فقالوا: رحنا نحن فى الباطل. فسموا الباطلية. ويهم تعرف الحارة المعروفة فى منطقة الأزهر، وتسمى أيضا الباطنية. النجوم الزاهرة: ٤٦:٤؛ الخطط: ٨:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276674,"book_id":167,"shamela_page_id":382,"part":"2","page_num":14,"sequence_num":382,"body":"وجعل برجوان أبا العلا، فهد بن إبراهيم [النّصرانى]؛ كاتبه، يوقّع عنه، فنظر فى قصص الرافعين وظلاماتهم، وطالعه بما يحتاج إليه، فرتّب الغلمان فى القصر وأكّد عليهم فى ملازمة الخدمة، وتفقّد أحوالهم. وأزاح علل أولياء الدولة، وتفقّد أمور الناس وأزال ضروراتهم، ومنع من التّرجّل له. وكان الناس يلقونه فى داره، فإذا تكاملوا ركب وهم بين يديه إلى القصر. ولقّب كاتبه فهد بن إبراهيم بالرئيس، فكان يخاطب بذلك ويكاتب به، ويركب أكثر الناس إلى داره حتى يخرج برجوان إلى القصر فيجلس فيه فى آخر دهاليزه، ويجلس فهد فى الدّهليز الأول يوقّع وينظر ويطالع برجوان بما يحتاج له، فيخرج الأمر بما يكون. فلم يزل الأمر على ذلك حتى انتهت مدّتهما.\rوكان الحاكم يركب كلّ يوم إلى الميدان (¬١)، فيجلس على سريره بالطّارمة (¬٢) فتعرض عليه الخيل، والقرّاء بين يديه، وربما أنشده الشعراء؛ ثم ينصرف إلى القصر فيجلس برجوان وكاتبه لأخذ رقاع المتظلمين وأرباب الحاجات، فلا يزالان (¬٣) حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يدخلان (¬٤). فإذا فرغ الحاكم من غدائه ورفعت المائدة تقدّم أبو العلا فجلس بين يديه وبرجوان قائم على رأسه، حتى يقرأ جميع تلك الرقاع ويوقع عليها الحاكم فى أعلاها بما يراه، ثم يخرج بها فتفرّق كلها ويمضى بها إلى الديوان، فتنفّذ من غير مراجعة.\rوكان الحاكم إذا جلس فى الطّارمة وأنشده الشعراء تناول برجوان قصائدهم فجعلها فى كمه؛","footnotes":"(¬١) كان فى مصر والقاهرة عدة ميادين منها ميادين ابن طولون، الإخشيذ، قراقوش، بركة الفيل، القصر، وغيرها ولعل المقصود هنا ميدان القصر ويقول عنه المقريزى إنه عمل عند بناء القاهرة بجوار البستان الكافورى وموضعه الآن حى الخرنشف، ولم يزل ميدانا للخلفاء الفاطميين إلى أن زالت دولتهم فتعطل. الخطط: ١٩٧:٢.\r(¬٢) الطارمة: بيت من خشب، فارسى معرب. مختار الصحاح. وكان بالقاهرة حى يعرف باسم خط اصطبل الطارمة يحدد المقريزى موقعه بأنه بين رحبة قصر الشوك ورحبة الجامع الأزهر، ويقول: وكانت فيه طارمة يجلس الخليفة تحتها. الخطط: ٣٥:٢.\r(¬٣) فى الأصل: فلا يزالا.\r(¬٤) فى الأصل: ثم يدخلا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276675,"book_id":167,"shamela_page_id":383,"part":"2","page_num":15,"sequence_num":383,"body":"فإذا عرض رقاع الناس وفرغ من التّوقيع قرأ القصائد وقد حضر من له تمييز ومعرفة بالشعر.\rوكان الحاكم له من الحذق بذلك ما ليس لغيره، فإذا أنشده الشاعر أو أنشد له أبو الحسن لا ينشد ويمرّ بالبيت النادر أو المعنى الحسن إلاّ نبّه برجوان عليه واستعاده مرارا، ثم يوقع لكل واحد منهم بقدر استحقاقه ومبلغه من صناعته، فتخرج صلاتهم بحسب ذلك.\rوفى يوم الثلاثاء تاسع شعبان أهدت ست الملوك (¬١) إلى أخيها الحاكم بأمر الله ثلاثين فرسا مسرجة، أحدها مرصع وآخر بلور، وبقيتها ذهب؛ وعشرين بغلة مسرجة ملجمة؛ وخمسين خادما منها عشرة صقالبة، ومائة تخت (¬٢) ثياب، وتاجا مرصعا، وشاشية (¬٣) مرصعة وأسفاطا كثيرة من طيب، وبستانا من الفضة مزروعا من أنواع الشجر.\rوفى رمضان سومح أهل القلزم بما عليهم من مكوس المراكب.\rوصلى الحاكم بالناس صلاة عيد الفطر بالمصلى وخطب، وأصعد معه المنبر الحسين بن جوهر والقاضى والأستاذ برجوان وجماعة.\rوسارت قافلة الحاج من بركة الجب (¬٤) بالكسوة للكعبة، والزّيت والدقيق والقمح والشمع والطّيب لمكة والمدينة، فى تاسع ذى القعدة. وفيه خرج جيش بن الصمصامة إلى الشام مكان سلمان بن جعفر بن فلاح، فرحل ابن فلاح عن دمشق فى يوم الثلاثاء سابع عشر ذى الحجة بعسكره وسار إلى الرّملة.","footnotes":"(¬١) ورد هذا اللقب فى الأصل بعدة صور: ست الملك، سيدة الملك، ست الملوك.\r(¬٢) التخت: وعاء تصان فيه الثياب. القاموس المحيط.\r(¬٣) الشاشية ما يلبس على الرأس دون عمامة، أو ما يدار حوله العمامة، من قماش الشاش المعروف.\r(¬٤) لعل المقصود به جب عميرة الذى ورد ذكره فى الخطط، وهو المكان الذى كان الحجاج يخرجون إليه ويجتمعون فيه فى المرحلة الأولى استعدادا للسفر للحج، وهو فى الشمال الشرقى من القاهرة. وجب عميرة نسبة إلى عميرة بن تميم التجيبى: الخطط: ٤٨٩:١، ١٦٣:٢ - ١٦٤؛ النجوم الزاهرة: ١١:٥؛ معجم البلدان: ٤٦:٣ - ٤٧؛ قوانين الدواوين: ١١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276676,"book_id":167,"shamela_page_id":384,"part":"2","page_num":16,"sequence_num":384,"body":"وفيها صلّى الحاكم بالمصلّى صلاة العيد يوم النّحر بالناس وخطب على رسمه.\rوورد الخبر من مدينة قوص بأنّ شدّة نزلت بهم من برق ورعد ومطر وحجارة نزلت من السماء، منها ما لم يسمع بمثله، وأنهم زلزلوا زلزلة شديدة قصفت النخل والجميز، واقتلعت خمسمائة نخلة من أصولها. وانبثق بقوص وأعمالها زرقة خضراء على ظهر الأرض، وغرقت عدة مراكب مشحونة بغلال تساوى أموالا كثيرة.\rوفيها كتب الحاكم بأمر الله مع الشريف الداعى علىّ بن عبد الله سجلّين لأبى مناد باديس ابن يوسف بن زيرى (¬١)، أحدهما بولايته المغرب وتلقيبه نصير دولة الحاكم، والثانى بوفاة العزيز بالله وخلافة الحاكم وأخذه العهد على بنى مناد. فأنزل وأكرم وأخذ العهد على جميع قبائل صنهاجة وعمومهم بالبيعة للحاكم فى جمادى الآخرة، ثم عاد، فقدم إلى القاهرة يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة بعد أن وصله نصير الدولة بمال جليل وثياب وخيول.","footnotes":"(¬١) ولد فى ربيع الأول سنة ٣٧٤، وبهذا نجده حين ولاه الحاكم بأمر الله ولاية المغرب شابا حدثا فى الرابعة عشرة من عمره، ولعل سر ذلك أنه من أسرة بدأت مجدها فى طاعة الفاطميين، وتولى رجالها الحكم فى صنهاجة والمغرب الأوسط، وكانت عاصمتهم القيروان، انظر معجم الأنساب لزامباور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276677,"book_id":167,"shamela_page_id":385,"part":"2","page_num":17,"sequence_num":385,"body":"ودخلت سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (¬١).\rفى المحرم كان غطان النصارى (¬٢)؛ فضربت الخيام والمضارب والأشرعة فى عدة مواضع من شاطئ النيل؛ ونصبت أسرّة للرئيس فهد بن ابراهيم وأوقدت له الشموع والمشاعل؛ وحضر المغنون والملهون (¬٣)، وجلس مع أهله يشرب إلى أن جاء وقت الغطاس فغطس وانصرف.\rوورد سابق الحاج لثمان خلون منه.\rوخلع على أبى الحارث فحل بن إسماعيل بن تميم بن فحل الكتامى، وقيد بين يديه، وحمل إليه، وقلّد صور (¬٤)\rوخلع على أبى سعيد، وقلّد الحسبة. وخلع على أبى الحسن يانس الخادم الصقلبى، وقلّد بسيف ودفع إليه رمح وحمل على فرس بمركب ذهب ثقيل، وحمل إليه خمسة آلاف دينار وعدّة من الخيل والثياب ومائة غلام، وسار لولاية برقة.\rوخلع على خود الصقلبى وقلّد بسيف، وحمل، وقيد بين يديه فرس، وحمل إليه ثياب، وقلّد الشرطة السفلى. وخلع على قيد الخادم الأسود بشرطة القاهرة (¬٥).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث من يناير سنة ٩٩٨.\r(¬٢) وهو من أعياد النصارى، ويقع فى الحادى عشر من شهر طوبة. ويحتفل به المسلمون والنصارى على السواء، وكان للاحتفال به أيام الفاطميين أهمية خاصة إذ كان يحضره الخليفة بنفسه ومعه رجال الدولة، وتوقد فيه المشاعل والشموع، وتتكاثر فيه أنواع المأكولات والمشروبات. وكان من رسوم الدولة أنه يفرق على سائر أهل الدولة الترنج والنارنج والليمون وأطنان القصب والسمك برسوم مقررة لكل واحد من أرباب السيوف والأقلام: الخطط: ٤٩٤:٢ - ٤٩٥.\r(¬٣) فى الأصل الملهيون، وهى كذلك فى الخطط لنفس المؤلف.\r(¬٤) من ثغور الشام الساحلية، يصف ياقوت مناعتها فيقول إنها داخلة فى البحر مثل الكف على الساعد، تحيط بها مياه البحر من جميع جوانبها إلا الجانب الرابع الذى منه شروع بابها، بينها وبين عكا ستة فراسخ. معجم البلدان: ٣٩٧:٥ - ٣٩٨.\r(¬٥) كانت شرطة مصر منذ زمن الخلفاء الراشدين بالفسطاط، فلما تأسست مدينة العسكر، أيام العباسيين الأوائل، أنشئت بها دار أخرى للشرطة عرفت بالشرطة العليا، ولم تلبث هذه أن انتقلت إلى داخل القاهرة بعد استقرار الفاطميين، وامتد نشاط شرطة الفسطاط، الشرطة السفلى، ليشمل العسكر والقطائع أيضا. صبح الأعشى: ٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276678,"book_id":167,"shamela_page_id":386,"part":"2","page_num":18,"sequence_num":386,"body":"ووصلت قافلة الحاج سابع عشر صفر. وسار ميسور الخادم الصقلبى والياعلى طرابلس وخلع على فائق الخادم الصقلبى وجعل على الأسطول.\rوفى سادس عشر ربيع الأول كان نوروز الفرس (¬١)، فأهدى الأتراك وقوادهم وجماعة الأولياء إلى الحاكم الخيل والسلاح الكثير، فقبل يسيرا منه وشكر ذلك لهم، وردّ الباقى إليهم.\rوفى أول ربيع الآخر قدم سلمان بن فلاح وأخوه من الرّملة.\rوفى سادس عشر كان فصح النصارى، فخلع على فهد بن إبراهيم خلعة حملت إلى داره ومعها بغلتان (¬٢) بمركبيهما وألف دينار. وخلع على أبى سعادة أيمن الخادم، أخى برجوان، وقلّد غزّة وعسقلان فى سادس جمادى الأولى.\rوورد الخبر بفتح صور. وذلك أن أهل صور ثاروا على من عندهم من المغاربة وقتلوا منهم جماعة، وقتلوا من بقى؛ وغلب على البلد رجل من البجوية يقال له العلاقة وأرسل إلى الروم (¬٣)، فسيّروا إليه بمراكب فيها رجال، فخرج إليهم عسكره، وسارت إليها المراكب من مصر فقاتلوا من بها من الروم فانهزموا عنها فى مراكبهم، وبدت أهل البلد فألحّ القتال عليهم حتى ملكت منهم. وامتنع العلاقة ومعه طائفه فى بعض الأبرجة؛ ثم طلبوا الأمان.\rفانتهبت المدينة وأخذ منها ما لا يعر قدره كثرة فى الرابع عشر من جمادى الآخرة. وحمل","footnotes":"(¬١) النوروز من المواسم الفارسية القديمة التى كان يحتفل بها عند ابتداء فصل الربيع. وقد أبطل المسلمون الاحتفال به فى أيامهم الأولى حتى جاء العباسيون وأعادوه إلى ما كان عليه. وفى مصر كان الاحتفال بالنوروز القبطى من أجمل أعياد الفاطميين يلعبون فيه الألعاب النارية ويطوفون بالأسواق ويوقدون النيران، وكانت تطلق فيه الأعطيات والهبات على نطاق واسع من الدنانير والدراهم والكسى والعصائب وأنواع الثياب، وكذلك من الرمان والبطيخ والبسر والتمر والسفرجل والعناب والهريسة المعمولة من لحم الدجاج ولحم الضأن ولحم البقر وغيرها. الخطط: ٤٩٣:١ - ٤٩٤؛ الفاطميون فى مصر: ٢٨٥.\r(¬٢) فى الأصل: ومعها بغلتين.\r(¬٣) على زمن الإمبراطور باسيل الثانى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276679,"book_id":167,"shamela_page_id":387,"part":"2","page_num":19,"sequence_num":387,"body":"العلاقة مقيّدا، وسيق فى جماعة معهم إلى القاهرة فشهّروا، وقد ألبس العلاقة طرطورا من رصاص له عظم وثقل على رأسه، وكاد أن يغوص على رقبته؛ ثم قتل وصلب وقتلت أصحابه (¬١).\rوفى شعبان ورد الخبر من جيش بمواقعة الروم على فامية (¬٢) وأنطاكية. وذلك أن جيشا نزل على دمشق، ونزل بشارة إلى طبرية أيضا، لأربع خلون من رجب؛ وكتب إلى بشارة بولاية دمشق فأقرّ عليها واليا من قبله؛ وسار بعساكره، هو وجيش، فى رابع عشره إلى فامية وبها الروم. فاشتدّ القتال بينهم وبين الروم، فواقعوهم، فانهزم المسلمون ومل كالروم سوادهم.\rثم غابوا وعادوا إلى محاربة الروم، فواقعوهم، فانهزم الروم وقتل منهم نحو خمسة آلاف وقتل مقدّمهم؛ وذلك لتسع بقين من رجب. ورجع المنهزمون إلى جيش ابن الصمصامة وقد خافوه، فسار بهم إلى نحو مرعش (¬٣)، فأحرقوا، وهدموا ولم يلقهم أحد ونزل على أنطاكية فقاتل أهلها أياما؛ ثم رحل عنها إلى شيزر (¬٤).\rوسار بشارة إلى دمشق، فنزلها للنّصف من شوّال على أنه قد ولى البلد؛ فأقبل إليه جيش فنزل ظاهر المزة (¬٥)، لسبع بقين من ذى القعدة، وقد هجم الشتاء؛ فوافى (¬٦) الكتاب","footnotes":"(¬١) وكان على رأس الجيش الذى سار من مصر لحرب العلاقة أبو عبد الله الحسن بن ناصر الدولة وياقوت الخادم، وفى الجيش جماعة من عبيد الشراء. وفى القاهرة سلخ جلد العلاقة وهو حى، وحشى جلده تبنا وصلب. وكان العلاقة قد سك نقودا فى صور وكتب عليها: «عز بعد فاقة، وشطارة بلباقة، للأمير العلاقة». نهاية الأرب للنويرى.\r(¬٢) وبالهمزة أيضا، مدينة وكورة من سواحل الشام، كانت تعد من أعمال حمص. معجم البلدان: ٢٩٨:١، ٣٣٤:٦ - ٣٣٥.\r(¬٣) من مدن الثغور التى كانت تحجز بين البلاد الإسلامية وبلاد الروم فى منطقة الشام. بها حصن بناه مروان بن محمد ثم أكمل الرشيد بناء المدينة. وهى مدينة حصينة لها سوران وخندق. معجم البلدان: ٢٥:٨ - ٢٦.\r(¬٤) قرب معرة النعمان، بينها وبين حماة، وكانت تعد من أعمال حمص؛ ويمر نهر الأردن بوسطها. معجم البلدان: ٣٢٤:٥ - ٣٢٥؛ وانظر أيضا: الاعتبار لأسامة ابن منقذ؛ تهذيب تاريخ ابن عساكر؛ مقدمة كتاب لباب الآداب.\r(¬٥) قرية كبيرة وسط بساتين دمشق، بينها وبين المدينة نحو نصف فرسخ. معجم البلدان: ٤٧:٨. وهى بكسر الميم ثم التشديد.\r(¬٦) رسمت فى الأصل: فوافا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276680,"book_id":167,"shamela_page_id":388,"part":"2","page_num":20,"sequence_num":388,"body":"من مصر بعزل بشارة عن دمشق وولايته طبرية، واستقرار جيش على ولاية دمشق، فدخلها واستقر بها.\rوفى شهر رمضان صلى الحاكم بجامع القاهرة بالنّاس بعد ما خطب وعليه رداء، وهو متقلّد سيفا وبيده قضيب، وزرّر عليه جلال القبة لما خطب، وقال خطبة مختصرة سمعها من قرب منه. وهى أوّل جمعة صلاّها؛ ثم صلى جمعة أخرى (¬١)؛ وصلى (¬٢) صلاة عيد الفطر فى المصلّى، وخطب على الرسم المعتاد، وحضر السماط.\rوأحضرت امرأة من الشام فى علبة طولها ذراع واحد من غير زيادة، وافت من خراسان، ومعها أخ لها فى قدّ الرجال، فأنزلت بالقصر وأقيم لها ولمن معها الأنزال، وكانوا عدة، وقطع لها فى وقت واحد مائة ثوب مثقل وحرير. وكانت مليحة الكلام نظيفة، ولبثت بضعة وثلاثين يوما وماتت، فكانت لها جنازة عظيمة.\rوسارت قافلة الحاج فى ثالث عشر ذى القعدة بالكسوة والصّلات على العادة. وصلّى الحاكم يوم عيد النحر بالمصلّى وخطب.\rووصل خود من قبل جيش بن الصمصامة فى عشرى ذى القعدة ومعه عدة أسارى ورءوس كثيرة، فطيف بهم في البلد، ثم عفى عن الأسرى وأطلقوا.","footnotes":"(¬١) جاء فى النجوم الزاهرة، نقلا عن ابن عبد الظاهر، بشأن خطبة الجمعة أنه كان من عادة الخليفة أن «يخطب فى شهر رمضان ثلاث خطب، ويستريح فيه جمعة، وكانوا يسمونها جمعة الراحة». ولصلاة الجمعة وخطبتها مراسم خاصة تجد تفصيلها فى النجوم الزاهرة: ١٠٢:٤ - ١٠٤. وعن صلاة الجمعة انظر أيضا: الخطط: ٢٨٠:٢ - ٢٨٢.\r(¬٢) فى الأصل: وصلا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276681,"book_id":167,"shamela_page_id":389,"part":"2","page_num":21,"sequence_num":389,"body":"سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (¬١)\rفى حادى عشر المحرّم ورد سابق الحاج فأخبر أن عدن احترقت كلّها وتلف فيها من المال ما لا يعرف له قيمة لكثرته.\rوفى ليلة الرابع [من صفر (¬٢)] مات قاضى القضاة محمد بن النعمان فركب الحاكم وصلى عليه. وله من العمر تسع وأربعون سنة إلا يوما؛ ومولده لثلاث خلون من صفر سنة أربعين وثلاثمائة؛ وكانت مدّة ولايته القضاء بمصر وأعمالها أربع عشرة سنة وستة أشهر وعشرة أيام.\rودفن بداره ثم نقل إلى القرافة؛ وقيدت دوابه إلى الاصطبل. وترك عليه دينا للأيتام وغيرهم عشرين ألف دينار، وقيل ستّة وثلاثين ألف دينار؛ فبعث برجوان كاتبه أبا العلاء [فهد بن ابراهيم] فختم على جميع ما ترك القاضى، ولم يمكّن ورثته من شيء، وباع ذلك كله. وطالب الأمناء والعدول بأموال اليتامى المتبقّية عليهم فى ديوان القضاء، فزعموا أن القاضى قبضها، وأقام بعضهم بيّنة على ذلك وعجز بعضهم، فأغرم من لم يقم بينة ما ثبت عليه. فاجتمع من البيع والأمناء ثمانية عشر ألف دينار، أخذها الغرماء بحق النصف مما لهم. وأمر الحاكم ألاّ يودع عند عدل ولا أمين شيء من أموال اليتامى، وأن يكتروا مخزنا فى زقاق القناديل (¬٣) وتودع فيه أموال اليتامى، فإذا أرادوا دفع أموال اليتامى حضر أربعة من ثقات القاضى، وجاء كل أمين فأطلق لمن يلى عليه رزقه بعد مشورة القاضى فى ذلك، فكتب على الأمين وثيقة بما يقبضه من المال لمن يلى عليه.\rورجم فى ولايته رجلا زنى فى ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة. وكان أكثر أيامه","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث والعشرين من ديسمبر سنة ٩٩٨.\r(¬٢) ما بين الحاصرتين غير موجود بالأصل، وقد زيد استعانة بما سيجئ بعد كلمات.\r(¬٣) كان زقاق القناديل من الدروب الشهيرة التى سكنها الأعيان بمدينة الفسطاط زمن انتعاشها، وقد زال بزوالها. ومكانه اليوم أرض فضاء مجاورة لجامع عمرو بن العاص من جهة الشرق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276682,"book_id":167,"shamela_page_id":390,"part":"2","page_num":22,"sequence_num":390,"body":"عليلا بالنقرس والقولنج (¬١)؛ وكان برجوان، على كلالته يعوده إذا مرض فمن دونه.\rوكان يكاتب بقاضى القضاة. وعلت منزلته حتّى جاز حد القضاة، وكانت النعمة تليق به؛ وعمّ إحسانه سائر أصحابه وأتباعه. وكان حسن الخلق، ندىّ الوجه، فاخر الزّى يلبس الدرّاعة والعمامة بغير طيلسان (¬٢)، كثير الاستعمال للطّيب والبخور فى مجلسه؛ وإن أعطى أعطى كثيرا وافرا.\rولما مرض رأى كأن الحق تعالى نزل من السماء، فلما بلغ باب داره مات؛ فقال له ابن قديد عابر الرؤيا موت الحق إبطاله، والله هو الحق، ولا يزال الحق حيّا حتى يصير إلى بابك فيموت، فمات هو بعد ذلك بقليل.\rومن شعره:\rأيا مشبه البدر بدر السماء … لسبع وخمس مضت واثنتين\rويا كامل الحسن فى نعته … شغلت فؤادى وأنهرت عينى\rفهل لى من مطمع أرتجيه … وإلا انصرفت بخفّى حنين\rويشمت بى شامت فى هواك … (¬٣) صفر اليديين\rفإمّا مننت وإمّا قتلت … فأنت القدير على الحالتين\rومنه:\rتأمل لذى الدنيا، تجدها مشوبة … سرورا بحزن فى تقلّب أحوال\rوقد قسمت أشياؤها بين أهلها … فمال بلا أمن، وأمن بلا مال","footnotes":"(¬١) مرض يصيب المعى، وقد يؤدى إلى انسدادها فترة، ويعسر مع هذا المرض خروج الثقل والريح. القاموس المحيط.\r(¬٢) الطيلسان، مثلثة اللام، والطيلس والطالسان: لباس يختص به العلماء - عادة - وهو خال من التفصيل والخياطة. لسان العرب.\r(¬٣) بياض فى الأصل لم أهتد إلى ما يكمله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276683,"book_id":167,"shamela_page_id":391,"part":"2","page_num":23,"sequence_num":391,"body":"وأقامت البلد بعد موته تسع عشرة ليلة بغير قاض.\rوفى ثالث عشر منه استدعى برجوان أبا عبد الله الحسين بن على، ابن النعمان، إلى حضرة الحاكم بأمر الله، وأضعف له أرزاق عمّه وصلاته وإقطاعاته، وقال له: قد أرحت عليك، فلا توجد لى سبيلا إليك بتعرّضك لدرهم من أموال المسلمين فقد أغنيتك عنها. ثم خلع عليه ثيابا بيضا ورداء محشّى مذهبا وعمامة مذهبة، وقلّده صيفا وحمله على بغلة، وقاد بين يديه بغلتين بسروجهما ولجمهما، وحمل معه ثيابا كثيرة صحاحا؛ وردّ إليه القضاء بمصر وأعمالها؛ ولم يظنّ ذلك أحد لضعف حاله - وكان الناس يتخيلون ولاية عبد العزيز بن محمد بن النعمان بعد أبيه لأنه كان يخلف أباه - فنزل إلى الجامع العتيق، وقرئ سجلّه على منبره. فنظر بين الناس، وأوقف شهادة جماعة من الشهود، وندب أربعة لكشف أحوال الشهود؛ وألزم ولاة أمور الأيتام برفع حسابهم. وطالب عبد العزيز بن النعمان بما على أبيه من أموال الأيتام. وجعل موضعا بزقاق القناديل يكون مودعا لأموال الأيتام؛ وجعل خمسة من الشهود يضبطون ما يرد إليه وما يخرج منه بحجج يكتب فيها خطوطهم؛ فاستحسن ذلك من فعله. وهو أول من اتخذ مودعا للأيتام من القضاة.\rواستخلف بمصر أبا عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر، وبالقاهرة أبا الحسن مالك ابن سعيد الفارقى؛ وعلى العرض والنظر بين المتحاكمين، إذا غاب، الحسن بن طاهر وأبا العبّاس أحمد بن محمد بن عبيد الله بن العوام. واستكتب أبا طاهر زيد بن أحمد بن السندى وأبا القاسم علىّ بن عبد الرزاق؛ وجعل إلى أخيه أبى النعمان المنذر بن على النظر فى العيار (¬١) ودار الضرب (¬٢). واستخلف على الإسكندرية وأعمالها.","footnotes":"(¬١) هى المؤسسة المختصة بمعايرة الموازين والمكاييل وضبطها، ومن حضر من الرعية إلى المستخدمين بها ورغب فى ابتياع شيء منها باعوه. وإذا وجدوا سنجة زائدة أو ناقصة استهلكوها. قوانين الدواوين: ٣٣٣ - ٣٣٤؛ الخطط: ٤٦٣:١.\r(¬٢) فيها يسبك ما يحمل إليها من الذهب المختلف حتى يصير ماء واحدا جاريا، يقلب قضبانا تقطع من أطرافها بمباشرة النائب فى الحكم (المدير المسئول) وتصير سبيكة واحدة، ثم يؤخذ من جملتها أربعة مثاقيل، ويضاف إليها من الذهب الحار -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276684,"book_id":167,"shamela_page_id":392,"part":"2","page_num":24,"sequence_num":392,"body":"وقوى أمره، وتشدّد فى الأحكام، وقبل شهادة من أوقف شهادته وعزل آخرين؛ واتخذ حاجبا. وتولّى أمر الدعوة وقراءة ما يقرأ فى القصر من مجالس الدعوة وكتبها؛ وعلت منزلته.\rوفى خامس عشرى صفر وصل حاج البيت. وصلّى الحاكم فى رمضان بالناس جمعتين؛ وخطب وصلى صلاة عيد الفطر، وخطب، وأصعد القاضى معه فى جماعة، وجلس على السماط.\rوسارت قافلة الحاج أول ذى القعدة بالكسوة والصّلات على العادة. وصلى الحاكم صلاة عيد النحر وخطب على الرسم؛ وأجرى الناس فى أضاحيهم على عوائدهم. وعمل عيد الغدير على العادة؛ وطاف الناس بالقصر على رسمهم.","footnotes":"= - المسبوك بدار الضرب أربعة مثاقيل، ويعمل كل منها أربع ورقات. وتجمع الورقات الثمانى فى قدح فخار، بعد تحرير وزنها، ويوقد عليها الأتون ليلة، ثم يعبر الفرع على الأصل ثم يضرب دنانير. ويعمل بالفضة ما يسبه ذلك. قوانين الدواوين: ٣٣١ - ٣٣٣؛ الخطط: ٤٤٥:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276685,"book_id":167,"shamela_page_id":393,"part":"2","page_num":25,"sequence_num":393,"body":"سنة تسعين وثلاثمائة (¬١)\rفى أول يوم من المحرّم ظهر الحاكم ودخل الناس فهنئوه بالعام.\rكان سعر الخبز ستّة عشر رطلا بدرهم. وسقط إصطبل فهد بن إبراهيم فمات له نحو ستين بغلة.\rوفى حادى عشر صفر وصلت قافلة الحاج من غير أن يدخلوا إلى المدينة النبوية.\rوفى سادس عشر من ربيع الآخر (¬٢) أنهد الحاكم إلى برجوان عشيّة يستدعيه للركوب معه إلى المقس (¬٣)، فجاء بعد بطاء وقد ضاق الوقت إلى القصر، ودخل بالموكب ورؤساء الدولة والكتاب إلى الباب الذى يخرج منه الحاكم إلى المقس؛ فلم يكن بأسرع من خروج عقيق الخادم وهو يصيح: قتل مولاى؛ وكان عقيق عينا لبرجوان فى القصر وقد جعله على خزاناته الخاصّة. فاضطرب الناس وبادروا إلى باب القصر الكبير فوقفوا عنده؛ وأشرف عليهم الحاكم. وقام زيدان، صاحب المظلة، فصاح بهم: من كان فى الطاعة فلينصرف إلى منزله ويبكر إلى القصر المعمور؛ فانصرف الجميع. وكان قتل برجوان فى بستان يعرف بدويرة التين والعناب كان الحاكم فيه مع زيدان فجاء برجوان ووقف مع زيدان. فسار الحاكم حتى خرج من باب الدويرة، فعاجل زيدان وضرب برجوان بسكين كانت فى خفّه،","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث عشر من ديسمبر سنة ٩٩٩.\r(¬٢) فى نهاية الأرب للنويرى يحدد التاريخ بأنه الثالث عشر من ربيع الآخر.\r(¬٣) ميناء القاهرة فى زمن الفاطميين ومكانها قرب موقع حديقة الأزبكية. وقد انحسر النيل عنها فى أواخر زمن الدولة الفاطمية فأصبحت بولاق ميناءها زمن الأيوبيين. الخطط: ٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276686,"book_id":167,"shamela_page_id":394,"part":"2","page_num":26,"sequence_num":394,"body":"وابتدره قوم، وقد اعدوا له السكاكين والخناجر، فقتل مكانه، وحزّت رأسه وطرح عليه حائط (¬١).\rوسبب ذلك أن برجوان لما بلغ النهاية قصر فى الخدمة، واستقلّ بلذّاته وأقبل على سماع الغناء؛ وكان كثير الطرب شديد الشغف به، فكان يجمع المغنّين من الرجال والنّساء بداره فيكون معهم كأحدهم، ولا يخرج من داره حتى يمضى صدر من النهار ويتكامل الناس على بابه، فيركب إلى القصر، ولا يمضى إلا ما يختار من غير مشاورة؛ فلما استبد بالأمر تجرّد الحاكم للنظر.\rوكان برجوان من استبداده يكثر من الدّالّة على الحاكم، فحقد عليه أمورا، منها أنه قال بعد قتله إنه كان سيّئ الأدب جدا، والله إنّي لأذكر وقد استدعيته يوما ونحن ركبان فصار إلىّ ورجله على عنق دابّته وبطن خفّه قبالة وجهى، فشاغلته بالحديث ولم أره فكرة فى ذلك. وغير ذلك مما يطول شرحه.\rوأنهد الحاكم بعد قتل برجوان فأحضر كاتبه فهد بن ابراهيم فى الليل وأمّنه، وقال:\rأنت كاتبى وصاحبك عبدى، وهو كان الواسطة بينى وبينك؛ وجرت منه أشياء أنكرتها عليه فجازيته عليها بما استوجبه؛ فكن أنت على رسمك فى كتابتك آمنا على نفسك ومالك.\rفكانت مدة نظر برجوان سنتين وثمانية أشهر غير يوم واحد. وبرجوان بفتح الباء الموحّدة وسكون الراء وفتح الجيم والواو وبعد الألف نون.","footnotes":"(¬١) يذكر النويرى صاحب نهاية الأرب أن زيدان الصقلى، خادم الحاكم بأمر الله، دس له عند الحاكم وكان من جملة ما قاله له: «إن هذا يقصد أن يفعل بك كما فعل كافور الاخشيذى فى أولاد سيده». ويضيف النويرى أنه كان فى جملة ما وجد لبرجوان بعد مصرعه ألف سروال دبيقى بألف تكة حرير، وعلق على ذلك بقوله: «وناهيك بموجود يكون هذا من جملته. والبستان المذكور الذى قتل فيه برجوان هو بستان اللؤلؤة وبه قصر اللؤلؤة من مبانى الفاطميين ويطل على الخليج ويشرف من شرقيه على البستان الكافورى ومن غربه على الخليج. الخطط: ٤٦٧:١، ٤٨٧، ٤٢٧:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276687,"book_id":167,"shamela_page_id":395,"part":"2","page_num":27,"sequence_num":395,"body":"وبكر الناس إلى القصر فوقفوا بالباب، ونزل القائد أبو عبد الله الحسين بن جوهر القائد وحده إلى القصر وأذن للناس، فدخلوا إلى الحضرة، وخرج الحاكم على فرس أشقر، فوقف فى صحن القصر قائما، وزيدان عن يمينه وأبو القاسم الفارقى عن يساره، والناس قيام بين يديه؛ فقال لهم بنفسه من غير واسطة: إن برجوان عبدى، استخدمته فنصح فأحسنت إليه؛ ثم أساء فى أشياء عملها فقتلته؛ والآن فأنتم شيوخ دولتى - وأشار إلى كتامة - وأنتم عندى الآن أفضل مما كنتم فيه مما تقدم. والتفت إلى الأتراك وقال لهم: أنتم تربية العزيز بالله و [فى] مقام الأولاد، وما لكل أحد عندى إلاّ ما يؤثره ويحبّه، فكونوا على رسومكم، وامضوا إلى منازلكم، وخذوا على أيدى سفهائكم. فدعوا جميعا وقبّلوا الأرض، وانصرفوا.\rوأمر بكتابة سجلّ أنشأه أبو منصور بن سورين كاتب الإنشاء، قرئ بسائر الجوامع فى مصر والقاهرة والجيزة والجزيرة (¬١)، نصّه بعد البسملة:\r«من عبد الله ووليّه، المنصور أبى على، الإمام الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين، إلى سائر من شهد الصلاة الجامعة فى مساجد القاهرة المعزّيّة ومصر والجزيرة: سلام عليكم معاشر المسلمين المصلّين فى يومنا هذا فى الجوامع، وسائر الناس كافة أجمعين، فإن أمير المؤمنين بحمد إليكم الله الذى لا إله إلاّ هو، ويسأله أن يصلّى على جدّه محمد خاتم النبيين وسيّد المرسلين وعلى أهل بيته الطاهرين. أما بعد؛ فالحمد لله الذى قال، وقوله الحق المبين:\r﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا، فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ * * لا يُسْئَلُ عَمّا﴾","footnotes":"(¬١) المراد بها جزيرة الروضة. وقد عرفت فى أوائل العصر الإسلامى باسم الجزيرة لوقوعها فى مجرى النيل، وبجزيرة مصر وجزيرة الفسطاط لوقوعها مقابل مدينة الفسطاط التى تطورت ونمت حتى عرفت باسم مدينة مصر. وعرفت كذلك باسم جزيرة المقياس حيث يوجد بها مقياس النيل الذى أنشأه أسامة بن يزيد التنوخى عامل الخراج زمن سليمان بن عبد الملك. وأصبحت تعرف أيضا بجزيرة الحصن منذ بنى ابن طولون حصنه بها سنة ٢٦٣. ثم عرفت باسم جزيرة الروضة بعد أن أنشأ بها الأفضل بن بدر الجمالى بستانا سماه الروضة، سنة ٤٩٠. النجوم الزاهرة: ١٧٢:٤ حاشية: ٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276688,"book_id":167,"shamela_page_id":396,"part":"2","page_num":28,"sequence_num":396,"body":"﴿يَفْعَلُ، وَ هُمْ يُسْئَلُونَ﴾ (¬١) يحمده أمير المؤمنين على ما أعطاه من خلافته، وجعل إليه فيها دون بريته من الضّبط والقبض، والإبرام والنقض. معاشر الناس، إن برجوان كان فيما مضى عبدا ناصحا، أرضى أمير المؤمنين حينا، فاستخدمه كما يشاء فيما يشاء، وفعل به ما شاء كما سبق فى العلوم وجاز عليه فى المختوم. قال الله ﷿: «وَ لَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ» * (¬٢) ولقد كان أمير المؤمنين ملّكه، فلما أساء ألبسه النقم، لقول الله تعالى: «فَلَمّا آسَفُونا﴾ ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ» * (¬٣). وقوله ﷿: «إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى»، * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ (¬٤) * فحظره أمير المؤمنين عما صبا إليه، ونزعه ما كان فيه؛ وتمت مشيئة الله ﷿، ونفذ قضاؤه وتقديره فيه. «كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً» (¬٥) * فأقبلوا معاشر التّجار والرعيّة على معايشكم واشتغلوا بأشغالكم، فهو أعود لشأنكم؛ ولا تطغوا فى أمر أنفسكم، فلأمير المؤمنين الرأى فيه وفيكم. فمن كانت له منكم مطالبة أو حاجة فليمض إلى أمير المؤمنين بها، فإنه مباشر ذلك لكم بنفسه، وبابه مفتوح بينكم وبينه. والله «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (¬٦) * وأنتم رعايا أمير المؤمنين المفتّحة لها أبواب عدله وإحسانه وفضله. والله يريده فيما يريده ويعتمده من الخير لمن أطاعه من الأنام، والحماية لحمى الإسلام؛ «عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ» (¬٧) * والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب يوم الجمعة لثلاث بقين من","footnotes":"(¬١) سورة الأنبياء: ٢٢ - ٢٣.\r(¬٢) سورة الشورى: ٢٧.\r(¬٣) سورة الزخرف: ٢٥.\r(¬٤) سورة العلق: ٦ - ٧.\r(¬٥) سورة الإسراء: ٥٨ - مع إسقاط واو العطف.\r(¬٦) سورة البقرة: ١٠٥. فى الأصل: والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ثم شطبت الجملة الأخيرة وأضيف فى مكانها: «وَاللهُ و-اسِعٌ عَلِيمٌ». وليس فى كتاب الله آية بهذا النص فالعدول عن: «وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» خطأ وتبدأ الآية كذلك: يختص برحمته ..\r(¬٧) سورة هود: آية ٨٨: «وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ»﴾. وسورة الشورى: آية: ١٠: «ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ»﴾.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276689,"book_id":167,"shamela_page_id":397,"part":"2","page_num":29,"sequence_num":397,"body":"شهر ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة. وصلى الله على سيّدنا محمّد وآله الطيّبين الأخبار وسلم تسليما».\rوكتبت سجلات على نسخة واحدة، وأنفذت إلى سائر النواحى والأعمال.\rولثلاث خلون من جمادى الأولى خلع على القائد الحسين بن جوهر ثوب ديباج أحمر، ومنديل أزرق مذهب، وتقلد سيفا عليه ذهب، وحمل على فرس بسرج ولجام ذهب، وبين يديه ثلاثة أفراس بمراكبها، وخمسون ثوبا من كل فن. وردّ إليه الحاكم التّوقيعات والنظر فى أمور الناس وتدبير المملكة وإنصاف المظلوم. وخلع على فهد بن إبراهيم، وحمل على بغلة وبين يديه بغلة أخرى وعشرون ثوبا. فانصرف القائد، وخلفه فهد وسائر الناس بين يديه، إلى داره. وتقدّم إلى فهد بالتوقيعات فى رقاع الرافعين على رسمه، وأن يعاضد القائد حسينا فى النظر ويعاونه ويخلفه إذا غاب. فكان القائد يبكر إلى القصر ومعه الرئيس فهد، فينظران فى أمور الناس وينهيان الأمور إلى الحاكم، والقائد متقدم وفهد يتبعه، فإذا دخلا إلى حضرة الحاكم جلس القائد وقام فهد خلفه فيعرضان الكتب والرقاع عليه.\rوأمر القائد ألاّ يلقاه أحد من الناس على طريق ولا يركب إليه إلى داره أحد لقضاء حقّ ولا سؤال فى مصلحة، ومن كان له حاجة يلقاه فى القصر (¬١). ونهى الناس أن يخاطبوه فى الرقاع التى تكتب إليه بسيدنا ومولانا، ولا يخاطبونه ويكاتبونه إلا بالقائد فقط، ولا يخاطب فهد ويكاتب إلا بالرئيس فقط.\rوحمل فهد إلى الحاكم هدية، منها ثلاثون بغلة بألوان من الأجلّة، وعشرون فرسا منها عشرة مسرجة ملجمة وعشرة بجلال ملونة، وعشرون ألف دينار، وسفط فيه حلة دبيقية (¬٢) مذهبة لم ير مثلها، ودرج فيه جوهر، وأسفاط كثيرة فيها البزّ الرفيع، وخزانة مدهونة.","footnotes":"(¬١) فى الأصل: فيلقاه.\r(¬٢) نسبة إلى مدينة دبيق التى اشتهرت بصناعة الملابس الحريرية المزركشة، وقد زالت. وكانت من أعمال الدقهلية عند بحيرة المنزلة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276690,"book_id":167,"shamela_page_id":398,"part":"2","page_num":30,"sequence_num":398,"body":"وأمر أبو جعفر محمد بن حسين بن مهذب، صاحب بيت المال، بإحضار تركة برجوان فوجد فيها مائة منديل شرب ملونة معمّمة كلّها على مائة شاشية (¬١)، وألف سروال دبيقى بألف تكّة حرير أرمنى، ومن الثياب المخيطة والصّحاح والحلى والمصاغ والطيب والفرش ما لا يحصى كثرة، ومن العين ثلاثة وثلاثون ألف دينار، ومائة وخمسون فرسا لركابه، وخمسون بغلة، وثلاثمائة رأس من بغال النقل ودواب الغلمان، ومائة وخمسون سرجا منها عشرون من ذهب، ومن الكتب شيء كثير.\rلما ركب القائد حسين رأى جماعة من قواد الأتراك قياما على الطريق ينتظرونه فوقف وقال: كلنا عبيد مولانا صلوات الله عليه ومماليكه، وليس والله أبرح من موضعى أو تنصرفوا عنى، ولا يلقانى أحد إلاّ فى القصر. فانصرفوا، وأقام خدما من الصقالبة بنوب على الطريق يمنعون الناس من المصير إلى داره ومن لقائه إلا فى القصر؛ وجلس فى موضع رسم له بالجلوس فيه.\rوتقدم حسين بن جوهر إلى أبى الفتوح مسعود الصقلبى صاحب الستر بأن يوصل الناس بأسرهم إلى الحاكم ولا يمنع أحدا، وأن يعرف رسم كل من يحضر ومن يجلس للتوقيع إذا وقع له. فدخل الناس ليأخذ رقاعهم وقصصهم، ووقع فيها، والحاكم فى مكانه جالس يدخل إليه أرباب الحوائج ويشاور فى الأمور المهمة.\rووصل إلى الحاكم جماعة ممن كان يدخل فى الليل إلى العزيز، وأمروا بملازمة القصر وقت جلوسه ودوام الجلوس بالعشايا؛ فدخل أوّل ليلة، وهى ليلة الأربعاء سابع جمادى الأولى، القائد حسين والقائد فضل بن صالح والحسين بن الحسن البازيار. فجلس حسين بن جوهر من اليمين، وإلى جانبه فضل بن صالح ودونه ابن البازيار، وبعده أبو الحسن على بن","footnotes":"(¬١) ما يلبس على الرأس دون عمامة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276691,"book_id":167,"shamela_page_id":399,"part":"2","page_num":31,"sequence_num":399,"body":"إبراهيم المرسى، ويليه القاضى عبد العزيز بن محمد بن النّعمان؛ وجلس من اليسار رجاء ومسعود ابنا أبى الحسين، ودونهما أبو الفتح منصور بن معشر الطبيب، وأبو الحسين بن المغربى الكاتب وأخوه. ووقف عنده [عدّة] (¬١) من الأقارب وجماعة من القواد، منهم منجوتكين وغيره، ثم دخل بعد ذلك جماعة منهم ابن طاهر الوزان. فجرى الرسم على ذلك إلى اثنى عشر جمادى الآخرة. ثم صار السلام يخرج فينصرفون إلاّ ابن البازيار وابن معشر الطبيب وعبد الأعلى بن هاشم من القرابة، فإنهم يجلسون فربّما أطالوا الجلوس وربما خدموا.\rوركب الحاكم عدّة مرار إلى ناحية سردوس (¬٢) وإلى بركة الجب وإلى عين شمس وحلوان للصيد وغيره. وفى سابع عشرى جمادى الآخرة قرئ سجل على سائر منابر المساجد الجامعة بأن يلقب القائد حسين بن جوهر بقائد القواد. وخلع على جابر بن منصور الجودرى جبّة مثقلة ومنديل بذهب، وحمل بين يديه ثياب كثيرة وقلّد بسيف، وندب ناظرا فى السواحل (¬٣) والحسبة بمصر.\rوأما الشام فإن جيش بن الصمصامة لما استقر بدمشق، وقد خرب البلد وضعف وقلّ ناسه وطمعت رعيته، فكان فيهم جهّال يأخذون الخفارة ويطمعون فى أموال أهل السّلامة، فصارت لهم أموال وخيول ومشى بين أيديهم الرجال، وقويت نفوسهم، وصاروا يوالون خروجهم مع جيش فى وقائع الروم؛ فوعدهم جيش بالأرزاق فاطمأنوا إليه. ثم إنه رتب جماعة وقبض على المذكورين وقيدهم، وأمر بهم فحبسوا، وأفاض عليهم العذاب حتى سلبهم","footnotes":"(¬١) زيد ما بين الحاصرتين لأن السياق يقتضيه أو نحوه.\r(¬٢) فى الخطط للمقريزى وفى معجم البلدان وقوانين الدواوين أحاديث عن خليج سردوس يفهم منها أنه كان من الحوف الشرقى، أى من منطقة القليوبية وأطراف الشرقية الحاليتين، ولا شيء غير هذا.\r(¬٣) لمصر والقاهرة أكثر من ساحل أقدمها ساحل الجزيرة (جزيرة الروضة)، ثم ساحل مصر على الجانب الشرقى، ثم ساحل المقس الفاطمى الذى كان فى موقع ميدان رمسيس حاليا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276692,"book_id":167,"shamela_page_id":400,"part":"2","page_num":32,"sequence_num":400,"body":"جميع أموالهم، وتتبّع من استتر منهم فضرب أعناقهم وصلبهم على أبواب البلد فلم يبق منهم أحد.\rفلمّا خلا له البلد من حمّال السلاح طمع فى أهل القرى، فعم كثيرا من الناس البلاء منه، وشمل أهل المدينة والقرى ضرره، حتى غلق أكثر الأسواق، وضج الناس إلى الله بالدعاء وهو يعدهم بحريق البلد وبذل السيف فيهم، فهرب كثير من الناس عن البلد.\rووصل الخبر بقدوم عسكر الروم، فأخذ جيش فى جمع العرب؛ ونزل ملك الروم على شيزر وفيها عسكر من قبل الحاكم، فقاتلهم حتى ملكهم بأمان. ونزلت العرب الذين جمعهم جيش فيما بين حرستا (¬١) والقابول (¬٢)؛ وانتقل الروم من شيزر إلى حمص فأخذوها وسبوا أهلها وأحرقوا؛ وذلك فى ذى الحجة سنة تسع وثمانين، وهى دخلة الروم الثالثة إلى حمص، فأقاموا بها وقد اشتد البرد وغلت عليهم الأسعار حتى بيعت العليقة عندهم بدينار فرحلوا، وقد مات أكثر دوابّهم، إلى طرابلس، فنزلوا عليها وهم فى ضيق؛ ثم رحلوا عنها إلى ميّافارقين (¬٣) وآمد (¬٤)، وهادنوهم. ثم ساروا إلى أرمينية.\rوزاد جور جيش وأسرف فى الظّلم، وكان به طرف جذام فاشتد به، وسقط شعر بدنه، ورشح جسمه واسودّ حتى انمحت سحنة وجهه وزاد وأرواح سائر بدنه؛ فكان يصيح:","footnotes":"(¬١) قرية كبيرة وسط بساتين دمشق، بينها وبين المدينة أكثر من فرسخ. وهناك قرية أخرى من بساتين دمشق تعرف باسم حرستا المنظرة. معجم البلدان: ٢٥١:٣.\r(¬٢) هى القابون التى يذكر ياقوت أنها تبعد عن مدينة دمشق ميلا واحدا فى طريق القاصد إلى العراق فى وسط البساتين. معجم البلدان: ٤:٧.\r(¬٣) أشهر مدينة بإقليم ديار بكر بأرض الجزيرة العراقية، وكانت أصلا من الحصون الرومية، ثم صار لها ولإقليم ديار بكر جميعه أهمية خاصة فى بعض عصور التاريخ الإسلامى كما فى أيام الأسرة الأرتقية بين سنتى ٤٩٥ - ٦٢٩ فى منطقة حصن كيفا. معجم البلدان: ٢١٤:٨ - ٢١٨.\r(¬٤) أجل مدن ديار بكر وأعظمها تحصينا، تحيط بها مياه دجلة كالهلال، وبها عيون قريبة يتناول ماؤها باليد. معجم البلدان: ٦١:١ - ٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276693,"book_id":167,"shamela_page_id":401,"part":"2","page_num":33,"sequence_num":401,"body":"ويحكم! اقتلونى، أريحونى!! إلى أن هلك يوم الأحد لسبع خلون من ربيع الآخر. فكان مقامه بدمشق ستة عشر شهرا وستة عشر يوما (¬١). ووصل ابنه أبو عبد الله بتركته إلى القاهرة فخلع عليه الحاكم وحمله. ورفع زيدان إلى الحاكم درجا بخطّ جيش وفيه وصيّة وثبت بما خلّف مفصّلا مشروحا، وأنّ ذلك جميعه لأمير المؤمنين الحاكم بأمر الله لا يستحق أحد من أولاده منه درهما؛ وكان ذلك يبلغ نحو مائتى ألف دينار، ما بين عين ورحل ومتاع. وقد قال فيه جيش: لو زيدان يتسلم ذلك فإنّه على بغال تحت القصر بظاهر القاهرة.\rفأخذ الحاكم الدّرج وأوصله لابنى جيش، وخلع عليهما، وقال لهما بحضرة أولياء الدولة ووجوهها: قد وقفت على وصية أبيكما، ﵀، من عين ومتاع فيما وصّى به، فخذوه هنيئا مباركا لكما فيه. فانصرفا بجميع التركة.\rوأقطعت سيدة الملك على عبرة (¬٢) سنة تسع وثمانين الخراجية إقطاعا مبلغه مائة ألف دينار، منها ضياع فى الصعيد وأسفل الأرض ثمانية وستون ألفا وأربعمائة وخمسون دينارا؛ منها بوتيج (¬٣) ستة آلاف وسبعمائة وخمسون دينارا، وصهرشت (¬٤) سبعة عشر ألف دينار، ودمنهور خمسة آلاف دينار؛ وباقى ذلك؛ وهو أحد وثلاثون ألف دينار وخمسمائة وخمسون دينارا، من دور وبساتين ورسوم.","footnotes":"(¬١) يقول ابن القلانسى: «وكان سبب هلاكه ناسور خرج فى سفله، ولم يزل يستغيث من الألم ويتمنى الموت ويطلب أن يقتل نفسه فلا يتمكن ولا يمكن». ذيل تاريخ دمشق: ٥٤.\r(¬٢) أى خراج السنة. يقال عبر المتاع والدراهم يعبرها: نظركم وزنها وما هى. لسان العرب. انظر أيضا قوانين الدواوين: ٢٢١، ٤٥٧.\r(¬٣) من أعمال إقليم السيوطية، وهى الآن أبو تيج.\r(¬٤) لعلها صهرجت الحالية وهى اثنتان صهرجت الكبرى وصهرجت الصغرى؛ والأولى بمركز ميت غمر على الشاطئ الشرقى لترعة الساحل وفى الجنوب الشرقى لمنية العز بنحو أربعة كيلومترات، والثانية بمركز منية سمنود فى الجنوب الشرقى لناحية بشلا بنحو ألف قصبة وفى الشمال الشرقى لناحية فيشة بنا بنحو ثلاثمائة قصبة. قوانين الدواوين، الخطط التوفيقية: ٢٧:١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276694,"book_id":167,"shamela_page_id":402,"part":"2","page_num":34,"sequence_num":402,"body":"وأما المغرب فإن الأستاذ برجوان لما ولى تدبير الدّولة ثقل عليه أبو الحسن يانس الصقلبى العزيزى (¬١)، فإنه كان ينافسه فى الرئاسة، فتحيّل حتى أخرجه إلى برقة كما تقدم، فتوالت كتب تموصلت بن بكار (¬٢) يسأله أن يأتيه أحد ليسلمه مدينة أطرابلس، وتقدم إلى الحضرة.\rفقصد برجوان إبعاد يانس، فكتب إليه حتى سار إليها وقدم إليها للنصف من جمادى الأولى سنة سبعين، فسلّمه تموصلت البلد ومضى إلى القاهرة وقد تأخر أكثر عسكره مع يانس، فاختلفوا مع أصحابه حتى اقتتلوا وخرجوا أقبح خروج إلى إفريقية، وشكوا ما نزل بهم إلى نصير الدولة أبى مناد باديس (¬٣). فبعث القائد جعفر بن حبيب على عسكر، فقاتل يانس، فقتل فى رابع ذى القعدة. وبادر فتوح بن على بن عقيان من أصحاب يانس إلى أطرابلس، فدخلها، وانضم إليه بقية أصحابه وقاتل بها جعفر بن حبيب سنة إحدى وتسعين، واستمدّ الحاكم، فأمدّه بيحيى بن على بن الأندلسى على عسكر، فاختلف عليه أصحابه وعاد أقبح عود إلى القاهرة. فأراد الحاكم قتله، فأظهر كتاب زيدان صاحب المظلة بخطّه أن يدفع إليه المال من برقة، وأنه قبض ذلك من مال الحضرة، فلم يجد ببرقة مالا ينفقه على العساكر؛ فقبل هذا العذر وقتل زيدان على ما فعل.\rوكان مع يحيى بن على عند خروجه من المغرب جماعة من بنى قرّة، فكسروا عسكره ورجعوا إلى موضعهم؛ فبعث الحاكم يستدعيهم إلى القاهرة، فخافوا وامتنعوا؛ فأعرض عنهم مدة ثم كتب إليهم أمانا، فبعثوا رهائن منهم؛ فأمرهم بالوصول إلى الإسكندرية ليقفوا على ما يأمرهم به، فحذر أكثرهم، وقدمت طائفة إلى الإسكندرية فقتلوا وحملت","footnotes":"(¬١) خصى من خدام العزيز بالله، أنابه فى الإشراف على القصور الفاطمية، فلما توفى أقره الحاكم بأمر الله على ولايته وخلع عليه، حتى نقل بعد ذلك إلى ولاية برقة. وإليه تنسب طائفة العسكر اليانسية الذين عرفت حارة اليانسية بهم. الخطط: ١٦:٢.\r(¬٢) هو تموصلت بن بكار، وكنيته أبو محمد، الأسود الحاكمى، النجوم الزاهرة: ٢٠٧:٤.\r(¬٣) انظر معجم الأنساب لزامباور: ١٠٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276695,"book_id":167,"shamela_page_id":403,"part":"2","page_num":35,"sequence_num":403,"body":"رءوسهم إلى القاهرة، وقتل من كان بها من رهائنهم؛ فنفرت عنه بنو قرّة، وكان منهم ما يأتى ذكره من قيامهم مع أبى ركوة.\rوفى ثالث رجب خلع على أبى القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان، ونزل إلى الجامع العتيق وبين يديه ثياب صحاح، وحمل على بغلتين مسرجتين ملجمتين؛ وقرئ له سجل بالنظر فى المظالم وسماع البينة فيها.\rوحمل رحل برجوان إلى القصر على ثمانين حمارا. وقرئ سجلّ بالقصر نصه بعد البسملة:\r«معاشر من يسمع هذا النداء من الناس أجمعين: إن الله - وله الكبرياء والعظمة - أوجب اختصاص الأئمة بما لا يشركها فيه أحد من الأمة. فمن أقدم بعد قراءة هذا المنشور على مخاطبة أو مكاتبة لغير الحضرة المقدسة بسيدنا أو مولانا فقد أحلّ أمير المؤمنين دمه.\rفليبلّغ الشاهد الغائب إن شاء الله».\rوأفطر فى رمضان مع الحاكم جماعة رتّبوا عن يمينه ويساره؛ وصلى فيه جمعتين بالناس، وركب لفتح الخليج.\rووصل تموصلت بن بكار الأسود، عبد ابن زيرى (¬١)، وكان قد ولاّه طرابلس المغرب، فجار على أهلها وأخذ منها مالا كثيرا وفرّ خوفا من مولاه؛ فسار من طرابلس المغرب، ومعه نيّف وستون ولدا ما بين ذكر وأنثى، فى عسكر كبير، بعد أن مرّ ببرقة، ودفع ليانس العزيزى متولّيها ثلاثين ألف دينار لخاصّة نفقته، وأنفق فى عسكره ورجاله مالا كثيرا، وسلّم إليه مخازن فيها العسل والسّمن والقمح والشعير والزيت وغيره. فجلس له الحاكم وأجلسه، فكان من كلامه للحاكم: قد وصلت إلى حضرة مولانا بالأهل والمال","footnotes":"(¬١) أبو مناد بن باديس، ناصر الدولة، من أسرة زيرى التى حكمت إفريقية والمغرب الأوسط فى ظل الفاطميين، ثم استقلالا عنهم. معجم الأنساب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276696,"book_id":167,"shamela_page_id":404,"part":"2","page_num":36,"sequence_num":404,"body":"والولد ومعى ما يكفينى ويكفى عقب عقبى؛ ولكنّ الرجال الذين معى رجال مولانا، وهو يحسن إليهم على ما يراه.\rوأهدى إلى الحاكم مائة ألف دينار ومائة ألف درهم، ونيفا وخمسين حملا من البزّ والطرف، وثمانين فرسا منها أربعون بسرجها ولجمها؛ وأربعين بغلا؛ وخمسين بختيّا (¬١) بأكوارها (¬٢)؛ ومائتى جمل. فخلع عليه وعلى من حضر من أولاده، وسار إلى دار قد أعدّت له فيها خمس وثلاثون حجرة، فى كل حجرة آلاتها وفرشها؛ فبلغت النفقة على هذه الدار خمسة آلاف دينار.\rوفى يوم عيد الفطر صلّى الحاكم بالناس بالمصلّى، وخطب على رسمه، وأصعد ابن النعمان وعدة من القواد معه المنبر، فجلس على الدرج.\rولخمس خلون من شوال أذن لابن عمار فى الركوب إلى القصر، فركب ونزل حيث ينزل سائر الناس، وواصل الركوب إلى الرابع عشر منه، فأحضر عشية إلى القصر، فجلس إلى بعد العشاء الآخرة ثم أذن له فى الانصراف؛ فلما انصرف ابتدره جماعة من الأتراك قد أوقفوا لقتله، فقتلوه واحتزوا رأسه ودفنوه هنالك، ثم نقل إلى تربته بالقرافة؛ فكانت مدة حياته بعد عزله ثلاث سنين وشهرا واجدا وثمانية عشر يوما.\rوسارت قافلة الحاج لاثنتى عشرة خلت من ذى القعدة. وعزل خود عن الشرطة السفلى، وجمعت الشرطتان لمسعود الصقلبى، فنزل بالخلع والطبول والبنود إلى الجامع العتيق حتى قرئ سجلّه على المنبر.","footnotes":"(¬١) البخت والبختية، بضم الباء فيهما، الإبل الخراسانية، والجمع بخاتى بالتشديد للياء، وبخاتى بالقصر وبخات؛ والبخات بتشديد الخاء مقتنيها. القاموس المحيط.\r(¬٢) الكور، بضم الكاف، الرحل بأداته، والجمع أكوار، وأكور بضم الواو، وكوران، وكئور. لسان العرب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276697,"book_id":167,"shamela_page_id":405,"part":"2","page_num":37,"sequence_num":405,"body":"وفى ثالث ذى الحجة أمر الناس بتعليق القناديل على سائر الحوانيت وأبواب الدّور كلّها، وفى جميع المحال والسكك الشارعة وغير الشارعة، ففعلوا.\rوصلى الحاكم صلاة عيد النحر بالمصلى، وخطب، ونحر فى القصر على رسمه، وجلس على السّماط. وكان الناس بين عبد العزيز بن النعمان وبين قاضى القضاة الحسين بن النعمان فى شرور وبلاء؛ وذلك أن عبد العزيز قبل شهادة جماعة اختارهم؛ فكان من حاكم خصمه إلى الحسين اختار خصمه بالمرافعة إلى عبد العزيز وبالعكس. وكان عبد العزيز إذا جلس للنظر فى المظالم حضر شهوده عنده وسمع شهادتهم وأشهدهم فيما يقول ويمضى؛ ولا يحضر أحد منهم عند الحسين ولا يقرب داره، ويقيد الشهود القدماء يشهدون عنده، غير أنهم لا يحضرون مجلس عبد العزيز مواصلين لذلك ولا يركبون معه.\rوفيها عقد ليانس الصقلبى على ولاية أطرابلس الغرب بعد موت المنصور بن بلكين، فوصل إليها فى ألف وخمسمائة فارس وملكها. فبعث باديس بن جعفر بن حبيب على عسكر فلقيه على زنزوير، واقتتلا يومين، فانهزم عسكر يانس وقتل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276698,"book_id":167,"shamela_page_id":406,"part":"2","page_num":38,"sequence_num":406,"body":"سنة احدى وتسعين وثلاثمائة (¬١)\rفى المحرم واصل الحاكم الرّكوب فى اللّيل فى كلّ ليلة؛ وكان يركب إلى موضع موضع وإلى شارع شارع وإلى زقاق زقاق. وأمر الناس بالوقيد (¬٢)، فتزايدوا فيه بالشوارع والأزقة، وزيّنت الأسواق والقياسر (¬٣) بأنواع الزينة، وباعوا واشتروا، وأوقدوا الشموع الكبيرة طول الليل؛ وأنفقوا الأموال الكثيرة فى المآكل والمشارب والغناء واللهو. ومنع الرّجال المشاة بين يدى الحاكم أن يقرب أحد من الناس الحاكم، فزجرهم، وقال لا تمنعوا أحدا، فأحدق الناس به وأكثروا من الدّعاء له. وزينت الصناعة (¬٤)، وخرج سائر الناس بالليل للتفرج وغلب النساء الرجال على الخروج فى الليل، وتزايد الزحام فى الشوارع والطرقات؛ وتجاهروا بكثير من المسكرات، وأفرط الأمر من ليلة التاسع عشر إلى ليلة الرابع والعشرين فلما خرج الناس عن الحدّ أمر الحاكم ألا تخرج امرأة من العشاء، فإن ظهرت نكّل بها، ومنع الناس من الجلوس فى الحوانيت.\rوهبت فى أول يوم من طوبة سموم لم يعهد مثله.\rوورد سابق الحاجّ، ثم قدمت قافلة الحاج فى سادس عشر صفر.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الأول من ديسمبر سنة ١٠٠٠.\r(¬٢) وقدت النار - من باب وعد - توقدت وقودا بالضم، و وقيدا بالفتح، ووقدة بالكسر، ووقدا و وقدانا بفتحتين فيهما. مختار الصحاح والمقصود تزيين المدينة بإضاءة الأنوار.\r(¬٣) جمع قيسارية بمعنى السوق. قوانين الدواوين: ٣٨٧، ٤٥٧. وأصل الكلمة إغريقى ولاتينى «Caesaria» نفس المصدر.\r(¬٤) المكان المخصص لإنشاء السفن، والحربى منها خاصة. وأول دار الصناعة أنشئت فى مصر على ساحل جزيرة الروضة، ثم نقلت على عهد الاخشيذيين إلى ساحل مصر (الفسطاط)، وانتقلت زمن الفاطميين إلى المقس فى موقع ميدان محطة مصر الحالية. وفى عهد الآمر الفاطمى أعيدت إلى موقعها السابق بساحل مصر الفسطاط. الخطط: ٤٨٢:١، ٤٨٣؛ النجوم الزاهرة: ٩٩:٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276699,"book_id":167,"shamela_page_id":407,"part":"2","page_num":39,"sequence_num":407,"body":"وفى خامس ربيع الأول أعتق الحاكم زيدان، صاحب المظلة (¬١)، وأمر أن يكتب على مكاتباته من زيدان مولى أمير المؤمنين.\rوخلع على القاضى حسين بن النعمان وقيد بين يديه بغلتان بسروجهما ولجمهما، وحمل إليه عدة ثياب لحضوره العتاقة.\rوكثر وقود المصابيح فى الشوارع والطرقات، وأمر الناس بالاستكثار منها وبكنس الطرقات وحفر الموارد وتنظيفها.\rوخلع على فتح، غلام ابن فلاح، وندب إلى الخروج على الأسطول.\rوقبض على رجل شامى قال: لا أعرف على بن أبى طالب، وأقول إن النبى ﷺ مرسل، غير أنى لا أعرف علىّ بن أبى طالب. فحبس وروجع؛ فأصرّ على أنه لا يعرف عليا؛ فرفق به القائد حسين فلم يعترف بمعرفة علىّ ﵁، فخرج الأمر بقتله، فضرب عنقه وصلب.\rوفى سادس عشر جمادى الآخرة وصل رسول ملك الرّوم (¬٢)، فحشدت له العساكر من سائر الأعمال، ووقفوا صفّين والحاكم واقف ليراهم. وسار الرسول بين العساكر إلى باب الفتوح، ونزل، ومشى إلى القصر يقبل الأرض فى طول المسافة حتى وصل إلى حضرة","footnotes":"(¬١) المظلة، ويعبر عنها أيضا بالجتر، والطير، والقبة: قبة من حرير أصفر مزركش بالذهب، بأعلاها شكل طائر من فضة وقد يطلى بالذهب. وعرفت زمن المماليك بالقبة والطير، بينما كان يطلق عليها زمن الفاطميين المظلة. صبح الأعشى: ٤ «وكانت المظلة تتكون من اثنى عشر شوزكا، عرض أسفل كل شوزك شبر وطوله ثلاثة أذرع وثلث ذراع، وآخر الشوزك من فوق دقيق جدا، فيجتمع ما بين الشوازك فى رأس عمودها دائرة، والعمود من الزان ملبس بأنابيب الذهب، وفى آخر أنبوبة تلى الرأس فلكة بارزة قدر عرض إبهام، فيشد آخر الشوازك فى حلقة ذهب؛ وللمظلة أضلاع من خشب الخلنج مكسوة بالذهب على عدد الشوازك، خفاف بطول الشوازك، وفيها خطاطيف لطاف وحلق يمسك بعضها بعضا تنضم وتنفتح؛ ورأسها كالرمانة ويعلوه أيضا رمانة صغيرة كلها ذهب مرصع بجوهر … » النجوم الزاهرة: ٨٤:٤ - ٨٥.\r(¬٢) الامبراطور باسيل الثانى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276700,"book_id":167,"shamela_page_id":408,"part":"2","page_num":40,"sequence_num":408,"body":"الحاكم بالقصر، وقد فرش إيوان القصر وعلّق فيه تعاليق غريبة، يقال إنه أمر بتفتيش خزائن الفرش إلى أن وجد فيها أحدا وعشرين عدلا ذكرت السيّدة رشيدة بنت المعز أنها كانت فى قطار الفرش المحمولة من القيروان إلى مصر مع المعزّ فى جملة أعدال، وأن كتّاب خزائن الفرش وجدوا على بعضها مكتوبا الحادى والثلاثون والثلاثمائة من عمل العبيد، ديباج خزّ ومذهب؛ ففرش منه جميع الإيوان وستر جميع حيطانه بالتعاليق، فكان جميع أرضه وحيطانه رفيعا دليلا على عظمته وسعته. وعلّقت بصدر الإيوان العسجدة، وهى درقة مطعّمة بفاخر الجوهر النفيس من كل أصنافه، فأضاء لها ما حوله، ووقعت عليها الشمس فلم تطق الأبصار تأملها كلالا. فدخل الرسول وقبل الأرض، ودفع الكتب وعرض الهدية.\rوأنفذ الحاكم لأبى الحسن على بن إبراهيم النرسى ألف دينار وأربعة وعشرين قطعة ثياب مختارة، وسومح بمبلغ ثلاثة آلاف دينار كانت عليه.\rوجرى الرسم فى الفطر طول شهر رمضان على مائدة الحاكم كما تقدّم.\rولما كثر النزاع بين عبد العزيز بن النعمان والقاضى حسين بن النعمان كتب الحاكم بخطّه ورقة إلى الحسين، نصّها بعد البسملة: «يا حسين أحسن الله عليك. اتّصل بنا ما جرى من شناعات العوامّ ومن لا خير فيه، وإرجافهم، وأنكرنا أن يجرى مثله فيمن يحلّ محلك من خدمتنا، إذ أنت قاضينا وداعينا وثقتنا. ونحن نتقدم بما يزيل ذلك، ولم نجعل لأحد غيرك نظرا فى شيء من القضايا والحكم، ولا فى شيء مما استخدمناك فيه، ولا مكاتبة أحد من خلفائك بالحضرة وغيرها وسائر النواحى، ولا أن نكاتب أحدا منهم غيرك؛ ومن تسمى غيرك بالقضاء فذلك على المجاز فى اللفظ لا على الحقيقة.\rوقد منعنا غيرك أن يسجل فى شيء فيتقدم إلى جميع الشهود والعدول بألاّ يشهدوا فى سجلّ لأحد سواك. وإن تشاجر خصمان فدعا أحدهما إليك ودعا الآخر إلى غيرك كان الدّاعى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276701,"book_id":167,"shamela_page_id":409,"part":"2","page_num":41,"sequence_num":409,"body":"إلى غيرك عليه الرجوع إليك طائعا مكرها فاجر على ما أنت عليه من تنفيذ القضايا والأحكام مستعينا بالله ﷿، ثمّ بنا؛ ولك من جميل رأينا فيك ما يسعدك فى الدنيا والآخرة. وقد أذنّا لك أن يكاتب جميع من يكاتب القاضى بقاضى القضاة كما جعلناك، وتكاتب من تكاتبه بذلك وتكتب به فى سجلاتك. فاعلم ذلك، وأشهر أمرنا بجميع ما يقتضيه هذا التوقيع ليمتثل ولا يتجاوز. وفّقك الله لرضاه ورضانا، وأيّدك على ذلك وأعانك عليه إن شاء الله تعالى. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما».\rفقرأه القاضى على سائر الشهود، وأمر أن يكتب فى سجلاّته قاضى القضاة، وكوتب بذلك وكتب عليه.\rوجرى الرسم فى ركوب الحاكم لفتح الخليج (¬١) وفى يوم العيد إلى المصلّى على العادات.\rوسارت قافلة الحاج للنصف من ذى القعدة بالكسوة والشمع والصّلات، وزينت البلد مرّة فى شوال ثلاثة أيام ومرّة فى ذى القعدة يوما. وجرى الرسم فى صلاة عيد النّحر على ما تقدم، ثم انصرف فنحر ودخل تربة القصر وحضر السماط.\rوفيها توفى أبو الفضل جعفر بن الفرات (¬٢)، فى ثالث ربيع الأول، عن اثنتين وثمانين سنة","footnotes":"(¬١) من مراسم احتفال فتح الخليج - تعنى رفع السد الواقع عند فم الخليج يوم وفاء النيل فى كل عام - أنه كان يحمل إلى المقياس (بجزيرة الروضة) من المطابخ نحو عشرة قناطير من الخبز وعشرة خراف مشوية، وعشر جامات حلوى، وعشر شمعات؛ ويتوجه القراء إلى مسجد المقياس للقراءة حتى يتم الوفاء، فيركب الخليفة بزيه الذى يتزيا به للعيد، دون مظلة ومعه الوزير، وينزل بالصناعة، ثم يركب العشارى (سفينة خاصة لمثل هذه المناسبة) ومعه خواصه وخواص الوزير، والكل قيام إلا الوزير الذى يجلس مع الخليفة، ثم يمر العشارى بجانب المقياس، ثم يحضر الخليفة تخليق المقياس (تطييبه بالزعفران والمسك)، ثم يعود إلى العشارى الذى يحمله إلى المقس أو إلى القصر. النجوم الزاهرة: ٩٩:٤ - ١٠٠؛ الخطط: ٤٧٠:١، ٤٩٣.\r(¬٢) أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات الوزير المحدث المعروف بابن حنزابة. برز فى مناصب الوزارة والكتابة والإشراف المالى منذ أيام الإخشيذ، وقبض عليه أكثر من مرة، وكان على وزارة مصر عند ما قدمها جوهر الصقلى الذى أقره على الوزارة. وحنزابة المرأة القصيرة، وهى أم أبيه الفضل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276702,"book_id":167,"shamela_page_id":410,"part":"2","page_num":42,"sequence_num":410,"body":"وثلاثة أشهر وخمسة أيام؛ فصلى عليه القاضى حسين بن النعمان، ودفن فى داره. وكان من الفضل والعلم والدين بمنزلة؛ وحدّث وأسمع وأملى مجالس، وكتب على الصحيحين مستخرجا.\rوكان كثير البرّ والصلات والصدقة، شديد الغيرة حتى إنه ليحجب أولاده الأكابر عن حرمه وأهله وعن أمهاتهم. فإنه بلغه عن بعض أولاده أنه واقع أختا له وأحبلها. وكان يتنسّك منذ تجاوز أربعين سنة. ثم حمل من مصر ودفن بالمدينة النبوية.\rوفيها قتل الحاكم مؤدّبه أبا القاسم سعيد بن سعيد الفارقى يوم السبت لثمان بقين من جمادى الأولى وهو يسايره، بأن أشار إلى الأتراك بعينيه بعد أن بيّت معهم قتله، فأخذته السيوف؛ وكان قد داخل الحاكم فى أمور الدولة وقرأ عليه الرقاع واستأذنه فى الأمور كهيئة الوزراء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276703,"book_id":167,"shamela_page_id":411,"part":"2","page_num":43,"sequence_num":411,"body":"سنة احدى وتسعين وثلاثمائة (¬١)\rفى المحرم قتل الحاكم ابن أبى نجدة؛ وكان بقّالا فترقّت أحواله حتى ولى الحسبة ودخل فيما لا يليق به، وأساء فى معاملة الناس، فاعتقل، ثم قطعت يده ولسانه وشهّر على جمل وضربت عنقه.\rوفى شعبان سارت هديّة إلى المغرب فيها ثلاثمائة فرس بجلال وعشرة بمراكب، وخمسة وأربعون بغلا تحمل السلاح والكسوة، وعشرون بغلا تحمل صناديق فيها ذهب وفضة.\rوفى شهر رمضان خلع على تموصلت بن بكار وقلّد بسيف، وحمل على عشرة أفراس بمراكبها، وقلّد إمارة الشام.\rوجرى الرسم فى سماط رمضان وصلاتى العيدين وخروج قافلة الحاج على ما تقدم.\rوفيها توفى أبو تميم سلمان [بن جعفر] بن فلاح فى ثامن جمادى الآخرة. وقتل عدة أناس","footnotes":"(¬١) هكذا ورد فى الأصل، والواقع أن الحديث عن هذه السنة بدأ قبل ذلك بصفحات، ويبدو أنه الحق الأحداث المعدودة التى وردت هنا بعد هذا العنوان الجديد بالأحداث التى سبقت استدراكا عليها خاصة وأن أول هذه الأحداث حدث فى شهر المحرم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276704,"book_id":167,"shamela_page_id":412,"part":"2","page_num":44,"sequence_num":412,"body":"سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة (¬١)\rفى نصف صفر قدم الحاجّ.\rوفى ربيع الأول قرئ سجل برفع المنكرات وإبطالها وبمنع ذلك، فختم على عدة مواضع فيها المسكرات لتراق.\rوابتدئ فى عمارة جامع راشدة (¬٢)، وكان مكانه كنيسة فبنى جامعا، وأقيمت فيه الجمعة، وفى ثامن جمادى الآخرة ضربت رقبة فهد بن إبراهيم، وله منذ نظر فى الرئاسة خمس سنين وتسعة أشهر واثنا عشر يوما. فحمل أخوه أبو غالب إلى سقيفة القصر من مال أخيه فهد جرايات فيها خمسمائة ألف دينار. فلما خرج الحاكم سأل عنها فعرّف خبرها، فأعرض عنها؛ وبقيت هناك مدة ثم أمر بها فردّت إلى أولاد فهد، وقال إنا لم نقتله على مال؛ فحملت إليهم، ثم رفع أصحاب الأخبار عن أبى غالب كلمة تكلّم بها، فقتل وأحرق بالنّار.\rوخلع على أبى الحسن على بن عمر بن العداس مكانه، وخلع على ابنه محمد بن على، وعلى الحسين بن طاهر الوزان، وحملوا فى رابع عشره.\rوسار الأمير ياروخ متقلدا طبرية وأعمالها.\rوقبضت أموال من قبض عليه من النصارى الكتاب.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها العشرين من نوفمبر سنة ١٠٠١.\r(¬٢) ويذكر النويرى فى نهاية الأرب أن ابتداء عمارته كان فى سابع عشر ربيع الآخر سنة ٣٩٣. ويذكر فى سبب إنشائه أن أبا المنصور الزيات الكاتب زرع هذا الموضع وبنى للنصارى فيه كنيسة، فرفع أمره إلى الحاكم فأمر بهدم الكنيسة وأن يجعل موضعها مسجد، ثم أمر بتوسعته فخربت مقابر اليهود والنصارى، وبنى فيه منبر من طين. وعرف الجامع بهذا الاسم نسبة إلى أنه يقع فى خطة راشدة ابن أدب بن جديلة، من لخم، بالفسطاط، وكانت بالجبل المطل على بركة الحبش وهو الجبل المعروف بالرصد. ولا وجود الآن لهذا المسجد وموقعه بحى «إسطبل عنتر» بأثر النبى. الخطط: ٢٨٢:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276705,"book_id":167,"shamela_page_id":413,"part":"2","page_num":45,"sequence_num":413,"body":"وأمر بإتمام بناء الجامع الذى ابتدأ بعمارته العزيز على يد وزيره يعقوب بن كلّس خارج باب الفتوح من القاهرة، فقدرت النفقة عليه أربعين ألف دينار، فابتدى بعمله (¬١).\rوفى خامس عشر من شهر رجب ضرب عنق أبى طاهر محمود بن النحوى الناظر فى أعمال الشام لكثرة تجبّره وعسفه بالناس.\rوفى غرة شعبان جمع فى الجامع الجديد بظاهر باب الفتوح.\rوقطع الحاكم الركوب فى الليل.\rوردّ إلى أولاد فهد بن ابراهيم سروجهم المحلاّة وأمروا بالركوب بها. وأطلق من اعتقل من الكتاب النصارى.\rوصلى الحاكم فى رمضان بالناس أجمعين بعد ما خطب؛ وصلى صلاة عيد الفطر وخطب على الرسم. وأكثر من الحركة فى شهرى رمضان وشوال إلى دمنهور (¬٢) والأهرام وغيرهما.\rوسافر الحاجّ للنصف من ذى القعدة.\rوأما الشام فإنه لما مات جيش بن الصّمصامة فى شهر ربيع الآخر سنة تسعين ولى دمشق شيخ من المغاربة يقال له فحل بن تميم (¬٣)، فلبث شهورا ومات؛ فقدم عند الحاكم على [ابن جعفر (¬٤)] بن فلاح فنزل على دمشق ليومين بقيا من شوّال، وأقام بها غير منبسط اليد","footnotes":"(¬١) بدأ العزيز بالله عمارته سنة ٣٨٠، وصلى الجمعة فيه فى الرابع عشر من رمضان سنة ٣٨١ قبل أن تكتمل عمارته، وموقعه بين بابى الفتوح والنصر داخل مدينة القاهرة، وأشرف على بنائه الحافظ عبد الغنى بن سعيد المصرى، أبو محمد، وكان إمام زمانه فى علم الحديث وحفظه، انظر نهاية الأرب للنويرى؛ النجوم الزاهرة: ٤ (فى مواضع)؛ الخطط: ٢٧٧:٢. ويعرف أيضا باسم الجامع الأنور.\r(¬٢) لعل المقصود بها شبرا دمنهور، وهى التى أصبحت تعرف منذ زمن الأيوبيين باسم شبرا الخيمة.\r(¬٣) فى ذيل تاريخ دمشق: ٥٧ يذكر ابن القلانسى أن اسمه تميم بن إسماعيل المغربى القائد ويعرف بفحل. ويزيد النويرى فى ألقابه: المعزى.\r(¬٤) ما بين الحاصرتين من النجوم الزاهرة: ٢٠١:٤، ومن ذيل تاريخ دمشق: ٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276706,"book_id":167,"shamela_page_id":414,"part":"2","page_num":46,"sequence_num":414,"body":"فى ماله. فلمّا كان فى شهر رمضان، سنة اثنتين وتسعين، قدم من جهة الحاكم داع يقال له ختكين (¬١) الملقّب بالضّيف إلى دمشق، فبرز ابن فلاح وأقام بظاهر دمشق. فأراد الضيف أن ينقص الجند من أرزاقهم، فشغبوا وساروا يريدون ابن عبدون النصرانى، وكان على تدبير المال وعطاء الأرزاق، فمنعهم الضّيف وأغلظ فى القول لهم، وكان قليل المداراة، فرجعوا إليه وقتلوه، وانتهبوا دور الكتّاب والكنائس. وتحالف المغاربة والمشارقة من العسكر على أن يكونوا يدا واحدة فى طلب الأرزاق، وأنهم يمتنعون (¬٢) ممّن يطالبهم بما فعلوه؛ وحلف لهم على [بن جعفر] (¬٣) بن فلاح أنه معهم على ما اجتمعوا عليه. فبلغ ذلك الحاكم فقال: هذا قد عمى. فبعث يعزله عن دمشق، فسار عنها فى يسير من أصحابه؛ وذلك فى شوّال منها. وتأخر العسكر بدمشق، فقدم إليها تموصلت بن بكار من قبل الحاكم، فلم يزل عليها إلى أن ولى مفلح اللّحيانى (¬٤) دمشق فى ذى الحجة سنة ثلاث وتسعين. وكان خادما وفى وجهه شعر، فسار إليها.\rوفيها قتل أبو على الحسن بن عسلوج (¬٥) فى المحرّم وأحرق.\rوقتل على بن عمر بن العدّاس (¬٦) فى شعبان وأحرق.","footnotes":"(¬١) أبو منصور ختكين العضدى القائد. النجوم الزاهرة: ٢٠٥:٤، ٢٢٢. يقول ابن القلانسى: واقتضى رأيه أن ينقص واجبات الأجناد ويغالطهم ويظهر شيئا من التوفير، وترك أمر تدبير الأولاد لكاتب نصرانى يعرف بابن عبدون. ذيل تاريخ دمشق: ٥٧ - ٥٨. وهذا يتفق مع ما جاء هنا بالمتن.\r(¬٢) فى الأصل: وأنهم يمتنعوا.\r(¬٣) ما بين الحاصرتين من النجوم الزاهرة: ٢٠١:٤، ومن ذيل تاريخ دمشق: ٥٧.\r(¬٤) كان قد تولى قبل ذلك مدينة صور. واسمه الكامل - طبقا لابن القلانسى - القائد أبو صالح مفلح الخادم اللحيانى. الخطط: ٢٨٥:٢؛ ذيل تاريخ دمشق: ٥٨ - ٦٢.\r(¬٥) لم أعثر إلا على عسلوج بن الحسن وكان قد أشرف على الأموال أيام المعز لدين الله مقاسمة مع يعقوب بن كلس، ثم عمل أيضا للعزيز بالله، ولعله هو المقصود، ويرجح ذلك ما جاء فى الطيارة الملصقة بهذه الصفحة بالأصل؛ انظر الصفحة التالية\r(¬٦) أبو الحسن على بن عمر، ابن العداس، تولى الوزارة العزيز بالله بعد وفاة يعقوب بن كلس. وتولى النظارة كذلك بعد مصرع فهد بن إبراهيم النصرانى أيام الحاكم وكانت رقبة فهد قد ضربت فى ثامن جمادى الآخرة سنة ٣٩٢ بعد أن مكث فى النظر خمس سنين وتسعة أشهر. انظر ما تقدم، وكذلك النجوم الزاهرة: ٥٢:٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276707,"book_id":167,"shamela_page_id":415,"part":"2","page_num":47,"sequence_num":415,"body":"وقتل الأستاذ أبو الفضل زيدان، صاحب المظلّة لعشر بقين من ذى الحجة؛ ضرب عنقه.\rوفيها استأذن عبد الأعلى بن الأمير هاشم بن المنصور أن يخرج إلى بعض ضياعه، فأذن له الحاكم؛ فخرج بجماعة من ندمائه؛ فبعث الحاكم عينا يأتيه بخبرهم، فصاروا إلى متنزّههم فأكلوا وشربوا، وجرى من حديثهم أن قال أحد أولاد المغازلى المنجم لابن هاشم: لا بدّ لك من الخلافة، فأنت إمام العصر. فلمّا عادوا ودخل ابن هاشم على الحاكم وجلس أخرج الحاكم من تحت فراشه سيفا مجرّدا وضربه به، فحمل إلى داره وكتب يعتذر عن ذنبه إن كان قيل عنه، ويحلف ويذكر أن ضربته سالمة، ويسأل الإذن فى طبيب يعالجه؛ فأجيب إلى ذلك.\rفلمّا أفاق استأذن فى الدخول إلى الحمام، فأذن له؛ فبعث الحاكم إلى الحمّام من ذبحه فيه وأتاه برأسه. وبعث إلى من حضر المجلس فقتلوا وأحرقوا بالنار، وفيهم أولاد المغازلى وابن خريطة وأولاد أبى الفضل بن الفرات وفتيان من كتامة. وتتابع القتل فى الناس من الجند والرعية بضروب مختلفة (¬١).","footnotes":"(¬١) فى هذا المكان بالأصل طيارة جاء فيها «سنة أربع وتسعين وثلاثمائة. قتل الحاكم بأمر الله جماعة منهم العسكرى منجمه، وله أخبار، وأبو على عسلوج، وابن غرة الكتامى، وعلى بن البدول الشاعر الأعمى، وعباس بن زبيرى الكتامى، والمقداد بن جعفر الكتامى، وعلى بن سلمان الكتامى، سقاه أخوه عقب خروجه من الحمام شربة سويق فمات عند وصوله إلى بيته، وقال: قتلته قتلة مستورة وكانت أحب إلى من ضرب عنقه وإحراقه بالنار على عيون الأعداء. وقتل ابن أبى خريطة صاحب برجوان، وابن المغازلى المنجم، وجعفر بن محمد الدبيثى وأبو غالب أخو فهد بن إبراهيم، وأبو إبراهيم سهل بن كلس أخو يعقوب الوزير، ورشيق الحمدانى، وإسماعيل بن سوار صاحب برجوان وابن حمود الكتامى، ومخلف بن عبد الله بن الكتامى، ويحيى بن سليمان الكتامى، ومحمد بن على بن فلاح، وابن قنطرية الكتامى. الحمد لله، القاضى الأجل أمين الدولة أبو طالب عبد الله بن محمد بن عمار بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن إدريس بن أبى يوسف الطائى، توفى بطرابلس الشام ليلة السبت نصف رجب سنة أربع وستين وأربعمائة. أمير الجيوش المظفر مصطفى الملك عدة الإمام وسيفه منتخب الدولة أنوشتكين الدزبرى … صمصام الدولة القاضى الأعز الأجل سند الحكام جلال الدولة وعمادها ذا المعالى صفى أمير المؤمنين القاضى الناصح ثقة الثقات عين الدولة أبو الحسن محمد بن عبد الله بن على بن عياض. الوزير الأجل شرف الوزراء تاج الرؤساء العادل الأمير الأوحد المكين معز الدين مغيث المسلمين عمدة أمير المؤمنين أبو الفضل يحيى بن أحمد بن المدبر، تقلد الوزارة أولا سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. الوزير الأجل الكامل الأوحد صفى أمير المؤمنين وخالصه أبو الفتوح محمد بن جعفر بن المغربى الأفضل عباس بن أبى الفتوح بن يحيى بن تميم المعز بن باديس وزير مصر فى … » اه. ويبدو أن هذه الطيارة تتكون من بضع أحداث كان المؤلف يزمع اضافتها فى مواقعها، وأن هذه المعلومات لم تكن قد اكتملت بعد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276708,"book_id":167,"shamela_page_id":416,"part":"2","page_num":48,"sequence_num":416,"body":"سنة أربع وتسعين وثلاثمائة (¬١)\rفى محرّم خلع على مظفّر الخادم الصقلبى، وحمل على ثلاث بغلات بمراكبها، ومعه ثياب كثيرة؛ وندب لحمل المظلة. وخلع على متولّى الأسود وحمل لواؤه ببرقة. وقبض على أبى داود بن المطيع. وخلع علىّ [صاحب] (¬٢) ديوان النفقات وضرب عنقه بسبب أنه سرق مائتى ألف دينار ذهب.\rوقدم مفلح اللّحيانى إلى دمشق فى المحرّم، فسار عنها تموصلت يريد مصر، ونزل بداريّا (¬٣) فمات بها فى ثانى صفر. فلما ورد خبر موته إلى الحاكم خلع على ولديه وحملهما.\rوقدم الحاجّ فى رابع عشريه.\rوفى ربيع الأول ألزم الناس بوقود القناديل باللّيل فى سائر الشوارع والأزقّة بمصر.\rوخلع على أبى يعقوب بن نسطاس المتطبّب وحمله على بغلتين ومعه ثياب كثيرة؛ ومنحت له دار بالقاهرة وفرشت، وألزم بالخدمة. وكان قد هلك منصور بن معشر الطبيب.\rوهدمت كنيستان بجانب جامع راشدة.\rوفى جمادى الآخرة حمل إلى الشريف أبى الحسن على النرسى رسمه يجارى به العادة فى كل سنة، وهو من الثياب عشرون قطعة بنحو خمسمائة دينار.\rوفى رجب قرئ سجّلان؛ أحدهما فيه إنكار الحاكم على من يخاطبه فى المكاتبة بمولى الخلق أجمعين؛ والآخر بمسير الحاج أول ذى القعدة (¬٤).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثلاثين من أكتوبر سنة ١٠٠٣. ويلاحظ أن المؤلف قد أسقط سنة ٣٩٣ من الحديث بعنوان مستقل، وإن كان قد ذكر بعض أحداثها فى أخبار السنة السابقة ٣٩٢. وسيعود المؤلف إلى مثل هذا كثيرا.\r(¬٢) ساقطة من الأصل والسياق يقتضيها.\r(¬٣) قرية كبيرة بغوطة دمشق. معجم البلدان: ٢٤:٤.\r(¬٤) كانت العادة قبل ذلك أن يسير الحاج حول منتصف ذى القعدة، وعندئذ لم يكن من السهل أن يدرك مناسك الحج والزيارة معا، وسيتبين بعد سنوات أن مرسوما آخر سيصدر بضرورة سير الحاج فى منتصف شوال.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276709,"book_id":167,"shamela_page_id":417,"part":"2","page_num":49,"sequence_num":417,"body":"وقبض على ثلاثة عشر رجلا ضربوا وشهّروا على الجمال وحبسوا ثلاثة أيام بسبب أنهم صلّوا صلاة الضحى\rوفى شعبان خرج الكتاميون إلى باب الفتوح، فترجّلوا وكشفوا رءوسهم، واستغاثوا بعفو أمير المؤمنين فأوصل إلى الحاكم جماعة منهم، فوعدهم، وكتب لهم سجلّ قرئ بالقصر والجوامع بالرضا عنهم وإعادتهم إلى رسومهم فى التكرمة.\rوأمر بهدم جامع عمرو بن العاص بالإسكندرية.\rوصلى الحاكم بالناس فى رمضان صلاة الجمعة مرتين وخطب (¬١).\rوفى سادس عشره صرف الحسين بن النعمان عن القضاء. وكان قد ضرب فى الجامع فندب الحاكم جماعة من شيوخ الأضياف يركبون معه إلى كل مجلس فيه جماعة من الخاصة وأمر أصحاب سيوف الحلى بالمشى بين يديه فى كل يوم. فكان إذا حضر إلى الجامع العتيق وقام يصلى وقف جماعة الأضياف صفّا خلفه يسترونه، ولا يصلّى أحد منهم حتى يفرغ من صلاته ويعود إلى مجلسه؛ فإذا جلس فى مجلسه كانوا قياما عن يمينه وشماله. وهو أول قاض فعل ذلك معه، وأول قاض كتب فى سجلاته قاضى القضاة؛ وعلت منزلته عند الحاكم وتخصص به. وكان له عند الحاكم جماعة يمدحونه ويبالغون فى الثناء عليه، منهم ريحان اللحيانى وزيدان ومصلح اللحيانى؛ فانبسطت يده وعظم شأنه؛ ولا عن بين رجل وامرأته؛ وتشدّد على الناس؛ فكان إذا أبطأ شاهد (¬٢) يوم جلوسه فى الجامع عن الحضور إلى داره والركوب معه رسم عليه وأغرمه مالا ليأخذه. وألزم كتّابه بملازمة داره دائما. وكانت","footnotes":"(¬١) وكانت رسوم الفاطميين تقضى بأن يصلى الخليفة الجمعة ثلاث مرات، ويستريح الجمعة الرابعة.\r(¬٢) كانت الشهادة وظيفة دينية يقوم بها الشهود المعدلون، فإذا حضر القاضى للحكم جلس الشهود المعدلون حوله يمنة ويسرة على مراتبهم فى أقدمية تعديلهم. وكان الشهود المعدلون يعينون من قبل الخليفة. صبح الأعشى: ٤٨٦:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276710,"book_id":167,"shamela_page_id":418,"part":"2","page_num":50,"sequence_num":418,"body":"إليه الدعوة أيضا. وكان قاضى القضاة وداعى الدعاة، وقد أفضل على جماعة من أهل العلم والأدب والبيوتات.\rفكانت مدّة نظره فى القضاء خمس سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما. ومولده لليلتين بقيتا من ذى الحجة سنة ثمان وخمسين. وهو أول قاض أحرق بعد قتله، فإن الحاكم أحرقه بعد ما قتله فى سادس محرم الآتى ذكره.\rوفى سادس عشر رمضان قلّد أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان القضاء إلى ما بيده من النظر فى المظالم، وخلع عليه، وقلّد سيفا محلّى بذهب، وحمل على بغلة وبين يديه سفط ثياب. فنزل فى موكب عظيم إلى الجامع العتيق، فجلس تحت المنبر ورقى أبو على أحمد بن عبد السّميع وقرأ سجلّه. وانصرف إلى داره فنزلها وحكم، واستخلف على الحكم أبا الحسن مالك بن سعيد الفارقى مضافا إلى ما كان مستخلفا عليه من الحكم فى القاهرة.\rواستكتب أبا يوسف منال لحضرته والتوقيعات عنه؛ ثم كتب له سجل بأخذ الفطرة والنجوى (¬١) وحضور المجلس بالقصر وأخذ الدعوة على الناس، وقراءة ما يقرأ على من دخل الدعوة.\rفحضر يوم الخميس الثانى عشر منه، وقرأ ما جرى الرسم بقراءته فى القصر، وأخذ النجوى والفطرة، وأوقف سائر الشهود الذين قبلهم حسين فى أيامه؛ وصرف عدّة من المستخلفين بالأعمال؛ واستكتب أبا طالب ابن السندى فوقّع بين يديه؛ واستكتب أبا القاسم علىّ ابن عمر الوراق؛ وكتب السجلات وكتب القضايا والأحكام. ولزم حسين داره وقد استبدّ خوفه؛ وحملت كتب ديوان الحكم من داره إلى دار عبد العزيز.","footnotes":"(¬١) الفطرة والنجوى والخمس رسوم مالية تؤخذ ممن يعتنقون المذهب الفاطمى، مع بعض رسوم أخرى تتفاوت بتفاوت مدى تعمق الأعضاء فى فهم الدعوة والعمل فى سبيلها. وكان يفرد لكل جماعة من الناس مجلس خاص يناسب مكانتها الاجتماعية والمذهبية. انظر فى الدعوة ورسومها ومراتبها: الخطط: ٣٩١:١ - ٣٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276711,"book_id":167,"shamela_page_id":419,"part":"2","page_num":51,"sequence_num":419,"body":"وفيه قرئ سجل بالإنكار على الكتّاب ومن يجرى مجراهم فى أخذ شيء من البراطيل (¬١) ونحوها.\rوركب الحاكم لصلاة العيد بالمصلّى، فصلّى وخطب وحضر السماط بالقصر على رسمه فى ذلك.\rوبرزت قافلة الحاج فى ثامن ذى القعدة بالكسوة والصّلات على العادة.\rوصلّى الحاكم بالناس صلاة عيد النحر، ونحر فى الملعب (¬٢).\rوفيها قتل سهل بن يوسف، أخو يعقوب بن يوسف بن كلس الوزير، بسبب قوة طمعه وكثرة شرهه. وعند ما قدّم للقتل سأل أن يدفع السّاعة ثلاثمائة ألف دينار عينا يفدى بها نفسه، فلم يجب.\rوقتل أيضا القائد أبو عبد الله الحسين بن الحسن البازيار، من أجل أنه كان إذا دخل من باب البحر (¬٣) تكون رجله على عنق دابّته ويكون الحاكم فى المنظرة التى على بابه، فتصير رجله إلى وجه الحاكم؛ وكان ابن البازيار قد اعتراه وجع النّقرس، فعدّ ذلك الحاكم عليه دينا قتله به فى شوال لسوء التوفيق.\rوفيها قدم من برقة عدّة من بنى قرّة إلى الإسكندرية، فقتلوا عن آخرهم. وذلك أن يانس لما قتل وصل عسكره إلى طرابلس، فنازلهم القائد جعفر بن حبيب فزحف إليه فلفول","footnotes":"(¬١) البراطيل جمع برطيل بمعنى الرشوة. يقال برطل فلان فلانا: رشاه، وتبرطل ارتشى وهو المقصود هنا. (البرطيل أيضا المعول) القاموس المحيط.\r(¬٢) لعل المقصود به المنحر الذى اتخذه الفاطميون لنحر الأضاحى فى عيد الأضحى، ولنحر غيرها فى عيد الغدير، وموضعه أرض فضاء بالدرب الأصفر من حى الجمالية. النجوم الزاهرة: ٩٨:٤: حاشية: ٧.\r(¬٣) باب البحر من أبواب القصر الغربية، سمى بذلك لأن الخليفة كان يخرج منه عند ما يريد التوجه إلى شاطئ المقس للنزهة. وموضعه اليوم مدخل حارة بيت القاضى بشارع بين القصرين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276712,"book_id":167,"shamela_page_id":420,"part":"2","page_num":52,"sequence_num":420,"body":"ابن خزرون ففرّ منه؛ وخرج فتوح بن على ومن معه من أصحاب يانس إلى فلفول وملّكوه عليهم؛ فقام بدعوة الحاكم، وعقد الحاكم ليحيى بن على بن حمدون الأندلسىّ على أطرابلس وكتب لبنى قرّة أن يسيروا معه، فمضوا من برقة معه وخذلوه؛ فعاد إلى القاهرة ورجع بنو قرّة إلى برقة وأظهروا الخلاف، فأمّنهم الحاكم حتى قدموا وحدهم إلى إسكندرية فقتلوا.\rواستقرت أطرابلس بيد فلفول وتداولها بنوه (¬١).","footnotes":"(¬١) بعد أن توفى فلفول سنة أربعمائة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276713,"book_id":167,"shamela_page_id":421,"part":"2","page_num":53,"sequence_num":421,"body":"سنة خمس وتسعين وثلاثمائة (¬١):\rفى سابع محرم قرئ سجل فى الجوامع يأمر اليهود والنصارى بشدّ الزّنّار ولبس الغيار (¬٢)، وشعارهم بالسواد شعار الغاصبين العباسيين.\rوفيه فحش كثير وقدح فى حقّ الشيخين ﵄.\rوقرئ سجل فى الأطعمة بالمنع من أكل الملوخية المحبّبة كانت لمعاوية بن أبى سفيان، والبقلة المسماة بالجرجير المنسوبة إلى عائشة ﵂، والمتوكلية المنسوبة إلى المتوكل (¬٣).\rوفيه المنع من عجن الخبز بالرجل، والمنع من أكل الدلنيس (¬٤)، والمنع من ذبح البقر التى لا عاقبة لا عاقبة لها إلا فى أيام الأضاحى، وما سواها من الأيام لا يذبح منها إلاّ ما لا يصلح للحرث.\rوفيه النكير على النّخّاسين والتشديد عليهم فى المنع من بيع العبيد والإماء لأهل الذمة.\rوقرئ سجّل آخر بأن يؤذّن لصلاة الظهر فى أول الساعة السابعة، ويؤذّن لصلاة العصر فى أول الساعة التاسعة. وإصلاح المكاييل والموازين والنهى عن البخس فيهما، والمنع من بيع الفقّاع (¬٥) وعمله البتّة لما يؤثر عن علىّ ﵁ من كراهة شرب الفقّاع.\rوضرب فى الطرقات بالأجراس ونودى ألا يدخل الحمام أحد إلاّ بمئزر؛ وألا تكشف امرأة وجهها فى طريق ولا خلف جنازة، ولا تتبرّج. ولا يباع شيء من السمك بغير قشر،","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن عشر من أكتوبر سنة ١٠٠٤.\r(¬٢) تكرر هذا أيام الفاطميين، فكان لا يسمح لأهل الذمة باستخدام المسلمين فى الأعمال الحقيرة، وفرض عليهم شد الزنار حول أوساطهم وحمل الصلبان أو القرامى بزنة خمسة أرطال فى أعناقهم.\r(¬٣) عرف المتوكل بكراهة العلويين، ومن صور ذلك أنه أمر بهدم قبر الحسين بن على بكربلاء ويهدم ما حوله من المنازل والدور وأن يحرث ويبذر ويسقى، ويمنع الناس من إتيانه أو زيارته.\r(¬٤) نوع من السمك الصغير لا قشر له.\r(¬٥) شراب كالرمان، سمى به لما يرتفع فى رأسه من الزبد. القاموس المحيط. ويصنع هذا الشراب من الشعير. النجوم الزاهرة: ٩:٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276714,"book_id":167,"shamela_page_id":422,"part":"2","page_num":54,"sequence_num":422,"body":"ولا يصطاده أحد من الصيادين. وتتبّعت الحمّامات وقبض على جماعة وجدوا بغير مئزر فضربوا وشهّروا.\rوفيه برزت العساكر لقتال بنى قرّة وسارت.\rوكتب فى صفر على سائر المساجد، وعلى الجامع العتيق من ظاهره وباطنه فى جميع جوانبه، وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر والصّحراء بسبّ السّلف ولعنهم، ونقش ذلك ولوّن بالأصباغ والذهب؛ وعمل كذلك على أبواب القياسر وأبواب الدور، وأكره على عمل ذلك. وأقبل الناس من النواحى والضّياع فدخلوا فى الدعوة، وجعل لهم يوم وللنساء يوم؛ فكثر الازدحام ومات فى الزحمة عدّة (¬١).\rولما دخل الحاجّ نالهم من العامة سبّ وبطش؛ فإنهم طلبوا منهم سبّ السلف ولعنهم، فامتنعوا.\rونودى فى القاهرة: لا يخرج أحد بعد المغرب [إلى] الطريق ولا يظهر بها لبيع ولا شراء فامتثل الناس لذلك.\rوفى ربيع الأول تتبّعت الدّور ومن يعرف بعمل المسكرات، وكسر من أوعيتها شيء كثير.\rوفيه أمر الحاكم بشونة تحت الجبل ملئت بالسّنط والبوص والخلفاء؛ فتخوّف الناس كافة، من يتعلّق بخدمة الدولة من الأولياء والقواد والكتاب، وسائر الرعية من العوامّ. وقويت الشّفاعات وكثر الاضطراب، فاجتمع سائر الكتاب والمتصرّفين من المسلمين والنصارى، وخرجوا بأجمعهم فى خامسه إلى الرياحين (¬٢) بالقاهرة؛ وما زالوا يقبلون الأرض","footnotes":"(¬١) فى الخطط: ٣٩١:١ - ٣٩٥ تفصيل لمراحل الدعوة ومراسمها ومجالسها المختصة بكل جماعة بعينها والرسوم التى يدفعها المنتمون إليها. راجع أيضا: الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية: محمد عبد الله عنان.\r(¬٢) لعل المقصود بها الريحانية وهى حارة نسبت إلى جماعة الريحانية وهى فئة من عسكر الفاطميين نزلوا بها وقت إنشاء القاهرة فعرفوا بها. وقد اتخذت هذه الحارة اسم بهاء الدين قراقوش، أيام صلاح الدين، إذ أنه سكن بها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276715,"book_id":167,"shamela_page_id":423,"part":"2","page_num":55,"sequence_num":423,"body":"حتى وصلوا إلى القصر، فوقفوا على بابه يدعون ويتضرعون، ويضجّون ويسألون العفو عنهم، ومعهم رقعة قد كتبت عن الجميع. ثم دخلوا باب القصر وهم يسألون أن يعفى عنهم ولا يسأل فيهم قول ساع يسعى فيهم. وسلّموا رقعتهم لقائد القوّاد، فأوصلها إلى الحاكم، فعفا عنهم وأمرهم على لسان قائد القواد بالانصراف والبكور لقراءة سجلّ بالعفو عنهم؛ فانصرفوا بعد العصر. وقرئ من الغد سجلّ كتب نسخة للمسلمين ونسخة للنصارى ونسخة لليهود بالأمان والعفو عنهم.\rوفى ليلة التاسع منه ولد للحاكم ولد، فجلس فى صبيحتها للهناء، وأمر بإحراق الشونة فأحرقت. وكان سابع المولود (¬١)، فأخرج على يد خادم إلى قائد القواد، فتسلّمه حتى أعد المزين شعره؛ وذبح عنه الشريف أبو الحسن النرسى العقيقة بيده، وحمل عثمان الحاجب الدّم والعقيقة، فأمر له بألف دينار وفرس ملجم وعدّة ثياب من أجل حمل الدم والعقيقة؛ ودفع إلى المزيّن مائتا دينار وفرس. وسمّى المولود بالحارث وكنّى بأبى الأشبال.\rوخرج قائد القواد إلى سائر الأتراك والديلم والعرفاء وقال: مولانا يقرأ عليكم السلام ويقول قد سمّيت مولاكم الأمير الحارث وكنّيته أبا الأشبال. فقبّل الجميع الأرض وأكثروا الدعاء، وانصرفوا. وزيّنت البلد أربعة أيام.\rوفيه رسم الحاكم لجماعة من الأحداث أن يتقافزوا من موضع عال فى القصر، ورسم لكل منهم بصلة؛ فحضر جماعة وتقافزوا، فمات منهم نحو ثلاثين إنسانا من أجل سقوطهم خارجا عن الماء على صخر هناك؛ ووضع لمن قفز ماله.\rوفى ربيع الآخر اشتد خوف كافة الناس من الحاكم، فكتب ما شاء الله من الأمانات للغلمان الأتراك الخاصة وزمامهم ومن معهم من الحمدانية، والبكجورية، والغلمان العرفاء،","footnotes":"(¬١) أى حل اليوم السابع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276716,"book_id":167,"shamela_page_id":424,"part":"2","page_num":56,"sequence_num":424,"body":"والمماليك، وصبيان الدار، وأصحاب الإقطاعات، والمرتزقة، والغلمان الحاكمية القدم.\rوكتب أمان لجماعة من خدم القصر الموسومين بخدمة الحضرة بعد ما تجمّعوا وساروا إلى تربة العزيز وضجّوا بالبكاء وكشفوا رءوسهم. وكتبت عدة سجلات بأمانات للديلم والخيل والغلمان الشرابية، والغلمان المرتاحية، والغلمان البشارية، والغلمان المفرقة العجم وغيرهم، والنقباء، والروم المرتزقة (¬١). وكتبت عدة أخرى بأمان الزّويلين، والمنادين، والبطالين، والبرقيّين، والعطوفية، والجوانية، والجودرية، والمظفرية، والصنهاجيين، وعبيد الشراء بالحسينية، والميمونية، والفرجية. وكتب أمان لمؤذنى أبواب القصر، وأمانات لسائر البيازرة والفهّادين والحجالين، وأمانات أخرى لعدة أقوام، كل ذلك بعد سؤالهم وتقرّبهم.\rوفيه أمر بقتل الكلاب، فقتل منها ما لا يحصى حتى لم يبق منها بالأزقة والشوارع شيء، وطرحت بالصحراء وبشاطئ النيل؛ وأمر بكنس الأزقّة والشوارع وأبواب الدور فى كل مكان، ففعل ذلك.\rوفى جمادى الآخرة فتحت دار الحكمة (¬٢) بالقاهرة، وجلس الفقهاء فيها، وحملت الكتب اليها، ودخلها الناس للنّسخ من كتبها وللقراءة. وانتصب فيها الفقهاء والقرّاء والنّحاة وغيرهم من أرباب العلوم، وفرشت، وأقيم فيها خدام لخدمتها، وأجريت الأرزاق على من بها من فقيه وغيره؛ وجعل فيها ما يحتاج إليه من الحبر والأوراق والأقلام.","footnotes":"(¬١) هذا عنصر يستحق الاهتمام إذ أننا لا نجد فى الجيش الفاطمى وحرس القصر جماعات تنتسب فقط إلى قبائلها كالكتاميين والزويليين واللواتيين، أو إلى قادتها كالحمدانيين والبكجوريين، أو إلى وظائف بعينها كالوزيرية والركابية، وإنما نجد الجند المرتزقة الذين يتكسبون بالجندية مثل هؤلاء الروم المرتزقة والغز المصطنعة.\r(¬٢) وتعرف أيضا بدار العلم. يقول المقريزى فى الخطط: ونقل إليها من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الكتب التى أمر بحملها إليها من سائر العلوم والآداب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله مجتمعا لأحد من الملوك، وأباح ذلك كله للناس فحضرها الناس على طبقاتهم لقراءة الكتب أو للنسخ أو للتعليم، وأحضر الحاكم إليها جماعات من أهل الحساب والمنطق والفقهاء والأطباء للمناظرة بين يديه، فكانت كل جماعة تحضر على انفرادها. وأغلقها الأفضل بن بدر الجمالى، ثم أنشئت دار أخرى جديدة سنة ٥١٧، أنشأها الوزير المأمون البطائحى. الخطط: ٤٤٥:١، ٤٥٨ - ٤٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276717,"book_id":167,"shamela_page_id":425,"part":"2","page_num":57,"sequence_num":425,"body":"وفيه اشتد الطلب على الركابية (¬١) المستخدمين فى الرّكاب بعد أن قتل منهم فى يومين أكثر من خمسين نفسا فتغيّبوا؛ وامتنع أحد من الناس أن يمشى بين يديه غلام أو شاكرى (¬٢)، فكانت القواد ومن جرى رسمه أن يكونوا بين يديه يسيرون وحدهم، وإذا نزل أحدهم للسّلام أمسك خادمه الدابة؛ ثم عفى عنهم وكتب لهم أمان. وكتب لعدّة من الناس عدّة أمانات.\rوفيه منع كلّ أحد ممّن يركب أن يدخل من باب القاهرة راكبا؛ ومنع المكاريّون أن يدخلوا بحميرهم؛ ومنع الناس من الجلوس على باب الزهومة (¬٣) من التجار وغيرهم؛ ومنع كلّ أحد أن يمشى ملاصق القصر من باب الزّهومة إلى باب الزّمرد. ثم أذن للمكاريين فى الدخول وكتب لهم أمان. وتخوّف الناس، فخرج أهل الأسواق على طبقاتهم، كل طائفة تسأل كتابة أمان، فكتب ما ينيف عن المائة أمان لأهل الأسواق خاصة، قرئت كلّها فى القصر ودفعت لأربابها، وكلّها على نسخة واحدة. وهى بعد البسملة:\r«هذا كتاب من عبد الله ووليّه المنصور أبى علىّ الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، لأهل مشهد عبد الله إنكم من الآمنين بأمان الله الملك الحقّ المبين، وأمان سيّدنا محمد خاتم النبيين، وأبينا علىّ خير الوصيّين، وذرية النبوّة المهديين آبائنا، صلى الله على الرسول ووصيّه وعليهم أجمعين. وأمان أمير المؤمنين على النّفس والأهل والدم والمال. لا خوف عليكم، ولا تهديد بسوء إليكم، إلاّ فى حدّ يقام بواجبه، وحقّ يوجد لمستوجبه. فليوثق","footnotes":"(¬١) الركابية والركابدارية الذين يحملون الغاشية بين يدى السلطان أو الخليفة فى المواكب، وهم تابعون لبيت الركاب الذى تكون به السرج واللجم ونحوها. والغاشية السرج أو الغطاء المزركش الذى يوضع على ظهر الفرس فوق البرذعة. صبح الأعشى: ٧:٤، ١٢. والركابية أيضا المكارون العاديون فى الأسواق.\r(¬٢) الشاكرى: الساعى أو الرسول الذى يحمل الرسائل.\r(¬٣) من الأبواب الغربية للقصر الكبير، سمى بذلك لأن اللحوم وحوائج الطعام كانت تدخل إلى القصر منه. والزهومة الزفر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276718,"book_id":167,"shamela_page_id":426,"part":"2","page_num":58,"sequence_num":426,"body":"بذلك وليعوّل بأمان الله. وكتب فى جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. والحمد لله وصلى الله على محمّد سيد المرسلين، وعلىّ خير الوصيين، وعلى الأئمة المهديين ذرية النبوّة، وسلّم تسليما».\rوفى يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان ولد للحاكم ولد ذكر، فجلس الحاكم يوم الخميس للهناء. وكان السابع يوم الثلاثاء، فحمله شكر الخادم، وحضر أبو الحسن على ابن إبراهيم النرسى وعقّ عنه، وحضر المزيّن فحلق شعره وتناول ما له من الرسم. وسمّاه الحاكم عليّا وكناه أبا الحسن؛ وهو الذى ولى الخلافة وتلقب بالظّاهر.\rوفيه فرش جامع راشدة. وركب الحاكم يوم عيد الفطر وعليه ثوب مصمت (¬١) أصفر، وعلى رأسه منديل منكر، وهو محنك (¬٢) بذؤابة والجوهر بين عينيه. وقيد بين يديه ستّة أفراس بسروج مرصعة بالجوهر، وست فيلة، وخمس زرافات؛ فصلى بالناس صلاة العيد وخطبهم، فلعن فى خطبته ظالمه حقّه والمرجفين به؛ وأصعد معه قائد القواد وقاضى القضاة عز الدين.\rوفيه اضطرب السّعر واختلف الناس فى الدّراهم والصرف، فكانت المعاملة بالدراهم الزائدة والقطع، واستقر سعرها على ستة وعشرين درهما بدينار (¬٣).","footnotes":"(¬١) الثوب المصمت الذى لا يخالط لونه لون آخر. النجوم الزاهرة: ١٩٣:٤.\r(¬٢) يعنى أنه أدار عامته على حنكه كما تفعل بعض جماعات العرب والمغاربة.\r(¬٣) يبدو أن التعامل بالدراهم، فى مصر الفاطمية، يرجع إلى عصر الخليفة الحاكم الذى توقع قلة الإنتاج من الذهب إزاء الزيادة فى استخدامه لأغراض مختلفة والإقبال الهائل على اختزانه، فهداه تفكيره إلى اتخاذ هذه الخطوة حتى لا تفاجأ البلاد بأحداث قد تتعسر مواجهتها. وبذلك أصبحت مصر تستعمل نظام النقدين، وأخذت الدولة تحدد نسبة كل من النوعين للآخر طبقا للظروف وقد صحب استعمال هذه العملة النقدية الفضية الجديدة أزمة نقدية يبدو أن ما ذكر هنا صورة لها، وقد حدث مثلها فى سنة سبع وتسعين وثلاثمائة فاضطرب سعر الدرهم المتزايد بالنسبة لسعر الدينار فبلغ - كما جاء فى المتن - ستة وعشرين درهما بدينار، وبلغ سنة سبع وتسعين وثلاثمائة أربعة وثلاثين درهما بدينار. فاضطربت أمور الناس وتدخلت الحكومة بصور متعددة لحماية نقدها. انظر حالة مصر الاقتصادية فى عصر الفاطميين لراشد البراوى: ٣٠٤ - ٣٠٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276719,"book_id":167,"shamela_page_id":427,"part":"2","page_num":59,"sequence_num":427,"body":"وفى أول ذى القعدة برزت قافلة الحاجّ إلى مصلّى القاهرة، ثم رفعت إلى جبّ عميرة فى سابعه، وسارت ليلة العاشر منه بالكسوة للكعبة والرّسوم على العادة.\rوفيه كسر الخليج والماء على خمسة عشر ذراعا وسبعة أصابع، وهو آخر يوم من مسرى. وحضر الحاكم وعلى رأسه تاج مكلّل بالجواهر. ونودى فى الناس بأن يلعبوا بالماء فى النّوروز على عادتهم، ففعلوا.\rونزل الحاكم يوم النّحر إلى المصلّى، فصلّى بالناس وخطب، ونحر بها ثلاث بدن، وعاد إلى القصر فحضر السّماط، ثمّ نحر فى الملعب إحدى وعشرين بدنة؛ وواصل النحر أيّاما.\rوفيها قتل القاضى حسين بن النعمان؛ ضربت رقبته ثم أحرق بالنار. وذلك أن متظلّما رفع رقعة إلى الحاكم يذكر فيها أن أباه توفّى وترك له عشرين ألف دينار، وأنّها فى ديوان القاضى، وقد أخذ منها رزق أوقاف معلومة، وأنّ القاضى حسين بن النعمان عرّفه أن ماله قد نجز. فدعا به وأوقفه على الرّقعة، فقال كقوله للرجل من أنّه قد استوفى ماله من أجرة. وأمر بإحضار ديوان القاضى، فأحضر من ساعته، فوجد أنّ الذى وصل إلى الرّجل أيسر ماله. فعدّد على القاضى حسين ما أقطعه وأجرى له وما أزاح من علله لئلا يتعرض إلى ما نهاه عنه من هذا وأمثاله. فقال: العفو والتوبة؛ فأمر به فضربت عنقه وأحرق.\rوقتل عدّة أناس يزيد عددهم على مائة نفس؛ ضربت أعناقهم وصلبوا،\rوقتل عبد الأعلى بن هاشم من القرابة، لأنه كان يتحدث بأنه يلى الخلافة، وأنه كان يجمع قوما ويعدهم بولاية الأعمال. وقد تقدّم خبره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276720,"book_id":167,"shamela_page_id":428,"part":"2","page_num":60,"sequence_num":428,"body":"سنة ست وتسعين وثلاثمائة (¬١):\rفيها ذكر المسبّحى خبر أبى ركوة الوليد بن هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الأموى (¬٢) ولد بالأندلس وقدم القيروان، فانتصب يعلّم الصّبيان بها القرآن، ثم دخل إلى مصر فأقام بها وبأريافها يعلم الصّبيان مدّة، ثم خرج إلى الإسكندرية وقد أكثر الحاكم من الإيقاع ببنى قرّة وأكثر من قتلهم وتحريقهم بالنار، فخلعوا طاعته. وسبب ذلك أن بنى قرّة كان شيخهم مختار بن القاسم، فلما بعث الحاكم يحيى بن على الأندلسى يخرج فلفول بن سعيد بن خزرون بطرابلس على صنهاجة ساروا معه إلى طرابلس، وجرت الهزيمة عليه ورجعوا إلى برقة. فتنكر لهم الحاكم، فامتنعوا عليه، فبعث لهم بالأمان؛ فقدم وفدهم إلى الإسكندرية فقتلهم عن آخرهم سنة أربع وتسعين. وكان عندهم معلّم القرآن واسمه الوليد بن هشام، ينسب إلى المغيرة بن عبد الرحمن من بنى أمية؛ وكان يزعم أن له أثارة من علم، ويخبر بأنه سيملك ما ملكه آباؤه، وكان يقال له أبو ركوة. فدعاهم إلى نفسه فبايعوه، وتلقب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله.\rثم بعث إلى لواتة ومزانة وزناتة فاستجابوا له؛ ورحل إلى برقة، والناس يباكرونه فى كلّ يوم فيسلّمون عليه بالخلافة ويقبّلون له الأرض، فيجلس فى وسطهم ويقول:\rأنا واحد منكم وما أريد شيئا من هذه الدّنيا، ولا أطلبها إلاّ لكم، وليس معى مال أعطيكم","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن من أكتوبر سنة ١٠٠٥.\r(¬٢) وكنى أبا ركوة لركوة كان يحملها فى أسفاره على طريقة الصوفية. ابن الأثير: ٦٨:٩. «وقد تعاظم أمره على الحاكم حتى عزم على الخروج إلى الشام وبرز إلى بلبيس بالعساكر والأموال، فأشير عليه بالعود إلى مصر، فعاد». النجوم الزاهرة: ٢١٢:٤. ويذكر ابن القلانسى أن أبا ركوة كتب بأبيات شعرية إلى الحاكم وأرسلها مع ختكين الداعى استهلها بقوله: يا أمير المؤمنين إن الذنوب عظيمة، والدماء حرام ما لم يحلها سخطك، وقد أحسنت وأسأت، وما ظلمت إلا نفسى. وسلم ختكين الرقعة إلى القائد الحسين بن جوهر الذى رفعها إلى الحاكم. ولكن ذلك لم ينجه من مصيره. ذيل تاريخ دمشق: ٦٥ - ٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276721,"book_id":167,"shamela_page_id":429,"part":"2","page_num":61,"sequence_num":429,"body":"وإنّما لى عليكم طاعة، وإن نصرتمونى نصرتم أنفسكم، وإن قاتلتم معى أخذتم حقكم بأيديكم فيقولون له: يا أمير المؤمنين نحن مبايعون لأمرك مطيعون لك، فمرنا بأمرك.\rفلم يزل معهم يطوف قرى برقة ويأخذ البيعة، إلى أن عظم أمره وهو فيما بين الإسكندرية وبرقة. فبعث إليه الحاكم جيشا عليه ينال الطويل التركى فى نصف شعبان سنة خمس وتسعين، فواقعه أبو ركوة وقتله ومعظم عسكره، وظفر من الأموال والخيل والسّلاح والنّعم الجليلة بما قوى به، واشتدّ بأسه.\rوكان فى ظهور أبى ركوة طلع كوكب الذؤابة، فكان يضيء كالقمر وله بريق ولمعان، ويقوى ويكثر نوره وأمر أبى ركوة يشتد ويعظم. فأقام هذا الكوكب شهورا، ثم اضمحلّ نوره وضعف لمعانه وأخذ أمر أبى ركوة ينقص ويضعف إلى أن أخذا أسيرا، فغاب الكوكب ولم ير بعد ذلك؛ فكان شأن هذا الكوكب فى دلالته على أبى ركوة من أعجب العجب.\rوابتدأ الحاكم فى تجريد العساكر شيئا بعد شيء، ونزل أبو ركوة بعد ظفره على برقة فحاصرها، وصندل الحاكم أميرها يقاتله، حتى اشتد الحصار ومنع أهل برقة من الميرة، ففرّ صندل، ومعه شيوخ البلد، إلى الحاكم، وحثّه على بعث الجيوش، وأعلمه بقوة أبى ركوة واستفحال أمره. ودخل أبو ركوة إلى مدينة برقة واستخرج الأموال، وأقطع بنى قرّة أعمال مصر، مثل دمياط وتنّيس والمحلة وغيرها، وكتب خطه بذلك؛ وأقطع دور القواد والأكابر التى بالقاهرة ومصر؛ وجدّد البيعة لنفسه. فندب الحاكم لقتاله القائد أبا الفتوح فضل بن صالح (¬١) فى ربيع الأول سنة ستّ وتسعين، وأتبعه بالعساكر فاجتمعت","footnotes":"(¬١) هو الفضل بن عبد الله بن صالح من الأمراء الذين كانوا يسيرون فى ركاب العزيز بالله، وقد أصبح من القواد الكبار على زمن الحاكم، نظم فيه أبو القاسم عبد الغفار، شاعر الحاكم، أبياتا ضمن قصيدة فى مدح الحاكم، منها:\rإنما الفضل غرة … فى وجوه المدائح\rأريحى، رياحه … عبقات الروائح\rكعبة الجود كفه … بين غاد ورائح\rإنما تصلح الأمور … وبرأى ابن صالح\rانظر: الفاطميون فى مصر: ١٥٨ - ١٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276722,"book_id":167,"shamela_page_id":430,"part":"2","page_num":62,"sequence_num":430,"body":"بالإسكندرية، وسار بها، فلقيه أبو ركوة بذات الحمام (¬١). وكانت بينهما حروب آلت إلى هزيمة العسكر والاحتواء على ما فيه من مال وسلاح؛ فعظم شأن أبى ركوة.\rووردت الجند على الحاكم بذلك للنّصف من رمضان، فكان من تدبير الحاكم أن دعا بوجوه رجاله وقوّاده، فأمرهم أن يكاتبوا أبا ركوة ويعرّفوه أنّهم على مذهبه ورأيه، وأنه إن توجّه إليهم وقرب منهم صاروا فى جملته وقاتلوا معه؛ وذكروا ما يقاسونه من قتل وجوههم وأكابرهم، وأنهم لا يأمنون فى ليلهم ولا نهارهم، مع ما يسمعونه من انتقاص الشرف ونحو هذا. فكتبوا بذلك وأنفذوا إليه عدّة كتب من كل واحد منهم كتابا مع رسوله.\rفلما تواتر ذلك عليه وثق به ولم يشكّ فيه، وحشد جموعه ووعدهم بأموال مصر ونعمها، وسار. فخلع الحاكم على أبى الحسن علىّ بن فلاح، وسيّره إلى ضبط بركة الحبش فى عسكر، فأقام بها أياما؛ ثم عدّى إلى الجيزة، وتلاحقت به العساكر برّا وبحرا.\rواضطربت الأسعار بمصر، وعدم الخبز وبيع مبلولا ستّة أرطال بدرهم، وكان يباع عشرة أرطال بدرهم، وأنفق فى العساكر المتوجهة لكلّ واحد أربعة وعشرين دينارا.\rوكوتب على بن صفوح بن دغفل بن الجراح الطائى، فحضر فى سابع عشر شوال، وخلع عليه، وطوّق بطوق من ذهب، وحمل.\rوتزايد سعر الدقيق والخبز وروايا الماء، وازدحم الناس عليها.\rوخلع على القائد فضل بن صالح ثوب ديباج مثقل طميم أحمر ومنديل ذهب، وقلّد بسيف وحمل على فرس بمركب ذهب، وبين يديه تسعة من الخيل وثلاثون بندا مذهبة","footnotes":"(¬١) هناك عدة قرى تحمل اسم الحمام، منها واحدة بقسم أبنوب شرقى النيل على مسافة ساعة منه وجنوب أبنوب على مسافة نصف ساعة، ولذا يقال أبنوب الحمام؟ وقرية أخرى جنوب مدينة أدفو من أعمال إسنا، وثالثة فى أول بلاد الفيوم. الخطط التوفيقية: ٧٥:١. وفى القاموس المحيط: ذات الحمام قرية بين الإسكندرية وإفريقية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276723,"book_id":167,"shamela_page_id":431,"part":"2","page_num":63,"sequence_num":431,"body":"وأربعة عشر سفطا فيها أنواع الثياب. وسار إلى الجيزة، وأكمل لكلّ واحد من العساكر السّائرة خمسون دينارا. ونزلت إليه خزانة السلاح (¬١).\rوورد الخبر بنهب الفيّوم؛ فجهزت إليها سرية، فأوقعوا بأصحاب أبى ركوة وبعثوا إلى القاهرة بعدّة رءوس طيف بها.\rوسار القائد فضل من الجيزة فى رابع ذى القعدة والغلاء بالعسكر، فبيعت الويبة من الشعير بخمسة دراهم والخبز ثلاثة أرطال بدرهم.\rوأقام على بن فلاح فى مضاربه بالجيزة، وحمل إليه خيمة وخمسة أفراس بمراكبها، وسيف، وألفا دينار وثلاثون ثوبا، فأنفق فى أصحابه.\rفلما كان فى ثامن عشر ذى القعدة وقع فى الناس خوف فى اللّيل وضجيج، فنزلت العساكر طائفة بعد طائفة، والناس جلوس فى الشوارع وعلى أبواب الدّور ليلهم كلّه، يبتهلون بالدعاء بالنّصر، فلحقت هذه العساكر بابن فلاح وهو بالجيزة؛ فسيّر عسكرا إلى الفيّوم، وأقام على خوف ووجل. فبلغ أبا ركوة إقامة علىّ بن فلاح بالجيزة، فأسرع إليه وكبس عسكره ونهب سواده؛ وأخذت خزائن السلاح؛ ووقع القتال الشديد فقتل خلق كثير من أصحابه وجرح خلق لا يحصى. ولما نزلت خزائن السلاح من عند الحاكم مع قائد القوّاد، وعظم البكاء والضّجيج على شاطئ النيل لكثرة القتلى فى العسكر، منع ابن فلاح من حمل الموتى إلى مصر، وأمر بدفنهم فى الجيزة. وافتقد كثير من العسكر فلم يعلم لهم خبر، ولم يسلم من العسكر إلاّ القليل؛ فغلّقت الأسواق، وجلس الناس بالشوارع","footnotes":"(¬١) خزانة السلاح كانت بالقصر الكبير فى صدر الشباك الذى يجلس فيه الخليفة تحت القبة. الخطط: ٤٠٧:١. وكان الخلفاء يقومون بتفتيشها من وقت لآخر، كما كانوا يقومون بتفتيش سائر الخزائن، وفى مناسبات التفتيش يعطى لأمين الخزائن مبلغ معين تفضلا من الخليفة، فكان أمين خزائن السلاح يحصل على خمسة وعشرين دينارا. الفاطميون فى مصر: ٢٦٥ نقلا عن خطط المقريزى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276724,"book_id":167,"shamela_page_id":432,"part":"2","page_num":64,"sequence_num":432,"body":"غمّا لما جرى على العسكر؛ وتزايد البكاء من الناس على فقد آبائهم ومعارفهم. وباتوا وأصبحوا يوم السبت العشرين منه، فورد الخبر بدخول أبى ركوة فى جموعه إلى الفيّوم؛ وسار فضل بن صالح لقتاله، فالتقى معه فى ثالث ذى الحجة وحاربه، فكانت وقعة عظيمة قتل فيها ما لا يحصى كثرة. وانهزم أبو ركوة، واستأمن بنو كلاب وغيرهم من العرب.\rفسارت العساكر فى طلب أبى ركوة، وحضرت الرءوس من الفيوم ومعها الأسرى، وهى تجاوز ستة آلاف رأس ومائة أسير، فطيف بها بالبلد، وقتل الأسرى بالسّيوف بعد ما لحقهم أنواع البلاء بيد العامة، يصفعون أقفيتهم وينتفون لحاهم، ويضربونهم، حتى تفتّحت أكتاف كثير منهم، فكان أمرا مهولا. وتواتر مجئ من أخذ من عسكر أبى ركوة فجئ بخلق كثير وعدّة رءوس.\rودخل ابن فلاح من الجيزة فخلع عليه. واستمر القائد فضل فى طلب أبى ركوة وهو يبعث بمن قبض عليه من الرجال وبرءوس من يقتلهم شيئا بعد شيء. وعاد علىّ بن الجراح من عند القائد فضل فخلع عليه.\rوفى الثانى من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ورد الخبر من القائد الفضل بن صالح بحصول أبى ركوة ووقوعه فى يده، فابتهج الناس لذلك؛ وخلع على قائد القواد وعلى أولاده وعلى البدوىّ الذى خرج فى طلب أبى ركوة حتى أدركه ببلد النوبة؛ وعلى أبى القاسم علىّ بن القائد فضل، وعلى ابنه. وذلك أن أبا ركوة دخل بعد هزيمته إلى بلد النوبة، فتبعه القائد فضل وبعث إلى ملك النوبة بالقبض على أبى ركوة، وسيّر إليه عسكرا مع الكتاب. فلما بلغوا أطراف النّوبة وجدوا أبا ركوة قد اختفى بدير هناك وله فيه أربعة عشر يوما؛ فدلّهم عليه رجل من العرب (¬١)، فقبضوا عليه فى ربيع الأول منها","footnotes":"(¬١) واسم هذا الدير دير أبى شنودة فى أطراف النوبة وكان المساعد على القبض عليه الشيخ أبو المكارم هبة الله. ويذكر النويرى، نقلا عن بعض المؤرخين، أنه اعتبرت الأكياس التى خرجت مع القائد فضل لما خرج للقاء أبى ركوة فكانت زنتها فوارغ خمسة وعشرين قنطارا، وأن جملة ما أنفق فى هذه الفتنة ألف ألف دينار. نهاية الأرب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276725,"book_id":167,"shamela_page_id":433,"part":"2","page_num":65,"sequence_num":433,"body":"وأتوا به إلى القائد فضل. فسار به إلى مصر ونزل بركة الحبش (¬١) يوم الجمعة للنصف من جمادى الآخرة، فخرج إليه قائد القواد بسائر [رجال] الدولة، وسلم عليه، وأبو ركوة فى مضرب ومعه القائد فضل؛ فأقام هناك إلى بكرة يوم الأحد سابع عشره؛ فسار من بركة الحبش بعساكره وأبو ركوة على جمل فوق سرير، وعليه ثوب مشهّر، وفوق رأسه طرطور طويل ومعه رجل يمسكه. وذلك أنه لما ألبس الطرطور صاح: يا فضل، يا أبا الفتوح، ما كذا ضمنت لى. فصفع صفعة منكرة وأمسك يديه هذا القائد خلفه، وقد اجتمع الناس من كل جهة، فكان جمعا لم ير مثله كثرة، وأوجرت الدور والحوانيت بحمله (¬٢) وبات الناس على الطرقات حتى وصل به إلى القصر، فأوقف ساعة على باب القصر وهو يشير بإصبعه ويطلب العفو، والصفع فى قفاه؛ ويقال له قبّل الأرض فيقبّل؛ ثم سير به إلى مسجد تبر. فلما خرج من باب القاهرة أشار إلى الناس يرجمونه بالحجر والآجرّ، ويصفعونه وينتفون لحيته، حتى عاين الموت مرارا، إلى أن بلغ مسجد تبر، فضرب عنقه وصلب جسده؛ وحمل رأسه إلى الحاكم؛ فخلع على القائد فضل وغيره من القوّاد والعرفاء الذين كانوا معه، وخلع على قائد القواد. فكان يوما عظيما مهولا لكثرة اجتماع الناس.","footnotes":"(¬١) بركة الحبش وهى بركة المغافر وبركة حمير وبركة الأشراف، واشتهرت ببركة الحبش، وهى بركة لم تكن عميقة المياه، وإنما كانت حوضا زراعيا يغمره النيل وقت الفيضان عبر خليج يعرف بخليج بنى وائل كان يستمد مياهه من النيل جنوبى الفسطاط، فيتحول الحوض وقت الفيضان إلى ما يشبه البركة. وعرفت ببركة الحبش لأنها كانت من ممتلكات بعض الرهبان الأحباش. النجوم الزاهرة: ٣٨٢:٦. وأول من زرع هذا الحوض قرة بن شريك، والى مصر ٩١ - ٩٦ هـ. وعرفت ببركة الأشراف لأنها صارت بعد الأمويين وقفا على الطالبيين، وكانت من أكبر منتزهات مصر. الخطط: ٤٨٦:١، ١٥٢:٢ - ١٥٧، قوانين الدواوين: ١٠٢.\r(¬٢) هكذا فى الأصل: فقد يكون المعنى: «وأثقلت الدور والحوانيت بحمل هذا الجمع» أو لعل صحة العبارة «وأجرت الدور والحوانيت بجملة».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276726,"book_id":167,"shamela_page_id":434,"part":"2","page_num":66,"sequence_num":434,"body":"وأقاموا ليلتين فى الحوانيت والشوارع وعلى أبواب الدور يظهرون المسرّة والفرح (¬١).\rوأظهر أبو ركوة فى مواقف الألم صبرا وتجلّدا؛ وكان لا يخاطب القائد الفضل إلا باسمه أو بكنيته. ولما أقام فى بركة الحبش، وخرج الناس ورأوه، كان يسأل من يلقاه عن اسمه وكان يتلو القرآن ويترحّم على السّلف. وكان شابا أسمر تعلوه حمرة، مستنّ الوجه طويل الجبهة، أشهل (¬٢) بزرقة، أقنى، صغير اللحية، أصهب (¬٣) إلى الشّقرة ظاهر القطوب تبين فيه الجد، لا يكاد يتجاوز ثلاثين سنة يوم قتل. ويقال إنه ولد رجل من موالى بنى أمية.\rولما قتل أبو ركوة نفذت الكتب إلى الأعمال كلها بخبر الفتح. فلما كان فى رجب ورد شيوخ كل ناحية وقضاتها، وقضاة الشام وشيوخه، لتهنئة الحاكم بالظفر وأخذ أبى ركوة. وقدم أبو الفتوح حسن بن جعفر الحسنى أمير مكة فى شعبان لتهنئته، فخلع عليه وأكرمه، وأنزل بدار برجوان.\rوفيه أرجف الناس بأن القائد فضل بن صالح ينظر فى أمور الدولة وتدبيرها بدل قائد القواد حسين بن جوهر؛ وكان بينهما فى الباطن تباعد من جهة الرّتبة والحسد عليها:\rوكان القائد فضل قد تفاقم وعظم تيهه وترفّعه على قائد القواد فى قوله وفعله: قال المسبحى:\rقال لى الحاكم بأمر الله وقد جرى حديث أبى ركوة: ما أردت قتله ولكن جرى فى أمره","footnotes":"(¬١) كان بالقاهرة شيخ يقال له الأبزارى إذا خرج خارجى صنع له طرطورا وعمل فيه ألوان الخرق المصبوغة، وأخذ قردا وجعل فى يده درة يعلمه أن يضرب بها الخارجى من ورائه، ويعطى فى سبيل ذلك مائة دينار وعشر قطع ثياب. وقد اشترك هذا الأبزارى مع قرده فى موكب التشهير بأبى ركوة. النجوم الزاهرة: ٢١٦:٤. ويذكر صاحب النجوم الزاهرة فى موته أن الحاكم أمر به أن يحمل إلى ظاهر القاهرة ويضرب عنقه على تل بإزاء مسجد ريدان، فحمل إلى هناك، ولما أنزل فإذا به ميت فقطع رأسه وحمل إلى الحاكم فأمر بصلب جسده. النجوم الزاهرة: ٢١٧:٤.\r(¬٢) الشهلة فى العين أن يشوب سوادها زرقة.\r(¬٣) الصهبة والصهوبة احمرار الشعر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276727,"book_id":167,"shamela_page_id":435,"part":"2","page_num":67,"sequence_num":435,"body":"ما لم يكن عن اختيارى، فقلت له: يا أمير المؤمنين، ما قصّر عبدك الفضل بن صالح فى خدمته، قال: وإيش تظن أن فضل أخذ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، هذا قول الناس.\rفقال: والله العظيم ما أفلح فضل فى حركته تلك، ولا أنجح ميزاننا. أنفقنا ألف ألف دينار ذهبا صناعا، وإنما أخذه ملك النوبة وأنفذ به إلىّ. فقلت صدقت يا أمير المؤمنين وعلمت أن هذا مما قرّر قائد القوّاد الحسين بن جوهر فى نفسه ليبطل فعل فضل وخدمته، فاستقر.\rوأما خبر القاهرة فإنه جرى الأمر فى يوم عاشوراء على العادة من تعطيل الأسواق وخروج المنشدين والنّاحة إلى جامع القاهرة (¬١)، فتظاهروا فيه بسبّ السّلف، فقبض على رجل ونودى عليه: هذا جزاء من سب عائشة وزوجها؛ وضربت عنقه. وتقدّم الأمر إلى أصحاب الشرطة ألا يتعرّض أحد لسبّ السّلف، ومن فعل ذلك قبض عليه، فانكفّ الرعاع عن السبّ والتعرّض للحاجّ.\rوللنصف من صفر وردت قافلة الحاج.\rوفى نصف ربيع الأول جمع الحاكم نحو ألفى باقة نرجس وأتحف بها الأولياء.\rواستهل رجب بيوم الأربعاء، فخرج أمر الحاكم إلى أصحاب الدواوين بأن يؤرخوه بيوم الثلاثاء.\rوفيه هبّت ريح عاصفة، ثم أرعدت ونزل المطر وفيه برد كهيئة الصفائح إذا سقط إلى الأرض تكسر، فكان فيه ما يبلغ وزنه زيادة على أوقيتين، وفيه ما هو قدر البيضة، فغطى الأرض؛ وأقام الناس أياما يتبعونه فى الأسواق. ولم يعهد مثل ذلك بمصر.","footnotes":"(¬١) فى مناسبة ذكرى استشهاد الحسين، ﵁، وكان هذا الاحتفال الحزين يقام فى العراق أيضا على أيام بنى بويه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276728,"book_id":167,"shamela_page_id":436,"part":"2","page_num":68,"sequence_num":436,"body":"وجرى الرسم فى شهر رمضان كل ليلة على العادة، وصلى الحاكم فيه بالناس صلاة الجمعة وخطب ثلاث مرات. وصلى يوم عيد الفطر بالناس وخطب بالمصلّى على عادته.\rوللنصف من ذى القعدة (¬١) سارت قافلة الحاج بكسوة الكعبة وصلات الأشراف وغيرها على [ما جرى به الرسم] (¬٢).\rوفتح الخليج فى السابع والعشرين من مسرى (¬٣) والماء على خمس عشرة ذراعا وأصابع، فلم يركب الحاكم لفتحه؛ ولم يوف ست عشرة ذراعا إلى ثامن توت؛ فخلع على ابن أبى الردّاد، وحمل.\rواجتمع الناس الذين جرت عادتهم بحضور القصر لسماع ما يقرأ من كتب مجالس الدعوة، فضربوا بأجمعهم، ولم يقرأ عليهم شيء.\rوفيها رحل بنو قرّة من البحيرة بأرض مصر إلى ناحية من عمل برقة مع كبيرهم مختار بن قاسم.","footnotes":"(¬١) كان الحاكم بأمر الله قد أصدر مرسوما فى سنة ٣٩٤ بأن يسير الحاج أول ذى القعدة بعد أن كانت العادة قد جرت بخروجه فى منتصفه، وبهذا خرج الحاج هذه السنة فى الموعد القديم.\r(¬٢) زيد ما بين الحاصرتين استعانة بما ورد فى السنوات السابقة فى مثل هذه المناسبة وفى الأصل فراغ صغير بعد كلمة «على».\r(¬٣) ويوافق اليوم الثانى والعشرين من ذى القعدة. وكانت الشئون الزراعية تخضع لتوقيت السنة القبطية، وهى ثلاثمائة وستون يوما، ومعها النسئ خمسة أيام وربع يوم تحل بعد انقضاء شهر مسرى، وفى كل أربع سنين تكون النسئ ستة أيام وتسمى عندئذ الكبيس. قوانين الدواوين: ٣٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276729,"book_id":167,"shamela_page_id":437,"part":"2","page_num":69,"sequence_num":437,"body":"سنة سبع وتسعين وثلاثمائة (¬١):\rفى شهر ربيع الأول تزايد أمر الدراهم القطع المتزايدة، فبلغت أربعة وثلاثين درهما بدينار؛ ونزع السعر واضطربت أمور الناس. فرفعت هذه الدراهم، وأنزل من بيت المال بعشرين صندوقا فيها الدراهم الجدد لتفرّق على الصّيارفة. وقرئ سجل برفع تلك الدراهم والمنع من المعاملة بها؛ وانظر من فى يده منها شيء ثلاثة أيام، وأمر الناس بحمل ما كان منها إلى دار الضرب؛ فقلق الناس، وبلغ كل درهم من الجدد أربعة دراهم من القطع.\rوبيع الخبز كل ثلاثة أرطال بدرهم، فنودى أن يكون الخبز كل اثنى عشر رطلا بدرهم جديد، واللحم رطلين بدرهم؛ وسعّر أكثر الأشياء؛ واستقرّ كلّ دينار بثمانين درهما من الجدد. وسكن أمر الناس بعد ما ضرب كثير من الباعة بالسّياط وشهّروا. وقبض على جماعة من أصحاب الفقّاع والسّمّاكين، وكبست الحمّامات، وضرب جماعة لمخالفتهم ما نهوا عنه وشهّروا.\rوفى تاسع ربيع الآخر أمر الحاكم بمحو ما هو مكتوب على المساجد والأبواب وغيرها من سبّ السّلف، فمحى بأسره، وطاف متولّى الشرطة حتى أزال سائر ما كان منه.\rوقرئ سجل بترك الخوض فيما لا يعنى، واشتغال كل أحد بمعيشته عن الخوض فى أعمال أمير المؤمنين وأوامره.\rوجرى الأمر فى الفطر على السّماط ليالى رمضان، وفى صلاة الحاكم بالناس يوم الجمعة على ما تقدّم.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع والعشرين من سبتمبر سنة ١٠٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276730,"book_id":167,"shamela_page_id":438,"part":"2","page_num":70,"sequence_num":438,"body":"وركب الحاكم لفتح الخليج فى ذى القعدة والماء على أربعة عشر ذراعا وأصابع، وهو تاسع توت، فانتهى بعد فتح الخليج ماء النيل إلى ستة عشر إصبعا من خمسة عشر ذراعا، ثم نقص، فتحرك السعر وازدحم الناس على شراء الغلال وابتدأت الشدة.\rوفيها مات يعقوب بن نسطاس النّصرانى، طبيب الحاكم، سكران فى بركة ماء، فحمل إلى الكنيسة فى تابوت، وشقّ به البلد، ثم أعيد إلى داره فدفن بها، وسائر أهل الدولة فى جنازته ومعه شموع كثيرة تتّقد، ومداخن عدّة فيها بخور. وكان طبيب وقته، عارفا بالطب، آية فى الحفظ، ما يغنّى له قط صوت إلا حفظه. ولو غنّاه مائة مغنّ فى مجلس واحد لحفظ سائر ما غنّوه به وتكلم على ألحانها وأشعارها. وكانت له يد فى الموسيقا، وانفرد بخدمة الحاكم فى الطّبّ فأثرى، وترك زيادة على عشرين ألف دينار عينا، سوى الثياب وغيرها.\rوتوفى الأمير منجوتكين لأربع خلون من ذى الحجة، فصلى عليه الحاكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276731,"book_id":167,"shamela_page_id":439,"part":"2","page_num":71,"sequence_num":439,"body":"سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة (¬١):\rفى المحرم ابتدأ نقص ماء النيل من ثامن عشر توت، فاشتدّ الأمر، وبيع الخبز مبلولا؛ وضرب جماعة من الخبّازين وشهّروا لتعذّر وجود الخبز بالعشايا.\rووصل الحاجّ لثمان بقين من صفر.\rوفى ربيع الأول خلع على علىّ [بن جعفر] بن فلاح بولاية دمشق حربا وخراجا (¬٢).\rواشتد الغلاء. فلما كان ليلة عيد الشعانين (¬٣) منع النّصارى من تزيين كنائسهم على ما هى عادتهم، وقبض على جماعة منهم فى رجب، وأمر باحضار ما هو معلّق على الكنائس وإثباته فى دواوين السلطان؛ وكتب إلى سائر الأعمال بذلك. وأحرق صلبان كثيرة على باب الجامع وفى الشرطة.\rوفى يوم الجمعة سادس عشر رجب ولى مالك بن سعيد الفارقى القضاء وخلع عليه فى بيت المال قميص مصمت وعمامة مذهبة وطيلسان محشى مذهب، وقلد بسيف. وقرأ سجله أحمد بن عبد السميع وهو قائم، فخرج وبين يديه سفط ثياب، وحمل على بغلة وبين يديه بغلتان. وكان مالك بن سعيد لما قرئ سجلّه قائما على قدميه، وكلما مرّ ذكر","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع عشر من سبتمبر سنة ١٠٠٧.\r(¬٢) بعد عزل أبى صالح مفلح اللحيانى الذى كان يعاونه فى شئون الخراج والمال الكاتب النصرانى منصور بن عبدون. ذيل تاريخ دمشق: ٦٢ - ٦٦.\r(¬٣) عيد الشعانين هو عيد الزيتونة، ومعنى الشعانين: التسبيح، ويكون فى سابع أحد من صومهم. وسنتهم فيه أن يخرجوا سعف النخل من الكنيسة، ويرون أنه يوم ركوب المسيح العنو (الحمار) فى القدس ودخوله إلى صهيون وهو راكب والناس بين يديه يسبحون وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وكان هذا العيد من المواسم التى تزين فيها كنائس النصارى بمصر. وفى رجب سنة ٣٩٨، هذه، منع الحاكم الاحتفال به وقبض على عدد ممن وجدهم يحملون الخوص. الخطط: ٢٦٤:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276732,"book_id":167,"shamela_page_id":440,"part":"2","page_num":72,"sequence_num":440,"body":"أمير المؤمنين قبّل الأرض. ثم سار من القصر إلى الجامع العتيق، وكلما مرّ بباب من أبواب القصر نزل عن بغلته وقبّل الباب. فلما وصل إلى الجامع وقف خلف المنبر قائما حتى انتهت قراءة السجلّ، وقبّل الأرض كلما ذكر أمير المؤمنين. ثم عاد إلى داره بالقاهرة وتسلم كتب الدّعوة التى تقرأ بالقصر على الأولياء (¬١).\rوفى يوم الجمعة سابع شعبان اجتمع أهل الدولة فى القصر بعد ما طلبوا لذلك، وأمروا ألا يقام لأحد، فخرج خادم وأسرّ إلى صاحب السّتر كلاما، فصاح: صالح بن علىّ؛ فقام صالح بن علىّ الرّوزبارى، فأخذ بيده ولا يعلم أحد ما يراد به. فأدخل إلى بيت المال، ثم خرج وعليه درّاعة مصمتة وعمامة مذهبة، ومعه مسعود صاحب الستر، فجلس بحضرة قائد القواد، وأخرج سجلاّ قرأه ابن عبد السميع، فإذا فيه ردّ سائر الأمور التى ينظر فيها قائد القوّاد حسين بن جوهر إليه. فعند ما سمع فى السجل صالح ذكره قام وقبّل الأرض. ولما انتهى ابن عبد السميع من القراءة قام قائد القواد وقبل خدّ صالح وهنأه وانصرف. فخرج صالح وبين يديه عدة أسفاط وثلاث بغلات بسروجها ولجمها. قال المسبّحى: قال لى الحاكم بأمر الله، أحضرت ابن سورين وحلفته على الإنجيل أن يكتب سجلّ صالح بن علىّ ولا يطلع عليه أحدا من ابن جوهر ولا غيره، وقلت له إنك تعرف ما أجازى به من يخالف أمرى فكن منه على يقين. فو الله ما اطلع عليه أحد غيرى وغيره، حتى كان.\rوجلس صالح فى مجلس قائد القواد من القصر، ووقّع عن الحاكم: ورفع إليه الأولياء وسائر المتصرّفين قصصهم وأحوالهم؛ ونفّذ أوامر الحاكم، وطالعه بما تجب مطالعته به. وقلّد ديوان الشام، الذى كان يتولاه، لأبى عبد الله الموصلى الكاتب. وخلع على الشريف","footnotes":"(¬١) راجع: الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية، للتعرف على طبيعة هذه الدعوة ورسومها ومجالسها وكذلك: الخطط للمقريزى، الذى يفصل الحديث عنها ويطيله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276733,"book_id":167,"shamela_page_id":441,"part":"2","page_num":73,"sequence_num":441,"body":"أبى الحسن على بن إبراهيم النرسى لنقابة الطالبيين وحمل على فرسين، وقرئ سجله فى القصر والجامع.\rوخلع على صقر اليهودى وحمل على بغلة، وقيد إليه ثلاث بغلات بسروج ولجم ثقال وحمل معه عشرون سفط ثياب؛ وأنزل فى دار فرشت وزينت، وعلق على أبوابها وحجرها الستور، وأعطى فيها جميع ما يحتاج إليه، وقيل له هذه دارك؛ فحصل له فى ساعة واحدة ما قيمته عشرة آلاف دينار. واستقر طبيب الحاكم عوضا عن ابن نسطاس.\rوورد الخبر بأن ابن الجراح فرّ بعد قتل جماعة من أصحابه. وخلع على ياروخ وسار إلى دمشق وتبعه عسكر كثير.\rواستهل رمضان، فحضر الأسماط مع الحاكم القائد صالح قائد القواد (¬١)، والقاضى مالك بن سعيد، وجلس فوق القاضى عبد العزيز بن النعمان. وقد صلّى الحاكم بالناس صلاة الجمعة فى جامع راشدة؛ وصلى صلاة عيد الفطر وخطب على ما جرت عادته به، وأصعد معه المنبر وقت الخطبة قائد القواد صالح بن علىّ ومالك بن سعيد القاضى والشريف النرسى وجماعة.\rوفى ثالث شوال أمر الحاكم قائد القواد [السابق] (¬٢) حسين بن جوهر والقاضى عبد العزيز بن النعمان بأن يلزما داريهما (¬٣)، ومنعا من الركوب وسائر أولادهما، فلبسوا الصوف وامتنع الداخل إليهم، وجلسوا على الحصر.\rوفى ذى القعدة ولى غالب بن مالك الشرطتين والحسبة والنظر فى البلد، وقرئ سجله بالجامع العتيق وجامع ابن طولون؛ وصرف خود ومسعود.","footnotes":"(¬١) فى الأصل: وقائد القواد، وهو خطأ لأن صالحا هو نفسه قائد القواد وقد سبق ذكر ذلك فى الأسطر القليلة السابقة، وسيرد كذلك بعد أسطر.\r(¬٢) زيد ما بين الحاصرتين للتوضيح.\r(¬٣) فى الأصل: دورهما. ولعل هذا يشبه عقوبة تحديد الإقامة التى تتبع فى الدول الحديثة فى أيامنا هذه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276734,"book_id":167,"shamela_page_id":442,"part":"2","page_num":74,"sequence_num":442,"body":"وفى ثالث عشره سارت قافلة الحاج.\rوفى تاسع عشره عفا الحاكم عن قائد القواد والقاضى عبد العزيز، وأذن لهما فى الركوب فركبا إلى القصر بزيهما من غير حلق شعر ولا تغيير حال.\rوتوقفت زيادة النيل؛ فاستسقى الناس، وخرجوا ومعهم النساء والصبيان مرتين.\rوقرئ سجلء بإبطال المكوس والمؤن التى تؤخذ من المسافرين عن الغلال والأرز.\rوصلّى الحاكم صلاة عيد النحر، وخطب ونحر فى المصلى والملعب على عادته ورسمه\rوبيع الخبز ثلاثة أرطال بدرهم. وتعذّر وجوده. وجرى الرسم فى عيد الغدير على عادته. واشتد تكالب النّاس على الخبز، فاجتمعوا وضجّوا من قلّته وسواده؛ ورفعوا للحاكم قصة مع رغيفة، وكانت الحملة الدقيق (¬١) قد بلغت ستة دنانير.\rوفتح الخليج فى رابع توت والماء على خمسة عشر ذراعا، فبلغ التليّس (¬٢) أربعة دنانير والويبة من الأرز بدينار، واللّحم كلّ رطلين بدرهم، ولحم البقر رطلين ونصفا بدرهم، والبصل عشرة أرطال بدرهم والخبز ثمان أواق بدرهم، وزيت الوقود الرطل بدرهم.\rوفيها خرج النصارى من مصر إلى القدس لحضور الفصح بقمامة (¬٣) على عادتهم فى كل","footnotes":"(¬١) الحملة من الدقيق توازى ثلاثمائة رطل مصرى، والرطل يساوى اثنتى عشرة أوقية زنة كل منها اثنا عشر درهما. قوانين الدواوين: ٣٦٥، ٤٥٥.\r(¬٢) التليس يزن مائة وخمسين رطلا، أو نصف حملة. قوانين الدواوين ٣٦٥.\r(¬٣) المقصود بها كنيسة القيامة بالقدس، وقد أمر الحاكم بهدمها فى هذه السنة فكتب بذلك أمر فيه «فليصر طولها عرضا وسقفها أرضا» نهاية الأرب.\rوأصل تسميتها بالقمامة تاريخى يرجع إلى أن القبر المقدس بنى على الموضع الذى كانت توضع به القمامة خارج سور بيت المقدس، وهو الموضع الذى يزعم أن المسيح صلب فيه. معجم البلدان: ١٥٨:٧ - ١٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276735,"book_id":167,"shamela_page_id":443,"part":"2","page_num":75,"sequence_num":443,"body":"سنة بتجمّل عظيم كما يخرج المسلمون إلى الحج، فسأل الحاكم ختكين الضّيف العضدى (¬١)، أحد قوّاده، عن ذلك لمعرفته بأمر قمامة، فقال هذه بيعة تعظمها النصارى ويحجّ إليها من جميع البلاد، وتأتيها الملوك، وتحمل إليها الأموال العظيمة، والثياب والسّنتور والفرش والقناديل، والصلبان المصوغة من الذهب والفضة، والأوانى من ذلك؛ وبها من ذلك شيء عظيم. فإذا كان يوم الفصح واجتمع النصارى بقمامة، ونصبت الصّلبان، وعلّقت القناديل فى المذبح، تحيّلوا فى إيصال النّار إليه بدهن البيلسان مع دهن الزئبق، فيحدث له ضياء ساطع يظن من يراه أنها نار نزلت من السماء. فأنكر الحاكم ذلك، وتقدّم إلى بشر بن سورين كاتب الإنشاء، فكتب إلى أحمد بن يعقوب الدّاعى أن يقصد القدس ويهدم قمامة وينهبها الناس حتى يعفى أثرها. ففعل ذلك. ثم أمر بهدم ما فى أعمال مملكته من البيع والكنائس، فخوّف أن تهدم النصارى ما فى بلادها من مساجد المسلمين فأمسك عن ذلك (¬٢).","footnotes":"(¬١) وكان قد عزل عن دمشق سنة ٣٩٦ بعد أن فشل فى تنفيذ سياسة توفير الأموال بإنقاص مرتبات الأجناد. انظر ذيل تاريخ دمشق: ٥٧ - ٥٨.\r(¬٢) جاء فى نهاية الأرب: «وفيها فى تاسع عشر ذى الحجة أمر الحاكم بهدم كنائس القنطرة التى فى طريق المكس وكنائس حارة الروم، فهدم جميع ذلك».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276736,"book_id":167,"shamela_page_id":444,"part":"2","page_num":76,"sequence_num":444,"body":"سنة تسع وتسعين وثلاثمائة (¬١):\rفى ثالث المحرم نظر أبو نصر بن عبدون الكاتب النصرانى فى ديوان الخراج بانفراده من غير شريك.\rوفى تاسعه، وهو نصف توت، أشيع وفاء النيل، وخلع على ابن أبى الردّاد (¬٢)، فابتدأ فى النقص قبل أن يوفى ستة عشر ذراعا من تاسع عشر توت؛ فأمر الناس كافّة بألا يتظاهر أحد منهم على شاطئ النيل بشيء من الغناء، ولا يسمع فى دار ولا يشرب فى المراكب. وكبست عدّة دور، وقبض على جماعة.\rوقدم الحاجّ فى حادى عشرى صفر.\rونودى ألا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر، ولا يمشى اليهود والنصارى إلا بالغيار، وضربوا على ترك ذلك. وكبست الحمامات وأخذ منها جماعة وشهّروا من أجل أنهم وجدوا بغير مئزر.\rومنع أن يدخل أحد إلى سوق الرقيق إلا أن يكون بائعا أو مشتريا؛ وأفرد الجوارى من الغلمان، وجعل لكل منهم يوم.\rومنع من نصب الشّراعات التى كانت النساء تنصبها فى المقابر أيام الزيارة. وأشيع بين الناس بأن النبيذ يمنع من بيعه، فازدحموا على شرائه، وبيع منه شيء كثير، فعزّ حتى بيع كل عشر جرار بدينار، ولم يوجد لكثرة طلابه.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس من سبتمبر سنة ١٠٠٨.\r(¬٢) المشرف على مقياس النيل؛ وكان هذا الإشراف فى أسرته من أيام بكار بن قتيبة قاضى المتوكل الذى تلقى كتابا من الخليفة يأمره ألا يتولى أمر المقياس إلا مسلم يختاره، فاختار أبا الرداد عبد الله بن عبد السلام المؤدب وأجرى عليه الرزق سنة سبع وأربعين وتوارثه أولاده. قوانين الدواوين: ٧٥ - ٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276737,"book_id":167,"shamela_page_id":445,"part":"2","page_num":77,"sequence_num":445,"body":"ومنع كلّ أحد من الناس أن يخرج من منزله قبل صلاة الصبح وبعد صلاة العشاء (¬١)، واشتد الأمر فى هذا، واعتقل جماعة خالفوا ما أمر به.\rوقرئ سجل بترك الخوض فيما لا يعنى، والاشتغال بالصّلوات فى أوقاتها، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وألا يخوض أحد فى أحوال السلطان وأوامره وأسرار الملك.\rوقرئ سجل فى ربيع الأول بالمنع من حمل النبيذ والموز، وحذّر من التظاهر بشئ منه أو من الفقاع، والدّلينس، والسمك الذى لا قشر له، والتّرمس المعفّن.\rوقرئ آخر فى سائر الجوامع بتسكين قلوب الناس وتطمينهم، لكثرة ما اشتهر عندهم وداخلهم من الخوف بما يجرى من أوامر الحضرة فى البلد.\rوفى حادى عشر جمادى الآخرة قبض على عبد العزيز بن النعمان؛ وطلب حسين بن جوهر ففرّ هو وابناه وجماعة. وكثر الصّياح فى دار عبد العزيز؛ وغلّقت حوانيت القاهرة وأسواقها. فأفرج عن عبد العزيز ونودى فى القاهرة بألا يغلق أحد. ثم ردّ حسين بعد ثلاثة أيام بابنيه، وصاروا إلى الحاكم فأمرهم بالانصراف إلى دورهم؛ وخلع عليه وعلى عبد العزيز وعلى أولادهما، وكتب لهما أمانان.\rوفى رجب كثرت الأمراض فى الناس، وفشا الموت. وتخوّف الناس من الحاكم فكتب عدة أمانات لأناس شتى. وأقطع مالك بن سعيد ناحية برنشت (¬٢).","footnotes":"(¬١) ما أشبه هذا بما يحدث فى أيامنا هذه حين يصدر قرار بمنع التجول فى الدول العصرية فى أوقات الفتن. وقد سبق إلى مثل هذه الخطوة زياد بن أبيه، ابن أبى سفيان، فى العراق، إذ قال فى خطبته البتراء: «فإياى ودلج الليل فإنى لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه … » وقد أتى برجل ظهر أنه خالف قرار منع التجول، فاعتذر بأنه لم يعلم به لتغيبه بالصحراء فى طلب ناقة له ضلت، فقال زياد: «والله إلى لا أظنك إلا صادقا ولكن فى قتلك صلاحا للأمة». وأمر بقتله.\r(¬٢) برنشت بفتح الباء والنون، من أعمال الجيزية. قوانين الدواوين: ١١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276738,"book_id":167,"shamela_page_id":446,"part":"2","page_num":78,"sequence_num":446,"body":"وفى شعبان تراخت الأسعار.\rوفى رمضان قرئ سجل فيه «يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون (¬١)، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون، ويفطرون؛ وصلاة الخمسين للذين بما جاءهم فيها يصلون وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون (¬٢)؛ ويخمّس فى التكبير على الجنائز المخمّسون، ولا يمنع من التربيع عليها المربّعون؛ يؤذّن بحىّ على خير العمل المؤذّنون، ولا يؤذّى من بها لا يؤذّنون؛ لا يسبّ أحد من السّلف؛ ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يصف، والحالف منهم بما حلف؛ لكل مسلم مجتهد فى دينه اجتهاد».\rوفيه ركب سائر العرائف والأولياء وأكثر أهل البلد إلى القصر وقد عظمت الزّحمة، واصطفت العساكر حول القصر بالسّلاح، ولم يعرف أحد ما هذا الاجتماع؛ فخرج صالح ابن على بالخلع على فرس بسرج ولجام ذهب، وبين يديه فرسان وسفط ثياب، وسجلّ يتضمن أنه لقب بثقة ثقات السيف والقلم.\rوأعيد عبد العزيز بن النعمان إلى النظر فى المظالم.\rوتزايدت الأمراض وكثر موت الناس، وعزّت الأدوية؛ فبلغ السكّر أربعة دراهم للرطل، وبذر الرمان كل أوقية بدرهم، ودهن البنفسج كل أوقية بدينار، والعناب والإجّاص كل أوقيتين بدرهم وباقة لينوفر بدينار، والبطيخة بثلاثة دنانير.","footnotes":"(¬١) لا يقيد الفاطميون أتباعهم عند الصيام والفطر برؤية الهلال وإنما يحكمون الحساب وحده أو الحساب مع الرؤية، ويقولون الرؤية والحساب كالظاهر والباطن، فالهلال كالظاهر لأنه مشاهد والحساب كالباطن لأنه معقول. ونرى هذا أيضا فى كثير من المناسبات حين يشاهد هلال شهر ما فيصدر قرار من القصر الفاطمى ببدء الشهر فى يوم آخر، سابق أو لاحق، وسنجد أمثلة لهذا فى خلال هذا الكتاب.\r(¬٢) بهامش الأصل عبارة نصها: «وبخطه: صلاة التراويح أقامها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأمر الناس بها فى شهر رمضان سنة أربع عشرة بمجمع من الصحابة، فأم الناس أبى بن كعب بالمدينة وكتب عمر إلى الأمصار بإقامة التراويح. واستمر الصحابة بعده يقيمونها، وكان على ﵁ إذا مر ليالى رمضان فرأى القناديل تزهر وسمع القرآن يقرأ قال: نور الله قبر من نور علينا مساجدنا. وصليت عشرين ركعة لأنهم وزعوا القرآن عليها ليكون الختم فى آخر الشهر».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276739,"book_id":167,"shamela_page_id":447,"part":"2","page_num":79,"sequence_num":447,"body":"ولم يركب الحاكم لصلاة عيد الفطر وصلى القاضى مالك بن سعيد بالناس فى المصلّى وخطب.\rوفى ذى القعدة أعيدت المكوس التى كانت رفعت.\rوسارت قافلة الحاجّ فى النصف منه.\rوحمل سماط عيد النحر يوم التاسع من ذى الحجة على عادته، غير أنه أبطل منه الملاهى والخيال واللعب الذى كان يعمل فى كل سنة.\rوصلى القاضى بالناس صلاة عيد النحر وخطب.\rوفى يوم عيد الغدير (¬١) منع الناس من عمله. ودرست كنائس كانت بطريق المكس وكنيسة بحارة الرّوم من القاهرة ونهب ما فيها. وقتل فى هذه الليلة كثير من الخدم والصّقالبة والكتّاب بعد أن قطعت أيديهم بالساطور على خشبة من وسط الذراع.\rوفيها مات أبو الحسن على بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المنجم لثلاث خلون من جمادى الأولى (¬٢)، وقتل القائد فضل بن صالح، ضربت رقبته لتسع بقين من ذى القعدة.","footnotes":"(¬١) يقول المقريزى إنه لم يكن عيدا مشروعا ولا عمله أحد من سلف الأمة، وأول ما عرف بالإسلام فى العراق أيام معز الدولة على بن بويه سنة ٣٥٢ فاتخذه الشيعة من بعده عيدا لهم استنادا إلى حديث رواه البراء بن عازب، ﵁، عن النبى ﷺ، فى سفر عند غدير خم «إذ صلى ﵇ ثم أخذ بيد على بن أبى طالب كرم الله وجهه وقال: ألستم تعلمون أنى أولى بالمؤمنين من أنفسهم. قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أنى أولى بكل مؤمن من نفسه. قالوا: بلى. قال: من كنت مولاه فعلى مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. قال البراء: فلقيه عمر بن الخطاب، ﵁، فقال: هنيئا لك يا ابن أبى طالب، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. الخطط: ٣٨٨:١.\r(¬٢) هو أبو الحسن على بن أبى سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفى المصرى المنجم، صاحب الزيج الحاكمى المعروف بزيج ابن يونس. يقول ابن خلكان إنه رآه فى أربع مجلدات. ويروى ابن خلكان عن غيره أن ابن يونس كان أبله مغفلا يعتم على طرطور طويل ويجعل رداءه فوق العمامة، رث الثياب. ويذكر أنه مع هذا كان له إصابة بديعة غريبة فى النجامة لا يشاركه فيها غيره، وكان أحد الشهود، وكان متفننا فى علوم كثيرة، يضرب بالعود، وله شعر حسن. وفيات الأعيان: ٤٧٤:١ - ٤٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276740,"book_id":167,"shamela_page_id":448,"part":"2","page_num":80,"sequence_num":448,"body":"وقتل أبو أسامة جنادة أسامة بن محمد اللغوى (¬١) لثلاث عشرة خلت من ذى الحجة، ومعه الحسن بن سليمان الأنطاكى النحوى؛ واستتر عبد الغنى بن سعيد؛ وكان ذلك بسبب اجتماعهم بدار العلم وجلوسهم فيها.\rوقتل رجاء بن أبى الحسين من أجل أنه صلى صلاة التراويح فى شهر رمضان.\rوقتل أصحاب الأخبار عن آخرهم لكثرة أذيّتهم الناس بالكذب عليهم وأخذهم الأموال من الناس.\rوفيها قتل أبو على بن ثمال الخفاجى متولى الرحبة (¬٢) من قبل الحاكم، وملكها بعده صالح بن مرداس الكلابى متملك حلب (¬٣).","footnotes":"(¬١) هكذا فى الأصل ولم أهتد إلى التعريف به فيما لدى من مراجع ولعل صحة العبارة: وقتل أبو أسامة جنادة بن أسامة .. الخ.\r(¬٢) المقصود بها رحبة مالك بن طوق صاحبها أيام هارون الرشيد، وهى على خمسة أيام من حلب وثمانية أيام من دمشق. معجم البلدان: ١٣٦:٤ - ١٣٨.\r(¬٣) أسد الدولة أبو على، من بنى كلاب، رأس الأسرة المرداسية التى حكمت حلب بين سنتى ٤١٤ - ٤٧٢ (١٠٢٣ - ١٠٧٩) بعد نزاع استمر فترة مع الفاطميين. معجم الأنساب لزامباور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276741,"book_id":167,"shamela_page_id":449,"part":"2","page_num":81,"sequence_num":449,"body":"سنة أربعمائة (¬١):\rفى حادى عشر صفر صرف أبو الفضل صالح بن على الروزبارى ثقة ثقات السيف والقلم، وقرّر مكانه أبو نصر بن عبدون الكاتب النصرانى؛ فوقّع من الحاكم فيما كان يوقّع فيه صالح، ونظر فيما كان ينظر فيه، وأذن لصالح فى الركوب إلى القصر.\rوسار ابن عبدون فى الموكب مع الشيوخ فى المنتهى وقال مثلى لا يساير أمير المؤمنين بأعلى من ذلك.\rوكتب من إنشاء ابن سورين لخدم قمامة بالقدس.\rوأحدث الحاكم ديوانا سماه الديوان المفرد برسم من يقبض ماله من المقتولين وغيرهم.\rووصل الحاجّ فى حادى عشر منه.\rوفى ربيع الأول كثرت الأمراض والموت، وعزت الأدوية المطلوبة للمرضى.\rوشهّر جماعة وجد عندهم فقاع وملوخية وترمس ودلينس بعد ضربهم.\rوهدم دير القصير (¬٢) ونهب.\rولقب ابن عبدون بالقاضى، وكتب له سجلّ بذلك، وحمل على بغلتين.\rواشتدّ الأمر على اليهود والنصارى فى إلزامهم لبس الغيار.\rوردّ إقطاع حسين بن جوهر إليه وإلى أولاده وصهره عبد العزيز بن النعمان، وقرئ لهم بذلك سجلّ.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس والعشرين من أغسطس سنة ١٠٠٩.\r(¬٢) دير القصير، ضد الطويل، ويسمى دير بخنس القصير، ودير البغل، ودير هرقل. فوق جبل المقطم على سطح قلته مطل على الصحراء والنيل، مقابل قرية المعصرة. الخطط: ٥٠٢:٢، ٥٠٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276742,"book_id":167,"shamela_page_id":450,"part":"2","page_num":82,"sequence_num":450,"body":"وصلّى القاضى بالناس صلاة عيد الفطر على الرسم.\rوقرئ سجل بإبطال ما كان يؤخذ على أيدى القضاة من الخمس والفطرة والنجوى.\rفى تاسع ذى القعدة فرّ حسين بن جوهر وأولاده وصهره عبد العزيز بن النعمان وأولاده بجماعة منهم فى أموال وسلاح، وخرجوا ليلا، فلما أصبحوا سيّر الحاكم خيلا فى طلبهم نحو وجرة فلم يدركوهم. وأحيط بدورهم، فأخذت للديوان المفرد. وفرّ أبو القاسم الحسين بن المغربى (¬١) فى زىّ حمّال إلى حسّان بن على بن مفرج بن دغفل بن الجراح.\rوفيه قرى عدّة أمانات بالقصر للكتاميين من جند إفريقية، والأتراك، والقضاة، والشهود، وسائر الأولياء والأمناء، والرعية، والكتاب، والأطباء، والخدام السود، والخدام الصقالبة؛ لكل طائفة أمان.\rوحمل سائر ما فى دور حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان إلى القصر بعد أن احصاه القاضى مالك بن سعيد وضبطه.\rوقرئ سجلّ بقطع مجالس الحكمة التى كانت تقرأ على الأولياء فى يومى الخميس والجمعة.\rوقرئ سجلّ فى الجامع العتيق بإقبال الناس على شأنهم وتركهم الخوض فيما لا يعنيهم\rوسجلّ آخر بردّ التثويب فى الأذان، والإذن للناس فى صلاة الضّحى وصلاة القنوت. ثم جمع فى سائر الجوامع وقرئ عليهم سجلّ بأن يتركوا الأذان بحىّ على خير العمل، ويزاد فى أذان الفجر: الصلاة خير من النوم؛ وأن يكون ذلك من مؤذّنى القصر عند قولهم:\rالسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله؛ فامتثل الناس وعمل.","footnotes":"(¬١) واستجار بحسان بن الجراح فأجاره بعد أن استمع منه إلى قصيدة يمدحه بها ويؤكد فيها شهامته وكرمه مع المستجدين. وكان أبو القاسم عالما أديبا بليغا على ذكاء جم وبراعة فى الكتابة، فأقام لدى ابن الجراح فترة ثم رحل إلى العراق على زمن القادر بالله، وتولى الوزارة للأمير قرواش أمير بنى عقيل بالموصل. ودفن بالكوفة. ذيل تاريخ دمشق: ٦٤:٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276743,"book_id":167,"shamela_page_id":451,"part":"2","page_num":83,"sequence_num":451,"body":"وسار محمد بن نزال بعسكر إلى الشام (¬١).\rوقرئ سجلّ مندّد فيه بشرب النبيذ وجميع أنواع المسكر.\rوصلّى الحاكم بالناس فى المصلّى صلاة عيد البحر، وخطب ونحر، وحضر السّماط على رسمه.\rوقرئت عدة أمانات بالقصر.\rوفيه سارت العساكر بعدة مواضع تطلب قائد القواد حسين بن جوهر وصهره عبد العزيز، وشاع الخبر بأنه عند بنى قرة.\rوقرئ سجلّ فى الجوامع بالرّخصة فيما كان يشدّد فيه فى الجمعة الماضية من أمر النبيذ.\rوقتل فى هذه السنة عدّة كثيرة من الخدّام والفراشين والكتاب وغيرهم.\rومات أبو منصور بشر بن عبيد الله بن سورين كاتب السجلات فى صفر. وتوفى صقر اليهودى، طبيب الحاكم فى ربيع الآخر. وتوفى أبو عبد الله اليمنى المؤرخ، وله تاريخ النحاة، وسيرة جوهر القائد. وقتل أبو الفضل صالح بن على الروزبارى ليلة الثانى عشر من شوال. وقتل غالب بن هلال متولّى الشرطتين والحسبة فى شوال.","footnotes":"(¬١) واليا عليها بعد عزل القائد حامد بن ملهم، ولكنه لم يلبث أن عزل فى رمضان من نفس السنة (٤٠٠ هـ). ذيل تاريخ دمشق: ٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276744,"book_id":167,"shamela_page_id":452,"part":"2","page_num":84,"sequence_num":452,"body":"سنة احدى وأربعمائة (¬١):\rفى رابع المحرم صرف ابن عبدون النّصرانى، وخلع على أحمد بن محمد القشورى الكاتب، وقرئ سجله فى القصر بأنه تقلّد الوساطة والسّفارة بين أولياء أمير المؤمنين الحاكم وبينه، وأمر الرّعايا، وفوّضت له الأمور وعوّل عليه فيها.\rوكان سبب صرف ابن عبدون عن الوساطة والسّفارة أنّ كتب الحاكم تكرّرت إلى قائد القواد حسين بن جوهر وإلى صهره عبد العزيز بن النعمان بأمانهم وعودهم، فأبى ابن جوهر أن يدخل وابن عبدون واسطة، وقال: أنا أحسنت إليه أيام نظرى فسعى فىّ إلى أمير المؤمنين ونال منى كل منال؛ لا أعود أبدا وهو وزير. فصرف لذلك، وحضر حسين وعبد العزيز ومن خرج معهما، فنزل سائر أهل الدولة إلى لقائه، وتلقّته الخلع، وأفيضت عليه وعلى أولاده وصهره عبد العزيز؛ وقيد بين أيديهم الدواب. فعند ما وصلوا إلى باب القاهرة ترجّلوا ومشوا، ومشى معهم سائر الناس إلى القصر؛ فمثلوا بحضرة الحاكم، ثم خرجوا وقد عفى عنهم. وأذن للحسين أن يكاتب بقائد القوّاد، ويكون اسمه تاليا للقبه، وأن يخاطب بذلك؛ فانصرف إلى داره؛ فكان يوما عظيما. وحمل إليه جميع ما قبض له من مال وغيره، وأنعم عليه. وواصل هو وعبد العزيز الركوب إلى القصر.\rوكتب لابن عبدون أمان خطّه الحاكم بيده؛ وكان يقول عنه: ما خدمنى أحد ولا بلغ فى خدمته ما بلغه ابن عبدون. ولقد جمع لى من الأموال ما هو خارج فى أموال الدواوين ثلاثمائة ألف دينار.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس عشر من أغسطس سنة ١٠١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276745,"book_id":167,"shamela_page_id":453,"part":"2","page_num":85,"sequence_num":453,"body":"وأقام ابن القشورى على رسمه ينظر عشرة أيام، إلى ثالث عشره؛ فبينا هو يوقع إذ قبض عليه وضربت رقبته من أجل أنه بلغ الحاكم عنه أنه يبالغ فى تعظيم حسين بن جوهر، وأكثر من السؤال فى حوائجه.\rوفى يومه أجلس أبو الخير بن زرعة بن عيسى بن نسطورس الكاتب النصرانى فى مكان ابن القشورى؛ وأمر أن يوقّع عن الحاكم فى أوامره، فجلس ونظر فى الوساطة والسفارة بغير خلع. ومنع من الركوب فى المراكب بالخليج؛ وسدت أبواب القاهرة التى مما يلى الخليج، وأبواب الدّور والطاقات المطلّقة عليه والخوخ (¬١).\rوخلع على قاضى القضاة مالك، وقلّد النظر فى المظالم مع القضاء؛ وقرئ سجلّه بالجامع.\rوكتب سجلّ بإعادة مجالس الحكمة. وأخذ النحوىّ (¬٢). وشدّد على النصارى فى لبس الغيار بالعمائم الشديدة السواد، دون ما عداها من الألوان.\rوفيه قبض على حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان، واعتقلا ثلاثة أيام، ثم حلفا أنهما لا يغيبان عن الحضرة وأشهدا على أنفسهما بذلك، وأفرج عنهما؛ وحلف لهما الحاكم فى أمان كتبه لهما.\rواعتقل ابن عبدون، وأمر بعمل حسابه؛ ثم ضربت عنقه وقبض ماله.","footnotes":"(¬١) الخوخة بضم الخاء الأولى الكوة تؤدى الضوء إلى البيت، ومخترق ما بين كل دارين مما عليه باب. القاموس المحيط.\r(¬٢) أبو ظاهر محمود بن محمد النحوى من أهل بغداد، قدم إلى مصر وتعاون مع ابن العداس ضد فهد بن إبراهيم النصرانى حتى قتله الحاكم وولى ابن العداس مكانه فى النظر وولى النحوى الشام. ولم يلبثا أن صارا إلى ما صار إليه فهد. إذ دبر الحاكم قتل ابن النحوى بالرملة فضربت عنقه وأرسلت إلى مصر ثم ضربت عنق ابن العداس. راجع ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق: ٥٨ وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276746,"book_id":167,"shamela_page_id":454,"part":"2","page_num":86,"sequence_num":454,"body":"وفى سابع عشر صفر وصل الحاجّ من غير زيارة المدينة النبويّة، فأمر أن يكون مسير الحاج للنّصف من شوال (¬١) وأن يبدءوا بزيارة المدينة؛ وكتب بذلك إلى سائر الأعمال.\rوفى سابع ربيع الآخر خلع على زرعة بن عيسى بن نسطورس، وحمل، وقرئ له سجلّ فى القصر لقّب فيه بالشّافى.\rوخلع على أبى القاسم على بن أحمد الزيدى، وقرئ له سجلّ بنقابة الطالبيين (¬٢).\rوقرئ سجلّ فى سائر الجوامع، فيه النّهى عن معارضة الإمام فيما يفعله، وترك الخوض فيما لا يعنى؛ وأن يؤذّن بحىّ على خير العمل، ويترك من أذان الصبح قول: الصلاة خير من النوم؛ والمنع من صلاة الضحى وصلاة التراويح؛ وإعادة الدعوة والمجلس على الرسم. فكان بين المنع من ذلك والإذن به خمسة أشهر.\rوضرب جماعة وشهّروا لبيعهم الملوخية والسّمك الذى لا قشر له. وقبض على جماعة بسبب بيع النبيذ واعتقلوا، وكبست مواضع ذلك. ومنع النصارى من الغطاس فلم يتظاهروا على شاطئ البحر بما جرت عادتهم به.\rوفى ثانى عشر جمادى الآخرة ركب حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان على رسمهما إلى القصر، فلما خرج المتسلم قيل لحسين وعبد العزيز وأبى على أخى الفضل،","footnotes":"(¬١) كانت العادة قبل سنة ٣٩٤ أن يسير الحاج فى منتصف ذى القعدة، فصدر مرسوم حاكمى فى سنة ٣٩٤ بأن يتقدم سيره إلى أول ذى القعدة، وقد نفذ هذا سنتين، ففى سنة ٣٩٦ خرجت قافلة الحاج فى منتصف ذى القعدة، ثم بعد ذلك حول هذا التاريخ، حتى صدر مرسوم هذه السنة: ٤٠١، بأن تخرج القافلة منتصف شوال.\r(¬٢) نقابة الطالبيين هيئة رسمية أنشأها الفاطميون للنظر فى شئون العلويين، وكان يتولى رئاستها واحد من كبار شيوخهم وأجلهم قدرا، يسهر على صحة الأنساب وإثباتها ورعاية مصالح العلويين وعود مرضاهم والسير فى جنائزهم. وعرفت هذه النقابة فيما بعد باسم نقابة الأشراف، ولها نظير فى القسم الشرقى من البلاد الإسلامية، فى ظل العباسيين. النجوم الزاهرة؛ الحاكم بأمر الله لمحمد عبد الله عنان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276747,"book_id":167,"shamela_page_id":455,"part":"2","page_num":87,"sequence_num":455,"body":"أطيعوا لأمر تريده الحضرة منكم. فجلس الثلاثة وانصرف الناس، فقبض على ثلاثتهم وقتلوا فى وقت واحد، وأحيط بأموالهم وضياعهم ودورهم؛ فوجد لحسين بن جوهر فى جملة ما وجد سبعة آلاف مبطنة حريرا من سائر أنواع الديباج والعتّابى وغيره، وتسع متارد صينى مملوءة حبّ كافور قنصورى وزن الحبة الواحدة ثلاثة مثاقيل.\rوأخذت الأمانات والسجلات التى كتبت لهم. واستدعى أولاد حسين وأولاد عبد العزيز ووعدوا بالجميل وخلع عليهم، وحملوا على دوابّ.\rوفيه ذبحت نعجة فوجد فى بطنها حمل وجهه كوجه انسان.\rوفى شعبان وقّع قاضى القضاة مالك إلى سائر الشهود بخروج الأمر العالى المعظم أن يكون الصوم يوم الجمعة والعيد يوم الأحد.\rواشتد الأمر فى منع المسكرات، وتتبّع مواضعها. وأبطلت عدّة جهات من جهات المكوس والرسوم. ومنع الغناء واللهو، وأمر ألا تباع مغنية؛ وألا يجتمع الناس فى الصحراء ومنع النساء من الحمام. وأن يكون الخروج للحجّ فى سابع شوّال.\rوركب الحاكم لصلاة العيد على رسمه.\rوفى ثانى شوال سار على [بن جعفر] بن فلاح بالعساكر لقتال حسّان بن علىّ بن مفرّج بن دغفل بن الجراح عند هزيمته ياروخ وقبضه عليه وعلى أصحابه بالرملة؛ فقاتلهم فى ثالث عشرة وقتل منهم وظهر عليهم؛ وخلع طاعة الحاكم، وأقام الدعوة لأبى الفتوح حسين بن جعفر بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى، أمير مكة. وقتل ياروخ (¬١).","footnotes":"(¬١) سبب خروج بنى الجراح أن ابن عبدون الكاتب النصرانى سعى ببنى المغربى عند الحاكم فقتل أخوى الوزير أبى القاسم وثلاثة من أهل بيته ولجأ الوزير إلى حسان بن المفرج بن دغفل بن الجراح، ثم حسن له أن يخرج عن طاعة الحاكم ففعل هو وقومه وقتلوا عامل الحاكم على الرملة، ودعوا للحسنى المذكور فى المتن ولقبوه الراشد بالله. فأرسل الحاكم إليهم جيشا بقيادة ياروخ المذكور الذى هزم بين رفح والداروم، ونقل ياروخ إلى الرملة وقتل بها صبرا. فلجأ الحاكم إلى الدبلوماسيّة حتى نجح فى إصلاح الأمور. نهاية الأرب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276748,"book_id":167,"shamela_page_id":456,"part":"2","page_num":88,"sequence_num":456,"body":"وفيه تأخر الحاجّ إلى نصف ذى القعدة، فخرجوا فى سابع عشره، ورجعوا فى ثالث عشريه من القلزم؛ فلم يحجّ أحد من مصر فى هذه السنة.\rوصلّى مالك بن سعيد بالناس صلاة عيد النحر، وخطب، ونحر فى المصلّى والملعب مدة أيام النحر. ولم يركب الحاكم ولا نحر.\rوفيها مات أبو الحسن على بن ابراهيم النرسى نقيب الطالبيّين فى رابع ربيع الآخر وقد أناف على السبعين.\rوقتل فيها من الكتاب والرؤساء والخدام والعامة والنساء عدد كثير جدا؛ قتلهم الحاكم.\rوفيها خطب قرواش بن المقلّد بن المسيّب، أمير بنى عقيل (¬١)، للحاكم بالموصل والأنبار والمدائن والكوفة وغيرها؛ فكان أول الخطبة: «الحمد لله الذى انجلت بنوره غمرات الغضب، وانهدّت بعظمته أركان النّصب، وأطلع بقدرته شمس الحق من المغرب». ثم بطلت الخطبة بعد شهر وأعيدت لبنى العباس.","footnotes":"(¬١) قرواش بن مقلد بن المسيب العقيلى ثانى أمراء العقيليين الذين حكموا الموصل وما التحق بها بين سنتى ٣٨٦ - ٣٨٩ (٩٩٦ - ١٠٩٦). ولقب قرواش بمعتمد الله، أما أبوه مقلد، أول أمراء هذه الأسرة، فكان يلقب حسام الدولة. انظر: Mohammadan Dynasties . وقد أحضر قرواش الخطيب يوم الجمعة رابع المحرم وخلع عليه قباء دبيقيا وعمامة صفراء وسراويل ديباج أحمر وخفين أحمرين وقلده سيفا وأعطاه نسخة ما يخطب به. وتجد نص الخطبة فى النجوم الزاهرة: ٢٢٥:٤ - ٢٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276749,"book_id":167,"shamela_page_id":457,"part":"2","page_num":89,"sequence_num":457,"body":"سنة اثنتين وأربعمائة (¬١):\rفى المحرّم قلّدت الشرطتان لمحمد بن نزال، وأمر بتتبّع المنكرات والمنع منها، وألاّ يباع زبيب أكثر من خمسة أرطال، ولا تباع الجرار. ومنع النّصارى من الاجتماع فى عيد الصليب (¬٢)، وأن يظهروا فى المضىّ إلى الكنائس.\rوأوفى النيل ستّة عشر ذراعا فى رابع عشر صفر، وهو سادس عشر توت.\rوفى تاسع ربيع الآخر خلع على غين الخادم وقلّد بسيف، وقرئ سجلّه بأنه لقّب بقائد القواد فليكاتب بذلك ويكاتب به؛ وقيد معه عشرة أفراس بسروجها ولجمها.\rوهدمت اللؤلؤة (¬٣).\rوفى جمادى الآخرة منع بيع قليل الزبيب وكثيره، وكوتب بالمنع من حمله، وألقى فى النيل منه شيء كثير.\rوفى رجب قطع الرسم الجارى من الخبز والحلوى الذى كان يقام فى الثلاثة أشهر لمن يبيت بجامع القاهرة فى ليالى الجمع والأنصاف. وحضر القاضى مالك إلى جامع القاهرة فى ليلة النصف من رجب. واجتمع الناس بالقرافة (¬٤) على عادتهم فى كثرة اللعب والمزاح.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الرابع من أغسطس سنة ١٠١١.\r(¬٢) ويحتفل به فى اليوم السابع عشر من شهر توت وكان من الأعياد المستحدثة، وسببه عندهم ظهور الصليب على يد هيلانة أم الإمبراطور قسطنطين: الخطط: ٢٦٦:١.\r(¬٣) منظرة للفاطميين على الخليج كانت تعرف باسم قصر اللؤلؤة، بالقرب من باب القنطرة، وكانت من أبهى المبانى الفاطمية وأعظمها زخرفة كانت تشرف من شرقيها على البستان الكافورى ومن غربيها على الخليج الذى لم يكن فيه من المبانى شيء، فكان الجالس فى المنظرة يشرف على البساتين المترامية وجميع أرض الطبالة وسائر أرض اللوق، بناها العزيز بالله. الخطط: ٤٦٧:١ - ٤٦٨.\r(¬٤) هى فى الأصل المقبرة الإسلامية التى أنشأها ابن العاص بأمر ابن الخطاب فى سفح المقطم؛ وكان المقوقس قد سأل ابن العاص أن يبيعه إياها بسبعين ألف دينار لأن بها غراس الجنة. والقرافة هم بنو غصن بن سيف بن وائل بن المغافر، وقيل قرافة اسم امرأة من بنى وائل. ويذكر ياقوت أن القرافة مقبرة عظيمة بمصر لقبيلة من المغافر يقال لهم بنو قرافة. -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276750,"book_id":167,"shamela_page_id":458,"part":"2","page_num":90,"sequence_num":458,"body":"وقرئ سجلّ فى القصر بأنّ أحدا لا يلتمس من أمير المؤمنين زيادة رزق ولا صلة ولا إقطاع ولا غير ذلك من المنافع.\rواستهلّ شعبان يوم الاثنين، فأمر أن يجعل أوّله يوم الثلاثاء؛ وأخذ جميع ما عند التجار من السلاح بثمنه للخزانة. ومنع النساء من الخروج بعد العشاء الآخرة.\rوفى ليلة النصف من شعبان كثر إيقاد القناديل فى المساجد، وتنافس الناس فى ذلك.\rوصلى مالك بن سعيد بالناس صلاة العيد.\rوتشدّد الأمر فى الإنكار على بيع الفقاع والملوخية والسّمك الذى لا قشر له. ومنع الناس من الاجتماع فى المآتم ومن اتّباع الجنائز. وأحرق زبيب كثير كان فى محارق التجار. وجمع الشطرنج من أماكن متعدّدة وأحرق. وجمع الصيادون وحلّفوا أنهم لا يصطادون سمكا بغير قشر، ومن فعل ذلك ضربت رقبته. وتوالى إحراق الزبيب عدة أيام بحضرة الشهود؛ وتولّى مئونة الإنفاق على حمله وإحراقه متولّى ديوان النفقات؛ فأحرق منه ألفان وثمانمائة وأربعون قطعة بلغت مئونة الإنفاق عليها خمسة آلاف دينار فى مدة خمسة عشر يوما.\rوقرئ سجلّ بمنع الناس من السفر إلى مكّة فى البرّ والبحر، ومن حمل الأمتعة والأقوات إليها؛ فردّ قوم خرجوا إلى الحجّ من الطريق.","footnotes":"= - وقد أصبحت القرافة من المنتزهات الجميلة العامرة أيام الفاطميين، ذلك أن الرؤساء كانوا يلازمون جامع الأولياء بها فى الصيف ويحضرون الحلوى والأشربة والجرايات، فكثر الطفيليون به وانتشرت المساجد وعمرت المنطقة لأجل ما يحمل إليها وما يعمل فيها من الحلاوات واللحومات والأطعمة وقد قيل فيها:\rإن القرافة قد حوت ضدين من … دنيا وأخرى، فهى نعم المنزل\rيغشى الخليج بها السماع مواصلا … ويطوف حول قبورها المتبتل\rالخطط: ٤٤٣:٢ - ٤٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276751,"book_id":167,"shamela_page_id":459,"part":"2","page_num":91,"sequence_num":459,"body":"ومرض غين الخادم، فركب الحاكم لعيادته، وسيّر إليه خمسة آلاف دينار وخمسة وعشرين فرسا مسرجة ملجمة؛ وقلّد الشرطة والحسبة بمصر والقاهرة والجزيرة، والنظر فى جميع الأموال والأحوال. ونزل إلى الجامع العتيق ومعه سائر العسكر بخلعه، وقرئ سجلّه وفيه تشدّده فى المسكرات والمنع من بيع الفقاع والملوخية والسمك الذى لا قشر له، والمنع من الملاهى ومن اجتماع الناس فى المآتم واتباع الجنائز، والمنع من بيع العسل إلاّ أن يكون ثلاثة أرطال فما دونها.\rوفى ذى الحجة وردت هدية تنّيس على العادة فى كل سنة.\rولم يركب الحاكم لصلاة عيد النحر، فصلى بالناس مالك بن سعيد وخطب. ولم يخرج من النساء إلى الصحراء فلم تر امرأة على قبر.\rومنع من الاجتماع على شاطئ النيل، ومن ركوب النساء المراكب مع الرجال وخروجهن إلى مواضع الحرج مع الرجال. وفيه عمل عيد الغدير على رسمه وفرّقت فيه دراهم كثيرة.\rومنع من بيع العنب وألاّ يتجاوز فى بيعه أربعة أرطال، ومنع من اعتصاره، فبيع كلّ ثمانية أرطال بدرهم، وطرح كثير منه فى الطرقات، وأمر بدوسه؛ ومنع من بيعه البتة؛ وغرّق ما حمل منه فى النيل. وبعث شاهدين إلى الجيزة فأخذ جميع ما على الكروم من الأعناب وطرحت تحت أرجل البقر لدوسه، وبعث بذلك إلى عدة جهات. وتتبّع من يبيع العنب، واشتد الأمر فيه بحيث لم يستطع أحد بيعه؛ فاتفق أنّ شيخا حمل خمرا له على حمار وهرب، فصدفه الحاكم عند قائلة النهار على جسر ضيّق، فقال له:\rمن أين أقبلت؟ قال من أرض الله الضّيّقة. فقال: يا شيخ، أرض الله ضيقة؟ فقال:\rلو لم تكن ضيّقة ما جمعتنى وإياك على هذا الجسر. فضحك منه وتركه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276752,"book_id":167,"shamela_page_id":460,"part":"2","page_num":92,"sequence_num":460,"body":"وفيها أخذ بنو قرجه هدية باديس بن المنصور صاحب إفريقية وزحفوا إلى برقة، ففرّ عاملها فى البحر وفتحوها. وفيه نزع السعر.\rوفيها مات أبو القاسم ولىّ الدولة ابن خيران الكاتب فى شهر رمضان.\rوانتهى ماء النيل فى زيادته إلى ستة عشر ذراعا ونصف [ذراع] (¬١).","footnotes":"(¬١) فى هذه السنة فى شهر ربيع الآخر عقد القادر بالله، الخليفة العباسى، مجلسا أحضره عددا من العلماء والأشراف ببغداد للطعن فى صحة نسب الفاطميين إلى بيت النبوة «فشهدوا جميعا أن الناجم بمصر، وهو منصور بن نزار الملقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والخزى والنكال - ابن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد - لا أسعده الله - فإنه لما صار إلى المغرب تسمى بعبيد الله وتلقب بالمهدى هو ومن تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس - عليه وعليهم اللعنة - أدعياء خوارج لا نسب لهم فى ولد على بن أبى طالب … » ونجد تفصيل ذلك وقصته فى كتب كثيرة منها الجزء الأول من هذا الكتاب، وفى النجوم الزاهرة: ٢٢٩:٤ - ٢٣١، والكامل لابن الأثير: ٨١:٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276753,"book_id":167,"shamela_page_id":461,"part":"2","page_num":93,"sequence_num":461,"body":"سنة ثلاث وأربعمائة (¬١):\rفى محرم ختم على مخازن العسل وجميع ما عند التجار والباعة منه؛ ورفعت مكوس الساحل. ومنع الناس من عمل حزن عاشوراء. وغرّق فى أربعة أيام خمسة آلاف وواحد وخمسون زيرا من أزيار العسل. ونزع السعر، وكثر الازدحام على الخبز، ففرّق الحاكم مالا على الفقراء. وكثر ابتياع الناس للسّيوف والسكاكين والسّلاح، وحمله من لم يحمله قطّ من العوامّ والصّنّاع، وكثر الكلام فيه، فقرئ سجلّ على منابر الجوامع بتطمين الناس وإعراضهم عن سماع أقوال المرجفين.\rوفى ثانى ربيع الأول خلع على أبى الحسن على [بن جعفر] بن فلاح ولقب قطب الدولة، وقرئ له سجل بالتقدّم على سائر الكتاميين والنظر فى أحوالهم، والسّفارة بينهم وبين أمير المؤمنين. وحمل على فرس وبين يديه ثياب.\rوهلك زرعة بن عيسى بن نسطورس من علّته فى ثانى عشره؛ فكانت مدّة نظره فى الوساطة سنتين وشهرا؛ فتأسف الحاكم على فقده من غير قتل، وقال ما أسفت على شيء قطّ أسفى على خلاص ابن نسطورس من سيفى، وكنت أودّ ضرب عنقه، لأنه أفسد دولتى، وخاننى ونافق علىّ، وكتب إلى حسّان بن الجرّاح فى المداجاة علىّ وأنه يبعث من يهرب به إليه.\rوخلع على إخوته الثلاثة وأقرّوا على ما بأيديهم من الدواوين. وأمر النصارى إلا الجبابرة بلبس العمائم السّود والطيالسة السّود، وأن يعلّق النصارى فى أعناقهم صلبان الخشب، ويكون ركب مروجهم من خشب، ولا يركب أحد منهم خيلا، وأنهم يركبون البغال","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث والعشرين من يوليو سنة ١٠١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276754,"book_id":167,"shamela_page_id":462,"part":"2","page_num":94,"sequence_num":462,"body":"والحمير، وألاّ يركبوا السروج واللجم محلاّة، وأن تكون سروجهم ولجمهم بسيور سود، وأنهم يشدون الزنانير على أوساطهم، ولا يستعملون مسلما، ولا يشترون عبدا ولا أمة؛ وأذن للناس فى البحث عنهم وتتبع آثارهم فى ذلك؛ فأسلم عدّة من النّصارى الكتّاب وغيرهم.\rوشدد الأمر عليهم، ومنع المكاريون من تركيبهم، وأخذوا بتسوية السّروج والخفاف ومنعوا من ركوب النيل مع نواتية مسلمين.\rواستدعى الحاكم حسين بن طاهر الوزان - وكان منقطعا إلى غين الخادم الأسود - وعرض عليه الوساطة فأجاب بشريطة أن يكون لكلّ قبيل من طوائف العسكر زمام عليهم يرجعون إليه، ويكون نظره على الأزمّة، فيجعل لكل طائفة يوما ينظر فى أمورهم وخاصة زمامهم فقط؛ ففعل ذلك، وخلع عليه. وفوّض فى الوساطة والتوقيع، وقرئ سجله بالقصر فى تاسع عشر ربيع الأول. وأمر الحاكم فنقش على خاتمه: بنصر الله العظيم الولىّ (¬١) يتنصر الإمام أبو علىّ.\rوفيه أمر النّصارى بعمل ركب السروج من خشب الجمّيز.\rوقبض على جماعة بسبب اللعب بالشطرنج وضربوا وحبسوا.\rوألزم النصارى أن يكون الصّليب الذى فى أعناقهم طوله ذراع فى مثله، وكثرت إهاناتهم وضيّق عليهم؛ وأمروا أن تكون زنة الصليب خمسة أرطال وأن يكون فوق الثياب مكشوفا، ففعلوا ذلك. ولما اشتدّت عليهم الأمور تظاهر كثير منهم بالإسلام، فوقع الأمر بهدم الكنائس (¬٢)، وأقطعت بجميع مبانيها وبمالها من رباع وأراض لجماعة (¬٣)، وعملت مساجد وأذن فى بعضها وبيعت أوانيها. ووجد فى المعلّقة (¬٤) بمصر وفى كنيسة","footnotes":"(¬١) فى الأصل بنصر الله العظيم المولى … والمثبت هنا أولى وأيسر وهو مأخوذ عن الخطط: ٢٨٧:٢ - ٢٨٨، ويوافق ما جاء فى نهاية الأرب.\r(¬٢) فسأل جماعة من النصارى أن يتولوا هدم كنائسهم بأيديهم وأن يبنوها مساجد. نهاية الأرب.\r(¬٣) من الصقالبة والفراشين والسعدية، ولم يرد سؤال من سأله شيئا منها. نهاية الأرب.\r(¬٤) كنيسة المعلقة بمدينة مصر فى خط قصر الشمع، على اسم السيدة مريم العذراء، الخطط: ٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276755,"book_id":167,"shamela_page_id":463,"part":"2","page_num":95,"sequence_num":463,"body":"بو شنوده مال جزيل من مصاغ وثياب وغيره. وتتابع هدم الكنائس؛ وكتب إلى الأعمال بهدمها فهدمت.\rوأشيع سير أبى الفتوح أمير مكة من الرّملة إلى الحجاز، وكان قد قدم إليها فبايعه ابن الجراح ولقبه بالراشد بالله أمير المؤمنين، ودعا له بالرّملة (¬١).\rوفى جمادى الأولى لقّب الحسين بن طاهر الوزان بأمين الأمناء وكتب له سجل بذلك.\rوظهر لحسين بن جوهر مال عظيم، فأنعم به الحاكم على ورثته ولم يعرض لشيء منه.\rوفى ذلك الحين كان وصول أبى الفتوح إلى مكّة وإقامته الدعوة للحاكم بها، وضربت السكّة باسمه. وابتدأ مالك بن سعيد بعمل رصد (¬٢) فلم يتمّ.\rوفى جمادى الآخرة اشتد الإنكار بسبب الفقاع والزبيب والسمك. وقبض على جماعة فاعتقلوا وأمر بضرب أعناقهم، ثم أطلقوا. وتشدّد فى [منع] (¬٣) ذبح الابقار السالمة من العيب ومنع النساء من الغناء والنشيد. وأقطعت الكنائس والدّيارات بنواحى بمصر لكلّ من التمسها.","footnotes":"(¬١) وكان أبو القاسم الوزير المغربى الذى خرج على الحاكم «قد خطب الجمعة التى بويع فيها لأبى الفتوح بالخلافة، وافتتح الخطبة بالآيات الأولى من سورة القصص: «طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ … » الآيات وأشار إلى مصر، يعنى الحاكم بأمر الله. وسبب عودة أبى الفتوح إلى مكة أن الحاكم لجأ إلى مفاوضة بنى الجراح بعد أن فشل فى محاربتهم، فأدرك أبو الفتوح أنه لا مقام له إذا تم الصلح فادعى أن أخاه قد ثار بمكة وأن واجبه يدعوه إلى العودة إليها لإخماد الثورة. انظر تفصيل ذلك فى نهاية الأرب.\r(¬٢) الرصد مكان مرتفع يطل من غربيه على راشدة ومن قبليه على بركة الحبش، يحسبه من رآه من ناحية راشدة جبلا، وهو من شرقيه سهل يتوصل إليه من القرافة دون ارتقاء. وقد بدأ عمل الرصد فى عهد الحاكم لكنه لم يتم فأتمه الأفضل بن بدر الجمالى إذ أقام فوقه كرة لرصد الكواكب. وسبب اهتمام الأفضل بذلك أنه حمل إليه تقويم سنة خمسمائة للهجرة، قيل مائة تقويم، فوجد فيها اختلافا كبيرا، فأنكر ذلك وجمع أهل العلم والحساب وسأل عن السبب فقيل له التقويم الشامى يحسب على رأى الزيج المأمونى المهجور ونحن نعمل على رأى الزيج الحاكمى وهو أحدث وأصح، وأشاروا عليه بعمل رصد مستجد يصحح الحساب وتحصل به الفائدة والسمعة والذكر الباقى. فشرع فى ذلك وأتمه. الخطط: ١٢٥:١ - ١٢٨.\r(¬٣) ما بين الحاصرتين زيادة يقتضيها السياق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276756,"book_id":167,"shamela_page_id":464,"part":"2","page_num":96,"sequence_num":464,"body":"وفى رجب قرئ سجل بمنع الناس من تقبيل الأرض للحاكم، وبمنعهم من تقبيل ركابه ويده عند السّلام عليه فى المواكب، والانتهاء عن التخلّق بأخلاق أهل الشرك من الانحناء إلى الأرض فإنّه صنيع الروم؛ وأمروا أن يكون للسلام عليه: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. ونهوا عن الصّلاة عليه فى المكاتبة والمخاطبة، وأن تكون مكاتبتهم فى رقاعهم ومراسلاتهم بإنهاء الحال، ويقتصر فى الدعاء على سلام الله وتحيّاته وتوالى بركاته على أمير المؤمنين، ويدعى له بما سبق من الدعاء لا غير. فلما كان يوم الجمعة لم يقل الخطيب سوى: اللهم صلّ على محمد المصطفى وسلّم على أمير المؤمنين علىّ المرتضى، اللهم وسلّم على أمراء المؤمنين آباء أمير المؤمنين، اللهم اجعل أفضل سلامك على سرّك وخليفتك.\rوأنزل من القصر سبع صناديق فيها ألف ومائتان وتسعون مصحفا إلى الجامع العتيق ليقرأ فيها الناس. وأحصيت المساجد التى لا غلّة لها فكانت ثمانمائة مسجد ونيّف، فأطلق لها فى كل شهر تسعة آلاف ومائتا درهم وعشرون درهما، لكل مسجد اثنا عشر درهما.\rومنع من ضرب الطبول والأبواق التى كانت تضرب حول القصر فى الليل، فصاروا يطوفون بغير طبل ولا بوق. وأنزل إلى جامع ابن طولون ثمانمائة مصحف وأربعة عشر مصحفا.\rوأبطلت مكوس الحسبة، وأذن للناس بالتأهب للحج فى البرّ والبحر.\rوفى رمضان صلى الحاكم بالناس مرّة فى جامعه براشدة، ومرة بجامعه خارج باب الفتوح\rوفيه ظهر جراد كثير حتى أبيع فى الأسواق. وصلّى بالجامع العتيق بمصر جمعة، وهو أول من صلى فيه من الخلفاء الفاطميّين. ومنع النساء من الجلوس فى الطرقات للنظر إليه.\rوأخذ القصص (¬١) بيده ووقف لأهلها وسمع كلامهم؛ وخالطه العوامّ وحالوا بينه وبين","footnotes":"(¬١) القصص هى الرقاع التى بكتبها أصحاب المظالم يحكون فيها ما وقع بهم من ظلم ويسألون رفعه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276757,"book_id":167,"shamela_page_id":465,"part":"2","page_num":97,"sequence_num":465,"body":"موكبه. واستماحه قوم فوصلهم بصلات كثيرة؛ وأهدى إليه قوم مصاحف فقبلها وأجازهم عليها. ووقف عليه اثنان من تربة عمرو بن العاص وشكوا أن حبسهما قبض عليه للدّيوان من أيام العزيز، فخلع عليهما ووصلهما بألف دينار. وكثرت فى هذا الشهر إنعاماته، فتوقّف أمين الأمناء حسين بن طاهر الوزان فى ذلك، فكتب إليه الحاكم بخطّه بعد البسملة:\rالحمد لله كما هو أهله.\rأصبحت لا أرجو ولا أتّقى … سوى إلهى، وله الفضل\rجدّى نبيّى، وإمامى أبى … ودينى الإخلاص والعدل\rالمال مال الله ﷿، والخلق عباد الله، ونحن أمناؤه فى الأرض. أطلق أرزاق الناس ولا تقطعها. والسلام».\rوركب فى يوم الفطر إلى المصلّى بغير شيء مما كان يظهر فى هذا اليوم من الزينة والجنائب (¬١) ونحوها، فكان فى عشرة أفراس جياد بين يديه بسروج ولجم محلاّة بالفضة البيضاء الخفيفة، ومظلة بيضاء بغير ذهب، وعليه بياض بغير طرز ولا ذهب ولا جوهر فى عمامته، ولم يفرش المنبر.\rوفيه وقعت فتنة بين طوائف العسكر شهروا فيها السّلاح، فركب الحاكم وأصلح بينهم.\rوولد لعبد الرحيم بن إلياس [ابن] (¬٢) عم الحاكم مولود فبعث إليه ثلاثة أفراس مسرجة","footnotes":"(¬١) الجنائب جمع جنيب وهى الخيول التى كانت تسير وراء السلطان أو الخليفة لاحتمال الحاجة إليها. انظر محيط المحيط؛ Dozy،Supp.Dict.Ar .\r(¬٢) ما بين الحاصرتين ساقط من الأصل والتصحيح استعانة بما سيجيء بعد قليل، وبما جاء فى الخطط: ٢٨٨:٢؛ وبما جاء فى النجوم الزاهرة: ٣٣٥:٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276758,"book_id":167,"shamela_page_id":466,"part":"2","page_num":98,"sequence_num":466,"body":"ملجمة ومائة قطعة من الثياب وخمسة آلاف دينار عينا وسائر ما كان لأبيه أبى الأشبال المتوفى، وكان شيخا جليلا.\rومنع الناس من سب السّلف وضرب فى ذلك رجل وشهّر، ونودى عليه: هذا جزاء من سب أبا بكر وعمر، وتبرأ الناس. فشق هذا على كثير من الناس، وتجمعوا يستغيثون بباب القصر: لا طاقة لنا بمخاصمة أحد أو الصبر لكل ما جرى؛ فصرفوا ونهوا، فمضوا وهم يستغيثون فى الطرقات. فقرئ سجلّ بالقصر فيه الترحم على السّلف من الصحابة والنّهى عن الخوض فى مثل ذلك. ورأى فى طريقه وقد ركب لوحا فيه سبّ على السلف فأنكره ووقف حتى قلع. وتتبع الألواح التى فيها شيء من ذلك، فقلعت كلّها، ومحى ما كان على الحيطان منها حتى لم يبق لها أثر. وشدّد فى الإنكار على من خالف ذلك، ووعد عليه بالعقوبة.\rوسارت قافلة الحاجّ فى رابع عشر ذى القعدة إلى بركة الجبّ ثم رجعوا من ليلتهم (¬١).\rوخلع على قطب الدّولة أبى الحسن على بن فلاح وسار فى عسكر لقتال ابن الجراح.\rوأملك ابنا عبد الرحيم بن إلياس بزوجتى حسين بن جوهر، وقرئ كتابهما فى القصر، وقد كتبا فى ثوب مصمت وفى رأس كل منهما بخط الحاكم: «يعقد هذا النكاح بمشيئة الله وعونه، والحمد لله رب العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل». وخلع على ابنى عبد الرحيم وحمل عنهما المهر وهو ألفا دينار.\rوصلّى الحاكم بالناس صلاة عيد النحر كهيئته فى عيد الفطر؛ ونحر عنه عبد الرحيم والمؤذّنون يكبّرون خلفه كما يفعلون بين يدى الحاكم، والقاضى مالك إلى جنبه ومعه الرّمح","footnotes":"(¬١) لعل السر فى رجوع الحاج بعد خروجهم الفتنة التى وقعت بين طوائف العسكر وخوف استفحالها. أو لعل السبب أنهم خرجوا متأخرين عن الموعد الذى كان قد تحدد منذ سنوات والذى كان سبب تحديده أنهم كانوا إذا خرجوا متأخرين لا يتمكنون من زيارة الروضة الشريفة. وقد صدر مرسوم سنة ٤٠١ بالخروج فى منتصف شوال وبالبدء بزيارة الروضة الشريفة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276759,"book_id":167,"shamela_page_id":467,"part":"2","page_num":99,"sequence_num":467,"body":"، وكلما رمى الرمح لينحر به قبّله قبل أن ينحر به؛ فعل ذلك ثمانية أيام، فبعث إليه الحاكم ثيابا جليلة وجواهر ثمينة، وحمله على فرس بسرج مرصع بالجوهر.\rوواصل الحاكم الركوب إلى الصحراء بحذاء فى رجله، وعلى رأسه فوطة. وكان يركب كل ليلة بعد المغرب. ووقف إليه خراسانى يذكر أنه أخذ منه متاع برسم الخزانة ولم يدفع إليه ثمنه، فدفع إليه جميع ما كان له وهو نحو خمسة آلاف دينار، فشقّ به البلد، وكثر الدّعاء للحاكم. وحمل إلى عبد الرحيم عشرة ألاف دينار فى أكياس مكتوب عليها: لابن عمنا وأعزّ الخلق علينا عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدىّ بالله، سلّمه الله وبلّغنا فيه ما نؤمّله.\rوبعث إلى ملك الروم هدية مبلغ سبعة آلاف دينار.\rوفيها وصلت هدية الحاكم إلى نصير الدولة أبى مناد (¬١) مع عبد العزيز بن أبى كدينة لثلاث عشرة خلت من المحرم، ومعه سجلّ بإضافة برقة وأعمالها إليه؛ فخرج إلى لقائه ومعه القضاة والأعيان، فكان يوما مشهودا.\rوفى أواخر رجب فلج أبو الفتوح يوسف بن عبد الله بن ابى الحسين أمير صقلية (¬٢)، فتعطّل جانبه الأيسر، فقام بالأمر ابنه أبو محمد جعفر بن يوسف وكان بيده سجلّ الحاكم بولايته بعد أبيه؛ ثم وصل إليه سجلّ لقب فيه تاج الدولة وسيف الملك. ثم أنفذ إليه تشريف، وعقد له لواء، وزيد فى لقبه الملك.\rوفى ذى القعدة مات مفرّج بن دغفل بن الجرّاح برملة لدّ (¬٣)، من فلسطين.","footnotes":"(¬١) أبو مناد باديس بن المنصور بن يوسف بلكين بن زيرى، صاحب إفريقية فى ظل الفاطميين بين سنتى ٣٧٦ - ٤٠٦ (٩٩٦ - ١٠١٦). معجم الأنساب.\r(¬٢) يسميه زامباور فى معجم الأنساب، اعتمادا على مصادر متعددة، أبا الفتوح يوسف بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن الحسن، ويذكر أنه اعتزل سنة ٣٨٨ ليخلفه جعفر بن يوسف، أبو محمد المذكور فى المتن. وهما من الولاة الكلبيين الذين حكموا صقلية بين سنتى ٣٣٦ - ٤٦٤ (٩٤٧ - ١٠٧١) مع شيء كبير من الاضطراب بسبب ضعف الفاطميين وتدخل النورمانديين.\r(¬٣) يعرفها ياقوت بأنها قرية قرب بيت المقدس من أرض فلسطين. معجم البلدان: ٣٢٦:٧ - ٣٢٧. وهى الآن مدينة عظيمة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276760,"book_id":167,"shamela_page_id":468,"part":"2","page_num":100,"sequence_num":468,"body":"سنة أربع وأربعمائة (¬١):\rفى محرم أمر ألاّ يدخل يهودى ولا نصرانى الحمام إلاّ ويكون مع اليهودى جرس ومع النصارى صليب. ونهى عن الكلام فى النّجوم، فتغيب عدّة من المنجّمين وبقى منهم جماعة وطردوا؛ وحذّر الناس أن يخفوا أحدا منهم، فأظهر جماعة منهم التوبة فعفى عنهم، وحلفوا ألاّ ينظروا فى النجوم.\rوأمر بغلق سائر الدّواوين وجميع الأماكن التى تباع فيها الغلال والفواكه وغيرها ثلاثة أيام من آخر حزن عاشوراء؛ فلما كان يوم عاشوراء أغلقت سائر حوانيت مصر والقاهرة بأسرها إلاّ حوانيت الخبّازين. ونزل الذين عادتهم النزول فى يوم عاشوراء إلى القاهرة من المنشدين وغيرهم أفرادا غير مجتمعين ولا متكلّمين، فما اجتمع اثنان فى موضع. وخرج الحاكم فى أمره وبذيله القاضى إلى بلبيس، فنظر إلى العسكر المجهّز مع علىّ بن فلاح، وعاد من الغد، ورحل العسكر.\rوأكثر الحاكم فى هذا الشّهر من الصّدقات وإعطاء الأموال الكثيرة جدا. وأعتق سائر مماليكه وجواريه. وفتح فيه الخليج يوم السابع عشر من مسرى والماء على أربعة عشر ذراعا وثمانية أصابع.\rوفى أول صفر صرف القائد غين عن الشّرطتين والحسبة، وتقلدها مظفر الصقلبى حامل المظلة. وأذن لليهود والنصارى فى مسيرهم إلى حيث ساروا من بلاد الروم. وورد الخبر بوصول عساكر مصر ودمشق إلى الرملة وخروج العرب منها. وأمر ببناء جامع الإسكندرية وأطلق مالا كثيرا للصدقة والتفرقة.\rوفيه جمع سائر الناس على اختلافهم بالقصر وقرئ عليهم سجل بأن أبا القاسم","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث عشر من يوليو سنة ١٠١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276761,"book_id":167,"shamela_page_id":469,"part":"2","page_num":101,"sequence_num":469,"body":"عبد الرحيم بن إلياس بن أبى علىّ بن المهدىّ بالله أبى محمد عبيد الله قد جعله الحاكم بأمر الله ولىّ عهد المسلمين فى حياته والخليفة بعد وفاته، وأمر الناس بالسّلام عليه وأن يقولوا له فى سلامهم عليه: السلام على ابن عمّ أمير المؤمنين وولى عهد المسلمين؛ وتعيّن له محل يجلس فيه من القصر. ثمّ قرئ السّجلّ على منابر البلد وبالإسكندرية؛ وبعث بذلك سجلاّ إلى إفريقية، فقرئ بجامع القيروان وغيره، وأثبت اسمه مع اسم الحاكم فى البنود والسّكّة والطّراز. فعظم ذلك على نصير الدولة أبى مناد باديس وقال: لولا أن الإمام لا يعترض عليه فى تدبير لكاتبته ألاّ يصرف هذا الأمر عن ولده إلى بنى عمه.\rوخلع على عبد الغنى بن سعيد ودفع له ألف وخمسمائة دينار وخمس عشرة قطعة ثياب، وحمل على بغلة ولرفيقه مثل ذاك. وسيّر مع رسول متملّك الروم بهدية عظيمة.\rوبلغ الحاكم أن أبا القاسم على بن أحمد الزيدى النقيب عليه عشرون ألف دينار، فوقّع له بها مما عليه من الخراج، وبعث له بثلاثة آلاف دينار أخرى.\rوكثر ركوب الحاكم وهو بدرّاعة صوف بيضاء وعمامة فوطة، وفى رجله حذاء عربى بقبّالين (¬١)؛ فأقبل الناس إليه بالرّقاع ما بين متظلّم أو مستمنح؛ فأجزل فى الصّلات والعطايا ما بين دور ودراهم وثياب، فلم يردّ أحد خائبا. وردّ ما كان فى الديوان من الضّياع والأملاك المأخوذة لأربابها، وأقطع كثيرا من الناس عدة آدر. وفى ربيع الأول بسط الحاكم يده بالعطاء.\rوفى ثامن عشر ربيع الآخر أمر الحاكم بقطع يدى أبى القاسم أحمد بن على الجرجرائى (¬٢)، فقطعتا جميعا؛ وهو يومئذ كاتب قائد القواد غين. وسبب ذلك أنه كان فى خدمة ستّ","footnotes":"(¬١) قبال النعل، ككتاب، زمام بين الأصبح الوسطى والتى تليها. القاموس المحيط.\r(¬٢) جرجرايا من أعمال النهروان بين واسط وبغداد فى الجهة الشرقية لنهر دجلة. ذكر ياقوت أنها كانت خربة فى زمنه. معجم البلدان: ٨٠:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276762,"book_id":167,"shamela_page_id":470,"part":"2","page_num":102,"sequence_num":470,"body":"الملك، أخت الحاكم، فانفصل عنها وهى غير راضية عنه، وخدم عند غين؛ ثم بعث إليها رقعة يستعطفها، فارتابت منه وسيّرتها فى طىّ درجها (¬١) إلى الحاكم، فأمر بقطع يديه وقد اشتد غيظه. ويقال بل كان عقيل صاحب الخبر يحمل الرّقاع بالخبر إلى القائد غين ليوصّلها إلى الحاكم وهى مختومة؛ فجاءه فى يوم بالرّقاع على عادته فدفعها غين إلى كاتبه أبى القاسم الجرجرائى حتى يجد فراغا فيحملها إلى الحاكم، ففك الجرجرائى الختم وقرأها، فإذا فى بعضها طعن على غين وذكره بسوء، فقطع ذلك الموضع من الرّقعة وحكّه وأصلحه، وأعاد الختم. فبلغ ذلك عقيلا فأوصله إلى الحاكم فأمر بقطع يديه.\rوفى ثالث جمادى الأولى قطعت يد غين بعد قطع يد كاتبه الجرجرائى بخمسة عشر يوما، وكانت يده [الأخرى (¬٢)] قد قطعت قبل ذلك بثلاث سنين وشهر، فصار مقطوع اليدين (¬٣). ثم إن الحاكم بعث إليه بآلاف من الذهب وعدة [أسفاط] (¬٤) من الثياب وأمر بمداواته. وأبطل عدة مكوس من جهات كثيرة. فلما كان فى ثالث عشره أمر بقطع لسان غين فقطع (¬٥).\rوفى رجب أمر برفع ما يؤخذ من الشّرطتين؛ وقتل الكلاب، فقتلت بأجمعها؛ وأبطل مكس الرطب ومكس دار الصّابون، ومبلغه ستة عشر ألف دينار؛ وأطلق أموالا جزيلة للصدقة. وأكثر من الركوب فى الليل. ونزل ليلة النّصف من شعبان إلى القرافة ومشى فيها وتصدّق بشئ كثير، وأبطل عدّة جهات من جهات المكس. ومنع النساء أن يخرجن إلى","footnotes":"(¬١) الدرج بالدال المفتوحة والراء الساكنة القرطاس الذى يكتب فيه، ويحرك. القاموس المحيط.\r(¬٢) زيادة يقتضيها السياق.\r(¬٣) «ولما قطعت يده حملت فى طبق إلى الحاكم فبعث إليه بالأطباء». الخطط: ٢٩٧:٢ - ٢٩٨.\r(¬٤) ما بين الحاصرتين مضاف من الخطط: ٢٩٨:٢.\r(¬٥) «وحمل إلى الحاكم فسير إليه الأطباء ومات بعد ذلك». نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276763,"book_id":167,"shamela_page_id":471,"part":"2","page_num":103,"sequence_num":471,"body":"الطّرقات فى ليل أو نهار سواء أكانت المرأة شابة أم عجوزا، فاحتبسن فى بيوتهن ولم تر امرأة فى طريق، وأغلقت حماماتهن، وامتنع الأساكفة (¬١) من عمل خفاف النساء وتعطّلت حوانيتهم.\rوفى سادس عشره وقع فى الناس خوف وفزع من شناعة القول وكثرة إشاعته بأن السيف قد وقع فى الناس، فتهارب الناس وغلّقت الحوانيت فلم يكن سوى القلب. وضرب قوم خالفوا النهى عن بيع الملوخيّة والسمك الذى لا قشر له وشهّروا. وضرب كثير من النساء من أجل خروجهن من البيوت وحبسن. وقرئ سجلّ بالمنع من تفتيش المسافرين فى البحر والبرّ والنّهى عن التعرّض.\rوفى رمضان صلّى بالناس فى الجوامع الأربعة: جامع القاهرة، والجامع خارج باب الفتوح، وجامع عمرو، وجامع راشدة (¬٢)؛ وتصدّق بأموال كثيرة؛ ودعا فوق المنابر بنفسه لعبد الرحيم بن إلياس، فقال: اللهم استجب منّى فى ابن عمّى وولّى عهدى والخليفة من بعدى، عبد الرّحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدىّ بالله أمير المؤمنين، كما استجبت من موسى فى أخيه هارون.\rوفيه ركب قائد القوّاد غين إلى القصر فى موكب عظيم، فخلع عليه. وضرب على السكة اسم عبد الرحيم ولّى عهد المسلمين. ومنع من عادته الطّواف فى الأعياد بالأسواق لأخذ الهبات من الرّجّالة والبوّاقين (¬٣). واجتمع الأولياء وغيرهم بالقصر فى يوم الخميس ثامن عشريه لسماع ما يقرؤه القاضى من كتب مجالس الحكم، فمنعوا من ذلك.","footnotes":"(¬١) الأسكف بالفتح والإسكاف بالكسر والأسكوف بالضم والسكاف كشداد والسيكف كصيقل: الخفاف. أو الإسكاف كل صانع سوى الخفاف فإنه الأسكف. القاموس المحيط.\r(¬٢) جرت عادة الفاطميين على حضور ثلاث جمع فقط من رمضان، وكانوا يرتاحون الجمعة الرابعة. وقد صلى الحاكم جمعتين فقط أكثر من مرة. أما هذه السنة فقد صلى الجمعة أربع مرات دون راحة.\r(¬٣) نافخى الأبواق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276764,"book_id":167,"shamela_page_id":472,"part":"2","page_num":104,"sequence_num":472,"body":"وركب لصلاة الجمعة بجامع القاهرة، فازدحم الناس عليه بعد ركوبه من الجامع إلى القصر، فوقف لهم وأخذ رقاعهم، وحادثهم، وضاحكهم، فلم يرجع إلى القصر من كثرة وقوفه ومحادثته العوامّ إلى غروب الشّمس، ووقّع صلات كثيرة. وركب لصلاة العيد بغير زىّ الخلافة، ومظلّته بيضاء، وعبد الرحيم يسايره وهو حامل الرمح الذى من عادة الخليفة حمله (¬١)، وأصعده معه المنبر ودعا له. ولم يعمل فى القصر سماط، ولا رؤيت امرأة، ولا أبيع شيء ممّا عادته يباع فى الأعياد من اللّعب والتّماثيل. واشتدّ الأمر فى منع النساء من الخروج، وحبس عدة عجائز وخدم وجدن فى الطرقات.\rوواصل الركوب فى اللّيل. وأطلق لخليج الإسكندرية خمسة عشر ألف دينار.\rوقرئ سجلّ بأن كلّ من كانت له مظلمة فليرفعها إلى ولىّ العهد؛ فجلس عبد الرحيم ورفعت إليه الرقاع فوقّع عليها. وللنصف من ذى القعدة سار الحاجّ. وفى يوم النحر ركب عبد الرحيم بالعساكر إلى المصلّى فصلّى بالناس وخطب، ونحر بالمصلّى وبالملعب، ولم يعمل سماط بالقصر.\rوواصل الحاكم الركوب فى العشايا. واصطنع خادما وكاتبا أسود كناه بأبى الرضا سعد، وأعطاه من الجواهر والأموال ما يجلّ وصفها، وأقطعه إقطاعات كثيرة؛ فقصده الناس لحوائجهم ولزموا بابه لمهمّاتهم، فتكلّم لهم مع الحاكم فلم يردّ سؤاله فى شيء.\rوكان مما يسأل فيه إقطاعات للناس تتجاوز خمسين ألف دينار.\rوفيه بعث أبو مناد باديس، أمير إفريقية، حميد بن تموصلت على عسكر إلى برقة، فخرج منها خود الصقلبى إلى مصر فتسلّمها حميد.","footnotes":"(¬١) وكان من بين مظاهر الزينة والأبهة كالسيف، ولهما مكانة خاصة فى المواكب فالرمح «لطيف فى غلاف منظوم من لؤلؤ، وله سنان مختصر بحلية ذهب، وله شخص مختص بحمله». و «السيف الخاص، وجلبته ذهب مرصعة بالجواهر فى خريطة مرموقة بالذهب، لا يظهر سوى رأسه، فيخرج مع المظلة، وحامله أمير عظيم القدر وهو أكبر أمير». النجوم الزاهرة: ٨٦:٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276765,"book_id":167,"shamela_page_id":473,"part":"2","page_num":105,"sequence_num":473,"body":"سنة خمس وأربعمائة (¬١)\rفى المحرّم تزايد وقوع النار وكثر الحرق فى الأماكن، فأمر النّاس باتخاذ القناديل على الحوانيت وعلى أريافها؛ وطرحت السّقائف والرّواشن (¬٢) وأمر بقتل الكلاب، فقتل منها كثير. وعظم الحريق، ووقعت فى أمره شناعات من القول، فقرئ سجلّ فى الجوامع بزجر السّفهاء والكفّ عن أحوال تفعل، وأن يدخل الناس إلى دورهم من بعد صلاة العشاء.\rفأغلقت الدّور والحوانيت والدّروب من بعد صلاة المغرب وكثر الكلام وعظم التّرحم فى الليل.\rوفيه وصل على [بن جعفر] بن فلاح من الشام. ووصلت قافلة الحاج فى تاسع صفر من غير زيارة المدينة، وقد أصابهم خوف شديد، وهلك منهم خلق كثير من الجوع والعطش (¬٣).\rوفيه ركب الحاكم مرتين، فرفعت إليه الرّقاع، فأمر برافعيها فحبسوا.\rوحبس (¬٤) عدّة قياسر وأملاك مع سبع ضياع بإطفيح (¬٥) وطوخ (¬٦) على القراء والمؤذنين","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث من يوليو سنة ١٠١٤.\r(¬٢) السقيفة: الصفة. والروشن: الكوة. القاموس المحيط.\r(¬٣) اضطرب الحج فى هذه السنوات بسبب اضطراب الأحوال فى الحجاز وخروج الأعراب على الحجاج ونهبهم وسلبهم، وقد امتنع الحج من العراق لنفس السبب مرات، مثلا فى السنوات: ٤٠١، ٤٠٣، ٤٠٦، وقبل ذلك أكثر من مرة.\r(¬٤) حبس بمعنى أوقف. والقياسر جمع قيسارية وهى السوق.\r(¬٥) إطفيح من أعمال مركز الصف بالجيزة الآن. وكانت عاصمة إقليم الإطفيحية الذى يمتد جنوبا شرق النيل. انظر: الملوك: ٨٤٣:١؛ قوانين الدواوين: ١٠٢.\r(¬٦) يورد ابن مماتى أسماء أربعة عشر موقعا تعرف باسم طوخ مضافا إلى اسم آخر. منها: طوخ الأقلام، طوخ البتنون، طوخ الجبل، طوخ الخيل، طوخ تنده، طوخ دمنو … وغيرها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276766,"book_id":167,"shamela_page_id":474,"part":"2","page_num":106,"sequence_num":474,"body":"بالجوامع وعلى ملء المصانع (¬١) والمارستان (¬٢) وثمن الأكفان.\rوفى ربيع الأول واصل الركوب وأخذ الرقاع ووقف مع الناس طويلا، ثم امتنع من أخذ الرقاع وأمر أن ترفع إلى عبد الرحيم وإلى القاضى مالك، وإلى أمين الأمناء، فتناولوا الرقاع. وأكثر من الهبات والصّلات والإقطاع والخلع.\rفلما كان يوم السبت سادس عشرى ربيع الآخر ركب فى اللّيل على رسمه إلى الجبّ (¬٣) وتلاحق به الناس وفيهم قاضى القضاة مالك بن سعيد، فلما أقبل على الحاكم أعرض عنه فتأخر، وإذا بصقلبيّ يقال له غادى، يتولى السّتر والحجية، أخذه وسار به إلى القصور وألقاه مطروحا بالأرض، فمرّ به الحاكم وأمر بمواراته، فدفن هناك بثيابه وخفّيه.\rوكانت مدّة نظره فى الأحكام عشرين سنة، منها ستّ سنين وتسعة أشهر قاضى القضاة وباقيها خلافة لبنى النّعمان. وكان ينظر فى القضاء والمظالم والأحباس، والدعوة، ودار الضرب، ودار العيار، وأمر الأضياف؛ فعلت منزلته وقصده الناس فى حوائجهم لكثرة اختصاصه بالحاكم وتزايد إقطاعاته من الدّور بفرشها والضّياع العديدة، ومواصلة الركوب معه ليلا ونهارا، ومشاورته فى أمور الدولة ونظره فى أمور الدواوين كلها. وكان سخيّا جوادا","footnotes":"(¬١) المصنعة بفتح الميم وضم النون وفتحها كالحوض يجمع فيه ماء المطر. مختار الصحاح.\r(¬٢) المارستان: بيت المرضى، معرب، وأول من بنى المارستان فى الإسلام الوليد ابن عبد الملك سنة ٨٨ هـ، وجعل فيه الأطباء وأجرى عليهم الأرزاق، وأمر بحبس المجذمين لئلا يخرجوا وأجرى عليهم وعلى العميان الأرزاق. وألحق ابن طولون بجامعة خزانة للأدوية والأشربة يجلس فيها الطبيب يوم الجمعة لحادث يحدث للحاضرين للصلاة. وأنشأ مارستانا كاملا سنة ٢٥٩ وشرط ألا يعالج فيه جندى ولا مملوك، وأمر ألا يخرج المريض من هذا المارستان إلا إذا أكل فروجا ورغيفا علامة الشفاء. وتتابع إنشاء المارستانات بعد ذلك فمنها فى مصر المارستان الكافورى ومارستان المغافر وغيرها. الخطط: ٤٠٥:٢ - ٤٠٧.\r(¬٣) من منتزهات القاهرة كان الخليفة الفاطمى يخرج إليه للنزهة راكبا ومعه النساء والحشم. وهو ينسب إلى عميرة فيقال جب عميرة بن تميم التجيبى. وتعرف هذه المنطقة أيضا ببركة الجب أو بركة الحجاج إذ يجتمع بها الحجاج قبل سفرهم. الخطط: ٤٨٩:١. وهذا الجب غير الجب الذى كان يحبس به الأمراء بالقلعة وقد عمره المنصور قلاون ٦٨١. الخطط: ٢١٣:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276767,"book_id":167,"shamela_page_id":475,"part":"2","page_num":107,"sequence_num":475,"body":"فصيحا بليغا، لم يضبط عليه قطّ صياح ولا حدّة، ولا سمعت منه فى خطاباته أبدا كلمة فيها فحش ولا قذع ولا قبح.\rوكان سبب قتله أنه اتّهم بموالاة سيدة الملك (¬١) ومراعاتها، وكان الحاكم قد انفلق منها فلما قتل استدعى الحاكم أولاده وخاطبهم، ولم يتعرّض لشيء من تركة أبيهم؛ وأمر ابنه أبا الفرج أن يركب فى الموكب، وأقرّه على إقطاعه، ومبلغه فى السنة خمسة عشر ألف دينار.\rوفى جمادى الأولى ردّ الحاكم على بنى عمرو بن العاص حبس جدّهم عمرو بن العاص، ومبلغه فى الشهر نحو مائتى دينار.\rوتزايد ركوب الحاكم حتى كان يركب فى اليوم الواحد عدة مرات، وعظمت هباته وعطياته. ثم أمر بابتياع الحمير، وصار يركبها من تحت السرداب (¬٢) إلى باب البستان إلى المقس، ويغلق الأبواب التى يتوصل منها إلى المقس وقت ركوبه، ومنع الناس من الخروج إلى هذه المواضع.\rوفى جمادى الآخرة قدم رسول ملك الروم، فاصطفت العساكر من باب القصر إلى سقاية ريدان (¬٣) بعددها وأسلحتها، وركب الحاكم بصوف أبيض وعمامة مفوّطة بمظلة مثلها، وولىّ العهد يسايره وعليه ثوب مثقل، ومعهم الجواهر. وأحضر الرّسول ومعه","footnotes":"(¬١) هى الأميرة سلطانة ست الملك، أخت الخليفة الحاكم بأمر الله.\r(¬٢) أنشأه المعز بعد دخوله القاهرة وزعم أن طالعه قضى عليه بذلك، وتوارى فيه نحو سنة أناب فيها العزيز بالله وعهد له. وكان المغاربة إذا رأوا غماما ترجلوا وسلموا يزعمون أن المعز فيه. ثم خرج المعز بعد ذلك وقد لبس الحرير الأخضر وجعل على وجهه اليواقيت تلمع كالكواكب، وجلس للناس كما كان يفعل. النجوم الزاهرة: ٧١:٤، ٧٤.\r(¬٣) كانت فى الأصل بستانا لريدان الصقلبى أحد خدام العزيز بالله، وعرفت فيما بعد باسم الريدانية وهى قرب العباسية الحالية. السلوك: ١٣٧:١: حاشية: ٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276768,"book_id":167,"shamela_page_id":476,"part":"2","page_num":108,"sequence_num":476,"body":"عبد الغنى بن سعيد بهدية إلى القصر، فخلع على عبد الغنى، وأنزل الرسول فى دار بالقاهرة وبلغ الحاكم أن ثلاثة من الرّكابيّة (¬١) أخذوا هبة من الرسول، فأمر بقتلهم، فقتلوا من أجل ذلك.\rوفى جمادى الآخرة ركب الحاكم ومعه أمين الأمناء، الحسين بن طاهر الوزّان، على رسمه؛ فلما انتهى إلى حارة كتامة (¬٢) خارج باب القاهرة أمر فضربت رقبة ابن الوزّان ودفن مكانه. فكانت مدة نظره فى الوساطة سنتين وشهرين وعشرين يوما؛ وكان توقيعه عن الحاكم: الحمد لله وعليه توكلى. وتقدم الأمر لسائر أرباب الدواوين بلزوم دواوينهم.\rواعتلّ الحاكم أياما فركب على حمار بشاشية مكشوفة، وأكثر من الحركة فى العشيّات إلى المقس والتّعدية إلى الجيزة وهو على الحمار. وأكثر من الركوب فى النيل.\rوفى حادى عشر شعبان أمر أصحاب الدواوين بأن يمتثلوا ما يرسم به عبد الرحيم بن أبى السيد الكاتب، متولّى ديوان النفقات، وأخوه أبو عبد الله الحسين، وجعلا فى الوساطة والسفارة، ثم قرئ لهما سجلّ بذلك، وخلع عليهما وحملا؛ فوقّعا، وكان توقيعهما:\rالحمد لله حمدا يرضاه.\rوفى حادى عشريه خلع على أبى العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبى العوّام، وأعطى سجلاّ بتقليده قضاء القضاة، وحمل على بغلة بسرج ولجام مصفّح بالذهب، وقيد بين يديه بغلة أخرى، ونزل إلى الجامع فقرئ سجلّه على المنبر، وفيه: «فقلدك أمير المؤمنين القضاء والصلاة والخطابة بحضرته، والحكم فيما وراء حجابه من القاهرة المعزيّة،","footnotes":"(¬١) الركابية والركابدارية: العاملون فى بيت الركاب الذى تكون به السروج والملجم ونحوها. صبح الأعشى: ٧:٤، ١٢.\r(¬٢) نسبة إلى قبيلة كتامة الذين كانوا يكونون العدد الغالب من جند الفاطميين فى العصر الأول، وقد قدموا مع جوهر. وموضع هذه الحارة اليوم المنطقة التى تتوسطها حارة الأزهرى وعطفه الدويدارى وما يتصل بهما فى الجنوب الشرقى للجامع الأزهر. النجوم الزاهرة: ٤٦:٤ حاشية: ٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276769,"book_id":167,"shamela_page_id":477,"part":"2","page_num":109,"sequence_num":477,"body":"ومصر وأعمالها، والإسكندرية، والحرمين، وبرقة، والمغرب، وصقلية؛ مع الإشراف على دور الضرب بهذه الأعمال، والنظر فى أحباس الجوامع والمساجد، وأرزاق المرتزقة ووجوه البر؛ وتستخلف على الحكم». ونقل ديوان الحكم من بيت مالك بن سعيد إلى بيت المال بالجامع العتيق، وهو أول من فعل ذلك من القضاة. وكانت دواوين الحكام فى دورهم فجعلها بالجامع، وجعل جلوسه بالجامع العتيق يومى الاثنين والخميس، وبالقاهرة يوم الثلاثاء، ولحضور القصر يوم السبت.\rوفى يوم الجمعة رابع رمضان ركب ولىّ العهد، فصلى بالجامع الأنور (¬١) الجديد بباب الفتوح فى موكب الخلافة، ثم صلّى جمعة أخرى بجامع القاهرة ثم جمعتين بالجامع الجديد.\rوفيه كثرت صلات الحاكم ومواهبه وإقطاعاته للناس حتى خرج فى ذلك عن الحدّ.\rوركب ولىّ العهد يوم الفطر فى موكب الخلافة، وصلى بالناس فى المصلى، وخطب.\rوخرج الحاكم عن المعهود فى العطاء والإقطاعات حتى أقطع النواتية الذين يجدّفون به فى العشارى (¬٢)، وأقطع المشاعلية (¬٣)، وكثيرا من الوجوه والأقارب، وبنى قرّة؛ فكان مما أقطع الإسكندرية والبحيرة ونواحيها.\rوفى نصفه قتل ابنا أبى السيد، حسين [٦٨] وعبد الرحيم، ضربت أعناقهما بالقصر؛ فكانت مدة نظرهما اثنين وتسعين يوما.\rوواصل الركوب فى كل غداة وهو على الحمار. وقرئ سجل بأن يكون ما يرفعه الناس من حوائجهم فى ثلاثة أيام، يوم السبت للكتاميين والمغاربة، ويوم الاثنين","footnotes":"(¬١) هو جامع الحاكم، وكان يعرف أيضا باسم جامع القاهرة.\r(¬٢) العشارى، والعشيرى، نوع من السفن التى كان يركبها الخليفة فى النيل أيام النزهة والاحتفالات، مثل احتفال فتح سد الخليج، هيئ بحيث يجلس الخليفة فى وسادته يحيط به رجال الدولة والخواص فى بيت خشبى محكم على السطح، بينما الأطعمة والحوائج والملاحون أسفل السفينة.\r(¬٣) الأشخاص المكلفون بأعمال الإضاءة، وهم الضوية وأرباب الضوء: Dozy;supp.Dict،Ar .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276770,"book_id":167,"shamela_page_id":478,"part":"2","page_num":110,"sequence_num":478,"body":"للمشارقة، ويوم الخميس لسائر الناس كافة؛ وأن يتجنبوا لقاء أمير المؤمنين ليلا ونهارا بالرّقاع، فما يتعلق بالمظالم فإلى ولىّ العهد، وما يتعلق بالدعاوى فإلى قاضى القضاة، وما استصعب من ذلك ينتهى إلى أمير المؤمنين.\rوفى سابع عشره تقلد أبو العباس فضل بن جعفر بن الفرات الوساطة، ولم يخلع عليه؛ فجلس ووقّع، ثم قتل فى اليوم الخامس من جلوسه.\rوتشدّد الأمر فى منع النساء من الخروج فى الطرقات ومن التطلع فى الطيقان، بأسرهنّ (¬١)، شبابهن وعجائزهن. ومنع مؤذنو القصر وجامع القاهرة من قولهم بعد الأذان: السلام على أمير المؤمنين، وأن يقولوا بعد الأذان: السلام من الله.\rوفيه غلب بنو قرّة على الإسكندرية وأعمالها. وأقطع القاضى ابن أبى العوام ناحية تلبانة عدى (¬٢). وأكثر الحاكم فيه من الركوب، فركب فى يوم واحد ست مرات، تارة على فرس، وأخرى على حمار، ومرة فى محفة تحمل على الأعناق، ومرّة فى عشارى فى النيل بشاشية لا عمامة عليها. وأكثر من إقطاع الإقطاعات للجند وعبيد الشراء. واستمر على مواصلة الركوب إلى ليلة النحر قرب العشاء، وشق البلد والطّرادون يفرقون الناس عنه. وصلى ولّى العهد صلاة عيد النحر، ولم يضحّ بشئ؛ ونهى الناس عن ذبح البقر.\rوفيه قلّد ذو الرئاستين قطب الدّولة أبو الحسن علىّ بن جعفر بن فلاح الوساطة والسفارة. وفيها بعث نصير الدولة أبو مناد باديس من إفريقية هديّة عظيمة إلى الغاية للحاكم بأمر الله، فوصلت إلى مدينة برقة لأربع عشرة بقيت من رجب، وسارت منها فى","footnotes":"(¬١) فى الأصل: بأسرهم.\r(¬٢) تلبانة عدى من نواحى المرتاحية، وأخرى بنفس الاسم فى حوف رمسيس (ناحية البحيرة) وهما غير تلبانة الأبراج، وتلبانة الواقعة بالشرقية بمركز منيا القمح. قوانين الدواوين: ١٢٢، ١٢٣؛ السلوك: ٣٥٣:١؛ الخطط التوفيقية: ٤٠:٩ - ٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276771,"book_id":167,"shamela_page_id":479,"part":"2","page_num":111,"sequence_num":479,"body":"سابع رمضان حتى وصلت لكّ (¬١) فأخذها بنو قرّة عن آخرها. وكانوا قد انتجعوا مع كبيرهم مختار بن قاسم من البحيرة، ومعهم مواشيهم، وقصدوا مدينة برقة، ففرّ منها حميد بن تموصلت إلى إفريقية، فملك برقة مختار بن قاسم.\rوفيها بعث الحاكم عبد العزيز بن أبى كدينة، ومعه أبو القاسم بن حسن، إلى إفريقية بخلع وسيوف وتشريف لمنصور بن نصير الدولة أبى مناد باديس لولاية ما يتولاه أبوه فى حياته وبعد وفاته، ولقبه عزيز الدولة.","footnotes":"(¬١) يذكر ياقوت فى التعريف بها أنها بين الإسكندرية وطرابلس الغرب! ولم أجدها فى غيره. ورأيت فى المغرب للبكرى مدينة لكاى بالقرب من المهدية. ويعرفها الدكتور حسن إبراهيم حسن بما يشبه تعريف النويرى لها إذ قال: قرية قريبة من برقة. وهذا أقرب التعريفات لها بما يناسب الحادثة المذكورة هنا إذ هاجم بنو قرة الهدية بعد أن ابتعدت عن مدينة برقة. معجم البلدان: ٣٣٧:٧؛ المغرب: ١٢٦؛ الفاطميون فى مصر: ٢٩٥؛ نهاية الأرب للنويرى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276772,"book_id":167,"shamela_page_id":480,"part":"2","page_num":112,"sequence_num":480,"body":"سنة ست وأربعمائة (¬١):\rفيها عرض الاستيمار (¬٢) على الحاكم بأسماء الفقهاء والقرّاء والمؤذّنين بالقاهرة ومصر، فكانت جملته فى كل سنة واحدا وسبعين ألفا وسبعمائة وثلاثة وثلاثين دينارا وثلثى وربع دينار؛ فأمضى جميع ذلك.\rوفيها زاد ماء النيل وغرق الضياع، وغلت الأسعار، وهلكت البساتين، وامتلأ كل مكان من المدينة، وغرق المقياس وانتهت الزيادة إلى ثلاث أصابع من إحدى وعشرين ذراعا؛ وبلغ الماء إلى نصف النخل مما يلى بركة الحبش، وغرق المعتوق (¬٣)!. ولم يبق طريق يسلك إلى القاهرة إلاّ من الشارع والصحراء.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى والعشرين من يونيو سنة ١٠١٥.\r(¬٢) فى اللغة الاستثمار: المشاورة. ويذكر المرحوم الأستاذ الدكتور محمد مصطفى زيادة أن معنى الاستيمار المجلس، وذلك فى شرح قول المقريزى: «وفيها رسم بعمل استيمار يجمع أرباب الرواتب والرزق ليحضروا بتواقيعهم للعرض، ويقطع من يختار منهم» اه. ويبدو أن المقصود - كما يفهم من هذا النص ومن المتن هنا - القائمة الرسمية التى تحوى أسماء … » للاعتماد. ولعل هذا كان الأصل فى استعمال كلمة «الاستئمار» التى تستخدم حاليا فى أمور رسمية تستدعى الاعتماد والموافقة: مثل استئمارة المرتبات، استئمارة التقديم إلى المدارس، استئمارة التقدم لشغل الوظائف. راجع السلوك: ٨٥:١.\r(¬٣) هكذا فى المتن. وسيرد فى أحداث سنة ٤١٥ أنها من أعمال الكوم الأحمر عند فم الخليج على جانبه الغربى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276773,"book_id":167,"shamela_page_id":481,"part":"2","page_num":113,"sequence_num":481,"body":"سنة ثمان وأربعمائة (¬١):\rقدم مصر داع عجمى (¬٢) اسمه محمد بن اسماعيل الدّرزى واتصل بالحاكم فأنعم عليه. ودعا الناس إلى القول بإلهية الحاكم، فأنكر الناس عليه ذلك، ووثب به أحد الأتراك ومحمد فى موكب الحاكم فقتله، وثارت الفتنة، فنهبت داره وغلقت أبواب القاهرة. واستمرت الفتنة ثلاثة أيام قتل فيها جماعة من الدّرزية، وقبض على التركى قاتل الدّرزى وحبس ثم قتل.\rثم ظهر داع آخر اسمه حمزة بن أحمد، وتلقّب بالهادى، وأقام بمسجد تبر خارج القاهرة، ودعا إلى مقالة الدّرزى، وبث دعاته فى أعمال مصر والشام، وترخّص فى أعمال الشريعة، وأباح الأمهات والبنات ونحوهن؛ وأسقط جميع التكاليف فى الصّلاة والصّوم ونحو ذلك. فاستجاب له خلق كثير، فظهر من حينئذ مذهب الدّرزية ببلاد صيدا وبيروت وساحل الشام (¬٣).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثلاثين من مايو سنة ١٠١٧. ويلاحظ أنه لم يتحدث عن سنة ٤٠٧. وقد سبق مثل ذلك، وسيرد مثله أيضا.\r(¬٢) فى الأصل داعيا عجميا.\r(¬٣) وهو أعجمى من الزوزن ويلقب باللباد وعرف بهادى المستجيبين، واتخذ لنفسه رجالا لقبهم بألقاب خاصة منهم رجل يقال له سفير القدرة. نهاية الأرب للنويرى. ومسجد تبر المذكور خارج القاهرة، وكان يسمى أيضا مسجد التبن، والبئر، والجميزة، أنشأه تبر أحد أمراء كافور الاخشيذى، وقد اشترك فى مقاومة الفاطميين لدى دخولهم مصر، وقبض عليه بالشام بعد أن فر إليها، وضرب، وقتل، وسلخ، وصلب. الخطط: ٤١٣:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276774,"book_id":167,"shamela_page_id":482,"part":"2","page_num":114,"sequence_num":482,"body":"[١٦٩] سنة تسع وأربعمائة (¬١):\rفى آخر شوال ركب الوزير علىّ بن جعفر بن فلاح إلى البرك التى قبل الخليج خارج القاهرة، فثار عليه فارسان، فأخذه أحدهما فألقاه، وفرّا، فلم يعرف خبرهما، وحمل إلى داره فمات من الأخذ. وولى الوزارة بعده الظهير صاعد بن عيسى بن نسطورس فأقام إلى رابع ذى الحجة. وقيل تولّى بعده شمس الملك مسعود بن طاهر الوزان.\rوفيها عزل الحاكم سديد الدولة (¬٢) عن دمشق، ووليها عبد الرحيم بن إلياس، وسار إليها لعشرين من جمادى الآخرة (¬٣)، فبينما هو فى قصره إذ هجم عليه قوم ملثمون فقتلوا جماعة من غلمانه، ثم أخذوه ووضعوه فى صندوق وحملوه إلى مصر. فلم يكن بها أكثر من شهرين، ثم أعيد إلى دمشق فأقام بها ليلة العيد. وورد من مصر رجل يقال له أبو الداود المغربى ومعه جماعة، وأخرجوا عبد الرحيم وضربوا وجهه؛ وأصبح الناس يوم العيد وليس لهم من يصلى بهم. وعجب الناس من هذه الأمور.\rوفيها سومح ضامن الصعيد الأعلى بما عليه وهو أربعة وستون ألف دينار وسبعمائة وخمسة وستون دينارا.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها العشرين من مايو سنة ١٠١٨.\r(¬٢) سديد الدولة أبو منصور، وكان قد وصلها واليا لخمس بقين من ذى القعدة سنة ٤٠٨ فوصله كتاب العزل فى الخامس من ربيع الآخر سنة ٤٠٩. ذيل تاريخ دمشق: ٦٩.\r(¬٣) يذكر ابن القلانسى أنه وصل دمشق لخمس بقين من جمادى الأولى سنة ٤١٠، وأنه ظل على ولايتها إلى يوم الأحد لثمان بقين من ربيع الأول سنة ٤١١. وبهذا يكون قد بقى بها أكثر من الشهرين اللذين ورد ذكرهما فى المتن. ذيل تاريخ دمشق: ٧٠:٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276775,"book_id":167,"shamela_page_id":483,"part":"2","page_num":115,"sequence_num":483,"body":"سنة عشر وأربعمائة (¬١):\rفيها اشتد الغلاء بديار مصر حتى أبيع الدقيق رطلا بدرهم واللحم أربع أواق بدرهم، ومات كثير من الناس بالجوع. وبلغت عدة من مات فى مدّة رمضان وشوال وذى القعدة، مائتى ألف وسبعين ألفا سوى الغرباء وهم أكثر من ذلك\rوفى سنة عشر وأربعمائة سيّر الحاكم بأمر الله أبا القاسم بن اليزيد إلى شرف الدولة الحاكمية أبى تميم المعزّ بن نصير الدولة أبى مناد باديس، ومعه سيف مكلل بنفيس الجوهر وخلعة من لباسه، فقدم المنصورية (¬٢) لستّ بقين من صفر سنة إحدى عشرة. وتلقاه شرف الدولة ونزل إليه فقرأ عليه سجلاّ عظيما؛ فكانت أيام فرح. ثم ورد بعده محمد بن عبد العزيز بن أبى كدينة بسجل آخر ومعه خمسة عشر علما منسوجة بالذهب، فخلع على أبى القاسم ومحمد، وحملا، وطيف بهما فى القيروان والأعلام المذكورة بين أيديهما.\rولليلتين بقيتا من شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة فقد الحاكم. وسبب فقده أن أخته ست الكل سلطانة كانت امرأة حازمة، وكانت أسنّ منه، فدار بينها وبينه يوما كلام، فرماها بالفجور وقال لها: أنت حامل. فراسلت سيف الدين حسين بن على بن دوّاس؛ من مقدّمى كتامة، وكان قد تخوّف من الحاكم، وتواعدا على قتل الحاكم وتحالفا عليه. فأحضرت ستّ الكل عبدين وحلّفتهما على كتمان الأمر، ودفعت إليهما ألف دينار ليقتلا الحاكم. فأصعد إلى الجبل فى الليل، وكان الحاكم قد رأى أن عليه قطعا (¬٣)؛","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها التاسع من مايو سنة ١٠١٩.\r(¬٢) أنشأها المنصور بن القائم سنة ٣٣٧ بالقرب من القيروان، وبقيت عاصمة الفاطميين حتى انتقلوا إلى مصر فصارت حاضرة بنى باديس حتى خربت سنة ٤٤٢. معجم البلدان: ١٧٨:٨.\r(¬٣) لم أهتد إلى ما يقنع فى تفسير معنى «القطع» المذكور هنا. وقد ورد مثيل له أول قدوم المعز إلى مصر إذ كان مغرى بالنجوم، فنظر فى طالعه ومولده فحكم له «بقطع» فيه، فاستشار منجمه فيما يزيله عنه، فأشار عليه أن يعمل سردابا تحت الأرض ويتوارى فيه إلى حين جواز الوقت، ففعل ذلك. انظر النجوم الزاهرة: ٧٠:٤ - ٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276776,"book_id":167,"shamela_page_id":484,"part":"2","page_num":116,"sequence_num":484,"body":"فلما كان فى الليلة التى فيها قال لأمه: علىّ قطع فى هذه الليلة وعلامة ذلك ظهور كوكب الذنابة؛ ودفع إليها خمسمائة ألف دينار ذخيرة لها (¬١)، فمنعته من الركوب، ونام.\rثم انتبه آخر الليل وقام ليركب، فتعلقت به، فامتنع ومضى، وركب الحمار إلى باب القاهرة، ففتح له أبو عروس صاحب الشرطة الباب وأغلقه خلفه، وخرج متبعا له.\rقال: فسمعته يقول: ظهر والله الكوكب؛ ولم يكن معه سوى ركابىّ وصبىّ يحمل دواته.\rفعارضه وسط الجبل سبع فوارس من بنى قرّة، فخدموه وسألوه الأمان وأن يسعفهم بما يصلح شأنهم، فأمّنهم، وأمر الركابى أن يحملهم إلى الخازن يدفع إليهم عشرة آلاف درهم. ودخل الشّعب الذى كان يدخله وقد وقف العبدان له، فضرباه حتى مات، وطرحاه، وشقّا جوفه ولفّاه فى كساء، وقتلا الصبى وغرّقا حماره؛ وحملا الحاكم فى كساء إلى أخته فدفنته. وأقامت مدة، وأحضرت الوزير خطير الملك وعرفته الحال، وأمرته أن يكاتب عبد الرحيم بن إلياس يستدعيه من دمشق. فكتب إليه على لسان الحاكم يأمره بالمبادرة، واستدعت ألف ألف دينار فرقتها فى الأولياء وبعثت قائد الساحل. فلما قدم عبد الرحيم عدل به إلى تنّيس فقتل بها (¬٢).\rواضطرب الناس لغيبة الحاكم، فأرسلت إليهم: إنه أخبرنى أنه يغيب سبعة أيام، وإنه يواصلنى بأوامره. ورتّبت رسلا يمضون عنها إلى الحاكم ويجيئون منه","footnotes":"(¬١) فى النجوم الزاهرة: «فلما كان فى تلك الليلة قال لوالدته على فى هذه الليلة وفى غد قطع عظيم والدليل عليه علامة تظهر فى السماء طلوع نجم سماه، وكأنى بك وقد انتهكت وهلكت مع أختى فإنى ما أخاف عليك أضر منها. فتسلمى هذا المفتاح فهو لهذه الخزانة، وفيها صناديق تشتمل على ثلاثمائة ألف دينار، خذيها وحوليها إلى قصرك تكون ذخيرة لك». النجوم الزاهرة: ١٨٧:٤.\r(¬٢) فى النجوم الزاهرة أكثر من رواية عن صورة وفاة ولى العهد، نقلها صاحبها عن عدة من المؤرخين. فمنها أن صاحب تنيس بعث به إلى ست الملك فحبسته فى دار وواصلته بالملاطفات حتى مرضت فأحضرت الظاهر لإعزاز دين الله وحذرته منه، وأرسلت معضاد الخادم لقتله ففعل. ورواية أخرى تقول إنه حبس فى داره مدة وحمل إليه يوما بطيخ ومعه سكين فأدخلها فى سرته حتى غابت، ومات منتحرا. النجوم الزاهرة: ١٩٣:٤ - ١٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276777,"book_id":167,"shamela_page_id":485,"part":"2","page_num":117,"sequence_num":485,"body":"إليها. ففى أثناء ذلك اشتدت شوكتها، وكفّ الناس عن الاستقصاء فى المسألة. وأحضرت ابن دوّاس وواطأته على أخذ البيعة للظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم، وأظهرته وعلى رأسه تاج جدّه العزيز. وقام ابن دوّاس فقال لمن حضر من أهل الدولة، تقول لكم مولاتنا هذا مولاكم فسلّموا عليه. وقبل ابن دوّاس الأرض، فبايع الناس إلا غلاما تركيا كان عمل ليلا بين يدى الحاكم فإنّه قال: لا أبايع حتى أعرف خبر مولاى. فقتل، وقام ابن دوّاس بتدبير الأمر. ثم إن ست الملك دسّت عليه وقتلته وقتلت جميع من اطّلع على سرها، وقتلت جماعة خافتهم. ثم لم تطل أيامها وماتت بعد أيام.\rقال ابن أبى طى لما ذكر هذا الخبر فى كيفية قتل الحاكم: وكان الحاكم شديد السطوة، عظيم الهيبة جريئا على سفك الدماء. خطب له على منابر مصر والشام وإفريقية.\rوكان يتشبه بالمأمون ويقصد مقاصده واشتغل بعلوم الأوائل، واعتدّ بعلوم النجوم، وعمل له رصدا، ووقف الكواكب، واتخذ بيتا بالمقطم ينقطع فيه عن الناس ويخلو لمخاطبة الكواكب. وكان يركب الحمار وعليه ثياب الرّهبان، ووراءه غلام اسمه مفلح يحمل الدّواة والسّيف والورق فى كيس معلّق فى كتفه وهو يمشى وراءه؛ فإذا مرّ بسوق انهزم الناس واستتروا عنه، ويطرق أبواب الحوانيت فلا ينظرون إليه، إلاّ أن يكون لأحد منهم حاجة فإنّه يقف عليه ويكتب العبد بين يديه ما يأمره به فى رقعة إلى الوزير.\rوكان لا يحضره الجيش إلا فى الأعياد، فيركب فى ذلك اليوم بثيابه على الفرس.\rوكان مهابا عند أهل مملكته، وكان لا يحضر مجالس الجدل ويحتجب أياما كثيرة مشتغلا بما هو فيه، وكان له سعى فى إظهار كلمته، فبعث دعاته إلى خراسان وأقام فيها مذهب الشيعة، واستجاب له عالم عظيم؛ فبعث إلى البلاد بالأموال فى استمالة الرجال إلى ما يريد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276778,"book_id":167,"shamela_page_id":486,"part":"2","page_num":118,"sequence_num":486,"body":"وكان أبو عبد الله أنوشتّكين النّجارى (¬١) الدّرزى أول رجل تكلم بدعوته، وأمر برفع ما جاء به الشرع، وسيّر مذهبه إلى بلاد الشام والساحل، ولهم مذهب فى كتمان السّرّ لا يطلعون عليه من ليس منهم. وكان الدرزى يبيح البنات والأمهات والأخوات. فقام الناس عليه بمصر وقتلوه، فقتل الحاكم به سبعين رجلا. وأنفذ الدّرزى إلى الحجر الأسود برجل ضربه وكسره؛ وادعى الربوبية. وقدم رجل يقال له يحيى اللباد، ويعرف بالزّوزنى الأخرم، (¬٢) فساعده على ذلك، ونشط جماعة على الخروج عن الشريعة.\rوركب يوما من القاهرة فى خمسين رجلا من أصحابه إلى مصر، ودخل الجامع بدابّته، وأصحابه كذلك، فسلم إلى القاضى رقعة فيها: باسم الحاكم الرحمن الرحيم، فأنكر القاضى ذلك، وثار الناس بهم وقتلوهم، وشاع هذا فى الناس فلعنوه (¬٣). ويقال إنه خرج يوما وعليه قباء أطلس وفى وسطه سيف، فخلع القباء وقال: هذا الظاهر قد خلعته، ثم جرّد السيف وقال: هذا الباطن قد سللته.\rقال: وفى السنة التى قتل فيها الحاكم أشاع أنه يريد أن ينزل فى أول رمضان إلى الجامع ومعه الطعام، فمن أبى الأكل قتله. وكان دعاته إذا ركب يقولون: السلام عليك يا واحد يا أحد، ويغلون فيه الغلوّ المفرط. وادّعى أنه حصل له كتاب الجفر. ولما غلب على الحرمين وعد العلويين أهل المدينة إذا هم مكّنوه من فتح دار جعفر بن محمد الصادق بوعود كثيرة، ففتحها، وكانت مغلقة، فإذا فيها قعب خشب ومصحف وسرير سعف وقدرة؛ ولم تكن","footnotes":"(¬١) ولقب نفسه سند الهادى وحياة المستجيبين. نهاية الأرب.\r(¬٢) فى نهاية الأرب أن الأخرم شخص آخر يسمى حسن بن حيدرة الفرغانى، وقد ظهر قبل أنوشتكين النجارى، فى سنة ٤٠٩، وبينما كان يسير فى موكبه فى أحد الأيام تقدم إليه رجل من الكرخ وأوقعه عن فرسه ووالى الضرب عليه حتى قتله؛ فأمر الحاكم بقتله لوقته، ونهب الناس دار الأخرم بالقاهرة. نفس المصدر.\r(¬٣) واسم القاضى - قاضى القضاة - أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبى العوام. توفى سنة ٤١٨. النجوم الزاهرة: ١٨٣:٤: حاشية ٣ نقلا عن الكندى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276779,"book_id":167,"shamela_page_id":487,"part":"2","page_num":119,"sequence_num":487,"body":"فتحت قبل ذلك (¬١)، فرأى بالسرير «وأخذ أعداءه وهدم بيعة قمامة فى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة»؛ وخرج رسمه إلى الوزير على لسان خادم أن يكتب: أمرت حضرة الإمامة بهدم قمامة، وأن يجعل علوّها خفضا، وسماؤها أرضا.\rوبلغه أن المغاربة تلعنه، فقرب الفقهاء المالكية وأمرهم بتدريس مذهب مالك بن أنس فى الجامع. وكان يحب العلماء ويقدم ما يرد فيه، وإذا رأى رأيا عزم عليه وأمضاه. وكتب إليه رجل: إن فلانا مات وخلّف مالا، فوقع بخطه على ظهر الرقعة:\rالسعاية قبيحة إن كانت صحيحة. وكتب إليه آخر: إنّ فلانا مات وخلف بنتا، وقد أخذت جميع مال أبيها، فوقع على ظهر الرقعة: المال مال الله، واليتيم جبره الله، والسّاعى لعنه الله، وعلى مذهبنا يجوز أن ترث البنت جميع مال أبيها. ومنع النساء الخروج من البيوت، فقيل إن فيهنّ من لا تجد من يقوم بشأنها فتموت جوعا، فأمر الباعة بالتطواف فى السكك وأن يبيعوهن من خلف الأبواب ويناولوهن بمغارف طوال السّواعد.\rوكان أمر ألاّ يكشف مغطّى، فسكر رجل ونام فى قارعة الطريق وغطى نفسه بمنديل، فصار الناس يمرّون به ولا يقدر أحد أن يكشف عنه. فمرّ به الحاكم وهو كذلك، فوقف عليه وقال له: ما أنت؟ فقال: أنا مغطّى، وقد أمر أمير المؤمنين ألاّ يكشف مغطّى. فضحك وطرح عنده مالا، وقال: استعن بهذا على ستر أمرك. وقرر الحاكم بعد ابن الفرات ذا الرئاستين قطب الدولة أبا الحسن على بن جعفر بن فلاح، واستمرّ إلى أن قتل الحاكم.\rانتهى ما ذكره ابن أبى طى، وفيه تحامل شعر به واحد من مؤرخى مصر ذكره.\rوقال الروحى على ما حكاه عنه ابن سعيد: ولم يزل الحاكم خليفة إلى سنة إحدى عشرة وأربعمائة، فخرج ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوال، فطاف ليلته كلها على رسمه","footnotes":"(¬١) وقد حدث هذا فى سنة أربعمائة؛ وكان الذى فتح الحجرة القائد ختكين الضيف العضدى الداعى، وحضر معه إلى مصر جماعة من العلويين فرد الحاكم عليهم السرير وأخذ الباقى وقال أنا أحق به، فانصرفوا داعين عليه. النجوم الزاهرة: ٢٢٢:٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276780,"book_id":167,"shamela_page_id":488,"part":"2","page_num":120,"sequence_num":488,"body":"وأصبح عند قبر الفقاعى (¬١)، ثم توجه إلى شرقىّ حلوان، وتبعه ركابيان، فأعادهما.\rوبقى الناس على رسومهم يخرجون يلتمسون رجوعه إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور، ثم خرج خواص من بطانته فبلغوا دير القصير، ثم أمعنوا فى الدخول فى الجبل؛ فبينما هم كذلك إذ بصروا بالحمار الذى كان راكبه على قنّة الجبل وقد ضربت يداه بسيف فأثر فيهما وعليه سرجه ولجامه. وتتبّع الأثر فقاد إلى أثر الحمار فى الأرض وأثر راجل خلفه وراجل قدّامه؛ فلم يزالوا يقصّون هذا القصّ حتى انتهوا إلى البركة التى فى شرقىّ حلوان، فنزل فيها رجل فوجد فيها ثيابه وهى سبع جباب، ووجدت مزرّرة فيها آثار السكاكين، فلم يشك فى قتله (¬٢). فكانت مدته ستا وثلاثين سنة وسبعة أشهر، وكانت ولايته خمسا وعشرين سنة وشهرا. وكسفت الشمس يوم موته. وكان جوادا بالمال سفّاكا للدماء قتل عددا كثيرا من أماثل دولته وغيرهم صبرا، وكانت سيرته من أعجب السير.\rقال: ومنع النساء من الخروج إلى الطّرقات ليلا ونهارا، ومنع الأساكفة من عمل الخفاف المنجدة لهن؛ فأقمن على ذلك سبع سنين وسبعة أشهر إلى خلافة الظاهر.\rقال أحمد بن الحسين بن أحمد الروذبارى فى كتاب (¬٣) الأدباء على ما نقله ابن سعيد:\rوقتل الحاكم ركابيا له بحربة فى يده على باب جامع عمرو بن العاص وشقّ بطنه بيده.\rوعمّ بالقتل بين وزير وكاتب وقاض وطبيب وشاعر ونحوى ومغنّ ومختار وصاحب ستر","footnotes":"(¬١) كان فى طريق الذاهب من القاهرة إلى ناحية البساتين، وموقعه اليوم قرافة سيدى عقبة على بعد ٥٠٠ متر تقريبا غرب مسجد سيدى عقبة وقبلى مسجد الإمام الشافعى. النجوم الزاهرة: ١٨٥:٤: حاشية: ٤.\r(¬٢) يقول ابن تغرى بردى فى صدد الخطة التى دبرتها أخت الحاكم لقتله إنها أعطت العبدين اللذين أحضرهما سيف الدولة ابن دواس سكينين من عمل المغاربة تسمى الواحدة منهما «يافورت» ولهما رأس كرأس المبضع الذى يفصد به الحجام. النجوم الزاهرة: ١٨٧:٤.\r(¬٣) فى الأصل هنا كلمة لم أهتد إلى قراءة سليمة لها حتى بعد الاستعانة بما لدى من مراجع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276781,"book_id":167,"shamela_page_id":489,"part":"2","page_num":121,"sequence_num":489,"body":"وحمّامىّ وطباخ وابن عم وصاحب حرب وصاحب خبر ويهودى ونصرانى، وقطع حتى أيدى الجوارى فى قصره. وكان فى مدته القتل والغيلة حتى على الوزراء وأعيان الدولة يخرج عليهم من يقتلهم ويجرحهم. وخطفت العمائم جهارا بالنهار، وكان لعبيد الشراء فى مدته مصائب وخطوب فى الناس. وكان المقتول ربّما جرّ فى الأسواق، فأوقع ذلك فتنة عظيمة.\rقال: كان الحاكم يركب حمارا يسمّى القمر ويعبر به على النّاس. وكان له صوفيّة يرقصون بين يديه ولهم عليه جار مستمر. ووقف رجل للحاكم فصاح عليه، فمات لوقته.\rوكانت غيبته إلى يوم جلوس ولده الظاهر ثلاثة وأربعين يوما.\rقال ابن سعيد عن مجموع وقف عليه: وواصل الحاكم فى ركوبه الوقوف على المعروف بابن الأرزق الشواء ومحادثته بدار فرح، وخلع عليه وأجازه. وفى يوم استدعى الحاكم أحد الركابيّة السودان المصطنعة ليحضر إلى حانوت ابن الأزرق الشواء، فوقفه بين اثنين ورماه برمح، ثم أضجعه، واستدعى سكينا فذبحه بيده، ثم استدعى شاطورا ففرق بين رأسه وجسده، ثم استدعى ماء فغسل يده بأشنان ثم ركب. وحمل المقتول إلى الشرطة فأقام ليلة ثم دفن بالصحراء. ثم بعث المؤتمن بعد ثلاثة أيام فنبشه وغسله وأنفذ إليه أكفانا كفن بها، ثم أمر قاضى القضاة بالصلاة عليه، وأمر ألا يتخلف أحد فحضر الشهود وأهل السوق، وصلى عليه قاضى القضاة، ودفن بالقرافة، وواراه قاضى القضاة وجعل التراب تحت خده، وأمر ببناء قبره وتبيضه فى وقته؛ ففعل ذلك. وتظلم إليه رجل فى ركوبه إلى مصر فى ناصح الركابى، فوقف عليه وسأل ناصحا عن دعواه فظهر أنها صحيحة، فأمر أن يدفع ماله إليه، فلم يجد معه فى الوقت ذلك القدر، فألزمه ببيع فرسه الذى كان راكبا عليه، فباعه ووفّى الرجل ما كان له عليه، كل ذلك بحضرته وهو واقف على ظهر دابته، ثم سار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276782,"book_id":167,"shamela_page_id":490,"part":"2","page_num":122,"sequence_num":490,"body":"وقال الفوطى: كان الحاكم أجود الخلفاء بماله، وبه تفشت حاله فيما سفكه من الدماء التى لا يحصيها إلا الله. وكان الأمر فى مدة العزيز فيه انحلال وعفو كبير عن الناس، وظنوا أن ذلك يجوز فى مدة الحاكم وجروا على رسمهم، فتجرّد له منهم مطّلع على جميع أمورهم غير مطّرح لعقوبة، فهلك الجم الغفير منهم. وكان فى مدة أبيه العزيز بالله قد تكشف على أقوام ممن يطعن فى الدولة ويسيء المقالة فيها، فلما صارت له الخلافة انتقم منهم أشد انتقام وعمّهم بالعقوبة.\rقال: ومن حكايته المشهورة فى العدل أن رجلا عربيا ورد على مصر من سجلماسة (¬١) يريد الحج، فأودع ماله عند رجل فى السوق، فلما عاد من الحجّ طلب ماله فأبى أن يدفعه إليه. فتوصّل إلى أن أطلع الحاكم على أمره، فقال له اجلس فى دكان مقابلا لدكانه، فإذا جزت فى ذلك السوق فاعمل كأنك تعرفنى وكأنى أعرفك. فلما مر الحاكم وقف على الرجل وسأل عن حاله وأكثر معه الوقوف، وانصرف فجاء الرجل الذى عنده الوديعة إلى الرجل وأكب عليه وسأله الصفح عما سلف منه، وأحضر إليه جميع ماله. فعرف الحاكم بذلك، فأصبح الذى أنكر الوديعة مقتولا معلقا برجله.\rوكان نقش خاتمه: بنصر الولى العلى ينتصر الإمام أبو على (¬٢).","footnotes":"(¬١) مدينة فى جنوب المغرب الأقصى، بينها وبين فاس عشرة أيام، وتقع على طريق من يريد غانة التى كانت - ولا تزال - تعرف بإنتاج الذهب معجم البلدان: ٤١:٥.\r(¬٢) سبق فى أثناء الحديث عن سنة ثلاث وأربعمائة أن نقش خاتمه كان: «بنصر الله العظيم الولى ينتصر الإمام أبو على».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276783,"book_id":167,"shamela_page_id":491,"part":"2","page_num":123,"sequence_num":491,"body":"وخطب له معتمد الدولة، أبو المنيع قرواش بن المقلد (¬١) بالموصل والأنبار وقصر ابن هبيرة (¬٢) والمدائن.\rومن خط ابن الصيرفى يروى أن الإمام الحاكم بأمر الله قال لبعض الأعيان الذين شرفهم بمجالسته وميزهم بمحاورته، فقال: أكلت حتى شبعت، وشربت حتى رويت، والشّبع والرّىّ غايتا الأكل والشرب؛ فإذا قلت ونمت، فنقول: حتى إذا أىّ شيء جعلته غاية النوم؟ فلم يحر جوابا ورغب إلى كرمه فى الإفادة، فقال نمت حتى ريثت، والروث غاية النوم، وأنشد:\rفأما تميم بن مرّ فألفاهم القوم روثا نياما (¬٣)","footnotes":"(¬١) رأس أمراء بنى عقيل، أصحاب الموصل؛ تولى الإمارة بلقب معتمد الدولة بين سنتى ٣٩١ - ٤٤٢ (١٠٠٠ - ١٠٥٠) وقرواش، بفتح القاف، معناه بالتركية عبد أسود. النجوم الزاهرة: ٤٩:٥؛ وضبطه ابن خلكان بكسر القاف؛ Mohammadan Dynasttes\r(¬٢) تنسب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة الذى كان قد تولى العراق من قبل آخر الخلفاء الأمويين، مروان بن محمد؛ بنى هذا القصر قرب الأنبار، وقد دخله السفاح بعد إعلان الخلافة العباسية وأتمه وسماه الهاشمية، لكن الناس ظلوا يطلقون عليه اسمه القديم. معجم البلدان: ١١٢:٧ - ١١٣.\r(¬٣) هذا البيت غير مكتمل الاتزان عروضيا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276784,"book_id":167,"shamela_page_id":492,"part":"2","page_num":124,"sequence_num":492,"body":"الظّاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن على ابن الحاكم بأمر الله\rأبى على منصور\rأمه أم ولد تدعى رقية، ويقال اسمها آمنة بنت الأمير عبد الله بن المعز، وإنّ ست الملك سلطانة، أخت الحاكم، كانت تعادى آمنة هذه. ومولده بالقصر من القاهرة على مضى ثلاث ساعات من ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان، سنة خمس وتسعين وثلاثمائة؛ وبويع بالخلافة فى يوم عيد الأضحى سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وله من العمر ست عشرة سنة وثلاثة أشهر (¬١)\rواتفق فى هذا اليوم أن صلّى للحاكم فى خطبة العيد، ثم بويع الظاهر بعد عودة القاضى من المصلّى، فكان بين الدعاء فى الخطبة للحاكم وبين أخذ البيعة للظاهر ثلاث ساعات، ولم يتفق مثل ذلك.\rوتوفى ببستان الدكة (¬٢) خارج القاهرة، فى ليلة الأحد النصف من شعبان سنة سبع","footnotes":"(¬١) قال صاحب النجوم الزاهرة: ٢٤٧:٤، نقلا عن مرآة الزمان، إنه ولى الخلافة وله من العمر ست عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام. وذكر ابن خلكان فى وفيات الأعيان: ٤٦٣:١ - ٤٦٤ أنه تولى بعد فقد أبيه بمدة، لأن أباه فقد فى السابع والعشرين من شوال، وكان الناس يرجون ظهوره ويتبعون آثاره إلى أن تحققوا عدمه، فأقاموا ولده الظاهر فى يوم النحر. ويذكر ابن الأثير: ١١٠:٩ أن الجند أقاموا خمسة أيام بعد غياب الحاكم ثم اجتمعوا إلى ست الملك وحدثوها فى أمر غيبته فأجلتهم يومين؛ فلما كان اليوم السابع ألبست أبا الحسن على ابن أخيها الحاكم أفخر الملابس والجند مجتمعون للموعد المحدد، ثم صاح الوزير: يا عبيد الدولة مولاتنا تقول لكم هذا مولاكم أمير المؤمنين فبايعوا له، ولقب الظاهر لإعزاز دين الله. (ويلاحظ أن ابن الأثير يكنيه أبا الحسن ويكنيه ابن خلكان أبا هاشم، ويذكر صاحب النجوم الكنيتين معا).\r(¬٢) الدكة كان مكانها بستانا من أعظم بساتين القاهرة فيما بين أراضى اللوق والمقس، وبه منظرة للخلفاء الفاطميين تشرف طاقاتها على النيل الأعظم ولا يحول بينها وبين الجيزة شيء. وقد زالت بزوال الدولة الفاطمية وبنى الناس فى موضعه. الخطط: ١٢٠:٢ - ١٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276785,"book_id":167,"shamela_page_id":493,"part":"2","page_num":125,"sequence_num":493,"body":"وعشرين وأربعمائة، وعمره إحدى وثلاثون سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام. ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام، كانت فيها قصص وأنباء.\rذلك أنه لمّا فقد الحاكم استدعت السيدة ست الملك سيف الدولة حسين بن على بن دوّاس الكتامى إلى حيث كانت جالسة وقالت له: المعول فى قيام هذه الدّعوة عليك، وهذا الصبى ولدك، وينبغى أن تتولى الخدمة إلى غاية وسعك وتبذل فيها كل ما عندك. فقبّل الأرض وشكر ودعا، ووعد بالإخلاص فى الطاعة، وبلوغ ما فى القدرة والاستطاعة.\rفأخرجت علىّ بن الحاكم بأمر الله ولقبته الظاهر لإعزاز دين الله؛ وألبسته تاج المعز جد أبيه، وهو تاج مرصع بالجواهر الفاخرة، وجعلت على رأسه مظلة مرصعة. وأركبته فرسا رائعا بمركب ذهب مرصع، وأخرجت بين يديه الأمير الوزير رئيس الرؤساء خطير الملك أبا الحسن عمار بن محمد ونسيما صاحب السيف، فى عدّة من الأستاذين (¬١) تخدم.\rفلما برز وشوهد تقدم الوزير وصاح: يا عبيد الدولة، مولاتنا تقول لكم هذا مولاكم أمير المؤمنين فسلموا عليه، فقبل ابن دوّاس الأرض ومرّغ خدّيه بين يديه، وفعل ما يتلوه من سائر طبقات العسكر مثل ذلك؛ وضربت البوقات والطبول، وعلا الصياح بالتكبير والتهليل، والظاهر يسلم على الناس يمينا وشمالا. وفتحت أبواب القصر، وأدخل الناس على العموم حتى سلّموا ومدحوا؛ ولم يزل واقفا لهم إلى الظهر. ثم صرفوا وجمعوا من غد وأخذت البيعة عليهم، ووضع العطاء، وأطلق مال الفضل للجند كافة؛ ولم يجر خلاف من أحد، إلا أنّ غلاما تركيا كان يحمل الرمح بين يدى الحاكم قال لا أبايع حتى أعرف خبر مولاى؛ فأخذ وسحب على وجهه وغرق فى النيل؛ وقامت الهيبة.","footnotes":"(¬١) الأستاذون: الخدام والطواشية، ومنهم أرباب الوظائف المختصون بشئون الخليفة واحتياجاته، وأعظمهم مكانة الأستاذون المحنكون الذين يديرون عمائهم على أحناكهم، وهم أقرب الخدام إلى الخليفة، ومنهم من يحمل رسائل الخليفة إلى الوزير، ومن يشرف على إعداد مجلسه … الخ .. صبح الأعشى: ٤٧٧:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276786,"book_id":167,"shamela_page_id":494,"part":"2","page_num":126,"sequence_num":494,"body":"وكتب إلى بلاد الشام والمغرب بوفاة الحاكم وقيام الظاهر، ورسم لهم أخذ البيعة على نفوسهم ومن عندهم من سائر طبقات الناس. وأقيمت المآتم على الحاكم فى القصور والقاهرة ثلاثة أيام. وجمعت السيدة عامة أهل مصر وخاطبتهم بالجميل والملاطفة، ووعدتهم حسن السيرة والمعاملة، وأمرتهم بذكر حوائجهم ومصالحهم فى كل وقت، والمطالعة بحيف إن لحقهم من عامل أو ناظر ليفعل فى ذلك ما توجبه السياسة العادلة. وأطلقت للنساء الخروج من منازلهن والتصرّف فى أمورهن. وارتجعت جواهر كان الحاكم وهبها، وحلّت إقطاعا، أقطعها ورتبت الأمور ترتيبا أصلحها وهذبها.\rوزارت ابن دوّاس فى منزله، وجعلت مصادر التدبير على يده. فلما أحكمت ما أحكمته وأكّدت ما أكّدته، أحضرت ابن دواس وقالت له: قد علمت ما بينى وبينك من المواثيق والعهود، وأنا امرأة، وإنما أريد هذا الملك لهذا الصبى؛ وقد أحسن الله المعونة، وأجرى الأمور على المحبة؛ وأنت زعيم الدولة فيها والمنظور إليه منها؛ وقد رأيت أن أنجز وعدك وأظهره، وأردّ إليك أمر السيادتين، مضافا إلى الشرطتين، وأجعل أمرك فى الأمور والخزائن نافذا، ورأيك فى التقريرات والتدبيرات معتمدا، إذ كنت المولى المخلص والشريك المخالط؛ وأشرفك بخلع وحملان (¬١) يظهر للخاصّ والعامّ بها موضعك ومحلك، وتخصّصك وتحققك. فادخل الخزائن واختر كل ما تريد لفخامته ولجلالته، واطلب يوما تختار لتفاض فيه عليك الخلع ويقرأ العهد بتقليدك. فلما سمع من ذلك ما سمع سرّ به وقبّل الأرض شكرا عليه. وشاع هذا الحديث فركب الناس إليه وهنئوه بالنعم المتجردة له.\rوأحضرت السيدة بعد ذلك كاتب ابن دوّاس وقالت له: قد تقدمنا إلى سيف الدولة بما عرفته، وبما اعتمد التخفيف فيما أطعمه أو وقف فيه دون الغاية التى نريدها، وينبغى لك أن تعمل أنت تذكرة بجميع ما يستوفى فيه شروط المنزلة التى قدمناه إليها، والحال","footnotes":"(¬١) الحملان بالضم، ما يحمل عليه من الدواب فى الهبة خاصة. القاموس المحيط.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276787,"book_id":167,"shamela_page_id":495,"part":"2","page_num":127,"sequence_num":495,"body":"التى أهّلناه لها، وتستظهر له لا عليه فى ذلك، وتحضرها لنقف عليها وننجز ما فيها.\rفقبّل الأرض وقال: السّمع والطّاعة. فقالت له واكتب أيضا رقعة واذكر فيها مبلغ جاريك لنوقع بإضعافه، وقد أمرنا عاجلا باعطائك ألف دينار وعشرين قطعة ثيابا وبغلين بمركبين. فأعاد الشكر والدعاء، وصار إلى ابن دواس فأعلمه ما خوطب به وعومل به من حسن الاعتقاد فيه؛ فتضاعف سروره بذلك، ووافقه على ما كتب به التذكرة من الثياب، والسيوف المحلاة، والمناطق المرصعة، والدواب والمراكب الذهب الثقيلة، وغير ذلك من أسباب التشريفات الزائدة؛ وعاد الكاتب بها فعرضها، وتقدم باعداد جميع ما فيها، وكتب له العهد. وأحضر ابن دوّاس وبنو عمه وكاتبه، وامتلأ القصر بالخاصّة والعامة، وخرج معضاد الخادم، وكان قريبا من السيدة، وهو أستاذ الظاهر، فحمل ابن دوّاس إلى الخزانة حتى يشاهد ما أعد له، وكان عظيما جليلا، وقال له: السيدة تقول لك إن أردت مزيدا فاطلبه، فقبّل الأرض ودعا، وعاد فجلس فى صفّة على باب السّتر ووجوه الدولة بين يديه، وكل منهم يتطأطأ له ويعطيه من نفسه كل ما يتقرب إليه به.\rفلما تعالى النهار خرج نسيم الصقلبى صاحب الستر والسيف، وبين يديه مائة رجل تعرف بالسّعدية، يختصون بركاب السلطان ويحملون سيوفا محلاة بين يديه، ويعرفون لأجلها بأصحاب سيوف الحلى؛ وقد جرت عادتهم فى أيام الحاكم بأن يتولوا قتل من يؤمر بقتله. وقال لابن دوّاس: أمير المؤمنين يسلم عليك. فقام وقبل الأرض، وفعل الناس مثل ما فعله؛ وقال: قد جعل هؤلاء القوم - يعنى أصحاب السيوف - برسمك إكراما لك وتنويها بك. فقبّل الأرض ثلاثا ومرّغ خديه، ودعا هو والحاضرون للظاهر بما يدعى لمثله به؛ ووقف القوم قياما بين يديه. فعاد نسيم فألقى ما جرى، فرسمت له السيدة أن يخرج ويضبط أبواب القصر بالخدم والصقالبة، ففعل. وقالت له بعد ذلك، اخرج وقف بين يدى ابن دوّاس وقل: يا عبيد مولانا، أمير المؤمنين يقول لكم هذا قاتل مولانا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276788,"book_id":167,"shamela_page_id":496,"part":"2","page_num":128,"sequence_num":496,"body":"الحاكم. واعله بالسيف وأمر العبيد السعدية بأن يقتلوه. فخرج نسيم ومعه جماعة من الصقالبة وفعل ما أمر به، وأخذ رأس ابن دوّاس ودخل به إلى حضرة السيدة فوضعه بين يديها.\rفأمرته بإيفاد الصقالبة (¬١) إلى دوره والتوكيل به والقبض على جميع أسبابه، وقتل كاتبه، وإخراج جثته ورميها على باب القصر، ففعل جميع ذلك. ولم يعترض فيه معترض؛ وتفرق الناس.\rوأحضر موجود ابن دوّاس فوجدت فى بعض صناديقه السكين التى كان يحملها الحاكم فى كمّه أخذت عند قتله. وأقامت جثة ابن دوّاس ثلاثة أيام، ومناد ينادى عليها: هذا جزاء من غدر بمواليه؛ ثم دفع إلى عبيده فدفنوه.\rوقبضت السيدة بعد هذا على خطير الملك عمار بن محمد. وكان يتولى ديوان الإنشاء وإليه زم (¬٢) المشارقة والأتراك، وهو الواسطة بين الحضرة وبين هذه الطوائف؛ ثم خلع عليه فى جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وأربعمائة؛ ووقّع عن حضرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله على ما يوقع عليه الحاكم، فجعل توقيعه: الحمد لله رب العالمين، ثم قام بعد الحاكم بالبيعة لأمير المؤمنين الظاهر كما تقدم. وفى سنة اثنى عشرة خلع عليه للوساطة وكتب سجله بذلك؛ وزال أمره فى ذى القعدة من السنة المذكورة، فكانت مدّة سبعة أشهر وأياما؛ وقتل فى الحج.\rوولى بعده بدر الدولة أبو الفتوح موسى بن الحسن، وكان يتولى الشرطة السفلى ثم خلع عليه أولا بالصعيد فى جمادى الآخرة سنة اثنتى عشرة؛ ثم ولى ديوان الإنشاء","footnotes":"(¬١) الصقالبة جماعة حمر الألوان صهب الشعور تجاور بلادهم بلاد الخزر (عند بحر قزوين - الخزر) وبعض بلاد الروم، وكانوا يصلون إلى مصر مع النخاسين تجار الرقيق، تكاثر عددهم أيام الفاطميين حتى أصبحوا يكونون عنصرا هاما من عناصر الجيش والحرس الفاطميين.\r(¬٢) وظيفة الزمام من وظائف الأستاذين المحنكين يشرف شاغلها على ديوان بعينه أو على فئة بعينها من الخدم أو جماعة الحرس … الخ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276789,"book_id":167,"shamela_page_id":497,"part":"2","page_num":129,"sequence_num":497,"body":"عوضا عن ابن خيران؛ وخلع عليه للوساطة فى محرم سنة ثلاث عشرة عوضا عن خطير الملك؛ ثم قبض عليه فى العشرين من شوال منها فى القصر، فاعتقل وزال أمره؛ وكانت مدة وساطته تسعة أشهر. ثم أخرج فى يومه مسحوبا، وسجن، ثم أخرج من الغد وقتل فى الفج؛ فوجد له من العين ستمائة وعشرون ألف دينار.\rوقتلت السيدة جماعة ممن كان اطّلع على سرّها فى قتل الحاكم، وعظمت هيبتها فى نفوس الأباعد والأقارب.\rوفى سنة ثمان عشرة شرب الظاهر الخمر وترخّص فيه للناس وفى سماع الغناء وشرب الفقاع، وأكل الملوخية وسائر أصناف السمك، فأقبل الناس على اللهو.\rوكان قد ولى حلب غلام يعرف بأمير الأمراء عزيز الدولة أبى شجاع فاتك الوحيدى، غلام منجوتكين، فى شهر رمضان سنة سبع وأربعمائة، وكان أرمنيا ديّنا عاقلا؛ فولاه الحاكم بأمر الله حلب وأعمالها، ولقّبه أمير الأمراء وعزيز الدولة تاج الملّة. ودخل حلب يوم الأحد ثانى شهر رمضان منها؛ وتمكن من البلد واستفحل أمره وعظم شأنه، فعصى الحاكم (¬١)، ودعا لنفسه على المنبر، وضرب السكة باسمه. فمات الحاكم عقب ذلك.\rفلاطفته السيدة وآنسته، وواصلته بما مال إليه من حمل الخلع والخيول بالمراكب فى سنة اثنتى عشرة حتى استمالت قلبه. ولم تزل تعمل الحيلة حتى أفسدت عليه غلاما له يعرف ببدر، كان يملك أمره وغلمانه تحت يده، وبذلت له العطاء الجزيل على الفتك به، ووعدته أن تقيمه مقامه فى موضعه. وكان لعزيز الدولة غلام هندى يهواه ويحبه حبا شديدا؛ فاستغواه بدر وقال له: قد عرفت من مولاك ملالا لك وتغيّرا منه فيك، واطّلعت منه على عزمة فى قتلك، ودفعته دفعات عنك لأننى لا أشتهى أن يتمّ مكروه عليك.","footnotes":"(¬١) فى الأصل: فعصى على الحاكم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276790,"book_id":167,"shamela_page_id":498,"part":"2","page_num":130,"sequence_num":498,"body":"وتركه مدة ووهب له دنانير وثيابا، وأظهر له المحبة، وتوصّل إلى أن خلا به ثم قال له:\rإن علم نبأ التعيير عزيز الدولة قتلنا، وما إشفاقى على نفسى وإنما إشفاقى عليك. فقال له الصبى: فأى شيء أعمل يا مولاى؟ قال: قد عرفت محبتى لك، وإن ساعدتنى اصطنعتك وأعطيتك، وعشنا جميعا فى خفض وأمن. قال له: فارسم ما شئت حتى أفعله؛ قال:\rتحلف لى حتى أقول لك؛ فاستحلفه وخدعه، ووافقه على قتل عزيز الدولة. فقال له الصبى كيف أقتله؟ قال: الليلة يشرب، وسأزيد فى سقيه حتى أسكره؛ فإذا استدعاك على الرسم لغمزه (¬١) ونام فقم كأنك تهريق ماء، فخذ سيفه واضربه حتى تفرغ منه. فقبل الصبى وصيّته. وكان عزيز الدولة فى الصيد؛ فلما عاد دخل الحمام وخرج منه فأكل ثم انتقل إلى مجلس الشراب؛ وحضر من جرت العادة بحضوره من ندمائه، ثم قام فى آخر وقت وقد تبين فيه السكر، والصبى بين يديه يحمل سيفه حتى وافى إلى مرقده واستلقى على فراشه؛ وأمر الغلام أن يغمزه. فلما مضى هزيع من الليل وثقل عزيز الدولة فى النوم وتحقق الصبى ذلك سلّ السيف وضربه به، وكان سيفا ماضيا، ففلق رأسه، وأتبع الضربة بأخرى فقتله. ودخل بدر وشاهده ميتا، فصاح، واستدعى غلمان الدولة وأمرهم بقتل الصبى، فقتلوه؛ وحوّط الخزائن والقلعة.\rوشاع قتل عزيز الدولة؛ وكان ذلك فى ليلة السبت الرابع من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة. وكتب بدر إلى السيدة بقتله، فأجابته، وأظهرت الوجد على عزيز الدولة، وشكرت بدرا على ما كان منه فى ضبط الأمر وحراسة الخزائن؛ ولقبته وفىّ الدولة، وقلدته موضع مولاه، ووهبت له جميع ما حازه.","footnotes":"(¬١) غمزه يغمزه مثل نخسه. القاموس المحيط. ولعل المقصود به ما يسمى بالتكبيس الذى يقوم به بعض الخدم أو الجوارى للسادة قبيل النوم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276791,"book_id":167,"shamela_page_id":499,"part":"2","page_num":131,"sequence_num":499,"body":"وكان سديد الدولة على بن أحمد الضيف ناظرا بالشام (¬١)، فتلطف ببدر غلام عزيز الدولة حتى تسلم البلد منه والقلعة، وولاها أصحاب الظاهر. وسبب ذلك أن كتابا وصل إليه من الظاهر بخطّه يطيّب نفسه، وأظهر هذا الكتاب فى حلب فى أيام الملك رضوان أخذه من بعض أهلها؛ وكان فى ورق إبريسم أسمر عريض، فيه ثلاثون سطرا بخط وسط. وكان صدر الكتاب: عرض بحضرتنا يا بدر - سلمك الله - ما كتبت على يد كاتبك ابن مدبر، وعرفنا ما قصدته، ولم نسئ ظنّا بك لقول فيك ولا شناعة ذكر. وقد بعثنا بأحد ثقاتنا إليك وهو على بن أحمد الضيف ليجدّد الأخذ عليك. فلما دخل ابن الضيف على بدر بالكتاب استرسل إليه وطرح القيد فى رجليه، فقبض عليه وأنزله من القلعة. وأقام بحلب سنة. وسلمها موصوف الخادم إلى أصحاب الظاهر وثقاته.\rوفى سنة ثمان عشرة وأربعمائة فى ذى الحجة والناس يطوفون بالكعبة قصد رجل ديلمىّ من الباطنية الحجر الأسود فضربه بدبوس فكسره، وقتل فى الحال، وقتل معه جماعة ذكر أنهم كانوا معه وعلى اعتقاده الخبيث (¬٢).\rولما تسلم بدر مدينة حلب من عزيز الدولة فاتك بقى بها سنتين، ثم ملكها موصوف","footnotes":"(¬١) يعرف القلقشندى بوظيفة ناظر نظار الشام فيقول «وهو الذى يقوم مقام الوزير بالديار المصرية» السلوك: ٦٦٧:١: حاشية: ٣.\r(¬٢) جاء فى النجوم الزاهرة: لما وصل الحاج المصرى إلى مكة المشرفة وثب شخص من الحاج إلى الحجر الأسود وضربه بدبوس كان فى يده حتى شعثه وكسر قطعا منه، وعاجله الناس فقتلوه. ثم ينقل عن هلال الصابى كتابا كتبه الظاهر يبدؤه بالنعى على جماعة ذهبت فى الغلو فى على بن أبى طالب أمدا بعيدا وادعت فيه ما ادعت النصارى فى المسيح؛ ثم تجمعت عنها فرقة وقالوا فى آبائه وأجداده منكرا من القول وزورا .. ثم يتبرأ الظاهر من هذه الاتجاهات ويتطرق إلى حادثة الحجر الأسود ويستنكرها ويتبرأ من مرتكبها، ويختم الكتاب بقوله «لقد ارتقى هذا الملعون مرتقى عظيما ومقاما جسيما أذكر به ما كان أقدم عليه غلام ثقيف المعروف بالحجاج - لعنه الله - من إحراق البيت وهدمه وإزالة بنيانه وردمه». النجوم الزاهرة: ٢٤٨:٤ - ٢٥٠. انظر أيضا: الكامل: ١١٤:٩ - ١١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276792,"book_id":167,"shamela_page_id":500,"part":"2","page_num":132,"sequence_num":500,"body":"الخادم. واستدعى منتخب الدولة أنوشتكين الدّزبرى (¬١) من قيساريّة (¬٢)؛ فلما كان فى الرّملة خرج إليه توقيع بولاية فلسطين، فدخلها فى المحرم سنة أربع عشرة؛ فخافه حسّان بن مفرج بن دغفل بن الجراح؛ وجرت له معه وقائع وحروب انتصر فيها الدّزبرى على حسان وعظم أمره. فسعى إلى به الوزير فقبض عليه بعسقلان.\rوكان قد ولى الوزارة الأمير شمس الملك المكين الأمين أبو الفتح مسعود بن طاهر الوزان بعد قتل بدر الدولة أبى الفتوح موسى بن الحسن فى المحرم سنة أربع عشرة، وردّ إليه النظر فى الرجال والأموال. فجرى له مع نجيب الدولة على رسمه فيما يتولاه من ديوان تنّيس ودمياط، والجيش الحاكمى، ودواوين السيدة ست الملك، ولا يكون لشمس الملك فى ذلك نظر.\rوبعث الظاهر رسولا إلى بلاد إفريقية، فقدم مدينة المنصوريّة لأربع بقين من جمادى الأولى، ومعه تشريف جليل لشريف الدولة أبى تمم المعز بن باديس، وثلاثة أفراس بسروج ثقيلة، وخلعة ومنجوقان (¬٣) قد نسجا بالذهب على قصب من الفضة، وعشرون بندا مذهبة، وسجلّ لقّب فيه بشرف الدولة وعضدها. فتلقاه شرف الدولة، وقرئ السجل بجامع القيروان.","footnotes":"(¬١) تحدث ابن القلانسى عن هذا القائد بتطويل فكان مما قال إنه تميز فى عمله بالشجاعة والشهامة وحسن السياسة والنصفة فى العسكرية والرعية وتشتيت شمل أولى الفساد من الأعراب وغيرهم. وذكر أنه لقب الأمير المظفر أمير الجيوش عدة الإمام سيف الخلافة عضد الدولة شرف المعالى. ومولده بلاد ما وراء النهر حيث سبى وبيع، وتنقل فى الخدمة حتى وصل دمشق سنة ٤٠٠ فاشتراه القائد تزبر بن أونيم الديلمى. ثم انتقل إلى ملكية الحاكم سنة ٤٠٣، وصار يرتقى حتى سيره مع سديد الدولة الضيف فى العسكر إلى الشام سنة ٤٠٦. ثم تولى بعلبك، ثم قيسارية، ثم تنقل فى الوظائف حتى انتهى إلى ولاية دمشق. ذيل تاريخ دمشق: ٧١ وما بعدها.\r(¬٢) على الساحل الشامى، بينها وبين طبرية ثلاثة أيام. معجم البلدان: ١٩٥:٧ - ١٩٦.\r(¬٣) المنجوق. نوع من الأعلام والبنود.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276793,"book_id":167,"shamela_page_id":501,"part":"2","page_num":133,"sequence_num":501,"body":"وأهلّ جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وأربعمائة بيوم الثلاثاء، ففيه خلع على أبى الفرج بن مالك بن سعيد ثوب وعمامة مذهبان، ورداء محشى مذهب، وحمل على بغلة بسرج ولجام محلّى؛ وقلد قضاء تنّيس وسار إليها. وخلع على أحد أولاد ابن جراح ثوب مثقل مذهب وعمامة طائرة، وحمل على فرسين بسرجين ولجامين مذهبين. وفى غده ركب الظاهر إلى نواحى القصور وعاد.\rوفى ثالثة وصلت نحو المائة رأس من جهة ابن البازيار وشهرت.\rوهلك محمد بن عبد الله بن المدبر بأخذ الخطير عمار فى القصر. وفى رابعه وكلّ بدكاكين الروّاسين فى جميع الأسواق، وأخذ ما فيها من الرءوس (¬١)؛ وكان قد طلب خمسمائة رأس وألف رطل رقاقا.\rوفى سادسه جلس الظاهر للسّلام، ودخل الناس على رسومهم، وانصرفوا. وفى ثامنه جمع الناس كافة إلى صحن الإيوان بالقصر، وخرج رفق الخادم ومعه منشور وسجلّ، فسلّم المنشور إلى أبى طالب على بن عبد السميع العباسى الخطيب، فرقى المنبر وقرأه على الكافة. فتضمن أن جماعة من أوغاد الأرياف يرتكبون الجرائم ويحتمون بأهل الدولة من الولاة. فنهوا عن حمايتهم. فلما فرغ من قراءته استدعى أبو عبد الله محمد بن على بن ابراهيم النرسى، نقيب الطالبيين إلى الخزانة الخاصة، فخلع عليه ثوب دبيقى مذهب مصفف بأطواق، ومن تحته ثوب مصمت مذهب وغلالة مذهبة، وعلى رأسه عمامة شرب مذهبة. وخرج وفى يده سجل يتضمن استمراره فى النقابة على عادته، وكان قد أرجف بصرفه عنها.","footnotes":"(¬١) يقع سوق الرواسين على رأس سويقة أمير الجيوش، وقيل له ذلك من أجل أن هناك خانا تصنع فيه الرءوس. وكان من أحسن أسواق القاهرة، فيه عدة من البياعين، ويشتمل أيضا على نحو عشرين حانوتا مملوءة بأصناف المآكل. الخطط: ٩٥:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276794,"book_id":167,"shamela_page_id":502,"part":"2","page_num":134,"sequence_num":502,"body":"وفى تاسعه ركب الظاهر فى عساكره إلى عين شمس، وعاد. وفى يوم الجمعة حادى عشره كان نوروز القبط؛ وانتهت زيادة النيل فيه إلى أربعة عشر ذراعا وإصبع واحد.\rوفيه خطب بجامع راشدة على منبره خطبتان فى وقت واحد. وذلك أن أبا طالب على ابن عبد السميع خطب بهذا الجامع بعد سفر العفيف البخارى إلى الشام بأمر قاضى القضاة، فسعى ابن عصفورة ببعض الخدّام حتى خرج له الأمر بأن يخطب، فخطبا معا أحدهما دون الآخر. ثم استقرّ أبو طالب فى الخطابة وأن يخلفه ابن عصفورة.\rوفى ثالث عشره ركب الظاهر لفتح الخليج وسدّ البلد إلى الصّناعة (¬١)، فطرح بين يديه عشارى (¬٢). ثم سار على شارع الحمر إلى سدّ الخليج، ففتح بين يديه ولعبت العشاريّات فيه؛ وكان يوما حسنا. وكان عليه وقت نزوله إلى مصر قميص طميم مذهب، وعلى رأسه شاشية مرصعة؛ وعاد وعليه ثياب بيض دبيقية مذهبة وعمامة شرب مسكى مذهبة.\rوفى ثانى عشريه وصلت هدية من المحدث بأسوان، وهى عشرون فرسا، وثمانون بختيّا وعدّة عبيد وإماء سودان، وفهد، وغنم نوبية، وطيور، ونسانس، وأنياب فيلة.\rوفى ثلاثة أيام، آخرها سلخه، انصرف ماء النّيل انصرافا فاحشا ولم ترو منه الضّياع، وكثر ضجيج الناس واستغاثتهم، وخرج أكثرهم بالمصاحف منشورة إلى الجبل يدعون الله","footnotes":"(¬١) المقصود فتح سد النيل عند منطقة فم الخليج. وقد تقدم شيء من التعريف بهذا الاحتفال.\rوالمقصود بالصناعة دار الصناعة «الترسانة» وهى المكان المخصص لإنشاء وتعمير السفن والمراكب بأنواعها: حربية وتجارية أو للنزهة. وقد نقلت دار الصناعة زمن الفاطميين إلى منطقة المقس فى موضع ميدان رمسيس، أو محطة مصر، الحالى. لكن يظهر من النص هنا أن هذا الاحتفال كان يقام فى موقع دار صناعة مصر (الفسطاط) التى كانت على ساحل مصر جهة الشرق وهى التى أنشأها الإخشيذ. وكانت أول دار للصناعة فى مصر الإسلامية بجزيرة الروضة على ساحلها الجنوبى الشرقى. الخطط: ٤٧٠:١ - ٤٩٣.\r(¬٢) العشارى سفينة صغيرة للنزهة وللخلافة بصفة خاصة، وهى من طابقين أعلاهما لمجلس الخليفة ووزيره وخاصته، وأسفلهما للحوائج والمأكولات والأدوات التى يحتاج إليها فى النزهة، وللنوتية. وكان العشارى الذى يركبه الخليفة لفتح سد الخليج لا يحمل إلا الخليفة والوزير وعدة قليلة من الخاصة لا تجاوز أصابع اليد الواحدة. النجوم الزاهرة: ١٠٠:٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276795,"book_id":167,"shamela_page_id":503,"part":"2","page_num":135,"sequence_num":503,"body":"فلم يغاثوا. وتعذر وجود الخبز، وازدحم الناس على شراء الغلال، ووقف سعر التليّس على دينار إلا أنه لا يوجد إذا طلب؛ وأبيع سرّا التليس القمح بدينارين، والحملة الدقيق بدينارين وربع، والخبز أربعة أرطال بدرهم، وثمن الحمل الدقيق بعشرين درهما (¬١)\rوأهلّ شهر رجب بيوم الأربعاء. وفى ثالثه توجه أبو القاسم بن رزق البغدادى فى الرسالة إلى الحجاز. وفى خامسه خلع على داود بن يعقوب الكتامى ثوب مثقل وعمامة، وقلّد الحسبة والأسواق والسواحل؛ فنزل فى موكب عظيم وبين يديه اثنتا عشرة نجيبة تحيط به إلى مجلس الحسبة بمصر، فنظر فى الأسعار عوضا عن ابن غرة فاستقامت الأحوال. وقلّد ذو القرنين أبو المطاع بن الحسن بن حمدان الإسكندرية وأعمالها غربا وأمّر ولده فاضل ولقّب عظيم الدّولة، واستقر عوضه والى البلد.\rوفيه قرئ بالإشراق سجل برفع المناكر وترك التظاهر بشيء منها، وألا يخرج النساء من بعد العصر إلى الطّرقات بالقرافة؛ وأن تنزّه هذه الأشهر الشّريفة عن المناكير؛ وألا يجتمع الناس كما كانوا يجتمعون بالجزيرة والجيزة وبالقرافة على شيء منها ومن المحظورات؛ وأن يمنع الغناء ظاهرا إلا بالقضيب فإنه مباح.\rوفى ثامنه قلّد محمد بن عبد الله بن مدبر ديوان الخراج شركة. وركب الظاهر إلى مسجد تبر؛ وعاد. وفى غده تعذّر وجود الخبز، وأمر ببلّه فى الماء فى القصارى؛ قيل وبيع ثلاثة أرطال بدرهم، ثم وجد. وفتحت مخازن جماعة من أهل الدولة.","footnotes":"(¬١) التليس مائة وخمسون رطلا مصريا والحملة ثلاثمائة رطل. قوانين الدواوين: ٣٦٥. وهذا شيء غريب: أن يكون تليس القمح، وهو ما يوازى نصف حملة الدقيق وزنا، بدينارين بينما تكون حملة الدقيق بدينارين وربع دينار. ويذكر ابن مماتى أن الرطل المصرى يساوى مائة وأربعمائة وأربعين درهما. قوانين الدواوين: ٥٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276796,"book_id":167,"shamela_page_id":504,"part":"2","page_num":136,"sequence_num":504,"body":"سنة خمس عشرة وأربعمائة (¬١):\rأهلّ المحرّم بيوم السبت. وفى تاسعه أخذ رجل يقال له أبو زكريّا، كان نصرانيا فأسلم، وكتب الحديث وقرأ القرآن، وحجّ، ثم ارتد إلى النصرانية وقال: ما عمل فىّ سحر نبيكم؛ فضرب عنقه بعد ما ثبت عليه هذا. وفى ثالث عشره أخذ كتابىّ يعرف بأحمد بن طاطوا وعليه أثر السّفر، فزعم أنّه ورد من الكوفة، وأنه كان مع الحاكم بأمر الله، أرسله إلى الناس لينتهوا عمّا هم عليه؛ فضرب عنقه.\rولسبع عشرة بقيت منه سار أبو القاسم بن رزق البغدادى إلى صقلّية بسجلّ وهدية فيها مغنّيات من القصر. وفيه ركب الظاهر إلى نواحى عين شمس وعليه ثوب بنكىّ (¬٢) أحمر معلم (¬٣) مذهب، على رأسه عمامة شرب بنكىّ مذهب؛ وعاد.\rولعشر بقين منه امتنع شمس الملك الأمين الملك أبو الفتح مسعود بن طاهر الوزان من النظر فى الوساطة حنقا من الشريفين العجميين، لأنهما يتولّيان الأمر دونه، ومكاتبة أعمال الشام وغيره، وقراءة التّخريج (¬٤)، وعرض كتب البريد وكتب المطلقات؛ وأقام فى داره ثلاثة أيام. فاستدعاه الظاهر وأمره بالعود إلى خدمته، فعاد إلى النّظر، وجلس على رسمه على باب الذهب (¬٥) يأمر وينهى.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس عشر من مارس سنة ١٠٢٤. ويلاحظ أنه لم يرد ذكر مستقل للسنوات ٤١١ - ٤١٤.\r(¬٢) هذه كلمة إنجليزية الأصل تدل على اللون الوردى الخفيف Pink . وهذا تطويع للكلمة الأجنبية بتعريبها إذ لم يجد الكاتب بين يديه الكلمة العربية التى تحقق غرضه.\r(¬٣) أعلمت الثوب جعلت له علما من طراز وغيره، وهى العلامة. المصباح المنير.\r(¬٤) لعل المقصود بالتخريج ما يقوم به المستوفى الذى ينبه متولى الديوان على ما يجب استخراجه من المال فى حينه، ويقيم الجرائد، ويقابل بكل ما يرد عليه من حساب، ويستوفيه، ويخرج ما يجب تخريجه فيه، ويخرج الأموال ويعمل المطالبات. قوانين الدواوين: ٣٠١.\r(¬٥) من الأبواب الغربية للقصر الكبير الفاطمى، وكانت تدخل منه المواكب وجميع أهل الدولة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276797,"book_id":167,"shamela_page_id":505,"part":"2","page_num":137,"sequence_num":505,"body":"ولخمس بقين منه كان ثالث فصح النّصارى، فاجتمع بقنطرة المقس من النّصارى والمسلمين فى الخيام المنصوبة وغيرها خلق كثير طول نهارهم فى لهو وتهتّك قبيح، واختلط الرجال بالنساء وهم يعاقرون الخمر، حتى حملت النساء فى قفاف الحمالين من شدة السكر؛ فكان المنكر شديدا فى هذا اليوم.\rوركب الظاهر فى موكب إلى المقس بعمامة شرب مفوطة بسواد، وثوب دبيقى مديّر بسواد، فدار هناك طويلا وعاد.\rولثلاث بقين منه ورد من أهل الريف زيادة على خمسة آلاف رجل فارّين من عدّة الدولة وعمادها، رفق الخادم، متولى السيارة بأسفل الأرض لعسفه. وقدم الخبر باجتماع العرب الهلاليين والكلابيين وبنى قرة وجهينة على الخارجى بالصعيد؛ وبعث حيدرة بن نقيايان، متولّى الصعيد، يطلب عسكرا، فسيّر إليه خلق من العبيد، والباطلية، والبرقية، وغيرهم.\r[وأهلّ] صفر وأوله الاثنين. فى ثلاث قدم الحاجّ وفيه خلائق من أهل خراسان، معهم أمتعة، ورسول صاحب خراسان (¬١) بهديّة إلى الظاهر؛ فأكرم وأنزل. وكان من خبرهم أن حاجّ خراسان تأخّر عن الحجّ فى سنتى عشرة وإحدى عشرة؛ فاستغاث الناس بالسّلطان يمين الدّولة أبى القاسم محمود بن سبكتكين (¬٢)، فتقدّم إلى قاضى قضاة مملكت أبى محمد الناصحى فى الحج، ونادى بذلك فى أعمال خراسان، وأطلق للعربان ثلاثين ألف دينار سوى ما سيّره للصدقات؛ فساروا وحجوا، وعادوا سالمين. ثم حجوا بعد ذلك فى سنة","footnotes":"(¬١) أبو على الحسن بن محمد المعروف بحسنك، والى خراسان من قبل يمين الدولة محمود بن سبكتكين. النجوم الزاهرة: ٢٦٠:٤.\r(¬٢) صاحب غزنة. وكان قبل ذلك واليا بخراسان (قبل أن يخضعها سلاطين غزنة). توفى سنة ٤٢١ (١٠٣٠). معجم الأنساب؛ Mohammadan Dynasties","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276798,"book_id":167,"shamela_page_id":506,"part":"2","page_num":138,"sequence_num":506,"body":"أربع عشرة، ومنهم أبو على الحسن بن محمد المعروف بحسنّك، صاحب عين الدولة والخصيص به، وفى مهمته ما يدفع إلى العرب فى طريق مكة وغيرها من رسومهم؛ فدفع كلّ من استضعفه، ووعد من قوى جانبه وخيفت أذيّته بإزاحة علّتهم عند مرجعه، واحتجّ عليهم بالوقت وضيقه وخيفة الفوت؛ فأخّروا مطالبته. فلما قضى الحجّ وعاد بمن معه إلى المدينة النّبوية اجتمع هو وأبو الحسن محمد بن الحسن الأقساسى العلوىّ، أمير الحاج البغدادى، وعدّة من وجوه الناس، للنظر فى أمر العرب، فاستقر رأيهم على السير إلى الرّملة من وادى القرى والمضىّ على الشام إلى بغداد. فساروا إلى الرّملة، وقدم الخبر بقدومهم إليها على الظاهر فى ثانى عشر صفر، وقالوا إنهم فى ستين ألف جمل ومائتى ألف إنسان - بكتاب بعث به إليه الأقساسى يستأذنه فيه على عبور بلاد الشام. فسرّ بذلك وكتب إلى جميع ولاة الشام بتلقّيهم وإنزالهم، وإكرام مقدمهم، وعمارة البلاد لهم بالطّعام والعلف، وإطلاق الصّلات للفقهاء والقراء وإقامة الأنزال الكثيرة لحسنك، صاحب عين الدولة، والتناهى فى إكرامه. وتقدم إلى مقدّمى عساكر الشام بحفظهم والمسير فى صحبتهم، وأن يتسلمهم صالح بن مرداس (¬١) من دمشق ويوصلهم الرّحبة (¬٢)، ويدفع إلى الأقساسى ألف دينار وعدّة كثيرة من الثياب، وإلى حسنّك مثل ذلك؛ وقيد إليه فرس بمركب ذهب. فساروا من الرّملة موقورين مجبورين شاكرين حتى وصوا إلى بغداد، وعرّج حسنّك عنها خوفا من الإنكار عليه. فاشتد ما فعله الظاهر على الخليفة القادر بالله، وأنكر عودتهم على الشام، وصرف الأقساسى عما كان إليه وقبضه؛ وأنكر على حسنّك، وكتب فيه إلى عين الدولة، واستدعى منه الفرس والقماش والخلع الواصلة إلى حسنّك","footnotes":"(¬١) أول أمراء الأسرة المرداسية التى حكمت حلب بين سنتى ٤١٤ - ٤٧٢ (١٠٢٣ - ١٠٧٩).\r(¬٢) هناك أكثر من رحبة من أشهرها رحبة مالك بن طوق على مسافة خمسة أيام من حلب وثمانية أيام من دمشق ومائة فرسخ من بغداد، وهى على شاطئ الفرات جنوب قرقيسيا، ولعلها المقصودة هنا. وهناك رحبة بضم الراء قرية بحذاء القادسية على مرحلة من الكوفة على يسار الحجاج إذا أرادوا مكة. معجم البلدان: ٢٣٤:٤ - ٢٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276799,"book_id":167,"shamela_page_id":507,"part":"2","page_num":139,"sequence_num":507,"body":"لتحرق ببغداد؛ فبعث بها فى جمادى الآخرة سنة ست عشرة؛ فأحرقت بمحضر من الناس وسبك الذهب وفرّق على الفقراء. وغنم الظاهر حسن الثناء عليه من حاجّ خراسان وما وراء النّهر، لما كان من إحسانه إليهم وزيارتهم بيت المقدس.\rوفى ثانى عشره وافى عماد الدولة رفق من السّيارة بعدة عظيمة وثلاثمائة رأس من الخيل والبغال فإنه أخذ كل فرس وجده، وبين يديه سبعون بندا مذهبة، وعشرون منجوقا، فتلقاه جميع أهل الدولة. وكانت عدة من قتله فى هذه السفرة، وهى خمسة وثلاثون يوما، مائتين وثلاثة أنفس. وقدم زين الملك إبراهيم بن على بن مسعود مصروفا عن مدينة منور، فتلقى وأكرم.\rوفى سادس عشره ركب الظاهر إلى ناحية عين شمس وعاد. وقدم الخبر من حسن بن جعفر الحسنى أنه أقام الدعوة للظاهر بعرفات وغيرها، ومنع أهل خراسان من الدعوة لصاحبهم.\rولثلاث عشرة بقيت منه ركب الظاهر إلى المشتهى (¬١)، ودخل حمام نجاح الطولونى، ثم ركب العشاريات فى النيل إلى المعتوق بالكوم الأحمر (¬٢)، وقطع له الجسر حتى عبره، ثم عاد إلى القصر.\rوفى يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت منه جمع الناس كافّة إلى الإيوان بالقصر، فلما اجتمع الناس فى صحن الإيوان خرج القائد أبو الفوارس معضاد، الخادم الأسود، وعليه ثوب طميم حسن وعلى رأسه عمامة شرب، طائرة كثيرا، بالذهب محرق اللون، ومعه سجلّ قرئ على العامّة والخاصّة بتلقيبه بالقائد عزّ الدّولة وسنانها أبى الفوارس معضاد الظاهرى،","footnotes":"(¬١) المشتهى من المواضع التى أعدت للنزهة. الخطط: ٤٩٠:١.\r(¬٢) من أعمال الجيزية. قوانين الدواوين: ١٠٠. وهناك مكان آخر عرف بالكوم الأحمر كان واقعا عند فم الخليج على جانبه الغربى، ولعله المقصود هنا وقد سمى الكوم الأحمر من أجل أنه كان به أقمنة الطوب. الخطط: ١: ٣٤٥ - ٣٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276800,"book_id":167,"shamela_page_id":508,"part":"2","page_num":140,"sequence_num":508,"body":"وأنّ أمير المؤمنين لقّبه وكناه؛ وهو سجل بليغ. ثم حمل بعد قراءته على أربعة من الخيل بسروج مصفحة ثقال، وعليه سيف ذهب تقلّد به؛ وخرج جميع المصطنعة وسائر القواد والناس معه إلى داره؛ فكان يوما حسنا.\rوفيه ورد الخبر بأن الثائر الذى قام بالصعيد الأعلى أنزل حيدرة بن نقيايان حتى حصل فى يده، وكان شريفا حسنيا، فأقر أنّه قتل الحاكم بأمر الله فى جملة أربعة أنفس تفرّقوا فى البلاد، فمنهم من مضى إلى برقة ومنهم من مضى إلى العراق، وأنه أظهر له قطعة من جلد رأسه وقطعة من الفوطة التى كانت عليه. فقال له حيدرة ولم قتلته؟ فقال: غرت لله وللإسلام؛ فقال: وكيف قتلته؟ فأخرج سكينا فضرب بها فؤاد نفسه، فمات بعد ما قال هكذا قتلته. فقطع حيدرة رأسه وأنفذه إلى الحضرة مع ما وجده معه.\rوقدم الخبر بوقوع الحرب بين بنى قرّة ببرقة.\rولعشر بقين منه جلس الظاهر فى قصر الذهب (¬١) بعد أن زين وبسط وعلّقت فيه الستائر الديباج والستور المذهبة، وعلق جميع السقائف كلها بالستور وفرشت بالفروش.\rوحضر أمراء الأتراك وقد لبسوا أفخر ثياب من المثقل (¬٢) والطميم، وحضر جميع الكتاميين وسائر الجند؛ ودخل الناس أجمعون؛ ووقف شمس الملك مسعود بن طاهر الوزان على يمين السرير، وبقية الناس وكافّة عبيد الدولة قيام، فلم يجلس أحد. وجى بالرسول الوارد من خراسان ومعه ابن له صغير فقبّل التّراب للظاهر، ثم أمر أن يطوّف به القصر كلّه، فطاف جميع القصور المعمورة؛ وقام الظاهر وانصرف الناس. ولثمان بقين منه أهدى","footnotes":"(¬١) قصر الذهب هو قاعة الذهب، إحدى قاعات القصر الكبير وكان يدخل إليها من باب الذهب ومن باب البحر، وكلاهما من أبواب القصر الغربية. موضع القصر الآن خلف مدرسة النحاسين من شارع بيت القاضى وحارة بيت القاضى بحى الجمالية. النجوم الزاهرة: ١١٣:٤. وكان الخلفاء يجلسون به للموكب يومى الاثنين والخميس وبه كان يعمل سماط شهر رمضان. الخطط: ٣٨٥:١ ..\r(¬٢) الثوب المثقل: المنسوج بخيوط الذهب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276801,"book_id":167,"shamela_page_id":509,"part":"2","page_num":141,"sequence_num":509,"body":"هذا الرسول إلى الحضرة المطهّرة نحو خمس عشرة ناقة محمّلة ورقا طلحا وإهليلجا (¬١) وغير ذلك، فقبل منه.\rولسبع بقين منه تسلّم ديوان الكتاميين من الأمير شمس الملك [مسعود بن طاهر] الوزان، وردّ النظر فيه إلى القائد عزّ الدّولة معضاد، فاستخدم فى تدبير أمواله أبا اليسر اصطخر بن مينا الأسيوطى شركة بينه وبين صدقة بن يوسف الفلاحى اليهودىّ الوافد، ونظر هو فى أمر رجاله وفى التوقيع فى أيامهم. ثم بعد أيام أخذ من شمس الملك بعض إقطاعه، وقبض منه، ورد إلى يمين الدولة سعادة وبقيت فى يده بقية الأعمال. وفى هذا الشهر سار ذو القرنين ابن حمدان (¬٢) إلى دمشق.\rشهر ربيع الأول؛ أوله الثلاثاء. فى خامسه وصلت هديّة والى الفيّوم، وهى مائة وخمسون فرسا بأجلّة. وفى سادسه خرج الأمر لابن خالد الغرابيلى، متولى ديوان البريد، بأن يسلّم إلى صاحب ديوان الشام جميع ما يرد من حساب الشام، ورفعت يد شمس الملك عنه. ورسم أن يكون الشيخ العميد محسن بن بدواس زماما (¬٣) على أبى عبد الله محمّد بن أحمد الجرجرائى فى ديوان الشام، مفردا عن نظر شمس الملك؛ كما أفرد ديوان الكتاميين عن نظره. فصارت هذه العصبة منفردة بمعضاد فى التّدبير والتّقرير، وهم الشريفان العجميان","footnotes":"(¬١) شجر عظام كالطلاح، ككتاب، والإهليلج شجر له ثمر، منه الأصفر والأسود وهو النضيج، ومنه كابل يحفظ العقل ويزيل الصداع وينفع فى الخوانيق. وكان بالقاهرة مكان يعرف بصحراء الإهليلج، شرقى الخندق، تنتهى إليها عمارة خطة الحسينية بالقاهرة من جهة باب الفتوح، وقد كثر بها شجر الإهليلج الهندى فعرفت به. الخطط: ١٣٨:٢؛ القاموس المحيط.\r(¬٢) وهو الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن الحسن بن حمدان. وكان قد تولى دمشق قبل ذلك أيام الحاكم بأمر الله سنة ٤٠١، وتولاها للمرة الثانية سنة ٤١٢؛ وهذه هى المرة الثالثة. ذيل تاريخ دمشق: ٦٩ - ٧١.\r(¬٣) وهى وظيفة تشبه وظيفة المشارف، واختصاصاته أن يكون عمل الديوان محوطا بضبطه، محفوظا بخطه، يكتب خطه على ما يرفع من الحساب وما يخرج من الوصولات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276802,"book_id":167,"shamela_page_id":510,"part":"2","page_num":142,"sequence_num":510,"body":"والجرجرائيان عصب الدولة أبو القاسم على بن أحمد وأخوه أبو عبد الله محمد بن أحمد، ومحسن بن بدواس (¬١) وابن خيران (¬٢). وفى رابع عشره خلع على جناح بن يزيد الكتامى، وحمل على فرسين، وقلّد طبريّة.\rوفى سابع عشره ركب الظاهر وعاد. وفى هذا الشهر اشتد غلاء القمح، وبيع التّلّيس بثلاثة دنانير، والشّعير أربع ويبات بدينار، والخبز رطلين ونصفا بدرهم. وعزّ وجود التبن فأبيع الحمل بدينار؛ وغلت أصناف الحبوب وعامة ما يؤكل. ولم ير (¬٣) النّيل فيما تقدّم من السنين أقل نقصانا منه فى هذه السنة.\rوفى ثالث عشريه ركب الظاهر إلى مسجد تبر، وعاد. وفيه نزل القائد الأجل معضاد والشيخ العميد أبو القاسم الجرجرائىّ ومحسن بن بدواس صاحب بيت المال إلى مصر، فأثبتوا تركة (¬٤) بنت أبى عبد الله بن نصر امرأة أبى جعفر (¬٤) بن قائد القواد الحسين بن جوهر، فوجد فيها (¬٤) وبرادات مكلّلة بالجوهر، وأمر جليل من المال والجوهر - لأن للسلطان منها الثلث.\rوفى هذا الشهر أمر ببناء حظير دائر على مقياس النيل بالجزيرة، ووكل به الشريف أبو طالب محمد بن (¬٤) العجمى متولى الصناعة، فبناه بالحجر الأبيض، وأنفق عليه مالا كثيرا. ونقل إليه الحجر من حظير كبير كان مبنيا على الشاطئ بناحية طرا (¬٥).","footnotes":"(¬١) فراغ فى الأصل يسع نحو ثلاث كلمات.\r(¬٢) ولى الدولة أبو على بن خيران، كاتب ديوان الانشاء: ذيل تاريخ دمشق: ٨٠.\r(¬٣) فى الأصل: ولم يزل النيل … والمثبت هنا أولى لمناسبته ارتفاع الأسعار وانعدام بعض الأصناف.\r(¬٤) مواقع هذه الكلمات بياض بالأصل كل منها يسع كلمة واحدة.\r(¬٥) فى الطريق إلى المعادى وحلوان. وكانت تعد من أعمال الإطفيحية التى تمتد جنوبا شرقى النيل. انظر قوانين الدواوين: ٨٢ - ٨٣، ١٦٢؛ السلوك: ٨٤٣:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276803,"book_id":167,"shamela_page_id":511,"part":"2","page_num":143,"sequence_num":511,"body":"وفيه دخل كلب إلى الجامع العتيق بمصر فطاف بالجامع بأسره، فقام إليه النّاس وقتلوه فى الصّحن، فجرى دمه على الحصر فغسلت بعد إخراجه من الجامع.\rوقد وصلت هديّة من بلد النّوبة فيها عبيد وإماء، وخشب أبنوس، وفيلة، وزرافات\r. شهر ربيع الآخر، أوله الخميس. فى رابعه ورد الخبر بأن عبد الله ابن إدريس الجعفرى ومعه أحد بنى جرّاح طرق أيلة (¬١) ونهبها، وأخذ منها نحو الثلاثة آلاف دينار وغلالا، وسبى النساء والأطفال. وسبب ذلك أنه سأل حسّان بن جراح أن يردّ إلى ولايته على وادى القرى (¬٢)، ورغب أن يتوسط له مع الظاهر، فلم يجبه، ففعل ما فعل. فخرجت سريّة من القاهرة لحربه.\rوفيه نزل الظاهر إلى البيمارستان متنكرا فى عبيده، فطافه، وأطلق لكلّ من المجانين خمسين درهما، وللقيّم عليهم خمسمائة درهم؛ ورسم بعمارته وإجراء الماء إليه على رسمه، وأن يطبخ للمجانين كلّ يوم ما يأكلونه بعد أدويتهم. وفى ثامنه قدم الخبر بنهب عبد الله بن إدريس بلد العريش وإحراقه وأخذ جميع ما كان فيه بمعاونة بعض أولاد ابن جراح. وفيه اجتمع فى قافلة المغرب خلق من التجار ومعهم من الأموال قريب من مائتى ألف دينار بالجيزة، فأنذروا بطائفة من العبيد والجوّالة والقيصريّة قد تجمعوا لنهبهم فبعث معهم نحو ثلاثمائة فارس وأربعمائة راجل، وساروا إلى المغرب.","footnotes":"(¬١) مدينة معروفة على قمة القلزم، أول حدود الحجاز، كانت محطة للقوافل وجمع المكوس فى الأزمنة المتعاقبة، بينها وبين القدس ست مراحل. من أخبارها أنه فى سنة ٥٦٦ كان الفرنج قد ملكوها وتحصنوا بقلعتها فأنشأ صلاح الدين سفنا وحملها مفصلة على الجمال ثم جمعها بعضها إلى بعض عند حصنها فى البحر فأكمل حصارها حتى تمكن من فتحها. معجم البلدان: ٣٩١:١؛ كتاب الروضتين لأبى شامة، الخطط التوفيقية: ١٠٦:٨ - ١٠٧.\r(¬٢) يطلق على البلاد الواقعة بين دمشق وأطراف الحجاز، وقد يمتد هذا الإطلاق إلى أطراف المدينة المنورة. قارن معجم البلدان: ٣٧٥:٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276804,"book_id":167,"shamela_page_id":512,"part":"2","page_num":144,"sequence_num":512,"body":"وفى ثامن عشره جلس الظاهر للناس فى المجلس الذى كان يجلس فيه أبوه بقصر الذهب، ودخل الناس إليه من باب العيد على طبقاتهم. ودخل ناصر الدولة حسين بن الحسن ابن حمدان، متولى طرابلس، وقد صرف عنها، فتلقّى بالبنود وعدّتها أربعون بندا ملوّنة، وخمس بنود مذهبة، وعدة من الطبول؛ فقبّل التراب، ثم قبل يد الظاهر، هو والشريف الحسنى ابن موسى المقيم بدمشق؛ ووقفا؛ فأمرا بالجلوس على يسار القائد معضاد فجلسا. ثم انقضى السّلام وانصرف الناس. فلما كان وسط النهار نزلت طائفة من جوارى القصر فى طائفة من الخدم إلى دار الجوهر ودار الصرف ودار الأنماط، فابتاعوا ما أحبوا. وعادوا.\rولسبع بقين منه ركب الظاهر بغير مظلّة فى عساكره ومراكبه إلى مسجد تبر، وعاد؛ ثم نزل عقب ذلك مختفيا إلى الجزيرة والبساتين. وركب من الغد فى العشاريّات إلى الجيزة وما والاها، وعاد. وفى عشيّة السبت، لستّ بقين منه، غرق حدث فى النيل، فطرده الماء إلى الشط، وأراد أهله حمله، فمنعهم أصحاب الشريف أبى طالب العجمى، متولّى الصناعة، من ذلك، وطالبوهم عنه بدينارين وقيراطين، واجب الصناعة من حقّ من غرق فى النيل، فدفع إليهم ذلك، وحمل الرجل حتى غسل ودفن فى يوم الأربعاء.\rولليلتين بقيتا منه جلس الظاهر فى قصر أبيه بباب الذّهب على سريره المصقول المذهب، وعليه ثوب دبيقى معلم، وعمامة شرب مثقل مذهبة، وتحته فرش دبيقى مذهب، ودخل الناس من باب العيد فسلموا، وجلس من عادته الجلوس ساعة؛ ثم انصرفوا.\rوفى هذا الشهر ارتفع السعر من أجل أن المراكب الواصلة بالقمح أخذت كلّها ورفعت إلى القصر من المقس. وفيه طاف العامّة والسّوقة أسواق مصر بالطّبول والأبواق يجمعون من التّجار والباعة ما ينفقونه فى مضيّهم إلى سجن يوسف، فقيل لهم شغلنا بعدم الأقوات يمنعنا عن هذا. فأنهوا حالهم إلى الظاهر، فرسم لشافى الدولة أبى طاهر بن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276805,"book_id":167,"shamela_page_id":513,"part":"2","page_num":145,"sequence_num":513,"body":"كافى، متولى الشرطة السفلى، بتقرير الرسم على التجار حتى يدفعوا إلى العامة ما جرت به رسومهم؛ وأذن لهم فى الخروج إلى سجن يوسف، ووعدوا أن يطلق لهم الظاهر ضعف ما أطلق لهم فى السنة الماضية من الهبة، فخرجوا.\r[شهر] جمادى الأولى؛ أوله الجمعة. فيه ركب الظاهر مبكرا مع حرمه وخدمه إلى المشتهى فأقام يومه. وفى ثالثه ركب بعساكره إلى عين شمس وعاد.\rوكان الشريف أبو طالب بن العجمى صاحب الصناعة قد تنكر على ابن أبى الرّدّاد، وأهانه، وتقابحا فى الخطاب، فضربه الشريف واعتقله. فأقام قاضى القضاة أبو العباس أحمد بن أبى العوام مشارفين على ابن أبى الرّدّاد، لسؤاله القاضى فى ذلك، وهما أبو الحسن سليمان بن رستم، والخليل بن أحمد بن خليل لينهيا إليه ما يصحّ من أمر المقياس، فوجدا مجارى الماء مسدّدة، ووجدوا ابن الرّدّاد يتناول فى كل سنة خمسين دينارا لكنس المجارى، ووجدا الماء قد انتهى إلى حدّ، فلما فتحت المجارى طلع الماء إلى حدّ أكثر من الحدّ الذى كان عليه\rوفى رابعه نزل صقلبى من صقالبة القصر بمنشور معظّم إلى قاضى القضاة، وهو بالجامع العتيق، فأمره بقراءته على المنبر، فأراد أبو طالب على بن عبد السّميع العباسى أن يتولى قراءته دون أخيه أبى جعفر، وهو الأكبر، وقد صرف عن قراءة السجلات وليس له إلاّ خطابة الجامع العتيق. فقال له أبو جعفر: ويحك: ما تحتشم منى لسنّى ولأننى أخوك الأكبر، ولأننى هرعت لمولانا الحاكم بأمر الله، قدس الله روحه، وقد همّ بضرب عنقك حتى خلّصتك من القتل وضمنت له عنك التوبة والإنابة!! فدفع القاضى السجل إلى أبى جعفر، فقرأه فوق المنبر على كافة الناس. ومضمونه أنه انتهى إلى أمير المؤمنين أن المستخدمين فى الصناعة يعتمدون تعويق من ينزل البحر من النّاس، ويمنعون القوارب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276806,"book_id":167,"shamela_page_id":514,"part":"2","page_num":146,"sequence_num":514,"body":"من إنقاذ من يلتمس الخلاص منهم ليأخذوا على ذلك واجبا قد أقامه متولّى الصناعة، محمد الحسينى العجمى، على كل غريق دينارين ونصفا؛ وأنّ ذلك لما أنهى إلى حضرة أمير المؤمنين أنكره وأكبره، ومنع من أخذ درهم واحد فما فوقه عما هذا سببه، والمنع منه. فكثر الدعاء للظاهر.\rوفى ثامنه ركب الظاهر فى خاصته وخدمه إلى الرّميلة بظاهر المقس، فطاف طويلا ثم عاد.\rوفى تاسعه ركب القائد الأجل عز الدولة ومصطفاها معضاد الخادم الأسود فى جميع الأتراك ووجوه القواد، وشقّ مدينة مصر إلى الصّناعة، ثم خرج منها وعدّى بمن معه إلى الجيزة، حتى رتب للظاهر عسكرا يقيم معه هناك، وأخذ فى يوم الاثنين حادى عشره أربع عشاريات وأربعة عشر بغلا من بغال النقل، ومعه خاصّته وحرمه إلى سجن يوسف.\rوعاد منه يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت منه. وركب فيه إلى مسجد تبر وعاد.\rوأقام أهل الأسواق نحو الأسبوعين يطوفون الشوارع بالخيال والسماجات والتماثيل، ويطلعون إلى القاهرة بذلك برسم أمير المؤمنين، ويعودون ومعهم سجلّ قد كتب لهم بألا يعارض أحد منهم فى ذهابه وعودته. ولم يزالوا على ذلك إلى أن تكامل جميعهم.\rوكان دخولهم من سجن يوسف فى سادس عشره، فشقوا الشارع بالخيال والسماجات والتماثيل، وتعطّل الناس فى ذلك اليوم عن أشغالهم ومعايشهم، واجتمع خلق كثير لنظرهم. وظل الناس أكثر هذا اليوم على ذلك، وأطلق لهم ثمانية آلاف درهم وكانوا فى اثنى عشر سوقا.\rوفى عشريه قتل طائفة من القيصرية غلاما من الأتراك، فركب الأتراك بالسلاح وقاتلوا القيصرية، فتكافوا، ولم يجسر أحد منهم على الإيقاع بصاحبه. وفى ثانى عشريه ركب الظاهر النّيل ومضى إلى بستان السّيّدة العمة، ثم إلى خيمة وردان لأنّهم مقيمون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276807,"book_id":167,"shamela_page_id":515,"part":"2","page_num":147,"sequence_num":515,"body":"فى الجزيرة للتنزه هناك. ولم تزل العشاريات تلعب فى البحر الليل كله والمسرة متصلة بينهم؛ فقدم فى آخر النهار مركب يحمل حطبا من الصعيد، فقلب نوتيّته وقطع الجسر، وغرق مركبان منه، وقطع ثلاث قطع، وغرق عشاريان بمن فيهما.\rوفى هذا الشهر كوتب أبو الحارث نقيان بن محمد بن نقيان الخيملى، متولى حرب تنّيس ودمياط، بالمسير إلى حلب ليتسلمها عوضا عن محمد سند الدولة أبى محمد الحسن ابن محمد بن نقيان الكتامى عند وصول هديته إلى الحضرة؛ فسار. وكان من خبر مدينة حلب أن عزيز الدولة فاتكا لما قتل وأقيم من بعده غلامه بدر مكانه، ثم قبض عليه علىّ بن الضيف، وأقام بحلب سنة، وولى سند الدولة أبو محمد الحسن بن نقيان فنزل صالح بن مرداس الكلابى على حلب ونازلها؛ وقد كره الناس ابن نقيان وموصوفا الخادم لسوء سيرتهما، فسلّموا البلد إلى صالح. والتجأ ابن نقيان وموصوف إلى القلعة وتحصّنا بها؛ فاستخلف صالح على مدينة حلب أبا منصور سليمان بن طوق، ومضى إلى بعلبك فملك قلعتها بعد حرب، وقتل جماعة من أصحاب الظاهر. واجتمع هو وحسّان بن جرّاح وإخوته، وسنان ابن عليان على فلسطين وتحالفوا على اجتماع كلمتهم ومحاربة الظاهر، وتقاسموا البلاد كما سيأتى ذكره إن شاء الله.\rوأما ابن طوق فإنه حصر قلعة حلب حتى أخذها بمباطنة من أهلها وأمسك ابن نقيان وموصوفا، فقتل ابن نقيان فى يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، واعتقل موصوفا. فركب أبو الحارث بن نقيان البحر من تنّيس إلى طرابلس، ودخل حلب يوم الأحد سابع عشرى جمادى الأولى هذا، وملكها، وسمّى سابق الدولة أبو طاهر بن كافى متولى الشرطة السّفلى بمصر من قبل بدر الدولة بأخذ تنّيس ودمياط؛ واستخلف أخاه جلال الدين على الشرطتين العليا والسفلى من قبل بدر الدولة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276808,"book_id":167,"shamela_page_id":516,"part":"2","page_num":148,"sequence_num":516,"body":"وفى رابع عشريه ركب الظاهر إلى طرف الخندق وعاد؛ ثم ركب من الغد إلى مسجد تبر وعاد.\r[شهر] جمادى الآخرة؛ أوّله الأحد. فيه جلس الظاهر للنّاس للسّلام عليه، فدخلوا على رسومهم، فسلّموا وانصرفوا. وفى رابعه ركب إلى مسجد تبر فى عساكره، وعاد، فطلب الببغاء من الطّيور فحمل إليهم منها شيء كثير، فابتاع ما أحبّ بأوفر الأثمان.\rوفى ثامنه جلس للسلام، فدخل الناس فسلموا وانصرفوا؛ ثم ركب إلى المشتهى. وركب فى ثانى عشره إلى مسجد تبر فى مواكبه، فلقيه عند سقاية ريدان خادم أسود يقال له عنبر، كان مقربا للحاكم بأمر الله، كثر كلامه فطردته السيدة، فقال: يا أمير المؤمنين خذ لنفسك، فو حقّ ما فى هذا المصحف - وأخرج مصحفا - إنّ أباك باق، وبعد قليل يجئ إلى قصره، وقد نصحتك. فقبض عليه واعتقل، وقيل إنه اختلّ عقله.\rوفيه قرر الشريف الكبير أبو طالب الحسنى العجمى القزوينى والشيخ نجيب الدولة أبو القاسم على بن أحمد الجرجرائى والشيخ العميد محسن بن بدواس مع القائد الأجلّ معضاد أن يكون دخولهم على الظاهر الأخير فى كل خلوة، وأنّهم يكفونه أمر الاهتمام بالدّولة ليتوفّر على لذّاته، وينفردوا بالتدبير. واستقر أمر الثلاثة على الدخول فى كل يوم على الانفراد وألاّ يستدعى معهم [أحد]. وصار شمس الملك مسعود بن طاهر الوزان، ومظفّر صاحب المظلة، وولى الدولة ابن خيران، وداعى الدعاة، ونقيب نقباء الطالبيين، وقاضى القضاة ربما دخلوا فى كل عشرين يوما مرة، وهؤلاء الثلاثة الذين يقضون ويمضون ويشيرون ويفعلون فى أمر الدولة ما يرونه، مع اجتماعهم بمعضاد دون كلّ أحد.\rوفى سابع عشره ركب الظاهر فى العساكر ورجال الدولة بأحسن زى وأكمل عدّة، وركب عبيد الدولة بالآلات والسلاح والطّريقة الحسنة والعدّة الكاملة. وشقّ شارع مصر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276809,"book_id":167,"shamela_page_id":517,"part":"2","page_num":149,"sequence_num":517,"body":"إلى صناعة الجسر، وعليه ثوب طميم مثقل وعمامة مذهبة طميم، وعلى رأسه مظلّة حمراء مثقلة مذهبة؛ فغيّر ولبس ثوبا دبيقيا أبيض مذهبا وعمامة شرب بيضاء مذهبة، وركب فرسا كميتا وقف عند الصناعة ووجد الجدّ فى طرح مركب حربى جديد، فتعذر طرحه، فتركه وسار لفتح الخليج. فورد الخبر بأن سيّار الضيف متولى سد الخليج أمر بتخفيضه ليقرب أمره عند حضور أمير المؤمنين لفتحه، فغلبه الماء وانكسر السّدّ. فلما وصل الظاهر إلى السّد وقف بجانبه الشرقىّ، وعبرت العشاريات مزينة على العادة، ولعبت، ثم عاد إلى قصره، فكان من الأيام المشهودة.\rوفى تاسع عشره نودى فى مدينة مصر بألا يتعرض أحد لذبح شيء من الأبقار بوجه ولا سبب، فإن من تعرّض لذلك حلّ دمه وماله، لأن الناس عدموا العوامل (¬١) فى هذه السنة، وكانوا على عادتهم فى ابتياع الفواكه والخمور والحيوانات، إلاّ أنّ أمرهم فى ذلك كان أقلّ للغلاء وتعذّر الأصناف. وضرب فيه بالأجراس فى آخر النهار ألاّ يلعب أحد بالماء ببلد مصر فى يوم النّوروز، ولا فى القاهرة. فطلع الجزّارون يستغيثون فى منعهم من ذبح الأبقار، وأن عندهم منها ما ابتاعوه وأنفقوا عليه فى علفه حمل الدنانير، وليس هو ما يعمل ولا يصلح للزراعة، فإن الرأس من البقر يقوّم عليهم بمائة دينار وأكثر. وسألوا الإذن فى ذبح ما عندهم، فأجيبوا إلى ذلك. وذبحوا فى هذه الثلاثة الأيام ما لا يحصى كثرة، وبيع بطن البقر ولحمه رطلا بدرهم، وازدحم الناس فى طلبه. فلما كان آخر","footnotes":"(¬١) المقصود بالعوامل ما يصلح منها للحرث والسقى ونحو ذلك من عمل الفلاحة. وفى النجوم الزاهرة أنه كتب على لسان الظاهر فى هذا الصدد كتاب قرئ على الناس، منه «إن الله تعالى بتتابع نعمته وبالغ حكمته خلق ضروب الأنعام، وعمل فيها منافع الأنام، فوجب أن تحمى البقر المخصوصة بعمارة الأرض، المذللة لمصلحة الخلق، فإن فى ذبحها غاية الفساد، وإضرارا للعباد والبلاد». النجوم الزاهرة: ٢٥٢:٤. وقد أصدر الحاكم بأمر الله مثل هذا الأمر فى مناسبات مشابهة. وكان الحجاج ابن يوسف الثقفى من أوائل حكام المسلمين الذين اتخذوا مثل هذا القرار عند ما ولى العراق للأمويين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276810,"book_id":167,"shamela_page_id":518,"part":"2","page_num":150,"sequence_num":518,"body":"نهار الثلاثاء رابع عشريه، وهو رابع النّوروز، أحضر المحتسب الجزّارين والهرّاسين (¬١) ومنعهم من ذبح الأبقار، فانقطع بيع لحمها من الأسواق.\rوفى خامس عشريه ركب الظاهر إلى مسجد تبر فى عساكره، وعاد.\rشهر رجب؛ أوله الاثنين. فى ثانيه ركب الظاهر إلى نواحى القصور وعليه عمامة ياقوتية مذهبة وثوب دبيقى بياض مذهب بغير مظلة؛ وعاد.\rوفيه قدم الخبر بأن منتخب الدّولة أنوشتكين الدّزبرى متولى حرب فلسطين، أنفذ إلى بيت جبرين (¬٢)، إقطاع حسّان بن جرّاح، من قبض على أمواله؛ فبعث إلى أعوان الدّزبرى وأخذهم وضرب أعناقهم. فلما بلغ ذلك الدّزبرى قبض بالرملة على أبى الغول الحسن بن فيروز، صاحب حسان، وعلى كاتبه وسجنهما فى حصن يافا مقيدين.\rوفى رابعه زيّن العامة أسواق البلد، وخلّقوا (¬٣) وجوه الصبيان، ونادوا بوفاء النيل ستة عشر ذراعا، فخلع على ابن أبى الرّداد خلعا دبيقية مذهبة ورداء محشوّا مذهبا وعمامة شرب مذهبة، وحمل على بغلين بسرجين ولجامين مذهبين، أحد السّرجين مصفّح؛ وأعطى ستّ عشرة قطعة ثياب وثلاثة آلاف درهم. وبلغ الماء اصبعين من سبعة عشر ذراعا، فكان يوما حسنا كثر فيه سرور الناس.\rوفيه خلع على بقى الخادم الأسود، غلام بدر الدولة نافذ، ثوب مثقل طميم وعمامة قاضى مذهبة، وسيف ذهب؛ وقلّد الشرطتين بمصر؛ وحمل على فرس بسرج ولجام مذهب،","footnotes":"(¬١) الذين يعملون الهريسة، وهى اللحم المفرى. وكانت هذه الهريسة تعمل بكثرة فى أيام الأعياد، وفى القرافة فى ليالى الصيف، مع سائر المشروبات والحلوى المتنوعة وتباع مع الخبز بما يشبه «الساندوتش» فى أيامنا هذه.\r(¬٢) يعرفها ياقوت بأنها بليد بين بيت المقدس وغزة، ومنها إلى القدس مرحلتان وإلى غزة أقل من ذلك، وكان بها قلعة حصينة خربها صلاح الدين لما استنفذ بيت المقدس من الصليبيين. معجم البلدان: ٣٢١:٢.\r(¬٣) الخلوق كصبور وكتاب ضرب من الطيب، وخلقه بالخلوق طيبه وزينه. القاموس المحيط.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276811,"book_id":167,"shamela_page_id":519,"part":"2","page_num":151,"sequence_num":519,"body":"عوضا عن جلال الدولة (¬١) ابن كافى. ونزل إلى الشرطة السفلى فى جمع كثير، فنظر فى الحسبة مضافا إلى الشرطتين، وأمر أن يباع الخبز الجشكار كل خمسة أرطال بدرهم، والحوّارى أربعة أرطال بدرهم (¬٢). فغلقت الطواحين والحوانيت جميعها، وأصبح البلد يوم الجمعة، خامسه، على حال صعبة من تعذّر الأخباز وعدم الدّقيق. فلما كان غداة يوم السبت، سادسه، أعيد دوّاس بن يعقوب الكتامى للحسبة وصرف بقى عن الحسبة والشرطة؛ فأقام يوما واحدا وانصرف. ونودى أن يكون الخبز الذى يباع فى الأفران خمسة أرطال بدرهم، وتباع بقية الأخباز بغير تسعير، فظهرت الأخباز بالأسواق، وبيع الخبز السّميد رطلين ونصفا بدرهم، وما دونه ثلاثة أرطال بدرهم.\rوفى عاشره ركب الظاهر إلى نواحى القصور بغير مظلة، وعاد.\rوكانت ليلة النّصف من رجب ليلة مشهودة، حضرها الظاهر والسيدات وخدم الخاصة والمصطنعة وغيرهم، وسائر العوام والرعايا، وكان مجمعا لم يشهد مثله من أيام العزيز بالله.\rوأوقدت المساجد كلها أحسن وقيد (¬٣).\rوفيه ورد الخبر بأن حسّان بن جرّاح [خرج] عن الطاعة. وكان سبب ذلك أنه فسد ما بينه وبين الدّزبرى، واستوحش كلّ واحد من الآخر؛ فكتب الدّزبرى إلى الظاهر بذكر له تغيّر حسّان فى خدمته، وفساد نيته فى طاعته؛ ويستأذنه فى حربه؛ فكان ما تقدم","footnotes":"(¬١) بياض فى الأصل يتسع لكلمة واحدة.\r(¬٢) الجشكار أردأ أنواع الدقيق والحوارى الدقيق الأبيض، أو هو لباب الدقيق، وهو العلامة أيضا.\r(¬٣) يتحدث المقريزى عن ليالى الوقود (الوقيد) فيذكر أنه كانت توقد فيها التنانير والقناديل والشمع فى أماكن الاحتفالات، ويصحب هذا بالإكثار من الأطعمة والحلوى والبخور فى مجامر الذهب والفضة. ويذكر من ليالى الوقيد: ليالى الجمع والنصف من رجب ومن شعبان، كما يتحدث عن مواكب الخلفاء والقاضى فى الموكب الرسمى ويصف هذا الموكب بما يدل على مدى احتفال الفاطميين بهذه الأعياد. ويذكر كذلك أن الحاكم بأمر الله أبطل مثل هذه الاحتفالات. كما يشير فى هذه المناسبة إلى أن عمر بن الخطاب، ﵁، كان يصيح فى أهل مكة ويقول: يأهل مكة أوقدوا ليلة هلال المحرم فأوضحوا فجاجكم لحاج بيت الله واحرسوهم حتى يصبحوا. الخطط: ٤٦٥:١ - ٤٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276812,"book_id":167,"shamela_page_id":520,"part":"2","page_num":152,"sequence_num":520,"body":"ذكره. ثم اتفق أن اعتلّ حسان علّة أشفى منها، وكثر الإرجاف به فيها، وكتب أصحاب الأخبار بذكرها إلى الظاهر؛ فكاتب الدّزبرى بقصده وانتهاز الفرصة فى أمره؛ فسار إليه وهو بناحية نابلس. فبلغ حسان عن سيره، وقد أبلّ من مرضه فاستنهض أهله وأصحابه، وجمع نحوا من ثلاثة آلاف فارس، وتلقى الدّزبرى، فعاد إلى الرملة وحسّان فى إثره، فحصره واستدعى رجاله من الجبال والشراة إليه، فصار إليه منهم عدد كثير. وقاتله الدّزبرى على باب الرّملة ثلاثة أيام بلياليها بعد ما كبس حسّان طبرية، ونهبها، وقتل من بها، وفرّ منها متولّيها مجد الدولة فتاح بن بويه الكتامى إلى عكا. فبلغ حسّان، عن أخيه ثابت، أنه انتهى إلى الدّزبرى، فبعث جريدة (¬١) كبست حلة ثابت ونهبتها.\rوفيه أفرد صدقة بن يوسف الفلاحى بالنظر فى ديوان الكتاميين. وأقام الظاهر أياما لم يركب ولم يدخل إليه أحد.\rوفى حادى عشريه ورد الخبر بأن حسّان بن جراح اجتمع مع سنان بن عليان بن البنا، وانضم إليه سائر إخوته، وساروا جميعا بظاهر فلسطين؛ فقابلهم الدّزبرى كما تقدم، إلى أن فارقه ثابت بن جراح ولحق بأخيه حسان. وقدمت نجدة من صالح بن مرداس لحسّان، فبعث الدّزبرى يطلب من الظاهر نجدة بألف فارس وألف راجل، فجرّدت جماعة يسيرة، ودفع إلى كل فارس أربعون دينارا؛ فاشتملت الجريدة على ألفى فارس وراجل، تولى النّفقة فيهم معضاد الخادم والشريف العجمى ونجيب الدولة الجرجرائى.\rفلم يخرج من الجريدة إلاّ طائفة يسيرة مضوا إلى العريش؛ وبطل أمر من تجرّد بعد ذلك.\rوسعى بمحسن بن بدواس بأنه كاتب حسان بن جراح يحرّضه على الفتنة، وكاتب ملك الروم (¬٢) يطمعه فى الدولة. وانتصب له الطائفة التى تحضر عند الظاهر فى المعاملة.","footnotes":"(¬١) الجريدة الفرقة من العسكر الفرسان لا رجالة بينهم، والفرقة من الجند إذا خرجت مسرعة من غير أثقال لمهمة تستدعى الإسراع فى الخروج. لسان العرب؛ Dozy،Supp Dict.Ar .\r(¬٢) وهو الإمبراطور باسيل الثانى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276813,"book_id":167,"shamela_page_id":521,"part":"2","page_num":153,"sequence_num":521,"body":"وفى ثانى عشريه ورد الخبر بأن الدّزبرى غلب عن مقاومة حسان، ففرّ من الرملة آخر الليل فى عشرة من العلمان الأتراك، وسار فى ليلته إلى قيساريّة. وذلك أن حسّانا هجم برجاله على بعض حوانيت الرّملة، وطرح النار ووضع السيف، ثم دخل بمجموعه، بعد فرار الدّزبرى، إلى المدينة، فنهبوا الأموال واستباحوا الحرم، وقتلوا القتل الذريع.\rوعند ما دخل حسّان إلى المدينة ترجّل من باب البلد وقبّل التراب من باب المدينة إلى دار الإمارة؛ ثم أحضر القاضى وشيوخ فلسطين وأشهدهم أنه عبد الدولة وخادمها وصنيعتها، وداخل تحت طاعتها، وأنه لا يبدأ أحدا من أهل البلد بسوء، وإنما كره مقام الدزبرى فى الرملة، وذكر سوء ما عامله به وأنّ ذلك أوجب قتاله؛ وأن البلد لأمير المؤمنين يولّى فيه من رغب فيه من عبيده، فيسمع له ويطيع، ويخدمه طاعة لله ولمولانا صلوات الله عليه.\rوأقام نصر الدين نزال واليا على الرملة، وقال هذا عبد أمير المؤمنين وابن عبده، يضبط البلد إلى أن يصل أمر أمير المؤمنين. فخلع على القادم بهذا الخبر وكثر السّرور به.\rوفى ثالث عشريه خلع على سنىّ الدولة حمد، ابن أخى الباهر، وقلد سيارات أسفل الأرض عوضا عن عدة الدولة بقى الخادم الأسود، وحمل على فرس بسرج مصفح مغموس، وألبس عمامة مذهبة وثوبا طميما.\rوفى آخره ورد الخبر بأنّ حسّان بن جراح إنما أظهر ما تقدّم ذكره حيلة وخديعة.\rوذلك أنه أحضر العسكرية بالرّملة؛ وقرأ عليهم ملطّفا وصل إليه من الحضرة يعتذر إليه فيه، ويعلم أنّ اعتقال أبى الغول وكاتبه لم يكن عن رأى أمير المؤمنين، وإنما جرى من الدّزبرى برأيه. فلما أوقف العسكرية على الملطف قبّلوا خطّ أمير المؤمنين وعرفوه، أمرهم أن يسيروا به إلى عسقلان ويوقفوا أهلها عليه، فإن كانوا تحت السمع والطاعة لأمر أمير المؤمنين فليسلم الحسن بن سرور الأنصارى الكاتب إلىّ، وإلاّ سرت إلى عسقلان ونقضتها حجرا حجرا ونهبتها وقتلت أهلها. فمضى العسكرية بالملطف إلى عسقلان،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276814,"book_id":167,"shamela_page_id":522,"part":"2","page_num":154,"sequence_num":522,"body":"وأوقفوا عليه الوالى والعسكر، فسلّم إليهم أبو الغول ورفيقه. فلما وصلا إلى حسّان ركب لوقته وخشّب سبعين رجلا من العسكرية، وقتل طائفة من الحمدانية وغيرهم، ووضع السّيف والنّهب فى الرملة، وأضرم النار فى الدور والحوانيت حتى جعلها دكّا، وسبى النساء والأولاد، وقبض على نحرير الوحيدى وأخذ منه أربعين ألف دينار. وأخذ من مبارك الدولة فتح، المقيم بالقدس، ثلاثين ألف دينار، وأخذ جميع ما جمع الدّزبرى.\rوأرجف بمصر أن خمسمائة فارس بعثها حسّان إلى العريش، ثم لم يعلم أين قصدت، فخاف الناس أن يطرقهم فى القرافة، فانتقل أهل القرافة إلى مصر، وانتقل جماعة من بلبيس إلى مصر. فسار بديع الصقلبى فى الرسالة إلى حسّان. وتحرّك السعر بمصر، واضطربت العامة. وندب مائة فارس من القيصرية للإقامة بالقرافة لحفظ الناس، فإن الخوف اشتدّ حتى لم يطلع أحد إلى القرافة، وتحمّلوا منها، فمنعوا من النّقلة وأعيدوا إليها.\rوجرت الأمور فى هذه الشهور المباركة على ما كان الرسم جرى به من عمارة المساجد والجوامع وتكثير القناديل والزيت وكثرة الوقيد. وقد دخل الشريف العجمى إلى الظاهر، فأظهر أنه يراعى أمر الدولة ويتخوف ما يجرى من الفساد، فأمر الظاهر بأن يجتمع مع الشيخ نجيب الدولة أبى القاسم الجرجرائى والشيخ العميد محسن بن بدواس، صاحب بيت المال، وأن يدبّر الأمور بما يراه. فاستدعى المذكورين وقال لابن بدواس: احمل المال الذى عندك لينفق فى الرجال. قال: ما عندى إلاّ يسير، و والله لو طلبتم منى دينارا واحدا ما مكّنتكم منه لأنه موفور لخواص مهمّات مولانا صلوات الله عليه. فقال الشريف:\rفتفترض من التجار وتصادر من تجب مصادرته، فقال الجرجرائى: وأىّ مال مع التجار وتجار مصر هلكى من الغلاء؛ لكن إن أردتم المال فمن أمّ الحاكم بأمر الله، قدّس الله روحه، وعمته؛ وبالجملة فقد أغنى الله مولانا، صلوات الله عليه، بتوافر أمواله وتراث آبائه الأئمة الطاهرين عمّا نراه نحن أو نقوله بآرائنا. فأمسك الشريف عن غير رضا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276815,"book_id":167,"shamela_page_id":523,"part":"2","page_num":155,"sequence_num":523,"body":"وفيه سيّر جماعة من المجرّدين فى المراكب الحربية لحفظ حصون الشام، فساروا إلى تنيس ودمياط، ومضوا إلى صور وطرابلس وغيرها. وجرّدت طائفة إلى بلبيس لحفظها.\r[شهر] شعبان؛ أوله الأربعاء. فيه قدم أحد إخوة حسان بن جراح، فتلقى وأكرم وأنزل فى دار حسين بن جوهر، وحمل إليه الفرش والآلات الفضة، ونحو ذلك مما يصلح لمثله، وأقيمت له الجراية. وضمن أنه يخرج مع العسكر إلى الرملة، فخلع عليه، وحمل على فرسين، وقلّد بسيف ومنطقه ذهب.\rوفى خامسه جلس الظاهر فى قصره للسلام، ودخل الناس. فقال الكتاميّون: يا مولانا، صلوات الله عليك، بلغنا شغل قلب مولانا بأمر ابن جراح، ومن هذا الكلب حتى يشغل قلب مولانا، صلوات الله عليه، به وما مقداره؟! والله يا مولانا إنّ لك من العبيد ما لو أطلق مولانا سبيلهم عليه لقلعوه شعرة شعرة، من عبيدك الكتاميين، وعبيدك القيصرية، والعبيد والباطلية والأتراك، وسائر العرائف والقبائل. غير أننا قد هلكنا والله يا مولانا فقرا وجوعا، وليس لواحد منا مال يرجع إليه؛ ولو كانت لنا أموال لكفينا هذا الأمر وغيره. فقال لهم: نسيم صاحب الستر: حسبكم يا شيوخ، حسبكم! فأمسكوا، ولم يكن من الظاهر جواب.\rوفيه ورد الخبر بأن حسّان بن جراح كتب إلى صالح بن مرداس يستدنيه ليقع الاجتماع على ما يدبّران أمرهما، فسار صالح ونزل على حلب ونازلها وأخذها، كما تقدّم، وأخذ بعلبك، وعظم أمره. واجتمع هو وصمصام الدولة سنان بن عليان بن البنا على حسّان بفلسطين، وتحالفوا على اجتماع الكلمة وأن يكونوا يدا واحدة على صاحب مصر؛ وقسموا البلاد بينهم؛ فصار لحسان الرملة إلى باب مصر، ولمحمود أخيه طبرية وما يتصل بها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276816,"book_id":167,"shamela_page_id":524,"part":"2","page_num":156,"sequence_num":524,"body":"من الساحل؛ ولسنان بن عليان دمشق وسوادها؛ ولصالح ما بقى من الشام إلى عانة (¬١).\rفاجتمع سنان مع صالح ومعهما حشود العرب، وحصروا دمشق ونهبوا الغوطة (¬٢) وسائر السواد، وقتلوا فلاحى الضياع وانتهبوا أموالها؛ وألحّوا فى قتال أهل دمشق. فاجتمع الناس بدمشق إلى ذى القرنين ابن حمدان، متولّيها، وقرروا أن يكون القتال يوما يكون أمره [إليهم] ويوما يقاتل فيه عسكر السلطان. فاتصلت الحرب كل يوم، وقتل من العسكر ومن أهل دمشق ومن العرب خلائق. ونهبت مواشى الناس من الضّياع وغلاّتهم وأموالهم؛ فأخذ لمعتمد الدولة. (¬٣) من ضياعه عشرة آلاف غرارة من القمح. وبعث حسان نجدة من رجاله إلى سنان، وكان الشام بأسره قد اضطربت أحواله. وتغلبت العربان على البلاد، ونهبوا عامّة أموال أهلها.\rوفيه قدم صاعد بن مسعود، عامل الصعيد الأعلى، باستدعاء، فغدا فى سادسه شريكا لصدقة الفلاحى فى ديوان الكتاميين.\rوفى ثامنه قدم الخبر من دمشق بأن سنان بن عليان بن البنا لما وصلت إليه سريّة حسان ابن جراح، وهى نحو الثلاثة آلاف فارس، طلب من أهل دمشق ثلاثين ألف دينار يقومون له بها معجلة ومؤجلة (¬٤)، فمنعهم القاضى الشريف فخر الدولة أبو يعلى حمزة ابن الحسن بن العباس بن الحسن بن أبى الجنّ الحسين بن على بن محمد بن على بن إسماعيل ابن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، ورأى أن يجمع ذلك","footnotes":"(¬١) عانة: بين الرقة وهيت مشرفة على الفرات، كانت تعد من أعمال الجزيرة، وبها قلعة حصينة. معجم البلدان: ١٠٢:٦ - ١٠٣.\r(¬٢) الغوطة الكورة التى منها دمشق، تحيط بها جبال عالية لا سيما من جهة الشمال، ومياهها تخرج من هذه الجبال وتنحدر إلى الغوطة فى عدة أنهر، والغوطة كلها أشجار وأنهار متصلة، قل أن يكون بها مزارع للمستغلات. نفس المصدر: ٣١٤:٦ - ٣١٥.\r(¬٣) بياض بالأصل يتسع لكلمتين.\r(¬٤) فى نهاية الأرب للنويرى: «فأجابه أهل البلد إلى ذلك فمنعهم الشريف ابن الحسن».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276817,"book_id":167,"shamela_page_id":525,"part":"2","page_num":157,"sequence_num":525,"body":"وينفقه فى قتال العرب؛ فوافقوه على ذلك وحلف الناس. وهدم دروب البلد وحملها إلى الجامع حتى لا يمتنع أهل البلد بالدّروب ويخلّوا بين العسكر والعرب. ورجف بالناس، فاشتدّ القتال بينهم وبين العرب، وقتل من العرب نحو المائتى فارس، وأصيب سنان بسهم، فطلب من الناس الصلح على ترك الحرب أربعين يوما. فلما تقرر ذلك خرج إليه الشريف ابن أبى الجن وشيوخ دمشق ووجوه الجند، وحلّفوا سنانا ووجوه العرب، فاستقرّ الأمر بينهم على هذا.\rوورد الخبر بأن بنى قرّة أقاموا إنسانا دعوه بأمير المؤمنين ببرقة، وحملوا على رأسه المظلة. وفيه ظهر فى النيل بأعمال أسفل الأرض فرس البحر.\rوفيه ورد الخبر بأن التّجريدة التى توجهت إلى تنّيس طلبوا أرزاقهم وضيقوا على العامل ففرّ منهم إلى دمياط، فعاثوا فى البلد وأفسدوا، وقطعوا من يد عامل السلطان خمسة وعشرين قطعة، وأخذوا من المودع ألفا وخمسمائة دينار. فخرج إليهم عنبر، الزّمام، فى خمسين فارسا من عرفائهم للقبض على الجناة وتأديبهم واسترجاع ما أخذوه.\rوقدم الخبر بأن حسان بن الجراح كتب إلى سنان يوبّخه على ما فعل ويحثّه على معاودة الحرب، ويعده بالمدد؛ فعاد إلى قتال أهل دمشق بعد ما كان قد انصرف عنها. فإن حسانا بعد ما نهب الرملة وحمل منها أربعمائة جمل موقرة مالا وثيابا ومصاغا وغير ذلك، بعثها إلى حلّله وأضرم النار فى شوارعها، وكسر الأمتعة، حتى كان الناس يمشون فى بحار من الصابون والزيت فى أسواق مدينة الرملة. ثم وصل كتابه يسأل فيه إضافة القدس ونابلس إلى إقطاعه مصانعة له على الكفّ عن القتال؛ وأن ينفذ إلى أبى الغول ثياب من ثياب الظاهر التى يلبسها وشاشيّة من شواشيه. فأنفذ إليه ذلك وأجيب إلى إقطاع نابلس مضافا إلى إقطاعه، ولم يجب إلى القدس.\rوفى يوم السبت ثامن عشره دخل نسيم صاحب الستر بطائفة من الصقالبة إلى بيت المال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276818,"book_id":167,"shamela_page_id":526,"part":"2","page_num":158,"sequence_num":526,"body":"والشيخ العميد محسن بن بدواس جالس وبين يديه حسباناته، فقال له: اجمع يا شيخ هذه القراطيس واختمها. فجمعها وختمها بخاتمه، ثم أقامه وختم الخزائن، وأخرجه راجلا، فاعتقله بحجرة من القصر. وركب رفق فختم بيت المال والخزانة الخاصة ودار ابن بدواس وسائر ما يتعلق به. فلما كان العشاء أخرج ابن بدواس فضربت عنقه وهو يصيح:\rوالله ما خنت ولا سرقت ولا غششت، وهذه منصوبة نصبت علىّ. وقيل إنه وجد عنده خطّ حسان بن جراح، وخطّه عند حسان يحثّه على الإيقاع بالدولة. وقيل إن هذا صنع عليه من أعمال الشريف العجمى. وقيل فى سبب قتله معاندته لمعضاد وعدوله عنه إلى رفق الخادم وأنه كان استشار خليل الدولة محمد بن على بن العداس صديقه لمّا عاداه هذه الطائفة، فأشار عليه أن يباينهم بالعداوة ويكاشفهم بها. واستشار أيضا شمس الملك مسعود بن الوزان، مع ما بينه وبينه من العداوة، فأشار عليه بمثل ذلك. وقيل إن الظاهر أخرج كتابا مختوما إلى الشريف العجمى فنظره، ثم رفعه إلى أبى القاسم الجرجرائى فنظره ثم قال:\rهذا خطّ ابن بدواس، فقرئ، فإذا فيه طعن على الدولة، وبآخره: إذا وافيت بالعساكر لم تجد أحدا تلقّاك ولا يمانعك، وإذا كاتبتنى فلا تنفذ كتبك إلاّ على أيدى الرّهبان فإنهم الثقات المأمونون. فقال الظاهر: أىّ شيء يستحق هذا؟ فقال الجرجرائى: مولانا مالك العفو والسيف. فقال: انصرفوا. فلما خرجوا أمر بضرب عنقه. وقيل إنه وجد أغلف لأنه كان نصرانيّا. ومن العجب أنه كان فى غاية التحفظ والتحرز، وكان يخاف أن يقتله الحاكم بأمر الله فنجا منه، ثم لما أمن واطمأن كان حتفه.\rفى يوم الثلاثاء لليلة بقيت منه أحضر عزّ الدّولة معضاد الكتاميين وأمرهم بالبكور من الغد، وأمر الأتراك وجميع العسكر بلبس السلاح، وأن يتسلموا من الخزانة ما يخرج لهم من ذلك، ويقف الجميع حول القصر حتى يؤمروا بما يفعلونه. فوقفوا من الغد بأجمعهم حول القصر إلى ضحوة النهار، فجاءهم الأمر بأنّ مولانا صلوات الله عليه يركب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276819,"book_id":167,"shamela_page_id":527,"part":"2","page_num":159,"sequence_num":527,"body":"فى غد، فليحضر من ليس له منكم سلاح ليدفع إليه من الخزانة؛ فقال الكتاميون قد شغلنا الجوع وطلب الخبز عن هذا. فلما كان آخر النهار حمل قوم من مترجّلة الكتاميين على سبعين فرسا، وفرّق فيهم وفى غيرهم السلاح.\rشهر رمضان؛ أوله الخميس. فيه ركب الظاهر فى عساكره وعليه قميص مديّر مذهب دبيقى وعمامة مثله، وعلى رأسه المظلة المذهبة يحملها بهاء الدولة مظفر الصقلبى، وخلفه ابن فتوح الكتامى يحمل الرمح، وبين يديه الأتراك والكتاميون والقيصرية والعبيد والباطلية والديلم وسائر الطوائف؛ وركب رجال الدولة خلفه مع نسيم الصقلبى، وسار إلى مسجد تبر، وعاد. وكان يوما حسنا من توافر الناس وكثرة الجمع والزى الحسن.\rوفى يوم الجمعة ثانيه ركب أيضا إلى صلاة الجمعة فى الجامع الأزهر، وعليه طيلسان شرب مفوط بعمامة بياض مذهبة، وثياب دبيقية، والمظلة دبيقية مذهبة، وطلع معه المنبر قاضى القضاة أحمد بن أبى العوّام وإبراهيم الصانع المؤدب المعروف بالجليس، فأرخيا عليه سجف القبة التى فى أعلى المنبر، وهى مغشاة بمصمت بياض، والعنبر يبخّر بين يديه فى المباخر الذهب والفضة والجوهر. فخطب، ثم كشف عنه القاضى ونزل، فصلى وعاد إلى قصره.\rفى رابعه ورد الخبر بانصراف صالح بن مرداس عن دمشق إلى حلب، وأنّ كاتبه باع جميع ما كان له بحلب من غلة ودار وآلة، وخرج فجمع العرب وقصد حصار المدينة.\rفى خامسه ولى طيب الخازن بيت المال، وخلع عليه، وحمل على بغلة بسرج ولجام؛ وخلع على ميسرة الخازن، وحمل على فرس بسرج ولجام مذهب؛ وولى خزانة الخاصة وجعل عدّة الدولة رفق الخادم الأسود، يخرج إليهما بالأوامر ويدخل. وخلع على ثلاثة من أولاد ابن جراح وحملوا على ستة أفراس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276820,"book_id":167,"shamela_page_id":528,"part":"2","page_num":160,"sequence_num":528,"body":"وفى ثانى عشره أخذ ديوان الشام من محمد بن أحمد الجرجرائى وردّ إلى أبى طالب الغرابيلى.\rوفى يوم الجمعة سادس عشره ركب الظاهر إلى الجامع الأنور (¬١) خارج باب الفتوح وعليه رداء بياض محشّى قصبا، وثياب بياض دبيقية، وعمامة بياض مذهبة، وفى يده القضيب الجوهر، وعلى رأسه مظلة مديّرة فخطب، ثم صلى، وعاد.\rوقدم الخبر بأن أهل دمشق هادنوا سنان بن علوان إلى آخر الكوانين (¬٢). وقدم كتاب حسّان بن جرّاح بأنه تحت الطّاعة، فلا يجب أن يشغل السلطان قلبه بأمر الشام، وأنه يقوم بأمر فلسطين ويجبى خراجه وينفقه فى رجاله، ودمشق فيها ابن عمّه سنان، صمصام الدّولة، وحلب مردود تدبيرها إلى صالح بن مرداس أسد الدّولة؛ وأنه قد كفى السّلطان أمر الشّام كلّه. فطرد رسوله ولم يكتب له جواب.\rوفى خامس عشريه زيد فى لقب منتخب الدولة أنوشتكين الدّزبرى أمير الأمراء (¬٣). وفى سابع عشريه هرب ابنا جراح ولحقا بحسان بن جراح، وأخذا جميع ما كان فى الدار التى أنزلا فيها (¬٤)، وتركا أخا لهما مريضا، فوكل به.\rفى سلخه حمل نجيب الدولة أبو القاسم على بن أحمد الجرجرائى سماط العيد على العادة، وفيه مائتا قطعة من التماثيل السكر، وسبعة قصور كبار من السكر، وشقّ البلد بالخيال والطّبّالين والفرحية.","footnotes":"(¬١) وهو جامع الحاكم وجامع القاهرة.\r(¬٢) هما كانونان: الأول يعنى شهر ديسمبر والثانى يعنى شهر يناير.\r(¬٣) وكانت ألقابه قبل ذلك: الأمير المظفر أمير الجيوش عدة الإمام سيف الخلافة عضد الدولة شرف المعالى، ذيل تاريخ دمشق: ٧١. وزيد على ذلك أيضا مصطفى الملك، عدة الخلافة. نفس المصدر: ٧٤.\r(¬٤) فى الأصل: التى أنزلوا فيها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276821,"book_id":167,"shamela_page_id":529,"part":"2","page_num":161,"sequence_num":529,"body":"[شهر] شوال؛ أوّله السبت. فيه ركب الظّاهر فى عساكره، وبين يديه فيل وزرافات وبنود مذهبة بقصب وفضة، والطبول تضرب والجنائب تقاد أمامه؛ وجميع قواد الأتراك والمصطنعة فى السّلاح، وعليه ثوب خز بعمامة نظيره، وفى يده القضيب، وعليه السّيف ومعه الرمح، وعلى رأسه المظلّة المذهبة يحملها مظفر، وبين يديه الخدم السّودان وعليهم أصناف المذهبات - إلى المصلّى. فصلّى ورقى المنبر، واستدعى قاضى القضاة، فطلع؛ ثم استدعى إبراهيم الجليس المؤدّب، فطلع؛ ثم استدعى شمس الملك أبا الفتح مسعود بن طاهر الوزّان، فطلع، ثم استدعى تاج الدولة (¬١)\rابن أبى الحسين، صاحب صقلّية كان، ثم استدعى زين الملك على بن مسعود بن أبى الحسين، ثم استدعى علىّ بن فضل، ثم عبد الله بن الحاجب؛ ثم جلّل بالبندين المنصوبين على المنبر (¬٢)؛ وخطب؛ ثم نزل وعاد إلى قصره. وأحضر السّماط فحضر أهل الدولة، ولم يحضر الظاهر، وكان فى منظرة يشاهدونه. وفى ثامنه صرف نجيب الدولة مجلى بن نسطورس عن ديوان الأحباس بأبى غالب الصّيفىّ النصرانى كاتب ديوان الخراج. فيه ضربت خيمة بظاهر باب الفتوح؛ ووقع الاهتمام بتجريد العساكر إلى الشام.\rوفى هذا الشهر تحرك السعر، وبلغ التليّس القمح دينارين وثلثين، والتليس الشعير دينارا واحدا، والخبز رطلين بدرهم. وقدم الخبر بأن الحرب بمكة قامت بين الحسنيين والصليحيين، فخرج منها أبو الفتوح حسن بن جعفر؛ وأن الغلاء بها شديد.","footnotes":"(¬١) بياض فى الأصل يتسع لنحو كلمتين.\r(¬٢) كان من مهام الوزير فى أيام الجمع والعيدين أن يزر القبة على المنبر أثناء الخطبة. وكان يتدلى على جانبى المنبر لواءان لستر الخليفة فى أثناء الخطبة، فإذا صعد الخليفة المنبر وقف على جانبى الدرج الوزير وقاضى القضاة وصاحب الباب وإسفهسالار العساكر وصاحب السيف وصاحب الرسالة وصاحب دفتر المجلس ونقيب الأشراف الطالبيين. فإذا نهض الخليفة للخطبة أشار الوزير إلى كل واحد من هؤلاء فيأخذ كل واحد نصيبا من اللواء الذى يحاذيه فيسترون الخليفة ويستترون. الخطط؛ النجوم الزاهرة: ٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276822,"book_id":167,"shamela_page_id":530,"part":"2","page_num":162,"sequence_num":530,"body":"وقدم الخبر بمحاربة الدّزبرى لأصحاب حسّان بن جراح على عسقلان، وأن عدّة جند الدّزبرى خمسة آلاف قد نهكتهم الحرب والغارات. وقبض على رجل قدّمه حسان بن جراح إلى بنى قرّة بالبحيرة يدعوهم إلى نصرته ويعدهم مواعيد كثيرة، فأجابوه بالموافقة؛ وأخذت منه الكتب وحبس.\rوكانت ليلة الميلاد (¬١) فى يوم الخميس عشريه، فاشتغل الناس عمّا كانوا يبتاعونه فيها من الفواكه والحلوى بما هم فيه من الأمراض؛ وتواتر الموت، بحيث لم تخل دار أحد من عدّة مرضى من الدّم وأوجاع الحلق؛ وبلغت الرّمّانة ثلاثة دراهم، والبطيخة البرلسى ثلاثين درهما، والأوقية الشراب بدرهم، والقمح ثلاثة دنانير التّلّيس، والأردب الشعير؛ بدينار، والرطل اللحم ثمانية دراهم. وعز وجود شيء من الحيوان مثل الدجاج والفراريج؛ وبلغت راوية الماء ثلاثة دراهم. فتهالك الناس من كل جهة، وكسرت الأسواق، فكانت الثياب والأمتعة ينادى عليها فلا يوجد من يدفع درهما فما فوقه.\rوفيه قطع على حاجّ المغاربة الخارجين فى البرّ عند تعذّر أمر الحج، فتقدمت جماعة من المغاربة القادمين من بلاد المغرب بغير أمير، فلما جاوزوا بركة الجبّ قطع عليهم الطّريق وأخذت أموالهم، فهلك منهم عدة وعاد من بقى.\rذو القعدة؛ أوله الأحد. فيه اشتدت عقوبة جوارى محسن بن بدواس فى طلب المال.\rوكانت ليلة الغطاس (¬٢) فى ليلة الأربعاء رابعه، فجرى من هو صحيح على العادة فى شراء","footnotes":"(¬١) الميلاد اليوم الذى ولد فيه المسيح، ﵇، ويحتفل به نصارى مصر فى التاسع والعشرين من كيهك. وكان من رسوم الفاطميين فيه أن تفرق فيه الجماعات المملوءة من الحلاوات القاهرية، والمتارد التى فيها السمك، وقرابات الجلاب، وطيافير الزلابية والبورى. الخطط: ٤٩٤:١.\r(¬٢) ليلة الغطاس من أعياد النصارى التى كان يشارك فيها الفاطميون وإن كان الاحتفال بها جاريا قبل قدوم الفاطميين إلى مصر، ويحتفل بها فى الحادى عشر من شهر طوبة يخرج الناس فيها - مسلمين ونصارى - إلى النيل ويوقدون المشاعل والشموع ويركبون الزوارق ويضربون الخيام على الشاطئ ويكثرون من إحضار المآكل والمشارب فى آنية الذهب والفضة -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276823,"book_id":167,"shamela_page_id":531,"part":"2","page_num":163,"sequence_num":531,"body":"الفواكه والحملان وغير ذلك. ونزل الظاهر إلى قصر جده العزيز بالله بمصر لنظر الغطاس، شكرا، مع حرمه، بعد ما نزل القائد عدة الدولة رفق بأصناف الفرش لبسطه، ونقل جميع المجاورين له ممن يسكن على النيل بالقرب منه، وأزال المراكب المرساة هناك.\rوضرب بدر الدولة نافذ الخادم الأسود متولّى الشرطتين، خيمة عند رأس الجسر، وجلس على مرتبة مثقلة ومرتبة ديباج؛ ووقف ابن كافى متولى الشرطة السفلى بين يديه. ونودى فى الناس ألاّ يختلط المسلمون مع النّصارى عند نزولهم فى البحر بالليل. وأمر الظاهر القائد نافذا أن يزيد فى وقيد النّار والمشاعل فى الليل، ففعل، وكان وقيدا طويلا. وحضر القسّيسون والشّمّاسة بالصّلبان والنيران فقسّسوا طويلا وانصرفوا إلى حيث يغطسون.\rفمات فى هذه الليلة للظاهر طفلة سنّها ثلاث سنين وشهور، وهى آخر ولد بقى له، فعاد من آخر الليل إلى قصره بالقاهرة، فشاهد فى طريقه عدة أموات على الطرقات، فأمر لهم بخمسمائة شقّة (¬١) لأكفانهم، والنّفقة عليهم حتى يدفنوا.\rوفى ثامنه حنّك ثلاثة من الخدم (¬٢) وألبسوا العمائم الشرب البيض، فتشبهوا بمن تقدّم من مقدّمى قواد الخدم كميمون وبدر ونصر العزيزى ونظرائهم. وهؤلاء المقوّدون هم معضاد ومناد ورفق، وأضيف إليهم فاتك ورجاء وسرور النصارى، ونامق؛ فجلسوا بحضرة الظاهر وهنأهم الناس بذلك.\rوفيه اجتمع وفد الحجاز بباب القصر واستغاثوا، وقالوا: يا قوم قد جئناكم","footnotes":"= - وتكثر الملاهى والأغانى والعزف، ويغطس المحتفلون فى النهر ويزعمون أن ذلك أمان من الداء والأمراض. وكان من رسوم أهل الدولة أن يفرق فيهم الترنج والنارنج والليمون وأطنان القصب والسمك برسوم مقررة لكل أرباب السيوف والأقلام. الخطط: ٤٩٤:١ - ٤٩٥.\r(¬١) الشقة: بكسر الشين، شق من الثياب باستطالة، وبالضم الثوب المستطيل. القاموس المحيط.\r(¬٢) لبسوا العمامة وأداروها حول أحناكهم، وبهذا صاروا من الأستاذين المحنكين، أى من كبار الخدم المختصين بالخليفة لقضاء حوائجه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276824,"book_id":167,"shamela_page_id":532,"part":"2","page_num":164,"sequence_num":532,"body":"وفارقنا أهلينا وقد هلكنا من الجوع، فإن لم يكن لكم حاجة بإقامة الدعوة بمكّة والمدينة فاصرفونا فإنا قد بذل لنا الرغائب فى إقامة الدعوة لغير إمامكم فلم نأخذها، ونريد إنسانا يكلّمنا. فلم يجابوا بشئ. وكانوا قد مضوا قبل ذلك إلى رجال الدولة، كمعضاد وغيره، فصار يدفعهم هذا إلى هذا. فلمّا انصرفوا عن باب القصر خائبين بعث إليهم جمال الدولة مظفر الصقلبى، صاحب المظلة، ألف دينار من ماله، فقالوا: لا نأخذ إلاّ ما يصلنا به أمير المؤمنين، وهذه الصّلة قد قبلناها، والله مجازيك عليها، ونحن نفرقها على ضعفائنا وعبيدنا؛ ففرّقوها على خمسمائة نفس، لكل واحد ديناران.\rواشتدّ الغلاء والقحط بمصر، فبيع الخبز السميد رطلين بدرهم، والحملة الدقيق بأربعة دنانير وثلثين، والتليّس القمح بثلاثة دنانير، واللحم أربع أواق بدرهم. وعظم الموت سيما فى الفقراء؛ وبلغ بالناس الجهد حتى إن جزّارا طرح عظما لكلب فطرد رجل الكلب وأخذ العظم منه وابتلعه نيئا؛ وأكل المساكين الصماليخ من القنبيط (¬١) واقتاتوا باليسير من كسب الوز وكسب السمسم، وغلت عامّة الحبوب. وغلا الماء لتعذر علف الدّواب وعدم من يستقى عليها؛ وبيعت راوية الجمل بثلاثة دراهم، وراوية البغل بدرهمين؛ واشتدت المسغبة. وقدم الخبر بشدة الموت بدمشق، فمات من أهلها ألوف.\rوفى نصفه ركب الظاهر وشقّ مدينة مصر، وخلفه المقوّدون والمصطنعة، وبين يديه الرقاصون، فاستغاث الناس بضجة واحدة: الجوع يا أمير المؤمنين، الجوع؛ لم يصنع بنا هكذا أبوك ولا جدّك؛ فالله الله فى أمرنا. فارتجّت البلد بالضجيج حتى نزل إلى قصر العزيز على البحر، فحضر أبو عبد الله محمد بن جيش بن الصّمصامة الكتامى وقد اختلّ","footnotes":"(¬١) لعل المقصود به ما يسميه أساتذة الأحياء الشماريخ، جمع شمراخ، وهو الدعامة البيضاء التى تتجمع زهرات القنبيط فى قمتها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276825,"book_id":167,"shamela_page_id":533,"part":"2","page_num":165,"sequence_num":533,"body":"عقله وحاله، فوقف تحت القصر وشتمه أقبح شتم، وبالغ فيما شتم به، فضربه الرّقاصون حتى سقط، وجرّوه برجله وسحبوه إلى السجن بالشرطة، فضربه متوليها ثلاثين درة واعتقله.\rوتزايد أمر الغلاء؛ ونزل دواس المحتسب برجاله ومعه السعدية، وكتب مائة وخمسين مخزنا قمحا وختم عليها؛ فأصبح الناس يوم الاثنين سادس عشره على أقبح صورة، وكثر الصياح: الجوع الجوع؛ ولم يظهر خبز ولا دقيق. وبيع الدقيق رطلا ونصفا بدرهم، والخبز الأسود رطلين بدرهم وربع.\rوفيه خرج حاجّ المغاربة إلى مكة، فلم يصحبهم أحد من أهل مصر؛ وعند ما عدّوا بركة الجب خرج عليهم طائفة من القيصرية والعبيد، وكانت بينهم وقعة هزمهم فيها المغاربة وجرحوا كثيرا منهم.\rوفيه طلب المحتسب إلى القصر، وهدّد، وقيل له: قد قتلت الناس جوعا وخربت البلاد على مولانا، وهذا خطّك بضمانك عمارة البلد بالأخباز والقمح إلى حين إدراك الغلّة.\rفوعد بتلافى الأمر، ونزل؛ وأطلق القمح من المخازن للطّحّانين، وسعّر عليهم دينارين ونصفا للتليس، وأمرهم ببيع الحملة الدقيق بأربعة دنانير، والخبز رطلين ونصفا بدرهم، فسكن الحال قليلا (¬١).\rوفيه أفرج عن محمد بن جيش بن الصّمصامة.\rوفى عشريه ركب الظاهر إلى الصّيد بسردوس (¬٢)، وعاد. وفى ثالث عشريه عاد","footnotes":"(¬١) ليس هناك كبير فرق بين هذه الأسعار وما ذكر قبل أسطر فى الحديث عن شدة الغلاء إذ بلغت حملة الدقيق عندئذ أربعة دنانير وثلثين وتليس القمح ثلاثة دنانير.\r(¬٢) من أعمال القليوبية قرب مدينة قليوب، وهناك خليج حفر أيام الفراعنة عرف باسم خليج سردوس. الخطط؛ النجوم الزاهرة؛ قوانين الدواوين: ٢٠٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276826,"book_id":167,"shamela_page_id":534,"part":"2","page_num":166,"sequence_num":534,"body":"من خرج من حاج المغاربة بعد ما نهبوا وجرحوا وسلبوا، فلم يحجّ أحد فى هذه السنة من مصر.\rوفيه قرئ سجل بحطيطة جميع مكوس الغلّة المباعة بساحل مصر، وأن يبيع الناس بغير تسعير. وكثرت الأخباز، وبيع القمح بدينارين ونصف وربع للتليس، والخبز السميد رطلان بدرهم وربع، والخبز الحوّارى رطلان بدرهم. وضرب عدّة من الخبّازين على خلطهم الطّفل المسحوق فى الأخباز.\rوقدم الخبر أنّ حسّان بن جرّاح أنفذ ألفى فارس فلم يعلم جهة قصدهم، فاضطرب الناس لذلك؛ ثم تبيّن أنها وردت إلى الفرما مع أبى الغول، ففرّ الناس فى المراكب إلى تنّيس؛ وأخذ النّاس بمصر فى إحراز أموالهم، وفقد الخبز القمح والدقيق. ونفذت الكتب إلى الحوف (¬١) بدخول الرّجال الجوّالة إلى الحضرة لتجدّد عسكرا لحفظ البلاد؛ ثم أبطل ذلك خوفا من نهبهم المدينة وكثرة كلفتهم.\rذو الحجة؛ وأوله الثلاثاء. فى رابعه ركب الظّاهر فى خاصّته إلى عين شمس وعاد.\rوفى خامسه أطلق لوفد مكة ألف دينار يرتفقون بها وأمرت لهم أمّ الظاهر أيضا بشئ من عندها. وكثرت نقل الناس خوفا من النّهب فى يوم الأضحى. وعمل سماط العيد السّكر من عند نجيب الدولة على بن أحمد الجرجرائى، وعدد قطعه وتماثيله مائة وسبع وخمسون قطعة وسبعة قصور كبار، كلّها من السكر، وحمل فى تاسعه إلى القصر ومعه الفرحيّة الطبّالون، وأفراس الخيل، والسّودان والصّقالبة على العادة.","footnotes":"(¬١) كان الوجه البحرى ينقسم إلى أربع نواح: الحوف الشرقى، وكان يشمل عين شمس ومحافظتى القليوبية والشرقية الحاليتين ومدينتى الفرما والعريش، وبطن الريف وكان يشغل ما يسمى الآن محافظة الدقهلية وجزءا من شمال مديرية الغربية، والجزيرة وهى بقية الأرض الواقعة بين فرعى النيل، والحوف الغربى أى مديرية البحيرة. اتعاظ: ١١٨:١: حاشية: ١ نقلا عن صبح الأعشى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276827,"book_id":167,"shamela_page_id":535,"part":"2","page_num":167,"sequence_num":535,"body":"وفى عشية النهار تهارب الناس من دب عظيم سقط من الجبل إلى المقابر، فانجفل النّاس فى درب الصحراء ظنا أن العبيد كبستهم؛ فكان خوف شديد.\rوفى يوم الخميس عاشره كان عيد النحر، فركب الظاهر إلى المصلّى من باب الفتوح على عادته بعد أن رسم لسائر العرائف أن تلزم كلّ عرافة مكانها وحارتها، وتكون صلاة العسكر بأجمعهم فى حاراتهم مع أزمّتهم؛ فامتثلوا ذلك. وصلّى وخطب بعد أن استدعى داعى الدعاة قاسم بن عبد العزيز بن النعمان وسلّمه الثبت بأسماء من جرت عادته بطلوع المنبر، فاستدعى شمس الملك، وبهاء الدّولة مظفر صاحب المظلة، وعلى بن مسعود، وحسن ابن رجاء بن أبى الحسين، وعلى بن فضل، وإبراهيم الجليس، وعبد الله بن الحاجب، وتأخر القاضى وغيره لمرضهم فلم يشهدوا صلاة العيد. فلمّا انقضت الخطبة نزل الظاهر إلى المنحر بالمصلّى، فنحر ناقة وعاد إلى قصره؛ ومشى إلى المنحر بصحن القصر تجاه ديوان الخراج فنحر تسعا من النّوق ثم انصرف. فحضر أبو الحسن على بن محمد الطّريقى، كاتب قاضى القضاة، لتفرقة لحم الأضاحى على أرباب الرسم، فنهبته العسكر وجرى عليه كلّ قبيح. ومدّ السّماط بحضرة الظاهر، فلما جلس أهل الدّولة عليه للأكل كبس العبيد القصر وهم يصيحون: الجوع، نحن أحقّ بسماط مولانا ﵇؛ ونهبوا جميع ما على السّماط وضرب بعضهم بعضا والصقالبة تضربهم فلا يبالون. فكان أمرا صعبا وحسب الحاضرين أن نجوا سالمين.\rفلما كان الغد ركب الظاهر إلى الرّحبة فى القصر تجاه ديوان الخراج، فنحر ثلاث عشرة ناقة، وعاد، ففرقها الطريقى. وشدّ من الغد، ثالث عيد النحر، فى مكان النحر خمس عشرة ناقة لتنحر، فلم يخرج الظاهر، فخلّى عنها، ثم شدّ خمس نوق غيرها نحرها الطريقى وفرّقها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276828,"book_id":167,"shamela_page_id":536,"part":"2","page_num":168,"sequence_num":536,"body":"وقدم الخبر بنهب العبيد الجوالة بلدا بالأشمونين؛ حصل لرجل واحد تسعمائة رأس من البقر وثلاثة آلاف رأس من الضأن.\rوفى ثالث عشره ورد الخبر بأن الدّزبرى أسرى من عسقلان وكبس حلّة لحسّان بن جراح، فقتل ثلاثين أسيرا وعدّة من النّاس يبلغون آلافا، ونهب نساء العرب؛ وطلب نجدة ولو بألف فرس؛ وأخبر أنه نزل فلسطين وصلّى بها العيد وهو خائف من اجتماع العرب لحربه. فأخرج مضرب ظاهر باب الفتوح لتجرّد العساكر؛ فدافع أهل الدولة عن إمضاء ذلك. فورد الخبر بأن الدّزبرى بعد ما صلّى العيد بمدينة الرملة انتقل إلى لدّ بعد ما أوقع بحلّة فيها ولد لأبى الغول فقتله، وضرب أعناق أربعين رجلا من الغمازين الذين كانوا يدلّون حسّان بن جرّاح على الناس، وأنه ينتظر النجدة بلدّ، فلم يخرج إليه أحد.\rوفى يوم عيد الغدير (¬١) ورد الخبر بإقامة الدّعوة الظاهريّة بالبصرة والكوفة والموصل وعدة من بلاد المشرق؛ وذلك لغلبة الأتراك على بغداد وإخراج الدّيلم عنها إلى البصرة؛ فدعا الدّيلم للظاهر بها وبالكرخ (¬٢)، ودعا الأتراك ببغداد للقادر. وفيه جرى الناس بمصر فى عيد الغدير على رسمهم، وتزيّوا بأفخر زيهم، وطلع المنشدون إلى القصر يدعون وينشدون.\rوفيه نصبت خيمة خارج باب الفتوح ليخرج تجريدة الدّزبرى.","footnotes":"(¬١) تزعم الشيعة، أن النبى ﷺ، مر بوادى خم فى حجة الوداع وأمسك بيد على بن أبى طالب، كرم الله وجهه، وقال: «من كنت مولاه فعلى مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه». قارن الخطط: ٣٣٨:١، وفيه كثير من التفصيل.\r(¬٢) الكرخ. لعل المقصود به كرخ بغداد وقد بدأ حيا فى وسط بغداد والمحال حولها ثم تطورت أحوالها حتى صارت محلة وحدها، وأهلها شيعية إمامية. معجم البلدان: ٢٣٣:٧ - ٢٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276829,"book_id":167,"shamela_page_id":537,"part":"2","page_num":169,"sequence_num":537,"body":"وفى حادى عشريه نهبت الدّوابّ بسفط ونهيا (¬١) من ثلاثين رجلا من بنى قرّة، وقتلوا قاضى سفط، واستاقوا مائة وخمسين فرسا لأهل الدولة، وساقوا ثلاثمائة رمكة (¬٢) لمعضاد وأربعة آلاف رأس من الضأن؛ فلم يخرج أحد لطلبهم، ولا أنكر شيء من ذلك. وفى ثانى عشريه خرج معضاد والشريفان وابن حمّاد الغرابيلى ونجيب الدولة الجرجرائى إلى الخيمة خارج باب الفتوح، وحضر الكتاميّون، فطلب منهم مائة فارس لينفق فيهم (¬٣)، فلم يحضروهم، ونزعت الخيمة فعادوا أقبح عود.\rوفى خامس عشريه سار وفد مكة وقد دفع إليهم نصف واجبهم، ولم يرسل إلى أبى الفتوح بشئ، فمضوا غير راضين. وفيه حمل مظفر صاحب المظلة إلى الحضرة عشرة آلاف دينار قرضا؛ واستدعى من الشريف أبى طالب العجمى متولّى الصناعة عشرة آلاف قرضا، فدافع ثم أجاب إلى حمل خمسة آلاف بعد أن يضمن له أمر عادتها إليه، فضمن له الشيخ نجيب الدولة أبو القاسم على بن أحمد الجرجرائىّ ذلك، فحملها.\rواشتد الغلاء؛ فبيع القمح بأربعة دنانير وثلث التليس والحملة الدقيق بستة دنانير، والخبز رطل وربع بدرهم؛ ونزل بالناس مسغبة شديدة. وفى ثالث عشريه تجمّع العبيد ومعهم عدة من النّهابة، فبلغوا نحو الألفين، يريدون نهب مدينة مصر، فركب إليهم بدر الدولة نافذ فى عسكر بالسّلاح، وأذن للناس عامّة بأن من تعرض لهم من العبيد فليقتلوه؛ فتحفظ الناس واستعدّوا. ثم ركب معضاد ونسيم إلى حيث تجمع العبيد، وأحضروا","footnotes":"(¬١) سفط اسم لعدة قرى تعرف بالإضافة منها سفط الخمار، رشيد، العرفاء، أبى تراب، اللبن؛ ولعل الأخيرة هى المقصودة وكانت بالجيزة (الجيزة) فى الجنوب الغربى لناحية المعتمدية بنحو ألفى متر، وفى الشمال الغربى لكفر طهرمس بنحو ٧٠٠ متر. ونهيا غربى سفط، وهى وسط الحوض لا يوصل إليها زمن الفيضان إلا بالمراكب. الخطط التوفيقية: ١٧، ٩ - ١٣، ج: ٣٤ - ٣٩؛ قوانين الدواوين: ٣٥٢؛ النجوم الزاهرة: ٨٩:٥.\r(¬٢) الرمكة، بفتحتين، الأنثى من البراذين، وجمعها رماك ورمكات وأرماك مثل ثمار وأثمار. مختار الصحاح.\r(¬٣) استعدادا لتكوين التجريدة العسكرية لحفظ البلاد، وهى الخطوة التى سبق ذكرها قبل قليل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276830,"book_id":167,"shamela_page_id":538,"part":"2","page_num":170,"sequence_num":538,"body":"أزمّتهم وألزموهم بعود العبيد إلى حارتهم؛ فقالوا: ما أردنا النّهب، ولا نريد إلا ما نأكله من الجوع فإن الجوع قد اشتد بنا وأكلنا الكلاب. فوعدوا بالنفقة من الغد؛ فعاد الجميع إلى حاراتهم. واجتمعوا من الغد وقصدوا الساحل، ونهبوا دورا وطرحوا فيها النّار، وأخذوا ما وجدوه فى السّاحل من القمح والشعير وغير ذلك مما فى الحوانيت؛ ودخلوا إلى منازل أهل السّلاح فنهبوا ما وجدوا. فركب إليهم نافذ وقاتلهم، فجرح له فرس وقتل فارس من غلمانه، فانصرف عنهم. وخرج إليهم عامّة المصريّين بالسلاح فقاتلوهم؛ ورماهم النساء من أعلى الدّور بالحجارة والطّوب والجرار، حتى هزموهم؛ وأغلق الناس دورهم، وحفروا دونها خنادق. وركب معضاد وجميع الصّقالبة والقوّاد، فطردوا العبيد عن البلد إلى المقس، ولقوا فى طريقهم قوما معهم كثير من أمتعة النّاس التى نهبت، فقبضوا عليهم، وضرب معضاد رقاب تسعة أنفس منهم ورمى جثثهم إلى الكلاب عند الحمراء والمشتهى.\rثم لقى ستة نفر منهم فضرب رقابهم بالقاهرة.\rوتعذّر وجود الخبز فلم يقدر عليه، وبيع رطلا بدرهم. وبات الناس ليلة الجمعة على حرس، وأصبحوا يترقبون المكروه، فطاف النّهّابة أسواق القاهرة والسويقة التى عند باب زويلة، فخرج إليهم حظىّ الصقلبى ومعه سيف من الحضرة، فقبض على طائفة منهم، ضرب رقابهم ورمى جثثهم إلى الكلاب على باب زويلة وعلى باب الفتوح وفى سوق السلاح وعند شرطة القاهرة؛ وعدتهم اثنا عشر رجلا. ووجد كتاميا يقال له سليمان، قد أخذ حمارا محمّلا دقيقا، فضرب عنقه. وأحضر عرفاء العبيد إلى القصر وشدّد عليهم فى إحضار الجناة من العبيد، ووعدهم بالنّفقة فى العبيد.\rوأصبح الناس يوم الأحد سابع عشريه يستغيثون إلى متولّى الشرطة السفلى من العامّة التى نهبتهم، فقبض على طائفة منهم بكوم دينار، وعوقبوا حتى أقروا بما عندهم من النّهب، فسيقوا حتى أخرجوه من كوم دينار وأخذه أربابه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276831,"book_id":167,"shamela_page_id":539,"part":"2","page_num":171,"sequence_num":539,"body":"وقدم الخبر من حلب بأن صالح بن مرداس حاصر حلب، وما زال بأهل البلد حتى فتحوا له أبوابها، فدخل أصحابه وشرعوا فى هدم أبراج السور، فظنّ الناس أنه يريد بذلك أن يسلّم حلب إلى الروم، فاجتمعوا بمن فى القلعة، وقد تحصّن بها موصوف الصقلبى، وحاربوا أصحاب صالح حتى أخرجوهم وقتلوا منهم مائتين وخمسين رجلا، وامتنعوا منهم بالمدينة. ومن خبر ذلك أن صالح بن مرداس نزل على مدينة حلب فى جمع كثير من بنى كلاب وغيرهم، فحصرها أشدّ حصر حتى أخذ المدينة صلحا من أهلها، ودخلها فى رابع عشر ذى القعدة سنة خمس عشرة هذه، وتلقب بأسد الدولة. وامتنع موصوف الصّقلبى بالقلعة، فاستخلف صالح على مدينة حلب كاتبه أبا منصور سليمان بن طوق، ومضى إلى بعلبك فأخذها عنوة، وقتل بها خلائق. واشتدت محاصرة سليمان بن طوق لقلعة حلب، وصعد قلعتها حتى قلّ الماء والزاد بها، فطلب موصوف منه أشياء اشترطها عليه وسلّمه القلعة؛ فأتى صالح حلب وصعد قلعتها، وقتل موصوفا، ورتّب أموره، وصار بيده من بعلبك إلى عانة (¬١).\rوقدم الخبر بأن حسان بن جراح جمع من العرب خلائق وقصد الرملة، فمضى الدّزبرى إلى عسقلان وتحصّن بها، فقبض حسان على جماعة من أهل الرملة ممّن سعى به وبأصحابه إلى الدّزبرى، وضرب أعناقهم، وملك المدينة. فاجتمع الدّزبرى مع مبارك الدولة فتح، متولّى القدس، وفتاح بن بويه الكتامى، وصار إليهم نحو الخمسة آلاف مقاتل، وأوقعوا بحلة كبيرة لإخوة حسان، وقتلوا ولدا لعلى بن جرّاح، وهزموا من بها.\rوقال ابن الرقيق: وكان بمصر من الغلاء والشّدّة وعدم الأقوات ما لم ير مثله من زمن","footnotes":"(¬١) عانة: بين الرقة وهيت على نهر الفرات قرب حديثة النورة، وبها قلعة حصينة وتعد من أعمال الجزيرة. معجم البلدان: ١٠٢:٧ - ١٠٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276832,"book_id":167,"shamela_page_id":540,"part":"2","page_num":172,"sequence_num":540,"body":"بعيد. بلغ الخبز، إذا وجد، رطلا بدرهم، واللحم أربع أواق بدرهم، والرمانة الواحدة بدينار. وكان الناس فى كل ناحية يصيحون بالجوع حتى يموتوا؛ ويكون مع الرجل جملة من الدنانير فيطلب من يشبعه خبزا فلا يجده؛ هذا مع الموت الذّريع. والوباء الفظيع.\rوورد كتاب بعض ثقات التجار يصف أنه أحصى من مات ممّن عرف وكفّن ودفن من آخر شهر رمضان إلى بعض ذى القعدة فكانوا مائة ألف وسبعين ألف نفس؛ وأما الغريب ومن لا يعرف ومن يلقى فى النيل ولا يجد من يقبره فأكثر من هذه العدّة أضعافا لا تحصى.\rوبلغ ماء النيل ستة عشر ذراعا وثمان أصابع.\rومات فى هذه السنة ممّن له ذكر أبو جعفر بن الوزير أبى الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابة، يوم الخميس سادس المحرم؛ وكان يعمل بيده أعمالا متقنة. وفى يوم الأربعاء عاشر صفر توفى مفضّل بن أبى أحمد المهلبى بعد ما ساءت حاله؛ وكان أديبا جمّ الأدب غير منكور السيرة. وفى سابع عشره توفى أبو محمد بن يحيى الدّقاق من شيوخ الحديث ومؤرخى أخبار مصر. وفى يوم الأربعاء ثالث عشرى ربيع الأول توفى ابن أبى الحسين بن زولاق، وكان أديبا، ذيّل على تاريخ أبيه المعروف بأبى الحسين.\rوفى يوم الخميس ثانى عشرى ربيع الآخر توفى أبو الحسن بن نحرير الشويزانى، وهو أكبر من بقى من عرفاء الإخشيذيّة، فبعث الظاهر لكفنه مائتى دينار وعدة ثياب وطيبا كثيرا.\rوفى يوم الأحد عاشر جمادى الأولى توفى النمل الشاعر، واسمه: ومن شعره (¬١):\rوتوفى سند الدولة أبو محمد حسن بن محمد بن محمد بن نقيان الكتامى، متولّى مدينة حلب، بها، فى يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الآخر. وفى يوم الاثنين سادس","footnotes":"(¬١) قبل هاتين الكلمتين فراغ يتسع لاسم الشاعر الذى لم يذكره، وبعدهما فراغ يسع بضعة أبيات لم تذكر أيضا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276833,"book_id":167,"shamela_page_id":541,"part":"2","page_num":173,"sequence_num":541,"body":"شعبان توفى عصب الدولة الحسين بن مفلح ابن أبى صالح القلعى، وقد ساءت حاله وغلبه الدّين. وفى ليلة الأحد تاسع عشره قتل الشيخ العميد محسن بن بدواس متولى بيت المال وجابى الضرائب. وفى يوم الاثنين ثانى عشر شهر رمضان توفى نزار بن حسين بن يمن الكتامى، متولّى الشرطة السفلى بمصر، بعد ما ساءت حاله. وفى رابع عشره توفى الشريف العبّاسى الرابض لدواب الحاكم بأمر الله، وكان شرّيرا، فلم يشهد أحد جنازته بغضا له. وفى يوم الخميس سادس شوال توفى أبو عيسى ملامان بن محساس بن بيوط الكتامى، فصلّى عليه الظاهر. وفى تاسعه توفى مخلص الدولة منصور البكجورى، أحد وجوه القوّاد الحمدانيّة القادمين من الشام، وترك ستّين ألف دينار ورثها ابنه، فدفن فى مقابر القاهرة. وفى ثالث عشريه توفى الأمير أبو هاشم العبّاس بن شعيب بن داود بن عبيد الله المهدى، ولىّ عهد المؤمنين كان، فدفن فى تربة القصر، وترك ولدا اسمه مسلم. وفيه توفيت عائشة جارية الأمير عبد الله بن المعز لدين الله؛ وكانت من وجوه عجائز القصر؛ وخلّفت أربعمائة ألف دينار.\rوفى يوم السبت رابع عشر ذى القعدة توفى جعفر بن أبى فروخ الكتامى الذى كان يتولّى الشرطة بمصر. وفى سابع عشريه توفى أبو الفتح منصور المعروف بالتينى الشاعر، ودفن بمقابر القاهرة. ومن شعره:\rشديد من الدّنيا على الحرّ حاجة … يؤمّ بها من ليس من نظرائه\rوقال من أبيات:\rوما الناس إلاّ كالنّبات: مصوّح … ليذوى، ومخضرّ لينمى، ومعشب\rيسربله ماء الشّباب نضارة … ويفرغ عنه حسنه حين ينضب\rومنها:\rتفرّق أنواع المذمّات فى الورى … ويجمعها خلق الفتى حين يكذب\rإذا كان للإنسان عقل، فحيثما … توجّه لاقاه صديق ومكسب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276834,"book_id":167,"shamela_page_id":542,"part":"2","page_num":174,"sequence_num":542,"body":"ينال الفتى بالخفض بلغة عيشه … فيسعى إلى شيء سواها، وينصب\rيخرّب من أخراه ما ليس فانيا … ويعمر من دنياه ما يتخرّب\rعلى أنّ فى الأيّام للمرء واعظا … بليغا، وفى صرف الزّمان مؤدّب\rوماتت السيدة العزيزة ستّ الملك ابنة العزيز بالله أبى منصور نزار بن المعز لدين الله أبى تميم معدّ، مستهل جمادى الآخرة (¬١)، بعلة الذرب. وقد دبّرت أمور الدولة بعد فقد أخيها الحاكم بأمر الله خمس سنين وثمانية أشهر، أعادت فيها للملك غضارته، واستردّت بهجته، وملأت الخزائن بأصناف الأموال، وقلّدت الأكفاء جلائل الأعمال، واصطنعت الرجال (¬٢).","footnotes":"(¬١) وكان مولدها فى ذى القعدة سنة ٣٥٩ ببلاد المغرب. نهاية الأرب.\r(¬٢) يوجد هنا بالأصل عبارة نصها: بياض نحو ثلث صفحة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276835,"book_id":167,"shamela_page_id":543,"part":"2","page_num":175,"sequence_num":543,"body":"سنة ست عشرة وأربعمائة (¬١)\rفيها أمر الظّاهر بنفى من وجد من الفقهاء المالكيّة وغيرهم. وأمر الدعاة أن يحفّظوا الناس كتاب دعائم الإسلام (¬٢) وكتاب الوزير يعقوب بن كلس فى الفقه على مذهب آل البيت (¬٣)؛ وفرض المظاهر لن يحفظ ذلك مالا. وجلس الدعاة بالجامع للمناظرة (¬٤).\r\rسنة سبع عشرة وأربعمائة (¬٥)\rفيها ثار بالناس فى مصر رعاف عظيم. وزاد النيل فوق المعتاد حتى غرقت القرى (¬٦).\rوفيها سقط الظّاهر عن فرس، وأرجف بموته، ثم عوفى، فتصدّق بمائة ألف دينار، حمل منها إلى مكة والمدينة أربعون ألف دينار، وإلى بلاد الشام عشرون ألف دينار، وإلى بلاد المغرب عشرون ألف دينار، وفرّق بمصر عشرون ألف دينار (¬٧).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الرابع من مارس سنة ١٠٢٥.\r(¬٢) لأبى عبد الله محمد بن النعمان الفقيه الداعى الشيعى. نشره السيد آصف على فيضى بالقاهرة. سنة ١٩٥١. ويقول عنه صاحب النجوم الزاهرة فى أثناء الحديث عن سنة ٤١٤ «وفيها توفى محمد بن محمد بن النعمان، أبو عبد الله فقيه الشيعة وشيخ الرافضة وعالمها ومصنف الكتب فى مذهبها، قرأ عليه الرضى والمرتضى وغيرهما من الرافضة، وكان له منزلة عند بنى بويه وعند ملوك الأطراف الرافضة. قلت: كان ضالا مضلا هو ومن قرأ عليه ومن رفع منزلته، فإن الجميع كانوا يقعون فى حق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. عليهم من الله ما يستحقونه». النجوم الزاهرة: ٢٥٨:٤.\r(¬٣) وكان يهوديا من أهل بغداد، ثم انتقل إلى الرملة وعمل بها سمسارا، ثم انتقل إلى مصر زمن الإخشيذيين وتولى الوزارة بها، ثم هرب إلى المغرب وعاد إلى مصر فى ركاب الفاطميين، وترقت أحواله حتى تولى الوزارة للعزيز، وألف كتابه هذا فى فقه الشيعة والدعوة الفاطمية، وأنشأ فى قصره مكتبة ضخمة لخدمة مذهب الفاطميين، وعقد به المجالس التعليمية لنشر هذا المذهب. وعند ما مرض مرض الموت بكاه العزيز قائلا له «وددت أنك تباع فأشتريك بمالى وولدى» ودفنه العزيز فى قبة كان قد ابتناها ليدفن هو فيها، وعطل الدواوين أياما لوفاته.\r(¬٤) بهامش الأصل عبارة نصها: بياض نحو سطرين.\r(¬٥) ويوافق أول المحرم منها الثانى والعشرين من فبراير سنة ١٠٢٦.\r(¬٦) وصل النيل هذه السنة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. ويلاحظ أنه وصل فى السنة السابقة ست عشرة ذراعا وأربع أصابع، وفى السنة التالية، ٤١٨، ست عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. النجوم الزاهرة.\r(¬٧) بهامش الأصل عبارة نصها: بياض أربعة أسطر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276836,"book_id":167,"shamela_page_id":544,"part":"2","page_num":176,"sequence_num":544,"body":"سنة ثمان عشرة وأربعمائة (¬١):\rفيها وقعت الهدنة بين متملّك الروم (¬٢) وبين الظّاهر عن ديار مصر والشام، وكتب بينهما كتاب؛ وتفردت الخطبة للظاهر ببلاد الرّوم. وفتح الجامع الذى بقسطنطينية، وعمل له الحصر والقناديل، وأقيم به مؤذّن؛ وعند ذلك أذن الظاهر فى فتح كنيسة القمامة التى بالقدس (¬٣)، فحمل إليها ملوك النّصارى الأموال والآلات، وأعادوها، وارتدّ إلى دين النّصرانية كثير ممّن أسلم كرها فى أيام الحاكم بأمر الله.\rوفيها عزل الظاهر عميد الدولة وناصحها أبا محمد الحسن بن صالح الروذبارى، وولّى عوضه الوزير الأجل الكامل أوحد أمير المؤمنين وخالصته أبو القاسم على بن أحمد الجرجرائى.\rوفيها اجتمع عسكر مصر، ورافع بن أبى اللّيل مقدّم طائفة الكلبيين، وأنوشتكين الدّزبرى لحرب حسّان بن جرّاح (¬٤)؛ فالتقوا لخمس بقين من ربيع الآخر على الأقحوانة (¬٥)؛ فقتل صالح بن مرداس، وانهزم حسّان، وقتل عدّة ممّن معه، واستولى الدّزبرى على البلاد.\rفقدم شبل الدّولة نصر، ومعزّ الدّولة ثمال بعد أبيهما صالح بن مرداس، وملكا أيضا الرّحبة إلى بالس (¬٦) ومنبج (¬٧).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى عشر من فبراير سنة ١٠٢٧.\r(¬٢) وهو عندئذ الإمبراطور قسطنطين الثامن.\r(¬٣) وكان الحاكم قد أمر بهدمها وإغلاقها سنة ٣٩٨.\r(¬٤) وخرج الظاهر بنفسه لتوديع الجيش المصرى عند خروجه، واشترك صالح بن مرداس مع حسان بن مفرج فى مقاومة جيوش الظاهر. ذيل تاريخ دمشق: ٧٣؛ نهاية الأرب للنويرى. وسيرد ذكر هذه الحرب مرة أخرى سنة ٤٢٠ وهو تاريخها الحقيقى. قارن نهاية الأرب إذ تذكر فى سنة ٤٢٠ أيضا.\r(¬٥) من أعمال دمشق وبلاد نهر الأردن على شاطئ بحيرة طبرية. معجم البلدان: ٣٠٨:١ - ٣٠٩.\r(¬٦) بين حلب والرقة، كانت تقع على شاطئ الفرات ثم انحسر النهر عنها شيئا فشيئا حتى قال ياقوت إنها أصبحت على مسافة أربعة أميال من النهر فى زمانه. معجم البلدان: ٤٦:٢ - ٤٧.\r(¬٧) من إقليم العواصم، بينها وبين حلب عشرة فراسخ، ومنها إلى الفرات ثلاثة. نفس المصدر: ١٦٩:٨ - ١٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276837,"book_id":167,"shamela_page_id":545,"part":"2","page_num":177,"sequence_num":545,"body":"سنة عشرين وأربعمائة (¬١):\rفيها كانت فتنة بمصر بين المغاربة والأتراك، قتل فيها جماعة، وكان الظّفر للأتراك؛ ثم استظهرت المغاربة بمعاونة العامّة لهم، فقتلوا عدّة كثيرة من الأتراك، وأخرجوا من بقى منهم عن مصر. وكان خبط عظيم، فأخرج الظّاهر رأسه من المنظرة وأشار إلى النّاس، فقبّلوا الأرض؛ ثم بعث إليهم بالصّلح، فمشى الدّعاة بينهم حتى اصطلحوا.\rوفيه بعث المعزّ بن المنصور بن بلكّين بن زيرى (¬٢) هديّة فيها عشرون جارية لم ير كحسنهنّ، وعلى نهودهنّ حقاق الفضة؛ وثلاثة أفراس، فيها كميت بسرج ذهب زنته قنطار ذهب، وأشقر بسرج لؤلؤ، وأدهم (¬٣) بسرج فضة زنتها قنطار؛ وثلاثة آلاف منا (¬٤) زعفرانا؛ وخمسون درقة بأغشية ديباج، واثنا عشر صقلبيّا؛ وعشرون خادما سودا؛ وألف وخمسمائة ثوب خزّ وأربعمائة غفارة؛ ورماح كثيرة جدا؛ وألف قنطار شمعا؛ وثياب سوسيّة وصقليّة؛ وعمائهم عدّة ألوف. فجلس الظاهر فى الإيوان على السرير الذهب، وقرئ عليه كتابه، وعرضت هديته فى يوم الأحد","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها العشرين من يناير سنة ١٠٢٩. ويلاحظ أنه لم يذكر عنوانا أو أخبارا لسنة ٤١٩. وقد سبق مثل ذلك.\r(¬٢) شرف الدولة المعز بن ناصر الدولة أبى مناد باديس بن عدة العزيز بالله المنصور بن يوسف، ويعرف - شهرة - بالمعز بن باديس.\r(¬٣) الكميت من الخيل بين الأسود والأحمر، ويفرق بينه وبين الأشقر بالعرف والذنب، فإن كانا أحمرين فهو أشقر وإن كانا أسودين فهو الكميت. والدهمة السواد، ويقال فرس أدهم وبعير أدهم إذا اشتدت ورقته حتى ذهب بياضه. المصباح المنير.\r(¬٤) المن: نوع من الأرطال وهو مائتا درهم وستون درهما. قوانين الدواوين: ٣٦٢. والمنا الذى يكال به السمن وغيره، وقيل الذى يوزن به، رطلان. المصباح المنير. والمن: المنا، وهو رطلان والجمع أمنان. مختار الصحاح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276838,"book_id":167,"shamela_page_id":546,"part":"2","page_num":178,"sequence_num":546,"body":"ثامن شوال. وبعث إليه بهديّة من دقّ تنّيس ودمياط وطرائف الهند واليمن، وزرافة، وبختا خراسانية تحمل قبابا فيها جوارى، وأشياء عظيمة.\rوفيها جهّز الظاهر أمير الجيوش أنوشتكين الدّزبرى لقتال صالح بن مرداس؛ فالتقيا بالأقحوانة من عمل طبريّة على نهر الأردن، واقتتلا أشدّ قتال؛ فقتل صالح وولده الأصغر فى جمادى الأولى من سنة عشرين هذه (¬١)، وحمل رأساهما إلى القاهرة. ونجا شبل الدولة أبو كامل نصر بن صالح، وأخوه أبو علوان عز الدّولة ثمال إلى حلب، فملكاها شركة بينهما. فكانت مدّة ملك صالح لحلب أربع سنين وأشهرا.","footnotes":"(¬١) تقدم ذكر هذه الحرب فى أحداث سنة ٤١٨. وهذا التاريخ ٤٢٠ هو زمن اشتعالها وهزيمة حسان ومقتل صالح. قرن نهاية الأرب للنويرى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276839,"book_id":167,"shamela_page_id":547,"part":"2","page_num":179,"sequence_num":547,"body":"سنة احدى وعشرين وأربعمائة (¬١):\rبايع النّاس بولاية العهد للمستنصر بن الظاهر، وعمره ثمانية أشهر؛ فخلع على كافّة أهل الدولة وعمل من الطعام ما كفى أهل القاهرة ومصر والطّرائين من البلاد، ونثر مال عظيم؛ فلم يبق أحد حتى وصل إليه من خير هذه البيعة. واجتمعت العامّة تحت المنظرة من القصر، واستغاثوا أن يشرفوا برؤية أمير المؤمنين، فأشرف عليهم الظّاهر من المنظرة، فقبّلوا الأرض وانصرفوا.\rوكان مرتضى الدولة أبو نصر منصور بن لؤلؤ قد طمع فى حلب بعد تملّك صالح بن مرداس لها، فكاتب متملّك (¬٢) الروم يرغّبه فى حلب ويعده، إلى أن خرج من القسطنطينية فى هذه السنة ومعه ثلاثمائة ألف، حتى لم يبق بينه وبين حلب سوى يوم واحد اعتزل عنه ابن لؤلؤ ومعه رجل جليل من الروم يقال له ابن الدوقس فى عشرة آلاف؛ فخاف متملّك الروم ورحل، ثم قبض على ابن لؤلؤ وابن الدوقس فى جماعة وولّى منهزما لا يلوى على شيء.\rوتبعه من عرب كلاب ونمير نحو الألفى فارس فى طائفة الأرمن، ونهبوا الروم، فاخذوا من خاصّ الملك أربعمائة بغلة تحمل المال والثياب، سوى ما ظفروا به لعامّتهم، بحيث أبيع البغل فى حلب بدينارين؛ ولولا أن العرب تشاغلت بالغنيمة لما أفلت أحد من الروم.\rووجد من الروم آلاف كثيرة موتى عطشا. وكانت هذه الهزيمة يوم السبت خامس شعبان.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها التاسع من يناير سنة ١٠٣٠.\r(¬٢) الامبراطور رومانوس الثالث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276840,"book_id":167,"shamela_page_id":548,"part":"2","page_num":180,"sequence_num":548,"body":"سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة (¬١):\rفيها نقص النّيل نقصانا فاحشا، فتحرك السعر، وحملت غلال كثيرة من الشام إلى مصر؛ ثم زاد النيل بعد أوان الزيادة بأربعة أشهر، فكثر العجب من ذلك.\rوكان الدّزبرى لمّا استرجع البلاد الشامية من أيدى المتغلّبين عليها، إلاّ حلب فإنها بقيت بيد بنى صالح بن مرداس، انهزم حسّان بن جرّاح وإخوته من الدّزبرى، ولم يجدوا ملجأ، فحملهم ذلك على أن دخل حسّان فى طاعة ملك الروم، وحمل على رأسه صليبا وصار فى جملته. ثم سار فى هذه السّنة بعسكر الروم وعلى رأسه الصّليب، ووصل إلى أفامية، وهى من عمل الدّزبرى، فهزمها وسبى كثيرا منها. فنادى الدّزبرى بالغزاة، وخرج؛ فخافه نصر بن صالح وقرّر لملك الروم على نفسه خمسمائة ألف درهم، صرف ستين درهما بدينار، على أن يحميه، وذلك فى جمادى الأولى؛ فاتفق مرض الدّزبرى بدمشق، وأرجف به، ثم عوفى (¬٢).\r\r[١٨٢] سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة (¬٣)\rفيها أمر الظاهر بقتل دعاته، فاضطربت الرّعية وكثير من الجند لذلك، وأخذ الدّعاة فى إفساد أمره والتحدّث بخلعه؛ فأنفق أموالا جمّة حتى استقرّ أمره (¬٤).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها التاسع والعشرين من ديسمبر سنة ١٠٣٠.\r(¬٢) بهامش الأصل عبارة نصها: بياض سطر.\r(¬٣) ويوافق أول المحرم منها التاسع عشر من ديسمبر سنة ١٠٣١.\r(¬٤) بهامش الأصل عبارة تقول: بياض سطرين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276841,"book_id":167,"shamela_page_id":549,"part":"2","page_num":181,"sequence_num":549,"body":"سنة أربع وعشرين وأربعمائة (¬١):\rركب ولىّ العهد، ابن الظّاهر، من القاهرة إلى مصر وقد زيّنت، فكان إذا أقبل على الناس قبّلوا له الأرض. ونثر يومئذ على العامّة خمسة آلاف دينار، ونثر على الخاصّة عشرون ألف دينار؛ فكان يوما عظيما.\rوفى يوم الأحد ثامن عشر ذى القعدة قدمت هديّة المعز بن باديس، وهى جليلة القدر (¬٢).\r\rسنة خمس وعشرين وأربعمائة (¬٣):\rفيها قدم الخبر باستيلاء الأتراك على الأمر ببغداد، وقلّت بها الأموال والرجال، فبث الظاهر دعاته فنشروا دعوته ببغداد فى الناس.\rوفيها ظهرت الطائفة الدّرزية بجبل السّمّاق (¬٤) من الشام يدعون إلى الحاكم بأمر الله.\rفيها ظهرت الزلازل ببلاد الشام، فخربت ريحا (¬٥)، ونصف الرملة وأكثر عكّا فى قرى كثيرة، وبعد الماء من سواحل البحر المالح ساعتين، ثم عاد كما كان (¬٦).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع من ديسمبر سنة ١٠٣٢.\r(¬٢) بهامش الأصل: بياض سطر.\r(¬٣) ويوافق أول المحرم منها السادس والعشرين من نوفمبر سنة ١٠٣٣.\r(¬٤) وزعيم هذه الطائفة حمزة بن على الدرزى، الفارسى، الملقب ولى الزمان وقائم الزمان. ودعا حمزة هذا إلى إلاهية الحاكم بأمر الله، وقد وضع تقويما خاصا السنة الأولى منه توافق سنة ٤٠٨ هـ. وقد سبقت الإشارة إلى شيء من أمر هذه الطائفة فى موقعه. انظر فصلا خاصا بهذه الطائفة فى: الحاكم بأمر الله لمحمد عبد الله عنان. ٢٠٠ - ٢٠٨. وجبل السماق من أعمال حلب الغربية يشتمل على مدن وقلاع كثيرة للإسماعيلية، وفيه بساتين ومزارع كثيرة، والمياه الجارية به قليلة إلا ما كان من عيون ليست بالكثيرة فى مواطن مخصوصة، وبه تنبت جميع أشجار الفواكه وبعض القطن والسمسم، وقيل سمى باسم السماق لأنه ينبت فيه بكثرة. معجم البلدان: ٤٩:٣.\r(¬٥) ريحاه وأريحا مدينة قرب بيت المقدس فى غور الأردن، بينها وبين القدس خمسة فراسخ، اشتهرت بإنتاجها العظيم من الفواكه والموالح. معجم البلدان: ٣٤٧:٤ - ٣٤٨.\r(¬٦) بهامش الأصل: بياض أسطر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276842,"book_id":167,"shamela_page_id":550,"part":"2","page_num":182,"sequence_num":550,"body":"سنة ست وعشرين وأربعمائة (¬١):\rفيها كثر الفأر بأراضى مصر وأكل زروعا كثيرة. وفيها كثر الوباء بمصر.\rوفيها قتل الدّزبرى شبل الدولة ثمال بن صالح بن مرداس، فى شعبان، وملك حلب، وبعث إلى الظاهر بهدايا جليلة (¬٢).\r\rسنة سبع وعشرين وأربعمائة (¬٣):\rفيها انعقدت الهدنة بين الظاهر وبين ميخائيل (¬٤) ملك الروم عشر سنين متوالية.\rوفيها توفى الظاهر عن استسقاء طال به من نيّف وعشرين سنة، فى يوم الأحد النّصف من شعبان؛ فكانت مدّته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما. وكانت أيامه كلها سكونا ولينا (¬٥)، وهو مشغول بملاذّه ونزهه وسماع المغنى، وأمور الدّولة بيد عمته السيدة العزيز ستّ الملك، وهى التى عدلت بالخلافة إليه عن ولّى العهد أبى هاشم العبّاس بن دواد ابن عبيد الله المهدى، وجئ بأبى هاشم فبايع والسّيف على [رأسه]، ثم جلس فكان آخر","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السادس عشر من نوفمبر سنة ١٠٣٤.\r(¬٢) بهامش الأصل: بياض سطرين.\r(¬٣) ويوافق أول المحرم منها الخامس من نوفمبر سنة ١٠٣٥.\r(¬٤) ميخائيل الرابع.\r(¬٥) فى هذا شيء من المبالغة فقد كثرت القلاقل فى عهده، ولم تستقر شئون الشام دون فتن وحروب محلية، وارتفعت الأسعار فى أكثر من مناسبة .. والصحيح هو ما ذكره المؤلف بعد هذا مباشرة من أن الظاهر انصرف عن شئون الدولة إلى نزهه وملاذه وإلى سماع المغنى: وللإنصاف لا بد أن نذكر أنه كان مختل الصحة ضعيف البنية وهذا كان عقبة فى سبيل رعاية الدولة إلى جانب تكاسله وانصرافه إلى ملاذه. ويقول ابن تغرى بردى: «وكان الظاهر جوادا ممدحا سمحا حليما محبا للرعية، ولا بأس به بالنسبة لآبائه وأجداده». النجوم الزاهرة: ٢٥٤:٤. وقال النويرى: «وكان كريما مشتغلا بلذاته معولا على وزيره». «وتوفى ببستان الدكة بالمقس فركب الوزير الجرجرائى إلى البستان وحمله إلى القصر». «وكانت مدة عمره إحدى وثلاثين سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام». نهاية الأرب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276843,"book_id":167,"shamela_page_id":551,"part":"2","page_num":183,"sequence_num":551,"body":"العهد به. وكان يشار بالخلافة إلى عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدى، فأدخل عليه الشّهود وهو يتشحّط (¬١) فى دمه، فأشهد أنه فعل ذلك بنفسه، ثم قضى نحبه. وأقامت سيّدة الملك سيف الدين الحسين بن دوّاس والوزير عمّار بن محمد فى تدبير الدولة عن رأيها، حتى قتلت ابن دوّاس، فانفرد عمّار بالأمور إلى أن رتّبت له فى دهليز القصر من قتله.\rفتحدّث حسن بن موسى الكاتب، والأمر لستّ الملك، ولسانها ويدها أبو القاسم على بن أحمد الجرجرائىّ. فلما ماتت السيدة ست الملك استقل الجرجرائى بالتدبير (¬٢).","footnotes":"(¬١) شحطه تشحيطا: ضرجه بالدم فتشحط تضرج واضطرب فيه. القاموس المحيط.\r(¬٢) بياض نحو ثلثى صفحة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276844,"book_id":167,"shamela_page_id":552,"part":"2","page_num":184,"sequence_num":552,"body":"المستنصر بالله أبو تميم معدّ بن الظاهر لإعزاز دين الله\rأبى الحسن على بن الحاكم بأمر الله أبى على منصور\rأمه السيدة رصد. ولد يوم الثلاثاء السادس عشر من جمادى الأولى سنة عشرين وأربعمائة بالقاهرة؛ والطالع عند ولادته من برج السرطان ثمان درج؛ والشمس فيه على خمس عشرة درجة، والمشترى فيه على ستّ درج، وعطارد فيه على اثنتى عشرة درجة؛ والقمر فى الدلو على ثلاث عشرة درجة؛ وزحل فى برج الثور على تسع وعشرين درجة؛ والمرّيخ فيه أيضا على إحدى عشرة درجة؛ والزهرة فى برج الجوزاء على ثلاث عشرة درجة؛ والجوزهر؟ فى برج السّنبلة على خمس وعشرين درجة. وبويع بالخلافة يوم الأحد للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة (¬١)؛ والطالع عند ولادته من برج السّنبلة إحدى وعشرون درجة، وزحل فى برج السنبلة على اثنتين وعشرين درجة؛ والمشترى فى برج الدلو على ثمانى درج، والمريخ فيه أيضا على اثنتى عشرة درجة؛ والشمس فى برج الجوزاء على ثمان وعشرين درجة؛ والزهرة فى برج السرطان على ثلاث درج، وعطارد فى برج الجوزاء على ست عشرة درجة؛ والقمر فى برج الجدى على ثمانى عشرة درجة والجوزهر فى برج الثور على إحدى وعشرين درجة. وأقام فى الخلافة ستين سنة وأربعة والجوزهر فى برج الثور على إحدى وعشرين درجة. وأقام فى الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام.\rوقام بأمره الوزير أبو القاسم الجرجرائى؛ وأخذ له البيعة على النّاس؛ وأطلق للجند","footnotes":"(¬١) ويقول النويرى: بويع له صبيحة يوم الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شعبان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276845,"book_id":167,"shamela_page_id":553,"part":"2","page_num":185,"sequence_num":553,"body":"أرزاقهم وشيئا آخر على سبيل الصّلة؛ وسكنت الأمور واستقامت الأحوال؛ وكتب له المستنصر سجلاّ بإقراره على الوزارة.\rوفيها سيّر من القاهرة مبلغ ألفى دينار على يد بدوىّ لعمارة قنطرة الجاروفة التى منها شرب الكوفة، وقد خربت وفسدت الجهات التى تحتها بفسادها. وكانت تلك الجهات جارية فى إقطاع العربان بالعراق، فأريد بذلك استمالة من هناك إلى الطّاعة؛ فقام بنو خفاجة مع البدوىّ فى الإنفاق على عمارة القنطرة. فبلغ ذلك الخليفة القادر بالله أبا العباس أحمد بن اسحاق بن المقتدر، فلم يجد مالا يبعثه عوضا من المال المذكور، ولم يمكنه الردّ، فدعته الضرورة إلى التّغاضى. فشرع البدوىّ فى العمل، ثم منع بعد ما تمّ منه جانب كبير (¬١).","footnotes":"(¬١) بهامش الأصل: بياض ثلاثة أسطر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276846,"book_id":167,"shamela_page_id":554,"part":"2","page_num":186,"sequence_num":554,"body":"سنة ثمان وعشرين وأربعمائة (¬١):\rفيها فسد ما بين نصر بن صالح بن مرداس وبين المستنصر، فكاتب ملك الروم (¬٢)، وبعث إليه بما عليه من القطيعة مع هديّة (¬٣)؛ فأشار عليه بالدخول فى طاعة المستنصر (¬٤)، فقبل منه. وبعث بهدية جليلة إلى القاهرة مع وفد كبير؛ فحصل الرّضا عنه، وأضيف إليه أعمال حمص، ولقّب بمختصّ الأمراء خاصّة الإمام، شمس الدّولة ومجدها، ذى العزمتين. فشقّ ذلك على الدّزبرى متولى دمشق، وأخذ فى مناكدة أصحاب نصر بن صالح (¬٥).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس والعشرين من أكتوبر سنة ١٠٣٦.\r(¬٢) وهو الأمبراطور ميخائيل الرابع.\r(¬٣) سبق فى أحداث سنة ٤٢٢ أن القطيعة التى قررها نصر بن صالح على نفسه عندئذ كانت خمسمائة ألف درهم بصرف ستين درهما للدينار الواحد.\r(¬٤) وذلك لأن الروم كانوا قد عقدوا هدنة فى سنة ٤١٨ مع الظاهر، تشمل مصر والشام. فعادت العلاقات بين الفاطميين والروم إلى المسالمة.\r(¬٥) بهامش الأصل: بياض أربعة أسطر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276847,"book_id":167,"shamela_page_id":555,"part":"2","page_num":187,"sequence_num":555,"body":"سنة تسع وعشرين (وأربعمائة) (¬١):\rفيها بعث الدّزبرى عساكره إلى حماة، فأخذها. وخرج شبل الدولة نصر بن صالح لدفعه، فالتقيا بلطمين (¬٢) من عمل كفرطاب (¬٣)، فانكسر وقتل فى يوم الاثنين نصف شعبان، وحمل رأسه إلى دمشق. فبادر أخوه معزّ الدولة ثمال بن صالح إلى حلب وملكها من الغد، وأخذ قلعتها، واستخلف فيها ابن عمه مقلّد بن كامل بن مرداس، وفى المدينة خليفة بن جابر الكعبى. وشرّق بأهله ليستنجد بأخواله بنى خفاجة، فنزلت عساكر الدّزبرى على حلب وأخذت المدينة؛ ثم قدم إليها الدّزبرى وتسلّم القلعة فى يوم الثلاثاء ثامن رمضان، وأخرج منها إلى درباس، واستولى على بالس ومنبج؛ وولى قلعة لغلاميه فاتك وسبكتكين. وعاد إلى دمشق يوم الخميس تاسع عشر ذى الحجة. وعمل فى طريقه على أخذ جبلة (¬٤) فلم يطق.\rوفيها ثار علىّ بن محمد بن على الصّليحى فى اليمن فى ستين (¬٥) رجلا على رأس جبل، وأقام دعوة المستنصر؛ وما زال أمره يزيد حتى استولى على ممالك اليمن.\rوفيها هادن المستنصر ملك الروم على أن يطلق خمسة آلاف أسير ليمكّن من عمارة قمامة التى فرّ بها الحاكم، فأطلق الأسرى، وعمر قمامة، وأطلق عليها مالا جلّ وصفه (¬٦).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الرابع عشر من أكتوبر سنة ١٠٣٧.\r(¬٢) لطمين، بفتح اللام وسكون الطاء وكسر الميم، كورة من أعمال حمص، وبها حصن، معجم البلدان: ٣٣٠:٧.\r(¬٣) بلد بين المعرة ومدينة حلب فى برية معطشة ليس لأهلها مورد ماء إلا ما يجمعونه من الأمطار فى الصهاريج. نفس المصدر: ٢٦٥:٧ - ٢٦٦.\r(¬٤) من قلاع الساحل الشامى، من أعمال حلب، قرب اللاذقية. معجم البلدان: ٥١:٣ - ٥٤ (جبلة بثلاث فتحات متواليات).\r(¬٥) على بن محمد بن على، أبو كامل؛ كان يحج بالناس من اليمن على طريق السراة والطائف، ثم تغلب على اليمن واتخذها إمارة له وجعل صنعاء حاضرتها، وخطب على منابر اليمن لزوجته التى كانت تعرف بالملكة الحرة. الكامل: ٢١٣:٩ - ٢١٤؛ النجوم الزاهرة: ١١٢:٥؛ تاريخ اليمن لعمارة اليمنى.\r(¬٦) بهامش الأصل: بياض ستة أسطر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276848,"book_id":167,"shamela_page_id":556,"part":"2","page_num":188,"sequence_num":556,"body":"سنة ثلاثين وأربعمائة (¬١):\rسنة احدى وثلاثين وأربعمائة (¬٢)\rفيها أقيمت دعوة المستنصر بحران (¬٣):\r\rسنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة (¬٤):\rفيها نقض ملك الروم الهدنة وأغار على بلاد حلب وعلى بلاد أفامية، وكسر عسكر الدّزبرى المقيم هناك؛ فخرج إليه عسكر حلب فكسرهم على أرمناز (¬٥). وكان ثمال بن صالح وعمّه المقلّد بالرّقّة مالكين لها، فبعثا إلى متملّك الروم بمال وثياب، فطلب منهما ابتياع الرّقة كما ابتيعت الرّها؛ فضاق الدّزبرى ذرعا بذلك وكتب إليهما يرغّبهما ويرهّبهما، فأجاباه بالاعتذار.\rوكان قد مضى قوم من بنى جعفر بن كلاب إلى مضيق أفامية وعاثوا فى أعمال الروم، فمكّن لهم الروم ثمّ أوقعوا بهم. فبعث الدّزبرى عسكرا، فلقى الرّوم فيها بين حماة وأفامية، فظهر المسلمون عليهم وقتلوا منهم عدة كبيرة؛ فأجمع الدّزبرى على النّهوض إليهم؛ فهادنوه وما زالوا به حتى سكنت الحرب بينهم وبينه. ثم إن الجند طمعوا فى الدّزبرى وهموا به فساروا له إلى حماة، فقضى عليه أهلها؛ فكاتب مقلّد بن منقذ، فحضر إليه من كفرطاب فى ألفى راجل واجتمع به؛ ومضى إلى حلب فأقام بها مريضا إلى أن مات يوم الأحد نصف جمادى الآخرة.","footnotes":"(¬١) بهامش الأصل: «وكذلك»، يعنى: «بياض ستة أسطر» ويوافق أول المحرم منها الثالث من أكتوبر سنة ١٠٣٨.\r(¬٢) ويوافق أول المحرم منها الثالث والعشرين من سبتمبر سنة ١٠٣٩.\r(¬٣) حاضرة ديار مضر، بينها وبين الرها يوم، ومنها إلى الرقة يومان، وهى على طريق الموصل والشام وبلاد الروم. معجم البلدان: ٢٤١:٣ - ٢٤٣.\r(¬٤) ويوافق أول المحرم منها الحادى عشر من سبتمبر سنة ١٠٤٠.\r(¬٥) من نواحى حلب وبينهما خمسة فراسخ. معجم البلدان: ٢٠٠:١ - ٢٠٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276849,"book_id":167,"shamela_page_id":557,"part":"2","page_num":189,"sequence_num":557,"body":"سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة (¬١):\rوبعد ما أقام بحلب اثنين وأربعين يوما قدم إليها ثمال بن صالح وعمّه المقلّد، وحصرا القلعة سبعة أشهر، وتسلّماها فى صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وقتلا من بها. فلما بلغ ذلك المستنصر بعث إلى ثمال الخلع والتحف وسجلاّ بتوليته؛ وكان بقلعة حلب مائتا ألف دينار فأخذها ثمال.\rوفيها توفّى شهم الدّولة ميمون، صاحب السّيّارة فى أسفل الأرض، فى شهر ربيع الآخر، وحمل إلى مصر، فوصلوا به يوم الثلاثاء تاسعه، ودفن بتربته بالقرافة. وكان من أهل الخير؛ وحج بالناس من مصر فى سنة ست وعشرين وأربعمائة (¬٢).\r\rسنة أربع وثلاثين وأربعمائة (¬٣):\rفيها خرج بالقاهرة فى شهر رجب شخص اسمه سليمان كان يشبه الحاكم بأمر الله، وادّعى أنه الحاكم، وبثّ دعاته سرّا فى البلاد، وقصد القصر وقت خلوّه من العساكر، وقال للخدّام: قولوا هذا الحاكم. فارتاع من كان فى باب القصر وثارت ضجّة؛ فقبض عليه، وصلب، وأخذت أصحابه فقتلوا، ومن جملتهم محمد بن عانى الكتامى أحد دعاته (¬٤).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى والثلاثين من أغسطس سنة ١٠٤١.\r(¬٢) بهامش الأصل: بياض نحو ثلث صفحة.\r(¬٣) ويوافق أول المحرم منها الحادى والعشرين من أغسطس سنة ١٠٤٢.\r(¬٤) بهامش الأصل فى هذا الموقع: «بياض نحو ثلث صفحة». ويذكر النويرى أن اسم هذا المدعى سكبن، وأنه كان بمصر أقوام يعتقدون أن الحاكم حى وأنه غاب لرأى رآه. وكانوا يحلفون ويقولون «وحق غيبة الحاكم». وأن أصحاب هذا المدعى صلبوا أحياء ثم رشقوا بالسهام حتى هلكوا. نهاية الأرب. واسمه فى الكامل أيضا سكين: الكامل: ١٧٧:٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276850,"book_id":167,"shamela_page_id":558,"part":"2","page_num":190,"sequence_num":558,"body":"سنة خمس وثلاثين وأربعمائة (¬١):\rفيها قطع المعزّ بن باديس الخطبة للمستنصر، ودعا ببلاد إفريقية للخليفة القائم بأمر الله العباسى، فبعث إليه الخلع من بغداد على طريق القسطنطينية (¬٢).\r\rسنة ست وثلاثين وأربعمائة (¬٣):\rفيها توفّى الوزير الأجل أبو القاسم علىّ بن أحمد الجرجرائى، يوم الأربعاء سادس شهر رمضان. والحاصل يومئذ فى بيت المال البرّانى، تحت يد أمين الدولة مسرّة الرّومى، برسم النفقات، ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون دينارا ونصف وثمن دينار. ووجد له سبعمائة صينية من ذهب وفضة، ومائة ألف مثقال من العنبر، وغير ذلك. وكان عالما فطنا نحريرا؛ وقّع مرة بين يدى الظّاهر لإعزاز دين الله على مائة كتاب، فلم تتشابه فيها لفظة بلفظة. وكانت مدّة ولايته للظّاهر والمستنصر سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وثمانية عشر يوما (¬٤).\rووزر بعده أبو على الحسن بن على الأنبارىّ، فانفسد أمره بسبب أبى سعيد سهل بن","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها العاشر من أغسطس سنة ١٠٤٣.\r(¬٢) بهامش الأصل: بياض نحو ثلثى صفحة.\r(¬٣) ويوافق أول المحرم منها التاسع والعشرين من يوليو سنة ١٠٤٤.\r(¬٤) وكانت مكانته عظيمة عند الظاهر لإعزاز دين الله بعد وفاة ست الملك أخت الحاكم. ويروى النويرى أنه كان بين الجرجرائى وخليل الدولة ابن العداس جفاء، فحدث أن دعا ابن العداس الظاهر لزيارته ببركة الحبش، واغتنم فرصة هذه الزيارة وأراد أن يحرك الظاهر ضد الوزير، فسد الظاهر مسامعه وقال لابن العداس: إنى وإن رعيت حق تشريفى إياك بزيارتى فما أترك حق من أرتضيه لوزارتى، ولا بد أن أذكر له طرفا من ذلك، فاذكر خيرا لأحكيه له. فكان ذلك سبب الصلح بينهما. وكانت مدة وزارته سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وثمانية عشر يوما. ومن حسن تصرفه أنه بعد أن قطع الحاكم يديه مضى الوزير إلى ديوانه وجلس فيه؛ فقيل له فى ذلك، فقال. إن أمير المؤمنين أدبنى وما صرفنى. نهاية الأرب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276851,"book_id":167,"shamela_page_id":559,"part":"2","page_num":191,"sequence_num":559,"body":"هارون التّسترى (¬١) وأخيه أبى ثمر إبراهيم، اليهوديين. وكان من أمرهما أنّ أبا سعيد هذا كان قد استخدمه الظّاهر لبيوعه، فباع عليه فى جملة ما باع جارية سوداء تحظّاها الظاهر، فولدت له المستنصر؛ فراعت ذلك لأبى سعيد وقدّمته عند ولدها المستنصر لمّا صارت الخلافة إليه ورتبته فيما يخصها؛ فعظم شأنه إلى أن صار ناظرا فى جميع أمور الدولة. فلمّا وزر الأنبارى قصده أبو ثمر إبراهيم؛ فجبهه غلام له، فأحفظه، وأعلم أخاه أبا سعيد؛ فثنى رأى المستنصر عن ابن الأنبارىّ لهذا السبب، وأشار عليه أن يستوزر أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحى (¬٢)، وكان يهوديّا قد أسلم، فاستوزره بعد الجرجرائىّ فى يوم الثلاثاء حادى عشر شهر رمضان، ولقّب بالوزير الأجلّ، تاج الرّئاسة، فخر الملك، مصطفى أمير المؤمنين. وكان يهوديّا موصوفا بالبراعة فى ضروب الكتابة. ولى أوّلا نظر الشام؛ ثم خاف أمير الجيوش أنوشتكين الدّزبرى ففرّ منه؛ وقد اجتهد فى طلبه فلم يظفر به. وقدم إلى القاهرة، فرعى له الجرجرائىّ حرمة انفصاله عن الدّزبرى، ورقّاه، وأشار فى مرضه بأن يستوزر من بعده. فلما تقررت له الوزارة أملى سجلّ تقليده ليلة اليوم الذى خلع عليه فيه.\rوتولى أبو سعيد التّسترى الإشراف عليه. وقبض على ابن الأنبارىّ، وصودر، حتى هلك تحت العقوبة، ودفن بخزانة البنود (¬٣) وكان مسجونا بها. وصار الفلاحى لا يعمل إلا بما يحدّه له أبو سعيد ويمثله.\rوكان المستنصر قد بثّ دعاته سرّا إلى الآفاق يدعون إليه، ويستميلون من تصل القدرة إلى استمالته. فلمّا كان فى هذه السنة دفع جماعة منهم إلى ما وراء النّهر، ودعوا هناك بعد أن","footnotes":"(¬١) يرد اسمه هنا بهذا الرسم: أبو سعيد، وبرسم آخر: أبو سعد. وقد احتفظنا بالرسم الأول لوروده به فى أكثر من مصدر.\r(¬٢) وكان الجرجرائى أيضا قد أوصى به وزكاه للوزارة قبيل وفاته. نهاية الأرب.\r(¬٣) خزانة البنود وتعرف أيضا بدار البنود، وكانت لحفظ الأعلام وكذلك لحفظ أنواع السلاح. معجم البلدان: ٧:٤؛ الخطط: ٤٢٣:١ - ٤٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276852,"book_id":167,"shamela_page_id":560,"part":"2","page_num":192,"sequence_num":560,"body":"دعوا بخراسان؛ فاستجاب لهم طوائف من الناس. وحصلوا عند بغرا خان، أخى رسلان خان صاحب ما وراء النهر (¬١). فلمّا علم بهم تلطّف فى الكشف عنهم بأن استمالهم وقرّبهم، وأطمعهم أنّه يريد الدّخول فيما هم فيه؛ فأنس به طائفة منهم، وأرادوا أن يأخذوا عليه العهود والمواثيق، فخدعهم بإطلاق المال، واستخبر به ما عندهم، حيث إنّه أنفق عليهم فى مدة سنتين ثلاثمائة ألف درهم، حتى اطّلع على عددهم، وعرف مواضعهم؛ وهم يطالبونه باليمين والعهد إلى أن أجابهم على شرط أن يكتبوا أيمانهم، ويطلعوه على باطنهم.\rفكتبوا ذلك ودفعوه إليه ليتفكّر به، وقد كتب كتابا على قدر كتابهم وشكله، يقسم فيه بالأيمان المغلّظة أنه متى انكشف له من أمرهم ما يدلّ على الإلحاد والخروج عن تشريع الإسلام ذبحهم بيده تقرّبا إلى الله تعالى. ثم استدعاهم وأعلمهم استجابته إلى ما دعوه إليه، وردّ إليهم الكتاب حتى شاهدوه وعرفوه، واستعاده ليحلف به. فلمّا حصل فى يده أخرج الكتاب الذى كتبه وحلف أنه يفى بجميع ما تضمّنه ولا يعدل عنه؛ فوثقوا بذلك، وخفى عليهم فرق ما بين الكتابين.\rثم جمعهم وقال لهم ما أتمكّن من إظهار نفسى والمبادرة بنصرتكم إلاّ فى عدد قوى، فإنّ بلاد التّرك تشتمل على ثلاثمائة ألف سيف مشهور تخالف هذا المذهب؛ فإن كنتم فى عدد قويت به. فذكروا له دعاتهم ببلاد المشرق وسمّوهم له، وأفضوا إليه بجميع سرّهم، ودفعوا إليه كتبهم إلى جميع أصحابهم بما استقرّ العزم عليه. ثم جمعهم وأحضر فقهاء بلده لمناظرتهم، وفيهم عبد الملك بن محمد البلخى الفقيه بن محمد شيخ البلد، ونصر بن عطاء، وجعلهما","footnotes":"(¬١) بغرا خان الثالث، محمود (أو محمد) بن يوسف قدرخان حكم فى ما وراء النهر بين سنتى ٤٢٥ - ٤٤٩ (١٠٣٣ - ١٠٥٧)، وهو أخو شرف الدولة أبى شجاع أرسلان خان الثانى بن يوسف قدر خان، من أسرة إيلك خانات فارس التى حكمت ما وراء النهر بين سنتى ٣١٥ - ٤٤٩ (٩٢٧ - ١٠٥٧)، وتفرعت عنها الجماعة التى حكمت بخارى، فيما وراء النهر أيضا، وتلك التى كانت فى كاشغر وخوتان وبلاسانون. معجم الأنساب. انظر أيضا:\rMohammadan Dynasties .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276853,"book_id":167,"shamela_page_id":561,"part":"2","page_num":193,"sequence_num":561,"body":"من وراء ستر؛ فذكر الدّعاة أسرار مذهبهم على غرّة منهم وغفلة بما دبّر عليهم، وبغرا خان يستخبرهم حتى صرّحوا بعقائدهم. فأخرج حينئذ عبد الملك ونصرا، وقبض على الدّعاة وقيدهم، ونادى فى الناس ليجتمعوا، وقد نصب جذعا، وصلب عليه الدعاة واحدا بعد واحد، ورماهم بالنّشّاب، فقتل منهم ستة عشر رجلا، وذبح منهم واحدا بين يديه، ذبحه بعض عبيده فأعتقه؛ وتصدّق بمائة ألف درهم. وتتبع كلّ من فى أعماله من الدّعاة، فقبض على مائة وثلاثة وثلاثين رجلا، وأوثقهم بالحديد، وألقاهم فى جبّ مظلم؛ وكتب إلى جميع بلاد ما وراء النهر بقتل من عندهم من هذه الطائفة. وكتب إلى بغداد بما فعله، فقدم رسوله فى هذه السنة، فأجيب بالشكر والثناء.\rوفيها سيّر المستنصر إلى قرواش [بن المقلد (¬١)] أعلاما وخلعا، فلبسها؛ فأنفذ إليه الخليفة القائم من بغداد يعاتبه على ذلك، فاعتذر، ولبس السّواد، ورجع عن دعوة المستنصر (¬٢).","footnotes":"(¬١) بياض بالأصل والتكملة استعانة بمصادر أخرى، منها الكامل لابن الأثير والنجوم الزاهرة وذيل تاريخ دمشق - فى مواضع - وهو معتمد الدولة أبو المنيع قرواش بن المقلد العقيلى، من العقيليين أصحاب الموصل. زامباور؛\rMohammadan Dynasties .\r(¬٢) بهامش الأصل: بياض ثلاثة أرباع صفحة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276854,"book_id":167,"shamela_page_id":562,"part":"2","page_num":194,"sequence_num":562,"body":"سنة سبع وثلاثين وأربعمائة (¬١):\rاشتهر انتقاض الهدنة التى قرّرها الظاهر لإعزاز دين الله بينه وبين متملّك الروم، وسعى الرّسل فى تقريرها بين المستنصر وبينه؛ وكان انتقاضها على الحقيقة من مدّة أربع سنين مضين. فلما كان فى ثامن ذى الحجّة وردت هديّة متملّك الروم من القسطنطينية إلى القاهرة، وقيمتها ثلاثون قنطارا من الذهب، والقنطار عندهم سبعة آلاف دينار ومائتا دينار. وكان من جملتها بغل وحصان من أحسن الدواب وأعلاها قيمة، كلّ منهما عليه ثوب ديباج رومىّ منقوش ثقيل؛ وخمسون بغلا عليها مائة صندوق مصفحة بالفضة، فيها آنية الذهب والفضة، منها مائة قطعة بميناء؛ وفيها من الدّيباج والسندس والإبريسم والعمائم المعلمة ما لا يقدر على مثله. فعوّض عن هديته بمثلها من حقّ مصر ومن الجوهر والمسك والعود والطّراز، عمل تنّيس ودمياط، ما هو أكثر قيمة مما بعثه (¬٢).\r\rسنة ثمان وثلاثين وأربعمائة (¬٣):\rفى سادس عشر المحرم قتل أبو على الحسن بن على الأنبارى فى خزانة البنود بالقاهرة (¬٤).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها التاسع عشر من يوليو سنة ١٠٤٥.\r(¬٢) بهامش الأصل: بياض نحو ثلث صفحة.\r(¬٣) ويوافق أول المحرم منها الثامن من يوليو سنة ١٠٤٦.\r(¬٤) بهامش الأصل: بياض نحو ورقة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276855,"book_id":167,"shamela_page_id":563,"part":"2","page_num":195,"sequence_num":563,"body":"سنة تسع وثلاثين وأربعمائة (¬١):\rفيها عمل الوزير أبو منصور الفلاحى على أبى سعيد سهل بن هارون التّسترى اليهودى وقتله عند خان العبيد. وذلك أن أمّ المستنصر كانت جارية أبى سعيد هذا، فأخذها منه الظاهر وتسرّاها، فولدت له ابنه المستنصر، فرقت أبا سعيد درجة عليه بعد وفاة الظاهر (¬٢). وكان يخاف الوزير الجرجرائىّ، فلم يظهر ما فى نفسه. فلما مات الجرجرائىّ وتولّى الفلاحى انبسطت كلمة أبى سعيد فى الدّولة، بحيث لم يبق للفلاحىّ معه فى الوزارة أمر ولا نهى، سوى الاسم فقط وبعض التنفيذ لا غير، وأبو سعيد يتولّى ديوان أم الخليفة المستنصر. فغضّ الفلاحى بأبى سعيد وشغب عليه الجند حتى قتلوه. وذلك أن بنى قرّة، عرب البحيرة، أفسدوا فى الأعمال، فخرج إليهم الخادم عزيز الدولة ريحان، وأوقع بهم وقتل منهم، وعاد وقد عظم فى نفسه لمعالجة النّصر على بنى قرّة والظفر بهم. فثقل على أبى سعيد أمره واستمال المغاربة وزاد فى واجباتهم، ونقص من أرزاق الأتراك ومن ينضاف إليهم؛ فجرى بين الطائفتين حرب بباب زويلة. واتفق مرض ريحان وموته، فاتّهم أبو سعيد أنه سمّه؛ وتجمّع الطوائف المنحرفة عنه على قتله. فركب من داره على العادة يريد القصر، فى يوم الأحد لثلاث خلون من جمادى الأولى، فى موكب عظيم؛ فلما قرب من القصر اعترضه ثلاثة من الأتراك وضربوه حتى مات. فأمر المستنصر بإحضار من قتله، فاجتمع الطوائف وقالوا نحن قتلناه. فلم يجد المستنصر بدّا من الإغضاء. وقطّع الأتراك أبا سعيد قطعا، وتناولت الأيدى أعضاءه فتمزّقت؛ واشترى أهله ما قدروا على تحصيله من جثّته بمال.\rوجمع الأتراك ما قدروا عليه من أعضائه ورمّته، وحرقوا ذلك بالنار، وألقوا عليه من التراب","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن والعشرين من يونيو سنة ١٠٤٧.\r(¬٢) وتولى ديوانها الخاص. وزاد ضرره واشتد أذاه للمسلمين حتى كانوا يحلفون: وحق النعمة على بنى اسرائيل. نهاية الأرب. وسيرد فى المتن بعد قليل ما يفيد أن أبا سعيد هو الذى كان يحلف بهذه العبارة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276856,"book_id":167,"shamela_page_id":564,"part":"2","page_num":196,"sequence_num":564,"body":"ما صار به تلاّ مرتفعا. وضمّ أهله ما وصل إليهم منه فى تابوت وأسدلوا عليه سترا، وتركوه فى بيت مؤزّر بالسّتور وأوقدوا الشموع، وأقاموا عزاءه. فتعلقت من بعض الشموع شرارة فى الستور التى هناك ومضت فيها، فاحترق التابوت بما فيه.\rوكان مقدار ما حصل فى بيت المال البرّانى على يدى أبى نصر صدقة الوزير وأبى سعيد إبراهيم التّسترى من يوم مات الوزير علىّ بن أحمد الجرجرائى وإلى أن قتل أبو سعيد سبعمائة ألف دينار. والذى مات عنه الجرجرائىّ، وهو حاصل بيت المال المذكور برسم النفقات، ألف وسبعمائة ألف وستمائة وواحد وعشرون دينارا ونصف ونصف ثمن دينار. فصار حاصل بيت المال برسم النّفقات إلى أن قتل أبو سعيد ألقى ألف دينار وأربعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون دينارا ونصف ونصف ثمن دينار.\rوردّ المستنصر لأبى نصر، أخى أبى سعيد، خزانة الخاصّ، ولولدى أبى سعيد النظر فى بعض الدّواوين. وحقدت أمّ المستنصر على الوزير أبى منصور صدقة بن يوسف الفلاحى بسبب قتل أبى سعيد، وما زالت به حتى صرفته عن الوزارة واعتقلته بخزانة البنود. وقيل كان صرفه فى سادس المحرّم سنة أربعين.\rواتّفق أنه لما قبض عليه وسجن بخزانة البنود وأمر بقتله بها، حفرت له حفيرة ليوارى فيها، فظهر للفعلة عند الحفر رأى، فلما رفع سئل عنه الفلاحى، فقال هذا رأس ابن الأنبارىّ، وأنا قتلته ودفن فى هذا الموضع؛ وأنشد:\rربّ لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحك من تزاحم الأضداد\rوكان أبوه أحد الكتاب البلغاء؛ وتولى ديوان دمشق (¬١).","footnotes":"(¬١) وهو أبو الفضل يوسف بن على، وقد هجاه الواسانى بقصيدة أولها:\rيا أهل جيرون، هل بسامركم … إذا استقلت كواكب الحمل\rوالواسانى هذا هو أبو القاسم الحسين بن الحسين بن واسانة بن محمد. انظر اليتيمة للثعالبى حيث تجد هذه القصيدة فى نحو ١٤٠ بيتا","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276857,"book_id":167,"shamela_page_id":565,"part":"2","page_num":197,"sequence_num":565,"body":"ومن أحسن ما قيل فى أبى سعيد، وقد كره أذاه للمسلمين أنه كان يحلف: «وحقّ النعمة على بنى إسرائيل»، قول الرضىّ فيه:\rيهود هذا الزّمان قد بلغوا … غاية آمالهم، وقد ملكوا\rالعزّ فيهم والمال عندهم … ومنهم المستشار والملك\rيأهل مصر إنّي قد نصحت لكم … تهوّدوا قد تهوّد الفلك\rوفيها استقر فى الوزارة بعد الفلاحى أبو البركات الحسين بن عماد الدولة بن محمّد بن أحمد الجرجرائى، ابن أخى الوزير صفىّ الدّين، ولقّب بالوزير الأجلّ الكامل الأوحد، علم الكفاة، سيد الوزراء، ظهير الأئمة، عماد الرؤساء، فخر الأمة، ذى الرئاستين، صفىّ أمير المؤمنين.\rوفيها ابتدأ أمر أبى محمد الحسن بن على بن عبد الرحمن اليازورىّ. وكان من خبره أن أباه علىّ بن عبد الرحمن كانت له حال واسعة ببلد يعرف بيازور (¬١)، من ضياع فلسطين، وكان مقدّما فيها؛ فلما كبرت حاله انتقل إلى الرّملة واستوطنها، وصارت له وكلاء فى الضّياع. فاشتهر هناك وعرف بالعفّة والصّدق وسماح النفس، فردّ إليه قضاء بعض أعمال الرملة. ونشأ له ابنان نجيبان، ولى أحدهما الحكم بعد أبيه إلى أن توفى، ثم خلفه أخوه عبد الرحمن هذا من بعده، فعرف بسعة النفس وسعة الأخلاق؛ فاتصل بخدمة الوزير الجرجرائى، فصار بذلك ممنوعا ممّن يريده بسوء.\rواتفق أنه حجّ قبل قدومه إلى مصر، فلما زار قبر رسول الله نام فى الحجرة الشريفة، فسقط عليه خلوق من الزّعفران الملطّخ فى حوائط الحجرة، فجاء بعض الخدّام وأيقظه من نومه وقال: أيّها الرجل، إنك تلى ولاية عظيمة وقد بشّرتك، فلى منك الحباء والكرامة.","footnotes":"(¬١) يازور قرية من قرى الرملة بفلسطين","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276858,"book_id":167,"shamela_page_id":566,"part":"2","page_num":198,"sequence_num":566,"body":"ثم انتقل بتلطّفه وكثرة مداخلته إلى خدمة السيدة أم المستنصر، فتقرّب بخدمتها، ولازم بابها عند ما صرف عن الحكم بفلسطين يسأل عوده إلى وطنه وخدمته فيها؛ وهو مع ذلك يواصل الوزير الفلاحى ويؤانسه، فيبدأه بما فى نفسه من أبى سعيد التسترى، فيفاوضه فى التّدبير على المذكور، ويفتح له من العمل عليه ما يظهر له صوابه. فثقل مكانه على أبى منذر لقربه من أمّ المستنصر ولمما لأنه الوزير الفلاحىّ؛ وهمّ به، ثم تراخى عنه، حتى كان من أمره ما كان؛ وأمر اليازورى فى كل يوم يتزايد وحاله يقوى. إلا أن قاضى القضاة وداعى الدعاة قاسم بن تاميلا كان يمتنع من ردّ الحكم إليه ببلده، لما يعلم من سوء رأى أبى سعيد فيه، وأنه يريد القبض عليه؛ فكان ينحرف عنه ولا يلتفت إليه.\rواتّفق أن حضر قاضى القضاة ذات يوم بباب البحر من القصر، على عادته فى كل يوم اثنين، لتقبيل الأرض والسلام أو خروج السّلام عليه، ويجلس معه من الشهود من جرى رسمه بذلك. فلمّا جلس بباب البحر وخليفتاه القضاعى وابن أبى زكرى والشّهود دخل أبو محمّد اليازورى وجلس معهم؛ فقال له قاضى القضاة: بأمر من جلست ههنا! أتظنّ أنّ المجالس كلّها مبذولة لكلّ أحد أن يجلس فيها؟ هذا مجلس لا يجلس فيه إلا من أذنت له حضرة الإمامة وشرّفته به؛ اخرج، فو الله لا تصرّفت على أيامى أبدا. فخرج ورجلاه لا تكادان تحملانه، فوقف بباب البحر إلى أن خرج قاضى القضاة، فسار وخليفتاه والشهود معه، فسار فى أعقابهم، وسبقهم ووقف بباب دار القاضى؛ فلما نزل صنع له استعطافا، فلم يعره طرفه وانصرف. فلقيه القضاعى وقال: يا أبا محمد، كان يجب ألاّ تريه وجهك عقب ما جرى لك معه. وفارقه. فلقيه ابن أبى زكرى وخاطبه بجفاء. فردّ إلى داره مغموما، فوجد ثلاثين حملا من تفاح قد وصلت إليه من ضياعه لتباع بمصر، فأنفذ منها خمسة أحمال إلى الوزير، ولقاضى القضاة خمسة أحمال، وللقائد الأجلّ عدّة الدولة رفق خمسة أحمال، ولمعزّ الدولة معضاد خمسة أحمال، ولابن أبى زكريّا ثلاثة أحمال، وللقضاعى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276859,"book_id":167,"shamela_page_id":567,"part":"2","page_num":199,"sequence_num":567,"body":"خمسة أحمال، وفرّق حملين على حرّاسهم. فلم يلتفت أحد منهم إليه، ولا عطف عليه، ما خلا القائد الأجلّ عدة الدولة رفق فإنه شكره وأثنى عليه. وهو مع ذلك يقف بباب البحر، فإذا أقبل عدة الدولة رفق يريد القصر تلقّاه وسلّم عليه، فيكرمه ويسأل عن حاله، ثم يدخل إلى القصر؛ فإذا خرج وجده واقفا على حاله فيسلم عليه ويتبعه إلى داره؛ فإذا دخل انصرف عنه. فأقام على ذلك أياما، فخفّ على قلبه ورغب فى اصطناعه؛ فصار إذا وصل الى داره أمره بالنّزول معه، فينزل، ويتحدثان - وكان حلو الحديث - فيطيل عنده، ثم ينصرف. فصار يشتاقه إذا غاب، ويمسكه إذا أراد الانصراف حتى تحضر المائدة.\rوكانت أمّ المستنصر لمّا هلك أبو سعيد توقّفت أمور خدمتها، فأحضرت أخاه وأمرته بخدمتها، فامتنع خوفا من الوزير والأتراك؛ واستمرت ثلاثة أشهر تسأله وهو يمتنع. فحضر أبو محمد اليازورى يوما، فجلس عدة الدولة رفق، وجرى بينهما امتناع أبى نصر، أخى أبى سعيد، من خدمة أم المستنصر، فقال له رفق: أرى أن تكتب رقعة تلتمس خدمتها وتعرض نفسك عليها. فقال أبو محمد: قد كنت أظن جميل رأيك فىّ وإيثارك مصلحة حالى، وأكذبنى ظنّى. فقال: بماذا؟ فقال: الهزء بى، فإنّى قد أجهدت فى العود إلى قرية كنت فيها فبخل علىّ بها. فكيف أتعرّض لهذا الأمر الكبير ومناوأة الوزراء! فقال له: أما ترضانى سفيرا لك فى هذا الأمر، وعلىّ استفراغ الوسع فيه، لوجوب حقّك علىّ، فإن قضت الأقدار ببلوغ الغرض فى ذلك فقد أدركنا ما نؤثره، وإن تكن الأخرى فقد أكثر من العطلة ما تحصّل. فأجاب إلى ذلك، وكتب إلى السّيدة رقعة يعرض نفسه وماله عليها، ويخطب خدمتها، ويبذل الاجتهاد فيها؛ وأخذها منه رفق.\rفلما كان من الغد ركب إلى القصر، ودخل إلى السيدة وقد أحضر أبو نصر، وعاودته الخطاب فى خدمتها وهو يمتنع؛ حتى أضجرها؛ فانتهز عز الدولة رفق الفرصة بضجرها وقال: يا مولاتنا، قد طال غلق بابك ووقف خدمتك فى امتناع الشيخ أبى نصر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276860,"book_id":167,"shamela_page_id":568,"part":"2","page_num":200,"sequence_num":568,"body":"ممّا نريده منه؛ وههنا من أنت تعرفينه، وهو رجل مسلم وقاض، وكبير المروءة، وهو مستغن بماله وأملاكه عن التعرّض لما لك، وهو ثقة ناهض كاف فقالت:\rمن هو؟ فقال القاضى أبو محمد اليازورى، وهذه رقعته. فأمرته بتسليمها إلى أبى نصر، وقالت: ما تقول فيه؟ فلم يصدّق بذلك. فقال يا مولاتنا، هو والله الثقة الأمين الناهض الذى يصلح لخدمتك، وفيه لها جمال، وما تظفرين بمثله. فوقع ذاك منها بالموافقة.\rفقال لرفق: قل له يجلس فى داره غدا حتى أنفذ إليه؛ فسرّ بذلك وخرج، فإذا أبو محمد فى انتظاره على عادته، فسار، ولحق به أبو محمد، فقال له: أقمح أم شعير؟ فقال: بل برّ يوسفى، وقصّ عليه الخبر. فلما كان الغد جاء الرسول مستدعيا له، فركب إلى بابها، فأحضرته وأدخلته وراء المقطع وردّت إليه أمر بابها والنظر فى ديوانها، الذى هو باب الربح، وجميع أحوالها؛ ونزل. فبلغ ذلك الوزير، فكبر عليه وأقلقه أن تمّ على غير يده، وأنه لا يقبل قوله عند السّيدة لما فى نفسها منه لقتل أبى سعيد.\rوأقبل الأمراء الأتراك إلى القاضى أبى محمد، فهنئوه بما صار إليه؛ فقام إليهم وتلقّاهم، وأعظم سعيهم إليه وشكرهم، وقال: ما أنا إلاّ خادم ونائب لموالى الأمر، أسأل فى تشريفى بما يعيّن لهم من خدمة لأنهض فيها. ثم لما قاموا نهض قائما لوداعهم. وأخذ الوزير الفلاحى فى العمل عليه، فلم يمض إلا أيام حتى قبض عليه وقتل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276861,"book_id":167,"shamela_page_id":569,"part":"2","page_num":201,"sequence_num":569,"body":"سنة أربعين وأربعمائة (¬١):\rفيها سار ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان، أمير دمشق، وشجاع الدّولة جعفر بن كليد، والى حمص (¬٢)، بالعساكر وقبائل العربان إلى حلب لقتال أميرها ثمال بن صالح بن مرداس. وذلك أن ثمال بن صالح كان قد قرّر على نفسه فى وزارة الفلاحى أن يحمل كل سنة عشرين ألفا، فأخّر الحمل سنتين؛ وأخذ شجاع الدّولة يغرى الوزير على ثمال ويسهّل أمر حلب. فخرج الأمر إلى ابن حمدان أن يسير هو ووالى حمص بجموع العرب؛ فنزل بمن معه على حماة وفتحها، وأخذ المعرّة (¬٣)، وأقدم فنزل على حلب لخمس بقين من ربيع الآخر. وحارب ابن مرداس حروبا آلت إلى رحيل ابن حمدان بغير طائل، فى سادس عشر جمادى الأولى. ففى عوده أصابه سيل هلك فيه أكثر ما معه من الخيل والرّجال والأمتعة، وعاد إلى دمشق. فبعث ثمال إلى المستنصر يسأل عفوه، وكان المتوسّط بينهما أبو نصر إبراهيم، أخو أبى سعيد [التّسترى]، فأجيب إلى ذلك؛ وانفصل رسوله من الحضرة. فورد الخبر بأن ثمال بعث واليا إلى معرة النّعمان، وأنه أساء التدبير، فانحرف عنه الناس، وفر منهم إلى حلب؛ وأن جعفرا، أمير حمص، بادر إلى المعرّة، فلقيه مقلّد بن كامل بن مرداس وحاربه، فقتل فى الوقعة","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السادس عشر من يونيو سنة ١٠٤٨.\r(¬٢) بهامش الأصل عبارة نصها: فى الأصل المنقول عنه بخط مصنفه ورقة فى هذا المحل يقول فيها: «وملخص أمر حلب أن ثمال بن صالح بن مرداس أخر حمل ما قرره على نفسه فى كل عام، فأنفذ المستنصر لقتاله متولى دمشق ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن حمدان وشجاع الدولة جعفر بن كليد متولى حمص، فسارا بجميع عساكر الشام وفتحوا حماة والمعرة ونزلوا على حلب وقد استعد سعد الدولة ثمال وجمع خمسة آلاف من بنى كلاب وكلب وغيرهم، وخرج وقاتلهم، فانهزم أكثر أصحابه، وثبت فى طائفة بقية نهاره، وعاد إلى المدينة. وخرج من الغد وقاتل، فصبر الفريقان صبرا طويلا وأبلوا بلاء حسنا، ثم اقتتلوا فى اليوم الثالث فثبت ثمال ثباتا زائدا فرحل ابن حمدان».\r(¬٣) معرة النعمان من أعمال حمص، بين حماة وحلب، تستقى من العيون، وبها كثير من أشجار الزيتون. معجم البلدان: ٩٦:٨ - ٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276862,"book_id":167,"shamela_page_id":570,"part":"2","page_num":202,"sequence_num":570,"body":"لستّ بقين من شعبان، وحملت رأسه وشهّرت بحلب، وأسر كثير من عسكره؛ فبعث المستنصر إلى رسول ثمال وردّه، وأفهمه ما ورد من المكاتبة.\rووجد الوزير أبو البركات السّبيل إلى الإغراء بأبى نصر إبراهيم، فما زال يبلّغ المستنصر بأنه حمله الحقد لقتل أخيه على السّعى فيما يضرّ الدّولة من التوسّط بين ثمال والحضرة، وأنّ ابن حمدان أساء التدبير فى رجوعه عن حلب. فقبض على أبى نصر، وأخذت عامّة أمواله، وعوقب حتى مات.\rوولى دمشق بهاء الدولة مظفّر الخادم الصقلبى، وخرج إليها على جرائد الخيل (¬١)، فدخلها على حين غفلة، وقبض على ناصر الدّولة ابن حمدان وحمله إلى صور، ونقله إلى الرّملة وصودر، وأقام مظفّر الخدمة بدمشق. وقبض على راشد بن سنان بن عليان، أمير بنى كلاب، واعتقله بصور.\rوخرج أمير الأمراء المظفر، فخر الملك، عدة الدولة وعمادها، رفق الخادم، فى ثامن عشر ذى القعدة بتجمّل كثير وأبّهة عظيمة، وقوة قوية، وعدّة وافرة، وآلات طبله، وعساكر تبلغ عدتهم ثلاثين ألفا؛ وكان المنفق فيه عينا مع قيمة العروض أربعمائة ألف دينار. فبرز ظاهر القاهرة يريد حلب، وخرج المستنصر لتشييعه، وكتب لجميع أمراء الشام بالانقياد له والطّاعة لأمره، وأن يترجّلوا له إذا لقوه. وسار فوافى الرّملة وقد وصل رسول صاحب القسطنطينية بالصّلح بين المستنصر وبين بنى مرداس، ففشل رفق وانخرقت حرمته، وجرت بالرملة وبدمشق أمور آلت إلى حرب بين العسكر عدة أيام، فبات يوما ظاهر دمشق.","footnotes":"(¬١) جمع جريدة، وهى الفرقة من العسكر الفرسان لا رجالة بينهم، والفرقة من الجند إذا خرجت مسرعة من غير أثقال لمهمة تستدعى الإسراع فى الخروج. لسان العرب. انظر أيضا: Dozy;Supp.Dict.Ar .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276863,"book_id":167,"shamela_page_id":571,"part":"2","page_num":203,"sequence_num":571,"body":"وفيها قتل الوزير صدقة بن يوسف الفلاحى يوم الاثنين، النصف من المحرم، بخزانة البنود ودفن فيها. واتفق فى وفاته عجب، وهو أنه لما ولى الوزارة سعى فى اعتقال أبى على الحسن بن على الأنبارىّ، واعتقله بخزانة البنود، ثم قتله، فى سنة ستّ وثلاثين وأربعمائة، ودفنه بخزانة البنود. فلما قبض عليه بعد صرفه عن الوزارة سجن فى المكان الذى كان فيه ابن الأنبارى من خزانة البنود، وقتل فيها، ودفن معه. وكان ابن الأنبارى من جماعة الوزير الجرجرائى ورفيقا للفلاحى وصاحبه، ولما ولى الوزارة تخوّف منه، وما زال يعمل عليه حتى قتله، كما تقدم.\rوفيها أقبلت حال أبى محمد اليازورى تزيد، ومنزلته ترتفع، وخلع عليه ثانيا، وأمر ألا يقوم لأحد إذا دخل عليه ولو عظم قدره؛ فكان يعتذر إلى من يغشاه من الجلّة والرؤساء الأكابر، وأنه لو ملك اختياره لبالغ فى تكرمتهم بما يستحقونه؛ خلا القائد عدّة الدولة الذى كان سفيره، فإنه كان إذا أقبل وثب إليه قائما. فبلغ السيدة ذلك، فقالت له: لا تتحرك لأحد بالجملة، فكان إذا جاءه اعتذر إليه. ولقب بالمكين عمدة أمير المؤمنين؛ وترقّت أحواله حتى صار يحضر بحضرة الخليفة إذا أراد أن يستدعى الوزير كما كان أبو سعيد مع الفلاحى. فعظم ذلك على الوزير، لأنه كان إذا حضر القاضى أبو محمد اليازورى تحدّث طويلا والسيدة من وراء المقطع، ثم يستدعى الوزير فيعرض ما يريد من أمر الدّولة، ولا يكون المجيب له إلاّ القاضى أبو محمد، فإذا أجابه التفت إلى المستنصر وقال أليس هذا الصّواب؟ فيقول المستنصر نعم؛ ثم يخرج الرّسول من وراء المقطع ويقول هذا الصّواب. فكان الوزير كأنه يعرض على اليازورى الأمور دون الخليفة، فيشق عليه ذلك، ولا يتمكن من مخالفته، ولا يستطيع الصبر على ما به.\rوكان من جملة أصحاب الدّواوين رجل يعرف بالشيخ الأجل عبد الملك زين الكفاة أبى المفضل صاعد بن مسعود، وإليه ديوان الشام يومئذ، وهو شيخ خود؛ وكان الوزراء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276864,"book_id":167,"shamela_page_id":572,"part":"2","page_num":204,"sequence_num":572,"body":"يعتمدون عليه ويرجعون إلى رأيه. فأحضره الوزير، وفاوضه فى أمر اليازورى، وأخذ رأيه فيما يعمل معه؛ فأشار عليه بأن يحسّن للخليفة أن يقلّده القضاء، ظنّا منه أنه إذا تقلّد القضاء فإنه يقع فى أمر كبير، ويشغله ذلك عن ملازمة السيدة، فيجد الوزير سبيلا إلى استخدام ولده مكانه، ويتقوّى له الأمر فيه، ويملك جهة الخليفة والسيدة. وكان قد تكلّم فى قاضى القضاة من أيام أبى سعيد، وذكر أنّ أمور النّاس ناقصة فى حكوماته، وأنّ له غلمانا قد استحوذوا على الحكم، وهم الذين يوقفون أمور النّاس؛ فاستخدم أبو سعيد شاهدا يعرف بابن عبدون، خليفة القاهرة، وتقدم إلى قاضى القضاة ألا يفصل حكما بين اثنين إلاّ بحضوره. وضبط ابن عبدون أمر الحكم ضبطا شديدا؛ وكان الخصوم يجتمعون بباب القاضى والشّهود بين يديه، فلا يمضى حكما إلا فى دعوى بين اثنين، وما يحتاج إليه من إقامة بينة، أو منازعة امرأة مع بعل لها فى فرض، وما يجرى هذا المجرى. وأمّا فى تثبيت أو قصص مستعجمة الحكم، وما يحتاج فيه إلى مناظرات ومنازعات فلا يتكلّم فى شيء من ذلك إلا عند حضور ابن عبدون؛ وحجج الناس يحتاط عليها فى قمطر، وتحمل بين يدى القاضى؛ فإذا حضر ابن عبدون أحضرت وفصل الحكم فيما بين أصحابها. وما زال كذلك حتى حضر إليه خصم فى مرّات، فخاف عليه وتشفع إليه بأصدقائه، فلم يعره فرصة يوما حتى خرج من مجلس قاضى القضاة وركب، فتقدم إليه وقبّل ركابه، وخضع له وتلطّف فى أمره، فلم يلتفت إليه؛ فعاد إلى من خرج إليه من الشهود وسألهم سؤاله، فانتهره. فلما أيس منه وثب عليه بخنجر وخرق به بطنه، فخرّ إلى الأرض ميتا. وأخذ الرّجل إلى أبى سعيد، فنكّل به وقطع يديه ورجليه، وضرب عنقه. ثم استخدم أبو سعيد بعد ابن عبدون القضاعىّ وابن أبى زكرى وأقامهما خليفتى قاضى القضاة، وأمرهما بسلوك طريق ابن عبدون فى الأحكام، فلم يقوما مقامه، وكانا يجاملان القاضى؛ فعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ابن عبدون، إلاّ فى فصل الأحكام فإنها كانت لا تنفصل إلاّ بحضورهما. فثقل ذلك على القاضى لاستيلاء غلمانه عليه، واتّهامه أنّ أمور الناس واقفة، وأنّه لا ينفذ له حكم ولا أمر ولا نهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276865,"book_id":167,"shamela_page_id":573,"part":"2","page_num":205,"sequence_num":573,"body":"وكان يحضر مجلس الوزير يوم الخميس فى القصر بعد قضاء خدمة المجالس، ثم فى الدّار يوم الاثنين مسلّما عليه. فحضر دار الوزارة يوم الاثنين على رغمه، فقرّبه الوزير وسأل عن حاله؛ فأجاب بأنه لا حكم له ولا أمر، والأحكام مردودة إلى خليفتيه ولهما الحكم دونه، فإذا حضرا فتح باب الحكم، وإذا غابا أغلق بابه. فقال له: كفيت يا قاضى القضاة. وخرج من عنده وحضر بعده القضاعى وابن أبى زكرى، فقال لهما الوزير:\rما لقاضى القضاة يتضرّر منكما ويشكو استيلاء كما على الحكم دونه، وأنه لا تنفذ أوامره معكما؟ فقالا: وأىّ أمر لنا دونه، هل أوقفنا أمر أحكامه، أو لنا غلمان يمسكون حجج النّاس حتى يصانعوهم عليها؟ يعرّضان بغلمان القاضى! إنما نحن فى حضورنا كبعض الشهود والأمر إليه فى إمضاء الأحكام؛ وإنا لنشاهد ما لا يتّسع لنا الكلام فيه. فقال: كفيتما أيها القضاة. وانصرفا وقد انفتح له باب الحيلة فى صرف القاضى وتولية أبى محمد اليازورى.\rواتفق مع ذلك توعّك أبى محمد وانقطاعه أياما فى داره عن مجلس الخليفة، فخلا له وجه السلطان وأعاد عليه النّوبة، ثم قال له: أنت يا أمير المؤمنين لسان الشرع، ومقيم مناره، ومنفّذ أحكامه؛ وقاضى القضاة إنما ينطق بلسانك، وينفّذ الأحكام عنك؛ فإذا اشتهر فى الأقطار ما يتمّ على الناس فى أحكامهم كان سوء السمعة فى ذلك على الدولة، وإثارة الشّناعة القبيحة عليها؛ وفى الخصوم من هو من المشرق والمغرب واليمن وما وراءه، والرّوم؛ وفى استفاضة ذلك غضاضة على الدّولة. ونحن إنّما نطول على الممالك والدّول بإقامة سنن الشريعة وإظهار العدل الذى عفت آثاره فى غيرها من الدّول؛ وقد كبر قاضى القضاة واستولى عليه غلمانه وغلبوا على أمره. فقال المستنصر: نحن نحفظ فيه خدمة سلفه لنا ومهاجرتهم معنا. فقال: يا أمير المؤمنين، حفظك الله وشكرك؛ أما كان من كرامة سلفه أن يستتر حتى لا يشيع هذا عنه؟ وما زال حتى قال الخليفة: من فى الدولة يجرى مجراه؟ فقال: يا أمير المؤمنين: عبيدك كثير، ومع ذلك فبين يديك من يتحمّل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276866,"book_id":167,"shamela_page_id":574,"part":"2","page_num":206,"sequence_num":574,"body":"الحكم به مع ثقته وأمانته وقربه من خدمتك، القاضى أبو محمد. فقال: ذلك فى خدمة مولاتنا الوالدة، ولا يفسح له فى ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين، هى - خلّد الله ملكها - أغير على دولتك وأحسن نظرا لها من أن تحول بينها وبين ما يجمّلها؛ ومع ذلك، فلم ينقل مما هو فيه إلى ما هو دونه، بل إلى ما هو أوفى منه. فأجاب إلى ذلك، وقام، فشرع فى كتب سجلّه وإعداد الخلع له. وسمع هذه النّوبة القائد عدّة الدولة، فأوفد إلى أبى محمد يخبره، وقال له تلطّف فى أمرك كما تريد. فعظم ذلك عليه، وخاف من بعده عن خدمة السيدة إذ كانت أجلّ الخدم، فإنّ كلّ من فى الدولة من وزير وأمير وغيرهما محتاج.\rفلما كان عشاء الآخرة حمل على نفسه وهو محموم وركب إلى باب الرّيح (¬١)، ودخل، وأنفذ يعلم السيّدة مكانه؛ فخرجت وراء المقطع وسألته عن حال مرضه، وما الذى دعاه للعناء فى هذا الوقت. فقصّ عليها القصة وقال: إنما الغرض إبعادى عن خدمتك ليقع التمكّن منى. فقالت: وما الذى تكره من ذلك؟ فقال: يا مولاتنا هوى الحكم واسع، وأحوال قاضى القضاة ابن النعمان فيه مشهورة، ولو كانت جارية على النظام المستقيم لشغلت عن خدمتك، فكيف، والحاجة داعية إلى إصلاحه وإحكام نظامه؛ وفى هذا شغل كبير. فقالت: لا يضيق صدرك بهذا الأمر، فبابى لك، وخدمتى موفورة عليك، ولا أستبدل بك أبدا. فقال: يا مولاتنا قد قدّمت القول أن هوى الحكم كبير واسع، وانشغالى به يحول بينى وبين ملازمة بابك. فقالت: خليفتاك (¬٢) فى الحكم، القضاعى وابن أبى ذكرى، هما ينفذان من الأحكام ما يجوز تنفيذه، فإذا تحرّرت إلى فصل الأحكام نزلت ففصلت","footnotes":"(¬١) وهو الباب البحرى الوحيد للقصر الكبير، وكان يواجه سور خانقاه سعيد السعداء على يمين السالك من الباب المحلق إلى رحبة باب العيد. وكان الخليفة يستعمل هذا الباب عند ما يخرج بموكبه فى ثانى وثالث أيام عيد الأضحى. الخطط: ٤٣٥:١.\r(¬٢) فى الأصل: خلفاؤك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276867,"book_id":167,"shamela_page_id":575,"part":"2","page_num":207,"sequence_num":575,"body":"ذلك، وقررت لنزولك يومين فى الجمعة لفصل الأحكام؛ وإذا نزلت كان ولداك ينوبان عنك فى تنفيذ أمور خدمتى؛ وهذا التقرير لا يغلبك فعله. فقبّل الأرض، ودعا، وشكر، وانصرف.\rوكانت إذا قالت قولا وفت به وثبتت عليه، فإنها كانت وثيقة العقد، حافظة العهد، غير ناقضة له، ولا متغيّرة عنه مع من تطّلع من أمره على ما يقتضى التغيير عليه، فكيف بمن ترتضى طريقته، وتحمد خلائقه.\rوفيها ولى القائد بهاء الدولة وصارمها، طارق الصقلبى المستنصرى، دمشق، فقدمها صبيحة يوم الجمعة مستهل شهر رجب (¬١)، وساعة وصوله دخل القصر وقبض على ناصر الدولة أبى محمد الحسن بن الحسين بن حمدان.","footnotes":"(¬١) وقرئ سجل ولايته بالمسجد والدعاء له فيه: «سلمه الله وحفظه». ذيل تاريخ دمشق: ٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276868,"book_id":167,"shamela_page_id":576,"part":"2","page_num":208,"sequence_num":576,"body":"سنة احدى وأربعين وأربعمائة (¬١):\rفى ثانى المحرم صرف قاضى القضاة أحمد بن عبد العزيز بن النعمان عن القضاء.\rوكانت هذه ولايته الثانية، وله فيه ثلاث عشرة سنة وشهر وأربعة أيام. واستدعى إلى حضرة المستنصر القاضى أبو محمد اليازورى وخلع عليه مكانه فى رابع عشره، وقرئ سجلّه فى الديوان؛ وخرج والدولة بأسرها بين يديه. واستناب ابنه الأكبر أبا الحسن محمدا ولقّب بالقاضى الأجل خطير الملك؛ وأقام ابنه الآخر فى جهات السيدة.\rوشرع الوزير فى الإرسال إلى السيدة بأن يستقر ابنه فى بابها؛ فامتنعت من ذلك وقالت ما كنت بالذى يستبدل به بوجه ولا سبب. فسقط فى يده وقال: أردنا وضعه والله تعالى يريد رفعه. فقال له أبو الفضل: أما إذ جرى الأمر بخلاف ما ظننّاه فليس إلاّ مجاملة الرجل.\rوكان أبو محمد اليازورى لا يسلّم على الوزير، ولا يجتمعان إلاّ يوما فى الشهر، يحضر إلى دار الوزير، فإذا حضر إليه احتجب عن كلّ أحد، وتلقّاه قائما، وأجلسه على مخدّة، وأعطاه من المجاملة فوق ما يؤثره منه؛ وهو مع ذلك يبطن له السّوء، ويعمل فى التدبير عليه.\rوكانت أيام الوزير كلها رديئة لكثرة القبض على الناس، والمصادرات، واصطفاء الأموال، والنفى، ونحو ذلك؛ فكثر الذّامّ له. وكان أيضا يبطش بمن يبطش به من غير علم الخليفة ولا استئذانه، فتغيّر خاطر الخليفة عليه، وتكثّر منه تغيّظه. إلا أنّ العادة جرت بألاّ يعترض الوزير فيما يفعله، ويمدّ له فى النّفس، ويصبر على ما يكون منه.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس من يونيو سنة ١٠٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276869,"book_id":167,"shamela_page_id":577,"part":"2","page_num":209,"sequence_num":577,"body":"وفيها قبض على أبى نصر إبراهيم بن سهل، واتّهم أنه مالأ ثمال بن صالح حتى قتل جعفر بن كليد [صاحب حمص]؛ وسلّم إلى الوزير أبى البركات الجرجرائى فضيّق عليه وصادره حتى مات تحت العقوبة. وكان هو الذى سعى به إلى المستنصر فقال إنه عين لثمال.\rواتفق وصول الخادم رفق إلى دمشق وخروجه منها فى سادس صفر يريد حلب، فوصل إلى جبل جوشن (¬١) فى ثانى عشرى ربيع الأوّل، وأقام هناك؛ ثم بدا له فبعث بما معه من الأثقال إلى المعرّة، فظنّ من معه من العساكر أنّه يريد أن ينهزم، فأجدّوا فى الرّحيل وقد حاصر قلوبهم الوجل وداخلهم الخوف؛ فأمر بردّهم إليه، فأبوا ذلك عليه. وفطن أهل حلب لهم (¬٢). فتبعوهم ونهبوا ما قدروا عليه منهم؛ وكانت بينهما حرب جرح فيها رفق فى عدة مواضع من رأسه وبدنه، وأسر، وانهزم العسكر بأسره. وحمل رفق على بغل وهو مكشوف الرأس، ومعه جماعة من وجوه عسكره، فلم يحتمل ما أصابه، واختلط عقله، ومات بقلعة حلب بعد ثلاثة أيام، فى مستهل ربيع الآخر؛ واعتقل عامّة من كان معه من القوّاد والكتّاب بحلب.\rفلما ورد الخبر بذلك على المستنصر أمر بالإفراج عن ناصر الدولة أبى محمد الحسن بن الحسين بن حمدان من الاعتقال، وقلّد إمارة دمشق الأمير المؤيد مصطفى الملك معز الدولة؛ ذا الرئاستين، حيدرة بن الأمير عصب الدولة حسين بن مفلح، فى رجب، وخرج معه ناظرا فى أعمال الشام أبو محمد الحسين بن حسن الماسكى (¬٣).","footnotes":"(¬١) جبل مطل على حلب فى غربيها، فى سفحه مقابر الشيعة ومشاهدهم، ومنه كان يحمل النحاس الأحمر. يقول ياقوت: وقد بطل هذا إذ أصبح من عمل فيه لا يربح وفى قبلى الجبل مشهد يقال له مشهد السقط، أو مشهد الدكة، والسقط يسمى محسن بن الحسين، ﵁. معجم البلدان: ١٧٢:٣ - ١٧٣.\r(¬٢) فطن به وإليه وله كفرح ونصر وكرم. القاموس المحيط.\r(¬٣) لعل هذه التسمية نسبة إلى ما سكان من نواحى مكران وراء سجستان، أو من نواحى سجستان المجاورة لإقليم مكران، أو التى هى اسم لسجستان. هكذا عرف بها ياقوت فى اضطراب، بمعجم البلدان: ٣٦٥:٧. أو لعل أحد أجداده كان يسمى ماسك فنسب إليه، كما هى الحال بالنسبة لأبى بكر محمد بن يعقوب ابن إسحاق بن ماسك الواسطى الماسكى. الباب لابن الأثير: ٨٣:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276870,"book_id":167,"shamela_page_id":578,"part":"2","page_num":210,"sequence_num":578,"body":"ووجد أعداء الوزير أبى البركات الحسين بن محمد الجرجرائى سبيلا إلى إغراء المستنصر به، وأنه تسرّع فيما عادت مضرّته على الدولة من تجهيز العساكر إلى حلب. فحركت هذه الأقوال وما يشبهها عليه ما يحقده الخليفة من استبداده بأمور من غير أمر ولا استئذان، فأمر به فقبض عليه ونقى إلى صور فى منتصف شوال، فاعتقل بصور. فكانت وزارته سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام. ثم أفرج عنه ومضى إلى دمشق (¬١).\rوبقى الأمر فى الوزارة عدة أيام والخليفة يعرض لقاضى القضاة أبى محمد اليازورى بالوزارة وهو يمتنع عليه؛ فأسند إلى أبى الفضل صاعد بن مسعود، من الأمراء، وأقيم واسطة لا وزيرا، وخلع عليه ولقّب بعميد الملك زين الكفاة، وجعل يرسم عليه عرض ما يختص بالرّجال دون الأموال. وكان إذا أراد الاستئذان على ما يفعل جلس اليازورى بحضرة الخليفة واستدعى أبو الفضل، فعرض ما يحتاج إليه؛ فيتقدّم إليه اليازورى بما يفعله. ويخرج وفى نفسه من اليازورى ما كان يدور بينه وبين الوزراء فى معناه. فأخذ يحمّل عليه الرجال ويوهمهم أنه إذا سأل لهم فى زيادة أو ولاية يعترضه اليازورى ويفسد عليه.\rفلمّا كان فى بعض الأيام قال ناصر الدولة حسن بن حسين بن حمدان لبعض ثقاته: اعلم أنّ القاضى له الثناء الجميل الكثير، ونحن شاكرون له، مقيّدون بجميله، مفتقرون","footnotes":"(¬١) يوجد بالأصل هنا طيارة لم أستطع قراءة السطر الأول منها. وقد جاء بعده: « … فوصل رسوله إلى الرملة يوم وصول رفق إليها، فبعث إلى القاهرة حتى يبلغ الرسالة، فتوقف الوزير أبو البركات الجرجرائى عن الجواب طمعا أن يملكوا حلب. فلما علم قسطنطين توجه العساكر من مصر بعث عسكرا إلى أنطاكية وعسكرا نحو أطراف حلب ولزم صالح بن ثمال مال وخلع. وخرج مقلد بن كامل بن مرداس إلى حمص وبها حسن الدولة حيدرة بن معروف القاضى وقد وليها بعد قتل جعفر بن كليد، فحصرها حتى أخذها بالأمان، وخرب السور والقلعة. ونزل على حماة وأخذها وخرب حصنها، وانتقل إلى المعرة وأخرب سورها. هذا وقد ظهر من فشل رفق ما أطمع الجند فيه، فعاثت السنابسة وهو بالرملة فى طرف العسكر وفروا، فاتبعهم به سر نفسه، فعادوا وخربوها وأسروا الأمير مرادا، فسير إليهم جعفر بن حسان بن جراح فاسترجع بعض ما نهبوه فردهم فأعرضهم رفق وعليهم أكثر .. وعاد العساكر فرحل يريد دمشق فأندب جمعا من قبائل الكلبيين والطائيين، فافترق عسكره فرقا واقتتلوا، لأربع بقين من المحرم سنة اثنتين وأربعين فى يوم الجمعة، فقتل من الكتاميين مائة رجل ونهبت الخيم. ثم عبروا من ذلك المكان ونزلوا على باب توما ثلاثة أيام وهم بغير قتال، فخاف رفق ودخل بالخدام -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276871,"book_id":167,"shamela_page_id":579,"part":"2","page_num":211,"sequence_num":579,"body":"إلى جاهه فى جميع أمورنا؛ واعتفاؤه من هذا الأمر لا يبرئه من ذمّنا إن وقفت حوائجنا، ويكون الشكر فيه لغيره إن قضيت؛ وهذا الرّجل عميد الملك هو ذا يحمّل الرجال عليه ويشعرهم أنه يجتهد فى قضاء حوائجهم، وأنه يعترضه بما يبطلها عليهم؛ وفى هذا الأمر ما تعلمه. فقل أنت له عنى: يا سيّدنا، إما أن تزيد شكر الرجال وسلامة صدورهم لك وخلاص نياتهم فى طاعتك، فادخل فى هذا الأمر، فإن أحسنت عرفوا ذلك لك، وشكروه منك وإن أسأت كان عليك ضرره وشرّه؛ وإلاّ فاعتزل جانبا ولا تلعب بروحك مع الرجال؛ وإلاّ أبلغك أبو الفضل. فبلّغه الرجل ذلك؛ فقال: أمهلنى الليلة ثم بكرّ إلىّ. فلما كان فى السّحر بكر إليه؛ فقال: أعد علىّ قول ناصر الدولة؛ فأعاده. فقال: أقره عنى السلام، وقل له: والله الاّ أدخل فيه ويكون لى خيره وشرّه. وأبلغ ناصر الدولة رسالته؛ فقال:\rهذا هو الصّواب.","footnotes":"= - إلى القصر وترك مضاربه الخاصة بحالها، وأصلح بين الطرفين. فتوقف الكتاميون حتى وصلهم بألوف دنانير دفعها فعلا لهم وعوض ما نهب من خيامهم. فنهبت العرب أكثر غوطة دمشق وقرى عملها. ثم سار عن دمشق إلى حمص وأعرض العساكر بها، وأثبت من الكلبيين ألف فارس أخرى. وكان راشد بن سنان بن عليان قد فر من سجنه بصور ونزل على دمشق واستولى على أكثر أعمالها، فلما وصل رفق إلى حماة نهبت عساكره أعمال شيزر. ووصل إلى جبل جوشن ظاهر حلب يوم الأربعاء ثانى عشرى ربيع الأول، ووقع الطراد، فاستأمن سلطان القرمطى فى خمسمائة من الكلبيين إلى ثمال وكان أخوه .. معتقلا بقلعة حلب فاقتتلوا يوم الجمعة واستراحوا يومى السبت والأحد. فرد رفق الخزانة السلطانية إلى خلفه وأمر العساكر برد أثقالهم، فظنوا أنه يريد الهزيمة وأخذوا من منتصف الليل يرحلون، فاتبعهم رفق برسله فلم يرجعوا. وأسفر الصبح فخرجت الخيل من حلب فنهبوا وأسروا، وجرح رفق ثلاث جراحات وأسر وحمل إلى حلب مكشوف الرأس وقد اختلط عقله لأجل الجراحات التى فى رأسه، فسجن ثلاثة أيام بالقلعة ومات وقد أناف على الثمانين فدفن بمسجد خارج حلب، وأسرت الروم جماعة من العسكر فأنكر عليهم قسطنطين ذلك ورد الأسرى وكساهم» اه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276872,"book_id":167,"shamela_page_id":580,"part":"2","page_num":212,"sequence_num":580,"body":"سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة (¬١):\rفى سابع المحرّم قرئ سجلّ القاضى أبى محمد اليازورى بالوزارة، ولقّب بالوزير الأجلّ المكين، سيد الوزراء، تاج الأصفياء، قاضى القضاة، وداعى الدّعاة، علم المجد، خالصة أمير المؤمنين؛ وخلع عليه (¬٢). فنظر فى الوزارة وليس من أهلها، ولا من أرباب الكتابة، فمضى فيها مضىّ الجواد، ونهض مسرعا نهوضا عزّ به فى وجوه من تقدّمه، مع ما بيده من قضاء القضاء، والدّعوة، والنظر فى ديوان السيدة. وكاتب ملوك الأطراف، فأجابوه، بوفور حقّه، إلاّ معزّ الدولة بن باديس الصّنهاجى صاحب إفريقية (¬٣)، فإنه قصّر فى المكاتبة عما كان يكاتب به من تقدّم من الوزراء، فإنّه كان يكاتب كلا منهم «بعبده» فجعل مكاتبته «صنيعته». فاستدعى الوزير أبا القاسم ابن الإخوة، وكيل ابن باديس بمصر، وعتب صاحبه عنده، وقال: أظنّ معزّا ينقصنى عمّن تقدّمنى؛ إذا لم أكن من أهل صناعة الكتابة، وإن لم أكن أوفى منهم فما أنا دونهم؛ ومن رفعه السّلطان ارتفع وإن كان خاملا، ومن وضعه اتّضع وإن كان جليلا نبيلا؛ فاكتب إليه بما يرجعه إلى الصواب. فكتب إليه بذلك؛ وقد أذكى الوزير عليه عيونا يطالعونه بأنفاسه. فلمّا وقف على كتاب ابن الإخوة قال: ما الذى يريد منى هذا الفلاح؛ لا كنت عبده ولا كان؛ هذا","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السادس والعشرين من مايو سنة ١٠٥٠.\r(¬٢) وخلع عليه المستنصر خلعا فاخرة: غلالة قصبا وطاقا وقميصا دبيقيا وطيلسانا وعمامة قصبا. وحمله على فرس رائع بموكب من ذهب وزنه ألف مثقال، وقاد بين يديه خمسة وعشرين فرسا وبغلا بمراكب ذهب وفضة، وحمل معه خمسين سفطا ثيابا أصنافا، وزاد فى نعوته وألقابه، وخلع على أولاده، وكتب له سجل التقليد بإنشاء ولى الدولة أبى على ابن خيران، وقرئ بحضرة المستنصر بالله بين قواده وخدمه ووجوه أجناده. ذيل تاريخ دمشق: ٨٤ - ٨٥.\r(¬٣) بهامش الأصل تعريف به نصه: «المعز بن باديس بن المنصور بن يوسف بلكين بن زيرى بن مناد الصنهاجى، صاحب إفريقية، لقبه الحاكم بأمر الله شرف الدولة. ولد فى جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وملك بعد أبيه باديس لثلاث مضين من ذى الحجة سنة ست وأربعمائة وعمره ثمانى سنين وسبعة أشهر. وتوفى فى رابع شعبان سنة أربع وخمسين وأربعمائة. ولا يعرف له اسم سوى المعز ولا يعرف له كنية. وقطع خطبة المستنصر للقائم بأمر الله العباس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276873,"book_id":167,"shamela_page_id":581,"part":"2","page_num":213,"sequence_num":581,"body":"لا يكون أبدا، وما كتبت إليه فكثير. فطالعه عيونه بقوله؛ فأحضر ابن الإخوة وقال له:\rقد جرى صاحبك على عادته فى الجهل، فاكتب إليه بما يردعه فيه، وإلاّ عرّفته بنفسى إذ لم يعرفنى. فكتب إليه بذلك، فأجاب بما هو أقبح من الأوّل. فدسّ إليه الوزير من تلطّف فى أخذ سكّين دواته؛ فلما وصلت إليه أحضر ابن الإخوة وقال له: كنت أظنّ بصاحبك أنّ الذى حمله على ما كان منه ثروة الشّبيبة، وقلّة خبره بما تقضى به الأقدار، وأنّه إذا نبّه تنبّه، فإذا الجهل مستول عليه، وظنّه أنّ بعد المسافة بيننا وبينه يمنع من الانتصاف منه والوصول إليه بما يكره؛ وقد تلطّفنا فى أخذ سكين دواته، وها هى [ذى]، فأنفذها إليه وأعلمه أنّا كما تلطّفنا فى أخذها أنّا نتلطف فى ذبحه بها. ودفعها إليه. فكتب ابن الإخوة بذلك، فازداد شرّا وبطرا. فدسّ عليه من أخذ نعله، وكان يمشى فى الأحذية السنديّة، فلما وصلت إليه أحضر ابن الإخوة وقال له: اكتب إلى هذا البربرىّ الأحمق، وقل له إن عقلت وأحسنت أدبك، وإلاّ جعلنا تأديبك بهذه. فجرى على عادته فى القول القبيح.\rوفيها توسّل ثمال بن صالح فى الصّفح عنه وأطلق المأسورين، وسعى فى ذلك علىّ بن عياض قاضى صور؛ وسيّر ثمال زوجته عليّة بنت وثّاب بن جعفر النّميرى وولده وثّابا إلى القاهرة، ومعهما مال سنتين، أربعون ألف دينار. فقام اليازورى بأمرهم، فقبلهم المستنصر، وبالغ فى الإحسان إليهم، وزاد فى ألقاب ثمال وألقاب مقلّد ابن عمه، ولقّب قاضى صور عين الدولة.\rوفيها ملك المستنصر حصن المنيعة بالشام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276874,"book_id":167,"shamela_page_id":582,"part":"2","page_num":214,"sequence_num":582,"body":"سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة (¬١):\rفيها أظهر المعزّ بن باديس صاحب إفريقية، الخلاف على المستنصر، وسيّر رسولا إلى بغداد ليقيم الدّعوة العبّاسية، واستدعى منهم الخلع؛ فأجيب إلى ذلك. وجهّزت الخلع على يد رسول يقال له أبو غالب الشّيزرىّ، ومعه العهد واللّواء الأسود؛ فمرّ ببلاد الرّوم ليعدّى منها إلى إفريقية، فقبض عليه صاحب الروم (¬٢). وبلغ ذلك المعزّ بن باديس، فأرسل إلى قسطنطين ملك الروم فى أمره، فلم يجبه رعاية لحقّ المستنصر. واتّفق قدوم رسول طغرلبك (¬٣) يستأذنه فى مسيره إلى مصر؛ فأظهر المودّة التى بينه وبين المستنصر، وأنه لا يرخّص فى أذيّته. واتفق قدوم رسول المستنصر إليه بهديّة عظيمة، فبعث معه برسول القائم بما على يده، فدخل إلى القاهرة على جمل، وأحرق العهد واللّواء والهديّة فى حفرة بين القصرين؛ وكان القادر قد فعل مع الظاهر والد المستنصر مثل ذلك بالخلعة التى سيّرها إلى محمود بن سبكتكين (¬٤). ثم أقرّ المستنصر ردّ الرّسول إلى صاحب القسطنطينية.\rوكان سبب عصيان ابن باديس ما تقدّم من تقصيره فى مكاتبة الوزير اليازورى وما دار فى ذلك (¬٥).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس عشر من مايو سنة ١٠٥١.\r(¬٢) وبعثه إلى المستنصر بالله، فقدم الرسول إلى مصر وهو مجرس على جمل، وحفر بين القصرين حفرة وحرق فيها العهد والخلع واللواء. نهاية الأرب. (والتجريس: التشهير، وهو نوع من العقوبة شاع منذ ذلك العصر وكثر اللجوء إليه أيام المماليك. وطريقته فى بعض العقوبات أن يركب المشهر به جملا ويحمل فى يده جرسا يدقه ويعلن عقوبته وذنبه أو أن يركب معه شخص يمثل المحتسب أو صاحب الشرطة ليدق الجرس كذلك) انظر: سفرنامه: ٦١.\r(¬٣) أول سلاطين السلاجقة الذين ينتهى بدخولهم بغداد عصر نفوذ بنى بويه فى دولة العباسيين. واسمه ركن الدين طغرل بك أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق. توفى سنة ٤٥٥.\r(¬٤) وكان ذلك سنة خمس عشرة وأربعمائة. وقد أرسل الظاهر الخلع إلى حسنك لا إلى ابن سبكتكين، فقبلها حسنك أولا ثم خاف الخليفة القادر فلم يدخل بغداد، وأرسل الخلع - بأمر ابن سبكتكين - إلى القادر، فأحرقها سنة ست عشرة وأربعمائة، بمشهد من الناس، وسبك الذهب وفرق على الفقراء.\r(¬٥) يتحدث ابن الأثير عن اليازورى فى هذه المناسبة فيقول ضمن ما يقول: ولم يكن من أهل الوزارة إنما كان من أهل التبانة والفلاحة … فكان المعز يخاطبه: بصنيعته؛ لا: بعبده. الكامل: ١٩٥:٩ - ١٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276875,"book_id":167,"shamela_page_id":583,"part":"2","page_num":215,"sequence_num":583,"body":"وكان بطرابلس الغرب وما والاها زغبة ورياح، وهما قبيلتان من العرب، وبينهما حروب وعداوة، فأحضر الوزير مكين الدولة أبا على الحسن بن على بن ملهم بن دينار العقيلى، أحد أمراء الدولة، وكان رجلا عاقلا، وسيّره إلى زغبة ورياح بخلع سنية وأنعام كثيرة، وأمره أن يصلح ذات بينهما، ويتحمّل ما بينهما من ديات، ويفديه بالزّيادة فى إقطاعاتهما. فلمّا تمّ له ذلك أمرهم بالمسير إلى المعزّ بن باديس، وأباحهم دياره، وتشدّد فى هذا الأمر حتى توجه المذكورون إلى ديار ابن باديس وملكوها، وجمعوا ذيوله عليه، وقلّموا أظفاره، وضيّقوا خناقه حتى لم يتمكن من قتالهم إلاّ مستندا إلى حيطان إفريقية.\rوذلك أنهم ملكوا برقة، فسار إليهم المعزّ فهزموه، وتبعوه إلى إفريقية، وحصروا المدن، فنزل بأهل إفريقية بلاء لا يوصف، فخرج إليهم المعزّ فى أربعين ألفا وقاتلهم، فهزموه إلى القيروان. ثم جمع ثمانين ألفا وقاتلهم، فهزموه، وأكثروا من القتل فى أصحابه، وحصروه بالقيروان. وأقاموا يحاصرون البلاد وينهبون إلى سنة تسع وأربعين، فانتقل المعز إلى المهدية (¬١) فى شهر رمضان منها، حتى نفدت أمواله، وقلّت عدده، وتفلّت منه رجاله، وأشرف على التّلف؛ فلم يجد سبيلا غير إعمال الحيلة فى خلاصه. فخرج متخفّيا فى زىّ امرأة حتى انتهى إلى المهديّة، فاستولت العربان على حرمه وداره وغلمانه، وقتلوا الرجال وسبوا النساء، وانتهبوا ما كان فى دوره وقصوره؛ وعاثوا فى البلد ينهبون ويأسرون ويقتلون، فخربت القيروان حينئذ إلى اليوم. ووصل كثير مما نهب من قصور بنى باديس من الأسلحة والعدد والآلات والخيام وغيرها إلى القاهرة، فكان ليوم دخولها إلى القاهرة أمر عظيم من اجتماع الناس واعتبار أهل البصائر بتقلّب الأحوال.\rوكان من خبر دخول العرب إلى المغرب أن بطون هلال وسليم من مضر لم يزالوا فى البادية، ونجعوا من نجد إلى الحجاز؛ فنزل بنو سليم مما يلى المدينة النبويّة، ونزل بنو","footnotes":"(¬١) المهدية على مسافة ستين ميلا من القيروان، أنشأها عبيد الله المهدى أول الخلفاء الفاطميين. البكرى: ٢٩؛ معجم البلدان: ٢٠٩:٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276876,"book_id":167,"shamela_page_id":584,"part":"2","page_num":216,"sequence_num":584,"body":"هلال فى جبل غزوان عند الطائف؛ وكانوا يطرقون العراق فى رحلة الشتاء والصيف فيغيرون على أطراف الشام والعراق؛ وكانت بنو سليم تغير على الحاجّ أيام الموسم وزيارتهم المدينة.\rثم تجهّز بنو سليم وكثير من ربيعة بن عامر إلى القرامطة عند ظهورهم، وصاروا جندا لهم بالبحرين وعمان، وقدموا معهم إلى الشام. فلما غلبت القرامطة فى أيام المعزّ لدين الله أبى تميم معدّ، ثم فى أيام ابنه العزيز بالله أبى منصور نزار، وانهزموا من الشام إلى البحرين نقل العزيز بالله من كان معهم من بنى هلال وسليم إلى مصر، وأنزلهم بالجانب الشرقى من بلاد الصعيد. وأقاموا هنالك وأضرّوا بالبلاد إلى أن ملك المعزّ بن باديس القيروان فى سنة ثمان وأربعمائة، وهو ابن ثمانى سنين، من قبل الظاهر لإعزاز دين الله علىّ بن الحاكم بأمر الله، فامتدّت أيّامه حتى قام فى الخلافة المستنصر بالله أبو تميم معدّ بن الظاهر، واستوزر أبا محمد اليازورى، فأنف من مكاتبته بالمولى؛ وكان ما تقدّم ذكره.\rفحلف المعزّ بن باديس ليحوّلنّ الدّعوة إلى بنى العبّاس، ولجّ فى ذلك، وقطع الدعاء للمستنصر، وأزال اسمه من الطّرز والرّايات، ودعا للقائم أبى جعفر بن القادر فى سنة أربعين وأربعمائة، وكتب إليه بذلك. فكتب إليه بالعهد صحبة أبى الفضل بن عبد الواحد التميمى، فقرأ كتابه بجامع القيروان، ونشر الرايات السّود، وهدم دار الإسماعيلية. ووصل الخبر بذلك إلى القاهرة؛ فأشار اليازورى بتجهيز أحياء هلال بن جشم. والأشروزينية ورياح وعدى وربيعة إلى المغرب، وتولية مشايخهم أعمال إفريقية.\rفقبلت مشورته. وأرسل إليهم فى سنة إحدى وأربعين، وحمل إلى مشايخهم الأموال، وأنعم على سائرهم بفرو ودينار لكل أحد، وأبيح لهم حمى المغرب.\rوكتب اليازورى إلى المعزّ بن باديس: «أما بعد؛ فقد أنفذنا إليكم خيولا فحولا، وأرسلنا عليها رجالا كهولا «لِيَقْضِيَ﴾ ﴿اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً» (¬١).","footnotes":"(¬١) سورة الأنفال: آية ٤٢ « … وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً .. ﴾. أو الآية: ٤٤ «وَ إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اِلْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276877,"book_id":167,"shamela_page_id":585,"part":"2","page_num":217,"sequence_num":585,"body":"فسارت العرب إلى برقة، وفتحوا أمصارها (¬١)؛ وكتبوا لإخوانهم الذين بشرقىّ الصّعيد يرغّبونهم فى البلاد؛ فأعطوا من الدولة دينارين لكل واحد، ومضوا إلى أصحابهم؛ فتصارعوا على البلاد، فحصل لسليم الشرق، ولهلال المغرب. وخربوا المدينة الحمراء وأجدابية (¬٢) وسرت (¬٣). وأقامت بطون من سليم وأحلافها بأرض برقة، وسارت قبائل دياب وعرق وزغب وجميع بطون هلال إلى إفريقية كالجراد المنتشر، لا يمرّون بشئ إلا أتوا عليه، حتى وصلوا إلى إفريقية سنة ثلاث وأربعين. وكان أول من وصل منهم أمير رياح مؤنس بن يحيى العنزى، فاستماله المعزّ بن باديس، وكثر عيثهم فى البلاد، ونادوا بشعار المستنصر. فبعث إليهم المعزّ العساكر فأوقعوا بها؛ فخرج إليهم فى ثلاثين ألفا فهزموه؛ وفرّ بنفسه وخاصته إلى القيروان، فنهبوا جميع ما كان معه، وقتلوا خلقا كثيرا، وحصروه بالقيروان حتى هلكت الضّواحى والقرى.\rواقتسم العرب بلاد إفريقية فى سنة ستّ وأربعين؛ وكان لزغبة طرابلس وما يليها، ولمرداس بن رياح باجة وما يليها. ثم اقتسموا البلاد ثانيا، وكان لهلال من قابس (¬٤) إلى المغرب، وهم رياح وزغبة والمعقل وجشم وترنجة والأسيح وشداد والخلط وسفيان.\rوتصوّح الملك من المعز بن باديس فركب البحر فى سنة تسع وأربعين؛ فدخل العرب القيروان واستباحوه وخرّبوا مبانيه، فتفرّق أهله فى البلاد. ثم أخذوا المهديّة وحاربوا","footnotes":"(¬١) يقول ابن الأثير: فلما حلوا أرض برقة وما والاها وجدوا بلادا كثيرة المرعى خالية من الأهل لأن زناتة كانوا أهلها فأبادهم المعز. الكامل: ١٩٦:٩.\r(¬٢) يعرف بها ياقوت تعريفا مقربا فيقول إنها بين برقة وطرابلس المغرب، بينها وبين زويلة مسيرة شهر، تقع وسط صحراء، آبارها منقورة فى الصفا، ونخلها كثير، وأهلها ذو ويسار وأكثرهم أنباط، وبها نبذ من صرحاء لواتة، ولها مرسى على البحر يعرف بالمادور بينه وبينها ثمانية عشر ميلا. معجم البلدان: ١٢١:١ - ١٢٢.\r(¬٣) سرت بضم السين وسكون الراء: على ساحل البحر المتوسط بين برقة وطرابلس تقع على الشمال من أجدابية. منها إلى طرابلس عشر مراحل وإلى أجدابية ست مراحل. معجم البلدان: ٦٢:٥ - ٦٣.\r(¬٤) غربى طرابلس على مسافة ثمانى مراحل منها، وهى بينها وبين سفاقس. وتبتعد قابس عن الساحل نحو ثلاثة أميال، ولها سور ضخم من الصخر. معجم البلدان: ٢:٧ - ٤؛ البكرى: ١٧:٣ - ١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276878,"book_id":167,"shamela_page_id":586,"part":"2","page_num":218,"sequence_num":586,"body":"زناتة من بعد صنهاجة، وغلبوهم على الضواحى واتصلت الفتنة بينهم فخربت إفريقية بأسرها، وصيروا البربر لهم خولا. ومات المعزّ بن باديس سنة أربع وخمسين وأربعمائة.\rوكان المستنصر لما بعثهم إلى إفريقية جعل المؤنس (¬١) بن يحيى المرداسى ولاية القيروان وباجة (¬٢)، وأعطى زغبة طرابلس وقابس، وجعل الحسن بن مسرة فى ولاية قسنطينة؛ فلما غلبوا صنهاجة ملك كل منهم ما عقد عليه، فاشتدّ عيثهم وإفسادهم.\rوفيها كانت وقعة البحيرة. وذلك أنها فى إقطاع بنى قرة (¬٣) وقد ملكوها وعمروا ضياعها، وكثرت فيها أموالهم واشتدت شوكتهم، وخشن جانبهم، وكثر المقدّمون فيهم حتى انتشر ذكرهم، وذلّ لهم عددهم؛ وثقل أمرهم على الولاية بالإسكندرية؛ فجاورهم الطّلحيّون واستذمّوا منهم، وكانت لهم واجبات على الدولة من غير إقطاع، وهم يأخذون واجباتهم محمولة مع واجبات العسكر بالإسكندرية عند ما تحمل إليها. فاتفق أن ناصر الدولة ابن حمدان أبا نصر الدولة حسين كان واليا بالإسكندرية. فاستحق الطّلحيون على الدولة، عن واجباتهم المذكورة، ثلاثة آلاف دينار، فواصلوا اقتضاء ناصر الدولة إنفاقهم فيهم، فوعدهم؛ وكتب إلى الحضرة يلتمس ذلك؛ فوعده الوزير أنه إذا حمل إلى رجال العسكر استحقاقهم حمل ذلك فى جملته. وكان قد بقى على حمل المال شهران، فاستبعدوا الصّبر إلى ذلك الوقت وواصلوا مطالبته؛ وحملوا القرّيّين (¬٤) على معونتهم","footnotes":"(¬١) فى الأصل: يونس، والتصحيح استعانة بما سبق فى المتن، وبما جاء فى الكامل: ١٩٦:٩.\r(¬٢) بجاية مرسى ومدينة؛ وترجع أهميتها إلى مينائها الرئيسى، وبالقرب منها منازل كتامة الأنصار الأوائل للفاطميين. البكرى: ٨٢؛ معجم البلدان: ٦٢:٢.\r(¬٣) بهامش الأصل تعليق نصه: «بخطه: بنو قرة بطن من سويد، أى فى خزام، وهم بنو سويد بن رشد بن مية ابن الضبيب بن برة بن سنير بن عبيد بن كعب بن على بن سعد بن إيامه بن غطفان، وقيل إيامه بن عنيس بن غطفان بن سعد ابن إياس بن نمر بن خزام؛ ومنهم بنو قرة بن عمرو بن ربيعة بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن سعد ابن بكر بن هوازن».\r(¬٤) فى الأصل القرين بتشديد الراء. ولعل المثبت أكثر صحة إذ هو جمع لقرى نسبة إلى بنى قرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276879,"book_id":167,"shamela_page_id":587,"part":"2","page_num":219,"sequence_num":587,"body":"عليه، فاضطرّوه إلى المسير معهم إلى الحضرة لالتماس ذلك، فسار إلى الجيزة، وطلع إلى الوزير وعرّفه الحال؛ فقال ما أخّرنا ذلك عنهم إلاّ أنّ السّنة كثيرة النفقات والطوارئ، وهذه ألف دينار أنفقها فيهم إلى أن تحمل باقى مالهم مع مال العسكر. فأخذ الألف وعرّفهم ما قال الوزير. فامتنعوا عن الأخذ، وأبوا إلاّ قبض الثلاثة آلاف، وألزموه بالعود. فعاد، وعرّف الوزير؛ فاغتاظ، وأمر لهم بألف أخرى. فنزل إليهم، فأبوا إلاّ أخذ الجميع، وجفوا فى الخطاب؛ فعاد إلى الوزير، وعرّفه؛ فغضب وقال: إجابتهم إلى ما التمسوه دفعة بعد أخرى طمّعهم طمعهم؛ والله لا أطلق لهم درهما واحدا. واستعاد الألفى دينار، وتقدّم بتجريد العسكر لهم؛ فتسرّع يزحف مع ليث الدولة كافور الشرابى، ونزل إليهم؛ فإذا هم قد تأهّبوا للقائهم. فجرت بينهم وقفة قتل فيها اثنان من العسكر وحجز بينهما الليل.\rوبلغ الوزير ذلك، فشقّ عليه إقدامهم على المحاربة، سيما بنو قرة فإنّهم صلوا الحرب وكانوا فيها أشدّ من الطّلحيين. فأخذ الوزير يجرّد إليهم العساكر، فانطردوا وجمعوا حشودهم، والتقوا بكوم شريك (¬١)، وكانت الدائرة عليهم وقتل منهم خلق كثير. وانهزموا والعساكر تتبعهم، فأحاطت بأموالهم من كلّ ما يملكونه؛ وفرّ بنو قرّة على وجوههم إلى برقة ومعهم الطلحيون، فانقطع أثرهم من البحيرة إلى اليوم، وصاروا مطردين فى قبائل العرب نحوا من أربعين سنة.\rوكان كلّ من بالحضرة يفنّد رأى الوزير فى تجهيز العساكر إليهم ويحكمون بأنهم لا يفارقون إلى البحيرة، فجاء الأمر بخلاف ظنهم.","footnotes":"(¬١) من قرى إقليم البحيرة فى الطريق إلى الإسكندرية، وتنسب إلى شريك بن سمى بن عبد يغوث الغطفى المرادى، وكان قد لجأ إلى موقعه عند ما هاجمه الروم وهو يتقدم جيش عمرو بن العاص إلى الإسكندرية، واعتصم بهذا الموقع حتى أدركه عمرو وأنقذه. معجم البلدان: ٣٠٢:٧ - ٣٠٣؛ الخطط؛ قوانين الدواوين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276880,"book_id":167,"shamela_page_id":588,"part":"2","page_num":220,"sequence_num":588,"body":"ثم إنّ الوزير رأى أن فى إقامة العساكر فى أعمال البحيرة كلفة كبيرة، فأرسل إلى بنى سنبس (¬١)، وكانوا بالدّاروم (¬٢) وفلسطين، وقد ثقلت وطأتهم هنالك وصعب أمرهم؛ فعدّى بهم إلى البحيرة، وهم أعداء قيس، وأوطأهم ديارهم، وأقطعهم أرضهم، فمحى اسم بنى قرّة من هناك.\rوكان تجهيزه للعسكر فى شهر رمضان، وتسييره لهم إلى بنى قرّة فى مستهلّ شوال، فخطّأه الناس فى فعله، وقالوا لم يجرّد عسكر قط فى شوّال، فظنوا أنه لا يؤمن على العسكر أن ينهزم وينكسر. وكان شمس الدولة زمام الأتراك والقيصرية، وإليه زمّ القصور والخدمة فى الرسالة، وليس أحد فى الدولة يجرى مجراه جلالة وتقدّما، بينه وبين الوزير مباينة شديدة ويتربص به الدوائر، ويغتال له الغوائل؛ فكان ينتظر انهزام العسكر ليقبض عليه.\rفلما أراد العسكر أن يسير من الجيزة، ومقدّمه ناصر الدولة، قرّر معه لقاءهم فى اليوم الخامس من شوّال بطالع يخبره به؛ وسيّر معه عدّة طيور من الحمام ليطالعه بما يكون يوما بيوم.\rفلما كان فى ذلك اليوم، وهو يوم خميس جلس فى داره وقد اشتد قلقه وكثر اهتمامه بما يكون من العسكر؛ واحتجب عن النّاس لشغل سره، وجلس ينتظر الطائر. فلم يزل كذلك إلى السّاعة الخامسة من نهاره، فقام ليجدّد طهارة، فعبر البستان وقد أطلق الماء فى مجاريه، فرأى ورقة تمرّ على وجه الماء، فأخذها متفائلا بها، فوجدها أوّل كتاب كان قد وصل من القائد فضل إلى الحاكم بأمر الله، قد ذهبت طرّته وعنوانه وبقى صدره، وهو: «كتب عبد مولانا الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين من المخيّم المنصور فى الساعة","footnotes":"(¬١) بهامش الأصل تعريف بهم نصه: «بخطه: سنبس بطن من بطون طيئ، وهم ولد سنبس بن ميمون بن جزول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيئ بن أود». اه.\r(¬٢) قلعة بعد غزة بالنسبة لقاصد مصر، يرى الواقف فيها البحر إلا أن بينهما نحو فرسخ. وتسمى أيضا الدارون. معجم البلدان: ١٣:٤ - ١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276881,"book_id":167,"shamela_page_id":589,"part":"2","page_num":221,"sequence_num":589,"body":"الخامسة من نهار الخميس الخامس من شوال، وقد أظفره الله ﷿ بعدوّ الله تعالى وعدوّ الحضرة المطهرة، أبى ركوة المخذول، وهو فى قبضة الأسارى والحمد لله رب العالمين».\rفلما وقف على ذلك سجد شكرا لله تعالى، وعجب من موافقة اليوم وعدّة الأيّام من شوال والإعلام بالظفر. ثم تجهّز للصلاة، فما فرغ حتى سقط الطائر بانكسار بنى قرّة وانهزامهم، وما منّ الله تعالى به من الظفر بهم. فأخذ الكتاب والطائر وركب إلى القصر، ودخل إلى المستنصر وأوقفه على الكتاب؛ فسرّ بذلك؛ وأراه الطير وقال: هذا أعجب يا أمير المؤمنين؛ وحدثه بحديثه، فعجب من هذا الاتفاق.\rثم تواصلت رسل ناصر الدولة بالبشرى وشرح الحال فى الظفر وانهزام القوم، فخلع على الوزير، وزيد فى ألقابه الناصر للدين، غياث الدين؛ فتمّ له النظر وقوى أمره، وذلّ من كان يعاديه؛ فجرى على عادته فى العفو والمجاملة.\rوكان أهل جزيرة صقلية قد خالفوا الدولة غير مرّة (¬١)، لما فيهم من الشّرّ والغلظة، وطردوا الولاة. وصار إليهم المعزّ ابن باديس، فملّكوه عليهم وقد خرج عن طاعة الدولة، فأساء السيرة فيهم، وثقل عليهم، فوثبوا عليه وأخرجوه منها. وكاتبوا ملك الروم (¬٢)، فسار إليهم بطريق كبير، فولّوه أمرهم مدّة ثم وثبوا به وأخرجوه عنهم. وبعثوا إلى الحضرة يسألون إقالة عثرتهم والعفو عنهم ويسألون إيفاد وال. وكان بصقلية بنو أبى الحسين، لهم رئاسة وفيهم من يؤهل نفسه لولايتها؛ فسارت الخلع إلى رجل منهم يعرف بمستخلص الدولة؛ فمكث فيهم زمانا، ثم نفروا منه، وبعثوا يسألون تغييره عنهم. فسيّر الوزير","footnotes":"(¬١) وحكامها عندئذ من أسرة الكلبيين التى أسسها ٣٣٦ الحسن بن أبى على بن أبى الحسين الكلبى. وقد تغلب عليها فى هذه الفترة التى نتحدث عنها محمد، ابن الثمنة، القادر بالله، المغتصب وقد استعان بالزيريين أيام المعز بن باديس، ثم استعان بعده بالنور منديين. معجم الأنساب.\r(¬٢) وهو الإمبراطور قسطنطين التاسع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276882,"book_id":167,"shamela_page_id":590,"part":"2","page_num":222,"sequence_num":590,"body":"رجلا من أمراء الدولة يعرف بصمصام الدّولة ابن لؤلؤ، وأسرّ إليه أن يتلطّف فى إخراج بنى أبى الحسين من صقلية ويسيّرهم إلى الحضرة. فدخل إليها، وساس أمره، حتى بعث بجميع من كان فيها من بنى أبى الحسين. واستقام الأمر فى صقليّة بخروجهم عنها.\rوقام ببلاد اليمن رجل يعرف بعلىّ بن محمد الصّليحى (¬١) يتشيع، فحسّن له الدعاة الدخول فى نصرة خلفاء مصر، فأعلن [ذلك] بها، ودعا أهل اليمن إليها، وحمل تجارتهم مع هدية جليلة القدر تبلغ زهاء عشرة آلاف دينار إلى المستنصر. وكان أبوه قاضيا باليمن سنّىّ المذهب، وزوجته أسماء ابنة عمّه شهاب، وكانت أجمل خلق الله، وهى أم الدّعاة باليمن؛ وعرفت بالحرّة. وكانت ذات عزّ وكرم، وتفاخر بنوها بها، ومدحت.\rوكان باليمن الدّاعى عامر بن عبد الله الرّواحى، فاستمال أبا الحسن علىّ بن محمد بن علىّ الصّليحى، وهو صغير، حتى مال إليه، فلما مات عامر أوصى له بكتبه وعلومه، فدرسها حتى تضلّع من معارفه وصار من فقهاء الشيعة، وحج بالناس دليلا خمس عشرة سنة.\rثم ثار فى سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وتزايد أمره، ودعا للمستنصر، وكتب إليه بما هو عليه، واستأذنه فى المسير إلى تهامة، فأذن له. ولم تخرج سنة خمسين وأربعمائة حتى ملك السهل والجبل الوعر من بلاد اليمن.\rوجهّز الوزير إلى النّوبة، فأضعف عليهم البقط (¬٢)، وحملوه؛ واستقر الأمر على ذلك.","footnotes":"(¬١) هو أبو كامل على بن محمد بن على؛ كان أبوه قاضيا سنى المذهب. وكان على يحج بالناس خمس عشرة سنة على طريق السراة والطائف. وتغلب على اليمن حتى ملكه وجعل كرسى دولته بصنعاء، وبنى عدة قصور بها؛ وزوجته أسماء بنت شهاب المعروفة بالملكة الحرة خطب لها أيضا على منابر اليمن؛ وكانت إذا ركبت ركب فى موكبها مائتا جارية بالحلى والجواهر، وبين يديها الجنائب بالسروج الذهب. وفيات الأعيان؛ النجوم الزاهرة: ١١٢:٥؛ تاريخ اليمن لعمارة اليمنى. وتحدث عنه ابن الأثير فى الكامل فى أثناء تقريره عن حوادث سنة: ٤٤٧. الكامل: ٢١٣:٩ - ٢١٤.\r(¬٢) الجزية التى كانوا يدفعونها للدولة فى مصر. وأصله معاهدة عقدت بين عبد الله بن سعد بن أبى السرح وملك النوبة، ذات طابع سياسى اقتصادى، كان من بين بنودها ألا يتعدى أحد الجانبين على الآخر، وأن تقدم النوبة إلى مصر عددا معينا من الرقيق كل سنة، وتقدم مصر قدرا من القمح والعدس وغيرها؛ وعرفت هذه المعاهدة باسم البقط، كلمة لاتينية بمعنى عقد أو معاهدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276883,"book_id":167,"shamela_page_id":591,"part":"2","page_num":223,"sequence_num":591,"body":"سنة أربع وأربعين وأربعمائة (¬١):\rفيها كتبت بغداد محاضر تتضمّن القدح فى نسب الخلفاء المصريين ونفيهم من الالتحاق بعلى بن أبى طالب، ﵁؛ وجمع سائر أعيان الفقهاء ببغداد وأشرافها وقضاتها، وعزوا نسبهم فى الدّيصانية (¬٢) من المجوس. وسيّرت المحاضر إلى البلاد، وشنّع عليهم تشنيع كبير. وسبب ذلك الغضب ما عمل مع الرّسول المرسل من المعز بن باديس، فإنّه لما شهّر بالقاهرة على جمل مقلوب، وكتاب العقد فى عنقه والهديّة بين يديه، ثم أحرقت الخلع والتقليد، أعيد الرسول إلى ملك الروم؛ فعزّ عليه ما فعل واعتذر إليه منه؛ فإنه كان قد ضمن له من مصر إعادته إليه سالما بعد ما جرت مخاطبة فى طلبه. ثم أعاده ملك الروم إلى بغداد، فوصل فى سنة أربع وأربعين هذه.\rوسبب عوده أنّ المعزّ بن باديس بعث رسوله أبا القاسم بن عبد الرحمن إلى بغداد فى ذلك، فبعث معه الملك طغرلبك، أبا علىّ بن كبير ليخاطب ملك الروم فى ردّ أبى غالب، وكتب معه كتابا عنوانه: «من ركن الدين وغياث المسلمين، بهاء دين الله وسلطان بلاد الله، ومغيث عباد الله، أبى طالب يمين الخليفة أمير المؤمنين، إلى عظيم الروم». ومضمونه بعد البسملة: «الحمد لله القاهر سلطانه، الباهر برهانه، العلىّ شأنه، السابغ إحسانه»؛ ثم مرّ فيه إلى أن قال: «وقد نجم بمصر منذ سنين ناجم ضلالة يدعو إلى نفسه، ويغترّ بمن أغواه من حزبه، ويعتقد من الدّين ما لا يستجيزه أحد من أهل العلم فى الائمة الأول وهذا العصر، ولا يستحسنه عاقل من أهل الإسلام والكفر». ثم ذكر الرسول أبا غالب وعاتب فى أمره، وطلب تسييره مخفورا إلى المعزّ بن باديس. فقدم إلى قسطنطين، متملّك","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث من مايو سنة ١٠٥٢.\r(¬٢) نسبة إلى ديصان صاحب مبدأ عبادة إلهى النور والظلمة. وقد سبق هذا المجلس مجلس مشابه عقد سنة ٤٠٢ زمن القادر بالله العباسى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276884,"book_id":167,"shamela_page_id":592,"part":"2","page_num":224,"sequence_num":592,"body":"الروم؛ بالقسطنطينية فى صفر من هذه السنة، فتلقاه الملك وأدخله عليه، وسأله عن السلطان طغرلبك؛ فذكر له الرّسالة، وطلب منه مقاطعة صاحب مصر، وإطلاق أبى غالب، وإرسال رسول المعزّ إليه. فقال له: صاحب مصر مجاور لنا (¬١)، وبيننا وبينه عهود وهدنة، وقد بقى منها سنتان، ولا يمكن فسخها؛ وأما رسل المعزّ والرسل إليه فهم قوم يسعون فى الفساد.\rوتردّد القول إلى أن أطلق أبا غالب وأجازه إلى المعز، وعاد أبو على ورفيقه إلى بغداد فى بقية السنة.\rوفيها قصر مدّ النيل (¬٢)، ولم يكن فى المخازن السلطانية شيء من الغلال، فاشتدت المسغبة بمصر. وكان لخلوّ المخازن السلطانية من الغلال سبب، وهو أن الوزير اليازورى لما تقلّد وظيفة قضاء القضاة فى وزارة أبى البركات الجرجرائى كان ينزل إلى الجامع بمصر فى يومى السبت والثلاثاء من كل جمعة، فيجلس فى الزيادة منه للحكم، على رسم من تقدّمه من القضاة، وإذا أقبل العصر طلع إلى القاهرة. وكان فى كلّ سوق من أسواق مصر على أرباب كل صنعة من الصنائع عريف يتولى أمورهم؛ وكانت عادة أخباز مصر فى أزمنة المساغبة متى بردت لا يرجع منها إلى شيء لكثرة ما تغشّ به. وكان لعريف الخبّازين دكان وكان يبيع الخبز، وبحذائها دكان لصعلوك يبيع الخبز أيضا، وكان سعره يومئذ أربعة","footnotes":"(¬١) لصاحب النجوم الزاهرة رأى طريف فى مثل هذا اللقب جاء فيه «أول ما سمعنا من هذه الألقاب لقب بهاء الدولة ابن بويه (ركن الدين). قلنا (القائل صاحب النجوم) لعل ذلك كان تعظيما فى حقه لكونه سلطانا، فيكون هذا على هذا الحكم هو أول لقب لقب به فى الإسلام. والله أعلم. ومن يومئذ ظهرت الألقاب وتغالت فيها الأعاجم حتى إنهم لم يدعوا شيئا إلا وأضافوا الدين له. وأنا بالله أحلف لو ملكت أمرى ما لقبت بجمال الدين ولا غيره وأكره من يسمينى بذلك ولا أقدر على تغيير الاصطلاح. وهذا لا يكون إلا من ولى أمر أو حاكم بلدة». اه. النجوم الزاهرة: ٢٦٢:٤ - ٢٦٣.\r(¬٢) كانت زيادة النيل فى هذه السنة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع. النجوم الزاهرة: ٥٤:٥. وهذا ليس قصورا. يقول ابن مماتى: إذا أو فى النيل ست عشرة ذراعا فقد وجب الخراج، وإذا زاد عن ذلك ذراعا زاد فى الخراج مائة ألف دينار، فإن نقص ذراعا نقص الخراج مائة ألف دينار. قوانين الدواوين: ٧٦. (ويذكر أيضا أن الذراع التى يقاس بها إلى اثنى عشر ذراعا ثمانية وعشرون إصبعا، ومن بعد ذلك يكون الذراع أربعة وعشرين إصبعا. نفس المصدر).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276885,"book_id":167,"shamela_page_id":593,"part":"2","page_num":225,"sequence_num":593,"body":"أرطال بدرهم وثمن. فرأى الصعلوك أن خبزه قد كاد يبرد، فخاف من كساده، فنادى عليه أربعة أرطال بدرهم ليرغّب الناس فيه؛ فمال إليه الزّبون فاشتروا خبزه لأجل تسمّحه بثمن درهم؛ وبار خبز العريف، فغضب ووكل به عونين من الحسبة (¬١) أغرماه دراهم. ووافق ذلك نزول قاضى القضاة إلى الجامع، فاستغاث به، فأمر بإحضار المحتسب وأنكر ما فعله؛ واعتذر بأن هذا من العريف وأنه لم يتحقق باطن الحال. فأمر القاضى بصرف ذلك العريف وأن يغرّم ما أخذ من الخباز؛ والتفت إلى صاحب ديوانه، وقال: ما معك فادفعه إلى هذا الخباز. فناوله قرطاسا فيه ثلاثون رباعيا، فكاد عقله يطير فرحا. وعاد فنادى على الخبز خمسة أرطال بدرهم، فمال إليه الناس، وهو ينادى بزيادة رطل برطل، إلى أن بلغ عشرة أرطال بدرهم. وانتشر ذلك فى البلد جميعه، وتسامع الناس به فتسارعوا إليه، فلم يبق فى البلد خباز حتى باع عشرة أرطال بدرهم.\rوكانت العادة أن يبتاع فى كلّ سنة غلّة للسلطان بمائة ألف دينار ويمحل متجرا (¬٢).\rفلما عاد القاضى إلى القاهرة مثل بحضرة الخليفة وعرّفه ما مرّ به فى يومه من إرخاص السعر بغير موجب؛ وقال: يا مولانا، إن المتجر الذى يقام بالغلّة فيه مضرة كبيرة على المسلمين، وربما انحطّ السّعر عن مشتراها فلا يمكن بيعها، فتتغير فى المخازن وتتلف، وأنه يقام متجر لا كلفة على الناس فيه، ويفيد أضعاف فائدة الغلّة، ولا يخشى عليه من تغيّر فى المخازن ولا انحطاط سعر؛ وهو الخشب والصابون والحديد والرصاص والعسل وما أشبه ذلك.\rفأمضى الخليفة ما رآه، وبطل المتجر فى الغلة وتوسع الناس بذلك.","footnotes":"(¬١) الحسبة وظيفة دينية فى أساسها مدنية اجتماعية فى طبيعة اختصاصها إذ كان المحتسب يشرف على أرباب الحرف والمعايش ليطمئن على سلامة قيامهم بوظائفهم، وعلى الحمالين رفقا بالحيوانات، وعلى الطرق يمنع من المضايقة فيها، وعلى مكاتب الصبيان ليحذر المعلمين من ضرب الصبيان ضربا مبرحا، وعلى المكاييل والموازين، وعلى الآداب العامة … الخ والمحتسب معاونون يختارهم ويقومون منه مقام رجال الشرطة أحيانا لمراقبة تنفيذ أوامره ولمؤاخذة المخالفين.\r(¬٢) المتجر - كما يعرفه ابن مماتى - ما يبتاع للديوان من بضائع التجار الواردين مما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه فى طلب الفائدة المصلحة: قوانين الدواوين: ٣٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276886,"book_id":167,"shamela_page_id":594,"part":"2","page_num":226,"sequence_num":594,"body":"سنة ست وأربعين وأربعمائة (¬١):\rفيها أيضا قصر مدّ النيل (¬٢)؛ ونزع السعر؛ ووقع الوباء. ولم يكن فى المخازن السلطانية إلاّ ما ينصرف فى جرايات من فى القصور ومطبخ الخليفة وحواشيه لا غير، فورد على الوزير من ذلك ما أهمّه. وصار سعر التليّس ثمانية دنانير، واشتد الأمر على الناس. وكان التجار بين نار المعاملين وضيق الحال عليهم فى القيام للدّيوان بما يجب عليهم من الخراج، ومطالبة الفلاحين بالقيام به، يبتاعون منهم غلاتهم على أن يصبروا عليهم إلى حين إدراكه بسعر يربحون فيه. فإذا استقرت مبايعتهم لهم حضروا معهم للدّيوان، وقاموا عنهم للجند بما يجب عليهم، وكتب ذلك فى روزنامج الجند مع مبلغ الغلة؛ فإذا أدركت الغلة وصارت فى الأجران يكتالونها ويحملونها إلى مخازنهم. فمنعهم الوزير من ذلك، وكتب إلى العمّال بجميع النّواحى أن يستعرضوا روزنامجات الجهابذة (¬٣)، ويحضروا منها ما قام به التجار من المعاملين، ومبلغ الغلة الذى رفع الإيقاع إليه، وأن يقدّموا للتجار ما وزنوه للدّيوان ويربحوهم فى كل دينار ثمن دينار؛ ويضعوا ختومهم على المخازن ويطالعوا ما يحصل تحت أيديهم بها. فلما تحصّلت بالنواحى جهّز المراكب بحمل العلات، وأودعها المخازن السلطانية بمصر، وقرر ثمن كلّ تليّس ثلاثة دنانير بعد أن كان ثمانية دنانير. وسلم إلى الخبازين ما يبتاعونه لعمارة الأسواق ووظّف ما تحتاج إليه القاهرة ومصر، فكان ألف تليّس فى كل يوم، لمصر سبعمائة وللقاهرة ثلاثمائة (¬٤). فقام بالتدبير أحسن قيام مدّة عشرين شهرا، حتى أدركت الغلة فتوسع الناس بها، وزال عنهم الغلاء.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى عشر من أبريل سنة ١٠٥٤ وقد أسقط سنة: ٤٤٥.\r(¬٢) كان الفرق بين الزيادة فى هذا العام وفى عام ٤٤٤ إصبعا واحدة، إذ كانت الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع. ومرة أخرى هذا لا يعد قصورا.\r(¬٣) جمع جهبذ وهو كاتب يختص برسم استخراج المال وقبضه وكتب الوصولات به، وعليه عمل المخازيم والروزنامجات والختمات وتواليها، ويطالب بما يقبضه ويخرج ما يرفعه من الحساب اللازم له. قوانين الدواوين: ٣٠٤.\r(¬٤) ولهذا التوزيع دلالته على مدى كثافة السكان فى كل من مصر (الفسطاط وملحقاتها) والقاهرة. وقد اشتملت القاهرة فى تخطيطها الأول - وهو التخطيط الذى صبغها بصبغته العامة طوال العصر الفاطمى - على قصور الفاطميين ودواوين الحكومة وتجمعات الجند فى حاراتهم (مثل حارات زويلة وكتامة والأتراك … إلخ)، بينما احتشد السكان فى مصر الفسطاط وملحقاتها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276887,"book_id":167,"shamela_page_id":595,"part":"2","page_num":227,"sequence_num":595,"body":"وكان عند استقرار الهدنة مع قسطنطين ملك الروم، فى أيام وزارة أبى نصر الفلاحى، قد وصل رسولان أحدهما هو المتكلم المترجم، وكان داهية أديبا شاعرا نحويا فيلسوفا ولد بالرّوم ونشأ بأنطاكية، ودخل العراق، ولقن من العلوم والآداب ما بعد به صيته، وكان يعرف بابن أصطفانوس؛ والآخر متحمّل الهدية، وهو صاحب حرب يعرف بميخائيل.\rفرأيا (¬١) من حسن زىّ الدولة وجميل سيرتها ما أعجبا (¬١) به، لا سيما ميخائيل، فإنه أطربه ما رأى وحسن موقعه فى نفسه. وسارا وقد امتلأت قلوبهما بمحبة ما شاهداه. فاتفق ملك الروم وتمليك ميخائيل هذا، فبلغه ما بمصر من الغلاء، فحمل إليها مائة ألف قفيز قمحا، وقدم كتابه أمامها يعيّن الغلة والكيل الذى تستوفى به إذا وصلت؛ فانتهت إلى أنطاكية. وأعدّ هدية الهدنة على ما جرت به العادة، وهدية من ماله. فلما رأى الرّوم ذلك ظنّوا به الميل إلى الإسلام، فقتلوه فى ثامن شوال؛ فكانت مدة ملكه اثنتى عشرة سنة وسبعة أشهر، وعمره أربع وخمسون سنة وشهر واحد. وأقاموا رجلا يعرف بابن سقلاروس من أهل أنطاكية، وكان لجوجا خبيثا حديدا، فاعترض الهديتين وأخذهما، وقال: أنا أنتفع بهما وأنفق ثمنهما على قتال المسلمين.\rوكانت للوزير بالقسطنطينية عيون، فكتبوا إليه بذلك، فسيّر مكين الدولة الحسن ابن على بن ملهم الكتامى إلى اللاّذقية فى عسكر لحصارها والتضييق على من فيها؛ فحاصرها حتى اشتد على من فيها الأمر. فكتب ابن سقلاروس، متملك الروم، إلى الحضرة يستوضح ما الذى أوجب ذلك؛ فأجيب أن الذى أوجبه ما كان فعله فى نقض ما استقرّ مع من تقدّمه من الهدنة، وقبض الهديّة، والهديّة التى ليست من ماله. فأجاب بأنه يحمل الهديّة؛ فاشترط عليه إطلاق من فى بلاد الروم الأسرى. فأجاب بأنه إذا أطلق من لهم فى بلاد الإسلام من أسرى الرّوم أطلق من [فى] بلاد الروم من أسرى المسلمين. فأجيب بأنه","footnotes":"(¬١) فى الأصل: فرأوا … وما أعجبوا … وهكذا فى بقية أفعال هذه الجملة وضمائرها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276888,"book_id":167,"shamela_page_id":596,"part":"2","page_num":228,"sequence_num":596,"body":"لا يصح التماسه لذلك، لأنّ من أسر من بلاد الرّوم تفرقوا فى الممالك بالعراق والدولة الفاطمية والمغرب واليمن وغير ذلك، ولا حكم للحضرة على جميع الممالك، ويرتجع منها ما صار فى أيدى أهلها؛ وبلاد الروم بخلاف ذلك، ومن حصل فيها من المسلمين كمن هو معتقل فى دار واحدة لا يمكنه الخروج منها إلاّ بإذن أهلها؛ وبين الحالين فرق كبير. فأجاب بأنه لا يطلق من فى بلاده من أسرى المسلمين. فاشترط عليه النّزول عما صار فى أيدى الروم من الحصون الإسلامية؛ فامتنع من ذلك وقال إذا سلّم إلينا ما صار فى أيدى المسلمين من حصون المسلمين من حصون الروم سلّم ما فى أيديهم من حصون المسلمين. فبدل الجيش بجيش آخر، وخرج مع مقدّمه الأمير السعيد ليث الدولة، فنازل اللاّذقية حتى فتحها، ووقع العنف فيها. وأجيب بأنه لا يصح أن يسلّم إليهم ما صار فى أيدى المسلمين من الحصون لأنهم قد أنبتوا فيها العقارات وأنشئوا فيها البساتين. فقال: يدفع لهم عن أملاكهم وما أنشئوه من البساتين وغيرها، وما أنفقوه فيها، وينتقلون عنها إلى غيرها من بلاد المسلمين. فأجابوا إلى أن يسلموا ما فى أيديهم من الحصون الإسلامية.\rوكانت العادة جارية بأنه إذا وصلت هديّة من الرّوم إلى الحضرة تقوّم ويحمل إليهم هدية موضعها بثلثى قيمتها، ليكون للإسلام مزية عليهم بالثلث؛ فاشترط أن يكون قيمة ما يحمل إليهم من الهديّة عوضا عن قيمة هديتهم النّصف؛ فأجابوا إلى ذلك أيضا. فاشترط عليهم أن يردّوا كلّ من تضمّه دار البلاد، التى هى دار الملك ومحلّه؛ فامتنع من ذلك.\rفأمدّ الجيش بجيش ثالث وعليه أميران، هما موفق الدولة حفاظ بن فاتك وأبو الجيش عسكر بن الحلى، ومقاد جميع الجيش إلى الأمير مكين الدولة وأمينها ابن ملهم. فأوغلوا فى بلاد الروم ينهبون ويقتلون ويأسرون حتى أعظموا النكاية فيها، والرسل والمكاتبات تتردد، إلى أن استقر القيام بالجزية التى التمسها أمراء البلاط، وجهزت الهدية. وبلغت الجزية المذكورة نيفا وثلاثين ألف دينار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276889,"book_id":167,"shamela_page_id":597,"part":"2","page_num":229,"sequence_num":597,"body":"وحمل ذلك إلى أنطاكية؛ فبلغهم قتل الوزير، فأعيدت إلى القسطنطينية. وزينت بلاد الروم لموته، وكثر ابتهاجهم بما صرف عنهم من خشونة جانبه عليهم، وشدة شكيمته.\rوأما ابن ملهم فإنه لما أوغل فى بلاد الروم وقارب أفامية وجال فى أعمال أنطاكية نهب وسبى، فقدمت من القسطنطينية قطائع يقال إن عدتها ثمانون قطعة، فكانت بينها وبين ابن ملهم حروب آلت إلى أن أسر هو وجماعة من أعيان العرب فى آخر ربيع الآخر.\rوفيها استدعى راشد بن عليان بن سنان، أمير الكلبيين، فاعتقل بالقاهرة، وردّت إمارة بنى كليب لنبهان القريطى. وقبض على إقطاع راشد وأخيه مسمار، وهو مقيم بظاهر دمشق، ففرّ إلى غالب بن صالح. فكتب المستنصر إلى ثمال ينكر عليه تسيير هدية إلى ملك الروم، فتحيّر فى أمره واعتذر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276890,"book_id":167,"shamela_page_id":598,"part":"2","page_num":230,"sequence_num":598,"body":"سنة سبع وأربعين وأربعمائة (¬١):\rفيها سيّر المستنصر إلى كنيسة قمامة، فأحتاط بجميع ما فيها. وذلك أن القاضى أبا عبد الله القضاعى كان قد توجه من عند الخليفة برسالة إلى متملّك الروم، فقدم وهو بالقسطنطينية رسول السلطان طغرلبك بن سلجوق يلتمس من الملكة تيودورا (¬٢) أن تمكن رسوله من الصّلاة فى جامع قسطنطينية، فأذنت له فى ذلك؛ فدخل إليه وصلّى به، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسى. فبعث القضاعى بذلك إلى المستنصر، فأحاط بما فى قمامة وأخذه، وأخرج البطرك منها إلى دار مفردة؛ وأغلق أبواب كنائس مصر والشام، وطالب الرهبان بالجزية لأربع سنين، وزاد على النصارى فى الجزية. وكان هذا ابتداء فساد ما بين الروم والمصريين.\rوفيها تجمّع كثير من التركمان بحلب وغيرها، وأفسدوا فى أعمال الشام (¬٣).\rوفيها تزايد الغلاء، وكثر الوباء، وعم الموتان بديار مصر.\rوفيها سار مكين الدولة الحسن بن على بن ملهم من القاهرة بالعساكر؛ ونودى فى بلاد الشام بالغزو والجهاد. واستدعى راشد بن عليان بن سنان إلى القاهرة، وقرر معه أن يسير فى قومه الكلبيين مع ابن ملهم، ثم قبض عليه. وعقدت إمارة الكلبيين لنبهان، وقيل لسنان، فنزل ابن ملهم أفامية، ثم سار إلى حصن قسطول فحصره عشرين يوما حتى أخذه","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى من أبريل سنة ١٠٥٥.\r(¬٢) ملكة الروم، إمبراطورة بيزنطة.\r(¬٣) وكان تجمع التركمان هذا بدءا لعصر نفوذ السلاجقة فى تاريخ خلافة العباسيين. وسيؤدى تقدم التركمان - السلاجقة - فى اتجاه الشام إلى نتائج ومضاعفات عديدة أهمها: الاحتكاك المستمر بالفاطميين؛ وتدهور نفوذ هؤلاء بالشام؛ التوسع الإسلامى فى آسيا الصغرى على حساب البيزنطيين؛ الصدام العنيف بين الشرق والغرب الذى اتخذ شكل الحروب الصليبية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276891,"book_id":167,"shamela_page_id":599,"part":"2","page_num":231,"sequence_num":599,"body":"بالأمان، فى ثامن ربيع الأول سنة سبع وأربعين. وعاد إلى أفامية فحصرها ورماها بالمجانيق، فطلبوا الأمان على أن يرحل عنهم؛ فلما رحل أحرقوا القلعة وانهزموا، فلحقهم وقتلهم، وأطفأ النّار من القلعة، وأغار على البلاد؛ فلم يكن بأنطاكية من يذب عنها، وجمع كل طامع فى النهب بحجة ابن ملهم. وتوسط ثمال بن صالح للصلح، فلم يتمّ. وسيّرت الملكة تيودورا أسطولا إلى أنطاكية، فوصل اللاّذقية ثمانون قطعة، وخرج دوقس أنطاكية وبطركها فى جماعة، فظفروا بشينيين (¬١) للمسلمين معهما الغنائم؛ فسار ابن ملهم نحوهم، وكشف الروم إلى طرف أنطاكية، واستنقذ الأسرى منهم وقتل منهم خلقا كثيرا. فدار الأسطول إلى طرابلس وقاتلوا أهلها، فقتل من الفريقين خلائق. وعاد الأسطول الرومى إلى اللاّذقية، فماتت الملكة تيودورا بعد سبع سنين من ملكها وتسعة أشهر واثنتى عشرة ليلة؛ وملك بعدها ميخائيل.","footnotes":"(¬١) والجمع شوان، مركب حربية لها مائة وأربعون مجدافا، وكانت تعد أكبر سفن الأسطول، تقام فيها الأبراج للدفاع وتشحن بالمقاتلة، ويقابلها بالفرنسية Galere . قوانين الدواوين: ٣٣٩ - ٣٤٠؛ Dozy;Supp،Dict.Ar .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276892,"book_id":167,"shamela_page_id":600,"part":"2","page_num":232,"sequence_num":600,"body":"سنة ثمان وأربعين وأربعمائة (¬١):\rفيها جهّزت الأموال لأبى الحارث البساسيرى، فخرج بها المؤيّد فى الله عبد الله بن موسى، وجملتها ألفا ألف وثلاثمائة ألف دينار، العين ألف ألف وتسعمائة ألف دينار، والعروض أربعمائة ألف دينار.\rوكان من خبره أنه كان من جملة المماليك الأتراك فصار إلى بهاء الدّولة بن عضد الدّولة بن بويه (¬٢)، رجل من أهل فسا (¬٣)، إحدى مدائن فارس، فلذلك قيل له البساسيرى؛ وتنقل فى الخدم حتى صار مقدّم الأتراك ببغداد فى أيام الخليفة القائم بأمر الله أبى جعفر عبد الله بن أحمد القادر (¬٤)، وتلقب بالمظفر. وكان القائم لا يقطع أمرا دونه. فطار اسمه وتهيّبته أمراء العرب والعجم، ودعا له على منابر العراق والأهواز، وتجبّر. وأراد فى سنة ستّ وأربعين من الخليفة أن يسلم إليه أبا الغنائم وأبا سعد ابنى المحلبان، صاحبى قريش ابن بدران صاحب الموصل (¬٥)، فلم يمكّنه من ذلك. فسار إلى الأنبار ونصب عليها المجانيق، وهدم سورها وأخذها قهرا، وأسر أبا الغنائم ابن المحلبان (¬٦) ومائة رجل من بنى [خفاجة، وكثيرا من أهل الأنبار. ورجع إلى بغداد وأبو الغنائم بين يديه على جمل فى رجليه قيد؛ فصلب كثيرا من الأسرى.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى والعشرين من مارس ١٠٥٦.\r(¬٢) بهاء الدولة أبو نصر فيروز بن عضد الدولة أبى شجاع خسرو بن ركن الدولة أبى على حسن؛ حكم فى العراق بين سنتى ٣٧٩ - ٤٠٣ (٩٨٩ - ١٠١٢) وضم فارس سنة ٣٨٨ (٩٩٨). Mohammadan Dynasties .\r(¬٣) بسا بالباء المفتوحة، وبالفاء أيضا. والنسبة إليها فسوى، وأهل فارس يقولون فى النسبة إليها - شذوذا - البساسيرى. معجم البلدان: ١٦٧:٢؛ النجوم الزاهرة: ٢:٥.\r(¬٤) خليفة العباسيين بين سنتى ٤٢٢ - ٤٤٧.\r(¬٥) علم الدين أبو المعالى قريش بن بدران بن المقلد، أمير الموصل وحلب بين سنتى ٤٤٣ - ٤٥٣، انتزع البساسيرى منه الموصل سنة ٤٤٨. الكامل: ٢٠٨:٩ وما بعدها؛ معجم الانساب.\r(¬٦) وكان قد ألقى نفسه فى الفرات تجنبا للوقوع فى الأسر. الكامل: ٢٠٩:٩. ورجع به إلى بغداد وعليه قميص أحمر وعلى رأسه برنس. نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276893,"book_id":167,"shamela_page_id":601,"part":"2","page_num":233,"sequence_num":601,"body":"واتّفق فى شهر ربيع الآخر من سنة سبع وصول زورق فيه ثمر للبساسيرى، فخرج إليه ابن سكرة الهاشمى فى جماعة، فأراقوه ونهبوا دوره وأخذوا دوابّه؛ وكان هو إذ ذاك فى نواحى واسط. فلما بلغه ذلك نسبه إلى الوزير رئيس الرؤساء أبى القاسم بن المسلمة (¬١)، فعظمت الوحشة بينه وبين الوزير. وسار إلى دبيس بن بدران وهو مستوحش، فوافت رسل طغرلبك بن ميكال بن سلجوق إلى الخليفة القائم بإظهار الطاعة، فتقرّر الأمر مع الملك الرحيم خسرو فيروز بن أبى كاليجار المرزبان ابن سلطان الدولة أبى شجاع، على أن يخطب لطغرل بك ببغداد؛ فخطب له لثمان بقين من شهر رمضان منها.\rثم إنه قدم إلى بغداد وقبض على الملك الرحيم وعلى جماعة، ثم بعث به إلى قلعة السّيروان، وفرّ منه قريش، ثم إنه خلع عليه وردّه إلى أهله (¬٢)، وأخذ أموال الاجناد البغداديين وأمرهم بالسعى فى طلب الرزق؛ فسار أكثرهم إلى البساسيرى. وبعث طغرلبك إلى الأمير نور الدين دبيس بن بدران أن يحضر إليه البساسيرى، فالتزم له بذلك. وبلغ البساسيرى الخبر، فسار إلى رحبة مالك بن طوق، وكاتب المستنصر يطلب منه الإذن له فى الدّخول إلى حضرته؛ فأشير على المستنصر بألاّ يمكّنه من الحضور، وأن يعده بما يرضيه، وسيّر إليه الخلع. فبعث يسأل فى النّجدة، ويلتزم بأخذ بغداد وإقامة الخطبة بها للمستنصر وإزالة دولة بنى العباس، وأنه يكفى فى ردّ طغرلبك عن قصده البلاد الشامية.\rفجهزت إليه خزائن الأموال العظيمة على يد المؤيّد فى الدين أبى نصر هبة الله بن موسى فى سنة ثمان وأربعين، حيث لم يترك فى خزائن أموال القصر شيء البتة.\rوخرج خطير الملك محمد بن الوزير من القاهرة فى تجمّل عظيم، ومعه من كلّ ما يريد،","footnotes":"(¬١) رئيس الرؤساء على بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر بن المسلمة. النجوم الزاهرة: ٦:٥.\r(¬٢) وكان قريش قد فر بعد أن نهبه التركمان هو ومن معه من العرب، ولم يطلقه التركمان إلا بعد أن أرسل الخليفة إلى السلطان يحتج على أعمال النهب والأسر ويهدد بترك بغداد. الكامل: ٢١٢:٩ - ٢١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276894,"book_id":167,"shamela_page_id":602,"part":"2","page_num":234,"sequence_num":602,"body":"حتى أخذ أحواض الخشب وفيها الطّين المزروع فيه سائر البقول برسم مائدته. ومعه من خزائن الأموال والأسلحة والآلات والأمتعة ما يجلّ وصفه. فسار إلى القدس، ورحل منها إلى اللاّذقيّة يريد فتحها. فلما كان فى شوال منها واقع البساسيرى ودبيس (¬١) قريش ابن بدران العقيلى صاحب الموصل وقتلمش ابن عم طغرلبك، وكان طغرلبك قد سيّره إلى سنجار (¬٢) فى ألفين وخمسمائة فارس. فكانت الوقعة المشهورة التى لم يفلت منها إلا مائتا فارس أو دونها. وانهزم قريش وقتلمش، واستولى البساسيرى ودبيس على الموصل وأقاما بها الدعوة للمستنصر، وكتبا إليه بذلك؛ فسيرت إليهما الخلع ولجماعة أمراء العرب.\rوعمل الشّعر فى هذه الواقعة. فمن مليح ما قيل لابن حيوس (¬٣):\rعجبت لمدّعى الآفاق ملكا … وغايته ببغداد الرّكود\rومن مستخلف، بالهون يرضى … يذاد عن الحياض ولا يذود\rوأعجب منهما شعب بمصر … تقام له بسنجار الحدود\rوبلغ ذلك طغرلبك، فسار يريد الموصل حتى بلغ نصيبين، فأوقع بالعرب وألقاهم بين يدى الفيلة، فقتلهم شر قتلة. وبعث إليه دبيس وقريش بالطاعة فقبل منهما. وسار إلى ديار بكر؛ وجهّز أخاه داود إلى الموصل، فتسلمها وعاد إلى بغداد.","footnotes":"(¬١) نور الدولة أبو الأغر دبيس الأول بن سند الدولة أبى الحسن على بن مزيد الأسدى؛ صاحب حلة بنى مزيد، وكانت تسمى الجامعين، قرب الفرات. معجم البلدان: ٣٢٧:٣؛ معجم الأنساب.\r(¬٢) بينها وبين الموصل ثلاثة أيام، وتقع فى لحف جبل عال. معجم البلدان: ١٤٤:٥ - ١٤٦.\r(¬٣) محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس، أبو الفتيان، الأمير الشاعر؛ أحد شعراء الشام المجيدين؛ مات بدمشق سنة ٤٧٣ مجاوزا الثمانين. النجوم الزاهرة: ٥: فى مواضع متعددة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276895,"book_id":167,"shamela_page_id":603,"part":"2","page_num":235,"sequence_num":603,"body":"سنة تسع وأربعين وأربعمائة (¬١):\rفيها تسلّم مكين الدولة ابن ملهم من ثمال بن صالح مدينة حلب فى آخر ذى القعدة، وانكفّت أيدى التركمان عنها، وأقيمت خطبة المستنصر فيها وقطعت خطبة القائم؛ وذلك بعد حروب عظيمة. وكان دخول ابن ملهم حلب يوم الخميس لثلاث بقين من ذى القعدة، فبقى على ملكها أربع سنين.\rوفيها قدم كتاب من بخارى أنّه وقع بها وباء عظيم حتى هلك من ذلك الإقليم ألف ألف وستمائة ألف وخمسون ألف إنسان، وخلت الأسواق، وأغلقت الأبواب. وتعدّى الوباء إلى آذربايجان فالأهواز والبصرة وواسط، وعامة تلك الأعمال، فكانت الحفيرة تحفر ويلقى فيها العشرون والثلاثون من الأموات. وكان سببه قلة القوت والجوع، فنبشت الأموات وأكلهم الناس. وكان الموت إذا وقع فى دار مات جميع من فيها، وكان المريض ينشقّ قلبه عن دم المهجة، فيخرج من فمه قطرة فيموت، أو يخرج من فيه دود فيموت. وكلّ دار كان فيها خمر مات أهلها كلّهم فى ليلة واحدة، ومن كانت امرأته حراما ماتا معا، ومات قيّم مسجد وله خمسون ألف درهم فلم يقبلها أحد، ووضعت فى المسجد تسعة أيام، فدخل أربعة من الشلوح إليها ليلا ليأخذوها فمات الأربعة عليها. وكان يموت الوصىّ قبل الموصى، وكلّ مسلمين كان بينهما تفاخر ولم يصطلحا ماتا. وابتدأ هذا الوباء من تركستان، ودب منها إلى كاشغر والشاش وفرغانة (¬٢)، وعمّ النساء والصبيان، فمات الصبيان والكهول والفتيان من سائر الناس إلا الملوك والعساكر، فإنه لم يمت منهم ولا من الشيوخ والعجائز إلا القليل!!","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها العاشر من مارس سنة ١٠٥٧.\r(¬٢) من بلاد ما وراء النهر وهى أيضا من بلاد الأتراك التى استوطنها الكثير من الفرس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276896,"book_id":167,"shamela_page_id":604,"part":"2","page_num":236,"sequence_num":604,"body":"سنة خمسين وأربعمائة (¬١):\rفى أول المحرّم قبض المستنصر على وزيره الناصر للدّين، غياث المسلمين، أبى محمد اليازورى، وكان قد جمع له ما لم يجتمع لغيره من تقليد الوزارة وقضاء القضاء وداعى الدّعاة. وكان للقبض عليه أسباب، منها أن طغرلبك لمّا ملك بغداد كان بها لليازورى عيون كثيرة يطالعونه بدفين الأمور وجليلها، فوصلت كتبهم بوصوله، وأنهم سمعوه يذكر إزماعه على التوجه نحو الشام ليملكه. فقلق لذلك ورأى أنّ الحيلة أبلغ من الاستعداد له، فكتب إليه يهنئه بوصوله إلى العراق، ويبذل له من الخدمة ما يوفى على أمله، وأن مصر وأعمالها بحكمه، وأنه وإن كان مستخدما لدولة ويدعو إليها فإنّه يعلم كثرة الاختلاف، فمن تجاوزها فى نسبها، واتفاق الكلمة ووقوع الإجماع على الرّضا بالخليفة الصّحيح النسب، الصّريح الحسب، الهاشمىّ العباسىّ، وأنه لا يمتنع عن الإقرار له بذلك. وأعطاه صفقة يده على مبايعته، وتسليم الدولة له. وأنه قد اتصل به إزماع حضرته على التوجّه إلى الشام، وأنه أشفق من تسليمها إليه فتطؤها عساكره مع كثرتها وتجمّعها فيخربها ويعفى آثارها، ولا يقع بملكها انتفاع، ولا يرجى لها ارتفاع (¬٢)؛ فإن رأى أعفاها من وطء العساكر لها، ووصول ركابها إليها، على وجه الفرجة والنظر إلى دمشق وحصنها، فلها عالى رأيها.\rفلما وقف طغرلبك على كتابه قال هذا كتاب رجل عاقل، ويجب أن يعتمد ما أشار به بالإذن للعسكر فى عودتهم إلى بلادهم؛ فمضى كلّ منهم لوجهه. ثم أمر فضرب فساطيطه فى الجانب الغربى من بغداد؛ فكتب بذلك عيون اليازورى إليه، فقلق، ثم كتب إليه:\r«لا تغرنّك الأمانى والخدع بأن أسلّم إليك أعمال الدولة»، وأخون أمانتى لمن غذانى فضله وغمرنى إحسانه، وتتعيّن علىّ طاعته وموالاته. فإن كنت تسلّم إلىّ ما فى يدك لصاحبك من العراق وأعماله سلّمت إليك ما فى يدى لصاحبى، بل الواجب أن تكون كلمة الإسلام مجموعة","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن والعشرين من فبراير سنة ١٠٥٨.\r(¬٢) الارتفاع ما يتحصل من الدواوين بعد جمع الموارد الحكومية، أى إيرادات الدولة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276897,"book_id":167,"shamela_page_id":605,"part":"2","page_num":237,"sequence_num":605,"body":"لابن بنت النّبى الذى هو أولى بمكانه من غيره. وإن رغبت فى المهادنة والموادعة انتظمت الحال بين الدولتين، وأمن الناس بينهما. فإن أبيت إلاّ الخلاف، ونزع الهوى بك إلى الظّنون الفاسدة، والأطماع الكاذبة فليس لك عندى إلاّ السيف. فإن شئت فأقم، وإن شئت فسر».\rفغاظ ذلك طغرلبك وقال: خدعنى هذا الفلاح وسخر منّى. وكتب إلى إبراهيم بن ينال، أخى طغرلبك لأمه، بردّ العسكر مسرعا، فلم يتأتّ له اجتماعهم. وكان اليازورىّ قد بثّ عيونه وحواشيه فى عسكر طغرلبك واستفسد أعيانهم بكثرة الأمانى والمواعيد، مثل خاتون زوج طغرلبك، والكندرى (¬١) وزيره، وابراهيم ينال أخيه (¬٢) وصاحب جيشه؛ فمالوا إليه وقعدوا عن صاحبهم. وحمل خاتون على قتله، فامتنعت من ذلك وواعدته أنها تتحيّز بغلمانها؛ وهم نحو اثنى عشر ألفا، عنه؛ فاعتزلت بهم. وكان ذلك سبب ظفر البساسيرى بعسكر طغرلبك، وظفر كثير منهم، ورجوع طغرلبك من بغداد طالبا لجمع عسكره الذى تفرّق عنه. وهو أنه سار فى هذه السنة ملك البساسيرى وقريش الموصل بعد حصار شديد نحو أربعة أشهر حتى هدم قلعتها. فخرج طغرلبك يريدهما، فسارا عن الموصل، وهو يتبعهما، إلى نصيبين؛ ففارقه إبراهيم ينال وقصد همذان، ولحقه الأتراك الذين كانوا ببغداد. ففتّ ذلك فى عضد طغرلبك وترك ما هو فيه، ورجع ليضم إليه من تفرق عنه، وترك بغداد. فقوى أبو الحارث البساسيرى، وكثف جمعه، وقصد أعمال العراق، ففتح بلدا بلدا، وتملك الأعمال والرّساتيق (¬٣) طوعا وكرها، والدولة المصرية تمدّه بما يستعين به على ذلك؛ وهو لا ينفذ فى أمر من الأمور إلا بما يقرّره اليازورى.\rفكثرت حسّاده على ما يتوالى من سعادته فى كلّ يوم، وما يتجدد له من رئاسة يقتضيها حسن آثاره فى الدولة، وتأثيراته فى جميع الأطراف والممالك بلطف السياسة ومحكم","footnotes":"(¬١) عميد الملك أبو نصر محمد بن منصور الكندى، أول وزراء السلاجقة. وفيات الأعيان؛ تاريخ دولة آل سلجوق للعماد الأصفهانى؛ معجم الأنساب لزامباور.\r(¬٢) فى الأصل: ابن أخته. وهو خطأ والتصحيح استنادا إلى ما تقدم؛ وإلى ابن الأثير فى الكامل؛ وإلى النجوم الزاهرة.\r(¬٣) الرستاق، والرسداق، والجمع رساتيق: أرض السواد، والقرى، ومحلة العسكر، والبلد التجارى؛ ومنه الكملة المعربة الرزداق وجمعها الرزداقات والرزاديق. (والمقصود هنا القرى ومحلات العسكر). محيط المحيط.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276898,"book_id":167,"shamela_page_id":606,"part":"2","page_num":238,"sequence_num":606,"body":"التدبير الذى يبلغ به غاية آماله، بحيث لا يبلغ غيره بعضها إلاّ بإنفاق الجمل العظيمة، وتفريغ بيوت الأموال؛ ثم لا يكاد يظفر ببلوغ أمل فى جهة من الجهات إلا دوخها وثبتت آثاره فيها الدهر الطويل. وصار أعداؤه يتعجبون مما يتأتى له من السعادة وتعينه عليه الأقدار. واستطالوا مدّته، فابتغوا له الغوائل، ونصبوا له الحبائل، وركبوا عليه المناصب حتى كان هلاكه بأقلّ الناس وأحقرهم، وأدناهم منزلة، وأضعفهم قدرة، وهم من أطراف الخدّام. فأقاموا رجلين، أحدهما خادم يعرف بمفرج المغربى كان فى حاشيته، والآخر خازن يتولّى خزانة الفرش يعرف بتنا (؟). وحكوا أنه نقل الأموال إلى الشام فى التوابيت وفى شمع سبكه وأعدّه إلى القدس وإلى الخليل، وأنه قد عوّل على الهرب إلى بغداد؛ واستظهروا بكتابه الذى ذكر إلى طغرلبك؛ مع ما فى طبيعة الملك من الحسد والملل، والأنفة من الاستبداد عليهم ومحبّة الانفراد بالمجد.\rوكان من أسباب الخذلان أن المستنصر التمس من صفى الملك، ولد اليازورى، عمل دعوة يدعوه إليها، فدافعه عن ذلك استعظاما لحضوره عنده؛ فأقام مدّة حتى بعثه والده الوزير على تكلّف عملها له؛ فتهمّم لذلك؛ واصطنع ما يجب إعداده، وتقرّر الحال على يوم يحضر فيه. فلما كان قبل ذلك بيوم حضر صفىّ الملك عند الوزير وأعلمه بإنجاز ما يحتاج إليه، فصار معه إلى الدار واستصحب خواصه، فرأى ما يقصر عنه الوصف. وفرش مجلسين بديباج بياض كله، وفيه جامات كبار وحمر منقوش، كل مجلس بثلاث مراتب وبساط ملء المجلس؛ وسراديق وحجلين للصدر والباب كله جديد كما حمل من الأعدال؛ فقدّر ذلك بخمسة آلاف دينار. فأقبل كلّ من حضر يبالغ فى صفته ويدعو، وشخص منهم ساكت. فلحظ الوزير وأمسك حتى فرغ من تطواف المجالس وعرض كلّ ما أعدّه، وعدل إلى بيت الطهارة وقد أعدّ فى دهليزه من الفرش والآلات والطّيب، وداخله من الفواكه والمشمومات كل مستحسن. ودعا الوزير الرجل الذى سكت عند مبالغة من حضر فى الوصف، وقال: يا عمدة الملك، ما لى لم أسمعك تؤمّن على ما قال الجماعة؟ فقال له بعد ما سأله الإعفاء عنه وتركه من القول، فأبى إلاّ أن يقول:\rسيدنا فيما أعدّه من هذا الجمال بين أحد رأيين، إمّا أن يأمر بإزالته ونصب غيره مما قد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276899,"book_id":167,"shamela_page_id":607,"part":"2","page_num":239,"sequence_num":607,"body":"استعمل، وإمّا يحمله إلى الخليفة إذا انقضى جلوسه عليه. فقال: وما هو هذا؟ أليس هو ممّا أنعم به وصار إلىّ من فضله؛ وما قدره حتى تمتدّ عينه إليه أو تتطلّع له نفسه! وأما إزالته ونصب غيره فما كنت أكسر فى نفس هذا الصبى شهوة، فإنى متى أمرت بإزالته حزن لذلك. وافترقا. فلما كان الغد جاء المستنصر وأقام يومه ذلك فى الدّار، وأحضر إليه الطعام ممّا حوله من الطّرف؛ ثم عاد آخر النهار. وحضر عند الوزير أصدقاؤه، فانفرد بذلك الرجل، وقال: يا عمدة الدولة، والله ما أخطأ حزرك فيما قلته بالأمس؛ منذ دخل الخليفة إلى الدّار إلى أن خرج لم يطرف طرفة عن تأمّل الفرش، فإذا وجّهت طرفى نحوه أطرق وتشاغل. فقال له: يا سيدنا أمّا إذ فات الأمر الأول فلا يفوت الثانى.\rفقال: والله لا فعلت ولا غممت صفىّ الملك.\rواتفق أنه خرج يوما وعليه ثوب بديع، فلمّا عاد قال لصديقه: يا عمدة الدولة، لحظتك اليوم تنظر الثوب الذى كان علىّ فعجبت من ذلك، فلما مثلت بحضرة مولانا أقبل يتأمل الثوب ولم يزل يزحف من الدّست (¬٢) حتى مدّ يده إلى الثوب وتلمّسه، فزال عجبى منك إذ كان الخليفة يتأمله؛ والملوك إذا أنعموا على أحد استحال التظاهر بإحسانهم حسدا ومللا.\rوكان راتب مائدته فى كل يوم كموائد الملوك فى الأعياد والولائم. وكان لا يبتاع لمطبخه من الطير ما هو معرق ولا مصدر؛ وكان سعر المعرق ستة بدينار والمصدر أربعة بدينار، والمسمّن ثلاثة بدينار، والفائق اثنان بدينار؛ وكان يعمل لدارد ومن فيها المسمّن، وأما مائدته فلا يقدّم عليها إلاّ الفائق.","footnotes":"(¬٢) دست السلطان: مرتبة جلوسه. صبح الأعشى؛ Dozy;SuPP Dict.Ar .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276900,"book_id":167,"shamela_page_id":608,"part":"2","page_num":240,"sequence_num":608,"body":"فلما كان فى سنة سبع وأربعين وقصر النيل نزع السعر وغلا حتى بلغ التليّس ثمانية دنانير وصار الخبز طرفة. وكان المستنصر يحضر دار اليازورى كلّ يوم ثلاثاء على عادته، فتقدّم إليه المائدة، فإذا هى على ما يعهد لم يخلّ منها بشئ حتى الدجاج الفائق؛ فقال لصاحب مطبخه: ويلك، يكون راتب مائدة الوزير الدجاج الفائق ومائدتى دون ذلك! فقال: يا مولانا ما ذنبى إذا قصر بك أصحاب دواوينك ولم يطلقوا لمائدتك ما التمسه منهم، والوزير فلا تتجاسر وكلاؤه أن يقصروا فى شيء مما جرت العادة به فى راتب مائدته وغيرها، مع تقدّمه إليهم فى كل يوم بالزيادة فيها وفى راتب داره.\rفلما تظافر عداه عليه لم يشعر إلاّ فى ساعة القبض، فكتب إلى أبى الفرج البابلى - وكان قد قدّمه وأحسن إليه ورفعه على جميع أصحاب الدواوين، واستخلصه دونهم، كما يأتى إن شاء الله عند ذكر وفاته - بعد البسملة: «عرفنا يا أبا الفرج - أطال الله بقاءك وأدام عزّك - تغيّر الرأى فينا، وسوء النية والطّويّة؛ فإن يكن هذا الأمر صائرا إليك فاحفظ الصّحبة، وارع واجب الحرمة؛ وإن يكن صائرا إلى غيرك فابتغ لنفسك نفقا فى الأرض. على أنّا نشير عليك: إن دعيت إليه فلا نأبى عنه فإنه أصلح لك وأعود علينا.\rوالسّلام».\rودعا البابلى للأمر، ووزر، لأنه لم يكن فى الدولة من يتقدمه لما وطّأه اليازورى وأمّله من تقديمه وتمييزه. وكان اعتزاله يغطى على عيوبه، فلما ولى الوزارة بان للناس من رقاعته وحدّته وكثرة شرّه ما افتضح به؛ وتجرّد لمقابلة إحسان اليازورى بكل قبيح وذكره بما لا يستحق من الغضّ. وكانت الرقعة التى كتبها إليه من أعظم ذنوبه عنده فكان يقول؛ يخاطبنى وهو على شفير القبر بنون العظمة! ولا يذكره إلا بالسفاهة واللغو، فسقط قدره من أعين الكافة وحذره كل أحد. ثم لم يقنعه كون اليازرى فى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276901,"book_id":167,"shamela_page_id":609,"part":"2","page_num":241,"sequence_num":609,"body":"الاعتقال بمصر حتى نفاه إلى تنّيس (¬١)، فى صفر، ومعه نساؤه وأولاده وحاشيته، فاعتقلوا بها.\rثم شرع البابلىّ فى التدبير على قتله. قال الشريف فخر الدولة ومجدها، نقيب نقباء الطالبيين: قال لى مولانا - يعنى المستنصر - يا فخر الدولة؛ ما رأيت أوقع من البابلى؛ وذلك أنّ اليازورى لم ينته إلى ما صار إليه من عظيم المنزلة إلاّ بعد أن تقدّم له من المآثر والآثار فى الدّولة وما فتح على يديه ما هو معلوم مشهور، وكان يرتقى بذلك درجة بعد درجة إلى أن انتهى إلى ما انتهى إليه؛ والبابلىّ فمن أوّل يوم استخدمناه استدعى المنزلة التى لم يصر ذلك إليها إلاّ بعد عدّة سنين، فأجبته إليها، وقلت ترى تساعده الأقدار بأن يكون مثل ما كان ذلك الرجل. ومنها أنه كان إذا حضر بين يدى يكثر التثريب على اليازورى ويذكره بالقبيح ظنّا منه تطلّعنا إلى عوده إلى الأمر، وليثبت فى نفوسنا سوء الرأى فيه. ولم نعلم أن غرضه قتله إلى أن كان اليوم الذى سقت عليه الأتراك ووطئوا درّاعته، فإنه لما دخل إلىّ قال: يا أمير المؤمنين، إنه لا ينفذ لك أمر ولا يتم لى نظر وهذا الكليب فى قيد الحياة. فقلت: ومن هو ذلك الكليب؟ فقال: على ابن عبد الرحمن اليازورى. فقلت: أيها الوزير، اعلم أنّى لم أصرف الوزير عن خدمتنا ولنا فى إعادته رغبة، فطب نفسا ودع ذكره، فأنت آمن مما تخافه من جهته. فقال:\rوالله إن هذا لعجب من حسن مقامك يا أمير المؤمنين عنه مع قبيح فعله، وما همّ به من قتلك، حتى إن السقية أقامت تدور فى قصرك أسبوعا كاملا. فقلت: أيها الوزير، أقامت السقية تدور علىّ فى قصرى أسبوعا كاملا؟ فقال: نعم. فأطرقت متعجبا، وبقيت،","footnotes":"(¬١) بكسر التاء، ويعرفها ياقوت بأنها جزيرة قريبة من البر بين الفرما ودمياط، اشتهرت بالثياب الملونة والفرش. وكانت مجموعة من الخصاص عند فتح العرب لها ثم تزايدت أهميتها بالتدريج، فبنيت بها القصور زمن الأمويين، وأنشأ العباسيون سوقها، وبنى بها ابن طولون عدة صهاريج عرفت باسم صهاريج الأمير. معجم البلدان: ٤١٩:٢ - ٤٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276902,"book_id":167,"shamela_page_id":610,"part":"2","page_num":242,"sequence_num":610,"body":"متفكّرا فى ذلك، أصرف الظنّ بين تصديقه وتكذيبه، ثم أقول، لو لم يطّلع على ذلك لم يذكره. فأمسكت، فظنّ بإمساكى أننى راض بما يفعله معه؛ وخرج فاستدعى طاهرا كاتب السرّ وسيّره لقتله. ونمى الخبر إلى مولاتنا الوالدة، فأنكرت ذلك ودخلت إلىّ، فقالت: أنت يا مولانا أمرت البابلى بقتل اليازورى! فقلت: لا. فقالت: قد سيّر طاهر ابن غلام لقتله. فاستدعيت سعيد السّعداء وأنفذته إليه، وقلت له: قل له لم يأمرك بقتله، فأنفذ من يعيد طاهرا ويمنعه من النفوذ. فألفاه صاحب الرسالة فى الحمام، فاعتذر إليه، فقال: لا بدّ من الدخول؛ ودخل وأدّى الرسالة إليه؛ فقال: أخرج وأسيّر من يعيده. وطوّل فى الحمام ثم خرج، فإلى أن كتب الكتاب وسير به النّجّاب سبقه ذلك إلى تنّيس، فلم يصل حتى نفذ الحكم فيه.\rولما وصل طاهر إلى تنّيس أوصل كتاب البابلى إلى جمال الدولة يذكر فيه:\rإنا قد سيّرنا طاهرا فيما أنت تقف عليه من جهته، فتثبّت منه، وتحضر معه لإنجازه وتحذر من تأخيره من اليوم إلى الغد. فقال: وما الذى وصلت فيه؟ فأخرج تذكرة بخط البابلى فيها: إذا وصلت يا طاهر - أعزّك الله - إلى تنّيس وقد سغبت ولهثت من العطش، فلا تبلّ ريقك بقطرة دون أن يحضر على بن حسن بن عبد الرحمن اليازورى إلى دار الخدمة، وتمضى حكم السيف فيه؛ فقد كتبنا إلى الأمير جمال الدولة بمعونتك على ما يستدعيه ذلك؛ فقدّمه ولا تؤخره إن شاء أحد. فقال له: أنت خليفة صاحب الستر ومرسل من جهة السلطان، والأمر الذى وصلت فيه ممتثل، فأمض الحكم فيه. وأنفذ من يحضر اليازورى من معتقله، والصقالبة والسعدية خدام الستر وقوف، والسياف قائم.\rفقال له طاهر: يا حسن، يقول لك مولانا أين أموالى؟ فلم يجبه ولم يرفع طرفه إليه.\rفقال له: إياك أخاطب (¬١) يا حسن بن على بن عبد الرحمن، يقول لك أمير المؤمنين أين","footnotes":"(¬١) فى الأصل: لك أخاطب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276903,"book_id":167,"shamela_page_id":611,"part":"2","page_num":243,"sequence_num":611,"body":"أموالى؟ فلم تجبه. فرفع طرفه ونظر إليه وإلى الجماعة وفيهم حيدرة السياف، وقال لطاهر: يا كلب تجيء وهذا معك، وأشار بيده إلى السياف، وتسألنى بعد ذلك؛ ولكن قل له يا مولانا قبض علىّ وأنا آمن على نفسى، فإن يكن عندى مال، فقد وجدته فى دارى، وكنت داعيك وثقتك المؤيد فى الدين، فى القمطرة الفلانية ما يشهد بذكر مالك أين هو. فأشار طاهر إلى أولئك، فأخذوه، وضربت عنقه فى ليلة الثانى والعشرين من صفر؛ وحملت رأسه مع طاهر إلى القاهرة، وطرحت جثته على مزبلة ثلاثة أيام. ثم ورد الأمر بتكفينه، فكفّن بعد أن غسل، وحنّط بحنوط كثير، وحمل ليلا ودفن وقد وضع رأسه مع جثته.\rوكان له من المآثر المرضية، والخلال الحميدة، والأفعال الجميلة؛ والخلائق الرضيّة ما يتجمل الملوك بذكره. منها أنه كانت له مائدة يحضرها كل قاض فقيه وأديب جليل القدر، فإذا قدمت فكأنها الرّياض من حسنها وسعة نفسه. وكان الملازمون لمائدته نحو العشرين نسمة، فيكون عليها كأحدهم. وقال عميد الدولة: أقمت معه خمس عشرة سنة قبل وزارته ملازما له فى المبيت والصباح، فكنت أراعيه فى حالاته كلّها ليلا ونهارا، فلا أرى يتغير علىّ منها شيء ولا يتبين لى منه غضب من رضا؛ فأقبلت أدقّق التأمل له فى حالتى غضبه ورضا، شهورا حتى تبيّن لى، فكان إذا رضى تورّدت وجنتاه بحمرة، وإذا غضب اصفرت محاجر عينيه، فعرّفت أبى بذلك؛ فقال: يا بنى هذا غاية فى سكون النفس وصحة الطباع واعتدال المزاج.\rوكانت طبائعه الأربعة على السواء، فإذا أخلّ عمل طبيعة منها عهده أخذ بإصلاحها حتى يعود إلى ما يعهده من استقامتها. وكان لا يعطل شرب الدواء يوما واحدا فيشرب السكنجبين والورد أسبوعا ثم يريح نفسه ثلاثة أيام؛ ثم يشرب النقوع المغلى فى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276904,"book_id":167,"shamela_page_id":612,"part":"2","page_num":244,"sequence_num":612,"body":"الشتاء والمنجم منه فى الصيف أسبوعا لكل منهما؛ ويشرب ماء البذور أسبوعا؛ ويشرب ماء الجين ثمانية أيام؛ ويشرب ماء البقل أسبوعا ثم يشرب الراوند المنقوع كذلك؛ ويريح نفسه بين كل دواءين ثلاثة أيام، لا يخلّ بذلك فى صيف ولا فى شتاء.\rوكان ندىّ الوجه كثير الحياء لا يكاد يرفع طرفا إلا لضرورة؛ ولم يسمع منه قطّ فى سؤال لفظة «لا». بل كان إذا سئل فما يرى إجابة سؤاله إليه يقول نعم، بانخفاض من طرفه وخفوت من صوته، فإذا سئل فما يرى الإجابة إليه يطرف ولا يرفع طرفه؛ وعرف هذا منه فلا يراجع فيه إلاّ بعد مدة. وكان كلّ من يحضر مائدته يستدعى منه الحضور بين يديه لئلا يستمروا عنده؛ وكان فيهم من يشرب المسكر، فإذا حضروا عرفوا مجالسهم وما قرّره لهم، فكان من لا يشرب النبيذ يجلس عن يمينه، ومن يستعمله يجلس عن يساره؛ وبين يدى كل منهم الفواكه الرطبة واليابسة والحلاوة، وستارة الغناء مضروبة؛ فيجلسون وهو مشغول يوقّع، وهم يتحدثون همسا وإشارة وإيماء، إلى أن ينقضى إربه من التواقيع فيستند وينشّطهم بالحديث ويقول: قد تجدّد اليوم كذا وكذا، فما عندكم فيه. فيقول كلّ أحد ما يراه وهو يسمع لهم، حتى يستكمل الجماعة الذين عن يمينه ثم يعطف على شماله فيقول: من هناك قولوا، فيقولون وهو يسمع ولا يردّ على أحد شيئا فلا يصوّب المصوّب ولا يخطّئ المخطئ، ويبيت يضرب الآراء بعضها ببعض حتى يمحض له الصواب، ويصبح يرمى فلا يخطئ. فكانت أفعاله هكذا طول مدّته، لا يستبدّ قطّ برأيه ولا يأنف من المشورة، بل يقول: المستبدّ برأيه واقف على مداحض الزلل، وفى الاستشارة كلّ عقول الرّجال. وبهذا تمّ له ما كان يدبره حتى ترك فيما رامه من الطرز الآثار الباقى ذكرها.\rوجاء ارتفاع الدولة فى أيامه ألفى ألف دينار، يقف منها ويسكن، وينصرف للرجال وللقصور وللعمائر وغيرها، ويبقى بعد ذلك مائتا ألف دينار حاصلة، يحملها كل سنة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276905,"book_id":167,"shamela_page_id":613,"part":"2","page_num":245,"sequence_num":613,"body":"إلى بيت المال. فحظى بذلك عند سلطانه، وتمكّن منه، وارتفع قدره حتى سأل أن يكتب على سكة نقش عليها: ضربت فى دولة آل الهدى من آل طه وياسين، مستنصر بالله جلّ اسمه، وعبده الناصر للدين سنة كذا، وطبعت عليها الدنانير مدة شهر ثم أمر المستنصر بمنعها، ونهى أن تسطّر فى السّير.\rوكانت أيام نظره حوامل لتوالى الفتوحات وعمارة الأعمال. وكان شريف الأخلاق، عالى الهمة كريم الطباع، وطئ الأكناف، مستحكم الحلم، واسع الصّدر، ندىّ الوجه، يستقلّ الكثير، ويستصغر كل كبير. وكان إذا أعطى أهنأ، وإذا أنعم على إنسان أسبغ، وإذا اصطنع أحدا رفعه إلى ما تقصر الآمال والأمانى عنه؛ مع عظيم الصّدقة، وجزيل البرّ الذى عمّ به أهل البيوتات مما جعله لهم من المشاهرات على مقاديرهم. وكذلك الأشراف والفقراء وأهل الستر بالقرافة، فكان يجرى عليهم البرّ والكساء على يد بعض اليهود، ويعرف بابن عصفورة، وكيل السيدة أم المستنصر، فكانوا يظنون أنه من إنعامها؛ فلما زالت أيامه انقطع عنهم ما كان يصل إليهم من البرّ، فخاطبوا ابن عصفورة وقالوا:\rقد جفينا من مولانا ومولاتنا، فلو أدركتهما بنا فقال لهم: ما ترون ما كان يجيئكم حتى يتولّى الله ناصر الدين أخى (¬١). فقالوا: نحن التمسنا من مولانا المستنصر ومولاتنا السّيدة الوالدة ولم نلتمس من ناصر الدّين. فقال: ما كان يجيئكم ذاك إلاّ من الوزير. فعجبوا من ذاك وأكثروا من الترحّم عليه.\rومما يذكر عنه أنه كتب: العالى بالله إدريس بن المعتلى بالله يحيى بن الناصر لدين الله على بن حمّود (¬٢) من خالقه إلى مصر مكاتبة يقول فيها: «من أمير","footnotes":"(¬١) فى الأصل: حتى يتولى الله ناصر دين أخى، وعدلنا إلى المثبت ليتضح النص، وساعد على هذا أن «ناصر الدين» لقب للوزير.\r(¬٢) وهو إدريس الثانى بن يحيى بن على بن حمود، ثالث أمراء بنى حمود، وقد اتخذت هذه الأسرة لقب أمير المؤمنين، وهم من ملوك الطوائف بالأندلس ومقر حكمهم ملقة. Mohammadan Dynasties .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276906,"book_id":167,"shamela_page_id":614,"part":"2","page_num":246,"sequence_num":614,"body":"المؤمنين العالى بالله إلى أمير المؤمنين المستنصر بالله». فعيب عليه بمصر قلة تصوّره ومعرفته بأنه لا يجوز أن يكون أمير المؤمنين فى زمان واحد اثنان. ثم ألجأت الضرورة إلى مكاتبته بنحو ممّا كتب، وكان اليازورى إذ ذاك وزيرا، فقال أنا أخلّص هذه القضية وأعلّقها بمعنى دقيق لا يبين للمكاتب، وكان صاحب حيل؛ يكتب إليه: «من أمير المؤمنين المستنصر بالله معدّ إلى العالى بالله أمير المؤمنين خالقه»؛ وهذا من طريف التخلصات التى تميز بها.\rوحكى عظيم الدّولة متولّى السّر، قال: كنت فى جملة الموكلين على النّاصر (¬١) ثم على البابلىّ بعده، فكنت أرى من رئاسة الوزير الأول - يعنى اليازورى - على شبيبته ورجاحته وسكون حاشيته، ومن طيش البابلىّ وخفّته ونقصه ما أعجب منه؛ وهو أنّى لما كنت موكلا باليازورى كنت أراه ملازما لعتبة باب المجلس فى القاعة لا يتغيّر مكانه منها. وكان البابلىّ يراسله بما يمضى ويوصينا إذا مضينا إليه بالإزعاج عند فتح الباب وإكثار قلقلته لنزعجه ونروعه بذلك؛ فو الله ما كان يكترث ولا ينزعج. وإذا دخل متولّى السّتر يكون جلوسه منه فى الاعتقال كجلوسه منه فى حال نظره، ويخاطب بما يرضى فيجيب بسكون وهدوء وكأنه فى الدّست جالس. فدخل إليه فى أكثر من ثلاثين صقلبيا وبلّغه ما أوصاه البابلىّ، فأجابه، ثم نهض وقال: يا سيّدى صرفتنى من السّتر بغير ذنب ثم أعدتنى إليه بغير مسألة، فما كان سبب ذلك؟ فرفع طرفه إليه كأنّه يخاطبه من دست الوزارة وقال له: كان صرفك فى الأوّل برأيى واختيارى ثم أعدتك لما عرفت من ميل مولانا إلى استخدامك. فخرج متولّى الستر وهو يعجب من سكون حاله وقلّة احتفاله فى الجواب، مع حاجته إليه فى مثل ذلك الوقت الذى يقدر فيه على الإحسان إليه وعلى الإساءة؛ وكان يظنّ أنه يعتذر إليه، فلم يكن منه غير ما تقدم ذكره.","footnotes":"(¬١) المقصود به الوزير ناصر الدين اليازورى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276907,"book_id":167,"shamela_page_id":615,"part":"2","page_num":247,"sequence_num":615,"body":"وكان أكثر وقته صائما وهو يتلو القرآن ولا يسأل عن طعام ولا شراب. وكان فى حال وزارته كثير الصمت مواصل الإطراق، ساكن النفس هادئ الطّباع، فكان يظنّ أن ذلك من تيه وصلف وإعجاب وقلة احتفال بالناس؛ فلما صار فى الاعتقال بعد القبض عليه كان حاله على ما كان ممّا ذكر. ومن عجيب ما وقع أن خطير الملك محمد بن الوزير اليازورى كان ينوب عن أبيه فى قضاء القضاة، فلما سار إلى الشّام بالعساكر الكثيرة معه كان فى حال من البذخ والتجمّل فى حال لا يمكن شرحها؛ فلما نكب أبوه آل حاله إلى أن يرى فى مسجد بمدينة فوّة (¬١) يخيط للناس بالأجرة، وقد نزل به من الفقر والبلاء شدائد وهو يبالغ فى مطالبة (¬٢) شخص بأجرة ما خاطه له، والرّجل يماطله. فلمّا ألح فى المطالبة قال له: يا سيّدنا اجعل هذا القدر اليسير من جملة ما ذهب منك فى السّفرة الشامية.\rفقال: دع ذكر ما مضى. فسأله رجل عن ذلك فلم يجبه، فسأل عبده، فقال الذى ذهب منه فى تلك السّفرة على نفقات سماطه مقدار ستة عشر ألف دينار. فسبحان من لا يزول ملكه.\rوفيها ولى الوزارة بعد اليازورى أبو الفرج عبد الله بن محمّد البابلىّ، وكان أوّلا من جملة أصحاب الدّواوين فقبض عليه الوزير أبو البركات ابن الجرجرائىّ، وصادره على عشرة آلاف دينار أخذ خطّه بها؛ فباع موجوده بستة آلاف دينار وبقى عليه أربعة آلاف دينار، فانطرح على اليازورى وسأله الشّفاعة له، وكان يومئذ ينظر لأمّ الخليفة؛ فسأل الخليفة له فى ذلك، فوقّع بمسامحته منها بألفى دينار، فلمّا صرف الوزير أبو البركات وتولّى اليازورى الوزارة وقّع بمسامحة البابلىّ بالألفين الباقية، واستخدمه فى التوقيع، وردّ إليه ديوان تنّيس ودمياط، وديوان الخاصّ وغيره من الدّواوين، حتى كان فى يده ستة","footnotes":"(¬١) مدينة تقع قرب رشيد بينها وبين البحر ستة فراسخ. معجم البلدان: ٤٠٦:٦.\r(¬٢) فى الأصل: يطالب فى مطالبة","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276908,"book_id":167,"shamela_page_id":616,"part":"2","page_num":248,"sequence_num":616,"body":"دواوين. وكان رسم لأصحاب الدّواوين أن يحضروا كلّ يوم بين يدى الوزير، فرفع منزلة البابلى عن ذلك وميّزه عن أصحاب الدواوين، فكان لا يحضر عنده إلاّ فى كل ثلاثاء من الجمعة؛ فإذا حضر حجب كل أحد من الرؤساء، فلا يدخل إلى الوزير أحد ما دام عنده. فمهما قرّره مع الوزير لا ينتقض. وإذا عرض له فى باقى الجمعة أمر كتب رقعة إلى الوزير فيجيبه فى تضاعيف سطوره، فعل الأكفاء بالأكفاء. وبلغ جاريه على ما بيده من الدّواوين والتوقيع فى كل سنة عشرة آلاف دينار. وكتب مرّة إلى الوزير اليازورى رقعة يذكر فيها أنه ليس له دار يسكنها، وأن بجوار داره حمّاما سلطانيا من جملة المقبوض عن تركة أمير الأمراء رفق، بذل فيها خمسمائة دينار؛ وسأل التوقيع بمبايعته منه على أن يقتطع ثمنه من جاريه، مائة دينار فى الشهر؛ فوقّع له بذلك، ثم تقدّم إلى متولّى بيت المال بأن يكتب له منه رصدا بخمسمائة دينار، ووهبها له. فكتب رقعة ثانية أنّه لما شرع فى بناء الدار احتاج إلى ما يكمل به عمارتها، وأنّ فى المقبوض من أمير الأمراء أيضا من الأخشاب والرّخام ما يسأل الإنعام عليه منه بما يعمرها به؛ فوقّع بتسليم جميع ذلك إليه. فعمر الدار، وخدمه فيها جميع من فى الدولة؛ فجاءت تضاهى القصور.\rواتفق أنه مرض فى بعض السنين مرضة أشفى فيها على التّلف، فكتب إلى الوزير اليازورى رقعة يذكر فيها ما انتهت حاله إليه، وأنّه على آخر رمق؛ وأنّ عليه من الدّين ثلاثة آلاف دينار، ويخاف إن حدث به حادث الموت أن يعنت الغرماء ولديه؛ ويسأل تمام الاصطناع بالمنع منهما، وأن يقرّر حالهما فى القيام للعرفاء بما تصل قدرتهما إليه وينجّم الباقى عليهما. فلما وقف الوزير عليها استرجع وتغمّم له، وقال: ما ظنّنا إلاّ أنا قد أغنينا أبا الفرج، وأنّ حاله لم تصل إلى هذا الحدّ! ثم رفع رأسه إلى أبى العلاء عبد الغنى بن الضّيف، وكان يحمل دواة الوزير، ولقّبه بالصادق المأمون، وقال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276909,"book_id":167,"shamela_page_id":617,"part":"2","page_num":249,"sequence_num":617,"body":"أسرع إلى أبى العبّاس الشاشى، وكان يتولّى ديوانه؛ فلما حضر قال: ما فى حاصلك من إقطاعنا؟ فقال: ثلاثة آلاف دينار وكسر، فأحضرها، وقال لأبى العلاء: خذ هذه الثلاثة آلاف دينار وامض بها إلى البابلى وخصّه بسلامنا، وقل له: قد سوّأتنا بما ذكرته من مرضك وما انتهت إليه حالك، والله تعالى يهب عافيتك ولا يغمّنا بك.\rفأما ما سألت من مراعاتك فى ولديك والمنع منهما، فلو لم تسأل فى ذلك حفظناك فيهما وراعيناهما لك. وأمّا ما ذكرته من دينك فقد أنفذنا إليك ما تقضيه به. فلما أخذ المال وخرج من القبّة قال ارجع يا عبد الغنى، فعاد إليه فأخذ درجا (¬١) ووقّع إلى ديوان الخاص بثلاثة آلاف دينار، وكان له فيه إقطاع، وقال امض إلى الجهبذ (¬٢) بهذا التوقيع فإن كان فى حاصله هذا القدر، وإلاّ قل له يقترض من بيت المال إلى أن يستخرج شيئا فيحمله إليه به عوضا عنها؛ واحمل الجميع إلى البابلىّ. فلم يحتمل أبو العلاء الصّبر عن الكلام وقال: يا سيدنا، ما يقنعك تحمل إليه ثلاثة آلاف دينار حتى تضيف إليها مثلها فتصير ستة! فقال: يا وحش إذا قضى دينه بهذه الثلاثة الآلاف ما يحتاج أن يستدين بعدها، فينفق من هذه الأخرى ولا يستدين. فقال له: والله يا سيدنا إنك لأكرم نفسا من البرامكة، لأنّ أولئك كانوا يجودون من سعة وأنت تجود من ضيق، ولا نسبة بين ما تنظر فيه وما كانوا ينظرون فيه. وخرج فأوصلها إليه. فلما قبض على اليازورى كان أعدى العالم له، وكفر نعمته وإحسانه، وتجرّد له حتى قتله.\rوحكى فخر الدولة قال: استدعانى مولانا المستنصر وقال لى يا فخر الدولة، هل","footnotes":"(¬١) والجمع دروج، الورق المستطيل المركب من عدة أوصال، يكتب فيه ويلف. وكانت الأوصال فى بعض المراحل عبارة عن عشرين وصلا متلاصقة لا غير. السلوك: ٤٧٠:١ نقلا عن محيط المحيط؛ صبح الأعشى: ١٣٨:١.\r(¬٢) الجهبذ كاتب يختص بقبض المال وكتب الوصولات به وعمل الرزنامجات والختمات، ويطالب بما يقبضه ويخرج ما يرفعه من الحساب اللازم له: قوانين الدواوين: ٣٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276910,"book_id":167,"shamela_page_id":618,"part":"2","page_num":250,"sequence_num":618,"body":"يكون فى اختيار الإنسان إلى من تطمح إليه الأبصار أو تتطلع إليه النفوس أوفى من شخص البابلى، مع شيبته وظاهر سمته وهيبته؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين. فقال: والله لقد ظننت أنّ الدولة تتضاعف قدرتها بنظره، وينضاف إليها مثلها بحسن تدبيره وأنّ من وراء هذا الشخص ما وفى عليه؛ فاذا ثيابه لاتسع رقاعته وغمّته، والحيّة قد نشفت قرعته.\rوذلك أن اليازورىّ أقام فى خدمتنا عشر سنين عددنا عليه ثمانية عشر ذنبا، وأقام البابلىّ اثنين وسبعين يوما نقمنا عليه تسعة عشر ذنبا، مع ظاهر كذبه وقلّة احتشامه عندى؛ وذلك أنه ذكر لى من حال السقية ما كثر تعجّبى منه وأنا بين تصديق الحكاية وتكذيبها، واحتشمت أن أردّ عليه فيتحقق تكذيبى له. وكان من إقدامه على قتل اليازورى ما كان، وساء لنا ذلك إذ لم نكن نريد قتله. فلما كان بعد ذلك بأيام يسيرة أمرته بشئ فعارضنى وضرب الأمثال بما يصدّنى عن ذلك الأمر؛ فقلت له أيّها الوزير، اعلم أنّ اليازورى لم تطل مدّته معنا وتثبت قدمه إلا أنّا كنا إذا أمرناه بشئ انتهى إليه ولم يتجاوزه. فقال لى مجيبا: يا مولانا وكأن اليازورىّ كان ينقط نقطة إلاّ ما أمثّله له وأوقفه عليه! يريد أنه كان يدبّر اليازورى ويعلمه ويفهمه؛ فلم يتأمل ما عليه فيه، ولا ذكر ما كان قاله من حال السقية؛ وأذكرنى قوله هذا حال السقية، فقلت له وقد اغتظت منه: يخرس الله الوزير، فإذا كانت السقية برأيه! فلما سمع ذلك منى دهش وقال: أعوذ بالله يا مولانا ولكننى كنت أبصّره صواب الرأى، وأشير عليه بما فيه حميد العاقبة. فعند ذلك تحققت من كذبه على الرجل ما كنت شاكا فيه. ووجه كذبه فيما حكاه من ذلك أنّ الرئيس الجليل القدر إذا أراد أن يهمّ بمثل هذا الأمر فى سائسه أو من يجرى مجراه لم يكد يعلم ولده بما يريده منه، فكيف إذا عزم على فعل ذلك مع مثلى، هل يسوغ أن يطلع أحدا عليه؟ ومع هذا فما الّذى يدعوه أن يخرج بذلك إلى غيره، وربّما نمّ عليه وتقرّب إلىّ باطلاعى عليه؛ وإلاّ تولى بنفسه مع إكثارى كان من زيارته وسكونى إليه، وأنى لم أتّهمه بذلك قطّ فآخذ حذرى منه، وكان بهذا الحكم يتمكن من بلوغ غرضه منّى بحيث","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276911,"book_id":167,"shamela_page_id":619,"part":"2","page_num":251,"sequence_num":619,"body":"لا يعلم به أحد. فتحقق لى كذبه فيما حكاه؛ وهذا أقوى الأسباب فى صرفه، لأنّ من ليس له عقل يميّز به ما يخرج من فمه، لا سيما فى مثل هذا الأمر الخطر الكبير، لم يجز أن يوثق به فى تدبير مزبلة، والخوف من جنايته على الدّولة برقاعته ونقص عقله أكثر من الطّمع فى الانتفاع بنظره.\rوكان صرف البابلى من الوزارة فى شهر ربيع الأول وله فى الوزارة اثنان وسبعون يوما؛ فلما صرف قبض عليه واعتقل. وكان النّهار لا يكاد يرتفع ويتأخر ما يحمل إليه من الطّعام إلاّ ويستغيث ويقول: ما يتمّ حبس وجوع. وكان يبدو منه فى محبسه من القول ما يعرب به عن مستحكم الرّقاعة والجهل، فكان الموكلون به يتعجبون من فرق ما بينه وبين اليازورىّ، فإنّ ذاك كان ساكن الطباع كثير الصّمت شريف النفس مع حداثة سنّه، وهذا شيخ يظهر منه من الخفّة والطّيش والجهل مع الشيخوخة ما يضحك منه.\rفيها تولّى الوزارة بعد البابلى أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين بن المغربى (¬١). وفيها تولّى قضاء القضاة عوضا عن اليازورى أبو على أحمد بن عبد الحكم بن سعيد، إلى ذى القعدة، وصرف بأبى القاسم عبد الحاكم بن وهب بن عبد الرحمن المليجى.\rوتولى المؤيد فى الدين أبو نصر هبة الله بن موسى داعى الدعاة.","footnotes":"(¬١) وكان قد هرب من العراق أثناء فتنة البساسيرى، فذم للمستنصر بالله الفاطمى فعل البساسيرى وخوفه من سوء عاقبته. وأبو الفرج هذا أخو أبى القاسم الحسين بن على المغربى الذى كان قد ولى الوزارة فى مصر ثم هرب إلى العراق. وقد تولى أبو القاسم هذا وزارة ميافارقين للأمير أحمد بن مروان الكردى، نصر الدولة، صاحب ديار بكر وميافارقين. النجوم الزاهرة: ١١:٥، ٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276912,"book_id":167,"shamela_page_id":620,"part":"2","page_num":252,"sequence_num":620,"body":"فيها قصد الأمير أبو الحارث أرسلان البساسيرى الموصل ومعه قريش بن بدران بن المقلّد بن المسيّب العقيلى أمير الغوب فملكها (¬١). وخرج إليه السلطان ركن الدين أبو طالب طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق، ففارقها؛ واتجه طغرلبك إلى نصيبين فخالف عليه أخوه لأمه إبراهيم بن ينال وسار إلى همذان، فرجع فى إثره؛ وتلاحقت الأتراك، فاستدعى الخليفة القائم دبيس بن مزيد، فوصل إليه وقد أرجف بمسير البساسيرى إلى بغداد فعظم الخوف منه، فرجع دبيس إلى بلاده (¬٢). فلما كان يوم الأحد الثامن من ذى القعدة من هذه السنة وصل البساسيرى إلى بغداد ومعه قريش بن بدران، وخطب فى جامع المنصور للمستنصر بالله الفاطمى وقطع الخطبة لبنى العباس، وعقد الجسر وعبر عسكره. فلما كانت الجمعة الثانية خطب بجامع الرّصافة للمستنصر. وكانت بينه وبين أهل بغداد حروب آلت إلى هزيمة رئيس الرّؤساء وزير القائم والعسكر، وقتل جماعة من الأعيان. ووقع النّهب فى البلد، ودخل أصحاب البساسيرى إلى البلد، ووصلوا إلى باب النّوبىّ الشريف (¬٣)؛ فركب القائم بسواده وعلى كتفه البردة، وبيده السّيف وعلى رأسه اللواء، وحوله جماعة بنى العبّاس والخدم بالسيوف المسلّلة، فرأى الأمر شديدا، فعاد وأبعد المنظرة،","footnotes":"(¬١) وكان بها إبراهيم ينال، أخو طغرلبك السلجوقى، ثم خرج عنها قاصدا بلاد الجبل، فأدرك طغرلبك بهذا أن إبراهيم قد عصاه. الكامل: ٢٢٢:٩ - ٢٢٣.\r(¬٢) كان دبيس قد قدم بغداد استجابة لأمر الخليفة ومعه من العرب - رجاله - مائة، فأرجف بوصول البساسيرى فعرض دبيس على الخليفة أن يخرج معه عن بغداد إلى واسط ليستعين بصاحبها، حليفه، على قتال البساسيرى، فلم يتقرر أمر؛ فخرج دبيس، بحجة أن العرب لا يريدون المخاطرة بالبقاء فى بغداد، على أن ينتظر الخليفة على نهر ديالى، وانتظر هناك ثلاثة أيام فلم ير أثرا للخليفة أو رجاله، فعاد إلى بلاده. الكامل: ٢٢٣:٩. - وبهامش الأصل هنا حاشية تقول: «بخطه: هو دبيس بن على بن مزيد بن مرتد بن الرنان بن عدى بن خالد بن مالك بن عدى بن مناد بن مالك بن عوف بن معاوية، الأمير نور الدولة أبو الأغر الأسدى، مات ليلة ثمانى شوال سنة أربع وسبعين وأربعمائة عن ثمانين سنة، وكان أميرا نيفا وستين سنة، وقام بعده ابنه بهاء الدولة أبو كامل منصور».\r(¬٣) سر وصفه بهذا الوصف أن الملوك وقصاد بغداد كانوا يقبلون الأرض قرب ذلك الموضع، قبل دخول بغداد، إجلالا للخلافة. السلوك: ١٠٢:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276913,"book_id":167,"shamela_page_id":621,"part":"2","page_num":253,"sequence_num":621,"body":"ونادى رئيس الرؤساء: يا علم الدّين قريش، أمير المؤمنين يستدنيك. فدنا منه؛ فقال رئيس الرؤساء له: قد آتاك الله منزلة لم ينلها أمثالك؛ وطلب منه الأمان للخليفة القائم، فأمنه. ونزل إليه الخليفة والوزير رئيس الرؤساء، وصارا معه. فبعث إليه البساسيرى:\rتخالف ما استقرّ بيننا! فقال قريش: لا. وكانا قد تعاهدا على المشاركة فى جميع ما يحصل لهما؛ فاستقرّ الأمر على أن البساسيرى يتسلّم الوزير رئيس الرؤساء وأن قريش ابن بدران يتسلّم الخليفة القائم فيكون عنده. فبعث حينئذ قريش بالوزير إلى البساسيرى؛ فلما مثل بين يديه قال له: العفو عند القدرة. فقال البساسيرى: أنت صاحب الطيلسان ما عفوت عن دارى وحرمى وأطفالى، فكيف أعفو وأنا صاحب سيف (¬١).\rثم إن قريش بن بدران سار فى خدمة الخليفة، وهو راكب بالصّفة التى تقدّم ذكرها إلى معسكره، فأنزله فى خيمة وهيّأ له ما يقوم به، ووقع النّهب فى دار الخلافة مدّة أيّام، وأخذ منها ما لا يحصى كثرة، وبعث منها إلى مصر منديل القائم الذى عمّمه بيده، قد جعل فى قالب رخام لكيلا ينحلّ، مع ردائه، والشباك الذى كان يتوكأ عليه؛ فعمل فى دار الوزارة بالقاهرة. وأما العمامة والرّداء فبعثهما السّلطان صلاح الدّين يوسف، لمّا استولى على القصر، إلى الخليفة المستضيء ببغداد مع الكتاب الّذى كتبه على نفسه القائم وأشهد على نفسه العدول فيه أنّه لا حق لبنى العباس فى الخلافة مع وجود فاطمة الزهراء. وحمل أيضا إلى القاهرة الذخائر والكتب والقضيب والبردة. وسلّم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارس بن المجلى (¬٢)، وكان رجلا متديّنا، فحمله فى هودج إلى مدينة عانة وأنزله بها؛ وفرّ أصحاب الخليفة القائم إلى طغرلبك فصاروا فى جملته","footnotes":"(¬١) يذكر ابن الأثير هذه الواقعة بنفس هذه الألفاظ تقريبا، ويزيد أن البساسيرى استقبل الوزير بقوله: مرحبا بمهلك الدول ومخرب البلاد. الكامل: ٢٢٤:٩. وزاد ابن تغرى بردى: مرحبا بمدمر الدولة ومهلك الأمم ومخرب البلاد ومبيد العباد. النجوم الزاهرة: ٩:٥.\r(¬٢) بهامش الأصل تعريف به يقول: «بخطه: مهارش بن المجلى بن عليت بن مختار بن شعب بن المقلد بن جعفر بن عمرو بن المرضى، أبو الحارث، أمير العرب، بالحديثة وعانة وماء الانبار؛ أقام عنده الخليفة القائم بأمر الله إلى أن عاد إلى مستقره. وتوفى فى صفر سنة تسع وتسعين وأربعمائة عن ثمانين سنة. وكان كثير الصدقة». اه. ويقول صاحب النجوم -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276914,"book_id":167,"shamela_page_id":622,"part":"2","page_num":254,"sequence_num":622,"body":"فلما كان يوم عيد النّحر ركب البساسيرى إلى المصلّى وعلى رأسه ألوية المستنصر، وقد استمال الناس بكثرة الإحسان وإجراء الأرزاق، وكسر منبر المسجد الجامع ببغداد وقال: هذا منبر نحس أعلن عليه بغض آل محمد ﵈؛ وأنشأ منبرا آخر وخطب عليه باسم المستنصر. ثم أخرج الوزير رئيس الرؤساء أبا القاسم على بن المسلمة وهو مقيّد وعليه جبة صوف وطرطور أحمر من لبد وفى عنقه مخنقة، فشهّره ثم أعاده إلى المعسكر وقد نصبت له خشبة، فألبس جلد ثور طرىّ، وجعل فى فكيه كلاّبين من حديد وعلّقه بهما؛ فبقى يضطرب إلى آخر النهار حتى مات، وعمره نحو من ثلاث وخمسين سنة (¬١)، وكان حسن التّلاوة للقرآن جيّد المعرفة بالأدب.\rولما ورد الخبر بذلك إلى المستنصر سرّ سرورا كثيرا، وزيّنت القاهرة ومصر وجاءت نسب الطّبّالة، فغنّت بالطبل فى القصر بين يدى المستنصر:\rيا بنى العباس ردّوا … ملك الأمر معدّ (¬٢)\rملككم ملك معار (¬٣) … والعوارى تستردّ\rفقال لها المستنصر: تمنّى، فلك حكمك؛ فسألت الأرض المجاورة للمقس، فأقطعها إيّاها، فعرفت بها وقيل لها إلى اليوم أرض الطبالة (¬٤). وأمر المستنصر فى أن يحمل إلى مهارش","footnotes":"= - الزاهرة: «مهارش البدوى بن مجلى الأمير أبو الحارث، كان كثير الصلاة والصوم والصدقة صالحا محبا لأهل العلم. وعاش نيفا وثمانين سنة». اه. النجوم الزاهرة: ١٩٣:٥. وعانة بلدة بين الرقة والفرات، على فراسخ من الأنبار، وتعد فى أعمال الجزيرة وتشرف على الفرات قريبا من حديثة النورة التى تعرف أيضا بحديثة عانة وحديثة الفرات، وهى بدورها على فراسخ من الأنبار. معجم البلدان: ٢٣٥:٣ - ٢٣٧؛ النجوم الزاهرة: ٩:٥.\r(¬١) وفى النجوم الزاهرة: وجعل فى رقبته قلائد كالمسخرة وطيف به بالشوارع وخلفه من يصفعه؛ ثم سلخ له ثور وألبس جلده وخيط عليه وجعلت قرون الثور فى رأسه. النجوم الزاهرة: ٦:٥ - ٧.\r(¬٢) فى الأصل: قد ملك … وهو خطأ عروضى.\r(¬٣) فى النجوم الزاهرة * ملكم كان معارا * النجوم الزاهرة: ١٢:٥.\r(¬٤) ويذكر المقريزى أنها كانت من أحسن منتزهات القاهرة. وتحد الآن من الشمال والغرب بشارع الظاهر، ومن الجنوب بشارع الفجالة وسكتها، ومن الشرق بشارع بور سعيد - شارع الخليج. النجوم الزاهرة: ١٢:٥: حاشية: ٥. نقلا عن الخطط: ١٢٥:٢؛ وبزيادة توضيحية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276915,"book_id":167,"shamela_page_id":623,"part":"2","page_num":255,"sequence_num":623,"body":"عشرة آلاف دينار ليسيّر إليه الخليفة القائم على حال جميلة؛ وعزم على أنه إذا وصل تلقّاه أحسن لقاء وبالغ فى إكرامه. ويقال إنه بنى القصر الغربى لينزله فيه، ويحمل إليه ما ينسيه به ما كان فيه من إقامة الرّواتب السنية، وأن يقرّر له فى كل يوم مائة دينار؛ وأنه إذا ركب المستنصر فى أوقات ركوبه قدّمه بين يديه يحجبه. فإذا أقام على ذلك مدة، وبات وانتشر فى الأقطار خبر ذلك خلع عليه وعقد له ألوية الولاية للعراق، وكتب عهده بتقليده إياه، وسيّره إليه، وأعاده إلى مملكته وخلافته من قبله. فمنعه حادث القدر قبل إدراك ذلك. وكان من جملة أسباب فوات هذا أن البساسيرى لما بعث الكتب إلى المستنصر يعرّفه بإقامة الخطبة له ببغداد كان الوزير حينئذ أبو الفرج محمد بن المغربى، وهو ممّن فرّ من البساسيرى وصار إلى القاهرة، فحذّر المستنصر من البساسيرى وخوّفه عاقبته؛ فتركت أجوبته مدّة، ثم عادت الأجوبة بخلاف ما أمّله البساسيرى؛ ثم قدم طغرلبك فانتصر عليه.\rوفيها بنيت القبة التى بصحن جامع دمشق، شرقىّ الجامع على باب مشهد على، وكتب عليها اسم المستنصر.\rوفيها ولّى المستنصر ناصر الدّولة الحسن بن عبد الله بن حمدان دمشق فى شهر رجب (¬١)","footnotes":"(¬١) فوصلها فى منتصف رجب؛ وهو الأمير المظفر ناصر الدولة وسيفها، ذو المجدين، أبو محمد الحسن بن الحسين. وهذه هى ولايته الثانية، وكانت الأولى فى سنة ٤٣٣. ذيل تاريخ دمشق: ٨٣، ٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276916,"book_id":167,"shamela_page_id":624,"part":"2","page_num":256,"sequence_num":624,"body":"سنة احدى وخمسين وأربعمائة (¬١):\rفيها سار الأمير أبو الحارث البساسيرى من بغداد فملك البصرة وواسط، وأقام بهما الدعوة للمستنصر، وخطب له فى عامّة تلك الأعمال. وبلغ طغرلبك ما كان من أخذ بغداد وقطع الخطبة العباسية منها، فكاتب ألب أرسلان بن داود أخيه، فقدم عليه فى إخوته بعسكر كبير، واجتمعوا على محاربة إبراهيم بن ينال، فكانت الغلبة لطغرل بك، فأخذه أسيرا وقتله فى تاسع جمادى الآخرة. وتوجّه يريد بغداد، وبعث إلى البساسيرى وإلى قريش بن بدران يأمرهما بردّ الخليفة القائم إلى بغداد، وإقامة الخطبة له على عادته، وردّه إلى تخت خلافته، ويعدهما أنهما إن فعلا ذلك رجع عن العراق ولم يدخل بغداد، وأنه يقنع بأن يخطب له فيها وتضرب السّكّة باسمه. فامتنع البساسيرى من ذلك وأبى إلاّ الإقامة على ما هو عليه. فسار طغرلبك يريد بغداد فأحدر البساسيرى أولاده وحرمه من بغداد إلى واسط ونوى العود. وعند ما قارب طغرلبك بغداد بعث إلى قريش يشكر ما كان من صنيعه مع الخليفة القائم، وجهز إلى بكر بن فورك لإحضار الخليفة؛ فوافى حلة بدر بن مهلهل وقد وصل الخليفة وابن مهارش فى تلك الساعة، فركب هو وابن فورك وأركبا الخليفة وخدماه؛ وأتته هدايا بدر.\rوبعث طغرلبك بوزيره عميد الملك أبى نصر منصور الكندرى (¬٢) والأمراء والحجّاب","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع عشر من فبراير سنة ١٠٥٩.\r(¬٢) بهامش الأصل تعليقه نصها: «بخطه: منصور بن محمد بن نصر أبو نصر الكندرى عميد الملك. وقيل محمد بن أبى صالح محمد بن منصور الكندرى الخراجى، من بنى شيبان. ولد بناحية كندر من قرى نيسابور فى سنة خمس عشرة وأربعمائة؛ قرأ الأدب وخدم السلطان طغرلبك فنقم عليه وخصاه ثم رق له واستوزره، وقدم معه بغداد، فلقبه الخليفة القائم بأمر الله وزير الوزراء. وكان يتكلم بالعربى والفارسى والتركى؛ وله نظم ونثر جيد؛ ويعرف الكلام على مذهب المعتزلة. ولما مات طغرلبك وولى بعده ابن أخيه ألب أرسلان بن داود أقره على وزارته ثم عزله بنظام الملك بعد شهرين، وأخرجه من الرى. وأخذ جميع ضياعه وفرشه وغلمانه، ثم أمر بقتله، فقتل فى مروالروذ صبرا بالسيف، وحمل رأسه إلى كرمان فى صفر سنة سبع وخمسين وأربعمائة». اه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276917,"book_id":167,"shamela_page_id":625,"part":"2","page_num":257,"sequence_num":625,"body":"بالخيام الكثيرة والسرادقات العظيمة، والخيول العدة بالمراكب الذهب، إلى الخليفة القائم، فرحل وهم فى خدمته، وقد خرج طغرلبك إلى لقائه؛ فعند ما شاهده وقع إلى الأرض يقبّلها، ثم قام وهنأه بالسلامة، وأظهر السّرور الزائد والابتهاج الكبير؛ واعتذر عن تأخّره بما كان من عصيان إبراهيم ينال. فقلده الخليفة بسيف كان قد تأخر عنه، وسار معه طغرلبك إلى بغداد وجلس على باب النّوبىّ الشريف مكان حاجب الباب حتى وصل الخليفة، فعند ما شاهده مثل قائما وأخذ بلجام بغلته حتى انتهى إلى باب الحجرة الشريفة؛ وذلك فى يوم الاثنين لخمس بقين من ذى الحجة.\rثم عاد طغرلبك إلى معسكره وسيّر العساكر لمحاربة البساسيرى وخرج فى إثره؛ فوافت العساكر البساسيرى ودبيس بن مزيد، فكانت بينهم حروب آلت إلى انهزام دبيس ووقوع ضربة فى وجه البساسيرى سقط منها عن فرسه، فأخذ، وقتل، وحملت رأسه إلى طغرلبك فبعث بها إلى الخليفة القائم، فطيف بها على قناة فى بغداد للنّصف من ذى الحجة (¬١)، وعلّقت على باب النوبى. وأحيط بأموال البساسيرى ونسائه وأمواله، وجميع حواشيه وأسبابه؛ وقتل فى هذه الوقائع من الخلائق ما لا يحصى لهم عدد؛ وفرّ دبيس إلى البطيحة (¬٢).\rوقطعت الخطبة من بلاد العراق للمستنصر بعد أن خطب له ببغداد أربعين جمعة؛ وعادت للقائم كما كانت. وهذه الحادثة كانت آخر سعادة الدّولة الفاطمية، فإنّ الشام خرج من أيديهم بعدها بقليل لاستيلاء الترك عليه، ولم يبق بيدهم غير ملك مصر خاصة","footnotes":"(¬١) يقول ابن الأثير: «فوصل منتصف ذى الحجة سنة إحدى وخمسين، فنظف وغسل وجعل على قناة وطيف به، وصلب قبالة باب النوبى. وكان فى أسر البساسيرى جماعة من النساء المتعلقات بدار الخلافة فأخذن وأكرمن وحملن إلى بغداد». الكامل: ٢٢٨:٩ - ٢٢٩.\r(¬٢) أرض واسعة بين واسط والبصرة. تغلب عليها فى أوائل أيام بنى بويه أقوام من أهلها وتحصنوا بالمياه والسفن وجيرة تلك الأرض عن طاعة الدولة، فصارت المياه لهم كالقلعة الحصينة إلى أن انقضت دولة الديلم ودولة السلاجقة. معجم البلدان: ٢٢٢:٢ - ٢٢٣. وقد أراد دبيس بفراره إلى البطيحة أن يستفيد من تحصينها الطبيعى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276918,"book_id":167,"shamela_page_id":626,"part":"2","page_num":258,"sequence_num":626,"body":"ويقال إنّ الخليفة القائم بأمر الله كتب لمّا نكب كتابا يشكو فيه ما يلقاه من البساسيرى ونسخته بعد البسملة: «إلى الله العظيم من عبده المسكين. اللهم إنك عالم بالسّرائر، مطّلع على مكنونات الضمائر؛ اللهم إنك غنى بعلمك واطّلاعك على أمور خلقك عن إعلامى لك؛ وهذا عبد من عبيدك قد كفر نعمتك وما شكرها، وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك، وسخر بأناتك، حتى تعدّى علينا بغيا، وأساء إلينا عتوا وعدوا. اللهم قلّ الناصر، واغترّ الظالم، وأنت المطّلع العالم، والمنصف الحاكم، بك نستعين عليه، وإليك نهرب من بين يديه، وقد تعزّر بالمخلوقين، ونحن نستعين بالله رب العالمين. اللهم إنا حاكمناه إليك، وتوكلنا فى إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا إلى حكمك، ووثقنا فى كشفها بكرمك فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين، وأظهر قدرتك فيه قدر ما نرتجيه، فقد أخذته العزة بالإثم. اللهم فاستلبه عزته، وملكنا بقدرتك ناصيته، يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين وسلم تسليما».\rوبعث به إلى باب الكعبة، وعلّق بباب الكعبة ودعا بما فيه؛ فقتل البساسيرى فى ذلك اليوم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276919,"book_id":167,"shamela_page_id":627,"part":"2","page_num":259,"sequence_num":627,"body":"سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة (¬١):\rفيها سارت العساكر من مصر إلى دمشق، وكتب لناصر الدّولة أبى على الحسين بن حمدان أن يكون قائد الجيش؛ فسار من دمشق بعسكر كبير فى سادس ربيع الأول يريد محاربة أهل حلب. وكانت مدينة حلب قد أقيمت فيها الدعوة الفاطمية، وأسقطت بها دعوة بنى العباس إلى أيام الظّاهر بن الحاكم، فتغلّب عليها صالح بن مرداس، أحد أمراء الكلابيّين، وكثف أمره بها حتى استولى على دمشق أمير الجيوش أنوشتكين الدّزبرى، أحد الغلمان الأتراك، فساس الأمور، وأطاعه كلّ مارق؛ وراسل الملوك. فنابذه صالح بن مرداس وجمع له العرب، وفيهم عدّة الدولة حسّان بن جرّاح، وسار لمحاربته، فكانت بينهما وقائع انهزم فيها حسّان إلى بلاد الروم، وتفرّق الجمع. ثم مات صالح وقام من بعده ابنه شبل الدّولة نصر بن صالح فى حلب، فقام بمنابذة أمير الجيوش كما كان أبوه، وسار لقتاله، فقتل، وملك أمير الجيوش حلب فأقام بها رضىّ الدولة منجوتكين، أحد غلمانه، فأقام بها سنين. ومات أمير الجيوش فغلب على حلب ثمال بن صالح بن مرداس وملكها؛ ولم يقم أحد بعد أمير الجيوش مقامه.\rفلما كانت وزارة الجرجرائىّ غمض طرفه عن ثمال، ورأى أن موادعته أخفّ من إنفاق الأموال فى محاربته، فكتب بولايته وقرّر عليه الحمل فى كل سنة. وتمادى ذلك إلى أيام وزارة اليازورىّ فلم يرض بهذا، ورأى أنّ الحيلة أبلغ فيما يؤثره، لأنه إن رام صرفه لم يطق ذلك، وإن نابذه ألزم كلفا كثيرة. فاستعمل السياسة والتّدبير الخفىّ، وندب لذلك رجلا من أهل صور له بها رئاسة ووجاهة، يقال له عين الدّولة علىّ بن عياض، قاضى صور، فساس الأمر وأحكم التّدبير فيما قرّره مع كاتب ثمال بن صالح وما وعده به، حتى","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السادس من فبراير سنة ١٠٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276920,"book_id":167,"shamela_page_id":628,"part":"2","page_num":260,"sequence_num":628,"body":"نزل من قلعة حلب وسلّمها إلى مكين الدولة الحسن بن على بن ملهم والى الخليفة المستنصر. وسار من حلب يريد مصر للقاء الحضرة؛ فلما بلغ رفح اتصل به خبر القبض على اليازورىّ، فقال والله إنى أموت بحسرة ونظرة إلى من استلبنى من ذلك الملك، وأخرجنى بلا رغبة ولا رهبة إلاّ بحسن السّياسة، وإن رام ذلك منى فليس يتعذر عليه.\rورجع ثمال إلى حلب، فاتفق فى غيبته قيام أهل حلب وتسليم البلد إلى عز الدولة محمود بن نصر بن صالح بن مرداس، فى مستهلّ جمادى الآخرة من هذه السّنة، فحضر ابن ملهم بالقلعة إلى أن سار إليه ناصر الدولة بن حمدان، فكانت بينهما حروب كبيرة على قنسرين (¬١) آلت إلى أن انكسر ناصر الدّولة كسرة عنيفة، فأصابته ضربة شلّت منها يده؛ ورجع منهزما فى مستهل شعبان. فقال عبد العزيز العكيك الحلبى وقد مدح ناصر الدولة فلم يجزه.\rولئن غلطت بأن مدحتك، طالبا … جدواك، مع علمى بأنّك باخل\rفالدّولة الزهراء قد غلطت، بأن … نعتتك ناصرها، وأنت الخاذل\rإن تمّ أمرك مع يد لك أصبحت … شلاّء فالأمثال عندى باطل (¬٢)\rوأما ابن ملهم فإنه بعث إلى أسد الدولة أبى ذؤابة عطيّة بن صالح فسلمه حلب، ودخلها فى عاشر شعبان هذا، وأقام بها يومه ثم خرج عجزا عنها؛ فوصل محمود فى ثانى عشره وملكها.","footnotes":"(¬١) مدينة بالشام، وكورة، بينها وبين حلب مرحلة من جهة حمص، وكانت تعد من العواصم. معجم البلدان ١٦٨:٧ - ١٧٠.\r(¬٢) فى الأصل:\rإن تم أمرك مع يديك أصبحت … شلاء فالأمثال عندى باطل\rودو غير مستقيم وزنا ومعنى، وقد أمدنى الدكتور صلاح الدين الهادى، مشكورا، بالقراءة المثبتة بالمتن، نقلا عن تاريخ ابن ميسر: ١٢:٢، إذ عثر عليه فى أثناء إعداده لرسالة الدكتوراة بكلية دار العلوم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276921,"book_id":167,"shamela_page_id":629,"part":"2","page_num":261,"sequence_num":629,"body":"وفى تاسع رمضان صرف أبو الفرج ابن المغربى عن الوزارة، وأعيد إليها أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلىّ. وصرف عن قضاء القضاة عبد الحاكم بن وهب فى جمادى الآخرة، واستقرّ عوضه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن أبى ذكرى، فى حادى عشرى رجب.\rوفيها قدمت هدية المعزّ بن باديس، فقوّمت بأربعين ألف دينار. منها درقة مرصعة بالجوهر كانت للمهدى.\rوفيها قدم كتاب على بن محمد الصّليحى بما هو عليه من القوّة وإقامة الدعوة؛ واستأذن فى المسير إلى تهامة وأخذها؛ فأجيب بذلك؛ فسار إليها وأخذها.\rوفيها نزل محمود بن شبل الدولة ثمال بن صالح بن مرداس على حلب، ومعه منيع بن سيف الدولة، سبعة أيّام ثم رحل، وعاد إليها وأخذها يوم الاثنين ثانى جمادى الآخرة، وحصر القلعة إلى سادس رجب ورحل؛ فملكها أصحاب المستنصر. وفيها التقى ناصر الدولة بن حمدان مع محمود بن شبل الدّولة على الفنيدق (¬١)، فانكسر ابن حمدان؛ ودخل عطية حلب (¬٢) وخرج منها؛ وتسلمها محمود يوم السبت ثانى شعبان؛ ثم وصل عمّه معز الدولة فحاصر حلب مدة.\rوفى هذه السنة سقط تنوّر قبة صخرة بيت المقدس وفيه خمسمائة قنديل، فتطير الناس وقالوا ليكوننّ فى الإسلام حادث عظيم.","footnotes":"(¬١) الفنيدق من أعمال حلب، أصبحت تعرف باسم تل السلطان، بينها وبين حلب خمسة فراسخ. معجم البلدان: ٤٠٢:٦ - ٤٠٣.\r(¬٢) وهو أبو ذؤابة أسد الدولة عطية بن صالح، المذكور قبل قليل، خامس أسرة المرداسيين. ومعز الدولة الذى سيذكر بعد كلمات، من نفس الأسرة وكان قد ملك حلب بين سنتى ٤٣٤ - ٤٤٩، ثم سقطت فى أيدى رجال الفاطميين، ثم عاد إلى ملكها سنة ٤٥٣ ليتولاها فى السنة التالية أبو ذؤابة عطية المذكور. قارن أيضا: Mohammadan Dynasties","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276922,"book_id":167,"shamela_page_id":630,"part":"2","page_num":262,"sequence_num":630,"body":"سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة (¬١):\rفى ثالث محرم صرف البابلى عن الوزارة؛ واستقرّ عبد الله بن يحيى بن المدبّر.\rوفى صفر توفّى قاضى القضاة ابن أبى ذكرى فاستقر فى الحكم بعده أبو على أحمد بن قاضى القضاة عبد الحاكم بن سعيد فى رابع عشره، وصرف فى خامس صفر (¬٢). واستقرّ عوضه أبو القاسم عبد الحاكم بن وهيب المليجى، ثم صرف فى حادى عشر رمضان. واستقرّ عوضه أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعد بن مالك بن سعيد الفارقى، واستخلف ابنه عميد الملك أبا الحسن. وصرف ابن المدبّر عن الوزارة واستقرّ بعده أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم، أخو قاضى القضاة.\rوكان السبب فى سرعة العزل وكثرة الولايات أنّه لما قتل اليازورى كثر السّعاة فى الوزارة، فما هو إلاّ أن يستخدم الوزير فيجعل نصب الأعين، وتركب عليه المناصب، ويكثر الطّعن عليه حتى يعزل ولم تطل مدته ولا اتّسع وقته؛ فيلى بعده من يتّفق له مثل ذلك، لمخالطة النّاس الخليفة ومداخلتهم الرّقاع والمكاتبات الكثيرة إليه؛ وكان لا ينكر على أحد مكاتبته. فأحبّ النّاس مخالطة الخليفة وجعلوه سوقا لهم؛ فتقدّم كل سفساف، وحظى أوغاد عدّة، وكثروا، حتى كانت رقاعهم أوقع من رقاع الصّدور والرؤساء والجلّة؛ وتنقّلوا فى المكاتبة إلى كلّ فن، حتّى إنّه كان يصل إلى المستنصر فى كل يوم ثمانمائة رقعة؛ فتشابهت عليه الأمور وتناقضت الأحوال. ووقع الاختلاف بين عبيد الدولة، وضعفت قوى الوزراء عن التدبير لقصر مدة كل منهم، فإن الوزير منذ يخلع عليه ويستقرّ إلى أن ينصرف لا يفيق من التحرر، فمن ابتغى به يؤذيه عند الخليفة، وسعت عليه الرجال، فما يصير فيه فضل عن الدفاع عن نفسه. فخربت الأعمال وقلّ ارتفاعها، وتقلّب الرجال","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السادس والعشرين من يناير سنة ١٠٦١.\r(¬٢) هكذا فى الأصل. وهو أمر غير مقبول إذ أن هذا القاضى تولى فى رابع عشر صفر فكيف يصرف فى «خامس صفر».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276923,"book_id":167,"shamela_page_id":631,"part":"2","page_num":263,"sequence_num":631,"body":"على معظمها واستنضوا راخى ارتفاعها، فاتّضع الارتفاع، وعظمت النفقات. ووقع اصطراع الأضداد على السّلطان، وواصلوه باقتضاء ما لهم من المقرّرات، ولازموا بابه، ومنعوه من لذّاته. وتجرءوا على الوزراء واستخفّوا بهم، وجعلوهم غرضا لمساءتهم، فكانت الفترات بعد صرف من ينصرف منهم أطول من مدّة نظر أحدهم؛ والمستنصر يوسعهم حلما واحتمالا. فأطغى الرّجال ذلك وجرّأهم عليه، حتى خرجوا من طلب واجباتهم إلى التصارع، فاستنفدوا أمواله وأخلوا منها خزائنه، وأحوجوه إلى بيع ما عنده من العروض، فكان يخرجها لهم لتباع ويشتريها الناس فيعترضونها، ويأخذ من له درهم واحد ما يساوى عشرة ولا يمكن مطالبته.\rثمّ عادوا إلى تقويم ما يخرج، فإذا حضر المقوّمون أخافوهم، فيقوّمون ما يساوى ألفا بمائة فما دونها، ولا يتمكّن الخليفة من استيفاء ذلك؛ فتلاشت الأمور واضمحلّ الملك. ثم لمّا علموا أنه لم يبق ما يخرج لهم تقاسموا الأعمال وتشاحنوا على ما زاد من الارتفاع؛ وكانوا يتنقلون فيها بحكم غلبة من يغلب صاحبه عليها. ودام ذلك بينهم سنوات نحوا من ستّ؛ ثم قصر النّيل وغلت الأسعار غلاء بدّد شمل الناس بأسرهم، وفرّق ألفتهم، وشتّت كلمتهم وأوقع العداوة والبغضاء بينهم، فقتل بعضهم بعضا حتى ناء عصب الإقليم وعفت آثاره، كما ستقف عليه فيما يأتى إن شاء الله.\rوفيها اصطلح معزّ الدولة وابن أخيه محمود بن شبل الدولة، ودخل حلب فى رابع عشرى ربيع الأول. فلما كان يوم الجمعة لسبع بقين من ذى القعدة [توفى] (¬١) ودفن بالقلعة بعد أن حاصر ابن أخيه، فملك بعده أخوه عطية، [أبو ذؤابة (¬١)].\rوفيها مات بمصر مؤتمن الدولة أبو طاهر مسلم بن على بن ثعلب، فكتب أبو محمد بن سعد، الشاعر الخفاجى، من القسطنطينية إلى أهله بحلب يرثيه من أبيات:\rأتانى وعرض الرمل بينى وبينه … حديث لأسرار الدموع مذيع\rومات المعز بن باديس، وملك بعده ابنه تميم (¬٢)؛ فطمع أصحاب البلاد بسبب العرب وتغلبهم على بلاد إفريقية.","footnotes":"(¬١) أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح واستعانة بما سبق.\r(¬٢) أبو طاهر تميم بن المعز، خامس أمراء بنى زيرى، أصحاب تونس. معجم الأنساب؛ Mohammadan Dynasties","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276924,"book_id":167,"shamela_page_id":632,"part":"2","page_num":264,"sequence_num":632,"body":"سنة أربع وخمسين وأربعمائة (¬١):\rفى ثالث المحرّم توفى أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم فى وزارته. وكان أبوه قاضى طرابلس فانتقل أبو محمد إلى مصر، وكان فاضلا؛ فردّت الوزارة بعده إلى أخيه أبى على أحمد بن عبد الحاكم بن سعيد. ثم صرف عن القضاء فى صفر بأبى القاسم عبد الحاكم بن وهيب بن عبد الرحمن؛ ثم صرف أبو علىّ عن الوزارة، واستخدم سديد الدولة أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة ذى الكفايتين بن أبى الحسن على بن محمد بن الحسن ابن عيسى العقيلى؛ وكان أولا ناظرا على دواوين الشام، فأقام فى الوزارة إلى شوال؛ وصرف عنها بأبى الفرج البابلى المقدم ذكره\rوفيها تولّى مكين الدولة بن ملهم طبرية وعكا، وإمرة بنى سليم وبنى فزارة، فسار إليها وتسلمها فى صفر.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس عشر من يناير سنة ١٠٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276925,"book_id":167,"shamela_page_id":633,"part":"2","page_num":265,"sequence_num":633,"body":"ذكر ابتداء الفتنة الّتى آلت إلى إخراب ديار مصر\rوفى هذه السنة ابتدأت الفتنة التى كانت سببا لخراب الإقليم. وذلك أن المستنصر كان من عادته فى كل سنة أن يركب على النّجب ومعه النّساء والحشم إلى جبّ عميرة (¬١)، وهو موضع نزهة، ويغيّر هيئته، كأنه خارج يريد الحج على سبيل الهزر والمجانة، ومعه الخمر محمول فى الرّوايا عوضا عن الماء، ويدور به سقاته عليه وعلى من معه كأنه بطريق الحجاز أو كأنّه ماء زمزم. وقد أنشد الشريف أبو الحسين على بن الحسين بن حيدرة العقيلى المستنصر فى ذلك صبيحة يوم عرفة:\rقم فانحر الرّاح يوم النحر بالماء … ولا تضحّ ضحى إلاّ بصهباء\rوادرك (¬٢) حجيج النّدامى قبل نفرهم … إلى منى، فصفّهم مع كل هيفاء\rوعج على مكة الروحاء (¬٣) مبتكرا … فطف بها حول ركن العود والنّاء\rفلما كان فى جمادى الآخرة خرج على عادته؛ واتفق أن بعض الأتراك جرّد سيفا فى سكرة منه على بعض عبيد الشراء، فاجتمع عليه عدّة من العبيد وقتلوه. فغضب لذلك جماعة الأتراك واجتمعوا بأسرهم ودخلوا على المستنصر، وقالوا، إن كان هذا الذى قتل منّا عن رضاك فالسّمع والطاعة، وإن كان قتله عن غير رضا أمير المؤمنين فلا صبر لنا على ذلك.\rوأنكر المستنصر أن قتله برضاه أو أمره؛ فخرج الأتراك واشتدّوا على العبيد يريدون","footnotes":"(¬١) فى الجهة البحرية (الشمالية) من القاهرة المعزية؛ وهو أيضا بركة الحجاج إذ كان الحجاج يتجمعون بهذا الموقع قبل تحركهم للحج وعند عودهم. وعميرة بن تميم التجيبى، الذى سمى المكان باسمه، من بنى القرناء. الخطط: ١٦٣:٢ - ١٦٤.\r(¬٢) بتسهيل الهمزة.\r(¬٣) يقول ياقوت: لما رجع تبع من قتال أهل المدينة يريد مكة نزل بالروحاء فأقام بها فأراح وسماها الروحاء. وقال أيضا: وإنما سميت الروحاء لانفتاحها وروحها. معجم البلدان: ٢٩٦:٤ - ٢٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276926,"book_id":167,"shamela_page_id":634,"part":"2","page_num":266,"sequence_num":634,"body":"محاربتهم، فبرزت العبيد إليهم؛ وكانت بين الفريقين حروب بناحية كوم شريك (¬١) قتل فيها عدّة، وانهزم العبيد وقويت الأتراك؛ هذا والسيدة أم المستنصر تمدّ العبيد بالأموال والسلاح.\rفاتفق فى بعض الأيام أنّ بعض الأتراك وقف على شيء مما تبعث به أمّ المستنصر إلى العبيد لتعينهم به على محاربة الأتراك، فأنكر ذلك وأعلم أصحابه، فاجتمعوا وصاروا إلى المستنصر وتجرّءوا عليه بالقول وأغلظوا فى المخاطبة؛ فأنكر أن يكون عنده من ذلك خبر، وصار السيف قائما. فدخل على أمه وأنكر عليها ما تعتمده من تقوية العبيد وإعانتهم على محاربة الأتراك. ثم انتدب أبا الفرج ابن المغربى، الذى كان وزيرا؛ فخرج؛ ولم يزل يسعى بين الأتراك والعبيد حتى أوقع الصلح بين الفريقين (¬٢). فاجتمع العبيد وساروا إلى ناحية شبرا دمنهور (¬٣). فكانت هذه الكائنة أول الاختلاف بين طوائف العسكر.\rوكان السبب فى كثرة السودان بالقصر أن أم المستنصر كانت جارية سوداء قدم بها أبو سعيد التسترى المقدم ذكره، فأخذها منه الظاهر واستولدها المستنصر. فلما أفضت الخلافة إلى ابنها المستنصر، ومات الوزير صفى الدين الجرجرائى فى سنة ست وثلاثين وأربعمائة استطالت أم المستنصر وقويت شوكتها، وتحكمت فى الدولة، واستوزرت مولاها أبا سعيد. وتوقفت أحوال الوزير الفلاحى معه، فاستمال الأتراك وزاد فى","footnotes":"(¬١) كوم شريك، قرب الإسكندرية، كان عمرو بن العاص أنفذ فيه شريك بن سمى بن عبد يغوث الغطفى، فتكاثر عليه الروم، فخافهم على أصحابه، فلجأ إلى هذا الكوم ودافعهم حتى أدركه عمرو واستنقذه. والكوم: الرمل المشرف. نفس المصدر: ٣٠٢:٧ - ٣٠٣. انظر أيضا قوانين الدواوين: ١٧٣، ٢٢٧ إذ يذكر أنه من قرى حوف دمسيس ناحية البحيرة.\r(¬٢) يذكر النويرى ذلك فى نهاية الأرب ويزيد قوله بعد الصلح: ولم تصف طائفة منهم للأخرى.\r(¬٣) من ضواحى القاهرة، وتعرف من أيام الأيوبيين باسم شبرا الخيمة، وسميت شبرا دمنهور نسبة إلى مدينة قريبة منها تحمل اسم دمنهور. النجوم الزاهرة: ١٩:٥؛ قوانين الدواوين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276927,"book_id":167,"shamela_page_id":635,"part":"2","page_num":267,"sequence_num":635,"body":"واجباتهم حتى قتلوا أبا سعيد، فحنقت أم المستنصر من قتله على الفلاحى، ولم تزل به حتى كان من أمره ما تقدم ذكره.\rوأخذت فى شراء العبيد السود وجعلتهم طائفة لها، واستكثرت منهم وخصتهم بالنظر، وبسطت لهم فى الرزق ووسعت عليهم حتى أمطرتهم بالنعم؛ وسار العبد بمصر يحكم حكم الولاة. وشرعت تغض من الأتراك وتظهر كراهتهم وانتقاصهم.\rوتقدمت إلى الوزير أبى البركات الجرجرائى أن يغرى العبيد بالأتراك ويوقع بينهم، فخاف سوء العاقبة فى ذلك ولم يوافقها عليه؛ فلم تزل به حتى صرف من الوزارة. واستقر وزيرها أبو محمد اليازورى فى الوزارة، فأوعزت إليه بذلك، فساس الأمور سياسة جميلة إلى أن انقضت أيامه. ووزر البابلى، فأمرته بذلك، فشرع فيه. وتغيّرت النيّات، وصارت قلوب كلّ من الطّائفتين تضمر السوء للأخرى، حتى كان من الحرب ما قد ذكر، ولم يزل ذلك حتى خرب الإقليم كله وهلك أهله كما سيأتى.\rوفيها توفى الشريف أبو الحسن إبراهيم بن العباس بن الحسن بن الحسين بن على بن محمد بن على بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وكان قد ولى قضاء دمشق مرتين. وفى سابع عشر ذى القعدة توفى القاضى الفقيه أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن على بن حكمول بن إبراهيم بن محمد بن مسلم القضاعى؛ وكان يخلف القضاة فى الحكم بمصر.\rوكان إماما محدّثا، وله كتاب الشهاب، وكتاب الخطط، وكتاب أنباء الأنبياء، وغير ذلك من المصنفات. وفيها توفى الرئيس أبو الحسن على بن رضوان بن على بن جعفر الطبيب. وتوفى المعز بن باديس بالقيروان فى رابع شعبان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276928,"book_id":167,"shamela_page_id":636,"part":"2","page_num":268,"sequence_num":636,"body":"سنة خمس وخمسين وأربعمائة (¬١):\rفيها ردّت الوزارة والحكم معا إلى أبى على أحمد بن قاضى القضاة عبد الكريم بن عبد الحاكم فى ثالث عشر المحرم، ثم صرف عنهما فى سابع صفر؛ وأعيدت الوزارة لأبى المفضل عبد الله بن يحيى بن المدبّر، والحكم إلى أبى القاسم عبد الحاكم بن وهيب.\rوفى تاسع عشر جمادى الأولى توفّى الوزير أبو المفضل عبد الله بن المدبّر، وقد تكررت ولايته للوزارة؛ وسمع الحديث، وكان فاضلا أديبا؛ وهو من ولد ابن المدبّر متولّى خراج مصر فى أيّام ابن طولون. واستقر فى الوزارة أبو غالب عبد الطاهر بن الفضل بن الموفق فى الدين المعروف بابن العجمى، ثم صرف وقبض عليه فى السابع والعشرين من شعبان.\rوأعيد إلى القضاء والوزارة جميعا أبو محمد الحسن بن مجلى بن أسد بن أبى كدينة، واستمر فيهما إلى خامس ذى الحجة، فرتّب مكانه جلال الملك أحمد بن عبد الكريم ابن عبد الحاكم بن سعيد، فاستخلف أخاه أبا الحسن عليّا على القضاء.\rوفيها ندب أمير الجيوش بدر الجمالى (¬٢) لولاية دمشق؛ وندب معه على الخراج الشريف أبو الحسن يحيى بن زيد الحسنى الزّيدى\rوفيها قدم الصّليحى (¬٣) مكة بعد ما ملك اليمن كلّه سهله وجبله، وبرّه وبحره،","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الرابع من يناير سنة ١٠٦٣.\r(¬٢) وألقابه التى يذكرها ابن القلانسى: تاج الأمراء المظفر مقدم الجيوش شرف الملك عدة الإمام ثقة الدولة. ذيل تاريخ دمشق: ٩١ - ٩٢.\r(¬٣) وهو أبو كامل على بن محمد بن على الصليحى، «وكان شابا أشقر اللحية أزرق العينين، وليس كان باليمن أشقر أزرق غيره، وكان متواضعا، إذا اجتاز بقوم سلم عليهم بيده». النجوم الزاهرة: ٧٢:٥. وبلغ من ثقة المستنصر بالصليحى هذا أن لقبه: «الأمير الأجل شرف المعالى تاج الدولة سيف الإمام المظفر فى الدين نظام المؤمنين» ولقبه أيضا: «منتخب الدولة وصفوتها ذا المجدين منجب الدولة وغرسها ذا السيفين نجيب الدولة وصنيعتها ذا الفضلين». تاريخ الدولة الفاطمية: ٢٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276929,"book_id":167,"shamela_page_id":637,"part":"2","page_num":269,"sequence_num":637,"body":"وأقام بها وبمكة دعوة المستنصر، وكسا الكعبة حريرا أبيض، وردّ حلية البيت إليه؛ وكان بنو حسن قد أخذوها ومضوا بها إلى اليمن، فاشتراها منهم، وأعادها فى هذه السنة.\rواستخلف على مكة محمد بن أبى هاشم، وعاد إلى اليمن (¬١).","footnotes":"(¬١) بتتبع كثير من المراجع الأخرى تبين. أن صاحب مكة بين سنتى ٤٥٣ - ٤٦١ هو حمزة بن وحاش بن أبى الطيب داود، وخلفه سنة ٤٦١ واليا، إلى سنة ٤٨٧، أبو هاشم محمد بن جعفر بن محمد تاج المعانى، راجع الكامل: ١٠ - فى مواضع متعددة؛ العبر لابن خلدون؛ معجم الأنساب لزامباور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276930,"book_id":167,"shamela_page_id":638,"part":"2","page_num":270,"sequence_num":638,"body":"سنة ست وخمسين وأربعمائة (¬١):\rفى ثالث عشرى المحرم صرف أحمد بن عبد الحاكم عن القضاء والوزارة. وتقلّد الوزارة أبو المكارم المشرف بن أسعد بن مقبل، وفوّض قضاء القضاء لأبى محمد الحسن بن مجلى بن أبى كدينة؛ ثم صرف، وأعيدت الوزارة لأبى غالب عبد الطاهر بن الفضل، وفوّض القضاء لأبى الحسن على بن عبد الحاكم فى سابع عشرى ربيع الآخر؛ ثم صرف عن القضاء فى خامس جمادى الأولى بأبى القاسم عبد الحاكم بن وهيب. ثم صرف أبو غالب عن الوزارة واستدعى أبو البركات حسين بن عماد الدولة الجرجرائى من صور فحضر إلى مصر ووليها فى مستهلّ رجب، فأقام إلى العشر الأخر من رمضان وصرف عنها؛ وصرف أيضا عن القضاء عبد الحاكم. وجمعا معا، الوزارة والقضاء، لابن أبى كدينة، فباشرهما إلى رابع ذى الحجة، فصرف عن الوزارة وقرّر فيها أبو على الحسن بن أبى سعيد التّسترى؛ وقرر فى القضاء أحمد بن عبد الحاكم.\rوفيها فارق أمير الجيوش بدر ولاية دمشق فرارا من أهلها لثورتهم به؛ فقرّر المستنصر بدله الأمير حصن الدولة أبا الحسن معلى بن حيدرة بن منزو بن النعمان الكنانى. وفيها قتل قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق (¬٢)، صاحب قونية (¬٣) وآق سرا (¬٤)، فقام بعده ابنه سليمان ابن قطلمش وفتح أنطاكية.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس والعشرين من ديسمبر سنة ١٠٦٣.\r(¬٢) وكان مصرعه بالقرب من الرى فى معركة بينه وبين ألب أرسلان، سلطان السلاجقة، وقد اشترك نظام الملك، وزير ألب أرسلان، فى هذه المعركة. يقول ابن الأثير: «وجد قتلمش - بعد المعركة - ميتا ملقى على الأرض لا يدرى كيف كان موته، قيل إنه مات من الخوف». الكامل: ١٢:١٠ - ١٣. وكان قتلمش من كبار الأمراء السلاجقة، وهو رأس الفرع السلجوقى الذى حكم آسيا الصغرى وعرف هذا الفرع باسم سلاجقة الروم. ويرسم اسمه بالطاء أيضا: قطلمش.\r(¬٣) كانت فى معظم الوقت عاصمة دولة سلاجقة الروم، وتقع داخل منطقة تلال كبادوكيا. معجم البلدان: ٧٦:٧؛ انظر كذلك: A History of the Crusades;Vol.l;the map;P .٨٠.\r(¬٤) أو أقصر اى أو أق سرى فى نفس المنطقة المذكورة فى الحاشية السابقة. نفس المصدر: P .٦٢٥ ؛ وكذلك الخريطة ص: ٨٠ من نفس الكتاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276931,"book_id":167,"shamela_page_id":639,"part":"2","page_num":271,"sequence_num":639,"body":"سنة سبع وخمسين وأربعمائة (¬١):\rفى النّصف من المحرّم صرف عن الوزارة أبو على بن أبى سعيد؛ وصرف عن القضاء أبو أحمد بن عبد الحاكم. وتولّى الوزارة أبو شجاع محمد بن الأشرف بن أبى غالب محمد ابن علىّ بن خلف، وكان أبوه أحد وزراء بنى بويه ببغداد؛ ثم صرف عنها ثانى يوم، واستقر فى القضاء والوزارة جميعا أبو محمد بن أبى كدينة فى حادى عشريه، فلم يقم غير أربعة أيّام وصرف عنها فى سادس عشريه. وأعيد أبو شجاع محمّد بن الأشرف إلى الوزارة، وتقلّد القضاء جلال الملك أبو أحمد بن عبد الكريم. فأقام ابن الاشرف فى الوزارة إلى نصف ربيع الأول، وصرف، وقرّر فى الوزارة سديد الدولة أبو القاسم هبة الله بن محمد الرعبانى الرحبى، ثم صرف فى آخره. واستوزر ابن أبى كدينة، وأضيف إليه القضاء أيضا فى نصف جمادى الآخرة، فباشرهما إلى نصف رجب، وصرف عن الوزارة بأبى المكارم رئيس الرؤساء الشرف بن أسعد، وعن القضاء بعبد الحاكم بن وهيب. ثم قبض على الوزير أبى المكارم فى العشر الأخير من شوال، وتولى الوزارة بعده الأثير أبو الحسن على بن الأنبارىّ فأقام شهرا، وصرف فى ذى الحجّة عن الوزارة، ولم يعد إليها.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث عشر من ديسمبر سنة ١٠٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276932,"book_id":167,"shamela_page_id":640,"part":"2","page_num":272,"sequence_num":640,"body":"سنة ثمان وخمسين وأربعمائة (¬١):\rفى سادس عشرين منه صرف ابن أبى كدينة عن القضاء واستقرّ عوضه جلال الملك أبو أحمد، ونعت بقاضى القضاة الأعظم. وفى تاسع ربيع الآخر أعيد إلى الوزارة أبو القاسم هبة الله بن محمد الرّعبانى، وصرف عنها فى السادس عشر منه.\rوفى جمادى الأولى ولّى المستنصر أمير الجيوش بدرا الشام بأسره، فخرج إليها بعد ما أنفق عليه ألف ألف دينار. وفى جمادى الآخرة جمع القضاء والوزارة لأبى أحمد جلال الملك، ثم صرف بعد أيّام عن الوزارة بأبى الحسن طاهر بن وزير، فباشر أيّاما يسيرة؛ وصرف بأبى عبد الله محمد بن حامد التّنّيسى، وأقام يوما واحدا، ثم صرف وقتل.\rفاستوزر أبو سعد منصور بن زنبور (¬٢)، فلم يقم فى الوزارة غير أيّام قليلة وهرب؛ فأقيم بعده أبو العلاء عبد الغنى بن نصر بن سعيد الضّيف، فباشر أياما يسيرة وصرف.\rوكان دخول أمير الجيوش إلى دمشق فى سادس شعبان، وبلغ ما بلغت نفقة المستنصر عليه ألف ألف دينار (¬٣).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث من ديسمبر سنة ١٠٦٥.\r(¬٢) وكان نصرانيا فأسلم، والنصارى ينكرون إسلامه واسمه أبو سعد منصور بن أبى اليمن سويرس بن مكرواه بن زنبور. نهاية الأرب.\r(¬٣) وهذه هى ولايته الثانية عليها، وكانت الأولى سنة ٤٥٥، ولم يقم طويلا آنذاك إذ فر منها بسبب ثورة أهل دمشق والعسكر عليه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276933,"book_id":167,"shamela_page_id":641,"part":"2","page_num":273,"sequence_num":641,"body":"سنة تسع وخمسين وأربعمائة (¬١):\rفيها قويت شوكة الأتراك واشتدّ بأسهم وطلبوا الزيادات فى واجباتهم ورواتبهم؛ وساءت أحوال العبيد وكثر ضررهم وهم يتزايدون، حتى صار منهم بالقاهرة ومصر وما فى ظواهرهما من القرى نحو الخمسين ألف عبد، ما بين فارس وراجل. وخلت خزائن أموال المستنصر وضعفت الدولة. فبعثت السيدة أم الخليفة المستنصر إلى قوّاد العبيد تغريهم بالأتراك، وتحثّهم على الإيقاع بهم ومحاربتهم وإخراجهم من مصر؛ فجمع قوّاد العبيد وحشدوا طوائفهم، وصاروا إلى شبرا دمنهور، وساروا إلى الجيزة؛ فخرج إليهم الأتراك يريدون محاربتهم؛ وقد بلغت النفقة فى تعديتهم إلى الجيزة ألف ألف دينار. فالتقى الفريقان، وكانت بينهما حروب انجلت عن كسرة السّودان وهزيمتهم إلى الصّعيد.\rوكان مقدّم طوائف الأتراك يومئذ ناصر الدّولة أبو على الحسن بن الأمير أبى الهيجاء ابن حمدان؛ فرجع بالأتراك إلى القاهرة وقد قويت نفسه وعظم قدره، واشتدت شوكته، وثقلت وطأته. وتلاحق العبيد بعضهم ببعض واجتمعوا فى بلاد الصّعيد وهم فى عدد يتجاوز الخمسة عشر ألفا ما بين فارس وراجل؛ فساء ذلك الأتراك وأقلقهم، فصار أكابرهم إلى المستنصر وشكوا إليه أمر العبيد. فأمرت أمّ المستنصر جماعة ممّن كان عندها من العبيد أن يقتحموا على الأتراك فهاجموهم على حين غفلة وقتلوا منهم جماعة. ففر ابن حمدان حينئذ إلى ظاهر القاهرة، وتسارع إليه الأتراك وقد استعدّوا لمحاربة العبيد؛ فخرج إليهم عدة من العبيد الذين كانوا بالقاهرة ومصر. فكانت بين الطائفتين حروب شديدة مدّة أيام، فحلف منذ ذلك ابن حمدان أنه لا ينزل عن فرسه حتى ينفصل إمّا له أو عليه. وثبت كل منهما، فكانت الكرّة لابن حمدان على العبيد، فوضع السيف فيهم وتجاوز الحد فى كثرة","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى والعشرين من نوفمبر سنة ١٠٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276934,"book_id":167,"shamela_page_id":642,"part":"2","page_num":274,"sequence_num":642,"body":"قتلهم، وتتبّعهم فى كل مكان حتى لم يدع فى القاهرة ومصر منهم إلاّ قليلا، وهم مقيمون بالصّعيد والاسكندرية. فرأى ابن حمدان أن يبدأ محاربة من فى الاسكندرية منهم، فسار إليها ونازلها مدّة، وحصر العبيد بها، وألحّ فى مقاتلتهم حتى طلبوا منه الأمان، فأقام على ولايتها (¬١) رجلا من ثقاته. وانقضت هذه السّنة كلّها فى قتال العبيد والأتراك.\rوفى يوم عيد الفطر أفرج عن حميد بن محمود بن الجراح وحازم بن على بن الجراح، الطّائيّين، من خزانة البنود بعد ما أقاما محبوسين مدة طويلة.\rوفيها قطعت دعوة المستنصر من اليمن بقتل الصّليحى (¬٢) وأعيدت دعوة بنى العباس.\rوأما الوزراء فإن ابن أبى كدينة صرف فى ثامن المحرم، وولى أبو القاسم عبد الحاكم المليحى، فأقام إلى سابع جمادى الآخرة، وصرف؛ وأعيد ابن أبى كدينة، فأقام أياما وصرف؛ وأعيد المليحى فلم يقم سوى ليالى يسيرة وصرف؛ وأعيد ابن أبى كدينة فأقام إلى ثامن عشرى ذى القعدة، وصرف بجلال الملك بن عبد الحاكم.\rوفيها قتل فتوح الشامى أحد قواد العبيد؛ وكان المنفق حين قتل خمسمائة ألف دينار.","footnotes":"(¬١) فى الأصل: على ولايته، والمثبت أولى.\r(¬٢) يوافق ابن الأثير المقريزى فى أن الصليحى قتل هذه السنة، ويشاركهما فى ذلك زامباور. ويذكر صاحب النجوم الزاهرة أنه توفى سنة ٤٧٣. راجع الكامل: ١٩:١٠؛ النجوم الزاهرة: ١١٢:٥؛ قارن أيضا لين - بول:\rMohammadan Dynasties .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276935,"book_id":167,"shamela_page_id":643,"part":"2","page_num":275,"sequence_num":643,"body":"سنة ستين وأربعمائة (¬١):\rفى المحرّم خرج الأتراك مبرّزين إلى الرّملة حين قتل شهاب الدولة، وقد بلغت نفقه المستنصر فيهم ألف ألف دينار.\rوفيه اشتد البلاء على المستنصر بقوّة الأتراك عليه وطمعهم فيه، فانخرق ناموسه، وتناقصت حرمته، وقلت مهابته؛ وتعنّتوا به فى زيادة واجباتهم. وكانت مقرراتهم فى كلّ شهر ثمانية وعشرين ألف دينار، فبلغت فى هذه السنة إلى أربعمائة ألف دينار فى كل شهر، فطالبوا المستنصر بالأموال.\rوركب ناصر الدولة الحسين بن حمدان ومعه جماعة من قواد الأتراك، وحصروا المستنصر وأخذوا جميع الأموال، ثم اقتسموا الأعمال؛ وركبوا إلى دار الوزير ابن أبى كدينة يريدون الأموال، فقال: وأىّ مال بقى؟ الريف فى يد فلان والصعيد فى يد فلان والشام فى يد فلان. فقالوا: لا بدّ أن تنفذ إلى مولانا وتطلب منه وتعلمه بحضورنا. فكتب الوزير إلى المستنصر رقعة يذكر فيها حضورهم بألقابهم وما يطلبون؛ فخرجت الرقعة بخط المستنصر فيها مكتوب:\rأصبحت لا أرجو ولا أتّقى … إلا إلهى، وله الفضل\rجدّى نبيّى، وإمامى أبى … وقولى التوحيد والعدل\rالمال مال الله، والعبد عبد الله، والإعطاء خير من المنع. ﴿وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (¬٢)». واعتذر بأنه لم يبق عنده شيء. فاضطرّوه إلى إخراج ذخائره وذخائر","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى عشر من نوفمبر سنة ١٠٦٧.\r(¬٢) سورة الشعراء: آية: ٢٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276936,"book_id":167,"shamela_page_id":644,"part":"2","page_num":276,"sequence_num":644,"body":"آبائه وبيعها، فأخذ يخرج ذلك شيئا بعد شيء، وهم يأخذونها لأنفسهم بأيديهم ويثمّنونها بأقلّ القم وأبخس الأثمان.\rوسار ابن حمدان بجماعة الأتراك إلى الصعيد يريد محاربة العبيد، وكان قد كثر شرهم وتزايد ضررهم، وعم الكافّة أذاهم وإفسادهم؛ فاجتمعوا لحربه واستعدوا للغاية. فسار إليهم فى شهر رمضان وقد بلغت النفقة عليه وعلى من معه ألف ألف دينار؛ وكانت بينهما حروب عظيمة ووقائع عديدة انجلت عن كسرة الأتراك وهزيمتهم إلى الجيزة. فتلاقى بعضهم ببعض وصاروا يدا واحدة على المستنصر، وألّبوا عليه، واتهموه بأنه بعث إلى العبيد بالأموال فى السّرّ ليقوّيهم على محاربة الأتراك، وجهروا له بالسّوء من القول.\rفقال لهم إنه لم يبعث إليهم بشئ ولا أمدّهم بمعونة. وأخذ الأتراك فى لم شعثهم والتأهّب لمحاربة العبيد، حتى تهيأ أمرهم بعد أن أنفق المستنصر فيهم عوضا عمّا نهب السّودان لهم وضاع من أموالهم ألف ألف دينار. وساروا إلى قتالهم مرّة ثانية، فالتقوا بهم وصابروهم القتال ووالوا عليهم الكرّات حتى انهزم العبيد منهم، وقتل كثير من أعدادهم، بحيث لم ينج منهم إلاّ القليل، وزالت حينئذ دولتهم.\rوعظم أمر ناصر الدولة واستبدّ بالأمور، فصرف ابن أبى كدينة من الوزارة وأعاد المليجى فلم يبق غير خمسة وصرف: وأعيد ابن أبى كدينة، وجمع له بين الوزارة والقضاء معا فى ربيع الأوّل، فأقام فيهما إلى جمادى الأولى؛ وصرف عن القضاء بجلال الملك، فأقيم فى منصب القضاء إلى سلخ رمضان، فصرف عن القضاء بالمليجى. فأقام المليجى قاضيا إلى يوم عيد النّحر، وصرف، وتولى ابن أبى كدينة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276937,"book_id":167,"shamela_page_id":645,"part":"2","page_num":277,"sequence_num":645,"body":"وفيها كانت بدمشق حروب بين أمير الجيوش بدر وبين عسكريته (¬١)، فكانت الحروب طول السنة فى بلاد الشّام وديار مصر قائمة لا تهدأ.\rوسار الأمير قطب الدولة باز طغان إلى ولاية دمشق، ومعه أبو الطاهر حيدرة بن مختصّ الدولة أبى الحسين، ناظرا فى أعمالها (¬٢).\rوفيها زلزلت مصر زلزلة عظيمة، حتى طلع الماء من الآبار وهلك عالم عظيم تحت الرّدم.\rوزال البحر بفلسطين من الزّلازل وبعد عن السّاحل مسيرة يوم، ثم رجع فوق عالم كبير خرجوا يلتقطون من أرضه. وخربت الرّملة خرابا لم تعمر بعده.\rوفيها أنفق فى غير استحقاق لمدّة خمسة عشر شهرا، أوّلها عاشر صفر سنة ستين، مبلغ ثلاثين ألف ألف دينار.","footnotes":"(¬١) وكانت الاضطرابات قد بدأت منذ تولى بدر الشام للمرة الثانية سنة ٤٥٨، إذ قتل ولده بعسقلان فدخل هو إلى قصر الإمارة وأقام إلى أن تحركت الفتنة بينه من جهة وبين عسكريته، ثم مع أهل دمشق وتحولت إلى حروب محلية فى جمادى الأولى من هذه السنة، سنة ٤٦٠. قارن ذيل تاريخ دمشق: ٩٣.\r(¬٢) يذكر ابن القلانسى أن بدرا ظفر بالشريف أبى الطاهر هذا بعد قليل، فلما حصل فى يده قتله سلخا، فعظم ذلك على كافة الناس واستبشعوه. ويذكر ابن تغرى بردى مثل ذلك. ذيل تاريخ دمشق: ٩٤؛ انظر أيضا النجوم الزاهرة: ٨٠:٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276938,"book_id":167,"shamela_page_id":646,"part":"2","page_num":278,"sequence_num":646,"body":"سنة احدى وستين وأربعمائة (¬١):\rفيها قوى تغلّب المارقين على المستنصر واستباحوا ما وجدوا فى بيوت أمواله، واشتدّت مطالباتهم بالواجبات المقرّرة لهم، وسألوا الزيادات فى الرسوم. واقتسم مقدّموهم دور المكوس والجبايات، وتغلّب كلّ من بقى منهم على ناحية؛ ولم يبق للدّولة ارتفاع يعوّل عليه، ولا مال فى القياصر يرجع إليه. وأخرج من الذّخائر ما لا شوهد فيما بعده من الدّول مثله نفاسة وغرابة، وجلالة وكثرة، وحسنا وملاحة، وجودة وسناء قيمة وعلوّ ثمن؛ ونقل منه التجار إلى الأمصار شيئا كثيرا، سوى ما أحرق بالنار بعد ما امتلأت قياسر (¬٢) مصر وأسواقها من الأمتعة المخرجة من القصر المبيعة على الناس، التى أنفق منها فى أعطيات الأتراك، وغيرهم لسنة ستّين وأربعمائة. فأهلت سنة إحدى وستين هذه وقد اشتد الخوف بمصر، وكثر التّشليح فى الطّرقات نهارا والخطف والقتل. وصار الجند فرقتين، فرقة مع الخليفة المستنصر وفرقة عليه.\rوذلك أن الوحشة ابتدأت بين الأتراك وبين ناصر الدولة ابن حمدان، لقوة بأسه وتفرّده بالأمور دونهم، واستبداده بالدولة عليهم، فنافسوه وحسدوه، وصاروا إلى الوزير خطير الملك (¬٣) وقالوا له: كلّ ما خرج من الخليفة من مال أخذه ناصر الدّولة وتفرّق أكثره فى حاشيته، ولا ينالنا منه إلا الشئ القليل. فقال لهم إنما وصل ناصر الدولة إلى هذا وغيره مما هو فيه بكم، ولولا أنتم لما كان له من الأمر شيء، ولو أنكم فارقتموه لا نحلّ أمره.\rواتفقوا على أن يكونوا جميعا عليه، ويحاربوا حتى يظفروا به ويخرجوه من مصر.\rودخلوا إلى الخليفة المستنصر وسألوه أن يبعث إلى ناصر الدّولة بالخروج من البلاد، وتهديده إن لم يخرج؛ فبعث إليه يأمره بالخروج عن بلاده؛ فسارع إلى الخروج عن","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى والثلاثين من أكتوبر سنة ١٠٦٨.\r(¬٢) جمع قيسارية؛ وهى الأسواق.\r(¬٣) وهو أبو محمد الحسن بن مجل بن أسد بن أبى كدينة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276939,"book_id":167,"shamela_page_id":647,"part":"2","page_num":279,"sequence_num":647,"body":"القاهرة ونزل بالجيزة. فامتدّت الأيدى عند خروجه إلى دوره ودور حواشيه وأصحابه، وانتهبتها وأفسدتها.\rفلما كان فى الليلة التى خرج قبلها دخل فى خفاء واجتمع بالقائد تاج الملوك شادى وترامى عليه وقبّل رجله، وقال له: اصطنعنى وانصرنى على الوزير الخطير وعلى إلدكز (¬١)، بأن تركب أنت وأصحابك وتسير بين القصرين، فاذا أمكنتك الفرصة فاقتلهما؛ فوافقه على ذلك وأجابه إليه؛ ورجع ناصر الدّولة إلى مخيّمه بالجيزة. فلما طلع النهار شرع تاج الملوك فى عمل ما تقرّر بينه وبين ناصر الدولة، فأحسّ إلدكز بالمكيدة فسارع إلى اللّحوق بالقصر، واستجار بالمستنصر. وأقبل الوزير فى موكبه وليس له شعور بما بيّت فى الليل، فصادفه تاج الملوك على غرّة منه، فأوقع به وقتله؛ وسيّر فى الحال إلى ناصر الدولة، فحضر. وحسّن إلدكز للمستنصر أن يركب لمحاربة ناصر الدّولة، فلبس سلاحه وألبس من معه وركب، ونزل، فصار معه من الجند والعامّة ما لا يحصى عددهم كثرة. ووقف ناصر الدولة بمن معه؛ ونشبت الحرب بينهما، فكانت الكسرة على ناصر الدولة، فانهزم وقد قتل كثير من أصحابه؛ فمرّ على وجهه لا يلوى على شيء فى يسير من أصحابه، حتى انتهى إلى بنى سنبس بالبحيرة فنزل عليهم، وأقام فيهم واستجارهم، وتزوّج منهم.\rواشتد الغلاء بمصر، وقلّت الأقوات فى الأعمال، وعظم الفساد والضّرر، وكثر الجوع حتى أكل النّاس الجيف والميتات، ووقفوا فى الطرقات يخطفون من يمر من الناس فيسلبونه ما عليه، مع ما نزل بالنّاس من الحروب والفتن التى هلك فيها من الخلق ما لا يحصيهم","footnotes":"(¬١) أسد الدولة؛ وكان شيخ الأتراك والمقدم عليهم، تزوج ابنة ناصر الدولة ابن حمدان، ولم يمنع هذا من أن يدبر كل منهما المكائد للآخر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276940,"book_id":167,"shamela_page_id":648,"part":"2","page_num":280,"sequence_num":648,"body":"إلاّ خالقهم. وخاف الناس من النّهب، فعاد التجار إلى ما ابتاعوه من المخرج من القصر يحرقونه بالنار ليخلص لهم ما فيه من الذّهب والفضة. فحرقوا من الثياب المنسوجة بالذهب والأمتعة من الستور والكلل والفرش، والمظالّ والبنود والعمّاريات (¬١)، والمنجوقات (¬٢) والأجلّة (¬٣) ومن السّروج الذهب والفضة والآلات المجراة بالميناء والمرصّعة بالجوهر، شيء لا يمكن وصفه، مما عمل فى دول الإسلام وغيرها.\rوفى سادس صفر وهب لسعد الدّولة، المعروف بسلام عليك، ما فى خزانة البنود من الآلات والأمتعة وغيرها، فوجد فيها ألفا وتسعمائة درقة لمطيّة (¬٤)، سوى ما كان فيها من آلات الحرب والقضب الفضة والذهب والبنود، فسقطت شرارة فيما هنالك فاحترق جميعه؛ وكانت لذلك غلبة وخوف شدائد. فممّا احترق فيها عشرات ألوف من السيوف إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة، بحيث إنّ السلطان بعد ذلك بمدة احتاج إلى سلاح، فأخرج من خزانة واحدة مما بقى وسلم من الحريق خمسة عشر ألف سيف مجوهرة سوى غيرها. وأخرج من القصر صندوق كيل منه سبعة أمداد (¬٥) زمرّد، ذكر الجوهرىّ أن قيمتها على الأقل ثلاثمائة ألف دينار. وكان فى المجلس فخر العرب ابن حمدان (¬٦) وابن سنان وأبو محمد الحسن بن على بن أسد بن أبى كدينة، وغيرهم من المخالفين؛ فقال بعضهم لمن أحضر من الجوهريين: كم قيمة هذا؟ فقالوا إنما تعرف قيمة الشئ إذا كان مثله موجودا، ومثل هذا لا قيمة له. فاغتاظ؛ وقال ابن أبى كدينة: فخر العرب كثير المئونة وعليه خرج؛ والتفت إلى كتّاب الجيش، فقالوا: يحسب عليه بخمسمائة دينار؛ فكتب بذلك وقبضه.","footnotes":"(¬١) العماريات نوع من الهوادج، ومفردها عمارية بتشديد الميم.\r(¬٢) ومفردها منجوق، نوع من الأعلام. Dozy;Supp.Dict.Ar .\r(¬٣) الجل للدابة كالثوب للإنسان: كساء يقيها البرد والحر، والجمع جلال وأجلال وجمع الجلال أجلة.\r(¬٤) نسبة إلى اللمط وهو اسم قبيلة من البربر بأقصى الغرب، ودرقهم تصنع من الجلد الذى ينقع فى الحليب سنة، فتكتسب قوة ينبو عنه السيف القاطع. النجوم الزاهرة: ٨٢:٤، حاشية: ١.\r(¬٥) للتقريب: القدح يساوى مدا ونصف مد. قوانين الدواوين: ٣٦٦.\r(¬٦) فخر العرب على بن أبى على الحسن بن أبى عبد الله الحسين بن ناصر الدولة أبى محمد الحسن. معجم الأنساب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276941,"book_id":167,"shamela_page_id":649,"part":"2","page_num":281,"sequence_num":649,"body":"وأخرج عقد جوهر قيمته على الأقل ثمانون ألف دينار فكتب بألفى دينار؛ وتشاغل الحاضرون بنظر ما سواه فانقطع سلكه وتناثر حبّه، فأخذ واحد حبّة فجعلها فى جيبه، وأخذ ابن أبى كدينة حبّة، وأخذ فخر العرب شيئا، وتفرّق الباقون سائره، فذهب كأن لم يكن. وأخرج ما أنفذه الصّليحى من نفيس الدّر وكيل، فجاء سبع ويبات. وأخرج ألفان ومائتا خاتم ما بين ذهب وفضّة بفصوص من بين سائر أنواع الجواهر، مما كان للخلفاء، شوهد منها ثلاثة خواتيم من ذهب أحدها فصّه زمرّد واثنان ياقوت غشيم صاف ورمانى، كان شراء النصوص اثنى عشر ألف دينار. وأخرج من خزائن القصر ما يزيد على خمسين ألف قطعة من الثياب الخسروانية (¬١) أكثرها مذهب.\rوقال ابن عبد العزيز أخرج من الخزائن على يدىّ أكثر من مائة ألف قطعة\rولما اشتدّ على المستنصر أمر الأتراك وطالبوه بجراياتهم بعث إلى العميد ابن أبى سعد فى إحضار جوهر كان عنده، فأحضر خريطة فيها نحو من ويبة، فأحضر أرباب الخبرة من الجوهريين ليقوّموه، فذكروا أنّه لا قيمة له ولا يشترى مثله (¬٢) إلا الملوك؛ فقوّمت بعشرين ألف دينار - وكان مشتراه على حدّه سبعمائة ألف دينار - ففرّق فى الأتراك وقبض كلّ منهم جزءا بقيمة الوقت. وقسمت خزائن السيوف وآلات السلاح بين عشرة، وهم ناصر الدولة ابن حمدان، وأخواه فخر الدولة على، ويلدكوش، وأمير الأمراء الحسين بن سبكتكين، وسلام عليك، وشاور بن حسين، وتاج الملوك شادى، والأعز ابن سنان، ورضى الدولة بن رضىّ الدولة، وأمير العرب ابن كيغلغ. فكان من جملتها ذو الفقار (¬٣)، وصمصمامة عمرو بن معدى كرب، وسيف عبد الله بن وهب الرّاسبى، وسيف","footnotes":"(¬١) نوع رقيق من الحرير.\r(¬٢) فى الأصل: ولا يشترى له إلا الملوك.\r(¬٣) ذو الفقار سيف العاص به منبه الذى قتل يوم بدر وهو كافر، فصار سيفه إلى الرسول، ﷺ، ثم إلى على كرم الله وجهه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276942,"book_id":167,"shamela_page_id":650,"part":"2","page_num":282,"sequence_num":650,"body":"كافور الإخشيذى، وسيف المعز لدين الله، ودرع المعز وكانت تساوى ألف دينار بيعت منها كواكب بمائة دينار، وسيف الحسين بن علىّ، ﵇، وكان وزنه ثلاثمائة وستين مثقالا، وسيف الأشتر النخعى، ودرقة حمزة بن عبد المطلب، وسيف جعفر بن محمد الصادق.\rودخل فى بعض الأيام من باب الدّيلم (¬١)، أحد أبواب القصر، تاج الملوك شادى، وفخر العرب على بن ناصر الدولة ابن حمدان، ورضىّ الدولة بن رضىّ الدولة، وأمير الأمراء أبجتكين بن سبكتكين، وأمير العرب ابن كيغلغ، والأعزّ بن سنان، وعدّة من الأمراء البغداديّين، وصاروا فى الإيوان ومعهم أحد الفراشين وفعلة، فانتهوا إلى حائط مجيّر، فأمروا الفعلة بكشف الجير، فظهر باب فهدم، فإذا خزانة ذكر أنّها من أيام العزيز بالله؛ فوجدوا فيها من السلاح ما زادت قيمته على عشرين ألف دينار، فحملوا جميع ذلك وتفرّقوه. وصارت حواشيهم وركابيّاتهم (¬٢) يكسرون الرّماح ويتلفون أعوادها ليأخذوا المهار الفضة. وبيع من الرّماح الخطّية السّمر الجياد شيء كثير مما كسره الغلمان للمغازليين وصنّاع موادن الغزل حتى كثر هذا الصنف بالقاهرة، ولم يعترضهم أحد من أهل الدولة.\rوأخذ ما فى خزائن البنود ومن المحكم والمينا المجرى بالذّهب والمجرود والبغدادى والمذهّب والخلنج (¬٣) والصينى ما لا يحصى. وأخذ أيضا ما فى خزائن الفرش من البسط والسّتور","footnotes":"(¬١) تجاه دار الفطرة التى كانت قسما من إصطبل الطارمة (سبق التعريف بأن الطارمة بيت من خشب، فارسى معرب) وكان باب الديلم هذا موصلا إلى المشهد الحسينى، وموضعه الآن بوابة أثرية تنتهى إلى الباب الأخضر، النجوم الزاهرة ٣٦:٤، حاشية: ٥.\r(¬٢) الركابية والركابدارية: العاملون فى بيت الركاب الذى تكون به السروج واللجم ونحوها، صبح الأعشى ٧:٤:، ١٢؛ Dozy;Supp.dict Ar .\r(¬٣) الخلنج شجر لونه بين صفرة وحمرة تتخذ الأوانى من خشبه، ومصدره الأصلى الصين والهند. النجوم الزاهرة: ٨٥:٤، حاشية: ١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276943,"book_id":167,"shamela_page_id":651,"part":"2","page_num":283,"sequence_num":651,"body":"والنفائس من الحرير وغيره، ما لا يعرف له قيمة لكثرته. وأخرج فى يوم من خزائن من القصر عدّة صناديق؛ فوجد فى أحدها أمثال كيزان الفقاع (¬١) من صافى البللّور المنقوش والمجرود شيء كثير، وإذا جميعها مملوءة من ذلك وغيره.\rوبيعت فى تركة عماد الدولة بن الفضل من المحترق، بعد قتله، مما كان قد صار إليه من مخرج القصر مرتبة خسروانية حمراء بثلاثة آلاف وخمسمائة دينار، ومرتبة قلمونية (¬٢) بالفين وأربعمائة دينار، وثلاثون سندسيّة كلّ واحدة بثلاثين دينارا، وقدح بللّور بمائتين وعشرين دينارا، وخردادى بللور بثلاثمائة وستين دينارا، وكوز بللور بمائتين وعشرة دنانير وكلّة بثمانمائة دينار، وعدة صحون ميناء بيع كل منها بمائة دينار فما دونها. وخرج من القصر خردادى وباطية من بللور فى غاية النّقاء وحسن الصّنعة، مكتوب عليهما اسم العزيز تسع الباطية سبعة أرطال ماء ويسع الخردادى تسعة أرطال، دفع فيهما ابن عمّار بطرابلس ثمانمائة دينار فامتنع صاحبهما.\rوقال المعتمد أبو سعد النّهاوندى أحد الأمناء، وحده دون غيره من أمناء القصر؛ ممّا أخرج بيع ثمانى عشرة ألف فقعة بللور ومحكم، منها يساوى الألف دينار وإلى عشرة دنانير؛ ونيّف وعشرون ألف قطعة خسروانية، إلى غير ذلك من الفرش والتّعاليق ما بين مذهبة وغير مذهبة. وبيع فى مدّة خمسة عشر شهرا، أوّلها عاشر صفر سنة ستّين وأربعمائة، سوى ما نهب وسرق، ممّا خرج من القصر ما تحصّل من ثمنه ثلاثون ألف ألف دينار، على أنّه بيع بأقلّ القيم وأنزر الأثمان؛ وقبض الجند والأتراك جميعها من غير أن يستحقّ أحد منهم درهما واحدا منها.","footnotes":"(¬١) الفقاع شراب يصنع من الشعير، سمى بذلك لما يرتفع فى قمته من الزبد. القاموس المحيط؛ النجوم الزاهرة: ٩:٤.\r(¬٢) قلمون، بوقلمون نوع من الحرير المزركش من إنتاج تنيس. سفرنامه، تأليف ناصر خسرو، وترجمة الدكتور يحيى الخشاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276944,"book_id":167,"shamela_page_id":652,"part":"2","page_num":284,"sequence_num":652,"body":"ودخلوا إلى خزانة الرّفوف، وكانت خزانة عظيمة بالقصر من جملة خزائن الفرش، فيها رفوف كبيرة بعضها فوق بعض، ولكل منها سلّم منفرد، فأخرجوا منها ألفى عدل شققا طميما بهدبها من سائر أنواع الخسروانىّ وغيره لم تستعمل، وكلّها مذهّب معمول بسائر الأشكال والصور. وجد فى عدل منها أجلّة للفيلة من خسروانى أحمر مذهب كأحسن ما يكون، وموضع نزول أفخاذ الفيّال ورجليه سارج بغير ذهب. وأخرج من بعض الخزائن ثلاثة آلاف قطعة من خسروانيّ أحمر مطرّز بأبيض لم تفصّل، برسم كسوة البيوت، كل بيت منها كامل بجميع آلاته ومسانده ومخادّه ومراتبه وبسطه وعتبه ومقاطعه وستوره، وجميع ما يحتاج إليه فيه.\rوأخرج من الحصر السّامانية المطرزة بالذهب والفضة وغير المطرزة مما هى مجومة ومطيّرة وطفيلة، ومصورة بسائر الصور، ما لا يحصى كثرة. وأخرج من صوانى الذهب المجراة بالميناء وغير المجراة، المنقوشة بسائر أنواع النقوش، المملوء جميعها جواهر من سائر أنواعه شيء كثير جدا؛ ونيّف وعشرون ألف قطعة طميم من سائر الأمتعة. والتمس بعض الأتراك من المستنصر مقرمة (¬١) سندس أخضر مذهبة اقتراحا عليه لعدمها وقلة وجود مثلها، فأخرج منها عدل كان العدد المكتوب عليه مائة وثمانية وثمانين من جملة أعداد أعدال فيها من المتاع.\rوأخرج فى يوم صناديق سروج محلاة بفضة، وجد فيها صندوق مكتوب عليه:\rالثامن والتسعون والثلاثمائة، وعدّة ما فيها زيادة على أربعة آلاف سرج. ووجد غلف خيزران مبطّنة بالحرير محلاة بالذهب خالية من الأوانى، كانت تسعة عشر ألف غلاف، كان فى كل غلاف قطعة من بللّور أو مجروداء محكم أو ما شاكل ذلك.","footnotes":"(¬١) القرام ككتاب: الستر الرقيق، وبعضهم يزيد فيقول: وفيه رقم ونقوش؛ والمقرم وزان مقود، وبالهاء أيضا مثله، المصباح المنير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276945,"book_id":167,"shamela_page_id":653,"part":"2","page_num":285,"sequence_num":653,"body":"ووجد مائة كأن بازهر (¬١) على أكثرها اسم هارون الرشيد، ووجد ستور حريريّة منسوجة بالذهب، تقارب الألف، مختلفة الألوان والأطوال، فيها صور الدّول وملوكها والمشاهير فيها، مكتوب على صورة كلّ واحد منهم اسمه ومدّة أيامه وشرح حاله. ووجد فى خزانة عدّة صناديق كثيرة مملوءة سكاكين مذهبة ومفضضة بنسب مختلفة من سائر الجواهر. ووجد عدة صناديق كبيرة مملوءة من أنواع الدّوى المربعة والمدوّرة والصّغار والكبار المعمولة من الذهب والفضة والصّندل والعود والأبنوس والعاج وسائر أنواع الخشب المحلاّة بالجوهر والفضة والذهب، وسائر أنواع الحلى الغريبة، والصّنعة المعجزة الدقيقة، بجميع آلاتها؛ فيها ما يساوى الألف دينار وما فوقها سوى ما عليها من الجواهر، وصناديق مملوءة مشارب ذهبا وفضّة محرقة بالسواد، صغارا وكبارا، بأحسن ما يكون من الصناعة.\rوصناديق مملوءة أقلاما مبريّة من سائر أنواع القصب، فيها ما هو من براية أبى على محمد ابن مقلة (¬٢)، وابن البوّاب (¬٣) ومن يجرى مجراهما، وعدة مصاحف بخطّيهما وخط نظرائهما فيها ما هو مكتوب بالذهب المكحل باللاّزورد. وعدّة أزيار صينى كبار مملوءة كافورا قنصوريا؛ وعدة كبيرة من جماجم العنبر الشجرى؛ وكثير من قوارير المسك؛ ومن شجر العود مقطّعة شيء كثير.\rووجدت عدة خزائن مملوءة من سائر أنواع الصّينى، منها أجاجين (¬٤) كبار، محمولة","footnotes":"(¬١) بازهر: حجر خفيف هش ينسب إليه قوى غريبة فى مقاومة السموم ويسميها أيضا بادزهر، وهو لفظ فارسى مركب من كلمتين: باد - طارد، زهر - سم. Dozy;Supp.Dict.Ar وصبح الأعشى: ٢.\r(¬٢) ابن مقلة: أبو على محمد بن على مولده سنة ٢٧٢ وتوفى سنة ٣٢٨. وأبوه مقلة على بن الحسن بن عبد الله، ومقلة لقبه. الفهرست: ٢٠.\r(¬٣) على بن هلال الكاتب المعروف بابن البواب، شاعر مجيد وخطاط معروف، توفى ببغداد سنة ٤١٣ هـ وقيل ٤٢٣. ويقال له ابن السترى أيضا لأن أباه كان بوابا والبواب يلازم ستر الباب. وفيات الأعيان: ٤٣٥:١ - ٤٣٦.\r(¬٤) مفردها: الإجانة، إناء لغسل الثياب والإنجانة لغة تمتنع الفصحاء من استعمالها. المصباح المنير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276946,"book_id":167,"shamela_page_id":654,"part":"2","page_num":286,"sequence_num":654,"body":"كلّ إجّانة منها على ثلاثة أرجل على صور الوحوش والسّباع والناس والبهائم، قيمة كل قطعة منها ألف دينار، معمولة لغسل الثياب. ووجدت له خزائن مملوءة من سائر أنواع الصوانى المدهونة، سعة كلّ واحدة منها من العشرة أشبار إلى ما دونها، شيء فى جوف شيء، حتى تكون أصغرها سعة الدرهم. ومن سائر أنواع الأطباق الخلنج الذى بهذه الصفة. ومن الموائد الخلنج الكبار والصغار ألوف؛ ومن موائد الكرم الجفان الجور الواسعة بمقابض الفضة التى لا يقدر الجمل القوىّ على حمل جفنتين منها لعظمتها منها ما يساوى المائة دينار وما فوقها. ووجد من الدّكك والمحاريب والأسرة العود والصّندل والأبنوس والعاج وغير شيء كثير. وعدة أقفاص مملوءة من بيض صينى معمول على هيئة البيض فى خامته وبياضه يعمل فيها ما فى البيض اليشم سبت يوم الفصاد؛ وكيزان من صينى صغار وكبار على خلقة كيزان الفقّاع يشرب فيها الفقاع.\rووجد كثير من الأعدال مملوءة عقالا من اليمن مما أهداه الصّليحى. وأخرجت حصير من ذهب زنتها ثمانية عشر رطلا ذكر أنها الحصير التى جليت عليها بوران بنت الحسن على المأمون. وأخرج ثمان وعشرون صينية ميناء مجرى بالذّهب، لها كعوب تعلو بها عن الأرض مما بعثه ملك الرّوم للعزيز بالله، قوّمت كل صينية بثلاثة آلاف دينار، فأخذها كلّها ناصر الدولة ابن حمدان. ووجد عدّة صناديق مملوءة مرايا حديد صينى وغيره من الزجاج الميناء ما لا يحصى كثرة، وجميعها محلاة بالذهب المشبك والفضة، ومنها ما هو مكلّل بالجوهر فى غلف الكهمخت (¬١) وغيره من أنواع الحرير والخيزران كلها","footnotes":"(¬١) الكيمخت والكهمخت: نوع من الجلود المدبوغة، منه الأحمر والأسود. ويبدو أن هذا النوع كان متميزا بمصر إذ كان بالقاهرة جامع يعرف باسم جامع الكيمختى يقول المقريزى عنه إنه بجانب موضع الكيمخت على شاطئ الخليج من جملة أرض الطبالة، كان موضعه دارا اشتراها معلم الكيمخت، واسمه الحموى، وعملها جامعا. الخطط: ٣٢٥:٣ - ٣٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276947,"book_id":167,"shamela_page_id":655,"part":"2","page_num":287,"sequence_num":655,"body":"مضبّبة بالذهب والفضّة، ومقابض المرايا ما بين عقيق وجزع وصندل وعود وأبنوس وغيره.\rوأخرج عدة أعدال من الخيام والمضارب والمنارات والخركاوات (¬١) وغير ذلك من أنواع الخيام المعمولة من الدّبيقى والمخمل وسائر أنواع الحرير المثقل وغير المثقل، ممّا هو منقوش ومصوّر بسائر الصّور العجيبة الصّنعة، وسائر أعمدتها مكسوة بالفضة المذهبة، ولها الصّفريّات (¬٢) الفضة والحبال القطنية والحريرية. فكان منها ما تحمل الخيمة منها على عشرين بعيرا وأكثر.\rوأخرجت المدوّرة الكبيرة؛ وكانت تقوم على خرط عمود طوله خمسة وستّون ذراعا بالكبير؛ ودور مكلّلته عشرون ذراعا، وسعة قطرها ستة أذرع وثلثا ذراع، ودور المدوّرة خمسمائة ذراع، وعدة قطع خرقها أربع وستون قطعة، كل قطعة منها تحزم فى عدل، وتحمل على مائة جمل، وفى صفرتها ثلاثة قناطير فضة يحملها من داخلها قضبان حديد تسع راوية ماء من روايا الجمال، وفى زخرفتها صور سائر الحيوانات، ولها بادهنج طوله ثلاثون ذراعا. كان عملها لليازورىّ فى وزارته، فأقام يعمل فيها مائة وخمسون صانعا نحو تسع سنين، وصرف عليها ثلاثون ألف دينار؛ أراد بها محاكاة القاتول الذى عمله العزيز بالله (¬٣) فجاء أعظم منه وأحسن. وبعث إلى متملّك الروم فى طلب عودين للفسطاط طول كل منهما سبعون ذراعا، فأنفذهما إليه؛ وقد بلغت النفقة عليهما حتى وصلا ألف دينار؛ فعمل أحدهما فى الفسطاط بعد أن قطع منه خمسة أذرع، وأخذ الآخر ناصر الدولة ابن حمدان لما خرج إلى الإسكندرية.","footnotes":"(¬١) جمع خركاء. وهو الخيمة أو النجع.\r(¬٢) الصفرية إناء من النحاس الأصفر بشكل القدر، ولعل المقصود هنا قطعة من النحاس بشكل كرة أو هلال تثبت فوق القبة. Dozy;Supp.Dict.Ar .\r(¬٣) سيأتى فى الجزء الثالث أن القاتول عملت للافضل الجمالى، ويؤيد هذا النويرى فى نهاية الأرب والقلقشندى فى صبح الأعشى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276948,"book_id":167,"shamela_page_id":656,"part":"2","page_num":288,"sequence_num":656,"body":"وقد قطعت هذه الخيام الكبار خرقا وقوّمت على المذكورين من المارقين بأقل القيم، فتمزقت\rوأخرج مسطّح من قلمون، عمل بتنّيس للعزيز وسمّى دار البطيخ، يقوم على ستّة أعمدة، وفيه أربع قباب بين كل قبّتين رواق يقوم كل منها على أربعة أعمدة، وطول كلّ عمود ثمانية عشر ذراعا. ومسطّح عمله الظاهر فى تنّيس، كله ذهب طميم بستر صفارى بللّور وستة أعمدة من فضة أنفق عليها أربعة عشر ألف دينار. إلى غير ذلك من القصور والخيام المخمل وغيره من سائر أنواع الحرير، وعدّة من الحمامات المعمولة من البللّور والطالقانى ومن الأدم المذهبة المنقوشة بحياضها ودككها، ومساطبها وقدورها، وزجاجها وسائر عددها\rوأخرجت المدوّرة الكبيرة التى عملت بحلب فى سنى بضع وأربعين وأربعمائة، فبلغت النّفقة عليها ثلاثين ألف دينار، وكان طول عمودها أربعين ذراعا، ودور فلكه أربعة وعشرين شبرا، وزنة صفريته قنطارين من فضة سوى أنابيب الحديد، ويحملها سبعون جملا، ولا ينصبها إلاّ نحو المائتى رجل، وهو شبه القاتول العزيزى. وأخرج من المظال وقصبها الفضة والذهب شيء له قدر جليل. وأخرج من الصناديق، والقمطرات والأدراج والموازين وغلف الأمشاط والمرايا والمداخن من الكيمخت والأبنوس والعاج وسائر الخشب والبقّم (¬١) المحلّى جميعها بالذهب والفضة المغشّاة بأغشية الأدم والحرير ما لا يحدّ كثرة.\rومن صناديق الطعام وخزائنه والمجامع ما لا يدركه الإحصاء لكثرته. وأخرج من خزائن الفضّة ما ينيف على ألف ألف درهم، كلها آلات مصوغة مجراة بالذهب، فيها ما يبلغ زنة القطعة منها خمسة آلاف درهم مما هو غريب الصنعة، فبيع جميعه عشرون","footnotes":"(¬١) البقم بالتشديد: صبغ خاص. قيل عربى وقيل معرب، المصباح المنير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276949,"book_id":167,"shamela_page_id":657,"part":"2","page_num":289,"sequence_num":657,"body":"درهما بدينار، وكانت قيمته خمسة دراهم بدينار. وأخرج غير ذلك عشاريّات موكبية وأعمدة الخيام وقصب المظال، ومنجوقات وأعلام وقناديل وصناديق وبوقات وزواريق وقمطرات، وسروج ولجم ومناطق العمّاريات وغير ذلك ما يجاوز ألف ألف فضة، بيعت كما بيع غيرها.\rوأخرج من الشطرنج والنرد المعمولة من أنواع الجواهر والأحجار ومن الذهب والفضة والعاج والأبنوس برقاع الحرير المذهب وغيره ما لا يحدّ كثرة ونفاسة؛ ومن دسوت الفصاد (¬١) مثل ذلك؛ ومن خرق المنجوقات والمطارد والمظالّ والأعلام ما لا يمكن وصفه لكثرته مما هو مخمل وحرير ساذج ومذهب؛ فقطع جميع ذلك وبيع. وأخرج مرة من خزائن السروج خمسة آلاف سرج كان أبو سعيد إبراهيم بن سهل التّسترى (¬٢) قد عملها، فيها ما يساوى السّرج الواحد منها سبعة آلاف دينار إلى ألف دينار، شبك جميعها وفرق فى الأتراك، كان منها أربعة آلاف سرج برسم ركاب الخليفة.\rوأخرج من خزانة السيدة أم المستنصر أربعة آلاف مثلها ودونها، صنع بها مثل ذلك.\rوأخذ منها آلات فضية وزنها ثلاثمائة ألف وأربعون ألف درهم، تساوى ستة دراهم بدينار.\rوأخرج من القصر أقفاص مملوءة آلات مصوغة مجراة بالذهب معدومة المثل صنعة وحسنا، عدتها أربعمائة قفص كبار، شبكت كلها فى إيوان القصر وفرقت. ومعظم ذلك كان فى وزارة جلال الملك بن عبد الحاكم فى هذه السنة. كان من جملة ما فى الأقفاص ستة عشر ألف قطعة برسم العوارى خاصة. وأخرج فى بعض أسابيع المولد ألفان وخمسمائة إناء من فضة","footnotes":"(¬١) الدست من الثياب ما يكفى أقله لقضاء الحاجة. والفصد قطع العرق والاسم الفصاد المصباح المنير، القاموس المحيط.\r(¬٢) هكذا فى الأصل وفيه خلط بين اسمى الأخوين ابنى التسترى، وأحدهما أبو سعيد سهل بن هارون والآخر أبو نصر إبراهيم بن هارون. وقد سبقت أخبارهما فى السنين الأولى لخلافة المستنصر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276950,"book_id":167,"shamela_page_id":658,"part":"2","page_num":290,"sequence_num":658,"body":"برسم الخيم. وأخرج مرة عند ورود بعض رسل ملوك الرّوم فيما أخرج عدة كثيرة من صوانى الذهب والفضة المجراة بالميناء الغريبة الصنعة، ملئت كلّها جوهرا فاخرا، وأربعة آلاف نرجسية فضة محرقة بالذهب عمل فيها النرجس، وألفا بنفسجية كذلك. وأخرج من خزائن الطّريف ستة وثلاثون ألف قطعة ما بين بللور وغيره. وكان مبلغ ما قوّم من نصب سكاكين، بأقل القيم، ستة وثلاثين ألف دينار. وأخرج من تماثيل العنبر اثنان وعشرون ألف قطعة، أقلّ تمثال منها وزنه اثنا عشر منّا (¬١) وأكبره يتجاوز ذلك بكثير؛ ومن تماثيل الكافور ما لا يحدّ كثرة، منها ثمانمائة بطيخة كافور، إلى غير ذلك من تماثيل الفاكهة.\rوأخرج من خزائن الفرش أربعة آلاف رزمة خسروانية مذهبة، فى كل رزمة فرش مجلس ببسطه وتعاليقه وسائر آلاته. وأخرج من خزائن الكسوات من التخوت والأسفاط والصناديق المملوءة بفاخر الملابس المستعملة بتنّيس ودمياط وبرقة وصقلّية وسائر أقطار الأرض ما لا يحدّ كثرة ولا يعرف له قيمة.\rوفى هذه السنة بعث ناصر الدولة ابن حمدان عماد الدولة، المعروف بالمخنوق، هو والوزير أبا محمّد بن أبى كدينة إلى المستنصر يطالبه معهما بما بقى لغلمانه، فذكر أنه لم يبق عنده شيء إلا ملابسه، وقال فابعث من يقوّم ذلك ويقبضه؛ فأخرج إليهما ثمانمائة بذلة من ثيابه بجميع آلاتها كاملة، قوّمت وحملت إليه فى حادى عشر صفر.\rوفيها وهب المستنصر لفخر العرب وتاج الملوك الكلّوتة (¬٢) المرصعة بالجوهر، وكانت من غريب ما فى القصر ونفيسه، وكانت قيمتها مائة وثلاثين ألف دينار، وقوّمت عليهما بثمانين ألف دينار، وقسمت بينهما بالسويّة، فجاء وزن ما فيها من الجوهر سبعة عشر رطلا","footnotes":"(¬١) المن مائتا درهم وستون درهما. قوانين الدواوين: ٤٥٥.\r(¬٢) غطاء للرأس، تلبس وحدها أو مع عمامة، وتجمع على كلوتات وكلاوات، السلوك: ٤٩٣:١: حاشية: ١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276951,"book_id":167,"shamela_page_id":659,"part":"2","page_num":291,"sequence_num":659,"body":"بالمصرى. فصار إلى فخر العرب من جملة ما وقع فى سهمه منها قطعة بلخش زنتها ثلاثة وعشرون مثقالا، فأنفذها مع باقى ما حصل له منها إلى الفخرية، وكانت بثغر الإسكندرية، فحملت بعد ذلك إلى تنّيس مع غيره من رجالاتهم، فصار جميعه عند أمير الجيوش بالشّام.\rوصار إلى تاج الملوك منها حبّات درّ، زنة كلّ حبة ثلاثة مثاقيل وعدّتها مائة حبة؛ فلما انهزم من مصر أخذها بعض غلمانه مع غيرها من نفيس الجوهر وهرب إلى الصعيد، فقتل وأخذ منه.\rوأخرج من خزائن الطّيب مما أخرج خمسة صوارى عود هندى، طول كل واحد منها ما بين تسعة أذرع إلى عشرة أذرع؛ وكافور قنصورى زنة كل حصاة منه من خمسة مثاقيل إلى ما دونها؛ وقطع عنبر تزن القطعة ثلاثة آلاف مثقال، فوهب ذلك لناصر الدولة، فحاز منه مالا حدّ له ولا قيمة. وحمل إليه من القصر متارد صينى، يقوم كل مترد منها على ثلاثة أرجل على صورة السّباع وغيرها، يسع كلّ منها مائتى رطل وما فوقها؛ وعدة قطع يشب وبازهر، منها جام سعته ثلاثة أشبار ونصف وعمقه شبر، مليح الصّورة.\rوأخرج من القصر منديل نسيج من زغب ريش بدائر يسمى السّمندل، طوله تسعة أشبار، لا يحترق بالنّار، فاشتراه بعض المسافرين التجار بثمن يسير طلب فلم يقدر عليه. وصار إلى ناصر الدولة قطرميز (¬١) بللّور فيه صور ناتئة عن ضبّته يسع سبعة عشر رطلا، ودكوجة بللور تسع عشرين رطلا؛ وقصرية يصب كبيرة جدا؛ وعدة كاسات يصب؛ وطابع ندّ (¬٢) فيه ألف مثقال عمله فخر الدولة أبو الحسن على بن ركن الدولة ابن بويه الديلمى (¬٣) وكتب عليه فخر الدّولة شمس الدولة، وكتب عليه أبياتا، منها:","footnotes":"(¬١) قلة كبيرة من الزجاج. معرب. قال بعضهم:\rأنا لا أرتوى بكاس وطاس … فاسقنيها بالزق والقطرميز\r(¬٢) الند، بالفتح: عود يتبخر به.\r(¬٣) وركن الدولة هو أبو على الحسن، حكم منطقة الرى وهمذان وأصفهان بين سنتى ٣٢٠ - ٣٦٦ (٩٣٢ - ٩٧٦). وحكم ابنه فخر الدولة المذكور بين سنتى ٣٦٦ - ٣٨٧ (٩٧٦ - ٩٩٧) فى الرى وهمذان، وانتزع أصفهان سنة ٣٧٣ (٩٨٣) من أخيه مؤيد الدولة أبى منصور الذى كان يتولاها منذ سنة ٣٦٦ (٩٧٦)، أى منذ وفاة والده ركن الدولة:\rMohammadan Dynasties .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276952,"book_id":167,"shamela_page_id":660,"part":"2","page_num":292,"sequence_num":660,"body":"ومن يكن شمس أهل الأرض قاطبة … فندّه طابع من ألف مثقال\rفاقتسمه ناصر الدولة وفخر العرب وتاج الملوك أمير الأمراء.\rوصار لناصر الدّولة أيضا طائر من ذهب مرصّع بنفيس الجوهر وعيناه من ياقوت أحمر وريشه من الميناء المجرى بالذهب كهيئة ريش الطاوس. وديك من ذهب له عرف كأكبر أعراف الديكة من الياقوت الأحمر، مرصّع كلّه بسائر الدّر والجوهر، وعيناه من ياقوت أحمر، كان يحيّر ناظره كيفية تركيبه لالتئام الصنعة فيه وملاحتها. وغزال مرصّع بنفيس الدّرّ والجوهر، بطنه أبيض منظور من درّ رائع يخاله الناظر حيوانا. ومجمع سكارج (¬١) مخروط من بللور فظ، وفيه سكارج من بللور يخرج منه ويعود إليه فتحته أربعة أشبار فى مثلها، محكم الصنعة فى غلاف من خيزران مذهب، فسمح به لفخر العرب. وأخرج بطيخة من كافور فى شباك من ذهب مرصّع، وزن كافورها سبعون منّا سوى الذّهب، اقتسمها فخر العرب وتاج الملوك، فخصّ فخر العرب منها ثلاثة آلاف مثقال من ذهب؛ وقطعة عنبر تسمى الخروف زنتها سوى ما يمسكها من الذهب ثمانون منّا؛ وعدة قطارميز بللور فيها صور مجسمة بارزة، يسع كل منها عشرين رطلا.\rوطلب الأتراك من المستنصر نفقة، فماطلهم بها، فهجموا على التّربة التى للقصر (¬٢) وأخذوا ما فيها من قناديل الذهب ومن الآلات كالمداخن والمجامر وحلى المحاريب، فجاء منه خمسون ألف دينار. وصار إلى فخر العرب مقطع حرير أزرق رقيق بديع الصّنعة منسوج بالذّهب وسائر أنواع الحرير تنبيتا، عمله المعزّ، فيه صورة أقاليم الأرض بمدنها وجبالها وبحارها وأنهارها وسعة حصونها، وفيه صورة مكة والمدينة، وفى آخره: ممّا أمر بعمله المعزّ لدين الله","footnotes":"(¬١) جمع سكرجة وهى الصحفة.\r(¬٢) حين قدم المعز لدين الله إلى مصر سنة ٣٦٢ أحضر معه أجداث آبائه ودفنهم فى التربة التى جعلت لهم خصيصا. بالقصر والتى دفن فيها بقية الخلفاء الفاطميين وكثير من أمرائهم ونسائهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276953,"book_id":167,"shamela_page_id":661,"part":"2","page_num":293,"sequence_num":661,"body":"شوقا إلى حرم الله، وإشهارا لمعالم رسول الله، فى سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، والنفقة عليه اثنان وعشرون ألف دينار.\rوصار إلى فخر العرب ما لا يحصى كثرة؛ من ذلك مائدة يصب كبيرة قوائمها منها؛ وبيضة كبيرة بلخشن زنتها سبعة وعشرون مثقالا أشدّ صفاء من الياقوت الأحمر؛ وبيت أرمنى منسوج بالذهب عمل للمتوكّل على الله العباسى لا مثل له ولا قيمة؛ وقطرميز بللور يسع مروقتين نبيذا مليح التقدير، قوم عليه ممّا خرج من القصر ثمانمائة دينار فدفع إليه بعد ذلك فيه ألف دينار فأبى، وبساط خسروانى دفع إليه بالإسكندرية ألف دينار فامتنع من بيعه؛ ومائدة جزع يقعد عليها جماعة، قوائمها مخروطة منها ما لا قدر لها ولا قيمة.\rسوى ما قبضة شاور بن حسين لناصر الدّولة ولفخر العرب من آلات الذهب والفضة، وآنية الجوهر وعقوده، وفاخر الثياب والفرش والآلات والسلاح، مما قوّم بمئين ألوفا وكانت قيمته ألوف ألوف دينارا.\rوصار إلى ناصر الجيوش ما قيمته ألف ألف دينار من جملته نخلة من ذهب مكلّلة بجوهر بديع ودرّ رائع، فى إجّانة من ذهب، تجمع الطّلع والبلح وسائر ألوان البسر والرّطب، بشكله ولونه، وصفته وهيئته من ألوان الجواهر، لا قيمة لها. وكوز على مثال كوز الزير من بللور يسع عشرة أرطال ماء مرصّع بنفيس الجوهر لا قيمة له، وصورة مكلّلة بحبّ لؤلؤ نفيس، فيها ما وزن الحبّة منه مثقال، ومنه ما يزن مثقالين مرصّعة بياقوت. وأخرج فيه العشارى المعروف بالمقدّم، ونجارته وكسوة رحله التى عملها الوزير علىّ بن أحمد الجرجرائى فى سنة ست وثلاثين وأربعمائة، كان فيها مائة ألف وسبعة وستون ألفا وسبعمائة درهم فضة نقرة، غير ما أطلق للصناع من أجرة صياغة وثمن ذهب لطلائه، وهو ألفان وتسعمائة دينار؛ وكان سعر الفضة فى ذلك الوقت كل مائة درهم بستّة دنانير وربع، بسعر ستّة عشر درهما بدينار. وأخرج حلى العشارى الفضى الذى عمله أبو سعيد إبراهيم بن سهل التّسترى (¬١) لمّا ولى الوساطة فى سنة ست وثلاثين وأربعمائة لوالدة","footnotes":"(¬١) سبق التنبيه على أن فى هذا خلطا بين اسمى الأخوين ابنى التسترى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276954,"book_id":167,"shamela_page_id":662,"part":"2","page_num":294,"sequence_num":662,"body":"المستنصر، وكان الحلى مائة ألف وثلاثين ألف درهم فضة، وإلى ذلك أجر الصباغة ولطلاء بعضه ألفان وأربعمائة، غير ما استعمل كسوة برسمه مال جليل. فأخرج عدة العشاريات التى برسم القوة البحريّة، وعدتها ستة وثلاثون عشاريا، وكان قد انصرف عليها فى حلاها من مناطق ورءوس منجوقات وأهلّة وصفريّات وكساها أربعمائة ألف دينار.\rوأخرج ما على سرير الملك الكبير من الذّهب الإبريزى الخالص فكان مائة ألف مثقال وعشرة آلاف مثقال. وأخرج السّتر الذى أنشأه أبو محمد اليازورى فجاء فيه من الذهب ثلاثون ألف مثقال، وكان مرصّعا بألف وخمسمائة وستين قطعة جوهر من سائر الألوان.\rوأخرجت الشمسة الكبيرة وكان فيها ثلاثون ألف مثقال ذهبا وعشرون ألف درهم فضّة وثلاثة آلاف وستمائة قطعة جوهر، وأخرجت الشمسة التى لم تتمّ فوجد فيها من الذّهب سبعة عشر ألف مثقال. وأخرج من خزانة عدة مناكين فضة، منها ما زنته مائة وتسعة أرطال إلى ما دونها. وأخرج بستان أرضه فضّة محرقة مذهبة، وطينه ندّ معجون، وأشجاره فضّة مصنوعة، وأثماره عنبر وندّ، زنته ثلاثمائة وستة أرطال بالمصرى. وبطيخة كافور مشبكة بذهب وزنها عشرة آلاف مثقال؛ ومنقلتا كافور مشبكتان بذهب زنتهما ستّة آلاف مثقال؛ ومنقلتا عنبر وزنهما عشرة آلاف مثقال؛ ومنقلتا عنبر مدوّرتان وزنهما ستة آلاف مثقال. وأثواب مصمتة، منها أربعة يفصّل كل ثوب منها اثنين، وثلاثون قميصا تامّا، ومدهن ياقوت أحمر زنته سبعة وثلاثون درهما ونصف، أخذ من موجود اليازورى وكان قد صار إليه من السيدة عبدة بنت المعز لدين الله. وأخرج لؤلؤ زنة كلّ حبّة منه مثقالان؛ ومن الياقوت الأزرق ما زنة كلّ قطعة منه سبعون درهما؛ ومن الزّمرد ما وزن كلّ قطعة منه ثمانون درهما؛ ونصاب مرآة طويل ثخين من زمرد لا قيمة له.\rوأخرج من خزائن الكتب ثمانية عشر ألف كتاب فى العلوم القديمة، وألفان وأربعمائة ختمة فى ربعات بخطوط منسوبة محلاّة بذهب وفضة. وأخذ جميع ذلك الأتراك ببعض قيمته. وأخرج فى المحرّم منها فى يوم واحد خمسة وعشرون جملا موقرة كتبا صارت إلى دار الوزير أبى الفرج محمّد بن جعفر بن المعزّ، واقتسمها هو والخطير ابن الموفّق فى الدارين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276955,"book_id":167,"shamela_page_id":663,"part":"2","page_num":295,"sequence_num":663,"body":"بخدمات وجبت لهما عمّا يستحقّانه وغلمانهما من ديوان الحلبيين؛ وأن حصة الوزير أبى الفرج قوّمت عليه بخمسة آلاف دينار، وكانت تساوى أكثر من مائة ألف دينار، نهبت بأجمعها من داره يوم انهزم ناصر الدولة من مصر فى صفر، مع غيرها ممّا نهب من دور من سار معه من الوزير أبى الفرج وابن أبى كدينة وغيرهما.\rوأخرج ما فى خزائن دار العلم بالقاهرة. وصار إلى عماد الدولة أبى الفضل بن المحترف بالإسكندرية كثير من الكتب، ثم انتقل منها كثير، بعد مقتله، إلى المغرب وأخذته لواتة، فيما صار إليها بالابتياع أو الغصب من الكتب الجليلة المقدار ما لا يعدّ ولا يوصف، فجعل عبيدهم وإماؤهم جلودها نعالا فى أرجلهم، وأحرق ورقها تأوّلا منهم أنها خرجت من القصر وأنّ فيها كلام المشارقة الّذى يخالف مذهبهم، فصار رمادها تلالا عرفت فى نواحى أبيار بتلال الكتب، وغرق منها وتلف، ووصل إلى الأمصار ما يتجاوز الوصف.\rوأخرج من بعض الخزائن التى بالقصر بيضة كبيرة كأكبر ما يكون من بيض النعام محلاّة بذهب، فأخذها المستنصر دون ما أخرج من تلك الخزانة ممّا له خطر وقدر؛ فقال بعض الحاضرين هذه بيضة نعامة، فتغافل بعض من حضر من الأتراك عنها، وأخذوا النّفائس من الذّخائر وانصرفوا. فسئل المستنصر من بعض الخدم عن هذه البيضة، فقال: هى بيضة حيّة أهداها بعض الملوك إلى جدّى القائم بأمر الله، وكان يحتفظ بها، وهذه الرّقعة بخط القائم بأمر الله باسم مهديها والسنة التى أهديت فيها.\rوأخرج من القصر فى ثلاثة أيام من المحرّم ما قيمته من العين اثنان وعشرون ألف دينار وستمائة وستة وسبعون دينارا وثمن دينار، منها قيمة متاع ثلاثة عشر ألفا وثمانمائة وثلاثون دينارا وثلث وثمن، وقيمة جوهر ثمانية آلاف وثمانمائة وخمسة وأربعون دينارا وثلثان؛ هذا على أنّ ما يساوى ألف دينار يقوّم بمائة دينار وما دونها. فإذا كان هذا فى ثلاثة أيام فكيف يكون فى مدّة سنتين ليلا ونهارا!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276956,"book_id":167,"shamela_page_id":664,"part":"2","page_num":296,"sequence_num":664,"body":"وتسلّم جلال الدّولة بن بويه (¬١) من العين، له ولمن يجرى مجراه وعدّتهم عشرة نفر، من عطيّة واحدة مبلغ أربعة وأربعين ألف دينار ومائة وثلاثين دينارا. ووصل إلى بغداد على يد التّجّار ممّا خرج من القصر، على ما وقفت فى تاريخ بعض البغداديين، أحد عشر ألف درع وعشرون ألف سيف محلّى، وثمانون ألف قطعة بللّور وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج. وبيع طشت وإبريق من بللور باثنى عشر ألف دينار؛ وبيع نحو السبعين ألف قطعة من الثياب، وعشر حبات زنتها عشرة مثاقيل بأربعمائة دينار.\rقال ابن ميسر: رأيت مجلّدة تجئ نحو العشرين كراسة، فيها ذكر ما خرج من القصر من التحف والأثاث والثياب والذّهب وغير ذلك.\rوفيها صرف الوزير محمّد بن جعفر ابن المغربى عن الوزارة فى رمضان، وتقرر جلال الملك أبو أحمد، أحمد بن عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقى. وفيها قتل أمير الجيوش بدر بساحل الشام الشّريف أبا طاهر حيدرة، ناظر دمشق (¬٢)، لإحن كانت فى نفسه منه، وكان يعدّ من الأجواد. وفيها تغلب الأمير حصن الدولة معلّى بن حيدرة الكتامى على دمشق واقتحمها قهرا (¬٣) بالسيف فى شوال، فأساء السيرة فى الناس.\rوفيها عظم الغلاء بمصر واشتدّ جوع الناس لقلّة الأقوات فى الأعمال وكثرة الفساد، وأكل الناس الجيفة والميتات، ووقفوا فى الطرقات فقتلوا من ظفروا به؛ وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط، وبلغت راوية الماء دينارا، وبيعت دار ثمنها تسعمائة","footnotes":"(¬١) هو جلالة الدولة بن بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بن ركن الدولة الحسن بن بويه.\r(¬٢) وكان الشريف حيدرة بن إبراهيم أبى طاهر بن أبى الجن قد وصلها فى شعبان سنة ٤٦٠ ناظرا على الشام (وزيرا عليها) مع واليها الأمير قطب الدولة؛ باز طغان، فترصد له بدر الجمالى، الوالى المعزول، لإحن كانت بينهما، حتى نجح فى اقتناصه وقتله، ذيل تاريخ دمشق: ٨٤. وكان عالما قارئا، هرب من الجمالى إلى عمان البلقاء فغرر به بدر ابن حازم صاحبها وسلمه للجمالى فى مقابل اثنى عشر ألف دينار وخلع كثيرة. النجوم الزاهرة: ٨٥:٥.\r(¬٣) «وليها قسرا وغلبة وقهرا من غير تقليد» فبالغ فى المصادرات وارتكب من الظلم ومصادرة المستورين الأخيار الشئ الكثير. وقيل إن التقليد وصله بعد أن تولاها قهرا. ذيل تاريخ دمشق: ٩٥ - ٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276957,"book_id":167,"shamela_page_id":665,"part":"2","page_num":297,"sequence_num":665,"body":"دينار بتسعين دينارا اشترى بها دون تليّس دقيق (¬١). وعم مع الغلاء وباء شديد؛ وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد، فانقطعت الطرقات برّا وبحرا إلاّ بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر. وبيع رغيف من الخبز زنته رطل فى زقاق القناديل (¬٢) كما تباع التحف والطّرف فى النّداء: خراج! خراج! فبلغ أربعة عشر درهما؛ وبيع إردب قمح بثمانين دينارا. ثم عدم ذلك كله، وأكلت الكلاب والقطط، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير.\rوأبيعت حارة بمصر بطبق خبز، حسابا عن كلّ دار رغيف، فعرفت تلك الحارة بعد ذلك بحارة طبق، وما زالت تعرف بذلك حتى دثرت فيما دثر من خطط مصر. وأكل الناس نحاتة النّخل؛ ثم تزايد الحال حتى أكل النّاس بعضهم بعضا.\rوكان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتا قصيرة السّقوف قريبة ممّن يسعى فى الطّرقات، فأعدوا سلبا وخطاطيف؛ فإذا مرّ بهم أحد شالوه فى أقرب وقت، ثم ضربوه بالأخشاب وشرّحوا لحمه وأكلوه. قال الشريف أبو عبد الله محمد الجوانى فى كتاب النقط:\rحدثنى بعض نسائنا الصّالحات قالت، كانت لنا من الجارات امرأة ترينا أفخاذها وفيها كالحفر، فتقول: أنا ممّن خطفنى أكلة النّاس فى الشدة، فأخذنى إنسان، وكنت ذات جسم وسمن، فأدخلنى بيتا فيه سكاكين وآثار الدماء وزفرة القتيل، فأضجعنى على وجهى وربط فى يدىّ ورجلىّ سلبا إلى أوتاد حديد، عريانة، ثم شرّح من أفخاذى وأنا أستغيث ولا أحد يجيبنى، ثم أضرم الفحم وأسوى من لحمى وأكل أكلا كثيرا؛ ثم سكر حتى وقع على جنبيه لا يعرف أين هو؛ فأخذت فى الحركة إلى أن تخلّى أحد الأوتاد، وأعان الله على الخلاص، وخلصت، وحللت الرباط، وأخذت خروقا من داره","footnotes":"(¬١) باعها بعشرين رطل دقيق، أى أقل بكثير من التليس المذكور فى المتن، إذ أن التليس يزن مائة وخمسين رطلا. النجوم الزاهرة: ١٧:٥؛ قوانين الدواوين: ٣٦٥.\r(¬٢) كان من الأحياء التى يسكنها الأعيان وكبار القوم بمدينة الفسطاط زمن انتعاشها وعمارتها، وهو الآن أرض فضاء تجاور جامع عمرو بن العاص من جهة الشرق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276958,"book_id":167,"shamela_page_id":666,"part":"2","page_num":298,"sequence_num":666,"body":"ولففت بها أفخاذى، وزحفت إلى باب الدار وخرجت أزحف إلى أن وقعت إلى الناس، فحملت إلى بيتى، وعرّفتهم بموضعه، فمضوا إلى الوالى فكبس عليه وضرب عنقه؛ وأقامت الدماء فى أفخاذى سنة إلى أن ختم الجرح، وبقى هكذا حفرا.\rوآل أمر الخليفة المستنصر إلى أن صار يجلس على نخّ أو حصير؛ وتعطّلت دواوينه وذهب وقاره، وخرج نساء قصوره ناشرات شعورهن يصحن: الجوع الجوع، وهنّ يردن السير إلى العراق، فتساقطن عند المصلى بظاهر باب النصر من القاهرة، ومتن جوعا.\rجاء الوزير يوما على بغلة فأكلها العامة، فأمر بهم فشنقوا، فاجتمع الناس على المشنّقين وأكلوهم. وعدم المستنصر القوت جملة حتى كانت الشريفة بنت صاحب السبيل تبعث إليه كلّ يوم بقعب من فتيت من جملة ما كان لها من البرّ والصّدقات فى سنى هذا الغلاء، حتى أنفقت مالها كلّه، وكان يجل عن الإحصاء، فى سبيل البرّ؛ فلم يكن للمستنصر قوت سوى ما كانت تبعث به إليه، وهو مرة واحدة فى اليوم، لا يجد غيره. وبعث بأولاده إلى الأطراف لعدم القوت، فسيّر الأمير عبد الله إلى عكّا فنزل عند أمير الجيوش، وأرسل الأمير أبا على معه؛ وبعث الأمير أبا القاسم والد الحافظ إلى عسقلان، وسيّره أولا إلى دمياط؛ ولم يترك عنده سوى ابنه أبى القاسم أحمد.\rوبعث المستنصر يوما إلى أبى الفضل عبد الله بن حسين بن شورى بن الجوهرى الواعظ، فدخل القاهرة من باب البرقيّة (¬١)، فلم يلق أحدا إلى القصر؛ فجاء من باب البحر (¬٢)، فوجد عليه شيخا، فقال استأذن علىّ؛ فقال: ادخل فهو وحده؛ فدخل، فلم ير أحدا فى الدهاليز ولا القلعة، فأنشد:","footnotes":"(¬١) والبرقية جماعة كبيرة قدمت مع المعز لدين الله سنة ٣٥٨، واستقروا بحى خاص بهم عرف باسم حارة البرقية، بمنطقة الدراسة الحالية.\r(¬٢) من أبواب القصر الغربية سمى بذلك لأن الخليفة كان يستخدمه عند ما يقصد شاطئ النيل عند المقس. وموضع هذا الباب - كما يقول المقريزى فى الخطط - يعرف باسم باب قصر بشتاك، بشارع بين القصرين. النجوم الزاهرة: ٣٥:٤ حاشية: ٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276959,"book_id":167,"shamela_page_id":667,"part":"2","page_num":299,"sequence_num":667,"body":"يا منزلا، لم تبل أطلاله … حاشا لأطلالك أن تبلى\rلم أبك أطلالك، لكنّنى … بكيت عيشى فيك إذ ولّى\rوالعيش أولى ما بكاه الفتى … لا بدّ للمحزون أن يسلى\rفإذا هو خلف باب المجلس، فبكى وبكيت طويلا، وحادثته ساعة؛ ثم ناوله الخليفة قرطاسا فيه سبعون دينارا.\rومن عجيب ما وقع أن امرأة من أرباب البيوت عرضت عقدا لها قيمته ألف دينار على جماعة ليعطوها به دقيقا وهم يعتذرون إليها ويدفعونها، إلى أن رقّ لها رجل وباعها به تليّس دقيق، فحملته من مصر واكترت معها من يحفظه من النّهّابة، وسارت تريد منزلها بالقاهرة، فسلّمه الحملة إليها عند بابى زويلة، فلم تمش به غير قليل حتى تكاثر النّاس عليها، وانتهبوه منها فانتهبت هى أيضا منه مع النّهابة، فصار إليها ملء يديها دقيقا لم ينبها منه غيره، فعجنته وشوته، ثم مضت إلى باب القصر ووقفت على موضع مرتفع، ورفعت القرصة فى يدها حتى يراها الناس، ونادت بأعلى صوتها: يأهل القاهرة، ادعوا لمولانا المستنصر الذى أسعد الله الناس بأيامه وأعاد عليهم بركات حسن نظره، حتى تقوّمت علىّ هذه القرصة بألف دينار. ووقف مرة بعض المياسير بباب القصر وصرخ إلى أن أحضر المستنصر، فلما وقف بين يديه قال: يا مولانا هذه سبعون قمحة وقفت علىّ بسبعين دينارا كلّ حبة قمح بدينار، فى أيامك، وهو، أنى اشتريت إردبّا بسبعين دينارا فنهب منى ولم يبق لى منه سوى ما وقع بيدى وانتهايى منه مع من نهب، فعددت ما فى يدى فجاء سبعين حبّة من قمح، وإذا كل حبّة بدينار. فقال المستنصر: الآن فرج الله على الناس فإنّ أيامى حكم لها أنه يباع فيها القمحة بدينار.\rولم يكن هذا الغلاء عن قصور مدّ النيل فقط، وإنما كان من اختلاف الكلمة ومحاربة الاجناد بعضهم مع بعض. وكان الجند عدة طوائف مختلفة الأجناس، فتغلبت لواتة والمغاربة على الوجه البحرى، وتغلب العبيد السودان على أرض الصعيد، وتغلب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276960,"book_id":167,"shamela_page_id":668,"part":"2","page_num":300,"sequence_num":668,"body":"الملثمة والأتراك بمصر والقاهرة (¬١)، وتحاربوا. وكان قد حصل ذلك من بعد قتل اليازورى فى سنة خمسين كما تقدم؛ فما زالت أمور الدولة تضطرب وأحوالها تختلّ، ورسومها تتغير، من سنة خمسين إلى سنة سبع وخمسين، فابتدأت الشدة منها تتزايد إلى سنتى ستين وإحدى وستين، فتفاقم الأمر وعظم الخطب واشتد البلاء والكرب. وما برح المصاب يعظم إلى سنة ست وستين، وكان أشدها مدة سبع سنين، من سنة تسع وخمسين إلى سنة أربع وستين أخصبت كلّ شر، وهلك فيها معظم أهل الإقليم. ثم أخذ البلاء ينجلى من سنة أربع وستين إلى أن قدم أمير الجيوش بدر فى سنة ست وستّين، كما سيأتى ذكره إن شاء الله. فكانت السبع سنين المذكورة يمدّ فيها النيل ويطلع وينزل فى أوقاته، فلا يوجد فى الإقليم من يزرع الأراضى ولا من يقيم جسوره، من كثرة الاختلاف وتواتر الحروب، وانقطاع الطّرقات فى البرّ والبحر إلاّ بالخفارة الثقيلة وارتكاب الخطر؛ ولم يوجد ما يبذر فى الأراضى للزراعة، فإن القمح ارتفع الأردب منه من ثمانين دينارا إلى مائتى دينار، ثم فقد فلم يقدر عليه ولا الخليفة.\rوفيها صرف ابن أبى كدينة عن القضاء فى ثالث عشر صفر، وتولى المليحى؛ وصرف جلال الملك عن الوزارة، وصرف معه أيضا المليحى عن القضاء فى يوم واحد، وجمعا معا لخطير الملك محمد بن اليازورى فباشرهما إلى شوال، ثم صرف عنهما. فاستقر فيهما بعده ابن أبى كدينة إلى ذى القعدة؛ وأعيد المليحى بعده.\rوفيها احترق جامع دمشق ليلة الاثنين، النصف من شعبان، بعد العصر، وسببه فتنة","footnotes":"(¬١) أما لواتة والمغاربة فقد جاءوا مع جيوش الفتح وفى ركاب المعز لدين الله، وتزايد السودان بالشراء وتكاثر عددهم أيام المستنصر، إذ كانت والدته جارية لأبى سعيد التسترى - اليهودى - فلما تولى ابنها المستنصر الخلافة، وسنه سبع سنوات تحكمت فى الدولة واستكثرت من بنى جنسها؛ أما الأتراك فكان العزيز بالله أول من استقدمهم واستعان بهم فتزايد عددهم حتى أصبحوا - كغيرهم - خطرا على الدولة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276961,"book_id":167,"shamela_page_id":669,"part":"2","page_num":301,"sequence_num":669,"body":"بين العسكرية وأهل البلد، فأضرموا النار فى بعض الأسواق واتّصل بالجامع، فاحترق الجانب الغربى جميعه من الرّواق الباقلاّنى والقبّة الكبيرة، وزالت آثار الوليد بن عبد الملك التى لم يكن فى الإسلام مثلها (¬١).","footnotes":"(¬١) جاء فى مرآة الزمان: « … وكان القتال فى غربى الجامع، ورمى المشارقة وأهل البلد بالنشاب من دار قريبة من الجامع، فضربت الدار بالنار فاحترقت وثارت النار منها إلى الجامع فأحرقته ليلة نصف شعبان هذه السنة. ولما رأى العوام ذلك تركوا القتال وقصدوا الجامع طمعا فى تلافيه ليداركوا ما حدث، ففات الأمر، فرموا سلاحهم ولطموا واستغاثوا والنار تعمل إلى الصباح، فأصبح الجامع ولم يبق منه إلا حيطانه الأربعة، وصاروا أيام الجماعات يصلون فيه على التلال. وقال ابن القلانسى: «وأسف القاصى والدانى لاحتراق مثل هذا الجامع للمحاسن والغرائب، المعدود من إحدى العجائب حسنا وبهاء ورونقا وسناء، وكيف أصابت مثله العيون الصوائب، وعدت عليه عادية النوائب». ذيل تاريخ دمشق: ٩٦ - ٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276962,"book_id":167,"shamela_page_id":670,"part":"2","page_num":302,"sequence_num":670,"body":"سنة اثنتين وستين وأربعمائة (¬١):\rفيها بعث ناصر الدّولة حسين بن حمدان الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد بن البخارى رسولا منه إلى السلطان ألب أرسلان، ملك العراق (¬٢)، يسأله أن يسيّر إليه العساكر ليقيم الدعوة العبّاسية بديار مصر، وتكون مصر له. فتجهز ألب أرسلان من خراسان فى عساكر عظيمة، وبعث إلى محمود بن ثمال بن صالح بن مرداس، صاحب حلب، أن يقطع دعوة المستنصر ويقيم الدعوة العباسية، فقطعت دعوة المستنصر من حلب ولم تعد بعد ذلك.\rوانتهى ألب أرسلان إلى حلب فى جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وحاصرها شهرا، فخرج إليه صاحبها محمود بن ثمال بن صالح بن مرداس، فأكرمه وأقرّه على ولايته. وأخذ يريد المسير إلى دمشق ليمرّ منها إلى مصر، وإذا بالخبر قد طرقه أن متملك الروم (¬٣) قد قطع بلاد أرمينية يريد أخذ خراسان، فشغله ذلك عن الشام ومصر ورجع إلى بلاده؛ فواقع جمائع الروم على خلاط (¬٤) وهزمهم. وكان قد ترك طائفة من عسكره الأتراك ببلاد الشام فامتدت أيديهم إليها وملكتها كلّها، فخرجت عن أيدى المصريين ولم تعد إليهم.\rوبلغ المستنصر إرسال ناصر الدولة الى ألب أرسلان، فجهّز إليه ثلاث عساكر من الأتراك وغيرهم، وتقدم أحد العساكر إليه وهو فى أهل البحيرة، فجمع له ابن حمدان وأوقع به وقعة انكشفت عن أسر مقدّم العسكر، وقتل كثير من أصحابه، وانهزام من بقى، والاستيلاء على ما بقى معهم؛ فتقوّى به. ووافاه العسكر الثانى ولا علم عندهم بما اتفق على من تقدّم، فكانت الدائرة لابن حمدان عليهم أيضا؛ فسار وهجم على العسكر الثالث وقتل منهم وأسر،","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها العشرين من أكتوبر سنة ١٠٦٩.\r(¬٢) سلطان السلاجقة العظام، وهو عضد الدين أبو شجاع ابن أخى ركن الدين طغرلبك. تولى السلطنة بين سنتى ٤٥٥ - ٤٦٥ (١٠٦٣ - ١٠٧٢) Mohammadan Dynasties ؛ تاريخ دولة آل سلجوق للعماد الأصفهانى.\r(¬٣) وهو الإمبراطور رومانوس الرابع.\r(¬٤) خلاط عاصمة أرمينيا الوسطى، وبها بحيرة لا يظهر بها سمك ولا ضفدع إلا شهرين فى السنة. معجم البلدان: ٤٥٣:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276963,"book_id":167,"shamela_page_id":671,"part":"2","page_num":303,"sequence_num":671,"body":"وانتهب عامة ما كان معهم، فكثرت أمواله، وكبرت نفسه، واستأسد على المستنصر واستخفّ به وبمن معه، فقطع الميرة عن القاهرة ومصر، وعاث فى البلاد؛ ونهب أكثر الوجه البحرى. وقطع خطبة المستنصر من الإسكندرية ودمياط وجميع الوجه البحرى، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسى. وامتدت الحرب بين الأتراك وعبيد الشراء ثمانية أشهر يتحاربون ليلا ونهارا، فامتنع النّاس من الحركة؛ وجاء النيل ووفى فلم يقدروا على الزرع، فتفاقم البلاء بالناس واشتدّ جوعهم وعظمت رزاياهم. وفشا مع ذلك الموت فى الناس فكان يموت الواحد من أهل البيت فى القاهرة أو مصر، فلا يمضى ذلك اليوم أو تلك الليلة حتى يموت سائر من فى ذلك البيت. وعجز الناس عن مواراة الأموات فكفّنوهم فى الأنخاخ؛ ثم عظمت شناعة الموت وتضاعف العجز، فصاروا يحفرون الحفائر الكبار ويلقون فيها الأموات بعضهم على بعض، حتى تمتلئ الحفيرة بالرّمم من الرّجال والنساء والصّغار والكبار، ثم يهال عليها التراب. ومع هذا تكاثر انتهاب الجند للعامّة واختطافهم من الطرقات فخرج أهل القوّة من القاهرة ومصر يريدون بلاد الشام والعراق هربا من الجوع والفتن، فصار إلى تلك البلاد عامة التجار وأصحاب القوة، ومعهم ثياب المستنصر وذخائره وآلاته التى تقدم ذكر طرف منها.\rوفيها حاصر أمير الجيوش بدر مدينة صور وبها عين الدولة أبو الحسن على، الملقّب بالناصح، ثقة الثقات ذى الرئاستين، ابن عبد الله بن على بن عياض بن أحمد بن أبى عقيل القاضى، وضايقها؛ فسيّر عين الدولة إلى الأمير لواء مقدّم الأتراك الواردين من العراق إلى بلاد الشام لينجده؛ واتّصل ذلك بأمير الجيوش، فخاف من الأتراك، فرحل عن صور. ثم لمّا اطمأن عاد إلى صور ونازلها فلم يظفر منها بشئ.\rوفيها قطعت دعوة المستنصر من مكة ودعى بها للقائم العباسى وللسّلطان عضد الدولة ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن مسلجوق بن دقاق. وكان سبب انقطاع دعوة المستنصر بها أنه كان ينفق فى كل سنة على القافلة المجهزة إلى مكة فى الموسم مائة ألف وعشرون ألف دينار، منها عن الطّيب والخلوق والشمع راتبا فى كل سنة عشرة آلاف دينار، ونفقة الوفد الواصلين إلى الحضرة أربعون ألف دينار، وعن الجرايات والصّدقات وأجرة الجمال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276964,"book_id":167,"shamela_page_id":672,"part":"2","page_num":304,"sequence_num":672,"body":"ومعونة من يسير من العسكريّة وأمير الموسم وخدم القافلة والضّعفاء وحفر الآبار ونفقات العربان ستون ألف دينار (¬١). ثم زادت النّفقة فى وزارة اليازورى حتى بلغت إلى مائتى ألف دينار فى السنة؛ ولم تبلغ النفقة على موسم الحج مثل ذلك فى دولة من دول الإسلام قط.\rفلما ضعفت الدولة فى هذه السّنين وزحف عضد الدّولة من خراسان إلى حلب بعث إلى محمد ابن أبى القاسم الحسنى أمير مكة (¬٢) بثلاثين ألف دينار وبخلع سنية وأجرى له فى كل سنة عشرة آلاف دينار؛ وبعث إلى صاحب المدينة عشرين ألف دينار؛ فقطع خطبة المستنصر بعد ما قامت الدعوة والخطبة للمستنصر ولآبائه بمكة والمدينة مائة سنة، ودعا للقائم العبّاسىّ ولعضد الدولة؛ وقرّر عضد الدولة ما يحمل إلى الحرمين على ارتفاع واسط.","footnotes":"(¬١) ويتبقى بعد هذا كله عشرة آلاف دينار لم يذكر المؤلف مصارفها.\r(¬٢) بهامش الأصل تعريف به نصه: «بخطه: هو محمد بن جعفر بن أبى هاشم محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله ابن أبى هاشم محمد بن الحسين بن محمد بن محمد بن موسى بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن على بن أبى طالب. استخلفه الصليحى على مكة فى سنة ست وخمسين وأربعمائة، فأقام أميرا بمكة ثلاثين سنة». اه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276965,"book_id":167,"shamela_page_id":673,"part":"2","page_num":305,"sequence_num":673,"body":"سنة ثلاث وستين وأربعمائة (¬١):\rفيها اصطلح الأتراك بمصر مع ناصر الدولة ابن حمدان وهو مقيم بالوجه البحرى، وذلك لشدة ما نالهم من قطعه الميرة عنهم؛ فوقع الاتفاق بينهم وبينه على أن يكون مقيما بمكانه وتحمل إليه الأموال التى تقرر له، وأن يكون تاج الملوك شادى نائبا عنه بالقاهرة. فتقرر الحال على ذلك ودخلت الغلال إلى البلد، فطابت قلوب الناس، وانجلى الأمر نحو شهر؛ ثمّ وقع الخلاف بين الأتراك وبينه، فرحل من البحيرة بعساكر كثيرة ونازل البلد وحاصرها محاصرة شديدة فى ذى القعدة؛ وامتدّت أيدى أصحابه فانتهبوا الناس فى الدّور وأخذوهم من الطّرقات، وأحرقوا كثيرا من دور الساحل. ثم عاد إلى البحيرة.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها التاسع من أكتوبر سنة ١٠٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276966,"book_id":167,"shamela_page_id":674,"part":"2","page_num":306,"sequence_num":674,"body":"سنة أربع وستين وأربعمائة (¬١):\rوفيها كانت الحرب بين تاج الملوك شادى وبين ناصر الدولة ابن حمدان، وعادت الفتنة بالقاهرة ومصر. وكان سبب محاربتهما أن تاج الملوك لمّا دخل إلى القاهرة نائبا عن ناصر الدولة تغيّر عما كان قد تقرّر بينهما، واستبدّ بالأمور فضنّ بالمال عليه، ولم يصل ابن حمدان منه إلاّ دون ما كان يؤمّله. فقلق لذلك ابن حمدان، واتفق هو وجمائع العربان على المسير إلى القاهرة وأخذها. فسار بهم، ونزل إلى الجيزة، فاستدعى تاج الملوك وغيره من أكابر المقدّمين، فخرجوا إليه مطمئنّين لأنه واحد منهم يهوى هواهم؛ فما هو إلاّ أن صاروا إليه حتى قبض عليهم، وزحف بجموعه، وألقى النار فى دور السّادة، وانبثّت أصحابه ينتهبون ما قدروا عليه. فجهز المستنصر إليه عسكرا كانت فيه طائفة لهم قوة وفيهم منعة؛ فوافقوه. وكانت بينهم وبينه حرب انجلت عن هزيمته، ففرّ على وجهه وتلاحق به أصحابه، وصاروا إلى البحيرة، فقطع خطبة المستنصر من جميع الوجه البحرى، وكتب إلى الخليفة القائم ببغداد يسأله أن يجهز إليه الخلع والألوية السّود؛ فاضمحلّ قدر المستنصر وتلاشى أمره. وتعاظمت الشدائد بمصر، وجلّت رزايا الناس.\rفلمّا كان فى شعبان سار ناصر الدولة بعساكره وقد تيقّن عجز المستنصر عن مقاومته لضعف أمره وممالاة كثير من الأتراك له، وموافقتهم لما قرّره معهم من محبة؛ فدخل إلى مصر فاستولى على الأمر؛ وبعث إلى المستنصر يطلب منه المال، فدخل عليه قاصد ابن حمدان وهو جالس على حصير بغير فرش ولا أبّهة، وليس عنده غير ثلاثة من الخدم، وقد زال ما كان يعهده من شارة المملكة وعظمة الخلافة. فلما أدّى إليه الرسالة. قال له المستنصر: أما يكفى ناصر الدّولة أن أجلس فى مثل هذا البيت على هذه الحال؟! فلمّا سمع بذلك قاصد بن حمدان بكى وخرج. فأعلم ناصر الدولة ما شاهده من هيئة المستنصر،","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها التاسع والعشرين من سبتمبر سنة ١٠٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276967,"book_id":167,"shamela_page_id":675,"part":"2","page_num":307,"sequence_num":675,"body":"وعرّفه بما صار إليه من سوء الحال؛ فرقّ له وكفّ عنه، وأطلق له فى كل شهر مائة دينار. واستبدّ بسائر أمور الدولة، وبالغ فى إهانة المستنصر فى الاعتقاد، وزاد فى إيصال الضرر إليه وإلى سائر حواشيه وأسبابه، حتّى قبض على أمّ المستنصر وعاقبها بعقوبات متعدّدة، واستخلص منها أموالا جمّة. فتفرق عن المستنصر جميع أهله، وسائر أقاربه وأولاده وحواشيه، فمنهم من سار إلى المغرب ومنهم من خرج إلى العراق؛ وبقى فقيرا وحيدا خائفا يترقّب. وقيل إنّ أمّ المستنصر فرّت أيضا إلى العراق.\rوفى شهر ربيع الأول استقر ابن أبى كدينة فى الوزارة والدّعوة والقضاء. واستمرّ الحال على ما وصفنا جميع سنة أربع وستين.\rوفيها فقد الطعام، فسارت التجار من صقلّية والمهديّة (¬١) فى الطعام والمرتب. فبيع القمح كلّ كيل قروى زنته تسعة أرطال بدينار نزارىّ، ثم بيع بمثقالين، ثم بثلاثة، ثم فقد.\rوطبخ الناس جلود البقر وباعوها رطلا بدرهمين، وبلغ الزيت أوقية بدرهمين، وأوقيّة اللحم بدرهم، وبيعت الأمتعة بأبخس ثمن، وباع الناس أملاكهم. ووقع الوباء فألقى الناس موتاهم فى النيل بغير أكفان.\rوفيها مات القاضى الأجل أمين الدولة أبو طالب عبد الله بن عمّار بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن إدريس ابن أبى يوسف الطّائى بطرابلس الشام، ليلة السبت نصف","footnotes":"(¬١) المهدية مدينة أنشأها عبيد الله المهدى، أول الفاطميين بالمغرب، على مسافة ستين ميلا من القيروان. معجم البلدان: ٢٠٩:٨؛ البكرى: ١٧:٣ - ١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276968,"book_id":167,"shamela_page_id":676,"part":"2","page_num":308,"sequence_num":676,"body":"رجب (¬١). وفيها ملك القمص رجار بن تنقرد صاحب مدينة قلبريو (¬٢)، وهى مقابل مدينة جربة (¬٣)، جزيرة صقلية (¬٤).","footnotes":"(¬١) وخلفه فيها ابن أخيه جلال الملك أبو الحسن ابن عمار، فضبط البلد أحسن ضبط، ولم يظهر لفقد عمه أثر لكفايته. الكامل: ٢٤:١٠.\r(¬٢) هو الأمير Roger I،Son of Tancred Of Hauteville . وصل مع مجموعة من النورمان إلى جنوب إيطاليا ٤٥٠ (١٠٥٧) وشارك فى فتح إقليم كلبريا (فى المتن قلبريو) ثم اتجه إلى صقلية وواصل فتوحه فيها على مدى ثلاثين عاما ٤٥٢ - ٤٨٣ (١٠٦٠ - ١٠٩٠) ونجح فى وضع أسس الحكم النورماندى بها. راجع دائرة المعارف البريطانية.\r(¬٣) جزيرة بالمغرب من ناحية إفريقية قرب قابس، بها بساتين كثيرة، وبينها وبين البرمجاز. معجم البلدان: ٧٣:٣ - ٧٤.\r(¬٤) والسبب المباشر لذلك أن المستنصر بعث إلى الوالى يطلب منه المال المقرر عليها، وكان عاجزا عما طلب منه، فاستعان بالفرنج، فدخلوا وقتلوا ونهبوا واستولوا على البلد. النجوم الزاهرة: ٨٧:٥ فى أثناء عرض أحداث سنة ٤٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276969,"book_id":167,"shamela_page_id":677,"part":"2","page_num":309,"sequence_num":677,"body":"سنة خمس وستين وأربعمائة (¬١):\rفيها قتل ناصر الدّين الحسين بن ناصر الدّولة الحسن بن الحسين بن عبد الله أبى الهيجاء بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن الرشيد بن المثنى بن رافع بن الحارث ابن غطيف بن مجرّبة بن حارثة بن مالك بن جشم، أحد الأراقم، بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن ثعلب بن وائل بن قاسط بن فيد بن أقصى بن داغمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة الفرس بن نزار بن معدّ بن عدنان التغلبى. وكان سبب فنائه أنّه لما استولى على أمور الدّولة وبالغ فى إهانة المستنصر وتتبّع أقاربه وحواشيه، وأخذ من قدر عليه منهم، وفرّ من وجد سبيلا إلى الفرار، كان يولّى الرجل بعض الأعمال ويسيّره إليه فلا يتمكن من ذلك العمل حتى يكتب إليه بأن يعود، ويبعث غيره (¬٢). وشرع فى قطع دعوة المستنصر وإعمال الرأى فى إقامة الخطب للخليفة القائم بمصر والقاهرة، وأن يزيل من البلاد دولة الفاطميين ويمحو آثارها، فلم يستطع ذلك ولا قدر عليه لكثرة الأعوان والأتباع.\rوكان من جملة رجال الدولة إلدكز (¬٣)، وهو أحد الأمراء، ففطن لما يريده ناصر الدولة من قطع خطبة المستنصر وإقامة دعوة بنى العبّاس، فتشاور هو والأمير يلدكوز، وكانا من أكابر الأتراك، وأنكرا، ما يتّفق من ناصر الدولة وتخوّفا من عاقبة ذلك. وصارا إلى بقية الأتراك وأعلماهم أنه إن تمّ لناصر الدولة ما يحاوله لم يبق منهم أحدا، والرأى مبادرته قبل أن يستفحل أمره؛ فتقرر الأمر على القيام عليه وقتله.\rوكان ناصر الدولة قد اغترّ بقوته، وظنّ أنّه قد أمن، وأن أعداءه قد تلاشوا وتلفوا، فأتاه الله من حيث لم يحتسب، وأناخ به عواقب بغيه، فلم يشعر إلاّ وقد ركب الأتراك بأجمعهم","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع عشر من سبتمبر سنة ١٠٧٢.\r(¬٢) ولا يمكن الوالى من العود. وكان يقصد بذلك أن يجرد المستنصر بالله من الأعوان وأن يخل القاهرة من الرجال القادرين الذين قد يكونون عقبة فى سبيل تمكنه. الكامل: ٢٧:١٠ - ٣٠.\r(¬٣) سبق التعريف بأنه كان شيخ الأتراك ومقدمهم وكان قد تزوج ابنة ناصر الدولة ابن حمدان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276970,"book_id":167,"shamela_page_id":678,"part":"2","page_num":310,"sequence_num":678,"body":"على حين غفلة من ليلة من رجب (¬١)، ووافوا داره بمصر سحرا، وكان يسكن فى منازل العز، (¬٢) فهجموا عليه من غير دستوره ولا طلب إذن، فإذا هو فى صحن داره وعليه رداء، فبادره أحدهم بسيفه وأتبعه إلدكز فحزّ رأسه. وخرج كوكب الدولة مسرعا إلى فخر الدولة أخيه فى عدّة، فطرقه وهو آمن (¬٣) وقتله واحتمل رأسه، وأخذ سيفه وجارية من جواريه.\rوامتدّت الأيدى إلى من بقى منهم، فقتل أخوهما تاج المعالى وجماعة من بنى حمدان؛ وتتبعوا أسبابهم وحواشيهم حتى لم يبق منهم أحد بديار مصر، وأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهم (¬٤) وما أصدق قول أبى على الفكيك إذ يقول هجاء لناصر الدولة هذا:\rولئن غلطت بأن مدحتك، غالبا … جدواك، مع علمى بأنك باخل\rفالدولة الغراء قد غلطت بأن … سمّتك ناصرها وأنت الخاذل\rوقتل فى هذه النّوبة الوزير أبو غالب عبد الطاهر بن فضل بن الموفّق فى الدّين، ابن العجمى.\rوفيها قطعت خطبة المستنصر من بيت المقدس.","footnotes":"(¬١) بياض بالأصل يتسع لنحو كلمة، ولم أتمكن من تحديد هذا التاريخ رغم الاستعانة بمراجع عدة.\r(¬٢) دار بنتها السيدة أم العزيز بالله، على النيل لا يحجبها عنه شيء، وكان الخلفاء الفاطميون يتخذونها متنزها لهم. وقد سكنها ناصر الدولة بن حمدان - كما يتبين من المتن - وعند ما قدمت أسرة صلاح الدين الأيوبى مصر، سكنها تقى الدين عمر، ابن عمه، ثم اشتراها من بيت المال وبناها مدرسة للشافعية. انظر الخطط: فى مواضع متفرقة؛ وكذلك كتاب الروضتين فى أخبار الدولتين لأبى شامة.\r(¬٣) وكان فخر الدولة - فخر العرب - كثير الإحسان إلى كوكب الدولة هذا فأذن له وقال لعله قد دهمه أمر. الكامل: ٣٠:١٠ وفى الأصل: «فخرج مسرعا إلى فخر الدولة ولد أخيه … » وهو خطأ إذ أن فخر الدولة أخو ناصر الدولة. راجع ما سبق؛ والنجوم الزاهرة: ٥؛ نهاية الأرب للنويرى؛ الكامل: ٣٠:١٠.\r(¬٤) فى النجوم الزاهرة تفصيل لكيفية اغتيال ابن حمدان جاء فيه أنه كان للأمير إلدكز غلام اسمه أبو منصور كمشتكين، وأنه وافق معه فى قتل ابن حمدان، وقد بدأ إلدكز بأن ضربه بسكين فى خاصرته، ثم ضربه كمشتكين فقطع رجليه، فصاح ابن حمدان: فعلتموها! فحزت رأسه. وقطع ابن حمدان قطعا وأنفذت كل قطعة إلى بلد معين. النجوم الزاهرة: ٢١:٥ - ٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276971,"book_id":167,"shamela_page_id":679,"part":"2","page_num":311,"sequence_num":679,"body":"سنة ست وستين وأربعمائة (¬١):\rفيها تشدد الأتراك وكبيرهم سلطان الجيش يلدكوش التركى (¬٢)، والأمير إلدكز والوزير يومئذ ابن أبى كدينة، فضاق خناقه وعظم روعه وساءت حاله، وكان [المستنصر بالله] (¬٣) يظن أن فى قتل ابن حمدان راحة له، فاستطال إلدكز وابن أبى كدينة عليه وناكداه. فتحير فى أمره وكتب إلى أمير الجيوش بدر الجمالى، وهو يومئذ بعكّا، يستدعيه للقدوم لنجدته وإعانته ويعده بتملّك البلاد والاستيلاء عليها. فاشترط عليه أنه يقدم بعسكر معه، وأنه لا يبقى أحدا من عساكر مصر ولا وزرائهم؛ فأجابه المستنصر إلى ذلك (¬٤). فأخذ فى الاستعداد للمسير إلى مصر؛ واستخدم معه عدّة من العساكر، وركب بحر الملح من عكا، وكان الوقت فى كانون (¬٥) وهو أشدّ ما يكون من البلاء، ومن العادة أنّ البحر لا يركب فى الشتاء. فسار فى مائة مركب وقد حذّر من ركوبه وخوّف من سوء العاقبة فلم يصغ لذلك؛ وكأن الله سبحانه قد صنع له ومكّن له فى الأرض، وقضى بأن يصلح على يديه، ما قد فسد من إقليم [مصر]. فترحّل بعساكره فى المراكب، وأضحت السماء، وواتتهم ريح طيبة سارت بهم إلى دمياط ولم يمسسهم سوء؛ فكان يقال إنه لم ير فى البحر قطّ صحوة تمادت أربعين يوما إلاّ فى هذا الوقت، فكان هذا ابتداء سعادته وأوّل عظيم جده. فنزل بدمياط، وطلب إليه التّجار من تنّيس وافترض عليهم مالا.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السادس من سبتمبر سنة ١٠٧٣.\r(¬٢) وهو الأمير يلدكوز الذى تعاون مع إلدكز فى مؤامرة اغتيال ناصر الدولة ابن حمدان.\r(¬٣) الإضافة لتصحيح الوضع إذ أن المستنصر هو الذى استدعى أمير الجيوش من الشام.\r(¬٤) وكان معظم العسكر الذين استعان بهم من الأرمن، وبهذا دخل عنصر جديد فى تكوين الجيش الفاطمى، إلى جانب الأتراك والسودان والمغاربة، والمصطنعة أى المرتزقة.\r(¬٥) فى السنة شهران يحملان هذا الاسم: كانون الأول - ديسمبر وكانون الثانى - يناير. ولم أهتد إلى المقصود منهما، إذ تذكر المراجع أن سير بدر الجمالى كان فى سنة ست وستين وأربعمائة دون تحديد للشهر الذى يمكن بوساطته التعرف على المقصود بشهر كانون المذكور هنا، راجع - مثلا - النجوم الزاهرة: ٥؛ الكامل: ١٠؛ ذيل تاريخ دمشق؛ نهاية الأرب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276972,"book_id":167,"shamela_page_id":680,"part":"2","page_num":312,"sequence_num":680,"body":"وقدم عليه سليمان اللواتى، وهو يومئذ كبير أهل البحيرة وأكثرهم مالا، وأوسعهم حالا، وقدم إليه وأضافه، وأمدّه بالطرقات حتى قدم قليوب فنزل بها. وبعث إلى المستنصر سرا بأنى لا يمكننى القدوم إلى الحضرة، ما لم يقدم على يلدكوش؛ فبادر المستنصر إلى إجابته وقبض عليه.\rودخل بدر عشية يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى فتلقّاه أهل الدولة وأنزلوه، وبالغوا فى إكرامه؛ فأظهر أنّه ما جاء إلاّ شوقا إليهم، وخدعهم بما أبداه من المحبة لهم وكثرة التملّق، وأعرض عن المستنصر ولم يذكره إلاّ بالسّوء؛ وصار من معه يدخلون إلى القاهرة وحدانا ورجالا فى الخفية حتى تكامل منهم تسعمائة. ثم أخذ مع الأمراء فى الأكل والشرب واللّذات، إلى أن اشتد تآنسهم به، فاستدعاه كل منهم إلى ضيافته، وقدموا إليه، وهو آخذ فى أسباب ما دعى إليه.\rفلما انقضت أيام ضيافتهم له استدعى أمراء الدّولة ومقدّميها فى صنيع أعدّ لهم، فمضوا إليه، وقضوا نهارهم عنده، وباتوا فى أطيب عيش وأنعم بال؛ وقد رتّب أصحابه ليقتل كلّ واحد أميرا من الأمراء ويكون له جميع ما بيده. فلما سكروا وامتدّ عليهم رواق اللّيل صار يخرج كلّ واحد من باب ويسلمه إلى غلام من غلمانه، ويمضى إلى داره فيتسلّمها بما فيها من الخدم والأموال. فلم يصبح الصباح إلاّ ورءوس الجميع بين يديه، وقد استولى كلّ رجل من أصحابه على دار أمير من الأمراء وأحاط بجميع ما كان له.\rوأخذ فى القبض على الأتراك وتتبعهم حتى لم يدع منهم أحدا يشار إليه، فقويت شوكته، واشتدت وطأته وعظم أمره؛ فحسر عن ساعد الجدّ، وشمّر ساعد الاجتهاد، والتقط المفسدين فلم يبق على أحد منهم، وتطلّبهم فى القاهرة ومصر حتّى أتى على جميعهم القتل. وفرّ ناصر الجيوش أبو الملوك، وكان شاه بن يلدكوش، إلى الشام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276973,"book_id":167,"shamela_page_id":681,"part":"2","page_num":313,"sequence_num":681,"body":"وخلع عليه المستنصر بالطّيلسان المقوّر، وصار جميع أهل الدّولة فى حكمه، والدّعاة نوّابا عنه، وكذلك القضاة إنما يتولون منه (¬١). فقلّد أبا يعلى حمزة بن الحسين بن أحمد الفارقى قضاء القضاة. وزيد فى ألقاب أمير الجيوش على ألقاب من تقدّمه من الوزراء:\rكافل قضاة المسلمين.\rواتّفق أنه لما لبس خلع الوزارة حضر إليه المتصدّرون بالجوامع، فقرأ ابن العجمى:\r«وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ» (¬٢)، وسكت عن تمام الآية، فقال له أمير الجيوش بدر: والله لقد جاءت فى مكانها وجاء سكوتك عن تمام الآية أحسن؛ وأمر له بصلة.\rفيها قتل أمير الجيوش من أماثل المصريين وقضاتهم ووزرائهم عدة كثيرة، منهم الوزير أبو محمد الحسن بن ثقة الدولة على بن أحمد المعروف بابن أبى كدينة، وكان عند ما قدم [بدر] إلى مصر هو الوزير، وهو من ولد عبد الرحمن بن ملجم، وتردّد فى القضاء والوزارة سبع مرات؛ وكان قاسى القلب جبّارا، فلما قبض عليه سيّر إلى دمياط، ودخل عليه السّيّاف ليضرب عنقه، فكان سيفه ثليلا، فضربه سبع ضربات بعدد ولايته القضاء والوزارة.\rوقتل أيضا الوزير أبو المكارم أسعد، والوزير أبو شجاع محمّد بن الأشرف أبى غالب محمد بن على؛ والوزير عبد الغنى بن نصر بن سعيد الضيف.","footnotes":"(¬١) ونمت بدر بالسيد الأجل أمير الجيوش، وهو النعت الذى كان لصاحب ولاية دمشق، وخلع عليه بالعقد المنظوم بالجوهر مكان الطوق، وزيد له الحنك مع الذؤابة المرخاة والطيلسان المقور زى قاضى القضاة. وصارت الوزارة من حينئذ وزارة تفويض يقال لمتوليها أمير الجيوش، وبطل اسم الوزارة. الخطط:، ٤٤٠:١.\r(¬٢) سورة آل عمران: آية: ١٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276974,"book_id":167,"shamela_page_id":682,"part":"2","page_num":314,"sequence_num":682,"body":"سنة سبع وستين وأربعمائة (¬١):\rفيها سار أمير الجيوش بدر إلى الوجه البحرى فأوقع بلواتة وقتل مقدّمهم سليم اللّواتى وابنه، واستصفى جميع ما كان له ولقومه من أنواع [الأموال] (¬٢)، وأسرف فى قتلهم حتى يقال إنه قتل منهم عشرين ألفا. وسار إلى دمياط وقتل كثيرا ممّن كان فيها من المفسدين، وخرّب وحرّق، وأصلح عامّة أحوال الثغر. ولم يدع بالبر الشرقى وجميع أسفل الأرض مفسدا إلاّ وقتله أو قمعه. ثم عدّى إلى البرّ الغربى فقتل كثيرا من الطائفة الملحية وأتباعهم؛ وأقام على محاصرة الإسكندرية أيّاما حتى أخذها قهرا؛ فقتل كثيرا من أهلها المفسدين، وعفا عن أهل البلد فلم يعرض لهم.\rوفيها حاصر شكل التركى، أحد الأتراك الواصلين من العراق إلى الشام، ثغر عكّا وأخذه بالسيف، وكان فيه أولاد أمير الجيوش بدر وأهله وحرمه، فأحسن إليهم وأكرمهم وقتل والى عكّا. ثم سار منها فنزل على طبرية وأخذها.\rوفيها مات الخليفة القائم بأمر الله ببغداد، يوم الخميس ثالث عشر شعبان، وله من الخلافة أربع وأربعون سنة وتسعة أشهر وأيام (¬٣)؛ وجلس بعده ابن ابنه أبو القاسم عبد الله ابن ذخيرة الدّين ولقب بالمقتدى.\rوفيها أعيدت الخطبة للمستنصر بمكة بعد أن خطب فيها للقائم بأمر الله العباسى أربع سنين (¬٤).\rوفيها قتل أمير الجيوش كثيرا من جند مصر وغيرهم ممن يومى إليه بفساد.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع والعشرين من أغسطس سنة ١٠٧٤.\r(¬٢) ما بين الحاصرتين مزيد لأن السياق يقتضيه أو نحوه.\r(¬٣) يقول ابن تغرى بردى: ومن الغرائب أن القائم هذا كان معاصرا للمستنصر العبيدى، وهو خليفة مصر، وكلاهما مكث فى الخلافة ما لم يمكثه غيره من آبائه وأجداده من طول المدة؛ فالقائم هذا كانت مدته أربعا وأربعين سنة، والمستنصر ستين سنة، فما وقع للقائم لم يقع لأحد من العباسيين، وما وقع للمستنصر لم يقع لأحد من الفاطميين. النجوم الزاهرة: ٩٨:٥.\r(¬٤) وتتلخص ظروف عودة الخطبة للمستنصر بمكة فى أنه كتب إلى ابن أبى هاشم، صاحبها، رسالة وأصحبها هدية جليلة، وطلب منه فى الرسالة أن يعيد الخطبة قائلا إن أيمانك وعهودك كانت للقائم وللسلطان ألب أرسلان، وقد ماتا. فخطب له وقطع خطبة المقتدى. وكانت الخطبة قد انقطعت أربع سنين وخمسة أشهر. الكامل: ٣٤:١٠. وستعاد الخطبة للمقتدى سنة ٤٧٩، كما سيأتى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276975,"book_id":167,"shamela_page_id":683,"part":"2","page_num":315,"sequence_num":683,"body":"سنة ثمان وستين وأربعمائة (¬١):\rفيها حاصر أطسز بن أرتق، المعروف بالأقسيس (¬٢)، دمشق وألح على قتال من بها من عساكر المستنصر حتى ملكها بعد أن أقام يحاصرها نحو ثلاث سنين. وكان عليها من قبل المستنصر حيدرة بن ميرزا الكتامى، وقد كرهته الرّعيّة لسوء سيرته فيهم وكثرة مصادرته للناس، ففرّ منهزما إلى بانياس (¬٣)، ثم خرج عنها إلى صور فأقام بها مدة، ثم حمل إلى مصر فقتل بها. وكان قد التحق بأطسز عدة ممّن فرّ من مصر عند قدوم أمير الجيوش، فتقوّى بهم وبمن صار إليه من أهل دمشق فرارا من حيدرة لسوء سيرته. فلمّا ملك دمشق دعا للمقتدى من خلفاء بنى العباس وأبطل الخطبة للمستنصر، فانقطعت دعوة الخلفاء الفاطميين منها ولم تعد بعد ذلك. وقطعت دعوة المستنصر من مكّة أيضا ودعى فيها للمقتدى.\rفيها مات القاضى الشريف جلال الدولة أبو الحسين أحمد بن أبى القاسم على بن محمد ابن الحسين بن إبراهيم بن على بن عبيد الله بن الحسين بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب الحسينى النصيبينى، قاضى دمشق، وهو يومئذ متولّى القضاء بها، فى يوم الجمعة الرابع من ذى القعدة؛ وهو آخر قضاة الخلفاء الفاطميين بدمشق، وسمع الحديث وحدث، وله فيه مقال (¬٤).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السادس عشر من أغسطس سنة ١٠٧٥.\r(¬٢) أطسز أو أتسز هذا من قادة الأتراك السلاجقة، تقدم نحو دمشق وضمها إلى حكم السلاجقة أيام السلطان ملكشاه ثالث سلاطين السلاجقة العظام، ومن دمشق وسع نفوذه فى بلاد الشام وتقدم نحو مصر وهددها. وقد تمكن الأمير السلجوقى تنش من أن يقتله ويتولى بنفسه دمشق وما يتبعها سنة ٤٧١. ويقول ابن الأثير فى بعض الحديث عن أتسز هذا: «يذكر الشاميون هذا الاسم أقسيس والصحيح أنه أتسز وهو اسم تركى». اه. الكامل: ٣٥:١٠.\r(¬٣) فى الجنوب الغربى لدمشق.\r(¬٤) قال يوما وعنده أبو الفتيان ابن حيوس الشاعر: وددت أنى فى الشجاعة مثل جدى على وفى السخاء مثل حاتم. فقال له أبو الفتيان: وفى الصدق مثل أبى ذر الغفارى. فخجل الشريف فإنه كان يتزيد فى كلامه. النجوم الزاهرة: ١٠٢:٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276976,"book_id":167,"shamela_page_id":684,"part":"2","page_num":316,"sequence_num":684,"body":"سنة تسع وستين وأربعمائة (¬١):\rفيها اجتمع بمدينة طوخ (¬٢) من صعيد مصر عدد كبير من عرب جهينة والثعالبة والجعافرة (¬٣) لمحاربة أمير الجيوش، فسار إليهم حتى قرب منهم، فنزل، ثم ارتحل باللّيل وأمر بضرب الطبول وزعقت البوقات، واشتعلت المشاعل وقد تزايد وقود النيران. وجدّ فى السير والعساكر لها صرخات وصيحات متتابعة فى دفعة واحدة، حتى طرقهم بغتة ووضع فيهم السيف فأفنى أكثرهم قتلا، وفرّ منهم طوائف فغرقوا، ولم ينج منهم إلاّ القليل.\rوأحاط بأموالهم فحاز منها ما يتجاوز الوصف كثرة، وسيّرها إلى المستنصر.\rوثار كنز الدولة محمد بأسوان (¬٤) وتغلّب عليها وعلى نواحيها، وكثرت أتباعه ونجم أمره؛ فسار إليه أمير الجيوش بعساكره، فالتقى معهم وحاربهم محاربة طويلة أسفرت عن قتله وهزيمة أصحابه بعد أن قتل منهم جمّ غفير؛ فكانت هذه الواقعة آخر الوقائع التى قطع فيها دابر المفسدين، وخمدت جمرتهم.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس من أغسطس سنة ١٠٧٦.\r(¬٢) فى قوانين الدواوين ثلاثة عشر موضعا كل منها يحمل اسم طوخ مضافا إلى اسم آخر، منها طوخ الجبل بالقرب من أخميم، وطوخ دمنو من أعمال القوصية، وطوخ تنده وطوخ الخيل من أعمال الأشمونين.\r(¬٣) بهامش الأصل تعريف بهم نصه: «بخطه: قال الشريف محمد بن أسعد الجوانى بنو ثعلبة فى بنى الإمام الحسن وبنى جعفر الطيار، فذكرهم. ثم قال: فأما التى فى بنى جعفر الطيار فبنو ثعلبة الحجازى بن داود بن موسى بن إبراهيم ابن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ﵇، فيهم عشيرة إلى اليوم بخرجة مين من أعمال سيوط بصعيد مصر … وحامد … وإبراهيم أولاد مسلم بن عبد الله بن حسين بن ثعلب المذكور. قال: الجعافرة أبطن، فذكرهم، ثم قال: وأما الذى فى ولد أبى طالب فبنو جعفر الطيار بن أبى طالب ﵇، وإليه يرجع الجعافرة كلهم وهم نازلون بسدرة العربان من أعمال الأشمونين بصعيد مصر، وفى مواضع شتى من بلاد الله، وفيهم عشائر متسعة». اه.\r(¬٤) كنز الدولة لقب منح أول مرة أيام الحاكم بأمر الله لأمير أسوان أبى المكارم هبة الله بعد انتصاره على أبى ركوة ثم أصبح هذا اللقب وراثيا فى أسرة أبى المكارم. انظر كتاب الروضتين: القسم الثانى من الجزء الأول: ٥٣١ (تحقيق الدكتور محمد حلمى محمد أحمد).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276977,"book_id":167,"shamela_page_id":685,"part":"2","page_num":317,"sequence_num":685,"body":"وفيها جمع أطسز صاحب دمشق العساكر وسار يريد تملّك الدّيار المصرية وإزالة الدولة الفاطمية منها وإقامة الدعوة العباسية كما فعل فى بلاد الشام. وكان أكثر الأسباب الحاملة له على ذلك أن ابن يلدكوش لما فرّ من أمير الجيوش وصار إلى بلاد الشام اتصل بأطسز، وقدّم إليه ستين حبّة لؤلؤ مدحرج، زنة كلّ حبة منها ينيف على مثقال، وحجر ياقوت زنته سبعة عشر مثقالا، وتحفا كثيرة ممّا كان قد وصل إلى أبيه من خزائن المستنصر فى سنى الشدة، وأغراه بأهل مصر وحثه على قصد البلاد، وهوّنها عنده. فقوى طمعه وسار وقد حصل فى قوة بمن صار إليه من عساكر مصر ومن انضاف إليه من أهل الشام.\rوكان أمير الجيوش ببلاد الصعيد قد انتهى إلى بلاد أسوان، فوصل الخبر بمسير أطسز إلى مصر، فكتب بذلك إلى أمير الجيوش، وكان عند موافاة الخبر إليه فى شغل عن ذلك، فقدم أطسز إلى أطراف مصر فى جمادى الأولى، وقد أشار عليه ابن يلدكوش «بألاّ تشتغل بالقاهرة ولكن تملّك الرّيف». وقال له: إذا ملكت الريف فقد ملكت مصر. فأقام بالرّيف جمادى الأولى وجمادى الآخرة وبعض رجب وأمير الجيوش فى إصلاح الصّعيد وتدبير أموره، وقد حضر إليه أكثر أهل أسوان وبدر بن حازم بجمائع طىّ. فلمّا استوثق أمره وجمع إليه العساكر عاد إلى القاهرة وخرج يريد محاربة أطسز فى جمع تبلغ عدّته ما ينيف على ثلاثين ألفا ما بين فارس وراجل، وذلك فى يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من رجب بعد ما جهّز عدّة مراكب قد شحنها بالعلوفات والأزواد. فجمع أطسز إليه أصحابه واستشارهم، فاختلفوا عليه فى الرّأى، فقال بعضهم أن ترجع فإنّك قد دست بلاد مصر وليس معك غير خمسة آلاف، والقوم فى كثرة، وعواقب الأمور غير معلومة. وقال له أخوه وابن يلدكوش لا يهولنّك ما تسمع به من كثرتهم فإنما هم سوقة وأخلاط، لو سمعوا صيحة لفرّوا عن آخرهم؛ فإياك والرّجوع عن هذا الملك قد أشرفت على أخذه ولم يبق إلاّ تملكه. وأشار عليه شكل، أمير طبرية، بموافقة القوم والدخول إلى مصر. فتقرر الرأى على ملاقاة العساكر المصرية.\rفلما كان يوم الثلاثاء لثمان بقين منه تلاقى الفريقان وتحاربا، فكانت بينهما عدة وقائع كانت الغلبة فيها للمصريين، فانهزم أطسز، وقتل أخوه وعدّة من أصحابه، وعاد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276978,"book_id":167,"shamela_page_id":686,"part":"2","page_num":318,"sequence_num":686,"body":"فى قليل ممن معه وأقام بالرملة حتى تلاحقت به عساكره (¬١). ثم رحل إلى القدس ففتحها وقتل من فيها من المسلمين ولم يترك من استجار بالأقصى.\rثم سار إلى دمشق، فدخلها لعشر بقين من شعبان؛ وقد احتوى أمير الجيوش على كثير ممّا كان معهم، ورجع إلى القاهرة مؤيّدا مظفّرا. وكان المتولى لكسرة أطسز بدر بن حازم ابن على بن دغفل بن جراح. فلمّا جلس أمير الجيوش بدر الجمالى للهناء بنصرته قرأ ابن لفتة، أحد القراء، «وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ»، ولم يتمّ الآية، يعنى بدر بن حازم.\rفبينا أمير الجيوش بدر فى ذلك إذ بلغه اجتماع عرب قيس وسليم وفزارة، فخرج إليهم وأوقع بهم، وأكثر من القتل فيهم، وفرّ من بقى منهم إلى برقة.\rوفيها سقط أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النّحوى (¬٢) من سطح جامع عمرو بن العاص بمصر، فمات فى عشية اليوم الثالث من رجب؛ وكان له على الدّولة الفاطميّة فى كل شهر ثلاثون دينارا وغلّة لإصلاح ما يكتب فى ديوان الإنشاء، فكان يعرض عليه جميع ما يكتب منه، وإذا حررّه أمر به فدفع لأربابه. ثم إنه تخلّى عن الخدم السّلطانية وانقطع للعبادة حتى مات؛ وكان أبوه واعظا بمصر.","footnotes":"(¬١) ويقول ابن القلانسى: وأفلت هزيما بنفسه فى نفر يسير من أصحابه، ووصل إلى الرملة وقد قتل أخوه وقطعت يد أخيه الآخر. وكان الدعاء عليه، حين خرج إلى مصر لتملكها، متواصلا من أهل دمشق، واللعن له متتابع متصل: ولما وصل بعد الفل إلى دمشق سرت نفوس الناس بمصابه، وتحكم السيوف فى أتباعه وأصحابه، فأملوا مع هذه الحادثة سرعة هلاكه وذهابه. اه. ذيل تاريخ دمشق: ١٠٩ - ١١٢. راجع تفاصيل هذا الصدام فى مرآة الزمان لسبط ابن الجوزى. وقد اقتبست فى ذيل تاريخ دمشق - بالهامش - ص ١٠٩ - ١١٢.\r(¬٢) وهو صاحب «المقدمة» فى النحو. وبابشاذ تكتب منفصلة: باب شاذ، بمعنى الفرح والسرور. وسر انقطاعه للعبادة أنه كان جالسا يأكل فجاءه قط فكان إذا ألقى إليه شيئا لا يأكله ويحمله ويمضى، وكثر ذلك منه، فتبعه يوما لينظر أين يذهب بما يطعمه، فإذا هو يحمله إلى موضع مظلم فيه سنورة عمياء فيلقيه لها فتأكله، فعجب وقال: إن الذى سخر هذا لهذه ليجيئها بقوتها قادر على أن يغنينى عن هذا العالم. ومن تصانيفه: شرح جمل الزجاجى؛ المحتسب فى النحو؛ شرح النخبة. النجوم الزاهرة: ١٠٥:٥؛ بغية الوعاة: ١٧:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276979,"book_id":167,"shamela_page_id":687,"part":"2","page_num":319,"sequence_num":687,"body":"سنة سبعين وأربعمائة (¬١):\rفيها سيّر أمير الجيوش عسكرا مقدّمه ناصر الدولة الجيوشى، فانتهى إلى دمشق وأقام محاصرا لها مدة؛ ثم ارتحل عنها وعاد بغير طائل.\rوفيها فوّض لأمير الجيوش قضاء القضاة، وزيد فى نعوته: كافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين.\rوفيها وصل إلى مكّة من بغداد منبر كبير فى شهر رمضان منقوش عليه بالذهب:\r«لا إله إلا الله، محمد رسول الله. الإمام المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين. مما أمر بعمله محمّد بن محمّد بن جهير». فاتفق وصوله وقد أعيدت الخطبة للمستنصر، فكسر المنبر المذكور وأحرق.\rولم يكن بمصر فى سنة إحدى وسبعين (¬٢) كبير شيء.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس والعشرين من يوليو سنة ١٠٧٧.\r(¬٢) ويوافق أول المحرم منها الرابع عشر من يوليو سنة ١٠٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276980,"book_id":167,"shamela_page_id":688,"part":"2","page_num":320,"sequence_num":688,"body":"سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة (¬١):\rفيها سيّر أمير الجيوش عسكرا كبيرا، فانتهى إلى دمشق وحاصرها حتى أشرف على أخذها، فسيّر أطسز صاحب دمشق إلى تاج الدولة تتش بن (¬٢) السلطان ألب أرسلان - وكان قد أقطعه أخوه ملكشاه الشام وأخذ حلب بعد ما حاصرها حتى اشتدّ الجوع بأهلها وملكها - يستحثّه على نصرته وتقويته على المصريين، ويعده أنه يسلّم إليه ملك دمشق. فأجابه إلى سؤاله وسار إليه بعسكره؛ فبلغ ذلك عسكر أمير الجيوش، فارتحل وعاد إلى مصر.\rوقدم تتش فملك دمشق، ودبّر على أطسز وقتله بحيلة فى ربيع الأوّل؛ وجهّز عسكرا فى إثر العسكر المصرى فلم يدركه.\rوفيها خرج ملك النوبة من بلاده وصار إلى أسوان يريد زيارة كنيسة لهم بها، فبعث والى قوص [من] قبض عليه و وحمله إلى القاهرة، فأكرمه أمير الجيوش وأفاض عليه النّعم، وأتحفه بالهدايا الجليلة؛ فأدركه أجله ومات قبل أن يعود إلى بلاده.\rوفيها قطعت خطبة المستنصر من مكة وأعيدت خطبة بنى العباس.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الرابع من يوليو سنة ١٠٧٩.\r(¬٢) هو تاج الدولة تتش بن عضد الدين أبى شجاع ألب أرسلان بن داود، بن ميكائيل بن سلجوق. تولى أخوه، جلال الدين أبو الفتح ملكشاه، سلطنة السلاجقة العظام، ثم أوصى لابنه نصير الدين محمود من بعده بالسلطنة فأقام نحو سنة ثم توفى وخلفه بركياروق، ركن الدين أبو المظفر، فغضب تتش لذلك وخلع طاعته وثار ضده، وتقدم من الشام لحربه واجتاز الفرات ودجلة، والتقى الجيشان فى معركة حاسمة عند مدينة الرى، شمالى فارس، فسقط تتش فيها صريعا وكان ذلك سنة ٤٨٨. انظر كتاب الروضتين فى أخبار الدولتين: ١ فى مواضع مختلفة؛ النجوم الزاهرة: فى مواضع مختلفة كذلك؛ تاريخ دولة آل سلجوق للعماد الأصفهانى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276981,"book_id":167,"shamela_page_id":689,"part":"2","page_num":321,"sequence_num":689,"body":"سنة سبع وسبعين وأربعمائة (¬١):\rفيها خرج الأوحد بن أمير الجيوش على أبيه، وانضم إليه جماعة من العسكر والعربان وتحصّن بالإسكندرية؛ فسار إليه أمير الجيوش وحصره، وألح عليه القتال حتى دخل البلد وأخذ ابنه قهرا. وأمر ببناء الجامع المعروف فى الإسكندرية بجامع العطارين من أموال أخذها من أهل البلد، وفرغ منه فى شهر ربيع الأول؛ وأقيمت فيه الجمعة واستمرت إلى أن زالت دولة الفاطميين على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فأمر ببناء جامع، ونقل الخطبة من جامع العطارين إليه.\rوفى جمادى الأولى استناب أمير الجيوش ولده الأفضل، وجعله ولىّ عهده فى السلطنة (¬٢).\rوفيها ابتدأ أمير الجيوش فى بناء سور القاهرة (¬٣).","footnotes":"(¬١) بأول هذه الصفحة فى الأصل عبارة تقول: بياض نحو ربع صفحة، اه. ويوافق أول المحرم من هذه السنة العاشر من مايو سنة ١٠٨٤. ويلاحظ أن المؤلف أهمل السنوات ٤٧٣ - ٤٧٦.\r(¬٢) وهذه أول حادثة من نوعها فى العصر الفاطمى أن تصبح الوزارة شبه وراثية وأن يعهد بها الوزير القائم لابنه يتولاها من بعد وفاته. وهذه «السلطنة» لم تعرف من قبل، ولم يقع بين يدى ما يدل على أن بدرا كان يتلقب بها، وأرجح أنها أطلقت بتأثير العصر الذى كتب فيه المؤلف كتابه، وبتأثير السلطات الواسعة التى تولاها الوزير بدر استقلالا عن قصر الخلافة.\r(¬٣) يقول المقريزى فى الخطط: «اعلم أن القاهرة منذ أسست عمل سورها ثلاث مرات الأول وضعه القائد جوهر والثانى بدر الجمالى والثالث الأمير الخصى بهاء الدين قراقوش الأسدى فى سلطنة الملك الناصر صلاح الدين». وكان السور الأول من اللبن، والثانى زاد فيه بدر الجمالى الزيادات التى فيما بين بابى زويلة وباب زويلة الكبير وفيما بين باب الفتوح عند حارة بهاء الدين وباب الفتوح الآن (زمن المقريزى)، وزاد عند باب النصر أيضا جميع الرحبة التى تقع تجاه جامع الحاكم إلى باب النصر. وجعل السور من لبن والأبواب من حجارة، وبناه قراقوش لصلاح الدين بالحجارة على ما هو عليه الآن ووسعه ليدور على القاهرة ومصر والقلعة جميعا. الخطط: ٣٧٧:١ - ٣٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276982,"book_id":167,"shamela_page_id":690,"part":"2","page_num":322,"sequence_num":690,"body":"سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (¬١):\rفيها قطعت الخطبة من مكة للمستنصر وخطب بها للمقتدى العباسى (¬٢).\rفيها مات أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين المغربى الملقّب بالكامل؛ وكان قد ولى الوزارة بعد أن صار إلى بلاد المغرب وخدم بها، ثم عاد واتصل بالوزير أبى محمد اليازورى، فأحسن إليه واستخدمه وعنى به، فماقته أبو الفرج البابلىّ.\rفلما صارت إليه الوزارة بعد اليازورى قبض عليه فى جملة من قبض عليه من أصحاب اليازورى، واعتقله، فلم يزل معتقلا إلى أن تقرّرت له الوزارة وهو فى السجن، فأخرج وخلع عليه خلع الوزارة عوضا عن أبى الفرج البابلىّ، فلم يؤاخذه بما كان منه فى حقه، بل قابله بالجميل وأحسن إليه إحسانا كبيرا. ولما صرف عن الوزارة اقترح أن يولّى ديوان الإنشاء (¬٣)، فقرّر فى هذه الرتبة التى يقال لها فى زمننا اليوم كتّاب السر، فاستقرت من بعده وظيفة ورتبة يتقلدها الأكابر.\rوفيها مات سليمان بن قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق، صاحب قونية وآق سرا من بلاد الروم (¬٤)، وقام من بعده ابنه قليج أرسلان بن سليمان (¬٥)؛ فاستردّ منه الفرنج مدينة أنطاكية.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها التاسع والعشرين من أبريل سنة ١٠٨٥.\r(¬٢) يذكر ابن الأثير أن هذا حدث فى سنة ٤٧٩. الكامل: ٥٤:١٠.\r(¬٣) يقول ابن تغرى بردى: وهو أول من ولى كتابة الإنشاء بمصر. النجوم الزاهرة: ١٨:٥. وكان من يتولى هذا المنصب يلقب بالشيخ الأجل، ويقال له كاتب الدست الشريف. ويتسلم المكاتبات الواردة مختومة فيعرضها على الخليفة من بعده، وهو الذى يأمر بتنزيلها والإجابة عنها، ويستشيره الخليفة فى أكثر أموره، ولا يحجب عنه إذا أراد الدخول إليه. وربما بات عند الخليفة ليالى، وجاريه مائة وعشرون دينارا فى كل شهر، ولا سبيل أن يدخل إلى ديوانه بالقصر ولا يجتمع بكتابه أحد إلا الخواص. الخطط: ٤٠٢:١.\r(¬٤) وهو أول سلاطين السلاجقة بأرض الروم (آسيا الصغرى)، حكم بين سنتى ٤٧٠ - ٤٧٨ (١٠٧٧ - ١٠٨٦). وقد قتل فى معركة ضد تاج الدولة تتش صاحب دمشق عندئذ، فقيل إنه قتل نفسه بسكين كانت معه عند ما رأى انهزام عسكره، وقيل قتل فى المعركة بسهم أصابه فى وجهه فوقع عن فرسه ميتا: Mohammadan Dynasties الكامل: ٥٠:١٠؛ النجوم الزاهرة: ١٢٤:٥.\r(¬٥) قليج أرسلان، داود الأول، بدأ حكمه الحقيقى سنة ٤٨٥ (١٠٩٢) بعد فترة من الاضطراب، وكان من رجال ملكشاه السلجوقى الذى أرسله لغزو بلاد الروم ففتح كثيرا من مدنها وتولاها. وانتهت حياته فى معركة بينه وبين جاولى، مملوك السلطان محمد بن ملكشاه، انهزم فيها فألقى نفسه فى نهر الخابور فغرق، فأخرج وحمل تابوته إلى ميافارقين فدفن بها. النجوم الزاهرة: ١٩٠:٥ - ١٩١؛ Mohammadan Dynasties","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276983,"book_id":167,"shamela_page_id":691,"part":"2","page_num":323,"sequence_num":691,"body":"سنة تسع وسبعين وأربعمائة (¬١):\rفيها قدم الحسن بن الصّباح، رئيس الطائفة الباطنيّة من الإسماعيلية، إلى مصر فى زىّ تاجر، واتصل بالمستنصر واختصّ به، والتزم أن يقيم له الدعوة فى بلاد خراسان وغيرها من بلاد المشرق. وكان الحسن هذا كاتبا للرئيس عبد الرزّاق بن بهرام بالرىّ، فكاتب المستنصر، ثم قدم عليه (¬٢). ثم إنّ المستنصر بلغه عنه كلام، فاعتقله، ثم أطلقه. وسأله ابن الصّباح عن عدّة مسائل من مسائل الإسماعيلية فأجاب عنها بخطه. ويقال إنه قال له: يا أمير المؤمنين، من الإمام من بعدك، فقال له ولدى نزار (¬٣).\rثم إنّه سار من مصر بعد ما أقام عند المستنصر مدّة وأنعم عليه بنعم وافية. فلما وصل إلى بلاده نشر بها دعوة المستنصر وبثّها فى تلك الأقطار، وحدث منه من البلاء بالخلق ما لا يوصف مما قد ذكر فى أخبار المشرق. ثم قام من بعد المستنصر بدعوة ابنه نزار، وكان بسبب ذلك فى مصر من الانقلاب ما نهتمّ به إن شاء الله تعالى. وأخذ ابن الصّباح أصحابه بجمع الأسلحة ومواعدتهم، حتى اجتمعوا له فى شعبان سنة ثلاث وثمانين، ووثب بهم فأخذ قلعة ألموت، وكانت لملوك الديلم من قبل ظهور الإسلام، وهى من الحصانة فى غاية.\rواجتمع الباطنية بأصبهان مع رئيسهم وكبير دعاتهم أحمد بن عبد الملك بن عطّاش، وملكوا قلعتين عظيمتين؛ إحداهما يقال لها قلعة الدرّ. وكانت لأبى القاسم دلف العجلى،","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن عشر من أبريل سنة ١٠٨٦.\r(¬٢) والحسن الصباح هذا رأس الأسرة التى استوطنت قلعة ألموت واتخذتها حصنا لها تبسط منه دعوتها الباطنية الغالية فيما جاورها من البلاد، وإلى أبعد من ذلك أيضا - كما يتضح من النص - توفى الحسن هذا سنة ٥١٨ Mohammadan Dynasties\r(¬٣) سيرد بعد هذا، عند الحديث عن وفاة المستنصر، أن الأفضل بن بدر الجمالى نحى نزارا عن ولاية العهد، فثار بالإسكندرية واتخذ لنفسه لقب المصطفى لدين الله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276984,"book_id":167,"shamela_page_id":692,"part":"2","page_num":324,"sequence_num":692,"body":"وجدّدها وسماها ساهور؛ والقلعة الأخرى تعرف بقلعة جان، وهما على جبل أصبهان.\rوبث الحسن بن الصباح دعاته، وألقى عليهم مسائل الباطنية التى ذكرتها فى هذا الكتاب عند ذكر داعى الدعاة فى أخبار بناء سور القاهرة، عند ذكر خطط المعزية القاهرة. فساروا من قلعة ألموت، وأكثروا من القتل فى الناس غيلة.\rوكان إذ ذاك ملك العراقين السلطان ملكشاه الملقب جلال الدين بن ألب أرسلان، فاستدعى الإمام أبا يوسف الخازن لمناظرة أصحاب ابن الصّباح؛ فناظرهم؛ وألّف كتابه المسمّى بالمستظهرىّ، وأجاب عن مسائلهم. واجتهد ملك شاه فى أخذ قلعتهم فأعياه المرض وعجز عن نيلها.\rوفيها خلع اسم المستنصر وآبائه من مكة والمدينة وكتب اسم المقتدى (¬١).","footnotes":"(¬١) بهامش الأصل تعليق نصه: «بخطه: كتاب المستظهرى فى الإمامة وشرائط الخلافة وبعض السير العادلة، وفيه أشياء حسنة من الفقه والأصول وسيرة … ، ألفه أبو يوسف يعقوب بن سليمان بن داود الخازن من أهل أسفرايين، تفقه على القاضى أبى الطيب طاهر بن عبد الله، وسمع الحديث وحدث، وكان فقيها عارفا بالأصول على مذهب أبى الحسن الأشعرى، وصنف أيضا كتاب بدائع الآثار وروائع الأشعار. ومات يوم الخميس العشرين من ذى القعدة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ببغداد وقد تجاوز ثمانين سنة، وله شعر. وكتاب المستظهرى أيضا فى الفقه على مذهب الشافعى صنفه أبو بكر محمد بن أحمد ابن الحسين بن عمر الشاشى، وهو يشتمل على مذاهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ويعرف بحلية الفلاسفة، للخليفة المستظهر». اه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276985,"book_id":167,"shamela_page_id":693,"part":"2","page_num":325,"sequence_num":693,"body":"سنة ثمانين وأربعمائة (¬١):\rفيها مات أبو الفضل عبد الله بن الحسين بن بشرى، المعروف بابن الجوهرى، الواعظ المصرى فى العشر الأواخر من شوال؛ وهو أحد أكابر شيوخ مصر، وتصدّى سنين للوعظ بجامع عمرو بن العاص. حدّث عن جماعة؛ وله كلام فى الزهد والمواعظ؛ وهو من بيت علم وأسرة وعظ. ولما كانت أيّام الشدة والغلاء بمصر اجتمع إليه النّاس فى بعض الأيام وسألوه عقد المجلس للوعظ بالجامع العتيق، فقال: من يحضر عندى ومن بقى؟ فقالوا: لا بدّ من ذلك؛ فجلس، وكان من كلامه: أبشروا هذه سنة ثلاث، وأشار بيده، وهى متعلقة كلها، وسنة حلّ سنة أربع ويفتح الله، ورفع بنصره؛ وبعدها سنة خمس ويفتح الله؛ ورفع خنصره. فكان كما قال. وأنشد مرة فى بعض مجالسه:\rما يصنع اللّيل والنّهار … ويستر الثّوب والجدار\rعلى كرام بنى كرام … تخيّروا فى القضا وخاروا\rومن كلامه: قد اختلّ أمر الدّين والدّنيا، وتعذّر الوصول إليهما، فمن طلب الآخرة لم يجد معينا عليها، ومن طلب الدنيا وجد فاجرا قد سبقه إليها.\rوأنشد مرّة الخليفة المستنصر:\rعساكر الشكر قد جاءت مهنئة … وللملوك ارتياب فى تأتّيها\rبالباب قوم ذوو ضعف ومسكنة … يستصغرون لك الدّنيا بما فيها\rوفيها بعث بردويل (¬٢) ملك الفرنج الذين يقال لهم الإفرنسيس عسكرا عليه أجار (¬٣) إلى صقلية فملكها من المسلمين.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن من أبريل سنة ١٠٨٦.\r(¬٢) البردويل: الصورة العربية للاسم الفرنجى Baldwin «بلدوين». وليس فى ملوك فرنسا فى هذه المرحلة من يحمل هذا الاسم؛ كما لا يوجد بين ملوك انجلترا ودوقات إيطاليا وأمراء صقلية من تسمى به.\r(¬٣) وهو روجر الأول Roger I ، وقد قام بجهود متواصلة استغرقت ثلاثين سنة انتهت بسيطرته الكاملة على جزيرة صقلية، فكان ذلك بداية لسيطرة النورمان عليها. وكانت الثقافة الصقلية عند فتح النورمان للجزيرة مزيجا من التأثير الإغريقى والإسلامى، أما بقية المؤثرات الأخرى فلم يكن لها تأثير واضح. وقد احتفظ النورمان بالطابع الإسلامى الإغريقى المزدوج للحضارة الصقلية، وعملوا على ترقية تطورها فى الاتجاهين. دائرة المعارف البريطانية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276986,"book_id":167,"shamela_page_id":694,"part":"2","page_num":326,"sequence_num":694,"body":"سنة احدى وثمانين وأربعمائة (¬١):\rسنة اثنتين وثمانين وأربعمائة (¬٢):\rفيها ندب أمير الجيوش عسكرا إلى بلاد الشام وقدّم عليه ناصر الدولة الجيوشى؛ فسار وفتح ثغرى صور (¬٣) وصيدا (¬٤)، ثم فتح جبيل (¬٥) وعكا. وكان تتش قد ملكها، فاستولى عليها ناصر الدولة الجيوشى، وقتل جماعة من أصحاب تتش، وأخذ كثيرا من ذخائره. ومضى إلى بعلبك، فوفد عليه خلف بن ملاعب صاحب حمص، ودخل فى الطاعة، وبعث ابن حمدان إلى أمير الجيوش، فسيّر إليه الخلع والطوق.\r\rسنة ثلاث وثمانين وأربعمائة (¬٦):\rفيها توفى الحافظ أبو اسحاق ابراهيم بن سعد بن عبد الله الخيال المصرى الإمام، صاحب التاريخ، فى سادس ذى القعدة، ومولده فى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة؛ ودفن بالقرافة.\rوفيها صعد الحسن بن الصباح إلى قلعة ألموت فى شعبان، وأظهر دعوة المستنصر بالله.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع والعشرين من مارس سنة ١٠٨٨. وبهامش الأصل: بياض أربعة أسطر.\r(¬٢) ويوافق أول المحرم منها السادس عشر من مارس سنة ١٠٨٩.\r(¬٣) يصفها ياقوت بأنها مدينة حصينة بالساحل داخلة فى البحر مثل الكف على الساعد، يحيط بها البحر من جميع جوانبها إلا الجانب الرابع الذى فيه بابها. ويقول: وهى حصينة جدا ركينة، لا سبيل إليها إلا بالخذلان. بينها وبين عكا ستة فراسخ. معجم البلدان: ٣٩٧:٥ - ٣٩٨. وكان فى صور أولاد القاضى عين الدولة ابن أبى عقيل، ولم تكن لهم قوة يمنعونها بها. ذيل تاريخ دمشق: ١٢٠؛ الكامل: ٦٠:١٠.\r(¬٤) صيدا بالقصر والمد، على الساحل شرقى صور، بينهما ستة فراسخ؛ وكانت تعد من أعمال دمشق. معجم البلدان: ٤٠٣:٥ - ٤٠٥.\r(¬٥) على بعد ثمانية فراسخ من بيروت فى اتجاه الشرق: نفس المصدر: ٥٩:٣ - ٦٠.\r(¬٦) ويوافق أول المحرم منها السادس من مارس سنة ١٠٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276987,"book_id":167,"shamela_page_id":695,"part":"2","page_num":327,"sequence_num":695,"body":"سنة خمس وثمانين وأربعمائة (¬١):\rفيها نقل أمير الجيوش بابى زويلة وزاد من ورائهما قطعة (¬٢)، وبنى باب زويلة الكبير الموجود الآن، ورفع أبراجه على ما هى عليه، ولم يجعل له باشورة (¬٣) كما هى عادة أبواب الحصون أن يكون فى أبوابها عطفة تمنع العساكر من الهجوم على الحصن عند الحصار، بل عمل فى بابه زلاّقة من حجارة صوّان، حتى إذا هجم العسكر لم تثبت قوائم الخيل على الصّوّان لملاسته. فلم تزل هذه الزلاّقة باقية إلى أيام الملك الكامل محمد بن العادل، فأو بنقضها لمّا زلّت به فرسه وسقط عنها.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى عشر من فبراير سنة ١٠٩٢. ويلاحظ أنه قد أسقط سنة ٤٨٤.\r(¬٢) فى الأعمل: وزاد من ورائه قطعة.\r(¬٣) الباشورة بناء ذو منعطفات أمام كل باب أو خلفه، يقصد به تعويق هجوم العساكر على الباب وقت الحصار وتعويق دخول الخيل إلى المدينة فى مجموعة كبيرة دفعة واحدة. وقريب من هذا المعنى ما ذكره دوزى من أن الباشورة هى الحائط الظاهرى للحصن يختفى وراءه الجند للقتال. الخطط: ٣٧٧:١ - ٣٨٠؛ Dozy:Supp.Dict.Ar .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276988,"book_id":167,"shamela_page_id":696,"part":"2","page_num":328,"sequence_num":696,"body":"سنة ست وثمانين وأربعمائة (¬١):\rفيها جرّد أمير الجيوش عسكرا إلى ثغر صور، وكان المتولّى (¬٢) به قد خرج عن الطاعة.\rفسار العسكر ونزل على الثغر، فخاف أهل البلد من سطوة أمير الجيوش، فلم يعرضوا لقتال فهجم العسكر البلد وانتهبوا أهله، وقبضوا على أميرها وعلى جماعة من الناس وسيّروهم إلى أمير الجيوش فقتلهم؛ وبعث بفريضة ستين ألف دينار على أهل صور؛ وكان ذلك فى رابع عشر جمادى الآخرة.\rوفيها نمى قتل أبى علىّ حسن بن عبد الصمد بن أبى الشحناء العسقلانى صاحب الرسائل والشعر، وكان بديوان الإنشاء، وشعره ورسائله مشهورة. ويقال إن القاضى الفاضل عبد الرحيم كان جلّ اعتماده على رسائله. ومن شعره:\rأصبحت تخرجنى بغير جريمة … من دار إكرام لدار هوان\rكدم الفصاد يراق أرذل موضع … أبدا، ويخرج من أعزّ مكان\rثقلت موازين العباد بفضلهم … وفضيلتى قد خفّفت ميزانى","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها أول أيام فبراير سنة ١٠٩٣.\r(¬٢) وكان أمير الجيوش ولاها أميرا يعرف بمنير الدولة الجيوشى، وقد ثار به أهلها عند ما أعلن عصيانه، وهم الذين سلموها لجيوش مصر. الكامل: ٧٧:١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276989,"book_id":167,"shamela_page_id":697,"part":"2","page_num":329,"sequence_num":697,"body":"سنة سبع وثمانين وأربعمائة (¬١):\rفى شهر ربيع، وقيل فى جمادى الأولى (¬٢)، توفى أمير الجيوش بدر الجمالى من مرض نزل به من أوّل السنة حتى أسكت فلم يقدر على الكلام إلى أن مات وقد ناهز ثمانين سنة؛ وجنسه أرمنى؛ وكان مملوكا لجمال الدولة ابن عمّار، فلذلك قيل له بدر الجمالى. وما زال يأخذ نفسه بالجدّ من شبيبته فيما يباشره، ويوطّن نفسه على قوة العزم فيما يرومه، ويتنقّل فى الرتب العليّة، حتى ولى بلاد الشام وتقلّد إمارة دمشق من قبل المستنصر مرّتين، وثار عليه أهلها.\rوكانت فى إمارته الفتنة العظيمة التى احترق فيها قصر الإمارة وجامع بنى أمية. ثم إنّه رحل عن دمشق إلى مصر، وقلّده المستنصر عكّا. فلما فسدت أحوال مصر وتغيرت أمورها وخربت كان يبلغه ذلك فيتحسّر لما يبلغه ويتلهف لكونه بعيدا عن مصر. فلما كاتبه المستنصر ودخل إلى القاهرة تحكّم فى بلاد مصر تحكّم الملوك، ولم يبق للمستنصر من أمر، وألقى إليه مقاليد مملكته، وسلّم إليه أمور خلافته، فضبطها أحسن ضبط. فاشتدّت مهابته فى قلوب الخاصّة والعامّة، وخاف سطوته كلّ جليل وكبير، لعظم بأسه وكثرة بطشه، وقتله من الخلائق ما لا يمكن ضبطهم ولا يعلم عدتهم إلا إلههم سبحانه. وبقتله أكابر المصريين من الأمراء والقوّاد والوزراء والأعيان، من أهل القاهرة ومصر وبلاد الصعيد وأسفل الأرض وثغر دمياط وتنّيس والإسكندرية، الذين كانوا قد تمرّنوا على الفساد، ونشئوا فى الفتن واعتادوا مضرة الخلق، ولصلاح أحوالهم من ذلك صلحت الديار المصريّة بعد فسادها، وعمرت بعد خرابها، وزال عكس (¬٣) المستنصر وابتدأت سعادته.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى والعشرين من يناير سنة ١٠٩٤.\r(¬٢) هكذا ورد فى الأصل: فى شهر ربيع (دون تحديد أى الربيعين)، وقيل فى جمادى الأولى. ويوافق النويرى المقريزى فى هذا ويحدد ربيع بأنه ربيع الأول. ويحدد ابن الأثير وفاته فى ذى القعدة. راجع الكامل: ٨١:١٠. ولا يحدد صاحب النجوم الزاهرة الشهر. ويذكر ابن القلانسى أنه مرض فى هذه السنة واشتد به مرضه فى جمادى الأولى منها وتوفى فى العاشر منه. ذيل تاريخ دمشق: ١٢٧ - ١٢٨.\r(¬٣) استعمال مستخدم فى عصرنا هذا، يقصد به التعبير عن انكشاف الغمة وانفراج الكربة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276990,"book_id":167,"shamela_page_id":698,"part":"2","page_num":330,"sequence_num":698,"body":"وكان من جميل أفعاله أنّه لما قتل المفسدين من الأجناد والعربان وغيرهم أطلق الخراج للمزارعين، ولم يأخذ منهم شيئا ثلاث سنين، حتى صلحت أحوال الفلاّحين. واستعنى أهل مصر فى أيّامه، ودرّت عليهم أخلاف النّعم بعد توالى الشدائد الكبيرة، ومقاساة الألم.\rوكثر ترداد التجار فى أيامه إلى مصر بعد نزوحهم عنها، وخروجهم لشدّة البلاء والجور فيها.\rوكانت مدّة تحكّمه بالديار المصرية إحدى وعشرين سنة. وكان عزوف النفس شديد البطش، عالى الهمة عظيم الهيبة، حسن التّأتّى جميل السّياسة، مظفّرا، سعيد الجدّ، سخيّا، مفضالا. قصده علقمة بن عبد الرزّاق العليمى، فلما وافى بابه شاهد أشراف النّاس وكبراءهم وشعراءهم وعلماءهم على بابه وقد طال وقوفهم ومقامهم، ولا يصلون إليه.\rفبينا هو كذلك إذ خرج أمير الجيوش يريد الصيد، فخرج فى أثره وأقام معه حتى رجع من صيده؛ فعند ما قاربه وقف على تلّ من رمل، ورمى برقعة كانت فى يده، وأنشد:\rنحن التّجار، وهذه أعلاقنا … درّ، وجود يمينك المبتاع\rقلّب، وفتّشها بسمعك، إنّما … هى جوهر تختاره الأسماع\rكسدت علينا بالشام، وكلّما … قلّ النّفاق تعطّل الصّنّاع\rفأتاك يحملها إليك تجارها … ومطيّها الآمال والأطماع\rحتى أناخوها ببابك، والرّجا … من دونك السّمسار والبيّاع\rفوهبت ما لم يعطه فى دهره … هرم، ولا كعب، ولا القعقاع\rوسبقت هذا النّاس فى طلب العلا … والناس بعدك كلّهم أتباع\rيا بدر، أقسم، لو بك اعتصم الورى … ولجوا إليك، جميعهم، ما ضاعوا\rوكان بيد بدر باز، فدفعه لأحد مماليكه وجعل يستعيد الأبيات، وهو معه، إلى أن استقر فى مجلسه. فلما اطمأن قال للحاضرين عنده؛ من أحبّنى فليخلع عليه. فبادر حينئذ الحاضرون، ولم يبق منهم إلاّ من ألقى له ما قدر عليه، حتى صار إليه منهم ما حمله على سبعين بغلا عند ما خرج من المجلس؛ ومع ذلك أمر له أمير الجيوش من ماله بعشرة ألاف درهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276991,"book_id":167,"shamela_page_id":699,"part":"2","page_num":331,"sequence_num":699,"body":"قال قاضى الرشيد أحمد بن الزبير فى كتاب العجائب والطرف والهدايا والتّحف: ولمّا مات أمير الجيوش بدر المستنصرىّ خلّف سبعمائة غلام، كلّ غلام له من المال ما ينيف عن المائة ألف غلام (¬١). وخلّف من المال بعد عمارة سور القاهرة ستة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف ألف درهم فى دار الوزارة؛ ومن الجوهر والياقوت أربعة صناديق ومن القضب الفضّة والذّهب والمراتب، ومن السروج المحلاة، ما يعجز عن وصفه.\rوخلف ألف قصبة زمرد، لأنه كان له به غرام عظيم، جمعت له من جميع الأقطار.\rولما مات أمير الجيوش كان أجلّ غلمانه من الأمراء نصر الدولة أفتكين، ويليه فى الرتبة أمين الدولة صافى، ويقال لاون، فبعث لاون لكلّ جماعة من الأمراء الجيوشيّة مالا والتمس منهم الرّضا به أن يلى الوزارة مكان أستاذه أمير الجيوش، فوافقوه على ذلك فأقرّ أمره مع المستنصر؛ فطلبه بعد موت أمير الجيوش وأفاض عليه خلع الوزارة وجلس فى الشباك عند الخليفة ليتولّى على العادة. وكان نصر الدّولة أفتكين قد بلغه ذلك من قبل، فركب وطاف على الأمراء، كلّ واحد بمفرده، وغلّطه فيما عزم عليه، وقبّح أن يكون أحد خشداشيّته (¬٢) يتحكم عليه مع وجود أولاد أستاذهم؛ مع ما قد عرف من بخل لاون، ونحو ذلك من القول، حتى رجعوا عن لاون. فعند ما طلبه المستنصر وخلع عليه ركب نصر الدولة فى جميع الأمراء بالسلاح وصاروا إلى القصر، ووقفوا فى الصحن؛ فشقّ ذلك على المستنصر وعلى من بحضرته من خواصه. وشرع الأمراء فى مخاطبة المستنصر فى إبطال وزارة لاون، وهو يأبى عليهم، حتى طال الخطاب. فقال المستنصر إذا أقمنا قصبة قبل أمرنا. فقال الأمراء، إذا أقمت هذه القصبة قطعناها بهذه السيوف؛ وجرّدوا سيوفهم،","footnotes":"(¬١) هكذا فى الأصل. ولم أجد فيما بين يدى من المراجع ما يساعد على التحديد. ولعل المقصود: المائة غلام.\r(¬٢) جمع خشداش، وهو معرب اللفظ الفارسى خواجاتاش، أى الزميل فى الخدمة، وهى أيضا الخوشداشية والخجداشية، أو الخوجداشية: الأمراء الذين نشئوا مماليك عند سيد واحد فنبتت بينهم رابطة زمالة. السلوك: ٣٨٨:١ حاشية: ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276992,"book_id":167,"shamela_page_id":700,"part":"2","page_num":332,"sequence_num":700,"body":"ولم يبق إلاّ وقوع الشر. فقال المستنصر لهم خيرا، وأمر بإحضار الأفضل بن أمير الجيوش، وقرّر فى الوزارة مكان أبيه، وبطل أمر لاون، فاستمرّ إلى ليلة الخميس الثامن عشر من ذى الحجة.\rوفيها مات الخليفة المستنصر بالله أبو تميم معدّ، فلما كان عند موته حصل رعد عظم وبرق كثير ومطر غزير؛ وعمره يومئذ سبع وستون سنة وخمسة أشهر؛ منها فى خلافته ستون سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام، مرّت به فيها أهوال عظيمة، وشدائد آلت به إلى أن جلس على نخّ، لا يجد من القوت إلاّ ما تتصدّق به عليه الشريفة ابنة صاحب السبيل فى كلّ يوم، فلا يأكل غير مرة واحدة فى اليوم من قعب فتيت تبعث بها إليه، كما قد تقدم ذلك.\rوكان قد قوى أمره وقام بتدبير وزارته عند إقامته فى الخلافة وزير أبيه على بن أحمد الجرجرائى، فمشت الأحوال على سداد إلى أن مات، فحكمت أمّه فى الدولة وولّت أبا سعيد ابراهيم اليهودى التّسترى وزارتها (¬١)، فصار هو الذى يلى الوساطة ويدبّر الأموال إلى أن قتل.\rفلما كانت سنة اثنتين وستين اختلطت الأمور وتعاظم الأمر، فكان من الغلاء والفتن والبلاء والنهب ما تقدم ذكره.\rوولى وزارته أربعة وعشرون وزيرا، وهم: أبو القاسم الجرجرائى إلى أن مات وزيرا فى سنة ست وثلاثين؛ فولى أبو منصور صدقة بن يوسف الفلاحى إلى أن قتل فى سنة تسع وثلاثين؛ فولى عماد الدولة أبو البركات الحسين بن محمد الجرجرائى مرتين إلى؟؟؟ عزل فى سنة أربعين؛ فولى صاعد بن مسعود أبو الفضل وصرف فى سنة اثنتين وأربعين؛ فاستقر أبو محمد اليازورى مضافا إلى القضاء والتّقدمة على الدعاة، ولم يجمع ذلك لأحد قبله، إلى أن قبض عليه فى محرم سنة خمسين؛ فاستوزر أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلى ثم صرف بعد شهرين وأربعة عشر يوما. واستقر أبو الفرج محمد بن جعفر بن","footnotes":"(¬١) تقدم تصحيح هذا الاسم إذ هو سهل بن هارون، وأما إبراهيم قاسم أخى أبى سعيد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276993,"book_id":167,"shamela_page_id":701,"part":"2","page_num":333,"sequence_num":701,"body":"محمد بن على بن الحسين المغربى ثم صرف فى سنة اثنتين وخمسين؛ وأعيد البابلى ثم صرف بعد أربعة أشهر. وتولى عبد الله بن يحيى بن المدبر فى صفر سنة ثلاث وخمسين وصرف بعد شهرين؛ وتولى عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقى فى رمضان منها إلى أن توفى فى محرم سنة أربع وخمسين؛ فتولى بعده أخوه أبو على أحمد سبعة عشر يوما وصرف؛ فأعيد البابلى كرة ثالثة فى ربيع الأول، فأقام خمسة أشهر واستعفى فوزر أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة الماسكى؛ ثم صرف بأبى أحمد بن عبد الكريم ابن عبد الحاكم، فكان ينقل من القضاء إلى الوزارة ثم يعود إلى القضاء؛ وصرف بابن المدبر، فأقام إلى أن توفى؛ فأعيد أبو أحمد بن عبد الحاكم فى ذى الحجة سنة خمس وخمسين فأقام خمسة وأربعين يوما، وصرف بأبى غالب عبد الطاهر بن فضل العجمى، فتولى غير مرة، وكان جدّه من دعاة الدولة؛ فولى مرة فى جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وصرف بعد ثلاثة أشهر، وولى أخرى فى ربيع الآخر سنة ستّ وخمسين وصرف بعد ثلاثة وأربعين يوما، وفى ثالثة فى أيام الفتنة وقتله تاج الملوك شاذى بالقاهرة فى سنة خمس وستين. وولى الوزارة أيضا الحسن بن ثقة الدولة بن أبى كدينة، وجمع له بين القضاء والوزارة سبع مرات، ووصل أمير الجيوش وهو وزير فقبض عليه وقتل بدمياط. وولى أبو المكارم سعد وتنقلت به الأحوال حتى قتله أمير الجيوش؛ ثم وزر بعده أبو على الحسن ابن أبى سعيد التّسترى عشرة أيام ثم استعفى، وكان يهوديا فأسلم. ثم استوزر أبو القاسم عبد الله بن محمد الرعبانى مرتين، كل منهما عشرة أيام؛ ثم ولى الأمير أبو الحسن بن الأنبارى أياما وصرف. فتولى أبو على الحسن بن سديد الدولة الماسكى أياما، وهذه وزارته الثانية؛ ثم صرف بأبى شجاع محمد بن الأشرف بن فخر الملوك وصرف، فسار إلى الشام ولقيه أمير الجيوش فقتله؛ وأبو غالب جدّه كان وزيرا لبهاء الدولة بن عضد الدولة ملك العراق. ثم ولى بعده أبو الحسن طاهر بن وزير الطرابلسى ثم صرف، وكان أحد الكتاب بديوان الإنشاء؛ فولى بعده أبو عبد الله محمد بن أبى حامد التنيسى يوما واحدا وقتل،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276994,"book_id":167,"shamela_page_id":702,"part":"2","page_num":334,"sequence_num":702,"body":"فوجد له مال كثير. ثم ولى أبو سعد منصور بن أبى أيمن سورس بن مكرواه بن زنبور، وكان نصرانيا فأسلم، ويقال له إنه لم يسلم؛ ثم ولى بعده أبو العلاء عبد الغنى بن نصر بن سعيد الضيف وصرف. فلما قدم أمير الجيوش تسلمها.\rولما قدم أمير الجيوش من عكّا صار وزير السيف والقلم، وولى القضاء أيضا، وزيد فى ألقابه كافل قضاة المسلمين وهادى دعاة المؤمنين. ثم لما مات وزر من بعده ابنه الأفضل.\rوأما قضاته، فقد تقدم من جمع له القضاء مع الوزارة. والذين أفردوا بوظيفة القضاء عبد الحاكم بن سعيد الفارقى فى أول خلافته؛ ثم تقلّد القضاء القاسم بن عبد العزيز ابن النعمان؛ ثم أبو يعلى، ويقال أبو الحسن، أحمد بن حمزة بن أحمد العرقى ومات؛ فولى أبو الفضل القضاعى؛ ثم جلال الدولة أبو القاسم على بن أحمد بن عمار. وولى الفضل ابن نباتة، ثم أبو الفضل بن عتيق، ثم أبو الحسن على بن يوسف بن الكحّال، ثم فخر الأحكام أبو الفضل محمد بن عبد الحاكم، وكان فى أيامه ما قد تقدم ذكره من الرزايا.\rوكان نقش خاتمه: «بنصر السميع العليم ينتصر المستنصر أبو تميم».\rومما رثى به المستنصر قول حظىّ الدولة أبى المناقب عبد الباقى بن على التنوخى الشاعر، من أبيات:\rوليس ردى المستنصر اليوم كالرّدى … ولا قدره أمر يقاس به أمر\rلقد هاب ملك الموت إتيانه ضحى … ففاجأه ليلا وما طلع الفجر (¬١)\rفأجرى عليه، حين مات، دموعنا … سماء، فقال الناس: لا؛ بل هو القطر\rوقد بكت الخنساء صخرا، وإنّه … ليبكيه من فرط المصاب به الصّخر\rوقلّدنا (¬٢) المستعلى الطّهر حسب ما … عليه قديما نصّ والده الطّهر","footnotes":"(¬١) فى النجوم الزاهرة: ٥: ولم يطلع الفجر.\r(¬٢) فى النجوم الزاهرة: ٥: وقلدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276995,"book_id":167,"shamela_page_id":703,"part":"3","page_num":7,"sequence_num":703,"body":"﷽\rالحمد لله فاتحة كل خير، وتمام كل نعمة، وصلاة البر الرحيم على محمد بن عبد الله أكرم خلقه، وعلى آله وصحابته وتابعيهم، هداة الطريق، ومنارات الارشاد، ومعالم الخبرات والخيرات.\rوينتهى - بفضل الله - بظهور هذا الكتاب وضع ما سطره المقريزى عن تاريخ مصر الفاطمية فى السفر الذى اختص به هذه المرحلة الحفلة بالأحداث بين يدى القراء، علماء ودارسين، ليفيدوا مما ورد به من معلومات لم ترد بغيره، أو وردت فى صورة موجزة غير واضحة الألوان، فيستكملوا بها تصورهم، ويوثقوا فى ضوئها بحوثهم.\rولا ينقص من قدر هذا الكتاب ما يظهر فيه - أحيانا - من متناقضات أو أخطاء تدل على أنه كان فى حاجة الى نظرة أخرى - من المقريزى - فاحصة مدققة، تزيل التناقض وتصحح الخطأ. وقد تكفلت تعليقات التحقيق المقارنة - فى كل حال - بوضع الأمور فى مواضعها الصحيحة، مقدرة للمقريزى جهده العظيم، ميسرة عمل القارئ، موفرة وقته الذى كان سيصرفه فى محاولة البحث عن وجه الحق فى غير «الاتعاظ» من مراجع أولية أو ثانوية، معاصرة أو تالية.\rويشمل هذا الجزء - الثالث والأخير - تفصيل أحداث واحد وتسعين عاما من العهد الفاطمى (٤٨٧ - ٥٦٧ هـ) تولى الخلافة فيها ست من الخلفاء، تواضعت مكانتهم عمن سبقهم، تاركين مركز الصدارة للوزراء الذين أصبحوا - منذ تولى بدر الجمالى منصب الوزارة أيام المستنصر بالله، فى زمن سابق - يتحكمون فى الأمور تحكما مستبدا، يقضى فيها قضاء المتسلط المسيطر، لا يبالى برأى الخليفة ولا يقيم له وزنا، حتى ليمكن القول ان هذا العصر يعد، بحق، عصر نفوذ عظام الوزراء.\rومن صور تدهور مكانة الخلافة ونفوذها فى هذه المرحلة أن المذهب الاسماعيلى تعرض لهزات عنيفة حين قرر الأفضل الجمالى، مثلا، تحويل نشاط حركة الدعوة الرسمية الى العناية بمذهب الامامية الاثنى عشرية، وعند ما حاول على بن السلار الكردى، حين تولى الوزارة، صرف الاهتمام كله الى النظام السنى، والى مذهب الشافعى بصورة خاصة.\rكما أقدم الوزراء، منذ زمن الأفضل الجمالى، على ذكر أسمائهم على المنابر فى خطبة الجمعة الى جانب اسم الخليفة، مصحوبة بألقاب التكريم والتعظيم، واتخذ بعضهم لنفسه لقب «الملك»، معززين بذلك مراكزهم، مؤكدين صدارتهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276996,"book_id":167,"shamela_page_id":704,"part":"3","page_num":8,"sequence_num":704,"body":"وقد شهد هذا العصر تقدم الصليبيين نحو بلاد الشام والجزيرة العراقية واستقرارهم الناجح فى غفلة، أو فى تغافل مقصود، من الحكام المحليين ومن بغداد والقاهرة على السواء.\rثم لم يلبث الرأى العام أن تدخل تدخلا واعيا حاسما أدى - فى تدرج وأناة - الى تطوير الأحداث لغير صالح الصليبيين، مستقرين ووافدين، ثم الى ظهور السلطان العادل المجاهد نور الدين محمود بن زنكى، ونجاحه فى تكوين جبهة متماسكة امتدت من حدود أرمينية الى نهر الأردن.\rوفى ضوء هذا الوضع الجديد - عندئذ - تطلعت مصر، على زمن ابن السلار الكردى وأيام طلائع بن رزيك، الوزيرين الفاطميين، الى ضم جهودها الى جهود نور الدين محمود حتى يستكمل تكوين الجبهة التى تستطيع مواجهة الصليبيين تمهيدا لطردهم من البلاد التى كانوا قد احتلوها فى فترة الضعف والتفكك والانحلال.\rوفى رعاية نور الدين نشأ صلاح الدين يوسف بن أيوب الذى قدر له أن يتجه الى مصر مرات ثلاثا مع عمه أسد الدين شيركوه، قائد جيش نور الدين محمود، ثم استقر بها فى المرة الثالثة ليتولى وزارتها بعد وفاة عمه، ثم ليكون الرجل الذى ينهى حكم الفاطميين.\rوبنهاية العصر الفاطمى ينتهى «اتعاظ الحنفا»، ويكتمل الكتاب الذى خصص المقريزى صفحاته لتسجيل تاريخ الفاطميين.\rوالمرجو أن يكون الجهد الذى بدأه الأستاذ المحقق المرحوم الدكتور جمال الدين الشيال، ثم عهدت الى لجنة احياء التراث بالمجلس الأعلى للشئون الاسلامية - بعد رحيله - باتمامه محققا رغبة المهتمين بالتعرف على تاريخ مصر، من مصادره الأصيلة، فى هذه المرحلة الحاسمة.\rوالحمد لله، فاتحة كل خير، وتمام كل نعمة، «وما توفيقى الا بالله، عليه توكلت واليه أنيب».\r\rمحمد حلمى محمد أحمد\r٥ من صفر ١٣٩٣\r١٠ من مارس ١٩٧٣","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276997,"book_id":167,"shamela_page_id":705,"part":"3","page_num":9,"sequence_num":705,"body":"المستعلى بالله أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله\rأبى تميم معدّ بن الظّاهر لإعزاز دين الله أبى الحسن على ابن الحاكم بأمر الله أبى على منصور","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276998,"book_id":167,"shamela_page_id":706,"part":"3","page_num":11,"sequence_num":706,"body":"(¬١) ولد فى ثامن عشر المحرّم، وقيل فى العشرين من المحرّم، سنة ثمان وستين وأربعمائة (¬٢)، وبويع له فى يوم الخميس الثامن عشر من ذى الحجة، سنة سبع وثمانين وأربعمائة، حين مات أبوه المستنصر. وذلك أن الأفضل (¬٣) شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالى عند ما مات المستنصر بادر إلى القصر وأجلسه ولقّبه بالمستعلى، وبعث فأحضر إليه نزارا وعبد الله وإسماعيل، أولاد المستنصر؛ فلما حضروا وشاهدوا أخاهم أحمد وكان أصغرهم، قد جلس على تخت الخلافة أنفوا من ذلك. فأمرهم الأفضل بتقبيل الأرض وقال لهم: تقدّموا وقبّلوا الأرض لله تعالى ولمولانا المستعلى بالله وبايعوه، فهو الذى نصّ عليه الإمام المستنصر، قبل وفاته، للخلافة من بعده. فامتنعوا من ذلك، وقال كلّ منهم إنّ والده وعده بالخلافة؛ وقال نزار: إن قطّعت ما بايعت من هو أصغر سنا منى وخطّ والدى عندى بأنّى ولىّ عهده وأنا أحضره؛ وخرج مسرعا ليحضر الخطّ، فمضى من حيث لا يشعر به أحد وتوجّه فى خفية إلى الإسكندرية. فلمّا أبطأ أرسل الأفضل من يستعجله بالحضور، فلم يوجد، وفتّش عليه فى القصر فلم يوقف له على خبر ولا عرف كيف توجّه.\rفاضطرب الأفضل لذلك وانزعج انزعاجا شديدا.\rوقوم يذكرون أن المستنصر كان قد أجلس ابنه أبا المنصور نزارا، لأنه أكبر أولاده، وجعل إليه ولاية العهد من بعده، فلمّا قربت وفاته أراد أن يأخذ له البيعة على رجال الدولة،","footnotes":"(¬١) يتقابل النص هنا مع نهاية صفحة من المخطوط.\r(¬٢) فى النجوم الزاهرة: ١٤٢:٥ رواية أخرى تقول إن مولده كان فى سنة سبع وستين وأربعمائة. ويؤيد النويرى فى نهاية الأرب صاحب النجوم الزاهرة. قارن أيضا معجم الأنساب ١٤٥:١.\r(¬٣) يقول المقريزى: ولما أجلس ابن بدر أحمد بن المستنصر ولقبه بالمستعلى صار يقال له الأفضل، ومن بعده صار من يتولى هذه الرتبة يتلقب به أيضا. المواعظ والاعتبار: ٤٤٠:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":276999,"book_id":167,"shamela_page_id":707,"part":"3","page_num":12,"sequence_num":707,"body":"فتقاعد له الأفضل ودافع حتى مات؛ وذلك أنه كانت بينه وبين نزار مباينة، وكان فى نفس كلّ منهما مباينة من الآخر لأمور، منها أن نزارا خرج ذات يوم من بعض أماكن القصر فوجد الأفضل قد دخل من أحد أبواب القصر وهو راكب، فصاح به: «انزل يا أرمنى يا نجس»؛ فحقدها الأفضل عليه، وظهرت كراهة أحدهما الآخر. ومنها أن الأفضل كان يعارض نزارا فى أموره أيام حياة أبيه ويردّ شفاعاته ويضع من قدره، ولا يرفع رأسا لأحد من غلمانه وحاشيته، بل يحتقرهم ويقصدهم بالأذى والضّرر. فلما عزم المستنصر على أخذ البيعة لنزار اجتمع الأفضل بالأمراء الجيوشيّة وخوّفهم من نزار، وحذّرهم من مبايعته، وأشار عليهم بولاية أخيه أحمد فإنه صغير لا يخاف منه، ويؤمن جانبه؛ فرضوا بذلك وتقرّر أمرهم عليه بأجمعهم ما خلا محمود بن مصال اللكّى، من قرية يقال لها لكّ (¬١) برقة، فإنه لم يوافق لأنه كان قد وعده نزار بأن يوليه الوزارة والتقدمة على الجيوش مكان الأفضل؛ فلما اطّلع على ما قرّره الأفضل من ولاية أبى القاسم أحمد مع الأمراء وأنهم قد وافقوه على ترك مبايعة نزار طالعه بجميع ذلك.\rوبادر الأفضل فأجلس أبا القاسم ولقّب بالمستعلى بالله. وأصبح فى بكرة يوم الخميس لاثنتى عشرة بقيت من ذى الحجة فأخرجه إلى الإيوان، وأجلسه على سرير الملك، وجلس هو على دكة الوزارة؛ وحضر قاضى القضاة المؤيد بنصر الإمام على بن نافع بن الكحال (¬٢)، والشهود، فأخذ البيعة على مقدّمى الدولة وأمرائها ورؤسائها وجميع الأعيان؛ ثم مضى إلى عبد الله وإسماعيل ولدى المستنصر، وكانا فى مسجد من مساجد القصر وقد وكل بهما الأفضل جماعة يحفظونهما، فقال لهما: إن البيعة قد تمّت لمولانا المستعلى بالله، وهو يقرئكما السّلام ويقول لكما تبايعانى أم لا؟ فقالا: السمع والطاعة، إنّ الله اختاره علينا؛ ووقفا قائمين على أرجلهما وبايعاه؛ وكتب كتاب البيعة وأخرج، فقرأه الشريف","footnotes":"(¬١) لك بضم اللام وتشديد الكاف، يذكر ياقوت فى التعريف بها أنها بين الاسكندرية وطرابلس الغرب، ولم أجدها فى غيره. وفى المغرب للبكرى ذكر مدينة لكاى بالقرب من المهدية. ويعرفها النويرى والدكتور حسن إبراهيم حسن بأنها قرية قريبة من برقة. انظر معجم البلدان: ٣٣٧:٧؛ المغرب: ١٢٦؛ الفاطميون فى مصر: ٢٩٥؛ والنويرى: ٢٨ (وهو تحت الطبع على مطابع المؤسسة العامة للتأليف والترجمة والنشر، بتحقيق محقق هذا الكتاب).\r(¬٢) قاضى القضاة المؤيد بنصر الإمام، أبو الحسن على بن نافع بن الكحال. النجوم الزاهرة: ١٤٣:٥، النويرى ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277000,"book_id":167,"shamela_page_id":708,"part":"3","page_num":13,"sequence_num":708,"body":"سناء الملك محمد بن محمد الحسينى الكاتب بديوان الإنشاء، على عادة الأمراء وجميع أهل الدولة.\rوكانت الدّعاة عند ما بلغهم موت المستنصر اختلفوا فيمن يبايعونه من بعده، فدعا بركات، وهو أمين الدعاة، لعبد الله بن المستنصر ونعته بالموفّق؛ فقبض الأفضل عليه وقتله هو وابن الكحّال. ووصل الخبر بلحاق نزار ومعه محمود بن مصال اللكّى بنصر الدّولة، وأن نصر الدّولة (¬١) أفتكين التركى، أحد مماليك أمير الجيوش (¬٢) وكان على ولاية الإسكندرية، قد بايعه، والقاضى أبو عبد الله محمد بن عمّار (¬٣)، وأهل الإسكندرية، وأنه تلقب بالمصطفى لدين الله. فأهمّ الأفضل ذلك وأخذ فى التأهب لمحاربتهم.\rوفيها توفى أبو عبد الحسين بن سديد الدولة، ذى الكفايتين، محمد الماسكى؛ وكان ممن وزر للمستنصر فى سنة أربع وخمسين، فلما صرف عن الوزارة سار إلى مدينة صور من الشام فأقام بها عدة سنين؛ ثم إنّه رجع إلى مصر وخدم مشارفا (¬٤) بالإسكندرية بعد الوزارة، ثم صرف عن المشارفة. وكان من أماثل الكتاب وأحد الأدباء الفضلاء. ومن شعره:\rتوصّل إلى ردّ كيد العدوّ … توصّل ذى الحيلة الحازم\rوصانع ببعض الذى حزته … تعش عيشة الآمن الغانم\rودع ما نعمت به فى القدي … م، واعمل لذا الزّمن القادم\rلعلّك تسلم ممّا تخاف … ولست، إخالك، بالسالم\rوله عدّة مصنفات ورسائل.","footnotes":"(¬١) فى النجوم الزاهرة ناصر الدولة، وهو كذلك فى النويرى.\r(¬٢) يقصد أمير الجيوش بدر الجمالى. وقد لقب كثير ممن تولى الوزارة بعده، ومنهم الأفضل بن بدر الجمالى، بهذا اللقب.\r(¬٣) المقصود جلال الدولة على بن أحمد بن عمار، أبو القاسم. وقد وقع فى سجن الأفضل الذى نجح فى القضاء على ثورة نزار، كما سيجئ ذكر ذلك، فأرسل إلى الأفضل من سجنه ورقة يقول فيها:\rهل أنت منقذ شلوى من يدى زمن … أضحى يقد أديمى قد منتهس\rدعوتك الدعوة الأولى وبى رمق … وهذه دعوة والدهر مفترسى\rفوصلت الورقة الأفضل بعد قتل ابن عمار، فقال: والله لو وقفت عليها قبل ذلك ما قتلته. النجوم الزاهرة: ١٤٤:٥.\r(¬٤) المشارف من يقوم بالإشراف على أعمال متولى الديوان كالناظر، ويزيد على الناظر بأن يكون الحاصل من المستخرج (المالى) تحت حوطته فى مودعه (فى خزانته) بعد أن يكون مختوما عليه. قوانين الدواوين: ٣٠٢. عن المودع انظر الجزء الأول من هذا الكتاب: ١٤٨: حاشية: ١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277001,"book_id":167,"shamela_page_id":709,"part":"3","page_num":14,"sequence_num":709,"body":"سنة ثمان وثمانين وأربعمائة (¬١):\rفى آخر المحرم خرج الأفضل بعساكره من القاهرة فسار إلى الإسكندرية لمحاربة نزار وأفتكين، فخرجا إليه فى عدّة كبيرة وحارباه؛ فكانت بينهما عدّة وقائع بظاهر الإسكندرية انكسر فيها الأفضل ورجع بمن معه منهزما يريد القاهرة؛ فنهب نزار بمن معه من العرب أكثر بلاد الوجه البحرى.\rووصل الأفضل إلى القاهرة، وشرع يتجهّز ثانيا لمسيره. ودسّ إلى أكابر من انتمى إلى نزار من العرب يدعوهم إلى التخلى عنه، واستمالهم بما حمله إليهم من الأموال وما وعدهم به من الإقطاعات وغيرها. وخرج وقد أعدّ واستعدّ. فسار إلى الإسكندرية وقد برزوا إليه؛ فكانت بينهما حروب آلت إلى هزيمة نزار والتجائه إلى المدينة؛ فنزل الأفضل عليها، وحاصرها، ونصب عليها المجانيق وألح عليها بالقتال، ومنع عنها الميرة.\rفلما كان فى ذى القعدة وقد اشتد الأمر على من بالإسكندرية جمع ابن مصال ماله وفرّ إلى جهة المغرب فى ثلاثين قطعة، يريد بلده لكّ برقة من أجل رؤيا رآها، وهى أنه رأى فى منامه كأنه قد ركب فرسا وسار والأفضل يمشى فى ركابه؛ فقصّ هذه الرؤيا على عابر له فطانة وتمكّن فى علم التعبير، فقال له الماشى على الأرض أملك لها من الراكب وهذا يدلّ على أنّ الأفضل يملك البلاد.\rوكانت الأنفس قد ملّت طول الحصار. فلمّا فرّ ابن مصال ضعفت نفس نزار وأفتكين وتخوّفا ممن حولهما؛ فبعثا إلى الأفضل يسألان الأمان، فأمّنهما، وتمكن من البلد. وقبض على نزار وأفتكين، وسيّر بهما إلى مصر؛ فيقال إنه سلم نزارا لأهل القصر من أصحاب المستعلى، وأنه بنى عليه حائط ومات؛ وقيل إنّه قتل بالإسكندرية؛ والأول أصحّ (¬٢).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى عشر من يناير سنة ١٠٩٥.\r(¬٢) يقول النويرى: وقيل إنه جعله بين حائطين فمات. ويضيف صاحب النجوم الزاهرة إلى هذا قولا آخر: ثم قبض على نزار وأفتكين وبعث بهما إلى مصر، وكان ذلك آخر العهد بنزار. النويرى: ٢٨؛ النجوم الزاهرة: ١٤٥:٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277002,"book_id":167,"shamela_page_id":710,"part":"3","page_num":15,"sequence_num":710,"body":"وكان مولده يوم الخميس العاشر من ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وأربعمائة.\rوالاسماعيلية وملاحدة العجم وملاحدة الشام تعتقد إمامته وتزعم أنّ المستنصر كان قد عهد إليه وكتب اسمه على الدّينار والطّرز، وأن المستنصر قال للحسن بن صباح إنّه الخليفة من بعده.\rوكان للمستنصر أولاد فرّوا إلى المغرب، منهم محمد وإسماعيل وطاهر، وعاد منهم فى خلافة الحافظ واحد إلى مصر ولا عقب له (¬١).\rوأما أفتكين فإنه قتل بعد قدوم الأفضل إلى مصر. أما ابن مصال فإنه وصل لكّ ولقيه أهلها، وكان قد خرج منها صبيا فقيرا، فأقام عندهم أياما. واتفق أن رأى عجوزا عرفته، فقالت له: كبرت يا محمود! فقال لها: نعم. فقالت له: لعلّك جئت مع صاحب هذه المراكب. فقال: أنا صاحبها. فقالت: ماذا يعمل عدم الرّجال. ولم يزل يبعث إليه الأفضل بالأمان حتى قدم عليه، فلزم داره مدّة، ثم رضى عنه الأفضل وأكرمه.\rوكان الأفضل لمّا قبض على نزار وتمكّن من الإسكندرية تتبّع جميع من كان معه ومن مالأه أو أعانه، فقبض على كثير من وجوه البلد، منهم قاضى الثغر أبو عبد الله محمد بن عمّار واعتقله مدة ثم قتله؛ وكان حسنة من حسنات الدهر ونخبة من نخب العقد؛ وحظى عنده بنو حارثة، وكانوا من عدول البلد، لأنهم لم يبايعوا نزارا ولم يدخلوا فى شيء من ذلك، وكانوا يهادون الأفضل سرّا. وولّى قضاء الإسكندرية عوضا عنه القاضى أبا الحسن زيد بن الحسن بن حديد، وبالغ فى إكرامه وإكرام أهل بيته.\rوكان الأفضل وهو على حصار الإسكندرية يخرج أمه فتطوف فى كل يوم، وهى متنكرة، بالأسواق، وتدخل يوم الجمعة إلى الجوامع وتزور المشاهد والمساجد والرّبط تستعلم خبر ولدها وتعرف من يحبّه ومن يبغضه؛ فدخلت يوما إلى مسجد أبى طاهر وجاءت إلى ابن سعد الإطفيحى وقالت له: يا سيدى، ولدى فى العسكر مع الأفضل، الله تعالى يأخذ","footnotes":"(¬١) لم أعثر على اسم هذا الأمير. وفى أحداث سنة ٥٢٦ من هذا الكتاب خبر نصه: «وفيها خرج أبو عبد الله الحسين بن نزار بن المستنصر، وكان قد توجه إلى المغرب مستخفيا وجمع هناك جموعا كثيرة وعاد، فبعث الحافظ إلى مقدمى عسكره يستميلهم، فلما وصل دير الزجاج والحمام اغتالوه وقتلوه، فانفض جمعه».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277003,"book_id":167,"shamela_page_id":711,"part":"3","page_num":16,"sequence_num":711,"body":"لى منه الحقّ، ما فعل خيرا، وأنا ما أنام خوفا على ابنى، ادع الله أن يسلم ولدى. فقال لها: يا أمة الله، أما تستحين، تدعين على سلطان الله فى أرضه، المجاهد عن دين الله تعالى، الله ينصره ويظفره ويسلمه ويسلم ولدك، ما هو إن شاء الله تعالى إلاّ منه وهو مؤيّد مظفّر، كأنّك به وقد فتح الإسكندرية وأسر أعداءه، وأتى على أحسن قضيّة وأجمل طوية، فلا يشغل لك سرّ، فما يكون إلاّ الخير إن شاء الله. ثم اجتازت بالفار الصّير فى بالسّرّاجين (¬١) من القاهرة، فوقفت عليه تصرف منه دينارا - وكان إسماعيليا متغاليا - فقالت له: ولدى مع الأفضل وما أدرى ما خبره. فقال لها: لعن الله المذكور الأرمنى الكلب العبد السّوء بن العبد السوء، مضى يقاتل مولانا ومولى الخلق؟ كأنك والله يا عجوز برأسه جائزا من هنا على رمح قدّام مولانا نزار ومولاى ناصر الدولة إن شاء الله تعالى، والله يلطف بولدك؛ من قال لك تخلينه يمضى مع هذا الكلب المنافق. ثم وقفت يوما آخر على ابن بابان الحلبى، وكان بزّازا (¬٢) بسوق القاهرة، تشترى منه شيئا - وكان نزاريّا - فقالت له كقولها للفار الصيرفى، فقال لها كما قال أيضا، وبالغ فى لعن الأفضل وسبّه.\rفلمّا أخذ الأفضل نزار وناصر الدولة، وفتح الإسكندرية، وقدم إلى القاهرة فى يوم (¬٣)\rحدثته أمه الحديث بنصّه. فلمّا خلع عليه فى القصر بين يدى الخليفة المستعلى فى يوم (¬٣)\rوعاد إلى مصر اجتاز بالبزّازين وهو بالخلع، ونظر إلى ابن بابان الحلبى وقال: أنزلوا هذا.\rفنزلوا به، فضربت عنقه تحت دكّانه، ثم قال لعبد علىّ، أحد مقدّمى ركابه، قف هنا لا يضيع له شيء من دكانه إلى أن يأتى أهله فيتسلّموا قماشه. ثم وصل إلى السّراجين، فلما تجاوز دكان الفار الصيرفى التفت إلى جهته وقال: انزلوا بهذا. فنزلوا به؛ فقال:\rرأسه. فضربت عنقه، وقال ليوسف الأصفر أحد مقدمى الركاب: احتط على حانوته","footnotes":"(¬١) سوق السراجين، وكان يعرف على زمن المقريزى بسوق الشوايين، وهو الآن جزء من شارع المعز لدين الله الذى يقطع القاهرة من الجنوب إلى الشمال. ويبدأ سوق السراجين أو الشوايين القديم من عند جامع الظافر المعروف باسم جامع الفكاهين، ويعرف حاليا باسم جامع الفاكهانى، المشرف على أول شارع خوش قدم، ويمتد إلى أول شارع الكحكيين. راجع المواعظ والاعتبار: ٣٧٣:١. والفار الصيرفى المذكور ولد الأمير عبد الكريم الآمرى صاحب السيف، الذى ولى مصر (الفسطاط) أيام الحافظ، وكان قبل ذلك له وجاهة عظيمة فى أيام الآمر، نفس المصدر: ٤٥٢:٢.\r(¬٢) البزاز من يشتغل بتجارة البز أى الثياب.\r(¬٣) فى هذين الموضعين بياض بالأصل يتسع لكلمة واحدة فى كل منهما.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277004,"book_id":167,"shamela_page_id":712,"part":"3","page_num":17,"sequence_num":712,"body":"إلى أن يأتى أهله ويتسلّموا موجوده، وإيّاك ماله وصندوقه، وإن ضاع منه درهم ضربت عنقك مكانه؛ كان لنا خصما أخذناه وفعلنا به ما نردع به غيره عن فعله، وما لنا فى ماله ولا فى فقر أهله حاجة. ثم أتى إلى الشيخ أبى طاهر الإطفيحى وقرّبه وتخصص به، وأطلعه على أغراضه وأكثر من التردّد إليه، وأجرى الماء إلى مسجده، وبنى له فيه حمّاما وبستانا وغير ذلك من المبانى. فعظم قدر الإطفيحى به، وكثر غشيان الناس مسجده، وطار ذكره، وشاع خبره، وكثرت حاشيته، وصار المشار إليه بالديّار المصرية حتى مات.\rوفيها قام ببغداد تاجر يعرف بحامد الأصفهانى فتكلم بأن نسب الخلفاء الفاطميين صحيح، فقبض عليه واعتقل حتى مات.\rوخرج الأمر بجمع الناس إلى بيت النوبة ببغداد، فجمعوا فى تاسع ربيع الآخر، وحضر بنو هاشم وغيرهم إلى الديوان؛ وقرئ توقيع أوّله خطبة تشتمل على حمد الله تعالى والثناء عليه، وتذكر طاعة الأئمة وفضل العبّاس وما جاء فيه من الأخبار، ثم قال:\r«أما بعد، فإنّه لم يخل وقت ولا زمان من مارق على الدين، وشاع تفرق كلمة المسلمين ليبلو الله المجاهدين فيهم والصابرين، ويصلى أكثر العاكفين نار جهنم التى أعدت للكافرين.\rوهذه الطائفة المارقة من الباطنية الملحدين، والكفرة المستسلمين، انتهكوا المحارم، واستحلّوا الكبائر، وأراقوا الدماء، وكذّبوا بالذكر، وأنكروا الآخرة، وجحدوا الحسنات والجزاء، وفصلوا أعضاء المسلمين، وسملوا أعين الموحّدين؛ فكادوا الدين وفقهاءه، وأعلنوا بالشرك ونداءه». ثم رماهم بالفسوق والإهمال والانحلال؛ وقال: شاعرهم يقول:\rحلّ برقّادة (¬١) المسيح … حلّ بها آدم ونوح (¬٢)","footnotes":"(¬١) بينها وبين القيروان أربعة أميال، وكان دورها أربعة وعشرين ألف ذراع، وأكثرها بساتين، بناها سنة ٢٦٣ هـ إبراهيم بن أحمد بن الأغلب (٢٦١ - ٢٨٩) فأصبحت عاصمة الأغالبة حتى فر منها زيادة الله الثالث (٢٩٠ - ٢٩٦)، ثم أصبحت عاصمة عبيد الله المهدى، أول الفاطميين، إلى أن انتقل إلى المهدية سنة ٣٠٨. معجم البلدان: ٢٦٧:٤ - ٢٦٨؛ وانظر كذلك: Mohammadan Dynasties .\r(¬٢) يلى هذا البيت بيت آخر يساعد على اكتمال صورة المبالغة فى المدح، يقول:\rحل بها الله ذو المعالى … وكل شيء سواه ريح","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277005,"book_id":167,"shamela_page_id":713,"part":"3","page_num":18,"sequence_num":713,"body":"سنة تسع وثمانين وأربعمائة (¬١):\rفيها خرج خلف بن ملاعب (¬٢) من عند الأفضل لولاية فامية (¬٣)، فسار إليها وتسلمها.\rوكان سبب ذلك أن أهلها كانوا إسماعيلية، فقدموا إلى القاهرة وسألوا أن يجهّز إليهم من يلى أمرهم، فوقع الاختيار على خلف بن ملاعب، وكان قد ولى مدينة حمص وساءت سيرته فى أهلها، فبعث إليه السلطان ملك شاه من العراق من قبض عليه وحمله إليه بأصفهان، فاعتقله بها إلى أن مات، فأطلق وسار إلى مصر فأقام بها حتى خرج إلى فامية.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى والثلاثين من ديسمبر سنة ١٠٩٥.\r(¬٢) كان يتولى حمص وتقلبت أحواله بها بسبب المنازعات بين الأمراء المحليين بالشام حتى اضطر إلى تسليمها إلى تاج الدولة تتش السلجوقى فى سنة ٤٨٣ هـ، ورحل إلى مصر فأقام بها مدة، ثم عاد إلى الشام فى السنة التالية وتملك أفامية ولم يلبث أن طرد منها، وأرسل معتقلا إلى أصفهان حتى توفى السلطان ملكشاه السلجوقى ٤٨٩، فعاد إلى مصر، ثم رجع إلى أفامية واليا عليها بتولية الأفضل وزير الفاطميين. انظر ذيل تاريخ دمشق فى أماكن متفرقة.\r(¬٣) وأفامية أيضا: مدينة وكورة بمنطقة الساحل الشامى، وكانت من أعمال حمص. معجم البلدان: ٢٩٨:١، ٣٣٤:٦ - ٣٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277006,"book_id":167,"shamela_page_id":714,"part":"3","page_num":19,"sequence_num":714,"body":"سنة تسعين وأربعمائة (¬١):\rفيها وقع بمصر غلاء ومجاعة.\rفى سادس عشر صفر قدم على الأفضل رسول فخر الدولة رضوان بن تتش صاحب حلب وأنطاكية وهم (¬٢) بن الهلال (¬٢) بن (¬٢) كاتب عز الدولة ابن منقذ (¬٣)، صحبة رسول الأفضل الشريف شجاع الدولة ابن صارم الدولة ابن أبى (¬٣) وقدم معهم شرف الدولة الباهلى الشاعر، وكان قد قدم مصر ومدح أمير الجيوش بدر الجمالى، ثم فى نوبة أفتكين؛ وهو يبذل الطاعة فى إقامة الخطبة للإمام المستعلى بالله فى بلاد الشام، فأجيب بالشكر والثناء (¬٤) وخطب بها للمستعلى بالله فى يوم الجمعة سابع عشر رمضان. وكان سبب هذا الفعل من رضوان أنه قصد أن يستعين بعساكر مصر على أخذ دمشق من أخيه دقاق. فاتفق أن الأمير سكمان بن أرتق (¬٥) أنكر على رضوان ذلك، فقطع خطبة المستعلى، وأعاد الخطبة لبنى العباس، فكان مدة الخطبة للمستعلى أربعة أشهر.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها التاسع عشر من ديسمبر سنة ١٠٩٦.\r(¬٢) بياض بالأصل فى هذه المواضع الأربعة، ولم أهتد إلى ما يكمل الفراغ.\r(¬٣) عز الدولة نصر أبو المرهف بن أبى الحسن على سديد الملك بن مقلد بن نصر بن منقذ، من أسرة بنى منقذ الذين حكموا شيزر من سنة ٤٧٤ (١٠٨١) حتى حدثت الزلزلة الكبرى بالشام سنة ٥٥٢ (١١٥٧) فخربت معظمها وأهلكت أهلها. وشيزر على مسافة يوم من حماة يمر نهر الأردن بوسطها، وكانت تعد من أعمال حمص. وكان سديد الملك قد أرسل ابنه عز الدولة إلى حلب لخدمة تاج الدولة تتش، صاحبها، فاعتقله بها، ولكنه استطاع الفرار من سجنه بمساعدة خادم له قدم إليه من شيزر. انظر معجم الأنساب: ٤٠ - ٤١، ١٦٥؛ وفيات الأعيان: ٣٦٨:١ - ٣٦٩؛ معجم البلدان: ٣٢٤:٥ - ٣٢٥. وانظر كذلك كتاب الاعتبار، لأسامة بن منقذ، فى مواضع متفرقة.\r(¬٤) وكان هذا نتيجة لرسالة من الأفضل طلب فيها من رضوان الدخول فى طاعة المستعلى فوافق هذا رغبة رضوان فى التعاون مع الأفضل ضد دمشق. ذيل تاريخ دمشق: ١٣٣.\r(¬٥) كان يتولى القدس مع أخيه إيلغازى بعد وفاة والدهما سنة ٤٨٤ (١٠٩١) وبقيا فيها حتى سنة ٤٨٩ (١٠٩٥) عند ما سقطت فى أيدى الفاطميين. وكان يصحب سقمان فى هذه الزيارة لحلب الأمير ياغيسيان صاحب أنطاكية. وكانت الخطبة للمستعلى فى جميع الأعمال التابعة لإمارة حلب، عدا المدينة نفسها، وأنطاكية ومعرة النعمان. ويعتبر هذان الأخوان مؤسسى الدولة الأرتقية الأتابكية بحصن كيفا التى استمرت بين سنتى ٤٩٥ - ٦٢٩ (١١٠١ - ١٢٣١)، وفى خرتبرت بين سنتى ٥٨١ - ٦٦٠ (١١٨٥ - ١٢٦١)، وفى ماردين بين سنتى ٥٠٠ - ٨٠٩ (١١٠٦ - ١٤٠٦). الكامل: ٩٣:١٠؛ ذيل تاريخ دمشق: ١٣٣؛ معجم الأنساب ٣٤٤ - ٣٤٧؛ ١٦٦ Mohommadan Dynasies;p .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277007,"book_id":167,"shamela_page_id":715,"part":"3","page_num":20,"sequence_num":715,"body":"وفى ربيع الأول جهز الأفضل عسكرا فى عدة وافرة لأخذ صور (¬١) فسار إليها وحاصرها حصارا شديدا حتى أخذت بالسيف، فدخلها العسكر وقتلوا منها بالسيف خلقا كثيرا؛ وقبض على واليها وحمل إلى الأفضل فقتله لأنه كان قد خرج عن الطاعة وعصى على الأفضل.\rوفيها (¬٢) كان ابتداء خروج الإفرنج (¬٣) من بلاد القسطنطينية لأخذ بلاد الساحل من أيدى المسلمين (¬٤)، فوصلوا إلى مدينة أنطاكية ونازلوها حتى ملكوها. ومنها دبّوا إلى بلاد الساحل.\rوفيها تجمّع الرّعاع والعامة فى يوم عاشوراء بمشهد السيدة نفيسة (¬٥) وجهروا بسب","footnotes":"(¬١) وكانت مع كتيلة نائب الفاطميين بها، لكنه أظهر العصيان فقرر الأفضل طرده منهما وعين مكانه شخصا يلقب افتخار الدولة سيره مع هذه الحملة العسكرية. الكامل: ٩١:١٠؛ ذيل تاريخ دمشق: ١٣٣ - ١٣٤؛ النويرى: ٢٨.\r(¬٢) بهذا المكان من الأصل طيارة لا تتضح السطور الأولى منها، وفيها بعد ذلك: « … يافث، واستقروا فى شمالى البحر الرومى من بلاد رومة إلى ما وراءه غربا وشمالا. وكانوا أولا تحت أيدى اليونان والروم، ثم استقلوا بعدهم بملكهم، وافترقوا، فكان منهم القوط والجلالقة بالأندلس حتى أخذها منهم المسلمون، وكان منهم اللمانيون بجزيرة إنكلطرة بالبحر المحيط الغربى الشمالى وما يقابله وما يحاذيه، وكان منهم إفرنسه، وهم إفرنجة، فملكوا ما وراء خليج رومة غربا إلى الثنايا التى تفضى إلى الأندلس فى الجبل المحيط بها من شرقيها وتسمى هذه الثنايا بالشارات؛ وعظمت دولتهم بعد الروم فى أثناء الاسلام وعرفوا بالإفرنسيس، وتغلبوا على جزائر البحر الرومى فى آخر المائة الخامسة، وكان ملكهم حينئذ اسمه بردويل، فبعث أجار إلى صقلية وملكها من المسلمين سنة ثمانين وأربعمائة؛ ثم ساروا فى البر على قسطنطينية وعبروا من الخليج سنة تسعين وأربعمائة حتى نزلوا عواصم الروم وحاربوا قليج أرسلان بن سليمان بن قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق، ملك قونية، فأخذوا منه أنطاكية، وهم خمسة ملوك: بردويل، وصنجيل، وكندفرى، والقمص، وبيمند وهو مقدمهم، فولوه أنطاكية. ثم ملكوا معرة النعمان ونازلوا حمص ثم عكا، ثم حصروا القدس حتى أخذوه، كما سيأتى إن شاء الله» اهـ.\r(¬٣) وكان هذا بدء التحرك الصليبى فى الحملة الأولى، وكانت القسطنطينية مركز التجمع والامبراطور عندئذ Alexius I (٤٧٤ - ٥١٢ هـ/ ١٠٨١ - ١١١٨ م).\r(¬٤) وصاحبها عندئذ ياغى سيان. وقد تمكن الصليبيون من تملكها بعد حصار استمر تسعة أشهر، وساعدهم على تملكها تعاون أحد حفظة أبراجها معهم بسبب ما زعمه بعضهم من سوء سياسة ياغى سيان فيها وفى أهلها. وقد فر ياغى سيان منها، وندم على فراره وحاول جاهدا أن يعود إليها ليستنقذها، ولكنه سقط عن فرسه مرتين فى أثناء فراره وعوده، فمر به أرمنى فقطع رأسه وحملها إلى الصليبيين. وكان تملك الفرنج لها فى رجب سنة ٤٩١ (يونيو سنة ١٠٩٧) وتولاها بوهمند الأول Bohemond I ، وهو عندئذ أحد قادة الحملة الصليبية الأربعة الكبار. انظر: النجوم الزاهرة: ١٤٧:٥؛ ذيل تاريخ دمشق: ١٣٤ - ١٣٥؛ الكامل: ٩٤:١٠ - ٩٥، وكذلك: ١٥٥. Mahammadan Dynasties;p .\r(¬٥) وهى بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب؛ تزوجت إسحاق المؤتمن بن جعفر الصادق فأنجبا أبا القاسم وأم كلثوم، وهما لم يعقبا، لقيها الإمام الشافعى - من وراء حجاب - ويقال إنها صلت عليه عند وفاته، وقد توفيت بعده بأربع سنين، سنة ٢٠٨، ودفنت بمنزلها الذى يعد من مزارات القاهرة المباركة. المواعظ والاعتبار: ٤٤٠:٢ - ٤٤١؛ الخطط التوفيقية: ٦١:٢ - ٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277008,"book_id":167,"shamela_page_id":716,"part":"3","page_num":21,"sequence_num":716,"body":"الصحابة، وهدموا عدة قبور؛ فسيّر الأفضل إليهم ومنعهم من ذلك؛ وأدّب ذخيرة الملك ابن علوان، والى القاهرة، جماعة وضربهم.\rوفيها حرّر الأفضل فى المحرّم عيار الدّينار (¬١) وزاد فيه.","footnotes":"(¬١) عقد المرحوم على باشا مبارك فصلا تحدث فيه عن تحرير وزن المثقال والدينار والدرهم فى كتاب الخطط التوفيقية وتعرض لمناقشة التناسب بينهما، وأتبع هذا الفصل بدراسات عن النقود وأوزانها فى العصور الإسلامية وأقاليمها. انظر: الخطط التوفيقية: ٢٠؛ وبه فصل تحرير وزن المثقال والدينار والدرهم: ٢٨ - ٣٥. انظر أيضا: حالة مصر الاقتصادية فى عهد الفاطميين: ٣٠٠ - ٣١١؛ قوانين الدواوين: ٣٣١ - ٣٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277009,"book_id":167,"shamela_page_id":717,"part":"3","page_num":22,"sequence_num":717,"body":"سنة احدى وتسعين وأربعمائة (¬١):\rفيها خرج الأفضل فى عساكر جمة، ورحل من القاهرة فى شعبان، وسار يريد أخذ بيت المقدس من الأمير سكمان وإيلغازى، ابنى أرتق (¬٢)، وكانا به فى كثير من أصحابهما؛ فبعث إليهما يلتمس منهما أن يسلماه البلد ولا يحوجاه إلى الحرب، فأبيا عليه، فنزل على البلد ونصب عليها من المجانيق نيّفا وأربعين منجنيقا، وأقام عليها يحاصرها نيّفا وأربعين يوما حتى هدم جانبا من السّور، ولم يبق إلا أخذها، فسيّر إليه من بها ومكّناه من البلد. فخلع على ولدى أرتق (¬٣) وأكرمهما، وأخلى عنهما، فمضيا بمن معهما. وملك البلد فى شهر رمضان لخمس بقين منه، وولىّ فيه من قبله، ثم رحل عنه إلى عسقلان؛ وكان فيها مكان قد دفن فيه رأس الحسين بن على بن أبى طالب ﵇، فأخرجه وعطّره وحمله فى سفط إلى أجلّ دار بها، وعمر مشهدا مليح البناء. فلمّا تكامل حمل الرأس فى صدره وسعى به ماشيا من الموضع الذى كان فيه إلى أن أحلّه فى مقرّه. ويقال إن أمير الجيوش هو الذى أنشأ المشهد على الرأس بثغر عسقلان، وأن ابنه الأفضل شاهنشاه كمله. ثم حمل هذا الرأس إلى القاهرة، فوصل إليها يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.\rوفيها حدثت بمصر ظلمة عظيمة عشّت أبصار الناس حتى لم يبق أحد يعرف أين يتوجّه، ثم هبت ريح سوداء شديدة، فظنّ الناس أنّ السّاعة قد قامت. واستمرت الريح سبع ساعات وانجلت الظلمة قليلا قليلا وسكنت الريح. ولم يصلّ فى ذلك اليوم أحد صلاة الظّهر ولا العصر، ولا أذّن فى القاهرة ولا مصر.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها التاسع من ديسمبر سنة ١٠٩٧.\r(¬٢) انظر حاشية: (٥) فى صفحة: (٩).\r(¬٣) فى الأصل: أولاد ابن أرتق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277010,"book_id":167,"shamela_page_id":718,"part":"3","page_num":23,"sequence_num":718,"body":"سنة اثنين وتسعين وأربعمائة (¬١):\rفيها سار الفرنج لأخذ سواحل البلاد الشامية من أيدى المسلمين؛ فملكوا مدينة أنطاكية وساروا إلى المعرّة (¬٢) فملكوها؛ ثم رحلوا عنها إلى جبل لبنان فقتلوا من به؛ ووصلوا عرقة (¬٣) فحاصروها أربعة أشهر فلم يقدروا عليها. ونزلوا على حمص، فهادنهم جناح الدولة حسين (¬٤)؛ وخرجوا على طريق النواقير (¬٥) إلى عكا. ثم أخذوا الرملة فى ربيع الآخر، وزحفوا منها إلى بيت المقدس فحاصروا المدينة؛ وبلغ ذلك الأفضل فخرج بعساكر كثيرة لمحاربتهم؛ فجدّ الفرنج عند ما بلغهم مسيره إليها فى حصار المدينة، وكان نزولهم عليها فى شهر ربيع الآخر، حتى ملكوها يوم الجمعة الثانى والعشرين من شعبان بعد أربعين يوما.\rوهدموا المشاهد وقبر الخليل ﵇، وقتلوا عامّة من كان فى البلد؛ وكان فيه من العبّاد والصلحاء والعلماء والقرّاء وغيرهم خلائق لا يقع عليهم حصر، فوضعوا السيف فيهم وأفنوهم عن آخرهم، ولم يفلت منهم إلا اليسير. وانحازت عدة من المسلمين إلى محراب داود ﵇ فحاصرهم الفرنج نيّفا وأربعين يوما حتى تسلموه بالأمان فى يوم الجمعة ثانى عشريه.\rوأحرقوا ما كان ببيت المقدس من المصاحف والكتب، وأخذوا ما كان بالصخرة من قناديل الذهب والفضة والآلات، وكان مبلغا عظيما (¬٦). ويقال إنه قتل فى المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، وأنهم لحقوا من فرّ من المسلمين مسيرة أسبوع يقتلون من أدركوه منهم.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن والعشرين من نوفمبر سنة ١٠٩٨.\r(¬٢) هى معرة النعمان بين حماة وحلب، وكانت تعد من أعمال حمص، تستقى بماء العيون وبها كثير من أشجار الزيتون. معجم البلدان: ٩٦:٨ - ٩٧.\r(¬٣) عرقة بكسر العين وسكون الراء، تقع على أربعة فراسخ من طرابلس من الشمال الشرقى فى سفح جبل، بينها وبين البحر نحو ميل. معجم البلدان: ١٥٥:٦ - ١٥٧؛ انظر كذلك: A History of the Crusades; Vol.I;map p .٣٠٦ ؛ وكتاب: The Damascus chronicle of the Crusades .\r(¬٤) صاحب حمص، من رجال تاج الدولة تتش، وكان قد ولاه الوصاية على ابنه رضوان الذى خلفه فى حلب. الكامل: ١٠. وثب عليه ثلاثة من الباطنية فى يوم جمعة من سنة ٤٩٦ عند ما دخل مصلاه بعد نزوله من القلعة فقتلوه وقتلوا جماعة معه. ذيل تاريخ دمشق: ١٤٢.\r(¬٥) فرجة فى الجبل بين عكا وصور. معجم البلدان: ٣١٩:٨ - ٣٢٠.\r(¬٦) وتولى بيت المقدس Godfrey بعد نزاع قصير حول هذه الولاية إذ برزت فكرة تعيين نائب للبابا يمثله فيها لقداستها. ومات جودفرى - وتكتبه المصادر العربية كندفرى - فى سنة ٤٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277011,"book_id":167,"shamela_page_id":719,"part":"3","page_num":24,"sequence_num":719,"body":"ووصل الأفضل إلى عسقلان فى الرابع عشر من شهر رمضان، فبعث إلى الفرنج فوبّخهم على ما كان منهم؛ فردّوا إليه الجواب، وركبوا فى إثر الرسل فصدفوه على غرّة وأوقعوا بعساكره وقتلوا منهم كثيرا. وانهزم منهم بمن خفّ معه فتحصّن بعسقلان وتعلق أكثر أصحابه هنالك فى شجر الجميز، فأضرموا فيها النار حتى احترقت بمن تعلق فيها، فهلك خلق كثير (¬١) وحاز الفرنج من أموال المسلمين ما جلّ قدره، ولا يمكن لكثرته حصره.\rونازلوا عسقلان، وحصروا الأفضل فيها حتى كادوا يأخذونه، إلا أن الله سبحانه أوقع فيهم الخلف (¬٢) فاضطرّوا إلى الرحيل عن عسقلان؛ فاغتنم الأفضل رحيلهم عنه فركب البحر وقد ساءت حاله، وذهبت أمواله، وقتلت رجاله، وسار إلى القاهرة. ولم يعد بعد هذه الحركة إلى الخروج بنفسه فى حرب البتّة.\rوكان ملك الفرنج بالقدس كندفرى.\rوفيها توفى أبو الحسن على بن الحسن بن الحسين بن محمد الموصلى الحنفى المحدث (¬٣)، فى ثامن عشر ذى الحجة.","footnotes":"(¬١) وكانت عدة الصليبيين المهاجمين نحو عشرة آلاف بينما كان عدد المسلمين المدافعين ضعف هذا العدد، وكانت هزيمة المسلمين رغم هذا العدد الكبير بسبب سرعة الفرنج ومباغتتهم المسلمين قبل أن يستكملوا استعدادهم. انظر كتاب:\rThe Crusaders in the East;p .٣٥. ويقول النويرى إن أهل عسقلان صالحوا الفرنج على عشرة آلاف دينار، وقيل عشرين ألفا، فرحلوا عنها إلى القدس.\r(¬٢) نشب الخلف بين جودفرى صاحب بيت المقدس وريموند الأول الذى تولى طرابلس: نفس المصدر: p .٣٥ .\r(¬٣) القاضى الموصلى الأصل المصرى الفقيه الشافعى (فى الأصل: الحنفى) المعروف بالخلعى. ولد بمصر فى أول سنة خمس وأربعمائة؛ وسمع الحديث ورواه؛ وكان مسند الديار المصرية فى وقته. النجوم الزاهرة: ١٦٤:٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277012,"book_id":167,"shamela_page_id":720,"part":"3","page_num":25,"sequence_num":720,"body":"سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة (¬١):\rفيها (رحل) (¬٢) عالم لا يحصى عددهم من البلاد الشامية فرارا من الفرنج والغلاء.\rوفيها عمّ الغلاء أكثر البلاد؛ ومات من أهل مصر خلق كثير (¬٣).\rوفيها مات قاضى القضاة أبو الطاهر محمد بن رجاء، وتولى بعده أبو الفرج محمد ابن جوهر بن ذكا النابلسى.\rومات على بن محمد بن على الصّليحى، قتله سعد بن نجاح الأحول، وقتل أخاه عبد الله وجميع بنى الصّليحى بمكة فى ذى القعدة (¬٤).\rوولى الحسن بن على بن أحمد الكرخى الحكم شهرا واحدا وثلاثة أيام، وصرف وصودر من أجل أنّه أخذ عصابة من القصر فى أيام الشدة لها قيمة فظهرت عليه.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع عشر من نوفمبر سنة ١٠٩٩.\r(¬٢) السياق يقتضى هذه الإضافة أو ما يشبهها.\r(¬٣) وفى بلاد الشام أيضا غارت الآبار فى عدة جهات من أعمال الشمال والمنابع فى أكثر المعاقل وارتفعت الأسعار. ذيل تاريخ دمشق: ١٣٨.\r(¬٤) سبق فى أخبار سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، فى الجزء الثانى من هذا الكتاب، أن سعيد بن نجاح الأحول قتل على بن محمد الصليحى، فذكر هذا النبأ هنا لا مبرر له. وقد تولى أحمد بن على الصليحى زعامة اليمن بعد مقتل أبيه سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ولقب بالملك المكرم، ونجح فى تخليص والدته الملكة الحرة من أسر الأحول الذى هرب أمام جيوش المكرم. قارن تاريخ اليمن لعمارة اليمنى: ١٤ - ٣١. انظر أيضا نبأ مقتل على الصليحى فى النجوم الزاهرة: ١١٢:٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277013,"book_id":167,"shamela_page_id":721,"part":"3","page_num":26,"sequence_num":721,"body":"سنة أربع وتسعين وأربعمائة (¬١):\rفى شعبان جهّز الأفضل عسكرا كثيفا لغزو الفرنج؛ فساروا إلى عسقلان، ووصلوا إليها فى أول رمضان، فأقاموا بها إلى ذى الحجة؛ فنهض إليهم من الفرنج ألف فارس وعشرة آلاف راجل؛ فخرج إليهم المسلمون وحاربوهم. فكانت بين الفريقين عدة وقائع آلت إلى كسر الميمنة والميسرة وثبات سعد الدّولة الطّواشى، مقدم العسكر، فى القلب، وقاتل قتالا شديدا؛ فتراجع المسلمون عند ثبات المذكور وقاتلوا الفرنج حتى هزموهم إلى يافا، وقتلوا منهم عدة وأسروا كثيرا (¬٢). وقتل كندفرى ملك الفرنج بالقدس (¬٣)، فجاء أخوه بغدوين (¬٤) من القدس وملك بعده، وسار بالفرنج إلى أرسوف.\rوفيها مات القمص رجار بن تنقرد (¬٥)، صاحب جزيرة صقلية، فقام من بعده ابنه رجار بن رجار.\rوفيها نزل الفرنج على حيفا وقتلوا أهلها؛ وتسلّموا أرسوف (¬٦) بالأمان؛ وملكوا قيسارية (¬٧) عنوة فى آخر شهر رجب وقتلوا من بها؛ وملكوا مع ذلك يافا، مع ما بأيديهم من أعمال الأردن وفلسطين.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السادس من نوفمبر سنة ١١٠٠.\r(¬٢) يذكر ابن الأثير أنه كان يعرف بالطواشى. الكامل: ١٢٧:١٠. ويقول صاحب النجوم الزاهرة: ١٥٢:٥: «وكبا الفرس بسعد الدولة فقتل»، ويذكر أن هذه الحملة خرجت فى سنة ثلاث وتسعين. ويذكرها ابن القلانسى فى أحداث سنة ٤٩٤ أيضا كما يذكر أن جواد سعد الدولة كبا به فاستشهد. ذيل تاريخ دمشق: ١٤٠.\r(¬٣) أصابه سهم وهو يحاصر عكا؛ طبقا للنويرى: ٢٨. أو فى الطريق إلى مهاجمة عكا: The Crusaders in the East;pp .٤٢ - ٤٣ .\r(¬٤) واسمه Baldwin I صاحب الرها؛ وكان أخوه عينه قبل وفاته ليخلفه فيها، وقد تولاها بعد نزاع كان لنائب البابا دور فيه؛ وأصبح أول ملك لبيت المقدس التى تحولت إلى مملكة لاتينية. نفس المصدر: p .٤٣ ، انظر كذلك الحروب الصليبية: ٤٦ - ٤٧ تأليف إرنست باركر وترجمة المرحوم الدكتور السيد الباز العرينى.\r(¬٥) وهو روجر الأول وكان قد قام بجهود متواصلة استغرقت ثلاثين سنة قبل أن يتمكن من السيطرة على جميع أنحاء الجزيرة. وكان نجاحه هذا بدءا للعهد النورمانى بالجزيرة، وتولاها بعده ابنه روجر الثانى Roger II . انظر دائرة المعارف البريطانية.\r(¬٦) من مدن الساحل، بين قيسارية ويافا. معجم البلدان: ١٩٢:١.\r(¬٧) وهى أيضا من مدن الساحل بينها وبين طبرية مسيرة ثلاثة أيام. انظر معجم البلدان: ١٩٥:٧ - ١٩٦ (وتقدير المسافات بالأيام له أهمية فى تصور الأحداث فى مثل هذه المرحلة الزمنية وبخاصة فى تتبع تحركات الجيوش).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277014,"book_id":167,"shamela_page_id":722,"part":"3","page_num":27,"sequence_num":722,"body":"سنة خمس وتسعين وأربعمائة (¬١):\rفيها مات الخليفة أبو القاسم أحمد المستعلى بالله بن المستنصر فى ليلة السابع عشر من صفر، وعمره سبع وعشرون سنة وشهر واحد وتسعة وعشرون يوما؛ ومدة خلافته سبع سنين وشهر واحد وعشرون يوما (¬٢).\rنقش خاتمه الإمام المستعلى بالله.\rوفى أيّامه اختلّت دولتهم وضعف أمرهم، وانقطعت من أكثر مدن الشام دعوتهم؛ وانقسمت البلاد الشامية بين الأتراك الواصلين من العراق وبين الفرنج؛ فإنّهم، خذلهم الله، دخلوا بلاد الشام، ونزلوا على أنطاكية فى ذى القعدة سنة تسعين وأربعمائة وتسلّموها فى سادس عشر رجب سنة إحدى وتسعين؛ وأخذوا معرّة النعمان فى سنة اثنتين وتسعين؛ وأخذوا الرّملة ثم بيت المقدس فى شعبان؛ ثم استولوا على كثير من بلاد الساحل، فملكوا قيسارية فى سنة أربع (وتسعين) بعد ما ملكوا عدّة بلاد.\rوفى أيّامه أيضا افترقت الإسماعيليّة فصاروا فرقتين: نزاريّة، تعتقد إمامة نزار وتطعن فى إمامة المستعلى، وترى أن ولد نزار هم الأئمة من بعده يتوارثونها بالنّصّ؛ والفرقة المستعلويّة، ويرون صحّة إمامة المستعلى ومن قام بعده من الخلفاء بمصر. وبسبب ذلك حدثت فتن وقتل الأفضل فيما يقال وقتل الآمر، كما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى.\rولم يكن للمستعلى سيرة فتذكر، فإنّ الأفضل كان يدبّر أمر الدّولة تدبير سلطنة وملك لا تدبير وزارة.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السادس والعشرين من أكتوبر سنة ١١٠١.\r(¬٢) يتفق النويرى وأبو المحاسن مع المقريزى فى تاريخ بيعته بالخلافة، ويختلفون جميعا فيما عدا هذا. فيقول المقريزى إن ولادته كانت ثامن عشر المحرم سنة ٤٦٨، ويذكر النويرى أنه ولد لعشر بقين منه، ولا يحدد أبو المحاسن، فى رواية، يوم المولد وإن ذكر أنه فى المحرم أيضا، ويوافق النويرى فى رواية أخرى. أما تاريخ الوفاة فيذكره المقريزى هنا فى ليلة السابع عشر من صفر من هذه السنة (٤٩٥)، ويوافقه النويرى، ويرجح أبو المحاسن أنه فى التاسع من صفر. ومدة خلافته عند أبى المحاسن سبع سنين وشهران وأيام، وعند النويرى سبع سنين وشهر واحد وثمانية وعشرون يوما، وعند المقريزى هنا سبع سنين وشهر واحد وعشرون يوما. النويرى: ٢٨؛ النجوم الزاهرة: ١٤٢:٥، ١٥٣","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277015,"book_id":167,"shamela_page_id":723,"part":"3","page_num":28,"sequence_num":723,"body":"وخلف المستعلى من الأولاد ثلاثة، هم الأمير أبو على المنصور، والأمير جعفر، والأمير عبد الصّمد.\rوكانت قضاة مصر فى خلافته أبو الحسن ابن الكحال، ثم عزل بابن عبد الحاكم المليجى، ثم ولى أبو الطاهر محمد بن رجاء، ثم أبو الفرج محمد بن جوهر بن ذكا، ومات المستعلى وهو قاض.\rوقيل إن المستعلى مات مسموما، وقيل بل قتل سرّا.\rوكان المستنصر قد عقد نكاحه على ست الملك ابنة أمير الجيوش بدر، فمات قبل أن يبنى عليها، وكان أمير الجيوش قد جهّزها جهازا عظما وأكثر من شراء الجواهر العظيمة القدر لها، فلما مات انتهب أولاده ذلك وتفرقوه.\rوفيها أخذ صنجيل (¬١)، أحد ملوك الفرنج، طرابلس، فصار للفرنج القدس وفلسطين إلاّ عسقلان؛ ولهم من بلاد الشام يافا، وأرسوف، وقيسارية، وحيفا، وطبريّة، والأردنّ، ولاذقيّة، وأنطاكية؛ ولهم من الجزيرة الرّها، وسروج (¬٢). ثم ملكوا جبيل (¬٣)، ومدينة عكّا، وأفامية، وسرمين (¬٤) من أعمال حلب؛ وبيروت، وصيدا، وبانياس، وحصن الأثارب (¬٥)، (¬٦).","footnotes":"(¬١) هو Le Comte Raymond descendant … de Saint-Angilles من أقطاب الصليبيين الأوائل. انظر: السلوك: ٥٩:١ حاشية: ٢.\r(¬٢) من بلاد الجزيرة بالقرب من حران. معجم البلدان: ٧٧:٥.\r(¬٣) على بعد ثمانية فراسخ من بيروت، فى شرقيها. نفس المصدر: ٥٩:٣.\r(¬٤) من أعمال حلب بالقرب من تل السلطان التى تبعد عن حلب مرحلة واحدة، واسمها القديم سدوم، وأهلها زمن ياقوت من الشيعة الإسماعيلية. نفس المصدر: ٧٥:٥.\r(¬٥) بين حلب وأنطاكية على مسافة ثلاثة فراسخ من حلب. نفس المصدر: ١٠٥:١ - ١٠٦.\r(¬٦) بهامش الأصل هنا نجد العبارة الآتية: بياض نحو أربعة أسطر. (يعنى من نسخة الأصل؛ إذ كان المؤلف يترك مثل هذا الفراغ لإضافة مائز مع إضافته من معلومات، وإن لم يتمكن من ذلك فى كثير من الأحوال).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277016,"book_id":167,"shamela_page_id":724,"part":"3","page_num":29,"sequence_num":724,"body":"الآمر بأحكام الله أبو على المنصور بن المستعلى بالله\rأبى القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبى تميم معدّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277017,"book_id":167,"shamela_page_id":725,"part":"3","page_num":31,"sequence_num":725,"body":"ولد ضحى يوم الثلاثاء الثالث عشر من المحرّم سنة تسعين وأربعمائة، وبويع له بالخلافة فى اليوم الذى مات فيه أبوه وهو طفل له من العمر خمس سنين وشهر وأيام، فى يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة خمس وتسعين (¬١). أحضره الأفضل وبايع له، ونصبه مكان أبيه، ونعته بالآمر بأحكام الله.\rوكتب ابن الصيرفى سجلاّ عظيما، أبدع فيه ما شاء، بانتقال الإمام المستعلى إلى رحمة الله وولاية ابنه الآمر، وقرئ على رءوس الكافّة من الأمراء والأجناد وغيرهم.\rوأنشد ابن مؤمن الشاعر قصيدة طنّانة بمدح الآمر. وركب الأفضل فرسا وجعل فى السّرج شيئا أركب الآمر عليه (لينمو شخص الآمر وصار ظهره فى حجر الأفضل (¬٢).","footnotes":"(¬١) ويقول أبو المحاسن: ولد الآمر فى أول سنة تسعين وأربعمائة، واستخلف وله خمس سنين. النجوم الزاهرة: ١٧١:٥.\r(¬٢) بياض بالأصل يتسع لبضع كلمات. والتكملة من المواعظ والاعتبار: ٢٩٠:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277018,"book_id":167,"shamela_page_id":726,"part":"3","page_num":32,"sequence_num":726,"body":"سنة ست وتسعين وأربعمائة (¬١):\rفيها ندب الأفضل مملوك أبيه سعد الدّولة (ويعرف) (¬٢) بالطّواشى على عسكر لقتال الفرنج، فلقيهم بغدوين على تبنا (¬٣)، فكسرت عساكر الأفضل وتقنطر سعد الدولة فمات، وأخذ الفرنج خيمه فانهزم أصحابه (¬٤). وبلغ (الأفضل (¬٥) ذلك فجرّد فى أول شهر رمضان عسكرا قدّم عليه ابنه شرف المعالى سماء الملك حسينا، وسيّر الأسطول فى البحر، فاجتمعت العساكر بيازور (¬٦)، من بلاد الرملة؛ وخرج إليهم الفرنج، فكانت بينهما حروب هزمهم الله فيها بعد مقتلة عظيمة. ونزل شرف المعالى على قصر كان قد بناه الفرنج قريبا من الرّملة وسبعمائة قومص من وجوه الفرنج، فقاتلوه خمسة عشر يوما، فملكهم وضرب رقاب أربعمائة وبعث إلى القاهرة ثلاثمائة.\rوكان أصحاب شرف المعالى قد رأى بعضهم أن يمضوا إلى يافا ويملكوها، ورأى بعضهم أن يسيروا إلى القدس. فبينا هم فى ذلك وصل مركب من الفرنج لزيارة قمامة، فندبهم بغدوين للغزو معه؛ فساروا إلى عسقلان وقد نزلها شرف المعالى وامتنع بها، وكانت حصينة؛ فتركها الفرنج ومضوا إلى يافا. وعاد شرف المعالى إلى القاهرة بعد ما كتب إلى شمس الملوك دقاق، صاحب دمشق، يستنجده لقتال الفرنج، فتقاعد عن المسير واعتذر.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس عشر من أكتوبر سنة ١١٠٢.\r(¬٢) بياض بالأصل يتسع لكلمة واحدة. والتكملة من الكامل: ١٢٧:١٠. وهناك يذكر ابن الأثير أن المنجمين كانوا يقولون له إنه سيموت مترديا، فكان يحذر من ركوب الخيل حتى إنه ولى بيروت وأرضها مفروشة بالبلاط فقلعه خوفا أن تزلق فرسه أو يعثر، فلما كانت هذه الوقعة انهزم وتردى به فرسه فسقط ميتا.\r(¬٣) ويكتبها ياقوت تبنى بضم التاء وسكون الباء: بلدة بحوران من أعمال دمشق، وينقل عن ابن حبيب أنها قرية من أرض البثنية لغسان. معجم البلدان: ٣٦٤:٢.\r(¬٤) سبق ذكر هذه الحملة فى أحداث سنة ٤٩٤، وقد علق عليها هناك بمقارنتها بما ورد فى النجوم الزاهرة وفى ذيل تاريخ دمشق.\r(¬٥) زيد ما بين القوسين لأن السياق يقتضيه.\r(¬٦) ومنها الوزير أبو محمد الحسين بن على بن عبد الرحمن اليازورى الذى تولى الوزارة للمستنصر سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ثم قتله المستنصر سنة خمسين وأربعمائة. انظر تفصيل الحديث عن وزارة اليازورى فى الجزء الثانى من هذا الكتاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277019,"book_id":167,"shamela_page_id":727,"part":"3","page_num":33,"sequence_num":727,"body":"فجرّد الأفضل أربعة آلاف فارس وعليهم تاج العجم (¬١) بمن معه عسقلان، ونزل ابن قادوس على يافا؛ وبعث يستدعى تاج العجم ليتّفقا على الحرب، فلم يجبه، وتنافرا.\rفلمّا بلغ ذلك الأفضل بعث يقبض على تاج العجم وولّى تاج الملك رضوان تقدمة العسكر وسيّره إلى عسقلان، فأقام عليها إلى آخر سنة سبع وتسعين حتى قدم شرف المعالى بعساكر مصر.\rوفيها مات تنكرى (¬٢) ملك الفرنج بالسّاحل، فقام بعده سرجار (¬٣) ابن أخيه.","footnotes":"(¬١) بياض بالأصل لم أهتد إلى ما يكمله. لكن ابن القلانسى يذكر أن الجيش والأسطول خرجا فى هذه الحملة بقيادة شرف ولد الأفضل. ذيل تاريخ دمشق: ١٤٢ - ١٤٣. ويذكر ابن الأثير أن ولد الأفضل عاد إلى مصر فسير تاج العجم فى البر والقاضى ابن قادوس بحرا. الكامل: ١٢٧:١٠.\r(¬٢) وهو Tancred الأمير الصليبى صاحب أنطاكية بين سنتى ٤٩٨ - ٥٠٦ (١١٠٤ - ١١١٢).\r(¬٣) الأمير Roger،Son of Richard ابن أخى تنكرد، وقد خلف Tancred فى أنطاكية فى المدة بين سنتى ٥٠٦ - ٥١٣ (١١١٢ - ١١١٩). ومن هذه الحاشية والتى قبلها يتبين أن الأمير تنكرد لم يمت فى هذه السنة كما ذكر المقريزى، وأن روجر، بالتالى، لم يخلفه فى هذا التاريخ. راجع: The Crusaders in the East","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277020,"book_id":167,"shamela_page_id":728,"part":"3","page_num":34,"sequence_num":728,"body":"سنة سبع وتسعين وأربعمائة (¬١):\rفيها نازل بغدوين، ملك الفرنج وصاحب القدس، ثغر عكا وحاصر أهله وألحّ عليهم حتّى ملكه. وكان فيه من قبل الأفضل يومئذ زهر الدّولة بنا الجيوشى، ففرّ إلى دمشق (¬٢)؛ وصار إلى ظهير الدّين (¬٣) أتابك، فأكرمه وأحسن إليه، ثم جهّزه إلى الأفضل فأنكر عليه وهدّده على تضييع الثغر. ولم تعد بعدها عكّا إلى المسلمين.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس من أكتوبر سنة ١١٠٣.\r(¬٢) وقد استعان بلدوين فى هذه المعركة بالجنويين وأسطولهم، برا وبحرا، وكانوا قبل ذلك قد ملكوا ثغر جبيل فى نيف وتسعين مركبا. ولشدة الهجوم وكثرة عدد المهاجمين من البر والبحر وليأس زهر الدولة من وصول المدد والمعونة خرج من البلد منهزما ولجأ إلى دمشق. ذيل تاريخ دمشق: ١٤٤.\r(¬٣) فى الأصل ظهير الدولة، وهو خطأ. والمقصود به ظهير الدين طغتكين أتابك الملك دقاق بن تتش صاحب دمشق، ثم مؤسس الدولة البورية فيما بعد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277021,"book_id":167,"shamela_page_id":729,"part":"3","page_num":35,"sequence_num":729,"body":"سنة ثمان وتسعين وأربعمائة (¬١):\rفيها جمع الأفضل جموعا كثيرة من العربان وأنفق فيهم أموالا عظيمة، وجهّزهم صحبة العساكر مع ابنه شرف المعالى؛ وكتب لظهير الدّين أتابك، صاحب دمشق، بمعاونته ومعاضدته على محاربة الفرنج؛ فاعتذر عن حضوره بما هو مشغول به من مضايقة بصرى، فإن أرتاش بن تاج الدولة (¬٢) صاحب بصرى كاتب الفرنج وأغراهم بقتال المسلمين وأطمعهم فى البلاد. فسار أتابك من دمشق وحاصر بصرى؛ وجهّز عسكرا إلى شرف المعالى تقوية له على الفرنج، وقدّم عليه إصبهبذ صبا وجهارتكين، وعدّته ألف وثلاثمائة فارس من الأتراك، وعدة عسكر مصر خمسة آلاف فارس.\rوأتاهم بغدوين فى ألف وثلاثمائة فارس وثمانية آلاف راجل. فاجتمعت عساكر المسلمين بظاهر عسقلان، ودارت بينهم وبين الفرنج حروب كان ابتداؤها فى الرابع عشر من ذى الحجة فيما بين عسقلان ويافا؛ فانكسرت عساكر المسلمين واستشهد فوق الألف من المسلمين منهم جمال الملك صنيع الإسلام والى عسقلان، وأخذ الفرنج رايته؛ وأسر الفرنج زهر الدولة بنا الجيوشى. وقتل ألف ومائتان من الفرنج، ورجعوا وقد كانت الكرّة لهم على المسلمين. وعاد عسكر دمشق إلى أتابك وهو على بصرى.\rوفيها مات كنز الدّولة (¬٣) محمد فى ثامن شعبان، وقام من بعده أخوه فخر العرب هبة الله.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث والعشرين من سبتمبر سنة ١١٠٤.\r(¬٢) هو أرتاش بن تاج الدولة تتش؛ وكان فى دمشق حتى وفاة دقاق بن تتش صاحبها، فزين له ظهير الدين طغتكين التقدم إلى الرحبة، فملكها وعاد فمنعه طغتكين من دخول دمشق؛ وهذا سبب نفوره من طغتكين وتحالفه مع الفرنج. وقد حدث هذا كله فى سنة ٤٩٧. ونشبت الحرب بين الرجلين فى هذه السنة، ٤٩٨، عند بصرى ونجح طغتكين فى تملكها سنة ٤٩٩. انظر ذيل تاريخ دمشق: ١٤٨ - ١٥٠؛ الكامل: ١٣١:١٠، ١٤٢ حيث يسمى ابن الأثير صاحب بصرى باسم بكتاش.\r(¬٣) لقب منحه الفاطميون لحكام النوبة منذ نجح زعيمهم أبو المكارم هبة الله أمير ربيعة فى القبض على أبى ركوة الثائر على زمن الحاكم بأمر الله؛ وأصبح هذا اللقب حقا يتوارثه أمراء هذه المنطقة منذ ذلك العهد. انظر الإسلام والنوبة فى العصور الوسطى: ١٣٤ - ١٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277022,"book_id":167,"shamela_page_id":730,"part":"3","page_num":36,"sequence_num":730,"body":"سنة تسع وتسعين وأربعمائة (¬١):\rفى سادس عشر رجب قتل خلف بن ملاعب صاحب فامية، قتله طائفة من الباطنية (¬٢).\rوملك الفرنج عكا عنوة فى سلخ شعبان من زهو الدولة بنا الجيوشى فسار إلى دمشق ثم قدم مصر.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث عشر من سبتمبر سنة ١١٠٥.\r(¬٢) تجد تفصيل هذا فى ذيل تاريخ دمشق: ١٤٩ - ١٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277023,"book_id":167,"shamela_page_id":731,"part":"3","page_num":37,"sequence_num":731,"body":"سنة خمسمائة (¬١):\rأهلّت والخليفة بمصر الآمر بأحكام الله، ومدبّر سلطنة مصر الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالى، وليس للآمر معه حل ولا ربط، وليس له من الأمر سوى اسم الخلافة، والذى فى مملكته ديار مصر وغزة وعسقلان وصور وطرابلس لا غير.\rوفيها بنى الأفضل دار الملك بشاطئ النيل من لدن مصر (¬٢).\rوفيها سار متولّى صور فأوقع بالفرنج على تبنين (¬٣)، فقتل واسر جماعة، وعاد إلى صور؛ فسار بغدوين إليه من طبريّة؛ فركب طغتكين من دمشق، وأخذ للفرنج حصنا بالقرب من طبرية وأسر من كان فيه منهم.\rوفيها ملك قلج بن أرسلان بن سليمان بن قطلمش بن أرسلان بيغو بن سلجوق، صاحب قونية، الموصل فى شهر رجب، فقتل فى ذى القعدة منها (¬٤)، وقام بعده بقونية وآق سرا ابنه مسعود (¬٥).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى من سبتمبر سنة ١١٠٦.\r(¬٢) كانت من مناظر الفاطميين. بدأ الأفضل بناءها سنة إحدى وخمسمائة، ولما كملت انتقل إليها وسكنها وحول إليها الدواوين من القصر وجعل فيها الأسمطة واتخذ بها مجلسا سماه مجلس العطايا. فلما قتل الأفضل صارت الدار من جملة متنزهات الفاطميين، وظلت كذلك حتى حولها الملك الكامل الأيوبى إلى المتجر الرسمى للدولة. وكانت آخر مكان يصل إليه موكب الخليفة إذا خرج إلى الجامع العتيق بمصر القديمة الحالية فى موكب أول العام. المواعظ والاعتبار: ٤٨٣:١ - ٤٨٤.\r(¬٣) بلدة فى جبال بنى عامر المطلة على بانياس فى طريق دمشق - صور. معجم البلدان: ٣٦٤:٢.\r(¬٤) مات قلج أرسلان فى حربه ضد جاولى سقاوه الذى تحالف مع رضوان صاحب حلب ضده، وكانت وفاته غرقا فى نهر الخابور إذ ألقى بنفسه به ليحمى نفسه من النشاب، فانحدر به فرسه إلى ماء عميق فغرق وظهرت جثته بعد أيام. الكامل: ١٥٠:١٠ - ١٥١.\r(¬٥) كان قلج أرسلان قد استخلف ابنه ملكشاه عند ما خرج فى اتجاه الرها والموصل ونصيبين فى الحرب التى انتهت بغرقه فى نهر الخابور، وكان عمره إحدى عشرة سنة. وبهذا يظهر أن مسعودا ركن الدين (أو عز الدين) لم يخلف قلج أرسلان، ذلك أن مسعودا تولى سلطنة قونية وآق سرا فى سنة ٥١٠. نفس المصدر. انظر أيضا معجم الأنساب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277024,"book_id":167,"shamela_page_id":732,"part":"3","page_num":38,"sequence_num":732,"body":"سنة احدى وخمسمائة (¬١):\rفيها نزل بغدوين على ثغر صور وعمر حصنا مقابل حصن صور على تلّ المعشوقة. وكان على ولاية صور من قبل الأفضل سعد الملك كمشتكين، أحد المماليك الأفضلية، فصانع بغدوين على سبعة آلاف دينار وخرج من صور.\rوفيها أحضر إلى القاهرة أهل فخر الدولة أبى على عمّار بن محمّد بن عمّار من طرابلس وكثير من أمواله وذخائره. وذلك أن فخر الدولة حاصره الفرنج وأطالوا منازلته حتى ضاق ذرعه وعجز عن مقاومتهم، فخرج من طرابلس فى سنة خمسمائة ومعه هدايا جليلة؛ فلقى ظهير الدين طغتكين أتابك بدمشق، فأكرمه ووافقه على السير معه إلى بغداد ليستنجد بالسلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه (¬٢)؛ فسارا. ثم إن أتابك تركه وعاد إلى دمشق، فثار فى هذه المدة أبو المناقب ابن عمار على ابن عمه فخر الدولة، ونادى بشعار الأفضل، وأرسل يطلب منه من يتسلّم منه طرابلس. فبعث إليه الأفضل بالأمير مشير الدّولة (¬٣) ابن أبى الطّيّب، فدخل إلى طرابلس ونقل منها حريم فخر الدولة وأمواله؛ ففتّ ذلك فى عضد فخر الدولة.\rوفيها اتصل أبو عبد الله محمد بن الأمير نور الدين أبى شجاع فاتك بن الأمير مجد الدولة أبى الحسن مختار بن الأمير أمين الدولة أبى على حسن بن تمام المستنصرى الأحول الإمامى الشيعى المعروف بالمأمون ابن البطائحى، بخدمة الأفضل أبى القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر المستنصرى. وسبب ذلك تغيّر الأفضل على تاج المعالى مختار الذى كان اصطنعه وفخّم أمره وسلّم إليه خزائن أمواله وكسواته، فسلّم لأخويه ما يتولاه واستعان بهما فيه،","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى والعشرين من أغسطس سنة ١١٠٧.\r(¬٢) غياث الدين أبو شجاع، سادس السلاجقة العظام، وعاصمة سلطنته أصبهان. حكم بين سنتى ٤٩٨ - ٥١١ (١١٠٥ - ١١١٨). معجم الأنساب: ٣٣٣.\r(¬٣) يلقبه ابن القلانسى شرف الدولة، وكذلك يفعل النويرى. انظر ذيل تاريخ دمشق: ١٦١؛ نهاية الأرب ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277025,"book_id":167,"shamela_page_id":733,"part":"3","page_num":39,"sequence_num":733,"body":"فحصل لهم من الإدلال على الأفضل ما حملهم على مدّ أيديهم إلى أمواله وذخائره، وشاع أمرهم وكتب إلى الأفضل بسببهم، فتغير عليهم، وأخرج مختارا إلى الولاية الغربية وخلع عليه. فلما انحدروا إليها سيّر صاحب بابه سيف الملك خطلخ، ويعرف بالبغل، وكان من غلمان أبيه، فقبض عليه وعلى إخوته من العشارى (¬١)، وكبّل بالحديد ورمى بالاعتقال؛ وأشيع أنّ مختارا كاتب الفرنج؛ وجعل هذا هو العذر فى القبض عليه، وأنّه كان أراد قتل الأفضل.\rفلمّا جرى لمختار وإخوته ما جرى ألزم الأفضل أبا عبد الله بن فاتك يتسلّم ما كان بيد مختار من الخدمة، فتصرّف فيها. وقرّر له الأفضل ما كان باسم مختار من العين خاصّة دون الإقطاع، وهو مائة دينار فى كل شهر وثلاثون دينارا عن جارى الخزائن، مضافا إلى الأصناف الراتبة مياومة ومشاهرة ومسانهة، وحسن عند الأفضل موقع خدمته، فسلّم له جميع أموره، وصرفه فى كلّ أحواله. ولما كثر الشغل عليه استعان بأخويه، أبى تراب حيدرة وأبى الفضل جعفر؛ فأطلق لهما الأفضل ما وسّع به عليهما؛ ونعت الأفضل أبا محمد ابن فاتك بالقائد.\rفيها فتح ديوان سمّى بديوان التحقيق (¬٢)، تولاه أبو البركات يوحنا بن أبى الليث النّصرانى. وكان يتولّى ديوان المجلس رجل يعرف بابن الأسقف، وكان قد كبر وضعف فتحدّث ابن أبى الليث مع القائد أبى عبد الله فى الدّواوين والأموال والمصالح، وفاوض فى ذلك الأفضل. واتفق موت ابن الأسقف، فتسلّم ابن أبى الليث الدواوين واستمر فيها حتى قتل فى سنة ثمان عشرة وخمسمائة.","footnotes":"(¬١) نوع من السفن. انظر الجزء الأول من هذا الكتاب: ٢٨٢ حاشية: ١.\r(¬٢) وكان لا يتولاه إلا كاتب خبير وله الخلع والمرتبة والحاجب، ويلحق برأس الديوان يعنى متولى النظر، ويفتقر إليه فى أكثر الأوقات. وقد عرض ابن أبى الليث أموالا كثيرة، جمعها بعد أن تولى هذا الديوان، على الأفضل فقال له: تفرحنى بالمال! وتربة أمير الجيوش إن بلغنى أن بئرا معطلة أو بلدا خرابا أو أرضا بائرة لأضربن عنقك. فقال وحق نعمتك لقد حاشا الله أيامك أن يكون فيها بلد خراب أو بئر معطلة أو أرض بور. واستمر هذا الديوان إلى نهاية عصر الفاطميين ثم بطل، وأعاده الملك الكامل الأيوبى سنة ٦٢٤ وعطله بعد سنتين، ثم أعاده السلطان المعز أيبك صفى الدين، واستخدمه فى مقابلة الدواوين، وهو نوع منه. المواعظ والاعتبار: ٤٠١:١؛ صبح الأعشى: ٤٨٩:٣؛ نهاية الأرب: ٢٨. ولعل هذا يقابل ما يعرف الآن بديوان المحاسبات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277026,"book_id":167,"shamela_page_id":734,"part":"3","page_num":40,"sequence_num":734,"body":"وفيها تحدّث ابن أبى الليث فى نقل السنة الشّمسية إلى العربية (¬١)، وكان قد حصل بينهما تفاوت أربع سنين، فأجاب الأفضل إليه، وخرج أمره إلى الشيخ أبى القاسم ابن الصيرفى بإنشاء سجل به، ثم رأى اختلال أحوال الرّجال العسكرية والمقطعين، وتضررهم من حسبة ارتفاع إقطاعاتهم وسوء حالهم، لقلّة المتحصل منها، ولأنّ إقطاعات الأمراء قد تضاعف ارتفاعها وزادت عن غيرها؛ وصار فى كل ناحية للدّيوان جملة تجبى بالعسف وتتردّد الرّسل بين الديوان بسببها. فحملت الإقطاعات كلّها على أملاك البلاد، وأمر ضعفاء الجند بالزيادة فى الإقطاعات التى للأقوياء؛ فتزايدوا إلى أن انتهت الزّيادة، فكتبت السّجلات بأنها باقية فى أيديهم مدة ثلاثين سنة ما يقبل منهم فيها زائد. وأمر الأقوياء أن يبذلوا فى الإقطاعات التى كانت بيد الأجناد ما تحتمله كلّ ناحية، فتزايدوا فيها حتى بلغت إلى الحدّ الّذى رغب كلّ منهم فيه فكتبت لهم السّجلات على الحكم المتقدّم؛ فشملت المصلحة الفريقين وطابت نفوسهم، وحصل للديوان بلاد مفردة بما كان مفرّقا فى الإقطاعات بما مبلغه خمسون ألف دينار.\rوفيها فرغ بناء دار الملك (¬٢)؛ وكان الأفضل يسكن القاهرة فتحوّل إلى مصر، وسكن دار الملك على النيل واستقرّ بها، فقال الشعراء فيها عدّة قصائد.\rوفيها بانت كراهة الأفضل لأولاده واحتجب عنهم أكثر الأوقات، فانقطعوا عنه واستقروا بالقاهرة فى دار القباب التى كانت سكن أبيهم الأفضل، وهى الدار التى عرفت بدار الوزارة؛ ولم يبق من أولاده من يتردّد إليه سوى سماء الملك فإنّه كان يؤثره ويميل إليه.\rوأفرد الأفضل للقائد أبى عبد الله بن فاتك الموضع المعروف باللؤلؤة (¬٣).","footnotes":"(¬١) راجع السبب فى اتخاذ مثل هذه الخطوة أصلا فى صبح الأعشى: ٥٤:١٣ - ٦٠؛ المواعظ والاعتبار: ٢٧٣:١ - ٢٨٥.\r(¬٢) وهى دار الوزارة الكبرى، بجوار القصر الكبير الشرقى تجاه رحبة باب العبيد، ويقال لها أيضا الدار الأفضلية والدار السلطانية، وأصبحت منذ إنشائها سكن الوزراء إلى أن انتقل الأمر إلى بنى أيوب فسكنها صلاح الدين ومن جاء بعده حتى انتقل منها الكامل إلى قلعة الجبل. المواعظ والاعتبار: ٤٣٨:١ - ٤٣٩.\r(¬٣) كان للفاطميين منظرة تعرف بمنظرة اللؤلؤة وقصر اللؤلؤة على الخليج، وكانت تشرف من شرقيها على البستان الكافورى ومن غربيها على الخليج، ولم يكن فى غربى النيل مقابلها شيء من المبانى وإنما كان هناك بساتين عظيمة؛ وكانت المنظرة تطل على جميع أرض الطبالة وأرض اللوق. المواعظ والاعتبار: ٤٦٧:١ - ٤٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277027,"book_id":167,"shamela_page_id":735,"part":"3","page_num":41,"sequence_num":735,"body":"وفيها وردت الأخبار بأن متملّك النوبة قد تجهّز برّا وبحرا وعوّل على قصد البلاد القبلية؛ فسيّر الأفضل عسكرا إلى قوص، وتقدّم إلى والى قوص بأن يسير بنفسه إلى أطراف بلاد النوبة؛ فورد الخبر بوثوب أخى الملك عليه وقتله. واشتدت الفتنة بينهم حتى باد أهل بيت المملكة وأجلس صبىّ فى الملك، فأرسلت أمه تستجير بعفو الأفضل وتسأله ألاّ يسيّر إليهم من يغزوهم. فكتب لوالى الصعيد الأعلى بأن يسيّر عسكرا إلى أطراف بلاد النّوبة ويبعث إليهم رسولا يجدّد عليهم القطيعة الجارى بها العادة، وهى كلّ سنة ثلاثمائة وستّون رأسا رقيقا بعد أن يستخلص منهم ما يجب عليهم فى السنين المتقدمة.\rفلمّا دخلت العساكر نحوهم دخلوا تحت الطاعة، وكتبوا المواضعات، وسألوا فى الإعفاء عمّا يخصّ السنين، وحملوا ما تيسّر لهم؛ وعادت العساكر كاسبة.\rوفيها كثر خوض الناس فى القرآن، هل هو محدث أو قديم، وتفاقم الأمر؛ فعرف الأفضل (¬١)، فأمر بإنشاء سجلّ بالتّحذير من الخوض فى ذلك؛ وركب بنفسه إلى الجامع بمصر، وجلس فى المحراب بجوار المنبر، وصعد الخطيب أربع درجات منه وقرأ السّجلّ على الناس.\rوفيها مات مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان صاحب قونية وآق سرا، فقام بعده ابنه قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان، وقسم أعماله بين أولاده (¬٢).","footnotes":"(¬١) فى الأصل: الفضل.\r(¬٢) فى هذا النبأ شيء غير قليل من الاضطراب. ذلك أن قليج أرسلان الأول، جد مسعود توفى سنة خمسمائة (١١٠٦) فخلفه ابنه ملكشاه الأول الذى توفى سنة عشر وخمسمائة (١١١٦)، وتولى بعده أخوه ركن الدين مسعود الأول الذى بقى فى السلطنة حتى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة (١١٥٦) ثم وزعها بين أولاده وإن ظل على قيد الحياة حتى سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. انظر معجم الأنساب؛ Mohammadan Dynasties ؛ والكامل فى الجزءين العاشر والحادى عشر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277028,"book_id":167,"shamela_page_id":736,"part":"3","page_num":42,"sequence_num":736,"body":"سنة اثنتين وخمسمائة (¬١):\rفى رمضان ورد الخبر بأن أهل مدينة طرابلس الشام نادوا بشعار الدّولة عند خروج فخر الملك أبى على عمار بن محمّد بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن إدريس بن أبى يوسف الطائى منها وقصده بغداد لطلب النجدة لما اشتد حصار الفرنج لها، وغلا السّعر بها.\rوكان سماء الملك حسين بن الأفضل عند ما كان بالشام فى السنة التى كسر الفرنج فيها قد سام ابن عمّار تسليمها إليه، فامتنع وغلق الباب فى وجهه؛ وأقام سماء الملك عليها مدّة بالعساكر إلى أن نازلها الفرنج ورحّلوه عنها إلى عسقلان. فلمّا سمع الأفضل أنّ أهل الثغر نادوا بشعاره سيّر إليهم (شرف الدّولة ابن أبى الطيب (¬٢) ومقدّم الأسطول، وأمره بأخذ المراكب التى على دمياط وعسقلان وصور معه إلى الثغر المذكور نصرة للمسلمين (¬٣).\rفلمّا وصل إليه وجد الفرنج قد ملكوا الجوسق (¬٤) وأمهلوا المسلمين، فأنفذ من كان بها وحمل فى المراكب من أراد الخروج منهم بأهاليهم وأموالهم، وفيهم صالح بن علاق الطائر بعد هروبه من الأفضل، وحمل من دار ابن عمّار ذخائره ومصاغه، وكان بقيمة كبيرة.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى عشر من أغسطس سنة ١١٠٨.\r(¬٢) ما بين القوسين من ذيل تاريخ دمشق: ١٦١ ومن نهاية الأرب: ٢٨، وفى الأصل: إليهم أمير بن\r(¬٣) ولما علم ابن عمار أن ابن عمه نادى بشعار الأفضل بن أمير الجيوش كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه. ويعلق أبو المحاسن على تأخر الأسطول المصرى ثم على وصوله وعدم صموده أمام الفرنج بكلام كثير جاء فيه: «ومن هذا يظهر عدم اكتراث أهل مصر بالفرنج من كل وجه … لضعف العسكر الذى أرسلوه مع أسطول مصر، ولو كان لعسكر الأسطول قوة لدفع الفرنج من البحر عن البلد». ويتعرض ابن القلانسى لتأخر الأسطول قائلا إن أهل البلد «ذلت نفوسهم لاشتمال اليأس من تأخر وصول الأسطول المصرى فى البحر والميرة والنجدة، وقد كانت علة الأسطول أزيحت وسير الريح ترده لما يريد الله تعالى من نفاذ الأمر المقضى». ويتحدث كذلك عن استعداد الأسطول فى هذه المناسبة: «ولم يكن خرج للمصريين فيما تقدم مثله كثرة رجال ومراكب وعدد وغلال لحماية طرابلس وتقويتها بالغلة الكثيرة والرجال والمال». قارن النجوم الزاهرة: ١٧٩:٥؛ ذيل تاريخ دمشق: ١٦٠ - ١٦١؛ ١٦٣ - ١٦٤: نهاية الأرب: ٢٨. وسيرد فى المتن شبيه لما ذكره ابن القلانسى بشأن الأسطول.\r(¬٤) الجوسق معرب الكلمة الفارسية كوسك، ومعناها القصر، والجمع جواسق، ويجئ فى الشعر مجموعا على جواسيق أيضا. السلوك: ٥٩٩:١ حاشية: ١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277029,"book_id":167,"shamela_page_id":737,"part":"3","page_num":43,"sequence_num":737,"body":"وحمل أخا ابن عمّار المعروف بفخر الدّولة وأهله إلى مصر، فأكرمهم الأفضل، واعتقل صالح بن علاق بخزانة البنود.\rوفى العشرين من شوال كانت ريح سوداء من صلاة العصر إلى المغرب.\rوفيها جدّد حفر خليج القاهرة، فإن المراكب كانت لا تدخل فيه إلا بمشقة، وجعل حفره بأبقار البساتين التى عليه، فيحفر بأبقار كلّ بستان ما يحاذيه، فإذا انتهى أمر البساتين عمل فى البلاد كذلك؛ وأقيم له وال مفرد بجامكية (¬١)؛ ومنع الناس أن يطرحوا فيه شيئا.\rولما تكاثرت الأموال عند ابن أبى الليث صاحب الديوان، وحدث أن تبجّح على الأفضل بخدمته، وكان سبعمائة ألف دينار، خارجا عما أنفق فى الرجال، فجعل فى صناديق بمجلس الجلوس. فلمّا شاهد الأفضل المال قال: يا شيخ تفرحنى بالمال وتريد أمير الجيوش أن يلقى بئرا معطّلة أو أرضا بائرة أو بلدا خرابا، لأضربنّ رقبتك. فقال: وحقّ نعمتك لقد حاشا الله أيامك أن يكون فيها بلد خراب أو بئر معطلة. فتوسّط القائد له بخلع؛ فقال: لا والله حتى أكشف عمّا ذكر.\rوفيها وصل بغدوين إلى صيدا (¬٢) ونصب عليها البرج الخشب؛ فوصل الأسطول من مصر للدّفع عنهم، وقاتلوا الفرنج، فظهروا فى مراكب الجنويّة، فبلغهم أنّ عسكر دمشق خارج فى نجدة صيدا، فرحل الأسطول عائدا إلى مصر.\rوفى شعبان منها نزل الفرنج على طرابلس وقاتلوا أهلها من أول شعبان إلى حادى عشر ذى الحجة، ومقدّمهم ريمند بن صنجيل (¬٣)؛ وأسندوا أبراجهم إلى السّور؛ فضعفت نفوس","footnotes":"(¬١) هى الراتب بصفة عامة نقدا أو غلة ونحوها. انظر: Dozy;Supp.Dict.ar .\r(¬٢) بالقصر والمد، على بعد ستة فراسخ شرقى صور. معجم البلدان: ٤٠٣:٥ - ٤٠٥.\r(¬٣) فى الواقع ابن ريموند الصنجيلى وليس ريموند بن صنجيل كما جاء فى المتن وفى نهاية الأرب وغيرهما. واسمه:\rBertram،a son of Raymond of Toulouse . وكان قد قدم بحرا مطالبا بميراثه فى إمارة والده. ويذكر Stevenson أن التعاون ظهر واضحا بين أمراء الفرنج فى هذه المعركة حتى تميز هذا العام بهذه الوحدة:\rThe Crusaders in the Ea؛٥٧.d?s انظر: '' The year is made notable by this union of forces ''","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277030,"book_id":167,"shamela_page_id":738,"part":"3","page_num":44,"sequence_num":738,"body":"المسلمين لتأخّر أسطول مصر عنهم، فكان قد سار من مصر إليها بالميرة والنجدة فردّته الرّيح لأمر قدّره الله. فشد الفرنج فى قتالهم وهجموا من الأبراج، فملكوها بالسيف فى يوم الاثنين الحادى والعشرين من ذى الحجّة، ونهبوا ما فيها، وأسروا رجالها، وسبوا نساءها وأطفالها؛ فحازوا من الأمتعة والذخائر ودفاتر دار العلم وما كان فى خزائن أربابها ما لا يحدّ عدده ولا يحصى فيذكر. وسلّم الوالى لها فى جماعة من جندها كانوا قد طلبوا الأمان قبل ذلك؛ وعوقب أهلها واستصفيت أموالهم واستقهرت ذخائرهم، ونزل بهم أشد العذاب.\rوتقرّر بين الفرنج والجنويّين الثلث من البلد وما نهب منه للجنويّين والثّلثان لريمند ابن صنجيل؛ وأفردوا للملك بغدوين ما رضى به.\rثم وصل أسطول مصر ولم يكن خرج فيما تقدم معه كثرة رجال ومراكب وعدد وغلال لحماية طرابلس فأرسى على صور فى اليوم الثامن من أخذ طرابلس وقد فات الأمر فيها، فأقام مدّة، وفرّقت الغلّة فى جهاتها. وتمسّك أهل صور وصيدا وبيروت به لضعفهم عن مقاومة الفرنج، فلم تمكنه الإقامة، وعاد إلى مصر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277031,"book_id":167,"shamela_page_id":739,"part":"3","page_num":45,"sequence_num":739,"body":"سنة ثلاث وخمسمائة (¬١):\rفيها سار الفرنج نحو بيروت، وعملوا عليها برجا من الخشب، وزحفوا، فكسره أهل بيروت. وقدم الخبر بذلك على الأفضل، فجهّز تسعة عشر مركبا حربيّة، فوصلت سالمة إلى بيروت وقويت على مراكب الفرنج، وغنيمت، ودخلت إلى بيروت بالميرة والنّجدة، فقوى أهلها بذلك. وبلغ بغدوين الخبر، فاستنجد بالجنويّة، فأتاهم منهم أربعون مركبا مشحونة بالمقاتلة؛ فزحف على بيروت فى البرّ والبحر، ونصب عليها برجين، وقاتل أهلها فى يوم الجمعة الحادى والعشرين من شوّال؛ فعظمت الحرب، وقتل مقدّم الأسطول وكثير من المسلمين؛ ولم ير للفرنج فيما تقدّم أشدّ من حرب هذا اليوم. فانخذل المسلمون فى البلد، وهجم الفرنج من آخر النهار فملكوه بالسيف قهرا؛ وخرج متولّى بيروت فى أصحابه وحمل فى الفرنج، فقتل من كان معه، وغنم الفرنج ما معهم من المال ونهبوا البلد، وسبوا من فيه وأسروا، واستصفوا الأموال والذخائر. فوصل عقب ذلك من مصر نجدة فيها ثلاثمائة فارس إلى الأردنّ تريد بيروت، فخرج عليها طائفة من الفرنج، فانهزموا إلى الجبال، فهلك منهم جماعة (¬٢).\rوفيها سار الأسطول من مصر إلى صور ليقيم بها (¬٣)، فاتّفق وصول ابن كند ملك الفرنج فى عدّة مراكب لزيارة القدس والجهاد فى المسلمين؛ فزار القدس، وسار هو وبغدوين إلى صيدا، فنازلاها بجمعهما وعملا عليها برجا من خشب (¬٤)، وزحفا عليها؛ فلم يتمكن الأسطول من الوصول إليها (¬٥).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى والثلاثين من يوليو سنة ١١٠٩.\r(¬٢) وكان قد وصل إلى بيروت قبل ذلك تسعة عشر مركبا حربيا من الأسطول المصرى تمكنت من دخول بيروت محملة بالميرة فقويت بها نفوس أهلها. ذيل تاريخ دمشق: ١٦٨.\r(¬٣) يذكر أبو المحاسن أن الأسطول قد وصل بعد أن أخذت البلاد فعاد إلى مصر. بينما يذكر النويرى أن الأسطول الذى وصل، وكان فى الأصل مرسلا لنجدة طرابلس، وصل بعد أخذ البلد - طرابلس - بأيام وفيه ما يكفى البلد من الرجال والميرة مدة سنة، ففرق أحماله على الجهات المجاورة لها: صيدا وصور وبيروت. ولعل نصيب بيروت هو المراكب التسعة عشر التى سبقت الإشارة إليها. النجوم الزاهرة: ١٨٠:٥؛ نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٤) اشترك فى هذا الهجوم أسطول من النرويج وآخر من البندقية:، ٦٠ - ٥٩ The Crusaders in the East;pp .\r(¬٥) بهامش الأصل هنا عبارة تقول: بياض نحو ربع صفحة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277032,"book_id":167,"shamela_page_id":740,"part":"3","page_num":46,"sequence_num":740,"body":"سنة أربع وخمسمائة (¬١):\rفى ثالث ربيع الآخر اشتد الحصار على أهل صيدا ويئسوا من النجدة، فبعثوا قاضى البلد فى عدة من شيوخها إلى بغدوين يطلبون الأمان، فأجابهم وأمّنهم على أنفسهم وأموالهم، وإطلاق من أراد الخروج منها إلى دمشق، وحلف على ذلك. فخرج الوالى والزمام وجميع الأجناد والعسكرية وخلق كثير من الناس، وتوجهوا إلى دمشق، لعشر بقين من جمادى الآخرة. وكانت مدة الحصار سبعة وأربعين يوما (¬٢).\rوفيها خرج جماعة من التجار والمسافرين من تنّيس ودمياط ومصر وأقلعوا فى البحر، فأخذهم الفرنج وغنموا منهم ما يزيد على مائة ألف دينار، وعاقبوهم حتّى افتدوا أنفسهم بما بقى لهم من الذخائر فى دمشق وغيرها.\rوفيها أغار بغدوين بعد عوده من صيدا على عسقلان، فراسله أميرها شمس الخلافة أسد حتى استقرّ الحال على مال يحمله إليه ويرحل عنه (¬٣). وقرّر على أهل صور سبعة آلاف دينار تحمل إليه فى مدّة سنة وثلاثة أشهر. فقدم الخبر بذلك فى شوّال على الأفضل، فأنكر ذلك وكتمه عن كلّ أحد، وجهّز عسكرا كثيفا إلى عسقلان، وقدّم إليه عز الملك الأعزّ ليكون مكان شمس الخلافة، وندب معه مؤيد الملك رزّيق، وأظهر أن هذا العسكر سار بدلا. فسار إلى قريب عسقلان، وبلغ ذلك شمس الخلافة فأظهر الخلاف على الأفضل وكتب إلى بغدوين يطلب منه أن يمدّه بالرّجال ويعده بتسليم عسقلان وأن يعوّضه عنها.\rفبلغ ذلك الأفضل. فكتب إليه يطيّب قلبه ويغالطه، وأقطعه عسقلان، وأقرّ عليه إقطاعه","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها العشرين من يوليو سنة ١١١٠.\r(¬٢) يقدر ستيفنسون عدد المهاجرين من أهل البلد بنحو خمسة آلاف:. ٦٠ The Crusaders in the East;p ويذكر كذلك أن الحصار استمر سبعة وأربعين يوما.\r(¬٣) يقول ابن القلانسى: وكان شمس الخلافة أرغب فى التجارة من المحاربة، ومال إلى الموادعة والمسالمة، وإيمان السابلة. ذيل تاريخ دمشق: ١٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277033,"book_id":167,"shamela_page_id":741,"part":"3","page_num":47,"sequence_num":741,"body":"بمصر، وأزال الاعتراض عمّا له بمصر من خيل وتجارة وأثاث. فخاف شمس الخلافة على نفسه ولم يطمئن إلى أهل البلد، واستدعى جماعة من الأرمن وأقرّهم عنده (¬١).\rوفى يوم الأحد العشرين من شوّال حدثت ريح حمراء بالقاهرة.\rوفيها أمر أمير المؤمنين الآمر بأحكام الله أن يبعث جليسه أبو الفتح عبد الجبار ابن إسماعيل، المعروف بابن عبد القوى لعماد الدّولة زيادة على إخوته.\rوفيها هبّت بمصر وأعمالها فى هذه الأيام ريح سوداء مظلمة، وطلع سحاب أسود أظلمت منه الدنيا حتى لم يبصر أحد يده، وسفّت رمادا حتى ظنّ الناس أنها القيامة، ويئسوا من الحياة وأيقنوا بالبوار لهول ما عاينوه؛ ولم يزل ذلك من وقت العصر إلى غروب الشمس.\rثم انجلى ذلك السّواد وعاد إلى الصّفرة والرّيح بحالها؛ ثم انجلت الصّفرة، وظهرت الكواكب وقد خرج الناس من الأسواق والدّور إلى الصحراء. ثم ركدت الرّيح وأقلع السّحاب، فعاد الناس إلى منازلهم.","footnotes":"(¬١) واستمرت الحال على ذلك إلى آخر السنة، فأنكر أمره أهل البلد ووثب عليه قوم من كتامة فجرحوه وهو راكب، فانهزم إلى داره، فتبعوه وقتلوه وأرسلت رأسه بعد ذلك إلى الأفضل بمصر. نفس المصدر: ١٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277034,"book_id":167,"shamela_page_id":742,"part":"3","page_num":48,"sequence_num":742,"body":"سنة خمس وخمسمائة (¬١):\rفى يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر نزل بغدوين على صور وبها عزّ الملك أنوشتكين الأفضلى وبنى عليها أبرجة خشب، طول البرج سبعون ذراعا (¬٢)، يسع كلّ برج ألف رجل، وهو موضوع على شيء يسمّى اسقلوس وهو فخذان ملقيان على الأرض، وفى كلّ برج من أسفله عشرون فرنجيا يصيح أحدهم بالفرنجية: «صند ماريّا»، فيصيح الباقون كذلك، ويدفعونه بأجمعهم، فيسبح على ألواح عظيمة تجعل بين يديه؛ وكانت ستائر (¬٣) كل برج ومناجيقه كأنها بلد يزحف.\rفخرج من أهل صور ألف رجل وحملوا على البرج وطرحوا فيه النار، فعلقت بالخشب، فلم يتمكن الفرنج من إطفائه وهربوا منه، واحترق؛ فتناول المسلمون بالكلاليب ما قدروا عليه من سلاحهم، فوصل إليهم ثلاثمائة درع. وكان هذا البرج كبشا من حديد وزنة رأسه مائة وخمسون رطلا (¬٤)؛ فظفر به المسلمون. وكانت الرّيح على المسلمين ثم صارت معهم، وملئوا جرارا بالعذرة ورموها على الفرنج (¬٥)، فصاحوا وذلّوا ورحلوا، فعاثوا؛ ثم عادوا وقد قطعوا النّخل أنابيب ورموا بها فى الخندق (¬٦).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها العاشر من يوليو سنة ١١١١.\r(¬٢) يذكر ابن القلانسى أن الفرنج أعدوا برجين اثنين: صغير بطول نيف وأربعين ذراعا، وكبير يزيد على الخمسين ذراعا، أقيما فى نحو خمسة وسبعين يوما. ويذكر النويرى أن الأبراج ثلاثة علو البرج سبعون ذراعا. ذيل تاريخ دمشق: ١٧٩؛ نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٣) جمع ستارة، وتتخذ من الجلود واللبود المبللة بالخل والشب والنطرون لوقاية الأبراج والدبابات الخشبية من قذائف النفط أو لحماية الحصون والقلاع. انظر مفرج الكروب: ٣٠٣:٢: حاشية: ٥.\r(¬٤) الكبش وجمعه كباش وكبوش وأكبش: آلة تتصل بالدبابة لها رأس ضخم وقرنان، تدفع نحو الأسوار لهدمها. السلوك: ٥٦:١ حاشية: ٨.\r(¬٥) يذكر النويرى أن قائد النفاطين خاف أن يشتغل الفرنج الذين فى الأبراج بإطفاء النار فرماهم بجرار مملوءة بالعذرة ليشغلهم برائحتها الكريهة.\r(¬٦) فى ذيل تاريخ دمشق: ١٧٩ - ١٨١ وصف تفصيلى للنضال بين المهاجمين والمدافعين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277035,"book_id":167,"shamela_page_id":743,"part":"3","page_num":49,"sequence_num":743,"body":"وسار طغتكين من دمشق لإعانة أهل صور، فنزل على يوم منهم لجولة بانياس، وأنفذ إليهم مائتى غلام تركى عليهم جليل من الأتراك؛ فقاتل الفرنج وقتل منهم ألفا وخمسمائة، وأكثر النكاية فيهم. وأغار طغتكين على بلاد الفرنج، فأخذ لهم موضعا، فرجعوا عن صور بغير شيء. وخرج أهل صور إلى أصحاب طغتكين، فخلعوا عليهم وأعادوهم إليه فى أحسن زىّ، وأخذ أهل صور فى رمّ ما شعّثه الفرنج فى البلد.\rوفيها حدث بمصر وباء مفرط، هلك به تقدير ستّين ألف نفس.\r٧ - اتعاظ الحنفا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277036,"book_id":167,"shamela_page_id":744,"part":"3","page_num":50,"sequence_num":744,"body":"سنة ست وخمسمائة (¬١):\rفيها حفر البحر المعروف ببحر أبى المنجا، فابتدئ فى حفره فى يوم الثلاثاء السادس من شعبان، وأقام الحفر فيه سنتين. وكان أبو المنجا يهوديا وكان يشارف الأعمال الشرقية؛ فلما عرض على الأفضل ما أنفقه فيه استعظمه وقال: غرمنا هذا المال جميعه والاسم لأبى المنجا. فغير اسمه ودعا بالبحر الأفضلىّ، فلم يتمّ ذلك ولا عرف إلاّ بأبى المنجا (¬٢).\rوفيها أعلن شمس الخلافة أسد، والى عسقلان، بالخلاف، فعهد إلى صاحب الترتيب والقاضى فأخرجهما على أنه يرسلهما إلى الباب فى خدمة عرضت له، وإلى العسكر الذى كان يخاف شوكته؛ فأوهمهم أنّه يسيّرهم إلى بلاد العدوّ. فلمّا حصلوا خارج الثّغر أمرهم بالمسير إلى باب سلطانهم؛ وكان قد سيّر قبل ذلك العسكر من الباب على جهة البدل.\rفلمّا علم أسد المذكور بوصولهم إلى مدينة الفرما أنفذ إليهم يخيفهم ويشعرهم أن العدوّ قد تعدّاهم، فامتنعوا من التوجّه إلى عسقلان.\rفلمّا بلغ الأفضل ذلك عزم على أن يسير بنفسه إليه. ثم رأى أنّ إعمال الحيلة أنجع؛ فخادعه وأنفذ الكتب إليه يطمئنه ويصوّب رأيه فيما فعله فى صاحب التّرتيب والبدل، ولم يغيّر مكاتبته عن حالها، ولا تعرّض لإقطاعاته ورسومه وأصحابه؛ وسيّر فى الباطن من يستفسد الكنانيّة والرّجال المذكورة ويبذل لهم الأموال فى أخذه. ولم يزل يدبّر عليه حتى اقتنصت المنيّة مهجته؛ وذلك أن أهل بيروت أنكروا أمره، فوثب عليه طائفة وهو راكب، فجرحوه، وانهزم إلى داره فتبعوه وأجهزوا عليه، ونهبوا داره وماله، وتخطّفوا","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن والعشرين من يونيو سنة ١١١٢.\r(¬٢) وسبب حفره أن البلاد الشرقية كانت جارية فى ديوان الخلافة وكان معظمها لا تصله مياه الرى فى أغلب السنين ولما عرف الأفضل جملة ما أنفق فيه استعظمه وقال: غرمنا هذا المال جميعه والاسم لأبى المنجا، فغير اسمه ودعاه بالبحر الأفضلى فلم يتم ذلك ولم يعرف إلا بأبى المنجا. ولما تولى المأمون البطائحى الوزارة بعد مقتل الأفضل اتخذ لفتحه يوما كفتح خليج القاهرة، وبنى عند سده منظرة متسعة ينزل فيها عند فتحه. وكان السد يفتح فى عيد الصليب فى سابع عشر توت، ثم استقر الحال فيما بعد على أن يقطع يوم النوروز فى أول يوم من توت حرصا على رى البلاد. المواعظ والاعتبار: ١: ٤٨٧ - ٤٨٨، صبح الأعشى: ٣٠١:٣ - ٣٠٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277037,"book_id":167,"shamela_page_id":745,"part":"3","page_num":51,"sequence_num":745,"body":"بعض دور الشّهود والعامّة. فبادر صاحب السّيارة إلى البلد وملكه، وبعث برأس شمس الخلافة إلى الأفضل، فسرّ بذلك وأحسن إلى القادمين به.\rوكان قدوم الرأس فى يوم الأربعاء رابع المحرم، صحبة ثلاثة من الكنانيّة، فخلع عليهم؛ وطيف بالرأس، وزيّنت البلد سبعة أيام.\rوفيه خلع على ولده مختار ولقّب شمس الخلافة، وأنعم عليه بجميع مال أبيه.\rوسيّر بدله مؤيد الملك خطلخ، المعروف برزيق، واليا على الثغر.\rوفيها وصل يانس الناسخ من الشام، فاستخدم فى خزانة الكتب الأفضلية بعشرة دنانير فى الشهر وثلاث رزم كسوة فى السنة، والهبات والرّسوم.\rوفيها كتب إلى عسقلان بمطالبة من نهب دار شمس الخلافة وماله بما أخذه، فقبض على جماعة وحملوا إلى مصر فاعتقلوا بها.\rوفيها تسلّم نوّاب طغتكين صور من عزّ الملك أنوشتكين الأفضلى خوفا من بغدوين أن يأخذها، وقام بأمرها مسعود؛ فاستقرّت بيد الأتراك وأقرّوا بها الدّعوة المصريّة والسّكّة على حالها. وكتب طغتكين إلى الأفضل بأن بغدوين قد جمع لينزل على صور، وأنّ أهلها استنجدونى، فبادرت لحمايتها، ومتى وصل من مصر أحد سلّمتها إليه (¬١). فكتب يشكره على ما فعل. وتقدّم بتجهيز الأسطول إلى صور بالغلّة معونة لها.","footnotes":"(¬١) تجد اقتباسا من كتاب طغتكين إلى الأفضل فى ذيل تاريخ دمشق: ١٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277038,"book_id":167,"shamela_page_id":746,"part":"3","page_num":52,"sequence_num":746,"body":"سنة سبع وخمسمائة (¬١):\rفى أوّلها خرج الأسطول من مصر بالغلاّت والرجال إلى صور، وعليه شرف الدولة (بدر (¬٢) بن أبى الطيّب الدّمشقى (وكان (¬٣) متولّى طرابلس عند أخذ الفرنج لها، فوصل إلى صور سالما؛ ورخصت بها الأسعار، واستقام أمرها. وأنفذ معه بخلع جليلة إلى ظهير الدين طغتكين وولده تاج الملوك وخواصّه، ولمسعود متولّى صور. ثم أقلع فى آخر شهر ربيع الأول. فبعث بغدوين يطلب المهادنة من مسعود، فأجابه، وانعقد الأمر بينهما.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن عشر من يونيو سنة ١١١٣.\r(¬٢) بياض بالأصل استكمل من ذيل تاريخ دمشق: ١٨٨.\r(¬٣) زيد ما بين القوسين للتوضيح استعانة بما جاء فى ذيل تاريخ دمشق: ١٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277039,"book_id":167,"shamela_page_id":747,"part":"3","page_num":53,"sequence_num":747,"body":"سنة تسع وخمسمائة (¬١):\rفى ذى القعدة قفز على الأفضل عند باب الزّهومة (¬٢) من دكان صيرفىّ يعرف بالغار وسلم، فأخرجت الصدقات بسبب سلامته وقتل الصّيرفى وصلب على دكانه.\rوورد الخبر بأن بغدوين ملك الفرنج وصل إلى الفرما، فسيّر الرّاجل من العطوفيّة (¬٣)، وسيّر إلى والى الشرقية بأن يسيّر المركزية والمقطعين إليها، ويتقدّم إلى العربان بأسرهم أن يكونوا فى الطّوالع ويطاردوا الفرنج ويشارفوهم بالليل قبل وصول العساكر، وأن يسير بنفسه؛ فاعتد ذلك؛ ثم أمر بإخراج الخيام وتجهيز الأصحاب والحواشى. فوصلت العربان والعساكر فطاردوا الفرنج؛ فخاف بغدوين من يلاحق العساكر، فنهب الفرما وأخربها وألقى فيها النّيران، وهدم المساجد، وعزم على الرجوع، فأدركته المنيّة ومات. فأخفى أصحابه موته، وساروا وقد شقّوا بطنه وحشوه ملحا (¬٤). وشنّت العساكر الإسلاميّة الغارات على بلاد العدوّ، وخيّموا على ظاهر عسقلان ثم عادوا.\rوكانت الكتب قد نفذت من الأفضل إلى الأمير ظهير الدين طغتكين، صاحب دمشق، بعتبه ويقول له: «لا فى حق الإسلام ولا فى حق الدّولة التى ترغب فى خدمتها والانحياز","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع والعشرين من مايو سنة ١١١٥. ويلاحظ أن المؤلف ترك أحداث سنة ٥٠٨؛ وسيتكرر مثل هذا، كما سبق أن رأينا مثله فى الجزء الثانى من هذا الكتاب.\r(¬٢) من الأبواب الغربية للقصر الفاطمى الكبير، سمى بذلك لأن المواد التموينية، ومنها اللحوم وحوائج المطبخ، كانت تعبره إلى القصر، وكان فى آخر ركن القصر. والزهومة الزفر يعنى هو باب الزفر. المواعظ والاعتبار: ٤٣٥:١.\r(¬٣) لعل هذه التسمية نسبة إلى الأستاذ - الخادم - عطوف أحد خدام القصر من أتباع أم ست الملك بنت العزيز بالله الفاطمى أخت الحاكم. وإلى هذه الجماعة تنسب حارة العطوف بالقرب من باب النصر، وكانت من أجمل مساكن القاهرة وفيها من الدور العظيمة والمساجد والحمامات ما لا يدخل تحت حصر. وقد خربت كلها وبيعت أنقاضها. المواعظ والاعتبار: ١٣:٢ - ١٤؛ النجوم الزاهرة: ٥٠:٤.\r(¬٤) يقول أبو المحاسن: فشق أصحابه بطنه وصبروه ورموا حشوته هناك فهى ترجم إلى اليوم، بالسبخة، ودفنوه بقمامة. وسبخة بردويل، ويقال لها بحيرة البردويل، تقع على شاطئ البحر المتوسط على بعد تسعين كيلومترا شرقى بور سعيد، بين محطتى بئر العبد والمزار. النجوم الزاهرة: ١٧١:٥، فى المتن والتعليقات. وسيرد ذكر هذه الوفاة فى موضعها الصحيح ضمن أحداث سنة ٥١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277040,"book_id":167,"shamela_page_id":748,"part":"3","page_num":54,"sequence_num":748,"body":"إليها أن يتوجه الفرنج بجملتها إلى الدّيار المصرية ولا يتبين لك فيها أثر ولا تتبعهم، ولو كان وراءهم مثل ما كان أمامهم ما عاد منهم أحد». فلمّا وصل إليه الكتاب سار بعسكره إلى عسقلان، فتلقّاه المقدّمون، ونزل أعظم منزل، وحملت إليه الضّيافات. وحمل إليه من مصر الخيام وعدّة وافرة من الخيل والكسوات والبنود والأعلام، وسيف ذهب، ومنطقة ذهب، وطوق ذهب، وبدنة طميم، وخيمة كبيرة معلمة، ومرتبة ملوكية، وفرشها وجميع آلاتها وسائر ما تحتاج إليه من آلات الفضّة. وجهّز لشمس الخواص، وهو مقدّم كبير كان معه على عدّة كثيرة من العسكر، خلعه مذهبة ومنطقة ذهب وسيف ذهب؛ وجهّز برسم المتميّزين من الواصلين خلع مذهبة وحريريّة، وسيوف مغموسة بالذهب. فتواصلت الغارات على بلاد العدوّ، وقتل منهم وأسر عدد كبير.\rفلمّا دخل الشتاء وتفرّق العسكر والعربان، استأذن ظهير الدين على الانصراف، فأذن له، وسيّرت إليه وإلى من معه الخلع ثانيا؛ فحصل لشمس الخواصّ خاصة فى هذه السّفرة ما مقداره عشرة آلاف دينار؛ وتسلّم الأمير ظهير الدّين الخيمة الكبيرة بفرشها وجميع آلاتها؛ وكان مقدار ما حصل له ولأصحابه ثلاثين ألف دينار. وذكر أن المنفق فى هذه الحركة على ركاب بغدوين مائة ألف دينار.\rورعشت يد الأفضل، وصعب عليه إمساك القلم والعلامة (¬١) على الكتب، فأقرّر أخاه أبا محمّد جعفر المظفر فى العلامة، وجعل له خمسمائة دينار فى الشهر مضافا إلى رسمه، فعلّم عنه.\rواستهلّ شهر رمضان، فجرى الأمر فى نيابة الأجلّ سماء الملك، ولد الأفضل، عنه فى جلوسه بمحلّ الشباك، وقرّر له على هذه النّيابة فى هذا الشهر خمسمائة دينار، وبذلة مذهّبة، ورزمة كسوة فيها شقق حرير وغيرها. ولم يزل هذا الرّسم مستقرّا إلى أن أخذه","footnotes":"(¬١) عن العلامة يقول المقريزى إن العادة جرت على أن السلطان يكتب «خطه» على كل ما يأمر به، فأما مناشير الأمراء والجند وكل من له إقطاع فإنه يكتب عليه «علامته». المواعظ والاعتبار: ٢١١:٢؛ السلوك: ٣٤٤:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277041,"book_id":167,"shamela_page_id":749,"part":"3","page_num":55,"sequence_num":749,"body":"عباس بن تميم (¬١) فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة عند توليته حجبة بابه (¬٢). والبذلة وحدها تساوى خمسمائة دينار.\rوفيها استخدم ذخيرة الملك جعفر فى ولاية القاهرة والحسبة، فظلم وعسف، وبنى مسجدا عرف بمسجد لا بالله (¬٣).","footnotes":"(¬١) أبو الفضل عباس بن أبى الفتوح يحيى بن تميم بن المعز بن باديس، تزوجت أمه من العادل بن السلار وأقامت معه ردحا من الزمن، وأرسله ابن السلار، أيام وزارته، إلى الشام لحرب الصليبيين، فتآمر قرب بلبيس على قتل ابن السلار، وحضر ابنه نصر المؤامرة وتولى تنفيذها، ثم تولى عباس بعد ذلك الوزارة للفاطميين. انظر: الفاطميون فى مصر: ٢٩٦ وما بعدها.\r(¬٢) هكذا فى الأصل والأولى أن تكون: حجبة الباب، لأن عباسا لم يتول الحجبة، ثم الوزارة، إلا فى أيام الخليفة الظافر بالله، كما سيرد تفصيل ذلك فى موضعه.\r(¬٣) و «سبب تسميته بذلك أنه كان يقبض الناس من الطريق ويعسفهم، فيقولون له: لا بالله، فيقيدهم ويستعملهم فيه بغير أجرة. ولم يعمل فيه صانع إلا وهو مكره مقيد فابتلى الله ذخيرة الملك بأمراض شديدة، ولما مات تجنب الناس الصلاة عليه وتشييعه». نهاية الأرب: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277042,"book_id":167,"shamela_page_id":750,"part":"3","page_num":56,"sequence_num":750,"body":"سنة عشر وخمسمائة (¬١):\rسنة احدى عشرة وخمسمائة (¬٢):\rفى ذى الحجّة خرج أمر الآمر بأحكام الله بنفى بنى عبد القوى، فنفوا إلى الأندلس بأهاليهم.\rوفيها وصل بغدوين إلى الفرما وأحرق جامعها وأبواب المدينة ومساجدها، وقتل بها رجلا مقعدا وابنة له ذبحها على صدره، ورحل وهو مثخن مرضا، فمات قبل العريش، فشق بطنه ورمى ما فيه هناك، فهو يرجم إلى اليوم، ويعرف مكانه بسبخة بردويل؛ ودفنت رمته بقمامة من القدس (¬٣).\rوقام من بعده بملك القدس القمص صاحب الرّها (¬٤) بعهده إليه.\rونزل الفرنج حوران (¬٥)، وملكوا من أعمال حلب بزاعة وخرتبرت؛ وملكوا مدينة صور.\rوفيها خرج محمد بن تومرت (¬٦) من مصر فى زى الفقهاء ومضى إلى بجاية (¬٧)","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السادس عشر من مايو سنة ١١١٦. وبهامش الأصل عند هذا الموضع العبارة: «بياض نحو ثلث صفحة». ولا شيء عن أحداث هذه السنة.\r(¬٢) ويوافق أول المحرم منها الخامس من مايو سنة ١١١٧.\r(¬٣) سبق الحديث عن وفاة بلدوين هذا فى أحداث سنة ٥٠٩؛ ويوافق أبو المحاسن المؤلف فى ذكر هذه الوفاة فى سنة ٥٠٩. والواقع أن الوفاة حدثت فى سنة ٥١١ كما ورد هنا وفى نهاية الأرب للنويرى وفى الكامل وفى المصادر الأوربية. قارن النجوم الزاهرة: ١٧١:٥؛ نهاية الأرب: ٢٨؛ الكامل: ١٩١:١٠؛ الحروب الصليبية تأليف ارنست باركر؛ The Crusaders in the East فى مواضع متفرقة.\r(¬٤) وهو Baldwin II،de Burgh أمير الرها بين سنتى ٤٩٤ - ٥١١ (١١٠٠ - ١١١٨)، ثم ملك بيت المقدس ٥١٢ - ٥٢٧ (١١١٨ - ١١٣١).\r(¬٥) كورة واسعة من أعمال دمشق تتبعها قرى كثيرة ومزارع وحرار. معجم البلدان: ٣٦٠:٣ - ٣٦١.\r(¬٦) بربرى من قبيلة مصمودة، دعا إلى التوحيد فى أوائل القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) وتلقب بالمهدى، وتوفى سنة ٥٢٢ تاركا زعامة قومه لقائد جيوشه وصديقه عبد المؤمن بن على الذى بدأ حكم أسرة الموحدين بعد أن واصل فتوحه فى ما يعرف الآن بالجزائر والمغرب، فأسقط دولة المرابطين سنة ٥٤١ (١١٤٦). كتاب الروضتين: ج ١: ٣٢٢ (تحقيق محمد حلمى محمد أحمد)؛ معجم الأنساب؛ Mohammadan Dynasties\r(¬٧) وهى باغاية. انظر الجزء الأول من هذا الكتاب: ٧٥: حاشية: ٢، وهى بين مجانة وقسنطينة. معجم البلدان: ٤١:٢؛ المغرب: ٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277043,"book_id":167,"shamela_page_id":751,"part":"3","page_num":57,"sequence_num":751,"body":"سنة اثنتى عشرة وخمسمائة (¬١):\rفيها مات الأمير نور الدّولة أبو شجاع فاتك (¬٢)، والد القائد أبى عبد الله بن فاتك، فأخرج له الأفضل من ثيابه بذلة حريرية وقارورة كافور وشققا مزيدى دبيقى (¬٣) ونصافى، وطيبا وبخورا وشمعا، وحمل له من القصر أضعاف ذلك. وخرج الأفضل والأمراء، وجميع حاشية القصر، إلى الإيوان، فخرج الخليفة وصلّى عليه؛ ثم أخرج فدفن.\rوتردّد الناس إلى التربة. وفرّقت الصّدقات إلى تمام الشهر.\rوكان بيد نور الدين زمر الضّاحكيّة والفراشين (¬٤) وصبيان الركاب (¬٥) والسّلاح الخاص بجار ثقيل ورسوم كثيرة. وهؤلاء الضاحكية (كانوا) يعرفون بهذه الرّسوم قديما عند وصولهم مع المعزّ إلى مصر، وهم يلبسون المناديل ويرخون العذب ويلبسون الثّياب بالأكمام الواسعة، وفى أرجلهم الصّاجات؛ وفى الأعياد يشدّون أوساطهم بالعراضى الدبيقى، ولا يتقدّمهم أحد إلى الخليفة على ما جرت به عادتهم فى المغرب.\rوفيها قفز على الأفضل ثانيا، وخرج عليه ثلاثة نفر بالسّكاكين، فقتلوا، وعاد سالما؛ فاتّهم أولاده، وصرّح بالقول فيهم، وأخذ دوابّهم، وأبعد حواشيهم، ومنعهم من التصرّف؛ وبالغ فى الاحتراز والتّحفّظ.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الرابع والعشرين من ابريل سنة ١١١٨.\r(¬٢) يلقبه النويرى ثقة الدولة أبا شجاع بن الأمير منجد الدولة أبى الحسن مختار المستنصرى.\r(¬٣) الدبيقى نوع من الأقمشة الحريرية المزركشة التى كانت تصنع فى دبيق، على بحيرة المنزلة قرب تنيس. النجوم الزاهرة: ٨١:٤ حاشية: ٣.\r(¬٤) الفراشون من خدم القصور لتنظيفها داخلا وخارجا، ونصب الستائر المحتاج إليها والمناظر الخارجة عن القصر. صبح الأعشى: ٥٢٢:٣.\r(¬٥) صبيان الركاب، الركابية، الركابدارية: الذين يحملون الغاشية بين يدى الخليفة أو السلطان فى المواكب، ويتبعون بيت الركاب الذى تكون به السروج واللجم. والغاشية سروج مذهبة تبدو كأنها كلها من الذهب. صبح الأعشى: ٤٧٢:٣، ٧:٤، ١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277044,"book_id":167,"shamela_page_id":752,"part":"3","page_num":58,"sequence_num":752,"body":"وفيها وردت التجار من عيذاب (¬١) ذاكرين أنه خرج عليهم فى مراكب شنّها قاسم بن أبى هاشم، صاحب مكة، فقطعت عليهم الطريق وأخذ جميع ما كان معهم. فغضب الأفضل وقال:\rصاحب مكّة يأخذ تجّارا من بلادى، أنا أسير إليه بنفسى بأسطول أوله عيذاب وآخره جدّة. ثم تقرر الحال على مكاتبة الأشراف بمكة وإعلامهم ما فعله أمير مكة، وأقسم فيه أنه لا يصل إلى مكة من أعمال الدّولة تاجر ولا حاجّ إلى أن يقوم بجميع ما أخذه من أموال التجّار. وكتب إلى والى قوص بأن يسير بنفسه أو من يقوم مقامه، إلى عيذاب، ومهما وصل من جدة من الجلاب لا يمكّن أحدا من الركوب فيها، وأن يتشوّف ما يدخل عيذاب من الشوانى (¬٢) والحراريق (¬٣)، فمهما كان يحتاج إلى إصلاح ومرمّة ينجز الأمر فيه؛ ويشعر أهل البلاد بوصول الرجال والأموال لغزو البلاد الحجازيّة. وتقدّم إلى المستخدمين بصناعة مصر بتقديم خمسة حراريق وتكميلها ليسيروا إلى الحجاز.\rفلمّا وردت المكاتبة على الأشراف بمكة ولم يصل إليها أحد اشتدّ الأمر عندهم وتحرّك السعر، فبعثوا رسولا من أميرهم، فلمّا وصل ساحل مصر لم يؤبه له ولا أجرى عليه ضيافة، وقيل له: ما يقرأ لك الكتاب ولا يسمع منك خطاب دون إعادة المأخوذ من التجار إليهم.\rوشاهد مع ذلك الجدّ والاهتمام بأمر الأساطيل وتجهيز العساكر إلى صاحبه، فالتزم بإحضار جميع أموال التجار، وسأل التوقّف قبل الإسراع بما عوّل عليه من قصد صاحبه؛ وأجّل لعوده أجلا قريبا. فأجيب إلى ذلك، وسار. فلم ينقض الأجل حتى عاد وصحبته جميع","footnotes":"(¬١) أول سواحل مصر على البحر الأحمر (القلزم). «وكان أكثر السواحل واصلا لرغبة رؤساء المراكب فى التعدية من جدة إليه، وإن كانت باحته متسعة لغزارة الماء وأمن اللحاق بالشعب الذى ينبت فى قعر هذا البحر. ومن هذا الساحل يتوصل إلى قوص بالبضائع». صبح الأعشى: ٤٦٤:٣.\r(¬٢) الشينى، ويسمى الغراب أيضا، مركب حربية لها مائة وأربعون مجدافا فيها المقاتلة والمجدفون، ويقابلها بالفرنسية galere . قوانين الدواوين: ٣٣٩ - ٣٤٠؛ Dozy;Supp.Dict.ar .\r(¬٣) الحراريق والحراقات جمع حراقة: ضرب من السفن الحربية فيها أجهزة لرمى النيران على الأعداء فى البحر. قوانين الدواوين: ٤٥٣ - ٤٥٤؛ Dozy;Supp.Dict.ar .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277045,"book_id":167,"shamela_page_id":753,"part":"3","page_num":59,"sequence_num":753,"body":"ما أخذ من التجار من البضائع والأموال؛ فحملت إلى الجامع العتيق بمصر بمحضر من الرّعايا، وهم يعلنون بالشكر والدعاء. واحتاط متولّى الحكم عليه إلى أن تحضر جماعة التجار ويجرى الأمر على ما توجبه الشريعة. وخلع على الرسول وأحسن إليه ووصل.\rومرض الأفضل بحمّى حادّة ثم عوفى، فدفع للطبيب ثلاثمائة دينار (¬١).","footnotes":"(¬١) بهامش الأصل عبارة تقول: بياض نحو ورقة. ولعل المؤلف كان قد ترك هذا الفراغ ليتحدث عن السنتين ٥١٣ - ٥١٤ إذ نجده يتحدث بعد هذا الفراغ عن أحداث سنة ٥١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277046,"book_id":167,"shamela_page_id":754,"part":"3","page_num":60,"sequence_num":754,"body":"سنة خمس عشرة وخمسمائة (¬١):\rفيها قتل الأفضل بن أمير الجيوش يوم الأحد سلخ شهر رمضان وعمره سبع وخمسون سنة، لأنّ مولده بعكا سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وكان سبب ذلك أنه لمّا كان ليلة عيد الفطر جهّز ما جرت العادة بتجهيزه من الدّوابّ والآلات لركوب الخليفة (¬٢)، وجلس بين يديه إلى أن عرضت الطبول على العادة كل سنة والدواب والسلاح؛ ثم عاد وأدّى ما يجب من سلام الخليفة فتقدّم إلى القائد أبى عبد الله بن فاتك بأن يأمر صاحب السّير أن يصفّ العساكر إلى صوب باب الخوخة (¬٣). وركب الأفضل من مكانه والناس على طبقاتهم، وخرج من باب الخوخة قاصدا دار الذهب (¬٤)، فلما حصل بها وقع التعجّب من الناس فى نزوله ليلة الموسم، ولم يعلم أحد ما قصد؛ وكان قصده أن يكمّل تعليق المجلس الذى يجلس فيه. فصلّى بدار الذهب الظهر، فلما قرب العصر ركب منها وقد انصرف أكثر المستخدمين ظنّا منهم أنه يبيت فيها. فسار إلى الزهرى فإذا الأمراء والأجناد والمستخدمون والرهجية قد اتجهوا لخدمته، وكان قد ضجر وتغيّر خلقه ولا سيّما فى الصيام. فلما رأى اجتماع الناس وكثرتهم أبعدهم، فتقدّموا ووقفوا عند باب السّاحل، فأنفذ أيضا يخرج من أبعدهم، وبقى فى عدّة يسيرة، وأبعد صبيان السلاح من ورائه؛ فوثب عليه من دكان دقّاق بالملاحين أربعة نفر متتابعين كلّما اشتغل من حوله واحد خرج","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى والعشرين من مارس سنة ١١٢١. وأمام هذا التاريخ بهامش الأصل عبارة تقول: بياض نحو صفحة.\r(¬٢) انظر كتاب صبح الأعشى: ٥٠٨:٣ - ٥١٢؛ النجوم الزاهرة: ٩٤:٤ - ٩٧ لمعرفة وصف موكب الخليفة فى الاحتفال بعيدى الفطر والأضحى.\r(¬٣) بالقرب من قنطرة الموسكى على ما ذكره القلقشندى. وموقعه مما يلى الخليج فى حد القاهرة البحرى ويخرج منه إلى الخليج الكبير. وكان هذا الباب يعرف أولا بخوخة ميمون دبه، ويكنى بأبى سعيد، أحد خدام العزيز بالله. المواعظ والاعتبار: ٤٥:٢؛ صبح الأعشى: ٣٥٠:٣.\r(¬٤) قصر الذهب، أو قاعة الذهب، هو إحدى قاعات القصر الكبير. وبنى قصر الذهب هذا فى عهد العزيز بالله، وكان يدخل إليه من باب الذهب، وكان الخلفاء يجلسون فى هذا القصر أيام المواكب وبه كان يعمل سماط شهر رمضان ومسماط العيدين للأمراء، وبه كان سرير الملك. المواعظ والاعتبار: ٣٨٥:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277047,"book_id":167,"shamela_page_id":755,"part":"3","page_num":61,"sequence_num":755,"body":"غيره؛ فرمى من الفرس إلى الأرض، وضربوه ثمان ضربات. وكان القائد (¬١) بعيدا منه لأخذ رقاع الناس وسماع تظلمهم وتفريق الصدقات على الفقراء بالطّريق؛ فلمّا سمع الضوضاء أسرع إليه ورمى نفسه إلى الأرض عليه، فوجده قد قضى نحبه. وحمل على أيدى مقدّمى ركابه والقائد راجل، وهم يبشرون الناس بالسّلامة. وقتل من الذين خرجوا عليه ثلاثة وقطعوا وأحرقوا، وسلم الرّابع، وكان اسمه سالما، ولم يعلم به إلاّ لمّا ظفر به مع غيره بعد مدة.\rولم يزل الأفضل محمولا ولا يمكّن أحد من الوصول إليه إلى أن دخل به على مرتبته التى كان يجلس عليها أو يمطّى. وقال (القائد) (¬٢) للخليفة أدركنى وتسلّم ملكك لئلا أغلب عليه. وصار أىّ من لقيه يهنّئه بسلامة السلطان ويوهم أهله أن الطبيب عنده، ويأمرهم بتهيئة الفراريج والفواكه. وعاد إلى قاعة الجلوس فوجدها قد غصت بالناس، فردّ عليهم¬ السّلام وهنأهم، وأظهر قوّة عزم؛ ثم عاد إلى القاعة الكبيرة وقد حضر إليه متولّى المائدة الأفضليّة واستأذنه على السّماط المختصّ بالعيد فقال له اذبح ووسّع، فالسّلطان بكلّ نعمة وهو الذى يجلس على السماط فى غد؛ ومع ذلك فكان فى قلق وخوف شديد من أن يبلغ أولاد الأفضل فيجرى عنهم ما لا يستدرك وتنهب الدّار.\rفلمّا أصبح الصّباح وركب الخليفة ودخل إلى الدّهليز الذى كان يركب منه الأفضل ومعه الأستاذون المحنّكون قال القائد أبو عبد الله للخليفة: عن إذن مولانا أفتح الباب؛ وكان قد منع من الدّخول إلى الدّار؛ فقال الخليفة: نعم ففتح (على) (¬٣) الأفضل وقال له القائد:\rالله يطيل عمر أمير المؤمنين ويفسح فى مدّته ويورثه أعمار مماليكه؛ هذا وزيره قد صار إلى الله تعالى، وهذا ملكه يتسلّمه. ثم ضربت للوقت المقرمة (¬٤) على الأفضل؛ وأمر الخليفة بإحضار من بالقاعة من الأمراء والأجناد، فدخل النّاس على غير طبقاتهم إلى أن مثلوا بين","footnotes":"(¬١) وهو أبو عبد الله محمد بن ثقة الدولة أبى شجاع المعروف بالمأمون البطائحى.\r(¬٢) زيد ما بين القوسين للتوضيح استعانة بما جاء فى نهاية الأرب: «والقائد وإخوته لا يمكنون أحدا من الدنو منه .. وأنفذ المأمون أخاه حيدرة الى الآمر يقول له: أدركنى وتسلم ملكك لئلا أغلب عليه أنا وأنت. وأوصاه أن يهنئ من وجده بسلامة الأفضل، ففعل حيدرة ذلك». نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٣) زيد ما بين القوسين لاحتياج السياق إليه.\r(¬٤) القرام والمقرم والمقرمة ستار فيه رقم ونقوش.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277048,"book_id":167,"shamela_page_id":756,"part":"3","page_num":62,"sequence_num":756,"body":"يدى الخليفة وهو قاعد على الحصير عند المقرمة، فقال الخليفة للأمراء: هذا وزيرى قد صار إلى الله تعالى، ومنكم إلىّ ومنى إليكم، وقد كان القائد واسطته إليكم وهو اليوم واسطتى إليكم. فشكر الحاضرون ذلك؛ هذا والقائد وولده مشدودو الأوساط بالمناطق وصاحب الباب على ما كانوا عليه. وتقدّم إلى الشيخ أبى الحسن بن أبى أسامة أن يكتب إلى الأعمال بذلك، وأمر الأمراء بالانصراف.\rثم قال القائد: يا مولانا؛ الأموال والجواهر على اختلافها فى الخزائن الكبار عنده، وهى مقفلة ومفاتيحها عندى، وختم عليها وهى فى بيت المال المصون؛ وكذلك المفضّض التى عند المستخدمين برسم الاستعمال والميناء الذهب المرصّعة والتى بغير ترصيع، والبلّور التى برسم استعماله؛ جميع ذلك مثبت عند متولّى دفتر المجلس إلا خزانة الكسوة التى برسم ملبوسه ما عندى منها خبر، فأمر من يدخل ويختم عليها. فأمر متولّى الخزائن الخاص، وكان سيف الأستاذين، ومتولّى بيت المال ومتولّى الدفتر، وهم كبار الأستاذين المحنّكين بأن يدخلوا ويجتمعوا، ولا يعترض غيرها لا لولده ولا لجهته ولا لبناته ولا لأحد من عياله.\rفتوجّهوا وقرعوا الباب. فلما شاهدهم النّساء تحقّقوا الوفاة، وقام الصّراخ من جميع جوانب المواضع؛ وكانت ساعة أزعجت كلّ من بمصر والجيزة والجزيرة؛ ثم أسكتوا.\rوأنفذت الرّسل لختم الخزائن التى بمصر. فبينما هم على ذلك فى الليل إذ وصل إلى الخليفة رقعتان على يد أستاذ من القاهرة، من رجلين من جملة الحاشية، يذكران فيها أن أولاد الأفضل قد جمعوا عدّة وشنّعت حاشيتهم أنّ فى بكرة هذه الليلة يستنصرون بالبساطية والأرمن ويثورون فى طلب الوزارة لأخيهم الأكبر. فامتعض الخليفة لذلك، وهمّ بالإرسال إليهم وقتلهم؛ ثم تقرّر الأمر على أن يودعوا الخزانة (¬١) من غير إهانة ولا قيود؛ فتوجّه إليهم، فإذا جميع حاشيتهم وغيرها عندهم، والخيل قد شدّت، فأودعوا الخزانة.","footnotes":"(¬١) المقصود بها خزانة البنود وكانت فى الأصل خزانة للسلاح وللأعلام، واستعملت فى حالات كثيرة معتقلا لكبار القوم إذا غضب عليهم الخليفة، وفيها كانوا يقتلون ويدفنون. وفى أيام الناصر محمد بن قلاون أصبحت سجنا للأسرى من الفرنج. المواعظ والاعتبار: ٤٢٣:١ - ٤٢٥؛ النجوم الزاهرة: ٤٧:٤؛ والجزء الثانى من هذا الكتاب فى مواضع متفرقة؛ وصبح الأعشى: ٣٥٤:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277049,"book_id":167,"shamela_page_id":757,"part":"3","page_num":63,"sequence_num":757,"body":"فلمّا أصبح الصباح كان قد حمل من القصر فى الليل طوافير (¬١) فيها عدّة موائد للفطر فى يوم العيد، وحمل برسم فطر الخليفة الصّوانى الذهب وعليها اللّفائف الشّرب المذهبة. وكان قد هيّئ للخليفة من اللّيل موضع للمبيت بحيث يبعد عن الأفضل، وعيّن من وقع الاختيار عليه لقراءة القرآن عند الأفضل.\rفلمّا كان السّحر من عيد الفطر جئ بين يدى الخليفة بما أحضر من قصوره فى مواعينه الذهب المرصّعة، وعليها المناديل المذهّبة من التّمر المحشو والجوارشيات بأنواع الطيب وغير ذلك؛ فاستدعى الخليفة القائد وأمره بالمضىّ إلى باب الحرم لإحضار الأجلّ المرتضى ابن الأفضل؛ فمضى لذلك، فأبت أمّه من تمكّنهم منه؛ فما زال بها حتّى أسلمته إليه بعد جهد. فأتى به الخليفة فسلم به، وضمّه الخليفة إليه وقبّله بين عينيه، وأجلسه عن يمينه والقائد عن شماله، وبقية الخواصّ على مراتبهم.\rثم كبر مؤذنو القصر، فسمّى الخليفة وأخذ تمرة وأكل بعضها وناولها للقائد، ثم ناول الثانية لولد الأفضل؛ فقام كلّ منهما وقبّل الأرض ولم يجلس. وتقدّم كلّ من الحاضرين فأخذ من يد الخليفة من التّمر ووقف. فاستدعى القائد الفراش الذى معه الصينيتان النحاس، وأمر فرّاشى الأسمطة بنقل ما فى الأوانى التى بين يدى الخليفة فى الصّوانى لتفرّق فى الأمراء الذين بالقاعة والدّهاليز، فنقلت إليها وحملت إلى المقرمة التى الأفضل وراءها وختم المقرءون.\rثم أظهر الخليفة الحزن على فقد وزيره، فتلثّم وتلثّم جميع المحنّكين والحاشية، وجلس الخليفة على المخدة عند المقرمة، وأمر حسام الملك، حاجب الباب، بإحضار القاضى والدّاعى والأمراء، فدخل الناس على طبقاتهم. فلمّا رأوا زىّ الخليفة اشتد البكاء والعويل، وخرّق كلّ أحد ما عليه، ورميت المناديل، يعنى العمائم، إلى الأرض، وبكى الخليفة وحاشيته ساعة. ثم سأل القائد الخليفة أن يفطر على ثمرة بحيث يشاهده جميع من حضر، ففعل ذلك.\rثم أشار الخليفة إلى القائد أن يكلّم الناس عنه: فقال: أمير المؤمنين يردّ السّلام","footnotes":"(¬١) جمع طيفور، إناء كبير كالصينية يستخدم لحمل الأطعمة والحلوى، يحملها الفراشون على رءوسهم فى شدة. النجوم الزاهرة: ٩٣:٤؛ صبح الأعشى: ٥٢٥:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277050,"book_id":167,"shamela_page_id":758,"part":"3","page_num":64,"sequence_num":758,"body":"عليكم، وقد شاهدتم فعله وكونه لم يشغله مصابه بوزيره ومدبّر دولته ودولة آبائه عن قضاء فرض هذا اليوم، وقد أفطر بمشاهدتكم، وأمركم بالإفطار. فمسح الخليفة بيده على الصّوانى، وتقدّم القائد إلى الخليفة وصار يناوله من الصّوانى بيده؛ فأول ما مدّ إلى القاضى ثم الدّاعى، ونزل الناس للأكل. ورفعت الصوانى، فأخذ القائد يد الداعى وقرّبه من الخليفة، فناوله الخليفة الخطبة، وكانت على يساره ملفوفة فى منديل شرب بياض مذهب، فقبّلها الداعى وجعلها على رأسه، وضمّها إلى صدره. وتقدّم القائد لحسام الملك بأن يأخذ الأمراء جميعهم ويطلعون إلى المصلّى بالقاهرة لقضاء الصّلاة، فتوجّهوا فى زىّ الحزن والمؤذنون بين أيديهم. فصلّى الداعى بالناس، ثم صعد المنبر فوقف على الدّرجة الثالثة منه، وخطب. وكانت الخطبة مبيّتة فيها الدعاء للأفضل والترحّم عليه (¬١)\rوعند ما توجه الناس إلى المصلّى أمر ولد الأفضل بالمضىّ إلى أمه وإخوته وجهات أبيه ليردّ عليهم¬ السّلام من أمير المؤمنين ويفطرهم.\rوخلا الخليفة بالقائد وأمره بإخراج جميع الجواهر؛ فقام إلى خزانة كانت قد بنيت برسم الأفضل، فوجد بها خيمة، ففتحها وأخرج قمطرين عليهما حلية ذهب مملوءين جواهر ما بين عقود مفصلة بياقوت وزمرد وسبح؛ وقمطرا فيه إحدى عشرة شرابة طول كلّ شرابة شبران بجواهر ما يقع عليها نظر؛ وصناديق فضة مملوءة مضافات ما بين عصائب وتيجان ذهب مرصّعة بجواهر نفيسة. ففتحت كلها، فشاهد الخليفة منها ما لا يوصف؛ فسرّ بذلك سرورا كبيرا، وشكر القائد وقال: «والله إنّك المأمون حقّا ما لك فى هذا النّعت شريك». فقبّل الأرض ويديه.\rولهذا النّعت قضيّة. وذلك أنه لمّا كان فى الأيام المستنصريّة، وعمر القائد يومئذ اثنتا عشرة سنة، وكان من جملة خاصّة المستنصر يرسله إلى بيت المال وخزانة الصاغة فى مهمّاته، فيجد منه النهضة والأمانة، فيقول هذا المأمون دون الجماعة. ودرجت","footnotes":"(¬١) يقول النويرى: ونال الناس بعد قتل الأفضل من الظلم والجور والعسف ما لا يعبر عنه، فجاء الناس إلى باب الآمر واستغاثوا، ولعنوا الأفضل وسبوه أقبح سب، فخرج إليهم الخدم وقالوا: مولانا يسلم عليكم ويقول لكم ما السبب فى سب الأفضل وقد كان أحسن إليكم وعدل فيكم؟ فقالوا: إنه عدل وتصدق وحسنت آثاره، ففارقنا بلادنا حبا لأيامه وأقمنا فى بلده، فحصل بعده هذا الجور، فهو السبب فى خروجنا عن أوطاننا واستقرارنا ببلده. نهاية الأرب: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277051,"book_id":167,"shamela_page_id":759,"part":"3","page_num":65,"sequence_num":759,"body":"السّنون، فذكرها الخليفة الآمر فى ذلك الوقت فقال له: أنت المأمون على الحقيقة لأجل ذلك (¬١).\rثم عاد حسام الملك أفتكين صاحب الباب، والداعى وجميع الأمراء من المصلّى، ومثلوا بين يدى الخليفة. ووقع حينئذ الاهتمام بتجهيز الأفضل؛ وتقدّم إلى زمام القصور بإخراج ما قد مازجه عرف الأئمة، وتقدّم إلى ريحان متولّى بيت المال بإخراج ما يجب إخراجه برسم المأتم؛ فمضيا. وتقدّم إلى حسام الملك بإعلام الأمراء والاجناد والشّهود والقضاة والمتصدّرين والمقرّبين وبنى الجوهرىّ الوعاظ وغيرهم لحضور الجنازة وتلاوة القرآن.\rفعاد زمام القصور ومتولّى بيت المال ومعهما عشرون صينية ملفوفة فى عراض دبيقى بياض مملوءة صندلا مطحونا، ومسكا وكافورا وحنوطا وقطنا، وفى صدر الآخر منديل ديباج فيه ما رسم بإحضاره من ملابس الخلفاء وطيالسهم. ووصلت أيضا الموائد على رءوس الفراشين، وهى مائة شدة، صحبة متولى المائدة الآمريّة؛ فمدّ السّماط بين يدى الخليفة، ومدّ سماطان، أحدهما بالقاعة وهو برسم الأمراء، والآخر برسم القاضى والدّاعى والشهود والمقرّبين والوعّاظ والمؤمنين، وحمل إلى الجهات الأفضليات شيء كثير.\rفلمّا انقضى الأكل عاد الجميع بالقاعة، وذكر أنه ختم على الأفضل فى هاتين الليلتين واليوم نيّف وخمسون ختمة. فلمّا انقضى معظم الليلة، الثانى من شوال، تقدم الخليفة بإحضار داعى الدعاة، ولىّ الدولة ابن عبد الحقيق، وأمره بغسل الأفضل على ما يقتضيه مذهبه، وكفّن بما حضر من القصر، وأخرج للداعى بذلتان مكملتان، مذهبة وحرير، عوضا عمّا كان على الأفضل من ثياب الدّم، فإنها لم تنزع عنه، وعند كمال غسله دفع للدّاعى ألف دينار.\rفلمّا كان فى الثالثة من نهار يوم الثلاثاء ثانى شوال خرج التّابوت بالجمع الذى لا يحصى،","footnotes":"(¬١) وعند ما مثل الشاعر القاضى أبو الفتح ابن قادوس بين يدى المأمون البطائحى للتهنئة أشار إلى هذه النعوت بقوله:\rقالوا: أتاه النعت. وهو السيد ال … مأمون حقا، والأجل الأشرف\rومغيث أمة أحمد، ومجيرها … ما زادنا شيئا على ما نعرف\rالمواعظ والاعتبار: ٤٤١:١. راجع ترجمة هذا الشاعر فى خريدة القصر قسم شعراء مصر: ٢٢٦:١ - ٢٣٤. وسيرد هذان البيتان فى المتن بعد صفحات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277052,"book_id":167,"shamela_page_id":760,"part":"3","page_num":66,"sequence_num":760,"body":"والناس بأجمعهم رجّالة، وليس وراءهم راكب إلاّ الخليفة بمفرده وهو ملثّم. فلمّا خرج التابوت من بلد مصر أمر الخليفة بركوب القائد والمرتضى ولد الأفضل. وذكر أن الشيخ أبا الحسن بن أبى أسامة ركب حمارا، فلمّا وصلت الجنازة إلى باب زويلة ترجّل القائد والمرتضى ومشيا؛ وبعث الخليفة خواصّه إلى أخويه أبى الفضل جعفر وأبى القاسم عبد الصمد، وأمرهما إذا وصل التّابوت إلى باب الزّهومة (¬١) (أن) (¬٢) يخرجا بغير مناديل، بعمائم صغار وطيالس؛ فإذا قضيا (¬٣) ما يجب من حقّ سلام الخليفة سلّما على القائد أبى عبد الله بمثل ما كانا يسلّمان على الأفضل، ويمشيان معه وراء التابوت. فاعتمدا ذلك. فاستعظم النّاس هذه الحالة والمكارمة؛ ولم يزالا مع النّاس وراء التّابوت إلى أن دخل من باب العيد (¬٤).","footnotes":"(¬١) كان فى آخر ركن القصر مقابل خزانة الدرق التى أصبحت فى أيام المقريزى تعرف بخان مسرور، وأمامه درب السلسلة، وهو من الأبواب الغربية للقصر. والزهومة: الزفر، وسمى بذلك لأن حوائج المطبخ كانت تنقل إليه منه. وموضعه اليوم بأول شارع خان الخليلى من جهة شارع بين القصرين. المواعظ والاعتبار: ٤٣٥:١؛ النجوم الزاهرة: ٣٦:٤.\r(¬٢) أضيف ما بين القوسين لأن السياق يقتضيه.\r(¬٣) فى الأصل قضوا.\r(¬٤) من الأبواب الشرقية للقصر الكبير بخط رحبة العيد داخل درب السلامى. سمى بذلك لأن الخلفاء كانوا يخرجون منه فى يومى العيد إلى المصلى بظاهر باب النصر. وموقعه الآن بحوش وكالة عبده بشارع قصر الشوق: المواعظ والاعتبار: ٤٣٥:١؛ النجوم الزاهرة: ٣٥:٤.\rمقابل هذا بالأصل طيارة جاء فيها بعد سطرين غير واضحين مطلقا: « … كل مسمار مائتا مثقال على كل مسمار عمامة لون، وخلف عشرة صناديق فيها من نفيس الجوهر ومن القضب الزمرد التى لا يوجد مثلها، وخلف خمسمائة صندوق من دق تنيس ودمياط … وخلف من الزبادى الصينى والبلور والمحكم … وثلاثة آلاف ملعقة ذهبا، وعشرة آلاف زبدية فضية كبار وصغار، وأربع قدور ذهب وزن كل قدر مائة رطل بالمصرى، وستة آلاف خريطة ديباج، وثلاثة آلاف وسبعمائة خاتم ذهب بفصوص ياقوت وزمرد وألف خريطة مملوءة دراهم - خارجا عن الأرادب - فى كل خريطة عشرة آلاف درهم. ومن الخدم والرقيق والخيل والبغال والجمال والسروج المحلاة ومن حلى النساء ما لا يحصى عدده إلا الله تعالى. وأقام الآمر بدار الملك طول شهر ويحمل فى كل يوم على مائتى جمل إلى القاهرة من دار الملك دفعتين فى النهار ودفعة فى الليل طول الشهر، مائتى جمل كل يوم. وخلف ألف حسكة فضة وثلاثة آلاف نرجسة فضة وألف صدر ذهب وألفى صدر فضة منقوشة، وثلاثمائة ثور ذهب وأربعة آلاف ثور فضة وألف بوق كبير من ذهب، وخلف من المراكب، يعنى السروج، المرصعة مائة مركب، ومن الآلات والبسط الأرمنية والأندلسية والطبرستانية ما ملئ به خزائن الإيوان. وداخل قصر الزمرد من الجاموس وبقر الخيس والأغنام ما يباع لبنه فى كل سنة بضمان أبى الحسين بن يزيد بثلاثين ألف دينار، وفى حاصل الأهراء والمناخات ما لا يحصى كثرة ولا يعرف مقداره».\rثم ورد فى نفس الطيارة بعد هذا مباشرة: «وعند قوله والأفضل هو الذى أنشأ بستان البعل ما مثاله بخط المؤلف: وحمل الأفضل فى داره … واقترح على الشعراء النظم فيها (وأنشد) لنفسه:\rنزهة عين الغاب والناظر … ومجلس للملك الناصر\rكأنما الأفضل فى أفقها … شمس الضحى فى الفلك الدائر","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277053,"book_id":167,"shamela_page_id":761,"part":"3","page_num":67,"sequence_num":761,"body":"فلمّا صار التابوت فى وسط الإيوان همّ الخليفة بأن يترجل، فسارع إليه القائد والمرتضى، وصاح الناس بأجمعهم: العفو يا أمير المؤمنين. عدّة مرار. فترجّل الخليفة على الكرسىّ، وصلّى عليه، ورفع التابوت فمشى وراءه، وركب الخليفة الفرس على ما كان عليه؛ ونزل التربة ظاهر باب النّصر ووقف على شفير القبر إلى أن حضر التابوت.\rواستفتح ابن القارح المغربى وقرأ: «وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ» (¬١) الآية. فوقعت من الناس موقعا عظيما (¬٢)، وبكوا، وبكى الخليفة، وهمّ بنزول القبر ليلحده بيده؛ ثم أمر الدّاعى فنزل وألحده والخليفة قائم إلى أن كملت مواراته، ثم ركب من التّربة والنّاس بأجمعهم بين يديه إلى قصره.\rوأخرج من قاعة الفضّة بالقصر ثلاثون حسكة، وثلاثون بخورا مكمّلة، وخمسون مثقال ندّ وعود، وشمع كثير، فأشعلت الشموع إلى أن صلّى الصّبح وأطلق البخور، واستقرّ جلوس النّاس؛ فصلّى القاضى بالنّاس، وفتح باب مجلس الأفضل المعلّق بالسّتور الفرقوبى الذى لم يكن حظّه منه إلا جوازه عليه قتيلا. ورفعت السّتور، وجلس الخليفة على المخادّ الطّريّة التى عملت فى وسطه؛ وسلّم النّاس على منازلهم، وتلى القرآن العظيم.\rوتقدّمت الشعراء فى رثائه إلى أن استحقّ الختم فختم. ثم خرج القائد والأمراء إلى التّربة فكان بها مثل ما كان بالدّار من الآلات والبخور. وعمل فى اليوم الثانى كذلك.\rوكان عمر الأفضل يوم مات سبعا وخمسين سنة، ومدّة ولايته ثمانية وعشرون عاما.","footnotes":"= - ونزع السعر فى أيامه بمصر، فأمر مشارف الأهراء بفتح المخازن وبيع القمح بثلاثين دينارا لكل مائة إردب. فقال يا سيدى: القمح كل إردب بدينار تبيع أنت بثلاثين دينارا المائة. فانتهره وقال: يا شيخ، تريد أن يسمع عن أيامى شدة تعرف بشدة ابن عرس - وكان هذا المشارف يعرف بابن عرس - بع كما أمرتك فعندى من البذر ما يقوم بالناس عشر سنين لا سيما القمح. فامتثل ذلك وباع بثلاثين دينارا كل مائة إردب، وكان الناس يشترون ويبيعون على باب المخزن كل إردب بدينار، فحصل لهم من هذا المتجر مال عظيم وحسنت أحوالهم، وكثرت الأموال فى أيدى الرعية مدة أيامه. وكان لا يولى عملا من الأعمال إلا لمن هو كفء له، ويضع الأشياء فى مواضعها، مع كثرة موافاته بما يعمله الولاة … للرعية وتبسطه للعدل، فكان الولاة فى أيامه لا تمديد واحد منهم إلى مظلمة خوفا منه فإنه كان إذا بلغه عن أحد منهم ميل عن سيرة العدل نكل به، فاستقامت لذلك الأمور وحسنت الأحوال، ومات وأمور الدولة قد أسندها إلى عدة من رؤساء أصحابه، فأسند أمور العساكر جميعا وإمارة الباب إلى الأمير حسام الدين أفتكين، ورد أمور الرعية وشكاواهم وظلاماتهم والأخذ والعطاء والمجلس إلى القائد أبى عبد الله ابن فاتك، ورد أمور الدواوين والأموال والعمال إلى ابن أبى الليث، ورد أمور الأجر والصناعات إلى ابن أبى البيان، ورد ديوان المكاتبات والنظر فى الأحكام والأعمال وما يخص الشريعة إلى الشيخ أبى الحسن بن أبى عثمان .. ».\r(¬١) سورة الأنعام: آية: ٩٤.\r(¬٢) فى الأصل موقع عظيم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277054,"book_id":167,"shamela_page_id":762,"part":"3","page_num":68,"sequence_num":762,"body":"ويقال إنّ الآمر وافق المأمون على قتله، فرتّب له من قتله.\rثم أمر أن يكتب سجلّ بتعزية الكافة فى الأفضل والثّناء على خصائصه ومساعيه، وإشعارهم بصرف العناية إليهم ومدّ رواق العدل عليهم؛ وتفريقه على نسخ تتلى على رءوس الأشهاد وبسائر البلاد. فكتب ما مثاله:\r«هذا كتاب من عبد الله ووليّه المنصور أبى علىّ، الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين بما رآه وأمر به من تلاوة على كافّة من بمدينة مصر - حرسها الله تعالى - من الأشراف والأمراء ورجال العساكر المؤيدة على اختلاف طبقاتهم، فارسهم ومترجّلهم وراجلهم، والقضاة والشهود والأماثل، وجميع الرّعايا، بأنكم قد علمتم ما أحدثته الأيام بتصاريفها، وجرت به الأقدار على عادتها ومألوفها من فقد السيّد الأجلّ الأفضل ونعوته - قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه، وحشره مع مواليه الطّاهرين الذين جعلهم أعلام الهدى ومصابيحه - الذى كان عماد دولة أمير المؤمنين وحمّال أثقالها، وعلى يديه وحسن سيرته اعتمادها ومعوّلها، وتخطّى الحمام إليه، واخترام المنية إيّاه وتسلّطها عليه؛ وما تدارك الله الدّولة به من حفظ نظامها، واستتار أمورها بعد هذا الفادح العظيم والتئامها؛ وما رآه أمير المؤمنين من تهذيبه الأمور بنظره السّعيد، ومباشرته إيّاها بعزمه الشّديد ورأيه السّديد، واهتمامه بمصالح الكافة، وإسباغ ظلّ الإحسان عليهم والرأفة، حتى أصبحت الدّولة الفاطمية بذلك ظليلة المناكب، منيرة الكواكب، محروسة الأرجاء والجوانب».\r«ولما كانت همّة أمير المؤمنين مصروفة إلى الاهتمام بكم، والنظر فى مصالحكم، والإحسان إليكم، وتأمين سربكم، وإعذاب شربكم، ومدّ رواق العدل عليكم، وإنصاف مظلومكم من ظالمكم، وضعيفكم من قويّكم، ومشروفكم من شريفكم، وكفّ عوادى المضارّ بأسرها عنكم، وتمكينكم من التصرف فى أديانكم على ما يعتقده كلّ منكم، جارين على رسمكم وعادتكم، من غير اعتراض عليكم - رأى ما خرج به عالى أمره من كتب هذا السّجل وتلاوته على جميعكم، لتثقوا به، وتسكنوا إليه، وتتحقّقوا جميل رأى أمير المؤمنين فيكم؛ وأنه لا يشغله عن مصالح الكافّة شاغل، وأنّ باب رحمته مفتوح لمن قصده، وإحسانه عميم شامل، وله إلى تأمّل أحوال الصّغير والكبير منكم عين ناظرة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277055,"book_id":167,"shamela_page_id":763,"part":"3","page_num":69,"sequence_num":763,"body":"وفى إحسان سياستكم عزيمة حاضرة وأفعال ظاهرة. والله تعالى يمده بحسن الإرشاد، ويبلغه المراد فى مصالح العباد والبلاد، بمنّه وعونه. فاعلموا هذا من أمير المؤمنين ورسمه، وانتهوا إلى موجبه وحكمه وليعتمد الأمير متولى المعونة بمصر تلاوته على منبر الجامع العتيق بمصر ليعيه كلّ من سمعه، ويصل علم مضمونه إلى من لم يحضر قراءته، ليتحقّقوا ما ذكر فيه وأودعه؛ وليحمل النّاس على ما أمرتهم فيه، وليحذر من مجاوزته وتعدّيه. وليقرأ بالجامع المذكور ليقع التّصفّح والتأمل فى اليوم وما يليه إن شاء الله تعالى».\rثمّ أمر الخليفة بإنشاء منشور يتلى، مضمونه:\r«خرج أمر أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين، بإنشاء هذا المنشور بأن يعتمد فى ديوان التحقيق والمجلس وسائر دواوين الدّولة، قاصيها ودانيها، قريبها ونائيها، إمضاء ما كان السّيّد الأجلّ الأفضل قرّره، وخرجت به توقيعاته الثابتة عليها علامته فى الأحكام والأموال بتصاريف الأحوال، إذ أمر أمير المؤمنين راض بأفعاله، محقّق لأقواله، حامد لمقاصده، ممض لأحكامه، عارف بسداد رأيه فى نقضه وإبرامه، على أوضاعها وأحكامها، وتقريراته فى كلّ منها. فليحذر كافّة الأمراء وسائر الولاة - نصرهم الله وأظفرهم - وجميع النّواب والمستخدمين، والكتّاب والمتصرّفين بجميع الأعمال من تأوّل فيه، أو تعقيد بغير شيئا من أحكامها على ما قرّره وأمر به. وليجلّد هذا المنشور فى ديوان التحقيق والمجلس بعد ثبوته فى جميع الدّواوين، وليصدر الإعلان به إلى كافة الجهات بهذا المرسوم، تثبيتا لهذا الأمر المذكور المحتوم، إن شاء الله تعالى»\rوفى السّادس والعشرين من شوّال عمل تمام الشهر على تربة الأفضل، كما عملت الصّبحة والثالث. فلمّا انقضى الختم وانصرف الناس ركب الخليفة بموكبه. ونزل إلى التّربة، وترحّم عليه وعاد. ذكر هذا جمال الملك موسى بن المأمون البطائحى فى تاريخه.\rوقال ابن ميسّر: وأقام الخليفة فى دور الأفضل، وفى دار الملك بمصر ودار الوزارة بالقاهرة وغيرهما مدة أربعين يوما، والكتّاب بين يديه يكتبون ما ينقل إلى القصور؛ فوجد له من الذخائر النفيسة ما لا يحصى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277056,"book_id":167,"shamela_page_id":764,"part":"3","page_num":70,"sequence_num":764,"body":"فممّا وجد له ستة آلاف ألف دينار عينا، وفى بيت الخاصة ثلاثة آلاف ألف دينار وفى البيت البرّانى ثلاثة آلاف ألف ومائتا ألف وخمسون ألف دينار (¬١)؛ ومائتين وخمسين إردبّا دراهم ورقا؛ وثلاثين راحلة من الذّهب العراقى المغزول برسم الرقم؛ وعشرة بيوت فى كل بيت عشرة مسامير ذهب كل مسمار وزنه مائتا مثقال عليها العمائم المختلفة الألوان؛ وتسعمائة ثوب ديباج ملوّنة؛ وخمسمائة صندوق من دقّ دمياط وتنّيس برسم كسوة بدنه؛ ولعبة من عنبر على قدر جسده برسم ما يعمل عليها من ثيابه لتكتسب الرائحة؛ ومن الطّيب والآلات ما لا يحصى عدده؛ ومن الأبقار والجاموس والأغنام والجمال ما بلغ ضمان ألبانه ونتاجه فى سنة نحو أربعين ألف دينار؛ ودواية يكتب منها مرصّعة بالجواهر، قوّم جوهرها باثنى عشر ألف دينار؛ وخمسمائة ألف مجلّدة من الكتب العلمية.\rقال: وأخذ الآمر فى نقل ما بدار الأفضل إلى القصر، وهو يرتب ما يحمل بنفسه، هو وأصحابه؛ واستمرّ ذلك مدّة شهرين وأيام، والأموال تحمل على بغال وجمال إلى القصر، والآمر يطلع إلى القصر ويعود كلّ غداة ويقيم حتى يرتفع النّهار ويرتّب ما يفعل.\rوذكر متولى الخزابة بالقصر أن مما وجد فى دار الأفضل ستة آلاف ألف وأربعمائة ألف دينار؛ وورق قيمته مائتا ألف وعشرون ألف دينار؛ وسبعمائة طوق ما بين ذهب وفضة (¬٢)؛ ومن الأسطال والصحاف والشربات والأباريق والقدور والزبادى (¬٣) الذهب والفضّة المختلفة الأجناس ما لا يحصى كثرة؛ ومن برانى (¬٤) الصينى الكبار المملوء بالجواهر التى بعضها منظوم كالسّبح وبعضها منثور شيء كثير.\rوكان الأفضل فى أوقات الشرب يصفّ فى مجلسه صوانى الذهب وبينها البرانى المملوءة بالجواهر، فإذا أحب فرغب البرنيّة فى الصينيّة فتكون ملئها.\rووجد له من أصناف الدّيباج وما يجرى مجراه من عتابى ونحوه تسعون ألف ثوب وثلاث خزائن كبار مملوءة صناديق كلّها دبيقى وشرب (¬٥) عمل تنّيس ودمياط،","footnotes":"(¬١) فى نهاية الأرب: وفى البيت البرانى ثلاثة آلاف ومائتان وخمسون دينارا. انظر نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٢) فى نهاية الأرب: ومن أطباق الذهب والفضة سبعمائة طبق. نفس المصدر.\r(¬٣) جمع زبدية وهى وعاء يشرب به.\r(¬٤) جمع برنية وهى إناء من الخزف اللامع أو من الصينى.\r(¬٥) نوع من الحرير خاص.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277057,"book_id":167,"shamela_page_id":765,"part":"3","page_num":71,"sequence_num":765,"body":"على كلّ صندوق شرح ما فيه وجنسه. وخزانة الطّيب مملوءة أسفاطا، فيها العود وغيره، مكتوب على كل سفط وزنه وجنسه؛ وبرانى بها المسك والكافور وشيء كثير من العنبر.\rووجد مجلس يجلس فيه للشرب فيه ثمان جوار متقابلات، أربع منهن بيض من كافور وأربع سود من عنبر، قيام فى المجلس، عليهنّ أفخر الثياب وأثمن الحلى، بأيديهنّ مذابّ من أعظم الجوهر؛ فإذا دخل من باب المجلس ووطئ العتبة نكّسن رءوسهنّ خدمة له بحركات قد أحكمت؛ فإذا جلس فى صدر المجلس استوين قائمات.\rووجد له من المقاطع والسّتور والفرش والمطارح والمخادّ والمساند الدّيباج والدّبيقى الحريرى والذهب على اختلاف الأجناس أربع حجر، كلّ حجرة مملوءة من هذا الجنس.\rووجد له عدّة صناديق ملء خزانة فيها أحقاق ذهب عراقى برسم الاستعمال. ووجد له منقلات عدة تزيد على المائة، ملبّسة بالذّهب والفضة، مرصعة بالجوهر؛ وثمانمائة جارية منها خمسة وستون حظيّة لكلّ واحدة حجرة وخزائن مملوءة بالكسوة والآلات الذهب والفضة من كل صنف.\rوكان فى مخازنه تحت يد عمّاله والجباة وضمان النّواحى من المال والغلال والحبوب والقطن والكتّان والشّمع والحديد والخشب وغير ذلك ما يتعب شرحه.\rوحمل من داره أربعة آلاف بساط، وستون حملا طنافس، وخمسمائة قطعة بلّور، وخمسمائة قطعة محكم برسم النقل، وألف عدل من متاع اليمن والمغرب، وتسعة آلاف سرج.\rقال ابن ميسر: وكان الأفضل من العدل وحسن السّيرة فى الرّعية والتّجار على صفة جميلة تجاوز ما سمع به قديما وشوهد أخيرا، ولم يعرف أحد صودر ولا ضبط عليه.\rولمّا حصر الاسكندرية كان بها يهودىّ يبالغ فى سبّه وشتمه ولعنه، فلمّا دخل الأفضل البلد قبض عليه وقدّمه للقتل وقد عدّد عليه ذنوبه، فقال اليهودى: إنّ معى خمسة آلاف دينار، خذها منىّ واعتقنى واعف عنّى. فقال: والله لولا خشية أن يقال قتله حتى يأخذ ماله لقتلتك؛ وعفا عنه ولم يأخذ منه شيئا. وكان إذا غضب على أحد اعتقله ولم يقتله، فلمّا مات أطلق من سجنه عشرة آلاف إنسان، فإنه كان إذا اعتقل أحدا نسيه ولا يرى بإخرابه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277058,"book_id":167,"shamela_page_id":766,"part":"3","page_num":72,"sequence_num":766,"body":"وكانت محاسنه كثيرة. وهو أوّل من أفرد مال المواريث ومنع من أخذ شيء من التركات على العادة القديمة، وأمر بحفظها لأربابها، فإذا حضر من يطلبها وطالعه القاضى بثبوت استحقاقه أمره فى الحال بإطلاق ما ثبت له. واجتمع بمودع الحكم من مال المواريث التى تنتظر وصول مستحقّها من شرق الدّنيا وغربها مائة ألف وثلاثون ألف دينار، فرفع إليه قاضى القضاة ثقة الملك أبو الفتح مسلم بن على الرأس عينى (¬١) لما ولى أن «قد اعتبرت ما فى مودع الحكم من مال المواريث فكان مائة ألف دينار، ورفعها إلى بيت المال أولى من تركها فى المودع، فإن لها السّيرة الطويلة لم يطلب شيء منها». فوقّع رقعته: «إنما قلّدناك الحكم ولا رأى لنا فيما لا نستحقّه، فاتركه على حاله لمستحقّيه ولا تراجع فيه». فأخذها هذا القاضى غرفا.\rوبلغ ارتفاع خراج مصر فى أيامه لسنة خمسة آلاف ألف دينار، ومتحصّل الأهراء (¬٢) ألف ألف إردب. وبنى فى أيّامه من المساجد والجوامع جامع الفيلة (¬٣) بالجرف المعروف بالرّصد والمسجد المعروف بالجيوشى على سطح الجبل. وبنى مئذنة جامع عمرو بمصر الكبيرة والمئذنة السعيدة به أيضا والمئذنة المستجدة وجامع الجيزة (¬٤). وعمل خيمة الفرح التى سمّيت بالقاتول (¬٥)، اشتملت على ألف ألف وأربعمائة ألف ذراع من الثياب، وقائم ارتفاع","footnotes":"(¬١) وسيرد أيضا برسم الرسعنى، وقد ورد كذلك فى نهاية الأرب، وهو منسوب إلى مدينة رأس العين من المدن الكبيرة بإقليم الجزيرة، ببلاد ما بين النهرين، بين حران ونصيبين ودنيسر على مسافة خمسة عشر فرسخا من نصيبين، تجتمع بها عدة عيون لتكون منبع نهر الخابور. معجم البلدان: ٢٠٥:٤ - ٢٠٧.\r(¬٢) الأهراء مخازن يحمل إليها ما ورد من الغلات السلطانية، وكانت ترد من منفلوط والحبس الجيوشى، وينفق منها ما يوقع به عليها من أمور الدولة ومن المرتبات. قوانين الدواوين: ٣٥٠.\r(¬٣) جامع الفيلة. كان يطل على بركة الحبش، ولم يكمله الأفضل فى وزارته وكان قد بدأ بناءه سنة ثمان وسبعين وأربعمائة فأكمله المأمون البطائحى وأمر أن يحضر جميع وجوه الدولة والرؤساء فى أول جمعة فحضروا. وقيل له جامع الفيلة لأنه كان فى قبلته تسع قباب فى أعلاه ذات قناطر إذا رآها الإنسان من بعيد شبهها بمدر عين على فيلة. نهاية الأرب: ٢٨؛ المواعظ والاعتبار: ٢٨٩:٢ - ٢٩٠. وهناك مسجد آخر يعرف بمسجد الرصد بناه الأفضل أيضا بالرصد بعد بنائه جامع الفيلة لرصد الكواكب بالآلة التى كان يطلق عليها ذات الحلق. ويعده المقريزى من مساجد القرافة. المواعظ والاعتبار: ٤٤٥:٢.\r(¬٤) فى المواعظ والاعتبار حديث عن جامع الجيزة الذى بنى سنة ٣٥٠ زمن على بن عبد الله بن الإخشيذ، ولا ذكر لدور الأفضل فيه. المواعظ والاعتبار: ٣٢٠:٢.\r(¬٥) وسميت بالقاتول لأنها كانت إذا نصبت يموت تحتها من الفراشين رجل أو رجلان، وطول عمودها سبعون ذراعا بأعلاه سفرة فضة تسع راوية ماء، وسعة هذه الخيمة ما يزيد على فدانين فى التدوير. يقول القلقشندى: ولعمرى إن هذه لأثرة -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277059,"book_id":167,"shamela_page_id":767,"part":"3","page_num":73,"sequence_num":767,"body":"العمود الذى لها خمسون ذراعا بذراع العمل (¬١)، وبلغت النفقة عليها عشرة آلاف ألف دينار. وللشعراء فيها عدة مدائح.\rوكان الأفضل يقول الشعر. فمن شعره فى غلامه تاج المعالى:\rأقضيب يميس، أم هو قدّ … أو شقيق يلوح، أو هو خدّ\rأنا مثل الهلال خوفا عليه … وهو كالبدر حين وافاه سعد\rوكان شديد الغيرة على نسائه. اطّلع من سطح داره فرأى جارية من جواريه متطلعة إلى الطريق، فأمر بضرب عنقها. فلما وضعت الرأس بين يديه أنشد:\rنظرت إليها وهى تنظر ظلّها … فنزّهت نفسى عن شريك مقارب\rأغار على أعطافها من ثيابها … ... ومن مسك (¬٢) لها فى الذّوائب\rولى غيرة لو كان للبدر مثلها … لما كان يرضى باجتماع الكواكب\rقال: وكان عدّة الوعّاظ والقراء والمنشدين فى عزاء الأفضل أربعمائة وعشرين شخصا، فخرج أمر الخليفة أن يعطى كلّ واحد منهم ثمانين دينارا، الصغير مثل الكبير؛ فقال ابن أبى قيراط: يا مولانا، هذا مال كثير. فقال: إنفاذ أمرنا هذا من بعض حقّه علينا. فجاء مبلغ ما دفع نحوا من أربعة وثلاثين ألف دينار.","footnotes":"= - عظيمة تدل على عظيم مملكة وقوة قدرة، وأنى يتأتى مثل هذه الخيمة لملك من الملوك وإن جل قدره وعظم شأنه. وممن ذكر هذه الخيمة فى مناسبة مدح الأفضل أبو جعفر محمد بن هبة الله الطرابلسى، فقال:\rضربت خيمة عز فى مقر علا … أوفت على عذبات الطود ذى القنن\rجاءت مدى الطرف، حتى خلت ذروتها … تأوى من الفلك الأعلى إلى سكن\rزينت بأروع، لا تحصى فضائله … ماض من المجد والعلياء فى سنن\rوعد على السعد أن النصر يضربها … بالصين، بعد فتوح الهند واليمن\rكما ذكرها أبو على حسن بن زيد الأنصارى من كتاب ديوان الإنشاء، فقال:\rأخيمة ما نصبت اليوم أم فلك؟ … ويقظة ما نراه منك أم حلم؟\rما كان يخطر فى الأفكار قبلك أن … تسمو علوا على أفق النهى الخيم\rإن الدليل على تكوينها فلكا … أن احتوتك، وأنت الناس كلهم\rانظر: نهاية الأرب: ٢٨؛ صبح الأعشى: ١٣٨:٢، ٤٧١:٣.\r(¬١) وطوله ثلاثة أشبار بشبر رجل معتدل، يقول القلقشندى: ولعله الذراع الذى كان يقاس به أرض السواد بالعراق. صبح الأعشى: ٤٤٢:٣ - ٤٤٣.\r(¬٢) يبدأ هذا الشطر قبل هاتين الكلمتين ببياض فى الأصل يتسع لكلمة واحدة لم أهتد إليها فيما بين يدى من مراجع لم أجد هذه الأبيات الثلاثة فيها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277060,"book_id":167,"shamela_page_id":768,"part":"3","page_num":74,"sequence_num":768,"body":"قال: والأفضل هو الذى أنشأ بستان البعل (¬١)، والمنتزه المعروف بالتّاج (¬٢)، والخمس وجوه (¬٣)، والبستان الكبير، والبستان الخاص بقليوب (¬٤)؛ وجدّد بستان الأمير تميم ببركة الحبش، وأنشأ الرّوضة بحرىّ الجزيرة، وكان يمضى إليها فى العشاريات الموكبيّة؛ ﵀.\rفى مستهل ذى القعدة خلع على القائد أبى عبد الله بن فاتك بذلة مذهّبة بشدّة الخليفة الدّاعية، وحلّت المنطقة من وسطه؛ وخلع على ولده بذلة مذهبة وحلّت منطقته أيضا؛ وعلى جميع إخوته بمثل ذلك.\rواستمر ينفذ الأمور لا يخرج شيء عن نظره إلى مستهلّ ذى الحجة؛ ففى يوم الجمعة ثانيه خلع عليه من ملابس الخاصّ الشريفة فى فرد كمّ (¬٥) مجلس العيد، وطوّق بطوق ذهب مرصّع، وسيف ذهب مرصّع؛ وسلّم على الخليفة، فأمر الخليفة الأمراء وكافّة الأستاذين المحنّكين (¬٦) بالخروج بين يديه، وأن يركب من المكان الذى كان الأفضل يركب منه.","footnotes":"(¬١) البعل الأرض المرتفعة التى لا يصيبها المطر إلا مرة واحدة فى السنة، وقيل كل شجر وزرع لا يسقى. وأرض البعل هذه المعروفة ببستان البعل كانت بجانب الخليج متصلة بأرض الطبالة، أنشأ بها الأفضل منظرة وأحاطها بسور. المواعظ والاعتبار: ١٢٩:٢؛ الخطط التوفيقية: ٤:٢.\r(¬٢) من المناظر التى كان الفاطميون ينزلونها للنزهة، وكان لها فرش معد للشتاء وآخر للصيف، يقول المقريزى إنها خربت وتحولت إلى كوم تحته حجارة كبيرة وأصبحت الأرض المحيطة بها مزارع من جملة أراضى منية السيرج. المواعظ والاعتبار: ٤٨١:١.\r(¬٣) منظرة أخرى كسابقتها يقول المقريزى إنها بنيت على بئر متسعة كان بها خمسة أوجه من المحال الخشب التى تنقل الماء لسقى البستان، كما بنيت عندها فى أيام النيل البشنين، فإذا انحسر النيل زرعت الأرض كتانا. نفس المصدر: ٤٨١:١.\r(¬٤) يذكر المقريزى أنه كان للفاطميين بساتين عدة يتنزهون فيها منها البساتين الجيوشية وهى اثنان أحدهما يمتد من خارج باب الفتوح إلى المطرية والآخر يمتد من خارج باب القنطرة إلى الخندق، ومن شدة غرام الأفضل بالبستان المجاور لأرض البعل أنه عمل له سورا كسور القاهرة وعمل فيه بحرا كبيرا فى وسطه منظرة محمولة على أربعة عمد من أحسن الرخام وحفها بشجر النارنج، وسلط على هذا البحر أربع سواق وجعل له معبرا من نحاس مخروط وجلب إليه أنواعا من الطيور وأقام به أبراج الحمام، وكانت قيمة ما يباع سنويا من زهر البستانين وثمرهما نيف وثلاثون ألف دينار. وكان الحاصل بالبستان الكبير إلى سنة أربع وعشرين وخمسمائة ثمانمائة وأحد عشر رأسا من البقر ومائة وثلاثة رءوس من الجمال، وبه من العمال ألف عامل، وسور البستانين من شجر السنط والإثل والجميز. المواعظ والاعتبار: ٤٨٧:١.\r(¬٥) وردت هكذا أيضا فى المواعظ والاعتبار ولعل نص العبارة التى وردت هناك يفيد فى فهم مدلولها. يقول المقريزى فى مناسبة تولى المأمون البطائحى الوزارة إن الخليفة اشترط ألا تجبى الأموال إلا بالقصر ولا تصل الكسوات إلا إليه ولا تفرق إلا منه وتكون أسمطة الأعياد فيه «وزيادة رسم منديل الكم» فوافق المأمون وأقر أن يكون الرسم فى كل يوم مائة دينار بدلا من ثلاثين دينارا، رسمه السابق. نفس المصدر: ٤٤١:١؛ الخطط التوفيقية: ٥:٤.\r(¬٦) الأستاذون: الخدام والطواشية ومنهم أرباب وظائف القصر، وأجلهم المحنكون الذين يديرون عمائمهم حول أحناكهم. صبح الأعشى: ٤٧٧:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277061,"book_id":167,"shamela_page_id":769,"part":"3","page_num":75,"sequence_num":769,"body":"ومشى فى ركابه القوّاد على عادة من تقدّمه، وخرج بتشريف الوزارة، ودخل من باب العيد راكبا، ووصل إلى داره، فضاعف الرسوم وأطلق الهبات.\rوفى خامسه اجتمع الأمراء واستدعى الشيخ أبو الحسن بن أبى أسامة، فحضر بالسجلّ فى لفافة خاصّ مذهبة فسلّمه الخليفة إلى الأجل المأمون من يده، فقبّله وسلّمه لزمام القصر، وأمر الخليفة المأمون فجلس عن يمينه، وقرئ السّجلّ على باب المجلس؛ وهو أول سجل قرئ بهذا المكان، وكانت سجلاّت الوزراء قبل ذلك تقرأ بالإيوان. ورسم للشيخ أبى الحسن أن ينقل نسبة الأمراء والمحنّكين والناس جميعهم من الآمرى إلى المأمونى، ولم يكن أحد قبل ذلك ينتسب للأفضل ولا لأمير الجيوش. وقدّمت للمأمون الدّواة فعلم فى مجلس الخليفة؛ وتقدم للأمراء والأجناد فقبّلوا الأرض وشكروا هذا الإحسان. وأحضرت الخلع؛ فخلع على حاجب الحجاب حسام الملك وطوّق بطوق ذهب وسيف ذهب ومنطقة ذهب؛ وخلع على الشيخ أبى الحسن بن أبى أسامة كاتب الدست، وعلى الشيخ أبى البركات بن أبى اللّيث، وعلى أبى الرّضا سالم بن الشيخ أبى الحسن، وعلى أبى المكارم أخيه، وعلى أبى محمّد أخيهما، وعلى أبى الفضل يحيى بن سعيد الميمذى (¬١) ووصل بدنانير كثيرة بحكم أنه قرأ السّجلّ.\rوخلع على أبى الفضائل بن أبى الليث صاحب مغفر المجلس. ثم استدعى غذى الملك سعيد ابن عمّار الضيف متولى أمور الضيافات والرسل الواصلين الحضرة من جميع الجهات وأخذ أقلامه على التوقيعات فخلع عليه. وفى الأيام الأفضلية لم يكن أحد يدخل مجلسه ولا يصل لعتبته لا من الحجّاب ولا غيرهم سوى غذى الملك هذا فإنه كان يقف من داخل العتبة؛ وكانت هذه الخدمة إذ ذاك من أجلّ الخدم وأكبرها.\rوقال أبو الفتح ابن قادوس (¬٢) فى مدح المأمون، وقد زيد فى نعوته:\rقالوا أتاه النّعت، وهو السيد ال … مأمون حقّا، والأجلّ الأشرف","footnotes":"(¬١) بهامش الأصل حاشية تقول: «وبخطه: الميمذى نسبة إلى ميمذ بفتح الميمين بينهما ياء، آخر الحروف، وفى آخرها ذال معجمة، وهى كورة من كور آذربيجان. قال الدمياطى: وكان لأبى الفضل أن ينشئ ما يصدر عن ديوان المكاتبات، ويحرر ما يؤمر به من المهمات». اهـ.\r(¬٢) القاضى أبو الفتح محمود بن اسماعيل بن حميد الفهرى، وأصله من دمياط. ذكر القاضى الفاضل أنه توفى سنة ٥٥١. خريدة القصر: قسم شعراء مصر: ٢٢٦:١ - ٢٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277062,"book_id":167,"shamela_page_id":770,"part":"3","page_num":76,"sequence_num":770,"body":"ومغيث أمة أحمد، ومجيرها … ما زادنا شيئا على ما نعرف\rوذلك أنه نعت فى سجلّه المقروء على الكافة بالأجلّ المأمون، تاج الخلافة، وجيه الملك، فخر الصنائع، ذخر أمير المؤمنين. ثم تجدّد له فى نعوته بعد ذلك الأجلّ المأمون، تاج الخلافة، عز الإسلام، فخر الأنام، نظام الدين والدنيا. ثم نعت بما كان ينعت به الأفضل، وهو السيد الأجلّ المأمون، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين (¬١).\rولما استمرّ نظر المأمون للدّولة بالغ الخليفة فى شكره، فقال له المأمون: ثمّ كلام يحتاج إلى خلوة. فأمر بخلوّ المجلس. فقال: يا مولانا امتثال الأمر متعب، ومخالفته أصعب؛ وما تتسع خلافة قدّام آمر الدولة وهو فى دست خلافته ومنصب آبائه وأجداده، وما فى قواى ما يرومه، ويكفينى هذا المقدار، وهيهات أن أقوم به والأمر كبير. فتغيّر الخليفة وأقسم: إن كان لى وزير غيرك! فقال المأمون: لى شروط؛ وقد كنت مع الأفضل وكان اجتهد فى النعوت وحلّ المنطقة فلم أفعل؛ وكان أولاده يكتبون إليه بكونى قد خنته فى المال والأهل، وما كان والله العظيم ذلك منى يوما قط، ومع ذلك معاداة الأهل جميعهم، والأجناد، وأرباب الطّيالس والأقلام، وهو يعطينى كلّ ورقة تصل إليه منهم وما يسمع كلامهم. فقال الخليفة: فإذا كان فعل الأفضل معك ما ذكرته، إيش يكون فعلى أنا؟ فقال: يعرّفنى المولى ما يأمر به فامتثله بشرط ألاّ يكون عليه زائدا. فأوّل ما ابتدأ به أن قال: أريد الأموال لا تبقى إلاّ بالقصر ولا تصل الكسوات من الطراز (¬٢)","footnotes":"(¬١) من الطريف أن ننقل هنا عن النويرى طريقة السّلام (البروتوكول) كما ذكرها فى مناسبة الحديث عن وزارة المأمون: « .. فدخل المأمون إلى المكان الذى هيئ له ودعى لمجلس الوزارة. وبقى الأمراء بالدهليز إلى أن جلس الخليفة واستفتح المقرءون؛ واستدعى المأمون فحضر بين يديه وسلم عليه أولاده وإخوته، ثم دخل الأمراء وسلموا على طبقاتهم، ثم الأشراف وديوان المكاتبات والإنشاء، ثم قاضى القضاة، والشهود، والداعى، ثم مقدمو الركاب ومتولى ديوان المملكة، ثم دخل الأجناد من باب البحر، ثم دخل والى القاهرة ووالى مصر، ثم البطرك والنصارى والكتاب منهم، وكذلك رئيس اليهود .. وكانت هذه عادة السّلام على ملوك هذه الدولة. وإنما أوردنا ذلك ليعلم منه كيف كانت عادتهم «اهـ. نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٢) المقصود به دار الطراز ويتولاها الأعيان من المستخدمين من أرباب الأقلام، ومقامه بدمياط وتنيس، ومن عنده تحمل إلى خزائن الكسوة بالقاهرة. والطراز أصلا كلمة معربة عن الفارسية تعنى التدبيج، ثم أطلقت على الرداء إذا حلى بأشرطة من الكتابة، ثم أصبحت تطلق على الدار التى يصنع بها الطراز، وهو المقصود هنا. راجع صبح الأعشى: ٤٩٠:٣؛ والجزء الأول من هذا الكتاب: ٢٦٢ حاشية: ٢؛ والمواعظ والاعتبار: ٤٦٩:١ - ٤٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277063,"book_id":167,"shamela_page_id":771,"part":"3","page_num":77,"sequence_num":771,"body":"والثغور إلاّ إليه ولا تفرّق إلاّ منه، وتكون أسمطة الأعياد فيه؛ وتوسّع فى رواتب القصور من كلّ صنف؛ وزيادة رسم منديل الكمّ. فقال المأمون: سمعا وطاعة؛ أما الكسوات والجبايات والأسمطة فما تكون إلاّ بالقصور، وأمّا توسعة الرّواتب فما ثمّ من يخالف الأمر، وأما منديل الكم فقد كان الرسم فى كل يوم ثلاثين دينارا يكون فى كل يوم مائة دينار؛ ومولانا، سلام الله عليه، يشاهد ما يعمل بعد ذلك فى الرّكوبات وأسمطة الأعياد وغيرها. ففرح الخليفة.\rوقال المأمون: أريد بهذا مسطورا بخطّ أمير المؤمنين، ويقسم لى فيه ألاّ يلتفت لحاسد ولا ينقبض؛ ومهما ذكر عنّى يطلعنى عليه، ولا يأمر فىّ بأمر سرّا ولا جهرا يكون فيه ذهاب نفسى وانحطاط قدرى، وتكون هذه الأيمان باقية إلى وقت وفاتى، فإذا توفّيت تكون لأولادى ولمن أخلفه بعدى.\rفحضرت الدّواة، وكتب ذلك جميعه، وأشهد الله فى آخرها على نفسه. فعند ما حصل الخطّ بيد المأمون وقف وقبّل الأرض وجعله على رأسه، وكان الخطّ نسختين، فلمّا قبض على المأمون فى رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة، كما سيأتى إن شاء الله، أنفذ الخليفة طلب الأمان، فأنفذ إليه (¬١) نسخة منهما فحرقها وبقيت النسخة الأخرى فأعدمت (¬١).\rوفيها أنشأ المأمون الجامع الأقمر بالقاهرة (¬٢)، وكان مكانه دكاكين علافين.\rفى هذه السنة هبت بمصر ريح سوداء ثلاثة أيام، فأهلكت شيئا كثيرا من الناس والحيوان (¬٣).","footnotes":"(¬١) فى الأصل: فنفذ، فعدمت.\r(¬٢) يقول القلقشندى: بناه الآمر الفاطمى بوساطة وزيره المأمون بن البطائحى، وكمل بناؤه فى سنة تسع عشرة وخمسمائة، وذكر اسم الآمر والمأمون عليه. ويقع هذا الجامع بشارع المعز لدين الله فى القسم الذى كان يعرف باسم شارع النحاسين. انظر صبح الأعشى: ٣٦١:٣؛ النجوم الزاهرة: ١٧٣:٥؛ المواعظ والاعتبار: ٢٩٠:٢؛ الخطط التوفيقية: ١٢:٢ - ١٣.\r(¬٣) يقابل هذا بالهامش: بياض نحو نصف صفحة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277064,"book_id":167,"shamela_page_id":772,"part":"3","page_num":78,"sequence_num":772,"body":"سنة ست عشرة وخمسمائة (¬١)\rفى المحرّم كان المولد الآمرى (¬٢). وتقرّر السّلام على الخليفة فى يومى الاثنين والخميس فأما فى يومى السبت والثلاثاء فيركب الوزير بالرهجيّة إلى القصر ويركب الخليفة إلى ضواحى القاهرة للنزهة؛ وأما الأحد والأربعاء فيجلس الوزير المأمون فى داره على سبيل الراحة.\rفى صفر سب أحد صبيان الخاصّ الآمرى صاحب الشرع وشهد عليه، فضربت عنقه وصلب.\rفيه وصل فخر الملك أبو على عمّار بن محمّد بن عمّار، صاحب طرابلس. وكانت الدولة، قد حوّلت الثغر فى أيديهم على سبيل الولاية، فلمّا جاءت الشدائد تغلّبوا عليه (¬٣)؛ ثم جاءت الدولة الجيوشيّة فخافوا ممّا قدّموه فلم يرموا أيديهم فى يدها ولا وثقوا بما بذل لهم من الصّفح عن ولاتهم. ومضى ذلك السّلف، وخلفهم القاضى فخر الملك هذا فى الأيام الأفضليّة فجرى على تلك الوتيرة، ودفع إلى محاصرة الفرنج (له) (¬٤) مدة سبع سنين،","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى عشر من مارس سنة ١١٢٢.\r(¬٢) سبق أن الآمر ولد فى المحرم سنة ٤٩٠.\r(¬٣) أصل بنى عمار من المغاربة الذين قدموا مع المعز لدين الله إلى القاهرة. وفى عهد الحاكم تولى أبو محمد الحسن بن عمار الوساطة - الوزارة - سنة ٣٨٦، وتلقب بأمين الدولة، بعد أن تزعم ثورة للكتاميين طالبوا فيها بعزل ابن نسطورس عن الوزارة، فأساء ابن عمار السيرة وثار الأتراك ضده فهرب إلى الصحراء، وحل مكانه برجوان، وأقام فى رعاية الحاكم ثلاث سنين وشهرا وأياما، ثم قتل. وعند وفاة الحاكم وولاية الظاهر كان رئيس الرؤساء خطير الملك أبو الحسين عمار بن محمد وزيرا، وقد اشترك فى حركة بيعة الظاهر، وتولى ديوان الإنشاء وزمام المشارقة، ثم تولى الوساطة سنة اثنتى عشرة وأربعمائة وقتل فى الحج. أما القاضى الأجل أمين الدولة أبو طالب عبد الله بن عمار فقد توفى بطرابلس الشام فى سنة أربع وستين وأربعمائة فخلفه ابن أخيه جلال الملك أبو الحسن ابن عمار فضبط البلد أحسن ضبط ولم يظهر أثر لفقد عمه، وقد أصبحت طرابلس شبه ولاية خاصة لأسرة بنى عمار هؤلاء يتوارثونها وتعتمد الخلافة بالقاهرة هذا التوارث وتصدر به المراسيم فى مناسباتها.\r(¬٤) زيد ما بين الحاصرتين للتصحيح استعانة بما تقدم فى مواضع متفرقة، وبما جاء فى ذيل تاريخ دمشق، ونهاية الأرب فى نفس الموضوع. ذلك أن ابن عمار اضطر إلى احتمال حصار الفرنج لطرابلس ذلك الحصار الذى هيأ الفرنج أنفسهم له بالحصن الذى بنوه قريبا من المدينة وضايقوها به برغم مقاومتها المستمرة وبرغم نجاح ابن عمار فى إحراق ربض هذا الحصن فى أثناء الحصار.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277065,"book_id":167,"shamela_page_id":773,"part":"3","page_num":79,"sequence_num":773,"body":"فضاق خناقه، وأيس؛ فخرج من طرابلس إلى العراق مستنجدا فلم يجد ناصرا. واختلّت أحواله، وعاد إلى دمشق وقد ملك الفرنج طرابلس فسار إلى مصر. وقال فى: كتابه والمملوك لم يصل إلى هذه الوجهة إلاّ وقد علم أن له من الذنوب السالفة ما يستحقّ به القتل، وقتله بسيوف هذه الدولة عدل وإحياء له وتشريف، وفخر يكفّر عنه بعض ذنوبه من كفر نعمتها؛ فإن خرج الأمر بذلك فمنّة كريمة، وإن خفّف عنه فتخليده فى السجن أحبّ إليه من رجوعه إلى تأميل غير هذه الدّوله.\rفلمّا عرض هذا بالحضرة أدركته الرأفة بعد أن استفظع كلّ من الحاضرين أمره وأشير بإيقاع الحوطة عليه وإيداعه خزانة البنود. فقال المأمون للخليفة: قد أجلّ الله عواطف مولانا ورحمته من أن يهاجر أحد إلى أبوابه ويلجأ إلى عفوه فيخيب أمله ويؤاخذ بذنبه؛ وما بعد استسلامه إلا الشكر لله والعفو عن جرمه، فإن العفو زكاة القدرة عليه؛ ويشمله ما شمل أمثاله. فأعجب الخليفة الآمر ذلك، وخرج الأمر بأن تعدّد على ابن عمّار ذنوبه وذنوب أسلافه ويقال له: قد أذهبت مهاجرتك ما كان يجب من عقوبتك.\rفإذا اعترف بذنوبه وذنوب أسلافه يقال له: قد غفر ذنبك وأنت مخير بين أمرين؛ إمّا أن تعود فيصل إليك من الإنعام ما يبلغك إلى حيث تريد ويصحبك من يوصلك إلى مأمنك، وإمّا أن تؤثر الإقامة بفناء الدّولة فتقيم على أنك تلزم ما يعنيك وتقنع بما ينعم به عليك وتقبل على شأنك وتترك التعرّض للمخالطات وتتجنب جميع المكروهات.\rفلمّا خوطب بذلك قبّل الأرض وأبى أن يرفع رأسه ووجهه، وكلّما خوطب فى رفعه قال لست أرفعه حتى أتلقى كلمات العفو عن إمام زمانى وتمتلئ مسامعى بألفاظ مغفرته.\rفبلّغته الحضرة النبوية ما تمنّاه، وحصل له الأمن؛ وأمر به إلى دار أعدّت له وجعل فيها شهوات السّمع والبصر، وحملت إليه الضيافات الكثيرة، وجرّد برسم خدمته حاجب معه عدّة مستخدمين. فأقام أيّاما يسيرة ثم حملت إليه الكسوات التى لا نظير لها، ووصله من المواهب ما أربى على أمله. وقرّر له، راتبا فى كل شهر، ستون دينارا مع مياومة الدقيق واللحم والحيوان. وصار يتعهد ما يفتقد به أعيان الضّيوف من بواكير الفاكهة المستغربة وأنواع التّحف المستظرفة ورسوم المواسم، ورفع عنه الحاجب والمستخدمون، وجعل له","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277066,"book_id":167,"shamela_page_id":774,"part":"3","page_num":80,"sequence_num":774,"body":"فى المواسم والأعياد من الكسوات الفاخرة ما يميزه عن أمثاله. ولزم طريقة حمدت منه، فاستمرّ إليه الإحسان؛ وصار يركب فى يومى الركوب ويومى السّلام وغيرها.\rوفيه أفرج عن الأمير عضب الدّولة عزّ الملك أبى منصور بنا، وكان له فى الاعتقال ثلاث عشرة سنة، لأنه كان والى عكّا وسلّمها إلى الفرنج، فلمّا وصل رماه الأفضل فى الاعتقال، فلمّا أفرج عنه أعيد عليه نظير ما كان قبض عنه للاصطبلات والخزائن، وولّى البحيرة.\rوأفرج عن جماعة أمراء كانوا معتقلين؛ منهم أبو المصطفى جوهر، ودخل السجن وهو شاب فخرج منه وهو شيخ، وكانت مدّة اعتقاله خمس عشرة سنة.\rفيه وصل رسول الشريف قاسم أمير مكة، الذى حضر فى الأيام الأفضلية بسبب أموال التّجار، ومعه كتاب بتهنئة المأمون، فجهّز إلى الأعمال القوصيّة بالاهتمام بالجناب الدّيوانيّة وترميم ما يحتاج إلى المرمّة، وتجديد عوض ما تلف؛ وأطلق له ثمانية آلاف وتسعمائة وأربعون إردبّا برسم مكّة وتخوت ثياب وخلع ومال وبخور.\rوفيه غلا الزيت الطيب والسيرج؛ فكتب المستخدمون فى الخزائن ومشارفة الجوامع بأن يكون المطلق برسم الوقود وفى المشاهد عوضا عن الزّيت الطّيّب الزّيت الحارّ، فخرج الجواب بالتّحذير من ذلك وبألاّ يطلق إلاّ الزيت الطيّب، ولا يلتفت إلى غلوّ السعر فى الخدم التى هى من حق الله تعالى فلا يجب الرّخصة فيه ولا ينقص من المطلق شيء. وبلغ المأمون أنّ مشارف الجوامع والمساجد اشترى من ماله صبرا وخلطه بالزيت لمنع القومة من التعرّض لشيء منه، فأنكر ذلك وأمر بإحضاره وأن يقوّم من ماله بثمن الزيت الذى فيه الصّبر، ويطلق الزيت المستقرّ إطلاقه على تمامه. وقيل له: قومة الكنائس والمقيمون بها والطارقون لها لا يقتاتون إلاّ من فضلات وقود كنائسهم، ونحن نبيح لهؤلاء الأكل ونحرّم عليهم البيع.\rوتقدم الأمر بعمل حساب الدّولة من الهلالى والخراجىّ على جملتين، إحداهما إلى سنة عشر وخمسمائة والثانية إلى آخر سنة خمس عشرة وخمسمائة؛ فانعقدت على جملة كثيرة من عين وأصناف، وشرحت بأسماء أربابها وتعيين بلادها. فلما حضرت أمر بكتابة سجلّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277067,"book_id":167,"shamela_page_id":775,"part":"3","page_num":81,"sequence_num":775,"body":"بالمسامحة إلى آخر سنة عشر وخمسمائة؛ ومبلغ ما سومح به من البواقى ألفا ألف وسبعمائة ألف وعشرون ألفا وسبعمائة وسبعة وستون دينارا، ومن الورق سبعة وستون ألفا وخمسة دراهم، ومن الغلّة ثلاثة آلاف ألف وثمانمائة ألف وعشرة آلاف ومائتان وتسعة وثلاثون إردبّا، ومن الأرز والكتان وحرق الصباغ وزريعة الوسمة والصباغ والفوة والحديد والزفت والقطران والثياب والمآزر والغرادلى شيء كثير؛ ومن الأغنام مائتا ألف وخمسة وثلاثون ألفا وثلاثمائة وخمسة رءوس؛ ومن البسر والنخيل والجريد والسّلب والأطراف والملح والأشنان والرّمان وعسل النّحل والشمع وعسل القصب شيء كثير؛ ومن الأبقار اثنان وعشرون ألفا ومائة وأربعة وستون رأسا؛ ومن الدّواب والسّمن والجبن والصّوف والشعر شيء كثير.\rوقد تقدم ذكر نسخة هذا السجلّ عند ذكر الخراج من هذا الكتاب.\rوقرئ منشور بالجامع الأزهر وجامع عمرو بمصر بالمنع ممّا يعتمد فى الدّواوين من قبول الزيادة وفسخ عقود الضمانات وإعفاء الكافّة من المعاملين والضّمناء من قبول الزّيادة فيما يتصرفون فيه ما داموا قائمين بأقساطهم.\rفيه تحوّل الخليفة الآمر إلى اللؤلؤة (¬١) وأقام فيها مدّة النيل على الحكم الأول وأزال ما أحدث من البناء بالقرب منها، وتحوّل معه الوزير المأمون بن البطائحى والشيخ أبو الحسن ابن أبى أسامة كاتب الدّست وحاجب الحجاب حسام الملك، ورتّبت الرّهجيّة والحرس، وأطلق لهم ما يقوم بهم. وصار الخليفة يمضى فى السراديب من اللؤلؤة إلى القصر فى يومى السّلام، فلا يراه أحد سوى الأستاذين والخواصّ، ويحضر الوزير على عادته ويحمل الأسمطة ويحضر الناس على العادة، ويركب فى يومى الثلاثاء والسبت إلى المتنزهات.\rفيه تقدّم الوزير بتجديد المشاهد التسعة (¬٢) التى بين القرافة والجبل.","footnotes":"(¬١) قصر اللؤلؤة أو منظرة اللؤلؤة كان موقعها على الخليج بالقرب من باب القنطرة، وكانت أحد متنزهات الدنيا أشرفت من شرقيها على البستان الكافورى ومن غربيها على الخليج وهو إذ ذاك بساتين عظيمة ليس فيها من المبانى شيء، وبالبساتين بركة عرفت باسم بطن البقرة، والجالس فى اللؤلؤة كان يرى أرض الطبالة واللوق وما هو من قبيليها والنيل من وراء البساتين. وقد بناها العزيز بالله وسكنها برجوان زمن الحاكم فلما قتل نهبت وهدمت، وأعاد المأمون البطائحى تأسيسها وأخلى ما حولها. المواعظ والاعتبار: ٤٦٧:١ - ٤٦٩.\r(¬٢) يقصد بها المشاهد التى كان الناس - ولا يزالون - يتبركون بزيارتها ومنها مشاهد السيدة نفيسة، وزين العابدين، والقاضى بكار بن قتيبة، والقاضى المفضل بن فضالة، وأبى الفيض ذى النون المصرى. المواعظ والاعتبار: ٤٦٠:٢ - ٤٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277068,"book_id":167,"shamela_page_id":776,"part":"3","page_num":82,"sequence_num":776,"body":"وكانت العادة جارية من الأيام الأفضليّة فى آخر جمادى الآخرة من كل سنة أن تغلق جميع قاعات الخمّارين بالقاهرة ومصر وتختم، ويحذّر من بيع الخمر؛ فرأى الوزير أن يكون ذلك فى سائر الأعمال، فكتب إلى ولاة الأعمال وأن ينادى بأن من تعرّض لبيع شيء من هذين الصّنفين (¬١) أو لشرائهما سرا وجهرا فقد عرّض نفسه لتلافها وبرئت الذمّة من هلاكها.\rلما كان مستهلّ رجب عملت الأسمطة على العادة، فقال الخليفة الآمر لوزيره المأمون:\rقد أعدت لدولتى بهجتها، وقد أخذت الأيّام نصيبها من ذلك، وبقيت الليالى وقد كان بها مواسم وقد زال حكمها؛ وهى ليالى الوقود الأربع (¬٢). فامتثل الأمر، وعملت.\rواستجدّ فى كل ليلة على الاستمرار برسم الخاصّين الآمرى والمأمونى قنطار سكر ومثقالا مسك وديناران برسم المؤن ليعمل خشكنان (¬٣)، وتشدّ فى قعاب وسلال صفصاف، وكان يسمى بالقعبة، ويحمل ثلثا ذلك إلى القصر والثلث إلى دار المأمون.\rووصلت كسوة الشتاء، فكانت أربعة آلاف قطعة وثلاثمائة وخمس قطع. ووصلت","footnotes":"(¬١) هكذا فى الأصل. ولم يسبق ذكر لأى شيء يمكن الإشارة إليه بهذين الصنفين، وإنما هو منع بيع الخمر فى سائر الأعمال. وفى المواعظ والاعتبار: ٤٩١:١ «وأن ينادى بأنه من تعرض لبيع شيء من المسكرات أو لشرائها سرا أو جهرا .. »\r(¬٢) وهى ليلة أول رجب، وليلة نصفه، وليلة أول شعبان وليلة نصفه. وكانت تقام فيها احتفالات عظيمة، ويركب فيها الخليفة فى موكب خاص. ومن مظاهر الاحتفال بليلة أول رجب - مثلا - أن الخليفة كان يجلس فى منظرة عالية - عند باب الزمرد من أبواب القصر وبين يديه شمع يوقد فى العلو زنة الواحدة سدس قنطار. ويركب القاضى من داره بعد صلاة المغرب وبين يديه الشمع المحمول إليه من خزانة الخليفة، موقودا، من كل جانب ثلاثون شمعة، وبين الصفين مؤذنو الجوامع يعلنون بذكر الله تعالى ويدعون للخليفة والوزير، بترتيب مقرر محفوظ. ويحيط به ثلاثة من نواب الباب، وعشرة من حجاب الخليفة، وحجاب الحكم المستقرون وهم خمسة أمراء، والشهود وراءه على ترتيب جلوسهم بمجلس الحكم وحول كل منهم ثلاث شمعات أو شمعتان أو شمعة واحدة. وعند باب الزمرد يجلسون فى رحبة تحت المنظرة فتفتح إحدى طاقاتها فيظهر منها رأس الخليفة ووجهه وحوله الأستاذون المحنكون وغيرهم، ويفتح أستاذ طاقة أخرى يخرج منها رأسه ويده اليمنى ويشير بكمه قائلا: «أمير المؤمنين يرد عليكم السّلام» … ثم يتقدم خطيب الجامع الأنور فيخطب كما يخطب فوق المنبر وينبه على فضيلة ذلك الشهر وأن ذلك الركوب علامته، ثم يختم كلمته بالدعاء للخليفة … ثم يتحرك الموكب إلى دار الوزير، ومعه والى القاهرة، ثم إلى الجامع الطولونى ويخرج منه ووالى مصر فى خدمته، ثم إلى الجامع العتيق وهناك يوقد التنور الفضة الذى بالجامع وفيه نحو ألف وخمسمائة براقة وبأسفله نحو مائة قنديل. ثم يخرج القاضى إلى منزله. صبح الأعشى: ٤٩٧:٣ - ٤٩٨؛ المواعظ والاعتبار: ٤٦٥:١ - ٤٦٧، ٤٩١.\r(¬٣) نوع من الحلوى يصنع من الرقاق على شكل حلقة مجوفة يملأ وسطها باللوز أو بالفستق، يقول القلقشندى: ويعرف فى مصر بالخشتنان. صبح الأعشى: ٥١٠:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277069,"book_id":167,"shamela_page_id":777,"part":"3","page_num":83,"sequence_num":777,"body":"كسوة عيد الفطر وتشتمل على نحو عشرين ألف دينار، وكان عندهم الموسم الكبير، ويسمى بعيد الحلل لأنّ الحلل فيه تعم الجميع وفى غيره للأعيان خاصّة.\rوعمل الختم فى آخر شهر رمضان بالقصر، وعبّئ سماط الفطرة فى مجلس الملك بقاعة الذّهب من القصر، فكان سماطا جميعه من حلاوة الموسم. وصلّى الخليفة الآمر بالنّاس صلاة العيد فى المصلّى ظاهر باب النصر وخطب، وكان ذلك قد بطل فى الأيام الجيوشيّة والأفضلية.\rوكان الذى أنفق فى أسمطة شهر رمضان عن تسع وعشرين ليلة، خارجا عن التوسعة المطلقة أصنافا برسم الخليفة وجهاته، وخارجا عن العطيّة، وخارجا عن رسم القرّاء والمسحّرين وخارجا عن الأشربة والحلاوات من ألعاب، ستة عشر ألف دينار وأربعمائة وستة وثلاثين دينارا. وجملة ما قدّر على المنفق فى شهر رمضان، بما تقدّم شرحه، والتوسعة والصّدقات والفطرة (¬١) وكسوة الغرّة والعيد، مائة ألف دينار عينا. وضرب فى خميس العدس ألف دينار عملت عشرين ألف خرّوبة (¬٢)، وكانت العادة أن يضرب فى كلّ سنة خمسمائة دينار.\rوفى شوّال هذا وصل شاور من أسر الفرنج، وكان مأسورا من الأيّام الأفضليّة وطالت مدّة أسره، وبذلت عشيرته فى افتكاكه جملة كبيرة، فلم يقبل منهم، وطلب فيه أسير من الفرنج، فلم يجبهم الأفضل إليه لأنّه كان لا يطلق أسيرا أبدا. فلمّا ولى المأمون الوزارة وميّز ردينى، مقدّم العربان الجذاميّين، وقبيلته - وشاور من بنى سعد، فخذ من جذام - وقف مجير، أخو شاور، وإخوته للمأمون، وما زالوا به حتى أطلق الأسير فأطلق الفرنج شاورا فى شوّال، وأثبت فى الطّائفة المأمونية؛ وكان هذا ابتداء حديث شاور.","footnotes":"(¬١) الفطرة حلوى عيد الفطر، ويستخدم فيها الجوز واللوز والبندق والفستق والزبيب. وكان مصروفها فى كل سنة عشرة آلاف دينار. وهناك دار خاصة بها عرفت بدار الفطرة كانت خارج القصر قبالة مشهد الحسين، ﵁. صبح الأعشى: ٤٧٦:٣، ٥٢٤، ٥٢٥؛ المواعظ والاعتبار: ٤٢٥:١ - ٤٢٧.\r(¬٢) جرت العادة فى أيام الأفضل أن تضرب خمسمائة دينار خراريب يحمل الأفضل منها إلى الخليفة مائتى دينار، ثم جعلت أيام المأمون البطائحى ألف دينار أمر الخليفة بضربها عشرين ألف خروبة وحملت إليه، فسلم منها إلى المأمون ثلاثمائة دينار. وجرت العادة بذلك طوال عهد المأمون. وفى عهد الحافظ الفاطمى ضربت مرة واحدة ونسى أمرها وبطل حكمها. المواعظ والاعتبار: ٤٥٠:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277070,"book_id":167,"shamela_page_id":778,"part":"3","page_num":84,"sequence_num":778,"body":"وفيه تنبّه ذكر الطائفة النزاريّة، وقرّر بين يدى الخليفة بأن يسيّر رسولا إلى صاحب ألموت بعد أن جمعت فقهاء الإسماعيليّة والإماميّة، وهم ولىّ الدّولة أبو البركات بن عبد الحقيق داعى الدعاة، وجميع دعاة الإسماعيليّة، وأبو محمّد بن آدم متولّى دار العلم (¬١)، وأبو الثّريّا ابن مختار فقيه الإسماعيليّة، ورفيقه أبو الفخر، والشريف ابن عقيل، وشيوخ الشرفاء، وقاضى القضاة، وأولاد المستنصر، وجماعة من بنى عمّ الخليفة، وأبو الحسن بن أبى أسامة كاتب الدّست، وجماعة من الأمراء؛ وقال لهم المأمون: ما لكم من الحجّة فى الرّدّ على هؤلاء الخارجين على الإسماعيلية. فقال كلّ منهم: لم يكن لنزار إمامة، ومن اعتقد هذا خرج عن المذهب وحلّ ووجب قتله؛ وإن كان والده المستنصر نعته ولىّ عهد المسلمين ونعت إخوته، منهم أبو القاسم أحمد بولىّ عهد المؤمنين، وكل مؤمن مسلم وما كل مسلم مؤمن، وقد نطق بذلك الكتاب العزيز (¬٢).\rوذكر حسين بن محمّد الموصلى أن اليازورى (¬٣) لم يزل يسأل المستنصر إلى أن كتب اسمه على الدينار وهو ما مثاله:\rضربت فى دولة آل الهدى … من آل طه وآل ياسين\rمستنصرا بالله جل اسمه … وعبده الناصر للدّين\rفى سنة كذا؛ ولم يقم بعد ذلك إلا دون الشّهر، فاستعيدت وأمر ألا تسطّر.\rودليل يعضّد ذلك أنه لمّا جرت تلك الشدائد على الإمام المستنصر وسيّر أولاده، وهم: الأمير عبد الله إلى عكا إلى أمير الجيوش، ثم أتبعه بالأمير أبى على والأمير أبى القاسم، والد الحافظ،","footnotes":"(¬١) دار العلم، بجوار القصر الغربى من الناحية البحرية، وكان داعى الشيعة يجلس فيها ويجتمع إليه من التلامذة من يتكلم فى العلوم المتعلقة بمذهبهم، وجعل الحاكم لها جزءا من أوقافه التى وقفها على الجامع الأزهر وجامعى المقس وراشدة. ثم أبطل الأفضل أمير الجيوش هذه الدار لاجتماع الناس فيها وخوضهم فى المذاهب خوفا من اجتماع النزارية به، وأعادها الآمر، بعد مقتل الأفضل، بوساطة خدام القصر بشرط أن يكون الداعى هو الناظر فيها، وأقام بها متصدرين لقراءة القرآن وسميت بدار العلم الجديدة ويذكر المقريزى أن وسائل التعليم يسرت فى دار العلم لكل من أراد ذلك من أقلام وأوراق وكتب، وعين لها الفقهاء والعلماء، وكان الحاكم الفاطمى يحضرهم إليه للمناظرة. صبح الأعشى: ٣٦٢:٣. المواعظ والاعتبار: ٤٤٥:١، ٤٥٨ - ٤٦٠.\r(¬٢) يقصد قول الله تعالى فى سورة الحجرات: آية: ١٤: «قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم».\r(¬٣) من وزراء المستنصر بالله. وقد تقدمت أخباره وتقلب أحواله فى الجزء الثانى من هذا الكتاب. توفى مقتولا بأمر الخليفة سنة خمسين وأربعمائة، فى المحرم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277071,"book_id":167,"shamela_page_id":779,"part":"3","page_num":85,"sequence_num":779,"body":"إلى عسقلان، وسيّر نزارا إلى ثغر دمياط سيّر الأعلى إلى (¬١)، ولم يسمح بسفر الإمام المستعلى ولا خروجه من القصر لما أهّله له من الخلافة، ولا أبعده خوفا من حضور المنيّة، فلمّا وصل أمير الجيوش إلى البلاد بعد تهيئتها وتأمينها ورغب الإمام المستنصر فى عقد نكاح ولده الإمام المستعلى على ابنته، أخت الأفضل، وعقد النكاح بنفسه، سمّاه فى كتاب الصّداق مولى عهد أمير المؤمنين؛ وعلّم عليه بخطّه. ثم عند وفاة المستنصر بايع نزار الإمام المستعلى بما شاهده كلّ حاضر، وبما ذكرته السيدة ابنة الإمام الظّاهر شقيقة الإمام المستنصر فى صحة إمامته. فكتب الكتاب بجميع ذلك إلى صاحب ألموت مضمّنا بشهادة الجماعة بذلك.\rثمّ وصل فى أثناء ذلك كتب من خواصّ الدّولة تتضمن أنّ القوم قد قويت شوكتهم واشتدت فى البلاد طمعتهم، وأنهم يسيّرون المال مع التّجّار إلى قوم يخبرون أسماءهم، وأنهم سيّروا لهم الآن ثلاثة آلاف دينار برسم النّجوى (¬٢) وبرسم المؤمنين الذين ينزل الرّسل عندهم ويختفون فى محلهم، فتقدم المأمون بالفحص عنهم والاحتراز التام على الآمر فى ركوبه ومتنزّهاته، وحفظ الدّور غيرها.\rولم يزل البحث التام فى طلبهم إلى أن وجدوا عند قوم من أهل البلد، فاعترفوا بأنّ خمسة منهم هم الرّسل الواصلون بالمال من البلاد المشرقيّة، فراموا قتلهم، فأشار المأمون بتركهم. وأحضر الشيخ أبو القاسم بن الصّيرفى، وأمر بكتب سجلّ يقرأ على رءوس الأشهاد وتفرّغ منه النسخ إلى البلاد بمعنى ما ذكر من نفى نزار عن الإمامة وشهّر الجماعة المقبوض عليهم وصلبوا، وامتنع الآمر من قبض الألفى دينار الواصلة للنّجوى وأمر بحملها إلى بيت المال، وأن تنفق فى السّودان عبيد الشراء خاصة. وأمر بأن يحضر من بيت المال نظير المبلغ، وتقدم بأن يصاغ قنديلين ذهبا وقنديلين فضة؛ وأن يحمل قنديلان، ذهبا وفضة، إلى مشهد الحسين بعسقلان، وقنديلان كذلك إلى التربة. وأطلق","footnotes":"(¬١) كلمة غير واضحة لم أستطع قراءتها، ولم أجدها فى غيره من المراجع التى بين يدى.\r(¬٢) الأصل فى رسم النجوى أن الداعى الذى كان يدعو الناس إلى المذهب الفاطمى فى المجلس الخاص بذلك، ويسمى مجلس الحكمة، كان يقبض فى كل مجلس ما يتحصل من «النجوى» من كل من يدفع شيئا من ذلك عينا وورقا من الرجال والنساء، ويكتب أسماء من يدفع شيئا على ما يدفعه، ويرفع ذلك إلى بيت المال. المواعظ والاعتبار: ٣٩١:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277072,"book_id":167,"shamela_page_id":780,"part":"3","page_num":86,"sequence_num":780,"body":"المأمون من ماله ألفى دينار، وتقدم بأن يصاغ بها قنديل ذهب وسلسلة فضة برسمه على قياس أحضر من عسقلان، وأن يصاغ على المصحف الذى بخط علىّ بن أبى طالب ﵁ بمصر من فوق الفضة ذهب.\rوأطلق من حاصل الصّناديق التى تشتمل على مال النجارى برسم الصدقات عشرة آلاف درهم تفرّق فى الجوامع الثلاثة: الأزهر بالقاهرة والعتيق بمصر وجامع القرافة (¬١)، وعلى فقراء المؤمنين وعلى أرباب القصور. وأطلق من الأهراء ألفا إردب قمحا وتصدّق عدّة من الجهات بجملة كثيرة. واشتريت عدّة جوار من الحجر (¬٢) وكتب عتقهنّ وأطلق سراحهنّ.\rقال ابن ميسر، وقد ذكر هذا المجلس: وقد كانت أخت نزار فى قاعة بجانب الإيوان من القصر، وعلى الباب ستر، وعلى السّتر إخوتها وبنو عمّها وكبار الأستاذين.\rفلمّا جرى هذا الفصل قام المأمون من مكانه ووقف بإزاء السّتر وقال: من وراء هذا الستر؟ فعرّف بها إخوتها وبنو عمّها، وأنه ليس غيرها وراء السّتر. فلمّا تحقق الحاضرون ذلك قالت: اشهدوا علىّ يا جماعة الحاضرين، وبلغوا عنّى جماعة المسلمين بأن أخى شقيقى نزارا لم يكن له إمامة، وأننى بريئة من إمامته جاحدة لها لاعنة لمن يعتقدها، لما علمته من والدى وسمعته من والدتى، لمّا أمر المستنصر بمضيّها هى والجهة المعظمة والدة عبد الله أخى إلى المنظرتين اللّتين على القناطر المعروفتين بالحرارة والبرياصة (؟) للنزهة أيّام النيل جرى بينهما مشاجرة فى ولديهما، فأحضرهما المستنصر بن يديه وأنكر عليهما، وقال: ما يصل أحد من ولديكما إلى الأمر، صاحبه معروف فى وقته. وشاهدت والدى المستنصر فى مرضته التى توفى فيها وقد أحضر المستعلى وأخذه معه فى فراشه، وقبّل بين عينيه، وأسرّ إليه طويلا وقد دمعت عيناه؛ وفى اليوم الذى انتقل والدى فى ليلته استدعى عمّتى بنت الظّاهر فأسرّ إليها من بيننا، ومدّ يده إليها فقبلها وعاهدها، وأشهد الله تعالى معلنا ومظهرا. فلمّا انتقل فى تلك","footnotes":"(¬١) وعرف على زمن المقريزى باسم جامع الأولياء، بنى فى الأرض التى كانت تعرف بخطة المغافر، بنته السيدة تغريد أم العزيز بالله سنة ست وستين وثلاثمائة، كان بابه الأكبر، الأوسط، مصفحا بالحديد، وله مقصورة بها أربعة عشر بابا قدام كل باب قنطرة قوس على عمودى رخام وقد زوقت سقفه كلها وحناياه وعقوده التى تعلو الأعمدة بأنواع الأصباغ. المواعظ والاعتبار: ٣١٨:٢ - ٣٢٠.\r(¬٢) كان بجوار الوزارة مكان كبير يعرف بالحجر - جمع حجرة - يقيم فيه الغلمان المختصون بالخلفاء. نفس المصدر ٤٤٣:١ - ٤٤٤. (ولم أجد ذكرا لحجر خصصت للجوارى).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277073,"book_id":167,"shamela_page_id":781,"part":"3","page_num":87,"sequence_num":781,"body":"الليلة حضر صبيحتها الأفضل ومعه الدّاعى والأمراء والأجناد، ووقف بظاهر المقرمة، ثم جلس وكلّهم قيام، وأخذ فى التّعزية، ثم قال: يا مولاتنا من ارتضاه للخلافة؟ فقالت:\rهى أمانة قد عاهدنى عليها، وأوصانى بأنّ الخليفة من بعده ولده أبو القاسم أحمد.\rفحضر وبايعته عمّتى، وبايعه أخوه الأكبر عبد الله فأشار الأفضل إلى نزار فبايعه، وأمر بالتّوكيل على نزار وتأخيره، فأخر إلى مكان لا يصلح له. واستدعى الأفضل الدّاعى وأمره بأخذ البيعة من نفسه ومن الموالى والأستاذين. وسألت عمّتى الأفضل فى نزار فرفع عنه التّوكيل عليه بعد أن كلّمه بكلام فيه غلظة؛ و والله ما مضى أخى نزار إلى ناصر الدّولة أفتكين بالإسكندرية لطلب إمامة ولا لادّعاء حق، ولكن طالب بالزوال للأفضل وإبطال أمره لما فعل معه. والله يلعن من يخالف ظاهره باطنه. فشكرها الناس على ذلك.\rوكان سبب حضور أخت نزار فى هذا المجلس أنّ المأمون قال للآمر: قد كشفت الغطاء وفعلت ما لا يقدر أحد على فعله، وأما القصر فما لى فيه حيلة. ولوّح أن أخت نزار وأولادها لا يمكننى كشف أمرهم. فلمّا بلغ أخت نزار ذلك حضرت إلى الخليفة الآمر لتبرّئ نفسها، ورغبت أن تخرج للنّاس لتقول ما سمعته من والدها وشاهدته ليكون قولها حجّة على من يدى لأخيها ما ليس له. فاستحسن الآمر ذلك منها؛ وأحضر المأمون وأخاه شقيقه أبا الفضل جعفر بن المستعلى، واتّفقوا على يوم يجتمعون فيه. فلمّا كان فى شوّال عمل المجلس المذكور.\rوأما النزاريّة فإنها تقول إن المستنصر مات والأفضل صاحب الأمر والمستحوذ على المملكة والجند جنده، وغلمان أبيه لا يعرفون سواه؛ وكان نزار، لما يرى من غلبة الأفضل على الدّولة، يتكلّم بما بلغه، فينكره، فلمّا مات المستنصر والأفضل متخوّف من شرّ نزار أقام أحمد ابنه (¬١)، المستعلى، لأنّه زوج أخته ولأنه صغير.\rوفيها أراد الآمر أن يحضر إلى دار الملك فى يوم النّوروز الكائن فى جمادى الآخرة ويركب إليها فى المراكب على ما كان عليه الأفضل، فمنعه المأمون من ذلك، وقال:","footnotes":"(¬١) فى الأصل: أقام أحمد بن المستعلى. وهو خطأ من الناسخ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277074,"book_id":167,"shamela_page_id":782,"part":"3","page_num":88,"sequence_num":782,"body":"يا مولانا، الأفضل لا يجرى مجرى أمير المؤمنين. وحمل إليه من الثياب الفاخرة برسم جهاته ما له قيمة جليلة (¬١).\rوفى شوّال بلغ المأمون أن جزيرة قويسنا ومنية زفتى ليس فيهما جامع، فتقدّم إلى بعض خواصّه وخلع عليه، فسار وبنى جامعا على شاطئ النيل بمنية زفتى، وقرّر فيه خطيبا وإماما ومؤذنين، وفرش، وأطلق برسمه نظير ما للجوامع.\rوفيه وصل الفقيه أبو بكر محمّد بن محمد الفهرى الطرطوشى (¬٢) من الإسكندرية بالكتاب الذى حمله: «سراج الملوك»، فأكرمه وأمر بإنزاله فى المجلس المهيّأ للإخوة، وتقدّم برفع أدوية (¬٣) الكتّاب وأوطئة الحسّاب وسلام الأمراء، وعمل السّماط، وسارع إلى البادهنج (¬٤)، واستدعى بالفقيه. فلمّا شاهده وقف، ونزل عن المرتبة، وجلس بين يديه؛ ثم انصرف، ومعه أخو المأمون، إلى مكان أعدّ له، وحمل إليه ما يحتاج له وأمر مشارف الجوالى (¬٥) أن يحمل له فى كل يوم خمسة دنانير بمقتضى توقيع مقتضب، فامتنع الفقيه وأبى أن يقبل غير الدينارين اللذين كانا له فى الأيام الأفضلية. وصار المأمون يستدعيه فى يومى راحته، ويبالغ فى كرامته، ويقضى شفاعاته.\rوكان السبب فى حضوره أنه تكلّم فى الأيام الأفضليّة فى أمور المواريث وما يأخذه أمناء الحكم من أموال الأيتام، وهو ربع العشر، وأمر توريث الابنة النصف،","footnotes":"(¬١) بهامش الأصل: بياض ثلث صفحة.\r(¬٢) هو أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب القرشى الفهرى الأندلسى الطرطوشى الفقيه المالكى المعروف بابن أبى رندقة. ولد بمدينة طرطوشة بالأندلس سنة ٤٥١ ورحل إلى المشرق سنة ٤٧٦، وحج، ودخل بغداد والبصرة، وسكن الشام مدة ودرس بها، وانتقل إلى مصر وأقام بالقاهرة ثم بالإسكندرية وبها توفى سنة ٥٢٠. وطرطوشة، بضم الطاءين، على ساحل البحر شرقى الأندلس، ورندقة بفتح الراء وسكون النون وفتح الدال المهملة كلمة فرنجية - كما يقول ابن خلكان - وله من المؤلفات سراج الملوك - المذكور فى المتن - وسراج الهدى، وكتاب بر الوالدين، وكتاب الفتن. وفيات الأعيان: ٤٧٩:١ - ٤٨٠.\r(¬٣) لعلها جمع دواة.\r(¬٤) البادهنج منفذ للتهوية فى البيوت، وتسمى الفتحة فى المنبر أيضا بادهنج والجمع بادهنجات. السلوك: ٢٢٢:٢.\r(¬٥) الجوالى من الأموال المشروعة، وهى ما يؤخذ من أهل الذمة عن الجزية المقررة فى كل سنة. يقول ابن مماتى: وكانت الجزية على ثلاث طبقات: عليا، أربعة دنانير وسدس كل سنة، ووسطى، ديناران وقيراطان، وسفلى، دينار واحد وثلث وربع وحبتان من دينار. صبح الأعشى ٣؛ ٤٥٨؛ قوانين الدواوين: ٣١٧ - ٣١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277075,"book_id":167,"shamela_page_id":783,"part":"3","page_num":89,"sequence_num":783,"body":"فلم يقبل ذلك، ففاوض المأمون فيه وقال: هذه قضيّة وجدتها وما أحدثتها وهى تسمى بالمذهب الدارج، ويقال إنّ أمير الجيوش بدر هو الذى استجدها، وهى أنّ كلّ من مات يعمل فى ميراثه على حكم مذهبه، وقد مرّ على ذلك سنون وصار أمرا مشروعا، فكيف يجوز تغييره.\rفقال له الفقيه: إذا علمت ما يخلّصك من الله غيرها فلك أجرها. فقال أنا نائب الخليفة، ومذهبه ومذهب جميع الشيعة من الزّيدى، والإمامى والإسماعيلى أن الإرث جميعه للابنة خاصّة بلا عصبة ولا بيت مال، ويتمسّكون بأنه من كتاب الله كما يتمسك غيرهم، وأبو حنيفة، ﵀، يوافقهم فى القضيّة. فقال الفقيه: أنا مع وجود العصبة فلا بدّ من عدّتها (¬١). فقال المأمون أنا لا أقدر أن أردّ على الجماعة مذهبهم، والخليفة لا يرى به وينقضه على من أمر به؛ بل أرى بشفاعة الفقيه أن أردّ الجميع على رأى الدّولة فيرجع كلّ أحد على حكم رأيه فى مذهبه فيما يخلصه من الله، ويبطل حكم بيت المال الذى لم يذكره الله فى كتابه ولا أمر به الرّسول ﵇. فأجاب إلى ذلك.\rوأمر الوزير أن يكتب به وأن يكتب بتعويض أمناء الحكم عمّا يقتضونه من ربع العشر بتقرير جار لهم فى كل شهر من مال الدّيوان على المواريث الحشرية (¬٢)\rوأخذ الفقيه فى ذكر بقيّة حوائج أصحابه؛ وكتب منه توقيع فرّغت منه نسخ منها ما سيّر إلى الثّغور وكبار الأعمال، وشملته العلامة الآمريّة وبعدها العلامة المأمونية.\rونسخته بعد البسملة: «خرج أمر أمير المؤمنين بإنشاء هذا المنشور عند ما طالعه السّيد الأجلّ المأمون أمير الجيوش - ونعوته والدعاء - وهو الخالصة أفعاله فى حياطة المسلمين وذو المقاصد المصروفة إلى النظر فى مصالح الدّنيا والدّين، والهمّة الموقوفة على التّرقّى إلى درجات المتّقين، والعزائم الكافلة بتشديد أحوال الكافّة أجمعين؛ شيمة خصّه الله بفضيلتها جبلّة أسعد بجلالها وشريف مزيّتها. والله سبحانه يجعل آراءه للتوفيق مقارنة، وأنحاء","footnotes":"(¬١) أى لا بد من إدخالها فى الاعتبار.\r(¬٢) المواريث الحشرية: مال من يموت ولا وارث له بقرابة أو نكاح أو ولاء، والباقى بعد الفرض من مال من يموت وله وارث ذو فرض لا يستغرق فرضه جميع المال ولا عاصب له. وما كان بحاضرة مصر من هذه المواريث يحمل إلى بيت المال، وكان كاتبه يكتب فى كل يوم تعريفا بمن يموت بمصر والقاهرة من حشرى أو أهلى ويكتب منه نسخا لديوان الوزارة ولنظر الدواوين ولمستوفى الدولة، ويسدد من وقت العصر فمن أطلق بعد العصر يضاف إلى اليوم التالى. وما كان خارج العاصمة يحصله مباشرون ويحملونه إلى دار السلطان. صبح الأعشى: ٣ - ٤٦٠؛ قوانين الدواوين: ٣١٩ - ٣٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277076,"book_id":167,"shamela_page_id":784,"part":"3","page_num":90,"sequence_num":784,"body":"الميامن كافلة ضامنة، من أمر المواريث وما أجراها عليه الحكام الدّارجون بتغاير نظرهم، وقرّروه من تغيير عمّا كان يعهد بتغلّب آرائهم، وما دخل عليها منهم من الفساد، والخروج بها عن المعهود المعتاد؛ وهو أن لكلّ دارج من الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين مذاهبهم واعتقاداتهم تحمّل ما يترك من موجوده على حكم مذهبه فى حياته والمشهور من اعتقاده إلى حين وفاته؛ فيخلص لحرم ذوى التشيّع الوارثات جميع موروثهم؛ وهو المنهج القويم لقول الله سبحانه: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (¬١). ويحمل من سواهنّ على مذهب مخلّفيهنّ، ويشركهم بيت مال المسلمين فى موجودهم، ويحمل إليه جزء من أموالهم التى أحلّها الله لهنّ بعدهم، عدولا عن محجّة الدّولة، وخروجا عما جاء به العباد من الأئمة الذين نزل فى بيتهم الكتاب والحكمة، فهم قراء القرآن، وموضحو غوامضه ومشكلاته بأوضح البيان، وإليهم سلّم المؤمنون، وعلى هديهم وإرشادهم يعوّل الموقنون؛ فلم يرض أمير المؤمنين الاستمرار فى ذلك على قاعدة واهية الأصول، بعيدة من التّحقيق خالية من المحصول، ولم ير إلاّ العود فيه إلى عادة آبائه المطهّرين، وأسلافه العلماء المهديّين، صلوات الله عليهم أجمعين. وخرج أمره إلى السّيد الأجلّ المأمون بالإيعاز إلى القاضى ثقة الملك النّائب فى الحكم عنه، بتحذيره، والأمر له بتحذير جميع النواب فى الأحكام بالمعزّيّة القاهرة ومصر وسائر الأعمال، دانيها وقاصيها، قريبها ونائيها، من الاستمرار على تلك السنّة المتجدّدة، ورفض تلك القوانين التى كانت معتمدة واستئناف العمل فى ذلك بما يراه الأئمة المطهرة، وأسلافه الكرام البررة، وإعادة جميع مواريث النّاس على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم إلى المعهود من رأى الدّولة فيها، والإفراج عنها برمّتها لمستحقّيها، من غير اعتراض عليهم فى قليلها ولا كثيرها؛ وأن يضربوا عمّا تقدّم صفحا، ويطووا دونه كشحا، منذ تاريخ هذا التوقيع، وفيما يأتى بعده مستمرّا غير مستدرك لما فات ومضى، ولا متعقب لما ذهب وانقضى».\r«وليوف الأجلّ المأمون، عضّد الله به الدّين، بامتثال هذا المأمور، والاعتماد على مضمون هذا المسطور؛ وليحذّر كلاّ من القضاة والنوّاب، والمستخدمين فى الباب، وسائر","footnotes":"(¬١) سورة الأنفال: آية: ٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277077,"book_id":167,"shamela_page_id":785,"part":"3","page_num":91,"sequence_num":785,"body":"الأعمال، من اعتراض موجود أحد ممّن يسقط بالوفاة وله وارث بالغ رشيد، حاضر أو غائب، ذكرا كان أو أنثى، من سائر الناس على اختلاف الأديان بشئ من التأولات أو تعقب ورثته بنوع من أنواع التعقّبات، إلا ما أوجبته بينهم المحاكمات والقوانين الشّرعيات الواجبات، نظرا إلى مصالح الكافّة، ومدّا لجناح العاطفة عليهم والرأفة، ومضاعفة للأنام وإبانة عن شريف القصد إليهم والاهتمام».\r«فأمّا من يموت حشريّا ولا وارث له حاضر ولا غائب، فموجوده لبيت المال بأجمعه على الأوضاع السّليمة، والقوانين المعلومة القويمة، إلا ما يستحقه خرج (¬١) إن كان له أو دين عليه يثبت فى جهته. وإن سقط متوفّى وله وارث غائب فليحفظ الحكام والمستخدمون على تركته احتياطا حكميّا، وقانونا شرعيّا مصونا من الاصطلام (¬٢)، محروسا من التفريط والاخترام؛ فإن حضر وأثبت استحقاقه ذلك فى مجلس الحكم بالباب، على الأوضاع الشرعيّة الخالصة من الشّبه والارتياب، طولع بذلك ليخرج الأمر بتسليمه إليه والإشهاد بقبضه عليه.\r«وكذلك نمى إلى حضرة أمير المؤمنين أنّ شهود الحكم بالباب وجميع الأعمال إذا شارف أحد منهم بيع شيء ممّا يجرى فى المواريث من الترك التى يتولاها الحكّام يأخذون ربع العشر من ثمن المبيع، فيعود ذلك بالنّقيصة فى أموال الأيتام، والتّعرّض إلى الممنوع الحرام، اصطلاحا استمرّوا على فعله، واعتمادا لم يجر الأمر فيه على حكمه؛ فكره ذلك وأنكره، واستفظعه (¬٣) وأكبره، واقتضى حسن نظره فى الفريقين، ما خرج به أمره من توفير مال الأيتام، وتعويض من يباشر ذلك من الشّهود جاريا يقام لكلّ منهم من الإنعام؛ وأمر بوضع هذا الرّسم وتعفيته، وإبطاله وحسم مادّته. فليعتمد القاضى ثقة الملك ذلك بالباب، وليصدر الإعلام إلى سائر النّوّاب، سلوكا لمحجّة الدّين، وعملا بأعمال الفائزين السعداء المتّقين، بعد تلاوة هذا التوقيع فى المسجدين الجامعين بالمعزّيّة القاهرة المحروسة ومدينة مصر على رءوس الأشهاد، ليتساوى فى معرفة مضمونه كلّ","footnotes":"(¬١) المقصود به المال الذى يستحق لإحدى الجهات الحكومية، من ضريبة أو نحوها.\r(¬٢) الصلم بتشديد الصاد المفتوحة وسكون اللام، كالتصليم، القطع، والفعل كضرب؛ واصطلمه استأصله. القاموس المحيط.\r(¬٣) فى الأصل: استفضعه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277078,"book_id":167,"shamela_page_id":786,"part":"3","page_num":92,"sequence_num":786,"body":"قريب وبعيد وحاضر وباد؛ ولتفرّغ منه النّسخ إلى جميع النوّاب عنه فى الأعمال، وليجلّد فى مجلس الحكم بعد ثبوته فى ديوانى المجلس والخاصّ الآمرى، وحيث يثبت مثله إن شاء الله تعالى حجة مودعة فى اليوم وما بعده. وكتب لليلتين بقيتا من ذى القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة».\rثم حضر الفقيه أبو بكر لوداع الوزير (¬١)، وعرّفه ما عزم عليه من إنشاء مسجد بظاهر الثّغر على البحر، فكتب إلى ابن حديد بموافقة الفقيه على موضع يتخيّره، وأن يبالغ فى إتقانه وسرعة إنجازه، وتكون النفقة عليه من مال ديوانه دون مال الدولة. وتوجّه فبنى المسجد المذكور على باب البحر. وأما المسجد الذى بالمحجّة فإن المؤتمن عند مقامه بالثّغر بناه.\rوذكر للمأمون أيضا أن واحات البهنسا (¬٢) ليس بها جمعة تقام، فأمر ببناء جامع بها، ففرغ منه وأقيم فيه خطيب وإمام وقومة ومؤذّنون، وأطلق لهم ما هى عادة أمثالهم.\rوقيل إنّ الذى أنشأه المأمون فى وزارته وفى أيام الأفضل أحد وأربعون مسجدا، مع ما أمر بتجديده، بعد وزارته، بالقاهرة ومصر وأعمالهما ما يناهز مائتى مسجد.\rفيه بنيت دار ضرب بالقاهرة (¬٣) ودار وكالة (¬٤).","footnotes":"(¬١) فى إحدى زيارات الفقيه للوزير بسط مئزرا كان معه وجلس عليه، وكان إلى جانب الأفضل رجل نصرانى، فوعظ الفقيه الأفضل حتى بكى، ثم أنشد:\rيا ذا الذى طاعته قربة … وحقه مفترض واجب\rإن الذى شرفت من أجله … يزعم هذا أنه كاذب\rوأشار إلى النصرانى، فأقامه الأفضل من موضعه. وفيات الأعيان: ٥٧٩:١.\r(¬٢) يقول ياقوت إنها مدينة بالصعيد الأدنى غربى النيل، وتضاف إليها كورة كبيرة، وليست على ضفة النيل، وبظاهرها مشهد يزار يزعم الناس أن المسيح وأمه أقاما به سبع سنين. وهى اليوم فى محافظة المنيا على الشاطئ الغربى لبحر يوسف. وإليها كان يجلب الشب من الواحات، وفيها كانت تعمل الستور البهنسية وينسج المطرز والمقاطع السلطانية، وكان طول الستر الواحد ثلاثين ذراعا وقيمة الزوج منه مائتى مثقال من الذهب. المواعظ والاعتبار: ١ ٢٣٧؛ صبح الأعشى: ٣٩٣:٣؛ معجم البلدان: ٣١٦:٢؛ النجوم الزاهرة: ٢٩٧:٥؛ قوانين الدواوين: ٨١، ٣٢٨، ٣٤٤ - ٣٤٥.\r(¬٣) بحى القشاشين الذى أصبح يعرف أيام المقريزى بحى الخراطين، قبالة البيمارستان. بناها الآمر واستخدم فيها العدول، وصار دينارها أعلى عيارا من جميع ما يضرب بجميع الأمصار. وكانت دار الضرب تصدر فى المواسم دنانير خاصة بها للتفرقة على أمراء الدولة وأعيانها، ومن هذه الدنانير الخاصة: دينار الغرة - غرة العام - ودينار خميس العدس. وكان يتولى الإشراف المباشر على دور الضرب قاضى القضاة لاهتمام الفاطميين بضبط العملة. المواعظ والاعتبار: ٤٤٥:١.\r(¬٤) أنشأها المأمون البطائحى - بجوار دار الضرب - لمن يصل من العراقيين والشاميين وغيرهم من التجار، ولم يسبق إلى ذلك. نفس المصدر: ٤٥٠:١ - ٤٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277079,"book_id":167,"shamela_page_id":787,"part":"3","page_num":93,"sequence_num":787,"body":"وفى ذى القعدة مات الأمير السعيد محمود بن ظفر، والى قوص. وركب المأمون إلى الجامع الأزهر، فلمّا كان وقت صلاة الصبح تقدم قاضى القضاة ثقة الملك أبو الفتح مسلم بن على الرّاسعينى وصلّى؛ فلمّا قرأ الفاتحة لحقه زمع (¬١) شديد وارتعد، فلحن فى الفاتحة؛ وقرأ: «وَالشَّمْسِ وَ ضُحاها»،﴾ فلمّا قال: «ناقَةَ اللهِ وَ سُقْياها» أرتج عليه، فردّ المؤتمن حيدرة، أخو المأمون، عليه، فاشتدّ زمعه، فكرّر عليه الرّدّ، فلم يهتد وقال:\r«وسقناها» بالنون: فقرأ المأمون بقيّة السّورة وسجد النّاس. وقام فى الرّكعة الثانية وقد دهش فلم يفتح عليه بشئ؛ فقرأ المأمون الفاتحة «و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»،﴾ وقنت وهو معه يلقّنه. فلمّا انقضت الصّلاة اشتدّ غضب المأمون وأمر متولّى الباب بأن يختم المقرءون.\rوتخيل المقام وخرج من الجامع، فوكل بالقاضى من يمضى به إلى داره ويأمره بالمقام بها من غير تصرّف حتى يحفظ القرآن؛ وقرّر له راتبا فيما بعد؛ ولزم داره.\rوأنفذ للوقت إلى القاضى أبى الحجّاج يوسف بن أيّوب المغربى، من قضاة الغربية، فأحضره وخلع عليه فى القصر بذلة مذهبة، وسلّم به على الخليفة، وسلّم إليه السّجلّ فى لفافة مذهبة بنيابته فى الحكم العزيز والخطابة والصّلاة وديوان الأحباس (¬٢) ودور الضّرب بسائر أعمال المملكة؛ ونعت فيه بالقاضى جلال الملك تاج الأحكام؛ فقبّله ووضعه على رأسه. وتلى على منابر القاهرة ومصر.\rوكان يحضر فى يومى الاثنين والخميس إلى مجلس المظالم بين يدى المأمون، ويستعرض القصص ويناقش فيها، ويباحث مباحثة الفقهاء العلماء، فزاد المأمون فى إكرامه، وردّ إليه وكالة الخليفة؛ وكتبت له الوكالة، وشرّف بالخلع.\rوتولّى قوص الأمير مؤيّد الملك وخلع عليه؛ وأمر أن يبنى بقوص دار ضرب، وجهّز معه مهندسين وضرّابين وسكك العين والورق، وعشرين ألف دينار وعشرين ألف درهم","footnotes":"(¬١) الزمع شبه الرعدة تأخذ الإنسان، والدهش، والخوف، وفعله كفرح. القاموس المحيط.\r(¬٢) ديوان الأحباس المقصود به ديوان الأوقاف وكان لا يخدم فيه إلا أعيان كتاب المسلمين من الشهود المعدلين، وفيه عدة مديرين وكاتبان معينان لنظم الاستيمارات، ويسجل فى استيماره كل ما فى الرقاع والرواتب، وما يجبى له من جهات كل من الوجهين القبلى والبحرى. والشهود المعدلون طبقة من طبقات أصحاب الوظائف الدينية تسند إليها مهمات محددة مثل وكالة بيت المال والحسبة وحضور مجلس الحكم (القضاء)، ولا يعدل أحد للشهادة إلا بأمر الخليفة. صبح الأعشى: ٤٨٢:٣ - ٤٨٣، ٤٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277080,"book_id":167,"shamela_page_id":788,"part":"3","page_num":94,"sequence_num":788,"body":"فضة؛ فضربت هناك دنانير ودراهم؛ وصار كل ما يصل من اليمن والحجاز من الدنانير العدنية وغيرها يضرب بها.\rوصار ما يضرب باسم الآمر فى ستة مواضع: القاهرة، ومصر، وقوص، وعسقلان، وصور، والإسكندرية.\rوقرّر للشيخ أبى جعفر يوسف بن أحمد بن حسدية بن يوسف، الإسرائيلى الأصل، لمّا قدم من الأندلس وصار ضيف الدّولة، جار وكسوة شتوية وعيديّة ورسوم (¬١)، وأقطع دارا بالقاهرة، وكتب له منشور نسخته بعد البسملة.\r«ولمّا كان من أشرف ما طرّزت السّيرة بقدره، وأنفس ما وشّحت الدول بجميل أثره، تخليد الفضائل وإبداء ذكرها، وإظهار المعارف وإيضاح سرّها، لا سيّما صناعة الطّبّ التى هى غاية الجدوى والنفع، وورود الخبر بأنها قرينة إلى الشرع. لقوله ﷺ: «العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان» خرج أمر سيّدنا ومولانا لما يؤثره بعلوّ همّته من إنماء العلوم وإشهارها، واختصاص الدّولة الفاطميّة بإحياء الفضائل وتجديد آثارها، ليبقى جمال ذلك شاهدا لها على مرّ الأيّام، متّسقا بما أفشاه لها من المآثر الجمّة والمفاخر الجسام، لشيخنا أبى جعفر يوسف بن أحمد بن حسدية، أيده الله، لصرف رعايته إلى شرح كتب أبقراط التى هى أشرف كتب الطّبّ وأوفاها، وأكثرها إغماضا وأبقاها، وإلى التّصنيف فى غير ذلك من أنحاء العلوم، ممّا يكون منسوبا إلى الأوامر العالية، ورسم التّوفّر على ذلك والانتصاب له، وحمل ما يكمل أوّلا أوّلا إلى خزائن الكتب، وإقراء جميع من يحضر إليه من أهل هذه الصّناعة، وعرض من يدّعيها واستشفافه فيما يعانيه؛ فمن كملت عنده صناعته فليجره على رسمه، ومن كان مقصّرا فليستنهضه. واعتمدنا عليه فى ذلك لكونه مميزا فى البراعة فى العلوم متصرّفا فى فنونها، مقدّما فى بسطها وإظهار مكنونها، ولأنّه يبلغ الغرض المقصود فى شرح هذه الكتب ويوفى عليه، ويسلك أوضح السّبل وأسدّها إليه، وفى جميع ما شرع له. فليشرع فى ذلك مستعينا بالله، منفسح الأمل","footnotes":"(¬١) بهامش الأصل: «وبخطه. أبو جعفر يوسف بن أحمد بن حسدية الإسرائيلى الأندلسى أحد أعلام فضلاء اليهود الأطباء، أسلم فى القاهرة واختص بالمأمون، وترجم بعض كتب أبقراط وصنف كتابا فى المنطق، ومات فى حدود الثمانين. وكان فيه دعابة». اهـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277081,"book_id":167,"shamela_page_id":789,"part":"3","page_num":95,"sequence_num":789,"body":"بإنهاضنا له، وجميل رأينا فيه، بعد ثبوته فى الدّواوين إن شاء الله تعالى. وكتب فى ذى القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة».\rفانتصب لطالبى علم الطبّ وأقبل أطبّاء البلدين إليه، واجتمع فى أيدى الناس من أماليه كثير، وجعل له يومين فى الجمعة يشتغل فيهما، ويتوفّر فى بقيّة الأسبوع على التّصنيف، وحمل ذلك إلى الخزائن؛ واستخدم كاتبين لتبييض ما يؤلّفه.\rولمّا أهل ذو الحجّة جرى الحال فى الهناء ومدائح الشّعراء فى القصر بين يدى الخليفة وبالدّار المأمونية على الحال المستقرّة، واستقبله المأمون بالصّيام، وأخرج من ماله ما زاد عن المستقرّ فى كلّ عام، برسم الأطفال من الفقراء والأيتام، من أهل البلدين وغيرهم؛ ولم يتعرّض لطلب ذلك من المميّزين بحكم ما يعملونه من السّنين المتقادمة.\rوممّا ابتكره ولم يسبقه إليه أحد أن استعمل ميقاط حرير فيه ثلاث جلاجل، وفتح باب طاقة فى الرّوشن من سور داره؛ فصار إذا مضى شطر اللّيل وانقطع المشى طرحت السّلسلة ودلّى الميقاط من الطّاق، وعلى هذا المكان جماعة مبيّتون بحقه من المغاربة؛ فمن حضر من الرّجال والنّساء بتظلّمه سدد قصّة فى الميقاط بيده ويحرّكه بعد أن يقف من حضره على مضمون الرّقعة؛ فإن كانت مرافعة لم يمكّنوه من رفعها، وإن كانت ظلامة مكّنوه من ذلك ويعوّق صاحبها إلى أن يخرج الجواب.\rوكان القصد بعمل ذلك أنّه من حدث به ضرر من أهل السّتر، أو كانت امرأة من غير ذات البروز ولا تحبّ أن تظهر، أو كانت مظلمة فى الليل تتعجّل مضرّتها قبل النهار فلتأت لهذا الميقاط.\rوحضرت كسوة عيد النحر، وفرقت الرسوم على من جرت عادته بها، خارجا عمّا أمر به من تفرقة العين المختص بهذا العيد وأضحيته، فكان منها سبعة عشر ألفا وستمائة دينار برسم القصور جميعها، وجملة ما نحر وذبح الخليفة خاصة، دون الوزير، فى ثلاثة أيام النحر ألف وتسعمائة وستة وأربعون رأسا؛ منها نوق مائة وثلاثة عشر، وبقر ثمانية عشر رأسا، وجاموس خمسة عشر، والبقية كباش، ومبلغ المصروف على أسمطة الثلاثة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277082,"book_id":167,"shamela_page_id":790,"part":"3","page_num":96,"sequence_num":790,"body":"أيام (¬١)، خارجا عن أسمطة الوزير، ألف وثلاثمائة وستة وعشرون دينارا، ومن السّكّر ثمانية وأربعون دينارا.\rوعمل عيد الغدير (¬٢) على رسمه. وركب الخليفة إلى قليوب، ونزل بالبستان العزيزى لمشاهدة قصر الورد (¬٣)، على العادة المستقرّة والسنة المتقدمة، وفرّقت الصّدقات فى مسافة الطريق، وضربت الخيم، وقدّمت الأسمطة. ثم عاد فى آخر النهار إلى قصره.\rوفى هذه السنة سيّر المأمون وحشىّ بن طلائع إلى صور، فقبض على مسعود بن سلار، واليها لمخالفته، وأحضره.\rوفيها تجهّز الأسطول وسارت المراكب، فيها خمسة عشر ألف إردب قمحا وأقوات كثيرة، إلى صور. فلمّا وصل خرج إليه سيف الدولة مسعود واليها من جهة طغتكين، فلمّا سلّم عليهم سألوه النّزول إليهم؛ فلمّا حصل فى المركب اعتقل، وأقلع الأسطول به إلى مصر، فأكرم وأنزل فى دار، وأطلق له ما يحتاج إليه. وسبب القبض عليه كثرة شكوى أهل صور منه (¬٤).\rوفيها وصل البدل من ثغر عسقلان على العادة.","footnotes":"(¬١) ذكر المقريزى فى المواعظ والاعتبار: أنه كان يقام لعيد الفطر سماطان ولعيد النحر سماط واحد، ويصف السماط وأنواع الأطعمة المحمولة إليه، وترتيب الطعام (بروتوكول المائدة) وصفا دقيقا. المواعظ والاعتبار: ٣٨٧:١ - ٣٨٨؛ انظر أيضا: النجوم الزاهرة: ٩٧:٤ - ٩٨؛ صبح الأعشى: ٥٢٣:٣ - ٥٢٤.\r(¬٢) استحدثه معز الدولة على بن بويه سنة ٣٥٢ وأصبح منذئذ عيدا للشيعة. ويذكرون فى سببه أن النبى ﷺ أمسك بيد على بن أبى طالب عند غدير خم - على مسافة ثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق - وقال كلاما منه: من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. ويحتفل بهذا العيد فى الثامن عشر من ذى الحجة، يحيون ليلته بالصلاة، ويصلون صبيحته ركعتين قبل الزوال، ويلبسون الجديد ويعتقون الرقاب ويقدمون الذبائح، وأصبح هذا العيد موسما عظيما يحتفل به احتفالا رائعا فى مصر الفاطمية، وقد أبطله الحاكم بأمر الله مدة، ثم عاد الاحتفال به إلى روعته وبهائه. المواعظ والاعتبار: ٣٨٨:١ - ٣٩٠، ٤٩٢.\r(¬٣) قصر الورد بناحية الخاقانية، قرية من قرى قليوب كانت من خاص الخليفة وبها جنان كثيرة وعدة دويرات يزرع فيها الورد فيسير إليها الخليفة يوما ويصنع له فيها قصر عظيم من الورد ويخدم بضيافة عظيمة. المواعظ والاعتبار: ٤٨٨:١.\r(¬٤) يقول ابن القلانسى: والسبب كان فى هذا التدبير أن شكاوى أهل صور تتابعت إلى الآمر بأحكام الله والأفضل بما يعتمده مسعود مع الرعية من الاضرار لهم والمخالفة للعادة الموافقة لهم، فاقتضت الآراء التدبير عليه وإزالة ما كان من الولاية إليه، وكانت عاقبة خروجه منها وسوء التدبير فيها خروجها إلى الفرنج وحصولها فى ملكهم. ذيل تاريخ دمشق: ٢٠٧ والمعروف أن مسعودا كان يتولاها بتعيين ظهير الدين طغتكين - صاحب دمشق - فيها تعيينا مؤقتا حتى يتمكن الفاطميون من إحكام سيطرتهم عليها وتوفير الحماية لها ضد الفرنج، وقد أقر الفاطميون هذا التعيين حتى حدث ما حدث فى هذا العام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277083,"book_id":167,"shamela_page_id":791,"part":"3","page_num":97,"sequence_num":791,"body":"سنة سبع عشرة وخمسمائة (¬١)\rفى غرّتها عمل برسم أول العام (¬٢)؛ ثم حزن عاشوراء (¬٣)، فالمولد الآمرى على ما جرى به الرّسم. وخلع على المؤتمن سلطان الملوك نظام الدين أبى تراب حيدرة، أخى الوزير المأمون، بدلة مذهبة خاصّ من لباس الخليفة، وطوق ذهب، وسيف ذهب بغير منطقة، وشرّف بتقبيل يد الخليفة فى مجلسه؛ وسلّم إليه تقليد فى لفافة مذهبة بولاية الإسكندرية والأعمال البحريّة؛ وشدّت له الأعلام القصب والفضة والعمّاريات (¬٤)، وحمل بين يديه الأكياس برسم التفرقة. وحجبه الأمراء والأستاذون، وقبّل أبواب القصر، ومضى إلى داره؛ وأطلق له من ارتفاع ثغر الإسكندرية على الولايتين فى الشهر خمسمائة دينار.\rوثار اللّواتيّون وغيرهم بالصّعيد الأدنى، وقتلوا زين الدّولة علىّ بن تراب الوالى، وعاثوا فى البلاد وأفسدوا. فخرج إليهم المؤتمن أخو الوزير وتاج الدّولة بهرام زنان (¬٥) الأرمن فى عدّة وافرة، فانهزموا بين يديه، وأحاط بما خلّفوه من المواشى.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها أول شهر مارس سنة ١١٢٣.\r(¬٢) كان الفاطميون يحتفلون بأول العام الهجرى احتفالا رائقا تمد فيه الأسمطة الحفلة بأنواع المطعومات والمشروبات والحلوى، وتوزع فيه على أمراء الدولة ورجالها المنح المحددة لكل منهم طبقا لترتيب خاص، ويخرج الخلفاء فى هذه المناسبة فى مواكب رسمية بنظام بالغ الروعة يشترك فيه الجيش والشرطة والقضاة والدعاة ورجال القصر وموظفو الدواوين. وتجد وصفا تفصيليا لهذا فى: صبح الأعشى: ٤٩٩:٣ - ٥٠٥، النجوم الزاهرة: ٧٩:٤ - ٩٤.\r(¬٣) كان الفاطميون - كبقية الشيعة - يجعلون من العاشر من المحرم يوم حزن وبكاء وعويل، إذ أنه يوافق اليوم الذى استشهد فيه الحسين بن على بن أبى طالب، ﵁، وفى هذه الذكرى يحتجب الخليفة الفاطمى عن الناس ويلبس الدعاة والقضاء ورجال الدولة ملابس الحزن ويحضرون المأتم الذى كان يعمل أولا بالجامع الأزهر ثم صار يقام بالمشهد الحسينى، وينتقل الوزير والمحتفلون إلى القصر فيجدون الدهاليز قد فرشت بالحصر والبسط، ويفرش وسط قاعة الذهب بالحصر المقلوبة. وتقدم أطعمة الحزن ومنها العدس والملوحات والمخللات والعسل والخبز المغير لونه قصدا لأجل الحزن. ويظل النوح قائما فى جميع شوارع القاهرة وحاراتها؛ وأزقتها. المواعظ والاعتبار: ٤٣١:١؛ النجوم الزاهرة: ٥: ١٥٣ - ١٥٤.\r(¬٤) العماريات بتشديد الميم بعد العين المهملة المفتوحة نوع من الهوادج، النجوم الزاهرة: ٨٠:٤، وكذلك:\rDoszy;Supp.Dict.Ar .\r(¬٥) الزنان أو الزمام. يقول القلقشندى: الزنان دار المعبر عنه بالزمام دار لقب الذى يتحدث على باب ستارة السلطان أو الأمير من الخدام الخصيان. وهو مركب من لفظين فارسيين: زنان بفتح الزاى بمعنى النساء، ودار بمعنى ممسك إلا أن العامة والخاصة قلبوا النونين ميمين ظنا منهم أن الدار بمعناها العربى ولعل المقصود هنا: القيم على شئون الأرمن أى مقدمهم. انظر صبح الأعشى: ٤٥٩:٥ - ٤٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277084,"book_id":167,"shamela_page_id":792,"part":"3","page_num":98,"sequence_num":792,"body":"وبلغه نزول مراكب الرّوم والبنادقة، وهى بضع وعشرون مركبا، على الإسكندرية، فبادر إليها (المؤتمن) (¬١)؛ فلمّا شاهده العدوّ أقلع، فأخذ منهم عدة قطع. وقدم على المؤتمن مشايخ اللّواتيّين والتزموا بحمل ثلاثين ألف دينار فى نظير جنايتهم، وأن يعفى عنهم؛ فأجابهم الوزير إلى ذلك؛ وحمل المال مع الرهائن.\rوكان المؤتمن لمّا قدم إلى الثّغر خيّم بظاهره، وقبل من القاضى مكين الدّولة أبى طالب أحمد بن الحسن بن حديد بن أحمد بن محمّد بن حمدون، المعروف بابن حديد، متولّى الأحكام والإشراف بها، ما حمله إليه على حكم الضيافة ثلاثة أيّام، ثم أمره بإنفاقها بعد ذلك إلا ما يقتضيه رسمه خاصّة. وأظهر كتاب أخيه الوزير بأنّ الغلال بالثغر وأعمال البحيرة كثيرة، وكذلك الأغنام مع قطيعة العربان؛ فمهما دعت الحاجة إليه برسم أسمطة العساكر يحمل ويساق، وتكتب به الوصول على ما جرت به العادة. وأمره ألا يقبل من أحد من التجار ضيافة ولا هديّة.\rوأظهر كتابا آخر إلى مكين الدّولة بأن يطلق فى كلّ يوم من ارتفاع الثغر من العين ما يبتاع به جميع ما يحتاج إليه من الأصناف برسم الأسمطة للعساكر. وكان يستخدم عليها من يراه من الشهود.\rوكان تجار الثغر قد حملوا ثلاثة آلاف دينار فأبى المؤتمن قبولها (¬٢)، وأمر بإعادتها إلى أربابها؛ فأخذ مكين الدّولة يتلطّف فى أن يكون عوض ذلك طرفا وطيبا؛ فأقسم أنه لا يقبل منهم شيئا. واستمرت الأسمطة فى كل يوم؛ ولم يقبل لأحد هديّة.\rواتّفق أنّ المؤتمن وصف له الطبيب دهن شمع والقاضى مكين الدولة حاضر، فأمر فى الحال بعض غلمانه بالمضىّ إلى داره ليحضر الدّهن المذكور، فلم يكن أكثر من مسافة الطريق حتى أحضر صرّا مختوما فكّ عنه، فوجد فيه منديل لطيف مذهب على مداف (¬٣) بللّور فيه ثلاث بيوت كل بيت عليه قتد ذهب مشبكة مرصّعة بياقوت وجوهر؛","footnotes":"(¬١) زيد ما بين الحاصرتين للتوضيح. ذلك أن المؤتمن رحل إلى الإسكندرية عقب فراغه من معركة اللواتيين.\r(¬٢) فى الأصل: فأبى المؤتمن من قبولها.\r(¬٣) داف الدواء وغيره يدوفه بله بماء أو غيره فهو مدوف ومدءوف، ومسك مدوف أى مبلول وقيل مسحوق. مختار الصحاح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277085,"book_id":167,"shamela_page_id":793,"part":"3","page_num":99,"sequence_num":793,"body":"بيت دهن بمسك، وبيت دهن بكافور، وبيت دهن بغير طيب، ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته. فلمّا رآه المؤتمن والحاضرون (عجبوا) (¬١) من علوّ قيمة القاضى وجليل رئاسته وسعة نفسه؛ وحلف (القاضى) (¬٢) الحرام إن عاد إلى ملكه. فقال المؤتمن؛ قد قبلته منك ليس لحاجة إليه، ولا نظر فى قيمته، بل لإظهار هذه الهمّة وإذاعتها. وذكر أن قيمة المداف المذكور خمسمائة دينار.\rوخلع المؤتمن على القاضى بذلة مذهبة بطيلسان مقور وثياب حرير، وقدّم له دابّة بمركب حلى ثقيل؛ ثم خلع عليه فى اليوم الثانى والثالث كذلك. وخلع على أخيه حلّتين مكلّلتين مذهبتين ورزمة فيها شقق حريريّة ممّا يختصّ بالنساء. وأنعم على كلّ من حواشيه وأصحابه.\rوعاد إلى القاهرة، فمدحه عدّة من الشعراء.\rوورد رسل ظهير الدّين طغتكين، صاحب دمشق، وآق سنقر، صاحب حلب (¬٣)، بالحثّ على غزو الفرنج، وكبيرهم علىّ بن حامد، الحاجب. فلمّا وصلا باب الفتوح ترجّلا وقبّلاه، ومشيا إلى أبواب القصور ففعلا مثل ذلك؛ وأوقفا عند باب البحر (¬٤)","footnotes":"(¬١) زيد ما بين القوسين لأن السياق يقتضيه أو نحوه.\r(¬٢) زيد ما بين القوسين للتوضيح.\r(¬٣) كان صاحب حلب فى هذه السنة بلك بن بهرام بن أرتق، تملكها بعد أن حاصرها وبها ابن عمه بدر الدولة سليمان بن أرتق الذى سلمها إلى الأمير بلك بعد أن طال حصارها وتبين عجز بدر الدولة عن حمايتها. وقد بقى بها بلك ابن بهرام حتى قتل فى سنة ٥١٨ ليتولاها ابن عمه حسام الدين تمرتاش بن إيلغازى بن أرتق. وبهذا يتبين أن آق سنقر، المذكور فى المتن، لم يكن صاحب حلب والواقع أنه كان يتولى الموصل وما يقرب منها من بلاد الجزيرة وكانت واسط من إقطاعه أيضا، ومن رجاله الذين كان يعتمد عليهم عماد الدين زنكى بن آق سنقر الذى كان يتولى حلب وقتل صبرا فى حرب ضد تاج الدولة تتش سنة ٤٨٧. ويتضح من هذا أيضا أن آق سنقر صاحب الموصل فى هذه السنة، ٥١٧، والذى قتل سنة ٥٢٠ بالموصل بهجوم جماعة من الباطنية عليه لم يكن هو صاحب الرسالة إلى القاهرة. ويقول ابن القلانسى، تأكيدا لهذا «وفى شهر رمضان من السنة توجه الحاجب على بن حامد إلى مصر رسولا عن ظهير الدين أتابك». وقد تقدم آق سنقر نحو حلب فى السنة التالية عند ما حصرها الفرنج فرحلوا عنها فأصلح أحوالها وأمن أحوالها. الكامل: ٢١٥:١٠، ٢١٧، ٢٢٠؛ الباهر: ٢٤، ٢٧، ٣١؛ ذيل تاريخ دمشق: ٢١٠، ٢١٢، ٢١٤.\r(¬٤) من أبواب القصر الغربية، وهو من بناء الحاكم، سمى بذلك لأن الخليفة كان يخرج منه عند ما يقصد التوجه إلى شاطئ النيل عند المقس. وموضعه اليوم تجاه المدرسة الكاملية بمدخل حارة بيت القاضى بشارع بين القصرين. المواعظ والاعتبار: ٤٣٣:١ - ٤٣٤؛ النجوم الزاهرة: ٣٥:٤ حاشية: ٦؛ صبح الأعشى: ٣٤٦:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277086,"book_id":167,"shamela_page_id":794,"part":"3","page_num":100,"sequence_num":794,"body":"قدر ما جلس الخليفة. فجهّز عسكر فى البرّ مقدّمه حسام الملك النرسى، وسار الأسطول فى أربعين شينيّا فوصلوا إلى عسقلان؛ وخرجت الغارات وعادت بالغنيمة.\rفاجتمعت طوائف الفرنج، وكتب إلى حسام الملك أن يقيم بالثغر، ويلقى الفرنج عليه ولا يتعدّاه، فخالف ذلك، وتوجّه مخفّا بغير ثقل ونزل على يافا فقتل وأسر. فعند ما قصده الفرنج رحل وهم يتبعونه حتى وافى تبنى (¬١) فلقيهم هناك، فانهزم العسكر من غير قتال، وقتل الرّاجل بأسره، وعاد من بقى مهزوما إلى عسقلان.\rووصل الخبر بذلك فأهمّ الآمر والمأمون، واشتد الحنق على حسام الملك لسوء تدبيره؛ فآل أمره بعد أمور إلى أن قتل.\rفيها خرج أمر المأمون إلى الواليين بمصر والقاهرة بإحضار عرفاء السقائين وإلزام المتعيّشين منهم بالقاهرة بحضورهم متى دعت الحاجة إليهم ليلا ونهارا. ولذلك ألزم أصحاب القرب وتقرّر أن يبيتوا على باب المعونة ومعهم عدّة من الفعلة بالطّوارى والمساحى، وأن يقوما لهم بالعشاء من أموالهما (¬٢).\rوعمل بعض التجّار لابنته فرحا فى إحدى الآدر المعروفة بالأفراح، فتسوّر ملاّك الدّار على النّساء وأشرفوا عليهن والعروس فى المجلى، فأنكر عليهم ذلك، فأساءوا وأفسدوا على الرّجل ما صنعه؛ فخرج مستغيثا، فخشوا عاقبة فعلهم؛ فما زالوا به حتى كفّ عن شكواهم. فلما حضر (¬٣) والى مصر بالمطالعة فى الصباح إلى الوزير على عادته، قيل له:\rلم لا ذكرت فى مطالعتك ما جرى للتّاجر الذى عمل فرح ابنته؟ فاعتذر بأنّ المرسوم له ألا يذكر ما يخرج عن السّلامة والعافية ولم يتّصل به ما جرى فى الفرح.\rفأسمعه ما أمضّه، وبيّن عجزه وتقصيره، وقال له، والسّلامة والعافية أن يخرج بالرّجل ويهان وتنتهك حرمته ولا يجد ناصرا!!.","footnotes":"(¬١) بالضم ثم السكون فالفتح، مقصورة: بلدة بحوران من أعمال دمشق. معجم البلدان: ٣٦٤:٢.\r(¬٢) القائمان بالعشاء المذكوران واليا القاهرة ومصر. وسيتبين بعد أسطر أن الواليين استخدما السقائين سخرة بغير أجرة، فقرر المأمون لهم أجرا محددا.\r(¬٣) فى الأصل: حضروا. والمثبت هنا أولى. أو لعل المقصود: فلما أحضروا، فسقطت الألف المهموزة من الناسخ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277087,"book_id":167,"shamela_page_id":795,"part":"3","page_num":101,"sequence_num":795,"body":"فرسم بإحضار شاهدين ومهندسين، وتوجّهوا إلى سائر الدّور المختصّة بالأفراح وإحضار ملاّكها، فمن رغب فى استمرار ملكه على حاله فليزل التطرّق إليه ويكتب عليه حجّة بالقسامة بذلك. ومن لم يرغب فلتؤخذ عليه الحجة بألا يوجد ملكه للأفراح ويتصرف فيه على ما يريد. فامتثل ذلك.\rوجرى الرسم فى عمل المولد الكريم النبوىّ فى ربيع الأوّل على العادة.\rوكتب لجميع الأعمال، خلا قوص وصور وعسقلان، بمطالعة كلّ وال منهم فى مستهلّ كلّ شهر بمن حواه السّجن والموجب لاعتقاله، ويبيّن كلّ منهم ذلك ويعتمد فيه الحقّ.\rوسبب ذلك أنّه رفع إلى المأمون أنّ بعض الولاة يعتقل من لا يجب عليه اعتقال، لطلب رشوة، فتطول مدّته.\rوفيه قرّر برسم رش ما بين البلدين، مصر والقاهرة، فى كلّ يوم من اليومين اللّذين يركب فيهما الخليفة ممّا يصرف للسّقاءين دينار واحد؛ فاستمرّ ذلك يطلق لهم إلى الأيام الحافظيّة. وكان سبب إطلاق هذا القدر أنه رفع للوزير المأمون أنّ واليى القاهرة ومصر يأخذان جميع السّقّائين أرباب الجمال والدّوابّ لرشّ ما بين البلدين سخرة بغير أجرة.\rوفى جمادى الآخرة أعيد ثغر صور إلى ظهير الدّين طغتكين، صاحب دمشق، وكتب له بذلك، وفخّم فيه وعظّم، ونعت بسيف أمير المؤمنين (¬١)؛ وجهّزت إليه الخلعة، وهى بدلة طميم منديلها (¬٢) طوله مائة ذراع شرب، فيه ثمانية وعشرون ذراعا مرقومة بذهب عراقى، وثوب طميم جميعه برقم ذهب عراقى، سلف المنديل والثوب ألف دينار، وثوب دبيقى وسطانى،","footnotes":"(¬١) يذكر ابن القلانسى أن والى صور الذى أرسله الفاطميون ليخرج منها مسعودا ممثل ظهير الدين طغتكين، النائب بها، عجز بعد إخراج مسعود عن حمايتها، فكاتب طغتكين وكاتب الخليفة الآمر الذى أعادها إلى طغتكين، فندب هذا جماعة لا غناء لهم ولا كفاية فيهم ولا شهامة، ففسد أمرها وتمكن الفرنج من حصارها، واضطر طغتكين إلى تسليمها بحيث يؤمن كل من بها. فخرج كافة العسكرية والرعية، ولم يبق إلا ضعيف لا يطيق الخروج، وذلك فى اليوم الثالث والعشرين من جمادى الأولى فى هذه السنة: ٥١٨. ذيل تاريخ دمشق: ٢١١.\r(¬٢) يجعل المنديل - عادة - فى المنطقة المشدودة فى الوسط. وجرى العرف واصطلاح الملوك على البعث به فى الأمانات، كالخاتم سواء بسواء. ولم يكن المنديل من آلات الخلافة. ويقال إنه كان للأفضل الجمالى مائة بدلة معلقة على أوتاد من ذهب على كل بدلة منها منديل من لونها. صبح الأعشى: ١٣٢:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277088,"book_id":167,"shamela_page_id":796,"part":"3","page_num":102,"sequence_num":796,"body":"وثوب سقلاطون (¬١) دارى، وثوب عتابى، وشاشية دبيقى، ولفافة؛ وجميع ذلك فى تخت مبطّن عليه لفافة دبيقى؛ وغير ذلك من الكساوى برسم نسائه وأصحابه. وجهّز لأمين الدولة جمشتكين، صاحب صلخد (¬٢)، بذلة مذهبة ومنديلها، وعدّة ثياب، وغيرها.\rفى شعبان وصلت الأساطيل بمن فيها سالمين، وقد غنموا شينيين من شوانى الفرنج وبطشة كبرى (¬٣)، وعدة من النساء والرّجال (¬٤). وذكر للمأمون أنّ الأسرى المذكورين يؤخذ منهم فى الفداء ما يزيد عن عشرين ألف دينار عينا؛ فقال: والله لا أبقى منهم أحدا؛ قد قتل لنا خمسمائة رجل يساوون مائة ألف، وقد أظفر الله بما يكون دية عنهم؛ لا يشاع عنا أنّا بعنا الفرنج وربحنا أثمانهم عوضا عن رجالنا.\rوركب الخليفة بما جرت به العادة، واصطفت العساكر بالعدد والأسلحة؛ وعاد، وخلع على الأمراء وعلى زمام الأسطول والرّؤساء.\rوحضرت الحجّاب، المندوبين لقتل الفرنج، بأنهم لمّا شاهدوا الحال بذلوا فى خلاص أنفسهم ثلاثين ألف دينار، وأنه يرجى منهم أكثر من ذلك؛ فكتب الجواب بالإنكار وإمضاء السّيف فيهم؛ فقتل الرجال بأسرهم وقد اجتمع الناس وضجّوا بالتّهليل والتكبير عند قتلهم، فكان أمرا مهولا. وقد ذكر هذا اليوم عدّة من الشعراء.\rوجرى الرسم فى أسمطة شهر رمضان، والرّكوب إلى الجمع، وفى كسوة غرّة شهر رمضان على العادة.","footnotes":"(¬١) السقلاطون الملابس الحريرية الفاخرة الملونة بالألوان القرمزية وغيرها. وهو اسم بلد بأرض الروم تصنع فيه تلك الملابس وتنسب إليه. النجوم الزاهرة: ٨٠:٤: حاشية: ٦. وكان هذا النوع من الملابس يصنع أيضا بتبريز وبغداد. صبح الأعشى: ٤٧٢:٣.\r(¬٢) المقصود بها مدينة صرخد التى تلاصق بلد حوران، من أعمال دمشق. معجم البلدان: ٣٤٩:٥ - ٣٥٠.\r(¬٣) البطشة سفينة حربية كبيرة كانت تستخدم فى نقل مهمات الحرب وذخائرها وميرة الجنود، وقد تحمل من ٣٠٠ إلى ٧٠٠ مقاتل. مفرج الكروب: ٧٧:٢: حاشية: ١. والشينى، ويسمى الغراب مركب حربى له مائة وأربعون مجدافا وفيه المقاتلة والجدافون. قوانين الدواوين: ٣٤٠. وفى أنواع سفن الأسطول انظر قوانين الدواوين: ٣٣٩ - ٣٤٠، ٤٥٣ - ٤٥٤، ٤٥٦؛ وصبح الأعشى: ٥١٩:٣ - ٥٢٠.\r(¬٤) يذكر ابن القلانسى فى حوادث هذه السنة التقاء أسطول مصرى بأسطول البنادقة ونشوب حرب بين الجانبين انتهت بانتصار البنادقة وأسر عدة قطع من الأسطول المصرى. ويروى ابن الأثير هذه الحادثة بنفس الصورة. ذيل تاريخ دمشق: ٢٠٩؛ الكامل: ٢٢٠:١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277089,"book_id":167,"shamela_page_id":797,"part":"3","page_num":103,"sequence_num":797,"body":"وفيه سيّر هلال الدّولة سوارا رسولا إلى حرّة اليمن (¬١) وصحبته برسمها من التشريف مما لبسه الخليفة وما زج عرقه من الحلل المذهبات والملاءات الشرب المذهبة والشقق النّفوسى والمغربى المقصور والإسكندرانى المطرّز جملة كثيرة فى تخوت مدهونة مبطّنة، وسلال مملوءة من لحم النّاقة التى نحرت بالمصلّى، واثنى عشر مجلسا من المساطير (¬٢) التى تقرأ كلّ خميس وعليها علامة الخليفة، وكثير من النحاس القضيب والمرجان. وكتب إليها كتابا فى قطع الثّلثين (¬٣) أوله:\r«من عبد الله ووليّه المنصور أبى على الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين، ابن الإمام المستعلى بالله أمير المؤمنين، صلّى الله عليهما، إلى الحرّة الملكة السّيدة الرّضية، الطاهرة الزّكيّة، وحيدة الزّمن، سيّدة ملوك اليمن، عدّة الإسلام، خالصة الإمام، نصيرة الدّين، عصمة المسترشدين، كهف المستجيرين، وليّة أمير المؤمنين وكافية أوليائه الميامين، أدام الله تمكينها ونعمتها، وأحسن توفيقها ومعونتها».\rوفى آخره: «وأمير المؤمنين متطلع إلى علم أخبارك، ومعرفة أنبائك، فتواصلى بإنهاء المتجدّد منها إن شاء الله. والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته». ويطوى مدوّرا ويختم بحرير وأشرطة ذهب وعنبر ويجعل فى خريطة.\rفيه قرئ بالجامع العتيق منشور، نسخته بعد التّصدير:","footnotes":"(¬١) واسمها سيدة بنت أحمد بن جعفر بن موسى الصليحى، مولدها سنة أربعين وأربعمائة. كانت كاملة المحاسن قارئة كاتبة تحفظ الأخبار والأشعار والتواريخ، تزوجت المكرم أحمد بن على الصليحى الذى استروح إلى السماع والشراب ففوض الأمر إلى زوجته، الحرة، التى استبدت بالأمر، وكان لها نشاط كبير فى البلاد اليمنية. لقبها المستنصر: «السيدة الرضية الذكية، وحيدة الزمن، سيدة مأوى الزمان، عمدة الإسلام، ذخيرة الدين، عصمة المسترشدين، كهف المستجيرين، ولية أمير المؤمنين، كافلة أوليائه الميامين». وهذا يتفق مع الألقاب التى وردت بالمتن فى كتاب الخليفة الآمر إليها مع بعض الاختلاف. راجع أخبارها فى تاريخ اليمن للفقيه الشاعر عمارة اليمنى.\r(¬٢) المجلس اصطلاح فاطمى يطلق على الكراسة التى تكتب فيها دروس الدعوة لتلقى على المريدين المؤمنين بالمذهب الفاطمى وكان داعى الدعاة يعد هذه المجالس ويوقع عليها الخليفة لاعتمادها، ثم تدفع إلى الدعاة لتلاوتها فى الأيام المحددة لذلك. وكانت المجالس تتفاوت فى محتوياتها تبعا لتفاوت من تكتب لهم رجالا أو نساء، مؤمنين من القدماء أو مريدين من المستجدين. انظر فى ذلك: المواعظ والاعتبار؛ الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية؛ وغيرهما.\r(¬٣) قطع الثلثين من الورق المصرى، والمراد به ثلثا الطومار. وعرض درجه ثلثا ذراع بذراع القماش المصرى أيضا. ويستعمل فى العادة فى كتابة منشورات الأمراء المقدمين وتقاليد الوزراء والنواب الكبار وأكابر القضاة ومن فى معناهم. والطومار المشار إليه هو قلم الطومار، قدر الكتاب مساحة عرضه بأربع وعشرين شعرة من شعر البرذون. صبح الأعشى: ٥٣:٣ - ٥٤، ١٩٠:٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277090,"book_id":167,"shamela_page_id":798,"part":"3","page_num":104,"sequence_num":798,"body":"«بأنّنا لم نزل منذ ناطت بنا الحضرة المطهرة، صلوات الله عليها، الأمور، وعوّلت على كفايتنا فى سياسة الجمهور، وردّت إلينا النظر فيما وراء سرير خلافتها، وفوّضت إلى إيالتنا من مصالح دولتها، وعبيدها ورعيّتها، فى محاسن الأفعال ناظرين، وعلى بسط العدل والإحسان على الكافّة متوفّرين، وبحسن توفيق الله تعالى لنا واثقين، وبمراشده الهادية مسترشدين، فلا ندع وجها من دعوة البرّ إلاّ قصدناه، ولا بابا من أبواب الخير إلاّ ولجناه، ولا نعلم أمرا فيه قربى إلى الله سبحانه إلا وتقع المرتبة إلاّ أتيناه، ولا شيئا يعود بثواب الله وحسن الأحدوثة إلاّ اعتمدناه؛ شيمة خصّنا الله تعالى بميزتها، وسجيّة أسبغ علينا جلاليب أمنها وسعادتها؛ وعملا فى ذلك بشريف آراء الحضرة المطهرة، صلوات الله عليها، وجميل سيرتها، واستمرارا على منهج الدولة الزاهرة، خلّد الله ملكها، وكريم عادتها، وذهابا فى ذلك مع سجيّتها الحسنى، ونشرا لأرج ذكرها فى الأبعد والأدنى. والله تعالى المسئول أن يعيننا على مصالح الدنيا والدّين، ويقضى لنا بالفوز المبين، ويصلح لنا وبنا كلّ فاسد، وينظم لنا عقود السّعود والمحامد بمنّه. ولمّا كان أحسن ما تطرّز به محاسن السّير، وتتناقل ذكره ألسنة البدو والحضر، وتجنى ثمرته فى الدّنيا والآخرة، وتحمد مغبّته فى العاجلة والآجلة، التقرّب إلى الله تعالى فى كلّ أوان، وابتغاء ثوابه فى كلّ زمان، لا سيّما شهر رمضان، الذى تزكو فيه أفعال البرّ والصّلاح، وتتضاعف فيه الحسنات فى الغدوّ والرّواح؛ رأينا ما خرج به أمرنا من كتب هذا المنشور بمسامحة كافّة سكان الرّباع السلطانيّة (¬١) بالقاهرة ومصر من الأدر والحمامات والحوانيت والمعاصر والأخونة والطواحين والعرس، وجميع ما يجرى فى الرّباع خارجا من ريع الأحباس وريع المواريث المنصرف مستخرج ارتفاعها فيما يجرى هذا المجرى من وجوه البرّ، بأجرة شهر رمضان من كلّ سنة، لاستقبال رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة وما بعدها، إحسانا يسير ذكره كلّ مسير، وتعظيما لحرمة هذا الشهر العظيم الخطير، الذى فضله الله على جميع الشهور، وأنزل فيه قرآنه المجيد، وفرض صيامه على أهل التوحيد؛ وحضّهم فيه على الأفعال المزلفة لديه،","footnotes":"(¬١) الرباع منها ما أنشئ من مال الديوان السلطانى قديما وهى الرباع السلطانية، ومنها ما قبض عمن يوجبه عليه حق السلطان، ومنها ما قبض عن الأجناد. وقد تخصص أكثرها وقفا على السور والخانقاه والبيمارستان والبيع ونحوها. وسنتها المالية هلالية، اثنا عشر شهرا. قوانين الدواوين؛ ٣٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277091,"book_id":167,"shamela_page_id":799,"part":"3","page_num":105,"sequence_num":799,"body":"ووعد من عمل فيه خيرا بمضاعفة الجزاء عليه. فليعتمد العمل بما تضمّنه هذا المنشور، وحطيطة أمره شهر رمضان عن جميع سكان الربع المذكور لاستقبال التاريخ المقدّم منسوبا ذلك إلى القرب الصّالحة والتّجارة الرّابحة، ويفسح فى جميع الدّواوين حجّة بمودعه، وليجلّد بالمسجد الجامع العتيق بمدينة مصر، منعا لمن يروم المطول فيه، أو يفضّ شيئا من وصفه، إن شاء الله».\rفلمّا قرئ هذا المنشور ضجّ العامّة بالدعاء ونظم فيه عدّة من الشعراء.\rوجرى الرّسم فى وصول كسوة العيد، وهى العدّة الكثيرة، وتفريقها على العادة. وعمل الختم فى آخر الشهر بالقصر والجوامع والمساجد؛ وحصل الاهتمام بالعيد؛ وركب الخليفة إلى المصلّى على العادة، وصلّى بالناس صلاة العيد، وخطب، وحضر السّماط.\rوجرى الحال فى يوم عاشوراء، وفى المولد الآمرى، على المألوف.\rفيه كان المولد العيسوى، ففرّق ما جرت به العادة من الجامات القاهرية والجامات السّميذ، وقرابات الجلاب وطيافير الزّلابية، والبورى، على أصحاب الرسوم. وعمل فى شهر ربيع الأول المولد الكريم، وفرّق المال على الرّسم.\rوفيها وصل رسول الأمير تاج الخلافة أبى منصور حسن بن على بن يحيى بن تميم بن معز ابن باديس (¬١)، صاحب المهدية، يخبر بانحيازه للدولة، وأنّ رجار بن رجار (¬٢)، صاحب صقلية تواصلت أذيّته وقد استعدّ لمحاربته؛ وسأل أن يسير لرجار يمنعه من ذلك. فسيّر إليه مصطنع الدّولة على بن أحمد بن زين الخد، فأصلح بينهما.\rوفيها نقل المأمون الرّصد من الجبل المطلّ على راشدة إلى علو باب النّصر بالقاهرة.\rوفيها توفى ولىّ الدولة أبو البركات بن عبد الحقيق داعى الدّعاة، فاستقرّ عوضه أبو محمّد","footnotes":"(¬١) يلقبه زامباور بأبى يحيى؛ ثامن أمراء بنى زيرى الذين شمل نفوذهم صنهاجة والمغرب الأوسط واتخذوا القيروان حاضرة لهم، وأصبحت المهدية العاصمة الفاطمية التى أنشأها عبيد الله المهدى داخلة فى نطاق أعمالهم. تولى أبو يحيى هذا سلطاته سنة ٥١٥ (١١٢١)، وعند ما نجح الموحدون تحول أبو يحيى هذا إلى النيابة عنهم فى المهدية من سنة ٥٥٥ (١١٦٠). معجم الأنساب: ١٠٩ - ١١١.\r(¬٢) روجر الثانى المعروف بروجر العظيم Roger the Great . تولى صقلية بين سنتى ٥٠٧ - ٥٢٤ (١١١٣ - ١١٢٩). دائرة المعارف البريطانية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277092,"book_id":167,"shamela_page_id":800,"part":"3","page_num":106,"sequence_num":800,"body":"حسن بن آدم، وكان يدعى بالقاضى لأبوته وسنّه واشتهاره بالعلم. فبعث الآمر بأحكام الله إلى الوزير المأمون أن يستخدم أبا الفخر صالحا، فذكر المأمون أن أكثر المجالس التى كانت تعمل فى أيام النّعمان بخط أبيه، وأنّ أبا الفخر حدث السّنّ ولا يماثل المذكور فى العلم؛ وأضيف إليه الخطابة بالجامع الأزهر مع قراءته الكتب.\rوورد الخبر بأنّ الفرنج افتدوا بغدوين رويس الملك بثمانين ألف دينار وثلاثين أسيرا من المسلمين. وكان صاحب حلب قد أسره فى وقعة له مع الفرنج (¬١).\rوعمل ما جرى به الرسم فى مواسم السنة.\rوفيها جرت عمارة سور الإسكندرية.\rوفيها حمل إلى عسقلان ثلاثة وعشرون ألفا وستمائة وأحد وثلاثون إردبا من الغلال.","footnotes":"(¬١) صاحب حلب فى هذه المناسبة بلك بن بهرام بن أرتق. وقد نجح فى أسر بلدوين ملك القدس وجوسلين صاحب الرها وجماعة من أمراء الفرنج ومقدميهم عند ما حاولوا مهاجمة حلب فى غيبة الأمير بلك صاحبها واعتقلهم بقلعة خرتبرت. وقد فر بلدوين من الأسر - كما يقول ابن القلانسى وابن الأثير - باستمالة بعض الجند الذين يسروا له امتلاك القلعة ثم الفرار منها. ذيل تاريخ دمشق: ٢٠٩ - ٢١٠؛ الكامل: ٢١٨:١٠. وهذا يختلف عما ورد بالمتن من أن الفرنج افتدوا بلدوين بالمبلغ المذكور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277093,"book_id":167,"shamela_page_id":801,"part":"3","page_num":107,"sequence_num":801,"body":"سنة ثمان عشرة وخمسمائة (¬١)\rفيها ملك الفرنج مدينة صور، واستمرّت بأيديهم حتى زالت الدولة الفاطميّة. وكان أخذهم إياها بعد محاصرتها مدة، وتقاصر المأمون عن نجدتهم، وأعانهم طغتكين صاحب دمشق، ووصل إلى بانياس وراسل الفرنج؛ فاستقرّ الأمر على أن الفرنج تستولى عليها بالأمان، فخرج أهلها بما خفّ حمله، وتفرقوا فى البلاد. وكان تملّكهم لها فى يوم الاثنين ثالث عشرى جمادى الآخرة (¬٢).\rوفيها أمر ببناء دار واسعة ليتفرّج النّاس فيها عند كسر خليج القاهرة بالكراء.\rوذلك أنّ الناس عند كسر الخليج (¬٣) كانوا يصنعون أخشابا متراكبة بعضها على بعض، يجلسون فوقها للتفرّج يوم كسر الخليج، ولم يكن هناك غير دار الأمير أبى عبد الله محمد بن المستنصر ودار ابن معشر. ولم تزل هذه الأدر الثلاثة إلى أن احترقت فى نوبة شاور (¬٤).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها التاسع عشر من فبراير سنة ١١٢٤.\r(¬٢) «ووقف أتابك بعسكره بإزاء الفرنج، وفتح الباب، وأذن للناس فى الخروج، فحمل كل منهم ما خف عليه وأطاق حمله وترك ما ثقل عليه، وهم يخرجون بين الصفين وليس أحد من الفرنج يعرض لأحد منهم بحيث خرج كافة العسكرية والرعية ولم يبق منهم إلا ضعيف لا يطيق الخروج فوصل بعضهم إلى دمشق وتفرقوا فى البلاد». ذيل تاريخ دمشق: ٢١١.\r(¬٣) يحتفل بكسر الخليج فى اليوم الثالث أو الرابع من يوم التخليق. ومما يحدث فى يوم التخليق أن يسير العشارى الذى يركبه الخليفة فى النيل من المنظرة المعروفة برواق الملك إلى باب المقياس العالى على الدرج، فيطلع من العشارى ويدخل إلى الفسقية التى فيها المقياس، والوزير والأستاذون المحنكون بين يديه، ويصلى هو والوزير ركعتين كل منهما بمفرده، ثم يؤتى بالزعفران والمسك فيتناوله صاحب بيت المال ويعطيه لابن أبى الرداد، فيلقى بنفسه فى الفسقية بثيابه، فيتعلق بالعمود برجليه ويده اليسرى ويخلقه (يطيبه) بيده اليمنى والقراء يقرءون القرآن. ثم يخرج الخليفة إلى العشارى فيركبه إلى دار الملك ومنها يركب إلى القاهرة. وفى كسر الخليج - بعد ثلاثة أيام أو أربعة تنصب الخيمة الكبيرة المعروفة بالقاتول للخليفة فى البر الغربى عند منظرة السكرة وحولها الخيام المختلفة الأحجام على قدر مراتب الأمراء والمتفرجين. ثم يركب الخليفة فى موكبه العظيم الكامل الأبهة والمراسم حتى ينتهى بعد زيارات متتابعة إلى منظرة السكرة بقرب الخيام المنصوبة … ويطل أستاذ محنك فيشير بيده بفتح السد فيفتح بالمعاول وتضرب الطبول والأبواق من البرين. ثم ينصب السماط، ثم تتهادى العشاريات اللطاف ووراءها العشاريات الكبار فى الخليج بعد اعتدال الماء فيه … ثم يعود الخليفة بعد صلاة العصر إلى قصره بالموكب المعتاد. صبح الأعشى: ٥١٢:٣ - ٥١٧.\r(¬٤) وذلك عند إحراق الفسطاط فى سنة ٥٦٤ لمواجهة هجوم الفرنجة بقيادة أملريك الأول، ملك بيت المقدس، فى النوبة التى انتهت بمقتل شاور ووزارة شيركوه، عم صلاح الدين الأيوبى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277094,"book_id":167,"shamela_page_id":802,"part":"3","page_num":108,"sequence_num":802,"body":"فيها مات بألموت الحسن بن صباح كبير الإسماعيلية. وقد تقدّم أنه ورد مصر فى أيّام المستنصر وسار إلى المشرق بدعوته، واستولى على قلعة ألموت واعتقد إمامه نزار بن المستنصر، وأنكر إمامة المستعلى وإمامة الآمر. وانتدب عدّة لقتل الأفضل ابن أمير الجيوش فلمّا تقلّد المأمون البطائحى وزارة الآمر بعد قتل الأفضل بلغه أنّ ابن صباح والباطنيّة فرحوا بموت الأفضل، وأنهم تطاولوا لقتل الآمر والمأمون، وأنّهم بعثوا طائفة لأصحابهم بمصر بأموال. فتقدّم المأمون إلى والى عسقلان بصرفه وإقامة غيره، وأمره بعرض أرباب الخدم بها، وألا يترك فيها إلاّ من هو معروف من أهل البلاد؛ وأكّد عليه فى الاجتهاد والكشف عن أحوال الواصلين من التّجّار وغيرهم، وأنّه لا يثق بما يذكرونه من أسمائهم وكناهم وبلادهم، بل يكشف من بعضهم عن بعض ويفرّق بينهم ويبالغ فى الاستقصاء.\rومن يصل ممّن لم تجر عادته بالمجيء إلى البلاد فليعوقه بالثغر ويطالع بحاله وما معه من البضائع، ولا يمكن جمّالا من دخول مصر إلاّ أن يكون معروفا متردّدا إلى البلاد؛ ولا يسير قافلة إلا بعد أن يتقدّم كتابه إلى الدّيوان بعدّة من فيها وأسمائهم وأسماء غلمانهم وأسماء الجمّالين وذكر أصناف البضائع، ليقابل بها فى مدينة بلبيس وعند وصولهم إلى الباب، وأنه يكرّم التجّار ويكفّ الأذى والضّرر عنهم.\rثم تقدّم المأمون إلى والى مصر ووالى القاهرة بأن يصقعا البلدين شارعا شارعا وحارة حارة وزقاقا زقاقا وخطّا خطّا، ويكتبا أسماء سكّانها، ولا يمكّنا أحدا من النّقلة من منزل الى منزل حتّى يستأذناه ويخرج أمره، بما يعتمد فى ذلك. فمضيا لذلك، وحرّرا الأوراق بأسماء جميع سكّان القاهرة ومصر وذكر خططهما، والتّعريف بكنية كلّ واحد وشهرته وصناعته وبلده، ومن يصل إلى كلّ خط وحارة من الغرباء.\rفلمّا عرف ذلك المأمون انتدب نساء من أهل الخبرة والمعرفة للدخول إلى جميع المساكن والاطلاع على أحوال ساكنيها الباطنيّة ومطالعته بجميع ما يشاهدنه فيها؛ فكانت أحوال كافّة الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين أجناسهم من ساكنى مصر والقاهرة تعرض عليه، ولا يكاد يخفى عنه منها شيء البتّة. فامتنع لذلك الباطنيّة مما كانوا قد عزموا عليه من الفتك بالآمر وبالمأمون لكفّهم عن دخول البلد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277095,"book_id":167,"shamela_page_id":803,"part":"3","page_num":109,"sequence_num":803,"body":"ثم إنه مع ذلك أركب العسكرية وفرقهم فى جهات البلدين، وأمرهم بالقبض على جماعة عيّنهم، فقبض على جماعة كثيرة، منهم رجل كان يقرئ أولاد الخليفة الآمر، ومنهم رسل كان ابن صباح قد سيّرهم بمال لينفق على من بمصر ممّن يرى رأيهم. فكان هذا معدودا من عظيم الحزم، وقوّة التدبير. ومع ذلك كان له القصّاد والجواسيس وأصحاب الخبر فى كلّ قطر، فإذا خرج الباطنىّ من قلاع ألموت لا تزال أخباره ترد عليه شيئا بعد شيء منذ يخرج من مكانه حتّى يرد بلبيس، فيسيّر إليه من ينقض عليه فى مكانه الذى نزل فيه ويأتيه به فيقتله. وصار من أجل ذلك وبسببه يرد عليه أخبار كلّ جليل وحقير من سائر مملكته، حتّى كان يرى ويسمع كل ما يتفق فى ليل أو نهار. وامتنع من الباطنية إلى أن مات رئيسهم الحسن بن صباح بعد ما ملك من الشام جبل عاملة (¬١)، وحصن العليق، والكهف، ومصياث (¬٢)، والخوابى (¬٣)، وحصن الأكمة (¬٤)، وقلعة العيدين؛ ثم امتدّت مملكته بعد موته إلى حد شرقى آذربيجان وبحر طبرستان وجرجان.","footnotes":"(¬١) يقع عند ملتقى الطرق بين صفد وتبنين وبانياس ٣٣٤ The Damascus Chronicle of the Crusades;p . ذيل تاريخ دمشق: ١٧٨، ١٨٤.\r(¬٢) وهى أيضا مصياف ومصياب، من حصون الإسماعيلية قرب طرابلس. معجم البلدان: ٧٩:٨.\r(¬٣) وهى أيضا من أعمال طرابلس وأصبحت من قلاع الإسماعيلية. ذيل تاريخ دمشق: ١٦٠ - ١٦١.\r(¬٤) ذيل تاريخ دمشق: ١٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277096,"book_id":167,"shamela_page_id":804,"part":"3","page_num":110,"sequence_num":804,"body":"سنة تسع عشرة وخمسمائة (¬١)\rفيها قبض الخليفة الآمر على وزيره المأمون فى ليلة السبت لأربع خلون من شهر رمضان، وقبض على إخوته الخمسة مع ثلاثين رجلا من أهله وخواصّه، واعتقله. فوجد له سبعون سرجا من ذهب مرصع ومائتا صندوق مملوءة كسوة بدنه. ووجد لأخيه المؤتمن أربعون سرجا بحلى ذهب وثلاثمائة صندوق فيها كسوة بدنه، ومائتا سلة ما بين بلّور محكم وصينى لا يقدر على مثلها، ومائة برنية مملوءة كافور قنصورى؛ ومائة سفط مملوءة عودا؛ ومن ملابس النساء ما لا يحدّ. حمل جميع ذلك إلى القصر، وصلبه مع إخوته فى سنة اثنتين وعشرين.\rويقال إنّ سبب القبض عليه أنه بعث إلى الأمير جعفر بن المستعلى، أخى الآمر، يعزّيه بقتل أخيه الخليفة ووعده أنه يعتمد مكانه فى الخلافة؛ فلما تعذر ذلك بينهما بلغ الشيخ الأجلّ، أبا الحسن على بن أبى أسامة، كاتب الدست، وكان خصيصا بالآمر قريبا منه، وكان المأمون يؤذيه كثيرا. فبلغ الخليفة الحال، وبلغه أيضا أنه بلغ نجيب الدولة أبا الحسن إلى اليمن (¬٢) وأمره أن يضرب السّكة ويكتب عليها: الإمام المختار محمّد بن نزار.\rويقال إنه سمّ مبضعا ودفعه لفصّاد الخليفة، فأعلم الفصّاد الخليفة بالمبضع.\rومولده فى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وقيل فى سنة تسع. وكان من ذوى الآراء والمعرفة التامة بتدبير الدّول، كريما، واسع الصدر، سفّاكا للدّماء، شديد التحرّز، كثير التطلّع إلى أحوال النّاس من الجند والعامّة؛ فكثر الواشون والسّعاة بالناس فى أيامه.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع من فبراير سنة ١١٢٥.\r(¬٢) هو الموفق نجيب الدولة أبو الحسن على بن إبراهيم، الأمير المنتخب عز الخلافة فخر الدولة. كان من رجال الأفضل ابن بدر الجمالى، بدأ خدمته بإشرافه على خزانة الكتب الأفضلية، وذهب إلى اليمن سنة ٥١٣ فى أيام الأفضل وقام بتحركات حربية تأييدا للملكة الحرة، وزاد المأمون البطائحى الوزير من تأييده - بعد مقتل الأفضل - وتقلبت به الأحوال فى اليمن بسبب تعقد الأحوال بها واشتعال الحروب الأهلية المحلية. راجع تفصيل هذا فى تاريخ اليمن للفقيه عمارة اليمنى: ٤٢ - ٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277097,"book_id":167,"shamela_page_id":805,"part":"3","page_num":111,"sequence_num":805,"body":"ويقال إنّ أباه كان من جواسيس الأفضل بالعراق، وأنه مات ولم يخلّف شيئا، فتزوّجت أمه وتركته فقيرا، فاتصل بإنسان يعلّم البناء بمصر، ثم صار يحمل الأمتعة بالسّوق بمصر، وأنه دخل مع الحمّالين يوما إلى دار الأفضل فرآه خفيفا رشيقا حسن الحركة حلو الكلام، فأعجب به، فاستخدمه مع الفراشين بعد ما عرف بأنه ابن فلان، فلم يزل يتقدّم عنده حتى كبرت منزلته، وعلت درجته (¬١).\rوهذا ليس بصحيح فإنّه من أجناد المشارقة، وقد تقدّم أن أباه مات فى زمن الأفضل بعد ما ترقّت أحوال ولده، وأنه كان ممّن يعدّ من أماثل أهل الدولة. ورثى بعدّة قصائد.\rوتقدّم أن المأمون كان ممّن يخدم المستنصر وأنه الذى لقّبه بالمأمون. على أن المشارقة زادوا فى التشنيع وذكروا أنّه كان يرشّ الماء بين القصرين (¬٢)، وكل ذلك غير صحيح.\rوكان المأمون شديد المهابة فى النفوس وعنده فطنة تامة وتحرّز وبحث عن أخبار النّاس وأحوالهم، حتى إنه لا يتحدث أحد من سكّان القاهرة ومصر بحديث فى ليل أو نهار إلا ويبيت خبره عند المأمون، ولا سيّما أخبار الولاة وعمالهم. ومشت فى أيامه أحوال البلاد وعمرت، وساس الرّعايا والأجناد وأحسن سياسته، إلاّ أنه اتّهم بأنه هو أقام أولئك الذين قتلوا الأفضل وأعدّهم له وأمرهم بقتله ليجعل له بذلك يدا عند الخليفة الآمر، ولأنه كان يخاف أن يموت الأفضل فيلقى من الآمر ما يكرهه لأنّه كان أكبر الناس منزلة عند الأفضل ومتحكما فى جميع أموره. وكان مع ذلك محبّبا إلى الناس لكثرة ما يقضيه من حوائجهم ويتقرّب به من الإحسان إليهم، ويأخذ نفسه بالتدبير الجيد والسّيرة الحسنة، بحيث لو قدّر موته لزار النّاس قبره تبرّكا به.\rواتّهم أيضا بأنه هو الذى قتل أولاد الأفضل وأولاد أخيه الأوحد وأولاد أخيه المظفر، وكانوا نحو مائة ذكر ما بين كبير وصغير، فقتلوا بأجمعهم، ولم يبق منهم سوى صغير","footnotes":"(¬١) ورد هذا الكلام فى كتاب الكامل لابن الأثير: ٢٢٤:١٠. ونقله النويرى فى نهاية الأرب كما فعل المقريزى هنا ثم نفاه كل منهما، ويستند النويرى فى نفيه إلى ابن جلب راغب، محمد بن على بن يوسف، الذى قال: إن ابن الأثير وهم فى وفاة والد المأمون، إذ أنه مات فى سنة ٥١٣ والمأمون إذ ذاك مدبر دولة الأفضل .. ثم يضيف إلى ذلك: «وأكثر الناس يذكرون ما ذكره ابن الأثير». نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٢) قائل هذا عماد الدين صاحب «البستان الجامع لتواريخ الزمان»، كما ذكر النويرى. وقد نشر C.Cahen هذا الكتاب ملخصا فى مجلة: Bull.et.Or.Inst.Damas ،١٩٣٨ .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277098,"book_id":167,"shamela_page_id":806,"part":"3","page_num":112,"sequence_num":806,"body":"نحيف يسمى أحمد أبا علىّ ويلقب بكتيفات، فيقال إنّه احتقره لما كان يرى فيه من العىّ والانقطاع؛ فكان منه ما يأتى خبره إن شاء الله تعالى.\rواتّهم أيضا بقتل الأمير حسام الملك أفتكين، صاحب الباب، فى أيام الأفضل لتخوفه منه؛ وذلك أن حسام الملك دخل مرّة على الآمر للسلام، فلمّا خرج قال الآمر:\rوالله إنك لأمير حسن؛ فانه كان جميلا تام القامة وفيه عجب وتيه. فبلغ ذلك المأمون فقامت قيامته وأخذ فى العمل عليه حتى أخرجه فى العساكر التى يقال إنّ عدّتها عشرون ألفا، فكان من خبره على عسقلان مع الفرنج ما كان، وقتل من أصحابه يومئذ ما يزيد على عشرة آلاف، وعاد حسام الملك فبعثه إلى الإسكندرية ودسّ عليه من قتله.\rقال ابن الطوير: ولمّا دفن الأفضل استعمل الآمر هذا الرجل، وكان يخاطب بالقائد من خدمة الأفضل فى الوساطة دون الوزارة، ونعته بجلال الإسلام. واستمرّ على ذلك، ثم كمّل له الوزارة وخلع عليه خلعة الوزارة إلا الطيلسان المقوّر، فباشرها، وكان متيقظا قد حذق الأمور ودربها من صحبة الأفضل وطول خدمته إيّاه. وكان بالدّار التى بالسيوفيّين بالقاهرة، وهى اليوم مدرسة للحنفيّة (¬١)، وأخذ يصبّ على تغلّب الأفضل مع الآمر، فصار يتغلّب على الآمر فى واحدة بعد واحدة من الجفاء والإقدام، والآمر يملى له ويحتمله، حتى استوحش كل منهما من الآخر.\rوكان له أخ ينعت بالمؤتمن أبى تراب حيدرة، فرأى من الرأى أن يولى أخاه جانبا عظيما من ديار مصر ويجعل معه عسكر النّجدة ردءا إذا قصده الخليفة بضرر، فإنه ما دام أخوه يكون حاميا له، فيكون هو من داخل وأخوه من خارج. وجرّد معه مائة فارس من شدة الأجناد وكبرائهم، وأضاف إليهم أمثالهم، مثل على بن السّلار وتاج الملوك قايماز وسيف الملك الجمل ودرى الحرون وحسام الملك بسيل، وكلّ واحد من هؤلاء جيش بمفرده؛ والخليفة يعلم ذلك ولا يرده عليه. وزاد فى معناه حتى قيل إنّ الخليفة اطّلع على أنه ادّعى الخلافة وأنه من ولد نزار من جارية خرجت من القصر وهى حامل عند ما خرج نزار","footnotes":"(¬١) أنشأها صلاح الدين الأيوبى فى جزء من دار الوزير المأمون وخصصها للدراسة الفقهية على مذهب الإمام أبى حنيفة النعمان فى سنة ٥٧٢، وهى أول مدرسة وقفت على الحنفية فى مصر - وكان صلاح الدين شافعى المذهب - وعرفت بالسيوفية من أجل أن سوق السيوفيين كان حينئذ على بابها. المواعظ والاعتبار: ٣٦٥:٢ - ٣٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277099,"book_id":167,"shamela_page_id":807,"part":"3","page_num":113,"sequence_num":807,"body":"إلى الإسكندرية فانزعج الخليفة لذلك. ثم إنّه سيّر إلى اليمن الموفّق علىّ بن نجيب الدّولة (¬١)، وكان من أهل الأدب فصيحا داهية، ليحقّق لنسبه هناك ويدعو الناس إلى بيعته، فلمّا قيل للآمر هذا، ما شكّ فيه، وأخذ يتحيّل فى الإيقاع به بعد عود أخيه من ولايات الإسكندرية والغربيّة والبحيرة والجزيرتين (¬٢) والدّقهلية والمرتاحيّة (¬٣)؛ فاختلق الآمر قضية يلتمسها من الإسكندرية وهو مقيم بها، فسيّر أستاذا (¬٤) من ثقاته، ظاهره فيما ندبه إليه وباطنه فى العمل على المأمون وأخيه، وقال له: «أحرص على اجتماعك بعلىّ ابن السّلار فى المسايرة وسلّم عليه عنّا، وقل له إنّنا ما زلنا نلتفت إليه وندّخره لمهمّاتنا ونتحقّق فيه الموافاة لنا، وإنّا بحمد الله قادرون على المكافأة بالخير أكثر من غيرنا، وقد تلوّنت أحوال المأمون وبالغ فى عقوقنا بأشياء لا يتسع لها ذكرنا. ومقصودنا أن تكتم عنّا ما نقول لك».\rفلما بلّغه الأستاذ ذلك عن الآمر قال: السّمع والطاعة لمولانا، وأنا مملوكه وأذلّ نفسى فى خدمته. فقال الأستاذ: هكذا والله قال عنك. قال ابن السّلار: فما يأمر به؟ قال: تحدث رجالك بأجمعهم فى الانفصال عن المؤتمن، أنت ومن تثق به.\rفلمّا تقرر ذلك اتّفق علىّ بن السّلار هو وقايماز ودرى الحرون، وكانوا أمراء الجماعة فتفرّقوا عنه وتبعهم الباقون، فانفرد المؤتمن واستوحش وكاتب أخاه المأمون بذلك؛","footnotes":"(¬١) سبق أن أشرنا إلى أن الأفضل الجمالى هو الذى سير نجيب الدولة هذا إلى اليمن، فى سنة ٥١٣، تأييدا للملكة الحرة ملكة زبيد، وأن المأمون أيد نجيب الدولة فى المهمة التى أرسله الأفضل من أجلها.\r(¬٢) يذكر ابن مماتى ضمن بلاد ولاية القوصية الجزيرتين المعروفتين بالقلمين. قوانين الدواوين: ١٠٨ - ١٠٩، وهما غير الجزيرتين المقصودتين هنا، ذلك أن نشاط المؤتمن حيدرة كان متركزا فى الوجه البحرى. ويذكر القلقشندى الجزيرتين بين فرقتى النيل الشرقية والغربية (يعنى بالفرقتين فرعى النيل) ويقول إن الجزيرة الأولى تشمل عملين: المنوفية والغربية، والجزيرة الثانية تمتد ما بين بحر أبيار والفرقة الغربية للنيل وتعرف بجزيرة بنى نصر. صبح الأعشى: ٤٠٥:٣ - ٤٠٦.\r(¬٣) يقول القلقشندى: الدقهلية والمرتاحية مصاقبة لعمل الشرقية من جهة الشمال وينتهى أواخرها إلى السباخ وإلى بحيرة تنيس المتصلة بالطينة من طريق الشام. صبح الأعشى: ٤٠١:٣ - ٤٠٢. انظر أيضا قوانين الدواوين: ٨٨ - ٨٩ وفى مواضع أخرى متفرقة.\r(¬٤) الأستاذون من خواص خدم الخليفة، وأجلهم المحنكون وهم الذين يدورون عمائمهم على أحناكهم كما يفعل بعض العرب والمغاربة، وكانت عدتهم تزيد على الألف. وكان من طريقتهم أنه متى ترشح أستاذ منهم للحنك حمل إليه كل أستاذ من المحنكين بدلة كاملة من ثيابه وفرسا وسيفا فيصبح لاحقا بهم. صبح الأعشى: ٤٧٧:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277100,"book_id":167,"shamela_page_id":808,"part":"3","page_num":114,"sequence_num":808,"body":"فما اتسع له أن يتتبّع الأمراء ولا ينكر عليهم ليرجعوا إلى أخيه، لعلمه بتغيّر الخليفة عليه، مخافة أن يفسد أمره ظاهرا وباطنا. فحضر إلى الخليفة يوم سلام، على عادة الوزراء، وتقدّم وقال: «يا مولانا، صلوات الله عليك، وصل كتاب أخى يتذمّم من طول مقامه خارج القاهرة وأسفه على ما يفوته من خدمة مولانا بالمباشرة، ويسأل الفسحة له فى العود إلى بابه الكريم» فقال: «مرحبا وأهلا، وهذا كان رأينا، ونحن مشتاقون إليه، وإنما قصدنا رضاك فيما رتّبته له. يقدم على بركة الله». فكوتب عن الخليفة بالعود وأن يرتّب فى ولاياته من يرضاه. فامتثل ذلك.\rودخل القاهرة؛ فجلس الخليفة له فى غير وقت الجلوس، فمثل بن يديه، وأكرمه وأدناه، وخلع عليه بالتشريف المفخم.\rفلمّا دخل شهر رمضان، وفيه السماط كل ليلة بقاعة الذهب، ويحضر الوزير وإخوته وأصحابه؛ فحضر المأمون وأخوه المؤتمن السّماط أوّل ليلة، فأكرمهما الآمر بما أخرجه لهما ممّا كانت يده فيه، وأرسل رسالة إلى المؤتمن ليستأنس بحضوره السّماط مع أخيه؛ فلم يتّسع لهما مع هذه المكارمة الانقطاع.\rوحضرا ثانى ليلة فزاد فى إكرامهما، ثم أمر بأن يدخل المأمون لمؤاكلته خاصّة دون أخيه، فدخل إليه؛ ولم يتقدّمه أحد من الوزراء بمثل ذلك، يعنى بهذه المنزلة. وخرج هو وأخوه وأكد عليهما ألا ينقطعا، وخلع عليهما من داخل الدار من الثياب الدّاريّة. ثم حضرا ثالث ليلة، فاستدعى المأمون إلى الخليفة، فلمّا جلس معه على المائدة قال قد جفونا المؤتمن، واستدعاه، فدخل، وصارا فى قبضته. وكان قد رتب لهما من يأخذهما؛ فعند خروجهما للمضىّ قبض عليهما واعتقلهما عنده فى خزانة، وسيّر بالحوطة على دورهما.\rثم أمر بإحضار الشيخ الأجلّ أبى الحسن بن أبى أسامة، كاتب الدّست، لينشئ شيئا فى شأنهما يقرؤه على المنبر غدا، فوجد الشّيخ أبو الحسن بمصر لعيادة مريض؛ فتقدّم إلى والى القاهرة فى اللّيل بأن يمضى إلى مصر لإحضاره. فظنّ والى القاهرة أنه طلب لغير ذلك، وكان يقال له سعد الدّولة الأحدب، فمضى إليه وأزعجه من مكانه، وسبّه أقبح سبّ، وأراد إحضاره إلى القاهرة ماشيا. فأحضره إلى الخليفة وهو ميّت لا حراك به،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277101,"book_id":167,"shamela_page_id":809,"part":"3","page_num":115,"sequence_num":809,"body":"فقال له ما هذا؟ فأخبره بقضيتّه مع الوالى، فغضب على الوالى وأمر بخلع أخفافه من رجليه وصفعه بهما، حتى تقطّعا على قفاه، وصرفه من الولاية. وأطلع الشيخ أبا الحسن على قضية المأمون وأخيه؛ فقال يا مولانا: هما نشو أيّامك ومماليك دولتك. فقال لبعض الأستاذين خذ هذا الشّيخ وصوّبه إلى المذكورين لينظرهما فى اعتقالهما وينقطع رجاؤه منهما. فأدخله إليهما، فرآهما مكبّلين فى الحديد، وعليهما احتياط عظيم، فأنشأ للوقت سجلاّ كان من استفتاحه:\r«أمّا بعد؛ فإن محمد بن فاتك استنجح فما نجح، واستصلح فما صلح؛ وجهل رفع قدره فغدا لهبوط، وقابل الإحسان إليه بدواعى القنوط». وكلّ ذلك فى تلك الليلة.\rفلمّا أصبح الصّباح جلس الخليفة فى الشباك بالإيوان، ونصب كرسىّ الدعوة أمامه، وطلع قاضى القضاة عليه وقرأه بعد اجتماع الأمراء وأرباب الرّتب والعوامّ؛ فلم ينتطح فيها عنزان.\rويقال إن الخليفة كان يقول: أعظم ذنوبه عندى ما جرى منه فى حق صور وإخراجها من يد الإسلام إلى الكفر.\rوبقيا فى الاعتقال، هما وأميران اتّهما، فى خزانة البنود. وسيّر لإحضار الذى كان أنفذه المأمون إلى اليمن ليقتلهم جميعا. وتفرّغ الآمر لنفسه، ولم يبق له فعل ولا مزاج، وبقى بغير وزير.\rوأقيم صاحبا ديوان الاستخراج (¬١) بما يجب من زكاة ومقس (¬٢) أحدهما مسلم يقال له","footnotes":"(¬١) المقصود به استخراج المال وقبضه، وكتب الوصولات به. وعلى متولى الاستخراج، ويلقب بالجهبذ، عمل المخازيم والرزنامجات والختمات، ويطالب بما يقبضه ويخرج ما يرفعه من الحساب اللازم له من الأموال الديوانية. قوانين الدواوين: ٣٠٤.\r(¬٢) يعدد القلقشندى وجوه الأموال الديوانية ويقسمها إلى ضربين رئيسيين وتحت كل منهما أنواع. أما الضرب الأول فهو الشرعى، وهو على سبعة أنواع منها الزكاة. أما الضرب الثانى فهو غير الشرعى وهو المكوس التى تتركز فى نوعين: ما يختص بالديوان السلطانى مثل المكوس التى تؤخذ عند السواحل: عيذاب، والقصير، والطور، والسويس، وما يؤخذ بحاضرة مصر: الفسطاط والقاهرة، وتكاد تصل إلى اثنين وسبعين مكسا. أما النوع الثانى من المكوس فهو ما لا اختصاص له بالديوان السلطانى وهو ما يتبع إقطاع ديوان أو أمير أو نحوهما. صبح الأعشى: ٤٤٨:٣ - ٤٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277102,"book_id":167,"shamela_page_id":810,"part":"3","page_num":116,"sequence_num":810,"body":"جعفر بن عبد المنعم بن أبى قيراط والآخر سامرىّ يقال له أبو يعقوب إبراهيم، وأقيم معهما مستوف (¬١) لهاتين المعاملتين وكان راهبا؛ فكانوا يستخرجون ذلك من أربابه، ويدخل صاحبا الدّيوان إلى الآمر فى كلّ وقت ومعهما المصحف والتوراة فيحلفان له أنّهما لا يتعرضان إلا لمن يجب عليه لبيت المال حقّ. فيحملهما فى ذلك على الصدق، وربما اشتطا على الناس وزاد عليهم ما لا يجب زيادته، فتأذّى بسببهما جماعة والآمر لا يطلع على ذلك ولا أشاربه. واستمرّا على ذلك مديدة.","footnotes":"(¬١) المستوفى: كاتب يكون صاحب مجلس فى الديوان يطالب المستخدمين بما يجب عليهم رفعه من الحساب فى أوقاته، وينبه متولى الديوان على ما يجب استخراجه من المال فى حينه، ويقيم الجرائد، ويقابل كل حساب يرد عليه ويستوفيه، ويخرج ما يجب تخريجه فيه ويعمل المطالبات. وإن ظهر أنه لم ينبه على وجوب مال أو استرفاع حساب، أو أخر ما يجب تقديمه، أو أهمل ما يتعين تخريجه كان عليه درك ذلك جميعه. ولا يؤاخذ بشئ عمل من مجلس خدمته ما لم يكن خطه عليه إما بالمقابلة وإما بالتأريخ. قوانين الدواوين: ٣٠١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277103,"book_id":167,"shamela_page_id":811,"part":"3","page_num":117,"sequence_num":811,"body":"سنة عشرين وخمسمائة (¬١):\rفيها جهز الآمر المنتضى بن مسافر الغنوىّ بخلع سنيّة وتحف مصريّة وثلاثين ألف دينار للأمير البرسقى، صاحب الموصل؛ فلمّا كان فى أثناء الطريق سمع بموته (¬٢)، فرجع بما معه إلى الآمر.\rوفيها قدم الأمير الرئيس مهران بن عبد الرحيم، مصنّف سيرة الفرنج الخارجين على بلاد الإسلام فى هذه السنين، برسالة من صاحب حلب.\rوفى شوال كان بدء أمر الرّاهب. وذلك أنّ راهبا من النّصارى، يعرف بأبى نجاح ابن فنا، كتب إلى الآمر رقعة فى الكتّاب النصارى من الأقباط يذكر أنهم قد أخذوا أموال الدّولة واستولوا عليها، وضمن أنّه يحقق فى جهاتهم ما يملأ بيوت الأموال. فتقدّم الخليفة بأن يمكّن من الدّواوين ويساعد على ما يخرجه من الحسبانات، ولقب بالأب القديس الرّوحانى النّفيس أبى الآباء سيد الرؤساء مقدّم دين النّصرانية، وسيد البطريركية، ثالث عشر الحواريين.\rوكان الآمر لما انفرد بالأمر بعد القبض على وزيره المأمون وبقى بغير وزير دانت له الدنيا. وكان معظّما كثير الجود إلى الحدّ الذى لا مزيد عليه؛ فكثر الخير فى تلك الأيّام، وفرح الناس بالفوائد، وتردّد المسافرون والتجار، وجلبت البضائع، وزاد الحاصل فى الخزائن من كلّ صنف مضافا إلى ما كان فيها، وحسنت السّيرة فى الرّعيّة؛ وأباح للنّاس","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع والعشرين من يناير سنة ١١٢٦.\r(¬٢) هو الأمير آق سنقر البرسقى صاحب الموصل والجزيرة والمتصرف فى شئون بغداد والعراق. تولى الموصل للمرة الأولى سنة ٥٠٧، ثم عزل عنها ليعود مرة أخرى سنة ٥١٥، وبقى فيها حتى مات فى هذه السنة (٥٢٠) مقتولا بأيدى الباطنية فى المسجد الجامع بها بالرغم من أنه كان على غاية من التيقظ لهم والتحفظ منهم بالحراسة المشددة ولباس الحديد، وقد ضرب أحدهم بسيفه فقتله فتوجهوا بعد ذلك بالطعنات إلى حلقه حتى قتل، وقتل جميع من اشترك فى الاعتداء عليه. معجم الأنساب: ٦٠؛ الكامل: ١٠ فى مواضع متفرقة؛ الباهر: كذلك؛ ذيل تاريخ دمشق: ٢١٤. ويذكر ابن القلانسى أن رسول الآمر وصل بصحبة أمين الدولة كمشتكين والى بصرى ومعه خلع سنية وتحف هدية إلى ظهير الدين طغتكين. ذيل تاريخ دمشق: ٢١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277104,"book_id":167,"shamela_page_id":812,"part":"3","page_num":118,"sequence_num":812,"body":"والجنود ما كان الأفضل حظره عليهم من الملبوس والتّجمّل؛ فما برح الناس فى خيرات دارّة ونعم متزايدة إلى أن تمكّن الرّاهب من الدّواوين واشتد فى مطالبة النّصارى وضمن فى جهاتهم الأموال، وحملها أوّلا فأوّلا؛ وكان قد حصل لهم فى أيّام الأفضل والمأمون ما يزيد عن الوصف. فلمّا تمكّن الرّاهب من النّصارى واستطاب ما تحصّل منهم ابتدأ يعمل فى المسلمين معاملى الدّيوان من المشارفين والضّمناء والعمّال.\rفيها ركب الآمر لينظر جوسق البغدادى أبى الحسن على بن محمد بن سعدون بالقرافة، فإنه كان من أحسن جواسق القرافة (¬١) وأفخرها بناء؛ فلمّا قرب منه سقط عن فرسه إلى الأرض فهنّئ بالسّلامة، وقيل فى ذلك عدّة أشعار.","footnotes":"(¬١) الجوسق: القصر، ويجمع على جواسق وهو معرب عن اللفظ الفارسى كوسك. وجوسق البغدادى المذكور بالمتن كان بالقرافة وإلى جواره قبر منشئه: وقد خرب سنة ٥٢٠. المواعظ والاعتبار: ٤٥٣:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277105,"book_id":167,"shamela_page_id":813,"part":"3","page_num":119,"sequence_num":813,"body":"سنة احدى وعشرين وخمسمائة: (¬١)\rفيها أحضر الموفق فى الدين أبو الحسن على بن إبراهيم بن نجيب الدّولة، داعى اليمن، الذى سيّره الوزير المأمون بن البطائحى، فدخل فى يوم عاشوراء على جمل بطرطور، ومعه مشاعليّة بهيئة ملائكة، وخلفه قرد يصفعه، وهو يقول بقوة نفس: والله لا ألتفت. فأدخل خزانة البنود وسجن مع المأمون.\rفيها كثرت مصادرة الرّاهب للكتّاب والعمال، وتسلسل الأمر إلى التجار وأرباب الأموال، وندب معه مقداد والى مصر وسعد الدولة والى القاهرة للشّدّ منه؛ فتنكّد الناس وخرج كثير من أهل مصر إلى الآفاق. وأخذ الرّاهب يحسّن للآمر أن يحمل إليه مال الأيتام من مودع الحكم (¬٢).\rوفيها مات قاضى القضاة جلال الملك تاج الأحكام، أبو الحجاج يوسف بن أيّوب ابن إسماعيل المغربى الأندلسى (¬٣)؛ وكان أوّلا قد أقرأ المؤتمن أخا المأمون القرآن والنّحو، فولاّه قضاء الغربيّة، ثم نقل منها إلى قضاء القضاة بعد واقعة ابن الرّسعنى بوساطة المؤتمن.\rواستقر بعد وفاته فى قضاء القضاة أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن الميسر القيسرانى.\rوكان أبو الحجّاج عاقلا. عرض عليه الآمر أن يلى الدّواوين مضافا إلى ما يتولاه","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع عشر من يناير سنة ١١٢٧.\r(¬٢) فى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة توفى قاضى القضاة محمد بن النعمان وترك عليه دينا للأيتام وغيرهم عشرين ألف دينار، وقيل ستة وثلاثين ألف دينار، فختم برجوان على جميع ما ترك، وطالب الأمناء والعدول من أعوان ابن النعمان بأموال اليتامى المتبقية عليهم فى ديوان القضاء فاعترف البعض بما عنده وأنكر آخرون. وكان من نتائج ذلك أن أمر الحاكم ألا يودع عند عدل ولا أمين شيء من أموال اليتامى وأن يكتروا مخزنا فى زقاق القناديل تودع فيه أموال اليتامى، وعرف هذا المخزن منذ ذلك التاريخ بالمودع. انظر الجزء الثانى من هذا الكتاب فى أحداث سنة ٣٨٩.\r(¬٣) يذكر ابن العماد فى أخبار سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة نبأ وفاة الفقيه العلامة أبى الحجاج يوسف بن عبد العزيز نزيل الإسكندرية وأحد الأئمة الكبار فى الأصول والفروع، روى البخارى عن واحد عن أبى ذر ومسلما عن أبى عبد الله الطبرى. شذرات الذهب: ٦٧:٤. ولعله نفس الفقيه المذكور هنا فى المتن، وقد يؤيد ذلك أن نشاط المؤتمن، أخى المأمون، وهو تلميذ أبى الحجاج كان متركزا، فى معظمه، فى الإسكندرية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277106,"book_id":167,"shamela_page_id":814,"part":"3","page_num":120,"sequence_num":814,"body":"من قضاء القضاة والمظالم، فاستشار فى ذلك بعض أصحابه فأشار بالقبول، فقال: إنّي لا أحسن صنعة الكتابة؛ فقال له: تجعل بين يديك من يوضّح لك الأمر والتدبير ويدلّك على سرّ الصّناعة. فقال: ألا ترى إلاّ أنى قد رضيت أن أكون من الأسماء النّواقص التى لا تتمّ إلاّ بصلة وعائد، واستحضرت من يدلّنى على ما أجهل، فكيف أصنع بين يدى السلطان؟ لقد حكمت إذا على نفسى بحكم حيف وأوردتها خطّة خسف. وحمد الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277107,"book_id":167,"shamela_page_id":815,"part":"3","page_num":121,"sequence_num":815,"body":"سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة: (¬١)\rفيها وصلت رأس بهرام الباطنى. وكان طغتكين أتابك، الملقّب ظهير الدّين، قد وهب له بانياس خوفا من شرّه، فأفسد جماعة بالشام، وجرت له خطوب آلت إلى قتله، وحملت رأسه إلى الآمر (¬٢).\rوفيها رتّب قاضى القضاة أبا عبيد الله محمد بن ميسّر مشارفا على ثقة الدّولة ابن أبى الردّاد فى قياس الماء وعمارة المقياس، وعمل مصالحة؛ فاستمرّ إلى أن قتل ابن ميسر ثم بطل، فلم ينظر أحد فى هذه المشارفة.\rوفى رجب عمل للآمر فى الخاقانية (¬٣)، وكانت من خاصّ الخليفة، قصر من ورد فسار إليها وحده بضيافة عظيمة. فلمّا استقرّ هناك خرج إليه أمير يقال له حسام الملك - أحد الأمراء الذين كانوا مع المؤتمن، أخى المأمون، فى سفره فى البلاد التى كان يتولاّها وتخاذل مع ابن السلار عنه - وهو لابس لأمة حربه، والتمس المثول بين يدى الخليفة.\rفاستثقل ما جاء به فى ذلك الوقت لأنه مناف لما فيه الخليفة من الرّاحة والنزهة، فمنع من ذلك وصدّ عنه؛ فقال لجماعة من حواشى الخليفة: أنتم منافقون على الخليفة إن لم أصل","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السادس من يناير سنة ١١٢٨.\r(¬٢) وكان يمارس نشاطه الهدام على غاية من الاستتار والاختفاء وتغيير الزى بحيث يطوف البلاد والمعاقل ولا يعرف أحد شخصه، وتبعه كثير من الجهلة والطغام احتماء به أو طلبا للشر بحزبه، وأيده فى تحركه ونشاطه أبو على طاهر بن سعد المزدقانى، وزير طغتكين، لحاجة فى نفسه والتمس من طغتكين أن يسلمه حصن بانياس، ففعل، فتقوى بهرام بهذه المنحة وجمع الأشرار والأوباش والرعاع فيه وأفسد بهم فى دمشق وأعمالها حتى اشتد خطره. وقد ثار ضده أهل منطقة وادى التيم لقتله شابا دينا شهما من بينهم، سنة ٥٢٢، فهاجمهم فى واديهم وأقام خيامه بجوارهم - وكانوا مستعدين للقائه - فأغاروا على مخيمه وأوقعوا برجاله ونجحوا فى قتله بخيمته واحتزوا رأسه بعد أن مثلوا بحثته تقطيعا بالسيوف والسكاكين. ذيل تاريخ دمشق: ٢١٥، ٢٢١ - ٢٢٢.\r(¬٣) قرية من قرى قليوب وكانت من مخصصات الخليفة، فيها بساتين وجنان كثيرة وأحواض لزراعة الورد بألوانه المختلفة تعرف بالدويرات. المواعظ والاعتبار: ٤٨٨:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277108,"book_id":167,"shamela_page_id":816,"part":"3","page_num":122,"sequence_num":816,"body":"إليه وهو يطالبكم بذلك ويعاقبكم عليه. فأطلعوا الخليفة على أمره، فأمر بإحضاره. فقال:\rيا مولانا، لمن تركت أعداءك - يعنى المأمون وأخاه - هذا والعهد قريب؛ أأمنت الغدر؟ فما أجابه إلاّ وهو على ظهور الرّهاويج (¬١) من الخيل، فلم تمض ساعة إلاّ وهو بالقصر يمضى إلى مكان اعتقال المأمون وأخيه، فوجدهما على حالهما، فزادهما وثاقا وحراسة.\rفلمّا كان فى ليلة العشرين منه قتل المأمون وصالح بن الضيف، وكان من نشو المأمون وقد سجن معه، وعلىّ بن إبراهيم بن نجيب الدّولة، المحضر من اليمن، وأخرجوا إلى سقاية ريدان (¬٢) فى الرّمل، قبالة البستان الكبير خارج باب الفتوح، فصلب أبدانهم بغير رءوس وفى صدر كلّ واحد رقعة فيها اسمه. فبلغ الأمر الناس فشكوا فيهم، وقالوا: هم غير المذكورين. فأمر بإخراج رءوسهم وأقيمت على أبدانهم.\rفيها كانت ولاية ابن ميسّر القضاء فى ذى الحجّة على ما ذكر بعضهم؛ وقيل بل كانت كما تقدّم؛ ولقّب بثقة الدّولة القاضى الأمين سناء الملك، شرف الأحكام، قاضى القضاة، عمدة أمير المؤمنين، أبى عبد الله محمد بن القاضى أبى الفرج هبة الله بن ميسر. فلازم الانتصاب والجلوس، واعتمد التثبت فى الأحكام، وعدّل جماعة، فبلغت عدّة الشهود فى أيّامه مائة وعشرين شاهدا، وكانوا دون الثلاثين.\rثم وردت إليه المظالم؛ فاستوضح أحوال المعتقلين وطالع بهم الآمر، وكان فيهم عدّة قد يئسوا من الفرج، فاستأذن الخليفة وأفرج عنهم. وتكلّم مع الآمر فى أمر التّجّار وما نزل بهم من المصادرات، فأمر الخليفة بكتابة منشورهم فى معناهم قرئ على المنابر.\rفيها كثرت وقائع أهل القسر على النّاس، وتقرّب كثير من الكتاب","footnotes":"(¬١) الرهاويج من الخيل المثيرة للغبار، لسرعتها. يقال أرهج أثار الغبار، وأرهجت السماء همت بالمطر، ونوء مرهج كثير المطر، والرهوجة بتشديد الراء المفتوحة ضرب من السير. القاموس المحيط.\r(¬٢) سقاية ريدان: يعرفها ياقوت تعريفا مبهما بأنها بين القاهرة وبلبيس. وهى الآن بمنطقة العباسية الحالية وتعرف بالريدانية، وكانت فى الأصل بستانا لريدان الصقلى الأستاذ، من رجال العزيز بالله. ويظهر من النص أنها كانت تقع خارج باب الفتوح. المواعظ والاعتبار: ١٣٩:٢؛ معجم البلدان: ٩١:٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277109,"book_id":167,"shamela_page_id":817,"part":"3","page_num":123,"sequence_num":817,"body":"الظّلمة بعورات الناس إلى الخليفة، فاشتدّت مطالبات الناس بالأموال، وقبل قول كلّ رافع شيئا على أحد، وأخذ النّاس بما رموا به، وضمّن عدّة من النّاس أشياء لم تجر عادة بضمانها، وأحدثت رسوم لم تكن فيما تقدّم. وذلك أنهم لم يقدروا على تصريح القول بالمصادرة، فعملوا ما ذكر؛ فحصلت الشناعة، وخرج من بالبلد من التّجار.\rوكثرت مصادرات القاطنين بمصر والقاهرة، وعظم قدر ما حمل من أموال هذه الجهات.\rفاتّسع عطاء الخليفة حتى وهب يوما لغلامه برغش، المنعوت بالعادل (¬١)، ثمانين ألف دينار، ثم سأله بعد مدّة يسيرة عمّا فعله فيما وهبه، فقال: يا مولانا تصدّقت ووهبت أكثر.\rفأعجب ذلك الآمر، وفرح، وشكره على فعله. ووهب مرّة لغلامه هزار الملك جوامرد، المنعوت بالأفضل، مثل ذلك. وكانا أخصّ غلمانه وأقربهم منه، وأشرفهم عنده منزلة؛ وكانا أسمح خلق الله؛ وكان الناس فى أيامهما لا يوجد فيهم من يشكو الفقر، لا بمصر ولا بالقاهرة، فإنّ هزار الملوك كانت صدقته فى كلّ يوم جمعة راتبا قد قرّره بالقرافة أربعة آلاف درهم فى ألف كاغدة، على يد الثّقة ابن الصّعيدى وغزال الوكيل، وكانت عطاياه من يده لا تنقص عن عشرة دنانير أبدا؛ ولا يخلو ركوبه إلى القصر وعوده منه من أحد يقف له ويطلب منه. وكان برغش يعطى الجمل الكبار التى يغنى بها الطالب، من المائة دينار إلى المائتين وأكثر.\rوبلغ علم الّتى يقال لها جمعة، مكنون الآمريّة، أن الآمر سيّدها قد وهب لكلّ من غلاميه المذكورين ثمانين ألف دينار، وكان الآمر يحبّها، وأصدقها أربعة عشر ألف دينار، وولدت منه ابنة سمّاها ستّ القصور؛ فلمّا دخل عليها عشيّة اليوم الذى وهبهما فيه هذا المال قامت وأغلقت عليها مقصورتها، وقالت: ما تدخل إلىّ أو تهب لى ما وهبت لكلّ منهما. فقال: السّاعة. وأحضر الفراشين، وحمل كلّ عشرة كيسا فيه عشرة آلاف دينار","footnotes":"(¬١) أحد اثنين كانا مقربين إلى الخليفة الآمر، وهو أصغر الاثنين وأرشقهما، والآخر هزار الملوك، جوامرد (ويسميه ابن تغرى بردى هزبر الملوك). وقد بنى الأول مسجدا قبالة جزيرة الروضة بشارع مصر القديمة بين فم الخليج وكوبرى الملك الصالح، دثر ولم يبق له أثر. النجوم الزاهرة: ٢٤٠:٥: فى المتن وفى الحاشية: ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277110,"book_id":167,"shamela_page_id":818,"part":"3","page_num":124,"sequence_num":818,"body":"عينا. فلمّا صار إليها هذا المال، ومبلغه مائتا ألف دينار ذهبا، فتحت الباب له ودخل (¬١).","footnotes":"(¬١) يقول المقريزى فى المواعظ والاعتبار: كان الآمر قد بلى بعشق الجوارى العربيات، فبلغه أن جارية بالصعيد من أجمل العرب وأظرفهم شاعرة مجيدة، فتزيا بزى الأعراب وكان يجول فى الأحياء إلى أن انتهى إلى حيها وتحيل حتى عاينها فما ملك صبره، وعاد إلى دار ملكه وأرسل إلى أهلها يخطبها، وتزوجها. فلما وصلت صعب عليها مفارقة ما اعتادته وأحبت أن تسرح طرفها فى الفضاء حتى لا تنقبض نفسها بحيطان المدينة فبنى لها البناء المعروف بالهودج على شط النيل، وكان غريب الشكل. ولكنها ظلت معلقة الخاطر بابن عم لها يعرف بابن مياح فكتبت إليه:\rيا ابن مياح إليك المشتكى … مالك من بعدكم قد ملكا\rكنت فى حى مطاعا آمرا … نائلا ما شئت منكم مدركا\rفأنا الآن بقصر مرصد … لا أرى إلا خبيثا ممسكا\rفأجابها ابن عمها:\rبنت عمى والتى غذيتها … بالهوى حتى علا واحتبكا\rبحت بالشكوى وعندى ضعفها … لو غدا ينفع منا المشتكى\rمالك الأمر إليه أشتكى … مالكا وهو الذى قد ملكا\rانظر المواعظ والاعتبار: ٤٨٥:١ - ٤٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277111,"book_id":167,"shamela_page_id":819,"part":"3","page_num":125,"sequence_num":819,"body":"سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة (¬١)\rفيها عمّ البلاء بمصر جميع الرؤساء والقضاة والكتّاب والسّوقة من الراهب، بحيث لم يبق أحد إلاّ وناله منه مكروه، إمّا من ضرب أو نهب أو أخذ مال. وكان يجلس فى قاعة الخطابة من جامع عمرو بن العاص، ويستدعى الناس للمصادرة. فطلب فى بعض الأيّام رجلا يعرف بابن الفرس من العدول المميّزين المبجّلين فى الناس فأهانه وأخرق به، فخرج إلى الجامع فى يوم جمعة وقام على رجليه وقال: يأهل مصر، انظروا عدل مولانا الآمر فى تمكينه النّصرانى من المسلمين. فارتجّ الناس لكلامه وكادت تكون فتنة؛ فاتّصل ذلك بخواصّ الخليفة، فأبلغوه إيّاه وخوّفوه عاقبة ذلك، وطالعوه بما حلّ بالخلق.\rوكان الرّاهب قد أخذ من شخص خادم يقال له جديحو سبعين ألف دينار بخرج من مائة ألف دينار، فصار يشكو، وكان كثير البضائع والتّجارات والمقارضين، فتظلم واشتهر أمره إلى أن بلغ خبره إلى أستاذ من أستاذى القصر له من العمر نحو مائة وعشرين سنة، يقال له لامع - وكان قد انقطع فى منزله بالقصر بعد ما حجّ غير مرّة، وأنشأ جلبة (¬٢) بعيذاب يقال لها اللاّمعيّة تحمل الحاجّ - فاتفق جواز الآمر على مكانه فسأل عنه، فقيل له: إنه لا يستطيع النّهوض إلى خدمتك. فدخل إليه وسأله عن حاله، فقال: شغلى بسمعة مولانا أشدّ علىّ من نفسى. فقال له الآمر: لأىّ شيء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الناس قد تمّ عليهم من الشّدة ما لا أحسن أصفه وربّما نسب ذلك إليك. وشرح له أمر الرّاهب ابن أبى نجاح وصاحبى الدّيوان جعفر بن عبد المنعم المعروف بابن أبى قيراط وأبى يعقوب إبراهيم السّامرى الكاتب، وما أخذوه من هذا الخادم. فحلف الآمر إنّه ما علم أنهم بلغوا بالناس إلى هذا المبلغ، وأنه يستدعى صاحبى الدّيوان فى كلّ وقت ويحلّفهما على المصحف وعلى التّوراة، وأنّ الراهب لم يجعل إلاّ مستوفيا لما يستخرج من الأموال وليس له","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس والعشرين من ديسمبر سنة ١١٢٨.\r(¬٢) الجلبة بفتح الجيم والباء بينهما لام ساكنة، والجمع جلاب، سفن خاصة بنقل التجار والبضائع كانت تستخدم فى البحر الأحمر Dozy:Supp.Dict.ar . .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277112,"book_id":167,"shamela_page_id":820,"part":"3","page_num":126,"sequence_num":820,"body":"معهما حديث البتّة. فقال له الخادم: يا أمير المؤمنين، إنهم قد اتفقوا على أذى النّاس، وقد جعلك الله خليفة فى الأرض واسترعاك على عباده، وكلّ راع مسئول عن رعيته.\rفشقّ على الخليفة، وعمل فيه كلام الأستاذ، وخرج؛ فما بات حتى صرف صاحبى الدّيوان واعتقلهما، ليستعيد منهما ما أخذاه للنّاس ظلما؛ واستدعى الرّاهب، وكان بحضرته رجل من الأشراف، فلما حضر الراهب أنشد:\rإنّ الذى شرّفت من أجله … يزعم هذا أنّه كاذب (¬١)\rفقال الآمر للرّاهب: يا راهب، ماذا تقول؟ فسكت. فأمر حينئذ والى مصر بأخذه إلى الشرطة وضربه بالنّعال حتّى يموت. فمضى به إلى شرطة مصر، وما زال يضرب بالنّعال حتى مات، فجرّ بكعبه إلى عند كرسى الجسر (¬٢) مسحوبا، وسمّر على لوح، وطرح فى بحر النّيل؛ فكان كلّما وصل إلى ساحل من سواحل مصر وهو منحدر دفعوه إلى البحر؛ فلم يزل حتّى خرج إلى البحر الملح، واشتهر ذكره، وسارت الرّكبان بهلاكه.\rوكان هذا الراهب أوّلا من أشمون طنّاح (¬٣)، وترهّب على يد أبى إسحاق بن أبى اليمن، وزير ابن عبد المسيح متولّى ديوان أسفل الأرض (¬٤)، ثم قدم إلى القاهرة واتصل بخدمة ولى الدّولة أبى البركات يحنّا بن أبى الليث، كاتب المجلس (¬٥). فلمّا قتل الوزير المأمون","footnotes":"(¬١) ذكر ابن خلكان فى ترجمة الفقيه أبى بكر محمد بن محمد الفهرى الطرطوشى أنه جلس إلى جوار الوزير الأفضل الجمالى فى إحدى زياراته له وأنشده هذا البيت مع سبقه ببيت آخر يقول:\rيا ذا الذى طاعته قربة … وحقه مفترض واجب\rوأشار فى أثناء إنشاده البيت المذكور بالمتن إلى رجل نصرانى من كتاب الأفضل كان يجلس إلى جواره، فأمر الأفضل بإقامته من موضعه. وفيات الأعيان: ٥٧٩:١.\r(¬٢) الجسر المقصود هنا كان يمتد بين ساحل مصر (الفسطاط) وبين جزيرة الروضة، وفيما بين جزيرة الروضة وبر الجيرة، وقد عمل من مجموعة من المراكب صفت، بعضها إلى جوار بعض، موثقة بالحبال، ومدت فوقها أخشاب غطيت بالتراب، وذلك لعبور الناس والدواب. المواعظ والاعتبار: ١٧٠:٢.\r(¬٣) الضبط من معجم البلدان. بالقرب من دمياط، وتقع جنوب دكرنس الحالية. معجم البلدان: ٢٦٠:١ - ٢٦١.\r(¬٤) كانت وظيفة متولى ديوان ما من الوظائف الهامة فى الدولة يعلوها منصب الناظر ويتلوها منصب المستوفى. ولم يكن من بين أعوان متولى الديوان أو من بين موظفى الدواوين عامة فى مصر من يلقب بالوزير.\r(¬٥) كان الأفضل قد أنشأ فى سنة إحدى وخمسمائة ديوانا سماه ديوان التحقيق استخدم فى الإشراف عليه أبا البركات يوحنا بن الليث المذكور هنا فى المتن وقد بقى يعمل فى هذا الديوان إلى أن قتل سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. واستمر هذا الديوان فى مهمته إلى انتهاء عهد الفاطميين ثم توقف، وأعاده الكامل الأيوبى سنة أربع وعشرين وتوقف بعد سنتين، ثم أعاده السلطان المعز أيبك واستخدمه فى استيفاء مقابلة الدواوين، وهو نوع منه. نهاية الأرب: ٢٨. ويقول المقريزى: وهذا الديوان مقتضاه المقابلة على الدواوين، وكان لا يتولاه إلا كاتب خبير وله الخلع والمرتبة والحاجب، ويلحق برأس الديوان، يعنى متولى النظر، ويفتقر إليه فى أكثر الأوقات. المواعظ والاعتبار: ٤٠١:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277113,"book_id":167,"shamela_page_id":821,"part":"3","page_num":127,"sequence_num":821,"body":"اتّصل بالخليفة الآمر، وبذل له فى مصادرة الكتّاب النّصارى مائة ألف دينار، فأطلق يده فيهم؛ واسترسل أذاه حتى شملت مضرّته كلّ أحد.\rوكان يعمل له فى تنّيس ودمياط ملابس مخصوصة به من الصّوف الأبيض (المنسوج (¬١) بالذهب، فيلبسها ومن فوقها غفارة (¬٢) ديباج، ويتطيّب بعدّة مثاقيل مسك فى كلّ يوم فكانت رائحته تشتمّ من مسافة بعيدة. وكان يركب الحمر الفارهة بالسروج المحلاّة بالذّهب والفضة، ويجلس بقاعة الخطابة من جامع مصر.\rولما قتل وجد له فى مقطع ثلاثمائة طرّاحة (¬٣) سامان محشوة جددا لم تستعمل، قد رصّت إلى قرب السقف، وهذا من نوع واحد، فكيف ما عداه!\rولمّا قتل وعرف الآمر ما كان يعمل فى النّاس من أنواع الأذى خشى من الله واستحيا من الناس؛ وكره مساءلة الفقهاء من الإسماعيلية عن ذلك وعن كفّارة هذا الذّنب لأنّه إمام، وشرط الإمام أن يكون معصوما. فسيّر إلى الفقيه سلطان بن رشا شيخ الفقيه مجلى، وكان خليفة الحكم، مع من يثق به يستفتيه فى أمر الرّاهب وما يكفّر عنه، فقال: يردّ ما صار إليه من الأموال إلى أربابها. فردّ عليه: إنى والله ما أعرفهم ولا أقدر على ذلك؛ ولكن أعتق الرقاب وأتصدّق. فقال الفقيه: الخليفة قادر على أن يعتق ويتصدّق ولا يتأثّر لذلك، ولكن يصوم فإنّه عبادة شاقّة على مثله. فقال: أصوم الدّهر. فقال: لا؛ ولكن الصّوم الذى وصفه رسول الله، ﷺ، صوم يوم وفطر يوم. فقال: لا أقدر على ذلك. فقال: يصوم رجب وشعبان ورمضان. ففعل ذلك، وتحرّم فى صومه وبرّه هذه الأشهر من كلّ ما ينكر فى الديانة.","footnotes":"(¬١) ما بين القوسين مضاف من نهاية الأرب.\r(¬٢) الغفارة المعطف Dozy:Supp.Dict.ar . .\r(¬٣) الطراحة: مرتبة يفترشها الخليفة أو السلطان إذا جلس. نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277114,"book_id":167,"shamela_page_id":822,"part":"3","page_num":128,"sequence_num":822,"body":"سنة أربع وعشرين وخمسمائة (¬١)\rفى ربيع الأوّل ولد للآمر ولد سمّاه أبا القاسم الطيّب، فجعل ولىّ عهده؛ وأمر فزيّنت القاهرة ومصر، وعملت الملاهى فى الإيوانات وأبواب القصور، وكسيت العساكر، وزيّنت القصور. وأخرج الآمر من خزائنه وذخائره قماشا ومصاغا ما بين آلات وأوانى من ذهب وفضة وجوهر، فزيّن بها؛ وعلّق الإيوان جميعه بالسّتور والسّلاح. واستمرّ الحال على هذا أربعة عشر يوما.\rوأحضر الكبش الذى يعقّ به عن المولود (¬٢)، وعليه جلّ (¬٣) من ديباج، وفى عنقه قلائد الفضّة، فذبح بحضرة الخليفة الآمر. وجيء بالمولود فشرّف قاضى القضاة ابن ميسّر بحمله؛ ونثرت الدنانير على رءوس الناس. ومدّت الأسمطة العظيمة بعد ما كتب إلى الفيّوم والقليوبيّة والشرقية فأحضرت منها الفواكه، وملئ القصر منها ومن غيرها من ملاذ النّفوس، وبخّر بالعنبر والعود والندّ حتى امتلأ الجوّ من دخانه.\rفيها تواترت الأخبار بتخويف الآمر من اغتيال النزاريّة وتحذيره منهم، وإعلامه بأنه قد خرج منهم قوم من المشرق يريدون قتله؛ فتحرّز احترازا كبيرا بحيث إنه كان لا يصل أحد من قطر من الأقطار إلاّ ويفتّش ويستقصى عنه. وأقام عدّة من ثقاته يتلقون القوافل ليتعرّفوا أحوال الواصلين ويكشفوا عنهم كشفا جليّا. وكلّما اشتد الأمر كثر الخوف.\rواتّصل به أن جماعة من النّزاريّة حصلوا بالقاهرة ومصر، فاحترز وتحيّل فى قبضهم فلم يقدر لما أراده الله؛ وفشا فى الناس أمرهم، وكانوا عشرة فخافوا أن يظفر بهم، فاجتمعوا فى بيت وقالوا إنه قد فشا أمرنا ولا نأمن أن يظفر بنا؛ واشتوروا. فقال أحدهم: الرأى أن تقتلوا رجلا منكم وتلقوا برأسه بين القصرين لتنظروا إن عرفها الآمر","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس عشر من ديسمبر سنة ١١٢٩.\r(¬٢) العقيق والعقيقة، والعقة بالكسر، الشعر الذى يولد عليه كل مولود من الناس، والبهائم، ومنه سميت الشاة التى تذبح عن المولود يوم أسبوعه عقيقة. وعق عن ولده من باب رد إذا ذبح عنه يوم أسبوعه، وكذا إذا حلق عقيقته. مختار الصحاح.\r(¬٣) الجل للدابة، بضم الجيم، كالثوب للإنسان يلبس ليقى من البرد، والجمع جلال، وجمع الجمع أجلة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277115,"book_id":167,"shamela_page_id":823,"part":"3","page_num":129,"sequence_num":823,"body":"وكان عمره يوم قتل أربعا وثلاثين سنة وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوما (¬١)، ومدّة خلافته تسع وعشرون سنة وثمانية أشهر وخمسة عشر يوما؛ وما زال محكوما عليه حتى قتل الأفضل، فتزايد أمره عمّا كان عليه أيام الأفضل. فلما قبض على وزيره المأمون استبدّ بالأمور، وتصرّف فى سائر أحوال المملكة، وأكثر من الرّكوب، ورتّب لركوبه ثلاثة أيّام من كلّ أسبوع وهى يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الثلاثاء، فإذا لم يتهيّأ له الركوب فى أحد هذه الأيام ركب فى يوم غيره. فكان يمضى أبدا فى يومى الثّلاثاء والسّبت إلى النّزهة فى بستان البعل والتّاج والخمس وجوه وقبة الهواء، من ظاهر القاهرة، أو إلى دار الملك بمصر، أو بالهودج الذى أنشأه بجزيرة مصر التى يقال لها اليوم الروضة.\rوكان يتجوّل فى أيّام النّيل فى القصر بخدمه ويسكن فى اللؤلؤة المطلّة على خليج القاهرة.\rوكان النّاس يوم ركوبه يخرجون من القاهرة ومصر بمعايشهم ويجلسون للنّظر إليه، فيكون كيوم العيد. وصار الناس مدّة أيامه التى استبدّ فيها فى لهو وعيش رغد لكثرة عطائه وعطاء حواشيه وأستاذيه، لا سيّما غلامه بزغش ورفيقه هزار الملوك جوامرد، حتى إنه لا يكاد يوجد فى مصر والقاهرة من يشكو زمانه لبسطهم الرزق بين الناس وتوسّعهم فى العطاء. ثم تنكّد عيش الناس بقيام الرّاهب وكثرة مصادراته، وشره حينئذ الآمر فى أخذ أموال النّاس، فقبحت سيرته، وكثر ظلمه واغتصابه لأملاك كثيرة من أملاك الناس، مع ما فيه من التجرّؤ على سفك الدّماء وارتكاب المحذورات واستحسان القبائح.\rوفى أيّامه ملك الفرنج كثيرا من المعاقل والحصون بسواحل البلاد الشاميّة؛ فملكت عكا فى شعبان سنة سبع وتسعين، وعرقة فى رجب سنة اثنتين وخمسمائة؛ واستولوا على مدينة طرابلس الشام بالسيف فى يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من ذى الحجّة سنة اثنتين","footnotes":"(¬١) يذكر النويرى أن عمره كان أربعا وثلاثين سنة وعشرة أشهر لأنه ولد فى يوم الثلاثاء لليلة خلت من المحرم سنة تسعين وأربعمائة. وهذا أصح مما ذكره المقريزى هنا واتفق معه فيه أبو المحاسن صاحب النجوم الزاهرة. وقد اتفق الجميع على تاريخ مولده.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277116,"book_id":167,"shamela_page_id":824,"part":"3","page_num":130,"sequence_num":824,"body":"فتتيقّنوا أنّ حلاكم (¬١) قد ذكرت له، فتعملوا الحيلة فى فراركم من مصر؛ وإن لم يعرفها فتطمئنوا حينئذ وتعرفوا أنّ القوم فى غفلة. فقالوا: ما يتسع لنا قتل واحد منا ينقص عددنا وما بذاك أمرنا. فقال: أليس هذا من مصلحتنا ومصلحة من تلزمنا طاعته؛ وما دللتكم إلاّ على نفسى. وأسرع بسكّين فذبح بها نفسه فمات، وأخذوا رأسه ورموها فى الليل بين القصرين، وأصبحوا ينظرون ما سبق. فلمّا رئيت الرأس واجتمع النّاس عليها لم يقل أحد إنه عرفها، فحملت إلى الوالى، فأحضر عرفاء الأسواق على أرباب المعايش وأوقفهم عليها فلم يعرفها أحد. فأحضر أصحاب الأرباع بالحارات (¬٢) فلم يعرفوها. ففرح النزاريّة واطمأنّوا بالإقامة فى مصر لقضاء مرادهم.\rوكان الآمر كثير الفرج محبّا للهو؛ فركب فى يوم الثلاثاء الرابع من ذى القعدة يريد (أن) يجئ إلى الهودج (¬٣) الذى بناه بجزيرة مصر لمحبوبته البدريّة؛ ومن العادة فى الركوب أن يشاع فى أرباب الخدم بالموكب جهة قصد الخليفة حتى لا يتفرقوا عنه، فعلم النزاريّة أين يقصد فجاءوا إلى الجزيرة المذكورة ودخلوا فرنا قبالة الطّالع من الجسر إلى البرّ، ودفعوا إلى الفرّان دراهم ليعمل لهم فطيرا بسمن وعسل، فبينما هم فى أكله وإذا بالخليفة الآمر قد عبر من كرسى الجسر بمصر وجاز عليه وقد تفرّق عنه الركابية ومن يصونه بسبب ضيق الجسر. فلمّا طلع من ذا الجسر يريد العبور إلى الجزيرة وثبوا عليه وثبة رجل واحد وضربوه بالسّكاكين، وواحد منهم صار خلفه على كفل الدّابّة وضربه عدّة ضربات.\rفأدركهم الناس وقتلوهم، وكانوا تسعة، وحمل الآمر فى عشارى إلى اللّؤلؤة، وكانت أيام النيل، فمات من يومه؛ وحمل من اللّؤلؤة وهو ميّت إلى القصر (¬٤).","footnotes":"(¬١) الحلية، وجمعها حلى، مثل لحية: الصفة، وقد تضم الحاء. مختار الصحاح.\r(¬٢) فى النجوم الزاهرة: ١٨٥:٥: أصحاب الأرباع والحارات.\r(¬٣) الهودج من متنزهات الفاطميين العجيبة البديعة، بناه الآمر بأحكام الله فى جزيرة الروضة لمحبوبته البدرية بجوار البستان المختار، وكان يتردد عليه كثيرا، وقتل وهو متوجه إليه، وبقى الهودج بعد مقتله متنزها للخلفاء. المواعظ والاعتبار: ٤٨٥:١ - ٤٨٦.\r(¬٤) ذكر المقريزى هنا أن هذا حدث فى يوم الثلاثاء الرابع من ذى القعدة، وذكر النويرى أنه حدث فى يوم الثلاثاء لليلتين خلتا منه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277117,"book_id":167,"shamela_page_id":825,"part":"3","page_num":131,"sequence_num":825,"body":"وخمسمائة (¬١)؛ وملكوا بانياس وجبيل بالأمان لثمان بقين من ذى الحجة منها (¬٢). وملكوا قلعة تبنين فى سنة إحدى عشرة وخمسمائة؛ وتسلموا مدينة صور فى سنة ثمان عشرة وخمسمائة.\rوكثرت المرافعات فى أيامه. واستخدم عدّة من الكتاب الظلمة الأشرار؛ وضمّن اشياء لم تجر العادة بتضمينها، وأخذ رسوما لم تكن فيما تقدّم.\rوعمل دكة عليها خركاة (¬٣) فى بركة الحبش؛ وعمر فى بركة الحبش مكانا سمّاه تنّيس وموضعا آخر سمّاه دمياط. وجدّد قصر القرافة، وعمل تحته مصطبة للصوفيّة، فكان يجلس فى أعلاه ويرقص أهل الطريقة قدّامه، والشمع موقود والمجامر تعبق بالبخور، والأسمطة تمدّ بكلّ صنف لذيذ من الأطعمة والحلوى. وفرّق فى ليلة عند تواجد ابن الجوهرى الواعظ وتمزيق رقعته على من حضر وعلى الفقراء ألف نصفية (¬٤)، ونثر عليهم من الطّاق ألف دينار تخاطفوها.\rوبنى الهودج لمحبوبته العالية البدريّة فى جزيرة الرّوضة. ولهذه البدريّة وابن ميّاح، من بنى عمّها، مع الآمر أحاديث صارت كأحاديث البطّال وشبهها قد ذكرتها عند جزيرة الروضة من هذا الكتاب.\rوكان المنفق فى مطابخه وأسمطته شيء كثير، فكان عدّة ما يذبح له فى كل شهر خمسة آلاف رأس من الضّأن خاصّة، سوى ما يذبح ممّا سوى ذلك، وثمن الرأس منها ثلاثة دنانير.\rوكان أسمر شديد السّمرة؛ يحفظ القرآن، وخطّه ضعيفا. وكانت نفسه تحدّثه","footnotes":"(¬١) يذكر النويرى أن طرابلس سقطت فى أيدى الفرنج سنة ٥٠٣، وهو ينفرد بهذا التحديد بينما يتفق ابن الأثير وابن القلانسى وأبو المحاسن مع المقريزى فى التاريخ الذى ذكر هنا بالمتن.\r(¬٢) ينفرد النويرى أيضا بتأريخ استيلاء الفرنج عليهما فى سنة ٥٠٣.\r(¬٣) الخركاة: الخيمة أو النجع. وكانت الدكة بستانا من أعظم بساتين القاهرة فيما بين أراضى اللوق والمقس، وأنشئت مكانه منظرة للفاطميين تشرف طاقاتها على النيل الأعظم ولا يحول بينها وبين بر الجيزة شيء. المواعظ والاعتبار: ٤٧٩:١ - ٤٨٠، ١٢٠:٢ - ١٢١.\r(¬٤) النصفية وجمعها نصافى قماش من نسيج الكتان والحرير، وهناك أيضا النصافى الحزية، نسبة إلى بلدة حزة قرب إربل، وهى ثياب من القطن الخشن، السلوك: ٦٨:٢، استعانة بما جاء فى بدائع الزهور لابن إياس ومعجم البلدان وبتفسير Dozy:Supp.Dict.ar .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277118,"book_id":167,"shamela_page_id":826,"part":"3","page_num":132,"sequence_num":826,"body":"بالسّفر إلى الشرق والغارة على بغداد، وأعدّ لذلك سروجا مجوّفة القرابيص (¬١) وبطّنها بصفائح من قصدير ليحمل فيها الماء، وعمل لها فما فيه صفارة فإذا دعت الحاجة إلى الماء شرب من الفارس، فكان كلّ سرج منها سبعة أرطال من ماء، وعمل عدة من حجال (¬٢) الخيل من الديباج؛ وقال فى ذلك:\rدع اللّوم عنى، لست منى بموثق … فلا بدّ لى من صدمة المتحقّق\rوأسقى جيادى من فرات ودجلة … وأجمع شمل الدين بعد التفرّق\rومن شعره أيضا:\rأما والذى حجّت إلى ركن بيته … جراهيم ركبان مقلدة شهبا\rلأقتحمنّ الحرب حتّى يقال لى … ملكت زمام الحرب، فاعتزل الحربا\rوينزل روح الله عيسى بن مريم … فيرضى بنا صحبا ونرضى به صحبا\rوكانت وزارة الأفضل بن أمير الجيوش، وكان حاجرا عليه ليس له معه أمر ولا نهى، ولا تعود له كلمة إلى أن قتل، ثم وزر له المأمون محمّد بن فاتك البطائحى، فصار له فى وزارته أمر ونهى، وعادت الأسمطة على ما كانت عليه قديما؛ وكان الأفضل قد نقلها فصارت تعمل أيّام الأعياد والمواسم فى دار الملك بمصر حيث كان يسكن. فلما قتل المأمون استبدّ ولم يستوزر أحدا، ودامت له الدّنيا.\rوقضاته: ابن ذكا النابلسى (¬٣)؛ تم ولى (أبو الفضل الجليس) (¬٤) نعمة بن بشير، فطلب الإقالة؛ فولى بعده الرشيد أبو عبد الله محمد بن قاسم بن زيد الصّقلى، ومات؛ فاستقرّ بعده الجليس نعمة بن بشير النابلسى مرة ثانية؛ ثم صرف بأبى الفتح مسلم بن","footnotes":"(¬١) هكذا وردت فى الأصل. وفى القاموس المحيط القربوس، بالسين المهملة، كحلزون، ولا يسكن إلا فى ضرورة الشعر: حنو السرج؛ وهما قربوسان والجمع قرابيس، والحنو، بكسر الحاء وفتحها، وكل ما فيه اعوجاج من البدن كالضلع، ومن غيره كالقف والحقف، وكل عود معوج. القاموس المحيط.\r(¬٢) الحجل بفتح الحاء وكسرها القيد، وهو الخلخال أيضا.\r(¬٣) يقول النويرى إن الوزير الأفضل بن بدر الجمالى عزله عن القضاء، حين رفع إليه إبراهيم بن حمزة الشاهد أن ابن ذكا أحدث فى مجلس الحكم. نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٤) ما بين القوسين زيادة منقولة من نهاية الأرب: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277119,"book_id":167,"shamela_page_id":827,"part":"3","page_num":133,"sequence_num":827,"body":"الرّسعنى؛ وعزل بأبى الحجّاج يوسف بن أيوب المغربى؛ فلمّا مات استقرّ من بعده أبو عبد الله محمّد بن هبة الله بن ميسّر القيسرانى، وقتل الآمر وهو قاض.\rوكتّاب الإنشاء فى أيّامه: سناء الملك أبو محمّد بن محمّد الزّيدى الحسينى؛ والشيخ الأجل أبو الحسن بن أبى أسامة الحلبى؛ والشيخ تاج الرئاسة أبو القاسم ابن الصّيرفى؛ وابن أبى الدم اليهودىّ.\rوكان نقش خاتمه: الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين (¬١).\rوفى أيّامه نزع السّعر، فبلغ القمح كل إردب بدينار. وكان الناس قد ألفوا الرخاء فى أيام الأفضل والمأمون، وبعد عهدهم بالغلاء، فقلقوا لذلك.\rومن نوادر الآمر أنه عاشر الخلفاء الفاطميين وهو العاشر فى النّسب أيضا، ولم يل عشرة على نسق واحد ليس بينه أخ ولا عمّ ولا ابن عمّ غير الآمر.\rوعرض عليه فصل فى التوحيد من جملته: «وهو المحذّر بقوارع التهديد، من يوم الوعد والوعيد»؛ فقال: إذا حذر من الوعد كما يحذّر من الوعيد، فما الفرق بينهما؟ وأمر أن يقال: «المحذّر بقوارع التهديد من هول يوم الوعيد». واستدرك فى فصل آخر فى ذكر علىّ، ﵁، قوله: «وهو السّابق إلى دعوة رسول الله ﷺ، وإجابته»؛ فقال: إن قوله «السّابق» غير مستقيم، لأنه إن أراد التّخصيص فذلك غير صحيح، إذ كانت خديجة سبقت إلى الإسلام، والسابق منهم جائز أن يكون واحدا وأن يكون جماعة؛ والله تعالى يقول: «وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (¬٢)»؛﴾ وليس فى ذلك دليل على تخصيص واحد بالتقدم على الباقين؛ وذكر مثالا فقال: خيل الحلبة إذا أقبلت منها عشرة لا يخرج فيها واحد عن واحد قيل لها «السّبّق»، وقيل لكلّ واحد منها سابق. وأمر أن يقال: «أول سابق إلى دعوة رسول الله، ﷺ، وإجابته».","footnotes":"(¬١) «قيل إن بعض منجميه كان عرفه أنه يموت مقتولا بالسكاكين، فكان كثيرا ما يلهج بقوله: الآمر المسكين المقتول بالسكين». النجوم الزاهرة: ١٨٥:٥.\r(¬٢) سورة الواقعة: آية: ١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277120,"book_id":167,"shamela_page_id":828,"part":"3","page_num":135,"sequence_num":828,"body":"الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن الأمير\rأبى القاسم محمّد بن المستنصر بالله أبى تميم معدّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277121,"book_id":167,"shamela_page_id":829,"part":"3","page_num":137,"sequence_num":829,"body":"ولد بعسقلان فى المحرّم سنة سبع، وقيل سنة ثمان، وستين وأربعمائة لمّا أخرج المستنصر ابنه أبا القاسم مع بقيّة أولاده فى أيّام الشدة؛ فكان يقال له الأمير عبد المجيد العسقلانى، ابن عمّ مولانا.\rولمّا قتل النّزاريّة الآمر كان كبار غلمانه العادل بزغش وهزار الملوك جوامرد، وينعت بالأفضل، فعمدا إلى الأمير أبى الميميون عبد المجيد، وكان أكبر الجماعة الأقارب سنّا، وقالا: إن الخليفة المنتقل قال قبل وفاته بأسبوع عن نفسه: «المسكين المقتول بالسّكّين؛ وأشار إلى أن الجهة الفلانية حامل منه، وأنّه رأى رؤيا تدلّ أنّها ستلد ولدا ذكرا وهو الخليفة من بعده وأن كفالته للأمير عبد المجيد أبى الميمون. فجلس المذكور كفيلا، ونعت بالحافظ لدين الله، فى يوم الثلاثاء رابع ذى القعدة (¬١) سنة أربع وعشرين وخمسمائة، يوم قتل الآمر بأحكام الله؛ وتقرّر أن يكون هزار الملوك وزيرا، وأن يكون الأمير السعيد (أبو الفتح (¬٢) يانس (الحافظى (¬٢)، متولّى الباب إسفهسلارا. وقرئ سجلّ فى الإيوان بهذا التّقرير والحافظ فى الشّباك جالس؛ تولّى قراءته قاضى القضاة ابن ميسّر على كرسىّ نصب له أمام الحافظ، بحضور أرباب الدّولة.\rوخلع على هزار الملوك خلع الوزارة، وقد اجتمع فى «بين القصرين» خمسة آلاف فارس وراجل، وفيهم رضوان بن ولخشى، أحد الأمراء المميّزين أرباب الشجاعة، وهو رأس","footnotes":"(¬١) يحدد النويرى تاريخ البيعة بيوم الثلاثاء لليلتين خلتا من ذى القعدة.\r(¬٢) زيد ما بين القوسين فى الموضعين استعانة بما جاء فى النجوم الزاهرة: ٢٤٠:٥. وهو رومى الأصل من مماليك الأفضل بن بدر الجمالى وإليه تنسب حارة اليانسية التى كانت تقع خارج باب زويلة الكبير، وتعرف اليوم باسم درب الأنسية. يقول القلقشندى: وكان يانس يلقب بأمير الجيوش سيف الإسلام، ويعرف بيانس الفاصد لأنه فصد حسن بن الحافظ، وتركه محلول الفصادة حتى مات. واليانسية جماعة كانوا فى زمن العزيز بالله، ومنهم يانس الصقلى؛ وهناك أيضا يانس العزيزى، ونسبة هذه الحارة محتملة لأن تكون لكل منهم. انظر: المواعظ والاعتبار: ١٦:٢ - ١٧؛ صبح الأعشى: ٣؛ ٣٥٩، نهاية الأرب: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277122,"book_id":167,"shamela_page_id":830,"part":"3","page_num":138,"sequence_num":830,"body":"الجمع؛ وفى داخل القاعة بالقصر أيضا جماعة فيهم بزغش وقد شقّ عليه تقدّم هزار الملوك وتقلّده الوزارة؛ فنظر إلى أبى على أحمد بن الأفضل، الملقّب كتيفات، وهو جالس، فقال: يا مولاى الأجل، أنا أشحّ عليك أن تطيل الجلوس حتى يخرج هذا الفاعل الصّانع وزيرا فتخدمه ويسومك المشى فى ركابه؛ اخرج إلى دارك، وإذا قضى الله مضيت منها لهنائه.\rوكان ظاهر هذا القول مكارمة أبى على وباطنه أنّه علم أن أكثر العسكر الواقفين بين القصرين لا يرغبون وزارة هزار الملوك؛ فدبّر أنّهم إذا وقعت أعينهم على أبى علىّ تعلّقوا به وأقاموه وزيرا، فيفسد أمر هزار الملوك. فقام أبو علىّ ليخرج، فمنعه طغج، أحد نوّاب الباب، وكان فطنا ذكيا؛ فقال له بزغش: لم تمنع هذا المولى من الخروج؟ فقال: كيف لا أمنعه من الخروج إلى هذا الجمع ولا يؤمن تعلّق العسكريّة فيقع له ما وقع للآخر. فهزّه بزغش وقال له: دع عنك الفضول. وقام بنفسه وأخرجه إلى آخر دهاليز القصر؛ فما هو إلاّ أن خرج من باب القصر ورآه رضوان بن ولخشى والجماعة، وقد علموا أن هزار الملوك قد خلع عليه للوزارة وأنّه سيخرج إليهم، فتواثبوا إلى أبى علىّ وقالوا هو الوزير بن الوزير بن الوزير. وأراد أن ينفلت منهم واعتذر أنه شرب دواء، فلم يقبل منه؛ وطلب له فى الحال خيمة وبيت صدار، فضربت فى جانب من بين القصرين، وأدخلوه فيها.\rوقام الصّالح وثار العسكر بموافقتهم على وزارته والرّضا به، وصاحوا أن لا سبيل أن يلى علينا هذا الصّانع الفاعل، وأعلنوا بشتمه. فغلقت أبواب القصر كلها واشتدّ الأمر؛ فأحضر ضرغام وأصحابه سلالم وأقاموها إلى طاقات المنظرة، وأطلقوا عليها أميرا يقال له ابن شاهنشاه، فلما أشرف على طاق المنظرة جاء أستاذو الخليفة وأنكروا عليه فعله؛ فقال هذه فتنة تقوم ما تسرّ، فما الذى خلعتم عليه! ويحصل من ذلك على الخليفة من العوامّ وسوء أدب جهّال العسكر ما لا يتلافى؛ وما هذا شيء والله إلاّ نصيحة لمولانا، فإنّنى قد علمت من رأى القوم ما لا علمتم. أخبروا مولانا عنى بهذا.\rفمضى الأستاذون إلى الحافظ وأبلغوه ما قال ابن شاهنشاه وهزار الملوك بين يديه بخلع الوزارة يسمع القول؛ فقال له الحافظ: ها أنت (ذا) تسمع ما يقال. فقال: يا مولانا، أنا فى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277123,"book_id":167,"shamela_page_id":831,"part":"3","page_num":139,"sequence_num":831,"body":"مجلسك ووزارتى بوصية خليفة قبلك، فاتركنى أخرج لهؤلاء الفعلة الصّنعة. فقال:\rلا سبيل لفتح باب القصر فى مثل هذا الوقت، وقد فعلنا فى أمرك ما رتّب لك، وهذه الخلع عليك؛ ولكن قد قال أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب ﵇: لا رأى لمن لا يطاع.\rواشتدّ الأمر وكثر تموير العسكر (¬١). فقيل لابن شاهنشاه: قد أجبتم إلى وزارة أبى علىّ وما نحن له كارهون. فأعاد ذلك على رضوان وأصحابه، فقالوا: قل له يسلم لنا هزار الملوك. فامتنع من ذلك وقد تكاثر القوم على سور القصر وعزموا على طلب المذكور ولا بدّ.\rفقال الحافظ له: قم واحتجب فى مكان عسى ندبّر فى قضيتك أمرا نصرف به هذا الجمع عنا وعنك.\rفنزعت الخلع عنه (¬٢) وأحيط به، فصار إلى مكان قتل فيه قتلة مستورة وألقيت رأسه إلى القوم فسكنوا.\rواستدعى بالخلع لأبى على، فأفيضت عليه فى يوم الأربعاء خامسه، وركب إلى دار الوزارة والجماعة مشاة فى ركابه. فكانت وزارة هزار الملك نصف يوم بغير تصرّف.\rوكان قد اصطفاه الآمر لنفسه هو وبزغش قبل موته بمدّة وردّ له المظالم والنظر فى أحوال الجند، وهو نوع من الوزارة؛ وكان ينعت بالأفضل.\rووقع النّهب فى القاهرة من باب الفتوح إلى باب زويلة، ونهبت القيسارية وكان فيها أكثر ما يملكه أهل القاهرة لأنها كانت مخزنهم، ومذ بنيت لم يكن فيها أمر يكره، فكان هذا أوّل حادث حدث على القاهرة من النّهب والطمع.\rوطيف برأس هزار الملوك على رمح. واستقرّت الوزارة لأبى على أحمد بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالى، وكان يلقّب بكتيفات، فى يوم الخميس سادس","footnotes":"(¬١) مار يمور مورا، والاسم المور: الموج والاضطراب والتحرك. ومنه قول الله تعالى فى سورة الطور: «يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً»﴾. القاموس المحيط.\r(¬٢) فى الأصل: ونزعت الخلع عليه. وهى لا تناسب الحديث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277124,"book_id":167,"shamela_page_id":832,"part":"3","page_num":140,"sequence_num":832,"body":"عشر ذى القعدة (¬١). فأوّل ما بدأ به أنه أحاط بالحافظ وسجنه فى خزانة فيما بين الإيوان وباب العيد (¬٢). ويقال إنّ رضوان بن ولخشى دخل إليه وقيّده؛ فقال له الحافظ: أنت فحل الأمراء. فنعت بذلك.\rوتمكن أبو علىّ واستولى على جميع ما فى القصر من الأموال والذّخائر (¬٣)، وحمل الجميع إلى دار الوزارة بعد أن فرّق أكثر ما كان الآمر جمعه من الغلال فى الناس على سبيل الإنعام.\rوكان السّعر غاليا، يباع القمح بنحو الدّينار كلّ إردب، فأراد أبو على أن يحسّن سمعته، فأمر أن تفتح المخازن وأطلق أكثر ما كان فيها، وكانت مئى ألوف أرادب.\rوردّ على النّاس الأموال التى فضلت فى بيت المال من مال المصادرة التى كان قد أخذها الآمر فى أيّام مباشرة الرّاهب وما كتبت به الخطوط قبل ذلك؛ وكان الذى وجد خمسين ألف دينار. فاستبشر النّاس به وفرحوا فرحا ما ثبتت منه عقولهم، وضجّوا بالدّعاء له فى سائر أعمال الدّيار المصريّة؛ وأعلنوا بذكر معايب الآمر ومثالبه، وأقطع الحجريّة (¬٤) البلاد، وظهر فرح النّاس وابتهاجهم.\rوأكرم بزغش العادل الذى أشار عليه بالخروج من القصر إكراما كثيرا. وكانت قد ضربت ألواح على عدة أملاك فى أيام الآمر فأعيدت إلى أربابها.\rوكان إماميّا متشددا (¬٥)، فالتفّت عليه الإماميّة ولعبوا به حتى أظهر المذهب الإمامى، وتزايد الأمر فيه إلى التأذين فانفعل بهم، وحسّنوا له الدّعوة للقائم المنتظر، فضرب الدّراهم","footnotes":"(¬١) ولقب بالأكمل. النجوم الزاهرة: ٢٣٩:٥؛ نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٢) باب العيد: أحد أبواب القصر الفاطمى الكبير، وأمامه رحبة سميت باسمه، وإنما سمى باب العيد لأن الخليفة كان لا يركب يوم العيد فى موكبه للصلاة إلا من ذلك الباب فى طريقه إلى المصلى خارج باب النصر. ويسمى أيضا باب البيمارستان العتيق. المواعظ والاعتبار: ٤٣٥:١؛ النجوم الزاهرة: ٥٠:٤، ٩٤؛ صبح الأعشى: ٣٤٦:٣.\r(¬٣) وقال: هذا كله مال أبى وجدى. النجوم الزاهرة: ٢٣٩:٥. وقد تقدم فى حديث مقتل الأفضل أن الآمر نقل أموال وزيره الأفضل المقتول إلى قصر الخلافة بمعاونة الوزير المأمون البطائحى.\r(¬٤) الحجرية: صبيان الحجر وهم جماعة من الشباب يناهزون خمسة آلاف يقيمون فى حجر منفردة لكل منها اسم يخصها، ومتى طلبوا لمهم لم يجدوا عائقا. صبح الأعشى ٤٧٧:٣.\r(¬٥) يقول أبو المحاسن: إنه كان سنيا كأبيه، وأظهر التمسك بالإمام المنتظر فى آخر الزمان فجعل الدعاء فى الخطبة له وغير قواعد الرافضة. النجوم الزاهرة: ٢٣٩:٥. وهى عبارة يناقض شقها الأول بقيتها، فأهل السنة لا ينتظرون الإمام المنتظر فى آخر الزمان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277125,"book_id":167,"shamela_page_id":833,"part":"3","page_num":141,"sequence_num":833,"body":"باسمه ونقش عليها: الله الصمد الإمام محمّد. وخطب بنفسه فى يوم الجمعة، وكان أكثر خلق الله تخلّفا وأقلّهم علما، فغلط فى الخطبة غلطة فاحشة صحّفها فلم ينكر عليه أحد.\rواشتدّ ضرره على أهل القصر من الإرعاد والإبراق، وأكثر من إزعاجهم والتّفتيش على ولد الآمر وعلى يانس، صاحب الباب، وعلى صبيان الخاصّ الآمرية. وأراد أن يخلع الحافظ ويقتله بمن قتله الآمر من إخوته. وكان الآمر لمّا احتاط على موجود الأفضل بعد قتله بلغه عن أولاد الأفضل كلام فى حقّه يستقبح ذكره، فأقام عليهم الحجّة عند ما مثلوا بحضرته، وقال: أبوكم الأفضل غلامى ولا مال له. فسفه عليه أحدهم؛ فغضب وقتلهم.\rفأراد أبو على بتفتيشه على الحمل الّذى ذكر أنه من الآمر أن يظفر به ليقتله بإخوته؛ فلم يظهر الحمل، ولا قدر أيضا على قتل الحافظ ولا خلعه، فاعتقله كما تقدّم، وخطب للقائم المنتظر تمويها. فنفرت قلوب أهل الدّولة منه، وقامت نفوسهم منه. وتعصّب قوم من الأجناد من خاصّ الخليفة، بترتيب يانس لهم، وتحالفوا سرّا على قتله، وكانوا أربعين رجلا، وصاروا يرتقبون فرصة ينتهزونها.\rوفيها قبض على جعفر بن عبد المنعم بن أبى قيراط وعلى أبى يعقوب ابراهيم السّامرى، ونهب الجند دورهما؛ وحبسا فى حبس المعونة، ثم أخرجا ميتين (¬١).","footnotes":"(¬١) وهما الكاتبان اللذان عينهما الآمر بأحكام الله فى ديوان استخراج الزكاة والمكوس عقب اعتقال المأمون البطائحى الوزير، وأولهما مسلم والآخر يهودى وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. ودار المعونة المشار إليها داران إحداهما بالفسطاط والأخرى بالقاهرة. واسم الدار مأخوذ من ظروف إنشائها إذ أنها بنيت فى الأصل على زمن قيس بن سعد ابن عبادة الأنصارى بمعونة المسلمين لينزلها ولا تهم، ثم جعلت دارا للشرطة، ثم حولت فى زمن العزيز بالله إلى سجن عرف باسم حبس المعونة. وعند ما تولى صلاح الدين الأيوبى شئون مصر حولها إلى مدرسة للشافعية. وأصبحت تعرف على زمن المقريزى باسم المدرسة الشريفية. وحبس المعونة بالقاهرة كان يسجن فيه أرباب الجرائم من السراق وقطاع الطريق ونحوهم فى عصر الفاطميين، وكان سجنا ضيقا شنيعا يشم بالقرب منه روائح كريهة. أما الأمراء والأعيان فكانوا يسجنون بخزانة البنود. المواعظ والاعتبار: ٤٦٣:١، ١٨٧:٢، ١٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277126,"book_id":167,"shamela_page_id":834,"part":"3","page_num":142,"sequence_num":834,"body":"سنة خمس وعشرين وخمسمائة (¬١)\rفيها رتّب أبو علىّ بن الأفضل فى الحكم أربعة قضاة، فصار كلّ قاض يحكم بمذهبه ويورّث بمذهبه؛ فكان قاضى الشافعيّة سلطان بن إبراهيم بن المسلم بن رشا (¬٢)، وقاضى المالكية أبو عبد الله محمّد بن أبى محمّد عبد المولى بن أبى عبد الله محمد بن عبد الله اللبنى المغربى، وقاضى الإسماعيليّة أبو الفضائل هبة الله بن عبد الله بن حسن بن محمّد القاضى فخر الأمناء الأنصارى المعروف بابن الأزرق، وقاضى الإماميّة القاضى المفضّل أبو القاسم ابن هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن أبى كامل. ولم يسمع بمثله هنا فى الملّة الإسلاميّة قبل ذلك.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الرابع من ديسمبر سنة ١١٣٠.\r(¬٢) أبو الفتح المقدسى الشافعى، قال عنه السلفى إنه من أفقه الفقهاء بمصر، عليه تفقه أكثرهم. وقال الذهبى أخذ عن نصر المقدسى وسمع من أبى بكر الخطيب. وقال الإسنوى برع فى المذهب ودخل مصر بعد السبعين (من عمره) وروى عن السلفى وغيره. وتوفى وعمره ست وسبعون سنة، فى سنة ثمان عشرة أو تسع عشرة وخمسمائة فى قول الذهبى، وهو غير مقبول لأنه تولى القضاء الشافعى فى مصر سنة خمس وعشرين. وقال ابن نقطة توفى سنة خمس وثلاثين. وهذا أقرب. شذرات الذهب: ٥٨:٤ - ٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277127,"book_id":167,"shamela_page_id":835,"part":"3","page_num":143,"sequence_num":835,"body":"سنة ست وعشرين وخمسمائة (¬١)\rفى يوم الثلاثاء سادس عشر المحرّم ركب أبو على أحمد بن الأفضل إلى رأس الطابية ليعرّق فرسا فى الميدان بالبستان الكبير خارج باب الفتوح من القاهرة، وللعب بالكرة (¬٢) على عادته؛ فجاء وهو هناك عشرة من صبيان الخاص الّذين تحالفوا على قتله متى ظفروا به جميعا أو فرادى، فصاح أبو على، عادة من يسابق بخيل: راحت، فقال العشرة: عليك، وحملوا عليه وطعنوه حتى قتل. فأدركه أستاذ من أستاذيه وألقى نفسه عليه فقتلوه معه.\rواجتمع الأربعون عنانا واحدا وجاءوا إلى القصر وفيهم يانس، وكان مستوحشا من أبى على، فأخرجوا الحافظ من الخزانة التى كان معتقلا بها، وفكّوا عنه القيد وأجلسوه فى الشباك على منصة الخلافة، وقالوا: ما حرّكنا على هذا إلاّ الأمير يانس. فاجتمع الناس، وأخذ له العهد على أنّه ولىّ عهد كفيل لمن لم يذكر اسمه (¬٣).\rونهب فى هذا اليوم كثير من الأسواق والدّور والحوانيت؛ وصار ذلك عادة مستقرة وشيئا معهودا فى كل فتنة.\rوحمل رأس أبى على إلى القصر. وكان قد أسقط منذ أقامه الجند ذكر إسماعيل بن جعفر الصّادق الذى تنسب إليه الطائفة الإسماعيليّة. وأزال من الأذان قولهم فيه: «حىّ على خير العمل، محمد وعلىّ خير البشر»؛ وأسقط ذكر الحافظ من الخطبة؛ واخترع لنفسه دعاء يدعى به على المنابر وهو: «السّيد الأجلّ الأفضل، سيّد ممالك أرباب","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث والعشرين من ديسمبر سنة ١١٣١.\r(¬٢) من ألعاب الفروسية، وهى اللعبة المعروفة الآن بلعبة البولو Polo . وكان يقام لها احتفال خاص يخرج فيه الخليفة أو الأمير فى موكب رسمى. ومن أدواتها الكوجان أو الصولجان وهو المحجن الذى تضرب به الكرة، وهو عصا مدهونة برأسها خشبة معقوفة. وكانت عادة السلطان - زمن المماليك - أن يركب للعب بالكرة بعد وفاء النيل ثلاثة مواكب متوالية فى كل سبت يخرج أول النهار من باب الإصطبل وينزل إلى قصوره، ومعه الأمراء على منازلهم، ثم يركب للعب بعد صلاة الظهر، ثم ينزل ليستريح ويستمر الأمراء فى اللعب إلى أذان العصر. ثم يعود بعد صلاة العصر إلى قصره. صبح الأعشى: ٤٧:٤، ٤٥٨:٥؛ المواعظ والاعتبار: ١٩٧:٢؛. Dozy:Supp.Dict.Ar . .\r(¬٣) كانت البيعة الأولى عقب مقتل الآمر بيعة بولاية العهد على أن يكون كفيلا للحمل الذى ذكر الآمر أنه يتوقعه. أما هذه المرة فكانت البيعة بالخلافة أصالة. الكامل: ٢٤٠:١٠؛ نهاية الأرب: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277128,"book_id":167,"shamela_page_id":836,"part":"3","page_num":144,"sequence_num":836,"body":"الدّول، المحامى عن حوزة الدّين، وناشر جناح العدل على المسلمين، الأقربين والأبعدين، ناصر إمام الحقّ فى حالى غيبته وحضوره، والقائم فى نصرته بماضى سيفه وصائب رأيه وتدبيره، أمين الله على عباده، وهادى القضاة إلى اتباع شرع الحقّ واعتماده، ومرشد دعاته المؤمنين إلى واضح بيانه وإرشاده، مولى النّعم، رافع الجور عن الأمم، مالك فضيلتى السيف والقلم؛ أبو على أحمد بن السّيّد الأجلّ الأفضل أبى القاسم شاهنشاه أمير الجيوش».\rوكانت مدّة تحكمه سنة وشهرا وعشرة أيّام (¬١)؛ ثم حمل بعد قتله ودفن بتربة أمير الجيوش (¬٢)، ظاهر باب النصر.\rوخلع على السّعيد أبى الفتح يانس الأرمنى، صاحب الباب، خلع الوزارة؛ وكان من غلمان الأفضل بن أمير الجيوش العقلاء، وله هيبة، وعنده تماسك فى الأمور وحفظ للقوانين.\rفهدأت الدّهماء وصلحت الأحوال؛ واستقرّت الخلافة للحافظ؛ وحمل جميع ما كان قد نقل إلى دار الوزارة من الأموال والآلات وأعيد إلى القصر.\rولم يحدث يانس شيئا؛ إلاّ أنّه تخوّف من صبيان الخاصّ، وحدثته نفسه أنهم قد جسروا على الملوك، وأنه ربّما غضبوا منه ففعلوا به ما فعلوه بغيره؛ وأحسّوا منه بذلك فتفرّقوا عنه.\rفلمّا تأكدت الوحشة بينهم وبينه ركب فى خاصّته وغلمانه وأركب العسكر، والتقوا قبالة باب التّبّانين (¬٣) بين القصرين، فقتل منهم ما يزيد عن ثلاثمائة فارس من أعيانهم، فيهم قتلة أبى على أحمد بن الأفضل. وكانوا نحو خمسمائة فارس، فكسر شوكتهم وأضعفهم فلم يبق منهم من يؤبه له ولا يعتدّ به، فقوى أمر يانس وعظم شأنه.\rوكانت له فى النفوس مكانة، فثقل على الحافظ وتخيّل منه، فأحسّ بذلك، وصار","footnotes":"(¬١) صحة هذا كما ذكر النويرى: سنة وشهران وثلاثة عشر يوما. ذلك أن الحافظ تولى الخلافة فى الثانى، أو الرابع، من ذى القعدة سنة أربع وعشرين، كما تقدم، وتولى الأكمل الوزارة بعد ذلك بيومين وبقى فيها إلى يوم مقتله فى سادس عشر المحرم من هذه السنة.\r(¬٢) كانت تربة أمير الجيوش بدر الجمالى أول تربة أنشئت بمقابر باب النصر، خارج الباب، فى المنطقة التى كانت تعرف برأس الطابية. المواعظ والاعتبار: ٤٦٣:٢.\r(¬٣) باب التبانين من أبواب القصر الفاطمى الغربى، مكانه زمن المقريزى باب قبو الخرنشف (الخرنفش)، وفى موضعه بنيت دار العلم الجديدة. المواعظ والاعتبار: ٤٥٨:١؛ صبح الأعشى: ٣٥٨:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277129,"book_id":167,"shamela_page_id":837,"part":"3","page_num":145,"sequence_num":837,"body":"كلّ منهما يدبّر على الآخر. فبدأ الوزير يانس بحاشية الخليفة، فقبض على قاضى القضاة وداعى الدّعاة أبى الفخر صالح بن عبد الله بن رجاء وأبى الفتوح بن قادوس فقتلهما.\rوبلغه شيء يكرهه عن أستاذ من خاصّ الخليفة، فقبض عليه من غير مشاورة الحافظ، واعتقله بخزانة البنود، وضرب عنقه من ليلته. فاستبدّت الوحشة بينه وبين الحافظ، وخشى من زيادة معناه، فقال (الحافظ) (¬١) لطبيبه: اكفنى أمره بمأكل أو مشرب. فأبى الطبيب ذلك خوفا من سوء العاقبة. ويقال إنّ الحافظ توصّل إلى أن سمّ يانس فى ماء المستراح، فانفتح دبره واتّسع حتى ما بقى يقدر على الجلوس (¬٢). فقال الطبيب: يا أمير المؤمنين، قد أمكنت الفرصة وبلغت مقصودك، فلو أنّ مولانا عاده فى هذه المرضة اكتسبت حسن الأحدوثة؛ وهذا المرض ليس دواؤه إلاّ السّكون ولا شيء أضرّ عليه من الحركة والانزعاج، وهو كما يسمع بقصد مولانا تحرّك واهتمّ بلقائه وانزعج، وفى ذلك تلاف نفسه. فقبل ذلك وجاء لعيادته. فلمّا رآه يانس قام للقائه وخرج عن فراشه؛ فأطال الحافظ جلوسه عنده ومحادثته، فلم يقم حتى سقطت أمعاؤه، ومات من ليلته، فى سادس عشرى ذى الحجّة.\rوكانت وزارته تسعة أشهر وأيّاما. وترك ولدين كفلهما الحافظ.\rوكان يانس هذا قد أهداه باديس (¬٣) جدّ عبّاس الوزير - الآتى ذكره إن شاء الله تعالى - إلى الأفضل بن أمير الجيوش فترقى فى الخدم إلى أن تأمّر وتقدّم وولى الباب، وهى أعظم رتب الأمراء، وكنى بأبى الفتح ولقب بالسّعيد؛ ثم نعت فى وزارته بناصر الجيوش سيف الإسلام. وكان عظيم الهمّة بعيد الغور، كثير الشرّ، شديد الهيبة.","footnotes":"(¬١) زيد ما بين القوسين للتوضيح.\r(¬٢) يقول ابن الأثير: وضع له خادمه فى بيت الطهارة ماء مسموما، فاغتسل به، فوقع الدود فى سفله، وقيل له متى قمت من مكانك هلكت. فكان يعالج بأن يجعل اللحم الطرى فى المحل فيتعلق به الدود فيخرج، فيجعل عوضه لحم آخر حتى قارب الشفاء، ثم زاره الحافظ … إلخ. ويروى النويرى مثل هذا. الكامل: ٢٤٠:١٠؛ نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٣) باديس: أبو المناد، بن المنصور بن يوسف بن بلكين بن زيرى، صاحب إفريقية على زمن الحاكم بأمر الله نيابة عنه، تولى أمر إفريقية بين سنتى ٣٨٦ - ٤٠٦ (٩٩٦ - ١٠١٥). ومن هذا يتبين أنه يتعسر قبول ما ذكره المؤلف من أن باديس هذا أهدى يانس الأرمنى المذكور إلى الأفضل بن أمير الجيوش بدر الجمالى. وفيات الأعيان: ٨٦:١ - ٨٧؛ معجم الأنساب؛ Mohammadan Dynasties .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277130,"book_id":167,"shamela_page_id":838,"part":"3","page_num":146,"sequence_num":838,"body":"وفيها استقرّت حال الحافظ لدين الله وبويع له بيعة ثانية لمّا عمل الحمل. قال الشريف محمد بن أسعد الجوانى: رأيت صغيرا فى القرافة الكبرى، ويسمى قفيفة، سألت عنه، قيل هذا ولد الآمر: لما ولّى الحافظ ولىّ عهده من يولد، استولى على الأمر، وولد هذا الولد فكتم حاله، وأخرج فى قفّة على وجهها سلق وكرّات، وستر أمره إلى أن ركب بعد ذلك ووشى به فأخذ وقتل.\rولمّا تمكّن الحافظ قرئ سجلّ بإمامته، وركب من باب العيد إلى باب الذهب بزىّ الخلفاء، فى ثالث ربيع الأول؛ ورفع عن النّاس بواقى مكس الغلّة.\rوأمر بأن يدعى له على المنابر بهذا الدّعاء، وهو: «اللهم صلّ على الذى شيّدت به الدين بعد أن رام الأعداء دثوره، وأعززت الإسلام بأن جعلت طلوعه على الأمّة وظهوره، وجعلته آية لمن تدبّر الحقائق بباطن البصيرة، مولانا وسيّدنا، وإمام عصرنا وزماننا، عبد المجيد أبى الميمون، وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين، صلاة دائمة إلى يوم الدين».\rوفيها صرف أبو عبد الله محمّد بن هبة الله بن ميسّر عن قضاء القضاة، فى أول ربيع الأوّل، وقرّر مكانه سراج الدّين أبو الثّريا نجم بن جعفر، وأضيفت إليه الدّعوة، فقيل له قاضى القضاة وداعى الدّعاة، وذلك وقت العشاء الآخرة من ليلة الخميس لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة (¬١).\rولمّا مات يانس تولّى الحافظ الأمر بنفسه ولم يستوزر أحدا وأحسن السّيرة.\rويقال إن يانس لمّا قتل القاضى أبا الفخر سلّم الحكم إلى سراج الدّين أبى الثّريا نجم بن جعفر.\rوفيها جهّز الحافظ الأمير المنتضى أبا الفوارس وثّاب بن مسافر الغنوىّ رسولا فى الرابع من ذى القعدة بجواب شمس الملوك (¬٢)، صاحب دمشق، وأصحبه الخلع السّنيّة وأسفاط","footnotes":"(¬١) وقتل فى ذى القعدة سنة ثمان وعشرين. نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٢) شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك بورى بن سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين، صاحب دمشق بين سنتى ٥٢٦ - ٥٢٩ (١١٣٢ - ١١٣٤)، تولى أمر دمشق بعد وفاة والده تاج الملوك متأثرا بالجراح التى أصابه بها الباطنية فى سنة ٥٢٥، وبقى شمس الملوك حتى دبرت أمه مقتله فى سنة ٥٢٩ حين اتهمه أمراؤه وأعوانه بأنه كان يدبر لتسليم دمشق إلى عماد الدين زنكى الذى كان يحاول الاستيلاء عليها. يقول ابن القلانسى فى ذلك: «فلم تجد لدائه دواء ولا لسقمه شفاء -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277131,"book_id":167,"shamela_page_id":839,"part":"3","page_num":147,"sequence_num":839,"body":"الثياب والخيل المسوّمة ومالا متوفّرا. فوصل إلى دمشق وتلقّى أحسن تلقّ (¬١)، وقبلت الألطاف منه، وقرئ كتابه. وأقام إلى أن اعيد من القابلة (¬٢).\rوفيها خرج أبو عبد الله الحسين بن نزار بن المستنصر، وكان قد توجّه إلى المغرب مستخفيا وجمع هناك جموعا كثيرة وعاد. فبعث الحافظ إلى مقدّمى عسكره يستميلهم.\rفلمّا وصل دير الزجاج والحمّام (¬٣) اغتالوه وقتلوه فانفضّ جمعه.","footnotes":"= - إلا بالراحة منه وحسم أسباب الفساد المتزايد عنه … فصرفت الهمة إلى مناجزته، وارتقبت الفرصة فى خلوته، إلى أن تسهل الأمر المطلوب عند خلوته من غلمانه وسلاحيته، فأمرت غلمانها بقتله وترك الإمهال له غير راحمة له ولا متألمة لفقده … وأوعزت بإخراجه حين قتل وإلقائه فى موضع من الدار ليشاهده غلمانه. وكل سر بمصرعه وابتهج بالراحة منه، وبالغ فى شكر الله تعالى على ما سهله فيه، وأكثر الدعاء لها والثناء عليها». ذيل تاريخ دمشق: ٢٤٥ - ٢٤٧. ويلاحظ أن ابن القلانسى دمشقى معاصر لهذه الأحداث. انظر أيضا: الكامل: ٧:١١ - ٨.\r(¬١) فى الأصل: وتلقى أحسن ملقى.\r(¬٢) لم أجد لهذه البعثة ذكرا فى غيره من المراجع. وقد سبق أن أرسل الآمر هذا المبعوث إلى دمشق وإلى الموصل، سنة ٥٢٠، فأدى رسالة دمشق ثم عاد، إذ بلغه أن آق سنقر البرسقى قد توفى مقتولا بأيدى الباطنية. راجع ما تقدم فى أخبار سنة ٥٢٠ وفى تعليقاتها.\r(¬٣) فى المغرب للبكرى: ٨٥ - ٨٦ تحديد لمسار السفن من طرابلس إلى الإسكندرية وفيه عند الاقتراب من مرسى السلوم إلى رأس العوسج إلى الكنائس إلى الشقر إلى بوصير إلى ميناء «الزجاج» إلى ميناء الأندلسيين إلى ميناء الإسكندرية. الحمام بتشديد الميم: موضع بين الإسكندرية وإفريقية. القاموس المحيط. معجم البلدان: ٣٣٤:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277132,"book_id":167,"shamela_page_id":840,"part":"3","page_num":148,"sequence_num":840,"body":"سنة سبع وعشرين وخمسمائة (¬١)\rفيها حشد جماعة من العبيد بالأعمال الشرقية، فخرج إليهم عسكر كانت بينهم وبينه حروب.\rوفيها سلّم الحافظ أمر الدّيوان إلى الشريف معتمد الدولة على بن جعفر بن غسّان، المعروف بابن العسّاف، وصرف يوحنا بن أبى اللّيث لأشياء نقمها عليه، وسعوا فيه عنده بأنه كان سببا فيما عمله أبو على أحمد بن الأفضل من تفريق ما فرّقه من الأموال لأهله وأقاربه. واستخدم الحافظ أيضا أخا معتمد الدّولة فى نقابة الأشراف (¬٢) وجعله جليسا؛ وكان عنده أدب ومعرفة بعلم الفلك، وكان الحافظ يحب هذا العلم.\rوفيها قبض على ابن عبد الكريم، تربية الآمر، فوجد له ثلاثمائة وستّون منديلا مذهبة، وعلى مثالها ثلاثمائة وستون بذلة مذهبة؛ فكان يلبس كل يوم بذلة. وكل منديل، وهى العمامة، على مسمار فضة. ووجد له خمسمائة نرجسية ذهبا وفضة؛ ومائتا صندوق فيها ثياب ملونات؛ ومائة حسكة ذهبا وفضة؛ ومن الجوهر ما يعجز عن وصفه.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى عشر من نوفمبر سنة ١١٣٢.\r(¬٢) نقابة الأشراف هيئة رسمية أنشأها الفاطميون لرعاية شئون العلويين، وكان يتولى رئاستها واحد من كبار شيوخهم وأبرزهم مكانة، يسهر على التحقق من صحة أنسابهم وإثباتها ورعاية مصالحهم وعيادة مرضاهم والسير فى جنائزهم. وكانت تعرف من قبل باسم نقابة الطالبيين. ولهذه المؤسسة نظير فى الجانب الشرقى من البلاد الإسلامية فى ظل العباسيين. النجوم الزاهرة فى مواضع متفرقة؛ وكذلك المواعظ والاعتبار؛ الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية لمحمد عبد الله عنان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277133,"book_id":167,"shamela_page_id":841,"part":"3","page_num":149,"sequence_num":841,"body":"سنة ثمان وعشرين وخمسمائة (¬١)\rفيها عهد الحافظ إلى ولده سليمان، وكان أسنّ أولاده وأحبّهم إليه، وأقامه ليسدّ مكان الوزير ويستريح من مقاساة الوزراء وجفائهم عليه ومضايقتهم إياه فى أوامره ونواهيه، فمات بعد ولاية العهد بشهرين، فحزن عليه مدّة. ثمّ جعل ابنه حيدرة ولىّ عهده ونصبه للنّظر فى المظالم، فشقّ ذلك على أخيه حسن لأنه كان يروم ذلك لكثرة أمواله وتلاده وحواشيه وموكبه، بحيث كان له ديوان مفرد. وما زالت عقارب العداوة تدبّ بينهما حتى وقعت الفتنة بين الطائفة الجيوشية والطائفة الرّيحانيّة (¬٢)، وكانت شوكة الرّيحانية قوية والجند يشنئونهم خوفا منهم فاشتعلت نيران الحرب بين الفريقين؛ وصاح الجند: يا حسن يا منصور، يا للحسنيّة.\rوالتقى العسكران؛ فقتل بينهما ما يزيد على خمسة آلاف رجل (¬٣). فكانت أوّل مصيبة نزلت بالدولة من فقد رجالها ونقص عدد عساكرها؛ ولم يسلم من الرّيحانيّة إلاّ من ألقى نفسه فى بحر النيل من ناحية المقس (¬٤). واستظهر حسن وصار الأمر إليه، فانضمّ له أوباش العسكر وزعّارهم (¬٥)، وفرّق فيهم الزّرد وسمّاهم صبيان الزّرد، وصاروا لا يفارقونه ويحفّون به إذا ركب، ويلازمون داره إذا نزل.\rفقامت قيامة النّاس، وقبض على ابن العساف وقتله واختفى منه الحافظ وحيدرة؛","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها أول نوفمبر سنة ١١٣٣.\r(¬٢) تنسب الطائفة الجيوشية إلى أمير الجيوش بدر الجمالى أما الريحانية فلعلها تنسب إلى عزيز الدولة ريحان القائد الذى تولى إخماد ثورة بنى قرة فى البجيرة أيام المستنصر، فنال حظوة الخليفة وقرب إليه جماعة من المغاربة وزاد فى أعطياتهم. وهناك حارة من حارات القاهرة عرفت باسم حارة الريحانية نسبة إلى هذه الطائفة العسكرية، ثم سكنها بهاء الدين قراقوش من رجال صلاح الدين الأيوبى فأصبحت تعرف باسم حارة بهاء الدين. المواعظ والاعتبار: ٢:٢؛ النجوم الزاهرة: ٣٨:٤، ٤٥؛ الفاطميون فى مصر: ٢١٠ - ٢١١.\r(¬٣) يذكر النويرى أن القتلى كانوا نحو عشرة آلاف. ويبدو أن تعليق المقريزى هنا بأن هذه كانت أول مصيبة نزلت بالدولة «من فقد رجالها ونقص عدد عساكرها» غير دقيق، ذلك أن فتنا كثيرة حدثت زمن المستنصر بين الأتراك والكتاميين، واشترك السودانيون فى بعضها، ثم جاء بدر الجمالى الأرمنى بجنوده فقضى على كثير من الجند والقادة الذين خشى إفسادهم وإضرارهم.\r(¬٤) وكانت هذه المعركة فى الخامس من رمضان من هذه السنة. نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٥) الزعارة بتشديد الزاى المفتوحة شراسة الخلق، ولا فعل له، والزعرور كعصفور السيئ الخلق، والعامة تقول رجل زعر وفيه زعارة. مختار الصحاح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277134,"book_id":167,"shamela_page_id":842,"part":"3","page_num":150,"sequence_num":842,"body":"وجد فى طلب حيدرة. وهتك بالأوباش الذين اختارهم حرمة القصر وخرق ناموسه من كونه نغّص على أبيه وأخيه، وصاروا يحسّنون له كلّ رذيلة، ويحرّونه (¬١) على أذى الناس.\rفأخذ الحافظ فى تلافى الأمر مع حسن لينصلح؛ وعهد إليه بالخلافة فى يوم الخميس لأربع بقين من شهر رمضان، وأركبه بالشعار، ونعت بولى عهد المؤمنين. وكتب له بذلك سجلاّ قرئ على المنابر، فكان يقال على المنابر: «اللهم شيّد ببقاء ولى عهد المؤمنين أركان خلافته، وذلّل سيوف الاقتدار فى نصره وكفايته، وأعنه على مصالح بلاده ورعيته، واجمع شمله به وبكافّة السّادة إخوته، الّذين أطلعتهم فى سماء مملكته بدورا لا يغيرها المحاق، وقمعت ببأسهم كلّ مرتدّ من أهل الشّقاق والنفاق، وشددت بهم أزر الإمامة، وجعلت الخلافة فيهم إلى يوم القيامة».\rفلم يزده ذلك إلاّ شرّا وتعدّيا؛ فضيّق على أبيه وبالغ فى مضرّته. فسير الحافظ وفىّ الدولة إسحاق، أحد الأستاذين المحنّكين، إلى الصّعيد ليجمع ما قدر عليه من الرّيحانية فمضى واستصرخ على حسن، وجمع من الأمم ما لا يعلمه إلا الله؛ وسار بهم. فبلغ ذلك حسنا، فجهز إليه عسكرا عرمرما وخرج؛ فالتقى الجمعان. وهبّت ريح سوداء فى وجوه الواصلين، وركبهم عسكر حسن، فلم يفلت منهم إلا القليل، وغرق أكثرهم فى البحر وقتلوا؛ وأخذ الأستاذ إسحاق وأدخل إلى القاهرة على جمل برأسه طرطور لبد أحمر. فلما وصل بين القصرين رمى بالنّشاب حتى مات، ورمى إليهم من القصر الغربىّ أستاذ آخر فقتلوه، وقتل الأمير شرف الأمراء.\rفلما اشتد الأمر على الحافظ عمل حيلة وكتب ورقة ورماها إلى ولده حسن، فيها:\r«يا ولدى، أنت على كلّ حال ولدى، ولو عمل كلّ منا لصاحبه ما يكره الآخر ما أراد أن يصيبه مكروه. ولا يحملنى قلبى، وقد انتهى الأمر إلىّ أن أمراء الدولة فلانا وفلانا - وسمّاهم له - وأنك قد شدّدت وطأتك عليهم وخافوك، وأنهم معوّلون على الفتك بك؛ فخذ حذرك يا ولدى».","footnotes":"(¬١) فى الأصل: يحروه بتشديد الراء. حر الماء حرا: أسخنه، والحرير من تداخلته حرارة الغيظ كالمحرور. القاموس المحيط. ولعله استعمله بالصيغة العامية التى تستعمل فى أيامنا هذه بمعنى التحريض والإثارة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277135,"book_id":167,"shamela_page_id":843,"part":"3","page_num":151,"sequence_num":843,"body":"فلمّا وقف حسن على الورقة قامت قيامته. فلمّا اجتمع أولئك الأمراء فى داره للسّلام عليه أمر صبيان الزّرد الذين اختارهم وصار يثق بهم فقتلوهم بأجمعهم، وأخذ ما فى دورهم.\rفاشتدّت مصيبة الدّولة بفقد من قتل من الأمراء الذين كانوا أركان الدّولة، وهم أصحاب الرأى والمعرفة، فوهت واختلّت لقلّة الرّجال وعدم الكفاة.\rومن حين قتل حسن الأمراء تخوّفه باقى الجند ونفرت نفوسهم منه فإنه كان جريئا عنيفا بحّاثا عن الناس يريد إقلاب الدّولة وتغييرها لتقدّم أصحابه، فأكثر من مصادرة الناس، وقتل سراج الدين أبا الثريا نجما فى يوم الخميس ثامن شوال. وكان أبو الثريا فى أوّل أمره خاملا فى الناس، ثم سمع قوله فى العدالة أيّام الآمر. فلمّا قبض أحمد بن الأفضل على أبى الفخر وسجنه عنده بدار الوزارة، وقد كان الداعى أيام الآمر، طلب من يكون داعيا، فاستخدم نجما هذا داعيا ولم يقف على ما كان عنده من الدّهاء. فلمّا كان فى وزارة يانس جمع إليه الحكم مع الدّعوة؛ فلمّا مات يانس وانفرد الحافظ بالأمر بعده حظى نجم عنده ورقّاه إلى أعلى المراتب، وصار يدبّر الدولة. وحسّن عنده نصرة طائفة الإسماعيلية والانتقام ممّن كان يؤذيهم فى أيام أحمد بن الأفضل، فتأذّى بهذا خلق كثير، وأثبت طائفة سمّاهم المؤمنين وجعل لهم زماما قتله حسن بن الحافظ. ولما قتل الشريف بن العباس وأخذ نجم يعادى أمراء الدّولة ورؤساءها ولا ينظر فى عاقبة - وكانوا قد حسدوه على قربه من الحافظ وتمكنه منه ومطاوعته له بحيث لا يعمل شيئا إلا برأيه - فلمّا تمكّن حسن بن الحافظ أغروه به فقتله وقتل معه جماعة. وردّ القضاء لابن ميسّر وخلع عليه فى يوم الخميس ثانى ذى القعدة.\rوفيها مات القاضى المكين أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسين بن حديد بن حمدون الكنانى قاضى الإسكندرية بثغر رشيد، وقد عاد من القاهرة فى جمادى الآخرة؛ ومولده ستة اثنتين وستين وأربعمائة. وكانت له مدة فى القضاء؛ وهو الذى كان سببا فى اغتيال أبى الصلت أمية الأندلس. وقد ذكره السلفى وأثنى عليه، ورثى بعدة قصائد.\rوفيها مات أبو عبد الله الحسين بن أبى الفضل بن الحسين الزاهد النّاطق بالحكم، المعروف بابن بشرى الجوهرى، الواعظ ابن الواعظ ابن الواعظ ابن الواعظ، فى جمادى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277136,"book_id":167,"shamela_page_id":844,"part":"3","page_num":152,"sequence_num":844,"body":"الأولى. وكان حلو الوعظ، إلاّ أنه تعرّض فى آخر عمره لما لا يعنيه، فنفاه الحافظ إلى دمياط؛ وذلك أن الآمر لمّا مات ترك جارية حاملا، فقام الحافظ بعده فى الخلافة على أن يكون كفيلا للحمل حتى يكبر، فاتّفق أنّه ولد وخافت أمّه عليه من الحافظ، فجعلته فى قفّة من خوص وجعلت فوقه بصلا وكرّاثا وجزرا حتى لا يفطن به، وبعثته فى قماطه تحت الحوائج فى القفّة إلى القرافة، وأدخل به إلى مسجد أبى تراب الصوّاف (¬١)، وأرضعته المرضعة، وخفى أمره عن الحافظ حتى كبر، وكان يعرف بين الصبيان بقفيفة.\rفلمّا حان نفعه نمّ عليه ابن الجوهرى هذا إلى الحافظ، فأخذ الصبىّ وفصده، فمات، وخلع على ابن الجوهرى ثم نفاه إلى دمياط فمات بها.","footnotes":"(¬١) مسجد أبى تراب فى رحبة أبى تراب بين الخرنشف وحارة برجوان. يقول المقريزى: «ويزعم العامة ومن لا خلاق له أن به قبر أبى تراب النخشبى، وهذا أقبح الكذب لأن أبا تراب النخشبى، وهو عسكر بن حصين، صحب حاتما الأصم وغيره، وقد مات بالبادية، نهشته السباع سنة خمس وأربعين ومائتين قبل بناء القاهرة بنحو مائة وثلاث سنين». ويروى «أن شخصا حفر فى هذا الموقع ليبنى دارا فظهرت له شرافات، فما زال يتابع الحفر حتى ظهر هذا المسجد فقال الناس هذا أبو تراب من حينئذ. ويؤيد هذا أنى أدركت هذا المسجد محفوفا بالكيمان من جهاته وهو نازل فى الأرض ينزل إليه بنحو عشر درج» … ثم يقول: «وأنا قرأت على بابه رخامة منقوشة بالخط الكوفى تتضمن أن هذا قبر أبى تراب حيدرة بن المستنصر بالله أحد الخلفاء الفاطميين». اهـ. المواعظ والاعتبار: ٤٩:٢ - ٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277137,"book_id":167,"shamela_page_id":845,"part":"3","page_num":153,"sequence_num":845,"body":"سنة تسع وعشرين وخمسمائة (¬١)\rفيها عظم أمر حسن بن الحافظ وقويت شوكته، وتأكدت العداوة بينه وبين من بقى من الأمراء والأجناد واشتدّ خوفهم منه، وعزموا على خلع الحافظ من الخلافة وخلع ابنه حسن من ولاية العهد وعزله عن الأمر. فاجتمعوا بين القصرين، وهم نحو العشرة آلاف ما بين فارس وراجل، وبعثوا إلى الحافظ فشكوا ما فيه من ابنه حسن وأرادوا إزالته عنهم.\rفعجز حسن عن مقاومتهم ولم يبق معه سوى الرّاجل من الجيوشية ومن يقول بقولهم من العسكر الغرباء. فتحيّر ولم يجد بدّا من الفرار منهم إلى أبيه، فصار إليه، وكان قد نزل بالقصر الغربى، ففتح سردابا بين القصرين ووصل إلى أبيه بالقصر الشرقىّ من تحت الأرض، وتحصّن بالقصر. فبادر الحافظ بالقبض عليه وقيّده، وأرسل إلى الأمراء يخبرهم بالقبض على حسن؛ فأجمعوا على طلبه ليقتلوه. فبعث إليهم يقبّح مرادهم منه أن يقتل ولده، وأنه قد أزال عنهم أمره، وضمن لهم أنّه لا يتصرّف أبدا؛ ووعدهم بالزّيادة فى الأرزاق والإقطاعات. فلم يقبلوا ذلك، وقالوا: إمّا نحن وإمّا هو. وأحضروا الأحطاب والنيران لإحراق القصر؛ وبالغوا فى الجرأة على الحافظ. فلم يجد من ينتصر به عليهم لأنهم أنصاره وجنده الذين يستطيل بهم على غيرهم، فألجأته الضّرورة إلى أن استمهلهم ثلاثة أيام ليتروى فيما يعمل.\rفرأى أنّه لا ينفكّ من هذه النّازلة العظيمة إلاّ بقتل ابنه لتنحسم المباينة بينه وبين العسكر التى لا يأمن إن استمرّت أن تأتى على نفسه هو، فإنّهم لم يبرحوا من بين القصرين.\rفاستدعى طبيبيه، أبا منصور وابن قرقة، فبدأ بأبى منصور اليهودىّ وفاوضه فى عمل سقية (¬٢) لابنه، فتحرّج من ذلك وأنكر معرفته كلّ الإنكار، وحلف برأس الخليفة وعلى","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى والعشرين من أكتوبر سنة ١١٣٤.\r(¬٢) شراب مسموم. وقد سبق اتهام اليازورى، وزير المستنصر، بهتانا بأنه أعد السقية ليغتال بها الخليفة، فكان هذا من أسباب تخوف الخليفة منه. انظر ما تقدم عن هذا الموضوع بالجزء الثانى من هذا الكتاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277138,"book_id":167,"shamela_page_id":846,"part":"3","page_num":154,"sequence_num":846,"body":"التّوراة أنّه لم يقف قطّ على شيء من هذا (¬١). فتركه وأحضر ابن قرقة، وكان يلى الاستعمالات (¬٢) بدار الدّيباج (¬٣) وخزائن السّلاح (¬٤) والسّروج (¬٥)، وفاوضه فى ذلك؛ فقال: السّاعة، ولا يتقطّع منها الجسد بل تفيض النّفس (¬٦) لا غير. فأحضرها من يومه، وألزم الحافظ ابنه حسنا بمن ندبه من الصّقالبة، فأكرهوه على شربها، فمات فى يوم الثلاثاء ثالث عشرى جمادى الآخرة.\rونقل للقوم سرّا: قد كان ما أردتم فامضوا إلى دوركم. فلم يثقوا بذلك، وقالوا لا بدّ أن يشاهده منّا من نثق به؛ وندبوا منهم امرأ يعرف بالجرأة والصّرّ يقال له المعظم جلال الدولة محمد، ويعرف بجلب راغب الآمرى، فدخل إلى حيث حسن بن","footnotes":"(¬١) وقال: أنا لا أعرف غير النقوع وماء الشعير وما شاكل هذا من الأدوية. الكامل: ٩:١١.\r(¬٢) يبدو أن المقصود بها أنه كان متخصصا فى التركيبات الكيمائية التى كان يحتاج إليها فى دور الديباج والسلاح والسروج، يرشد إلى هذا رواية أبى المحاسن إذ يقول: وكان ابن قرقة خبيرا بالاستعمالات ذكيا. النجوم الزاهرة: ٢٤٢:٥.\r(¬٣) وهى خزانة الكسوة؛ كان فيها من الحواصل من الديباج الملون على اختلاف ضروبه والشراب الخاص الدبيقى والسقلاطون (الملابس الحريرية الملونة بالألوان القرمزية وغيرها) وغير ذلك من أنواع القماش الفاخرة ما يدل على عظم الدولة. وإليها يحمل ما يعمل بدار الطراز بتنيس ودمياط والإسكندرية، وفيها يفصل ما يؤمر به من لباس الخليفة وما يحتاج إليه من الخلع والتشريفات وغيرها. وكان الفاطميون يخرجون من خزانة الكسوة إلى خدمهم وحواشيهم ومن يلوذ بهم كسوات الصيف والشتاء من العمامة إلى السراويل وما دونها وما فوقها؛ وبلغ المنفق فى كسوة الشتاء والصيف فى إحدى المناسبات ستمائة ألف دينار، وكان طراز الذهب والعمامة من خمسمائة دينار. المواعظ والاعتبار: ٤٠٩:١ - ٤١٣؛ صبح الأعشى: ٤٧٢:٣.\r(¬٤) وأصبحت تعرف فى العهد المملوكى ثم العثمانى باسم السلاح خانات، وفيها من أنواع السلاح المختلفة ما لا نظير له: من الزرديات المغشاة بالديباج والجواشن المذهبة والخوذ المحلاة بالذهب والفضة والسيوف العربية والرماح والأسنة والقنطاريات وقسى الرجل وقسى الركاب وقسى اللولب والنبل. وكان الخليفة الفاطمى يدخل خزانة السلاح ويطوف بها قبل جلوسه على السرير ويتأمل حواصلها. وكان يصرف فيها فى كل سنة سبعون ألف دينار إلى ثمانين ألف دينار. صبح الأعشى: ٤٧٣:٣ المواعظ والاعتبار: ٤١٧:١ - ٤١٨.\r(¬٥) وصارت تعرف بعد عهد الفاطميين باسم الركاب الركاب خانات، وكانت قاعة كبيرة بالقصر بها السروج واللجم من الذهب والفضة وسائر آلات الخيل مما يختص بالخليفة، ومنها ما هو قريب من الخاص، وما هو وسط برسم أرباب الرتب العالية، وما هو دون برسم العوارى أيام المواكب لأرباب الخدم وبهذه القاعة مصطبة علوها ذراعان ومجالسها كذلك وعلى تلك المصطبة متكآت مخلصة الجانبين على كل متكأ ثلاثة سروج متطابقة، وكان للمستنصر بها خمسة آلاف سرج يساوى الواحد منها ما بين ألف دينار وسبعة آلاف دينار، ويعمل فيها من الصاغة والخرازين وسائر المستخدمين عدد جم لا يفترون عن العمل. المواعظ والاعتبار: ٤١٨:١؛ صبح الأعشى: ٤٧٣:٣.\r(¬٦) فى الأصل نجد كلمتى «النفس، الروح» مثبتتين دون إلغاء لإحداهما، فأثبتنا الأولى منهما، ترجيحا، استنادا إلى النجوم الزاهرة: ٢٤٣:٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277139,"book_id":167,"shamela_page_id":847,"part":"3","page_num":155,"sequence_num":847,"body":"الحافظ، فإذا هو مسجى بثوب ملاءة، فكشف عن وجهه وأخرج من وسطه سكينا (¬١) وغرزه فى عدّة مواضع من بدنه حتّى تيقّن أنّه ميّت، وانصرف إلى أصحابه وأخبرهم فتفرّقوا (¬٢).\rوكان تاج الدولة بهرام الأرمنىّ قد انفلت من حسن بن الحافظ وولى الغربية؛ فلمّا علم أن النّفوس جميعها من البدو والحضر قد انحرفت عن حسن جمع مقطعى الغربيّة والأرمن والعربان وطلب القاهرة، ويقال كان ذلك بمباطنة من الحافظ، فما وصل إلى القاهرة حتى غابت حشوده فى القرى والضّياع ونهبوها.\rوعند ما وصل إلى القاهرة، يوم الخميس وقت العصر، الحادى عشر من جمادى الآخرة التفّ عليه من بها من الأمراء والأجناد وأبادوا أكثر الجيّوشية والإسكندرانيّة والفرحيّة ومن يقول بقولهم من الغزّ الغرباء (¬٣). ونهب أوباش النّاس ما قدروا عليه.\rولمّا قتل حسن وسكنت الدّهماء قبض الحافظ على الطّبيب ابن قرقة وقتله بخزانة البنود، وارتجع جميع أملاكه وموجوده، وكان يلى الاستعمالات بدار الدّيباج وخزائن السّلاح والسّروج. وأنعم على أبى منصور الطبيب وجعله رئيسا على اليهود وصارت له نعم جليلة.\rوفيها كانت وزارة بهرام الأرمنىّ النّصرانىّ الملقّب تاج الدّولة. وكان السّبب فى ولايته الوزارة أنه جرت فتنة بين الأجناد والسّودان عند ما قتل حسن بن الحافظ قوى فيها السّودان على الأجناد وأخرجوهم من القاهرة، فإنّ السّودان كانوا مع حسن دون الأجناد، فإنّهم","footnotes":"(¬١) فى النجوم الزاهرة: ٢٤٣:٥: وأخرج من وسطه بارشينا.\r(¬٢) يقول النويرى: «فسقاه أبوه سما، فمات، وجعله على سرير، وأمر الأمراء بمشاهدته، فدخلوا عليه ورأوه فسكنوا؛. نهاية الأرب: ٢٨. ويقول ابن الأثير: «فجرحوا أسافل رجليه فلم يجر منها دم فعلموا موته». الكامل: ٨:١١ - ٩. وكان الشعراء قد هجوا الأمير حسن بن الحافظ لظلمه وسفكه الدماء فمن ذلك ما قاله المعتمد بن الأنصارى:\rلم تأت يا حسن بين الورى حسنا … ولم تر الحق فى دنيا ولا دين\rقتل النفوس بلا جرم ولا سبب … والجور فى أخذ أموال المساكين\rلقد جمعت بلا علم ولا أدب … تيه الملوك وأخلاق المجانين\rالكامل: ٩:١١.\r(¬٣) يقول النويرى: إن بهرام كان والى الغربية وإنه سار عنها مجدا إلى أن وصل القاهرة وحاصرها يوما واحدا ودخلها. نهاية الأرب: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277140,"book_id":167,"shamela_page_id":848,"part":"3","page_num":156,"sequence_num":848,"body":"الذين حملوا أباه الحافظ على قتله. وقدم بهرام بالحشد كما تقدّم، فوجد حسنا قد مات، فمسكه الأجناد بظاهر القاهرة وأدخلوه على الحافظ لدين الله فى يوم الخميس، بعد العصر، الحادى عشر من جمادى الآخرة، لتولية الوزارة؛ فخلع عليه فى يوم الأحد، رابع عشره، ثم خلع عليه ثانيا يوم الخميس ثامن عشره، خلع الوزارة، ونعت بسيف الإسلام تاج الخلافة (¬١)، وهو نصرانىّ، مع كراهة الحافظ لذلك، لتسكن الفتنة، ولم يردّ إليه شيئا من الأمور الشرعيّة. فلم يدخل فى مشكل لأنّه كان عاقلا سيوسا حسن التدبير.\rوتقدّم كثير من حواشى الحافظ إليه ينكرون عليه ولاية بهرام مع كونه نصرانيا، وقالوا: لا يرضى المسلمون بهذا، ومن شرط الوزير أن يرقى مع الإمام المنبر فى الأعياد ليزرّر عليه المزرّرة الحاجزة بينه وبين النّاس، والقضاة نوّاب الوزير من زمن أمير الجيوش، ويذكرون دائما النيابة عنه فى الكتب الحكميّة النافذة إلى الآفاق وكتب الأنكحة. فقال: إذا رضينا نحن فمن يخالفنا؛ وهو وزير السيف؛ وأمّا صعود المنبر فيستنيب عنه قاضى القضاة؛ وأمّا ذكره فى الكتب الحكميّة فلا حاجة إلى ذلك ويفعل فيها ما كان يفعل قبل أمير الجيوش.\rفشقّ على الناس وزارته، وتطاول النّصارى فى أيّامه على المسلمين. وكان هو قد أحسن السّيرة وساس الرعيّة، وأدّى الطاعة للخليفة، وأنفق فى الجند جملة من الأموال، ودبّر الأمور فاستقامت له الأحوال، وراسله الملوك، وزال ما كان فى البلد من الفتن؛ فلم ينكر عليه سوى أنّه نصرانىّ.\rوكان يقعد يوم الجمعة عن الصّلاة فلا يحضر، بل يعدل إلى دكّان بمفرده حتى يصلّى الخليفة بالناس. وأقبل الأرمن يردون إلى القاهرة ومصر من كلّ جهة حتى صار بها منهم عالم عظيم. ووصل إليه ابن أخيه، وكان يعرف بالسّبع الأحمر، فكثر القيل والقال؛ وأطلق أسيرا من الفرنج كان من أكابرهم، فأنكر النّاس ذلك ورفعوا فيه النّصائح للحافظ، وأكثروا من الإنكار.","footnotes":"(¬١) فى نهاية الأرب: تاج الملوك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277141,"book_id":167,"shamela_page_id":849,"part":"3","page_num":157,"sequence_num":849,"body":"وكان رضوان بن ولخشى حينئذ صاحب الباب، وهو شجاع كاتب، فبلغ بهرام أنّه يهزأ به فى قوله وفعله، فثقل عليه وأخذ يعمل على إخراجه من القاهرة، وولّى أخاه الباساك قوص (¬١)\rوفيها توفّى الأديب أبو نصر ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله الجروى الجذامى الإسكندرانىّ، المعروف بالحدّاد (¬٢). بمصر.","footnotes":"(¬١) كانت ولاية قوص أعظم ولايات مصر زمن الفاطميين وواليها يحكم جميع بلاد الصعيد، يليها فى الأهمية الولايات الثلاث الرئيسية وهى الشرقية، والغربية، والإسكندرية. ويدخل تحت هذه الولايات الأربع الولايات الصغار. صبح الأعشى: ٣٩٦:٣ - ٣٩٨، ٤٩٣ - ٤٩٤.\r(¬٢) يكنيه ابن خلكان بأبى المنصور ويقول: له ديوان شعر أكثره جيد ومدح جماعة من المصريين وروى عنه الحافظ أبو طاهر السلفى. ويذكر من شعره:\rرحلوا، فلولا أننى … أرجو الإياب قضيت نحبى\rوالله ما فارقتهم … لكننى فارقت قلبى\rومن شعره أيضا فى كرسى النسخ:\rانظر بعينك فى بديع صنائعى … وعجيب تركيبى وحكمة صانعى\rفكأننى كفا محب شبكت … يوم الفراق أصابعا بأصابعى\rوفيات الأعيان: ٢٤١:١ - ٢٤٣؛ خريدة القصر للعماد الأصفهانى: قسم شعراء مصر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277142,"book_id":167,"shamela_page_id":850,"part":"3","page_num":158,"sequence_num":850,"body":"سنة ثلاثين وخمسمائة (¬١)\rفيها أخرج بهرام الأمير رضوان بن ولخشى من القاهرة لولاية عسقلان؛ وقيل بل كان خروجه فى سلخ رجب من السّنة الماضية. فلمّا وصل إليها وجد فيها جماعة من الأرمن قد وصلوا فى البحر يريدون القاهرة، فناكدهم ومنع كثيرا منهم؛ فبلغ ذلك الوزير بهرام، فشقّ عليه، وصرفه عن عسقلان واستدعاه؛ فقدم إلى القاهرة. وشكره الناس على منعه الأرمن من الوصول إلى القاهرة، فلم يطق بهرام إقامته معه، فولاه الغربيّة فى صفر إبعادا له عنه.\rوفيها ملك رجار بن رجار ملك صقليّة جربة (¬٢)؛ ونازل طرابلس الغرب فانهزم عنها (¬٣)","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى عشر من أكتوبر سنة ١١٣٥.\r(¬٢) جربة: بفتح الجيم وكسرها، جزيرة بالمغرب بالقرب من قابس فيها بساتين كثيرة وزيتون، وهى كثيرة الذهب، بينها وبين البر الكبير مجاز. معجم البلدان: ٧٤:٣؛ المغرب: ١٩، ٨٥. يقول ابن الأثير: وكان أهلها قد طغوا فلا يدخلون تحت طاعة سلطان، فخرج إليها جمع من الفرنج أهل صقلية فى أسطول كبير فيه من مشهورى فرسان الفرنج جماعة، فنزلوا بساحتها فقاتلهم أهلها قتالا شديدا حتى قتل منهم بشر كثير، فانهزموا أمام الفرنج الذين ملكوها وغنموا أموالها وسبوا حريمها ونساءها وأطفالها، وهلك أكثر رجالها، ومن بقى منهم أخذوا لأنفسهم أمانا من صاحب صقلية وافتكوا أسراهم. الكامل: ١٢:١١.\r(¬٣) بهامش الأصل: بياض أسطر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277143,"book_id":167,"shamela_page_id":851,"part":"3","page_num":159,"sequence_num":851,"body":"سنة احدى وثلاثين وخمسمائة (¬١)\rفيها تكاثر حضور أقارب بهرام وإخوته، وأهله وقومه؛ ومجيئهم من ناحية تلّ باشر (¬٢) وكانوا مقيمين بها، ولهم فيها كبير منهم يتولّى أمرهم؛ وقدموا أيضا بلاد الأرمن، حتى صار منهم بديار مصر نحو الثلاثين ألف إنسان. فعظم ضررهم بالمسلمين وكثرت استطالتهم، واشتدّ جورهم، وتظاهروا بدين النّصرانيّة، وأكثروا من بناء الكنائس والدّيارات، وصار كلّ رئيس منهم يبنى له كنيسة بجوار داره.\rوتفاقم الأمر. فخاف الناس منهم أن يغيّروا الملّة الإسلامية ويغلبوا على البلاد فيردّوها دار كفر؛ فتتابعوا فى الشكاية من أهل بهرام وأقاربه.\rووردت الأخبار من قوص بأن الباساك، أخا بهرام (¬٣)، قد جار على النّاس واستباح أموالهم، وبالغ فى أذيّتهم وظلمهم، فاشتدّ ذلك على النّاس، وعظم على الأمراء ما نزل بالمسلمين؛ فبعثوا إلى أبى الفتح رضوان بن ولخشى - وكان مقدّما فيهم لكثرة نعوته بفحل الأمراء وهو يومئذ يتولى الغربيّة - يشكون إليه ما حلّ بالمسلمين ويستحثّونه على المصير وإنقاذهم مما نزل بهم.\rفلمّا وصلت إليه كتب الأمراء تشمّر لطلب الوزارة، ورقى المنبر خطيبا بنفسه فخطب خطبة بليغة حرّض فيها النّاس على الجهاد فى سبيل الله والاجتماع لقتال بهرام وشيعته النّصارى من الأرمن. وكان حينئذ بمدينة سخا (¬٤)، ثم نزل وحشد الناس من العربان وغيرهم حتى استجاب له نحو من ثلاثين ألفا، فأخرج لهم كتب الخليفة الحافظ إليه","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها التاسع والعشرين من سبتمبر سنة ١١٣٦.\r(¬٢) حصن وكورة غربى الفرات شمال حلب، ويقدر ياقوت المسافة بينهما بيومين، وأهلها من النصارى الأرمن. معجم البلدان: ٤٠٢:٢.\r(¬٣) وإليه تنسب المنية التى تقع بالقرب من أطفيح. نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٤) كورة بمصر، من إقليم الغربية، فتحها خارجة بن حذيفة تحت قيادة عمرو بن العاص. ومن علمائها الحافظ محمد شمس الدين السخاوى صاحب الضوء اللامع فى أعيان القرن التاسع. معجم الأدباء: ٤٦:٥ - ٤٧؛ المواعظ والاعتبار: ٧٠:١؛ الخطط التوفيقية: ١٢:١٢ - ١٨؛ قوانين الدواوين: ١٤٧، ٢٠٥، ٢١٢، ٢١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277144,"book_id":167,"shamela_page_id":852,"part":"3","page_num":160,"sequence_num":852,"body":"بالتقدّم بالمسير ونزع الوزارة من يد بهرام إذ تبيّن أنه ليس من أهل الملّة. وسار بهم إلى دجوة (¬١)، وبهرام لا ينزعج.\rفلمّا قرب رضوان جمع بهرام الأرمن إليه وقال لهم: اعلموا أنّنا قوم غرباء لم نزل نخدم هذه الدّولة؛ والآن فقد كثر بغضهم لأيّامنا، وما كنت بالذى أكون عبد قوم وأخدمهم من حال الصّبا فلمّا بلغنى الكبر أقاتلهم؛ لاضربت فى وجوههم بسيف أبدا. سيروا.\rوأخذ أمراء الدّولة وعساكرها يخرجون شيئا بعد شيء إلى رضوان.\rواجتمع بهرام بالخليفة وفاوضه فى أمره؛ فقال تحلّبنى الإسلام عليك (¬٢). فأيس حينئذ، وجمع الأرمن، وكانوا كلّهم منقادين إليه لا يخالفونه فى شيء من الأشياء، وسار بهم نحو بلاد الصّعيد يريد أخاه الباساك بقوص، قاصدا أنّه يجتمع به ويمضون إلى أسوان فيتملكونهما ويتقوّون بالنوبة أهل دينهم (¬٣). وقد ذكر أنّ بهرام خرج يريد محاربة رضوان فى عساكر مصر.\rفلمّا وصل بعسكر القاهرة إلى رضوان رأوا المصاحف قد رفعها رضوان فوق الرّماح، فصاروا بأجمعهم إلى رضوان باتفاق كان بينهم وبينه من قبل ذلك؛ فعاد بهرام إلى القاهرة وأخذ ما خفّ حمله، وخرج من باب البرقية يوم الأربعاء، وقت العصر، حادى عشر جمادى الأولى، وسار يريد الصّعيد وقد أوسق المراكب بما يحتاج إليه. فعند ما رحل اقتحم رعاع النّاس وأوباشهم إلى دار الوزارة فنهبوها وهتكوا حرمتها، وعملوا كلّ مكروه؛ فكان هذا أوّل نهب وقع فى دار الوزارة. وامتدّت الأيدى إلى دور الأرمن التى","footnotes":"(¬١) الضبط من قوانين الدواوين وهى من أعمال إقليم الشرقية، ومن ملحقاتها كياد، ويضبطها ياقوت بضم الدال. معجم البلدان: ٤١:٤؛ قوانين الدواوين: ١٣٢، ١٧١، ١٧٢.\r(¬٢) فى القاموس المحيط: حلب القوم حلبا وحلوبا اجتمعوا من كل وجه، والحلبة خيل تجتمع للنصرة.\r(¬٣) عبارة الأصل: ويمضون إلى أسوان فيملكوها ويتقووا بالنوبة أهل دينهم.\rويقول النويرى: وتجمع الأرمن حول بهرام، فراسل الخليفة الحافظ وقال: أنا ألقاهم بمن معى - يعنى بذلك قدرته على مواجهة رضوان بالأرمن - فخاف الحافظ عاقبة ذلك وأمره أن يتوجه إلى قوص ويقيم عند أخيه الباساك - واليها - إلى حين يدبر أمرا. نهاية الأرب: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277145,"book_id":167,"shamela_page_id":853,"part":"3","page_num":161,"sequence_num":853,"body":"كانوا قد عمروها بالحسينية خارج باب الفتوح (¬١)، فنهبوها، ونهبوا كنيسة الزهرى (¬٢)، ونبشوا قبر البطرك، أخى بهرام.\rوطار خبر انهزام بهرام فى سائر إقليم مصر، فوصل الخبر بذلك إلى قوص قبل وصول بهرام، فثار المسلمون بها على الباساك وقتلوه ومثّلوا به، وجعلوا فى رجله كلبا ميّتا، وألقوه على مزبلة. فلمّا كان بعد قتله بيومين قدم بهرام فى طائفة الأرمن، وهم نحو الألفى فارس، رماة، فرأى أخاه على المزبلة كما ذكر، فقتل جماعة من أهل قوص ونهبها.\rوسار عنها إلى أسوان، فنزل بالأديرة البيض، وهى أماكن حصينة فى غربىّ أخميم، فتفرّق عنه عدّة من الأرمن وساروا يريدون بلادهم.\rوأما رضوان فإنّه لمّا وصل إلى القاهرة وقف بين القصرين، واستأذن الحافظ فيما يفعله، فأشار بنزوله فى دار الوزارة، فنزلها، وخلع عليه خلع الوزارة يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى، ونعت بالسيد الأجل الملك الأفضل. فاستدعى بالأموال من الخليفة، وأنفق فى الجند، ومهّد الأمر. ورضوان أوّل وزير لقب بالملك.\rفلمّا كان فى اليوم الثالث من استقراره فى الوزارة سيّر أخاه الأوحد إبراهيم ومعه العسكر شرقا وغربا، والأسطول بحرا، فى طلب بهرام، وبيده أمان له ليعود مكرّما وطائفته على إقطاعاتهم. فسار إلى الأديرة، وتقرّر الحال من غير قتال على إقامة بهرام بها؛ وذلك أنّ أسوان امتنعت عليه بكنز الدّولة (¬٣) وأهلها، فاضطرّ إلى الإقامة بالأديرة وقد فارقه","footnotes":"(¬١) الحسينية: خارج باب الفتوح وكانت على زمن الفاطميين ثمانى حارات إحداها حارة الريحانية التى عرفت فيما بعد باسم حارة بهاء الدين، وقد سكن الحسينية من هؤلاء الأرمن نحو سبعة آلاف، ثم سكنها جماعة من الأشراف أيام الملك الكامل الأيوبى فعرفت باسمهم، وينفى المقريزى هذا استنادا إلى أن عهد الحاكم شهد كثيرا من الطوائف ومنها طائفة الحسينية. صبح الأعشى: ٣٥٥:٣ - ٣٥٦؛ المواعظ والاعتبار: ٢٠:٢ - ٢٢.\r(¬٢) كنيسة الزهرى كانت فى بر الخليج الغربى، غربى اللوق، فى الموضع الذى عرف باسم البركة الناصرية بجوار حكر آق بغا ما بين السبع سقايات وقنطرة السد، وقد هدمت هذه الكنيسة سنة ٧٢٠، زمن الملك الناصر محمد بن قلاون الذى أنشأ البركة الناصرية إلى جوارها. المواعظ والاعتبار: ٥١٢:٢ - ٥١٣؛ السلوك ٢١٦:٢، ٢١٩.\r(¬٣) كنز الدولة لقب منح أول مرة أيام الحاكم بأمر الله، لأمير أسوان أبى المكارم هبة الله بعد انتصاره على أبى ركوة الخارج حينئذ على الحاكم وإخماد ثورته. ثم أصبح هذا اللقب وراثيا فى أسرة أبى المكارم بعد ذلك. انظر كتاب الروضتين فى أخبار الدولتين ٥٣١:١؛ كتاب العبر: ٥٨:٤ - ٥٩، ٢٨٨:٥. وانظر كذلك الجزء الثانى من هذا الكتاب، فى أخبار الحاكم بأمر الله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277146,"book_id":167,"shamela_page_id":854,"part":"3","page_num":162,"sequence_num":854,"body":"أكثر الأرمن، فمنهم من سار إلى بلاده ومنهم من أقام بأرض مصر ليكونوا فلاحين، فسأل لهم مواضع يسكنونها، فأفردت لهم جهات، منها سمالوط (¬١) وإبوان (¬٢) وأقلوسنا (¬٣) والبرجين (¬٤) فى صعيد مصر، وضيعة أخرى بأعمال المحلة. وأقام بهرام بالأديرة البيض ومعه أهله وولده.\rوفيها صرف أبو عبد الله محمّد بن ميسّر عن قضاء القضاة فى يوم الأحد لسبع خلون من المحرّم، والوزير إذ ذاك بهرام، ونفى إلى تنيس، فأقام بها إلى يوم الاثنين ثانى ربيع الأوّل، وقتل. وهو من قيساريّة، وقدم منها مع أبيه وهو صغير فى وزارة أمير الجيوش بدر الجمالى عند حضوره إلى المستنصر فى سنى الشدّة، وبعثه إلى البلاد الشاميّة لإحضار أرباب الأموال واليسار؛ وكان من جملة من أحضر والد القاضى، وكان له مال جزيل، ففوّض إليه خطابة الجامع بمصر؛ وفتح دار وكالة، وأقام بها مدّة حتى مات. فترقّى ولده إلى أن ولى القضاء عدّة مرار؛ وكان له أفضال ومكارم، وحصلت له وجاهة ورتبة جليلة، وضرب دنانير كثيرة كان اقترحها على الخليفة الآمر (¬٥). وهو الذى أخرج الفستق الملبّس بالحلوى، فإنّه بلغه أنّ أبا بكر محمّد بن علىّ المادرائى عمل الكعك الذى يقال له افطن له، وعمل عوضا من حشو السّكر دنانير، فلمّا مدّ السّماط فى يوم العيد قال أحد الخدّام لصديق له كان على السّماط: افطن له؛ ففهم عنه وتناول من ذلك، وصار يخرج الذّهب من فمه ويخفيه حتى تنبّه الناس لذلك، فتناولوا بأجمعهم منه. فأرادوا القاضى ابن ميسّر","footnotes":"(¬١) سمالوط وسملوط، من مدن الصعيد، تقع غربى النيل، على بعد نحو خمسة وعشرين كيلومترا إلى الشمال من مدينة المنيا. معجم البلدان: ١٢٨:٥؛ قوانين الدواوين: ١٥١، ١٧٠.\r(¬٢) إبوان: قرية بالصعيد الأدنى غربى النيل، وتعرف بإبوان عطية. وهناك إبوان أخرى بالقرب من البهنسا، وثالثة بالقرب من دمياط والأخيرة غير مقصودة هنا. معجم البلدان: ٩٣:١؛ قوانين الدواوين: ١٠٤، ١٠٥.\r(¬٣) بالهمزة وبغيرها من أعمال الصعيد، وتكتب بالصاد أيضا، تتبع الآن مركز بنى مزار بمحافظة المنيا. معجم البلدان: ١٥٣:٧؛ قوانين الدواوين: ١٧٠؛ الخطط التوفيقية: ١١٤:١٤.\r(¬٤) من أعمال الجيزة. قوانين الدواوين: ١٠٢.\r(¬٥) كان الإشراف على دار الضرب يسند إلى قاضى القضاة زمن الفاطميين تعظيما لشأنها، وينص على إسنادها إليه فى جملة ما يسند إليه من وظائف القاضى واختصاصاته، وللقاضى أن ينيب عنه فى مباشرة شئون دار الضرب من يختاره من نواب الحكم (نواب القاضى). وبقى الأمر على ذلك بعد زمن الفاطميين، ثم أصبحت دار الضرب تحت إشراف ناظر الخاص بعد إلغاء الوزارة. المواعظ والاعتبار: ٤٠٦:١ - ٤٠٧؛ صبح الأعشى: ٤٦٢:٣؛ قوانين الدواوين: ٣٣١ - ٣٣٣. وتجد فى صبح الأعشى حديثا مفصلا عن سك النقود الذهبية والفضية والنحاسية: ٤٦١:٣ - ٤٦٤؛ وفى قوانين الدواوين، فى الصفحات المشار إليها هنا، طريقة سك النقود وضبطها واعتمادها. وفى صبح الأعشى: ٣٨٤:١٠ وثيقة تولية الحسن ابن النعمان القضاء ودار الضرب والعيار والجوامع والمساجد على زمن الحاكم بأمر الله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277147,"book_id":167,"shamela_page_id":855,"part":"3","page_num":163,"sequence_num":855,"body":"أن يتشبه بأبى بكر المادرائى فى ذلك، فعمل صحنا منه لكن جعل فستقا قد لبّس حلوى وذلك الفستق من ذهب، وأباحه أهل مجلسه؛ ولم يقدر على عمل ذلك سوى مرة واحدة.\rثم إنه لما تناهت مدّته عاداه رجل يعرف بابن الزّعفرانى، فنمّ عليه عند الحافظ بأن أحمد بن الأفضل لمّا كان قد اعتقل الحافظ وجلس للهناء ودخل عليه الشعراء كان فيهم على بن عبّاد الإسكندرى، وأنه أنشد قصيدة يذمّ فيه خلفاء مصر ويذكر سوء اعتقادهم، منها فى ذمّ الحافظ:\rهذا سليمانكم قد ردّ خاتمه … واسترجع الملك من صخر بن إبليس\rفعند ما قال هذا البيت قام ابن ميسّر وألقى عرضيته طربا بهذا البيت. فأمر الحافظ بإحضار هذا الشاعر، وقال: أنشدنى قصيدتك: فأنشدها إلى أن بلغ فيها إلى قوله:\r«ولا ترضوا عن الخمس المناحيس». يعنى الحافظ وابنيه وأباه وجدّه؛ فأمر الغلمان بلكمه، فلكموه حتى مات بين يديه. وقبض على ابن ميسّر ونفى ثم قتل. وكان ينعت بجلال الملك؛ وكانت علامته «الحمد لله على نعمه».\rوفيها مات أبو البركات بن بشرى الواعظ المعروف بابن الجوهرى فى جمادى الأولى عن إحدى وتسعين سنة.\rوفيها ولى قضاء القضاة أحمد بن عبد الرحمن بن محمّد بن أبى عقيل، ونعت بقاضى القضاة الأعزّ أبى المكارم.\rوفيها ثار بناحية برقة رجل من بنى سليم وادّعى النّبوّة، فاستجاب له خلق كثير، وأملى عليهم قرآنا منه: إنّما النّاس بالنّاس ولولا النّاس لم يكن النّاس، والجميع ربّ النّاس. ثم تلاشى أمره وانحلّ عنه النّاس.\rوفيها جلس الوزير رضوان فى ذى القعدة لاستخدام المسلمين فى المناصب الّتى كانت بأيدى النّصارى. واستجدّ ديوان الجهاد (¬١)، واهتمّ بتقوية الثغور واستعدّ لتعمير عسقلان","footnotes":"(¬١) فى صبح الأعشى: ٤٩٢:٣ يعرف القلقشندى بديوان الجهاد فيقول: وهو أيضا ديوان العمائر، وكان محله بالصناعة (دار الصناعة) فى مصر، وفيه إنشاء المراكب للأسطول وحمل الغلال السلطانية والأحطاب وغيرها، ومنه ينفق على رؤساء المراكب ورجالها، وإذا لم يف ارتفاقه بما يحتاج إليه استدعى له من بيت المال بما يكفيه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277148,"book_id":167,"shamela_page_id":856,"part":"3","page_num":164,"sequence_num":856,"body":"بالعدد والآلات، وأشاع الخروج إلى الشام لغزو الفرنج، وأظهر من الاعتناء بذلك ما لا يوصف. وكان قد مهّد الأمور، وأعاد النّاس إلى ما كانوا عليه من الطمأنينة بحسن سيرته، وكثرة عدله وعمارته البلاد، وقوّة نفسه وشجاعته. وأحضر جميع الدّواوين وكتبها ورتّبها، ورتب الأمور أحسن تدبير.\rوكان من جملة الضّمّان فى أموال الدّولة هبة الله بن عبد المحسن الشّاعر؛ فلمّا عرض حسابه وجد قد انكسر عليه مال فى ضمانه، فكتب له فى المجلس:\rأنا شاعر وصناعتى الأدب (¬١) … وضمان مثلى المال لا يجب\rأنا مستميحكم، وليس على … من جاء يطلب رفدكم طلب\rوإذا (¬٢) الباقى علىّ فما … من حاصل، ورق ولا ذهب\rفسامحه فيما عليه من الباقى.\rوفيها أحضر من الصّعيد الأعلى فى رمضان جماعة تقدمهم رجل بجاوىّ يدّعى فيه أصحابه أنّه إله، فصلبوا.","footnotes":"(¬١) فى الأصل: وصنعتى الأدب.\r(¬٢) بياض بالأصل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277149,"book_id":167,"shamela_page_id":857,"part":"3","page_num":165,"sequence_num":857,"body":"سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة (¬١)\rفيها أفرج الوزير رضوان عن شمس الخلافة مختار الأفضلى، صاحب باب بهرام، من الاعتقال وولاه الإسكندرية.\rفيها تشدّد رضوان على النّصارى من أصحاب بهرام وصادرهم، وقتلهم بالسيف، وأباد أكثرهم. وتطلّع إلى تقديم أرباب المعارف من أرباب السيوف والأقلام، وأحسن إليهم، وزاد فى أرزاقهم.\rووجد نصرانيّا قد توصّل فى أيّام بهرام إلى ديوان النّظر (¬٢)، يعرف بالأخرم، وبذل فى كل يوم ألف دينار سوى المؤن والغرامات؛ فآذى المسلمين وشق عليهم، فصرفه رضوان واستخدم بدله رجلا يقال له المرتضى المحنّك بغير ضمان.\rوتقدّم إلى ديوان الإنشاء بانشاء سجلّ فى الوضع من النّصارى واليهود؛ فأنشأه أبو القاسم ابن الصّيرفى، منعوا فيه من إرخاء الذّوائب وركوب البغلات ولبس الطّيالسة، وأمر النّصارى بشدّ الزنانير المخالفة لألوان ثيابهم، وألاّ يجوزوا على معابد المسلمين ركبانا؛ فما رئى فى أيّامه يهودىّ ولا نصرانىّ يجوز على الجامع راكبا، لكنّه ينزل ويقود دابّته.\rوأمر أن يؤخذ الجزية من فوق مساطب وهم وقوف أسفلها. ومنعهم من التكنى بأبى الحسن وأبى الحسين وأبى الطّاهر، وأن يبيّضوا قبورهم. وضمّن ذلك كلّه السّجلّ؛ فعمل به.\rوفيها نزع السّعر لتوقف النيل (¬٣)، فنال النّاس مجاعة؛ فأمر الحافظ بفتح","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها التاسع عشر من سبتمبر سنة ١١٣٧.\r(¬٢) من اختصاصات ديوان النظر الإشراف على أرزاق ذوى الأقلام وغيرهم مياومة ومشاهرة ومسانهة من الرواتب عينا أو غلة من اللحم والخبز والعليق للدواب، ولأكابر ذوى الرواتب السكر والشمع والزيت والكسوة فى كل سنة والأضحية .. الخ، وكان هذا كله يدون فى الاستيمار، أى السجل الحكومى؛ وقد ازدادت أهمية ديوان النظر بعد العصر الفاطمى لتقاصر منصب الوزارة وتوزع اختصاصاتها بين الدواوين المختلفة. السلوك: ٥٣:١: حاشية ٤، ٧٣٨:٢ - ٧٣٩؛ صبح الأعشى: ٤٦٥:٥ - ٤٦٦.\r(¬٣) يقرر أبو المحاسن أن الماء القديم كان خمس أذرع وإصبعا واحدة ومبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. النجوم الزاهرة: ٢٦٣:٥، وهذا يناقض ما ذكر فى المتن هنا من أن سبب ارتفاع الأسعار توقف النيل. ويذكر -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277150,"book_id":167,"shamela_page_id":858,"part":"3","page_num":166,"sequence_num":858,"body":"الأهراء (¬١) والبيع منها على الناس بأوسط الأثمان، فلم يمض الوزير بذلك، وأخذ يهين حواشى الخليفة إذا حضروا إليه ويقدح فى مذهبه، لأنه كان سنيا، وكان أخوه الأوحد إبراهيم إماميّا.\rفلما كثر ذلك منه انزعج الخليفة ولم يظهر تغيّرا، و (أخذ) (¬٢) يعمل فى الخلاص منه؛ فتنافر كلّ منهما من الآخر.\rوكان رضوان خفيفا طائشا لا يثبت، فهمّ بخلع الحافظ وقال ما هو بخليفة ولا إمام، وإنما هو كفيل لغيره، وذلك الغير لم يصحّ. وأحضر الفقيه أبا الطّاهر ابن عوف وابن أبى كامل فقيه الإماميّة وابن سلامة داعى الدّعاة، وفاوضهم فى الخلع واستخلاف شخص عيّنه لهم؛ وألزم كلاّ منهم أن يقول ما عنده. فقال ابن عوف: الخلع لا يجوز إلا بشروط تثبت شرعا. وقال ابن أبى كامل: السلطان، أبقاه الله، يحملنى على أن أتكلّم على غير مذهبى فى الإمامة. قال: لأجل عمل مذهبك؟ فقال: مذهبى معلوم، يعنى أن الإماميّة لا يعتقدون حقّ الخلافة فى بنى إسماعيل بن جعفر، لموته فى حياة أبيه وانتقال الإمامة للحاضر من إخوته، ولأنه لا ينبغى لمن لم تكن له إمامة أن يخلع. فخلص من هذا وقال الدّاعى: أنا داعى ومولى لهم، وما يصحّ لى خلعه، فإنى أصير فيما مضى كأنّى أدعو لغير مستحقّ، فأكون قد كذّبت نفسى فلا أقبل الآن وأستخصم بذلك، ولا يؤثّر قولى فيما تريدون؛ ولم تجر العادة على الفاطميّين بخلع حتى نأتى به.\rفقابله على هذا القول بالسّبّ وإقامته أقبح قيام. فقال الفقيه النحّاس، وكان حاضرا،","footnotes":"= - ابن مماتى أن النيل إذا أوفى ستة عشر ذراعا فقد وجب الخراج، وإذا زاد على ذلك ذراعا زاد الخراج مائة ألف دينار، فإن نقص ذراعا نقص الخراج مائة ألف دينار، ويزيد على ذلك أن الأحوال فى عهده اختلفت لتغير الأحوال. قوانين الدواوين: ٧٦. وفى صبح الأعشى: ٢٩٠:٣ - ٢٩٣ حديث عن تفاوت ارتفاع النيل يشير فيه إلى مقادير الزيادة والنقصان المعتادة والشاذة. ويذكر المقريزى أن عمرو بن العاص كتب إلى ابن الخطاب يذكر أن أقل حد للرى دون خوف القحط اثنا عشر ذراعا وأوسطه ستة عشر ذراعا والنهايتان المخوفتان للقحط أو الاستبحار اثنا عشر ذراعا وثمانية عشر ذراعا. المواعظ والاعتبار: ٥٨:١ - ٥٩.\r(¬١) الأهراء جمع هرى بضم الهاء وسكون الراء، بيت كبير يجمع طعام الخليفة أو السلطان، والمكان الذى تخزن به الغلال والأتبان احتياطا للطوارئ ولها الحماة من الأمراء والمشارفين من العدول، والمراكب واصلة إليها باصناف الغلات إلى ساحل مصر وساحل المقس، ومنها إطلاق الأقوات لأرباب الرتب والخدم والصدقات والجوامع والمساجد والعبيد السودان ورجال الأسطول ودار الضيافة للرسل والوافدين. قوانين الدواوين: ٣٥٠، ٤٥٢؛ المواعظ والاعتبار: ٤٦٤:١ - ٤٦٥.\r(¬٢) زيد ما بين القوسين لأن السياق يقتضيه أو نحوه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277151,"book_id":167,"shamela_page_id":859,"part":"3","page_num":167,"sequence_num":859,"body":"كلّ عظيمة، وحمله على خلع الحافظ فبلغ ذلك المجلس الحافظ.\rوفيها أحضرت من تنّيس امرأة بغير ثديين وفى موضع ثدييها مثل الحلمتين، فصارت إلى مجلس الوزير رضوان وأخبرته أنها تصنع برجليها جميع ما يعمل باليدين من رقم وخطّ وغير ذلك. فجاء لها فى المجلس بدواة فتناولت برجلها اليسرى الأقلام قلما قلما (¬١)، ثم تناولت السّكين برجليها وبرت قلما، واستدعت ورقة وأمسكتها برجلها اليمنى وكتبت بالرّجل اليسرى رقعة بأحسن خطّ تكتبه النّساء، وحمدت الله فى آخرها، وناولتها الوزير، فإذا فيها سؤال بأن يزاد فى راتبها. فوقّع لها خلف الرقعة بما تسأل وأعادها إلى بلدها.\rوفيها بنى الوزير رضوان المدرسة المعروفة (به) (¬٢) فى ثغر الإسكندرية، وجعل فى تدريسها الفقيه أبا طاهر بن عوف.","footnotes":"(¬١) يقول النويرى: وتأملتها، فلم ترض شيئا منها. نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٢) زيد ما بين القوسين من نهاية الأرب: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277152,"book_id":167,"shamela_page_id":860,"part":"3","page_num":168,"sequence_num":860,"body":"سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة (¬١)\rفيها زاد السّعر وبلغ القمح ثلاثة دنانير للاردبّ، فبيعت الغلال التى كان الأفضل خزنها، وقد تغيّرت وأرادوا رميها فى النيل، فكانت تقطع بالفئوس وتباع بأربعين دينارا كل مائة إردبّ، وكذلك الأرز الذى كان مخزونا بمصر فإنّه أبيع بعشرة دنانير المائة؛ فوجد النّاس بذلك رفقا.\rفيها كثر سعى الوشاة بين الحافظ والوزير فتخوّف كلّ منهما من الآخر، وقبض الوزير على عدّة من خواصّ الحافظ، منهم أبو المعالى بن قادوس، وابن شيبان المنجم، ورئيس اليهود، وجماعة؛ فقتلهم. فسيّر الحافظ من أحضر إليه بهرام فى رمضان؛ فلمّا حضر أسكنه عنده بالقصر وأكرمه، وشقّ ذلك على رضوان. وكان الحافظ قد تلطّف برضوان فى أمر بهرام وقرّر معه أن يستدعيه وينزله فى القصر، وحلف له أنّه لا يولّيه أمرا ولا يمكنه من تصرّف؛ فتسامح رضوان فى أمره (¬٢). واستدعى فحضر بأهله وأنزل فى دار بالقصر قريبة من المحول (¬٣)، وهو قريب من سكن الحافظ، فكان يستحضره فى غالب اللّيالى ويستشيره ويعمل برأيه.\rولما كان يوم عيد الفطر ركب الوزير مع الحافظ وعليه من الملابس ما لم يلبسه أحد من الوزراء فى مثل ذلك اليوم، وعاد إلى القصر وفى نفس الحافظ منه أشياء تبينها رضوان","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن من سبتمبر سنة ١١٣٨.\r(¬٢) وطلب رضوان أن يسكن مع الحافظ فى القصور، فلم يمكنه. نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٣) المحول: مجلس الداعى فى القصر الذى تخصص لنشاط الدعاة الرسميين الفاطميين بالقاهرة، ويعرف بقصر البحر، ويدخل إليه من باب الريح وبابه من باب البحر. وكان الداعى يصلى بالناس فى رواقه فى أثناء الاجتماعات. ومما يروى عن نشاط الدعاة فيه أن القاضى محمد بن النعمان جلس على كرسى بالقصر لقراءة علوم آل البيت على الرسم المعتاد له ولأخيه بمصر ولأبيه بالمغرب فمات فى الزحمة أحد عشر رجلا، فكفنهم العزيز بالله. ويشرف على هذا النشاط الدعائى داعى الدعاة، ومرتبته تلى مرتبة قاضى القضاة، يساعده اثنا عشر نقيبا وله نواب كنواب الحكم (القضاء) يمثلونه فى أنحاء البلاد. المواعظ والاعتبار: ٣٩٠:١ - ٣٩١. (وباب الريح من أبواب القصر الكبير الشرقى. وكان يقع تجاه دار سعيد السعداء موصلا إلى رحبة باب العيد منتهيا إلى بين القصرين. وباب البحر من أبواب هذا القصر كذلك قبالة بقايا دار الحديث الكاملية. نفس المصدر: ٤٣٣:١، ٤٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277153,"book_id":167,"shamela_page_id":861,"part":"3","page_num":169,"sequence_num":861,"body":"فى وجه الحافظ وعلمها منه، فاشمأزّت نفسه مع ما كان فيه من الطّيش، فركب فى تاسع شوّال وزحف إلى القصر؛ فكلّمه الخليفة من بعض طاقات المنظرة الّتى تطلّ على باب الذّهب، وجرى بينهما كلام اجترأ فيه على الخليفة. وعاد إلى داره بعد أن احتاط بالقصر واحتفظ بالأبواب، فانتفض النّاس لذلك بالقاهرة ومصر، وكثرت الأراجيف.\rوفى تلك الحالة نزل بعض أولاد الحافظ من القصر هاربا إلى رضوان، وكان شيخا ومعه ولد له، ليقيمه خليفة، فلم يكترث به، وأحضر إسماعيل بن سلامة الداعى، وقال له:\rما تقول فى هذا الرجل، هل يصلح لما التمسه؟ فقال: الخلافة لها شروط ونواميس ما فى هذا منها شيء، وتحتاج إلى نصوص، ولولا أن مولانا الآمر نصّ على مولانا الحافظ وأودعه سرّ الخلافة لما ثبتت فيه ولا استجاب له الناس. فلم يحصّل سوى أنه كان مشئوما على نفسه وأهله، فإنّ الحافظ لما بلغه ذلك قتله وقتل جماعة منهم كثيرة.\rثم إن الحافظ لمّا رأى فعل رضوان وتعدّيه وكثرة من انضم إليه من العسكر عمل فى التّدبير عليه وأرسل إلى صبىّ من الجند يعرف بشومان، وكانت فيه شهامة وجرأة وهو من صبيان الخاصّ، فأحضره إليه من أحد السّراديب سرّا وأرسله إلى علىّ بن السّلار، أحد أمراء الدّولة (¬١)، يأمره بالتدبير على رضوان، وأنفذ معه مالا إليه ليستعين به على ذلك.\rوكان على بن السّلار عاقلا صاحب حزم ويقظة وحسن تأتّ مع قوة وصرامة.\rفلمّا جاءه القاصد بالمال وبلّغه عن الخليفة ما قال انتهز الفرصة وأرسل إلى جماعة من صبيان الخاصّ وقرّر معهم أن يجتمعوا ويدخلوا من باب زويلة كردوسا (¬٢) واحدا وهم يصيحون: الحافظ يا منصور؛ وفرّق فيهم ما أرسله إليه الخليفة.","footnotes":"(¬١) لما أخذ الأفضل بن بدر الجمالى مدينة القدس من سقمان بن أرتق ضم طائفة من عسكر سقمان إليه وفيهم والد العادل بن السلار هذا، فترقى فى خدمة الأفضل الذى لقبه سيف الدولة وأكرم ابنه عليا وجعله فى صبيان الحجر، فتميز من بينهم بعقله وشجاعته وحزمه وهيبته، فجعله الحافظ ضمن أمرائه وولاه الإسكندرية، وكان يعرف برأس البغل ثم استمر فى الترقى حتى تولى الوزارة للخليفة الظافر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وكان من أمره ما سيرد الحديث عنه، فى المتن، فى مناسباته. وهو أبو الحسن على بن السلار، الملك العادل سيف الدين، وقيل أبو منصور على بن إسحاق. وفيات الأعيان: ٣٧٠:١ - ٣٧١.\r(¬٢) الكردوس والكردوسة بضم الكاف فيهما والجمع كراديس: الفرقة الحربية الراكبة، والقطعة العظيمة من الخيل، والكردوسان قيس ومعاوية ابنا ملك بن حنظلة، وكردس الخيل جعلها كتيبة كتيبة. القاموس المحيط.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277154,"book_id":167,"shamela_page_id":862,"part":"3","page_num":170,"sequence_num":862,"body":"فلمّا كان يوم الاثنين، الثالث عشر من شوّال، اجتمع بظاهر القاهرة منهم نحو العشرين وأقبلوا من باب زويلة يصيحون: يا للحافظ، الحافظ يا منصور؛ فما وصلوا إلى الشرائحيين الذى يعرف اليوم بالشّوّايين (¬١)، حتى صاروا نحو الخمسمائة، وما وصلوا بين القصرين إلاّ والعسكر جميعه من فارس وراجل معهم، ولم يبق من الصّبيان والعوامّ أحد حتى خرج النّساء، وأشرف النّساء من الطاقات، وصاروا بأجمعهم يصيحون: يا للحافظية.\rفلمّا سمع رضوان الضّجيج أراد أن يركب، فمنعه بعض غلمانه، فأبى عليه لأنه كان واثقا بنفسه وبمن معه؛ وخرج وحده بغير سلاح ليس معه سوى سيف، فلقى الناس بنفسه وطردهم يمينا وشمالا، وظهر منه شجاعة تعجّب منه من شاهدها، فإنه لقى ألوفا من النّاس بمفرده ولم يزل يحمل عليهم حملة بعد حملة إلى أن قتل منهم عدّة. وكان أخوه إبراهيم قد بلغه الخبر، فركب من داره وأمسك عنه من يجيئه من ناحية قصر الشوك (¬٢)، وشدّت الريحانيّة ورجعوا إليه من ناحية زيادة الجامع الحاكمى (¬٣) ودرب الفرنجيّة.\rفلمّا طال عليه وتيقّن أنّ القوم بأجمعهم قد تمالئوا على حربه، وكان قد انقضى من النهار أربع ساعات، وأشرف عليه الأستاذون من ناحية باب الرّيح من أعالى القصر يرشقونه بالنّشّاب ويرمونه بالطّوب، تحيّر. وكان ابن أخته والى مصر، فبلغه الخبر، فقام بجميع غلمانه وسار لنجدة خاله، فوجد عند باب زويلة من بلغه الخبر بأنه لا يقدر على الوصول إليه؛ فسار من ناحية باب البرقيّة ومعه بوقات وطبول، فسمع إبراهيم، أخو رضوان، أصوات البوقات والطّبول من جهة باب البرقيّة، فأنفذ إلى أخيه رضوان يقول له: قد تفرّق علينا العسكر وجاء من ناحية قصر الشّوك، وقد قاطع الرّاجل علينا من ناحية باب النّصر.","footnotes":"(¬١) سوق الشوايين أول سوق وضع بالقاهرة وكان يعرف بالشرائحيين، وهو من باب حارة الروم إلى سوق الحلاويين، أصبح يعرف باسم سوق الشوايين عند ما سكنه عدة من بائعى الشواء فى حدود السبعمائة من سنى الهجرة. المواعظ والاعتبار: ١٠٠:٢. وهو الآن جزء من شارع المعز لدين الله.\r(¬٢) كان منزلا لبنى عذرة قبل بناء القاهرة، والعامة تقول قصر الشوق، بالقاف، وهناك حى يعرف باسم هذا القصر فى الجمالية. المواعظ والاعتبار: ٤٠٤:١.\r(¬٣) حدثت هذه الزيادة فى الجامع الحاكمى سنة ٤٠١ فى منارة باب الفتوح، إذ عمل لها أركان طول كل منها مائة ذراع، وعرفت هذه الزيادة بالزيادة الحاكمية، وأول من أسس هذا الجامع العزيز بالله، وصلى به الجمعة، ولكنه لم يكتمل فى عهده وإنما اكتمل فى عهد الحاكم وأصبح يعرف بجامع الخطبة، وجامع الحاكم، والجامع الأنور. نفس المصدر: ٢٧٧:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277155,"book_id":167,"shamela_page_id":863,"part":"3","page_num":171,"sequence_num":863,"body":"فلمّا بلغ رضوان ذلك أيقن بالهلاك إن وقف، فما زال يتأخر قليلا قليلا حتى صار فيء رحبة باب العيد عند دار سعيد السعداء (¬١)، وبعث إلى داره، التى هى دار الوزارة من أخذ له شيئا منها على سبيل الخطف، وأوصى إلى أخيه، فانضمّ إليه هو ومن معه من أصحابه وفيهم أبو الفوارس وقدارة بن أبى عزة وشاور بن مجير السّعدى، وجماعة من خواصّه، وخرجوا من باب النصر. فما هو إلاّ أن صار بظاهر القاهرة اقتحم النّاس دار الوزارة ونهبوها حتى لم يتركوا فيها شيئا.\rوما وصل رضوان إلى تربة أمير الجيوش (¬٢) إلاّ وقد تلاحق كثير من المغافرة، وكان قد أسلف عند العرب أيادى وأفاض عليهم نعما وأحسن إليهم إحسانا كثيرا فى مدّة وزارته، فأدركه رجل من العرب يقال له سالم بن المحجل، أحد شياطين الإنس، وحسّن له المسير إلى الشام.\rواشتغل النّاس بنهب دار الوزارة، وكان قد جمع فيها رضوان أكثر أموال ديار مصر وشحنها بالذخائر وأنواع السّلاح والعدد والآلات والغلال، فانتهب جميع ذلك، وأحرقت أخشاب تعب الملوك فى تحصيلها. وكان نهب دار الوزارة أوّل ضرر دخل على الدّولة.\rوطلب رضوان الشام، فدخل عسقلان وملكها وجعلها معقله، وتوجّه أخوه إلى الحجاز وأقام بها حتى مات؛ وسار ابن أخته إلى بغداد فأكرمه أصحاب الخليفة هناك ولم يزل عندهم إلى أن مات.\rوخرج رضوان من عسقلان ولحق بصلخد (¬٣)، فنزل على أمين الدّولة كمشتكين صاحبها","footnotes":"(¬١) هى الدار التى أنشأها الأستاذ قنبر سعيد السعداء، عتيق الخليفة المستنصر بالله، وكانت مقابل دار الوزارة، فلما تولى العادل رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك الوزارة سكنها وفتح إليها سردابا من دار الوزارة ليمر فيه، ثم سكنها شاور ابن مجير السعدى حين تولى وزارة العاضد لدين الله، كما سكنها ابنه الكامل فى وزارة أبيه. فلما تولى صلاح الدين الأيوبى أمر مصر وأنهى عهد الفاطميين بها حولها إلى دار للصوفية الواردين من البلاد البعيدة ووقفها عليهم، وجعل لها شيخا يشرف على رعايتهم ووقف عليها أوقافا كثيرة .. وأصبحت تعرف منذ ذلك التاريخ بخانقاه سعيد السعداء والخانقاه الصلاحية. (والخانقاه وجمعها الخوانق كالرباط والزاوية: معاهد دينية إسلامية لإيواء المنقطعين للعلم والزهاد والعباد). المواعظ والاعتبار: ٤١٥:٢ - ٤١٦.\r(¬٢) خارج باب النصر، وهى أول مقبرة أنشئت فى هذه المنطقة زمن الفاطميين: نفس المصدر: ٤٦٣:٢.\r(¬٣) هى مدينة صرخد التى تلاصق بلد حوران من أعمال دمشق. معجم البلدان: ٣٤٩:٥ - ٣٥٠. ويذكر ابن القلانسى أن أمين الدولة كمشتكين الأتابكى واليها تلقاه بالإكرام ومزيد الإعظام والاحترام، وأقام مدة فى ضيافته ثم عاد إلى مصر لأمر كان دبره، فلما وصل إليها فسد ذلك التدبير عليه. ويزيد ابن الأثير أنه وصل فى ذى القعدة سنة ثلاث وثلاثين ثم تركها سنة أربع وثلاثين واصطحب معه عسكرا منها. ذيل تاريخ دمشق: ٢٧٠؛ الكامل: ١٩:١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277156,"book_id":167,"shamela_page_id":864,"part":"3","page_num":172,"sequence_num":864,"body":"فأكرمه وأبرّه، وأقام عنده ثلاثة أشهر. ثم أنفذ إلى دمشق، واستفسد من الأتراك بها من قدر عليه.\rوفيها خربت الأثارب (¬١) من زلزلة؛ وزلزلت دمشق أيضا (¬٢).\rوفيها مات الأعزّ قاضى القضاة أبو المكارم أحمد بن عبد الرحمن بن أبى عقيل، فى شعبان، فأقام منصب القضاء بغير قاض ثلاثة أشهر؛ ثم اختير الفقيه أبو العبّاس أحمد ابن الحطيئة فى ذى القعدة، فاشترط ألا يحكم بمذهب الدّولة، فلم يمكّن من ذلك. وكان الوزير رضوان قد تقدّم إلى الفقيه أبى عبد الله محمّد بن عبد المولى بن عبد الله محمّد بن عقبة اللّخمى، المعروف بابن اللّبنى (¬٣)، المغربىّ المالكىّ، أن يعقد الأنكحة. فلمّا كان فى الحادى عشر من ذى القعدة قرّر الحافظ فى قضاء القضاة القاضى فخر الأمناء أبا الفضائل هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن محمّد الأنصارى الأوسى، المعروف بابن الأزرق.","footnotes":"(¬١) يقع حصن الأثارب بين حلب وأنطاكية على ثلاثة فراسخ من حلب. معجم البلدان ١٠٥:١ - ١٠٦.\r(¬٢) يتحدث ابن القلانسى عن سلسلة من الزلازل حدثت بالبلاد الشامية فى هذه السنة، فى شهر صفر، فمن ذلك مثلا: فى يوم الثلاثاء الرابع من صفر جاءت فى دمشق زلزلة هائلة بعد الظهر اهتزت بها الأرض عدة مرات، وفى ليلة الاثنين التاسع عشر، فى الثلث منها، عادت الزلزلة ثلاث مرات، ثم عادت فى ليلة الأربعاء، ثم فى ليلة الجمعة. وكانت الزلازل فى حلب وما والاها أشد ما يكون .. ويذكر بعض المحققين أن الزلزلة جاءت تقدير مائة مرة وقدرها آخرون بثمانين مرة. ويذكر ابن الأثير أن هذه الزلازل المخربة شملت الشام والجزيرة وديار بكر والموصل والعراق وغيرها فهلك تحت الهدم عالم كثير. وكان قد حدث مثلها فى السنة السابقة. ذيل تاريخ دمشق: ٢٦٨؛ الكامل: ٢٥:١١، ٢٧ - ٢٨.\r(¬٣) بهامش الأصل: «بخطه. لبنى من قرى المهدية بضم اللام وسكون الباء الموحدة … » ويقول ياقوت لبنة من قرى المهدية، (بضم اللام وسكون الباء وفتح النون)، وإليها ينسب أبو محمد بن عقبة اللخمى اللبنى (المذكور بالمتن فى غالب الظن)، ولد بالمغرب وسكن مصر وشهد بها (أى عمل ضمن شهود القضاء) وناب عن قاضيها فى الأحكام، وكان يتعاطى الكلام. معجم البلدان: ٣٢١:٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277157,"book_id":167,"shamela_page_id":865,"part":"3","page_num":173,"sequence_num":865,"body":"سنة أربع وثلاثين وخمسمائة (¬١)\rفيها عاد الأفضل رضوان بن ولخشى من صلخد فى جمع فيه نحو الألف فارس، وكان النّاس فى مدّة غيبته يهتفون بعوده، فبرزت له العساكر ودافعوه عند باب الفتوح، فلم يطق مقابلتهم؛ فمضى إلى مصر ونزل على سطح الجرف المعروف اليوم بالرّصد، وذلك يوم الثلاثاء مستهلّ صفر. فاهتمّ الحافظ بأمره، وبعث إليه بعسكر من الحافظيّة والآمريّة وصبيان الخاصّ، عدّتهم خمسة عشر ألف فارس؛ مقدّم القلب تاج الملوك قايماز، ومقدم الآمريّة فرج غلام الحافظ. فلقيهم رضوان فى قريب ثلاثمائة فارس، فانكسروا، وقتل كثير منهم، وغنم معظمهم؛ وركب أقفيتهم إلى قريب القاهرة. وعاد شاور إلى موضعه فلم يثبت، وأراد العود إلى صلخد فلم يقدر، لقلّة الزّاد وتعذّر الطّريق، فتوجّه بمن معه من العربان إلى الصّعيد. فأنفذ إليه الحافظ الأمير المفضل أبا الفتح نجم الدين سليم بن مصال فى عسكر ومعه أمان، فسار خلفه، وما زال به حتى أخذه وأحضره إلى القصر آخر نهار الاثنين رابع ربيع الآخر، فعفا عنه الحافظ، ولم يؤاخذ أحدا من الأتراك الذين حضروا معه من الشّام. واعتقله عنده بالقصر قريبا من الدّار التى فيها بهرام.\rوفيها أضيف لقاضى القضاة هبة الله بن حسن الأنصارى، فى سابع عشر جمادى الآخرة، تدريس دار العلم بالقاهرة، فمضى إليها؛ وكان مدرّسها أبو الحسن على بن إسماعيل، فجرت بينهما مفاوضات أدّت إلى الخصام الشّنيع؛ فخرج القاضى إلى القصر ماشيا وقد تخرّقت ثيابه وسقطت عمامته. فعظم على الحافظ خروجه فى الأسواق على هذه الهيئة، وغضب لذلك؛ فصرفه ورسم عليه، وغرّمه مائتى دينار، وألزمه داره. وأمر بطلب أبى الطّاهر إسماعيل بن سلامة الأنصارى، فخلع عليه وقرّره مكانه، ونعته الموفّق فى الدّين، ولم يكتب له سجلّ؛ فأقام إلى آخر ذى الحجة، ولم يتناول على القضاء معلوما؛ وكان","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن والعشرين من أغسطس سنة ١١٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277158,"book_id":167,"shamela_page_id":866,"part":"3","page_num":174,"sequence_num":866,"body":"جارى الحكم فى كل شهر أربعين دينارا؛ وقنع بجارى التّقدمة على الدّعاة وهو ثلاثون دينارا فى الشهر.\rوفيها ولّى الحافظ لدين الله الأمير المفضّل نجم الدّين أبا الفتح (¬١) سليم بن مصال المالكىّ تدبير الأمور.","footnotes":"(¬١) يكنيه النويرى بأبى الفضل، ويوافق أبو المحاسن المقريزى فى تكنيته بأبى الفتح. أما ابن خلكان فلا يذكر له كنية. تولى الوزارة للخليفة الظافر فى أول عهده، لكن العادل ابن السلار غضب لذلك ونجح فى طرده من الوزارة، فخرج من القاهرة وعبر النيل إلى الجيزة وجمع جماعة من المغاربة وسار بهم إلى الصعيد، فتتبعته جيوش العادل ابن السلار إلى دلاص، من أعمال ولاية البهنسا جنوب الواسطى، فقتل ابن مصال وأرسلت رأسه إلى القاهرة وطيف بها على رمح. وسيرد تفصيل هذا فى موقعه من خلافة الظافر. انظر أيضا: وفيات الأعيان: ٣٧٠:١ فى ترجمة أبى الحسن على بن السلار؛ والنجوم الزاهرة: ٥ فى مواضع؛ نهاية الأرب: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277159,"book_id":167,"shamela_page_id":867,"part":"3","page_num":175,"sequence_num":867,"body":"سنة خمس وثلاثين وخمسمائة (¬١)\rفيها هلك بهرام الأرمنى بالقصر، وكان الحافظ لمّا أقدمه من الصعيد إلى عنده أنزله فى القصر ولم يمكّنه من التّصرّف، وكان يشاوره فى تدبير أمور الدولة فيعجبه رأيه وحزمه وعقله. فلمّا مات فى العشرين من ربيع الآخر حزن عليه حزنا كثيرا ظهر بسببه على القصر غمّة، وهمّ أن يغلق الدّواوين ولا يفتحها ثلاثة أيّام (¬٢). وأحضر بطرك الملكيّة وأمره أن يجهّز بهرام، فقام بتجهيزه. وأخرج نصف النهار فى تابوت وعليه ثوب ديباج أحمر، ومن حوله النّصارى يبخّرون باللّبان والصّبّار وسنّ العود، وجميع الناس مشاة، فلم يتأخر أحد من أعيان الوقت عن جنازته.\rوخرج الخليفة على بغلة شهباء وعليه عمامة خضراء وثوب أخضر بغير طيلسان؛ فسار خلف التّابوت، وسار والنّاس تبكى والأقساء يعلنون بقراءتهم، والخليفة سائر؛ إلى دير الخندق (¬٣) من ظاهر القاهرة (¬٤). فنزل الخليفة عن بغلته وجلس على شفير القبر وبكى بكاء شديدا.\rوكان عاقلا مقداما فى الحرب، حسن السّياسة، جيّد التّدبير؛ وكان أوّلا يقوم بأمر الأرمن، وسكناهم يومئذ فى ناحية تلّ باشر، فتعصّب عليه جماعة منهم وولّوا غيره؛ فخرج مغضبا وقدم إلى القاهرة، فترقّى فى الخدم إلى أن ولى المحلّة فقام بولايتها. ومنها سار فى زىّ حسن إلى القاهرة ومعه من الأرمن نحو الألفين يقولون بقوله، فاستوزره الحافظ.\rوفيها مات الفقيه أبو الفتح سلطان بن إبراهيم بن رشا المقدسى فى آخر جمادى الآخرة.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع عشر من أغسطس سنة ١١٤٠.\r(¬٢) يذكر النويرى أن الحافظ أمر فعلا بغلق الدواوين ثلاثة أيام. نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٣) كان يقع ظاهر القاهرة من بحريها، عمره القائد جوهر عوضا عن دير هدمه فى القاهرة ونقل إليه عظاما كانت بالدير القديم وجمعها فى بئر عرفت ببئر العظام؛ وهذا الدير كان قريبا من الجامع الأقمر، وقد هدم أيام المنصور قلاون سنة ثمان وسبعين وستمائة، ثم أنشئ فى موقعه كنيستان، وعندهما أخذ النصارى يدفنون موتاهم فى مقبرة عرفت باسم مقبرة الخندق، وعمرت هاتان الكنيستان عوضا عن الكنائس التى هدمت فى المقس. المواعظ والاعتبار: ٥٠٧:٢، ٥١١.\r(¬٤) يذكر النويرى هذا ويضيف إليه أنه قيل إنه دفن فى بستان الزهرى فى الكنيسة المستجدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277160,"book_id":167,"shamela_page_id":868,"part":"3","page_num":176,"sequence_num":868,"body":"سنة ست وثلاثين وخمسمائة (¬١)\rفى ليلة الثلاثاء الثانى عشر من ربيع الأوّل سقطت صاعقة أحرقت ركن منارة الجامع العتيق.\rفى شعبان غلت الأسعار وعدم القمح والشعير، فبلغ القمح كلّ إردبّ إلى تسعين درهما والدقيق إلى مائة وخمسين للحملة (¬٢)، والخبز إلى ثلاثة أرطال بدرهم، والويبة من الشّعير إلى سبعة دراهم، والزّيت الطيب إلى سبعة دراهم للرطل، والجبن إلى درهمين للرطل والبيض إلى عشرين درهما للمائة، والزيت الحار إلى درهم ونصف للرطل، والقلقاس كل رطلين بدرهم؛ وعدم الفرخ والدجاج فلم يقدر على شيء منه. وعمّ الوباء، وكثر الموتان.\rوفيها مات أحمد بن مفرّج بن أحمد بن أبى الخليل الصّقلىّ الشاعر، المعروف بتلميذ ابن سابق؛ وكان فاضلا ذكيّا يتصرّف فى عدّة فنون، وله رسائل حسنة وشعر جيّد.\rوكان الشعراء فى أيام الحافظ قد أطنبوا فى المديح وتناهوا فى إطالة القصائد حتى صار الإنشاد يؤدّى إلى قصر الوقت الذى جرت العادة باستماع أشعارهم فيه، لطول مثولهم بالخدمة؛ فخرج الأمر إليهم بالاختصار فيما ينشدونه من الأشعار. فقال أحمد بن مفرّج (¬٣) يخاطب الخليفة:\rأمرتنا أن نصوغ المدح مختصرا … لم لا أمرت ندى كفّيك يختصر\rوالله لا بدّ أن تجرى سوابقنا … حتى يبين لنا فى مدحك الأثر\rفأمروا بالاستمرار على ما هم عليه من الإطالة فى الإنشاد.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السادس من أغسطس سنة ١١٤١.\r(¬٢) الحملة تساوى ثلاثمائة رطل بالمصرى، والرطل المصرى مائة درهم وأربعة وأربعون درهما أو اثنتا عشرة أوقية قوانين الدواوين: ٣٦٥، ٤٥٥.\r(¬٣) فى خريدة القصر قسم شعراء مصر: ٦٤:٢ - ٦٥، تعريف موجز بالشاعر، ويتضمن أبياتا خمسة من شعره منها البيتان المذكوران هنا. ومنها بيت منفرد فى وصف الغيث يقول فيه:\rومن العجائب أن أتى من نسجه … وخيوطه بيض - بساط أخضر","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277161,"book_id":167,"shamela_page_id":869,"part":"3","page_num":177,"sequence_num":869,"body":"سنة سبع وثلاثين وخمسمائة (¬١)\rفيها عظم الوباء بديار مصر، فهلك فيه عالم لا يحصى عدده كثرة.\rوفيها بعث الحافظ الأمير النجيب رسولا إلى رجار ملك صقلّية لمحاربته أهل صقلّية؛ وكان رجار فيه فضيلة وأمر، فصنّفت له تصانيف، وكان عنده محبّة للأدب؛ ومدحه ابن قلاقس الشاعر (¬٢) وغيره.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع والعشرين من يوليو سنة ١١٤٢.\r(¬٢) نصر الله بن عبد الله بن على بن الأزهرى، شاعر إسكندرى، ولد سنة ٥٣٢ وتوفى سنة ٥٦٣، رحل إلى صقلية وأقام بها نحو عامين ثم عاد إلى مصر ومنها رحل إلى اليمن وأقام بها مدة، ومات بعيذاب فى طريق عودته. ومن شعره يعبر عن متاعبه فى أسفاره برا أو بحرا:\rلو لم يحرم على الأيام إنجادى … ما واصلت بين اتهامى وإنجادى\rطورا أسير مع الحيتان فى لجج … وتارة فى الفيافى بين آساد\rوالناس كنز، ولكن لا يقدر لى … إلا مرافقة الملاح والحادى\rانظر خريدة القصر قسم شعراء مصر: ١٤٥:١ - ١٦٥، حيث تجد إشارة إلى مراجع أخرى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277162,"book_id":167,"shamela_page_id":870,"part":"3","page_num":178,"sequence_num":870,"body":"سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة (¬١)\rفيها خرج محمد بن رافع اللّواتى بنواحى البحيرة، فاجتمع له عدد كثير من الناس، فخرج إليه طلائع بن رزّيك، وهو يومئذ والى البحيرة، فكانت بينهما حروب قتل فيها.\rوفيها غلت الأسعار بمصر.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السادس عشر من يوليو سنة ١١٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277163,"book_id":167,"shamela_page_id":871,"part":"3","page_num":179,"sequence_num":871,"body":"سنة تسع وثلاثين وخمسمائة (¬١)\rفيها سيّر الحافظ الرّشيد أبا الحسين أحمد بن الزبير (¬٢) رسولا إلى اليمن بسجلّ يقرؤه عليهم، فخرج فى ربيع الأول.\rوفيها خرج أبو الحسين ابن المستنصر إلى الأمير خمارتاش الحافظى صاحب الباب وقال له: اجعلنى خليفة وأنا أولّيك الوزارة، فطالع الحافظ بذلك، فأمر بالقبض عليه، فقبض واعتقل.\rوفيها قدم، فى جمادى الآخرة، من دمشق الأمير مؤيد الدّولة أسامة بن منقذ وإخوته وأهله، ومعهم نظام الدين أبو الكرام محسن وزير صاحب دمشق، معاضدين له، فأكرم مثواهم وأنزلوا، وأفيضت عليهم العطايا، وتواترت الإنعامات (¬٣).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الرابع من يوليو سنة ١١٤٤.\r(¬٢) ولد بأسوان ورحل إلى مصر واتصل بوزرائها وخلفائها ومدحهم فتقدم عندهم. أرسله الحافظ إلى اليمن داعية له فيقال إنه دعا لنفسه وضرب السكة باسمه فقبض عليه وأرسل إلى مصر، فعفا الخليفة عنه. وهو ابن أخت الموفق ابن الخلال كاتب الإنشاء للفاطميين، ترقى فى الخدمة حتى تولى نظارة ديوان الإسكندرية سنة تسع وخمسين وخمسمائة فى وزارة الصالح طلائع بن رزيك، وقتله شاور فى وزارته لميله إلى أسد الدين شيركوه الذى كان قد ساعد شاور على استرجاع منصب الوزارة. خريدة القصر قسم شعراء مصر: ٢٠٠:١ - ٢٠٢.\r(¬٣) ويذكر ابن القلانسى فى سبب خروج أسامة وأهله من دمشق أن رئيس دمشق الأمير الرئيس مؤيد الدين خرج إلى صرخد مستوحشا من تصرف وزير دمشق أبى الكرام نظام الدين ومن الأمير مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن على بن منقذ، ثم ترددت المراسلات بين الرئيس مؤيد الدين والأمير معين الدين أنر، أتابك صاحب دمشق، وتكرر المقال بين الرجلين اعتذارا ومعاتبة حتى أسفرت الحال عن تصالحهما على أن يخرج أبو الكرام الوزير وأسامة بن منقذ إلى ناحية مصر بأهليهما ومالهما وأسبابهما، فسار إلى مصر بعد استئذان صاحبها وعاد الأمير مؤيد الدين إلى دمشق. ذيل تاريخ دمشق: ٢٧٧ - ٢٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277164,"book_id":167,"shamela_page_id":872,"part":"3","page_num":180,"sequence_num":872,"body":"سنة أربعين وخمسمائة (¬١)\rفيها أعيد نظر الدّواوين والأتراك والخزائن إلى القاضى الموفّق أبى الكرم محمد بن معصوم التّنّيسى فى جمادى الأولى.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الرابع والعشرين من يونيو سنة ١١٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277165,"book_id":167,"shamela_page_id":873,"part":"3","page_num":181,"sequence_num":873,"body":"سنة احدى وأربعين وخمسمائة (¬١)\rفيها خرج على الحافظ أمير من المماليك يعرف ببختيار، يطلب الوزارة، بأرض الصعيد، فندب إليه عسكرا عليه سلمان مؤنس اللّواتى، فمضى إليه وحاربه، فانهزم وهو من ورائه، حتى أدركه وأخذه أسيرا وقتله.\rوفيها قدم صافى الخادم، أحد خدّام المتّقى، من بغداد فارّا، فى ثالث عشرى جمادى الأولى، خوفا؛ فأكرمه الحافظ.\rوفيها منع من التعرّض لصرف شيء من المال الحاضر من الأعمال فى جرائد المستخدمين وأن يكون ما نسب منها على البواقى والفاضل فى هذه السنة.\rوفيها ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكى بن آقسنقر حلب بعد أبيه (¬٢).\rوفيها ملك رجار بن رجار ملك صقلّية مدينة طرابلس الغرب وولى عليها (رجلا من) بنى مطروح (¬٣).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث عشر من يونيو سنة ١١٤٦.\r(¬٢) لما اتصل نبأ مقتل عماد الدين زنكى عند قلعة جعبر، حيث كان يحاصرها، بأسد الدين شيركوه ركب من ساعته وقصد خيمة نور الدين محمود وقال له: «اعلم أن الوزير جمال الدين - وزير عماد الدين زنكى - أخذ عسكر الموصل وعزم على تقديم أخيك سيف الدين، وقصده إلى الموصل، وقد أنفذ إلى جمال الدين وأرادنى على اللحاق به فلم أعرج إليه؛ وقد رأيت أن أصيرك إلى حلب وتجعلها كرسى ملكك .. وأنا أعلم أن الأمر يصير جميعه إليك لأن ملك الشام بحلب ومن ملك حلب استظهر على بلاد الشرق». وسار سيف الدين غازى إلى الموصل وبعد أن استقر الأمر له بها اتفق مع أخيه نور الدين على لقاء لتصفية الموقف بينهما بعد أن تخوف كل منهما من الآخر، فتم هذا. انظر كتاب الروضتين: ١١٩:١ - ١٢٣.\r(¬٣) زيد ما بين القوسين من الكامل حيث يفصل ابن الأثير ظروف هذا الحدث فيقول إن رجار سير أسطولا كبيرا إليها فقاتلها ثلاثة أيام، وسمع الفرنج فى اليوم الثالث ضجة عظيمة سببها أن أهل طرابلس كانوا قد اختلفوا قبل وصول الفرنج بأيام فطرد بعضهم بنى مطروح وقدموا عليهم رجلا من الملثمين كان قد قدم فى طريقه إلى الحج، فلما هاجم الفرنج المدينة أعاد الآخرون ابن مطروح إلى ولايتها فنشبت حرب أهلية بين الجماعتين، فانتهز الفرنج السانحة وملكوا المدينة وقتلوا ونهبوا وأسروا، ثم عمروها وجددوا أسوارها وحصنوها وولوا عليها رجلا من بنى مطروح. الكامل: ٤١:١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277166,"book_id":167,"shamela_page_id":874,"part":"3","page_num":182,"sequence_num":874,"body":"سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة (¬١)\rفيها صرف أبو الكرم التّنّيسى فى ربيع الآخر، وأعيد نظر الدّواوين للقاضى المرتضى المحنك.\rوفيها سيّر الحافظ لظهير الدين صاحب دمشق هدايا وخلعا وتحفا (¬٢).\rوفيها خرج رضوان من ثقب نقبه بالقصر. وذلك أنّ الحافظ لمّا اعتقله بالقصر أرسل يسأله فى أشياء، من جملتها زيارة نجم الدّين بن مصال له فى الوقت بعد الوقت، فأجابه إلى ذلك لثقته بابن مصال. فحضر فى يوم من الأيام ابن مصال لخدمة الخليفة، وبدأ بزيارة رضوان، فدخل إليه ومعه مشدّة فيها رقاع بحوائج النّاس ليعرضها على الحافظ، وكانت عادته ذلك؛ فاحتاج إلى الخلاء، فترك مشدّته عند رضوان ودخل الخلاء. فأخذ رضوان الرّقاع ووقّع بخطّه عليها كلها بما يسوغ التوقيع به، وأتربها وطواها فى المشدّة.\rوخرج ابن مصال فأخذها ودخل على الحافظ، وقد علم أنّه كان عند رضوان، فقال له:\rكيف ضيفنا؟ فقال: على غاية من الشكر لنعمة مولانا وجواره. وأخرج رقعة من تلك الرّقاع ليعرضها على الخليفة فوجد عليها التّوقيع بخط رضوان، فأمسكها وأخرج غيرها، فإذا هى موقّع عليها أيضا. وكان الحافظ يراه، فقال: ما هذا؟ فاستحيا ابن مصال عند ما تداول الخليفة الرّقاع وعليها توقيع رضوان. فقال له الحافظ: يا نجم الدّين، ما زلت مباركا علينا والله يشكر لك ذلك؛ لقد فرّجت عنّا غمّة. فقال: كيف يا مولانا قال:","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى من يونيو سنة ١١٤٧.\r(¬٢) يقول ابن القلانسى: وفى يوم الخميس الحادى والعشرين من شهر ربيع الآخر وصل رسول مصر إلى دمشق بما صحبه من تشريف وقود (بفتح القاف وسكون الواو) ومال برسم ظهير الدين ومعينه على جارى الرسم فى مثل ذلك. ذيل تاريخ دمشق: ٢٩٥. وفى هذا الكلام نظر. أما معين الدين فالمقصود به الأمير معين الدين أنر، وصى أمير دمشق والمتسلط على مقاليدها. وأما لقب الأمير فهو مجير الدين لا ظهير الدين، وهو مجير الدين أبق الذى تولى أمر دمشق سنة أربع وثلاثين وخمسمائة وبقى بها حتى تسلمها منه نور الدين محمود فى سنة تسع وأربعين وخمسمائة. ولم يتلقب بلقب ظهير الدين من هذه الأسرة البورية إلا مؤسس دولتها ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين، جد مجير الدين أبق، وقد توفى فى سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. راجع الكامل لابن الأثير: ١٠، ١١ فى مواضع؛ وذيل تاريخ دمشق؛ والنجوم الزاهرة؛ وكتاب الروضتين؛ وغيرها من المراجع التى تتناول هذه الفترة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277167,"book_id":167,"shamela_page_id":875,"part":"3","page_num":183,"sequence_num":875,"body":"رأيت البارحة رؤيا مقتضاها أنه ربّما يشركنا فى كثير من أمرنا؛ فالحمد لله إذ كان هذا.\rوكتب على الرّقاع أمضاها بخطّه، وخلع على ابن مصال.\rفلمّا طال اعتقال رضوان أخذ ينقب بحيث لا يعلم به إلى أن انتهى النقب من موضعه الّذى هو فيه إلى تجاه فندق أبى الهيجاء، وخرج النّقب عن سور القصر. وكان قياس ما نقبه خمسة وثلاثين ذراعا، فظهر منه بكرة يوم الثلاثاء، ثالث عشرى ذى القعدة، فى الجيزة، فالتفّ عليه جماعة من لواتة وعدّة من الأجناد؛ وسمع به الطّمّاعون، وكان للنّاس فيه أهوية. فندم الحافظ على تركه بغير حارس؛ وأخذ فى العمل.\rفلمّا كان ثالث يوم عدّى رضوان من اللوق (¬١) وسار إلى القاهرة؛ فخرج إليه عسكر الحافظ وتحاربوا معه عند جامع ابن طولون، فهزمهم، وسار فى إثرهم إلى القاهرة، فدخلها فى الرّابعة من نهار الجمعة سادس عشريه، ونزل بالجامع الأقمر (¬٢). فغلق الحافظ أبواب القصر وامتنع به. فأحضر رضوان أرباب الدولة والدّواوين، وأمر ديوان الجيش بعرض الأجناد، وأخذ أموالا كانت خارجة من القصر، وأنفق فى طوائف العسكر. وأرسل إلى الحافظ يطلب منه مالا؛ فسيّر إليه صندوقا فيه مال وقال له: هذا الحدّ الذى أراده الله، فاسترض على نفسك (¬٣).","footnotes":"(¬١) صوابه أن يقال أرض اللوق بفتح اللام، إلا أن الناس ينطقونها بضم اللام. يقال فى اللغة لاق الشئ يلوقه لوقا ولوقه: لينه، وأرض اللوق هى التى انحسر عنها ماء النيل وتركها أرضا لينة لا تحتاج إلى الحرث لزراعتها، وكانت أرض اللوق هذه بساتين ومزارع ليس بها من البناء شيء إلى أن عمر القاضى الفاضل، وزير صلاح الدين، بها دارا سميت بمنشأة الفاضل. وكانت هذه الأرض تشمل منطقة باب اللوق إلى الدكة بجوار المقس الفاطمى ومنطقة بركة الشقاف وما يسامتها إلى الخليج. المواعظ والاعتبار: ١١٧:٢ - ١١٨.\r(¬٢) أنشأه الخليفة الآمر بأحكام الله فى موضع كان للعلافين، وقام على إنشائه وزيره المأمون البطائحى، فلم يترك أمام القصر دكانا، وبنى تحت الجامع دكاكين ومخازن من جهة باب الفتوح؛ واكتمل بناء الجامع فى سنة تسع عشرة وخمسمائة؛ ويقال إن اسمى الآمر الخليفة والمأمون الوزير كانا مدونين على لوح فوق محرابه. وقد شمل هذا المسجد كثير من التجديدات والتحسينات فى العصر المملوكى، ولم تقم به خطبة إلى أن جدد الأمير يلبغا السالمى، على زمن الظاهر برقوق، عمارته سنة إحدى وثمانمائة، فأقام به الخطبة. وهو الآن بشارع النحاسين الذى هو جزء من شارع المعز لدين الله. المواعظ والاعتبار: ٢٩٠:٢؛ صبح الأعشى: ٣٦٥:٣.\r(¬٣) يقول ابن الأثير: وأرسل إلى الحافظ يطلب منه مالا ليفرقه، على عادتهم (على عادة الفاطميين) فإنهم كانوا إذا وزروا وزيرا أرسلوا إليه عشرين ألف دينار ليفرقها، فأرسل إليه الحافظ عشرين ألف دينار فقسمها، وكثر عليه الناس، وطلب زيادة فأرسل إليه عشرين ألف دينار أخرى ففرقها فتفرق الناس وخفوا عنه. ويقول النويرى إن الحافظ أرسل إليه عشرين ألف دينار، ولم يذكر شيئا عن الدفعة الأخرى التى ذكرها ابن الأثير. الكامل: ١٩:١١؛ نهاية الأرب: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277168,"book_id":167,"shamela_page_id":876,"part":"3","page_num":184,"sequence_num":876,"body":"وأتت هتافات الناس إلى رضوان؛ فاستدعى الحافظ أحد مقدّمى السّودان سرّا وقال له:\rإنى بكم واثق. فقال: ما ادّخرنا هذا إلاّ لمولانا. فقال: كم أصحابك؟ قال: عشرة.\rقال: لكم عشرة آلاف دينار واقتلوا هذا الخارجىّ علينا وعليكم، فأنتم تعلمون إحساننا إليه وإساءته إلينا. فقالوا: يا مولانا السمع والطاعة. ورتّبوا أنهم يصيحون حول الجامع الأقمر: الحافظ يا منصور. فلمّا فعلوا ذلك قلق وقال لمن حوله: ما كلّ مرة يصحّ لهؤلاء الكلاب مرادهم. فحسّنوا له الرّكوب ظنّا منهم أنه إذا ركب إلى بين القصرين لم يجسر أحد عليه. فعند ما ركب ضربه واحد من السّودان فى فخذه ضربة شديدة، وتداركه آخر بضربة، وتوالت عليه الضّربات؛ فقتل فى الساعة الحادية عشرة من نهار الجمعة المذكور؛ وقطعت رأسه وحملت إلى الخليفة الحافظ. فسكنت الفتنة، وهدأت الغوغاء.\rثم إن الحافظ بعث بالرّأس إلى امرأة رضوان، فلمّا وضعت فى حجرها قالت: هكذا يكون الرّجال.\rوكان رضوان سنّيّا حسن الاعتقاد، شجاعا، مقداما، قوىّ الغلب، شديد البأس.\rولد ليلة عيد الغدير من ذى الحجة (¬١) سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وترقّى فى الخدم إلى أن ولى قوص وإخميم فى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. إلاّ أنّه كان مع حسن عبارته وغزارة أدبه طائش العقل قليل الثبات، لا يحسن التّدبير، ولا يتأتّى له سياسة الأمور لعجلته وجرأته؛ وكان أخوه الأوحد أثبت عقلا منه.\rومن جملة ما كتب له فى تقليد الوزارة بعد بهرام من إنشاء أبى القاسم ابن الصيرفى:\r« … لأنّك أذهبت عن الدّولة عارها، وأمطت من طرق الهداية أوعارها، واستعدت ملابس سيادة كان قد دنّسها من استعارها».\rولم يستوزر الحافظ بعد رضوان أحدا؛ وأعاد النّصرانى المعروف بالأخرم إلى ضمان الدولة، على ما تقدّم، ثم نقم عليه لكثرة المرافعين واعتقله، وطلب منه المال فلم يسمح بشئ.\rفركب الحافظ يوما ووقف على باب السّجن الذى هو فيه من القصر، وأمر به، فأحضر إليه. وقال له: كم تتجالد؟ أريد منك مالى على لسان صاحب السّتر. فبينا الخليفة","footnotes":"(¬١) يجرى الاحتفال بعيد الغدير فى الثامن عشر من شهر ذى الحجة فى كل عام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277169,"book_id":167,"shamela_page_id":877,"part":"3","page_num":185,"sequence_num":877,"body":"يخاطبه إذ أخذ كفّا من تراب وجعله فى فيه؛ فقال له الحافظ: ما هذا؟ فقال: ما لا ينبغى نقله إلى مولانا، صلوات الله عليه. فغضب عليه، وأمر بإحضار أبيه وأخيه، وكانا معتقلين، فأخرجا؛ وقتل الأخرم وأخاه، وأبوهما ينظر قتلهما، ثم قتل الأب. وأحاط بأموالهم فحصل منهم ما يزيد على عشرين ألف دينار عينا.\rفيها مات الشيخ تاج الرئاسة أبو القاسم على بن منجب بن سليمان، المعروف بابن الصيرفى الكاتب، فى يوم الأحد لعشر بقين من صفر؛ ومولده فى يوم السبت الثانى والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستّين وأربعمائة. وكان أبوه صيرفيا وجدّه كاتبا؛ وأخذ صناعة التّرسّل عن ثقة الملك أبى العلاء صاعد بن مفرّج؛ وتنقّل حتى صار صاحب ديوان الجيش.\rثم انتقل معه إلى ديوان الإنشاء (¬١). ومات الشريف سناء الملك أبو محمد الزّيدى الحسينى؛ ثم تفرّد بالديوان فصار فيه بمفرده. وله الإنشاء البديع والشعر الرائع، والتّصانيف المفيدة فى التاريخ والأدب.","footnotes":"(¬١) وكان مولده فى شعبان سنة ثلاث وستين وأربعمائة؛ وقيل إنه توفى بعد سنة خمسين وخمسمائة. عمل فى ديوان الجيش مع ناظره صاعد بن مفرج، واشتغل بكتابة الخراج مدة، ثم فى ديوان المكاتبات زمن الوزير الأفضل بن بدر الجمالى، وهو الذى كتب سجل إعلان وفاة المستعلى بالله وخلافة الآمر بأحكام الله، وتولى ديوان الإنشاء بعد وفاة ابن أبى أسامة، ولقب بتاج الرئاسة، وبقى فيه حتى توفى فى هذه السنة. ومن مؤلفاته كتاب الإشارة إلى من نال الوزارة الذى ترجم فيه لوزراء الفاطميين إلى أيام الآمر بأحكام الله. معجم الأدباء: ٧٩:١٥ - ٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277170,"book_id":167,"shamela_page_id":878,"part":"3","page_num":186,"sequence_num":878,"body":"سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (¬١)\rفيها توجّه العسكر، فى ثالث صفر، لقتال لواتة وقد تجمّعوا وعقدوا الأمر لرجل قدم من المغرب وادّعى أنه ولد نزار بن المستنصر (¬٢). فسار إليهم العسكر وواقعهم على الحمامات (¬٣) وانهزم منهم العسكر؛ فجهّز الحافظ عسكرا آخر، ودسّ إلى مقدّمى لواتة مالا جزيلا، ووعدهم بالإقطاعات؛ فغدروا بابن نزار وقتلوه، وبعثوا برأسه إلى الحافظ. ورجعت العساكر فى ربيع الأوّل.\rوفيها صرف القاضى المكين الموفّق فى الدين أبو الطاهر إسماعيل بن سلامة الأنصارى عن القضاء، لسبع خلون من المحرّم؛ واستقرّ على الدّعوة الموفّق الأمير كمال الدّين، واستخدم فى وظيفة القضاء؛ وكان كريم الأخلاق، حليما، عليه سكينة ووقار، مليح الشيبة، ظريف الهيئة.\r(وفيها توفى) أبو الفضائل يونس بن محمّد بن الحسن المقدسى القرشىّ، المعروف بجوامرد، خطيب القدس.\rوفيها بلغ النّيل تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع (¬٤)، ففاض الماء حتّى","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى والعشرين من مايو سنة ١١٤٨.\r(¬٢) يذكر ابن القلانسى هذه الحادثة أيضا دون أن يوضح اسم مدعى الحق، كما يذكر أنه اجتمع عليه خلق كثير من المغاربة وكتامة وغيرهم، ذيل تاريخ دمشق: ٣٠٢.\r(¬٣) لعل المقصود بها ذات الحمام الواقعة فى الصحراء الغربية على مسافة من الإسكندرية، يقول البكرى هى سوق جامعة بناها زيادة الله بن الأغلب منصرفه من المشرق إلى إفريقية وبإزائها بئر غزيرة طيبة حولها بساتين، وبها قصر خرب يتداول سكناه روابط (مرابطو) صاحب مصر. المغرب فى ذكر بلاد إفريقية والمغرب: ٣؛ معجم البلدان: ٣٣٤:٣.\r(¬٤) يذكر أبو المحاسن أن الزيادة بلغت ثمانى عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا، وهو بهذا يخالف ما جاء فى المتن النجوم الزاهرة: ٢٨٤:٥. ويوافق النويرى فى نهاية الأرب تقدير المقريزى. وقد سبق فى التعليقات أن العادة جرت على اعتبار وصول الزيادة إلى اثنتى عشرة ذراعا حدا كافيا لإنقاذ البلاد من القحط، فإذا وصلت ستة عشر ذراعا كانت زيادة مثالية مبشرة بمحصول جيد، فإذا وصلت ثمانى عشرة ذراعا كان هذا نذيرا بطغيان النيل وإفساد المحصول، كما سبقت الإشارة إلى أن ابن مماتى ذكر أن النيل إذا أوفى ستة عشر ذراعا فقد وجب الخراج، وإذا زاد على ذلك ذراعا زيد الخراج بمقدار مائة ألف دينار، وإن نقص ذراعا نقص الخراج مائة ألف دينار. ويضيف ابن مماتى إلى ذلك أن الذراع التى يقاس بها إلى اثنتى عشرة ذراعا ثمانية وعشرون إصبعا ومن بعد ذلك تكون الذراع أربعة وعشرين إصبعا. المواعظ والاعتبار: ٥٨:١ - ٥٩؛ صبح الأعشى: ٢٩٠:٣ - ٢٩٣؛ قوانين الدواوين: ٧٦؛ نهاية الأرب: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277171,"book_id":167,"shamela_page_id":879,"part":"3","page_num":187,"sequence_num":879,"body":"بلغ إلى الباب الجديد أول الشّارع، خارج باب زويلة (¬١)، فكان الناس يتوجّهون من مصر إلى القاهرة على ناحية المقابر لامتلاء الطريق بالمياه. فلمّا بلغ الحافظ ذلك أظهر له الحزن والانقطاع، فسأله بعض خواصّه عن ذلك، فأخرج له كتابا وقال: انظر هذا السطر؛ فإذا فيه: «إذا وصل الماء الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد». ثم قال: هذا الكتاب الذى نعلم منه أحوالنا وأحوال دولتنا، وما يأتى بعدها. فاتفق أنّه لم تنسلخ هذه السّنة حتى مرض الحافظ مرضة الموت.\rوفيها انقرضت دولة بنى باديس (¬٢). وذلك أن الغلاء اشتد بإفريقية من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة إلى سنة اثنتين وأربعين حتى أكل النّاس بعضهم بعضا، وخلت القرى، ولحق كثير من الناس بجزيرة صقلية. فاغتنم رجار متملّكها الفرصة وبعث جرج، مقدّم أسطوله، على نحو مائتين وخمسين شينيّا، فنزل على المهديّة ثامن صفر سنة اثنتين وأربعين، وبها الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس؛ ففرّ بأخفّ حمله وتبعه النّاس. فدخل جرج المهديّة بغير مانع، واستولى على قصر الأمير حسن، وأخذ منه ذخائر نفيسة وحظايا بديعات (¬٣).","footnotes":"(¬١) ويعرف أيضا بالباب الجديد الحاكمى لأنه أنشئ فى عهده؛ وكان يقع خارج باب زويلة من القاهرة عند رأس حارة المنتجبية بينها وبين حارة الهلالية، وكانت حارة المنتجبية تقع على يمين الخارج من باب زويلة متجها نحو الجنوب. المواعظ والاعتبار: ١٩:٢، ٢٠، ٢٥.\r(¬٢) أسرة الزيريين أصحاب إفريقية والمغرب الأوسط، وكانت حاضرتهم فى معظم أيامهم بمدينة القيروان، امتد حكمهم بين سنتى ٣٦١ - ٥٤٣ (٩٧٢ - ١١٤٩) أمضوا الفترة الأولى منها حتى سنة ٤١٧ يحكمون باسم الفاطميين، ثم استقلوا بالأمر حتى نهاية الفترة، ثم خضعت بلادهم لروجر الثانى ثم للموحدين؛ واستمروا فى حكمها فترة، بعد زوال استقلالها، نوابا عن روجر الثانى وعن الموحدين. وقد تقدم تفصيل ذلك فى مناسباته، وسيرد باقيه، فى ثنايا هذا الكتاب، انظر أيضا: معجم الأنساب؛ Mohammadan Dynasties\r(¬٣) يذكر ابن الأثير أنه كانت هناك مواثيق بين روجر والحسن بن على بن يحيى بن باديس، وأن الأسطول أراد أن يباغت المهدية ليلا، فأسر مركبا إسلاميا بها عدد من الحمام المستخدم للمراسلات فأرسله محملا برسائل تخبر بمسير الأسطول الصقلى إلى القسطنطينية، وذلك للتضليل، فهبت ريح شديدة عطلت الأسطول فلم يصل المهدية إلا نهارا، فأرسل قائد الأسطول إلى الحسن يؤمن جانبه استنادا إلى المعاهدات والمواثيق، ويذكر أنه أراد أن يقتص لوالى مدينة قابس المطرود ويريد عوده إليها، وتظاهر بأنه يستمد الحسن عسكريا ليعينه فى ذلك، لكن الحسن أدرك الخطر وأحس بالخديعة، وأدرك كذلك عجز عن المقاومة، فدعا الناس إلى الرحيل عن البلد وكان هو على رأس الراحلين. الكامل: ٤٧:١١ - ٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277172,"book_id":167,"shamela_page_id":880,"part":"3","page_num":188,"sequence_num":880,"body":"وعزم حسن على المجئ إلى مصر، فقبض عليه يحيى بن العزيز (¬١)، صاحب بجاية (¬٢)، ووكل به وبأولاده، وأنزله فى بعض الجزائر، فبقى حتّى ملك عبد المؤمن بن على بجاية فى سنة سبع وأربعين، فأحسن إلى الأمير حسن وأقرّه فى خدمته. فلمّا ملك المهديّة تقدّم إلى نائبه بها أن يقتدى برأى حسن ويرجع إلى قوله.\rفكانت عدّة من ملك من بنى باديس بن زيرى بن مناد تسعة، ومدّتهم، من سنة إحدى وستّين وثلاثمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، مائة واثنتان وثمانون سنة.\rوفيها بعث رجار بن رجار ملك جزيرة صقلية إلى المهديّة أسطوله، مائتين وخمسين من الشّوانى، مع جرجى بن ميخائيل، فجدّ فى حصارها حتى أخذها فى صفر منها (¬٣)، وملك سوسة (¬٤) وصفاقس (¬٥)؛ وملك رجار بونة (¬٦).","footnotes":"(¬١) آخر بنى حماد بن بلكين بن زيرى بالمغرب الأوسط، حكموا بين سنتى ٣٩٨ - ٥٤٧ (١٠٠٧ - ١١٥٢)، وقضى الموحدون على دولتهم. توفى يحيى هذا سنة ٥٨٨. معجم الأنساب.\r(¬٢) مرسى ومدينة، وأهميتها ترجع إلى مينائها الرئيسى، وبالقرب منها منازل كتامة الذين نزل بينهم أبو عبد الله الشيعى، داعية الفاطميين، فى مرحلة التمهيد لإعلان الخلافة الفاطمية. المغرب للبكرى: ٨٢؛ معجم البلدان: ٦٢:٢.\r(¬٣) هذا تكرار لما سبق قبل أسطر.\r(¬٤) من مدن إفريقية (تونس الحالية)، قريبة من المهدية وبينهما ثلاثة أيام، وبينها وبين صفاقس يومان. معجم البلدان: ١٧٣:٥ - ١٧٥، المغرب: ٨٥.\r(¬٥) وهى أيضا سفاقس: مدينة بإفريقية على البحر مسورة ولها أسواق كثيرة ومساجد وحمامات وقصور وحصون ورباطات، وتقع فى وسط غابة زيتون، وكان زيتها يباع فى مصر وصقلية والمغرب. وبين سفاقس والقيروان ثلاث منازل أو مراحل ومنها إلى المهدية منزلتان. المغرب: ١٩ - ٢١؛ معجم البلدان: ٨٧:٥ - ٨٨.\r(¬٦) بينها وبين القيروان مرحلة واحدة، وهى مدينة برية بحرية كثيرة اللحم واللبن والسمك، من نوع الحوت، والعسل، وأكثر لحومها من البقر، وحولها قبائل كثيرة من البربر منها مصمودة وأوربة وغيرهما. المغرب: ٥٤، ٨٢، ٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277173,"book_id":167,"shamela_page_id":881,"part":"3","page_num":189,"sequence_num":881,"body":"سنة أربع وأربعين وخمسمائة (¬١)\rفيها وقع الاختلاف بين الطائفة الجيوشيّة والطائفة الرّيحانيّة، فكانت بينهما حروب شديدة قتل فيها عدّة من الفريقين؛ وامتنع النّاس من المضىّ إلى القاهرة ومن الذهاب إلى مصر. وابتدأت الحرب بينهم فى يوم الخميس ثامن عشر جمادى الأولى، وتوالت إلى يوم السبت رابع جمادى الآخرة؛ فانهزمت الرّيحانيّة إلى الجيزة.\rوهمّ العسكر بخلع الحافظ من الخلافة، فمات بقصر اللؤلؤة، وقد نقل إليه وهو مريض، بكرة يوم الأحد، وقيل ليلة الاثنين، لخمس خلون من جمادى الآخرة؛ واشتغل الناس بموته.\rوكان له من العمر يوم مات ستّ وسبعون سنة وثلاثة أشهر وأيّام، منها مدّة خلافته من يوم بويع بعد أحمد بن الأفضل ثمانى عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما (¬٢).\rوأصابته فى ولايته شدائد، واعتقل، ثم لما أعيد تحكّم عليه الوزراء حتى قبض على رضوان فلم يستوزر بعده أحدا، وإنّما أقام كتّابا على سنّة الوزراء أرباب العمائم ولم يسمّ أحدا منهم وزيرا؛ وهم: أبو عبد الله محمّد بن الأنصارى، وخلع عليه بالحنك والدواة فتصرّف تصرّف وزراء الأقلام، وصعد المنبر مع الخليفة فى الأعياد والجمع؛ والقاضى الموفّق محمد بن معصوم التنّيسى؛ وصنيعة الخلافة أبو الكرم الأخرم النّصرانىّ.\rوكان الحافظ حازم الرّأى، جماعا للأموال، كثير المداراة، سيوسا عارفا. ولم يكن أحد ممّن ولى قبله أبوه غير خليفة سواه. وكان يميل إلى علم النجوم؛ وكان له من المنجّمين سبعة، منهم؛ المحقوف، وابن الملاح، وأبو محمّد بن القلعىّ، وابن موسى النصرانىّ.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى عشر من مايو سنة ١١٤٩.\r(¬٢) هذا التحديد، يرجع إلى أن أحمد بن الأفضل الوزير كان يمنعه من التصرف ومن لقاء الناس، وقد بويع البيعة الثانية بالخلافة بعد وفاة أحمد هذا، أما بيعته الأولى فكانت بولاية العهد وبالوصاية على العرش حتى يتبين الحمل الذى كان ينتظر أن يولد ليتولى الخلافة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277174,"book_id":167,"shamela_page_id":882,"part":"3","page_num":190,"sequence_num":882,"body":"وفى أيّامه عملت الطّبلة التى كانت إذا ضرب بها من به قولنج خرج عنه الرّيح؛ وما زالت بالقصر إلى أن كسرت فى أيّام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب (¬١).\rوترك من الأولاد أبا الأمانة جبريل، ويوسف، وأبا المنصور إسماعيل (¬٢).\rوكان مطعونا عليه، فإنّه ولى بغير عهد وإنمّا أقيم كفيلا عن منتظر فى بطن أمّه، فلم يظهر للحمل خبر.\rومن محاسن ما يحكى عنه أنّه كان يخرج فى كلّ ستّة أشهر عسكر من القاهرة إلى عسقلان لأجل الفرنج تقوية لمن بها من المركزيّة الكنانيّة وغيرهم (¬٣). ويقدّم على العسكر عدّة، فيجعل على كلّ مائة فارس أمير، ويقدّم على الجميع أمير تسلّم إليه الخريطة فيكون أمير المقدّمين؛ وتشتمل الخريطة على أوراق العرض من الدّيوان بالحضرة ليتّفق مع والى عسقلان على عرض العسكر بمقتضاها. ويصدر التّعريف من كاتب الجيش هناك إلى الدّيوان بالحضرة بذلك، ويسلّم إليه مبلغ من المال لنفقته معونة لمن فاتته النّفقة من العسكر، فإن النّقباء الّذين للطّوائف يجردون من كان من الطوائف حاضرا ومن كان مسافرا فى إقطاعه، فيأخذ صاحب الخريطة أوراقا بمن سافر وهو فى إقطاعه ليوصل إليه نفقته.\rوكانت نفقة الأمراء مائة دينار لكل أمير، وللأجناد ثلاثون دينارا لكل جندىّ.\rواتّفق مرّة خروج العسكر إلى عسقلان وفيهم خمس أمراء من جملتهم جلب راغب،","footnotes":"(¬١) القولنج مرض يصيب المعى وقد يؤدى إلى انسدادها فترة فيثقل معه خروج الثقل والريح. القاموس المحيط. وكان الحافظ كثير الإصابة بهذا المرض فعمل له الطبل المذكور فى المتن صنعه له شيرماه الديلمى (أو موسى النصرانى) من سبعة معادن والكواكب السبعة فى إشراقها! النجوم الزاهرة ٢٣٨:٥؛ نهاية الأرب: ٢٨. وسيرد خبر هذا الطبل وانكساره فى احداث سنة ٥٦٧.\r(¬٢) ولد أبو المنصور إسماعيل فى عهد خلافته، وتولى الخلافة بعده، أما جبريل ويوسف فقد ولدا قبلها، وسبق أن كان له ولد يسمى سليمان وهو أول من تولى العهد من بعده فمات بعد شهرين من توليه العهد، كما أن ابنه الآخر حسن رغب فى أن يتولى العهد بعد وفاة سليمان فلم يجبه أبوه إلى رغبته فكانت الأحداث التى انتهت بأن استعان أبوه بطبيبه على إنهاء حياته. ويزيد النويرى على هؤلاء ولدا آخر اسمه عبد الله ويذكر أنه هلك فى حياته أيضا. قارن نهاية الأرب: ٢٨؛ النجوم الزاهرة ٢٤١:٥.\r(¬٣) يذكر أبو المحاسن أن عدة هؤلاء الفرسان، ويطلق عليهم «البدل» من ثلاثمائة إلى أربعمائة فى القلة، ومن أربعمائة إلى ستمائة فى الكثرة. النجوم الزاهرة: ٢٤٤:٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277175,"book_id":167,"shamela_page_id":883,"part":"3","page_num":191,"sequence_num":883,"body":"الّذى اتفق منه فى حسن بن الحافظ بعد موته ما تقدّم ذكره (¬١)؛ فلمّا سيّر إليه مائة دينار، نفقته، تجهّز للسفر فى جملة النّاس، وسلّمت الخريطة لأميرهم. فلمّا دخلوا على الحافظ ليودّعوه ويدعو لهم بالنّصر والسّلامة على العادة، قضوا حقّ الخلافة وانصرفوا إلاّ جلب راغب فإنه وقف؛ فقال الحافظ: قولوا للأمير ما وقوفك دون أصحابك، ألك حاجة؟ فقال:\rيأمرنى مولانا بالكلام. قال: قل. فقال؛ يا مولانا ليس على وجه الأرض خليفة ابن بنت رسول الله، ﷺ، غيرك؛ وقد كان السّلطان استزلّنى فسفهت نفسى وأذنبت ذنبا عظيما عفو مولانا أوسع منه وأعظم. فقال له الحافظ: قل ما تريد غير هذا فإنّا غير مؤاخذيك به. فقال: يا مولانا قد توهمّت أنك تحقّقت أنى ماض فى حالة السخط، وقد آليت على نفسى أن أبذلها فى الجهاد فلعلّى أموت شهيدا، قد صنع ذلك سخط مولانا علىّ. فقال له الحافظ: انته (¬٢) عن هذا الكلام، وقد قلنا لك إنا ما واخذناك، فأى شيء تقصد؟ فقال: لا يسيّرنى مولانا تبعا لغيرى، فقد صرت مرارا كثيرة مقدّما، وأخشى أن يظنّ أن هذا التأخير للذّنب الذى أنا متعرّف. قال: لا، بل مقدّما وصاحب الخريطة.\rوأمر بنقل الحال عن المقدّم الذى تقرّر للتقدّم والخريطة إلى جلب راغب، وأعطى مائتى دينار وقال: له استعن بهذه. فعدّ هذا من الحلم الّذى ما سمع بمثله.\rوكان الغالب على أخلاقه الحلم. وكان مقدم المطالبين يجئ إلى الخليفة الحافظ ويخبره بغرائب ما يظهر؛ فجاء يوما وأخبر أنه وجد حوضا لطيفا قريبا من معلف الجمال، فلم يتعرّض له. فندب الخليفة معه شاهدين حتى أتوا به، فإذا حوض مطبق بغطاء كشف عنه فإذا فيه صنم من رخام أبيض على هيئة الإنسان وهو واضع إصبعا فى فيه وإصبعا أخرى فى دبره فأمر الحافظ أحد الشاهدين أن يناوله ذلك؛ فلمّا أخذ الصّنم ضرط ضرطة عظيمة، فألقاه من يده وقد اشتدّ خجله. فقام موفّق، أحد الأستاذين المحنّكين، ليناوله إيّاه فضرط أيضا. فأمر الحافظ بتركه وعلم أنه طلسم القولنج.\rووجد فى مقطع الرخام سرب تحت الأرض فيه حبوة ممدودة أحضرت إلى الأستاذ مفضل،","footnotes":"(¬١) دخل هذا الأمير إلى الحجرة التى سجى بها الأمير حسن بعد تناول الشراب المسموم ليتأكد من موته فوخزه بسكينه فى مواضع من جسده.\r(¬٢) فى الأصل: انتهى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277176,"book_id":167,"shamela_page_id":884,"part":"3","page_num":192,"sequence_num":884,"body":"المعروف بصدر الباز، فإذا فيها حنش من ذهب زنته ستة مثاقيل ونصف مثقال، وعيناه من ياقوت أحمر، وفى فمه جرس من ذهب. فأعلم به الحافظ، فلم يزل يبحث عن خبره حتّى أحضرت له عدّة أحناش كبار، وأخرج ذلك الحنش المذكور فجعلت الأحناش الكبار تخرج رءوسها ثم تحركها مرّة أو مرّتين وتسقط ميتة.\rوكان الحافظ حريصا على علم السّيمياء. فظهر فى أيّامه الشيخ أبو عبد الله الأندلسى، شيخ بنى الأنصارى أوحد زمانه فى علم السّيمياء، فسأله الحافظ أن يريه شيئا من ذلك؛ فأراه ساحة القصر قد صارت لجّة ماء، فيها سفينة متعلقة وشوانى حريبات قد خرجت على تلك السفينة وقاتلت أهلها؛ والحافظ يرى لمعان السّيوف ومرور السّهام وخفقان البنود، ورءوس الرّجال وهى تسقط عن كواهلها، والدماء تسيل؛ حتى سلّم أصحاب السّفينة لأصحاب الشوانى فساروا بها والأبواق تزعق والطّبول تضرب، إلى أن غابت عن الأبصار فى لجج البحار. ثم كشف عن الحافظ فإذا هو قصره. ثم أمره أن يريه شيئا آخر: فقال: لنخرج من فى مجلس أمير المؤمنين إلى منزله؛ فأمرهم؛ فخرجوا حتى صاروا إلى حيث خيولهم واقفة بباب القصر، فلما قدمت إليهم ليركبوا فما منهم إلاّ من رأى فرسه كأنه ثور وقرناه كأعظم ما يكون من القرون؛ فعادوا إلى الحافظ وأعلموه بما رأوا، فضحك وقال: افدوا دوابكم منه. فقطع كلّ واحد منهم على نفسه شيئا فأمر له به.\rوما زال مقيما بمصر حتّى مات.\rوكان فى أيّام الحافظ أيضا ابن محفوظ، سأله أن يريه شيئا من أعماله؛ فأمر بأربعة أطباق فضة أن تحضر، فلمّا وضعت بين يديه امتلأت ياسمينا فى غير أوانه، وصار يعلو على كلّ طبق وهو مرصوص متماسك بعضه فوق بعض، إلى أن صار كأربعة أعمدة من رخام متقابلة (¬١).","footnotes":"(¬١) يذكر النويرى نقلا عن بعض المؤرخين أن الحافظ خطر بباله أن ينقل رسول الله، ﷺ، من المدينة إلى القاهرة، وكانت المدينة إذ ذاك يخطب بها لبنى العياس لظهور ملوك الدولة السلجوقية، فأرسل نحوا من أربعين رجلا من أهل النجدة والقدرة، فتوجهوا إلى المدينة وأقاموا بها مدة، وتحيلوا بأن حفروا سربا من مكان بعيد وعملوا حساب الخروج فى المكان المقصود، فعصم الله تعالى نبيه، ﷺ، من أن ينقل من المكان الذى اختاره له، فيقال إن السرب انهار عليهم فهلكوا، وقيل بل سعى بهم فأهلكوا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277177,"book_id":167,"shamela_page_id":885,"part":"3","page_num":193,"sequence_num":885,"body":"الظّافر بأمر الله أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله\rأبى الميمون عبد المجيد (¬١) بن الأمير أبى القاسم محمّد ابن المستنصر بالله\rولد يوم الأحد، النصف من ربيع الآخر، سنة سبع وعشرين وخمسمائة؛ وبويع فى اليوم الذى مات فيه الحافظ لدين الله، وهو كما تقدّم يوم الأحد الخامس من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وعمره سبع عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيّام (¬٢)؛ بوصيّة من أبيه له بالخلافة (¬٣). وكان أصغر أولاده وفيهم أبو الحجاج يوسف وأبو الأمانة جبريل، وهما (¬٤) أسنّ منه؛ وركب بزىّ الخلافة. واستوزر الأمير نجم الدّين أبا الفتح سليم بن محمّد بن مصال، بوصيّة الحافظ بذلك أيضا، ونعت بالسيّد الأجلّ الأفضل أمير الجيوش وخلع عليه خلع الوزارة؛ وهو يومئذ من أكابر الأمراء، وهو شيخ ليّن متواضع (¬٥).\rفسكن دار المأمون البطائحى (¬٦). وصار أبو الكرم التنّيسى من ذوى رأيه.\rوأوّل ما بدأ به الظافر أنه ركب بعد صلاة العشاء الآخرة بالشمع فى القصر، ووقف بباب الملك بالايوان المجاور للشّباك؛ وأحضر ابنى الأنصارى، وهما أبو عبد الله وأبو (¬٧)\rواستدعى متولّى السّتر، وهو صاحب العذاب، وأحضرت آلات العقوبة؛ وضرب الأكبر","footnotes":"(¬١) فى الأصل ابن عبد المجيد، وهو خطأ.\r(¬٢) فى هذا الحساب نظر، إذ الصواب أن عمره حين ولى الخلافة كان سبع عشرة سنة وشهرا واحدا وعشرين يوما. ويذكر أبو المحاسن أن عمره حين ولى الخلافة سبع عشرة سنة وأشهرا. وفى هذا تجوز أيضا. قارن النجوم الزاهرة: ٢٢٨:٥؛ نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٣) وأمه أم ولد تدعى ست الوفاء وقيل ست المنى. النجوم الزاهرة: ٢٨٨:٥.\r(¬٤ و ٥) ورد ما بين هذا الرقمين فى الأصل بشئ من الاضطراب هكذا: وهما أسن منه، فاستوزر الأمير نجم الدين أبا الفتح سليم بن محمد بن مصال، ونعت بالسيد الأجل الأفضل أمير الجيوش، وركب بزى الخلافة، وخلع عليه خلع الوزارة بوصية الحافظ بذلك أيضا، ونعت بالسيد الأجل الأفضل أمير الجيوش وهو يومئذ من أكابر الأمراء.\r(¬٦) التى كانت بجوار درب السلسلة. وقد حول صلاح الدين الأيوبى جزءا منها إلى مدرسة للحنفية عرفت باسم المدرسة السيوفية لوقوعها بجوار درب السيوفيين، ويذكر المقريزى أنها على زمنه كانت تقابل سوق الصناديقيين. وكانت هذه المدرسة أول مؤسسة تعليمية تخصص للأحناف بمصر. المواعظ والاعتبار: ٤٦٢:١ - ٤٦٣، ٣٦٥:٢ - ٣٦٦.\r(¬٧) بياض بالأصل لم أهتد بمساعدة ما بين يدى من مراجع التحقيق إلى ما يكمله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277178,"book_id":167,"shamela_page_id":886,"part":"3","page_num":194,"sequence_num":886,"body":"بحضوره بالسّياط إلى أن قارب الهلاك، وثنّى بأخيه كذلك، ثم أخرجا وقطعت أيديهما وسلّت ألسنتهما من أقفيتهما، وصلبا على بابى زويلة الأول والثانى (¬١) فأقاما زمانا ثم وضعا.\rوكان سبب قتلهما أنهما كانا من الكتاب فنبغا وتوصّلا بالحافظ، فاستخدمهما فى ديوان الجيش، فوثبا على رؤساء الدّولة وأعيان كتّابها وخواصّ الخليفة من الأستاذين المحنّكين، مثل الأجلّ الموفّق كاتب الدّست (¬٢) - وكان موضع سرّ الخليفة ومحلّ مشورته فى الأمور العظام من أحوال الممالك - ومن يليه، كالقاضى المرتضى المحنّك (¬٣)، والخطير ابن البوّاب، وتجرّءا على المذكورين وغيرهم مع قلّة دربة. فكثر حسّادهما وعمل عليهما فيما يخرج للأمراء والمقطعين من الخروجات فى كل سنة، ويشتمل الخرج على نعوت ذلك الأمير، فيصير ذلك الخرج إلى عامل الإقطاعات، وهو تحته. فذكرا فى أحد الخروجات كلاما طريفا ليؤخذ عليه خطّهما ليوقف عليه الخليفة حتّى يتبيّن له جهلهما، وهو: «حبطست حبطست، وفى النهر قد غطست، بغلالة أرجوان، صفراء بزعفران». فمشى عليهما ذلك وترجما الخرج بخطّهما؛ وخرج من أيديهما، فأحضر إلى الأجل الموفّق ابن الحجّاج، كاتب الدّست؛ فأخذه ودخل به إلى الخليفة الحافظ، وقال: يا مولانا، الأمثال مضروبة بحفظ ديوان هذه الدولة ومن يتولاّها، فكيف لو ظفر بهذا الخرج مخالف لها، يقصد التشنيع عليها. فقال له الحافظ: يا مولاى الموفّق، هبهما لى. فقال: يا مولانا، كلّنا مماليكك.\rوخرج؛ ولم يبلغ الأعداء منهما ما أرادوا؛ فزاد أمرهما فى الدّولة على الخليفة والاستعلاء على الناس.\rوأراد الأكبر منهما أن يدخل على الخليفة ويخرج ظاهرا ليراه النّاس، فجدّد له ديوانا سمّاه","footnotes":"(¬١) زويلة قبيلة من قبائل البربر الواصلين مع جوهر القائد من المغرب وقد سكنوا بحارة عرفت باسمهم بجوار البابين اللذين أنشأهما جوهر عند المدخل الجنوبى للقاهرة. يقول القلقشندى: وأحد هذين البابين القوس المجاور للمسجد المعروف بمسجد سام بن نوح، والثانى كان موضع الحوانيت التى يباع فيها الجبن على يسرة القوس المتقدم ذكره. وكان سبب إبطال هذا الباب أن المعز دخل القاهرة من باب القوس فازدحم الناس فيه وتجنبوا الدخول من الباب الآخر واشتهر بين الناس أن من دخل منه لم تقض له حاجة فأبطل. ولما جاء بدر الجمالى على زمن المستنصر أزال هذين البابين وأنشأ بدلهما الباب الموجود الآن والذى يسميه العامة باب المتولى أو بوابة المتولى. المواعظ والاعتبار: ٣٨٠:١ - ٣٨١؛ صبح الأعشى: ٣٤٨:٣ - ٣٤٩، ٣٦٣.\r(¬٢) الأجل الموفق أبو الحجاج يوسف بن محمد المعروف بابن الخلال.\r(¬٣) واسمه أبو عبد الله محمد بن الحسين الطرابلسى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277179,"book_id":167,"shamela_page_id":887,"part":"3","page_num":195,"sequence_num":887,"body":"ديوان التّرتيب، وجمع فيه من يخدم فى ترتيب الأعمال صفقة صفقة، وأن يكون أميرهم بجار يقرّر له - وهذا الترتيب يقال له فى غير هذه الدولة صاحب البريد - فكان يكاتب متولّى هذا الديوان بالأخبار بمطالعات تصل إليه مترجمة بمقام الخليفة فيعرضها من يده ويجاوب عنها بخطّه. فورد كتاب بعض أصحاب التّرتيب بقضيّة، فأجابه بكلام، وأراد الاستشهاد بآية من كتاب الله تعالى، فحرّفها وقالها على غير ما أنزلت؛ ووقع الجواب للموفّق، فأخذ فى كمّه مصحفا ودخل إلى الخليفة ومعه جواب ابن الأنصارى، وقال: يا مولانا، هذا كتاب الله تعالى قد حضر إلى مقامك، وهو المنزل على جدّك رسول الله، ﷺ، يشكو إليك جناية ابن الأنصارىّ عليه، فخذ بحقّه لهذه الجنايات (¬١)، والحمد لله إذ وقع هذا الكتاب إلى المملوك دون غيره، فإن المملوك لم يزل يتتبّع هذه الأمور لئلا يقع عليها أعداء الدّولة فيشيعوا ذلك فى الدّول المخالفة لها. فقال له الحافظ: أنا أعلم منك هذا وأعلم من المذكورين ما ذكرت؛ وقد كنت سألتك فيهما مرّة، وهذه الثّانية، فإنّ لهما علينا خدمة. فقال: العفو يا مولانا. وانصرف ولم ينل منهما غرضا. فأمر الحافظ ابن الأنصارى الأكبر أن يمضى إلى الأجلّ الموفّق ويخدمه فى داره.\rوكان يومئذ ديوان المكاتبات مقسوما بين أبى المكارم ابن أسامة وبين الموفّق، إلاّ أنّ ابن أسامة لا يلتفت لأمر الدّيوان لكثرة شغله بدنياه، فاستناب ابنه أبا المنصور عنه، وكان يلحق بأبيه فى الاشتغال بأمر دنياه عن النّيابة، فصار اعتماد الخليفة فى الدّيوان بأجمعه على الأجلّ الموفّق؛ وكان ينفذه ولا يشقّ ابن أسامة لما أسلفه من الخدم السابقة. ثم لمّا مات أبو المكارم أسامة، وكان فى الظّنّ أنّ ابنه أبا المنصور يستخدم مكانه، سبق ابن الأنصارى وسأل الحافظ فاستخدمه فى النّصف من ديوان المكاتبات فقط شريكا للموفّق فيه؛ وانفرد الموفّق بالإنشاء. ونعت ابن الأنصارىّ بالقاضى الأجلّ سناء الملك، وأمره الحافظ بخدمة الموفّق وأن يقنع معه بمجرّد الرّتبة. فشقّ ذلك على الموفق وصبر على ضرّ.\rوقرّر أبو المنصور بن أسامة فى ديوان الترتيب مكان ابن الأنصارىّ.\rوتجنّد ابن الأنصارىّ الأصغر وتأمّر فى يوم واحد، وخلع عليه بالطوّق، ورتّب فى زمّ","footnotes":"(¬١) فى الأصل: فخذ بحقه فإن هذا الجنايات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277180,"book_id":167,"shamela_page_id":888,"part":"3","page_num":196,"sequence_num":888,"body":"الإمريّة (¬١)، وهى إمرة طوائف الأجناد. فكثر الأعداء وتعدّدت الحسّاد؛ واشتغل النّاس بهما وأطلقوا الألسنة بذمّهما، فكان يقال: هذا الأمير الطّارى (¬٢)، ابن الأنصارىّ. ولجّ النّاس بالكلام فيهم وهم عاجزون عنهم، حتّى مات الحافظ فكان من أمرهما مع ابنه الظّافر ما تقدّم ذكره.\rوفى يوم الثلاثاء رابع شعبان اجتمع كثير من السودان وعدّة من المفسرين ببعض القرى (¬٣)، فخرج إليهم الوزير ابن مصال فنازلهم حتّى كسرهم.\rوكان الأمير المظفّر سيف الدّين معدّ الملك ليث الدّولة على بن إسحاق بن السّلار واليا على البحيرة والإسكندرية وكان ابن زوجه ركن الإسلام عباس والى الغربية. فلم يرض ابن السّلار بوزارة ابن مصال، وخرج من الإسكندرية إلى ربيبه (¬٤)، بالغربية واتّفقا على القيام وإزالة ابن مصال. فبلغه ذلك، فأعلم به الخليفة الظافر؛ فجمع الأمراء فى مجلس الوزارة وبعث إليهم زمام القصور يقول: هذا نجم الدّين وزيرى ونائبى فمن كان يطيعنى فليطعه (¬٥) ويمتثل أمره. فقال الأمراء، شيخ يقال له درى الحرون، وهو أحد أشرار القوم ومن رفقة ابن السّلار: إن سمع منّى ما أقول قلت. فقال له الوزير:: قل. قال: مولانا، صلوات الله عليه، يعلم وأنت تعلم أنّ ما فى الجماعة من يضرب فى وجه ابن السّلار بسيف، وأوّلهم أنا؛ فإن كان مولانا يقتل جميع أمرائه وأجناده فالأمر لله وله. فلمّا سمع الجماعة ذلك قاموا وخرجوا من القصر، وشدّوا على خيولهم، وساروا يريدون ابن السّلار.","footnotes":"(¬١) يعنى الإمارة. وقد وردت فى النجوم الزاهرة: ٢٩٤:٥ بنفس الصيغة الموجودة هنا بالمتن.\r(¬٢) المقصود به ابن الأنصارى الأصغر. نفس المصدر.\r(¬٣) يذكر النويرى أن هذه الثورة السودانية كانت بالبهنسانية (وكانت ولاية ومدينة على زمن الفاطميين، وهى الآن بمحافظة المنيا وتتبع مركز بنى مزار).\r(¬٤) بالأصل: إلى زوج أمه وصحته ما أثبت بالمتن، ذلك أن عباسا، والى الغربية، كان ابن السيدة بلارة من زوجها أبى الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس، وقد قدم الثلاثة إلى الإسكندرية مطرودين من المهدية، وكان عباس صغيرا، فمات أبو الفتوح بالإسكندرية وتزوجت أرملته، بلارة، من العادل بن السلار واليها، فتربى عباس فى رعايته. راجع النجوم الزاهرة: ٥؛ نهاية الأرب: ٢٨؛ وفيات الأعيان؛ كتاب الروضتين: ١ فى مواضع مختلفة.\r(¬٥) فى الأصل: فيطعه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277181,"book_id":167,"shamela_page_id":889,"part":"3","page_num":197,"sequence_num":889,"body":"فلمّا غلب الظّافر عن دفعه أعطى ابن مصال مالا كثيرا، وأمره أن يعمل لنفسه ما يرى فيه الخيرة وهو يساعده. وسار ابن السّلار فرأى ابن مصال أنه لا طاقة له به، فخرج إلى جهة الصّعيد، وعدّى إلى الجيزة ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان، عند ما سمع بوصول المظفر. وقدم ابن السّلار إلى القاهرة فى يوم الأربعاء خامس عشر شعبان، فوقف على القصر وسيّر إلى الظافر وإلى من يدبّره من النساء يعلم بحاله. فجرت بينه وبين أهل القصر مراجعات كثيرة آخرها أنه فتح له أبواب القصر وخلع عليه خلع الوزارة؛ ونعت بالسيّد الأجلّ أمير الجيوش، شرف الإسلام، كافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين.\rوبقى يحقد على الظّافر ميله مع ابن مصال؛ وفى نفس الخليفة نفور منه أيضا.\rوسكن دار الوزارة.\rوجمع ابن مصال كثيرا من السّودان ومن العربان ولواتة وغيرهم، وانضمّ إليه بدر بن رافع، مقدّم العربان، وسار بهم. فندب ابن السّلار ربيبه المظفّر أبا منصور ركن الدّين عبّاس بن أبى الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس فى عسكر، فنزل بركة الحبش. وقدم ابن مصال أمامه الأمير الماجد فى عسكر، فطرق عبّاسا على حين غفلة وقتل من عسكره كثيرا، وانهزم جماعة؛ وثبت عبّاس حتى أتته النجدة من الغد فكرّ على أصحاب ابن مصال وقاتلهم، فلم يفلت منهم إلا من سبحت به فرسه فى النيل؛ وأخذ الأمير الماجد نسيب ابن مصال وضربت عنقه. فسار ابن مصال إلى بلاد الصّعيد بجميع الأجناد والعربان.\rوشرع ابن السّلار يجهّز عبّاسا فجهّزه فى جيش كثيف وبادر بالخروج خوفا من الاجتماع على ابن مصال؛ فسار إلى دلاص (¬١) ومعه طلائع بن رزّيك، وهو أحد المقدّمين، فبرز إليه ابن مصال وواقعه عدّة وجوه؛ فانجلت الوقائع عن قتل ابن مصال وبدر بن رافع مقدّم العربان فى يوم الأحد التاسع عشر من شوّال. ويقال إنه بلغت عدّة","footnotes":"(¬١) تقع غربى النيل، من أعمال البهنسا، وهى مدينة تتبعها قرى، وهى الآن تتبع محافظة المنيا. معجم البلدان: ٦٦:٤؛ قوانين الدواوين: ١٠٥، ٢٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277182,"book_id":167,"shamela_page_id":890,"part":"3","page_num":198,"sequence_num":890,"body":"القتلى سبعة عشر ألفا. فعاد عبّاس وقد قوى ومعه رأس ابن مصال إلى القاهرة، فطيف بها على قناة القاهرة ومصر يوم الخميس ثالث عشرى ذى القعدة، وحمل أهله وولده إلى القصر وأخليت لهم قاعة؛ وخلع على ابن السّلار.\rوكان ابن مصال من أهل برقة. وخدم أوّلا فى البيزرة والصّيد هو وأبوه، فتقدّم فى الخدم حتى نال الوزارة. واتفق أنه مرّ فى وزارته مرّة فقالت له امرأة كانت تعرفه فى حال فقره: سليم وزرت؟ فقال لها: نعم. قالت: والله ما وزرت وبقى أحد. فضحك وأمر لها بصلة.\rوكان العادل ابن السّلار منذ استقرّ فى الوزارة أخذ ينظر فى أمر الأجناد المعروفين بالنهضة والعزم وزاد فى أرزاقهم، وتفقد خزائن السلاح، وحفظ النّواميس، وشدّ من مذهب أهل السّنة، فقدم عليه الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السّلفى (¬١)، فأكرمه وبنى له مدرسة بالإسكندرية.\rوقدم عليه مؤيّد الدولة أسامة بن مرشد بن علىّ بن منقذ، فأكرمه. إلا أنه كان يستوحش من الظّافر وخائفا على نفسه فأخبر بأن ينتدب رجالا يمشون فى ركابه بالزّرد والخوذ نحو السّتمائة ويجعلهم نوبتين بزمامين فى كلّ يوم نوبة؛ وأوهم أن الخليفة خبأ له قوما يغتالونه بالقصر. فنقل جلوس الخليفة من القاعة التى يدخل إليها من الدّهاليز المظلمة إلى الإيوان فى البراح والسّعة. فكان إذا دخل إلى الخليفة يدخل ومعه أولئك الذين انتدبهم كلّهم، فيجلس الخليفة فى الشباك بالإيوان ويجلس هو من خارجه.\rومع هذا يبالغ فى الخدمة ويظهر الطّاعة، ولا يخلّ بها فى قول ولا فعل.\rوكان للخليفة غلمان نحو الخمسمائة رجل يقال لهم صبيان الخاصّ وفيهم","footnotes":"(¬١) شيخ الإسلام أبو طاهر عماد الدين أحمد بن محمد بن سلفة الأصبهانى؛ تنقل بين أصبهان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة وغيرها متعلما ومعلما ومحدثا، واستغرقت رحلاته العلمية بضع عشرة سنة استقر بعدها فى الإسكندرية سنة إحدى عشرة وخمسمائة، ولم يخرج منها إلا إلى القاهرة لسماع الحديث؛ ويقال إنه أقام بها خمسة وستين عاما. وسلفة بكسر السين وفتح اللام والفاء: لفظ أعجمى بمعنى غليظ الشفة، وقيل بمعنى ذى الثلاث شفاه لأن شفة جده كانت مشقوقة فصارت مثل شفتين غير الأخرى الأصلية. وفيات الأعيان: ٣١:١ - ٣٢؛ تذكرة الحفاظ: ٩٠:٤؛ كتاب الروضتين: ٢٢٧:١؛ طبقات الشافعية للسبكى: ٤٣:٤ - ٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277183,"book_id":167,"shamela_page_id":891,"part":"3","page_num":199,"sequence_num":891,"body":"من هو أمير؛ فبلغ ابن السّلار أنّهم قد تحالفوا وتعاقدوا على أن يهجموا عليه وهو فى داره ليلا ويقتلوه. فلمّا كان فى سادس عشرى رمضان أغلق القاهرة والقصور وأحاط بصبيان الخاصّ وقتلهم؛ وفرّ منهم عدّة، فكتب إلى الولاة بقتل من ظفر به منهم. وأخذ يتبعهم حتى أتى على أكثرهم.\rوأصل هذه الطائفة التى كانت تعرف بصبيان الخاصّ أنّ من مات من الأمراء والأجناد وعبيد الدولة وله ولد فإنه يحمل إلى حضرة الخليفة ويودع فى أماكن مخصوصة ويؤخذ فى تعليمه أنواع الفروسيّة من الرّمى وغيره؛ ويقال لهم صبيان الخاصّ.\rوأخذ ابن السّلار فى الاحتفال بأمر عسقلان وسدّ خللها، وحمل إليها من الغلال والأسلحة شيئا كثيرا.\rوولىّ عضد الخلافة ناصر الدّين نصر بن عبّاس ربيبه مصر بشفاعة جدّته أم عبّاس، وكان فيه جرأة، فاستدناه الخليفة الظّافر وقرّبه واختصّ به.\rوفيها قتل الموفّق أبو الكرم محمد بن معصوم التنّيسى فى يوم الجمعة الرابع من شوال وكان يتولّى نظر الدّيوان. وذلك أنّ ابن السّلار لمّا كان فى بداية أمره من جملة الصّبيان الحجريّة (¬١) دخل يوما على الموفّق بن معصوم برسالة وأعادها عليه مرارا وأغلظ له فى القول فنفرت منه نفس ابن معصوم. فكتب له مرّة منشور بإقطاع وجاء به إلى ابن معصوم ليثبته. فلمّا رآه تغافل عنه وأهمل أمره إهانة له وكراهة فيه؛ فقال له ابن السّلار وقد تكرّر سؤاله وهو يعرض عنه: ما تسمع؟ فقال له الموفّق: كلامك ما يدخل فى أذنى أصلا. فولىّ ابن السّلار وخرج من غير أن يكتب له. وصرف الدّهر ضرباته، وصار ابن السّلار وزيرا وابن معصوم ناظر الدّواوين؛ فلمّا دخل عليه قال له: يا قاضى، ما أظنّ كلامى يدخل أذنك، فتلجلج (¬٢) وقال: عفو السلطان. فقال: قد استعملت العفو بخروجى","footnotes":"(¬١) وهم الذين ورد ذكرهم فى المتن قبل بضعة أسطر باسم صبيان الخاص. ذلك أن هؤلاء الصبيان الصغار كانوا يقيمون فى حجر خاصة بهم، يفرد لكل منهم حجرة ويكونون فى خدمة الخليفة متى احتاج إليهم، ويعدون إعدادا خاصا لهذه الخدمات ومن بين ما يهتمون بمعرفته أعمال الفروسية.\r(¬٢) اللجلجة والتلجلج التردد فى الكلام، وفعله تلجلج لازم، وتلجلج داره منه أخذها، القاموس المحيط.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277184,"book_id":167,"shamela_page_id":892,"part":"3","page_num":200,"sequence_num":892,"body":"من عندك. وأشار لبعض خدمه فأحضر مسمارا حديدا عظيم الخلقة، وقال: والله هذا أعددته لك من ذلك الوقت. وأمر به فجر وضرب المسمار فى أذنه حتى نفذ من الأخرى، وحمل إلى باب زويلة الأوسط ودق المسمار فى خشبة وعلق عليها ميتا، ثم أنزل بعد أيّام.\rوفيها رمى برأس سعيد السعداء الخادم من القصر فى سابع عشر شعبان (¬١)، ثمّ أخرج وصلب بباب زويلة من ناحية الخرق (¬٢). وهو هذا الذى تنسب إليه دويرة سعيد السعداء التى هى اليوم خانقاه برحبة باب العيد.\rوفيها قتل تاج الرئاسة ابن … (¬٣) المأمون البطائحى فى رابع عشر صفر.\rوفيها مات أبو الحسن على بن الحسن البيسانى، والد القاضى الفاضل عبد الرحيم ابن على، وكان قاضى بيسان والنّاظر فيها؛ ومولده فى ثانى عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة، ومولد أبيه الحسن يوم عيد الغدير من ذى الحجّة سنة ستين وأربعمائة (¬٤)","footnotes":"(¬١) هو الأستاذ قنبر، وقيل عنبر، وقيل بيان، ولقبه سعيد السعداء أحد الأستاذين المحنكين خدام القصر عتيق الخليفة المستنصر. يذكر المقريزى هنا أنه قتل فى سابع عشر شعبان من هذه السنة، ويذكر فى المواعظ والاعتبار أن قتله كان فى سابع شعبان. وكانت داره المذكورة هنا مقابل دار الوزارة، فلما تولى العادل بن طلائع بن رزيك الوزارة سكنها وجعل بينها وبين دار الوزارة سردابا يصل بينهما، وحولها صلاح الدين إلى دويرة للصوفية عرفت باسم خانقاه سعيد السعداء. المواعظ والاعتبار: ٤١٥:٢ - ٤١٦؛ صبح الأعشى: ٣٦٨:٣ - ٣٦٩. ولا يزال هناك شارع صغير يحمل اسم سعيد السعداء يتفرع من شارع حوش الشرقاوى الذى يبدأ من شارع تحت الربع بقسم الدرب الأحمر.\r(¬٢) يقع باب الخرق على رأس شارع تحت الربع من جهة الغرب، وينتهى إلى شارع غيط العدة، وأنشئت عنده قنطرة على الخليج عرفت باسمه. وقد تحول اسمه حديثا إلى باب الخلق. الخطط التوفيقية: ٥١:٣ - ٥٢.\r(¬٣) بياض بالأصل.\r(¬٤) بهامش الأصل: بياض أسطر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277185,"book_id":167,"shamela_page_id":893,"part":"3","page_num":201,"sequence_num":893,"body":"سنة خمس وأربعين وخمسمائة (¬١)\rفيها أغار جمع كثير من الفرنج على الفرما ونهبوها، وحرقوها وأخربوها، فى رجب (¬٢)","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها اليوم الثلاثين من أبريل سنة ١١٥٠.\r(¬٢) لم أجد لهذا الخبر سندا فى غير نهاية الأرب: ٢٨. وينفرد أبو المحاسن بذكر استيلاء الفرنج على عسقلان فى هذه السنة بالأمان بعد أن قتل من الفريقين خلق كثير، ويقول إن القتال كان قد تمادى بين الفريقين فى كل سنة إلى أن استسلمت فى هذه السنة وأخذ الفرنج جميع ذخائرها. ويذكر ابن القلانسى هذا الحدث فى أخبار سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ويذكر أن من أمكنه الخروج من أهلها برا أو بحرا فعل فى اتجاه مصر وغيرها. ويذكر كذلك أنه كان فى هذا الثغر من العدد الحربية والأموال والميرة والغلال ما لا يحصر فيذكر. ويضيف ابن الأثير إلى تفاصيل هذه الحادثة التى يذكرها فى أخبار سنة ثمان وأربعين وخمسمائة كذلك أن الوزراء كانوا فى كل سنة يرسلون إلى الثغر من الأسلحة والذخائر والأموال والرجال من يقوم بحفظها، فلما قتل ابن السلار وحدثت الاضطرابات الداخلية فى أعقاب ذلك اغتنم الفرنج الفرصة فهاجموها، وقاتل أهلها قتالا شديدا حتى كاد الفرنج ييئسون، ثم حدث خلاف بين أهلها انتهزه الفرنج وصدقوا القتال فاحتلوا البلد. ويذكر ستيفنسون خبر سقوطها بيد الفرنج فى أخبار سنة ١١٥٣ م وهى توافق سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. قارن: النجوم الزاهرة: ٢٩٩:٥ ذيل تاريخ دمشق: ٣٢١ - ٣٢٢؛ الكامل: ٧١:١١؛ وكذلك The Crusaders in the East;p .١٧١","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277186,"book_id":167,"shamela_page_id":894,"part":"3","page_num":202,"sequence_num":894,"body":"سنة ست وأربعين وخمسمائة (¬١)\rفيها جهّز أبو منصور علىّ بن إسحاق، المعروف بالعادل ابن السّلار، المراكب الحربية بالرّجال والعدد، وسيّرها فى ربيع الأول إلى يافا، فأسرت عدّة من مراكب الفرنج، وأحرقوا ما عجزوا عن أخذه، وقتلوا خلقا كثيرا من الفرنج بها. ثم توجّهوا إلى ثغر عكّا فأنكوا فيهم؛ وساروا منه إلى صيدا وبيروت وطرابلس فأبلوا بلاء حسنا، وظفروا بجماعة من حجّاج الفرنج فقتلوهم عن آخرهم (¬٢).\rوبلغ ذلك الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكى، ملك الشام، فعزم على قصد الفرنج ومحاربتهم فى البرّ، ولو قدّر ذلك لقطع الله دابر الفرنج، لكنّه اشتغل بإصلاح أمور دمشق (¬٣).\rوعاد الأسطول مظفرا بعد ما أنفق عليه العادل ثلاثمائة ألف دينار. وسبب مسير الأسطول تخريب الفرنج للفرما.\rوفيها قطع العادل بن السّلار جميع الكسوات المقررة للنّاس (¬٤) فى الدولة فعمّ ذلك الأمراء والدّواوين وغيرهم.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها اليوم العشرين من أبريل سنة ١١٥١.\r(¬٢) وعدد سفن هذا الأسطول سبعون مركبا حربية يذكر ابن القلانسى أنه لم يخرج مثلها فى السنين الخالية .. «إذ بلغت قدرا كبيرا من القوة وكثرة العدد والعدة والرجال». ذيل تاريخ دمشق: ٣١٥.\r(¬٣) كان نور الدين يحاول أخذ دمشق، شجعه على ذلك ميل كثير من رجالها وأجنادها إلى الدخول فى طاعته وقد استعرض نور الدين جيشه فبلغ ثلاثين ألف مقاتل. وانتهت هذه المحاولة بصلح بين الطرفين بعد أن تعرض نور الدين بالمناوشة لأطراف المدينة فى مناطق الغوطة وداريا وجسر الخشب وطريق حوران - دمشق ولم يخرج أحد من أهل دمشق وأجنادها لحرية أو لمعاونته. ذيل تاريخ دمشق: ٣١٥ - ٣١٦.\r(¬٤) يقول النويرى: وقطعت جميع الكساوى المرتبة للأمراء والدواوين عن أربابها وتوفرت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277187,"book_id":167,"shamela_page_id":895,"part":"3","page_num":203,"sequence_num":895,"body":"سنة سبع وأربعين وخمسمائة (¬١)\rفيها صرف ابن السّلار أبا الفضائل يونس عن القضاء، وكان من الأعيان النّزهين الأنفس، الكبيرين الهمم، العظيمين القدر، لم يشرب قطّ ماء النّيل بل ماء الآبار، ولم يأكل خبز السّلطان. وقرّر عبد المحسن بن محمّد بن مكرم من بعده؛ ثمّ صرفه وولّى بعده بدر بن ثمال بن نصير، وقيل بل الذى تولّى بعده أبو المعالى محمّد بن جميع ابن نجا الدسوقى الشافعى.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن من أبريل سنة ١١٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277188,"book_id":167,"shamela_page_id":896,"part":"3","page_num":204,"sequence_num":896,"body":"سنة ثمان وأربعين وخمسمائة (¬١)\rفيها خرج العسكر من القاهرة لحفظ ثغر عسقلان من الفرنج، وكانوا قد نزلوا عليها فى السنة الخالية. وكانت العادة أن يخرج فى كل ستّة أشهر عسكر بدلا من العسكر الّذى بالثغر. فلمّا قدم البدل كانت النّوبة لركن الدّين المظفّر أبى منصور عبّاس بن تميم ربيب العادل، فخرج ومعه من الأمراء ابنه نصر بن عبّاس والأمير ملهم والضّرغام وأسامة ابن منقذ وغيره، وكان لأسامة بعبّاس اختصاص كبير. فلمّا نزلوا بعد رحيلهم من القاهرة على بلبيس تذكّر عبّاس وأسامة مصر وطيبها وما هم خارجون إليه من مقاساة السّفر ولقاء العدوّ، فتأوّه عبّاس أسفا على مفارقته لذّاته بمصر، وأخذ يلوم العادل ويثرّب عليه (¬٢) من أجل كونه أخرجه. فقال له أسامة: لو أردت كنت أنت سلطان مصر. فقال: وكيف لى بذلك؟ فقال: هذا ولدك ناصر الدّين بينه وبين الخليفة مودّة عظيمة، فخاطبه على لسانه أن تكون سلطان مصر موضع عمّك، فإنه يحبك ويكره عمّك؛ فإذا أجابك فاقتل عمّك. فوقع هذا الكلام من عباس بموقع وقبله، فاستدعى ابنه وأسرّ إليه بما تقرّر بينه وبين أسامة وسيّره سرّا إلى القاهرة.\rوكان العادل قد كره تخصيص نصر بن عبّاس بالخليفة الظّافر، وقال لعبّاس [وأمّه] (¬٣) والله ما ينبغى اجتماع نصر بالخليفة؛ قولا له يقصر من اجتماعه فربّما نتج من شابّين ما لا ينبغى. وقال لأم عبّاس: لا يدخل ابنك دارى إلا بإذنى. فكأنّه يوحى بأنه قاتله.\rفلمّا سار نصر من عند أبيه ودخل إلى القاهرة كان وقت غفلة من العادل أمكنته فيها الفرصة، فاجتمع بالظّافر وأعلمه بالحال الّتى قدم من أجلها، فأعجبه ذلك وأذن فيه، لما كان فى نفسه من قتل ابن السّلار لصبيان الخاصّ وغير ذلك. ففارق نصر","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع والعشرين من مارس سنة ١١٥٣.\r(¬٢) التثريب التعبير والاستقصاء فى اللوم؛ وثرب عليه تثريبا قبح عليه فعله. مختار الصحاح.\r(¬٣) أضيف ما بين الحاصرتين لأن سياق الكلام يقتضيه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277189,"book_id":167,"shamela_page_id":897,"part":"3","page_num":205,"sequence_num":897,"body":"الخليفة وقد قوى عزمه، وأتى إلى دار جدّته السيدة بلارة بنت القاسم زوجة العادل، وأخبر العادل بأنّ أباه سمح له بالعود إلى القاهرة شفقة عليه وخوفا من وعثاء السّفر فقبل ذلك ومشى عليه. فلمّا أصبح العادل يوم الخميس سادس المحرّم مضى من أوّل النّهار إلى مصر لتجهيز المراكب الحربيّة والنّفقة فى رجالها وعرضها؛ فظلّ نهاره فى تهيئة ذلك ليلحق عبّاسا، وعاد فى أثناء النهار إلى داره بالقاهرة وقد لحقته مشقّة وتعب تعبا كثيرا. فلما استلقى على الفراش لينام، وكانت امرأته جدّة نصر قد توجّهت إلى الحمام وخلا له البيت؛ فجاء إلى باب السّرّ ودخل منه ومعه سيف، فإذا العادل قد نام وقت القائلة، فاخترط سيفه وضربه وهو خائف، فوقعت الضّربة على رجله، فثار من فراشه وأبصره، فقال: إلى أين يا كليب! وخرج نصر يعدو، وكان قد أعسّته جماعة من أصحابه، فلمّا صار إليهم وأعلمهم بما وقع قالوا له: قد قتلت نفسك وقتلتنا! ودخلوا وهو معهم، فإذا به قد جاء أستاذ من خدامه وهو يحدّثه فقتلوه وأخذوا رأسه، فطلع بها نصر إلى الظّافر. وماج الناس فى القاهرة.\rوسرح الطائر للوقت بطلب عبّاس من بلبيس، فقام من فوره وصار إلى القاهرة، فدخلها بكرة يوم الجمعة سادس المحرّم، ثانى يوم قتلة العادل؛ فوجد جماعة من الأتراك كان العادل اصطفاهم واختصّهم قد نفروا وتوحشت قلوبهم ممّا وقع؛ فأخذ يسكّن أمرهم، فلم يثقوا به ولا اطمأنوا إليه. وخرجوا يدا واحدة فساروا إلى دمشق.\rوكانت قتلة العادل فى يوم الخميس وقت الظهر السادس من المحرم، وله فى الوزارة ثلاث سنين وستة أشهر.\rولمّا حملت رأسه إلى الظّافر أشرف من باب الذهب، ونصبت الرأس ليراها النّاس، ثم حملت إلى خزانة الرءوس من بيت المال وجعلت فيها مع الرءوس، وما تحرّك لها ساكن، ولا تكلّم أحد. إلا أنّ نائحة كانت تسمّى خسروان كانت قد مهرت فى صناعة النّياحة على الأموات، وصارت تنشئ فى نواحها الرّوائع، فقالت فيه ترثيه سطرين أعجب بهما أدباء العصر من جملة قطعة:\rما تقبل الغفلة يا شهيد الدّار … يا شبيه ذى النّورين صاحب المختار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277190,"book_id":167,"shamela_page_id":898,"part":"3","page_num":206,"sequence_num":898,"body":"وبطل مسير العساكر إلى عسقلان (¬١). فسرّ الفرنج ما جرى، وكانوا محاصرين لعسقلان فقالوا لأهلها قتله ابنه وأنتم تقاتلون لمن؟ فلمّا صحّ الخبر لهم وهنوا لانقطاع المدد عنهم حتّى أخذها الفرنج وتقوّوا بأخذها. واستعرضوا كلّ جارية ومملوك بدمشق من النّصارى، وأطلقوا قهرا من أراد منهم الخروج من دمشق إلى وطنه شاء صاحبه أو أبى (¬٢).\rولمّا وصل عبّاس خلع عليه الظّافر خلع الوزارة فى يوم الجمعة المذكور، ونعت بالأفضل ركن الإسلام، فباشر وضبط الأمور، وأكرم الأمراء وأحسن إلى الأجناد لينسيهم العادل.\rواستمرّ ولده نصر على مخافطة الخليفة، فاشتغل به عن كلّ أحد، وأبوه لا يعجبه ذلك. وواصل الخليفة الظّافر نصر بن عبّاس بن تميم بالعطاء الجزيل، فأرسل إليه فى يوم عشرين صينية فضة فيها عشرون ألف دينار؛ ثم أغفله أيّاما وحمل إليه كسوة من كلّ نوع؛ وأغفله أيّاما وبعث إليه خمسين صينيّة فضة فيها خمسون ألف دينار؛ وأغفله أياما وبعث إليه ثلاثين بغل رحل وأربعين جملا بعددها وغرائرها وحبالها. وكان يتردد بينهما مرتفع بن فحل فى قتل نصر لابنه عباس كما قتل زوج جدته العادل ابن السّلار، فبلغ ذلك أباه على لسان أسامة بن منقذ فلاطفه واستماله. وزاد الأمر حتى كان الخليفة يخرج من قصره إلى دار نصر بن عبّاس، الّتى هى اليوم المدرسة المعروفة بالسّيوفيّة (¬٣). فخاف عبّاس من جرأة ابنه وخشى أن يحمل الخليفة على قتله فيقتله كما قتل ابن السّلار، فعتبه سرّا ونهاه عن ملازمة الخليفة وابنه، فلم يفد فيه القول.","footnotes":"(¬١) كان ثغر عسقلان من أواخر الثغور الفاطمية بالسواحل الشامية التى صمدت للإغارات الصليبية والفرنجية حتى سقطت فى هذا العام، عام ثمان وأربعين وخمسمائة، وكان الفاطميون يرسلون إلى هذا الثغر بالبدل لتجديد حاميته وتقويتها؛ وفى عهد الحافظ لدين الله كان هذا البدل يخرج كل ستة أشهر فى القلة بين مائتى فارس وأربعمائة، وفى الكثرة بين أربعمائة فارس وستمائة، ومعهم عددهم وذخائرهم وأموالهم وأموال أخرى يحملونها إلى المقيمين بالثغر، وتوقف هذا بعد مقتل ابن السلار لما أعقبه من فتن واضطرابات كان الوزير عباس الصنهاجى من بين ضحاياها. وبقيت عسقلان فى يد الفرنج حتى استردها منهم صلاح الدين الأيوبى سنة ٥٨٣. كتاب الروضتين: ٢٢٣:١.\r(¬٢) قارن ذيل تاريخ دمشق: ٣٢١؛ الكامل ٧١:١١.\r(¬٣) كانت تعرف فى أول الأمر بدار جبر بن القاسم، ثم اتخذها المأمون البطائحى، وزير الآمر بأحكام الله، مقرا له. وفى جزء من هذه الدار افتتحت المدرسة السيوفية للحنفية على زمن صلاح الدين الأيوبى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277191,"book_id":167,"shamela_page_id":899,"part":"3","page_num":207,"sequence_num":899,"body":"وفيها وصلت مراكب من صقلية، فملكوا مدينة تنّيس (¬١).\rوفيها مات رجار بن رجار صاحب جزيرة صقلية، وقام من بعده ابنه وليالم بن رجار بن رجار (¬٢)، فاستردّ المسلمون سواحل إفريقية والمهديّة (¬٣).","footnotes":"(¬١) يذكر ابن الأثير أنهم قدموا إلى مدينة تنيس ونهبوها، ولم يذكر أنهم تملكوها. الكامل: ٧٢:١١. وتنيس مدينة قديمة كانت قائمة فى جزيرة صغيرة فى الجهة الشمالية الشرقية من بحيرة المنزلة على بعد تسعة كيلومترات من الجنوب الغربى لمدينة بور سعيد. وقد نقل أهلها زمن الكامل الأيوبى إلى دمياط بسبب إغارة الصليبيين فخربت البلد منذئذ. ويلاحظ التمييز بين تنيس هذه بكسر التاء وتشديد النون المكسورة وتانيس، صان الحجر، بمركز فاقوس وتنيس بغير تشديد، وهى البربا، بمركز جرجا. النجوم الزاهرة: ٣١٢:٥.\r(¬٢) هو William،the Bad وليام الردئ؛ توج فى حياة والده روجر الثانى سنة ١١٥١ (توفى روجر ١١٥٤) وظل فى حكم الجزيرة حتى سنة ١١٦٦. وفى عهده حدثت اضطرابات محلية فى صقلية سببها عدم اطمئنان الناس إلى معاونيه فى الحكم فأدت هذه الاضطرابات إلى ضعف قبضته على المناطق التى كانت قد خضعت لوالده فى الشمال الإفريقى. دائرة المعارف البريطانية.\r(¬٣) فى هذا الموضع بنسخة الأصل، عقب نهاية أحداث سنة ٥٤٨، طيارة جاء فيها: «بخطه: وفى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ورد الخبر أن الفرنج أصروا على أخذ عسقلان فأمر بحمل رأس الحسين بن على بن أبى طالب إلى القاهرة، فأخرج وله رائحة كالمسك ولم يجف دمه، ثم حمل فى عشارى من عشاريات الخدمة مع مكنون الخادم وخرج معه الأمير سيف المملكة متولى عسقلان والقاضى المؤتمن ابن مسكين، فسارا بها حتى وضعوه فى الكافور، فأدخل به من السرداب إلى قصر الزمرد.\rوكان الإمام الظافر بأمر الله أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ قد بنى المسجد المعروف اليوم بجامع الفكاهين ليجعله فيه، فجمع الظافر أهل بيته واستشارهم فأشاروا بأن يجعل الرأس عندهم فى القصر، فدفن عند قبة الديلم من القصر بدهليز الخدمة، وصار كل من يدخل منه للخدمة يقبل الأرض أمام القبر. وكانوا ينحرون عنده فى كل يوم عاشوراء الإبل والبقر والغنم ويكثرون البكاء والنوح ويسبون من قتله، ولم يزالوا كذلك حتى زالت دولتهم. وكان وصول الرأس فى يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة منها وحصل فى القصر يوم الثلاثاء عاشره. وأنشد القاضى ابن الزبير فى دخول الرأس أبياتا نونية، منها:\rما لنا نطلب ما يفنى ولا … نطلب الأمن الذى يبقى لنا\rلهف قلبى على رءوس نقلت … هو سواها هنا بعد هنا\rويبدو واضحا ما فى الشطر الأول من البيت الثانى من اضطراب الوزن، وما فى البيت جميعه من غموض فى المعنى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277192,"book_id":167,"shamela_page_id":900,"part":"3","page_num":208,"sequence_num":900,"body":"سنة تسع وأربعين وخمسمائة (¬١):\rفيها استدعى الظّافر ناصر الدّولة نصر بن عبّاس وأخرج له صينيّة من ذهب فيها ألف حبّة ما بين لؤلؤ وياقوت أحمر وأصفر وزمرّد أخضر ذبابى (¬٢)، وأمر له من بيت المال بعشرة آلاف دينار مصرية (¬٣)، فقتله بعد هذه الهديّة بستة أيام. وذلك أنه خرج الخليفة الظّافر متنكرا من قصره فى ليلة الخميس سلخ المحرّم ومعه خادمان، وسار على عادته إلى دار نصر بن عباس، فقتله نصر، وحفر له تحت لوح رخام ودفنه؛ وقتل سعد الدّولة، أحد الخادمين اللذين خرجا معه من القصر، وفرّ الآخر.\rوكان سبب قتله أن الأمراء استوحشوا من أسامة بن منقذ عند ما علموا أنه هو الّذى حسّن لعبّاس قتل ابن السّلار وتحدّثوا بقتله، وقيل للظّافر عنه إنّه غريب ومن دولة أخرى وإنّ فى تركه وقوع ما لا يمكن تداركه. فلمّا بلغ أسامة ذلك أخذ يغرى عبّاسا بابنه نصر ويبالغ فى القصّة حتى قال له يوما: كيف تصبر على ما يقول النّاس فى حقّ ولدك واتهامهم الخليفة أنّه يفعل به ما يفعل بالنّساء. فشقّ على عبّاس ولام ابنه، فلم يصغ إلى لومه.\rفلمّا أنعم الظّافر على نصر بناحية قليوب وحضر إلى أبيه ليعلمه بذلك قال أسامة، وكان","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن عشر من مارس سنة ١١٥٤.\r(¬٢) فى وصف الزمرد يقول القلقشندى، نقلا عن بلينوس، والزمرد ابتدأ لينعقد ياقوتا وكان لونه أحمر إلا أنه لشدة تكاثف الحمرة بعضها على بعض عرض له السواد، وامتزجت الحمرة والسواد فصار لونه أخضر .. ثم يقول وأفضل أنواعه وأشرفها الذبابى، ويزداد حسنه بكبر الجرم واستواء القصبة وعدم الاعوجاج فيها، وهو شديد الخضرة لا يشوب خضرته شيء آخر من الألوان، جيد المائية، شديد الشعاع. ويسمى ذبابيا لمشابهة لونه فى الخضرة لون كبار الذباب الأخضر الربيعى، وهو من أحسن الألوان خضرة وبصيصا. وهو أقل من القليل، بل لا يكاد يوجد. صبح الأعشى: ١٠٧:٢ - ١١٠.\r(¬٣) يتحدث القلقشندى عن الدنانير المسكوكة بالديار المصرية وما يأتى إليها من المسكوك فى غيرها من الممالك، فيقول: وهى ضربان: الضرب الأول ما يتعامل به وزنا كالذهب المصرى وما فى معناه، والعبرة فى وزنها بالمثقال فكل سبعة مثاقيل زنتها عشرة دراهم والمثقال أربعة وعشرون قيراطا، وقدر بثنتين وسبعين حبة شعير من الشعير الوسط. والضرب الثانى ما يتعامل به معادة (بالعدد) وهو ما يأتى من بلاد الإفرنجة والروم، كل دينار منها بتسعة عشر قيراطا ونصف قيراط من المصرى، واعتباره بصنج الفضة المصرية كل دينار زنة درهم وحبتى خروب يرجح قليلا. ثم يصف القلقشندى هذه الدنانير الإفرنتية، وتعنى الإفرنسية؛ ثم يتحدث عن بعض الدنانير المصرية، ويعلق بعد ذلك بقوله: وصرف الذهب بالديار المصرية لا يثبت على حال بل يعلو تارة ويهبط أخرى بحسب ما تقتضيه الحال. قارن: صبح الأعشى: ٤٣٦:٣ - ٤٣٩؛ وانظر كذلك: حالة مصر الاقتصادية فى عهد الفاطميين: ٣٠٠ - ٣٠٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277193,"book_id":167,"shamela_page_id":901,"part":"3","page_num":209,"sequence_num":901,"body":"حاضرا، ما هى بمهرك غالية. فامتعض لذلك عبّاس وقال لأسامة: كيف الحيلة فى الخلاص ممّا بلينا به؟! فقال: هيّن؛ هذا الخليفة فى كل وقت يأتى إلى عند ولدك فى داره خفية، فمره إذا جاء أن يقتله. فاستدعى عباس ابنه وقال: يا بنىّ قد أكثرت من ملازمة الخليفة وتحدّث النّاس فى حقّك بما أوجع باطنى، وقد يصل من هذا إلى أعدائنا ما لا يزول. فاحتدّ نصر وقال له: أيرضيك قتله؟ فقال: أزل التّهمة عنك كيف شئت.\rفأخذ نصر يعمل الحيلة فى قتل الظّافر وسأله أن يخرج إلى داره ليلا فى سرّ من الخدم ليتفسّحا فى منزله ليلة واحدة؛ وكان منزله دار المأمون البطائحى. فخرج إليه فى عدّة يسيرة من الخدم؛ فلمّا تحصّل عنده اغتاله، وقتل الخدم الذين معه بالجماعة الّذين قتل بهم العادل ابن السّلار، ورمى بهم فى جبّ عنده، وغطّى رأس الجبّ بقطعة رخام بيضاء فصارت من جملة رخام المجلس، فخفى أمره. ثم مضى نصر إلى أبيه وعرّفه قتل الظافر.\rوكان الظّافر من أحسن النّاس صورة، وقتل وله من العمر إحدى وعشرون سنة وتسعة أشهر وخمسة عشر يوما، منها مدّة خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وأربعة عشر يوما. وكان محكوما عليه من الوزراء.\rوفى أيّامه أخذ الفرنج عسقلان واستولوا عليها، وظهر الوهن والخلل فى الدّولة، فإنّه كان كثير اللهو واللّعب مع جواريه، مقبلا على سماع المغنى. وهو الّذى أنشأ الجامع المعروف الآن بجامع الفكاهين فى خطّ الشّوّايين من القاهرة (¬١).","footnotes":"(¬١) لا يزال هذا المسجد موجودا إلى الآن ويسميه المقريزى باسم جامع الفاكهيين، ويقول إنه كان يسمى جامع الأفخر ويعرف اليوم باسم جامع الفاكهانى نسبة إلى السيد محمد الأنور الفاكهانى. وله بابان أحدهما يطل غربا على شارع المعز لدين الله فى القسم الذى كان يعرف بشارع العقادين والآخر يطل على حارة خوش قدم من جهته الشمالية. وقد أنشأه الخليفة الظافر سنة ٥٤٨ (ويخطئ المقريزى والقلقشندى حين يحددان سنة ٥٤٣ تاريخا لبنائه إذ أن الظافر تولى الخلافة سنة ٥٤٤)، وكان قبل ذلك زريبة للكباش. وسبب بنائه جامعا أن خادما كان يشرف على الزريبة فرأى ذباحا وقد أخذ رأسين من الغنم فذبح أحدهما ورمى سكينه وذهب لقضاء حاجة له، فأتى رأس الغنم الآخر فأخذ السكين بفمه ورماها فى البالوعة، وجاء الذباح فلم يجد السكين فاستصرخ الخادم وخلصه منه، فرفعت القصة إلى أهل القصر فأمروا بعمارته مسجدا. ويقال إن الظافر كان يريد أن يدفن رأس الحسين، ﵁، بهذا المسجد بعد أن استنقذها من عسقلان عند ما أخذها الفرنج، فأشار عليه أهل القصر بدفن الرأس الشريفة بداخل القصر. صبح الأعشى: ٣٦١:٣؛ المواعظ والاعتبار: ٢٩٣:٢؛ الخطط التوفيقية: ٣٠:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277194,"book_id":167,"shamela_page_id":902,"part":"3","page_num":210,"sequence_num":902,"body":"وفيها ملك نور الدّين محمود بن عماد الدّين زنكى بن آق سنقر دمشق من مجير الدين أبق بن محمد بن بورى بن طغتكين، فسار أبق إلى بغداد، وبها مات (¬١).\rوكان عند الإمام الظّافر فى قصر الرّوض ببغاء بيضاء تقرأ المعوّذتين وتستدعى كثيرا من الأستاذين بأسمائهم ونعوتهم (¬٢).","footnotes":"(¬١) دخل نور الدين دمشق وعوض صاحبها عنها مدينة حمص فسار إليها وأقام بها ثم حاول إثارة الفتنة بدمشق فراسل أهلها، فبلغ الخبر نور الدين فخشى ما قد يترتب عليه لا سيما مع مجاورة الفرنج، فأخذ حمص من مجير الدين وعوضه عنها مدينة بالس على ضفة الفرات الغربية، بين حلب والرقة، فلم يرضها وسار عن الشام إلى العراق فأقام ببغداد وابتنى بها دارا تجاور المدرسة النظامية وتوفى بها سنة أربع وستين وخمسمائة. كتاب الروضتين: ٢٤١:١ - ٢٤٢؛ الباهر فى تاريخ أتابكة الموصل؛ معجم الأنساب. ويقول ابن القلانسى فى ظروف سقوط دمشق بأيدى نور الدين: وتقدم نور الدين ورجاله نحو مدينة دمشق من الجهة الشرقية حتى قربوا من سور باب كيسان من الجهة القبلية وليس على السور نافخ من العسكرية والبلدية غير نفر يسير من الأتراك لا يؤبه بهم، فتسرع بعض الرجالة إلى السور وعليه امرأة يهودية فأرسلت إليه حبلا فصعد فيه وحصل على السور وتبعه غيره ونصبوا عليه علما وصاحوا يا منصور، وامتنع الأجناد والرعية من المقاومة لمحبتهم لنور الدين وعدله وحسن ذكره. ذيل تاريخ دمشق: ٣٢٧.\r(¬٢) لعل المقصود به قصر الورد بالخاقانية، إذ كان من متنزهات الفاطميين يوم قصر الورد بالخاقانية من قرى قليوب، وبها جنان كثيرة تعتبر من خاص الخليفة، ودويرات (أحواض) يزرع فيها الورد، فيسير إليها الخليفة يوما من أيام نزهته، ويقام له فيها قصر عظيم من الورد ويخدم بضيافة عظيمة. المواعظ والاعتبار: ٤٨٨:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277195,"book_id":167,"shamela_page_id":903,"part":"3","page_num":211,"sequence_num":903,"body":"الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظّافر بأمر الله\rأبى المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله أبى الميمون عبد المجيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277196,"book_id":167,"shamela_page_id":904,"part":"3","page_num":213,"sequence_num":904,"body":"يقال فى اسم أمه ست الكمال، ويقال إحسان. ولد يوم الجمعة حادى عشر المحرّم، وقيل لتسع بقين من المحرّم، سنة أربع وأربعين وخمسمائة؛ وبويع له عند قتل أبيه يوم الخميس سلخ المحرّم سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وعمره يومئذ خمس سنين وعشرون يوما\rوكان من خبره أنه لمّا قتل نصر بن عبّاس الخليفة الظّافر فى ليلة الخميس أصبح الوزير عبّاس متوجّها إلى القصر فى يوم الخميس على العادة، فلمّا صار إلى مقطع الوزارة وطال جلوسه والخليفة لم يجلس استدعى زمام القصر مفلحا وقال له: إن كان لمولانا ما يشغله عنّا فى هذا اليوم عدنا إليه فى الغد. فمضى الزّمام وهو حائر لا يدرى ما يعمل وأعلم أخوى الظّافر، يوسف وجبريل، وكانا رجلين وأحدهما مكتهل، فأخبرهما بالقصّة، ولم يكن عندهما من خروج أخيهما إلى دار نصر بن عبّاس خبر ولا علما إلاّ فى تلك السّاعة؛ فلم يشكّا حينئذ أنه قتل، وقالا للزّمام: هبك اعتذرت اليوم هل يتمّ لك هذا مع الزّمان؟ فقال: فما تأمرانى؟ فقالا: اصدقه وحاققه. فعاد إليه وقال: ثمّ سرّ ألقيه إليك بحضور الأمراء الأستاذين. فقال: ما ثمّ إلاّ الجهر. فقال: إنّ الخليفة خرج البارحة لزيارة ولد لك فلم يعد بغير العادة. فقال: تكذب يا عبد السّوء، وإنّما أنت مبايع أخويه يوسف وجبريل اللّذين حسداه على الخلافة واغتالاه فاتّفقتم على هذا القول. فقال: معاذ الله. قال:\rفأين هما؟ فخرجا إليه ومعهما ابن عمّ لهما يقال له أبو التّقى صالح بن حسن بن (عبد المجيد ابن محمد بن) (¬١) المستنصر، فقال: حضرا. فقال لهما: أين الخليفة؟ فقال الثلاثة: هو بحيث يعلم ابنك ناصر الدين، قال: لا، وإنّما أنتما قتلتماه حسدا له. قالا: هذا بهتان","footnotes":"(¬١) وصالح هذا ابن الأمير حسن بن الخليفة الحافظ الذى كان قد تولى عهد الخليفة الحافظ وأساء السيرة وشغب على أبيه ونكل برجال الدولة حتى طالبوا بقتله، فدبر الحافظ أمر قتله بالسم بمعونة طبيبه الخاص. وقد تقدم ذكر هذا تفصيلا فى أثناء الحديث عن خلافة الحافظ. وقد زيد ما بين الحاصرتين استعانة بما مضى فى المتن بشأن هذه الحادثة، وبما جاء فى النجوم: ٣٠٧:٥؛ وفى نهاية الأرب: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277197,"book_id":167,"shamela_page_id":905,"part":"3","page_num":214,"sequence_num":905,"body":"منك لأن بيعة أخينا فى أعناقنا وهؤلاء الأمراء الحاضرون يعلمون ذلك، وإننا لفى طاعته بوصيّة أبينا. فكذّبهما، وأمر غلمانه يقتلونهم، الثلاثة.\rوكان فى القصر ألف سيف مجرّدة، فشوهد أمر قبيح لم ير أشنع منه لما جرى فيه من البغى الّذى ينكره الله تعالى وجميع الخلق.\rوقال لزمام القصر: أين ابن مولانا؟ فقال: حاضر. قال: فدلّنى إلى مكانه. فدخل بنفسه إليه، وكان عند جدّته لأمّه، فحمله على كتفه وأخرجه للنّاس قبل أن يرفع القتلى، وبويع بالخلافة، ولقّب بالفائز بنصر الله (¬١)؛ وعمره يومئذ خمس سنين وعشرون يوما؛ وصار يشاهد القتلى فحصل له فزع واضطراب، وما زال مدّة خلافته لم يطب له عيش لأنه كان يصرع كلّ قليل (¬٢).","footnotes":"(¬١) يقول النويرى: «ووقف فى القاعة وأمر أن تدخل الأمراء، فدخلوا. فقال هذا ولد مولاكم وقد قتل أبوه وعماه كما ترون والواجب الطاعة لهذا الطفل. فقالوا بأجمعهم؛ سمعنا وأطعنا، وصاحوا صيحة عظيمة زل منها عقل الصبى واختل». ويتفق أبو المحاسن مع النويرى فى هذه العبارات ويعزوها إلى الحافظ أبى عبد الله الذهبى فى كتاب تاريخ الإسلام. نهاية الأرب: ٢٨، النجوم الزاهرة: ٣٠٨:٥. ويقول ابن خلكان: وصاحوا صيحة واحدة اضطرب منها الطفل وبال على كتف عباس. وفيات الأعيان: ٣٩٥:١. ويروى أبو المحاسن عن سبط ابن الجوزى أن عباسا قتل أخوى الظافر وابن أخيه صبرا بين يديه، ثم أحضر أعيان الدولة وقال: إن الظافر ركب البارحة فى مركب فغرق. ثم أخرج عيسى ولد الظافر. النجوم الزاهرة: ٢٨٩:٥ ولم أر هذه الرواية فى غيره.\r(¬٢) ويذكر أبو شامة، نقلا عن أسامة بن منقذ: فما راعنا إلا قوم قد خرجوا من المجلس مجتمعين إلى القاعة فإذا السيوف تختلف على إنسان هو أبو الأمانة جبريل قد قتلوه وواحد قد شق بطنه يجذب مصارينه، ثم خرج عباس وهو آخذ برأس الأمير يوسف تحت إبطه وفى رأسه ضربة سيف والدم يفور منها، وأبو البقاء ابن أخيه مع ابنه نصر. ثم أدخلوهما خزانة فى القصر فقتلوهما وفى الخزانة ألف سيف مجرد. قال: وكان ذلك من أشد الأيام التى جرت على لأنى رأيت من الفساد والبغى ما ينكره الله سبحانه وجميع خلقه. انظر كتاب الروضتين: ٢٤٥:١؛ كتاب الاعتبار: ١٦. وأمام هذا الموضع بالأصل طيارة نصها: «بخط المصنف فى نصف ورقة ملفوفة بهذا المحل: - لما فعل عباس بأولاد الحافظ ما فعل حنقت عليه قلوب الناس وأضمروا العداوة والبغضاء. وكاتب من فى القصر من بنات الحافظ فارس المسلمين أبا الغارات طلائع بن رزيك يستصرخون به، فحشد وخرج من البهنسا يريد القاهرة. وبلغ ذلك عباسا، فخرج يوم الخامس عشر من صفر وجعل ابنه ناصر الدين نصرا على القاهرة، فلما خرج قام عليه الجند وغلقوا أبواب القاهرة ووقع القتال فى الشوارع، فأسرع الناس وفتحوا أبواب القاهرة. فلما جاءهم واستدناهم انهزموا، فلما تحقق عداوة الجند والأمراء علم أنه لا مقام له بينهم وعزم على قصد الشام واللحاق بنور الدين الشهيد ليستنجده. هذا والرسل تتردد بين القصر وبين طلائع وهو يستميل الأمراء إليه ويبعث إليهم. فلما بلغ ذلك عباسا استحلف الأمراء أنهم لا يخونونه ولا يخامرون عليه، وأحضر مقدمى العرب من رؤساء رزيق وحزام وسنبس وطلحة ولواتة وحلفهم بالمصحف وبالطلاق على مثل ذلك. واهتم بأمر سفره بخيله وجماله، وكان له مائتا حصان وحجرة مجنوبة على أيدى الرحالة كعادة الوزراء بمصر ومائتا بغل للرحلة وأربعمائة جمل لحمل أثقاله، يريد أن يخرج فى يوم السبت خامس عشر ربيع الأول يطالع أخباره، فما راعه بكرة الجمعة رابع عشره إلا والناس قد لبسوا السلاح وزحفوا إلى داره ورءوسهم -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277198,"book_id":167,"shamela_page_id":906,"part":"3","page_num":215,"sequence_num":906,"body":"ومن طريف ما وقع فى هذا اليوم أن الوزير عبّاسا لمّا أراد الدّخول إلى المجلس وجد بابه قد قفل من داخل، وكان متولى فتح المجلس وغلقه أستاذ شيخ يقال له أمين الملك، فاحتالوا فى الباب حتى فتحوه ودخلوا، فإذا أمين الملك خلف الباب وهو ميّت وفى يده المفتاح.\rوفى أثناء ذلك حضر الخادم الذى أفلت من نصر إلى القصر وحدّثهم بكيفية قتلة الظّافر، فكثرت النّياحة عليه بالقصور. وظنّ عبّاس أنّ الأمر قد استقام له، فجاء خلاف ما أمّل. وأخذ أهل القصور فى إعمال الحيلة عليه؛ وكان الأمراء والسّودان قد نافروه واستوحشوا منه لما فعله بأولاد الحافظ، وأضمروا له العداوة والبغضاء. فاختلفت عليه الكلمة، وهاجت الفتنة، وصار العسكر أحزابا ولبسوا السّلاح. فخرج إليهم عبّاس فى يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول، فكانت بينه وبينهم محاربة انكسروا فيها منه، وقتل منهم جماعة.\rهذا وأهل القصر فى تدبير العمل عليه، فبعثت عمّة؟؟؟ الفائز إلى فارس المسلمين أبى الغارات طلائع بن رزّيك، وكان واليا على الأشمونين (¬١) والبهنسا (¬٢)، بالكتب وفى طيّها","footnotes":"= - الأمراء الذين استحلفهم بألا يخونوه، فأمر فشدت دوابه وأوقفت على باب داره وصارت سدا بينه وبين المصريين بحيث لا يصلون إليه لازدحام الدروب، فخرج إليهم غلامه عنبر الكبير، وهو زمامهم، وصاح عليهم وسبهم وقال روحوا إلى بيوتكم وبيتوا الدواب، ومضى الركابية والمكارية والحمالون وبقيت الدواب مهملة فوقع فيها النهب. وكانت الأتراك عند باب النصر والكتاب تنفق فيهم، فبعث إليهم عباس الأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ ليحضرهم، وهم ثمانمائة فارس، فركبوا كلهم وخرجوا من باب القاهرة منهزمين عن القتال، وركب المماليك، وهم أكثر من الأتراك، وخرجوا أيضا من باب النصر وعاد أسامة إلى عباس وعرفه ذلك. فاشتغل كل أحد بإخراج أهله، وخرجت خدم عباس وقد نهبت تلك الدواب بأجمعها وخلت الطريق ورجعت عساكر المصريين وأخرجوا عباسا ومن معه وهم فى قلة والمصريون فى كثرة. فلما خرج عباس من باب النصر أغلق المصريون أبواب القاهرة وعادوا إلى دور عباس وأصحابه فنهبوها، وتجمعت قبائل العربان الذين استحلفهم عباس وقاتلوا عباسا خارج باب النصر من ضحى يوم الجمعة المذكور إلى يوم الخميس العشرين منه وسار وهم يقاتلونه النهار كله فإذا جن الليل اغفلوا حتى ينام - يركبون فى مائة فارس ويرفعون أصواتهم بالصياح فيأخذون الخيل ويأسرون الرجال. فلما كان يوم الأحد ثالث عشر صحبهم الفرنج فى جمعهم على .... فقتلوا عباسا وابنه حسام الملك وأسروا ابنه ناصر الدين وأخذوا خدامه وحرسه وقتلوا من ظفروا به، وأسروا نجم الدولة أبا عبد الله محمد بن منقذ، وفر أسامة فى طائفة إلى دمشق وهم فى أسوأ حال، ودخلوها يوم الجمعة خامس ربيع الآخر من سنة خمس وأربعين وخمسمائة». اهـ.\r(¬١) ولاية الأشمونين والطحاوية بالوجه القبلى، جنوب ولاية البهنسا، وكانت عملا واسعا كثير الزرع متقارب القرى؛ وقاعدة الولاية مدينة الأشمونين، بضم الهمزة وسكون الشين وضم الميم، بالشاطئ الغربى للنيل، وهى الآن أطلال تجاورها قرية الأشمونين إحدى قرى مركز ملوى بمحافظة أسيوط، وكانت هذه الولاية فى الأصل عملين أحدهما عمل الأشمونين والثانى عمل طحا المدينة، بفتح الطاء والحاء، ثم صارا عملا واحدا. صبح الأعشى: ٣٧٨:٣، ٣٩٤ - ٣٩٥؛ النجوم الزاهرة: ١٩٦:٣؛ قوانين الدواوين: ١٠٥ - ١٠٧.\r(¬٢) ولاية البهنسا، أو البهنسى، أو البهنساوية: تلى ولاية الجيزة، أو الجيزية، من الجنوب، ويليها ولاية الأشمونين، وقاعدتها مدينة البهنسا بالبر الغربى من النيل على بحر يوسف تحت الجبل. صبح الأعشى: ٣٧٨:٣، ٣٩٣؛ قوانين الدواوين: ١٠٤ - ١٠٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277199,"book_id":167,"shamela_page_id":907,"part":"3","page_num":216,"sequence_num":907,"body":"شعور النساء تستصرخ به على عباس (¬١)؛ وكتب إليه أيضا الجليس بن الحباب (¬٢).\rفامتعض عند وقوفه على الكتب ورؤية شعور النساء، وجمع العربان والأجناد مقطعى البلاد.\rوبلغ ذلك عبّاسا، فخرج من القاهرة بالعساكر فى عاشر صفر، وجعل ابنه ناصر الدين بالقاهرة، وأنفذ إلى طلائع بحسين بن أبى الهيجاء، زوج ابنته (¬٣)، ليردّه عمّا عزم عليه.\rفلمّا خلا به قال له: تقاتل عبّاسا وله خمسة آلاف مملوك!! قال: أقاتله بنفسى ونفسك.\rقال: أما الآن فنعم. ففتّ ذلك فى عضد عبّاس لشهرة حسين وشجاعته.\rوعند ما نزل عباس إلى إطفيح فى بكرة يوم الثلاثاء، خامس عشره، لحق أعراب إطفيح بابن رزّيك، فوافوه على أبويط (¬٤)، فسار بهم ونزل دهشور (¬٥)، فاضطرب عبّاس ورجع إلى القاهرة، وتفرّق عنه الناس إلى طلائع بن رزّيك، وصار من أهل البلد فى مناكدة. وغلقوا أبواب القاهرة ووقع القتال فى الشوارع، فاستظهر عليهم عبّاس وفتحوا الأبواب وقد تحقق عداوة الأمراء والجند له.\rواتفق أنه مرّ يوما فرمى من طاق ببعض الشوارع بهاون، ورمى مرّة بقدر مملوءة طعاما حارّا؛ فقال: ما بقى بعد هذا شيء. وعزم على الفرار فلم يقدر، وغلقت أبواب القاهرة.\rواشتغل الناس بهذا الحادث وهو يدبّر فى الخروج من القاهرة، فأشار عليه بعض خواصّه بتحريق القاهرة فأبى وقال: يكفى ما جرى. فلمّا عدّى طلائع بن رزّيك إلى حمول عوّل","footnotes":"(¬١) يذكر النويرى أنه كان يتولى السيوطية، وقيل منية ابن خصيب. ويذكر أبو المحاسن أنه كان يتولى منية ابن خصيب. وتنسب منية ابن خصيب إلى الخصيب بن عبد الحميد والى خراج مصر زمن هارون الرشيد، وكانت جزءا من ولاية الأشمونين. ويذكر ابن الأثير أن منية ابن خصيب لم تكن من الأعمال الجليلة وإنما كانت أقرب الأعمال إليهم، هذا إلى أنه كان فى طلائع شهامة. الكامل: ٧٣:١١؛ قوانين الدواوين: ١٩٢؛ النجوم الزاهرة: ٣٠٩:٥؛ المواعظ والاعتبار: ٢٠٥:١.\r(¬٢) أبو المعالى عبد العزيز بن الحسين بن الحباب الأغلبى السعدى التميمى المصرى، من ذرية بنى الأغلب سلاطين إفريقية. تولى ديوان الإنشاء فى مصر مع الموفق بن الخلال للخليفة الفاطمى الفائز. وسمى الجليس لمجالسته خلفاء مصر. كتاب الروضتين: ٢٩٢:١، ٥٠٧ - ٥٠٨؛ فوات الوفيات: ٢٧٨:١؛ النجوم الزاهرة: ٢٩٢:٥، ٣٧١، النكت العصرية: ٤٣؛ خريدة القصر قسم شعراء مصر: ١٨٩:١ - ٢٠٠.\r(¬٣) زوج ابنة طلائع بن رزيك. استعانة بما سيأتى.\r(¬٤) وهى الآن تابعة لمركز الواسطى بمحافظة بنى سويف. وهناك أبويط أخرى قرية قرب بردنيس من أعمال الأسيوطية: قوانين الدواوين: ١٠٣، ١٠٧، ١٢٨؛ معجم البلدان: ٩٦:١.\r(¬٥) من أعمال الجيزة على الشاطئ الغربى للنيل. معجم البلدان: ١١٤:٤؛ قوانين الدواوين: ١٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277200,"book_id":167,"shamela_page_id":908,"part":"3","page_num":217,"sequence_num":908,"body":"عبّاس وولده نصر على المسير من مصر بكلّ ما يملكانه من مال وسلاح وما قدرا عليه من حواصل الدّولة - وكان له مائتا حصان وحجرة مجنوبة على أيدى الرجال، ومائتا بغل رحل، وأربعمائة جمل تحمل أثقاله - فى يوم الجمعة ثانى عشر ربيع الأول بعد ما حلّف الأمراء ألاّ يخونوه (¬١). وأحضر مقدّمى العرب من رزيق وجذام وسنبس وطلحة وجعفر ولواتة، وحلّفهم.\rفلمّا كان يوم الجمعة ركبوا عليه بكرة وتبعهما أسامة بن منقذ وجماعة؛ وبلغ ذلك طلائع فسار ونزل قبالة المقس فى عشيّة نهاره، وخرج النّاس إلى المقابر. وبات فى عشارىّ، وأصبح، فأقام إلى يوم الأربعاء تاسع عشره، فركب يريد القصر وقد خرج الأمراء إليه، منهم من قاتله ومنهم من انضمّ إليه؛ فلم يكن غير ساعة حتى انجلى الأمر عن فرار عبّاس وولده وابن منقذ؛ فنهب النّاس دورهم.\rودخل طلائع إلى القاهرة وشقّها بعساكره فى يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الأول، وهو لابس ثيابا سوداء، وأعلامه وبنوده كلّها سود، وشعور النّساء التى أرسلت إليه من القصر على رءوس الرماح. فكان هذا من الفأل العجيب، فإن الأعلام العباسيّة السّود دخلت إلى القاهرة وأزالت الأعلام العلوية البيض بعد خمس عشرة سنة.\rونزل طلائع بدار المأمون التى كان يسكنها نصر بن عبّاس. وأحضر الخادم الذى كان مع الظافر لما قتل، فأعلمه بالحال، فمضى راجلا من القصر إلى دار نصر بن عبّاس، واستخرج الظّافر والأستاذ الذى كان معه، وغسّلهما وكفّنهما؛ وحمل الظّافر فى تابوت مغشىّ الأستاذون والأمراء ومشى طلائع وهو حاف قد شقّ ثيابه ومعه النّاس بأجمعهم حتى","footnotes":"(¬١) جاء فى الروضتين نقلا عن أسامة بن منقذ: «كان لعباس أربعمائة جمل تحمل أثقاله ومائتا بغل ومائتا جنيب (الخيول التى تسير وراء الأمير فى الحرب، استعدادا، لاحتمال الحاجة إليها) فلما أراد الخروج تقدم بشد خيله وبغاله وجماله ليتحمل ويخرج. فلما صار الجميع على باب داره وقد ملأت الفضاء خرج غلام يقال له عنبر على أشغاله وغلمانه كلهم تحت يده فقال للجمالين روحوا إلى بيوتكم وسيبوا الدواب، وانحاز هو إلى المصريين يقاتله معهم. وكان ما جرى لطفا من الله فإن الدواب سدت الطريق بينه وبين المصريين ومنعتهم من الوصول إليه وهم فى خلق كثير ونحن فى قلة ما نبلغ خمسين رجلا وغلمان عباس ومماليكه فى ألف ومائتى غلام وثمانمائة فارس وقفوا فى الفضاء من باب النصر إلى رأس الطابية فرارا من القتال». كتاب الروضتين: ٢٤٥:١ - ٢٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277201,"book_id":167,"shamela_page_id":909,"part":"3","page_num":218,"sequence_num":909,"body":"وصل إلى القصر، فصلّى عليه الخليفة الفائز (¬١)، ودفن فى تربة القصر مع آبائه.\rوجلس الفائز بقيّة النهار وخلع على طلائع بن رزيك بالموشح والعقد الجوهر، وخلع على ولديه، ونعت بالأجلّ النّاصر، سند الإمام، زعيم الأنام، مجير الإسلام، خدن أمير المؤمنين. وخلع على أخيه ونعت بنعوت الصالح قبل الوزارة؛ وخلع على حواشيه.\rوأجرى فى الخلع مجرى الأفضل بالطّيلسان المقوّر، وأنشئ له سجلّ عظيم نعت فيه بالملك الصّالح، ولم يلقّب أحد من الوزراء قبله بالملك (¬٢)، وذلك يوم الخميس الرابع من شهر ربيع الآخر.\rوكتب فى سجلّه، على طرفه، بخطّ الفائز: «لوزيرنا السيّد الأجلّ الملك الصّالح، ناصر الأئمة، كاشف الغمّة، أمير الجيوش، سيف الإسلام، غياث الأنام، كافل قضاة المسلمين، هادى دعاة المؤمنين، أبى الغارات طلائع بن رزّيك الفائزى؛ عضد الله به الدّين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى أبدا كلمته، من جلالة القدر، وعظيم الأمر، وفخامة الشان، وعلوّ المكان، واستيجاب التفضيل، واستحقاق غايات المنّ الجزيل، ومزيّة الولاء الذى بعثه على بذل النفس فى نصرتنا، ودعاه دون الخلائق إلى القيام بحقّ مشايعتنا وطاعتنا، مما يبعثنا على التّبرّع له ببذل كلّ مصون، والابتداء من ذاتنا بالاقتراح له بكلّ شيء يسرّ النّفوس ويقرّ العيون؛ والّذى يعمله هذا السجلّ من تقريظه وأوصافه، فالّذى تشتمل عليه ضمائرنا أضعاف أضعافه؛ ولذلك شرّفناه بجميع التّدبير والإنالة، ورفعناه إلى أعلى رتب الأصفياء بما جعلناه له من الكفالة. والله تعالى يعضد به دولتنا، ويحوط به حوزتنا، ويمدّه بمواد التوفيق والتأييد، ويجعل أيّامه فى وزارتنا ممنوحة غاية الاستمرار والتأبيد إن شاء الله تعالى».","footnotes":"(¬١) يلاحظ أن عمر الفائز كان عندئذ خمس سنوات وأياما، وقد ذكر أن عباسا كان حمله على كتفه عند بيعته بالخلافة فبال على كتفه!\r(¬٢) ليس هذا صحيحا، فقد كان رضوان بن ولخشى، وزير الخليفة الحافظ لدين الله، أول من تلقب بلقب ملك. وقد سبق ذكر ذلك فى موضعه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277202,"book_id":167,"shamela_page_id":910,"part":"3","page_num":219,"sequence_num":910,"body":"وكان سجلاّ فى غاية الطول والكبر (¬١)، من إنشاء الأجلّ الموفّق أبى الحجاج يوسف ابن على بن الخلال (¬٢).\rونزل الملك الصّالح بالخلع والأمراء وغيرهم من أهل الدّولة مشاة فى ركابه إلى دار الوزارة، فجلس للهناء، وتقدّم الشعراء فأنشدوا عدّة مدائح ذكروا فيها هذه الحالة والواقعة.\rوكانوا عدّة، منهم عبد الرّحيم بن على البيسانى (¬٣)، والقاضى الأجلّ الرشيد أحمد بن الزّبير،","footnotes":"(¬١) ومما جاء فى هذا السجل: «واختصك أمير المؤمنين بطيلسان غدا للسيف توأما، ليكون كل ما أسند إليك من أمور الدولة معلما، ولم يسمع بذلك إلا ما أكرم به الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين أمير الجيوش أبا النجم بدرا وولده أبا القاسم شاهنشاه، وأنت أيها السيد الأجل الملك الصالح. وأين سعيهما من سعيك، ورعيهما الذمام من رعيك، لأنك كشفت الغمة، وانتصرت للأئمة، وبيضت غياهب الظلمة، وشفيت قلوب الأمة». النجوم الزاهرة: ٣١١:٥.\r(¬٢) يسميه ابن خلكان، نقلا عن خريدة القصر للعماد الأصفهانى، يوسف بن محمد، كاتب الدست، أى صاحب ديوان الإنشاء، منذ أيام الحافظ لدين الله ومن جاء بعده من الخلفاء إلى أن كبرت سنه وعجز عن الحركة، وفى رعايته نشأ القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى الذى تولى كتابة الإنشاء لأسد الدين شيركوه، ثم لصلاح الدين الأيوبى. توفى الموفق ابن الخلال سنة ٥٦٦. وكانت له قدرة على الترسل فى الكتابة وعلى استعمال المحسنات البديعية بكثرة وغزارة، ولم يخل شعره من هذه المحسنات الغزيرة. فمنه قوله:\rعذبت ليال بالعذيب خوالى … وحلت مواقف بالوصال حوالى\rومضت لذاذات تقضى ذكرها … تصبى الحليم وتستهيم السالى\rوجلت موردة الخدود فأوثقت … فى الصبوة الخالى بحسن الخال\rقالوا سراة بنى هلال أصلها … صدقوا، كذاك البدر فرع هلال\rومنه فى وصف شمعة:\rوصحيفة بيضاء تطلع فى الدجى … صبحا، وتشفى الناظرين بدائها\rشابت ذوائبها أوان شبابها … واسود مفرقها أوان فنائها\rكالعين فى طبقاتها، ودموعها … وسوادها، وبياضها، وضيائها\rوفيات الأعيان: ٤٠٧:٢ - ٤٠٩؛ شذرات الذهب: ٢١٩:٤؛ خريدة القصر قسم شعراء مصر: ٢٣٥:١ - ٢٣٧.\r(¬٣) شيخ كتاب الترسل دون منازع تثقف فى ديوان الإنشاء بإشراف الموفق ابن الخلال. يحكى عن نفسه أنه التحق بديوان الإنشاء وصاحبه عندئذ ابن الخلال فسأله ماذا أعددت لفن الكتابة من الآلات فأجابه: ليس عندى شيء سوى أنى أحفظ القرآن الكريم وكتاب الحماسة. فأمره، بعد طول ملازمة، أن يحل شعر الحماسة ففعل، فأمره أن يقوم بذلك مرة ثانية ففعل. وتولى الكتابة فى الإسكندرية مع صاحب ديوانها، ابن حديد، فحسده كتاب القاهرة وسعوا به إلى الظافر، فنفى القاضى ابن الزبير صاحب ديوان الإنشاء بالقاهرة عندئذ التهمة ومدحه عند الظافر فأمر باستدعائه من الإسكندرية ليكتب بديوان الإنشاء بالقاهرة، وترقى إلى أن صار فى النهاية وزيرا لصلاح الدين، وتوفى بعد وفاة سلطانه صلاح الدين بسنوات، وذلك سنة ٥٩٦. النكت العصرية: ٥٣ - ٥٤؛ خريدة القصر قسم شعراء مصر: ٣٥:١ - ٥٤؛ وفيات الأعيان: ٢: ٤٠٨ - ٤٠٩؛ شذرات الذهب: ٣٢٥:٤؛ طبقات الشافعية الكبرى: ٢٥٣:٣؛ كتاب الروضتين فى أكثر من موضع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277203,"book_id":167,"shamela_page_id":911,"part":"3","page_num":220,"sequence_num":911,"body":"والقاضى الجليس عبد العزيز بن الحسين بن الحباب، والقاضى السّعيد جلال الملك الأشرف ضياء الدين أبو على الحسن بن محمّد بن محمّد بن إسماعيل بن كاسيبويه، وأبو محمّد يحيى ابن خير، الملقب ديك الكرم الشاعر، وغيرهم (¬١).\rوأما عبّاس فإنه سار بمن معه يريد أيلة ليسير منها إلى بلاد الشام، فأرسلت أخت الظافر إلى الفرنج بعسقلان رسلا (¬٢) على البريد تعلمهم الحال وتبذل لهم الأموال فى الخروج إلى عبّاس، وأباحتهم جميع ما معه، وأن يبعثوا به إلى القاهرة، فأجابوا إلى ذلك، وخرجوا إليه. فلمّا أدركوه ثبت لهم ودافعهم عن نفسه، فخذله أصحابه وفرّوا عنه مع أسامة بن منقذ إلى الشام، فقاتل الفرنج حتى قتل؛ وأسر ابنه نصر فعمل فى قفص حديد وحمل إلى القاهرة، فدخل به إلى القصر يوم الاثنين سابع عشرى ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وأخرج منه يوم الاثنين الثّامن عشر من ربيع الآخر قتيلا مقطوع اليد اليمنى، وصلب سحرا على باب زويلة، فكان يوما عظيما عند النّاس (¬٣). واستولى الفرنج على جميع ما كان معهم.\rولمّا سيّر الفرنج بنصر بن عبّاس إلى القاهرة أنشد عند ما عاين البلد:\rبلى؛ نحن كنّا أهلها، فأبادنا … صروف الليالى والجدود العواثر\rوخرج النّاس عند قدومه إلى القاهرة ليروه فبالغوا فى سبّه ولعنه، وبصقوا عليه، حتّى دخل القصر؛ وعرض فى القفص (¬٤) وقتل؛ قتله الجوارى نخسا بالمسالّ وصفعا بالنّعال","footnotes":"(¬١) ومن هؤلاء عمارة اليمنى الذى قال من قصيدة:\rلكم يا بنى رزيك، لا زال ظلكم … مواطن، سحب الموت فيها مواطر\rسللتم على عباس بيض صوارم … قهرتم بها سلطانه وهو قاهر\rانظر: كتاب الروضتين: ٢٤٤:١.\r(¬٢) فى الأصل: .. عمة الفرنج إلى الظافر بعسقلان. وهو خطأ من الناسخ لا يتصور أن يقع من المقريزى المؤلف. والتصحيح من السياق ومن النجوم الزاهرة: ٣١٠:٥؛ ومن نهاية الأرب: ٢٨؛ ومن غيرهما.\r(¬٣) ويذكر أبو المحاسن أن أخت الظافر قطعت يد نصر اليمنى وأنه ضرب ضربا مهلكا وقرض جسمه بالمقاريض ثم صلب حيا على باب زويلة حتى مات، وبقى مصلوبا إلى يوم عاشوراء سنة إحدى وخمسين، ثم أنزل وأحرقت عظامه. ويروى أيضا أن الصالح طلائع بن رزيك هو الذى أرسل إلى الفرنج يطلب نصر بن عباس وبذل لهم أموالا، فلما وصل سلمه إلى نساء الظافر فأقمن يضربنه بالقباقيب والزرابيل أياما، وقطعن لحمه وأطعمنه إياه إلى أن مات، ثم صلب. (والزرابيل نوع من الخفاف تلبسه الجوارى). النجوم الزاهرة: ٣١٠:٥ - ٣١١.\r(¬٤) القفص الذى أرسله فيه الفرنج إلى مصر بعد أسره وكان من الحديد. نفس المصدر: ٣١٠:٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277204,"book_id":167,"shamela_page_id":912,"part":"3","page_num":221,"sequence_num":912,"body":"وقطعوا لحمه واشتووه وأطعموه إيّاه حتى مات، ثم أخرج وصلب على باب زويلة، وأحرق بعد ذلك.\rوتتبّع الصّالح من كان مع نصر بن عبّاس فى قتل الظافر، فقتل قايماز وفتوّح الأخرس وابن غالب صبرا بين يديه فى جماعة معهم. وثبتت أموره فنعت نفسه بفارس المسلمين نصير الدّين، الصالح؛ ومدحه الشعراء بذلك.\rوشرع الصّالح فى الميل على المستخدمين وأخذ أموالهم؛ وتتبّع أرباب البيوتات والنّعم والأعيان فسلبهم نعمهم. وقبض على عدّة من الأمراء وقتلهم فى ثالث عشر ربيع الأوّل، وعلى عدّة من أرباب العمائم، منهم أبو الحسن على بن سليم بن البواب ناظر الدّواوين، وكان عارفا بالحساب والمنطق والهندسة، مليح الشعر والتّرسّل، جيّد الكتابة.\rوأخذ يعمل على الأمراء المتقدّمين فى الدّولة، مثل ناصر الدين ياقوت، صاحب الباب، وكان قد ناب عن الحافظ مرّة فى مرضة مرضها مدّة ثلاثة أشهر وكاد يولّيه الوزارة (¬١)؛ ومثل الأوحد بن تميم، والى دمياط وتنّيس، فإنه كان قد تحرّك لمّا سمع قضيّة عبّاس وسار يريد القاهرة، فسبقه طلائع بن رزّيك بيوم، فصار يحقد عليه كونه همّ بأمر ربّما نال به الوزارة، غير أنه لم يسعه إلاّ إعادته إلى ولايته وأضاف إليها الدّقهليّة والمرتاحية (¬٢) وهو يسرّ له المكر.\rوكان من أمراء الدّولة تاج الملوك قايماز، وهو من أكابر الأمراء، ويليه ابن غالب؛ فحمل الأجناد عليهما حتى قتلا ونهبت دورهما.\rثمّ إنه قلق من قرب الأوحد منه وأراد إبعاده عنه، فنقله من ولاية دمياط وتنّيس","footnotes":"(¬١) يذكر أبو المحاسن فى هذا أن الخليفة «طلب أن يوزره فأبى ياقوت المذكور». نفس المصدر: ٣١٢:٥.\r(¬٢) الدقهلية والمرتاحية كانتا ولاية واحدة، مجاورة لولاية الشرقية من جهة الشمال ينتهى آخرها إلى الأرض السبخة وإلى بحيرة تنيس المتصلة بالطينة من طريق الشام. ومقر الولاية مدينة أشموم بضم الهمزة وسكون الشين المعجمة على ضفة الشعبة التى تذهب إلى بحيرة تنيس من فرقة النيل الشرقية المارة إلى دمياط. وكان بهذه الولاية كورة تعرف باسم كورة دقهلية بفتح الدال والقاف وسكون الهاء فأصبحت قرية من عمل أشموم. وكان عمل الدقهلية يشمل ما يعرف الآن بمراكز فارسكور ودكرنس والمنزلة، من محافظة الدقهلية، بينما كان مركز المنصورة وأجا يكونان عمل المرتاحية. قوانين الدواوين: ٨٨، ٨٩؛ صبح الأعشى: ٣٨٧:٣، ٤٠٥ - ٤٠٦؛ النجوم الزاهرة: ٣١٢:٥: حاشية: ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277205,"book_id":167,"shamela_page_id":913,"part":"3","page_num":222,"sequence_num":913,"body":"إلى ولاية سيوط (¬١) وأخميم (¬٢)؛ فخلت له القاهرة. وأظهر مذهب الإماميّة وباع الولايات للأمراء وجعل لكل ولاية سعرا ومدّة ستّة أشهر فقط؛ فتضرّر النّاس من كثرة ترداد الولاة عليهم.\rوضيّق مع ذلك على أهل القصر طمعا فى صغر سنّ الخليفة. وجعل له مجلسا يحضره أهل الأدب فى الليل وطارحهم فيه الشّعر فهرع إليه النّاس ودوّنوا ما ينظمه من الشعر، وكان ابن الزّبير يعنه (¬٣) على إصلاحه وتنميقه.","footnotes":"(¬١) كانت ولاية الأسيوطية تجاور الولاية المنفلوطية من الجنوب، ومقرها مدينة أسيوط بضم الهمزة على الشاطئ الغربى للنيل؛ ووردت أيضا بغير ألف، مفتوحة السين أو مضمومتها كما ذكرت فى المتن وكما جاءت فى شعر أبى الحسن على بن محمد بن على بن الساعاتى الذى قال:\rلله يوم فى سيوط وليلة … صرف الزمان بمثلها لا يغلط\rبتنابها، والبدر فى غلوائه … وله بجنح الليل فرع أشمط\rوالطير تقرأ، والغدير صحيفة … والريح تكتب، والغمام ينقط\rوالطل فى تلك الغصون كلؤلؤ … نظم، تصافحه النسيم فيسقط\rصبح الأعشى: ٣٨٢:٣، ٣٩٩ - ٤٠٠؛ معجم البلدان: ٢٠٢:٥؛ النجوم الزاهرة: ٣١٣:٥؛ قوانين الدواوين: ١٠٧، ١٢٠، ١٢٨، ١٤١، ١٥١، ١٥٨، ١٦٣، ١٧١.\r(¬٢) تقع الولاية الإخميمية جنوب الولاية الأسيوطية، وأكثر مدنها وقراها بالجانب الغربى للنيل وقاعدتها مدينة إخميم، بكسر الهمزة وسكون الخاء، وكانت تعرف باسم كورة إخميم والدير وأبشاية. يقول ياقوت: وفى غربيها جبل صغير من أصغى اليه بأذنه سمع خرير المساء ولغطا شبيها بكلام الآدميين لا يدرى ما هو. وينسب إلى هذه المدينة ذو النون بن إبراهيم الإخميمى المصرى الزاهد، حدث عن مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن لهيعة وغيرهم؛ توفى سنة ٢٤٦ ودفن بمقابر المغافر. صبح الأعشى: ٣٨٣:٣، ٤٠٠؛ المواعظ والاعتبار: ٢٣٩:١ - ٢٤٠؛ معجم البلدان: ١٥٣:١؛ النجوم الزاهرة: ٣١٣:٥؛ قوانين الدواوين: ١٠٧، ١٢٠، ١٢٨، ١٤١، ١٥١، ١٥٨، ١٦٤.\r(¬٣) المهذب أبو محمد الحسن بن على بن الزبير، وكان أشعر من أخيه الرشيد أحمد بن على بن الزبير، والرشيد أعلم منه فى سائر العلوم. أنشد أول أشعاره فى سنة ست وعشرين وخمسمائة، وتوفى سنة إحدى وستين وخمسمائة. ويقال إن أكثر شعر الصالح طلائع بن رزيك من عمل المهذب بن الزبير. يقول ياقوت: وصنف المهذب كتاب الأنساب، وهو كتاب كبير فى أكثر من عشرين مجلدا، كل مجلد عشرون كراسا، رأيت بعضه فوجدته مع تحققى هذا العلم وبحثى عن كتبه غاية فى معناه لا مزيد عليه. ومن شعره:\rوشادن ما مثله فى الجنان … قد فاق فى الحسن جميع الحسان\rلم أر إلا عينه جعبة … للسيف، والنصل، وحد السنان\rومنه فى مدح الصالح بن رزيك:\rوافى فأردى رجالا بعد ما نعموا … دهرا، وأحيا رجالا بعد ما هلكوا\rمعجم الأدباء: ٤٧:٩ - ٧٠؛ وفيات الأعيان: ٥١:١ - ٥٢ (فى ترجمة القاضى الرشيد أحمد بن الزبير) خريدة القصر قسم شعراء مصر: ٢٠٤:١ - ٢٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277206,"book_id":167,"shamela_page_id":914,"part":"3","page_num":223,"sequence_num":914,"body":"فيها صرف الصّالح عن قضاء القضاة أبا المعالى مجلى بن جميع، الفقيه الشافعى، وولىّ القاضى المفضل أبا القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل بن عبد الكريم فى أخريات شعبان.\rفيها بلغ التّلّيس ستّة دنانير.\rفيها مات القاضى المرتضى أبو عبد الله محمد بن الحسين الطرابلسى، المعروف بالمحنّك، وكان قد ولى نظر الدّواوين والخزائن؛ وله تاريخ خلفاء مصر قطع فيه على الحافظ.\rومات ركن الخلافة أبو الفضل جعفر فاتك بن مختار بن حسن بن تمام، أخو الوزير المأمون بن البطائحى، وصلّى عليه الصّالح.\rوفيها كتب المقتفى لأمر الله العبّاسى (¬١) عهدا لنور الدين محمود بن زنكى، صاحب دمشق بولاية مصر والسّاحل، وبعث إليه بمراكب زحف وأمره بالمسير إليها لمّا بلغه قتل الظافر وإقامة الفائز من بعده وهو صغير، وقيل له قد اختلّت أحوال الدّولة بمصر (¬٢).","footnotes":"(¬١) الخليفة الواحد والثلاثون من خلفاء العباسيين، تولى الخلافة بين سنتى ٥٣٠ - ٥٥٥ (١١٣٦ - ١١٦٠). يقول ابن الأثير: وهو أول من استبد بالعراق منفردا عن سلطان يكون من أول الديلم إلى الآن (يعنى سنة ٥٥٥ هـ)، وأول خليفة تمكن من الخلافة وحكم على عسكره وأصحابه من حين تحكم المماليك على الخلفاء من عهد المنتصر إلا أن يكون المعتضد، وكان يباشر الحرب بنفسه، يبذل الأموال العظيمة لأصحاب الأخبار فى جميع البلاد حتى لا يفوته منها شيء. الكامل: ٩٦:١١.\r(¬٢) لم أجد لهذا الخبر سندا يؤيده فيما بين يدى من مراجع التحقيق ومنها نهاية الأرب: ٢٨؛ ذيل تاريخ دمشق؛ الباهر؛ والكامل، وكلاهما لابن الأثير؛ كتاب الروضتين: ١؛ والنجوم الزاهرة: ٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277207,"book_id":167,"shamela_page_id":915,"part":"3","page_num":224,"sequence_num":915,"body":"سنة خمسين وخمسمائة (¬١):\rفيها مضى الأسطول إلى ميناء صور فملكها وأخربها وأحرقها، وعاد مظفرا بعدة مراكب فيها حجّاج من النصارى وغيرهم، وبعدة كبيرة من الأسرى وبغنائم جزيلة (¬٢).\rوفيها خرج على الصّالح الأمير الأوحد بن تميم، والى إخميم وأسيوط، وجمع جمعا موفورا، فسيّر إليه الصالح عدّة من العسكر، فكانت بينهما عدة وقائع أسفرت عن قتله الأوحد فى يوم الأربعاء سابع عشر رجب.\rوفيها قدم الفقيه نجم الدّين عمارة بن أبى الحسن على، اليمانى الحكمى (¬٣) فى شهر","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع من مارس سنة ١١٥٥.\r(¬٢) وكان الفرنج قد استولوا على مدينة صور سنة ثمانى وخمسمائة. ويذكر ابن القلانسى من أمر هذه الحملة البحرية أن قائد الأسطول «كان مقدما شديد البأس بصيرا بأشغال البحر، فاختار جماعة من رجال البحر يتكلمون بلسان الفرنج وألبسهم لباس الفرنج وأنهضهم فى عدة مراكب لكشف الأماكن والمكامن والمسالك المعروفة بمراكب الروم وتعرف أحوالها، ثم قصد ميناء صور وقد ذكر له أن فيها شختورة رومية كبيرة فيها رجال كثيرة ومال كثير وافر فهجم عليها وملكها وقتل من فيها واستولى على ما حوته، وأقام فيها ثلاثة أيام، ثم أحرقها وعاد منها فظفر بمراكب حجاج الفرنج فقتل وأسر وانتهب، وعاد إلى مصر بالغنائم والأسرى». ولعل هذه الحملة كانت ردا على ما قام به الإفرنج من الإغارة على تنيس فى سنة تسع وأربعين وخمسمائة إذ قتلوا ونهبوا وأسروا ورحلوا بعد إقامتهم بها ثلاثة أيام. وقد سبق ذكر ذلك. قارن ذيل تاريخ دمشق: ٣٣١، ٣٣٢.\r(¬٣) نجم الدين أبو محمد عمارة (بضم العين) بن أبى الحسن على بن زيدان الحكمى، من مدينة مرطان بوادى وساع فى اليمن. تفقه على مذهب الشافعى، ودخل مصر، فى سنة خمسين وخمسمائة، رسولا من قبل قاسم بن هاشم بن فليتة صاحب مكة (٥٤٩ - ٥٥٦) - وهو الثانى عشر من بنى فليتة أشراف مكة - قدم عمارة للإصلاح بين قاسم وبين المصريين، ثم قدمها مرة ثانية سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وبقى بها مقربا إلى الفاطميين محتفظا بعقيدته السنية. واتهمه صلاح الدين بالتآمر، مع جماعة، لإعادة حكم الفاطميين، وتم شنقه بالقاهرة نتيجة لهذا الاتهام فى سنة تسع وستين وخمسمائة. ومن لطيف شعره أنه مر يوم اعتقاله بباب القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى، وكان يكرمه ويقربه، فاحتجب الفاضل عنه. فقال:\rعبد الرحيم قد احتجب … إن الخلاص هو العجب\rومن شعره وقد قطعت رواتبه أيام صلاح الدين، وتوجه به إلى القاضى الفاضل:\rقست رأفة الدنيا، فلا الدهر عاطف … على، ولا عبد الرحيم رحيم\rعفا الله عن آرائه كل فترة … كلام العدا فيها على كلوم\rوسامحه فى قطع رزق، بفضله … وصلت إليه، والزمان ذميم\rألا هل له عطف على، فإننى … فقير إلى ما اعتدت منه عديم\r-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277208,"book_id":167,"shamela_page_id":916,"part":"3","page_num":225,"sequence_num":916,"body":"ربيع الأول، برسالة قاسم بن فليتة أمير الحرمين؛ فأحضر فى قاعة الذهب من القصر يوم السّلام، وقد جلس الخليفة الفائز وحضر الوزير الملك الصّالح طلائع بن رزيك والأمراء، على العادة؛ فأدّى الرسالة وأنشد (¬١):\rالحمد للعيس بعد العزم والهمم … حمدا يقوم بما أولت من النّعم (¬٢)\rلا أجحد الحق، عندى للرّكاب يد … تمنّت اللّجم فيها رؤية الخطم (¬٣)\rقرّبن بعد مزار العزّ من نظرى … حتى رأيت إمام العصر من أمم\rورحن من كعبة البطحاء والحرم … وفدا إلى كعبة المعروف والنّعم (¬٤)\rفهل درى (¬٥) البيت أنى بعد فرقته … ما سرت من حرم إلاّ إلى حرم\rحيث الخلافة مضروب سرادقها … بين النّقيضين من عفو ومن نقم\rوللإمامة أنوار مقدّسة … تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم\rوللنبوّة آيات تنصّ لنا (¬٦) … على الخفيّين من حكم ومن حكم\rوللمكارم أعلام تعلّمنا … مدح الجزيلين من بأس ومن كرم\rوللعلا ألسن تثنى محامدها … على الحميدين من فعل ومن شيم\rوراية الشّرف البذّاخ ترفعها … يد الرّفيعين: من مجد ومن همم\rأقسمت بالفائز المعصوم معتقدا … فوز النجاة وأجر البرّ فى القسم\rلقد حمى الدّين والدّنيا وأهلهما … وزيره الصّالح الفرّاج للغم\rاللاّبس الفخر لم تنسج غلائله … إلاّ يد الصّنعين: السّيف والقلم","footnotes":"= - انظر وفيات الأعيان: ٣٧٦:١، شذرات الذهب: ٢٣٤:٤، بغية الوعاة: ٣٥٩؛ كتاب الروضتين: ١ ٢٤٤: حاشية: ١، ٥٦٠ - ٥٧٧، تاريخ اليمن، النكت العصرية، وكلاهما لعمارة اليمنى. وسيرد كثير من أخبار عمارة فى بقية هذا الكتاب.\r(¬١) النكت العصرية: ٣٢ - ٣٤، كتاب الروضتين: ٥٧٤:١ - ٥٧٥.\r(¬٢) فى الأصل: بما أوليت من نعم. والمثبت عن النكت العصرية وهو أكثر مناسبة لأنه يحمد للعيس والعزم والهمم ما قدمته.\r(¬٣) فى كتاب الروضتين، وفى النكت العصرية: رتبة الخطم. والخطام الزمام.\r(¬٤) فى كتاب الروضتين، وفى النكت: والكرم.\r(¬٥) فى الأصل: فلو درى. والمثبت أولى، وهو من النكت ومن الروضتين.\r(¬٦) فى الروضتين: تضيء لنا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277209,"book_id":167,"shamela_page_id":917,"part":"3","page_num":226,"sequence_num":917,"body":"وجوده أوجد الأيّام ما اقترحت … وجوده أعدم الشاكين للعدم\rقد ملّكته العوالى رقّ مملكة … تعير أنف الثّريا عزّة الشّمم\rأرى مقاما عظيم الشأن أوهمنى … فى يقظتى أنها من جملة الحلم\rيوم من العمر لم يخطر على أملى … ولا ترقّت إليه رغبة الهمم\rليت الكواكب تدنو لى فأنظمها … عقود مدح فما أرضى لكم كلمى\rترى الوزارة فيه وهى باذلة … عند الخلافة نصحا غير متّهم (¬١)\rعواطف علّمتنا (¬٢) أنّ بينهما … قرابة من جميل الرّأى لا الرّحم\rخليفة ووزير مدّ عدلهما … ظلاّ على مفرق الإسلام والأمم\rزيادة النّيل نقص عند فيضهما … فما عسى يتعاطى منّة الدّيم\rفكان الصّالح يستعيد أبياتها فى حال الإنشاد مرارا، والأمراء والأستاذون يذهبون فى الاستحسان كلّ مذهب. ثم أفيضت عليه خلع الخليفة المذهّبة، ومنح له الصالح خمسمائة دينار، وأخرجت إليه السّيّدة الشريفة بنت الحافظ مع الأستاذين خمسمائة دينار أخرى؛ وحمل المال معه إلى منزله، وأطلقت له من دار الضيافة رسوم جليلة؛ وتهادته أمراء الدّولة إلى منازلهم للولائم.\rواستحضره الصالح للمجالسة، ونظمه فى سلك أهل المؤانسة، وانثالت عليه صلاته، وغمره ببرّه. وصار يحضر فى اللّيل عنده مع الشيخ الجليل أبى المعالى ابن الحباب (¬٣)، والشيخ الموفّق ابن الخلال، وأبى الفتح محمود بن قادوس (¬٤)، والمهذّب أبى محمّد الحسن بن","footnotes":"(¬١) فى الأصل: متهمى.\r(¬٢) فى الروضتين: أعلمتنا.\r(¬٣) عبد العزيز بن الحسين الأغلبى السعدى التميمى، كان متعاونا مع يوسف بن الخلال فى ديوان الإنشاء. ومن رائق شعره:\rحيا بتفاحة مخضبة … من شفنى حبه وتيمنى\rفقلت: ما إن رأيت مشبهها … فاحمر من خجلة، فكذبنى\rخريدة القصر قسم شعراء مصر: ١٨٩:١ - ٢٠٠؛ فوات الوفيات: ٢٧٨:١.\r(¬٤) أبو الفتح محمود بن إسماعيل بن حميد الفهرى من كتاب الإنشاء، وكان يسمى ذا البلاغتين، توفى سنة ٥٥١. خريدة القصر قسم شعراء مصر: ٢٢٦:١ - ٢٣٤. ومن شعره ما قاله فى الرشيد بن الزبير، وكان أسود:\rإن قلت من نار خلقت … وفقت كل الناس فهما\rقلنا: صدقت. فما الذى … أطفاك حتى صرت فحما","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277210,"book_id":167,"shamela_page_id":918,"part":"3","page_num":227,"sequence_num":918,"body":"الزبير (¬١)، وولد الصّالح مجد الإسلام (رزيك) (¬٢)، وصهره، الأجلّ المظفّر الأمين، سيف الدّين حصن المسلمين، ذى الفضائل والمناقب، يمين أمير المؤمنين، أبى عبد الله الحسين بن الأمير فارس الدّولة أبى الهيجاء الفائزى الصّالحى، وأخيه فارس المسلمين بدر بن رزيك؛ وقريبه عز الدّين حسام (¬٣)، وضرغام، وعلى بن الزبد، ويحيى بن الخيّاط (¬٤)، ورضوان بن جلب راغب، وعلىّ هوشات (¬٥)، ومحمد بن شمس الخلافة. وهؤلاء أهل مجلس الليل.\rوأنشده يوما وهو فى القبو من دار الوزارة قصيدة منها (¬٦):\rدعوا كلّ برق شمتم غير بارق … يلوح على الفسطاط صادق نشره\rوزوروا المقام الصّالحىّ، فكلّ من … على الأرض ينسى ذكره عند ذكره\rولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى … فتجنوا على مجد المقام وفخره\rولكن سلوا منه العلا تظفروا بها … فكلّ امرئ يرجى على قدر قدره\rفرمى إليه الخريطة فوجد فيها خمسمائة دينار وخمسين رباعيّا (¬٧). ومدحه فى شعبان بقصيدة (¬٨) فدفع إليه الخريطة، فإذا فيها ثلاثة وسبعون دينارا.","footnotes":"(¬١) وهؤلاء - كما يقول عمارة فى النكت - من أعيان أهل الأدب أما من يرد ذكرهم بعد ذلك فهم أهل السيوف والأعلام.\r(¬٢) بياض بالأصل. والتكملة استعانة بما سيأتى من أن مجد الإسلام رزيك بن الصالح سيتولى الوزارة بعد مقتل والده.\r(¬٣) يقول عمارة: «وهؤلاء هم أهله». ثم يعقب بقوله: «فأما غيرهم من أمراء دولته المختصين بمجالسته فى أكثر أوقاته، فمنهم … » الخ. النكت: ٣٥.\r(¬٤) يحيى بن الخياط من رجال الدولة الفاطمية منذ عهد وزيرها الصالح طلائع بن رزيك، خرج فيما بعد على شاور - وزير الفاطميين، ولكنه تمكن من إخماد ثورته. انظر النكت العصرية فى مواضع مختلفة.\r(¬٥) الضبط من النكت العصرية: ٣٥.\r(¬٦) وردت فى النكت العصرية: ٣٥ - ٣٦.\r(¬٧) فى النكت العصرية: فوجدت فيها مائة دينار وخمسين رباعيا.\r(¬٨) فى النكت العصرية: ٣٦، منها:\rقصدتك من أرض الحطيم قصائدى … حادى سراها سنة وكتاب\rإن تسألا عما لقيت، فإننى … لا مخفق أملى، ولا كذاب","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277211,"book_id":167,"shamela_page_id":919,"part":"3","page_num":228,"sequence_num":919,"body":"ثمّ لمّا عزم على الرّجوع ودّع الخليفة والصالح بن رزّيك بقصيدة (¬١)، فأوسعاه إكراما وإنعاما، ورسم أن يكون تسفيره (¬٢) خمسمائة دينار كما كانت وفادته، وبعثت إليه السّيدة مثل ذلك؛ وخلع عليه للسّفر، ودفع له الصّالح مائة دينار. وكتب له إلى ناصر الدّولة والى قوص بمائة إردبّ من القمح وحملها من مال الدّيوان إلى مكة. وكتب له كتاب إلى محمد بن عمران (¬٣)، صاحب عدن، ببراءته من ثلاثة آلاف دينار وإسقاطها عنه.\rوسار فى شوّال إلى مكّة فتسلّم القمح من قوص وحمل معه إلى مكة من مال الدّيوان.\rولمّا وقف صاحب عدن على الكتاب أبرأه من الثلاثة آلاف دينار وأسقطها عنه، فسيّر إلى الصالح بقصيدة من عدن يشكره على ذلك (¬٤)؛ فلمّا وقف عليها قال: قد فرّطنا فيه حين تركناه يخرج من عندنا، ولقد كان إمساكه للخدمة والصّحبة أولى.\rثم عاد بعد ذلك بمدّة (¬٥)، واستقرّ بعد ذلك من جملة خدّام الدّولة وخواصّها.\rفيها مات الفقيه أبو المعالى مجلى بن جميع بن نجا المخزومى القرشى الأرسوفى الشافعى، صاحب كتاب الذخيرة فى الفقه.","footnotes":"(¬١) وردت فى النكت العصرية: ٣٧، ومنها:\rمن لى بأن ترد الحجاز وغيرها … أخبار طيب مواردى ومصادرى\rزارت بى الآمال أكرم ساحة … فوق الثرى، فغدوت أكرم زائر\rووفدت ألتمس الكرامة والغنى … فرجعت من كل بحظ وافر\rفكأن مكة قال صادق فألها: … سافر تعد نحوى بوجه سافر\r(¬٢) فى الأصل: تفسيره. وهى لا تناسب السياق، والمثبت هنا مما جاء فى النكت العصرية: ٣٧. وقد كان من المقرر أن تكون مكافأة التسفير ثلاثمائة دينار، فتوسط سيف الدين حسين، صهر الصالح، فى زيادتها إلى خمسمائة.\r(¬٣) المقصود به عمران المكرم بن محمد المعظم، وقد ورد اسمه فى النكت العصرية: ٣٨، وهو سابع أمراء بنى زريع الإسماعيليين (بضم الزاى وفتح الراء)، حكم بين سنتى ٥٤٨ - ٥٦٠، أما محمد بن عمران فقد حكم بعد وفاة أبيه فى سنة ٥٦٠ واستمر إلى سنة ٥٦٩، وبهذا لا يكون معاصرا لهذه الرحلة التى قام بها عمارة فى عودته إلى اليمن من مصر. معجم الأنساب.\r(¬٤) ورد منها فى النكت العصرية خمسة أبيات: ٤٠ - ٤١ ومطلعها:\rليالى بالفسطاط من شاطئ مصر … سقى عهدك الماضى عهادا من القطر\rومنها:\rقصدت الجناب الصالحى تفاؤلا … وقد فسدت حالى فأصلحنى دهرى\rولم يرض لى معروفه دون جاهه … فسير كتبا كالكتائب فى أمرى\r(¬٥) بمدة قصيرة، فى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277212,"book_id":167,"shamela_page_id":920,"part":"3","page_num":229,"sequence_num":920,"body":"سنة احدى وخمسين وخمسمائة (¬١):\rفيها نزع السّعر ووقع الغلاء بديار مصر، فلحق النّاس منه شدّة (¬٢).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس والعشرين من فبراير سنة ١١٥٦.\r(¬٢) بهامش الأصل: بياض سطرين. ويقول ابن القلانسى: فى شعبان من السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بارتفاع أسعار الغلة بها وقلة وجودها وشدة إضرارها بالضعفاء والمساكين وغيرهم، وأمر المتولى لأمرها المحتكرين لها ببيع الزائد على أقواتهم على المقلين والمحتاجين، ووكد الخطاب فى ذلك، وما زادت الحال إلا شدة مع ما ذكر من توفية النيل فى السنة. وذكر أبو المحاسن أن الماء القديم كان ست أذرع وتسع عشرة إصبعا ومبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى أصابع. ذيل تاريخ دمشق: ٣٣٦؛ النجوم الزاهرة: ٣٢٤:٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277213,"book_id":167,"shamela_page_id":921,"part":"3","page_num":230,"sequence_num":921,"body":"سنة اثنين وخمسين وخمسمائة (¬١):\rفيها كان انفساخ الهدنة بين الفرنج وبين المصريين، فشرع الصّالح فى النفقة على العساكر وعربان البلاد للغارة على بلاد الفرنج. فأخرج سريّة فى سابع عشر جمادى الأولى وأتبعها بأخرى فى رابع عشر جمادى الآخرة؛ فوصلت الأولى إلى غزّة ونهبت أطرافها، ثم سارت إلى عسقلان فأسرت وغنمت وعادت مظفّرة غانمة. ثم ندب سريّة ثالثة، فمضت إلى الشريعة (¬٢) فأبلت بلاء حسنا وعادت مؤيّدة. وسيّر المراكب الحربيّة فانتهت إلى بيروت وأوقعت بمراكب الفرنج وأسرت منهم وغنمت. وسيّر عسكرا فى البرّ إلى بلاد الشوبك (¬٣) فعاثوا فيها وغاروا ورجعوا بالغنائم فى رجب ومعهم كثير من الأسرى. ثم سيّر الأسطول إلى عكا فأسروا نحوا من سبعمائة نفس بعد حروب كثيرة، وعاد الأسطول فى رمضان.\rوجهّز سريّة فغارت على بلاد الفرنج وعادت بالغنائم فى رمضان. ثم بدأت سريّة فى أوّل ذى القعدة وأردفها بأخرى فى خامسه فوصلت غاراتهم إلى أعمال دمشق وعادوا غانمين (¬٤).\rوفيها قدم رسول نور الدّين محمود صاحب دمشق (¬٥).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث عشر من فبراير سنة ١١٥٧.\r(¬٢) هو نهر الأردن، أطلق هذا الاسم عليه منذ زمن الحروب الصليبية، وبخاصة جزؤه الواقع بين بحيرة طبرية ومصبه فى البحر الميت، ويعرفه البدو بهذا الاسم حتى الآن. السلوك: ٣٨١:١: حاشية: ٤.\r(¬٣) الشوبك حصن شديد الحصانة بناه Baldwin I ، صاحب بيت المقدس، سنة ٥٠٩، جنوب بحر الميت، فى منطقة عالية ليسهل منه مراقبة القوافل السالكة فى الطريق بين الشام ومصر ومهاجمتها، وهو قريب من حصن الكرك الفرنجى. معجم البلدان: ٣٠٥:٥؛ The Crusaders in the East;p .٦٥.\r(¬٤) ولعل فى هذه الغارات المتتابعة وما وليها من اشتبكات مع الفرنج طوال عهد وزارته ما يسوغ تكنيته بأبى الغارات، وهو ما أطلق عليه فعلا، وربط المؤرخون والشعراء بينه وبين كثرة إغاراته على الفرنج. وتجد فى كتاب الروضتين: ١: ٢٨٨ - ٢٩٩ مجموعة من القصائد المتبادلة بين الصالح طلائع وأسامة بن منقذ، الذى كان عندئذ على صلة بنور الدين محمود، تؤكد المحاولات التى قام بها الصالح لإيجاد علاقات تعاون بين مصر والشام فى مقاومة العدو المشترك.\r(¬٥) يقول ابن القلانسى: وفى يوم الاثنين الثانى عشر من شهر ربيع الأول توجه زين الحجاج، كثر الله سلامته، إلى ناحية مصر رسولا من المولى نور الدين لإيصال ما صحبه من المطالعات إلى صاحب الأمر فيها، وصحبته أيضا الرسول الواصل منها. ذيل تاريخ دمشق: ٣٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277214,"book_id":167,"shamela_page_id":922,"part":"3","page_num":231,"sequence_num":922,"body":"وفيها كسرت مراكب للفرنج فيها الحجاج منهم على ثغر الإسكندرية، فقبض عليهم نائب الثغر وجهّزهم.\rوفى سلخ ذى الحجة قبض الصّالح على الأمير ناصر الدّولة ياقوت والى قوص وعلى أولاده واعتقلهم من أجل أنّه بلغه عنه أنه كاتب أخت الظافر وقصد القيام على الصّالح وأخذ الوزارة. وكان ناصر الدّولة فى ولاية قوص من أيّام عبّاس، ولمّا استدعى أهل القصر طلائع من الأشمونين لم يجسر على الحركة حتى كتب إلى ناصر الدّولة يعلمه بذلك ويستدعيه ليكون له الأمر، فأعاد جوابه يظهر الزّهد فى ذلك وأنّه تركه من أيّام الخليفة عن قدرة، ظنّا منه أن طلائع لا يصلح ولا يتمّ له ما يريد من مقاومة عبّاس؛ فخاب رجاؤه. ولم يزل به الصّالح حتى أودعه السجن، ولم يزل به حتى مات فيه فى رجب من الآتية.\rوفيها أحضر إلى القاهرة رجل كامل الأعضاء سريع الحركة، طوله من رأسه إلى قدمه أربعة أشبار، وله عدّة أولاد؛ فدخل على الصّالح حتى رآه.\rفى هذه السنة زلزلت الشام زلازل عظيمة أخربت حصن شيزر، وأكثر حماة وبعض كفر طاب وأفامية؛ وزلزلت فى حلب وغيرها من البلاد؛ وكانت بدمشق خفيفة لم تخرب شيئا، ودامت مدّة بأرض الشمال (¬١).","footnotes":"(¬١) حديث هذه الزلازل طويل مفصل فى ذيل تاريخ دمشق فى مواضع متفرقة من الصفحات: ٣٣٧، ٣٤٢، ٣٤٣ - ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧ فى الحديث عن أخبار هذه السنة ٥٥٢. وسبقه حديث عن زلازل سنة ٥٥١ فى الصفحات ٣٣٤ - ٣٣٦. ومن نتائج هذه الزلازل وتأثيراتها: انهدام كثير من مساكن شيزر على أهلها، هرب أهل دمشق منها، فى رجب سنة ٥٥٢، إلى البساتين والصحراء لعدة ليال وأيام جزعين مسبحين داعين، وانهدام جزء كبير من فص الجامع الكبير، وخراب كثير من سقائفها ومنازلها، انهدام قلعة حماة وسائر دورها ومنازلها على أهلها بحيث لم يسلم منهم إلا اليسير، انهدام حصن شيزر وبه واليها تاج الدولة بن أبى العساكر بن منقذ ومن تبعه إلا اليسير. ومما قيل فى هذه الزلازل وآثارها:\rروعتنا زلازل حادثات … بقضاء قضاه رب السماء\rهدمت حصن شيزر وحماة … أهلكت أهله بسوء القضاء\rوبلادا كثيرة وثغورا … وحصونا موثقات البناء\rفإذا مارنت عيون إليها … أجرت الدمع عندها بالدماء\rوإذا ما قضى من الله أمر … سابق فى عباده بالمضاء\rحار قلب اللبيب فيه ومن كا … ن له فطنة وحسن ذكاء\rوتراه مسبحا باكى العين … مروعا من سخطة وبلاء\rجل ربى فى ملكه، وتعالى … عن مقال الجهال والسفهاء","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277215,"book_id":167,"shamela_page_id":923,"part":"3","page_num":232,"sequence_num":923,"body":"وفيها سقطت دار بخطّ سوق وردان من مدينة مصر هلك بها جماعة من سكانها، من جملتهم امرأة ترضع ولدا أخرجت من تحت الرّدم ميتة، وأخرج الطفل ابنها فى ثانى يوم وهو حىّ، فسلّم إلى من ترضعه، وعاش حتى بلغ مبالغ الرجال.\rواتّفق أيضا فى هذه السنة أن السّديد أبا النّقباء صالحا كان يخدم فى عمالة الرّباع السّلطانية بمصر، وممّا يجرى فيها دار ابن معشر عند فم السّد الذى يفتح كل سنة عند كسر الخليج إذا كان وفاء النّيل، فإذا كان قرب الوفاء رسم بمرمّة هذا الدار، فرمّمت وأسكنت فى موسم الخليج، فيتحصّل من أجرتها فى يوم وليلة ما يتحصّل من أجرة سنة كاملة. فرمّها فى هذه السّنة وأسكنها على العادة، وسكن فى بيت تحتانىّ منها، فامتلأت جميعها حتى لم يبق فيها ما يسع أحدا، فسقطت وهلك جميع من فيها إلاّ هو، فإنه أخرج بعد يومين من تحت الردم فيه رمق فبرأ وعاش مدة طويلة، ثم طلع يوما وهو عجل إلى منزل سكناه بحارة الرّوم من القاهرة اندقّت ساقه فى درجة وحدث بها خدش يسير فمات منه.","footnotes":"= - قارن فى حديث هذه الزلازل: كتاب الروضتين: ٢٦٠:١ - ٢٦٨؛ الكامل: ٨٢:١١ حيث قال ابن الأثير: إن معلما كان بحماة فارق المكتب لمهم عرض له فجاءت الزلزلة فخربت البلد وسقط المكتب على الصبيان جميعهم، فلم يأت أحد يسأل عن صبى كان له بالمكتب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277216,"book_id":167,"shamela_page_id":924,"part":"3","page_num":233,"sequence_num":924,"body":"سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة (¬١):\rفى المحرّم جهّز الصّالح أربعة آلاف وأمّر عليهم شمس الخلافة أبا الأشبال ضرغاما للغارة على بلاد الفرنج، فساروا فى صفر إلى تلّ العجول (¬٢) وحاربوا الفرنج فى النّصف منه، فانهزموا من المسلمين هزيمة قبيحة عليهم. وسيّر عسكرا آخر فى شعبان، فواقعوا الفرنج على العريش وعادوا ظافرين بعدّة غنائم ما بين خيول وأموال (¬٣).\rوفيها قدم رسول الملك العادل محمود بن زنكى؛ وقدمت رسل الفرنج يسألون فى الصلح؛ ورسول صاحب قسطنطينية يسأل إسعافه بمراكب نجدة له على صاحب صقلّية (¬٤).\rوفيها خرجت من القاهرة سريّة إلى بيت جبرين (¬٥) وعادت غانمة. وسار الأسطول فى يوم الجمعة ثالث عشرى ربيع الآخر فانثنى إلى تنّيس فى الثّامن من شعبان وأقلع منه إلى بلاد الفرنج.\rوفى سادس عشرى ربيع الآخر قدم أسطول الاسكندرية وقد امتلأت أيدى الغزاة بالغنائم.\rوفى ربيع الآخر سار عسكر إلى وادى موسى (¬٦) فنزل على حصن الدميرة وحاصره ثمانية أيّام، وتوجّه إلى الشّوبك وأغار على ما هنالك؛ وأقام أميران على الحصار وعاد بقيّة العسكر.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى من فبراير سنة ١١٥٨.\r(¬٢) بالقرب من كل من عسقلان وغزة. انظر The Crusaders in the East;p .٣١٠\r(¬٣) يتحدث ابن القلانسى عن اشتباك جيوش مصر مع الفرنج عند غزة وعسقلان وأعمالهما ويقول إن الفرنج لم يفلت منهم إلا اليسير؛ ويزيد أن مقدم الغزاة ظفر بعدة سفن فرنجية فقتل وأسر الكثير من رجالها وعددها وحاز من أموالها ما لا يكاد يحصى. ذيل تاريخ دمشق: ٣٥١.\r(¬٤) صاحب قسطنطينية، أى امبراطور بيزنطة، Manuel الذى حكم بين سنتى ١١٤٣ - ١١٨٠، وصاحب صقلية William I،the Bad (١١٥١ - ١١٦٦) . وكان صاحب صقلية قد انشغل بالحرب ضد بيزنطة التى كانت تحاول أن تمد نفوذها وسلطتها المباشرة إلى القسم الغربى من البحر المتوسط فى اتجاه إيطاليا وصقلية. وبسبب هذه المنازعات، التى استمرت كذلك فى عهد William I،the Good (١١٦٦ - ١١٨٩) ، أتيحت الفرصة للمدن الإفريقية الشمالية لتتحرر من سلطنة صقلية. دائرة المعارف البريطانية.\r(¬٥) يقول ياقوت إنه بلد بين بيت المقدس وغزة يبعد عن الأولى بمقدار مرحلتين وعن الثانية بأقل من ذلك. معجم البلدان: ٣٢١:٢.\r(¬٦) جنوبى بيت المقدس، وينسب إلى موسى بن عمران ﵇. معجم البلدان: ٣٧٧:٨؛ وكذلك:\rThe Crusaders in the East;p .١١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277217,"book_id":167,"shamela_page_id":925,"part":"3","page_num":234,"sequence_num":925,"body":"وفى التّاسع من جمادى الأولى سار عسكر إلى القدس فخرّب وعاد بالغنائم. وورد الخبر بوقعة كانت على طبريّة كسر فيها الفرنج وانهزموا، فأخذ الصالح فى النفقة على طوائف العسكر، وكان جملة ما أنفقه فيها مائة ألف دينار. فلما تكامل تجهيزهم سيّر خمس شوان (¬١) فى الخامس من شعبان، فتوجّهت لسواحل الشام، وظفرت بمراكب من مراكب الفرنج وعادت بكثير من الغنائم والأسرى فى الثانى والعشرين من رمضان. وخرج العسكر فى البرّ وقد ورد الخبر بحركة متملّك العريش يريد الغارة على أطراف البلاد، فلمّا بلغه سير العسكر لم يتحرّك، ورجع العسكر.\rوجهّز رسول محمود بن زنكى بجواب رسالته ومعه هديّة فيها من الأسلحة وغيرها ما قيمته ثلاثون ألف دينار، ومن العين ما مبلغه سبعون ألف دينار تقوية له على جهاد الفرنج (¬٢). وكتب إلى الصّالح (¬٣) كتابا ضمنه قصيدة يحرضه فيها على قتال الفرنج، فوصلت إليه فى سادس عشر من شهر رمضان، ولبس نور الدّين خلعة الملك الصالح (¬٤) طلائع؛ وانقضت السّنة فى تجهيز العساكر فى البرّ والبحر ومسيرها وعودها بالغنائم الكثيرة والأسارى العديدة، منهم أخو القمص صاحب قبرص، فأكرمه الصالح وبعث به إلى ملك القسطنطينية.\rوكثرت الغنائم من الفرنج بالقاهرة حتى امتلأت الأيدى بها.\rوقال الصّالح فى هذه الغزوات عدة قصائد مطوّلة (¬٥).","footnotes":"(¬١) جمع شينى: مركب حربى للقتال، ويسمى بالغراب أيضا، وله مائة وأربعون مجدافا وفيه، إلى جانب الجدافين، المقاتلة؛ ويقابله بالإنجليزية Galley . قوانين الدواوين: ٣٤٠، ٤٥٦.\r(¬٢) واسم الرسول الدمشقى الحاجب محمود المولد، وكان قد قدم فى السنة السابقة محملا برد نور الدين محمود على رسالة الملك الصالح، وزير مصر، فأعاده الصالح فى رمضان من هذه السنة «ومعه المال المنفذ برسم الخزانة الملكية النورية وأنواع الأثواب المصرية والجياد العربية»، وصحبته رسول وزير مصر. ذيل تاريخ دمشق: ٣٥٣. وستتكرر هذه البعثة فى السنة التالية.\r(¬٣ و ٤) ما بين هذين الرقمين مستدرك بهامش الأصل.\r(¬٥) ومثال لهذه القصائد قوله:\rجعلنا جبال القدس فيها وقد جرت … عليها عتاق الخيل كالنفنف السهب\rفقد أصبحت أو عارها وحزونها … سهولا توطأ للفوارس والركب\rولما غدت لا ماء فى جنباتها … صببنا عليها وابلا من دم سكب\rوجادت بها سحب الدروع من العدا … نجيعا، فأغنتها الغداة عن السحب\rوأجرت بحارا منه فوق جبالها … ولكن بحار ليس تعذب للشرب","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277218,"book_id":167,"shamela_page_id":926,"part":"3","page_num":235,"sequence_num":926,"body":"وفيها مات القاضى المفضّل كافى الكفاة محمود بن القاضى الموفّق إسماعيل بن حميد القاضى، المعروف بابن قادوس، فى سابع المحرّم؛ فحضر الصّالح إلى داره بمصر ومشى فى جنازته حتى صلّى عليه، ومضى إلى تربته عند مسجد الأقدام (¬١) بالقرافة. وكان من أماثل المصريّين وأعيان كتّابهم، مقدّما عند الملوك. وله ديوان شعر (¬٢).","footnotes":"= فقد عمها خصب به من رءوسهم … بها، ولكم خصب أضر من الجدب\rوقد روعتها خيلنا قبل هذه … مرارا وكانت قبل آمنة السرب\rوأخفى صهيل الخيل أصوات أهلها … فعاقت نواقيس الفرنج عن الضرب\rخريدة القصر قسم شعراء مصر: ١٧٨:١ - ١٧٩. وتجد حديثا مطولا عن هذا الشاعر فى نفس المصدر: ١٧٣ - ١٨٦، وفى النكت العصرية.\r(¬١) وسمى مسجد الأقدام لأن مروان بن الحكم لما دخل مصر وصالح أهلها وبايعوه امتنع ثمانون رجلا من المغافر عن بيعته وظلوا على بيعة ابن الزبير فأمر مروان بقطع أيديهم وأرجلهم وقتلهم على بئر المغافر فى هذا الموضع فسمى المسجد الذى بنى فى هذا الموضع بالأقدام لأنه بنى على آثارهم. وقيل اختلفت قبيلتان عليه كل منهما تدعيه فقيس بعده عن كل منهما بالأقدام ثم نسب إلى أقربهما منه. وكان القديم منه محرابه والأروقة المحيطة به ثم زاد فيه الإخشيذ، ثم زاد سهم الدولة فى القسم البحرى منه، وكان سهم الدولة متولى الستارة. وهذا المسجد بالقرافة بخط المغافر. المواعظ والاعتبار: ٤٤٥:٢.\r(¬٢) سبق شيء من التعريف به فى التعليقات، وتجد ترجمة له فى خريدة القصر قسم شعراء مصر: ٢٢٦:١ - ٢٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277219,"book_id":167,"shamela_page_id":927,"part":"3","page_num":236,"sequence_num":927,"body":"سنة أربع وخمسين وخمسمائة (¬١):\rفى شهر ربيع الأول، فى خامسه، قدم رسول الفرنج بهديّة لطلب الهدنة.\rوقدم رسول نور الدّين يخبر بأنه متوجّه نحو بلاد الفرنج، وأشار بإخراج عسكر نحوهم؛ فخرجت سريّة إلى غزّة. وعاد رسول نور الدّين، وهو الحاجب محمود المسترشدى، وصحبته الأمير عزّ الدين أبو الفضل غسان بن محمد بن جلب راغب الآمرى؛ وكانا قد توجّها إلى نور الدّين فى السّنة الخالية وخرجا من دمشق فى نصف صفر. فندب الصّالح العساكر للغارة، وأنفق فى ستة آلاف وخمسمائة فارس، فساروا فى سادس جمادى الأولى. وتوجّه الأسطول فى البحر، وذلك أن ملك القسطنطينية أراد غزو بلاد ابن لاون (¬٢)، صاحب أرمينية فبعث يعلم نور الدّين بذلك، فكتب نور الدّين يستنجد الملك الصّالح على الفرنج، فأنجده بذلك. وفى سلخ جمادى الآخرة عاد العسكر غانما.\rوفى هذه السنة خرج الأمير عز الدّين أبو المهنّد حسام ابن الأمير الأسد جلال الدّين فضّة، وهو ابن أخت الملك الصّالح، على عسكر لقتال طرخان بن سليط بن طريف والى الإسكندرية وقد جمع العربان وغيرهم وخلع طاعة الصّالح (¬٣).\rفيها بنى الصالح على بلبيس حصنا من لبن.\rفيها توفى أبو القاسم عبد الرّحمن بن محمّد بن الفضل بن منصور بن أحمد بن يونس ابن عبد الرّحمن بن اللّيث بن المغيرة بن عبد الرحمن بن العلاء بن الحضرمى","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثالث والعشرين من يناير سنة ١١٥٩. وبجوار هذا العنوان بهامش الأصل: بياض ربع صفحة.\r(¬٢) واسمه: Thoros،Son of King Leo of Armenia انظر: The Damascus Chronicle of the Crusades;p .٣٤٩ وكتاب الروضتين: ٣٠٤:١؛ وكذلك The Crusaders in the East;P .١٨٠\r(¬٣) وسيرد فى أخبار السنة التالية، ٥٥٥، نبأ تطورات هذه الثورة ونتائجها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277220,"book_id":167,"shamela_page_id":928,"part":"3","page_num":237,"sequence_num":928,"body":"فى شهر رمضان بالإسكندرية. وقد حدّث فسمع منه السّلفى؛ وهو آخر من حدّث عن الخيال.\rومولده لستّ بقين من ربيع الآخر سنة ستّ وستّين وأربعمائة.\rوتوفّى الفقيه أبو الحسن وحشىّ بن عبد الغالب العادلىّ السّعدى بمنية زفتى؛ وأخذ عن الطرطوشى وغيره.\rوتوفّى بمصر أبو القاسم عبد السّلام بن مختار اللغوى؛ سمع من بركات وغيره؛ وقرأ على العقبى. وله مدائح فى الصالح بن رزيك وكان متصدرا بالجامع العتيق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277221,"book_id":167,"shamela_page_id":929,"part":"3","page_num":238,"sequence_num":929,"body":"سنة خمس وخمسين وخمسمائة (¬١):\rفيها خرج إسماعيل، المعروف بروق، من القاهرة فى ليلة الخميس حادى عشر المحرّم، ولحق بأخيه طرخان والى الإسكندرية وقد جمع لحرب الصّالح، فخرج إليه المظفر عزّ الدّين حسام والأمير مجد الخلافة أسد الدّين ورد على عسكر، ولحقهم المظفر سيف الدّين حسين.\rوقد برز إسماعيل (¬٢) من الإسكندرية فى جموعه وخيّم على دمنهور، وتلقّب بالملك الهادى؛ فطرقه العسكر، فهرب واختفى بالجيزة، فقبض عليه فى سابع عشره. وعاد العسكر فى ثالث عشريه، فهرب طرخان من معتقله فى رابع ربيع الآخر، وظفر به فى سادسه، فصلب على باب زويلة. ثم ضربت رقبة إسماعيل فى ثامنه، وصلب إلى جانب أخيه.\rوكان أبو طرخان فرّانا، فترقّى طرخان فى أيام الفتن حتى ولاّه الصّالح الإسكندرية فى سنة ثلاث وخمسين. وقال الشعراء فى صلبه عدّة قصائد.\rوفيها مات الخليفة الفائز بنصر الله ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رجب؛ ومولده يوم الجمعة لتسع بقين من المحرّم سنة أربع وأربعين وخمسمائة، فكان عمره إحدى عشرة سنة وستة أشهر وستّة أيّام (¬٣)، منها مدّة خلافته ستّ سنين وخمسة أشهر وستّة عشر يوما.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثانى عشر من يناير سنة ١١٦٠.\r(¬٢) فى الأصل طرخان. والتصحيح استنادا إلى ما جاء فى بقية الخبر، واستعانة بما جاء فى نهاية الأرب حيث ذكر النويرى أن طرخان اعتقل فى السنة الماضية وأن إسماعيل هو الذى ثار فى المحرم من هذه السنة طالبا لثأره وتلقب - أى إسماعيل - بالملك الهادى، فلما هجمت عليه الجيوش هرب إلى الجيزة واستتر عند بعض العربان. ثم هرب طرخان مع الموكل به فاعتقل بعد يومين وصلب على باب زويلة وضرب بالنشاب، ثم صلب أخوه إلى جانبه بعد قتله. ومن طريف ما قاله عمارة فى صلب طرخان:\rأراد علو منزلة وقدر … فأصبح فوق جذع وهو عال\rومد على صليب الجذع منه … يمينا لا تطول على الشمال\rونكس رأسه لعتاب قلب … دعاه إلى الغواية والضلال\rالنكت العصرية: ٤٧.\r(¬٣) فى الأصل: فكان عمره إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وستة أيام، وهو ينقص شهرا بمقارنة التاريخين اللذين ذكرهما لمولده ووفاته اللذين يوافقه فيهما النويرى. ويذكر النويرى عمره صحيحا. وبالنسبة لتاريخ وفاته يضيف النويرى بعد ذكر التاريخ الذى يتفق فيه مع المقريزى جملة تقول: «وقيل لليلة منه».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277222,"book_id":167,"shamela_page_id":930,"part":"3","page_num":239,"sequence_num":930,"body":"ولم يلتذّ بالخلافة ولا رأى فيها خيرا؛ فإنّ أباه لمّا قتل وبكر عبّاس إلى القصر وفحص عن الخليفة الظّافر وقتل أخويه وابن عمّه لينفى عن نفسه وابنه التّهمة، دعا إلى القصر واستدعى ابن الظّافر هذا وحمله على كتفه وله من العمر نحو الخمس سنين، ووقف به فى صحن القاعة وأمر الأمراء فدخلوا عليه. فلمّا مثلوا بالقاعة قال لهم: هذا ولد مولاكم وقد قتل أبوه وعمّاه، والواجب إخلاص الطّاعة لهذا الطّفل. فقالوا بأجمعهم: سمعنا وأطعنا، وصاحوا صيحة اضطرب منها الطّفل وداخله من تلك الصّيحة، مع ما شاهده من رؤية عمّه والخدّام وهم فى دمائهم، ما خبل عقله، وبال على كتف عبّاس، فسيّروه إلى أمّه؛ وأقام مختلاّ يصرع وجدّته تكفله.\rوركب فى الأعياد مغرّرا به؛ وخطب عنه قاضى القضاة وهو معه على المنبر. وقطع الخليج فى أيّامه فى اللّيل واعتذر عن ذلك بأن النيل عدا وقطع الجسر، إلى غير ذلك من التحويزات.\rثم وزر الصّالح بعد عبّاس واستبدّ بجميع الأمور وليس له معه أمر ولا نهى، ولا تعود كلمة. فدبّرت عمة الفائز فى قتل الصّالح، وفرّقت فى ذلك نحو خمسين ألف دينار.\rفبلغ ذلك الصالح، فأمسكها وقتلها بالأستاذين والصّقالبة سرّا، والفائز فى واد آخر من الاضطراب والاختلال. ونقل كفالته إلى عمّته الصّغرى، وطيّب قلبها، وراسلها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277223,"book_id":167,"shamela_page_id":931,"part":"3","page_num":241,"sequence_num":931,"body":"العاضد لدين الله أبو محمّد عبد الله بن الأمير يوسف\rابن الحافظ لدين الله أبى الميمون عبد المجيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277224,"book_id":167,"shamela_page_id":932,"part":"3","page_num":243,"sequence_num":932,"body":"ولد يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرّم سنة ستّ وأربعين وخمسمائة (¬١)؛ وبويع عند انتقال الفائز يوم الجمعة قبل الصّلاة لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وعمره يومئذ تسع سنين وستة أشهر وسبعة أيّام (¬٢).\rوذلك أنه لمّا مات الخليفة الفائز ركب الصّالح بن رزّيك إلى القصر بثياب الحزن، واستدعى زمام القصر، وسأله عمّن يصلح فى القصر للخلافة؛ فقال: ههنا جماعة.\rفقال: عرّفنى بأكبرهم. فسمّى له واحدا، فأمر بإحضاره. فتقدّم إليه أمير يقال له على ابن مزيد وقال له سرّا: لا يكن عبّاس أحزم منك رأيا حيث اختار الصّغير وترك الكبير واستبدّ بالأمر. فمال إلى قوله، وقال للزّمام: أريد منك صغيرا. فقال: عندى ولد الأمير يوسف بن الحافظ واسمه عبد الله، وهو دون البلوغ. فقال: علىّ به. فأحضر إليه بعمامة لطيفة وثوب مفوّط، وهو مثل الوحش، أسمر، كبير العينين، عريض الحاجبين","footnotes":"(¬١) يختلف المؤرخون فى تحديد تاريخ مولده، فيذكر أبو المحاسن أنه: «ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة وقيل سنة أربعين»؛ ويذكر كذلك أن ابن خلكان يقول إنه «ولد يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرم سنة سبع وأربعين وخمسمائة». ويعلق محققة على هذا بأن المذكور فى وفيات الأعيان سنة «ست وأربعين وخمسمائة». ويقتبس أبو المحاسن كذلك الحافظ أبا عبد الله الذهبى فى كتابه تاريخ الإسلام فى قوله: «ولد سنة ست وأربعين وخمسمائة فى أولها». وبطبيعة الحال يؤدى هذا الاختلاف فى تحديد تاريخ المولد إلى اختلاف آخر فى عمره حين بويع بالخلافة وحين الوفاة. قارن النجوم الزاهرة ٣٣٤:٥، ٣٣٨؛ نهاية الأرب: ٢٨؛ وفيات الأعيان: ٢٦٩:١ - ٢٧٠.\r(¬٢) وقد سها المقريزى فى حساب عمره هنا إذ أنه يكون قد تولى الخلافة وسنه تسع سنين وخمسة أشهر وسبعة وعشرون يوما. وقد كتب الصالح طلائع بن رزيك إلى أسامة بن منقذ بدمشق يعلمه بوفاة الفائز وخلافة العاضد، فأجابه أسامة:\rهناء بنعمى قل عن قدرها الشكر … وصبر الرزء لا يقوم به الصبر\rمضى الفائز الطهر الإمام، وقام بال … إمامة فينا بعده العاضد الطهر\rإماما هدى، لله فى نقل ذا إلى … كرامته، وفى إقامة ذا سر\rفعش أبدا، واسلم لهم يا كفيلهم … تدافع عنهم كل حادثة تعرو\rكتاب الروضتين: ٣١١:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277225,"book_id":167,"shamela_page_id":933,"part":"3","page_num":244,"sequence_num":933,"body":"أخنس الأنف (¬١)، منتشر المنخرين، كبير الشّفتين. فأجلسه الصّالح فى البادهنج (¬٢)، وكان عمره إحدى عشرة سنة (¬٣). ثم أمر صاحب خزانة الكسوة أن يحضر بذلة ساذجة خضراء، وهى لبس ولىّ العهد إذا حزن على من تقدّمه، وقام وألبسه إيّاها.\rوأخذوا فى تجهيز الفائز؛ فلمّا أخرج تابوته صلّى عليه وحمل إلى التّربة. وأخذ الصالح بيد عبد الله وأجلسه إلى جانبه، وأمر أن تحمل إليه ثياب الخلافة، فألبسها؛ وبايعه، ثمّ بايعه النّاس؛ ونعته بالعاضد لدين الله. وذلك يوم الجمعة الثامن عشر من شهر رجب سنة خمس وخمسين (¬٤). وأبوه أحد الأخوين اللّذين قتلهما الوزير عبّاس (¬٥).\rولمّا بويع العاضد ركب وحملت على رأسه المظلّة؛ وركب الصّالح بين يديه، وخرج من التربة قاصدا قصره. وكانت عادة الخلفاء أنّه إذا ورد البشير إلى أخصّ أهل من يبايع يعطى ألف دينار؛ فلمّا بويع العاضد حضر المبشّر إلى عمّته فأعطته نزرا، فلمّا راجعها فى الزّيادة أبت عليه؛ فسئلت فى السبب فقالت: هذا قاطع الخلفاء (¬٦). وهكذا كان.\rواستقرّ العاضد اسما والصّالح معنى (¬٧)، فتمكن وقويت حرمته، واستولى على الدّولة وتمكن منها، ونقل جميع أموال القصر إلى دار الوزارة، وأساء السّيرة باحتكار الغلاّت، فوقع الغلاء وارتفعت الأسعار؛ وأكثر من قتل أمراء الدولة.","footnotes":"(¬١) الخنس، محركة، تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل فى الأرنبة، وهو أخنس، وهى خنساء. القاموس المحيط.\r(¬٢) منفذ للتهوية فى البيوت، ومنه قيل للفتحة الموجودة فى جانبى المنبر بادهنج. السلوك: ٢٢٢:٢.\r(¬٣) سبق قبل أسطر قول المؤلف: وعمره يومئذ تسع سنين وستة أشهر وسبعة أيام.\r(¬٤) يعلق الفارقى فى تاريخه على تولية العاضد فيقول: وهو الخليفة الرابع عشر من هذا البيت لأن كل خليفة ولى علقت منطقته بقبلة الجامع، وتكون منطقة الذين قبله مكشوفة ومنطقة الحى مغطاة، فإذا مات وولى غيره كشفت وعلقت منطقة الخليفة المولى مغطاة، وكمل فى الجامع مع هذه إلى هذه السنة أربع عشرة منطقة ذيل تاريخ دمشق: ٣٦٠ - ٣٦١.\r(¬٥) راجع ما تقدم فى مناسبة تولية الفائز بن الظافر الخلافة بعد مقتل الظافر وإخفاء جثته فى دار نصر بن عباس.\r(¬٦) فى ترجمة العاضد يقول ابن خلكان: والعاضد فى اللغة القاطع، يقال عضدت الشئ فأنا عاضد له إذا قطعته، فكأنه عاضد دولتهم. وفيات الأعيان: ٢٦٩:١ - ٢٧٠. ولعل هذا هو ما قصدته عمة الخليفة بقولها للمبشر بخلافته: هذا عاضد الخلفاء. ويحسن هنا أن نتذكر ما قاله الحاكم بأمر الله لوالدته قبيل خروجه واختفائه حين حاولت منعه من الخروج إذ قال لها لا بد من الخروج فإنى قد رأيت أن على «قطعا».\r(¬٧) رسمت فى نسخة الأصل: معنا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277226,"book_id":167,"shamela_page_id":934,"part":"3","page_num":245,"sequence_num":934,"body":"وفيها ولّى الصّالح شاور بن مجير بن سوار بن عشائر بن شاس السّعدى الصّعيد (¬١)، فظهرت كفايته واستمال الرّعية.\rوفيها بعث العاضد بالخلع إلى نور الدّين محمود صاحب دمشق، فلبسها.\rوفيها توفى بمصر أبو الحسن على بن عبد الرحمن بن عمر بن قاسم، المعروف بنفطويه الحضرمى، المقرئ الأديب؛ رحل فسمع ببغداد وميّافارقين (¬٢) وبمصر.\rوتوفّى بعيذاب (¬٣) الإمام أبو القاسم عبد الرّحمن بن الحسين بن الحباب السعدى، أخو القاضى الجليس؛ رحل فسمع ببغداد وغيرها، وصنف كتاب مساوئ الخمر؛ وكتاب الحجّة لسلف هذه الأمّة فى تسمية الصّديق والردّ على من أنكر ذلك؛ وكتاب تهذيب المقتبس فى أنباء أهل الأندلس. وكان من الصّالحين (¬٤).\rوتوفّى أبو جعفر أحمد بن محمّد بن كوار بن المختار بن الغرناطى بمصر، وكان من أعيان غرناطة، وله معرفة جيّدة بالنّحو؛ وكتب عن السّلفى.","footnotes":"(¬١) المقصود بها ولاية قوص وكانت من أهم ولايات الصعيد، وتبدأ من جنوب ولاية أسيوط وتنتهى إلى آخر أسوان. راجع صبح الأعشى: ٣٨٠:٣، ٣٩٦ - ٣٩٨.\r(¬٢) فى إقليم ديار بكر بأرض الجزيرة، وكانت أصلا من حصون بيزنطة، ثم صار لها ولإقليم ديار بكر بأسره أهمية خاصة فى بعض عصور التاريخ الإسلامى، على زمن الأسرة الأرتقية، بين سنتى ٤٩٥ - ٦٢٩، فى منطقة حصن كيفا، وبين سنتى ٥٠٢ - ٨١١ فى منطقة ماردين. قارن معجم البلدان: ٢١٤:٨ - ٢١٨؛ ومعجم الأنساب.\r(¬٣) إحدى أربع مدن ساحلية على البحر الأحمر (بحر القلزم) كانت تجبى بها المكوس على البضائع الواردة من جهة الحجاز واليمن وما والاهما. وكانت عيذاب أكثر هذه المدن الأربع واصلا لرغبة رؤساء المراكب فى التعدية من جدة إليها وإن كانت باحتها متسعة لغزارة الماء وأمن اللحاق بالشعب الذى ينبت فى قعر هذا البحر. ومن هذا الساحل يتوصل إلى قوص بالبضائع ومنها إلى الفسطاط فى بحر النيل. وكان للفاطميين بعيذاب أسطول يتلقى المراكب القادمة بالبضائع والسفار فيما بين عيذاب وسواكن وما حولها خوفا عليها من قوم كانوا بجزائر البحر يعترضون المراكب فيحميهم الأسطول. وكانت عدة هذا الأسطول خمس مراكب، ثم صارت ثلاثا، وكان والى قوص هو المتولى لأمر هذا الأسطول عادة ويحمل إليه من خزائن السلاح ما يكفيه. صبح الأعشى: ٤٦٤:٣، ٥١٩ - ٥٢٠.\r(¬٤) تقدم شيء من التعريف به فى مناسبة سابقة. قارن: وفيات الأعيان: ٣١:١ - ٣٢؛ طبقات الشافعية الكبرى: ٤٣:٤ - ٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277227,"book_id":167,"shamela_page_id":935,"part":"3","page_num":246,"sequence_num":935,"body":"سنة ست وخمسين وخمسمائة (¬١):\rفيها عقد العاضد على ابنة الصّالح ابن رزّيك فى مستهلّه بعد ما امتنع من ذلك فحبسه الصّالح حتى أجاب. وقصد الصّالح بزواجه ابنته أن يرزق منه ولدا فيجتمع لبنى رزّيك الخلافة مع الملك.\rوفيها قدم حسين بن نزار بن المستنصر إلى برقة من بلاد المغرب (¬٢)، ودعا إلى نفسه، فاجتمع عليه قوم كثير وتلقّب بالمستنصر (¬٣)؛ وعزم على المسير إلى أخذ القاهرة، فخدعه الأمير (عز الدين) (¬٤) حسام بن فضّة (بن رزّيك) (¬٤) ووعده بالقيام بدعوته، وما زال يتلطّف به حتى صار عنده فى خيمته، فقبض عليه وحمله إلى القاهرة، فقتل فى شهر رمضان (¬٥).\rوفيها قتل الملك الصّالح فارس المسلمين نصير الدين، أبو الغارات طلائع بن رزّيك.\rوذلك أنّه لما ثقلت وطأته وكثرت مضايقته لأهل القصر، أخذت السّيدة العمّة ست القصور، وهى أخت الظافر الصّغرى، فى العمل على قتله (¬٦)، ورتّبت مع قوم من السّودان الأقوياء أن يقيموا منهم فى باب السّرداب من الدّهليز المظلم الذى يدخل منه إلى القاعة جماعة، ويقيموا آخرين فى خزانة هناك وأرسلت إلى ابن الرّاعى، وإلى الأمير (المعظم) (¬٧) بن قوام الدّولة صاحب الباب وقرّرت معه أن يخلى الدّهاليز من الناس","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى والثلاثين من ديسمبر سنة ١١٦٠.\r(¬٢) فى الأصل: محمد بن حسين بن نزار بن المستنصر، ولم أجده فى غيره إلا باسم حسين بن نزار بن المستنصر. قارن نهاية الأرب: ٢٨؛ وفيات الأعيان: ٢٦٩:١ - ٢٧٠ فى ترجمة العاضد؛ النجوم الزاهرة: ٣٣٩:٥.\r(¬٣) يذكر النويرى وأبو المحاسن وابن خلكان أن هذا حدث فى سنة سبع وخمسين وخمسمائة.\r(¬٤) ما بين القوسين مزيد من نهاية الأرب، وكذلك استعانة بما سبق.\r(¬٥) ذبحه صبرا كما يذكر ابن خلكان: وفيات الأعيان: ٢٦٩:١، وينقله عنه صاحب النجوم الزاهرة: ٣٣٩:٥.\r(¬٦) وكانت عمته الكبرى قد شرعت فى التدبير لقتله، وفرقت فى ذلك ما لا يقرب من خمسين ألف دينار، فعلم طلائع ابن رزيك بذلك فأوقع بها وقتلها بمعاونة بعض الأستاذين والصقالبة سرا، ثم نقل كفالة الخليفة الفائز إلى هذه العمة الصغرى التى أخذت بدورها تدبر مقتله. النجوم الزاهرة: ٣١٤:٥.\r(¬٧) بياض بالأصل يتسع لكلمة، والتكملة من النكت العصرية: ٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277228,"book_id":167,"shamela_page_id":936,"part":"3","page_num":247,"sequence_num":936,"body":"حتى لا يبقى بها أحد. فأعدّوا فى حجرة فى دهليز القصر، وردّوا عليهم طرف الضبّة (¬١).\rفلما كان فى يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان ركب الصّالح على عادته للسّلام على الخليفة، فلمّا انفصل من خدمة السّلام بقاعة الذهب وخرج إلى الدّهاليز عرض له أستاذ يقال له عنبر الرّيفى، وأوقفه، وذكر له حديثا طويلا؛ فتقدّم رزّيك ابن الصّالح، فخرج رجلان وثبا على الصّالح، ووقعت الصّيحة، فعثر الصّالح بأذياله، فتقدّم إليه ابن الرّاعى وطعنه بسيف قطع أحد وريديه، وضربه العبيد بالسّيوف فقطعوا عذيته ونزلت فى لحمه وشلت سلسلة ظهره. فوضع يده على جرحه وأنشد:\rإن كان عندك يا زمان بقيّة … ممّا تهين به الكرام فهاتها\rوضرب رزّيك (بن طلائع (¬٢) فى عضده الأيمن. وتكاثروا على الصّالح فسقط على وجهه منكبّا واستفرغ بالدّم فأدركه الأمير ابن الزبد (¬٣) وألبسه منديل ضرغام بن سوار، وكان","footnotes":"(¬١) يذكر ابن خلكان أن العاضد هو الذى قام بهذا التدبير، وهو غير معقول، لأن العاضد لم يكن جاوز التاسعة من سنه، أو الحادية عشرة فى قول آخر، إلا بقليل حين تم هذا التدبير. ويذكر أيضا أن ممن اشترك فى التدبير فى الاعتداء جماعة من الأجناد عرفوا بأولاد الراعى، وأن المحاولة فشلت فى الليلة الأولى لأن أحد المتآمرين قام ليفتح ضبة الباب فأخطأ وأغلقها. وفيات الأعيان: ٢٣٨:١ - ٢٤٠.\r(¬٢) أضيف ما بين القوسين للتوضيح من النجوم الزاهرة: ٣١٥:٥. وسيتولى رزيك هذا الوزارة بعد وفاة أبيه كما سيأتى.\r(¬٣) واسمه المكرم أبو الحسن على بن الزبد. النكت العصرية: ٣٥، وفى مواضع أخرى متفرقة؛ نهاية الأرب: ٢٨ ويذكر عمارة أن ابن الزبد هذا كان من الغلاة فى مذهبه من غير علم، وأنه قاتل عن الصالح أشد قتال إذ ظل يضرب بسيفه دفاعا عنه حتى انكسر نصفين فألقى نفسه على الصالح ووقاه بنفسه، فلم تزل السيوف تنحره حتى قام الصالح. وفى هذا يقول عمارة:\rلا تسألا إلا مضارب سيفه … فلقد تزيد وتنقص الأخبار\rحتى إذا انقطع الحسام بكفه … وانفل منه مضرب وغرار\rألقى عليك، وقاية لك، نفسه … لما انتحتك صوارم وشفار\rإن لم يذق كأس الردى، فبقلبه … من خمرها، أسفا عليك، خمار\rهى وقفة رزق المكرم حمدها … وعلى رجال لؤمها والعار\rالنكت العصرية: ١٤٤ - ١٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277229,"book_id":167,"shamela_page_id":937,"part":"3","page_num":248,"sequence_num":937,"body":"قد نزع منديله عن رأسه، وحمل حتى أركب على فرسه، وهو لا يفيق. وبقى حسين ابن أبى الهيجاء فى القصر يقاتل السّودان حتى قتل منهم خمسين رجلا.\rولمّا ركب الصّالح وشدّوا جرحه تطلّعت السّيدة العمّة من القصور فرأته راكبا، فقالت: رحنا والله. فلمّا صار إلى داره كان إذا أفاق يقول: رحمك الله يا عبّاس، وبعث إلى العاضد يعتب عليه كيف رضى بقتله مع حسن أثره فى إقامته خليفة؛ فأقسم أنّه لم يعلم بذلك ولا رضى به. وأنشد عند موته:\rوما ظفروا لمّا قتلت بطائل … فعشت شهيدا ثم متّ شهيدا\rفلمّا كان ثلث ليلة الثلاثاء، العشرين من شهر رمضان، مات ودفن بالقاهرة، ثم نقل منها بعد ذلك إلى القرافة، والعاضد راكب والجند يمشون خلف تابوته (¬١).\rومولده فى سنة خمس وتسعين. وكانت وزارته سبع سنين وستة أشهر تنقص أيّاما.\rوكان فاضلا، سمحا فى العطاء، سهلا فى اللقاء، محبّا لأهل الفضائل، جيّد الشعر وخطّه دون شعره. ويقال إنّه من المغرب، وقد قصد أبوه زيارة قبر علىّ بن أبى طالب بالنّجف فرأى أمام المشهد عليّا وأخبره عن طلائع أنّه يلى مصر، فقدمها، وما يزال يترقّى فى الخدم حتى نال ما نال.","footnotes":"(¬١) يقول ابن خلكان: وكان قد دفن بالقاهرة فنقله ولده العادل من دار الوزارة التى دفن بها، وهى المعروفة بإنشاء الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالى، وكان نقله فى تاسع عشر صفر سنة سبع وخمسين فى تابوت وركب خلفه العاضد إلى تربته التى دفن بها بالقرافة الكبرى. وفيات الأعيان: ٢٤٩:١. وقد أنشد عمارة اليمنى فى مقتله وتابوته ونقله إلى تربة القرافة قصيدة طويلة منها:\rخربت ربوع المكرمات لراحل … عمدت به الأحداث وهى قفار\rنعش الجدود العاثرات مشيع … عميت برؤية نعشه الأبصار\rنعش تعود «بنات نعش» لو غدت … ونظامها أسفا عليه نثار\rشخص الأنام إليه تحت جنازة … خفضت برفعة قدرها الأقدار\rوكأنها تابوت موسى أودعت … فى جانبيه سكينة ووقار\rوتغاير الهرمان والحرمان فى … تابوته، وعلى الكريم يغار\rفتهن بالأجر الجزيل، وميتة … درجت عليها قبلك الأخيار\rمات الوصى بها، وحمزة عمه … وابن البتول، وجعفر الطيار\rو «بنات نعش» الكبرى سبعة كواكب أربعة منها نعش وثلاث بنات، والصغرى كذلك، وتنصرف نكرة لا معرفة، وواحدها ابن نعش. ويقال هو أخفى من نعيش فى بنات نعش. القاموس المحيط؛ أساس البلاغة. وتجد هذه القصيدة فى النكت العصرية: ٦٣ - ٦٥؛ وهى بصورة أكمل فى كتاب الروضتين حيث وردت فى واحد واربعين بيتا: ٣١٤:١ - ٣١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277230,"book_id":167,"shamela_page_id":938,"part":"3","page_num":249,"sequence_num":938,"body":"وأنشد له ابن خلكان (¬١):\rكم ذا يرينا الدّهر من أحداثه … غيرا (¬٢) وفينا الصّدّ والإعراض\rننسى الممات وليس يجرى ذكره … فينا، فتذكرنا به الأمراض\rوكان لأهل العلم عنده نفاق ويرسل إليهم العطايا الكثيرة. بلغه أنّ أبا محمد ابن الدّهان النّحوى البغدادى (¬٣) المقيم بالموصل قد شرح بيتا من شعره وهو:\rتجنّب سمعى ما يقول العواذل … وأصبح لى شغل من الغزو شاغل\rفجهّز له هديّة سنيّة ليرسلها إليه، فقتل قبل إرسالها. وبلغه أن إنسانا من أعيان الموصل قد أثنى عليه فأرسل إليه كتابا يشكره ومعه هديّة.\rوكان وافر العقل رضىّ النّفس، بصيرا بالتّجارب عالما بأيّام الناس، بصيرا بالعلوم الأدبية، محبّبا إلى الناس لإظهاره الفضل والدّين وإنكاره الظّلم والفساد. إلاّ أنّه كان من غلاة الإمامية مخالفا لما عليه مذهب العاضد وأهل الدّولة. فلمّا بايع للعاضد وركب من القصر سمع ضجّة عظيمة، فقال: ما الخبر؟ فقيل إنهم يفرحون بالخليفة.\rفقال: كأنى بهؤلاء الجهلاء وهم يقولون ما مات الأول حتى استخلف هذا؛ وما علموا أنّنى كنت من ساعة أستعرضهم استعراض الغنم.\rوجرى من بعض الأمراء فى مجلس السّمر عنده انتقاص بعض السّلف، وكان الفقيه عمارة جالسا فقام وخرج معتذرا بحصاة تعتاده، وانقطع فى منزله ثلاثة أيّام، ورسول الصّالح يرد إليه كلّ يوم بالطبيب، ثم ركب إليه بعد ذلك وهو فى بستان مع جلسائه","footnotes":"(¬١) وفيات الأعيان: ٢٣٨:١.\r(¬٢) الغير بوزن عنب الاسم من قولك غيرت الشئ فتغير، ومنه غير الزمان. قال الكسائى: وهو اسم مفرد مذكر وجمعه أغيار. وقال أبو عمر وهو جمع مفرده غيرة. مختار الصحاح.\r(¬٣) هو أبو محمد سعيد بن المبارك بن على بن عبد الله بن سعيد … بن أبى اليسر كعب الأنصارى، كان يعرف بسيبويه عصره، وله فى النحو: شرح الإيضاح، التكملة، الفصول الكبرى، الفصول الصغرى، الغرة فى شرح كتاب اللمع لابن جنى، وله كتاب العروض فى مجلدة، وكتاب الرسالة السعيدية فى المآخذ الكندية ويشتمل على سرقات المتنبى. ترك بغداد وانتقل إلى الموصل وترك بها كتبه فارتفع النهر ببغداد وغرقت كتبه، وزاد إتلاف كتبه أن الماء طغى على داره من مدبغة كانت خلف الدار. وكف بصره وهو يحاول تبخير كتبه باللادن لإصلاحها. وله نظم حسن. توفى سنة تسع وستين وخمسمائة. وفيات الأعيان: ٢٠٩:١ - ٢١٠؛ بغية الوعاة: ٥٨٧:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277231,"book_id":167,"shamela_page_id":939,"part":"3","page_num":250,"sequence_num":939,"body":"فى خلوة، فاستوحش من غيبته، فأعلمه أنه لم يكن به وجع ولكنّه كره ما جرى فى حقّ السّلف، فإن أمر السّلطان فقطع ذلك حضرت وإلا كان فى الأرض سعة وفى الملوك كثرة. فعجب الصّالح من ذلك. وقال: سألتك بالله ما تعتقد فى أبى بكر وعمر؟ فقال: أعتقد أنّه لولاهما لم يكن سبق للإسلام حرمة ولا علا له راية، وما من مسلم إلا ومحبّتهما واجبة عليه. ثم قرأ: «ومن يرغب عن ملّة إبراهيم إلاّ من سفه نفسه» (¬١) فضحك الصالح، وكان هذا من رياضته، فإنّه مخالف لمذهبه مخالفة لا يحتملها مثله إلاّ أنّه كان مرتاضا حصيفا قد لقى الفقهاء وسمع كلامهم.\rوبعث يوما إلى عمارة ثلاثة أكياس من مال ورقعة بخطّه فيها هذه الأبيات يدعوه فيها إلى مذهبه (¬٢):\rقل للفقيه عمارة: يا خير من … أضحى يؤلّف خطبة وكتابا\rاسمع (¬٣) نصيحة من دعاك إلى الهدى … قل حطّة (¬٤)، وادخل إلينا البابا\rتلق الأئمّة شافعين، ولا تجد … إلاّ لدينا سنّة وكتابا\rوعلىّ أن يعلو محلّك فى الورى … وإذا شفعت إلىّ كنت مجابا\rوتعجّل الآلاف، وهى ثلاثة … صلة، وحقّك لا تعدّ ثوابا\rفأجابه عمارة ٥:\rحاشاك من هذا الخطاب خطابا … يا خير أملاك الزّمان نصابا\rلكن إذا ما أفسدت علماؤكم … معمور معتقدى وصار خرابا\rودعوتم فكرى إلى أقوالكم … من بعد ذاك، أطاعكم وأجابا","footnotes":"(¬١) سورة البقرة: آية: ١٣٠.\r(¬٢) النكت العصرية: ٤٥.\r(¬٣) فى النكت: اقبل.\r(¬٤) يشير بذلك إلى ما ورد فى سورة البقرة: آية: ٥٨، من قول الله جل وعز لقوم موسى: «وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين». فهو يقول لعمارة و «قل حطة» يغفر لك. يقول صاحب مختار الصحاح: وقوله تعالى «وقولوا حطة» أى حط عنا أوزارنا، وقيل هى كلمة وواحدها بها بنو إسرائيل لو قالوها لحطت أوزارهم.\rالعصرية: ٦٣ - النكت العصرية: نفس المصدر: ٤٥ - ٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277232,"book_id":167,"shamela_page_id":940,"part":"3","page_num":251,"sequence_num":940,"body":"فاشدد يديك على صفاء محبّتى … وامنن علىّ، وسدّ هذا البابا\rوهو الّذى بنى الجامع خارج باب زويلة (¬١)؛ ووقف ثلثى المقس على الأشراف، وتسعة قراريط على أشراف المدينة، وقيراطا على بنى معصوم إمام مشهد علىّ الذى بشره بالمنام. ويقال إنه من ولد جبلة بن الأيهم الغسّانى.\rوكان أبوه يسمّى أسد رزّيك وقدم مع أمير الجيوش بدر إلى مصر؛ وتوفّى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.\rومن العجب أنّه ولى الوزارة فى التّاسع عشر، وقتل فى التّاسع عشر، وزالت دولتهم فى التّاسع عشر. وهو أوّل من خوطب بالملك فى ديار مصر ونعت به (¬٢).\rومن عجيب الاتّفاق أنّ عمارة أنشد مجد الإسلام رزّيك بن الصّالح بدار سعيد السّعداء فى ليلة السادس عشر من شهر رمضان أبياتا منها (¬٣):\rأبوك الّذى تسطو اللّيالى بحدّه … وأنت يمين إن سطا، وشمال\rلرتبته العظمى، وإن طال عمره … إليك مصير واجب ومآل\rتخالسك اللّحظ المصون، ودونها … حجاب شريف لا انقضى وحجال (¬٤)","footnotes":"(¬١) بناه بقصد نقل رأس الحسين، ﵁، من عسقلان إليه عند خوف هجوم الفرنج عليها، فلم يمكنه الفائز من ذلك وابتنى له المشهد المعروف بمشهد الحسين بجوار القصر ونقله إليه فى سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وبنى الصالح بجامعه صهريجا وجعل له ساقية تنقل الماء إليه من الخليج أيام النيل على القرب من باب الخرق (باب الخلق). ولم يكن به خطبة، وأول ما أقيمت به الجمعة فى أيام المعز أيبك التركمانى فى سنة اثنتين وخمسين وستمائة. صبح الأعشى: ٣٦٢:٣؛ المواعظ والاعتبار: ٢٩٣:٢ - ٢٩٤. وفى حديث رغبة الصالح فى نقل الرأس الشريفة من عسقلان إلى مسجده واعتراض الفائز هذه الرغبة نظر، فقد سقطت عسقلان فى يد الفرنج فى سنة ثمان وأربعمائة ولم يكن الفائز قد تولى الخلافة بعد وكانت الخلافة لأبيه الظافر، ولم يكن الصالح قد قدم القاهرة لتولى وزارة الفاطميين إذ أنه لم يقدم إليها إلا باستدعاء نساء القصر إياه بعد مقتل الظافر لينتقموا بمساعدته من عباس الوزير حينئذ. وقد سبق فى أخبار سنة ثمان وأربعين نبأ نقل الرأس الشريفة إلى القاهرة. وقد بنى الصالح مسجدا بالقرافة إلى جانب تربته يقول المقريزى إنه بناه بخط الجامع الذى عرف باسم جامع الأولياء، وتقع تربته فى الجهة الغربية لجامع الأولياء بالقرافة الكبرى ملاصقة له، وعرف هذا الجامع باسم مسجد بنى عبيد الله، ومسجد القبة، ومسجد العزاء، وكان فى أعلاه منظرة، وعمارته متقنة الزى. وبقى هذا المسجد كما يقول المقريزى إلى ما بعد سنة ثمانمائة. المواعظ والاعتبار: ٤٤٧:٢.\r(¬٢) كان رضوان بن ولخشى الوزير أول من لقب بالملك. وقد سبق ذكر ذلك، وتؤكده المصادر المختلفة.\r(¬٣) النكت العصرية: ٤٩؛ خريدة القصر قسم شعراء مصر: ١٨٠:١.\r(¬٤) حجال جمع حجلة، وهو البيت يزين للعروس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277233,"book_id":167,"shamela_page_id":941,"part":"3","page_num":252,"sequence_num":941,"body":"فانتقل الملك إليه بعد ثلاثة أيّام.\rقال عمارة (¬١): ودخلت على الصّالح قبل قتله بثلاثة أيّام، فناولنى رقعة فيها بيتان من شعره وهما:\rنحن فى غفلة ونوم وللمو … ت عيون يقظانة لا تنام\rقد رحلنا إلى الحمام سنينا … ليت شعرى، متى يكون الحمام!\rفكان آخر عهدى به.\rوممّا رثاه عمارة به قوله (¬٢):\rأفى أهل ذا النّادى عليم أسائله … فإنى، لما بى، ذاهب العقل ذاهله (¬٣)\rسمعت حديثا أحسد الصّمّ عنده … ويذهل واعيه، ويخرس قائله\rفقد رابنى من شاهد الحال أنّنى … أرى الدّست منصوبا وما فيه كافله\rوأنّى أرى فوق الوجوه كآبة … تدلّ على أنّ الوجوه ثواكله\rدعونى، فما هذا بوقت بكائه … سيأتيكم طلّ البكاء و وابله\rولم لا نبكّيه ونندب فقده … وأولادنا أيتامه وأرامله\rأيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم … فيسكن، أم تطوى ببين مراحله\rفيا ليت شعرى بعد حسن فعاله … وقد غاب عنّا، ما بنا الدّهر فاعله (¬٤)!\rقال عمارة (¬٥): وكانت أحوال الصّالح تارة له وتارة عليه؛ فما هو عليه فرط العصبيّة فى المذهب، وجمع المال واحتجانه، والميل على الجند وإضعافهم والقصّ من أطرافهم. وأما التى له فلم تكن مجالس أنسه تنقضى إلا بالمذاكرة فى أنواع العلوم الشرعيّة والأدبيّة، وفى مذاكرة وقائع الحروب مع أمراء دولته. وكان مرتاضا قد سمر أطراف المعالى وتميّز عن أخلاق الملوك الّذين ليس عندهم إلاّ خشونة مجرّدة.","footnotes":"(¬١) النكت العصرية: ٤٨ - ٤٩؛ خريدة القصر: ١٨٠:١.\r(¬٢) النكت العصرية: ٥٠؛ كتاب الروضتين: ٣١٣ - ٣١٤.\r(¬٣) فى كتاب الروضتين: ٣١٣:١، وفى النكت العصرية: ٥٠: ذاهب اللب ذاهله.\r(¬٤) يتبادل هذان البيتان الأخيران مكانيهما فى كتاب الروضتين، وفى النكت.\r(¬٥) فى النكت العصرية: ٤٧ - ٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277234,"book_id":167,"shamela_page_id":942,"part":"3","page_num":253,"sequence_num":942,"body":"وكان شاعرا (¬١) يحب الأدب وأهله، ويكثر من جليسه، ويبسط من أنيسه. وكان كرمه أقرب من الجزيل منه إلى الهزيل وصنّف كتابا سمّاه: الاعتماد فى الرّدّ على أهل العناد. وله قصيدة سمّاها: الجوهريّة فى الرّدّ على القدريّة.\rولمّا مات الصّالح خرج ولده المنصور وهو مجروح وجلس فى مرتبة أبيه، وبعث إلى العمّة ستّ القصور من أهل القصور فسلّمت إليه، فخنقها بمنديل ورميت قدامه (¬٢)، فبعثت السّيّدة العمّة أختها إلى سيف الدّين حسين بن أبى الهيجاء، صهر الصّالح، وحلفت له أنّها لم تدر ما جرى على الصّالح وأنّ فاعل ذلك أصحاب أختها المقتولة. وحضر إليها مجد الإسلام أبو شجاع رزّيك بن الصّالح فخلع عليه للوزارة، فإنّ الصّالح أوصى بها إليه وجعل من حسين بن أبى الهيجاء الكردى مدبّر أمره، ونعت بالسّيد الأجلّ مجد الإسلام الملك العادل النّاصر أمير الجيوش؛ وفسح له فى أخذ من ارتاب به فى قتل أبيه، فأخذ ابن قوام الدولة وقتله وولده والأستاذ الّذى شغل الصّالح بالحديث.\rواستحسن النّاس سيرته، وسامح النّاس بما عليهم من البواقى الثابتة فى الدّواوين.\rوأسقط من رسوم الظلم مبالغ عظيمة، وقام عن الحاجّ بما يستأديه منهم أمير الحرمين؛ وسيّر على يد الأمير محمّد بن شمس الخلافة نحوا من خمسة عشر ألف دينار إلى قاسم ابن هاشم، أمير الحرمين، برسم إطلاق الحاجّ. وظفر بقتلة أبيه ظفرا عجيبا بعد تشتّتهم فى البلاد (¬٣).","footnotes":"(¬١) نفس المصدر والصفحة. ومن شعره:\rيا ماشيا فوق الثرى … رفقا، فسوف تصير تحته\rإن قلت إنى أعرف ال … مولى القدير، فما عرفته\rأو كنت تعبد للمخا … فة والرجاء، فما عبدته\r(¬٢) يروى ابن الأثير شيئا غير هذا إذ يقول: حمل الصالح إلى داره وفيه حياة فأرسل إلى العاضد يعاتبه على الرضا بقتله مع أثره فى خلافته، فأقسم العاضد أنه لا يعلم بذلك ولم يرض به، فقال إن كنت بريئا فسلم عمتك إلى حتى أنتقم منها، فأمر بأخذها، فأرسل إليها فأخذها قهرا وأحضرت عنده فقتلها ووصى بالوزارة لابنه رزيك ولقب العادل. الكامل: ١١: ١٠٣. ويذكر النويرى أن العاضد توقف عن إجابة طلب الصالح، فأرسل الصالح إلى ست القصور وأخرجها، فلما جاءت إلى منزله أمر بخنقها فخنقت بين يديه حتى ماتت ومات الصالح فى بقية ليلته.\r(¬٣) راجع النكت العصرية: ٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277235,"book_id":167,"shamela_page_id":943,"part":"3","page_num":254,"sequence_num":943,"body":"وكان زفاف أخته إلى العاضد فى وزارته فحمل معها بيوت الأموال. ونقل تابوت أبيه إلى القرافة.\rوسيّر إلى والى الإسكندرية بحمل عبد الرّحيم بن على البيسانى، الملقّب بالقاضى الفاضل، واستخدمه بين يديه فى ديوان الجيش.\rوترامت الحال فى أيّامه بالأمير عزّ الدّين حسام، قريبه، وعظم صيته، واستولى على تدبير كثير من أموره، وعظم غلمان أبيه. وكان فارسا شجاعا، له مواقف معروفة (¬١).\rوكان أبوه الصّالح قد ولّى شاور بن مجير بن نزار السّعدى قوص، ثمّ ندم على ولايته وأراد عوده من الطّريق، ففاته، وحصل بها؛ وطلب منه فى كلّ شهر أربعمائة دينار، وقال لا بدّ لقوص من وال، وأنا ذلك؛ والله لا أدخل القاهرة، ومتى صرفنى دخلت النّوبة. فتركه.\rولمّا جرح وأشرف على الوفاة كان يعدّ لنفسه ثلاث غلطات، إحداها ولاية شاور الصّعيد الأعلى، والثانية بناء الجامع على باب زويلة، فإنه مضرّة على القاهرة، والثالثة خروجى بالعساكر إلى بلبيس وتأخيرى إرسالها إلى بلاد الفرنج؛ وكان قد أنفق على هذه العساكر مائتى ألف دينار.\rوأوصى ابنه رزّيك ألاّ يتعرّض لشاور بمساءة ولا يغيّر عليه حاله فإنّه لا تأمن عصيانه والخروج عليك. فلمّا استمرّ رزّيك بن الصّالح فى الوزارة حسّنت له بطانته صرف شاور عن قوص ليتمّ الأمر له، وأشار عليه سيف الدّين حسين بن أبى الهيجاء بإبقائه، فقال ما أنا آبى ولا لى طمع فيما آخذه منه ولكن أريده يطأ بساطى. فقيل له: ما يدخل أبدا.\rفلم يقبل، وخلع على الأمير نصير الدّين شيخ الدّولة ابن الرّفعة بولاية قوص (¬٢).","footnotes":"(¬١) أصل هذه الفقرة موجود بالنكت العصرية: ١٥٨. لكن اقتباسها بهذه الصورة يوقع فى إيهام التغيير ونصها هناك: «وترامت فى أيامه (أى أيام العادل بن الصالح) الحال بالأمير عز الدين حسام قريبه، واستولى على تدبير كثير من أموره عمه فارس المسلمين، وصهره سيف الدين. وعظم غلمان أبيه عن الوقوف عند أوامره». وبهذا لا يكون عز الدين حسام المذكور فى المتن منفردا بتدبير أمور العادل كما توهم عبارة المقريزى.\r(¬٢) يذكر النويرى أن أقارب العادل رزيك بن طلائع حسنوا له عزل شاور فذكرهم بوصية أبيه، فأصروا على عزله وكان أشدهم فى هذا الأمير عز الدين حسام بن فضة، فألزم العادل إلى أن كتب كتابا إلى شاور يأمره بالحضور إلى القاهرة، فكتب شاور إلى العادل يستعطفه ويذكره بخدمته لأبيه وبوصية أبيه بعدم عزله، فقال العادل لأقربائه: المصلحة تركه. فأصروا على عزله. وهذه الرواية تخالف ما ذكر هنا فى المتن من أن العادل كان مصرا على عزل شاور. ويذكر ابن الأثير كذلك أن أقارب العادل حسنوا له عزل شاور. قارن نهاية الأرب: ٢٨؛ الكامل: ١٠٨:١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277236,"book_id":167,"shamela_page_id":944,"part":"3","page_num":255,"sequence_num":944,"body":"فيها خرج ملك النّوبة إلى أسوان فى اثنى عشر ألف فارس وقتل من المسلمين عالما عظيما.\rفيها مات بالقاهرة، فى يوم الأربعاء لاثنتى عشرة خلت من رجب، القاضى أبو الحجّاج يوسف بن عبد الجبّار بن شبل بن على الصويبى؛ وصويب قبيلة من جذام. ولد بالقدس يوم الجمعة تاسع ذى القعدة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وقدم مصر بعد أخذ الفرنج القدس فنشأ بها واشتغل بالعلم، وتولّى خزانة الكتب (¬١) فى سنة. أربع وعشرين وخمسمائة، وولى قضاء فوّة (¬٢) وعملها فى محرّم سنة سبع وأربعين.\rومات بالصّعيد كنز الدّولة أبو الطّليق يوسف، وولى بعده رئاسة قبائله أخوه أبو العزّ فتّوح فى حادى عشر محرّم.","footnotes":"(¬١) كانت عدة الخزائن التى برسم الكتب فى سائر العلوم بالقصر الفاطمى، كما يروى المقريزى، أربعون خزانة من جملة كتبها ثمانية عشر ألف كتاب من العلوم القديمة ونيف وثلاثون نسخة من كتاب العين إحداها بخط الخليل ومائة نسخة من الجمهرة لابن دريد. وقد ذهب معظم ما فى هذه الخزائن أيام الشدة العظمى على زمن المستنصر. وكانت إحدى الخزائن فى أحد مجالس المارستان يجئ إليها الخليفة راكبا ويترجل عند الدكة المنصوبة ويجلس عليها ويستدعى القائم بأمرها ويطلب المصاحف والكتب، وإن أراد أخذ شيء منها معه فعل ثم يعيده. وكان لهذا المجلس رفوف مقطعة بحواجز وعلى كل حاجز باب مقفل بمفصلات وقفل. وقد أنشأ القاضى الفاضل مكتبة بمدرسته الفاضلية بالقاهرة حوت من كتب القصر الفاطمى مائة ألف مجلد. المواعظ والاعتبار: ٤٠٨:١ - ٤٠٩؛ صبح الأعشى: ٤٧٥:٣ - ٤٧٦؛ النجوم الزاهرة: ١٠١:٤.\r(¬٢) بضم الفاء وتشديد الواو بلدة بالقرب من الإسكندرية، بمركز دسوق على الشاطئ الشرقى لفرع رشيد على بعد ساعتين بتقدير على باشا مبارك إلى الشمال من دسوق. ويقدر ياقوت المسافة بينها وبين البحر بنحو خمسة فراسخ أو ستة. معجم البلدان: ٤٠٦:٦؛ قوانين الدواوين: ١٣٨، ١٦٦، ٢٢٢؛ الخطط التوفيقية: ٧٧:١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277237,"book_id":167,"shamela_page_id":945,"part":"3","page_num":256,"sequence_num":945,"body":"سنة سبع وخمسين وخمسمائة (¬١):\rفى عاشر المحرّم أفرج العادل رزّيك عن الأمراء الذين اعتقلهم أبوه الصّالح ابن رزّيك فى ثالث عشرى ربيع الأوّل سنة تسع وأربعين، وهم صبح بن شاهنشاه، وأسد الغاوى ومرتفع الظهير (¬٢).\rوفيها أنشأ (¬٣) الأمير أبو الأشبال ضرغام بن سوار البرج عند باب البحر بالإسكندرية فعرف ببرج ضرغام (¬٤).\rوفى آخر ذى القعدة ورد الخبر بخروج شاور عن طاعة العادل رزّيك (¬٥). وذلك أن الأمير نصير الدّين لمّا خلع عليه بولاية قوص كتب على يده كتابا إلى شاور بتسليم البلاد إليه وحضوره إلى القاهرة. فلمّا وصل إلى إخميم كتب كتابا إلى شاور وفى طيّه كتاب رزّيك، فلمّا وقف عليه بعث إليه أن ارجع ولا تحضر، قولا واحدا، فرجع إلى القاهرة وجهر شاور بالعصيان (¬٦).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الحادى والعشرين من ديسمبر سنة ١١٦١.\r(¬٢) وهم من أمراء البرقية، وقد قتلوا جميعا فى وزارة ضرغام. النكت العصرية: ٧٤.\r(¬٣) فى الأصل: سار. والتصحيح من نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٤) بهامش الأصل: بياض أربعة أسطر.\r(¬٥) بهامش الأصل حاشية تقول: «وبخطه. شاور بن مجير بن سوار بن عشائر بن شاس بن مغيث بن حبيب بن الحارث ابن سعد بن مخيس بن أبى ذؤيب عبد الله وهو والد حليمة بنت أبى ذؤيب؛. اهـ. ويذكر ابن خلكان نسبه بشئ من الاختلاف فيقول شاور بن مجير بن نزار بن عشائر بن شاس بن مغيث بن حبيب بن الحارث بن ربيعة بن مخيس بن أبى ذؤيب عبد الله وهو والد حليمة مرضع رسول الله، ﷺ، أرضعته بلبن ابنتها الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى بن رفاعة. وفيات الأعيان: ٢٢٠:١ - ٢٢١.\r(¬٦) يقول النويرى: فلما وقف شاور على الكتاب أرسل إلى نصير الدين رسولا من جهته برسالة يقول فيما إن بينى وبينك صحبة ولا تغتر بقول حسام وارجع من حيث أتيت فهو خير لك. فرجع نصير الدين إلى القاهرة ولم يعاوده.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277238,"book_id":167,"shamela_page_id":946,"part":"3","page_num":257,"sequence_num":946,"body":"سنة ثمان وخمسين وخمسمائة (¬١):\rفيها زالت دولة بنى رزّيك. وذلك أنّ مماليك الصّالح وغلمانه، مثل يانس وورد وسعادة الأسود وبختيار، اشتد ظلمهم؛ وكان الصّالح قد قدّمهم حتى صار لكلّ منهم نحو المائتى مملوك، وطغوا فى أيّام رزّيك حتى ضجّ النّاس منهم. وقال بعضهم:\rأمنتم يا بنى رزّيك جهلا … فذاك الأمر يتبعه الأمانى\rأباد الله دولتكم سريعا … فقد ثقلت على كتف الزّمان\rوكان شاور بن مجير السّعدى لمّا بلغه أنّ النّاصر رزّيك بن الصّالح طلائع بن رزّيك عزله عن ولاية قوص وولّى غيره اضطرب وخرج من قوص فى جماعة قليلة، فسار على طريق الواحات فى البرارى حتّى صار فى تروجة (¬٢)، فاجتمع عليه النّاس وقوى أمره وتزايد.\rفاهتمّ لذلك رزّيك ورأى فى منامه وكأنه قد صار روّاسا (¬٣) فى حانوت؛ فلمّا قصّ هذه الرؤيا على حسين بن أبى الهيجاء نظر عابرا، كان تاجرا حاذقا، يعرف بابن الارتاحى (¬٤)، وأخبره بما رأى، فغالطه فى التفسير، وفهم ذلك حسين. فلمّا خرج ألزمه أن يصدقه بتأويل ما رآه رزّيك، فقال يا مولاى القمر عندنا هو الوزير كما أنّ الشمس الخليفة، والحنش المستدير عليه جيش مصحّف، وكونه روّاسا أقلبها تجدها شاورا مصحّفا؛ وما وقع لى غير هذا. فقال اكتم هذا عن الناس. وأخذ حسين يحتاط لنفسه، وتجهّز إلى الحجاز (¬٥).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها العاشر من ديسمبر سنة ١١٦٢.\r(¬٢) قرية من أعمال محافظة البحيرة حاليا، وكانت من أعمال الاسكندرية فى الطريق منها إلى القاهرة واشتهرت بزراعة الكمون. معجم البلدان: ٣٨٤:٢؛ قوانين الدواوين: ١٢٢، ٢٢٩.\r(¬٣) فى المواعظ والاعتبار: ٩٥:٢ حديث عن سوق يسمى سوق خان الرواسين يقول فيه: كان على رأس سويقة أمير الجيوش، قيل له ذلك من أجل أن هناك خانا تعمل فيه الرءوس المعمومة. وكان فيه عدة من البياعين ويشتمل على نحو العشرين حانوتا مملوءة بأصناف المأكولات، وكان من أحسن أسواق القاهرة وقد اختل وتلاشى أمره.\r(¬٤) أخطأ أبو المحاسن فى تسميته بابن الايتاخى. النجوم الزاهرة: ٣١٦:٥. إذ ورد بهامش الأصل عبارة تقول: «وبخطه: الارتاحى هو أبو الحسن على بن محمد بن محمد بن عبد الله بن نفطويه الارتاحى المذحجى ...... ، ولد فى سنة أربع وثمانين وأربعمائة بمصر ومات بها فى ثامن عشر جمادى الآخرة سنة تسع وستين وخمسمائة».\r(¬٥) وكان العادل قد جهزه لحرب شاور فانهزم عند لقاء جيش شاور وفر، فندب العادل عز الدين حسام بن فضة فانهزم منه أيضا. نهاية الأرب: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277239,"book_id":167,"shamela_page_id":947,"part":"3","page_num":258,"sequence_num":947,"body":"فكثر الإرجاف بمسير شاور إلى أن قرب من القاهرة. فوقع الصّائح فى بنى رزّيك، وكانوا أكثر من ثلاثة آلاف فارس، فأسرع ضرغام ونظراؤه من وجوه الأمراء، وهم إخوته ملهم وحسام وهمام، ويحيى بن الخيّاط وبنو الحاجب ونظراؤهم، وصاروا إلى شاور.\rفأسقط فى أيدى العسكر الباقى مع بنى رزّيك.\rوكان أوّل من نجا بنفسه حسين بن أبى الهيجاء، خرج فارّا ومعه حسام إلى الحوف واستجار بطريف بن مكنون أحد أمراء جذام، فأجاره وحمله من أيلة فى البحر إلى المدينة النبويّة؛ فجاور بها مدّة ومات، فدفن بالبقيع.\rولمّا فرّ حسين فتّ ذلك فى عضد رزّيك ولم يثبت، وخرج رزّيك من القاهرة فى نصف المحرّم ومعه جماعة من غلمانه وعدّة بغال موقرة من المال والجواهر والثّياب الخاصّ.\rوتحيّر فلم يدر أين يذهب، فوقع بظاهر إطفيح (¬١) عند مقدّم العرب سليمان بن الفيض، فأخذه وكلّ ما معه.\rودخل أبو شجاع شاور إلى القاهرة ومعه خلق كثير، ومعه أولاده طىّ وشجاع والطارى، فنزل دار سعيد السّعداء، وأحضر إليه ابن الفيض رزّيك مكبّلا، فاعتقله وأخاه جلال الإسلام. فبعث جلال الإسلام إلى من أعلم شاورا أن أخاه طلب مبردا من بعض غلمان أبيه وبرد القيد الذى فى رجليه ليهرب، فدخلوا إليه وقتلوه. ومولده فى ذى القعدة سنة ثلاث، أو اثنتين، وخمسمائة. وأنفقوا (¬٢) على أخيه لهذه النصيحة، وبقى من جملة أرباب الإقطاع إلى أن مات. وقيل إنّ هذا كان من فعلات طىّ بن شاور وحشمه حتى قتل العادل.\rوكان سليمان بن الفيض من لخم؛ وهو ممّن أنشأه الملك الصّالح طلائع بن رزّيك وخوّله فى نعم جمّة، فلم يرع يدا، وقبض على ابنه العادل وأسلمه لشاور، ونهب أصحابه ماله. فلمّا قدم به عليه قال يا سليمان، لقد خبأك الصالح ذخيرة لولده حين استجار بك","footnotes":"(¬١) كانت بإطفيح مقر الولاية الإطفيحية التى تقع شرقى النيل جنوب الفسطاط وتمتد ما بين النيل والمقطم شمالا وجنوبا، وقد فقدت أهميتها. وهى الآن جزء من محافظة الجيزة وتقع فى مركز الصف. صبح الأعشى: ٣٩٣:٣؛ معجم البلدان: ٢٨٧:١؛ الخطط التوفيقية: ٧٧:٨ - ٧٨.\r(¬٢) فى النجوم الزاهرة: ٣١٧:٥: وأبقوا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277240,"book_id":167,"shamela_page_id":948,"part":"3","page_num":259,"sequence_num":948,"body":"فأسلمته لى، وأنا الآخر أخبئك ذخيرة لولدى. ثم أمر به فشنق (¬١).\rوانقطع بنو رزّيك؛ وبزوالهم زالت الدّولة. فكانت مدّة بنى رزّيك فى الوزارة تسع سنين وشهرا وأيّاما.\rوكان دخول شاور إلى القاهرة ووزارته فى يوم الأحد ثانى عشرى المحرّم. ولمّا استقرّ فى الوزارة تلقب بأمير الجيوش. وانثالت عليه وعلى ولده طىّ أموال بنى رزّيك وودائعهم من عند النّاس، حتّى كان فى النّاس من يتبرّع بما عنده، فظفر هو من أموالهم سوى السّلاح والكراع وغيره، وسوى ما أخذه أولاده، بما ينيف عن خمسمائة ألف دينار عينا. فبعث بذلك كلّه مع جميع ما أدخل إليه إلى العربان، وأودعه عندهم وأنعم عليهم حتى كثرت أموالهم وصاروا يكيلونها كيلا ويقولون: لفلان قدحان ذهبا ولفلان ثلاثة أقداح. وزاد تمكّنهم له حتّى لم يكونوا يفارقون باب الفتوح وباب النصر؛ ونهبوا غلاّت الحوف، واستخفّوا المقطعين؛ فلم ينكر عليهم وأراد أن يكونوا له عضدا ورداء.\rوكان الصالح بن رزّيك قد قرّر للفرنج فى كلّ سنة على مصر ثلاثة وثلاثين ألف دينار يحملها إليهم، فوافت رسلهم تطلب ذلك. ولمّا قتل رزّيك بن الصّالح فى رمضان قدّمت رأسه فى طشت إلى شاور وهو بدار الوزارة، فقال فى ذلك الفقيه عمارة (¬٢):\rأعزز علىّ أبا شجاع أن أرى … ذاك الجبين مضرّجا بدمائه\rما قلبته سوى رجال قلّبوا … أيديهم من قبل فى نعمائه\rوجلس (¬٣) شاور بعد قتل النّاصر رزّيك بن الصّالح بدار الذهب، وقام الشعراء والخطباء ولفيف الناس إلاّ الأقل ينالون من بنى رزّيك، وفيهم ضرغام نائب الباب ويحيى بن الخيّاط إسفهسلار العسكر، وغيرهما (¬٤)؛ فقال عمارة (¬٥):","footnotes":"(¬١) يقول النويرى: وسميت فرقة ابن الفيض غمازة من ذلك اليوم، فهى تعرف الآن بهذا الاسم. نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٢) فى النكت العصرية: ٦٧.\r(¬٣) النكت العصرية: ٦٩.\r(¬٤) فى الأصل: وغيره.\r(¬٥) فى النكت العصرية: ٦٩ - ٧٠. ومطلع هذه القصيدة هناك:\rصحت بدولتك الأيام من سقم … وزال ما يشتكيه الدهر من ألم","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277241,"book_id":167,"shamela_page_id":949,"part":"3","page_num":260,"sequence_num":949,"body":"زالت ليالى بنى رزّيك وانصرمت … والحمد والذّمّ فيها غير منصرم\rكأنّ صالحهم يوما وعادلهم … فى صدر ذا الدّست لم يقعد ولم يقم\rهم حرّكوها عليهم وهى ساكنة … والسلم قد تنبت الأوراق فى السّلم\rكنّا نظنّ، وبعض الظّنّ مأثمة … بأنّ ذلك جمع غير منهزم\rفمذ وقعت وقوع النّسر خانهم … من كان مجتمعا من ذلك الرّخم (¬١)\rولم يكونوا عدوّا ذلّ جانبه … وإنمّا غرقوا من سيلك العرم\rوما قصدت بتعظيمى عداك سوى … تعظيم شأنك، فاعذرنى ولا تلم\rولو شكرت لياليهم محافظة … لعهدها لم يكن بالعهد من قدم\rولو فتحت فمى يوما بذمّهم … لم يرض فضلك إلاّ أن يسدّ فمى\rوالله يأمر بالاحسان عارفة … منه وينهى عن الفحشاء فى الكلم\rفشكر شاور عمارة على الوفاء لبنى رزّيك، ونقم عليه ضرغام قوله: «فمذ وقعت … » البيت، وكان يقول له: نحن عندك من الرّخم.\rثم إنّ شاور جهّز الخلع إلى العادل نور الدّين بالشام، فلبسها يوم الاثنين ثانى عشرى رمضان، وقبض المال المسير إليه.\rوكتب للأجناد والعرب وحواشى القصر من الرواتب والزّيادات نظير ما لهم عشر مرّات (¬٢)، وهو غير ظاهر للنّاس والأبواب مغلقة عليه خيفة. وذلك أن الصّالح بن رزّيك كان قد أنشأ أمراء يقال لهم البرقيّة، وجعل ضرغام بن عامر بن سوار المذكور الملقّب أبا الأشبال فارس المسلمين مقدّمهم، ثم صار صاحب الباب؛ فطمع فى شاور، وكان فارسا كاتبا، فجمع رفقته؛ وتخوّف منه شاور. وصار العسكر فرقتين: ضرغام ومن معه فرقة، وحرب ومن معه حزب (¬٣). فأما ضرغام فأظهر المباينة، وأما نظراؤه فاختصّوا بطىّ بن شاور وعاشروه ولازموه.","footnotes":"(¬١) الرخمة طائر أبقع يشبه النسر فى خلقته.\r(¬٢) ويكمل النويرى ذلك بقوله: وبسط العدل أياما ثم شرع فى ظلم الناس، وبسط يده ويد أولاده فى الدولة، وقطع أرزاق الأمراء والجند واستخف بهم وبالعاضد. نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٣) يقول النويرى: فكان الضرغام وإخوته وأهله فرقة، والظهير عز الدين مرتفع وعين الزمان وابن الزبد فرقة، وكان الضرغام ومن معه أظهر الفرقتين. نفس المصدر. ويقول عمارة: وافترقت أمراء البرقية فضرغام ومن معه حزب والظهير مرتفع وعين الزمان وابن الزبد ومن معهم حزب، فأما ضرغام فكان أظهر الحزبين لأنه نائب الباب ولأنه من نفسه وإخوته وأصهاره فى جيش عظيم. النكت العصرية: ٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277242,"book_id":167,"shamela_page_id":950,"part":"3","page_num":261,"sequence_num":950,"body":"فلمّا كان بعد تسعة أشهر من وزارته ثار به ضرغام يوم الجمعة ثامن عشرى رمضان وقد جمع له، وكانت بينهما وقعة قتل فيها طىّ بن شاور، وهو أكبر أولاده، وقتل أخوه سليمان الطارى وهو الأصغر، وأسر الكامل فاعتقله ملهم ومنع منه أخاه ضرغاما ليد كانت له عنده. وكان بين قتل طىّ بن شاور وقتل العادل رزّيك نيف وثلاثون يوما.\rوخرج شاور من القاهرة يريد الشام كما فعل رضوان بن ولخشى، وقد كان رفيقا له إذ ذاك، وذلك أوّل شوال، فنهبت داره ودور أولاده وحواشيه، وذهب جميع ما نالوه من مال بنى رزّيك. وقتل الكامل علىّ بين القصرين وتركت جثّته يومين ملقاة ومعه ابن أخته وحسّان تربية شاور. فكانت وزارته تسعة أشهر.\rوكانت أخلاق شاور فى وزارته هذه مستورة باستمرار العافية والسلامة، ولم يكن فيها أقبح من قتل رزّيك بن الصّالح فإنّها أعربت عن ضيق عطنه وحرج صدره. وكان كرمه إليه المنتهى، وشدة بأسه فى مواطن الحرب شهيرة؛ وكان شديد الثّبات كثير الوثبات.\rومما نقم عليه أن ابنه الكامل عمل مظلّة كانت تحمل على رأسه (¬١)، وتحكّم على أبيه، وترفّع على الأمراء وعسفهم.\rولمّا فرّ شاور ونزل بفاقوس عند بنى منصور استولى ضرغام على الوزارة وتلقّب بالملك المنصور، فى سابع عشرى رمضان (¬٢)، فشكر النّاس سيرته، فإنه كان فارس عصره، كاتبا، جميل الصورة، فكه المحاضرة، عاقلا كريما، لا يضع كرمه إلاّ فى سمعة ترفعه أو مداراة تتبعه. إلاّ أنه كان أذنا متخيّلا على أصحابه، وإذا ظنّ بإنسان شرّا جعل الشّك يقينا. وكان فى وزارته مغلوبا مع أخويه ناصر الدّين همام وفخر الدّين حسام.\rوقيل إنّ ملهما وضرغاما لمّا علما تغيّر النّاس على شاور وأولاده أخذا فى مراسلة رزّيك فى سجنه وإفساد النّاس له؛ فبلغ الخبر طىّ بن شاور (¬٣)، فدخل إليه وقال: بلغنى أن ملهما","footnotes":"(¬١) وذلك لأن المظلة كانت من الرسوم التى يختص بها الخليفة.\r(¬٢) لما توجه شاور إلى الشام عاد الضرغام إلى القصر وأرسل إلى العاضد يخبره بما كان من أمر شاور ومضى إلى داره بقية ليلته. وجاء إلى القصر بكرة النهار فاستدعاه العاضد لدين الله وولاه الوزارة واستحلف له الأمراء. نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٣) يقول النويرى: فاتصل ذلك بالكامل بن شاور .... الخ. نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277243,"book_id":167,"shamela_page_id":951,"part":"3","page_num":262,"sequence_num":951,"body":"وضرغاما قد تحدّثا لرزيك فى الأمر وقد حلّفا له جماعة من الأمراء، وأنت غافل عن هذا الأمر. فقال له شاور: اسكن ولا تعجل؛ أنا أكشف عن هذا، فإذا تحقّقته حكمته. فقال: لا غنى بى عن قتل رزّيك فإنى إذا قتلته أمنت. فقال له شاور: لا يمكن قتله فإنّه أولانى جميلا بسببه صرت فى هذا المحلّ. فمضى طىّ إلى رزّيك وقتله؛ فقامت قيامة شاور. وبلغ ذلك ضرغاما فثار وأثار من خلفه وقرّر معهم أمر رزّيك وزحف بهم، فانهزم شاور. فكان فى هذه السنة ثلاثة من الوزراء هم: رزّيك بن الصالح بن رزّيك، وأمير الجيوش شاور والمنصور ضرغام بن عامر بن سوار المنذرى اللّخمى أبو الأشبال.\rوفيها اختلّت الدّولة وضعفت بذهاب أمرائها وأولى الرأى فيها.\rفيها سار الفرنج إلى ديار مصر فوصلوا إلى السدير. وورد الخبر فى ثانى شوال بوصولهم إلى فاقوس؛ فأخرج إليهم ضرغام أخاه ناصر المسلمين هماما، وكان شجاعا، فالتقى معهم وحاربهم، فهزموه بعد أن قتل منهم خلقا. وكان شاور قد انضم إلى بنى منصور لأنه من فخذهم، وكان قائما على كوم عال. ثم إن الفرنج صاروا إلى حصن بلبيس فى شوّال وملكوا بعض السّور فردّهم عنه همام وبنو كنانة. وتفرّق العسكر إلى الحوف فقاتل العرب هؤلاء وقد انهزموا من الفرنج فقتلوا كلّ من ظفروا به. وعاد العسكر وقد قتل منهم العرب عدّة، ورجع الفرنج إلى بلاد الساحل بمن أسروه من المسلمين وفيهم القطورى من أكابر الأمراء.\rفلمّا صار همام بالقاهرة صار كأنه مشارك لأخيه فى الوزارة، كلّ منهما يوقّع ويقطع، ولم يظفر ضرغام من المال بكبير شيء فإنّه نهب.\rوفيها ولّى الوزير ضرغام الأمير مرتفع الخلواص (¬١) الإسكندريّة برجاء إبعاده عنه، فلمّا صار إليها ظفر بقوم رتّبهم ضرغام لقتاله، فتأكدت الوحشة بينهما، وجمع لمحاربة ضرغام وخرج من الإسكندرية فكتم ذلك.\rوفيها قدم شاور دمشق فى ذى القعدة وترامى على نور الدّين، فبعث الوزير ضرغام إليه","footnotes":"(¬١) يسميه النويرى: على بن الخواص.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277244,"book_id":167,"shamela_page_id":952,"part":"3","page_num":263,"sequence_num":952,"body":"بعلم الملك ابن النحّاس (¬١) بأن يقبض على شاور، فأجاب فى الظّاهر وأضمر غير ذلك.\rوفيها قتل ضرغام عدّة من الأمراء فى دعوة جمعهم فيها، وأعدّ لهم من خرج على الجميع وقتلهم فى داره.\rوكان قاع النّيل خمس أذرع وثلاث عشرة اصبعا، وبلغ أربع عشرة ذراعا وثمانى أصابع (¬٢).","footnotes":"(¬١) فى الخريدة تعريف بابنه يحيى بن علم الملك بن النحاس المصرى من أمراء الدولة المصرية أيام رزيك، وأصله من ذرية تميم بن المعز الصنهاجى صاحب المهدية بالمغرب. خريدة القصر قسم شعراء مصر: ١٢١:٢ - ١٢٣.\r(¬٢) يذكر أبو المحاسن أن الماء القديم كان خمس أذرع وثلاث عشرة إصبعا، ومبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى أصابع. النجوم الزاهرة: ٣٦٤:٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277245,"book_id":167,"shamela_page_id":953,"part":"3","page_num":264,"sequence_num":953,"body":"سنة تسع وخمسين وخمسمائة (¬١):\rفيها وصل رسل الفرنج فى طلب مال الهدنة فماطلهم به ضرغام ودافعهم حتى شغل عنهم بقدوم شاور.\rوفى ثامن عشر ربيع الأوّل قبض ضرغام على صبح بن شاهنشاه عين الزمان وأسد الغاوى وعلى بن الزّبد فى عدّة تبلغ نحو السّبعين من الأمراء سوى أتباعهم؛ وذلك أنّه بلغه عنهم أنهم قد حسدوه واحتقروه وكاتبوا شاورا ووعدوه القيام معه. ثمّ أخرجهم ليلا وضرب أعناقهم؛ فاختلّت الدّولة بقتل رجالها وذهاب فرسانها.\rوفيها وجّه ضرغام بأخيه ناصر الدّين همام على طائفة من العسكر لقتال الأمير مرتفع ابن مجلى المعروف بالخلواص، متولّى الإسكندرية، وقد جمع وسار؛ فعند ما بلغ من معه من العربان قتل الأمراء البرقيّة فتروا عن القيام معه وطمعوا فيه، ووثب به قوم من بنى سنبس (¬٢) وقبضوا عليه، وأتوا به إلى همام، فقدم به إلى القاهرة، فضرب ضرغام عنقه يوم الجمعة ثامن ربيع الآخر وصلبه على باب زويلة؛ فنفرت القلوب من ضرغام.\rوكان شاور قد وصل فى ثالث عشرى ذى القعدة من السّنة الماضية إلى دمشق متراميا على السّلطان الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكى، مستجيرا به على ضرغام، فأكرم مثواه وأحسن إليه، فتحدث مع السّلطان فى أن يرسل معه العساكر إلى مصر ليعود إلى منصبه ويكون لنور الدّين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العساكر، ويكون معه من أمراء الشام من يقيم معه فى مصر، ويتصرّف هو بأوامر نور الدّين واختياره. فبقى نور الدّين يقدّم إلى هذا الغرض رجلا ويؤخّر أخرى، فتارة يقصد رعاية شاور لكونه التجأ إليه وكون ما قاله زيادة فى ملكه وتقوية له على الفرنج؛ وتارة يخشى خطر الطّريق وكون الفرنج فيه،","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها اليوم الثلاثين من نوفمبر سنق ١١٦٣.\r(¬٢) سنبس بطن من طيئ","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277246,"book_id":167,"shamela_page_id":954,"part":"3","page_num":265,"sequence_num":954,"body":"ويخاف من شاور أنّه إذا استقرّت قدمه فى مصر خاس (¬١) فى قوله ويخلف بما وعد. ثم قوى عزمه على إرسال الجيوش، فتقدّم بتجهيزها وإزاحة عللها.\rواتّفق أنّ الواعظ زين الدّين بن نجا الأنصارى (¬٢) سمع بسعة أرزاق مصر فقدم إليها فى وزارة الصّالح ابن رزّيك فأقبل عليه وحصل له من إنعامه وممّا أخذه له من العاضد فى ثلاث سنين ما يناهز عشرين ألف دينار، وسوّغه عدّة دور بتوقيع. فسمع بالزّاهد أبى عمرو ابن مرزوق يتحدّث النّاس عنه بأنّه مهما قاله لهم وقع، وأنّه يركب كلّ سنة فى نصف شعبان حمارا له ويأتى معه جماعة إلى ذيل الجبل ويودّعونه ويمضون، فيطلع أبو عمرو إلى الجبل؛ ويلقاه النّاس فى اللّيلة الثانية ويجتمعون كاجتماعهم للعيد، ويركب حماره، والنّاس تحته، وينتظر، وينزل بعد صلاة المغرب إلى مسجده بقصد زيارته وقد تجمّع النّاس فى الأسطحة والدّكاكين والطّرقات، والشّيخ يعمل الختمات. فوصل إليه وأقام حتى انفضّ النّاس، فخلا به وتعرّف إليه؛ فكان ممّا قال له: أتعرف بالشّام أحدا يقال له شيركوه. فقال: نعم، أمير من أمراء نور الدّين. فقال: هذا يأتى إلى هذه البلاد ويملكها، وكلّ ما تراه من هذه الدّولة يزول حتّى لا يبقى له أثر عن قريب. وانصرف ابن نجا عن الشّيخ أبى عمرو وقد تعجّب من قوله.\rفلمّا قضى إربه من القاهرة وعاد إلى دمشق اجتمع بالملك العادل نو الدّين وحكى له قول الشيخ أبى عمرو؛ فقال له: لا تخبر أحدا بذلك. ومضى اليوم وما بعده، إلى أن قدم شاور على السّلطان نور الدّين وقوّى عزمه على تجهيز العساكر معه؛ فوقع اختيار السّلطان على الأمير أسد الدّين شيركوه بن شاذى بن مروان، أحد أمرائه، فاستدعاه من حلب (¬٣)، فوصل إلى دمشق مستهلّ رجب منها، وأمره بالمسير إلى مصر مع العساكر صحبة شاور،","footnotes":"(¬١) خاس بالعهد يخيس خيسا بسكون الياء وفتحها خان وغدر ونكث. القاموس المحيط.\r(¬٢) زين الدين أبو الحسن على بن إبراهيم بن نجا الفقيه الحنبلى الواعظ، ويعرف بابن نجية؛ أحب الوعظ واشتغل به فعرف به. أرسله نور الدين محمود فى مهمة إلى بغداد، سنة ٥٦٤، فكساه الخليفة خلعة احتفظ بها ليلبسها فى الأعياد. واقتنى ابن نجا أموالا عظيمة حتى قيل إنه كان فى داره عشرون جارية للفراش، وكان يقدم فى داره من الأطعمة الكثيرة الجيدة ما لا يقدم فى دور الملوك، ومع هذا مات فقيرا سنة ٥٩٩ فكفنه أصحابه. كتاب الروضتين: ٣١٢:١: حاشية: ٣؛ وفيات الأعيان: ٢٣٩:١.\r(¬٣) حيث كان ينوب عن نور الدين محمود الذى اتخذ دمشق قاعدة أولى لحكمه منذ دخلها فاتحا فى سنة تسع وأربعين وخمسمائة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277247,"book_id":167,"shamela_page_id":955,"part":"3","page_num":266,"sequence_num":955,"body":"فامتنع وقال: لا، أمشى بألف فارس، إلى إقليم فيه عشرة آلاف فارس ومائة شينى فيها عشرة آلاف مقاتل وعندهم أربعون ألف عبد لخمس خلفاء، وهم مستوطنون فى أوطانهم قريبة منهم خزائنهم، ونأتى نحن من تعب السّفر بهذه العدّة القليلة. فتركه وأرسل إلى ابن نجا، فلمّا جاء قال له: حديث الرّجل الزاهد الذى بمصر أخبرت به أحدا؟ فقال:\rمعاذ الله؛ والله ما سمعه منىّ أحد سوى السّلطان. فقال: امض إلى أسد الدّين شيركوه واحك له الخبر. فمضى إلى شيركوه وقصّ عليه الحديث بنصّه، فطابت نفسه للسّفر (¬١).\rوسار العسكر وصحبته شاور يوم الاثنين خامس عشر جمادى الأولى، وقد أقر نور الدّين شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه وينتقم له ممّن ثار عليه. وخرج نور الدّين إلى أطراف بلاد الفرنج ممّا يلى دمشق بعساكر ليمنع الفرنج من التعرّض لأسد الدّين؛ فكان قصارى أمر الفرنج أن يمتنعوا من نور الدّين ويحفظوا بلادهم.\rوأخذ شيركوه فى سيره إلى مصر على شرقىّ الشّوبك حتى نزل أيلة، وسار منها إلى السّويس (¬٢)؛ فلم يدر ضرغام، وقد وصل إليه رسل الفرنج فى طلب مال الهدنة المقرّر لهم فى كل سنة على أهل مصر وهو ثلاثة وثلاثون ألف دينار وهو يدافعهم ويماطلون، إلاّ بطيور البطائق (¬٣) قد سقطت من عند أخيه الأمير حسام الدّين، متولى بلبيس، فى يوم الأحد","footnotes":"(¬١) يذكر أبو شامة غير هذا إذ يقول فى هذه المناسبة: «وكان هوى أسد الدين فى ذلك، وكان عنده من الشجاعة وقوة النفس ما لا يبالى معه بمخافة؛. وأبو شامة يستند فى هذا إلى ابن الأثير وإلى العماد الأصفهانى. قارن: كتاب الروضتين: ٣٣٢:١؛ الكامل: ١١١:١١ - ١١٣.\r(¬٢) يقول ابن واصل: «وكان الطريق إذ ذاك شرقى الكرك والشوبك على عقبة أيلة إلى صدر وسويس ثم إلى البركة». مفرج الكروب: ١٣٨:١. وصدر بفتح الصاد وسكون الدال قلعة فى الطريق بين أيلة والسويس تركزت أهميتها فى قيمتها الاستراتيجية. والبركة هى بركة الجب، جب عميرة، وهى أيضا بركة الحجاج، إذ كان الحجاج يتجمعون عندها قبل خروجهم إلى الحج. وكانت الجيوش الذاهبة إلى الشام تتجمع عندها أيضا. وهى تقع على مسافة «بريد» من القاهرة، من شمالها، أى على مسافة اثنى عشر ميلا.\r(¬٣) المقصود به الحمام الذى كان يستخدم فى نقل الرسائل البطائق. وقد بالغ الخلفاء ورجال الدولة على اختلاف درجاتهم فى اقتنائه واعتمدوا عليه فى تبليغ الرسائل عند الحاجة إلى الإسراع فى هذا، وقد بلغ ثمن الطائر الواحد من هذا النوع سبعمائة دينار، وقيل إن طائرا منها جاء من خليج القسطنطينية إلى البصرة بلغ ثمنه ألف دينار. ومن طريف استخداماته أن العزيز بالله الفاطمى ذكر لوزيره يعقوب بن كلس أنه ما رأى القراصية البعلبكية وأنه يحب أن يراها، وكان بدمشق حمام من مصر وبمصر حمام من دمشق، فكتب الوزير لوقته بطاقة يأمر فيها من هو تحت أمره بدمشق أن يجمع ما بها من الحمام المصرى ويعلق فى كل طائر حبات من القراصية البعلبكية ويرسلها إلى مصر ففعل ذلك، فلم يمض النهار حتى حضرت تلك الحمائم بما علق عليها من القراصية، فجمعه الوزير يعقوب بن كلس وطلع به إلى العزيز بالله فى يومه، فكان ذلك من أغرب الغرائب لديه. صبح الأعشى: ٣٨٩:١٤ - ٣٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277248,"book_id":167,"shamela_page_id":956,"part":"3","page_num":267,"sequence_num":956,"body":"خامس عشرى جمادى الأولى، يخبر فيها بوصول شاور وأسد الدّين شيركوة ومعهما من الأتراك خلق كثير؛ فانزعج وتأهّب لتسيير العسكر. وأصبح النّاس يوم الاثنين السادس والعشرين من جمادى الأولى وقد شاع ذلك بينهم، فخافوا على أنفسهم وأموالهم وانتقلوا من مكان إلى مكان على عادتهم وجمعوا عندهم الأقوات والماء.\rوخرج الأمير ناصر المسلمين همام بالعساكر أوّل يوم من جمادى الآخرة، وهم نحو ستة آلاف فارس بالخيول المسرجة والدّروع الثمينة والسّلاح العجيب، وقد أعجبوا بأنفسهم واطمأنّوا بأنهم ظافرون. فوصلوا إلى بلبيس يوم الأحد ثانيه، فوافاهم شاور بالعسكر الشامى يوم الاثنين، فباتوا ليلة الثّلاثاء، وأصبحوا وقد توهّم منهم أسد الدّين شيركوه وقال لشاور: يا هذا لقد غررتنا وقلت إنّه ليس بمصر عساكر حتى جئنا بهذه الشّرذمة. فقال: لا يهولنّك ما تشاهد من هذه الجموع فأكثرها حاكة وفلاّحون يجمعهم الطّبل وتفرّقهم العصا؛ فما ظنك بهم إذا حمى الوطيس وكلبت الحرب. وأمّا الأمراء فإنّ كتبهم وعهودهم معى؛ وسترى إذا التقينا، لكنّى أريد منك أن تأمر العساكر بالاستعداد.\rفلمّا ترتّبوا نهاهم عن القتال، فتحرّك المصريّون وتأهّبوا وأقاموا حتى حمى النّهار، فسخن عليهم الحديد ولم يروا أحدا يسير إليهم فنزلوا عن خيولهم وأقاموا الخيم، وألقى بعضهم السّلاح. فلمّا عاين ذلك شاور أمر بالحملة عليهم، فثار المصريّون وحمل ناصر المسلمين همام والأمير فارس المسلمين على العسكر الشّامى؛ فجرح همام والتفت فلم ير أحدا من عسكره، فكان أشجعهم من يصير على ظهر فرسه. وانهزموا بأجمعهم إلى بلبيس، وغنم العسكر الشّامى جميع ما كان معهم، فقووا به، وتبعوهم وأسروا منهم جماعة الأمراء وغيرهم، ثم منّوا عليهم وسيّروهم فى جمعهم.\rولحق الأمير همام بالقاهرة سحر يوم الأربعاء خامسه وهو مجروح، واختفى الأمير حسام فى مدينة بلبيس فدلّ عليه بعض الكنانيّة فأسر وقيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277249,"book_id":167,"shamela_page_id":957,"part":"3","page_num":268,"sequence_num":957,"body":"وسار العسكر فوصلوا إلى القاهرة بكرة يوم الخميس سادسه، فنزلوا عند التّاج (¬١) بظاهر القاهرة، وانتشر العسكر فى البلاد يريدون الأكل والعلف.\rوكان ضرغام قد كاتب أهل الأعمال فوصلوا إليه لخوفهم من الترك، فضمّهم إليه ومعهم الرّيحانيّة والجيوشيّة وجعلهم فى داخل القاهرة؛ فأقام شاور بمن معه على التّاج حتى استراحت خيولهم. ثم إنه استحلف شيركوه ومن معه أنهم لا يغدرون به ولا يسلمونه، ولا ينهزمون إلاّ عن غلبة. ومع هذا فإنّ طوائف من العربان كانت تطارد عسكر ضرغام بأرض الطّبالة (¬٢)، وخرج أهل منية السّيرج (¬٣) فقتلوا من الترك جماعة، فمالوا عليهم وانتهبوا المنية وأذاقوا أهلها نكالا شديدا. وأقام شاور بمن معه فى ناحية الخرقانية (¬٤) وشبرا دمنهور (¬٥)، ثم سار من ناحية المقس يريد القاهرة؛ فخرج إليه عسكر ضرغام وحملوا","footnotes":"(¬١) منظرة التاج من جملة المناظر التى أنشئت لينزلها خلفاء الفاطميين للنزهة. أنشأ هذه المنظرة الأفضل بن بدر الجمالى، وكان لها فرش معدة لتناسب الصيف والشتاء، وقد رأى المقريزى خرائبها وذكر أنه لم يبق بها أثر سوى كوم تحته حجارة كبيرة، وما حول هذا الكوم أصبح من جملة منية الشيرج التى كانت منطقة مزارع، وكانت الأرض التى أنشئ بها التاج بجانب الخليج متصلة بأرض الطبالة فى بستان متسع يعرف ببستان البعل. المواعظ والاعتبار: ٤٨١:١، ١٢٩:٢.\r(¬٢) على جانب الخليج الغربى بجوار خطة المقس، وكانت من أحسن متنزهات القاهرة، وهبها الخليفة المستنصر بالله (٤٢٧ - ٤٨٧)، واسمه معد، إلى مغنيته المعروفة باسم نسب (بالسين المهملة أو الشين المعجمة)، بطلبها ذلك منه، عند ما غنته فى مناسبة الخطبة له ببغداد أيام ثورة البساسيرى:\rيا بنى العباس صدوا … ملك الأمر معد\rملككم كان معارا … والعوارى تسترد\rوموقعها الآن بين شارع الظاهر شمالا وغربا وسكة الفجالة وشارع الفجالة جنوبا وشارع الخليج المصرى شرقا. صبح الأعشى: ٣٥٦:٣؛ المواعظ والاعتبار: ١٢٥:٢ - ١٢٦؛ النجوم الزاهرة: ١٢:٥.\r(¬٣) ويقال لها منية الأمراء ومنية الأمير، على بعد فرسخ من القاهرة فى طريق الإسكندرية. ويقال إن قتلى وقعة الخندق التى دارت بين مروان بن الحكم وعبد الرحمن بن جحدم والى مصر سنة خمس وستين دفنوا بموقعها وكانوا ثمانمائة. وكانت زمن الفاطميين من أحسن متنزهات القاهرة، عدا النهر عليها حتى صار جامعها القديم ودورها فى بر الجيزة؛ وفيها كان يعمل عيد الشهيد. وبها أنشأ الأفضل منظرة التاج وغيرها من المناظر. الخطط التوفيقية: ٦٧:١٦ - ٦٨.\r(¬٤) على الشاطئ الشرقى للنيل، وهى الآن قرية صغيرة بمحافظة القليوبية، بينها وبين القناطر الخيرية نحو ثلثى ساعة بتقدير على مبارك باشا. وكانت فى العصر الفاطمى تسمى أيضا بالخاقانية. ويعدها ابن مماتى من أعمال الشرقية. وكانت تعتبر من خاص الخليفة وبها قصر الورد ودويرات (أحواض) يزرع بها. الخطط التوفيقية: ١٠، ٢٩٧؛ كتاب الروضتين: ٤٥٠:١؛ مفرج الكروب: ١٧٦:١؛ قوانين الدواوين: ٨٥؛ المواعظ والاعتبار: ٤٨٨:١ - ٤٨٩.\r(¬٥) وتعرف اليوم باسم شبرا الخيمة، إحدى قرى ضواحى القاهرة، وتقع على فم الترعة الإسماعيلية فى الشمال الغربى للقاهرة على النيل. وإنما سميت قديما شبرا دمنهور لوقوعها جنوب مدينة دمنهور شبرا. وتعرف شبرا دمنهور عند القاهريين باسم شبرا البلد. ويعدها ابن مماتى من أعمال الشرقية كذلك. النجوم الزاهرة: ١٩:٥: حاشية: ١؛ قوانين الدواوين: ١٥٢؛ الخطط التوفيقية: ١١٩:١٢ - ١٢٢. ويذكر على مبارك منطقة باسم شبرا دمنهور ويعدها جزءا من مدينة دمنهور غربى فرع السكة الحديدية الرئيسى بين القاهرة والإسكندرية. وهى غير المقصود هنا بطبيعة الحال. الخطط التوفيقية: ١٢٢:١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277250,"book_id":167,"shamela_page_id":958,"part":"3","page_num":269,"sequence_num":958,"body":"عليه، فخاف من كان معه من الأمراء الّذين كانوا مع همام أخى ضرغام ولحقوا بالقاهرة فانهزم هزيمة قبيحة. فسرّ بذلك ضرغام، وأحضر قاضى القضاة وأمره بحمل ما فى مودع الحكم من مال الأيتام؛ فحملها إليه.\rوكان شاور لمّا انهزم سار إلى بركة الحبش وصار إلى الرّصد فملك ما هنالك، وأخذ مدينة مصر وأقام بها أيّاما، ولم يبق مع شاور وشيركوه من الأمراء الذين كانوا مع همام سوى شمس الخلافة محمّد وأولاد سيف الملك الجمل وابن ناصر الدّولة وأولاد حسن؛ فقيّد شيركوه ابن شمس الخلافة دون النّاس كلهم.\rوكره النّاس من ضرغام أخذه أموال الأيتام مع ما سبق منه من قتل الأمراء وغيرهم، وعلموا عجزه عن شاور.\rوكان شاور يركب كلّ يوم فى مصر ويؤمّن أهلها ويمنع الأتراك من التّعرّض إليهم، فمال النّاس إليه. وبلغهم عن ضرغام أنّه يتوعّدهم إذا ظفر بشاور أنّه يحرق مصر على أهلها من أجل أنّهم أمكنوا شاورا من دخول البلد وباعوا عليه وعلى من معه. فتحول شاور عن مصر ونزل اللّوق، وطارد خيل ضرغام وقد خلت المنصورة والهلاليّة وثبت أهل اليانسية فقاتل الناس قتالا خفيفا. وصار شاور وشيركوه إلى باب سعادة وباب القنطرة من أبواب القاهرة، وطرحوا النّار فى اللّؤلؤة وما حولها من الدّور. وكانت وقعة عظيمة بين الفريقين قتل فيها من العسكرين خلق كثير.\rفلمّا كان الليل اجتمع مقدّمو الرّيحانيّة وفد فنى منهم كثير، وأرسلوا إلى شاور يطلبون الأمان - وكان قبل ذلك يبعث إليهم ويستميلهم - فأمنهم.\rولمّا رأى الخليفة العاضد انحلال أمر ضرغام بعث يأمر الرّماة بالكفّ عن الرّمى، فخرج الرّجال إلى شاور فى الصّباح، فسرّ بهم. وفترت همّة أهل القاهرة، وأعمل كلّ منهم الحيلة فى الخروج؛ وخرج ضرغام ومعه جماعة إلى خارج القاهرة، وجعلوا يتردّدون من باب إلى باب، وفيهم ابن ملهم وابن فرج الله وصارم بن أبى الخليل وجماعة مذكورون، فكانوا يطاردون من طاردهم. وأمر ضرغام بضرب البوقات والطّبل على الأسوار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277251,"book_id":167,"shamela_page_id":959,"part":"3","page_num":270,"sequence_num":959,"body":"ليجتمع النّاس؛ فلم يخرج إليه أحد وانفلّ النّاس عنه. فعاد إلى القاهرة وصار إلى باب الرّحبة من أبواب النّصر ولم يبق معه سوى خمسمائة فارس، فوقف وطلب الخليفة أن يشرف عليهم من الطّاق. فبلغ ذلك شاورا فسرّح فى الحال ابنه سليمان الطّارى إلى باب القنطرة ليملكه ويقف.\rفلمّا طال وقوف ضرغام نادى: أريد أمير المؤمنين يكلّمنى لأسأله عمّا أفعل. فلم يجبه أحد. فصاح: يا مولانا كلّمنى، يا مولانا أرنى وجهك الكريم يا مولانا بحرمة أجدادك على الله؛ وهو يبكى فلم يجبه أحد. وقويت الشمس فصار إلى الظّلّ حتى قرب الظّهر، فأمر بعض غلمانه أن يركض فى قصبة (¬١) القاهرة ويقول بصوت عال: ما كانت إلاّ مكيدة على الرّجال، قد قتل الترك أصحاب شاور الرّيحانيّة. فما هو إلاّ أن سمع الناس ذلك - وكانوا قد صاروا إلى بيوتهم - فأسرعوا إلى خيولهم وعادوا من كلّ جانب مثل السّيل، فرأوا ضرغاما على تلك الهيئة، والطّاق لم يفتح له والخليفة لم يكلّمه، فسقط فى أيديهم وقالوا ارجعوا فهى كناية والغلبة لشاور؛ ورجعوا من حيث أتوا.\rفوقف ضرغام إلى العصر ولم يبق معه غير ثلاثين فارسا، ووردت إليه رقعة فيها:\rخذ لنفسك وانج بها. فأيس من الظّفر.\rوبعث شاور إلى الخليفة العاضد يستأذنه فى الدّخول إلى القاهرة؛ فأذن له. فبعث شاور يأمر ابنه أن يدخل القاهرة، وهو عند القنطرة، فدخل وضربت أبواقه، وكانت من أبواق الترك التى لم تعهد بمصر، فما هو إلاّ أن علم به ضرغام، فمرّ على وجهه إلى باب زويلة، فتخطّف النّاس من معه، وعطعطوا عليه ولعنوه. فأدركه بعض الشّاميّين فى غلمان شاور وطعنه فأرداه، ونزل إليه واحتزّ رأسه بالقرب من مشهد السّيّدة نفيسة، وذلك قريبا من الجسر الأعظم، فى يوم الجمعة الثّامن والعشرين من جمادى الآخرة. وفرّ ملهم إلى مسجد تبر (¬٢)، فقتل هناك وترك مطروحا، وأتى برأسه إلى عند شاور. وقتل ناصر الدّين","footnotes":"(¬١) بسكون الصاد: القصر أو جوفه، والمدينة أو معظمها؛ والقصاب ككتاب، الديار واحدتها قصبة بفتح الصاد. القاموس المحيط.\r(¬٢) يقع هذا المسجد خارج القاهرة مما يلى الخندق، قريبا من المطرية، وكان يسمى مسجد التبن، ويقال إنه بنى على رأس إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن على. ويعرف أيضا بمسجد البئر والجميز. وتبر هذا كان أحد الأمراء","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277252,"book_id":167,"shamela_page_id":960,"part":"3","page_num":271,"sequence_num":960,"body":"أخو ضرغام عند بركة الفيل (¬١)؛ وقتل فارس المسلمين. وبقى جسد ضرغام ملقى يومين ثم حمل إلى القرافة فدفن بها.\rوكان من الاتفاق العجيب أنّ ابن شاور قتل فى يوم الجمعة حادى عشرى رمضان سنة ثمان وخمسين، فقتل ضرغام يوم الجمعة ثامن عشرى جمادى الآخرة سنة تسع (¬٢)؛ وقتل مع ابن شاور حسّان ابن عمّته فقتل مع ضرغام .. (¬٣) وكانت وزارة شاور الأولى تسعة أشهر ووزارة ضرغام بعده تسعة أشهر.\rوكان من أعيان الأمراء وأحلى الفرسان، يجيد اللعب بالكرة والرّمى بالسّهام، ويكتب كتابة ابن مقلة، وينظم الموشحات الجيّدة، كريما (¬٤) عاقلا، يحبّ العلماء والأدباء ويقرّبهم، إلاّ أنّه سريع الاستمالة يميل مع من يستميله ولا يكذب خبرا عن عدوّ بل يعاقب سريعا (¬٥).","footnotes":"= الإخشيذيين الذين عاصروا كافور الاخشيذى، وقد اضطر جوهر الصقلى إلى حربه حربا طويلة انتهت بفراره إلى مدينة صور بالشام حيث قبض عليه وأدخل القاهرة، وضرب بالسياط وحبس حتى مرض ومات، فسلخ جلده وصلب. المواعظ والاعتبار: ٤١٣:٢.\r(¬١) كانت تقع بين مصر والقاهرة وهى كبيرة جدا ولم يكن بها مبان، وعند ما أنشأ جوهر القاهرة كانت تجاهها، ثم أنشئت حارة السودان وغيرها خارج باب زويلة، ثم عمر الناس ما بين حارة اليانسية (درب الإنسية حاليا) وبين بركة الفيل بعد الستمائة حتى صارت مساكنها أجل مساكن مصر. وكان السلطان ورجاله يركبون فيها بالليل وتسرج أصحاب المناظر على قدر هممهم فيكون لها منظر عجيب يصفه الشاعر فى قوله:\rانظر إلى بركة الفيل التى اكتنفت … بها المناظر كالأهداب للبصر\rكأنما هى والأبصار ترمقها … كواكب قد أداروها على القمر\rوقد رآها نفس الشاعر فى ضوء النهار فقال:\rانظر إلى بركة الفيل التى نحرت … لها الغزالة نحرا من مطالعها\rوخل طرفك محفوفا ببهجتها … تهيم وجدا وحبا فى بدائعها\rالمواعظ والاعتبار: ١٦١:٢ - ١٦٢.\r(¬٢) فى النكت العصرية أن طى بن شاور قتل فى يوم الجمعة الثامن والعشرين من رمضان، وأدرك ثأره فى الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع. وفى التوفيقات الإلهامية أن رمضان هذا بدأ يوم السبت، حسابا؛ فلو فرضنا أنه بدأ يوم الجمعة رؤية، أو بقرار من الخليفة كما كانت عادة الفاطميين، كان تحديد عمارة فى النكت العصرية أقرب إلى الصحة أما تحديد المقريزى هنا فبعيد عن الدقة فى الحالين.\r(¬٣) بياض بالأصل يتسع لكلمة واحدة.\r(¬٥،٤) ما بين هذين الرقمين مستدرك بهامش الأصل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277253,"book_id":167,"shamela_page_id":961,"part":"3","page_num":272,"sequence_num":961,"body":"ولمّا جئ برأسه إلى شاور رفعت على قناة وطيف بها؛ فقال الفقيه عمارة (¬١):\rأرى حنك الوزارة صار سيفا … يحد بحدّه صيد الرّقاب\rكأنّك رائد البلوى، وإلاّ … بشير بالمنيّة والمصاب\rفكان كما قال عمارة.\rوأقام شاور وشيركوه بعد قتل ضرغام فى مخيّمهما بناحية المقس يومى السبت والأحد.\rفلمّا كان يوم الاثنين طلع الوزارة فى ثالث شهر رجب، وخرج الكامل بن شاور من دار ملهم، أخى ضرغام، وكان معتقلا بها؛ وخرج معه القاضى الفاضل، وكان معه فى الاعتقال (¬٢)، وقد تأكّدت بينهما مودّة، فأدخله إلى أبيه ومدحه عنده وأثنى عليه، فسمّاه حينئذ بالقاضى الفاضل وكان قبل ذلك ينعت بالقاضى الأسعد.\rوفرح العاضد بدخول شاور. ولمّا خلع عليه سار من القصر إلى باب زويلة، وخرج منه إلى باب القنطرة فنزل بدار الوزارة (¬٣). وركب شيركوه إلى مصر ورآها، وقصد الفقهاء مثل الكيزانى (¬٤) وابن حطيه، واجتمع بالشيخ أبى عمرو بن مرزوق وأخبره","footnotes":"(¬١) فى النكت العصرية: ٧٧؛ كتاب الروضتين: ٣٣٣:١. قال عمارة فى التقديم لهذين البيتين: «ولما جازوا برأسه على الخليج، وكنت أسكن صف الخليج بالقاهرة، قلت ارتجالا»: .. البيتين. وكان عمارة قد مدح ضرغام بقصائد اقتبس أبو شامة ثلاثة أبيات من إحداها تقول:\rوأحق من وزر الخلافة من نشا … فى حضرة الإكرام والإجلال\rواختص بالخلفاء، وانكشفت له … أسرارها بقرائن الأحوال\rوتصرف الوزراء عن أفعاله … كتصرف الأسماء بالأفعال\rكتاب الروضتين: ٣٣٣:١؛ النكت العصرية ٧٧.\r(¬٢) كان القاضى الفاضل يعمل بديوان الإنشاء والجيش فى الإسكندرية، وقد استدعى إلى القاهرة فى عهد الخليفة الظافر. ويقول عمارة إن العادل رزيك بن طلائع هو الذى استقدمه من الإسكندرية واستخدمه بحضرته فى ديوان الجيش. النكت: ٥٣ - ٥٤. ويبدو أنه اعتقل منذ اعتقال رزيك حين قدم شاور القاهرة وتولى وزارتها. وبقى فى الاعتقال حتى أفرج عنه فى هذه المناسبة.\r(¬٣) يعلق ابو شامة على هذا بقوله: ولم يغلب وزير لهم وعاد غير شاور «كتاب الروضتين: ٣٣٤:١.\r(¬٤) أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت بن فرح الأنصارى المصرى الواعظ الشافعى، أهم شاعر صوفى ظهر بمصر قبل ابن الفارض. يذكر ابن خلكان أنه لم يقف من شعره إلا على بيت واحد هو:\rوإذا لاق بالمحب غرام … فكذا الوصل بالحبيب يليق\rوالكيزانى نسبة إلى عمل الكيزان وبيعها، وكان بعض أجداده يصنع ذلك. توفى سنة اثنتين وستين وخمسمائة ودفن قريبا من مدفن الشافعى ثم نقل إلى سفح المقطم بقرب الحوض الذى كان يعرف بحوض أم مودود حيث زاره ابن خلكان الذى قال إن","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277254,"book_id":167,"shamela_page_id":962,"part":"3","page_num":273,"sequence_num":962,"body":"كما أخبر ابن نجا أنّه يملك الدّيار المصريّة ويزيل هذه الدّولة، لكنّه لا يملكها إلاّ بعد أن يرجع إلى الشّام ويأتيها ثانيا، ثم يرجع ويعود إليها ثالث مرّة وحينئذ يملكها. وسأله عن بيت المقدس فقال: لا يكون فتحه على يدك وإنّما يكون فتحه على يد بعض من فى خدمتك من أقاربك. وهكذا جرى؛ فإن شيركوه لم يملك مصر إلاّ فى مجيئه إلى القاهرة المرّة الثّالثة، ولم يفتح بيت المقدس إلاّ على يد صلاح الدّين يوسف بن أخى شيركوه.\rوفى رابع رجب قرئ سجلّ شاور بالوزارة (¬١).\rواستمرّ شيركوه فى مخيّمه ويخرج إليه فى كلّ يوم عشرون طبقا من سائر الأطعمة ومائتا قنطار خبزا ومائتا إردبّ شعيرا. وأعدّ له العاضد ملبوسا وسريرا مرصّعا بالجوهر له قيمة عظيمة كان الآمر قد عمله، وأمره بالدّخول ليخلع عليه، فامتنع. وأرسل إلى شاور يقول: «قد طال مقامنا فى الخيم وضجر العسكر من الحرّ والغبار»؛ ويستنجز منه ما وعد به السّلطان نور الدّين. فأرسل إليه ثلاثين ألف دينار وقال: ترحل الآن فى أمن الله وحفظه.\rفبعث يقول له: إنّ الملك العادل نور الدّين أوصانى عند انفصالى عنه «إذا ملك شاور تكون مقيما عنده، ويكون لك ثلث مغلّ البلاد، والثّلث الآخر لشاور والعسكر، والثلث الثالث","footnotes":"= قبره هناك مشهور يزار. ويقول العماد الأصفهانى إنه كان من العلماء المبرزين إلا أنه ابتدع مقالة ضل بها اعتقاده إذ ادعى أن أفعال العباد قديمة، وكان لهذه البدعة تأثير فى جماعة اعتنقوها بمصر وعرفوا بالطائفة الكيزانية. وقد ترجم له العماد ترجمة مطولة. انظر وفيات الأعيان: ١٨:٢؛ خريدة القصر قسم شعراء مصر: ١٨:٢ - ٤٠. ومن شعره:\rشريفنا يمضى ومشروفنا … وإنما يفتقد الخير\rكالجو لا يوجد إظلامه … إلا إذا ما عدم النير\r(¬١) كتب هذا السجل الموفق ابن الخلال، صاحب ديوان الإنشاء عند العاضد ومطلعه: «من عبد الله ووليه عبد الله أبى محمد العاضد لدين الله أمير المؤمنين، إلى السيد الأجل، سلطان الجيوش، ناصر الإسلام، سيف الإمام، شرف الأنام، عمدة الدين .... » وقد جاء فيه: «أما بعد، فالحمد لله مانع الرغائب ومنيلها، وكاشف المصاعب ومزيلها، ومذل كل عصبة كلفت بالغدر والشقاق ومزيلها، ناصر من بغى عليه، وعاكس كيد الكائد إذا فوق سهمه إليه، وراد الحقوق إلى أربابها، ومرتجع المراتب إلى من هو أجدر برقيها وأولى بها، .... ، ومدنى نابى الحظ بعد نفوره واغترابه، ومطلع الشمس بعد المغيب، ومتدارك الخطب إذا أعضل بالفرج القريب .. » وفيه: «وإن أمير المؤمنين يمدك فى ذلك بدعائه، ويعدك لتدبير دولته وقمع أعدائه، ورآك وإن أبعدتك الضرورات عن بابه، وأنأتك الحادثات عن جنابه، أنك وزيره المكين، وخالصته القوى الأمين، الذى لا ينزع عنه شمس وزارته، ولا يؤثر له غير سلطانه ومملكته». وتجد النص الكامل لهذا السجل فى صبح الأعشى: ٣١٠:١٠ - ٣١٨.\rوفى هذه المناسبة أيضا قرئ سجل بتعيين أحد أبناء شاور نائبا عن أبيه فى الوزارة وبتفويض أمورها إليه. ونصه الكامل فى نفس المصدر: ٣١٨ - ٣٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277255,"book_id":167,"shamela_page_id":963,"part":"3","page_num":274,"sequence_num":963,"body":"لصاحب القصر يصرفه فى مصالحه». فأنكر شاور ذلك وقال: إنما طلبت نجدة وإذا انقضى شغلى عادوا؛ وقد سيّرت إليكم نفقة فخذوها وانصرفوا وأنا أرضى نور الدّين. فقال شيركوه:\rلا يمكننى مخالفة نور الدّين ولا أنصرف إلاّ بإمضاء أمره.\rفأخذ شاور عند ذلك يستعدّ لمحاربة شيركوه، واستعدّ أيضا شيركوه، وبعث بابن أخيه صلاح الدّين بطائفة من الجيش يجمع الغلال والأتبان وغير ذلك ببلبيس. فغلق شاور أبواب القاهرة، وتغلّب صلاح الدين على الحوف (¬١)، وبثّ خيله، وحاز الأموال والغلال. وتقدّم إلى جزيرة قويسنا (¬٢)، فخرج ثلاثة من الأستاذين بأمر الخليفة إلى استنفار النّاس من الصّعيد؛ وثار ابن شاس، والى جزيرة قويسنا، على الترك وقاتلهم حتّى هزمهم وغرق منهم جماعة. فعاد صلاح الدّين إلى عمّه شيركوه، فتجهّز ونزل بحرىّ التّاج.\rوأخرج شاور خيمه وضربها فى أرض الطّبالة (¬٣). فلمّا كان يوم الأربعاء الثالث والعشرون من شعبان التقى شاور وشيركوه فى كوم الرّيش (¬٤)، فانكسر شاور إلى باب القنطرة ونهبت خيمه، وأسر أخوه صبح وجوهر المأمونى؛ ودخل القاهرة فرمى بحجر من باب القنطرة","footnotes":"(¬١) هما منطقتان: الحوف الغربى، ويقع غربى فرع رشيد ويشمل محافظة البحيرة، والحوف الشرقى وكان يشمل معظم محافظة الدقهلية أو محافظتى الشرقية والقليوبية وهو المقصود هنا يؤكد هذا عبارة أبى شامة: «وحكم على البلاد الشرقية كتاب الروضتين: ٣٣٥:١.\r(¬٢) وهى أيضا جزيرة قوسينا، وقويسنا من محافظة الغربية بمركز الجعفرية غربى ترعة الخضراوية بمسافة ثمانمائة متر، وفى الشمال الشرقى لناحية بجيرم على بعد نحو ألف وستمائة متر، وفى شمال شبرى ريس على بعد ألف وخمسمائة متر بتقديرات على مبارك. الخطط التوفيقية: ١٤١:١٤ - ١٤٢؛ انظر أيضا معجم البلدان: ١٠٣:٣؛ قوانين الدواوين: ٨٩، ١١٢، ١٢٢، ١٢٥، ١٨١، ١٨٢، ٣٤٣.\r(¬٣) فى هذا الموضع بهامش الأصل عبارة نصها «بخطه. لما نزل شاور بالقاهرة وترك دار الوزارة وفسد ما بينه وبين شيركوه أنفذ ظهير الدين بدران إلى الفرنج ليستنجدهم، فلما تحقق شيركوه ذلك رحل من أرض الطبالة». اهـ.\r(¬٤) بلدة بين أرض البعل ومنية الشيرج، كان النيل يمر بغربيها بعد مروره بغربى أرض البعل، وكانت من أجل متنزهات القاهرة يرغب أعيان الناس فى سكناها للتنزه بها. وفى سنة ست وثمانمائة زاد النيل وخرب الدرب الذى كان يصل بينها وبين أرض الطبالة فتوالت بعد ذلك المحن وخربتها. وفى ذلك قال المقريزى:\rقفرا كأن لم تك تلهو بها … فى نعمة وأوانس أتراب\rالمواعظ والاعتبار: ١٣٠:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277256,"book_id":167,"shamela_page_id":964,"part":"3","page_num":275,"sequence_num":964,"body":"فدخل الكافورى (¬١) مغشيّا عليه.\rوفى ذلك اليوم أحرق صفّ الخليج، وكاد شيركوه أن يدخل القاهرة؛ وبقى الحصار إلى يوم الخميس تاسع رمضان. وورد الخبر إلى شاور بأن الفرنج قاربوا مدينة بلبيس يوم السّبت حادى عشر رمضان فأقام عليها وشيركوه بها. ولمّا كان فى خامس عشر ذى الحجّة تقرّر الحال مع شيركوه على أن يدفع إليه شاور خمسين ألف دينار ورهائن على صبح، أخى شاور، وعاد إلى دمشق. ورجع الفرنج.\rوقدم شاور إلى القاهرة فى سادس عشر ذى الحجّة. فكان مقامه على بلبيس نيّفا وتسعين يوما (¬٢).\rوأخرج شاور العساكر والحشود ممّا يلى البستان الكبير خارج باب الفتوح، وزحف شاور، فخرج إليه شيركوه وحاربه، فخرج أكثر عسكر شاور وغورت أعينهم، ووقعت نشّابة فى عين الطّارى، ابن شاور، اليمنى، فبقى معه النّصل مدّة إلى أن قلعت وخرج منها بكلفة. فانهزم شاور ودخل القاهرة وأغلق أبوابها، وحاصره شيركوه طول النّهار.","footnotes":"(¬١) أنشأ البستان الكافورى محمد بن طغج الإخشيذ، وأنشأ بجانبه ميدانا لركوب الخيل، فلما قدم جوهر الصقلى أدخل البستان ضمن حدود القاهرة وعرف بالبستان الكافورى، ثم اختط مساكن بعد سنة إحدى وخمسين وستمائة وأزيلت أشجاره. ويعلق ابن عبد الظاهر على هذا بقوله كان خرابة بحق فإنه عرف بالحشيشة التى كان يتناولها الفقراء؛ وفيها قال شاعرهم أبو الحسن على ابن عبد الله الينبعى:\rرب ليل قطعته ونديمى … شاهدى، وهو مسمعى وسميرى\rمجلسى مسجد وشربى من … خضراء تزهو بحسن لون نضير\rقال لى صاحبى وقد فاح منها … نشرها مزريا بنشر العبير\rأمن المسك؟ قلت ليست من المس … ك ولكنها من الكافورى\rالمواعظ والاعتبار: ٢٥:٢ - ٢٦. وحارة الكافورى تحد بشوارع أمير الجيوش الجوانى والخليج المصرى والخردجية وبين القصرين والنحاسين وشارع جوهر القائد. النجوم الزاهرة: ٤٨:٤.\r(¬٢) سيتحدث المقريزى فيما يلى عن دور آخر من أدوار النزاع العسكرى بين شيركوه وشاور، يؤكد هذا فى أثناء الحديث كلامه عن حريق آخر عند الخليج (ناحية باب سعادة وعند الخليج كله) عن فدية أخرى قيمتها ثلاثون ألف دينار … الخ ولولا هذه التأكيدات التى تدل على تعدد الحدث لاعتقد القارئ أنه حدث واحد ورد موجزا أولا ومفصلا ثانيا. وهذا موضع لتساؤل إذ الثابت أن شيركوه عند ما خرج من بلبيس فى ذى الحجة اتجه إلى الشام مباشرة بينما يبدأ الدور الثانى من القتال - كما ذكر المقريزى هنا - فى ذى الحجة بعد اتفاق بلبيس. قارن كتاب الروضتين فى أحداث سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وكذلك الكامل: ١١؛ والنجوم الزاهرة: ٥ فى هذه السنة؛ والباهر فى أتابكة الموصل؛ نهاية الأرب: ٢٨، وكذلك:\rThe Crusaders in the East;Saladin","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277257,"book_id":167,"shamela_page_id":965,"part":"3","page_num":276,"sequence_num":965,"body":"فلمّا كان الليل أحرق من باب سعادة إلى ناحية اللّؤلؤة (¬١)، كما فعل أوّلا، واشتدّ الأمر، وصار كلّ من يخرج من عسكر مصر يقتل. فركب شاور وخرج ثمّ عاد وقد ازدحم النّاس على السّور لتنظر إلى الحرب، فسقطت شرفة من شرفات السّور على ابن شاور وغشى عليه، ودخلوا به إلى الكافورىّ وقد أيس منه؛ فجاء رئيس الأطباء وعصر فى أذنه حصرما فأفاق.\rوأتاه الشّراب من عند الخليفة فشربه وركب إلى داره وقد ورم وجهه.\rواشتدّ قتال شيركوه على باب القنطرة وأحرق وجه الخليج جميعه، واحترقت الدّور التى بجانبه من حارة زويلة. وانضمّ إليه بنو كنانة وكثير من عسكر المصريّين.\rوبعث طائفة إلى حارة الريحانيّة وفتحوا ثغرة، فكان هناك قتال شديد. فجلس العاضد على باب الذهب وأمر بالخروج، فتسارع الصّبيان وغيرهم إلى الثّغرة وقاتلوا الترك والكنانيّة حتى أوصلوهم إلى منازلهم، وسدّوا الثّغرة.\rوكان ضرغام عند قدوم شاور وشيركوه أرسل إلى الفرنج يستنجد بهم ويعدهم بزيادة القطيعة الّتى لهم، فامتنع ملكهم (¬٢) وقال لا يأتى إلاّ بأمر الخليفة وأمّا من الوزراء فلا يقبل فلمّا تحقّق شاور أنّه لا قبل له بشيركوه كتب إلى مرى ملك الفرنج بالسّاحل يستنجده ويخوّفه من تمكّن عسكر نور الدّين من مصر، ويقول له متى استقرّوا فى البلاد قلعوك كما يريدون أن يفعلوا؛ وضمن له مالا وعلفا، ويقال إنه جعل له عن كلّ مرحلة يسيرها ألف دينار؛ وسيّر إليه بذلك مع ظهير الدّين بدران. فسرّ الفرنج بذلك وطمعوا فى ملك مصر (¬٣).","footnotes":"(¬١) عرف بسعادة بن حيان غلام المعز لدين الله لأنه لما جاء من المغرب بعد بناء القاهرة نزل بالجيزة وخرج جوهر للقائه فلما رأى سعادة جوهر ترجل وسار إلى القاهرة ودخل من هذا الباب فسمى به. توفى سعادة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة بالقاهرة. ويقع هذا الباب قرب باب القنطرة الذى يقع بجوار منظرة اللؤلؤة المطلة على الخليج والتى بناها العزيز بالله الفاطمى مشرفة من شرقيها على البستان الكافورى ومن غربيها على الخليج من غربيه ولم يكن فيه إذ ذاك شيء من البنيان وإنما كان بساتين عظيمة تعرف ببطن البقرة. المواعظ والاعتبار: ٣٨٣:١، ٤٦٧ - ٤٦٩؛ صبح الأعشى: ٣٥٤:٣.\r(¬٢) تسميه المصادر العربية: مرى، أمورى، عمورى وهو Amalric I ، حكم بيت المقدس بين سنتى ٥٥٧ - ٥٦٩ (١١٦٢ - ١١٧٤)، بعد وفاة Baldwin III ، وكان فى السابعة والعشرين عند اعتلائه العرش.\r(¬٣) يذكر أبو شامه، اقتباسا من الباهر فى تاريخ الأتابكة، أن الفرنج قد أيقنوا بالهلاك إن ملكها (مصر) نور الدين، فلما أرسل شاور إليهم يستنجدهم ويطلب منهم أن يساعدوه على إخراج شيركوه من البلاد جاءهم فرح لم يحتسبوه، وسارعوا إلى تلبية دعوته والمبادرة إلى نصرته، وطمعوا فى ملك مصر. قارن كتاب الروضتين: ٣٣٥:١؛ الكامل ١١٢:١١ - ١١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277258,"book_id":167,"shamela_page_id":966,"part":"3","page_num":277,"sequence_num":966,"body":"وخرج مرى من عسقلان بجموعه فقبض عن مسيره سبعة وعشرين ألف دينار.\rفلمّا بلغ ذلك شيركوه ارتحل عن القاهرة إلى بلبيس وبها ما أعدّ له ابن أخيه من الغلال وغيرها، وانضمّ معه الكنانيّة، فخرج شاور فى عسكر مصر، فاجتمع بالفرنج وخيّم على بلبيس وأحاط بها، فكانوا يغادون القتال ويراوحونه ثلاثة أشهر. وانقطعت الأخبار عن نور الدّين، وبلغه سير الفرنج إلى مصر.\rوسار ملك القدس بجمع كثير ممن وصل لزيارة القدس مستعينا بهم. فبينا الفرنج فى محاصرة شيركوه إذ ورد عليهم أخذ نور الدّين لحارم (¬١) ومسيره إلى بانياس (¬٢)، فسقط فى أيديهم وعوّلوا على الرّجوع إلى بلادهم. فراسلوا شيركوه فى طلب الصّلح وعوده إلى الشّام وتسليم ما بيده إلى المصريّين. فأجاب إلى ذلك. وندب شاور الأمير شمس الخلافة محمّد ابن مختار إلى شيركوه، فقرر معه الصّلح على ثلاثين ألفا أخرى فحملها إليه. وكانت الأقوات قد قلّت عنده، وقتل من أصحابه جماعة. وأبطأت نجدة نور الدّين فلم يأته منه أحد. وخرج من بلبيس أوّل ذى الحجة (¬٣).","footnotes":"(¬١) حصن تجاه أنطاكية. معجم البلدان: ١٩٩:٣. وفى هذه المعركة أسر نور الدين بعض أمراء الفرنج وفيهم Bohemond III صاحب أنطاكية و Raymond III صاحب طرابلس. وبهذا أصبحت أنطاكية تحت التهديد المباشر من رجال نور الدين. راجع كتاب الروضتين: ٣٣٩:١؛ الكامل: ١١٣:١١ - ١١٤؛ وانظر كذلك:\rThe Crusaders in the East pp .١٨٨ - ١٩٨ وكتاب: Saladin;pp .٨٣ - ٨٤ . ويقول أبو شامة بعد تفصيل الحديث عن انتصار حارم إن أصحاب نور الدين أشاروا عليه بالمسير إلى أنطاكية ليملكها لخلوها ممن يحميها ويدفع عنها، فلم يفعل، وقال: أما المدينة فأمرها سهل، وأما القلعة التى لها فهى منيعة لا تؤخذ إلا بعد طول حصار وإذا ضيقنا عليهم أرسلوا إلى صاحب القسطنطينية وسلموها إليه. «ومجاورة بيموند أحب إلى من مجاورة ملك الروم». راجع كتاب الروضتين: ٣٤٢:١ فى المتن وفى الحاشية: ٢.\r(¬٢) حصن فى الجنوب الغربى لدمشق فى سفح الجبل. السلوك: ٦٧:١؛ كتاب الروضتين: ٣٣٦:١، ٣٥٦. وكانت بيد الفرنج منذ سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة إلى هذه السنة، تسع وخمسين وخمسمائة. الكامل: ١١٤:١١.\r(¬٣) فى خروجه من بلبيس يروى ابن الأثير عن شاهد عيان قوله: رأيته وقد أخرج أصحابه وبقى فى آخرهم وبيده لت من حديد يحمى ساقتهم، فأتاه فرنجى وقاله له: أما تخاف أن يغدر بك هؤلاء وقد أحاطوا بك وبأصحابك؟ فقال شيركوه: يا ليتهم فعلوا!! كنت ترى ما لم تر مثله، كنت والله أضع سيفى فلا أقتل حتى أقتل رجالا، وحينئذ يقصدهم الملك العادل نور الدين وقد ضعفوا وفنى أبطالهم فيملك بلادهم ويفنى من بقى منهم. كتاب الروضتين: ٣٣٦:١ (نقلا عن كتاب الباهر)؛ الكامل: ١١٢:١١ - ١١٣. واللت بفتح اللام وتشديد التاء لفظ فارسى الأصل معناه الفأس الكبيرة أو القدوم، وكانت من آلات الحرب فى تلك الفترة، ومثلها الفأس الشهيرة التى كان يحارب بها ريتشارد قلب الأسد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277259,"book_id":167,"shamela_page_id":967,"part":"3","page_num":278,"sequence_num":967,"body":"وممّن قتل معه من أصحابه على بلبيس سيف الدين محمد بن برجوان، صاحب صرخد، بسهم أصابه، فأنشد وهو يجود بنفسه:\rيا مصر، ما كنت فى بالى ولا خلدى … ولا خطرت بأوهامى وأفكارى\rلكن إذا قالت الأقدار كان لها … قوى تؤلف بين الماء والنّار\rوقتل من الكنانيّة عالم عظيم. وحصل للفرنج من شاور أموال جمّة، فإنّه كان يعطيهم عن كلّ يوم ألف دينار.\rوأقام شيركوه بظاهر بلبيس ثلاثة أيام وسار إلى دمشق، فدخلها يوم الأربعاء ثالث عشرى ذى الحجّة (¬١).\rفيها عزل شاور أبا القاسم هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن محمّد بن أبى كامل، المعروف بالقاضى المفضّل ضياء الدّين بن كامل الصّورى، عن قضاء القضاة، وولّى مكانه القاضى الأعز أبا محمّد الحسن بن علىّ بن سلامة، المعروف بالعوريس (¬٢).","footnotes":"(¬١) «وعاد شاور إلى القاهرة ومعه طائفة من الفرنج يتقوى بهم، وكان قد بذل لهم على نصرته أربعمائة ألف دينار، وهادنهم خمس سنين» نهاية الأرب ٢٨.\r(¬٢) بهامش الأصل مقابل هذا الموضع: بياض صفحة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277260,"book_id":167,"shamela_page_id":968,"part":"3","page_num":279,"sequence_num":968,"body":"سنة ستين وخمسمائة (¬١):\rفيها ركب البرنس أرناط (¬٢)، صاحب الكرك والشّوبك، البحر إلى عسقلان وخرج منها إلى الكرك، وجمع عسكره وأقام ينتظر شيركوه؛ فعلم بذلك شيركوه، فمرّ من خلف الموضع الّذى فيه أرناط، فلم يعلم به ونجا وأمن منه. ووصل إلى دمشق فضعّف أمر عسكر مصر عند نور الدّين وهوّن عليه أمرهم، وحرّضه على قصدهم، وأكثر من التحدث فى أمر مصر.\rوفيها عاد شاور إلى القاهرة؛ وخرج يحيى بن الخيّاط على شاور وحشد ونزل الجيزة يوم الأربعاء بعد أن حاصر الكامل بن شاور فى طنبدى (¬٣)، ورحل عن الجيزة، فكسروا يوم السبت سابع عشر صفر. وقبض شاور على (¬٤) ابن فحل (¬٤) ابن أبى كامل وقتلا ليلة الاثنين تاسع عشره. وتتبّع من كان يكاتب شيركوه أو يوادّه؛ وتشدّد فى طلب أصحاب ضرغام. وكان قد استفسد جماعة من أصحاب شيركوه، منهم خشترين الكردى فأقطعه شطّنوف (¬٥).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن عشر من نوفمبر سنة ١١٦٤.\r(¬٢) هو Le Prince Arnauld وكان يسمى قبل ذلك Renaud de Ch?tillon وقد تأول ليمينه التى حلفها لأسد الدين وقال «أنا حلفت أنى ما ألحق أسد الدين ولا عسكره فى البر، وأنا أريد ألحقه فى البحر». وركب البحر إلى عسقلان فى يوم واحد ثم وصل برا إلى الكرك. وعلم شيركوه فشق طريقه إلى الغور وخرج من البلقاء، وسلمه الله تعالى. كتاب الروضتين: ٤٢٣:١ - ٤٢٤. وقيل إن شاور أشار على أملريك بتتبع أسد الدين شيركوه بعد خروجه من بلبيس ومهاجمته واعتقاله، فرفض أملريك وأبى إلا الوفاء بيمينه لشيركوه. نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٣) وهى أيضا طنبدة وطنبذة بضم الطاء والباء: قرية بالصعيد الأدنى غربى النيل إلى جوار إشنين (والعامة يقولون إشنى)، وتسميان معا العروسين لحسنهما وخصبهما، وهما من كورة البهنسا. معجم البلدان: ٢٦٣:١.\r(¬٤) فى هذين الموضعين بالأصل بياض يتسع لكلمة.\r(¬٥) يقول ياقوت إنها كانت من إقليم الغربية يتفرع النيل عندها فرعين فى اتجاهى تنيس ورشيد، وكانت على فرسخين من القاهرة، ثم يقول وهى على يوم واحد منها. معجم البلدان: ٢٦٦:٥ - ٢٦٧. والواقع أنها كانت تعد من أعمال المنوفية كما يظهر من قوانين الدواوين: ١٥٦. ويقول على مبارك إنها من أعمال محافظة المنوفية بمركز منوف موقعها على الرياح المنوفى وبينهما نحو خمسمائة متر. الخطط التوفيقية: ١٣٢:١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277261,"book_id":167,"shamela_page_id":969,"part":"3","page_num":280,"sequence_num":969,"body":"وفيها فرّ الشريف (¬١) المحنّك من شاور ولحق بنور الدّين. وذلك أنّه كان بعثه ضرغام إلى نور الدّين فى صرف رأيه عن نجدة شاور فوجد نور الدّين مائلا معه لأمور، منها: أنّه تقرب إليه بذمّ مذهب الفاطميّين، ووعده ملك مصر، وعرض له الأموال الكثيرة؛ فبالغ الشريف فى الحطّ على شاور مع نور الدّين، فأنفذه إليه. فلمّا اجتمعا عتبه شاور على ما كان منه، وقال له: أنت تعلم أيّها الشّريف أن سبب قيامى على آل رزّيك إنّما كان لأجل ضرغام وإخوته من الأمراء واتّبعت غرضهم فيما نقموه على ابن الصّالح؛ ولمّا حصلت بالقاهرة رفعت من أقدارهم وزدت فى أرزاقهم، وبلّغتهم أمانيهم، فلم يكن لهم إلاّ إزالتى ثم قتلهم أولادى ونهب أموالى وتشتّت جماعتى، وما زال السّيف فى خاصّتى وغلمانى؛ فهل تعلم لى دينا إليهم؟ فقال له الشريف: أنت تعلم أيّها الأمير أن ابنك طيّا كان قد تعدّى طوره وتجاوز حدّه حتى تعاظم عليك ونفذ أمره دون أمرك؛ وأنّه بعد قتل رزيك بن الصالح أطلق لسانه فى الأمراء ومدّ يده إلى أموالهم ونسائهم، وبهتهم فى المجالس، وصاح عليهم فى المواكب حتى حقدوا عليه، وشكوه إليك فلم تشكهم؛ وعامل أصحابك وغلمانك النّاس بكلّ قبيح فمالت عنك قلوب الخاصّة والعامّة. فسكت عنه، وما زال فى نفسه منه حتى تمكّن من البلاد فأخذ يتطلّبه، ففرّ منه (¬٢).","footnotes":"(¬١) بياض يتسع لكلمة.\r(¬٢) بهامش الأصل: بياض سطرين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277262,"book_id":167,"shamela_page_id":970,"part":"3","page_num":281,"sequence_num":970,"body":"سنة احدى وستين وخمسمائة (¬١):\rفى أول المحرّم مات الأمير هوشات. وفى ثالثه مات القاضى الجليس عبد العزيز ابن الحباب (¬٢).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع من نوفمبر سنة ١١٦٥.\r(¬٢) بهامش الأصل: بياض صفحة. والقاضى الجليس: أبو المعالى عبد العزيز بن الحسين بن الحباب الأغلبى السعدى التميمى، وكان عند وفاته قد أناف على السبعين. وقد تقدم شيء من التعريف به. انظر أيضا: خريدة القصر قسم شعراء مصر: ١٨٩:١ - ٢٠٠؛ النكت العصرية فى مواضع؛ فوات الوفيات: ٣٥٤:١ - ٣٥٦؛ كتاب الروضتين: ٢٩٩:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277263,"book_id":167,"shamela_page_id":971,"part":"3","page_num":282,"sequence_num":971,"body":"سنة اثنتين وستين وخمسمائة (¬١):\rفيها جهّز الملك العادل نور الدّين الأمير أسد الدّين شيركوه من دمشق لقصد ديار مصر فى جيش قوىّ، ومعه جماعة من الأمراء، وكان كارها لمسير شيركوه لكثرة ما رأى من حرصه على السّفر (¬٢). فرحل يوم الجمعة العشرين من شهر ربيع الأول، وشيّعه السلطان إلى أطراف البلاد خوفا من مضرّة الفرنج، فسار على ميمنة بلاد الفرنج. وبعث مرى ملك الفرنج إلى شاور يخبره بمسير شيركوه بالعسكر إلى مصر، فأجابه يلتمس منه نجدته، وأنّ المقرر من المال يحمل إليه على ما كان يحمل فى السّنة الماضية.\rفسار مرى بعساكره، وقد طمع فى البلاد، على السّاحل حتى نزل بلبيس، فخرج إليه شاور، وأقاموا فى انتظار شيركوه. فبلغه ذلك، فنكب عن الطّريق وهبط فى يوم السبت خامس ربيع الآخر من وادى الغزلان (¬٣) إلى أسكر (¬٤)، وخرج إلى إطفيح قبلىّ مصر فشنّ الغارة هناك.\rواتّصل الخبر بشاور، فرحل هو والفرنج يريدونه. ونزل شاور والفرنج بركة الحبش","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الثامن والعشرين من أكتوبر سنة ١١٦٦.\r(¬٢) يقول ابن الأثير: وكان شيركوه بعد عوده من مصر فى المرة الماضية لا يزال يتحدث بها وبقصدها وكان عنده من الحرص على ذلك كثير. وقال أيضا: وكان نور الدين كارها لذلك لكن لما رأى جد شيركوه لم يمكنه إلا أن يرسل معه جمعا من الأمراء فى جيش قوى بلغت عدته ألفين!! وذلك خوفا من حادث يتجدد فيضعف الإسلام. الكامل: ١١ - ١٢١. ويحسن أن نلاحظ أن ابن الأثير كان يدين بولائه - شأنه فى ذلك شأن والده وبقية أفراد أسرته - لأسرة زنكى، وأنه لهذا كان لا يميل إلى الأيوبيين الذين خلفوا أسرة زنكى فى الشام بعد وفاة نور الدين ببضع سنين. ومن ثم يحسن الحذر فى الاعتماد على ابن الأثير فى مثل هذه الإشارات. والواقع أن نجاح الفرنج فى الاستيلاء على مصر كان سيؤدى إلى انهيار حكم نور الدين بالشام، فالحكمة تقتضى أن يتجه نور الدين بجهوده الحاسمة نحو مصر حتى لا تسقط فى أيدى الفرنج، وهذا هو الذى أدى إلى إنهاء حكم الفاطميين فى مصر.\r(¬٣) ويعرف اليوم بوادى شراش بالجبل الشرقى تجاه ناحية القبابات بمركز الصف شمالى وادى إطفيح. النجوم الزاهرة: ٣٨٨:٥: حاشية: ١. ويقول أبو شامة: وعلم أسد الدين باجتماع الفرنج بشاور على بلبيس فنكب عن طريقهم وأم الجبل وخرج على إطفيح، وهى الجنوب من مصر، وشن الغارة هناك: كتاب الروضتين: ٤٢٤:١.\r(¬٤) من أعمال الإطفيحية، والضبط من قوانين الدواوين، بينها وبين الفسطاط يومان؛ وكان عبد العزيز بن مروان يكثر الخروج إليها والمقام بها للنزهة وبها مات. قوانين الدواوين: ١٠٢؛ معجم البلدان: ٢٣٤:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277264,"book_id":167,"shamela_page_id":972,"part":"3","page_num":283,"sequence_num":972,"body":"فى يوم الأحد سادس جمادى الآخرة، وتوجّه فى يوم الثلاثاء منه إلى دير الجميزة (¬١)، فاندفع سائرا فى بلاد الصّعيد حتى بلغ شرونة (¬٢)، وعدّى منها إلى البرّ الغربى. وأدرك شاور ساقته فأوقع بهم، وعدّى بعساكره وجموع الفرنج. ونزل شيركوه بالجيزة فى يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة تجاه مدينة مصر وأقام بها بضعا وخمسين يوما. وبعث الشريف أبا عبد الله الملقّب بالرّضىّ، ابن الشريف المحنّك إلى الطّلحيّين والقرشيّين يستفزّهم ويدعوهم إليه، وكان قد بلغه أن شاورا أساء إليهم، فأتوه مسرعين.\rوبعث إلى شاور بأنى أحلف لك أنّى لا أقيم ببلاد مصر ولا يؤذيك أحد من أصحابى، وأكون أنا وأنت على الفرنج وننتهز فيهم فرصة قد أمكنت وما أظنّ أن يتّفق للإسلام مثلها كثيرا. فأبى شاور من قبول ذلك. والتجأ شيركوه إلى دلجة (¬٣)، ونزل شاور فى اللّوق والمقس ظاهر القاهرة، وأنشأ الجسر بين الجيزة والجزيرة، وشحن المراكب والرّجال لتسير من خلف عسكر شيركوه.\rوكتب شيركوه إلى الإسكندرية يستنجد بها على الفرنج وشاور، فقاموا معه وأمّروا عليهم رجلا يعرف بنجم الدّين بن مصال، من ولد الوزير؛ فكتبوا إليه أنهم يمدّونه بالسّلاح والحديد، وجهّزوا إليه خزانة من السّلاح مع ابن أخت الفقيه ابن عوف. فأتاه الخبر بقرب شاور فلم يثبت، وترك خيامه وأثقاله، وسار سيرا حثيثا ونزل قدر ما أطعم دوابّه، ورحل من اللّيل فسار غير بعيد، ثم نادى فى عسكره بالرّجوع، فعاد إلى دلجة.\rوسار شاور والفرنج فى طلب شيركوه، فنزلوا الأشمونين وتبعوا شيركوه، فأمر شيركوه أصحابه بالتّعبئة. فما طلع ضوء الصّباح حتى أشرفت عساكر شاور وجموع الفرنج فى عدد كبير، فقدّم شاور طائفة فحملت على أصحاب شيركوه، وانهزم منها عز الدّين","footnotes":"(¬١) من أعمال الإطفيحية أيضا. قوانين الدواوين: ١٣٨.\r(¬٢) يعرفها ياقوت بأنها فى الصعيد الأدنى شرقى النيل؛ ويذكر ابن مماتى أنها من أعمال كورة البهنسا؛ ويقول على مبارك [إنها من محافظة المنيا وتتبع مركز بنى مزار، وتبعد شمالا عن الجرابيع بنحو خمسة كيلومترات. معجم البلدان: ٢٥٩:٥؛ قوانين الدواوين: ١٥٨؛ الخطط التوفيقية: ١٢٩:١٢.\r(¬٣) من أعمال الأشمونين: قوانين الدواوين: ١٤٠؛ معجم البلدان: ٦٧:٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277265,"book_id":167,"shamela_page_id":973,"part":"3","page_num":284,"sequence_num":973,"body":"الجاولى من أصحابه فلم ينزل إلاّ بالإسكندرية، وتفرّق منهم عدد؛ فولّى شيركوه وقد قتل من أصحابه جماعة وقتل من أهل الإسكندرية كثير.\rوكان سبب الخلل فى عسكر شيركوه أنه فرّق أصحابه فرقتين، فرقة معه وفرقة مع ابن أخيه صلاح الدّين يوسف.\rثم إنهم تجمّعوا وقت الظّهر ووطّنوا أنفسهم على الموت، وحملوا على شاور ومن معه فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأبلى يومئذ صلاح الدّين يوسف بلاء حسنا وحمل حملات فرّق بها الجموع وبدّد شملها. وحمل شاور على عسكر شيركوه فكسر القلب، فتلا حقت الميمنة بمن كان فى القلب؛ واستمرّ القتال حتّى حال بين الفريقين اللّيل، فانهزم كثير من الفرنج وقتل منهم كثير، وكاد ملكهم أن يؤخذ، ووقع فى قبضة شيركوه وأصحابه نحو السّبعين أسيرا (¬١).\rوبات الفريقان وقد تبيّن الوهن فى الفرنج، فسار شاور بمن معه إلى منية بنى خصيب.\rوكانت هذه الواقعة فى موضع يعرف بالبابين (¬٢)، بالقرب من الأشمونين، فى يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الآخرة.\rثم إنّ شيركوه سار بأصحابه على طريق الفيّوم إلى الإسكندرية وانتهب البحيرة، وأخذ عسكره غلالها ومواشيها؛ فخدمه ابن الزّبير، متولّى ديوان الإسكندرية، وحمل إليه الأموال وقوّاه بالسّلاح؛ وأقام متخوّفا من مسير شاور إليه، فترك بالإسكندريّة صلاح الدّين يوسف وخرج إلى الصّعيد وجبى أموال البلاد. فخرج شاور ونزل على الإسكندرية وحاصرها أشدّ حصار مدة ثلاثة أشهر، ومنع عنها الميرة، فقلّت بها الأقوات. هذا وشيركوه فى جباية أموال الصّعيد وأخذ غلاله.","footnotes":"(¬١) قبيل بدء هذه المعركة استشار أسد الدين أمراء جيشه إذ أنه خاف أن تضعف نفوسهم لقلة عددهم، فكلهم أشار بعبور النيل إلى الجانب الشرقى والعود إلى بلاد الشام، وقالوا له: إن نحن انهزمنا - وهو الذى لا شك فيه - فإلى أين نلتجئ وكل من فى هذه البلاد عدو لنا ويودون لو شربوا من دمائنا. فلما قالوا ذلك قام أحد مماليك نور الدين، واسمه شرف الدين بزغش، وقال: من يخاف القتل والجراح والأسر فلا يخدم الملوك بل يكون فلاحا أو مع النساء فى بيته. والله لئن عدتم إلى الملك العادل من غير بلاء تعذرون فيه ليأخذن إقطاعاتكم وليعودن عليكم بجميع ما أخذتموه إلى يومنا هذا، ويقول: أنأخذون أموال المسلمين وتفرون من عددهم!! فوافق أكثر الموجودين على القتال. كتاب الروضتين: ٣٦٤:١ - ٣٦٥. وبه وصف كامل للمعركة، وكذلك فى: الكامل: ١٢٢:١١.\r(¬٢) قرية جنوب مدينة المنيا، وكانت تعتبر من كورة الأشمونين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277266,"book_id":167,"shamela_page_id":974,"part":"3","page_num":285,"sequence_num":974,"body":"ودخل عليه شهر رمضان، فلمّا أتمّه وأهلّ شوّال بلغه ما نزل بالإسكندرية وأهلها من البلاء وقلّة الأقوات، وأنها قد قاربت أن تؤخذ، فسار من قوص ونزل على مصر يوم الخميس ثامن شوّال. فبلغ شاور أن شيركوه حاصر مصر، فرحل من الإسكندرية، وأرسل شيركوه إلى صلاح الدّين يأمره بتقرير الصّلح؛ ورحل عن مصر إلى الشام (¬١). فبعث إلى ملك الفرنج يلتمس منه ذلك، فأجابه إليه، وقرّر مع شاور أنّه يحمل إلى شيركوه جميع ما غرم فى هذه السّفرة، ويعطى الفرنج ثلاثين ألف دينار، ويعود كل منهم إلى بلاده.\rووقع الحلف بالأيمان المؤكّدة على ذلك.\rفلمّا تقرّر الصّلح أرسل صلاح الدّين إلى ملك الفرنج يقول إنّ لى أصحابا منهم القوىّ ومنهم الضّعيف، فأمّا القوىّ فإنّه يتبعنا فى البرّ، وأمّا الضّعيف فإنّه يسير فى البحر فنريد لهم مراكب. فأنفذ إليه عدّة مراكب خرج فيها أصحابه.\rوخرج صلاح الدّين من الإسكندريّة واجتمع بعمّه أسد الدّين شيركوه. ودخل شاور البلد، وجاءه مشايخ البلد للسّلام عليه، ومرى ملك الفرنج جالس معه، فلم ينظر شاور إلى الجماعة ولا أكرمهم، ولا أذن لهم فى الجلوس، لأنّهم كانوا قاتلوه قتالا شديدا، فنقم عليهم ذلك. فقال له مرى: أكرم قسسك. فأذن لهم فى الجلوس وعاتبهم على ما فعلوا من القتال وإظهار المخالفة. فسكتوا. وكان فيهم الفقيه شمس الإسلام أبو القاسم مخلوف بن على","footnotes":"(¬١) لم أجد فى أى مرجع ما يؤيد ما قاله المقريزى هنا من أن أسد الدين أرسل إلى صلاح الدين يأمره بتقرير الصلح ورحل هو إلى الشام. بل إن شيركوه - كما تجمع المصادر - أسرع عائدا من الصعيد لنجدة الإسكندرية، وبها صلاح الدين، بعد أن اشتد حصار الفرنج وشاور عليها حتى قلت بها الأقوات، وهناك وصله رسل المصريين والفرنج يطلبون الصلح، ووعدوه، فأجابهم إلى ذلك وشرط أن الفرنج لا يقيمون بمصر ولا يتسلمون منها قرية واحدة. فتم الصلح وتسلم المصريون الإسكندرية فى «منتصف شوال» وعاد شيركوه إلى دمشق «ثامن عشر ذى القعدة». قارن - على سبيل المثال - كتاب الروضتين: ٣٦٦:١؛ الكامل: ١٢٢:١١؛ مفرج الكروب: ١٥٢:١، وكذلك ٩٠ - ٨٩ Saladin;pp . . ويزيد النويرى الأمر وضوحا فيقول إن أهل الإسكندرية قاوموا الحصار بنحو أربعة وعشرين ألف قوس زنبورك وما يناسبها من الآلات، فطلب شاور منهم تسليم صلاح الدين وفى مقابل ذلك يضع عنهم المكوس ويعطيهم الأخماس فقالوا: «معاذ الله أن نسلم المسلمين إلى الفرنج والإسماعيلية». ولما علم شاور بقرب شيركوه خافه وراسله فى طلب الصلح .. فتم طبقا لما سبق. نهاية الأرب: ٢٨. وسيذكر المقريزى بعد أسطر أن صلاح الدين خرج من الإسكندرية - بعد تقرير الصلح - واجتمع بعمه أسد الدين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277267,"book_id":167,"shamela_page_id":975,"part":"3","page_num":286,"sequence_num":975,"body":"المالكى، المعروف بابن جاره، شيخ الصّاحب صفىّ الدّين عبد الله بن علىّ بن شكر (¬١)، فقال له:\rنحن نقاتل كلّ من جاء تحت الصّليب كائنا من كان. فقال له مرى: وحقّ دينى لقد صدقك هذا الشّيخ. فسكت شاور وأكرمهم بعد ذلك اليوم.\rوفرّ نجم الدّين بن مصال والى الثغر إلى الشّام، وقبض شاور على الأشرف بن الحباب قاضى الثّغر وعاقبه، وأخذ منه مالا جزيلا؛ ولم يقنع بالرّشيد ابن الزّين النّاظر فولّى القاضى الأشرف أبا القاسم عبد الرّحمن بن منصور بن نجا النّظر عوضه؛ فبعث شاور وقبض على جميع من كان مع صلاح الدّين من أهل مصر، وعلى ابن مصال. فشقّ ذلك على صلاح الدّين، واجتمع بملك الفرنج فى ذلك، فأرسل إلى شاور وما زال به حتى أفرج عنهم.\rفخافوا من شاور وعزموا على الرّحيل إلى الشّام، فخرج إليهم شاور بنفسه وجمع وجوههم وطمأنهم، وحلف لهم أنّه يضاعف لهم الإحسان ولا يتعرّض لهم بسوء. فمنهم من اطمأن وأقام، ومنهم من رحل إلى الشام.\rووصل الّذين ساروا من ضعاف أصحاب صلاح الدّين فى المراكب إلى عكّا، وأحاط بهم الفرنج واعتقلوهم بمعصرة القصب حتى (عاد) ملك الفرنج فأطلقهم.\rوتسلّم شاور الإسكندرية فى نصف شوّال. وسار شيركوه ومن معه وقد استمال شاور منهم جماعة ومعه مرى ملك الفرنج حتّى نزل الجيزة وعدّى إلى القاهرة من المقس. فأقام مرى أيّاما ورحل عائدا إلى بلاده، فخرج شاور يودّعه إلى بلبيس وعاد إلى القاهرة أوّل ذى القعدة، فخرج إليه العاضد يتلقّاه إلى الطّابية، وخلع عليه.","footnotes":"(¬١) عبد الله بن على بن الحسين المعروف بالصاحب صفى الدين بن شكر المصرى الزهيرى المالكى. ولد سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وقيل سنة أربعين، وتوفى سنة اثنتين وعشرين وستمائة. ولد بالدميرة بين مصر والإسكندرية ودفن بتربته التى أنشأها بجوار مدرسته بالقاهرة. يقول ابن شاكر الكتبى: وكان حلو اللسان حسن الهيئة وفيه هوج وخبث وحقد لا تخبو ناره، لا يقبل معذرة، وجعل الرؤساء كلهم أعداءه. كان من أصحاب العادل بن أيوب المقربين وتولى وزارة ابنه الكامل، وكانت له أموال كثيرة بمصر والشام، وعمى فى أواخر أيامه. وله مع هذا أعمال حسنة: بلط الجامع الأموى وعمر جامع المزة وجامع خرستان بدمشق وأنشأ مدرسة بالقاهرة. فوات الوفيات: ٢٨٠:١ - ٢٨٢؛ المذيل على الروضتين: ١١٤ - ١١٥، ١٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277268,"book_id":167,"shamela_page_id":976,"part":"3","page_num":287,"sequence_num":976,"body":"واستقرّ الأمر بينه وبين الفرنج أن يكون لهم بالقاهرة شحنة (¬١)؛ وأن تكون أسوارها (¬٢) بيد فرسانهم ليمتنع نور الدّين من إرسال عسكر إليها؛ وأن يكون لهم من دخل ديار مصر فى كلّ سنة مائة ألف دينار. قرّر لهم شاور ذلك من غير علم العاضد ولا مشاورته، فإنه كان ممنوعا من التصرّف وشاور يستبدّ بأمور الدّولة. فرحل الفرنج إلى بلادهم وتركوا بالقاهرة عدّة من مشاهير فرسانهم، ورتّبوا بها ابن بارزانى واليا.\rووصل شيركوه إلى دمشق فى ثامن عشر ذى القعدة وفى نفسه من مصر ما لا ينفصل، لأنّه خبر متحصّلها، وعرف بلادها واستخفّ بأهلها.\rواستقرّ شحنة الفرنج أوّلا بالقاهرة فى الموضع المعروف اليوم بقصر بيسرى من الخرنشف (¬٣). وبعث الكامل شجاع بن شاور إلى نور الدّين مع بعض الأمراء ينهى محبّته وولاءه، ويسأل الدّخول فى طاعته، وضمن له عن نفسه أنّه يفعل هذا ويجمع الكلمة على طاعته، وبذل له ما لا يحمله إليه كلّ سنة، فأجابه، وحمل إلى نور الدين مالا جزيلا.\rوأخذ شاور بعد عوده من الإسكندرية فى الإكثار من سفك الدّماء بغير حقّ، فكان يأمر بضرب الرّقاب بين يديه فى قاعة البستان من دار الوزارة ثمّ تسحب القتلى إلى خارج الدّار (¬٤). واشتدّ ظلم إخوته وأولاده وغلمانه ومن يلوذ به، وكثر تضرّر النّاس بهم. فكان","footnotes":"(¬١) الشحنة فى الأصل ما يقدم للدواب من العلف الذى يكفيها يومها وليلتها، ثم صارت رمزا لما يوضع فى البلد من رجال الأمن لضبطها وحمايتها، ومن ثم كانت كلمة الشحنكية اصطلاحا يطلق على رئاسة الشرطة، أى لتولى قيادتها، ويسمى متوليها صاحب الشحنة. القاموس المحيط؛ وكذلك: Dozy;Supp،Dict.ar . . والمقصود هنا جماعة الفرنج التى تقرر بين شاور ومرى أن تحمى مصر خوف عود شيركوه ورجال نور الدين إليها.\r(¬٢) فى كتاب الروضتين: ٣٦٦:١؛ وكذلك فى الكامل: ١٢٢:١١: وأن تكون أبوابها بيد فرسانهم.\r(¬٣) وبيسرى هذا هو الأمير شمس الدين الصالحى النجمى أحد مماليك الصالح نجم الدين أيوب. ترقى فى الخدمة حتى صار من كبار قادة الظاهر بيبرس، وكانت الدار البيسرية بخط بين القصرين من القاهرة فى أواخر عهد الفاطميين، وخصصت حينئذ لمن يجلس فيها من الفرنج لقبض الأموال عند ما تقرر الأمر معهم على أن يحمل نصف ما يتحصل من مال البلد إليهم. ولما كانت أيام الظاهر بيبرس عمر مملوكه بيسرى هذه الدار وبالغ فى الصرف عليها، فلامه بيبرس لذلك، فقال: إنما فعلت ذلك ليصل خبرها إلى العدو ويقال بعض مماليك السلطان غرم عليها مالا عظيما. فاستحسن ذلك منه. وخط الخرنشف بين حارة برجوان والبستان الكافورى، ويتوصل إليه من بين القصرين من قبو يعرف بقبو الخرنشف، وهو موقع باب التبانين قديما. وإنما سمى الخرنشف لأن المعز كان أول من بنى به الإصطبلات بالخرنشف وهو ما يتحجر مما يوقد به على مياه الحمامات وغيرها. المواعظ والاعتبار: ٢٧:٢ - ٢٨، ٦٩ - ٧٠؛ صبح الأعشى: ٣٥٢:٣\r(¬٤) النكت العصرية: ٨٧ - ٨٨. وفى ذلك يقول عمارة: فسألنى الجماعة أن أعمل قصيدة فى هذا المعنى فقلت:\rألا إن حد السيف لم يبق خاطرا … من الناس إلا حائرا يتردد\r-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277269,"book_id":167,"shamela_page_id":977,"part":"3","page_num":288,"sequence_num":977,"body":"من تأمّل أحوال الوزراء فإنّه يجد الصّالح بن رزّيك ربّى رجال الدّولة، وجاء الضّرغام فأفناهم، ثم جاء شاور فأتلف أموال مصر وأطمع الغزّ فى البلاد وجرّأ الفرنج عليها حتى كان ما كان مما يأتى ذكره إن شاء الله (¬١).\rوفيها أحضر القاضى رشيد الدّين أبو الحسين أحمد بن القاضى رشيد الدّين أبى الحسن على بن إبراهيم بن محمّد بن الحسين بن الزّبير الأسوانى (¬٢)، وقد فرّ إلى قريب برقة، فدخل على حالة سيّئة، فأمر به شاور فضربت عنقه، وصلب عند مسجد الزينى على الخليج، بالقرب من قبو الكرمانى، فى يوم الأربعاء العشرين من ذى القعدة.","footnotes":"= ذعرت الورى حتى لقد خاف مصلح … على نفسه أضعاف ما خاف مفسد\rفأغمد شفار المشرفى وعد بنا … إلى عادة الإحسان وهى التغمد\rفإن بروق الماضيات وصوتها … رواعد منهن الفرائص ترعد\rتجاوز، وإلا فالمقطم خيفة … بذوب وماء النيل لا شك يجمد\rفقال شاور: فقد كان من القتل ما كان، وإن تجدد شيء لم يكن فى الدار لأن القضاة وأرباب الخرق قلوبهم ضعيفة عن رؤية السيف.\r(¬١) نفس المصدر: ٨٨.\r(¬٢) تتفق المراجع على أن شاورا قتل الرشيد ظلما، ويذكر بعضها سببا لذلك ميل الرشيد إلى أسد الدين شيركوه عند ما كان بالإسكندرية، ويذكر غيرها أنه ذهب فى رسالة إلى اليمن فمدح ملوكها ومنهم على بن حاتم الهمدانى إذ قال فيه:\rلئن أجدبت أرض الصعيد وأقحطوا … فلست أنال القحط فى أرض قحطان\rومذ كفلت لى مأرب بمآربى … فلست على أسوان يوما بأسوان\rوإن جهلت حقى زعانف خندف … فقد عرفت فضلى غطاريف همدان\rفوصل داعى الإسماعيلية باليمن هذا إلى مصر فصودرت أموال الرشيد ثم قتله شاور. وقد ولى الرشيد ديوان النظر بالإسكندرية سنة تسع وخمسين وخمسمائة عن غير رغبة وقتل فى أواخر هذه السنة (٥٦٢) وقيل فى أوائل المحرم سنة ٥٦٣. وكان شاعرا فقيها نحويا لغويا عروضيا مؤرخا منطقيا مهندسا عارفا بالطب والنجوم والموسيقا متفننا. ولأخيه المهذب أبى محمد الحسن شعر، منه:\rومالى إلى ماء سوى النيل غلة … ولو أنه - استغفر الله - زمزم\rوفيات الأعيان: ٥١:١ - ٥٢؛ شذرات الذهب::: ١٩٧؛ خريدة القصر قسم شعراء مصر: ٢٠٠:١ - ٢٠٢؛ معجم الأدباء: ٥١:٤ - ٦٦؛ كتاب الروضتين: ٣٧٥:١ - ٣٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277270,"book_id":167,"shamela_page_id":978,"part":"3","page_num":289,"sequence_num":978,"body":"سنة ثلاث وستين وخمسمائة (¬١):\rفيها بعث شاور إلى نور الدين رسالة مع شهاب الدين محمود، خال (¬٢) صلاح الدين يوسف، تتضمّن أنّه يحمل إليه مالا فى كلّ سنة من مصر مصانعة ليصرف عنه أسد الدّين شيركوه. فأجاب نور الدّين إلى ذلك، وأعطى شيركوه مدينة حمص وأعمالها زيادة على ما كان بيده، وذلك فى شعبان، وأمره بترك ذكر مصر. فأرسل شاور إليه كتابا يشكر صنيعه.\rوفيها قتل شاور القاضى الرّشيد أبا الحسين أحمد بن علىّ بن إبراهيم بن محمّد بن الحسين بن الزبير الغسّانى الأسوانى (¬٣)، صاحب كتاب الجنان ورياض الأذهان؛ وكان من أهل العلم والأدب؛ وله رسالة أودعها من كلّ علم مشكلة ومن كلّ فنّ أفضله. وسار إلى اليمن رسولا - وكان أسود - فى أيام الحافظ، وتلقب بعلم المهتدين؛ فقال فيه شاعر من أهل اليمن من قصيدة بعث بها إلى الحافظ:\rبعثت لنا (¬٤) علم المهتدين … ولكنّه علم أسود\rوولى نظر الإسكندريّة. فقتله شاور فى المحرّم، بسبب أنه داخل شيركوه وصلاح الدين وخدمهما، بعد أن عذّبه عذابا شديدا، ثم ضرب عنقه.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها السابع عشر من أكتوبر سنة ١١٦٧.\r(¬٢) فى الأصل: عم. والتصحيح من كتاب الروضتين: ٤٠٦:١؛ الباهر فى تاريخ أتابكة الموصل: ٢٥٦؛ مفرج الكروب: ١٦٨:١؛ نهاية الأرب: ٢٨؛ وغيرها. وقد جاء فى الروضتين أن الذى كاتب نور الدين هو الكامل بن شاور وأنه سأله أن يجمع الكلمة بمصر على طاعته ويجمع كلمة الإسلام، وبذل ما لا يحمله كل سنة، فأجابه إلى ذلك. كتاب الروضتين: ٣٦٦:١.\r(¬٣) سبق ذكر هذا الخبر ضمن أحداث السنة السابقة. ويذكره ابن خلكان أيضا فى أخبار هذه السنة قائلا: إنه قتل فى المحرم منها، كما سيرد هنا فى المتن بعد أسطر قليلة.\r(¬٤) فى الأصل: إلينا. وهو خطأ عروضى. وقد كتب هذا البيت هناك فى صورة نثرية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277271,"book_id":167,"shamela_page_id":979,"part":"3","page_num":290,"sequence_num":979,"body":"فيها خرج يحيى بن الخيّاط يريد الوزارة (¬١)، فبعث إليه شاور عسكرا هزموه حتّى لحق بالفرنج.\rوفيها ولى خطابة الجامع العتيق بمصر نتاج الشّرف حسن بن أبى الفتوح ناصر ابن إسماعيل الحسنى بعد موت أبيه يوم عيد الفطر.","footnotes":"(¬١) وكان من رجال الدولة منذ أيام الملك الصالح طلائع بن رزيك، وقد خرج ثائرا على شاور الذى تمكن من إخضاع ثورته. انظر النكت العصرية فى مواضع مختلفة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277272,"book_id":167,"shamela_page_id":980,"part":"3","page_num":291,"sequence_num":980,"body":"سنة أربع وستين وخمسمائة (¬١):\rفيها تمكن الفرنج من ديار مصر وحكموا فيها حكما جائرا، وركبوا المسلمين بالأذى العظيم وقد تيقّنوا أنّه لا حامى للبلاد، وتبيّن لهم ضعف الدّولة وانكشفت لهم عورات النّاس.\rفجمع مرى جموعه واستشارهم فى قصد ديار مصر، فقوّوا عزمه على المسير إليها فأجمع (أمره) على الرّحيل واستدعى وزيره وأمره بإقطاع بلاد مصر لأصحابه، ففرّق قراها عليهم بعد ما كتب جميع قراها وارتفاع كل ناحية؛ واستنجد عسكرا قوّى به جنده.\rفورد الخبر إلى شاور بمسير الفرنج إلى مصر فى نصف المحرّم، فبعث إلى ملك الفرنج الأمير ظهير الدّين بدران وقيس بن طىّ بن شاور.\rوكان نور الدّين بحلب (¬٢)، فأسرع مرى إلى المجئ إلى مصر ظنّا أنّ نور الدّين بعيد منه وعساكره متفرقة عنه. فبلغ ذلك نور الدّين، فأخذ فى جمع عساكره (¬٣).","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس من أكتوبر سنة ١١٦٨.\r(¬٢) فى أعقاب فتح قلعة جعبر صلحا بعد أن تبين تعذر أخذها بالحصار، وقد عوض نور الدين صاحبها شهاب الدين مالك بن على العقيلى من بنى المسيب الذين كانوا أصحابها من أيام السلطان ملكشاه والذين عجز عماد الدين زنكى عن أخذها منهم وقتل عندها فى أثناء حصاره إياها سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وكان من بين ما تسلمه مالك عوضا عنها: سروج من ديار مضر، والملاحة والباب وبزاعة من أعمال حلب. ولهذا كان نور الدين بحلب لينظم إدارة هذه الأعمال فى أعقاب الصلح. وفى هذه المناسبة يقول أبو شامة على لسان الفرنج: «نور الدين فى البلاد الشمالية والجهة الفراتية، وعسكر الشام متفرق كل فى بلده، حافظ لما فى يده، ونحن ننهض إلى مصر، ولا نطيل بها الحصر، فإنه ليس لها معقل، ولا لأهلها منا موئل». كتاب الروضتين: ٣٨٦:١ - ٣٨٧، ٣٨٩.\r(¬٣) يذكر ستيفنسون أن أملريك طمع فعلا فى الاستيلاء على مصر لنفسه غير قانع بالجزية التى كان يدفعها شاور، وقد راسل أملريك إمبراطور الروم، مانويل، يطلب منه عوفا عسكريا فوعده بذلك، وطلب من فرسان المعبد معاونته فى الحملة فرفضوا ذلك، كما رفض غيرهم ليقينهم بأن هذا الاتجاه سيلقى - دون جدال - بمصر فى أحضان نور الدين «لكن أملريك تقدم إلى مصر برغم هذه المعاوضة، ولم ينتظر المدد الذى وعده به الإمبراطور The Crusaders in the East; p .١٩٣. ويذكر لين - بول أن أملريك تقدم إلى مصر مدفوعا برأى رجاله الذين ألحوا عليه فى ذلك وبعد فشله فى إقناعهم بأن الحفاظ على المورد المالى الثابت الذى يصلهم من مصر والاحتفاظ بصداقة رجالها أفضل من القيام بهذه الحملة، كما أن النشاط العسكرى - فى نظره - يجب أن يوجه ضد دمشق لخطورة نور الدين وإصراره على مضايقة الفرنج. انظر: Saladin;p .٩٢ لكن ما يقوله لين - بول نفسه عن معركة بلبيس (فى نفس الموضع) من أن أملريك أقام مذبحة هائلة بين أهلها لم يفرق فيها ? كبير وصغير، ذكر وأنثى - يؤكد إصرار أملريك على القيام بعمل حاسم ضد مصر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277273,"book_id":167,"shamela_page_id":981,"part":"3","page_num":292,"sequence_num":981,"body":"ووصل مرى إلى الدّاروم (¬١). فبلغ شاورا فارتاع وبعث أميرا يعرف ببدران لكشف الخبر، فلمّا اجتمع بمرى خدعه ووعده بعدّة من قرى مصر، نحو الثلاث عشرة قرية، وأمره أن يخبر شاور أنّهم إنّما قصدوا البلد لخدمة. فلمّا عاد إلى شاور جهّز إلى مرى شمس الخلافة محمّد بن مختار، فعند ما دخل عليه قال له: مرحبا بشمس الخلافة. فقال: فمرحبا بالملك الغدّار، وإلا ما أقدمك إلينا؟ قال: اتّصل بنا أنّ الفقيه عيسى (¬٢) وصل إليكم ليزوّج أختا للكامل بن شاور بصلاح الدّين يوسف ويتزوّج الكامل بأخت صلاح الدّين، فحسبنا أنّ هذا عمل علينا. فقال ما لهذا صحّة، ولو فعل لما كان ناقضا للهدنة. فقال: الصّحيح أنّ قوما من وراء البحر انتهوا إلينا وغلبوا على رأينا وخرجوا طامعين فى بلادكم، فخفنا من ذلك، فخرجت لتوسّط الأمر بينهم وبينكم.\rفقال له: فكم تريد أن يكون مبلغ القطيعة التى نقوم بها؟ قال: ألفى ألف دينار. فقال:\rحتى أعود إلى شاور بهذا الخبر وأرجع إليكم بالجواب، فلا تبرحوا من مكانكم. فقال مرى:\rبل ننزل على بلبيس حتّى تعود.\rوكان قد كتب إلى شاور: إنّي قد قصدت الخدمة على ما قرّرته لى من العطاء فى كلّ عام، فكتب إليه شاور: إنّ الذى قرّرته إنما جعلته لك متى احتجت إلى نجدتك أو إذا قدم علىّ عدوّ، فأما مع خلوّ بالى من الأعداء فلا حاجة لى إليك ولا لك عندى مقرّر.\rفأجابه: لا بدّ من حضورى وأخذى المقرّر. فعلم شاور أنّه قد غدر وخان الأيمان، ونقض العهود، وطمع فى البلاد. فجمع الأجناد وحشد العساكر إلى القاهرة؛ وسيّر إلى بلبيس حفنة من العسكر، ونقل إليها ما تحتاج إليه من الأقوات والغلاّت.\rفنزل مرى على بلبيس أوّل يوم من صفر، وكتب عدّة من أعيان المصريّين كتبا إلى مرى يعدونه المساعدة، لكراهتهم فى شاور، منهم علم الملك ابن النّحّاس، ويحيى","footnotes":"(¬١) حصن صغير جنوبى فلسطين، بينها وبين البحر فرسخ، حصنه أملريك الأول، قريبا من غزة بينها وبين مصر، وأقام به فرسان الدواية أو المعبد، وتسمى أيضا الدارون، وهى فى موقع دير البلح الحالية. انظر Saladin; p .١٠٦ وكذلك: The Crusaders in the East; p .١٩٩ ؛ معجم البلدان: ١٣:٤.\r(¬٢) أبو محمد ضياء الدين عيسى بن محمد الهكارى. وسيكون له دور كبير فى تجميع الكلمة حول صلاح الدين عند توليه وزارة مصر بعد شيركوه، كما سيأتى. توفى سنة خمس وثمانين وخمسمائة بعد حياة حافلة بالكفاح الحربى والعلمى إلى جانب صلاح الدين فى مصر والشام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277274,"book_id":167,"shamela_page_id":982,"part":"3","page_num":293,"sequence_num":982,"body":"ابن الخيّاط، وابن قرجلة، وجماعة؛ فقوى الفرنج. وعند ما قدم مرى إلى بلبيس أرسل إلى طىّ بن شاور، وكان ببلبيس، أين ينزل؟ فقال لرسوله: قل له ينزل على أسنّة الرّماح. فغضب من هذا وجعله سببا لنقض ما قرّره مع شمس الخلافة، وحاصر البلد حتى افتتحها قهرا بالسيف يوم الثلاثاء ثانى صفر، وأخذ الطّارى والناصر، ابنى شاور أسيرين، وقتل جميع من كان فيها وأسرهم وسباهم، ونهب سائر ما تحتوى عليه؛ وأسر المعظم سليمان بن شاور وقيس بن طىّ بن شاور.\rوأرسل إلى شاور يقول له: إنّ ابنك قال أيحسب مرى أنّ بلبيس جبنة يأكلها! نعم بلبيس جبنة والقاهرة زبدة (¬١). فصعد شاور إلى العاضد وسأله مكاتبة نور الدّين وطلب معونته فإنّ الفرنج قد ملكوا بلبيس والمسلمون يضعفون عن وقفهم، وأنه متى حصل التّقاعد أخذت مصر وأسر الفرنج من فيها من المسلمين؛ ويحثّه على إرسال من يتدارك هذا الأمر (¬٢). فكتب العاضد إلى نور الدّين برأى شمس الخلافة، فإنّه اجتمع بالكامل ابن شاور وقال له: عندى أمر لا يمكننى أن أفضى به إليك إلاّ بعد أن تحلف لى أنّك لا تطلع أباك عليه. فلمّا حلف له قال: إنّ أباك قد وطّن نفسه على المصابرة، وآخر أمره يسلّم البلد إلى الفرنج ولا يكاتب نور الدّين؛ وهذا عين الفساد؛ فاصعد أنت إلى العاضد وألزمه أن يكتب إلى نور الدّين فليس لهذا الأمر غيره. فصعد الكامل إلى الخليفة العاضد وكتبا الكتاب وأرسلاه إلى نور الدّين. فقيل للعاضد لم لا أطلعت وزيرك على ذلك؛ فقال أعرف أنّه لا يوافقنى عليه لكراهته فى الغزّ وأنا أعلم من أىّ باب أدخل عليه.","footnotes":"(¬١) قارن كتاب الروضتين: ٤٣١:١ نقلا عن ابن أبى طى فى كتاب السيرة الصالحية.\r(¬٢) يتناقض هذا الخبر الذى يقرر أن شاورا طلب من العاضد أن يكتب إلى نور الدين مع ما يأتى بعده مباشرة من أن العاضد كتب إلى نور الدين بتحريض الكامل ابن شاور برأى شمس الخلافة مما أدى إلى اعتراض شاور على هذا التصرف. ويذكر أبو شامة أن شاورا عجل لملك الفرنج بمائة ألف دينار صلحا خديعة له، وواصل كتبه إلى نور الدين مستصرخا مستنفرا، «وعامل الفرنج بالمطال، ينقدهم فى كل حين مالا، ويطلب منهم إمهالا، وما زال يعطيهم ويستمهلهم حتى أتى الغوث بعساكر نور الدين». كتاب الروضتين: ٣٩١:١ - ٣٩٢. وقد يبدو من الجهود التى بذلها شاور فى محاولة تحصين الفسطاط ثم فى إحراقها حتى لا تصلح لمقام الفرنج بها - وسيرد تفصيل هذا - أن شاورا هو الذى أخذ المبادرة انطلاقا من السياسة التى اتبعها والتى تتمثل فى محاولة ضرب قوة نور الدين بقوة الفرنج حتى يظل الطرفان فى شغل عن مصر ويظل هو فى وزارتها. راجع أيضا كتاب الروضتين: ٤٣٢:١ حيث يروى أبو شامة نقلا عن ابن أبى طى عن والده أن الكامل ابن شاور هو الذى صعد إلى العاضد بتحريض شمس الخلافة محمد بن مختار ليحمله على الكتابة إلى نور الدين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277275,"book_id":167,"shamela_page_id":983,"part":"3","page_num":294,"sequence_num":983,"body":"وأرسل إلى شاور يقول أين استدعائى الغزّ من المسلمين لنصرة الإسلام من استدعائك الفرنج للإعانة على المسلمين. فقال للرّسول: قل لمولانا عنّى أنت مغرور بالغزّ والله لئن يثبت لهم رجل بديار مصر لا كانت عاقبته وخيمة إلاّ عليك. فلمّا بلغه ذلك قال: رضيت أن تكون إسلاميّة وأكون فداء المسلمين.\rفوافت كتب العاضد وكتب جماعة من الأعيان إلى نور الدين بحلب، فانزعج لذلك وجمع الأمراء للمشورة فأشاروا بإرسال أسد الدّين شيركوه. وكان بحمص وقد وصلت إليه الكتب من مصر باستدعائه لإنجازهم وإنقاذهم مما نزل بهم، فخرج منها يريد السّلطان بحلب، وخرج رسول السّلطان من حلب بطلبه، فتلاقيا بباب مدينة حلب، وعادا.\rفلمّا رآه السّلطان عجب من سرعة مجيئه، فأعلمه بموافاة الكتب إليه تستدعيه إلى مصر؛ فسرّ بذلك وتفاءل به، وأعطاه مائتى ألف دينار وثيابا وسلاحا ودوابّ، وحكّمه فى العسكر فاختار ألفى فارس وجمع فسار فى ستّة آلاف فارس.\rوخرج معه نور الدّين إلى دمشق، فوصل إليها فى سلخ صفر، وجهّز أسد الدين وأعطى نور الدّين كلّ فارس ممّن معه عشرين دينارا مصريّة (¬١) غير محسوبة عليه من جامكيّته (¬٢) وأضاف إليه جماعة من الأمراء، منهم عز الدّين جرديك، وغرس الدين قلج، وشرف الدّين بزغش، وعين الدولة الياروقى، وقطب الدّين ينال المنبجى، وصلاح الدّين يوسف بن أيّوب. وكان صلاح الدّين كارها مسيره إلى مصر كأنّما يساق","footnotes":"(¬١) كان التعامل بالدنانير المصرية يجرى وزنا، على نظام العيار الذهبى، والعبرة فى وزنها بالمثاقيل، وضابطها أن كل سبعة مثاقيل زنتها عشرة دراهم، والمثقال معتبر بأربعة وعشرين قيراطا، وقدر بثنتين وسبعين حبة شعير من الشعير الوسط. ولما كانت وحدة التعامل هى الدينار الذهبى صار من الطبيعى أن تقوم به أسعار الحاجيات وأجور المستخدمين والعمال فتأكدت بذلك العلاقة الوثيقة بين الأسعار والرواتب والنقد الذهبى. أما الدنانير غير المصرية، والتى يؤتى بها من البلاد الإفرنجية وبلاد الروم، وهى دنانير معلومة الأوزان كل دينار منها بتسعة عشر قيراطا ونصف قيراط من المصرى، واعتباره بصنج الفضة المصرية، وهذه الدنانير مشخصة عليها صور الملك الذى تضرب فى زمانه وصور بعض القديسين - فكان التعامل بها عددا لا وزنا. وتسمى هذه الدنانير الأجنبية بالدنانير الأفرنتية، أى الفرنسية، ويعبر عن بعضها بالدوكات وهذه كانت تضرب بالبندقية. صبح الأعشى: ٤٤٠:٣ - ٤٤٣؛ حالة مصر الاقتصادية فى عهد الفاطميين: ٣٠٠ - ٣٠٧. ومن هذا يتبين أن الدنانير المصرية التى أعطاها نور الدين لرجاله فى هذه الحملة كانت من عوامل التشجيع على تأدية المهمة التى كانوا مقدمين على تأديتها.\r(¬٢) الجامكية رواتب الجند، نقدا أو عينا. قوانين الدواوين: ٣٥٥، ٤٥٣؛ Dozy;Supp.Dict.Ar . .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277276,"book_id":167,"shamela_page_id":984,"part":"3","page_num":295,"sequence_num":984,"body":"إلى الموت فأخرجه نور الدّين كرها ليحقّ قول الله سبحانه إذ يقول: «وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ» (¬١). فإنّ نور الدّين أحبّ مسير صلاح الدّين إلى مصر فكان مسيره إليها لخروج الملك عن أولاده، وكره صلاح الدّين مسيره إلى مصر فكان فى مسيره إليها تملّكه إيّاها وغيرها من الأقاليم (¬٢).\rوسار شيركوه من دمشق فى ثانى عشر ربيع الأوّل وتقدّم الفقيه عيسى الهكارى إلى العاضد سرّا وخفية من شاور ليحلّفه على أشياء.\rوأمّا مرى فإنّه كثرت أمراء الفرنج عنده لقصد سبى بلبيس، فغزاها برجاله، وأمر بإخراج الأسرى من أهل بلبيس إلى ظاهر البلد؛ وركب وقد اعتقل رمحه (¬٣) وحمل على الأسرى حتى فرقهم فرقتين، فجعل لنفسه الفرقة التى وقعت عن يمينه، وأنعم بالفرقة اليسرى على أهل عسكره؛ وقال لمن صار إليه من الأسرى: قد أطلقتكم شكرا لله على ما أولانى من فتح مصر فإنى ملكتها بلا شكّ وما زال واقفا حتى عدّى أكثرهم النيل إلى جهة منية حمل (¬٤)، وأخذ عسكره أسراهم فاقتسموهم، فبقوا فى أيدى الفرنج بعد ذلك نحو الأربعين سنة وهلك كثير منهم هنالك، وأفلت بعضهم.\rوكان شمس الخلافة قد صار إلى مرى قبل أخذه مدينة بلبيس بإجابته إلى القطيعة التى طلبها، فعاقه عنده حتى أخذ بلبيس، كما تقدّم ذكره ثم أذن له فى الانصراف إلى القاهرة، واعتذر بأنّه بلغه عن (قيس) (¬٥) بن طىّ أشياء أمضّته حتى فعل ما فعل،","footnotes":"(¬١) سورة البقرة: آية: ٢١٦.\r(¬٢) إشارة إلى تطورات الأحداث بعد ذلك من وفاة شيركوه بعد شهرين من توليه وزارة العاضد الفاطمى ليخلفه بعد ذلك صلاح الدين، ابن أخيه، الذى استقرت أحواله بإسقاط الفاطميين ثم باستيلائه على الشام بعد وفاة نور الدين محمود؛ فكان استقرار ملك صلاح الدين نذيرا بتدهور سلطان أسرة زنكى. ويروى أبو شامة أن شيركوه قال ليوسف بن أخيه فى هذه المناسبة: تجهز يا يوسف؛ فأحس صلاح الدين كأنما ضربوا قلبه بسكين، وقال لعمه: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها، فلقد قاسيت بالإسكندرية من المشاق ما لا أنساه أبدا … فلما أمره نور الدين بالتحرك وجهزه قال صلاح الدين: فسرت وكأنما أساق إلى الموت. كتاب الروضتين: ٣٩٤:١.\r(¬٣) اعتقل رمحه جعله بين ساقيه وركابه. القاموس المحيط.\r(¬٤) بفتح الحاء والميم: قرية تابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية على مسافة نحو ربع ساعة غربى خط السكة الحديدية الموصلة إلى بلبيس، وتبعد عن بلبيس غربا بنحو ساعة، وفى جنوب منية ربيعة. الخطط التوفيقية: ٦٢:١٦.\r(¬٥) ما بين القوسين للتوضيح استعانة بما سبق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277277,"book_id":167,"shamela_page_id":985,"part":"3","page_num":296,"sequence_num":985,"body":"وأنّه باق على ما تقرّر معه بقاء شمس الخلافة. وأشار على شاور بالاحتراز وقال إنّ الرّجل مخاتل. وأنفذت الكتب إلى نور الدّين.\rوكان شاور قد شرع فى بناء سور على مدينة مصر واستعمل فيه النّاس فلم يبق أحد من المصريّين إلاّ وعمل فيه؛ وحفر من ورائه خندقا، فلم يكمل من ناحية النّيل. وعمل فى السور ثمانية أبواب أحدها بدار النّحاس على ساحل البحر، هدم فى سنة (¬١)\rوخمسين وستمائة وآخر بجانب كوم البوّاصين، وثالث على سكّة سوق وردان سقط سنة إحدى وستّين وستمائة، وباب فى طريق زين العابدين، وباب عرف بباب الصّفاء، وباب بحرى مصلّى الأموات سقط قبيل سنة خمسين وستمائة، وباب عند أقمنة الجير مما يلى درب السريّة، وباب لقنطرة بنى وائل وتحته قنطرة بنى وائل التى تصبّ فى بركة الشّعيبيّة (¬٢)، التى كانت قديما بستان الأمير تميم بن المعزّ، وكان الماء يدخل إليها من خليج مصر.\rوسار مرى بعقيب مسير شمس الخلافة عنه يريد منازلة القاهرة بعد ما أقام ببلبيس خمسة أيام، فداخل النّاس منه رعب شديد وخوف عظيم، فاجتمعوا بالقاهرة ووطّنوا أنفسهم على الموت. وكان هذا من لطف الله فإنه لو قدّر أن الفرنج أحسنوا السّيرة فى أهل بلبيس لكان النّاس لا يدافعونهم عن القاهرة البتّة لما فى قلوبهم من كراهة شاور. فما هو إلاّ (أن) قصد مرى القاهرة وإذا بشاور قد قام فى حريق مصر، وأمر شاور النّاس بالانتقال منها إلى القاهرة، وحثّهم على الخروج منها. فتركوا أموالهم وأثقالهم ونجوا بأنفسهم وأولادهم وحرمهم؛ وقد ماج الناس واضطربوا اضطرابا عظيما.","footnotes":"(¬١) بياض بالأصل يتسع لكلمة لم أهتد إلى ما يكمله.\r(¬٢) كانت تجاور بركة الحبش - من بحريها - بين الجسر الذى كان يعرف باسم جسر الأفرم والجرف الذى أقيم عليه الرصد. كان الماء يدخل إليها من النيل، ولها خليجان، أحدهما قبليها بجوار قنطرة الصاحب المعروفة باسم قنطرة المعشوق، والثانى من بحريها ويقال له خليج بنى وائل، وعنده القنطرة التى نسب إليها باب القنطرة، قنطرة بنى وائل. ومساحتها أربعة وخمسون فدانا. (والأفرم هو عز الدين أيبك خازن دار الصالحى النجمى الذى بنى جامع الرصد وأنشأ بجانبه رباط الأفرم للصوفية بسفح الرصد المشرف على بركة الحبش فى سنة ثلاث وستين وستمائة. وهو الذى أنشأ جامع الشعيبية بظاهر مصر أيضا). المواعظ والاعتبار: ١٥٨:٢ - ١٥٩، ٤٣٠؛ صبح الأعشى: ٣٤١:٣ - ٣٤٢. وفى صبح الأعشى تعريف بباب القنطرة من أبواب القاهرة جاء فيه أنه منسوب إلى القنطرة التى أمامه وهى من بناء القائد جوهر بناها عند خوفه من القرامطة ليجوز عليها إلى المقس. صبح الأعشى: ٣٥٠:٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277278,"book_id":167,"shamela_page_id":986,"part":"3","page_num":297,"sequence_num":986,"body":"ووقعت النّار فى الأسطول فخرج العبيد إلى مصر وقد انطلقت النار فى مساكنها فانتهبوا سائر ما كان بمصر. وبلغ بالنّاس الحال أن كانت الدّابّة تكرى من مصر إلى القاهرة ببضعة عشر دينارا والجمل بثلاثين دينارا. ونزلوا بمساجد القاهرة وحمّاماتها، وملئوا جميع الشوارع والأزقّة، وصاروا مطروحين بعيالهم وأولادهم على الطّرق وقد ذهبت أموالهم وسلبت عامّة أحوالهم؛ وهم مع ذلك ينتظرون هجوم الفرنج على القاهرة وقتل رجالها وسبى من بها من الحريم والصّبيان.\rوكان ابتداء الحريق بمصر فى يوم (الثلاثاء) (¬١) التاسع من صفر الموافق له ثامن عشر هاتور؛ واستمرّت النار فى المساكن أربعة وخمسين يوما، والنّهّابة تهدّ ما هنالك وتحفر لطلب الخبايا.\rونزل مرى بعساكره على بركة الحبش فى يوم (الأربعاء) (¬٢) العاشر من صفر، فخرج إليه شمس الخلافة. فلمّا دخل إليه سأله أن يخرج معه إلى باب الخيمة، فخرج؛ فأراه شمس الخلافة جهة مصر وقال له أترى دخانا فى السّماء؟ قال: نعم. قال: هذا دخان مصر ما أتيتك إلاّ وقد احترقت بعشرين ألف قارورة نفط وفرّق فيها عشرة آلاف مشعل، وما بقى فيها ما يؤمّل بقاؤه ونفعه؛ فخلّ الآن عنك. فقال مرى: لا بدّ من النّزول على القاهرة ومعى فرنج من هذا البحر قد طمعوا فى أخذها.\rثمّ رحل فنزل على القاهرة فى عاشر صفر ممّا يلى باب البرقيّة نزولا قارب به البلد حتّى صارت سهام الجرخ (¬٣) تقع فى خيمه (¬٤). وقاتل أهل القاهرة قتالا شديدا وحفظوها","footnotes":"(¬١) بياض بالأصل. وفى التوفيقات الإلهامية أن أول صفر من هذه السنة يوافق الاثنين الثامن من هاتور لسنة خمس وثمانين وثمانمائة، حسابا، فيكون التاسع من صفر موافقا لليوم السابع عشر من هاتور، مع أن المقريزى يذكر فى المتن أن تاسع صفر يوافق اليوم الثامن عشر من هاتور، ولذلك افترضنا أن أول صفر رؤية لا حسابا، وافق يوم الثلاثاء، وهذا ما أضيف بالمتن بين قوسين.\r(¬٢) بياض بالأصل، وتحديده بالأربعاء إضافة انطلاقا من الملحوظة السابقة.\r(¬٣) الجرخ وجمعه الجروخ: آلة حربية تستعمل لرمى السهام والحجارة والنفط المشتعل، ويسمى القائم على تشغيلها: الجرخى Dozy;Supp.Dict.ar .\r(¬٤) يوجد بهامش الأصل فى هذا الموضوع عبارة نصها: «بخط المصنف. ومن طريف ما وقع فى هذه النوبة أن شيخا من أجناد مصر يقال له الأمير الصادق، عرف بذلك لكثرة كذبه، كان مقدما على طوائف من الجند، وكان يثير الفتن على السلاطين، وهو الذى كان أبدا يقول للجند صيحوا على السلطان: لا لا وإذا كان لقاء فى الحرب تحيز بطائفته على كوم أو موضع -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277279,"book_id":167,"shamela_page_id":987,"part":"3","page_num":298,"sequence_num":987,"body":"وبذلوا جهدهم. واشتد الفرنج فى محاصرة القاهرة وضيّقوا على أهلها حتى تزلزل النّاس زلزالا شديدا وضعفت قواهم، وشاور هو القائم بتدبير الأمور، فتبيّن له العجز عن مقاومة الفرنج وأنّه يضعف عن ردّهم. وخاف من غلبتهم فرجع عن مقاومتهم إلى مخادعتهم وإعمال الحيلة؛ فأرسل شمس الخلافة إلى مرى يطلب منه الصّلح على أن يحمل إليه أربعمائة ألف دينار معجلة. فأجاب إلى ذلك. ويقال إنّه خوّفه من نور الدّين واعتذر بأنّه لولا الخوف من العاضد ومن معه من المسلمين وإلاّ سلّمه البلد؛ وإنّه تقدّم له بألف ألف دينار. فتقرّر الصّلح.\rعلى أنّ مرى قال لا أسمع من كلام شاور فإنّه غدّار، ولا بدّ من كلام الخليفة العاضد.\rفمشى أبو الفتح عبد الجبّار بن عبد الجبّار بن إسماعيل بن عبد القوىّ، المعروف بالجليس قاضى القضاة وداعى الدّعاة، ومعه الأستاذ صنيعة الملك جوهر، بين الفرنج وبين النّاس حتّى تقرّر الأمر على تعجيل مائة ألف دينار وحمل الباقى بعد ذلك مع القطيعة المقرّرة كلّ سنة، وزيادة عشرة آلاف دينار وعشرة آلاف إردب غلّة على ما يقترح من أصنافها.\rفأرسل العاضد القاضى الفاضل عبد الرّحيم إلى الشيخ الموفّق ابن الخلال كاتب الدّست، وكان مريضا والفاضل ينوب عنه بتعيين الكامل بن شاور، وقال له: استشره فى هذا] الأمر. فمضى الفاضل إليه، وعرض ما تقرّر عليه، وبلّغه عن العاضد ما أشار به من أخذ رأيه فى ذلك. فقال: قبّل الأرض عنى لمولانا وقل له عن مملوكه إن وعد المشترى وصبر البائع فليست بغالية، وبين قيل وقال يتصرّم الوقت.\rوشرع شاور فى حمل المال، فلم يجد فى حاصل الخبايا بالقصر سوى مائتى ألف دينار مدفونة فى أحد كمّى المجلس من ذخائر الحافظ، أطلعهم عليها أستاذ من أستاذى القصر؛ فأخرجت وحمل إلى الفرنج منها على يد ابن عبد القوى مائة ألف دينار، فأخذوها بعد امتناع. ووقع الطّلب من أهل القاهرة ومصر، فلم يتحصّل من النّاس إلاّ نحو الخمسة","footnotes":"= - مرتفع فإذا رأى العدو قد أقبل نزل هاربا وهو يقول للجند: أرحلكم والطريق، فينكسر الجيش بحركته. فلما كانت هذه الحادثة سلم إليه برج من أبراج سور القاهرة، وهو برج البرقية، كما سلم لغيره من مقدمى الأجناد بقية أبراج السور. وكان هذا المقدم لا ينزل من السور ولا يفارقه قدر شبر لفزعه من الفرنج، فإذا حمل الفرنج على المصاف الذى قدام البرج الذى هو فيه يقول: الأوباش الذين أمرتهم». أهـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277280,"book_id":167,"shamela_page_id":988,"part":"3","page_num":299,"sequence_num":988,"body":"آلاف دينار، لفقر أهل مصر وسوء حالهم وذهاب أموالهم فى الحرق والنّهب بحيث صاروا لا يجدون القوت عجزا عنه، ولأنّ أهل القاهرة أكثرهم الجند وأهل الدّولة وأتباعهم فقال الفقيه عمارة (¬١):\rيا ربّ إنّي أرى مصرا قد انتبهت … لها عيون اللّيالى (¬٢) بعد رقدتها\rفاجعل بها (¬٣) ملّة الإسلام باقية … واحرس عقود الهدى (¬٤) من حلّ عقدتها\rوهب لنا منك عونا نستجير به … من فتنة يتلظّى جمر وقدتها\rفبينما الفرنج فى استحثاث أهل القاهرة فى حمل المال إذ وصل إليهم فى مستهلّ ربيع الآخر خبر قدوم أسد الدّين بالعساكر فأزعجهم ذلك ورحلوا عن القاهرة يوم السّبت، ثالث ربيع الآخر، ومعهم من الأسرى اثنا عشر ألفا ما بين رجل وصبىّ وامرأة. فنزلوا على بلبيس، وساروا منها إلى فاقوس.\rونزل أسد الدّين بالمقس إلى اللّوق خارج القاهرة يوم الأربعاء سابع ربيع الآخر، فخرج إليه العاضد وتلقّاه.\rوكان شاور لمّا بلغه وصول شيركوه إلى صدر (¬٥) أخرج شمس الخلافة إلى مرى وقال له: قد وقف المال علينا، وقد جئت إليك أستوهب منك بعض ما قطعت علينا. فقال مرى: اطلب ما شئت. قال: تهب لى من الألفى ألف ألف ألف. قال: قد فعلت فقال شمس الخلافة: ما بلغنى أنّ ملكا وهب مثل هذا لقوم هم فى مثل حالنا. فقال مرى:\rأنا أعلم أنك رجل عاقل وأنّ شاورا ملك، وأنّكما ما سألتمانى أن أهب لكما هذا المال العظيم إلاّ لأمر قد حدث. فقال: صدقت؛ هذا أسد الدّين قد وصل إلى صدر نصرة لنا وما بقى لك مقام؛ وشاور يقول لك أرى أن ترحل ونحن باقون على الهدنة فإنّه أوفق لنا ولك،","footnotes":"(¬١) فى النكت العصرية: ١٨٩ - ١٩٠.\r(¬٢) فى النكت: عيون الأعادى.\r(¬٣) فى الأصل: واجعل لها. والتصحيح من النكت العصرية.\r(¬٤) فى الأصل: واحرس عقود العدا. والتصحيح من النكت العصرية.\r(¬٥) يذكر ياقوت أنها كانت - على زمنه - قلعة خرابا بين القاهرة وأيلة. ويحدد أبو شامة، نقلا عن ابن أبى طى، بعدها عن القاهرة بيومين. معجم البلدان: ٣٤٤:٥؛ كتاب الروضتين: ٤١٩:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277281,"book_id":167,"shamela_page_id":989,"part":"3","page_num":300,"sequence_num":989,"body":"وإذا حصل هذا الرّجل عندنا أرضيناه من هذه الألف ألف بشئ وحملنا الباقى إليك متى قدرنا، وإن نحن أخرجنا فى رضاهم أكثر من هذا المال عدنا عليك بما يبقى علينا من المقدار.\rفقال مرى: أنا راض بذلك. فقال: وأن تطلق ابن طىّ بن شاور وجميع من فى عسكرك من الأسارى، ولا تأخذ من بلبيس بعد انصرافك شيئا. فأجاب إلى ذلك، وأطلق ابن شاور ورحل.\rولمّا قارب شيركوه القاهرة خرج شاور إلى لقائه وقابله بالاحترام والإكرام، وأشار عليه باتّباع الفرنج. فلم ير ذلك واعتذر بما هم فيه من التّعب.\rونزل أسد الدّين بظاهر القاهرة، ودخل على العاضد فخلع عليه فى تاسعة بالإيوان، وعاد إلى مخيّمه، وقد فرح النّاس بقدومه. وأجريت عليه وعلى عساكره الجرايات الكبيرة والإقامات الوافرة. وثقل ذلك على شاور ولم يقدر على عمل شيء لما عرفه من ميل العاضد إلى شيركوه؛ وشرع يماطل بما تقرّر لشيركوه ولنور الدّين وهو يركب كلّ يوم إليه ويسير معه، ويعده ويمنّيه.\rوعزم على أن يعمل دعوة ويحضر شيركوه وجميع أمرائه، فإذا صاروا إليه قبض عليهم واستخدم من معهم من الجند يمنع بهم الفرنج. فنهاه ابنه شجاع عن ذلك وقال: والله لئن عزمت على هذا لأعرّفنّ شيركوه. فقال: يا بنىّ، والله لئن لم نفعل هذا لنقتلنّ جميعا.\rقال: صدقت؛ ولأن نقتل ونحن مسلمون خير من أن نقتل وقد ملكها الفرنج؛ فإنّه ليس بينك وبين عود الفرنج إلاّ أن يسمعوا بالقبض على شيركوه، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدّين لم يرسل معه فارسا واحدا. فترك شاور ما عزم عليه.\rولمّا طال مطال شاور على الغزّ اتّفق صلاح الدين يوسف وعز الدّين جرديك على قتل شاور.\rواتّفق أنّ شاورا رأى فى منامه كأنّه دخل دار الوزارة فوجد على سرير ملكه رجلا وبين يديه دواته وهو يوقّع، والحاجب بين يديه يتناول منه التوقيع؛ فقال: من هذا الذى جلس فى مجلسى ووقع من دواتى، فقيل له: هذا محمّد رسول الله، ﷺ؛ فقال: وما يصنع محمّد عندى؛ أما كان له فى مملكة غيرى مصنع. ثم إنّه قام إليه وضربه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277282,"book_id":167,"shamela_page_id":990,"part":"3","page_num":301,"sequence_num":990,"body":"بسيفه حتّى قتله وألقاه بظاهر الدّار. فلما استيقظ هاله ما رآه، واستدعى أبا الحسن على بن نصر الارتاحى العابد، وكان نادرا فى علمه، وقصّ عليه ما رأى. فقال له: هؤلاء الّذين فى القصر من نسل رسول الله، ﷺ، ويكون هلاكهم على يدك. فأمره بكتمانه؛ فلم يظهر حتّى قتل شاور.\rويقال إنّ العاضد خرج متنكّرا إلى شيركوه وأمره بقتل شاور؛ فركب على عادته إلى شيركوه ومعه الطّبل والبوق وخرج من باب القنطرة. فلمّا صار فى مخيّم الغزّ تلقّاه صلاح الدّين وجرديك فى جماعتهم وأعلموه أنّ أسد الدّين توجّه إلى القرافة، فقال نمضى إليه. فساروا جميعا وصلاح الدّين وجرديك عن يمينه وشماله، وكان اليوم كثير الضّباب، فتناول صلاح الدّين شاور على غرّة هو وجرديك وألقياه عن فرسه إلى الأرض، وأحاط أصحابهما بمن مع شاور فانتهبوهم وفرّوا عنه. وأخذ أسيرا إلى المخيّم، وأرسلوا إلى شيركوه، فحضر. وبلغ ذلك العاضد فأنفذ فى الحال إلى شيركوه أحد الأستاذين بسيف وقال: هذا غلامنا ولا خير فيه لك ولا لنا، فأمض حكم الله فيه. فقتل فى يوم السّبت السابع عشر من ربيع الآخر، وحملت رأسه إلى العاضد (¬١).\rوفرّ الكامل شجاع بن شاور هو وأولاد أخيه إلى القصر، فكان آخر العهد بهم، وأحضرت رءوسهم يوم الاثنين رابع جمادى الأولى. وبعث شيركوه يطلبهم، فأرسل إليه العاضد طبقا من فضّة مغطّى؛ فلمّا كشف عنه وجد فيه رأس شجاع ورءوس أولاد أخيه، فتأسّف على قتل شجاع لما كان يبلغه عنه من منعه أباه من عزمه على الفتك بهم.\rوكانت وزارة شاور هذه كثيرة الوقائع والنّوازل فإنّه أطمع الغزّ والفرنج فى البلاد وجرّهم إليها؛ فأحرق مصر وأزال نعم أهلها وأذهب أموالهم؛ وكان السّبب فى إزالة الدّولة الفاطمية من ديار مصر وتملّك الغزّ لها.\rوكان مع ذلك منقادا لولده الكامل قد أطلقه وسلّم الأمر إليه بحيث إنّه كان يأتى","footnotes":"(¬١) يروى أبو شامة عن العماد الأصفهانى الكاتب، وزير صلاح الدين، أن أسد الدين «أنفذ الفقيه عيسى إلى شاور يشير عليه بالاحتراز، وقال له: أخشى عليك من عندى من الناس. فلم يكترث بمقاله، وركب على سبيل انبساطه واسترساله، فاعترضه صلاح الدين فى الأمراء النورية، وهو راكب على عادته فى هيبته الوزيرية، فبغته وشحته، وقبضه وأثبته، ووكل به فى خيمة ضربها له وحاول إمهاله، فجاء من القصر من يطلب رأسه، ويعجل من العمر يأسه، وجاء الرسول بعد الرسول، وأبوا أن يرجعوا إلا بنجح السول، فحم حمامه، وحمل إلى القصر هامه». كتاب الروضتين: ٣٩٨:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277283,"book_id":167,"shamela_page_id":991,"part":"3","page_num":302,"sequence_num":991,"body":"إلى داره فيحتجب عنه. وكان ضيق العطن، لا يصبر على شيء ممّا ينقل إليه من الأخبار.\rوكان إذا سئل وهو فى الخدمة لا يردّ سائلا فى شيء. وكان شديد النّكال إذا عاقب، فتكشّفت فى وزارته الثّانية التى قتل فيها صفحاته، وأحرقت كافّة أهل مصر لفحاته، وأغرقتهم نفحاته فغصّه الدّهر وعضّه، وأوجعه الثّكل وأمضّه. وكان عاقبة أمره القتل والعار، وسوء المنقلب والدّمار.\rثمّ إنّ أسد الدّين ركب بعد قتل شاور بجموعه ودخل إلى القاهرة فى يوم الاثنين تاسع عشر ربيع الآخر يريد لقاء الخليفة العاضد، فهاله ما رأى من كثرة اجتماع النّاس وتخوّف منهم، فأراد أن يفرّقهم، فقال لهم: إنّ أمير المؤمنين قد أمركم بنهب دار شاور؛ فتسارعوا إليها وانتهبوا سائر ما كان فيها. فصعد شيركوه إلى القصر، وخلع عليه العاضد خلع الوزارة ولقّبه بالملك المنصور أمير الجيوش. ونزل إلى دار الوزارة (¬١) حيث كان ينزل شاور ومن قبله من الوزراء، فلم يجد ما يجلس عليه لما شملها من النّهب. فجلس للهناء وغلب على الأمر.\rوخرج إليه التّوقيع بخطّ القاضى الفاضل وإنشائه، فقرأه الجليس ابن عبد القوى قاضى القضاة، على رءوس الأشهاد، وفى أعلاه بخط العاضد: «هذا عهد لا عهد لوزير بمثله، وتقليد طوق أمانة رآك الله وأمير المؤمنين أهلا بحمله؛ والحجّة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله. فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوّة، واسحب ذيل الفخار بأنّ خدمتك اعتزّت بأن اعتزت إلى بنوّة النبوّة؛ واتّخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا (¬٢)». وهو توقيع كبير (¬٣).","footnotes":"(¬١) أنشأها الأفضل بن بدر الجمالى، أمير الجيوش، تجاه رحبة باب العيد من أبواب القصر الشرقى الكبير، وعرفت باسم الدار الأفضلية نسبة إلى منشئها، وأصبحت من بعد الأفضل مقرا لكل من تولى الوزارة. وقيل إن منشئها أمير الجيوش بدر الجمالى، وينفى المقريزى هذا استنادا إلى كتب ابتياعات الأملاك القديمة. ويضيف إلى هذا أن الدار التى بناها بدر كانت بحارة برجوان، وهى الدار التى عرفت باسم دار المظفر. المواعظ والاعتبار: ٤٣٨:١ - ٤٣٩.\r(¬٢) يختلف نص هذا التوقيع عن النص الذى ورد فى كتاب الروضتين: ٤٠٢:١ وهو هناك: «هذا عهد لا عهد لوزير بمثله وتقلد أمانة رآك أمير المؤمنين أهلا لحمله، والحجة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله. فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحب ذيل الفخار بأن اعتزت خدمتك إلى بنوة النبوة، واتخذه للفوز سبيلا، ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا». ويتفق النص الذى أورده القلقشندى مع نص كتاب الروضتين. صبح الأعشى: ٤٠٦:٩، وكذلك النص الذى أورده النويرى فى نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٣) جاء منه فى كتاب الروضتين: ٤٠٢:١ - ٤٠٣: ونسخة المنشور «من عبد الله ووليه أبى محمد العاضد لدين الله أمير المؤمنين إلى السيد الأجل الملك المنصور سلطان الجيوش ولى الأئمة مجير الأمة، أسد الدين، كافل قضاة المسلمين، -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277284,"book_id":167,"shamela_page_id":992,"part":"3","page_num":303,"sequence_num":992,"body":"وكتب القاضى الفاضل إلى نور الدّين محمود بن زنكى كتابا بأن يقرّ شيركوه عنده بمصر وأنّه فوّض إليه الوزارة وأمر الجيوش، تاريخه سابع عشرى ربيع الآخر، وكتب العاضد علامته بين سطريه الأوّلين بخطّه «الله ربّى»؛ فعاد الجواب بالامتثال (¬١).\rوسلك أسد الدّين مع العاضد مسالك الأدب حتّى أعجب به، ومال إليه. وركب إلى مصر فرآها مشوّهة بالحريق وقد تلفت فيها أماكن وسلمت أماكن، وتشعّث الجامع؛ فشقّ عليه، وعاد. وقد حضر إليه الأمير ابن ممّاتى والقاضى الفاضل، فأمر بإحضار أعيان المصريّين الذين جلوا عن مصر فى الفتنة وصاروا بالقاهرة، فتغمم لما نزل بهم وسفّه رأى شاور فيما فعله، وأمرهم بالعود إلى مصر. فشكوا ما حلّ بهم من الفقر وذهاب الأحوال وخراب المنازل، وقالوا: إلى أىّ موضع نرجع وفى أىّ مكان نأوى. فقال: لا تقولوا هذا، وعلىّ بإذن الله حراستكم وإعادتها إليكم بما كانت عليه وأحسن؛ فاستدعوا منىّ كل مالكم فيه راحة، فهى بلدى وربّما أسكن فيها بينكم. فشكروا له ودعوا.\rوأمر فنودى على النّاس بالرّجوع إلى مصر، فتراجعوا إليها شيئا بعد شيء.\rوجعل أسد الدّين اجتماعه بالخليفة العاضد فى الشبّاك على العادة. فأوّل ما اجتمع به قال له الأستاذ صنيعة الملك جوهر، وكان أكبر الأستاذين وأفصحهم لسانا، وهو قائم على رأس العاضد: يقول لك مولانا لقد كنّا نؤثر مقامك عندنا أوّل طروقك بلادنا، ولكن أنت تعلم الموانع عنه؛ ولقد تيقّنّا أنّ الله ﷿ ادّخرك لنا نصرة على أعدائنا.\rفقال أسد الدّين شيركوه: يا مولانا - بإمالة اللاّم - والله لأنصحنّك فى الخدمة ولأجعلنّ","footnotes":"= - وهادى دعاة المؤمنين، أبى الحارث شيركوه العاضدى، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته. سلام عليك، فإنه يحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلى على محمد خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وعلى آله الطاهرين، والأئمة المهديين، ويسلم تسليما». وتجد النص الكامل لمنشور تولية أسد الدين شيركوه الوزارة، وهو من إنشاء القاضى الفاضل، فى صبح الأعشى: ٨٠:١٠ - ٩٠.\r(¬١) يذكر أبو شامة أنه كثيرا ما كان يوجد فى كتب نور الدين إلى العاضد التعريض بإنفاذ أسد الدين، ولو أمكنه المجاهرة بالقول لقال. فمن بعض مكاتباته: «وقد افتقر العبد إلى بعثته، وأعوز عسكره يمن نقيبته، واشتد حزب الضلال على المسلمين لغيبته، لأنه ما يزال يرمى شياطين الضلال بشهابه الثاقب، ويصمى معقل الشرك بسهمه النافذ الصائب». كتاب الروضتين: ٤٣٧:١. وسيرد بعد قليل ذكر شيء من ذلك. ويعلق أبو شامة على موقف نور الدين يقول: «لعل نور الدين ﵀ إنما أقلقه كون أسد الدين وزر للعاضد فخاف من ميله إلى القوم وإلى مذهبهم، وأن يفسد جنده عليه بذلك السبب. هذا إن صح ما نقله ابن أبى طى. والله أعلم». نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277285,"book_id":167,"shamela_page_id":993,"part":"3","page_num":304,"sequence_num":993,"body":"دولتك بعون الله قاهرة. فقال الأستاذ: يقول لك مولانا الأمل فيك هذا وأكثر. ثمّ جدّدت له الخلع وأفيضت عليه، ونزل إلى داره.\rوحسن عنده موقع الجليس ابن عبد القوى، قاضى القضاة وداعى الدّعاة، وأثنى عليه وشكره، وقال لولا مذهبه! فقال: إنه ولد بالمغرب وله دالّة على الخليفة، ولولا ضبطه حواصل القصر لخرجت كلّها لكرم العاضد؛ لكنه يحترمه ويقبل مشورته. فازدادت مكانته عند أسد الدّين وأقرّه على حاله.\rواستبدّ أسد الدّين بأمور المملكة، وغلب على الدّولة، واستعمل أصحابه وثقاته على الأعمال، وأقطع البلاد لعساكره. ولما أكبّ النّاس عليه بالتّواقيع قلق من كثرة ما يوقّع وقال: أظنّ مولانا استخدمنى كاتبا.\rفى رابع جمادى الأولى قتل الكامل شجاع بن شاور، والمعظم سليمان بن شاور، وركن الإسلام نجم أخو شاور، وأحضرت رءوسهم إلى أسد الدّين شيركوه.\rولمّا بلغ نور الدّين وزارة شيركوه للعاضد واستبداده بالأمر كره ذلك وأمضّه، وظهر ذلك على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وأخذ يتحدث فى ذلك، وأفضى به إلى الأمير مجد الدّين ابن الدّاية (¬١). وأخذ يعمل الحيلة فى إفساد أمر أسد الدّين وابن أخيه صلاح الدّين، وكاتب العاضد فى ذلك غير مرّة، ويلتمس منه أن يبعث إليه أسد الدّين، يريد بذلك إخراجه عن مصر. فلم يسمح العاضد بإرساله لأنه دبّر الأمور وقام بحمل أعباء المملكة من غير أن يغيّر على أصحاب العاضد شيئا من أحوالهم، ولا أنكر عليهم أمرا من أمورهم، بل أقرّهم على عوائدهم سوى أنه أقطع البلاد لأصحابه.\rوتولّى عنه التّدبير ابن أخيه صلاح الدّين وقام بمباشرتها، فصار إليه الأمر والنّهى حتّى مات أسد الدّين، بعد أن استقرّ فى الوزارة ثلاثة وستّين يوما، يوم الأحد الثالث","footnotes":"(¬١) مجد الدين أبو بكر، ابن الداية، من مقدمى أمراء نور الدين محمود الذين كان يعتمد عليهم فى إدارة شئون دولته، وكان ينوب عنه فى حلب فى بعض المناسبات، وخاصة فى أثناء غيبة أسد الدين شيركوه، وبعد وفاته ووزارة ابن أخيه صلاح الدين يوسف بمصر. توفى ابن الداية سنة خمس وستين وخمسمائة بينما كان نور الدين يحاصر الكرك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277286,"book_id":167,"shamela_page_id":994,"part":"3","page_num":305,"sequence_num":994,"body":"والعشرين من جمادى الآخرة بخنّاق تولّد له من إكثاره أكل اللّحوم الغليظة، ودفن فى الدّار فلم تخرج له جنازة.\rوكان شجاعا قويّا، جلدا عفيفا، متألّها، يحبّ أهل الخير، وله إيثار، وفيه ضبط وإمساك. وأصله من دوين (¬١)، بليدة من عمل أذربيجان (¬٢) من جهة أرّان (¬٣) وبلاد الكرج، وهو من قبيل الرّواديّة إحدى بطون الهذبانية من قبائل الأكراد. وقدم هو وأخوه نجم الدّين أيوب، وكان أسنّ منه، إلى بغداد واتصلا بخدمة مجاهد الدين بهروز (¬٤) شحنة العراق من قبل السّلطان مسعود بن محمّد بن ملكشاه السّلجوقى (¬٥) ولازماه. فبعث بأيّوب إلى تكريت (¬٦)، وكانت إقطاعه، فأقرّه فيها دزدارا، ومعناه حافظ القلعة، فإن «دز» بالفارسى القلعة، «ودار» الحافظ. فأقام بها ومعه أخوه شيركوه، وله به إقطاع،","footnotes":"(¬١) بفتح الدال وضمها، يحدد ياقوت موقعها بأنها فى آخر حدود أذربيجان بالقرب من تفليس. وتفليس هذه من بلاد آران (الآتى ذكرها)، بها عيون حارة عمل عليها حمام، بدأ فتحها زمن عثمان بن عفان ضمن فتوح أرمينية وتوقف الفتح بتوقيع صلح بين الجانبين، وظلت فى أيدى المسلمين حتى أغار عليها نصارى الكرج سنة خمس عشرة وخمسمائة - وهم من الأرمن - فملكوها، ثم استردها جلال الدين منكبرتى بن خوارزم شاه سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ولم يلبث الكرج أن أغاروا عليها وأحرقوها فى السنة التالية. معجم البلدان: ٣٩٦:٢ - ٣٩٨، ١١٢:٤.\r(¬٢) يضبطها ياقوت بفتح الهمزة والراء وسكون الذال بينهما وكسر الباء، وبفتح الهمزة والذال وسكون الراء، وبمد الهمزة وفتح الذال والباء وسكون الراء بينهما. ويقول إن النسبة إليها أذرى بفتح الهمزة والذال، أو بسكون الذال، وأذربى بفتح الأولين وسكون الراء؛ وهى إقليم متسع من أشهر مدائنه تبريز عاصمته، يغلب عليها الطابع الجبلى، وبه قلاع كثيرة، وفاكهته وبساتينه عظيمة غزيرة المياه والعيون؛ بدأ فتحها أيام عمر بن الخطاب وتوقف لصلح عقد بين أهلها والمسلمين، وتجدد الغزو أيام عثمان وتجدد الصلح كذلك. معجم البلدان: ١٥٩:١ - ١٦١.\r(¬٣) بينها وبين أذربيجان نهر الرس فكل ما جاوره من ناحية المغرب والشمال فهو من آران، ومن جهة المشرق فهو من أذربيجان. وآران إقليم من أقاليم أرمينية. وهناك قلعة بنواحى قزوين تعرف بهذا الاسم أيضا. نفس المصدر: ١٧٠:١.\r(¬٤) تولى شحنة بغداد للسلطان السلجوقى مسعود، حتى توفى فى سنة أربعين وخمسمائة، والشحنة رئاسة قوات الأمن، أى الشرطة، وفلان شحنة أى متولى رئاسة الشرطة. وأصل الكلمة من شحن البلد بالخيل: ملأه، وبالبلد شحنة من الخيل أى رابطة. لسان العرب (الذى يؤكد أن استعماله بمعنى الشرطة خطأ، لكن هذا الحكم لا يمنع أنه هو المعنى الذى كان مستخدما فيه فعلا)، انظر كذلك: Dozy;Supp.Dict ar .\r(¬٥) أبو الفتح غياث الدين، رابع سلاجقة العراق، حكم بين سنتى ٥٢٧ - ٥٤٧ (١١٣٣ - ١١٥٢) وتوفى بهمدان. معجم الأنساب وكذلك Mohammadan Dynasties\r(¬٦) بفتح التاء والعامة يكسرونها كما يقول ياقوت، تقع بين بغداد والموصل، وهى إلى بغداد أقرب، وبينهما ثلاثون فرسخا، ولها قلعة حصينة فى طرفها الأعلى راكبة على دجلة فى غربيها. افتتحها المسلمون سنة ست عشرة أيام عمر بن الخطاب، وقيل فى سنة عشرين. معجم البلدان: ٣٩٩:٢ - ٤٠١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277287,"book_id":167,"shamela_page_id":995,"part":"3","page_num":306,"sequence_num":995,"body":"إلى أن انهزم عماد الدين زنكى من العراق (¬١) من قراجا الساقى ووصل إلى تكريت، فأمكنه أيّوب من قلعتها ورفعه إليها بالحبال، وخدمه هو وأخوه شيركوه، فاعتدّها يدا لهما.\rثم أقام له السّفن حتّى عبر دجلة؛ وتبعه أصحابه فأحسن إليهم وسيّرهم إليه.\rفبلغ ذلك الأمير مجاهد الدّين بهروز فأنكر عليه وأخرجه من قلعة تكريت، فسار هو وشيركوه إلى عماد الدّين زنكى، وهو يومئذ صاحب الموصل، فأكرمهما وأقطعهما إقطاعا، وتقدّما عنده. فلمّا ملك بعلبك (¬٢) جعل نجم الدّين دزدارها، فأقام بها إلى أن قتل عماد الدّين زنكى (¬٣) وحصر عسكر دمشق بعلبك لأخذها لصاحب دمشق، مجير الدّين أبق بن محمّد بن بورى بن ظهير الدّين طغتكين الأتابك. فبعث إلى سيف الدّين غازى بن عماد الدّين زنكى بالموصل يعرّفه ويطلب منه عسكرا فلم يجبه (¬٤)؛ فسلّم بعلبك لصاحب دمشق على إقطاع، وصار أحد أمراء دمشق.\rوأما شيركوه فإنه لمّا خدم عماد الدّين زنكى تمكّن منه، بواسطة الوزير جمال الدّين الأصفهانى (¬٥)، إلى أن قتل، فتعلّق بخدمة ابنه نور الدّين محمود بن زنكى وتخصّص","footnotes":"(¬١) فى سنة ست وعشرين وخمسمائة فى حرب بينه وبين الخليفة العباسى المسترشد بالله، وكان يعاون زنكى فى هذه الحرب دبيس بن صدقة وهما بدورهما كانا مؤيدين للسلطان السلجوقى سنجر معز الدين أبى الحارث ضد السلطان مسعود صاحب العراق.\r(¬٢) فى ذى الحجة من سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وكانت من أعمال دمشق التى قتل صاحبها شهاب الدين محمود ابن بورى بأيدى ثلاثة من خدامه فى شوال من هذه السنة وتولى أمرها من بعده أخوه جمال الدين محمد بن بورى، واستغاثت أم السلطان بزنكى ليثأر من قتلة ابنها شهاب الدين فتقدم فى اتجاه بعلبك واستولى عليها لنفسه. ذيل تاريخ دمشق: ٢٦٧ - ٢٧٠؛ الكامل: ٢٦:١١ - ٢٧.\r(¬٣) فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وهو على حصار قلعة جعبر، قتله بعض خدمه فى فراشه.\r(¬٤) كانت بعلبك داخلة فى نطاق أعمال نور الدين محمود أخى سيف الدين غازى صاحب الموصل، ولهذا لم يتقدم غازى لمعونة نجم الدين أيوب، ولم ينجد نور الدين محمود بعلبك لأن سياسته عندئذ كانت تقضى بمحاولة التعاون مع دمشق على مواجهة الفرنج، ولهذا رأى التضحية ببعلبك لتكون عربونا لهذا التعاون.\r(¬٥) يفرد أبو شامة فصلا فى كتابه للحديث عن «وزير الموصل جمال الدين، الجواد الممدح». واسمه جمال الدين أبو جعفر محمد بن على بن أبى منصور تلقى ثقافته الأولى على يدى العزيز عم العماد الكاتب، وترقى بمعونته فى الخدمة فاتصل بالسلطان السلجوقى محمود بن ملكشاه، ثم اتصل بعماد الدين زنكى الذى استعان به فى أعماله وجعله مشرفا على ديوانه، ثم قام مقام الوزير لابنه سيف الدين غازى الذى تولى الموصل بعد مقتل أبيه، وعرف جمال الدين بالكرم وحب الخير والقناعة، واتصل به كثير من الشعراء ومدحوه ومنهم عماد الدين الأصفهانى، وأبو الفوارس سعد بن محمد الصفى المعروف بحيص بيص، وأحمد بن منير الطرابلسى، والعرقلة الدمشقى، وأبو المجد القسيم الحموى. توفى جمال الدين سنة تسع وخمسين","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277288,"book_id":167,"shamela_page_id":996,"part":"3","page_num":307,"sequence_num":996,"body":"به، حتى عظمت منزلته عنده. وصار معه إلى حلب فأقطعه وأنعم عليه، ثم أعطاه مدينة الرّحبة وتدمر إلى أن جهّزه إلى مصر وعاد منها وهو كثير الذّكر لها، فخافه نور الدّين وصرفه عنه وأعطاه مدينة حمص (¬١)، وجعله مقدّم عسكره إلى أن قدم مصر وملكها - - كما تقدّم - إلى أن مات؛ فدفن بالقاهرة، ثم نقل منها إلى المدينة النبويّة بعد مدّة (¬٢).\rولمّا احتضر قال: من ههنا؟ فقال الطّواشى بهاء الدّين قراقوس: عبدك قراقوش.\rفقال: بارك الله فيك، الحمد لله الّذى بلغنا من هذه الدّيار ما أردنا، ومتنا وأهلها راضون عنّا. أوصيكم لا تفارقوا سور القاهرة حتّى تطير رءوسكم، واحذروا من التّفريط فى الأسطول.\rولمّا توفى أسد الدّين افترق أهل القصر وحواشى الخليفة العاضد من الأستاذين وغيرهم فرقتين. فأما إحداهما - وكبيرهم الأستاذ صنيعة الملك مؤتمن الخلافة جوهر (¬٣) - فإنهم قالوا قد مات أسد الدّين المهدّد به فى الشرق والغرب ولم يحدث إلا خير، ومن الرأى أن نمسك مخلّفته ونضيف إليها من جياد فرسان الغزّ ما تكون جملته ثلاثة آلاف فارس، ونقدّم عليهم بهاء الدّين قراقواش، وننزلهم بالشرقية، ونجعلها بأجمعها إقطاعا لهم يسكنون بها، فيصيرون بيننا وبين الفرنج الذين طمعوا فى البلاد، يقاتلون عن حرمهم","footnotes":"= وخمسمائة، ودفن بالموصل سنة، ثم نقل إلى المدينة المنورة حيث دفن بها كرغبته فى رباط أنشأه بها، بينه وبين مسجد الرسول صلوات الله وسلامه عليه، خمس عشرة ذراعا. وفى أثناء نقل تابوته إلى المدينة المنورة مر به فى مدينة الحلة فإذا شاب قد ارتفع على موضع عال وأنشد:\rسرى نعشه فوق الرقاب، وطالما … سرى بره فوق الركاب ونائله\rيمر على الوادى، فتثنى رماله … عليه، وفى النادى فتبكى أرامله\rكتاب الروضتين: ٣٤٣:١ - ٣٥٦.\r(¬١) فى الأصل: مصر\r(¬٢) ودفن مع جمال الدين وزير الموصل (انظر الحاشية الأخيرة فى الصفحة السابقة) باتفاق تم بينهما؛ وعن هذا يتحدث جمال الدين فيقول: «إن بينى وبين أسد الدين شيركوه عهدا: من مات منا قبل صاحبه حمله الحى إلى المدينة النبوية». وقد نفذ أسد الدين تعهده، فنقل جمال الدين من الموصل إلى المدينة، ثم نقل هو إلى المدينة بعد أن دفن فى داره بالقاهرة مدة. كتاب الروضتين: ٣٤٩:١؛ وفيات الأعيان: ٢٢٧:١ - ٢٢٨. واختلف فى سبب وفاته، فقيل إنه مات فجأة وقيل بعلة الخوانيق (بسبب ابتلاعه قطعة من اللحم الذى كان يحبه كثيرا)، وقيل بل دس له السم. نهاية الأرب: ٢٨.\r(¬٣) وهو خصى من الأستاذين المحتكين بالقصر الفاطمى، وكان يتولى زمام القصر وإليه الإشراف الكامل عليه. وقد برهن مؤتمن الخلافة هذا بسلوكه فيما بعد على إصراره على تحقيق هدفه فى التخلص من صلاح الدين والجيش النورى بأجمعه. وسيرد تفصيل ذلك فى موضعه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277289,"book_id":167,"shamela_page_id":997,"part":"3","page_num":308,"sequence_num":997,"body":"وإقطاعاتهم. ويرتّب مولانا من أجناد الدّيار المصريّة من ينتفع به، ولا يقيم وزيرا تثقل وطأته ويشارك الخليفة فى أمره، بل يجعل صاحب وساطة بين النّاس وبين الخليفة.\rوقالت (¬١) الطائفة الأخرى لا وحقّ الله، ما يكون وزير مولانا إلا ابن أخى وزيره الّذى هو منه وإليه، يعنون صلاح الدّين، وإذا بقى المذكور أقام معه قراقوش وغيره من المعتبرين.\rوكذلك وقع فى عسكر أسد الدّين، فإن شهاب الدّين محمود الحارمى، خال صلاح الدّين، والأمير عبد الدّولة ياروق الياروقى وأخاه الأمير بهاء الدّولة والأمير قطب الدّين خسرو بن تليل، والأمير سيف الدّين على بن أحمد الهكّارى (¬٢) المشطوب طلب كل منهم الوزارة لنفسه وجمع أصحابه ليغالب عليها.\rواجتمع مماليك أسد الدّين، وهم خمسمائة، على صلاح الدّين وطلبوا وزارته، وتحدّثوا بأنّ أسد الدّين أوصى إليه، فبعث العاضد إليهم وسأل الأمراء من يصلح للوزارة؛ فسار إليه شهاب الدّين محمود الحارمى وأرشده إلى تولية صلاح الدّين (¬٣). وكان العاضد قد مال إليه وقال لأصحابه من الأستاذين وغيرهم لما اختلفوا، كما تقدّم ذكره، والله إنّي لأستحى من تسريح صلاح الدّين وما بلغت غرضا فى حقّه لقرب عهد مقام عمّه.\rفأرسل إليه وخلع عليه خلع الوزارة بالعقد والجوهر، وحنّكه، ونعته بالملك النّاصر، وذلك فى يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من جمادى الآخرة (¬٤).","footnotes":"(¬١) فى الأصل: وكانت. وهى لا تناسب السياق.\r(¬٢) نسبة إلى قلاع الهكارية، وهى بلدة وناحية وقرى فوق الموصل فى بلدة جزيرة ابن عمر. والهكارية جماعة من الأكراد سكنوا هذه المنطقة فعرفت باسمهم. معجم البلدان: ٤٦٩:٨.\r(¬٣) يقول ابن أبى طى: «وكان الحارمى أولا قد رغب فى الوزارة وتحدث فيها، وحصل ما يحتاجه، فلما رأى مزاحمة عين الدولة ابن ياروق وغيره عليها خاف أن يشتغل بطلبها فتفوته، وربما فاتت صلاح الدين، فأشار به لأنها إذا كانت فى ابن اخته كانت فى بيته». كتاب الروضتين: ٤٣٨:١ - ٤٣٩.\r(¬٤) جاء فى نهاية الأرب للنويرى أن جماعة من خواص العاضد أشاروا عليه أن يولى صلاح الدين الوزارة، وقالوا إنه أصغر الجماعة سنا ولا يخرج من تحت أمر أمير المؤمنين، فإذا استقر وضعنا على العساكر من يستسيلهم إلينا، فيبقى عندنا من الجند من نتقوى به، ثم نأخذ يوسف بعد ذلك أو نخرجه، فإن أمره أسهل من غيره. ويذكر صاحب النجوم مثل هذا القول ويضيف: «فإنه ظن أنه إذا ولى صلاح الدين وليس له عسكر ولا رجال كان فى ولايته مستضعفا يحكم عليه ولا يقدر على المخالفة، وأنه يضع على العسكر من يستميلهم، فإذا صار معه البعض أخرج الباقين، وعنده (عند الخليفة) من العساكر الكتامية من يحميها (مصر) من الفرنج ونور الدين». النجوم الزاهرة: ١٧:٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277290,"book_id":167,"shamela_page_id":998,"part":"3","page_num":309,"sequence_num":998,"body":"وصفة الخلعة ثوب أبيض دبيقى بطرازين ذهبا، وطيلسان مقوّر بطراز ذهب دقيق، وعمامة بيضاء مذهبة، وفى عنقه العقد الجوهر وقيمته عشرة آلاف دينار؛ وقد تقلّد سيف الوزارة وقيمته خمسة آلاف دينار. وركب (فرسا) (¬١) حجرة صفراء من مراكب العاضد قيمتها ثمانية آلاف دينار، وعليها سرفسار ذهب مجوهر، وأعلاقها من سبتة، وفى عنقها مشدّة بيضاء برأسها مائتا حبّة جوهرا وفى أربع قوائمها أربعة عقود من جوهر، وعلى رأسه قصبة ذهب فى رأسها طلعة مجوهرة ومشدّة بيضاء بأعلام ذهب. وحمل بين يديه عدّة بقج فيها أنواع من الثياب، وقيد معه أيضا عدّة خيول؛ ومنشور الوزارة ملفوف فى ثوب أطلس أبيض بخطّ القاضى الفاضل ومن إنشائه؛ وقرأه الجليس ابن عبد القوى. وهو كبير جدّا وعلى رأسه بخطّ العاضد (¬٢): «هذا عهد أمير المؤمنين إليك:\rوحجته عند الله سبحانه عليك (¬٣)؛ فأوف بعهدك ويمينك، وخذ كتاب أمير المؤمنين ناهضا (¬٤) بيمينك، ولمن مضى بجدنا رسول الله (¬٥) أحسن أسوة، ولمن بقى (بقربنا) (¬٦) أعظم سلوة. «تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (¬٧﴾. فكان آخر منشور كتب عن العاضد (¬٨).\rولمّا نزل صلاح الدّين إلى دار الوزارة لم يطعه أحد من الأمراء النوريّة ولا خدموه، فسعى الفقيه عيسى الهكّارى فى الإصلاح بينه وبينهم، وبدأ بالمشطوب فقال له: هذا الأمر لا يصل إليك مع (وجود) (¬٩) عين الدّولة والحارمى (وابن تليل) (¬٩). ثم قصد الحارمى","footnotes":"(¬١) الإضافة من الروضتين: ٤٣٩:١. وفى القاموس المحيط: أحجار الخيل ما اتخذ منها للنسل لا يكادون يفردون الواحد. اهـ. ويبدو أن المفرد بتاء كما جاء فى المتن.\r(¬٢) ورد هذا فى صبح الأعشى: ٤٠٧:٩؛ كتاب الروضتين: ٤٠٩:١.\r(¬٣) هكذا فى الروضتين أيضا. وفى صبح الأعشى: وحجته عند الله تعالى عليك.\r(¬٤) ساقطة من نص صبح الأعشى، ومن الروضتين.\r(¬٥) فى صبح الأعشى وفى الروضتين زيادة التصلية: ﷺ.\r(¬٦) الزيادة من صبح الأعشى. وفى الروضتين: ولمن تبقى بثقتنا به أعظم سلوة.\r(¬٧) سورة القصص: آية: ٨٣.\r(¬٨) وتجد نصه الكامل فى صبح الأعشى: ٩١:١٠ - ٩٨. وهو من إنشاء القاضى الفاضل.\r(¬٩) الزيادة فى الموضعين من الروضتين: ٤٠٧:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277291,"book_id":167,"shamela_page_id":999,"part":"3","page_num":310,"sequence_num":999,"body":"وقال له: هذا صلاح الدّين ابن أختك، وعزّه وملكه لك، وقد استقام له الأمر، فلا تكن أوّل من يسعى فى إخراجه عنه ولا يصل إليك. وما زال بهم حتّى مالوا إليه وأطاعوا بأجمعهم إلاّ عين الدّولة فإنه قال لا أخدم يوسف أبدا، وخرج من القاهرة بجماعة وصار إلى نور الدّين بالشّام (¬١).\rفلمّا بلغ نور الدّين استيلاء صلاح الدّين أقام ثلاثة أيّام لا يقدر أحد أن يراه من شدّة ما عظم عليه ذلك وأغضبه.\rواستمال صلاح الدّين قلوب النّاس، وساس الأمور وكاتب الأطراف، وأقبل على الجدّ، وتاب عن الخمر، وأعرض عن اللهو، وتقرّب إلى الخليفة العاضد بما يرضيه فأحبّه وأدناه حتّى كان يدخله إليه القصر راكبا ويقيم عنده بالقصر عدّة أيام. وعظم فى الدّولة حتّى حسده الأمراء وباينه جماعة منهم وتوجّهوا إلى الشّام. وشرع فى استمالة قلوب النّاس إليه فبذل فيهم المال وأخرج ما كان فى خزائن عمّه أسد الدّين؛ واستدعى من العاضد فأمدّه بشئ كثير من المال، فكان أمره فى زيادة وقوّة وأمر العامّة فى نقص وضعف.\rوركب العاضد ومعه الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف فى غرّة شهر رمضان، وحمل العادل أبو بكر السّيف. ثم ركب أيضا جمعتين فى شهر رمضان إلى الجامع الأزهر والجامع الأنور (¬٢) على العادة، وركب فى عيد الفطر.\rوأرسل إلى نور الدّين يسأله فى إرسال أبيه وأخيه فلم يجبه إلى ذلك (¬٣).","footnotes":"(¬١) ويزيد أبو شامة: «فأنكر عليهم فراقه». نفس المصدر.\r(¬٢) هو جامع الحاكم.\r(¬٣) يذكر ابن الأثير، وهو معروف بميله عن صلاح الدين وأسرته، أن صلاح الدين أرسل «يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته وأهله، فأرسلهم إليه وشرط عليهم طاعته والقيام بأمره ومساعدته». ويقيد أبو شامة هذا الرفض بقوله: «فلم يجبه (نور الدين) إلى ذلك وقال: أخاف أن يخالف أحد منهم عليك فتفسد البلاد.» ثم يعقب بأن الفرنج اجتمعوا ليسيروا إلى دمياط فأرسل نور الدين العساكر إلى مصر وفيهم إخوة صلاح الدين «منهم شمس الدولة تورانشاه، وهو أكبر من صلاح الدين، وقال له: إن كنت تسير إلى مصر وتنظر إلى أخيك أنه يوسف الذى كان يقوم فى خدمتك وأنت قاعد فلا تسر، فإنك تفسد البلاد، وأحضرك حينئذ وأعاقبك بما تستحقه، وإن كنت تنظر إليه أنه صاحب مصر وقائم فيها مقامى، وتخدمه بنفسك كما تخدمنى فسر إليه واشدد أزره، وساعده على ما هو بصدده». الكامل: ١٢٩:١١؛ كتاب الروضتين: ٤٠٨:١؛ مفرج الكروب؛ ١٧٤:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277292,"book_id":167,"shamela_page_id":1000,"part":"3","page_num":311,"sequence_num":1000,"body":"وصارت الخطبة بديار مصر للعاضد ومن بعده للملك العادل نور الدّين، وهو فى الظّاهر ملك الدّيار المصريّة وصلاح الدين لا يتصرّف إلا عن أمره كالنّائب فى الأمر عنه؛ ونور الدّين لا يفرده بكتاب، بل يكتب: الأمير الأسفهلار (¬١) صلاح الدّين وكافّة الأمراء بالدّيار المصريّة يفعلون كذا؛ ويجعل علامته على رأس الكتاب تعظيما لنفسه وترفّعا عن أن يكتب اسمه.\rوعند ما بلغه وفاة أسد الدّين شقّ عليه استيلاء صلاح الدّين، وتتبّع أصحابه وأصحاب أسد الدّين، وأخذ إقطاع صلاح الدّين وإقطاع أسد الدّين، ومنع نوّابه من التصرّف فى حمص، وأبعد أهاليهم واستثقلهم وطردهم عنه. وكتب إلى الأمراء بمصر بمفارقته وتركه بمصر وحيدا ليوهن أمره. وشرع يذمّه ويذكره بالسّوء ويعنته فى الطّلب بحمل الأموال إليه، وصار كثيرا ما يقول: ملك ابن أيوب ويستعظم ذلك احتقارا له (¬٢).\rوثقل ذلك على أهل الدّولة وحواشى الخليفة العاضد، فإنه أقطع أصحابه أجلّ البلاد وآواهم، وأبعد أهل مصر وأضعفهم، واستبدّ بجميع الأمور ومنع العاضد من التّصرّف؛ ففطن العاضد لما يريد من إزالة الدّولة. فثار الأستاذ مؤتمن الخلافة، وهو يومئذ من أكابر خدّام القصر، وبعث بمكاتبة إلى الفرنج يستنجد بهم على الغزّ، ويحثّهم على قصد البلاد ليخرج إليهم صلاح الدّين بعساكره فيثور عند ذلك بصعيد مصر وطوائف العسكر،","footnotes":"(¬١) اصطلاح عسكرى مركب من: أسفه بمعنى مقدم، وهى فارسية، وسلار بمعنى عسكر، وهى تركية، فمعناه مقدم العسكر. يقول القلقشندى: وهو زمام كل زمام، وإليه أمر الأجناد والتحدث فيهم، وفى خدمته تقف الحجاب على اختلاف طبقاتهم. صبح الأعشى: ٤٧٩:٣.\r(¬٢) هذا هو موقف ابن الأثير من صلاح الدين. وينقل أبو شامة مثل هذا عن ابن أبى طى أيضا من كتابه: السيرة الصلاحية ويعلق عليه بقوله: «والذى أنكره نور الدين هو إفراط صلاح الدين فى تفرقة الأموال واستبداده بذلك من غير مشورته. هذا مع أن ابن أبى طى متهم فيما ينسبه إلى نور الدين مما لا يليق به، فإن نور الدين، ﵀، كان قد أذل الشيعة بحلب وأبطل شعارهم، وقوى أهل السنة، وكان والد ابن أبى طى من رءوس الشيعة فنفاه من حلب، فهو لذلك كثير الحمل على نور الدين، فلا يقبل منه ما ينسبه إليه مما لا يليق به. والله أعلم». ثم يقول: «وقد وقفت على كتاب بخط نور الدين يشكر فيه صلاح الدين، وذلك ضد ما قاله ابن أبى طى»، ويسوق نص الكتاب وهو موجه إلى شرف الدين ابن أبى عصرون بتوليته قضاء مصر، وفى نهايته: «وقد كتبت هذا بخطى حتى لا يبقى على حجة. تصل أنت وولدك عندى حتى أسيركم (كذا) إلى مصر، والسّلام. بموافقة صاحبى واتفاق منه، صلاح الدين، وفقه الله، فأنا منه شاكر كثير كثير كثير، جزاه الله خيرا وأبقاه». كتاب الروضتين: ٤٤١:١ - ٤٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277293,"book_id":167,"shamela_page_id":1001,"part":"3","page_num":312,"sequence_num":1001,"body":"ويصير صلاح الدّين محصورا بين الفرنج وبينهم فيأخذونه ويتلفون من معه. ووافقه على ذلك جماعة.\rوبعث رجلا بالكتاب إلى الفرنج بعد ما جعله فى نعل كى لا يعثر عليه. فلمّا وصل الرّجل إلى البئر البيضاء (¬١) قريبا من بلبيس، ظفر به بعض أصحاب صلاح الدّين ومعه نعلان جديدان فى يده، فارتاب لما رآه من سوء حاله وحسن النّعلين، وعلم أنّهما لا يليقان به، ولو كانا من ملابسه لكان تبيّن فيهما أثر الاستعمال. فأخذهما منه وفتحهما فوجد فيهما الكتب إلى الفرنج، فتقرّب بذلك إلى صلاح الدّين، وحضر بالرّجل والكتب إليه؛ فكتم ذلك، وتتبّع من كتب الكتب حتى أحضر إليه برجل يهودىّ، فلمّا خاف منه أسلم وأخبره الخبر.\rفبلغ ذلك مؤتمن الخلافة وخشى على نفسه، فلزم القصر وامتنع من الخروج مدّة وصلاح الدّين لا يلتفت إليه، فاغترّ بإعراضه عنه وخرج إلى منظرة له على النّيل، بستان بناحية الخرقانيّة قريبا من قليوب. فأرسل إليه صلاح الدّين بجماعة من أصحابه هاجموه وقتلوه، وصاروا إليه برأسه، وذلك فى يوم الأربعاء لخمس بقين من ذى القعدة؛ وجعل زمام القصور عوضه الطّواشى بهاء الدين قراقوش الأسدى. فغضب لقتله السّودان وحرّك منهم ما كانوا يتكتّمونه؛ فاجتمعوا لحرب صلاح الدّين فى سادس عشريه، صبيحة قتل مؤتمن الخلافة، وقد صاروا فى جمع كثير من الأمراء المصريّين وعوامّ البلد يزيد على الخمسين ألفا، وزحفوا إلى دار الوزارة.\rفبدر إليهم فخر الدّين شمس الدّولة توران شاه، وركب صلاح الدّين بعساكره وقد تجمّعت الرّيحانية والجيوشية والفرجيّة ومن انضاف إليها فى بين القصرين، وخرجت إليهم الأرمن؛ فوقع بين الفريقين قتال عظيم استظهر فيه العبيد على الغزّ، والعاضد","footnotes":"(¬١) قريبة من بلبيس، بينها وبين الخانكة، وعلى الطريق بين القاهرة وغزة، ومكانها اليوم عزبة أبى حبيب بناحية الزوامل فى حوض يعرف إلى الآن باسم حوض البيضاء. وفى معجم البلدان: البيضاء اسم لأربع قرى فى مصر، الأولى من كورة الشرقية (وهى المقصودة هنا)، والثانية غربى النيل بين مصر والإسكندرية، والثالثة من ضواحى الإسكندرية والرابعة قرب المحلة. معجم البلدان: ٣٣٦:٢؛ النجوم الزاهرة: ٤٤:٨: حاشية: ٢؛ مفرج الكروب: ١٧٥:١: حاشية: ٤؛ صبح الأعشى: ٣٧٦:١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277294,"book_id":167,"shamela_page_id":1002,"part":"3","page_num":313,"sequence_num":1002,"body":"فى المنظرة يشرف على الوقعة. فلمّا تبيّن الغلب للعبيد وكادوا أن يهزموا الغزّ رمى أهل القصر بالنّشّاب والحجارة حتى امتنعوا عن مقاتلة العبيد، فنادى شمس الدّولة النّفّاطين وأمرهم بإحراق المنظرة التى فيها العاضد فطيّب قارورة وصوّب على المنظرة بها، فإذا بباب الطّاق قد فتح وخرج منه زعيم الخلافة، أحد الأستاذين الخواصّ، وقال:\rأمير المؤمنين يسلّم على شمس الدّولة ويقول دونكم والعبيد الكلاب أخرجوهم من بلادكم.\rفلمّا سمع العبيد ذلك، وكان قد قتل أحد مقدّميهم، وبعث صلاح الدين فى أثناء محاربته لهم إلى حارة السّودان خارج باب زويلة، المعروفة بالمنصورة (¬١)، فأحرقها وتلفت أموالهم وهلكت أولادهم وحرمهم؛ ضعفت لهذه الأمور أنفس العبيد، وانهزموا بعد ما ثبتوا يومين، وتعيّن لهم الفلّ. فركب الغزّ أقفيتهم يقتلون ويأسرون، إلى أن وصوا إلى السيوفيّة وثبتوا هنالك، فألقى شمس الدّولة النّيران فى المواضع الّتى امتنعوا بها.\rوأحرق أيضا دار الأرمن التى كانت بين القصرين، وكان بها خلق كثير من الأرمن كلّهم رماة لهم جار، وكانوا فى هذه الحروب قد أنكوا الغزّ بشدة رميهم ومنعوهم أن يتجاوزوا من موضعهم إلى محاربة العبيد، فلمّا احترقت عليهم الدّار لم يكد يفلت منهم أحد. فالتجأ العبيد إلى عدّة أماكن، وكلّما امتنعوا بموضع ألقى فيه الغزّ النّار وقاتلوهم، حتى صاروا إلى باب زويلة وأخذت عليهم أفواه السكك وقد وهنوا ولم يجدوا لهم ملجأ.\rفصاحوا وطلبوا الأمان، فأمّنوا على ألا يبقى منهم أحد بالقاهرة؛ فخرجوا بأجمعهم إلى الجيزة. ومال الغزّ على أموالهم وديارهم واستباحوا جميع ما فيها؛ وذلك يوم السبت لليلتين بقيتا من ذى القعدة. فما هو إلاّ أن صاروا بالجيزة حتى عدّى إليهم شمس الدّولة بالعسكر فأبادهم حصدا بالسّيف، ولم ينج منهم إلا الشريد. وأمر صلاح الدّين بتخريب المنصورة وصيرها بستانا؛ فمضى العبيد وذهبت آثارهم من مصر (¬٢).","footnotes":"(¬١) كانت تقع على يمنة من سلك فى الشارع خارجا من باب زويلة إلى جانب الباب الجديد الذى عرف باسم باب القوس، عند رأس حارة المنتجبية فيما بينها وبين الهلالية، بعضها من جهة بركة الفيل بجوار بستان سيف الإسلام المواجه لحارة البندقدارية من صليبة جامع ابن طولون. وكانت حارة متسعة جدا فيها مساكن السودانيين. خربها الأمير خطاب ابن موسى المعروف بصارم الدين بأمر صلاح الدين بعد هذه الموقعة وصيرها بستانا. المواعظ والاعتبار: ١٩:٢ - ٢٠.\r(¬٢) ويعلق النويرى على التخلص من مؤتمن الخلافة جوهر بقوله: فكان جوهر هذا سبب زوال ملك الدولة العبيدية، وجوهر القائد سبب ملك المعز للبلاد، فشتان بين الجوهرين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277295,"book_id":167,"shamela_page_id":1003,"part":"3","page_num":314,"sequence_num":1003,"body":"وقوى صلاح الدّين، وتلاشى العاضد وانحلّ أمره، ولم يبق له سوى إقامة ذكره فى الخطبة. ووالى صلاح الدّين الطّلب من العاضد فى كلّ يوم ليضعفه، فأتى على المال والخيل والرّقيق وغير ذلك، حتى انّ العاضد كان فى بعض الأيّام بالبستان الكافورىّ وإذا بقاصد صلاح الدّين قد وافاه يطلب منه فرسا وهو راكب، فقال ما عندى إلا الفرس الّذى أنا راكبه، ونزل عنه، وشقّ خفّيه ورمى بهما وسلّم إلى القاصد الفرس وعاد إلى قصره ماشيا، فلزم مجلسه ولم يعد بعدها يركب حتى مات.\rوأخرج صلاح الدّين خاله الأمير شهاب الدّين الحارمى إلى الصّعيد يتبع من فرّ من العبيد فأفناهم، ولم يبق منهم بديار مصر إلا من اختفى، بعد أن كانت البلاد كلّها لا تخلو مدينة ولا محلة من أن يكون فيها مكان معد للعبيد، محمى لا يدخله وال ولا غيره. وكان منهم ضرر على النّاس.\rوأخذ صلاح الدّين فى القبص على دور العبيد والأرمن والأمراء، وأسكن فيها أصحابه معه بالقاهرة.\rوكان قاع النيل فى هذه السنة ستّ أذرع وثمانى أصابع، وبلغ ثمان عشرة ذراعا (¬١).","footnotes":"(¬١) فى النجوم الزاهرة: ٣٨٢:٥: الماء القديم ست أذرع وثمانى أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ا. هـ. وبهامش الأصل فى هذا الموضع: بياض صفحة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277296,"book_id":167,"shamela_page_id":1004,"part":"3","page_num":315,"sequence_num":1004,"body":"سنة خمس وستين وخمسمائة (¬١):\rفيها قدم من الشّام إخوة صلاح الدّين يوسف وعياله؛ وقيل كان قدومهم فى سنة أربع.\rفيها تحرّك الفرنج لغزو ديار مصر خوفا من صلاح الدّين ونور الدّين عند ما بلغهم تمكّنه من ديار مصر وقطع آثار جند المصريّين. فكاتبوا فرنج صقلية وغيرهم واستنجدوا بهم، فأمدّوهم بالمال والسّلاح والرّجال، وساروا بالدّبّابات (¬٢) والمنجنيقات إلى دمياط، فنزلوا عليها فى مستهلّ صفر بألف ومائة مركب، ما بين شينى ومسطح وشلندى وطريدة (¬٣)، وأحاطوا بها برّا وبحرا.\rفبعث صلاح الدّين بالأمير تقىّ الدّين (عمر بن شاهنشاه بن أيوب، ابن أخى صلاح الدين)، وأتبعه بالأمير شهاب الدّين الحارمى، فى عساكر إلى دمياط، وأمدّهم بالمال والميرة والسّلاح (¬٤).\rوألحّ الفرنج على أهل دمياط وضايقوهم (¬٥)، والنّاس فيها صابرون فى محاربتهم. وبعث صلاح الدّين إلى نور الدّين. يستنجده ويعلم أنّه لا يمكنه الخروج من القاهرة إلى لقاء الفرنج خوفا من قيام المصريّين عليه؛ فجهّز إليه نور الدّين العساكر شيئا بعد شيء، وخرج بنفسه إلى بلاد الفرنج بالسّاحل وأغار عليها واستباحها (¬٦)","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الخامس والعشرين من سبتمبر سنة ١٩٦٩.\r(¬٢) الدبابة وجمعها الدبابات: شبه برج متحرك، يتكون أحيانا من أربع طبقات من الخشب والرصاص والحديد والنحاس، يتحرك على عجلات، ويستقر الجنود داخله فى طبقاته لمهاجمة الحصون وتسلق الأسوار. وتتكون الدبابة فى أبسط صورها من الخشب المكسو بالجلد المنقوع فى الخل لوقايتها من الاحتراق. السلوك: ٥٦:١: حاشية: ٨.\r(¬٣) المسطح فى معنى الشلندى الذى هو مركب مسقف يقاتل الجنود على ظهره وتحتهم الجدافون يقومون بعملهم، ويستخدم كذلك لنقل البضائع والأمتعة. أما الطريدة فتستخدم فى نقل الخيل، أكثر ما يحمل فيها أربعون فرسا. قوانين الدواوين: ٣٣٩ - ٣٤٠، ٤٥٦.\r(¬٤) وأرسل كذلك عسكرا ثقيلا مقدمة الأمير قطب الدين خسرو الهدبانى فوصل فى النصف من ربيع الأول قبل رحيل الفرنج بأسبوع. كتاب الروضتين: ٤٥٩:١.\r(¬٥) فى الأصل: وضايقوا عليهم.\r(¬٦) يقول أبو شامة: وبلغنى من شده اهتمام نور الدين ﵀ بأمر المسلمين حين نزل الفرنج على دمياط أنه قرئ عليه جزء من حديث كان له به رواية، فجاء فى جملة تلك الأحاديث حديث مسلسل بالتبسم، فطلب منه بعض طلبة الحديث أن يتبسم لتتم السلسلة على ما عرف من عادة أهل الحديث، فغضب من ذلك وقال: أنى لأستحيى من الله تعالى أن يرانى متبسما والمسلمون محاصرون بالفرنج. كتاب الروضتين: ٤٥٩:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277297,"book_id":167,"shamela_page_id":1005,"part":"3","page_num":316,"sequence_num":1005,"body":"واستمرّ الفرنج على دمياط أحدا وخمسين يوما، ثم رحلوا عنها فى الحادى والعشرين، وقيل فى الثالث والعشرين، من ربيع الآخر، خوفا على بلادهم من نور الدّين ولفناء وقع فيهم؛ وغرق من مراكبهم نحو الثلاثمائة مركب. فأحرقوا ما ثقل عليهم حمله من المنجنيقات وغيرها.\rوبلغت النّفقة من صلاح الدّين على هذه النّوبة ألف ألف دينار مصرية. وكان يقول ما رأيت أكرم من العاضد؛ أرسل إلىّ مدّة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار سوى الثياب وغيرها.\rوورد كتاب نور الدّين إلى العاضد يهنئه برحيل الفرنج عن دمياط، وكان صلاح الدّين سيّر إليه يبشّره برحيلهم، وسيّر إليه العاضد يستقيله من الأتراك خوفا منهم ويطلب الاقتصار على الملك النّاصر صلاح الدّين، فتضمّن كتابه مدح الأتراك والثّناء عليهم (¬١).\rوفيها أرسل صلاح الدّين يطلب من نور الدّين أن يبعث إليه بأبيه نجم الدّين أيّوب ابن شاذى، فأرسله إليه فى عسكر، وسار معه كثير من التّجار ممّن له هوى فى مصر وغرض فى صلاح الدّين. فخرج ابنه صلاح الدّين إلى لقائه ومعه الخليفة العاضد إلى صحراء الإهليلج (¬٢) خارج باب الفتوح ولقيه هناك؛ ولم تجر العادة بخروج الخليفة إلى لقاء أحد؛ وذلك فى رابع عشر شهر رجب. ولقّبه العاضد بالملك الأوحد، وزينت القاهرة ومصر لقدومه فكان من الأيام المذكورة؛ وبالغ العاضد فى احترامه والإقبال عليه. ونزل اللّؤلؤة.\rوكان سبب تجهيز الملك العادل نور الدّين لنجم الدّين أيوب كثرة ورود مكاتبة الخليفة المستنجد بالله العبّاسى عليه من بغداد يعاتبه على تأخير إقامة الخطبة العبّاسية بمصر، فوالى نور الدّين كتابة الملاطفات إلى صلاح الدّين يأمره بذلك، وهو يعتذر إليه","footnotes":"(¬١) وكان مما جاء فيه أنه ما أرسلهم واعتمد عليهم إلا لعلمه بأن قنطاريات الفرنج ليس لها إلا سهام الأتراك، فإن الفرنج لا يرعبون إلا منهم، ولولاهم لزاد طمعهم فى الديار المصرية. نفس المصدر: ٤٦٠.\r(¬٢) فى الأصل: الهليج والتصحيح من الروضتين ومفرج الكروب ونهاية الأرب. والإهليلج شجر له ثمر أصفر، وأسود وهو النضيج، ينفع فى الخوانيق ويحفظ العقل ويزيل الصداع. وصحراء الإهليلج المذكورة هنا كانت تقع خارج باب الفتوح شرقى الخندق، إليها كانت تنتهى عمارة خط الحسينية بالقاهرة من جهة باب الفتوح، وكان بها شجر الإهليلج الهندى فعرفت به. المواعظ والاعتبار: ١٣٨:٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277298,"book_id":167,"shamela_page_id":1006,"part":"3","page_num":317,"sequence_num":1006,"body":"عن ترك الخطبة بما يخافه من المصريّين. فوردت رسل المستنجد إلى دمشق بالاستحثاث والعزم على إقامة الخطبة بمصر ولا بدّ؛ فرأى نور الدّين أنّ مثل هذا المهمّ لا يقوم به إلاّ نجم الدّين أيّوب، وكان يتولّى قلعة بعلبك، فأرسل إليه وقرّر معه الأمر وسيّره (¬١).\rوكان وصوله إلى القاهرة لستّ بقين من رجب، وقيل فى جمادى الآخرة، فقرّرت له ولاية الإسكندريّة وولاية دمياط والبحيرة (¬٢). وأقطع الأمير فخر الدّين شمس الدّولة توران شاه، ابن والد الملوك الملك الأفضل نجم الدّين أيوب، قوص وأسوان وعيذاب، وكانت عبرتها يومئذ فى تلك السّنة مائتى ألف دينار وستّة وستّين ألف دينار؛ فاستناب عنه فى قوص الأمير شمس الخلافة محمّد بن مختار.\rفيها ثار الأمير عبّاس بن شاذى بمرج بنى هميم (¬٣)، من أعمال قوص، ومنع رسلان دعمش المتوجّه لجباية خراج قوص من التوجّه، واستباح عسكره.\rوفيها أبطل صلاح الدّين الأذان بحىّ على خير العمل محمّد وعلىّ خير البشر، فكانت أوّل وصمة دخلت على الدّولة. ثمّ أمر أن يذكر فى الخطبة يوم الجمعة الخلفاء الرّاشدون أبو بكر وعمر وعثمان ثمّ علىّ، وذلك يوم الجمعة لعشر مضين من ذى الحجّة.","footnotes":"(¬١) وجاء فى الرسالة التى حملها نجم الدين معه من نور الدين إلى صلاح الدين بهذا الصدد: «وهذا أمر تجب المبادرة إليه لنحظى بهذه الفضيلة الجليلة والمنقبة النبيلة قبل هجوم الموت، وحضور الفوت، لا سيما وإمام الوقت متطلع إلى ذلك بكليته، وهو عنده من أهم أمنيته». كتاب الروضتين: ٤٦٦:١، نقلا عن ابن أبى طى. وإمام الوقت أبو المظفر يوسف المستنجد بالله ابن أبى عبد الله محمد المقتفى لأمر الله. تولى خلافة العباسيين بين سنتى ٥٥٥ - ٥٦٦ «(١١٦٠ - ١١٧٠).\r(¬٢) مدح عمارة اليمنى صلاح الدين بمناسبة وصول والده وإخوته من الشام، فقال من قصيدة:\rصحت به مصر، وكانت قبله … تشكو سقاما لمن يعن بطبيب\rعجبا لمعجزة أتت فى عهده … والدهر ولاد لكل عجيب!\rرد الإله به قضية يوسف … نسقا على ضرب من التقريب\rجاءته إخوته ووالده إلى … مصر على التدريج والترتيب\rفاسعد بأكرم قادم، وبدولة … قد ساعدتك رياحها بهبوب\rكتاب الروضتين: ٤٦٣:١. وقد قام نور الدين بنشاط عسكرى بالشام قصد به تأمين قافلة نجم الدين أيوب وأهله ومن معه فى رحيلهم إلى مصر، وتجد تفصيل هذا النشاط فى كتاب الروضتين: ٤٦٤:١ - ٤٦٦. وسيرد فى أخبار سنة ست وستين وخمسمائة نبأ تحرك هذه القافلة، ويرد كذلك فى الروضتين مرة أخرى: ٤٨٦:١\r(¬٣) بلدة شرقى النيل من أعمال الصعيد يسكنها عرب من بلى (بتشديد الياء) معجم البلدان: ١٧:٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277299,"book_id":167,"shamela_page_id":1007,"part":"3","page_num":318,"sequence_num":1007,"body":"ثم أمر أن يذكر العاضد فى الخطبة بكلام يحتمل التلبيس على الشيعة، فكان الخطيب يقول: اللهم أصلح العاضد لدينك. لا غير.\rوفى يوم الاثنين، بعد طلوع الشمس، الثّانى عشر من شوّال حدثت زلزلة عظيمة مهولة بدمشق سقط منها بعض شرف الجامع الأموى وتشقّق رأسا المنارتين الشّرقية والغربية، وكانت المنارة الشماليّة تهتز اهتزاز السّعفة فى الرّيح العاصفة. ثمّ جاءت زلزلة أخرى بعد ساعة، ثم جاءت زلزلة ثالثة بعد العصر. وأثرت هذه الزّلزلة آثارا شنيعة بحلب وبعلبك وحمص وحماة وشيزر وكفر طاب وتل بارين والمعرّة وتل باشر وعزاز وأفامية وأبو قبيس والمنيطرة وحصون الباطنيّة بأسرها. وامتدّت إلى الجزيرة والموصل ونصيبين وسنجار ودنيسر وماردين والرّها وحرّان ورأس العين والرّقّة وقلعة جعبر وقلعة نجم وبالس ومنبج وبزاعا وعين تاب وحارم وأنطاكية وما خلفها من الثغور وبيروت وأطرابلس وعرقة وطرسوس وجبلة والمرقب واللاذقيّة وعكّا وصور وغيرها؛ فمنها ما دمّر بأسره ومنها ما ذهب أكثره ومنها ما ذهب بعضه ومنها ما تشعّث. وهلك بحلب عدد كثير من النّاس وببعلبك، ولم يهلك بدمشق غير واحد أصابته قطعة من حجر فسقط على درج جيرون فمات. وجاءت بدمشق زلازل فى عدّة ليالى وأيّام إلى يوم الجمعة عاشر ذى القعدة (¬١).\rفيها ولى القاضى المفضّل أبو القاسم هبة الله بن كامل قضاء القضاة فى ذى الحجة؛ فرتّب صلاح الدّين الفقيه عيسى الهكّارى بحكم (¬٢) القاهرة وابن كامل بحكم مصر.","footnotes":"(¬١) وأزعجت هذه الزلازل نور الدين الذى كان يخشى من تحرك الفرنج انتهازا للخراب الذى شمل البلاد، فقام بحركة تفتيشية سريعة زار فيها مواقع الدمار وأمر بالتعمير وحصن مواقع الخطر وشحنها بالمقاتلة. وقد أصاب الفرنج مثل ما أصاب المسلمين. يقول أبو شامة: وأما بلاد الفرنج خذلهم الله تعالى، فإنها أيضا فعلت بها الزلزلة قريبا من هذا، وهم أيضا يخافون نور الدين على بلادهم. فاشتغل كل منهم بعمارة بلاده من قصد الآخر. الكامل: ١٣٢:١١ - ١٣٣؛ كتاب الروضتين ٤٦٧:١ - ٤٦٨.\r(¬٢) يعنى قضاء القاهرة وقضاء مصر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277300,"book_id":167,"shamela_page_id":1008,"part":"3","page_num":319,"sequence_num":1008,"body":"سنة ست وستين وخمسمائة (¬١):\rفيها رفع صلاح الدّين جميع المكوس بديار مصر وأبطلها.\rوفيها أمر بهدم المعونة بمصر (¬٢) فهدمت، وعمرها مدرسة للشّافعيّة؛ ولم يكن قبل ذلك بديار مصر مدرسة لأحد من الفقهاء فإنّ الدّولة كانت إسماعيلية. وهذه المدرسة بجوار جامع عمرو بن العاص وعرفت أخيرا بالمدرسة الشريفيّة؛ وهى أول مدرسة عمرت بمصر لإلقاء العلم. وأنشأ دار الغزل به مدرسة للمالكية بجوار الجامع أيضا، وتعرف اليوم هذه المدرسة بالقمحيّة (¬٣).\rوفيها عزل صلاح الدّين قضاء مصر من الشّيعة، وولّى قاضى القضاة صدر الدّين عبد الملك بن درباس الهدبانى الشافعى (¬٤)، وجعل إليه الحكم فى جميع بلاد مصر بعد ما أحضره من المحلّة، وخلع عليه فى يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة؛ فعزل من كان بها من القضاة واستناب عنه قضاة شافعيّة. ومن حينئذ اشتهر مذهب الشافعىّ ومذهب مالك بديار","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الرابع عشر من سبتمبر سنة ١١٧٠.\r(¬٢) كان فى مصر داران بهذا الاسم، وعرفتا أيضا باسم حبس المعونة. إحداهما بالفسطاط جنوب مسجد عمرو ابن العاص والأخرى بالقاهرة، واسم الأولى مأخوذ من ظروف إنشائها، إذ أنها بنيت بمعونة المسلمين وإسهامهم لينزلها ولاتهم إذ لم يكن لهؤلاء الولاة قبل ذلك دار رسمية ينزلون فيها، ثم جعلت دارا للشرطة، ثم حولت على زمن العزيز بالله إلى سجن عرف باسم حبس المعونة، وحوله صلاح الدين بعد ذلك إلى مدرسة للشافعية، عرفت باسم المدرسة الناصرية ولما كملت وقف عليها الصاغة وكانت بجوارها، وعرفت أيضا باسم الشريفية نسبة إلى الشريف القاضى شمس الدين أبى عبد الله محمد بن الحسين بن محمد الحنفى قاضى العسكر وكان رابع من تولى التدريس بها. المواعظ والاعتبار: ٤٦٣:١، ١٨٧:٢ - ١٨٨، ٣٦٣ - ٣٦٤.\r(¬٣) وكانت تعرف أيام صلاح الدين أيضا بالمدرسة القمحية لأن القمح كان يوزع على فقهائها من ضيعة بالفيوم عرفت بالحنبوشية أوقفها صلاح الدين عليها. وكان فى موقعها قبل ذلك قيسارية (سوق) عرفت بقيسارية الغزل بجوار الجامع العتيق بمصر، ووقف عليها صلاح الدين أيضا قيسارية الوراقين وعلوها بمصر، وكانت أجل مدرسة للمالكية. وفى سنة خمس وعشرين وثمانمائة أخرج السلطان الأشرف برسباى ناحيتى الأعلام والحنبوشية من وقفها وجعلهما إقطاعين لمملوكين له. نفس المصدر: ٣٦٤:٢.\r(¬٤) صدر الدين أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس الماردانى. وقد استمر فى منصبه حتى نهاية عصر صلاح الدين","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277301,"book_id":167,"shamela_page_id":1009,"part":"3","page_num":320,"sequence_num":1009,"body":"مصر وتظاهر الناس بهما (¬١)، واختفى مذهب الشّيعة من الإماميّة والإسماعيلية. وبطل من حينئذ مجلس الدّعوة بالجامع الأزهر وغيره.\rوفيها ابتدأ صلاح الدّين فى غزو الفرنج، فجمع الجنود والعساكر، وخرج فى أحسن زىّ إلى بلاد عسقلان والرملة فشنّ الغارات عليها، وهجم ربض مدينة غزّة، وواقع ملك الفرنج على الدّاروم ففلّ جمعه وقتل منه كثيرا من الفرنج، ونجا ملكهم بحشاشته.\rوعاد صلاح الدّين مظفّرا غانما.\rثمّ خرج فى النّصف من ربيع الأوّل ومعه مراكب مفصّلة على الجمال، فسار إلى أيلة، وكان بها قلعة منيعة قد ملكها الفرنج، فألقى المراكب المحمولة معه بعد إقامتها وإصلاحها فى البحر، وشحنها بالرّجال والسّلاح، وضايق قلعة أيلة فى البرّ والبحر حتى افتتحها فى العشرين من ربيع الآخر، وقتل من بها من الفرنج، وسلّمها لثقات من أصحابه أقامهم فيها وقوّاهم بالسّلاح والميرة ونحو ذلك.\rووردت عليه قافلة أهله فسار بهم إلى القاهرة ودخل فى سادس عشرى جمادى الأولى.\rثمّ سار إلى الإسكندرية لمشاهدة سورها وترتيب أمورها، فدخلها وأمر بإصلاح السّور والأبراج؛ فعمر ما تهدّم منه.\rوفيها اشترى الملك المظفّر تقىّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أيوب (¬٢) منازل العزّ بمصر (¬٣)، فى النّصف من شعبان، وجعلها مدرسة للشافعيّة، وأوقف عليها عدّة أماكن، منها الرّوضة تجاه مصر.","footnotes":"(¬١) فى الأصل: به. وهو خطأ.\r(¬٢) صاحب حماة، من رجال صلاح الدين الذين اعتمد عليهم فى حروب الوحدة بين مصر والشام عقب وفاة نور الدين محمود، ثم فى تحرير فلسطين، وناب عنه فى مصر فى سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وحدث خلاف بينه وبين صلاح الدين فحاول السير إلى المغرب فترضاه السلطان وولاه حماة. وكان قبل هذا صاحب إقطاع الفيوم حيث أنشأ مدرستين للشافعية والمالكية.\r(¬٣) منظرة بنتها السيدة تغريد أم العزيز بالله، ولم يكن بمصر أحسن منها كما يقول المقريزى، وكانت مطلة على النيل لا يحجبها عنه شيء، وكان بجوارها حمام يصل بينهما باب. وعرفت بعد تحويلها إلى مدرسة باسم المدرسة التقوية. المواعظ والاعتبار: ٤٨٤:١ - ٤٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277302,"book_id":167,"shamela_page_id":1010,"part":"3","page_num":321,"sequence_num":1010,"body":"وفيها خرج الأمير شمس الدّولة توران شاه إلى بلاد الصّعيد، وأوقع بالعربان، وغنم منها غنائم تجلّ عن الوصف، وعاد إلى القاهرة.\rوفيها ابتدأ صلاح الدّين بعمارة السّور الجديد على القاهرة (¬١).\rوفيها كثر بمصر عسكر صلاح الدّين وأقاربه وأصحابه، وانكفّت أمراء المصريّين عن التّصرّف ومنعوا من كلّ شيء، فبسطوا ألسنتهم بالقول ضدّ ما عليه صلاح الدّين وأصحابه من الفعل فى محو آثار الدّولة الفاطمية وإزالة رسومها، وخلع العاضد وقتله:\rوالدّعاء للخليفة العبّاسى. فلمّا رأى أمره قد قوى وأوتاد دولته قد تمكّنت من البلاد عزم على إظهار ما يخفيه؛ فواعد أمراء النّشابين على أن يمضوا إلى بيوت الأمراء المصريّين فى اللّيل، ويقف كل أمير منهم بجنده على باب أمير من أمراء مصر، فإذا خرج للخدمة قبض عليه واحتاط على داره وما فيها وأخذها لنفسه.\rفأصبحوا واقفين على منازل الأمراء المصريّين بأجنادهم، فما هو إلا أن يخرج الأمير من منزله ليصير إلى الخدمة على عادته فإذا بالأمير الشّامىّ الّذى قد عيّن له وقد قبض عليه وأوثقه، وهجم بمن معه على داره فملكها بجميع ما تحتوى عليه، وما يتعلّق بصاحبها وينسب إليه من أهل ومال وخيول وعبيد وجوار، وما له من إقطاع. فلم ينتشر الضّوء حتّى علت الأصوات وارتفعت الضّجّات وثار الصّياح من كلّ جانب، وصار الأمراء الشاميّون فى سائر نعم أمراء مصر، وأصبح الأمراء المصريّون أسرى معتقلين فى أيدى أعاديهم. فال أمرهم إلى أن صار الأمير منهم بوّابا على الدّار التى كان يسكنها، وصار آخر منهم سائس فرس كان يركبها، وصار آخر وكيل القبض فى بلد كانت إقطاعا له؛ ونحو ذلك من أنواع الهوان.\rوبلغ ذلك العاضد فشقّ عليه وأرسل إلى صلاح الدّين يسأله عن سبب القبض على الأمراء، فبعث إليه بأنّ هؤلاء الأمراء كانوا عصاة لأمرك والمصلحة قتلهم وإقامة غيرهم ممّن يمتثل أمرك. فسكت.","footnotes":"(¬١) «لأنه كان قد تهدم أكثر وصار طريقا لا يرد داخلا ولا خارجا». كتاب الروضتين:: ٤٨٨:١، نقلا عن ابن أبى طى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277303,"book_id":167,"shamela_page_id":1011,"part":"3","page_num":322,"sequence_num":1011,"body":"وتقوّى صلاح الدّين وعظم أمره، وذهب من كان يخشاه ويخافه، وأخرج أكثر إقطاعات الأجناد بمصر، وزاد الأمير شمس الدّولة على إقطاعه ناحية بوش (¬١) ودهشور (¬٢) والمنوفيّة وغير ذلك. وانحلّ أمر العاضد.\rفيها قبض صلاح الدّين على جميع بلاد العاضد ومنع عنه سائر موادّه، بحيث لم يبق له شيئا؛ وقبض على القصور وسلّمها إلى الطّواشى بهاء الدّين قراقوش الأسدى (¬٣)، وهو يومئذ زمام القصور من بعد قتل مؤتمن الخلافة، وصار له فى القصر موضع، فلا يدخل شيء من الأشياء إلى القصر ولا يخرج منه إلا بمرأى منه ومسمع. وضيّق على أهل القصر حتى قبض فى هذه الأيّام على جميع ما فيها، وصار العاضد معتقلا تحت أيديهم.\rوفيها أمر صلاح الدّين بتغيير شعار الفاطميّين، وأبطل ذكر العاضد من الخطبة.\rوكان الخطيب يدعو للإمام أبى محمّد، فتخاله العامّة والرّوافض العاضد وهو يريد أبا محمد الحسن المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين الخليفة (¬٤). ثم أعلن بالعزم على إقامة الخطبة العبّاسية.\rوفيها مات الشيخ الموفّق يوسف بن محمد أبو الحجاج، ابن الخلاّل، كاتب الدّست (¬٥).","footnotes":"(¬١) بالصعيد غربى النيل بعيدة عنه وتتبع محافظة بنى سويف، وتقع فى الجهة البحرية منها على بعد ساعة ونصف ساعة. معجم البلدان: ٣٠٤:٢؛ الخطط التوفيقية: ٥:١٠ - ٦.\r(¬٢) قرية قديمة تابعة لقسم الجيزة على الشاطئ الغربى، بينها وبين الجبل الغربى أربعمائة قصبة بتقدير على مبارك. معجم البلدان: ١١٤:٤؛ الخطط التوفيقية: ٦٧:١١. وفى كتاب الروضتين: وازداد على إقطاعه بوش وأعمال الجيزة وسمنود وغيرها. كتاب الروضتين: ٤٨٨:١.\r(¬٣) أبو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدى، نسب إلى أسد الدين شيركوه، لأنه كان من مماليكه. خدم صلاح الدين وتولى زمام القصر الفاطمى بعد مقتل مؤتمن الخلافة جوهر، أشرف على بناء السور بالقلعة وقناطر الجيزة، ولما فتحت عكا تولاها وسورها، ثم أسره الفرنج فافتك نفسه بعشرة آلاف دينار. توفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة، ودفن بسفح المقطم. وقراقوش لفظ تركى يعنى العقاب الطائر. كتاب الروضتين: ٤٨٨:١: حاشية: ٣.\r(¬٤) الخليفة الثالث والثلاثون من أسرة العباسيين حكم بين سنة ٥٦٦، فى أواخرها، ٥٧٥ (١١٧١ - ١١٨٠).\r(¬٥) أى كاتب الإنشاء. آخر رؤساء ديوان الإنشاء فى العصر الفاطمى قبل وزارة شيركوه، تولى الديوان بعده القاضى الفاضل، وفى عصره انتقل النفوذ إلى شيركوه ثم صلاح الدين فأصبح اليد اليمنى لهما فى إدارة شئون دولتيهما. ومن شعر ابن الخلال:\rيا أخا الغرة: حسب الدهر من … عظة المغرور ما أصبح يبدى\rتؤثر الدنيا. فهل نلت بها … لحظة تخلص من هم وكد!","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277304,"book_id":167,"shamela_page_id":1012,"part":"3","page_num":323,"sequence_num":1012,"body":"وفى يوم الجمعة سلخ ذى الحجة عزم صلاح الدّين على الإعلان بالأمر وكشف الغطاء فأحجم الخطباء عن ذلك تقيّة وحذرا، فانتدب لذلك رجل من أهل المغرب يقال له اليسع ابن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع أبو يحيى الغافقى الأندلسى، فقصد المنبر مستعدّا من الحديد بما يدفع عن نفسه إن أراده أحد بسوء؛ فخطب ودعا للخليفة أبى محمّد الحسن المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وذكر نسبه إلى العبّاس. وقيل بل كان ذلك فى السنة الآتية (¬١).","footnotes":"(¬١) بهامش الأصل: بياض صفحة ونصف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277305,"book_id":167,"shamela_page_id":1013,"part":"3","page_num":324,"sequence_num":1013,"body":"سنة سبع وستين وخمسمائة (¬١):\rفى أوّل المحرّم نسخ منشور بنقل السّنة الخراجيّة إلى السّنة الهلاليّة لخلوّ هذه السّنة من نوروز (¬٢). ومنذ نقلت السّنة فى أيّام الأفضل أمير الجيوش، كما تقدم ذكره، لم تنقل، وانسحب الأمر حتى تداخلت السّنون، وصار التّفاوت بين العربيّة والقبطيّة سنتين.\rوفى رابعه جلس العاضد بعد الإرجاف بأنّه أثخن فى رمضه، فشوهد على ما حقّق الإرجاف من ضعف القوى وتخاذل الأعضاء وظهور الحمّى؛ وقيل إنها تفشّت بأعضائه.","footnotes":"(¬١) ويوافق أول المحرم منها الرابع من سبتمبر سنة ١١٧١.\r(¬٢) الأصل فى هذا أن استحقاق الخراج وجباته منوطان بالزروع والثمار من حيث إن الخراج يؤخذ من متحصل ذلك، والزروع والثمار مرتبطة بالشهور والسنين الشمسية إذ أن كل نوع منها يظهر فى وقت من أوقاتها لا يتحول عند للزوم كل شهر منها وقتا بعينه من صيف أو شتاء أو ربيع أو خريف. واستخراج الخراج فى الإسلام مرتبط بتاريخ الهجرة وشهورة تنتقل من وقت إلى وقت، فربما كان استحقاق الخراج فى أول سنة من السنين العربية ثم يترك الحال إلى أن يصير فى أواخرها ثم فى السنة التالية فيصير الخراج منسوبا للسنة السابقة واستحقاقه فى السنة اللاحقة، فيحتاج حينئذ إلى تحويل السنة الخراجية السابقة إلى التى بعدها. وقد ورد فى متجددات سنة سبع وستين وخمسمائة: كتب القاضى الفاضل، ونقل المقريزى من خطه: «مستهل المحرم. نسخ منشور بنقل السنة الخراجية إلى السنة الهلالية والمطابقة بين اسميهما لموافقة الشهور العربية للشهور القبطية وخلو سنة سبع من نوروز، فنقلت سنة خمس وستين الخراجية إلى هذه السنة، وكان آخر نقل نقلته هذه السنة فى الأيام الأفضلية (يعنى أيام الأفضل بن بدر الجمالى) فإن سنة ثمان وتسعين وأربعمائة وسنة تسع وتسعين الخراجيتين نقلتا إلى سنة إحدى وخمسمائة. وسبب هذا الانفراج بينهما زيادة عدد السنة الشمسية على السنة الهلالية أحد عشر يوما وإغفال النقل فى سنة ثلاث وثلاثين فى أيام الوزير الأفضل رضوان بن ولخشى، وانسحب ذيل هذه الزيادة وتداخل السنين بعضها إلى بعض إلى أن صار التفاوت بينها سنتين فى هذه السنة، فنقلت. وهو انتقال لا يتعدى التسمية ولا يتجاوز اللفظ ولا ينقص مالا لديوان ولا لمقطع. وإنما يقصد به إزالة الالتباس، وحل الإشكال» اهـ. المواعظ والاعتبار: ٢٨١:١ - ٢٨٢. ونقل السنة الخراجية إلى التى تليها يحدث مرة كل ثلاث وثلاثين سنة ذلك أنه إذا اتفق أن يكون أول الهلالية موافقا لمدخل السنة الخراجية (مع يوم النيروز)، وكانت نسبتهما واحدة استمر اتفاق التسمية فيهما وبقى ذلك جاريا عليهما، ثم يحدث التداخل حتى تنقضى ثلاث وثلاثون سنة فيطل التداخل وتخلو السنة الهلالية من نوروز ويكون التفاوت سنة واحدة، فيحتاج الأمر إلى نقل السنة الشمسية إلى التى تليها. وفائدة النقل ألا تخلو السنة الهلالية من مال خاص ينسب إلى السنة الموافقة لها لأن واجبات العسكر وأرزاق المرتزقة جارية على السنة الهلالية. نفس المصدر: ٢٨٠ - ٢٨١. راجع الدراسة التفصيلية لهذا منسوبة إلى جذورها التاريخية فى نفس المصدر: ٢٧٣ - ٢٨٥؛ صبح الأعشى: ١٣: ٥٤ - ٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277306,"book_id":167,"shamela_page_id":1014,"part":"3","page_num":325,"sequence_num":1014,"body":"وأمسك طبيبه المعروف بابن السّديد (¬١) عن الحضور إليه، وامتنع من مداواته (¬٢)، وخذله مساعدة عليه للزّمان، وميلا مع الأيّام.\rوفيها نزل نجم الدّين أيّوب بجماعة معه إلى الجامع وأمر الخطيب ألاّ يذكر العاضد، وقال إن ذكرته ضربت عنقك. فقال لمن أخطب؟ فقال للخليفة المستضيء بأمر الله العبّاسى. فلمّا خطب لم يذكر العاضد ولا غيره، بل دعا للأئمة المهديّين والملك النّاصر.\rفقيل له فى ذلك، فقال: ما علمت اسم المستضيء ولا نعوته، وفى الجمعة الثّانية أفعل ما يجب فعله وأذكره. فلمّا بلغ العاضد ذلك قال فى الجمعة الأخرى يعيّنون اسم الرّجل المخطوب له.\rفلمّا كانت الجمعة الثانية، وهى سابعه (¬٣)، خطب باسم الخليفة المستضيء بأمر الله أبى محمّد الحسن بن المستنجد بالله أبى المظفّر يوسف بن المقتفى لأمر الله أبى عبد الله محمّد ابن المستظهر بالله. وقطعت الخطبة للعاضد لدين الله فانقطعت ولم تعد بعدها إلى اليوم الخطبة للفاطميّين.\rوذلك أنه لمّا ثبتت قدم صلاح الدّين بالدّيار المصريّة وأزال المخالفين له، وضعف أمر الخليفة العاضد بقتل رجاله وذهاب أمواله، وصار الحكم على قصره قراقوش، طواشى أسد الدّين، نيابة عن صلاح الدّين، وتمكّنت عساكر نور الدّين من مصر - طمع فى أخذها.\rوكتب إلى صلاح الدّين - وفى ظنّه وظنّ جميع عساكره أنّ صلاح الدّين إنمّا هو نائب عنه فى مصر متى أراد سحبه بإذنه لا يمتنع عليه - يأمره بقطع خطبة العاضد وإقامتها للمستضيء العبّاسى. فاعتذر بالخوف من قيام المصريّين عليه وعلى من معه لميلهم - كان - إلى الفاطميّين، ولأنّه خاف من قطع خطبة العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء (¬٤) أن يسير","footnotes":"(¬١) القاضى الأجل السديد أبو المنصور عبد الله بن الشيخ السديد أبى الحسن على، كان رئيس أطباء مصر فى عصره، وكان أبوه أيضا طبيبا للفاطميين، سكن فى القاهرة دارا اعتنى بزينتها عند باب زويلة - توفى سنة ٥٩٢. النجوم الزاهرة. ٣٥٧:٥، حاشية: ١.\r(¬٢) فى الأصل: من مكافأته. والتصحيح من النجوم الزاهرة.\r(¬٣) بدأ المحرم من هذه السنة يوم السبت. التوفيقات الإلهامية: ٢٨٤. وبهذا تكون هذه هى الجمعة الأولى منه.\r(¬٤) فى الأصل للمستنجد، وهو لا يتفق مع ما ذكر قبل ذلك بسطرين ولا مع ما سيرد بعد سطور قليلة من حديث مساعدة الأقدار بمرض العاضد مرض الموت. هذا إلى أن المستنجد بالله توفى فى ربيع الثانى من سنة ست وستين وخمسمائة، أى قبل إقامة الخطبة للعباسيين بثمانية أشهر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277307,"book_id":167,"shamela_page_id":1015,"part":"3","page_num":326,"sequence_num":1015,"body":"نور الدّين إلى مصر وينزعه منها. فلم يقبل منه نور الدّين وألحّ عليه وألزمه إلزاما لم يجد مندوحة عن مخالفته، وساعدته الأقدار بمرض العاضد المرض الّذى غلب على الظّنّ أنّه لا يعيش منه. فجمع صلاح الدّين أصحابه إليه واستشارهم فى ذلك، فاختلفوا، فمنهم من أشار بقطع خطبة العاضد، ومنهم لم يشر بها.\rوكان قد دخل إلى مصر رجل عجمىّ يعرف بالأمير العالم، يزعم أنّه عبّاسى فاطمىّ من أيّام الصّالح بن رزّيك، وما زال ينتقل فى قوالب الانتساب وأساليب الاكتساب. فلمّا رأى ما هم فيه من الإحجام وأنّ أحدا لا يتجاسر ويخطب للمستضيء قال: أنا أبتدئ الخطبة له. فصعد يوم الجمعة المنبر بالجامع العتيق وخطب للمستضيء قبل الخطيب، فلم ينكر أحد عليه ولا تحرّك له. فتيقّن حينئذ صلاح الدّين ذهاب قوّة القوم من وال يغريهم.\rفتقدّم إلى جميع الخطباء بأن يخطبوا فى الجمعة الآتية للمستضيء، وكتب بذلك إلى سائر أعمال مصر. فكان الذى ابتدأ بالخطبة للمستضيء فى الجامع العتيق بمصر أبو عبد الله محمّد ابن الحسن بن الحسين بن أبى المضاء الدمشقى (¬١). وكان قدم به أبوه إلى مصر فنشأ بها وقرأ الأدب، ورحل إلى دمشق وبغداد وتفقّه، وعاد إلى مصر، واتّصل بخدمة السّلطان صلاح الدّين فولاّه الخطابة بمصر ثم بعثه رسولا إلى بغداد، فمات بدمشق. وولى الخطابة بعده الشيخ أبو إسحاق العراقى.\rفكتم أهل العاضد ذلك عنه لشدّة ما به من المرض. وكان ذلك من أعجب ما يؤرّخ، فإنّ الخطبة بديار مصر أوّل ما خطب بها للمعزّ لدين الله، أول خلائف الفاطميّين بمصر،","footnotes":"(¬١) تقدم فى آخر أنباء سنة ست وستين أن الذى قام بالخطبة فى الجامع العتيق - بعد أن أحجم الخطباء عن ذلك - رجل من أهل المغرب يسمى اليسع بن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع، الغافقى الأندلسى. ويذكر النويرى أن صلاح الدين أحضر الفقيه اليسع بن يحيى بن اليسع وعرفه برغبة نور الدين، فصعد اليسع المنبر قبل صعود الخطيب ودعا للمستضيء بنور الله فلم ينكر عليه أحد. ويذكر أبو المحاسن أن الروايات اختلفت فيمن أقدم على هذه الخطبة العباسية فقيل إنه رجل من الأعاجم يسمى الأمير العالم. وقيل رجل من أهل بعلبك يسمى محمد بن المحسن بن أبى المضاء البعلبكى، وقيل إنه كان شريفا عجميا ورد من العراق أيام الصالح طلائع بن رزيك. قارن نهاية الأرب: ٢٨؛ النجوم الزاهرة: ٣٥٥:٥٠ - ٣٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277308,"book_id":167,"shamela_page_id":1016,"part":"3","page_num":327,"sequence_num":1016,"body":"عمر بن عبد السّميع العبّاسى الخطيب بجامع عمرو، كما تقدم ذكره (¬١)، وكان الذى قطع خطبة العاضد، آخر خلائفهم، رجل عبّاسىّ. ومثله فى الغرابة أن الفاطميّين لم يتمكّنوا من الدّيار المصريّة حتى قصدوها بعساكرهم مرتين مع القائم بن المهدى ولم يفتح، وفتحوها فى الثالثة على يد جوهر؛ وكذا حصل فى زوالهم من مصر فإن شيركوه قصد مصر مرّتين ورجع، ثم قصدها المرّة الثّالثة واستقرّ بها حتى أزالت عساكره الدّولة.\rفى ثامنه أمر صلاح الدّين بركوب عساكره كلّها قديمها وجديدها، بعد أن تكامل سلاحهم وخيولهم، وخرج لعرضهم، وهى تمرّ عليه موكبا بعد موكب وطلبا بعد طلب.\rوالطّلب بلغة الغزّ هو الأمير المقدّم الّذى له علم معقود وبوق مضروب وعدّة من الجند ما بين مائتى فارس إلى مائة فارس إلى سبعين فارسا. واستمرّ طول النّهار فى عرضهم. وكانت العدّة الحاضرة مائة وسبعة وأربعين طلبا والغائب منها عشرون طلبا، وتقدير العدة أربعة عشر ألف فارس.\rفى يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من المحرّم، عشيّة يوم عاشوراء، نفذ حكم الله المقدور، وقضاؤه الذى يستوى فيه الآمر والمأمور، فى العاضد لدين الله، فى الثّلث الأوّل من ليلة الاثنين يوم عاشوراء، وقامت عليه الواعبة (¬٢)، وعظمت ضوضاء الأصوات النّادبة، حتى كأن القيامة قد قامت. وكان بين وضع اسمه من أعواد المنابر ورفع جسمه على أعواد النّعش ثلاثة أيّام. فاعتنى به صلاح الدّين عن أن يبتذل أو يهان بعد الموت، وكان من معه من الأمراء يريدون ذلك؛ وأمر بكفّ الأيدى واعتقال الألسنة عن التعرّض إليه بسوء؛ وركب معزّيا لأهل القصر. وأمر بتجهيزه وقد أظهر الكآبة والحزن وأجرى دمعه، ووعد أهله بحسن الخلافة على أيتام العاضد وهم ثلاثة عشر ولدا: أبو الحسن، وأبو سليمان داود، وأبو الحجّاج يوسف، وأبو الفتوح، وأبو إسحاق إبراهيم، وأبو الفضل","footnotes":"(¬١) فى الجزء الأول من هذا الكتاب: ١١٤. حيث تجد الخبر يخالف ما ورد هنا بعض الشئ إذ قال: «ولما كان يوم الجمعة لعشرة بقين من شعبان نزل جوهر فى عسكر إلى الجامع العتيق لصلاة الجمعة وخطب بهم هبة الله بن أحمد - خليفة عبد السميع بن عمر العباسى - ببياض». وذكر النويرى مثل هذا أيضا. فالخطيب هبة الله بن أحمد نائب خطيب المسجد، واسم هذا الأخير عبد السميع عمر لا عمر بن عبد السميع. وذكر أبو المحاسن مثل ذلك. نهاية الأرب: ٢٨؛ النجوم الزاهرة: ٣٥٦:٥.\r(¬٢) وعبه كوعده أخذه أجمع كأوعبه واستوعبه، وأوعب جمع، والجذع استأصله. القاموس المحيط.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277309,"book_id":167,"shamela_page_id":1017,"part":"3","page_num":328,"sequence_num":1017,"body":"جعفر، وأبو داود موسى، وأبو زكريّا يحيى، وعبد القوى، وعبد الكريم، وعبد الصّمد، وأبو اليسر، وأبو القاسم عيسى (¬١).\rوأمر بإنشاء الكتب إلى البلاد بذكر وفاة العاضد وأنّ الخطبة استقرّت للمستضيء بأمر الله أمير المؤمنين العبّاسى، وألاّ يخوض أحد فى شأن العاضد ولا يطعن فى سلطان. وكتب إلى نور الدّين بموت العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء كما أشار به مع ابن (أبى) عصرون (¬٢).\rوفى حادى عشره عمل الباقى بالإيوان، وحضر السلطان صلاح الدّين؛ وكان محفلا حافلا وجمعا حاشدا، فيه خلق من الزّوايا وأهل التّصوّف وغيرهم. واهتمّ بما يحمل من أطعمة العزاء.\rوكانت النّفوس متطلّعة إلى إقامة خليفة بعد العاضد من أهله يشار إليه بالأمر، فلم يرض ذلك صلاح الدّين.\rومات العاضد وعمره إحدى وعشرون سنة غير عشرة أيّام، منها فى الخلافة إلى أن أعيدت دولة بنى العبّاس فى مستهلّ المحرّم سنة سبع وستّين وخمسمائة إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة عشر يوما. وكان كريما سمحا لطيفا، ليّن الجانب، يغلب عليه الخير وينقاد إليه. وكان أسمر حلو السّمرة كبير العينين أزجّ الحاجبين (¬٣)، فى أنفه حلس (¬٤) وفى منخريه انتشار، وفى شفتيه غلظ.","footnotes":"(¬١) يقول أبو شامة: «أخبرنى الأمير أبو الفتوح بن العاضد، وقد اجتمعت به سنة ثمان وعشرين وستمائة وهو محبوس مقيد بقلعة الجبل بمصر، أن أباه فى مرضه استدعى صلاح الدين، فحضر، قال وأحضرنا، يعنى أولاده، وهم جماعة صغار، فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا، ﵀». كتاب الروضتين: ٤٩٤:١.\r(¬٢) بهامش الأصل: بياض أسطر. وشرف الدين أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن على بن المطهر أبى عصرون، الإمام التميمى الموصلى قاضى قضاة دمشق، ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وقيل سنة ثلاث وتسعين، وتوفى سنة خمس وثمانين وخمسمائة. وولى قضاء سنجار ونصيبين وحران، وقدم حلب سنة خمس وأربعين وخمسمائة، ودخل دمشق مع نور الدين عند فتحها سنة تسع وأربعين، وتولى عدة مناصب فيها وفى غيرها. وتولى منصب قاضى القضاة بدمشق سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، بنى له نور الدين المدارس بحلب وحماة وحمص وبعلبك وبنى هو لنفسه مدرستين بدمشق وحلب، وكف بصره قبل وفاته بعشر سنين. ومن شعره:\rأؤمل أن أحيا وفى كل ساعة … تمر بى الموتى تهز نعوشها\rوما أنا إلا منهم غير أن لى … بقايا ليال فى الزمان أعيشها\r(¬٣) الزجج: دقة الحاجبين فى طول، والنعت أزج وزجاء، وزججه دققه وطوله، القاموس المحيط.\r(¬٤) الحلس، بكسر الحاء، كساء يوضع على ظهر البعير تحت البرذعة، وبفتحتين أن يكون موضع الحلس من البعير يخالف لون البعير، والحلساء شاة شعر ظهرها أسود وتختلط به شعرة حمراء، وأحلست الأرض صار النبات عليها كالحلس كثرة وأحلس النبت غطى الأرض بكثرته، واحلس (بتشديد السين) احلساسا صار أحلس، وهو بين السواد والحمرة. القاموس المحيط ..","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277310,"book_id":167,"shamela_page_id":1018,"part":"3","page_num":329,"sequence_num":1018,"body":"وترك العاضد من الولد الأمير داود، والأمير عليّا ويقال أبو علىّ، والأمير عبد الكريم، وتميما، وموسى، وعبد القوى، وجعفر، وعبد الصّمد، وأبا الفتوح، وحيدرة، وإبراهيم، ويحيى، وجبريل، وعيسى، وسليمان، ويوسف (¬١). غير أنّ أيّامه كانت ذات مخاوف وتهديدات، وقاسى شاورا وتلوّناته ومخايلاته، ثم محاصرة الفرنج ومضايقته. وفى أيّامه احترقت مصر وذهبت أموال أهلها وزالت نعمتهم بالحريق والنّهب. وكان متغاليا فى مذهبه شديدا على من خالفه. ولم يكن فيمن ولى من آبائه من أبوه غير خليفة سواه ومن قبله الحافظ، وما عداهما فلم يل منهم أحد الخلافة إلاّ من كان أبوه خليفة.\rوقال ابن خلّكان: سمعت جماعة من المصريّين يقولون إنّ هؤلاء القوم فى أوائل دولتهم قالوا لبعض العلماء اكتب لنا ورقة تذكر فيها ألقابا تصلح للخلفاء حتّى إذا تولّى واحد لقّبوه ببعض تلك الألقاب، فكتب لهم ألقابا كثيرة، وآخر ما كتب فى الورقة العاضد، فاتّفق أنّ آخر من ولى منهم تلقّب بالعاضد؛ وهذا من عجيب الاتّفاق (¬٢).\rقال: وأخبرنى أحد علماء المصريّين أيضا أنّ العاضد رأى فى آخر دولته فى منامه كأنّه بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد معروف بها فلدغته، فلمّا استيقظ ارتاع لذلك وطلب بعض معبّرى الرؤيا وقصّ عليه المنام، فقال ينالك مكروه من شخص هو مقيم فى هذا المسجد، فطلب والى مصر وأمره يكشف عمّن هو مقيم فى المسجد المذكور، وكان العاضد يعرفه. فمضى الوالى إلى المسجد فرأى فيه رجلا صوفيّا، فأخذه ودخل به على العاضد، فلمّا رآه سأله من أين هو، ومتى قدم البلاد، وفى أىّ شيء قدم، وهو يجاوبه عن كلّ سؤال. فلمّا ظهر له منه ضعف الحال والصّدق والعجز عن إيصال المكروه إليه أعطاه شيئا وقال له: يا شيخ ادع لنا، وأطلق سبيله؛ فنهض من عنده وعاد إلى المسجد.\rفلما استولى صلاح الدّين وعزم على القبض على العاضد واستفتى الفقهاء أفتوه بجواز ذلك","footnotes":"(¬١) سبق قبل أسطر ذكر عدة أولاد العاضد وأسمائهم، وهم ثلاثة عشر اتفق النويرى مع المقريزى على أسمائهم. أما من ذكرهم هنا فعدتهم ستة عشر ولدا من بينهم تميم، وحيدرة، وجبريل، وسليمان، وسقط هنا ممن ورد ذكرهم أولا اسم أبى اليسر.\r(¬٢) وفيات الأعيان: ٢٦٩:١ - ٢٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277311,"book_id":167,"shamela_page_id":1019,"part":"3","page_num":330,"sequence_num":1019,"body":"لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة وفساد الاعتقاد وكثرة الوقوع فى الصّحابة، وكان أكثرهم مبالغة فى الفتيا الصّوفى المقيم فى المسجد - وهو نجم الدّين الخبوشانى (¬١) - فإنه عدّد مساوئ القوم وسلب عنهم الإيمان، وأطال الكلام فى ذلك؛ فصّحت بذلك رؤيا العاضد.\rوحكى الشّريف الجليس أنّ العاضد طلبه يوما، فلمّا دخل عليه رأى عنده مملوكين من التّرك عليهما أقبية، فسأله عنهما، فقال له: هذه هيئة الّذين يملكون ديارنا ويأخذون أموالنا؛ فلمّا دخل الغزّ كانت هيئتهم كهيئة هذين المملوكين (¬٢).\rومن العجيب أنّه لم يمت بالقصر منهم إلاّ المعزّ أولهم بمصر والعاضد آخرهم، وعدّتهم أربعة عشر دفنوا كلّهم بالتّربة فى المجلس؛ فلو اتّفق أنّه مات آخر لم يوجد له عندهم مكان يدفن فيه لامتلائه بقبور الأربعة عشر، وهذا أيضا من عجيب أمرهم.\rولمّا مات العاضد استولى صلاح الدّين على جميع ما كان فى القصر، فإنّ قراقوش قام بحفظه، فلم يجد فيه كثير مال، لكنّه وجد فيه من الفرش والسّلاح والذّخائر والتّحف ما يخرج عن الإحصاء، ووجد فيه من الأعلاق النّفيسة والأشياء الغريبة ما تخلو الدّنيا من مثله، ومن الجواهر ما لا يوجد عند غيرهم مثله. منها حبل ياقوت زنته سبعة عشر درهما أو سبعة عشر مثقالا، ونصاب زمرد طوله أربعة أصابع فى عرض كبير (¬٣)، ولؤلؤ كثير،","footnotes":"(¬١) أبو البركات محمد بن الموفق بن سعيد بن على بن الحسن بن عبد الله الخبوشانى، نجم الدين، الفقيه الشافعى؛ لما استقل صلاح الدين بمصر قربه منه وأكرمه لاعتقاده فى علمه ودينه وفوض إليه تدريس المدرسة المجاورة لقبر الإمام الشافعى. ولد سنة ٥١٠ وتوفى سنة ٥٨٧، ودفن فى قبة تحت رجلى الإمام الشافعى، وعاش ولم يأكل من وقف المدرسة لقمة، وكفن فى كسائه الذى أحضره من خبوشان. وخبوشان، بفتح الخاء أو ضمها وضم الباء، من أعمال نيسابور. معجم البلدان: ٣٩٨:٣؛ وفيات الأعيان: ٤٧١:١ - ٤٧٢؛ طبقات الشافعية: ١٩٠:٤ - ١٩٥؛ شذرات الذهب: ٢٨٨:٤.\r(¬٢) فى الأصل: كهيئة تلك المملوكين.\r(¬٣) يقول أبو شامة ومن عجيب ما وجد فيه قضيب زمرد طوله شبر وكسر، قطعة واحدة، وكان سمت حجره قدر الإبهام … وقد أحضر السلطان صانعا ليقطعه، فأبى، فرماه السلطان فانقطع ثلاث قطع، وفرقه على نسائه. كتاب الروضتين: ٥٠٦:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277312,"book_id":167,"shamela_page_id":1020,"part":"3","page_num":331,"sequence_num":1020,"body":"وإبريق من حجر مانع يسع مائة رطل ماء (¬١)، وسبعمائة يتيمة بزهر (¬٢)، والطّبل الذى صنع لإزالة القولنج، وكان بالقرب من موضع العاضد، فلمّا احتاطوا بالقصر ظنّوه عمل للّعب فسخروا من العاضد، وضرب عليه إنسان فضرط فتضاحك من حضر منهم، ثم ضرب عليه آخر فضرط، ثم آخر من بعد فضرط، حتى كثر ذلك فألقاه من يده فتكسّر؛ وقيل للسّلطان عليه وأنّه عمل للقولنج فندم على كسره.\rووجد من الكتب النّفيسة ما لا يعدّ؛ ويقال إنها كانت ألف ألف وستمائة ألف كتاب، منها مائة ألف مجلّد بخطّ منسوب (¬٣)، وألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطّبرى؛ فباع السلطان جميع ذلك، وقام البيع فيها عشر سنين (¬٤).\rونقل أهل العاضد وأقاربه إلى مكان بالقصر ووكل بهم من يحفظهم. وأخرج سائر ما فى القصر من العبيد والإماء فباع بعضهم وأعتق بعضهم ووهب منهم. وخلا القصر من ساكنه كأن لم يغن بالأمس.\rوكانت مدّة الدّولة الفاطميّة بالمغرب ومصر منذ دعا للمهدىّ عبيد الله برقّادة من القيروان إلى حين قطعت من ديار مصر مائتى سنة وتسعا وستّين سنة وسبعة أشهر وأيّاما، أوّلها لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين وآخرها سلخ ذى الحجّة سنة ستّ وستّين وخمسمائة. منها بالمغرب إلى حين قدوم القائد جوهر إلى مصر أحد وستّون سنة وشهران وأيّام؛ ومنها بالقاهرة ومصر مائتا سنة وثمانى سنين. وما أعجب قول المهدى ابن الزّبير فى مدح العاضد:","footnotes":"(¬١) أرسله السلطان إلى بغداد. نفس المصدر.\r(¬٢) لعله البادزهر الذى يعرف به القلقشندى قائلا إنه حجر خفيف هش، وأصل تكونه فى الحيوان المعروف بالأيل (بتشديد الياء) بتخوم الصين الذى يأكل الحيات فينتج هذا الحجر فى الدموع التى تسقط من عينيه ويتربى الحجر حتى يكبر ويحتك فيسقط. وقيل يكون فى قلبه، وقيل فى مرارته؛ ويصاد هذا الحيوان لأجله. صبح الأعشى: ٢: ١١٦ - ١١٨.\r(¬٣) أى بخط كبار الكتاب المعروفين من أمثال ابن البواب وابن مقلة.\r(¬٤) و «حصل للقاضى الفاضل قدر كبير منها حيث شغف بحبها، وذلك أنه دخل إليها واعتبرها، فكل كتاب صلح له قطع جلده ورماه فى بركة كانت هناك، فلما فرغ الناس من شراء الكتب اشترى تلك الكتب التى ألقاها فى البركة على أنها مخرومات، ثم جمعها بعد ذلك». كتاب الروضتين: ٥٠٧:١. ويقول ابن واصل: «فحمل من الكتب إلى الشام ثمانية أحمال، وترك الباقى، فبيع بعضه، وأطلق البعض لمن يختص به». مفرج الكروب: ٢٠٣:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277313,"book_id":167,"shamela_page_id":1021,"part":"3","page_num":332,"sequence_num":1021,"body":"بل عاد للدّنيا الجمال … وبدا على الدّين الجلال\rأصبحت فى الخلفاء را … بع عشرهم، وهو الكمال\rفإن الشّئ إذا كمل بدأ نقصه، وبالعاضد تمّ ملك الفاطميين وزال بموته.\rقال ابن سعيد: ولم يسمع فيما بكيت به دولة بعد انقراضها أحسن من قصيدة عمارة ابن على اليمنى الذى قتله صلاح الدّين، وهى (¬١):\rرميت يا دهر كفّ المجد بالشّلل … وجيده بعد حسن الحلى (¬٢) بالعطل\rسعيت فى منهج الرأى العثور، فإن … قدرت من عثرات الدّهر (¬٣) فاستقل\rجدعت مارنك الأقنى، فأنفك لا … ينفكّ ما بين قرع السّنّ والحجل (¬٤)\rهدمت قاعدة المعروف عن عجل … سقيت مهلا، أما تمشى على مهل!\rلهفى ولهف بنى الآمال قاطبة … على فجيعتنا (¬٥) فى أكرم الدّول\rقدمت مصر، فأولتنى خلائفها … من المكارم ما أربى على الأمل\rقوم عرفت بهم كسب الألوف، ومن … كمالها أنّها جاءت ولم أسل\rوكنت من وزراء الدّست حين سما (¬٦) … رأس الحصان بهاديه على الكفل\rونلت من عظماء الجيش مكرمة … وخلّة حرست من عارض الخلل\rيا عاذلى فى هوى أبناء فاطمة … لك الملامة إن قصّرت فى عذلى\rبالله زر ساحة القصرين، وابك معى … عليهما، لا على صفّين والجمل\rوقل لأهلهما: والله ما التحمت … فيكم جراحى، ولا قرحى بمندمل (¬٧)","footnotes":"(¬١) وردت فى كتاب الروضتين: ٥٧٠:١ - ٥٧١؛ وفى مفرج الكروب: ٢١٢:١ - ٢١٦؛ وفى صبح الأعشى: ٥٢٦:٣ - ٥٢٨.\r(¬٢) فى الروضتين: بعد حلى الحسن.\r(¬٣) فى الروضتين: من عثرات البغى.\r(¬٤) فى الروضتين: ينفك ما بين نقص الشين والخجل. وفى مفرج الكروب وصبح الأعشى: ما بين أمر الشين والخجل.\r(¬٥) فى الأصل وفى مفرج الكروب: فجيعتها، والتصحيح من الروضتين، وهو أكثر مناسبة.\r(¬٦) فى مفرج الكروب: حيث سما.\r(¬٧) فى الروضتين: فيكم قروحى، ولا جرحى بمندمل. وفى مفرج الكروب وفى صبح الأعشى: فيكم جروحى ولا قرحى بمندمل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277314,"book_id":167,"shamela_page_id":1022,"part":"3","page_num":333,"sequence_num":1022,"body":"ماذا عسى (¬١) كانت الإفرنج فاعلة … فى نسل آل أمير المؤمنين على\rهل كان فى الأمر شيء غير قسمة ما … ملكتم بين حكم السّبى والنّفل\rوقد حصلتم عليها، واسم جدّكم … محمّد، وأبوكم غير منتقل\rمررت بالقصر والأركان خالية … من الوفود، وكانت قبلة القبل\rفملت عنها بوجهى خوف منتقد … من الأعادى، ووجه الودّ لم يمل\rأسبلت من أسف دمعى غداة خلت … رحابكم وغدت مهجورة السّبل\rأبكى على مأثرات من مكارمكم … حال الزّمان عليها وهى لم تحل\rدار الضّيافة كانت أنس وافدكم … واليوم أوحش من رسم ومن طلل\rوفطرة الصّوم إن أضحت (¬٢) مكارمكم … تشكو من الدّهر ضيما (¬٣) غير محتمل\rوكسوة الناس فى الفصلين قد درست … ورثّ منها جديد عندهم وبلى\rوموسم كان فى يوم الخليج (¬٤) لكم … يأتى تجملكم فيه على الجمل\rوأوّل العام والعيدين كم لكم … فيهنّ من وبل جود ليس بالوشل\rوالأرض تهتزّ فى يوم الغدير كما (¬٥) … يهتزّ ما بين قصريكم من الأسل\rوالخيل تعرض فى وشى وفى شية … مثل الطّواويس فى حلى وفى حلل (¬٦)\rولا حملتم قرى الأضياف من سعة ال … أطباق إلا على الأكتاف (¬٧) والعجل\rوما خصصتم ببرّ أهل ملّتكم … حتّى عممتم به الأقصى من الملل\rكانت رواتبكم للذّمّتين (¬٨) وللضّ [م] … يف المقيم، وللطّارى من الرّسل","footnotes":"(¬١) فى الروضتين وفى مفرج الكروب وصبح الأعشى: ماذا ترى.\r(¬٢) فى الروضتين: إن أصغت؛ وكذلك فى مفرج الكروب.\r(¬٣) فى الروضتين: حيفا.\r(¬٤) فى الروضتين: فى كسر الخليج.\r(¬٥) فى الروضتين: فى عيد الغدير لما.\r(¬٦) فى الروضتين … من وشى ومن وشية .. مثل العرائس .. وفى مفرج الكروب .... فى شى وفى وشية .. مثل العرائس.\r(¬٧) فى الروضتين: على الأعناق.\r(¬٨) فى مفرج الكروب: للوافدين، وكذلك فى صبح الأعشى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277315,"book_id":167,"shamela_page_id":1023,"part":"3","page_num":334,"sequence_num":1023,"body":"ثم الطّراز بتنّيس الذى عظمت … منه الصّلات لأهل الأرض والدّول (¬١)\rوللجوامع من أحباسكم (¬٢) نعم … لمن تصدّر فى علم وفى عمل\rوربّما عادت الدّنيا لمعقلها … منكم فأضحت بكم محلولة العقل\rوالله لا فاز يوم الحشر مبغضكم … ولا نجا من عذاب الله غير ولى (¬٣)\rولا سقى الماء من حرّ ومن ظمإ … من كفّ خير البرايا خاتم الرّسل\rولا رأى جنة الله التى خلقت … من خان عهد الإمام العاضد بن على\rأئمتى، وهداتى، والذّخيرة لى … إذا ارتهنت بما قدّمت من عملى\rتالله لم أوفهم فى المدح حقّهم … لأنّ فضلهم كالوابل الهطل\rولو تضاعفت الأقوال واستبقت … ما كنت فيهم - بحمد الله - بالخجل\rباب النّجاة هم، دنيا وآخرة … وحبّهم فهو أصل الدّين والعمل\rنور الهدى، ومصابيح الدّجى، ومحلّ [م] … الغيث إن ونت الأنواء فى المحل\rأئمة خلقوا نورا، فنورهم … من نور خالص نور الله لم يفل (¬٤)\rوالله لا زلت عن حبّى لهم أبدا … ما أخّر الله لى فى مدّه الأجل\r[عمارة قالها المسكين، وهو على … خوف من القتل، لا خوف من الزّلل] (¬٥)\rووجد على بعض جدران القصر مكتوبا:\rيا هذه الدنيا عجبت لمولع … بك كيف أضحى فى هواك يقاد\rما صحّ منك لآل أحمد موعد … فكيف منك لغيرهم ميعاد (¬٦)\rأمّا نعيمك فهو ظلّ زائل … وصلاح ما تأتيه فهو فساد","footnotes":"(¬١) هذا البيت ساقط من الروضتين.\r(¬٢) فى صبح الأعشى: من أخماسكم.\r(¬٣) هذا البيت وما يتلوه إلى آخر القصيدة غير موجود فى الروضتين. وهى موجودة فى مفرج الكروب. وفى صبح الأعشى ورد هذا البيت .. ولو نجا من عذاب النار ..\r(¬٤) من الفعل: أفل وفى مفرج الكروب: لم يغل. وفى صبح الأعشى أدمج هذا البيت مع البيت الذى سبقه فى بيت واحد يقول:\rنور الدجى، ومصابيح الهدى، وهم … من نور خالص نور الله لم يغل\r(¬٥) هذا البيت ساقط من الأصل. وقد أضيف من مفرج الكروب.\r(¬٦) فى الأصل: فكيف يصح منك لغيرهم ميعاد. وبه ينكسر البيت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277316,"book_id":167,"shamela_page_id":1024,"part":"3","page_num":335,"sequence_num":1024,"body":"ذكر طرف من ترتيب الدّولة الفاطميّة\rاعلم أنّ الدّولة كانت إذا خلت من وزير صاحب سيف (¬١) يتغلّب عليها فإنّه يجلس صاحب الباب (¬٢) فى باب القصر المعروف بباب الذّهب، وهو أحد أبواب القصر، ويقف بين يديه الحجّاب والنّقباء، وينادى مناد: يا أرباب الظّلامات؛ فيحضر إليه أرباب الحوائج.\rفمن كان أمره ممّا يشاقه به نظر فى أمره بمن يتعلّق من القضاة أو الولاة، فيسيّر إلى ذلك كتابا بكشف ظلامته. فإن كان مع المتظلّم قصّة أخذها منه الحاجب، فإذا اجتمع معه عدّة دفعها إلى الموقّع بالقلم بالقلم الدّقيق (¬٣) فيوقّع عليها، ثمّ تحمل منه إلى الموقّع بالقلم الجليل (¬٤) ليبسط ما أشار إليه الموقّع بالقلم الدّقيق. فإذا تكاملت حملت فى خريطة إلى الخليفة فوقّع عليها، ثمّ أخرجت فى الخريطة إلى الحاجب فيقف بها على باب القصر ويسلّم لكلّ أحد توقيعه.\rفإن كان فى الدّولة وزير صاحب سيف فإنه يجلس يومين فى كلّ أسبوع فى مكان معدّ له فى القصر، ويجلس قبالته قاضى القضاة وعن جانبيه شاهدان معتبران، ويجلس فى جانب الوزير الموقّع بالقلم الدّقيق ويليه صاحب ديوان المال، وبين يديه صاحب المال وإسفهسلار العساكر، وبين أيديهما النّواب والحجّاب على طبقاتهم.","footnotes":"(¬١) كانت الوزارة أعلى الوظائف رتبة وشاغلها تارة من أرباب السيوف وتارة من أصحاب الأقلام، وفى كلتا الحالتين كانت تعلو ويتسع نطاق تصرفها فتكون وزارة تفويض، ويعبر عنها حينئذ بالوزارة، وقد تنحط عن ذلك ويضيق تصرف شاغلها فتسمى وساطة، وإذا كان الوزير صاحب سيف كان فى مجلس الخليفة قائما فى جملة الأمراء القائمين، وإذا كان صاحب قلم جلس كما يجلس أرباب الأقلام. صبح الأعشى: ٤٨٢:٣ - ٤٨٣، ١٤٩:١١.\r(¬٢) مرتبته تلى مرتبة الوزير وكانت وظيفته تسمى الوزارة الصغرى وينظر شاغلها فى المظالم إذا لم يكن ثم وزير صاحب سيف، وإلا أصبح صاحب الباب ممن يقف فى خدمة الوزير. صبح الأعشى: ٤٨٣:٣.\r(¬٣) ولصاحب هذا المنصب طراحة ومسند وفراش يقدم إليه ما يوقع عليه، وله موضع من ديوان المكاتبات لا يدخل إليه أحد إلا بإذن، وهو يلى صاحب ديوان المكاتبات فى الرسوم والكسوات وغيرها، ويكون صاحب هذا القلم الدقيق من الأستاذين المحنكين، ويختص بالجلوس إلى الخليفة فى أكثر أيام الأسبوع فى خلوته، وإذا جلس الوزير للمظالم جلس إلى جانبه يوقع بأمره. المواعظ والاعتبار: ٤٠٢:١؛ صبح الأعشى: ٤٩١:٣.\r(¬٤) ويقال لوظيفة التوقيع بالقلم الجليل الخدمة الصغرى، ولها الطراحة والمسند بغير حاجب والفراش الذى يرتب لصاحبها ما يوقع عليه. نفس المصدرين السابقين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277317,"book_id":167,"shamela_page_id":1025,"part":"3","page_num":336,"sequence_num":1025,"body":"وكان أجلّ الخدم صاحب الباب، وهو من الأمراء المطوّقين؛ ثم الأسفهسلار، وهو زمام كلّ زمام وإليه أمور الأجناد، ثم حامل سيف الخليفة أيام الرّكوب (¬١)؛ ثم زمام الحافظيّة والآمرية، وهما أجلّ الأجناد.\rوكانت ولاية الأعمال أجلّها ولاية عسقلان، ثم ولاية قوص، ثم ولاية الشرقيّة، ثم ولاية الغربيّة، ثم ولاية الإسكندريّة (¬٢).\rوكان قاضى القضاة ينظر فى الأحكام الشرعية (¬٣)، فلمّا صارت الوزارة إلى أرباب السّيوف كان يقلد القضاة نيابة عنه. والقاضى أجلّ أرباب العمائم رتبة؛ وتارة يكون داعى الدّعاة، وتارة تفرد الدّعوة عنه. ويجلس فى يومى الثلاثاء والسبت بزيادة جامع عمرو بن العاص (¬٤)، وله طرّاحة ومسند حرير والشّهود حوله؛ وله خمسة من الحجّاب اثنان منهما بين يديه واثنان على باب المقصورة وواحد ينفذ الخصوم إليه. وله أربعة من الموقّعين، ودواته بين يديه على كرسى محلى بفضة يحمل إليه من الخزائن ولها حامل بجار سلطانى فى كل شهر. ويخرج إليه من إصطبل الخليفة بغلة شهباء، وهى مختصّة به دون غيرها (¬٥)، ويكون عليها سرج محلىّ ثقيل وراويتان (¬٦) من فضّة، ومكان الجلد حرير.","footnotes":"(¬١) يسبق هذه الوظيفة فى الرتبة وظيفة حمل المظلة فى المواسم العظام كركوب رأس العام ونحوه، وهى من الوظائف العظام وشاغلها أمير جليل له التقدم والرفعة. صبح الأعشى: ٤٨٣:٣.\r(¬٢) وكان يخلع على أصحاب هذه الولايات من خزانة الكسوة بالبدنة، وهى النوع الذى يلبسه الخليفة فى فتح الخليج. ويقول القلقشندى: «لعل هذه الولايات ولايات الولاة التى تدخل تحت حكمها الولايات الصغار، أو تكون هى التى استقرت فى آخر دولتهم، وإلا فقد رأيت فى تذكرة أبى الفضل الصورى، أحد كتاب الإنشاء أيام القاضى الفاضل، سجلات كثيرة لولاة الوجهين القبلى والبحرى». صبح الأعشى: ٤٩٧:٣ - ٤٩٨. والبدنة ثوب حريرى مرقوم بالذهب لا يلبسه الخليفة فى غير يوم فتح الخليج. نفس المصدر: ٥١٩:٣.\r(¬٣) ودور الضرب والعيار، وربما جمع قضاء الديار المصرية وأجناد الشام وبلاد المغرب لقاض واحد وكتب له بها عهد واحد. صبح الأعشى: ٤٨٦:٣.\r(¬٤) بدأ هذه الزيادة مسلمة بن مخلد الأنصارى فى سنة ثلاث وخمسين من الهجرة وهو يومئذ أمير مصر من قبل معاوية ابن أبى سفيان، وكانت الزيادة التى زادها فى الجانب البحرى منه، وزخرفه كذلك، ثم توالت الزيادات فيه بعد ذلك. نفس المصدر: ٣٤١:٣.\r(¬٥) عبارة المقريزى فى المواعظ والاعتبار: ٤٠٣:١ أكثر دقة من عبارته هنا. يقول فى المواعظ: ويقدم له من الإصطبلات برسم ركوبه على الدوام بغلة شهباء وهو مخصوص بهذا اللون من البغال دون أرباب الدولة.\r(¬٦) فى صبح الأعشى: ٤٨٦:٣: برادفتين من فضة، وفى المواعظ والاعتبار: ٤٠٣:١، وراءه دفتر فضة. والمثبت هنا أصحها جميعا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277318,"book_id":167,"shamela_page_id":1026,"part":"3","page_num":337,"sequence_num":1026,"body":"وتخلع عليه الخلع المذهبة، فيسير من غير طبل ولا بوق إلاّ أن يضاف إليه الدّعوة فإنّه يسير حينئذ بالطّبل والبوق، فإنّ ذلك من رسوم الدّاعى مع البنود. فإن كان إنّما خلع عليه لوظيفة القضاء فقط فإنّه يسير بالغزاء رجالا حوله وبين يديه المؤذنون يعلنون بذكر الخليفة، أو الخليفة والوزير إن كان ثمّ وزير صاحب سيف؛ ويركب معه يومئذ نوّاب الباب والحجّاب ولا يجلس أحد فوقه البتّة، ولا يمكنه حضور جنازة ولا عقد نكاح إلاّ بإذن، ولا يقوم لأحد من النّاس إذا كان فى مجلس الحكم، ولا ينشئ عدالة البتّة إلاّ بإذن (¬١)، فلا تثبت إذا أذن له فى إنشائها لأحد حتى يزكّيه عشرون عدلا من عدول البلد بين مصر والقاهرة ويرضاه الشهود كلّهم.\rفإن كان فى الدّولة وزير سيف لا يخاطب حينئذ من يتولى الحكم بقاضى القضاة فإنّه من نعوت الوزير.\rويصعد القاضى إلى القصر فى يومى الخميس والاثنين بكرة للسّلام على الخليفة؛ وله النّواب، وإليه النّظر فى دار الضرب لتحرير العيار. ولا يصرف القاضى إلاّ بجنحة.\rوكان فى الدّولة داعى الدّعاة، ورتبته تلى رتبة قاضى القضاة، ويتزيّا بزيّه، ولا بدّ أن يكون عالما بمذاهب أهل البيت، ﵈، وله أخذ العهد على من ينتقل إلى مذهبه؛ وبين يديه اثنا عشر نقيبا؛ وله نوّاب فى سائر البلاد. ويحضر إليه فقهاء الشيعة بدار العلم ويتّفقون على دفتر يقال له مجلس الحكمة يقرأ فى كلّ يوم اثنين وخميس بعد أن تحضر مبيضته إلى داعى الدّعاة ويتصفّحه ويدخل به إلى الخليفة فيتلوه عليه إن أمكن، ويأخذ خطّه عليه فى ظاهره. ثمّ يخرج فيجلس على كرسى الدّعوة بالإيوان من القصر، فيقرؤه على الرجال؛ ثم يخرج ليقرأه على النّساء. وله أخذ النّجوى من المؤمنين بالأعمال كلّها، ومبلغها ثلاثة دراهم وثلث، فيحملها إلى الخليفة (¬٢).\rكان متولى ديوان الإنشاء يخاطب بالأجلّ، ويقال له كاتب الدّست، وهو الذى يتسلّم","footnotes":"(¬١) فى المواعظ والاعتبار: ٤٠٤:١: «ولا يعدل شاهد إلا بأمره». وتتفق عبارة صبح الأعشى فى معناها مع العبارة المذكورة هنا بالمتن. صبح الأعشى: ٤٨٧:٣.\r(¬٢) انظر فى هذا: المواعظ والاعتبار: ٣٩١:١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277319,"book_id":167,"shamela_page_id":1027,"part":"3","page_num":338,"sequence_num":1027,"body":"الكتب الواردة ويعرضها على الخليفة من يده ثم يأمر بتنزيلها والجواب عنها. والخليفة يستشيره فى أكثر أموره ولا يحجب عنه شيء متى جاء، وهذا أمر لا يصل إليه غيره، وربّما بات عنده. وجاريه فى كلّ شهر مائة وعشرون دينارا، مع الكسوة والرّسوم؛ ولا يدخل إلى ديوانه ولا يجتمع بكتّابه إلاّ الخواصّ، وله حاجب من الأمراء وفرّاشون ومرتبة هائلة، ومخادّ ومسند، ودواة بغير كرسىّ وهى من أنفس الدّوىّ، ولها أستاذ من خدام الخليفة برسم حملها.\rولا بدّ للخليفة من جليس يذاكره ما يحتاج إلى علمه من كتابات وتجويد الخطّ ومعرفة الأحاديث وسير الخلفاء ونحو ذلك، يجتمع به أكثر أيّام الأسبوع، وبرسمه أستاذ محنّك يحضر فيكون ثالثهما، فيقرأ ملخّص السّير ويكرّر عليه ذكر مكارم الأخلاق.\rورتبته عظيمة تلحق برتبة كاتب الدّست، ويكون صحبته دواة محلاّة. فإذا فرغ من المجالسة ألقى فى الدّواة كاغدة فيها عشرة دنانير وقرطاسا فيه ثلاثة مثاقيل ندّ مثلث خاصّ ليتبخرّ به عند دخوله على الخليفة (ثانى مرة) (¬١). وله منصب التوقيع بالقلم الدّقيق، كما تقدّم، ويجلس حال التّوقيع على طرّاحة ومسند، وله فرّاشون من فرّاشى الخاصّ تقدّم له ما يوقّع عليه. ويختصّ به موضع من ديوان المكاتبات لا يدخل إليه أحد إلاّ بإذن.\rورأس أصحاب دواوين المال من يلى النّظر على الدّواوين وله العزل والولاية، وهو الّذى يعرض الأوراق على الخليفة أو الوزير (¬٢)، ويعتقل من شاء بكلّ مكان؛ ويجلس بالمرتبة والمسند وبين يديه حاجب من أمراء الدّولة، وتخرج له الدّواة بغير كرسىّ ويندب من يطلب الحساب، ويحثّ فى طلب المال ومطالبة أرباب الضّمانات.\rوكان لهم ديوان التّحقيق، ومقتضاه المقابلة على الدّواوين ولمتولّيه الخلع والرتبة والحاجب، ويلحق بناظر الدّواوين.\rوديوان المجلس، وفيه علوم الدّولة، وهو أصل الدّواوين، وفيه عدّة كتّاب لكلّ منهم","footnotes":"(¬١) زيد ما بين القوسين من المواعظ والاعتبار: ٤٠٢:١. وفى صبح الأعشى: ٤٩١:٣: ثانى دفعة.\r(¬٢) فى صبح الأعشى: ٤٩٣:٣: وإليه عرض الأرزاق فى أوقات معروفة على الخليفة والوزير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277320,"book_id":167,"shamela_page_id":1028,"part":"3","page_num":339,"sequence_num":1028,"body":"مجلس معدّ ومعتاد. وصاحب هذا الدّيوان هو الّذى يتحدّث فى الإقطاعات، ويخلع عليه، وهو لاحق بديوان النّظر، ويجلس بالمرتبة والمسند والدّواة والحاجب (¬١).\rوالتّوقيع بالقلم الجليل يسمّى الخدمة الصّغرى، ولمتولّيها الطّراحة والمسند بغير حاجب، بل ويندب له فراش لترتيب ما يوقّع عليه، ولا يوقّع الخليفة عليه بيده إذا كان وزيره صاحب سيف إلاّ فى أربعة مواضع: إذا رفعت إليه قصّة وقّع عليها يعتمد ذلك إن شاء، أو كتب بجانبها الأيمن يوقع بذلك، فيخرج إلى صاحب ديوان المجلس دون غيره فيوقّع جليلا، ويدخل بها إلى الخليفة ثانيا فيضع علامته عليها. وكانت علامتهم كلهم «الحمد لله رب العالمين»؛ ثم يخرج بها فتثبت فى الدواوين. أو يوقّع فى مسامحة، أو تسويغ، أو تحبيس ما مثاله: قد أنعمنا بذلك، أو قد أمضينا ذلك. فإذا أراد الخليفة الاطلاع على شيء وقّع ليخرج الحال فى ذلك، فإذا خرج الحال عاد إليه ليعلّم عليه، فإن كان الوزير صاحب سيف وقّع الخليفة بخطّه: وزيرنا السّيد الأجلّ، واللّقب المعروف به، أمتعنا الله ببقائه، يتقدّم بإنجاز ذلك إن شاء الله. فيكتب الوزير تحت خطّه. يمتثل أمر مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ثم يثبت فى الدّواوين.\rولديوان الجيش مستوف مسلم له غيرة، ويجلس بطرّاحة لحركة العرض والحلى والشيات (¬٢).\rوفى هذا الدّيوان خازنان برسم رفع الشواهد، فإذا عرض الجندى حلّى وذكرت صفات فرسه، ولا يثبت له إلاّ الفرس الجيّد، ولا يثبت له برذون ولا بغل، ويقف بين يدى هذا المستوفى نقباء الأجناد لإنهاء أمور الأجناد، وفسح للأجناد فى آخر الدّولة أن يقابض بعضهم بعضا.\rوديوان الرّواتب فيه أسماء كلّ مرتزق فى الدّولة ضمن له جار وجراية، وكاتبه يجلس بطرّاحة وتحت يده عشرة كتّاب، وترد إليه التّعريفات من سائر الأعمال باستمرار ما هو مستمر ومباشرة من يستجدّ وموت من مات ليوجب استحقاقه.","footnotes":"(¬١) وكان يتولاه أحد كتاب الدولة ممن يكون مترشحا لأن يكون رأس الدواوين، ويسمى استيماره دفتر المجلس. نفس المصدر: ٤٩٤.\r(¬٢) يقول القلقشندى: وإليه عرض الأجناد وذكر حلاهم وشيات خيولهم. نفس المصدر: ٤٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277321,"book_id":167,"shamela_page_id":1029,"part":"3","page_num":340,"sequence_num":1029,"body":"وفى هذا الدّيوان عدة عروض. أوّلها: راتب الوزير وهو فى الشّهر خمسة آلاف دينار، ولكلّ من أولاده وإخوته من ثلاثمائة دينار إلى مائتى دينار. وقرّر لشجاع بن شاور خمسمائة دينار (¬١)، ولكلّ من حواشى (¬٢) من خمسمائة دينار إلى ثلاثمائة، وذلك سوى الإقطاعات.\rوثانيها: حواشى الخليفة، وأوّلهم الأستاذون المحنّكون؛ وهم: زمام القصر، وصاحب بيت المال، وحامل الرسالة، وصاحب الدّفتر، وشادّ التّاج الشّريف، وزمام الأشراف الأقارب، وصاحب المجلس؛ ولكلّ منهم مائة دينار فى الشّهر. ولمن يلى هؤلاء يتناقص عشرة، وهكذا إلى من يكون جاريه عشرة دنانير. وعدة هؤلاء ألف فما فوقها، وهم خصّيصون؛ وللطّبيب الخاصّ مائة دينار فى الشّهر، ولعدّة من الأطبّاء برسم أهل القصر كلّ منهم عشرة دنانير.\rثالثها: أرباب الرّتب بحضرة الخليفة، وأوّلهم كاتب الدّست الشّريف، وجاريه فى الشهر مائة وخمسون دينارا، ولكلّ من كتّابه ثلاثون دينارا؛ ولمتولىّ مجالسة الخليفة والتّوقيع بالقلم الدّقيق فى المظالم مائة دينار؛ ولصاحب الباب مائة وعشرون دينارا، ولكلّ من حامل السّيف وحامل الرّمح سبعون دينارا؛ ولكلّ من أزمّة العساكر والسّودان مائتان وخمسون دينارا إلى أربعين دينارا إلى ثلاثين دينارا.\rرابعها: قاضى القضاة، وله فى الشّهر مائة دينار؛ ولداعى الدّعاة مائة دينار؛ وكلّ من قرأ الحضرة من عشرين دينارا إلى خمسة عشر إلى عشرة دنانير؛ ولكلّ من خطباء الجوامع من عشرين دينارا إلى عشرة دنانير؛ ولكلّ من الشعراء من عشرين دينارا إلى عشرة دنانير.\rخامسها: أرباب الدّواوين، وأوّلهم متولّى ديوان النّظر، وله فى الشهر سبعون دينارا؛ ولمتولىّ ديوان التّحقيق خمسون دينارا؛ ولمتولىّ ديوان المجلس أربعون دينارا؛ ولصاحب دفتر المجلس خمسة وثلاثون دينارا، ولكاتبه خمسة دنانير؛ ولمتولىّ ديوان الجيش أربعون","footnotes":"(¬١) ولم يقرر لولد وزير خمسمائة دينار سوى شجاع بن شاور المنعوت بالكامل. المواعظ والاعتبار: ٤٠١:١.\r(¬٢) بياض بالأصل. وفى المواعظ والاعتبار: ثم حواشيهم على مقتضى عدتهم من خمسمائة إلى أربعمائة إلى ثلاثمائة خارجا عن الإقطاعات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277322,"book_id":167,"shamela_page_id":1030,"part":"3","page_num":341,"sequence_num":1030,"body":"دينارا، وللموقّع بالقلم الجليل ثلاثون دينارا؛ ولكلّ من أصحاب دواوين المعاملات عشرون دينارا؛ ولكلّ معين عشرة دنانير وفيهم من له سبعة وخمسة.\rسادسها: المستخدمون بالقاهرة ومصر فى خدمة الواليين، لكلّ منهم خمسون دينارا؛ ولحماة الأهراء (¬١) والمناخات (¬٢) والجوالى (¬٣) والبساتين (¬٤) والأملاك لكلّ منهم من عشرين دينارا إلى خمسة عشر إلى عشرة إلى خمسة.\rسابعها: الفرّاشون برسم خدمة القصور؛ ومنهم برسم خدمة الخليفة خمسة عشر، منهم صاحب المائدة وحامى المطابخ؛ وجاريهم من ثلاثين دينارا إلى ما حولها سوى الرّسوم؛ ويليهم الرّشّاشون ونحوهم، وعدّتهم ثلاثمائة فراش مولاهم أستاذ، وجارى كلّ منهم من عشرة دنانير إلى خمسة.\rثامنها: صبيان الرّكاب وهم ينيّفون على ألفى رجل، ولهم اثنا عشر مقدّما أكبرهم مقدّمو الرّكاب، ومقدّم المقدّمين منهم هو صاحب ركاب الخليفة الأيمن؛ ولكلّ من المقدّمين فى الشّهر خمسون دينارا. وصبيان الركاب أربع جوق، جوقة لكلّ منهم فى الشّهر عشرون","footnotes":"(¬١) الأهراء: جمع هرى بضم الهاء وكسر الراء وتشديد الياء، بيت كبير يجمع فيه طعام السلطان وتخزن به الغلال والأتبان احتياطا للطوارئ، وترد هذه الغلات من منفلوط والحبس الجيوشى وينفق منها ما يوقع به عليها، على الطواحين السلطانية والمناخات والجوامع والمساجد وجرايات رجال الأسطول وغير ذلك، وربما حمل منها المبلغ اليسير إلى بيت المال فيثبت فيه ويصرف منه فى جملة مصاريف بيت المال. وكانت هذه الأهراء فى أماكن متعددة منها القاهرة والفسطاط والمقس. المواعظ والاعتبار: ٤٦٤:١؛ صبح الأعشى: ٤٥٢:٣، ٤٧٥؛ قوانين الدواوين: ٣٥٠، ٤٥٢. انظر أيضا الحبس الجيوشى فى قوانين الدواوين: ٣٣٦ - ٣٣٩.\r(¬٢) المناخ فى معنى الأهراء من حيث اختصاصه بالسلطان، وهو مكان معد للجمال السلطانية كالإسطبل للخيول، وربما عمل فيه من الأسلحة الجرخية (النفطية) ما يتعلق الحديث فيه بمستخدمى خزائن السلاح؛ وكان له فى العصر الفاطمى معاملات وضرائب. قوانين الدواوين: ٣٥٣، ٤٥٨؛ صبح الأعشى: ٤٧٥:٣.\r(¬٣) الجوالى: ما يؤخذ من أهل الذمة عن الجزية المقررة عليهم فى كل سنة، وكانت قسمين، أحدهما بالعاصمة ويعين له ناظر يتبعه شادون وعمال وشهود يباشرونه، وتحت يده حاشر للنصارى وآخر لليهود، ويسجل فيه أسماء الأفراد الجدد فى كل عام، فإن كانوا من الصبيان أطلق على الواحد منهم نشو (نشء) وإن كان من البلاد الخارجية عرف بالطارئ. وأما القسم الثانى فهو ما كان خارج العاصمة، ويقع ضمن مقطعى تلك البلاد من أمراء أو غيرهم، فإن كانت تلك البلد جارية فى بعض الدواوين السلطانية كان المتحصل من الجوالى جاريا فيها. صبح الأعشى: ٤٥٨:٣ - ٤٥٩؛ قوانين الدواوين: ٣١٧ - ٣١٩.\r(¬٤) انظر أنواع مزروعاتها وتفصيل مواقيت زراعتها فى قوانين الدواوين: ٢٧١ - ٢٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277323,"book_id":167,"shamela_page_id":1031,"part":"3","page_num":342,"sequence_num":1031,"body":"دينارا، ويليهم من له خمسة عشر ثم عشرة ثم خمسة دنانير، وهم يندبون إلى الأعمال ويحملون المخلّفات لركوب الخليفة فى الأعياد والمواسم.\rوكان لنقيب الأشراف (¬١) اثنا عشر نقيبا، ويخلع عليه فيسير بالطّبل والبوق والبنود مثل الأمراء، وله ديوان ومشارف وعامل ونائبه؛ وجاريه فى الشهر عشرون دينارا، ولمشارف ديوانه عشرة دنانير، ولنائبه فى النّقابة ثمانية دنانير، وللعامل خمسة دنانير.\rوللمحتسب عدّة نواب بالقاهرة ومصر وسائر الأعمال، ويجلس بجامع القاهرة ومصر يوما بعد يوم، وتطوف نوّابه على أرباب المعايش. ويخلع على المحتسب ويقرأ سجلّه على منبر جامع عمرو بن العاص.\rوكانت لهم خدمة يقال لها النّيابة، ومتوليها يتلقّى الرّسل الواردين من الملوك (¬٢)؛ وكانت خدمة جليلة لمتولّيها نائب، ومن خواصّه أنّه ينعت أبدا كلّ من يليها بغذىّ الملك، وله النظر فى دار الضّيافة، ويعرف هذا اليوم (¬٣) بالمهمندار. وكان له فى الشهر خمسون دينارا وفى كلّ يوم نصف قنطار خبز مع بقية الرّسوم.\rوللخدمة فى ديوان الصّعيد عدة كتاب؛ ولأسفل الأرض ديوان؛ وللثغور ديوان؛ وللجوالى ديوان، وللمواريث ديوان، ولديوان الخراجىّ والهلالىّ عدّة دواوين، منها ديوان الرّباع، وديوان المكوس، وديوان الصناعة، وديوان الكراع وفيه معاملات الإصطبلات وما فيها، وديوان الأهراء، وديوان المناخات، وديوان العمائر ومحلّه بصناعة مصر لإنشاء الأسطول ومراكب الغلاّت السلطانيّة والأحطاب، وكانت تزيد على خمسين عشاريّا وعشرين","footnotes":"(¬١) نقابة الأشراف أو نقابة الطالبيين، ولا يكون نقيبها إلا من شيوخ هذه الطائفة وأجلهم قدرا وله النظر فى أمورهم وحمايتهم من الأدعياء، وعيادة مرضاهم والسير فى جنائزهم وقضاء حوائجهم، ولا يقطع أمرا من الأمور المتعلقة بهم إلا بموافقة مشايخهم. صبح الأعشى: ٤٨١:٣ - ٤٨٢.\r(¬٢) والمراد «بالنائب» نائب صاحب الباب الذى تقدم ذكره أول هذا الفصل، ولا يتولى هذه النيابة إلا أعيان العدول وأرباب الأقلام، ويستقبل الرسل وينزل كلا منهم فى المكان اللائق بهم ويرتب لهم ما يحتاجون إليه، ويستأذن لهم على الخليفة أو الوزير ويتقدمهم فى الدخول. ويبدو أن هذا النائب يقابل فى اختصاصه كبير الأمناء وأعوانه فى أيامنا هذه. قارن صبح الأعشى: ٤٨٤:٣.\r(¬٣) على زمنى المقريزى والقلقشندى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277324,"book_id":167,"shamela_page_id":1032,"part":"3","page_num":343,"sequence_num":1032,"body":"ديماسا، منها عشرة خاصّة برسم ركوب الخليفة أيام الخليج والبقيّة برسم ولاة الأعمال تجرّد إليهم وينفق عليها من الديوان؛ وديوان الأحباس.\rوكانت عادتهم إذا انقضى عيد النّحر عمل الاستيمار ويثبت فيه جميع ما يشتمل عليه مصروف تلك السنة من عين وورق وغلّة وغيرها مفصّلا بالأسماء، وأوّلهم الوزير حتى ينتهى إلى أرباب الضّوء، ثمّ يعمل فى ملف حريرى يشدّ له جوهر يشدّه؛ وكان يبلغ فى السنة ما يزيد على مائة ألف دينار عينا ومائتى ألف درهم فضّة وعشرة آلاف إردب غلّة؛ ويعرض على الخليفة، فيستوعبه، ويشطب على بعضه وينقص قوما ويزيد قوما ويستجدّ آخرين بحسب ما يعنّ له. فيحمل الأمر على الشطب. وعمل مرّة فى أيام المستنصر بالله، فوقّع بظاهره:\rالفقر مرّ المذاق، والحاجة تذلّ الأعناق، وحراسة النعم بإدرار الأرزاق؛ فليجروا على رسومهم فى الإطلاق. «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ (¬١)»﴾.\rوكان من عادتهم إخراج الكسوة فى كلّ سنة لجميع أهل الدّولة من صغير وكبير فى أوقات معروفة؛ فبلغت كسوة الصّيف والشتاء فى السّنة ستمائة ألف دينار ونيّف.\rوكانوا يتأنّقون فى المآكل، حتى إن الخادم والسائس من غلمانهم ينفق فى كل يوم على طعامه العشرة دنانير والعشرين دينارا لسعة أحوالهم.\rوكانوا يفرّقون فى أوّل كلّ سنة دنانير يسمّونها دنانير الغرّة تبلغ خمسمائة دينار فى السّنة، فيتبرّك بها من يأتيه منها برسوم مقرّرة لكلّ أحد.\rوإذا أهلّ رمضان لا يبقى أمير ولا مقدّم إلاّ ويأتيه طبق لنفسه، ولكلّ واحد من أولاده ونسائه طبق فيه أنواع الحلوى العجيبة الفاخرة.\rوكانت خلعهم ثمينة جدّا بحيث يبلغ طراز الخلعة خمسمائة دينار ذهبا، ويختصّ الأمراء فى الخلع بالأطواق والأساورة الذّهب مع السّيوف المحلاّة؛ ويتشرّف الوزير عوضا عن الطّوق بعقد جوهر فكاكه خمسة آلاف دينار يحمل إليه، ويختصّ بلبس الطّيلسان المقوّر.","footnotes":"(¬١) سورة النحل: آية: ٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277325,"book_id":167,"shamela_page_id":1033,"part":"3","page_num":344,"sequence_num":1033,"body":"ولا يركب الخليفة إلاّ بمظلّة منسوجة بالذّهب مرصّعة بالجوهر.\rوسيأتى من إيراد خربات ترتيبهم وحكاية أمور دولتهم عند ذكر خطط القاهرة إن شاء الله ما يعرّفك مقدار ما كانوا فيه من أمور الدّنيا وحقارة من جاء بعدهم (¬١). فلله عاقبة الأمور.","footnotes":"(¬١) فى هذه الفقرة ما يدل على أن كتاب المواعظ والاعتبار فى الخطط والآثار قد ألف بعد هذا الكتاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277326,"book_id":167,"shamela_page_id":1034,"part":"3","page_num":345,"sequence_num":1034,"body":"ذكر ما عيب عليهم\rلا شكّ فى أنّ القوم كانوا شيعة يرون تفضيل علىّ بن أبى طالب على من عداه من الصّحابة، وكانوا ينتحلون من مذاهب الشّيعة مذهب الإسماعيليّة وهم القائلون بإمامة إسماعيل بن جعفر الصّادق وتنقّلها فى أولاده الأئمة المستورين إلى عبيد الله المهدىّ، أوّل من قام منهم بالمغرب.\rوبقيّة الشّيعة لا يقولون بإمامة إسماعيل، وينكرون عليهم ذلك أشدّ الإنكار.\rوكانوا مع انتحالهم مذهب التشيّع غلاة فى الرفض؛ إلاّ أنّ أوّلهم كانوا أكابر صانوا أنفسهم عمّا تحرّف به آخرهم. ثمّ إنّ الحاكم بأمر الله أكثر من النظر فى العقائد، وكان قليل الثبات سريع الاستمالة، إذا مال إلى اعتقاد شيء أظهره وحمل النّاس عليه، ثم لا يلبث أن يرجع عنه إلى غيره فيريد من النّاس ترك ما كان قد أمرهم به والمصير إلى ما استحدثه ومال إليه. واقترن به رجل يعرف باللباد الزّوزنى فأظهر مذاهب الباطنيّة، وقد كان عند أوّلهم منها طرف، فأنكر النّاس هذا المذهب لما يشتمل عليه ممّا لم يعرف عند سلف الأمّة وتابعيهم ولما فيه من مخالفة الشرائع.\rفلمّا كانت أيام المستنصر وفد إليه الحسن بن الصّباح، فأشاع هذا المذهب فى الأقطار ودعا الكافّة إليه، واستباح الدّماء بمخالفته؛ فاشتدّ النكير، وكثر الصّائح عليهم من كل ناحية حتى أخرجوهم عن الإسلام ونفوهم عن الملّة.\rووجد بنو العبّاس السّبيل إلى الغضّ منهم لما مكّنوا من البغض فيهم وقاسوه من الألم بأخذهم ما كان بأيديهم من ممالك القيروان وديار مصر والشام والحجاز واليمن وبغداد أيضا، فنفوهم عن الانتساب إلى علىّ بن أبى طالب، بل وقالوا إنّما هم من أولاد اليهود؛ وتناولت الألسنة ذلك، فملئوا به كتب الأخبار.\rثم لمّا اتصل بهم الغز ووزر لهم أسد الدّين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين، وهم من صنائع دولة بنى العبّاس الذين ربوا فى أبوابها وغذوا بنعمها ونشئوا على اعتقاد موالاتها ٤٤ - اتعاظ الحنفا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277327,"book_id":167,"shamela_page_id":1035,"part":"3","page_num":346,"sequence_num":1035,"body":"ومعاداة أعدائها، لم يزدهم قربهم من الدّولة الفاطميّة إلاّ نفورا، ولا ملأهم إحسانها إليهم إلاّ حقدا وعداوة لها، حتى قووا بنعمتها على زوالها، واقتدروا بها على محوها.\rوكانت أساسات دولتهم راسخة فى التّخوم، وسيادة شرفهم قد أنافت على النجوم، وأتباعهم وأولياؤهم لا يحصى لهم عدد، وأنصارهم وأعوانهم قد ملئوا كلّ قطر وبلد؛ فأحبّوا طمس أنوارهم، وتغيير منارهم، وإلصاق الفساد والقبيح بهم، شأن العدوّ وعادته فى عدوّه.\rفتفطّن، رحمك الله، إلى أسرار الوجود، وميّز الأخبار كتمييزك الجيد من النقود، تعثر إن سلمت من الهوى بالصّواب. وممّا يدلّك على كثرة الحمل عليهم أنّ الأخبار الشنيعة، لا سيّما الّتى فيها إخراجهم من ملّة الإسلام، لا تكاد تجدها إلاّ فى كتب المشارقة من البغداديّين والشاميّين، كالمنتظم لابن الجوزى، والكامل لابن الأثير، وتاريخ حلب لابن أبى طىّ، وتاريخ العماد لابن كثير، وكتاب ابن واصل الحموى، وكتاب ابن شدّاد، وكتاب العماد الأصفهانى، ونحو هؤلاء. أمّا كتب المصريّين الّذين اعتنوا بتدوين أخبارها فلا تكاد تجد فى شيء منها ذلك البتة. فحكّم العقل، واهزم جيوش الهوى، وأعط كلّ ذى حقّ حقه، ترشد إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277328,"book_id":167,"shamela_page_id":1036,"part":"3","page_num":347,"sequence_num":1036,"body":"ذكر ما صار إليه أولادهم\rولمّا مات العاضد غسله ابنه داود وصلّى عليه، وجلس على الشّدة (¬١)، واستدعى صلاح الدّين ليبايعه، فامتنع، وبعث إليه: أنا نائب عن أبيك فى الخلافة ولم يوص بأنّك ولىّ عهده. وقبض عليه وعلى بقيّة أولاد العاضد وأقاربه فى سادس شعبان سنة تسع وستّين وخمسمائة، ونقله هو وجميع أقاربه وأهله إلى دار المظفّر (¬٢) من حارة برجوان فى العشر الأخير من شهر رمضان، ووكل عليهم وعلى جميع ذخائر القصر، وفرّق بين الرّجال والنّساء حتى لا يحصل منهم نسل. وأغلقت القصور وتملكت الأملاك التى كانت لهم، وضربت الألواح على رباعهم وفرقت على خواص صلاح الدّين كثير منها وبيع بعضها. وأعطى القصر الكبير لأمرائه فسكنوا فيه.\rوأسكن أباه نجم الدّين أيّوب فى اللّؤلؤة على الخليج، وصار كلّ من استحسن من الغزّ دارا أخرج صاحبها منها وسكنها.\rونقلوا إلى قلعة الجبل، وهم ثلاثة وستّون نفرا، فى يوم الخميس ثانى عشرى رمضان سنة ثمان وستمائة، فمات منهم إلى ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة ثلاثة وعشرون.\rوتولّى وضع القيود فى أرجلهم الأمير فخر الدّين الطبنا أبو شعرة بن الدّويك والى القاهرة.\rقال المهدى أبو طالب محمّد بن على، ابن الخيمى: وفى سنة ثلاث وعشرين وستمائة عوقبت بالقلعة، فوجدت بها من الأشراف أربعين شريفا وهم: الأمير سليمان بن داود ابن العاضد، وأبو الفتوح بن العاضد، وحيدرة بن العاضد، وجبريل بن العاضد، وعلىّ بن","footnotes":"(¬١) ولقبوه: الحامد لله. وقد توفى فى زمن العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب فى الحبس، فقيل إنها صارت من بعده لابنه سليمان بن داود بن العاضد، وكانت أمه قد ولدته بالصعيد حتى لا يقع فى أيدى الأيوبيين، فعلم الملك الكامل ابن العادل بخبره فظفر به وحبسه بقلعة الجبل، وتوفى بها فى سنة خمس وأربعين وستمائة أيام الصالح نجم الدين بن الكامل. مفرج الكروب: ٢١٠:١.\r(¬٢) هى الدار التى أنشأها بدر الجمالى لتكون سكنا له ومقرا لوزارته، فلما جاء من بعده ابنه الأفضل أنشأ دارا جديدة عرفت بدار الوزارة وظلت المقر الرسمى للوزارة إلى أواخر عهد الفاطميين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277329,"book_id":167,"shamela_page_id":1037,"part":"3","page_num":348,"sequence_num":1037,"body":"العاضد، وعبد القاهر بن حيدرة بن العاضد، وإسماعيل بن عيسى بن العاضد، وعبد الوهّاب ابن إبراهيم بن العاضد، وأبو القاسم بن أبى الفتوح ابن العاضد، وقمر بن على بن العاضد، ويحيى بن جبريل بن الحافظ، وسليمان بن يحيى المذكور، وتميم بن يحيى المذكور، وعبد الله ابن أبى الطّاهر بن جبريل، وسليمان بن أبى الطاهر بن جبريل، وأبو جعفر بن أبى الطّاهر، وعبد الظّاهر بن أبى الفتوح بن جبريل، وأبو الحسن بن أبى اليسر بن جبريل، وأحمد ابن أبى اليسر بن جبريل، وأبو الحسن بن أبى العبّاس حسن بن الحافظ، وإبراهيم ابن عبد المحسن بن عبد الوهّاب بن أبى الحسن بن أبى القاسم بن المستنصر، ويونس ابن سليمان بن عبد الخالق بن أبى الحسن بن أبى القاسم، وأبو اليسر بشارة بن عبد المحسن ابن أبى محمّد بن أبى الحسن بن أبى القاسم بن المستنصر، وجعفر بن موسى بن محسن ابن داود بن المستنصر، وعلى بن سليمان بن أبى عبد الله بن داود بن المستنصر، وأبو الفضل ابن عبد المجيد بن أبى الحسن بن جعفر بن المستنصر، ويحيى بن صدقة بن شبل بن عبد المجيد بن أبى الحسن بن جعفر بن المستنصر، وعبد الله كمال بن داود بن داود ابن يحيى بن أبى علىّ بن جعفر بن المستنصر، وأبو علىّ بن عبد الرّحمن بن يحيى بن أبى علىّ بن جعفر بن المستنصر، وسليمان بن عبد الصّمد بن أبى عبد الله بن عبد الكريم بن أبى اليسر بن جعفر بن المستنصر، وأبو علىّ بن عبد الصّمد، أخوه، وعبد الكريم ابن إبراهيم بن أبى الحسن بن عبد الله بن المستنصر، وعبد الغنى بن أبى الرّضا بن أبى الحسن بن عبد الله بن المستنصر، وعبد الصّمد بن سليمان بن محمّد بن حيدرة بن عقيل ابن المستنصر، وإسماعيل بن صدقة بن أبى اليسر بن إسحاق بن المستنصر، وأبو محمّد ابن موسى بن عبد القادر بن أبى الحسن بن إسحاق بن المستنصر، وعبد الصّمد بن حسن ابن أبى الحسن من أولاد المستنصر.\rولم يزالوا معتقلين بقلعة الجبل إلى أن حوّلوا منها سنة إحدى وسبعين وستمائة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277330,"book_id":167,"shamela_page_id":1038,"part":"3","page_num":349,"sequence_num":1038,"body":"هذا آخر ما وجد بخطّ مؤلفه عفا الله عنه\rآخر كتاب اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء للمقريزى.\rمن كتابة فقير رحمة الله محمد بن أحمد الجيزى الأزهرى الشافعى، لطف الله تعالى (به) وغفر ذنوبه وستر عيوبه والمسلمين أجمعين.\rفى سنة أربع وثمانين وثمانمائة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277331,"book_id":167,"shamela_page_id":1039,"part":"3","page_num":351,"sequence_num":1039,"body":"ملحقات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277332,"book_id":167,"shamela_page_id":1040,"part":"3","page_num":355,"sequence_num":1040,"body":"الخلفاء الفاطميون\r١ - المهدى عبيد الله (٢٩٦ - ٣٢٢ هـ) (٩٠٩ - ٩٣٤ م)\r٢ - القائم بأمر الله أبو القاسم محمد (وقيل عبد الرحمن) بن المهدى عبيد الله. (٣٢٢ - ٤٣٣ هـ) (٩٣٤ - ٩٤٥ م)\r٣ - المنصور بنصر الله أبو الطاهر اسماعيل ابن القائم بأمر الله. (٣٣٤ - ٣٤١ هـ) (٩٤٥ - ٩٥٢ م)\r٤ - المعز لدين الله أبو تميم معد بن المنصور بنصر الله أبى الطاهر اسماعيل (٣٤١ - ٣٦٥ هـ) (٩٥٢ - ٩٧٥ م)\r٥ - العزيز بالله أبو المنصور نزار بن المعز لدين الله أبى تميم معد (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ) (٩٧٥ - ٩٩٦ م)\r٦ - الحاكم بأمر الله أبو على منصور ابن العزيز بالله أبى المنصور نزار (٣٨٦ - ٤١١ هـ) (٩٩٦ - ١٠٢٠ م)\r٧ - الظاهر لاعزاز دين الله أبو الحسن على بن الحاكم بأمر الله أبى على منصور (٤١١ - ٤٢٧ هـ) (١٠٢٠ - ١٠٣٥ م)\r٨ - المستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر لاعزاز دين الله أبى الحسن على (٤٢٧ - ٤٨٧ هـ) (١٠٣٥ - ١٠٩٤ م)\r٩ - المستعلى بالله أبو القاسم أحمد ابن المستنصر بالله أبى تميم معد. (٤٨٧ - ٤٩٥ هـ) (١٠٩٤ - ١١٠١ م)\r١٠ - الآمر بأحكام الله أبو على المنصور ابن المستعلى بالله أبى القاسم أحمد (٤٩٥ - ٥٢٤ هـ) (١١٠١ - ١١٣٠ م)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277333,"book_id":167,"shamela_page_id":1041,"part":"3","page_num":356,"sequence_num":1041,"body":"١١ - (¬*) الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن الأمير أبى القاسم محمد ابن المستنصر بالله. (٥٢٤ - ٥٤٤ هـ) (١١٣٠ - ١١٤٩ م)\r١٢ - الظافر بأمر الله أبو المنصور اسماعيل ابن الحافظ لدين الله أبى الميمون عبد المجيد (٥٤٤ - ٥٤٩ هـ) (١١٤٩ - ١١٥٤ م)\r١٣ - الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى ابن الظافر بأمر الله أبى المنصور اسماعيل (٥٤٩ - ٥٥٥ هـ) (١١٥٤ - ١١٦٠ م)\r١٤ - (¬*) العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله ابن الأمير يوسف بن الحافظ لدين الله (٥٥٥ - ٥٦٦ أو ٥٦٧ هـ) (١١٦٠ - ١١٧١ م)","footnotes":"(¬*) من بين الخلفاء الفاطميين جميعا لم يل الخلافة من لم يكن أبوه خليفة غير الخليفتين الحافظ عبد المجيد والعاضد عبد الله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277334,"book_id":167,"shamela_page_id":1042,"part":"3","page_num":359,"sequence_num":1042,"body":"تواريخ مقارنة (¬١)\rالسنة الهجرية … تبدأ بالتاريخ الميلادى فى\r٢٩١ … ٢٤ نوفمبر ٩٠٣\r٢٩٢ … ١٣ نوفمبر ٩٠٤\r٢٩٣ … ٢ نوفمبر ٩٠٥\r٢٩٤ … ٢٢ أكتوبر ٩٠٦\r٢٩٥ … ١٢ أكتوبر ٩٠٧\r٢٩٦ … ٣٠ سبتمبر ٩٠٨\r٢٩٧ … ٢٠ سبتمبر ٩٠٩\r٢٩٨ … ٩ سبتمبر ٩١٠\r٢٩٩ … ٢٩ أغسطس ٩١١\r٣٠٠ … ١٨ أغسطس ٩١٢\r٣٠١ … ٧ أغسطس ٩١٣\r٣٠٢ … ٢٧ يوليو ٩١٤\r٣٠٣ … ١٧ يوليو ٩١٥\r٣٠٤ … ٥ يوليو ٩١٦\r٣٠٥ … ٢٤ يونيه ٩١٧\r٣٠٦ … ١٤ يونيه ٩١٨\r٣٠٧ … ٣ يونيه ٩١٩\r٣٠٨ … ٢٣ مايو ٩٢٠\r٣٠٩ … ١٢ مايو ٩٢١\r٣١٠ … ١ مايو ٩٢٢\r٣١١ … ٢١ أبريل ٩٢٣\r٣١٢ … ٩ أبريل ٩٢٤\r٣١٣ … ٢٩ مارس ٩٢٥\r٣١٤ … ١٩ مارس ٩٢٦\r٣١٥ … ٨ مارس ٩٢٧\r٣١٦ … ٢٥ فبراير ٩٢٨\r٣١٧ … ١٤ فبراير ٩٢٩\r٣١٨ … ٣ فبراير ٩٣٠\r٣١٩ … ٢٤ يناير ٩٣١\r٣٢٠ … ١٣ يناير ٩٣٢\r٣٢١ … ١ يناير ٩٣٣\r٣٢٢ … ٢٢ ديسمبر ٩٣٣\r٣٢٣ … ١١ ديسمبر ٩٣٤\r٣٢٤ … ٣٠ نوفمبر ٩٣٥\r٣٢٥ … ١٩ نوفمبر ٩٣٦\r٣٢٦ … ٨ نوفمبر ٩٣٧\r٣٢٧ … ٢٩ أكتوبر ٩٣٨\r٣٢٨ … ١٨ أكتوبر ٩٣٩\r٣٢٩ … ٦ أكتوبر ٩٤٠\r٣٣٠ … ٢٦ سبتمبر ٩٤١\r٣٣١ … ١٥ سبتمبر ٩٤٢\r٣٣٢ … ٤ سبتمبر ٩٤٣\r٣٣٣ … ٢٤ أغسطس ٩٤٤\r٣٣٤ … ١٣ أغسطس ٩٤٥\r٣٣٥ … ٢ أغسطس ٩٤٦\r٣٣٦ … ٢٣ يوليو ٩٤٧\r٣٣٧ … ١١ يوليو ٩٤٨\r٣٣٨ … ١ يوليو ٩٤٩\r٣٣٩ … ٢٠ يونيه ٩٥٠\r٣٤٠ … ٩ يونيه ٩٥١\r٣٤١ … ٢٩ مايو ٩٥٢\r٣٤٢ … ١٨ مايو ٩٥٣\r٣٤٣ … ٧ مايو ٩٥٤\r٣٤٤ … ٢٧ أبريل ٩٥٥\r٣٤٥ … ١٥ أبريل ٩٥٦\r٣٤٦ … ٤ أبريل ٩٥٧\r٣٤٧ … ٢٥ مارس ٩٥٨\r٣٤٨ … ١٤ مارس ٩٥٩\r٣٤٩ … ٣ مارس ٩٦٠\r٣٥٠ … ٢٠ فبراير ٩٦١\r٣٥١ … ٩ فبراير ٩٦٢\r٣٥٢ … ٣٠ يناير ٩٦٣","footnotes":"(¬١) أعلن قيام الخلافة الفاطمية بشمالى افريقية فى ربيع الثانى سنة ٢٩٧، واسقط اسم العاضد، آخر خلفائها من الخطبة، فى آخر ذى الحجة سنة ٥٦٦، فى مصر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277335,"book_id":167,"shamela_page_id":1043,"part":"3","page_num":360,"sequence_num":1043,"body":"السنة الهجرية … تبدأ بالتاريخ الميلادى فى\r٣٥٣ … ١٩ يناير ٩٦٤\r٣٥٤ … ٧ يناير ٩٦٥\r٣٥٥ … ٢٨ ديسمبر ٩٦٥\r٣٥٦ … ١٧ ديسمبر ٩٦٦\r٣٥٧ … ٧ ديسمبر ٩٦٧\r٣٥٨ … ٢٥ نوفمبر ٩٦٨\r٣٥٩ … ١٤ نوفمبر ٩٦٩\r٣٦٠ … ٢ نوفمبر ٩٧٠\r٣٦١ … ٢٤ أكتوبر ٩٧١\r٣٦٢ … ١٢ أكتوبر ٩٧٢\r٣٦٣ … ٢ أكتوبر ٩٧٣\r٣٦٤ … ٢١ سبتمبر ٩٧٤\r٣٦٥ … ١٠ سبتمبر ٩٧٥\r٣٦٦ … ٣٠ أغسطس ٩٧٦\r٣٦٧ … ١٩ أغسطس ٩٧٧\r٣٦٨ … ٩ أغسطس ٩٧٨\r٣٦٩ … ٢٩ يوليو ٩٧٩\r٣٧٠ … ١٧ يوليو ٩٨٠\r٣٧١ … ٧ يوليو ٩٨١\r٣٧٢ … ٢٦ يونيه ٩٨٢\r٣٧٣ … ١٥ يونيه ٩٨٣\r٣٧٤ … ٤ يونيه ٩٨٤\r٣٧٥ … ٢٤ مايو ٩٨٥\r٣٧٦ … ١٣ مايو ٩٨٦\r٣٧٧ … ٣ مايو ٩٨٧\r٣٧٨ … ٢١ أبريل ٩٨٨\r٣٧٩ … ١١ أبريل ٩٨٩\r٣٨٠ … ٣١ مارس ٩٩٠\r٣٨١ … ٢٠ مارس ٩٩١\r٣٨٢ … ٩ مارس ٩٩٢\r٣٨٣ … ٢٦ فبراير ٩٩٣\r٣٨٤ … ١٥ فبراير ٩٩٤\r٣٨٥ … ٥ فبراير ٩٩٥\r٣٨٦ … ٢٥ يناير ٩٩٦\r٣٨٧ … ١٤ يناير ٩٩٧\r٣٨٨ … ٣ يناير ٩٩٨\r٣٨٩ … ٢٣ ديسمبر ٩٩٨\r٣٩٠ … ١٣ ديسمبر ٩٩٩\r٣٩١ … ١ ديسمبر ١٠٠٠\r٣٩٢ … ٢٠ نوفمبر ١٠٠١\r٣٩٣ … ١٠ نوفمبر ١٠٠٢\r٣٩٤ … ٣٠ أكتوبر ١٠٠٣\r٣٩٥ … ١٨ أكتوبر ١٠٠٤\r٣٩٦ … ٨ أكتوبر ١٠٠٥\r٣٩٧ … ٢٧ سبتمبر ١٠٠٦\r٣٩٨ … ١٧ سبتمبر ١٠٠٧\r٣٩٩ … ٥ سبتمبر ١٠٠٨\r٤٠٠ … ٢٥ أغسطس ١٠٠٩\r٤٠١ … ١٥ أغسطس ١٠١٠\r٤٠٢ … ٢٤ أغسطس ١٠١١\r٤٠٣ … ٢٣ يوليو ١٠١٢\r٤٠٤ … ١٣ يوليو ١٠١٣\r٤٠٥ … ٣ يوليو ١٠١٤\r٤٠٦ … ٢١ يونيه ١٠١٥\r٤٠٧ … ١٠ يونيه ١٠١٦\r٤٠٨ … ٣٠ مايو ١٠١٧\r٤٠٩ … ٢٠ مايو ١٠١٨\r٤١٠ … ٩ مايو ١٠١٩\r٤١١ … ٢٧ أبريل ١٠٢٠\r٤١٢ … ١٧ أبريل ١٠٢١\r٤١٣ … ٦ أبريل ١٠٢٢\r٤١٤ … ٢٦ مارس ١٠٢٣\r٤١٥ … ١٥ مارس ١٠٢٤\r٤١٦ … ٤ مارس ١٠٢٥\r٤١٧ … ٢٢ فبراير ١٠٢٦\r٤١٨ … ١١ فبراير ١٠٢٧\r٤١٩ … ٣١ يناير ١٠٢٨\r٤٢٠ … ٢٠ يناير ١٠٢٩","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277336,"book_id":167,"shamela_page_id":1044,"part":"3","page_num":361,"sequence_num":1044,"body":"السنة الهجرية … تبدأ بالتاريخ الميلادى فى\r٤٢١ … ٩ يناير ١٠٣٠\r٤٢٢ … ٢٩ ديسمبر ١٠٣٠\r٤٢٣ … ١٩ ديسمبر ١٠٣١\r٤٢٤ … ٧ ديسمبر ١٠٣٢\r٤٢٥ … ٢٦ نوفمبر ١٠٣٣\r٤٢٦ … ١٦ نوفمبر ١٠٣٤\r٤٢٧ … ٥ نوفمبر ١٠٣٥\r٤٢٨ … ٢٥ أكتوبر ١٠٣٦\r٤٢٩ … ١٤ أكتوبر ١٠٣٧\r٤٣٠ … ٣ أكتوبر ١٠٣٨\r٤٣١ … ٢٣ سبتمبر ١٠٣٩\r٤٣٢ … ١١ سبتمبر ١٠٤٠\r٤٣٣ … ٣١ أغسطس ١٠٤١\r٤٣٤ … ٢١ أغسطس ١٠٤٢\r٤٣٥ … ١٠ أغسطس ١٠٤٣\r٤٣٦ … ٢٩ يوليو ١٠٤٤\r٤٣٧ … ١٩ يوليو ١٠٤٥\r٤٣٨ … ٨ يوليو ١٠٤٦\r٤٣٩ … ٢٨ يونيه ١٠٤٧\r٤٤٠ … ١٦ يونيه ١٠٤٨\r٤٤١ … ٥ يونيه ١٠٤٩\r٤٤٢ … ٢٦ مايو ١٠٥٠\r٤٤٣ … ١٥ مايو ١٠٥١\r٤٤٤ … ٣ مايو ١٠٥٢\r٤٤٥ … ٢٣ أبريل ١٠٥٣\r٤٤٦ … ١٢ أبريل ١٠٥٤\r٤٤٧ … ٢ أبريل ١٠٥٥\r٤٤٨ … ٢١ مارس ١٠٥٦\r٤٤٩ … ١٠ مارس ١٠٥٧\r٤٥٠ … ٢٨ فبراير ١٠٥٨\r٤٥١ … ١٧ فبراير ١٠٥٩\r٤٥٢ … ٦ فبراير ١٠٦٠\r٤٥٣ … ٢٦ يناير ١٠٦١\r٤٥٤ … ١٥ يناير ١٠٦٢\r٤٥٠ … ٤ يناير ١٠٦٣\r٤٥٦ … ٢٥ ديسمبر ١٠٦٣\r٤٥٧ … ١٣ ديسمبر ١٠٦٤\r٤٥٨ … ٣ ديسمبر ١٠٦٥\r٤٥٩ … ٢٢ نوفمبر ١٠٦٦\r٤٦٠ … ١١ نوفمبر ١٠٦٧\r٤٦١ … ٣١ أكتوبر ١٠٦٨\r٤٦٢ … ٢٠ أكتوبر ١٠٦٩\r٤٦٣ … ٩ أكتوبر ١٠٧٠\r٤٦٤ … ٢٩ سبتمبر ١٠٧١\r٤٦٥ … ١٧ سبتمبر ١٠٧٢\r٤٦٦ … ٦ سبتمبر ١٠٧٣\r٤٦٧ … ٢٧ أغسطس ١٠٧٤\r٤٦٨ … ١٦ أغسطس ١٠٧٥\r٤٦٩ … ٥ أغسطس ١٠٧٦\r٤٧٠ … ٢٥ يوليو ١٠٧٧\r٤٧١ … ١٤ يوليو ١٠٧٨\r٤٧٢ … ٤ يوليو ١٠٧٩\r٤٧٣ … ٢٢ يونيه ١٠٨٠\r٤٧٤ … ١١ يونيه ١٠٨١\r٤٧٥ … ١ يونيه ١٠٨٢\r٤٧٦ … ٢١ مايو ١٠٨٣\r٤٧٧ … ١٠ مايو ١٠٨٤\r٤٧٨ … ٢٩ أبريل ١٠٨٥\r٤٧٩ … ١٨ أبريل ١٠٨٦\r٤٨٠ … ٨ أبريل ١٠٨٧\r٤٨١ … ٢٧ مارس ١٠٨٨\r٤٨٢ … ١٦ مارس ١٠٨٩\r٤٨٣ … ٦ مارس ١٠٩٠\r٤٨٤ … ٢٣ فبراير ١٠٩١\r٤٨٥ … ١٢ فبراير ١٠٩٢\r٤٨٦ … ١ فبراير ١٠٩٣\r٤٨٧ … ٢١ يناير ١٠٩٤\r٤٨٨ … ١١ يناير ١٠٩٥","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277337,"book_id":167,"shamela_page_id":1045,"part":"3","page_num":362,"sequence_num":1045,"body":"السنة الهجرية … تبدأ بالتاريخ الميلادى فى\r٤٨٩ … ٣١ ديسمبر ١٠٩٥\r٤٩٠ … ١٩ ديسمبر ١٠٩٦\r٤٩١ … ٩ ديسمبر ١٠٩٧\r٤٩٢ … ٢٨ نوفمبر ١٠٩٨\r٤٩٣ … ١٧ نوفمبر ١٠٩٩\r٤٩٤ … ٦ نوفمبر ١١٠٠\r٤٩٥ … ٢٦ أكتوبر ١١٠١\r٤٩٦ … ١٥ أكتوبر ١١٠٢\r٤٩٧ … ٥ أكتوبر ١١٠٣\r٤٩٨ … ٢٣ سبتمبر ١١٠٤\r٤٩٩ … ١٣ سبتمبر ١١٠٥\r٥٠٠ … ٢ سبتمبر ١١٠٦\r٥٠١ … ٢٢ أغسطس ١١٠٧\r٥٠٢ … ١١ أغسطس ١١٠٨\r٥٠٣ … ٣١ يوليو ١١٠٩\r٥٠٤ … ٢٠ يوليو ١١١٠\r٥٠٥ … ١٠ يوليو ١١١١\r٥٠٦ … ٢٨ يونيه ١١١٢\r٥٠٧ … ١٨ يونيه ١١١٣\r٥٠٨ … ٧ يونيه ١١١٤\r٥٠٩ … ٢٧ مايو ١١١٥\r٥١٠ … ١٦ مايو ١١١٦\r٥١١ … ٥ مايو ١١١٧\r٥١٢ … ٢٤ أبريل ١١١٨\r٥١٣ … ١٤ أبريل ١١١٩\r٥١٤ … ٢ أبريل ١١٢٠\r٥١٥ … ٢٢ مارس ١١٢١\r٥١٦ … ١٢ مارس ١١٢٢\r٥١٧ … ١ مارس ١١٢٣\r٥١٨ … ١٩ فبراير ١١٢٤\r٥١٩ … ٧ فبراير ١١٢٥\r٥٢٠ … ٢٧ يناير ١١٢٦\r٥٢١ … ١٧ يناير ١١٢٧\r٥٢٢ … ٦ يناير ١١٢٨\r٥٢٣ … ٢٥ ديسمبر ١١٢٨\r٥٢٤ … ١٥ ديسمبر ١١٢٩\r٥٢٥ … ٤ ديسمبر ١١٣٠\r٥٢٦ … ٢٣ نوفمبر ١١٣١\r٥٢٧ … ١٢ نوفمبر ١١٣٢\r٥٢٨ … ١ نوفمبر ١١٣٣\r٥٢٩ … ٢٢ أكتوبر ١١٣٤\r٥٣٠ … ١١ أكتوبر ١١٣٥\r٥٣١ … ٢٩ سبتمبر ١١٣٦\r٤٣٢ … ١٩ سبتمبر ١١٣٧\r٥٣٣ … ٨ سبتمبر ١١٣٨\r٥٣٤ … ٢٨ أغسطس ١١٣٩\r٥٣٥ … ١٧ أغسطس ١١٤٠\r٥٣٦ … ٦ أغسطس ١١٤١\r٥٣٧ … ٢٧ يوليو ١١٤٢\r٥٣٨ … ١٦ يوليو ١١٤٣\r٥٣٩ … ٤ يوليو ١١٤٤\r٥٤٠ … ٢٤ يونيه ١١٤٥\r٥٤١ … ١٣ يونيه ١١٤٦\r٥٤٢ … ٢ يونيه ١١٤٧\r٥٤٣ … ٢٢ مايو ١١٤٨\r٥٤٤ … ١١ مايو ١١٤٩\r٥٤٥ … ٣٠ أبريل ١١٥٠\r٥٤٦ … ٢٠ أبريل ١١٥١\r٥٤٧ … ٨ أبريل ١١٥٢\r٥٤٨ … ٢٧ مارس ١١٥٣\r٥٤٩ … ١٨ مارس ١١٥٤\r٥٥٠ … ٧ مارس ١١٥٥\r٥٥١ … ٢٥ فبراير ١١٥٦\r٥٥٢ … ١٣ فبراير ١١٥٧\r٥٥٣ … ٢ فبراير ١١٥٨\r٥٥٤ … ٢٣ يناير ١١٥٩\r٥٥٥ … ١٢ يناير ١١٦٠\r٥٥٦ … ٣١ ديسمبر ١١٦٠","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":277338,"book_id":167,"shamela_page_id":1046,"part":"3","page_num":363,"sequence_num":1046,"body":"السنة الهجرية … تبدأ بالتاريخ الميلادى فى\r٥٥٧ … ٢١ ديسمبر ١١٦١\r٥٥٨ … ١٠ ديسمبر ١١٦٢\r٥٥٩ … ٣٠ نوفمبر ١١٦٣\r٥٦٠ … ١٨ نوفمبر ١١٦٤\r٥٦١ … ٧ نوفمبر ١١٦٥\r٥٦٢ … ٢٨ أكتوبر ١١٦٦\r٥٦٣ … ١٧ أكتوبر ١١٦٧\r٥٦٤ … ٥ أكتوبر ١١٦٨\r٥٦٥ … ٢٥ سبتمبر ١١٦٩\r٥٦٦ … ١٤ سبتمبر ١١٧٠\r٥٦٧ … ٤ سبتمبر ١١٧١\r٥٦٨ … ٢٣ أغسطس ١١٧٢\r٥٦٩ … ١٢ أغسطس ١١٧٣\r٥٧٠ … ٢ أغسطس ١١٧٤","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}