{"page_id":1839670,"book_id":1815,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"بسم الله الرحمن الرحيم\rوبه الثقة الحمد لله الذي لا فضل إلا منه، ولا طول إلا من لدنه، وصلى الله على كاشف الغمة عن الأمة، نبي الرحمة، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.\rوصل الله بسيدي (الجليل) جناح الصنع الجميل، وواصل لديه السول، وأوصل إليه المأمول، وعمر بحبه ربوع أنسي، وأمطر بقربه ربيع نفسي، وأراه بناظر فهمه في مرآة علمه الصقيلة الساحة والأرجاء، الصافية من دنس الأقذاء، أن ما أبديه وأظهره، غير ما أطويه وأضمره، من ناطق الود، عن صادق العهد، وخالص الحب، عن مخلص القلب، كالنقطة في البحر، والذرة في القفر. (شعر) :\r\rيا من عقدتُ بحبِّهِ ... دونَ الورى حبلَ اعتلاقي\rفأخذتُ منه بموثقِ الأك? ... ?راب مشدود العراقي\rلم يرقْ جارُ أبي دؤا ... دٍ معقلاً، أنا منكَ راقِ\rأجني بهِ ثمرَ المنى ... غضَّ الجنى عذب المذاقِ\rفي حين أمَّنني الرَّدى ... ووقى من الحدثانِ واقِ\rقيَّدتَ مطلقَ همَّتي ... وملكتَ لي رقَّ اشتياقي\rفالقلبُ موقوفٌ عليكَ ... الدَّهرَ وهو إليكَ تاقِ\rوافى كتابكَ مشرقاً ... بحلى معانيهِ الدِّقاقِ\rوأنا في الجّوابِ مقصرٌ ... عن رومِ أسباب اللِّحاقِ\rولو أنَّ مطبوعَ الحجازِ ... يمدُّ مصنوع العراق\rوملكت ذاكَ فسقتُهُ بقريحتي خيرَ المساقِ\rلسعيتُ مرخى الذيلِ بالتقص? ... ?ير محلولَ النطاقِ\rلا أستقلُّ مشمراً ... أجري إلى قصبِ السباقِ\rليس الرقيقُ من الرَّكيك ... ولا الزُّلالُ من الزُّعاقِ\rأنا لا أزال أطال الله بقاءك، وأدام نعماءك أطأ بساط كرمك، وأطالع من بسيط نعمك، ما أقابل به كريم عهدك، وأقبل عليه من صميم ودك، وأقابل معه من عظيم مجدك، وأجتلي فيه من زهر أنعامك واقتفائك، وأجتني له من ثمر إكرامك واحتفائك، ما أقول إذا غمر صدري، وبهر فكري: اللهم نصراً، على ما لا أطيق له شكراً، من فضل ينتظم بأخيه، ويلتئم مع ما يليه، مما يكثر أعداد تواليه، ويقل اعتداد مواليه، وهو بخنصر الفخر محسوب (و) في صفحة الدهر مكتوب، يقرأ في أعلام الإنعام، طرازاً على الأيام، يحني بصفائح الصحائف وأسنة الأقلام، قبل أن تمحى آثاره، وتنطفئ أنواره، فلا زلت راتعاً في زهرة رياضك، شارعاً في غمرة حياظك، فإنها رياض لا تغض جفون غضارتها، ولا تغيض عيون نضارتها، وحياض تصدر القلوب الصادية عن مواردها الصافية، وقد رويت غللها، وشفيت عللها، إذا جرعها الفراق من مر مذاقه، وسقاها الدهاق من زعاقه:\r\rقرأتُ على قلبي كتابكَ إذ أتى ... وقلتُ له: هذا أمانكَ في الدَّهرِ\rبه يرجع نافرك، إذا طار طئرك، ولا يسكن لاعجك، إذا هاج هائجك، فهو العوذة للهاجس، من خطر الوساوس، والراحة للنفس، من فقد الأنس، والشفاء للقلب، من طول الكرب، إذا كان معلم الجمال، وعلم الكمال، وباعث الجذل، ودافع الوجل، وحضور السرور، وذهاب الأوصاب، والمحذور، فياله من طرس، أحيا حشاشة نفس، وكتاب أماط مضاضة اكتئاب، فقلت لما رأيت ما يكاد يبيض الحبر من نوره، ويعبق المسك من كافوره: (شعر)\r\rنقشتَ بحالِكِ الأنقاس نوراً ... جلا لعيوننا نوراً وزهرا\rفدبِّج من بسيطِ الفكر روضاً ... أنيقاً مشرقَ الجنبات نضرا\rلو استسقى الغليلُ به لأروى ... أو استشفى العليلُ به لأبرا\rهفا عطرُ الجنوبِ له نسيمٌ ... أقول إذا أناسمُ منه نشرا\rنثرتَ لنا على الكافورِ مسكاً ... ولم تنثُرْ على القرطاسِ حبرا\rأمرت فيه أعلى الله أمرك، وأسنى قدرك قلباً لا يتقلب إلاّ في طاعتك وصباً لا يتصرف إلا في مرضاتك، أن يمد يد الاختيار والاستجادة، لما يقع منك بحسب الإشارة والإرادة، من تصنيف كتاب لطيف، ينظم نظم العقود، ويرقم رقم البرود، في مقطعات أدب كقراضة الذهب، من شذور منثور، وعيون موزون، ترتاح الأرواح إلى خفة أرواحها، وكثرة غررها وأوضاحها، ولطف متونها وحواشيها، وحسن عيونها ومعانيها، المشرقة التذهيب، المونقة التهذيب، التي إذا جلبت للطبع الذكي، وجليت على السمع الكفي، هزته أريحية الكريم إذا انتشى بماء الكروم: (شعر) :\r\rبسماعٍ أرقَّ من دمعة الصبِّ ... وشكوى المتيَّم المهجور","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839671,"book_id":1815,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":2,"body":"تجتني الأذن منه أحسن مما ... تجتني العينُ من وجوهِ البدور\rيشغلُ الفهمَ منظرٌ ثمَّ نطقٌ ... فهو يصغي بظاهرٍ وضمير\rصافح الأذنَ بالذي تشتهيهِ ... فأذاقَ النفوسَ طعم السُّرورِ\rوقلت: اجعله كالمختصر في الكتاب الموسوم بزهر الآداب وثمر الألباب، الذي ضمنته كل لطيفة، ونظمته بكل طريفة، فجاء بديع الغرر، رفيع الدرر، صحيح الحوك، مليح الحبك. (شعر) :\r\rألذُّ من النجوى وأطيبُ نفحةً ... من المسكِ مفتوقاً وأيسر محملا\rأخفُّ على روحٍ وأثقلُ قيمةً ... وأقصر في سمعِ الجليس وأطولا\rليكون لما استعاره من حليه، ولبس من حلله، وأخذ من صفاته، وسلك من سبله، كالأنموذج له والمدخل إليه، والمعرف به، والمنبه عليه، فيكون المطلع على أغراضه ومقاصده، والمتصفح لمصادره وموارده، كالعارف بما في ذاك والواقف على ما هناك، فقديماً دلت الأوائل على الأواخر، وعرفت البواطن من الظواهر.\rفأجبتك إلى ما إليه أشرت، على ما أحببت وآثرت، من غرائب العجائب، وظرائف اللطائف، وجواهر النوادر، وقرنت الفصول بالأصول، وضممت الأشعار إلى الأخبار، ووشحتها بالمستندر والمختار من كلام ملوك النظم والنثر، من أفراد أهل العصر، الذين قهروا السابقين، وبهروا اللاحقين، بكريم عنصر البلاغة وصميم جوهر البراعة، والتهاب الإبريز في إغراب التطريز، (شعر) :\r\rمن كلِّ معنىً يكادُ الميتُ يفهمهُ ... حسناً ويعبدهُ القرطاسُ والقلمُ\rوالنفوس قد طبعت على استطراف ما سمعت، مما لم يتكرر فيتكدر، ويتوالى على الأسماع، فتمجه الطباع، وتكثر روايته، فتمل حكايته، ولو كنت أعلم غيب ما لديك، لما أوردت شيئاً مما وقع إليك، من حديث ولا قديم، وفي نثير ولا نظيم، ولكنني أجهد جهدي، وأبذل ما عندي. (شعر) :\r\rفإن وقفتْ بي قدرتي دونَ همَّتي ... (فمبلغُ نفسٍ عذرها مثل منجحِ)\rومع علمي أنك أغرق في الفهم نصولاً، وأعرق في العلم أصولاً، فلعله يمر بك في تضاعيف هذا التأليف شيء تستندره، مما تؤثره، فيكون عيي سعيداً، ويقع سهمي سديداً، ببلوغ الزلفى من حبك، والقربى من قلبك، وتلك أمنيتي حتى ألقي منيتي التي لا أتعداها ولا أتمنى سواها.\rوفيما ألقي إليك في هذا الكتاب، الذي هو \"نور الطرف ونور الظرف\"، المختار الكثير مما ليس في الكتاب الكبير، وإنما كان كالمخ من سبيكته، والمح من تريكته، لأنه يحذو حذوه، وينحو نحوه، في ملاحة النثر. ورجاحة الشعر، دون الاستلاب لنفيس مطارفه، والاجتلاب لنفوس طرائفه، وإنما يدل عليه، ويهدي إليه، بدليل الاقتدار على جميل الاختيار، [إذا الاختيار] ميسم العقل، ومعلم الفضل، وهو باب يتصافى ولا يتنافى، ويتشاكل ولا يتنافر، ويتعارف ولا يتناكر، فإذا عرض هذا المختصر على نيران الفكر، وعجم بإنسان النظر، (شعر) :\r\rفكان كالذَّهبِ المعروف مخبرهُ ... يزيدُ في السبكِ للدينارِ ديناراً\rوكذلك جميع ما صنفته، وكل ما ألفته، وإن أجريت إلى غير لك، في جميع المسالك، (شعر) :\r\rفلستُ بأوّلِ ذي همَّةٍ ... دعتهُ لما ليسَ بالنائلِ\rوأنا أقسم بالله يميناً ما كنت أوليها، لو خفت حنثاً فيها، ما حركني الأشر، ولا أدركني البطر، ولا ملكني الإعجاب، فأقول في مثل هذا الكتاب، (شعر) :\r\rوالمرء يُفتنُ بابنهِ وبشعرهِ ... لكنَّ هذا فتنةُ العقلاءِ\rوإني لأرضى من الوبل بالذهاب، بل من الغنم بالإياب، وحسب العاقل أن يسلم دون أن يغنم، لما يعلم من تحكك المعارضين أو تحرك المناقضين، (شعر) :\r\rوإنّ امرأً أمسى وأصبحَ سالماً ... من الناسِ إلاّ ما جنى لسعيدُ\rلا سيما فيما ليس بمعجزٍ ولا معوزٍ، وإنما هي فروع تنتزع وتنقل، لا أصول تخترع وتوصل. وليس للناقل من الفضل أكثر من تجويد النقل، وقد قالوا: \"اختيار المرء وافد عقله، ورائد فضله\"، وقالوا: \"اختيار الكلام أشد من نحت السلام\"، وقال حكيم اليونانيين: \"لكل شيءٍ صناعة وصناعة الاختيار صناعة العقل\" وأنشدوا (شعر) :\r\rقد رضيناكَ باختيارك إذا كا ... ن دليلاً على اللبيبِ اختيارهُ\rوقال بعض المحدثين:\r\rقالوا: خذ العينَ من كلٍّ فقلتُ: همُ ... في العينِ فضلٌ ولكن ناظر العينِ\rحرفانِ في ألفِ طومارٍ مسوِّدة=وربَّما لم تجد في الألف حرفينِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839672,"book_id":1815,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":3,"body":"ولم أوغل في هذا الكتاب كما أوغلت في \"زهر الآداب وثمر الألباب\" من تعليق المعاني بما تعلق بأفنانها، وتشبث بأغصانها، وتسرب في شجونها، وتشرب من عيونها، إذ لو توفرت في التصريف على ما يوجبه التصنيف في تلك التصاريف، لأخللت بالإحسان في الافتنان، فنثرت ما سطرت على غير تبويب، وجمعت ما صنفت على غير ترتيب، وذلك أقرب لنشاطك، وأوجب لانبساطك.\rولعل ما تركت أولى مما أدركت، إذ كان قليلاً من كثير، وثماداً من بحور، ولكن إذا لم يخص المؤلف وجهاً يقصده، ولا فناً يعتمده، فكل الكلام تمتد إليه حباله وتنثال عليه رماله، فإنما حقه انتقاء ما اتصل بناظره، واقتفاء ما وصل إلى خاطره، إذ لا معنى يقتضيه دينه، إلا وغيره يقتضيه عينه.\rوقد خفت أن أخرج بصدر الكتاب إلى معيب الإسهاب. والداعي إلى الإطالة وإن صارت إلى الملالة، والاستمتاع في مكتبتك بلذة مخاطبتك التي هي أجمل من وصل المهجور، وأفضل من أمن المذعور، (شعر) :\r\rوأحسنُ موقعاً منّي وعندي ... من البشرى أتتْ بعد النَّعيِّ\rوهذا حين أبتدي وبالله أهتدي.\rحدثني أبو محمد الحسن بن القاسم قال: حدثنا أبو الخير رواحة بن عبد الله الهاشمي بالري قراءةً عليه، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا يموت بن المزرع عن خاله أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قال: يحب للرجل أن يكون سخياً لا يبلغ التبذير، حافظاً لا يبلغ البخل، شجاعاًُ لا يبلغ الهوج، محترساً لا يبلغ الجبن، حيياً لا يبلغ العجز، ماضياً لا يبلغ القحة، قوالاً لا يبلغ الهذر، صموتاً لا يبلغ العي، حليماً لا يبلغ الذل، منتصراً لا يبلغ الظلم، وقوراً لا يبلغ البلادة، نافذاً لا يبلغ الطيش.\rثم رأيت رسول الله ﷺ قد جمع ذلك في كلمة واحدة، وهي قوله ﵇: \"خير الأمور أوساطها\". فعلمت أنه ﵇ أوتي جوامع الكلم.، (وعلم) فصل الخطاب.\rقلت أنا: وليس بعض كلامه ﷺ بأولى من بعض بالتقديم، ولا أحق بالإجلال والتعظيم، وإنما بدأت بكلمته تيمناً ببركته.\rوأنا أحذف أسانيد ما رويته، وآتي بمتون ما رأيته، إذ هي الغرض المطلوب من استمالة القلوب، بما تحويه من سحر البيان، وسر البرهان.\rوقد قال الجاحظ يصف كلام النبي ﷺ: استعمل التوسط وهجر الغريب ورغب عن الهجين، فلم ينطق إلا عن حكمة، ولم يأت إلا بكلام حف بالعصمة، وسدد بالتأييد، وهو الكلام الذي ألقى الله ﷿ عليه المحبة، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والجلالة والإفهام، وقلة عدد الحروف، مع قلة حاجة السامع إلى معاودته، فلم تسقط له كلمة، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم إلا أفحمه. خطيب بذ الناطقين، وحاز قصب السابقين، لم يلتمس إسكات الخصم بنا لا يعرفه الخصم، ولم يحتج إلا بالصدق، ولم يطلب الفلج إلا بالحق، لا يلمز، ولا يهمز ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر، فلا يسمع الناس كلاماً أعم نفعاً، ولا أقصد لفظاً، ولا أعدل وزناً، ولا أجمل مذهباً، ولا أكرم مطلباً، ولا أحسن موقعاً، ولا أسهل مخرجاً، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه من كلامه ﷺ.\rكان علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بسام هجا علي بن عيسى بن داود بن الجراح الوزير لما نفي إلى مكة، فلما ردت إليه الوزارة، جلس يوماً للمظالم فمرت عليه في جملة القصص رقعة فيها مكتوب:\r\rوافى ابنُ عيسى وكنتُ أضغنُهُ ... أشدُّ شيءٍ عليَّ أهونهُ\rما قدر الله ليسَ يدفعهُ ... وما سواهُ فليس يمكنُهُ\rفقال (علي) بن عيسى: صدق ابن بسام، والله لا ناله مني مكروه أبداً.\rوكان ابن بسام فصيح اللسان، صحيح البيان، جميل الثناء، خبيث الهجاء، ولم يكن له حظ في التطويل، وإنما تحسن مقطعاته، وتندر أبياته، وهو القائل:\r\rأما ترى اللّيلَ قد ولَّتْ غيابُهُ ... وعارضُ الفجرِ بالإشراقِ قد طلعا\rفاشربْ على وردةٍ قدمتْ ... كأنَّها خدُّ ريمٍ فامتنعا\rوقال يرثي علي بن يحيى بن (أبي) منصور بن المنجم:\r\rقد زرتُ قبركَ يا عليّ مسلِّماً ... ولك الزِّيارة من أقلِّ الواجبِ\rولو استطعتُ حملت عنكَ ترابهُ ... فلطالما عنّي حملتَ نوائبي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839673,"book_id":1815,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":4,"body":"وقد أنشد هذين البيتين أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري، قال: أنشدني علي بن سليمان السلمي لنفسه، فأنشدهما وزاد (فيهما) :\r\rودمي، فلو أني علمتُ بأنَّهُ ... يروي ثراكَ، سقاهُ صوبُ الصائبِ\rلسفكتهُ أسفاً عليكَ وحسرةً ... وجعلت ذاك مكانَ دمعٍ ساكبِ\rولئن ذهبتَ بملءِ قبركَ سؤدداً ... فجميلُ ما أوليتَ ليس بذاهبِ\rوقال ابن بسام أيضاً:\r\rكم قد قطعتُ إليك من ديمومةٍ ... نُطفُ المياه بها سوادُ الناظرِ\rفي ليلةٍ فيها السماءُ مرِذَّةٌ ... سوداءْ مظلمةٌ كقلبِ الكافرِ\rوالبرقُ يخفقُ من خلالِ سحابهِ ... خفقَ الفؤادِ لموعدٍ من زائرِ\rوالقطرُ منهلٌّ يسحُّ كأنّه ... دمعُ المودِّع إثر إلفٍ سائرِ\rومن ظريف ما في هذا المعنى قول بعض أهل العصر، وهو أبو العباس الناشئ حيث يقول:\r\rخليليَّ هل للمزنِ مهجةُ عاشقٍ ... أم النَّارُ في أحشائها وهي لا تدري\rأشارت إلى أرضِ العراقِ فأصبحتْ ... وكاللُّؤلؤِ المنثورِ أدمعها تجري\rسحابٌ حكتْ ثكلى أُصيبتْ بواحدٍ ... فعاجت له نحوَ الرِّياضِ على قبرِ\rتسربلُ وشياً من خزوزٍ تطرَّزت ... مطارفها طرزاً من البرقِ كالتّبرِ\rفوشيٌ بلا رقمٍ ونقشٌ بلا يدٍ ... ودمعٌ بلا عينٍ وضحكٌ بلا ثغر\rوكتب أبو الفتح محمود بن الحسين السندي المعروف بكشاجم إلى بعض إخوانه في يوم شك بقوله:\r\rهو يومُ شكٍّ يا عليُّ ... وأمرهُ مذ كان يحذرْ\rوالجوُّ حلَّتهُ ممس? ... ?كةٌ ومطرفة معنبرْ\rوالماءُ فضيُّ القميصِ ... وطيلسان الأرضِ أخضرْ\rنبت يصعِّدُ زهرهُ ... في الرّوضِ قطر ندىً تحدَّرْ\rولنا فضيلاتٌ تكو ... ن ليومنا قوتاً مقدَّر\rومدامةٌ صفراءُ أد ... ركَ عهدها كسرى وقيصر\rفانشط لنا لنحثَّ مِنْ ... كاساتنا ما كانَ أكبرْ\rأو لا فإنّكَ جاهلٌ ... إن قلتَ: أنَّك سوف تعذرْ\rوقال علي بن العباس الرومي:\r\rمن عذيري مِنْ أضعفِ النّاس ركناً ... وبعينيهِ صولةُ الحجَّاجِ\rشادنٌ يرتعي القلوبَ ببغدا ... دَ ولا يرتعي الكلا بالنّباحِ\rولئن قلتُ: شادنٌ إنَّ قلبي ... لأسيرٌ لغادةٍ مغناجِ\rأقبلتْ والربيعُ يختالُ في الرَّو ... ضِ وفي المزنِ ذي الحيا الثَّجَّاجِ\rذو سماءٍ كأدكنِ الخزّ قد غيم? ... ?ت وأرضٍ كأخضر الديباجِ\rفتجلّى عن كل ما يُتمنّى ... موعد الكذْ خذاةِ والهيلاجِ\rفظللنا في نزهتين وفي حس? ... نينِ بين الأرمالِ والأهزاجِ\rبفتاةٍ تسرُّنا في المثاني ... وعجوزٍ تسرُّنا في الزُّجاجِ\rأخذتْ من رؤوسِ قومٍ كرامٍ ... ثأرها عند أرجلِ الأعلاجِ\rوقال بعض أهل العصر، وهو أبو محمد الحسن بن (علي) بن وكيع:\r\rقمْ فاسقني والخليجُ مضطربٌ ... والريحُ تثني ذوائبَ القصبِ\rكأنَّها والرِّياحُ تعطفها ... صفُّ قناً سندسيَّةِ العذبِ\rوالجوُّ في حلَّةٍ ممسَّكةٍ ... قد طرَّزتْها البروقُ بالذَّهبِ\rوقال:\r\rوسحابٍ إذا همى الماءُ فيه ... ألهبَ الرَّعدُ في حشاهُ البروقا\rمثلُ ماءِ العيونِ لم يجرِ إلاّ ... ظلَّ يُذكي على القلوب حريقا\rوقال أبو الفتح علي بن محمد البستي:\r\rيومٌ له فضلٌ على الأيّامِ ... مزجَ السَّحابُ ضياءهُ بظلامِ\rفالبرقُ يخفقُ مثلَ قلبٍ هائمٍ ... والغيم يبكي مثلَ طرفٍ هامِ\rوكأنَّ وجهَ الأرضِ خدُّ متيَّمٍ ... وصلت سجامُ دموعهِ بسجامِ\rفاطلبْ ليومك أربعاً هنَّ المنى ... وبهنَّ تصفو لذَّة الأيّامِ\rوجهُ الحبيبِ ومنظراً مستشرفاً ... ومغنياً غرداً وكأس مدامِ\rومن مجموع ألفاظ أهل العصر في الربيع وحسن منظره، وفضل أحواله (وطيب) مخبره:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839674,"book_id":1815,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":5,"body":"أسفر الربيع عن ظلٍ سجسج، وروضٍ مدبجٍ، فعطر السهول والوعور، وعطل المسك والكافور. تبرجت الأرض للنظارة، وبرزت في معرض الحسن والنضارة. قد حلت يد الأمطار أزرار النوار، وأذاع النسيم أسرار الأزهار. والرياض كالعرائس في حليها وزخارفها، والقيان في وشيها ومطارفها باسطة زرابيها وأنماطها، ناشرة حبرها ورياطها، كأنما احتفلت لوفد، أو هي من حبيب على وعد، روضة قد تضوعت بالأرج الطيب أرجاؤها، وتبرجت في ظلل الغمام شجراؤها، وتفاوحت بنوافح المسك أنوارها، وتعارضت بغرائب النطق أطيارها، أشجارٌ كأنَّ الحور أعارتها قدودها، وكستها برودها، وحلتها عقودها، انظر إلى طرب الأشجار لغناء الأطيار. يوم سماؤه كالخز الأدكن، وأرضه كالديباج الملون، يوم غاب نحسه وهوى، وطلع سعده واعتلى، والزمان ساقطة جماره، مفعمة أنهاره، مونقة أشجاره، مغردة أطياره، ونحن في غب سماء قد أقلعت بعد الارتواء، وأقشعت عند الاستغناء، والنبت خضل ممطور، والنقع ساكن محصور. ريش ريش النسيم، وابتل جناح الهوى، وضربت خيمة الغمام، واغرورقت مقلة السماء، قام خطيب الرعد، ونبض عرق البرق، كأن البرق قلب مشوق، بين التهاب وخفوقٍ، سحاب حكة المحب في انسكاب دموعه. والتهاب ضلوعه. سحابة يضحك عن بكائها الروض، وتخضر لسوادها الأرض.\rوقال أبو العباس النامي يمدح سعد الدولة أبا المعالي شريف بن سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء بن عبد الله بن حمدان:\r\rكأنَّ مرآةَ فهمِ الدَّهر في يدهِ ... يرى بها غائبَ الأشياءِ لم يغبِ\rما يرفعُ الفلكُ السَّامي سماءَ عُلاً ... إلاّ علاها شريفٌ كوكبُ العربِ\rيا من بعينِ الرِّضى يلقى مؤملهُ ... والبخلُ يطبقُ أجفاناً على الغضبِ\rأغربتَ في كلِّ معنىً طيبٍ حسنٍ ... فليس ذكركَ في أرضٍ بمغتربِ\rلو يكتبُ المجدُ أسماءَ الملوكِ إذاً ... أعطاكِ موضع \"بسم الله\" في الكتبِ\rأخذ قوله: \" لو يكتب المجد.. البيت\" من قول أبي العباس عبد الله بن المعتز بالله (في ناقة) :\r\rوناقةٍ في مهمةٍ رمى بها ... همٌّ إذا نامَ الورى سرى بها\rفهي أمامَ الركبِ في ذهابها ... كسطر \"بسم الله\" في كتابها\rومن ظريف ما جاء في ذكر اسم الله، وإن لم يكن في هذا المعنى، قول بعض أهل العصر، وهو أبو سعيد الرستمي:\r\rأفي الحقِّ أن نُعطى ثلاثونَ شاعراً ... ويحرمَ ما دون الرِّضى شاعرٌ مثلي\rكما سامحوا عمراً بواوٍ زيادةً ... وضويق \"بسم الله\" في ألفِ الوصل\rدخل أبو دلف العجلي على المأمون، فقعد بينه وبين الحسن بن سهل، وكان عليه المأمون مغضباً، فقال: أنت الذي يقول فيه علي بن جبلة العكوك:\r\rإنَّما الدُّنيا أبو دلف ... بين مبداهُ ومحتضره\rفإذا ولَّى أبو دلفٍ ... ولَّت الدُّنيا على أثره\rفقال: يا أمير المؤمنين شهادة زورٍ، وقول غرور، وملق معتف سائل، وخديعة طالب نائل، أصدق منه وأعرف بي ابن أخت لي حيث يقول:\r\rذريني أجوبُ الأرضَ في طلب الغنى ... فما الكرجُ الدُّنيا ولا النَّاس قاسم\rوأنا كما قال بكر بن النطاح: شعر\r\rأبا دلفٍ إنَّ الفقير بعينه ... لمن يجتدي جدوى يديك ويأمله\rأرى لكَ باباً مقفلاً متمنعاً ... إذا فتحوه عنك فاللُّؤم داخله\rكأنَّك طبلٌ رائعُ الصَّوتِ معجب ... خلاءٌ من الخيرات قفر مداخله\rوأعجب شيءٍ فيك تسليم أمره ... إليكَ على جهلٍ وأنَّك قابله\rفأسفر له عن وجه الرضا، وقال [له] أخبرني عن عبد الله بن طاهر، فقال: أمين غيب، نصيح حرب، يستعذبه وليك إذا رام جوده، ويشرق به عدوك إذا عجم عوده، يرد معضلات الأمور بأيده، ويعرف مخبأة الصدور بكيده، وإنه في الشجاعة لكما قال العباس بن مرداس السلمي: (شعر)\r\rأشدُّ على الكتيبةِ لا أبالي ... أحتفي كانَ فيها أم سواها\rوفي الجود كما قال زهير:\r\rتراه إذا ما جئتهُ متهلِّلاً ... كأنَّك مُعطيهِ الذي أنتَ سائله\rفقال بعض الحاضرين: ما أفصحه على جبليته! فقال [الحسن بن سهل] : إن بالجبل قوماً أمجاداً، لهم ألسنة لا يفل غربها، ويراعة لا ينكسر قلبها وإنهم ليوفون السيف حقه يوم النزال، ويعطون اللسان حظه عند المقال، وإن أبا دلف منهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839675,"book_id":1815,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":6,"body":"وكان أبو دلف كريماً وسيماً، صريحاً فصيحاً، وهو القائل:\r\rالحربُ تضحكُ عن كرِّي وإقدامي ... والخيلُ تعرفُ آثاري وأيَّامي\rسيفي مُدامي وريحاني مثقَّفتي ... وهمَّتي مقةُ التَّفصيل للهامِ\rوقد تجرَّد لي بالحسن ذو بدعٍ ... أمضى وأشجع مني يوم إقدامي\rسلَّت لواحظهُ سيف السِّقام على ... جسمي فأصبح جسمي ربع أسقامي\rوقال أيضاً:\r\rأحبُّكِ يا جنانُ وأنتِ منّي ... محلُّ القلبِ في جسدِ الجبان\rولو أنّي أقول: محلُّ روحي ... لخفتُ عليكِ بادرة الزَّمانِ\rلإقدامي إذا ما الخيلُ جالت ... وهابَ كماتها حرَّ الطعانِ\rوكان أبو دلف يتعشق قينة بمدينة السلام، فإذا شخص إلى الحضرة ألم بها، فأتى في بعض الأوقات، كمتقدم العادات، فمشى فرسه على طرف طيلسان بعض التجار فقده، فأخذ بعنانه، وقال: يا قاسم ليس هذا كرجك، هذه حضرة أمير المؤمنين، الشاة والذئب فيها يشربان من ماء واحد، فثنى عنان فرسه راجعاً إلى الكرج، ولم يسلم على السلطان، ولا ودع الإخوان، وكتب إلى صاحبته يقول:\r\rقطعتْ عن لقائكِ الأشغال ... وهمومٌ تترى عليَّ ثقال\rفي بلادٍ يهانُ فيها عزيزُ ال? ... ?قوم حتى تنالهُ الأنذال\rحيثُ لا مدفعٌ بسيفٍ عن الضي ... يم ولا للجياد فيه مجال\rومقامُ العزيزِ في بلد الهو ... نِ إذا أمكن الرّحيل محال\rفعليكِ السَّلام يا ظبية الكر ... خِ أقمتم وحان منّا ارتحال\rكتب بعض أهل العصر، وهو شمس المعالي بن وشمكير ملك جيلان وجرجان إلى بعض أصدقائه: كتبت أطال الله بقاء مولاي وما في جسمي جارحة إلا تود لو كانت يداً نكاتبه، أو لساناً يخاطبه، أو عيناً تراقبه، أو قريحة تعاتبه، بنفس ولهى، وبصيرة ورهى، وعين عبرى، وكبد حرى، منازعة إلى ما يقرب منه، وتمسكاً بما يتصل بي عنه، ومثابرة على أمل هو غايته، وتعلقاً بحبل عهد هو نهايته، وخاطري يميل نحوه ويحنو، ونفسي تأمل حنوه وترجو، وتقول: أتراه؟ بل لعله وعساه، يرق لنفسي قد تصاعد نفسها، ويرحم روحاً قد فارقها روحها ومؤنسها، فكيف بقلبه لو عاين صورة هذه صورتها، وشاهد مهجة هذه جملتها، فليرفق جعلت فداه بمن عاند برحاً عظيماً، وكابد قرحاً أليماً، وليرق لكبد مزقها البعاد، وعين أرقها السهاد، وأحشاء محرقة بنار الفراق، وأجفان مقرحة، بمدمعها المهراق، وقلب في أوصابه مقلب، ولب في عذابه معذب، ولو أني سعدت فأعطيت الرضى، وخيرت فاخترت المنى، لتمنيت أن أتصور صورتك، وأطالع طلعتك، فأمثل لها مثالي لتراه، وأخبر بكنه حالي [ومعناه] ، أترفق ما أزله الدهر إلي، وأتلطف لإماطة ما أفاضه علي، وأشكو بعض ما نابني من نوائبه وغوائله، وأعلقني في أشراكه وحبائله، فإن كان ما رجوته مدركاً مبذولاً، وما بذلته مؤهلاً مقبولاً، وإلا تضرعت إلى الله تعالى في الخلاص، وسألته أن يأخذ لي بالقصاص، فوالله العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر، ما لي طاقة بما تجدده الساعات من مقيم الاشتياق ومقعده، ولا استطاعة لما تؤكده الأوقات من أليم الفراق ومكمده، فإن عطف إلي استعطافي، وعاد إلى عيادتي وإلطافي، وأنعم في جوابي بمجاوبتي، وشفع في تشفيعي لمأربتي، واهتز اهتزاز المشوق إذا عوتب، ورجع رجوع الموموق إذا كوتب، كان كمن أعاد نفساً في نفسه، ونشر ميتاً من رمسه، وحقن مهجة قد أراقت خالص دمها المسفوح، وأحرز دمعاً قد دمي جفنه المقروح، فلا يرغب جعلت فداه عن الأجر في مداواة عليل، ولا يغفل عن المساعدة في شفاء غليل. وليعلم أن الأوقات إذا انجلت وتعضت، والساعات إذا ترحلت وقوضت، تمده بما شكا، وتزيده مما حكى، وقد رجوت أن يتأمل رسالتي، ويتصور بالغيب حالتي، تأملاً يجرر فيه أذيال إحسانه ويسحبها، وينشر أثواب امتنانه ويصحبها، ويتطول بالطول في المكاتبة، ويعود إلى الفضل في المخاطبة، بما يبرئ عليلاً، ويشفي غليلاً، ويفك أسيراً، ويحيي قتيلاً (إن شاء الله، والسلام) .\rوكتب إليه جواباً عن جواب رسالته هذه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839676,"book_id":1815,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":7,"body":"وصل كتاب مولاي، جعلني الله فداه في النوائب كلها، مفصلها ومجملها، فأوصل نعمةً جددت الوصل، وأعادت الطول والفضل، وسادت ما تقدم من أخواتها رفعة وجلالاً، وعلت على ما سلف من أترابها علية وجمالاً، وذكرت كل ما قدم عن نعمه، وتقدم من كرمه، لا لقصور عن الأولى فيما يتلوها ويؤكدها، ولا لفتور عن الأخرى فيما ينشرها ويجددها، لكن لكل جديد لذة تستطاب، ولكل قادم فرحى في المآب، ولكل غريب دولة في الأحباب، وطرفة في الأزمان والأحقاب.\rوأقبل علي بالسرور بإقباله فملك عناني، واسترقني بقدومه بأرق أجفاني، وغمرني ما يغمر الصب بمن يهواه، وسرني ما يسر الوامق بمن يراه، وعاد علي عائد بالبشاشة يعتادني، وطرقني طارق (بالمسرة) ينتابني، واجتمعت المسار في قلبي فتزاحمت وتلاصقت وتآلفت البشائر في صدري فتلاءمت وتضايقت، واستخفني الطرب في كل نوب، وحف بناحيتي من كل أوب، فيالها نعمةً زادت في الأمل ففسحته، وعمرت الصدر وشرحته، ويا لها منّة حلت العقد وأرضته، وباعدت الهجر وأوهته، ويا لها يداً أيدت الأفضال وهذبته، وأوصلت الوصال وقربته، أحيا الله من أحيا نفسي بقدومها ووفودها، وأبقى من استبقاني برجوعها وورودها، وخفف ظهر من أثقل ظهري بحملها، وأضعف جوارحي بنقلها، فالحمد لله الذي رده إلى عادته المألوفة بعد جماحه، وعطفه علي عادة ظني فيه ومخيلتي له، إلى أيامه الغر وأوقاته الزهر، التي تفوق أيام الشباب حسناً وبهجة، وإشراقاً وجدة، وساعاته التي هي أشهى من مسارقة النظر، ومخالسة القبل، وعيشه الذي ينسي سكرة الصب، ولذة الحب، وعهده الذي يوفي العهد، وينجز الوعد، وكتابه الذي هو أحسن من رياض الزهر، واشغف من العيون المراض، وأبهج من قدوم الغائب. وأزكى من الروض العازب، فكأن الأيام عفت آثار ما صنعه الهجر، ومحت نوافثها من الصدر، فأخمدت ناراً كان الغدر أومض شعاعها، وسكنت نفساً كان الشوق هاج نزاعها، وقد كنت أتصور ذلك وأعلمه، وأتخيل موقعه وأتوسمه، قبل أن تقربه الزلفى، وتتواتر به البشرى، من رجوعه إلي، وانعطافه علي، فكان برقه غير جهام، وحسامه غير كهام، وأملي فيه محققاً، وظني به مصدقاً، والله يكفيني نوائب الهجر، ويقيني غوائل الغدر، ويقيمه على هذه الخليقة الوسيمة، ويجريه على هذه الطريقة المستقيمة، ولا يخيب فيه حسن ظنوني، ولا يكدر فيه صفاء يقيني، (إن شاء الله والسلام) .\rوشمس المعالي القائل وقد جرت عليه نكبة:\r\rقل للذي بصروف الدَّهرِ عيَّرنا ... هل عاندَ الدَّهرُ إلاّ من له خطرُ\rأما ترى البحرَ تطفو فوقهُ جيفٌ ... ويستقرُّ بأقصى قعرهِ الدُّررُ\rفإن تكن عبثتْ أيدي الزَّمانِ بنا ... ونالنا منْ تمادي بؤسهِ ضررُ\rففي السَّماءِ نجومٌ ما لها عدد ... وليس يُكْسَف إلاّ الشمسُ والقمرُ\rوأما بيته الثاني فمن قول ابن الرومي:\r\rدهرٌ علا قدرُ الوضيعِ به ... وغدا الرفيعُ يهينهً شرفهْ\rكالبحر يرسُبُ فيهِ لُؤلُؤهُ ... سفلاً وتطفو فوقهُ جيفهْ\rأكثر ابن الرومي من هذا المعنى، ومن جيد ما قاله منه قوله:\r\rلمْ يضحكِ الشيبُ في فوديهِ بل كلحا ... سمِّ القبيح من الأسماء ما قبحا\rفي قصيدة يقول فيها:\r\rقالت: علا النَّاسُ إلاّ أنت، قلت لها ... كذاكَ يسفلُ في الميزان ما رجحا\rوقوله: \"ففي السماء نجوم\" في البيت الأخير من قول أبي تمام:\r\rإنّ الرِّياح إذا ما استعصفتْ قصفتْ ... عيدان نجدٍ ولم يعبأنَ بالرَّتم\rبناتُ نعشٍ ونعشٌ لا كسوف لها ... والشَّمس والبدر منه الدَّهر في الوقم\rولشمس المعالي وقد أهدى إليه عضد الدولة سبعة أقلام:\r\rقد بعثنا إليك سبعة أقلا ... مٍ لها في البهاء حظٌّ عظيم\rمرهفاتٍ كأنَّها ألسنُ الحيّ ... ياتِ قد حاز حدها التقويم\rوتفاءلت إن ستحوي الأقا ... ليم بها كلُّ واحدٍ إقليم\rوأهدى أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابئ إلى عضد الدولة في يوم مهرجان اصطرلاباً بقدر الدرهم محكم الصنعة، وكتب إليه:\r\rأهدى إليكَ بنو الحاجاتِ واحتفلوا ... بمهرجانٍ عظيمٍ أنتَ تعليه\rلكنَّ عبدك إبراهيمَ حين رأى ... سموَّ قدركَ عن شيءٍ يدانيه\rلم يرضَ بالأرضِ يهديها إليك فقد ... أهدى لك الفلكَ الأعلى بما فيه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839677,"book_id":1815,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":8,"body":"وأهدى أبو أسامة الكاتب في يوم نوروز إلى بعض إخوانه سهماً وديناراً ودرهماً، ووردة، وكتب إليه:\r\rلا زلتَ كالوردِ نضيرَ الميسمِ ... ونافذاً مثل نفوذِ الأسهم\rفي عزِّ دينارٍ ونجح درهمِ\rولشمس المعالي في الرقيق من الشعر قوله:\r\rما ضرَّهم لو أسعدوا أو أرفقوا ... وتعمَّدوا لصنيعِ ما هو أليقُ\rما كنتُ أملكُ غيرَ نفسٍ حرَّةٍ ... رُهنتْ وأحسبُ أنَّ رهنيَ يغلقُ\rأنا معدنُ الياقوتِ جسمي أصفرٌ ... ومدامعي حمرٌ وقلبيَ أزرق\rوهذا البيت ينظر إلى قول محمد وكيع في فحواه دون نجواه، ولفظه دون معناه، وهو:\r\rجوهري الأوصافِ يقصرُ عنه ... كلُّ وصفٍ وكلُّ ذهنٍ دقيق\rشاربٌ من زبرجدٍ وثنايا ... لؤلؤٍ فوقها فمٌ من عقيق\rولأبي العباس عبد الله بن المعتز بالله في هذا النوع من الأبيات:\r\rكأنَّ عذاريهِ على قمرٍ على ... قضيبٍ على دعصٍ رطيب الثَّرى ندي\rتبسَّمَ إذا ما زحتهُ فكأنَّما ... تكشَّف دُرٌّ عن حجاب زبرجد\rوقال الشريف العقيلي:\r\rومعذرينَ كأنَّ نبتَ خدودهم ... أقلامُ مسكٍ تستمدُّ خلوقا\rقرنوا البنفسجَ بالشَّقيق ونظَّموا ... تحت الزبرجد لؤلؤاً وعقيقا\rفهمُ الذين إذا الخليُّ رآهم ... وجدَ الهوى بهم إليه طريقا\rوما أملح ما قال كشاجم:\r\rوعذَّبني قضيبٌ في كثيبٍ ... تشارك فيه لينٌ واندماج\rأغارُ إذا دنت من فيهِ كأسٌ ... على درٍّ يقبّلهُ زجاج\rوشعر شمس المعالي يضعف عن نثره، ولكن الشيء يدخل في شفاعة غيره.\rومن الحسن في وصف الحسن قول ابن المعتز بالله:\r\rليلٌ وبدرٌ وغصنُ ... شعرٌ ووجهٌ وقدُّ\rخمرٌ ودرٌّ وورد ... ريقٌ وثغرٌ وخدُّ\rوقال بعض الظرفاء:\r\rشادنٌ خدُّهُ وعين ... اهُ وردي ونرجسي\rإن يبجد لي بخمرِ في ... هِ فقد تمَّ مجلسي\rوقال كشاجم:\r\rأيا نشوانُ من خمرٍ بفيه ... متى تصحو وريقك خندريس\rأرى بك ما أراه بذي انتشاءٍ ... ألحَّ عليه بالكأس الجليس\rتورَّدُ وجنةٍ وفتور طرفٍ ... تمِّرضه وأعطافٌ تميس\rوقال بعض أهل العصر، وهو أبو الفتح عثمان بن جني النحوي:\r\rغزالٌ غيرُ وحشيٍّ ... حكى الوحشيُّ مقلته\rرآه الوردُ يجني الور ... دَ فاستكساه حلَّته\rوشمَّ بأنفهِ الرَّيحا ... نَ فاستهداهُ زهرته\rوذاقت ريقه الصَّهبا ... ءُ فاختلستهُ نكهته\rوقال ابن المعتز بالله:\r\rقد صادَ قلبي قمرٌ ... يسحرُ منهُ النظرُ\rبوجنةٍ كأنَّما ... يقدح منها الشَّررُ\rوشاربٍ قد همَّ أو ... نمَّ عليه الشَّعر\rضعيفةٌ أجفانه ... والقلب منه حجر\rكأنَّما مقلته ... من فعلهِ تعتذر\rالحسن فيه كاملٌ ... وفي الورى مختصر\rوقد قال ابن وكيع في المعنى الأخير من هذه الأبيات:\r\rصوَّرهُ خالقنا جامعاً ... لكلِّ شيءٍ حسنٍ بارع\rفكلُّ حسنٍ في جميع الورى ... مختصرٌ في ذلك الجامع\rوقد قال ابن الرومي في مثل هذا المعنى:\r\rلا شيءَ إلاّ وفيه أحسنه ... فالعينُ منهُ إليه تنتقل\rفوائدُ العينٍِ فيه طارفةٌ ... كأنّّما أخرياتُها الأُوَلُ\rوقال ابن وكيع:\r\rعشقت من لا ألامُ فيهِ وما ... يخلو من اللَّومِ كلُّ من عشقا\rرأي الهوى في سواهُ مختلفٌ ... وأنتَ تلقاهُ فيه متفقا\rفكلُّ قلبٍ إليه منصرفٌ ... كأنّما من جميعها خُلقا\rألم فيه بقول مخارق بن إبراهيم الموصلي: \"كأنه خلق من كل قلب، فهو يغني كلاً بما يشتهيه\".\rوأخبرني بعض المصريين قال: كان ابن وكيع يهوى غلاماً نصرانياً بتنيس، فلامه [فيه] بعض إخوانه وقال له: مكانك في العلم والأدب، وشرف الأصل والمركب [والمنصب] بحيث اشتهر في كل مكان، وظهر على كل لسان، وقد بلغت من الغرام بهذا الغلام إلى غاية تسوء وليك فيك، ويسر بها معاديك، فقال له: ويحك أرأيت من عليه لحيت، قال: لا، وأقبل الغلام وهما يتراجعان في الكلام وهو في صورة:\r\rليس فيها ما يقالُ لها ... كملتْ لو أنَّ ذا كملا\rكلُّ جزءٍ من محاسنها ... كائنٌ من حسنهِ مثلا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839678,"book_id":1815,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":9,"body":"فقال له العاذل عندما بهره جماله، وجهره في كماله: لو في هذا ظهر أمرك، لقام عند الناس عذرك، فقال لوقته:\r\rأبصرهُ عاذلي عليه ... ولم يكنْ قبل ذا رآهُ\rفقال لي: لو هويتَ هذا ... ما لامك النَّاسُ في هواهُ\rقل لي: إلى منْ عدلتَ عنه؟ ... فليس أهلُ الهوى سواهُ\rفصار من حيثُ ليس يدري ... يأمرُ بالحبِّ من نهاه\rوالوكيعي مشرق الفكر، مونق الشعر، رائق الطلاوة، فائق الحلاوة، وهو القائل:\r\rزادني في دجى الظلامِ البهيمِ ... قمرٌ بات مؤنسي ونديمي\rبحديثٍ كأنّهُ عودةُ الصِّحةَ في ال ... جسم بعد يأسِ السَّقيم\rتتلقّى القلوبُ منه قبولاً=كتلقّي المخمورِ بردَ النسيمِ وهذا كقوله:\r\rظفرتُ بقبلةٍ منه اختلاساً ... وكنتُ من عين الرَّقيبِ على حذارِ\rألذَّ من الصَّبوحِ على غمامٍ ... ومن بردِ النسيمِ على خُمارِ\rوله:\r\rغُصنٌ ظلَّ مثمراً ... بظريفٍ من الثَّمر\rما رأى الناسُ قبلهُ ... غُصناً أثمرَ القمر\rقال لي إذا عجبتُ من ... هـ: ألا تحسنُ النظر؟\rلا تقسْ غرسَ ربِّنا ... بالذي يغرسُ البشر\rومن ألفاظ أهل العصر في محاسن الغلمان والمعذِّرين: شادنٌ يضحك عن الأقحوان، ويتنفس عن الرَّيحان، كأنَّ قدَّهُ خوط بانٍ، سكرانُ من خمر طرفه، وبغداد مشرقة، من حسنه وظرفه، الشكل أجمع من حركاته، وجميع الحسن بعض صفاته، كأنما وسمه الجمال بنهايته، ولحظه الفلك بعنايته، فصاغه الله من ليله ونهاره، وحلاه بنجومه وأقماره، ونقشه ببدائع آثاره، ورمقه بنواظر سعوده، وجعله بالكمال أحد جدوده، له طرة كالغسق، على غرة كالفلق، جاء في غلالةٍ تنم بما يستره، وتجفو مع رقتها عما يظهره، له وجه بماء الحسن مغسول، وطرف يميل السحر مكحول، وثغر حمي حماية الثغور، وجعل ضرة لقلائد النحور، وما هو إلا خال في خد الظرف، وطراز على علم الحسن، ووردة في غصن الدهر، ونقش على خاتم الملك، وجهه عرس، وصدغه مأتم، ووصله جنة، وهجره جهنم، وإن كانت عقرب صدغه تلسع، فترياق ريقه ينفع، إذا تكلم تكشف حجاب الزمرد العتيق، عن سمطي الدر الأنيق. لعب ربيع الحسن في خده، فأنبت البنفسج في ورده.\rقال أبو المقدام الأسدي: سالت علينا سائلة من طيئ، وكان غلام منا يختلف إلى جارية منهم فيتحدث إليها، فخرج يوماً في طلب إبل له، فأرسلوا رائدهم، فرجع وإذ هم ينفضون الأنماط، وقد قوضوا العمد، وأجمعوا على الظعن، فأنشأ الغلام يقول:\r\rمتى ما يقلْ أهلي: أقيموا، وتصبحي ... رهينةَ برقٍ بالشَّقيقة لاحق\rأمت كمداً من لوعةِ الحبِّ أو أكن ... كذي البثِّ أبلاه جلاءُ الأصادق\rفقلت له:\r\rفهلاَّ وفي الأيَّام ويحكَ غرَّةٌ ... شكوتَ وفي الواشينَ عنكَ سكونُ\rولكن كتمتَ الحبَّ حتى تقطَّعتْ ... قوى الوصلِ واستولى عليه قرينُ\rوهذا يضاهي قول القطامي، وهو عمرو بن شييم التغلبي:\r\rقطعت إليكَ بمثل جيدِ جدايةٍ ... حسنٍ معلَّقُ توميتهِ مطوَّق\rهلاَّ طرقتِ إذ الحياةُ لذيذةٌ ... وإذ الزَّمان جديده لم يخلقِ\rأو قبل ذلك عندَ غرَّاتِ الصِّبا ... والعيش غضٌّ صفوه لم يرنقِ\rبخلتْ عليك فما تجودُ بنائلٍ ... إلاّ اختلاس حديثها المتسرقِ\rوقال علي بن محمد العلوي:\r\rيا حبّذا الدهرُ إذ نُسقى مسرَّته ... صرفاً ونمزج إنجازاً بميعادِ\rوإذا نبيت وقلبانا قد اتفقا ... جاري عناقٍ وإسعافٍ وإسعادِ\rبسرَّ من را سقاها الله ما شربتْ ... من رائحٍ ضاحكٍ بالمزنِ أو غادِ\rفليت دهري بها عادت بشاشته ... حتى نُموِّه إصلاحاً بإفسادِ\rيضاهي هذا المعنى قول جحظة:\r\rإن كنت تنكر ذلّتي وتلدّدي ... وسقامَ جسمي وامتداد عذابي\rفانظر إلى جسمي الذي موهتُهُ ... للناظرينَ بكثرة الأثوابِ\rوقال أيضاً:\r\rأأيامك تهتز اهتزاز الغصن الرطبِ\rتذكرتَ وفي تذكارها نصبٌ من النَّصب\rلياليكَ وأيامكَ ظلُّ اللَّهو والعجب\rتروق الأعينَ النجلَ وتصبي كبد المصبي\rوتختالُ من النضرة في أرديةٍ قشب\rزمانٌ كارتشاف الصَّبِّ للمرتشف العذب\rصفاء الشُّرب لا يعقب إلاّ كدر الشُّرب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839679,"book_id":1815,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":10,"body":"وقال أيضاً:\r\rواهاً لأيام الوصا ... لِ بعدنَ عن عهد قريبِ\rأيام شرخُ شبابهِ ... ريّانُ معتدل القضيب\rأيام كان من الغوا ... ني لي السّوادُ في القلوبِ\rلو يستطعن جعلنه ... بين المخانقِ والجيوبِ\rحتى نهاه عن الصِّبا ... ونهى الصِّبا وضحُ المشيب\rفكفاه عيبُ الشَّيبِ أن ... ينظرنَ منه إلى العيوبِ\rوقال أيضاً:\r\rواهاً لأيامِ الشبابِ ... وما لبسن من الزَّخارف\rوذهابهن بما عرفت ... من المناكر والمعارف\rأيام ذكركَ في دوا ... وين الصِّبا صدرُ الصحائف\rواهاً لأيامي وأيّا ... م النقيات المراشف\rالغارسات البانَ قضّبا ... ناً على كثبِ الرَّوادف\rوالجاعلات البدرَ ما ... بين الحواجب والسَّوالف\rأيّام يُظهرنَ الخلا ... ف بغير نيّات المخالف\rوقف النَّعيمُ على الصِّبا ... وزللتُ عن تلكَ المواقف\rوقال بعض أهل العصر، وهو أبو عبد الله الحسين بن عبد الرحيم الزلزالي:\r\rنظرةٌ كانت لحتفي سبباً ... جلبَ الحينُ لها ما جلبا\rضحكت أسماءُ من ذي لمَّةٍ ... ضاحك الأشيب منها الأشيبا\rإنما يعرف أيام الصبا ... من صبا في غير أيّامِ الصِّبا\rوقال أبو حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع:\r\rزمان الصِّبا ليتَ أيامنا ... رجعنَ لنا السَّالفات القصارا\rزمانَ عليَّ غرابٌ غدافٌ ... فطيَّره الدَّهر عنّي فطارا\rولا يبعدُ الله ذاك الغرابَ ... وإن هو لم يبقِ إلا ادِّكارا\rوهازئةٍ إذ رأت كبرةً ... تلفعَ رأسي بها فاستنارا\rأجارتنا إنَّ ريبَ الزمانِ ... قبلي أعيا الرجالَ الخيارا\rفإما تري لمَّتي هكذا ... فأكثرت مما ترينَ النِّفارا\rفقد ارتدي وحفةً ظلةً ... وقد أشغف الفتياتِ الخفارا\rقد كنتُ أسحبُ فضل الرداءِ ... وأُرخي على العقبين الإزارا\rورقراقةٍ لا تطيق القيا ... مَ إلاّ رويداً وإلاّ انبهارا\rكأنَّ على الشمسِ منها الخمار ... إذا هي لاثت عليهِ الخمارا\rخلوت بها نتجارى الحديثَ ... فحيناً علاناً وحيناً جهارا\rوقال ابن المعتز بالله:\r\rسقياً لظلِّ زماني ... وعصرهِ المحمودِ\rولَّى كليلة وصلٍ ... قُدّامَ يومِ صدودِ\rوقال أبو عثمان سعيد بن الحسن الناجم:\r\rإلى كم أروحُ إلى حسرةٍ ... وأغدو إلى سقمٍ واصب\rوأرجو غداً فإذا ما أتى ... بكيتُ على أمسهِ الذاهبِ\rقطعت حبالك من واصلٍ ... وأظهرت زهدك في راغبِ\rوقد صرت أرضى بلينِ اللِّحاظِ ... وأقنع بالموعد الكاذبِ\rومن أناشيد إسحاق بن إبراهيم الموصلي:\r\rألا يا حبذا جنباتُ سلمى ... وجاد رياضها جودُ السِّحابِ\rخلعت بها العذارَ ونلت منها ... منايَ بطاعة أو باغتصابِ\rأسومُ بباطلِ طلبات لهوي ... ويعذرني بها عصرُ الشباب\rقال يحيى بن خالد لكلثوم بن عمرو العتابي، وكان لا يبالي أي ثوبيه لبس، وقد رأى عليه بزة دنيئة: يا أبا عمرو ما لك لا تجيد الملبوس؟ فقال: إنما يرفع المرء أدبه وعقله، لا حليه وحلله، لحى الله امرءاً يرضى أن يرفعه هيئتاه: جماله وماله، لا والله حتى يشرفه أصغراه: لسانه وقلبه، ويعلو به أكبراه، همته ولبه.\rوقال مالك بن طوق العتابي: يا أبا عمرو رأيتك كلمت فلاناً فأقللت كلامك، قال: نعم كانت معي حيرة الداخل وفكرة صاحب الحاجة، وذل المسيألة، وخوف الرد وشدة الطمع.\rوكان العتابي جيد العقل واللسان، حسن العبارة والبيان، في النثر الرائع والشعر البارع، وقلما اجتمع هذا.\rولما دخل على الرشيد قال له: تكلم يا عتابي، فقال له: يا أمير المؤمنين، الإيناس قبل الإبساس، لا يمدح المرء بأول صوابه، ولا يذم بأول خطابه، لأنه بين كلام زوره، أو حصر اعتوره.\rوهو القائل في الرشيد:\r\rأوافي أميرَ المؤمنين بهمَّةٍ ... توقَّلُ في نيلِ المعالي فنونها\rرعى أمَّةَ الإسلام فهو إمامها ... وأدى إليها الحقَّ فهو أمينها\rمقيمٌ بمستنِّ العُلا حيث تلتقي ... طوارقُ أبكارٍ الخطوب وعونها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839680,"book_id":1815,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":11,"body":"وما كلُّ موصوفٍ له الحقُّ يهتدي ... ولا كلُّ من أمَّ الصُّوى يستبينها\rوله يذم رجلاً بقوله:\r\rوكمْ نعمةٍ آتاكها الله جزلةٍ ... مبرّأةٍ من كلِّ خلقٍ يذيمها\rفسلطتَ أخلاقاً عليها ذميمةً ... تعاورنها حتى تفرَّى أديمها\rولوعاً وإشفاقاً ونطقاً من الخنا ... بعوراءَ يجري في الرجال نميمها\rوكنتَ امرءاً لو شئت أن تبلغ المدى ... بلغت بأدنى نعمةٍ تستديمها\rولكنْ فطامَ النفسِ أثقلُ محملاً ... من الصخرة الصَّماء حين ترومها\rوله في البرامكة:\r\rإنَّ البرامكَ لا تنفكُ أنجيةً ... بصفحةِ الدِّين من نجواهم ندبُ\rتخرمت حججٌ عشرٌ ومنصلهم ... مضرَّج بدمِ الإسلام مختضبُ\rفيما بعد ما بين هذا وبين قول أبي جعفر، محمد بن مناذر الصبيري، مولى لبني صبير بن يربوع بن تميم فيهم:\r\rأتانا بنو الأملاكِ من آل برمك ... فيا طيبَ أخبارٍ ويا حسن منظر\rلهم رحلة في كلِّ عامٍ إلى العدا ... وأخرى إلى البيتِ العتيق المطهَّر\rفتظلم بغدادٌ وتجلو لنا الدُّجى ... بمكّةَ وما حجُّوا ثلاثة أقمر\rإذا نزلوا بطحاء مكة أشرقتْ ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر\rفما خلقت إلاّ لجودٍ أكفهم ... وأقدامهم إلاّ لأعوادِ منبر\rإذا راض يحيى الأمر ذلَّت صعابهُ ... وحسبك من راعٍ له ومدبر\rترى الناس إجلالاً له كأنّهم ... غرانيقُ ماءٍ تحت بازٍ مصرصر\rقال أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي: قال لي الرشيد: هل تعرف كلمات جامعات لمكارم الأخلاق، يقل لفظها، ويسهل حفظها، تكون لأغراضها لفقاً، ولمقاصدها وفقاً، تشرح المستبهم، وتوضح المستعجم، قلت: يا أمير المؤمنين، دخل أكثم بن صيفي حكيم العرب على بعض ملوكها فقال: إني سائلك عن أشياء ما تزال بصدري معتلجة، وما تزال الشكوك عليها والجة، فأنبئني عنها بما عندك منها، فقال أكثم، أبيت اللعن، سألت خبيراً، واستنبأت بصيراً، والجواب يشفعه الصواب، فسل عما بدا لك، قال: ما السؤدد؟ قال: اصطناع العشيرة، واحتمال الجريرة، قال: فما الشرف؟ قال: كف الأذى، وبذل الندى، قال: فما المجد؟ قال: حمل المغارم، وابتناء المكارم، قال؛ فما الكرم؟ قال: صدق الإخاء، في الشدة والرخاء، قال: فما العز؟ قال: شدة العضد، وكثرة العدد، قال: فما السماحة؟ قال: بذل النائل، وإجابة السائل، قال: فما الغنى؟ قال: الرضى بما يكفي، وقلة التمني، قال: فما الرأي؟ قال: لب تعينه تجربة، قال له الملك: أوريت زناد بصيرتي، وأذكيت نار خبرتي، فاحتكم، قال: بكل كلمة هجمة من الإبل، قال هي لك.\rقال الأصمعي: فقال لي الرشيد: ولك عندنا بكل كلمة بدرة، [قال] : فانصرفت بثمانين ألف درهم.\rكتب بعض أهل العصر، وهو أبو بكر الخوارزمي إلى بعض إخوانه جواباً: قرأت كتابك العذب الموارد والمصادر، الحلو الأوائل والأواخر، الذي نثره غرر، ونظمه درر، ونشره مسك وعنبر، يقطر منه ماء الكتابة، وتنسم منه روائح البلاغة، وتهب من ألفاظه رياح الخطابة، وينطق عنه لسان الفصاحة، وقد شكرتني أيدك الله على قضاء حق لم يسعني إلا أن أقضيه، وعلى أداء دين لم يجز لي إلا أن أوفيه، وزعمت إني عرفتك من جهلك، ونبهت لذكرك من لم يكن انتبه لك، لا وحق الحق، فإنه الواجب على الخلق، ما رأيت أحداً لا يعرفك إلا منن لا يعرف القمر طالعاً، والفجر ساطعاً، والبرق لامعاً، والبحر زاخراً، والفلك دائراً، وهل يخفى على الناس النهار؟ وهل يستتر علم في رأسه نار؟ وقد شكرتك على هذا الشكر، فلا تعد لغيره آخر الدهر.\rوله اعتذار عن تخلف المكاتبة:\r\rأتاني مع الرُّكبانِ ظنٌّ ظننته ... لففتُ له رأسي حياءً من المجد\rكتابي إلى مولاي أطال الله بقاءه، وحفظ به على الزمان بهاءه، وأدام عزه، وعلاه، وأراه في أوليائه، وأعدائه ما تمناه، وجعل الأيام إلى مطالبه سفراءه، والسعود بحاجاته كفلاءه، والأقدار غرماءه، وأنا من الحياء عليلٌ، ومن الشربة التي سقانيها ثقيل، وخماري منها عريض طويل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839681,"book_id":1815,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":12,"body":"ذكر سيدي أني قطعت مكاتبته تناسياً له وتهاوناً به وإعراضاً عنه، وجهلاً بما كان في يدي منه، وقد صدقته في الأولى، ولم أسلم له في الأخرى، أما المكاتبة فقد انقطعت، والمودة ما ضيعت، والعهد بمائه، وعلى صفائه، ولكن للأيام في قطع علائق الحبال، وأسباب الوصال، أفعالاً بعضها من ذنوب الإنسان، وبعضها من ذنوب الزمان، وقد أقررت التقصير، والتزمت تبعة الذنب بالمعاذير، فإن كنت أسأت حين قصرت، فقد أحسنت حين أقررت، وإن عققت لما لم أقم لمودة سيدي بعنايتها، ولم أرعها حق رعايتها، فقد أجملت لما وفرت عليه بسهمه الفضل، وخليت له في السبق الخصل، وبسطت لسانه بالعدل، فوضع قلمه كيف شاء من الملام، وركض على ما أراد من حلبة الكلام، فلولا أنه وجد بجنابي تراباً لما تمرغ، ولولا أنني أجررته بإساءتي رسن البلاغة لما أبلغ.\rوله استبطاء:\r\rيا أطيبَ النَّاس ريقاً غير مختبر ... إلا شهادةَ أطرافِ المساويكِ\rقد زرتنا مرةً في الدَّهرِ واحدةً ... عودي ولا تجعليها بيضة الدِّيكِ\rزارني أيده الله نصف زورة، ثم هجرني مدة فترة، فليت شعري ما الذي أنكر من أحوالي، وما الذي سخط من أفعالي وأقوالي، فأقلع عنه، وأتوب منه، ما أحب يا سيدي أن تكون خفيف ركاب الملال، قصير خطوة الوصال، لا يدوم لإخوانه على حال، وهذا وهو بالأمس يعلم إخوانه كيف يرب الود، وكيف يحفظ العهد، وكيف يرعى الغيب، وكيف يراض على الوفاء القلب، وما أتهم عليه غير عيني، فإني قد أصبته بها، فأبعدته بسببها، فمن ألون وأنا المشكو الشاكي، وبم أتداوى وأنا المرمي الرامي، سقى الله ليالي لقيت فيها سيدي، فلقد كانت قليلة، إلا أنها كانت جليلة وقصيرة، لكن حسرات فقدها طويلة، وأظنني لم أشكر عليها الدهر فسلبنيها، ولم أعرف قدر النعمة فأدبني فيها (شعر) :\r\rقلبتُ لها ظهرَ الزَّمانِ وبطنه ... فلم ألق من أيامها عوضاً بعدُ\rوإني لأخشى أن أتعلم من سيدي السلوة، وأن أقارضه الجفوة، فيعديني بدائه، ويغريني بقلة وفائه، فيجمع علي ألم الفراق، ويسلبني كرم التلاق، وإنما القلوب عيون تتراءى، ووجوه تتلاقى، وتجار تتبايع وتتشارى.\rومن شعره قوله:\r\rما أثقل الدهرَ على منْ ركبهْ ... حدَّثني عنهُ لسانُ التجربة\rلا تحمدِ الدَّهر لشيءٍ سبَّبه ... فإنه لم يتعمد للهبه\rوإنما أخطأ فيك مذهبه ... كالسَّيلِ إذ يسقي مكاناً خربه\rوالسُّمُّ يستشفي به من شربه\rوكان رافضياً غالياً، في مرتبة الكفر عالياً، أخبرني من رآه بنيسابور، وقد كظه الشراب فطلب فقاعاً فلم يجده فقال: لعن من قال\r\rإذا أَعوزَ الفقَّاع لمّا طلبته ... هجوتُ عنيقاً والدَّلامَ ونعثلا\rفإذا كان يهتف بهذه الجملة لغير علة، فكيف به مع تقريع العلل، وتوسيع الأمل، ممن يطابقه على كفره، ويوافقه على شره.\rوكان أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني المعروف ببديع الزمان قد اشرقه بريقه، ووعر عليه السهل من طريقه، وسأطلع إليك فيما بعد إن شاء الله مما جرى بينهما قطعة، وألمع لك في أخبارهما بلمعة، فرماه الخوارزمي ببغض عليٍّ رضوان الله عليه، وأغرى به الطالبيين فقال البديع:\r\rيقولونَ لي ما تحبُّ الوصيَّ؟ ... فقلت: الثرى بفم الكاذب\rأحبُّ النبيَّ وآل النبيِّ ... وأختص آلي أبي طالب\rوأعطي الصحابة حقَّ الولاء ... وأجري على سنن الواجب\rفإن كان نصباً ولاءُ الجميع ... فإني كما زعموا ناصبي\rوإن كان رفضاً ولاء الوصيِّ ... فلا برح الرفض من جانبي\rفلله أنتم وبهتانكم ... ولله من عجب عاجب\rيرى الله سري إذا لم تروهُ ... فلمْ تحكمون على الغائبِ؟\rفإن كنتمُ من ولاةِ الوصيِّ ... على العجب كنتُ على الغاربِ\rأعزُّ النبيَّ وأصحابه ... فما المرءُ إلاَّ مع الصاحب\rأيرجو الشَّفاعة من سبَّهمْ ... بل المثلُ السُّوء للضارب\rحنانيكَ من طمع باردٍ ... ولبَّيكَ من أمل كاذب\rيوقَّى المكاره قلب الجبانِ ... وفي الشُّبهان يدُ الحاطب\rلفظة الوصي استعملها الشيعة بدعواهم فكثر بها نطق من سواهم.\rوقال أبو بكر الخوارزمي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839682,"book_id":1815,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":13,"body":"عليكَ بإظهارِ التجلُّدِ للعدا ... ولا تظهرنَّ منك الذُّبول فتحتقرا\rألستَ ترى الرَّيحانَ يشتُّم ناضراً ... ويُطرحُ في الميضاةِ إمّا تغيَّرا\rومن شعره أيضاً:\r\rلا تصحب الكسلانَ في حاجاته ... كم صالحٍ بفساد آخر يفسد\rعدوى البليدِ إلى الجليدِ سريعة ... كالجمرِ يوضع في الرَّمادِ فيخمد\rوهكذا كقول الوكيعي:\r\rلا تُلفينَّ مقارناً ... من لا يزينكَ في الصِّحاب\rفالثوب ينفضُ صبغهُ ... فيما يليهِ مكن الثيابِ\rوقال الخوارزمي لبعض أخوانه:\r\rرأيتكَ إنْ أيسرت خيَّمت عندنا ... لزاماًَ وإن أعسرتَ زرتَ لماما\rفما أنتَ إلاّ البدرُ إن قلَّ ضوؤه ... أغبَّ وإن زاد الضياءُ أقاما\rوأنشد أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، ولم يسم قائله:\r\rولكنَّ الجواد يا أبا هشامٍ ... نقيُّ الجيب مأمونُ المغيب\rبطيءٌ عنك ما استغنيت عنه ... وطلاَّعٌ عليك مع الخطوب\rإذا أمرٌ عراكَ حماك منه ... وعاد به على عطنٍ رحيب\rقال: وهذا ضد قول الآخر:\r\rوإذا دعوت أخا إخا ... ئكِ عند نائبةٍ تنوبُ\rألفيتهُ أحد الخُطو ... بِ إذا تتابعت الخطوبُ\rوالمعنى الأول كقول إبراهيم بن العباس الصولي:\r\rأسدٌ ضارٍ إذا مانعته ... وأبٌ برٌّ إذا ما قدرا\rيعرفُ الأبعدُ إن أثرى ولا ... يعرفُ الأدنى إذا ما افتقرا\rوإبراهيم بن العباس القائل:\r\rأميلُ مع الذِّمام على ابن عمّي ... وآخذُ للصَّديقِ من الشقيق\rوإن ألفتني ملكاً مطاعاً ... فإنك واجدي عبد الصَّديق\rأفرق بينَ معروفي ومنّي ... وأجمعُ بين ماليَ والحقوقِ\rقال أبو محمد عبد الله بن درستويه النحوي: قال لي البحتري يوماً وقد اجتمعنا على خلوة عند المبرد، وسلكنا مسلكاً في المذاكرة: أشعرت أني سبقت الناس إلى قولي:\r\rسقى الغيثُ أكنافَ الحمى في محلةٍ ... إلى الحقفِ من رملِ الحمى المتقاودِ\rولا زال مخضرُّ في الرَّوضِ يانعٌ ... عليه بمحمرٍّ من النَّورِ جاسدِ\rيذكِّرني ريَّا الأحبَّةِ كلّما ... تنفَّسَ في جنحٍ من اللّيلِ باردِ\rشقائقُ يحملنَ الندى فكأنَّهُ ... دموعُ التصابي في خدودِ الخرائدِ\rومن لؤلؤٍ في الأقحوانِ منظَّمٍ ... على نكتٍ مصفرَّةٍ كالفرائد\rكأنَّ يد الفتح بن خاقانَ أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرَّواعدِ\rفاستحسن بذلك المبرد استحساناً أسرف فيه، وقال: ما سمعت مثل هذه الألفاظ الرطبة، والعبارة العذبة لأحد تقدمك، ولا تأخر عنك، فاعترته أريحية جربها رداء العجب، فكأنه أعجبني ما يعجب الناس من مراجعة الكلام، فقلت: يا أبا عبادة إنك لم تسبق إلى هذا، بل سبقك قولك: شقائقُ يحملن الندى.. البيت، سعيد بن حميد الكاتب في قوله:\r\rعذب الفراق لنا قبيلَ وداعنا ... ثم اجترعناه كسمٍّ ناقعِ\rفكأنَّما أثرُ الدُّموعِ بخدِّها ... طلٌّ سقيطٌ فوقَ وردٍ يانع\rوشركك فيه صاحبنا أبو العباس الناشئ بما أنشدنيه آنفاً:\r\rبكتْ للفراقِ وقد راعني ... بكاءُ الحبيبِ لفقدِ الديارِ\rكأنَّ الدُّموعَ على خدِّها ... بقيَّةُ طلٍّ على جُلَّنارِ\rوما أساء أبو الحسن علي بن العباس الرومي، بل أحسن في زيادته عليه إذ يقول:\r\rلو كنتَ يومَ الوداعِ شاهدنا ... وهنَّ يطفئنَ لوعةَ الوجدِ\rلم ترَ إلاّ دموعَ باكيةٍ ... تسفحُ من مقلةٍ على خدِّ\rكأنَّ تلكَ الدموعَ قطرُ ندىً ... يقطرُ من نرجسٍ على ورد\rوسبقك أبو تمام إلى الخروج فقال:\r\rمن كلِّ زاهرةٍ ترقرق بالنَّدى ... فكأنَّها عينٌ عليه تحدَّرُ\rتبدو ويحجبها الجحيم كأنَّها ... عذراءُ تبدو تارةً وتخفَّرُ\rخلقٌ أطلَّ من الرَّبيع كأنَّه ... خلقُ الإمام وهديه المتيسّرُ\rفي الأرضِ من عدلِ الإمام وجودهِ ... ومن النَّباتِ الغضّ سرجٌ توهر\rينسى الربيعُ وما يروضُ وفعله ... أبداً على مرِّ الليالي يذكر\rفشق ذلك عليه، وحل حبوته [ونهض] ، فكان آخر عهدي من مؤانسته وغلظ ذلك على محمد بن يزيد، وقدح في حالي عنده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839683,"book_id":1815,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":14,"body":"وقال بعض أهل العصر، وهو أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن يونس المصري في نحو أبيات البحتري الأول:\r\rسقى الغيثُ أخيافَ اللوى كلّما سقى ... بصوبٍ من المزنِ الكنهورٍِهامل\rإذا ضربتْ ريحٌ جمانَ سحابةٍ ... غدا وهو حليٌ للرياض العواطلِ\rبه خفق برقٍ ليس بين جوانحٍ ... وسواس رعدٍ ليس بين مفاصلِ\rإذا كاد درُّ القطر يلمسُ نبتهُ ... تلقَّاه درُّ النَّورِ بين الخمائل\rوكان أبو الحسن لطيف الصنع، رهيف الطبع، متصرفاً في العلوم، مختصاً بأحكام النجوم، أنشدني له بعض المصريين يصف قينة:\r\rغنَّت فأخفتْ صوتها في عودها ... فكأنَّما الصوتان صوتُ العودِ\rغيداءُ تأمر عودها فيطيعها ... أبداً ويتبعها اتّباعَ ودودِ\rأندى من النُّوّارِ صبحاً صوتها ... وأرقُّ من نشرِ الثَّنا المعهودِ\rفكأنَّما الصوتان حين تمازجا ... ماء الغمامة وابنة العنقودِ\rوأنشدني له في غلام يهواه قوله:\r\rيجري النسيمًُ على غلالةِ خدِّه ... وأرق منهُ ما يمرُّ عليهِ\rناولته المرآة ينظر وجههُ ... فعكستُ فتنة ناظريهِ إليه\rجملة من النظم والنثر فقي وصف النَّوْر والزهر\rكتب علي بن العباس الرومي إلى علي بن عبد الله بن المسيب:\r\rأدركْ ثقاتكَ إنَّهم وقعوا ... في نرجس معه ابنةُ العنب\rريحانهم ذهبٌ على دررٍ ... وشرابهم درٌّ على ذهب\rفهم بحالٍ لو بصرت بها ... سبَّحتَ من عجبٍ ومن عجب\rفي روضةٍ شتويةٍ رضعت ... درَّ الحيا حلباً على حلب\rواليوم مدجونٌ فحرَّتهُ ... فيهِ بمطَّلعٍ ومحتجبِ\rظلَّت تسايرنا وقد بعثتْ ... ضوءاً يلاحظنا بلا لهب\rهذا في وصف الشمس كما قال ابن المعتز بالله:\r\rتظلًّ الشمسُ ترمقنا بطرفٍ ... خفيٍّ لحظهُ من خلف ستر\rتحاولُ فتقَ غيمٍ وهو يأبى ... كعنينٍ يحاول فتقَ بكرِ\rوكان ابن الرمي لهجاً بالنرجس، مفضلاً له على الورد، وله في ذلك شعر كثير وقد عارضه وناقضه [في ذلك] جماعة من البغداديين وغيرهم فما شقوا غباره، ولا لحقوا آثاره.\rوصنّف بعض الظرفاء كتاباً في الترجيح بينه وبني معارضيه، فحكم له على مناقضيه.\rوكان كسرى أنوشروان يقول: \"النرجس ياقوت أصفر بين در أبيض على زمرد أخضر\"، أخذه بعض المحدثين فقال:\r\rوياقوتهٍ صفراءَ في رأس درَّةٍ ... مركَّبةٍ في قائم من زبرجدِ\rكأنَّ بهيَّ الدُرِّ عقدُ نظامها ... بغير فريدٍ قد أطافَ بعسجدِ\rكأنَّ بقايا الطلِّ في جنباتها ... بقيةُ رشحٍ فوق خدٍّ مورَّدِ\rوإنما ذهب أنوشروان إلى معارضة أردشير بن بابك في قوله: \"الورد در أبيض، وياقوت أحمر، على كراسي زبرجد أخضر، بوسطه شذر من ذهب أصفر، له رقة الخمر، ونفحات العطر\".\rأخذه محمد بن عبد الله بن طاهر فقال:\r\rكأنَّهنَّ يواقيتُ يطيفُ بها ... زمرُّدٌ وسطهُ شذرٌ من الذَّهبِ\rفاشرب على منظرٍ مستظرفٍ حسنٍ ... من خمرةٍ موةٍ كالجمر في اللَّهبِ\rوقال ابن بسام:\r\rأما ترى الوردَ يدعو للورودِ على ... حمراءَ صافيةٍ في لونها صهبُ\rمداهنٌ من يواقيتٍ مركَّبةٍ ... على الزبرجدِ في أجوافها ذهبُ\rخاف الملالَ إذا طالت إقامته ... فصار يظهر أحياناً ويحتجبِ\rوقال ابن الرومي:\r\rخجلتْ خدودُ الوردِ من تفضيلهِ ... خجلاً تورُّدها عليه شاهد\rلم يخجلِ الوردُ المورَّدُ لونه ... إلاّ وفاخرهُ الفضيلة عائد\rللنرجسِ الفضلُ المبينُ إذا بدا ... للناظرين طريفهُ والتالدُ\r?فصلُ القضيّة أنّ هذا قائدٌ ... زهر الربيعِ وإنَّ هذا طاردُ\rشتّان بين اثنين هذا موعدٌ ... يتسلُّب الدُّنيا وهذا واعدُ\rوإذا احتفظتَ به فأمتع صاحبٍ ... بحياتهِ لو أنَّ حيّاً خالدُ\rينهى النديمَ عن القبيحِ بلحظهِ ... وعلى المدامةِ والسَّماعِ مساعدُ\rاطلبْ بعفوك في الملاح سميَّهُ ... أبداً فإنك لا محالةَ واجدُ\rوالوردُ إن فتَّشت فردٌ في اسمه ... ما في الملاحِ له سميٌّ واحد\rهذي النجومُ هي التي ربتهما ... بحيا السحابِ كما يربَّي الوالدُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839684,"book_id":1815,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":15,"body":"فانظر إلى الولدين من أدناهما ... شبهاً بوالدهِ فذاك الماجدُ\rأين العيونُ في الخدود نفاسةً ... ورياسةً لولا القياسُ الفاسدُ\rوقال أحمد بن يونس الكاتب رداً عليه:\r\rيا من يشبِّهُ نرجساً بنواظر ... دعجٍ تنبَّه إنّ فهمك راقدُ\rإنَّ القياسَ لمن يصحُّ قياسه ... بين العيونِ وبينه متباعدُ\rوالورد أشبهُ بالخدود حكاية ... فعلامَ نجحد فضله يا جاحدُ\rملكٌ قصير عمره مستأهلٌ ... تخليده لو أنَّ حياً خالدُ\rإن قلت أنّ الورد فردٌ في اسمه ... ما في الملاح له سميٌّ واحد\rفالشمس تفرد باسمها والمشتري والبدر يشرك في اسمه وعطارد\rأو قلتَ: إنَّ كوكباً ربتهما ... بحيا السَّحابِ كما يربي الوالدُ\rقلنا: أحقُّهما بطبعِ أبيه في الج? ... دوى هو الزَّاكي النَّجيب الراشدُ\rزهر النجومِ تروقنا بضيائِها ... ولنا منافعُ بعد ذا وعوائدُ\rوكذلك الوردُ الأنيقُ يروقنا ... وله فضائلُ جمّةٌ وفوائد\rوخليفهُ إذا غاب ناب بنفحهِ ... وبنفعه أبداً مقيم راكد\rإنْ كنتَ تنكرُ ما ذكرنا بعدما ... وضحتْ عليه دلائلٌ وشواهد\rفانظر إلى المصفَرِّ لوناً منهما ... وافطن فما يصفَّرُ إلاّ الحاسد\rهذا ومن غيره ما اختير، وإنما ألمع هنا باليسير.\rوقال ابن الرومي في جملة الروض:\r\rأصبحتْ الدُّنيا تسرُّ من نظر ... بمنظرٍ فيه جلاءٌ للبصر\rأثنت على الله بآلاء المطر ... واهاً لها مصطنعاً لقد شكر\rفالأرض في روضٍ كأفوفا الحبرْ ... تبرَّجتْ بعد حياءٍ وخفرْ\rتبرُّجَ الأنثى تصدَّت للذَّكر\rوقال ابن المعتز:\r\rجلا لنا وجهَ الدُّجى عن منظرٍ ... كالعصبِ أو كالوشي أو كالجوهرِ\rمن أبيضٍ وأصفرٍ وأحمرٍ ... وطارفٍ أجفانه لم ينظر\rتخاله العينُ فماً لم يفغرِ ... وفاتقٍ كاد ولم يُنوَّر\rكأنَّه مبتسمٌ لم يكشِرِ ... وأدمع الغدرانِ لم تكدَّرِ\rكأنَّها دراهمٌ في معثر ... أو كعشور المصحف المعشرِ\rوالأرضُ ريّا ذات عودٍ أخضرٍ ... فيه النَّدى مستوقفٌ لم يقطرِ\rكدمعةٍ حائرةٍ في محجر\rوقال أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان:\r\rوجلَّنارٍ مشرقٍ ... على أعالي شجره\rكأنَّ في رؤوسه ... أحمره وأصفره\rقراضةً من ذهبٍ ... في خرقٍ معصفره\rوقال أبو القاسم محمد بن هانئ يصف نوارة رمان قطعت ولم تتفتح:\r\rوبنتِ أيكٍ كالشَّباب النَّضرِ ... كأنَّها بين الغصونِ الخضرِ\rجنان بازٍ أو جنانُ صقرِ ... قد خلقته لقوةٌ بوكرِ\rكأنَّما مجَّت دماً من نحر ... أو سقيت بجدول من خمرِ\rأو نبتتْ في تربةٍ من جمرِ ... لو كفَّ عنها الدّهرُ صرفَ الدَّهرِ\rجاءت بمثلِ النَّهدِ فوق الصَّدرِ ... تفترُّ عن مثل اللّثات الحمرِ\rفي مثلِ طعم الوصلِ بعد الهجر\rوقال الأمير أبو الفضل عبيد الله الميكالي في حديقة ريحان:\r\rأعددت محتفلاً ليومِ فراغي ... روضاً غدا إنسانَ عينِ الباغي\rروضٌ يروضُ همومَ قلبي حسنُهُ ... فيه لكأسِ اللَّهو أيُّ مساغِ\rوإذا بدت قضبانُ ريحانٍ به ... حيَّت بمثل سلاسل الأصداغ\rوقال في النرجس:\r\rوما ضمَّ شملَ اللهو يوماً كنرجسٍ ... يقومُ بعذرِ اللَّهو عن خالع العذرِ\rفأحداقهُ أقداحُ تبرٍ وساقهُ ... كقامةِ ساقٍ في غلائله الخضرِ\rوقال الوكيعي في المشمش:\r\rبدا مشمشُ الشجارِ يذكو شهابهُ ... على خضر أغصانٍ من الريِّ ميَّدِ\rحكى وحكت أشجارهُ في اخضرارها ... جلاجلَ تبرٍ في قبابِ زبرجدِ\rوقال في الباقلاء:\r\rكأنَّ أوراق وردٍ ... للباقلاء بهيَّه\rخواتمٌ من لجينٍ ... فصوصها حبشيّه\rوقال فيه أيضاً:\r\rنوَّرَ الباقلاء نوراً ظريفاً ...\rجلَّ في حسنهِ عن الإشكال\rقد حكى وردهُ لنا إذ تبدَّى ... شررَ الرُّوم ضمِّخاْ بغوالِ\rوقال في الطلع:\r\rوطلعٍ هتكنا عنه جيبَ قميصه ... فيا حسنه من منظرٍ حين هُتِّكا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839685,"book_id":1815,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":16,"body":"حكى صدرَ خودٍ من بني الرُّومِ هزَّها ... سماعٌ فقدَّتْ عنه ثوباً ممسكاً\rوقال في الخشخاش:\r\rوخشخاشٍ كأنّا منه نفري ... قميصَ زبرجدٍ على جسمِ درِّ\rكأقداحٍ من البلُّورِ صينتْ ... بأغشيةٍ من الدِّيباجِ خضر\rومن ألفاظهم في هذا النحو: إذا ورد الورد، صدر البرد، مرحباً بأشرف الزهر، في أظرف الدهر، كأنه عين النرجس عين، وورقه ورق. النرجس نزهة الطرف وظرف الظرف، شقائق كأصداغ المسك على الوجنات المورّدة، كأن الشقيق جام أحمر ملئت قرارته بمسك أذفر.\rولهم في تشبيه الربيع بمحاسن الأشراف: غيث الربيع مشبه بخلقك، وزهره مواز لبشرك، كأنما استعار حلله من شمائلك وشيمك، وحليه من سجيتك، واقتبس أنواره من محاسن أيامك، وأمطاره من جودك وأنعامك، قدم الربيع منتسباً إلى خلقك، مكتسباً محاسنه من طبعك، متوشحاً بأنوار لفظك، متوضحاً بآثار يدك. أنا في بستان كأنه من شمائلك سرق، ومن خلقك خلق، وقد قابلتني أشجار تتميل فتذكر ترنح الأحباب، إذا تداولتهم أيدي الشراب.\rومن ظريف أخبار القيان: اجتمع أربعة عشاق لقينةٍ، وكلهم يوري عن صاحبه بسره، ويطوي دونه خبره ويومئ إليها بحاجته، ويناجيها بلحظته، وكان أحدهم غائباً فقدم، والآخر مقيماً قد عزم على السفر، والثالث قد سلفت أيامه، والرابع مستأنفة مودته، فضحكت بعينها إلى الأول، وبكت إلى الثاني، وآيست الثالث، وأطعمت الرابع. واقترح كل واحد منهم ما يشاكل بثه وشأنه، فأجابته، فقال القادم: جعلت فداك أتحسنين:\r\rومن ينأ عن دار الهوى يُكثرُ البكا ... وقولاً: لعلِّي أو عسى ويكون\rوما اخترتُ نأيَ الدّار عنكِ لسلوةٍ ... ولكنْ مقادير لهنَّ شجونُ\rفقالت أحسنه، وما أقيم لحنه، وقد كان مطارحه لي لا يخليه من عقيب يقرنه به، أنا به أحذق، ثم غنت:\r\rوما زلتُ مذْ شطَّت بكَ الدَّار باكياً ... أؤملُ منك العطفَ حين تؤوبُ\rفأضعفت ما بي حين أُبتَ وزدتني ... سقاماً وإعراضاً وأنت قريبُ\rفقال الظاعن: جعلت فداكِ، أتحسنين:\r\rأوفَ الفراقُ فأعلني جزعاً ... ودعي العتابَ فإننا سفرُ\rإن المحبَّ يصدُّ مقترباً ... فإذا تباعد شفَّهُ الذّكرُ\rفقالت: نعم، وأحسن من شكله في إيقاعه:\r\rلأقيمنَّ مأتماً من قريبِ ... ليس بعد الفراقِ غيرُ النحيب\rربِّ ما أوجعَ النَّوى للقلوب ... ثم لاسيّما فراقُ الحبيب\rفقال السالف [جعلت فداكِ] أتحسنين:\r\rكنّا نعاتبكم ليالي عودكمْ ... حلو المذاقِ وفيكم مستعتبُ\rفالآن حين بدا التنكُّر منكم ... ذهب العتابُ وليس عنكم مذهب\rفقالت: لا، ولكن أحسن منه في معناه [حيث أقول] :\r\rوصلتكَ لمَّا كانَ ودُكَ خالصاً ... وأعرضتُ لما صرتَ نهباً مقسما\rولن يلبث الحوضُ الجديدُ بناؤهُ ... على كثرة الوُرَّاد أن يتهدما\rفقال المستأنف: أتحسنين [جعلت فداكِ] أن تغني:\r\rإني لأعظمُ أنْ أفوهَ بحاجتي ... فإذا قرأتِ صحيفتي فتفهَّمي\rوعليكِ عهد الله إن نبأتهِ ... أحداً وإن آذنتِهِ بتكلُّم\rفقالت: نعم قدِّمت قبلك، ومن غناء صاحبه:\r\rلعمركَ ما استودعتُ سرّي وسرِّها ... سوانا حذاراً أن تذيعَ السَّرائر\rولا خاطبتها مقلتاي بنظرةٍ ... فتعلم نجوانا العيون النواظرُ\rولكن جعلتُ الوهمَ بيني وبينها ... رسولاً فأدَّى ما تجنُّ الضّمائر\rأكاتمُ ما في القلبِ بقيا على الهوى ... مخافةَ أن يغرى بذكرك ذاكرُ\rفتفرقوا وكلّهم قد أومأ بحاجته، وأجابته بجوابه.\rوكتب البديع إلى أبي عامر عدنان بن محمد الضبي يعزيه عن وفاة بعض أقاربه:\r\rإذا ما الدَّهرُ جرّ على أناسٍ ... كلاكلهُ أناخَ بآخرينا\rفقل للشامتينَ بنا: أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839686,"book_id":1815,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":17,"body":"أحسن ما في الدهر عمومه النوائب، وخصوصه بالرغائب، فهو يدعو الجفلى إذا أساء، ويختص بالنعمة الرؤساء، فليفكر الشامت، فإن أفلت فله أن يشمت، ولينظر الإنسان في الدهر وصروفه، والموت وصنوفه، ومن فاتحة أمره، إلى خاتمة عمره، أيجد لنفسه أثراً في نفسه؟ أو لتدبيره عوناً على تصويره؟ أم لعمله تقديماً لأمله، أم لحيله تأخيراً لأجله؟ كلا! بل هو العبد ﴿لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ ، خلق مقهوراً، ورزق مقدوراً، فهو يحيا جبراً، ويهلك صبراً، وليتأمل المرء كيف كان قبلاً، وإن كان العدم أصلاً، والوجود فضلاً، فليطم الموت عدلاً، فالعاقل من رقع جوانب الدهر ما أساء بما سر، ليذهب ما نفع بما ضر فإن أحب ألا يحزن فلينظر يمنة، فهل يرى إلا محنة ثم ليعطف يسرة، فهل يرى إلا حسرة؟ ومثل سيدي أطال الله بقاءه من نظر هذه الأسرار وعرف هذه الدار، فأعد لنعيمها صدراً لا يملؤه فرحاً، ولبؤسها قلباً لا يطير ترحاً، وصحب الدهر برأي من يرى أن للمتعة رداً، وللأمور مدى، ولقد نعي إليّ أبو قبيصة قدس الله روحه، ونور ضريحه فعرضت علي آمالي قعوداً، وأمانيّ سوداً، وبكيت [ولكن] السخي جوده بما يملك، وضحكت، وشر الشدائد ما يضحك، وعضضت الإصبع حتى أفنيته. وذممت الموت حتى تمنيته، والموت أطال الله بقاء الشيخ الرئيس خطب عظم حتى هان، وقد خشن حتى لان، ونكر حتى قد عمَّ وعاد عرفاً، والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها، وخبثت حتى صار أقلَّ عيوبها، ولعل هذا السهم آخر ما في كنانتها، وأنكى ما في خزانتها، ونحن معاشر التبع نتعلم الأدب من أخلاقه، والفضل من أفعاله، فلا نحدوه على الجميل وهو الصبر، ولا نرغبه في الجزيل وهو الأجر، فلير فيهما رأيه إن شاء الله تعالى.\rوله إلى بعض إخوانه جواباً عن كتاب يهنئه بمرض أبي بكر الخوارزمي: الحر أطال الله بقاءك، لا سيما إذا عرف الدهر معرفتي، ووصف أحواله صفتي إذا نظر علم أن نعم الدهر ما دامت معدومة فهي أماني، فإن وجدت فهي عواري، وأن محن الأيام وإن مطلت تستنقد، وإن لم تصب فكأن قد، فكيف يشمت بالمحنة من لا يأمنها في نفسه، ولا يعدمها في جنسه، فالشامت إن أفلت فليس يفوت، وإن لم يمت فسيموت، وما أقبح الشماتة، بمن أمن الإماتة، فكيف بمن يتوقعها بعد كل لفظة، وعقيب كل لحظة?! والدهر غرثان طعمه الأخيار، وظمآن شربه الأعمار، فهل يشمت المرء بأنياب آكله؟ أم يسر العاقل بسلاح قاتله؟ هذا الفاضل شفاه الله وإن ظاهرنا بالعداوة قليلاً، فقد باطناه وداً جميلاً والحر عند الحمية لا يصطاد، لكنه عند الكرم ينقاد، وعند الشدائد تذهب الأحقاد، فلا يتصور حالي إلا بصورتها من التوجع لعلته، والتفجع لمرضته وقاه الله المكروه، ووقاني سماع المحذور فيه، بمنه وحوله ولطفه وكرمه.\rوهذا ضد قول الخوارزمي، وقد بلغه موت بعض أعدائه: فلان قبض، وأستغفر الله فإنما يقبض الأقوام، بل نفق كما تنفق الأنعام، فالحمد لله الذي قصر خطوة أجله، وختم عمره بسوء عمله، وأبقى بعده من كان يرجو أن يموت قبله: (شعر) :\r\rوإنَّ بقاءَ المرءِ بعد عدوِّه ... ولو ساعةً من عمره لكثير\rوكانت بين الخوارزمي والبديع منافرة ومناظرة بكته فيها وأسكته البديع، وقد ذكر جميع ما جرى بينهما فقال: أول الأمر مع الخوارزمي أنا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلا نيسابور داراً، والأجواد السادة جواراً، لا جرم أنا حططنا بها الرحل، ومددنا عليها الطنب، وقديماً كنا نسمع بحديث هذا الفاضل منتشوقه، ونخبره على الغيب فنتعشقه، ونقدر أنا إذا وطئنا أرضه، ووردنا بلده، أخرج لنا في العشرة عن القشرة، [وفي المودة عن الجلدة] ، فقد كانت كلمة الغربة جمعتنا، ولحمة الآداب نظمتنا، وقد قال شاعر القوم غير مدافع:\r\rأجارتنا إنّا غريبان هاهنا ... وكل غريبٍ للغريبِ نسيبُ\rفأخلف ذلك الظن كل الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف، وقد كان اتفق علينا في الطريق اتفاق، ولا يوجبه استحقاق، من بزة بزوها، وفضة فضوها، وذهب ذهبوا به، ووردنا نيسابور براحة أنقى من الراحة، وكيس أخلى من جوف حمار، وزي أوحش من طلعة المعلم، بل إطلاعه الرقيب، فما حللنا إلا قصبة جواره، ولا وطئنا إلا عتبة داره، هذا بعد رقعة قدمناها، وأحوال أنس نظمناها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839687,"book_id":1815,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":18,"body":"ونسخة الرقعة: أنا بالقرب من دار سيدي الأستاذ أطال الله بقاءه:\r\rكما طربَ النشوان مالت بهِ الخمر\rومن الارتياح إلى لقائه:\r\rكما انتقضَ العصفورُ بلَّله القطرُ\rومن الامتزاج بولائه\r\rكما التقت الصَّهباء والباردُ العذبُ\rومن الابتهاج لصفائه\r\rكما اهتز تحت البارح الغصن الرَّطبُ\rفكيف نشاطك الأستاذ سيدي لصديق طوى إليه ما بين قصبتي العراق وخراسان، بل ما بين عتبتي نيسابور وجرجان؟ وكيف اهتزازه لضيف:\r\rرثُّ الشَّمائلِ منهجُ الأثوابِ ... بكرتْ عليه مغيرةُ الأعرابِ\rوهو أيده الله ولي إنعامه، بإنفاذ غلامه [إلى مستقري] لأفضي إليه بسري إن شاء الله.\rفلما أخذتنا عينه سقانا الدردي من أول دنه، وسوء العشرة من أول فنه، من طرف نظر بشطره، وقيام دفع في صدره، وصديق استهان بقدره، وضيف استخف بأمره، لكنا أقطعناه جانب أخلاقه، ووليناه خطة رأيه، ووصلناه إذ جاذب، وقاربناه إذ جانب، وشربناه على كدرته، ولبسناه على خشونته، ورددنا الأمر في ذلك إلى زي استغثه، ولباس استرثه، وكاتبناه نستمد وداده، ونستلين قياده، ونستميل فؤاده، ونستقيم منآده، بما هذه نسخته: الأستاذ أبو بكر والله يطيل بقاءه أزرى بضيفه أن وجده يضرب إليه آباط القلة، في أطمار الغربة، فأعمل في تربيته أنواع المصارفة، [و] في الاهتزاز له أصناف المضايقة، من إيماء بنصف الطرف، وإشارة بشطر الكف، ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ للكلام، وتكلف لرد السلام، وقد قبلت ترتيبه صغراً، واحتملته وزراً، واحتضنته نكراً، وتأبطته شراً، ولم آله عذراً، فإن المرء بالمال، وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال، وفي هذه الأسمال، أتقزر [من] صف النعال، فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت: إن بوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناس يجرون المطارف، ولا يمنعون العارف، (شعر) :\r\rوفيهم مقاماتٌ حسانٌ وجوههُمْ ... وأنديةٌ ينتابها القولُ والفعلُ\rفلو طرحت بأبي بكر إليهم طوارح الغربة، لوجد منال البشر قريباً، ومحط الرحل رحيباً، ووجه المضيف خصيباً، ورأي الأستاذ أبي بكر أيده الله في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه ود، والمر الذي يتلوه شهد، موفق إن شاء الله.\rفأجاب بما نسخته: وصلت رقعة سيدي ورئيسي أطال الله بقاءه إلى آخر السكباج، وعرفت ما تضمنه من خشن خطابه، ومؤلم عتبه وعتابه، وصرفت ذلك منه إلى الضجرة التي لا يخلو منها من مسه عسر، ونبا به دهر، والحمد لله الذي جعلني موضع أنسه، ومظنة مشتكى ما في نفسه، فأما ما شكاه سيدي ورئيسي من مضايقتي إياه رغم في القيام، فقد وفيته حقه أيده الله سلاماً وقياماً، على قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه، ولم أرفع عليه إلا السيد أبا البركات أدام الله عزه، وما كنت لأرفع أحداً على من أبوه الرسول، وأمه البتول، وشاهده التوراة والإنجيل، وناصره التأويل والتنزيل، والمبشر به جبريل وميكائيل، فأما القوم الذين صدر سيدي عنهم، فكما وصف: حسن عشرة، وسداد طريقة، وجمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، [ونلت المراد] :\r\rفإنْ ألُ قد فارقتُ نجداً وأهلهُ ... فما عهدُ نجدٍ عندنا بذميمِ\rوالله يعلم نيتي للإخوان كافة، ولسيدي من بينهم خاصة، فإن أعانني على ما في نفسي بلغت له ما في الفكرة، وجاوزت به مسافة القدرة، وإن قطع علي طريق عزمي بالمعارضة وسوء المؤاخذة، صرفت عناني عن طريق الاختيار بيد الاضطرار. (شعر) :\r\rوما النَّفس إلاّ نطفةٌ بقرارةٍ ... إذا لم تكدَّرْ كان صفواً غديرها\rوبعد فحبذا كتاب سيدي، إذا استوجبنا عتباً، واقترفنا ذنباً، فأما أن يسلفنا العربدة، فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله عليه، ولست أسومه أن يقول: ﴿أستغفر لنا ذنوبنا إنّا كنّا خاطئين﴾ ، ولكني أسأله أن يقول: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839688,"book_id":1815,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":19,"body":"فحين ورد الجواب، وغير العذر رائده، تركناه بعره، وطويناه على غرة، وعمدنا إلى ذكره فسحوناه ومحوناه، وصرنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه، وتنكبنا خطته، وتجنبنا خطته، فلا طرنا إليه، ولا طرنا به، ومضى على ذلك الأسبوع، ودبَّت الأيام ودرجت الليالي، وتطاولت المدة، وتصرم الشهر، وصرنا لا نعير الأسماع ذكره، ولا نودع الصدور حديثه، وجعل هذا الفاضل يستزيد ويستعيد، بألفاظ تقطفها السماع من لسانه، وتردها إلي، وكلمات تحفظها اللسنة من فمه، وتعيدها عليّ، فكاتبناه بما نسخته: أنا أرد من الأستاذ سيدي أطال الله بقاءه شرعة وده، وإن لم تصف، وألبس خلعة بره، وإن لم تضف، فإني، وإن كنت دعي النسب في الأدب، ضعيف السبب، ضيق المضطرب، سيء المنقلب، أمت إلى عشرة أهله بنيقة، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة، ولكن بقي أن يكون الخليط منصفاً في الود، إن زرت زار، وإن عدت عاد، وسيدي أيده الله ناقشني في القبول أولاً، وصارفني على الإقبال ثانياً، فأما الحديث الإفضال، وأمر الإنزال، فنطاق الطمع ضيق عنه، [غير] متسع لتوقعه منه، وبعد فكلفة الفضل هينة، وقروض الود متعينة، وارض العشرة لينة، وطرقها بينة، فلم اختار قعود التعالي مركباً، وصعود التقالي مذهباً، وهلا ذاد الطير عن شجر قد ذاق الحلو من ثمرها، فقد علم الله أن شوقي إليه قد كد الفؤاد، برحاً على برح، ونكأه قرحاً على قرح، ولكنها مرة مرة، ونفس حرة، لم تغذ إلا بالإعظام، ولم تلق إلا بالإكرام، وإذا استعفاني من معاتبته، وأعفى نفسه من كلف الفضل بتجشمها، فليس إلا غصص الشوق أتجرعها، وحلل الصبر أتدرعها، وكم أعزه من نفسي، وأنا لو أعرت جناحي طائر لما طرت إلا إليه، ولا رففت إلا عليه:\r\rأحبُّكَ يا شمسَ المعالي وبدرها ... وإن لامني فيك السُّها والفراقدُ\rوذاك لأنَّ الفضلَ عندكَ باهرٌ ... وليس لأنَّ العيشَ عندك باردُ\rفلما وردت عليه هذه الرقعة حشر تلاميذه وخدمه، وزم عن الجواب قلمه، وجشم للإيجاف قدمه، وطلع مع الفجر علينا طلوعه، ونظمتنا حاشيتا دار الأمير الإمام أبي الطيب، فقلت: الآن تشرق الحشمة وتثور، وننجد في العشرة ونغور، وقصدناه شاكرين لما أتاه من فعله، وانتظرنا عادة بره، [وتوقعنا] مادة فضلة، فكان خلباَ شمناه، وآلاً وردناه، وصرفناه في تأخره، وتأخرنا عنه إلى ما قاله عبد الله بن المعتز بالله:\r\rإنّا على البعادِ والتفرُّقِ ... لنلتقي بالذّكرِ إن لم نلتقِ\rوأنشدناه قول ابن عصرنا:\r\rأحبُّكَ في البتول وفي أبيها ... ولكنّي أحبُّكَ من بعيد\rوبقينا نلتقي خيالاً، ونقنع بالذكر وصالاً، حتى جعلت عواصفه تهب، وعقاربه تدب.\rوالمجلس طويل، والإفراط ثقيل، فلذاك وقفت عن الغاية، وقطعت دون النهاية.\rوقال بعض الظرفاء:\r\rأنتَ الذي تشبهُ منْ أهوى ... يا بدرُ قد أبطلتَ في الدعوى\rبلى عسى يشبههُ كلَّما ... صدَّ ولم يستمعِ الشَّكوى\rولابن وكيع في هذا النحو:\r\rإنْ قلتُ إنكَ بدرٌ ... غلطتُ بابَ السَّدادِ\rأنى يقاسُ لبيبٌ ... مميَّزٌ بجمادِ\rوقال الأمير تميم فيه:\r\rسألتهُ قبلةً من على عجلِ ... فاحمرَّ من خجلٍ واصفرَّ من وجلِ\rواعتلَّ من بينِ إسعافٍ يرقّقهُ ...\rوبين منعٍ تمادى فيه بالعللِ\rوقال: وجهي بدرٌ لا خفاءَ به ... ومبصر البدرِ لا يدعوه للقبلِ\rوقال:\r\rصادفتْ لامَ صدغها صادُ لثمي ... فأرتها المرآةُ في الخدِّ لصَّا\rفاستشاطتْ ممّا رأت ثم قالت: ... أكتاباً أرى ولم أرَ شخصا\rوهذا ينظر إلى قوله:\r\rأباحَ لمقلتي السَّهرا ... وجارَ عليَّ إذ قدرا\rغزالٌ لو جرى نفسي ... عليه لذابَ وانفطرا\rولكن عينهُ حشدتْ ... عليّ الغنجَ والحورا\rومن أودى به قمرٌ ... فكيف يعاتب القمرا\rكأنه ذهب إلى طريقة أبي نواس في قوله:\r\rكأنّ ثيابهُ أطلع? ... ?ن في أزرارهِ قمرا\rيزيدك وجههُ حسناً ... إذا ما زدتَهُ نظرا\rبعينٍ خالط التفتي? ... ?رُ من أجفانها الحورا\rووجهٍ سابريِّ لو ... تصوَّبَ ماؤهُ قطرا\rوقيل للجاحظ: من أشعر المحدثين؟ فقال: الذي يقول: وأنشد هذه الأبيات. وقال تميم [بن المعز] :","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839689,"book_id":1815,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":20,"body":"ما هجرتُ المدامَ والوردَ والبدْ ... رَ بطوعٍ لكن برغمٍ وكرهِ\rمنعتني من الثَّلاثةِ من لو ... قتلتني لمْ أحكِ والله من هي\rقالت: الوردً والمدامةُ والبد ... رُ رُضابي ولونُ خدّي ووجهي\rقلت: بخلاً بكلِّ شيءٍ؟ فقالت: ... لا ولكن بخلتُ بي وبشبهي\rقلت: يا ليتني شبيهك ِقالت: ... إنما يقتلُ المحبَّ التشهيّ\rوقال [عمر بن أبي ربيعة] فيما يتعلق بالبيت الأخير:\r\rأصبح القلبً مستهاماً مُعَنّى ... بفتاةٍ من أسوأ النَّاس ظنّا\rقلت يوماً لها وحرَّكتِ العو ... دَ بمضرابها فغنَّتْ وغنَّى\rليتني كنتُ ظهرَ عودكِ يبوماً ... فإذا ما احتضنتني صرت بطنا\rفبكتْ ثم أعرضت ثم قالتْ: ... من بهذا أتاكَ في اليومِ عنّا\rلو تخوفتَ جفوةً أو صدوداً ... ما تطلَّبت ذا لعمرك منّا\rقلتُ لما رأيتُ ذلك منها ... بأبي ما عليكِ أن أتمنّى\rوقال أبو الفتح كشاجم فيه:\r\rتمنَّيتُ من خدِّها قبلةً ... وما كنتُ أطمعُ في قبلته\rوكأساً أناولها ملأها ... فتبدا وأشربُ من فضلته\rفأبلغها ذاك عنّي الرسو ... لُ في بعضِ ما نصَّ من قصته\rفقالتْ لأقرب أترابها: ... ألا تنظرينَ إلى همَّته\rفقالت: أنجمعُ هجرانهُ ... وبخلاً عليه بأمنيته\rوكان تميم بن المعز يقتفي طريق ابن المعتز في التشبيهات، وبدائع الصفات، ويتابعه في سلوك ألفاظ الملوك، وكانت يد فكره قاصرة عن مرماه، فيما عنَّ له معناه، ولكنه أدمن فأحسن، في كثير مما اعتمده وقصده، وشعره بمصر مع استحكام السن، في غاية الحسن كقوله:\r\rسقّياني فلستُ أصغي لعذلِ ... ليس إلاّ تعِلَّةُ النَّفس شغلي\rأأطيعُ العذول في ترك ما أه? ... ?وى كأنّي اتَّهمت رأيي وعقلي\rعلّلاني بها فقد أقبلَ اللّي? ... ?ل كلونِ الصُّدود من بعد وصل\rوانجلى الغيم بعد ما أضحكَ الرَّو ... ض بكاءُ السَّحاب فيه بوبلِ\rعن هلالٍ كصولجانِ نضارٍ ... في سماءٍ كأنَّها جامُ ذبلِ\rوله أيضاً:\r\rرُبَّ صفراءَ علَّلتني بصفرا ... ء وجنحُ الظَّلامِ مرخى الإزارِ\rبين ماءٍ وروضةٍ وكرومٍ ... وروابٍ منيفةٍ وصحاري\rتتثنّى بها الغصونُ علينا ... وتجيب القيانُ فيها القماري\rوكأنّ الدُّجى غدائر شعرٍ ... وكأنّ النُّجومَ فيها مداري\rوانجلى الغيمُ عن هلالٍ تبدّى ... في يدِ الأفقِ مثلَ نصفِ سوارِ\rوله أيضاً:\r\rإذا حذرتَ زماناً لم تسَرَّ به ... كم قد أتى سهل أمرٍ دون أصعبه\rفأقبل الدَّهر ما أعطاك مختلطاً ... لعلَّ مرَّك يحلو في تقلبه\rخذها إليك ودع لومي مشعشعة ... من كفِّ أقنى أسيل الخدِّ مذهبه\rفي كلِّ مقعد حسنٍ منه معترضٌ ... عليه يحميهِ من أن يستبدَّ به\rفكحل عينيه ممنوعٌ بخنجره ... وورد خدَّيه محميٌّ بعقربه\rلا تتركِ القدحَ المملوءَ في يده ... إنّي أخافُ عليه من تلهّبه\rوصنهُ عن سقينا إنّي أغار به ... وسقِّهِ واسقني من فضلِ مشربهِ\rوانظر إلى اللّيل كالزِّنجي منهزماً ... والصُّبح في أثره يعدو بأشهبه\rوالبدرُ منتصبٌ ما بين أنجمه ... كأنّه ملكٌ في صدر موكبه\rوقوله أيضاً:\r\rعقرب الصُّدغِ فوق تفاحةِ الخ? ... دِّ نعميٌ مطرزٌ بعذابِ\rوسيوف الألحاظِ في كلِّ حينٍ ... مانعات جنة الثَّنايا العِذابِ\rوعيون الوشاةِ يفسدنَ بالرّق? ... بة والمنع رؤية الأحبابِ\rفمتى يظفرُ المحبُّ ويشفي ... بالتّداني مضاضة الاكتئاب\rوقوله:\r\rترى عذاريهِ قد قاما بمعذرتي ... عند العذول فأضحى وهو يعذرني\rريمٌ كأنَّ له في كل جارحةٍ ... عقداً من الحسنِ أو نوعاً من الفتنِ\rكأنَّ جوهرهُ من لطفهِ عرضٌ ... فليس تحويهِ إلاّ أعينُ الفطنِ\rأخفى من السِّرّ لكنْ حسنُ صورته ... إذا تأملّته أبدى من العلنِ\rوالله ما فتنت عيني محاسنهُ ... إلاّ وقد سحرت ألفاظه أذني\rما تصدر العينُ عنه لحظها مللاً ... كأنّه كلُّ شيءٍ مرتضىً حسن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839690,"book_id":1815,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":21,"body":"يا منتهى أملي لا تُدنِ لي أجلي ... ولا تعذّب ظنوني فيكَ بالظننِ\rإن كان وجهكَ وجهاً صيغَ من قمرٍ ... فإنَّ قدَّك قدٌّ قُدَّ من غصن\rوقوله أيضاً:\r\rأأعذرُ قلبي وهو لي غيرُ عاذرٍ ... وأعصي غرمي وهو ما بين أضلعي\rنأوا والأسى عنّي بهم غير مُنتأٍ ... وودَّعتهم والقلب غير مودعِ\rفأوَّل شوقي كانَ آخر سلوتي ... وآخر صبري كان أول أدمعي\rوقوله أيضاً:\r\rإن كانتِ الألحاظُ رسل القلوبْ ... فينا فما أهونَ كيدَ الرَّقيبْ\rقبَّلتُ من أهوى بعيني ولم ... يشعر بتقبيلي خدُّ الحبيبِ\rلكنَّه قد فطنت عينهُ ... لسرِّ عيني فطنةَ المستريبِ\rإن كان علمُ الغيبِ مستخفياً ... عنّا فعندَ اللَّحظ علمُ الغيوبِ\rوقوله أيضاً:\r\rألا يا نسيمَ الرّيح عرِّجْ مُسلِّماً ... على ذلك الشخصِ البعيدِ المودِّع\rوهُبَّ على من شفَّ جسمي بعادُهُ ... سموماً بما استمليت من نار أضلعي\rفإن قال ما هذا الحرورُ فقل له: ... تنفُّس مشتاقٍ لوجهك موجَعِ\rوكان أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله رقيق حاشية اللسان، أنيق ديباجة البيان، وكان كما قال ابن المرزبان: إذا انصرف عن بديع الشعر إلى رفيع النثر، أتى بحلال السحر، وهو أبدع الناس استعارات، وأحلاهم إشارات، وليس بعد ذي الرمة أقصد منه للتشبيهات، وكان ذو الرمة يقول: \"إذا قلت: كأن، فلم أجد مخرجاً فقطع الله لساني\".\rوسأريك قطعة من منثوره الظريف، ومنظومه الشريف: قال أحمد بن سعيد الدمشقي: كنت أؤدبه، فتحمل البلاذري على قبيحة أم المعتز بقول سألوها أن تأذن له في الدخول عليه لتأديبه وقتاً من النهار معي فأجابت أو كادت أن تجيب، فلما اتصل الخبر بي جلست في منزلي غضباً لما بلغني عنها، فكتب إلي وهو ابن ثلاث عشرة سنة يقول:\r\rأصبحت يا بن سعيدٍ حُزتَ مكرمةً ... عنها يقصِّرُ من يحفى وينتعلُ\rسربلتني حكمةً قد هذَّبت شيمي ... وأجَّجت نار ذهني فهي تشتعل\rأكون إن شئت قُساً في خطابته ... أو حارثا وهو يوم الحفلِ مرتجلُ\rوإن أشأْ فكزيدٍ في فرائضه ... أو مثل نعمان لما ضاقت الحيلُ\rأو الخليل عروضياً أخا فطنٍ ... أو الكسائي نحوياً له عللُ\rتعلو بداهة ذهني في مركَّبها ... كمثل ما عُرفتْ آبائي الأُوَلُ\rوفي فمي صارمٌ ما سلَّهُ أحدٌ ... من غمدهِ فدرى ما العيش والجذلُ\rعُقباك شكرٌ طويلٌ لا نفاد له=تبقى معالمهُ ما أطَّتِ الإبلُ قس الذي ذكره: هو قس بن ساعدة الإيادي، وحارث: هو الحارث بن حلزة اليشكري، ووصف ارتجاله يوم حفله في إنشاده عمرو بن هند قصيدته التي أولها:\r\rآذنتنا ببينها أسماءُ ... رُبَّ ثاوٍ يملُّ منه الثَّواءُ\rوزيد هو زيد بن ثابت الأنصاري، وغليه انتهى علم الفرائض، ونعمان هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت رئيس أهل العراق في الفقه، والخليل بن أحمد الفرهودي منسوب إلى الفراهيد بطنٌ من اليحمد من الأزد، وعلي بن حمزة الكسائي الكوفي.\rوقال ابن المعتز:\r\rسلي بي إذا ما الحربُ ثارتْ بأهلها ... ولم يكُ فيها للجبان قرار\rوعمَّ السّماءَ النقعُ حتى كأنَّه ... دخانٌ وأطرافُ الرِّماح شرارُ\rولي كلُّ خوّارِ العنان مُجرَّبٌ ... كميْتٌ عناه الجري فهو مُطارُ\rكأنَّ الرياحَ الهوجَ يحملن سرجه ... إذا ابتلَّ منه محزَمٌ وعذارُ\rوعضبٌ حسامُ الحد ماضٍ كأنّه ... إذا لاح في نقع الكتيبةِ نارُ\rوقمصُ حديدٍ ضافيات ذيولها ... لها حدقٌ خزر العيون صغار\rوقال يمدح الموفق:\r\rإليك امتطينا العيس تنفخُ في البُرى ... وللصبحِ طرفٌ بالظَّلام كحيل\rفبتنا ضيوفاً للفلاةِ، قراهمُ ... عنيقٌ ونصٌّ دائمٌ وذميلُ\rيهزُّ ثيابَ العصْبِ فوق متونها ... نسيمٌ كنفث الراقيات عليلُ\rولمَّا طغى فعلُ الدعيِّ رميته=بعزمٍ يردُّ العضبَ وهو فليل\r\rوجرِّد من أغمادهِ كلَّ مرهفٍ ... إذا ما انتضته الكفُّ كاد يسيلُ\rجرى فوق متنيهِ الفرندُ كأنّما ... تنفِّس فيه القينُ وهو صقيلُ\rوقال أيضاً في سيف يصفه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839691,"book_id":1815,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":22,"body":"ولي صارمٌ فيه المنايا كوامنٌ ... فما يُنتضى إلاّ لسفك دماءِ\rترى فوق متنيه الفرندَ كأنَّه ... بقيَّةُ غيمٍ رقَّ دون سماءِ\rوقال \"مقصورة\":\r\rوكأسٍ سبقتُ إلى شربها ... عذولي كذوبِ عقيقٍ جرى\rيسيرُ بها غصنٌ ناعمٌ ... من البانِ مغرسهُ في نقا\rإذا شئتُ كلَّمني بالجفو ... نِ من مقلةٍ كُحِّلتْ بالهوى\rله شعرٌ مثلُ نسج الدُّروعِ ... وطرفٌ سقيمٌ إذا ما رنا\rويضحك عن أقحوان الرِّيا ... ضِ يغسلهُ بالعشيِّ النَّدى\rومصباحنا قمرٌ مشرقٌ ... كترسِ اللُّجين يشقُّ الدُّجى\rوقال أيضاً:\r\rوفتيةٍ كسيوفِ الهند قلت لهم: ... سيروا فما فثؤوا رأيي ولا خرقوا\rساروا وقد خضعت شمسُ الأصيلِ لهم ... حتى توقَّد من ذيل الدُّجى الشَّفق\rوقال أيضاً:\r\rلبسنا إلى الخمّار والنَّجم غائرٌ ... غلالةَ ليلٍ طرِّزت بصباح\rوظلَّت تدير الرّاح أيدي جآذرٍ ... عتاقٍ دنانير الوجوه ملاح\rوقال:\r\rوعاقدِ زُنَّارٍ على غصنِ الآس ... مليح المعاني مخطفِ الخصر ميَّاس\rسقاني عُقاراً صُبَّ فيها مزاجها ... فأضحك عن ثغرِ الحبابِ فمَ الكاس\r[وقال:\r\rيقول العاذلون: تسلَّ عنها ... وداوِ لهيبَ قلبك بالسُّلوِّ\rوكيف وقبلةٌ منها اختلاساً ... ألذُّ من الشماتة بالعدوِّ]\rوقال:\r\rوآثار وصلٍ في هواك حفظتها ... تحيّاتُ ريحانٍ وعضّاتُ تفاحِ\rوكتبٍ لطافٍ تربها المسكُ أدرجتْ ... على وصفِ أشجانٍ وتعذيب أرواحِ\rيخلنَ تعاويذاً بجنبي كأنّني ... أمسُّ بخيلٍ في مسائي وإصباحي\rومن نثره المستندر قوله: وسار فلان في جنود عليهم أردية السيوف، وقمصان الحديد، وكأنّ دروعهم زبد السيول، وكأن رماحهم قرون الوعول، على خيل تأكل الأرض بحوافرها، ويمتد بالنقع سرادقها، قد نثرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الرق، وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللجين، وقرطت عذراً كأنها الشنوف، تتلقف الأعداء أوائله، ولما تنهض أواخره، قد صب عليهم وقار الصبر وهب معهم ريح النصر. وهذا في صفة الجيش بديع كله.\rوله في النظم مثله مما رمى فيه بالتشبيهات، على مراقي الاستعارات. فجاء مفرغاً في قالب الكمال، مطلعاً في طالع الجمال، وهو قوله يمدح المكتفي بالله لما قدم من الرقة بعد القبض على القرمطي، وهاك الكلمة بجملتها:\r\rلا رمَّانِ النُّهود ... فوق أغصانِ القدود\rوعناقيد من أصدا ... غٍ وورودٍ من خدود\rووجوهٍ من بدورٍ ... طالعاتٍ بالسعودِ\rورسولٍ جاء بالميعاد ... من بعد الوعيد\rونعمي من وصالٍ ... في قفا طول الصُّدود\rما رأت عيني كظبي ... زارني في يوم عيد\rفي قباءٍ فاختيِّ الل? ... ون من لبس الحديد\rكلما قاتل جند ... ي بسيف وعمود\rقاتل الناس بعيني? ... ن وخدين وجيد\rقد سقاني الرَّاح من في? ... ?هـ على رغم الحسود\rوتعانقنا كأنّي ... وهو في عقدٍ شديد\rنقرع الثغر بثغرٍ ... طيّبٍ وعذب الورود\r[مثلما عاجل بردٌ ... قطر مزنٍ بجمود]\rمرحباً بالملك القا ... دمِ بالجدِّ السعيد\rيا مُذلَّ البغي يا قا ... تل حيَّات الحقود\rعش ودم في ظلِّ عيشٍ ... خالدٍ باقٍ جديد\rفلقد أصبح أعدا ... ؤك كالزرع الحصيد\rثم قد صاروا حديثاً ... مثل عادٍ وثمودِ\rجاءهم بحر حديد ... تحت أجبال بنود\rفيه عقبان خيولٍ ... فوقها أسدُ جنود\rوردوا الحرب فمدّوا ... كلَّ خطيّ مديد\rوحسامٍ شرهِ الحَ? ... دِّ إلى قطع الوريد\rما لهاذ الفتح يا خي? ... ?ر إمامٍ من نديد\rفاحمد الله فإن ال? ... حمدَ مفتاحُ المزيدِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839692,"book_id":1815,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":23,"body":"كتبت هذه القصيدة لأنها فريدة، تجري على النفس مجرى الطبع، والكلام الجيد الطبع مقبول في السمع، قريب المتناول، بعيد المنال، أنيق الديباجة، رقيق الزجاجة، يدنو من فهم سامعه دنوه من وهم صانعه، والمصنوع مثقف الكعوب، معتدل الأنبوب، يطرد ماء البديع على جنباته، ويجول رونق الحسن في صفحاته، كما يجول السَّحر في الطرف الكحيل، والأثر في السيف الصقيل، وحمل الصانع شعره على الإكراه في التعمل لتنقيح المباني دون تصحيح المعاني يعفي آثار صنعته، ويطفئ أنوار صيغته، ويخرجه إلى فساد التعسف وقبح التكلف، فإلقاء المطبوع [بيده] إلى قبول ما يبعثه هاجسه، وتنفثه وساوسه، من غير إعمال النظر، ولا تدقيق الفكر، ويخرجه إلى حد المستهدم الرث، وحيز المستوخم الغث، وأحسن ما أجري إليه، وعول عليه، التوسط بين الحالين، والمنزلة بين المنزلتين في الطبع والصنعة.\rوقد قال أعرابي للحسن البصري: علمين ديناً وسطاً، لا ساقطاً سقوطاً، ولا ذاهباً فروطاً، قال: أحسنت، (خير الأمور أوساطها) . والله قد جعل البيان مقسماً في خلقه، وأجل حظ البحتري، إذ كان عن هذه القوس ينزع، وإلى هذا النحو يرجع.\rومن كلام ابن المعتز في صوف الكتاب والقلم قوله: الكتاب والج للأبواب، جريء على الحجاب، مفعم لا يفهم، وناطق لا يتكلم، به يشخص المشتاق إذا أقعده الفراق، والقلم مجهز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يمل الاستزادة، ويسكت واقفاً، وينطق سائراً، على أرض بياضها مظلم، وسادها مضيْ، كأنه يقبل بساط سلطان أو يفتح نوار بستان.\rوهذا كقوله في القاسم بن عبيد الله، قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لمات عرض القاسم على المعتضد بالله ليخلف أباه: فقال ابن المعتز:\r\rقلم ما أراه أم فلك يج? ... ري كما شاء قاسم ويسير\rخاشع في يديه يلثم قرطا ... ساً كما قبل البساط شكور\rمرسل لا تراه يحبسه الش? ... ك إذا ما جرى ولا التفكير\rولطيف المعنى جليل نحيف ... وكبير الأفعال وهو صغير\rكم منايا وكم عطايا وكم حت? ... ف وعيش تضم تلك السطور\rنقشت بالدجى نهاراً فما أد ... ري أخط فيهن أم تصوير\rوقال بعض البلغاء: صورة الخط في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض.\rوقال أبو الطيب المتنبي:\r\rدعاني إليك العلم والحلم والحجى ... وهذا الكلام النظم والنائل النثر\rوما قلت من شعر تكاد بيوته ... إذا كتبت يبيض من نورها الحبر\rوصف أحمد بن صالح بن شيرزاد جارية كاتبة فقال: كأنّ خطها أشكال صورتها، وكأن مدادها [سواد] شعرها، وكأن قرطاسها أديم وجهها، وكأن قلمها بعض أناملها، وكأن بيانها سحر مقلتها، وكأن سكينها غنج لحظها، وكأن مقطعها قلب عاشقها.\rومن ألفاظ أهل العصر في وصف الخط وسرعة يد الكاتب: الكلام الفائق، بالخط الرائق، نزهة القلب، وفاكهة النفس، وريحانة الروح، خط كأنه يواقيت في نظام، وصفحات نور عليها سطور الظلام. خط أحسن من عطفة الأصداغ، وبلاغة تميل بالآمل أوذن بالبلاغ. خط كما تفتح الزهر غب المطر، كأنه خطوط الغوالي في خدود الغواني. خط أملح من بنفسج الخط، وأحسن من الدر في السمط. خط أحسن من بدور الغرر، في ليالي الطرر. فلان يغرس في ارض القراطيس، وينشر عليها أجنحة الطواويس. خط كأن القلب يشعر منه نوراً، [وتجنى العين منه نورا] . خطه خطة الحسن، ويده ضرة البرق، وقلمه فلكي الجري، ويده ظئر البلاغة، وأم الكتابة، وضرة الريح، وينبوع الفضل.\rقطعة من مقطعات تجري في شعرهم في التمثيل والمحاضرات في معانٍ مختلفة: أبو فراس الحمداني:\r\rونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر\rتهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب الحسناء لم يغله المهر\rأبو الحسن بن لنكك البصري:\r\rجار الزمان علينا في تصرفه ... وأي دهر على الأحرار لم يجر؟\rعندي من الدهر ما لو أن أيسره ... يلقى على الفلك الدوار لم يدر\rوقال:\r\rعدنا من زماننا ... عن حديث المكارم\rمن كفى الناس شره ... فهو في جود حاتم\rأبو عبد الله بن الحجاج:\r\rدعوت نداك من ظمأٍ إليه ... فعناني بقيعتك السراب\rسراب لاح يلمع في سباخ ... ولا ماء لديه ولا تراب\rوقال أيضاً:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839693,"book_id":1815,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":24,"body":"لحى الله امرءاً أعطاك سراً ... فبحت به وفض الله فاه\rفإنك بالذي استودعت منه ... أنم من الزجاج بما وعاه\rوهذا كقول السري الموصلي:\r\rوإنك كلما استودعت سراً ... أنم من النسيم على الرياض\rولابن وكيع [في هذا المعنى] :\r\rصديق قد ندمت على اختياري ... له لما تأمله اختباري\rينم بسر مسترعيه سراً ... كما نم الظلام بسر نار\rأنم من النصول على مشيب ... ومن صافي الزجاج على عقار\rأبو الحسن الموسوي النقيب:\r\rما السؤدد المكسوب إلا دون ما ... يومي إليه السؤدد المولود\rفإذا هما اتفقا تكسرت القنا ... إن غولبا وتضعضع الجلمود\rوقال:\r\rأمسيت أرحم من قد كنت أغبطه ... لقد تقارب بني العز والهوان\rومنظر كان بالسراء يضحكني ... يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني\rوقال:\r\rأنت الكرى مؤنساً طرفي وبعضهم ... مثل القذى مانعاً عيني من الوسن\rلقد تمازج قلبانا كأنهما ... تراضعا بدم الأحشاء لا اللبن\rوقال:\r\rاشتر العز بما بي? ... ع فما العز بغال\rبالقصار الصفر إن شئ? ... ت أو السمر الطوال\rليس بالمغبون حظاً ... مشترٍ عزاً بمال\rإنما يدخر الما ... ل لحاجات الرجال\rوالفتى من جعل المعرو ... ف أثمان المعالي\rأبو الفضل بن العميد:\r\rلن يصرف الدهر عن سجيته ... إرب أريب وحول ذي حيل\rأي معين صفا على كدر الد ... دهر وأي النعيم لم يزل\rوقال:\r\rآخ الرجال من الأبا ... عد والأقارب لا تقارب\rإن الأقارب كالعقا ... رب أو أشد من العقارب\rوقال الكندي: الأب رب، والأخ فخ، والعم غم، والخال وبال، والولد كمد، والأقارب عقارب. وإنما المرء بصديقه.\r[وقال] الصاحب أبو القاسم بن عباد:\r\rحفظ اللسان راحة الإنسان ... فاحفظه حفظ الشكر للإحسان\rفآفة الإنسان في اللسان\rوقال:\r\rمرادي من الدنيا صديق مساعد ... وليس يريد الدهر لي ما أريده\rومن يكن القاضي خصيماً له فقد ... أضر به إقراره وجحوده\rفمهما ادعى حقاً له عاد باطلاً ... ولو أن كل العالمين شهوده\rوعز على الإنسان إثبات حجة ... إذا كان حكاماً عليه عميده\r[وقال] علي بن عبد العزيز القاضي:\r\rيقولون لي: فيك انقباض، وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما\rإذا قيل: هذا مورد قلت: قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما\rولم ابتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت إلا لأخدما\rأأغرسه عزاً فأجنيه ذلة ... إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما\rولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما\rولكن أهانوه فهانوا ودنسوا ... محياه بالإعراض حتى تجهما\r[وقال] أبو بكر الخوارزمي:\r\rعلق غدا بياعه ... مبتاعه لهوانه\rكالفرج لم يخطب فصا ... ر أخوه من أختانه\r[وقال] إسماعيل الشاشي:\r\rوجود المنى ألا تكاثر في المنى ... ونيل الغنى ألا تفكر في الغنى\rومن كان للدنيا أشد تضوراً ... تجده عن الدنيا أشد تصونا\rعبرة:\r\rلا يؤيسنك من عثمان حدته ... وإن تطاير من أثوابه الشرر\rفإن حدته والله يكلؤه ... كالبرق والرعد يأتي بعده المطر\r[وقال] أبو الفتح البستي:\r\rإذا أحسست في لفظي فتوراً ... وخطي والبلاغة والبيان\rفلا تعجب لذاك فإن رقصي ... على مقدار إيقاع الزمان\rوقال أيضاً:\r\rبقية العمر عندي ما لها ثمن ... وإن غدا خير محبوب من الثمن\rيستدرك المرء فيها ما أفات ويح? ... يي ما أمات ويمحو السوء بالحسن\rونثر هذا النظم لعلي بن أبي طالب ﵁ [وقال] الأمير أبو الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي:\r\rكم والد يحرم أولاده ... وخيره يحظى به الأبعد\rكالعين لا تبصر ما حولها ... ولحظها يدرك ما يبعد\rوقال:\r\rأطالب أيامي بإنجاز موعدي ... وها هي تلوي بالوفاء وتجمح\rأقول عساها أن تلين لمطلبي ... قليلاً فبعض الشوط بالتمر يسمح\rأبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839694,"book_id":1815,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":25,"body":"تعلم من الأفعى أمالي طبعها ... فآنس إذا أوحشت تعف من الذم\rلئن كان سم كامن تحت نابها ... ففي لحمها ترياق غائلة السم\rوقال:\r\rالله يعلم أني لست ذا بخلٍ ... ولست ملتمساً في البخل لي عللا\rلكن طاقة مثلي غير خافية ... والذر يعذر في القدر الذي حملا\r[وقال] أبو بكر الخالدي:\r\rوأخ رخصت عليه حتى ملني ... والشيء مملول إذا ما يرخص\rما في زمانك ما يعز وجوده ... إن رمته إلا صديق مخلص\r[وقال] أخوه أبو عثمان:\r\rيا هذه إن رحت في ... خلق فما في ذاك عار\rهذي المدام هي الحيا ... ة قميصها خزف وقار\rأبو نصر بن نباتة:\r\rولا تحقرن عدواً رماك ... وإن كان في ساعديه قصر\rفإن السيوف تجذ الرقاب ... وتعجز عما تنال الإبر\rوله:\r\rأرى همم المرء اكتئاباً وحسرة ... عليه إذا لم يسعد الله جده\rوما لامرئٍ في حادث الدهر حيلة ... إذا نحسه في الأمر وافق سعده\rوله:\r\rوعنفني في مركب الهول معشر ... وقالوا: أيهوى الجدب من هو في الخصب\rوإني لأدري أن في العجز راحة ... وأعلم أن السهل أوطا من الصعب\rولو طلب الناس المكارم كلهم ... لكان الغنى كالفقر والعبد كالرب\rولكن أشخاص المعالي خفية ... على كل عين ليس تبصر باللب\rيقول في هذه القصيدة يمدح علي بن المزربان:\r\rومن كعلي للفوارس تدعي ... وللخيل سامتها القوائم للوثب\rترى الشمس أماً والكواكب إخوة ... وتنظر من بدر السماء إلى ترب\rرأى الفلك الدوار تربة بابل ... أحق وأولى منه بالأنجم الشهب\rيدب ويسري نشركم في نسيمها ... ويعبق منكم في المياه وفي الترب\rوما بشروق الشمس منها تشرفت ... بكم شرفت شرق البلاد على الغرب\rابن وكيع:\r\rلئيم لا يزال يلم وفراً ... لوارثه ويدفع عن حماه\rككلب صيد يمسك وهو طاو ... فريسته ليأكلها سواه\rوقال:\r\rتعمدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعة\rفإن خالفتني لتريد نقصي ... فلا تغضب إذا لم تعط طاعة\rوقال:\r\rامزح بمقدار الطلاقة واجتنب ... مزحاً تضاف به إلى سوء الأدب\rلا تغضبن أخاك إن مازحته ... إن المزاح على مقدمة الغضب\r[وقال] أبو إسحاق الصابي:\r\rوأحق من نكسته ... بالصغر من درجاته\rمن مجده من غيره ... وسفاله من ذاته\rوكتب إلى صديق له من السجن بقوله:\r\rنحن في الصحبة كالنسرين لكني واقع\rوعلى الطائر أن يغشى أخاه ويراجع\rوكان سبب سجنه أنه في أيام عز الدولة بختيار بن معزها أحمد بن بويه الديلمي كان على ديوان الإنشاء، وكانت بين بختيار وعضد الدولة فنا خسرو منافسة في الرئاسة، فلما خلع الفضل بن جعفر المقتدر [وهو المطيع] وأقيم مكانه ابنه أبو الفضل عبد الكريم الطائع سنة أربع وستين وثلاثمئة، استولى على جميع الأمر عضد الدولة، وقتل بختيار وأمحى أثره، فأحضر الصابي، وقال: قد علمت ما كنت تعاملني به من قبيح المخاطبة في المكاتبة، وقد أحفظني ذلك، فأوجب حلفي على قتلك إذا ظفرت بك، وقد رأيت ذلك من الفساد إذ كنت مقدماً في صناعتك، ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً.\rواستصفى أمواله وحبسه، وولى ديوان الإنشاء أبا منصور المرزبان الشيرازي، وكان غاية في البلاغة والفصاحة وحسن آلات الكتابة. وزارة أبا إسحاق الصابي في السجن أبو الفرج الببغاء الشاعر زورة ثم قطعه فكتب إليه:\r\rأبا الفرج أسلم وابق وانعم ولا تزل ... يزيدك صرف الدهر حظاً إذا نقص\rمضت مدة أستام ودك غالياً ... فأرخصته والبيع غال ومرتخص\rوآنستني في محبسي بزيارة ... شفت كمداً من صاحب لك قد خلص\rولكنها كانت كحسوة طائر ... فواقاً كما يستفرض السارق الفرص\rوأحسبك استوحشت من ضيق محبسي ... وعادك عيد من تذكرك القفص\rفعوفيت يا قس الطيور فصاحة ... إذا سرد المنظوم أو تلي القصص\rمن المنسر الأشغى ومن حزة المدى ... ومن بندق الرامي ومن قصة المقص\rومن صعدة فيها من الدبق لهذم ... لفرسانكم عند اللقاء بها قعص","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839695,"book_id":1815,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":26,"body":"فهذي دواهي الطير وقيت شرها ... إذا الدهر من أحداثه جرع الغصص\rفأجابه أبو الفرج الببغاء:\r\rأيا ماجداً في حلبة المجد ما نكص ... ويا كاملاً في رتبة الفضل ما نقص\rستخلص من هذا السرار وأيما ... هلال توارى في السرار فما خلص\rبدولة تاج الملة الملك الذي ... له في أعالي قبة المشتري خصص\rتقنصت إنصافي وما كنت قبل ذا ... أظن بأن المرء بالبر يقتنص\rفأصبحت لا أخشى أذية جارح ... ورأيك لي وكر وقلبك لي قفص\rولعضد الدولة:\r\rطربت إلى الصبوح مع الصباح ... وشرب الراح والغرر الملاح\rوكان الثلج كالكافور نثراً ... وناري بين نارنجي وراحي\rفمشمومي ومشروبي وناري ... وثلجي والصبوح مع الصباح\rلهيب في لهيب في لهيب ... صباح في صباح في صباح\rتنازع إبراهيم بن المهدي ويختيشوع الطبيب بين يدي أحمد بن أبي دؤاد [في مجلس الحكم] في عقار بناحية السواد، فأربى عليه إبراهيم وأغلظ له، وأغضب ذلك ابن أبي داؤد، فقال: يا إبراهيم إذا نازعت في مجلس الحكم بحضرتنا امرءاً فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتاً ولا أشرت بيد، وليكن قصدك أمماً، وطريقك نهجاً، وريحك ساكنة، وكلامك معتدلاً، وورف مجالس الخليفة حقوقها من التوقير والتعظيم والاستكانة والتوجه إلى الحق، فإن هذا أشكل بك، وأجمل بمذهبك في محتدك، وعظيم خطرك، ولا تعجلن، فرب عجلة تهب ريثاً، والله يعصمك من الزلل، وخطل القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل.. إن ربك عليم حكيم.\rفقال إبراهيم: أمرت أصلحك الله بسداد، وحضضت على رشاد، ولست عائد لما يثلم قدري عندك، ويسقطني من عينك، ويخرجني من مقدار الواجب إلى الاعتذار، فها أنا ذا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقر بذنبه، باخع بجرمه، لأن الغضب لا يزال يستفز بمواده، فيردني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندك وعندنا منك، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وقد جعلت حقي في هذا العقار ليختيشوع، فليت ذلك يكون وافياً بأرش الجناية عليه، ولم يتلف مال أفاد موعظة، وبالله التوفيق.\rوفضل إبراهيم بن المهدي أشهر من أن يذكر، وكانت أخته عليه تعدل بكثير من أفاضل الرجال، في فضل العقل وحسن المقال، ولها شعر رائق وغناء رائع، وهي القائلة:\r\rاشرب على ذكر الغزا ... ل الأغيد الحلو الدلال\rاشرب عليه وقل له ... يا غل ألباب الرجال\rأبقيت جسمي ناحلاً ... وسكنت في ظل الحجال\rوبلغت مني غاية ... لم أدر فيها ما احتيالي\rوقالت، ولها فيه لحن:\r\rيا عاذلي قد كنت قبلك عاذلاً ... حتى بليت فصرت صباً ذاهلاً\rالحب أول ما يكون جهالة ... فإذا تفرع صار شغلاً شاغلا\rوقالت:\r\rوضع الحب على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج\rليس يستحسن في وصف الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج\rوقليل الحب صرفاً خالصاً ... لك خير من كثير قد مزج\rكأنها ذهبت في البيت الأول إلى قول العباس بن الأحنف:\r\rوأحسن أيام الهوى يومك الذي ... تروع بالهجران فيه وبالعتب\rإذا لم يكن في الحب سخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب\rوزاد منصور بن سلمة النمري في هذا فقال:\r\rراحتي في ملامة العذال ... وشفائي سؤالهم عن حالي\rلا يطيب الهوى ولا يحسن الح? ... ب لخلق إلا بخمس خصال\rبسماع الأذى وعذل نصيح ... وعتاب وهجرة وتقال\rوأنشد كشاجم لابن الرومي:\r\rلولا اطراد الصيد لم تك لذة ... فتطاردي لي بالوصال قليلا\rهذاالشراب أخو الحياة وماله ...\rمن لذة حتى يصيب غليلا\rوأنشد الأصمعي:\r\rلا خير في الحب وقفاً لا تحركه ... عوارض اليأس أو يرتاحه الطمع\rلو كان لي قلبها أو عندها جزعي ... لكنت أملك ما آتي وما أدع\rإذا دعا باسمها داع ليحزنني ... كادت له شعبة في مهجتي تقع\rلا أحمل اللوم فيها والغرام بها ... ما حمل الله نفساً فوق ما تسع\rوسمعت أم جعفر، زبيدة بنت جعفر، علية تغني في شعر العباس بن الأحنف:\r\rعندي مثالك لعبة عاجية ... لو كان يقنع بالشبيه متيم\rفإذا فقدتك ساعة كلمتها ... لكنها خرساء لا تتكلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839696,"book_id":1815,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":27,"body":"وإذا بكيت حسبتها تبكي معي ... وإذا ضحكت حسبتها تتبسم\rفأمرت أم جعفر فصنعت لها لعبة من عاج، وكتبت على صدرها أبيات العباس، وأهدتها إلى الرشيد، فما زال يشرب عليها بقية ليلته، فلما أصبح سألها عن القصة، فأخبرته، فأحضر علية فغنته بالشعر فجدد صبوحاً، ولم يمر له يوماً أطيب من يومه.\rوخرج الرشيد إلى الري ومعه علية، فلما صرا بالمرج عملت شعراً وغنته وهو:\r\rومغترب بالمرج يبكي لشجوه ... وقد غاب عنه المسعدون على الحب\rإذا ما أتاه الركب منن نحو أرضه ... تنشق يستشفي برائحة الركب\rفلما سمع الصوت بكى ورق لها، وعلم أنها اشتاقت إلى بغداد، فأمر بردها.\rقال إسحاق الموصلي: كانت علية إذا طهرت لزمت المحراب، وقرأت القرآن، وإذا لم تصل غنت، وكانت قليلة الشغف بالشراب، إلا أنها تتناول منه، وكانت تكاتب بالأشعار خادمين يقال لأحدهما: طلا، وتكني عنه بظل، والآخر رشأ، وتكني عنه بزينب على أنهما جاريتان.\rفمن شعرها في طل:\r\rيا رب إني غرضت بحبها ... فإليك أشكو ذاك يا رباه\rظل ولكني حرمت نعيمه ... وهواءه إن لم يغثني الله\rوأقامت أياماً فلم تره، فمشت على ميزاب حتى رأته وحدثته وقالت له:\r\rقد كان ما كلفته زمناً ... يا ظل من وجدي بكم يكفي\rحتى أتيتك زائراً عجلاً ... أمشي إلى حتفي على حتفي\rفبلغ ذلك الرشيد، فحلف عليها ألا تكلم طلاً ولا تذكر اسمه، فدخل عليها على غفلة، وهي تقرأ في المصحف: ﴿فإن لم يصبها وابل..﴾ فما نهى عنه أمير المؤمنين، فضحك وقبل رأسها، وقال: ولا كل هذا، وقد وهبت لك طلاً.\rوقيل: أنه كان قتله.\rوحجب طل عنها عند أول ما أحس الرشيد بما بينهما فقالت:\r\rأيا سروة البستان طال تشوقي ... فهل لي إلى ظل إليك سبيل\rمتى يلتقي من ليس يرجى خروجه ... وليس لمن يهوى إليه دخول\rومن قولها في رشأ:\r\rوجد الفؤاد بزينبا ... وجداً شديداً متعبا\rأصبحت من وجدي بها ... أدعى شقياً منصبا\rولقد كنيت عن اسمها ... عمداً لكي لا تغضبا\rوجعلت زينب سترة ... وكتمت أمراً معجبا\rقالت: وقد عز والوصا ... ل ولم أجد لي مذهبا\rوالله لا نلت المود ... ة أو تنال الكوكبا\rوقالت: لأكنين عنه كناية خفية فقالت:\r\rالقلب مشتاق إلى ريب ... يا رب ما هذا من العيب\rقد تيمت قلبي فلم أستطع ... إلا البكا يا عالم الغيب\rخبأت في شعري ذكر الذي ... أحببته كالخبء في الجيب\r[لأن في قولها في آخر القسم الأول وأول الثاني: \"ريب يا\" تصحيف رشأ] ولها في الأمين وغنته:\r\rأطلت عاذلتي لومي وتفنيدي ... فأنت جاهلة شوقي وتسهيدي\rلا تشرب الراح بين المسمعات وزر ... ظبياً غريراً نقي الخد والجيد\rقد رنحته شمول فهو منجدل ... يحكي بوجنته ماء العناقيد\rقام الأمين فأغنى الناس كلهم ... فما فقير على حال بموجود\rدخل يوماً إسماعيل بن الهادي على المأمون طائش العقل، فقال له المأمون: ما لك؟ قال: يا أمير المؤمنين كنت أكذب بأرغن الروم بأنه يقتل طرباً، وقد صدقت الآن بذلك، قال: وما تدري ما هو؟ قال: لا والله، [قال] : هذه عمتك علية تلقي على عمك إبراهيم صوتاً من شعرها، وهو:\r\rودعت من أهوى ورحت بحسرة ... عجباً لقلبي كيف لم يتصدعا\rلا وجد إلا دون وجد نالني ... يوم الفراق وقد خرجت مشيعا\rفإذا الأحبة قد تولت عيسهم ... وبقيت فرداً والهاً متفجعا\rمن شعرها:\r\rطالت علي ليالي الصوم واتصلت ... حتى لقد خلتها أربت على العدد\rشوقاً إلى مجلس يزهى بساحته ... أعيذه بجلال الواحد الصمد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839697,"book_id":1815,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":28,"body":"كتب أبو الفضل محمد بن أحمد بن الحسين بن العميد إلى أبي عبد الله الطبري: سألتني عمن شفني وجدي به، وشغفني حبي له، وزعمت أني لو شئت لذهلت عنه، واعتضت منه، زعماً، لعمرو أبيك، ليس بمزعم، كيف أسلو عنه، وأنا أراه، وأنساه وهو لي تجاه، هيهات هو أغلب علي، وأقرب إلي، من أن يرخي لي عناني، أو أن يخليني واختياري، بعد اختلاطي بملكه، وانخراطي في سلكه، وبعد أن ناط حبه بقلبي نائط وشاطه بدمي شائط، فهو جار مجرى الروح في الأعضاء، متنسم تنسم روح الهواء، إن ذهبت عنه رجعت إليه، وإن هربت منه وقعت عليه، وما أحب السلو عنه مع هناته، ولا الخلو منه مع ملاته، وهذا على أني إن قابلني لم يهنني إقباله، وإن أعرض عني لم يطرقني خياله، يبعد علي مناله، ويقرب من غيري نواله، ويرد عيني خاسئة، ويدي خالية، وصله ينذر بصده، وقربه يؤذن ببعده، يدنو عندما ينزح، ويأسو مثلما يجرح، مخالته أحوال، وخلته خلال، وحكمه سجال والحسن في عوارفه والجمال في معاطفه والبهاء في فضوله وصفاته، والسناء من نعوته وسماته، اسمه مطابق لمعناه، وفحواه موافق لنجواه، يتشابه قطراه، وتتضارع حالات، من حيث تلقاه يستنير، ومن حيث تنساه يستدير.\rوكتب إليه وصل كتابك فصادفني قريب عهد بانطلاق، من حيث عنت الوثاق، ووافقني مستريح الجوانح والأعضاء من حر الاشتياق، فإن الدهر جرى على حكمه المألوف في تحويل الأحوال، ورسمه المعروف في تبديل الأبدال، وأعتقني من مخالبك عتقاً لا تستحق معه ولاء، وابرأني من عهدة مودتك براءة لا تستوجب معها دركاً ولا استثناء، ونزع من عنقي ربقة الذل من إخائك، بيدي جفائك، ورش [على] ما كان يحتدم في ضميري من نيران الشوق ماء السلو، وشن على ما كان يتلهب في صدري من الوجد روح اليأس ومسح أعشار قلبي فلأم فطورها بجميل الصبر، وشعب أفلاذ كبدي فلاحم صدوعها بحسن العزاء، وتغلغل في مسالك أنفاسي، فعوضني من النزاع إليك نزوعاً عنك، ومن الذهاب فيك رجوعاً دونك، وكشف عن عيني ضبابات ما ألقاه الهوى على بصري، ورفع عنها غيابات ما سدله الشك دون نظري، حتى حدر النقاب عن صفحات طريقتك وسفر عن وجوه خليقتك، فلم أجد إلا منكراً، ولم ألق إلا مستكبراً، فوليت منهما فراراً، وملئت منهما رعباً، فاذهب فقد ألقيت على غاربك حبلك، ورددت إليك ذميماً عهدك.\rوفي فصل من هذه الرسالة: وأما عذرك الذي رمت بسطه فانقبض، وحاولت تمهيده وتقريره فاستوفز [وأعرض] ، ورفعت بضبعه فانخفض، فقد ورد فلقيته بوجه من يؤثر قبوله على رده، وتزكيته على جرحه، فلم يف بما يذله لك عن نفسه، ولم يقم عند ظنك به، أنى؟ وقد غطى التذمم وجهه فلم يقدر على إيقافه، ومضى [يعثر] في فضول ما تغشاه من كذب حتى سقط، فقلنا: لليدين وللفم.\rوقوله هذا محلول من عقود نظمه إذ يقول:\r\rوسألتك العتبى فلم ترني لها ... أهلاً فجدت بعذرة شوهاء\rوردت مموهة فلم يرفع لها ... طرف ولم ترزق من الإصغاء\rوأعار منطقها التذمم سكتة ... فتراجعت تمشي على استحياء\rلم تشف من كمد ولم تبرد على ... كبد ولم تمسح جوانب داء\rسئل إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن المجيدين من المغنين فقال: من لطف معناه في اختلاسه، وتمكن في أنفاسه، وتفرع في أجناسه، فكاد يعلم ضمائر معاشرين، وشهوات مجالسيه، فقرع كل واحد منهم بالنوع الذي يطابق هواه، ويوافق معناه، فأطرب جميعهم، وأخذ بقلب كافتهم، حتى اتفقت عليه أهواؤهم، واجتمعت على تفضيله كلمتهم، والتأمت على مدحه ألسنتهم.\rقال جعفر بن مهلهل: فحدثت بهذا الحديث إبراهيم بن المهدي وعجبته منه، فقال: أيجوز هذا عليك!.. ابن الموصلي في قدره وصناعته ومحله من الخلفاء قد علم أنه مسؤول عن هذا، فتقدم في إعداد الجواب.\rوقال كشاجم:\r\rوجارية مثل شمس النهار ... أو البدر إذ لاح بين الدراري\rأتتك تميس بقد القضيب ... وترنو بعين مهاة القفار\rوترفل في مصمت أبيض ... تلون من خدها جلناري\rوتحمل عوداً فصيح اللسان ... يشارك أرواحنا في المجاري\rله عنق كذراع الفتاة ... ودستانة بمكان السوار\rفجارت عليه وجادت له ... بعسف اليمين ولطف اليسار\rولا أمهلته ولا نهنهته ... من الظهر حتى تقضى نهاري","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839698,"book_id":1815,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":29,"body":"فلما تغنت غناء الوداع ... بكيت وقلت لبعض الجواري:\rلئن عاشت عند هزار اللقاء ... لقد مت عند هزار الإزار\rقال ثمامة بن أشري: كنت عند المأمون في مجلس أنس إذ جاءه الحاجب يستأذن لعمير المأموني، فكرهت ذلك، فقال: يا ثمامة ما بك؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إذا غنى عمير كرت مواطن الإبل وكثبان الرمل، وإذا غنتنا عريب انبسط أملي، وقوي جذلي، وذكرت الجنان والولدان، كم بين يا أمير المؤمنين أن تغني غادة كأنها غصن بان ترنو بمقلة وسنان، كأنما خرطت من ياقوتة، أو صورت من فضة، بشعر عكاشة العمي حيث تقول:\r\rمن كف جارية كأن بنانها ... من فضة قد طرفت عنابا\rكأن يمناها إذا ضربن بها ... تلقى على يدها لشمال حسابا\rوبين أن يغنيك رجل ملتف اللحية، غليظ الصابع، ششن الكف بشعر ورقاء ابن زهير العبسي:\r\rرأيت زهيراً تحت كلكل خالدٍ ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر\rفضحك وقال: إن الرق لبين، يا غلام لا تأذن له!.. وأحضر قيانه، فظللنا في أطيب يوم.\rوكان ابن الرومي يقول: \"لو أدركت ملحن ها الشعر قتلته، وهو:\r\rكليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم\rرمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم\r.. ما الذي يشبه من معاطاة الندمان، ومؤانسة الخلان من ذكر الدم والقتل؟! ... \" وذكر أحمد بن الطيب السرخسي أن النعمان بن المنذر أهدى إلى كسرة جارية تغني غناء العرب، اشتراها [له] بمائة ألف درهم، فغنته شعر عنترة العبسي:\r\rفشككت بالرمح الطويل إهابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم\rففسر له ما يقول فقال: الحرب بلية، والندام مسرة، وما معنى ذكر البلية مع حصول المسرة؟ ولم يسمعها بعد.\rقلت أنا: وليت شعري إذا كان الغناء داعية الأنس، وعشيق النفس، الذي يفكها إذا أسرها الهم، ويبسطها إذا قبضها الغم، وهو المستأذن على القلب، والمنقذ من الكرب، الداخل عليه بغير بعث، والوالج إليه بغير نصب، ما باله لا تستخرج له الأشعار الرقيقة، ذات المعاني الأنيقة، والألفاظ الناعمة الشكلة، في اللطائف الظريفة الغزلة، التي تطرب بالتكلم قبل الترنم، ويتجنب ما كان من صفات الجيوش والمقانب، وذكر الغارات والكتائب، ووصف الأحزان والمصائب، فلأن يسمع من كان ثملاً جذلاً:\r\rسكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله\rوما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمائله\rألوى بصبري أصداغ لوين له ... وغل صدري ما تحوي غلائله\rأحب إليه من أن يسمع:\r\rأسمعاني الصياح بالإمليس ... وصياح العيرانة العيطموس\rودعاني من قرع مزهر ريا ... واختلاف الكؤوس بالخندريس\rعزفت [عن] تلكم اللبانات نفسي=وسمعت نحو غير ذاك حدوسي أو يسمع:\r\rما تغطي عساكر الليل مني ... ما تجلي مضاحك الصبح عني\rجسم سيف في جوف غمد ثياب ... صدر أنس من تحته قلب جني\rما ينال الكرى سويداه إلا ... حسوة الطائر الذي لا يثني\rكم ظلامٍ جعلته طيلساني ... صاحبي همتي وقلبي مجني\rإلا أن يكون كالمهلهل، وربيعة بن مكدم، وعتيبة بن الحارث بن شهاب.\rولأبي عثمان الناجم في وصف الغناء قطع مستملحة، بكل طريقة موشحة، كقوله:\r\rلقد جاد من عاتب ضربها ... وزاد كما جاد تغريدها\rإذا نوت الصوت قبل الغناء ... أنشدنا شعرها عودها\rوله:\r\rتأتي أغاني عاتب ... أبداً بأفراح النفوس\rتشدو فنزمر بالكؤو ... س لها ويرقص بالرؤوس\rوهذا كقوله:\r\rسلامة بن سعيد ... يجيد حث الراح\rإذا تغنى زمرنا ... عليه بالأقداح\rوقال:\r\rما صدحت عاتب ومزهرها ... إلا وثقنا باللهو الفرح\rلها غناء كالبرء في جسد ... أضناه طول السقام والترح\rتعبده الراح فهي ما صدحت ... إبريقنا ساجد إلى القدح\rوقال:\r\rما حضرتنا قتول إلا ... أذكت بنظراتها جوانا\rتصدع بالصوت قبل تأتي ... كأن في نايها لسانا\rوقال:\r\rإذا أنت ميزت بين الغنا ... ء ميزتها الأحذق الأطيبا\rتهز القريض بألحانها ... كما هزت الغصن ريح الصبا\rوقال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839699,"book_id":1815,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":30,"body":"ما تغنت إلا تقشع هم ... عن الفؤاد وأقلعت أحزان\rتفضل المسمعين طيباً وحذقاً ... مثلما يفضل السماع العيان\rوقال:\r\rما نطقت عاتب ومزهرها ... إلا ظللنا للراح نعملها\rتطلب أوتارها الهموم بأو ... تار تستفيق تقتلها\rوقال:\r\rشدو ألذ من ابتدا ... ء العين في لإغفائها\rأشهى وأحلى من منى ... نفس وصدق رجائها\rوقال أيضاً:\r\rلها غناء مطرب معجب ... يفعل ما لا تفعل الخمرة\rتشوق الأذن إلى شدوها ... تشوق العين إلى الحضرة\rكأنما بهجة من زارها ... بهجة من طارت له القمرة\rلو أن إسحاق شدا بعدها ... لخلت من يسمع في سخرة\rمندرة في كل ألحانها ... لا كالتي تحسن في الندرة\rوقال:\r\rلقد برعت في الغناء ... وزادت وأربت على البارع\rيسبح سامعها معجباً ... فأصواتها سبحة السامع\r[وقال أيضاً:\r\rيا صاحبي قم فقد أطلنا ... أنحن طول المدى هجود؟\rفقال لي: لن نقوم منها ... ما دام من فوقنا الصعيد\rتذكر كم ليلة نعمنا ... في ظلها والزمان عيد\rظل كأن لم يكن تقضى ... وشره حاضر عتيد]\rوقال يرثي عجائب جارية ابن مروان:\r\rأضحى الثرى بجوارها ... عطر المسالك والمسارب\rحلت حفيرتها حلو ... ل المسك في سرر الكواعب\rيا درة كانت تضي ... ء لناظر من كل جانب\rتبع فيه أستاذه ابن الرومي، يرثي جارية أم علي بنت الرسي:\r\rواهاً لذاك الفناء من طبق ... على جميع الأنام مقتدر\rأضحت من الساكني حفائرهم ... سكنى الغوالي مداهن السرر\rيا مشرباً كان لي بلا كدر ... يا سمراً كان لي بلا سهر\rأصبحت بالترب غير راجحة ... عنه وقد ترجحين بالبدر\rومن ألفاظ أهل العصر في الغناء والمغنين: غناؤه كالغنى بعد الفقر، وهو عذر للسكر، غناء يبسط أسرة الوجه، ويرفع حجاب الأذن، ويأخذ بمجامع القلب، ويمتزج بأجزاء النفس، غناء يحرك النفوس ويرقص الرؤوس، ويحرض [على الكؤوس] ، فلان طبيب القلوب والأسماع، ومحيي الخواطر والطباع، يطعم الآذان سروراً، ويقدح في القلب نوراً، القلوب من غنائه على خطر، فكيف الجيوب! السكر على صوته شهادة، نعمة نغمته تطرب وضروب ضربه لا تضطرب.\rولهم في ضد هذا: يغني فيتعب ولا يطرب، إذا غنى عنى، وإذا أدى أذى، يميت الطرب، ويحيي الكرب، ضربه يوجب ضربه، من عجائب غنائه أنه يورد الشتاء في الصيف، [ولا يقدر على سماعه الضيف] .\rوقال كشاجم:\r\rومغن بارد النغم ... ة مختل اليدين\rما رآه أحد في ... دار قوم مرتين\rقربه أقطع للذا ... ت من صبحة بين\rوقال أيضاً يذم عوادة:\r\rجاءت بعود مثلها نافر ... كأنه نقنق الضفدع\rمضطرب الأوتار منقوصها ... مستقبح المبدإ والمقطع\rيود من يسمع أصواته ... لو فقد السمع ولم يسمع\rفأقبلت تضرب غير الذي ... تحسب والنغمة لم تتبع\rكأنما قسمة تأليها ... مثلث مختلف الأضلع\rوهذا ضد قوله لبعض إخوانه:\r\rعندي معتقة كودك صافية ... ونديمك الدمث الرقيق الحاشية\rإذا كربت إلى السماع ترنمت ... بيضاء زاهية تسمى زاهية\rتصل الغناء يمينها بشمالها ... كمثلث أضلاعه متساوية\rوله في هذا المعنى:\r\rصحت مقادر ضربها وحسابها ... وغنائها وتوازنت في الأنفس\rفكأن أشكال المثلث إنما ... يؤخذن عنها ليس عن إقليدس\rوقال أبو فراس الحمداني: كان سيف الدولة لا يشرب النبيذ ولا يسمع القيان، ويحظرهما علي، فوافت من بغداد ظلوم الشهرامية، وكانت من المحسنات، وكان بحضرته ابن المنجم، فاضل [أهل] زمانه. فتاقت نفسي إلى سماعها، فسألنه أن يحضرهما، فوعدني بذلك في يومنا، فانصرفت عنه، وأنا غير واثق [به] ، لعلمي بضعف نيته في ذلك، ووجهت إلى ظلوم وابن المنجم فحصلتهما، وأقمت أنتظر رسوله إلى غروب الشمس فكتبت له:\r\rمحلك الجوزاء بل ارفع ... وصدرك الدهناء بل أوسع\rوقلبك القلب الذي لم يزل ... للجد والهزل به موضع\rرفه بقرع العود سمعاً غداً ... قرع العوالي جل ما يسمع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839700,"book_id":1815,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":31,"body":"فبلغت الأبيات الوزير أبا محمد الحسن بن محمد بن هارون المهلبي، فأمر بها فلحنت، وغني بها، فلم يزل يشرب عليها بقية يومه.\rوكان أبو فراس حسن الشعر جيد النمط، لقوله من الحلاوة، وعليه من الطلاوة ما يشهد به ما أنشد له: وكان أبو القاسم الصاحب يقول: بدئ الشعر بملك، وختم بملك، بدئ بامرئ القيس وختم بأبي فراس.\rكتب إلى سيف الدولة وقد قفل من غزاة: كتابي أطال الله بقاء مولاي الأمير من منزلي وقد وردته ورود السالم الغانم موقر الظهر والظهر وقراً وشكراً. فاستحسن سيف الدولة بلاغته، فقال أبو فراس:\r\rهل للسماحة والفصا ... حة والعلا عني محيد\rإذ كنت والدي الذي ... خرجتني وأبي سعيد\rفي كل يوم أستفي? ... د من العلاء وأستعيد\rويزيد فيّ إذا رأي? ... تك في الندى خلق جديد\rوقال: ?لنا بيت على طنب الثريا=بعيد مذاهب الأكناف سام\r\rتظلله الفوارس بالعوالي ... وتفرشه الولائد بالطعام\rوقال:\r\rما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني ... ليست مؤاخذة الخلان من شاني\rيجني الصديق فأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي وإحساني\rويتبع الذنب ذنباً حين يعرفني ... عمداً فأتبع غفراناً بغفران\rيجني علي فأحنو صافحاً أبداً ... لا شيء أحسن من حانٍ على جانِ\rوقال:\r\rفوالله ما أضمرت في الحب سلوة ... ووالله ما حدثت نفسي بالصبر\rوإنك في عيني لأبهى من الغنى ... وإنك في قلبي لأحلى من النصر\rفيا حكمي المأمول ملت مع الهوى ... ويا ثقتي المأمون خنت مع الدهر\rوقال:\r\rلبسنا رداء الليل والليل راضع ... إلى أن تردى رأسه بمشيب\rوبتنا كغصني بانة عطفتهما ... مع الصبح ريحا شمأل وجنوب\rإلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... مبادي نصول في عذار خضيب\rفيا ليل قد فارقت غير مذمم ... ويا صبح قد أقبلت غير حبيب\rوقال:\r\rلا غرو إن فتنتك باللح ... ظات فاترة الجفون\rفمصارع العشاق ما ... بين الفتور إلى الفتون\rفاصبر فمن شيم الهوى ... صبر الضنين على الظنين\rكتب شمس المعالي إلى وكيل له بالري يعرف بأبي الفرج عبد السلام بن محمد كتاباً دعاه الإعجاب به إلى أن أوقف عليه كافي الكفاة وتاج الولاة أبا القاسم بن إسماعيل بن عباد الصاحب، فأطنب الصاحب في وصفه وتقريظه، فكتب عبد السلام إلى شمس المعالي بذلك فأجاب: أما إعجاب الفاضل بالفصول التي عرضتها عليه، ورفعتها إليه، فلم يكن ذلك مما يحسبه إلا لخلة واحدة، وهي أنه وجد فناً في غير أهله فاستبدعه، وفرعاً في غير أصله فاستشنعه، فقد يستعذب الشريب من منبع الزعاق ويستطاب النحيب من مخرج النهاق، ولكنك فيما أقدمت عليه، من بسط اللسان بحضرته وإرخاء العنان بمشهده، كمن حاسن بقباحته القمر، وخاشن بوقاحته الحجر، ولا كلام فيما مضى، ولا عتب فيما اتفق وجرى.\rفأجاب الصاحب: قرأت الفصل الذي تجشمه جامع هزة العرب إلى عزة العجم، وناظم صليل السيف إلى صرير القلم، فحرت في محاسن خط، لا البرد الوشيع معتلق ذيلها، ولا الروض المريع نائل نيلها، وعقائل لفظ إن نعتها فقد غبنتها، وإن وصفتها فما أنصفتها، والله يمتعه بالفضل الذي استعلى على عاتقه وغاربه، واستولى على مشارقه ومغاربه، ولم يكن استحساني مما رأيت، وإعجابي بما رويت، استغراباً لمنبعه، ولا استبداعاً لمطلعه، بل لأنه شريف في جنسه، نفيس في نفسه، وقد حفظت ذلك الفضل، حيث سواد الناظر وأعز، وبسويداء القلب وأحرز، وعسى أن ينجز الدهر وعداً، فيعود التعارف وداً، فقد سمعت بالبعيد القريب، وفرحة الأديب بالأديب، وما إلى ذلك على الله بعزيز.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839701,"book_id":1815,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":32,"body":"فأجاب شمس المعالي وكيله عن هذا الجواب: قد أهديت إلي أعزك الله محاسن الدنيا مجموعة في ورقة، ومباهج الحلل والحلي محصورة في طبقة، وهو ما خطه ذلك الفاضل بيده، وباشره بقلمه [و] ما كنت أحسب أن جماع البديع يأخذ منه، ولا نور الربيع يفتر عنه، حتى عاينته فسميته لرقته برد الشراب، ولإعجابي به من دقته برد الشباب، ولفتوني بطلعته محير الألباب، ولوقوفي عند جزالته معيار الكتاب، فرصانة الطبع والعذوبة من جنى روضته، ومتانة المعنى والبراعة في ضمان قبضته، وأظنه لو جعل دعاء يدعى به النيران لأقبلا إلى الأرض منخفضين، أو حول حداء يحدى به الجبلان لمشيا مسرعين، أو صير جلاء يجلى به الناظران لأبصرا ما بين الخافقين، فمن لاطم أمواج بحره مساجلاً أصبح صريع صدماتها، ومن زاحم أفواج فكره مكاثراً أمسى أسير حملاتها، فلله جامع أفراد هذه الفضائل، وناظم آحاد هذه العقائل، فقد حاز من العلم الذرى والغوارب، وخلف لغيره الشوى والمخالب، وكذا النجيب إذا جرى لم يشق غباره، والشهاب إذا سرى لم تلحق آثاره، وأنا أرى قضاء حقه بالاعتراف بفضله، دون الإغراق في وصف فعله، فلذلك وقفت حيث بلغت، وأمسكت حيث انتهيت.\rوكتب الصاحب إلى أبي القاسم علي بن القاسم من قاشان: إذا أقبلت عقد البعد تتحلل، وبدت وجوه القرب تتهلل، وطويت من مسافة البين أرض، وقطع من جادة الفراق بعض، ترجح كوكب الوحشة للأفول وتزحزح موكب الأنس للقفول.\rوهذه حالي، فإني لما وردت موضع كذا [وكذا] خلفت ورائيب أرضاً كانت تبعد عن مولاي رحلي، ووطئت أخرى طالما قربت منه ربعي، طارت دواعي المسرة من نفسي، وانتشرت بواعث الغبطة في صدري، وولى الهم مفلولاً عني وأقبل الارتياح مستأمناً نحوي، ونادى الالتقاء بأن هذا صدر أمل إليَّ ينتهي وينتظم، وبي يستكمل ويختتم، فقلت: لبيك إلفاً، وكأن قد ...\rوله يمازح بعض إخوانه: خبر سيدي عندي وإن كتمه عني، واستأثر به دوني، فقد عرفت أمره في أمسه من شربه وأنسه، وغناء الضيف الطارق وعرسه، وكان ما كان مما لست أذكره وجرى [ما جرى مما] لست أنشره، وأقول أن مولاي امتطى الأشهب، فكيف عاين ظهره؟ وركب الطائر، فكيف شاهد جريه؟ هل سلم من حزونة الطريق؟ وكيف تصرف: أفي سعة أم [في] ضيق؟ وهل أفرد الحج أم تمتع بالعمرة؟ وهل قال في الحملة بالكرة؟ ليتفضل مولاي بتعريفي الخبر، فما ينفعه الإنكار، ولا يغني عنه إلا الإقرار، وأرجو أن يساعدنا الشيخ أبو مرة، كما ساعده مرة، فنصلي إلى القبلة التي صلى إليها، ونتمكن من الدرجة التي خطب عليها، وله فضل السبق إلى ذلك الميدان، الكثير الفرسان.\rوله أيضاً: تصفحت أوطار النفوس، فلم أعتز بأكرم من قربه، وتأملت أشخاص الخطوب، فلم أرع بأقطع من بعده، محاسنه أنوار لم تحتجب بسجوف ومناقبه شموس لم تتصل بكسوف، وألفاظه تذكرني بلباس الشباب وريعانه، بل بأفنان الصبا وفينانه، أيام من عود النوى خور، وليالي من باع الدجى قصر، ولولا أن عادتي أن أطأطئ [ناظري] للصديق تسليماً، وأصبر له على الملام [وإن كان] مليماً لقلت في ظلمه، وقد تظلم، قولاً على غرة الدهر، ويشدخ في جبهة الشمس والبدر إذ لم يرضى بحقي أن يلويه، حتى عطف على عهدي يستبطئه، ولكن أقول: يا نفس صبراً، فما كل طالب حق يعطاه، ولا كل شائم برق يسقاه، وأعود فأسأل الله أن يعيد:\r\rعيشاً لنا بالأبرقين تأبدت ... أيامه وتجددت ذكراه\rوالعيش ما فارقته فذكرته ... لهفاً وليس العيش ما تنساه\rوهذا كقول الحسن بن سهل: حد الطرب ما بقي سروره يتخيل في النفس، ويتردد في الفكر.\rومن شعر الصاحب:\r\rلقد صدقوا والراقصات إلى منى ... بأن مودات العدا ليس تنفع\rولو أنني داريت دهري حية ... إذا استمكنت يوماً من اللسع تلسع\rوقال [أيضاً] :\r\rوقائلة: لم عرتك الهموم ... وأمرك ممتثل في الأمم\rفقلت: ذريني لما أشتكي ... فإن الهموم بقدر الهمم\rوقال [أيضاً] :\r\rدعتني عيناك نحو الصبا ... دعاء يكرر في كل ساعة\rفلولا وحقك عذر المشيب ... لقلت لعينيك سمعاً وطاعة\rهذا من قول إبراهيم بن المهدي، وتمثل به إسماعيل بن إسحاق القاضي، [وقد كان] رأى غلاماً جميلاً:\r\rلولا الحياء وأنني مشهور ... والعيب يعلق بالكبير كبير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839702,"book_id":1815,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":33,"body":"لحللك منزلك الذي تحتله ... ولكان منزلنا هو المهجور\rوقال الصاحب:\r\rقال لي: إن رقيبي ... سيء الخلق فداره\rقلت: دعني، وجهك الج ... نة حفت بالمكاره\rوقال ابن الرومي في حسن الحبيب، وقبح الرقيب، [فأحسن] :\r\rما بالها قد حسنت ورقيبها ... مستقبح، لا كانت الرقباء\rما ذاك إلا لأنها شمس الضحى ... أبداً يكون رقيبها الحرباء\rوقال الصاحب أيضاً، وكان من الغلاة في الاعتزال:\r\rولما تناءت بالحبيب دياره ... وصيرت منه في عياني على وهم\rتمكن مني الشوق غير مخالس ... كمعتزلي قد تمكن من خصم\rوقال:\r\rكنت دهراً أقول بالاستطاعة ... وأرى الجبر ضلة وشناعة\rففقدت استطاعتي من هوى ظبي ... فسمعاً للمجبرين وطاعة\rأخذه من قول سعيد بن حميد:\r\rقالت: أكتم هواي وأكن عن اسمي ... بالعزيز المهيمن الجبار\rقلت: لا أستطيع ذلك قالت: ... صرت بعدي تقول بالإجبار\rوتخليت عن مقالة بشر ب? ... ن غياث لمذهب النجار\rوقال الصاحب لغلام تركي قبل يده:\r\rأبا شجاع يا شجاع الورى ... ومن لنا في وجهه قبله\rقبل فمي إن كنت آثرتني ... فاليد لا تعرف ما القبلة\rوهذا كقول الشريف أبي قاسم الرسي:\r\rيا بدر بادر إلي بالكاس ... فرب خير أتى على ياسي\rولا تقبل يدي فإن فمي ... أولى بها من يدي ومن راسي\rوكان أبو القاسم الرسي حلو الغناء، فكه الخلق، جميل الخلق. ومن قوله، وله فيه لحن:\r\rإذا التحف الجو بالأدكن ... وغنى الحمائم كالأرغن\rوهبت رياح الصبا سحرة ... بريح البنفسج والسوسن\rوحن إلى القصف ألافه ... فبادر إلى شيخك المنحني\rفنفس عن الزق أوداجه ... وسق الندامى ولا تنسني\rوشرب عنده كوفان المغني، فلما أصبح افتقد رداءه، فقال: قد سرق ردائي أيها الشريف، قال: ويحك، من تتهم منا، أما علمت أن النبيذ بساط يطوى بما عليه، فقال: انشروا هذا البساط حتى آخذ ردائي، واطووه إلى يوم القيامة.\rكان جعفر بن حذار كاتب العباس بن أحمد بن طولون ينقل أخبار أبي حفص عمر بن أيوب، كاتب أحمد بن طولون على الشراب إلى العباس، فصار إليه أبو حفص، وقال: يا أبا القاسم، إنما مجلس المدام مجلس حرمة، وداعية أنس، ومسرح لبانة، ومذاد همٍّ، ومرتع لهو، ومعهد سرور، وإنما توسطته عند من لا يتهم غيبه، ولا يخشى عيبه، وقد اتصل بي ما تنهيه إلى أميرنا أبي الفضل أعزه الله من أخبار مجالستي فلا تفعل، وأنشده [قول أبي العباس الناشيء:\r\rولقد قلت للأخلاء يوماً ... قول ساع بالنصح لو سمعوه\rإنما مجلس الشراب بساط ... للمودات بينهم وضعوه\rفإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا ... من نعيم ولذة رفعوه\rوهم أحرياء إن كان منهم ... حافظ ما أتوه أن يمنعوه\rفاعتذر ابن حذار، وحلف أنه ما فعل، ثم قام عن مجلسه، فأنشد أبو حفص:\r\rكم من أخ أوجست منه سجية ... فأنست بعد وداده بفراقه\rلم أحمد الأيام منه خليقة ... فتركته مستمتعاً بخلاقه\rعول أبو حفص في أكثر كلامه على كلام ابن العباس عبد الله بن محمد الناشئ في الشراب، والأبيات التي أنشد أولاً له.\rقال بعض الظرفاء: شرط المنادمة قلة الخلاف، والمعاملة بالإنصاف والمسامحة بالشرابي، والتغافل عن الجواب، وإدمان الرضى، وإطراح ما مضى وإسقاط التحيات، واجتناب اقتراح الأصوات، وأكل ما حضر، وإحضار ما تيسر، وحفظ الغيب، وستر العيب.\rوقال الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وهو خليفة لشراعة بن الزند بوذ: من أمتع الجلساء؟ قال: الذي إذا عجب عجب، وإذا غنى طرب، وإذا سقي شرب، وإذا أمسكت حدثك، وإذا حدثت أنصت لك. قال: فأي أوقات الشراب أطيب؟ قال: وقت نشاط على غب السماء. قال: فأي المجالس أحسن؟ قال: إذا لم يكن مطر مغرق، ولا حر محرق، فالشرب على وجه السماء. قال الوليد: أفيلومونني يا شراعة على حبك، وأنا إذا سألتك شيء لقيتني بمثل هذا الجواب، خذ من بيت المال ألفي دينار: وأنشدوا في نحو قول شراعة:\r\rلا خير في الشرب إلا مع أخي ثقة ... إن سر غنى وإن غنيته طربا\rيعطيك صمتاً إذا غنيته وإذا ... شربت حيا وإن حييته شربا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839703,"book_id":1815,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":34,"body":"عف اللسان عفيف الفرج تحمده ... في كل حال إذات أثرى وإن تربا\rيزيده الراح حلماً والغنا طرباً ... والسكر تقوى واستماع الأذى أدبا\rفاشدد يديك بهذا إن ظفرت به ... واكنز مودته، ولا تكنز الذهبا\rوقال الحسن بن وهب شربت البارحة على وجه الجوزاء فلما انتبه الفجر نمت، فما عقلت حتى لحفني قميص الشمس.\rوقال أبو القاسم الصاحب: قد حملت أوزار السكر على ظهر الخمر، وطوي بساط الشراب، على ما فيه من خطأ وصواب.\rوكتب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب وقد اصطبح في يوم دجن: أما ترى تكافؤ هذا الطمع واليأس من يومنا بقرب المطر وبعده، فكأنه قول كثير عزة:\r\rوإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت عما بيننا وتخلت\rلكالمرتجى ظل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل اضمحلت\rوما أصبحت أمنيتي إلا في لقائك، فليت النأي هتك بيني وبينك، ورقعتي هذه وقد دارت زجاجات أوقعت بعقلي ولم تتحيفه، وبعثت نشاطاً حركني للكتاب إليك، فرأيك في إمطاري سروراً بسار خبرك إذ حرمت السرور بمطر هذا اليون، موفقاً إن شاء الله.\rفكتب إليه الحسن بن وهب: وصل كتابي الأمير أيده الله وفمي طاعم ويدي عاملة، فلذلك تأخر الجواب قليلاً، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته، وما استحق ذماً لأنه إذا أشمس حكى حسنك وضياءك، وإذا أمطر حكى جودك وسخاؤك، وإذا غام أشبه ظلك وفناءك، وسؤال الأمير عني نعمة من نعم الله ﷿ علي. يعفي بها آثار الزمان الشيء عندي، وأنا كما يحب الأمير صرف الله الحوادث عنه، وعن حظي منه.\rوقال علي بن الجهم:\r\rأما ترى اليوم ما أحلى شمائله ... صحو وغيم وإبراق وإرعاد\rكأنه أنت يا من لا شبيه له ... وصل وهجر وتقريب وإبعاد\rوكتب بعض أهل العصر، وهو السري الموصلي إلى بعض إخوانه بقوله:\r\rيوم رذاذ ممسك الحجب ... يضحك فيه السرور من كثب\rومجلس أسبلت ستائره ... على شموس البهاء والحسب\rوقد جرت خيل راحنا خببا ... في حلبها أو هممت بالخبب\rوالتهبت نارنا فمنظرها ... يغنيك عن كل منظر عجب\rإذا ارتمت بالشرار واطردت ... على ذارها مطارد اللهب\rرأيت ياقوتة ممسكة ... تطير عليها قراضة الذهب\rفانهض إلى المجلس الذي ابتسمت ... عنه رياض الجمال والأدب\rومن ملح ما قيل في النار قول أبي الفرج الببغاء:\r\rفحم قدم الغلام فأدلى ... من كونينه حياة النفوس\rكان كالأبنوس غير محلى ... فغدا وهو مذهب الأبنوس\rلقي النار في ثياب حداد ... فكسته مصبغات عروس\rوقال ابن وكيع:\r\rوقر قد طردت بنار راح ... عضدت جنودها بوقود نار\rلها شرر كأن الريح منه ... مبددة نثاراً من بهار\rوقال الأمير الميكالي:\r\rكأن الشرار على نارنا ... وقد راق منظرها كل عين\rسحالة تبر إذا ما علا ... فإما هوى ففتات اللجين\rومن ألفاظ أهل العصر في الاستدعاء إلى الأنس: نحن في مجلس أبت راحته أن تصفو أو تتناولها يمناك، وأقسم غناؤه لا طاب أو تعيه أذناك، فأما خدود نارنجه فقد احمرت خجلاً لإبطائك، وأما عيون نرجسه، فقد حدقت تأميلاً للقائك، [و] نحن لغيبتك كعقد قد ذهبت واسطته، وشباب قد أخذت جدته، وإذا غابت شمس السماء عنا، فلا بد أن تدنو شمس الأرض منا، فإن رأيت أن تحضر لتتصل الواسطة بالعقد، ونحصل بقربك في جنة الخلد، وتسهم لنا في لقائك الذي هو قوت النفس، ومادة الأنس فعلت، فأنت ممن ينظم به شمل الطرب، ويبلغ بلقائه كل أرب، فكن إلينا أسرع من السهم إلى ممره، والماء إلى مقره، وجشمن إلينا قدمك، واخلع علينا كرمك.\rوقال أبو الفتح البستي:\r\rرب يوم للعيش فيه رفاغ ... ولكأس السرور فيه مساغ\rقد فرغنا للهو فيه وللشر ... ب وما للكؤوس فيه فراغ\rوعند حر له قلائد في الأعناق ... من جوهر الأيادي تصاغ\rعندنا للبخور غيم وللما ... ورد طش وللغوالي رداغ\rوقال أيضاً: قد نظمنا السرور في عقد أنس=وجعلنا الزمان للهو سلكا\r\rوفضضنا الدنان في يوم ثلج ... عزل الغي فيه رشداً ونكسا\rفكأن السماء تنخل كافو ... راً ونحن نفتق مسكا\rوأبو الفتح [البستي] القائل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839704,"book_id":1815,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":35,"body":"أفد بطبعم المكدود بالهم راحة=براح وعلله بشيء من المزح\r\rولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما تعطي الطعام من الملح\rوشعر أبي الفتح ينم عن تصرفه في العلم، كقوله: ?لئن عجزت عن شكر برك قوتي=وأوى الورى عن شكر برك عاجز\r\rفإن ثنائي واعتقادي وطاعتي ... لأفلاك ما أوليتنيه مراكز\rوقاله أيضاً:\r\rإذا غدا ملك باللهو مشتغلاً ... فاحكم على ملكة بالويل والحرب\rأما ترى الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا وهو برج اللهو الطرب\rوقال أيضاً:\r\rشرف الوغد بوغد مثله ... مثل ما فيه زيغ وخلل\rودليل الصدق فيما قلته ... شرف المريخ في بيت زحل\rوقال أيضاً:\r\rلئن كسفونا بلا علة ... وفازت قداحهم بالظفر\rفقد يكسف المرء من دونه ... كما يكسف الشمس جرم القمر\rوقال أيضاً:\r\rلا يغرنك أنني لين اللم? ... س فعزمي إذا انتضيت حسام\rأنا كالورد فيه راحة قومٍ ... ثم للأخرين فيه زكام\rوقال أيضاً:\r\rوقد يلبس المرء خز الثياب ... ومن تحتها حالة مضنية\rكمن يكتسي خده حمرة ... وعلتها ورم في الرية\rوشعره في هذه الأسباب وغيرها من الأبواب، يخرج عن حد الكتاب. وله في الفن الذي كثر في أهل العصر من تجنيس الشعر كقوله:\r\rإن أسيافنا الغضاب الدوامي ... صيرت ملكنا قرين الدوام\rباقتسام الأموال من وقت سام ... واقتحام الأهوال من وقت حام\rوله فيه أيضاً:\r\rإن هز أقلامه يوماً ليعملها ... أنساك كل كمي هو عامله\rوإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له\rولأبي الفضل الميكالي في هذا النوع قوله:\r\rأفدي غزالاً حماه قصر ... كجنة قد حوت نعيما\rطرقته لا أهاب سوءاً ... أباحني حبه الحريما\rفجاد من فيه لي براح ... شفى حريقاً به مقيما\rأفدي حريقاً أباح ريقاً ... لا بل حريماً أباح ريما\rقال مسلم بن عبد الله بن جندب الهذلي: خرجت أريد العقيق، ومعي زيان السواق، فلقينا نسوة لم أر أجمل منهن، فيهن امرأة فرعتهن طولاً [وكمالاً، وبرعتهن ظرفاً وجمالاً] فأنشد ريان بيني أبي، وهما:\r\rألا ياعباد الله هذا أخوكم ... قتيل فهل منكم له اليوم ثائر\rخذوا بدمي إن مت كل خريدة ... مريضة جفن العين، والطرف ساحر\rثم قال لي: شأنك بها يا بن الكرام، فالطلاق لي لازم إن لم يكن دم أبيك في نقابها، فأقبلت علي، وقالت: أأبوك ابن جندب؟ قلت: نعم، فقالت: إن قتيلنا لا يودى، وأسيرنا لا يفدى، فاغتنم نفسك، واحتسب أباك.\rقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قال رجل من [بني] فزارة لرجل من [بني] عذرة: تعدون موتكم في الحب مزية، وإنما ذلك من ضعف البنية، ووهن العقل، وعجز الروية. فقال العذري: أما إنكم لو رأيتم المحاجر البلج، ترشق بالأعين الدعج، من فوقها الحواجب الزج، والشفاه السمر، تفتر عن الثنايا الغر، كأنها سرد الدر، لجعلتموها اللات والعزى ورفضتم الإسلام وراء ظهوركم.\rوقال أعرابي: دخلت بغداد فرأيت بها عيوناً دعجاً، وحوجب زجاً، يسحبن الثياب، ويسلبن الألباب.\rوقال أعرابي في امرأة ودعها:\" والله ما رأيت دمعة ترقرق من عين بإثمد على ديباجة خد، أحسن من عبرة أمطرتها عينها، فأعشب لها قلبي.\rوذكر أعرابي امرأة فقال: تلك شمس باهت الأرض بها شمس سمائها، وليس لي شفيع إلى اقتضائها، ولي نفس كتوم لدائها، ولكنها تفيض على امتلائها أخذه [أبو تمام] الطائي فقال:\r\rشكوت وما الشكوى لمثلي بعادة ... ولكن تفيض النفس عند امتلائها\rووصف أعرابي نساء فقال: ظعائن في سوالفهن طول، غير قبيحات العطول، إذا مشين انتعلن الذيول، وإذا ركبن أثقلن الحمول.\rوقال أبو العباس بن الحسن العلوي:\r\rصادتك من عين القصور ... بيض أوانس في الخدور\rحور تحور إلى صبا ... ك لأعين منهن حور\rوكأنما برضابه ... ن جنى الرحيق من الخمور\rيصبغن تفاح الخدو ... د بماء رمان النحور\rوقال بعض البغداديين:\r\rلو ذقت صيد ظباء القصور ... لأنسيت صيد ظباء الفلاة\rظباء مراتعها في القلوب ... ومشربها من لذيذ الحياة\rوقال ابن الرومي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839705,"book_id":1815,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":36,"body":"تعنت بالمسواك أبيض صافياً ... تكاد عذارى الدر منه تحدر\rوما سر عيدان الراك بريقها ... تأودها في أيكها تتهصر\rلئن عدمت سقيا الثرى إن ريقها ... لأعذب من هاتيك سقياً وأخصر\rوما ذقته إلا بشيم ابتسامها ... وكم مخبر يبديه للعين منظر\rبدا لي وميض شاهد أن صوبه ... غريض وما عندي سوى ذاك مخبر\rولا عيب فيها غير أن ضجيعها ... إن لم تصبه الساهرية يسهر\rتذود الكرى عنه بنشر كأنما ... تضوعه مسك ذكي وعنبر\rوما تعتريها آفة بشرية ... من النوم إلا أنها تتحير\rوغير عجيب طيب أنفاس روضة ... منورة باتت تراح وتمطر\rكذلك أنفاس الرياض بسحرة ... تطيب وأنفاس الورى تتغير\rوقال:\r\rألا ربما سؤت الغيور وساءني ... وبات كلانا من أخيه على وحر\rوقبلت أفواهاً عذاباً كأنها ... ينابيع خمر حصبت لؤلؤ النحر\rوقال أيضاً\r\rتعلك ريقاً يطرد النوم برده ... ويشفي القلوب الحائمات الصواديا\rوهل ثغب حصباؤه مثل ثغرها ... يصادف إلا طيب الطعم صافيا\rوقال ابن المعتز بالله:\r\rبأبي خليلاً كنت أعهده ... [لي] واصلاً فأزور جانبه\rعبق الكلام بمسكةٍ نفحت ... من فيه ترضي من يعاتبه\rوقال ابن الرومي:\r\rيا رب ريق بات بدر الدجى ... يمجه بين ثناياكا\rيروي ولا ينهاك عن شربه ... والماء يرويك وينهاكا\rوقال ابن وكيع:\r\rريق إذا ما ازددت من شربه ... رياً ثناني الري ظمآنا\rكالخمر أروى ما يكون الفتى ... من شربها أعطش ما كانا\rوقال ابن الرومي يصف نساء:\r\rإذا لبسن خلاخلاً ... أكذبن أسماء الخلاخل\rتأبى تخلخلهن سو ... ق مرجحنات خوادل\rوقال غيره:\r\rاستكتمت خلخالها ومشت ... تحت الظلام به فما نطقا\rحتى إذا ريح الصبا نسمت ... ملأ العبير بسرها الطرقا\rوأنشد أبو الحسين أحمد بن فارس في مثل هذا [المعنى] :\r\rرب قول من سعاد لنا ... قد حفظناه وقد نفعا\rأملي لا تأت في قمر ... لحديث وراقب الدرعا\rوتوق الطيب ليلتنا ... إنه واش إذا سطعا\rوقال ابن الرومي:\r\rصدورهن فوقهن حقاق عاج ... ودر زانه حسن اتساق\rيقول القائلون إذا رأوها ... أهذا الدر من هذي الحقاق\r[وما تلك الحقاق سوى ثدي ... قدرن من الحقاق على وفاق]\r[نواهد لا يعد لهن عيب ... سوى بعد المحب من العناق]\rأخذه من قول عبد الله بن أبي السمط:\r\rكأن الثدي إذا ما بدت ... وزان العقود بهن النحورا\rحقاق من العاج مكنونة ... حملن من الدر شيئاً يسيرا\rولأهل العصر في أوصاف النساء: هي روضة الحسن، وضرة الشمس، وبدر الأرض، بدر التم يضيء تحت نقابها، وغصن البان يهتز تحت ثيابها، لها ثغر كالدر يجمع الضريب والضرب. أعلاها كالغصن ميال، وأسفلها كالدعص منهال، لها عنق كإبريق اللجين، وسرة كمدهن العاج. نطاقها مجدب، وإزارها مخصب، مطلع الشمس من وجهها، [ومنبت الدر من فيها، وملتقط الورد من خدها] ، ومنبع السحر من طرفها، ومبادئ الليل من شعرها، ومغرس الغصن في قدها، ومهيل الرمل في ردفها.\rوكتب الأمير عبيد الله بن أحمد الميكالي إلى أبي القاسم الداودي جواباً عن كتاب ورد عليه، منه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839706,"book_id":1815,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":37,"body":"وقفت على ما أتحفني به الشيخ: من نظمه الرائق البديع، وخطه المزري بزهر الربيع، موشحاً بغرر ألفاظه التي لو أعيرت حليها لعطلت قلائد النحور، وأبكار معانيه التي لو قسمت حلاوتها لأعذبت موارد البحور، فسرحت طرفي منها في رياض جلتها سحائب العلوم والحكم، وهب عليها نسيم الفضل والكرم، وابتسمت عنها ثغور المعالي والهمم، ولم أدر وقد حيرتني أصنافها، وبهرتني نعومتها وأوصافها، حتى كستني اهتزازاً وإعجاباً، فأنشأت بيني وبني التماسك ستراً وحجاباً، أدهتني بها نشوة راح؟ أم ازدهتني لها نخوة ارتياح؟ وانتظم عندي منها عقد ثناء وقريض؟ أم قرع سمعي بها غناء \"معبد\" و\"غريض\" وكيفما كان فقد حوى رتبة الإعجاز والإبداع، وأصبح نزهة القلوب والأسماع، فما من جارحة [إلا] وهي تود لو كانت أذناً تلتقط درره وجواهره، أو عيناً تجتلي مطالعه ومناظره أو لساناً يدرس محاسنه ومفاخره.\rوله إلى أبي منصور بن عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي كتابي وأنا أشكو إليك شوقاً لو عالجه الأعرابي لما صبا إلى رمل عالج، أو كابده الخلي لانثنى على كبد ذات حرق ولواعج، وأذم زماناً يفرق فلا يحسن جمعاً، ويخرق ولا ينوي رقعاً، ويوجع القلوب بتفريق شمل ذوي الوداد، ثم يبخل عليها بما يشفي غليل الصدر والأكباد، قاسي القلب فلا يلين لاستعطاف، جائر الحكم فلا يميل إلى إنصاف، وكم استعدي على صرفه وأستنجد، وأتلظى غيظاً عليه وانشد:\r\rمتى وعسى يثني الزمان عنانه ... بعثرة حال والزمان عثور\rفتدرك آمال وتقضي مآرب ... وتحدث من بعد الأمور أمور\rوكلا، فما على الدهر عتب، ولا له إلى أهله ذنب، وإنما هي أقدار تجري كما شاء مجريها، وتنفذ كالسهام إلى مراميها، فهي تدور بالمكروه والمحبوب، على الحكم المقدور [و] المكتوب، لا على شهوات النفوس، وإرادات القلوب، وإذا أراد الله تعالى أذن في تقريب النازح وتسهيل الصعب الجامح، فيعود الأنس بلقاء الإخوان كأتم ما لم يزل معهوداً، ويجدد للمذاكرة والمؤانسة رسوماً وعهوداً، إنه لقادر عليه، والملي به.\rوزار أبا منصور الثعالبي، فكتب إليه أبو منصور بقوله:\r\rلا زال مجدك للسماك رسيلاً ... وعلو جدك بالخلود كفيلا\rيا غرة الزمن البهيم إذا غدا ... هذا الورى لزمانهم تحجيلا\rيا زائراً مدت بدائع فضله ... ظلاً علي من الجمال ظليلا\rوأتت بصوب جواهر من لفظه ... حتى انتظمن لمفرقي إكليلا\rبأبي وغير أبي هلال نوره ... يستعجل التسبيح والتهليلا\rنقشت حوافر طرفه في عرصتي ... نقشاً محوت رسومه تقبيلا\rولو استطعت فرشت مسقط خطوه ... بعيون عين لا ترى التكحيلا\rونثرت روحي بعد ما ملكت يدي ... وخررت بين يدي هواه قتيلا\rوأبو منصور قريع دهره، وفريد عصره، وله مصنفات كتب في العلم والأدب، تشهد له بأعلى الرتب، وكل ما أحكيه من ألفاظ أهل العصر غير منسوب إلى قائله، فمستخرج من تأليفه، مأخوذ من تصنيفه، وفيه يقول [أبوالفتح] البستي:\r\rقلبي رهين بنيسابور عند أخ ... ما مثله حين تستقرى البلاد أخ\rله صحائف أخلاق مهذبة ... منها الحجى والعلا والظرف ينتسخ\rومن مليح شعر [أبي الفضل] الميكالي قوله:\r\rأقول لشادن في الحسن فرد ... يصيد بلحظه قلب الكمي\rملكت الحسن أجمع في نظام ... فأد زكاة منظرك البهي\rوذلك أن تجود لمستهام ... برشف من مقبلك الشهي\rفقال أبو حنيفة لي إمام ... وعندي لا زكاة على الصبي\r[فإن تك مالكي الرأي أو من ... يرى رأي الإمام الشافعي]\r[فلا تك طالباً مني زكاة ... فإخراج الزكاة على الولي]\rومن أشعاره الفقهية قوله:\r\rبنفسي غزال صار للحسن قبلة ... تحج من الفج العميق وتقصد\rدعاني الهوى فيه فلبيت طائعاً ... وأهللت بالإخلاص والسعي يشهد\rفطرفي بالتسهيد والدمع قارن ... وقلبي فيه بالصبابة مفرد\rوقال أبو الفتح كشاجم:\r\rفديت زائرة في العيد واصلة ... والهجر في غفلة عن ذلك الخبر\rفلم يزل خدها ركناً أطوف به ... والخال في خدها في موضع الحجر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839707,"book_id":1815,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":38,"body":"وقال عمر بن علي المطوعي: أراد الأمير السيد أبو الفضل عبيد الله بن أحمد، أدام الله فضله، أيام مقامه \"بجوين\" أن يطلع إلى قرية من قرى ضياعه تدعى \"تجاب\"، على سبيل التنزه والتفرج، وكنت من جملة من استصحبه إليها، واتفق أنا وصلنا والسماء مصحية، والجو صاف، ولم يطرز ثوبه بعلم الغمام، والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب، فوقع الاختيار على ظل شجرة باسقة الفروع، متسقة الأوراق والغصون، قد سترت ما حولها من الأرض طولاً وعرضاً، فنزلنا تحتها مستظلين بسماوة أفنانها، مستترين من وهج الشمس بستارة أغصانها، وأقبلنا نتجاذب أذيال المذاكرة، ونتسالب أهداب المناشدة والمحاورة، فما شعرنا إلا بالسماء قد أرعدت وأبرقت، وأظلمت بعدما أشرقت، وجادت بمطر كأفواه القرب، فأجادت، وحكت أنامل الأجواد وأعين العشاق، بل أربت عليها وزادت، حتى كاد غيثها أن يعود عيثا، وهم وبلها [أن] يستحيل وبالاً، فصبرنا على أذاها، وقلنا: \"سحابة صيف عن قريب تقشع\"، فإذا نحن بها قد أمطرتنا برداً كالثغور، لكنها ثغور العذاب، لا من ثغور العذاب، فأيقنا البلاء وسلمنا لأسباب القضاء، فما مرت غلا ساعة من النهار حتى سمعنا خرير الأنهار، ورأينا السيل قد بلغ الزبى، والماء قد بلغ القيعان والربا. فملنا إلى حصن القرية لائذين من السيل بأفنيتها، عائذين من القطر بأبنيتها، وأثوابنا قد صندل كافوريها ماء الوبل، وغلف طرازيها طين الوحل، ونحن نحمد الله على سلامة الأبدان، وإن فقدنا بياض الأكمام والأردان، ونشكره على نجاة الأنفس والرواح، شكر التاجر على بقاء رأس المال إذا فجع بالأرباح، فبتنا تلك الليلة في سماء تكف ولا تكف، وتبكي إلى الصباح بأدمع هوام، وأربعة سجام، فلما سل سيف الصبح من غمد الظلام، وصرف بوالي الصحو عامل الغمام، رأينا صواب الرأي أن نوسع الإقامة [بها] رفضاً ونتخذ الارتحال فرضاً، فما زلنا نطوي الصحاري أرضاً فأرضاً، إلى أن وافينا المستقر ركضاً، فلما نفضنا غبار ذلك المسير، الذي جمعنا في ربقة الأسير، وأفضينا معه إلى ساعة التيسير، بعدما صلينا منه [بالأمس] بالأمر [الصعب] العسير، وتذاكرنا ما لقينا من التعب والمشقة، وفي قطع ذلك الطريق، وطي تلك الشقة، أخذ [مولانا] الأمير القلم فعلق [هذه الأبيات] ارتجالاً:\r\rدهتنا السحاب غداة التجاب ... بغيم على أفقه مسبل\rفجاء برعد له رنة ... كرنة ثكلى ولم يثكل\rوثنى بوبل عدا طوره ... فعاد وبالاً على الممحل\rوأشرف أصحابنا من أذاه ... على خطر هائل معضل\rفمن لائذ بفناء الجدار ... وآو إلى نفق مهمل\rومن مستجير ينادي: الغريق ... هناك، ومن صارخ معول\rوجادت علينا سماء السقوف ... بدمع من الوجد لم يهمل\rكأن حراماً لها أن ترى ... يبيساً من الأرض لم يبلل\rوأقبل سيل له روعة ... فأدبر كل من المقبل\rيقلع ما شاء من دوحة ... وما يلق من صخرة يحمل\rكأن بأحشائه إذ بدا ... أجنة حمل ولم يحبل\rفمن عامر رده غامراً ... ومن معلم عاد كالمجهل\rكفانا بليته ربنا ... وقد وجب الشكر للمفضل\rفقل للسماء ارعدي وابرقي ... فإنا رجعنا إلى المنزل\rأخذ المطوعي قوله: \"فلما سل سيف الصبح من غمد الظلام\" من قول أبي الفتح البستي:\r\rرب ليل أغمد الأنوار إلا ... نور ثغر أو مدام أو ندام\rقد نعمنا بدياجيه إلى أن ... سل سيف الصبح من غمد الظلام\rوقوله \"كاد غيثها يعود عيثا\" من قوله [أيضاً] :\r\rلا ترج شيئاً خالصاً نفعه ... فالغيث لا يخلو من العيث\rوقال الميكالي في بركة وقع عليها شعاع الشمس فألقته على بهو مطل عليها:\r\rأما ترى البركة الغراء قد لبست ... نوراً من الشمس في حافاتها سطعا\rوالبهو من فوقها يلهيك منظره ... كأنه ملك في دسته ارتفعا\rوالماء من تحتها ألقى الشعاع على ... أعلى سماوته فارتج ملتمعا\rكأنه السيف مصقولاً تقلبه ... كف الكمي إلى ضرب الكمي سعى\rومن ظريف ما [في] وصف الماء قول ابن المعتز بالله، وذكر إبلاً:\r\rفتبدى لهن بالنجف المقفر ماء صافي الجمام عري\rيتمشى على حصى يسلب الما ... ء قذاه فمتنه مجلي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839708,"book_id":1815,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":39,"body":"وإذا ضاحكته ذرة شمس ... خلته كسرت عليه الحلي\rوقال يصف منزلاً:\r\rلا مثل منزلة الدويرة منزل ... يا دار جادك وابل وسقاك\rبؤساً لدهر غيرتك صروفه ... لم يمح في قلبي الهوى ومحاك\rلم يحل للعينين بعدك منظر ... ذم المنازل كلهن سواك\rأي المعاهد منك أندبل طيبه ... ممساك ذا الآصال أم مغداك\rأم برد ظلك ذي الغصون ذوي الندى ... أم أرضك الميثاء أم رياك\rوكأنما سطعت مجامر عنبر ... أوفت فأر المسك فوق ثراك\rوكأنما أيدي الربيع ضحية ... نشرت ثياب الوشي فوق رباك\rكأن درعاً مفرغاً من فضة ... ماء الغدير جرت عليه صباك\rوقال ابن الرومي:\r\rوماء جلت عن حر صفحته القذى ... من الريح معطار الأصائل والبكر\rبه عبق مما تسحب فوقه ... نسيم الصبا يجري على النور والزهر\rوقال أبو بكر أحمد بن محمد الضبي الصنوبري:\r\rسقى حلباً سافك دمعه ... بطيء الرقوء إذا ما سفك\rميادينها بسطهن الرياض ... وساحاتها وسطهن البرك\rترى الريح تنسج من مائها ... دروعاً مضاعفة أو شبك\rكأن الزجاج عليها أذيب ... وماء اللجين بها قد سبك\rهي الجو في رقة غير أن ... مكان الطيور تطير السمك\rوقد نظم الزهر نظم النجوم ... فمفترق النظم أو مشتبك\rكما درج الماء مر الصبا ... ودبج وجه السماء الحبك\rيباهين أعلام قمص القيان ... ونقش عصائبها والتكك\rوقال أيضاً:\r\rولقد طربت إلى الفرا ... ت بكل ذي كرم ومجد\rوالشمس عند غروبها ... صفراء مذهبة الفرند\rوالماء حاشيتاه خض? ... راوان من آس ورند\rتحبوه أيدي الريح إن ... هبت على قرب وبعد\rبطرائق من فضة ... وطرائق من لازورد\rوالسفن كالطير انبرت ... في الجو من مثنى وفرد\rحتى إذا جزر الفرا ... ت مضى وأعقبه بمد\rألفيته وكأنه ... ملقى عليه رداء ورد\rمتململاً كالصب أو ... ذن من أحبته بصد\rوكأن ما يخشاه ما ... بحشاي من قلق ووجد\rوقال يصف دجلة، وقد طرحت النجوم والبدر أجرامها عليها:\r\rولما تعالى البدر وامتد ضوؤه ... بدجلة في تشرين بالطول والعرض\rوقد قابل الماء المفضض نوره ... وبعض نجوم الليل يقفو سنى بعض\rتوهم ذو العين البصيرة أنه ... يرى باطن الأفلاك من ظاهر الأرض\rولأهل العصر في هذه المعاني: قال ابن وكيع التنيسي:\r\rخذها بكفي فاتر الجفون ... مدامة كدمعة المحزون\rعلى غدير أملس المتون ... مثل فرند الصارم المسنون\rأمواجه كعكن البطون ... ذي زردٍ كالؤلؤ الموضون\rكسلخ إيم أو كمسك نون\rوقال [أيضاً]\r\rغدير يدرج أمواهه ... هبوب الشمال ومر الصبا\rإذا الشمس من فوقه أشرقت ... توهمته جوشناً مذهبا\rوقال أيضاً:\r\rسقاني كأس الراح شاطئ جدول ... تداريجه يحكين بطنا معكنا\rإذا صافحته راحة الريح خلته ... بتكسيرها إياه ثوباً معينا\rوقال علي بن محمد الإيادي التونسي يصف دار البحر:\r\rولما استطال المجد واستولت البنى ... على النجم وامتد الرواق المروق\rبنى قبة للملك في وسط جنة ... لها منظر يزهي به الطرف موتق\rبمعشوقة الساحات أما غراسها ... فحضر وأما طيرها فهي نطق\rتحف بقصر ذي قصور كأنما ... ترى البحر في أحشائه وهو متأق\rلها بركة للماء ملء فضائه ... تخب بقطريها العيون وتعنق\rلها جدول فيها كأنه ... حسام جلاه القين بالأرض ملتصق\rلها مجلس قد قام وسط مائها ... كما قام في فيض الفرات الخورنق\rكأن صفاء الماء فيها وحسنه ... زجاج صفت أحشاؤه فهو أزرق\rإذا بث الليل أشخاص نجمه ... رأيت وجوه الماء بالنار تحرق\rوإن صافحتها الشمس لاحت كأنها ... فرند على تاج المعز رونق\rكأن شرافات المقاصير حولها ... عذارى عليهن الملاء المنطق\rيذوب الجفاء الجعد عن وجه مائها ... كما ذاب آل الصحصحان المرقرق\rوقال عبد الكريم ابن إبراهيم النهشلي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839709,"book_id":1815,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":40,"body":"يا رب فتيان صدق رحت بينهم ... والشمس كالدنف المشغوف في الأفق\rومرضة أصائلها حسرى شمائلها ... تروح الغصن الممطور في الورق\rمعاطياً شمس إبريق إذا مزجت ... تقلدت عقد مرجان من النزق\rعن ماحل طافح بالماء معتلج ... كأن نقيته صيغت من الحدق\rتضمه الريح أحياناً وتفرقه ... فالماء ما بين محبوس ومنطلق\rمن أخضر ناضر والطل يلحقه ... وأبيض تحت قبطي الضحى يقق\rتهزه الريح أحياناً فيمنحها ... للزجر خفق الفؤاد العاشق القلق\rكأن حافاته نطقن من زبد ... مناطقاً رصعت من لؤلؤ نسق\rكأن قبته في سندس نمط ... حسناء مجلوة اللبات والعنق\rإذا تبلج فجر زرقتها ... حسبته فرساً دهماء في بلق\rأو لازورداً غدا في متنه ذهب ... فلاح في شارق مت مائه شرق\rعشية كملت حسناً وأسعدها ... ليل يمدد أطناباً على الأفق\rتجلى بغرة وضاح الجبين له ... ما شئت من حسب زاك ومن خلق\rقال محمد بن مخلد الكاتب: لزمت أبا الحسن علي بن محمد بن الفران، أغدوا وأروح إلى بابه لأحظى بطائل، ولا أصل إلى تصريف ولا نائل، حتى برمت نفسي، فرأيت هاتفاً في المنام يقول لي:\r\rيا أيها المكثر في المطالب ... اهجر تصاريف المنى الكواذب\rإذا أتى وقت القضاء الغالب ... بادرت الحاجات كف الطالب\rفتركت المصير إليه، فلم يمض إلا أسبوع حتى تقلد أبو محمد حامد بن العباس الوزارة فقلدني خلافته، فتابت نفسي، وثابت حالي.\rقال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري: أنشدني إسماعيل بن إسحاق القاضي هذه الأبيات:\r\rلا تعتبن على النوائب ... فالدهر يرغم كل عاتب\rواصبر على حدثانه ... إن الأمور لها عواقب\rولكل صافية قذى ... ولكل خالصة شوائب\rوالدهر أولى ما صبر ... ت له على رنق المشارب\rكم فرحة مطوية ... لك بين أثناء النوائب\rومسرة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب\rقال القاضي: ما عرض لي هم فادح، فذكرت هذه البيات إلا رجوت من روح الله ﷿ [من الفرج] ما يفك عقالي، وينعم بالي، ثم تزول عاقبة ما أحذره إلى فاتحة ما أوثره.\rكتب بديع الزمان إلى شمس المعالي، وقد شاقه حضرته: لم تزل الآمال أطال الله بقاء مولاي الأمير السيد شمس المعالي وأدام سلطانه تعدني هذا اليوم، والأيام تمطلني بألسنة صروفها على اختلاف صنوفها، بين حلو استخفني، ومر أشرقني، وشر صار إلي، وخير صرت إليه، وأنا في خلال هذه الأحوال أرتع الآفاق، فأكون مشرقاً للمشرق الأقصى، وطوراً مغرباً للمغرب، ولا مطمع إلا في حضرته الرفيعة، وسدته المنيعة، ولا وسيلة إلا المنزع الشاسع، والأمل الواسع، وقد صرت أطال الله بقاء مولانا، بين أنياب النوائب، وتجشمت هول الموارد والمطالب، وركبت أكناف المكاره، ورضعت أخلاف العوائق، ومسحت أطراف المراحل، حتى حضرت الحضرة البهية أو كدت، وبلغت الأمنية أو زدت، وللأمير السيد في الإصغاء إلى المجد، والبسط من عنان الفضل بتمكين خادمه من المجلس يلقاه بيده، والبساط يلثمه بفمه الرأي العالي إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839710,"book_id":1815,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":41,"body":"وله إلى سهل بن محمد بن سليمان يسأله عن حاجة بعد انقطاعه عنه: أنا إذا طويت اليوم عن خدمة مولاي أطال الله بقاءه لم أرفع بصري، ولم أعده من عمري، وكأني به إذا أغفلت عن مفروض خدمته، من قصد حضرته، والمثول في جملة حاشيته، وحملة غاشيته، يقول: إن هذا الجائع لما شبع وتمشيع، وتجلل وتبرقع، تربع وترفع، فما يطور بهذا الجناب، ولا يظهر بهذا الباب، وأنا الرجل الذي آواه من قفر، وأغناه من فقر، وآمنه من خوف، إذ لا حر بوادي عوف، حتى إذا وردت رقعتي عليه هذه، وأعارها طرف كرمه، وظرف شيمه، ونظر في عنوانها في اسمي، قال: بعداً وسحقاً، وسباً وتباً، وحتاً ونحتاً، وطعناً ولعناً، فما أكدر شراب أخلاقه، وأكثر سراب نفاقه، والآن انحل من عقدته، وانتبه إلى رقدته، وكاتبني يستعيدني، كلا لا أزوجه الرضى ولا كرامة، ولا أمنحه المنى ولا قلامة، سأدعه [يركب رأسه، فستأتيني به] الليالي والكيس الخالي، ثم أزنه بميزان قدره، وأذيقه وبال أمره، حتى إذا بلغ موضع الحاجة قال: مأربة به لا حفاوة، ووطر ساقه لا نزاع شاقه، وهذا هذاء، أنا لا أبعد عن تلك الهمم العالية، والأخلاق السامية، أن يقول: مرحباً بالرقعة وكاتبها، وأهلاً بالمخاطبة وصاحبها، وحاجتي الرقعة التي سالت إلى ما التمست، بما طلبت كما اقترحت، فرأيه فيها موفقاً إن شاء الله تعالى.\rوكتب إلى مستمنح عاوده مراراً: مثل الإنسان في الإنسان مثل الأشجار في الإثمار، سبيل من أتى بالحسنة، أن يرفه إلى السنة وأنا كما ذكرت لا أملك غير عضوين من جسدي، وهما فؤادي ويدي، أما اليد فتولع بالجود، وأما الفؤاد فيعلق بالوفود، ولكن هذا الخلق النفيس لا يساعده الكيس، ولا قرابة بين الأدب والذهب، فلم جمعت بينهما [في النسب] ؟ والأدب لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة، ولي مع الأدب نادرة، قد جهدت بالطباخ، أن يطبخ [لي] جيمية الشماخ، لوناً فلم يفعل، وبالقصاب أن يسمع أدب الكتاب فلم يقبل، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت ألفي ومئتي بيت من شعر الكميت، فلم تغن، ولو وقعت أرجوزة العجاج، في توابل السكباج، لم تنفع، وأنت لا تقنع، فما أصنع، فإن كنت تحسب اختلافك إلي، إفضالاً منك علي، فراحتي ألا تطرق ساحتي، وفرجي ألا تجي، والسلام.\rومن شعره قوله:\r\rوأروع أهداه لي الليل والفلا ... وحمش تمس الأرض لكن كلا ولا\rعرضت على نار المكارم عوده ... فكان معماً في السوابق مخولا\rوخادعته عن ماله فخدعته ... وساهلته في بره فتسهلا\rولما تخالينا وأحمد منطقي ... بلاني في نظم القريض بما بلا\rفما هز إلا صارماً حين هزني ... ولم يلقني إلا إلى السبق أولا\rفلم أره إلا أغر محجباً ... وما تحته إلا أغر محجلا\rوله أيضاً:\r\rلعمر الذي ألقى إلي ثيابه ... لقد ملئت تلك الثياب به مجدا\rوقد قمرته راحة الجود بزة ... وما ضربت قدحاً ولا نصبت نردا\rأعد نظراً يا من بناني بنانه ... ولا تدع الأيام تهدمني هدا\rوقل للألى إن أسفروا أسفروا ضحى ... وإن طلعوا في غمة طلعوا وردا\rصلوا رحم العليا وبلوا لهاتها ... وخير الندى ما سح وابله نقدا\rوله يصف خاتماً:\r\rوممنطق من نفسه ... بقلادة الجوزاء حسنا\rمتألف من غير أسر ... ته على الأيام خدنا\rكمتيم لقي الحبي ... سب فضمه شغفاً وحزنا\rعلق سني قدره ... لكن من أهداه أسنى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839711,"book_id":1815,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":42,"body":"قال وهب بن ناجية الرصافي: كنت أحد من وقعت عليه التهمة في مال مر أيام الواثق، فطلبني السلطان طلباً شديداً، حتى ضاقت علي الرصافة وغيرها فخرجت أريد البادية مرتاداً رجلاً عزيز الجار، منيع الدار، أعوذ به، وأنزل عليه، حتى انتهيت إلى بني شيبان، فدفعت إلى بيت مضروب، وبفنائه فرس مربوط، ورمح مركوز، فدنوت وسلمت، فرد علي نساء من وراء السجف، ثم قالت إحداهن: اطمئن يا حضري، نعم مناخ الضيفان بوأك القدر، ومهدك الصبر، قلت: وأنى يطمئن المطلوب، أو يأمن المرعوب [من] دون أن يأوي إلى جبل يعصمه أو مفزع يمنعه، وقليلاً ما يهجع من السلطان طالبه، والخوف غالبه، قالت: لقد ترجم لسانك عن ذنب كبير، وقلب صغير، وأيم الله لقد حللت بفناء بيت لا يضام فيه أحد، ولا تجوع فيه كبد، هذا الأسود بن قنان، أخواله كعب، وأعمامه شيبان، صعلوك الحي في ماله، وسيدهم في فعاله، له صدق الجوار، وطلب الثأر، ووقود النار، لا ينازع ولا يقارع، وبهذا وصفته أمامة بنت سعد حيث تقول:\r\rإذا شئت أن تلقى فتى لو وزنته ... بكل معدي وكل يمان\rوفى بهما جوداً وبأساً وسؤدداً ... ورأياً فهذا الأسود بن قنان\rأعز ابن أنثى من معد ويعرب ... وأكرمهم فعلاً بكل مكان\rفتى لا ترى في ساحة الأرض مثله ... ليوم نزال أو ليوم طعان\rقلت: لقد أذهبت اللوعة، وسكنت الروعة، فمن لي به، قالت: يا جارية مولاك، فلم تلبث أن عادت وهو معها في جماعة من قومه، فقال: أي المنعمين علينا أنت؟ فسبقت المرأة وقالت: يا أبا المرهف هذا الرجل نبت [به] أوطانه، وأزعجه زمانه، وأوحشه سلطانه، وقد ضمنا له عنك، ما يضمن لمثله عن مثلك، فقال: بل الله فاك، أشهدكم يا بني أبي أن هذا الرجل في جواري وذمتي، فمن أراده فقد أرادني، ومن كاده فقد كادني، ثم أمر ببيت، فضرب إلى جانبه، وقال: هذا بيتك، وهذا مالك، وأنا جارك، وهؤلاء رجالك، فلم أزل بينهم في أعز دار، وأحسن جوار، إلى أن سرت عنهم.\rومدح ألأعرابي قوماً فقال: أدبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذي قطع الناس به مسافة آجالهم، فدلت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال وابتاعوا المحامد بالمال.\rوقصد أعرابي من بني كلاب رجلاً منهم، يكنى أبا معاذ، فسئل عنه بعد انصرافه فقال: لقد رأيت أبا معاذ خير ملاذ، ولذت منه بأكرم معاذ، وأحمدت بلقائه عاقبة الإغذاذ.\rومن ألفاظ أهل العصر في المدح: فلان مسترضع ثدي المجد، مفترش حجر الفضل، له فضل يشير إليه النجم الثاقب، وتحفظ طرفيه المناقب، له صدر تضيق عنه الدهناء، وتفزع إليه الدهماء، له في كل مكرمة غرة الإيضاح والأوضاح، وفي كل فضيلة قادمة الجناح، له صورة تستنطق الأفواه بالتسبيح، وغرة يترقرق منها ماء الكرم الصريح، وتقرأ منها صحيفة حسن الشيم، يحيي القلوب بلقائه، قبل أن يميت الفقر بعطائه، له خلق لو مزج به [ماء] البحر لنقى ملوحته، وكفى كدورته، وهو غذاء الحياة، ونسيم العيس، ومادة الفضل، وآراؤه سكاكين في مفاصل الخطوب، له همة تعزل السماك الأعزل، وتجر ذيلها على المجرة، وهو راجح في موازين العدل، سابق في ميادين الفضل، يفترع أبكار المكارم، ويرفع منار المحاسن، ينابيع الجود تنفجر من أنامله، وربيع السماح يضحك عن فواضله، هو بيت القصيدة، وأول الجريدة، وعين الكتيبة، وواسطة القلادة، وإنسان الحدقة، ودرة التاج، ونقش الفص، وهو ملح الأرض، ودرع الملة، ولسان الشريعة، وحصن الأمة، هو غرة الزمان، وناظر الإنسان، أخلاق خلقن من الفضل، وشيم تشام بها، بوارق المجد، أرخ الرجال بفضله وعقم النساء عن مثله. البذل منه معتاد، والفضل منه مبدأ ومعاد، ماله للعفاة مباح، وفعاله في ظلمة الدهر مصباح، كأن قلبه عين، وكأن حسه سمع، جوهره من جواهر الشرف، لا من جواهر الصدف، وياقوته من يواقيت الأحرار، لا من يواقيت الأحجار.\rولهم في نقيض ذلك:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839712,"book_id":1815,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":43,"body":"فلان عصارة لؤم في قرارة خبث، ألأم مهجة من أسقط جثة، قد ارتضع بلبان اللؤم، وربي في حجر الشر، وفطم عن ثدي الخير، ونشأ في عرصة الخبث، فوته غنيمة، والظفر به هزيمة، صغير القدر، ضيق الصدر، لا أمس ليومه ولا قديم لقومه، وجهه كهول المطلع، وزوال النعمة، وقضاء السوء، وموت الفجاءة، وجه كقفا الصك، وظلم الشك، ما هو إلا قذى العين، وأذى القلب، وشجى الصدر، وحمى الروح، ريح صيف، وطارق ضيف، يغمض عن الذكر، ويضعف عن الفكر، أقل من تبنة في لبنة، ومن قلامة في قمامة، هو من الطاووس رجله، ومن الورد شوكه، ومن الماء زبده، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها، ومن الدينار صفرته، ومن السحاب ظلمته، ومن الأسد نكهته، هو تمثال الجهل، وصورة اللؤم، ومقر البخل، حسبانه أغاليط وفعاله تخاليط، سكيت الحلبة وساقة الكتيبة، وآخر الجريدة، لسانه مقراض الأعراض، هو عيبة العيوب، وذنوب الذنوب.\rوقال كشاجم:\r\rصاحب لي ليس فيه ... في الذي أشكر خله\rوحش وجهاً ومخبوراً ... وتفصيلاً وجمله\rكل من جاراه في مض ... مار لؤم جاء قبله\rلابس كبراًَ على ما ... فيه من غدر ومله\rومريد من أباه ... ومهين من أجله\rفهو كالدينار لا يكر ... م إلا من أذله\rقال أحمد بن علي النوفلي: أنشدني أحمد بن أبي طاهر لمحمد بن وهيب الحميري يمدح المعتصم بن رشيد:\r\rثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر\rفالشمس تحكيه في الإشراق طالعة ... إذا تقطع عن إدراكها النظر\rوالبدر يحكيه في الظلماء منبلجاً ... إذا استنارت لياليه به الغرر\rتحكي أفاعيله في كل نائبة ... الغيث والليث والصمصامة الذكر\rفالغيث يحكي ندى كفيه منهمراً ... إذا استهل بصوب الديمة المطر\rوربما صال أحياناً على حنق ... شبيه صولته الضرغامة الهصر\rوالهندواني يحكي عن عزائمه ... صريمة الرأي منه النقض والمرر\rوكلها مشبة شيئاً على حدة ... وقد تخالف فيها العقل والصور\rوأنت جامع ما فيهن من حسن ... فقد تكامل فيك النفع والضرر\rفالخلق جسم له رأس يدبره ... وأنت جارحتاه السمع والبصر\rثم قال: ألا أنشدك ما هو أخصر وأيسر في المعنى والوزن والقافية، قلت: بلى، فأنشدني لنفسه، يمدح أبا القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب:\r\rإذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر\rوإن أضاءت لنا أنوار غرته ... تضاءل الأنوران: الشمس والقمر\rوإن أمضى رأيه أو حد عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر\rمن لم يبت حذراً من خوف سطوته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والخطر\rكأنه الدهر في نعمى وفي نقم ... إذا تعاقب منه النفع والضرر\rكأنه وزمام الدهر في يده ... يرى العواقب ما يأتي وما يذر\rومن قول ابن وهيب: \"ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم.. \" أخذ أبو القاسم [محمد] بن هانئ قوله يمدح جعفر بن علي:\r\rالمدنفان في البرية كلها ... جسمي وطرف بابلي أحور\rوالمشرقات النيرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير وجعفر\rوبيت ابن هانئ الأول من قول ابن الرومي:\r\rيا عليلاً جعل العل ... لة مفتاحاً لسقمي\rشهدت وجنتك الحم ... راء أن الرغم رغمي\rليس في الأرض عليل ... غير جفنيك وجسمي\rلك سقم في جفون ... سقمها أكذب سقم\r[و] قال بعض الرواة: أنشدت أعرابياً قول جرير بن عطية الخطفي:\r\rأبدل الليل لا تسري كواكبه ... أم طال حتى حسبت النجم حيرانا\rفقال: هذا حسن في معناه، وأعوذ بالله من مثله، ولكني أنشدك في ضده من قولي، فأنشدني قوله:\r\rوليل لم يقصره رقاد ... وقصر طوله وصل الحبيب\rنعيم الحب أورق فيه حتى ... تناولنا جناه من قريب\rبمجلس لذة لم نقو فيه ... على شكوى ولا عد الذنوب\rبخلنا أن نقطعه بلفظ ... فترجمت العيون عن القلوب\rقلت: زدني فما رأيت أظرف منك شعراً، فقال: أما من هذا فحسبك، ولكني أنشدك من غيره، فأنشدني:\r\rوكنت إذا علقت حبال قوم ... صحبتهم وشيمتي الوفاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839713,"book_id":1815,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":44,"body":"فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا\rأشاء سوى مشيئتهم فآتي ... مشيئتهم وأترك ما أشاء\rومن أقصر ما قيل في الليل قول إبراهيم بن العباس:\r\rوليلة من الليالي الغر ... قابلت فيها بدرها ببدري\rلم تك غير شفقِ وفجر ... حتى تقضت وهي بكر الدهر\rوقال بعض أهل العصر، وهو أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي:\r\rيا رب ليل سرور خلته قصراً ... كعارض البرق في أفق الدجى برقا\rقد كاد يعثر أولاه بآخره ... وكاد يسبق منه فجره الشفقا\rكأنما طرفاه طرف اتفق ال? ... جفنان منه على الإطراق وافترقا\rومن أطول ما قيل في الليل قول ابن الرومي:\r\rرب ليل كأنه دهر طولاً ... قد تناهى فليس فيه مزيد\rذي نجوم كأنهن نجوم الش? ... يب ليست تزول لكن تزيد\rومن أجود ما وصف به الليل في الطول والقصر قول سيدوك الواسطي:\r\rعهدي بنا ورداء الوصل يجمعنا ... والليل أطوله كاللمح بالبصر\rفالآن ليلي مذ غابوا فديتهم ... ليل الضرير فصبحي غير منتظر\rومن ألفاظ أهل العصر في وصف ليالي الأنس: ليلة من حسنات الدهر، هواؤها صحيح، ونسيمها عليل، ليلة كبرد الشباب، فضية الأديم، مسكية النسيم، ليلة هي لمعة الدهر، وغرة العمر، كالمسك منظراً ومخبراً، ليلة هي باكورة العمر وبكر الدهر، ظلماتها أنوار، وطوال أوقاتها قصار وقال الصنوبري:\r\rوليلة كالرفرف المعلم ... محفوفة الظلماء بالأنجم\rتعلق الفجر بأرجائها ... تعلق الشقر بالأدهم\rجمعت فيها بين خمرين من ... خمر العناقيد وخمر الفم\rتناول الجام يدي من يد ... موشية الراحة والمعصم\rشبهت ذوب الراح في جامها ... كذوب دينار على درهم\rوقال [أيضاً] :\r\rقم فاسقني والظلام منهزم ... والصبح باد كأنه علم\rوالطير قد طربت فأفصحت الأ ... لحان طراً وكلها عجم\rوميلت رأسها الثريا لإسرا ... ر إلى الغرب وهي تحتشم\rفي الشرق كأس وفي مغاربها ... قرط وفي أواسط السما قدم\rومن أجمع ما قيل في وصف الثريا وأحسنه قول الحاتمي، وطرف:\r\rوليل أقمنا فيه نعمل كأسنا ... إلى أن بدا للصبح في الليل عسكر\rونجم الثريا في السماء كأنه ... على حلة زرقاء جيب مدنر\rومن أبدع ما جاء في وصف النجوم وذكر الليل مع حسن تصرف وقلة تكلف، قول علي بن محمد العلوي:\r\rمتى أرتجي يوماً شفاءً من الضنى ... إذا كان جانيه علي طبيبي\rولي عائدات ضفتهن فجئن في ... لباس سواد في الظلام قشيب\rنجوم أراعي طول ليلي بروجها ... وهن لبعد السير ذات لغوب\rخوافق في جنح الظلام كأنها ... قلوب معناة بطول وجيب\rترى حوتها في الشرق ذات سباحة ... وعقربها في الغرب ذات دبيب\rإذا ما هوى الإكليل منها حسبته ... تهدل غصن في الرياض رطيب\rكأن الذي حول المجرة أوردت ... لتكرع في ماء هناك صبيب\rكأن رسول الصبح يخلط في الدجى ... شجاعة مقدام بجبن هيوب\rكأن اخضرار الفجر صرح ممرد ... وفيه لآل لم تشن بثقوب\rكأن سواد الليل في ضوء صبحه ... سواد شباب في بياض مشيب\rكأن نذير الشمس يحكي ببشره ... علي بن داود أخي ونسيبي\rولولا اتقائي عتبة قلت: سيدي ... ولكن يراها من أجل ذنوبي\rجواد بما تحوي يداه مهذب ... أريب غدا خلا لكل أريب\rنسيب إخاء وهو غير مناسب ... قريب صفاء وهو غير قريب\rونسبة أجسام الأقارب وحشة ... إذا لم يؤنسها انتساب قلوب\rوقد أنشدها الصولي لمحمد بن أحمد الأصبهاني في علي بن داؤد بن الجعد، ولما سمع أبو بكر بن دريد خروجه، قال: \"والله ما سمعت مثل هذا الخروج قط\"، وإنما أخذه من قول مسلم بن الوليد في يحيى بن خالد وجعفر ابنه:\r\rأجدّك ما تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر\rنصبت لها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر\rوالشيء يذكر بما يدانيه في جهة معانيه.\rقال كشاجم يذكر سواد الشعر وبياض الفرق:\r\rرنت فأصابت سر قلبي بلحظة ... لها في الحشا لذع وليس لها جرح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839714,"book_id":1815,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":45,"body":"وقد حسرت عن واضح الفرق فاحم ... كخطي ظلام خط بينهما صبح\rوقد ملح بعض أهل العصر، وهو أبو محمد بن مطران، في وصف تمام الشعر، مع ما أضاف إليه من حسن المشي، وملاحة النظر بقوله:\r\rظباء أعارتها المها حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجآذر\rفمن حسن ذاك المشي جاءت فقبلت ... مواطئ من أقدامهن الضفائر\rومن ألفاظ أهل العصر في وصف الليل والنجوم وما يقارب ذلك ويتعلق به: ليلة قص جناحها، وضل صباحها، ليال ليست لها أسحار، وظلمات لا تتخللها أنوار، ليل اكتحل بمراود الرق، وتقلب على مراقد القلق، النجوم شهود سهوده. طرف برعي النجوم مطروف، وفراش بشعار الهم محفوف، كأنه على النجوم رقيب، وللظلام نقيب، توقد الشفق في ثوب الغسق، تفتحت أزاهير النجوم، ونورت حدائق الجو، فأذكى الفلك مصابيحه، وطفت النجوم في بحر الدجى، ليلة كغراب الشباب، وحدق الحسان، وذوائب العذارى.\rليلة كأنها في لباس بني العباس، ليلة قد حلك إهابها، كأن الفجر يهابها، هرم الليل، وشمطت ذوائبه، تقوس ظهره وتصرم عمره. باح الصباح بسره، وخلع الليل ثيابه. وحدر الصبح نقابه. ولت مواكب الكواكب، وتناثرت عقود النجوم. ووهى نطاق الجوزاء. وانطفأ قنديل الثريا.\rقال بعض الرواة: خرجت في بعض أسفاري، فوردت على ماء من مياه طيئ، وقد انتجعه قوم حلول بجنباته، فبينا أنا أدور به، إذا بامرأة ورجل، قد تخليا، فعلمت أنهما في عتاب، فوقفت عليهما، وسلمت، فردا علي السلام، وأمسكا عن حديثهما، فقلت: خذا في شأنكما فإني رجل ذو علاقة، ولعل بعض ما يمر يصادف بعض ما أجد، فيسلي قليلاً، فقال لها: بالله أنشديه بعض ما تفاوضنا في يومنا، فأنشدتني:\r\rإذا قربت داري كلفت وإن نأت ... أسفت فلا للقرب أسلى ولا البعد\rوإن وعدت زاد الهوى بانتظارها ... وإن بخلت بالوعد مت من الوجد\rففي كل حب لا محالة فرجة ... وحبك ما فيه سوى محكم الجهد\rفقلت: أحسن والله ما شاء، فهل أجبت عن قوله، قالت: نعم [والله] وأنشدت:\r\rإذا كان لا يسليك عمن تحبه ... فراق ولا يشفيك طول تلاق\rفهل أنت إلا مستعير حشاشة ... لمهجة صب آذنت بفراق\rفقلت: أسعدكما لله بالألفة، وأمتعكما بالمحبة، وحباكما بجميل الصحبة وانصرفت.\rقال الأصمعي: دخلت على الرشيد وعنده جماعة يتذاكرون رقيق الشعر، فأحسن مجلسي، ثم قال: يا أصمعي ما ترى في شعر فتى من أهل بغداد، يزعم الناس أنه من أرق شعرائنا شعراً، وهو الذي يقول:\r\rتاهت علينا لأن تمت محاسنها ... خود تكلم في أعطافها الفتن\rهمت بإيناسنا حتى إذا نظرت ... إلى المراة نهاها وجهها الحسن\rما كان هذا جزائي من محاسنها ... أغرت بي السوق حتى شفني الشجن\rفقلت: يا أمير المؤمنين، إنه شاعر فطن، أراد معنى فأصابه، ولقد أنشدني ابن الخياط أبياتاً استحسنتها في الغزل، وهي:\r\rيا خود أسهرني ذكرى خيالكم ... بعد الهدوء فأشجاني وما طرقا\rوحارب الشوق ماء العين فانهزمت ... عساكر الدمع حتى حلت الحدقا\rفالدمع مستوفز مني على وجل ... إذا تهب له ريح الهوى استبقا\rكسوت قلبي من الأحزان أجنحة ... فإن دعاه هواكم دعوة خفقا\rقال [الرشيد] : أحسن، فما فعل؟ قلت: هو حي، فأمر له بعشرة آلاف درهم، والأول للعباس بن الأحنف.\rوقال علي بن يحيى المنجم:\r\rومن طاعتي إياه يمطر ناظري ... إذا هو أبدى من ثناياه لي برقا\rكأن جفوني تبصر الوصل هارباً ... فمن أجل ذا تجري لتدركه سبقا\rقال محمد بن أنس للقاسم بن صبيح، وما زلنا في سمر نصول فصوله بتشوقك، فيذهب ذكرك ملل السامر، ونعسة الساهر، فقال القاسم: مثلك من ذكر وليه فأطراه، واعتذر إليه فأرضاه، ولو آذنتموني لكنت كأحدكم مسروراً بما به سررتم، مفيضاً فيما أنتم أفضتم.\rوذم رجل رجلاً فقال: دعواته ولائم، وأقداحه محاجم، وكؤوسه محابر، ونوادره بوادر.\r\rفقر للنبيذيين\rما جشمت الدنيا بأظرف من النبيذ. الراح ترياق سم الهم. بيد الكاس تعرك أذن الوسواس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839715,"book_id":1815,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":46,"body":"[قال] المأمون: النبيذ ستر فانظر مع من تهتكه، اشربه ما استبشعته، فإذا استطبته فدعه، التبذل فيه ظرف، والوقاؤ عليه سخف، ما للعقار والوقار، حد السكر أن تغرب الهموم، ويظهر السر المكتوم.\rوقال الحسن بن وهب لرجل، ورآه يعبس عند الشرب: ما أنصفتها هي تضحك في وجهك، وأنت تعبس في وجهها.\rولأهل العصر: الدنيا معشوقة ريقتها الراح. الخمر عروس مهرها العقل. لكل شيء سؤ وسر الراح السرور، لا يطيب المدام الصافي إلا مع النديم المصافي. مجلس راحه ياقوت، ونوره در، ونارنجه ذهب، ونرجسه دينار ودرهم، يحملهما زبرجد.\rعندنا أترج كأنه من خلقك خلق، ومن شمائلك سرق، ونارنج ككرات من سفن ذهبت، أو ثدي أبكار خلقت. مجلس أخذت فيه الأوتار تتجاوب، والأقداح تتناوب. أعلام الأنس خافقة، وألسن الملاهي ناطقة. نحن بين بدور، وكاسات تدور. وبرق راح، وشموس أقداح. مجلس تفتحت فيه عيون النرجس، وفاحت مجامر الأترج، وفتقت فارات النارنج، ونطقت ألسن العيدان، قامت خطباء الأوتار، وهبت رياح الأفراح، دارت رحى الأقداح، وطلعت كواكب الندمان، وامتدت سماء الند، قد فض اللهو ختامه، ونشر الأنس أعلامه، قد هبت للأنس ريح، برقها الراح، وسحابها الأقداح، ورعودها الأوتار، ورياضها الأقمار قد فرغنا للهو، والدهر عنا في شغل.\rحل هذا من منظوم أنشده بديع الزمان، ولم يسم قائله هو:\r\rكم جوى مثله رسم مثل ... ودم قد طل أثناء طلل\rولآل كلل الخدد بها ... لعب البين بربات الكلل\rحبذا عيش الليالي باللوى ... لو تجافى الدهر عنا وغفل\rإذا فرغنا فيه للهو وقد ... باتت الأقدار عنا في شغل\rوأدرنا لهباً في ذهب ... كلما أخمد بالنار اشتعل\rقد اقتعدنا غارب الأنس، وجرينا في ميدان اللهو، مدامة تورد ريح الورد، وتحكي نار إبراهيم في اللون والبرد.\rلست أدري أشقيق؟ أم عقيق؟ أم رحيق؟ أم حريق. راح كالنار والنور، أصفى من البلور، [أرق] من دمع المهجور، روح من النور، جسمها الكأس، كأنها شمس، في غلالة من شراب، مزج نار الراح بنور الماء، راح كأنها معصورة من وجنة الشمس، في كأس مخروطة من فلقة البدر. كأسيها ملء اليد، وريحها ملء البلد.\rوالشعر في هذا الباب أكثر م أن يكثر به الكتاب، ولكني سأنشدك يسيراً وأترك كثيراً.\rقال [أبو الفتح] البستي:\r\rعجبت للخمر تروي حر غلتنا ... وطبعها وكذاك الفعل ناري\rفقم وأرو بنار الخمر غلتنا ... فما لدينا إذا لم ترونا ري\r[وقال] الأمير تميم [بن المعز] ، وأجاد:\r\rأدر فلك المدام وخل عتبي ... وونك فاسقنيها واسق صحبي\rفقد نضج النسيم بماء ورد ... ومد على الهواء رداء سكب\rوساق يملأ العينين حسناً ... رخيم دله يصبو ويصبي\rشقائق خده باللثم نسبي ... ولحظ جفونه بالغنج يسبي\rله نبت على الخدين غض ... يصففه فيتلف كل لب\rتبارك من براه بلا شبيه ... وسلطه على قتل المحب\rوقال ويدخل في باب الروض:\r\rخليلي قد ولى الظلام وهملجا ... وقد كاد وجه الصبح أن يتبلجا\rفقوما إلى ساقيكما فاهتفا به ... ولا تفتحا باباً من الهم مرتجا\rعلى نرجس غض يلاحظ سوسناً ... وآس ربيعي يناغي بنفسجا\rوقاذفة بالماء في وسط جنة ... قد التحفت وحفاً من الظل سجسجا\rإذا انبعثت بالماء سلته منصلاً ... وعاد عليها ذلك النصل هودجا\rتحاول إدراك النجوم بقذفه ... كأن لها قلباً على الجو محرجا\rلدى روضة جاد السحاب ربوعها ... فزخرفها بين الرياض ودبجا\rكأن غصون الأقحوان زمرد ... تعمم بالكافور ثم تتوجا\rونوار نسرين كأن نسيمه ... من المسك في جو السما تأرجا\rودعاني وندماني وكأسي ومزهري ... فحسبي والمعشوق ربعاً ومبهجا\rكأن ثراه كلما صافح الندى ... وهز نسيم الريح ألوية الدجى\rبقايا الغوالي في صدور نواهد ... ينازلن باللحظ الكمي المدججا\rولا تحملا هم الزمان فإنه ... إذا اشتد ضيق الحادثات تفرجا\r[وقال] ابن وكيع:\r\rحملت كفه إلى شفتيه ... كأسه والظلام مرخى الإزار\rفالتقى لؤلؤاً حباب وثغر ... وعقيقان من فم وعقار\rوقال أيضاً:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839716,"book_id":1815,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":47,"body":"غرد الطير فأنبه من نعس ... وأدر كأسك فالعيش خلس\rسل سيف الفجر من غمد الدجى ... وتعرى الصبح من غمد الغلس\rوانجلى عن حلل فضية ... ما بها من ظلمة الليل دنس\rفاسقني من قهوة مسكية ... في رياض عنبريات النفس\rوصل كتابك مشحوناً بلطيف برك، موشحاً بغامر فضلك، ناطقاً بصحة عهدك، صادقاً عن خلوص ودك، وفهمته، وشكرت الله جل اسمه على سلامتك، شكر المخصوص بها، العارف بقدرها، واستدمته عافيتك استدامة اللابس لها، المشارك فيها، فأما ما بالغت فيه من الاعتداد بي، وتناهيت فيه من التقريظ لي، فما زدت على أن أعرتني خلالك، ونحلتني خصالك، لأنك بالفضائل أولى، وهي بك أحرى، ولو كنت في نفسي ممن يشتمل على وصفه حدي إذا حددت، أو يحيط بكماله وصفي إذا وصفت، لشرعت في بلوغها والقرب منها، لكن المادح يستنفد وسعه وقد بخسك، ويستغرق طوقه، وقد نقصك، ف~أبلع ما يأتي به المثنى عليك، ويتوصل إليه المطري لك، الوقوف عند منتهاه، والإقرار بالعجز عن غايته ومداه.\rوهذا كقول البديع في جواب كتاب إلى عدنان بن محمد رئيس هراة: ورد كتاب الرئيس مولاي، فأتت النعم تترى إلي، ومثلت [لدي و] بين يدي، [و] وجدت سيدي قد أخذ مكارم نفسه، فجعلها قلادة غرسه، وتتبع المحاسن من عنده فكساها لعبده، وما اشبه رائع حليه في نحر وليه، بالغرة اللائحة على الدهمة الكالحة، ولا آخذ الله سيدي بوصف نزعه من غرضه فزرعه في غير أرضه، ونعت أخذه من خلقه وخلقه، فأهداه إلى غير مستحقه، وفضل استفاده من فرعه وأصله، فأوصله إلى غير أهله.\rذكر حديث الشوق إلي، ولو كان الأمر بالزيارة حتماً، والإذن أطلق جزماً، لكان آخر نظري في الكتاب، وأول نظري إلى الركاب، ولاستعنت على كلف السير أجنحة الطير، لكنه أدام الله عزه صرفني بين يد سريعة الأخذ، ورجل وشيكة النبذ، واراني زاهداً في ابتغاء، كحسو في ارتغاء، ونزاعاً في نزوع، كذهاب في رجوع، ورغبة في، كرغبة عني، وكلاماً في الغلاف، كالضرب تحت اللحاف، فلم أصرح بالإجابة وقد عرض بالدعاء، ولم أعلن بالزيارة وقد أسر بالنداء، ولو جاهرني بفم المناجاة، ولم يدعني بلسان المحاجاة، لكنت أسرع من الكرم إلى طرفيه، وفكرت في مراده، فوجدت الكرم يشب ناره، والفضل يدرك ثأره، وإذا كان الأمر كذلك فما أولاه، بترفيه مولاه، عن زفرة صاعدة، بسفرة قاعدة.\rأخذ هذا القول من قول ابن الرومي لابن ثوابة، وقد ندبه إلى السفر إليه ليصله:\r\rأما حق حامي عرض مثلك أن يرى ... له الرفد والترفيه أوجب واجب\rأقمت لكي تزداد نعماك نعمة ... وتغنى بوجه ناضر غير شاحب\rوليس عجيباً أن ينوب تكرم ... غذيت به عن آمل لك غائب\rذمامي يرعى لا ذمام سفينة ... وحقي لا حق القلاص النجائب\rفصل لأبي بكر الخوارزمي\rأنا مشتاق مولاي شوقاً، لو قسم على قلوب العالمين لملأها صبوة، ولم يدع فيها سلوة، وما أشكر نفسي على أن تشتاق إلى من لا ترى له عديلا، ولا تجد إلى السلو عنه بديلا، وإن طرفي بطرفه معقود، وإن باب نسيانه وتناسيه علي مسدود، وإني إذا صدرت كتابي إليه بالسلامة، مع أن قلبي غير سليم من اللم، ولا صحيح من السقم، فإنما أريد بذلك التفاؤل بالكتاب، واتباع رسوم الكتاب. فلئن بلغني إطنابه في ذكري، وتفضيله غياي على أهل عصري، وهذا سلف أسلفنيه، وأنا بمعونة الله أؤديه، وما أزن نفسي بالميزان الذي [به يزنني ولا أزينها بالفضل] الذي يزينني، فإن كان كما قال، فالفضل منه درج إلي، وخرج من الكمين علي، فإني عاشرته فأعداني فضلاً، وهذبني قولاً وفعلاً، وأنا في ذلك جنيبته إن رضيني جنيبة، وخليفته إن قبلني خليفة، ولقد أعرب [في] ذلك الحر، وخالف طريقة غيره من أهل الدهر، ولقد شهد له فعله أنه كريم، ومن اللوم واللؤم سليم، على قضية أبي تمام الطائي إذا يقول:\r\rوإن أولى البرايا أن تواسيه ... عند السرور الذي واساك في الحزن\rإن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كانوا يألفهم في المنزل الخشن\rوشهادة أبي تمام في الكرم، تقوم [مقام] شهادة أمة من الأمم، ولئن كان خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين عند الأنبياء والحكام، إن أبا تمام لذو الشهادتين عند الأحرار والكرام.\rوله إلى أبي سعيد أحمد بن شبيب:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839717,"book_id":1815,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":48,"body":"ورد كتاب صاحب الجيش، بيد خلقت للسيف والقلم، بل خلقت للنعم والنقم، بل خلقت لجميع أدوات العرب والعجم، فرويته لما رأيته، وحفظته لما لحظته، ولو أنصفته لأتعبت فكري في معانيه، وارتعت نظري في مقاطعه ومباديه، وتفكرت في رتبة الكتاب في الكتب، ورتبة صاحب الجيش في الرتب، فأنشدت:\r\rولما رأيت الناس دون محله ... تيقنت أن الدهر للناس ناقد\rبل لو أنصف هذا الكتاب لما فزعت منه إلى الجواب عنه، لكن بعض الأجوبة خدمة، كما أن بعض الابتداءات نعمة.\rومن ألفاظ أهل العصر في ذكر الكتب: كتاب كتب لي أماناً من الدهر، وهنأني أيام العمر. كتاب أوجب من الاعتداد أوفر الأعداد، وأودع بياض الوداد سواد الفؤاد.\rكتاب عددته من حجول العمر وغرره، واعتدته من فرص العيش وغرره. كتاب هو أنفس طالع، وأكرم متطلع، وأحسن واقع، وأجل متوقع. كتاب كدت أبليه نشراً وطيا، وقبلته ألفاً، ويد حامله عشراً. كتاب نسيت بحسنه الروض والزهر، وغفرت للزمان ما تقدم من ذنبه ما تأخر. كتاب هو علة المسافر، وأنسة المستوحش، وزبدة الوصال، وعقلة المستوفز. كتاب هو رقية القلب السليم، وغرة العيش البهيم. كتاب هو سمر بلا سهر، وصفو بلا كدر. كتاب تمتعت منه بالنعيم الأبيض، والعيش الأخضر، واستلمته استلام الحجر الأسود. نشأت سحابة من لفظك، غيمها نعمة سابغة، وغيثها حكمة بالغة، سقت روضة القلب، وقد جهدتها يد الجدب، فاهتزت وربت، واكتست ما اكتست. كتاب ألصقته بالكبد، وشممته شم الولد. كتاب ورد منه المسك ذكياً، والزهر جنياً والماء مرياً، والعيش هنياً، والسحر بابلياً. كتاب مطلعه مطلع أهلة الأعياد، وموقعه موقع نيل المراد.\rخرج أبو نواس مع بعض إخوانه إلى المدائن، فدخلوا إيوان كسرى، فوجدوا فيه آثار شرب، فقالوا [له] : يا أبا علي لقد طاب عيش قوم نزلوا هذا الموضع، فلو فعلنا كفعلهم لمرت لنا حال حسنة، فقال: ذاك لكم، فأحضروا ما يحتاجون إليه، وجلسوا يشربون، ولذ لهم المقام، فأقاموا خمسة أيام، فلما انصرفوا قالوا له: قد أسعفتنا بمؤانستك، وأمتعتنا بمجالستك، فلو وصفت ما جرى لنا في أبيات [من الشعر] تخلد على الدهر، لكمل أمرنا، وفضل دهرنا، فقال:\r\rودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم: جديد ودارس\rمساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان: جني ويابس\rولم أدر من هم غير ما شهدت به ... بشرقي ساباط الديار البسابس\rحسبت بها صحبي فجمعت شملهم ... وإني على أمثال تلك لحابس\rأقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً ... ويوم له يوم الترحل خامس\rتدار علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس\rقرارتها كسرى، وفي جنباتها ... مهاً تدريها بالقسي الفوارس\rفللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس\rوهذا ما اخترعه أبو نواس.\rقال الجاحظ: وجدنا لمعاني تقلب، ويؤخذ بعضها من بعض، إلا هذا المعنى، فإن الحسن ابتدعه.\r[ومثله قول] عنترة يصف روضة:\r\rوخلا الذباب بها فليس ببارح ... غرداً كفعل الشارب المترنم\rهزجاً يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم\rوقال أبو نواس:\r\rبنينا على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجوم\rفلو رد في كسرى بن ساسان روحه ... إذاً لاصطفاني دون كل كريم\r[و] أخذه أبو العباس الناشئ فقال:\r\rومدامة لا يبتغي من ربه ... أحد حباه بها لديه مزيدا\rفي كأسها صور تظن لحسنها ... عرباً برزن من الحجال وغيدا\rإذا المزاج أثارها فتقسمت ... ذهباً ودراً توأماً وفريدا\rفكأنهن لبسن ذاك مجاسداً ... وجعلن ذا لنحورهن عقودا\rوقال ابن المعتز:\r\r[وليل فاختي اللون مرخ ... عزاليه بطل وانهمال]\rوساق يجعل المنديل منه ... مكان حمائل السيف الطوال\rغلالة خده صبغت بورد ... ونون الصدغ معجمة بخال\rأتى والصبح تحت الليل باد ... كطرف أبلق مرخي الجلال\rبكأس من زجاج فيه أسد ... فرائسهن ألباب الرجال\rومن ظريف ما وصف الكاسات قول القاضي أبي القاسم التنوخي:\r\rوراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نهار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839718,"book_id":1815,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":49,"body":"هواء لكنه جامد ... وماء ولكنه غير جار\rإذا ما تأملتها وهي فيه ... تأملت نوراً محيطاً بنار\rوما كان الحق أن يقرنا ... لفرط التنافي وطول النفار\rولكن تجاور شكلاهما البسيطان فاتفقا في الجوار\rكأن المدير لها باليمين ... إذا قام للسقي أو باليسار\rتدرع ثوباً من الياسمين ... له فرد كم من الجلنار\rوقال كشاجم يرثي قدحاً انكسر:\r\rعراني الزمان بأحداثه ... فبعضاً أطقت وبعضاً فدح\rوعندي عجائب للحادثات ... وليس كفجعتنا في القدح\rوعاء المدام وتاج البنان ... ومدني السرور ومقصي الترح\rومعرض راح متى تكسه ... ويستودع السر فيه يبح\rوجسم هواءٍ وإن لم يكن يرى للهواء بكف شبح\rيرد على الشخص تمثاله ... وإن تتخذه مراة صلح\rويعبق من نكهات المدام ... فتحسب فيه عبيراً نفح\rيكاد مع المرء إن مسه ... لما فيه من شكله ينسفح\rودق، فلو حل في كفة ... ولا شيء في أختها ما رجح\rهوى من أنامل مجدولة ... فيا عجباً من لطيف رزح\rوأفقدنيه على ضنة ... به للزمان غريم ملح\rكأن له ناظراً ينتقي ... فما يتعمد غير الملح\rأقلب ما أبقت الحادثا ... ت منه وفي الخد دمع يسح\rوقد قدح الوجد مني به ... على القلب من ناره ما قدح\rفأعجب من زمن مانح ... وآخر يسلب تلك المنح\rفلا تبعدن فكم من حشاً ... عليك كليمٍ وقلبٍ قرح\rسيقفز بعدك رسم الغبوق ... وتوحش منك مغاني الصبح\rوعلى ذكر بيتي عنترة، قال ابن الرومي، وذكر روضة:\r\rإذا رنقت شمس الأصيل ونفضت ... على الأفق الغربي ورساً مذعذعا\rوودعت الدناي لتقضي نحبها ... وشول باقي عمرها فشعشعا\rولاحظت النوار وهي مريضة ... وقد وضعت خداً إلى الأرض أضرعا\rكما لاحظت عواده عين مدنف ... توجع من أوصابه ما توجعا\rوطلت عيون النور تخضل بالندى ... كما اغرورقت عين الشجي لتدمعا\rوبين إغضاء الفراق عليهما ... كأنهما خلا صفاء تودعا\rوقد ضربت في خضرة الأرض صفرة ... من الشمس فاخضر اخضراراً مشعشعا\rوأذكى نسيم الروض ريعان ظله ... وغنى مغني الطير فيه فرجعا\rوغرد ربعي الذباب خلاله ... كما حثحث النشوان صنجاً مشرعا\rوكانت أهازيح الذباب هناكم ... على شدوات الطير ضرباً موقعا\rهذا يقوله في قصيدة وصف فيها قوس البندق، فأجاد ما أراد إذ يقول:\r\rكأن لباب التبر عند انتضائها ... جرى ماؤه في ليطها فتربعا\rتراك إذا ألقيت عنها صيانها ... سفرت به عن وجه عذراء برقعا\rكأن قراها والفزور التي به ... وإن لم تجدها العين إلا تتبعا\rمذر سحيق الورس فوق صلاءة ... أدب عليها دارج الذر أكرعا\rلها أول طوع اليدين وآخر ... إذا سمته الإغراق فيه تمنعا\rتدين لمقرون أمرت مريره ... عجوز صناع لم تدع فيه مصنعا\rتأيت صميم المتن عقود كأنها ... رؤوس المداري ما أشد وأوكعا\rلها عولة أولى بها ما تصيبه ... وأجدر بالإعوال من كان موجعا\rوقال كشاجم:\r\rوروضة صنف النوار جوهره ... فيها فما شئت من حسن ومن طيب\rكأن ما تجتنيه من زخارفها ... أخلاق مستحسن الأخلاق محبوب\rما انفك للعين فيها أعين ذرف ... تبكي بدمع من الأنواء مسكوب\rحتى كأن أفانين النبات بها ... على الميادين ألوان اليعاسيب\rكأن غدرانها بالروض محدقة ... تعيين ثوب من الموشي معصوب\rأو أكؤس من رحيق مترعة ... موضوعة بين فتيان مناجيب\rكأنما الطير في حافاتها حزقاً ... بيض زهين بتطريف وتخضيب\r+مرجعات صفيراً من مخضرة=وصلن فيهن تغريداً وبتطريب\r\rكأنهن قيان والصفير غناً ... وكالمناقير أصناف المضاريب\rباكرتها وكأن البدر شادخة ... في وجه لاحقة الأقراب سرحوب\rمستصحباً شكة ليست ليون وغى ... ولا لثأر لدى الأعداء مطلوب\rوفي يساري من الخطى محكمة ... متى طلبت بها أدركت مطلوبي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839719,"book_id":1815,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":50,"body":"للوعل باطن شطريها ومعظمها ... من عود سمراء صماء الأنابيب\rتأنق القين في تزيينها فغدت ... تزهى بأحسن تفضيض وتذهيب\rفي وسطها مقلة منها تبين ما ... ترمي فما مقتل منها بمحجوب\rفقمت والطير قد حم الحمام لها ... على سبيلي في عودي وتجريبي\rحتى إذا كحلت بالطين مقلتها ... قدت عليهن حتفاً [جد] مصبوب\rفرحت جذلان لم تكدر مشاربي لذاتي ولم تلق آمالي بتخييب\rوراح صحبي من صيدي وشكرهم ... وقف على ما اجتنوا من حسن مصحوب\rقطعة من رسالة لأبي إسحاق الصابئ في قوس البندق: أقبلت رفقة [من] الرماة، قد برزت قبل الذرور والشروق، وشمرت عن الأذرع والسوق، متقلدين خرائط، شاكلت السيوف بحمائلها ونياطها، وناسبتها في آثارها ونكايتها، تحمل من البندق الموزون المفتول الملمون، ما هو في الصحة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرط في الجهر، فجاء كفتات الفهر، وقد اختير طينه، وأحكم عجينه، فهو كالكافور المصاعد في اللمس والمنظر، وكالعنبر الأذفر، في المشم والمخبر، مأخوذ من خير مواطنه، مجلوب من أطيب معادنه، كافل بأكف حامليه، محقق لآمال آمليه، ضامن لحمام الحمام، متناول لها من ابعد المرام، يعرج إليها وهو سم ناقع، ويهبط إليهم وهو رزق نافع، وبأيديهم قسي مكسوة بأغشية السندس، مشتملة منها بأفخر ملبس، مثل الكماة في جواشنها ودروعها، والجياد في جلالها وقطوعها، حتى إذا جردت من تلك المطارف، وانتضيت من تلك الملاحف، ورأيت منها مناظر معجبة أنيقة، وقدوداً مخطفة رشيقة، صليبة المكاسر والمعاجم، نجيبة المنابت والمناجم، خطية الانتماء والمناسب سمهرية الاعتزاء والمناصب، تركبت من شظايا الرماح الداعسة، وقرون الأوعال الناخسة، فحازت الشرف من طرفيها، واحتوت عليه بكلتا يديها، وقد تحنت تحني المشيخة النساك، وصالت صيال الفتية الفتاك، طواهرها صفر وارسة، ودواخلها سود دامسة، كأن شمس أصيل طلعت على متونها، أو جنح ليل اعتكر في بطونها، أو زعفراناً جرى في مناكبها، أو غالية جمدت على ترائبها، أو هي قضبان فضة ذهب شطرها وأحرق الشطر، أو حيات رمل اعتنق السود منها الصفر، فملا توسطوا تلك الروضة، وانتشرت على أكناف تلك الغيضة، وثبتت للرمي أقدامهم، وشخصت للطير أبصارهم، أوتروها بكل وتر [فوق سهمه منه وهو مفارق للسهم وخارج عنه] مضاعف عليها من وترين، كأنه رمح ذو جسدين، أو عناق ضم مجتمعين، في وسطه [عين] كشرجة كيس مختوم، أو سرة بطن خميص مهضوم، محولة عن المحاذاة، مزورة عن الموازاة، كأنها متحاذر ينظر شزراً، أو مصغ يستمع سراً، تروع قلوب الطير بالإنباض، وتصيب منها مواقع الأغراض، فلم يزل القوم يرمون ويضيبون، وينجحون ولا يخيبون، حتى خلت من البندق خرائطهم، وامتلأت من الصيد حقائبهم، فكم من أفرخ زغب أيتموها فضاعت، ومن آباء لها وأمهات استجابوها فأطاعت، وقد انقادت نوافرها صغراً، واقتسرت أدانيها قسراً، وكسرت أجنحتها وجأجيها، واستطارت في الجو قوادمها وخوافيها، فأصبحت بين عاثر لا ينهض من عثاره، ومهيض وحضر فرأيت كبشاً متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه العصور، فظننته أحد الزوجين اللذين حملهما نوح في سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم لذريته، صغر عن الكبر، ولطف عن القدم، فبانت دمامته، وتقاصرت قامته، وعاد ناحلاً ضئيلاً، بالياً هزيلاً، بادي السقام، عاري العظام، جامعاً للمعايب، مشتملاً على المثالب، يعجب العاقل من حلول الحياة به، وتأتي الحركة له، لأنه عظم مجلد، وصوف ملبد، ولا تجد فوق عظامه سلباً، ولا تلقى يدك منه غلا خشبا، لو ألقي إلى السبع لأباه، ولو طرح للذئب لعافه وقلاه، قد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير القت إلا نائماً، ولا عرف الشعير إلا حالماً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839720,"book_id":1815,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":51,"body":"وقد خيرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه غناء الدهر، أو أذبحه فيكون فيه خصب الأهل. فملت إلى استبقائه لما تعرفه عني من رغبتي في التوفير، ومحبتي للتثمير، وجمعي للولد، وادخاري لغد، فلم أجد فيه مستمتعاً لبقاء، ولا مدفعاً لفناء، لأنه ليس بأنثى تحمل، ولا بفتى ينسل، ولا بصحيح يرعى، ولا بسليم يبقى، فملت إلى الثاني من رأيك، وعملت على الآخر من قولك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطباً مقام قديد الغزال، فأنشدني وقد أضرمت النار، وشمر الجزار، وحدت الشفار [قول أبي الطيب] :\r\rأعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم\rوقال: ما الفائدة لك من ذبحي وأنا\r\rلم يبق إلا نفس خافت ... ومقلة إنسانها باهت\rلست بذي لحم لأصلح للأكل، لأن الدهر قد أكل لحمي. ولا جلدي يصلح للدباغ لأن اليام قد مزقت أديمي، ولا صوفي يصلح للغزل لأن الحوادث قد حصت وبري. فإن أردتني للوقود، فكف حطب أبقى من ناري، ولن تفي حرارة جمري بريح قتاري، فلم يبق إلا أن تطالبني بذحل، أو بيني وبينك دم؟..\rفوجدته صادقاً في مقالته، ناصحاً في مشورتهن ولم أعلم من أي أمريه أعجب، أمن مماطلته الدهر بالبقاء، أم صبره على الضر والبلاء! أم قدرتك عليه مع إعواز مثله! أم تأهيلك الصديق مثله مع خساسة قدره! ويا ليت شعري إذا كنت والي سوق الغنم، وأمرك ينفذ في الضأن والمعز، وكل كبش سمين وحمل بطين مجلوب إليك، مقصور عليك، تقول فلا ترد، وتريد فلا تصد، وكانت هديتك هذا [النذر] الذي كأنه ناشر القبور، أو قائم عند النفخ في الصور، فما كنت مهدياً لو كنت رجلاً من عرض الكتاب؟!.. كأبي علي وأبي الخطاب، ما كنت تهدي إلا كلباً أجرب، أو قرداً أحدب، والسلام.\rوقال أبو حية النميري:\r\rألا أيها الربع القواء ألا انطق ... سقتك الغوادي من أهاضيب فرق\rمرابع وسمي تسوق نشاطه ... مرور الصبا في العارض المتألق\rوما أنت إلا ما أرى بعدما أرى ... يد الحي في زي لعيني مونق\rغراب ينادي يوم لا القلب عقله ... صحيح ولا الشعب الذي شت ملتق\rجزيت غراب البين شراً فطالما ... شحيت بتشحاح الغراب المنعق\rورقراقة تفتر عن متنشق ... كنور الأقاحي طيب المتذوق\rإذا امتضغت بعد امتتاع من الضحى ... أنابيب من عود الأراك المخلق\rسقت شعث المسواك ماء غمامةٍ ... فضيضاً بخرطوم الرحيق المصفق\rوإن ذقت فاها بعدما سقط الندى ... بعطفي بخنداة رداح المنطق\rشممت العرار الغض غب هميمة ... ونور الأقاحي في الندى المترقرق\rشرقت بريا عارضيها كأنما ... شرقت بداري العراق المعتق\rوهذا شعر طريف الصنعة، حسن الوشي، جيد النمط، صافي السبك، وكذلك جميع شعر أبي حية وقد ملح ما شاء في وصف الثغر وطيب النكهة، وهو معنى كثير حسن جميل قد مرت منه قطعة.\rوقال العباس بن الفرج الرياشي: سمعت الأصمعي يقول: أحسن ما سمعت في وصف الثغر قول ذي الرمة:\r\rوتجلو بفرع من أرك كأنه ... من العنبر الهندي والمسك يصبح\rذرا أقحوان واجه الليل وارتقى ... إليه الندى من رامة المتروح\rهجان الثنايا مغرباً لو تبسمت ... لأخرس عنها كاد بالقول يفصح\rوكتب كشاجم إلى بعض القيان وأهدى إليها مسواكاً:\r\rقد بعثناه لكي يجلى به ... واضح كالؤلؤ الرطب أغر\rطاب منه العرف حتى خلته ... كان من ريقك يسقى في الشجر\rوأما والله لو يعلم ما ... حظه منك لأثنى وشكر\rليتني المهدى فيروي عطشي ... برد أنيابك في كل سحر\rوقد أحسن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إذ يقول:\r\rوإذا سألتك رشف ريقك قلت لي ... أخشى عقوبة مالك الأملاك\rماذا عليك، دفعت قبلك للثرى ... من أن أكون خليفة المسواك\rأيجوز عندك أن يكون متيم ... صب بحبك دون عود أراك\rكتب شمس المعالي إلى الوزير أبي جعفر العتبي يهنئه بمولود:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839721,"book_id":1815,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":52,"body":"طرقنا البشير أطال الله بقاء مولاي الشيخ بقدوم فارس ندب شد أزره، وطلوع صبح من أفقه أضاء فجره، وانتضاء نصل من قرابة قاطع، وإشراق بدر من أحشاء ليلته طالع، فتهللت الوجوه فرحاً، واستهلك الجماعة مرحاً، وقلت من بينهم: لله هو? فلقد بان جوهره وأغرب، وواهاً له فنعم ما نجل عنصره فأنجب، وأخذنا نزجر للمولود طالع السعود، ونرتاد له اسماً نشتقه من كنى الجدود، ونعد للنثار نفائس الشعار والدثار، ونبذل للبشير الوارد طرائف الطريف والتالد، ونستعجل الأنس بتدبير عقيقته، وتهذيبه، ونصرف الفكر في تسليمه إلى المكتب وتأديبه، فبينا نحن نستقبل هذه الأمور، ونستلف المنى والسرور إذ فاجأنا من أخبر أن الفارس راجل، والناصر خاذل، والنصل قراب، والعصا جراب، والغلام كعاب، والمنارة محراب، وصور أن المتحرك ساكن والتامر لابن. فانتقلنا في الحال عن تدبير الختان إلى ارتياد الأختان، وعن شراء الألواح إلى شراء الوشاح، وعن بري النبال إلى صوغ الخلخال، وعن إصلاح الدواة إلى إصلاح المرآة، وعن استدعاء الدرج إلى استدعاء الدرج، وعن إصلاح القلم إلى إصلاح ميل الكتم، وحين استفاض الخبر وورد، وتحدث ذو الشنآن والحسد بأن القوس انقلبت ركوة، والصريح عاد رغوة، والنعمة تحولت نقمة، وأن النيل عاد ويلاً، والصبح عاد ليلاً، وأفصح الشامت بأن المعونة صارت مؤونة، والقاسم أصبح ميمونة، وابتدأ كل يفلع نادرة ويورد حكاية، ويجعلها قدحاً فيك ونكاية، علت بها صبراً، وضقت منها صدراً، وجعلت أقول عندما جعلت الأخبار تطول: مهلاً فإن مولاي قد بدل من البدر شمساً، وهي أبهى في العيون، وعوض من الرمح ترساً وهي أدفع في الحرب للمنون، وربَّ أنثى أنجب من الذكر، واشرف من طريف الخبر:\r\rفما التأنيث لاسم الشمس عار ... ولا التذكير للبدر افتخار\rهذه النفس وهي مؤنثة أشرف من الجسم وإن كثف حجماً، وهذه السماء غير مذكرة وهي ألطف الأشياء وأعظم جرماً، وهذا النبي الأمي عليه أيمن الصلوات هو أبو البنات، ووجدنا الله العلي العظيم قدم الإناث في كتابه العزيز الحكيم حيث يقول: ﴿يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لم يشاء الذكور﴾ ، ووجدنا شعيباً ﵇ بهن تمكن من خدمة الأنبياء الكرام حين صدر الرعاء عن الماء، واحتيج إلى معاونة الأجراء، وكم كاتب استخدم بابنته زمامه، ووزير ملك بها إمامه، وصرف كيف شاء أحكامه، هذا الحسن بن سهل ملك بابنته بوران المأمون، وهذه قطر الندى استخلصت المعتضد لأبيها خمارويه بن أحمد بن طولون، ولعل مولاي ما رزق هذه القادمة إلا ليملك بها سلطاناً عظيماً، وينال شرفاً جسيماً، فالدول أسباب وآثار والجدود أسرار وأقدار.\rفلما سمع الحسدة ذلك خمد لهبهم وسكن كلبهم، وأنبسو بألسن قد خرست، وبصائر قد اختلست، وأقدام قد تعثرت، وحجج قد دحضت وأبطلت، وأرجو أن يشكر مولاي منابي، ويحمد خطابي، ويرضى مقامي، ويهوى خصامي، والله يمتعه بعثيلة الربرب، ونجيلة الحسب، وجرثومة النسب وجالبة النشب، فأقسم لو أدرك ميلادها شاعر عصرنا لأنشد:\r\rفلو كان النساء كمن رزقنا ... لفضلت النساء على الرجال\rقال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لي أخلاق المخلوع، فقال: كان واسع الصدر، ضيق الأدب، يبيح لنفسه ما تأنفه همم الأحرار، ولا يصغي إلى نصيحة، ولا يقبل مشورة، يستبد برأيه فيرى سوء عاقبته، ولا يردعه ذلك عما يهم به. قال: فكيف كانت حروبه؟ قال: كان يجمع الكتائب بالتبذير، ويفرقها بسوء التدبير، فقال المأمون: لذلك ما حل محله، أما والله لو ذاق لذات النصائح واختار مشورات الرجال، وملك نفسه عند شهواتها لما ظفر به.\rولما عقد الرشيد البيعة للأمين وهو أصغر من أخيه المأمون، رأي فضل المأمون عليه وإنما أرضى بذلك زبيدة، وأخاها عيسى بن جعفر كان يقول:\r\rلقد بان وجه الرأي لي غير أنه ... غلبت على الرأي الذي كان احزما\rفكيف برد الدر في الضرع بعدما ... توزع حتى صار نهباً مقسما\rأخاف التواء الأمر بعد استوائه ... وأن ينقض الحبل الذي كان أبرما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839722,"book_id":1815,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":53,"body":"ولما خلع المأمون أخاه بخراسان، ووجه بطاهر بن الحسين لمحاربته، كان يعمل بعيوبه كتباً تقرأ على منابر خراسان، ويقف رجل فيذم أهل العراق ويقول: [هم] أهل فسق وخمور، وفجور وماخور، ويعيب الأمين فيقول: استصحب رجلاً شاعراً ماجناً كافراً استخلصه معه لشرب الخمر وارتكاب المآثم ونيل المحارم، وهو الذي يقول:\r\rألا فاسقني خمراً وقل لي: هي الخمر ... ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر\rوبح باسم من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر\rفاتصل ذلك بالأمين، فحبس أبو نواس برأي الفضل بن الربيع، ثم أطلقه بعد أن أخذ عليه عهداً ألا يشرب الخمر ولا يقول فيها شعراً، فقال أبو نواس:\r\rأيها الرائحان باللوم لوما ... لا أذوق المدام إلا شميما\rنالني بالملام فيها إمام ... ما أرى لي خلافه مستقيما\rفاصرفاها إلى سواي فإني ... لست إلا على الحديث نديما\rكبر حظي منها إذا هي دارت ... أن أراها وأن أشم النسيما\rفكأني وما أزين منها ... قعدي يزين التحكيما\rكل عن حمله السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطيق ألا يقيما\rالقعدة: فرقة من الخوارج يرون الخروج ولا يخرجون. وزعم المبرد أنه لم يسبق إلى هذا المعنى.\rوقال في ذلك أيضاً:\r\rغننا بالطلول كيف بلينا ... واسقنا نعطك الثناء الثمينا\rمن سلاف كأنها كل شيء ... يتمنى مخير أن يكونا\rأكل الدهر ما تجسم منها ... وتبقى لبابها المكنونا\rفإذا ما لمستها فهباء ... يمنع الكف ما تبيح العيونا\rثم شجت فاستضحكت عن لآل ... لو تجمعن في يد لاقتنينا\rفي كؤوس كأنهن نجوم ... دائرات، بروجها أيدينا\rطالعات من السقاة علينا ... فإذا ما غربن يغربن فينا\rلو ترى الشرب حولها من بعيد ... قلت: قوم من قرة يصطلونا\rوغزال يديرها ببنان ... ناعمات يزيدها الغمز لينا\rكلما شئت علني برضاب ... يترك القلب للسرور قرينا\rذاك عيش لو دام لي غير أني ... عفتها مكرهاً وخفت الأمينا\rوله في ذلك شعر كثير وإنما تبع أبا معاذ بشار بن برد في ذلك لأنه لما قال:\r\rلا يؤيسنك من مخبأة ... قول تغلظه وإن جرحا\rعسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعدما جمحا\rبلغ ذلك المهدي فغاظه وقال: يحضر الناس على الفجور، ويسهل لهم السبيل إليه، فقال له خاله يزيد بن منصور الحميري وكان مراغماً لبشار: يا أمير المؤمنين: إن النساء قد فتن بشعره، وأي امرأة لا تصبو إذا سمعت قوله:\r\rعجبت فطمة من نعتي لها ... هل يجيد النعت مكفوف البصر\rبنت عشر وثلاث قسمت ... بين غصن وكثيب وقمر\rدرة بحرية مكنونة ... مازها التاجر من بين الدرر\rأذرت الدمع وقالت: ويلتي ... من ولوع الكف ركاب الخطر\rأمتي بدد هذا لعبي ... ووشاحي حله حتى انتثر\rفدعيني معه يا أمتي ... علنا في خلوة نقضي الوطر\rأقبلت في خلوة تضربها ... واعتراها كجنون مستعر\rبأبي والله ما أحسنه ... دمع عين غسل الكحل قطر\rأيها النوام هبوا ويحكم ... وسلوني اليوم ما طعم السهر\rفنهاه المهدي عن الغزل، فقال في ترك ذلك:\r\rيا منظراًحسناً رأيته ... من وجه جارية فديته\rلمعت إلى تسومني ... ثوب الشباب وقد طويته\rوالله رب محمد ... ما إن غدرت ولا نويته\rأعرضت عنك وربما ... عرض البلاء وما أبتغيته\rويشوقني بين الحبي? ... ب إذا ادكرت وأين بيته\rومخضب رخص البنا ... ن بكى علي وما بكيته\rإن الخليفة قد أبى ... وإذا أبى شيئاً أبيته\rقام الخليفة دونه ... فصبرت عنه وما قليته\rونهاني الملك الإما ... م عن النساء فما عصيته\rبل قد وفيت ولم أضع ... عهداً ولا وأياً وأيته\rوقال في ذلك أيضاً:\r\rوالله لولا رضا الخليفة ما ... أعطيت ضيماً علي في شجني\rقد عشت بين الندمان والرا ... ح والمزهر في ظل مجلس حسن\rثم نهاني المهدي فانصرفت ... نفسي فعال الموفق اللقن\rومن شعره المعجب في الغزل قوله:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839723,"book_id":1815,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":54,"body":"أيها الساقيان صبا شرابي ... واسقياني من ريق بيضاء رود\rإن دائي الصدى وإن شفائي ... شربة من رضاب ثغر برود\rعندها الصبر عن لقائي وعندي ... زفرات يأكلن قلب الحديد\rولها مبسم كغر الأقاحي ... وحديث كالوشي وشي البرود\rنزلت في السواد في حبة القل? ... ب ونالت زيادة المستزيد\rثم قالت: نلقاك بعد ليال ... والليالي يبلين كل جديد\rما أبالي إن ضن عني بوصل ... إن قضى الله منك لي يوم جود\rوله أيضاً:\r\rفلو عاينوها لم يلوموا على البكا ... كريماً سقاه الخمر بدر مخلق\rوكيف تناسي من كان حديثه ... بإذني وإن عنيت قرط معلق\rوقوله:\r\rكأنها حين راحت في مجاسدها ... فارتج أسفلها واهتز أعلاها\rحوراء جاءت من الفردوس مفتنة ... كالشمس طلعتها والمسك رياها\rمن اللواتي غدت فرداً وشق لها ... من جيبه الحسن سربالاً فراداها\rراحت ولم تعطه برءاً لعلته ... بها ولو سألته النفس أعطاه\rتغمه نفسه من طول صبوته ... حتى لو اجتمعت في الكف ألقاها\rما شاهد القوم إلا ظل يذكرها ... ولا خلا ساعة إلا تمناها\rوقوله:\r\rوصفراء مثل الزعفران شربتها ... على صوت صفراء الترائب رود\rحسدت عليها كل شيء يمسها ... وما كنت لولا حبها بحسود\rكأن مليكاً جالساً في ثيابها ... تؤمل رؤياه عيون وفود\rمن البيض لم تسرح على أهل ثلة ... سواماً ولم ترفع حداج قعود\rتميت بها ألبابنا وقلوبنا ... مراراً وتحييهن بعد همود\rإذا نطقت صحنا وصاح لها الصدى ... صياح جنود وجهت لجنود\rظللنا بذاك الديدن اليوم كله ... كأنا في الفردوس تحت خلود\rولا بأس إلا أننا عند أهلها ... شهود وما ألبابنا بشهود\rوقوله:\r\rلعمر أبي زوارها الصيد إنهم ... لفي منظر منها وحسن سماع\rتصلي لها آذاننا وعيوننا ... إذا ما التقينا والقلوب دواع\rوصفراء مثل الخيزرانة لم تعش ... ببؤس ولم تركب مطية راع\rجرى اللؤلؤ المكنون فوق لسانها ... لزوارها من مزهر ويراع\rإذا قلدت أطرافها العود زلزلت ... قلوب دعاها للوساوس داع\rكأنهم في جنة قد تلاحقت ... محاسنها في روضة وبقاع\rيروحون من تغريدها وحديثها ... نشاوى وما تسقيهم بصواع\rلعوب بألباب الرجال إذا دنت ... أضيع النهى والغي غير مضاع\rوقال:\r\rدرة حيثما أديرت أضاءت ... ومشم من حيث ما شم فاحا\rوجنان قال الإله لها كو ... ني فكانت روحاً وروحاً وراحا\rوقال:\r\rتلقى بتسبيحة من حسن ما خلقت ... وتستفز حشا الرائي بإرعاد\rكأنما صورت من ماء لؤلؤة ... فكل جارحة وجه بمرصاد\rومثل تلقى بتسبيحة.. قول أبي بكر محمد بن دواد الصبهاني فيما وجد له منقوشاً على جوهرة:\r\rلما لحظت بناظري ... وجهاً بديع الحسن مفرد\rقالت محاسن وجهه: ... بالله صل على محمد\rصلى الله على أكرم مولود دعا لأعظم معبود، وعلى آله الطيبين، وأصحابه المنتخبين وسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1839724,"book_id":1815,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":55,"body":"قد أتممت هذا الكتاب عن طريق اختصار، وسبيل اختيار، ولو أردت لمددت إلى ما يربي على الغاية، ويوفي على النهاية، إذا ذاك متيسر غير متعذر، ومتسع غير ممتنع، وإنما أغريت أن أجري إلى رضاك، حسب مبتغاك، فكان كتابي باكورة حلت، غير أنها قلت، وفي هذا الكتاب أكثر المعونة بأيسر المؤونة على تنبيه نائم الخواطر، وتحريك ساكن السرائر لمن يجول في ميدان المخاطبة والمكاتبة، ويأخذ بعنان المذاكرة والمحاورة، إذا طرز به ديباج كلامه وحلى عاطل نثره ونظامه، فمن سهلت بحفظ البلاغات حواشي لسانه، تصورت صورها في جنانه، فمتى حاول كتاباً أو زاول خطاباً قامت إلى لفظه من شعاب حفظه خدام الإصابة على أقدام الإجابة، تسايره بالنصر فيما يممه من أمر، فللبلاغات أدوات يقتفى أمثالها، ويحتذى مثالها، فأولاها بعد إقامة اللسان وحفظ كلام أمراء البيان وبخاصة أهل هذا الزمان، إذ النفس أقرب إلى ما قرب منها مما بعد عنها، وهي أحق وأحجى أن تكون لإدراكه أرجى، ولا سيما إذا رأى العربي الصريح نطق العجم باللسان الفصيح، في ألفاظ لو اجتلين جواهرها، واجتنيت زواهرها، لكسدت صناعة الحلى والحلي، وبارت بضائع الوسمي والولي.\r[شعر] :\r\rولم تتشوق للربيع نفوسنا ... ويضح على الدنيا بها منشد يشدو\rسقى الله ورداً صار خد ربيعنا ... فقد كان قبل اليوم ليس له خد\rفعلم أنهم شغلوا أسرارهم واستعملوا أفكارهم، من نقس تلك الرقوم ووشي تلك الرسوم، بما استقرأه وتتبعه لصار معهم كما صاروا معه، في حقه الذي عليه غصب، وفيه غلب، فكثير ممن أوردت عليك روائع حكمهم، وبدائع كلمهم، أعاجم درت لهم الفصاحة بغير عصاب، وسبقت إليهم الرجاحة بغير اغتصاب إذ علموا ما آية معانيها، وكيفية مبانيها، وقد قالت الفلاسفة: \"حد الإنسان الحي الناطق، فكلما كان رتبة المنطق أعلى، كان بالإنسانية أولى\".\rوأمر المأمون بإسقاط رجل من الجند، فقال: يا أمير المؤمنين لم أسقطتني؟ قال: لأن روح الحياة إذا ظهر كان جمالاً، وإذا بطن كان بياناً، وأنت لا ظاهر لك ولا باطن.\rفحق كل ذي فضل وعقل أن يكون كما قال بعض الحكماء: \"يجب على العاقل أن ينظر في المرآة، فإن كان وجهه حسناً لم يشته بقبيح، وإن كان قبيحاً لم يجمع بين قبيحين\".\rفالحمد لله الذي جعل جمال منظرك موازياً لجمال مخبرك، وشامخ فرعك مقارناً لراسخ عنصرك:\r\rفلو كنت ماءً كنتَ غمامةٍ ... ولو كنتَ دُرَّاً كنتَ من درَّةٍ بكرِ\rولو كنتَ لهواً كنتَ تعليل ساعةٍ ... ولو كنتَ نوماً كنتَ إغفاءة الفجرِ\rولو كنت ليلاً كنتَ قمراً جُنِّبت ... نحوس ليالي الشهرِ أو ليلةَ القدرِ\rوأقول:\r\rوالله حسبي فيكَ من كلِّ ما ... يُعوِّذُ العبد به المولى\rفاسم وعشْ ولا زلت في نعمةٍ ... أنت بها من غيركَ الأولى\rكمل الكتاب بحمد الله وحسن توفيقه، ووافق الفراغ من نساخته في ضحى يوم الأربعاء المبارك السادس من شهر رجب الفرد من شهور سنة اثنتين وثلاثين وألف، على يد أفقر العباد إلى عفو الكريم الجليل، الخليل بن خليفة العزيز المكي الرومي الحنفي، عامله الله بلطفه الخفي، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}